######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001060Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشوكاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نيل الأوطار #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر فقهية مستقلة #META# 022.BookVOLS :: 9 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001060Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1060_نيل-الأوطار-الشوكاني-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1973 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار PageV0MP001 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء الأول - 1973 دار الجيل بيروت - لبنان ~~PageV0MP003 # جميع الحقوق محفوظة 1973 بيروت دار الجيل - بيروت ص. ب: 8737 PageV0MP004 # مقدمة الناشر قال الله سبحانه وتعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه. وما ~~نهاكم عنه فانتهوا "، وقال سبحانه " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله ~~والرسول "، وقال تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ".. ~~صدق الله العظيم.. # الدين الحنيف، والرسالة العامة الشاملة، والشريعة الجامعة، التي أرسل بها ~~الله سبحانه وتعالى خاتم النبيين محمدا عليه الصلاة والسلام، غايتها تزكية ~~النفس وتطهيرها عن طريقة المعرفة بالله والإيمان به وعبادته.. كما تهدف ~~رسالة الاسلام إلى توثيق وتدعيم العلاقات والروابط الإنسانية وإقامتها على ~~أساس متين راسخ من الإخاء والعدل والمساواة، والحب والعطف والرحمة، ~~والتسامح والتعاون.. # ولقد نظم التشريع الاسلامي حياة الناس، وحدد الاحكام على ضوء ماء ورد في ~~القران الكريم والسنة الشريفة.. من الآيات البينات، والأحاديث النبوية ~~الصحيحة.. وليس في أحكام الدين الحنيف ما يصعب على الناس اعتقاده أو ما يشق ~~عليهم العمل به، فلم يكلف الله نفسا إلا وسعها.. # .. ولقد تولى العديد من الأئمة والعلماء والفقهاء قديما وحديثا تفسير ~~آيات القران الكريم في كتب التفسير المعروفة.. كما تولى عدد منهم جمع ~~الأحاديث النبوية الشريفة، بسندها الصحيح، نقلا عن حفظة الحديث ورواته من ~~أهل الفضل والثقة. PageV0MP005 # ثم كانت المهمة الجليلة للعلماء الفضلاء، تيسير اطلاع المسلمين على أحكام ~~التشريع الاسلامي وبيان ما جاء في الكتاب والسنة متعلقا بأمور الدين ~~والدنيا.. # ومن الأئمة العلماء الأفاضل، قاضي القضاة الشيخ محمد بن علي بن محمد ~~الشوكاني، المتوفي سنة 1255 ه‍، الذي شرح بالتفضيل الوافي أحكام الشرع في ~~العبادات وغيرها، مستقاة من صحيح أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام.. في ~~كتابه الشامل المبوب هذا " نيل الأوطار ".. الذي اكتمل بتعليقات وشروح ~~المرحوم السيد منير أغا الدمشقي.. ms0001 والذي تعتز دار الجيل بأن تستهل بنشره ~~عامها الجديد فتقدمه إلى كل مسلم حريص على معرفة تعاليم الدين الحنيف ~~الصحيحة واتباعها في هذه الطبعة الجديدة، اعتزازها بنشر كل تراث السلف ~~الصالح من الأئمة والفقهاء.. هذا التراث الحاد الذي يسعد الدار أن تكون من ~~العاملين على حفظه وإحيائه، ومن المساهمين في تيسير الاطلاع على روائعه ~~وكنوزه لكل قارئ ودراس.. والله الموفق. # دار الجيل PageV0MP006 # محتويات الجزء الأول مقدمة وتراجم كتاب الطهارة كتاب النفاس كتاب الصلاة ~~PageV0MP007 # نيل الأوطار من الأحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفي سنة 1255 ه‍ الجزء الأول 1973 م دار الجيل PageV01P001 # بسمه الله الرحمن الرحيم أحمدك يا من شرح صدورنا بنيل الأوطار علوم السنة ~~* وأفاض على قلوبنا من أنوار معارفها ما أزاح عنا من ظلم الجهالات كل دجنة ~~(1) * حماها بحماة صفدوا بسلاسل أسانيدهم الصادقة أعناق الكاذبين * وكفاها ~~بكفاة كفوا عنها أكف غير المتأهلين من المنتابين المرتابين * فغدا معينها ~~الصافي غير مقذر بالأكدار * وزلال عذبها الشافي غير مكدر بالأقذار * ~~والصلاة والسلام علي المنتقي من عالم السكون والفساد * المصطفى لحمل أعباء ~~أسرار الرسالة الإلهية من بين العباد * المخصوص بالشفاعة العظمى في يوم ~~يقول فيه كل رسول نفسي ويقول أنا لها أنا لها * القائل بعثت إلى الأحمر ~~والأسود أكرم بها مقالة ما قالها نبي قبله ولا نالها * وعلي آله المطهرين ~~من جميع الأدناس والأرجاس * الحافظين لمعالم الدين عن الاندراس والانطماس * ~~وعلى أصحابه الجالين بأشعة بريق صوارمهم دياجر (2) الكفران * الخائضين ~~بخيلهم ورجلهم لنصرة دين الله بين يدي رسول الله كل معركة تتقاعس عنها ~~الشجعان * (وبعد) (3) فإنه لما كان الكتاب الموسوم بالمنتقى من الأخبار في ~~الأحكام * مما لم ينسج على بديع منواله ولا حرر علي شكله ومثاله أحد من ~~الأئمة الاعلام * قد جمع من السنة المطهرة ما لم يجتمع في غيره من الاسفار ~~* وبلغ إلى غاية في الإحاطة بأحاديث الاحكام تتقاصر عنها الدفاتر الكبار * ~~وشمل من دلائل المسائل جملة ms0002 نافعة تفني دون الظفر ببعضها طوال الأعمار * ~~وصار مرجعا لجلة العلماء عند الحاجة إلى طلب الدليل لا سيما في هذه الديار ~~وهذه الأعصار * فإنها تزاحمت علي مورده العذب أنظار المجتهدين * وتسابقت ~~على الدخول في أبوابه أقدام الباحثين من المحققين * وغدا ملجا PageV01P002 # للنظار يأوون إليه * ومفزعا للهاربين من رق التقليد يعولون عليه * وكان ~~كثيرا ما يتردد الناظرون في صحة بعض دلائله * ويتشكك الباحثون في الراجح ~~والمرجوح عند تعارض بعض مستندات مسائلة * حمل حسن ظن بي جماعة من حملة ~~العلم بعضهم من مشايخي علي أن التمسوا مني القيام بشرح هذا الكتاب * وحسنوا ~~لي السلوك في هذه المسالك الضيقة التي يتلون الخريت (1) في موعرات شعابها ~~والهضاب * فأخذت في القاء المعاذير: وأبنت تعسر هذا المقصد على جميع ~~التقادير: وقلت القيام بهذا الشأن يحتاج إلى جملة من الكتب يعز وجودها في ~~هذه الديار: والموجود منها محجوب بأيدي جماعة الابصار بالاحتكار والادخار ~~كما تحجب الأبكار: ومع هذا فأوقاتي مستغرقة بوظائف الدرس والتدريس: والنفس ~~مؤثرة لمطارحة مهرة المتدربين في المعارف كل نفيس: وملكتي قاصرة عن القدر ~~المعتبر في هذا العلم الذي قد درس رسمه: وذهب أهله منذ أزمان قد تصرمت فلم ~~يبق بأيدي المتأخرين الا اسمه: # لا سيما وثوب الشباب قشيب: وردن الحداثة بمائها خصيب: ولا ريب أن لعلو ~~السن . طول الممارسة في هذا الشأن أوفر نصيب * فلما لم ينفعني الاكثار من ~~هذه الاعذار ولا خلصني من ذلك المطلب ما قدمته من الموانع الكبار: صممت علي ~~الشروع في هذا المقصد المحمود: وطمعت أن يكون قد أتيح لي أني من خدم السنة ~~المطهرة معدود: وربما أدرك الظالع شئ والضليع وعد في جملة العقلاء المتعاقل ~~الرقيع: وقد سلكت في هذا الشرح لطول المشروح مسلك الاختصار. # وجردته عن كثير من التفريعات والمباحثات التي تقضي إلى الا كثار لا سيما ~~في المقامات التي يقل فيها الاختلاف: ويكثر بين أئمة المسلمين في مثلها ~~الائتلاف: وأما في مواطن الجدال والخصام فقد أخذت فيها بنصيب من إطالة ذيول ~~الكلام لأنها معارك تتبين عندها مقادير ms0003 الفحول: ومفاوز لا يقطع شعابها ~~وعقابها الأنحارير الأصول: ومقامات تتكسر فيها النصال علي النصال: ومواطن ~~تلجم عندها أفواه الابطال بأحجار الجدال: # ومواكب تعرق فيها جباه رجال حل الاشكال والاعضال * وقد قمت ولله الحمد في ~~هذه المقامات مقاما لا يعرفه الا المتأهلون: ولا يقف على مقدار كهنه من ~~حملة العلم الا المبرزون. فدونك يا من لم تذهب ببصر بصيرته أقوال ~~PageV01P003 # الرجال. ولا تدنست فطرة عرفانه بالقيل والقال. شرحا يشرح الصدور ويمشي ~~على سنن الدليل وإن خالف الجمهور وإني معترف بأن الخطأ والزلل هما الغالبان ~~علي من خلقه الله من عجل ولكني قد نصرت ما أظنه الحق بمقدار ما بلغت إليه ~~الملكة. # ورضت النفس حتى صفت عن قذر التعصب الذي هو بلا ريب الهلكة. وقد اقتصرت ~~فيما عدا هذه المقامات الموصوفات علي بيان حال الحديث وتفسير غريبه وما ~~يستفاد منه بكل الدلالات وضممت إلى ذلك في غالب الحالات الإشارة إلي بقية ~~الأحاديث الواردة في الباب مما لم يذكر في الكتاب. لعلمي بأن هذا من أعظم ~~الفوائد التي يرغب في مثلها أرباب الألباب من الطلاب. ولم أطول ذيل هذا ~~الشرح بذكر تراجم رواة الأخبار. # لأن ذلك مع كونه علما آخر يمكن الوقوف عليه في مختصر من كتب الفن من ~~المختصرات الصغار. وقد أشير في النادر إلي ضبط اسم راو أو بيان حاله علي ~~طريق التنبيه. لا سيما في المواطن التي هي مظنة تحريف أو تصحيف لا ينجو منه ~~غير النبيه. وجعلت ما كان للمصنف من الكلام علي فقه الأحاديث وما يستطرده ~~من الأدلة في غضونه من جملة الشرح في الغالب ونسبت ذلك إليه وتعقبت ما ~~يبتغي تعقبه عليه وتكلمت علي ما لا يحسن السكوت عليه مما لا يستغني عنه ~~الطالب كل ذلك لمحبة رعاية الاختصار وكراهة الاملال بالتطويل والاكثار. ~~وتقاعد الرغبات وقصور الهمم عن المطولات * وسميت هذا الشرح لرعاية التفاؤل ~~الذي كان يعجب المختار نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار والله المسؤول ~~أن ينفعني به ومن رام الانتفاع من إخواني وان يجعله من ms0004 الأعمال التي لا ~~ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني * وقبل الشروع في شرح كلام المصنف ~~نذكر ترجمته علي سبيل الاختصار فنقول. هو الشيخ الامام علامة عصره المجتهد ~~المطلق أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد الاسلام بن عبد الله بن أبي ~~القاسم ابن محمد بن الخضر بن محمد بن علي بن عبد الله الحراني المعروف بابن ~~تيمية قال الذهبي في النبلاء ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبا وتفقه علي عمه ~~الخطيب وقدم بغداد وهو مراهق مع السيف ابن عمه وسمع من أحمد بن سكينة وابن ~~طبر زد ويوسف بن كامل وعدة. # وسمع بحران من حنبل وعبد القادر الحافظ وتلا بالعشر علي الشيخ عبد الواحد ~~بن سلطان. حدث عنه ولده شهاب الدين والدمياطي وأمين الدين بن شقير. وعبد ~~الغني ين منصور. ومحمد بن البزاز. والواعظ محمد بن عبد المحسن وغيرهم وتفقه ~~وبرع واشتغل وصنف التصانيف وانتهت إليه الا أمة في الفقه ودرس القراءات ~~وصنف فيها أرجوزة تلا PageV01P004 # عليه الشيخ القيرواني. وحج في سنة إحدى وخمسين علي درب العراق وابتهر ~~علماء بغداد لذكائه وفضائله والتمس منه أستاذ دار الخلافة محيي الدين بن ~~الجوزي الإقامة عندهم فتعلل بالأهل والوطن. قال الذهبي سمعت الشيخ تقي ~~الدين أبا العباس يقول كان الشيخ ابن مالك يقول ألين للشيخ المجد الفقه كما ~~ألين لداود الحديد. قال الشيخ وكانت في جدنا حدة اجتمع ببعض الشيوخ وأورد ~~عليه مسألة فقال الجواب عنها من ستين وجها الأول كذا والثاني كذا وسردها ~~إلى آخرها وقد رضينا عنك بإعادة أجوبة الجميع فخضع له وابتهر. قال العلامة ~~ابن حمدان كنت أطالع علي درس الشيخ وما أبقى ممكنا فإذا أصبحت وحضرت ينقل ~~أشياء غريبة لم أعرفها. قال الشيخ تقى الدين وجدناه عجيبا في سرد المتون ~~وحفظ المذاهب بلا كلفة وسافر مع ابن عمه إلى العراق ليخدمه وله ثلاث عشرة ~~سنة فكان يبيت عنده ويسمعه يكرر مسائل الخلاف فيحفظ المسألة. # وأبو البقاء شيخه في النحو والفرائض وأبو بكر بن غنيمة شيخه في الفقه ~~وأقام ms0005 ببغداد ستة أعوام مكبا على الاشتغال ثم ارتحل إلى بغداد قبل العشرين ~~وستمائة فتزيد من العلم وصنف التصانيف مع الدين والتقوى وحسن الاتباع. ~~وتوفى بحران يوم الفطر سنة اثنتين وخمسين وستمائة وإنما قيل لجده تيمية ~~لأنه حج علي درب تيماء فرأي هناك طفلة فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتا ~~فقال يا تيمية يا تيمية فلقب بذلك وقيل إن أم جده كانت تسمى تيمية وكانت ~~واعظة وقد يلتبس علي من لا معرفة بأحوال الناس صاحب الترجمة هذا بحفيدة شيخ ~~الاسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم شيخ ابن القيم الذي له المقالات التي ~~طال بينه وبين أهل عصره فيها الخصام وأخرج من مصر بسببها وليس الأمر كذلك. ~~قال في تذكرة الحفاظ في ترجمة شيخ الاسلام هو أحمد ابن المفتي عبد الحليم ~~ابن الشيخ الامام المجتهد عبد السلام بن أبي القاسم الحراني وعم المصنف ~~الذي أشار الذهبي في الأول الترجمة إنه تفقه عليه ترجم له ابن خلكان في ~~تاريخه فقال هو أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن علي ~~بن عبد الله المعروف بابن تيمية الحراني الملقب فخر الدين الخطيب الواعظ ~~الفقيه الحنبلي كان فاضلا تفرد في بلده بالعلم ثم قال وكانت إليه الخطابة ~~بحران ولم يزل أمره جاريا علي سداد ومولده في أواخر شعبان سنة اثنتين ~~وأربعين وخمسمائة بمدينة حران وتوفي بها في حادي عشر صفر سنة أحدي وعشرين ~~وستمائة ثم قال وكان أبوه أحد الابدال الزهاد * قال المصنف قدس الله روحه ~~ونور ضريحه * PageV01P005 # الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره ~~تقديرا افتتح الكتاب بحمد الله سبحانه وتعالى أداء لحق شئ مما يجب عليه من ~~شكر النعمة إلي من آثارها تأليف هذا الكتاب وعملا بالأحاديث الواردة في ~~الابتداء به كحديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي. ابن ماجة وأبي عوانة ~~والدار قطني وابن حيان والبيهقي عنه صلى الله عليه وسلم " كل كلام لا يبدأ ~~فيه ms0006 بالحمد فهو أجذم " واختلف في وصله وارساله فرجح النسائي والدار قطني ~~الارسال وأخرج الطبراني في الكبير والرهاوي عن كعب بن مالك عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع " وأخرج أيضا ~~ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله ~~فهو أقطع " وأخرجه أيضا أبو داود عنه وكذلك النسائي وابن ماجة وفي رواية " ~~أبتر " بدل " أقطع " وله ألفاظ أخر أوردها الحافظ عبد القادر الرهاوي في ~~الأربعين له وسيذكر المنصف رحمه الله حديث أبي هرير ة هذا في باب اشتمال ~~الخطبة على حمد الله من أبواب الجمعة. والحمد في الأصل مصدر منصوب بفعل ~~مقدر حذف حذفا قياسيا كما صرح بذلك الرضي ورجحه أو سماعيا كما ذهب إليه ~~غيره. وعدل به إلى الرفع للدلالة على الدوام المستفاد من الجملة الإسمية ~~ولو بمعونة المقام لا من مجرد العدول إذ لا مدخلية له في ذلك. وحلي باللام ~~ليفيد الاختصاص الثبوتي. هو مستلزم للقصر فيكون الحمد مقصورا عليه تعالى ~~اما باعتبار ان كل حمد لغيره آيل إليه أو منزل منزلة العدم مبالغة وادعا أو ~~لكون الحمد له جل جلاله هو الفرد الكامل * والحمد هو الوصف بالجميل على ~~الجميل الاختياري للتعظيم واطلاق الجميل الأول لادخال وصفه تعالى بصفاته ~~الذاتية فإنه حمد له وتقييد الثاني بالاختياري لاخراج المدح فيكون على هذا ~~أعم من الحمد مطلقا وقيل هما أخوان وذكر قيد التعظيم لاخراج ما يؤتي به من ~~المعشرات بالتعظيم على سبيل الاستهزاء والسخرية ولكنه يستلزم اعتبار فعل ~~الجنان وفعل الأركان في الحمد لأن التعظيم لا يحصل بدونهما وأجيب بأنهما ~~فيه شرطان لا جزآن ولا جزئيان ومن ههنا يلوح صحة ما قاله الجمهور من أن ~~الحمد أعم من الشكر متعلقا وأخص موردا لا كما زعمه البعض من أن الحمد أعم ~~مطلقا لمساواته الشكر في المورد وزيادته عليه بكونه أعم متعلقا. ومما ينبغي ~~أن يعلم ههنا أن الحمد يقتضي متعلقين هما المحمود به والمحمود عليه ms0007 فالأول ~~ما حصل به الحمد والثاني الحامل عليه كحمدك لزيد بالكرم في مقابلة الانعام ~~وقد يكون التغاير اعتباريا مع PageV01P006 # الاتحاد ذاتا كالحمد منك لمنعم بأنعامه عليك في مقابلة ذلك الانعام فان ~~الانعام من حيث الصدور من المنعم محمود به ومن حيث الوصول إليك محمود عليه. ~~وتقديم الحمد الذي هو المبتدأ على لله الذي هو الخبر لا بد له من نكتة وإن ~~كان أصل المبتدا التقديم وهي ترجيح مطابقة مقتضي المقام فإنه مقام الحمد ~~والاسم الشريف وإن كان مستحقا للتقديم من جهة ذاته فرعاية ما يقتضيه المقام ~~الصق بالبلاغة من رعاية ما تقضيه الذات * لا يقال الحمد الذي هو إثبات ~~الصفة الجميلة للذات لا يتم الا بمجموع الموضوع والمحمول لأنا نقول لفظ ~~الحمد هو الدال على مفهومه فقدم من هذه الحيثية وإن كان لا يتم ذلك الاثبات ~~الا بالمجموع واللام الداخلة على اسمه تعالى تفيد الاختصاص الاثباتي وهو لا ~~يستلزم القصر كما يستلزمه الثبوتي * والله اسم للذات الواجب الوجود المستحق ~~لجميع المحامد ولذلك آثره علي غيره من أسمائه جل جلاله وإنما كان هذا الاسم ~~هو المستجمع لجميع الصفات دون غيره من الأسماء لأن الذات المخصوصة هي ~~المشهورة بالاتصاف بصفات الكمال فما يكون علما لها دالا عليها بخصوصها يدل ~~على هذه الصفات لا ما يكون موضوعا لمفهوم كلي وان اختص الاستعمال بها ~~كالرحمن وهذا إنما يتم علي القول بان لفظ الله علم للذات كما هو الحق وعليه ~~الجمهور لا للمفهوم كما زعمه البعض (1) وأصله الاله حذفت الهمزة وعوضت منها ~~لام التعريف تخفيفا ولذلك لزمت ووصفه بنفي الولد والشريك لأن من هذا الصفة ~~التي يكون اثباتها ذريعة من ذرائع منع المعروف لكون الولد مبخلة والشريك ~~مانعا من التصرف رديفا لاثبات ضدها على سبيل الكناية. وإنما افتتح المصنف ~~رحمه الله تعالى كتابه بهذه الآية مع امكان تأدية الحمد الذي يشرع في ~~الافتتاح بغيرها لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أفصح الغلام ~~من بني عبد المطلب علمه هذه الآية أخرجه عبد ms0008 الرزاق في المصنف وابن أبي ~~شيبة في مصنفه وابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب أن ~~أبيه أن جده قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ثم عطف تلك الصفة ~~النفية صفة إثباتية مشتملة على إنه جل جلاله خالق الأشياء يأسرها ومقدرها ~~دقها وجلها: ولا شك إن نعمة PageV01P007 # خلق الخلق وتقديره عظم البواعث على الحمد وتكريره لكون ذلك أول نعمة أنعم ~~الله بها على الحامد * وصلى الله على محمد النبي الأمي المرسل كافة للناس ~~بشيرا ونذيرا * وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أردف الحمد لله بالصلاة ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم لكونه الواسطة في وصول الكمالات العلمية ~~والعملية إلينا من الرفيع عز سلطانه وتعالى شأنه وذلك لأن الله تعالى لما ~~كان في نهاية الكمال ونحن في نهاية النقصان لم يكن لنا استعداد لقبول الفيض ~~الإلهي لتعلقنا بالعلائق البشرية والعوائق البدنية وتدنسنا بأدناس اللذات ~~الحسية والشهوات الجسمية. وكونه تعالى في غاية التجرد ونهاية التقدس ~~فاحتجنا في قبول الفيض منه جل وعلا إلى واسطة له وجه تجرد ونوع تعلق فبوجه ~~التجرد يستفيض من الحق وبوجه التعلق يفيض علينا وهذه الواسطة هم الأنبياء ~~وأعظمهم رتبة وأرفعهم منزلة نبينا صلى الله عليه وسلم فذكر عقب ذكره جل ~~جلاله تشريفا لشأنه مع الامتثال لأمر الله سبحانه. ولحديث أبي هريرة عند ~~الرهاوي بلفظ " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع ~~" وكذلك التوسل بالصلاة علي الآل والأصحاب لكونهم لجنابه أكثر من ملاء متنا ~~له * والصلاة في الأصل الدعا (1) وهي من الله الرحمة هكذا في كتب اللغة ~~وقال القشيري هي من الله لنبيه تشريف وزيادة تكرمة ولسائر عباده رحمة. قال ~~في شرح المنهاج ان معني قولنا اللهم صل علي محمد عظمه في الدنيا باعلاء ~~ذكره وإظهار دعوته وابقاء شريعته وفي الاخر ة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ~~ومثوبة * وههنا أمر يشكل في الظاهر هو أمر الله أمرنا بأن نصلي على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ms0009 ونحن أحلنا الصلاة عليه في قولنا اللهم صل على محمد ~~وكان حق الامتثال أن نقول صلينا على التبي وسلمنا فما النكتة في ذلك. قال ~~في شرح المنهاج في نكتة شريفة كأننا نقول يا ربنا أمرتنا بالصلاة عليه وليس ~~في وسعنا أن نصلي صلاة تليق بجنابه لأنا لا نقدر قدر ما أنت عالم بقدره صلى ~~الله عليه وسلم فأنت تقدر أن تصلي عليه صلاة تليق بجنابه انتهى * ومحمد علم ~~لذاته الشريفة ومعناه الوصفي كثير المحامد ولا مانع من ملاحظته مع ~~PageV01P008 # العلمية كما تقرر في مواطنه. وآثر لفظ النبي لما فيه من الدلالة على ~~الشرف والرفعة علي ما قيل إنه من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض قال في ~~الصحاح ان جعلت لفظ النبي مأخوذا من ذلك فمعناه أنه شرف علي سائر الخلق ~~وأصله غير الهمز وهو فعيل بمعني مفعول. # والنبي في لسان الشرع من بعث إليه بشرع فان أمر بتبليغه فرسول وقيل هو ~~المبعوث إلى الخلق بالوحي لتبليغ ما أوحاه. والرسول قد يكون مرادفا له وقد ~~يختص بمن هو صاحب كتاب. وقيل هو المبعوث لتجديد شرع أو تقريره والرسول هو ~~المبعوث للتجديد فقط. وعلى الأقوال النبي أعم من الرسول: والأمي من لا يكتب ~~وهو في حقه صلى الله عليه وسلم وصف مادح لما فيه من الدلالة على صحة ~~المعجزة وقوتها باعتبار صدورها ممن هو كذلك. # وذكر المرسل بعد ذكر النبي لبيان أنه مأمور بالتبليغ أو صاحب كتاب أو ~~مجدد شرع بطريق أدل على هذه الأمور من الطريق الأولى وان اشتركا في أصل ~~الدلالة على ذلك وايثار هذه الصفة أعني ارساله إلى الناس كافة لكونه لا ~~يشاركه فيها غيره من الأنبياء. # وكافة منصوب على الحال وصاحبها الضمير الذي في المرسل والهاء فيه ~~للمبالغة وليس بحال من الناس لأن الحال لا تتقدم على صاحبها المجرور على ~~الأصح وعند أبي على وابن كيسان وغيرهما من النحويين أنه يجوز تقدم الحال ~~على الصاحب المجرور. وقيل إنه منصوب على صيغة المصدرية والتقدير المرسل ~~رسالة كافة ورد ms0010 بأن كافة لا تستعمل إلا حالا. والبشير النذير المبشر المنذر ~~وإنما عدل بهما إلى صيغة فعيل لقصد المبالغة. والآل أصله أهل بدليل تصغيره ~~علي أهيل ولو كان أصله غيره لسمع تصغيره عليه ولا يستعمل الا فيما له شرف ~~في الغالب واختصاصه بذلك لا يستلزم عدم تصغيره إذ يجوز تحقير من له خطر أو ~~تقليله على أن الخطر في نفسه لا ينافي التصغير بالنسبة إلى من له خطر أعظم ~~من ذلك وأيضا لا ملازمه بين التصغير وبين التحقير أو التقليل لأنه يأتي ~~للتعظيم كقوله وكل أناس سوف تدخل بينهم * ذو هيبة تصفر منها الأنامل (1) ~~وللتلطف كقوله * يا ما أميلح غزلانا شدن لنا * وقد اختلف في تفسير الآل على ~~أقوال يأتي ذكرها في باب ما يستدل به على تفسير آله المصلى عليهم من أبواب ~~صفة PageV01P009 # الصلاة. والصحب بفتح الصاد واسكان الحاء المهملتين اسم جمع لصاحب كركب ~~لراكب وقد اختلف في تفسير معني الصحابي علي أقوال * منها أنه من رأي النبي ~~مسلما وان لهم يرو عنه ولا جالسه. ومنهم من اعتبر طول المجالسة. ومنهم من ~~اعتبر الرواية عنه. ومنهم من اعتبر أن يموت على دينه * وبيان حجج هذه ~~الأقوال وراجحها من مرجوحها مبسوط في الأصول وعلم الاصطلاح فلا نطول بذكره. ~~وذكر السلام بعد الصلاة امتثالا لقوله تعالى (صلوا عليه وسلموا) وفي معناه ~~أقوال الأول أنه الأمان أي التسليم من النار. وقيل هو اسم من أسمائه تعالى ~~والمراد السلام علي حفظك ورعايتك متول لهما وكفيل بهما وقيل هو المسالمة ~~والانقياد * (هذا كتاب يشمل علي جملة من الأحاديث النبوية التي يرجع أصول ~~الاحكام إليها ويعتمد علماء أهل الاسلام عليها) الإشارة بقوله هذا إلى ~~المرتب الحاضر في الذهن من المعاني المخصوصة أو ألفاظها أو نقوش ألفاظها أو ~~المعاني مع الألفاظ أو مع النقوش أو الألفاظ والنقوش أو مجموع الثلاثة ~~وسواء كان وضع ديباجة قبل التصنيف أو بعده إذ لا وجود لواحد منها في ~~الخارج. قد يقال إن نفي وجود النقوش في الخارج خلاف المحسوس فكيف يصح ms0011 جعل ~~الإشارة إلى ما في الذهن على جميع التقادير ويجاب بأن الوجود من النقوش في ~~الخارج لا يكون الا شخصا ومن المعلوم أن نقوش كتاب المصنف الموجود حال ~~الإشارة مثلا ليست المقصودة بالتسمية بل المقصود وصف النوع وتسميته وهو ~~الدال على تلك الألفاظ المخصوصة أعم من أن يكون ذلك الشخص أو غيره مما ~~يشاركه في ذلك المفهوم ولا شك أنه لا حصول لهذا الكلى فالإشارة علي جميع ~~التقادير إلى الحاضر في الذهن فيكون استعمال اسم الإشارة ههنا مجازا تنزيلا ~~للمعقول منزلة المحسوس للترغيب والتنشيط. قال الدواني من ههنا علمت أن ~~أسامي الكتب من أعلام الأجناس عند التحقيق * (انتقيتها من صحيحي البخاري ~~ومسلم. ومسند الإمام أحمد بن حنبل. وجامع أبي عيسى الترمذي وكتاب السنن ~~لأبي عبد الرحمن النسائي وكتاب السنن لأبي داود السجستاني. وكتاب السنن ~~لابن ماجة القزويني واستغنيت بالعزو إلى هذه المسانيد عن الإطالة بذكر ~~الأسانيد) قوله انتقيتها الانتقاء الاختيار والمنتفي المختار * ولنتبرك ~~بذكر بعض أحوال هؤلاء الأئمة علي أبلغ وجه في الاختصار فنقول. أما البخاري ~~فهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة الجعفي البخاري ~~حافظ الاسلام وإمام أئمته الاعلام. ولد ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ~~شوال سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة الفطر سنة ست PageV01P010 # وخمسين ومائتين وعمره اثنتان وستون سنة الا ثلاثة عشر يوما ولم يعقب ولدا ~~ذكرا رحل في طلب العلم محدثي الأمصار وكتب بخرسان والجبال والعراق والحجاز ~~والشام ومصر وأخذ الحديث عن جماعة من الحفاظ منهم مكي بن إبراهيم البلخي. # وعبدان بن المروزي. وعبد الله بن موسى العبسي. وأبو عاصم الشيباني. ومحمد ~~بن عبد الله الأنصاري. ومحمد بن الفريابي. وأبو نعيم الفضل بن دكين. وعلي ~~بن المديني وأحمد بن حنبل. ويحيى بن معين وإسماعيل بن أبي أويس المدني وغير ~~هؤلاء من الأئمة وأخذ الحديث عنه خلق كثير قال الفربري سمع كتاب البخاري ~~تسعون ألف رجل فما بقي أحد يروى عنه غيري قال البخاري خرجت كتاب الصحيح من ~~زهاء ستمائة ألف ms0012 حديث وما وضعت فيه حديثا الا وصليت ركعتين. وله وقائع ~~وامتحانات وما جريات مبسوطة في المطولات من تراجمه * وأما مسلم فهو أبو ~~الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيشابوري أحد الأئمة الحفاظ ولد ~~سنة أربع ومائتين كذا قاله ابن الأثير وقال الذهبي في النبلاء سنة ست وتوفي ~~عيشة يوم الأحد لست أو لخمس أو لأربع بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين ~~وهو ابن خمس وخمسين سنة. رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وأخذ الحديث ~~عن يحيى بن يحيى النيشابوري. وقتيبة بن سعيد. وإسحاق بن راهويه. وعلي بن ~~الجعد. وحمد بن حنبل وعبد الله القواريري. وشريح بن يونس. وعبد الله بن ~~القعنبي. وحرملة بن يحيى. وخلف بن هشام وغير هؤلاء من أئمة الحديث. وروى ~~عنه الحديث خلق كثير منهم إبراهيم بن محمد بن سفيان وأبو زرعه وأبو حاتم. ~~قال الحسن بن محمد الماسرجسي سمعت أبي يقول سمعت مسلما يقول صنف المسند ~~الصحيح من ثلاثمائة الف حديث مسموعة قال محمد بن يعقوب الأخرم قلما يفوت ~~البخاري ومسلما مما ثبت في الحديث حديث. وقال الخطيب أبو بكر البغدادي إنما ~~قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه * وأما أحمد بن حنبل فهو ~~الامام الكبير المجمع على إمامته وجلالته أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ~~الشيباني رحل إلي الشام والحجاز واليمن وغيرها وسمع من سفيان بن عيينة ~~وطبقته وروي عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يحصون منهم البخاري ومسلم ~~قال أبو زرعة كانت كتب أحمد بن حنبل اثني عشر حملا وكان يحفظها على ظهر ~~قلبه وكان يحدث الف الف حديث ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ~~وتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين علي الأصح وله PageV01P011 # كرامات جليلة وامتحن المحنة المشهورة. وقد طول المؤرخون ترجمته وذكروا ~~فيها عجائب وغرائب. وترجمه الذهبي في النبلاء في مقدار خمسين ورقة وأفردت ~~ترجمته بمصنفات مستقلة وله رحمه الله المسند الكبير انتقاه من أكثر من ~~سبعمائة ألف حديث وخمسين الف حديث ولم يدخل ms0013 فيه الا ما يحتج به وبالغ بعضهم ~~فأطلق علي جميع ما فيه أنه صحيح. وأما ابن الجوزي فادخل كثيرا منه في ~~موضوعاته وتعقبه بعضهم في بعضها وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه ~~وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها ~~كالموطأ والسنن إربع وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفا ~~من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي وقد ذكر العراقي أن فيه تسعة ~~أحاديث موضوعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات ~~وهي فيه وأجاب عنها حديثا حديثا. # قال السيوطي وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي وهي فيه جمعها ~~السيوطي في جزء سماء الذيل الممهد وذب عنها وعدتها أربعة عشر حديثا قال ~~الحافظ ابن حجر في كتابه تعجيل المنفعة في رجال الأربعة ليس في المسند حديث ~~لا أصل له الا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل ~~الجنة زحفا قال والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا قال ~~الهيثمي في زوائد المسند إن مسند أحمد أصح صحيحا من غيره لا يوازي مسند ~~أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته قال السيوطي في خطبة كتابه الجامع ~~الكبير ما لفظه وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول فان الضعيف الذي فيه ~~يقرب من الحسن انتهى * وأما الترمذي فهو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سوره ~~بفتح السين المهملة وسكون الواو وبفتح الراء المهملة مخففة ابن موسى بن ~~الضحاك السلمي الترمذي بتثليث الفوقية وكسر الميم أو ضمها بعدها ذال معجمة ~~ولد في ذي الحجة سنة مائتين وتوفي بترمذ ليلة اثنين الثالث عشر من رجب سنة ~~تسع وسبعين ومائتين هكذا في جامع الأصول وتذكرة الحفاظ وهو أحد الاعلام ~~الحفاظ أخذ الحديث عن جماعة مثل قتيبة بن سعيد وإسحاق بن موسى ومحمود ابن ~~غيلان وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن بشار وعلي بن حجر وأحمد بن منيع ومحمد ~~بن المثنى وسفيان بن وكيع ms0014 ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم. وأخذ عنه خلق ~~كثير منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي وغيره وله تصانيف في علم الحديث ~~وكتابه الجامع أحسن الكتب وأكثرها فائدة وأحكمها ترتيبا وأقلها تكرارا وفيه ~~ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال والإشارة إلي ما في الباب ~~من الأحاديث وتبيين PageV01P012 # أنواع الحديث من الصحة والحسن والغرابة والضعف وفيه جرح وتعديل وفي آخره ~~كتاب العلل قد جمع فيه فوائد حسنة. قال النووي في التقريب وتختلف النسخ من ~~سنن الترمذي في قوله حسن أو حسن صحيح ونحوه فيبتغي أن تعتني بمقابلة أصلك ~~بأصول معتمدة وتعتمد ما اتفقت عليه انتهى. قال الترمذي صنفت كتابي هذا ~~فعرضته علي علماء الحجاز فرضه به عرضته على علماء العراق فرضوا به وعرضته ~~علي علماء خراسان فرضوا به ومن كان في بيته هذا فكأنما في بيته نبي يتكلم * ~~وأما النسائي فهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان ~~النسائي أحد الأئمة الحفاظ والمهرة الكبار ولد سنة إربع عشرة ومائتين ومات ~~بمكة سنة ثلاث ثلاثمائة وهو مدفون بها روى الحديث عن قتيبة بن سعيد وأسحق ~~بن إبراهيم وحميد بن مسعدة وعلي بن خشرم ومحمد بن عبد الأعلى والحرث بن ~~مسكين وهناد بن السري ومحمد بن بشار ومحمود بن غيلان وأبي داود سليمان بن ~~الأشعث السجستاني وغير هؤلاء وأخذ عنه الحديث خلق منهم أبو بشر الدولابي ~~وأبو القاسم الطبري وأبو جعفر الطحاوي ومحمد بن هارون بن شعيب وأبو الميمون ~~بن راشد وإبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان وأبو بكر أحمد بن إسحاق السني ~~الحافظ. وله مصنفات كثيرة في الحديث والعلل. منها السنن وهي أقل السنن ~~الأربع بعد الصحيح حديثنا ضعيفا قال الذهبي والتاج السبكي إن النسائي أحفظ ~~من مسلم صاحب الصحيح * وأما أبو داود فهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن ~~بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني بفتح السين وكسر الجيم ~~والكسر أكثر أحد من رحل وطوف البلاد وجمع وصنف وكتب ms0015 عن العراقيين ~~والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين ولد سنة ثنتين ومائتين وتوفي ~~بالبصرة لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين وأخذ الحديث ~~عن مسلم ابن إبراهيم وسليمان بن حرب وعثمان بن أبي شيبة. وأبى الوليد ~~الطيالسي. وعبد الله ابن مسلمة القعنبي ومسدد بن مسر هد ويحيى بن معين ~~وأحمد بن حنبل وقتيبة بن سعيد وأحمد بن يونس وغيرهم ممن لا يحصي كثرة. وأخذ ~~عنه الحديث ابنه عبد الله وأبو عبد الرحمان النسائي وأحمد بن محمد الخلال. ~~وأبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي. قال أبو بكر بن داسة قال أبو داود كتبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة الف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا ~~الكتاب يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت ~~الصحيح وما يشبهه ويقاربه. قال الخطابي كتاب السنن PageV01P013 # لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من ~~كافة الناس علي اختلاف مذاهبهم فصار حكما بين العلماء وطبقات المحدثين ولكل ~~واحد فيه ورد ومنه شرب وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من ~~مدن أقطار الأرض: قال قال أبو داود ما ذكرت في كتابي حديثنا أجمع الناس على ~~تركه. قاله الخطابي أيضا هو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين * وأما ابن ~~ماجة فهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجة القزويني مولى ~~ربيعة بن عبد الله: ولد سنة تسع ومائتين ومات يوم الثلاثاء لثمان بقين من ~~رمضان سنة ثلاث أو خمس وسبعين ومائتين وهو أحد الاعلام المشاهير ألف سننه ~~المشهورة وهي إحدى السنن الأربع واحدي الأمهات الست وأول من عدها من ~~الأمهات ابن طاهر في الأطراف ثم الحافظ عبد الغني: قال ابن كثير أنها كتاب ~~مفيد قوى التبويب في الفقه رحل ابن ماجة وطوف الأقطار وسمع من جماعة منهم ~~أصحاب مالك والليث وروى عنه جماعة منهم أبو الحسن القطان والعلامة لما رواه ~~البخاري ومسلم أخرجاه ولبقيتهم رواه الخمسة ولهم سبعتهم ms0016 رواه الجماعة: ولا ~~حمد مع البخاري ومسلم متفق عليه وفيما سوي ذلك أسمى من رواه منهم ولم أخرج ~~فيما عزوته عن كتبهم الا في مواضع يسيرة وذكرت في ضمن ذلك شيئا يسيرا من ~~آثار الصحابة رضي الله عنهم ورتبت الأحاديث في هذا الكتاب على ترتيب فقهاء ~~أهل زماننا لتسهل علي مبتغيها وترجمت لها أبوابا ببعض ما دلت عليه من ~~الفوائد ونسأل الله أن يوفقنا للصواب ويعصمنا من كل خطأ وزلل إنه جواد كريم ~~قوله ولا حمد مع البخاري الخ المشهور عند الجمهور أن المتفق عليه هو ما ~~اتفق عليه الشيخان من دون اعتبار أن يكون معهما غيرهما والمصنف رحمة الله ~~قد جعل المتفق عليه ما اتفقا عليه وأحمد ولا مشاحة في الاصطلاح. # قوله. ولم أخرج هو من الخروج لا من التخريج أي أنه اقتصر في كتابه هذا ~~على العزو إلي الأئمة المذكورين وقد يخرج عن ذلك في مواضع يسيرة فيروى عن ~~غيرهم كالدار قطني والبيهقي وسعيد بن منصور والأثرم. واعلم أن ما كان من ~~الأحاديث في الصحيحين أو في أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث لأنهما ~~التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول قال ابن الصلاح إن العلم ~~اليقيني النظري واقع بما أسناده لأن ظن المعصوم لا يخطئ وقد سبقه إلى مثل ~~ذلك محمد بن طاهر المقدسي وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف ~~واختاره ابن كثير وحكاه ابن تيمية عن أهل الحديث وعن السلف وعن جماعات ~~كثيرة من الشافعية والحنابلة والأشاعرة والحنفية وغيرهم قال النووي ~~PageV01P014 # وخالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون فقالوا يفيد الظن ما لم يتواتروا ~~نحو ذلك حكى زين الدين عن المحققين قال وقد استثني ابن الصلاح أحرفا يسيرة ~~تكلم عليها بعض أهل النقد كالدار قطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن ~~وهكذا يجوز الاحتجاج بما صححه أحد الأئمة المعتبرين مما كان خارجا عن ~~الصحيحين وكذا يجوز الاحتجاج بما كان في المصنفات المختصة بجمع الصحيح ~~كصحيح ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم والمستخرجات علي ms0017 الصحيحين لأن ~~المصنفين لها قد حكموا بصحة كل ما فيها حكما عاما. وهكذا يجوز الاحتجاج بما ~~صرح أحد الأئمة المعتبرين بحسنه لأن الحسن يجوز العمل به عند الجمهور ولم ~~يخالف في الجواز الا البخاري وابن العربي والحق ما قاله الجمهور لأن أدلة ~~وجوب العمل بالآحاد وقبولها شاملة له. ومن هذا القبيل ما سكت عنه أبو داود ~~وذلك لما رواه ابن الصلاح عن أبي داود أنه قال ما كان في كتابي هذا من حديث ~~فيه وهن شديد بينته وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض. قال ~~وروينا عنه أنه قال ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. قال الامام ~~الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير انه أجاز ابن الصلاح والنوري وغيرهما من ~~الحافظ العمل بما سكت عنه أبو داود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله مما ~~روي عنه. قال النووي الا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة والحسن وجب ~~ترك ذلك. قال ابن الصلاح وعلي هذا ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا. ولم ~~نعلم صحته عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود لأن ما سكت عنه يحتمل عند أبي ~~داود الصحة والحسن انتهي. وقد اعتني المنذري رحمه الله في نقد الأحاديث ~~المذكورة في سنن أبي داود وبين ضعف كثير مما سكت عنه فيكون ذلك خارجا عما ~~يجوز العمل به وما سكتا عليه جميعا فلا شك أنه صالح للاحتجاج الا في مواضع ~~يسيرة قد نبهت علي بعضها في هذا الشرح. وكذا قيل إن ما سكت عنه الإمام أحمد ~~من أحاديث مسنده صالح للاحتجاج لما قدمنا في ترجمته. وأما بقية السنن ~~والمسانيد التي لم يلتزم مصنفوها الصحة فما وقع التصريح بصحته أو حسنه منهم ~~أو من غيرهم جاز العمل به وما وقع التصريح كذلك بضعفه لم يجز العمل به وما ~~أطلقوه ولم يتكلموا عليه ولا تكلم عليه غيرهم لم يجز العمل به الا بعد ~~البحث عن حاله إن كان الباحث أهلا لذلك وقد بحثنا عن الأحاديث الخارجة عن ms0018 ~~الصحيحين في هذا الكتاب وتكلمنا عليها بما أمكن الوقوف عليه من كلام الحفاظ ~~وما بلغت إليه القدرة. ومن عرف طول ذيل هذا الكتاب الذي تصدينا لشرحه وكثرة ~~PageV01P015 # ما اشتمل عليه من أحاديث الاحكام علم أن الكلام علي بعض أحاديثه علي الحد ~~المعتبر متعسر لا سيما ما كان منها في مسند الإمام أحمد. وقد ذكر جماعة من ~~أئمة فن الحديث ان هذا الكتاب من أحسن الكتب المصنفة في الفن لولا عدم تعرض ~~مؤلفه رحمه الله للكلام علي التصحيح والتحسين والتضعيف في الغالب. قال في ~~البدر المنير ما لفظه وأحكام الحافظ مجد الدين عبد السلام ابن تيمية المسمى ~~بالمنتقى هو كاسمه وما أحسنه لولا إطلاقه في كثير من الأحاديث العزو إلى ~~الأئمة دون التحسين والتضعيف فيقول مثلا رواه أحمد رواه الدارقطني رواه أبو ~~داود ويكون الحديث ضعيفا. وأشد من ذلك كون الحديث في جامع الترمذي مبنيا ~~ضعفه فيعزوه إليه من دون بيان ضعفه وينبغي للحافظ جمع هذه المواضع وكتبها ~~على حواشي هذا الكتاب أو جمعها في مصنف يستكمل فائدة الكتاب المذكور انتهى. ~~وقد أعان الله وله الحمد على القيام بما أرشد إليه هذا الحافظ مع زيادات ~~إليها تشد رحال الطلاب * وتنقيحات تنقطع بتحقيقها علائق الشك والارتياب * ~~والمسؤول من الله جل جلاله الإعانة على التمام وتبليغنا بما لاقيناه في ~~تحريره وتقريره إلى دار السلام * كتاب الطهارة الكتاب مصدر، يقال: كتب ~~كتابا وكتابة، وقد استعملوه فيما يجمع شيئا من الأبواب والفصول، وهو يدل ~~على معنى الجمع والضم ومنه الكتيبة، ويطلق على مكتوب القلم حقيقة لانضمام ~~بعض الحروف والكلمات المكتوبة إلى بعض وعلى المعاني مجازا. وجمعه كتب ~~بضمتين وبضم فسكون. وقد اشتهر في لسان الفقهاء اشتقاق الكتابة من الكتب، ~~واعترضه أبو حيان بما حاصله أن المصدر لا يشتق من المصدر. والطهارة يجوز أن ~~تكون مصدر طهر اللازم فتكون للوصف القائم بالفاعل، وأن تكون مصدر طهر ~~المتعدي، فتكون للأثر القائم بالمفعول، وأن تكون اسم مصدر طهر تطهيرا ككلم ~~تكليما. وأما الطهور فقال جمهور أهل اللغة: إنه ms0019 بالضم للفعل الذي هو ~~المصدر، وبالفتح للماء الذي يتطهر به، هكذا نقله ابن الأنباري وجماعات من ~~أهل اللغة عن الجمهور. وذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والأزهري ~~وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما، قال صاحب PageV01P016 # المطالع: وحكي فيهما الضم. والطهارة في اللغة النظافة والتنزه عن ~~الأقذار. وفي الشرع صفة حكمية تثبت لموصوفها جواز الصلاة به أو فيه أو له ~~ولما كانت مفتاح الصلاة التي هي عماد الدين افتتح المؤلفون بها مؤلفاتهم. ~~والأبواب جمع باب وهو حقيقة لما كان حسيا يدخل منه إلى غيره، ومجاز لعنوان ~~جملة من المسائل المتناسبة. والمياه جمع الماء وجمعه مع كونه جنسا للدلالة ~~على اختلاف الأنواع. # باب طهورية ماء البحر وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول ~~الله (ص) فقال: # يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به ~~عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: رسول الله (ص): هو الطهور ماؤه الحل ميتته ~~رواه الخمسة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وابن الجارود في ~~المنتقى، والحاكم في المستدرك، والدارقطني والبيهقي في سننهما، وابن أبي ~~شيبة. وحكى الترمذي عن البخاري تصحيحه، وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان ~~صحيحا عنده لأخرجه في صحيحه، ورده الحافظ وابن دقيق العيد بأنه لم يلتزم ~~الاستيعاب، ثم حكم ابن عبد البر مع ذلك بصحته لتلقي العلماء له بالقبول ~~فرده من حيث الاسناد، وقبله من حيث المعنى، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث ~~لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه. وصححه أيضا ابن المنذر وابن منده والبغوي ~~وقال: # هذا الحديث صحيح متفق على صحته. وقال ابن الأثير في شرح المسند: هذا حديث ~~صحيح مشهور أخرجه الأئمة في كتبهم واحتجوا به ورجاله ثقات. وقال ابن الملقن ~~في البدر المنير: هذا الحديث صحيح جليل مروي من طرق الذي حضرنا منها تسع ثم ~~ذكرها جميعا وأطال الكلام عليها وسيأتي تلخيصها. وقد ذكر ابن دقيق العيد في ~~شرح PageV01P017 # الإلمام جميع وجوه ms0020 التعليل التي يعلل بها الحديث قال ابن الملقن في البدر ~~المنير: قلت وحاصلها كما قال فيه أنه يعلل بأربعة أوجه ثم سردها وطول ~~الكلام فيها. وملخصها: # أن الوجه الأول: الجهالة في سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة المذكورين ~~في إسناده، لأنه لم يرو عن الأول إلا صفوان بن سليم، ولم يرو عن الثاني إلا ~~سعيد بن سلمة، وأجاب بأنه قد رواه عن سعيد الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام ~~وآخره مهملة وهو ابن كثير، رواه من طريقه أحمد والحاكم والبيهقي. وأما ~~المغيرة فقد روى عنه يحيى بن سعيد ويزيد القرشي وحماد، كما ذكره الحاكم في ~~المستدرك. الوجه الثاني: من التعليل الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة، وأجاب ~~بترجيح رواية مالك أنه سعيد بن سلمة من بني الأزرق ثم قال: فقد زالت عنه ~~الجهالة عينا وحالا. الوجه الثالث: التعليل بالارسال لأن يحيى بن سعيد ~~أرسله وأجاب بأنه قد أسنده سعيد بن سلمة، وهو وإن كان دون يحيى بن سعيد ~~فالرفع زيادة مقبولة عند أهل الأصول وبعض أهل الحديث. الوجه الرابع: # التعليل بالاضطراب، وأجاب بترجيح رواية مالك كما جزم به الدارقطني وغيره، ~~وقد لخص الحافظ ابن حجر في التلخيص ما ذكره ابن الملقن في البدر المنير ~~فقال: ما حاصله ومداره على صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن ~~أبي بردة عن أبي هريرة، قال الشافعي: في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه، قال ~~البيهقي: يحتمل أنه يريد سعيد بن سلمة أو المغيرة أو كليهما، ولم يتفرد به ~~سعيد عن المغيرة، فقد رواه عنه يحيى بن سعيد الأنصاري إلا أنه اختلف عليه ~~فيه فروى عنه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة أن ناسا من بني مدلج أتوا ~~النبي (ص) فذكره، وروى عنه عن المغيرة عن رجل من بني مدلج، وروى عنه عن ~~المغيرة عن أبيه، وروى عنه عن المغيرة بن عبد الله أو عبد الله بن المغيرة، ~~وروى عنه عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه عن رجل ms0021 من بني مدلج اسمه عبد ~~الله، وروى عنه عن عبد الله بن المغيرة عن أبي بردة مرفوعا، وروى عنه عن ~~المغيرة عن عبد الله المدلجي، هكذا قال الدارقطني وقال: أشبهها بالصواب عن ~~المغيرة عن أبي هريرة. وكذا قال ابن حبان والمغيرة معروف كما قال أبو داود ~~وقد PageV01P018 # وثقه النسائي، وقال ابن عبد الحكم: اجتمع عليه أهل إفريقية بعد قتل يزيد ~~بن أبي مسلم فأبى، قال الحافظ: فعلم من هذا غلط من زعم أنه مجهول لا يعرف: ~~وأما سعيد بن سلمة فقد تابع صفوان بن سليم في روايته له عنه الجلاح بن كثير ~~رواه جماعة. منهم الليث بن سعد وعمرو بن الحرث. ومن طريق الليث رواه أحمد ~~والحاكم والبيهقي، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن حماد بن خالد عن ~~مالك بسنده عن أبي هريرة. وفي الباب عن جابر عند أحمد وابن ماجة وابن حبان ~~والدارقطني والحاكم بنحو حديث أبي هريرة، وله طريق أخرى عنه عند الطبراني ~~في الكبير والدارقطني والحاكم. قال الحافظ: وإسناده حسن ليس فيه إلا ما ~~يخشى من التدليس انتهى. وذلك لأن في إسناده ابن جريج وأبا الزبير وهما ~~مدلسان، قال ابن السكن: حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب. وعن ابن عباس ~~عند الدارقطني والحاكم بلفظ ماء البحر طهور، قال في التلخيص: ورواته ثقات ~~ولكن صحح الدارقطني وقفه. وعن ابن الفراسي عند ابن ماجة بنحو حديث أبي ~~هريرة، وقد أعله البخاري بالارسال لأن ابن الفراسي لم يدرك النبي (ص). وعن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدارقطني والحاكم بنحو حديث أبي هريرة، ~~وفي إسناده المثنى الراوي له عن عمرو وهو ضعيف. قال الحافظ: ووقع في رواية ~~الحاكم الأوزاعي بدل المثنى وهو غير محفوظ وعن علي بن أبي طالب عند ~~الدارقطني والحاكم بإسناد فيه من لا يعرف. وعن ابن عمر عند الدارقطني بنحو ~~حديث أبي هريرة. وعن أبي بكر الصديق عند الدارقطني، وفي إسناده عبد العزيز ~~بن أبي ثابت وهو كما قال الحافظ ms0022 ضعيف، وصحح الدارقطني وقفه وابن حبان في ~~الضعفاء. وعن أنس عند الدارقطني وفي إسناده أبان بن أبي ثوبان قال: وهو ~~متروك. # قوله: سأل رجل وقع في بعض الطرق التي تقدمت أن اسمه عبد الله، وكذا ساقه ~~ابن بشكوال بإسناده، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد، وتبعه أبو موسى الحافظ ~~الأصبهاني في كتاب معرفة الصحابة فقال: عبد أبو زمعة البلوي الذي سأل النبي ~~(ص) عن ماء البحر، قال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبد، وقيل اسمه عبيد ~~بالتصغير، وقال السمعاني في الأنساب: اسمه العركي وغلط في ذلك وإنما العركي ~~وصف له وهو ملاح السفينة. # قوله: هو الطهور قد تقدم في أول الكتاب ضبطه وتفسيره وهو عند الشافعية ~~المطهر، وبه قال أحمد. وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة عن مالك وبعض أصحاب أبي ~~حنيفة أن الطهور هو PageV01P019 # الطاهر واحتج الأولون بأن هذه اللفظة جاءت في لسان الشرع للمطهر كقوله ~~تعالى: * (ماء طهورا) * (الفرقان: 48) وأيضا السائل إنما سأل النبي (ص) عن ~~التطهر بماء البحر لا عن طهارته، ويدل على ذلك أيضا قوله (ص) في بئر بضاعة: ~~إن الماء طهور لأنهم إنما سألوه عن الوضوء به. قال في الامام شرح الالمام ~~فإن قيل: لم لم يجبهم بنعم حين قالوا: # أفنتوضأ به؟ قلنا: لأنه يصير مقيدا بحال الضرورة وليس كذلك. وأيضا فإنه ~~يفهم من الاقتصار على الجواب بنعم أنه إنما يتوضأ به فقط ولا يتطهر به ~~لبقية الاحداث والأنجاس (فإن قيل): كيف شكوا في جواز الوضوء بماء البحر؟ ~~قلنا: يحتمل أنهم لما سمعوا قوله (ص): لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرا أو ~~غازيا في سبيل الله فإن تحت البحر نارا أو تحت النار بحرا أخرجه أبو داود ~~وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعا ظنوا أنه لا يجزئ التطهر به. وقد ~~روي موقوفا على ابن عمر بلفظ: ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة إن تحت ~~البحر نارا ثم ماء ثم نارا حتى عد سبعة أبحر وسبع أنيار. وروي أيضا عن ابن ~~عمرو ms0023 بن العاص أنه لا يجزئ التطهر به، ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما ~~إذا عارضت المرفوع والاجماع. وحديث ابن عمر المرفوع قال أبو داود: رواته ~~مجهولون. وقال الخطابي: ضعفوا إسناده. وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح. ~~وله طريق أخرى عند البزار وفيها ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. # قال في البدر المنير: في الحديث جواز الطهارة بماء البحر، وبه قال جميع ~~العلماء إلا ابن عبد البر وابن عمر وسعيد بن المسيب. وروي مثل ذلك عن أبي ~~هريرة وروايته ترده، وكذا رواية عبد الله بن عمر. وتعريف الطهور باللام ~~الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابا ~~لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر، وعلى تسليم أنه لا ~~تخصيص بالسبب ولا يقصر الخطاب العام عليه، فمفهوم الحصر المفيد لنفي ~~الطهورية عن غير مائه عموم مخصص بالمنطوقات الصحيحة الصريحة القاضية باتصاف ~~غيره بها. قوله: الحل ميتته فيه دليل على حل جميع حيوانات البحر حتى كلبه ~~وخنزيره، وثعبانه وهو المصحح عند الشافعية، وفيه خلاف سيأتي في PageV01P020 # موضعه. ومن فوائد الحديث مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل لقصد ~~الفائدة وعدم لزوم الاقتصار، وقد عقد البخاري لذلك بابا فقال: باب من أجاب ~~السائل بأكثر مما سأله، وذكر حديث ابن عمر: أن رجلا سأل النبي (ص) ما يلبس ~~المحرم؟ فقال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ولا ~~ثوبا مسه الورس أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما ~~حتى يكونا تحت الكعبين فكأنه سأله عن حالة الاختيار فأجابه عنها وزاد حالة ~~الاضطرار، وليست أجنبية عن السؤال لأن حالة السفر تقتضي ذلك؟ قال الخطابي: ~~وفي حديث الباب دليل على أن المفتي إذا سئل عن شئ وعلم أن للسائل حاجة إلى ~~ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه، ولم يكن ذلك تكلفا لما لا يعنيه ~~لأنه ذكر الطعام وهم سألوه عن الماء لعلمه أنهم قد يعوزهم الزاد في البحر ~~انتهى. وأما ما وقع في ms0024 كلام كثير من الأصوليين أن الجواب يجب أن يكون ~~مطابقا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن الجواب ~~يكون مفيدا للحكم المسؤول عنه. وللحديث فوائد غير ما تقدم. # قال ابن الملقن: إنه حديث عظيم أصل من أصول الطهارة مشتمل على أحكام ~~كثيرة وقواعد مهمة. قال الماوردي في الحاوي. قال الحميدي. قال الشافعي: هذا ~~الحديث نصف علم الطهارة. # وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله (ص) وحانت صلاة العصر فالتمس الناس ~~الوضوء فلم يجدوا فأتي رسول الله (ص) بوضوء فوضع رسول الله (ص) في ذلك ~~الاناء يده وأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى ~~توضأوا من عند آخرهم متفق عليه ومتفق على مثل معناه من حديث جابر بن عبد ~~الله. # لفظ حديث جابر: وضع يده (ص) في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال ~~العيون فشربنا وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، قال: # كنا خمس عشرة مائة. قوله: وحانت الواو للحال بتقدير قد. قوله: الوضوء ~~بفتح الواو أي الماء الذي يتوضأ به. قوله: فأتي بضم الهمزة على البناء ~~للمفعول، وقد PageV01P021 # بين البخاري في رواية أن ذلك كان بالزوراء وهي سوق بالمدينة. وقوله: ~~بوضوء بفتح الواو أيضا أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به. ووقع في رواية للبخاري ~~فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير فصغر أن يبسط فيه صلى الله عليه وسلم كفه فضم ~~أصابعه. قوله: # ينبع بفتح أوله وضم الموحدة ويجوز كسرها وفتحها قاله في الفتح. قوله: حتى ~~توضأوا من عند آخرهم قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان أي توضأ الناس ~~حتى توضأ الذين عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في لأن عند وإن ~~كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقضي أن تكون لمطلق الظرفية فكأنه قال: ~~الذين هم في آخرهم: وقال التيمي: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى ~~الآخر. وقال النووي: من هنا بمعنى إلى وهي لغة، وتعقبه الكرماني بأنها ~~شاذة، ثم إن إلى لا يجوز أن ms0025 تدخل على عند ولا يلزم مثله في من إذا وقعت ~~بمعنى إلى، قال في الفتح: وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال عند زائدة. ~~والحديث يدل على مشروعية المواساة بالماء عند الضرورة لمن كان في مائة فضل ~~عن وضوئه، وعلى أن اغتراف المتوضئ من الماء القليل لا يصير الماء مستعملا، ~~واستدل به الشافعي على أن الامر بغسل اليد قبل إدخالها الاناء ندب لا حتم، ~~وسيأتي تحقيق ذلك. قال ابن بطال: هذا الحديث شهده جمع من الصحابة إلا أنه ~~لم يرو إلا من طريق أنس وذلك لطول عمره ولطلب الناس علو السند، وناقضه ~~القاضي عياض فقال: هذه القصة رواها العدد الكثير من الثقات عن الجم الغفير ~~عن الكافة متصلا عن جملة من الصحابة، بل لم يؤثر عن أحد منهم إنكار ذلك فهو ~~ملتحق بالقطعي. قال الحافظ: فانظر كم بين الكلامين من التفاوت انتهى. ومن ~~فوائد الحديث أن الماء الشريف يجوز رفع الحدث به. ولهذا قال المصنف رحمه ~~الله: وفيه تنبيه أنه لا بأس برفع الحدث من ماء زمزم، لأن قصاراه أنه ماء ~~شريف متبرك به، والماء الذي وضع رسول الله (ص) يده فيه بهذه المثابة. وقد ~~جاء عن علي كرم الله وجهه في حديث له قال فيه: ثم أفاض رسول الله (ص) فدعا ~~بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ رواه أحمد انتهى. وهذا الحديث هو في أول ~~مسند علي من مسند أحمد بن حنبل ولفظه: حدثنا عبد الله يعني ابن أحمد بن ~~حنبل حدثني أحمد بن عبدة البصري حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث عن ~~أبيه عن زيد بن علي بن حسين بن علي عن أبيه علي بن حسين عن عبيد الله بن ~~أبي رافع مولى رسول الله (ص) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي (ص) ~~وقف بعرفة فذكر PageV01P022 # حديثا طويلا وفيه: ثم أفاض فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ ثم قال: # انزعوا فلولا أن تغلبوا عليها لنزعت ا لحديث. وهذا إسناد مستقيم لأن ms0026 عبد ~~الله بن أحمد ثقة إمام وأحمد بن عبدة الضبي البصري وثقه أبو حاتم والنسائي، ~~والمغيرة بن عبد الرحمن قال في التقريب: ثقة جواد من الخامسة وأبوه عبد ~~الرحمن قال في التقريب من كبار ثقات التابعين، وعبيد الله بن أبي رافع كان ~~كاتب علي وهو ثقة من الثالثة كما في التقريب، وقال ابن معين: لا بأس به، ~~وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. وأما الإمامان زيد بن علي ووالده زين ~~العابدين فهما أشهر من نار على علم، وقد أخرج هذا الحديث أهل السنن، وصححه ~~الترمذي وغيره، وشربه (ص) من زمزم عند الإفاضة ثابت في صحيح مسلم وسنن أبي ~~داود والنسائي من حديث جابر الطويل بلفظ: فأتى يعني النبي (ص) بني عبد ~~المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم ~~الناس على سقايتكم، لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه. وهو في المتفق عليه ~~من حديث ابن عباس بلفظ: سقيت النبي (ص) من زمزم فشرب وهو قائم وفي رواية: ~~استسقى عند البيت فأتيته بدلو والسجل بسين مهملة مفتوحة فجيم ساكنة، الدلو ~~المملوء فإن تعطل فليس بسجل. ويأتي تمام الكلام عليه في باب تطهير الأرض. # ولحديث الباب فوائد كثيرة خارجة عن مقصود ما نحن بصدده فلنقتصر على هذا ~~المقدار. # باب طهارة الماء المتوضأ به عن جابر بن عبد الله قال: جاء رسول الله (ص) ~~يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب وضوءه علي متفق عليه. وفي حديث صلح ~~الحديبية من رواية المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: ما تنخم رسول الله (ص) ~~نخامة إلا وقعت في كف رجل فدلك بها وجهه وجلده وإذا توضأ كادوا يقتتلون على ~~وضوئه وهو بكماله لأحمد والبخاري. # قوله: يعودني زاد البخاري في الطب ماشيا. قوله: لا أعقل أي لا أفهم وحذف ~~مفعوله إشارة إلى عظم الحال أو لغرض التعميم أي لا أعقل شيئا من الأمور، ~~وصرح البخاري بقوله شيئا في التفسير من صحيحه. وله في الطب: فوجدني قد أغمي ~~علي. قوله: وضوءه يحتمل ms0027 أن يكون المراد صب علي بعض الماء الذي توضأ به، ~~PageV01P023 # ويدل على ذلك ما في رواية للبخاري بلفظ: من وضوئه ويحتمل أنه صب عليه ما ~~بقي منه، والأول أظهر لقوله في حديث الباب: فتوضأ وصب وضوءه علي ولأبي ~~داود: # فتوضأ وصبه علي فإنه ظاهر في أن المصبوب هو الماء الذي وقع به الوضوء. ~~قوله: # ما تنخم التنخم دفع الشئ من الصدر أو الانف: وقد استدل الجمهور بصبه (ص) ~~لوضوئه على جابر وتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه وعلى طهارة الماء ~~المستعمل للوضوء، وذهب بعض الحنفية وأبو العباس إلى أنه نجس واستدلوا على ~~الماء المستعمل للوضوء، وذهب بعض الحنفية وأبو العباس إلى أنه نجس واستدلوا ~~على ذلك بأدلة: منها حديث أبي هريرة بلفظ: لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم ~~وهو جنب. وفي رواية: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه وسيأتي ~~قالوا: والبول ينجس الماء فكذا الاغتسال لأنه (ص) قد نهى عنهما جميعا. ~~ومنها الاجماع على إضاعته وعدم الانتفاع به. ومنها أنه ماء أزيل به مانع من ~~الصلاة فانتقل المنع إليه كغسالة النجس المتغيرة، ويجاب عن الأول بأنه أخذ ~~بدلالة الاقتران وهي ضعيفة. # وبقول أبي هريرة يتناوله تناولا كما سيأتي. فإنه يدل على أن النهي إنما ~~هو عن الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق. ~~وعن الثاني بأن الإضاعة لاغناء غيره عنه لا لنجاسته وعن الثالث بالفرق بين ~~مانع هو النجاسة ومانع هو غيرها، وبالمنع من أن كل مانع يصير له بعد ~~انتقاله الحكم الذي كان له قبل الانتقال، وأيضا هو تمسك بالقياس في مقابلة ~~النص وهو فاسد الاعتبار، ويلزمهم أيضا تحريم شربه وهم لا يقولون به. ومن ~~الأحاديث الدالة على ما ذهب إليه الجمهور، حديث أبي جحيفة عند البخاري قال: ~~خرج علينا رسول الله (ص) بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من ~~فضل وضوئه فيتمسحون به. وحديث أبي موسى عنده أيضا قال: # دعا النبي (ص) بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ms0028 ثم قال لهما ~~يعني أبا موسى وبلالا: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وعن السائب ~~بن يزيد عنده أيضا قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله ~~إن ابن أختي وقع أي مريض فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه ~~ثم قمت خلف ظهره الحديث. فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء أن هذه ~~الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به (ص) ولعل ذلك من ~~خصائصه. قلنا: هذه دعوى غير نافقة فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلا ~~PageV01P024 # أن يقوم دليل يقضي بالاختصاص ولا دليل. وأيضا الحكم يكون الشئ نجسا حكم ~~شرعي يحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو. # وعن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله (ص) لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثم ~~جاء فقال: كنت جنبا، فقال: إن المسلم لا ينجس رواه الجماعة إلا البخاري ~~والترمذي. وروى الجماعة كلهم نحوه من حديث أبي هريرة. # حديث أبي هريرة المشار إليه له ألفاظ منها: أن النبي (ص) لقيه في بعض طرق ~~المدينة وهو جنب فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال له: أين كنت يا أبا ~~هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: # سبحان الله إن المؤمن لا ينجس. قوله: وهو جنب يعني نفسه. وفي رواية أبي ~~داود: # وأنا جنب وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع ~~بلفظ واحد. قال الله تعالى في الجمع: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * ~~(المائدة: 6). وقال بعض أزواج النبي (ص): إني كنت جنبا. وقد يقال: جنبان ~~وجنبون وأجناب. # قوله: فحاد عنه أي مال وعدل. قوله: لا ينجس فيه لغتان: ضم الجيم وفتحها، ~~وفي ماضيه أيضا لغتان: نجس ونجس بكسر الجيم وضمها، فمن كسرها في الماضي ~~فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضا، قال النووي: # وهذا قياس مطرد ومعروف عند أهل العربية إلا أحرفا مستثناة من الكسر. ~~قوله: # إن المسلم تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر وحكاه ms0029 في البحر عن الهادي والقاسم ~~والناصر ومالك فقالوا: إن الكافر نجس عين وقووا ذلك بقوله تعالى: * (إنما ~~المشركون نجس) * (التوبة: 28) وأجاب عن ذلك الجمهور بأن المراد منه أن ~~المسلم طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن ~~النجاسة وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم على ~~صحة هذا التأويل أن الله أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم ~~منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلا يجب من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليهم من ~~غسل المسلمة، ومن جملة ما استدل به القائلون بنجاسة الكافر حديث إنزاله (ص) ~~وفد ثقيف المسجد وتقريره لقول الصحابة قوم أنجاس لما رأوه أنزلهم المسجد، ~~وقوله لأبي ثعلبة لما قال له: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب أفنأكل ~~في آنيتهم؟ قال: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ~~وكلوا فيها وسيأتي في باب آنية الكفار. وأجاب الجمهور عن PageV01P025 # حديث إنزال وفد ثقيف بأنه حجة عليهم لا لهم، لأن قوله: ليس على الأرض من ~~أنجاس القوم شئ إنما أنجاس القوم على أنفسهم بعد قول الصحابة قوم أنجاس ~~صريح في نفي النجاسة الحسية التي هي محل النزاع، ودليل على أن المراد نجاسة ~~الاعتقاد والاستقذار. # وعن حديث أبي ثعلبة بأن الامر بغسل الآنية ليس لتلوثها برطوباتهم، بل ~~لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيها يدل على ذلك ما عند أحمد وأبي داود من ~~حديث أبي ثعلبة أيضا بلفظ: إن أرضنا أرض أهل كتاب وأنهم يأكلون لحم الخنزير ~~ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ وسيأتي. ومن أجوبة الجمهور عن ~~الآية ومفهوم حديث الباب بأن ذلك تنفير عن الكفار وإهانة لهم، وهذا وإن كان ~~مجازا فقرينته ما ثبت في الصحيحين من أنه (ص) توضأ من مزادة مشركة، وربط ~~ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد. وأكل من الشاة التي أهدتها ~~له يهودية من خيبر. وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى، كما أخرجه أحمد ~~وأبو داود من حديث ابن ms0030 عمر. وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه إلى ذلك ~~يهودي، وسيأتي في باب آنية الكفار، وما سلف من مباشرة الكتابيات والاجماع ~~على جواز مباشرة المسبية قبل إسلامها، وتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية ~~المائدة وهي آخر ما نزل، وإطعامه (ص) وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل ~~للآنية ولا أمر به، ولم ينقل توقي رطوبات الكفار عن السلف الصالح ولو ~~توقوها لشاع. قال ابن عبد السلام: ليس من التقشف أن يقول: اشتري من سمن ~~المسلم لا من سمن الكافر لان الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك. وقد زعم المقبلي ~~في المنار أن الاستدلال في بالآية المذكورة على نجاسة الكافر وهم لأنه حمل ~~لكلام الله ورسوله على اصطلاح حادث، وبين النجس في اللغة وبين النجس في عرف ~~المتشرعة عموم وخصوص من وجه، فالأعمال السيئة نجسة لغة لا عرفا، والخمر نجس ~~عرفا وهو أحد الأطيبين عند أهل اللغة، والعذرة نجس في العرفين فلا دليل في ~~الآية انتهى. ولا يخفاك أن مجرد تخالف اللغة والاصطلاح في هذه الافراد لا ~~يستلزم عدم صحة الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي في كتب اللغة أن النجس ~~ضد الطاهر. قال في القاموس: النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك، وككتف وعضد ضد ~~الطاهر انتهى. فالذي ينبغي التعويل عليه في عدم صحة الاحتجاج بها هو ما ~~عرفناك، وحديث الباب أصل في طهارة المسلم حيا وميتا. أما الحي فإجماع، وأما ~~الميت PageV01P026 # ففيه خلاف. فذهب أبو حنيفة ومالك ومن أهل البيت الهادي والقاسم والمؤيد ~~بالله وأبو طالب إلى نجاسته، وذهب غيرهم إلى طهارته. واستدل صاحب البحر ~~للأولين على النجاسة بنزح زمزم من الحبشي، وهذا مع كونه من فعل ابن عباس ~~كما أخرجه الدارقطني عنه، وقول الصحابي وفعله لا ينهض للاحتجاج به على ~~الخصم محتمل أن يكون للاستقذار لا للنجاسة، ومعارض بحديث الباب وبحديث ابن ~~عباس نفسه عند الشافعي والبخاري تعليقا بلفظ: المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ~~وبحديث أبي هريرة المتقدم. # وبحديث ابن عباس أيضا عند البيهقي: أن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا ms0031 ~~أيديكم وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النبي (ص) ورواية غيره من الغرائب ~~التي لا يدري ما الحامل عليها. وفي الحديث من الفوائد مشروعية الطهارة عند ~~ملابسة الأمور العظيمة، واحترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبهم على أكمل ~~الهيئات، وإنما حاد حذيفة عن النبي (ص) وانخنس أبو هريرة لأنه (ص) كان ~~يعتاد مماسحة أصحابه إذا لقيهم والدعاء لهم، هكذا رواه النسائي وابن حبان ~~من حديث حذيفة، فلما ظنا أن الجنب يتنجس بالحدث خشيا أن يماسحهما كعادته ~~فبادرا إلى الاغتسال، وإنما ذكر المصنف رحمه الله هذا الحديث في باب طهارة ~~الماء المتوضأ به لقصد تكميل الاستدلال على عدم نجاسة الماء المتوضأ به، ~~لأنه إذا ثبت أن المسلم لا ينجس فلا وجه لجعل الماء نجسا بمجرد مماسته له، ~~وسيأتي في هذا الكتاب باب معقود لعدم نجاسة المسلم بالموت وسيشير المصنف ~~إلى هذا الحديث هنالك. # باب بيان زوال تطهيره عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: لا يغتسلن أحدكم في ~~الماء الدائم وهو جنب فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا. ~~رواه مسلم وابن ماجة. ولأحمد وأبي داود: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ~~ولا يغتسل فيه من جنابة. # قوله: في الماء الدائم هو الساكن، قال في الفتح: يقال دوم الطائر تدويما ~~إذا صف جناحيه في الهواء فلم يحركهما. والرواية الأولى من حديث الباب تدل ~~على المنع من الاغتسال في الماء الدائم للجنابة وإن لم يبل فيه. والرواية ~~الثانية تدل على المنع من كل PageV01P027 # واحد من البول والاغتسال فيه على انفراده، وسيأتي في باب حكم الماء إذا ~~لاقته نجاسة حديث أبي هريرة هذا بلفظ ثم يغتسل فيه، ويأتي البحث عن حكم ~~البول في الماء الدائم والاغتسال فيه هنالك. وقد استدل بالنهي عن الاغتسال ~~في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلا للتطهير، لأن ~~النهي ههنا عن مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم ~~الغسل في هذا الحكم، لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى ~~بالمستقذرات، والوضوء ms0032 يقذر الماء كما يقذره الغسل، وقد ذهب إلى أن الماء ~~المستعمل غير مطهر أكثر العترة، وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعي ~~ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه، واحتجوا بهذا ~~الحديث بحديث النبي عن التوضئ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم في البحر بما ~~روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه. ~~وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملا بل ~~مصيره مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة ~~يتناوله تناولا، وباضطراب متنه وبأن الدليل أخص من الدعوى لأن غاية ما فيه ~~خروج المستعمل للجنابة، والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية. وعن حديث ~~النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا ولو سلم فالدليل ~~أخص من الدعوى، لأن المدعي خروج كل مستعمل عن الطهورية لا خصوص هذا ~~المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله ~~(ص) كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجة بنحوه من حديثه، ~~وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديثه بلفظ: اغتسل ~~بعض أزواج النبي (ص) في جفنة فجاء النبي (ص) ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت ~~له: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: # إن الماء لا يجنب. وأيضا حديث النهي عن التوضئ بفضل وضوء المرأة فيه مقال ~~سيأتي بيانه في بابه، وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما ~~تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك ~~لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم كالحسن البصري والزهري والنخعي وما لك ~~والشافعي وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم ~~إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني ~~لأنهم لم يكونوا يتوضأون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو ~~من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد PageV01P028 # تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار، ms0033 وبهذا يتضح ~~عدم خروج المستعمل عن الطهورية وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لا سيما ~~بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث: خلق الماء طهورا وحديث مسحه ~~(ص) رأسه بفضل ماء كان بيده وسيأتي وغيرهما. وقد استدل المصنف رحمه الله ~~بحديث الباب على عدم صلاحية المستعمل للطهورية فقال: وهذا النهي عن الغسل ~~فيه يدل على أنه لا يصح ولا يجزي، وما ذاك إلا لصيرورته مستعملا بأول جزء ~~يلاقيه من المغتسل فيه، وهذا محمول على الذي لا يحمل النجاسة، فأما ما ~~يحملها فالغسل فيه مجزئ، فالحدث لا يتعدى إليه حكمه من طريق الأولى انتهى. # وعن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل حدثتني الربيع بنت معوذ ~~ابن عفراء فذكر حديث وضوء النبي (ص) وفيه: ومسح (ص) رأسه بما بقي من وضوئه ~~في يده مرتين بدأ بمؤخره ثم رده إلى ناصيته وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا رواه ~~أحمد وأبو داود مختصرا ولفظه: أن رسول الله (ص) مسح رأسه من فضل ماء كان ~~بيديه. قال الترمذي: عبد الله بن محمد بن عقيل صدوق ولكن تكلم فيه بعضهم من ~~قبل حفظه. وقال البخاري: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه. # الخلاف بين الأئمة في الاحتجاج بحديث ابن عقيل مشهور وهو أبو محمد عبد ~~الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب. والكلام على أطراف هذا الحديث محله ~~الوضوء. ومحل الحجة منه مسح رأسه بما بقي من وضوء في يده، فإنه مما استدل ~~به على أن المستعمل قبل انفصاله عن البدن يجوز التطهر به. قيل: وقد عارضه ~~مع ما فيه من المقال أن النبي (ص) مسح رأسه بماء غير فضل يديه كحديث مسلم: ~~أن النبي (ص) مسح رأسه بماء غير فضل يديه. وأخرج الترمذي من حديث عبد الله ~~بن زيد أنه رأى النبي (ص) توضأ وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه. وأخرج ~~أيضا من حديثه أن النبي (ص) أخذ لرأسه ماء جديدا. وأخرج ابن حبان في صحيحه ~~من حديثه أيضا نحوه. وأنت خبير بأن كونه ms0034 (ص) أخذ لرأسه ماء جديدا كما وقع ~~في هذه الروايات لا ينافي ما في حديث الباب من أنه (ص) مسح رأسه بما بقي من ~~وضوئه في يديه، لأن التنصيص على شئ بصيغة لا تدل إلا على مجرد الوقوع، ولم ~~يتعرض فيها لحصر على المنصوص عليه ولا نفي لما PageV01P029 # عداه لا يستلزم عدم وقوع غيره. والأولى الاحتجاج بما أخرجه الترمذي ~~والطبراني من رواية ابن جارية بلفظ: خذ للرأس ماء جديدا فإن صح هذا دل على ~~أنه يجب أن يؤخذ للرأس ماء جديد، ولا يجزي مسحه بفضل ماء اليدين، ويكون ~~المسح ببقية ماء اليدين إن صح حديث الباب مختصا به (ص) لما تقرر في الأصول ~~من أن فعله (ص) لا يعارض القول الخاص بالأمة بل يكون مختصا به، وذلك لان ~~أمره (ص) للأمة أمرا خاصا بهم أخص من أدلة التأسي القاضية باتباعه في ~~أقواله وأفعاله فيبنى العام على الخاص، ولا يجب التأسي به في هذا الفعل ~~الذي ورد أمر الأمة بخلافه وما نحن فيه من هذا القبيل، وإن كان خطابا لواحد ~~لأنه يلحق به غيره إما بالقياس أو بحديث: حكمي على الواحد كحكمي على ~~الجماعة وهو وإن لم يكن حديثا معتبرا عند أئمة الحديث فقد شهد لمعناه حديث: ~~إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة ونحوه، قال المصنف رحمه الله بعد أن ~~ساق الحديث ما لفظه: وعلى تقدير أن يثبت أن النبي (ص) مسح رأسه بما بقي من ~~بلل يديه فليس يدل على طهورية الماء المستعمل، لأن الماء كلما تنقل في محال ~~التطهير من غير مفارقة إلى غيرها فعمله وتطهيره باق، ولهذا لا يقطع عمله في ~~هذه الحال تغيره بالنجاسات والطهارات انتهى. وقد قدمنا ما هو الحق في الماء ~~المستعمل. # باب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملا عن عبد ~~الله بن زيد بن عاصم: أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله (ص) فدعا بإناء ~~فأكفأ منه على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق ms0035 من ~~كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل ~~يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح ~~برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا كان وضوء ~~رسول الله (ص) متفق عليه ولفظه لأحمد. # قوله: فأكفأ منه أي أمال وصب، وفي رواية لمسلم أكفأ منها أي المطهرة أو ~~الإداوة. # قوله: ثم أدخل يده هكذا وقع في صحيح مسلم أدخل يده بلفظ الافراد، وكذا في ~~أكثر روايات البخاري، وفي رواية له: ثم أدخل يديه فاغترف بهما وفي أخرى له ~~PageV01P030 # من حديث ابن عباس: ثم أخذ غرفة فعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل ~~بها وجهه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (ص) يتوضأ. وفي سنن أبي داود ~~والبيهقي من رواية علي عليه السلام في صفة وضوء رسول الله (ص): ثم أدخل ~~يديه في الاناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه. فهذه ~~الروايات في بعضها يديه وفي بعضها يده فقط وفي بعضها يده وضم الأخرى إليها، ~~فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة وأنها سنة. قال النووي: ويجمع بين ذلك ~~بأن النبي (ص) فعل ذلك في مرات وهي ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي، ولكن الصحيح ~~منها والمشهور الذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي في البويطي والمزني، ~~أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعا لكونه أسهل وأقرب إلى الاسباغ. ~~والكلام على أطراف الحديث يأتي في الوضوء إن شاء الله، وإنما ساقه المصنف ~~ههنا للرد على من زعم أن الماء المغترف منه بعد غسل الوجه يصير مستعملا لا ~~يصلح للطهورية، وهي مقالة باطلة يردها هذا الحديث وغيره. وقد زعم بعض ~~القائلين بخروج المستعمل عن الطهورية أن إدخال اليد في الاناء للغرفة التي ~~يغسلها بها يصيره مستعملا، وللحنفية والشافعية وغيرهم مقالات في المستعمل ~~ليس عليها أثارة من علم وتفصيلات وتفريعات عن الشريعة السمحة السهلة بمعزل. ~~وقد عرفت بما سلف أن هذه المسألة أعني خروج المستعمل عن الطهورية ms0036 مبنية على ~~شفا جرف هار. ومن فوائد هذا الحديث جواز المخالفة بين غسل أعضاء الوضوء، ~~لأنه اقتصر في غسل اليدين على مرتين بعد تثليث غيرهما. قوله: فمسح برأسه لم ~~يذكر فيه عددا كسائر الأعضاء، وهكذا أطلق في حديث عثمان المتفق عليه، وصرح ~~بواحدة في حديث علي عليه السلام عند الترمذي وصححه. وفي حديث ابن عباس عند ~~أحمد وأبي داود وقد ورد التثليث في حديث علي عليه السلام من طريق خالفت ~~الحفاظ، وكذلك في حديث عثمان من طريق فيها عبد الرحمن بن وردان، وسيأتي بسط ~~الكلام على ذلك في الوضوء إن شاء الله تعالى. # باب ما جاء في فضل طهور المرأة عن الحكم بن عمر والغفاري: أن رسول الله ~~(ص) نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الخمسة إلا أن ابن ماجة ~~والنسائي قالا: وضوء المرأة وقال الترمذي، هذا حديث حسن. وقال ابن ماجة: ~~وقد روى بعده حديثا آخر الصحيح الأول يعني حديث الحكم. # الحديث صححه ابن حبان أيضا. وقال البيهقي في سننه الكبرى: قال البخاري ~~حديث PageV01P031 # الحكم ليس بصحيح. وقال النووي: اتفق الحفاظ على تضعيفه. قال ابن حجر في ~~الفتح: # وقد أغرب النووي بذلك، وله شاهد عند أبي داود والنسائي من حديث رجل صحب ~~النبي (ص) قال: نهى رسول الله (ص) أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل ~~بفضل المرأة وليغترفا جميعا. قال الحافظ في الفتح رجاله ثقات ولم أقف لمن ~~أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة لأن إبهام ~~الصحابي لا يضر وقد صرح التابعي بأنه لقيه. ودعوى ابن حزم أن داود الذي ~~رواه عن حميد بن عبد الرحمن الحميري هو ابن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة، ~~فإنه ابن عبد الله الأودي وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره. وصرح ~~الحافظ أيضا في بلوغ المرام بأن إسناده صحيح. # والحديث يدل على أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وقد ذهب ~~إلى ذلك عبد الله بن سرجس الصحابي، ونسبه ابن حزم ms0037 إلى الحكم بن عمرو راوي ~~الحديث وجويرية أم المؤمنين وأم سلمة وعمر بن الخطاب، وبه قال سعيد بن ~~المسيب والحسن البصري، وهو أيضا قول أحمد وإسحاق لكن قيداه بما إذا خلت به. ~~وروي عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع لكن مقيدا بما إذا كانت المرأة ~~حائضا. ونقل الميموني عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء ~~المرأة وفي جوازه مضطربة لكن قال: # صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به، وعورض بأن الجواز أيضا نقل ~~عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس، واستدلوا بما سيأتي من الأدلة، وقد جمع ~~بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار ~~مستعملا والجواز على ما بقي من الماء وبذلك جمع الخطابي، وأحسن منه ما جمع ~~به الحافظ في الفتح من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز الآتية. # وعن ابن عباس: أن رسول الله (ص) كان يغتسل بفضل ميمونة رواه أحمد ومسلم. ~~وعن ابن عباس عن ميمونة: أن رسول الله (ص) توضأ بفضل غسلها من الجنابة رواه ~~أحمد وابن ماجة. وعن ابن عباس قال: # اغتسل بعض أزواج النبي (ص) في جفنة فجاء النبي (ص) ليتوضأ منها أو يغتسل ~~فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. # حديثه الأول مع كونه في صحيح مسلم قد أعله قوم بتردد وقع في رواية عمرو ~~بن دينار حيث قال: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر ~~الحديث. وقد PageV01P032 # ورد من طريق أخرى بلا تردد. وأعل أيضا بعدم ضبط الراوي ومخالفته، ~~والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: أن النبي (ص) وميمونة كانا يغتسلان من ~~إناء واحد. وحديثه الآخر أخرجه أيضا الدارقطني وصححه ابن خزيمة وغيره، كذا ~~قال الحافظ في الفتح. وقال الدارقطني: قد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن ~~عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه شعبة وهو لا يحمل عن ms0038 مشايخه إلا ~~صحيح حديثهم. قوله: لا يجنب في نسخة بفتح الياء التحتية وفي أخرى بضمها، ~~فالأولى من جنب بضم النون وفتحها، والثانية من أجنب. قال في القاموس: وقد ~~أجنب وجنب وجنب واستجنب وهو جنب يستوي للواحد والجمع اه. وظاهر حديثي ابن ~~عباس وميمونة معارض لحديث الحكم السابق وحديث الرجل الذي من الصحابة فيتعين ~~الجمع بما سلف لا يقال إن فعل النبي (ص) لا يعارض قوله الخاص بالأمة لأنا ~~نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب. مشعر بعدم اختصاص ذلك به. وأيضا ~~النهي غير مختص بالأمة لأن صيغة الرجل تشمله (ص) بطريق الظهور، وقد تقرر ~~دخول المخاطب في خطاب نفسه، نعم لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله (ص) مخصصا ~~له من عموم الحديثين السابقين، وقد نقل النووي الاتفاق على جواز وضوء ~~المرأة بفضل الرجل دون العكس، وتعقبه الحافظ بأن الطحاوي قد أثبت فيه ~~الخلاف. # قال المصنف رحمه الله تعالى: قلت وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من ~~فضل طهور المرأة والاخبار بذلك أصح، وكرهه أحمد وإسحاق إذا خلت به وهو قول ~~عبد الله بن سرجس، وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به جميعا بينه وبين ~~حديث الحكم. فأما غسل الرجل والمرأة ووضوءهما جميعا فلا اختلاف فيه، قالت ~~أم سلمة: كنت أغتسل أنا ورسول الله (ص) من إناء واحد من الجنابة متفق عليه: ~~وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله (ص) من إناء واحد تختلف أيدينا ~~فيه من الجنابة متفق عليه. وفي لفظ للبخاري: من إناء واحد نغترف منه جميعا. # ولمسلم: من إناء بيني وبينه واحد فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي وفي لفظ ~~النسائي: # من إناء واحد يبادرني وأبا دره حتى يقول: دعي لي، وأنا أقول: دع لي اه. ~~وقد وافق المصنف في نقل الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الاناء ~~الواحد جميعا الطحاوي والقرطبي والنووي، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن ~~أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وحكاه ابن عبد البر عن قوم، ms0039 ومن جملة ما يدل ~~على جواز الاغتسال PageV01P033 # والوضوء للرجل والمرأة من الاناء الواحد جميعا ما أخرج أبو داود من حديث ~~أم صبية الجهنية: قالت اختلفت يدي ويد رسول الله (ص) في الوضوء من إناء ~~واحد. ومن حديث ابن عمر قال كان الرجال والنساء يتوضأون (ص) في زمان رسول ~~الله (ص)، قال مسدد من الاناء الواحد جميعا قال في الفتح: ظاهره أنهم كانوا ~~يتناولون الماء في حالة واحدة. وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال ~~والنساء كانوا يتوضأون جميعا في موضع واحد هؤلاء على حدة، وهؤلاء على حدة، ~~والزيادة المتقدمة في قوله: من إناء واحد ترد عليه. وكأن هذا القائل استبعد ~~اجتماع الرجال والنساء الأجانب. وقد أجاب ابن التين عنه بما حكاه سحنون أن ~~معناه كان الرجال يتوضأون ويذهبون ثم يأتي النساء، وهو خلاف الظاهر، لأن ~~قوله جميعا معناه ضد المفترق كما قال أهل اللغة. وقد وقع مصرحا بوحدة ~~الاناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث من طريق معتمر عن عبيد الله عن ~~نافع عن ابن عمر: أنه أبصر النبي (ص) وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء ~~واحد كلهم يتطهرون منه. # والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما ~~بعده فيختص بالمحارم والزوجات. # باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول ~~الله أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ ~~فقال رسول الله (ص): # الماء طهور لا ينجسه شئ. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. # وقال أحمد بن حنبل: حديث بئر بضاعة صحيح. وفي رواية لأحمد وأبي داود: إنه ~~يستقى لك من بئر بضاعة وهي بئر تطرح فيها محايض النساء ولحم الكلاب وعذر ~~الناس، فقال رسول الله (ص): إن الماء طهور لا ينجسه شئ. قال أبو داود: سمعت ~~قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قلت: أكثر ما يكون فيها ~~الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: ms0040 دون العورة. قال أبو داود: ~~قدرت بئر بضاعة بردائي فمددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت ~~الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كان عليه؟ فقال: ~~لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون. PageV01P034 # الحديث أخرجه أيضا الشافعي في الام والنسائي وابن ماجة والدارقطني ~~والحاكم والبيهقي. وقد صححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم والحاكم وجوده أبو ~~أسامة، ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: إنه ليس بثابت. قال في التلخيص: ~~ولم نر ذلك في العلل له ولا في السنن، وأعله ابن القطان بجهالة راويه عن ~~أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. # قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد، وقال ابن ~~منده في حديث أبي سعيد: هذا إسناده مشهور. وفي الباب عن جابر عند ابن ماجة ~~بلفظ: إن الماء لا ينجسه شئ وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف ~~متروك. وعن ابن عباس عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان بنحوه. وعن سهل بن سعد ~~عند الدارقطني. وعن عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي يعلى والبزار وابن ~~السكن في صحاحه. ورواه أحمد من طريق أخرى صحيحة لكنه موقوف. وأخرجه أيضا ~~بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان ولفظه: الماء طهور لا ينجسه شئ ~~إلا ما غلب على ريحه أو طعمه وفي إسناده رشدين بن سعد وهو متروك. وعن أبي ~~أمامة مثله عند ابن ماجة والطبراني وفيه أيضا رشدين ورواه البيهقي بلفظ: إن ~~الماء طهور إلا أن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه من طريق عطية ~~بن بقية عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة، وفيه تعقب على من زعم ~~أن رشدين بن سعد تفرد بوصله. ورواه الطحاوي والدارقطني من طريق راشد بن سعد ~~مرسلا. وصحح أبو حاتم إرساله. وقال الشافعي: لا يثبت أهل الحديث مثله. # وقال الدارقطني: لا يثبت هذا الحديث. وقال النووي: اتفق المحدثون على ~~تضعيفه، قال في البدر المنير: فتلخص ms0041 أن الاستثناء المذكور ضعيف فتعين ~~الاحتجاج بالاجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما، يعني الاجماع على أن ~~المتغير بالنجاسة ريحا أو لونا أو طعما نجس. # وكذا نقل الاجماع ابن المنذر فقال: أجمع العلماء على أن الماء القليل ~~والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس انتهى. ~~وكذا نقل الاجماع المهدي في البحر. قوله: أتتوضأ بتاءين مثناتين من فوق ~~خطاب للنبي (ص) كذا قال في التلخيص. قوله: النتن بنون مفتوحة وتاء مثناة من ~~فوق ساكنة ثم نون، قال ابن رسلان: وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاء ~~وهو الشئ الذي له رائحة كريهة من قولهم: نتن الشئ بكسر التاء ينتن بفتحها ~~فهو نتن. قوله: بئر بضاعة أهل اللغة يضمون الياء ويكسرونها، والمحفوظ في ~~الحديث الضم. قوله: والحيض بكسر الحاء جمع حيضة بكسر الحاء أيضا مثل سدر ~~وسدرة، والمراد بها خرقة الحيض التي تمسحه المرأة بها، وقيل: PageV01P035 # الحيضة الخرقة التي تستثفر المرأة بها. قوله: وعذر الناس بفتح العين ~~المهملة وكسر الذال المعجمة جمع عذرة ككلمة وكلم وهي الجزء، وأصلها اسم ~~لفناء الدار ثم سمي بها الخارج من باب تسمية المظروف باسم الظرف. قوله: إلى ~~العانة قال الأزهري وجماعة: هي موضع منبت الشعر فوق قبل الرجل والمرأة. ~~قوله: دون العورة قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد به عورة الرجل أي دون ~~الركبة لقوله (ص) عورة الرجل ما بين سرته وركبته. قوله: ماء متغير اللون ~~قال النووي: يعني بطول المكث وأصل المنبع لا بوقوع شئ أجنبي فيه. والحديث ~~يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شئ فيه، سواء كان قليلا أو كثيرا ولو ~~تغيرت أوصافه أو بعضها، لكنه قام الاجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه ~~بالنجاسة خرج عن الطهورية، فكان الاحتجاج به لا بتلك الزيادة كما سلف، فلا ~~ينجس الماء بما لاقاه ولو كان قليلا إلا إذا تغير. وقد ذهب إلى ذلك ابن ~~عباس وأبو هريرة والحسن البصري وابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى والثوري ~~وداود ms0042 الظاهري والنخعي وجابر بن زيد ومالك والغزالي. ومن أهل البيت القاسم ~~والامام يحيى، وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق. ومن أهل البيت الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب والناصر إلى أنه ~~ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة، وإن لم تتغير أوصافه إذ تستعمل النجاسة ~~باستعماله. وقد قال تعالى: * (والرجز فاهجر) * (المدثر: 5) ولخبر الاستيقاظ ~~وخبر الولوغ ولحديث: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم وحديث القلتين ولترجيح ~~الحظر. # ولحديث: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون عند أحمد وأبي يعلى والطبراني وأبي ~~نعيم مرفوعا. وحديث: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك أخرجه النسائي وأحمد ~~وصححه ابن حبان والحاكم والترمذي من حديث الحسن بن علي. قالوا فحديث: الماء ~~طهور لا ينجسه شئ مخصص بهذه الأدلة، واختلفوا في حد القليل الذي يجب ~~اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه، فقيل: ما ظن استعمالها وإليه ذهب أبو حنيفة ~~والمؤيد بالله وأبو طالب، وقيل: دون القلتين، على اختلاف في قدرهما وإليه ~~ذهب الشافعي وأصحابه والناصر والمنصور بالله، وأجاب القائلون بأن القليل لا ~~ينجس بالملاقاة للنجاسة، إلا أن يتغير باستلزام الأحاديث الواردة في اعتبار ~~الظن للدور لأنه لا يعرف القليل إلا بظن الاستعمال ولا يظن إلا إذا كان ~~قليلا، وأيضا الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الاشخاص، وأيضا جعل ظن ~~الاستعمال مناطا يستلزم استواء القليل والكثير. وعن حديث القلتين بأنه ~~مضطرب الاسناد والمتن كما سيأتي. والحاصل أنه لا معارضة بين حديث القلتين ~~وحديث الماء طهور PageV01P036 # لا ينجسه شئ فما بلغ مقدار القلتين فصاعدا فلا يحمل الخبث ولا ينجس ~~بملاقاة النجاسة إلا أن يتغير أوصافه فنجس بالاجماع، فيخص به حديث القلتين ~~وحديث لا ينجسه شئ. وأما ما دون القلتين فإن تغير خرج عن الطهارة بالاجماع، ~~وبمفهوم حديث القلتين فيخص بذلك عموم حديث لا ينجسه شئ وإن لم يتغير بأن ~~وقعت فيه نجاسة لم تغيره، فحديث لا ينجسه شئ يدل بعمومه على عدم خروجه عن ~~الطهارة لمجرد ملاقاة النجاسة، وحديث القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن ~~الطهورية بملاقاتها، فمن ms0043 أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم قال به في هذا ~~المقام، ومن منع منه منعه فيه. ويؤيد جواز التخصيص بهذا المفهوم لذلك ~~العموم بقية الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الماء القليل ينجس بوقوع ~~النجاسة فيه، وإن لم تغيره كما تقدم، وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي ~~إلى ما هو الصواب فيها إلا الافراد. وقد حققت المقام بما هو أطول من هذا ~~وأوضح في طيب النشر على المسائل العشر. وللناس في تقدير القليل والكثير ~~أقوال ليس عليها أثاره من علم فلا تشتغل بذكرها. # وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله (ص) وهو يسأل عن ~~الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال: # إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث رواه الخمسة. وفي لفظ ابن ماجة ورواية ~~لأحمد لم ينجسه شئ. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني ~~والبيهقي، وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقد احتجا بجميع رواته واللفظ ~~الآخر من حديث الباب أخرجه أيضا الحاكم. وأخرجه أبو داود بلفظ: لا ينجس ~~وكذا أخرجه ابن حبان. وقال ابن منده: إسناد حديث القلتين على شرط مسلم ~~انتهى. ومداره على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، ~~وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وقيل عنه عن عبيد الله بن عمر. وقيل عنه ~~عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر. وهذا اضطراب في الاسناد وقد روي أيضا ~~بلفظ: إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس كما في رواية لأحمد ~~والدارقطني. وبلفظ: إذا بلغ الماء قلة فإنه لا يحمل الخبث كما في رواية ~~للدارقطني وابن عدي والعقيلي. وبلفظ: أربعين قلة عند الدارقطني وهذا اضطراب ~~في المتن، وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الاسناد بأنه على تقدير أن يكون ~~محفوظا من جميع تلك الطرق لا يعد اضطرابا لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة. قال ~~الحافظ: وعند PageV01P037 # التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد ms0044 بن جعفر عن عبد الله بن ~~عمر المكبر وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ~~المصغر. ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وله طريق ثالثة عند الحاكم ~~جود إسنادها ابن معين. وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية أو ثلاث شاذة، ~~ورواية أربعين قلة مضطربة، وقيل إنهما موضوعتان، ذكر معناه في البدر ~~المنير. ورواية أربعين ضعفها الدارقطني بالقاسم بن عبد الله العمري، قال ~~ابن عبد البر في التمهيد ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من ~~جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ~~ولان القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، وقال في ~~الاستذكار: # حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه. وقال الطحاوي: إنما لم نقل به ~~لأن مقدار القلتين لم يثبت. وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث قد صححه بعضهم ~~وهو صحيح على طريقة الفقهاء ثم أجاب عن الاضطراب. وأما التقييد بقلال هجر ~~فلم يثبت مرفوعا إلا من رواية المغيرة بن صقلاب عند ابن عدي وهو منكر ~~الحديث، قال النفيلي: لم يكن مؤتمنا على الحديث، وقال ابن عدي: لا يتابع ~~على عامة حديثه، ولكن أصحاب الشافعي قووا كون المراد قلال هجر بكثرة ~~استعمال العرب لها في أشعارهم كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور. وكذلك ورد ~~التقييد بها في الحديث الصحيح، قال البيهقي: قلال هجر كانت مشهورة عندهم ~~ولهذا شبه رسول الله (ص) ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال ~~هجر، قال الخطابي: قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار، والقلة لفظ ~~مشترك وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار ~~والصغار، والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحد مقدرا بعده، فدل على ~~أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على ~~التقدير بواحدة كبيرة، ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف والتعسف. قوله: ~~ما ms0045 ينوبه هو بالنون أي يرد عليه نوبة بعد أخرى. وحكى الدارقطني أن ابن ~~المبارك صحفه فقال: # يثوبه بالثاء المثلثة. قوله: لم يحمل الخبث هو بفتحتين النجس كما وقع ~~تفسير ذلك بالنجس في الروايات المتقدمة، والتقدير لم يقبل النجاسة بل ~~يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين ~~معنى، فإن ما دونهما أولى بذلك، وقيل PageV01P038 # معناه لا يقبل حكم النجاسة. وللخبث معان أخر ذكرها في النهاية والمراد ~~ههنا ما ذكرنا. # والحديث يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو ~~أكثر من ذلك بالأولى ولكنه مخصص أو مقيد بحديث: إلا ما غير ريحه أو لونه أو ~~طعمه وهو وإن كان ضعيفا فقد وقع الاجماع على معناه، وقد تقدم تحقيق الكلام ~~والجمع بين الأحاديث. # وعن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي ~~لا يجري ثم يغتسل فيه رواه الجماعة، وهذا لفظ البخاري، ولفظ الترمذي: ثم ~~يتوضأ منه. ولفظ الباقين: ثم يغتسل منه. # قوله: الدائم تقدم تفسيره. قوله: الذي لا يجري قيل: هو تفسير للدائم ~~وإيضاح لمعناه، وقد احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك. وقيل: احترز به عن ~~الماء الراكد لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر ~~البخاري هذا القيد حيث جاء بلفظ الراكد بدل الدائم وكذلك مسلم في حديث جابر ~~وقال ابن الأنباري: # الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر. وعلى هذا يكون قوله: لا ~~يجري صفة مخصصة لاحد معنى المشترك. وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، ~~لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له. قوله: ثم يغتسل فيه ضبطه ~~النووي في شرح مسلم بضم اللام، قال في الفتح: وهو المشهور، وقال النووي ~~أيضا: وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على موضع ~~يبولن ثم نصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع، فأما الجزم فلا مخالفة ~~بينه وبين الأحاديث الدالة على أنه يحرم البول ms0046 في الماء الدائم على انفراده ~~والغسل على انفراده، كما تقدم في باب بيان زوال تطهيره لدلالته على تساوي ~~الامرين في النهي عنهما. وأما النصب فقال النووي: لا يجوز لأنه يقتضي أن ~~المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد بل البول فيه ~~منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم لا، وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم ~~أن يدل على الاحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا ~~الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الافراد من حديث آخر، وتعقبه ~~ابن هشام في المغني فقال: إنه وهم وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في ~~النصب لا في المعية. قال: وأيضا ما أورده إنما جاء من قبيل المفهوم لا ~~المنطوق، وقد قام دليل PageV01P039 # آخر على عدم إرادته ونظيره إجازة الزجاج والزمخشري في قوله تعالى: * (ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق) * (البقرة: 42) كون تكتموا مجزوما وكونه ~~منصوبا مع أن النصب معناه النهي اه. وقد اعترض الجزم القرطبي بما حاصله أنه ~~لو أراد النهي عنه لقال: ثم يغتسلن بالتأكيد، وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد ~~النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد، لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في ~~أحدهما ليس في الآخر اه. والحاصل أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ~~ذكر للبول كحديث أبي هريرة المتقدم في باب بيان زوال تطهيره الماء، وورد ~~النهي عن مجرد البول من دون ذكر للغسل كما في صحيح مسلم أنه (ص) نهى عن ~~البول في الماء الراكد والنهي عن كل واحد منهما على انفراده يستلزم النهي ~~عن فعلهما جميعا بالأولى. وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث الباب إن ~~صحت رواية النصب، والنهي عن كل واحد منهما في حديث عند أبي داود. # ويدل عليه حديث الباب على رواية الجزم، وأما على رواية الرفع فقال ~~القرطبي: إنه نبه بذلك على مآل الحال ومثله بقوله (ص) لا يضربن أحدكم ~~امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها أي ثم ms0047 هو يضاجعها، والمراد النهي عن الضرب، ~~لأن الزوج يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها، فيكون ~~المراد ههنا النهي عن البول في الماء، لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى ~~التطهر به، فيمتنع ذلك للنجاسة. قال النووي: وهذا النهي في بعض المياه ~~للتحريم وفي بعضها للكراهة، فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه ~~ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا، فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي: ~~يكره، والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه، ولان النهي يقتضي التحريم عند ~~المحققين والأكثرين من أهل الأصول، وهكذا إذا كان كثيرا راكدا أو قليلا، ~~لذلك قال: وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد ~~قليلا كان أو كثيرا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية، قال: وهذا كله ~~على كراهة التنزيه لا التحريم انتهى. وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن ~~التحريم، ولا فرق في تحريم البول في الماء بين أن يقع البول فيه أو في إناء ~~ثم يصب إليه خلافا للظاهرية. والتغوط كالبول وأقبح، ولم يخالف في ذلك أحد ~~إلا ما حكي عن داود الظاهري. قال النووي: وهو خلاف الاجماع وهو أقبح ما نقل ~~عنه في الجمود على الظاهر. وقد نصر قول داود بن حزم في المحلى وأورد ~~للفقهاء الأربعة من هذا الجنس الذي أنكره أتباعهم على داود شيئا واسعا. ~~واعلم أنه لا بد عن إخراج هذا الحديث عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد، لأن ~~الاتفاق واقع على أن PageV01P040 # الماء المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة، وحملته الشافعية على ما ~~دون القلتين لأنهم يقولون إن قدر القلتين فما فوقهما لا ينجس إلا بالتغير. ~~وقيل حديث القلتين عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي، ورد بأن المعنى ~~المقتضى للنهي هو عدم التقرب إلى الله بالمتنجس، وهذا المعنى يستوي فيه ~~سائر النجاسات، ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى. ~~قوله: ثم يتوضأ منه فيه دليل على أن النهي لا يختص بالغسل بل الوضوء في ~~معناه، ولو لم يرد هذا ms0048 لكان معلوما لاستواء الوضوء والغسل في المعنى ~~المقتضي للنهي كما تقدم. قوله: ثم يغتسل منه هذا اللفظ ثابت أيضا في ~~البخاري من طريق أبي الزناد، وللبخاري ومسلم من طريق أخرى ثم يغتسل فيه. ~~قال ابن دقيق العيد: وكل واحد من اللفظين يفيد حكما بالنص وحكما بالاستنباط ~~انتهى، وذلك لأن الرواية بلفظ فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع ~~التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ منه بعكس ذلك. وقد استدل بهذا الحديث ~~أيضا على نجاسة المستعمل، وعلى أنه طاهر مسلوب الطهورية، وقد تقدم الكلام ~~على البحثين. قال المصنف رحمه الله تعالى: # ومن ذهب، إلى خبر القلتين حمل هذا الخبر على ما دونهما، وخبر بئر بضاعة ~~على ما بلغهما جمعا بين الكل انتهى. وقد تقدم تحقيق ذلك. # باب أسئار البهائم حديث ابن عمر في القلتين يدل على نجاستها، وإلا يكون ~~التحديد بالقلتين في جواب السؤال عن ورودها على الماء عبثا. عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله (ص): إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع ~~مرات رواه مسلم والنسائي. # الحديث له ألفاظ هذا أحدها. وفي الباب أحاديث منها عن عبد الله بن مغفل ~~وسيأتي في باب اعتبار العدد في الولوغ. وحديث ابن عمر الذي أشار إليه ~~المصنف في القلتين تقدم. وقد استدل به على نجاسة أسئار البهائم لمذكره. ~~قوله: إذا ولغ قال في الفتح يقال: ولغ يلغ بالفتح فيهما إذا شرب بطرف لسانه ~~فيه فحركه، قال ثعلب: PageV01P041 # هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه زاد ابن درستويه: شرب ~~أو لم يشرب. قال مكي: فإن كان غير مائع يقال لعقه. قوله: في إناء أحدكم ~~ظاهره العموم في الآنية وهو يخرج ما كان من المياه في غير الآنية، وقيل أصل ~~الغسل معقول المعنى وهو النجاسة فلا فرق بين الاناء وغيره. وقال العراقي: ~~ذكر الاناء خرج مخرج الأغلب لا للتقييد. قوله: فليرقه قال النسائي: لم يذكر ~~فليرقه غير علي بن مسهر. وقال ابن منده: تفرد بذكر الإراقة فيه علي ms0049 بن مسهر ~~ولا يعرف عن النبي (ص) بوجه من الوجوه. قال الحافظ:، ورد الامر بالإراقة ~~عند مسلم من طريق الأعمش عن أبي صالح، وأبي رزين عن أبي هريرة وقد حسن ~~الدارقطني حديث الإراقة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه ورواه مسلم بزيادة: ~~أولاهن بالتراب كما سيأتي والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ ~~الكلب، وإليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو بن ~~دينار والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ~~وداود. وذهبت العترة والحنفية إلى عدم الفرق بين لعاب الكلب وغيره من ~~النجاسات، وحملوا حديث السبع على الندب، واحتجوا بما رواه الطحاوي ~~والدارقطني موقوفا على أبي هريرة، أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات وهو الراوي ~~للغسل سبعا، فثبت بذلك نسخ السبع، وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب ~~العمل بتأويل الراوي وتخصيصه ونسخه، وغير مناسب لأصول الجمهور من عدم العمل ~~به. ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها أو أنه ~~نسي ما رواه. وأيضا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعا، ورواية من روى عنه ~~موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الاسناد ~~ومن حيث النظر. أما من حيث الاسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن ~~أيوب عن ابن سيرين عنه وهذا من أصح الأسانيد، والمخالفة من رواية عبد الملك ~~بن أبي سليمان عن عطاء عنه وهو دون الأول في القوة بكثير قاله الحافظ في ~~الفتح. وأما من حيث النظر فظاهر، وأيضا قد روى التسبيع غير أبي هريرة فلا ~~يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره، وعلى كل حال فلا حجة في قول أحد مع ~~قول رسول الله (ص). ومن جملة أعذارهم عن العمل بالحديث أن العذرة أشد نجاسة ~~من سؤر الكلب ولم تقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، ورد بأنه ~~لا يلزم من كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في تغليظ ~~الحكم، وبأنه ms0050 قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار. ومنها أيضا أن ~~الامر PageV01P042 # بذلك كان عند الامر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ الامر بالغسل، ~~وتعقب بأن الامر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والامر بالغسل متأخر جدا، ~~لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل وكان إسلامهما سنة سبع، وسياق ~~حديث ابن مغفل الآتي ظاهر في أن الامر بالغسل كان بعد الامر بقتل الكلاب. ~~وقد اختلف أيضا في وجوب التتريب للاناء الذي ولغ فيه الكلب، وسيأتي بيان ~~ذلك في باب اعتبار العدد. واستدل بهذا الحديث أيضا على نجاسة الكلب لأنه ~~إذا كان لعابه نجسا وهو عرق فمه ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك ~~لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى، وقد ذهب إلى هذا ~~الجمهور. وقال عكرمة ومالك في رواية عنه أنه طاهر. ودليلهم قول الله تعالى: ~~* (فكلوا مما أمسكن عليكم) * (المائدة: 4) ولا يخلو الصيد من التلوث بريق ~~الكلاب ولم نؤمر بالغسل، وأجيب عن ذلك بأن إباحة الاكل مما أمسكن لا تنافي ~~وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الامر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس ~~من العموم، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. واستدلوا أيضا بما ثبت ~~عند أبي داود من حديث ابن عمر بلفظ: كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول الله ~~(ص) في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك وهو في البخاري. وأخرجه ~~الترمذي بزيادة وتبول، ورد بأن البول مجمع على نجاسته، فلا يصلح حديث بول ~~الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الاجماع. وأما مجرد الاقبال والادبار فلا ~~يدلان على الطهارة، وأيضا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة ~~أو لطهارة الأرض بالجفاف. قال المنذري: إنها كانت تبول خارج المسجد في ~~مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد. قال الحافظ: والأقرب أن يقال إن ذلك كان ~~في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الامر بتكريم المساجد وتطهيرها ~~وجعل الأبواب عليها. واستدلوا على الطهارة أيضا بما سيأتي من ms0051 الترخيص في ~~كلب الصيد والماشية والزرع، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم ~~بالنجاسة غاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به. # باب سؤر الهرة عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة: أن أبا ~~قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الاناء حتى ~~شربت منه، قالت كبشة: فرآني أنظر فقال أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت نعم، ~~فقال: إن رسول الله (ص) PageV01P043 # قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواة الخمسة. # وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن عائشة عن النبي (ص): # أنه كان يصغي إلى الهرة الاناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها رواه الدارقطني. # الحديث الأول أخرجه أيضا البيهقي وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن ~~حبان والحاكم والدارقطني، وأعله ابن منده بأن حميدة الراوية له عن كبشة ~~مجهولة وكذلك كبشة قال: ولم يعرف لهما إلا هذا الحديث وتعقبه الحافظ بأن ~~لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود. ولها ثالث رواه أبو نعيم ~~في المعرفة. وقد روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين فارتفعت ~~جهالتها. وأما كبشة فقيل إنها صحابية، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما ~~هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة، وقد حققنا ذلك في القول المقبول في رد ~~رواية المجهول من غير صحابة الرسول. وفي الباب عن جابر عند ابن شاهين في ~~الناسخ والمنسوخ مثله. والحديث الثاني الذي رواه الدارقطني عن عائشة قد ~~اختلف فيه على عبد ربه وهو عبد الله بن سعيد المقبري، ورواه الدارقطني من ~~وجه آخر عن عائشة وفيه الواقدي، وروي من طرق أخر كلها واهية، والحديثان ~~يدلان على طهارة فم الهرة وطهارة سؤرها، وإليه ذهب الشافعي والهادي وقال ~~أبو حنيفة: بل نجس كالسبع لكن خفف فيه فكره سؤره، واستدل بما ورد عنه (ص) ~~من أن الهرة سبع في حديث أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث ~~أبي هريرة بلفظ: السنور سبع وبما تقدم من ms0052 قوله (ص) عند سؤاله عن الماء وما ~~ينوبه من السباع والدواب فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شئ وأجيب بأن ~~حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس، فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ~~ورود ما يقضي بنجاسة السباع. وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم ~~أنها نجس، إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية على أنه قد أخرج الدارقطني من ~~حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله (ص) عن الحياض التي تكون PageV01P044 # بين مكة والمدينة فقيل إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت في ~~بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور وأخرج الشافعي والدارقطني والبيهقي في ~~المعرفة وقال: # له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ: أتتوضأ بما أفضلت الحمر؟ ~~قال: # نعم وبما أفضلت السباع كلها وأخرج الدارقطني وغيره عن ابن عمر قال: خرج ~~رسول الله (ص): في بعض أسفاره فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له ~~وهو الحوض الذي يجتمع فيه الماء فقال عمر أولغت السباع عليك الليلة في ~~مقراتك، فقال له النبي (ص): يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما ~~حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور وهذه الأحاديث مصرحة بطهارة ما ~~أفضلت السباع. وحديث عائشة المذكور في الباب نص في محل النزاع. وأيضا حديث ~~أبي هريرة الذي استدل به أبو حنيفة فيه مقال. ويمكن حمل حديث القلتين ~~المتقدم على أنه إنما كان كذلك لان ورودها على الماء مظنة لالقائها الأبوال ~~والأزبال عليه. قوله: فأصغى لها الاناء هو بالصاد المهملة بعدها غين معجمة ~~ذكره في الأساس. وقال: أصغى الاناء للهرة: أماله. وفي القاموس: وأصغى استمع ~~وإليه مال بسمعه والاناء أماله. قوله: إنها من الطوافين الخ تشبيه للهرة ~~بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة. # باب اعتبار العدد في الولوغ عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: إذا شرب ~~الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا متفق عليه. ولأحمد ومسلم: طهور إناء ~~أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب. ms0053 وعن عبد الله ~~بن مغفل قال: أمر رسول الله (ص) بقتل الكلاب ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب، ~~ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وقال: إذا ولغ الكلب في الاناء فاغسلوه سبع ~~مرات وعفروه الثامنة بالتراب رواه الجماعة إلا الترمذي والبخاري. وفي رواية ~~لمسلم: ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع. # الحديثان يدلان على أنه يغسل الاناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، وقد ~~تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبيان ما هو الحق في باب أسئار البهائم. قوله: ~~أولاهن بالتراب PageV01P045 # لفظ الترمذي والبزار أولاهن أو أخراهن. ولأبي داود السابعة بالتراب، وفي ~~رواية صحيحة للشافعي: أولاهن أو أخراهن بالتراب. وفي رواية لأبي عبيد ~~القاسم بن سلام في كتاب الطهور له؟ إذا ولغ الكلب في الاناء غسل سبع مرات ~~أولاهن أو إحداهن بالتراب وعند الدارقطني بلفظ إحداهن أيضا وإسناده ضعيف ~~فيه الجارود بن يزيد وهو متروك، والذي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في ~~الباب بلفظ وعفروه الثامنة بالتراب أصح من رواية إحداهن. قال في البدر ~~المنير بإجماعهم. وقال ابن منده إسناده مجمع على صحته وهي زيادة ثقة فتعين ~~المصير إليها وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك، واعتذار الشافعي بأنه لم يقف ~~على صحة هذا الحديث لا ينفع الشافعية، فقد وقف على صحته غيره لا سيما مع ~~وصيته بأن الحديث إذا صح مذهبه فتعين حمل المطلق على المقيد. وأما قول ابن ~~عبد البر لا أعلم أحدا أفتى بأن غسله التراب غير الغسلات السبع بالماء غير ~~الحسن، فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به. وأيضا قد أفتى بذلك ~~أحمد بن حنبل وغيره وروي عن مالك أيضا. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر. وجواب ~~البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح، وليس فيها هذه ~~الزيادة مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، ~~وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية. وقد خالفت الحنفية ~~والعترة في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ms0054 ههنا المالكية مع ~~إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في رواية ~~مالك، قال القرافي منهم قد صحت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا ~~بها، وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة ~~لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن، وفي رواية السابعة وفي ~~رواية الثامنة، والاضطراب يوجب الاطراح، وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في ~~مرة من المرات، وبأن إحداهن مبهمة وأولاهن معينة وكذلك أخراهن، والسابعة ~~والثامنة، ومقتضى حمل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات ~~المعينة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى ~~أيضا، لأن التتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص ~~الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح. وقد وقع الخلاف هل يكون التتريب ~~في الغسلات السبع أو خارجا عنها؟ وظاهر حديث عبد الله بن مغفل أنه خارج ~~عنها وهو أرجح من غيره لما عرفت فيما تقدم. قوله: ما بالهم وبال الكلاب فيه ~~دليل على تحريم قتل الكلاب، وقد اشتهر في السنة إذنه (ص) بقتل الكلاب، وسبب ~~ذلك كما في صحيح مسلم أنه وعده جبريل PageV01P046 # عليه السلام أن يأتيه فلم يأته، فقال النبي (ص): أما والله ما أخلفني فظل ~~رسول الله (ص) يومه ذلك ثم وقع في نفسه جرو وكلب تحت فسطاط فأمر به فأخرج، ~~فأتاه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة، فقال: أجل ولكنا لا ~~ندخل بيتا فيه كلب، فأصبح رسول الله (ص) فأمر بقتل الكلاب ثم ثبت عنه (ص) ~~النهي عن قتلها ونسخه، وقد عقد الحازمي في الاعتبار لذلك بابا، وثبت عنه ~~(ص) الترخيص في كلب الصيد والزرع والماشية والمنع من اقتناء غير ذلك وقال: ~~من اقتنى كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية نقص من عمله كل يوم قيراط وثبت عنه ~~الامر بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين وقال: إنه شيطان وللبحث في هذا ~~موطن آخر ليس هذا محله فلنقتصر على هذا المقدار، وسيأتي الكلام على ms0055 ذلك ~~مبسوطا في أبواب الصيد. # باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت ~~امرأة إلى النبي (ص) فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع؟ ~~فقال: تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه متفق عليه. # قوله جاءت امرأة في رواية للشافعي أنها أسماء، قال في الفتح: وأغرب ~~النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل وهي صحيحة الاسناد لا علة لها. ولا بعد ~~في أن يبهم الراوي اسم نفسه. قوله: من دم الحيضة بفتح الحاء أي الحيض قاله ~~النووي. قوله: تحته بفتح الفوقانية وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية ~~أي تحكه. وكذا رواه ابن خزيمة والمراد بذلك: إزالة عينه. قوله: ثم تقرصه ~~بفتح أوله وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وحكى القاضي عياض ~~وغيره فيه ضم المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة، أي تدلك ~~موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك. ويخرج ما يشربه الثوب منه، ومنه ~~تقريص العجين، قاله أبو عبيدة. وسئل الأخفش عنه فضم إصبعيه الابهام ~~والسبابة وأخذ شيئا من ثوبه بهما وقال: هكذا تفعل بالماء في موضع الدم، ~~وورد في رواية ذكر الغسل مكان القرص. روى ذلك الشيخ تقي الدين من رواية ~~محمد بن إسحاق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت: سمعت رسول الله ~~(ص) وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال: اغسليه وأخرجه الشافعي من ~~حديث سفيان عن هشام عن فاطمة عن أسماء قالت: سألت رسول الله (ص) عن دم ~~الحيضة يصيب PageV01P047 # الثوب فقال: حتيه ثم اقرصيه بالماء ورشيه وصلي فيه ورواه عن مالك عن هشام ~~بلفظ: أن امرأة سألت ورواه ابن ماجة بلفظ: اقرصيه واغسليه وصلي فيه وابن ~~أبي شيبة بلفظ: # اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجة وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ~~(ص) عن دم الحيضة يصيب الثوب فقال: حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر قال ابن ~~القطان: # إسناده في ms0056 غاية الصحة ولا أعلم له علة، والصلع بفتح الصاد المهملة وإسكان ~~اللام ثم عين هو الحجر، ذكره الحافظ في التلخيص عن ابن دقيق العبد قال: ~~وقال ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة، ولعله تصحيف لأنه لا معنى ~~يقتضي تخصيص الضلع بذلك، لكن قال الصغاني في العباب في مادة ضلع بالمعجمة، ~~وفي الحديث: حتيه بضلع قال ابن الأعرابي: الضلع ههنا العود الذي فيه ~~الاعوجاج، وكذا ذكره الأزهري في مادة الضاد المعجمة. قوله: ثم تنضحه بفتح ~~الضاد المعجمة أي تغسله قاله الخطابي، وقال القرطبي: المراد به الرش لأن ~~غسل الدم استفيد من قوله تقرصه، وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب قال ~~في الفتح: # وعلى هذا فالضمير في تنضحه يعود على الثوب، بخلاف حتيه فإنه يعود على ~~الدم فيلزم منه اختلاف الضمائر وهو على خلاف الأصل، ثم إن الرش على المشكوك ~~فيه لا يفيد شيئا، لأنه إن كان طاهرا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسا لم ~~يتطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي الحديث فيه دليل على أن النجاسات إنما ~~تزال بالماء دون غيره من المائعات، قاله الخطابي والنووي، قال في الفتح: ~~لأن جميع النجاسات بمثابة الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعا. # قال: وهو قول الجمهور أي تعين الماء لإزالة النجاسة. وعن أبي حنيفة وأبي ~~يوسف يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر وهو مذهب الداعي من أهل البيت، ~~واحتجوا بقول عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شئ ~~من دم الحيض، قالت بريقها فمصعته بظفرها. وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلا ~~لأثره ثم غسلته بعد ذلك، والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابا ~~وسنة وصفا مطلقا غير مقيد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح ~~النعل وفرك المني وحته وإماطته بأذخرة وأمثال ذلك كثير، ولم يأت دليل يقضي ~~بحصر التطهير في الماء، ومجرد الامر به في بعض النجاسات لا يستلزم الامر به ~~مطلقا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم. فالانصاف أن ms0057 يقال إنه ~~يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها، بما اشتمل عليه النص إن ~~كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات، لكنه إن كان ذلك PageV01P048 # الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص ~~بها وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه ~~إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع إلا حالة ~~في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات، بل مجرد الامر بمطلق التطهير، ~~فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه، ~~وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها. # (فإن قلت): مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب ~~يشاركه في ذلك. # قلت: وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء بنص القرآن فلا مشاركة ~~بذلك الاعتبار (واعلم) أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي: ~~وللحديث فوائد منها ما يأتي بيانه في باب الحيض، ومنها ما ذكره المصنف ههنا ~~فقال: وفيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره وإن قل لعمومه، وإن ~~طهارة السترة شرط للصلاة، وأن هذه النجاسة وأمثالها لا يعتبر فيها تراب ولا ~~عدد، وأن الماء متعين لإزالة النجاسة اه. # وقد عرفت ما سلف. # وعن أبي هريرة: أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد ~~وأنا أحيض فيه، قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه، قالت: # يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره. رواه ~~أحمد وأبو داود. وعن معاذة قالت: سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم ~~فقالت تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشئ من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض ~~عند رسول الله (ص) ثلاث حيض جميعا لا أغسل لي ثوبا. رواه أبو داود. # الحديث الأول أخرجه الترمذي أيضا، وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من ~~طريقين عن خولة بنت يسار وفيه ابن لهيعة. ms0058 قال إبراهيم الحربي: لم يسمع ~~بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. ورواه ~~الطبراني في الكبير من حديث خولة بنت حكيم الأنصارية. قال ابن حجر أيضا: ~~وإسناده أضعف من الأول. والحديث الثاني أخرجه أيضا الدارمي. قوله: ولا يضرك ~~أثره استدل به على عدم وجوب استعمال الحواد وهو مذهب الناصر والمنصور بالله ~~وكثير من أصحاب الشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة. وذهب الشافعي ورواه الامام ~~يحيى عن العترة إلى أنه يجب استعمال الحاد المعتاد لما أخرجه أحمد وأبو ~~داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن ~~مرفوعا بلفظ: حكيه بضلع PageV01P049 # واغسليه بماء وسدر. قال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة. وأجيب بأنه لا ~~يفيد المطلوب لأن الحك إنما هو الفرك بالأصابع والنزاع في غيره، ويرد بأن ~~آخر الحديث وهو قوله: واغسليه بماء وسدر يدل على وجوب استعمال الحاد. وكذلك ~~قوله في حديث عائشة المذكور فلتغيره بشئ من صفرة وأجيب بأن التغيير ليس ~~بإزالة، ويؤيده ما في آخر الحديث من قولها: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ~~(ص) ثلاث حيض لا أغسل ويرد بأن مجرد استعمال الصفرة يفيد المطلوب كاستعمال ~~السدر. وقيل: يكون استعمال الحواد مندوبا جمعا بين الأدلة. ويستفاد من ~~قوله: لا يضرك أثره أن بقاء أثر النجاسة الذي عسرت إزالته لا يضر، لكن بعد ~~التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما حتى يذهب لون الدم لأنه مستقذر، وربما ~~نسبها من رآه إلى التقصير في إزالته. قوله: لا أغسل لي ثوبا فيه دليل على ~~أن ما كان الأصل فيه الطهارة فهو باق على طهارته حتى تظهر فيه نجاسة فيجب ~~غسلها. # باب تعين الماء لإزالة النجاسة عن عبد الله بن عمر: أن أبا ثعلبة قال: يا ~~رسول الله أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال: إذا اضطررتم، ~~إليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها رواه أحمد. # وعن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب ~~فنطبخ في قدورهم ونشرب ms0059 في آنيتهم، فقال رسول الله (ص): إن لم تجدوا غيرها ~~فارحضوها بالماء رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. والرحض الغسل. # الحديث الثاني يشهد لصحة الحديث الأول، وهو متفق عليه من حديث أبي ثعلبة ~~بلفظ: قال قلت يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: ~~إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وفي ~~رواية لأحمد وأبي داود: إن أرضنا أرض أهل الكتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ~~ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم قال: إن لم تجدوا غيرها فارحضوها ~~بالماء واطبخوا فيها واشربوا وفي لفظ للترمذي: فقال أنقوها غسلا واطبخوا ~~فيها. وقد استدل المصنف رحمه الله بما ذكره في الباب على أنه يتعين الماء ~~لإزالة النجاسة وكذلك فعل غيره، ولا يخفاك أن مجرد الامر به لإزالة خصوص ~~هذه النجاسة لا يستلزم أنه يتعين لكل نجاسة، فالتنصيص عليه في هذه النجاسة ~~الخاصة لا ينفي أجزاء ما عداه من PageV01P050 # المطهرات فيما عداها، فلا حصر على الماء ولا عموم باعتبار المغسول، فأين ~~دليل التعين المدعى. وقد تقدم في باب الحت والقرص ما هو الحق. وقد استدل ~~بالحديث أيضا على نجاسة الكفار، وقد تقدم في باب طهارة الماء المتوضأ به ما ~~فيه كفاية. وسيأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله في باب آنية الكفار. # باب تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة عن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في ~~المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به فقال النبي (ص): دعوه وأريقوا على بوله ~~سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين رواه ~~الجماعة إلا مسلما. # قوله: قام أعرابي قال الحافظ في الفتح: زاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره ~~في أوله أنه صلى ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال ~~النبي (ص): # لقد تحجرت واسعا فلم يلبث أن بال في المسجد وقد أخرج هذه الزيادة البخاري ~~في الأدب من صحيحه. وروى ابن ماجة الحديث تاما من حديث أبي هريرة، وحديث ~~واثلة بن الأسقع. وأخرجه ms0060 أبو موسى المديني أيضا من رواية سليمان بن يسار. ~~والأعرابي المذكور قيل هو ذو الخويصرة اليماني ذكره أبو موسى المديني. وقيل ~~هو الأقرع بن حابس التميمي حكاه التاريخي عن عبد الله بن نافع المدني. وقيل ~~هو عيينة بن حصن قاله أبو الحسين بن فارس. قوله: ليقعوا به في رواية عند ~~البخاري فزجره الناس. وفي أخرى له فثار إليه الناس. وفي أخرى له أيضا ~~فتناوله الناس. وله أيضا من حديث أنس فقال الصحابة: مه مه سيأتي. وللبيهقي: ~~فصاح به الناس وكذا النسائي. قوله: سجلا بفتح المهملة وسكون الجيم. قال أبو ~~حاتم السجستاني، هو الدلو ملأى ولا يقال لها ذلك وهي فارغة. وقال ابن دريد: ~~السجل دلو واسعة، وفي الصحاح: الدلو الضخمة، وقد تقدم إشارة إلى بعض هذا في ~~أول الكتاب. # قوله: أو ذنوبا قال الخليل: هو الدلو ملأى. وقال ابن فارس: الدلو ~~العظيمة. وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من المل ء ولا يقال لها وهي فارغة ~~ذنوب فتكون أو للشك من الراوي أو للتخيير، والمراد بقوله: من ماء مع أن ~~الذنوب من شأنها ذلك رفع الاشتباه، لأن الذنوب مشترك بينه وبين الفرس ~~الطويل وغيرهما. قوله: فإنما بعثتم إسناد البعث إليهم على طريق المجاز لأنه ~~هو المبعوث (ص) بما ذكر، لكنهم لما كانوا PageV01P051 # في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك. أو هم مبعوثون من ~~قبله بذلك أي مأمورون، وكان ذلك شأنه (ص) في حق كل من بعثه إلى جهة من ~~الجهات يقول: يسروا ولا تعسروا. وفي الحديث دليل على أن الصب مطهر للأرض ~~ولا يجب الحفر خلافا للحنفية روى ذلك عنهم النووي. والمذكور في كتبهم أن ~~ذلك مختص بالأرض الصلبة دون الرخوة، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني من حديث ~~أنس بلفظ: احفروا مكانه ثم صبوا عليه وأعله بتفرد عبد الجبار به دون أصحاب ~~ابن عيينة الحفاظ. وكذا رواه سعيد بن منصور من حديث عبد الله بن معقل بن ~~مقرن المزني وهو تابعي مرفوعا بلفظ: خذوا ما بال عليه من ms0061 التراب فألقوه ~~وأهريقوا على مكانه ماء قال أبو داود: روي مرفوعا يعني موصولا ولا يصح وكذا ~~رواه الطحاوي مرسلا وفيه: واحفروا مكانه قال الحافظ في التلخيص: إن الطريق ~~المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أوجدت قوة ولها إسنادان ~~موصولان أحدهما عن أبي مسعود رواه الدارمي والدارقطني. ولفظه: فأمر بمكانه ~~فاحتفر وصب عليه دلو من ماء وفيه سمعان بن مالك وليس بالقوي قاله أبو زرعة، ~~وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة وهو حديث منكر وكذا قال أحمد. وقال ~~أبو حاتم: # لا أصل له. وثانيهما عن وائلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني وفيه عبيد ~~الله بن أبي حميد الهذلي وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم. واستدل ~~بحديث الباب أيضا على نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه. وعلى أن تطهير الأرض ~~المتنجسة يكون بالماء لا بالجفاف بالريح أو الشمس، لأنه لو كفى ذلك لما حصل ~~التكليف بطلب الماء وهو مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر. وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف: هما مطهران لأنهما يحيلان الشئ، وكذا قال الخراسانيون من ~~الشافعية في الظل واستدلوا بحديث: زكاة الأرض يبسها ولا أصل له في المرفوع. ~~وقد رواه ابن أبي شيبة من قول محمد بن علي الباقر، ورواه عبد الرزاق من قول ~~أبي قلابة بلفظ: جفاف الأرض طهورها وفي الحديث أيضا دليل على جواز التمسك ~~بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، إذ لم ينكر (ص) على الصحابة ما فعلوه مع ~~الأعرابي بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة. وفيه أيضا دليل على ما أشار ~~إليه المصنف رحمه الله من أن الأرض تطهر بالمكاثرة. وعلى الرفق بالجاهل في ~~التعليم. وعلى الترغيب في التيسير والتنفير عن PageV01P052 # التعسير. وعلى احترام المساجد وتنزيهها لأن النبي (ص) قررهم على الانكار ~~وإنما أمرهم بالرفق. # وعن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله (ص) إذ جاء ~~أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله (ص): # مه مه، قال: فقال رسول الله (ص): لا تزرموه دعوه ms0062 فتركوه حتى بال، ثم إن ~~رسول الله (ص) دعاه ثم قال: إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا ~~القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول ~~الله (ص) قال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه متفق عليه، ~~لكن ليس للبخاري فيه أن هذه المساجد إلى تمام الامر بتنزيهها. وقوله: لا ~~تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله. # قوله: أعرابي هو الذي يسكن البادية وقد سبق الخلاف في اسمه. قوله: مه مه ~~اسم فعل مبني على السكون معناه اكفف. قال صاحب المطالع: هي كلمة زجر أصلها ~~ما هذا، ثم حذف تخفيفا، وتقال مكررة ومفردة. ومثله به به بالباء الموحدة، ~~وقال يعقوب هي لتعظيم الامر كبخ بخ، وقد تنون مع الكسر، وينون الأول ويكسر ~~الثاني بغير تنوين، وكذا ذكره غير صاحب المطالع. قوله: لا تزرموه بضم التاء ~~الفوقية وإسكان الزاي بعدها راء أي لا تقطعوه. والازرام القطع. قوله: إن ~~هذه المساجد الخ مفهوم الحصر مشعر بعدم جواز ما عدا هذه المذكورة من ~~الأقذار والقذى والبصاق ورفع الصوت والخصومات والبيع والشراء وسائر العقود، ~~وإنشاد الضالة والكلام الذي ليس بذكر، وجميع الأمور التي لا طاعة فيها، ~~وأما التي فيها طاعة كالجلوس في المسجد للاعتكاف والقراءة للعلم وسماع ~~الموعظة وانتظار الصلاة ونحو ذلك فهذه الأمور وإن لم تدخل في المحصور فيه ~~لكنه أجمع المسلمون على جوازها كما حكاه النووي، فيخصص مفهوم الحصر بالأمور ~~التي فيها طاعة لائقة بالمسجد لهذا الاجماع، وتبقى الأمور التي لا طاعة ~~فيها داخلة تحت المنع. وحكى الحافظ في الفتح الاجماع على أن مفهوم الحصر ~~منه غير معمول به، قال: ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف ~~الأولى. قوله: فجاء بدلو فشنه عليه يروى بالشين المعجمة والسين المهملة. ~~قال النووي: وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة. ومعناه صبه. وفرق بعض ~~العلماء بينهما فقال هو بالمهملة الصب بسهولة، وبالمعجمة التفريق في صبه، ~~وقد تقدم الكلام على فقه الحديث. ms0063 قال المصنف رحمه الله: PageV01P053 # وفيه دليل على أن النجاسة على الأرض إذا استهلكت بالماء فالأرض والماء ~~طاهران، ولا يكون ذلك أمرا بتكثير النجاسة في المسجد انتهى. # باب ما جاء في أسفل النعل تصيبه النجاسة عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) ~~قال: إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور وفي لفظ: إذا وطئ ~~الأذى بخفيه فطهورهما التراب رواهما أبو داود. وعن أبي سعيد أن النبي (ص) ~~قال: إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه ~~بالأرض ثم ليصل فيهما رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن السكن والحاكم والبيهقي، واختلف فيه على ~~الأوزاعي، ورواه ابن ماجة من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: الطريق ~~يطهر بعضها بعضا وإسناده ضعيف، والرواية الأولى المذكورة في حديث الباب في ~~إسنادها مجهول لأن أبا داود رواها بسنده إلى الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد ~~بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه عن أبي هريرة ولم يسم الأوزاعي شيخه. ~~والرواية الثانية منه فيها محمد بن عجلان، وقد أخرج له البخاري في الشواهد ~~ومسلم في المتابعات ولم يحتجا به، وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد، ~~ولعله الرجل الذي أبهمه الأوزاعي في الرواية الأولى، لأن أبا داود قال: ~~حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن كثير يعني الصنعاني عن الأوزاعي عن ~~ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وحديث أبي سعيد أخرجه ~~الحاكم وابن ان، واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول. # وفي الباب عن أم سلمة عند الأربعة بلفظ: يطهره ما بعده وعن أنس عند ~~البيهقي بسند ضعيف. وعن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي كلها هذه ~~الأحاديث في معنى حديث أبي هريرة. وورد في معنى حديث أبي سعيد أحاديث منها ~~عند الحاكم من حديث أنس، وعنده أيضا من حديث ابن مسعود. وعند الدارقطني من ~~حديث ابن عباس وإسناده ضعيف. وعند الدارقطني أيضا من حديث عبد الله ms0064 بن ~~الشخير وإسناده ضعيف أيضا. # وعند البزار من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف معلول، وهذه الروايات يقوي ~~بعضها بعضا فتنتهض للاحتجاج بها، وعلى أن النعل يطهر بدلكه في الأرض رطبا ~~أو يابسا. # وقد ذهب إلى ذلك الأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف والظاهرية أبو ثور وإسحاق ~~PageV01P054 # وأحمد في رواية وهي إحدى الروايتين عن الشافعي. وذهبت العترة والشافعي ~~ومحمد إلى أنه لا يطهر بالدلك لا رطبا ولا يابسا. وذهب الأكثر إلى أنه يطهر ~~بالدلك يابسا لا رطبا. وقد احتج للآخرين في البحر بحجة واهية جدا، فقال بعد ~~ذكر الحديثين السابقين: قلنا محتملان للرطبة والجافة. فتعين الموافق للقياس ~~وهي الجافة والثاني لا يسلم كالثوب. قال صاحب المنار: حاصل كلام المصنف ~~إلغاء الحديث انتهى. والظاهر أنه لا فرق بين أنواع النجاسات، بل كل ما علق ~~بالنعل مما يطلق عليه اسم الأذى، فطهوره مسحه بالتراب. قال ابن رسلان في ~~شرح السنن: الأذى في اللغة هو المستقذر طاهرا كان أو نجسا انتهى. ويدل على ~~التعميم ما في الرواية الأخرى حيث قال: فإن رأى خبثا فإنه لكل مستخبث، ولا ~~فرق بين النعل والخف للتنصيص على كل واحد منهما في حديثي الباب، ويلحق بهما ~~كل ما يقوم مقامهما لعدم الفارق. قوله: ثم ليصل فيهما سيأتي الكلام على ~~الصلاة في النعلين في باب مستقل من كتاب الصلاة إن شاء الله. # باب نضح بول الغلام إذا لم يطعم عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها ~~صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله (ص) فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه عليه ~~ولم يغسله رواه الجماعة. وعن علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله (ص) ~~قال: بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل. قال قتادة: وهذا ما لم ~~يطعما فإذا طعما غسلا جميعا، رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. وعن عائشة ~~قالت: # أتي رسول الله (ص) بصبي يحنكه فبال عليه فأتبعه الماء رواه البخاري وكذلك ~~أحمد وابن ماجة وزاد: ولم يغسله. ولمسلم: كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ~~ويحنكهم ms0065 فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله. وعن أبي ~~السمح خادم رسول الله (ص) قال: قال النبي (ص): يغسل من بول الجارية ويرش من ~~بول الغلام رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. وعن أم كرز الخزاعية قالت: ~~أتي النبي (ص): بغلام فبال عليه فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت عليه فأمر ~~به فغسل رواه أحمد. وعن أم كرز أن النبي (ص) قال: بول الغلام ينضح وبول ~~الجارية يغسل رواه ابن ماجة وعن أم الفضل لبابة بنت الحرث قالت: بال الحسين ~~بن علي في حجر النبي (ص) PageV01P055 # فقلت: يا رسول الله أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره حتى أغسله، فقال: إنما ~~ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # حديث علي أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجة بإسناد صحيح لأنه من طريق هشام ~~عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عنه. وأخرجه أيضا أبو داود ~~موقوفا من حديث مسدد عن يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة بالاسناد السابق ~~إلى علي موقوفا بلفظ: يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم ~~وأخرجه أيضا مرفوعا من حديثه بدون ما لم يطعم وجعله من قول قتادة. وكذلك ~~أخرج عن أم سلمة أنها كانت تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، ~~وكانت تغسل بول الجارية، وحديث أبي السمح أخرجه أيضا البزار وابن خزيمة من ~~حديثه بلفظ: كنت أخدم رسول الله (ص) فأتى بحسن أو بحسين فبال على صدره فجئت ~~أغسله فقال يغسل الحديث. وصححه الحاكم، قال أبو زرعة والبزار: ليس لأبي ~~السمح غير هذا الحديث ولا يعرف اسمه وقال البخاري: حديث حسن، وحديث أم كرز ~~الأول والثاني في إسنادهما انقطاع لأنهما من طريق عمرو بن شعيب عنها ولم ~~يدركها، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فقيل عنه عن أبيه عن جده كما رواه ~~الطبراني، وحديث أم الفضل أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ~~والطبراني. قوله: ms0066 لم يأكل الطعام المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرضعه، ~~والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغير ذلك وقيل: المراد ~~بالطعام ما عدا اللبن فقط، ذكر الأول النووي في شرح مسلم وشرح المهذب وأطلق ~~في الروضة تبعا لأصلها الثاني، وقال في نكت التنبيه: إن لم يأكل غير اللبن ~~وغير ما يحنك به وما أشبهه، وقيل: لم يأكل أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه، ~~ذكره الموفق الحموي في شرح التنبيه، قال الحافظ ابن حجر: والأول أظهر وبه ~~جزم الموفق ابن قدامة وغيره، قال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوت ~~بالطعام ولم يستغن به عن الرضاع، ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ~~ليحنكه (ص) فيحمل النفي على عمومه. قوله: على ثوبه أي ثوب النبي (ص) وأغرب ~~ابن شعبان من المالكة فقال: المراد به ثوب الصبي. قوله: فنضحه في صحيح مسلم ~~من طريق الليث عن ابن شهاب فلم يزد على أن نضح بالماء. وله من طريق ابن ~~عيينة عن ابن شهاب فرشه زاد أبو عوانة في صحيحه عليه. # قال الحافظ: ولا تخالف بين الروايتين أي بين نضح ورش، لأن المراد به أن ~~الابتداء كان بالرش وهو تنفيض الماء فانتهى إلى النضح وهو صب الماء. ويؤيده ~~رواية مسلم في حديث عائشة من PageV01P056 # طريق جرير عن هشام فدعا بماء فصبه عليه ولأبي عوانة فصبه على البول يتبعه ~~إياه انتهى. والذي في النهاية والكشف والقاموس أن النضح الرش. قوله: ولم ~~يغسله ادعى الأصيلي أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن ~~المرفوع انتهى عند فنضحه. # قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: فرشه لم ~~يزد. قال الحافظ في الفتح: وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من ~~الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق بنحو سياق مالك لكنه لم يقل: ولم يغسله وقد ~~قالها مع ذلك الليث وعمرو بن الحرث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب، أخرجه ~~ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما ms0067 من طريق ابن وهب عنهم وهو لمسلم عن يونس ~~وحده، نعم زاد معمر في روايته قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يرش بول الصبي ~~ويغسل بول الجارية، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه ~~لأمكن دعوى الادراج لكنها غيرها فلا إدراج. وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة ~~فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة عن ابن شهاب، وقد ذكرناها ~~عن مسلم وغيره، وبينا أنها غير مخالفة لرواية مالك. قوله: بول الغلام ~~الرضيع هذا تقييد للفظ الغلام بكونه رضيعا، وهكذا يكون تقييدا للفظ الصبي ~~والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث. وأما لفظ ما لم يطعم فقد عرفت ~~عدم صلاحيته لذلك لأنه ليس من قوله (ص). # وقد شذ ابن حزم فقال: إنه يرش من بول الذكر أي ذكر كان، وهو إهمال للقيد ~~الذي يجب حمل المطلق عليه كما تقرر في الأصول. ورواية الذكر مطلقة، وكذلك ~~رواية الغلام فإنه كما قال في القاموس لمن طر شاربه أو من حين يولد إلى أن ~~يشب، وقد ثبت إطلاقه على من دخل في سن الشيخوخة. ومنه قول علي عليه السلام ~~في يوم النهروان: # أنا الغلام القرشي المؤتمن * أبو حسين فاعلمن والحسن وهو إذ ذاك في نحو ~~ستين سنة. ومنه أيضا قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج أيام أمارته على ~~العراق: # شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة سقاها ولكنه مجاز، ~~قال الزمخشري في أساس البلاغة: إن الغلام هو الصغير إلى حد الالتجاء، فإن ~~قيل له بعد ذلك غلام فهو مجاز. قوله: بصبي قال الحافظ: يظهر لي أنه ابن أم ~~قيس، ويحتمل أن يكون الحسن بن علي أو الحسين، فقد روى الطبراني في الأوسط ~~من حديث أم سلمة بإسناد حسن قالت: بال الحسن أو الحسين على بطن رسول الله ~~(ص) فتركه حتى قضى بوله ثم دعا بماء فصبه عليه ولأحمد عن أبي ليلى نحوه. ~~ورواه الطحاوي PageV01P057 # من طريقه قال: فجئ بالحسن ولم يتردد. وكذا للطبراني عن أبي ms0068 أمامة ورجح ~~الحافظ أنه غيره. # قوله: فاتبعه بإسكان المثناة من فوق أي أتبع رسول الله (ص) البول الذي ~~على الثوب الماء. قوله: يحنكه قال أهل اللغة: التحنيك أن تمضغ التمر أو ~~نحوه ثم تدلك به حنك الصغير. قوله: فيبرك عليهم أي يدعو لهم أو يمسح عليهم. ~~وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته. وقد استدل بأحاديث الباب على أن بول الصبي ~~يخالف بول الصبية في كيفية استعمال الماء، وأن مجرد النضح يكفي في تطهير ~~بول الغلام، وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب: الأول الاكتفاء ~~بالنضح في بول الصبي لا الجارية وهو قول علي عليه السلام وعطاء والحسن ~~والزهري وأحمد وإسحاق وابن وهب وغيرهم، وروي عن مالك وقال أصحابه: # هي رواية شاذة، ورواه ابن حزم أيضا عن أم سلمة والثوري والأوزاعي والنخعي ~~وداود وابن وهب. والثاني يكفي النضح فيهما وهو مذهب الأوزاعي وحكي عن مالك ~~والشافعي، والثالث هما سواء في جواب الغسل وهو مذهب العترة والحنفية وسائر ~~الكوفيين والمالكية. # وأحاديث الباب ترد المذهب الثاني والثالث، وقد استدل في البحر لأهل ~~المذهب الثالث بحديث عمار المشهور وفيه: إنما تغسل ثوبك من البول الخ وهو ~~مع اتفاق الحفاظ على ضعفه لا يعارض أحاديث الباب لأنها خاصة وهو عام، وبناء ~~العام على الخاص واجب، ولكن جماعة من أهل الأصول منهم مؤلف البحر لا يبنون ~~العام على الخاص إلا مع المقارنة أو تأخر الخاص، وأما مع الالتباس كمثل ما ~~نحن بصدده فقد حكى بعض أئمة الأصول أنه يبنى العام على الخاص اتفاقا، وصرح ~~صاحب البحر أن الواجب الترجيح مع الالتباس، ولا يشك من له أدنى إلمام بعلم ~~الحديث أن أحاديث الباب أرجح وأصح من حديث عمار، وترجيحه لحديث عمار ~~بالظهور غير ظاهر، وقد جزم صاحب البحر في المعيار، وشرحه بأن الواجب مع ~~الالتباس الاطراح فتخالف كلامه. وجزم صاحب المنار بأن العام متقدم والخاص ~~متأخر ولم يذكر لذلك دليلا يشفي. وأما الحنفية والمالكية فاستدلوا لما ~~ذهبوا إليه بالقياس، فقالوا: المراد بقوله: ولم يغسله أي غسلا مبالغا ms0069 فيه ~~وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد في الأحاديث من التفرقة بين بول الغلام ~~والجارية فإنهم لا يفرقون بينهما. والحاصل أنه لم يعارض أحاديث الباب شئ ~~يوجب PageV01P058 # الاشتغال به. باب الرخصة في بول ما يؤكل لحمه عن أنس بن مالك أن رهطا من ~~عكل أو قال عرينة قدموا فاجتووا المدينة فأمر لهم رسول الله (ص) بلقاح ~~وأمرهم أن يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها متفق عليه. اجتووها أي ~~استوخموها. وقد ثبت عنه أنه قال: صلوا في مرابض الغنم. # قوله: من عكل بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم. قوله: أو عرينة ~~بالعين والراء المهملتين مصغرا حي من قضاعة وحي من بجيلة، والمراد هنا ~~الثاني، كذا ذكره. # موسى بن عقبة في المغازي والشك من حماد. ورواه البخاري في المحاربين عن ~~حماد أن رهطا من عكل، أو قال من عرينة قال: ولا أعلمه إلا قال من عكل. ~~ورواه في الجهاد عن وهيب عن أيوب أن رهطا من عكل ولم يشك. وفي الزكاة رواه ~~من طريق شعبة عن قتادة أن ناسا من عرينة ولم يشك أيضا. وكذا لمسلم من رواية ~~معاوية بن قرة عن أنس. ورواه أيضا البخاري في المغازي عن قتادة من عكل ~~وعرينة بالواو العاطفة، قال الحافظ: وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة ~~والطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة ~~وثلاثة من عكل. وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل وهو غلط بل ~~هما قبيلتان متغايرتان، فعكل من عدنان وعرينة من قحطان. قوله: فاجتووا قال ~~ابن فارس: # اجتويت المدينة إذا كرهت المقام فيها وإن كنت في نعمة. وقيده الخطابي بما ~~إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة. وقيل: الاجتواء عدم الموافقة في ~~الطعام ذكره القزاز، وقيل: داء من الوباء ذكره ابن العربي. وقيل: داء يصيب ~~الجوف والاجتواء بالجيم. # قوله: فأمر لهم بلقاح بلام مكسورة فقاف فحاء مهملة، النوق ذوات اللبن ~~واحدتها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف. قال أبو عمرو: يقال لها ms0070 ذلك إلى ~~ثلاثة أشهر ثم هي لبون، واللقاح المذكورة ظاهر الروايات أنها للنبي (ص). ~~وثبت في رواية للبخاري في الزكاة من طريق شعبة عن قتادة بلفظ: فأمرهم أن ~~يأتوا إبل الصدقة قال الحافظ: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج ~~المدينة وصادف بعث رسول (ص) بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج. ~~قوله: أن يخرجوا فيشربوا في رواية للبخاري: وأن يشربوا أي وأمرهم أن ~~يشربوا. وفي أخرى له: فاخرجوا فاشربوا وفي أخرى له أيضا: # فرخص لهم أن يأتوا فيشربوا. قوله: وقد ثبت الخ هو ثابت من حديث جابر بن ~~سمرة عند PageV01P059 # مسلم. ومن حديث البراء عند أبي داود والترمذي وابن ماجة. قال أحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن إبراهيم: قد صح في هذا الباب حديث البراء بن عازب وجابر بن ~~سمرة. وقد استدل بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه وهو مذهب ~~العترة والنخعي والأوزاعي والزهري ومالك وأحمد ومحمد وزفر وطائفة من السلف، ~~ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني. ~~أما في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس. قال ابن ~~المنذر: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا ~~بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم ~~واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم ويؤيده أيضا أن الأشياء على الطهارة حتى ~~تثبت النجاسة، وأجيب عن التأييد الأول بأن المختلف فيه لا يجب إنكاره، وعن ~~الاحتجاج بالحديث بأنها حالة ضرورية، وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما وقت ~~تناوله لقوله تعالى: # * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) * (الانعام: 119) ومن ~~أدلة القائلين بالطهارة، حديث الاذن بالصلاة في مرابض الغنم السابق. وأجيب ~~عنه بأنه معلل بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة، ~~والالزام نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مباركها. ويرد هذا ~~الجواب بأن الصلاة في مرابض الغنم، تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها، ~~والتعليل بكونها لا تؤذي أمر ms0071 وراء ذلك، والتعليل للنهي عن الصلاة في معاطن ~~الإبل بأنها تؤذي المصلي، يدل على أن ذلك هو المانع لا ما كان في المعاطن ~~من الأبوال والبعر. واستدل أيضا بحديث لا بأس ببول ما أكل لحمه عند ~~الدارقطني من حديث جابر والبراء مرفوعا. وأجيب بأن في إسناده عمرو بن ~~الحصين العقيلي وهو واه جدا. # قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ليس بشئ. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال ~~الأزدي: # ضعيف جدا. وقال ابن عدي: حدث عن الثقات بغير حديث منكر وهو متروك. وفي ~~إسناده أيضا يحيى بن العلاء أبو عمر البجلي الرازي قد ضعفوه جدا قاله ~~الدارقطني، وكان وكيع شديد الحمل عليه. وقال أحمد: كذاب. وقال يحيى: ليس ~~بثقة. وقال النسائي والأزدي: متروك. واحتجوا أيضا بحديث: إن الله لم يجعل ~~شفاءكم فيما حرم عليكم عند مسلم والترمذي وأبي داود من حديث وائل بن حجر ~~وابن حبان والبيهقي من حديث أم سلمة، وعند الترمذي وأبي داود من حديث أبي ~~هريرة بلفظ: نهى رسول الله (ص) عن كل دواء خبيث والتحريم يستلزم النجاسة، ~~والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال ~~الإبل وما يلحق بها طاهرة. وأجيب عنه بأنه محمول على PageV01P060 # حالة الاختيار، وأما في الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، فالنهي ~~عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والاذن بالتداوي ~~بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة وإن كان خبيثا حراما ولو سلم، فالتداوي ~~إنما وقع بأبوال الإبل فيكون خاصا بها، ولا يجوز إلحاق غيره به، لما ثبت من ~~حديث ابن عباس مرفوعا: إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم ذكره في ~~الفتح، والذرب فساد المعدة فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي ~~الدواء عنه، على أن حديث تحريم التداوي بالحرام وقع جواب من سأل عن التداوي ~~بالخمر كما في صحيح مسلم وغيره، ولا يجوز إلحاق غير المسكر به من سائر ~~النجاسات، لان شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية ~~يعتقدون أن في الخمر ms0072 شفاء فجاء الشرع بخلاف ذلك، ويجاب بأنه قصر للعام على ~~السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب. واحتج القائلون ~~بنجاسة جميع الأبوال والأزبال وهم الشافعية والحنفية ونسبه في الفتح إلى ~~الجمهور. ورواه ابن حزم في المحلى عن جماعة من السلف بالحديث المتفق عليه ~~أنه (ص) مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذب ان في كبير، أما أحدهما ~~فكان لا يستتر عن البول الحديث، قالوا: فعم جنس البول ولم يخصه ببول ~~الانسان ولا أخرج عنه بول المأكول، وهذا الحديث غاية ما تمسكوا به. # وأجيب عنه بأن المراد بول الانسان لما في صحيح البخاري بلفظ: كان لا ~~يستتر من بوله قال البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس فالتعريف في البول ~~للعهد، قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله: كان لا يستتر من البول ~~بول الانسان لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في ~~بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال فيه دليل على نجاسة ~~الأبوال كلها، قال في الفتح: ومحصل الرد أن العموم في رواية من البول أريد ~~به الخصوص لقوله: من بوله أو الألف واللام بدل من الضمير انتهى. # والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكا بالأصل ~~واستصحابا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه ~~الأصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم تجد ~~للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر وهو مع ~~كونه مرادا به الخصوص كما سلف عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك ~~الأدلة المعتضدة بما سلف. وقد طول ابن حزم الظاهري في المحلى الكلام على ~~هذه المسألة بما لم نجده لغيره، لكنه لم يدل بحثه على غير حديث صاحب القبر ~~(فإن قلت): إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يرد ~~PageV01P061 # دليل فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم؟ قلت: قد ~~تمسكوا بحديث إنها ms0073 ركس قاله (ص) في الروثة، أخرجه البخاري والترمذي ~~والنسائي. وبما تقدم في بول الآدمي وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به ~~بجامع عدم الاكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الاكل، وهو ~~منتقض بالقول بنجاسة زبل الجلالة، والدفع بأن العلة في زبل الجلالة هو ~~الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا، إلا أن ~~يقال: إن زبل الجلالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة ~~الأصلية التي جلتها الدابة لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم ~~حديث لا بأس ببول ما يؤكل لحمه المتقدم فغير صالح لما تقدم من ضعفه الذي لا ~~يصلح معه للاستدلال به حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في ~~رجاله سوار بن مصعب وهو متروك عند جميع أهل النقل متفق على ترك الرواية ~~عنه، يروي الموضوعات فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار ~~على نجاسة بول الآدمي وزبله والروثة. وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما ~~يكون من الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته أنها ركس ~~أنها روثة حمار. وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها فإن وجدت في بول ~~بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته، وإن ~~لم تجد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة كما عرفت. # قال المصنف رحمه الله في الكلام على حديث الباب ما لفظه: فإذا أطلق الاذن ~~في ذلك ولم يشترط حائلا بقي من الأبوال وأطلق الاذن في الشرب لقوم حديثي ~~العهد بالاسلام جاهلين بأحكامه، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها ~~لأجل صلاة ولا غيرها مع اعتيادهم شربها، دل ذلك على مذهب القائلين بالطهارة ~~انتهى. # باب ما جاء في المذي عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة وعناء ~~أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك لرسول الله (ص) فقال: إنما يجزيك من ذلك ~~الوضوء، فقلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفا ~~من ms0074 ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه رواه أبو داود وابن ماجة ~~والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الأثرم ولفظه قال: كنت ألقى من المذي ~~عناء فأتيت النبي (ص) فذكرت ذلك له فقال: يجزيك أن تأخذ حفنة من ماء ~~PageV01P062 # فترش عليه. وعن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلا مذاء فاستحيت أن أسأل رسول ~~الله (ص) فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال فيه الوضوء أخرجاه. ولمسلم: ~~يغسل ذكره ويتوضأ ولأحمد وأبي داود: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ. وعن عبد ~~الله بن سعد قال: سألت رسول الله (ص) عن الماء يكون بعد الماء فقال: ذلك من ~~المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة رواه أبو ~~داود. # الحديث الأول في إسناده محمد بن إسحاق وهو ضعيف إذا عنعن لكونه مدلسا ~~ولكنه ههنا صرح بالتحديث، وحديث عبد الله بن سعد أخرجه الترمذي وحسنه. # وقال الحافظ في التلخيص: في إسناده ضعف. وفي الباب عن المقداد: أن عليا ~~أمره أن يسأل رسول الله (ص) أخرجه أبو داود من طريق سليمان بن يسار عنه. # وفي رواية لأحمد والنسائي وابن حبان أنه أمر عمار بن ياسر، وفي رواية ~~لابن خزيمة أن عليا سأل بنفسه. وجمع بينها ابن حبان بتعدد الأسئلة. ورواه ~~أبو داود من طريق عروة عن علي وفيه يغسل أنثييه وذكره، وعروة لم يسمع من ~~علي لكن رواه أبو عوانة في صحيحه من طريق عبيدة عن علي بالزيادة وإسناده لا ~~مطعن فيه. # قوله: ألقى من المذي شدة في المذي لغات فتح الميم وإسكان الذال المعجمة ~~وفتح الميم مع كسر الذال وتشديد الياء وبكسر الذال مع تخفيف الياء، ~~فالأوليان مشهورتان أولاهما أفصح وأشهر، والثالثة حكاها أبو عمر الزاهد عن ~~ابن الأعرابي. والمذي ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة ولا دفق ~~ولا يعقبه فتور وربما لا يحس بخروجه، ذكره النووي ومثله في الفتح. قوله: ~~فتنضح به ثوبك قد سبق الكلام على معنى النضح في باب نضح بول الغلام، ms0075 وهكذا ~~ورد الامر بالنضح في الفجر عند مسلم وغيره. قال النووي: معناه الغسل فإن ~~النضح يكون غسلا ويكون رشا. وقد جاء في الرواية الأخرى فاغسل وفي الرواية ~~المذكورة في الباب يغسل ذكره وفي التي بعدها كذلك. وفي الأخرى: فتغسل من ~~ذلك فرجك فتعين حمله عليه، ولكنه قد ثبت في الرواية المذكورة في الباب من ~~رواية الأثرم بلفظ فترش عليه، وليس المصير إلى الأشد بمتعين بل ملاحظة ~~التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة فيكون الرش مجزئا كالغسل. قوله: مذاء ~~صيغة مبالغة من المذي، يقال: مذى يمذي كمضى يمضي ثلاثيا، ويقال: أمذى يمذي ~~كأعطى يعطي، ومذي يمذي كغطى يغطي. PageV01P063 # قوله: وأنثييه أي خصيتيه. وله: عن الماء يكون بعد الماء المراد به خروج ~~المذي عقيب البول متصلا به. قوله: وكل فحل يمذي الفحل الذكر من الحيوان، ~~ويمذي بفتح الياء وضمها يقال: مذى الرجل وأمذى كما تقدم. وقد استدل بأحاديث ~~الباب على أن الغسل لا يجب لخروج المذي، قال في الفتح: وهو إجماع، وعلى أن ~~الامر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وعلى أنه يتعين الماء في ~~تطهيره لقوله: كفا من ماء وحفنة من ماء واتفق العلماء على أن المذي نجس، ~~ولم يخالف في ذلك إلا بعض الامامية محتجين بأن النضح لا يزيله، ولو كان ~~نجسا لوجبت الإزالة ويلزمهم القول بطهارة العذرة لأن النبي (ص) أمر بمسح ~~النعل منها بالأرض والصلاة فيها والمسح لا يزيلها وهو باطل بالاتفاق، وقد ~~اختلف أهل العلم في المذي إذا أصاب الثوب، فقال الشافعي وإسحاق وغيرهما: لا ~~يجزيه إلا الغسل أخذا برواية الغسل، وفيه ما سلف على أن رواية الغسل إنما ~~هي في الفرج لا في الثوب الذي هو محل النزاع، فإنه لم يعارض رواية النضح ~~المذكورة في الباب معارض، فالاكتفاء به صحيح مجز. واستدل أيضا بما في الباب ~~على وجوب غسل الذكر والأنثيين على الممذي، وإن كان محل المذي بعضا منهما، ~~وإليه ذهب الأوزاعي وبعض الحنابلة وبعض المالكية، وذهبت العترة والفريقان ~~وهو قول الجمهور، إلى أن الواجب غسل المحل ms0076 الذي أصابه المذي من البدن، ولا ~~يجب تعميم الذكر والأنثيين ويؤيد ذلك ما عند الإسماعيلي في رواية بلفظ: ~~توضأ واغسله فأعاد الضمير على المذي، ومن العجيب أن ابن حزم مع ظاهريته ذهب ~~إلى ما ذهب إليه الجمهور وقال: إيجاب غسل كله شرع لا دليل عليه، وهذا بعد ~~أن روي حديث فليغسل ذكره وحديث واغسل ذكرك ولم يقدم في صحتهما، وغاب عنه أن ~~الذكر حقيقة لجميعه ومجازا لبعضه، وكذلك الأنثيان حقيقة لجميعهما، فكان ~~اللائق بظاهريته الذهاب إلى ما ذهب إليه الأولون. واختلف الفقهاء هل المعنى ~~معقول أو هو حكم تعبدي؟ وعلى الثاني تجب النية، وقيل: الامر بغسل ذلك ~~ليتقلص الذكر قاله الطحاوي. # باب ما جاء في المني عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله (ص) ~~ثم يذهب فيصلي فيه رواه الجماعة إلا البخاري: ولأحمد: كان رسول الله (ص) ~~يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ~~PageV01P064 # ثم يصلي فيه وفي لفظ متفق عليه: كنت أغسله من ثوب رسول الله (ص) ثم يخرج ~~إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء. وللدارقطني عنها: كنت أفرك المني ~~من ثوب رسول الله (ص) إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا قلت: فقد بان من ~~مجموع النصوص جواز الامرين. وعن إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك عن محمد بن ~~عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي (ص) المني يصيب الثوب فقال: ~~إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة رواه ~~الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، قلت: وهذا لا يضر لأن ~~إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين فيقبل رفعه وزيادته. # حديث عائشة لم يسنده البخاري وإنما ذكره في ترجمة باب. ولفظ أبي داود ثم ~~يصلي فيه ولفظ الترمذي: ربما فركته من ثوب رسول الله (ص) بأصابعي وفي ~~رواية: وإني لأحكه من ثوب رسول الله (ص) يابسا بظفري وأخرج ابن خزيمة وابن ~~حبان والبيهقي والدارقطني عن عائشة: أنها ms0077 كانت تحت المني من ثوب رسول الله ~~(ص) وهو يصلي وأخرج أبو عوانة في صحيحه وأبو بكر البزار من حديث عائشة كنت ~~أفرك المني من ثوب رسول الله إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا كحديث ~~الباب وأعله البزار بالارسال. قال الحافظ: وقد ورد الامر بفركه من طريق ~~صحيحة رواها ابن الجارود في المنتقى عن محمد بن يحيى عن أبي حذيفة عن سفيان ~~عن منصور عن إبراهيم عن همام ابن الحرث قال: كان عند عائشة ضيف فأجنب فجعل ~~يغسل ما أصابه فقالت عائشة: # كان رسول الله (ص) يأمرنا بحته. قال: وأما الامر بغسله فلا أصل له. # وحديث ابن عباس أخرجه أيضا البيهقي والطحاوي مرفوعا، وأخرجه أيضا البيهقي ~~موقوفا على ابن عباس وقال: الموقوف هو الصحيح. قوله: أفرك أي أدلك. قوله: # بعرق الإذخر هو حشيش طيب الريح. قوله: كنت أغسله أي أثر الجنابة أو ~~المني. قوله: بقع الماء هو بدل من أثر الغسل. وقد استدل بما في الباب على ~~أنه يكتفي في إزالة المني من الثوب بالغسل أو الفرك أو الحت. وقد اختلف أهل ~~العلم في المني فذهبت العترة وأبو حنيفة ومالك إلى نجاسته، إلا أن أبا ~~حنيفة قال: يكفي في تطهيره PageV01P065 # فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد. وقالت العترة ومالك: لا بد من ~~غسله رطبا ويابسا. وقال الليث: هو نجس ولا تعاد منه الصلاة. وقال الحسن بن ~~صالح لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرا، وتعاد منه إن كان في ~~الجسد وإن قل. قال ابن حزم في المحلى: وروينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبي ~~هريرة وأنس وسعيد بن المسيب، وقال الشافعي وداود: وهو أصح الروايتين عن ~~أحمد بطهارته ونسبه النووي إلى الكثيرين وأهل الحديث قال: وروي ذلك عن علي ~~بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة قال: وقد غلط من أوهم أن ~~الشافعي منفرد بطهارته احتج القائلون بنجاسته بما روى في غسله، والغسل لا ~~يكون إلا لشئ نجس. وأجيب بأنه لم ms0078 يثبت الامر بغسله من قوله (ص) في شئ من ~~أحاديث الباب، وإنما كانت تفعله عائشة، ولا حجة في فعلها إلا إذا ثبت أن ~~رسول الله (ص) علم بفعلها وأقرها، على أن علمه بفعلها وتقريره لها لا يدل ~~على المطلوب، لأن غاية ما هناك أنه يجوز غسل المني من الثوب وهذا مما لا ~~خلاف فيه، بل يجوز غسل ما كان متفقا على طهارته كالطيب والتراب فكيف بما ~~كان مستقذرا؟ وأما الاحتجاج بحديث عمار مرفوعا بلفظ: إنما تغسل الثوب من ~~الغائط والبول والمذي والمني والدم والقئ أخرجه البزار وأبو يعلى الموصلي ~~في مسنديهما، وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء، ~~وأبو نعيم في المعرفة، فأجيب عنه بأنه الجماعة المذكورين كلهم ضعفوه، إلا ~~أبا يعلى لأن في إسناده ثابت بن حماد أتهمه بعضهم بالوضع. وقال اللالكائي: ~~أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار: لا يعلم لثابت إلا هذا الحديث. وقال ~~الطبراني انفرد به ثابت بن حماد ولا يروي عن عمار إلا بهذا الاسناد. وقال ~~البيهقي: هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو منهم. قال الحافظ: قلت ~~ورواه البزار والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا عن حماد بن سلمة عن علي ~~بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف وقد غلط فيه إنما يرويه ثابت بن حماد انتهى. # فهذا مما لا يجوز الاحتجاج بمثله. واحتج القائلون بالطهارة برواية ~~الفرك،. ويجاب عنه بمثل ما سلف من أنه من فعل عائشة، إلا أنه إذا فرض اطلاع ~~النبي (ص) على ذلك أفاد المطلوب وهو الاكتفاء في إزالة المني بالفرك، لأن ~~الثوب ثوب النبي (ص) وهو يصلي فيه بعد ذلك كما ثبت في الرواية المذكورة في ~~الباب، ولو كان الفرك غير مطهر لما اكتفى به ولا صلى فيه، ولو فرض عدم ~~اطلاع النبي (ص) PageV01P066 # على الفرك فصلاته في ذلك الثوب كافية، لأن لو كان نجسا لنبه عليه حال ~~الصلاة بالوحي، كما نبه بالقذر الذي في النعل. وأثبت السلت للرطب والحك ~~لليابس من فعله (ص) كما في حديث الباب، ms0079 وثبت أمره بالحت وقال: إنما يكفيك ~~أن تمسحه بخرقة أو أذخرة وأجيب بأن ذلك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على ~~كيفية التطهير، فغاية الامر أنه نجس خفف في تطهيره بما هو أخف من الماء، ~~والماء لا يتعين لإزالة جميع النجاسات كما حررناه في هذا الشرح سابقا، وإلا ~~لزم طهارة العذرة التي في النعل لأن النبي (ص) أمر بمسحها في التراب ورتب ~~على ذلك الصلاة فيها. قالوا: قال (ص): إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق ~~والبصاق كما في الحديث السابق، وأجيب بأنه موقوف كما قال البيهقي. قالوا: ~~الأصل الطهارة فلا تنتقل عنها إلا بدليل. وأجيب بأن التعبد بالإزالة غسلا ~~أو مسحا أو فركا أو حتا أو سلتا أو حكا ثابت، ولا معنى لكون الشئ نجسا إلا ~~أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع. فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره ~~بأحد الأمور الواردة، وهذا خلاصة ما في المسألة من الأدلة من جانب الجميع. ~~وفي المقام مطاولات ومقاولات والمسألة حقيقة بذاك، ولكنه أفضى الامر إلى ~~تلفيق حجج واهية كالاحتجاج بتكرمة بني آدم. ويكون الآدمي طاهرا من جانب ~~القائل بالطهارة، وكالاحتجاج بأنه فضلة مستحيلة إلى مستقذر. وبأن الاحداث ~~الموجبة للطهارة، نجسة والمني منها، وبكونه جاريا من مجرى البول من جانب ~~القائل بالنجاسة. وهذا الكلام في مني الآدمي، وأما مني غير الآدمي ففيه ~~وجوه وتفصيلات مذكورة في الفروع فلا نطول بذكرها. (فائدة) صرح الحافظ في ~~الفتح بأنه لا معارضة بين حديث الغسل والفرك، لأن الجمع بينهما واضح على ~~القول بطهارة المني، بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب، ~~قال: وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول ~~بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبا والفرك على ما كان يابسا، وهذه ~~طريقة الحنفية، قال: والطريقة الأولى أرجح لأن فيها العمل بالخبر والقياس ~~معا، لأنه لو كان نجسا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم ~~وغيره فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك، ويرد الطريقة الثانية أيضا ما في ~~رواية ms0080 ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: كان يسلت المني من ثوبه بعرق ~~الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه فإنه تضمن ترك الغسل ~~في PageV01P067 # الحالتين. انتهى كلامه والحق ما عرفته. # باب أن ما لا نفس له سائلة لم ينجس بالموت عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) ~~قال: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد ~~جناحيه شفاء وفي الآخر داء رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة. ولأحمد ~~وابن ماجة من حديث أبي سعيد نحوه. # حديث أبي سعيد لفظه: في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في ~~الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء وأخرجه أيضا النسائي وابن ~~حبان والبيهقي. وفي الباب من حديث أنس نحوه عند ابن أبي خيثمة في تاريخه ~~الكبير قال الحافظ: وإسناده صحيح. قوله: فليغمسه هذا لفظ البخاري، وعند أبي ~~داود وابن خزيمة وابن حبان: وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله ~~ثم لينزعه ورواه أيضا الدارمي وابن ماجة. ولفظ ابن السكن: إذا وقع الذباب ~~في إناء أحدكم فليمقله أي يغمسه فإن في أحد جناحيه دواء وفي الآخر داء أو ~~قال سما واستدل بالحديث على أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفس له ~~سائلة فيه، إذ لم يفصل بين الموت والحياة، وقد صرح بذلك في حديث الذباب ~~والخنفساء اللذين وجدهما (ص) ميتين في الطعام فأمر بإلقائهما والتسمية عليه ~~والاكل منه. ويدل على جواز قتل الذباب بالغمس لصيرورته بذلك عقورا، وعلى ~~تحريم أكل المستخبث للامر بطرحه. ورواية إناء أحدكم تشمل إناء الطعام ~~والشراب وغيرهما فهي أعم من رواية شراب أحدكم. والفائدة في الامر بغمسه ~~جميعا هي أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب كما اتصل به الداء ~~فيتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر. # باب في أن الآدمي المسلم لا ينجس بالموت ولا شعره وأجزاؤه بالانفصال قد ~~أسلفنا قوله (ص): المسلم لا ينجس وهو عام في الحي والميت. قال ms0081 البخاري: ~~وقال ابن عباس: المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا وعن أنس بن مالك: أن النبي (ص) ~~لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول PageV01P068 # الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله ~~الشق الأيسر فقال: احلقه فحلقه فأعطاه أبا طلحة وقال: اقسمه بين الناس متفق ~~عليه. # وعن أنس قال: لما أراد رسول الله (ص) أن يحلق الحجام رأسه أخذ أبو طلحة ~~بشعر أحد شقي رأسه بيده فأخذ شعره فجاء به إلى أم سليم قال: وكانت أم سليم ~~تدوفه في طيبها رواه أحمد. وعن أنس بن مالك أن أم سليم كانت تبسط للنبي (ص) ~~نطعا فيقيل عندها على ذلك النطع، فإذا قام أخذت من عرقه وشعره فجمعته في ~~قارورة ثم جعلته في سك، قال: فلما حضرت أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في ~~حنوطه أخرجه البخاري. وفي حديث صلح الحديبية من رواية مسور بن مخرمة ومروان ~~بن الحكم أن عروة بن مسعود قام من عند رسول الله (ص) وقد رأى ما يصنع به ~~أصحابه ولا يبسق بساقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه رواه ~~أحمد. وعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ~~ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله (ص) فكان إذا أصاب ~~الانسان عين أو شئ بعث إليها بإناء فخضخضت له فشرب منه فاطلعت في الجلجل ~~فرأيت شعرات حمرا رواه البخاري. وعن عبد الله بن زيد وهو صاحب الاذان أنه ~~شهد النبي (ص) عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي فلم يصبه شئ ولا ~~صاحبه فخلق رسول الله (ص) رأسه في ثوبه فأعطاه منه وقسم منه على رجال وقلم ~~أظفاره فأعطى صاحبه قال: وإن شعره عندنا لمخضوب بالحناء والكتم رواه أحمد. # أحاديث الباب يشهد بعضها لبعض، وقد أخرج أحمد كل حديث منها من طرق. # قوله في ترجمة الباب قد أسلفنا قوله (ص): المسلم لا ينجس الخ قد تقدم ms0082 ~~الحديث في باب طهارة الماء المتوضأ به وتقدم شرحه هنالك. قوله: وعن أنس ~~سيأتي هذا الحديث بنحو ما هنا في الحج في باب النحر والحلاق، وقد روي ~~بألفاظ منها ما ذكره المصنف هنا، ومنها ما أخرجه أبو عوانة في صحيحه بلفظ: ~~أن رسول الله (ص) أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن ثم ~~حلق الشق الآخر فأمره أن يقسمه بين الناس ولمسلم من رواية: أنه قسم الأيمن ~~فيمن بليه PageV01P069 # وفي لفظ: فوزعه بين الناس الشعرة والشعرتين وأعطى الأيسر أم سليم وفي ~~لفظ: # فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره (ص) وأما الأيسر فأعطاه لام سليم زوجته ~~بأمره (ص) لتجعله في طيبها. قال النووي: فيه استجاب البداءة بالشق الأيمن ~~من رأس المحلوق وهو قول الجمهور خلافا لأبي حنيفة. وفيه طهارة شعر الآدمي ~~وبه قال الجمهور. وفيه التبرك بشعره (ص). # وفيه المواساة بين الأصحاب بالعطية والهدية. قال الحافظ: وفيه أن ~~المواساة لا تستلزم المساواة. وفيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره ~~واختلفوا في اسم الحالق فالصحيح أنه معمر بن عبد الله كما ذكره البخاري، ~~وقيل: أبو خراش بن أمية والصحيح أنه كان الحالق بالحديبية. وذهب جماعة من ~~الشافعية إلى أن الشعر نجس وهي طريقة العراقيين، وأحاديث الباب ترد عليهم ~~واعتذارهم عنها بأن النبي (ص) مكرم لا يقاس عليه غيره اعتذار فاسد، لأن ~~الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل. قال الحافظ: فلا يلتفت إلى ما وقع في كثير من ~~كتب الشافعية مما يخالف القول بالطهارة، فقد استقر القول من أئمتهم على ~~الطهارة هذا كله في شعر الآدمي. وأما شعر غيره من غير المأكول ففيه خلاف ~~مبني على أن الشعر هل تحله الحياة فينجس بالموت أو لا؟ فذهب جمهور العلماء ~~إلى أنه لا ينجس بالموت، وذهبت الشافعية إلى أنه ينجس بالموت، واستدل ~~للطهارة بما ذكره ابن المنذر من أنهم أجمعوا على طهارة ما يجز من الشاة وهي ~~حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين ~~الشعر وغيره ms0083 من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والحياة. قوله: ~~تدوفه الدوف الخلط والبل بماء ونحوه، دفت المسك فهو مدوف ومدووف أي مبلول ~~أو مسحوق، ولا نظير له سوى مصوون، كذا في القاموس ومثله في النهاية. # قوله: نطعا بكسر النون وفتحها مع سكون الطاء وتحريكها بساط من الأدم ~~الجميع أنطاع ونطوع. قوله: في سك بمهملة مضمومة فكاف مشددة وهو طيب يتخذ من ~~الرامك مدقوقا منخولا معجونا بالماء ويعرك شديدا ويمسح بدهن الخيري لئلا ~~يلصق بالإناء ويترك ليلة ثم يسحق المسك ويعرك شديدا ويترك يومين ثم يثقب ~~بمسلة وينظم في خيط قنب ويترك سنة، وكلما عتق طابت رائحته قاله في القاموس، ~~والرامك بالراء كصاحب شئ أسود يخلط بالمسك. والقنب نوع من الكتان. وفيه ~~دليل على طهارة العرق لأنه وقع منه (ص) التقرير لام سليم وهو مجمع على ~~طهارته من الآدمي. قوله: PageV01P070 # يجلجل بجيمين مضمومتين بينهما لام الجرس. قال الكرماني: ويحمل على أنه ~~كان مموها بفضة لا أنه كان كله فضة. قال الحافظ: وهذا ينبني على أن أم سلمة ~~كانت لا تحيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب ومن أين له ذلك؟ فقد ~~أجاز ذلك جماعة من العلماء قلت: والحق الجواز إلا في الأكل والشرب لأن ~~الأدلة لم تدل على غيرها بين الحالتين. قوله: فخضخضت بخاءين وضادين معجمات ~~والخضخضة تحريك الماء. # قوله: والكتم هو نبت يخلط بالحناء وسيأتي ضبطه وتفسيره. # باب النهي عن الانتفاع بجلد ما لا يؤكل لحمه عن أبي المليح بن أسامة عن ~~أبيه أن رسول الله (ص) نهى عن جلود السباع رواه أحمد وأبو داود والنسائي ~~والترمذي وزاد: أن يفترش. # وعن معاوية بن أبي سفيان أنه قال لنفر من أصحاب النبي (ص): # أتعلمون أن رسول الله (ص) نهى عن جلود النمور أن يركب عليها؟ # قالوا: اللهم نعم رواه أحمد وأبو داود. ولأحمد: أنشدكم الله أنهى رسول ~~الله (ص) عن ركوب صفف النمور؟ قالوا: نعم قال: وأنا أشهد. وعن المقدام بن ~~معدي كرب أنه قال لمعاوية: أنشدك الله هل تعلم ms0084 أن رسول الله (ص) نهى عن لبس ~~جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم رواه أبو داود والنسائي. # وعن المقدام بن معدي كرب قال: نهى رسول الله (ص) عن الحرير والذهب ومياثر ~~النمور رواه أحمد والنسائي. وعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: لا تصحب ~~الملائكة رفقة فيها جلد نمر رواه أبو داود. # حديث أبي المليح قال الترمذي لا نعلم رواه عن أبي المليح عن أبيه غير ~~سعيد بن أبي عروبة، وأخرجه عن أبي المليح عن النبي (ص) مرسلا قال: وهذا ~~أصح. وحديث معاوية أخرجه أيضا ابن ماجة. وحديث المقدام الأول رواه أبو داود ~~عن عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي حدثنا بقية عن بجير عن خالد قال: وفد ~~المقدام وذكر فيه قصة طويلة. وبقية بن الوليد فيه مقال مشهور. وحديثه ~~الثاني إسناده صالح. # وحديث أبي هريرة في إسناده أبو العوام عمران القطان وثقه عفان بن مسلم ~~واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد. قوله: النمور في رواية النمار ~~وكلاهما جمع نمر PageV01P071 # بفتح النون وكسر الميم ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم وهو سبع ~~أجرا وأخبث من الأسد، وهو منقط الجلد نقط سود وبيض وفيه شبه من الأسد إلا ~~أنه أصغر منه، ورائحة فمه طيبة بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو ~~بعيد الوثبة فربما وثب أربعين ذراعا. وإنما نهى عن استعمال جلده لما فيه من ~~الزينة والخيلاء ولأنه زي العجم. قوله: صفف بالصاد المهملة كصرد جمع صفة ~~وهي ما يجعل على السرج. # قوله: ومياثر النمور المياثر جمع ميثرة والميثرة بكسر الميم وسكون ~~التحتية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همزة فيها وأصلها من الوثارة. ~~وقد روى البخاري عن بعض الرواة أنه فسرها بجلود السباع. قال النووي: هو ~~تفسير باطل لما أطبق عليه أهل الحديث، قال الحافظ: ليس بباطل بل يمكن ~~توجيهه، وهو ما إذا كانت الميثرة وطاء وصنعت من جلد ثم حشيت، والنهي حينئذ ~~عنها إما لأنها من زي الكفار، وإما لأنها لا تذكى غالبا. وقيل: إن المياثر ~~مراكب ms0085 تتخذ من الحرير والديباج، وسيأتي الكلام على الحرير في كتاب اللباس. ~~قوله: # لا تصحب الملائكة رفقة الخ فيه أنه يكره اتخاذ جلود النمور واستصحابها في ~~السفر وإدخالها البيوت، لأن مفارقة الملائكة للرفقة التي فيها جلد نمر تدل ~~على أنها لا تجامع جماعة أو منزلا وجد فيه ذلك، ولا يكون إلا لعدم جواز ~~استعمالها كما ورد: إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير وجعل ذلك من أدلة ~~تحريم التصاوير وجعلها في البيوت. وهذا الحديث والذي قبله يدلان على قوة ~~تفسير الميثرة بجلود السباع. وأحاديث الباب استدل بها المصنف رحمه الله على ~~أن جلود السباع لا يجوز الانتفاع بها. وقد اختلف في حكمه النهي فقال ~~البيهقي: # يحتمل أن النهي وقع لما يبقى عليها من الشعر لأن الدباغ لا يؤثر فيه. ~~وقال غيره: يحتمل أن النهي عما لم يدبغ منها لأجل النجاسة أو أن النهي لأجل ~~أنها مراكب أهل السرف والخيلاء. وأما الاستدلال بأحاديث الباب على أن ~~الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن ~~الدباغ مطهر على العموم فغير ظاهر، لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب ~~عليها وافتراشها، ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة، كما لا ملازمة بين ~~النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع ~~منع الركوب عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال إن أحاديث هذا الباب أعم من ~~أحاديث الباب الذي بعده من وجه لشمولها لما كان مدبوغا من جلود السباع وما ~~كان غير مدبوغ. قال المصنف رحمه الله: وهذه النصوص تمنع استعمال جلد ما لا ~~يؤكل لحمه PageV01P072 # في اليابسات وتمنع بعمومها طهارته بذكاة أو دباغ انتهى. # باب ما جاء في تطهير الدباغ عن ابن عباس قال تصدق على مولاة لميمونة بشاة ~~فماتت فمر بها رسول الله (ص) فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ ~~فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها رواه الجماعة إلا ابن ماجة قال ~~فيه عن ميمونة جعله من مسندها وليس فيه للبخاري والنسائي ذكر ms0086 الدباغ بحال. ~~وفي لفظ لأحمد: أن داجنا لميمونة ماتت فقال رسول الله إلا انتفعتم بإهابها ~~ألا دبغتموه فإنه ذكاته وهذا تنبيه على أن الدباغ إنما يعمل فيما تعمل فيه ~~الذكاة. وفي رواية لأحمد والدارقطني: # يطهرها الماء والقرظ رواه الدارقطني مع غيره وقال: هذه أسانيد صحاح. # في الباب عن أم سلمة عند الطبراني في الأوسط والدارقطني وفي إسناده فرج ~~بن فضالة وهو ضعيف. وعن ميمونة عند مالك وأبي داود والنسائي وابن حبان ~~والدارقطني بلفظ: أنه مر برسول الله (ص) رجال يجرون شاة لهم مثل الحمار ~~فقال: لو أخذتم إهابها، فقالوا: إنها ميتة فقال: يطهرها الماء والقرظ وصححه ~~ابن السكن والحاكم. قوله: أخذتم إهابها الإهاب ككتاب الجلد أو ما لم يدبغ ~~قاله في القاموس. # قال أبو داود في سننه: قال النضر بن شميل إنما يسمى إهابا ما لم يدبغ ~~فإذا دبغ لا يقال له إهاب إنما يسمى شنا وقربة، وسيذكره المصنف فيما بعد ~~وفي الصحاح: والإهاب الجلد ما لم يدبغ. وبقية الكلام على الإهاب تأتي في ~~حديث عبد الله بن عكيم. قوله: أن داجنا الداجن المقيم بالمكان ومنه الشاة ~~إذا ألفت البيت. قوله: فإنه ذكاته أراد أن الدباغ في التطهير بمنزلة الزكاة ~~في إحلال الشاة، وهو تشبيه بليغ. وأخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وابن ~~حبان من حديث الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق بلفظ: دباغ الأديم ذكاته ~~قال الحافظ: وإسناده صحيح. قال أحمد: الجون لا أعرفه وبهذا أعله الأثرم، ~~قال الحافظ: # وقد عرفه غيره علي بن المديني وروى عنه يعني الجون الحسن وقتادة، وصحح ~~ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة، وتعقب أبو بكر بن مفوز ذلك على ابن ~~حزم. وفي الباب أيضا عن ابن عباس عند الدارقطني وابن شاهين من طريق فليح عن ~~زيد بن أسلم عن أبي وعلة عنه بلفظ: # دباغ كل إهاب طهوره وأصله في مسلم من حديث أبي الخير عن أبي وعلة بلفظ: ~~دباغه PageV01P073 # طهوره ورواه الدولابي في الكنى من حديث ابن عباس بلفظ: سمعت ms0087 رسول الله ~~(ص) يقول ذكاة كل مسك دباغه ورواه البزار والطبراني والبيهقي عنه قال: # قال رسول الله (ص) في شاة ميمونة: ألا استمعتم بإهابها فإن دباغ الأديم ~~طهوره وفي إسناده يعقوب بن عطاء ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة. وأخرج أحمد ~~وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من حديثه أيضا: أن رسول الله (ص) أراد أن ~~يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة فقال: دباغه يزيل خبثه أو نجسه أو رجسه ~~وصححه الحاكم والبيهقي. # وعن عائشة عند النسائي وابن حبان والطبراني والدارقطني والبيهقي بلفظ: ~~دباغ جلود الميتة طهورها وعن المغيرة بن شعبة عند الطبراني، وعن زيد بن ~~ثابت عند الطبراني أيضا، وعند الحاكم أبي أحمد في الكنى وفي تاريخ نيسابور. ~~وعن أبي أمامة عنده أيضا، وعن ابن عمر عنده أيضا وعند ابن شاهين وعن بعض ~~أزواج النبي (ص) عند البيهقي وأيضا عن أنس عند ابن منده. وعن جابر عنده ~~أيضا وعن ابن مسعود عنده أيضا الحديث المذكور في الباب يدل على طهارة أديم ~~الميتة بالدباغ، نص في الشاة المعينة التي هي السبب أو نوعه على الخلاف ~~وظاهر فيما عداه، لأن قوله: إنما حرم من الميتة أكلها بعد قولهم: إنها ميتة ~~يعم كل ميتة، والأحاديث المذكورة في هذا الباب تدل على عدم اختصاص هذا ~~الحكم بنوع من أنواع الميتة. وقد اختلف أرباب العلم في ذلك على أقوال سبعة ~~ذكرها النووي في شرح مسلم، وسنذكرها ههنا غير مقتصرين على المقدار الذي ~~ذكره، بل نضم إليه حجج الأقوال مع نسبة بعض المذاهب إلى جماعات من العلماء ~~لم يذكرهم فنقول: # المذهب الأول أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير ~~والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في ~~الأشياء اليابسة والمائعة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وإلى هذا ذهب ~~الشافعي واستدل على استثناء الخنزير بقوله: فإنه رجس وجعل الضمير عائدا إلى ~~المضاف إليه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة قال: لأنه لا جلد له. قال ~~النووي: وروي هذا المذهب عن علي بن ms0088 أبي طالب وابن مسعود. المذهب الثاني: ~~أنه لا يطهر شئ من الجلود بالدباغ، قال النووي: وروي هذا القول عن عمر بن ~~الخطاب وابنه عبد الله وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين ~~عن مالك، ونسبه في البحر إلى أكثر العترة، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم ~~الآتي بلفظ: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وكان ذلك قبل موته (ص) ~~PageV01P074 # بشهر فكان ناسخا لسائر الأحاديث. وأجيب بأنه قد أعل بالاضطراب والارسال ~~كما سيأتي، فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة، وأيضا التاريخ بشهر أو شهرين ~~كما سيأتي فعل لأنه من رواية خالد الحذاء، وقد خالفه شعبة وهو أحفظ منه ~~وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضا للأحاديث الصحيحة وهي أرجح ~~منه بكل حال، فإنه قد روي في ذلك أعني تطهير الدباغ للأديم خمسة عشر حديثا ~~عن ابن عباس حديثان، وعن أم سلمة ثلاثة، وعن أنس حديثان، وعن سلمة بن ~~المحيق وعائشة والمغيرة وأبي أمامة وابن مسعود وشيبان وثابت وجابر. وأثران ~~عن سودة وابن مسعود على أنه لا حاجة إلى الترجيح بهذا لأن حديث ابن حكيم ~~عام وأحاديث التطهير خاصة فيبنى العام على الخاص، أما على مذهب من يبني ~~العام على الخاص مطلقا كما هو قول المحققين من أئمة الأصول فظاهر، وأما على ~~مذهب من يجعل العام المتأخر ناسخا فمع كونه مذهبا مرجوحا لا نسلم تأخر ~~العام هنا لما ثبت في أصول الاحكام والتجريد من كتب أهل البيت أن عليا قال: ~~قال رسول الله (ص): لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب فلما كان من الغد ~~خرجت فإذا نحن بسخلة مطروحة على الطريق فقال: ما كان على أهل هذه لو ~~انتفعوا بإهابها؟ فقلت: يا رسول الله أين قولك بالأمس؟ فقال: ينتفع منها ~~بالشئ ولو سلمنا تأخر حديث ابن عكيم لكان ما أسلفنا عن النضر بن شميل من ~~تفسير الإهاب بالجلد الذي لم يدبغ، وما صرح به صاحب الصحاح ورواه صاحب ~~القاموس كما قدمنا موجبا لعدم التعارض، إذ لا نزاع في نجاسة إهاب ms0089 الميتة ~~قبل دباغه. فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض من غير فرق بين ~~ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وهو مذهب الجمهور، قال الحازمي: # وممن قال بذلك يعني جواز الانتفاع بجلود الميتة ابن مسعود وسعيد بن ~~المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن والشعبي وسالم يعني بن عبد ~~الله وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير ويحيى بن سعيد الأنصاري ~~ومالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والشافعي ~~وأصحابه وإسحاق الحنظلي، وهذا هو مذهب الظاهرية كما سيأتي. المذهب الثالث: ~~أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا نطهر غيره. قال النووي: وهو مذهب ~~الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه، واحتجوا بما في الأحاديث ~~من جعل الدباغ في الأهب كالذكاة، وقد تقدم بعض ذلك PageV01P075 # ويأتي بعض. قالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها غير المأكول، فكذلك ~~المشبه لا يطهر جلد غير المأكول، وهذا إن سلم لا ينفي ما استفيد من ~~الأحاديث العامة للمأكول وغيره، وقد تقرر في الأصول أن العام لا يقصر على ~~سببه، فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة. # المذهب الرابع: يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، قال النووي: وهو ~~مذهب أبي حنيفة واحتج بما تقدم في المذهب الأول. المذهب الخامس: يطهر ~~الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فلا ينتفع به في المائعات، قال ~~النووي: وهو مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابنا عنه انتهى. وهو تفصيل لا ~~دليل عليه. المذهب السادس: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا، قال ~~النووي: وهو مذهب داود وأهل الظاهر، وحكى عن أبي يوسف وهو الراجح كما تقدم، ~~لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم يفرق فيها بين الكلب والخنزير وما ~~عداهما. واحتجاج الشافعي بالآية على إخراج الخنزير وقياس الكلب عليه لا يتم ~~إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف، وأنه محل نزاع، ~~ولا أقل من الاحتمال إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحا، والمحتمل لا يكون ~~حجة على الخصم. وأيضا لا يمتنع ms0090 أن يقال رجسية الخنزير على تسليم شمولها ~~لجميعه لحما وشعرا وجلدا وعظما مخصصة بأحاديث الدباغ. المذهب السابع: أنه ~~ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، ~~قال النووي: وهو مذهب الزهري وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تعريج عليه ولا ~~التفات إليه انتهى. # واستدل لذلك بحديث الشاة باعتبار الرواية التي لم يذكر فيها الدباغ، ~~ولعله لم يبلغ الزهري بقية الروايات وسائر الأحاديث وقد رده في البحر ~~بمخالفة الاجماع. # وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (ص) يقول أيما إهاب دبغ فقد طهر رواه ~~أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وقال: قال إسحاق عن النضر بن شميل: إنما ~~يقال الإهاب لجلد ما يؤكل لحمه. وعن ابن عباس عن سودة زوج النبي (ص) قالت: ~~ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنا. رواه أحمد ~~والنسائي والبخاري وقال: إن سودة مكان عن. وعن عائشة أن النبي (ص) أمر أن ~~ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت رواه الخمسة إلا الترمذي. والنسائي: سئل النبي ~~(ص) عن جلود الميتة فقال: دباغها ذكاتها. وللدارقطني عنها عن النبي (ص) ~~PageV01P076 # قال: طهور كل أديم دباغه قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات. # الحديث الأول قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه الشافعي وابن حبان والدارقطني ~~بإسناد على شرط الصحة وقال: إنه حسن، ورواه الخطيب في تلخيص المتشابه من ~~حديث جابر، والحديث الثالث أخرجه أيضا ابن حبان والطبراني والبيهقي. قوله ~~لجلد ما يؤكل لحمه هذا يخالف ما قدمنا عن أبي داود أن النضر بن شميل فسر ~~الإهاب بالجلد قبل أن يدبغ ولم يخصه بجلد المأكول، ورواية أبي داود عنه ~~أرجح لموافقتها ما ذكره أهل اللغة كصاحب الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها. ~~والمبحث لغوي فيرجح ما وافق اللغة، ولم نجد في شئ من كتب اللغة ما يدل على ~~تخصيص الإهاب بإهاب مأكول اللحم كما رواه الترمذي عنه قوله: مسكها بفتح ~~الميم وإسكان السين المهملة هو الجلد. قوله: شنا بفتح الشين المعجمة بعدها ~~نون أي قربة خلفه. قوله: دباغها ذكاتها استدل ms0091 بهذا من قال إنه يطهر بالدبغ ~~جلد ميتة المأكول فقط وقد تقدم الجواب عليه. قوله: طهور كل أديم وكذا قوله: ~~أيما إهاب دبغ يشملان جلود ما لا يؤكل لحمه كالكلب والخنزير وغيرهما شمولا ~~ظاهرا، وقد تقم البحث في ذلك. # باب تحريم أكل جلد الميتة وإن دبغ عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت ~~زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة فقال: فلولا أخذتم مسكها، ~~قالوا: أنأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله (ص): إنما قال الله ~~تعالى: * (قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) * (الانعام: 145) وأنتم لا تطعمونه أن تدبغوه ~~فتنتفعوا به، فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت ~~عندها رواه أحمد بإسناد صحيح. # الحديث يدل على تحريم أكل جلود الميتة، وأن الدباغ وإن أوجب طهارتها لا ~~يحلل أكلها. ومما يدل على تحريم الاكل أيضا قوله (ص) في حديث ابن عباس ~~المتقدم: إنما حرم من الميتة أكلها وهذا مما لا أعلم فيه خلافا، ويدل أيضا ~~على طهارة جلود الميتة بالدبغ وقد تقدم الكلام عليه. PageV01P077 # باب ما جاء في نسخ تطهير الدباغ عن عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول ~~الله (ص) قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميت بإهاب ولا عصب رواه الخمسة ~~ولم يذكر منهم المدة غير أحمد وأبي داود قال الترمذي: هذا حديث حسن. ~~وللدارقطني: أن رسول الله (ص) كتب إلى جهينة أني كنت رخصت لكم في جلود ~~الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. ~~وللبخاري في تاريخه عن عبد الله بن عكيم قال: حدثنا مشيخة لنا من جهينة أن ~~النبي (ص) كتب إليهم أن لا تنتفعوا من الميتة بشئ. # وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي وابن حبان، وقال عبد الله بن عكيم: شهد ~~كتاب رسول الله (ص) حيث قرئ عليهم في جهينة، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك. # وقال البيهقي والخطابي: ms0092 هذا الخبر مرسل. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن ~~أبيه: ليست لعبد الله بن عكيم محبة وإنما روايته كتابه، وخالفه الحاكم ~~فأثبت لعبد الله صحبة، قال الحافظ: # وأغرب الماوردي فزعم أنه نقل عن علي بن المديني أن رسول الله (ص) مات ~~ولعبد الله بن عكيم سنة. وقال صاحب الامام: تضعيف من ضعفه ليس من قبيل ~~الرجال فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب كما نقل ~~عن أحمد. ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عدي والطبراني من حديث شبيب بن سعيد ~~عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه ولفظه: جاءنا كتاب رسول الله (ص) ~~ونحن بأرض جهينة أني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بإهاب ~~ولا عصب قال الحافظ: إسناده ثقات وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في ~~الأوسط. ورواه أبو داود من حديث خالد عن الحكم عن عبد الرحمن أنه انطلق هو ~~وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم فدخلوا وقعدت على الباب فخرجوا إلي ~~وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم الحديث، فهذا يدل على أن عبد الرحمن ~~ما سمعه من ابن عكيم، لكن إن وجد التصريح بسماعه منه حمل على أنه سمعه منه ~~بعد ذلك. وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ وفيه عدي ~~بن الفضل وهو ضعيف. وعن جابر رواه ابن وهب وفيه زمعة وهو ضعيف. # ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده من طريق أخرى قال الشيخ الموفق: إسناده ~~حسن. قال PageV01P078 # الحازمي في الناسخ والمنسوخ: في إسناد حديث ابن عكيم اختلاف، رواه الحكم ~~مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عكيم، ورواه عنه القاسم بن مخيمرة عن ~~خالد عن الحكم وقال: إنه لم يسمعه من ابن عكيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم ~~خرجوا وأخبروه، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن ~~عكيم، ثم قال: وطريق الانصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة ~~في النسخ ms0093 لو صح ولكنه كثير الاضطراب لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة، ثم ~~قال: فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيح، ويحمل حديث ابن ~~عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهابا، وبعد الدباغ يسمى ~~جلدا ولا يسمى إهابا، هذا معروف عند أهل اللغة، وليكون جمعا بين الحكمين، ~~وهذا هو الطريق في نفي التضاد انتهى. ومحصل الأجوبة على هذا الحديث الارسال ~~لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي (ص)، ثم الانقطاع لعدم سماع عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم ثم الاضطراب في سنده، فإنه تارة ~~قال عن كتاب النبي (ص)، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب، ثم ~~الاضطراب في متنه فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد شهر أو ~~شهرين أو أربعين يوما أو ثلاثة أيام، ثم الترجيح بالمعارضة بأن أحاديث ~~الدباغ أصح، ثم القول بموجبه بأن الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ لا بعده، ~~حمله على ذلك ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما، ثم الجمع بين هذا الحديث ~~والأحاديث السابقة بأن هذا عام وتلك خاصة، وقد سبق الكلام على ذلك في باب ~~ما جاء في تطهير الدباغ مستكملا. قال المصنف رحمه الله: وأكثر أهل العلم ~~على أن الدباغ يطهر في الجملة لصحة النصوص به، وخبر ابن عكيم لا يقاربها في ~~الصحة والقوة لينسخها، قال الترمذي: سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن ~~حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين وكان يقول: هذا آخر ~~أمر رسول الله (ص)، ثم ترك أحمد هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى ~~بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة اه. قال الخلال: لما ~~رأى أبو عبد الله تزلزل الرواية فيه توقف. # باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح عن سلمة بن الأكوع قال: لما ~~أمسى اليوم الذي فتحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله ~~(ص): ما هذه النار ms0094 على أي شئ PageV01P079 # توقدون؟ قالوا: على لحم، قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم الحمر الإنسية، ~~فقال: أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ ~~فقال: أو ذاك وفي لفظ فقال: اغسلوا. وعن أنس قال: أصبنا من لحم الحمر يعني ~~يوم خيبر فنادى منادي رسول الله (ص) إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ~~فإنها رجس أو نجس متفق عليهما. # وأخرجاه أيضا من حديث علي بلفظ: نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم ~~الحمر الأهلية وهو متفق عليه أيضا من حديث جابر وابن عمر وابن عباس والبراء ~~وأبي ثعلبة وعبد الله بن أبي أوفى. وأخرجه البخاري من حديث زاهر الأسلمي ~~والترمذي عن أبي هريرة والعرباض بن سارية وأبو داود والنسائي عن خالد بن ~~الوليد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبو داود والبيهقي من حديث المقدام ~~بن معد يكرب. ورواه الدارمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وفي الصحيحين من ~~رواية الشعبي: لا أدري أنهى عنها من أجل أنها كانت حمولة الناس أو حرمت وفي ~~البخاري عن عمرو بن دينار قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن ~~عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس، والحديثان ~~استدل بهما على تحريم الحمر الأهلية وهو مذهب الجماهير من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم. # وقال ابن عباس: ليست بحرام. وعن مالك ثلاث روايات وسيأتي تفصيل ذلك وبسط ~~الحجج في باب النهي عن الحمر الإنسية من كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى. ~~وقد أوردهما المصنف هنا للاستدلال بهما على نجاسة لحم الحيوان الذي لا ~~يؤكل، لأن الامر بكسر الآنية أولا ثم الغسل ثانيا، ثم قوله: فإنها رجس أو ~~نجس ثالثا يدل على النجاسة، ولكنه نص في الحمر الإنسية وقياس في غيرها مما ~~لا يؤكل بجامع ms0095 عدم الاكل، ولا يجب التسبيع إذ أطلق الغسل ولم يقيده بمثل ما ~~قيده في ولوغ الكلب. وقال أحمد في أشهر الروايتين عنه أنه يجب التسبيع ولا ~~أدري ما دليله، فإن كان القياس على لعاب الكلب فلا يخفى ما فيه، وإن كان ~~غيره فما هو. وقوله: الإنسية بكسر الهمزة وفتحها مع سكون النون، والانسي ~~الإنس PageV01P080 # من كل شئ. # باب ما جاء في آنية الذهب والفضة عن حذيفة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ~~لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا ~~في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة متفق عليه. وهو لبقية ~~الجماعة إلا حكم الاكل منه خاصة. # قال ابن منده: مجمع على صحته. قوله: في صحافها الصحاف جمع صحفة وهي دون ~~القصعة. قال الجوهري: قال الكسائي أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع ~~العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة. والحديث ~~يدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، أما الشرب فبالاجماع، ~~وأما الاكل فأجازه داود والحديث يرد عليه ولعله لم يبلغه. قال النووي: قال ~~أصحابنا انعقد الاجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات في إناء ~~ذهب أو فضة إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط، ولعله لم يبلغه حديث ~~تحريم الاكل، وقول قديم للشافعي والعراقيين فقال بالكراهة دون التحريم وقد ~~رجع عنه. وتأوله أيضا صاحب التقريب ولم يحمله على ظاهره فثبتت صحة دعوى ~~الاجماع على ذلك، وقد نقل الاجماع أيضا ابن المنذر على تحريم الشرب في آنية ~~الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة، وقد أجيب من جهة القائلين بالكراهة عن ~~الحديث بأنه للتزهيد بدليل: أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ورد بحديث ~~فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم وهو وعيد شديد ولا يكون إلا على محرم، ولا شك ~~أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب ، وأما سائر الاستعمالات فلا، ~~والقياس على الأكل والشرب قياس مع فارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي ~~التشبيه ms0096 بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بآنية من فضة وذلك مناط معتبر للشارع ~~كما ثبت عنه لما رأى رجلا متختما بخاتم من ذهب فقال: ما لي أرى عليك حلية ~~أهل الجنة أخرجه الثلاثة من حديث بريدة، وكذلك في الحرير وغيره وإلا لزم ~~تحريم التحلي بالحلي والافتراش للحرير لأن ذلك استعمال، وقد جوزه البعض من ~~القائلين بتحريم الاستعمال. وأما حكاية النووي للاجماع على PageV01P081 # تحريم الاستعمال فلا تتم مع مخالفة داود والشافعي وبعض أصحابه، وقد اقتصر ~~الإمام المهدي في البحر على نسبة ذلك إلى أكثر الأمة على أنه لا يخفى على ~~المصنف ما في حجية الاجماع من النزاع والاشكالات التي لا مخلص عنها. ~~والحاصل أن الأصل الحل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل ~~في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو ~~وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور، لا سيما وقد أيد هذا الأصل ~~حديث: ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا أخرجه أحمد وأبو داود، ويشهد له ~~ما سلف أن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله فخضخضت. ~~الحديث في البخاري وقد سبق. وقد قيل: إن العلة في التحريم الخيلاء أو كسر ~~قلوب الفقراء، ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها ~~أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة ولم يمنعها إلا من شذ. وقد نقل ابن الصباغ ~~في الشامل الاجماع على الجواز وتبعه الرافعي ومن بعده. # وقيل: العلة التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله ومجرد ~~التشبه لا يصل إلى ذلك، وأما اتخاذ الأواني بدون استعمال فذهب الجمهور إلى ~~منعه ورخصت فيه طائفة. # وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه. ~~ولمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة. وعن عائشة رضي الله ~~عنها: عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الذي يشرب ms0097 في إناء فضة: ~~كأنما يجرجر في بطنه نارا رواه أحمد وابن ماجة. # حديث أم سلمة أخرجه أيضا الطبراني وزاد: إلا أن يتوب، وقد تفرد علي بن ~~مسهر بزيادة إناء الذهب الثابتة عند مسلم. وحديث عائشة رواه أيضا الدارقطني ~~في العلل من طريق شعبة والنووي عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن امرأة ابن عمر ~~سماها الثوري صفية. وأخرجه أيضا أبو عوانة في صحيحه بلفظ: الذي يشرب في ~~الفضة إنما يجرجر في جوفه نارا وفيه اختلاف على نافع فقيل عنه عن ابن عمر ~~أخرجه الطبراني في الصغير، وأعله أبو زرعة وأبو حاتم، وقيل عنه عن أبي ~~هريرة ذكره الدارقطني في العلل أيضا، وخطأه من رواية عبد العزيز بن أبي ~~رواد قال: والصحيح فيه عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر كما تقدم يعني عن ~~زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن PageV01P082 # عبد الرحمن بن أبي بكر عن أم سلمة. قال الحافظ: فرجع الحديث إلى حديث أم ~~سلمة. # قوله: يجرجر الجرجرة صب الماء في الحلق كالتجرجر، والتجرجر أن تجرعه جرعا ~~متداركا. جرجر الشراب صوت، وجرجره سقاه على تلك الصفة. قاله في القاموس. # وقوله: نار جهنم يروى بالرفع وهو مجاز لأن النار لا تجرجر على الحقيقة، ~~ولكنه جعل صوت جزع الانسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنها ~~واستحقاق العقاب عليها كجرجرة نار جهنم في بطنه على طريق المجاز. والأكثر ~~الذي عليه شراح الحديث وأهل الغريب واللغة النصب. والمعنى كأنما تجرع نار ~~جهنم. قال في الفتح: وقوله يجرجر بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ~~وجيم مكسورة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، ثم حكى الخلاف في ضبط ~~هذه اللفظة في كتاب الأشربة، والحديث قد تقدم الكلام عليه. # وعن البراء بن عازب قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الشرب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة مختصر ~~من مسلم الحديث قد تقدم الكلام عليه. # باب النهي ms0098 عن التضبيب بهما إلا بيسير الفضة عن ابن عمر رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه ~~شئ من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم رواه الدارقطني. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي كلاهما من طريق يحيى بن محمد الجاري عن زكريا ~~بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر بهذا اللفظ. وزاد ~~البيهقي في رواية له عن جده وقال: إنها وهم. وقال الحاكم في علوم الحديث: ~~لم نكتب هذه اللفظة أو إناء فيه شئ من ذلك إلا بهذا الاسناد. وقال البيهقي: ~~المشهور عن ابن عمر في المضبب موقوفا عليه، ثم أخرجه بسند له على شرط ~~الصحيح أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة، ثم روى النهي في ~~ذلك عن عائشة وأنس. وفي حرف الباء الموحدة من الأوسط للطبراني من حديث أم ~~عطية: نهانا رسول الله (ص) عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح قال: تفرد به عمر ~~بن يحيى بن معاوية بن PageV01P083 # عبد الكريم، ويحيى بن محمد الجاري راوي تلك الزيادة، قال البخاري: ~~يتكلمون فيه، وقال ابن عدي: هذا حديث منكر كذا في الميزان، وفي الكاشف ليس ~~بالقوي. وفي الميزان أيضا رواية يحيى عن زكريا بن إبراهيم وليس بالمشهور. ~~الحديث استدل به من قال بتحريم الأكل والشرب في الآنية المذهبة والمفضضة. ~~وقال أبو حنيفة: يجوز إذا وضع الشارب فمه على غير محل الذهب والفضة، واستدل ~~له بما سيأتي، وأجيب عن حديث الباب بما سلف من المقال فيه. # وعن أنس: أن قدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب ~~سلسلة من فضة رواه البخاري. ولأحمد عن عاصم الأحول قال: رأيت عند أنس قدح ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه ضبة فضة. # وفي لفظ للبخاري من حديث عاصم الأحول: رأيت قدح رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عند أنس بن مالك وكان انصدع فسلسله بفضة. وحكى البيهقي ms0099 عن موسى ~~بن هارون أو غيره أن الذي جعل السلسلة هو أنس، لأن لفظه فجعلت مكان الشعب ~~سلسلة وجزم بذلك ابن الصلاح. قال الحافظ: وفيه نظر لأن في الخبر عند ~~البخاري عن عاصم قال: وقال ابن سيرين أنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس ~~أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئا صنعه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا يدل على أنه لم يغير شيئا: الحديث ~~يدل على جواز اتخاذ سلسلة أو ضبة من فضة في إناء الطعام والشراب وهو حجة ~~لأبي حنيفة، والحديث السابق الذي فيه أو إناء فيه شئ من ذلك على فرض صحته ~~لا يعارض هذا لأن شيئا عام وهذا مخصص له، وكذلك حديث النهي عن تفضيض ~~الأقداح السابق مخصص بهذا فلا يعارض. # قوله: الشعب هو الصدع والشق. وقوله: سلسلة السلسلة بفتح الفاء المراد بها ~~إيصال الشئ بالشئ. # باب الرخصة في آنية الصفر ونحوها عن عبد الله بن زيد قال: أتانا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه ~~البخاري وأبو داود وابن ماجة. # وعن زينب بنت جحش: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتوضأ ~~في PageV01P084 # مخضب من صفر رواه أحمد. # قوله: في تور التور بفتح المثناة الفوقية يشبه الطشت وقيل هو الطشت. ~~والطشت بفتح الطاء وكسرها وبإسقاط التاء لغات. قوله: من صفر: الصفر بصاد ~~مهملة مضمومة نوع من النحاس. قوله: في مخضب المخضب بكسر الميم وسكون الخاء ~~المعجمة وفتح الضاد المعجمة بعدها موحدة المشهور أنه الاناء الذي يغسل فيه ~~الثياب من أي جنس كان، وقد يطلق على الاناء صغر أو كبر. والحديث ساقه ~~المصنف للاستدلال به على جواز استعمال آنية الصفر للوضوء وغيره وهو كذلك. ~~وله فوائد محلها الوضوء. # باب استحباب تخمير الأواني عن جابر بن عبد الله في حديث له: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: أوك سقاءك واذكر اسم الله ms0100 وخمر إناءك واذكر اسم ~~الله ولو أن تعرض عليه عودا متفق عليه. ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: غطوا الاناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها ~~وباء لا يمر بإناء ليس عليه غناء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك ~~الوباء. # الحديث أيضا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ولفظ أبي داود: أغلق بابك ~~واذكر اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا واطف مصباحك واذكر اسم الله ~~وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله ~~وله في أخرى من حديث جابر: فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وكاء ولا يكشف ~~إناء وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم أو بيوتهم وأخرجها أيضا مسلم ~~والترمذي وابن ماجة. # وفي رواية له أيضا عن جابر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فاستسقى فقال رجل من القوم ألا نسقيك نبيذا؟ قال: بلى، فخرج الرجل ~~يشتد فجاء بقدح فيه نبيذ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إلا ~~خمرته ولو أن تعرض عليه عودا وأخرجها أيضا مسلم. قوله: أوك سقاءك الوكاء ~~ككساء رباط القربة، وقد وكأها وأوكأها أي ربطها. قوله: وخمر إناءك التخمير ~~التغطية. قوله: ولو أن تعرض عليه عودا أي تضعه على العرض وهو الجانب من ~~الاناء من عرض العود على الا ناء، والسيف على الفخذ يعرضه ويعرضه فيهما. ~~قوله: وباء الوباء محركة الطاعون أوكل مرض عام، قاله PageV01P085 # في القاموس. والحديث يدل على مشروعية التبرك بذكر اسم الله عند إيكاء ~~السقاء وتخمير الاناء، وكذلك عند تغليق الباب وإطفاء المصباح كما في ~~الروايات التي ذكرناها. # وقد أشعر التعليل بقوله: فإن الشيطان إلى آخره أن في التسمية حرزا عن ~~الشيطان وأنها تحول بينه وبين مراده. والتعليل بقوله: فإن في السنة ليلة ~~كما في رواية مسلم يشعر بأن شرعية التخمير للوقاية عن الوباء وكذلك ~~الايكاء، وقد تكلف بعضهم لتعيين هذه الليلة ولا دليل له على ذلك. # باب ms0101 آنية الكفار عن جابر بن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ~~ذلك عليهم رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي ثعلبة قال: قلت يا رسول الله إنا ~~بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، ~~وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها متفق عليه: ولأحمد وأبي داود: إن أرضنا ~~أرض أهل الكتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم ~~وقدورهم؟ قال: إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا. ~~وللترمذي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قدور المجوس قال: ~~أنقوها غسلا واطبخوا فيها. # حديث جابر أخرجه ابن أبي شيبة بمعناه، واستدل به من قال بطهارة الكافر ~~وهو مذهب الجماهير من السلف والخلف كما قاله النووي، لأن تقرير المسلمين ~~على الاستمتاع بآنية الكفار مع كونها مظنة لملابستهم ومحلا للمنفصل من ~~رطوبتهم مؤذن بالطهارة. # وحديث أبي ثعلبة استدل به من قال بنجاسة الكافر وهو مذهب الهادي والقاسم ~~والناصر ومالك، وقد نسبه القرطبي في شرح مسلم إلى الشافعي قال في الفتح: ~~وقد أغرب. # ووجه الدلالة أنه لم يأذن بالاكل فيها إلا بعد غسلها ورد بأن الغسل لو ~~كان لأجل النجاسة لم يجعله مشروطا بعدم الوجد أن لغيرها، إذ الاناء المتنجس ~~لا فرق بينه وبين ما لم يتنجس بعد إزالة النجاسة فليس ذلك إلا للاستقذار. ~~ورد أيضا بأن الغسل إنما هو لتلوثها بالخمر ولحم الخنزير، كما ثبت في رواية ~~أبي ثعلبة عند أحمد وأبي داود أنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، وبما ~~ذكره في البحر من أنها لو حرمت رطوبتهم لاستفاض نقل PageV01P086 # توقيهم لقلة المسلمين حينئذ، وأكثر مستعملاتهم لا يخلو منها ملبوسا ~~ومطعوما، والعادة في مثل ذلك تقتضي الاستفاضة انتهى. وأيضا قد أذن الله ~~بأكل طعامهم وصرح بحله بحله وهو لا يخلو من رطوباتهم في الغالب. وقد استدل ~~من قال بالنجاسة بقوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (التوبة: ms0102 28) وقد ~~استوفينا البحث في هذه المسألة وصرحنا بما هو الحق في باب طهارة الماء ~~المتوضأ به وهو الباب الثاني من أبواب الكتاب فراجعه. # وعن أنس أن يهوديا دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خبز شعير ~~وإهالة سنخة فأجابه رواه أحمد والإهالة الودك والسنخة الزنخة المتغيرة. وقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوضوء من مزادة مشركة. وعن عمر ~~الوضوء من جرة نصرانية. # الكلام على فقه الحديثين قد سبق، قال في النهاية في حرف السين السنخة ~~المتغيرة الريح ويقال بالزاي. وقال في حرف الزاي: إن رجلا دعا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقدم إليه إهالة زنخة فيها عرف أي متغيرة الرائحة، ~~ويقال سنخة بالسين انتهى. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد ذهب بعض أهل ~~العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ~~ذبيحته، وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهرا فيه بأكل لحم الخنزير ~~متمكنا فيه، أو يذبح بالسن والظفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية من سواهم ~~جمعا بذلك بين الأحاديث. واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن بن علي قال: ~~حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ~~رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه اه. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم. # باب ما يقول المتخلي عند دخوله وخروجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ ~~بك من الخبث والخبائث رواه الجماعة. ولسعيد بن منصور في سننه كان يقول: بسم ~~الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. # قوله: إذا دخل الخلاء قال في الفتح: أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة ~~الدخول لا بعده، وقد صرح بهذا البخاري في الأدب المفرد قال: حدثنا أبو ~~النعمان ثنا سعيد بن زيد ثنا عبد العزيز PageV01P087 # بن صهيب قال: حدثني أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد ms0103 ~~أن يدخل الخلاء قال فذكر مثل حديث الباب، وهذا في الأمكنة المعدة لذلك، ~~وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع عند تشمير الثياب وهذا مذهب الجمهور. ~~قوله: الخبث بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية. وقال الخطابي أنه لا ~~يجوز غيره، وتعقب بأنه يجوز إسكان الباء الموحدة كما في نظائره مما جاء على ~~هذا الوجه ككتب وكتب قاله في الفتح. قال النووي: وقد صرح جماعة من أهل ~~المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة إلا أن يقال: إن ترك التخفيف ~~أولى لئلا يشتبه بالمصدر. والخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة، قال الخطابي ~~وابن حبان وغيرهما: يريد ذكران الشياطين وإناثهم، قال في الفتح: قال ~~البخاري: ويقال الخبث أي بإسكان الباء، فإن كانت مخففة عن المحركة فقد تقدم ~~توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابي المكروه، قال: ~~فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من ~~الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وعلى هذا فالمراد ~~بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب، قال: وقد روى ~~المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب ~~بلفظ الامر قال: إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث ~~والخبائث وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه ~~الرواية اه. وهذه الرواية تشهد لما في حديث الباب من رواية سعيد بن منصور. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~خرج من الخلاء قال: غفرانك رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث صححه الحاكم وأبو حاتم، قال في البدر المنير: ورواه الدارمي وصححه ~~ابن خزيمة وابن حبان. وقوله: غفرانك إما مفعول به منصوب بفعل مقدر أي أسألك ~~غفرانك أو أطلب، أو مفعول مطلق أي اغفر غفرانك، قيل إنه استغفر لتركه الذكر ~~في تلك الحالة لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء ~~الحاجة ms0104 فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرا وذنبا يستغفر منه. وقيل: ~~استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج وهو ~~المناسب للحديث الآتي في الحمد. # وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من ~~الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني رواه ابن ماجة. ~~PageV01P088 # الحديث رواه ابن ماجة عن هارون بن إسحاق: حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ~~إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس. فهارون بن إسحاق وثقه النسائي، ~~وقال في التقريب: صدوق، وعبد الرحمن المحاربي هو ابن محمد وثقه ابن معين ~~والنسائي. وقال في التقريب: لا بأس به وكان يدلس، قاله أحمد وإسماعيل بن ~~مسلم، إن كان العبدي فقد وثقه أبو حاتم، وإن كان البصري فهو ضعيف وكلاهما ~~يروي عن الحسن. وقد رواه أيضا النسائي وابن السني عن أبي ذر. ورمز السيوطي ~~بصحته. وفي حمده صلى الله عليه وآله وسلم إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة ~~جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك فخروجه من النعم التي لا تتم ~~الصحة بدونها، وحق على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة فسد به جوعته ~~وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره ولم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك ~~الصفة الخبيثة المنتنة خرج بسهولة من مخرج معد لذلك أن يستكثر من محامد ~~الله جل جلاله، اللهم أوزعنا شكر نعمك. # باب ترك استصحاب ما فيه ذكر الله عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي. ~~وقد صح أن نقش خاتمه كان محمد رسول الله. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم، قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ، ~~وقال أبو داود: منكر، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه، وأما ~~الترمذي فصححه، قال النووي: هذا مردود عليه ذكره في الخلاصة. وقال المنذري: ~~الصواب عندي تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات، وتبعه أبو الفتح القشيري في ms0105 آخر ~~الاقتراح، وعلته أنه من رواته همام عن ابن جريج، وابن جريج لم يسمع من ~~الزهري وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام ~~مرفوعا يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل أخرجهما الحاكم والدارقطني، ~~وقد رواه عمر بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفا على أنس. وأخرج له ~~البيهقي شاهدا وأشار إلى ضعفه ورجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضا ولفظه: أن ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبس خاتما نقشه محمد رسول الله فكان إذا ~~دخل الخلاء وضعه وله شاهد من حديث ابن عباس رواه PageV01P089 # الجوزقاني في الأحاديث الضعيفة، وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد ~~بن إبراهيم الرازي فإنه متروك قاله الحافظ. قوله: وقد صح أن نقش خاتمه ~~أخرجه البيهقي والحاكم، قال الحافظ: ووهم النووي والمنذري في كلاميهما على ~~المهذب فقالا: هذا من كلام المصنف لا من الحديث، ولكنه صحيح من طريق أخرى ~~في أن نقش الخاتم كان كذلك. # والحديث يدل على تنزيه ما فيه ذكر الله تعالى عن إدخاله الحشوش والقرآن ~~بالأولى، حتى قال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، وقد خالف في ~~ذلك المنصور بالله فقال: لا يندب نزع الخاتم الذي فيه ذكر الله لتأديته إلى ~~ضياعه، وقد نهى عن إضاعة المال والحديث يرده. # باب كف المتخلي عن الكلام عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا مر ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يبول فسلم عليه فلم يرد عليه رواه الجماعة إلا ~~البخاري. # الحديث زاد فيه أبو داود من طريق ابن عمر وغيره: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم تيمم ثم رد على الرجل السلام ورواه أيضا من طريق المهاجر بن قنفذ ~~بلفظ أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد ~~عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على ~~طهر أو قال: على طهارة وأخرج هذه الرواية أيضا النسائي وابن ماجة، ms0106 وهو يدل ~~على كراهة ذكر الله حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبا كرد السلام، ولا يستحق ~~المسلم في تلك الحال جوابا. # قال النووي: وهذا متفق وسيأتي بقية الكلام على الحديث في باب استحباب ~~الطهارة لذكر الله، وفيه أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يدع الرد ~~حتى يتوضأ أو يتيمم ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المسلم، أما إذا خشي فوته ~~فالحديث لا يدل على المنع، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمكن من الرد ~~بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الرواية، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلبا ~~للأشرف وهو الرد حال الطهارة، ويبقى الكلام في الحمد حال العطاس، فالقياس ~~على التسليم المذكور في حديث الباب وكذلك التعليل بكراهة الذكر إلا على طهر ~~يشعر أن المنع من ذلك. وظاهر حديث: إذا عطس أحدكم فليحمد الله يشعر بشرعيته ~~في جميع الأوقات التي منها وقت قضاء الحاجة، فهل يخصص عموم كراهة الذكر ~~PageV01P090 # المستفادة من المقام بحديث العطاس أو يجعل الامر بالعكس، أو يكون بينهما ~~عموم وخصوص من وجه فيتعارضان فيه تردد وقد قيل إنه يحمد بقلبه وهو المناسب ~~لتشريف مثل هذا الذكر وتعظيمه وتنزيهه. # وعن أبي سعيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يخرج ~~الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه ~~أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث فيه عكرمة بن عمار العجلي، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وضعف بعض ~~الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير، ولكنه لا وجه للتضعيف بهذا، ~~فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضا، وفي ~~الترغيب والترهيب أن في إسناده عياض بن هلال أو هلال بن عياض وهو في عداد ~~المجهولين. وأخرجه ابن السكن وصححه، وابن القطان من حديث جابر بلفظ: إذا ~~تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا قال الحافظ ابن ~~حجر: # وهو معلول. والحديث يدل على وجوب ستر العورة وترك الكلام، ms0107 فإن التعليل ~~بمقت الله يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه، لأن المقت هو البغض ~~كما في القاموس، وروي أنه أشد البغض وقيل: إن الكلام في تلك الحال مكروه ~~فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الاجماع على أن الكلام غير محرم في ~~هذه الحالة، ذكره الإمام المهدي في الغيث، فإن صح الاجماع صلح للصرف عند ~~القائل بحجيته ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة. قوله: ~~يضربان الغائط يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا ~~سافرت، روي ذلك عن ثعلب، والمراد هنا يمشيان إلى الغائط. # قوله: كاشفين قال النووي: كذا ضبطناه في كتب الحديث وهو منصوب على الحال، ~~قال: ووقع في كثير من نسخ المهذب كاشفان وهو صحيح أيضا خبر مبتدأ محذوف أي ~~وهما كاشفان والأول أصوب. وذكر الرجلين في الحديث خرج مخرج الغالب وإلا ~~فالمرأتان والمرأة والرجل أقبح من ذلك. PageV01P091 # باب الابعاد والاستتار للمتخلي في الفضاء عن جابر قال: خرجنا مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى رواه ~~ابن ماجة ولأبي داود: كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. # الحديث رجاله عند ابن ماجة رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي ~~فقال البخاري: يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي وقال في التقريب: ~~صدوق كثير الوهم، وقد أخرجه أيضا النسائي وأبو داود والترمذي وقال: حسن ~~صحيح من حديث المغيرة بلفظ: كان إذا ذهب أبعد وأخرجه أبو داود من حديث جابر ~~بلفظ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد وفي إسناده أيضا إسماعيل ~~بن عبد الملك الكوفي نزيل مكة وقد تكلم فيه غير واحد. وقال في التقريب: ~~صدوق كثير الوهم من السادسة. # قوله: لا يأتي البراز البراز بفتح الباء اسم للفضاء الواسع من الأرض، كني ~~به عن حاجة الانسان كما كني عنها بالغائط والخلاء. والحديث يدل على مشروعية ~~الابعاد لقاضي الحاجة، والظاهر أن العلة إخفاء المستهجن من الخارج فيقاس ~~عليه إخفاء ms0108 الاخراج لأن الكل مستهجن. # وعن عبد الله بن جعفر قال: كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. وحائش نخل أي ~~جماعته ولا واحد له من لفظه. # قوله: هدف الهدف محركة كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل. قوله: # أو حائش نخل بالحاء المهملة فألف فياء مثناة تحتية فشين معجمة هو في كتب ~~اللغة كما ذكره المصنف. والحديث يدل على استحباب أن يكون قاضي الحاجة ~~مستترا حال الفعل بما يمنع من رؤية الغير له وهو على تلك الصفة، ولعل قضاءه ~~صلى الله عليه وآله وسلم للحاجة في حائش النخل في غير وقت الثمرة لما عند ~~الطبراني في الأوسط من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة أو على ضفة نهر جار ~~ولكنه لم يروه عن ميمون إلا فرات بن السائب وفرات متروك قاله البخاري ~~وغيره. PageV01P092 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره، ~~فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج رواه ~~أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث رواه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي، ومداره على أبي سعيد ~~الحبراني الحمصي وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي ولا يصح، والراوي عنه حصين ~~الحبراني وهو مجهول. وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر ~~الدارقطني الاختلاف فيه في العلل. والحديث فيه الامر بالتستر معللا بأن ~~الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، وذلك أن الشيطان يحضر وقت قضاء الحاجة لخلوه ~~عن الذكر الذي يطرد به، فإذا حضر في ذلك الوقت أمر الانسان بكشف العورة ~~وحسن له البول في المواضع الصلبة التي هي مظنة رشاش البول، وذلك معنى قوله: ~~يلعب بمقاعد بني آدم فأمر رسول الله صلى الله ms0109 عليه وآله وسلم قاضي الحاجة ~~بالتستر حال قضائها مخالفة للشيطان ودفعا لوسوسته التي يتسبب عنها النظر ~~إلى سوأة قاضي الحاجة المفضي إلى أئمة. قوله: إلا أن يجمع كثيبا من رمل ~~الكثيب بالثاء المثلثة قطعة مستطيلة تشبه الربوة، أي فإن لم يجد سترة ~~فليجمع من التراب والرمل قدرا يكون ارتفاعه بحيث يستره. قوله: # فليستدبره أي يجعله دبر ظهره وفيه أن الساتر حال قضاء الحاجة يكون خلف ~~الظهر. # باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة واستدبارها عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا جلس أحدكم لحاجته فلا ~~يستقبل القبلة ولا يستدبرها رواه أحمد ومسلم في رواية الخمسة إلا الترمذي ~~قال: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل ~~القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن ~~الروثة والرمة وليس لأحمد فيه الامر بالأحجار. # الحديث أخرجه أيضا مالك. وفي الباب عن أبي أيوب في الصحيحين كما سيأتي، ~~وعن سلمان في مسلم، وعن عبد الله بن الحرث بن جزء في ابن ماجة وابن حبان، ~~وعن معقل بن أبي معقل في أبي داود، وعن سهل بن حنيف في مسند الدارمي، ~~وزيادة PageV01P093 # لا يستطب بيمينه هي أيضا في المتفق عليه من حديث أبي قتادة بلفظ: فلا يمس ~~ذكره بيمينه وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه قال ابن منده: مجمع على صحته ~~وزيادة وكان يأمر بثلاثة أحجار أخرجها أيضا ابن خزيمة وابن حبان والدارمي ~~وأبو عوانة في صحيحه، والشافعي من حديث أبي هريرة بلفظ: وليستنج أحدكم ~~بثلاثة أحجار وأخرجها أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني وصححها ~~من حديث عائشة بلفظ: فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطب بهن فإنها تجزي عنه ~~وأخرجها مسلم من حديث سلمان وأبو داود من حديث خزيمة بن ثابت بلفظ: فليستنج ~~بثلاثة أحجار وعند مسلم من حديث سلمان بلفظ: أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن لا نجتزي بأقل من ثلاثة أحجار. # والحديث يدل على المنع ms0110 من استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، وقد ~~اختلف الناس في ذلك على أقوال: الأول: لا يجوز ذلك لا في الصحارى ولا في ~~البنيان وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري ~~وأبي ثور وأحمد في رواية كذا قاله النووي في شرح مسلم، ونسبه في البحر إلى ~~الأكثر، ورواه ابن حزم في المحلى عن أبي هريرة وابن مسعود وسراقة بن مالك ~~وعطاء والأوزاعي وعن السلف من الصحابة والتابعين. المذهب الثاني: الجواز في ~~الصحارى والبنيان وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك وداود الظاهري، ~~كذا رواه النووي في شرح مسلم عنهم وهو مذهب الأمير الحسين. المذهب الثالث: ~~أنه يحرم في الصحارى لا في العمران وإليه ذهب مالك والشافعي وهو مروي عن ~~العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن ~~حنبل في إحدى الروايتين عنه، صرح بذلك النووي في شرح مسلم أيضا، وزاد في ~~البحر عبد الله بن العباس ونسبه في الفتح إلى الجمهور. المذهب الرابع: # أنه لا يجوز الاستقبال لا في الصحارى ولا في العمران، ويجوز الاستدبار ~~فيهما وهو أحد الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد. المذهب الخامس: أن النهي ~~للتنزيه فيكون مكروها، وإليه ذهب الامام القاسم بن إبراهيم وأشار إليه في ~~الاحكام وحصله القاضي زيد لمذهب الهادي عليه السلام، ونسبه في البحر إلى ~~المؤيد بالله وأبي طالب والناصر والنخعي، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ~~وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي أيوب الأنصاري. # المذهب السادس: جواز الاستدبار في البنيان فقط وهو قول أبي يوسف، ذكره في ~~PageV01P094 # الفتح. المذهب السابع: التحريم مطلقا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت ~~المقدس، وهو محكى عن إبراهيم وابن سيرين، ذكره أيضا في الفتح وقد ذهب إلى ~~عدم الفرق بين القبلتين الهادوية ولكنهم صرحوا بأنه مكروه فقط. المذهب ~~الثامن: أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأما من كانت ~~قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا، قاله ~~أبو عوانة صاحب المزني هكذا في الفتح. ms0111 # احتج أهل المذهب الأول بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقا كحديث ~~الباب وحديث أبي أيوب وحديث سلمان وغيرها عن غيرهم كما تقدم قالوا: لأن ~~المنع ليس إلا لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود في الصحارى والبنيان، ولو ~~كان مجرد الحائل كافيا لجاز في الصحارى لوجود الحائل من جبل أو واد أو ~~غيرهما من أنواع الحائل. # وأجابوا عن حديث ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل ~~الشام مستدبر الكعبة بأنه ليس فيه أنه كان ذلك بعد النهي، وبأنه موافق لما ~~كان عليه الناس قبل النهي فهو منسوخ، صرح بذلك ابن حزم. وعن حديث جابر الذي ~~قال فيه: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تستقبل القبلة ببول فرأيته ~~قبل أن يقبض بعام يستقبلها بأن فيه أبان بن صالح وليس بالمشهور قاله ابن ~~حزم. وفيه أنه قد حسن الحديث الترمذي والبزار، وصححه البخاري وابن السكن، ~~والأولى في الجواب عنه أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض القول ~~الخاص بنا كما تقرر في الأصول وعن حديث عائشة قالت: ذكر لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: أو ~~قد فعلوها حولوا مقعدي قبل القبلة بأنه من طريق خالد بن أبي الصلت وهو ~~مجهول لا ندري من هو، قاله ابن حزم. وقال الذهبي في ترجمته: إن حديث حولوا ~~مقعدي منكر وفيه أنه قال النووي في شرح مسلم أن إسناده حسن. واحتج أهل ~~المذهب الثاني بحديث ابن عمر وجابر وعائشة، وسيأتي ذكر من أخرجها في الباب ~~الذي بعد هذا وقالوا إنها ناسخة للنهي. واحتج أهل المذهب الثالث بحديث ابن ~~عمر وعائشة لأن ذلك كان في البنيان قالوا: وبهذا حصل الجمع بين الأحاديث، ~~والجمع بينها ما أمكن هو الواجب، قال الحافظ في الفتح وهو أعدل الأقوال ~~لاعماله جميع الأدلة اه. ويرده حديث جابر الآتي فإنه لم يقيد الاستقبال فيه ~~بالبنيان، وقد يجاب بأنها حكاية فعل لا عموم لها، وسيأتي تحقيق الكلام في ~~الباب ms0112 الذي بعد هذا. وما روي عن ابن عمر أنه قال: إنما نهى عن ذلك في ~~الفضاء كما سيأتي يؤيد هذا المذهب. واحتج أهل PageV01P095 # المذهب الرابع بحديث سلمان الذي في صحيح مسلم، وليس فيه إلا النهي عن ~~الاستقبال فقط وهو باطل، لأن النهي عن الاستدبار في الأحاديث الصحيحة وهو ~~زيادة يتعين الاخذ بها. # واحتج أهل المذهب الخامس بحديث عائشة وجابر وابن عمر وسيأتي ذكر ذلك، ~~قالوا: إنها صارفة للنهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة، وهو لا ~~يتم في حديث ابن عمر وجابر لأنه ليس فيهما إلا مجرد الفعل، وهو لا يعارض ~~القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول، ولا شك أن قوله: لا تستقبلوا القبلة ~~خطاب للأمة، نعم إن صح حديث عائشة صلح لذلك. واحتج أهل المذهب السادس بحديث ~~ابن عمر لأن فيه أنه رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام وفيه ما سلف. واحتج ~~أهل المذهب السابع بما رواه أبو داود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط رواه أبو داود وابن ماجة، قال ~~الحافظ في الفتح: وهو حديث ضعيف لأن فيه راويا مجهول الحال، وعلى تقدير ~~صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها، لأن استقبالهم بيت المقدس ~~يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس. ~~وقد ادعى الخطابي الاجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر ~~في استقباله الكعبة وفيه نظر لما ذكرنا عن إبراهيم وابن سيرين انتهى. وقد ~~نسبه في البحر إلى عطاء والزهري والمنصور بالله والمذهب. # واحتج أهل المذهب الثامن بعموم قوله: شرقوا أو غربوا وهو استدلال في غاية ~~الركة والضعف. إذا عرفت هذه المذاهب وأدلتها لم يخف عليك ما هو الصواب ~~منها، وسيأتيك التصريح به والمقام من معارك النظار فتدبره. وفي الحديث أيضا ~~دلالة على أنه يجب الاستنجاء بثلاثة أحجار، ولا يجوز الاستنجاء بدونها ~~لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار، وأما بأكثر ~~من ثلاث فلا بأس به لأنه ms0113 أدخل في الانقاء. # وقد ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور إلى وجوب ~~الاستنجاء، وأنه يجب أن يكون بثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، وإذا استنجى ~~للقبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات، قالوا: والأفضل أن يكون ~~بست أحجار، فإن اقتصر على حجر واحد له ست أحرف أجزأه، وكذلك تجزئ الخرقة ~~الصفيقة التي إذا مسح بأحد جانبيها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر، قالوا: ~~وتجب الزيادة على ثلاثة أحجار إن لم يحصل الانقاء بها. وذهب مالك وداود إلى ~~أن الواجب الانقاء، فإن حصل بحجر أجزأه وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وذهبت ~~العترة وأبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب، وإنما يجب عند PageV01P096 # الهادوية على المتيمم إذا لم يستنج بالماء لإزالة النجاسة، قالوا: إذ لا ~~دليل على الوجوب كذا في البحر وفيه إنه قد ثبت الامر بالاستجمار والنهي عن ~~تركه، بل النهي عن الاستجمار بدون الثلاث، فكيف يقال: لا دليل على الوجوب؟ ~~وفي الحديث أيضا النهي عن الاستطابة باليمين. قال النووي: وقد أجمع العلماء ~~على أنه نهى عنه، ثم الجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم. وذهب ~~بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، قال: # وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا انتهى. قلت: وهو الحق لأن النهي يقتضي ~~التحريم ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط. وفي الحديث أيضا دلالة ~~على كراهة الاستجمار بالروثة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم عند ~~البخاري أنه قال: إنها ركس ولم يستجمر بها، وكذلك الرمة وهي العظم لأنها من ~~طعام الجن. وسيأتي الكلام على ذلك في باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة ~~الأحجار. # وعن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا أتيتم ~~الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو ~~أيوب: # فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله ~~تعالى متفق عليه. # قوله: إذا أتيت الغائط هو الموضع المطمئن من الأرض كانوا ينتابونه ~~للحاجة، فكنوا ms0114 به عن نفس الحدث كراهية منهم لذكره بخاص اسمه. قوله: ولكن ~~شرقوا أو غربوا محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفا لاستقبال ~~القبلة واستدبارها كالمدينة وما في معناها من البلاد، ولا يدخل فيه ما كانت ~~القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب. قوله: مراحيض بفتح الميم وبالحاء المهملة ~~وبالضاد المعجمة جمع مرحاض وهو المغتسل وهو أيضا كناية عن موضع التخلي. ~~قوله: ونستغفر الله قيل: يراد به الاستغفار لباني الكنف على هذه الصفة ~~الممنوعة عنده، وإنما وجب المصير إلى هذا التأويل لأن المنحرف لا يحتاج إلى ~~استغفار. والحديث استدل به على المنع من استقبال القبلة، واستدل بقول أبي ~~أيوب من لم يفرق بين الصحارى والبنيان، وقد تقدم الكلام على فقه الحديث في ~~الذي قبله. PageV01P097 # باب جواز ذلك بين البنيان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: رقيت يوما على ~~بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حاجته مستقبل الشام ~~مستدبر الكعبة رواه الجماعة. # وقع في رواية لابن حبان مستقبل القبلة مستدبر الشام، قال الحافظ: وهي خطأ ~~تعد من قسم المقلوب. قوله: رقيت رقي إلى الشئ بكسر القاف رقيا ورقوا صعد ~~وترقى مثله ورقى غيره، والمرقاة والمرقاة الدرجة، ونظيره مسقاة ومسقاة ~~ومثناة ومثناة للحبل، ومبناة ومبناة للعيبة أو النطع يعني بفتح الميم ~~وكسرها فيها، قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي. قوله: على بيت حفصة وقع ~~في رواية: على ظهر بيت لنا وفي أخرى على ظهر بيتنا وكلها في الصحيح. وفي ~~رواية لابن خزيمة: دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت وطريق الجمع أن ~~يقال: أضاف البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته، وأضافه إلى حفصة لأنه ~~البيت الذي أسكنها فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أضافه إلى ~~نفسه باعتبار ما آل إليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونه شقيقها. ~~الحديث يدل على جواز استدبار القبلة حال قضاء الحاجة، وقد استدل به من قال: ~~بجواز الاستقبال والاستدبار، ورأي أنه ناسخ واعتقد الإباحة مطلقا. وبه ms0115 احتج ~~من خص عدم الجواز بالصحارى كما تقدم، ومن خص المنع بالاستقبال دون ~~الاستدبار في الصحارى والعمران، ومن جوز الاستدبار في البنيان وهي أربعة ~~مذاهب من المذاهب الثمانية التي تقدمت، ولكنه لا يخفى أن الدليل باعتبار ~~الثلاثة المذاهب الأول من هذه الأربعة أخص من الدعوى. أما الأول منها ~~فظاهر. وأما الثاني فلان المدعي جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان وليس ~~في الحديث إلا الاستدبار. وأما الثالث فلان المدعي جواز الاستدبار في ~~الصحارى والعمران، وليس في الحديث إلا الاستدبار في العمران فقط، ويمكن ~~تأييد الأول من الأربعة بأن اعتبار خصوص كونه في البنيان وصف ملغى فيطرح ~~ويؤخذ منه الجواز مجردا عن ذلك، ولكنه يفت في عضد هذا التأييد أن الواجب أن ~~يقتصر في مخالفة مقتضى العموم على مقدار الضرورة، ويبقى العام على مقتضى ~~عمومه فيما بقي من الصور، إذ لا معارض له فيما عدا تلك الصورة المخصوصة ~~التي ورد بها الدليل الخاص، وهذا لو فرض أن حديث أبي PageV01P098 # أيوب وغيره ورد بصيغة واحدة تعم الاستقبال والاستدبار، فكيف وهو قد ورد ~~بصيغتين: صيغة دلت على منع الاستقبال، وصيغة دلت على منع الاستدبار، فغاية ~~ما في حديث ابن عمر تخصيص الصيغة الثانية لأنه وارد في البنيان وهي عامة ~~لكل استدبار، ويمكن أيضا تأييد المذهب الثاني من هذه الأربعة بأن الاستقبال ~~في البنيان يقاس على الاستدبار، ولكنه يخدش فيه ما قاله ابن دقيق العيد: أن ~~هذا تقديم للقياس على مقتضى اللفظ العام، وفيه ما فيه على ما عرف في أصول ~~الفقه، وبأن شرط القياس مساواة الفرع للأصل أو زيادة عليه في المعنى ~~المعتبر في الحكم ولا تساوي ههنا، فإن الاستقبال يزيد في القبح على ~~الاستدبار على ما يشهد به العرف، ولهذا اعتبر بعض العلماء هذا المعنى، فمنع ~~الاستقبال وأجاز الاستدبار، وإذا كان الاستقبال أزيد في القبح من الاستدبار ~~فلا يلزم من إلغاء المفسدة الناقصة في القبح في حكم الجواز إلغاء المفسدة ~~الزائدة في القبح في حكم الجواز انتهى. وفيه أن دعوى الزيادة في القبح ~~ممنوعة ms0116 ومجرد اقتصار بعض أهل العلم على منع الاستقبال ليس لكونه أشد بل ~~لأنه لم يقم دليل على جوازه كما قام على جواز الاستدبار، والتخصيص بالقياس ~~مذهب مشهور راجح، وهذا على تسليم أنه لا دليل على الجواز إلا مجرد القياس ~~وليس كذلك، فإن حديث جابر الآتي بلفظ أنه رآه قبل أن يقبض بعام مستقبل ~~القبلة نص في محل النزاع، لولا ما أسلفناه في الباب الأول من أن فعله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا يعارض قوله الخاص بنا كما تقرر في الأصول. ويمكن ~~تأييد المذهب الثالث من الأربعة بأن الاستدبار في الفضاء ملحق بالاستدبار ~~في البنيان، لأن الأمكنة أوصاف طردية ملغاة ويقدح فيه ما سلف. وأما المذهب ~~الرابع فلا مطعن فيه إلا ما ذكرناه أنه لا تعارض بين قوله الخاص بنا وفعله، ~~لا سيما ورؤية ابن عمر كانت اتفاقية من دون قصد منه ولا من الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم لعامة الناس لبينه لهم، ~~فإن الاحكام العامة لا بد من بيانها، فليس في المقام ما يصلح التمسك به في ~~الجواز إلا حديث عائشة الآتي إن صلح للاحتجاج. ومن جملة المستدلين بحديث ~~ابن عمر القائلون بكراهة التنزيه وفيه ما مر وبقية الكلام على الحديث تقدمت ~~في الباب الأول. # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها رواه الخمسة ~~إلا النسائي. PageV01P099 # وأخرجه أيضا البزار وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ~~والدارقطني وحسنه الترمذي ونقل عن البخاري تصحيحه. وحسنه أيضا البزار وصححه ~~أيضا ابن السكن، وتوقف فيه النووي لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في ~~رواية أحمد وغيره، وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح القرشي، قال الحافظ: ~~ووهم في ذلك فإنه ثقة بالاتفاق. وادعى ابن حزم أنه مجهول فغلط. والحديث ~~استدل به من قال بجواز الاستقبال والاستدبار في الصحارى والعمران وجعله ~~ناسخا وفيه مسلف، إلا أن ms0117 الاستدلال به أظهر من الاستدلال بحديث ابن عمر، ~~لأن فيه التصريح بتأخره عن النهي ولا تصريح في حديث ابن عمر، ولعدم تقييده ~~بالبنيان كما فحديث ابن عمر، ولعدم ما يدل على أن الرؤية كانت اتفاقية ~~بخلاف حديث ابن عمر، وهو يرد على من قال بجواز الاستدبار فقط، سواء قيده ~~بالبنيان كما ذهب إليه البعض، أو لم يقيده كما ذهب إليه آخرون، وقد سبق ~~ذكرهم في الباب الأول، وبرد أيضا على من قيد جواز الاستقبال والاستدبار ~~بالبنيان لعدم التقييد من جابر، وقد يجاب بأنها حكاية فعل لا عموم لها، ~~فيحتمل أن يكون لعذر وأن يكون في بنيان، هكذا أجاب الحافظ ابن حجر، ذكر ذلك ~~في التلخيص، ولا يخفى أن احتمال أن يكون ذلك الفعل لعذر يقال مثله في حديث ~~ابن عمر، فلا يتم للشافعية ومن معهم الاحتجاج به على تخصيص الجواز ~~بالبنيان، وقد تقدم الكلام على الحديث في الذي قبله وفي الباب الأول. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: أو قد فعلوها حولوا ~~مقعدتي قبل القبلة رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث قال ابن حزم في المحلى أنه ساقط لأن راويه خالد الحذاء وهو ثقة عن ~~خالد بن أبي الصلت وهو مجهول لا ندري من هو، وأخطأ فيه عبد الرزاق فرواه عن ~~خالد الحذاء عن كثير بن الصلت وهذا أبطل وأبطل، لأن خالدا الحذاء لم يدرك ~~كثير ابن الصلت، ثم لو صح لما كانت فيه حجة لأن نصه صلى الله عليه وآله ~~وسلم يبين أنه إنما كان قبل النهي، لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط ثم ينكر ~~عليهم طاعته في ذلك، هذا ما لا يظنه مسلم ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ~~ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخا بلا شك، ثم PageV01P100 # لو صح لما كان فيه إلا إباحة الاستقبال فقط لا إباحة ms0118 الاستدبار أصلا فبطل ~~تعلقهم به انتهى، وقال الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن أبي الصلت: إن ~~هذا الحديث منكر، وقال النووي في شرح مسلم: إن إسناده حسن. والحديث استدل ~~به من ذهب إلى النسخ وقد عرفناك أنه لا دليل يدل على الجواز إلا هذا ~~الحديث، لأنه لا يصح دعوى اختصاصه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله: ~~أوقد فعلوها. وأما حديث ابن عمر وجابر فقد قررنا لك أن فعله لا يعارض القول ~~الخاص بالأمة. وقوله: لا تستقبلوا لا تستدبروا من الخطابات الخاصة بهم، ~~فيكون فعله بعد القول دليل الاختصاص به لعدم شمول ذلك الخطاب له بطريق ~~الظهور، ولا صيغة تكون فيها النصوصية عليه، وهذا قد تقرر في الأصول، ولم ~~يذهب إلى خلافه أحد من أئمته الفحول، ولكن الشأن في صحة هذا الحديث ~~وارتفاعه إلى درجة الاعتبار وأين هو من ذاك، فالانصاف الحكم بالمنع مطلقا ~~والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة، ولم ~~نقف على شئ من ذلك، إلا أنه يؤنس بمذهب من خص المنع بالفضاء ما سيأتي عن ~~ابن عمر من قوله: # إنما نهى عن هذا في الفضاء بالصيغة القاضية بحصر النهي عليه وسيأتي ما ~~فيه. # وعن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول ~~إليها فقلت: أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن ذلك؟ فقال بلى إنما نهى عن هذا ~~في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس رواه أبو داود. # أخرجه وسكت عنه، وقد صح عنه أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج، وكذلك ~~سكت عنه المنذري ولم يتكلم عليه في تخريج السنن، وذكره الحافظ ابن حجر في ~~التلخيص ولم يتكلم عليه بشئ، وذكر في الفتح أنه أخرجه أبو داود والحاكم ~~بإسناد حسن، وروى البيهقي من طريق عيسى الخياط قال: قلت للشعبي: إني لأعجب ~~لاختلاف أبي هريرة وابن عمر، قال نافع عن ابن عمر: دخلت إلى بيت حفصة فحانت ~~مني التفاتة فرأيت كنيف رسول الله صلى ms0119 الله عليه وآله وسلم مستقبل القبلة، ~~وقال أبو هريرة: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. قال ~~الشعبي: صدقا جميعا، أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء فإن لله عبادا ~~ملائكة وجنا يصلون فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ولا يستدبرهم، وأما ~~كنفكم هذه فإنما هي بيوت بنيت لا قبلة فيها، وأخرجه ابن ماجة مختصرا. وقول ~~ابن عمر يدل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء ~~PageV01P101 # مع عدم الساتر، وهو يصلح دليلا لمن فرق بين الصحراء والبنيان، ولكنه لا ~~يدل على المنع في الفضاء على كل حال كما ذهب إليه البعض بل مع عدم الساتر، ~~وإنما قلنا بصلاحيته للاستدلال. لان قوله إنما نهى عن هذا في الفضاء يدل ~~على أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أنه قال ~~ذلك استنادا إلى الفعل الذي شاهده ورواه، فكأنه لما رأى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في بيت حفصة مستدبرا القبلة فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا ~~يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به وأقل شئ الاحتمال فلا ~~ينتهض لإفادة المطلوب. وقد سقنا في شرح أحاديث هذا الباب والذي قبله من ~~الكلام على هذه المسألة المعضلة أبحاثا لا تجدها في غير هذا الكتاب، ولعلك ~~لا تحتاج بعد إمعان النظر فيها إلى غيره. # (فائدة) قال المنصور بالله والغزالي والصيمري: إنه يكره استقبال القمرين ~~والنيرات، قالوا: لشرفها بالقسم بها فأشبهت الكعبة كذا في البحر وقد استقوى ~~عدم الكراهة وقد قيل في الاستدلال على الكراهة بأنه روى الحكيم الترمذي عن ~~الحسن قال: # حدثني سبعة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم: أبو ~~هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وعبد الله بن ~~عمر وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم نهى أن يبال في المغتسل، ونهى عن البول في الماء الراكد، ونهى عن ~~البول ms0120 في الشارع، ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر فذكر ~~حديثا طويلا في نحو خمسة أوراق على هذا الأسلوب. قال الحافظ: وهو حديث باطل ~~لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد بن كثير وذكر أن مداره عليه. وقال النووي ~~في شرح المهذب: هذا حديث باطل، وقال ابن الصلاح: لا يعرف وهو ضعيف انتهى. # باب ارتياد المكان الرخو وما يكره من التخلي فيه عن أبي موسى قال: مال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى دمث إلى جنب حائط فبال وقال: إذا ~~بال أحدكم فليرتد لبوله رواه أحمد وأبو داود. # الحديث فيه مجهول لأن أبا داود قال في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل ~~أخبرنا أبو التياح حدثني شيخ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان ~~يحدثنا عن أبي موسى فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء فكتب إليه ~~أبو موسى: إني كنت مع رسول الله PageV01P102 # صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثا في أصل جدار ~~فبال ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ~~موضعا. قوله: إلى دمث هو بدال مهملة فميم مفتوحتين فثاء مثلثة ذكر معناه في ~~المصباح وفي القاموس: # دمث المكان وغيره كفرح سهل انتهى: فالصفة منه دمث بميم مكسورة قبلها دال ~~مفتوحة، لأن الأكثر في الصفة المشبهة من فعل بكسر العين أن يكون على فعل ~~بكسر عينه أيضا إلا أن يكون ما ذكره في المصباح من النادر، فإنه قد جاء ندس ~~وندس، وحذر وحذر، وعجل وعجل بالضم والكسر فيها. وجاء أيضا فعل بسكون العين ~~نحو شكس بوزن قلس، وحر بوزن فلك، وصفر بوزن حبر، والكل من فعل بكسر العين ~~كما تقرر في الصرف، فينظر هل تأتي منه الصفة على فعل بفتح العين كما ذكره ~~صاحب المصباح، اللهم إلا أن يكون مصدرا وصف به المكان مبالغة. وقد ضبطه ابن ~~رسلان في شرح السنن بكسر الميم على ما هو القياس كما ms0121 ذكرنا. قوله: فليرتد ~~أي يطلب محلا سهلا لينا. والحديث يدل على أنه ينبغي لمن أراد قضاء الحاجة ~~أن يعمد إلى مكان لين لا صلابة فيه ليأمن من رشاش البول ونحوه، وهو وإن كان ~~ضعيفا فأحاديث الامر بالتنزه عن البول تفيد ذلك. # وعن قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يبال في الجحر، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: ~~يقال إنها مساكن الجن رواه أحمد والنسائي وأبو داود. # وأخرجه الحاكم والبيهقي، وقيل: إن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، ~~حكاه حرب عن أحمد، وأثبت سماعه منه علي بن المديني، وصححه ابن خزيمة وابن ~~السكن. # قوله: في الجحر هو بضم الجيم وسكون الحاء كل شئ تحتفره السباع والهوام ~~لأنفسها كالجحران، والجمع جحرة كعنبة وأحجار كأقفال. قوله: قالوا لقتادة ما ~~يكره هو بضم أوله مبني لما لم يسم فاعله قاله ابن رسلان في شرح السنن، ~~والحديث يدل على كراهة البول في الحفر التي تسكنها الهوام والسباع، إما لما ~~ذكره قتادة، أو لأنه يؤذي حافيها من الحيوانات. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في ~~طريق الناس أو في ظلهم رواه أحمد ومسلم وأبو داود. PageV01P103 # وفي لفظ مسلم: اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان الحديث، قال الخطابي: ~~المراد باللاعنين الأمران الجالبان للعن الحاملان الناس عليه والداعيان ~~إليه، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم، يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سببا ~~أسند اللعن إليهما على طريق المجاز العقلي، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى ~~الملعون أي الملعون فاعلهما فهو كذلك من المجاز العقلي. وقوله: الذي يتخلى ~~في طريق الناس على حذف مضاف وتقديره تخلى الذي يتخلى. قوله: أو في ظلهم ~~المراد بالظل هنا على ما قاله الخطابي وغيره مستظل الناس الذي يتخذونه ~~مقيلا ومنزلا ينزلونه ويقعدون فيه، وليس كل ظلم يحرم قضاء الحاجة فيه، فقد ms0122 ~~قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاجته في حائش النخل كما سلف وله ظل بلا ~~شك. والحديث يدل على تحريم التخلي في طرق الناس وظلهم لما فيه من أذية ~~المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره. # وعن أبي سعيد الحميري عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة ~~الطريق والظل رواه أبو داود وابن ماجة وقال: هو مرسل. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه أيضا ابن السكن، قال الحافظ: وفيه نظر ~~لان أبا سعيد لم يسمع من معاذ ولا يعرف بغير هذا الاسناد قاله ابن القطان. ~~وفي الباب عن ابن عباس نحوه، رواه أحمد وفيه ضعف لأجل ابن لهيعة، والراوي ~~عن ابن عباس مبهم، وعن سعد بن أبي وقاص في علل الدارقطني. وعن أبي هريرة ~~رواه مسلم في صحيحه بلفظ: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول ~~الله قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم وفي رواية لابن حبان: وأفنيتهم ~~وفي رواية ابن الجارود: أو مجالسهم وفي لفظ للحاكم: من سل سخيمته أي غائطه ~~على طريق عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~وإسناده ضعيف قال الحافظ ابن حجر: وفي ابن ماجة عن جابر بإسناد حسن مرفوعا: ~~إياكم والتعريس على جواد الطريق فإنها مأوى الحيات والسباع وقضاء الحاجة ~~عليها فإنها الملاعن وعن ابن عمر: نهى أن يصلى على قارعة الطريق أو يضرب ~~عليها الخلاء أو يبال فيها وفي إسناده ابن لهيعة. وقال الدارقطني: # رفعه غير ثابت. وقال في التقريب: إن أبا سعيد الحميري شامي مجهول، وروى ~~عبد الرزاق عن ابن جريج عن الشعبي مرسلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~اتقوا الملاعن PageV01P104 # وأعدوا النبل ورواه أبو عبيد من وجه آخر عن الشعبي عمن سمع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. ورواه ابن أبي حاتم في ~~العلل من حديث سراقة مرفوعا وصحح أبوه وقفه. والنبل بضم ms0123 النون وفتحها ~~الأحجار الصغار التي يستنجى بها. والحديث يدل على المنع من قضاء الحاجة في ~~الموارد والظل وقارعة الطريق لما في ذلك من الأذية للمسلمين، والبراز قد ~~سبق ضبطه في باب الابعاد والاستتار. # والمراد بالموارد المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد، والمراد بقارعة ~~الطريق أعلاه، سمي بذلك لأن المارين عليه يقرعونه بنعالهم وأرجلهم قاله ابن ~~رسلان. والمراد بالظل الموضع الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلا وينزلونه ~~لا كل ظل. # وعن عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يبولن ~~أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه رواه الخمسة لكن قوله: # ثم يتوضأ فيه لأحمد وأبي داود فقط. # قال الترمذي: حديث غريب، وأخرجه الضياء في المختارة بنحوه. قوله: في ~~مستحمه المستحم المغتسل سمي باسم الحميم وهو الماء الحار الذي يغتسل به، ~~وأطلق على كل موضع يغتسل فيه وإن لم يكن الماء حارا، وقد صرح في حديث آخر ~~بذكر المغتسل ولفظه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمتشط ~~أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أخرجه أبو داود والنسائي، ورواية عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مجهول، وجهالة الصحابي لا تضر. قوله: عامة الوسواس ~~هو بكسر الواو الأولى حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه، وأما بفتحها ~~فاسم للشيطان. والحديث يدل على المنع من البول في محل الاغتسال لأنه يبقى ~~أثره، فإذا انتضح إلى المغتسل شئ من الماء بعد وقوعه على محل البول نجسه ~~فلا يزال عند مباشرة الاغتسال متخيلا لذلك، فيفضي به إلى الوسوسة التي علل ~~صلى الله عليه وآله وسلم النهي بها. وقد قيل: إنه إذا كان للبول مسلك ينفذ ~~فيه فلا كراهة، وربط النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة ~~لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة. # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه نهى أن يبال في الماء ~~الراكد رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. # قد تقدم الكلام على الحديث في باب ms0124 بيان زوال تطهير الماء، وفي باب حكم ~~الماء فليرجع إليهما. PageV01P105 # باب البول في الأواني للحاجة عن أميمة بنت رقيقة عن أمها قالت: كان للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل. رواه أبو ~~داود والنسائي. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. ورواه أبو ذر الهروي في مستدركه، ~~وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من ~~حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: # قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الليل إلى فخارة له في جانب ~~البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، ~~فلما أصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أم أيمن قومي فأهريقي ما ~~في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربته، قالت: فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: # أما والله لا ييجعن بطنك أبدا ورواه أبو أحمد العسكري بلفظ: لن تشتكي ~~بطنك وأبو مالك ضعيف ونبيح لم يلحق أم أيمن. وله طريق أخرى رواها عبد ~~الرزاق عن ابن جريج أخبرت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبول في ~~قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شئ، فقال لامرأة ~~يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي ~~كان في القدح؟ # قالت: شربته، قال: صحة يا أم يوسف وكانت تكني أم يوسف، فما مرضت حتى كان ~~مرضها الذي ماتت فيه. والحديث يدل على جواز إعداده الآنية للبول فيها ~~بالليل، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا. قوله: من عيدان هو بفتح العين المهملة ~~وسكون الياء المثناة التحتية طوال النخل الواحدة عيدانة. وفي القاموس: كان ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قدح من عيدانة يبول فيها بالليل انتهى. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يقولون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أوصى ms0125 إلى علي لقد دعى بالطست ليبول فيها فانخنثت نفسه وما شعرت فإلى من ~~أوصى رواه النسائي انخنثت أي انكسرت وانثنت. # الحديث أخرجه الشيخان أيضا من حديث الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة ~~رضي الله عنها أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه كان وصيا لرسول الله صلى ~~PageV01P106 # الله عليه وآله وسلم قالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري فدعا ~~بالطست فلقد انحنث في حجري وما شعرت أنه مات فمتى أوصى إليه؟ قوله: انخنثت ~~هو كما ذكر المصنف الانثناء والانكسار، والمراد بقوله في رواية الصحيحين ~~انخنث أي استرخى فانخنثت أعضاؤه. والحديث ساقه المصنف للاستدلال به على ~~جواز البول في الآنية مؤيدا به الحديث الأول لما كان فيه ذلك المقال، ولكنه ~~وقع في حال المرض، ولم يذكر المصنف الحديث هذا في الوصايا كغيره حتى يحيل ~~الكلام عليه إلى هنالك. # والانكار لوصاية أمير المؤمنين علي المفهوم من استفهام أم المؤمنين لا ~~يدل على عدم ثبوتها وعدم وقوعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ~~الوقت الخاص لا يدل على العدم المطلق وقد استوفينا الكلام على ذلك في رسالة ~~مستقلة لما سأل عن ذلك بعض العلماء. # باب ما جاء في البول قائما عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثكم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بال قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا جالسا ~~رواه الخمسة إلا أبا داود وقال الترمذي: هو أحسن شئ في هذا الباب وأصح. # قال الترمذي: وفي الباب عن عمر وبريدة، وحديث عمر إنما روي من حديث عبد ~~الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: رآني النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأنا أبول قائما فقال: يا عمر لا تبل قائما، فما بلت قائما ~~بعد قال الترمذي: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف ~~عند أهل الحديث ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه. وروى عبيد الله عن نافع عن ~~ابن عمر: ما بلت قائما منذ ms0126 أسلمت، وهذا أصح من حديث عبد الكريم وحديث بريدة ~~هذا غير محفوظ وهو بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث من ~~الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ ~~في سجوده ورواه البزار. وفي إسناده حديث الباب شريك بن عبد الله وقد أخرج ~~له مسلم في المتابعات. وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من الجفاء أن ~~يبول الرجال قائما والحديث يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ما كان يبول حال القيام بل كان هديه في البول القعود، فيكون البول حال ~~القيام مكروها، ولكن قول عائشة هذا لا ينفي إثبات من PageV01P107 # أثبت وقوع البول منه حال القيام كما سيأتي من حديث حذيفة: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما ولا شك أن الغالب من ~~فعله هو القعود، والظاهر أن بوله قائما لبيان الجواز. وقيل: إنما فعله لوجع ~~كان بمأبضه، ذكره ابن الأثير في النهاية، وروى الحاكم والترمذي من حديث أبي ~~هريرة قال: إنما بال قائما لجرح كان في مأبضه، قال الحافظ: ولو صح هذا ~~الحديث لكان فيه غنى لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي، والمأبض باطن الركبة ~~وقيل: فعله استشفاء كما سيأتي عن الشافعي. وقيل: لأن السباطة رخوة يتخللها ~~البول فلا يرتد إلى البائل منه شئ وقيل: إنما بال قائما لكونها حالة يؤمن ~~معها خروج الريح بصوت ففعل ذلك لكونه قريبا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد ~~الرزاق عن عمر رضي الله عنه قال: البول قائما أحصن للدبر. قال ابن القيم في ~~الهدى: والصحيح إنما فعل ذلك تنزها وبعدا من إصابة البول، فإنه إنما فعل ~~هذا لما أتى سباطة قوم وهو ملقى الكناسة وتسمى المزبلة وهي تكون مرتفعة، ~~فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله، وهو صلى الله عليه وآله وسلم ~~استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط، فلم يكن بد من بوله قائما، ولا يخفى ما ~~في هذا الكلام ms0127 من التكلف. (والحاصل) أنه قد ثبت عنه البول قائما وقاعدا ~~والكل سنة. فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي تلك السباطة فيبول ~~قائما، هذا إذا لم يصح في الباب إلا مجرد الأفعال، أما إذا صح النهي عن ~~البول حال القيام كما سيأتي من حديث جابر أنه (ص) نهى أن يبول الرجل قائما ~~وجب المصير إليه والعمل بموجبه، ولكنه يكون الفعل الذي صح عنه صارفا للنهي ~~إلى الكراهة على فرض جهل التاريخ أو تأخر الفعل، لأن لفظ الرجل يشمله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بطريق الظهور، فيكون فعله صالحا للصرف لكونه وقع بمحضر ~~من الناس، فالظاهر أنه أراد التشريع، ويعضده نهيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لعمر وإن كان فيه ما سلف، وقد صرح أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين بأن البول ~~عن قيام منسوخ، واستدلا عليه بحديث عائشة السابق وبحديثها أيضا: ما بال ~~قائما منذ أنزل عليه القرآن رواه أبو عوانة في صحيحه والحاكم، قال الحافظ: ~~والصواب أنه غير منسوخ. والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل ~~على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه ~~حذيفة وهو من كبار الصحابة، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ~~ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن. وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي ~~PageV01P108 # وعمر وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياما، وهو دال على الجواز من غير ~~كراهة إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النهي ~~عنه شئ، انتهى. # وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يبول الرجل قائما رواه ابن ماجة. # الحديث في إسناده عدي بن الفضل وهو متروك، وقد عرفت ما قاله الحافظ من ~~عدم ثبوت شئ في النهي عن البول من قيام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقد حكى ابن ماجة عن بعض مشايخه أنه قال: ms0128 كان من شأن العرب البول من قيام، ~~ويدل عليه ما في حديث عبد الرحمن ابن حسنة الذي أخرجه النسائي وابن ماجة ~~وغيرهما فإن فيه: # بال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا فقلنا انظروا إليه يبول كما ~~تبول المرأة وما في حديث حذيفة بلفظ: فقام كما يقوم أحدكم وذلك يشعر بأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخالفهم ويقعد لكونه أستر وابعد من ~~مماسة البول قال الحافظ في الفتح: وهو يعني حديث عبد الرحمن صحيح صححه ~~الدارقطني وغيره، ويدل عليه حديث عائشة الذي رواه أبو عوانة في صحيحه ~~والحاكم بلفظ: ما بال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما منذ أنزل ~~عليه القرآن ويدل عليه أيضا حديثها السالف وقد روي عن أبي موسى التشديد في ~~البول من قيام فروي عنه أنه رأى رجلا يبول قائما فقال: ويحك أفلا قاعدا، ثم ~~ذكر قصة بني إسرائيل من أنه كان إذا أصاب جسد أحدهم البول قرضه. وقد ذهبت ~~العترة والأكثر إلى كراهة البول قائما، وذهب أبو هريرة والشعبي وابن سيرين ~~إلى عدم الكراهة، والحديث لو صح وتجرد عن الصوارف لصلح متمسكا للتحريم ~~ولكنه لم يصح كما قاله الحافظ، وعلى فرض الصحة فالصارف موجود فيكون البول ~~من قيام مكروها، وقد عرفت بقية الكلام في الحديث الأول. # وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهى إلى سباطة قوم فبال ~~قائما فتنحيت فقال: ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ ومسح على خفيه رواه ~~الجماعة. والسباطة: ملقى التراب والقمام. # قوله: سباطة قوم السباطة بمهملة مضمومة بعدها موحدة هي المزبلة، والكناسة ~~تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول ~~على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك، لأنها لا تخلو عن ~~النجاسة، وبهذا يندفع PageV01P109 # إيراد من استشكل الرواية التي ذكر فيها الجدار قائلا: إن البول يوهي ~~الجدار ففيه إضرار، قال في الفتح: أو نقول إنما بال فوق السباطة لا في أصل ~~الجدار وهو صريح في رواية ms0129 أبي عوانة في صحيحه وقيل: يحتمل أن يكون علم ~~إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به أو لعلمه ~~بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره لأنه ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكنه لم يعهد ~~ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم. # قوله: فقال ادنه استدل به على جواز الكلام في حال البول، وفيه أن هذه ~~الرواية قد بينت في رواية البخاري أن قوله ادنه كان بالإشارة لا باللفظ فلا ~~يتم الاستدلال قاله الحافظ. وقد استشكل بأن قرب حذيفة منه بحيث يسمع نداءه ~~ويفهم إشارته مخالف لما عرف من عادته من الابعاد عند قضاء الحاجة عن أعين ~~الناظرين. وقد أجيب عن ذلك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان مشغولا بمصالح ~~المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر. ~~وقيل: فعل ذلك لبيان الجواز. وقيل: # إنه فعل ذلك في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف ولما ~~يقترن به من الرائحة وقيل: إن الغرض من الابعاد التستر وهو يحصل بإرخاء ~~الذيل والدنو من الساتر. والحديث يدل على جواز البول من قيام وقد سبق ~~الكلام على ذلك، قال المصنف رحمه الله، ولعله لم يجلس لمانع كان بها أو وجع ~~كان به، وقد روى الخطابي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بال قائما من جرح كان بمأبضه ويحمل قول عائشة رضي الله عنها على غير حال ~~العذر، والمأبض ما تحت الركبة من كل حيوان، وقد روي عن الشافعي أنه قال: ~~كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما، فيرى أنه لعله كان به إذ ذاك ~~وجع الصلب اه. وقد عرفت تضعيف الدارقطني والبيهقي لحديث أبي هريرة في ~~الحديث الأول من هذا الباب. # باب وجوب الاستنجاء بالحجر أو الماء عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إذا ذهب أحدكم ms0130 إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه رواه أحمد ~~والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال: إسناده صحيح حسن PageV01P110 # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة، وأخرج نحوه أبو داود والنسائي وغيرهما من ~~حديث أبي هريرة، وهو يدل على وجوب الاستجمار بثلاثة أحجار، وفيه خلاف قد ~~أسلفناه في باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة، قال في البحر: الاستجمار ~~بثلاثة أحجار مشروع إجماعا. وقوله: فإنها تجزي عنه أي تكفيه، وهو دليل لمن ~~قال بكفاية الأحجار وعدم وجوب الاستنجاء بالماء، وإليه ذهبت الشافعية ~~والحنفية، وبه قال ابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وابن المسيب وعطاء. وسيأتي ~~الكلام على ذلك في باب الاستنجاء بالماء إن شاء الله تعالى. # وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبرين ~~فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، ~~وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة رواه الجماعة. وفي رواية للبخاري والنسائي: ~~وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى كان أحدهما وذكر الحديث. # قوله: فقال إنهما يعذبان أعاد الضمير إلى القبرين مجازا والمراد من ~~فيهما. قوله: # لا يستتر بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وهو هكذا في ~~أكثر الروايات، قاله ابن حجر في الفتح. وفي رواية لمسلم وأبي داود يستنزه ~~بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء وفي رواية لابن عساكر يستبرئ بموحدة ساكنة من ~~الاستبراء فعلى الرواية الأولى معنى الاستتار أن لا يجعل بينه وبين بوله ~~سترة يعني لا يتحفظ منه فتوافق الرواية الثانية لأنها من التنزه وهو ~~الابعاد وقد وقع عند أبي نعيم: كان لا يتوقى وهو مفسر للمراد، وأجراه بعضهم ~~على ظاهره فقال معناه لا يستر عورته وضعف لأن التعذيب لو وقع على كشف ~~العورة لاستقل الكشف بالسببية واطرح اعتبار البول وسياق الحديث يدل على أن ~~للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح ~~بهذه الخصوصية أولى وقد ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعا: أكثر عذاب القبر من ~~البول أي بسبب ترك التحرز ms0131 منه وقد صححه ابن خزيمة وسيأتي حديث: تنزهوا من ~~البول فإن عامة عذاب القبر منه قال ابن دقيق العيد وأيضا فإن لفظة من لما ~~أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة، وأما يرجع إلى معنى ابتداء ~~الغاية مجازا تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، يعني أن ~~ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى. ~~قوله: من بوله هذه الرواية ترد مذهب من حمل البول على العموم، واستدل ~~PageV01P111 # به على نجاسة جميع أبوال الحيوانات، وقد سبق الكلام على ذلك في باب ~~الرخصة في بول ما يؤكل لحمه. قوله: يمشي بالنميمة قال النووي: هي نقل كلام ~~الغير بقصد الاضرار وهي من أقبح القبائح، وتعقبه الكرماني فقال: هذا لا ~~يصلح على قاعدة الفقهاء فإنهم يقولون: # الكبيرة هي الموجبة الحد، ولا حد على المشي بالنميمة. وتعقبه الحافظ بأنه ~~ليس قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة ~~وجهين: # أحدهما هذا، والثاني ما فيه وعيد شديد، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني ~~أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر انتهى. وللبحث في ذلك موضع غير هذا ~~الموضع. قوله: ثم قال بلى أي وإنه لكبير، وقد صرح بذلك البخاري في الأدب من ~~طريق عبيدة بن حميد عن منصور عن الأعمش ولم يخرجها مسلم. وهذه الزيادة ترد ~~ما قاله ابن بطال من أن الحديث يدل على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد ~~يقع على الصغائر، وقد ورد مثلها من طريق أبي بكرة عند أحمد والطبراني. وقد ~~اختلف في معنى هذه الزيادة بعد قوله: وما يعذبان في كبير فقال أبو عبد ~~الملك: يحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم ظن أن ذلك غير كبير فأوحى إليه ~~في الحال بأنه كبير فاستدرك وتعقب بأنه يستلزم أن يكون نسخا والنسخ لا يدخل ~~الخبر، وأجيب بأن الخبر بالحكم يجوز نسخه، وقيل: يحتمل أن الضمير في قوله: ~~وإنه يعود على العذاب لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي ms0132 هريرة: يعذبان ~~عذابا شديدا في ذنب هين وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين وهي النميمة ~~لأنها من الكبائر بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم، لأن الاستتار ~~المنفي ليس المراد به كشف العورة كما سلف وقال الداودي: إن الكبير المنفي ~~بمعنى أكبر والمثبت واحد الكبائر، أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا ~~وإن كان كبيرا في الجملة وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لان تعاطي ذلك ~~يدل على الدناءة والحفارة وهو كبير في الذنب وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما ~~أو في اعتقاد المخاطبين وهو عند الله كبير. وقيل: إنه ليس بكبير في مشقة ~~الاحتراز أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك، وهذا الأخير جزم به البغوي ~~وغيره، ووجهه ابن دقيق العيد وجماعة. وقيل: ليس بكبير بمجرده وإنما صار ~~كبيرا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل ~~على تجدد ذلك منه واستمراره عليه للاتيان بصيغة المضارعة بعد كان ذكر معناه ~~في الفتح. # والحديث يدل على نجاسة البول من الانسان ووجوب اجتنابه وهو إجماع. ويدل ~~PageV01P112 # أيضا على عظم أمره وأمر النميمة، وأنهما من أعظم أسباب عذاب القبر، قال ~~ابن دقيق العيد: وهو محمول على النميمة المحرمة، فإن النميمة إذا اقتضى تر ~~مفسدة تتعلق بالغير، أو فعلها نصيحة يستضر الغير بتركها لم تكن ممنوعة، كما ~~نقول في الغيبة إذا كانت للنصيحة أو لدفع المفسدة لم تمنع، ولو أن شخصا ~~أطلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان، فإذا نقل إليه ذلك القول ~~احترز عن ذلك الضرر لوجب ذكره له انتهى، والحديث أيضا يدل على إثبات عذاب ~~القبر، وقد جاءت الأحاديث المتواترة بإثباته، وخلاف بعض المعتزلة في ذلك من ~~الأباطيل التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى. # (فائدة) لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عمد ~~من الرواة لقصد الستر عليهما وهو عمل مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في الفحص ~~عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به. وما حكاه القرطبي ms0133 في التذكرة وضعفه أن ~~أحدهما سعد بن معاذ، فقال الحافظ: إنه قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقرونا ~~ببيانه، ومما يدل على بطلان الحكاية المذكورة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت في الحديث الصحيح وأما قصة المقبورين ففي ~~حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: من دفنتم ~~اليوم ههنا فدل على أنه لم يحضرهما، وقد اختلف في المقبورين فقيل كانا ~~كافرين وبه جزم أبو موسى المديني واستدل بما وقع في حديث جابر أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم: مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية وفي إسناده ~~ابن لهيعة، وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين، قال: # لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجاه لهما، ولو ~~كان ذلك من خصائصه لبينه كما في قصة أبي طالب. قال الحافظ: الظاهر من مجموع ~~طرق حديث الباب أنهما كان مسلمين، ففي رواية ابن ماجة: مر بقبرين جديدين ~~فانتفى كونهما في الجاهلية. وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم مر بالبقيع PageV01P113 # فقال: من دفنتم اليوم ههنا كما تقدم، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن ~~البقيع مقبرة المسلمين، قال: ويؤيده ما في رواية أبي بكر عند أحمد ~~والطبراني بإسناد صحيح يعذبان وما يعذبان في كبير وبلى وما يعذبان إلا في ~~الغيبة والبول فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر يعذب على ~~كفره بلا خلاف قال: وأما ما احتج به أبو موسى فهو ضعيف كما اعترف به وقد ~~رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه ذكر سبب التعذيب فهو من تخليط ~~ابن لهيعة، انتهى ملتقطا من الفتح. # وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: تنزهوا من ~~البول فإن عامة عذاب القبر منه رواه الدارقطني. # الحديث رواه الدارقطني من طريق أبي جعفر الرازي عن قتادة عنه وصحح ~~إرساله، ونقل عن ms0134 أبي زرعة أنه المحفوظ وقال أبو حاتم: رويناه من حديث تمامة ~~عن أنس والصحيح إرساله. ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة وفي لفظ له ~~وللحاكم وابن ماجة وأحمد وأكثر عذاب القبر من البول قال الحافظ في بلوغ ~~المرام: وهو صحيح الاسناد انتهى وأعله أبو حاتم فقال: إن رفعه باطل. وفي ~~الباب عن ابن عباس رواه عبد بن حميد في مسنده والحاكم والطبراني وغيرهم، ~~وإسناده حسن ليس فيه غير أبي يحيى القتات وفيه لين. ولفظه: أن عامة عذاب ~~القبر من البول فتنزهوا منه وعن عبادة بن الصامت في مسند البزار ولفظه: ~~سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البول فقال: إذا مسكم شئ ~~فاغسلوه فإني أظن أن منه عذاب القبر وإسناده حسن. وقال سعيد بن منصور: # حدثنا خالد عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر من البول ورواته ثقات مع ~~إرساله. # ويؤيد الحديث ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في الحديث الذي قبل هذا. قوله: ~~تنزهوا من البول التنزه البعد. قوله: فإن عامة عذاب القبر منه عامة الشئ ~~معظمه، والمراد أنه أكثر أسبابه. والحديث يدل على وجوب الاستنزاه من البول ~~مطلقا من غير تقييد بحال الصلاة، وإليه ذهب أبو حنيفة وهو الحق، لكن غير ~~مقيد بما ذكره من استثناء مقدار الدرهم فإنه تخصيص بغير مخصص وقال مالك: ~~إزالته في غير وقت الصلاة ليست بفرض، واعتذر له عن الحديث بأن صاحب القبر ~~إنما عذب لأنه كان يترك البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور، لأن الوضوء لا ~~يصح مع وجوده وهو تقييد لم يدل عليه دليل، PageV01P114 # وقد أمر الله بتطهير الثياب ولم يقيده بحالة مخصوصة. # باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ~~قيل لسلمان علمكم نبيكم كل شئ حتى الخراءة، فقال سلمان أجل نهانا أن نستقبل ~~القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ~~ثلاثة ms0135 أحجار، أو أن يستنجي برجيع أو بعظم رواه مسلم وأبو داود والترمذي. # أما الاستقبال بالغائط والبول فقد تقدم الكلام عليه في باب نهي المتخلي ~~عن استقبال القبلة، وأما الاستنجاء باليمين فقد تقدم أيضا طرف من الكلام ~~عليه في ذلك الباب. قال النووي: قد أجمع العلماء على أنه منهي عنه، ثم ~~الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم. وذهب بعض أهل الظاهر إلى ~~أنه حرام، قال: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا ولا تعويل على إشارتهم، ~~قال: قال أصحابنا ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى في شئ من أحوال ~~الاستنجاء إلا لعذر، فإذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى، وإذا ~~استنجى بحجر فإن كان في الدبر مسح بيساره، وإن كان في القبل وأمكنه وضع ~~الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على ~~الحجر، وإن لم يمكنه واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ~~ومسح بها ولا يحرك اليمنى هذا هو الصواب، قال: وقال بعض أصحابنا يأخذ الحجر ~~بيساره والذكر بيمينه ويمسح ويحرك اليسرى وهذا ليس بصحيح لأنه يمس الذكر من ~~غير ضرورة وقد نهى عنه، ثم إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيها على ~~إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها اه. والحاصل أنه قد ورد النهي عن مس ~~الذكر باليمين في الحديث المتفق عليه، وورد النهي عن الاستنجاء باليمين في ~~هذا الحديث وغيره، فلا يجوز استعمال اليمين في أحد الامرين، وإذا دعت ~~الضرورة إلى الانتفاع بها في أحدهما استعملها قاضي الحاجة في أخف الامرين ~~في نظره. وأما النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار فقد ذكرنا في باب ~~نهي المتخلي عن استقبال القبلة الروايات الواردة في هذا المعنى، وذكرنا ~~هنالك طرفا من فقه هذه الجملة فليرجع إليه وقد قال بعض أهل الظاهر: إن ~~الاستجمار بالحجر متعين لنصه صلى الله عليه وآله وسلم عليها فلا يجزي غيره، ~~وذهب PageV01P115 # الجمهور إلى أن الحجر ليس متعينا بل تقوم الخرقة والخشب وغير ذلك مقامه، ~~قال النووي: ms0136 # فلا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) * ~~(الانعام: 151) ويدل على عدم تعين الحجر نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~العظم والبعر والرجيع، ولو كان متعينا لنهى عما سواه مطلقا، وعلى الجملة كل ~~جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة يجزئ الاستجمار به، وأما النهي عن ~~الاستنجاء برجيع أو بعظم فقد ثبت من طرق متعددة والرجيع الروث. وفيه تنبيه ~~على النهي عن جنس النجس، فلا يجزئ الاستنجاء بنجس أو متنجس. وقد ذهبت ~~العترة والشافعي وأصحابه إلى عدم إجزاء العظم والروث، وقال أبو حنيفة: يكره ~~ويجزئ إذ القصد تخفيف النجاسة وهو يحصل بهما، ويدل للأول ما أخرجه ~~الدارقطني وصححه من حديث أبي هريرة وفيه أنهما لا يطهران. والنهي عن العظم ~~لكونه طعام الجن كما سيأتي، وفيه تنبيه على جميع المطعومات ويلتحق بها ~~المحترمات، كأجزاء الحيوانات وأوراق كتب العلم وغير ذلك. قوله: الخراءة هي ~~العذرة، قال في القاموس: خرئ كسمع خرأ وخراءة ويكسر وخروءا سلح، والخرءة ~~بالضم العذرة. قوله: الخراءة الخراءة الممدودة لفظا المذكورة في الحديث ~~بقوله: # علمكم الخ المراد بها الفعل نفسه لا الخارج فينظر في تفسيرها به. # وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا استجمر أحدكم ~~فليستجمر ثلاثا رواه أحمد. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج رواه أحمد وأبو داود ~~وابن ماجة. # الحديث الأول فيه ابن لهيعة، وقد أخرجه أيضا الضياء وابن أبي شيبة، ورواه ~~النسائي في شيوخ الزهري، وابن منده في المعرفة، والطبراني من حديث أبي غسان ~~محمد بن يحيى الكناني عن أبيه ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب، أخبرني خلاد ~~بن السائب عن أبيه أنه سمع النبي (ص) يقول: إذا تغوط الرجل فليتمسح ثلاث ~~مرات وله طريق أخرى عن خلاد بن السائب عن أبيه في حديث البغوي عن هدبة، ~~وأعل ابن حزم الطريق الأولى بأن محمد بن يحيى مجهول وأخطأ بل ms0137 هو معروف أخرج ~~له البخاري، وقال النسائي: ليس به بأس قاله الحافظ. وأما الحديث الثاني ~~فأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي ومداره على أبي سعيد الحبراني ~~الحمصي وفيه اختلاف. PageV01P116 # وقيل: إنه صحابي، قال الحافظ: ولا يصح والراوي عنه حصين الحبراني وهو ~~مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني ~~الاختلاف فيه في العلل. # والحديث الأول يدل على شرعية الاستجمار بثلاثة أحجار ووجوبه وقد تقدم ذكر ~~الخلاف فيه في باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة. والحديث الثاني يدل على ~~الايتار وعلى استحبابه وعدم وجوبه. لقوله: ومن لا فلا حرج قال الحافظ في ~~الفتح: وهذه الزيادة حسنة الاسناد، وقد أخذ بظاهره القاسمية وأبو حنيفة ~~ومالك فقالوا: لا يعتبر العدد بل المعتبر الايتار، وخالفهم الشافعي وأصحابه ~~وغيرهم كما تقدم. وقالوا: لا يجوز الاستجمار بدون ثلاث ويجوز بأكثر منها إن ~~لم يحصل الانقاء بها وقد أشار المصنف رحمه الله إلى ما هو الحق وهو الذي ~~لاح لي فقال: وهذا محمول على أن القطع على وتر سنة فيما إذا زاد على ثلاث ~~جمعا بين النصوص اه. والأدلة المتعاضدة قد دلت على عدم جواز الاستجمار بدون ~~ثلا ث، وليس لمن جوز دليل يصلح للتمسك به في مقابلتها، وسيأتي الكلام عليه ~~وقد تقدم أيضا. # باب في إلحاق ما كان في معنى الأحجار بها عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس ~~فيها رجيع رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن سلمان قال: أمرنا يعني النبي ~~(ص) أن لا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم رواه أحمد وابن ~~ماجة. # الحديث الأول رجال إسناده ثقات، فإنه أخرجه أبو داود عن شيخه عبد الله بن ~~محمد النفيلي عن أبي معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن ~~خزيمة عن خزيمة بن ثابت. والحديث الثاني هو أيضا في صحيح مسلم، وقد عارضت ~~الحنفية هذا الحديث الدال على ms0138 وجوب الثلاث بحديث ابن مسعود الذي سيأتي ~~وفيه: فأخذ الحجرين وألقى الروثة. قال الطحاوي: هو دليل على أن عدد الأحجار ~~ليس بشرط لأنه قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار لقوله: ناولني فلما ألقى ~~الروثة دل على أن الاستنجاء بالحجرين يجزئ إذ لو لم يكن ذلك لقال ابغني ~~ثالثا، ورده الحافظ وقال: # قد روى أحمد فيه هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات، قال في آخره: فألقى ~~الروثة وقال: إنها PageV01P117 # ركس ائتني بحجر قال: مع أنه ليس فيما ذكر استدلال لأنه مجرد احتمال، ~~وحديث سلمان نص في عدم الاقتصار على ما دونها، ثم حديث سلمان قول، وحديث ~~ابن مسعود فعل، وإذا تعارضا قدم القول اه. وأيضا في سائر الأحاديث الناصة ~~على وجوب الثلاث زيادة يجب المصير إليها مع عدم منافاتها بالاتفاق، ولم تقع ~~هنا منافية، فالأخذ بها متحتم، وقد تقدم الكلام على الحديثين في مواضع من ~~هذا الكتاب فلا نعيده قال المصنف رحمه الله: ولولا أنه أراد الحجر وما كان ~~نحوه في الانقاء لم يكن لاستثناء العظم والروث معنى، ولا حسن تعليل النهي ~~عنهما بكونهما من طعام الجن، وقد صح عنه التعليل بذلك اه. # وهذا الكلام هو وجه ترجمة الباب بتلك الترجمة وهو حسن. # باب النهي عن الاستجمار بالروث والرمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ~~قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتمسح بعظم أو بعرة رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال: ~~إنهما لا يطهران رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح. # النهي عن العظم قد تقدم في أحاديث متعددة في المتن والشرح. والنهي عن ~~البعرة ثابت في رواية جابر وغيره. وقد أخرج الحديث الثاني ابن خزيمة بهذا ~~اللفظ، ورواه البخاري بلفظ: ولا تأتني بعظم ولا روث وزاد في باب المبعث: ~~إنهما من طعام الجن وهو عند مسلم من حديث ابن مسعود وعند أبي داود ~~والدارقطني والنسائي الحاكم من حديثه. وأخرجه البيهقي مطولا، ms0139 وهو عند ~~الطبراني من حديث الزبير بسند ضعيف. وعند أحمد بإسناد واه من حديث سهل بن ~~حنيف. وعند أبي داود والنسائي من حديث رويفع. وعند الدارقطني عن رجل من ~~الصحابة. وفي الحديثين دليل على وجوب اجتناب العظم والروث وعدم الاجتزاء ~~بهما. وقوله: إنهما لا يطهران يرد قول أبي حنيفة الذي أسلفناه من أنه يجزئ ~~بهما. قيل: والعلة في النهي عن العظم اللزوجة المصاحبة له التي لا يكاد ~~يتماسك معها. وقيل: عدم خلوه في الغالب عن الدسومة. # وقيل: لكونه طعام الجن، وهذا هو المتعين لورود النص به فيلحق به سائر ~~المطعومات، وأما الروث فعلة النهي عنه النجاسة والنجاسة لا تزال بمثلها. ~~PageV01P118 # باب النهي أن يستنجى بمطعوم أو بما له حرمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا ~~آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه ~~يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم رواه أحمد ~~ومسلم. # الحديث رواه أيضا أبو داود والدارقطني والنسائي والحاكم. وفي الباب عن ~~الزبير بن العوام رواه الطبراني بسند ضعيف. وعن سلمان رواه مسلم. وعن جابر ~~عند مسلم وغيره كما سلف وقد ورد في الباب أحاديث متعددة مصرحة بالنهي عن ~~العظم والروث قد ذكرنا بعض طرقها في الحديث الذي قبل هذا. ورواه أيضا أبو ~~عبد الله الحاكم في دلائل النبوة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال لابن مسعود ليلة الجن: # أولئك جن نصيبين جاؤوني فسألوني الزاد فمنعتهم بالعظم والروث، قال: وما ~~يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه ~~الذي كان عليه يوم أخذ، ولا يجدون روثا إلا وجدوا فيه حبه الذي كان يوم ~~أكل، فلا يستنجى أحد لا بعظم ولا بروث وفي رواية أبي ms0140 داود عن عبد الله بن ~~مسعود قال: قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا ~~محمد إنه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة فإن الله تعالى جعل لنا ~~فيها رزقا، قال: فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وفي إسناده ~~إسماعيل بن عياش. والحديث قد تقدم الكلام على فقهه في مواضع. # قال المصنف رحمه الله، وفيه تنبيه على النهي عن إطعام الدواب النجاسة اه، ~~لأن تعليل النهي عن الاستجمار بالبعرة بكونها طعام دواب الجن يشعر بذلك. # وعن أبي هريرة: أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إداوة ~~لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها قال: من هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: # ابغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها ~~في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبيه ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال ~~العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن وأنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن ~~PageV01P119 # فسألوني الزاد فدعوت الله لهم لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها ~~طعاما رواه البخاري. الحديث هكذا ساقه البخاري في باب ذكر الجن وهو أتم مما ~~ساقه في الطهارة. # وأخرجه البيهقي من الوجه الذي أخرجه منه مطولا. قوله: ابغني أحجارا ~~بالوصل من الثلاثي أي اطلب لي، يقال: بغيتك الشئ أي طلبته لك. وفي رواية ~~بالقطع يقال: # أبغيتك الشئ أي أعنتك على طلبه والوصل أنسب بالسياق كذا في الفتح. قوله: # أستنفض بفاء مكسورة وضاد معجمة مجزوم لأنه جواب الامر ويجوز الرفع على ~~الاستئناف. ومعنى الاستنفاض النفض وهو أن يهز الشئ ليطير غباره. وفي ~~القاموس استنفضه استخرجه وبالحجر استنجي. قال الحافظ: ومن رواه بالقاف فقد ~~صحف. # قوله: ولا تأتني قال الحافظ كأنه صلى الله عليه وآله وسلم خشي أن أبا ~~هريرة فهم من قوله: # أستنجي أن كل ما يزيل الأثر وينقي كاف ولا اختصاص لذلك بالأحجار فنبهه ~~باقتصاره في النهي على العظم والروث على أن ما سواهما ms0141 يجزئ، ولو كان ذلك ~~مختصا بالأحجار كما يقوله بعض الحنابلة والظاهرية لم يكن لتخصيص هذين للنهي ~~معنى، وإنما خص الأحجار بالذكر لكثرة وجودها. قوله: هما من طعام الجن قال ~~الحافظ: الظاهر من هذا التعليل اختصاص المنع بهما. والحديث قد تقدم الكلام ~~على فقهه. # باب ما لا يستنجى به لنجاسته عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ~~والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة ~~وقال: هذه ركس رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وزاد فيه أحمد في ~~رواية له: ائتني بحجر. # قوله: فلم أجد في رواية للبخاري فلم أجده والضمير للحجر. قوله: # فأخذت روثة زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث أنها كانت روثة ~~حمار، ونقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير. قوله: ~~وألقى الروثة استدل به الطحاوي على عدم وجوب الثلاث، وقد سبق الرد عليه ~~برواية أحمد المذكورة ههنا في باب إلحاق ما كان في معنى الأحجار. قوله: هذه ~~ركس PageV01P120 # الركس بكسر الراء وإسكان الكاف قيل: هي لغة في رجس، ويدل عليه رواية ابن ~~ماجة وابن خزيمة في هذا الحديث فإنها عندهما بالجيم. وقال ابن بطال: لم أر ~~هذا الحرف في اللغة يعني ركس، وتعقبه أبو عبد الملك أن معناه الرد من حالة ~~الطهارة إلى حالة النجاسة. قال الله تعالى: * (أركسوا فيها) * (النساء: 91) ~~أي ردوا. قال الحافظ: ولو ثبت ما قال لكان بفتح الراء، يقال: اركسه ركسا ~~إذا رده. وفي رواية الترمذي: هذا ركس يعني نجسا. وأغرب النسائي فقال: الركس ~~طعام الجن، قال الحافظ: وهذا إن ثبت في اللغة فهو مزيج للاشكال. وفي ~~القاموس: الركس رد الشئ مقلوبا وقلب أوله على آخره، وشد الركاس وهو حبل يشد ~~في خطم الجمل إلى رسغ يديه فيضيق عليه فيبقى رأسه معلقا، وبالكسر النجس ~~انتهى. وقد ذكر الشاذكوني أن في الحديث تدليسا وقال: # إنه لم يسمع في التدليس بأخفى ms0142 منه وقد رده في الفتح فليرجع إليه. والحديث ~~يدل على المنع من الاستجمار بالروثة وقد تقدم الكلام عليه. # باب الاستنجاء بالماء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء ~~وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه. # قوله: إداوة هي بكسر الهمزة إناء صغير من جلد. قوله: وعنزة هي بفتح النون ~~عصا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة. قوله: فيستنجي قال ~~الأصيلي متعقبا على البخاري: استدلاله بهذه الزيادة على الاستنجاء أنها من ~~قول أبي الوليد أحد الرواة عن شعبة لا من قول أنس، قال: وقد رواه سليمان بن ~~حرب عن شعبة فلم يذكرها، وقد رده الحافظ بأنها قد ثبتت للإسماعيلي من طريق ~~عمرو بن مرزوق عن شعبة بلفظ: فانطلقت أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ~~ماء يستنجي منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وللبخاري من طريق روح بن ~~القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة بلفظ: إذا تبرز أتيته بماء فتغسل به ولمسلم ~~من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس بلفظ: فخرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقد استنجى بالماء قال: وقد بان بهذه الروايات الرد على ~~الأصيلي، وكذا فيه الرد PageV01P121 # على من زعم أن قوله: يستنجي بالماء مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، كما ~~حكاه ابن التين عن أبي عبد الملك، فإن رواية خالد الحذاء السابقة تدل على ~~أنه قول أنس. والحديث يدل على ثبوت الاستنجاء بالماء، وقد أنكره مالك وأنكر ~~أن يكون النبي (ص) استنجى بالماء. وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن ~~حذيفة بن اليمان أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إذ لا يزال في يدي نتن. ~~وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير قال ما كنا ~~نفعله. وذكر ابن دقيق العيد أن سعيد بن المسيب سئل عن الاستنجاء بالماء ~~فقال: إنما ذلك وضوء النساء. قال: وعن غيره ms0143 من السلف ما يشعر بذلك. والسنة ~~دلت على الاستنجاء بالماء في هذا الحديث وغيره فهي أولى بالاتباع، قال: ~~ولعل سعيدا رحمه الله فهم من أحد غلوا في هذا الباب بحيث يمنع الاستنجاء ~~بالأحجار، فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ذلك الغلو، وبالغ ~~بإيراده إياه على هذه الصيغة. وقد ذهب بعض من أصحاب مالك إلى أن الاستجمار ~~بالحجارة إنما هو عند عدم الماء، وإذا ذهب إليه بعض الفقهاء فلا يبعد أن ~~يقع لغيرهم ممن في زمان سعيد رحمه الله انتهى. وقد اختلف العلماء في ~~الاكتفاء بالأحجار وعدم تعين الماء، فذهبت الشافعية والحنفية إلى عدم وجوب ~~الماء وأن الأحجار تكفي إلا إذا تعدت النجاسة الشرج أي حلقة الدبر، وقال ~~بقولهم سعد بن أبي وقاص وابن الزبير وابن المسيب وعطاء واستدلوا بحديث: إذا ~~ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه كما تقدم وبنحوه ~~من أحاديث الاستطابة. وذهبت العترة والحسن البصري وابن أبي ليلى والحسن بن ~~صالح وأبو علي الجبائي إلى عدم الاجتزاء بالحجارة للصلاة ووجوب الماء ~~وتعينه، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (النساء: ~~43) وأجيب بأن الآية في الوضوء ولا شك أن الماء متعين له، ولا يجزئ التيمم ~~إلا عند عدمه، وأما محل النزاع فلا دلالة في الآية عليه. قالوا: حديث الباب ~~ونحوه مصرح بأن النبي (ص) استنجى بالماء، قلنا: النزاع في تعينه وعدم ~~الاجتزاء بغيره ومجرد فعل النبي له لا يدل على المطلوب، وإلا لزمكم القول ~~بتعين الأحجار، لأن النبي (ص) فعله وهو عكس مطلوبكم. قالوا: أخرج أحمد ~~والترمذي وصححه والنسائي من حديث عائشة أنها قالت للنساء: مرن أزواجكن أن ~~يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم وأن رسول الله (ص) فعله، قلنا: صرحت ~~بالمستند وهو مجرد فعل النبي له، ولم تنقل عنه الامر به ولا حصر الاستطابة ~~عليه. قالوا: حديث قباء وفيه الثناء عليهم لأنهم كانوا PageV01P122 # يستنجون بالماء كما سيأتي، قلنا: هو حجة عليكم لا لكم، لأن تخصيص أهل ~~قباء بالثناء يدل على أن غيرهم بخلافهم، ولو ms0144 كان واجبا لشاركهم غيرهم ~~سلمنا، فمجرد الثناء لا يدل على الوجوب المدعى وغاية ما فيه الأولوية ~~لأصالة الماء في التطهير وزيادة تأثيره في إذهاب أثر النجاسة، على أن حديث ~~قباء فيه كلام سيأتي في هذا الباب. قال المهدي في البحر رادا على حجة أهل ~~القول الأول ما لفظه: قلنا مسلم فأين سقوط الماء؟ انتهى. ونقول له: # ومتى ثبت وجوب الماء حتى نطلب دليل سقوطه؟ ثم إن السنة باعترافك قد وردت ~~بالاستطابة بالأحجار وإنها مجزئة فأين دليل عدم إجزائها؟ وعن معاذة عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط ~~والبول فإنا نستحيي منهم وأن رسول الله (ص) كان يفعله رواه أحمد والنسائي ~~والترمذي وصححه. الحديث يرد على من أنكر الاستنجاء بالماء منه (ص)، والكلام ~~عليه قد تقدم في الذي قبله. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: نزلت هذه الآية في ~~أهل قباء: * (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) * (التوبة: ~~108) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية رواه أبو داود ~~والترمذي وابن ماجة. # الحديث قال الترمذي: غريب، وأخرجه البزار في مسنده من حديث ابن عباس ~~بلفظ: # نزلت هذه الآية في أهل قباء: * (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين) * فسألهم رسول الله (ص) فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء قال ~~البزار: لا نعلم أحدا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا ~~ابنه. قال الحافظ: ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولا ~~لأخويه عمران وعبد الله حديث مستقيم، وعبد الله بن شبيب الذي رواه البزار ~~من طريقه ضعيف أيضا. وقد روى الحاكم هذا الحديث وليس فيه إلا ذكر الاستنجاء ~~بالماء فحسب، وهكذا صرح النووي وابن الرفعة بأنه ليس في الحديث أنهم كانوا ~~يجمعون بين الأحجار والماء، ولا يوجد هذا في كتب الحديث، وكذا قال المحب ~~الطبري. ورواية البزار واردة عليهم وإن كانت ضعيفة. وحديث الباب قال ~~الحافظ: هو بسند ضعيف وروى ms0145 أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم عن عويم بن ~~ساعدة نحوه، وأخرجه الحاكم من طريق مجاهد قال: لما نزلت الآية بعث النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى ~~الله PageV01P123 # عليكم به؟ قال: ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره فقال ~~(ص): # هو هذا ورواه ابن ماجة والحاكم من حديث أبي سفيان طلحة بن نافع قال: # أخبرني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وإسناده ضعيف. ورواه ~~أحمد وابن أبي شيبة وابن قانع من حديث محمد بن عبد الله بن سلام. وحكى أبو ~~نعيم في معرفة الصحابة الخلاف فيه على شهر بن حوشب ورواه الطبراني من حديث ~~أبي أمامة، وذكره الشافعي في الام بغير إسناد والحديث يدل على ثبوت ~~الاستنجاء بالماء والثناء على فاعله لما فيه من كمال التطهير، وقد تقدم ~~الكلام عليه في أول الباب. # باب وجوب تقدمة الاستنجاء على الوضوء عن سليمان بن يسار قال: أرسل علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه المقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يسأله عن الرجل يجد المذي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يغسل ~~ذكره ثم ليتوضأ رواه النسائي. # الحديث قال ابن حجر منقطع، وقد ساقه المصنف للاستدلال به على وجوب تقديم ~~الاستنجاء على الوضوء وترجم الباب بذلك، لأن لفظة ثم تشعر بالترتيب، ويشكل ~~عليه ما وقع في البخاري من تقديم الامر بالوضوء على الغسل، قال الحافظ: ~~ووقع في العمدة نسبة ذلك إلى البخاري بالعكس. قال ابن دقيق العبد: قد يؤخذ ~~من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الروايات: توضأ وانضح فرجك جواز ~~تأخير الاستنجاء عن الوضوء، وقد صرح به بعضهم قال: وهذا يتوقف على القول ~~بأن الواو للترتيب وهو مذهب ضعيف انتهى. وأنت خبير بأن صحة استدلال ذلك ~~البعض لا تتوقف على ما ذكره ابن دقيق العيد من كون الواو للترتيب بل يصح ~~على المذهب المشهور، وهو أن الواو لمطلق ms0146 الجمع من غير ترتيب ولا معية، لأن ~~الواو على هذا تدل على جواز تقدم ما قبلها على ما بعدها وعكسه، وإيقاع ~~الامرين معا فيما يمكن فيه ذلك، وليس مطلوب ذلك المستدل إلا جواز التقديم، ~~والعطف بالواو الجامعة تدل عليه من دون توقف ذلك على القول بكونها للترتيب. ~~ويمكن أن يقال في جواب ذلك الاشكال على حديث الباب بأن رواية حديث الباب ~~مقيدة، والروايات الواردة بالواو مطلقة، فيحمل المطلق PageV01P124 # على المقيد، ويصح استدلال المصنف رحمه الله. وقد تقدم الكلام على المذي ~~في باب ما جاء في المذي من أبواب تطهير النجاسة. # وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل ~~المرأة فلم ينزل، قال: يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي أخرجاه. # الكلام على الحديث محله الغسل، وسيأتي الخلاف في نسخه وعدمه. والمصنف ~~رحمه الله أورده هنا للاستدلال به على وجوب تقديم الاستنجاء على الغسل ~~لترتيبه الوضوء على غسل ما مس المرأة منه، قال رحمه الله: وحكم هذا الخبر ~~في ترك الغسل من ذلك منسوخ وسيذكر في موضعه انتهى. # باب الحث على السواك وذكر ما يتأكد عنده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ~~(ص) قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب رواه أحمد والنسائي وهو للبخاري ~~تعليق. # وأخرجه أيضا ابن حبان موصولا من حديث عبد الرحمن بن أبي عتيق: سمعت أبي ~~سمعت عائشة بهذا، قال ابن حبان: أبو عتيق هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ~~بكر ابن أبي قحافة. وقال الحافظ: إنما هو من رواية ابنه عبد الله عنها. ~~قال: ورواه أحمد بن حنبل عن عبد الله عنها وقد طول الكلام عليه في التلخيص. ~~قوله: أبواب السواك وسنن الفطرة قال أهل اللغة: السواك بكسر السين وهو يطلق ~~على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به وهو مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب قال ~~الأزهري: هذا من أغاليط الليث القبيحة، وذكر صاحب المحكم أنه يؤنث ويذكر، ~~والسواك فعلك بالمسواك، ويقال: # ساك فمه يسوكه سوكا، فإن ms0147 قلت: استاك لم تذكر الفم، وجمع السواك سوك ~~بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز سؤك بالهمز، قال النووي: ثم ~~قيل إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك وقيل: من جاءت الإبل تستاك أي تتمايل ~~هزالا. وهو في اصطلاح العلماء استعمال عودا ونحوه في الأسنان ليذهب الصفرة ~~وغيرها عنها. # وأما الفطرة فقد اختلف العلماء في المراد بها ههنا، قال الخطابي: ذهب ~~أكثر العلماء إلى أنها السنة، وكذا ذكر جماعة غير الخطابي. وقيل: هي الدين ~~حكاه في الفتح عن PageV01P125 # طائفة من العلماء، وبه جزم أبو نعيم في المستخرج. وقال الراغب: أصل ~~الفطرة الشق طولا، ويطلق على الوهي وعلى الاختراع. وقال أبو شامة أصل ~~الفطرة الخلقة المبتدأة ومنه: * (فاطر السماوات والأرض) * (يوسف: 101) أي ~~المبتدئ خلقهن، والمراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # كل مولود يولد على الفطرة أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة ~~إلى قوله تعالى: * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) * (الروم: 30) والمعنى ~~أن كل أحد لو ترك في وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى الدين الحق ~~وهو التوحيد ويؤيده أيضا قوله تعالى: * (فأقم وجهه للدين حنيفا فطرة الله) ~~* (الروم: 30) وإليه يشير في بقية الحديث حيث عقبه بقوله: فأبواه يهودانه ~~أو ينصرانه والحديث يدل على مشروعية السواك، لأنه سبب لتطهير الفم وموجب ~~لرضا الله على فاعله، وقد أطلق فيه السواك ولم يخصه بوقت معين ولا بحالة ~~مخصوصة، فأشعر بمطلق شرعيته، وهو من السنن المؤكدة، وليس بواجب في حال من ~~الأحوال لما سيأتي في حديث أبي هريرة: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم ~~بالسواك ونحوه قال النووي: بإجماع من يعتد به في الاجماع. وحكى أبو حامد ~~الأسفراييني عن داود الظاهري أنه أوجبه في الصلاة، وحكى الماوردي عنه أنه ~~واجب لا تبطل الصلاة بتركه. وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه واجب تبطل الصلاة ~~بتركه عمدا قال النووي: وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد ~~وغيره، نقل الوجوب عن داود وقالوا مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح ms0148 إيجابه ~~عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الاجماع على المختار الذي عليه المحققون ~~والأكثرون، قال: وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه انتهى وعدم الاعتداد ~~بخلاف داود مع علمه وورعه وأخذ جماعة من الأئمة الأكابر بمذهبه من التعصبات ~~التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل ~~المذاهب، وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من ~~دائرة علماء المسلمين، فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي ~~بالنسبة إلى مقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادة لصريح الرواية في ~~حيز القلة المتبالغة، فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد ~~أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر، ~~وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه بالظاهر وجموده ~~عليه هي في غاية الندرة. ولكن لهوى النفوس سريرة لا تعلم قال النووي: ~~والسواك مستحب في جميع الأوقات لكن في خمسة أوقات أشد استحبابا أحدها عند ~~الصلاة سواء كان متطهرا بماء أو بتراب أو غير متطهر PageV01P126 # كمن لم يجد ماء ولا ترابا. الثاني: عند الوضوء. الثالث: عند قراءة ~~القرآن. الرابع: عند الاستيقاظ من النوم الخامس: عند تغير الفم. وتغيره ~~يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب، ومنها أكل ماله رائحة كريهة. ومنها طول ~~السكوت. ومنها كثرة الكلام. وقد قامت الأدلة على استحبابه في جميع هذه ~~الحالات التي ذكرها. وسيأتي ذكر بعضها في هذا الباب قال: ومذهب الشافعي أن ~~السواك يكره للصائم بعد زوال الشمس لئلا تزول رائحة الخلوف المستحبة، ~~وسيأتي الكلام عليه في باب السواك للصائم إن شاء الله. ويستحب أن يستاك ~~بعود من أراك وبأي شئ استاك مما يزيل التغير حصل السواك كالخرقة الخشنة ~~والأسنان. # وللفقهاء في السواك آداب وهيئات لا ينبغي للفطن الاغترار بشئ منها إلا أن ~~يكون موافقا لما ورد عن الشارع، ولقد كرهوه في أوقات وعلى حالات، حتى كاد ~~يفضي ذلك إلى ترك هذه السنة الجليلة واطراحها وهي أمر من ms0149 أمور الشريعة ظهر ~~ظهور النهار وقبله من سكان البسيطة أهل الأنجاد والأغوار. قوله: مطهرة للفم ~~المطهرة بكسر الميم وتفتح قال في الديوان: الفتح أفصح. # وعن زيد بن خالد قال: قال رسول الله (ص) لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة ~~العشاء إلى ثلث الليل ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة رواه أحمد والترمذي ~~وصححه. # الحديث رواه الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ: لفرضت عليهم السواك مع ~~الوضوء ولأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل وروى النسائي الجملة الأولى، ~~ورواه العقيلي وأبو نعيم والبيهقي من طريق أخرى عن سعيد به. ورواه أبو داود ~~ومسلم بلفظ: # لولا أن أشق على المؤمنين لامرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة ~~ورواه أيضا أبو داود عن زيد بن خالد باللفظ الذي في الكتاب. ورواه البزار ~~وأحمد من حديث على نحوه. وروى الجملة الأولى أيضا الترمذي وأحمد وأبو داود ~~وابن ماجة وابن حبان من حديث أبي هريرة. ولفظ الترمذي: إلى ثلث الليل أو ~~نصفه ولفظ أحمد وابن حبان إلى ثلث الليل ولم يشك، وروى الجملة الثانية ~~النسائي وأحمد وابن خزيمة من حديث أبي هريرة وعلقها البخاري. وروى ابن حبان ~~في صحيحه من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لولا أن ~~أشق على أمتي لامرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة وروى ابن أبي خيثمة في ~~تاريخه بسند حسن عن أم حبيبة PageV01P127 # لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضأون والحديث ~~يدل على ندبية تأخير العشاء إلى ثلث الليل، لأن لولا لامتناع الثاني لوجود ~~الأول، فإذا ثبت وجود الأول ثبت امتناع الثاني وبقي الندب. ومحل الكلام على ~~هذه الجملة الصلاة إن شاء الله تعالى. ويدل أيضا على ندبية السواك بمثل ما ~~ذكرناه في صلاة العشاء، ويرد على من قال: لا يستحب السواك للصلاة، وقد نسبه ~~في البحر إلى الأكثر، ويرد مذهب الظاهرية القائلين بالوجوب إن صح عنهم وقد ~~سبق كلام النووي في ذلك. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله ms0150 عليه وآله وسلم قال: لولا أن أشق على ~~أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة رواه الجماعة. وفي رواية لأحمد: لامرتهم ~~بالسواك مع كل وضوء وللبخاري تعليقا: لامرتهم بالسواك عند كل وضوء قال: ~~ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي (ص). # الحديث قال ابن منده: إسناده مجمع على صحته. وقال النووي: غلط بعض الأئمة ~~الكبار فزعم أن البخاري لم يخرجه وهو خطأ منه، وقد أخرجه من حديث مالك عن ~~أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وليس هو في الموطأ من هذا الوجه بل هو ~~فيه عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة قال: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم ~~بالسواك مع كل وضوء ولم يصرح برفعه. قال ابن عبد البر: وحكمه الرفع، وقد ~~رواه الشافعي عن مالك مرفوعا. وفي الباب عن زيد بن خالد عند الترمذي وأبي ~~داود وعن علي عند أحمد وعن أم حبيبة عند أحمد أيضا وعن عبد الله بن عمرو ~~وسهل بن سعد وجابر وأنس عند أبي نعيم قال الحافظ: وإسناد بعضها حسن. وعن ~~ابن الزبير عند الطبراني وعن ابن عمر وجعفر بن أبي طالب عند الطبراني أيضا. ~~والحديث يدل على أن السواك غير واجب وعلى شرعيته عند الوضوء وعند الصلاة، ~~لأنه إذا ذهب الوجوب بقي الندب كما تقدم، وعلى أن الامر للوجوب لأن كلمة ~~لولا تدل على انتفاء الشئ لوجود غيره، فيدل على انتفاء الامر لوجود المشقة، ~~والمنفي لأجل المشقة إنما هو الوجوب لا الاستحباب. # فإن استحباب السواك ثابت عند كل صلاة فيقتضي ذلك أن الامر للوجوب، وفيه ~~خلاف في الأصول على أقوال. ويدل الحديث أيضا على أن المندوب غير مأمور به ~~لمثل ما ذكرناه، وفيه أيضا خلاف في الأصول مشهور. ويدل أيضا على أن للنبي ~~(ص) أن يحكم بالاجتهاد، ولا يتوقف حكمه على النص لجعله المشقة سببا لعدم ~~الامر منه، ولو PageV01P128 # كان الامر موقوفا على النص لكان سبب عدم الامر منه عدم النص لا مجرد ~~المشقة، وفيه احتمال للبحث والتأويل كما قاله ms0151 ابن دقيق العيد. وهو أيضا يدل ~~بعمومه على استحباب السواك للصائم بعد الزوال، لأن الصلاتين الواقعتين بعده ~~داخلتان تحت عموم الصلاة، فلا تتم دعوى الكراهة إلا بدليل يخصص هذا العموم ~~وسيأتي الكلام على ذلك. # وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: بأي شئ كان ~~يبدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك رواه ~~الجماعة إلا البخاري والترمذي. # الحديث رواه ابن حبان في صحيحه وفي بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات ~~وشدة الاهتمام به وتكراره لعدم تقييده بوقت الصلاة والوضوء. # وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~قام من الليل يشوص فاه بالسواك رواه الجماعة إلا الترمذي والشوص الدلك. # وللنسائي عن حذيفة قال: كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل. # الحديث متفق عليه من حديث حذيفة بلفظ: كان إذا قام من النوم يشوص فاه ~~بالسواك وفي لفظ لمسلم: كان إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك واستغرب ابن ~~منده هذه الزيادة، وقد رواها الطبراني من وجه آخر بلفظ: كنا نؤمر بالسواك ~~إذا قمنا من الليل ورواه أيضا النسائي كما في حديث الباب، ورواه مسلم وأبو ~~داود وابن ماجة والحاكم من حديث ابن عباس في قصة نومه عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك وفي ~~رواية أبي داود التصريح بتكرار ذلك. وفي رواية للطبراني كان يستاك من الليل ~~مرتين أو ثلاثا وفي رواية له عن الفضل بن عباس: لم يكن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقوم إلى الصلاة بالليل إلا استن ورواه أبو داود من حديث عائشة ~~بلفظ: كان يوضع له سواكه ووضوؤه فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك وصححه ابن ~~منده، ورواه ابن ماجة والطبراني من وجه آخر عن ابن أبي مليكة عنها، وصححه ~~الحاكم وابن السكن. ورواه أبو داود عن عائشة أيضا بلفظ: كان لا يرقد من ليل ~~ولا نهار فيستيقظ إلا ms0152 تسوك قبل أن يتوضأ وفيه علي بن زيد وفي الباب عن ابن ~~عمر عند أحمد، وعن معاوية عند الطبراني وإسناده ضعيف. وعن أنس عند البيهقي، ~~وعن أبي أيوب عند أبي نعيم قال الحافظ: PageV01P129 # وكلها ضعيفة. قوله: يشوص بضم المعجمة وبسكون الواو شاصة يشوصه وماصه ~~يموصه إذا غسله، والشوص بالفتح الغسل والتنظيف كذا في الصحاح. وقيل: الغسل. ~~وقيل: # التنقية. وقيل: الدلك. وقيل: الامرار على الأسنان من أسفل إلى فوق، وعكسه ~~الخطابي فقال: هو ذلك الأسنان بالسواك والأصابع عرضا. والحديث يدل على ~~استحباب السواك عند القيام من النوم لأنه مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه ~~من أبخرة المعدة والسواك ينظفه ولهذا أرشد إليه. وظاهر قوله من الليل ومن ~~النوم العموم لجميع الأوقات قال ابن دقيق العيد: ويحتمل أن يخص بما إذا قام ~~إلى الصلاة، قال الحافظ: ويدل عليه رواية البخاري بلفظ: إذا قام للتهجد ~~ولمسلم نحوه انتهى. فيحمل المطلق على المقيد، ولكنه بعد معرفة أن العلة ~~التنظيف لا يتم ذلك لأنه مندوب إليه في جميع الأحوال. # وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرقد ~~ليلا ولا نهارا فيستيقظ إلا تسوك رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن أبي شيبة، وقد تقدم الكلام عليه وعلى فقهه في الذي ~~قبله. # باب تسوك المتوضئ بأصبعه عند المضمضة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه دعا بكوز من ماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثا وتمضمض ثلاثا فأدخل بعض أصابعه ~~في فيه واستنشق ثلاثا وغسل ذراعيه ثلاثا ومسح رأسه واحدة وذكر باقي الحديث ~~وقال: هكذا كان وضوء نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد. # الحديث يأتي الكلام على أطرافه في الوضوء، وقد ساقه المصنف للاستدلال ~~بقوله: # فأدخل بعض أصابعه في فيه على أنه يجزي التسوك بالإصبع. وقد روى ابن عدي ~~والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الله بن المثنى عن النضر بن أنس عن أنس ~~مرفوعا بلفظ: يجزى من السواك الأصابع قال الحافظ: وفي إسناده نظر. وقال ms0153 ~~أيضا: # لا أرى بسنده بأسا وقال البيهقي: المحفوظ عن ابن المثنى عن بعض أهل بيته ~~عن أنس نحوه. ورواه أبو نعيم والطبراني وابن عدي من حديث عائشة وفيه المثنى ~~بن الصباح. ورواه أبو نعيم أيضا من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ~~عن أبيه عن جده وكثير ضعفوه. قال الحافظ: وأصح من ذلك ما رواه أحمد في ~~مسنده PageV01P130 # من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر حديث الباب. وروى أبو عبيد في ~~كتاب الطهور عن عثمان أنه كان إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه. وروى الطبراني من ~~حديث عائشة قلت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: نعم قلت: كيف ~~يصنع؟ قال: يدخل أصبعه في فيه رواه بإسناد فيه عيسى بن عبد الله الأنصاري ~~وقال: # لا يروى إلا بهذا الاسناد، قال الحافظ: وعيسى ضعفه ابن حبان وذكر له ابن ~~عدي هذا الحديث من مناكيره. # باب السواك للصائم عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: ~~حديث حسن. # قال الحافظ: رواه أصحاب السنن وابن خزيمة وعلقه البخاري وفيه عاصم بن ~~عبيد الله وهو ضعيف، قال ابن خزيمة: وأنا أبرأ من عهدته لكن حسن الحديث ~~غيره. وقال الحافظ أيضا إسناده حسن. والحديث يدل على استحباب السواك للصائم ~~من غير تقييد بوقت دون وقت، وهو يرد على الشافعي قوله بالكراهة بعد الزوال ~~للصائم مستدلا بحديث الخلوف الذي سيأتي. وقد نقل الترمذي أن الشافعي قال: ~~لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، واختاره جماعة من أصحابه منهم أبو ~~شامة وابن عبد السلام والنووي والمزني قال ابن عبد السلام في قواعده ~~الكبرى: وقد فضل الشافعي تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك ~~مستدلا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولا يوافق الشافعي على ذلك، إذ لا ~~يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة ms0154 ~~حصول الرجحان بالأفضلية ألا ترى أن الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل ~~من ركعتي الفجر مع قوله عليه السلام: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ~~وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها وغيرها أفضل منها، وهذا من ~~باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من ~~التطهر المشروع لأجل الرب سبحانه، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه ~~تعظيم لا شك فيه ولأجله شرع السواك، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف ~~يقال: إن فضيلة الخلوف تربى على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه، إلى أن ~~قال: والذي PageV01P131 # ذكره الشافعي رحمه الله تخصيص للعام بمجرد الاستدلال المذكور المعارض بما ~~ذكرنا، قال الحافظ في التلخيص: استدلال أصحابنا بحديث خلوف فم الصائم على ~~كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائما فيه نظر، لكن في رواية للدارقطني ~~عن أبي هريرة قال: لك السواك إلى العصر فإذا صليت فألقه فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لخلوف فم الصائم الحديث، قال: وقد ~~عارضه حديث عامر بن ربيعة يعني حديث الباب وقال: وفي الباب حديث على إذا ~~صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه ~~بالعشي إلا كانتا له نورا بين عينيه يوم القيامة أخرجه البيهقي، قال ~~الحافظ: # وإسناده ضعيف انتهى. وقول أبي هريرة مع كونه لا يدل على المطلوب لا حجة ~~فيه على أن فيه عمر بن قيس وهو متروك، وكذلك حديث علي مع ضعفه لم يصرح فيه ~~بالرفع فالحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره وهو مذهب جمهور ~~الأئمة. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من خير خصال الصائم السواك رواه ابن ماجة. قال البخاري: وقال ابن عمر يستاك ~~أول النهار وآخره. # الحديث قال في التلخيص هو ضعيف ورواه أبو نعيم من طريقين آخريين عنها ~~وروى النسائي في الكنى، والعقيلي وابن حبان في الضعفاء، والبيهقي من طريق ~~عاصم عن أنس: يستاك الصائم ms0155 أول النهار وآخره برطب السواك ويابسه ورفعه. ~~وفيه إبراهيم بن بيطار الخوارزمي، قال البيهقي: انفرد به إبراهيم بن بيطار، ~~ويقال إبراهيم بن عبد الرحمن قاضي خوارزم وهو منكر الحديث. وقال ابن حبان: ~~لا يصح ولا أصل له من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا من حديث أنس ~~وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. قال الحافظ: قلت له شاهد من حديث معاذ رواه ~~الطبراني في الكبير. # وقال أحمد بن منيع في مسنده: حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن حمزة ~~عن النعمان بن المنذر عن عطاء وطاوس ومجاهد عن ابن عباس: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم تسوك وهو صائم. الحديث يدل على أن السواك من خير خصال ~~الصائم من غير فرق بين قبل الزوال وبعده، وقد تقدم الكلام على ذلك في ~~الحديث الأول. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لخلوف فم الصائم ~~أطيب عند الله من ريح المسك متفق عليه. PageV01P132 # الحديث له طرق وألفاظ، ورواه مسلم من حديث أبي سعيد، والبزار من حديث ~~علي، وابن حبان من حديث الحرث الأشعري، وأحمد من حديث ابن مسعود والحسن بن ~~سفيان من حديث جابر. قوله: لخلوف بضم الخاء. قال القاضي عياض قيدناه عن ~~المتقنين بالضم وأكثر المتحدثين يفتحون خاءه وهو خطأ، وعده الخطابي في ~~غلطات المحدثين وهو تغير رائحة الفم. وقد استدل الشافعي بالحديث على كراهة ~~الاستياك بعد الزوال للصائم، لأنه يزيل الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ~~ريح المسك، وهذا الاستدلال لا ينتهض لتخصيص الأحاديث القاضية باستحباب ~~السواك على العموم ولا على معارضة تلك الخصوصيات. وقد سبق الكلام على ذلك ~~في حديث عامر بن ربيعة. قال المصنف رحمه الله: وبه احتج من كره السواك ~~للصائم بعد الزوال اه. # باب سنن الفطرة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خمس من الفطرة: الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط ~~وتقليم الأظفار رواه الجماعة. # قوله: خمس من الفطرة قد ms0156 تقدم الكلام فيه في أول أبواب السواك، والمراد ~~بقوله خمس من الفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها ~~بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على ~~أكمل الصفات وأشرفها صورة. وقد رد البيضاوي الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ~~ما ورد في معناه مما تقدم فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء ~~واتفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي ينطوون عليها، وسوغ الابتداء بالنكرة ~~في قوله خمس أنه صفة موصوف محذوف والتقدير خصال خمس ثم فسرها أو على ~~الإضافة أي خمس خصال، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير الذي شرع لكم ~~خمس. قوله: الاستحداد هو حلق العانة، سمي استحدادا لاستعمال الحديدة وهي ~~الموسى وهو سنة بالاتفاق، ويكون بالحلق والقص والنتف والنورة. قال النووي: ~~والأفضل الحلق، والمراد بالعانة الشعر فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر ~~حول فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس بن PageV01P133 # سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر. قال النووي: فيحصل من مجموع هذا ~~استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما انتهى. وأقول الاستحداد إن ~~كان في اللغة حلق العانة كما ذكره النووي فلا دليل على سنية حلق الشعر ~~النابت حول الدبر، وإن كان الاحتلاق بالحديد كما في القاموس فلا شك أنه أعم ~~من حلق العانة، ولكنه وقع في مسلم وغيره بدل الاستحداد في حديث عشر من ~~الفطرة حلق العانة فيكون مبينا لاطلاق الاستحداد في حديث: خمس من الفطرة ~~فلا يتم دعوى سنية حلق شعر الدبر أو استحبابه إلا بدليل، ولم نقف على حلق ~~شعر الدبر من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ولا من فعل أحد من أصحابه. ~~قوله: والختان اختلف في وجوبه وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا. ~~والختان قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة، وفي ~~المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج. # قوله: وقص الشارب هو سنة بالاتفاق، والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه ~~أو يوليه غيره ms0157 لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة، وسيأتي مقدار ما يقص ~~منه في باب أخذ الشارب. قوله: ونتف الإبط هو سنة بالاتفاق أيضا، قال ~~النووي: والأفضل فيه النتف إن قوي عليه، ويحصل أيضا بالحلق والنورة. وحكي ~~عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه فقال ~~الشافعي: علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع. ويستحب أن يبدأ ~~بالإبط الأيمن لحديث التيمن وفيه: كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره ~~وفي شأنه كله وكذلك يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالجانب الأيمن لهذا ~~الحديث. قوله: تقليم الأظفار وقع في الرواية الآتية في صحيح مسلم وغيره قص ~~الأظفار وهو سنة بالاتفاق أيضا، والتقليم تفعيل من القلم وهو القطع. قال ~~النووي: ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين، فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم ~~الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الابهام، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ~~ثم ببنصرها إلى آخره، ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر ~~اليسرى انتهى. PageV01P134 # وعن أنس بن مالك قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط ~~وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة رواه مسلم وابن ماجة. ورواه ~~أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وقالوا: وقت لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # قوله: وقت لنا في الرواية الأولى على البناء للمجهول، وقد وقع خلاف في ~~علم الأصول والاصطلاح هل هي صيغة رفع أو لا؟ والأكثر أنها صيغة رفع إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قالها الصحابي مثل قوله: أمرنا بكذا ~~ونهينا عن كذا، وقد صرح في الرواية الثانية من حديث الباب بأن الموقت هو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فارتفع الاحتمال، لكن في إسنادها صدقة بن ~~موسى أبو المغيرة ويقال أبو محمد السلمي البصري الدقيقي، قال يحيى بن معين، ~~ليس بشئ، وقال مرة: ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وقال الترمذي: ليس بالحافظ. # وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالقوي. ~~وقال ms0158 أبو حاتم بن حبان: كان شيخا صالحا إلا أن الحديث لم يكن صناعته فكان ~~إذا روى قلب الاخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به. وقد أخرج الرواية الأولى ~~في صحيح مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة كلاهما عن جعفر بن سليمان عن أبي ~~عمران الجوني عن أنس بن مالك بذلك اللفظ، قال القاضي عياض: قال العقيلي في ~~حديث جعفر هذا نظر. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يروه إلا جعفر بن سليمان ~~وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه: قال النووي: وقد وثق كثير من الأئمة ~~المتقدمين جعفر بن سليمان ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به وقد تابعه غيره ~~انتهى. قوله: أن لا نترك قال النووي: معناه تركا نتجاوز به أربعين لا أنه ~~وقت لهم الترك أربعين، قال: والمختار أنه يضبط بالحاجة والطول فإذا طال حلق ~~انتهى. قلت: # بل المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فلا يجوز تجاوزها، ولا يعد مخالفا للسنة من ترك القص ونحوه بعد ~~الطول إلى انتهاء تلك الغاية. # وعن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر من ~~الفطرة: # قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل ~~البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء يعني الاستنجاء، قال زكريا: ~~قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة رواه أحمد ومسلم والنسائي ~~والترمذي. PageV01P135 # الحديث أخرجه أيضا أبو داود من حديث عمار وصححه ابن السكن، قال الحافظ: ~~وهو معلول: ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس موقوفا في تفسير قوله ~~تعالى: * (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) * (البقرة: 124) قال: خمس في ~~الرأس وخمس في الجسد فذكره وقد تقدم الكلام على قص الشارب والسواك وقص ~~الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. قوله: وإعفاء اللحية إعفاء اللحية توفيرها ~~كما في القاموس. وفي رواية للبخاري: وفروا اللحى وفي رواية أخرى لمسلم: ~~أوفوا ms0159 اللحى وهو بمعناه وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع عن ذلك ~~وأمر بإعفائها، قال القاضي عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحريقها وأما ~~الاخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها ~~وجزها. وقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من لم يحد بحد بل قال: لا يتركها إلى ~~حد الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدا. ومنهم من حد بما زاد على ~~القبضة فيزال ومنهم من كره الاخذ منها إلا في حج أو عمرة. قوله: واستنشاق ~~الماء سيأتي الكلام عليه في الوضوء. قوله: وغسل البراجم هي بفتح الباء ~~الموحدة وبالجيم جمع برجمة بضم الباء والجيم وهي عقد الأصابع ومعاطفها ~~كلها، وغسلها سنة مستقلة ليست بواجبة. قال العلماء: ويلحق بالبراجم ما ~~يجتمع من الوسخ في معاطف الاذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح ونحوه. قوله: ~~وانتقاص الماء هو بالقاف والصاد المهملة، وقد ذكر المصنف تفسيره بأنه ~~الاستنجاء وكذلك فسره وكيع، وقال أبو عبيد وغيره: معناه انتقاص البول بسبب ~~استعمال الماء في غسل مذاكيره. وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية بدل ~~الانتقاص الانتضاح، والانتضاح نضح بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. ~~وذكر ابن الأثير أنه روي انتفاص بالفاء والصاد المهملة، وقال في فصل الفاء ~~قيل الصواب أنه بالفاء، قال: والمراد نضحه على الذكر لقولهم لنضح الدم ~~القليل نفصة وجمعها نفص. قال النووي: وهذا الذي نقله شاذ قوله: ونسيت ~~العاشرة إلا أن تكون المضمضة هذا شك منه، قال القاضي عياض، ولعلها الختان ~~المذكور مع الخمس الأولى، قال النووي وهو أولى وسيأتي الكلام على المضمضة ~~في الوضوء. وقد استدل الرافعي بالحديث على أن المضمضة والاستنشاق سنة وروي ~~الحديث بلفظ: عشر من السنة ورده الحافظ في التلخيص بأن لفظ الحديث عشر من ~~الفطرة قال: بل ولو ورد PageV01P136 # بلفظ من السنة لم ينتهض دليلا على عدم الوجوب لأن المراد به السنة أي ~~الطريقة لا السنة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي. قال: وفي الباب عن ابن عباس ~~مرفوعا المضمضة والاستنشاق سنة رواه الدارقطني وهو ms0160 ضعيف. # باب الختان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: # اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم ~~متفق عليه إلا أن مسلما لم يذكر السنين. # قوله الختان بكسر المعجمة وتخفيف المثناة مصدر ختن أي قطع، والختن بفتح ~~ثم سكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، والاختتان والختان اسم لفعل الخاتن ~~ولموضع الختان كما في حديث عائشة: إذا التقى الختانان قال الماوردي: ختان ~~الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول ~~الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به وقال إمام الحرمين: ~~المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من ~~الجلدة شئ يتدلى وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة. وقال ابن كج فيما ~~نقله الرافعي: يتأدى الواجب بقطع شئ مما فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب ~~القطع تدوير رأسها، قال النووي: وهو شاذ والأول هو المعتمد، قال الامام: ~~والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم، وقال الماوردي: # ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف ~~الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله، قال النووي: ويسمى ~~ختان الرجل أعذارا بذال معجمة، وختان المرأة خفضا بخاء وضاد معجمتين، وقال ~~أبو شامة: كلام أهل اللغة يقتضي تسمية الكل أعذارا والخفض يختص بالنساء، ~~قال أبو عبيد: عذرت الجارية والغلام، وأعذرتهما ختنتهما واختتنتهما وزنا ~~ومعنى. قال الجوهري: والأكثر خفض الجارية، قال: وتزعم العرب أن الولد إذا ~~ولد في القمر اتسعت قلفته فصار كالمختون، وقد استحب جماعة من العلماء فيمن ~~ولد مختونا أن يمر بالموسى على موضع الختان من غير قطع. قال أبو شامة: ~~وغالب من يكون كذلك لا يكون ختانه تاما بل يظهر طرف الحشفة، PageV01P137 # فإن كان كذلك وجب تكميله. قوله: بالقدوم بفتح القاف وضم الدال وتخفيفها ~~آلة النجارة وقيل: اسم الموضع الذي اختتن فيه إبراهيم وهو الذي في القاموس، ~~يقال بل ms0161 قد ذكره في باب فضل إبراهيم الخليل من رواية أبي هريرة مع ذكر ~~الستين. وأورد المصنف الحديث في هذا الباب للاستدلال به على أن مدة الختان ~~لا تختص بوقت معين وهو مذهب الجمهور، وليس بواجب في حال الصغر، وللشافعية ~~وجه أنه يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه، وبرده حديث ابن عباس ~~الآتي، ولهم أيضا وجه أنه يحرم قبل عشر سنين ويرده حديث أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما أخرجه الحاكم ~~والبيهقي من حديث عائشة، وأخرجه البيهقي من حديث جابر. قال النووي بعد أن ~~ذكر هذين الوجهين: وإذا قلنا بالصحيح استحب أن يختتن في اليوم السابع من ~~ولادته، وهل يحسب يوم الولادة من السبع أو يكون سبعة سواه؟ فيه وجهان، ~~أظهرهما يحسب انتهى. واختلف في وجوب الختان فروى الامام يحيى عن العترة ~~والشافعي وكثير من العلماء أنه واجب في حق الرجال والنساء. وعند مالك وأبي ~~حنيفة والمرتضى. قال النووي. وهو قول أكثر العلماء أنه سنة فيهما. وقال ~~الناصر والامام يحيى أنه واجب في الرجال لا النساء. احتج الأولون بما سيأتي ~~من حديث عثيم بلفظ: ألق عنك شعر الكفر واختتن وهو لا ينتهض للحجية لما فيه ~~من المقال الذي سنبينه هنالك. وبحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من أسلم فليختتن وقد ذكره الحافظ في التلخيص ولم يضعفه ~~وتعقب بقول ابن المنذر ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع. وبحديث ~~أم عطية وكانت خافضة بلفظ: أشمي ولا تنهكي عند الحاكم والطبراني والبيهقي ~~وأبي نعيم من حديث الضحاك بن قيس، وقد اختلف فيه على عبد الملك بن عمير ~~فقيل عنه عن الضحاك. وقيل عنه عن عطية القرظي رواه أبو نعيم. وقيل عنه عن ~~أم عطية رواه أبو داود في السنن وأعله بمحمد بن حسان فقال: إنه مجهول ضعيف، ~~وتبعه ابن عدي في تجهيله والبيهقي، وخالفهم عبد الغني بن سعيد PageV01P138 # فقال: هو محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة. ms0162 ورواه ابن عدي من حديث سالم ~~بن عبد الله ابن عمر. والبزار من حديث نافع كلاهما عن عبد الله بن عمر ~~مرفوعا بلفظ: يا نساء الأنصار اختضبن غمسا واختفضن ولا تنهكن وإياكن وكفران ~~النعم قال الحافظ: وفي إسناد أبي نعيم مندل بن علي وهو ضعيف، وفي إسناد ابن ~~عدي خالد بن عمرو القرشي وهو أضعف من مندل. ورواه الطبراني وابن عدي من ~~حديث أنس نحو حديث أبي داود، قال ابن عدي: تفرد به زائدة وهو منكر قاله ~~البخاري عن ثابت. وقال الطبراني: تفرد به محمد بن سلام. واحتج القائلون ~~بأنه سنة بحديث الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء رواه أحمد والبيهقي ~~من حديث الحجاج بن أرطأة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه، والحجاج مدلس وقد ~~اضطرب فيه قتادة رواه هكذا، وتارة رواه بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي ~~المليح أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم في العلل والطبراني في الكبير، ~~وتارة رواه عن مكحول عن أبي أيوب أخرجه أحمد، وذكره ابن أبي حاتم في العلل ~~وحكى عن أبيه أنه خطأ من حجاج أو من الراوي عنه وهو عبد الواحد بن زياد. ~~وقال البيهقي: هو ضعيف منقطع. وقال ابن عبد البر في التمهيد. هذا الحديث ~~يدور على حجاج بن أرطأة وليس ممن يحتج به، قال الحافظ: وله طريق أخرى من ~~غير رواية حجاج، فقد رواه الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث ابن عباس ~~مرفوعا، وضعفه البيهقي في السنن وقال في المعرفة: لا يصح رفعه وهو من رواية ~~الوليد عن أبي ثوبان عن ابن عجلان عن عكرمة عنه، ورواته موثقون إلا أن فيه ~~تدليسا اه. ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج لا حجة فيه على المطلوب، لأن ~~لفظة السنة في لسان الشارع أعم من السنة في اصطلاح الأصوليين. واحتج ~~المفصلون لوجوبه على الرجال بحجج القول الأول، ولعدم وجوبه على النساء بما ~~في الحديث الذي احتج به أهل القول الثاني من قوله: مكرمة في النساء والحق ~~أنه لم يقم ms0163 دليل صحيح يدل على الوجوب والمتيقن السنة كما في حديث: # خمس من الفطرة ونحوه والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يوجب ~~الانتقال عنه. قال البيهقي، أحسن الحجج أن يحتج بحديث أبي هريرة المذكور في ~~الباب أن إبراهيم اختتن وهو ابن ثمانين سنة وقد قال الله تعالى: * (ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) * (النحل: 123) وصح عن ابن عباس أن ~~الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن هن خصال الفطرة ومنهن الختان، ~~والابتلاء غالبا إنما يقع بما يكون واجبا. وتعقب بأنه لا يلزم ما ذكر ~~PageV01P139 # إلا إن كان إبراهيم فعله على سبيل الوجوب فإنه من الجائز أن يكون فعله ~~على سبيل الندب، فيحصل امتثال الامر باتباعه على وفق ما فعل، وقد تقرر أن ~~الأفعال لا تدل على الوجوب. وأيضا فباقي الكلمات العشر ليست واجبة. وقال ~~الماوردي: إن إبراهيم لا يفعل ذلك في مثل سنة إلا عن أمر من الله. والحاصل ~~أن الاستدلال بفعل إبراهيم على الوجوب يتوقف على أنه كان عليه واجبا، فإن ~~ثبت ذلك استقام الاستدلال. # وعن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى ~~يدرك رواه البخاري. # قوله: حتى يدرك الادراك في أصل اللغة بلوغ الشئ وقته وأراد به ههنا ~~البلوغ. # والحديث يدل على ما أسلفناه من أن الختان غير مختص بوقت معين، وقد تقدم ~~الكلام فيه في الحديث الذي قبله. ومن فوائد هذا الحديث أن ابن عباس كان عند ~~موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سن البلوغ، وسيأتي ذكر الاختلاف في ~~عمره عند موت النبي (ص) في باب ما يقطع الصلاة بمروره من أبواب السترة. # وعن ابن جريج قال: أخبرت عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قد أسلمت، قال: ألق عنك شعر الكفر، ~~يقول احلق، قال: وأخبرني آخر معه أن النبي صلى ms0164 الله عليه وآله وسلم قال ~~لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن رواه أحمد وأبو داود. # وأخرجه أيضا الطبراني وابن عدي والبيهقي، قال الحافظ: وفيه انقطاع وعثيم ~~وأبوه مجهولان قاله ابن القطان، وقال عبدان: هو عثيم بن كثير بن كليب ~~والصحابي هو كليب وإنما نسب عثيم في الاسناد إلى جده وقد وقع مبينا في ~~رواية الواقدي، أخرجه ابن منده في المعرفة، وقال ابن عدي: الذي أخبر ابن ~~جريج به هو إبراهيم بن أبي يحيى، وعثيم بضم العين المهملة ثم ثاء مثلثة ~~بلفظ التصغير. والحديث استدل به من قال بوجوب الختان لما فيه من لفظ الامر ~~به وقد تقدم الكلام عليه. # (فائدة) اختلف في ختان الخنثى فقيل: يجب ختانه في فرجيه قبل البلوغ. ~~وقيل: # لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر قاله النووي. وأما من له ذكران فإن كانا ~~عاملين وجب ختانهما، وإن كان أحدهما عاملا دون الآخر ختن، وإذا مات إنسان ~~قبل أن يختتن PageV01P140 # فلأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه: الصحيح المشهور لا يختن كبيرا كان أو صغيرا. ~~والثاني يختن. والثالث يختن الكبير دون الصغير. # باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يأخذ من شاربه فليس منا رواه أحمد ~~والنسائي والترمذي وقال: # حديث صحيح. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس رواه أحمد ومسلم. وعن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا ~~الشوارب متفق عليه، زاد البخاري: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على ~~لحيته فما فضل أخذه. # الكلام على ألفاظ هذه الأحاديث قد تقدم في باب سنن الفطرة. وقد اختلف ~~الناس في حد ما يقص من الشارب، وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه ~~لظاهر قوله: أحفوا وأنهكوا وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق ~~والاستئصال وإليه ذهب مالك وكان يري تأديب من ms0165 حلقه. وروى عنه ابن القاسم ~~أنه قال: إحفاء الشارب مثله. قال النووي: المختار أنه يقص حتى يبدو طرف ~~الشفة ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية: أحفوا الشوارب فمعناها أحفوا ما ~~طال عن الشفتين، وكذلك قال مالك في الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف ~~الشفة. قال ابن القيم: # وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب ~~أن الاحفاء أفضل من التقصير، وذكر بعض المالكية عن الشافعي أن مذهبه كمذهب ~~أبي حنيفة في حلق الشارب، قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصا في ~~هذا، وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما. ويدل ذلك ~~أنهما أخذاه عن الشافعي. # وروى الأثرم عن الإمام أحمد أنه كان يحفي شاربه إحفاء شديدا، وسمعته يسأل ~~عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يحفى. وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى ~~للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصا ~~فلا بأس وقال أبو محمد في المغني: هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه. وقد ~~روى النووي في شرح مسلم PageV01P141 # عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الامرين: الاحفاء وعدمه وروى ~~الطحاوي الاحفاء عن جماعة من الصحابة أبي سعيد وأبي أسيد ورافع بن خديج ~~وسهل بن سعد و عبد الله بن عمر وجابر وأبي هريرة. قال ابن القيم: واحتج من ~~لم ير إحفاء الشارب بحديث عائشة وأبي هريرة المرفوعين: عشر من الفطرة فذكر ~~منها قص الشارب. وفي حديث أبي هريرة: أن الفطرة خمس وذكر منها قص الشارب، ~~واحتج المحفون بأحاديث الامر بالاحفاء وهي صحيحة. وبحديث ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحفي شاربه انتهى. والاحفاء ليس كما ذكره ~~النووي من أن معناه احفوا ما طال عن الشفتين، بل الاحفاء الاستئصال كما في ~~الصحاح والقاموس والكشاف وسائر كتب اللغة. ورواية القص لا تنافيه لأن القص ~~قد يكون على جهة الاحفاء وقد لا يكون، ورواية الاحفاء معينة للمراد، وكذلك ms0166 ~~حديث الباب الذي فيه: من لم يأخذ من شاربه فليس منا لا يعارض رواية الاحفاء ~~لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية ~~الاحفاء أرجح لأنها في الصحيحين. وروى الطحاوي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أخذ من شارب المغيرة على سواكه قال: وهذا لا يكون معه إحفاء، ~~ويجاب عنه بأنه محتمل، ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة، وهو إن صح كما ~~ذكر لا يعارض تلك الأقوال منه صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: وأرخوا اللحى ~~قال النووي: هو بقطع الهمزة والخاء المعجمة ومعناه اتركوا ولا تتعرضوا لها ~~بتغيير، قال القاضي عياض: وقع في رواية الأكثرين بالخاء المعجمة، ووقع عند ~~ابن ماهان أرجوا بالجيم قيل هو بمعنى الأول وأصله أرجئوا بالهمزة فحذفت ~~تخفيفا ومعناه أخروها واتركوها. # قوله: وفروا اللحى هي إحدى الروايات وقد حصل من مجموع الأحاديث خمس ~~روايات: اعفوا وأوفوا وأرخوا وأرجوا ووفروا، ومعناها كلها تركها على حالها. ~~قال ابن السكيت وغيره: يقال في جمع اللحية لحى ولحى بكسر اللام وضمها لغتان ~~والكسر أفصح. # قوله: خالفوا المجوس قد سبق أنه كان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع ~~عن ذلك. قوله: فما فضل بفتح الفاء والضاد المعجمة ويجوز كسر الضاد كعلم ~~والأشهر الفتح. وقد استدل بذلك بعض أهل العلم والروايات المرفوعة ترده، ~~ولكنه قد أخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها وقال غريب: قال ~~سمعت محمد بن إسماعيل PageV01P142 # يعني البخاري يقول: عمر بن هارون يعني المذكور في إسناده مقارب الحديث لا ~~أعرف له حديثا ليس له أصل، أو قال: ينفرد به إلا هذا الحديث لا نعرفه إلا ~~من حديثه انتهى. # وقال في التقريب: إنه متروك وكان حافظا من كبار التاسعة انتهى. فعلى هذا ~~أنها لا تقوم بالحديث حجة. # (فائدة) قال النووي: وقد ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة بعضها ~~أشد من ms0167 بعض: الخضاب بالسواد لا لغرض الجهاد. والخضاب بالصفرة تشبها ~~بالصالحين لا لاتباع السنة. وتبييضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة ~~لأجل الرياسة والتعظيم وإيهام لقي المشايخ. ونتفها أول طلوعها إيثارا ~~للمردودة وحسن الصورة. # ونتف الشيب. وتصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعا لتستحسنه النساء وغيرهن. ~~والزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين أو أخذ بعض ~~العذار في حلق الرأس ونتف جانبي العنفقة وغير ذلك. وتسريحها تصنعا لأجل ~~الناس. وتركها شعثة منتفشة إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه. هذه عشر ~~والحادية عشرة عقدها وضفرها. والثانية عشرة حلقها إلا إذا نبت للمرأة لحية ~~فيستحب لها حلقها. # باب كراهة نتف الشيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب ~~شيبة في الاسلام إلا كتب الله له بها حسنة ورفعه بها درجة وحط عنه بها ~~خطيئة رواه أحمد أبو داود. # وأخرجه أيضا الترمذي وقال: حسن. والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه ~~وقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: كنا نكره أن ~~ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده مقال معروف عند المحدثين. والحديث يدل على تحريم نتف الشيب ~~PageV01P143 # لأنه مقتضى النهي حقيقة عند المحققين، وقد ذهبت الشافعية والمالكية ~~والحنابلة وغيرهم إلى كراهة ذلك لهذا الحديث، ولما أخرجه الخلال في جامعه ~~عن طارق بن حبيب أن حجاما أخذ من شارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرأى ~~شيبة في لحيته فأهوى بيده إليها ليأخذها فأمسك النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يده وقال: من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة ولما ~~أخرجه البزار والطبراني عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة، فقال له رجل ~~عند ذلك: فإن رجالا ينتفون الشيب، فقال: من شاء ms0168 فلينتف نوره قال النووي: لو ~~قيل يحرم النتف للنهي الصريح الصحيح لم يبعد، قال: ولا فرق بين نتفه من ~~اللحية والرأس والشارب والحاجب والعذار ومن الرجل والمرأة. قوله: فإنه نور ~~المسلم في تعليله بأنه نور المسلم ترغيب بليغ في إبقائه وترك التعرض ~~لازالته وتعقيبه بقوله: ما من مسلم يشيب شيبة في الاسلام والتصريح بكتب ~~الحسنة ورفع الدرجة وحط الخطيئة نداء يشرف الشيب وأهله، وأنه من أسباب كثرة ~~الأجور، وإيماء إلى أن الرغوب عنه بنتفه رغوب عن المثوبة العظيمة. وقد أخرج ~~الترمذي من حديث كعب بن مرة وحسنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: من شاب شيبة في الاسلام كانت له نورا يوم القيامة وأخرجه بهذا ~~اللفظ من حديث عمرو بن عبسة وقال: حسن صحيح غريب. # باب تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما وكراهة السواد عن جابر بن عبد ~~الله قال: جئ بأبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وكأن رأسه ثغامة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اذهبوا به إلى ~~بعض نسائه فلتغيره بشئ وجنبوه السواد رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. # قوله: بأبي قحافة هو والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قوله: ثغامة بثاء ~~مثلثة مفتوحة ثم غين معجمة مخففة. قال أبو عبيد: هو نبت أبيض الزهر والثمر ~~يشبه بياض المشيب به. وقال ابن الأعرابي: هو شجر مبيض كأنه الثلج قال في ~~القاموس: # الثغام كسحاب نبت واحدته بهاء، وأثغماء اسم الجمع، وأثغم الوادي أنبته، ~~والرأس صار PageV01P144 # كالثغامة بياضا، ولون ثاغم أبيض كالثغام. والحديث يدل على مشروعية تغيير ~~الشيب وأنه غير مختص باللحية، وعلى كراهة الخضاب بالسواد، قال بذلك جماعة ~~من العلماء. قال النووي: # والصحيح بل الصواب أنه حرام يعني الخضاب بالسواد، وممن صرح به صاحب ~~الحاوي انتهى وقد أخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل ~~الحمام لا يريحون رائحة الجنة قال المنذري: ms0169 وفي إسناده عبد الكريم، ولم ~~ينسبه أبو داود ولا النسائي انتهى وهو الجريري كما وقع في بعض نسخ السنن. ~~وقد ورد في استحباب خضاب الشيب وتغييره أحاديث سيأتي بعضها منها ما أخرجه ~~البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود من حديث ابن عباس بلفظ: إن اليهود ~~والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وأخرجه الترمذي بلفظ: غيروا الشيب ولا تشبهوا ~~باليهود وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة من حديث أبي ذر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أحسن ما غير به هذا الشيب ~~الحناء والكتم وسيأتي. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يصبغ لحيته ~~بالصفرة ويقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصبغ بها ولم يكن أحب ~~إليه منها وكان يصبغ بها ثيابه أخرجه أبو داود والنسائي، ويعارضه ما سيأتي ~~عن أنس قال: ما خضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لم يبلغ منه ~~الشيب إلا قليلا، قال: ولو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه لفعلت والحديث ~~أخرجه الشيخان وأخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره عشر خلال الصفرة يعني الخلوق وتغييره ~~الشيب الحديث، ولكنه لا ينتهض لمعارضة أحاديث تغيير الشيب قولا وفعلا. قال ~~القاضي عياض: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه فقال ~~بعضهم: ترك الخضاب أفضل وروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~النهي عن تغيير الشيب، ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يغير شيبه روي هذا ~~عن عمر وعلي وأبي بكر وآخرين. وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك، ثم اختلف هؤلاء فكان ~~أكثرهم يخضب بالصفرة منهم ابن عمر وأبو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن علي. ~~وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران. وخضب جماعة بالسواد روي ~~ذلك عن عثمان والحسن والحسين بن علي وعقبة بن عامر وابن سيرين PageV01P145 # وأبي بردة وآخرين. قال الطبري: الصواب ms0170 أن الأحاديث الواردة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض، ~~بل الامر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمط فقط، قال: ~~واختلاف السلف في فعل الامرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر ~~والنهي في ذلك ليس للوجوب بالاجماع ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض. # وعن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن شاب إلا ~~يسيرا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم متفق عليه. وزاد أحمد ~~قال: وجاء أبو بكر بأبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~فتح مكة يحمله حتى إذا وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته ~~لأتيناه تكرمة لأبي بكر فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: غيروهما وجنبوه السواد. # قصة أبي قحافة قد تقدم الكلام عليها، وفي هذه الرواية زيادة الامر بتغيير ~~بياض اللحية، وحديث أنس وإنكاره لخضاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يعارضه ما سيأتي من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يصفر لحيته بالورس والزعفران وما سبق من حديثه أنه كان يصبغ بالصفرة وما في ~~الصحيحين وإن كان أرجح مما كان خارجا عنهما، ولكن عدم علم أنس بوقوع الخضاب ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستلزم العدم، ورواية من أثبت أولى من ~~روايته لأن غاية ما في روايته أنه لم يعلم وقد علم غيره. وأيضا قد ثبت في ~~صحيح البخاري ما يدل على اختضابه كما سيأتي، على أنه لو فرض عدم ثبوت ~~اختضابه لما كان فادحا في سنية الخضاب لورود الارشاد إليها قولا في ~~الأحاديث الصحيحة. قال ابن القيم: واختلف الصحابة في خضابه ms0171 صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال أنس: لم يخضب، وقال أبو هريرة: خضب، وقد روى حماد بن سلمة ~~عن حميد عن أنس قال: رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخضوبا ~~قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عند أنس بن مالك مخضوبا وقالت طائفة: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مما يكثر الطيب قد احمر شعره فكان يظن مخضوبا ولم ~~يخضب انتهى. وقد أثبت اختضابه PageV01P146 # صلى الله عليه وآله وسلم مع ابن عمر أبو رمثة كما سيأتي. قوله: الكتم في ~~القاموس والكتم محركة والكتمان بالضم نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر ~~انتهى. وهو النبت المعروف بالوسمة يعني ورق النيل، وفي كتب الطب أنه نبت من ~~نبت الجبال ورقه كورق الآس يخضب به مدقوقا. # وعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من ~~شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم رواه أحمد ~~وابن ماجة والبخاري ولم يذكر بالحناء وبالكتم. وعن نافع عن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس ~~والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك رواه أبو داود والنسائي. # الحديث الأول يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خضب وقد تقدم ~~الكلام عليه، وقد أجيب بأن الحديث ليس فيه بيان أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم هو الذي خضب، بل يحتمل أن يكون احمر بعده لما خالطه من طيب فيه ~~صفرة، وأيضا كثير من الشعور التي تنفصل عن الجسد إذا طال العهد يؤول سوادها ~~إلى الحمرة، كذا قال الحافظ. # وأيضا هذا الحديث معارض لحديث أنس المتقدم وقد سبق البحث عن ذلك. وقال ~~الطبري في الجمع بين الحديثين: من جزم بأنه خضب فقد حكى ما شاهده كان ذلك ~~في بعض الأحيان، ومن نفى ذلك فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله صلى ms0172 الله ~~عليه وآله وسلم والحديث الثاني في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وفيه مقال ~~معروف وهو في صحيح البخاري بأطول من هذا ذكره في أبواب الوضوء، ولكنه لم ~~يقل يصفر لحيته، بل قال: وأما الصفرة فإن رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها. الحديث. وأخرجه أيضا مسلم. قوله: ~~السبتية بكسر السين جلود البقر وكل جلد مدبوغ أو بالقرظ ذكره في القاموس، ~~وإنما قيل لها سبتية أخذا من السبت وهو الحلق لأن شعرها قد حلق عنها وأزيل. ~~قوله: ويصفر لحيته قال الماوردي: لم ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~صبغ شعره، ولعله لم يقف على هذا الحديث وهو مبين للصبغ المطلق في الصحيحين، ~~وكذا قال ابن عبد البر، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصبغ ~~بالصفرة إلا ثيابه، ورده ابن قدامة في المغني. قوله: بالورس والزعفران ~~الورس بفتح الواو نبت أصفر يزرع باليمين ويصبغ به، والزعفران معروف، ~~PageV01P147 # وظاهر العطف أنه كان يصبغ لحيته بالزعفران، ويحتمل أن يكون التقدير أنه ~~كان يصفر لحيته بالورس وثيابه الزعفران. وقد روى أبو داود من طرق صحاح ما ~~يدل على أن ابن عمر كان يصبغ لحيته وثيابه بالصفرة ولفظه: أن ابن عمر كان ~~يصبغ لحيته بالصفرة حتى تملأ ثيابه فقيل له في ذلك فقال: إني رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يصبغ بها ولم يكن شئ أحب إليه منها كان يصبغ ~~ثيابه بها حتى عمامته والحديث يدل على تغيير الشيب سنة وقد تقدم الكلام ~~عليه. # وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم رواه الخمسة وصححه الترمذي. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم رواه الجماعة. # الحديث الأول يدل على أن الحناء والكتم من أحسن الصباغات التي يغير بها ~~الشيب، ms0173 وأن الصبغ غير مقصور عليهما لدلالة صيغة التفضيل على مشاركة غيرهما ~~من الصباغات لهما في أصل الحسن، وهو يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل ~~الجمع وقد أخرج مسلم من ديث أنس قال: اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب ~~عمر بالحناء بحتا أي منفردا، وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائما، ~~والكتم نبات يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة وصبغ الحناء أحمر، فالصبغ ~~بهما معا يخرج بين السواد والحمرة، واستنبط ابن أبي عاصم من قوله: جنبوه ~~السواد في حديث جابر أن الخضاب بالسواد كان من عادتهم. والحديث الثاني يدل ~~على أن العلة في شرعية الصباغ وتغيير الشيب هي مخالفة اليهود والنصارى، ~~وبهذا يتأكد استحباب الخضاب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يبالغ في مخالفة أهل الكتاب ويأمر بها، وهذه السنة قد كثر اشتغال السلف ~~بها، ولهذا ترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: وكان يخضب وكان لا يخضب. ~~قال ابن الجوزي: قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين وقال أحمد بن حنبل ~~وقد رأى رجلا قد خضب لحيته: إني لأرى رجلا يحيي ميتا من السنة وفرح به حين ~~رآه صبغ بها. قال النووي: مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة ~~أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، قال: وللخضاب فائدتان: إحداهما ~~تنظيف الشعر مما تعلق به، والثانية مخالفة أهل الكتاب. قال في الفتح: وقد ~~رخص فيه أي في الخضب بالسواد طائفة من PageV01P148 # السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير ~~واحد، واختاره ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه ~~يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة بأنه لا دلالة فيه على كراهة ~~الخضاب بالسواد بل فيه الاخبار عن قوم هذه صفتهم وعن حديث جابر: جنبوه ~~السواد بأنه ليس في حق كل أحد، وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث ~~أبي الدرداء رفعه: من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة قال الحافظ: ~~وسنده لين، ويمكن تعقب ms0174 الجواب الأول بأن يقال: ترتيب الحكم على الوصف مشعر ~~بالعلية، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضبون بالسواد، ويمكن تعقب الجواب ~~الثاني بأنه مبني على أن حكمه على الواحد ليس حكما على الجماعة، وفيه خلاف ~~معروف في الأصول. # وعن ابن عباس قال: مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل قد خضب ~~بالحناء فقال: ما أحسن هذا، فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: هذا أحسن ~~من هذا، فمر آخر وقد خضب بالصفرة فقال: هذا أحسن من هذا كله رواه أبو داود ~~وابن ماجة. # في إسناده حميد بن وهب القرشي الكوفي وهو منكر الحديث، ومحمد بن طلحة ~~الكوفي وكان ممن يخطئ حتى خرج عن حد التعديل، ولم يغلب خطؤه صوابه حتى ~~يستحق الترك، وهو ممن يحتج به إلا بما انفرد، كذا قاله المنذري: والحديث ~~يدل على حسن الخضب بالحناء على انفراده، فإن انضم إليه الكتم كان أحسن، ~~ويدل على أن الخضب بالصفرة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأحسن في عينه من الحناء على انفراده ومع الكتم. وقد سبق حديث ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خضب بالصفرة وتقدم الكلام فيه. # وعن أبي رمثة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخضب بالحناء ~~والكتم وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه رواه أحمد. وفي لفظ لأحمد والنسائي ~~وأبي داود: # أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي وله لمة بها ردع من حناء ردع ~~بالعين المهملة أي لطخ يقال به ردع من دم أو زعفران. # وفي لفظ من حديث أبي رمثة: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ~~ابن لي فقال: ابنك؟ قلت: نعم أشهد به، فقال: لا تجني عليه ولا يجني عليك، ~~قال: ورأيت الشيب PageV01P149 # أحمر. قال الترمذي: هذا أحسن شئ روي في هذا الباب وأفسره، لأن الروايات ~~الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ الشيب. قال حماد بن سلمة ~~عن سماك بن حرب: # قيل لجابر ms0175 بن سمرة أكان في رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيب؟ ~~قال: لم يكن في رأسه شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادهن وأراهن الدهن، ~~قال أنس: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر دهن رأسه ولحيته. ~~قوله: لمة بكسر اللام وتشديد الميم هي الشعر المجاوز شحمة الأذن كذا في ~~القاموس. وفي رواية لأبي داود من هذا الحديث وكان يعني النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد لطخ لحيته بالحناء. قوله: # ردع وهو بالراء المهملة المفتوحة والدال المهملة الساكنة. # باب جواز اتخاذ الشعر وإكرامه واستحباب تقصيره عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوق الوفرة ودون الجمة ~~رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. # ولفظ ابن ماجة فوق الجمة قال الترمذي: هو حديث صحيح غريب من هذا الوجه ~~وقد روي من غير وجه عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من إناء واحد ولم يذكروا فيه هذا الحرف وكان له شعر فوق ~~الجمة، وإنما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ثقة حافظ انتهى وعبد ~~الرحمن مدني سكن بغداد وحدث بها إلى حين وفاته، وثقه الامام مالك بن أنس ~~واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد. قوله: فوق الوفرة بفتح الواو قال ~~في القاموس: # الوفرة الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الاذنين منه، أو ما جاوز ~~شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة والجمع وقار، وقال في الجمة: إنها مجتمع شعر ~~الرأس وهي بضم الجيم وتشديد الميم. قال ابن رسلان في شرح السنن: إنها قريب ~~المنكبين. قال المصنف رحمه الله: الوفرة الشعر إلى شحمة الأذن، فإذا جاوزها ~~فهو اللمة، فإذا بلغ المنكبين فهو الجمة انتهى. # والحديث يدل على استحباب ترك الشعر على الرأس إلى أن يبلغ ذلك المقدار. # وعن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضرب شعره ~~منكبيه. وفي لفظ: كان شعره رجلا ليس بالجعد ms0176 والسبط بين أذنيه وعاتقه ~~أخرجاه، ولأحمد ومسلم: كان شعره إلى أنصاف أذنيه. # قوله: كان شعره رجلا براء مهملة مفتوحة وجيم مكسورة هو الشعر بين السبوطة ~~PageV01P150 # والجعودة والسبط: بسين مهملة مفتوحة وباء موحدة ساكنة وتحرك وتكسر، قال ~~في القاموس: وهو نقيض الجعودة. وفي المشارق: وهو المسترسل كشعر العجم. ~~والجعد قال في القاموس: خلاف السبط، وفي المشارق: هو المتكسر، فإذا كان ~~شديد التكسر فهو القطط مثل شعر السودان. والحديث يدل على استحباب ترك الشعر ~~وإرساله بين المنكبين أو بين الاذنين والعاتق، وقد أخرج مسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث البراء قال: ما رأيت من ذي لمة أحسن ~~في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو داود: زاد محمد ~~بن سليمان له شعر يضرب منكبيه، قال وكذا رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن ~~البراء يضرب منكبيه، وقال شعبة: تبلغ شحمة أذنيه، قال أبو داود: وهم شعبة ~~فيه وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي من حديث أنس قال: كان شعر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى أنصاف أذنيه وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود ~~والنسائي من حديث البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له ~~شعر يبلغ شحمة أذنيه قال القاضي: الجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الاذن ~~هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين أذنه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب ~~منكبيه. وقيل: كان ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، ~~وإذا قصرها كانت إلى أنصاف أذنيه. وكان يقصر ويطول بحسب ذلك. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # من كان له شعر فليكرمه رواه أبو داود. # الحديث قال في الفتح: وإسناده حسن، وله شاهد من حديث عائشة في الغيلانيات ~~وإسناده حسن أيضا، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقد صرح أبو داود أيضا أنه ~~لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج، ورجال إسناده أئمة ثقات، وفيه دلالة على ~~استحباب إكرام الشعر ms0177 بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق لأنه يخالف الاكرام ~~إلا أن يطول، كما ثبت عند أبي داود والنسائي وابن ماجة من حديث وائل بن حجر ~~قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولي شعر طويل فلما رآني قال: ذباب ~~ذباب، قال: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: إني لم أعنك وهذا أحسن. ~~وفي إسناده عاصم بن كليب PageV01P151 # الحرمي وقد احتج به مسلم في صحيحه، وقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه. ~~وقال أبو حاتم الرازي: صالح. وقال علي بن المديني: لا يحتج به إذا انفرد ~~وأخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنه ~~يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أليس ~~هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان والثائر الشعث بعيد العهد ~~بالدهن والترجيل. # وعن عبد الله بن المغفل قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الترجل إلا غبا رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي. # الحديث صححه ابن حبان قال المنذري: ولكن أخرجه النسائي مرسلا، وأخرجه عن ~~الحسن البصري وعن محمد بن سيرين من قولهما. وقال أبو الوليد الباجي: هذا ~~وإن كان رواته ثقات إلا أنه لا يثبت، وأحاديث الحسن عن عبد الله بن مغفل ~~فيها نظر، وفيما قاله نظر، فقد قال الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم ~~الرازي أن الحسن سمع من عبد الله بن مغفل غير أن الحديث في إسناده اضطراب. ~~قوله: عن الترجل الترجل والترجيل تسريح الشعر. وقيل: الأول المشط والثاني ~~التسريح. وقوله: إلا غبا أي في كل أسبوع مرة، كذا روي عن الحسن. وفسره ~~الإمام أحمد بأن يسرحه يوما ويدعه يوما وتبعه غيره وقيل: المراد به في وقت ~~دون وقت، وأصل الغب في إيراد الإبل أن ترد الماء يوما وتدعه يوما. وفي ~~القاموس: الغب في الزيارة أن تكون كل أسبوع، ومن الحمى ms0178 ما تأخذ يوما وتدع ~~يوما. والحديث يدل على كراهة الاشتغال بالترجيل في كل يوم لأنه نوع من ~~الترفه، وقد ثبت من حديث فضالة بن عبيد عند أبي داود قال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان ينهانا عن كثير من الارفاه وفي ترك الترجيل الأيام ~~نوع من البذاذة وقد ثبت عند أبي داود وابن ماجة من حديث أبي أمامة قال: ذكر ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما عنده الدنيا فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ألا تسمعون ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الايمان إن ~~البذاذة من الايمان قال أبو داود في سننه: إن البذاذة التقحل. وفي النهاية ~~قحل إذا التزق جلده بعظمه من الهزال والبلا انتهى. والارفاه الاستكثار من ~~الزينة وأن لا يزال يهيئ نفسه وأصله من الرفه، وهو أن ترد الإبل الماء كل ~~يوم فإذا وردت يوما ولم ترد يوما فذلك الغب قاله الخطابي في المعالم. ~~PageV01P152 # وحديث أبي أمامة في إسناده محمد بن إسحاق ولم يصرح بالتحديث بل عنعن وفيه ~~مقال مشهور. وقال أبو عمر النمري: إنه اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافا ~~سقط معه الاحتجاج ولا يصح من جهة الاسناد. # وعن أبي قتادة أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم رواه النسائي. # الحديث رجال إسناده كلهم رجال الصحيح، وأخرجه أيضا مالك في الموطأ، ولفظ ~~الحديث عن أبي قتادة قال قالت: يا رسول الله إن لي جمة أفأرجلها؟ قال، نعم ~~وأكرمها فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم نعم وأكرمها وعلى هذا فلا يعارض الحديث المتقدم في النهي عن ~~الترجل إلا غبا، لأن الواقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو مجرد ~~الاذن بالترجيل والاكرام، وفعل أبي قتادة ليس بحجة. والواجب حمل مطلق الامر ~~بالترجيل والاكرام على المقيد، لكن الاذن بالترجيل كل يوم كما في حديث أبي ~~قتادة الذي ms0179 ذكره المصنف يخالف ما في حديث عبد الله بن المغفل من النهي عن ~~الترجيل إلا غبا، فإن لم يمكن الجمع وجب الترجيح. وقد تقدم ذكر حديث إكرام ~~الشعر وتقدم أيضا تفسير الجمة والترجيل. # باب ما جاء في كراهية القزع والرخصة في حلق الرأس عن نافع عن ابن عمر ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القزع، فقيل لنافع؟ ما ~~القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض متفق عليه. # وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجة، وذكر أبو داود في سننه بعد ~~ذكره تفسير القزع بمثل ما في المتن تفسيرا آخر فقال: إن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن القزع وهو أن يحلق الصبي ويترك له ذؤابة وهذا لا يتم ~~لأنه قد أخرج أبو داود نفسه من حديث أنس بن مالك قال: كانت لي ذؤابة فقالت ~~لي أمي لا أجزها كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمدها ويأخذ بها. ~~وفسر القزع في القاموس بحلق رأس الصبي وترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة ~~تشبيها بقزع السحاب بعد أن ذكر أن القزع قطع من السحاب الواحدة بها. # وقال في شرح مسلم بعد أن ذكر تفسير ابن عمر: وهذا الذي فسره به نافع ~~وعبيد الله PageV01P153 # هو الأصح، قال: والقزع حلق بعض الرأس مطلقا. ومنهم من قال: هو حلق مواضع ~~متفرقة منه، والصحيح الأول لأنه تفسير الراوي وهو غير مخالف للظاهر فوجب ~~العمل به، وفي البخاري في تفسير القزع قال: فأشار لنا عبيد الله: أما القصة ~~والقفا للغلام فلا بأس بهما، وكل خصلة من الشعر قصة سواء كانت متصلة بالرأس ~~أو منفصلة، والمراد بها هنا شعر الناصية، يعني أن حلق القصة وشعر القفا ~~خاصة لا بأس به. وقال النووي: المذهب كراهيته مطلقا كما سيأتي، وأخرج أبو ~~داود من حديث أنس قال: كان لي ذؤابة فقالت أمي لا أجذها فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يمدها ويأخذ بها وأخرج النسائي بسند صحيح عن زياد ms0180 ~~بن حصين عن أبيه أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله فوضع يده على ذؤابته ~~وسمت عليه ودعا له ومن حديث ابن مسعود وأصله في الصحيحين قال: # قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة وأن زيد بن ~~ثابت لمع الغلمان له ذؤابتان ويمكن الجمع بأن الذؤابة الجائز اتخاذها ما ~~يفرد من الشعر فيرسل ويجمع ما عداها بالضفر وغيره، والتي تمنع أن يحلق ~~الرأس كله ويترك ما في وسطه فيتخذ ذؤابة، وقد صرح الخطابي بأن هذا مما يدخل ~~في معنى القزع، انتهى من الفتح. والحديث يدل على المنع من القزع قال ~~النووي: وأجمع العلماء على كراهة القزع كراهة تنزيه، وكرهه مالك في الجارية ~~والغلام مطلقا، وقال بعض أصحابه: لا بأس به للغلام ومذهبنا كراهته مطلقا ~~للرجل والمرأة لعموم الحديث، قال العلماء: والحكمة في كراهته أنه يشوه ~~الخلق، وقيل: لأنه زي أهل الشرك. وقيل: لأنه زي اليهود، وقد جاء هذا مصرحا ~~به في رواية لأبي داود انتهى، ولفظه في سنن أبي داود أن الحجاج بن حسان ~~قال: دخلنا على أنس بن مالك فحدثتني أختي المغيرة قالت: وأنت يومئذ غلام ~~ولك قرنان أو قصتان فمسح رأسك وبرك عليك وقال احلقوا هذين أو قصوهما فإن ~~هذا زي اليهود. # وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه ~~وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوا كله أو ذروا كله رواه أحمد وأبو داود ~~PageV01P154 # والنسائي بإسناد صحيح. قال المنذري: وأخرجه مسلم بالاسناد الذي أخرجه أبو ~~داود ولم يذكر لفظه، وذكر أبو مسعود الدمشقي في تعليقه أن مسلما أخرجه بهذا ~~اللفظ. # والحديث يدل على المنع من حلق بعض الرأس وترك بعضه، وقد سبق الكلام عليه ~~في الذي قبله، وهو مؤيد لتفسير القزع بما فسره به ابن عمر في الحديث ~~السابق، وفيه دليل على جواز حلق الرأس جميعه. قال الغزالي: لا بأس به لمن ~~أراد التنظيف، وفيه رد على من كرهه لما رواه الدارقطني في الافراد ms0181 عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: # لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة ولقول عمر لضبيع: لو وجدتك محلوقا ~~لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. ولحديث الخوارج: إن سيماهم التحليق. قال ~~أحمد: إنما كرهوا الحلق بالموسى، أما بالمقراض فلبس به بأس لأن أدلة ~~الكراهة تختص بالحلق. # وعن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمهل آل جعفر ~~ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي بني ~~أخي، قال: فجئ بنا كأننا أفرخ، فقال: ادعوا لي الحلاق، قال: فجئ بالحلاق ~~فحلق رؤوسنا رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث إسناده حسن، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري لذلك، ورجال إسناده ~~عند أبي داود ثقات، وأما عند النسائي فشيخه فيه مقال والبقية ثقات. قوله: ~~كأننا أفرخ جمع فرخ وهو صغير ولد الطير. ووجه التشبيه أن شعرهم يشبه زغب ~~الطير وهو أول ما يطلع من ريشه. # والحديث يدل على أن الكبير من أقارب الأطفال يتولى أمرهم وينظر في ~~مصالحهم، وهو يدل على الترخيص في حلق جميع الرأس ولكن في حق الرجال، وأما ~~النساء فقد أخرج النسائي من حديث علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن تحلق المرأة رأسها. ويدل على الترخيص للرجال أيضا ~~الحديث الذي قبل هذا لأنه أمر بحلقه كله أو تركه كله. # باب الاكتحال والادهان والتطيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة. # هذا طرف من حديث طويل ولفظه: من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا ~~حرج، ومن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل ~~PageV01P155 # فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع من فعل فقد أحسن ومن لا فلا ~~حرج، ومن أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا ms0182 من رمل ~~فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ~~وفي إسناده أبو سعيد الحبراني الحمصي الراوي عن أبي هريرة. قال أبو زرعة ~~الرازي: لا أعرفه. وقيل: إنه صحابي، قال الحافظ: ولا يصح، والراوي عنه حصين ~~الحبراني وهو مجهول. وقال أبو زرعة: شيخ. # وذكره ابن حبان في الثقات. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل، وقد ~~أخرج الحديث ابن حبان والحاكم والبيهقي وهو يدل على مشروعية الايتار في ~~الكحل، وظاهره عدم الاقتصار على الثلاثة إلا أن يقيد الايتار بما سيأتي من ~~فعله صلى الله عليه وآله وسلم. قال ابن رسلان: وفي كيفية الوتر في الاكتحال ~~وجهان: أحدهما أن يضع في كل عين ثلاث مرات وهذا هو الأصح لحديث ابن عباس ~~الآتي والثاني يضع في اليمنى ثلاث مرات وفي اليسرى مرتين فيكون المجموع ~~وترا، أو في عين ثلاث مرات وفي عين أربع مرات. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها ~~كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد. ولفظه: # كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة ~~أميال. # الحديث حسنه الترمذي وقال: إنه روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ثم ذكر أنها ~~كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مكحلة الخ، وساق الحديث عن علي بن حجر ~~ومحمد بن يحيى عن يزيد بن هارون عن عثمان بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: وفي الباب عن جابر وابن عمر. والحديث يدل على استحباب أن يكون ~~الاكتحال في كل عين ثلاثة أميال وأن يكون بالإثمد وهو بالكسر حجر للكحل ~~معروف، وأن يكون في كل ليلة، وأن يكون عند النوم. وقد أخرج أبو داود من ~~حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: البسوا من ~~ثيابكم البياض فإنها من ms0183 خيار ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم ~~الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر وأخرجه الترمذي وابن ماجة مختصرا وليس فيه ~~ذكر الكحل. وفي رواية الطبراني فإنه منبتة للشعر PageV01P156 # مذهبة للقذى مصفاة للبصر. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة رواه ~~النسائي. # وأخرجه أيضا أحمد وابن أبي شيبة والحاكم من حديثه، وفي إسناده في سنن ~~النسائي سيار بن حاتم وسلام بن مسكين، ومن طريق سيار رواه أحمد في الزهد ~~والحاكم في المستدرك. ومن طريق سلام أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن سعد ~~والبزار وأبو يعلى وابن عدي في الكامل وأعله به والعقيلي في الضعفاء كذلك. ~~وقال الدارقطني في علله: رواه أبو المنذر سلام بن أبي الصهباء وجعفر بن ~~سليمان، ورواه عن ثابت عن أنس وخالد بن حماد بن زيد عن ثابت مرسلا، وكذا ~~رواه محمد بن عثمان بن ثابت البصري والمرسل أشبه بالصواب. وقد رواه عبد ~~الله بن أحمد في زيادات الزهد عن أبيه من طريق يوسف بن عطية عن ثابت موصولا ~~أيضا، ويوسف ضعيف، وله طريق أخرى معلولة عند الطبراني في الأوسط عن محمد بن ~~عبد الله الحضري عن يحيى بن عثمان الحربي عن الهبل بن زياد عن الأوزاعي عن ~~إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس مثله، قال الحافظ في التلخيص: إن ~~إسناده حسن وقال في تخريج الكشاف: والتلخيص ليس في شئ من طرقه لفظ ثلاث بل ~~أوله عند الجميع حبب إلي من دنياكم النساء الحديث وزيادة ثلاث تفسد المعنى، ~~على أن الامام أبا بكر بن فورك شرحه في جزء مفرد بإثباتها، وكذلك أورده ~~الغزالي في الاحياء واشتهر على الألسنة انتهى، وإنما قال: إن زيادة لفظ ~~ثلاث تفسد المعنى لأن الصلاة ليست من حب الدنيا وقد وجه ذلك السعد في حاشية ~~الكشاف فقال: وقرة عيني مبتدأ قصد به الاعراض من حب الدنيا وما يحب فيها، ~~وليس عطفا على الطيب كما سبق إلى ms0184 الفهم لأنها ليست من حب الدنيا. ووجه ذلك ~~بعضهم بأن من بمعنى في، قال: وقد جاءت كذلك في قوله تعالى: * (ماذا خلقوا ~~من الأرض) * (فاطر: 40) أي في الأرض، ورده صاحب الثمرات بأنه قد حبب إليه ~~أكثر من ذلك نحو الصوم والجهاد ونحو ذلك من الطاعات انتهى، ومثل ما قال ~~الحافظ قال شيخ الاسلام زين الدين العراقي في أماليه وصرح بأن لفظ ثلاث ليس ~~في شئ من كتب الحديث وأنها مفسدة للمعنى، وكذلك قال الزركشي وغيره وقال ~~الدماميني: لا أعلمها ثابتة من طريق صحيحة، والحديث يدل على أن الطيب ~~والنساء محببان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ورد ما يدل على ~~أن الطيب محبب إلى الله تعالى، فأخرج الترمذي عن ابن المسيب أنه كان يقول: ~~إن الله تعالى طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، ~~PageV01P157 # جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود قال، يعني الراوي عن ~~ابن المسيب: # فذكرت ذلك لمهاجر بن مسمار فقال: حدثنيه عامر بن سعد عن أبيه عن النبي ~~(ص) مثله. قال الترمذي: وهذا حديث غريب وخالد بن الياس يضعف ويقال ابن ~~إياس. # وعن نافع قال: كان ابن عمر يستجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرحه مع ~~الألوة ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه ~~النسائي ومسلم. الألوة العود الذي يتبخر به. # قوله: يستجمر الاستجمار هنا التبخر، وهو استفعال من المجمرة وهي التي ~~توضع فيها النار. قوله: الألوة بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو ~~وفتحها العود الذي يتبخر به كما قال المصنف، وحكى الأزهري كسر اللام. قوله: ~~غير مطراة أي غير مخلوطة بغيرها من الطيب، ذكره في شرح مسلم. والحديث يدل ~~على استحباب التبخر بالعود وهو نوع من أنواع الطيب المندوب إليه على ~~العموم. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وأبو داود. # لم ms0185 يخرجه مسلم بهذا اللفظ بل بلفظ: من عرض عليه ريحان فلا يرده وهكذا ~~أخرجه الترمذي بلفظ: إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة ~~وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه من طريق حنان قال: ولا يعرف لحنان غير هذا ~~الحديث انتهى وهو أيضا مرسل لأنه رواه حنان عن أبي عثمان النهدي، وأبو ~~عثمان وإن أدرك زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لم يره ولم يسمع ~~منه. وحديث الباب صححه ابن حبان، وقد أخرج الترمذي عن ثمامة بن عبد الله ~~قال: كان أنس لا يرد الطيب. وقال أنس: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان لا يرد الطيب، قال: وهذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أنس أيضا من وجه ~~آخر عند البزار بلفظ: ما عرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم طيب قط ~~فرده قال الحافظ في الفتح: وسنده حسن. # وعن ابن عباس عند الطبراني بلفظ: من عرض عليه طيب فليصب منه وقد بوب ~~البخاري لهذا فقال: باب من لم يرد الطيب وأورد فيه بلفظ كان لا يرد الطيب. ~~والحديث يدل على أن رد الطيب خلاف السنة ولهذا نهى النبي عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ثم PageV01P158 # أعقب النهي بعلة تفيد انتفاء موجبات الرد لأنه باعتبار ذاته خفيف لا يثقل ~~حامله، وباعتبار عرضه طيب لا يتأذى به من يعرض عليه فلم يبق حامل على الرد، ~~فإن ما كان بهذه الصفة محبب إلى كل قلب مطلوب لكل نفس. قوله: المحمل قال ~~القرطبي: هو بفتح الميمين ويعني به الحمل. # وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في المسك: هو أطيب ~~طيبكم رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وعن محمد بن علي قال: سألت ~~عائشة رضي الله عنها أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتطيب؟ قالت: ~~نعم بذكارة الطيب المسك والعنبر رواه النسائي والبخاري في تاريخه. # وأخرجه الترمذي أيضا من حديث عائشة بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ms0186 يتطيب بذكارة الطيب المسك والعنبر ويقول: أطيب الطيب المسك وحديث ~~الباب في إسناده أبو عبيدة بن أبي السفر وفيه مقال واسمه أحمد بن عبد الله. ~~وقولها: بذكارة الطيب الذكارة بالكسر للمعجمة ما يصلح للرجال قاله في ~~النهاية. والمراد الطيب الذي لا لون له لأن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي ~~لونه. وقولها: المسك والعنبر بدل من ذكارة الطيب. والحديث الأول يدل على أن ~~المسك خير الطيب وأحسنه وهو كذلك. وفي التصريح بأنه أطيب الطيب ترغيب في ~~التطيب به وإيثاره على سائر أنواع الطيب. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن طيب الرجال ما ~~ظهر ريحه وخفي لونه وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه رواه النسائي ~~والترمذي وقال: حديث حسن. # وقال الترمذي بعد أن ذكر للحديث طريقا أخرى عن الجريري عن أبي نضرة عن ~~الطفاوي عن أبي هريرة: إلا أن الطفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث ولا يعرف ~~اسمه. وأخرجه أيضا من طريق ثالثة عن عمران بن حصين بلفظ: إن خير طيب الرجال ~~ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه وقال: هذا ~~حديث حسن غريب، وفي رجال إسناده عند النسائي مجهول، ثم بينه في إسناد آخر ~~بأنه الطفاوي وهو أيضا مجهول كما سبق. والحديث يدل على أنه ينبغي للرجال أن ~~يتطيبوا بما له ريح ولا يظهر له لون كالمسك والعنبر والعطر والعود، وأنه ~~يكره لهم PageV01P159 # التطيب بما له لون كالزباد والعبير ونحوه، وأن النساء بالعكس من ذلك. وقد ~~ورد تسمية المرأة التي تمر بالمجالس ولها طيب له ريح زانية، كما أخرج ~~الترمذي وصححه وأبو داود والنسائي من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا ~~وكذا يعني زانية قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة. # باب الاطلاء بالنورة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذا أطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة ms0187 وسائر جسده أهله رواه ابن ماجة. # الحديث قال الحافظ ابن كثير في كتابه الذي ألفه في الحمام بعد أن ذكر ~~حديث الباب هذا إسناده جيد، وقد أخرجه ابن ماجة أيضا من طريق أخرى عن أم ~~سلمة. # وقد رواه عبد الرزاق عن حبيب بن أبي ثابت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم مرسلا بإسناد جيد قاله الأسيوطي. وقد أخرجه الخرائطي في مساوي ~~الأخلاق من طريقين عن أم سلمة وثوبان، وأخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه من ~~طريق ثوبان بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدخل الحمام ~~وكان يتنور وأخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريقه أيضا. وأخرج أيضا من طريق ~~واثلة بن الأسقع أنه صلى الله عليه وآله وسلم أطلى يوم فتح خيبر وأخرج سعيد ~~بن منصور في سننه عن إبراهيم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا أطلى ولي عانته بيده وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم بنحوه، ~~قال ابن كثير: # وهو مرسل فيقوي الموصول الذي أخرجه ابن ماجة. وأخرج سعيد بن منصور عن ~~مكحول أنه قال: لما افتتح رسول الله عليه وآله وسلم خيبر أكل متكئا وتنور ~~وهو مرسل أيضا وذكر أبو داود في المراسيل عن أبي معشر زياد بن كليب أن رجلا ~~نور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى. وفي ~~تاريخ ابن عساكر بإسناد ضعيف عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان PageV01P160 # يتنور كل شهر وأخرج أحمد عن عائشة قالت: اطلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالنورة فلما فرغ منها قال: يا معشر المسلمين عليكم بالنورة ~~فإنها طلية وطهور وأن الله يذهب بها عنكم أوساخكم وأشعاركم وقد روي الاطلاء ~~بالنورة عن جماعة من الصحابة. فرواه الطبراني عن يعلى بن مرة الثقفي ~~والطبراني أيضا بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عمر. والبيهقي عن ثوبان. ~~والخرائطي عن أبي الدرداء وجماعة من الصحابة. وعبد الرزاق عن عائشة. وابن ms0188 ~~عساكر عن خالد بن الوليد، وجاءت أحاديث قاضية بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لم يتنور. منها عند ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر لا يطلون قال ابن كثير: هذا من مراسيل الحسن ~~وقد تكلم فيها. وأخرج البيهقي في سننه عن قتادة أن رسول الله بنحوه وزاد ~~ولا عثمان وهو منقطع. وأخرج البيهقي عن أنس أنه قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا يتنور. وفي إسناده مسلم الملائي قال البيهقي: وهو ~~ضعيف الحديث. قال السيوطي: والأحاديث السابقة أقوى سندا وأكثر عددا وهي ~~أيضا مثبتة فتقدم. ويمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنور ~~تارة ويحلق أخرى. وأما ما روي عن ابن عباس أنه ما أطلى نبي قط فقال صاحب ~~النهاية وصاحب الملخص وعبد الغافر الفارسي: أن المراد به ما مال إلى هواه. # أبواب صفة الوضوء فرضه وسننه قال جمهور أهل اللغة: يقال الوضوء بضم أوله ~~إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، ويقال الوضوء بفتح أوله إذا أريد به ~~الماء الذي يتطهر به، هكذا نقله ابن الأنباري وجماعات من أهل اللغة وغيرهم. ~~وذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والأزهري وجماعة إلى أنه بالفتح ~~فيهما. قال صاحب المطالع: وحكي الضم فيهما جميعا، وأصل الوضوء من الوضاءة ~~وهي الحسن والنظافة، وسمي وضوء الصلاة وضوءا لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. # باب الدليل على وجوب النية له عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ~~ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله PageV01P161 # ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه رواه الجماعة. # الحديث مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ~~علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة من لم ~~يخرجه سوى مالك فإنه ms0189 لم يخرجه في الموطأ، ووهم ابن دحية فقال: إنه فيه، ~~ولعل الوهم اتفق له لما رأى الشيخين والنسائي رووه من حديث مالك. وما وقع ~~في الشهاب بلفظ الأعمال بالنيات بجمع الأعمال وحذف إنما، فنقل النووي عن ~~أبي موسى المديني الأصبهاني أنه لا يصح له إسناد وأقره النووي. قال الحافظ: ~~وهو وهم، فقد رواه كذلك الحاكم في الأربعين له من طريق مالك، وكذا أخرجه ~~ابن حبان من وجه آخر في مواضع تسعة من صحيحه منها في الحادي عشر من الثالث ~~والرابع والعشرين منه والسادس والستين منه ذكره في هذه المواضع بحذف إنما. ~~وكذا رواه البيهقي في المعرفة، وفي البخاري الأعمال بالنية بحذف إنما ~~وإفراد النية. قال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي الخشاب: رواه عن يحيى بن ~~سعيد نحو مائتين وخمسين إنسانا. وقال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد ~~الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. قال ~~الحافظ: تتبعته من الكتب والاجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما ~~استطعت أن أكمل له سبعين طريقا، ثم رأيت في المستخرج لابن منده عدة طرق ~~فضممتها إلى ما عندي فزادت على ثلاثمائة. وقال البزار والخطابي وأبو علي بن ~~السكن ومحمد بن عتاب وابن الجوزي وغيرهم: أنه لا يصح عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا عن عمر بن الخطاب. ورواه ابن عساكر من طريق أنس وقال: ~~غريب جدا. وذكر ابن منده في مستخرجه أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أكثر من عشرين نفسا، قال الحافظ: وقد تتبعها شيخنا أبو الفضل بن ~~الحسين في النكت التي جمعها على ابن الصلاح وأظهر أنها في مطلق النية لا ~~بهذا اللفظ. # وهذا الحديث قاعدة من قواعد الاسلام حتى قيل إنه ثلث العلم. ووجهه أن كسب ~~العبد بقلبه وجوارحه ولسانه وعمل القلب أرجحها لأنه يكون عبادة بانفراده ~~دون الآخرين. # قوله: إنما الأعمال هذا التركيب يفيد الحصر من جهتين: الأولى إنما فإنها ~~من صيغ الحصر، واختلف هل ms0190 تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم أو بالوضع أو العرق ~~وبالحقيقة أم بالمجاز؟ PageV01P162 # ومذهب المحققين أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا. قال الحافظ: ونقله ~~شيخنا شيخ الاسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير ~~كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية وموضع البحث عن بقية أبحاث إنما ~~الأصول وعلم المعاني فليرجع إليهما. # الجهة الثانية الأعمال لأنه جمع محلى باللام المفيد للاستغراق وهو مستلزم ~~للقصر لان معناه كل عمل بنية فلا عمل إلا بنية، وهذا التركيب من المقتضى ~~المعروف في الأصول، وهو ما احتمل أحد تقديرات لاستقامة الكلام، ولا عموم له ~~عند المحققين فلا بد من دليل في تعيين أحدها، وقد اختلف الفقهاء في تقديره ~~ههنا، فمن جعل النية شرطا قدر صحة الأعمال، ومن لم يشترط قدر كمال الأعمال. ~~قال ابن دقيق العبد: وقد رجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة فالحمل ~~عليها أولى، لأن ما كان ألزم للشئ كان أقرب إلى خطورة بالبال اه. # قال الحافظ: وقد اتفق العلماء على أن النية شرط في المقاصد واختلفوا في ~~الوسائل، ومن ثم خالفت الحنفية في اشتراطها للوضوء. وقد نسب القول بفرضية ~~النية المهدي عليه السلام في البحر إلى علي عليه السلام وسائر العترة ~~والشافعي ومالك والليث وربيعة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. قوله: ~~بالنية الباء للمصاحبة ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل ~~فكأنها سبب في إيجاده. قال النووي: والنية القصد وهو عزيمة القلب، وتعقبه ~~الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد. وقال البيضاوي: # النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ~~ضرر، حالا أو مآلا، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء ~~الله وامتثال حكمه. والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليصح تطبيقه ~~على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل. والجار والمجرور ~~متعلق بمحذوف هو ذلك المقدر، أعني الكمال أو الصحة أو الحصول أو الاستقرار. ~~قال الطيبي: كلام الشارع محمول على بيان الشرع، لأن المخاطبين بذلك ms0191 هم أهل ~~اللسان، فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع، فيتعين الحمل ~~على ما يفيد الحكم الشرعي. قوله: وإنما لامرئ ما نوى فيه تحقيق لاشتراط ~~النية والاخلاص في الأعمال قاله القرطبي، فيكون على هذا جملة مؤكدة للتي ~~قبلها. وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى، لأن الأولى نبهت على أن ~~العمل يتبع النية ويصاحبها فيترتب الحكم على ذلك. والثانية أفادت أن العامل ~~لا يحصل له إلا ما نواه. # قال ابن دقيق العيد: والجملة الثانية أن من نوى شيئا يحصل له، وكل ما لم ~~ينوه لم يحصل، فيدخل PageV01P163 # في ذلك ما لا ينحصر من المسائل، قال: ومن ههنا عظموا هذا الحديث إلى آخر ~~كلامه. # ويدل على صحة كلامه أحاديث كثيرة واردة بثبوت الاجر لمن نوى خيرا ولم ~~يعمله كحديث رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله وينفقه في ~~حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت ~~فيه مثل العمل الذي يعمل فهما في الاجر سواء قال الحافظ: والمراد أنه يحصل ~~إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما يعذر شرعا بعدم عمله، والمراد بعدم ~~الحصول إذا لم تقع النية لا خصوصا ولا عموما، أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا ~~لكن كانت هناك نية تشمله فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء ويتخرج عليه من ~~المسائل ما لا يحصى. قوله: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله الهجرة الترك ~~والهجرة إلى الشئ الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، ~~وقد وقعت في الاسلام على وجوه: الهجرة إلى الحبشة. والهجرة إلى المدينة. ~~وهجرة القبائل. وهجرة من أسلم من أهل مكة. وهجرة من كان مقيما بدار الكفر. ~~والهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن. وأخرج أبو داود من حديث ~~عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سيكون ~~هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ms0192 ويبقى في الأرض شرار ~~أهلها ورواه أيضا أحمد في المسند. قوله: فهجرته إلى الله ورسوله وقع ~~الاتحاد بين الشرط والجزاء وتغايرهما لا بد منه، وإلا لم يكن كلاما مفيدا. ~~وأجيب بأن التقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى ~~الله ورسوله حكما وشرعا فلا اتحاد. وقيل: # يجوز الاتحاد في الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لقصد التعظيم أو التحقير ~~كانت أنت أي العظيم أو الحقير. ومنه قول أبي النجم: وشعري أي التعظيم. ~~وقيل: الخبر محذوف في الجملة الأولى منهما أي فهجرته إلى الله ورسوله ~~محمودة أو مثاب عليها، وفهجرته إلى ما هاجر إليه مذمومة أو قبيحة أو غير ~~مقبولة. قوله: دنيا يصيبها بضم الدال وحكى ابن قتيبة كسرها وهي فعلى من ~~الدنو أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى. وقيل: # لدنوها إلى الزوال. واختلف في حقيقتها فقيل ما على الأرض من الهواء ~~والجو. وقيل: # كل المخلوقات من الجواهر والاعراض. وإطلاق الدنيا على بعضها كما في ~~الحديث مجاز. # قوله: أو امرأة يتزوجها إنما خص المرأة بالذكر بعد ذكر ما يعمها وغيرها ~~للاهتمام بها، وتعقبه النووي بأن لفظ دنيا نكرة وهي لا تعم في الاثبات، فلا ~~يلزم دخول المرأة PageV01P164 # فيها وتعقب بأنها نكرة في سياق الشرط فتعم. ونكتة الاهتمام الزيادة في ~~التحذير لأن الافتتان بها أشد. وحكى ابن بطال عن ابن سراج أن السبب في ~~تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية ويراعون ~~الكفاءة في النسب، فلما جاء الاسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم، فهاجر ~~كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها من كان لا يصل إليها. وتعقبه ابن حجر ~~بأنه يفتقر إلى نقل أن هذا المهاجر كان مولى وكانت المرأة عربية. ومنع أن ~~يكون عادة العرب ذلك، ومنع أيضا أن الاسلام أبطل الكفاءة، ولو قيل إن تخصيص ~~المرأة بالذكر لأن السبب في الحديث مهاجر أم قيس فذكرت المرأة بعد ذكر ما ~~يشملها لما كانت هجرة ذلك المهاجر لأجلها لم يكن بعيدا من الصواب وهذه نكتة ~~سرية. والحديث يدل ms0193 على اشتراط النية في أعمال الطاعات، وأن ما وقع من ~~الأعمال بدونها غير معتد به وقد سبق ذكر الخلاف في ذلك. وفي الحديث فوائد ~~مبسوطة في المطولات لا يتسع لها المقام، وهو على انفراده حقيق بأن يفرد له ~~مصنف مستقل. # باب التسمية للوضوء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه رواه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة. ولأحمد وابن ماجة من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله ~~والجميع في أسانيدها مقال قريب. وقال البخاري: أحسن شئ في هذا الباب حديث ~~رباح بن عبد الرحمن يعني حديث سعيد بن زيد. وسئل إسحاق بن راهويه: أي حديث ~~أصح في التسمية؟ فذكر حديث أبي سعيد. # الحديث الأول أخرجه أيضا الترمذي في العلل والدار قطني وابن السكن ~~والحاكم والبيهقي من طريق محمد بن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة عن أبيه ~~عن أبي هريرة بهذا اللفظ. ورواه الحاكم من هذا الوجه فقال: يعقوب بن أبي ~~سلمة وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك فوهم، والصواب أنه الليثي قاله الحافظ. ~~قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ~~ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ، وهذه عبارة عن ضعفه فإنه قليل الحديث ~~جدا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ~~ثقة؟ قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم PageV01P165 # فلا يحتج لثبوته بتخريجه له وتبعه النووي. وله طريق أخرى عند الدارقطني ~~والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ: ما توضأ من لم يذكر اسم الله على يه وما صلى ~~من لم يتوضأ وفي إسناده محمود بن محمد الظفري وليس بالقوي، وفي إسناده أيضا ~~أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير، وقد روى يحيى بن معين عنه أنه لم يسمع ~~من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا غير هذا. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ~~أبي هريرة ms0194 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا هريرة إذا ~~توضأت فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث ~~من ذلك الوضوء قال: قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم بن محمد عنه ~~وإسناده واه. وفيه أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رفعه إذا استيقظ أحدكم ~~من نومه فلا يدخل يده في الاناء حتى يغسلها ويسمي قبل أن يدخلها تفرد بهذه ~~الزيادة عبد الله بن محمد عن هشام بن عروة وهو متروك. وفي الباب عن أبي ~~سعيد وسعيد بن زيد كما ذكره المصنف، وعائشة وسهل بن سعد وأبي سبرة وأم سبرة ~~وعلي وأنس. فحديث أبي سعيد رواه أحمد والدارمي والترمذي في العلل، وابن ~~ماجة وابن عدي وابن السكن والبزار والدارقطني والحاكم والبيهقي بلفظ حديث ~~الباب. وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير بن زيد، قال الحافظ: ~~وليس كذلك فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العقدي وابن ماجة من حديث ~~أبي أحمد الزهري وكثير بن زيد قال ابن معين: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة. ~~صدوق فيه لين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه، وكثير بن ~~زيد رواه عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد وربيح، قال أبو حاتم: شيخ وقال ~~البخاري: منكر الحديث: وقال أحمد: ليس بالمعروف وقال المروزي: لم يصححه ~~أحمد وقال: ليس فيه شئ يثبت. وقال البزار: كل ما روي في هذا الباب فليس ~~بقوي، وذكر أنه روي عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة. وقال ~~العقيلي: # الأسانيد في هذا الباب فيها لين. وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شئ في ~~هذا الباب، وقد قال أيضا: لا أعلم في التسمية حديثا صحيحا وأقوى شئ فيه ~~حديث كثير بن زيد عن ربيح وقال إسحاق: هذا يعني حديث أبي سعيد أصح ما في ~~الباب. وأما حديث سعيد بن زيد فرواه الترمذي والبزار وأحمد وابن ماجة ms0195 ~~والدار قطني والعقيلي والحاكم PageV01P166 # وأعل بالاختلاف والارسال. وفي إسناده أبو ثفال عن رباح مجهولان، فالحديث ~~ليس بصحيح، قاله أبو حاتم وأبو زرعة وقد أطال الكلام على حديث سعيد بن زيد ~~في التلخيص. وأما حديث عائشة فرواه البزار وأبو بكر بن أبي شيبة في ~~مسنديهما، وابن عدي وفي إسناده حارثة بن محمد وهو ضعيف. وأما حديث سهل بن ~~سعد فرواه ابن ماجة والطبراني وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ~~ضعيف، وتابعه أخوه أبي بن عباس وهو مختلف فيه. وأما حديث أبي سبرة وأم سبرة ~~فرواه الدولابي في الكنى، والبغوي في الصحابة. والطبراني في الأوسط وفيه ~~عيسى بن سبرة بن أبي سبرة وهو ضعيف. وأما حديث علي فرواه ابن عدي وقال: ~~إسناده ليس بمستقيم. وأما حديث أنس فرواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي وعبد ~~الملك شديد الضعف. قال الحافظ: والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة ~~تدل على أن له أصلا. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قاله. # قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح ~~غير صريح. # والأحاديث تدل على وجوب التسمية في الوضوء، لأن الظاهر أن النفي للصحة ~~لكونها أقرب إلى الذات وأكثر لزوما للحقيقة فيستلزم عدمها عدم الذات، وما ~~ليس بصحيح لا يجزي ولا يقبل ولا يعتد به. وإيقاع الطاعة الواجبة على وجه ~~يترتب قبولها وأجزأها عليه واجب. وقد ذهب إلى الوجوب والفرضية العترة ~~والظاهرية وإسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. واختلفوا هل هي فرض ~~مطلقا أو على الذاكر؟ فالعترة على الذاكر والظاهرية مطلقا. وذهبت الشافعية ~~والحنفية ومالك وربيعة وهو أحد قولي الهادي إلى أنها سنة. احتج الأولون ~~بأحاديث الباب واحتج الآخرون بحديث ابن عمر مرفوعا: من توضأ وذكر اسم الله ~~عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا ~~لأعضاء وضوئه أخرجه الدارقطني والبيهقي وفيه أبو بكر الداهري عبد الله بن ~~الحكم ms0196 وهو متروك ومنسوب إلى الوضع. ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا من حديث ~~أبي هريرة وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه وهما ضعيفان. ~~ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن هشام ~~السمسار وهو متروك. قالوا: فيكون هذا الحديث قرينة PageV01P167 # لتوجه ذلك النفي إلى الكمال لا إلى الصحة كحديث: لا صلاة لجار المسجد إلا ~~في المسجد فلا وجوب. ويؤيد ذلك حديث ذكر الله على قلب المؤمن سمى أو لم ~~يسم. واحتج البيهقي على عدم الوجوب بحديث: لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ ~~الوضوء كما أمره الله وتقريره أن التمام لم يتوقف على غير الاسباغ فإذا حصل ~~حصل. واستدل النسائي وابن خزيمة والبيهقي على استحباب التسمية بحديث أنس ~~قال: طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضوءا فلم يجد فقال: هل ~~مع أحد منكم ماء فوضع يده في الاناء فقال: توضأوا باسم الله وأصله في ~~الصحيحين بدون قوله: توضأوا باسم الله. وقال النووي: يمكن أن يحتج في ~~المسألة بحديث أبي هريرة: كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم ~~ولا يخفى على الفطن ضعف هذه المستندات وعدم صراحتها وانتفاء دلالتها على ~~المطلوب، وما في الباب إن صلح للاحتجاج أفاد مطلوب القائل بالفرضية لما ~~قدمنا، ولكنه صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض ~~الروايات لا وضوء كاملا، وقد استدل به الرافعي، قال الحافظ: لم أره هكذا ~~انتهى. فإن ثبتت هذه الزيادة من وجه معتبر فلا أصرح منها في إفادة مطلوب ~~القائل بعدم وجوب التسمية. وقد استدل من قال بالوجوب على الذاكر فقط بحديث: ~~من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع بدنه وقد تقدم الكلام عليه. قالوا: ~~فحملنا أحاديث الباب على الذاكر وهذا على الناسي جمعا بين الأدلة ولا يخفى ~~ما فيه. # باب استحباب غسل اليدين قبل المضمضة وتأكيده لنوم الليل عن أوس بن أوس ~~الثقفي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms0197 توضأ فاستوكف ثلاثا أي ~~غسل كفيه رواه أحمد والنسائي. # الحديث رجاله عند النسائي ثقات إلا حميد بن مسعدة فهو صدوق. قوله: أوس بن ~~أوس ويقال ابن أبي أوس في صحبته خلاف وقد ذكره أبو عمر في الصحابة. وهذا ~~الحديث معناه في الصحيحين من حديث عثمان بلفظ: فأفرغ على كفيه ثلاث مرات ~~فغسلهما. وقال في آخره: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ نحو ~~وضوئي هذا وسيأتي في هذا الكتاب. وأخرج أبو داود من حديث عثمان أيضا بلفظ: ~~أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين وثبت نحوه أيضا من حديث ~~علي عليه PageV01P168 # السلام وعبد الله بن زيد عند أهل السنن. والحديث يدل على شرعية غسل ~~الكفين قبل الوضوء، وقد اختلف الناس في ذلك، فعند الهادي في أحد قوليه، ~~والمؤيد بالله وأبي طالب والمنصور بالله والشافعية والحنفية أنه مسنون ولا ~~يجب لحديث توضأ كما أمرك الله ولم يذكر فيه غسل اليدين. وقال القاسم وهو ~~أحد قولي الهادي: وإليه ذهب ابنه أحمد بن يحيى أنه واجب لخبر الاستيقاظ ~~الذي سيأتي بعد هذا. وأجيب بأنه لا يدل على الوجوب لقوله فيه: فإنه لا يدري ~~أين باتت يده وليعلم أن محل النزاع غسلهما قبل الوضوء، وحديث الاستيقاظ ~~الغسل فيه لا للوضوء فلا دلالة له على المطلوب، ومجرد الأفعال لا تدل على ~~الوجوب، وسيأتي الكلام على ما هو الحق في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا استيقظ ~~أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده ~~رواه الجماعة إلا أن البخاري لم يذكر العدد. وفي لفظ الترمذي وابن ماجة: ~~إذا استيقظ أحدكم من الليل. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الاناء حتى يغسلها ثلاث ~~مرات فإنه لا يدري أين باتت يده أو أين طافت يده رواه الدارقطني وقال: ms0198 ~~إسناد حسن. # للحديث طرق منها ما ذكره المصنف ومنها عند ابن عدي بزيادة: فليرقه وقال: ~~إنها زيادة منكرة. ومنها عند ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي بزيادة: أين ~~باتت يده منه قال ابن منده: هذه الزيادة رواها ثقات ولا أراها محفوظة وفي ~~الباب عن جابر عند الدارقطني وابن ماجة وابن عمر رواه ابن ماجة وابن خزيمة ~~بزيادة لفظ منه. وعائشة رواه ابن أبي حاتم في العلل وحكى عن أبيه أنه وهم. ~~قوله: من نومه أخذ بعمومه الشافعي والجمهور فاستحبوه عقب كل نوم، وخصه أحمد ~~وداود بنوم الليل لقوله في آخر الحديث: باتت يده لأن حقيقة المبيت تكون ~~بالليل. ويؤيده ما ذكره المصنف رحمه الله في رواية الترمذي وابن ماجة، ~~وأخرجها أيضا أبو داود وساق مسلم إسنادها وما في رواية لأبي عوانة ساق مسلم ~~إسنادها أيضا: إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح لكن التعليل بقوله: فإنه لا ~~يدري أين باتت يده يقضي بإلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل ~~بالذكر للغلبة. قال النووي: وحكي عن أحمد في رواية أنه إن قام من ~~PageV01P169 # نوم الليل كره له كراهية تحريم، وإن قام من نوم النهار كره له كراهة ~~تنزيه، قال: ومذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من ~~النوم، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في ~~الاناء قبل غسلها، سواء كان قام من نوم الليل أو النهار أو شك انتهى. ~~والحديث يدل على المنع من إدخال اليد إلى إناء الوضوء عند الاستيقاظ، وقد ~~اختلف في ذلك فالامر عند الجمهور على الندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم ~~الليل، واعتذر الجمهور عن الوجوب بأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة ~~عن الوجوب إلى الندب، وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في ~~الحكم وفيه أن قوله: لا يدري أين باتت يده ليس تشكيكا في العلة بل تعليلا ~~بالشك وأنه يستلزم ما ذكر ومن جملة ما اعتذر به الجمهور عن الوجوب حديث: ~~أنه ms0199 (ص) توضأ من الشن المعلق بعد قيامه من النوم ولم يرو أنه غسل يده كما ~~ثبت في حديث ابن عباس. وتعقب بأن قوله: أحدكم يقتضي اختصاص الامر بالغسل ~~بغيره فلا يعارضه ما ذكر، ورد بأنه صح عنه (ص) غسل يديه قبل إدخالهما في ~~الاناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز. ~~ومن الاعذار للجمهور أن التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية يدل على ~~الندبية، وهذه الأمور إذا ضمت إليها البراءة الأصلية لم يبق الحديث منتهضا ~~للوجوب ولا لتحريم الترك، ولا يصح الاحتجاج به على غسل اليدين قبل الوضوء، ~~فإن هذا ورد في غسل النجاسة وذاك سنة أخرى. ويدل على هذا ما ذكره الشافعي ~~وغيره من العلماء أن السبب في الحديث أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار ~~وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك ~~الموضع النجس أو على قذر غير ذلك، فإذا كان هذا سبب الحديث عرفت أن ~~الاستدلال به على وجوب غسل اليدين قبل الوضوء ليس على ما ينبغي. # (فإن قلت) هذا قصر على السبب وهو مذهب مرجوح. قلت: سلمنا عدم القصر على ~~السبب، فليس في الحديث إلا نهي المستيقظ عن نوم الليل أو مطلق النوم فهو ~~أخص من الدعوى، أعني مشروعية غسل اليدين قبل الوضوء مطلقا، فلا يصلح ~~للاستدلال به على ذلك، ونحن لا ننكر أن غسل اليدين قبل الوضوء من السنن ~~الثابتة بالأحاديث الصحيحة كما في حديث عثمان الآتي وغيره، وكما في الحديث ~~الذي في أول الباب، ولا منازعة في سنيته إنما النزاع في دعوى وجوبه ~~والاستدلال عليها بحديث الاستيقاظ. وقد سبق ذكر الخلاف في PageV01P170 # ذلك في الحديث الذي قبل هذا. قوله: فلا يدخل يده في الاناء في رواية ~~للبخاري في وضوئه. وفي رواية لابن خزيمة في إنائه أو وضوئه. والظاهر اختصاص ~~ذلك بإناء الوضوء، ويلحق به الغسل بجامع أن كل واحد منهما يراد التطهر به. ~~وخرج بذكر الاناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على ms0200 تقدير ~~نجاستها فلا يتناولها النهي. # وفي الحديث أيضا دلالة على أن الغسل سبعا ليس عاما لجميع النجاسات كما ~~زعمه البعض، بل خاصا بنجاسة الكلب باعتبار ريقه، والجمهور من المتقدمين ~~والمتأخرين على أنه لا ينجس الماء إذا غمس يده فيه، وحكي من الحسن البصري ~~أن ينجس إن قام من نوم الليل، وحكي أيضا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير ~~الطبري، قال النووي: وهو ضعيف جدا فإن الأصل في اليد والماء الطهارة فلا ~~ينجس بالشك، وقواعد الشريعة متظاهرة على هذا قال المصنف رحمه الله: وأكثر ~~العلماء حملوا هذا على الاستحباب مثل ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستتر ثلاث مرات فإن ~~الشيطان يبيت على خياشيمه متفق عليه انتهى. وإنما مثل المصنف محل النزاع ~~بهذا الحديث لأنه قد وقع الانفاق على عدم وجوب الاستتار عند الاستيقاظ، ولم ~~يذهب إلى وجوبه أحد، وإنما شرع لأنه يذهب ما يلصق بمجرى النفس من الأوساخ ~~وينظفه فيكون سببا لنشاط القارئ وطرد الشيطان. والخيشوم أعلى الانف وقيل هو ~~الانف كله، وقيل هو عظام رقاق لينة في أقصى الانف بينه وبين الدماغ. وقد ~~وقع في البخاري في بدئ الخلق بلفظ: إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ ~~فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه فيحمل المطلق على المقيد ويكون ~~الامر بالاستنثار باعتبار إرادة الوضوء، وفي وجوبه خلاف سيأتي. # باب المضمضة والاستنشاق عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه دعا بإناء ~~فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما ثم أدخل يمينه في الاناء فمضمض واستنثر ~~ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلا ث مرات ثم مسح برأسه ثم غسل ~~رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ PageV01P171 # نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه متفق عليه. # قوله: فأفرغ على كفيه ثلاث مرات هذا ms0201 دليل على أن غسلهما في أول الوضوء ~~سنة. قال النووي: وهو كذلك باتفاق العلماء، وقد أسلفنا الكلام عليه في ~~الباب الذي قبل هذا. # قوله: فمضمض المضمضة هي أن يجعل الماء في فيه ثم يديره ثم يمجه، قال ~~النووي: وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على المشهور عند ~~الجمهور، وعند جماعة من أصحاب الشافعي وغيرهم أن الإدارة شرط والمعول عليه ~~في مثل هذا الرجوع إلى مفهوم المضمضة لغة وعلى ذلك تنبني معرفة الحق. والذي ~~في القاموس وغيره أن المضمضة تحريك الماء في الفم. قوله: # واستنثر في رواية للبخاري واستنشق والاستنثار أعم قاله في الفتح. قال ~~النووي: قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون: الاستثنار هو إخراج الماء ~~من الانف بعد الاستنشاق. وقال ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنثار هو ~~الاستنشاق، قال: قال أهل اللغة هو مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف. وقال ~~الخطابي وغيره: هي الانف والمشهور الأول، قال الأزهري: روى سلمة عن الفراء ~~أنه يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة انتهى. وفي ~~القاموس: استنثر استنشق الماء ثم استخرج ذلك بنفس الانف كانتثر. وقال في ~~الاستنشاق: استنشق الماء أدخله في أنفه. إذا تقرر لك معنى المضمضة ~~والاستنثار والاستنشاق لغة فاعلم أنه قد اختلف في الوجوب وعدمه، فذهب أحمد ~~وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، ومن أهل البيت الهادي والقاسم ~~والمؤيد بالله إلى وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ~~ليلى وحماد بن سليمان. وفي شرح مسلم للنووي أن مذهب أبي ثور وأبي عبيد ~~وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد أن الاستنشاق واجب في ~~الغسل والوضوء والمضمضة سنة فيهما، وما نقل من الاجماع على عدم وجوب ~~الاستنثار متعقب بهذا. واستدلوا على الوجوب بأدلة منها أنه من تمام غسل ~~الوجه فالامر بغسله أمر بها. وبحديث أبي هريرة المتفق عليه: إذا توضأ أحدكم ~~فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر وبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي والنسائي ~~بلفظ: إذا توضأت فانتثر وبما أخرج أحمد والشافعي ms0202 وابن الجارود وابن خزيمة ~~وابن حبان والحاكم والبيهقي وأهل السنن الأربع من حديث لقيط بن صبرة في ~~حديث طويل وفيه: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما وفي رواية من هذا ~~الحديث: إذا توضأت PageV01P172 # فمضمض أخرجها أبو داود وغيره. قال الحافظ في الفتح: إن إسنادها صحيح، وقد ~~رد الحافظ أيضا في التلخيص ما أعل به حديث لقيط من أنه لم يرو عن عاصم بن ~~لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير وقال ليس بشئ لأنه روى عنه غيره وصححه ~~الترمذي والبغوي وابن القطان، وقال النووي: هو حديث صحيح، رواه أبو داود ~~والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة. ومن أدلة القائلين بالوجوب حديث أبي ~~هريرة الذي سيذكره المصنف في هذا الباب بلفظ: أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالمضمضة والاستنشاق عند الدارقطني. وذهب مالك والشافعي ~~والأوزاعي والليث والحسن البصري والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة ~~والحكم بن عتيبة ومحمد بن جرير الطبري والناصر من أهل البيت إلى عدم ~~الوجوب. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وزيد بن علي من أهل البيت عليهم ~~السلام إلى أنهما فرض في الجنابة وسنة في الوضوء، فإن تركهما في غسله من ~~الجنابة أعاد الصلاة، واستدلوا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث: عشر من سنن ~~المرسلين وقد رده الحافظ في التلخيص وقال: إنه لم يرد بلفظ عشر من السنن بل ~~بلفظ من الفطرة، ولو ورد لم ينتهض دليلا على عدم الوجوب، لأن المراد به ~~السنة أي الطريقة لا السنة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي، وقد ذكرنا ذلك فيما ~~تقدم. واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ: المضمضة والاستنشاق سنة ~~رواه الدارقطني، قال الحافظ: # وهو حديث ضعيف. وبحديث: توضأ كما أمرك الله وليس في القرآن ذكر المضمضة ~~والاستنشاق والاستنثار. ورد بأن الامر بغسل الوجه أمر بها كما سبق. وبأن ~~وجوبها ثبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والامر منه أمر من الله ~~بدليل: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (الحشر: 7) * (قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني) * (آل عمران: 31) وتمكن مناقشة هذا ms0203 بأنه إنما يتم لو أحاله فقط ~~كما وقع لابن دقيق العيد وغيره. وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو: فاغسل ~~وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك فيصير نصا على أن المراد كما أمرك الله ~~في خصوص آية الوضوء لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالمضمضة داخلا تحت قوله للأعرابي: كما أمرك الله فيقتصر في الجواب ~~على أنه قد صح أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها، والواجب الاخذ ~~بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعاليم ونحوها موجبا ~~لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، والالزام قصر واجبات الشريعة بأسرها ~~على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة مثلا، PageV01P173 # لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه. وهذا خرق للاجماع واطراح لأكثر ~~الأحكام الشرعية ، وعلى ما سلف من أن الامر بغسل الوجه أمر بها، وهذا وإن ~~كان مستبعدا في بادئ الرأي، باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار، ~~لكنه يشد من عضد دعوى الدخول في الوجه أنه لا موجب لتخصيصه بظاهره دون ~~باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجها. (فإن قلت) قد أطلق على خرق الفم ~~والأنف اسم خاص فليسا في لغة العرب وجها. قلت: وكذلك أطلق على الخدين ~~والجبهة وظاهر الانف والحاجبين وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة فلا تسمى ~~وجها، وهذا في غاية السقوط لاستلزامه عدم وجوب غسل الوجه. (فإن قلت) يلزم ~~على هذا وجوب غسل باطن العين. قلت: يلتزم لولا اقتصار الشارع في البيان على ~~غسل ما عداه، وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نزل إلينا ~~فداوم على المضمضة والاستنشاق، ولم يحفظ أنه أخل بهما مرة واحدة كما ذكره ~~ابن القيم في الهدي، ولم ينقل عنه أنه غسل باطن العين مرة واحدة، على أنه ~~قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر والمؤيد بالله من أهل البيت، وروي ~~في البحر عن الناصر والشافعي أنه يستحب واستدل لهم بظاهر الآية، وسيأتي ~~متمسك لمن ms0204 قال بذلك في باب تعاهد الماقين. وقد اعترف جماعة من الشافعية ~~وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار. قال ~~الحافظ في الفتح: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب ~~الاستنشاق مع صحة الامر به إلا بكونه لا يعلم، خلافا في أن تاركه لا يعيد ~~وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن ~~عطاء، وهكذا ذكر ابن حزم في المحلى. وذكر ابن سيد الناس في شرح الترمذي بعد ~~أن ساق حديث لقيط بن صبرة ما لفظه: وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من ~~حديث النووي: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن مهدي عن سفيان عن أبي هاشم عن ~~عاصم بن لقيط عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا توضأت فأبلغ ~~في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما قال أبو الحسين بن القطان: وهذا ~~صحيح فهذا أمر صحيح صريح، وانضم إليه مواظبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا مع المواظبة على ~~الفعل انتهى. ومن جملة ما أورده في شرح الترمذي من الأدلة القاضية بوجوب ~~المضمضة والاستنشاق حديث عائشة عند البيهقي بلفظ: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي PageV01P174 # لا بد منه وقد ضعف بمحمد بن الأزهري الجوزجاني، وقد رواه البيهقي لا من ~~طريقه، فرواه عن أبي سعيد أحمد بن محمد الصوفي عن ابن عدي الحافظ عن عبد ~~الله بن سليمان بن الأشعث عن الحسين بن علي بن مهران عن عصام بن يوسف عن ~~ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان بن يسار عن الزهري عن عروة عنها. إذا ~~تقرر هذا علمت أن المذهب الحق وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار. قوله: ~~ثم غسل وجهه ثلاث مرات وكذلك سائر الأعضاء إلا الرأس فإنه لم يذكر فيه ~~العدد، فيه دليل على أن السنة الاقتصار في مسح الرأس على واحدة لأن المطلق ~~يصدق بمرة، ms0205 وقد صرحت الأحاديث الصحيحة بالمرة وفيه خلاف، وسيأتي الكلام على ~~ذلك في باب هل يسن تكرار مسح الرأس؟ وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل ~~الأعضاء مرة واحدة وأن الثلاث سنة، لثبوت الاقتصار من فعله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على مرة واحدة ومرتين، وسيأتي لذلك باب في هذا الكتاب. وقد استدل ~~بما وقع في حديث الباب من الترتيب بثم على وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، ~~وقال ابن مسعود ومكحول ومالك وأبو حنيفة وداود والمزني والثوري والبصري ~~وابن المسيب وعطاء والزهري والنخعي أنه غير واجب، ولا ينتهض الترتيب بثم في ~~حديث الباب على الوجوب لأنه من لفظ الراوي، وغايته أنه وقع من النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم على تلك الصفة والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، نعم ~~قوله في آخر الحديث: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما ~~نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه يشعر بترتيب المغفرة المذكورة على وضوء مرتب ~~على هذا الترتيب، وأما أنه يدل على الوجوب فلا. وقد استدل على الوجوب بظاهر ~~الآية وهو متوقف على إفادة الواو للترتيب، وهو خلاف ما عليه جمهور النحاة ~~وغيرهم. وأصرح أدلة الوجوب حديث أنه (ص): توضأ على الولاء ثم قال: هذا وضوء ~~لا يقبل الله الصلاة إلا به وفيه مقال لا أظنه ينتهض معه. وقد خلط فيه بعض ~~المتأخرين فخرجه من طرق وجعل بعضها شاهد البعض، وليس الامر كما ذكر، ~~فليراجع الحديث في مظانه، فإن التكلم على ذلك ههنا يقضي إلى تطويل يخرجنا ~~عن المقصود. وسيأتي التصريح بما هو الحق في الباب الذي بعد هذا. قوله: إلى ~~المرفقين المرفق فيه وجهان: أحدهما فتح الميم وكسر الفاء، والثاني عكسه ~~لغتان. واتفق العلماء على وجوب غسلهما، ولم يخالف في ذلك الأزفر وأبو بكر ~~بن داود الظاهري، فمن قال بالوجوب جعل إلى في الآية بمعنى مع، ومن لم يقل ~~به جعلها لانتهاء الغاية. واستدل PageV01P175 # لغسلهما أيضا بحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم أدار الماء على مرفقيه ms0206 ~~ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به عند الدارقطني والبيهقي من ~~حديث جابر مرفوعا، وفيه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ~~متروك، وقال أبو زرعة: منكر، وضعفه أحمد وابن معين، وانفرد ابن حبان بذكره ~~في الثقات ولم يلتفت إليه في ذلك، وصرح بضعف هذا الحديث المنذري وابن ~~الجوزي وابن الصلاح والنووي وغيرهم. واستدل لذلك أيضا بما أخرجه مسلم من ~~حديث أبي هريرة بلفظ: توضأ حتى أشرع في العضد ثم قال: # هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه أنه فعل لا ينتهض ~~بمجرده على الوجوب، وأجيب بأنه بيان للمجمل فيفيد الوجوب، ورد بأنه لا ~~إجمال لأن إلى حقيقة في انتهاء الغاية مجاز في معنى مع. وقد حقق الكلام في ~~ذلك الرضى في شرح الكافية وغيره فليرجع إليه. واستدل أيضا لذلك أنه من ~~مقدمة الواجب فيكون واجبا، وفيه خلاف في الأصول معروف، وسيعقد المصنف لذلك ~~بابا سيأتي إن شاء الله. قوله: إلى الكعبين هما العظمان النابتان بين مفصل ~~الساق والقدم باتفاق العلماء ما عدا الامامية ومحمد بن الحسن. قال النووي: ~~ولا يصح عنه. وقد اختلف هل الواجب الغسل أو يكفي المسح؟ وسيأتي الكلام على ~~ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: لا يحدث فيهما نفسه قال النووي: والمراد لا ~~يحدثها بشئ من أمور الدنيا، ولو عرض له حديث فأعرض عنه حصلت له هذه الفضيلة ~~لأن هذا ليس من فعله، وقد غفر لهذه الأمة ما حدثت به نفوسها، هذا معنى ~~كلامه. قال في الفتح: ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث لا يحدث ~~نفسه بشئ من الدنيا وهي في الزهد لابن المبارك والمصنف لابن أبي شيبة قال ~~المازري والقاضي عياض: المراد بحديث النفس المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع ~~في الخاطر غالبا فليس هو المراد. قال عياض. وقوله: يحدث نفسه فيه إشارة إلى ~~أن ذلك الحديث مما يكتسبه لاضافته إليه. قال ابن دقيق العيد: إن حديث النفس ~~على قسمين: أحدهما ما يهجم هجما ms0207 يتعذر دفعه عن النفس. والثاني ما تسترسل ~~معه النفس ويمكن قطعه ودفعه، فيمكن أن يحمل الحديث على هذا النوع الثاني ~~فيخرج عنه الأول لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظ يحدث نفسه فإنه يقتضي تكسبا ~~منه وتفعلا لهذا الحديث، قال: ويمكن حمله على النوعين معا إلى آخر كلامه. ~~والحاصل أن الصيغة مشعرة بشيئين أحدهما أن يكون غير مغلوب بورود الخواطر ~~النفسية، لأن من كان كذلك لا يقال له محدث لانتفاء الاختيار PageV01P176 # الذي لا بد من اعتباره. ثانيهما أن يكون مريدا للتحديث طالبا له على وجه ~~التكلف، ومن وقع له ذلك هجوما وبغتة لا يقال أنه حدث نفسه. قوله: غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه رتب هذه المثوبة على مجموع الوضوء الموصوف بتلك الصفة ~~وصلاة الركعتين المقيدة بذلك القيد فلا تحصل إلا بمجموعهما. وظاهره مغفرة ~~جميع الذنوب، وقد قيل إنه مخصوص بالصغائر لورود مثل ذلك مقيدا كحديث: ~~الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينها ما ~~اجتنبت الكبائر. # وعن علي رضي الله عنه أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ~~ففعل هذا ثلاثا ثم قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه ~~أحمد والنسائي. # الحديث إسناده في سنن النسائي، هكذا حدثنا موسى بن عبد الرحمن قال: حدثنا ~~حسين بن علي عن زائدة قال: حدثنا خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي قدس سره. # فموسى بن عبد الرحمن إن كان ابن سعيد بن مسروق الكندي فهو ثقة، وإن كان ~~الحلبي الأنطاكي فهو صدوق يغرب، وكلاهما روى عنه النسائي. وأما خالد بن ~~علقمة فهو الهمداني قال ابن معين: ثقة وقال في التقريب: صدوق وبقية رجال ~~الاسناد ثقات وهو طرف من حديث علي عليه السلام، وسيأتي الكلام على المضمضة ~~والاستنشاق والاستنثار قد تقدم. قال المصنف رحمه الله: وفيه مع الذي قبله ~~دليل على أن السنة أن يستنشق باليمين ويستنثر باليسرى انتهى. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إذا توضأ ms0208 أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر متفق عليه. # قد تقدم الكلام على تفسير الاستنثار وعلى وجوبه في حديث عثمان. # وعن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالمضمضة والاستنشاق رواه الدارقطني. # قد سلف الكلام على المضمضة والاستنشاق تفسيرا وحكما. قال المصنف رحمه ~~الله تعالى: وقال يعني الدارقطني لم يسند عن حماد غير هدبة وداود بن المحبر ~~وغيرهما يرويه عنه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يذكر أبا ~~هريرة. قلت: وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مخرج عنه في الصحيحين فيقبل رفعه وما ~~ينفرد به انتهى. وقد ذكر PageV01P177 # هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبا إلى أبي هريرة ولم يتكلم ~~عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن. # باب ما جاء في جواز تأخيرهما على غسل الوجه واليدين عن المقدام بن معد ~~يكرب قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ~~ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ثم مضمض واستنشق ثلاثا ~~ثلاثا ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه أبو داود وأحمد وزاد: ~~وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا. # الحديث إسناده صالح وقد أخرجه الضياء في المختارة، وهو يدل على عدم وجوب ~~الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين. وحديث عثمان وعبد الله ~~بن زيد الثابتان في الصحيحين. وحديث علي الثابت عند أبي داود والنسائي وابن ~~ماجة وابن حبان والبزار وغيرهم مصرحة بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل ~~الوجه واليدين. والحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب الترتيب وقد سبق ذكرهم ~~في شرح حديث عثمان. وحديث الربيع الآتي بعد هذا يدل أيضا على عدم وجوب ~~الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه. قال النووي: إنهم يتأولون هذه ~~الرواية، على أن لفظة ثم ليست للترتيب بل لعطف جملة على جملة. وقد ذكر ~~الفاضل الشلبي في صدر حواشيه على شرح المواقف أن المحققين من النحاة نصوا ~~على أن وجوب دلالة ثم ms0209 على التراخي مخصوص بعطف المفرد. وقد ذكره أيضا في ~~حواشي المطول. وقد ذكر الرضى في شرح الكافية وابن هشام في المغني أنها قد ~~تأتي لمجرد الترتيب، فظهر بهذا أنها مشتركة بين المعنيين لا أنها حقيقة في ~~الترتيب، ولكن لا يخفى عليك أن هذا التأويل وإن نفع القائل بوجوب الترتيب ~~في حديث الباب وما بعده فهو يجري في دليله الذي عارض به حديثي الباب، أعني ~~حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي، فلا يدل على تقديم المضمضة والاستنشاق، ~~كما لا يدل هذا على تأخيرهما، فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلا بإبراز دليل ~~عليها يتعين المصير إليه، وقد عرفناك في شرح حديث عثمان عدم انتهاض ما جاء ~~به مدعي وجوب الترتيب على المطلوب، نعم حديث جابر عند النسائي في صفة حج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم: ابدأوا بما ~~بدأ PageV01P178 # الله به بلفظ الامر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر يصلح للاحتجاج به على وجوب ~~الترتيب لأنه عام لا يقصر على سببه عند الجمهور كما تقرر في الأصول. وآية ~~الوضوء مندرجة تحت ذلك العموم. # وعن العباس بن يزيد عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ~~الربيع بنت معوذ ابن عفراء قال: أتيتها فأخرجت إلي إناء فقالت: في هذا كنت ~~أخرج الوضوء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيبدأ فيغسل يديه قبل أن ~~يدخلهما ثلاثا ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثا ثم يمضمض ويستنشق ثلاثا ثم يغسل ~~يديه ثم يمسح برأسه مقبلا ومدبرا ثم يغسل رجليه. # قال العباس بن يزيد هذه المرأة التي حدثت عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه بدأ بالوجه قبل المضمضة والاستنشاق، وقد حدث به أهل بدر منهم ~~عثمان وعلي أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه، والناس عليه رواه ~~الدارقطني الحديث رواه الدارقطني عن شيخه إبراهيم بن حماد عن العباس ~~المذكور. وأخرجه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وله عنها طرق ~~وألفاظ مدارها على عبد الله بن ms0210 محمد بن عقيل وفيه مقال. وهو يدل على عدم ~~وجوب الترتيب بين المضمضة وغسل الوجه، وقد عرفت في الحديث الذي قبله ما هو ~~الحق. # باب المبالغة في الاستنشاق عن لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني ~~عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن ~~تكون صائما رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ~~والبيهقي من طريق إسماعيل بن كثير المكي عن عاصم بن لقيط عن أبيه مطولا ~~ومختصرا قال الخلال عن أبي داود عن أحمد عاصم: بل يسمع عنه بكثير رواية ~~انتهى. ويقال: لم يرو عنه غير إسماعيل، قال الحافظ: وليس بشئ لأنه روى عنه ~~غيره وصححه الترمذي والبغوي وابن القطان، وهذا اللفظ عندهم من رواية وكيع ~~عن الثوري عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه. وروى الدولابي في ~~حديث الثوري من جمعه من طريق ابن PageV01P179 # مهدي عن الثوري ولفظه: وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما ~~وفي رواية لأبي داود من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن إسماعيل بن كثير ~~بلفظ: # إذا توضأت فتمضمض قال الحافظ في الفتح: إسناد هذه الرواية صحيح. وقال ~~النووي: حديث لقيط بن صبرة أسانيده صحيحة، وقد وثق إسماعيل بن كثير أحمد، ~~وقال أبو حاتم هو صالح الحديث. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وأبو عاصم ~~وثقه أبو حاتم ومن عدا هذين من رجال إسناده فمخرج له في الصحيح، قاله ابن ~~سيد الناس في شرح الترمذي. وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس: فخلل بين ~~أصابعك وقال: هذا حديث حسن وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف، وقد تقدم ~~الترمذي إلى تحسين هذا الحديث البخاري: روى ذلك عنه الترمذي في كتاب العلل، ~~ولكن الراوي عنه موسى بن عقبة وسماعه منه قبل أن يختلط. وأخرج الترمذي أيضا ~~من حديث المستورد قال: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره ~~وقال: حديث ms0211 حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة، وغرابته والذي قبله ~~ترجع إلى الإسناد فلا ينافي الحسن قاله ابن سيد الناس. وقد شارك ابن لهيعة ~~في روايته عن يزيد بن عمرو الليث بن سعد وعمرو بن الحرث، فالحديث إذن صحيح ~~سالم عن الغرابة وفي الباب مما ليس عند الترمذي عن عثمان وأبي هريرة ~~والربيع بنت معوذ ابن عفراء وعائشة وأبي رافع. فحديث عثمان عند الدارقطني. ~~وحديث أبي هريرة عند الدارقطني أيضا. وحديث الربيع عند الطبراني. وحديث ~~عائشة عند الدارقطني. وحديث أبي رافع عند ابن ماجة والدارقطني. والحديث يدل ~~على مشروعية إسباغ الوضوء، والمراد به الانقاء واستكمال الأعضاء والحرص على ~~أن يتوضأ وضوءا يصح عند الجميع وغسل كل عضو ثلاث مرات هكذا قيل، فإذا كان ~~التثليث مأخوذا في مفهوم الاسباغ فليس بواجب لحديث أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم توضأ مرة ومرتين، وإن كان مجرد الانقاء والاستكمال فلا نزاع في وجوبه. ~~ويدل أيضا على وجوب تخليل الأصابع فيكون حجة على الامام يحيى القائل بعدم ~~الوجوب. ويدل أيضا على وجوب الاستنشاق، وقد تقدم الكلام عليه في حديث ~~عثمان، وإنما كره المبالغة للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره، واستدل ~~به على عدم وجوب المبالغة لأن الوجوب يستلزم عدم جواز الترك وفيه ~~PageV01P180 # ما لا يخفى. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: استنثروا ~~مرتين بالغتين أو ثلاثا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن الجارود وصححه ابن القطان، وذكره الحافظ ~~في التلخيص ولم يذكره بضعف، وكذلك المنذري في تخريج السنن عزاه إلى ابن ~~ماجة ولم يتكلم فيه. والحديث يدل على وجوب الاستنثار، وقد تقدم ذكر الخلاف ~~فيه في شرح حديث عثمان. والمراد بقوله: بالغتين أنهما في أعلى نهاية ~~الاستنثار من قولهم بلغت المنزل، وأما تقييد الامر بالاستنثار بمرتين أو ~~ثلاثا فيمكن الاستدلال على عدم وجوب الثانية والثالثة بحديث الوضوء مرة، ~~ويمكن القول بإيجاب مرتين أو ثلاث إما لأنه خاص وحديث الوضوء مرة عام، وإما ms0212 ~~لأنه قول خاص بنا فلا يعارضه فعله صلى الله عليه وآله وسلم كما تقرر في ~~الأصول والمقام لا يخلو عن مناقشة في كلا الطرفين. # باب غسل المسترسل من اللحية عن عمرو بن عبسة قال قلت: يا رسول الله حدثني ~~عن الوضوء، قال ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت ~~خطايا فيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا ~~وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا ~~يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره ~~مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع ~~الماء أخرجه مسلم ورواه أحمد وقال فيه: ثم يمسح رأسه كما أمر الله ثم يغسل ~~قدميه إلى الكعبين كما أمره الله. # ش قوله: خرت خطاياه أي سقطت والخر والخرور السقوط أو من علو إلى سفل. ~~والحديث من أحاديث فضائل الوضوء الدالة على عظم شأنه. ومثله حديث أبي هريرة ~~مرفوعا عند مسلم ومالك والترمذي بلفظ: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن ~~فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر ~~الماء، وإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر ~~قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت PageV01P181 # كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من ~~الذنوب ومثله حديث عبد الله الصنابحي عند مالك والنسائي: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من ~~فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من ~~وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى ~~تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من ~~أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من ms0213 رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ~~ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له والمراد بالخطايا قال النووي وغيره ~~الصغائر. وظاهر الأحاديث العموم والتخصيص بما وقع في الأحاديث الاخر بلفظ: ~~ما لم تغش الكبائر وبلفظ: ما اجتنبت الكبائر قد ذهب إليه جماعة من شراح ~~الحديث وغيرهم. والمراد بالخرور والخروج مع الماء المجاز عن الغفران لأن ~~ذلك مختص بالأجسام والخطايا ليست متجسمة. وفي حديث الباب وما بعده رد لمذهب ~~الامامية في وجوب مسح الرجلين. # وقد ساق المصنف رحمه الله تعالى الحديث للاستدلال به على غسل المسترسل من ~~اللحية لقوله فيه: إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء وفيه خلاف ~~فذهب المؤيد بالله وأبو طالب وأبو حنيفة إلى عدم الوجوب إن أمكن التخليل ~~بدونه، وذهب أبو العباس إلى وجوبه وهو مذهب الشافعي في إحدى الروايات، ~~واستدلوا بالقياس على شعر الحاجبين ورد بأن شعر الحاجب من الوجه لغة لا ~~المسترسل. وقد استنبط المصنف رحمه الله تعالى من الحديث فوائد فقال: فهذا ~~يدل على أن غسل الوجه المأمور به يشتمل على وصول الماء إلى أطراف اللحية. ~~وفيه دليل على أن داخل الفم والأنف ليس من الوجه حيث بين أن غسل الوجه ~~المأمور به غيرهما، ويدل على مسح كل الرأس حيث بين أن المسح المأمور به ~~يشتمل على وصول الماء إلى أطراف الشعر. ويدل على وجوب الترتيب في الوضوء ~~لأنه وصفه مرتبا، وقال في مواضع منه كما أمره الله عز وجل انتهى. وقد قدمنا ~~الكلام على أن داخل الفم والأنف من الوجه وعلى الترتيب. وسيأتي الكلام على ~~مسح الرأس. PageV01P182 # باب في أن إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة لا يجب عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه توضأ فغسل وجهه فأخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق، ثم ~~أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، ثم ~~أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده ~~اليسرى، ثم مسح ms0214 برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى ~~غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ رواه البخاري. # قوله: فغسل وجهه الفاء تفصيلية لأنها داخلة بين المجمل والمفصل. قوله: ~~فأخذ غرفة هو بيان لقوله: فغسل قال الحافظ: وظاهره أن المضمضة والاستنشاق ~~من جملة غسل الوجه، لكن المراد بالوجه أولا ما هو أعم من المفروض والمسنون ~~بدليل أنه أعاد ذكره ثانيا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغرفة مستقلة، وفيه ~~دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وغسل الوجه باليدين جميعا ~~إذا كان بغرفة واحدة لأن اليد الواحدة قد لا تستوعبه. قوله: أضافها بيان ~~لقوله: فجعل بها هكذا. قوله: # فغسل بها أي الغرفة. وفي رواية بهما أي اليدين. قوله: ثم مسح برأسه لم ~~يذكر له غرفة مستقلة، قال الحافظ: قد يتمسك به من يقول بطهورية الماء ~~المستعمل، لكن في رواية أبي داود: ثم قبض قبضة من الماء ثم نفض يده ثم مسح ~~رأسه زاد النسائي: # وأذنيه مرة واحدة. قوله: فرش أي سكب الماء قليلا قليلا إلى أن صدق عليه ~~مسمى الغسل بدليل قوله: حتى غسلها وفي رواية لأبي داود والحاكم: فرش على ~~رجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل ~~فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو. وأما قوله: تحت النعل فإن لم ~~يحمل على التجوز عن القدم فهي رواية شاذة وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما ~~تفرد به فكيف إذا خالف؟ # قاله الحافظ: والحديث ساقه المصنف للاستدلال به على عدم وجوب إيصال الماء ~~إلى باطن اللحية فقال: وقد علم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان كث اللحية، ~~وأن الغرفة الواحدة وإن عظمت لا تكفي غسل باطن اللحية الكثة مع غسل جميع ~~الوجه فعلم أنه لا يجب. وفيه أنه مضمض واستنشق بماء واحد انتهى. أما الكلام ~~على وجوب PageV01P183 # إيصال الماء إلى باطن اللحية فسيأتي في الباب الذي بعد ms0215 هذا. وأما أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان كث اللحية فقد ذكر القاضي عياض ورود ذلك في أحاديث ~~جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة كذا قال. وفي مسلم من حديث جابر: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كثير شعر اللحية وروى البيهقي في الدلائل من ~~حديث علي: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عظيم اللحية وفي رواية: كث اللحية ~~وفيها من حديث هند بن أبي هالة مثله. ومن حديث عائشة مثله. وفي حديث أم ~~معبد المشهور في لحيته كثافة قاله الحافظ في التلخيص. # باب استحباب تخليل اللحية عن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يخلل لحيته رواه ابن ماجة والترمذي وصححه. وعن أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل ~~به لحيته وقال: # هكذا أمرني ربي عز وجل رواه أبو داود. # أما حديث عثمان فأخرجه أيضا ابن خزيمة والحاكم والدارقطني وابن حبان وفيه ~~عامر بن شقيق ضعفه يحيى بن معين. وقال البخاري: حديثه حسن. وقال الحاكم: # لا نعلم فيه طعنا بوجه من الوجوه وأورد له شواهد. وأما حديث أنس المذكور ~~في الباب ففي إسناده الوليد بن زوران وهو مجهول الحال، قال الحافظ: وله طرق ~~أخرى ضعيفة عن أنس منها ما رويناه في فوائد أبي جعفر بن البحيري ومستدرك ~~الحاكم ورجاله ثقات لكنه معلول، فإنما رواه موسى بن أبي عائشة عن زيد بن ~~أبي أنيسة عن يزيد الرقاشي عن أنس، أخرجه ابن عدي وصححه ابن القطان من طريق ~~أخرى، وله طريق أخرى ذكرها الذهلي في الزهريات وهو معلول وصححه الحاكم قبل ~~ابن القطان. # قال الحافظ: ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه. وفي الباب عن علي وعائشة وأم ~~سلمة وأبي أمامة وعمار وابن عمر وجابر وجرير وابن أبي أوفى وابن عباس وعبد ~~الله بن عكبرة وأبي الدرداء، أما حديث علي فرواه الطبراني فيما انتقاه عليه ~~ابن مردويه وإسناده ضعيف ومنقطع قاله ms0216 الحافظ. وأما حديث عائشة فرواه أحمد ~~قال الحافظ وإسناده حسن. وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني والعقيلي. ~~والبيهقي بلفظ: كان يخلل لحيته ويدلك عارضيه وفي لفظ: كان PageV01P184 # إذا توضأ خلل لحيته وفي إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث. وأما حديث ~~أبي أمامة فرواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه والطبراني في الكبير قال ~~الحافظ: # وإسناده ضعيف. وأما حديث عمار فرواه الترمذي وابن ماجة وهو معلول. وأما ~~حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الأوسط وإسناده ضعيف، وأخرجه عنه ابن ماجة ~~والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن بلفظ: كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض ~~العرك ثم يشبك لحيته بأصابعه من تحتها وفي إسناده عبد الواحد وهو مختلف ~~فيه، واختلف فيه على الأوزاعي. وأما حديث جابر فرواه ابن عدي وفيه أصرم بن ~~غياث وهو متروك الحديث قاله النسائي. وفي إسناده انقطاع قاله ابن حجر وأما ~~حديث جرير فرواه ابن عدي وفيه يس الزيات وهو متروك. وأما حديث ابن أبي أوفى ~~فرواه أبو عبيد في كتاب الطهور، وفي إسناده أبو الورقاء وهو ضعيف وهو في ~~الطبراني. وأما حديث ابن عباس فرواه العقيلي، قال ابن حزم: ولا يتابع عليه. ~~وأما حديث عبد الله بن عكبرة فرواه الطبراني في الصغير بلفظ: التخليل سنة ~~وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف. وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني ~~وابن عدي بلفظ: توضأ فخلل لحيته مرتين وقال: هكذا أمرني ربي وفي إسناده ~~تمام بن نجيح وهو لين الحديث، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل ~~اللحية شئ صحيح، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في تخليل اللحية شئ، ولكنه يعارض هذا تصحيح الترمذي والحاكم وابن ~~القطان لبعض أحاديث الباب وكذلك غيرهم. والحديثان يدلان على مشروعية تخليل ~~اللحية، وقد اختلف الناس في ذلك فذهب إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل العترة ~~والحسن بن صالح وأبو ثور والظاهرية كذا في البحر، واستدلوا بما وقع في ~~أحاديث الباب بلفظ: ms0217 هكذا أمرني ربي وذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي ~~إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، قال مالك وطائفة من أهل المدينة: ~~ولا في غسل الجنابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي ~~والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم أن ~~تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة ولا يجب في الوضوء، هكذا في شرح الترمذي ~~لابن سيد الناس. قال: وأظنهم فرقوا بين ذلك والله أعلم لقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر واستدلوا لعدم ~~الوجوب في الوضوء بحديث ابن عباس المذكور في الباب الأول، قال: وقد روي ~~PageV01P185 # عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعلي وسعيد بن جبير وأبي قلابة ومجاهد وابن ~~سيرين والضحاك وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يخللون لحاهم. وممن روي عنه أنه ~~كان لا يخلل إبراهيم النخعي والحسن وابن الحنفية وأبو العالية وأبو جعفر ~~الهاشمي والشعبي ومجاهد والقاسم وابن أبي ليلى، ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة ~~بأسانيده إليهم. والانصاف أن أحاديث الباب بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج ~~وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على الوجوب لأنها أفعال، وما ورد في بعض ~~الروايات من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: هكذا أمرني ربي لا يفيد الوجوب ~~على الأمة لظهوره في الاختصاص به وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول ~~هل يعم الأمة كل ظاهر الاختصاص به أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، ~~والحكم على ما لم يفرضه الله بالفرضية كالحكم على ما فرضه بعدمها لا شك في ~~ذلك، لان كل واحد منهما من التقول على الله بما لم يقل. ولا شك أن الغرفة ~~الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته ودفع ذلك كما قال بعضهم ~~بالوجد أن مكابرة منه، نعم الاحتياط والاخذ بالأوثق لا شك في أولويته، لكن ~~بدون مجاراة على الحكم بالوجوب. # قوله: الحنك وهو باطن أعلى الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين. # باب تعاهد المأقين وغيرهما من غضون الوجه بزيادة ما عن أبي أمامة أنه ms0218 وصف ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ثلاثا ثلاثا، قال: وكان ~~يتعاهد المأقين رواه أحمد. # الحديث أخرجه ابن ماجة من حديث أبي أمامة أيضا بلفظ: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: الأذنان من الرأس وكان يمسح المأقين وذكره الحافظ ~~في التلخيص ولم يذكر له علة ولا ضعفا. وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ~~في PageV01P186 # الكبير من طريق سميع عن أبي أمامة وإسناده حسن، وسميع ذكره ابن حبان في ~~الثقات وقال: لا أدري من هو ولا ابن من هو، والظاهر أنه اعتمد في توثيقه ~~على غيره. قوله: المأقين موق العين مجرى الدمع منها أو مقدمها أو مؤخرها ~~كذا في القاموس. قال الأزهري: أجمع أهل اللغة أن الموق والماق مؤخر العين ~~الذي يلي الانف انتهى. والمراد بهما في الحديث مخصر العينين. وذكر المصنف ~~رحمه الله تعالى في التبويب غضون الوجه وهي ما تعطف من الوجه إما قياسا على ~~الماقين وإما استدلالا بما في الحديث الآتي من قوله: ثم أخذ بيديه فصك بهما ~~وجهه والأول أظهر وقد ورد من حديث أخرجه ابن حبان وابن أبي حاتم وغيرهما ~~بلفظ: إذا توضأتم فأشربوا أعينكم من الماء وهو من حديث البختري بن عبيدة ~~بالموحدة والمعجمة وقد ضعفوه كلهم فلا يقوم به حجة كذا قاله بعضهم. وفيه ~~أنه ذكر في الميزان أنه وثقه وكيع، وقال ابن عدي: لا أعلم له حديثا منكرا ~~انتهى. لكنه لا يكون ما تفرد به حجة لوقوع الاختلاف فيه، فقد قيل إنه ضعيف ~~وقيل متروك الحديث. وقال البخاري: يخالف في حديثه على أنه لم ينفرد به ~~البختري، فقد رواه ابن طاهر في صفوة التصوف من طريق ابن أبي السري، لكنه ~~قال ابن الصلاح: لم أجد له أنا في جماعة اعتنوا بالبحث عن حاله أصلا وتبعه ~~النووي. # وعن ابن عباس أن عليا رضي الله عنهما قال: يا ابن عباس ألا أتوضأ ذلك ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلت: بلى فداك أبي وأمي، قال: ~~فوضع إناء ms0219 فغسل يديه ثم مضمض واستنشق واستنثر ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه ~~وألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه؟ قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثا، ثم أخذ كفا ~~بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته ثم أرسلها تسيل على وجهه، ثم غسل يده ~~اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم يده الأخرى مثل ذلك، وذكر بقية الوضوء رواه ~~أحمد وأبو داود. # لعل هذا اللفظ الذي ساقه المصنف رحمه الله لفظ أحمد، وساقه أبو داود في ~~سننه بمعناه: # وتمام الحديث: ثم مسح رأسه وظهور أذنيه ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ~~ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها ثم الأخرى مثل ذلك، قال، ~~قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي ~~النعلين قال قلت: وفي النعلين؟ قال وفي النعلين وفي رواية لأبي داود، ومسح ~~برأسه مرة واحدة وفي رواية له: ومسح برأسه ثلاثا قال المنذري: في ~~PageV01P187 # هذا الحديث مقال. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه وقال: ما ~~أدري ما هذا والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل من الاذنين مع الوجه ويمسح ~~ما أدبر منهما مع الرأس، وإليه ذهب الحسن بن صالح والشعبي، وذهب الزهري ~~وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه. وذهب من عداهم إلى أنهما من الرأس ~~فيمسحان معه. وفيه أيضا استحباب إرسال غرفة من الماء على الناصية لكن بعد ~~غسل الوجه لا كما يفعله العامة عقيب الفراغ من الوضوء. وفيه أنه لا يشترط ~~في غسل الرجل نزع النعل وأن الفتل كاف، وقد قدمنا عن الحافظ في باب إيصال ~~الماء إلى باطن اللحية الكثة أن رواية المسح على النعل شاذة لأنها من طريق ~~هشام بن سعد ولا يحتج بما تفرد به، وأبو داود لم يروها من طريقه ولا ذكر ~~المسح ولكنه رواها من طريق محمد بن إسحاق عنعنة وفيه مقال مشهور إذا عنعن. ~~وقد احتج من قال بتثليث مسح الرأس برواية أبي داود التي ذكرناها، واحتج ~~القائل بأنه يمسح مرة واحدة بإطلاق المسح في ms0220 حديث الباب وتقييده بالمرة في ~~رواية، وسيأتي الكلام عليه في باب هل يسن تكرار المسح. وقوله: وألقم ~~إبهاميه جعل إبهاميه للبياض الذي بين الاذن والعذار كاللقمة للفم توضع فيه. ~~واستدل بذلك الماوردي على أن البياض الذي بين الاذن والعذار من الوجه كما ~~هو مذهب الشافعية. وقال مالك: # ما بين الاذن واللحية ليس من الوجه. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من ~~علماء الأمصار قال بقول مالك، وعن أبي يوسف يجب على الأمرد غسله دون ~~الملتحي. قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه حجة لمن رأى ما أقبل من الاذنين ~~من الوجه انتهى وقد تقدم. # باب غسل اليدين مع المرفقين وإطالة الغرة عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ~~هلم أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فغسل وجهه ويديه ~~حتى مس أطراف العضدين ثم مسح برأسه ثم أمر بيديه على أذنيه ولحيته ثم غسل ~~رجليه رواه الدارقطني. # الحديث في إسناده ابن إسحاق وقد عنعن. قوله: هلم اسم فعل بمعنى قرب جاء ~~لازما كقوله تعالى: * (هلم إلينا) * (الأحزاب: 18) ومتعديا كقوله تعالى:: * ~~(هلم شهداءكم) * (الانعام: 150) ويستوي فيه عند الحجازيين بين الواحد ~~والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فيقال: هلم يا رجل، وهلم يا رجال، وهلم يا ~~امرأة، وفي لغة بني تميم يتغير كتغير أمر المخاطب نحو هلما وهلموا وهلمي. ~~قوله: حتى مس أطراف العضدين PageV01P188 # فيه دليل على وجوب غسل المرفقين، وقد قدمنا طرفا من الكلام عليه في شرح ~~حديث عثمان المتفق عليه. وقوله: ثم مسح برأسه إطلاق المسح يشعر بعدم ~~التكرار وسيأتي الكلام عليه. قوله: ثم أمر بيديه على أذنيه دليل على ~~مشروعية مسح الاذنين وسيأتي له باب في هذا الكتاب. قوله: ولحيته قد بسطتا ~~البحث فيه في باب استحباب تخليل اللحية. # وعن أبي هريرة أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى ~~أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل ~~رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله ms0221 اليسرى حتى أشرع في الساق ثم ~~قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ. وقال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ ~~الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله رواه مسلم. # قوله: أشرع في العضد وأشرع في الساق معناه أدخل الغسل فيهما قاله النووي. # قوله: أنتم الغر المحجلون قال أهل اللغة: الغرة بياض في جبهة الفرس، ~~والتحجيل بياض في يدها ورجلها، قال العلماء: سمى النور الذي يكون على مواضع ~~الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس. وهذا الحديث وغيره مصرح ~~باستحباب تطويل الغرة والتحجيل. والغرة غسل شئ من مقدم الرأس أو ما يجاوز ~~الوجه زائدا على الجزء الذي يجب غسله. والتحجيل غسل ما فوق المرفقين ~~والكعبين وهما مستحبان بلا خلاف، واختلف في القدر المستحب على أوجه: أحدها ~~أنه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير تقدير. والثاني إلى نصف ~~العضد والساق. والثالث إلى المنكب والركبتين. قال النووي: وأحاديث الباب ~~تقتضي هذا كله، قال: وأما دعوى الامام أبي الحسن بن بطال المالكي والقاضي ~~عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، ~~وكيف يصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأبي هريرة وهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا، ولو خالف فيه من خالف كان محجوجا ~~بهذه السنن الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم فلا يصح لأن المراد زاد في عدد ~~المرات. وقال الحافظ في التلخيص: وقد ادعى ابن بطال في شرح البخاري وتبعه ~~القاضي تفرد أبي PageV01P189 # هريرة بهذا يعني الغسل إلى الآباط وليس بجيد فقال: قد قال به جماعة من ~~السلف ومن أصحاب الشافعي، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن العمري عن نافع ~~أن ابن عمر كان ربما بلغ بالوضوء إبطيه. ورواه أبو عبيد بإسناد أصح من هذا ~~فقال: حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا ms0222 الليث عن محمد بن عجلان عن نافع. قوله: ~~فمن استطاع منكم تعليق الامر بإطالة الغرة والتحجيل بالاستطاعة قرينة قاضية ~~بعدم الوجوب، ولهذا لم يذهب إلى إيجابه أحد من الأئمة. قال المصنف رحمه ~~الله تعالى: ويتوجه منه وجوب غسل المرفقين لأن نص الكتاب يحتمله وهو يحمل ~~فيه، وفعله صلى الله عليه وآله وسلم بيان لمجمل الكتاب، مجاوزته للمرفق ليس ~~في محل الاجمال ليجب بذلك انتهى. وقد أسلفنا الكلام عليه في الكلام على ~~حديث عثمان في أول أبواب الوضوء. # باب تحريك الخاتم وتخليل الأصابع ودلك ما يحتاج إلى دلك عن أبي رافع أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه رواه ابن ماجة ~~والدارقطني. # الحديث في إسناده معمر بن محمد بن عبيد الله عن أبيه وهما ضعيفان، وقد ~~ذكره البخاري تعليقا عن ابن سيرين ووصله ابن أبي شيبة، وهو يدل على مشروعية ~~تحريك الخاتم ليزول ما تحته من الأوساخ. وكذلك ما يشبه الخاتم من الأسورة ~~والحلية ونحوهما. # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا توضأت فخلل ~~أصابع يديك ورجليك رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. وعن المستورد بن شداد ~~قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأ خلل أصابع رجليه ~~بخنصره رواه الخمسة إلا أحمد. وعن عبد الله بن زيد بن عاصم: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم توضأ فجعل يقول: هكذا يدلك رواه أحمد. # أما حديث ابن عباس فرواه أيضا الحاكم وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف، ~~ولكن حسنه البخاري لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح وسماع موسى منه قبل ~~أن يختلط. وأما حديث المستورد بن شداد ففي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه ~~الليث بن سعد وعمرو بن الحرث، خرجه البيهقي وأبو بشر الدولابي والدارقطني ~~في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة وصححه ابن القطان. وأما حديث ~~PageV01P190 # عبد الله بن زيد فهو إحدى روايات حديثه المشهور. وفي الباب من حديث عثمان ~~عند الدارقطني ms0223 بلفظ: أنه خلل أصابع قدميه ثلاثا وقال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فعل كما فعلت ومن حديث الربيع بنت معوذ عند الطبراني ~~في الأوسط قال الحافظ: وإسناده ضعيف. ومن حديث عائشة عند الدارقطني وفيه ~~عمر بن قيس وهو منكر الحديث. ومن حديث وائل بن حجر عند الطبراني في الكبير ~~قال الحافظ: وفيه ضعف وانقطاع. ومن حديث لقيط بن صبرة بلفظ: إذا توضأت فخلل ~~الأصابع وقد تقدم. ومن حديث ابن مسعود رواه زيد بن أبي الزرقاء بلفظ: ~~لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكه النار قال ابن أبي حاتم: رفعه منكر. قال ~~الحافظ: وهو في جامع الثوري موقف، وكذا في مصنف عبد الرزاق، وكذا أخرجه ابن ~~أبي شيبة موقوفا. ومن حديث أبي أيوب عند أبي بكر بن أبي شيبة في المصنف. ~~ومن حديث أبي هريرة عند الدارقطني بلفظ: # خللوا بين أصابعكم لا يخللها الله يوم القيامة بالنار ومن حديث أبي رافع ~~عند أحمد والدارقطني من حديث معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع قال ~~البخاري: هو منكر الحديث والأحاديث تدل على مشروعية تخليل أصابع اليدين ~~والرجلين، وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضا فتنتهض للوجوب ولا سيما حديث لقيط ~~بن صبرة الذي قدمنا الكلام عليه في باب المبالغة في الاستنشاق فإنه صححه ~~الترمذي والبغوي وابن القطان. قال ابن سيد الناس: قال أصحابنا من سنن ~~الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، قال: وهذا إذا كان الماء يصل إليها ~~من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل ~~فحينئذ يجب التخليل لا لذاته لكن الأداء فرض الغسل انتهى. والأحاديث قد ~~صرحت بوجوب التخليل وثبتت من قوله صلى الله عليه وآله وسلم فعله، ولا فرق ~~بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه ولا بين أصابع اليدين والرجلين، ~~فالتقييد بأصابع الرجلين أو بعدم إمكان وصول الماء لا دليل عليه. # باب مسح الرأس كله وصفته وما جاء في مسح بعضه عن عبد الله بن زيد أن رسول ~~الله صلى الله ms0224 عليه وآله وسلم مسح PageV01P191 # رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ~~ردهما إلى المكان الذي بدأ منه رواه الجماعة. # قوله: مسح رأسه زاد ابن الصباغ: كله وكذا في رواية ابن خزيمة. قوله: ~~فأقبل ما وأدبر قد اختلف في كيفية الاقبال والادبار المذكور في الحديث ~~فقيل: يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه ويذهب بهما إلى القفا، ثم يردهما ~~إلى المكان الذي بدأ منه وهو مبتدأ الشعر. ويؤيد هذا قوله: بدأ بمقدم رأسه ~~إلا أنه يشكل على هذه الصفة. قوله: فأقبل بهما وأدبر لأن الواقع فيها ~~بالعكس وهو أنه أدبر بهما وأقبل لأن الذهاب إلى جهة القفا إدبار. # وأجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب، والدليل على ذلك ما ثبت عند البخاري ~~من رواية عبد الله بن زيد بلفظ: فأدبر بيديه وأقبل ومخرج الطريقين متحد ~~فهما بمعنى واحد. # وأجيب أيضا بحمل قوله أقبل على البداءة بالقبل، وقوله أدبر على البداءة ~~بالدبر، فيكون من تسمية الفعل بابتدائه وهو أحد القولين لأهل الأصول في ~~تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو بانتهائه؟ قاله ابن سيد الناس في شرح ~~الترمذي. وقد أجيب بغير ذلك. وقيل: # يبدأ بمؤخر رأسه قوله ويمر إلى جهة الوجه ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ~~قوله أقبل وأدبر، ولكنه يعارضه قوله بدأ بمقدم رأسه. وقيل يبدأ بالناصية ~~ويذهب إلى ناحية الوجه ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس ثم يعود إلى ما بدأ منه ~~وهو الناصية. وفي هذه الصفة محافظة على قوله: بدأ بمقدم رأسه، وعلى قوله: ~~أقبل وأدبر، فإن الناصية مقدم الرأس والذهاب إلى ناحية الوجه إقبال. ~~والحديث يدل على مشروعية مسح جميع الرأس وهو مستحب باتفاق العلماء. قاله ~~النووي وعلل ذلك بأنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره. ~~وقد ذهب إلى وجوبه أكثر العترة ومالك والمزني والجبائي وإحدى الروايتين عن ~~أحمد بن حنبل وابن علية. وقال الشافعي: يجزي مسح بعض الرأس ولم يحده بحد، ~~قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وهو ms0225 قول الطبري. وقال أبو حنيفة: الواجب ~~الربع. وقال النووي والأوزاعي والليث: يجزي مسح بعض الرأس ويمسح المقدم وهو ~~قول أحمد وزيد بن علي والناصر والباقر والصادق. وأجاز الثوري والشافعي مسح ~~الرأس بأصبع واحدة. واختلفت الظاهرية فمنهم من أوجب الاستيعاب ومنهم من قال ~~يكفي البعض. احتج الأولون بحديث الباب. وحديث أنه مسح برأسه حتى بلغ القذال ~~عند PageV01P192 # أحمد وأبي داود من حديث طلحة بن مصرف ورد بأن الفعل بمجرده لا يدل على ~~الوجوب، وفي حديث طلحة بن مصرف مقال سيأتي تحقيقه. قالوا: قال الله تعالى: ~~* (وامسحوا برؤوسكم) * (المائدة: 6) والرأس حقيقة اسم لجميعه والبعض مجاز ~~ورد بأن الباء للتبعيض. وأجيب بأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد أنكره ~~سيبويه في خمسة عشر موضعا من كتابه. ورد أيضا بأن الباء تدخل في الآلة، ~~والمعلوم أن الآلة لا يراد استيعابها كمسحت رأسي بالمنديل، فلما دخلت الباء ~~في الممسوح كان ذلك الحكم أعني عدم الاستيعاب في الممسوح أيضا، قاله ~~التفتازاني. قالوا جعله جار الله مطلقا وحكم على المطلق بأنه مجمل، وبينه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستيعاب، وبيان المجمل الواجب واجب. ورد ~~بأن المطلق ليس بمجمل لصدقه على الكل والبعض، فيكون الواجب مطلق المسح كلا ~~أو بعضا وأياما كان وقع به الامتثال ولو سلم أنه مجمل لم يتعين مسح الكل ~~لورود البيان بالبعض عند أبي داود من حديث أنس بلفظ: أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة وعند ~~مسلم وأبي داود والترمذي من حديث المغيرة بلفظ: أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة قالوا: قال ابن القيم أنه لم يصح عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ~~ولكن كان إذا مسح بناصيته أكمل على العمامة، قال: وأما حديث أنس فمقصود أنس ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مس الشعر كله، ~~ولم ينف التكميل على العمامة وقد ms0226 أثبته حديث المغيرة، فسكوت أنس عنه لا يدل ~~على نفيه. وأيضا قال الحافظ: إن حديث أنس في إسناده نظر. وأجيب بأن النزاع ~~في الوجوب وأحاديث التعميم وإن كانت أصح وفيها زيادة وهي مقبولة لكن أين ~~دليل الوجوب وليس إلا مجرد أفعال؟ ورد بأنها وقعت بيانا للمجمل فأفادت ~~الوجوب. والانصاف أن الآية ليست من قبيل المجمل، وإن زعم ذلك الزمخشري وابن ~~الحاجب في مختصره والزركشي، والحقيقة لا تتوقف على مباشرة آلة الفعل بجميع ~~أجزاء المفعول، كما لا تتوقف في قولك ضربت عمرا على مباشرة الضرب لجميع ~~أجزائه، فمسح رأسه يوجد المعنى الحقيقي بوجود مجرد المسح للكل أو البعض، ~~وليس النزاع في مسمى الرأس فيقال هو حقيقة في جميعه، بل النزاع في إيقاع ~~المسح على الرأس، والمعنى الحقيقي للايقاع يوجد بوجود المباشرة، ولو كانت ~~المباشرة الحقيقية لا توجد إلا بمباشرة الحال لجميع المحل لقل وجود الحقائق ~~في PageV01P193 # هذا الباب بل يكاد يلحق بالعدم، فإنه يستلزم أن نحو ضربت زيدا أو أبصرت ~~عمرا من المجاز لعدم عموم الضرب والرؤية، وقد زعمه ابن جني منه وأورده ~~مستدلا به على كثرة المجاز والحاصل أن الوقوع لا يتوقف وجود معناه الحقيقي ~~على وجود المعنى الحقيقي لما وقع عليه الفعل، وهذا هو منشأ الاشتباه ~~والاختلاف، فمن نظر إلى جانب ما وقع عليه الفعل جزم بالمجاز، ومن نظر إلى ~~جانب الوقوع جزم بالحقيقة، وبعد هذا فلا شك في أولوية استيعاب المسح لجميع ~~الرأس وصحة أحاديثه ولكن دون الجزم بالوجوب مفاوز وعقاب. # وعن الربيع بنت معوذ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ عندها ~~ومسح برأسه فمسح الرأس كله من فوق الشعر كل ناحية لمنصب الشعر لا يحرك ~~الشعر عن هيئته رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخره ~~ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما رواه أبو داود والترمذي وقال: ~~حديث حسن. # هذه الروايات مدارها على ابن عقيل وفيه مقال مشهور لا سيما إذا عنعن وقد ~~فعل ذلك في جميعها. وأخرج هذا الحديث أحمد ms0227 بلفظ: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم توضأ عندها قالت فرأيته مسح على رأسه مجاري الشعر ما أقبل ~~منه وما أدبر ومسح صدغيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأخرجه بلفظ أحمد أبو ~~داود أيضا في رواية وأخرجه ابن ماجة والبيهقي، ومدار الكل على ابن عقيل ~~والرواية الأولى من حديث الباب تدل على أنه مسح مقدم رأسه مسحا مستقلا ~~ومؤخره كذلك، لأن المسح مرة واحدة لا بد فيه من تحريك شعر أحد الجانبين. ~~ووقع في نسخه من الكتاب مكان فوق فرق. وفي سنن أبي داود ثلاث نسخ هاتان ~~والثالثة قرن. والرواية الثانية من حديث الباب تدل على أن المسح مرتان ~~وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا، وتدل على البداءة بمؤخر الرأس، ~~وقد تقدم الكلام على الخلاف في صفته في حديث PageV01P194 # أول الباب. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وهذه الرواية محمولة على ~~الرواية بالمعني عند من يسمى الفعل بما ينتهي إليه كأنه حمل قوله ما أقبل ~~وما أدبر على الابتداء بمؤخر الرأس فأداها بمعناها عنده وإن لم يكن كذلك. ~~قال: ذكر معناه ابن العربي، ويمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فعل هذا لبيان الجواز مرة وكانت مواظبته على البداءة بمقدم الرأس، وما كان ~~أكثر مواظبة عليه كان أفضل، والبداءة بمؤخر الرأس محكية عن الحسن بن حي ~~ووكيع بن الجراح قال أبو عمر بن عبد البر: قد توهم بعض الناس في حديث عبد ~~الله بن زيد في قوله: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر أنه بدأ بمؤخر ~~رأسه، وتوهم غيره أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر، وهذه ظنون لا ~~تصح. وقد روي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ولا يصح، وأصح حديث في ~~هذا الباب حديث عبد الله بن زيد، والمشهور المتداول الذي عليه الجمهور ~~البداءة من مقدم الرأس إلى مؤخره انتهى. قوله: كل ناحية لمنصب الشعر المراد ~~بالناحية جهة مقدم الرأس وجهة مؤخره، أي مسح الشعر من ناحية انصبابه، ms0228 ~~والمنصب بضم الميم وتشديد الباء الموحدة آخره. قوله: لا يحرك الشعر عن ~~هيئته أي التي هو عليها، قال ابن رسلان: # وهذه الكيفية مخصوصة بمن له شعر طويل إذا رد يده عليه ليصل الماء إلى ~~أصوله ينتفش ويتضرر صاحبه بانتفاشه وانتشار بعضه، ولا بأس بهذه الكيفية ~~للمحرم فإنه يلزمه الفدية بانتثار شعره وسقوطه. وروي عن أحمد أنه سئل كيف ~~تمسح المرأة ومن له شعر طويل كشعره؟ فقال: إن شاء مسح كما روي عن الربيع ~~وذكر الحديث ثم قال: # هكذا ووضع يده على وسط رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث بدأ ~~منه ثم جرها إلى مؤخره. # وعن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ وعليه عمامة ~~قطرية فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو ~~داود. # الحديث، قال الحافظ: في إسناده نظر انتهى. وذلك لأن أبا مغفل الراوي عن ~~أنس مجهول وبقية إسناده رجال الصحيح، وأورده المصنف ههنا للاستدلال به على ~~الاكتفاء بمسح بعض الرأس، وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب. قوله: قطرية ~~بكسر القاف وسكون الطاء ويروى بفتحهما وهي نوع من البرود فيها حمرة. وقيل ~~هي PageV01P195 # حلل تحمل من البحرين موضع قريب عمان. قال الأزهري: ويقال لتلك القرية قطر ~~بفتح القاف والطاء فلما دخلت عليها ياء النسبة كسروا القاف وخففوا الطاء. ~~قوله: # فأدخل يده لفظ أبي داود: فأدخل يديه قال ابن رسلان: وفيه فضيلة مسح الرأس ~~بالكفين جميعا. قوله: فمسح مقدم رأسه قال ابن حجر: فيه دليل على الاجتزاء ~~بالمسح على الناصية، وقد نقل عن سلمة بن الأكوع أنه كان يمسح مقدم رأسه، ~~وابن عمر مسح اليافوخ. # باب هل يسن تكرار مسح الرأس أم لا عن أبي حية قال: رأيت عليا رضي الله ~~عنه توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ~~ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: ~~أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله ms0229 عليه وآله وسلم رواه ~~الترمذي وصححه. # وأخرجه أيضا ابن ماجة. وروي عن سلمة بن الأكوع مثله. وعن ابن أبي أوفى ~~مثله أيضا. ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بلفظ: ومسح برأسه مرة قال ~~الحافظ: وإسناده صالح. ورواه أبو علي بن السكن من حديث رزيق بن حكيم عن رجل ~~من الأنصار مثله. وأخرجه الطبراني من حديث عثمان مطولا وفيه يمسح برأسه مرة ~~واحدة، وهو في الصحيحين مطلق غير مقيد. وكذا حديث عبد الله بن زيد في ~~الصحيحين فإنه أطلق مسح الرأس ولم يقيده. قال الحافظ: وفي رواية يعني من ~~حديث عبد الله: ومسح برأسه مرة واحدة. وكذا حديث ابن عباس الآتي بعد هذا ~~فإنه قيد المسح فيه بمرة واحدة. وأخرج أبو داود من طريق ابن أبي ليلى قال: ~~رأيت عليا توضأ وفيه: ومسح برأسه واحدة ثم قال: هكذا توضأ رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأخرج أيضا من طريق ابن جريج أن عليا مسح برأسه مرة ~~واحدة. # وأخرج الترمذي من حديث الربيع بلفظ: أنها رأت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتوضأ قالت: مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة ~~واحدة وقال: # حسن صحيح. وفي تصحيحه نظر، فإنه رواه من طريق ابن عقيل. وروى النسائي من ~~حديث الحسين بن علي عن أبيه أنه مسح برأسه مرة واحدة. ورواه الإمام أحمد ~~PageV01P196 # والبيهقي من حديث عبد خير عن علي بلفظ مرة واحدة. ورواه البيهقي من حديث ~~زر بن حبيش بلفظ: ومسح رأسه حتى لما يقطر الماء. وأخرج النسائي من حديث ~~عائشة في تعليمها لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ومسحت ~~رأسها مسحة واحدة. # والحديث يدل على أن السنة في مسح الرأس أن يكون مرة واحدة، وقد اختلف في ~~ذلك، فذهب عطاء وأكثر العترة والشافعي إلى أنه يستحب تثليث مسحه كسائر ~~الأعضاء. # واستدلوا على ذلك بما في حديث علي وعثمان أنهما مسحا ثلاث مرات وفي كلا ~~الحديثين مقال. أما حديث علي فهو عند الدارقطني من ms0230 طريق عبد خير من رواية ~~أبي يوسف عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عنه وقال: إن أبا حنيفة خالف ~~الحفاظ في ذلك فقال ثلاثا وإنما هو مرة واحدة. وهو أيضا عند الدارقطني من ~~طريق عبد الملك بن سلع عن عبد خير بلفظ: ومسح برأسه وأذنيه ثلاثا ومنها عند ~~البيهقي في الخلافيات من طريق أبي حية عن علي وأخرجه البزار أيضا. ومنها ~~عند البيهقي في السنن من طريق محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي ~~في صفة الوضوء. وعند الطبراني وفيه عبد العزيز بن عبيد الله قال الحافظ: ~~وهو ضعيف. وأما حديث عثمان فرواه أبو داود: والبزار والدارقطني بلفظ: فمسح ~~رأسه ثلاثا وفي إسناده عبد الرحمن بن وردان. قال أبو حاتم: ما به بأس وقال ~~ابن معين: صالح وذكره ابن حبان في الثقات وتابعه هشام بن عروة، أخرجه ~~البزار وأخرجه أيضا من طريق عبد الكريم عن حمران وإسناده ضعيف. ورواه أيضا ~~من حديث أبي علقمة مولى ابن عباس عن عثمان وفيه ضعف. ورواه أبو داود وابن ~~خزيمة والدارقطني من طريق عامر بن شقيق بلفظ: ومسح برأسه ثلاثا ثم قال رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل مثل هذا وعامر بن شقيق مختلف فيه. ~~ورواه أحمد والدارقطني وابن السكن وفي إسناده ابن دارة مجهول الحال. ورواه ~~البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح عن عثمان وفيه انقطاع. ورواه الدارقطني ~~وفيه ابن البيلماني وهو ضعيف جدا عن أبيه وهو أيضا ضعيف. # ورواه أيضا بإسناد فيه إسحاق بن يحيى وليس بالقوي. ورواه البزار عن عثمان ~~بلفظ: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وإسناده حسن وهو عند ~~مسلم والبيهقي من وجه آخر، هكذا بدون تعرض لذكر المسح، قال البيهقي: روي من ~~أوجه غريبة عن عثمان وفيها مسح الرأس ثلاثا: إلا أنها مع خلاف الحفاظ ~~الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة PageV01P197 # وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها. ومثله مقالة أبي داود التي سيذكرها المصنف ~~آخر ms0231 الباب ومال ابن الجوزي في كشف المشكل إلى تصحيح التكرير. وقال أبو عبيد ~~القاسم بن سلام: لا نعلم أحدا من السلف جاء عنه استكمال الثلاث في مسح ~~الرأس إلا عن إبراهيم التيمي، قال: الحافظ: وقد رواه ابن أبي شيبة عن سعيد ~~بن جبير وعطاء وزاذان وميسرة. # وأورده أيضا من طريق أبي العلاء عن قتادة عن أنس. قال: وأغرب ما يذكر هنا ~~أن الشيخ أبا حامد الأسفراييني حكى عن بعضهم أنه أوجب الثلاث، وحكاه صاحب ~~الإبانة عن ابن أبي ليلى. وذهب مجاهد والحسن البصري وأبو حنيفة والمؤيد ~~بالله وأبو نصر من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يستحب تكرار مسح الرأس، ~~واحتجوا بما في الصحيحين من حديث عثمان وعبد الله بن زيد من إطلاق مسح ~~الرأس مع ذكر تثليث غيره من الأعضاء. وبحديث الباب وما ذكرناه بعده من ~~الروايات المصرحة بالمرة الواحدة، والانصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى ~~درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح ~~من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد ~~وغيرهما هو المتعين، لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة ~~الواحدة. وحديث من زاد على هذا فقد أساء وظلم الذي صححه ابن خزيمة وغيره ~~قاض بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم هذه المقالة، كيف وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث ~~التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة ثم قال من زاد. قال الحافظ في الفتح: ~~ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب ~~بالمسح لا إنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة. # (فائدة) ورد ذكر مسح الرأس مرتين عند النسائي من رواية عبد الله بن زيد. ~~ومن حديث الربيع عند الترمذي وأبي داود وفيه المقال الذي تقدم. # وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يتوضأ، فذكر الحديث كله ثلاثا ms0232 ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة رواه ~~أحمد وأبو داود. ولأبي داود: عن عثمان رضي الله عنه: أنه توضأ مثل ذلك وقال ~~هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ. # الحديث الأول أعله الدارقطني وتعقبه أبو الحسن بن القطان فقال: ما أعله ~~به ليس PageV01P198 # علة وأنه إما صحيح أو حسن. والحديث الثاني قد تقدم الكلام عليه في الذي ~~قبله. # قال المصنف رحمه الله: وقد سبق حديث عثمان المتفق عليه بذكر العدد ثلاثا ~~ثلاثا إلا في الرأس، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح ~~الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه ولم يذكروا ~~عددا كما ذكروا في غيره انتهى. # باب أن الاذنين من الرأس وأنهما تمسحان بمائه قد سبق في ذلك حديث ابن ~~عباس رضي الله عنه. ولابن ماجة من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: الأذنان من الرأس. # أراد بحديث ابن عباس الحديث قيل هذا الباب بلفظ: مسح برأسه وأذنيه مسحة ~~واحدة. وفي الباب عن أبي أمامة عند أبي داود والترمذي وابن ماجة قال ~~الحافظ: # إنه مدرج، قال الترمذي: وليس إسناده بذلك القائم. وعن عبد الله بن زيد ~~قواه المنذري وابن دقيق العيد. قال الحافظ: وقد ثبت أنه مدرج. وعن ابن عباس ~~رواه البزار وأعله الدارقطني بالاضطراب وقال: إنه وهم والصواب أنه مرسل. ~~وعن أبي هريرة عند ابن ماجة وفيه عمرو بن الحصين وهو متروك. وعن أبي موسى ~~عند الدارقطني واختلف في وقفه ورفعه وصوب الوقف قال الحافظ: وهو منقطع. وعن ~~ابن عمر عند الدارقطني وأعله أيضا. وعن عائشة عند الدارقطني أيضا وفيه محمد ~~بن الأزهر وقد كذبه أحمد. # وعن أنس عند الدارقطني أيضا من طريق عبد الحكم عن أنس وهو ضعيف. وحديث ~~أبي أمامة وابن عباس أجود ما في الباب، قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ~~وأما حديث أنس وابن عمر وأبي موسى وعائشة فواهية والحديث يدل على أن ~~الاذنين من الرأس فيمسحان معه وهو مذهب ms0233 الجمهور. ومن العلماء من قال: هما ~~من الوجه. # ومنهم من قال: المقيل من الوجه والمدبر من الرأس. وقد ذكرنا نسبة ذلك إلى ~~القائلين به في باب تعاهد المأقين. قال الترمذي والعمل: على هذا يعني كون ~~الاذنين من الرأس عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومن بعدهم، وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق. واعتذر ~~القائلون بأنهما ليستا من الرأس يضعف الأحاديث التي فيها الأذنان من الرأس ~~حتى قال ابن الصلاح: أن ضعفها كثير لا ينجبر PageV01P199 # بكثرة الطرق، ورد بأن حديث ابن عباس قد صرح أبو الحسن بن القطان أن ما ~~أعله به الدارقطني ليس بعلة وصرح بأنه إما صحيح أو حسن. واختلف في مسح ~~الاذنين هل هو واجب أم لا؟ فذهبت القاسمية وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل ~~إلى أنه واجب، وذهب من عداهم إلى عدم الوجوب. واحتجوا بحديث ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح داخلهما بالسبابتين وخالف بإبهاميه إلى ~~ظاهرهما فمسح ظاهرهما وباطنهما أخرجه النسائي وابن ماجة وابن حبان في ~~صحيحه، والحاكم والبيهقي، وصححه ابن خزيمة وابن منده، وقال ابن منده: لا ~~يعرف مسح الاذنين من وجه يثبت إلا من هذه الطريق. وبحديث الربيع وطلحة بن ~~مصرف والصنابحي، وأجيب عن ذلك بأنها أفعال لا تدل على الوجوب. قالوا: ~~أحاديث الأذنان من الرأس بعضها يقوي بعضا وقد تضمنت أنهما من الرأس، فيكون ~~الامر بمسح الرأس أمرا بمسحهما فيثبت وجوبه بالنص القرآني. وأجيب بعدم ~~انتهاض الأحاديث الواردة لذلك والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا ~~بدليل ناهض، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل. # وعن الصنابحي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا توضأ العبد ~~المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه وذكر الحديث وفيه: فإذا مسح برأسه خرجت ~~الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه رواه مالك والنسائي وابن ماجة. # الحديث رجاله رجال الصحيح، وقد ذكرناه في باب غسل ما استرسل من اللحية ~~والكلام على أطرافه قد ms0234 سبق هنالك. وقد سلفه المصنف هنا للاستدلال به على أن ~~الاذنين يمسحان مع الرأس، قال: فقوله تخرج من أذنيه إذا مسح رأسه دليل على ~~أن الاذنين داخلتان في مسماه ومن جملته انتهى. وقد اختلف الناس في ذلك وقد ~~تقدم ذكر الخلاف، واختلفوا هل يمسحان ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ فذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والمؤيد بالله إلى أنه يؤخذ لهما ماء جديد؟ ~~وذهب الهادي والثوري، وأبو حنيفة إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد. قال ~~ابن عبد البر: وروي عن جماعة مثل هذا القول من الصحابة والتابعين. واحتج ~~الأولون بما في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أنه توضأ فمسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به الرأس أخرجه ~~الحاكم من طريق حرملة عن ابن وهب؟ قال الحافظ: # إسناده ظاهره الصحة وأخرجه البيهقي من طريق عثمان الدارمي عن الهيثم بن ~~خارجة عن PageV01P200 # ابن وهب بلفظ: فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه وقال: هذا ~~إسناد صحيح، لكن ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الامام أنه رأى في ~~رواية ابن المقبري عن ابن قتيبة عن حرملة بهذا الاسناد ولفظه: ومسح برأسه ~~بماء غير فضل يديه لم يذكر الاذنين، قال الحافظ قلت: كذا هو في صحيح ابن ~~حبان عن ابن سلم عن حرملة، وكذا رواه الترمذي عن علي بن خشرم عن ابن وهب. ~~وقال عبد الحق: ورد الامر بتجديد الماء للأذنين من حديث نمران بن جارية عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعقبه ابن القطان بأن الذي في ~~رواية جارية بلفظ: خذ للرأس ماء جديدا رواه البزار والطبراني وروي في ~~الموطأ عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه ~~وصرح الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ذكر حديث البيهقي السابق أن المحفوظ ما ~~عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه وأجاب القائلون ~~أنهما يمسحان بماء ms0235 الرأس بما سلف من إعلال هذا الحديث: قالوا: فيوقف على ما ~~ثبت من مسحهما مع الرأس كما في حديث ابن عباس والربيع وغيرهما. قال ابن ~~القيم في الهدي: لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديدا وإنما صح ذلك عن ابن ~~عمر. # باب مسح ظاهر الاذنين وباطنهما عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه الترمذي وصححه والنسائي: مسح ~~برأسه وأذنيه باطنهما بالمسبحتين وظاهرهما بإبهاميه. # وصححه ابن خزيمة وابن منده وأخرجه ابن ماجة والحاكم والبيهقي بألفاظ ~~مقاربة للفظ الكتاب. قال ابن منده ولا يعرف مسح الاذن من وجه يثبت إلا من ~~هذه الطريق. قال الحافظ: وكأنه عني بهذا التفصيل والوصف. وفي المستدرك ~~للحاكم من حديث الربيع بنت معوذ باللفظ الذي مر في باب مسح الرأس كله. ~~وأخرجه أيضا من حديث أنس مرفوعا والصواب أنه عن ابن مسعود موقوفا. وأخرج ~~أبو داود والطحاوي من حديث المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم مسح في وضوئه رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في ~~صماخي أذنيه قال الحافظ: وإسناده حسن، وعزاه النووي تبعا لابن الصلاح إلى ~~النسائي وهو وهم. وفي الباب عن عثمان عند PageV01P201 # أحمد والحاكم والدارقطني. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه الطحاوي. # والحديث يدل على مشروعية مسح الاذنين ظاهرا وباطنا، وقد تقدم الخلاف فيه ~~في الباب الذي قبل هذا، ولم يذكر فيه للأذنين ماء جديدا، وبه تمسك من قال: ~~يمسحان ببقية ماء الرأس، وقد تقدم الكلام فيه في الحديث الذي قبله. # باب مسح الصدغين وأنهما من الرأس عن الربيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ فمسح برأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر ~~وصدغيه وأذنيه مرة واحدة رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. # حديث الربيع قد تقدم الكلام عليه في باب مسح الرأس كله، وتقدم أن مدار ~~جميع رواياته على ابن عقيل وفيه مقال. قوله: وصدغيه الصدغ بضم ms0236 الصاد ~~المهملة وسكون الدال الموضع الذي بين العين والاذن والشعر المتدلي على ذلك ~~الموضع. # والحديث يدل على مشروعية مسح الصدغ والاذن. وأن مسحهما مع الرأس. وأنه ~~مرة واحدة وقد تقدم الكلام على ذلك. # باب مسح العنق عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: أنه رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق ~~رواه أحمد. # الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. قال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ~~ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه يحيى بن القطان ~~وابن مهدي وابن معين وأحمد بن حنبل. قال النووي في تهذيب الأسماء: اتفق ~~العلماء على ضعفه. وأخرج الحديث أبو داود، وذكر له علة أخرى عن أحمد بن ~~حنبل قال: كان ابن عيينة ينكره ويقول: إيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن ~~جده؟ وكذا حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني وزاد: سألت عبد الرحمن بن ~~مهدي عن اسم جده فقال: عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو وكانت له صحبة. وقال ~~الدوري عن ابن معين: # المحدثون يقولون إن جد طلحة رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ~~يقولون PageV01P202 # ليست له صحبة. وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلا من ولد طلحة يقول: إن ~~لجده صحبة. وقال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنه فلم يثبته وقال: إن ~~طلحة هذا يقال إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: طلحة بن مصرف، قال: ولو ~~كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه. وقال ابن القطان: علة الخبر عندي الجهل ~~بحال مصرف بن عمرو والد طلحة وصرح بأنه طلحة بن مصرف. وكذلك صرح بذلك ابن ~~السكن وابن مردويه في كتاب أولاد المحدثين، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، ~~وابن أبي خيثمة أيضا وخلق. # وفي الباب حديث: مسح الرقبة أمان من الغل قال ابن الصلاح: هذا الخبر غير ~~معروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من ms0237 قول بعض السلف. وقال النووي ~~في شرح المهذب: هذا حديث موضوع ليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقال في موضع آخر. لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه شئ، قال: ~~وليس هو بسنة بل بدعة. # وقال ابن القيم في الهدي: لم يصح عنه في مسح العنق حديث البتة. وروى ~~القاسم بن سلام في كتاب الطهور عن عبد الرحمن بن مهدي عن المسعودي عن ~~القاسم بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة قال: من مسح قفاه مع رأسه وقي الغل ~~يوم القيامة. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: فيحتمل أن يقال هذا، وإن كان ~~موقوفا فله حكم الرفع لأن هذا لا يقال من قبيل الرأي فهو على هذا مرسل ~~انتهى. وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان قال: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد ~~الرحمن بن داود، حدثنا عثمان بن خرزاذ، حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، حدثنا ~~محمد بن عمرو الأنصاري، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ مسح ~~عنقه ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # من توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة والأنصاري هذا واه. قال ~~الحافظ: # قرأت جزءا رواه أبو الحسين بن فارس بإسناده عن فليح بن سليمان عن نافع عن ~~ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من توضأ ومسح بيديه على ~~عنقه وقي الغل يوم القيامة وقال: إن شاء الله هذا حديث صحيح. قلت: بين ابن ~~فارس وفليح مفازة فلينظر فيها انتهى. وهو في كتب أئمة العترة في أمالي أحمد ~~بن عيسى وشرح التجريد بإسناد متصل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ~~فيه الحسين بن علوان عن أبي خالد الواسطي بلفظ: من توضأ ومسح سالفتيه وقفاه ~~أمن الغل يوم القيامة وكذا رواه في أصول الاحكام والشفاء. ورواه في التجريد ~~عن علي عليه PageV01P203 # السلام من طريق محمد ابن الحنفية في حديث طويل وفيه: أنه لما مسح رأسه ~~مسح عنقه ms0238 وقال له بعد فراغه من الطهور: افعل كفعالي هذا وبجميع هذا تعلم أن ~~قول النووي مسح الرقبة بدعة وأن حديثه موضوع مجازفة، وأعجب من هذا قوله ولم ~~يذكره الشافعي ولا جمهور الأصحاب وإنما قاله ابن القاص وطائفة يسيرة، فإنه ~~قال الروياني من أصحاب الشافعي في كتابه المعروف بالبحر ما لفظه: قال ~~أصحابنا: هو سنة، وتعقب النووي أيضا ابن الرفعة بأن البغوي وهو من أئمة ~~الحديث قد قال باستحبابه، قال: ولا مأخذ لاستحبابه إلا خبر أو أثر، لأن هذا ~~لا مجال للقياس فيه. قال الحافظ: ولعل مستند البغوي في استحباب مسح القفا ~~ما رواه أحمد وأبو داود وذكر حديث الباب، ونسب حديث الباب ابن سيد الناس في ~~شرح الترمذي إلى البيهقي أيضا قال: وفيه زيادة حسنة وهي مسح العنق. فانظر ~~كيف صرح هذا الحافظ بأن هذه الزيادة المتضمنة لمسح العنق حسنة ثم قال قال ~~المقدسي: وليث متكلم فيه، وأجاب عن ذلك بأن مسلما قد أخرج له، واختلف ~~القائلون باستحباب مسح الرقبة هل تمسح ببقية ماء الرأس أو بماء جديد؟ فقال ~~الهادي والقاسم: # تمسح ببقية ماء الرأس، وقال المؤيد بالله والمنصور بالله ونسبه في البحر ~~إلى الفريقين: # إنها تمسح بماء جديد. # باب جواز المسح على العمامة عن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على عمامته وخفيه رواه أحمد والبخاري وابن ~~ماجة. وعن بلال قال: # مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخفين والخمار رواه الجماعة ~~إلا البخاري وأبا داود. وفي رواية لأحمد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: امسحوا على الخفين والخمار. وعن المغيرة بن شعبة قال: توضأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومسح على الخفين والعمامة رواه الترمذي وصححه. # أخرج حديث المغيرة بن شعبة أيضا مسلم في صحيحه بلفظ: فمسح بناصيته وعلى ~~العمامة وعلى الخفين ولم يخرجه البخاري: قال الحافظ: وقد وهم المنذري فعزاه ~~إلى المتفق عليه، وتبع في ذلك ابن الجوزي فوهم وقد تعقبه ابن عبد ms0239 الهادي، ~~وصرح عبد الحق في الجمع بين الصحيحين أنه من أفراد مسلم، وقد أعل حديث عمرو ~~بن أمية PageV01P204 # المذكور في الباب بتفرد الأوزاعي بذكر العمامة، حتى قال ابن بطال أنه قال ~~الأصيلي ذكر العمامة في هذا الباب من خطأ الأوزاعي لأن شيبان وغيره رووه عن ~~يحيى بدونها، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحد، قال: وأما متابعة معمر ~~فليس فيها ذكر العمامة وهي أيضا مرسلة لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قال ~~الحافظ: سماعه منه ممكن فإنه مات بالمدينة سنة ستين وأبو سلمة مدني ولم ~~يوصف بتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو، وقد أخرجه ابن منده من طريق ~~معمر بإثبات ذكر العمامة فيه، وعلى تقدير تفرد الأوزاعي بذكرها لا يستلزم ~~ذلك تخطئته، لأنها تكون من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته فتقبل ولا ~~تكون شاذة، ولا معنى لرد الروايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية. وقد ~~أطال الكلام على ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي فليرجع إليه. # وفي الباب عن أبي أمامة عند الطبراني بلفظ: مسح رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على الخفين والعمامة في غزوة تبوك وعن أبي موسى الأشعري عند ~~الطبراني أيضا بلفظ: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمسح على الجوربين ~~والنعلين والعمامة قال الطبراني: تفرد به عيسى بن سنان. وعن خزيمة بن ثابت ~~عند الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمسح على الخفين ~~والخمار وعن أبي طلحة في كتاب مكارم الأخلاق للخرائطي بلفظ: مسح رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الخمار والخفين وقد روي عن جماعة من الصحابة. ~~وفي الباب عن سلمان وثوبان وسيأتي ذلك. وقد اختلف الناس في المسح على ~~العمامة، فذهب إلى جوازه الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن ~~علي، وقال الشافعي: إن صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبه ~~أقول: قال الترمذي وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ms0240 منهم أبو بكر وعمر وأنس، ورواه ابن رسلان عن أبي أمامة وسعد ~~بن مالك وأبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول. وروى ~~الخلال بإسناده عن عمر أنه قال: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره ~~الله. ورواه في الفتح عن الطبري وابن خزيمة وابن المنذر. واختلفوا هل يحتاج ~~الماسح على العمامة إلى لبسها على طهارة أو لا يحتاج؟ فقال أبو ثور: لا ~~يمسح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة قياسا على الخفين ولم ~~يشترط ذلك الباقون، وكذلك اختلفوا في التوقيت فقال أبو ثور أيضا: إن وقته ~~كوقت المسح على الخفين، PageV01P205 # وروى مثل ذلك عن عمر والباقون لم يوقتوا. قال ابن حزم: إن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مسح على العمامة والخمار ولم يوقت ذلك بوقت. وفيه أن ~~الطبراني قد روى من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان ~~يمسح على الخفين والعمامة ثلاثا في السفر ويوما وليلة في الحضر لكن في ~~إسناده مروان أبو سلمة. قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي. وقال البخاري: منكر ~~الحديث. وقال الأزدي: ليس بشئ. # وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح. استدل القائلون بجواز ~~المسح على العمامة بما ذكره المصنف وذكرناه في هذا الباب من الأحاديث. وذهب ~~الجمهور كما قاله الحافظ في الفتح إلى عدم جواز الاقتصار على مسح العمامة، ~~ونسبه المهدي في البحر إلى الكثير من العلماء. قال الترمذي: وقال غير واحد ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح ~~برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك ~~والشافعي، وإليه ذهب أيضا أبو حنيفة، واحتجوا بأن الله فرض المسح على ~~الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح ~~على العمامة ليس بمسح على الرأس، ورد بأنه أجزأ المسح على الشعر ولا يسمى ~~رأسا. (فإن قيل) يسمى رأسا مجازا بعلاقة المجاورة. قيل: والعمامة كذلك بتلك ~~العلاقة فإنه يقال: ms0241 قبلت رأسه والتقبيل على العمامة. والحاصل أنه قد ثبت ~~المسح على الرأس فقط وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ~~ثابت، فقصر الاجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين. قوله: ~~والخمار هو بكسر الخاء المعجمة النصيف، وكل ما ستر شيئا فهو خماره، كذا في ~~القاموس، والمراد به هنا العمامة كما صرح بذلك النووي في شرح مسلم قال: ~~لأنها تخمر الرأس أي تغطيه. ويؤيده الحديث الذي بعد هذا. # وعن سلمان: أنه رأى رجلا قد أحدث وهو يريد أن يخلع خفيه فأمره سلمان أن ~~يمسح على خفيه وعلى عمامته وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يمسح على خفيه وعلى خماره. وعن ثوبان قال رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم توضأ ومسح على الخفين والخمار رواهما أحمد. وعن ثوبان قال: بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا ~~على العصائب والتساخين رواه أحمد وأبو داود. العصائب: العمائم، والتساخين: ~~الخفاف. PageV01P206 # حديث سلمان أخرجه أيضا الترمذي في العلل ولكنه قال مكان وعلى خماره وعلى ~~ناصيته، وفي إسناده أبو شريح، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه ما ~~اسمه؟ # فقال: لا أدري لا أعرف اسمه. وفي إسناده أيضا أبو مسلم مولى زيد بن صوحان ~~وهو مجهول، قال الترمذي: لا أعرف اسمه ولا أعرف له غير هذا الحديث. وأما ~~حديث ثوبان الأول فأخرجه أيضا الحاكم والطبراني وحديثه الثاني في إسناده ~~راشد بن سعد عن ثوبان قال الخلال في علله: إن أحمد قال: لا ينبغي أن يكون ~~راشد بن سعد سمع من ثوبان لأنه مات قديما. والأحاديث تدل على أنه يجزئ ~~المسح على العمامة وقد تقدم الكلام عليه وتدل على جواز المسح على الخف ~~وسيأتي قوله: العصائب هي العمائم، كما قال المصنف، وبذلك فسرها أبو عبيد، ~~سميت بذلك لأن الرأس يعصب بها، فكل ما عصبت به رأسك من ms0242 عمامة ومنديل أو ~~عصابة فهو عصابة. قوله: والتساخين بفتح التاء الفوقية والسين المهملة ~~المخففة وبالخاء المعجمة هي الخفاف كما قال المصنف رحمه الله قال ابن ~~رسلان: ويقال أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، ولا واحد ~~لهما من لفظها، وقيل: # واحدها تسخان وتسخين، هكذا في كتب اللغة والغريب. # باب مسح ما يظهر من الرأس غالبا مع العمامة عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين متفق ~~عليه. # قد قدمنا أن البخاري لم يخرجه، وأن المنذري وابن الجوزي وهما في ذلك كما ~~قاله الحافظ. والمصنف قد تبعهما في ذلك فتنبه. وهو يدل على ما ذهب إليه ~~الشافعي ومن معه من أنه لا يجوز الاقتصار على العمامة بل لا بدمع ذلك من ~~المسح على الناصية، وقد تقدم في الباب الأول ذكر الخلاف والأدلة وما هو ~~الحق. # باب غسل الرجلين وبيان أنه الفرض عن عبد الله بن عمر قال: تخلف عنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا ~~نتوضأ ونمسح على أرجلنا قال: فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين ~~أو ثلاثا متفق عليه. أرهقنا العصر: # أخرناها، ويروى أرهقتنا العصر بمعنى دنا وقتها. PageV01P207 # في الباب أحاديث غير ما ذكره المصنف في هذا الكتاب. منها عن عائشة عند ~~مسلم، وعن معيقيب عند أحمد وقد علل. وقيل: ليس بشئ. وعن خالد بن الوليد ~~ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل ابن حسنة. وعمرو بن العاص عند ابن ماجة بلفظ: # أتموا الوضوء ويل للأعقاب من النار وعن عبد الله بن عمر عند ابن أبي ~~شيبة، وعن أبي أمامة عند ابن أبي شيبة أيضا. وقد روي من حديث أبي أمامة، ~~ومن حديث أخيه، ومن حديثهما معا، ومن حديث أحدهما على الشك قاله ابن سيد ~~الناس. وعن عمر بن الخطاب عند مسلم، وعن أبي ذر الغفاري وفيه أبو أمية وهو ~~ضعيف، وعن خالد بن معدان عند أحمد. قوله: في ms0243 سفرة وقع في صحيح مسلم أنها ~~كانت من مكة إلى المدينة. قوله: أرهقنا قال الحافظ: بفتح الهاء والقاف، ~~والعصر مرفوع. بالفاعلية كذا لأبي ذر. وفي رواية كريمة بإسكان القاف، ~~والعصر منصوب بالمفعولية. ويقوي الأول رواية الأصيلي: أرهقنا بفتح القاف ~~بعدها مثناة ساكنة، ومعنى الارهاق الادراك والغشيان، قال ابن بطال: كأن ~~الصحابة أخروا الصلاة في أول الوقت طمعا أن يلحقهم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء، ولعجلتهم لم ~~يسبغوه فأدركهم على ذلك فأنكر عليهم. قوله: ونمسح على أرجلنا انتزع منه ~~البخاري أن الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض ~~الرجل، قال الحافظ: وهذا ظاهر الرواية المتفق عليها. وفي أفراد مسلم: ~~فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسها الماء فتمسك بهذا من يقول ~~بإجزاء المسح ويحمل الانكار على ترك التعميم، لكن الرواية المتفق عليها ~~أرجح، فتحمل هذه الرواية عليها بالتأويل وهو أن معنى قوله: لم يمسها الماء ~~أي ماء الغسل جمعا بين الروايتين. وأصرح من ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال ذلك. قوله: ~~ويل جاز الابتداء بالنكرة لأنها دعاء والويل واد في جهنم رواه ابن حبان في ~~صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا، والعقب مؤخر القدم وهي مؤنثة ويكسر القاف ~~ويسكن، وخص العقب بالعذاب لأنها التي لم تغسل أو أراد صاحب العقب فحذف ~~المضاف. والحديث يدل على وجوب غسل الرجلين وإلى ذلك ذهب الجمهور، قال ~~النووي: اختلف الناس على مذاهب، فذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في ~~الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ مسحهما، ~~ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد PageV01P208 # يعتد به في الاجماع، قال الحافظ في الفتح: ولم يثبت عن أحد من الصحابة ~~خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى: # أجمع أصحاب رسول ms0244 الله صلى الله عليه وآله وسلم على غسل القدمين، رواه ~~سعيد بن منصور، وادعى الطحاوي وابن حزم أن المسح منسوخ، وقالت الامامية ~~الواجب مسحهما. # وقال محمد بن جرير الطبري والجبائي والحسن البصري أنه مخير بين الغسل ~~والمسح. # وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين الغسل والمسح. واحتج من لم يوجب غسل ~~الرجلين بقراءة الجر في قوله: * (وأرجلكم) * (المائدة: 6) وهو عطف على ~~قوله: * (برؤوسكم) * (المائدة: 6) قالوا: وهي قراءة صحيحة سبعية مستفيضة، ~~والقول بالعطف على غسل الوجوه، وإنما قرئ بالجر للجوار، وقد حكم بجوازه ~~جماعة من أئمة الاعراب كسيبويه والأخفش لا شك أنه قليل نادر مخالف للظاهر ~~لا يجوز حمل المتنازع فيه عليه. قلنا: أوجب الحمل عليه مداومته صلى الله ~~عليه وآله وسلم على غسل الرجلين وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح وتوعده ~~على المسح بقوله: ويل للأعقاب من النار ولأمره بالغسل كما ثبت في حديث جابر ~~عند الدارقطني بلفظ: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأنا ~~للصلاة أن نغسل أرجلنا ولثبوت ذلك من قوله صلى الله عليه وآله وسلم كما في ~~حديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة، وقد سلف ذكر طرف من ذلك في باب غسل المسترسل ~~من اللحية. # ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن توضأ وضوءا غسل فيه قدميه: فمن ~~زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن ~~خزيمة من طرق صحيحة وصححه ابن خزيمة. ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل ~~نقص. وبقوله للأعرابي توضأ كما أمرك الله ثم ذكر له صفة الوضوء وفيها غسل ~~الرجلين. وبإجماع الصحابة على الغسل فكانت هذه الأمور موجبة لحمل تلك ~~القراءة على ذلك الوجه النادر، قالوا: أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي ~~أوس الثقفي: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى كظامة قوم ~~فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه قلنا: في رجال إسناده يعلى بن عطاء عن أبيه ~~وقد أعله ابن القطان بالجهالة في عطاء، وبأن ms0245 في الرواة من يرويه عن أوس بن ~~أبي أوس عن أبيه، فزيادة عن أبيه توجب كون أوس من التابعين فيحتاج إلى ~~النظر في حاله، وأيضا في رجال إسناده هشيم عن يعلى، قال أحمد: لم يسمع هشيم ~~هذا من يعلى مع ما عرف من تدليس هشيم. ويمكن الجواب عن هذه بأنه قد وثق ~~عطاء PageV01P209 # هذا أبو حاتم، وذكر أوس بن أبي أوس أبو عمر بن عبد البر في الصحابة، وبأن ~~هشيما قد صرح بالتحديث عن يعلى في رواية سعيد بن منصور فأزال إشكال عنعنة ~~هشيم، ولكن قال أبو عمر في ترجمة أوس بن أبي أوس: وله أحاديث منها في المسح ~~على القدمين وفي إسناده ضعف، فلا يكون الحديث مع هذا حجة لا سيما بعد تصريح ~~أحمد بعدم سماع هشيم من يعلى. قالوا: أخرج الطبراني عن عباد بن تميم عن ~~أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ ويمسح على رجليه ~~قلنا: قال أبو عمر في صحبة تميم هذا نظر وضعف حديثه المذكور. قالوا: أخرج ~~الدارقطني عن رفاعة بن رافع مرفوعا بلفظ: # لا تتم صلاة أحدكم وفيه ويمسح برأسه ورجليه قلنا: إن صح فلا ينتهض ~~لمعارضة ما أسلفنا فوجب تأويله لمثل ما ذكرنا في الآية، قال ابن سيد الناس ~~في شرح الترمذي: قال الحازمي بعد ذكره حديث أوس بن أبي أوس المتقدم من طريق ~~يحيى بن سعيد: لا يعرف هذا الحديث مجودا متصلا إلا من حديث يعلى، وفيه ~~اختلاف وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه، ثم أورده من طريق هشيم وفي ~~آخره قال هشيم: كان هذا في أول الاسلام. وأما الموجبون للمسح وهم الامامية ~~فلم يأتوا مع مخالفتهم للكتاب والسنة المتواترة قولا وفعلا بحجة نيرة، ~~وجعلوا قراءة النصب عطفا على محل قوله: برؤوسكم. ومنهم من يجعل الباء ~~الداخلة على الرؤوس زائدة والأصل: امسحوا رؤوسكم وأرجلكم، وما أدري بماذا ~~يجيبون عن الأحاديث المتواتر. # (فائدة) قد صرح العلامة الزمخشري في كشافه بالنكتة المقتضية لذكر الغسل ~~والمسح في الأرجل فقال: هي ms0246 توقي الاسراف لأن الأرجل مظنة لذلك، وذكر غيره ~~غيرها فليطلب ذلك في مظانه. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبه ~~فقال: ويل للأعقاب من النار رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله قال: رأى ~~PageV01P210 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوما توضأوا ولم يمس أعقابهم الماء ~~فقال: ويل للأعقاب من النار رواه أحمد. وعن عبد الله بن الحرث قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ويل للأعقاب وبطون الاقدام من ~~النار رواه أحمد والدار قطني. وعن جرير بن حازم عن قتادة عن أنس بن مالك: ~~أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد توضأ وترك على ظهر ~~قدميه مثل موضع الظفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارجع ~~فأحسن وضوءك رواه أحمد وأبو داود والدارقطني. وقال: تفرد به جرير بن حازم ~~عن قتادة وهو ثقة. # حديث أبي هريرة هو في الصحيحين من حديث محمد بن زياد. ورواه البخاري عن ~~آدم ومسلم عن قتيبة وابن أبي شيبة. وأخرجاه أيضا من حديث ابن سيرين عنه، ~~ورواه ابن ماجة وغيره. وحديث جابر رواه ابن ماجة أيضا بإسناد رجاله ثقات. ~~وحديث عبد الله بن الحرث رواه من ذكره المصنف ولم يتكلم عليه أحد بشئ في ~~إسناده، وقد قال في مجمع الزوائد أن رجاله ثقات. وحديث أنس رواه ابن ماجة ~~أيضا وابن خزيمة، إلا أنه قال الحافظ: إن أبا داود رواه من طريق خالد بن ~~معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحوه. قال البيهقي: هو ~~مرسل، وكذا قال ابن القطان: وفيه بحث. قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا ~~إسناد جيد؟ قال: نعم، قال فقلت له: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم. ~~وأعله المنذري بأن فيه بقية وقال عن بجير وهو مدلس. وفي المستدرك تصريح ~~بقية بالتحديث. وأطلق ms0247 النووي أن الحديث ضعيف الاسناد. قال الحافظ: وفي هذا ~~الاطلاق نظر. وأما حديث ابن عمر عن أبي بكر وعمر قالا: جاء رجل وقد توضأ ~~وبقي على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # ارجع فأتم وضوءك ففعل. فرواه الدارقطني ورواه الطبراني عن أبي بكر وفيه ~~المغيرة بن صقلاب عن الوازع بن نافع. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا باطل ~~والوازع ضعيف، وذكره العقيلي في الضعفاء في ترجمة المغيرة وقال: لا يتابعه ~~عليه إلا مثله. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود: أن رجلا سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن الرجل يغتسل من الجنابة فيخطئ بعض جسده فقال: ليغسل ~~ذلك المكان ثم ليصل وفي إسناده عاصم بن عبد العزيز. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه أمر بإعادة الوضوء، وأعله PageV01P211 # ابن أبي حاتم بالارسال وأصله في صحيح مسلم، وأبهم المتوضئ. ولفظه فقال: ~~ارجع فأحسن وضوءك وهو يدل على وجوب الإعادة إذا ترك غسل مثل ذلك المقدار من ~~مواضع الوضوء، وسيأتي الكلام على ذلك في باب الموالاة. وهذه الأحاديث تدل ~~على وجوب غسل الرجلين وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الباب. # باب التيمن في الوضوء عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله متفق ~~عليه الحديث صححه ابن حبان وابن منده وله ألفاظ، ولفظ ابن حبان: كان يحب ~~التيامن في كل شئ حتى في الترجل والانتعال وفي لفظ ابن منده: كان يحب ~~التيامن في الوضوء والانتعال. وفي لفظ لأبي داود: كان يحب التيامن ما ~~استطاع في شأنه كله. وفي الحديث دلالة على مشروعية الابتداء باليمين في لبس ~~النعال وفي ترجيل الشعر أي تسريحه. وفي الطهور فيبدأ بيده اليمنى قبل ~~اليسرى، وبرجله اليمنى قبل اليسرى، وبالجانب الأيمن من سائر البدن في الغسل ~~قبل الأيسر. والتيامن سنة في جميع الأشياء لا يختص بشئ دون شئ، كما أشار ~~إلى ذلك ms0248 الحديث بقوله: وفي شأنه كله وتأكيد الشأن بلفظ كل يدل على التعميم، ~~وقد خص من ذلك دخول الخلاء والخروج من المسجد. # قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان ~~من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر، قال: وأجمع ~~العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة من خالفها فإنه الفضل وتم وضوءه ~~قال الحافظ في الفتح: ومراده بالعلماء أهل السنة، وإلا فمذهب الشيعة ~~الوجوب، وغلط المرتضى منهم فنسبه للشافعي وكأنه ظن أن ذلك لازم من قوله ~~بوجوب الترتيب، لكنه لم يقل بذلك في اليدين ولا في الرجلين لأنهما بمنزلة ~~العضو الواحد، قال: ووقع في البيان للعمراني نسبة القول بالوجوب إلى ~~الفقهاء السبعة وهو تصحيف من الشيعة. وفي كلام الرافعي ما يوهم أن أحمد قال ~~بوجوبه، ولا يعرف ذلك عنه بل قال الشيخ الموفق في المغني: لا تعلم في عدم ~~الوجوب خلافا، وقد نسبه المهدي في البحر إلى العترة والإمامية، واستدل لهم ~~بالحديث الذي بعد هذا وسنذكر هنالك ما هو الحق. PageV01P212 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ~~لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، كلهم من طريق ~~زهير عن الأعمش عن أبي صالح عنه. قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح. # وللنسائي والترمذي من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان إذا لبس قميصا بدأ بميامنه. والحديث يدل على وجوب الابتداء باليد ~~اليمنى والرجل اليمنى في الوضوء، وقد ذهب إليه من ذكرنا في الحديث الذي قبل ~~هذا، ولكنه كما دل على وجوب التيامن في الوضوء يدل على وجوبه في اللبس وهم ~~لا يقولون به. وأيضا فقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: ما أبالي بدأت ~~بيميني أو بشمالي إذا أكملت الوضوء، رواه الدارقطني قال: جاء رجل إلى علي ~~عليه السلام فسأله عن الوضوء فقال: ابدأ باليمين أو ms0249 بالشمال فأضرط به على ~~أي صوت بفيه مستهزئا بالسائل ثم دعا بماء وبدأ بالشمال قبل اليمين. # وروى البيهقي من هذا الوجه أنه قال: ما أبالي بدأت بالشمال قبل اليمين ~~إذا توضأت، وبهذا اللفظ رواه ابن أبي شيبة. وروى أبو عبيد في الطهور أن أبا ~~هريرة كان يبدأ بميامنه فبلغ ذلك عليا فبدأ بمياسره. ورواه أحمد بن حنبل عن ~~علي. قال الحافظ: وفيه انقطاع وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا، وكلام علي عند ~~أكثر العترة الذاهبين إلى وجوب الترتيب بين اليدين والرجلين حجة. وحديث ~~عائشة المصرح بمحبة التيمن في أمور قد اتفق على عدم الوجوب في جميعها إلا ~~في اليدين والرجلين في الوضوء، وكذلك حديث الباب المقترن بالتيامن في اللبس ~~المجمع على عدم وجوبه صالح لجعله قرينة تصرف الامر إلى الندب. ودلالة ~~الاقتران وإن كانت ضعيفة لكنها لا تقتصر عن الصلاحية للصرف ولا سيما مع ~~اعتضادها بقول علي عليه السلام وفعله وبدعوى الاجماع على عدم الوجوب. # باب الوضوء مرة ومرتين وثلاثا وكراهة ما جاوزها عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة مرة رواه الجماعة ~~إلا مسلما. # في الباب أحاديث عن عمر وجابر وبريدة وأبي رافع وابن الفاكه وعبد الله بن ~~عمر وعكراش بن ذؤيب المري. فحديث عمر عند الترمذي وقال: ليس بشئ، ورواه ~~أيضا PageV01P213 # ابن ماجة. وحديث جابر أشار إليه الترمذي. وحديث بريدة عند البزار. وحديث ~~أبي رافع عند البزار أيضا. وحديث ابن الفاكه عند البغوي في معجمه وفيه عدي ~~بن الفضل وهو متروك. وحديث عبد الله بن عمر أخرجه البزار. وحديث عكراش ذكره ~~أبو بكر الخطيب. والحديث يدل على أن الواجب من الوضوء مرة ولهذا اقتصر عليه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان الواجب مرتين أو ثلاثا لما اقتصر ~~على مرة. # قال الشيخ محيي الدين النووي: وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل ~~الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة ~~مرة، ومرتين مرتين، ms0250 وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين، ~~والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ. # وعن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ مرتين مرتين ~~رواه أحمد والبخاري. # في الباب عن أبي هريرة وجابر. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود ~~والترمذي وقال: حسن غريب وفيه عبد الله بن الفضل وقد روى له الجماعة، ولكنه ~~تفرد عنه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ومن أجله كان حسنا، قال أبو داود: لا ~~بأس به PageV01P214 # وكان على المظالم ببغداد، وقال علي بن المديني: لا بأس به. وكذلك قال ~~أحمد وأبو زرعة وقال أبو حاتم: يشوبه شئ من القدر وتغير عقله في آخر حياته ~~وهو مستقيم الحديث. # وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال يحيى مرة ضعيف ومرة لا بأس به وفيه كلام ~~طويل. # وأما حديث جابر فأشار إليه الترمذي. والحديث يدل على أن التوضئ مرتين ~~يجوز ويجزي ولا خلاف في ذلك. # وعن عثمان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ثلاثا ~~ثلاثا رواه أحمد ومسلم. # الحديث أخرجه بهذا اللفظ الترمذي وقال: هو أحسن شئ في الباب. وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجة من حديث علي عليه السلام. وفي الباب عن الربيع وابن ~~عمرو وأبي أمامة وعائشة وأبي رافع. وعبد الله بن عمرو. ومعاوية وأبي هريرة ~~وجابر وعبد الله بن زيد وأبي. وقد بوب البخاري للوضوء ثلاثا، وذكر حديث ~~عثمان الذي شرحناه في أول باب الوضوء وقد قدمنا أن التثليث سنة بالاجماع. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا وقال: هذا الوضوء فمن ~~زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم. رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود وابن خزيمة. قال الحافظ من طرق صحيحة: # وصرح في الفتح أنه صححه ابن خزيمة وغيره، وهو في رواية أبي داود بلفظ: # فمن زاد على هذا ms0251 أو نقص فقد أساء وظلم بدون ذكر تعدى وفي النسائي بدون ~~نقص وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه مقال عند المحدثين، ولم ~~يتعرض له من تكلم على هذا الحديث. وفي الحديث دليل على أن مجاوزة الثلاث ~~الغسلات من الاعتداء في الطهور. وقد أخرج أبو داود وابن ماجة من حديث عبد ~~الله بن مغفل أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنه ~~سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء وأن فاعله مسئ وظالم أي ~~أساء بترك الأولى وتعدي حد السنة. وظلم أي وضع الشئ في غير موضعه. وقد أشكل ~~ما في رواية أبي داود من زيادة لفظ أو نقص على جماعة. قال الحافظ في ~~التلخيص: # (تنبيه) يجوز أن تكون الإساءة والظلم وغيرهما مما ذكر مجموعا لمن نقص ~~ولمن زاد، ويجوز PageV01P215 # أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة، وهذا أشبه ~~بالقواعد والأول أشبه بظاهر السياق والله أعلم انتهى. ويمكن توجيه الظلم في ~~النقصان بأنه ظلم نفسه بما فوتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث. وكذلك ~~الإساءة لأن تارك السنة مسئ. # وأما الاعتداء في النقصان فمشكل فلا بد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم ~~يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شئ من روايات الحديث. ولا خلاف في كراهة ~~الزيادة على الثلاث. قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث ~~أن يأثم. وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى. # باب ما يقول إذا فرغ من وضوئه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم ~~يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~إلا فتحت له أبوا ب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود. ولأحمد وأبي داود في رواية: من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى ~~السماء ms0252 فقال وساق الحديث. # رواية أحمد وأبي داود في إسنادها رجل مجهول. والحديث أخرجه أيضا الترمذي ~~بزيادة: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين لكن قال الترمذي: ~~وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه كثير شئ. قال الحافظ: لكن رواية مسلم سالمة ~~عن هذا الاعتراض، والزيادة التي عند الترمذي رواها البزار والطبراني في ~~الأوسط، وأخرج الحديث أيضا ابن حبان. وأخرجه ابن ماجة من حديث أنس، وزاد ~~النسائي في عمل اليوم والليلة بعد قوله: من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك ~~أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والحاكم في المستدرك من حديث ~~أبي سعيد وزاد: كتبت في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة واختلف ~~في رفعه ووقفه، وصحح النسائي الموقوف، وضعف الحازمي الرواية المرفوعة لأن ~~الطبراني قال في الأوسط: لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير قال الحافظ: ~~ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني من تخريج الدارقطني له من طريق روح ~~بن القاسم عن شعبة وقال: تفرد به عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم، ورجح ~~الدارقطني في العلل الرواية الموقوفة. قال النووي في الأذكار: PageV01P216 # حديث أبي سعيد هذا ضعيف الاسناد موقوفا ومرفوعا. قال الحافظ: أما المرفوع ~~فيمكن أن يضعف بالاختلاف والشذوذ، وأما الموقوف فلا شك ولا ريب في صحته، ~~ورجاله من رجال الصحيحين فلا معنى لحكمه عليه بالضعف. والحديث يدل على ~~استحباب الدعاء المذكور، ولم يصح من أحاديث الدعاء في الوضوء غيره، وأما ما ~~ذكره أصحابنا والشافعية في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يقال عند غسل ~~الوجه: اللهم بيض وجهي الخ فقال الرافعي وغيره: ورد بهذه الدعوات الأثر عن ~~الصالحين. وقال النووي في الروضة: # هذا الدعاء لا أصل له. وقال ابن الصلاح: لا يصح فيه حديث. وقال الحافظ: ~~روى فيه من طرق ثلاث عن علي ضعيفة جدا، أوردها المستغفري في الدعوات، وابن ~~عساكر في أماليه، وهو من رواية أحمد بن مصعب المروزي عن حبيب بن أبي حبيب ~~الشيباني عن أبي إسحاق السبيعي عن علي. ms0253 وفي إسناده من لا يعرف، ورواه صاحب ~~مسند الفرودس من طريق أبي زرعة الراوي عن أحمد بن عبد الله بن داود وساقه ~~بإسناده إلى علي ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس نحو هذا وفيه عباد ~~بن صهيب وهو متروك. ورواه المستغفري أيضا من حديث البراء بن عازب وأنس ~~بطوله، وإسناده واه، ولكنه وثق عبادا يحيى بن معين ونفى عنه الكذب أحمد بن ~~حنبل، وصدقه أبو داود وتركه الباقون. قال ابن القيم في الهدى: # ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئا غير التسمية، وكل حديث في ~~أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم شيئا منه ولا علمه لامته، ولا يثبت عنه غير التسمية في أوله. ~~وقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره. # باب الموالاة في الوضوء عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يصلي في ظهر قدمه لمعة ~~قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يعيد الوضوء رواه أحمد وأبو داود وزاد: والصلاة. قال الأثرم: قلت لأحمد: ~~هذا إسناده جيد؟ قال: جيد. وعن عمر بن الخطاب: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر ~~على قدمه فأبصره النبي صلى الله PageV01P217 # عليه وآله وسلم فقال: ارجع فأحسن وضوءك، قال: فرجع فتوضأ ثم صلى رواه ~~أحمد ومسلم ولم يذكر فتوضأ. # الحديث الأول أعله المنذري ببقية بن الوليد وقال عن بجير وهو ضعيف إذا ~~عنعن لتدليسه. وفي المستدرك تصريح بقية بالتحديث، وقال ابن القطان ~~والبيهقي: هو مرسل. # وقال الحافظ: فيه بحث، وكأن البحث في ذلك من جهة أن خالد بن معدان لم ~~يرسله بل قال عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوصله، وجهالة ~~الصحابي غير قادحة، وتمام كلام الأثرم ms0254 وبقية الكلام على الحديث أسلفناها في ~~باب غسل الرجلين. وحديث عمر قد قدمنا الكلام عليه في ذلك الباب أيضا. وفي ~~الباب عن أنس مرفوعا عند أحمد وأبي داود وابن ماجة وابن خزيمة والدارقطني، ~~وقد تقدم لفظه هنالك أيضا. والحديث الأول يدل على وجوب إعادة الوضوء من ~~أوله على من ترك من غسل أعضائه مثل ذلك المقدار. والحديث الثاني لا يدل على ~~وجوب الإعادة لأنه أمره فيه بالاحسان لا بالإعادة، والاحسان يحصل بمجرد ~~إسباغ غسل ذلك العضو. وكذلك حديث أنس لم يأمر فيه بسوي الاحسان. فالحديث ~~الأول يدل على مذهب من قال بوجوب الموالاة، لأن الامر بالإعادة للوضوء ~~كاملا للاخلال بها بترك اللمعة وهو الأوزاعي ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي ~~في قول له. والحديث الثاني وحديث أنس السابق يدلان على مذهب من قال بعدم ~~الوجوب وهم العترة وأبو حنيفة والشافعي في قول له، والتمسك لوجوب الموالاة ~~بحديث ابن عمر وأبي بن كعب أنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ على الولاء ~~وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به أظهر من التمسك بما ذكره المصنف ~~في الباب لولا أنه غير صالح للاحتجاج كما عرفناك في شرح حديث عثمان لا سيما ~~زيادة قوله: لا يقبل الله الصلاة إلا به وقد روي بلفظ: هذا الذي افترض الله ~~عليكم بعد أن توضأ مرة، ولكنه قال ابن أبي حاتم: ثم سألت أبا زرعة عن هذا ~~الحديث فقال: # حديث واه منكر ضعيف، وقال مرة: لا أصل له وامتنع من قراءته. ورواه ~~الدارقطني في غرائب مالك. قال الحافظ: ولم يروه مالك قط وروي بلفظ: هذا ~~وضوء لا يقبل الله غيره أخرجه ابن السكن في صحيحه من حديث أنس. وقد أجيب عن ~~الحديث على تسليم صلاحيته للاحتجاج بأن الإشارة هي إلى ذات الفعل مجردة عن ~~الهيئة والزمان، وإلا لزم وجوبهما ولم يقل به أحد. PageV01P218 # باب جواز المعاونة في الوضوء عن المغيرة بن شعبة: أنه كان مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سفر وأنه ذهب ms0255 لحاجة له، وأن مغيرة جعل يصب ~~الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين أخرجاه. # الحديث اتفقا عليه بلفظ: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ~~فقال لي: يا مغيرة خذ الإداوة فأخذتها ثم خرجت معه وانطلق حتى توارى عني ~~حتى قضى حاجته ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فذهب يخرج يده من كمها ~~فضاق فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ثم مسح على خفيه ~~الحديث يدل على جواز الاستعانة بالغير في الوضوء، وقد قال بكراهتها العترة ~~والفقهاء، قال في البحر: والصب جائزا إجماعا، إذ صبوا عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يتوضأ. وقال الغزالي وغيره من أصحاب الشافعي: إنه إنما ~~استعان به لأجل ضيق الكمين، وأنكره ابن الصلاح وقال: الحديث يدل على ~~الاستعانة مطلقا لأنه غسل وجهه أيضا وهو يصب عليه. وذكر بعض الفقهاء أن ~~الاستعانة كانت بالسفر فأراد أن لا يتأخر عن الرفقة، قال الحافظ في ~~التلخيص: وفيه نظر واستدل من قال بكراهة الاستعانة بقوله (ص) لعمر وقد بادر ~~ليصب الماء على يديه: أنا لا أستعين في وضوئي بأحد قال النووي في شرح ~~المهذب: هذا حديث باطل لا أصل له. وقد أخرجه البزار وأبو يعلى في مسنده من ~~طريق النضر بن منصور عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة، والنضر ضعيف مجهول لا ~~يحتج به. قال عثمان الدارمي، قلت لابن معين: النضر بن منصور عن أبي الجنوب ~~وعنه ابن أبي معشر تعرفه قال: هؤلاء حمالة الحطب. واستدلوا أيضا بحديث ابن ~~عباس قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكل طهوره إلى أحد أخرجه ابن ~~ماجة والدار قطني وفيه مطهر بن الهيثم وهو ضعيف. وقد ثبت أنه (ص) استعان ~~بأسامة بن زيد في صب الماء على يديه في الصحيحين، وأنه استعان بالربيع بنت ~~معوذ في صب الماء على يديه، أخرجه الدارمي وابن ماجة وأبو مسلم الكجي من ~~حديثها، وعزاه ابن الصلاح إلى أبي داود والترمذي. ms0256 قال الحافظ: وليس في ~~رواية أبي داود إلا أنها أحضرت له الماء حسب، وأما الترمذي فلم يتعرض فيه ~~للماء بالكلية، نعم في المستدرك أنها صبت على PageV01P219 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الماء فتوضأ وقال لها: اسكبي. وروى ~~ابن ماجة عن أم عياش أنها قالت: كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا قائمة وهو قاعد قال الحافظ: وإسناده ضعيف. واستعان في الصب بصفوان بن ~~عسال وسيأتي، وغاية ما في هذه الأحاديث الاستعانة بالغير على صب الماء، وقد ~~عرفت أنه مجمع على جوازه وأنه لا كراهة فيه، إنما النزاع في الاستعانة ~~بالغير على غسل أعضاء الوضوء، والأحاديث التي فيها ذكر عدم الاستعانة لا شك ~~في ضعفها، ولكنه لم يثبت عن النبي (ص) أنه وكل غسل أعضاء وضوئه إلى أحد، ~~وكذلك لم يأت من أقواله ما يدل على جواز ذلك، بل فيها أمر المعلمين بأن ~~يغسلوا وكل أحد منا مأمور بالوضوء، فمن قال إنه يجزي عن المكلف نيابة غيره ~~في هذا الواجب فعليه الدليل. فالظاهر ما ذهبت إليه الظاهرية من عدم ~~الاجزاء، وليس المطلوب مجرد الأثر كما قال بعضهم، بل ملاحظة التأثير في ~~الأمور التكليفية أمر لا بد منه، لأن تعلق الطلب لشئ بذات قاض بلزوم ~~إيجادها له وقيامه بها لغة وشرعا إلا لدليل يدل على عدم اللزوم، فما وجد من ~~ذلك مخالفا لهذه الكلية فلذلك. # وعن صفوان بن عسال قال: صببت الماء على النبي (ص) في السفر والحضر في ~~الوضوء رواه ابن ماجة. # الحديث أخرجه البخاري في التاريخ الكبير: قال الحافظ: وفيه ضعف، قلت: ~~ولعل وجه الضعف كونه في إسناده حذيفة بن أبي حذيفة. وهو يدل على جواز ~~الاستعانة بالغير في الصب، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله. # باب المنديل بعد الوضوء والغسل عن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله صلى ~~الله وعليه وآله وسلم في منزلنا فأمر له سعد بغسل فوضع له فاغتسل ثم ناوله ~~ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها رواه أحمد وابن ms0257 ماجة وأبو داود. # الحديث تمامه: فالتحف بها حتى رؤي أثر الورس على عكنه: ولفظ ابن ماجة: # فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه. وأخرجه أيضا النسائي في عمل اليوم ~~والليلة، قال الحافظ: واختلف في وصله وإرساله، ورجال إسناد أبي داود رجال ~~الصحيح، وصرح PageV01P220 # فيه الوليد بالسماع، ومع ذلك فذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف. ~~والحديث يدل على عدم كراهة التنشيف، وقد قال بذلك الحسن بن علي وأنس وعثمان ~~والثوري ومالك وتمسكوا بالحديث. وقال عمر وابن أبي ليلى والامام يحيى ~~والهادوية يكره، واستدلوا بما رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن أنس: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد ~~الوضوء ولا أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا ابن مسعود قال الحافظ: وإسناده ~~ضعيف. وفي الترمذي ما يعارضه من حديث عائشة قالت: كان للنبي (ص) خرقة ينشف ~~بها بعد الوضوء وفيه أبو معاذ وهو ضعيف. # وقال الترمذي بعد أن روى الحديث: ليس بالقائم ولا يصح فيه شئ، وأخرجه ~~الحاكم وأخرج الترمذي من حديث معاذ: رأيت رسول الله (ص) إذا توضأ مسح وجهه ~~بطرف ثوبه قال الحافظ: وإسناده ضعيف. وفي الباب عن سلمان أخرجه ابن ماجة، ~~قال ابن أبي حاتم: وروى عن أنس، ولا يحتمل أن يكون مسندا، ورواه البيهقي عن ~~أنس عن أبي بكر وقال: المحفوظ المرسل. وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا على أنس ~~والخطيب مرفوعا كلاهما من طريق ليث عن زريق عن أنس. وفي الباب حديث: # إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مرواح الشيطان ذكره ابن أبي حاتم في ~~كتاب العلل من حديث البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة وزاد في أوله: # إذا توضأتم فأشربوا أعينكم من الماء ورواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ~~البختري بن عبيد وقال: لا يحل الاحتجاج به ولم ينفرد به البختري، فقد رواه ~~ابن طاهر في صفوة التصوف من طريق ابن أبي السري. وقال ابن الصلاح: لم أجد ~~له أنا في جماعة اعتنوا بالبحث ms0258 عن حاله أصلا وتبعه النووي. قوله: بغسل بضم ~~الغين اسم الماء الذي يغتسل به، ذكره في النهاية. قوله: ملحفة بكسر الميم. # أبواب المسح على الخفين باب في شرعيته عن جرير: أنه بال ثم توضأ ومسح على ~~خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: # نعم رأيت رسول اه (ص) بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال إبراهيم: # فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متفق عليه. ~~PageV01P221 # ورواه أبو داود وزاد: فقال جرير لما سئل هل كان ذلك قبل المائدة أو ~~بعدها؟ # ما أسلمت إلا بعد المائدة. وكذلك رواه الترمذي من طريق شهر بن حوشب قال: ~~فقلت له: أقبل المائدة أم بعدها؟ فقال جرير: ما أسلمت إلا بعد المائدة. ~~وعند الطبراني من رواية محمد بن سيرين عن جرير أنه كان في حجة الوداع، قال ~~الترمذي: هذا حديث مفسر، لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول مسح النبي ~~(ص) على الخفين أنه كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة فيكون منسوخا. ~~والحديث يدل على مشروعية المسح على الخفين، وقد نقل ابن المنذر عن ابن ~~المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من روى ~~عنه منهم إنكاره فقد روى عنه إثباته. وقال ابن عبد البر: لا أعلم من روى عن ~~أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة مصرحة عنه ~~بإثباته، وقد أشار الشافعي في الام إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف ~~المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقا ثانيهما للمسافر دون المقيم. وعن ~~ابن نافع في المبسوطة أن مالكا إنما كان يتوقف فيه في خاصة نفسه مع إفتائه ~~بالجواز. قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل: المسح على الخفين أو ~~نزعهما وغسل القدمين؟ والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل ~~البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن ~~أفضل من تركه انتهى. قال النووي في شرح مسلم: وقد روي المسح على الخفين ms0259 ~~خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله (ص) ~~أن رسول الله (ص) كان يمسح على الخفين، أخرجه عنه ابن أبي شيبة، قال الحافظ ~~في الفتح: وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم ~~رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة. وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثا ~~عن الصحابة مرفوعة، وقال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين. وقال ابن عبد ~~البر في الاستذكار: روى عن النبي (ص) على الخفين نحو أربعين من الصحابة. ~~وذكر أبو القاسم ابن منده أسماء من رواه في تذكرته فكانوا ثمانين صحابيا. ~~وذكر الترمذي والبيهقي في سنتهما منهم جماعة. وقد نسب القول بمسح الخفين ~~إلى جميع الصحابة كما تقدم عن ابن المبارك، وما روي عن عائشة وابن عباس ~~وأبي هريرة من إنكار المسح فقال ابن عبد البر: لا يثبت، قال أحمد: # لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح وهو باطل، وقد روى الدارقطني عن ~~عائشة PageV01P222 # القول بالمسح، وما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي أنه قال: سبق الكتاب الخفين ~~فهو منقطع. وقد روى عنه مسلم والنسائي القول به بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # وما روي عن عائشة أنها قالت: لأن أقطع رجلي أحب إلي من أن أمسح عليهما ~~ففيه محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. وأما القصة التي ساقها ~~الأمير الحسين في الشفاء وفيها المراجعة الطويلة بين علي وعمر واستشهاد على ~~الاثنين وعشرين من الصحابة فشهدوا بأن المسح كان قبل المائدة فقال ابن ~~بهران: لم أر هذه القصة في شئ من كتب الحديث. # ويدل لعدم صحتها عند أئمتنا أن الإمام المهدي نسب القول بمسح الخفين في ~~البحر إلى علي عليه السلام، وذهبت العترة جميعا والإمامية والخوارج وأبو ~~بكر بن داود الظاهري إلى أنه لا يجزي المسح عن غسل الرجلين، واستدلوا بآية ~~المائدة وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن علمه: واغسل رجلك ولم يذكر ~~المسح. وقوله بعد غسلهما: لا يقبل الله ms0260 الصلاة من دونه وقوله: ويل للأعقاب ~~من النار قالوا: والاخبار بمسح الخفين منسوخة بالمائدة. وأجيب عن ذلك، أما ~~الآية فقد ثبت عنه (ص) المسح بعدها كما في حديث جرير المذكور في الباب: ~~وأما حديث: واغسل رجلك فغاية ما فيه الامر بالغسل وليس فيه ما يشعر بالقصر، ~~ولو سلم وجود ما يدل على ذلك لكان مخصصا بأحاديث المسح المتواترة. وأما ~~حديث لا يقبل الله الصلاة بدونه فلا ينتهض للاحتجاج به، فكيف يصلح لمعارضة ~~الأحاديث المتواترة مع أنا لم نجده بهذا اللفظ من وجه يعتد به؟ وأما حديث: ~~ويل للأعقاب من النار فهو وعيد لمن مسح رجليه ولم يغسلهما ولم يرد في مسح ~~الخفين. فإن قلت هو عام فلا يقصر على السبب. قلت: لا نسلم شموله لمن مسح ~~على الخفين فإنه يدع رجله كلها ولا يدع العقب فقط. سلمنا فأحاديث المسح على ~~الخفين مخصصة للماسح من ذلك الوعيد وأما دعوى النسخ فالجواب أن الآية عامة ~~أو مطلقة باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه، فتكون أحاديث الخفين مخصصة أو ~~مقيدة فلا نسخ. وقد تقرر في الأصول رجحان القول ببناء العام على الخاص ~~مطلقا. وأما من يذهب إلى أن العام المتأخر ناسخ فلا يتم له ذلك إلا بعد ~~تصحيح تأخر الآية وعدم وقوع المسح بعدها. وحديث جرير نص في موضع النزاع ~~والقدح في جرير بأنه فارق عليا ممنوع فإنه لم يفارقه وإنما احتبس عنه بعد ~~إرساله إلى معاوية لأعذار، على أنه قد نقل الامام الحافظ محمد بن إبراهيم ~~الوزير الاجماع على قبول PageV01P223 # رواية فاسق التأويل في عواصمه وقواصمه من عشر طرق، ونقل الاجماع أيضا من ~~طرق أكابر أئمة الآل وأتباعهم على قبول رواية الصحابة قبل الفتنة وبعدها، ~~فالاسترواح إلى الخلوص عن أحاديث المسح بالقدح في ذلك الصحابي الجليل بذلك ~~الامر مما لم يقل به أحد من العترة وأتباعهم وسائر علماء الاسلام. وصرح ~~الحافظ في الفتح بأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع، وحديث المغيرة ~~الذي تقدم وسيأتي كان في غزوة تبوك وتبوك متأخرة بالاتفاق. وقد ms0261 صرح أبو ~~داود في سننه بأن حديث المغيرة في غزوة تبوك، وقد ذكر البزار أن حديث ~~المغيرة هذا رواه عنه ستون رجلا. # واعلم أن في المقام مانعا من دعوى النسخ لم يتنبه له أحد فيما علمت، وهو ~~أن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتا ~~قبل نزولها فورودها بتقرير أحد الامرين أعني الغسل مع عدم التعرض للآخر وهو ~~المسح لا يوجب نسخ المسح على الخفين، لا سيما إذا صح ما قاله البعض من أن ~~قراءة الجر في قوله في الآية * (وأرجلكم) * (المائدة: 6) مراد بها مسح ~~الخفين، وأما إذا كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ بالقطع. نعم يمكن ~~أن يقال على التقدير الأول أن الامر بالغسل نهي عن ضده، والمسح على الخفين ~~من أضداد الغسل المأمور به، لكن كون الامر بالشئ نهيا عن ضده محل نزاع ~~واختلاف، وكذلك كون المسح على الخفين ضد الغسل وما كان بهذه المثابة حقيق ~~بأن لا يعول عليه، لا سيما في إبطال مثل هذه السنة التي سطعت أنوار شموسها ~~في سماء الشريعة المطهرة. والعقبة الكؤود في هذه المسألة نسبة القول بعدم ~~إجزاء المسح على الخفين إلى جميع العترة المطهرة كما فعله الإمام المهدي في ~~البحر، ولكنه يهون الخطب بأن إمامهم وسيدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~من القائلين بالمسح على الخفين، وأيضا هو إجماع ظني، وقد صرح جماعة من ~~الأئمة منهم الامام يحيى بن حمزة بأنها تجوز مخالفته. وأيضا فالحجة إجماع ~~جميعهم، وقد تفرقوا في البسيطة وسكنوا الأقاليم المتباعدة، وتمذهب كل واحد ~~منهم بمذهب أهل بلده، فمعرفة إجماعهم في جانب التعذر. وأيضا PageV01P224 # لا يخفى على المنصف ما ورد على إجماع الأمة من الايرادات التي لا يكاد ~~ينتهض معها للحجية بعد تسليم إمكانه ووقوعه. وانتفاء حجية الأعم يستلزم ~~انتفاء حجية الأخص. # وللمسح شروط وصفات وفي وقته اختلاف، وسيذكر المصنف رحمه الله جميع ذلك. # والخف نعل من آدم يغطي الكعبين. والجرموق أكبر منه يلبس فوقه. والجورب ~~أكبر من الجرموق. # وعن ms0262 عبد الله بن عمر: أن سعدا حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه يمسح على الخفين، وأن ابن عمر سأل عن ذلك عمر فقال نعم إذا حدثك سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فلا تسأل عنه غيره رواه أحمد والبخاري. # وفيه دليل على قبول خبر الواحد. # الحديث أخرجه أحمد أيضا من طريق أخرى عن ابن عمرو فيها قال: رأيت سعد بن ~~أبي وقاص يمسح على خفيه بالعراق حين توضأ فأنكرت ذلك، فلما اجتمعنا عند عمر ~~قال لي سعد سل أباك فذكر القصة ورواه ابن خزيمة أيضا عن ابن عمر بنحوه وفيه ~~أن عمر قال: كنا ونحن مع نبينا نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأسا. قوله: ~~فلا تسأل عنه غيره قال الحافظ: فيه دليل على أن الصفات الموجبة للترجيح إذا ~~اجتمعت في الراوي كانت من جملة القرائن التي إذا حفت خبر الواحد قامت مقام ~~الاشخاص المتعددة، وقد تفيد العلم عند البعض دون البعض، وعلى أن عمر كان ~~يقبل خبر الواحد، وما نقل عنه من التوقف إنما كان عند وقوع ريبة له في بعض ~~المواضع، قال: وفيه أن الصحابي قديم الصحبة قد يخفى عليه من الأمور الجليلة ~~في الشرع ما يطلع عليه غيره، لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قديم ~~صحبته وكثرة وروايته، وقد روى القصة في الموطأ أيضا. والحديث يدل على المسح ~~على الخفين وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله. # وعن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ~~فقضى حاجته ثم توضأ ومسح على خفيه قلت: يا رسول الله أنسيت؟ قال: بل أنت ~~نسيت بهذا أمرني ربي عز وجل رواه أحمد وأبو داود وقال الحسن البصري: روى ~~المسح سبعون نفسا فعلا منه وقولا. # الحديث إسناده صحيح ولم يتكلم عليه أبو داود ولا المنذري في تخريج السنن ~~ولا غيرهما. وقد رواه أبو داود في الطهارة عن هدبة بن خالد عن همام عن ~~قتادة عن PageV01P225 # الحسن ms0263 وعن زرارة بن أوفى كلاهما عن المغيرة به وفي رواية أبي عيسى الرملي ~~عن أبي داود عن الحسن بن أعين عن زرارة بن أوفى عن المغيرة، وهؤلاء كلهم ~~رجال الصحيح، وما يظن من تدليس الحسن قد ارتفع بمتابعة زرارة له. وقد تقدم ~~الكلام عليه في أو الباب. # باب المسح على الموقين وعلى الجوربين والنعلين جميعا عن بلال قال: رأيت ~~رسول الله (ص) يمسح على الموقين والخمار رواه أحمد. ولأبي داود: كان يخرج ~~يقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه. ولسعيد بن منصور ~~في سننه عن بلال قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: امسحوا على النصيف والموق. ~~وعن المغيرة بن شعبة: # أن رسول الله (ص) توضأ ومسح على الجوربين والنعلين رواه الخمسة إلا ~~النسائي وصححه الترمذي. # حديث بلال أخرجه أيضا الترمذي والطبراني، وأخرجه الضياء في المختارة ~~باللفظ الأول. وحديث المغيرة قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث ~~بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح ~~على الخفين. قال أبو داود: # ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن ~~مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ~~وابن عباس. قال: وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري وليس بالمتصل ولا ~~بالقوي ولكنه أخرجه عنه ابن ماجة، وإنما قال أبو داود أنه ليس بمتصل لأنه ~~رواه الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى. قال البيهقي: لم يثبت سماعه من أبي ~~موسى وإنما قال ليس بالقوي لأن في إسناده عيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به، ~~وقد ضعفه يحيى بن معين. # وفي الباب عن ابن عباس عند البيهقي وأوس بن أبي أوس عند أبي داود بلفظ: ~~أنه رأى النبي (ص) توضأ ومسح على نعليه وعلى ابن أبي طالب عند ابن خزيمة ~~وأحمد بن عبيد الصفار، وعن أنس عند البيهقي. والحديث بجميع رواياته يدل على ~~جواز المسح على الموقين وهما ضرب ms0264 من الخفاف، قاله ابن سيده والأزهري وهو ~~مقطوع الساقين قاله في الضياء. وقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف، ~~قيل: وهو عربي، PageV01P226 # وقيل: فارسي معرب، وعلى جواز المسح على الخمار وهو العمامة كما قاله ~~النووي. وقد تقدم الكلام على ذلك في باب جواز المسح على العمامة وعلى جواز ~~المسح على النصيف، وهو أيضا الخمار قاله في الضياء. وعلى جواز المسح على ~~الجورب وهو لفافة الرجل قاله في الضياء والقاموس وقد تقدم أنه الخف الكبير. ~~وقد قال بجواز المسح عليه من ذكره أبو داود من الصحابة، وزاد ابن سيد الناس ~~في شرح الترمذي عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص أبا مسعود البدري عقبة بن ~~عمر. وقد ذكر في الباب الأول أن المسح على الخفين مجتمع عليه بين الصحابة، ~~وعلى جواز المسح على النعلين. قيل: وإنما يجوز على النعلين إذا لبسهما فوق ~~الجوربين، قال الشافعي: ولا يجوز مسح الجوربين إلا أن يكونا منعلين يمكن ~~متابعة المشي فيهما. # باب اشتراط الطهارة قبل اللبس عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ذات ليلة في مسير فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ~~وغسل ذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما ~~طاهرتين فمسح عليهما متفق عليه. # ولأبي داود: دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح ~~عليهما. # وعن المغيرة بن شعبة قال: قلنا يا رسول الله أيمسح أحدنا على الخفين؟ ~~قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان رواه الحميدي في مسنده. # حديث المغيرة ورد بألفاظ في الصحيحين وغيرهما هذا أحدها، وقد ذكرنا فيما ~~سلف أنه رواه ستون صحابيا كما صرح به البزار وأنه في غزوة تبوك وهي بعد ~~المائدة بالاتفاق. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه. وفي الباب ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أبي داود، وعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه عن ابن أبي شيبة. قوله: ثم أهويت أي مددت يدي، قال الأصمعي: أهويت ~~بالشئ إذا أومأت به، وقال ms0265 غيره: أهويت قصدت الهوي من القيام إلى القعود، ~~وقيل الأهواء الإمالة. قوله: فإني أدخلتهما طاهرتين هو يدل على اشتراط ~~الطهارة في اللبس لتعليله عدم النزع بإدخالهما طاهرتين وهو مقتض أن ~~إدخالهما غير طاهرتين يقتضي النزع. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي ومالك وأحمد ~~وإسحاق. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم والمزني PageV01P227 # وأبو ثور وداود يجوز اللبس على حدث ثم يكمل طهارته، والجمهور حملوا ~~الطهارة على الشرعية، وخالفهم داود فقال: المراد إذا لم يكن على رجليه ~~نجاسة. وقد استدل به على أن إكمال الطهارة فيهما شرط حتى لو غسل إحداهما ~~وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح صرح بذلك النووي ~~وغيره. قال في الفتح: عند الأكثر، وأجاز النووي والكوفيون والمزني ومطرف ~~وابن المنذر وغيرهم أنه يجزئ المسح إذا غسل إحداهما وأدخلها الخف ثم الأخرى ~~لصدق أنه أدخل كلا من رجليه الخف وهي طاهرة، وتعقب بأن الحكم المرتب على ~~التثنية غير الحكم المرتب على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد لأن ~~الاحتمال باق، قال: لكن إن ضم إليه دليل على أن الطهارة لا تتبعض اتجه وصرح ~~بأنه لا يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة، ~~قال: بل ربما يدعي أنه طاهر في ذلك فإن الضمير في قوله: أدخلتهما يقتضي ~~تعليق الحكم بكل واحدة منهما، نعم من روى فإني أدخلتهما وهما طاهرتان قد ~~يتمسك بروايته هذا القائل من حيث أن قوله أدخلتهما يقتضي كل واحدة منهما. # فقوله: وهما طاهرتان يصير حالا من كل واحدة فيكون التقدير: أدخلت كل ~~واحدة منهما حال طهارتهما. # وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ ومسح على خفيه ~~فقلت: يا رسول الله رجليك لم تغسلهما،. قال: إني أدخلتهما وهما طاهرتان ~~رواه أحمد. وعن صفوان بن عسال قال: أمرنا يعني النبي (ص) أن نمسح على ~~الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ويوما وليلة إذا أقمنا ~~ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم ولا ms0266 نخلعهما إلا من جنابة رواه أحمد ~~وابن خزيمة. وقال الخطابي: هو صحيح الاسناد. # الحديث الأول قال في مجمع الزوائد في إسناده رجل لم يسم وقد تقدم الكلام ~~على فقهه. والحديث أخرجه أيضا النسائي والترمذي وابن خزيمة وصححاه، ورواه ~~الشافعي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والبيهقي. وحكى الترمذي عن البخاري ~~أنه حديث حسن ومداره على عاصم بن أبي النجود وهو صدوق سيئ الحفظ وقد تابعه ~~جماعة، ورواه عنه أكثر من أربعين نفسا قاله ابن منده. والحديث يدل على ~~توقيت المسح بالثلاثة الأيام للمسافر واليوم والليلة للمقيم. وقد اختلف ~~الناس في PageV01P228 # ذلك فقال مالك والليث بن سعد: لا وقت للمسح على الخفين، ومن لبس خفيه وهو ~~طاهر مسح ما بدا له، والمسافر والمقيم في ذلك سواء. وروي مثل ذلك عن عمر بن ~~الخطاب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر والحسن البصري. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح بن حي والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه وداود الظاهري ومحمد بن جرير الطبري بالتوقيت للمقيم يوما ~~وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ~~وثبت التوقيت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ~~وحذيفة والمغيرة وأبي زيد الأنصاري هؤلاء من الصحابة وروي عن جماعة من ~~التابعين منهم شريح القاضي وعطاء بن أبي رباح والشعبي وعمر بن عبد العزيز، ~~قال أبو عمر: ابن عبد البر وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك وهو الأحوط ~~عندي لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، واطمأنت ~~النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس ~~صلوات يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشر صلاة ثلاثة أيام ~~ولياليها، فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى ~~يجمعوا على المسح، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ولا فوق اليوم للمقيم اه. ~~وحديث الباب يدل على ما قاله الآخرون ويرد مذهب الأولين. وكذلك حديث أبي ~~بكر، وحديث علي، وحديث خزيمة ms0267 بن ثابت الآتي في هذا الكتاب. وفي الباب ~~أحاديث عن غيرهم، ولعل متمسك أهل القول الأول ما أخرجه أبو داود من حديث ~~أبي بن عمارة: إنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمسح على ~~الخفين؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم وما ~~شئت وفي رواية: حتى بلغ سبعا، قال رسول الله (ص): نعم وما بدا لك قال أبو ~~داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي. وقال البخاري نحوه وقال الإمام ~~أحمد رجاله لا يعرفون. وأخرجه الدارقطني وقال: هذا إسناد لا يثبت، وفي ~~إسناده ثلاثة مجاهيل: # عبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قطن، ومع هذا فقد اختلف فيه على ~~يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا. وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناد خبره. ~~وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم، وبالغ الجوزقاني فذكره في ~~الموضوعات، وما كان بهذه المرتبة لا يصلح للاحتجاج به على فرض عدم المعارض، ~~فالحق توقيت المسح بالثلاث للمسافر واليوم PageV01P229 # والليلة للمقيم. وفي الحديث دليل على أن الخفاف لا تنزع في هذه المدة ~~المقدرة لشئ من الاحداث إلا للجنابة. # وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي (ص): # أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس ~~خفيه أن يمسح عليهما رواه الأثرم في سننه وابن خزيمة والدارقطني. قال ~~الخطابي: هو صحيح الاسناد. # الحديث أخرجه الشافعي وابن أبي شيبة وابن حبان وابن الجارود والبيهقي ~~والترمذي في العلل، وصححه الشافعي وغيره، قاله الحافظ في الفتح. وكذلك نقل ~~البيهقي عن الشافعي وصححه ابن خزيمة، والحديث تقدم الكلام على فقهه في الذي ~~قبله. # باب توقيت مدة المسح قد أسلفنا فيه عن صفوان وأبي بكرة. وروى شريح بن ~~هانئ قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت: سل عليا ~~فإنه أعلم بهذا مني كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فسألته فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: للمسافر ms0268 ثلاثة أيام ~~ولياليهن وللمقيم يوم وليلة رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. وعن خزيمة ~~بن ثابت عن النبي (ص): # أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم ~~يوم وليلة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. # قد قدمنا الكلام على حديث صفوان وأبي بكرة في الباب الأول. وحديث علي ~~أخرجه أيضا الترمذي وابن حبان، وحديث خزيمة بن ثابت أخرجه أيضا ابن ماجة ~~وابن حبان وفيه زيادة تركها المصنف وهي ثابتة عند أبي داود وابن ماجة وابن ~~حبان وهي بلفظ: ولو استزدناه لزادنا. وفي لفظ: ولو مضى السائل على مسألته ~~لجعلها خمسا وأخرجه الترمذي بدون الزيادة، قال الترمذي قال البخاري: لا يصح ~~عندي لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة، وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: هو ~~صحيح. وقال ابن دقيق العيد: الروايات متضافرة متكاثرة برواية التيمي له عن ~~عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة. وقال ابن أبي حاتم في العلل قال أبو ~~زرعة: الصحيح من حديث التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة مرفوعا، ~~والصحيح عن النخعي عن PageV01P230 # الجدلي بلا واسطة وادعى النووي في شرح المهذب الاتفاق على ضعف هذا ~~الحديث. # قال الحافظ: وتصحيح ابن حبان له يرد عليه والحديثان يدلان على توقيت ~~المسح بثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم، وقد ذكرنا الخلاف فيه وما هو ~~الحق في الباب الذي قبل هذا. والزيادة التي لم يذكرها المصنف في حديث خزيمة ~~تصلح للاستدلال بها على مذهب من لم يجد المسح بوقت لولا ما عارض تصحيح ابن ~~حبان لها من الاتفاق ممن عداه على ضعفها. وأيضا قال ابن سيد الناس في شرح ~~الترمذي: لو ثبتت لم تقم بها حجة لان الزيادة على ذلك التوقيت مظنونة أنهم ~~لو سألوا زادهم، وهذا صريح في أنهم لم يسألوا ولا زيدوا، فكيف تثبت زيادة ~~بخبر دل على عدم وقوعها؟ اه. وغايتها بعد تسليم صحتها أن الصحابي ظن ذلك، ~~ولم نتعبد بمثل هذا ولا قال أحد إنه حجة. وقد ورد ms0269 توقيت المسح بالثلاث ~~واليوم والليلة من طريق جماعة من الصحابة ولم يظنوا ما ظنه خزيمة. وورد ذكر ~~المسح بدون توقيت عن جماعة منهم أنس بن مالك عند الدارقطني، وذكره الحاكم ~~وقال: # قد روي عن أنس مرفوعا بإسناد صحيح رواته عن آخرهم ثقات. وعن ميمونة بنت ~~الحرث الهلالية زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الدارقطني أيضا. # باب اختصاص المسح بظهر الكف عن علي رضي الله عنه قال: لو كان الدين ~~بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود والدارقطني. # الحديث قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده حسن، وقال في التلخيص: إسناده ~~صحيح، قلت: وفي إسناده عبد خير بن يزيد الهمداني وثقه يحيى بن معين وأحمد ~~بن عبد الله العجلي. وأما قول البيهقي: لم يحتج به صاحبا الصحيح فليس بقادح ~~بالاتفاق. والحديث يدل على أن المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف دون باطنه، ~~وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد بن حنبل. وذهب مالك والشافعي ~~وأصحابهما والزهري وابن المبارك، وروي عن سعد بن أبي وقاص وعمر بن عبد ~~العزيز إلى أنه يمسح ظهورهما وبطونهما، قال مالك والشافعي: إن مسح ظهورهما ~~دون بطونهما أجزأه، قال مالك: من مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه وكان ~~عليه الإعادة في الوقت وبعده. وروي PageV01P231 # عنه غير ذلك. والمشهور عن الشافعي أن من مسح ظهورهما واقتصر على ذلك ~~أجزأه، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه وليس بماسح. وقال ابن شهاب وهو ~~قول للشافعي: أن من مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه، والواجب عند أبي ~~حنيفة مسح قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد، وعند أحمد مسح أكثر الخف، وروي عن ~~الشافعي أن الواجب ما يسمى مسحا. قال الحافظ في التلخيص لما ذكر حديث علي ~~عليه السلام: والمحفوظ عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله، كذا رواه ~~الشافعي والبيهقي، وروي عنه في صفة ذلك أنه كان يضع كفه ms0270 اليسرى تحت العقب ~~واليمنى على ظاهر الأصابع ويمر اليسرى على أطراف الأصابع من أسفل واليمنى ~~إلى الساق. واستدل من قال بمسح ظاهر الخف وباطنه بحديث المغيرة المذكور في ~~آخر هذا الباب وفيه مقال سنذكره عند ذكره. وليس بين الحديثين تعارض غاية ~~الأمر أن النبي (ص) مسح تارة على باطن الخف وظاهره وتارة اقتصر على ظاهره، ~~ولم يرو عنه ما يقضي بالمنع من إحدى الصفتين فكان جميع ذلك جائزا وسنة. # وعن المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ~~على ظهور الخفين. رواه أحمد وأبو داود والترمذي ولفظه: على الخفين على ~~ظاهرهما وقال: حديث حسن. # الحديث قال البخاري في التاريخ: هو بهذا اللفظ أصح من حديث رجاء بن حياة ~~الآتي. وفي الباب عن عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة والبيهقي. واستدل ~~بالحديث من قال بمسح ظاهر الخف، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله. # وعن ثور بن يزيد عن رجاء بن حياة عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة عن ~~المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح أعلى الخف وأسفله ~~رواه الخمسة إلا النسائي. وقال الترمذي: هذا حديث معلول لم يسنده عن ثور ~~غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمدا عن هذا الحديث فقالا: ليس ~~بصحيح. # الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي وابن الجارود. قال الأثرم عن أحمد: أنه ~~كان يضعفه ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال عن ابن المبارك عن ثور: ~~حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة ولم يذكر المغيرة، قال أحمد: وقد كان نعيم بن ~~حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور فقلت له: ~~إنما يقول هذا الوليد، PageV01P232 # وأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء ولم يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: ~~هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق فإذا فيه ملحق ~~بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة، فأوقفته عليه وأخبرته أن هذه ~~زيادة في الاسناد لا أصل لها، ms0271 فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على ~~هذا الحديث. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: حديث الوليد ليس بمحفوظ. ~~وقال موسى بن هارون: لم يسمعه ثور من رجاء، ورواه أبو داود الطيالسي عن ~~عروة بن المغيرة عن أبيه. وكذا أخرجه البيهقي، قال الحافظ بعد أن ذكر قول ~~الترمذي: إنه لم يسنده عن ثور غير الوليد. قلت: # رواه الشافعي في الام عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن ثور مثل الوليد. ~~قال أبو داود: لم يسمعه ثور من رجاء، وقد وقع في سنن الدارقطني من طريق ~~داود بن رشيد تصريح ثور بأنه حديث رجاء، قال الحافظ: وهذا ظاهره أن ثور ~~أسمعه من رجاء فتزول العلة، ولكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده من ~~طريقه فقال: عن ثور عن رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بصحة وصله ~~مع ما تقدم من كلام الأئمة. # والحديث استدل به من قال يمسح أعلى الخف وأسفله وتقدم الكلام على ذلك. # أبواب نواقض الوضوء باب الوضوء بالخارج من السبيل عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ~~يتوضأ، فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط ~~متفق عليه. وفي حديث صفوان في المسح لكن من غائط وبول ونوم وسنذكره. # قوله: لا يقبل المراد بالقبول هنا وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة ~~وهو معنى الصحة لأنها ترتب الآثار أو سقوط القضاء على الخلاف، وترتب الآثار ~~موافقة الامر، ولما كان الاتيان بشروط الطاعة مظنة إجزائها وكان القبول من ~~ثمراته عبر عنه به مجازا فالمراد بلا تقبل لا تجزئ. قال الحافظ في الفتح: ~~وأما القبول المنفي في مثل قوله (ص) من أتى عرافا لم تقبل له صلاة فهو ~~الحقيقي لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: ~~لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب PageV01P233 # إلي من جميع الدنيا، قاله ابن عمر، ms0272 قال: لأن الله تعالى قال: * (إنما ~~يتقبل الله من المتقين) * (المائدة: 27) ومن فسر الاجزاء بمطابقة الامر ~~والقبول بترتب الثواب لم يتم له الاستدلال بالحديث على نفي الصحة، لأن ~~القبول أخص من الصحة على هذا، فكل مقبول صحيح وليس كل صحيح مقبولا. # قال ابن دقيق العيد إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم ~~الصحة، فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، ~~ويحتاج في الأحاديث التي نفى عنها القبول مع بقاء الصحة كحديث: لا يقبل ~~الله صلاة حائض إلا بخمار عند أبي داود والترمذي. وحديث: إذا أبق العبد لم ~~تقبل له صلاة عند مسلم وحديث: # من أتى عرافا عند أحمد والبخاري. وفي شارب الخمر عند الطبراني إلى تأويل ~~أو تخريج جواب، قال: على أنه يرد على من فسر القبول بكون العبادة مثابا ~~عليها أو مرضية أو ما أشبه ذلك، إذا كان مقصوده بذلك أنه لا يلزم من نفي ~~القبول نفي الصحة أن يقال القواعد الشرعية أن العبادة إذا أتى بها مطابقة ~~للامر كانت سببا للثواب والدرجات، والاجزاء والظواهر في ذلك لا تحصى. قوله: ~~إذا أحدث المراد بالحدث الخارج من أحد السبيلين، وإنما فسره أبو هريرة بأخص ~~من ذلك تنبيها بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في الصلاة أكثر من ~~غيرهما، وهذا أحد معاني الحدث. الثاني: خروج ذلك الخارج. الثالث: منع ~~الشارع من قربان العبادة المرتب على ذلك الخروج وإنما كان الأول هو المراد ~~هنا لتفسير أبي هريرة له بنفس الخارج لا بالخروج ولا بالمنع. # والحديث استدل به على أن ما عدا الخارج من السبيلين كالقئ والحجامة ولمس ~~الذكر غير ناقض، ولكنه استدلال بتفسير أبي هريرة وليس بحجة على خلاف في ~~الأصول. واستدل به على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأنه جعل نفي القبول ~~ممتدا إلى غاية هي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك ~~قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا، وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ~~ثانيا، قاله ابن دقيق العيد. واستدل به ms0273 على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان ~~خروجه اختياريا أو اضطراريا. قوله: وفي حديث صفوان ذكره المصنف ههنا ~~لمطابقته للترجمة لما فيه من ذكر البول والغائط، وذكره في باب الوضوء من ~~النوم لما فيه من ذكر النوم. PageV01P234 # باب الوضوء من الخارج النجس من غير السبيلين عن معدان بن أبي طلحة عن أبي ~~الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد ~~دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه رواه أحمد والترمذي وقال: ~~هو أصح شئ في هذا الباب. # الحديث هو عند أحمد وأصحاب السنن الثلاث وابن الجارود وابن حبان والدار ~~قطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم بلفظ: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قاء فأفطر قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت له: إن ~~أبا الدرداء أخبرني فذكره فقال: صدق أنا صببت عليه وضوءه، قال ابن منده: ~~إسناده صحيح متصل وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده، قال الترمذي: جوده حسين ~~المعلم وكذا قال أحمد، وفيه اختلاف كثير ذكره الطبراني وغيره، قال البيهقي: ~~هذا حديث مختلف في إسناده، فإن صح فهو محمول على القئ عامدا: وقال في موضع ~~آخر إسناده مضطرب ولا تقوم به حجة، وهو باللفظ الذي ذكره المصنف في جامع ~~الأصول والتيسير منسوبا إلى أبي داود والترمذي. والحديث استدل به على أن ~~القئ من نواقض الوضوء، وقد ذهب إلى ذلك العترة وأبو حنيفة وأصحابه وقيدوه ~~بقيود: الأول كونه من المعدة. الثاني كونه ملء الفم. الثالث كونه دفعة ~~واحدة. وذهب الشافعي وأصحابه والناصر والباقر والصادق إلى أنه غير ناقض. ~~وأجابوا عن الحديث بأن المراد بالوضوء غسل اليدين، ويرد بأن الوضوء من ~~الحقائق الشرعية، وهو فيها لغسل أعضاء الوضوء وغسل بعضها مجاز، فلا يصار ~~إليه إلا بعلاقة وقرينة، قالوا: القرينة أنه استقاء بيده كما ثبت في بعض ~~الألفاظ والعلاقة ظاهرة. وأجابوا أيضا بأنه فعل وهو لا ينتهض على الوجوب. ~~واستدل الأولون أيضا بحديث إسماعيل بن عياش الآتي بعد هذا، وسيأتي أنه لا ms0274 ~~يصلح لذلك لما فيه من المقال الذي سنذكره، واستدلوا بما في كتب الأئمة من ~~حديث علي: الوضوء كتبه الله علينا من الحدث قال (ص): بل من سبع وفيها: ~~ودسعة تملأ الفم قالوا: معارض بما في كتب الأئمة أيضا في الانتصار والبحر ~~وغيرهما من حديث ثوبان قال: قلت يا رسول الله هل يجب الوضوء من القئ؟ قال: ~~لو كان واجبا لوجدته في كتاب PageV01P235 # الله قال في البحر: قلنا مفهوم وحديثنا منطوق ولعله متقدم انتهى. والجواب ~~الأول صحيح ولكنه لا يفيد إلا بعد تصحيح الحديث والجواب الثاني من الأجوبة ~~التي لا تقع لمنصف ولا متيقظ، فإن كل أحد لا يعجز عن مثل هذه المقالة وهي ~~غير نافقة في أسواق المناظرة، وقد كثرت أمثال هذه العبارة في ذلك الكتاب. # وعن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أصابه قئ أو رعاف أو ~~قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم رواه ~~ابن ماجة والدار قطني، وقال الحفاظ من أصحاب ابن جريج: يروونه عن ابن جريج ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. # الحديث أعله غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وهو ~~حجازي. ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن ~~جريج فرووه مرسلا كما قال المصنف، وصحح هذه الطريقة المرسلة الذهلي ~~والدارقطني في العلل وأبو حاتم وقال: رواية إسماعيل خطأ. وقال ابن معين: ~~حديث ضعيف. وقال أحمد: الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. ورواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن عياش أيضا عن عطاء بن عجلان ~~وعباد بن كثير عن ابن أبي مليكة عن عائشة وقال بعده: عطاء وعباد ضعيفان. ~~وقال البيهقي: الصواب إرساله، وقد رفعه أيضا سليمان بن أرقم وهو متروك. وفي ~~الباب عن ابن عباس عند الدارقطني وابن عدي والطبراني ms0275 بلفظ: إذا رعف أحدكم ~~في صلاته فلينصرف فليغسل عنه الدم ثم ليعد وضوءه وليستقبل صلاته قال ~~الحافظ: وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك. وعن أبي سعيد عند الدارقطني بلفظ: ~~إذا قاء أحدكم أو رعف وهو في الصلاة أو أحدث فلينصرف فليتوضأ ثم ليجئ فليبن ~~على ما مضى وفيه أبو بكر الزاهري وهو متروك. # ورواه عبد الرزاق في مصنفه موقوفا على علي وإسناده حسن قاله الحافظ. وعن ~~سلمان نحوه وعن ابن عمر عند مالك في الموطأ: أنه كان إذا رعف رجع فتوضأ ولم ~~يتكلم ثم يرجع ويبني. وروى الشافعي من قوله نحوه. قوله: قلس هو بفتح القاف ~~واللام ويروى بسكونها قال الخليل: هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه ~~وليس بقئ، وإن PageV01P236 # عاد فهو القئ. وفي النهاية: القلس ما خرج من الجوف ثم ذكر مثل كلام ~~الخليل. # والحديث استدل به على أن القئ والرعاف والقلس والمذي نواقض للوضوء، وقد ~~تقدم ذكر الخلاف في القئ والخلاف في القلس مثله. وأما الرعاف فهو ناقض ~~للوضوء، وقد ذهب إلى أن الدم من نواقض الوضوء القاسمية وأبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وإسحاق وقيدوه بالسيلان، وذهب ابن عباس والناصر ~~ومالك والشافعي وابن أبي أوفى وأبو هريرة وجابر بن زيد وابن المسيب ومكحول ~~وربيعة إلى أنه غير ناقض استدل الأولون بحديث الباب ورد بأن فيه المقال ~~المذكور، واستدلوا بحديث بل من سبع الذي ذكرناه في الحديث الذي قبل هذا، ~~ورد بأنه لم يثبت عند أحد من أئمة الحديث المعتبرين. وبالمعارضة بحديث أمس ~~الذي سيأتي. وأجيب بأن حديث أنس حكاية فعل فلا يعارض القول ولكن هذا يتوقف ~~على صحة القول ولم يصح. # وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي هريرة: # لا وضوء إلا من صوت أو ريح قال البيهقي: هذا حديث ثابت. وقد اتفق الشيخان ~~على إخراج معناه من حديث عبد الله بن زيد، ورواه أحمد والطبراني من حديث ~~السائب بن خباب بلفظ لا وضوء إلا من ريح أو ms0276 سماع وقال ابن أبي حاتم: سمعت ~~أبي وذكر حديث شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: لا وضوء إلا من ~~صوت أو ريح فقال أبي: هذا وهم اختصر شعبة متن الحديث وقال: لا وضوء إلا من ~~صوت أو ريح ورواه أصحاب سهيل بلفظ: إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحا من ~~نفسه فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وشعبة إمام حافظ واسع الرواية، ~~وقد روى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينه وإمامته ومعرفته ~~بلسان العرب يرد ما ذكره أبو حاتم، فالواجب البقاء على البراءة الأصلية ~~المعتضدة بهذه الكلية المستفادة من هذا الحديث، فلا يصار إلى القول بأن ~~الدم أو القئ ناقض إلا لدليل ناهض، والجزم بالوجوب قبل صحة المستند كالجزم ~~بالتحريم قبل صحة النقل، والكل من التقول على الله بما لم يقل. ومن ~~المؤيدات لما ذكرنا حديث: أن عباد بن بشر أصيب بسهام وهو يصلي فاستمر في ~~صلاته عند البخاري تعليقا وأبي داود وابن خزيمة، ويبعد أن لا يطلع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أخبره ~~بأن صلاته قد بطلت. وأما المذي فقد صحت الأدلة في إيجابه للوضوء. وقد ~~أسلفنا PageV01P237 # الكلام على ذلك في باب ما جاء في المذي من أبواب تطهير النجاسة. وفي ~~الحديث دلالة على أن الصلاة لا تفسد على المصلي إذا سبقه الحدث ولم يتعمد ~~خروجه. وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وصاحباه ومالك. وروي عن زيد بن علي وقديم ~~قولي الشافعي، والخلاف في ذلك للهادي والناصر والشافعي في أحد قوليه. فإن ~~تعمد خروجه فإجماع على أنه ناقض. واستدل على النقض بحديث: إذا فسا أحدكم ~~فلينصرف وليتوضأ وليستأنف الصلاة أخرجه أبو داود، ولعله يأتي في الصلاة إن ~~شاء الله تمام تحقيق البحث. # وعن أنس قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ولم يتوضأ ~~ولم يزد على غسل محاجمه رواه الدارقطني. # الحديث رواه أيضا البيهقي. قال الحافظ: وفي إسناده صالح بن ms0277 مقاتل وهو ~~ضعيف، وادعى ابن العربي أن الدارقطني صححه وليس كذلك، بل قال عقبه في السنن ~~صالح: # ابن مقاتل ليس بالقوي. وذكره النووي في فصل الضعيف. والحديث يدل على أن ~~خروج الدم لا ينقض الوضوء وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، قال المصنف ~~رحمه الله تعالى: وقد صح عن جماعة من الصحابة ترك الوضوء من يسير الدم، ~~ويحمل حديث أنس عليه وما قبله على الكثير الفاحش كمذهب أحمد ومن وافقه جمعا ~~بينهما انتهى. # ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة مرفوعا: ليس في ~~القطرة ولا في القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دما سائلا ولكن فيه محمد ~~بن الفضل بن عطية وهو متروك قال الحافظ: وإسناده ضعيف جدا. ويؤيده أيضا ما ~~روي عن ابن عمر عند الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي أنه عصر بثرة في وجهه ~~فخرج شئ من دمه فحكه بين أصبعيه ثم صلى ولم يتوضأ. وعلقه البخاري. وعنه ~~أيضا أنه كان إذا احتجم غسل أثر المحاجم ذكره في التلخيص لابن حجر وعن ابن ~~عباس أنه قال: اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك رواه الشافعي. وعن ابن أبي أوفى ~~في ذكره الشافعي ووصله البيهقي في المعرفة، وكذا عن أبي هريرة موقوفا. وعن ~~جابر علقه البخاري ووصله ابن خزيمة وأبو داود من طريق عقيل بن جابر عن ~~أبيه، وذكر قصة الرجلين اللذين حرسا فرمى أحدهما بسهام وهو يصلي وقد تقدم. ~~وعقيل بن جابر قال في الميزان: فيه جهالة، قال في الكاشف: ذكره ابن حبان في ~~الثقات، وقد روي نحو ذلك عن عائشة، قال PageV01P238 # الحافظ: لم أقف عليه. فهؤلاء الجماعة من الصحابة هم المرادون بقول ~~المصنف. وقد صح عن جماعة من الصحابة وقد عرفت ما هو الحق في شرح الحديث ~~الذي قبل هذا. # باب الوضوء من النوم لا اليسير منه على إحدى حالات الصلاة عن صفوان بن ~~عسال قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن ~~لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ms0278 ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم ~~رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. # الحديث روي بهذا اللفظ، وروي باللفظ الذي ذكره المصنف في باب اشتراط ~~الطهارة قبل لبس الخف وقد ذكرنا هنالك أن مداره على عاصم بن أبي النجود وقد ~~تابعه جماعة. ومعنى قوله: لكن من غائط وبول أي لكن لا تنزع خفافنا من غائط ~~وبول. ولفظ الحديث في باب اشتراط الطهارة: ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا ~~نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة، فذكر الاحداث التي ينزع منها الخف والاحداث ~~التي لا ينزع منها وعد من جملتها النوم، فأشعر ذلك بأنه من نواقض الوضوء، ~~لا سيما بعد جعله مقترنا بالبول والغائط الذين هما ناقضان بالاجماع ~~وبالحديث استدل من قال بأن النوم ناقض. وقد اختلف الناس في ذلك على مذاهب ~~ثمانية ذكرها النووي في شرح مسلم: الأول: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي ~~حال كان، قال: وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجاز ~~وحميد الأعرج والشيعة يعني الامامية، وزاد في البحر: عمرو بن دينار، ~~واستدلوا بحديث أنس الآتي. المذهب الثاني: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال ~~قليله وكثيره، قال النووي: وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عبيد القاسم ~~بن سلام وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعي، قال ابن المنذر: # وبه أقول، قال: وروي معناه عن ابن عباس وأبي هريرة، ونسبه في البحر إلى ~~العترة إلا أنهم يستثنون الخفقة والخفقتين، واستدلوا بحديث الباب وحديث علي ~~ومعاوية وسيأتيان، وفي حديث علي: فمن نام فليتوضأ ولم يفرق فيه بين قليل ~~النوم وكثيرة. المذهب الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض ~~بكل حال، قال النووي: وهذا مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه، واستدلوا بحديث أنس الآتي فإنه محمول PageV01P239 # على القليل، وحديث من استحق النوم فعليه الوضوء عند البيهقي أي استحق أن ~~يسمى نائما، فإن أريد بالقليل في هذا المذهب ما هو أعم من الخفقة والخفقتين ~~فهو غير مذهب العترة، ms0279 وإن أريد به الخفقة والخفقتان فهو مذهبهم. المذهب ~~الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد ~~لا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعا أو مستلقيا ~~على قفاه انتقض، قال النووي: وهذا مذهب أبي حنيفة وداود وهو قول للشافعي ~~غريب، واستدلوا بحديث: إذا نام العبد في سجوده باهى الله به الملائكة رواه ~~البيهقي وقد ضعف. وقاسوا سائر الهيئات التي للمصلي على السجود. # المذهب الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، قال النووي: وروي ~~مثل هذا عن أحمد ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للانتقاض، وقد ذكر ~~هذا المذهب صاحب البدر التمام وصاحب سبل السلام بلفظ أنه ينقض إلا نوم ~~الراكع والساجد يحذف لا واستدلاله بحديث إذا نام العبد في سجوده، قالا: ~~وقاس الركوع على السجود، والذي في شرح مسلم للنووي بلفظ أنه لا ينقض بإثبات ~~لا فلينظر. المذهب السادس: # أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، قال النووي: يروى أيضا عن أحمد، ولعل وجهه ~~أن مظنة الانتقاض في السجود أشد منها في الركوع. المذهب السابع: أنه لا ~~ينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة، ونسبه في البحر إلى زيد ~~بن علي وأبي حنيفة واستدل لهما صاحبه بحديث: إذا نام العبد في سجوده ولعل ~~سائر هيئات المصلي مقاسة على السجود. المذهب الثامن: أنه إذا نام جالسا ~~ممكنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو ~~خارجها، قال النووي: وهذا مذهب الشافعي. وعنده أن النوم ليس حدثا في نفسه ~~وإنما هو دليل على خروج الريح، ودليل هذا القول حديث علي وابن عباس ومعاوية ~~وستأتي. وهذا أقرب المذاهب عندي وبه يجمع بين الأدلة. وقوله: إن النوم ليس ~~حدثا في نفسه هو الظاهر. وحديث الباب وإن أشعر بأنه من الاحداث باعتبار ~~اقترانه بما هو حدث بالاجماع فلا يخفى ضعف دلالة الاقتران وسقوطها عن ~~الاعتبار عند أئمة الأصول، والتصريح بأن النوم مظنة استطلاق الوكاء كما في ~~حديث ms0280 معاوية واسترخاء المفاصل كما في حديث ابن عباس، مشعر أتم إشعار بنفي ~~كونه حدثا في نفسه. وحديث أن الصحابة كانوا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون من المؤيدات لذلك، ويبعد ~~PageV01P240 # جهل الجميع منهم كونه ناقضا. # والحاصل أن الأحاديث المطلقة في النوم تحمل على المقيدة بالاضطجاع، وقد ~~جاء في بعض الروايات بلفظ الحضر، والمقال الذي فيه منجبر بماله من الطرق ~~والشواهد وسيأتي. ومن المؤيدات لهذا الجمع حديث ابن عباس الآتي بلفظ: فجعلت ~~إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني. وحديث: إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ~~ملائكته أخرجه الدارقطني وابن شاهين من حديث أبي هريرة. والبيهقي من حديث ~~أنس. وابن شاهين أيضا من حديث أبي سعيد وفي جميع طرقه مقال. وحديث: من ~~استحق النوم وجب عليه الوضوء عند البيهقي من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح ~~ولكنه قال البيهقي روي ذلك مرفوعا ولا يصح. وقال الدارقطني: وقفه أصح، وفد ~~فسر استحقاق النوم بوضع الجنب. # (فائدة): قال النووي في شرح مسلم بعد أن ساق الأقوال الثمانية التي ~~أسلفناها ما لفظه: واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والاغماء والسكر ~~بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء سواء قل أو كثر، وسواء ~~كان ممكن المقعدة أو غير ممكنها، انتهى. وفي البحر: أن السكر كالجنون عند ~~الأكثر وعند المسعودي أنه غير ناقض إن لم يغش . (فائدة أخرى): قال النووي ~~في شرح مسلم قال أصحابنا: وكان من خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا للحديث الصحيح عن ابن عباس، قال: نام ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سمعت غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ انتهى. ~~وفيه أنه أخرج الترمذي من حديث أنس: لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوقظون للصلاة حتى أني لأسمع لأحدهم غطيطا ثم يقومون فيصلون ~~ولا يتوضأون وفي لفظ أبي داود زيادة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وسيأتي ms0281 الكلام عليه. # وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن ~~معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: العين وكاء السه فإذا ~~نامت العينان استطلق الوكاء رواه أحمد والدارقطني. السه: اسم لحلقة الدبر. ~~وسئل أحمد عن حديث علي ومعاوية في ذلك فقال: حديث علي أثبت وأقوى. # أما حديث علي فأخرجه أيضا الدارقطني وهو عند الجميع من رواية بقية عن ~~PageV01P241 # الوضين ابن عطاء، قال الجوزجاني: واه، وأنكر عليه هذا الحديث عن محفوظ بن ~~علقمة وهو ثقة عن عبد الرحمن بن عائذ وهو تابعي ثقة معروف عن علي، لكن قال ~~أبو زرعة لم يسمع منه. قال الحافظ: وفي هذا النفي نظر لأنه يروى عن عمر كما ~~جزم به البخاري. وأما حديث معاوية فأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي وفي ~~إسناده بقية عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، وقد ضعف الحديثين أبو حاتم ~~وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي. قوله: وكاء السه الوكاء بكسر ~~الواو الخيط الذي يربط به الخريطة. والسه بفتح السين المهملة وكسر الهاء ~~المخففة، الدبر. والمعنى اليقظة وكاء الدبر أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ~~ما دام مستيقظا أحس بما يخرج منه، والحديثان يدلان على أن النوم مظنة للنقض ~~لا أنه بنفسه ناقض. وقد تقدم الكلام على ذلك في الذي قبله. # وعن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني عن شقه الأيمن فجعلت إذا ~~أغفيت يأخذ بشحمة أذني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة رواه مسلم. # هذا طرف من حديث ابن عباس. وقد اتفق الشيخان على إخراجه وفيه فوائد ~~وأحكام ليس هذا محل بسطها. قوله: إذا أغفيت الاغفاء النوم أو النعاس ذكر ~~معناه في القاموس، وفي الحديث دلالة على أن النوم اليسير حال الصلاة غير ~~ناقض وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن أنس ms0282 قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتظرون ~~العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي في الام ومسلم والترمذي، قال أبو داود: زاد ~~شعبة عن قتادة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ولفظ الترمذي من ~~طريق شعبة: # لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوقظون للصلاة حتى إني ~~لأسمع لأحدهم غطيطا ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون قال ابن المبارك: هذا ~~عندنا وهم جلوس، قال البيهقي: وعلى هذا حمله عبد الرحمن بن مهدي والشافعي. ~~وقال ابن القطان: هذا الحديث سياقه في مسلم يحتمل أن ينزل على نوم الجالس ~~وعلى ذلك نزله له أكثر الناس، PageV01P242 # لكن فيه زيادة تمنع من ذلك، رواها يحيى بن القطان عن شعبة عن قتادة عن ~~أنس قال: # كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتظرون الصلاة فيضعون ~~جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة وقال ابن دقيق العيد: يحمل على ~~النوم الخفيف، لكن يعارضه رواية الترمذي التي ذكر فيها الغطيط. وقد رواه ~~أحمد من طريق يحيى القطان والترمذي عن بندار بدون يضعون جنوبهم. وأخرجه ~~بتلك الزيادة البيهقي والبزار والخلال. قوله: تخفق رؤوسهم في القاموس خفق ~~فلان حرك رأسه إذا نعس. # والحديث يدل على أن يسير النوم لا ينقض الوضوء إن ثبت التقرير لهم على ~~ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تقدم الكلام في الخلاف في ذلك. # وعن يزيد بن عبد الرحمن عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فإنه ~~إذا اضطجع استرخت مفاصله رواه أحمد. ويزيد هو الدالاني، قال أحمد: لا بأس ~~به، قلت: وقد ضعف بعضهم حديث الدالاني هذا لارساله قال شعبة: إنما سمع ~~قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث فذكرها وليس هذا منها. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والدارقطني بلفظ: لا وضوء على ms0283 من ~~نام قاعدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا فإن من نام مضطجعا استرخت مفاصله ~~وأخرجه البيهقي بلفظ: # لا يجب الوضوء على من نام جالسا أو قائما أو ساجدا حتى يضع جنبه ومداره ~~على يزيد أبي خالد الدالاني وعليه اختلف في ألفاظه، وضعف الحديث من أصله ~~أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في العلل المفردة. وضعفه أيضا أبو داود في ~~السنن وإبراهيم الحربي في علله والترمذي وغيرهم. قال البيهقي في الخلافيات: ~~تفرد به أبو خالد الدالاني وأنكره عليه جميع أئمة الحديث. وقال في السنن: ~~أنكره عليه جميع الحفاظ وأنكروا سماعه من قتادة. وقال الترمذي: رواه سعيد ~~بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس من قوله، ولم يذكر أبا العالية ولم ~~يرفعه، ويزيد الدالاني هذا الذي ضعف الحديث به وثقه أبو حاتم، وقال ~~النسائي: ليس به بأس. وكذلك قال أحمد كما حكاه المصنف. وقال ابن عدي: في ~~حديثه لين، وأفرط ابن حبان فقال: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الذهبي في ~~المغني: مشهور حسن الحديث. وروى ابن عدي في الكامل من حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده حديث: لا وضوء على من نام قائما أو راكعا وفيه مهدي بن هلال ~~وهو متهم PageV01P243 # بوضع الحديث ومن رواية عمر بن هارون البلخي وهو متروك، ومن رواية مقاتل ~~بن سليمان وهو متهم. ورواه البيهقي من حديث حذيفة بلفظ: قال: كنت في مسجد ~~المدينة جالسا أخفق فاحتضنني رجل من خلفي فالتفت فإذا أنا برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقلت: هل وجب علي الوضوء يا رسول الله؟ فقال: لا حتى ~~تضع جنبك قال البيهقي: تفرد له بحر بن كنيز وهو متروك لا يحتج به. وروى ~~البيهقي من طريق يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: ليس على المحتبي ~~النائم ولا على القائم النائم وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع توضأ قال الحافظ: ~~إسناده جيد وهو موقوف. والحديث يدل على أن النوم لا يكون ناقضا إلا في حالة ~~الاضطجاع وقد سلف أنه الراجح. ms0284 # باب الوضوء من مس المرأة قال الله تعالى: * (أو لامستم النساء فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا) * (النساء: 43) وقرئ * (أو لمستم) * وعن معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: # يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته ~~شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله هذه الآية: * ~~(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) * (هود: 114) الآية، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: توضأ ثم صل رواه أحمد والدارقطني. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي والحاكم والبيهقي جميعا من حديث عبد الملك بن ~~عمر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ، هكذا عندهم جميعا موصولا لذكر معاذ ~~وفيه انقطاع لأن عبد الرحمن لم يسمع من معاذ. وأيضا قد رواه شعبة عن عبد ~~الرحمن قال: # إن رجلا فذكره مرسلا كما رواه النسائي. وأصل القصة في الصحيحين وغيرهما ~~بدون الامر بالوضوء والصلاة. والآية المذكورة استدل بها من قال بأن لمس ~~المرأة ينقض الوضوء، وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري والشافعي ~~وأصحابه وزيد بن أسلم وغيرهم. وذهب علي وابن عباس وعطاء وطاوس والعترة ~~جميعا وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا ينقض. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إلا ~~إذا تباشر الفرجان وانتشر وإن لم يمذ. قال الأولون: الآية صرحت بأن اللمس ~~من جملة الاحداث الموجبة للوضوء وهو حقيقة في لمس اليد. ويؤيد بقاءه على ~~معناه الحقيقي قراءة: * (أو لمستم) * فإنها ظاهرة PageV01P244 # في مجرد اللمس من دون جماع. قال الآخرون: يجب المصير إلى المجاز وهو أن ~~اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة وهي حديث عائشة الذي سيأتي في التقبيل. ~~وحديثها في لمسها لبطن قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأجيب بأن ~~في حديث التقبيل ضعفا وأيضا فهو مرسل، ورد بأن الضعف منجبر بكثرة رواياته. ~~وبحديث لمس عائشة لبطن قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت مرفوعا ~~وموقوفا، والرفع زيادة يتعين ms0285 المصير إليها كما هو مذهب أهل الأصول ~~والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه صلى الله عليه وآله وسلم بما ذكره ~~ابن حجر في الفتح من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل أو على أن ذلك خاص به ~~تكلف ومخالفة للظاهر. قالوا: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم السائل في ~~حديث الباب بالوضوء، وصرح ابن عمر بأن من قبل امرأته أو جسها بيده فعليه ~~الوضوء، رواه عنه مالك والشافعي، ورواه البيهقي عن ابن مسعود بلفظ القبلة ~~من اللمس وفيها الوضوء واللمس ما دون الجماع. واستدل الحاكم على أن المراد ~~باللمس ما دون الجماع بحديث عائشة: ما كان أو قل يوم إلا وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يأتينا فيقبل ويلمس الحديث. واستدل البيهقي بحديث ~~أبي هريرة اليد زناها اللمس وفي قصة ماعز لعلك قبلت أو لمست. وبحديث عمر ~~القبلة من اللمس فتوضأوا منها. ويجاب عن ذلك بأن أمر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم للسائل بالوضوء يحتمل أن ذلك لأجل المعصية. وقد ورد أن الوضوء من ~~مكفرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروج المذي، أو هو طلب لشرط ~~الصلاة المذكورة في الآية من غير نظر إلى انتقاض الوضوء وعدمه، ومع ~~الاحتمال يسقط الاستدلال. وأما ما روي عن ابن عمر وابن مسعود وما ذكره ~~الحاكم والبيهقي فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمس على الجس باليد بل هو المعنى ~~الحقيقي، ولكنا ندعي أن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المجاز. وأما ~~قولهم بأن القبلة فيها الوضوء فلا حجة في قول الصحابي لا سيما إذا وقع ~~معارضا لما ورد عن الشارع، وقد صرح البحر بن عباس الذي علمه الله تأويل ~~كتابه واستحباب فيه دعوة رسوله بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وقد ~~تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية. ويؤيد ذلك قول أكثر أهل ~~العلم أن المراد بقول بعض الاعراب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن امرأته ~~لا ترد يد لامس الكناية عن كونها ms0286 زانية ولهذا قال له صلى الله عليه وآله ~~وسلم: طلقها وقد أبدى بعضهم مناسبة في الآية تقضي بأن المراد بالملامسة ~~PageV01P245 # الجماع ولم أذكرها هنا لعدم انتهاضها عندي. وأما حديث الباب فلا دلالة ~~فيه على النقض، لأنه لم يثبت أنه كان متوضئا قبل أن يأمره النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالوضوء، ولا ثبت أنه كان متوضئا عند اللمس فأخبره النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد انتفض وضوءه. # وعن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ رواه أبو داود والنسائي، قال ~~أبو داود: هو مرسل إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. وقال النسائي: ليس في ~~هذا الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا. # وأخرجه أيضا أحمد والترمذي وقال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يضعف هذا ~~الحديث. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق عروة بن الزبير عن ~~عائشة. وأخرجه أيضا أبو داود من طريق عروة المزني عن عائشة. وقال القطان: # هذا الحديث شبه لا شئ. وقال الترمذي: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. # وقال ابن حزم: لا يصح في الباب شئ وإن صح فهو محمول على ما كان عليه ~~الامر قبل نزول الوضوء من اللمس: ورواه الشافعي من طريق معبد بن نباتة عن ~~محمد بن عمر عن ابن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه ~~كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ قال: ولا أعرف حال معبد، فإن كان ثقة فالحجة ~~فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قال الحافظ: روي من عشرة أوجه أوردها البيهقي في الخلافيات وضعفها انتهى. ~~وصححه ابن عبد البر وجماعة وشهد له حديثها الآتي بعد هذا والحديث يدل على ~~أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وقد تقدم ذكر الخلاف فيه. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليصلي وإني لمعترضة بين ms0287 يديه اعتراض الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني ~~برجله رواه النسائي. # الحديث قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح وفيه دليل على أن لمس المرأة ~~لا ينقض الوضوء وقد تقدم الكلام عليه. وتأويل ابن حجر له بما سلف قد عرفناك ~~أنه تكلف لا دليل عليه. # وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة من الفراش ~~فالتمسته فوضعت يدي على باطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو ~~PageV01P246 # يقول اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك ~~لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواه مسلم والترمذي وصححه. # الحديث رواه البيهقي أيضا، وذكره ابن أبي حاتم في العلل من طريق يونس بن ~~خباب عن عيسى بن عمر عن عائشة بنحو هذا. قال: لا أدري عيسى أدرك عائشة أم ~~لا. وروى مسلم في آخر الكتاب عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من عندها ليلا فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع فقال: ما لك يا عائشة ~~أغرت؟ قالت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك، فقال: لقد جاءك شيطانك، فقالت: ~~يا رسول الله أو معي شيطان؟ الحديث. # وروى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عمرة عن عائشة قالت: فقدت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فقلت إنه قام إلى جاريته مارية، ~~فقمت ألتمس الجدار فوجدته قائما يصلي فأدخلت يدي في شعره لأنظر اغتسل أم ~~لا؟ فلما انصرف قال: أخذك شيطانك يا عائشة وفيه محمد بن إبراهيم عن عائشة. ~~قال ابن أبي حاتم: ولم يسمع منها. والحديث يدل على أن اللمس غير موجب للنقض ~~وقد ذكرنا الخلاف فيه. قال المصنف رحمه الله تعالى: وأوسط مذهب يجمع بين ~~هذه الأحاديث مذهب من لا يرى اللمس ينقض إلا لشهوة انتهى. # باب الوضوء من مس القبل عن بسرة بنت صفوان: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ رواه الخمسة وصححه الترمذي. وقال ms0288 ~~البخاري: هو أصح شئ في هذا الباب. وفي رواية لأحمد والنسائي عن بسرة: أنها ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ويتوضأ من مس الذكر وهذا يشمل ~~ذكر نفسه وذكر غيره. # الحديث أخرجه أيضا مالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن ~~الجارود، قال أبو داود قلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح، قال: بل هو صحيح، ~~وصححه الدارقطني ويحيى بن معين، حكاه ابن عبد البر وأبو حامد بن الشرقي ~~تلميذ مسلم والبيهقي والحازمي. قال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه ~~الشيخان لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان فقد احتجا بجميع رواته. ~~وقال الإسماعيلي: يلزم البخاري إخراجه فقد أخرج نظيره وغاية ما قدح به في ~~الحديث أنه حدث به مروان عروة PageV01P247 # فاستراب بذلك عروة فأرسل مروان إلى بسرة رجلا من حرسه فعاد إليه بأنها ~~ذكرت ذلك، والواسطة بين عروة وبسرة إما مروان وهو مطعون في عدالته أو حرسيه ~~وهو مجهول. والجواب أنه قد جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة بأن عروة ~~سمعه من بسرة وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان. قال عروة: فذهبت إلى بسرة ~~فسألتها فصدقته، وبمثل هذا أجاب الدارقطني وابن حبان. قال الحافظ: وقد أكثر ~~ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم من سياق طرقه، وبسط الدارقطني ~~الكلام عليه في نحو من كراستين، ونقل البعض بأن ابن معين قال ثلاثة أحاديث ~~لا تصح: حديث مس الذكر، ولا نكاح إلا بولي، وكل مسكر حرام: قال الحافظ: ولا ~~يعرف هذا عن ابن معين. قال ابن الجوزي: إن هذا لا يثبت عن ابن معين وقد كان ~~مذهبه انتقاض الوضوء بمسه: وروى عنه الميموني أنه قال: إنما يطعن في حديث ~~بسرة من لا يذهب إليه، وطعن فيه الطحاوي بأن هشاما لم يسمع من أبيه عروة ~~لأنه رواه عنه الطبراني، فوسط بينه وبين أبيه أبا بكر بن محمد، وصرح في ~~رواية الحاكم بأن أباه حدثه. وقد رواه الجمهور من أصحاب هشام عنه عن أبيه، ~~فلعله سمعه عن أبي بكر ms0289 عن أبيه ثم سمعه من أبيه، فكان يحدث به تارة هكذا ~~وتارة هكذا. وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو ~~وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وعلي بن ~~طلق والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة وأروى بنت ~~أنيس، أما حديث أبي هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو فسيذكرها المصنف بعد ~~هذا الحديث. وأما حديث جابر فعند الترمذي وابن ماجة والأثرم، قال ابن عبد ~~البر: # إسناده صالح. وأما حديث زيد بن خالد فعند الترمذي وأحمد والبزار. وأما ~~حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه الحاكم: وأما حديث عائشة فذكره الترمذي وأعله ~~أبو حاتم ورواه الدارقطني. # وأما حديث أم سلمة فذكره الحاكم. وأما حديث ابن عباس فرواه البيهقي وفي ~~إسناده الضحاك بن حمزة وهو منكر الحديث. وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني ~~والبيهقي وفيه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم من طريق عبد ~~العزيز بن أبان وهو ضعيف، وأخرجه ابن عدي من طريق أيوب بن عتبة وفيه مقال. ~~وأما حديث علي بن طلق فأخرجه الطبراني وصححه. وأما حديث النعمان بن بشير ~~فذكره ابن منده، وكذا حديث أنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة. وأما ~~حديث أروى بنت أنيس فذكره الترمذي PageV01P248 # ورواه البيهقي: والحديث يدل على أن لمس الذكر ينقض الوضوء وقد ذهب إلى ~~ذلك عمر وابنه عبد الله وأبو هريرة وابن عباس وعائشة وسعد بن أبي وقاص ~~وعطاء والزهري وابن المسيب ومجاهد وأبان بن عثمان وسليمان بن يسار والشافعي ~~وأحمد وإسحاق ومالك في المشهور وغير هؤلاء. واحتجوا بحديث الباب. وكذلك مس ~~فرج المرأة لحديث أم حبيبة الآتي، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو الذي سيذكره ~~المصنف في هذا الباب. وذهب علي عليه السلام وابن مسعود وعمار والحسن البصري ~~وربيعة والعترة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وغيرهم إلى أنه غير ناقض. وقد ~~ذكر الحازمي في الاعتبار جماعة من القائلين بهذه المقالة، وجماعة ms0290 من ~~القائلين بالمقالة الأولى من الصحابة والتابعين لم نذكرهم هنا فليرجع إليه. # واحتج الآخرون بحديث طلق بن علي عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ~~ماجة وأحمد والدارقطني مرفوعا بلفظ: الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # إنما هو بضعة منك وصححه عمر بن علي القلاس وقال: هو عندنا أثبت من حديث ~~بسرة. # وروي عن علي بن المديني أنه قال: هو عندنا أحسن من حديث بسرة قال ~~الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة، وصححه أيضا ابن حبان ~~والطبراني وابن حزم. # وأجيب بأنه قد ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي ~~وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي ~~وآخرون، وأوضح ابن حبان PageV01P249 # وغيره ذلك. وقال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث ~~طلق لم يحتج الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، وقد ~~أيدت دعوى النسخ بتأخر إسلام بسرة وتقدم إسلام طلق، ولكن هذا ليس دليلا على ~~النسخ عند المحققين من أئمة الأصول، وأيد حديث بسرة أيضا بأن حديث طلق ~~موافق لما كان الامر عليه من قبل، وحديث بسرة ناقل عنه فيصار إليه وبأنه ~~أرجح لكثرة طرقه وصحتها، وكثرة من صححه من الأئمة ولكثرة شواهده، ولان بسرة ~~حدثت به في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون، وأيضا قد روي عن طلق بن ~~علي نفسه أنه روى: من مس فرجه فليتوضأ أخرجه الطبراني وصححه قال: فيشبه أن ~~يكون سمع الحديث الأول من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل هذا ثم سمع ~~هذا بعد فوافق حديث بسرة، وأيضا حديث طلق بن علي من رواية قيس ابنه قال ~~الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم تجد من يعرفه. وقال أبو حاتم وأبو ~~زرعة قيس بن طلق ممن لا تقوم به حجة اه. فالظاهر ما ذهب إليه الأولون، وقد ~~روي عن مالك القول بندب الوضوء، ويرده ما سيأتي من التصريح بالوجوب في حديث ~~أبي هريرة وفي حديث ms0291 عائشة: # ويل للذين يمسون فروجهم ولا يتوضأون أخرجه الدارقطني وهو دعاء بالشر لا ~~يكون إلا على ترك واجب، والمراد بالوضوء غسل جميع الأعضاء كوضوء الصلاة ~~لأنه الحقيقة الشرعية، وهي مقدمة على غيرها على ما هو الحق في الأصول. وقد ~~اشترط في المس الناقض للوضوء أن يكون بغير حائل. ويدل له حديث أبي هريرة ~~الآتي، وسيأتي أنه لا دليل لمن اشترط أن يكون المس بباطن الكف، وقد روي عن ~~جابر بن زيد أنه قال بالنقض إن وقع المس عمدا لا إن وقع سهوا. وأحاديث ~~الباب ترده ورفع الخطأ بمعنى رفع إثمه لا حكمه. # وعن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # من مس فرجه فليتوضأ رواه ابن ماجة والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة. # الحديث قال ابن السكن: لا أعلم له علة. ولفظ من يشمل الذكر والأنثى. ولفظ ~~الفرج يشمل القبل والدبر من الرجل والمرأة، وبه يرد مذهب من خصص ذلك ~~بالرجال وهو مالك. وأخرج الدارقطني من حديث عائشة: إذا مست إحداكن فرجها ~~فلتتوضأ وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري وهو ضعيف، وكذا ضعفه ابن حبان، ~~قال الحافظ: # وله شاهد وسيأتي حديث عمرو بن شعيب وهو صحيح، وقد تقدم الكلام في الذي ~~قبله. PageV01P250 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # من أفضى بيده إلى ذكره لبس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء رواه أحمد. # الحديث رواه ابن حبان في صحيحه وقال: حديث صحيح سنده عدول نقلته وصححه ~~الحاكم وابن عبد البر، وأخرجه البيهقي والطبراني في الصغير، وقال ابن ~~السكن: # هو أجود ما روي في هذا الباب ورواه الشافعي والبزار والدارقطني من طريق ~~يزيد بن عبد الملك، قال النسائي: متروك وضعفه غيره. والحديث يدل على وجوب ~~الوضوء وهو يرد مذهب من قال بالند ب وقد تقدم. ويدل على اشتراط عدم الحائل ~~بين اليد والذكر، وقد استدل به الشافعية في أن النقض إنما يكون إذا مس ~~الذكر بباطن الكف لما يعطيه ms0292 لفظ الافضاء. قال الحافظ في التلخيص: لكن نازع ~~في دعوى أن الافضاء لا يكون إلا ببطن الكف غير واحد، قال ابن سيده في ~~الحكم: أفضى فلان إلى فلا وصل إليه، والوصول أعم من أن يكون بظاهر الكف أو ~~باطنها. وقال ابن حزم: الافضاء يكون بظاهر الكف كما يكون بباطنها، قال: ولا ~~دليل على ما قالوه يعني من التخصيص بالباطن من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ~~قول صاحب ولا قياس ولا رأي صحيح. # قال المصنف رحمه الله تعالى: وهو يعني حديث أبي هريرة يمنع تأويل غيره ~~على الاستحباب ويثبت بعمومه النقض ببطن الكف وظهره وينفيه بمفهومه من وراء ~~حائل وبغير اليد، وفي لفظ للشافعي: إذا أفضى أحدكم إلى ذكره ليس بينها ~~وبينه شئ فليتوضأ اه. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ رواه أحمد. # الحديث رواه الترمذي أيضا ورواه البيهقي، قال الترمذي في العلل عن ~~البخاري: وهذا عندي صحيح، وفي إسناده بقية بن الوليد ولكنه قال: حدثني محمد ~~بن الوليد الزبيدي حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث صريح في عدم ~~الفرق بين الرجل والمرأة، وقد عرفت أن الفرج يعم القبل والدبر لأنه العورة ~~كما في القاموس. وقد أهمل المصنف ذكر حديث طلق بن علي في هذا الباب ولم تجر ~~له عادة بذلك، فإنه يذكر الأحاديث المتعارضة وإن كان في بعضها ضعف، وقد ~~ذكرناه في شرح حديث أول الباب وتكلمنا عليه فيه كفاية. PageV01P251 # باب الوضوء من لحوم الإبل عن جابر بن سمرة: أن رجلا سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ وإن شئت فلا ~~تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ نعم توضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في ~~مرابض الغنم؟ قال: نعم قال: أصلي في مرابض الإبل؟ قال: لا رواه أحمد ومسلم. # الحديث روى ابن ماجة نحوه من حديث محارب ms0293 بن دثار عن ابن عمر. وكذلك روى ~~أبو داود والترمذي، وهو يدل على أن الاكل من لحوم الإبل من جملة نواقض ~~الوضوء، وقد اختلف في ذلك فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، قال ~~النووي: # ممن ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو ~~الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير من التابعين ومالك ~~وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم: وذهب إلى انتفاض الوضوء به أحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيي وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة، واختاره ~~الحافظ أبو بكر البيهقي، وحكي عن أصحاب الحديث مطلقا، وحكي عن جماعة من ~~الصحابة كذا قال النووي: ونسبه في البحر إلى أحد قولي الشافعي وإلى محمد بن ~~الحسن. قال البيهقي: حكي عن بعض أصحابنا عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث ~~في لحوم الإبل قلت به. قال البيهقي: قد صح فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة ~~وحديث البراء، قاله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه احتج القائلون بالنقض ~~بأحاديث الباب، واحتج القائلون بعدمه بما عند الأربعة، وابن حبان من حديث ~~جابر أنه كان آخر الامرين منه صلى الله عليه وآله وسلم عدم الوضوء مما مست ~~النار. قال النووي في شرح مسلم: # ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على ~~العام. وهو مبني على أنه يبنى العام على الخاص مطلقا، كما ذهب إليه الشافعي ~~وجماعة من أئمة الأصول وهو الحق، وأما من قال: إن العام المتأخر ناسخ فيجعل ~~حديث ترك الوضوء مما مست النار ناسخا لأحاديث الوضوء من لحوم الإبل، ولا ~~يخفى عليك أن أحاديث الامر بالوضوء من لحوم الإبل لم تشمل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا بالتنصيص ولا بالظهور بل في حديث سمرة: قال له الرجل: ~~أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم وفي حديث البراء: توضأوا منها وفي حديث ذي ~~الغرة الآتي: أفتتوضأ من لحومها؟ قال: PageV01P252 # نعم فلا يصلح تركه صلى الله عليه وآله وسلم للوضوء مما ms0294 مست النار ناسخا ~~لها، لان فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض القول الخاص بنا ولا ~~ينسخه، بل يكون فعله لخلاف ما أمر به أمرا خاصا بالأمة دليل الاختصاص به. ~~وهذه مسألة مدونة في الأصول مشهورة، وقل من يتنبه لها من المصنفين في مواطن ~~الترجيح واعتبارها أمر لا بد منه، وبه يزول الاشكال في كثير من الاحكام ~~التي تعد من المضايق، وقد استرحنا بملاحظتها عن التعب في جمل من المسائل ~~التي عدها الناس من المعضلات، وسيمر بك في هذا الشرح من مواطن اعتبارها ما ~~تنتفع به إن شاء الله تعالى. وقد أسلفنا التنبيه على ذلك: فإن قلت: # هذه القاعدة توقعك في القول بوجوب الوضوء مما مست النار ومطلقا لأن الامر ~~بالوضوء مما مست النار خاص بالأمة كما ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعا عند ~~مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي بلفظ: توضأوا مما مست النار وهو عند مسلم ~~من حديث عائشة مرفوعا، وفي الباب عن أبي أيوب وأبي طلحة وأم حبيبة وزيد بن ~~ثابت وغيرهم، فلا يكون تركه للوضوء مما مست النار ناسخا للامر بالوضوء منه، ~~ولا معارضا لمثل ما ذكرت في لحوم الإبل. قلت: إن لم يصح منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلا مجرد الفعل بعد الامر لنا بالوضوء مما مست النار فالحق عدم ~~النسخ وتحتم الوضوء علينا منه واختصاص رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بترك الوضوء منه، وأي ضير في التمذهب بهذا المذهب وقد قال به ابن عمر وأبو ~~طلحة وأنس بن مالك وأبو موسى وعائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو غرة ~~الهذلي وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز لاحق بن حميد وأبو قلابة ويحيى بن ~~يعمر والحسن البصري والزهري، صرح بذلك الحازمي في الناسخ والمنسوخ، وقد ~~نسبه المهدي في البحر إلى أكثر هؤلاء وزاد الحسن البصري وأبا مجلز. وكذلك ~~النووي في شرح مسلم، قال الحازمي: وذهب بعضهم إلى أن المنسوخ هو ترك الوضوء ~~مما مست النار، والناسخ الامر بالوضوء منه، قال: وإلى هذا ms0295 ذهب الزهري ~~وجماعة وذكر لهم متمسكا. # ويؤيد وجوب الوضوء مما مست النار أن حديث ترك الوضوء منه له علتان ذكرهما ~~الحافظ في التلخيص، وحديث عائشة: ما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الوضوء مما مست النار حتى قبض وإن قال الجوزجاني أنه باطل فهو متأيد بما ~~كان منه صلى الله عليه وآله وسلم من الوضوء لكل صلاة حتى كان ذلك ديدنا له ~~وهجيرا، وإن خالفه مرة أو مرتين. إذا تقرر لك هذا فاعلم أن الوضوء المأمور ~~به هو الوضوء الشرعي، والحقائق PageV01P253 # الشرعية ثابتة مقدمة على غيرها، ولا متمسك لمن قال إن المراد به غسل ~~اليدين. وأما لحوم الغنم فهذه الأحاديث المذكورة في الباب مخصصة له من عموم ~~ما مست النار ففي حديث البراء الآتي: لا تتوضأوا منها وفي حديث ذي الغرة ~~أفنتوضأ من لحومها يعني الغنم؟ قال: لا وفي حديث الباب: إن شئت توضأ وإن ~~شئت فلا تتوضأ وسيأتي تمام الكلام على هذا في باب استحباب الوضوء مما مسته ~~النار. # وعن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضأوا منها، وسئل عن لحوم الغنم فقال: لا ~~توضأوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها فإنها من ~~الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة رواه ~~أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة وابن حبان وابن الجارود وابن خزيمة، ~~وقال في صحيحه: لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة ~~النقل لعدالة ناقليه. وذكر الترمذي الخلاف فيه على ابن أبي ليلى هل هو عن ~~البراء، أو عن ذي الغرة، أو عن أسيد بن حضير؟ وصحح أنه عن البراء. وكذا ذكر ~~ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه، قال الحافظ: وقد قيل إن ذا الغرة لقب ~~البراء بن عازب والصحيح أنه غيره وأن اسمه يعيش. والحديث يدل على وجوب ~~الوضوء من لحوم الإبل وقد تقدم الكلام ms0296 فيه، وعدم وجوبه من لحوم الغنم وقد ~~تقدم أيضا: ويدل أيضا على المنع من الصلاة في مبارك الإبل والاذن بها في ~~مرابض الغنم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب المواضع المنهي عنها والمأذون ~~فيها للصلاة إن شاء الله تعالى. PageV01P254 # وعن ذي الغرة قال: عرض أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول ~~الله يسير فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل أفنصلي ~~فيها؟ فقال. لا، قال أفنتوضأ من لحومها؟ قال: نعم، قال: أفنصلي في مرابض ~~الغنم؟ قال: # نعم، قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: لا رواه عبد الله بن أحمد في مسند ~~أبيه. # الحديث أخرجه الطبراني، قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد موثقون وقد عرفت ~~ما ذكره الترمذي. وقد صرح أحمد والبيهقي بأن الذي صح في الباب حديثان: حديث ~~جابر بن سمرة وحديث البراء، وهكذا قال إسحاق، ذكره الحافظ في التلخيص. ~~وذكره المصنف فقال: قال إسحاق بن راهويه صح في الباب حديثان عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: حديث جابر بن سمرة وحديث البراء اه. وقد عرفت الكلام ~~على فقه الحديث في أول الباب وذو الغرة قد عرفت أنه غير البراء وأن اسمه ~~يعيش. # باب المتطهر يشك هل أحدث عن عباد بن تميم عن عمه قال: شكي إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة فقال: لا ~~ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا رواه الجماعة إلا الترمذي. وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا وجد أحدكم في بطنه ~~شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو ~~يجد ريحا رواه مسلم والترمذي. # حديث أبي هريرة أيضا أخرجه أبو داود في الباب عن أبي سعيد عند أحمد ~~والحاكم وابن حبان، وفي إسناد أحمد علي بن زيد بن جدعان. وعن ابن عباس عند ~~البزار والبيهقي، وفي إسناده أبو أويس لكن تابعه الدراوردي. قوله: يخيل ~~إليه ms0297 أنه يجد الشئ يعني خروج الحدث منه. قوله: حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ~~قال النووي: # معناه يعلم وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. والحديث ~~يدل على إطراح الشكوك العارضة لمن في الصلاة والوسوسة التي جعلها صلى الله ~~عليه وآله وسلم من تسويل الشيطان، وعدم الانتقال إلا لقيام ناقل متيقن ~~كسماع الصوت وشم الريح ومشاهدة الخارج. قال النووي في شرح مسلم: وهذا ~~الحديث أصل من أصول الاسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهي أن الأشياء ~~يحكم ببقائها على أصولها حتى PageV01P255 # يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها. فمن ذلك مسألة الباب التي ~~ورد فيها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على ~~الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة، هذا ~~مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف. وحكي عن مالك روايتان: ~~إحداهما أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة ولا يلزمه إن كان في ~~الصلاة. والثانية يلزمه بكل حال. وحكيت الرواية الأولى عن الحسن البصري وهو ~~وجه شاذ محكي عن بعض أصحابنا وليس بشئ. قال أصحابنا: # ولا فرق في شكه بين أن يستوي الاحتمالات في وقوع الحدث وعدمه أو يترجح ~~أحدهما ويغلب في ظنه، فلا وضوء عليه بكل حال، قال: أما إذا تيقن الحدث وشك ~~في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين قال: ومن مسائل القاعدة ~~المذكورة أن من شك في طلاق زوجته أو في عتق عبده أو نجاسة الماء الطاهر أو ~~طهارة النجس أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره، أو أنه صلى ثلاث ركعات أم ~~أربعا، أم أنه ركع وسجد أم لا، أو أنه نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو ~~الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك ~~لا تأثير لها والأصل عدم الحادث اه. وإلحاق غير حالة الصلاة بها لا يصح أن ~~يكون بالقياس، لأن الخروج حالة الصلاة لا يجوز لما يطرق من الشكوك بخلاف ~~غيرها، فاستفادته ms0298 من حديث أبي هريرة لعدم ذكر الصلاة فيه. وأما ذكر المسجد ~~فوصف طردي لا يقتضي التقييد ولهذا قال المصنف عقب سياقه: وهذا اللفظ عام في ~~حال الصلاة وغيرها اه، على أن التقييد بالصلاة في حديث عباد بن تميم إنما ~~وقع في سؤال السائل، وفي جعله مقيدا للجواب خلاف في الأصول مشهور. # باب إيجاب الوضوء للصلاة والطواف ومس المصحف عن ابن عمر: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ~~ورواه الجماعة إلا البخاري. # الحديث أخرجه الطبراني أيضا. وفي الباب عن أسامة بن عمير والد أبي المليح ~~وأبي هريرة وأنس وأبي بكر الصديق والزبير بن العوام وأبي سعيد الخدري ~~وغيرهم. # قال الحافظ: وقد أوضحت طرقه وألفاظه في الكلام على أوائل الترمذي. قوله: ~~لا يقبل الله قدمنا الكلام عليه في باب الوضوء بالخارج من السبيل. قوله: ~~ولا صدقة من غلول PageV01P256 # الغلول بضم الغين المعجمة هو الخيانة، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل ~~القسمة. قال النووي في شرح مسلم: وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في ~~صحة الصلاة، قال القاضي عياض: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة، فذهب ابن ~~الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الاسلام سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم. ~~وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا، وقد استوفى الكلام على ذلك الحافظ في ~~أول كتاب الوضوء في الفتح. # واختلفوا هل الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة؟ فذهب ~~ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله: * (إذا قمتم إلى ~~الصلاة) * الآية. وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ وقيل: الامر به على ~~الندب. وقيل: لا بل لم يشرع إلا لمن يحدث ولكن تجديده لكل صلاة مستحب قال ~~النووي حاكيا عن القاضي: # وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم خلاف. ومعنى الآية عندهم ~~إذا قمتم محدثين، وهكذا نسبه الحافظ في الفتح إلى الأكثر. ويدل على ذلك ما ms0299 ~~أخرجه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق عليه ~~وضع عنه الوضوء إلا من حدث: ولمسلم من حديث بريدة: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، ~~فقال له عمر إنك فعلت PageV01P257 # شيئا لم تكن تفعله، فقال: عمدا فعلته أي لبيان الجواز، واستدل الدارمي في ~~مسنده على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا وضوء إلا من حدث فالحق ~~استحباب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، وما شكك به صاحب المنار في ذلك غير ~~نير، فإن الأحاديث مصرحة بوقوع الوضوء منه صلى الله عليه وآله وسلم لكل ~~صلاة إلى وقت الترخيص، وهو أعم من أن يكون لحدث ولغيره. والآية دلت على هذا ~~وليس فيها التقييد بحال الحدث، وحديث: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم عند كل ~~صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك عند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا من أعظم ~~الأدلة على المطلوب وسيذكر المصنف هذا الحديث في باب فضل الوضوء لكل صلاة. ~~وقد أخرج الجماعة إلا مسلما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوضأ ~~عند كل صلاة زاد الترمذي: طاهرا وغير طاهر وفي حديث عدم التوضؤ من لحوم ~~الغنم دليل على تجديد الوضوء على الوضوء لأنه حكم صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأن أكل لحومها غير ناقض، ثم قال للسائل عن الوضوء إن شئت: وقد وردت ~~الأحاديث الصحيحة في فضل الوضوء كحديث: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ~~ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ~~إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء أخرجه مسلم وأهل السنن ~~من حديث ابن عقبة بن عامر. وحديث: إنها تخرج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر ~~الماء عند مسلم ومالك والترمذي من حديث أبي هريرة. وحديث: ms0300 من توضأ نحو ~~وضوئي هذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة ~~أخرجه الشيخان من حديث عثمان. وحديث: إذا توضأت اغتسلت من خطاياك كيوم ~~ولدتك أمك عند مسلم والنسائي من حديث أبي أمامة وغير ذلك كثير، فهل يجمل ~~بطالب الحق الراغب في الاجر أن يدع هذه الأدلة التي لا يحتجب أنوارها على ~~غير أكمه، والمثوبات التي لا يرغب عنها إلا أبله ويتمسك بأذيال تشكيك منهار ~~وشبهة مهدومة هي مخافة الوقوع بتجديد الوضوء لكل صلاة من غير حدث في الوعيد ~~الذي ورد في حديث: فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم بعد أن يتكاثر الأدلة على ~~أن الوضوء لكل صلاة عزيمة، وأن الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات متعددة رخصة، بل ~~ذهب قوم إلى الوجوب عند القيام للصلاة كما أسلفنا، دع عنك هذا كله، هذا ابن ~~عمر يروي أن رسول الله (ص) قال: من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات ~~أخرجه الترمذي PageV01P258 # وأبو داود، فهل أنص على المطلوب من هذا؟ وهل يبقى بعد هذا التصريح ~~ارتياب؟ # وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه: لا يمس القرآن إلا طاهر ~~رواه الأثرم والدارقطني. وهو لمالك في الموطأ مرسلا عن عبد الله بن أبي بكر ~~بن محمد بن عمرو بن حزم: إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهرا وقال الأثرم: واحتج أبو ~~عبد الله يعنى أحمد بحديث ابن عمر: ولا يمس المصحف إلا على طهارة. # الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الخلافيات والطبراني وفي ~~إسناده سويد بن أبي حاتم وهو ضعيف. وذكر الطبراني في الأوسط أنه تفرد به، ~~وحسن الحازمي إسناده، وقد ضعف النووي وابن كثير في إرشاده وابن حزم حديث ~~حكيم بن حزام وحديث عمرو بن حزم جميعا. وفي الباب عن ابن عمر ms0301 عند الدارقطني ~~والطبراني قال الحافظ: وإسناده لا بأس به، لكن فيه سليمان الأشدق وهو مختلف ~~فيه، رواه عن سالم عن أبيه ابن عمر، قال الحافظ: ذكر الأثر من أن أحمد احتج ~~به. وفي الباب أيضا عن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني وابن أبي داود في ~~المصاحف وفي إسناده انقطاع. وفي رواية الطبراني من لا يعرف، وعن ثوبان ~~أورده علي بن عبد العزيز في منتخب مسنده وفي إسناده حصيب بن جحدر وهو ~~متروك. وروى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنه ~~رجس ولا يمسه إلا المطهرون، قال الحافظ: وفي إسناده مقال، وفيه عن سلمان ~~موقوفا، أخرجه الدارقطني والحاكم، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول. ~~قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، وقال يعقوب ~~بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب فإن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد ~~عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة. والحديث يدل على أنه لا ~~يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن، ~~والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة. ويدل لاطلاقه على ~~الأول قول الله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (التوبة: 28) وقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأبي هريرة: المؤمن لا ينجس وعلى الثاني: * (وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا) * (المائدة: 6) وعلى الثالث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~PageV01P259 # المسح على الخفين: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين وعلى الرابع الاجماع على ~~أن الشئ الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهرا، وقد ورد إطلاق ذلك ~~في كثير، فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا. والمسألة ~~مدونة في الأصول وفيها مذاهب. والذي يترجح أن المشترك مجمل فيها فلا يعمل ~~به حتى يبين، وقد وقع الاجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمس ~~المصحف وخالف في ذلك داود. # استدل المانعون للجنب ms0302 بقوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * (الواقعة: ~~79) وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعا إلى القرآن، والظاهر رجوعه إلى ~~الكتاب وهو اللوح المحفوظ لأنه الأقرب والمطهرون الملائكة، ولو سلم عدم ~~الظهور فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل بأحد الامرين، ويتوجه الرجوع إلى ~~البراءة الأصلية، ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين لكانت دلالته على ~~المطلوب وهو منع الجنب من مسه غير مسلمة، لأن المطهر من ليس بنجس، والمؤمن ~~ليس بنجس دائما لحديث: المؤمن لا ينجس وهو متفق عليه، فلا يصح حمل المطهر ~~على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية، بل يتعين حمله على ~~من ليس بمشرك كما في قوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (التوبة: 28) ~~لهذا الحديث، ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، ولو سلم صدق ~~اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثا أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون ~~المشترك مجملا في معانيه فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل ههنا أن المراد ~~به غيره لحديث: المؤمن لا ينجس ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان ~~تعيينه لمحل النزاع ترجيحا بلا مرجح، وتعيينه لجميعها استعمالا للمشترك في ~~جميع معانيه وفيه الخلاف، ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في ~~جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث: ا لمؤمن لا ينجس. واستدلوا أيضا ~~بحديث الباب، وأجيب بأنه غير صالح للاحتجاج لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي ~~رجال إسناده خلاف شديد، ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ ~~طاهر وقد عرفته. قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير، إن إطلاق اسم ~~النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا ~~يصح لا حقيقة ولا مجازا ولا لغة، صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن ثبت ~~هذا فالمؤمن طاهر دائما يتناوله الحديث، سواء كان جنبا أو حائضا أو محدثا ~~أو على بدنه نجاسة. فإن قلت: إذا تم ما تريد من حمل الطاهر على ms0303 من ليس ~~بمشرك PageV01P260 # فما جوابك فيما ثبت في المتفق عليه من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين * (ويا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة) * إلى قوله: * (مسلمون) * (آل عمران: 64) مع كونهم جامعين بين نجاستي ~~الشرك والاجتناب ووقوع اللمس منهم له معلوم. قلت: # اجعله خاصا بمثل الآية والآيتين فإنه يجوز تمكين المشرك من مس ذلك ~~المقدار لمصلحة كدعائه إلى الاسلام، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه قد صار ~~باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه ككتب التفسير، فلا تخصص به الآية والحديث. إذا ~~تقرر لك هذا عرفت عدم انتهاض الدليل على منع من عدا المشرك وقد عرفت الخلاف ~~في الجنب. وأما المحدث حدثا أصغر فذهب ابن عباس والشعبي والضحاك وزيد بن ~~علي والمؤيد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إلى أنه يجوز له مس ~~المصحف. وقال القاسم وأكثر الفقهاء والامام يحيى: لا يجوز واستدلوا بما سلف ~~وقد سلف ما فيه. # وعن طاوس عن رجل قد أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إنما الطواف بالبيت صلاة فإذا طفتم فأقلوا الكلام ~~رواه أحمد والنسائي. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وصححه ~~ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان، وقال الترمذي: روي مرفوعا وموقوفا، ولا ~~يعرف مرفوعا إلا من حديث عطاء ومداره على عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن ~~عباس، واختلف على عطاء في رفعه ووقفه، ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن ~~الصلاح والمنذري والنووي وزاد: إن رواية الرفع ضعيفة. قال الحافظ: وفي ~~إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا روي عنه الحديث مرفوعا تارة ~~وموقوفا تارة فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك ويكثر ~~منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة. وقد أخرج الحديث ~~الحاكم من رواية سفيان عن عطاء وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط ms0304 بالاتفاق ~~ولكنه موقوف من طريقه. وقد أطال الكلام في التلخيص فليرجع إليه. والحديث ~~يدل على أنه ينبغي أن يكون الطواف على طهارة كطهارة الصلاة وفيه خلاف محله ~~كتاب الحج. PageV01P261 # أبواب ما يستحب الوضوء لأجله باب استحباب الوضوء مما مسته النار والرخصة ~~في تركه عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على ~~المسجد فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها لأني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول توضأوا مما مست النار. وعن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: توضأوا مما مست النار. وعن زيد بن ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مثله. رواهن أحمد ومسلم والنسائي. # قوله: من أثوار أقط الأثوار جمع ثور وهي القطعة من الأقط وهي بالثاء ~~المثلثة. والأقط لبن جامد مستحجر وهي مما مسته النار. قوله: يتوضأ على ~~المسجد استدل به على جواز الوضوء في المسجد. وقد نقل ابن المنذر إجماع ~~العلماء على جوازه ما لم يؤذيه أحدا. # والأحاديث تدل على وجوب الوضوء مما مسته النار، وقد اختلف الناس في ذلك، ~~فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود وأبو ~~الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وزيد بن ~~ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو طلحة بن ربيعة وأبو ~~أمامة والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وعائشة وجماهير التابعين، وهو ~~مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى ~~بن يحيى وأبي ثور وأبي خيثمة وسفيان الثوري وأهل الحجاز وأهل الكوفة إلى ~~أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار. وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء ~~الشرعي مما مسته النار، وقد ذكرناهم في باب الوضوء من لحوم الإبل. استدل ~~الأولون بالأحاديث التي ذكرها في هذا الباب. واستدل الآخرون بالأحاديث التي ~~فيها الامر بالوضوء مما مسته النار، وقد ذكر المصنف بعضها ههنا، وأجاب ~~الأولون عن ذلك بجوابين: الأول أنه منسوخ ms0305 بحديث جابر الآتي. الثاني أن ~~المراد بالوضوء غسل الفم والكفين. قال النووي: ثم إن هذا الخلاف الذي ~~حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك أنه لا يجب الوضوء من ~~أكل ما مسته النار. ولا يخفاك أن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يعارض القول الخاص بنا وينسخه والمتقرر في الأصول ~~خلافه. وقد نبهناك على ذلك في باب PageV01P262 # الوضوء من لحوم الإبل. وأما الجواب الثاني فقد تقرر أن الحقائق الشرعية ~~مقدمة على غيرها، وحقيقة الوضوء الشرعية هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل ~~للوضوء فلا يخالف هذه الحقيقة إلا لدليل. وأما دعوى الاجماع فهي من الدعاوي ~~التي لا يهابها طالب الحق ولا تحول بينه وبين مراده منه، نعم الأحاديث ~~الواردة في ترك التوضئ من لحوم الغنم مخصصة لعموم الامر بالوضوء مما مست ~~النار وما عدا لحوم الغنم داخل تحت ذلك العموم. # وعن ميمونة قالت: أكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتف شاة ثم قام ~~فصلى ولم يتوضأ. وعن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يحتز من كتف شاة فأكل منها فدعي إلى الصلاة فقام وطرح السكين ~~وصلى ولم يتوضأ متفق عليهما. # قوله: يحتز من كتف شاة قال النووي: فيه جواز قطع اللحم بالسكين، وذلك قد ~~تدعو الحاجة إليه لصلابة اللحم أو كبر القطعة، قالوا: ويكره من غير حاجة. ~~قوله: # فدعي إلى الصلاة في هذا دليل على استحباب استدعاه الأئمة إلى الصلاة إذا ~~حضر وقتها. والحديث يدل على عدم وجوب لوضوء مما مسته النار، وقد عرفت ~~الخلاف والكلام فيه فلا نعيده. # وعن جابر قال: أكلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومع أبي بكر وعمر ~~خبزا ولحما فصلوا ولم يتوضأوا رواه أحمد. وعن جابر قال: كان آخر الامرين من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مسته النار رواه أبو ~~داود والنسائي. # الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة والضياء في المختارة. ms0306 والحديث الآخر ~~أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان، وقال أبو داود: هذا اختصار من حديث: قربت ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خبزا ولحما فأكله ثم دعا بالوضوء فتوضأ قبل ~~الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ وقال ابن أبي ~~حاتم في المعلل عن أبيه نحوه وزاد، ويمكن أن يكون شعيب بن أبي حمزة حدث به ~~من حفظه فوهم فيه، وقال ابن حبان نحوا مما قاله أبو داود وله علة أخرى، قال ~~الشافعي في سنن حرملة: # لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد الله بن محمد ~~بن عقيل، PageV01P263 # وقال البخاري في الأوسط: حدثنا علي بن المديني قال قلت لسفيان: إن أبا ~~علقمة الفروي روى عن ابن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أكل لحما ولم يتوضأ فقال: أحسبني سمعت ابن المنكدر، قال: أخبرني من ~~سمع جابر، قال الحافظ: ويشهد لأصل الحديث ما أخرجه البخاري في الصحيح عن ~~سعيد بن الحرث قلت لجابر: الوضوء مما مست النار، قال لا، وللحديث شاهد من ~~حديث محمد بن مسلمة أجره الطبراني في الأوسط ولفظه: أكل آخر أمره لحما ثم ~~صلى ولم يتوضأ وقال النووي في شرح مسلم: حديث جابر صحيح، رواه أبو داود ~~والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة. والحديث يدل على عدم ~~وجوب الوضوء مما مسته النار، وقد تقدم الكلام على ذلك. قال المصنف رحمه ~~الله وهذه النصوص إنما تنفي الايجاب لا الاستحباب ولهذا قال للذي سأله: ~~أتتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ولولا أن ~~الوضوء من ذلك مستحب لما أذن فيه لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة، ~~انتهى. # باب فضل الوضوء لكل صلاة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك ~~رواه أحمد بإسناد صحيح. # الحديث أخرج نحوه النسائي وابن خزيمة والبخاري تعليقا من ms0307 حديثه، وروى ~~نحوه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة، وهو يدل على عدم وجوب الوضوء عند ~~القيام إلى الصلاة وهو مذهب الأكثر، بل حكى النووي عن القاضي عياض أنه أجمع ~~عليه أهل الفتوى ولم يبق بينهم خلاف، وقد قدمنا الكلام على ذلك في باب ~~إيجاب الوضوء للصلاة والطواف ومس المصحف. # وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة، ~~قيل له: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث ~~رواه الجماعة إلا مسلما. # قوله: عند كل صلاة قال الحافظ: أي مفروضة، زاد الترمذي من طريق حميد عن ~~أنس طاهرا أو غير طاهر. وظاهره أن تلك كانت عادته. قال الطحاوي: يحتمل أن ~~PageV01P264 # ذلك كان واجبا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة يعني الذي أخرجه ~~مسلم: # أنه صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد قال: ويحتمل أنه كان يفعله ~~استحبابا ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز. قال الحافظ: وهذا أقرب، ~~وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه ~~كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان. قوله: كيف كنتم تصنعون؟ القائل عمرو بن ~~عامر والمراد الصحابة. ولابن ماجة: وكنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد. ~~والحديث يدل على استحباب الوضوء لكل صلاة وعدم وجوبه. # وعن عبد الله بن حنظلة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أمر ~~بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند ~~كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، وكان عبد الله بن عمر يرى أن به قوة ~~على ذلك كان يفعله حتى مات رواه أحمد وأبو داود. وروى أبو داود والترمذي ~~بإسناد ضعيف عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من توضأ ~~على طهر كتب الله له به عشر حسنات. # أما الرواية الأولى عن عبد الله بن حنظلة ففي إسنادها محمد بن إسحاق وقد ~~عنعن وفي الاحتجاج به ms0308 خلاف. وأما الرواية الثانية عن ابن عمر ففي إسنادها ~~الإفريقي عن أبي غطيف ولهذا قال المصنف بإسناد ضعيف، وهكذا قال الترمذي في ~~سننه. والحديث الأول فيه دليل على عدم وجوب الوضوء لكل صلاة وعلى استحبابه ~~لكل صلاة مع الطهارة وقد تقدم الكلام عليه. قوله: عشر حسنات قال ابن رسلان: ~~يشبه أن يكون المراد كتب الله له به عشرة وضوءات فإن أقل ما وعد به من ~~الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها وقد وعد بالواحدة سبعمائة ووعد ثوابا بغير ~~حساب. # باب استحباب الطهارة لذكر الله عز وجل والرخصة في تركه عن المهاجر بن ~~قنفذ: أنه سلم علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه ~~حتى فرغ من وضوئه فرد عليه وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت ~~أن أذكر الله إلا على طهارة رواه أحمد وابن ماجة بنحوه. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي. وهو يدل على كراهة الذكر للمحدث ~~حدثا أصغر. ولفظ أبي داود وهو يبول ويعارضه ما سيأتي من حديث علي وعائشة، ~~فإن في حديث علي لا يحجزه من القرآن شئ ليس الجنابة فإذا كان الحدث الأصغر ~~لا يمنعه عن قراءة القرآن وهو أفضل الذكر كأن جواز ما عداه من الأذكار ~~بطريق PageV01P265 # الأولى. وكذلك حديث عائشة فإن قولها: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يذكر الله على كل أحيانه مشعر بوقوع الذكر منه حال الحدث الأصغر، لأنه من ~~جملة الأحيان المذكورة، فيمكن الجمع بأن هذا الحديث خاص فيخص به ذلك ~~العموم، ويمكن حمل الكراهة على كراهة التنزيه، ومثله الحديث الذي بعده، ~~ويمكن أن يقال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ترك الجواب لأنه لم ~~يخش فوت من سلم عليه، فيكون دليلا على جواز التراخي مع عدم خشية الفوت لمن ~~كان مشتغلا بالوضوء، ولكن التعليل بكراهته لذكر الله في تلك الحال يدل على ~~أن الحدث سبب الكراهة من غير نظر إلى غيره. # وعن أبي جهيم بن الحرث قال: أقبل النبي صلى الله ms0309 عليه وآله وسلم من نحو ~~بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ~~أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام متفق عليه. ومن الرخصة ~~في ذلك حديث عبد الله بن سلمة عن علي وحديث ابن عباس قال: بت عند خالتي ~~ميمونة وسنذكرهما. # قوله: بئر جمل بجيم وميم مفتوحتين، وفي رواية النسائي بئر الجمل بالألف ~~واللام وهو موضع بقرب المدينة. قوله: حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه هو ~~محمول على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان عادما للماء حال التيمم، فإن ~~التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادرين على استعماله، قال النووي: ولا فرق ~~بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع. ولا فرق أيضا بين صلاة الجنازة ~~والعيد إذا خاف فوتهما. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة يجوز أن ~~يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما انتهى. وهو أيضا ~~مذهب الهادوية. وفي الحديث دلالة على جواز التيمم من الجدار إذا كان عليه ~~غبار. قال النووي: وهو جائز عندنا وعند الجمهور من السلف والخلف. واحتج به ~~من جوز التيمم بغير تراب. وأجيب بأنه محمول على جدار عليه تراب. وفيه دليل ~~على جواز التيمم للنوافل والفضائل كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها ~~كما يجوز للفرائض وهذا مذهب العلماء كافة قاله النووي. وفي الحديث أن ~~المسلم في حال قضاء الحاجة لا يستحق جوابا وهذا متفق عليه. # قال النووي: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله بشئ من الأذكار، ~~قالوا: فلا يسبح ولا يهلل، ولا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله ~~إذا عطس، ولا يقول PageV01P266 # مثل ما يقول المؤذن، وكذلك لا يأتي بشئ من هذه الأذكار في حال الجماع، ~~وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه ولا يحرك به لسانه، وهذا ~~الذي ذكرناه من كراهة الذكر هو كراهة تنزيه لا تحريم فلا إثم على فاعله. ~~وإلى هذا ذهبت الشافعية والأكثرون، وحكاه ابن المنذر ms0310 عن ابن عباس وعطاء ~~ومعيد الجهني وعكرمة، وقال إبراهيم النخعي وابن سيرين: لا بأس بالذكر حال ~~قضاء الحاجة، ولا خلاف أن الضرورة إذا دعت إلى الكلام، كما إذا رأى ضريرا ~~يقع في بئر أو رأى حية تدنو من أعمى كان جائزا. وقد تقدم طرف من هذا الحديث ~~وطرف من شرحه في باب كف المتخلي عن الكلام. # قوله: ومن الرخصة في ذلك حديث عبد الله بن سلمة عن علي سيذكره المصنف في ~~باب تحريم القرآن على الحائض والجنب: وفيه: أنه كان لا يحجزه عن القرآن شئ ~~ليس الجنابة فأشعر بجواز قراءة القرآن في جميع الحالات إلا في حالة ~~الجنابة، والقرآن أشرف الذكر فجواز غيره بالأولى. ومن جملة الحالات حالة ~~الحدث الأصغر. قوله: وحديث ابن عباس بت عند خالتي ميمونة محل الدلالة منه ~~قوله: ثم قرأ العشر الآيات أولها: * (إن في خلق السماوات والأرض) * ~~(البقرة: 164) إلى آخر السورة. قال ابن بطال ومن تبعه فيه دليل على رد قول ~~من كره قراءة القرآن على غير طهارة، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه ~~الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ، وتعقبه ابن المنير وغيره بأن ذلك ~~مفرع على أن النوم في حقه ينقض وليس كذلك لأنه قال: تنام عيناي ولا ينام ~~قلبي. وأما كونه توضأ عقب ذلك فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ، قال ~~الحافظ: وهو تعقب جيد بالنسبة إلى قول ابن بطال بعد قيامه من النوم لأنه لم ~~يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عقب ذلك بالوضوء كان ظاهرا في كونه ~~أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم، نعم ~~خصوصيته أنه إن وقع شعر به بخلاف غيره، وما ادعوه من التجديد وغيره الأصل ~~عدمه، وقد سبق الإسماعيلي إلى معنى ما ذكره ابن المنير. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ~~الله على كل أحيانه ورواه الخمسة إلا النسائي وذكره البخاري بغير ms0311 إسناد. # الحديث أخرجه مسلم أيضا، قال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث أصل في ذكر ~~الله بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار وهذا جائز ~~بإجماع المسلمين. وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، ~~وسيأتي PageV01P267 # الكلام على ذلك في باب تحريم القراءة على الحائض والجنب. واعلم أنه يكره ~~الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط. وفي حالة الجماع. وقد ذكرنا ذلك ~~في الحديث الذي قبل هذا، فيكون الحديث مخصوصا بما سوى هذه الأحوال، ويكون ~~المقصود أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر الله تعالى متطهرا ومحدثا ~~وجنبا وقائما وقاعدا ومضجعا وماشيا، قاله النووي. # باب استحباب الوضوء لمن أراد النوم عن البراء بن عازب: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك ~~الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، ~~وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم ~~آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على ~~الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به، قال: فرددها على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا ونبيك ~~الذي أرسلت رواه أحمد والبخاري والترمذي. # قوله: فتوضأ ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم ولو كان على ~~طهارة، ويحتمل أن يكون مخصوصا بمن كان محدثا. وقد روى هذا الحديث الشيخان ~~وغيرهما من طرق عن البراء ليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية، وكذا ~~قال الترمذي. وقد ورد في الباب حديث عن معاذ بن جبل أخرجه أبو داود، وحديث ~~عن علي أخرجه البزار وليس واحد منهما على شرط البخاري. قوله: فأنت على ~~الفطرة المراد بالفطرة هنا السنة بقوله: واجعلهن آخر ما تتكلم به في رواية ~~الكشميهني من آخر وهي تبين أنه لا يمتنع أن يقول بعدهن شيئا من المشروع من ~~الذكر. قوله: لا ونبيك قال الخطابي: فيه حجة ms0312 لمن منع رواية الحديث بالمعنى، ~~قال: ويحتمل أن يكون أشار بقوله ونبيك الذي أرسلت إلى أنه كان نبيا قبل أن ~~يكون رسولا، ولأنه ليس في قوله ورسولك الذي أرسلت وصف زائد بخلاف قوله ~~ونبيك الذي أرسلت، وقال غيره: ليس فيه حجة على منع ذلك لأن لفظ الرسول ليس ~~بمعنى لفظ النبي، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، فكأنه أراد أن يجمع ~~الوصفين صريحا، وإن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة PageV01P268 # أو لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان ~~في اللفظ سر ليس في الآخر ولو كان يرادفه في الظاهر، أو لعله أوحى إليه ~~بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده، أو ذكره احترازا ممن أرسل من غير نبوة كجبريل ~~وغيره من الملائكة ونهم رسل لا أنبياء، فلعله أراد تخليص الكلام من اللبس، ~~أو لأن لفظ النبي أمدح من لفظ الرسول، لأنه مشترك في الاطلاق على كل من ~~أرسل، بخلاف لفظ النبي فإنه لا اشتراك فيه عرفا. وعلى هذا فقول من قال: كل ~~رسول نبي من غير عكس لا يصح إطلاقه قاله الحافظ: واستدل به بعضهم على أنه ~~لا يجوز إبدال لفظ قال نبي الله مثلا في الرواية بلفظ قال رسول الله وكذا ~~عكسه. قال الحافظ: ولو أجزنا الرواية بالمعنى فلا حجة له فيه، وكذا لا حجة ~~له فيه لمن أجاز الأول دون الثاني لكون الأول أخص من الثاني، لأنا نقول ~~الذات المخبر عنها في الرواية واحدة، فبأي وصف وصفت تلك الذات من أوصافها ~~اللائقة بها علم القصد بالمخبر عنه ولو تباينت معاني الصفات، كما لو أبدل ~~اسما بكنية أو كنية باسم فلا فرق. وللحديث فوائد مذكورة في كتاب الدعوات من ~~الفتح. # باب تأكيد ذلك للجنب واستحباب الوضوء له لأجل الأكل والشرب والمعاودة عن ~~ابن عمر أن عمر قال: رسول الله أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا ~~PageV01P269 # توضأ. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد ~~أن ينام وهو جنب غسل ms0313 فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة رواهما الجماعة. ولأحمد ومسلم ~~عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل ~~أو ينام توضأ. # قوله: قال: نعم إذا توضأ في رواية البخاري ومسلم: ليتوضأ ثم لينم. وفي ~~رواية للبخاري: ليتوضأ ويرقد. وفي رواية لهما: توضأ واغسل ذكرك ثم نم. وفي ~~لفظ للبخاري: # نعم ويتوضأ. وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل قبل ~~الاغتسال، وكذلك يجوز له معاودة الأهل كما سيأتي في حديث أبي سعيد، وكذلك ~~الشرب كما يأتي في حديث عمار، وهذا كله مجمع عليه قاله النووي، وحديث عمر ~~جاء بصيغة الامر وجاء بصيغة الشرط، وهو متمسك لمن قال بوجوب الوضوء على ~~الجنب إذا أراد أن ينام قبل الاغتسال وهم الظاهرية وابن حبيب من المالكية، ~~وذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه. وتمسكوا بحديث عائشة الآتي في الباب ~~الذي بعد هذا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينام وهو جنب ولا يمس ~~ماء وهو غير صالح للتمسك به من وجوه: أحدها أن فيه مقالا لا ينتهض معه ~~للاستدلال وسنبينه في شرحه إن شاء الله تعالى. وثانيها أن قوله لا يمس ماء ~~فكرة في سياق النفي فتعم ماء الغسل وماء الوضوء وغيرهما، وحديثها المذكور ~~في الباب بلفظ: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة ~~خاص بماء الوضوء فيبنى العام على الخاص ويكون المراد بقوله: لا يمس ماء غير ~~ماء الوضوء. # وقد صرح ابن سريج والبيهقي بأن المراد بالماء ماء الغسل. وقد أخرج أحمد ~~عن عائشة قالت: كان يجنب من الليل ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ولا يمس ماء: ~~وثالثها أن تركه صلى الله عليه وآله وسلم لمس الماء لا يعارض قوله الخاص ~~بنا كما تقرر في الأصول، فيكون الترك على تسليم شموله لماء الوضوء خاصا به. ~~وتمسكوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة ~~أخرجه أصحاب السنن. وقد استدل به أيضا على ذلك ابن خزيمة وأبو ms0314 عوانة في ~~صحيحه. قال الحافظ: وقد قدح في هذا الاستدلال ابن زبيد المالكي وهو واضح ~~قلت: فيجب الجمع بين الأدلة بحمل الامر على الاستحباب، ويؤيد ذلك أنه أخرج ~~ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر: أنه سئل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ويتوضأ إن شاء والمراد ~~بالوضوء هنا PageV01P270 # وضوء الصلاة لما عرفناك غير مرة أنه هو الحقيقة الشرعية وأنها مقدمة على ~~غيرها. وقد صرحت بذلك عائشة في حديث الباب المتفق عليه، فهو يرد ما جنح ~~إليه الطحاوي من أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي هذا ~~الحديث وهو صاحب القصة: # كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه كما رواه مالك في الموطأ عن نافع، ويرد ~~أيضا بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في المروي ولا تصلح لمعارضته. ~~وأيضا قد ورد تقييد الوضوء بوضوء الصلاة من روايته ومن رواية عائشة فيعتمد ~~ذلك، ويحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه على أن ذلك كان لعذر. وإلى هذا ذهب ~~الجمهور. قال الحافظ: والحكمة في الوضوء أنه يخفف الحدث ولا سيما على القول ~~بجواز تفريق الغسل. ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد ~~بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه ~~نصف غسل الجنابة. وقيل: الحكمة في الوضوء أنه إحدى الطهارتين، وقيل إنه ~~ينشط إلى العود أو إلى الغسل. # وعن عمار بن ياسر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص للجنب إذا أراد ~~أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة رواه أحمد والترمذي وصححه. # الوضوء عند إرادة الاكل والنوم ثابت من حديث عائشة ومتفق عليه. وقد تقدم ~~في الحديث الذي قبل هذا إحدى الروايات وعزاها المصنف إلى أحمد ومسلم. وعند ~~إرادة الشرب من حديث عائشة أيضا عند النسائي، ولكن جميع ذلك من فعله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا من قوله كما في حديث الباب. وقد روي ms0315 الوضوء عند ~~الاكل من حديث جابر عند ابن ماجة وابن خزيمة، ومن حديث أم سلمة وأبي هريرة ~~عند الطبراني في الأوسط، والحديث يدل على أفضلية الغسل لأن العزيمة أفضل من ~~الرخصة، والخلاف في الوضوء لمن أراد أن ينام وهو جنب قد ذكرناه في الحديث ~~الذي قبل هذا، وأما من أراد أن يأكل أو يشرب فقد اتفق الناس على عدم وجوب ~~الوضوء عليه، وحكى ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن ابن عمر أنه واجب. # وعن أبي سعيد: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا أتى أحدكم أهله ~~ثم أراد أن يعود فليتوضأ رواه الجماعة إلا البخاري. # ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وزادوا: فإنه أنشط للعود وفي رواية ~~PageV01P271 # للبيهقي وابن خزيمة: فليتوضأ وضوءه للصلاة ويقال: إن الشافعي قال: لا ~~يثبت مثله، قال البيهقي: # ولعله لم يقف على إسناد حديث أبي سعيد ووقف على إسناد غيره، فقد روي عن ~~عمر وابن عمر بإسنادين ضعيفين، قال الحافظ: ويؤيد هذا حديث أنس الثابت في ~~الصحيحين أنه (ص): كان يطوف على نسائه بغسل واحد والحديث يدل على أن غسل ~~الجنابة ليس على الفور وإنما يتضيق على الانسان عند القيام إلى الصلاة. قال ~~النووي: وهذا بإجماع المسلمين، ولا شك في استحبابه قبل المعاودة لما رواه ~~أحمد وأصحاب السنن من حديث أبي رافع: أنه (ص) طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل ~~عند هذه وعند هذه، وقيل: يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا؟ فقال: هذا ~~أزكى وأطيب وقول أبي داود إن حديث أنس أصح منه لا ينفي صحته. وقد قال ~~النووي: هو محمول على أنه فعل الامرين في وقتين مختلفين. وقد ذهبت الظاهرية ~~وابن حبيب إلى وجوب الوضوء على المعاود وتمسكوا بحديث الباب. وذهب من عداهم ~~إلى عدم الوجوب وجعلوا ما ثبت في رواية الحاكم بلفظ: إنه أنشط للعود صارفا ~~للامر إلى الندب. ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي من حديث عائشة قالت: كان النبي ~~(ص) يجامع ثم يعود ولا يتوضأ ويؤيده أيضا الحديث المتقدم ms0316 بلفظ: إنما أمرت ~~بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. # (فائدة) طوافه صلى الله عليه وآله وسلم على نسائه محمول على أنه كان ~~برضاهن أو برضا صاحبة النوبة إن كانت نوبة واحدة، قال النووي: وهذا التأويل ~~يحتاج إليه من يقول كان القسم واجبا عليه في الدوام كما يجب علينا، وأما من ~~لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل فإن له أن يفعل ما شاء. # باب جواز ترك ذلك عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب يغسل يديه ثم يأكل ويشرب رواه أحمد والنسائي. # هو طرف من الحديث ولفظه في النسائي: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ ~~وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يأكل أو يشرب وقد ~~ذكره الحافظ في التلخيص وابن سيد الناس في شرح الترمذي ولم يتكلما عليه بما ~~يوجب ضعفا، وهو من سنن النسائي من طريق محمد بن عبيد بن محمد قال: حدثنا ~~PageV01P272 # عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة فذكره. ~~ومحمد بن عبيد ثقة وبقية رجال الاسناد أئمة. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه من ~~حديثها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان إذا أراد أن يطعم وهو جنب ~~غسل يده ثم يطعم وبه استدل من فرق بين الوضوء لإرادة النوم والوضوء لإرادة ~~الأكل والشرب. قال الشيخ أبو العباس القرطبي: هو مذهب كثير من أهل الظاهر ~~وهو رواية عن مالك. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أراد الجنب أن ~~يأكل غسل يديه ومضمض فاه. وعن مجاهد قال في الجنب إذا أراد الاكل أنه يغسل ~~يديه ويأكل. وعن الزهري مثله، وإليه ذهب أحمد وقال: لأن الأحاديث في الوضوء ~~لمن أراد النوم كذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس. وذهب الجمهور إلى أنه ~~كوضوء الصلاة واستدلوا بما في الصحيحين من حديثها بلفظ: كان إذا أراد أن ~~يأكل أو ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وبما سبق ms0317 من حديث عمار. ويجمع بين ~~الروايات بأنه كان تارة يتوضأ وضوء الصلاة وتارة يقتصر على غسل اليدين لكن ~~هذا في الأكل والشرب خاصة، وأما في النوم والمعاودة فهو كوضوء الصلاة لعدم ~~المعارض للأحاديث المصرحة فيهما بأنه كوضوء الصلاة. # وعنها أيضا قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان له حاجة إلى ~~أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء رواه أحمد ولأبي داود والترمذي عنها: كان ~~رسول الله (ص) ينام وهو جنب ولا يمس ماء. # الحديث قال أحمد: ليس بصحيح. وقال أبو داود: هو وهم. وقال يزيد بن هارون: # هو خطأ. وقال مهنا عن أحمد بن صالح: لا يحل أن يروى هذا الحديث. وفي علل ~~الأثرم: # لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكفى، قال ابن مفوز: أجمع ~~المحدثون أنه خطأ من أبي إسحاق، قال الحافظ: وتساهل في نقل الاجماع فقد ~~صححه البيهقي وقال: # إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه. قال ابن العربي ~~في شرح الترمذي تفسير غلط أبي إسحاق هو أن هذا الحديث رواه أبو إسحاق ~~مختصرا اقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه. ونص الحديث الطويل ما ~~رواه أبو غسان قال: أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخا وصديقا فقلت: يا أبا ~~عمر حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقال: قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة ~~قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند PageV01P273 # النداء الأول وثب وربما قالت قام فأفاض عليه الماء وما قالت اغتسل وأنا ~~أعلم ما تريد، وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة، فهذا الحديث الطويل ~~فيه وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الرجل للصلاة فهذا يدلك على أن قوله: ثم إن ~~كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء يحتمل أحد وجهين. إما أن ~~ريد حاجة الانسان من البول والغائط فيقضيهما ms0318 ثم يستنجي ولا يمس ماء وينام ~~فإن وطئ توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطئ، ~~وبقوله: ثم ينام ولا يمس ماء يعني ماء الاغتسال، ومتى لم يحمل الحديث على ~~أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة حاجة الوطئ، ~~فنقل الحديث على معنى ما فهمه انتهى. والحديث يدل على عدم وجوب الوضوء على ~~الجنب إذا أراد النوم أو المعاودة، وقد تقدم في الباب الأول أنه غير صالح ~~للاستدلال به على ذلك لوجوه ذكرناها هنالك. قال المصنف رحمه الله تعالى: ~~وهذا لا يناقض ما قبله، بل يحمل على أنه كان يترك الوضوء أحيانا لبيان ~~الجواز ويفعله غالبا لطلب الفضيلة انتهى. وبهذا جمع ابن قتيبة والنووي. # أبواب موجبات الغسل قال النووي: الغسل إذا أريد به الماء فهو مضموم ~~الغين، وإذا أريد به المصدر فيجوز بضم الغين وفتحها لغتان مشهورتان، وبعضهم ~~يقول: إن كان مصدرا لغسلت فهو بالفتح كضربت ضربا، وإن كان بمعنى الاغتسال ~~فهو بالضم كقولنا: غسل الجمعة مسنون، وكذلك الغسل من الجنابة واجب وما ~~أشبهه. وأما ما ذكره بعض من صنف في لحن الفقهاء من أن قولهم غسل الجنابة ~~والجمعة ونحوهما بالضم لحن فهو خطأ منه، بل الذي قالوه صواب كما ذكرنا. ~~وأما الغسل بكسر الغين فهو اسم لما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. # باب الغسل من المني عن علي عليه السلام قال: كنت رجلا مذاء فسألت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال في المذي الوضوء وفي المني الغسل رواه أحمد ~~وابن ماجة والترمذي وصححه. ولأحمد فقال: إذا حذفت الماء فاغتسل من الجنابة ~~فإذا لم تكن حاذفا فلا تغتسل. # قال الترمذي: وقد روى عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير ~~وجه، PageV01P274 # وأخرج الحديث أيضا أبو داود والنسائي، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث علي ~~مختصرا، وفي إسناد الحديث الذي صححه الترمذي يزيد بن أبي زياد قال علي ~~ويحيى ضعيف لا يحتج به. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال أبو ms0319 حاتم الرازي: ~~ضيف الحديث كل أحاديثه موضوعة وباطلة. وقال البخاري: منكر الحديث ذاهب. ~~وقال النسائي: # متروك الحديث وقال ابن حبان: صدوق إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان ~~يتلقن ما لقن فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح، ~~والترمذي قد صحح حديث يزيد المذكور في مواضع هذا أحدها. وفي حديث: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو صائم. وفي حديث: أن العباس دخل على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مغضبا وقد حسن أيضا حديثه في حديث: أنها ~~أدخلت العمرة في الحج فلعل التصحيح والتحسين بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس ~~السند من اشتهار المنون ونحو ذلك، وإلا فيزيد ليس من رجال الحسن فكيف ~~الصحيح. وأيضا الحديث من رواية ابن أبي ليلى عن علي وقد قيل إنه لم يسمع ~~منه. وفي الباب عن المقداد بن الأسود عند أبي داود والنسائي وابن ماجة. وعن ~~أبي بن كعب عند ابن أبي شيبة وغيره. # والحديث يدل على عدم وجوب الغسل من المذي وأن الواجب الوضوء، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك في باب ما جاء في المذي من أبواب تطهير النجاسات. ويدل على ~~وجوب الغسل من المني قال الترمذي: وهو قول عامة أهل العلم من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق. ~~قوله: حذفت يروى بالحاء المهملة والخاء المعجمة بعدها ذال معجمة مفتوحة ثم ~~فاء وهو الرمي وهو لا يكون بهذه الصفة إلا لشهوة، ولهذا قال المصنف: وفيه ~~تنبيه على أن ما يخرج لغير شهوة إما لمرض أو أبردة لا يوجب الغسل انتهى. # وعن أم سلمة أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق ~~فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: ~~وتحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك فيما يشبهها ولدها متفق عليه. # للحديث ألفاظ عند الشيخين. ورواه مسلم من حديث أنس عن أم سليم، ومن حديث ~~عائشة أن امرأة سألت، ms0320 وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وفي الباب عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن بسرة سألت أخرجه ابن أبي شيبة. وعن أبي ~~PageV01P275 # هريرة أخرجه الطبراني في الأوسط. وعن خولة بنت حكيم أخرجه النسائي. ~~قولها: # إن الله لا يستحيي جعلت هذا القول تمهيدا لعذرها في ذكر ما يستحيا منه، ~~والمراد بالحياء هنا معناه اللغوي إذ الحياء الشرعي خير كله، والمراد أن ~~الله لا يأمر بالحياء في الحق أو لا يمنع من ذكر الحق، لأن الحياء تغير ~~وانكسار وهو مستحيل عليه. وقيل: إنما يحتاج إلى التأويل في الاثبات ولا ~~يحتاج إليه في النفي. قولها: احتلمت الاحتلام افتعال من الحلم بضم المهملة ~~وسكون اللام وهو ما يراه النائم في نومه، والمراد به هنا أمر خاص هو ~~الجماع. وفي رواية أحمد من حديث أم سليم أنها قالت: إذا رأت أن زوجها ~~يجامعها في المنام أتغتسل. قوله: إذا رأت الماء أي المني بعد الاستيقاظ. ~~قولها: وتحتلم المرأة بحذف همزة الاستفهام وفي بعض نسخ البخاري بإثباتها. ~~قوله: تربت يداك أي افتقرت وصارت على التراب، وهو من الألفاظ التي تطلق عند ~~الزجر ولا يراد بها ظاهرها. قوله: فبما يشبهها ولدها بالباء الموحدة وإثبات ~~ألف ما الاستفهامية المجرورة وهو لغة، والحديث يدل على وجوب الغسل على ~~المرأة بإنزالها الماء. قال ابن بطال والنووي: # وهذا لا خلاف فيه، وقد روي الخلاف في ذلك عن النخعي. وفي الحديث رد على ~~من قال: إن ماء المرأة لا يبرز. # باب إيجاب الغسل من التقاء الختانين ونسخ الرخصة فيه عن أبي هريرة عن ~~النبي (ص) قال: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل متفق ~~عليه. ولمسلم وأحمد: وإن لم ينزل. # قوله: إذا جلس الضمير المستتر فيه. وفي قوله: ثم جهدها للرجل والضمير ~~البارز في قوله شعبها وجهدها للمرأة. قوله: شعبها الشعب جمع شعبة وهي ~~القطعة من الشئ، قيل: المراد هنا يداها ورجلاها. وقيل: رجلاها وفخذاها. ~~وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها. وقيل: فخذاها وشفراها. وقيل: ~~نواحي فرجها ms0321 الأربع قاله في الفتح. قال الأزهري: والإسكتان ناحيتا الفرج، ~~والشفران طرف الناحيتين. قوله: # ثم جهدها بفتح الجيم والهاء يقال جهد وأجهد أي بلغ المشقة، قيل معناه ~~كدها بحركته أو بلغ جهده في العمل بها، والمراد به هنا معالجة الايلاج كني ~~به عنها. والحديث يدل على أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الانزال، بل يجب ~~بمجرد الايلاج أو ملاقاة الختان PageV01P276 # الختان كما سيأتي، وقد ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة والعترة والفقهاء ~~وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وروى ابن عبد البر عن بعضهم أنه قال: ~~انعقد إجماع الصحابة على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، قال: وليس ذلك ~~عندنا كذلك ولكنا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف، وإن الجمهور الذين هم ~~الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من ~~التقاء الختانين أو مجاوزة الختان الختان انتهى. وجعلوا أحاديث الباب ناسخة ~~لحديث: الماء من الماء وخالف في ذلك أبو سعيد الخدري وزيد بن خالد وابن أبي ~~وقاص ومعاذ ورافع بن خديج. وروي أيضا عن علي ومن غير الصحابة عمر بن عبد ~~العزيز والظاهرية وقالوا: لا يجب الغسل إلا إذا وقع الانزال، وتمسكوا ~~بحديث: الماء من الماء اتفق عليه، ويمكن تأييد ذلك بحمل الجهد المذكور في ~~الحديث على الانزال ولكنه لا يتم بعد التصريح بقوله: وإن لم ينزل في رواية ~~مسلم وأحمد، وأصرح من ذلك حديث عائشة الآتي بعد هذا لتصريحه بأن مجرد مس ~~الختان للختان موجب للغسل، ولكنها لا تتم دعوى النسخ التي جزم بها الأولون ~~إلا بعد تسليم تأخر حديث أبي هريرة وعائشة وغيرهما، وقد ذكر المصنف حديث ~~أبي بن كعب وحديث رافع بن خديج للاستدلال بهما على النسخ وهما صريحان في ~~ذلك وسنذكرهما، وقد ذكر الحازمي في الناسخ والمنسوخ آثارا تدل على النسخ، ~~ولو فرض عدم التأخر لم ينتهض حديث: الماء من الماء لمعارضة حديث عائشة وأبي ~~هريرة لأنه مفهوم وهما منطوقان والمنطوق أرجح من المفهوم. قال النووي: وقد ~~أجمع على وجوب الغسل متى غابت الحشفة في ms0322 الفرج، وإنما كان الخلاف فيه لبعض ~~الصحابة ومن بعدهم ثم انعقد الاجماع على ما ذكرنا، وهكذا قال ابن العربي ~~وصرح أنه لم يخالف في ذلك إلا داود. قوله: فقد وجب عليه الغسل هو بضم الغين ~~المعجمة اسم للاغتسال، وحقيقته إفاضة الماء على الأعضاء، وزادت الهادوية مع ~~الدلك، ولم نجد في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل، ~~فالواجب ما صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة، اللهم إلا أن يقال حديث: ~~بلوا الشعر وأنقوا البشر على فرض صحته مشعر بوجوب الدلك لأن الانقاء لا ~~يحصل بمجرد الإفاضة. لا يقال: إذا لم يجب الدلك لم يبق فرق بين الغسل ~~والمسح. لأنا نقول: # المسح الامرار على الشئ باليد يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ فلا يجب فيه ~~الاستيعاب، بخلاف الغسل فإنه يجب فيه الاستيعاب. PageV01P277 # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل رواه أحمد ~~ومسلم والترمذي وصححه. ولفظه: إذا جاوز الختان وجب الغسل. # ولها حديث آخر بلفظ: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم واغتسلنا وأخرجه الشافعي في الام والنسائي ~~وصححه ابن حبان وابن القطان، وأعله البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه. ورواه ~~غيره عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلا، واستدل على ذلك بأن أبا الزناد قال ~~سألت القاسم بن محمد: سمعت في هذا الباب شيئا؟ قال: لا، وابنه عبد الرحمن ~~قال عن أبيه، وأجاب من صححه بأنه يحتمل أن يكون القاسم كان نسيه ثم ذكر أو ~~حدث به ابنه عبد الرحمن ثم نسي. قال الحافظ: # ولا يخلو الجواب عن نظر. قال النووي: هذا الحديث أصله صحيح ولكن فيه ~~تغيير، وتبع في ذلك ابن الصلاح. قوله: بين شعبها قد تقدم تفسير الشعب. ~~قوله: الختان المراد به هنا موضع الختن والختن في المرأة قطع جلدة في أعلى ~~الفرج مجاورة لمخرج البول كعرف الديك ويسمى الخفاض. ms0323 قوله: جاوز ورد بلفظ ~~المجاوزة وبلفظ الملاقاة وبلفظ الملامسة وبلفظ الالزاق، والمراد بالملاقاة ~~المحاذاة. قال القاضي أبو بكر: إذا غابت الحشفة في الفرج فقد وقعت ~~الملاقاة. قال ابن سيد الناس: وهكذا معنى مس الختان الختان أي قاربه ~~وداناه، ومعنى إلزاق الختان بالختان إلصاقه به، ومعنى المجاوزة ظاهر. قال ~~ابن سيد الناس في شرح الترمذي حاكيا عن ابن العربي: وليس المراد حقيقة ~~اللمس ولا حقيقة الملاقاة، وإنما هو من باب المجاز والكناية عن الشئ بما ~~بينه وبينه ملابسة أو مقاربة وهو ظاهر، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج ~~ولا يمسه الذكر في الجماع. وقد أجمع العلماء كما أشار إليه على أنه لو وضع ~~ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على واحد منهما، فلا بد من قدر ~~زائد على الملاقاة، وهو ما وقع مصرحا به في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ~~بلفظ: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل أخرجه ابن أبي شيبة، ~~والتصريح بلفظ الوجوب في هذا الحديث والذي قبله مشعر بأن ذلك على وجه ~~الختم، ولا خلاف فيه بين القائلين بأن مجرد ملاقاة الختان الختان سبب ~~للغسل. قال المصنف رحمه الله وهو يفيد الوجوب: وإن كان هناك حائل انتهى. و ~~ذلك لأن الملاقاة والمجاوزة لا يتوقف صدقهما على عدمه. PageV01P278 # وعن أبي بن كعب قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص بها في أول الاسلام ثم أمرنا ~~بالاغتسال بعدها رواه أحمد وأبو داود وفي لفظ: إنما كان الماء من الماء ~~رخصة في أول الاسلام ثم نهى عنها رواه الترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وابن خزيمة، ورواه الزهري عن سهل بن سعد عن ~~أبي بن كعب. وفي رواية ابن ماجة عن الزهري قال: قال سهل بن سعد. # وفي رواية أبي داود عن ابن شهاب: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره ~~أن أبي بن كعب أخبره وجزم موسى بن هارون ms0324 والدارقطني بأن الزهري لم يسمعه من ~~سهل. وقال ابن خزيمة: هذا الرجل الذي لم يسمه الزهري هو أبو حازم، ثم ساقه ~~من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد عن أبي قال: إن الفتيا وساقه بلفظ الكتاب ~~إلا أنه قال في بدء الاسلام. وقد ساقه ابن خزيمة أيضا عن الزهري قال: ~~أخبرني سهل، قال الحافظ: وهذا يدفع قول من جزم بأنه لم يسمعه منه، لكن قال ~~ابن خزيمة: أهاب أن تكون هذه اللفظة غلطا من محمد بن جعفر الراوي له عن ~~معمر عن الزهري. # قال الحافظ: وأحاديث أهل البصرة عن معمر يقع الوهم فيها، لكن في كتاب ابن ~~شاهين من طريق يعلى بن منصور عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري حدثني سهل، ~~وكذا أخرجه بقي بن مخلد في مسنده عن أبي كريب عن ابن المبارك، وقال ابن ~~حبان: يحتمل أن يكون الزهري سمعه من رجل عن سهل ثم لقي سهلا فحدثه أو سمعه ~~من سهل ثم ثبته فيه أبو حازم، ورواه ابن أبي شيبة من طريق شعبة عن سيف بن ~~وهب عن أبي حرب بن أبي الأسود عن عميرة بن يثربي عن أبي بن كعب نحوه. ~~والحديث يدل على ما قاله الجمهور من النسخ وقد سبق الكلام عليه. # وعن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا سأل رسول الله (ص) عن الرجل يجامع أهله ~~ثم يكسل وعائشة جالسة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأفعل ~~ذلك أنا وهذه ثم نغتسل رواه مسلم. # قوله: ثم يكسل قال النووي: ضبطناه بضم الياء ويجوز فتحها، يقال: أكسل ~~الرجل في جماعه إذا ضعف عن الانزال وكسل بفتح الكاف وكسر السين والأولى ~~أفصح، وهذا تصريح بما ذهب إليه الجمهور، وقد سلف ذكر الخلاف فيه. # وعن رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله (ص) PageV01P279 # وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل فاغتسلت وخرجت فأخبرته فقال: لا عليك ~~الماء من الماء، قال رافع: ثم أمرنا رسول الله (ص) بعد ذلك بالغسل رواه ~~أحمد. # الحديث ms0325 حسنه الحازمي وفي تحسينه نظر، لأن في إسناده رشدين وليس من رجال ~~الحسن. وفيه أيضا مجهول لأنه قال عن بعض ولد رافع بن خديج فلينظر، فالظاهر ~~ضعف الحديث لا حسنه وهو من أدلة مذهب الجمهور. وفي الباب عن علي بن أبي ~~طالب وعثمان والزبير وطلحة وأبي أيوب وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم. # باب من ذكر احتلاما ولم يجد بللا أو بالعكس عن خولة بنت حكيم: أنها سألت ~~النبي (ص) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال: ليس عليها غسل حتى ~~تنزل، كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل رواه أحمد والنسائي مختصرا. ~~ولفظه: أنها سألت النبي (ص) عن المرأة تحتلم في منامها فقال: إذا رأت الماء ~~فلتغتسل. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وابن أبي شيبة، قال السيوطي في الجامع ~~الكبير: وهو صحيح. # وذكره الحافظ في الفتح ولم يتكلم عليه، وهو متفق على معناه من حديث أم ~~سلمة وقد تقدم وعند مسلم من حديث أنس وعائشة. وعند أحمد من حديث ابن عمر ~~والسائلة عند هؤلاء هي أم سليم، وقد سألت عن ذلك خولة كما في حديث الباب. ~~وسهلة بنت سهل عند الطبراني. وبسرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبة. وقد أول ~~ابن عباس حديث الماء من الماء بالاحتلام، أخرج ذلك عنه الطبراني وأصله في ~~الترمذي ولفظه: إنما قال رسول الله (ص): إنما الماء من الماء في الاحتلام ~~قال الحافظ: وفي إسناده لين لأنه من رواية شريك عن أبي الحجاف. والحديث يدل ~~على وجوب الغسل على الرجل والمرأة إذا وقع الانزال وهو إجماع إلا ما يحكى ~~عن النخعي، واشترطت الهادوية مع تيقن خروج المني تيقن الشهوة أو ظنها، وهذا ~~الحديث وحديث أم سلمة السابق وحديث عائشة الآتي يرد ذلك، وتأييده بأن المني ~~إنما يكون عند الشهوة في جميع الحالات أو غالبها تقييد بالعادة وهو ليس ~~بنافع، لأن محل النزاع من وجد الماء ولم يذكر شهوة فالأدلة قاضية بوجوب ~~الغسل عليه، والتقييد بتيقن الشهوة أو ظنها مع وجود الماء يقضي ms0326 بعدم وجوب ~~الغسل، اللهم إلا أن يجعل مجرد PageV01P280 # وجود الماء محصلا لظن الشهوة لجري العادة بعدم انفكاك أحدهما عن الآخر ~~ولكنهم لا يقولون به. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله (ص) عن الرجل يجد البلل ولا ~~يذكر احتلاما فقال: يغتسل، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل فقال: ~~لا غسل عليه، فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك عليها الغسل؟ قال نعم إنما ~~النساء شقائق الرجال رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث رجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وقد اختلف فيه، ~~فقال أحمد: هو صالح، وروي عنه أنه قال: لا بأس به وكان ابن مهدي يحدث عنه ~~وقال يحيى بن معين: # صالح وروي عنه أنه قال: لا بأس به يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ~~صدوق في حديثه اضطراب أخرج له مسلم مقرونا بأخيه عبيد الله. وقال ابن ~~المديني: ضعيف، وقال يحيى القطان: ضعيف وروي أنه كان لا يحدث عنه. وقال ~~صالح جزرة مختلط الحديث. # وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: غلب عليه التعبد حتى غفل عن ~~حفظ الاخبار وجودة الحفظ فوقعت المناكير في حديثه فلما فحش خطؤه استحق ~~الترك. # وقد تفرد به المذكور عند من ذكره المصنف من المخرجين له ولم نجده عن ~~غيره، وهكذا رواه أحمد وابن شيبة من طريقه، فالحديث معلول بعلتين: الأولى ~~العمري المذكور، والثانية التفرد وعدم المتابعات، فقصر عن درجة الحسن ~~والصحة والله أعلم. والحديث يدل على اعتبار مجرد وجود المني، سواء انضم إلى ~~ذلك ظن الشهوة أم لا، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. قال ابن رسلان: أجمع ~~المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني. # باب وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم عن قيس بن عاصم: أنه أسلم فأمره ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يغتسل بماء وسدر رواه الخمسة إلا ابن ~~ماجة. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة وصححه ابن السكن، وهو يدل على ~~مشروعية الغسل لمن أسلم. وقد ذهب إلى الوجوب ms0327 مطلقا أحمد بن حنبل. وذهب ~~الشافعي إلى أنه يستحب له أن يغتسل، فإن لم يكن جنبا أجزأه الوضوء، وأوجبه ~~PageV01P281 # الهادي وغيره على من كان قد أجنب حال الكفر، سواء كان قد اغتسل أم لا ~~لعدم صحة الغسل، وقال باستحبابه لمن لم يجنب، وأوجبه أبو حنيفة على من أجنب ~~ولم يغتسل حال كفره فإن اغتسل لم يجب. وقال المنصور بالله: لا يجب الغسل ~~على الكافر بعد إسلامه من جنابة أصابته قبل إسلامه، وروي عن الشافعي نحوه. ~~احتج من قال بالوجوب مطلقا بحديث الباب. وحديث ثمامة الآتي. وحديث أمره صلى ~~الله عليه وآله وسلم لواثلة وقتادة الرهاوي عند الطبراني، وعقيل بن أبي ~~طالب عند الحاكم في تاريخ نيسابور، قال الحافظ: وفي أسانيد الثلاثة ضعف. ~~واحتج القائلون بالاستحباب إلا لمن أجنب بأنه لم يأمر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجبا لما خص بالامر به بعضا دون ~~بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الامر إلى الندب، وأما وجوبه على المجنب فللأدلة ~~القاضية بوجوبه لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم. واحتج القائل بالاستحباب ~~مطلقا لعدم وجوبه على المجنب بحديث الاسلام يجب ما قبله، والظاهر الوجوب ~~لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الامر لمن عداهم لا يصلح ~~متمسكا لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك وهو ليس علما بالعدم. # وعن أبي هريرة: أن ثمامة أسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا عبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان وأصله في ~~الصحيحين وليس فيهما الامر بالاغتسال وإنما فيهما أنه اغتسل، والحديث قد ~~تقدم الكلام على فقهه. # باب الغسل من الحيض عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت ~~الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي رواه البخاري. # الحديث متفق عليه بلفظ: فاغسلي عنك الدم وصلي. قوله: ذلك بكسر ms0328 الكاف. ~~قوله: وليست بالحيضة الحيضة بفتح الحاء كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين ~~أو كلهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحالة لكن الفتح هنا أظهر قاله ~~الحافظ: وقال النووي: هو متعين أو قريب من المتعين. وأما قوله: فإذا أقبلت ~~الحيضة PageV01P282 # فيجوز فيه الوجهان معا جوازا حسنا انتهى. قال الحافظ: والذي في روايتنا ~~بفتح الحاء في الموضعين. قوله: وصلي أي بعد الاغتسال، وقد وقع التصريح بذلك ~~في بعض روايات البخاري في باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض. والحديث يدل على ~~أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على ~~إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم ~~الحدث، فتتوضأ لكل صلاة لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو ~~مقضية لظاهر قوله: توضئي لكل صلاة قال الحافظ: وبهذا قال الجمهور. وعند ~~الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة وكذا عند الهادوية، ويدل على عدم وجوب ~~الاغتسال لكل صلاة وفيه خلاف، وسيأتي الكلام عليه في باب غسل المستحاضة وفي ~~أبواب الحيض لأن المصنف رحمه الله سيورد هذا الحديث مع سائر رواياته هنالك، ~~وإنما ساقه هنا للاستدلال به على غسل الحائض، ولم يأمرها صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالاغتسال إلا لإدبار الحيضة. # باب تحريم القراءة على الحائض والجنب عن علي كرم الله وجهه قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا ~~اللحم ولا يحجبه وربما قال لا يحجزه من القرآن شئ ليس الجنابة رواه الخمسة ~~لكن لفظ الترمذي مختصر: كان يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا وقال: ~~حديث حسن صحيح. # الحديث أيضا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني ~~والبيهقي، وصححه أيضا ابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة. ~~وقال ابن خزيمة، هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال: شعبة: ما أحدث بحديث أحسن ~~منه، قال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه قال البيهقي: إنما ms0329 قال ذلك لأن ~~عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر قاله ~~شعبة. وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث، فقال النووي: خالف الترمذي ~~الأكثرون فضعفوا هذا الحديث، وقد قدمنا من صححه مع الترمذي. وحكى البخاري ~~عن عمرو بن مرة الراوي لهذا الحديث عنه أنه قال: كان عبد الله بن سلمة ~~يحدثنا فنعرف وننكر. والحديث يدل على أن الجنب لا يقرأ القرآن، وقد ذهب إلى ~~تحريم قراءة القرآن على الجنب القاسم والهادي PageV01P283 # والشافعي من غير فرق بين الآية وما دونها وما فوقها. وذهب أبو حنيفة إلى ~~أنه يجوز له قراءة دون آية إذ ليس بقرآن. وقال المؤيد بالله والامام يحيى ~~وبعض أصحاب أبي حنيفة: يجوز ما فعل لغير التلاوة كيا مريم اقنتي لا لقصد ~~التلاوة. احتج الأولون القائلون بالتحريم بحديث الباب. وحديث ابن عمر الذي ~~سيأتي. وحديث: اقرؤوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة فإن أصابته فلا ولا ~~حرفا ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب ليس فيه ما يدل على التحريم، لأن غايته ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك القراءة حال الجنابة، ومثله لا يصلح ~~متمسكا للكراهة فكيف يستدل به على التحريم؟ # وأما حديث ابن عمر ففيه مقال سنذكره عند ذكره لا ينتهض معه للاستدلال. # وأما حديث اقرؤوا القرآن الخ فهو غير مرفوع بل موقوف على علي عليه ~~السلام، إلا أنه أخرج أبو يعلى من حديث علي قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، ~~فأما الجنب فلا ولا آية قال الهيثمي: رجاله موثوقون فإن صح هذا صلح ~~للاستدلال به على التحريم. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس أنه لم ير في ~~القراءة للجنب بأسا، ويؤيده التمسك بعموم حديث عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. كان يذكر الله على كل أحيانه وبالبراءة الأصلية، حتى يصح ~~ما يصلح لتخصيص هذا العموم وللنقل عن هذا البراءة. # وعن ابن ms0330 عمر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يقرأ الجنب ولا ~~الحائض شيئا من القرآن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. # الحديث في إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا ~~منها، وذكر البزار أنه تفرد به عن موسى بن عقبة، وسبقه إلى نحو ذلك البخاري ~~وتبعهما البيهقي، لكن رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن ~~موسى ومن وجه آخر وفيه مبهم عن أبي معشر وهو ضعيف عن موسى، قال الحافظ: ~~وصحح ابن سيد الناس طريق المغيرة وأخطأ في ذلك فإن فيها عبد الملك بن مسلمة ~~وهو ضعيف، فلو سلم منه لصح إسناده، وإن كان ابن الجوزي ضعفه بمغيرة بن عبد ~~الرحمن فلم يصب في ذلك فإن مغيرة ثقة. وقال أبو حاتم: حديث إسماعيل بن عياش ~~هذا خطأ وإنما هو من قوله ابن عمر. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل أنكر على ~~إسماعيل بن عياش. والحديث يدل على تحريم القراءة على الجنب، وقد عرفت بما ~~ذكرنا أنه لا ينتهض للاحتجاج به PageV01P284 # على ذلك، وقد قدمنا الكلام على ذلك في الحديث قبل هذا. ويدل أيضا على ~~تحريم القراءة على الحائض وقد قال به قوم. والحديث هذا والذي بعده لا ~~يصلحان للاحتجاج بهما على ذلك، فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا لدليل. # وعن جابر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يقرأ الحائض ولا ~~النفساء من القرآن شيئا رواه الدارقطني. # الحديث فيه محمد بن الفضل وهو متروك ومنسوب إلى الوضع، وقد روي موقوفا ~~وفيه يحيى بن أبي أنيسة وهو كذاب. وقال البيهقي: هذا الأثر ليس بالقوي، وصح ~~عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب، وساقه عنه في الخلافيات ~~بإسناد صحيح. # باب الرخصة في اجتياز الجنب في المسجد ومنعه من اللبث فيه إلا أن يتوضأ ~~عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ناوليني الخمرة ~~من المسجد، فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك رواه الجماعة إلا ms0331 ~~البخاري. # الحديث حسنه الترمذي وهو صحيح بتصحيح مسلم إياه كما قاله ابن سيد الناس، ~~وإخراجه له في صحيحه، وأما أبو الحسن الدارقطني فإنه ذكر فيه اختلافا على ~~الأعمش في هذا الحديث، وصوب رواية من رواه عنه عن ثابت عن القاسم عن عائشة، ~~وليس هذا الاختلاف الذي ذكره الدارقطني مانعا من القول بصحته بعد أن بين ~~فيه وجه الصواب، ولكنه تفرد به ثابت بن عبيد وهو وإن كان ثقة فليس في مرتبة ~~الحفظ والاتقان الذي يقبل معه تفرده، ويمكن أن يجاب عن إعلاله بالتفرد أن ~~له طريقا أخرى عند الدارقطني عن محمد بن فضيل عن الأعمش عن السائب عن محمد ~~بن أبي يزيد عن عائشة، وعن عبد الوارث بن سعيد وعبد الرحمن المحاربي كلاهما ~~عن ليث بن أبي سليم عن القاسم عن عائشة، وعن أبي عمر الحوضي عن شعبة عن ~~سليمان الشيباني عن القاسم عن عائشة، وهذه متابعات لطريق ثابت بن عبيد وهي ~~وإن كانت واهية فهي تحصل تقوية. قوله: الخمرة بضم الخاء المعجمة وإسكان ~~الميم. قال الهروي وغيره: وهي السجادة وهي ما يضع عليه الرجل حر وجهه في ~~سجوده من حصير أو نسيجة من خوص. # وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلي وهي عند بعضهم قدر ما يضع ~~عليه المصلي PageV01P285 # وجهه فقط، وقد تكون عند بعضهم أكبر من ذلك. قوله: أن حيضتك الحيضة قيدها ~~الخطابي بكسر الحاء المهملة يعني الحالة والهيئة. وقال المحدثون: يفتحون ~~الحاء وهو خطأ. وصوب القاضي عياض الفتح وزعم أن كسر الحاء هو الخطأ لأن ~~المراد الدم وهو الحيض بالفتح لا غير، وقد تقدم كلام الحافظ والنووي في باب ~~وجوب الغسل على الكافر. # والحديث يدل على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة، ولكنه يتوقف على تعلق ~~الجار والمجرور أعني قوله من المسجد بقوله ناوليني، وقد قال بذلك طائفة من ~~العلماء، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تعرض لها إذا لم ~~يكن على جسدها نجاسة، وأنها لا تمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، ~~وعلقته طائفة ms0332 أخرى بقولها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~المسجد ناوليني الخمرة على التقديم والتأخير. وعليه المشهور من مذاهب ~~العلماء أنها لا تدخل لا مقيمة ولا عابرة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وسيأتي الكلام عليه في هذا الباب قالوا: ولان ~~حدثها أغلظ من حديث الجنابة والجنب لا يمكث فيه وإنما اختلفوا في عبوره. ~~والمشهور من مذاهب العلماء منعه فالحائض أولى بالمنع، ويحتمل أن يكون ~~المراد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنقل فيه فيسقط الاحتجاج به في هذا ~~الباب. وقد ذهب إلى جواز دخول الحائض المسجد وأنها لا تمنع إلا لمخافة ما ~~يكون منها زيد بن ثابت، وحكاه الخطابي عن مالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر، ~~ومنع من دخولها سفيان وأصحاب الرأي وهو المشهور من مذهب مالك. # وعن ميمونة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل على إحدانا ~~وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته ~~فتضعها في المسجد وهي حائض رواه أحمد والنسائي. الحديث إسناده في سنن ~~النسائي هكذا أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن منبوذ عن أمه أن ميمونة ~~فذكره. ومحمد بن منصور ثقة ومنبوذ وثقه ابن معين، وقد أخرجه بنحو هذا اللفظ ~~عنها عبد الرزاق وابن أبي شيبة والضياء في المختارة. وللحديث شواهد. أما ~~قراءة القرآن في حجر الحائض فهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ~~وليس فيها خلاف. وأما وضع الخمرة في المسجد فهو حجة لمن قال بجواز دخول ~~الحائض المسجد للحاجة، ومؤيد لتعليق الجار والمجرور في الحديث الأول. قوله: ~~PageV01P286 # ناوليني لأن دخولها المسجد لوضع الخمرة فيه لا فرق بينه وبين دخولها إليه ~~لاخراجها، وقد تقدم الكلام على ذلك. وأخرج مالك في الموطأ عن ابن عمر أن ~~جواريه كن يغسلن رجليه ويعطينه الخمرة وهن حيض. # وعن جابر قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنبا مجتازا رواه سعيد بن منصور ~~في سننه. وعن زيد بن أسلم قال: ms0333 كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يمشون في المسجد وهم جنب رواه ابن المنذر. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن أبي شيبة، وقد أراد المصنف بهذا الاستدلال ~~لمذهب من قال إنه يجوز للجنب العبور في المسجد وهم ابن مسعود وابن عباس ~~والشافعي وأصحابه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: * (إلا عابري سبيل) * ~~(النساء: 43) والعبور إنما يكون في محل الصلاة وهو المسجد لا في الصلاة، ~~وتقييد جواز ذلك بالسفر لا دليل عليه، بل الظاهر أن المراد مطلق المار لأن ~~المسافر ذكر بعد ذلك، فيكون تكرارا يصان القرآن عن مثله، وقد أخرج ابن جرير ~~عن يزيد بن أبي حبيب أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم إلى المسجد فكانت ~~تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء ولا طريق إليه إلا من المسجد فأنزل الله ~~تعالى: * (ولا جنبا إلا عابري سبيل) * (النساء: 43) وهذا من الدلالة على ~~المطلوب بمحل لا يبقى بعده ريب. # وأما ما استدل به القائلون بعدم جواز العبور وهم العترة ومالك وأبو حنيفة ~~وأصحابه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ~~وسيأتي فمع كونه فيه مقال سنبينه هو عام مخصوص بأدلة جواز العبور. وحمل ~~الآية على من كان في المسجد وأجنب تعسف لم يدل عليه دليل. # وعن عائشة قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووجوه بيوت ~~أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج ~~إليهم فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ~~رواه أبو داود. وعن أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب رواه ~~ابن ماجة. # الحديث الأول صحيح كما سيأتي، وأخرج الثاني أيضا الطبراني، قال أبو زرعة: ~~الصحيح PageV01P287 # حديث عائشة، وكلاهما من حديث أفلت بن خليفة عن جسرة، وضعف ms0334 ابن حزم هذا ~~الحديث فقال: بأن أفلت مجهول الحال، وقال الخطابي: ضعفوا هذا الحديث وأفلت ~~راويه مجهول لا يصح الاحتجاج به وليس ذلك بسديد فإن أفلت وثقه ابن حبان ~~وقال أبو حاتم هو شيخ وقال أحمد بن حنبل لا بأس به، وروى عنه سفيان الثوري ~~وعبد الواحد بن زياد. وقال في الكاشف: # صدوق. وقال في البدر المنير: بل هو مشهور ثقة. وأما جسرة فقال البخاري: ~~أن عندها عجائب. قال ابن القطان: وقول البخاري في جسرة أن عندها عجائب لا ~~يكفي في رد أخبارها. وقال العجلي: تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان في الثقات ~~وقد حسن ابن القطان حديث جسرة هذا عن عائشة وصححه ابن خزيمة. قال ابن سيد ~~الناس: ولعمري أن التحسين لأقل مراتبه لثقة رواته ووجود الشواهد له من ~~خارج، فلا حجة لأبي محمد يعني ابن حزم في رده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح ما ~~رواه في ذلك لأن هذا الحديث كاف في الرد. # قال الحافظ: وأما قول ابن الرفعة في أواخر شروط الصلاة أن أفلت متروك ~~فمردود لأنه لم يقله أحد من أئمة الحديث. والحديثان يدلان على عدم حل اللبث ~~في المسجد للجنب والحائض وهو مذهب الأكثر، واستدلوا بهذا الحديث وبنهي ~~عائشة عن أن تطوف بالبيت متفق عليه. وقال داود والمزني وغيرهم: أنه يجوز ~~مطلقا. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق أنه يجوز للجنب إذا توضأ لرفع الحدث لا ~~الحائض فتمنع. قال القائلون: الجواز مطلقا أن حديث الباب كما قال ابن حزم ~~باطل، وأما حديث عائشة فالنهي لكون الطواف بالبيت صلاة وقد تقدم. والبراءة ~~الأصلية قاضية بالجواز، ويجاب بأن الحديث كما عرفت إما حسن أو صحيح: وجزم ~~ابن حزم بالبطلان مجازفة وكثيرا ما يقع في مثلها، واحتج من قال بجوازه ~~للجنب إذا توضأ بما قاله المصنف بعد أن ساق هذا الحديث. ولفظه، وهذا يمنع ~~بعمومه دخوله مطلقا لكن خرج منه المجتاز لما سبق، والمتوضئ كما ذهب إليه ~~أحمد، وإسحاق لما روى سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا عبد العزيز ms0335 بن محمد ~~عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا ~~وضوء الصلاة وروى حنبل بن إسحاق صاحب أحمد قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا ~~هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم ~~يدخل المسجد فيتحدث انتهى ولكن في كلا الاسنادين هشام PageV01P288 # بن سعد، وقد قال أبو حاتم: إنه لا يحتج به، وضعفه ابن معين وأحمد ~~والنسائي، وقال أبو داود: إنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، وعلى تسليم الصحة ~~لا يكون ما وقع من الصحابة حجة ولا سيما إذا خالف المرفوع إلا أن يكون ~~إجماعا. # باب طواف الجنب على نسائه بغسل وبأغسال عن أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد رواه الجماعة إلا البخاري. ولأحمد ~~والنسائي: في ليلة بغسل واحد. # الحديث أخرجه البخاري أيضا من حديث قتادة عن أنس بلفظ: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار ~~وهن إحدى عشرة، قال قلت لأنس بن مالك: أو كان يطيقه؟ كنا نتحدث أنه أعطي ~~قوة ثلاثين ولم يذكر فيه الغسل. قال ابن عبد البر: ومعنى الحديث أنه فعل ~~ذلك عند قدومه من سفر ونحوه في وقت ليس لواحدة منهن يوم معين معلوم فجمعهن ~~يومئذ ثم دار بالقسم عليهن بعد والله أعلم لأنهن كن حرائر، وسنته صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيهن العدل بالقسم بينهن، وأن لا يمس الواحدة في يوم ~~الأخرى. وقال ابن العربي: إن الله أعطى نبيه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق ~~تكون مقتطعة له من زمانه يدخل فيها على جميع أزواجه أو بعضهن. وفي مسلم أن ~~تلك الساعة كانت بعد العصر فلو اشتغل عنها كانت بعد المغرب ms0336 أو غيره. وقد ~~أسلفنا في باب تأكيد الوضوء للجنب تأويل النووي فليرجع إليه. والحديث يدل ~~على عدم وجوب الاغتسال على من أراد معاودة الجماع. قال النووي: وهذا بإجماع ~~المسلمين، وأما الاستحباب فلا خلاف في استحبابه للحديث الآتي بعد هذا، ~~ولكنه ذهب قوم إلى وجوب الوضوء على المعاود، وذهب آخرون إلى عدم وجوبه، وقد ~~ذكرنا ذلك في باب تأكيد الوضوء للجنب. # وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا، ~~فقلت: يا رسول الله لو اغتسلت غسلا واحدا، فقال: هذا أطهر وأطيب رواه أحمد ~~وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة والترمذي، قال الحافظ: وهذا الحديث ~~PageV01P289 # طعن فيه أبو داود فقال: حديث أنس أصح منه انتهى. وهذا ليس بطعن في ~~الحقيقة لأنه لم ينف عنه الصحة. قال النسائي: ليس بينه وبين حديث أنس ~~اختلاف بل كان يفعل هذا مرة وذاك أخرى. وقال النووي: هو محمول على أنه فعل ~~الامرين في وقتين مختلفين. والحديث يدل على استحباب الغسل قبل المعاودة ولا ~~خلاف فيه. # أبواب الأغسال المستحبة باب غسل الجمعة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل رواه الجماعة. ~~ولمسلم: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل. # الحديث له طرق كثيرة، ورواه غير واحد من الأئمة، وعد ابن منده من رواه عن ~~نافع فبلغوا فوق ثلاثمائة نفس، وعد من رواه من الصحابة غير ابن عمر فبلغوا ~~أربعة وعشرين صحابيا. قال الحافظ: وقد جمعت طرقه عن نافع فبلغوا مائة ~~وعشرين نفسا. # وفي الغسل في يوم الجمعة أحاديث غير ما ذكر المصنف منها عن جابر عند ~~النسائي، وعن البراء عند ابن أبي شيبة في المصنف، وعن أنس عند ابن عدي في ~~الكامل، وعن بريدة عند البزار، وعن ثوبان عند البزار أيضا، وعن سهل بن حنيف ~~عند الطبراني. # وعن عبد الله بن الزبير ms0337 عند الطبراني أيضا، وعن ابن عباس عند ابن ماجة، ~~وعن عبد الله بن عمر حديث آخر عند الطبراني، وعن ابن مسعود عند البزار، وعن ~~حفصة عند أبي داود، وفي الباب عن جماعة من الصحابة يأتي ذكرهم في أبواب ~~الجمعة إن شاء الله. والحديث يدل على مشروعية غسل الجمعة، وقد اختلف الناس ~~في ذلك قال النووي: فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة وبه ~~قال أهل الظاهر. وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ~~ومالك، وحكاه ابن المنذر أيضا عن أبي هريرة وعمار وغيرهما. وحكاه ابن حزم ~~عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم. وحكى عن ابن خزيمة، وحكاه شارح الغنية ~~لابن سريج قولا للشافعي. وقد حكى الخطابي وغيره الاجماع على أن الغسل ليس ~~شرطا في صحة الصلاة وأنها تصح بدونه. وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف ~~وفقهاء الأمصار إلى أنه مستحب. قال القاضي عياض: وهو المعروف من مذهب مالك ~~وأصحابه. استدل الأولون PageV01P290 # على وجوبه بالأحاديث التي أوردها المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب، ~~وفي بعضها التصريح بلفظ الوجوب، وفي بعضها الامر به، وفي بعضها أنه حق على ~~كل مسلم، والوجوب يثبت بأقل من هذا. واحتج الآخرون لعدم الوجوب بحديث: من ~~توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى ~~الجمعة وزيادة ثلاثة أيام أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. قال القرطبي في ~~تقرير الاستدلال بهذا الحديث على الاستحباب ما لفظه: ذكر الوضوء وما معه ~~مرتبا عليه الثواب المقتضي للصحة يدل على أن الوضوء كاف. قال ابن حجر في ~~التلخيص: إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة، واحتجوا ~~أيضا لعدم الوجوب بحديث سمرة الآتي لقوله فيه: ومن اغتسل فالغسل أفضل فدل ~~على اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضل وعدم تحتم الغسل. وبحديث الرجل الذي ~~دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل قال النووي: وجه الدلالة أن الرجل فعله وأقره ~~عمر ومن حضر ذلك الجمع وهم ms0338 أهل الحل والعقد، ولو كان واجبا لما تركه ~~ولألزموه به، وبحديث أبي سعيد الآتي ووجه دلالته على ذلك ما ذكره المصنف، ~~وبحديث أوس الثقفي وسيأتي في هذا الباب. # ووجه دلالته جعله قرينا للتبكير والمشي والدنو من الامام وليست بواجبة ~~فيكون مثلها. # وبحديث عائشة الآتي ووجه دلالته أنهم إنما أمروا بالاغتسال لأجل تلك ~~الروائح الكريهة فإذا زالت زال الوجوب. وأجابوا عن الأحاديث التي صرح فيها ~~بالامر أنها محمولة على الندب والقرينة الصارفة عن الوجوب هذه الأدلة ~~المتعاضدة، والجمع بين الأدلة ما أمكن هو الواجب وقد أمكن بهذا. وأما قوله ~~واجب وقوله حق فالمراد متأكد في حقه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي، ~~ومواصلتك حق علي، وليس المراد الوجوب المتحتم المستلزم للعقاب، بل المراد ~~أن ذلك متأكد حقيق بأن لا يخل به، واستضعفه ابن دقيق العيد وقال: إنما يصار ~~إليه إذا كان المعارض راجحا في الدلالة على هذا الظاهر، وأقوى ما عارضوا به ~~حديث: من توضأ يوم الجمعة ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث انتهى. وأما ~~حديث من توضأ فأحسن الوضوء فقال الحافظ في الفتح: # ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيح بلفظ: من اغتسل فيحتمل ~~أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء ~~انتهى. # وأما حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وهو عثمان كما سيأتي فما أراه إلا ~~حجة PageV01P291 # على القائل بالاستحباب لا له، لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع ~~على مثل ذلك الصحابي الجليل وتقرير جمع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة ~~لما وقع من ذلك الانكار، من أعظم الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلوما عند ~~الصحابة، ولو كان الامر عندهم على عدم الوجوب لما عول ذلك الصحابي في ~~الاعتذار على غيره، فأي تقرير من عمرو من حضر بعد هذا. ولعل النووي ومن معه ~~ظنوا أنه لو كان الاغتسال واجبا لنزل عمر من منبره وأخذ بيد ذلك الصحابي ~~وذهب به إلى المغتسل، أو لقال له لا تقف في ms0339 هذا الجمع، أو اذهب فاغتسل فإنا ~~سننظرك أو ما أشبه ذلك، ومثل هذا لا يجب على من رأى الاخلال بواجب من ~~واجبات الشريعة، وغاية ما كلفنا به في الانكار على من ترك واجبا هو ما فعله ~~عمر في هذه الواقعة، على أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أول النهار كما قال ~~الحافظ في الفتح لما ثبت في صحيح مسلم عن حمران مولى عثمان أن عثمان لم يكن ~~يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر لعمر بذلك كما اعتذر عن ~~التأخر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة. وقد حكى ابن المنذر عن إسحاق ~~بن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدل على وجوب الغسل لا على عدم وجوبه من جهة ~~ترك عمر الخطبة واشتغاله بمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، ولو ~~كان الترك مباحا لما فعل عمر ذلك. وأما حديث أبي سعيد الآتي فقد تقرر ضعف ~~دلالة الاقتران ولا سيما بجنب مثل أحاديث الباب. # وقد قال ابن الجوزي في الجواب على المستدلين بهذا الحديث على عدم الوجوب ~~أنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لا سيما ولم يقع التصريح بحكم ~~المعطوف. # وقال ابن المنير: إن سلم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ~~ليس بواجب عليه، لأن القائل أن يقول خرج بدليل فبقي ما عداه على الأصل. ~~وأما حديث أوس الثقفي فليس فيه أيضا إلا الاستدلال بالاقتران. وأما حديث ~~عائشة فلا نسلم أنها إذا زالت العلة زال الوجوب، مسندين ذلك بوجوب السعي مع ~~زوال العلة التي شرع لها وهي إغاظة المشركين، وكذلك وجوب الرمي مع زوال ما ~~شرع له وهو ظهور الشيطان بذلك المكان، وكم لهذا من نظائر لو تتبعت لجاءت في ~~رسالة مستقلة. قال في الفتح: وأجيب عن حديث عائشة بأن ليس فيه نفي الوجوب ~~وبأنه سابق على الامر به والاعلام بوجوبه، وبهذا يتبين لك عدم انتهاض ما ~~جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب، وعدم إمكان الجمع بينها وبين ms0340 ~~أحاديث الوجوب، لأنه وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر لم يمكن بالنسبة إلى ~~PageV01P292 # لفظ واجب وحق إلا بتعسف لا يلجئ طلب الجمع إلى مثله. ولا يشك من له أدنى ~~إلمام بهذا الشأن أن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه، لأن ~~أوضحها دلالة على ذلك حديث سمرة وهو غير سالم من مقال وسنبينه، وأما بقية ~~الأحاديث فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية، وقد دل حديث الباب أيضا على ~~تعليق الامر بالغسل بالمجئ إلى الجمعة، والمراد إرادة المجئ وقصد الشروع ~~فيه، وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: اشتراط الاتصال بين الغسل والرواح ~~وإليه ذهب مالك. والثاني عدم الاشتراط لكن لا يجزى فعله بعد صلاة الجمعة، ~~ويستحب تأخيره إلى الذهاب وإليه ذهب الجمهور. والثالث أنه لا يشترط تقديم ~~الغسل على صلاة الجمعة، بل لو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه وإليه ذهب داود، ~~ونصره ابن حزم، واستبعده ابن دقيق العيد وقال: يكاد يجزم ببطلانه. وادعى ~~ابن عبد البر الاجماع على من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة. واستدل ~~مالك بحديث الباب ونحوه. واستدل الجمهور وداود بالأحاديث التي أطلق فيها ~~يوم الجمعة، لكن استدل الجمهور على عدم الاجتزاء به بعد الصلاة بأن الغسل ~~لإزالة الروائح الكريهة، والمقصود عدم تأذي الحاضرين وذلك لا يتأتى بعد ~~إقامة الجمعة. والظاهر ما ذهب إليه مالك لأن حمل الأحاديث التي أطلق فيها ~~اليوم على حديث الباب المقيد بساعة من ساعاته واجب. والمراد بالجمعة اسم ~~سبب الاجتماع وهو الصلاة لا اسم اليوم كذا قيل، وفي القاموس: # والجمعة المجموعة ويوم الجمعة، وقيل: إنما سمي يوم الجمعة لأن خلق آدم ~~جمع فيه، أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما من حديث سلمان. وله شاهد من حديث ~~أبي هريرة أخرجه أحمد بإسناد ضعيف، وابن أبي حاتم بسند قوي موقوف. قال ~~الحافظ: إن هذا أصح الأقوال ولكنه لا يصح أن يراد في الحديث إلا الصلاة لأن ~~اليوم لا يؤتى وكذلك غيره، وأخرج ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما مرفوعا: من ~~أتى الجمعة فليغتسل زاد ابن خزيمة: ومن ms0341 لم يأتها فلا يغتسل. # وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: غسل يوم الجمعة ~~واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه متفق عليه. # وقد اتفق السبعة على إخراج قوله: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ~~قوله: وإن يمس يجوز فتح الميم وضمها وزاد في رواية المسلم وغيره: ولو من ~~طيب المرأة وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، فأباحه للرجل ~~هنا للضرورة لعدم غيره وهو يدل على تأكده. PageV01P293 # وقوله: ما يقدر عليه قال القاضي عياض: محتمل لتكثيره ومحتمل لتأكيده حتى ~~يفعله بما أمكنه . والحديث يدل على وجوب غسل يوم الجمعة للتصريح فيه بلفظ ~~واجب. وقد استدل به على عدم الوجوب باعتبار اقترانه بالسواك ومس الطيب. قال ~~المصنف رحمه الله تعالى: # وهذا يدل على أنه أراد بلفظ الوجوب تأكيد استحبابه كما تقول: حقك علي ~~واجب، والعدة دين بدليل أنه قرنه بما ليس بواجب بالاجماع وهو السواك والطيب ~~انتهى. # وقد عرفناك ضعف دلالة الاقتران عن ذلك وغايتها الصلاحية لصرف الأوامر، ~~وأما صرف لفظ واجب وحق فلا، والكلام قد سبق مبسوطا في الذي قبله. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: حق على كل مسلم أن ~~يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده متفق عليه. # الحديث من أدلة القائلين بوجوب غسل الجمعة، وقد تقدم الكلام عليه في أول ~~الباب، وقد بين في الروايات الأخر أن هذا اليوم هو يوم الجمعة. # وعن ابن عمر أن عمر: بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من ~~المهاجرين الأولين فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت فلم أنقلب إلى ~~أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا وقد علمت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بالغسل متفق عليه. # الرجل المذكور هو عثمان كما بين في رواية لمسلم وغيره، قال ابن عبد البر: ~~ولا أعلم خلافا في ms0342 ذلك. قوله: أية ساعة هذه؟ قال ذلك توبيخا له وإنكارا ~~لتأخره إلى هذا الوقت. # قوله: والوضوء أيضا هو منصوب أي توضأت الوضوء. قاله الأزهري وغيره وفيه ~~إنكار ثان مضافا إلى الأول أي الوضوء أيضا اقتصرت عليه واخترته دون الغسل. ~~والمعنى: # ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت على ~~الوضوء. # وجوز القرطبي الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي والوضوء أيضا يقتصر ~~عليه، قال في الفتح: وأغرب السهيلي فقال: اتفق الرواة على الرفع لأن النصب ~~يخرجه إلى معنى الانكار، يعني والوضوء لا ينكر وجوابه ما تقدم، والحديث من ~~أدلة القائلين بالوجوب لقوله كان يأمر، وقد تقدم الكلام على ذلك وفيه ~~استحباب تفقد الامام لرعيته وأمرهم بمصالح دينهم والانكار على مخالف السنة ~~وإن كان كبير القدر، وجواز الانكار في مجمع من الناس، وجواز الكلام في ~~الخطبة، وحسن الاعتذار إلى ولاة الامر. وقد استدل بهذه PageV01P294 # القصة على عدم وجوب غسل الجمعة، وقد عرفناك فيما سبق عدم صلاحيتها لذلك. # وعن سمرة بن جندب: أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من توضأ ~~للجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فذلك أفضل رواه الخمسة إلا ابن ماجة فإنه رواه ~~من حديث جابر بن سمرة. # الحديث أخرجه ابن خزيمة وحسنه الترمذي، وقد روي عن قتادة عن الحسن عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. قال في الامام: من يحمل رواية الحسن ~~عن سمرة على الاتصال يصحح هذا الحديث وهو مذهب علي بن المديني، كما نقله ~~عنه البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم، وقيل: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة ~~وهو قول البزار وغيره، وقيل: لم يسمع منه شيئا وإنما يحدث من كتابه. وروي ~~من طريق الحسن عن أبي هريرة أخرجه البزار وهو وهم كما قال الحافظ. وروي من ~~طريق قتادة عن الحسن عن جابر ومن طريق إبراهيم بن مهاجر عن الحسن عن أنس. ~~قال الحافظ: وهذا الاختلاف فيه على الحسن وعلى قتادة لا يضر لضعف من وهم ~~فيه، والصواب كما قال الدارقطني عن قتادة ms0343 عن الحسن عن سمرة، وكذا قال ~~العقيلي ورواه ابن ماجة بسند ضعيف عن أنس. ورواه الطبراني من حديثه في ~~الأوسط بإسناد أمثل من ابن ماجة. ورواه البيهقي بإسناد فيه نظر من حديث ابن ~~عباس، وبإسناد فيه انقطاع من حديث جابر. ورواه عبد بن حميد والبزار في ~~مسنديهما. وكذلك إسحاق بن راهويه من حديثه بإسناد فيه ضعف من حديث أبي ~~سعيد. # وله طريق أخرى في التمهيد فيها الربيع بن بدر وهو ضعيف. والحديث دليل لمن ~~قال بعدم وجوب غسل الجمعة، وقد ذكرنا تقرير الاستدلال به على ذلك الجواب ~~عليه في أول الباب. # قوله: فبها ونعمت قال الأزهري: معناه فبالسنة أخذ ونعمت السنة، قال ~~الأصمعي: إنما ظهرت تاء التأنيث لاضمار السنة، وقال الخطابي: ونعمت الخصلة. ~~وقيل: ونعمت الرخصة لأن السنة الغسل قاله أبو حامد الشاركي. وقال بعضهم: ~~فبالفريضة أخذ ونعمت الفريضة. # وعن عروة عن عائشة قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن ~~العوالي فيأتون في العباء فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنسان منهم وهو عندي فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا متفق عليه. PageV01P295 # قوله: ينتابون الجمعة أي يأتونها. والعوالي هي القرى التي حول المدينة ~~على أربعة أميال منها. قوله: في العباء هو بالمد وفتح العين المهملة جمع ~~عباءة بالمد وعباية بالياء لغتان مشهورتان. قوله: لو أنكم تطهرتم لو للتمني ~~فلا تحتاج إلى جواب أو للشرط، والجواب محذوف تقديره لكان حسنا الحديث استدل ~~به من قال بعدم وجوب غسل الجمعة، وقد قدمنا تقرير الاستدلال به والجواب ~~عليه في أول الباب. # وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الامام ~~فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها رواه الخمسة، ~~ولم يذكر الترمذي: ومشى ولم يركب. # الحديث حسنه الترمذي وسكت عليه أبو داود والمنذري، وقد اختلف ms0344 فيه على أبي ~~الأشعث وعلى عبد الرحمن بن زيد. وعلى عبد الله بن المبارك. وقد رواه ~~الطبراني بإسناد، قال العراقي: حسن عن أوس المذكور. ورواه أحمد في مسنده ~~عنه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: غسل روي ~~بالتخفيف والتشديد، قيل أراد غسل رأسه، واغتسل أي غسل سائر بدنه، وقيل: ~~جامع زوجته فأوجب عليها الغسل، فكأنه غسلها واغتسل في نفسه. وقيل: كرر ذلك ~~للتأكيد، ويرجح التفسير الأول ما في رواية أبي داود في هذا الحديث بلفظ: من ~~غسل رأسه واغتسل وما في البخاري عن طاوس قال: # قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اغتسلوا ~~واغسلوا رؤوسكم الحديث. وقال صاحب المحكم: غسل امرأته يغسلها غسلا أكثر ~~نكاحها، وقال الزمخشري: # ويقال غسل المرأة بالتخفيف والتشديد إذا جامعها، وحكاه صاحب النهاية ~~وغيره أيضا. وقيل: المراد غسل أعضاء الوضوء واغتسل للجمعة. وقيل: غسل ثيابه ~~واغتسل لجسده. قوله: بكر بالتشديد على المشهور أي راح في أول الوقت وابتكر ~~أي أدرك أول الخطبة ورجحه العراقي، وقيل: كرره لتأكيد وبه جزم ابن العربي. ~~والحديث يدل على مشروعية الغسل يوم الجمعة وقد تقدم الخلاف فيه، وعلى ~~مشروعية التبكير والمشي والدنو من الامام والاستماع وترك اللغو، وأن الجمع ~~بين هذه الأمور سبب لاستحقاق ذلك الثواب الجزيل. PageV01P296 # باب غسل العيدين عن الفاكه بن سعد وكان له صحبة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم النحر، وكان ~~الفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام رواه عبد الله بن أحمد في ~~المسند وابن ماجة ولم يذكر الجمعة. # الحديث رواه البزار والبغوي وابن قانع. ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس، ~~قال الحافظ: وإسناداهما ضعيفان. ورواه البزار من حديث أبي رافع وإسناده ~~ضعيف أيضا. وفي رجال إسناد حديث الباب يوسف بن خالد السمتي وهو متروك ~~بالمرة، وكذبه ابن معين وأبو حاتم. وفي إسناد حديث ابن عباس ضعيفان وهما ~~جبارة بن المغلس ms0345 وحجاج بن تميم. وفي الباب من الموقوف عن علي عند الشافعي ~~وابن عمر عند مالك في الموطأ والبيهقي. وروي عن عروة بن الزبير: أنه اغتسل ~~يوم عيد وقال: إنه السنة وقال البزار: لا أحفظ في الاغتسال للعيد حديثا ~~صحيحا. وكان في البدر المنير: أحاديث غسل العيدين ضعيفة وفيه آثار عن ~~الصحابة جيدة. والحديث استدل به على أن غسل العيد مسنون، وليس في الباب ما ~~ينتهض لاثبات حكم شرعي. وأما اشتراط أن يصلي به صلاة العيد فلا أدري ما ~~الدليل على ذلك، وقد ثبت في كتب أئمتنا كمجموع زيد بن علي وأصول الاحكام ~~والشفاء عن علي عليه السلام قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن نغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم العيد وقال: ليس ذلك بواجب فإن صح ~~إسناده صلح لاثبات هذه السنة. # باب الغسل من غسل الميت عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ رواه الخمسة ولم يذكر ابن ماجة ~~الوضوء. وقال أبو داود: # هذا منسوخ وقال بعضهم معناه من أراد حمله ومتابعته فليتوضأ من أجل الصلاة ~~عليه. # الحديث أخرجه البيهقي وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. ورواه البزار من ~~ثلاث طرق عن أبي هريرة، ورواه أيضا ابن حبان، قال البيهقي: والصحيح أنه ~~موقوف PageV01P297 # وقال البخاري: الأشبه موقوف. وقال علي بن المديني وأحمد بن حنبل: لا يصح ~~في الباب شئ. وهكذا قال الذهبي فيما حكاه الحاكم في تاريخه: ليس فيمن غسل ~~ميتا فليغتسل حديث صحيح. وقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثا ثابتا، ولو ثبت ~~للزمنا استعماله. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. وقال ابن أبي ~~حاتم في العلل عن أبيه: لا يرفعه الثقات إنما هو موقوف. وقال الرافعي: لم ~~يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئا مرفوعا. قال الحافظ: قد حسنه الترمذي ~~وصححه ابن حبان ورواه الدارقطني بسند رواته موثقون. وقد صحح الحديث أيضا ~~ابن حزم، وقد روي من طريق سفيان عن سهيل عن ms0346 أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن ~~أبي هريرة، قال ابن حجر: # إسحاق مولى زائدة أخرج له مسلم فينبغي أن يصحح الحديث، قال: وأما رواية ~~محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فإسنادها حسن إلا أن الحفاظ من ~~أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفا. والحاصل أن الحديث كما قال الحافظ هو ~~لكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه ~~معترض. قال الذهبي: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء. وفي الباب عن ~~علي عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار ~~والبيهقي، وعن حذيفة قال ابن أبي حاتم والدارقطني: لا يثبت ورواته ثقات، ~~كما قال الحافظ وأخرجه البيهقي وذكر الماوردي أن بعض أصحاب الحديث خرج لهذا ~~الحديث مائة وعشرين طريقا. # والحديث يدل على وجوب الغسل على من غسل الميت والوضوء على من حمله، وقد ~~اختلف الناس في ذلك، فروي عن علي وأبي هريرة وأحد قولي الناصر والإمامية أن ~~من غسل الميت وجب عليه الغسل لهذا الحديث. ولحديث عائشة الآتي وذهب أكثر ~~العترة ومالك وأصحاب الشافعي إلى أنه مستحب، وحملوا الامر على الندب لحديث: # إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم أخرجه البيهقي وحسنه ابن ~~حجر. # ولحديث: كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل أخرجه الخطيب من ~~حديث عمر، وصحح ابن حجر أيضا إسناده. ولحديث أسماء الآتي. وقال الليث وأبو ~~حنيفة وأصحابه: لا يجب ولا يستحب لحديث: لا غسل عليكم من غسل الميت رواه ~~الدارقطني الحاكم مرفوعا من حديث ابن عباس، وصحح البيهقي وقفه وقال: ~~PageV01P298 # لا يصح رفعه. وقال ابن عطاء: لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيا ~~ولا ميتا إسناده صحيح وقد روي مرفوعا أخرجه الدارقطني وكذلك أخرجه الحاكم، ~~وورد أيضا مرفوعا من حديث ابن عباس: لا تنجسوا موتاكم أي لا تقولوا هم نجس، ~~وقد تقدم حديث المؤمن لا ينجس وسيأتي حديث أسماء، وهذا لا يقصر عن صرف ~~الامر عن معناه الحقيقي الذي هو الوجوب ms0347 إلى معناه المجازي أعني الاستحباب، ~~فيكون القول بذلك هو الحق لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن. وأما ~~قول بعضهم: # الجمع حاصل بغسل الأيدي فهو غير ظاهر لأن الامر بالاغتسال لا يتم معناه ~~الحقيقي إلا بغسل جميع البدن، وما وقع من إطلاقه على الوضوء في بعض ~~الأحاديث فمجاز لا ينبغي حمل المتنازع فيه عليه، بل الواجب حمله على المعنى ~~الحقيقي الذي هو الأعم الأغلب، ولكنه يمكن تأييده بما سلف من حديث: فحسبكم ~~أن تغسلوا أيديكم. # وعن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي ~~الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يغتسل من أربع: من الجمعة ~~والجنابة والحجامة وغسل الميت رواه أحمد والدارقطني وأبو داود. ولفظه: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يغتسل وهذا الاسناد على شرط مسلم، لكن ~~قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي ولا بالحافظ. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي، ومصعب المذكور ضعفه أبو زرعة وأحمد والبخاري، ~~وصحح الحديث ابن خزيمة، وهو يدل على أن الغسل مشروع لهذه الأربع. أما ~~الجمعة فقد تقدم. وأما الجنابة فظاهر. وأما الحجامة فهو سنة عند الهادوية ~~لهذا الحديث. ولما روي عن علي عليه السلام أنه قال: الغسل من الحجامة سنة ~~وإن تطهرت أجزأك وأخرج الدارقطني: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~احتجم ولم يزد على غسل محاجمه وفيه صالح بن مقاتل وليس بالقوي. وأما غسل ~~الميت فقد تقدم قريبا. # وعن عبد الله بن أبي بكر وهو ابن عمرو بن حزم: أن أسماء بنت عميس امرأة ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه غسلت أبا بكر حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها ~~من المهاجرين فقالت: إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل علي من غسل؟ ~~قالوا: لا رواه مالك في الموطأ عنه. # الحديث هو من رواية عبد الله بن أبي بكر، وأخرجه البيهقي من طريق الواقدي ~~PageV01P299 # عن ابن أخي الزهري عن عروة عن عائشة: أن أبا بكر ms0348 أوصى أن تغسله أسماء بنت ~~عميس فضعفت فاستعانت بعبد الرحمن قال البيهقي: وله شواهد عن ابن أبي مليكة ~~عن عطاء عن سعد بن إبراهيم وكلها مراسيل. وهو من الأدلة الدالة على استحباب ~~الغسل دون وجوبه، وهو أيضا من القرائن الصارفة عن الوجوب، فإنه يبعد غاية ~~البعد أن يجهل أهل ذلك الجمع الذين هم أعيان المهاجرين والأنصار واجبا من ~~الواجبات الشرعية، ولعل الحاضرين منهم ذلك الموقف جلهم وأجلهم، لأن موت مثل ~~أبي بكر حادث لا يظن بأحد من الصحابة الموجودين في المدينة أن يتخلف عنه ~~وهم في ذلك الوقت لم يتفرقوا كما تفرقوا من بعد. # باب الغسل للاحرام وللوقوف بعرفة ودخول مكة عن زيد بن ثابت: أنه رأى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجرد لاهلاله واغتسل رواه الترمذي. # الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث زيد بن ثابت، وحسنه ~~الترمذي وضعفه العقيلي. ولعل الضعف لأن في رجال إسناده عبد الله بن يعقوب ~~المدني، قال ابن الملقن في شرح المنهاج جوابا على من أنكر على الترمذي: ~~تحسين الحديث لعله إنما حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب الذي في إسناده أي ~~عرف حاله. والحديث يدل على استحباب الغسل عند الاحرام وإلى ذلك ذهب الأكثر. ~~وقال الناصر: إنه واجب. وقال الحسن البصري ومالك: محتمل، وأخرج الحاكم ~~والبيهقي من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم ~~قعد على بعيره فلما استوى على البيداء أحرم بالحج ويعقوب ضعيف قاله الحافظ. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان ودهنه بشئ من زيت غير كثير رواه ~~أحمد. # الحديث قال في مجمع الزوائد: أخرجه البزار والطبراني في الأوسط وإسناد ~~البزار حسن. قوله: بخطمي نبات قال في القاموس: الخطمي بالضم ويفتح نبات ~~محلل مفتح لين PageV01P300 # نافع لعسر البول وذكر له فوائد ومنافع. ms0349 قوله: وأشنان هو بالضم والكسر ~~للهمزة قاله في القاموس وهو نبات. والحديث يدل على استحباب تنظيف الرأس ~~بالغسل ودهنه عند الاحرام، وسيأتي الكلام على ذلك في الحج وليس فيه الغسل ~~لجميع البدن الذي بوب المصنف له. # وعن عائشة قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتهل رواه مسلم ~~وابن ماجة وأبو داود. # الحديث أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء: # أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: مرها فلتغتسل ثم لتهل قال الحافظ: وهذا مرسل. ~~وقال الدارقطني بعد أن ساق حديث عائشة الذي ذكره المصنف في العلل: الصحيح ~~قول مالك ومن وافقه يعني مرسلا. وأخرجه النسائي من حديث القاسم بن محمد عن ~~أبيه عن أبي بكر، قال الحافظ: وهو مرسل أيضا لأن محمدا لم يسمع من النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا من أبيه، نعم يمكن أن يكون سمع ذلك من أمه، ~~لكن قد قيل إن القاسم أيضا لم يسمع من أمه، وقد أخرجه مسلم من حديث جابر ~~الطويل بلفظ: فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن ~~أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف أصنع؟ قال: ~~اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي الحديث. قوله: نفست بضم النون وكسر الفاء ~~الولادة، وأما بفتح النون فالحيض وليس بمراد هنا. الحديث يدل على مشروعية ~~الغسل لمن أراد الاهلال بالحج، ولكنه يحتمل أن يكون لقذر النفاس، فلا يصلح ~~للاستدلال به على مشروعية مطلق الغسل. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عليا كرم الله وجهه كان يغتسل يوم العيدين ~~ويوم الجمعة ويوم عرفة وإذا أراد أن يحرم رواه الشافعي. وعن ابن عمر: # أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا، ~~PageV01P301 # ويذكر عن النبي ms0350 صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعله أخرجه مسلم وللبخاري ~~معناه، ولمالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لاحرامه قبل ~~أن يحرم ولدخول مكة ولوقوفه عشية عرفة. # لفظ البخاري أنه كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ~~ثم يصلي الصبح ويغتسل ويحدث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ~~ذلك وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي: الحديث يدل على استحباب الاغتسال لدخول ~~مكة، قال في الفتح: قال ابن المنذر الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع ~~العلماء وليس في تركه عندهم فدية وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء. وفي ~~الموطأ: أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن ~~غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه. وقالت الشافعية: أن عجز عن الغسل تيمم. ~~وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة وإنما ذكروه للطواف ~~والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف. # قوله: بذي طوى بضم الطاء وفتحها. # باب غسل المستحاضة لكل صلاة عن عائشة رضي الله عنها قالت: استحيضت زينب ~~بنت جحش فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اغتسلي لكل صلاة رواه أبو ~~داود. # الحديث فيه محمد بن إسحاق وقد حسن المنذري بعض طرقه: وأخرجه ابن ماجة ~~وفيه دلالة على وجوب الاغتسال عليها لكل صلاة، وقد ذهب إلى ذلك الامامية، ~~وروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح، وروي هذا أيضا عن علي عليه ~~السلام وابن عباس، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلا واحدا. وعن ~~ابن المسيب والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر ذكر ذلك ~~النووي: # وقد ذكر أبو داود حجج هذه الأقوال في سننه وجعلها أبوابا. وذهب الجمهور ~~إلى أنه لا يجب عليها الاغتسال لشئ من الصلوات ولا في وقت من الأوقات إلا ~~مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها. قال النووي: وبهذا قال جمهور العلماء من ~~السلف والخلف، وهو مروي عن علي عليه ms0351 السلام وابن مسعود وابن عباس وعائشة ~~وهو قول PageV01P302 # عروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبي حنيفة وأحمد. ودليل ~~الجمهور أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا بورود الشرع بإيجابه. قال ~~النووي: ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمرها بالغسل إلا ~~مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أقبلت ~~الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل، ~~قال: وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمرها بالغسل فليس فيها شئ ثابت. # وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم ~~في صحيحيهما أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: فاغتسلي ثم صلي فكانت تغتسل عند كل صلاة قال الشافعي رحمه الله ~~تعالى: إنما أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل وتصلي، وليس ~~فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشك إن شاء الله أن غسلها كان ~~تطوعا غير ما أمرت به وذلك واسع لها. وكذا قال سفيان بن عيينة والليث بن ~~سعد وغيرهما، وما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الاغتسال إلا لإدبار الحيضة ~~هو الحق لفقد الدليل الصحيح الذي تقوم به الحجة لا سيما في مثل هذا التكليف ~~الشاق، فإنه لا يكاد يقوم بما دونه في المشقة إلا خلص العباد، فكيف بالنساء ~~الناقصات الأديان بصريح الحديث والتيسير وعدم التنفير من المطالب التي أكثر ~~المختار صلى الله عليه وآله وسلم الارشاد إليها، فالبراءة الأصلية المعتضدة ~~بمثل ما ذكر لا ينبغي الجزم بالانتقال عنها بما ليس بحجة توجب الانتقال، ~~وجميع الأحاديث التي فيها إيجاب الغسل لكل صلاة قد ذكر المصنف بعضها في هذا ~~الباب وأكثرها يأتي في أبواب الحيض، وكل واحد منها لا يخلو عن مقال كما ~~ستعرف ذلك. لا يقال إنها تنتهض للاستدلال بمجموعها. لأنا نقول: ms0352 هذا مسلم لو ~~لم يوجد ما يعارضها، وأما إذا كانت معارضة بما هو ثابت في الصحيح فلا، ~~كحديث عائشة الآتي في أبواب الحيض فإن فيه: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالاغتسال عند ذهاب الحيضة فقط وترك البيان في ~~وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول. وقد جمع بعضهم بين الأحاديث بحمل ~~أحاديث الغسل لكل صلاة على الاستحباب كما سيأتي في باب من تحيض ستا أو سبعا ~~وهو جمع حسن. # وعن عائشة أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت فأتت رسول الله PageV01P303 # صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن ذلك فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما ~~جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل ~~والصبح بغسل رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن ~~عائشة، وابن إسحاق ليس بحجة لا سيما إذا عنعن، وعبد الرحمن قد قيل إنه لم ~~يسمع من أبيه. قال الحافظ: قد قيل إن ابن إسحاق وهم فيه. والحديث يدل على ~~أنه يجوز الجمع بين الصلاتين والاقتصار على غسل واحد لهما، وقد عرفت ما هو ~~الحق في الذي قبله، وقد ألحق المستحاضة المريض وسائر المعذورين بجامع ~~المشقة ولهذا قال المصنف: وهو حجة في الجمع للمرضى انتهى. # عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس. قالت: قلت يا رسول الله إن فاطمة بنت ~~أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: هذا من الشيطان لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر ~~والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا ~~وتتوضأ فيما بين ذلك رواه أبو داود. # الحديث في إسناده سهيل بن أبي صالح وفي الاحتجاج بحديثه خلاف. وفي الباب ~~عن حمنة بنت جحش وفيه: فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي ~~حتى تطهرين وتصلين الظهر والعصر جمعا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين ms0353 العشاء ثم ~~تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الصبح وتصلين، قال: وهذا ~~أعجب الامرين إلي أخرجه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ~~والدارقطني PageV01P304 # والحاكم، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به. وقال ~~ابن منده: لا يصح بوجه من الوجوه، وسيأتي بقية الكلام عليه في باب من تحيض ~~ستا أو سبعا. # وحديث الباب يدل على ما دل عليه الذي قبله وقد عرفت الخلاف في ذلك، ~~واختلف في وضوء المستحاضة هل يجب لكل صلاة أم لا؟ وسيأتي الكلام على ذلك في ~~باب وضوء المستحاضة لكل صلاة. قوله: في مركن هو بكسر الميم الإجانة التي ~~تغسل فيها الثياب والميم زائدة، والإجانة بهمزة مكسورة فجيم مشددة فألف ~~فنون، ويقال: الايجانة والانجانة بالياء المثناة من تحت بعد الهمزة أو ~~بالنون. قوله: فإذا رأت صفرة فوق الماء أي الذي تقعد فيه فإنها تظهر الصفرة ~~فوقه فعند ذلك يصب عليها الماء: وفي شرح المغربي لبلوغ المرام ما لفظه: أي ~~صفرة الشمس، وفي نسخة صفارة أي إذا زالت الشمس وقربت من العصر حتى ترى فوق ~~الماء من شعاع الشمس شبه صفارة لأن شعاعها يتغير ويقل فيضرب إلى صفرة ~~انتهى. فينظر في صحة هذا التفسير. # باب غسل المغمى عليه إذا أفاق عن عائشة رضي الله عنها قالت: ثقل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا ~~رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء ~~فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، ~~فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ~~ثم أفاق قال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، فذكرت ~~إرساله إلى أبي بكر وتمام الحديث متفق عليه. # قوله: ثقل بفتح الثاء وكسر القاف قال في القاموس: ثقل كفرح فهو ثقيل ~~وثاقل اشتد مرضه. قوله: في المخضب كمنبر قاله في القاموس وهو المركن وقد ms0354 ~~سبق تفسيره في الحديث الذي قبل هذا. قوله: لينوء أي لينتهض بجهد ومشقة. ~~قوله: # فأغمي عليه أي غشي عليه ثم أفاق. وتمام الحديث قالت: والناس عكوف في ~~المسجد PageV01P305 # ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصلاة العشاء الآخرة قالت: ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلي أبي بكر أن يصلي بالناس، فقال ~~أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، قالت، فقال عمر: أنت أحق بذلك، ~~قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر ~~يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن لا تتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي ~~بكر، فكان أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعد. والحديث ~~له فوائد مبسوطة في شروح الحديث، وقد ساقه المصنف ههنا للاستدلال به على ~~استحباب الاغتسال للمغمى عليه، وقد فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض فدل ذلك على تأكد استحبابه. # باب صفة الغسل عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اغتسل ~~من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ ~~وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن ~~قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه ~~أخرجاه. وفي رواية لهما: ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته ~~أفاض عليه الماء ثلاث مرات. # قوله: إذا اغتسل أي أراد ذلك. وفي الفتح أي شرع في الفعل. قوله: وضوءه ~~للصلاة فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، قال الحافظ: يحتمل أن يكون الابتداء ~~بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب ms0355 غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ~~ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا يحتاج إلى نية غسل ~~الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها ولتحصل له صورة ~~الطهارتين الصغرى والكبرى. # وإلى هذا جنح الداودي شارح المختصر، ونقل ابن بطال الاجماع على أن الوضوء ~~لا يجب مع الغسل وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى ~~أن الغسل PageV01P306 # لا ينوب عن الوضوء للمحدث وهو قول أكثر العترة، وإلى القول الأول أعني ~~عدم وجوب الوضوء مع الغسل ودخول الطهارة الصغرى تحت الكبرى ذهب زيد بن علي، ~~ولا شك في شرعية الوضوء مقدما على الغسل كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة. # وأما الوجوب فلم يدل عليه دليل، والفعل بمجرده لا ينتهض للوجوب، نعم يمكن ~~تأييد القول الثاني بالأدلة القاضية بوجوب الوضوء. قوله: في أصول الشعر أي ~~شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام عند البيهقي: يخلل بها شق ~~رأسه الأيمن قال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في ~~الغسل، إما لعموم قوله: # أصول الشعر وإما بالقياس على شعر الرأس. قوله: ثلاث حثيات فيه استحباب ~~التثليث في الغسل. قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما انفرد به ~~الماوردي فإنه قال: # لا يستحب التكرار في الغسل، قال الحافظ: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي، ~~وكذا قال القرطبي، وحمل التثليث في هذه الرواية على أن كل غرفة في جهة من ~~جهات الرأس. # قوله: ثم غسل رجليه يدل على أن الوضوء الأول وقع بدون غسل الرجلين. قال ~~الحافظ: وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام. قال البيهقي: ~~غريبة صحيحة لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقال، نعم له شاهد من رواية ~~أبي سلمة عن عائشة عند أبي داود الطيالسي وفيه: فإذا فرغ غسل رجليه ويحتمل ~~أن يكون قوله في رواية أبي معاوية ثم غسل رجليه أي أعاد غسلهما لاستيعاب ~~الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء. وقد وقع ms0356 التصريح بتأخير الرجلين في ~~رواية للبخاري بلفظ: وضوءه للصلاة غير رجليه وهو مخالف لظاهر رواية عائشة. ~~قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز، وإما ~~بحملها على حالة أخرى، وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلفت أنظار العلماء، ~~فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل، وعن مالك إن كان: ~~المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل ~~قولان قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أن يكمل وضوءه، قال: لأن أكثر ~~الروايات عن عائشة وميمونة كذلك. قوله: ثم أفاض الإفاضة الإسالة وقد استدل ~~بذلك على عدم وجوب الدلك، وعلى أن مسمى غسل لا يدخل فيه الدلك، لأن ميمونة ~~عبرت بالغسل وعبرت عائشة بالإفاضة والمعنى واحد. والإفاضة لا دلك فيها ~~فكذلك الغسل. وقال المازري: لا يتم الاستدلال بذلك لأن أفاض بمعنى غسل، ~~والخلاف PageV01P307 # قائم، وقد قدمنا الكلام على ذلك في باب إيجاب الغسل من التقاء الختانين. ~~قال الحافظ: # قال القاضي عياض: لم يأت في شئ من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار، ~~وقد ورد ذلك من طريق صحيحة، أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة عن ~~عائشة أنها وصفت غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجنابة الحديث. ~~وفيه: ثم يمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا ويغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ثم يفيض ~~على رأسه ثلاثا. قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق الحديث: وهو دليل على أن ~~غلبة الظن في وصول الماء إلى ما يجب غسله كاليقين انتهى. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اغتسل من ~~الجنابة دعا بشئ نحو الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم ~~أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه أخرجاه. # قوله: نحو الحلاب بالحاء المهملة المكسورة واللام الخفيفة ما يحلب فيه. ~~قال المصنف: قال الخطابي الحلاب إناء يسع قدر حلبة ناقة انتهى. وعلى هذا ~~الأكثر، وضبطه الأزهري بالجيم المضمومة وتشديد اللام قال: وهو ماء الورد، ~~وأنكر ذلك عليه جماعة، وقد اختبط شراح البخاري ms0357 وغيرهم في ضبط هذه اللفظة، ~~والسبب في ذلك أن البخاري قال: باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل، ~~فتكلف جماعة لمطابقة هذه الترجمة للحديث وجعل الحلاب، بمعنى الطيب، وقد ~~أطال الحافظ في الفتح الكلام على هذا. قوله: PageV01P308 # ثم أخذ بكفيه أشار إلى الغرفة الثالثة كما صرحت به رواية أبي عوانة، ووقع ~~في بعض روايات البخاري بكفه بالافراد وفي بعضها بالتثنية كما في الكتاب. ~~والحديث يدل على استحباب البداءة بالميامن ولا خلاف فيه، وفيه الاجتزاء ~~بثلاث غرفات، وترجم على ذلك ابن حبان. قوله: فقال بهما هو من إطلاق القول ~~على الفعل، وقد وقع إطلاق الفعل على القول في حديث: لا حسد إلا في اثنتين ~~قال فيه: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت مثل ما يفعل كذا في الفتح. # وعن ميمونة قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ماء يغتسل به فأفرغ ~~على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ~~ثم دلك يده بالأرض ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا ~~ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه، قالت: فأتيته بخرقة فلم ~~يردها وجعل ينفض الماء بيده رواه الجماعة وليس لأحمد والترمذي نفض اليد. # قوله: فأفرغ على يديه يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما من مستقذر، ~~ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه الزيادة ~~التي رواها الترمذي بلفظ: قبل أن يدخلهما الاناء. قوله: مذاكيره جمع ذكر ~~على غير قياس، وقيل واحده مذكار، قال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له. ~~وقال ابن خروف: # إنما جمعه مع أنه ليس في الجسد إلا واحد بالنظر إلى ما يتصل به، وأطلق ~~على الكل اسمه، فكأنه جعل كل جزء من المجموع كالذكر في حكم الغسل. قوله: ثم ~~دلك يده بالأرض فيه أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب ~~أو أشنان، أو يدلكها بالتراب أو بالحائط ليذهب الاستقذار منها. قوله: فغسل ~~قدميه ms0358 قد تقدم الكلام على ذلك في حديث أول الباب. قوله: ثم تنحى أي تحول ~~إلى ناحية. # قوله: فلم يردها من الإرادة لا من الرد، وقد تقدم الكلام في كراهية ~~التنشيف وعدمها. # قوله: وجعل ينفض فيه جواز نفض اليدين من ماء الغسل، قال الحافظ: وكذا ~~الوضوء، وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره ولفظه: لا تنفضوا أيديكم في ~~الوضوء فإنها مراوح الشيطان قال ابن الصلاح: لم أجده وتبعه النووي: وقد ~~أخرجه ابن حبان في الضعفاء وابن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة، ولو ~~لم يعارضه هذا الحديث لم يكن صالحا لأن يحتج به. قال المصنف رحمه الله: ~~وفيه دليل استحباب ذلك اليد بعد PageV01P309 # الاستنجاء انتهى. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لا يتوضأ بعد الغسل رواه الخمسة. # الحديث قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال ابن سيد الناس: إنها تختلف نسخ ~~الترمذي في تصحيحه، وأخرجه البيهقي بأسانيد جيدة. وفي الباب عن ابن عم ~~مرفوعا وعنه موقوفا أنه قال: لما سئل عن الوضوء بعد الغسل وأي وضوء أعم من ~~الغسل رواه ابن أبي شيبة. وروي عنه أنه قال لرجل قال له: إني أتوضأ بعد ~~الغسل، فقال: لقد تعمقت. وروي عن حذيفة أنه قال: أما يكفي أحدكم أن يغسل من ~~قرنه إلى قدمه حتى يتوضأ؟ وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم ~~حتى قال أبو بكر بن العربي: أنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت ~~الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وتقضي عليها، لأن موانع ~~الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الأقل في نية الأكثر وأجزأت نية الأكبر ~~عنه. وقد تقدم كلام ابن بطال في أول الباب، وتقدم الرد عليه بأنه قول أبي ~~ثور وداود وغيرهما، قال ابن سيد الناس: إن داود الظاهري أوجب الوضوء في غسل ~~الجنابة لا أنه بعده لكن لا يخلو عنده من الوضوء، وحكاه عنه الشيخ يحيى ~~الدين النووي. قال ابن سيد الناس: والذي رأيته عن أبي ms0359 محمد بن حزم أن ذلك ~~عنده ليس فرضا في الغسل وإنما هو كمذهب الجماعة. # وعن جبير بن مطعم قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: أما أنا فآخذ ملء كفي فأصب على رأسي ثم أفيض بعد على سائر ~~جسدي رواه أحمد. # الحديث رجاله رجال الصحيح. وقد أخرجه أيضا أحمد من حديث جبير بن مطعم ~~بلفظ: أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات ثم أفيض فإذا أنا قد طهرت قال ~~الحافظ وقوله: فإذا أنا قد طهرت لا أصل له من حديث صحيح ولا ضعيف، لكنه وقع ~~من حديث أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: إنما ~~يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت ~~وأصلح في صحيح مسلم. وذكر الحافظ في التلخيص في باب الغسل حديث جبير بن ~~مطعم عند أحمد بلفظ: أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثا فأصب على رأسي ثم أفيض على ~~جسدي ولم يتكلم عليه وله شواهد في الصحيحين وغيرهما، قال المصنف رحمه الله: ~~فيه مستدل PageV01P310 # لمن لم يوجب الدلك ولا المضمضة والاستنشاق انتهى، وقد تقدم الكلام في ~~ذلك. # باب تعاهد باطن الشعور وما جاء في نقضها عن علي رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ترك موضع شعرة من جنابة لم ~~يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: فمن ثم عاديت شعري. ~~رواه أحمد وأبو داود وزاد: وكان يجز شعره رضي الله عنه. # قال الحافظ: وإسناده صحيح لأن من رواته عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد ~~بن سلمة قبل الاختلاط، وأخرجه أبو داود أيضا وابن ماجة من حديث حماد لكن ~~قيل: إن الصواب وقفه على علي. قال عبد الحق، الأكثرون قالوا بوقفه. وقال ~~النووي: # ضعيف وعطاء قد ضعف قبل اختلاطه ولحماد أوهام، وفي إسناده أيضا زاذان وفيه ~~خلاف. وفي الباب من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: بلوا ms0360 الشعر وأنقوا البشر ~~أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي، ومداره على الحرث بن وجيه وهو ~~ضعيف جدا. قال أبو داود: والحرث هذا حديثه منكر وهو ضعيف. وقال الترمذي: # غريب لا نعرفه إلا من حديث الحرث وهو شيخ ليس بذاك. وقال الدارقطني في ~~العلل: # إنما يروى هذا عن مالك بن دينار عن الحسن مرسلا، ورواه سعيد بن منصور عن ~~هشيم عن يونس عن الحسن قال: نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذكره، ورواه أبان العطار عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة من قوله. وقال ~~الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. وقال البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث ~~البخاري وأبو داود وغيرهما. والحديث يدل على مشروعية تخليل الشعر بالماء في ~~الغسل ولا أحفظ فيه خلافا. # وعن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل ~~الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك ~~الماء فتطهرين رواه الجماعة إلا البخاري. # الحديث قال الترمذي: حسن صحيح. قوله: ضفر رأسي بفتح الضاد المعجمة وإسكان ~~الفاء قال النووي: هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث والمستفيض ~~PageV01P311 # عند المحدثين وهو الشعر المفتول، ويجوز ضم الضاد والفاء جمع ضفيرة. قوله: ~~أن تحثي يقال: حثيث وحثوث لغتان مشهورتان والحثية والحفنة. وهو يدل على أنه ~~لا يجب على المرأة نقض الضفائر، وقد اختلف الناس في ذلك، قال القاضي أبو ~~بكر بن العربي: قال جمهورهم: لا ينقضه إلا أن يكون ملبدا ملتفا لا يصل ~~الماء إلى أصوله إلا بنقضه، فيجب حينئذ من غير فرق بين جنابة وحيض. وروي عن ~~المؤيد بالله وأبي طالب والامام يحيى، وروي أيضا عن القاسم. وقال النخعي: ~~تنقضه في الجنابة والحيض. وقال أحمد: # تنقضه في الحيض دون الجنابة وروي عن الحسن البصري وطاوس وروي عن مالك أنه ~~لا يجب النقض لا على الرجال ولا على النساء. ووجه ما ذهب إليه عموم نهيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن نقض الشعر ولم يخص رجلا ms0361 من امرأة، ولا يلزم من ~~كون السائل عن ذلك من النساء أن يكون الحكم مختصا بهن اعتبارا بعموم النهي، ~~كذا قاله ابن سيد الناس. ووجه قول من ذهب إلى التفرقة حديث ثوبان أنهم ~~استفتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أما الرجل فلينشر رأسه ~~فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه أخرجه أبو ~~داود، وأكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته ~~عن الشاميين وهو قوي فهم فيقبل. ووجه ما روي عن النخعي أن عموم الغسل يجب ~~في جميع الأجزاء من شعر وبشر، وقد يمنع ضفر الشعر من ذلك، ولعله لم تبلغه ~~الرخصة في ذلك للنساء. ووجه ما ذهب إليه أحمد ومن معه من التفرقة بين الحيض ~~والجنابة ما سيأتي، وما روى الدارقطني في إفراده والبيهقي في سننه الكبرى ~~من حديث مسلم بن صبيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضا وغسلته PageV01P312 # بخطمي وأشنان: فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء وعصرت وقد ~~تفرد به مسلم بن صبيح عن حماد قال المصنف رحمه الله: وفي الحديث مستدل لمن ~~لم يوجب الدلك باليد. وفي رواية لأبي داود أن امرأة جاءت إلى أم سلمة بهذا ~~الحديث قالت: فسألت لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعناه قال فيه: ~~واغمزي قرونك عند كل حفنة وهو دليل على وجوب بل داخل الشعر المسترسل انتهى، ~~وقد تقدم الكلام في ذلك. # وعن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا ~~اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبا لابن عمرو وهو يأمر النساء إذا ~~اغتسلن بنقض رؤوسهن، أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على ~~رأسي ثلاث إفراغات رواه أحمد ومسلم. # الحديث يدل على عدم وجوب نقض الشعر على ms0362 النساء وقد تقدم الكلام فيه، وأما ~~أمر عبد الله بن عمرو بالنقض فيحتمل أنه أراد إيجاب ذلك عليهن، ويكون ذلك ~~في شعور لا يصل إليها الماء أو يكون مذهبا له أنه يجب النقض بكل حال كما ~~حكى عن غيره ولم يبلغه حديث أم سلمة وعائشة، ويحتمل أنه كان يأمرهن بذلك ~~على الاستحباب والاحتياط للايجاب قاله النووي. # باب استحباب نقض الشعر لغسل الحيض وتتبع أثر الدم فيه عن عروة عن عائشة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها وكانت حائضا: انقضي شعرك واغتسلي ~~رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. # الحديث هو عند الستة إلا الترمذي بلفظ: أنها قدمت مكة وهي حائض ولم تطف ~~بالبيت إلا بين الصفا والمروة، فشكت ذلك إليه صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: انقضي رأسك وأمشطي وأهلي بالحج وليس فيه ذكر الغسل. وقد ثبت عند ابن ~~ماجة كما ذكره المصنف، وهو دليل لمن قال بالفرق بين الغسل للجنابة والحيض ~~والنفاس وهو أحمد بن حنبل والهادوية، وأجيب بأن الخبر ورد في مندوبات ~~الاحرام والغسل في تلك الحال للتنظيف لا للصلاة والنزاع في غسل الصلاة. # وعن عائشة: أن امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV01P313 # عن غسلها من الحيض فأمرها كيف تغتسل ثم قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها، ~~قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله تطهري بها؟ فاجتذبتها إلي فقلت: ~~تتبعي بها أثر الدم رواه الجماعة إلا الترمذي غير أن ابن ماجة وأبا داود ~~قالا: فرصة ممسكة. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي، وسماها مسلم أسماء بنت شكل. وقيل: إنه تصحيف ~~والصواب أسماء بنت يزيد بن السكن، ذكره الخطيب في المبهمات. وقال المنذري: ~~يحتمل أن تكون القصة تعددت، وروي فرصة ممسكة في الصحيحين أيضا. قوله: فرصة ~~هي بكسر الفاء وإسكان الراء وبالصاد المهملة القطعة من كل شئ حكاه ثعلب. ~~وقال ابن سيده: الفرصة من القطن أو الصوف مثلثة الفاء. والمسك هو الطيب ~~المعروف. وقال عياض: رواية الأكثر بفتح الميم وهو الجلد وفيه نظر لقوله في ms0363 ~~بعض الروايات فإن لم يجد فطيبا غيره، كذا أجاب الرافعي، قال الحافظ وهو ~~متعقب: فإن هذا لفظ الشافعي في الام نعم في رواية عبد الرزاق يعني بالفرصة ~~المسك أو الزريرة، وليس في الحديث ذكر نقض الشعر، وغاية ما فيه الدلالة على ~~التنظيف والمبالغة في إذهاب أثر الدم. قال النووي: وقد اختلف العلماء في ~~الحكمة في استعمال المسك المختار الذي قاله الجماهير أن المقصود من استعمال ~~المسك تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة. # باب ما جاء في قدر الماء في الغسل والوضوء عن سفينة قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد رواه أحمد وابن ماجة ~~ومسلم والترمذي وصححه. # قوله: بالصاع الصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمد ~~رطل وثلث بالبغدادي، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل بغداد. قال النووي: ~~هذا هو الصواب المشهور: وذكر جماعة من أصحابنا وجها لبعض أصحابنا أن الصاع ~~هنا ثمانية أرطال والمد رطلان انتهى. والرطل البغدادي، على ما قال الرافعي ~~وغيره مائة وثلاثون درهما، ورجح النووي أنه مائة وثمانية وعشرون درهما ~~وأربعة أسباع درهم. والحديث يدل على كراهة الاسراف في الماء للغسل والوضوء ~~واستحباب الاقتصاد، وقد أجمع العلماء على النهي عن الاسراف PageV01P314 # في الماء ولو كان على شاطئ النهر، قال بعض أصحاب الشافعي: إنه حرام. وقال ~~بعضهم: # إنه مكروه كراهة تنزيه. # وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة ~~أمداد ويتوضأ بالمد متفق عليه. وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يتوضأ بإناء يكون رطلين ويغتسل بالصاع رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الثاني أخرجه الترمذي بنحوه وقال: غريب، وهو من طريق شريك من عبد ~~الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس وكلهم ثقات. وقد ثبت في هذا الحديث ~~إلى خمسة أمداد، وفي حديث عائشة الآتي: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من إناء يقال له الفرق ووقع في رواية ثلاثة أمداد أو ms0364 قريب ~~من ذلك. وفي رواية: كان يغتسل من إناء واحد يقال له الفرق وفي أخرى: فدعت ~~بإناء قدر الصاع فاغتسلت فيه. وفي الأخرى: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ ~~بمكوك وفي أخرى: يغسله الصاع ويوضئه المد. وفي أخرى: يتوضأ بالمد ويغتسل ~~بالصاع قال الشافعي وغيره: الجمع بين هذه الروايات أنها كانت اغتسالات في ~~أحوال والفرق سيأتي تقديره، وأما المكوك فهو بفتح الميم وضم الكاف الأولى ~~وتشديدها وجمعه مكاكيك ومكاكي، قال النووي: ولعل المراد بالمكوك هنا المد. # وعن موسى الجهني قال: أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال: # حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يغتسل بمثل هذا ~~رواه النسائي. # الحديث إسناده في سنن النسائي، هكذا أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا يحيى ~~بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني فذكره، وأحمد بن عبيد هو ابن حسان ~~وهو من رجال الصحيح. قال أبو داود: وهو حجة ويحيى بن زكريا هو الامام ~~الكبير وحديثه في الصحيحين وغيرهما. وموسى الجهني أخرج له مسلم ووثقه أحمد ~~وغيره، وقد عرفت كيفية الجمع بين الروايات. قوله: حزرته أي قدرته، قال ~~الحافظ: تمسك بهذا بعض الحنفية وجعل الفرق ثمانية أرطال، والصحيح أن الفرق ~~مقداره ما سيأتي، والحزر لا يعارض به التحديد، وأيضا لم يصرح مجاهد بأن ~~الاناء المذكور صاع فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها. PageV01P315 # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يجزئ من الغسل ~~الصاع ومن الوضوء المد رواه أحمد والأثرم. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود وابن خزيمة وابن ماجة بنحوه وصححه ابن ~~القطان: وقوله: يجزئ الخ ظاهره أنه لا يجزئ دون الصاع والمد ويعارضه ما ~~سيأتي. # وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~إناء واحد من قدح يقال له الفرق متفق عليه. والفرق ستة عشر رطلا بالعراقي. # قوله: الفرق قال ابن التين: بتسكين الراء، قال الحافظ: ورويناه بفتحها، ~~وجوز بعضهم الامرين. قال النووي: الفتح أفصح وأشهر، وزعم أبو الوليد الباجي ms0365 ~~أنه الصواب، قال: # وليس كما قال بل هما لغتان. قال الحافظ: لعل مستند الباجي ما حكاه ~~الأزهري عن ثعلب وغيره الفرق بالفتح والمحدثون يسكنونه وكلام العرب بالفتح ~~انتهى. وقد حكى الاسكان أبو زيد وابن دريد وغيرهما، وحكى ابن الأثير أن ~~الفرق بالفتح ستة عشر رطلا، وبالاسكان مائة وعشرون رطلا، قال الحافظ: وهو ~~غريب وقد ثبت تقديره في صحيح مسلم عن سفيان بن عيينة فقال: هو ثلاثة آصع، ~~قال النووي: وكذا قال الجماهير. وقيل: # الفرق صاعان، قال الحافظ: لكن نقل أبو عبيد أن الاتفاق على أن الفرق ~~ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة. # باب من رأى التقدير بذلك استحبابا وأن ما دونه يجزي إذا أسبغ عن عائشة: ~~أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة ~~أمداد أو قريبا من ذلك. رواه مسلم. # القدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، وسواء ~~كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله ~~مغتسلا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الاسراف. وهكذا الوضوء ~~القدر المجزئ منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء، سواء كان مدا أو أقل أو ~~أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد لا يحصل به ~~الواجب. وقد أخرج ابن ماجة من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال ~~نعم وإن كنت على نهر جار وفي إسناده ابن لهيعة. وروى ابن عدي من حديث ابن ~~PageV01P316 # عباس مرفوعا: كان يتعوذ بالله من وسوسة الوضوء قال: ابن حجر: وإسناده ~~واه. # وعن عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~توضأ فأتى بماء في إناء قدر ثلثي المد رواه أبو داود والنسائي. # الحديث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان ms0366 من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: توضأ ~~بنحو ثلثي مد وصحح حديث الباب أبو زرعة. وأما حديث: أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم توضأ بنصف مد فأخرجه الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة وفي إسناده ~~الصلت بن دينار وهو متروك. وحديث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ بثلث ~~مد قال الحافظ: لم أجده. # وعن عبيد بن عمير أن عائشة قالت: لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من هذا فإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه فنشرع فيه ~~جميعا فأفيض على رأسي بيدي ثلاث مرات وما أنفض لي شعرا رواه النسائي. # الحديث إسناده في سنن النسائي، هكذا أخبرنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد ~~الله عن إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير فذكره ورجاله ~~ثقات. وهو يدل على عدم وجوب الاغتسال بمقدار صاع من الماء لاشتراك النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة في صاع أو دونه، والاكتفاء بمجرد الإفاضة ~~على الرأس من دون نقض الشعر. وقد ورد في أحاديث كثيرة وقد سبق بعضها، وقد ~~تقدم الكلام على عدم وجوب نقض الشعر على المرأة في غسل الجنابة، وهذا ~~الحديث من الأدلة الدالة على ذلك. # والتور قد تقدم الكلام عليه. # باب الاستتار عن الأعين للمغتسل وجواز تجرده في الخلوة عن يعلى بن أمية: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر ~~فإذا اغتسل أحدكم فليستتر رواه أبو داود والنسائي. # الحديث رجال إسناده رجال الصحيح. وقد أخرج البزار نحوه من حديث ابن عباس ~~مطولا، وقد ذكره الحافظ في الفتح ولم يتكلم عليه. وهو يدل على وجوب التستر ~~حال الاغتسال، وقد ذهب إلى ذلك ابن أبي ليلى، وذهب أكثر العلماء إلى أنه ~~PageV01P317 # أفضل وتركه مكروه وليس بواجب. واستدلوا على ذلك بما سيأتي. وقد ذهب بعض ~~الشافعية أيضا إلى تحريمه، قال الحافظ: والمشهور ms0367 عند متقدميهم كغيرهم ~~الكراهة فقط. # قوله: بالبراز المراد به هنا الفضاء والباء للظرفية. قوله: ستير بسين ~~مهملة مفتوحة وتاء مثناة من فوق مكسورة وباء تحتية ساكنة ثم راء مهملة. قال ~~في النهاية: فعيل بمعنى فاعل. ومن الأدلة الدالة على استحباب الاستتار حال ~~الغسل ما أخرجه النسائي من حديث أبي السمح قال: كنت أخدم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني فأوليه قفاي فأستره به ~~أخرجه النسائي. وما أخرجه مسلم من حديث أم هانئ قالت: ذهبت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة رضي الله عنها ~~تستره بثوب ويدل على مشروعية مطلق الاستتار ما أخرجه أبو داود والترمذي من ~~حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت: # يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظي عورتك إلا من ~~زوجك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله فالرجل يكون خاليا قال: الله أحق ~~أن يستحي منه من الناس. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: بينما أيوب عليه ~~السلام يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ~~ربه تبارك وتعالى: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا ~~غنى بي عن بركتك. رواه أحمد والبخاري والنسائي. # قوله: يحثي في رواية البخاري يحتثي والحثية هي الاخذ باليد. قوله: لا غنى ~~بي بالقصر بلا تنوين. قال الحافظ: ورويناه بالتنوين أيضا على أن لا بمعنى ~~ليس، قال ابن بطال: ووجه الدلالة من الحديث أن الله تعالى عاتبه على جمع ~~الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانا فدل على جوازه. وقال أيضا: ووجه ~~الاستدلال بهذا الحديث وحديث أبي هريرة الذي سيأتي أنهما يعني أيوب وموسى ~~ممن أمر بالاقتداء به. قال الحافظ: وهذا إنما يأتي على رأي من يقول: شرع من ~~قبلنا شرع لنا، والذي يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ms0368 قص القصتين ولم يتعقب شيئا منهما فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو ~~كان فيهما غير موافق لبينه فيجمع بين الأحاديث بحمل الأحاديث التي فيها ~~الارشاد إلى التستر على الأفضل. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كانت بنو ~~PageV01P318 # إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل ~~وحده فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال: فذهب مرة ~~يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال: فجمح موسى عليه السلام بأثره ~~يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى عليه السلام ~~فقالوا: والله ما بموسى بأس قال: فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا متفق عليه. # قوله: كانت بنو إسرائيل أي جماعتهم. قوله: يغتسلون عراة ظاهره أن ذلك كان ~~جائزا في شرعهم وإلا لما أقرهم موسى على ذلك، وكان هو عليه السلام يغتسل ~~وحده أخذا بالأفضل. قال الحافظ: وأغرب ابن بطال فقال: هذا يدل على أنهم ~~كانوا عصاة له، وتبعه على ذلك القرطبي فأطال في ذلك. قوله: آدر هو بالمد ~~وفتح الدال المهملة وتخفيف الراء، قال الجوهري: الأدرة نفخة في الخصية. ~~قوله: فجمح بالجيم ثم الميم ثم الحاء المهملة أي جرى مسرعا. وفي رواية ~~فخرج. قوله: ثوبي حجر إنما خاطبه لأنه أجراه مجرى من يعقل لكونه فر بثوبه ~~فانتقل من حكم الجماد إلى حكم الحيوان فناداه لما لم يرد عليه ثوبه ضربه. ~~وقيل: يحتمل أن يكون أراد بضربه إظهار المعجزة بتأثير ضربه فيه، ويحتمل أن ~~يكون عن وحي. قوله: حتى نظرت ظاهره أنهم رأوا جسده وبه يتم الاستدلال على ~~جواز النظر عند الضرورة، وأبدى ابن الجوزي احتمال أن يكون كان عليه مئزر ~~لأنه يظهر ما تحته بعد البلل واستحسن ذلك ناقلا له عن بعض مشايخه، قال ~~الحافظ: وفيه نظر. والحديث قد تقدم الكلام على وجه دلالته في الذي قبله. # باب الدخول في الماء بغير إزار عن علي بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال ms0369 ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن موسى بن عمران عليه السلام كان إذا ~~أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء رواه أحمد. # الحديث قال في مجمع الزوائد: رجاله موثقون إلا أن علي بن زيد مختلف في ~~الاحتجاج به، وهذا نوع من الستر المندوب إليه، فهو مندرج تحت عموم الأدلة ~~القاضية بمشروعية الستر. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد نص أحمد على ~~كراهة دخول الماء PageV01P319 # بغير إزار، وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل لقول الحسن والحسين رضي الله ~~عنهما وقد قيل لهما وقد دخلا الماء وعليهما بردان فقالا: إن للماء سكانا، ~~قال إسحاق: وإن تجرد رجونا أن لا يكون إثما، واحتج بتجرد موسى عليه السلام، ~~انتهى. # باب ما جاء في دخول الحمام عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل ~~الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل ~~الحمام رواه أحمد. # الحديث في إسناده أبو خيرة، قال الذهبي: لا يعرف وأحاديث الحمام لم يتفق ~~على صحة شئ منها. قال المنذري: وأحاديث الحمام كلها معلولة وإنما يصح منها ~~عن الصحابة. # ويشهد لحديث الباب حديث عمر بن الخطاب الذي سيذكره المصنف في باب من دعي ~~فرأى منكرا من كتاب الوليمة، وقد أخرج الفصل الأول من هذا الحديث الترمذي ~~من حديث جابر وقال: حسن غريب وفيه ليث بن أبي سليم. وقد رواه أحمد أيضا من ~~طريق ثانية من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر. وأخرج معناه أبو داود ~~والترمذي من حديث عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الرجال والنساء عن دخول الحمام ثم رخص للرجال أن يدخلوه في المآزر لكنه من ~~حديث حماد بن سلمة عن عبد الله بن شداد عن أبي عذرة عنها، وأبو عذرة مجهول: ~~قال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة وإسناده ليس بذاك القائم. ms0370 ~~وأخرج أبو داود والترمذي من حديثها أنها قالت لنسوة دخلن عليها من نساء ~~الشام: لعلكن من الكورة التي يدخل نساؤها الحمام؟ قلن: نعم، قالت: أما أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من امرأة تخلع ثيابها في ~~غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب وهو من حديث شعبة عن ~~منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي المليح عنها وكلهم رجال الصحيح: وروي عن ~~جرير عن سالم عنها، وكان سالم يدلس ويرسل، وقال الترمذي بعد ذكر الحديث: ~~حسن وفي رواية للنسائي عن جابر: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل ~~حليلته الحمام إلا من عذر هكذا بلفظ إلا من عذر في الجامع، ولم يذكر هذا ~~الاستثناء الترمذي، ولم يوجد الحديث في النسائي، ولعل ذلك في بعض النسخ. ~~قال PageV01P320 # العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في بعض أجوبته: والظاهر أنه غلط، ولم ~~يذكره الشريف أبو المحاسن في كتابه في الحمام، ولم يذكر الاستثناء في حديث ~~جابر ولا عزاه إلى النسائي وقد رواه من حديث جابر بلفظ: من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ورواه الشريف أبو المحاسن في كتابه ~~في الحمام من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أبي الزبير عن جابر، وليس في شئ من ~~الطرق ذكر العذر. وحديث الباب يدل على جواز الدخول للذكور بشرط لبس المآزر، ~~تحريم الدخول بدون مئزر، وعلى تحريمه على النساء مطلقا، واستثناء الدخول من ~~عذر لهن لم يثبت من طريق تصلح للاحتجاج بها فالظاهر المنع مطلقا، ويؤيد ذلك ~~ما سلف من حديث عائشة الذي روته لنساء الكورة وهو أصح ما في الباب إلا ~~لمريضة أو نفساء كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا إن صح. # وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنها ~~ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلنها ~~الرجال إلا بالإزار وامنعوا النساء إلا مريضة أو نفساء رواه ms0371 أبو داود وابن ~~ماجة. # الحديث في إسناده عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي وقد تكلم عليه غير واحد. ~~وفي إسناده أيضا عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية وقد غمزه البخاري ~~وابن أبي حاتم، وهو يدل على تقييد الجواز للرجال بلبس الإزار، ووجوب المنع ~~على الرجال للنساء إلا لعذر المرض والنفاس، وهذا أعني استثناء المريضة ~~والنفساء، أخص من استثناء العذر المذكور في حديث النسائي فيقتصر عليهما وقد ~~عرفت ما فيه. قال المصنف: وفيه أن من حلف لا يدخل بيتا فدخل حماما حنث، ~~انتهى. # كتاب التيمم التيمم في اللغة القصد. قال الأزهري: التيمم في كلام العرب ~~القصد، يقال: تيممت فلانا وتأممته ويممته وأممته أي قصدته. وفي الشرع القصد ~~إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها قاله في الفتح. ~~واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والاجماع وهي خصيصة خصص الله تعالى ~~بها هذه الأمة قال في الفتح: واختلف هل التيمم عزيمة أو رخصة؟ وفصل بعضهم ~~فقال: هو لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة. PageV01P321 # باب تيمم الجنب للصلاة إذا لم يجد ماء عن عمران بن حصين قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فصلى بالناس فإذا هو برجل معتزل فقال: ~~ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه ~~يكفيك متفق عليه. # قوله: فإذا هو برجل وقع في شرح العمدة للشيخ سراج الدين بن الملقن أن هذا ~~الرجل هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري أخو رفاعة شهد بدرا. قال ابن ~~الكلبي: # وقتل يومئذ، وقال غيره: له رواية وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال الحافظ: أما على قول الكلبي فيستحيل أن يكون هو ~~صاحب هذه القصة لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف، وأما ~~على قول غيره فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كون له رواية أن يكون عاش ~~بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة ms0372 أو ~~متصلة لكن نقلها عنه صحابي آخر، وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين من قال ~~إنه قتل ببدر. قوله: أصابتني جنابة ولا ماء بفتح الهمزة أي معي أي موجود ~~وهو أبلغ في إقامة عذره لما فيه من عموم النفي، كأنه نفى وجود الماء ~~بالكلية. قوله: عليك بالصعيد اللام للعهد المذكور في الآية الكريمة، ودل ~~قوله يكفيك على أن المتيمم في مثل هذه الحال لا يلزمه القضاء، ويحتمل أن ~~يكون المراد بقوله: يكفيك أي للأداء فلا يدل على ترك القضاء والأول أظهر. ~~والحديث يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء من غير فرق بين الجنب ~~وغيره، وقد أجمع على ذلك العلماء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف ~~إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم ~~النخعي من عدم جوازه للجنب. وقيل: إن عمر و عبد الله رجعا عن ذلك. وقد جاءت ~~بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة. وإذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب ~~عليه الاغتسال بإجماع العلماء إلا ما يحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~الامام التابعي أنه قال: لا يلزمه وهو مذهب متروك بإجماع من بعده ومن قبله، ~~وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره صلى الله عليه وآله وسلم للجنب بغسل ~~بدنه إذا وجد الماء. PageV01P322 # باب تيمم الجنب للجرح عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه ~~في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد ~~لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم ~~يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ~~على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده. رواه أبو داود والدارقطني. # الحديث رواه أيضا ابن ماجة وصححه ابن السكن، وقد تفرد به الزبير بن خريق ~~وليس بالقوي قاله الدارقطني، وخالفه الأوزاعي ms0373 فرواه عن عطاء عن ابن عباس ~~وهو الصواب. قال الحافظ: رواه أبو داود أيضا من حديث الأوزاعي قال: بلغني ~~عن عطاء عن ابن عباس. ورواه الحاكم عن بشر بن بكر عن الأوزاعي، حدثني عطاء ~~عن ابن عباس. # وقال الدارقطني: اختلف فيه على الأوزاعي، والصواب أن الأوزاعي أرسل آخره ~~عن عطاء. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء إنما سمعه من ~~إسماعيل بن مسلم عن عطاء، ونقل ابن السكن عن ابن أبي داود أن حديث الزبير ~~بن خريق أصح من حديث الأوزاعي وقد رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من ~~حديث الوليد بن عبيد بن أبي رباح عن عمه عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ~~مرفوعا، والوليد بن عبيد ضعفه الدارقطني وقواه من صحح حديثه. قوله: العي ~~بكسر العين هو التحير في الكلام قيل هو ضد البيان. والحديث يدل على جواز ~~العدول إلى التيمم لخشية الضرر، وقد ذهب إلى ذلك العترة ومالك وأبو حنيفة ~~والشافعي في أحد قوليه، وذهب أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه إلى عدم ~~جواز التيمم لخشية الضرر، قالوا: لأنه واجد. والحديث وقوله تعالى: * (وإن ~~كنتم مرضى) * (النساء: 43) الآية يردان عليهما. ويدل الحديث أيضا على وجوب ~~المسح على الجبائر، ومثله حديث علي عليه السلام قال: أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمسح على الجبائر وقد اتفق الحفاظ على ضعفه، وقد ذهب ~~إلى وجوب المسح على الجبائر المؤيد بالله والهادي في أحد قوليه. وروي عن ~~أبي حنيفة والفقهاء السبعة فمن بعدهم وبه قال الشافعي لكن بشرط أن توضع على ~~طهر، PageV01P323 # وأن لا يكون تحتها من الصحيح إلا ما لا بد منه، والمسح المذكور عندهم ~~يكون بالماء لا بالتراب. وذهب أبو العباس وأبو طالب وهو أحد قولي الهادي، ~~وروي عن أبي حنيفة أنه لا يمسح ولا يحل بل يسقط كعبادة تعذرت، ولان الجبيرة ~~كعضو آخر، وآية الوضوء لم تتناول ذلك، واعتذروا عن حديث جابر وعلي بالمقال ~~الذي فيهما، وقد تعاضدت طرق حديث جابر ms0374 فصلح للاحتجاج به على المطلوب، وقوي ~~بحديث علي، ولكن حديث جابر قد دل على الجمع بين الغسل والمسح والتيمم. # باب الجنب يتيمم لخوف البرد عن عمرو بن العاص: أنه لما بعث في غزوة ذات ~~السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ~~فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذكروا ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت: ~~ذكرت قول الله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) * ~~(النساء: 29) فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~يقل شيئا رواه أحمد وأبو داود والدارقطني. # الحديث أخرجه البخاري تعليقا وابن حبان والحاكم، واختلف فيه على عبد ~~الرحمن ابن جبير فقيل عنه عن أبي قيس عن عمرو. وقيل عنه عن عمرو بلا واسطة، ~~لكن الرواية التي فيها أبو قيس ليس فيها إلا أنه غسل مغابنه فقط. وقال أبو ~~داود: روى هذه القصة الأوزاعي عن حسان بن عطية وفيه فتيمم. ورجح الحاكم ~~إحدى الروايتين، وقال البيهقي: يحتمل أن يكون فعل ما في الروايتين جميعا ~~فيكون قد غسل ما أمكنه وتيمم للباقي، وله شاهد من حديث أبو عباس، ومن حديث ~~أبي أمامة عند الطبراني. قوله: # ذات السلاسل هي موضع وراء وادي القرى، وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى ~~سنة ثمان من الهجرة. قوله: فأشفقت أي خفت وجذرت. قوله: فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولم يقل شيئا فيه دليلان على جواز التيمم عند شدة ~~البرد ومخافة الهلاك: الأول التبسم والاستبشار. والثاني عدم الانكار لأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقر على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى ~~دلالة من السكوت على PageV01P324 # الجواز، فإن الاستبشار دلالته على الجواز بطريق الأولى: وقد استدل بهذا ~~الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أن من تيمم لشدة البرد ~~وصلى لا تجب عليه الإعادة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره ~~بالإعادة، ms0375 ولو كانت واجبة لامره بها، ولأنه أتى بما أمر به وقدر عليه فأشبه ~~سائر من يصلي بالتيمم. قال ابن رسلان لا يتيمم لشدة البرد من أمكنه أن يسخن ~~الماء أو يستعمله على وجه يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضوا ويستره، وكلما غسل ~~عضوا ستره ودفاه من البرد لزمه ذلك، وإن لم يقدر تيمم وصلى في قول أكثر ~~العلماء. وقال الحسن وعطاء: يغتسل وإن مات ولم يجعلا له عذرا. ومقتضى قول ~~ابن مسعود لو رخصنا لهم لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا أنه لا يتيمم ~~لشدة البرد. قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث ما لفظه فيه من ~~العلم إثبات التيمم لخوف وسقوط الفرض به وصحة اقتداء المتوضئ بالمتيمم، وأن ~~التيمم لا يرفع الحدث، وأن التمسك بالعمومات حجة صحيحة انتهى. وقوله: # وإن التيمم لا يرفع الحدث لعله مستفاد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~صليت بأصحابك وأنت جنب. # باب الرخصة في الجماع لعادم الماء عن أبي ذر قال: اجتويت المدينة فأمر لي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله PageV01P325 # وسلم بإبل فكنت فيها، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: هلك أبو ~~ذر، قال: # ما أهلكك؟ قال: كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء، فقال: إن الصعيد طهور ~~لمن لم يجد الماء عشر سنين رواه أحمد وأبو داود والأثرم وهذا لفظه. # الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة أيضا، وقد اختلف فيه على أبي قلابة الذي ~~رواه عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر، ورواه ابن حبان والحاكم والدارقطني وصححه ~~أبو حاتم وعمرو بن بجدان قد وثقه العجلي. قال الحافظ: وغفل ابن القطان ~~فقال: إنه مجهول. وفي الباب عن أبي هريرة عند البزار والطبراني قال ~~الدارقطني في العلل: # وإرساله أصح. قوله: اجتويت المدينة بالجيم أي استوخمتها ولم توافق طبعي ~~وهو افتعلت من الجوى وهو المرض. والحديث يدل على جواز التيمم للجنب، وقد ~~تقدم الكلام عليه أول الباب. ويدل على أن الصعيد طهور يجوز لمن تطهر به أن ~~يفعل ما يفعله ms0376 المتطهر بالماء من صلاة وقراءة ودخول مسجد ومس مصحف وجماع ~~وغير ذلك، وأن الاكتفاء بالتيمم ليس بمقدر بوقت محدود بل يجوز وإن تطاول ~~العهد بالماء، وذكر العشر سنين لا يدل على عدم جواز الاكتفاء بالماء بعدها، ~~لأن ذكرها لم يرد به التقييد بل المبالغة، لأن الغالب عدم فقدان الماء ~~وكثرة وجدانه لشدة الحاجة إليه، فعدم وجدانه إنما يكون يوما أو بعض يوم. # باب اشتراط دخول الوقت للتيمم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما ~~أدركتني الصلاة تمسحت وصليت. وعن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا ~~من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره رواهما أحمد. # الحديث الأول أصله في الصحيحين، والحديث الثاني إسناده في مسند أحمد، ~~هكذا حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان يعني التيمي عن سيار عن أبي أمامة ~~وذكره وإسناده ثقات الا سيارا الأموي وهو صدوق. وفي الباب عن علي عند ~~البزار، وعن أبي هريرة PageV01P326 # عند مسلم والترمذي، وعن جابر عند الشيخين والنسائي، وعن ابن عباس عند ~~أحمد وعن حذيفة عند مسلم والنسائي. وعن أنس أشار إليه الترمذي ورواه السراج ~~في مسنده بإسناد قال العراقي: صحيح، ورواه الخطابي في معالم السنن وسيأتي ~~في الصلاة، وعن أبي أمامة عند أحمد والترمذي في كتاب السير وقال: حسن صحيح ~~ولكنه لم يذكر فيه المقصود، وعن أبي ذر عند أبي داود، وعن أبي موسى عند ~~أحمد والطبراني بإسناد جيد، وعن ابن عمر عند البزار والطبراني وفي إسناده ~~إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف، وعن السائب بن يزيد ~~عند الطبراني، وعن أبي سعيد عند الطبراني أيضا. قوله: جعلت لي الأرض مسجدا ~~أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازا عن ~~المكان المبني للصلاة، قال الحافظ: وهو من مجاز التشبيه لأنه لما ms0377 جاوزت ~~الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك قال الداودي وابن التين: # والمراد أن الأرض جعلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مسجد أو طهورا ~~وجعلت لغيره مسجدا ولم تجعل له طهورا لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث ~~أدركته الصلاة، وقيل: إنما أبيح لهم موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة ~~فإنه أبيح لهم التطهر والصلاة إلا فيما تيقنوا نجاسته، والأظهر ما قاله ~~الخطابي وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع ~~والصوامع. قال الحافظ في الفتح: ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وكان من ~~قبلي إنما يصلون في كنائسهم وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية، ويؤيده ~~ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس: وفيه: ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى ~~يبلغ محرابه. قوله: وطهورا بفتح الطاء أي مطهرة، وفيه دليل على أن التراب ~~يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية، قال الحافظ: وفيه نظر. وعلى أن ~~التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض لعموم لفظ الأرض لجميعها. وقد أكده بقوله ~~كلها كما في الرواية الثانية واستدل القائل بتخصيص التراب بما عند مسلم من ~~حديث حذيفة مرفوعا بلفظ: وجعلت تربتها لنا طهورا وهذا خاص فينبغي أن يحمل ~~عليه العام، وأجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره فلا يتم ~~الاستدلال، ورد بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب أخرجه ابن خزيمة ~~وغيره. وفي حديث علي: وجعل التراب لي طهورا أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد ~~حسن. وأجيب أيضا عن ذلك الاستدلال بأن تعليق الحكم بالتربة مفهوم لقب، ~~ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول، ولم يقل به إلا الدقاق، PageV01P327 # فلا ينتهض لتخصيص المنطوق، ورد بأن الحديث سبق لاظهار التشريف، فلو كان ~~جائزا بغير التراب لما اقتصر عليه، وأنت خبير بأنه لم يقتصر على التراب إلا ~~في هذه الرواية، نعم الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدا دون ~~الآخر، كما سيأتي في حديث مسلم يدل على الافتراق في الحكم، وأحسن من هذا أن ~~قوله تعالى ms0378 في آية المائدة منه يدل على أن المراد التراب، وذلك لأن كلمة من ~~للتبعيض، كما قال في الكشاف أنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت ~~برأسه من الدهن والتراب إلا معنى التبعيض، انتهى. فإن قلت: سلمنا التبعيض ~~فما الدليل على أن ذلك البعض هو التراب؟ # قلت: التنصيص عليه في الحديث المذكور. ومن الأدلة الدالة على أن المراد ~~خصوص التراب ما ورد في القرآن والسنة من ذكر الصعيد والامر بالتيمم منه وهو ~~التراب، لكنه قال في القاموس: والصعيد التراب أو وجه الأرض، وفي المصباح: ~~الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره. قال الزجاج: لا أعلم اختلافا بين أهل ~~اللغة في ذلك. قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله تعالى: * ~~(صعيدا طيبا) * هو التراب. # وفي كتاب فقه اللغة للثعالبي: الصعيد تراب وجه الأرض ولم يذكر غيره. وفي ~~المصباح أيضا ويقال الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي ~~على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، ويؤيد حمل الصعيد على العموم ~~تيممه صلى الله عليه وآله وسلم من الحائط فلا يتم الاستدلال. وقد ذهب إلى ~~تخصيص التيمم بالتراب العترة والشافعي وأحمد وداود. وذهب مالك وأبو حنيفة ~~وعطاء والأوزاعي والثوري إلى أنه يجزئ بالأرض وما عليها وسيعقد المصنف لذلك ~~بابا: قوله: أينما أدركتني الصلاة في الرواية الثانية: فأينما أدركت رجلا ~~من أمتي الصلاة وفي الصحيحين: فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. # وقد استدل به على عموم التيمم بأجزاء الأرض لأن قوله: فأينما أدركت رجلا. ~~وأيما PageV01P328 # رجل صيغة عموم فيدخل تحته من لم يجد ترابا ووجد غيره من أجزاء الأرض. قال ~~ابن دقيق العيد: ومن خصص التيمم بالتراب يحتاج إلى أن يقيم دليلا يخص به ~~هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي وأنا أقول بذلك فيصلي على ~~الحالة ويرد عليه حديث الباب فإنه بلفظ فعنده مسجده وعنده طهوره. وقد استدل ~~المصنف بالحديث على اشتراط دخول الوقت للتيمم لتقييد الامر بالتيمم بإدراك ~~الصلاة، وإدراكها لا ms0379 يكون إلا بعد دخول الوقت قطعا. وقد ذهب إلى ذلك ~~الاشتراط العترة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وداود واستدلوا بقوله تعالى: ~~* (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) * (المائدة: 6) ولا قيام قبله والوضوء خصه ~~الاجماع والسنة. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجزي قبل الوقت كالوضوء ~~وهذا هو الظاهر، ولم يرد ما يدل على عدم الاجزاء، والمراد بقوله: # * (إذا قمتم) * إذا أردتم القيام، وإرادة القيام تكون في الوقت وتكون ~~قبله، فلم يدل دليل على اشتراط الوقت حتى يقال خصص الوضوء الاجماع. # باب من وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم متفق عليه. # هذا الحديث أصل من الأصول العظيمة، وقاعدة من قواعد الدين النافعة، وقد ~~شهد له صريح القرآن قال الله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * ~~(التغابن: 16) فلك الاستدلال بالحديث على العفو عن كل ما خرج عن الطاقة، ~~وعلى وجوب الاتيان بما دخل تحت الاستطاعة من المأمور به وأنه ليس مجرد خروج ~~بعضه عن الاستطاعة موجبا للعفو عن جميعه. وقد استدل به المصنف على وجوب ~~استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة وهو كذلك، وقد خالف في ذلك زيد بن ~~علي والناصر والحنفية فقالوا: يسقط استعمال الماء لأن عدم بعض المبدل يبيح ~~الانتقال إلى البدل. PageV01P329 # باب تعين التراب للتيمم دون بقية الجامدات عن علي كرم الله وجهه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، ~~وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم رواه أحمد. # الحديث أخرجه البيهقي في الدلائل. وأيضا في حديث جابر المتفق عليه. خمس: # النصر بالرعب، وجعل الأرض مسجدا وطهورا، وتحليل الغنائم، وإعطاء الشفاعة، ~~وعموم البعثة وزاد أبو هريرة في حديثه الثابت عند مسلم خصلتين وهما: وأعطيت ~~جوامع الكلم وختم بي النبيون فيحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال. ولمسلم من ~~حديث حذيفة: فضلنا على الناس بثلاث، جعلت ms0380 صفوفنا كصفوف الملائكة وذكر خصلة ~~الأرض، قال: وذكر خصلة أخرى وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة والنسائي ~~وهي: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش يشير إلى ما ~~حطه الله عن أمته من الأصر فصارت الخصال تسعا، وفي حديث الباب زيادة: أعطيت ~~مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم فصارت الخصال ثنتي عشرة ~~خصلة وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: فضلت على الأنبياء بست غفر ~~لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وأن ~~صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه وذكر اثنتين مما ~~تقدم وله من حديث ابن عباس رفعه: فضلت على الأنبياء بخصلتين كان شيطاني ~~كافرا فأعانني الله عليه فأسلم، قال: ونسيت الأخرى فينتظم بهذا سبع عشرة ~~خصلة قال الحافظ في الفتح: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد ~~ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن الذي اختص به نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم ستون خصلة. والحديث ساقه المصنف رحمه الله تعالى ~~للاستدلال به على تعين التراب للتصريح في الحديث بذكر التراب، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في باب اشتراط دخول الوقت للتيمم. قوله: نصرت بالرعب مفهومه ~~أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب، لكن في مسيرة الشهر التي ورد التقييد بها ~~في الصحيحين وفي أكثر منها بالأولى، وأما دونها فلا، ولكن ورد في رواية في ~~البخاري: ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر وهي تشعر ~~باختصاصه به مطلقا، PageV01P330 # وإنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر ~~منه. قال الحافظ في الفتح، وهل هي حاصلة لامته من بعده فيه احتمال، وقد نقل ~~ابن الملقن في شرح العمدة عن مسند أحمد بلفظ: والرعب يسعى بين يدي أمتي ~~شهرا. قوله: # وأعطيت مفاتيح الأرض هي ما سهل الله له ولأمته من افتتاح البلاد الممتنعة ~~والكفور المتعذرة. قوله: وجعلت أمتي خير الأمم ms0381 هو مثل ما نطق به القرآن قال ~~الله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (آل عمران: 110). وعن حذيفة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت ~~صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا ~~طهورا إذا لم نجد الماء رواه مسلم. # قوله: بثلاث الثالثة مبهمة وقد بينها ابن خزيمة والنسائي وهي: وأعطيت هذه ~~الآيات من آخر سورة البقرة وقد تقدم التنبيه على ذلك. والحديث يدل على قصر ~~التيمم على التراب للتصريح بالتراب فيه، وقد عرفت البحث في ذلك في باب ~~اشتراط دخول الوقت. قوله: صفوفنا كصفوف الملائكة وهي أنهم يتمون المقدم تم ~~الذي يليه من الصفوف ثم يراصون الصف كما ورد التصريح بذلك في سنن أبي داود ~~وغيرها PageV01P331 # باب صفة التيمم عن عمار بن ياسر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~في التيمم: ضربة للوجه واليدين رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين رواه الترمذي وصححه. # قال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه ~~من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طرق حديث عمار فأبلغ. وقد روى ~~الطبراني في الأوسط والكبير أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمار بن ~~ياسر: يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي ~~يحيى وهو ضعيف وإن كان حجة عند الشافعي. والحديث يدل على أن التيمم ضربة ~~واحدة للوجه والكفين، وقد ذهب إلى ذلك عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق والصادق والإمامية. قال في الفتح: ونقله ابن المنذر عن جمهور ~~العلماء واختاره وهو قول عامة أهل الحديث. وذهب الهادي والناصر والمؤيد ~~بالله وأبو طالب والامام يحيى والفقهاء إلى أن الواجب ضربتان: ضربة للوجه ~~وأخرى لليدين. وذهب ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات ضربة ~~للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين. (احتج الأولون) بحديث الباب وبالرواية ~~الأخرى الآتية المتفق عليها من حديث ms0382 عمار، وأجابوا عن الأحاديث القاضية ~~بالضربتين بما فيها من المقال المشهور (واحتج أهل القول الثاني) بحديث ابن ~~عمر مرفوعا بلفظ: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ~~أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفي إسناده علي بن ظبيان. قال الدارقطني: ~~وثقة يحيى القطان وهشيم وغيرهما، قال الحافظ: هو ضعيف ضعفه القطان وابن ~~معين وغير واحد. وقد روي أيضا من طريق ابن عمر مرفوعا بلفظ: تيممنا مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب ثم نفضنا ~~أيدينا فمسحنا بها وجوهنا ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحنا من المرافق إلى الكف ~~وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك. وروي أيضا عن ابن عمر مرفوعا من وجه آخر ~~بلفظ حديث ابن ظبيان. قال أبو زرعة: حديث باطل. ورواه الدارقطني والحاكم من ~~حديث جابر وفيه عثمان بن محمد وهو متكلم فيه قاله ابن الجوزي، قال الحافظ: ~~وأخطأ في ذلك. قال ابن PageV01P332 # دقيق العيد: لم يتكلم فيه أحد نعم روايته شاذة، قال الدارقطني بعد رواية ~~حديث جابر: # كلهم ثقات والصواب موقوف. وفي الباب عن الأسلع بن شريك رواه الطبراني ~~والدار قطني وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف. وعن أبي أمامة رواه الطبراني قال ~~الحافظ: # وإسناده ضعيف. وعن عائشة مرفوعا رواه البزار وابن عدي، وقد تفرد به ~~الحريش بن الخريت ولا يحتج بحديثه، قال أبو حاتم: حديثه منكر. وعن عمار ~~رواه البزار وقد عرفت أن أحاديثه الصحاح ضربة واحدة. وفي الباب أيضا عن ابن ~~عمر مرفوعا بلفظ: # أنه صلى الله عليه وآله وسلم تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه رواه أبو ~~داود بسند ضعيف لأن مداره على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم ~~والبخاري وأحمد. قال أبو داود: لم يتابع محمد بن ثابت أحد، وبهذا يتبين لك ~~أن أحاديث الضربتين لا تخلو جميع طرقها من مقال، ولو صحت لكان الاخذ بها ~~متعينا لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث ~~عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح ms0383 الزيادة على ذلك المقادر. وأما ~~أهل القول الثالث فلم أقف لهم على ما يصلح متمسكا للوجوب، بل قال الامام ~~يحيى: إنه لا دليل يدل على ندبية التثليث في التيمم، وقوى ذلك الإمام ~~المهدي والامر كذلك. # وعن عمار قال: أجنبت فلم أصب الماء فتمعكت في الصعيد وصليت فذكرت ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بكفيه ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه متفق عليه. # وفي لفظ: إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ثم تنفخ فيهما ثم تمسح ~~بهما وجهك وكفيك إلى الرصغين رواه الدارقطني. # قوله: فتمعكت وفي رواية: فتمرغت أي تقلبت. قوله: إنما كان يكفيك فيه دليل ~~على أن الواجب في التيمم هي الصفة المذكورة في هذا الحديث. قوله: وضرب ~~بكفيه المذكور في هذا الحديث ضربة واحدة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك في ~~الحديث الذي قبل هذا. قوله: ثم مسح بهما وجهه وكفيه فيه دليل لمذهب من قال ~~إنه يقتصر في مسح اليدين على الكفين، وإليه ذهب عطاء ومكحول والأوزاعي ~~وأحمد وإسحاق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث، هكذا في شرح مسلم. وذهب علي ~~بن أبي طالب عليه السلام وعبد الله بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن ~~عبد الله بن عمر وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب PageV01P333 # الرأي وآخرون إلى أن الواجب المسح إلى المرفقين، رواه النووي في شرح ~~مسلم. ورواه في البحر أيضا عن الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبي طالب ~~والفريقين، وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين، قال الخطابي: لم ~~يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين. # (احتج الأولون) بحديث الباب. واحتج أهل القول الثاني بحديث ابن عمر ~~مرفوعا بلفظ: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وقد تقدم عدم انتهاضه ~~للاحتجاج من هذا الوجه ومن غيره واحتجوا بالقياس على الوضوء وهو فاسد ~~الاعتبار. # واحتج الزهري بما ورد في بعض روايات حديث عمار عند أبي داود بلفظ: إلى ms0384 ~~الآباط وأجيب بأنه منسوخ كما قال الشافعي. واحتج أيضا بأن ذلك حد اليد لغة، ~~وأجيب بأنه قصرها الخبر، وإجماع الصحابة على بعض حدها لغة. قال الحافظ في ~~الفتح: وما أحسن ما قال إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى ~~حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم ~~رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا، وأما حديث عمار فورد ~~بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف ~~الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما ~~مقال. وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده ~~فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوي رواية ~~الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما ~~الصحابي المجتهد انتهى. فالحق مع أهل المذهب الأول حتى يقوم دليل يجب ~~المصير إليه، ولا شك أن الأحاديث المشتملة على الزيادة أولى بالقبول ولكن ~~إذا كانت صالحة PageV01P334 # للاحتجاج بها. وليس في الباب شئ من ذلك. قوله: وفي لفظ هذه الرواية ثبت ~~عند البخاري معناها ولفظه: وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه ~~وكفيه. # قوله: إلى الرصغين هما لغة في الرسغين وهما مفصل الكفين. قال المصنف بعد ~~أن ساق الحديث: وفيه دليل على أن الترتيب في تيمم الجنب لا يجب، انتهى. # باب من تيمم في أول الوقت وصلى ثم وجد الماء في الوقت عن عطاء بن يسار عن ~~أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما ~~صعيدا طيبا فصليا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم ~~يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا ms0385 ذلك له، فقال ~~الذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك. وقال الذي توضأ وأعاد: لك الاجر ~~مرتين رواه النسائي وأبو داود وهذا لفظه. وقد روياه أيضا عن عطاء بن يسار ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. # الحديث أخرجه أيضا الدارمي والحاكم، ورواه الدارقطني موصولا ثم قال: تفرد ~~به عبد الله بن نافع عن الليث عن بكر بن سوادة عن عطاء عنه موصولا، وخالفه ~~ابن المبارك فأرسله، وكذا قال الطبراني في الأوسط: ليروه متصلا إلا عبد ~~الله بن نافع. وقال موسى بن هارون: رفعه وهم من ابن نافع وقال أبو داود: ~~رواه غيره عن الليث عن عميرة عن بكر عن عطاء مرسلا، قال: وذكر أبي سعيد فيه ~~ليس بمحفوظ، وقد رواه ابن السكن في صحيحه موصولا من طريق أبي الوليد ~~الطيالسي عن الليث عن عمرو بن الحرث وعميرة بن أبي ناجية جميعا عن بكر ~~موصولا، رواه ابن لهيعة عن بكر فزاد بين عطاء وأبي سعيد أبا عبد الله مولى ~~إسماعيل بن عبيد الله وابن لهيعة ضعيف ولا يلتفت إلى زيادته ولا تعل بها ~~رواية الثقة عمرو بن الحرث ومعه عميرة بن أبي ناجية، وقد وثقه النسائي ~~ويحيى بن بكير وابن حبان، وأثنى عليه أحمد بن صالح وابن يونس وأحمد بن سعيد ~~بن أبي مريم، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه إسحاق بن راهويه في مسنده أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بال ثم تيمم، فقيل له: إن الماء قريب منك، ~~قال: فلعلي أن لا أبلغه. والحديث يدل على أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء ~~بعد الفراغ من الصلاة لا يجب عليه الإعادة، وإليه ذهب PageV01P335 # أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والامام يحيى، وقال الهادي والناصر ~~والمؤيد بالله وأبو طالب وطاوس وعطاء والقاسم بن محمد بن أبي بكر ومكحول ~~وابن سيرين والزهري وربيعة، كما حكاه المنذري وغيره أنها تجب الإعادة مع ~~بقاء الوقت لتوجه الخطاب مع بقائه لقوله تعالى: * (أقم الصلاة) * (هود: ~~114) مع قوله: * (إذا قمتم إلى الصلاة) ms0386 * (المائدة: 6) فشرط في صحتها ~~الوضوء وقد أمكن في وقتها. ولقوله: فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته ~~الحديث ورد بأنه لا يتوجه الطلب بعد قوله: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وإطلاق ~~قوله: فإذا وجد الماء مقيد بحديث الباب، ويؤيد القول بعدم وجوب الإعادة ~~حديث: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان ~~وصححه ابن السكن، ويجاب عنه بأنهما عند القائل بوجوب الإعادة صلاة واحدة، ~~لأن الأول قد فسد بوجود الماء فلا يرد ذلك عليه. وما قيل من تأويل الحديث ~~بأنهما وجدا بعد الوقت فتعسف يخالف ما صرح به الحديث من أنهما وجدا ذلك في ~~الوقت. وأما إذا وجد الماء قبل الصلاة بعد التيمم وجب الوضوء عند العترة ~~والفقهاء، وقال داود وسلمة بن عبد الرحمن: لا يجب لقوله تعالى: * (ولا ~~تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) وأما إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل ~~الفراغ منها فإنه يجب عليه الخروج من الصلاة وإعادتها بالوضوء عند الهادي ~~والناصر والمؤيد بالله وأبي طالب وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري والمزني ~~وابن شريح. وقال مالك وداود: لا يجب عليه الخروج بل يحرم والصلاة صحيحة، ~~وسيأتي الكلام عليه. # قوله: أصبت السنة أي الشريعة الواجبة. قوله: وأجزأتك صلاتك أي كفتك عن ~~القضاء، والاجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطا للإعادة. # باب بطلان التيمم بوجدان الماء في الصلاة وغيرها عن أبي ذر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الصعيد PageV01P336 # الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه ~~بشرته فإن ذلك خير رواه أحمد والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وأبو داود وابن ماجة، وقد اختلف فيه على أبي ~~قلابة، وقد تقدم الكلام عليه في باب الرخصة في الجماع لعادم الماء. والمصنف ~~رحمه الله قد استدل بقوله: فإذا وجد الماء فليمسه بشرته على وجوب الإعادة ~~على من وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة وهو استدلال صحيح، لأن هذا الحديث ~~مطلق فيمن وجده بعد الوقت، ومن وجده قبل خروجه وحال الصلاة ms0387 وبعدها. وحديث ~~أبي سعيد السابق مقيد بمن وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة، فتخرج ~~هذه الصورة بحديث أبي سعيد، وتبقى صورة وجود الماء قبل الدخول في الصلاة ~~بعد فعل التيمم، وبعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها داخلتين تحت إطلاق ~~الحديث. وفي كلا الصورتين خلاف قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا ولكنه يشكل ~~على الاستدلال بهذا الحديث. قوله: # فإن ذلك خير فإنه يدل على عدم الوجوب المدعي. # باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة عن عائشة رضي الله عنها: أنها ~~استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجالا في طلبها فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء، ~~فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شكوا ذلك إليه فأنزل الله عز ~~وجل آية التيمم رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: إنها استعارت وفي بعض الروايات أنها قالت: انقطع عقد لي ولا مخالفة ~~بينهما فهو حقيقة ملك لأسماء، وإضافته في الرواية الثانية إلى نفسها لكونه ~~في يدها. # قوله: فصلوا بغير وضوء استدل بذلك جماعة من المحققين منهم المصنف على ~~وجوب الصلاة عند عدم المطهرين الماء والتراب، وليس في الحديث أنهم فقدوا ~~التراب وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط، ولكن عدم الماء وفي ذلك الوقت كعدم ~~الماء والتراب لأنه لا مطهر سواء. ووجه الاستدلال به أنهم صلوا معتقدين ~~وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور PageV01P337 # المحدثين وأكثر أصحاب مالك، لكن اختلفوا في وجوب الإعادة، فالمنصوص عن ~~الشافعي وجوبها، وصححه أكثر أصحابه واحتجوا بأنه عذر نادر فلم يسقط ~~الإعادة، والمشهور عن أحمد وبه قال المزني وسحنون وابن المنذر لا تجب، ~~واحتجوا بحديث الباب لأنها لو كانت واجبة لبينها لهم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتعقب بأن الإعادة لا ~~تجب على الفور فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا ms0388 فلا بد من دليل ~~على وجوب الإعادة. وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنهما: # لا يصلي، لكن قال أبو حنيفة وأصحابه: يجب عليه القضاء، وبه قال الثوري ~~والأوزاعي، وقال مالك فيما حكاه عنه المدنيون: لا يجب عليه القضاء، وهذه ~~الأقوال الأربعة هي المشهورة في المسألة. وحكى النووي في شرح المهذب عن ~~القديم: تستحب الصلاة وتجب الإعادة، وبهذا تصير الأقوال خمسة، قاله الحافظ ~~في الفتح. # أبواب الحيض قال في الفتح: أصله السيلان، وفي العرف جريان دم المرأة. قال ~~في القاموس: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا فهي حائض وحائضة سال ~~دمها، والمحيض اسم ومصدر ومنه الحوض لأن الماء يسيل إليه. # باب بناء المعتادة إذا استحيضت على عادتها عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت ~~أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني امرأة أستحاض فلا أطهر ~~أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما ذلك عرق وليس ~~بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ~~وصلي رواه البخاري والنسائي وأبو داود. وفي رواية للجماعة إلا ابن ماجة: ~~فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي زاد ~~الترمذي في رواية وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت PageV01P338 # وفي رواية للبخاري: ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم ~~اغتسلي وصلي. # الحديث قد أسلفنا بعض الكلام عليه في باب الغسل من الحيض، وعرفانك هنالك ~~أن فيه دلالة على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم ~~الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت منه، ثم صار حكم ~~دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة ~~واحدة، كما سيأتي في باب وضوء المستحاضة لكل صلاة، وقد بينا في باب غسل ~~المستحاضة لكل صلاة عدم انتهاض الأحاديث الواردة بوجوب الغسل عليه لكل صلاة ~~أو للصلاتين، أو من ظهر إلى ظهر، وعرفناك أن الحق أنه لا يجب عليها ~~الاغتسال إلا عند ms0389 إدبار الحيضة لهذا الحديث، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك ~~هنالك. # والحاصل أنه لم يأت في شئ من الأحاديث الصحيحة ما يقضي بوجوب الاغتسال ~~عليها لكل صلاة أو لكل يوم أو للصلاتين، بل لادبار الحيضة كما حديث فاطمة ~~المذكور فلا يجب على المرأة غيره، وقد أوضحنا هذا في باب غسل المستحاضة. ~~وأحكام المستحاضة مستوفاة في كتب الفروع والأحاديث الصحيحة، منها ما يقضي ~~بأن الواجب عليها الرجوع إلى الغسل بصفة الدم كما في حديث فاطمة بنت أبي ~~حبيش الآتي في الباب الذي بعد هذا. ومنها ما يقضي باعتبار العادة كما في ~~أحاديث الباب، ويمكن الجمع بأن المراد بقوله: أقبلت حيضتك الحيضة التي ~~تتميز بصفة الدم، أو يكون المراد بقوله: # إذا أقبلت الحيضة في حق المعتادة والتمييز بصفة الدم في حق غيرها، وينبغي ~~أن يعلم أن معرفة إقبال الحيضة قد يكون بمعرفة العادة، وقد يكون بمعرفة دم ~~الحيض، وقد يكون بمجموع الامرين. وفي حديث حمنة بنت جحش بلفظ: فتحيضي ستة ~~أيام أو سبعة أيام وهو يدل على أنها ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء وهو ~~غير صالح للاحتجاج، كما ستعرف ذلك في باب من قال تحيض ستا أو سبعا، ولو كان ~~صالحا لكان الجمع ممكنا كما سيأتي. وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في ~~المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فما ظنك ~~بالنساء الموصوفات بالعي في البيان والنقص في الأديان وبالغوا في التعسير ~~حتى جاؤوا بمسألة المتحيرة فتحيروا. والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها، ~~لأن حديث الباب ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، PageV01P339 # وكذلك الحديث الآتي في الباب الذي بعد هذا فإنه صريح في أن دم الحيض يعرف ~~ويتميز عن دم الاستحاضة، فطاحت مسألة المتحيرة ولله الحمد، ولم يبق ههنا ما ~~يستصعب إلا ورود بعض الأحاديث الصحيحة بالإحالة على صفة الدم وبعضها ~~بالإحالة على العادة، وقد عرفت إمكان الجمع بينها بما سلف. قوله: قال توضئي ~~لكل صلاة سيأتي الكلام عليه في باب وضوء المستحاضة. قال المصنف رحمه الله ~~بعد أن ms0390 ساق الحديث: وفيه تنبيه على أنها إنما تبني على عادة متكررة، انتهى. # وعن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدم فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك ~~حيضتك ثم اغتسلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة رواه مسلم. ورواه أحمد والنسائي ~~ولفظهما: قال: فلتنتظر قدر قروئها التي كانت تحيض فلتترك الصلاة، ثم لتنظر ~~ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي. # قوله: ثم اغتسلي قال الشافعي وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهم: إنما ~~أمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تغتسل وتصلي ولم يأمرها بالاغتسال ~~لكل صلاة. # قال الشافعي: ولا أشك أن غسلها كان تطوعا غير ما أمرت به، وقد قدمنا ~~الكلام على هذا في باب غسل المستحاضة. والرواية الأولى من الحديث قد أخرج ~~نحوها البخاري وأبو داود بزيادة: وتوضئي لكل صلاة والحديث يدل على أن ~~المستحاضة ترجع إلى عادتها إذا كانت لها عادة وتغتسل عند مضيها. وقد تقدم ~~الكلام على ذلك. وقوله في الرواية الأخرى: فلتغتسل عند كل صلاة استدل به ~~القائلون بوجوب الغسل لكل صلاة، وقد تقدم الكلام على ذلك أيضا. # وعن القاسم عن زينب بنت جحش: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنها مستحاضة، فقال: تجلس أيام أقرائها ثم تغتسل وتؤخر الظهر وتعجل العصر ~~وتغتسل وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل وتصليهما جميعا وتغتسل ~~للفجر رواه النسائي. # الحديث إسناده في سنن النسائي هكذا أخبرنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد ~~الله عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه فذكره ورجاله ثقات. قال ~~النووي: أحاديث الامر بالغسل ليس فيها شئ ثابت، وحكي عن البيهقي ومن قبله ~~تضعيفها. وأقواها حديث PageV01P340 # حمنة بنت جحش الذي سيأتي وستعرف ما عليه. والحديث استدل به من قال: يجب ~~الاغتسال على المستحاضة لكل صلاة أو تجمع بين الصلاتين بغسل واحد وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في الغسل. # وعن أم سلمة: أنها استفتت رسول ms0391 الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأة ~~تهراق الدم فقال: لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من ~~الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي رواه الخمسة إلا الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي. قال النووي: إسناده على شرطيهما. وقال ~~البيهقي: هو حديث مشهور إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه منها، وفي رواية ~~لأبي داود عن سليمان أن رجلا أخبره عن أم سلمة. وقال المنذري: لم يسمعه ~~سليمان. وقد رواه موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان عن مرجانة عنها، وساقه ~~الدارقطني وابن الجارود بتمامه من حديث صخر بن جويرية عن نافع عن سليمان ~~أنه حدثه رجل عنها. قوله: تهراق على صيغة ما لم يسم فاعله وفتح الهاء. ~~قوله: ولتستثفر الاستثفار إدخال الإزار بين الفخذين ملويا كما في القاموس ~~وغيره. والحديث يدل على أن المستحاضة ترجع إلى عادتها المعروفة قبل ~~الاستحاضة. ويدل على أن الاغتسال إنما هو مرة واحدة عند إدبار الحيضة وقد ~~تقدم الكلام على ذلك. ويدل على استحباب اتخاذ الثفر ليمنع من خروج الدم حال ~~الصلاة، وقد ورد الامر بالاستثفار في حديث حمنة بنت جحش أيضا كما سيأتي إن ~~شاء الله. وقوله: لتستثفر بسكون التاء المثلثة بعدها فاء مكسورة أي تشد ~~ثوبا على فرجها مأخوذا من ثفر الدابة بفتح الفاء وهو الذي يكون تحت ذنبها. # باب العمل بالتمييز عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان دم الحيضة فإنه أسود ~~يعرف، فإذا كان كذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما ~~هو عرق. رواه أبو داود والنسائي. # الحديث رواه ابن حبان والحاكم وصححاه. وأخرجه الدارقطني والبيهقي والحاكم ~~PageV01P341 # أيضا بزيادة: فإنما هو داء عرض أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع وهذا يرد ~~إنكار ابن الصلاح والنووي وابن الرفعة لزيادة انقطع. وقد استنكر هذا الحديث ~~أبو حاتم لأنه من رواية عدي بن ثابت عن أبيه عن جده وجده لا يعرف، وقد ضعف ms0392 ~~الحديث أبو داود. قوله: فإنه أسود يعرف قال ابن رسلان في شرح السنن: أي ~~تعرفه النساء. قال شارح المصابيح: هذا دليل التمييز انتهى. وهذا يفيد أن ~~الرواية يعرف بضم حرف المضارعة وسكون العين المهملة وفتح الراء. وقد روي ~~بكسر الراء أي له رائحة تعرفها النساء. قوله: عرق بكسر العين وإسكان الراء ~~أي إن هذا الدم الذي يجري منك من عرق فمه في أدنى الرحم، ويسمى العاذل بكسر ~~الذال المعجمة. والحديث فيه دلالة على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا ~~كان متصفا بصفة السواد فهو حيض وإلا فهو استحاضة. وقد قال بذلك الشافعي ~~والناصر في حق المبتدأة، وفيه دلالة أيضا على وجوب الوضوء على المستحاضة ~~لكل صلاة، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. # باب من تحيض ستا أو سبعا لفقد العادة والتمييز عن حمنة بنت جحش قالت: كنت ~~أستحاض حيضة شديدة كثيرة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت قلت: يا رسول الله ~~إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: ~~انعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبا، ~~قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجمي، قالت: إنما أثج ثجا فقال: سآمرك بأمرين ~~أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: # إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ~~ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ~~ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها فصومي فإن ذلك مجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر ~~كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري ~~الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخري المغرب ~~وتعجلي العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر ~~وتصلين فكذلك فافعلي وصلي وصومي PageV01P342 # إن قدرت على ذلك. وقال رسول الله ms0393 صلى الله عليه وآله وسلم: وهذا أعجب ~~الامرين إلي رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة والدارقطني والحاكم، ونقل الترمذي عن البخاري ~~تحسينه، وفي إسناده ابن عقيل، قال البيهقي: تفرد به وهو مختلف في الاحتجاج ~~به. وقال ابن منده: لا يصح بوجه من الوجوه لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن ~~عقيل، وتعقبه ابن دقيق العيد واستنكر منه هذا الاطلاق، لأن ابن عقيل لم يقع ~~الاجماع على ترك حديثه، فقد كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون به، وقد حمل ~~على أن مراد ابن منده بالاجماع إجماع من خرج الصحيح وهو كذلك. قال ابن أبي ~~حاتم: سألت أبي عنه فوهنه ولم يقو إسناده. وقال الترمذي في كتاب العلل: انه ~~سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن الا أن إبراهيم بن محمد بن ~~طلحة هو قديم لا أدري سمع منه ابن عقيل أم لا. وهذه على للحديث أخرى، ويجاب ~~على البخاري بأن إبراهيم بن محمد بن طلحة مات سنة عشر ومائة فيما قاله أبو ~~عبيد القاسم بن سلام وعلي بن المديني وخليفة بن خياط وهو تابعي سمع عبد ~~الله بن عمرو بن العاص وأبا هريرة وعائشة وابن عقيل، سمع عبد الله بن عمر ~~جابر بن عبد الله وأنس بن مالك والربيع بنت معوذ، فكيف ينكر سماعه من ~~إبراهيم بن محمد بن طلحة لقدمه؟ وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم وهم نظراء ~~شيوخه في الصحبة وقريب منهم في الطبقة؟ فينظر في صحة هذا عن البخاري. وقال ~~الخطابي: قد ترك العلماء القول بهذا الحديث، وأما ابن حزم فإنه رد هذا ~~الحديث بأنواع من الرد، ولم يعلله بابن عقيل بل علله بالانقطاع بين ابن ~~جريج وابن عقيل، وزعم أن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل وبينهما النعمان بن ~~راشد قال: # وهو ضعيف. ورواه أيضا عن ابن عقيل شريك وزهير بن محمد وكلاهما ضعيف. وقال ~~أيضا عمر بن طلحة الذي رواه إبراهيم بن محمد بن طلحة عنه غير مخلوق لا ms0394 يعرف ~~لطلحة ابن اسمه عمر. وقد رد ابن سيد الناس ما قاله قال: أما الانقطاع بين ~~ابن جريج وابن عقيل فقد روي من طريق زهير بن محمد عن ابن عقيل، وأما تضعيفه ~~لزهير هذا فقد أخرج له الشيخان محتجين به في صحيحيهما. وقال أحمد: مستقيم ~~الحديث. وقال أبو حاتم: محله الصدق وفي حفظه شئ وحديثه بالشام أنكر من ~~حديثه بالعراق. # وقال البخاري في تاريخه الصغير: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما ~~روى عنه أهل PageV01P343 # البصرة فإنه صحيح. وقال عثمان الدارمي: ثقة صدوق وله أغاليط. وقال يحيى: ~~ثقة. # وقال ابن عدي: وأهل الشام حيث رووا عنه أخطؤوا عليه، وأما حديثه ههنا فمن ~~رواية أبي عامر العقدي عنه وهو بصري فهذا من حديث أهل العراق. وأما عمر بن ~~طلحة الذي ذكره فلم يسق الحديث من طريقه بل من طريق عمران بن طلحة، وقد نبه ~~الترمذي على أنه لم يقل عمر في هذا الاسناد أحد من الرواة إلا ابن جريج، ~~وأن غيره يقول عمران وهو الصواب. وأما شريك الذي ضعفه أيضا فرواه ابن ماجة ~~عن ابن عقيل من طريقه، وشريك مخرج له في الصحيح. ومن جملة علل الحديث ما ~~لقلة أبو داود عن أحمد أنه قال: إن في الباب حديثين وثالثا في النفس منه ~~شئ، ثم فسر أبو داود الثالث بأنه حديث حمنة، ويجاب عن ذلك بأن الترمذي قد ~~نقل عن أحمد تصحيحه نصا، وهو أولى مما ذكره أبو داود، لأنه لم ينقل التعيين ~~عن أحمد وإنما هو شئ وقع له ففسر به كلام أحمد، وعلى فرض أنه من كلام أحمد ~~فيمكن أن يكون قد كان في نفسه من الحديث شئ ثم ظهرت له صحته. قوله: أنعت لك ~~الكرسف أي أصف لك القطن. قوله: فتلجمي قال في الصحاح والقاموس: اللجام ما ~~تشد به الحائض. قال الخليل: معناه افعلي فعلا يمنع سيلان الدم واسترساله، ~~كما يمنع اللجام استرسال الدابة وأما الاستثفار فهو أن تشد فرجها بخرقة ~~عريضة توثق طرفيها في حقب تشده ms0395 في وسطها بعد أن تحتشي كرسفا فيمنع ذلك ~~الدم. وقولها: إنما أثج ثجا الثج السيلان، وقد استعمل في الحلب في الاناء، ~~يقال: حلب فيه ثجا، واستعمل مجازا في الكلام، يقال للمتكلم: # مثجاج بكسر الميم. قوله: ركضة من ركضات الشيطان أصل الركض الضرب بالرجل ~~والإصابة بها، وكأنه أراد الاضرار بالمرأة والأذى بمعنى أن الشيطان وجد ~~بذلك سبيلا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها بذلك ~~عادتها، فصار في التقدير كأنه ركض بآلة. قوله: فتحيضي بفتح التاء الفوقية ~~والحاء المهملة والياء المشددة أي اجعلي نفسك حائضا. والحديث استدل به من ~~قال إنها ترجع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء، ولكنه كما عرفت مداره ~~على ابن عقيل وليس بحجة، ولو كان حجة لأمكن الجمع بينه وبين الأحاديث ~~القاضية بالرجوع إلى عادة نفسها، والقاضية بالرجوع إلى التمييز بصفات الدم، ~~وذلك بأن يحمل هذا الحديث على عدم معرفتها لعادتها وعدم إمكان التمييز ~~بصفات الدم. واستدل به أيضا من قال إنها تجمع PageV01P344 # بين الصلاتين بغسل واحد، وإليه ذهب ابن عباس وعطاء والنخعي، روى ذلك عنهم ~~ابن سيد الناس في شرح الترمذي. قال ابن العربي: والحديث في ذلك صحيح فينبغي ~~أن يكون مستحبا انتهى، وعلى فرض صحة الحديث فهذا جمع حسن، لأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم علق الغسل بقوتها فيكون ذلك قرينة دالة على عدم الوجوب. ~~وكذا قوله في الحديث: أيهما فعلت أجزأ عنك. قال المصنف رحمه الله فيه أن ~~الغسل لكل صلاة لا يجب بل يجزئها الغسل لحيضها الذي تجلسه، وأن الجمع للمرض ~~جائز، وأن جمع الفريضتين لها بطهارة واحدة جائز، وأن تعيين العدد من الستة ~~والسبعة باجتهادها لا بتشبيهها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: حتى إذا ~~رأيت أن قد طهرت واستنقيت انتهى. # باب الصفرة والكدرة بعد العادة عن أم عطية قالت: كنا لا نعد الصفرة ~~والكدرة بعد الطهر شيئا رواه أبو داود والبخاري ولم يذكر بعد الطهر. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم، وأخرجه الإسماعيلي في مستخرجه بلفظ: كنا لا ~~نعد الكدرة ms0396 والصفرة شيئا يعني في الحيض. وللدارمي بعد الغسل. قال الحافظ: # ووقع في النهاية والوسيط زيادة في هذا وراء العادة هي زيادة باطلة. وأما ~~ما روي من حديث عائشة بلفظ: كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا فقال النووي في ~~شرح المهذب: # لا أعلم من رواه بهذا اللفظ: والحديث يدل على أن الصفرة والكدرة بعد ~~الطهر ليستأمن الحيض، وأما في وقت الحيض فهما حيض، وقد نسب القول بذلك في ~~البحر إلى زيد بن علي والهادي والمؤيد بالله وأبي طالب وأبي حنيفة ومحمد ~~ومالك والليث والعنبري. وفي رواية عن القاسم وعن الناصر وعن الشافعي قال في ~~البحر مستدلا لهم إذ هو أذى. ولقوله تعالى: # * (حتى يطهرن) * (البقرة: 222) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لحمنة: ~~إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي وفي رواية عن القاسم ليس حيضا إذا ~~توسطه الأسود الحديث: إذا رأيت الدم الأسود فامسكي عن الصلاة حتى إذا كان ~~الصفرة فتوضئي وصلي ولحديث الباب، وعورضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لعائشة: لا تصلي حتى تري القصة البيضاء. وقولها: كنا نعد الكدرة والصفرة في ~~أيام الحيض حيضا ولكونهما أذى خرج من الرحم فأشبه الدم. وفي رواية عن ~~PageV01P345 # الناصر والشافعي وهو مروي عن أبي يوسف أنهما حيض بعد الدم لأنهما من ~~آثاره لا قبله، ورد بأن الفرق تحكم، وفي رواية عن الشافعي: إن رأتهما في ~~العادة فحيض وإلا فلا، هذا حاصل ما في البحر، وحديث الباب إن كان له حكم ~~الرفع كما قال البخاري وغيره من أئمة الحديث أن المراد كنا في زمانه صلى ~~الله عليه وآله وسلم مع علمه فيكون تقريرا منه، ويدل بمنطوقه أنه لا حكم ~~للكدرة والصفرة بعد الطهر، وبمفهومه أنهما وقت الحيض حيض كما ذهب إليه ~~الجمهور. # وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في ~~المرأة التي ما يريبها بعد الطهر: إنما هو عرق، أو قال: عروق رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة. # الحديث إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا محمد ms0397 بن يحيى عن عبيد الله بن ~~موسى عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أم بكر عن عائشة، وأم ~~بكر لا يعرف حالها، وبقية الاسناد ثقات، والحديث حسنه المنذري وهو من ~~الأدلة الدالة على عدم الاعتبار بما ترى المرأة بعد الطهر وقد تقدم الخلاف ~~فيه. قوله: يريبها بفتح الياء أي تشك فيه هل هو حيض أم لا يقال: رابني الشئ ~~يريبني إذا شككت فيه. # باب وضوء المستحاضة لكل صلاة عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها ثم ~~تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي ~~وقال: حسن. # الحديث لم يحسنه الترمذي كما ذكره المصنف بل سكت عنه. قال ابن سيد الناس ~~في شرحه: وسكت الترمذي عن هذا الحديث فلم يحكم بشئ، وليس من باب الصحيح ولا ~~ينبغي أن يكون من باب الحسن لضعف راويه عن عدي بن ثابت وهو أبو اليقظان ~~واسمه عثمان بن عمير بن قيس الكوفي، وهو الذي يقال له عثمان بن أبي حميد، ~~وعثمان ابن أبي زرعة، وعثمان أبو اليقظان، وأعشى ثقيف كله واحد. قال يحيى ~~بن معين: ليس حديثه بشئ. وقال أبو حاتم: ترك ابن مهدي حديثه. وقال أبو حاتم ~~أيضا إنه ضعيف PageV01P346 # الحديث منكر الحديث كان شعبة لا يرضاه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي ~~عندهم ولم يرضه يحيى بن سعيد. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ~~ضعيف. وقال ابن حبان: اختلط حتى لا يدري ما يقول لا يجوز الاحتجاج به. قال ~~الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقلت عدي بن ثابت عن أبيه ~~عن جده جد عدي بن ثابت ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى ~~بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به، وقال الدمياطي في عدي المذكور: وهو عدي ~~بن أبان بن ثابت بن قيس بن الحطيم الأنصاري، ووهم من قال اسم جده ms0398 دينار، ~~وعدي هذا من الثقات المخرج لهم في الصحيح وثقه أحمد بن حنبل. # وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو داود وفي سننه: حديث عدي بن ثابت والأعمش ~~عن حبيب وأيوب وأبي العلاء كلها لا يصح منها شئ، وذكر في آخر الباب الإشارة ~~إلى صحة حديث قمير عن عائشة ومداره على أيوب بن مسكين وفيه خلاف، وقد اضطرب ~~أيضا فرواه عن ابن شبرمة عنها مرفوعا، وعن حجاج عنها موقوفا. وكذلك رواه ~~الثوري عن فراس عن الشعبي عن قمير موقوفا، ذكره المزي في الأطراف والحديث ~~يدل على أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة وقد تقدم الكلام على ذلك. ويدل أيضا ~~أنها تتوضأ عند كل صلاة. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وحكى عن عروة بن الزبير ~~وسفيان الثوري وأحمد وأبي ثور، واستدلوا بحديث الباب وبالحديث الذي سيأتي ~~بعده. بما ثبت في رواية للبخاري بلفظ: وتوضأ لكل صلاة وغير ذلك. وذهبت ~~العترة وأبو حنيفة إلى أن طهارتها مقدرة بالوقت، فلها أن تجمع بين فريضتين ~~وما شاءت من النوافل بوضوء واحد. واستدل لهم في البحر بحديث فاطمة بنت أبي ~~حبيش وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: وتوضئي لوقت كل صلاة ~~وستعرف قريبا أن الرواية لكل صلاة لا لوقت كل صلاة كما زعمه (فإن قيل) إن ~~الكلام على حذف مضاف والمراد لوقت كل صلاة، فيجاب بما قاله في الفتح من أنه ~~مجاز يحتاج إلى دليل، فالحق أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، لكن لا بهذا ~~الحديث بل بحديث فاطمة الآتي، وبما في حديث أسماء بلفظ: وتتوضأ فيما بين ~~ذلك وقد تقدم. وبما ثبت في رواية البخاري من حديث عائشة وقد تقدم وسيأتي. # وعن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال لها: ~~PageV01P347 # لا اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ثم صلي وإن قطر ~~الدم على الحصير. رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وأبو ms0399 داود والنسائي وابن حبان، ورواه مسلم في ~~الصحيح بدون قوله: وتوضئي لكل صلاة. وقال في آخره: حرف تركنا ذكره، قال ~~البيهقي وهو قوله: وتوضئي وتركها لأنها زيادة غير محفوظة، وقد روى هذه ~~الزيادة من تقدم. وكذا رواها الدارمي والطحاوي وأخرجها أيضا البخاري، وقد ~~أعل الحديث بأن حبيبا لم يسمع من عروة بن الزبير وإنما سمع من عروة المزني، ~~فإن كان عروة المذكور في الاسناد عروة بن الزبير كما صرح بذلك ابن ماجة ~~وغيره فالاسناد منقطع لأن حبيب بن أبي ثابت مدلس، وإن كان عروة هو المزني ~~فهو مجهول. وفي الباب عن جابر رواه أبو يعلى بإسناد ضعيف والبيهقي. وعن ~~سودة بنت زمعة رواه الطبراني. والحديث يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة وقد ~~تقدم الكلام فيه. ويدل على أن الغسل لا يجب إلا مرة واحدة عند انقضاء ~~الحيض. وكذلك الحديث الذي قبله يدل على ذلك وقد تقدم البحث فيه في مواضع. # باب تحريم وطئ الحائض في الفرج وما يباح منها عن أنس بن مالك: أن اليهود ~~كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله عز وجل * (ويسألونك عن ~~المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) * (البقرة: 222) إلى آخر ~~الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اصنعوا كل شئ إلا النكاح. ~~وفي لفظ: # إلا الجماع رواه الجماعة إلا البخاري. # قوله: فسأل السائل عن ذلك أسيد بن الحضير وعباد بن بشر. وقيل: إن السائل ~~عن ذلك هو أبو الدحداح قاله الواقدي والصواب الأول كما في الصحيح. والحديث ~~يدل على حكمين: تحريم النكاح، وجواز ما سواه. (أما الأول) فبإجماع المسلمين ~~وبنص القرآن العزيز والسنة الصريحة، ومستحلة كافر، وغير المستحل إن كان ~~ناسيا أو جاهلا لوجود الحيض أو جاهلا لتحريمه أو مكرها فلا إثم عليه ولا ~~كفارة، وإن وطئها PageV01P348 # عامدا عالما بالحيض والتحريم مختارا فقد ارتكب معصية كبيرة، نص على كبرها ~~الشافعي ويجب عليه التوبة، وسيأتي الخلاف في وجوب ms0400 الكفارة. (وأما الثاني) ~~أعني جواز ما سواه فهو قسمان: القسم الأول: المباشرة فيما فوق السرة وتحت ~~الركبة بالذكر أو القبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك وذلك حلال باتفاق ~~العلماء، وقد نقل الاجماع على الجواز جماعة. وقد حكي عن عبيدة السلماني ~~وغيره أنه لا يباشر شيئا منها بشئ منه، وهو كما قال النووي غير معروف ولا ~~مقبول، ولا صح لكان مردودا بالأحاديث الصحيحة وبإجماع المسلمين قبل المخالف ~~وبعده القسم الثاني: فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، وفيها ~~ثلاثة وجوه لأصحاب الشافعي الأشهر منها التحريم. والثاني عدم التحريم مع ~~الكراهة. والثالث إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج إما لشدة ورع أو لضعف ~~شهوة جاز وإلا لم يجز وقد ذهب إلى الوجه الأول مالك وأبو حنيفة وهو قول ~~أكثر العلماء، منهم سعيد المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة، ~~وممن ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحاكم والثوري ~~والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ~~وابن المنذر وداود وحديث الباب يدل على الجواز لتصريحه بتحليل كل شئ مما ~~عدا النكاح، فالقول بالتحريم سدا للذريعة لما كان الحوم حول الحمى مظنة ~~للوقوع فيه لما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير مرفوعا بلفظ: من ~~وقع حول الحمى يوشك أن يواقعه وله ألفاظ عندهما وعند غيرهما، ويشير إلى هذا ~~حديث: لك ما فوق الإزار وحديث عائشة الآتي لما فيه من الامر للمباشرة بأن ~~تأتزر. وقولها في رواية لهما: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يملك إربه. # وعن عكرمة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها شيئا رواه ~~أبو داود. # وعن مسروق بن أجدع قال: سألت عائشة رضي الله عنها ما للرجل من امرأته إذا ~~كانت حائضا؟ قالت: كل شئ إلا الفرج رواه البخاري في تاريخه. وعن حزام ms0401 بن ~~حكيم عن عمه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يحل لي من ~~امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار رواه أبو داود، قلت: عمه هو عبد ~~الله بن سعد. # حديث عكرمة إسناده في سنن أبي داود، هكذا حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد ~~PageV01P349 # ابن سلمة عن أيوب عن عكرمة فذكره، ورجال إسناده ثقات محتج بهم في الصحيح، ~~وقد سكت عنه أبو داود المنذري، وقد قال ابن الصلاح والنووي وغيرهما، أنه ~~يجوز الاحتجاج بما سكت عنه أبو داود، وصرح أبو داود نفسه أنه لا يسكت إلا ~~عن الحديث الصالح للاحتجاج، ويشهد له حديث الامر بالاتزار وحديث: لك ما فوق ~~الإزار وأما حديث مسروق عن عائشة فهو مثل حديث أنس بن مالك السابق المتفق ~~عليه. وأما حديث حزام بن حكيم فأورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه، ~~وإسناده في سنن أبي داود فيه صدوقان وبقيته ثقات. وقد روى أبو داود من حديث ~~معاذ بن جبل نحوه وقال: ليس بالقوي، وفي إسناده بقية عن سعيد بن عبد الله ~~الأغطش. ورواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن سعيد بن عبد الله ~~الخزاعي، فإن كان هو الأغطش فقد توبع بقية وبقيت جهالة حال سعيد. قال ~~الحافظ: لا نعرف أحدا وثقه، وأيضا عبد الرحمن بن عائد راويه عن معاذ قال ~~أبو حاتم: روايته عن علي مرسلة، وإذا كان كذلك فمن معاذ أشد إرسالا. # والحديث الأول يدل على جواز الاستمتاع من غير تخصيص بمحل دون محل من سائر ~~البدن غير الفرج، لكن مع وضع شئ على الفرج يكون حائلا بينه وبين ما يتصل به ~~من الرجل. والحديث الثاني يدل على جواز الاستمتاع بما عدا الفرج. والحديث ~~الثالث يدل على جواز الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض وعدم جوازه بما ~~عداه، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم خصص به عموم كل شئ المذكور في ~~حديث أنس وعائشة، ومن لم يجوز التخصيص به فهو لا يعارض المنطوق الدال على ~~الجواز، والخلاف في ms0402 جوازه وعدمه قد سبق في أول الباب. # وعن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها ثم يباشرها ~~متفق عليه. قال الخطابي: فور الحيض أوله ومعظمه. # قوله: أن يباشرها المراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين لا الجماع. قوله: ~~أن تأتزر في رواية للبخاري: تتزر قال في الفتح: والأولى أفصح، والمراد ~~بالاتزار أن تشد إزارا تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة. قوله: في فور ~~حيضتها هو بفتح الفاء وإسكان الواو، ومعناه كما قال الخطابي كما ذكره ~~المصنف. وقال القرطبي: فور الحيضة معظم صبها من فوران القدر وغليانها، ~~والكلام على فقه الحديث قد تقدم. PageV01P350 # باب كفارة من أتى حائضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار رواه الخمسة. وقال ~~أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار. وفي لفظ للترمذي: ~~إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار وفي رواية لأحمد: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل في الحائض تصاب دينارا فإن أصابها وقد ~~أدبر الدم عنها ولم تغتسل فنصف دينار، كل ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # الرواية الأولى رواها أيضا الدارقطني وابن الجارود، وكل رواتها مخرج لهم ~~في الصحيح إلا مقسما الراوي عن ابن عباس فانفرد به البخاري لكن ما أخرج له ~~إلا حديثا واحدا. وقد صحح حديث الباب الحاكم وابن القطان وابن دقيق العيد. # وقال أحمد: ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس، فقيل: تذهب ~~إليه؟ فقال: # نعم. وقال أبو داود: وهي الرواية الصحيحة وربما لم يرفعه شعبة. وقال قاسم ~~بن أصبغ: # رفعه غندر، قال الحافظ: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جدا، ~~ويجاب عنه بما ذكره أبو الحسن بن القطان وهو ممن قال بصحة الحديث أن ~~الاعلال بالاضطراب خطأ، والصواب أن ينظر إلى رواية كل راو ms0403 يحسبها ويعلم ما ~~خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قبل، ولا يضره أن يروي من طرق أخر ضعيفة، فهم ~~إذا قالوا: روي فيه بدينار، وروي بنصف دينار. وروي باعتبار صفات الدم. وروي ~~دون اعتبارها. وروي باعتبار أول الحيض وآخره. وروي دون ذلك. وروي بخمسي ~~دينار. وروي بعتق نسمة وهذا عند التدين والتحقيق لا يضره، ثم أخذ في تصحيح ~~حديث عبد الحميد، وأكثر أهل العلم زعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ~~ابن عباس. قال الخطابي: # والأصح الاختلاف في رفعه ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي ~~عدي رفعوه عن شعبة، وكذلك وهب بن جرير وسعيد بن عامر والنضر بن شميل وعبد ~~الوهاب بن عطاء الخفاف. قال ابن سيد الناس: من رفعه عن شعبة أجل وأكثر ~~وأحفظ ممن وقفه، وأما قول شعبة أسنده إلى الحكم مرة ووقفه مرة فقد أخبر عن ~~المرفوع PageV01P351 # والموقوف أن كلا عنده، ثم لو تساوى رافعوه مع واقفيه لم يكن في ذلك ما ~~يقدح فيه. # قال أبو بكر الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ~~ضعفا وهو مذهب أهل الأصول، لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والاخذ ~~بالمرفوع أخذ بالزيادة وهي واجبة القبول. قال الحافظ: وقد أمعن ابن القطان ~~القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه. وأقر ~~ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان وقواه في الامام وهو الصواب، فكم من حديث ~~قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث بئر بضاعة وحديث ~~القلتين ونحوهما. # وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في شرح المهذب والتنقيح، والخلاصة أن ~~الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع ~~النووي في بعض ذلك ابن الصلاح. وأما الرواية الثانية من حديث الباب فأخرجها ~~مع الترمذي البيهقي والطبراني والدارقطني وأبو يعلى والدارمي، بعضهم من ~~طريق سفيان عن خصيف وعلي بن بذيمة وعبد الكريم ثلاثتهم عن مقسم وبعضهم من ~~طريق أبي جعفر ms0404 الرازي عن عبد الكريم عن مقسم، وخصيف فيه مقال، وعبد الكريم ~~مختلف فيه، وقيل مجمع على تركه، وعلي بن بذيمة فيه أيضا مقال. وأما الرواية ~~الثالثة من حديث الباب فقد أخرج نحوها البيهقي من حديث ابن جريج عن عطاء عن ~~ابن عباس. والحديث يدل على وجوب الكفارة على من وطئ امرأته وهي حائض، وإلى ~~ذلك ذهب ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحاق ~~وأحمد في الرواية الثانية عنه، والشافعي في قوله القديم واختلف هؤلاء في ~~الكفارة فقال الحسن وسعيد: عتق رقبة، وقال الباقون: # دينار أو نصف دينار على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار أو ~~نصف الدينار بحسب اختلاف الروايات. واحتجوا بحديث الباب. وقال عطاء وابن ~~أبي مليكة والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأبو الزناد وربيعة وحماد بن أبي ~~سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري والليث بن سعد ومالك وأبو حنيفة وهو ~~الأصح عن الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين، وجماهير من السلف أنه لا كفارة ~~عليه بل الواجب الاستغفار والتوبة، وأجابوا عن الحديث بما سبق من المطاعن. ~~قالوا: والأصل البراءة فلا ينتقل عنها إلا بحجة، وقد عرفت انتهاض الرواية ~~الأولى من حديث الباب فالمصير إليها متحتم، وعرفت بما أسلفناه صلاحيتها ~~للحجية وسقوط الاعتلالات الواردة عليها. قال المصنف PageV01P352 # بعد أن ساق الحديث: وفيه تنبيه على تحريم الوطئ قبل الغسل، انتهى. # باب الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم دون الصلاة عن أبي سعيد في حديث ~~له: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للنساء أليس شهادة المرأة مثل ~~نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلكن من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم ~~تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلكن من نقصان دينها مختصر من البخاري. # الحديث أخرجه مسلم من حديثه، وأخرجه أيضا مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: # تمكث الليالي ما تصلي وتفطر في شهر رمضان فهذا نقصان دينها واتفقا عليه ~~من حديث أبي هريرة: وأخرجه الحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود. قوله: لم ~~تصل ولم ms0405 تصم فيه إشعار بأن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتا بحكم ~~الشرع قبل ذلك المجلس. والحديث يدل على عدم وجوب الصوم والصلاة على الحائض ~~حال حيضها وهو إجماع. ويدل على أن العقل يقبل الزيادة والنقصان وكذلك ~~الايمان، وليس المراد من ذكر نقصان عقول النساء لومهن على ذلك لأنه مما لا ~~مدخل لاختيارهن فيه، PageV01P353 # بل المراد التحذير من الافتتان بهن، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل به ~~الاثم بل في أعم من ذلك، قاله في الفتح ورواه عن النووي لأنه أمر نسبي، ~~فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك صلاتها زمن ~~الحيض لكنها ناقصة عن المصلى. وهل تثاب على هذا الترك لكونها مكلفة به كما ~~يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟ قال ~~النووي: الظاهر أنها لا تثاب، والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها ~~بنية الدوام عليها مع أهليته والحائض ليست كذلك. قال الحافظ: وعندي في كون ~~هذا الفرق مستلزما لكونها لا تثاب وقفة. # وعن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي ~~الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنؤمر ~~بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة رواه الجماعة. # نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه لا يجب على ~~الحائض قضاء الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام. وحكى ابن عبد البر عن طائفة من ~~الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، وعن سمرة بن جندب أنه ~~كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، قال الحافظ: لكن استقر الاجماع على عدم ~~الوجوب كما قاله الزهري وغيره، ومستند الاجماع هذا الحديث الصحيح، ولكن ~~الاستدلال بعدم الامر على عدم وجوب القضاء قد ينازع فيه لاحتمال الاكتفاء ~~بالدليل العام على وجوب القضاء، والأولى الاستدلال بما عند الإسماعيلي من ~~وجه آخر بلفظ: فلم نكن نقضي ذكر معناه في الفتح، ولا تتم المنازعة في ~~الاستدلال بعدم الامر على عدم وجوب القضاء إلا بعد تسليم ms0406 أن القضاء يجب ~~بدليل الأداء أو وجود دليل يدل على وجوب قضاء الصلاة دلالة تندرج تحتها ~~الحائض والكل ممنوع. وقد ذهب الجمهور كما قاله النووي إلى أنه لا يجب ~~القضاء على الحائض إلا بدليل جديد. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: ~~والفرق بينهما يعني الصوم والصلاة أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها، ~~بخلاف الصوم فإنه يجب في السنة مرة واحدة، وربما كان الحيض يوما أو يومين. # واعلم أنه لا حجة للخوارج إلا ما أسلفنا من أن عدم الامر لا يستلزم عدم ~~وجوب القضاء والاكتفاء بأدلة القضاء، فإن أرادوا بأدلة القضاء حديث: من نام ~~عن صلاته أو نسيها فأين هو من محل النزاع؟ وإن أرادوا غيره فما هو؟ وأيضا ~~أدلة القضاء كافية في الصوم فلأي شئ أمرهن الشارع به دونها؟ والخوارج لا ~~يستحقون المطاولة والمقاولة، لا سيما في مثل هذه PageV01P354 # المقالة الخارقة للاجماع الساقطة عند جميع المسلمين بلا نزاع، لكنه لما ~~رفع من شأنها بعض المتأخرين لمحبة الأغراب التي جبل عليها ذكرنا طرفا من ~~الكلام في المسألة. وقد اختلف السلف فيمن طهرت من الحيض بعد صلاة العصر ~~وبعد صلاة العشاء هل تصلي الصلاتين أو الأخرى؟ قال المصنف رحمه الله وعن ~~ابن عباس أنه كان يقول: إذا طهرت الحائض بعد العصر صلت الظهر والعصر وإذا ~~طهرت بعد العشاء صلت المغرب والعشاء وعن عبد الرحمن بن عوف قال: إذا طهرت ~~الحائض قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت ~~المغرب والعشاء رواهما سعيد بن منصور في سننه والأثرم وقال: قال أحمد عامة ~~التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده، انتهى. # باب سؤر الحائض ومؤاكلتها عن عائشة قالت: كنت أشرب وأنا حائض فأناوله ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق ~~وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضع فاه على موضع في ~~رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. # قوله: أتعرق العرق العرق بعين مهملة مفتوحة وراء ساكنة بعدها قاف العظم، ~~وتعرقه ms0407 أكل ما عليه من اللحم، ذكر معنى ذلك في القاموس. والحديث يدل على أن ~~ريق الحائض طاهر، ولا خلاف فيه فيما أعلم وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب ~~ولا أعلم فيه خلافا. # وعن عبد الله بن سعد قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مواكلة ~~الحائض قال: وأكلها رواه أحمد والترمذي. # الحديث قال الترمذي: حديث حسن غريب. وأخرجه أيضا أبو داود رواته كلهم ~~ثقات، وإنما غربه الترمذي لأنه تفرد به العلاء بن الحرث عن حكيم بن حزام، ~~وحكيم بن حزام عن عمه عبد الله بن سعد. وفي الباب ما تقدم عن أنس عند مسلم ~~بلفظ: # اصنعوا كل شئ إلا النكاح وهو شاهد لصحة حديث الباب. وكذلك حديث عائشة ~~السابق. قال ابن سيد الناس في شرح حديث الباب: لما اعتضد به ارتقى في مراتب ~~التحسين إلى مرتبة لم تكن له لولاه. والحديث يدل على جواز مواكلة الحائض، ~~قال PageV01P355 # الترمذي وهو قول عامة أهل العلم لم يروا بمواكلة الحائض بأسا. قال ابن ~~سيد الناس في شرحه: وهذا مما أجمع الناس عليه، وهكذا نقل الاجماع محمد بن ~~جرير الطبري. وأما قوله تعالى: * (فاعتزلوا النساء في المحيض) * (البقرة: ~~222) فالمراد اعتزلوا وطأهن. # باب وطئ المستحاضة عن عكرمة عن حمنة بنت جحش: أنها كانت تستحاض وكان ~~زوجها يجامعها. وعنه أيضا قال: كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها ~~رواهما أبو داود. وكانت أم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف، كذا في صحيح مسلم. ~~وكانت حمنة تحت طلحة بن عبيد الله. # أما حديثه الأول فأخرجه أيضا البيهقي قال النووي: وإسناده حسن. وأما ~~حديثه الثاني ففي إسناده معلى وهو ثقة، وكان أحمد لا يروي عنه لأنه كان ~~ينظر في الرأي وفي سماع عكرمة بن عمار من حمنة ومن أم حبيبة نظر قاله ~~المنذري. وهما يدلان على جواز مجامعة المستحاضة ولو حال جريان الدم وهو قول ~~الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وابن المسيب والحسن البصري وعطاء ~~وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن سليمان وبكر ms0408 بن عبد الله المزني والأوزاعي ~~والثوري ومالك وإسحاق والشافعي وأبي ثور واستدلوا بما في الباب. وقال ~~النخعي والحكم: إنه لا يأتيها زوجها، وكرهه ابن سيرين وروي عن أحمد المنع ~~أيضا. ولعل أهل القول الأول يقيدون ذلك بأن لا تعلم بالأمارات أو العادة أن ~~ذلك الدم دم حيض، وفي احتجاجهم بروايتي عكرمة نظر لأن غايتهما أنه فعل ~~صحابي، ولم ينقل فيه التقرير من النبي (ص) ولا الاذن له بذلك ولكنه ينبغي ~~التعويل في الاستدلال على أن التحريم إنما يثبت بدليل، ولم يرد في ذلك شرع ~~يقتضي المنع منه. وقد استدل القائلون بعدم الجواز أيضا بما رواه الخلال ~~بإسناده إلى عائشة قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها قالوا: ولان بها أذى ~~فيحرم وطؤها كالحائض، وقد منع الله من وطئ الحائض معطلا بالأذى، والأذى ~~موجود في المستحاضة فثبت التحريم في حقها. PageV01P356 # كتاب النفاس باب أكثر النفاس عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل واسمه كثير ~~بن زياد عن مسة الأزدية عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من ~~الكلف رواه الخمسة إلا النسائي. # وقال البخاري: علي بن عبد الأعلى ثقة وأبو سهل ثقة. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم، وعلي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ~~وثقه البخاري وابن معين وضعفه ابن حبان. قال الحافظ: ولم يصب. ومسة الأزدية ~~مجهولة الحال، قال ابن سيد الناس: لا يعرف حالها ولا عينها ولا تعرف في غير ~~هذا الحديث. # قال النووي: قول جماعة من مصنفي الفقهاء أن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، ~~وله شاهد أخرجه ابن ماجة من طريق سلام عن حميد عن أنس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقت للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ~~قال: لم يروه عن حميد غير سلام وهو ضعيف كذبه ابن معين وغيره من الأئمة، ~~ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن أنس موقوفا. وروى الحاكم من حديث الحسن عن ms0409 ~~عثمان بن أبي العاص قال: وقت رسول الله (ص) للنساء في نفاسهن أربعين يوما ~~وقال: صحيح أن سلم من أبي بلال الأشعري. قال الحافظ: ضعفه الدارقطني والحسن ~~عن عثمان منقطع: # والمشهور عن عثمان موقوف. وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي هريرة قالا: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنتظر النفساء أربعين يوما إلا أن ترى ~~الطهر قبل ذلك فإن بلغت أربعين يوما ولم تر الطهر فلتغتسل ذكره ابن عدي ~~وفيه العلاء بن كثير وهو ضعيف جدا. وفي الباب أيضا عن عائشة نحو حديث عثمان ~~بن أبي العاص عند PageV01P357 # الدارقطني وفيه أبو بلال الأشعري وهو ضعيف، وعطاء بن عجلان متروك الحديث، ~~وحديث الباب قال الحاكم بعد إخراجه في مستدركه: إنه صحيح الاسناد. وقال ~~الخطابي: # أثنى البخاري على هذا الحديث: وقد اختلف الناس في أكثر النفاس، فذهب علي ~~عليه السلام وعمر وعثمان وعائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والشعبي والمزني ~~وأحمد بن حنبل ومالك والهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب إلى ~~أن أكثر النفاس أربعون يوما. واستدلوا بحديث الباب وما ذكرناه بعده، وقال ~~الشافعي في قول وروى عن إسماعيل وموسى ابني جعفر بن محمد الصادق بل سبعون، ~~قالوا: إذ هو أكثر ما وجد. وفي قول للشافعي وهو الذي في كتب الشافعية، وروي ~~أيضا عن مالك بل ستون يوما لذلك. وقال الحسن البصري: خمسون لذلك. وقالت ~~الامامية: نيف وعشرون والنص يرد عليهم وقد أجابوا عنه بما تقدم من الضعف ~~وبأنه كما قال الترمذي في العلل منكر المتن، فإن أزواج النبي (ص) ما منهن ~~من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة وزوجيتها كانت قبل الهجرة، فإذا لا ~~معنى لقول أم سلمة: قد كانت المرأة من أصحاب النبي (ص) تقعد في النفاس هكذا ~~قال، وفيه أن التصريح بكونهن من أصحاب النبي (ص) في كونهن من غير زوجاته ~~فلا يشكل ما ذكره. وأيضا نساؤه أعم من الزوجات لدخول البنات وسائر القرابات ~~تحت ذلك، والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوما متعاضدة بالغة ms0410 إلى ~~حد الصلاحية والاعتبار فالمصير إليها متعين، فالواجب على النفساء وقوف ~~أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة. # قال الترمذي في سننه: وقد أجمع أصحاب النبي (ص) والتابعون ومن بعدهم على ~~أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل ~~وتصلي انتهى. وما أحسن ما قال المصنف رحمه الله تعالى ههنا ولفظه: قلت ~~ومعنى الحديث PageV01P358 # كانت تؤمر أن تجلس إلى الأربعين لئلا يكون الخبر كذبا إذ لا يمكن أن تتفق ~~عادة نساء عصر في نفاس أو حيض انتهى. وقد لخصت هذه المسألة في رسالة ~~مستقلة، واختلف العلماء في تقدير أقل النفاس، فعند العترة والشافعي ومحمد ~~لاحد لأقله واستدلوا بما سبق من قوله: فإن رأت الطهر قبل ذلك وقال زيد بن ~~علي: ثلاثة أقراء فإذا كانت المرأة تحيض خمسا فأقل نفاسها خمسة عشر يوما. ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بل أحد عشر يوما كأكثر الحيض وزيادة يوم لأجل ~~الفرق. وقال النووي: ثلاثة أيام وجميع الأقوال ما عدا الأول لا دليل عليها ~~ولا مستند لها إلا الظنون. # باب سقوط الصلاة عن النفساء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت المرأة ~~من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة لا ~~يأمرها النبي (ص) بقضاء صلاة النفاس رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة، وهو عند أبي داود من طريق أحمد بن ~~يونس عن زهير عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل كثير بن زياد عن مسة عن أم ~~سلمة، فهو أحد روايات حديث مسة السابق وقد تقدم الكلام عليه، وهو يدل على ~~أنها تترك الصلاة أيام النفاس، وقد وقع الاجماع من العلماء كما في البحر أن ~~النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره ويندب، وقد أجمعوا أن الحائض لا ~~تصلي وقد أسلفنا ذلك. PageV01P359 # كتاب الصلاة قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في أصل الصلاة فقيل: ~~هي الدعاء لاشتمالها عليه وهذا ms0411 قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم. ~~وقيل: لأنها ثانية لشهادة التوحيد كالمصلي من السابق في خيل الحلبة. وقيل: ~~هي من الصلوين وهما عرقان مع الردف. وقيل هما عظمان. وقيل: هي من الرحمة. ~~وقيل: أصلها الاقبال على الشئ. وقيل: غير ذلك، انتهى. # باب افتراضها ومتى كان عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (ص) بني ~~الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قوله: على ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان متفق عليه خمس في بعض ~~الروايات خمسة بالهاء وكلاهما صحيح، فالمراد برواية الهاء خمسة أرك أو ~~أشياء أو نحو ذلك، وبرواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ~~ذلك. قوله: شهادة بالجر على البدل، ويجوز رفعه خبر المبتدأ محذوف، أو مبتدأ ~~خبره محذوف وتقديره أحدها أو منها. قوله: وإقام الصلاة أي المداومة عليها. ~~والحديث يدل على أن كمال الاسلام وتمامه بهذه الخمس، فهو كخباء أقيم على ~~خمسة أعمدة، وقطبها الذي يدور عليه الأركان الشهادة وبقية شعب الايمان ~~كالأوتاد للخباء. فظهر من هذا التمثيل أن الاسلام غير الأركان، كما أن ~~البيت غير الأعمدة، والأعمدة غيره، وهذا مستقيم على مذهب أهل السنة، لأن ~~الاسلام عندهم التصديق بالقول والعمل PageV01P360 # والحديث أورده عبد الله بن عمر في جواب من قال له: ألا تغزو؟ فقال: إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول بني الاسلام الحديث، فاستدل ~~به ابن عمر على عدم وجوب غير ما اشتمل عليه، ومن جملة ذلك الغزو لأن ~~الاسلام بني على خمس ليس هو منها. قال النووي في شرح مسلم: اعلم أن هذا ~~الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده وقد جمع أركانه. # وعن أنس بن مالك قال: فرضت على النبي (ص) الصلوات ليلة أسري به خمسين ثم ~~نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه ~~الخمس خمسين رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. # الحديث في الصحيحين بلفظ: هي ms0412 خمس وهي خمسون وبلفظ: هن خمس وهن خمسون ~~والمراد أنها خمس في العدد وخمسون في الاجر والاعتداد. والحديث طرف من حديث ~~الاسراء الطويل. وقد استدل به على عدم فرضية ما زاد على الخمس الصلوات ~~كالوتر، وعلى دخول النسخ في الانشاءات، ولو كانت مؤكدة خلافا لقوم فيما ~~أكد. وعلى جواز النسخ قبل الفعل وإليه ذهبت الأشاعرة. قال ابن بطال وغيره ~~في بيان وجه الدلالة ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلي ثم ~~تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب، وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف ~~من الأصوليين والشراح وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو ~~منعه كالمعتزلة لكونهم اتفقوا جميعا على PageV01P361 # أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الاسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ ~~فهو مشكل عليهم جميعا، قال: وهذه نكتة مبتكرة. قال الحافظ في الفتح: قلت إن ~~أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة فمسلم، ~~ولكن قد يقال ليس هو بالنسبة إليهم نسخا لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأنه كلف بذلك قطعا ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل، ~~فالمسألة صحيحة التصوير في حقه (ص). # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر ففرضت أربعا ~~وتركت صلاة السفر على الأول رواه أحمد والبخاري. # زاد أحمد من طريق ابن كيسان: إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا. والحديث يدل ~~على وجوب القصر وأنه عزيمة لا رخصة، وقد أخذ بظاهره الحنفية والهادوية ~~واحتج مخالفوهم بقوله سبحانه: * (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * ~~(النساء: 101) ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شئ ~~أطول منه، قالوا: ويدل على أنه رخصة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: صدقة ~~تصدق الله بها عليكم وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، ~~وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره. قال الحافظ: وفي هذا ~~الجواب نظر، أما أولا فهو مما ms0413 لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع. وأما ثانيا ~~فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي وهو حجة، لأنه يحتمل ~~أن يكون أخذه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن صحابي آخر أدرك ذلك. ~~وأما قول إمام الحرمين: لو كان ثابتا لنقل متواترا ففيه نظر، لأن التواتر ~~في مثل هذا غير لازم، وقالوا أيضا: يعارض حديث عائشة هذا حديث ابن عباس: ~~فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين أخرجه مسلم (والجواب) أنه ~~يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عباس فلا تعارض، وذلك بأن يقال إن الصلوات ~~فرضت ليلة الاسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلا ~~الصبح: كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة قالت: فرضت صلاة ~~الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول ~~القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار انتهى. ثم بعد أن استقر فرض ~~الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة. ويؤيد ذلك ما ذكره ابن ~~الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، ~~PageV01P362 # وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول آية الخوف كان فيها. وقيل: كان قصر ~~الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية ذكره الدولابي وأورده السهيلي بلفظ ~~بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما، فعلى هذا المراد ~~بقول عائشة: فأقرت صلاة السفر أي باعتبار ما آل إليه الامر من التخفيف. ~~والمصنف ساق الحديث للاستدلال به على فرضية الصلاة لا أنها استمرت منذ ~~فرضت، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة، ولعله يأتي تحقيق ما هو الحق في باب ~~صلاة السفر إن شاء الله تعالى. # وعن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ما فرض الله علي من الصلاة؟ ~~قال: # الصلوات الخمس إلا ms0414 أن تطوع شيئا، قال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ ~~قال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا، قال: أخبرني ما فرض الله علي من الزكاة؟ ~~قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشرائع الاسلام كلها، فقال: ~~والذي أكرمك لا أطوع شيئا ولا أنقص ما فرض الله علي شيئا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق متفق عليه. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي ومالك في الموطأ وغير هؤلاء. قوله: # أن أعرابيا في رواية: جاء رجل زاد أبو داود: من أهل نجد وكذا في مسلم ~~والموطأ. قوله: ثائر الرأس هو مرفوع على الوصف على رواية جاء رجل، ويجوز ~~نصبه على الحال، والمراد أن شعره متفرق من ترك الرفاهية: ففيه إشارة إلى ~~قرب عهده بالوفادة. وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة أو لأن الشعر منه ~~ينبت. قوله: إلا أن تطوع بتشديد الطاء والواو وأصله تتطوع بتاءين فأدغمت ~~إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما. قوله: والذي أكرمك وفي رواية ~~إسماعيل بن جعفر عند البخاري: والله. قوله: أفلح إن صدق وقع عند مسلم من ~~رواية إسماعيل بن جعفر أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق ولأبي ~~داود مثله. # (فإن قيل) ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب عن ذلك ~~بأنه كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، أو ~~فيه إضمار اسم الرب كأنه قال: ورب أبيه أو أنه خاص ويحتاج إلى دليل. وحكى ~~السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف وإنما كان والله فقصرت اللامان، ~~واستنكره القرطبي وغفل PageV01P363 # القرافي فادعى أن الرواية بلفظ: وأبيه لم تصح وكأنه لم يرتض الجواب فعدل ~~إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه. قال الحافظ: وأقوى الأجوبة الأولان. ~~والحديث يدل على فرضية الصلاة وما ذكر معها على العباد. قال المصنف رحمه ~~الله: وفيه مستدل لمن لم يوجب صلاة الوتر ولا صلاة ms0415 العيد انتهى. وقد أوجب ~~قوم الوتر وآخرون ركعتي الفجر. وآخرون صلاة الضحى. وآخرون صلاة العيد. ~~وآخرون ركعتي المغرب. وآخرون صلاة التحية. ومنهم من لم يوجب شيئا من ذلك، ~~وجعل هذا الحديث صارفا لما ورد بعده من الأدلة المشعرة بالوجوب. وفي الحديث ~~أيضا دليل على عدم وجوب صوم عاشوراء وهو إجماع، وأنه ليس في المال حق سوى ~~الزكاة وفيه غير ذلك، وفي جعل هذا الحديث دليلا على عدم وجوب ما ذكر نظر ~~عندي، لأن ما وقع في مبادئ التعاليم لا يصح التعلق به في صرف ما ورد بعده، ~~وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة، وأنه خرق للاجماع ~~وإبطال الجمهور الشريعة، فالحق أنه يؤخذ بالدليل المتأخر إذا ورد موردا ~~صحيحا، ويعمل بما يقتضيه من وجوب أو ندب أو نحوهما، وفي المسألة خلاف وهذا ~~أرجح القولين. والبحث مما ينبغي لطالب الحق أن يمعن النظر فيه ويطيل ~~التدبر، فإن معرفة الحق فيه من أهم المطالب العلمية لما ينبني عليه من ~~المسائل البالغة إلى حد يقصر عند العد. وقد أعان الله وله الحمد على جمع ~~رسالة في خصوص هذا المبحث، وقد أشرت إلى هذه القاعدة في عدة مباحث في غير ~~هذا الباب وهذا موضع عرض ذكرها فيه. # باب قتل تارك الصلاة عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله عز وجل متفق عليه. # ولأحمد مثله من حديث أبي هريرة. # قوله: أمرت قال الخطابي: معلوم أن المراد بقوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله ~~إلا الله PageV01P364 # ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، وهذا التخصيص بأهل الأوثان إنما يحتاج ~~إليه في الحديث الذي اقتصر فيه على ذكر الشهادة وجعلت لمجردها موجبة ~~للعصمة. وأما حديث الباب فلا يحتاج ms0416 إلى ذلك، لأن العصمة متوقفة على كمال ~~تلك الأمور، ولا يمكن وجودها جميعا من غير مسلم: والحديث يدل على أن من أخل ~~بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب، وسيأتي ذكر الخلاف وبيان ما ~~هو الحق في الباب الذي بعد هذا. وفي الاستتابة وصفها ومدتها خلاف معروف في ~~الفقه. قوله: إلا بحق الاسلام المراد ما وجب به في شرائع الاسلام إراقة ~~الدم كالقصاص وزنا المحصن ونحو ذلك، أو حل به أخذ جزء من المال كأروش ~~الجنايات وقيم المتلفات وما وجب من النفقات وما أشبه ذلك. قوله: وحسابهم ~~على الله المراد فيما يستسر به ويخفيه دون ما يعلنه ويبديه. وفيه أن من ~~أظهر الاسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء. ~~وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل قاله ~~الخطابي. وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه. قال النووي: وقد ~~اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق وهو الذي ينكر الشرع جملة قال: فذكروا ~~فيه خمسة أوجه لأصحابنا والأصوب فيها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة ~~المطلقة. # والثاني لا تقبل ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار ~~الآخرة فكان من أهل الجنة. والثالث إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرر ~~ذلك منه PageV01P365 # لم تقبل. والرابع إن أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه وإن كان تحت السيف ~~فلا. # والخامس إن كان داعيا إلى الضلال لم يقبل منه وإلا قبل. قال النووي أيضا. ~~ولا بدمع هذا يعني القيام بالأمور المذكورة في الحديث من الايمان بجميع ما ~~جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في الرواية الأخرى التي ~~أشار إليها المصنف وهي من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم بلفظ: حتى يشهدوا أن ~~لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها. # وعن أنس بن مالك قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ms0417 وسلم ارتدت ~~العرب فقال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل العرب؟ فقال: أبو بكر: إنما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة رواه النسائي. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي في السنن وإسناده في سنن النسائي، هكذا أخبرنا ~~محمد بن بشار حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا عمران أبو العوام حدثنا معمر عن ~~الزهري عن أنس فذكره، وكلهم من رجال الصحيح إلا عمران أبو العوام فإنه صدوق ~~بهم، ولكن قد ثبت معناه في الصحيحين لكن بدون أنه قال ذلك أبو بكر في ~~مراجعته لعمر، بل الذي فيهما أن عمر احتج على أبي بكر لما عزم على قتال أهل ~~الردة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله فقال له أبو ~~بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله ~~لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لقاتلتهم على منعه قال النووي: وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر رضي الله ~~عنهما دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ~~رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، يعني من الأحاديث التي فيها ذكر الصلاة ~~والزكاة، فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإنه بهذه ~~الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها ولما احتج ~~بالقياس والعموم اه. وإنما ذكرنا هذا الكلام للتعريف بأن المشهور عند أهل ~~الصحيح والشارحين له خلاف ما ذكره النسائي في هذه الرواية، وسيأتي الكلام ~~على مراجعة أبي بكر وعمر مبسوطا في كتاب الزكاة. والحديث يدل على ما دل ~~عليه الذي قبله من أن المخل بواحدة من هذه الخصال حلال الدم ومباح المال. ~~PageV01P366 # وعن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي عليه السلام ms0418 وهو باليمن إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله اتق ~~الله، فقال: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل، فقال ~~خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلي، ~~فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ~~مختصر من حديث متفق عليه. # الحديث اختصره المصنف وترك أطرافا من أوائله وتمامه قال: ثم نظر إليه وهو ~~مقف فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لينا رطبا لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم قتل ثمود انتهى. قوله: بذهبية على التصغير. وفي رواية بذهبة بفتح ~~الذال. # قوله: بين أربعة هم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما ~~علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل، كذا في صحيح مسلم. قال النووي قال ~~العلماء: ذكر عامر هنا غلط ظاهر لأنه توفي قبل هذا بسنين، والصواب الجزم ~~بأنه علقمة بن علاثة كما هو مجزوم به في باقي الروايات. قوله: فقال خالد بن ~~الوليد في رواية عمر بن الخطاب وليس بينهما تعارض بل كل واحد منهما استأذن ~~فيه. قوله: لعله أن يكون يصلي فيه أن الصلاة موجبة لحقن الدم، ولكن مع بقية ~~الأمور المذكورة في الأحاديث الآخرة. قوله: لم أومر أن أنقب الخ معناه أني ~~أمرت بالحكم بالظاهر والله متولي السرائر كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله: ~~والحديث استدل به على كفر الخوارج لأنهم المرادون بقوله في آخره، قوم يتلون ~~كتاب الله كما صرح بذلك شراح الحديث وغيرهم، وقد اختلف الناس في ذلك، قال ~~النووي بعد أن صرح هو والخطابي بأن الحديث وأمثاله يدل على كفر الخوارج: ~~وقد كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالا من سائر المسائل، ولقد رأيت ms0419 أبا ~~المعالي وقد رغب إليه الفقيه عبد الحق في الكلام عليها فاعتذر بأن الغلط ~~فيها يصعب موقعه، لأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم منها عظيم في الدين. ~~وقد اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر الباقلاني وناهيك به في علم الأصول، ~~وأشار ابن الباقلاني إلى أنها من المعوصات لأن القوم لم يصرحوا بالتكفير ~~وإنما قالوا قولا يؤدي إلى ذلك. PageV01P367 # وأنا أكشف لك نكتة الخلاف وسبب الاشكال، وذلك أن المعتزلي مثلا إذا قال ~~إن الله تعالى عالم ولكن لا علم له وحي ولا حياة له وقع الاشتباه في ~~تكفيره، لأنا علمنا من دين الأمة ضرورة أن من قال إن الله ليس بحي ولا عالم ~~كان كافرا، وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له فهل يقول: إن ~~المعتزلي إذا نفى العلم نفى أن يكون الله عالما، أو يقول قد اعترف بأن الله ~~تعالى عالم، فلا يكون نفيه للعلم نفيا للعالم، هذا موضوع الاشكال قال هذا ~~كلام الماوردي، ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه وجماهير العلماء أن الخوارج ~~لا يكفرون. قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية وهم طائفة من ~~الرافضة يشهدون لموافقيهم في المذهب بمجرد قولهم، فرد شهادتهم لهذا لا ~~لبدعتهم، وسيأتي الكلام على الخوارج مبسوطا في كتاب الحدود. وقد استدل ~~المصنف بالحديث على قبول توبة الزنديق فقال: وفيه دليل لمن يقبل توبة ~~الزنديق انتهى. وقد تقدم الكلام على ذلك، وما ذكره متوقف على أن مجرد قوله ~~لرسول الله: اتق الله زندقة وهو خلاف ما عرف به العلماء الزنديق. وقد ثبت ~~في رواية أخرى في الصحيح أنه قال: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد ~~فيها وجه الله والاستدلال بمثل هذا على ما زعمه المصنف أظهر. قال القاضي ~~عياض: حكم الشرع أن من سب النبي (ص) كفر وقتل، ولم يذكر في هذا الحديث أن ~~هذا الرجل قتل، قال المازري: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة ~~وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، ويحتمل أن يكون استدلال ms0420 المصنف ناظرا ~~إلى قوله في الحديث: لعله يصلي وإلى قوله: لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ~~فإن ذلك يدل على قبول ظاهر التوبة وعصمة من يصلي، فإذا كان الزنديق قد أظهر ~~التوبة وفعل أفعال الاسلام كان معصوم الدم. # وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى رسول ~~الله (ص) وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول ~~الله (ص) فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال الأنصاري: # بلى يا رسول الله ولا شهادة له، قال: أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟ بلى ~~ولا شهادة له، قال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له، قال: أولئك الذين ~~نهاني الله عن قتلهم رواه الشافعي وأحمد في مسنديهما. # الحديث أخرجه أيضا مالك في الموطأ، وفيه دلالة على أن الواجب المعاملة ~~للناس PageV01P368 # بما يعرف من ظواهر أحوالهم من دون تفتيش وتنقيش، فإن ذلك مما لم يتعبدنا ~~الله به ولذلك قال: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس وقال لأسامة لما قال ~~له إنما قال ما قال يا رسول الله تقية يعني الشهادة هل شققت عن قلبه ~~واعتباره (ص) لظواهر الأحوال كان ديدنا له وهجيرا في جميع أموره منها قوله ~~(ص) لعمه العباس لما اعتذر له يوم بدر بأنه مكره فقال له: كان ظاهرك علينا ~~وكذلك حديث: إنما أقضي بما أسمع فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فلا يأخذنه ~~إنما أقطع له قطعة من نار وكذلك حديث: إنما نحكم بالظاهر وهو وإن لم يثبت ~~من وجه معتبر فله شواهد متفق على صحتها، ومن أعظم اعتبارات الظاهر ما كان ~~منه (ص) مع المنافقين من التعاطي والمعاملة بما يقتضيه ظاهر الحال. # باب حجة من كفر تارك الصلاة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة رواه الجماعة إلا البخاري ~~والنسائي. # الحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين ms0421 في ~~كفر من ترك الصلاة منكرا لوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالاسلام، أو لم ~~يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة، وإن كان تركه لها تكاسلا مع ~~اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف الناس في ذلك، فذهبت ~~العترة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل ~~يفسق، فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن ولكنه يقتل بالسيف. وذهب ~~جماعة من السلف إلى أنه يكفر وهو مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن ~~راهويه وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة ~~والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي. ~~احتج الأولون على عدم كفره بقول الله عز وجل: * (إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * (النساء: 48) وبما سيأتي في الباب الذي ~~بعد هذا من الأدلة. واحتجوا على قتله بقوله تعالى: * (فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة PageV01P369 # فخلوا سبيلهم) * (التوبة: 5) وبقوله (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها الحديث متفق عليه. وتأولوا قوله (ص): بين العبد ~~وبين الكفر ترك الصلاة وسائر أحاديث الباب على أنه مستحق بترك الصلاة عقوبة ~~الكافر وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى ~~الكفر، أو على أن فعله فعل الكفار. واحتج أهل القول الثاني بأحاديث الباب. ~~واحتج أهل القول الثالث على عدم الكفر بما احتج به أهل القول الأول وعلى ~~عدم القتل بحديث: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وليس فيه الصلاة. ~~والحق أنه كافر يقتل، أما كفره فلان الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك ~~الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز اطلاق هذا الاسم عليه ~~هو ms0422 الصلاة، فتركها مقتض لجواز الاطلاق، ولا يلزمنا شئ من المعارضات التي ~~أوردها الأولون لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من ~~المغفرة، واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع ~~كفرا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها، وأما أنه يقتل ~~فلان حديث: أمرت أن أقاتل الناس يقضي بوجوب القتل لاستلزام المقاتلة له، ~~وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول، ولا أوضح من دلالتها على ~~المطلوب، PageV01P370 # وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~فقال: * (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) * (التوبة: ~~5) فلا يخلى من لم يقم الصلاة. وفي صحيح مسلم: # سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد ~~سلم ولكن من رضي وتابع، فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا فجعل الصلاة ~~هي المانعة من مقاتلة أمراء الجور. وكذلك قوله لخالد في الحديث السابق: ~~لعله يصلي، فجعل المانع من القتل نفس الصلاة. وحديث لا يحل دم امرئ مسلم لا ~~يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحة. والمراد بقوله في حديث الباب: بين ~~الرجل وبين الكفر ترك الصلاة كما قال النووي أن الذي يمنع من كفره كونه لم ~~يترك الصلاة، فإن تركها لم يبق بينه وبين الكفر حائل. وفي لفظ لمسلم: بين ~~الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. ومن الأحاديث الدالة على الكفر حديث ~~الربيع بن أنس عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من ترك الصلاة ~~متعمدا فقد كفر جهارا ذكره الحافظ في التلخيص وقال: سئل الدارقطني عنه ~~فقال: رواه أبو النضر عن أبي جعفر عن الربيع موصولا، وخالفه علي بن الجعد ~~فرواه عن أبي جعفر عن الربيع مرسلا وهو أشبه بالصواب. # وأخرجه البزار من حديث أبي الدرداء بدون قوله: جهارا. وأخرج ابن حبان في ~~الضعفاء من حديث أبي هريرة مرفوعا تارك الصلاة كافر واستنكره. ورواه أبو ~~نعيم من حديث أبي سعيد وفيه عطية وإسماعيل بن يحيى وهما ضعيفان. قال ~~العراقي: ms0423 لم يصح من أحاديث الباب إلا حديث جابر المذكور، وحديث بريدة الذي ~~سيأتي، وأخرج ابن ماجة من حديث أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن لا تشرك بالله وإن قطعت وحرقت، وإن لا تترك صلاة مكتوبة ~~متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح ~~كل شر قال الحافظ: وفي إسناده ضعف. ورواه الحاكم في المستدرك، ورواه أحمد ~~والبيهقي من طريق أخرى وفيه انقطاع. ورواه الطبراني من حديث عبادة بن ~~الصامت ومن حديث معاذ بن جبل وإسنادهما ضعيفان. وقال ابن الصلاح والنووي: ~~إنه حديث منكر. # واختلف القائلون بوجوب قتل تارك الصلاة، فالجمهور أنه يضرب عنقه بالسيف. # وقيل: يضرب بالخشب حتى يموت، واختلفوا أيضا في وجوب الاستتابة، فالهادوية ~~توجبها وغيرهم لا يوجبها لأنه يقتل حدا ولا تسقط التوبة الحدود كالزاني ~~والسارق. وقيل: إنه PageV01P371 # يقتل لكفره، فقد حكى جماعة الاجماع على كفره كالمرتد وهو الظاهر، وقد ~~أطال الكلام المحقق ابن القيم في ذلك في كتابه في الصلاة، والفرق بينه وبين ~~الزاني واضح، فإن هذا يقتل لتركه الصلاة في الماضي وإصراره على تركها في ~~المستقبل والترك في الماضي يتدارك بقضاء ما تركه، بخلاف الزاني فإنه يقتل ~~بجنابة تقدمت لا سبيل إلى تركها، واختلفوا هل يجب القتل لترك صلاة واحدة أو ~~أكثر؟ فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة؟ # والأحاديث قاضية بذلك، والتقييد بالزيادة على الواحدة لا دليل عليه. قال ~~أحمد بن حنبل: # إذا دعي إلى الصلاة فامتنع وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها وجب قتله، وهكذا ~~حكم تارك ما يتوقف صحة الصلاة عليه من وضوء أو غسل أو استقبال قبلة أو ستر ~~عورة وكل ما كان ركنا أو شرطا. # وعن بريدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: العهد الذي ~~بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الخمسة. # الحديث صححه النسائي والعراقي، ورواه ابن حبان والحاكم، وهو يدل على أن ~~تارك الصلاة يكفر لأن الترك الذي جعل الكفر معلقا به مطلق عن ms0424 التقييد وهو ~~يصدق بمرة لوجود ماهية الترك في ضمنها. والخلاف في المسألة والتصريح بما هو ~~الحق فيها قد تقدم في الذي قبله. # وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الترمذي. # الحديث رواه الحاكم وصححه على شرطهما، وذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم ~~عليه، والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة لأن قوله: كان ~~أصحاب رسول الله جمع مضاف وهو من المشعرات بذلك. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر ~~الصلاة يوما فقال: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ~~ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة ~~مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط. وقال في مجمع الزوائد: # رجال أحمد ثقات وفيه أنه لا انتفاع للمصلي بصلاته إلا إذا كان محافظا ~~عليها، لأنه إذا PageV01P372 # انتفى كونها نورا وبرهانا ونجاة مع عدم المحافظة انتفى نفعها. وقوله: ~~وكان يوم القيامة مع قارون الخ يدل على أن تركها كفر متبالغ لأن هؤلاء ~~المذكورين هم أشد أهل النار عذابا، وعلى تخليد تاركها في النار كتخليد من ~~جعل معهم في العذاب، فيكون هذا الحديث مع صلاحيته للاحتجاج مخصصا لأحاديث ~~خروج الموحدين، وقد ورد من هذا الجنس شئ كثير في السنة، ويمكن أن يقال مجرد ~~المعية والمصاحبة لا يدل على الاستمرار والتأبيد لصدق المعنى اللغوي بلبثه ~~معهم مدة، لكن لا يخفى أن مقام المبالغة يأبى ذلك، وسيأتي في الباب الثاني ~~ما يعارضه. # باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما ~~يرجى لأهل الكبائر عن ابن محيريز: أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع ~~رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجي: فرحت إلى ~~عبادة بن ms0425 الصامت فأخبرته فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: # خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا ~~بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند ~~الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجة. وقال فيه: ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئا استخفافا بحقهن. # الحديث أخرجه أيضا مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن. قال ابن عبد ~~البر: # هو صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه ثم قال: والمخدجي مجهول لا يعرف إلا ~~بهذا الحديث. قال الشيخ تقي الدين القشيري: انظر إلى تصحيحه لحديثه مع حكمه ~~بأنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ولحديثه شاهد من حديث أبي قتادة ~~عند ابن ماجة، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد. ورواه أبو داود أيضا ~~الصنابجي قال: زعم أبو محمد أن الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت وساق ~~الحديث. والمخدجي المذكور في هذا الاسناد هو بضم الميم وسكون الخاء المعجمة ~~وفتح الدال المهملة ثم جيم بعدها ياء النسب PageV01P373 # قيل اسمه رفيع. وأبو محمد المذكور هو مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد ~~بن ثعلبة بن عثمان بن مالك بن النجار. وقيل: مسعود بن زيد بن سبيع يعد في ~~الشاميين، وقد عده الواقدي وطائفة من البدريين ولم يذكره ابن إسحاق فيهم ~~وذكره جماعة في الصحابة. وقول عبادة: كذب أبو محمد أي أخطأ ولا يجوز أن ~~يراد به حقيقة الكذب لأنه في الفتوى، ولا يقال لمن أخطأ في فتواه كذب. ~~وأيضا قد ورد في الحديث ما يشهد لما قاله كحديث: الوتر حق فمن لم يوتر فليس ~~منا عند أبي داود من حديث بريدة وغيره من الأحاديث، وسيأتي بسط الكلام على ~~ذلك في باب أن الوتر سنة مؤكدة إن شاء الله تعالى. والحديث ساقه المصنف ~~للاستدلال به على عدم كفر من ترك الصلاة ms0426 وعدم استحقاقه للخلود في النار. ~~لقوله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وقد عرفناك في الباب الأول أن الكفر ~~أنواع منها ما لا ينافي المغفرة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها ~~الشارع كفرا وهو يدل على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار. # قوله: استخفافا بحقهن هو قيد للمنفي لا للنفي. قوله: كان له عند الله عهد ~~أن يدخله الجنة فيه متمسك للمرجئة القائلين بأن الذنوب لا تضر من حافظ على ~~الصلوات المكتوبة وهو مقيد بعدم المانع كأحاديث: من قال لا إله إلا الله ~~ونحوها لورود النصوص الصريحة كتابا وسنة بذكر ذنوب موجبة للعذاب كدم المسلم ~~وماله وعرضه وغير ذلك مما يكثر تعداده. # وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا ~~قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم ~~يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك رواه الخمسة. # الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق: طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريق ~~الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري ~~بما يوجب ضعفه، وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد، ورجالها رجال الصحيح ~~كما قال العراقي وصححها ابن القطان. وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال: ~~هذا صحيح الاسناد ولم يخرجاه. # وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة، ~~قال العراقي. وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إسناده صحيح ~~على شرط مسلم: وعن أنس عند الطبراني في الأوسط، وعن أبي سعيد قال العراقي: ~~رويناه في الطبوريات في PageV01P374 # انتخاب السلفي منها وفي إسناده حصين بن مخارق نسبه الدارقطني إلى الوضع، ~~وعن صحابي لم يسم عند أحمد في المسند. والحديث يدل على أن ما لحق الفرائض ~~من النقص كملته النوافل. وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر، لأن ~~نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصا في ms0427 الذات وهو ترك بعضها، أو في الصفة ~~وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها، وجبرانها بالنوافل مشعر بأنها مقبولة ~~مثاب عليها والكفر ينافي ذلك وقد عرفت الكلام على ذلك فيما سلف، ثم أورد من ~~الأدلة ما يعتضد به قول من لم يكفر تارك الصلاة، وعقبه بتأويل لفظ الكفر ~~الواقع في الأحاديث فقال: # ويعضد هذا المذهب عمومات. منها ما روي عن عبادة بن الصامت قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه، والجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ~~متفق عليه. وعن أنس بن مالك: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ومعاذ رديفه على الرجل: يا معاذ، ~~قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، ثم قال: ما من عبد يشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول ~~الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: # إذن يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما أي خوفا من الاثم بترك الخبر ~~به متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي ~~يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا رواه ~~مسلم. وعنه أيضا: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا ~~إله إلا الله خالصا من قلبه رواه البخاري. وقد حملوا أحاديث التكفير على ~~كفر النعمة أو على معنى قد قارب الكفر، وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد ~~بها ذلك. فروى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سباب ~~المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه. وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ms0428 يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ~~ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار متفق عليه. وعن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت رواه ~~أحمد ومسلم. PageV01P375 # وعن ابن عمر قال: كان عمر يحلف وأبي فنهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال: # من حلف بشئ دون الله فقد أشرك رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: قال ر سول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن رواه ~~أحمد. انتهى كلام المصنف. # وأقول: قد أطبق أئمة المسلمين من السلف والخلف والأشعرية والمعتزلة ~~وغيرهم أن الأحاديث الواردة بأن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة مقيدة ~~بعدم الاخلال بما أوجب الله من سائر الفرائض، وعدم فعل كبيرة من الكبائر ~~التي لم يتب فاعلها عنها، وأن مجرد الشهادة لا يكون موجبا لدخول الجنة فلا ~~يكون حجة على المطلوب، ولكنهم اختلفوا في خلود من أخل بشئ من الواجبات أو ~~قارف شيئا من المحرمات في النار مع تكلمه بكلمة الشهادة وعدم التوبة عن ~~ذلك، فالمعتزلة جزموا بالخلود، والأشعرية قالوا: # وغيرهم قالوا بدخوله تحتها، والمعتزلة منعت من ذلك وقالوا: لا يجوز على ~~الله المغفرة لفاعل الكبيرة مع عدم التوبة عنها. وهذه المسائل محلها علم ~~الكلام، وإنما ذكرنا هذا للتعريف بإجماع المسلمين على أن هذه الأحاديث ~~مقيدة بعدم المانع، ولهذا أولها السلف، فحكى عن جماعة منهم ابن المسيب أن ~~هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي ورد بأن راوي بعض هذه الأحاديث ~~أبو هريرة وهو متأخر الاسلام أسلم عام خبير سنة سبع بالاتفاق، وكانت إذ ذاك ~~أحكام الشريعة مستقرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، وحكى النووي ~~عن بعضهم أنه قال: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها ~~وفريضتها قال، وهذا قول الحسن البصري. وقال البخاري: إن ذلك لمن قالها عند ms0429 ~~الندم والتوبة ومات على ذلك ذكره في كتاب اللباس وذكر الشيخ أبو عمر بن ~~الصلاح أنه يجوز أن يكون ذلك أعني الاقتصار على كلمة الشهادة في سببية دخول ~~الجنة اقتصارا من بعض الرواة لا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بدليل مجيئه تاما في رواية غيره، ويجوز أن يكون اختصارا من الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم بالله ~~تعالى مصحوبا بسائر ما يتوقف عليه الاسلام ومستلزما له، والكافر إذا كان لا ~~يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي وقال: لا إله إلا الله وحاله الحال التي ~~حكيناها حكم بإسلامه. قال النووي: ويمكن الجمع بين الأدلة بأن يقال ~~PageV01P376 # المراد باستحقاقه الجنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلا معافى، ~~وإما مؤخرا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود. وحكي ذلك عن ~~القاضي عياض وقال: إنه في نهاية الحسن، ولا بد من المصير إلى التأويل لما ~~ورد في نصوص الكتاب والسنة بذكر كثير من الواجبات الشرعية والتصريح بأن ~~تركها موجب للنار. وكذلك ورود النصوص بذكر كثير من المحرمات وتوعد فاعلها ~~بالنار. وأما الأحاديث التي أوردها المصنف في تأييد ما ذكره من التأويل، ~~فالنزاع كالنزاع في إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وقد عرفناك أن سبب الوقوع ~~في مضيق التأويل توهم الملازمة بين الكفر وعدم المغفرة وليست بكلية كما ~~عرفت، وانتفاء كليتها يريحك من تأويل ما ورد في كثير من الأحاديث. منها ما ~~ذكره المصنف، ومنها ما ثبت في الصحيح بلفظ: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض وحديث: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم ~~وحديث: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته ~~فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك ~~كافر بي مؤمن بالكواكب. وحديث: من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها وكل هذه ~~الأحاديث في الصحيح. وقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة، ms0430 ونقول: من سماه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كافرا سميناه كافرا، ولا نزيد على هذا ~~المقدار ولا نتأول بشئ منها لعدم الملجئ إلى ذلك. # باب أمر الصبي بالصلاة تمرينا لا وجوبا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مروا صبيانكم بالصلاة لسبع ~~سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع رواه أحمد وأبو ~~داود. # الحديث أخرجه الحاكم من حديثه أيضا، والترمذي والدارقطني من حديث عبد ~~الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده بنحوه ولم يذكر التفرقة. ~~وفي الباب عن أبي رافع عند البزار بلفظ قال: وجدنا في صحيفة في قراب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فيها مكتوب: بسم الله الرحمن ~~الرحيم وفرقوا بين الغلمان والجواري والاخوة والأخوات لسبع سنين، واضربوا ~~أبناءكم على الصلاة إذا بلغوا PageV01P377 # أظنه تسع سنين. وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني أنه قال لامرأته، ~~وفي رواية لامرأة: متى يصل الصبي؟ فقالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة ~~أخرجه أبو داود. قال ابن القطان: # لا نعرف هذه المرأة ولا الرجل الذي روت عنه. وقد رواه الطبراني من هذا ~~الوجه فقال: عن أبي معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه به، قال ابن صاعد: ~~إسناده حسن غريب. وفي الباب عن أبي هريرة رواه العقيلي. وأنس عند الطبراني ~~بلفظ: مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لثلاث عشرة وفي إسناده داود بن ~~المحبر وهو مترك وقد تفرد به. والحديث يدل على وجوب أمر الصبيان بالصلاة ~~إذا بلغوا سبع سنين وضربهم عليها إذا بلغوا عشرا، والتفريق بينهم في ~~المضاجع لعشر سنين إذا جعل التفريق معطوفا على قوله واضربوهم، أو لسبع سنين ~~إذا جعل معطوفا على قوله مروهم، ويؤيد هذا الوجه حديث أبي رافع المذكور. ~~وقد ذهبت الهادوية إلى وجوب إجبار ابن العشر على الولي، وشرط ms0431 الصلاة الذي ~~لا تتم إلا به حكمه حكمها، ولا فرق بين الذكر والأنثى والزوجة وغيرها. وقال ~~في الوافي: والمؤيد بالله في أحد قوليه أن ذلك مستحب فقط، وحملوا الامر على ~~الندب، ولكنه إن صح ذلك في قوله مروهم لم يصح في قوله واضربوهم لأن الضرب ~~إيلام للغير وهو لا يباح للامر المندوب، والاعتراض بأن عدم تكليف الصبي ~~يمنع من حمل الامر على حقيقته، لأن الاخبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك ~~محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي ولا تركها محظور عليه، مدفوع بأن ذلك ~~إنما يلزم لو اتحد المحل وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب الولي ومحل عدمه ~~ابن العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصغير عدمه على الولي. # وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: رفع ~~القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون ~~حتى يعقل رواه أحمد. ومثله من رواية علي له. ولأبي داود والترمذي وقال: ~~حديث حسن. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم من ~~حديث عائشة. قال يحيى بن معين: ليس يرويه إلا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي ~~سليمان يعني عن إبراهيم عن الأسود عنها. وأخرجه أيضا النسائي والدارقطني ~~والحاكم وابن حبان وابن خزيمة من حديث علي عليه السلام، قال البيهقي: تفرد ~~برفعه جرير بن حازم، قال الدارقطني في العلل: وتفرد به عن جرير عبد الله بن ~~وهب، وخالفه ابن PageV01P378 # فضيل ووكيع فروياه عن الأعمش موقوفا، ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظبيان ~~عن علي عليه السلام وعمر مرفوعا، قال الحافظ: وقول ابن فضيل ووكيع أشبه ~~بالصواب. # ورواه أبو داود من حديث أبي الضحى عن علي عليه السلام، ولكن قال أبو ~~زرعة: # حديثه عن علي مرسل. ورواه ابن ماجة من حديث القاسم بن يزيد عن علي عليه ~~السلام وهو مرسل أيضا كما قال أبو زرعة. ورواه الترمذي من حديث الحسن ~~البصري عن علي، قال أبو زرعة: لم ms0432 يسمع الحسن من علي شيئا. وروى الطبراني من ~~طريق برد بن سنان ابن مكحول عن أبي إدريس الخولاني قال: أخبرني غير واحد من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثوبان ومالك بن شداد وغيرهما فذكر ~~نحوه. قال الحافظ: وفي إسناده مقال وبرد مختلف فيه: وروى أيضا من طريق ~~مجاهد عن ابن عباس قال وإسناده ضعيف. والحديث يدل على عدم تكليف الصبي ~~والمجنون والنائم ما داموا متصفين بتلك الأوصاف. قال ابن حجر في التلخيص ~~حاكيا عن ابن حبان: أن الرفع مجاز عن عدم التكليف لأنه يكتب له فعل الخير ~~انتهى. وهذا في الصبي ظاهر، وأما في المجنون فلا تتصف أفعاله بخير ولا شر ~~إذ لا قصد له، والموجود منه من صور الأفعال لا حكم له شرعا، وأما في النائم ~~ففيه بعد لأن قصده منتف أيضا، فلا حكم لما صدر منه من الأفعال حال نومه. ~~وللناس كلام في تكليف الصبي بجميع الاحكام أو ببعضها ليس هذا محل بسطه ~~وكذلك النائم. # باب أن الكافر إذا أسلم لم يقض الصلاة عن عمرو بن العاص: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: الاسلام يجب ما قبله رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا الطبراني والبيهقي من حديثه، وابن سعد من حديث جبير بن ~~مطعم. # وأخرج مسلم في صحيحه معناه من حديث عمرو أيضا بلفظ: أما علمت أن الاسلام ~~يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله ~~وفي صحيح مسلم أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قلنا يا رسول الله ~~أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: # من أحسن في الاسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الاسلام ~~أوخذ بالأول PageV01P379 # والآخر فهذا مقيد والحديث الأول مطلق، وحمل المطلق على المقيد واجب، فهدم ~~الاسلام ما كان قبله مشروط بالاحسان. قوله: يجب ما قبله أي يقطعه والمراد ~~أنه يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره، وأما الطاعات التي أسلفها قبل ~~إسلامه فلا يجبها لحديث حكيم بن ms0433 حزام عند مسلم وغيره: أنه قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية هل لي فيها من شئ؟ فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير وقد قال المازري: ~~أنه لا يصح تقرب الكافر، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه حال شركه، ~~لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بمن تقرب إليه والكافر ليس كذلك، وتابعه ~~القاضي عياض على تقرير هذا الاشكال. قال في الفتح: واستضعف ذلك النووي: ~~فقال: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الاجماع فيه أن الكافر إذا ~~فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ثم أسلم ومات على الاسلام أن ثواب ذلك ~~يكتب له. # أبواب المواقيت المواقيت جمع ميقات وهو القدر المحدود للفعل من الزمان ~~والمكان باب وقت الظهر عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم جاءه جبريل عليه السلام فقال له: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ~~ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه ~~المغرب فقال: قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم ~~فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فصله فصلى الفجر ~~حين برق الفجر أو قال سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله فصلى ~~الظهر حين صار ظل كل شئ مثله ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين ~~صار ظل كل شئ مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء ~~حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاء حين أسفر جدا ~~فقال: قم فصله فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت رواه أحمد ~~والنسائي والترمذي بنحوه. PageV01P380 # وقال البخاري: هو أصح شئ في المواقيت. وللترمذي عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: أمني جبريل عليه السلام عند ms0434 البيت مرتين فذكر ~~نحو حديث جابر إلا أنه قال فيه: وصلى المرة الثانية حين صار ظل كل شئ مثله ~~لوقت العصر بالأمس. وقال فيه: ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل. ~~وفيه: # ثم قال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين ~~قال الترمذي: # هذا حديث حسن. # أما حديث جابر فأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم، وروى الترمذي في سننه عن ~~البخاري أنه أصح شئ في الباب كما قال المصنف رحمه الله وأما حديث ابن عباس ~~فأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني والحاكم وفي إسناده ~~ثلاثة مختلف فيهم، أولهم: # عبد الرحمن بن أبي الزناد كان ابن مهدي لا يحدث عنه. وقال أحمد: مضطرب ~~الحديث. # وقال النسائي: ضعيف. وقال يحيى بن معين وأبو حاتم لا يحتج به. وقال ~~الشافعي: ضعيف وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد. وقال ابن عدي: بعض ما ~~يرويه لا يتابع عليه، وقد وثقه مالك واستشهد البخاري بحديثه عن موسى بن ~~عقبة في باب التطوع بعد المكتوبة. وفي حديث: لا تمنوا لقاء العدو. والثاني: ~~شيخه عبد الرحمن بن الحرث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال أحمد: ~~متروك الحديث. وقال ابن نمير: لا أقدم على ترك حديثه. وقال فيه ابن معين: ~~صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن سعد: ثقة. # وقال ابن حبان: كان من أهل العلم ولكنه قد توبع في هذا الحديث فأخرجه عبد ~~الرزاق عن العمري عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس ~~بنحوه. # قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة. والثالث: حكيم بن حكيم وهو ابن عباد ~~بن حنيف، قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. وحديث ابن عباس ~~هذا قد صححه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي، قال ابن عبد البر: إن الكلام ~~في إسناده لا وجه له، وأخرجه من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن الحرث بن عياش ~~فسلمت طريقه من التضعيف بعبد الرحمن بن ms0435 أبي الزناد. وكذلك أخرجه من هذا ~~الوجه أبو داود وابن خزيمة، قال أبو عمر: وذكره عبد الرزاق عن عمر بن نافع ~~وابن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن الحرث بإسناده، وذكره أيضا عن عمر بن نافع ~~بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي ~~والنسائي بإسناد حسن، PageV01P381 # وصححه ابن السكن والحاكم وحسنه الترمذي ولكن فيه: إن للمغرب وقتين ونقل ~~عن البخاري أنه خطأ. ورواه الحاكم من طريق أخرى وقال: صحيح الاسناد. وعن ~~بريدة عند الترمذي أيضا وصححه. وعن أبي موسى عند مسلم وأبي داود والنسائي ~~وأبي عوانة وأبي نعيم، قال الترمذي في كتاب العلل: أنه حسنه البخاري. وعن ~~أبي مسعود عند مالك في الموطأ وإسحاق بن راهويه والبيهقي في الدلائل وأصله ~~في الصحيحين من غير تفصيل وفصله أبو داود. وعن أبي سعيد الخدري عند أحمد في ~~مسنده والطحاوي. # وعن عمرو بن حزم رواه إسحاق بن راهويه. وعن البراء ذكره ابن أبي خيثمة. ~~وعن أنس عند الدارقطني وابن السكن في صحيحه والإسماعيلي في معجمه، وأشار ~~إليه الترمذي، ورواه عنه النسائي بنحوه، وأبو أحمد الحاكم في الكنى. وعن ~~ابن عمر عند الدارقطني قال الحافظ بإسناد حسن: لكن فيه عنعنة ابن إسحاق. ~~ورواه ابن حبان في الضعفاء من طريق أخرى فيها محبوب بن الجهم وهو ضعيف. وعن ~~مجمع بن جارية عند الحاكم. قوله في الحديث: قم فصله. الهاء هاء السكت. ~~قوله: حين وجبت الشمس الوجوب السقوط والمراد سقوطها للغروب. وقوله: زالت ~~الشمس أي مالت إلى جهة المغرب. وقوله: حين صار ظل كل شئ مثله الظل الستر، ~~ومنه قولهم: # أنافي ظلك، وظل الليل سواده لأنه يستر كل شئ، وظل الشمس ما ستر به الشخوص ~~من مسقطها. قال ابن عبد البر: وكانت إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في اليوم الذي يلي ليلة الاسراء، وأول صلاة أديت كذلك الظهر على ~~المشهورة، وقيل: الصحيح كما ثبت من حديث ابن عباس عند الدارقطني. قال ~~الحافظ: والصحيح خلافه، ms0436 وذكر ابن أبي خيثمة عن الحسن أنه ذكر له أنه لما ~~كان عند صلاة الظهر نودي أن الصلاة جامعة ففزع الناس فاجتمعوا إلى نبيهم ~~فصلى بهم الظهر أربع ركعات يؤم جبريل محمد أو يؤم محمد الناس لا يسمعهم ~~فيهن قراءة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: لما ~~أصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الليلة التي أسرى به فيها لم يرعه ~~إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس ولذلك سميت الأولى، فأمر فصيح بأصحابه: ~~الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى جبريل بالنبي وصلى النبي بالناس، وطول الركعتين ~~الأولتين ثم قصر الباقيتين. وسيأتي للمصنف وغيره في شرح حديث أبي موسى أن ~~صلاة جبريل كانت بمكة مقتصرين على ذلك. قال الحربي: إن الصلاة قبل الاسراء ~~كانت PageV01P382 # صلاة قبل الغروب وصلاة قبل طلوع الشمس. وقال أبو عمر: قال جماعة من أهل ~~العلم: # إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن عليه صلاة مفروضة قبل الاسراء ~~إلا ما كان أمر به من صلاة الليل على نحو قيام رمضان من غير توقيت ولا ~~تحديد ركعات معلومات ولا لوقت محصور. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقوم ~~أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وقامه معه المسلمون نحوا من حول حتى شق ~~عليهم ذلك، فأنزل الله التوبة عنهم والتخفيف في ذلك ونسخه وحطه فضلا منه ~~ورحمة فلم يبق في الصلاة فريضة إلا الخمس. # والحديث يدل على أن للصلوات وقتين وقتين إلا المغرب وسيأتي الكلام على ~~ذلك. # وعلى أن الصلاة لها أوقات مخصوصة لا تجزي قبلها بالاجماع، وعلى أن ابتداء ~~وقت الظهر الزوال ولا خلاف في ذلك يعتد به، وآخره مصير ظل الشئ مثله. ~~واختلف العلماء هل يخرج وقت الظهر بمصير ظل الشئ مثله أم لا؟ فذهب الهادي ~~ومالك وطائفة من العلماء أنه يدخل وقت العصر ولا يخرج وقت الظهر، وقالوا: ~~يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالحا للظهر والعصر أداء. قال النووي في شرح ~~مسلم: واحتجوا بقوله (ص): فصلى بي الظهر في ms0437 اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ ~~مثله، وصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شئ مثله وظاهره اشتراكهما ~~في قدر أربع ركعات، قال: وذهب الشافعي والأكثرون إلى أنه لا اشتراك بين وقت ~~الظهر ووقت العصر، بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشئ مثله غير الظل الذي ~~يكون عند الزوال دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شئ من وقت ~~الظهر. واحتجوا بحديث ابن عمرو بن العاص عند مسلم مرفوعا بلفظ: وقت الظهر ~~إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر الحديث قال: وأجابوا ~~عن حديث جبريل بأن معناه فرغ من الظهر حين صار ظل كل شئ مثله، وشرع في ~~العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شئ مثله فلا اشتراك بينهما، قال: وهذا ~~التأويل متعين للجمع بين الأحاديث، ولأنه إذا حمل على الاشتراك يكون آخر ~~وقت الظهر مجهولا، لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شئ مثله لم يعلم متى ~~فرغ منها، وحينئذ لا يحصل بيان حدود الأوقات، وإذا حمل على ذلك التأويل حصل ~~معرفة آخر الوقت فانتظمت الأحاديث على اتفاق. ويؤيد هذا أن إثبات ما عدا ~~الأوقات الخمسة دعوى مفتقرة إلى دليل خالص عن شوائب المعارضة، فالتوقف على ~~المتيقن هو الواجب حتى يقوم ما يلجئ PageV01P383 # إلى المصير إلى الزيادة عليها. وفي الحديث أيضا ذكر بقية أوقات الصلوات، ~~وسيعقد المصنف لكل واحد منها بابا، وسنتكلم على كل واحد منها في بابه إن ~~شاء الله تعالى. # باب تعجيلها وتأخيرها في شدة الحر عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصلي الظهر إذا دحضت الشمس رواه أحمد ومسلم وابن ماجة ~~وأبو داود. # وفي الباب أيضا عن أنس عند البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وقال: صحيح. # وعن خباب عند الشيخين، وعن أبي برزة عندهما أيضا. وعن ابن مسعود عند ابن ~~ماجة وفيه زيد بن جبيرة قال أبو حاتم: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث. ~~وعن زيد بن ثابت أشار ms0438 إليه الترمذي. وعن أم سلمة عند الترمذي أيضا. قوله: ~~دحضت الشمس هو بفتح الدال والحاء المهملتين وبعدها ضاد معجمة أي زالت. ~~والحديث يدل على استحباب تقديمها، وإليه ذهب الهادي والقاسم والشافعي ~~والجمهور للأحاديث الواردة في أفضلية أول الوقت، وقد خصه الجمهور بما عدا ~~أيام شدة الحر وقالوا: يستحب الابراد فيها إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج ~~وسيأتي تحقيق ذلك. # وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الظهر في أيام ~~الشتاء، وما ندري أما ذهب من النهار أكثر أو ما بقي منه رواه أحمد. وعن أنس ~~بن مالك قال: كان النبي (ص) إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل ~~رواه النسائي. وللبخاري نحوه. عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله (ص): إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح ~~جهنم رواه الجماعة. # حديث أنس الأول أخرجه أيضا عبد الرزاق. وفي الباب عن ابن عمر عند البخاري ~~وابن ماجة. وعن أبي موسى عند النسائي، وعن عائشة عند ابن خزيمة. وعن ~~المغيرة عند أحمد وابن ماجة وابن حبان، وفي رواية للخلال: وكان آخر الامرين ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الابراد وعن أبي سعيد عند البخاري: ~~وعن عمرو بن عبسة عند الطبراني. وعن صفوان عند ابن أبي شيبة والحاكم ~~والبغوي. وعن ابن عباس عند البزار وفيه عمرو بن صهبان وهو ضعيف. وعن عبد ~~الرحمن بن جارية PageV01P384 # عند الطبراني. وعن عبد الرحمن بن علقمة عند أبي نعيم. قوله: فأبردوا ~~بالصلاة أي أخروها عن ذلك الوقت وادخلوا بها في وقت الابراد، وهو الزمان ~~الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر ويوجد فيه برودة جهنم، يقال: أبرد الرجل أي ~~صار في برد النهار. وفيح جهنم شدة حرها وشدة غليانها. قال القاضي عياض: ~~اختلف العلماء في معناه فقال بعضهم: # نار جهنم فاحذروه واجتنبوا ضرره، قال: والأول أظهر. وقال النووي: هو ~~الصواب لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على ~~ظاهره انتهى. # ويدل ms0439 عليه حديث: إن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ~~ونفس في الصيف وهو في الصحيح. وحديث: إن لجهنم نفسين وهو كذلك. والأحاديث ~~تدل على مشروعية الابراد، والامر محمول على الاستحباب وقيل على الوجوب، حكى ~~ذلك القاضي عياض وهو المعنى الحقيقي له. وذهب إلى الأول جماهير العلماء ~~لكنهم خصوا ذلك بأيام شدة الحر كما يشعر بذلك التعليل. قوله: فإن شدة الحر ~~من فيح جهنم ولحديث أنس المذكور في الباب. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ~~الجماعة والمنفرد، وقال أكثر المالكية: الأفضل للمنفرد التعجيل والحق عدم ~~الفرق، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد ~~وغيره. وخصه الشافعي بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون ~~المسجد من مكان بعيد، لا إذا كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في ظل فالأفضل ~~التعجيل. وظاهر الأحاديث عدم الفرق، وقد ذهب إلى الاخذ بهذا الظاهر أحمد ~~وإسحاق والكوفيون وابن المنذر، ولكن التعليل بقوله: فإن شدة الحر يدل على ~~ما ذكره من التقييد بالبلد الحار. وذهب الهادي والقاسم وغيرهما إلى أن ~~تعجيل الظهر أفضل مطلقا، وتمسكوا بحديث جابر بن سمرة المذكور في أول الباب ~~وسائر الروايات المذكورة هنالك، وبأحاديث أفضلية أول الوقت على العموم ~~كحديث أبي ذر عند البخاري ومسلم وغيرهما قال: سألت النبي الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. وبحديث ~~خباب عند مسلم قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حر ~~الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا أي لم يعذرنا ولم يزل شكوانا وزاد ابن ~~المنذر والبيهقي: وقال: إذا زالت الشمس فصلوا وتأولوا حديث الابراد بأن ~~معناه صلوا أول الوقت أخذا من برد النهار وهو أوله وهو تعسف برده. ~~PageV01P385 # قوله: فإن شدة الحر من فيح جهنم. وقوله: فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ~~ويجاب عن ذلك بأن الأحاديث الواردة بتعجيل الظهر وأفضلية أول الوقت عامة أو ~~مطلقة، وحديث الابراد خاص أو مقيد، ولا تعارض بين عام وخاص، ولا بين ms0440 مطلق ~~ومقيد. وأجيب عن حديث خباب بأنه كما قال الأثرم والطحاوي منسوخ، قال ~~الطحاوي: ويدل عليه حديث المغيرة: كنا نصلي بالهاجرة فقال لنا: أبردوا فبين ~~أن الابراد كان بعد التهجير، وقال آخرون: إن حديث خباب محمول على أنهم ~~طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الابراد، لان الابراد أن يؤخر بحيث يصير ~~للحيطان فئ يمشون فيه ويتناقص الحر. وحمل بعضهم حديث الابراد على ما إذا ~~صار الظل فيئا، وحديث خباب على ما إذا كان الحصى لم يبرد لأنه لا يبرد حتى ~~تصفر الشمس، فلذلك رخص في الابراد ولم يرخص في التأخير إلى خروج الوقت، ~~وعلى فرض عدم إمكان الجمع فرواية الخلال السابقة عن المغيرة بلفظ: كان آخر ~~الامرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الابراد وقد صحح أبو حاتم ~~وأحمد حديث المغيرة وعده البخاري محفوظا من أعظم الأدلة الدالة على النسخ ~~كما قاله من قدمنا، ولو نسلم جهل التاريخ وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث ~~الابراد أرجح لأنها في الصحيحين بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث ~~خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم وكذا ما جاء من طرق. # وعن أبي ذر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأراد ~~المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبرد، ثم أراد ~~أن يؤذن فقال له: أبرد حتى رأينا فئ التلول، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة متفق عليه. # قوله: فئ التلول قال ابن سيده: الفئ ما كان شمسا فنسخه الظل، والجمع ~~أفياء وفيوء، وفاء الفئ فيئا تحول وتفيأ فيه تظلل، قال ابن قتيبة: يتوهم ~~الناس أن الظل والفئ بمعنى وليس كذلك، بل الظل يكون غدوة وعشية ومن أول ~~النهار إلى آخره، وأما الفئ فلا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل ~~الزوال، وإنما قيل لما بعد الزوال فئ لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب أي رجع، ~~والفئ ms0441 الرجوع ونسبه النووي في شرح مسلم إلى أهل اللغة. # والتلول جمع تل وهو الربوة من التراب المجتمع، والمراد أنه أخر تأخيرا ~~كثيرا حتى صار للتلول فئ وهي منبطحة لا يصير لها فئ في العادة إلا بعد زوال ~~الشمس بكثير. الحديث يدل PageV01P386 # على مشروعية الابراد وقد تقدم الكلام عليه مستوفى. قال المصنف رحمه الله. ~~وفيه دليل على أن الابراد أولى وإن لم ينتابوا المسجد من بعد لأنه أمر به ~~مع اجتماعهم معه انتهى. أشار رحمه الله بهذا إلى رد ما قاله الشافعي وقد ~~قدمنا حكاية ذلك عنه. # باب أول وقت العصر وآخره في الاختيار والضرورة قد سبق في حديث بن عباس ~~وجابر في باب وقت الظهر. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم ~~تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى ~~نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس رواه أحمد ومسلم والنسائي ~~وأبو داود. وفي رواية لمسلم: ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول. وفيه: ~~ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول. # قوله: ثور الشفق هو بالثاء المثلثة أي ثورانه وانتشاره ومعظمه. وفي ~~القاموس: # أنه حمرة الشفق الثائرة فيه. قوله: قرن الشمس هو ناحيتها أو أعلاها أو ~~أول شعاعها قاله في القاموس. وقوله: ويسقط قرنها الأول المراد به الناحية ~~كما قاله النووي. والحديث فيه ذكر أوقات الصلوات الخمس، وقد تقدم الكلام في ~~الظهر، وسيأتي الكلام على وقت المغرب والعشاء والفجر كل في بابه. وأما وقت ~~العصر فالحديث يدل على امتداد وقته إلى اصفرار الشمس كما في الرواية الأولى ~~من حديث الباب، وإلى سقوط قرنها أي غروبه كما في الرواية الثانية منه. ~~وحديث: من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر يدل على ~~إدراك بعضها في الوقت مجزئ، وإلى هذا ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: آخره ~~الاصفرار، ms0442 وقال الإصطخري: آخره المثلان وبعدها قضاء. والأحاديث ترد عليهم، ~~ولكنه استدل الإصطخري بحديث جبريل السابق وفيه أنه صلى العصر اليوم الأول ~~عند مصير ظل الشئ مثله، واليوم الثاني عند مصير ظل الشئ مثليه وقال بعد ~~ذلك: الوقت ما بين هذين الوقتين وقد أجيب عن ذلك بحمل حديث جبريل على بيان ~~وقت الاختيار لا لاستيعاب وقت الاضطرار والجواز، وهذا الحمل لا بد منه ~~للجمع بين الأحاديث وهو أولى من قول من قال: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث ~~PageV01P387 # جبريل، لأن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وكذلك لا يصار إلى ترجيح. ~~ويؤيد هذا الجمع حديث: تلك صلاة المنافق وسيأتي بعد هذا الحديث، فمن كان ~~معذور كان الوقت في حقه ممتدا إلى الغروب، ومن كان غير معذور كان الوقت له ~~إلى المثلين، وما دامت الشمس بيضاء نقية فإن آخرها إلى الاصفرار، وما بعده ~~كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث، وأما أول وقت العصر فذهب ~~العترة والجمهور أنه مصير ظل الشئ مثله لما تقدم في حديث جبريل، وقال ~~الشافعي: الزيادة على المثل. وقال أبو حنيفة: المثلان وهو فاسد ترده ~~الأحاديث الصحيحة. قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا: للعصر خمسة أوقات: # وقت فضيلة واختيار وجواز بلا كراهة وجواز مع كراهة ووقت عذر. فأما وقت ~~الفضيلة فأول وقتها، ووقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل الشئ مثليه. ووقت ~~الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ~~ووقت العذر وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين العصر والظهر لسفر أو مطر، ~~ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداء، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت ~~قضاء انتهى. قال المصنف رحمه الله: وفيه دليل على أن للمغرب وقتين وأن ~~الشفق الحمرة، وأن وقت الظهر يعاقبه وقت العصر، وأن تأخير العشاء إلى نصف ~~الليل جائز انتهى. قوله: وفيه دليل على أن للمغرب وقتين استدل على ذلك ~~بقوله في الحديث: ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق قال النووي في شرح ~~مسلم. وذهب المحققون ms0443 من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب ~~الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأتم بتأخيرها عن أول ~~الوقت، وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره. والجواب عن حديث جبريل ~~حين صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه: أحدها أنه اقتصر على ~~بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى ~~الظهر. والثاني أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث بامتداد وقت ~~المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أخر الامر بالمدينة فوجب اعتمادها. ~~والثالث أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها ~~انتهى. وقوله: وإن الشفق الحمرة قد أخرج ابن عساكر في غرائب مالك ~~والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق ~~وجبت الصلاة ولكنه صحيح البيهقي وقفه، وقد ذكر نحوه الحاكم، وسيذكره ~~PageV01P388 # المصنف في باب وقت صلاة العشاء. وقوله: وإن تأخير العشاء إلى نصف الليل ~~الخ سيأتي تحقيق ذلك في باب وقت صلاة العشاء. # وعن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: تلك صلاة ~~المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا ~~لا يذكر الله إلا قليلا رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. # الحديث رواه أبو داود بتكرير قوله: تلك صلاة المنافق. قوله: بين قرني ~~الشيطان اختلفوا فيه فقيل هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها ~~بقرنيه عند غروبها وكذلك عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ~~ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، وتخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما ~~يسجدون له. وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنه وقرنيه علوه وارتفاعه ~~وسلطانه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس قاله النووي. وقال ~~الخطابي: هو تمثيل ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن ~~تعجيلها كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه. قوله: فنقرها المراد بالنقر سرعة ~~الحركات كنقر الطائر، قال الشاعر: # لا أذوق النوم إلا غرارا * مثل حسو ms0444 الطير ماء الثماد وفي الحديث دليل على ~~كراهة تأخير الصلاة إلى وقت الاصفرار، والتصريح بذم من أخر صلاة العصر بلا ~~عذر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أردع لذوي الايمان وأفزع ~~لقلوب أهل العرفان من هذا. وقوله: يجلس يرقب الشمس فيه إشارة إلى أن الذم ~~متوجه إلى من لا عذر له. وقوله: فنقرها أربعا فيه تصريح بذم من صلى مسرعا ~~بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار، وقد نقل بعضهم الاتفاق على عدم ~~جواز التأخير إلى هذا الوقت لمن لا عذر له، وهذا من أوضح الأدلة القاضية ~~بصحة الجمع بين الأحاديث الذي ذكرناه في الحديث الذي قبل هذا وعن أبي موسى ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وأتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة ~~فلم يرد عليه شيئا وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد ~~يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول: انتصف ~~النهار أو لم وكان أعلم منهم، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة، ثم أمره ~~فأقام المغرب حين وقبت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر ~~الفجر PageV01P389 # من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت، وأخر الظهر ~~حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر فانصرف منها والقائل ~~يقول: احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق. وفي لفظ: فصلى ~~المغرب قبل أن يغيب الشفق، وأخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح ~~فدعا السائل فقال: # الوقت فيما بين هذين رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وروى الجماعة ~~إلا البخاري نحوه من حديث بريدة الأسلمي. # حديث بريدة صححه الترمذي ولفظه: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن وقت الصلاة فقال: صل معنا هذين الوقتين، فلما زالت الشمس أمر ~~بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء ~~نقية، ثم أمره فأقام المغرب حيث غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين ms0445 غاب ~~الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره ~~فأبرد بالظهر وأنعم أن يبرد بها وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي ~~كان وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى ~~الفجر فأسفر بها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا ~~رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم. قوله: # أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا أي لم يرد جوابا ~~ببيان الأوقات باللفظ بل قال له: صل معنا لتعرف ذلك ويحصل لك البيان ~~بالفعل، كما وقع في حديث بريدة أنه قال له: صل معنا هذين اليومين وليس ~~المراد أنه لم يجب عليه بالقول ولا بالفعل كما هو الظاهر من حديث أبي موسى، ~~لأن المعلوم من أحواله أنه كان يجيب من سأله عما يحتاج إليه، فلا بد من ~~تأويل ما في حديث أبي موسى من قوله: فلم يرد عليه شيئا بما ذكرنا. وقد ذكر ~~معنى ذلك النووي. قوله: انشق الفجر أي طلع. وقوله: والناس لا يكاد يعرف ~~بعضهم بعضا بيان لذلك الوقت. قوله: # وقبت الشمس هو بقاف فباء موحدة فتاء مثناة، يقال: وقبت الشمس وقبا ووقوبا ~~غربت ذكر معناه في القاموس. وفي الحديث بيان مواقيت الصلاة، وفيه تأخير وقت ~~العصر إلى قريب احمرار الشمس، وفيه أنه أخر العشاء حتى كان ثلث الليل. وفي ~~حديث عبد الله بن عمرو السابق أنه أخرها إلى نصف الليل وهو بيان لآخر وقت ~~الاختيار، وسيأتي PageV01P390 # تحقيق ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: وهذا الحديث يعني حديث الباب في ~~إثبات الوقتين للمغرب، وجواز تأخير العصر ما لم تصفر الشمس أولى من حديث ~~جبريل عليه السلام لأنه كان بمكة في أول الأمر وهذا متأخر ومتضمن زيادة ~~فكان أولى، وفيه من العلم جواز تأخير البيان عن وقت السؤال انتهى. وهكذا ~~صرح البيهقي والدارقطني وغيرهما أن صلاة جبريل كانت بمكة وقصة المسألة ~~بالمدينة، وصرحوا بأن الوقت الآخر لصلاة المغرب رخصة، ms0446 وقد ذكرنا طرفا من ~~ذلك في شرح حديث جبريل وفيه زيادة أن ذلك في صبيحة ليلة الاسراء. وقوله: ~~الوقت فيما بين هذين الوقتين ينفي بمفهومه وقتية ما عداه ولكن حديث: من ~~أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس ومن الفجر ركعة قبل طلوع الشمس وغيره ~~منطوقات وهي أرجح من المفهوم، ولا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، وقد ~~أمكن بما عرفت في شرح حديث عبد الله بن عمرو ولو صرت إلى الترجيح لكان حديث ~~أنس المذكور قبل هذا مانعا من التمسك بتلك المنطوقات والمصير إلى الجمع لا ~~بد منه. # باب ما جاء في تعجيلها وتأكيده مع الغيم عن أنس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى ~~العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة رواه الجماعة إلا الترمذي. وللبخاري وبعض ~~العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه. # وكذلك لأحمد وأبي داود معنى ذلك. # قوله: فيذهب في رواية لمسلم: ثم يذهب الذاهب إلى قباء وفي رواية له أيضا: # ثم يخرج الانسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون. قوله: والشمس مرتفعة ~~حية قال الخطابي: حياتها وجود حرها. قال أبو داود في سننه بإسناده إلى ~~خيثمة أنه قال حياتها أن تجد حرها. قوله: إلى العوالي هي القرى التي حول ~~المدينة، أبعدها على ثمانية أميال من المدينة، وأقربها ميلان، وبعضها على ~~ثلاثة أميال، وبه فسرها مالك، كذا في شرح مسلم للنووي. والحديث يدل على ~~استحباب المبادرة بصلاة العصر أول وقتها، لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة ~~العصر ميلين وثلاثة والشمس لم تتغير بصفرة PageV01P391 # ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشئ مثله. قال النووي: ولا يكاد ~~يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة، وهو دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد ~~والجمهور من العترة وغيرهم القائلين بأن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ ~~مثله، وفيه رد لمذهب أبي حنيفة فإنه قال: إن وقت العصر لا يدخل حتى يصير ظل ~~كل شئ مثليه، وقد تقدم ذكر ms0447 ذلك. # وعن أنس قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصر فأتاه رجل ~~من بني سلمة فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورا لنا وإنا نحب أن ~~تحضرها، قال: نعم فانطلق وانطلقنا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ~~ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس رواه مسلم. وعن رافع بن خديج. قال: ~~كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ننحر الجزور فنقسم ~~عشر قسم ثم نطبخ فنأكل لحمه نضيجا قبل مغيب الشمس متفق عليه. # قوله: ننحر جزورا لنا في القاموس: الجزور البعير أو خاص بالناقة ~~المجزورة، الجمع جزائر وجزر وجزرات. والحديثان يدلان على مشروعية المبادرة ~~بصلاة العصر، فإن نحر الجزور ثم قسمته ثم طبخه ثم أكله نضيجا ثم الفراغ من ~~ذلك قبل غروب الشمس من أعظم المشعرات بالتبكير بصلاة العصر فهو من حجج ~~الجمهور. ومن ذلك حديث ابن عباس وجابر في صلاة جبريل وغير ذلك، وكلها ترد ~~ما قاله أبو حنيفة وقد خالفه الناس في ذلك، ومن جملة المخالفين له أصحاب ~~وقد تقدم ذكر مذهبه. # وعن بريدة الأسلمي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~غزوة فقال: بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاته صلاة العصر حبط ~~عمله. # رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث في سنن ابن ماجة رجاله رجال الصحيح، ولكنه وهم فيه الأوزاعي فجعل ~~مكان أبي المليح أبا المهاجر. وقد أخرجه أيضا البخاري والنسائي عن أبي ~~المليح عن بريدة بنحوه، والامر بالتبكير تشهد له الأحاديث السابقة، وأما ~~كون فوت صلاة العصر سببا لاحباط العمل فقد أخرج البخاري في صحيحه: من ترك ~~صلاة العصر حبط عمله وأما تقييد التبكير بالغيم فلأنه مظنة التباس الوقت، ~~فإذا وقع التراخي فربما خرج الوقت أو اصفرت الشمس قبل فعل الصلاة، ولهذه ~~الزيادة ترجم المصنف الباب بقوله: # وتأكيده في الغيم. والحديث من الأدلة الدالة على استحباب التبكير لكن ~~مقيدا بذلك القيد، وعلى عظم ذنب من فاتته ms0448 صلاة العصر، وسيأتي لذلك مزيد ~~بيان. PageV01P392 # باب بيان أنها الوسطى وما ورد في ذلك في غيرها عن علي عليه السلام: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم الأحزاب: # ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت ~~الشمس متفق عليه. ولمسلم وأحمد وأبي داود: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر. وعن علي عليه السلام قال: كنا نراها الفجر فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: هي صلاة العصر يعني صلاة الوسطى رواه عبد الله بن أحمد في ~~مسند أبيه. # هذه الرواية الأخيرة رواها ابن مهدي قال: حدثنا سفيان عن عاصم عن زر قال ~~قلت لعبيدة: سل عليا عليه السلام عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نراها ~~الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم الأحزاب: ~~شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر قال ابن سيد الناس: وقد روي ذلك عنه من ~~غير وجه. # والحديث يدل على أن الصلاة الوسطى هي العصر، وقد اختلف الناس في ذلك على ~~أقوال بعد اتفاقهم على أنها آكد الصلوات. (القول الأول): أنها العصر وإليه ~~ذهب علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد ~~الخدري وأبو هريرة وأبي بن كعب وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~وعائشة وحفصة وأم سلمة وعبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي ~~والكلبي وقتادة والضحاك ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر، نقله ~~عن هؤلاء النووي وابن سيد الناس في شرح الترمذي وغيرهما، ونقله الترمذي عن ~~أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم. ورواه المهدي في البحر عن علي عليه ~~السلام، والمؤيد بالله وأبي ثور وأبي حنيفة. (القول الثاني): # أنها الظهر نقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد ~~وعائشة، ونقله ابن المنذر عن عبد الله بن شداد، ونقله المهدي في البحر عن ~~علي عليه السلام، والهادي والقاسم وأبي العباس وأبي طالب وهو أيضا مروي عن ~~أبي حنيفة. (القول الثالث): أنها الصبح ms0449 وهو مذهب الشافعي صرح به في كتبه، ~~ونقله النووي وابن سيد الناس عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن ~~عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك بن أنس وجمهور أصحاب ~~الشافعي، وقال الماوردي PageV01P393 # من أصحاب الشافعي أن مذهبه أنها العصر لصحة الأحاديث فيه، قال: وإنما نص ~~على أنها الصبح لأنها لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع ~~الحديث، ورواه أيضا في البحر عن علي عليه السلام. (القول الرابع): أنها ~~المغرب وإليه ذهب قبيصة بن ذؤيب. (القول الخامس): أنها العشاء نسبه ابن سيد ~~الناس وغيره إلى البعض من العلماء، وصرح المهدي في البحر بأنه مذهب ~~الإمامية. (القول السادس): أنها الجمعة في يوم الجمعة وفي سائر الأيام ~~الظهر، حكاه ابن مقسم في تفسيره ونقله القاضي عياض عن البعض. (القول ~~السابع): أنها إحدى الخمس مبهمة، رواه ابن سيد الناس عن زيد بن ثابت ~~والربيع بن خيثم وسعيد بن المسيب ونافع وشريح وبعض العلماء. (القول ~~الثامن): أنها جميع الصلوات الخمس، حكاه القاضي والنووي، ورواه ابن سيد ~~الناس عن البعض. (القول التاسع): أنها صلاتان العشاء والصبح، ذكره ابن مقسم ~~في تفسيره أيضا ونسبه إلى أبي الدرداء. (القول العاشر): أنها الصبح والعصر، ~~وذهب إلى ذلك أبو بكر الأبهري. (القول الحادي عشر): أنها الجماعة، حكي ذلك ~~عن الامام أبي الحسن الماوردي. (القول الثاني عشر): أنها صلاة الخوف، ذكره ~~الدمياطي وقال: حكاه لنا من يوثق به من أهل العلم. (القول الثالث عشر): ~~أنها الوتر، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن محمد السخاوي المقري. (القول ~~الرابع عشر): أنها صلاة عيد الأضحى، ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي ~~والدمياطي. (القول الخامس عشر): أنها صلاة عيد الفطر، حكاه الدمياطي. # (القول السادس عشر): أنها الجمعة فقط ذكره النووي. (القول السابع عشر): # أنها صلاة الضحى، رواه الدمياطي عن بعض شيوخه ثم تردد في الرواية. # احتج أهل القول الأول بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتفق عليها، ومنها ~~حديث الباب وما بعده من الأحاديث المذكورة الآتية، وهو المذهب الحق الذي ms0450 ~~يتعين المصير إليه، ولا يرتاب في صحته من أنصف من نفسه واطرح التقليد ~~والعصبية وجود النظر إلى الأدلة، ولم يعتذر عن أدلة هذا القول أهل الأقوال ~~الآخرة بشئ يعتد به إلا حديث عائشة أنها أمرت أبا يونس يكتب لها مصحفا، ~~الحديث سيأتي ويأتي الجواب عن هذا الاعتذار. وأما اعتذار من اعتذر عنه بأن ~~الاعتبار بالوسطى من حيث العدد فهو عذر بارد ونصب لنظر فاسد في مقابلة ~~النصوص، لأن الوسطى لا تتعين أن تكون من حيث العدد لجواز أن تكون من حيث ~~الفضل على أنه لو سلم أن المراد بها الوسطى من حيث PageV01P394 # العدد لم يتعين بذلك غير العصر من سائر الصلوات، إذ لا بد أن يتعين ~~الابتداء ليعرف الوسط ولا دليل على ذلك، ولو فرضنا وجود دليل يرشد إلى ~~الابتداء لم ينتهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتفق عليها المتضمنة لاخبار ~~الصادق المصدوق أن الوسطى هي العصر، فكيف يليق بالمتدين أن يعول على مسلك ~~النظر المبني على شفا جرف هار ليتحصل له به معرفة الصلاة الوسطى؟ وهذه ~~أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنادي ببيان ذلك. واحتج أهل القول ~~الثاني بأن الظهر متوسطة بين نهاريتين وبأنها في وسط النهار، ونصب هذا ~~الدليل في مقابلة الأحاديث الصحيحة من الغرائب التي لا تقع لمنصف ولا ~~متيقظ، واحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل) * (هود: 114) فلم يذكرها ثم أمر بها حيث قال: * (لدلوك الشمس) * ~~(الاسراء: 78) وأفردها في الامر بالمحافظة عليها بقوله: * (والصلاة الوسطى) ~~* (البقرة: 228) وهذا الدليل أيضا من السقوط بمحل لا يجهل، نعم أحسن ما ~~يحتج به لهم حديث زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وسيأتيان وسنذكر الجواب ~~عليهما. واحتج أهل القول الثالث بأن الصبح تأتي وقت مشقة بسبب برد الشتاء ~~وطيب النوم في الصيف والنعاس وفتور الأعضاء وغفلة الناس، وبورود الأخبار ~~الصحيحة في تأكيد أمرها، فخصت بالمحافظة لكونها معرضة للضياع بخلاف غيرها، ~~وهذه الحجة ليست بشئ، ولكن الأولى الاحتجاج لها بما رواه النسائي عن ابن ~~عباس قال: أدلج ms0451 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عرس فلم يستيقظ حتى ~~طلعت الشمس أو بعضها فلم يصل حتى ارتفعت الشمس فصلى وهي صلاة الوسطى ويمكن ~~الجواب عن ذلك من وجهين: الأول أن ما روي من قوله في هذا الخبر وهي صلاة ~~الوسطى يحتمل أن يكون من المدرج وليس من قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون من ~~قوله، وقد أخرج عنه أبو نعيم أنه قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر وهذا صريح ~~لا يتطرق إليه من الاحتمال ما يتطرق إلى الأول فلا يعارضه. الوجه الثاني ما ~~تقرر من القاعدة أن الاعتبار عند مخالفة الراوي روايته بما روى لا بما رأى، ~~فقد روى عنه أحمد في مسنده قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: # اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى املأ بيوتهم نارا أو قبورهم نارا وذكر ~~أبو محمد بن الفرس في كتابه في أحكام القرآن أن ابن عباس قرأ * (حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى) * (البقرة: 238) صلاة العصر على البدل، على أن ابن ~~عباس لم يرفع تلك المقالة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل قالها ~~من قبل نفسه وقوله ليس بحجة. واحتج أهل القول الرابع PageV01P395 # بأن المغرب سبقت عليها الظهر والعصر وتأخرت عنها العشاء والصبح. واحتج ~~أهل القول الخامس بأنها العشاء بمثل ما احتج أهل القول الرابع. واحتج أهل ~~القول السادس أن الجمعة قد ورد الترغيب في المحافظة عليها، قال النووي: ~~وهذا ضعيف لأن المفهوم من الايصاء بالمحافظة عليها إنما كان لأنها معرضة ~~للضياع وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من ~~غيرها لأنها تأتي في الأسبوع مرة بخلاف غيرها. واحتج أهل القول السابع على ~~أنها مبهمة بما روي أن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ ~~على الصلوات تصبها فهي مخبوءة في جميع الصلوات، خب ء ساعة الإجابة في ساعات ~~يوم الجمعة، وليلة القدر في ليالي ms0452 شهر رمضان، والاسم الأعظم في جميع ~~الأسماء والكبائر في جملة الذنوب. وهذا قول صحابي ليس بحجة، ولو فرض أن له ~~حكم الرفع لم ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين وغيرهما. واحتج أهل القول ~~الثامن بأن ذلك أبعث على المحافظة عليها أيضا، قال النووي: وهذا ضعيف أو ~~غلط، لأن العرب لا تذكر الشئ مفصلا ثم تجمله، وإنما تذكره مجملا ثم تفصله، ~~أو تفصل بعضه تنبيها على فضيلته. واحتج أهل القول التاسع بقوله (ص): لو ~~يعلمون ما في العشاء والصبح لأتوهما ولو حبوا. وقوله: # من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلاها مع الصبح في جماعة ~~كان كقيام ليلة وهذا الاستدلال مع كونه لا يثبت المطلوب معارض بما ورد في ~~العصر وغيرها من الترغيب والترهيب. واحتج أهل القول العاشر بمثل ما احتج به ~~للتاسع ورد بمثل ما رد. واحتج أهل القول الحادي عشر بما ورد من الترغيب في ~~المحافظة على الجماعة، ورد بأن ذلك لا يستلزم كونها الوسطى، وعورض بما ورد ~~في سائر الصلوات من الفرائض وغيرها. واحتج أهل القول الثاني عشر بقول الله ~~تعالى عقيب قوله: * (حافظوا على الصلوات) * (البقرة: 238) * (فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا) * (البقرة: 239) وذكروا وجوها للاستدلال كلها مردودة. ~~واحتج أهل القول الثالث عشر بأن المعطوف غير المعطوف عليه، فالصلاة الوسطى ~~غير الصلوات الخمس، وقد وردت الأحاديث بفضل الوتر فتعينت والنص الصريح ~~الصحيح يرده. واحتج أهل القول الرابع عشر بمثل ما احتج به للذي قبله ورد ~~بمثل ما رد. واحتج أهل القول الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر بمثل ذلك ~~ورد بالنص والمعارضة. إذا تقرر لك هذا فاعلم أنه ليس في شئ من حجج هذه ~~الأقوال ما يعارض حجج القول الأول معارضة يعتد بها في الظاهر إلا ما سيأتي ~~في الكتاب من الاحتجاج لأهل القول الثاني، وستعرف PageV01P396 # عدم صلاحيته للتمسك به. وعن ابن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول ~~الله صلى الله ms0453 عليه وآله وسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملا ~~الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا رواه أحمد ~~ومسلم وابن ماجة. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): صلاة الوسطى صلاة ~~العصر رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. # وعن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال الصلاة ~~الوسطى صلاة العصر رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي رواية لأحمد: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسماها ~~لنا أنها صلاة العصر. # حديث ابن مسعود الثاني حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره، وحديث سمرة حسنه ~~الترمذي في كتاب الصلاة من سننه وصححه في التفسير ولكنه من رواية الحسن عن ~~سمرة، وقد اختلف في صحة سماعه منه فقال شعبة: لم يسمع منه شيئا. وقيل: سمع ~~منه حديث العقيقة. وقال البخاري قال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة ~~صحيح، ومن أثبت مقدم على من نفى. ورواية أحمد ذكرها الحافظ ابن سيد الناس ~~في شرح الترمذي ولم يتكلم عليها وما في الصحيحين وغيرهما يشهد لها. وفي ~~الباب عن عمر عند النسائي والترمذي وقال: ليس بإسناده بأس. وعن أبي هريرة ~~عند الطحاوي والدمياطي وأشار إليه الترمذي، وعن أبي هاشم بن عتبة عند ~~الطحاوي وأشار إليه الترمذي أيضا، وهذه الأحاديث مصرحة بأن الصلاة الوسطى ~~صلاة العصر، فهي من حجج أهل القول الأول الذي أسلفناه، وقد تقدم تحقيق ~~الكلام في ذلك. قوله: عن صلاة العصر هكذا وقع في صحيح البخاري ومسلم وظاهره ~~أنه لم يفت غيرها، وفي الموطأ أنها الظهر والعصر، وفي الترمذي والنسائي ~~بإسناد لا بأس به من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: # شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أربع صلوات يوم ~~الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ~~ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء ومثله أخرج ~~أحمد والنسائي، وأشار إليه ms0454 الترمذي من حديث أبي سعيد. وقد اختلف العلماء في ~~ذلك فمنهم من رجح ما في الصحيحين كابن العربي، ومنهم من جمع بين الأحاديث ~~في ذلك بأن الخندق كانت وقعته PageV01P397 # أياما، فكان ذلك كله في أوقات مختلفة في تلك الأيام وهذا أولى من الأول، ~~لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي عن ابن أبي فديك عن ~~ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه وهذا ~~إسناد صحيح جليل. # وأيضا لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، على أن الزيادة مقبولة ~~بالاجماع إذا وقعت غير منافية للمزيد. قوله: حتى احمرت الشمس أو اصفرت وفي ~~بعض روايات الصحيح: # حتى غابت قيل: إن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف، قال العلماء: يحتمل أنه ~~أخرها نسيانا لا عمدا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بالعدو، وكان هذا ~~عذرا قبل نزول صلاة الخوف على حسب الأحوال، وسيأتي البحث عن ذلك. # وعن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة ~~العصر، فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله، فنزلت: حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى، فقال رجل هي، إذا صلاة العصر، فقال: قد أخبرتك كيف نزلت ~~وكيف نسخها الله والله أعلم رواه أحمد ومسلم. # أخرجه مسلم من طريق شقيق بن عقبة عن البراء، وليس له في صحيحه عن شقيق ~~غير هذا الحديث، وفيه متمسك لمن قال: إن الصلاة الوسطى هي العصر بقرينة ~~اللفظ المنسوخ، وإن لم يكن صريحا في المطلوب، لأنه لا يجب أن يكون معنى ~~اللفظ الناسخ معنى اللفظ المنسوخ، وربما تمسك به من يرى أنها غير العصر ~~قائلا: لو كان المراد باللفظ الناسخ معنى اللفظ المنسوخ، لم يكن للنسخ ~~فائدة، فالعدول إلى لفظ الوسطى ليس إلا لقصد الابهام، ويجاب عنه بأنه أرشد ~~إلى أن المراد بالناسخ المبهم نفس المنسوخ المعين ما في الباب من الأدلة ~~الصحيحة. قال المصنف رحمه الله: وهو دليل على كونها العصر لأنه خصها ونص ~~عليها في الامر بالمحافظة، ثم جاء الناسخ ms0455 في التلاوة متيقنا، وهو في المعنى ~~مشكوك فيه فيستصحب المتيقن السابق، وهكذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم تعظيم أمر فواتها تخصيصا، فروى عبد الله بن عمر: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ~~رواه الجماعة انتهى. قوله: أهله وماله روي بنصب اللامين ورفعهما، والنصب هو ~~الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور على أنه مفعول ثان، ومن رفع فعلى ما لم ~~يسم فاعله، ومعناه انتزع منه أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن أنس. وأما على ~~رواية النصب فقال الخطابي وغيره معناه نقص هو أهله وماله PageV01P398 # وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله ~~وماله. وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه عند أهل اللغة والفقه أنه كالذي ~~يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا، والوتر الجناية التي يطلب ثأرها ~~فيجتمع عليه غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر. # وعن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت: ~~إذا بلغت هذه الآية فآذني: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فلما بلغتها ~~آذنتها فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا ~~لله قانتين، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه ~~الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. # وفي الباب عن حفصة عند مالك في الموطأ قال عمرو بن رافع: إنه كان يكتب ~~لها مصحفا فقالت له إذا انتهيت إلى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~فآذني، فأذنتها فقالت اكتب: والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. ~~استدل بالحديث من قال: إن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر لأن العطف يقتضي ~~المغايرة، وهو راجع إلى الخلاف الثابت في الأصول في القراءة الشاذة هل تنزل ~~منزلة أخبار الآحاد فتكون حجة كما ذهبت إليه الحنفية وغيرهم، أم لا تكون ~~حجة لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا ~~بالتواتر، كما ذهبت إلى ذلك الشافعية والراجح الأول. وقد غلط ms0456 من استدل من ~~الشافعية بحديث عائشة وحفصة على أن هذه الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر، لما ~~عرفت من أن مذهبهم في الأصول يأبى هذا الاستدلال، وأجيب عن الاستدلال بهذا ~~الحديث من طرف القائلين بأنها العصر بوجهين: الأول أن تكون الواو زائدة في ~~ذلك على حد زيادتها في قوله تعالى: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض وليكون من الموقنين) * (الانعام: 75) وقوله: * (وكذلك نصرف الآيات ~~وليقولوا درست) * (الانعام: 105) وقوله: * (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ~~* (الأحزاب: 40) وقوله: * (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) * (الحج: ~~25) حكي عن الخليل أنه قال يصدون والواو مقحمة زائدة. ومثله في القرآن ~~كثير، ومنه قول امرئ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * بنا بطن خبت ذي حقاق عقنقل PageV01P399 # وقول الآخر: # فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن * إلا كلمة حالم بخيال الثاني: أن لا تكون ~~زائدة وتكون من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما لشئ واحد نحو قوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وقريب منه قول ~~الآخر: # أكر عليهم دعلجا ولبانة * إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما فعطف لبانة وهو ~~صدره على دعلج وهو اسم فرسه، ومعلوم أن الفرس لا يكر إلا ومعه صدره لما كان ~~الصدر يلتقي به ويقع به المصادمة. وقال مكي بن أبي طالب في تفسيره: وليست ~~هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى غير العصر لأن سيبويه حكى: # مررت بأخيك وصاحبك، والصاحب هو الأخ فكذلك الوسطى هي العصر وإن عطفت ~~بالواو انتهى. وتغاير اللفظ قائم مقام تغاير المعنى في جواز العطف. ومنه ~~قول أبي داود الأيادي: # سلط الموت والمنون عليهم * فلهم في صد المقابر هام وقول عدي بن زيد ~~العبادي: # وقدمت الأديم لراهشيه * فألقى قولها كذبا ومينا وقول عنترة: # حبيت من طلل تقادم عهده * أقوى وأفقر بعد أم الهيثم وقول الآخر: # ألا حبذا هند وأرضى بها هند * وهند أتى من دونها النأي والبعد وهذا ~~التأويل لا بد منه لوقوع هذه القراءة المحتملة في مقابلة تلك النصوص ~~الصحيحة الصريحة. وقد روي عن ms0457 السائب بن يزيد أنه تلا هذه الآية: * (حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) * وهذا التأويل المذكور يجري في ~~حديث عائشة وحفصة، ويختص حديث حفصة بما روى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو ~~عن أبي سلمة عن عمرو بن رافع قال: كان مكتوبا في مصحف حفصة بنت عمر: حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ذكر هذه الرواية والرواية ~~السابقة عن PageV01P400 # السائب ابن سيد الناس في شرح الترمذي. قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ~~سياق حديث عائشة ما لفظه: وهذا يتوجه منه كون الوسطى العصر، لأن تسميتها في ~~الحث على المحافظة دليل تأكدها وتكون الواو فيه زائدة كقوله: * (آتينا موسى ~~وهارون الفرقان وضياء) * (الأنبياء: 48) أي ضياء. وقوله: * (فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه) * (الصافات: 103) أي ناديناه إلى نظائرها انتهى. # وعن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الظهر ~~بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها فنزلت * (حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى) * وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين رواه أحمد ~~وأبو داود. # وعن أسامة بن زيد في الصلاة الوسطى قال: هي الظهر إن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان ~~والناس في قائلتهم وفي تجارتهم فأنزل الله: * (حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا الله قانتين) * رواه أحمد. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري وأخرجه البخاري في التاريخ ~~والنسائي بإسناد رجاله ثقات. وأخرج نحو ذلك في الموطأ والترمذي عن زيد أيضا ~~والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن منيع وابن جرير والضياء في ~~المختارة، ورجال إسناده في سنن النسائي ثقات. قوله: الهجير قال في القاموس: ~~الهجيرة والهجير والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من عند ~~زوالها إلى العصر، لان الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا لشدة الحر. ~~والأثر إن استدل بهما من قال إن الصلاة الوسطى هي الظهر، وأنت خبير بأن ~~مجرد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة ms0458 لا يستلزم أن تكون الآية نازلة ~~فيها، غاية ما في ذلك أن المناسب أن تكون الوسطى هي الظهر، ومثل هذا لا ~~يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق ~~متعددة قد قدمنا لك منها جملة نافعة، وعلى فرض أن قول هذين الصحابين تصريح ~~ببيان سبب النزول لا إبداء مناسبة، فلا يشك من له أدنى إلمام بعلوم ~~الاستدلال أن ذلك لا ينتهض لمعارضة ما سلف على أنه يعارض المروي عن زيد بن ~~ثابت، هذا ما قدمنا عنه في شرح حديث علي فراجعه، ولعلك إذا أمعنت النظر ~~فيما حررناه في هذا الباب لا تشك بعده أن الوسطى هي العصر: # فكن رجلا رجله في الثرى * وهامة همته في الثريا PageV01P401 # قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق الأثرين ما لفظه: وقد احتج بهما من يرى ~~تعجيل الظهر في شدة الحر، انتهى. # باب وقت صلاة المغرب عن سلمة بن الأكوع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب رواه الجماعة إلا ~~النسائي. # وفي الباب عن جابر عند أحمد، وعن زيد بن خالد عند الطبراني، وعن أنس عند ~~أحمد وأبي داود، وعن رافع بن خديج عند البخاري ومسلم، وعن أبي أيوب عند ~~أحمد وأبي داود والحاكم، وعن أم حبيبة أشار إليه الترمذي، وعن العباس بن ~~عبد المطلب عند ابن ماجة، قال الترمذي: وحديث العباس قد روي موقوفا وهو ~~أصح، وعن أبي بن كعب ذكره ابن أبي حاتم في العلل، وعن السائب بن يزيد عند ~~أحمد، وعن رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند النسائي ~~والبغوي في معجمه. قوله: وتوارت بالحجاب وقع في صحيح البخاري: إذا توارت ~~بالحجاب ولم يجر للشمس ذكر إحالة على فهم السامع وما يعطيه قوة الكلام وهو ~~تفسير للجملة الأولى، أعني قوله: إذا غربت الشمس. والحديث يدل على أن وقت ~~المغرب يدخل عند غروب الشمس وهو مجمع عليه، وأن المسارعة بالصلاة في أول ~~وقتها مشروعة. وقد ms0459 اختلف السلف فيها هل هي ذات وقت أو وقتين؟ فقال الشافعي: ~~إنه ليس لها إلا وقت واحد وهو أول الوقت، هذا هو الذي نص عليه في كتبه ~~القديمة والجديدة، ونقل عنه أبو ثور أن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى ~~مغيب الشفق، قال الزعفراني: وأنكر هذا القول جمهور الأصحاب، ثم اختلف أصحاب ~~الشافعي في المسألة على طريقين: أحدهما القطع بأن لها وقتا فقط. والثاني ~~على قولين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق، وله أن يبدأ بالصلاة ~~في كل وقت من هذا الزمان. قال النووي وهو الصحيح: وقد نقل أبو عيسى الترمذي ~~عن العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم كراهة تأخير المغرب، وتمسك القائل ~~بأن لها وقتا واحدا بحديث جبريل السابق، وقد ذكرنا كيفية الجمع بينه وبين ~~الأحاديث القاضية بأن للمغرب وقتين في باب أول وقت العصر. وقد اختلف ~~العلماء PageV01P402 # بعد اتفاقهم على أن أول وقت المغرب غروب الشمس في العلامة التي يعرف بها ~~الغروب، فقيل بسقوط قرص الشمس بكماله، وهذا إنما يتم في الصحراء، وأما في ~~العمران فلا. وقيل: برؤية الكوكب الليلي وبه قالت القاسمية واحتجوا بقوله: ~~حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم أخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي بصرة. ~~وقيل: بل بالاظلام وإليه ذهب زيد بن علي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن عيسى ~~وعبد الله بن موسى والامام يحيى لحديث: إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر ~~النهار من ههنا فقد أفطر الصائم متفق عليه من حديث ابن عمر وعبد الله بن ~~أبي أوفى. ولما في حديث جبريل من رواية ابن عباس بلفظ: فصلى بي حين وجبت ~~الشمس وأفطر الصائم ولحديث الباب وغير ذلك. # وأجاب صاحب البحر عن هذه الأدلة بأنها مطلقة، وحديث: حتى يطلع الشاهد ~~مقيد ورد بأنه ليس من المطلق والمقيد، وغايته أن يكون طلوع الشاهد أحد ~~أمارات غروب الشمس، على أنه قد قيل إن قوله والشاهد النجم مدرج، فإن صح ذلك ~~لم يبعد أن يكون المراد بالشاهد ظلمة الليل، ويؤيد ذلك حديث السائب بن يزيد ~~عند أحمد ms0460 والطبراني مرفوعا بلفظ: لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب ~~قبل طلوع النجم وحديث أبي أيوب مرفوعا: بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم ~~وحديث أنس ورافع بن خديج قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثم نرمي فيرى أحدنا موقع نبله وأما آخر وقت المغرب فذهب الهادي والقاسم ~~وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود إلى أن آخره ذهاب الشفق الأحمر لحديث ~~جبريل وحديث ابن عمرو بن العاص وقد مرا. وقال مالك وأبو حنيفة: إنه ممتد ~~إلى الفجر وهو أحد قولي الناصر، وقد سبق ذكر ما ذهب إليه الشافعي. # وعن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تزال أمتي ~~بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم رواه أحمد وأبو ~~داود. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم في المستدرك. وفي إسناده محمد بن إسحاق ولكنه ~~صرح بالتحديث، وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب عند ابن ماجة والحاكم ~~وابن خزيمة في صحيحه بلفظ: لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب ~~حتى تشتبك النجوم قال محمد بن يحيى: اضطرب الناس في هذا الحديث ببغداد ~~فذهبت أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عباد بن العوام فأخرج إلينا أصل ~~أبيه فإذا الحديث فيه. PageV01P403 # وأخرجه أبو بكر البزار من حديث إبراهيم بن موسى عن عباد بن العوام بسنده ~~ثم قال: لا يعلمه يروي يعني عن العباس إلا من هذا الوجه، ورواه غير واحد عن ~~عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن مرسلا، قال: الترمذي: وحديث العباس وقد ~~روي عنه موقوفا وهو أصح. قال ابن سيد الناس: ومراد البزار بالمرسل هنا ~~الموقوف لأنه متصل الاسناد إلى العباس، وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث ~~قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر. # والحديث يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى ~~اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى ~~اشتباك النجوم مستحبا والحديث يرده. قال النووي في شرح مسلم: إن ms0461 تعجيل ~~المغرب عقيب غروب الشمس مجمع عليه، قال: وقد حكي عن الشيعة فيه شئ لا ~~التفات إليه ولا أصل له، وأما الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى قرب ~~سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير وقد سبق إيضاح ذلك لأنها كانت جوابا ~~للسائل عن الوقت، وأحاديث التعجيل المذكورة في هذا الباب وغيره إخبار عن ~~عادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر ~~فالاعتماد عليها. # وعن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار ~~المفصل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ فيها بطولي ~~الطولين رواه البخاري وأحمد والنسائي. وزاد عن عروة: طولي الطولين الأعراف. ~~وللنسائي: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ فيها بطولي الطولين المص. # قوله: بقصار المفصل قال في الضياء: هو من سورة محمد إلى آخر القرآن، وذكر ~~في القاموس أقوالا عشرة من الحجرات إلى آخره قال في الأصح: أو من الجاثية، ~~أو القتال، أو قاف، أو الصافات، أو الصف، أو تبارك، أو إنا فتحنا لك، أو ~~سبح اسم ربك الأعلى، أو الضحى ونسب بعض هذه الأقوال إلى من قال بها، قال: ~~وسمي مفصلا لكثرة الفصول بين سورة أو لقلة المنسوخ. قوله: بطولي الطوليين ~~في الفتح الطولين الأعراف والانعام في قول، وتسميتهما بالطولين إنما هو ~~لعرف فيهما لا أنهما أطول من غيرهما، وفسرهما ابن أبي مليكة بالأعراف ~~والمائدة، والأعراف أطول من صاحبتها، قال الحافظ: إنه حصل الاتفاق على ~~تفسير الطولي بالأعراف. والحديث يدل على استحباب التطويل في قراءة المغرب، ~~وقد اختلفت حالات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها فثبت عند الشيخين من ~~حديث PageV01P404 # جبير بن مطعم أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقرأ في المغرب بالطور. # وثبت أنه قرأ في المغرب بالصافات. وأنه قرأ فيها بحم الدخان. وأنه قرأ ~~بسبح اسم ربك الأعلى. وأنه قرأ بالتين والزيتون. وأنه قرأ بالمعوذتين. وأنه ~~قرأ بالمرسلات. # وأنه قرأ بقصار المفصل، وسيأتي تحقيق ذلك ms0462 في باب جامع القراءة في الصلاة ~~إن شاء الله تعالى. والمصنف ساق الحديث هنا للاستدلال به على امتداد وقت ~~المغرب ولهذا قال: # وقد سبق بيان امتداد وقتها إلى غروب الشفق في عدة أحاديث انتهى. وكذلك ~~استدل الخطابي وغيره بهذا الحديث على امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق، ~~قال الحافظ: وفيه نظر لأن من قال: إن لها وقتا واحدا لم يحده بقراءة معينة، ~~بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشمس، وله أن يمد القراءة فيها ولو ~~غاب الشفق، ثم قال: ولا يخفى ما فيه لأن تعمد إخراج بعض الصلاة عن الوقت ~~ممنوع ولو أجزأت فلا يحمل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ذلك. # باب تقديم العشاء إذا حضر على تعجيل صلاة المغرب عن أنس: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل صلاة المغرب ولا ~~تعجلوا عن عشائكم. وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ~~أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~(ص): إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ولا تعجل حتى تفرغ ~~منه متفق عليهن. وللبخاري وأبي داود: وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام ~~الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه يسمع قراءة الإمام. # قوله: حضر العشاء قال في القاموس: هو طعام العشي وهو ممدود كسماء. # قوله: فابدؤوا بالعشاء أي بأكله. الحديث الأول يدل على وجوب تقديم العشاء ~~على صلاة المغرب إن حضر، والحديثان الآخران يدلان على وجوب تقديم العشاء ~~إذا حضر على المغرب وغيرها لما يشعر به تعريف الصلاة من العموم. وقال ابن ~~دقيق العيد: الألف واللام في الصلاة لا ينبغي أن يحمل على الاستغراق ولا ~~على تعريف الماهية، بل ينبغي أن يحمل على المغرب بما ورد في بعض الروايات: ~~إذا وضع العشاء وأحدكم صائم PageV01P405 # فابدؤوا به قبل أن تصلوا وهو صحيح. وكذلك صح أيضا: فابدؤوا به قبل أن ~~تصلوا صلاة المغرب انتهى، وأنت خبير ms0463 بأن التنصيص على المغرب لا يقتضي تخصيص ~~عموم الصلاة لما تقرر في الأصول من أن موافق العام لا يخصص به، فلا يصلح ~~جعله قرينة لحمل اللام على ما لا عموم فيه، ولو سلم عدم العموم لم يسلم عدم ~~الاطلاق، وقد تقرر أيضا في الأصول أن موافق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو ~~سلمنا ما ذكره باعتبار أحاديث الباب لتأييده بأن لفظ العشاء يخرج صلاة ~~النهار وذلك مانع من حمل اللام على العموم لم يتم له باعتبار حديث: # لا صلاة بحضرة طعام عند مسلم وغيره. ولفظ صلاة نكرة في سياق النفي ولا شك ~~أنها من صيغ العموم. ولاطلاق الطعام وعدم تقييده بالعشاء فذكر المغرب من ~~التنصيص على بعض أفراد العام، وليس بتخصيص على أن العلة التي ذكرها شراح ~~الحديث للامر بتقديم العشاء كالنووي وغيره مقتضية لعدم الاختصاص ببعض ~~الصلوات فإنهم قالوا: # إنها اشتغال القلب بالطعام، وذهاب كمال الخشوع في الصلاة عند حضوره، ~~والصلوات متساوية الاقدام في هذا، وظاهر الأحاديث أنه يقدم العشاء مطلقا، ~~سواء كان محتاجا إليه أم لا؟ وسواء كان خفيفا أم لا؟ وسواء خشي فساد الطعام ~~أو لا، وخالف الغزالي فزاد قيد خشية فساد الطعام، والشافعية فزادوا قيد ~~الاحتياج، ومالك فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفا. وقد ذهب إلى الاخذ بظاهر ~~الأحاديث ابن حزم والظاهرية، ورواه الترمذي عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأحمد ~~وإسحاق. ورواه العراقي عن الثوري فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان ~~الصلاة إذا قدمت. وذهب الجمهور إلى الكراهة، وظاهر الأحاديث أيضا أنه يقدم ~~الطعام وإن خشي خروج الوقت، وإليه ذهب ابن حزم، وذكره أبو سعيد المتولي ~~وجها لبعض الشافعية. وذهب الجمهور إلى أنه إذا ضاق الوقت صلى على حاله ~~محافظة على الوقت ولا يجوز تأخيرها، قالوا: لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا ~~تفوته لأجله، وظاهر قوله: ولا تعجل حتى تفرغ أنه يستوفي في حاجته من الطعام ~~بكمالها، وهو يرد ما ذكره بعض الشافعية من أنه يقتصر على تناول لقمات يكسر ~~بها سورة الجوع، قال النووي: وهذا الحديث ms0464 صريح في إبطاله. وقد استدل ~~بالأحاديث المذكورة على أن الجماعة ليست بواجبة. قال ابن دقيق العيد، وهذا ~~صحيح إن أريد به أن حضور الطعام مع التشوق إليه عذر في ترك الجماعة، وإن ~~أريد به الاستدلال على أنها ليست بفرض من غير عذر لم يصح ذلك انتهى. ويؤيده ~~أن ابن حبان وهو من القائلين بوجوب PageV01P406 # الجماعة جعل حضور الطعام عذرا في تركها. وقد استدل أيضا بهذه الأحاديث ~~على التوسعة في وقت المغرب وقد تقدم الكلام في ذلك، وقد ألحق بالطعام ما ~~يحصل بتأخيره تشويش الخاطر بجامع ذهاب الخشوع الذي هو روح الصلاة. وقوله: ~~إذا حضر العشاء ووضع عشاء أحدكم دليل على اعتبار الحضور الحقيقي، ومن نظر ~~إلى المعنى من أهل القياس لا يقصر الحكم على الحضور، بل يقول به عند وجود ~~المعنى وهو التشوق إلى الطعام، ولا شك أن حضور الطعام مؤثر لزيادة الاشتغال ~~به والتطلع إليه، ويمكن أن يكون الشارع قد اعتبر هذه الزيادة في تقديم ~~الطعام، وقد تقرر في الأصول أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون ~~معتبرا لم يلغ. قال ابن دقيق العيد أنه لا يبعد إلحاق ما كان متيسر الحضور ~~عن قرب بالحاضر. # باب جواز الركعتين قبل المغرب عن أنس قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان ~~والإقامة شئ وفي رواية: # إلا قليل رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: كنا نصلي على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب فقيل له: أكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم ~~يأمرنا ولم ينهنا رواه مسلم وأبو داود. # تقريره صلى الله عليه وآله وسلم لمن رآه يصلي في ذلك الوقت يدل على عدم ~~كراهة الصلاة فيه، ولا سيما والفاعل لذلك عدد كثير من الصحابة، وفي ms0465 المسألة ~~مذهبان للسلف استحبهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخرين أحمد ~~وإسحاق، ولم يستحبهما الأربعة الخلفاء رضي الله عنهم وآخرون من الصحابة ~~ومالك وأكثر الفقهاء. # وقال النخعي: هما بدعة احتج من قال بالاستحباب بما في هذا الباب من ~~الأحاديث الصحيحة، وبما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل: أن النبي ~~صلى قبل المغرب ركعتين فقد ثبتتا عنه صلى الله عليه وآله وسلم قولا كما ~~سيأتي، فعلا وتقريرا، PageV01P407 # واحتج من قال بالكراهة بحديث عقبة بن عامر الذي قد مر ذكره في باب وقت ~~صلاة المغرب، وهو يدل على شرعية تعجيلها وفعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب. ~~والحق أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصصة لعموم أدلة ~~استحباب التعجيل، قال النووي: وأما قولهم يؤدي إلى تأخير المغرب فهذا خيال ~~منابذ للسنة ولا يلتفت إليه، ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن ~~أول وقتها، وأما من زعم النسخ فهو مجازف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا ~~عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ، وليس هنا شئ من ذلك ~~انتهى. وهذا الاستحباب ما لم تقم الصلاة كسائر النوافل لحديث: إذا أقيمت ~~الصلاة فلا صلاة واعلم أن التعليل للكراهة بتأدية الركعتين إلى تأخير ~~المغرب مشعر بأنه لا خلاف في أنه يستحب لمن كان في المسجد في ذلك الوقت ~~منتظرا لقيام الجماعة، وكان فعله للركعتين لا يؤثر في التأخير، كما يقع من ~~الانتظار بعد الاذان للمؤذن حتى ينزل من المنارة، ولا ريب أن ترك هذه السنة ~~في ذلك الوقت الذي لا اشتغال فيه بصلاة المغرب ولا بشئ من شروطها مع عدم ~~تأثير فعلها للتأخير من الاستحواذات الشيطانية التي لم ينج منها إلا ~~القليل. قوله: شئ التنوين فيه للتعظيم أي لم يكن بينهما شئ كثير، ونفي ~~الكثير يقتضي إثبات القليل، وبهذا يجمع بين هذه الرواية ورواية قليل. وقال ~~ابن المنير يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازا، ~~والاثبات للقليل على الحقيقة، وقد طول الكلام في ذلك الحافظ في ms0466 الفتح ~~فليرجع إليه. # وعن عبد الله بن مغفل: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلوا ~~قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: ~~لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وفي ~~رواية: بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء ~~رواه الجماعة. # زاد الإسماعيلي في روايته عن القواريري عن عبد الوارث في الرواية الأولى ~~ثلاث مرات، وهو موافق لما في رواية البخاري لأنها بلفظ قال في الثالثة، وفي ~~رواية لأبي نعيم في المستخرج قالها ثلاثا ثم قال لمن شاء. قوله: كراهية أن ~~يتخذها الناس سنة قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابها لأنه لا يمكن أن ~~يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أدل الأدلة على استحبابها. ومعنى قوله ~~سنة أي شريعة وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ~~ولهذا لم يعدها أكثر الشافعية في الرواتب، PageV01P408 # واستدركها بعضهم وتعقب أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~واظب عليها. # قوله: بين كل أذانين المراد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبا. والرواية ~~الأولى من حديث الباب تدل على استحباب هاتين الركعتين بخصوصها، والرواية ~~الأخرى بعمومها، وقد عرفت الخلاف في ذلك. # وعن أبي الخير قال: أتيت عقبة بن عامر فقلت له: ألا أعجبك من أبي تميم ~~يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل رواه أحمد ~~والبخاري. # قوله: ألا أعجبك بضم أوله وتشديد الجيم من التعجيب. قوله: من أبي تميم هو ~~عبد الله بن مالك الجيشاني بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة تابعي ~~كبير مخضرم أسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد عده جماعة ~~في الصحابة، قال الحافظ في الفتح: وفيه رد على قول القاضي أبي بكر بن ~~العربي أنه لم يفعلهما أحد بعد الصحابة لأن أبا تميم تابعي ms0467 وقد فعلهما. ~~والحديث يدل على مشروعية صلاة الركعتين قبل المغرب، وقد تقدم الكلام على ~~ذلك. وقوله: على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الصيغة فيها ~~خلاف مذكور في الأصول وعلم الاصطلاح هل لها حكم الرفع؟ وهل تشعر باطلاع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك فليطلب من موضعه. # وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بلال ~~اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي المتوضئ ~~حاجة في مهل رواه عبد الله بن أحمد في المسند. # الحديث من رواية أبي الجوزاء عن أبي بن كعب ولم يسمع منه، وقد أخرج نحوه ~~الترمذي من حديث جابر بزيادة: والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة قال الترمذي: # لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم وإسناده مجهول انتهى. وفي إسناده ضعيفان ~~يرويه أحدهما عن الآخر، فأولهما عبد المنعم بن نعيم قال البخاري وأبو حاتم ~~وابن حبان: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة. وثانيهما يحيى بن مسلم ~~وهو البكاء بصري لم يرضه يحيى بن سعيد. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو ~~حاتم: شيخ. وقال يحيى بن معين: # ليس بذلك. وقال أحمد: ليس بثقة وقال النسائي: متروك وفيه كلام طويل، وله ~~شاهد من حديث أبي هريرة وسلمان أخرجهما أبو الشيخ وكلها واهية. قال الحاكم: ~~ليس في PageV01P409 # إسناده مطعون غير عمرو بن قائد. قال الحافظ: لم يقع إلا في روايته هو، ~~ولم يقع في رواية الباقين، لكن فيه عبد المنعم صاحب الشفاء وهو كاف في ~~تضعيف الحديث انتهى. # والحديث يدل على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة وكراهة الموالاة ~~بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها، لأن من ~~كان على طعامه أو غير متوضئ حال النداء إذا استمر على أكل الطعام أو توضأ ~~للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل، لا سيما إذا كان ~~مسكنه بعيدا من مسجد الجماعة، فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البر ms0468 ~~والتقوى المندوب إليها. قال المصنف رحمه الله تعالى: وكل هذه الأخبار تدل ~~على أن للمغرب وقتين، وأن السنة أن يفصل بين أذانها وإقامتها بقدر ركعتين ~~انتهى. وقد تقدم الكلام على وقت المغرب، وأما أن الفصل مقدار ركعتين فلم ~~يثبت، وقد ترجم البخاري باب كم بين الأذان والإقامة، ولكن لما كان التقدير ~~لم يثبت لم يذكر الحديث، قال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت ~~واجتماع المصلين. # باب في أن تسميتها بالمغرب أولى من تسميتها بالعشاء عن عبد الله بن ~~المغفل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يغلبنكم الاعراب على اسم ~~صلاتكم المغرب، قال: والاعراب تقول هي العشاء متفق عليه. # قوله: والاعراب تقول هي العشاء لأن العشاء لغة أول ظلام الليل، والمعنى ~~النهي عن تسمية المغرب بالعشاء كما تفعل الاعراب، فإذا وقعت الموافقة لهم ~~فقد غلبتهم الاعراب عليها، إذ من رجع إليه خصمه فقد غلبه، وقد اختلف في علة ~~النهي عن ذلك فقيل: هي خوف التباس المغرب بالعشاء، وقيل: العلة الجامعة أن ~~تسميتها بالعشاء مخالفة لاذن الله، فإنه سمى الأولى المغرب، والثانية ~~العشاء الآخرة، وقيل غير ذلك والله أعلم. # باب وقت صلاة العشاء وفضل تأخيرها مع مراعاة حال الجماعة وبقاء وقتها ~~المختار إلى نصف الليل عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة رواه الدارقطني. PageV01P410 # الحديث قال الدارقطني في الغرائب: هو غريب وكل رواته ثقات، وقد رواه أيضا ~~ابن عساكر والبيهقي وصحح وقفه، وقد ذكره الحاكم في المدخل وجعله مثالا لما ~~رفعه المخرجون من الموقوفات. وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن ~~عمر مرفوعا: ووقت صلاة المغرب إلى أن يذهب حمرة الشفق قال ابن خزيمة: إن ~~صحت هذه اللفظة أغنت عن جميع الروايات، لكن تفرد بها محمد بن يزيد. قال ~~الحافظ: محمد بن يزيد صدوق، قال البيهقي: روي هذا الحديث عن عمر وعلي وابن ~~عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة ms0469 ولا يصح فيه شئ. قال المصنف ~~رحمه الله: وهو يدل على وجوب الصلاة بأول الوقت انتهى. وفي ذلك خلاف في ~~الأصول مشهور. # والحديث يدل على صحة قول من قال: إن الشفق الحمرة، وهم ابن عمرو ابن عباس ~~وأبو هريرة وعبادة من الصحابة والقاسم والهادي والمؤيد بالله وأبو طالب ~~وزيد بن علي والناصر من أهل البيت. والشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبو ~~يوسف ومحمد من الفقهاء. والخليل والفراء من أئمة اللغة. قال في القاموس: ~~الشفق الحمرة ولم يذكر الأبيض. # وقال أبو حنيفة والأوزاعي والمزني وبه قال الباقر: بل هو الأبيض، واحتجوا ~~بقوله تعالى: * (إلى غسق الليل) * (الاسراء: 78) ولا غسق قبل ذهاب البياض، ~~ورد بأن ذلك ليس بمانع كالنجوم، وقال أحمد بن حنبل: الأحمر في الصحارى ~~والأبيض في البنيان، وذلك قول لا دليل عليه، ومن حجج الأولين ما روي عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى العشاء لسقوط القمر لثالثة الشهر، أخرجه ~~أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، قال ابن العربي: هو صحيح وصلى قبل ~~غيبوية الشفق، قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وقد علم كل من له علم ~~بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد ~~عليه السلام خروج أكثر الوقت به، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل ~~الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض، فتبين ~~بذلك يقينا أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة انتهى. وابتداء وقت العشاء ~~مغيب الشفق إجماعا لما تقدم في حديث جبريل وفي حديث التعليم وهذا الحديث ~~وغير ذلك، وأما آخره فسيأتي الخلاف فيه. # وعن عائشة قالت: أعتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة بالعتمة ~~فنادى عمر: نام النساء والصبيان فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ما ينتظرها PageV01P411 # غيركم ولم تصل يومئذ إلا بالمدينة ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق ~~إلى ثلث الليل رواه النسائي. # الحديث رجال إسناده في سنن النسائي رجال الصحيح إلا ms0470 شيخ النسائي عمرو بن ~~عثمان وهو صدوق. والحديث متفق عليه من حديثها بنحو هذا اللفظ. وفي الباب عن ~~زيد بن خالد أشار إليه الترمذي. وعن ابن عمر عند مسلم. وعن معاذ عند أبي ~~داود. # وعن أبي بكرة رواه الخلال من حديث عبد الله بن أحمد عن أبيه. وعن علي ~~عليه السلام عند البزار. وعن أبي سعيد وعائشة وأنس وأبي هريرة وجابر بن ~~سمرة وجابر بن عبد الله وسيأتي. قوله: أعتم أي دخل في العتمة ومعناه أخرها، ~~والعتمة لغة: حلب بعد هوى من الليل بعدا من الصعاليك. والمراد بها هنا صلاة ~~العشاء، وإنما سميت بذلك لوقوعها في ذلك الوقت. وفي القاموس: والعتمة محركة ~~ثلث الليل الأول بعد غيبوية الشفق أو وقت صلاة العشاء الآخرة اه. وهذا ~~الحديث يدل على استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، وقد اختلف العلماء ~~هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها؟ # وهما مذهبان مشهوران للسلف، وقولان لمالك والشافعي. فذهب فريق إلى تفضيل ~~التأخير محتجا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وذهب فريق آخر إلى ~~تفضيل التقديم محتجا بأن العادة الغالبة لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم هي التقديم، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز والشغل والعذر، ~~ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه وإن كان فيه مشقة، ورد بأن هذا إنما يتم ~~لو لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم إلا مجرد الفعل لها في ذلك الوقت، ~~وهو ممنوع لورود الأقوال كما في حديث ابن عباس وأبي هريرة وعائشة وغير ذلك، ~~وفيها تنبيه على أفضلية التأخير، وعلى أن ترك المواظبة عليه لما فيه من ~~المشقة كما صرحت بذلك الأحاديث، وأفعاله صلى الله عليه وآله وسلم لا تعارض ~~هذه الأقوال، وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم فأحاديث هذا ~~الباب خاصة فيجب بناؤه عليها وهذا لا بد منه. قوله: ولم تصل يومئذ إلا ~~بالمدينة أي لم تصل بالهيئة المخصوصة وهي الجماعة إلا بالمدينة ذكر معناه ~~في الفتح. قوله: فيما بين أن يغيب الشفق الخ، قد ms0471 تقدم أن تحديد أول وقت ~~العشاء بغيبوبة الشفق أمر مجمع عليه، وإنما وقع الخلاف هل هو الأحمر أو ~~الأبيض وقد سلف ما هو الحق. # وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV01P412 # يؤخر العشاء الآخرة رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن عائشة قالت: كانوا ~~يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول أخرجه البخاري. ~~وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أن أشق ~~على أمتي لامرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه رواه أحمد وابن ~~ماجة والترمذي وصححه. # الحديث الأول يدل على استحباب مطلق التأخير للعشاء وجواز وصفها بالآخرة ~~وأنه لا كراهة في ذلك، وقد حكي عن الأصمعي الكراهة. والحديث الثاني يدل على ~~استحباب تأخيرها أيضا وامتداد وقتها إلى ثلث الليل. والحديث الثالث فيه ~~التصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وقد تقدم الكلام في ذلك وفيه بيان ~~امتداد الوقت إلى ثلث الليل أو نصفه، وقد اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب عمر ~~بن الخطاب والقاسم والهادي والشافعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن آخر وقت ~~العشاء ثلث الليل، واحتجوا بحديث جبريل وحديث أبي موسى في التعليم وقد ~~تقدما. وفي قول للشافعي أن آخر وقتها نصف الليل، واحتج بما تقدم في حديث ~~عبد الله بن عمرو في باب أول وقت العصر وفيه: ووقت صلاة العشاء إلى نصف ~~الليل وبحديث أبي هريرة المذكور هنا، وبحديث عائشة وأنس وأبي سعيد وستأتي ~~وغير ذلك. وهذه الأحاديث المصير إليها متعين لوجوه. # الأول: لاشتمالها على الزيادة وهي مقبولة. الثاني: اشتمالها على الأقوال ~~والأفعال وتلك أفعال فقط وهي لا تتعارض ولا تعارض الأقوال. والثالث: كثرة ~~طرقها. والرابع: # كونها في الصحيحين، فالحق أن آخر وقت اختيار العشاء نصف الليل، وما أجاب ~~به صاحب البحر من أن النصف مجمل فصله خبر جبريل فليس على ما ينبغي. وأما ~~وقت الجواز والاضطرار فهو ممتد إلى الفجر لحديث أبي قتادة عند مسلم وفيه: ~~ليس في النوم ms0472 تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة ~~الأخرى إلا صلاة الفجر فإنها مخصوصة من هذا العموم بالاجماع. وأما حديث ~~عائشة الآتي بلفظ: حتى ذهب عامة الليل فهو وإن كان فيه إشعار بامتداد وقت ~~اختيار العشاء إلى بعد نصف الليل ولكنه مؤول لما سيأتي. # وعن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ~~PageV01P413 # والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت الشمس، والعشاء أحيانا يؤخرها ~~وأحيانا يعجل إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطأوا أخر، والصبح كانوا أو ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصليها بغلس متفق عليه. # قوله: بالهاجرة هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال، سميت بذلك من الهجر ~~وهو الترك، لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون، وقد تقدم ~~تفسيرها بنحو من هذا. قوله: والشمس نقية أي صافية لم تدخلها صفرة. قوله: ~~إذا وجبت أي غابت والوجوب السقوط كما سبق. قوله: إذا رآهم اجتمعوا فيه ~~مشروعية ملاحظة أحوال المؤتمين والمبادرة بالصلاة مع اجتماع المصلين، لأن ~~انتظارهم بعد الاجتماع ربما كان سببا لتأذي بعضهم، وأما الانتظار قبل ~~الاجتماع فلا بأس به لهذا الحديث، ولأنه من باب المعاونة على البر والتقوى. ~~قوله: بغلس الغلس محركة ظلمة آخر الليل قاله في القاموس. والحديث يدل على ~~استحباب تأخير صلاة العشاء لكن مقيدا بعدم اجتماع المصلين. # وعن عائشة قالت: اعتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة حتى ذهب ~~عامة الليل حتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال إنه لوقتها لولا أن أشق ~~على أمتي رواه مسلم والنسائي. # قوله: أعتم قد تقدم الكلام عليه. قوله: حتى ذهب عامة الليل قال النووي: # التأخير المذكور في الأحاديث كله تأخير لم يخرج به عن وقت الاختيار وهو ~~نصف الليل أو ثلث الليل على الخلاف المشهور، والمراد بعامة الليل كثير منه ~~وليس المراد أكثره، ولا بد من هذا التأويل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إنه لوقتها ولا يجوز أن المراد بهذا القول ما بعد نصف ms0473 الليل، لأنه لم يقل ~~أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل اه. قوله: لولا أن ~~أشق على أمتي فيه تصريح بما قدمنا من أن ترك التأخير إنما هو للمشقة. ~~والحديث يدل على مشروعية تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقت اختيارها، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك. # وعن أنس قال: أخر النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العشاء إلى نصف ~~الليل ثم صلى ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما ~~انتظرتموها، قال أنس كأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ متفق عليه. ~~PageV01P414 # قوله: قد صلى الناس أي المعهودون ممن صلى من المسلمين إذ ذاك. قوله: وبيص ~~خاتمه هو بالباء الموحدة والصاد المهملة البريق. والخاتم بكسر التاء ~~وفتحها، ويقال أيضا خاتام وخيتام أربع لغات قاله النووي. والحديث يدل على ~~مشروعية تأخير صلاة العشاء والتعليل بقوله: أما إنكم الخ يشعر بأن التأخير ~~لذلك، قال الخطابي وغيره: # إنما استحب تأخيرها لتطول مدة الانتظار للصلاة ومنتظر الصلاة في صلاة. # وعن أبي سعيد قال: انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة بصلاة ~~العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل، قال: فجاء فصلى بنا ثم قال: خذوا مقاعدكم ~~فإن الناس قد أخذوا مضاجعهم، وإنكم لم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها، ~~ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر ~~الليل رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة من حديثه، والنسائي وابن خزيمة وغيرهم ~~وإسناده صحيح. قوله: ليلة فيه إشعار بأنه لم يكن يواظب على ذلك. قوله: شطر ~~الليل الشطر نصف الشئ وجزؤه، ومنه حديث الاسراء فوضع شطرها أي بعضها قاله ~~في القاموس. قوله: ولولا ضعف الضعيف هذا تصريح بأفضلية التأخير، لولا ضعف ~~الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة. والحديث من حجج من قال بأن التأخير ~~أفضل، وقد تقدم الخلاف في ذلك. قال المصنف رحمه الله: قلت قد ثبت تأخيرها ~~إلى شطر الليل عنه عليه السلام قولا وفعلا، وهو يثبت زيادة على أخبار ms0474 ثلث ~~الليل، والاخذ بالزيادة أولى اه. وهذا صحيح قد أسلفنا ذكره. # باب كراهية النوم قبلها والسمر بعدها إلا في مصلحة عن أبي برزة الأسلمي: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها ~~العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها رواه الجماعة. # وفي الباب عن عائشة عند ابن حبان، وعن أنس أشار إليه الترمذي، وعن ابن ~~عباس رواه القاضي أبو الطاهر الدهلي، وعن ابن مسعود وسيأتي، قال الترمذي: ~~وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص في ذلك بعضهم، وقال ~~ابن المبارك: أكثر الأحاديث PageV01P415 # على الكراهة، رخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان. قال ابن سيد ~~الناس في شرح الترمذي: وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه، منهم ابن عمر وعمر وابن ~~عباس، وإليه ذهب مالك، ورخص فيه بعضهم منهم علي عليه السلام وأبو موسى وهو ~~مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها، وروي عن ابن عمر ~~مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وقال ابن العربي: إن ذلك جائز لمن علم من نفسه ~~اليقظة قبل خروج الوقت بعادة أو يكون معه من يوقظه، والعلة في الكراهة ~~قبلها لئلا يذهب النوم بصاحبه ويستغرقه فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، ~~أو يترخص في ذلك الناس فيناموا عن إقامة جماعتها. احتج من قال بالكراهة ~~بحديث الباب وما بعده. واحتج من قال بالجواز بدون كراهة بما أخرجه البخاري ~~وغيره من حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتم بالعشاء ~~حتى ناداه عمر نام النساء والصبيان ولم ينكر عليهم. وبحديث ابن عمر: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في ~~المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الحديث ولم ينكر عليهم. قال ابن سيد الناس: وما أرى هذا من ~~هذا الباب ولا نعاسهم في المسجد وهم في انتظار الصلاة من النوم المنهي عنه، ~~وإنما هو من السنة ms0475 التي هي مبادئ النوم كما قال: # وسنان أقصده النعاس فرنقت * في جفنه سنة وليس بنائم وقد أشار الحافظ في ~~الفتح إلى الفرق بين هذا النوم والنوم المنهي عنه. قوله: # والحديث بعدها سيأتي الخلاف في ذلك. # وعن ابن مسعود قال: جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السمر بعد ~~العشاء رواه ابن ماجة. وقال: جدب يعني زجرنا عنه نهانا عنه. # الحديث رجاله في سنن ابن ماجة رجال الصحيح، وقد أشار إليه الترمذي وذكره ~~الحافظ ابن سيد الناس في شرح الترمذي ولم يتعقبه بما يوجب ضعفا. وقد أخرج ~~الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود نحوه من وجه آخر بلفظ: لأسمر بعد الصلاة ~~يعني العشاء الآخرة إلا لاحد رجلين مصل أو مسافر ورواه الحافظ ضياء الدين ~~المقدسي في الاحكام من حديث عائشة مرفوعا بلفظ: لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو ~~مسافر أو عروس. قوله: جدب هو بجيم فدال مهملة مفتوحتين فباء كمع وزنا ~~ومعنى. ومنه PageV01P416 # سنة مجدبة أي ممنوعة الخير. والحديث يدل على كراهة السمر بعد العشاء ~~وسيأتي الخلاف في ذلك. # وعن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمر عند أبي بكر ~~الليلة كذلك في الامر من أمر المسلمين وأنا معه رواه أحمد والترمذي. # الحديث حسنه الترمذي أيضا، وأخرجه النسائي ورجاله رجال الصحيح، وإنما قصر ~~به عن التصحيح الانقطاع الذي فيه بين علقمة وعمر. وفي الباب عن عبد الله بن ~~عمر عند البخاري ومسلم، وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث أبي برزة، وعن أوس بن ~~حذيفة أشار إليه الترمذي. وعن ابن عباس وسيأتي الحديث استدل به على عدم ~~كراهة السمر بعد العشاء لحاجة. قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء، ~~فكره قوم منهم السمر بعد صلاة العشاء، ورخص بعضهم إذا كان في معنى العلم ~~وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة، وهذا الحديث يدل على ~~عدم كراهة السمر بعد العشاء ms0476 إذا كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، وحديث أبي ~~برزة وابن مسعود وغيرهما على الكراهة. وطريقة الجمع بينها بأن توجه أحاديث ~~المنع إلى الكلام المباح الذي فيه فائدة تعود على صاحبه، وأحاديث الجواز ~~إلى ما فيه فائدة تعود على المتكلم، أو يقال: دليل كراهة الكلام والسمر بعد ~~العشاء عام مخصص بدليل جواز الكلام والسمر بعدها في الأمور العائدة إلى ~~مصالح المسلمين. قال النووي: واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما ~~كان في خير، قيل: وعلة الكراهة ما يؤدي إليه السهر من مخافة غلبة النوم آخر ~~الليل عن القيام لصلاة الصبح في جماعة، الاتيان بها في وقت الفضيلة ~~والاختيار، أو القيام للورد من صلاة أو قراءة في حق من عادته ذلك، ولا أقل ~~لمن أمن من ذلك من الكسل بالنهار عما يجب من الحقوق فيه والطاعات. # وعن ابن عباس قال: رقدت في بيت ميمونة ليلة كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عندها لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالليل ~~قال: فتحدث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهله ساعة ثم رقد وساق الحديث ~~رواه مسلم. # الحديث استدل به من قال بجواز السمر مطلقا، لأن التحدث الواقع منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يقيد بما فيه طاعة، ولا بأس بتقييده بما فيه طاعة ~~جمعا بين الأدلة، كما PageV01P417 # سبق على أنه يمكن أن يكون وقوع ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم لبيان ~~الجواز وللاشعار بالمنع من حمل الأدلة القاضية بمنع السمر على التحريم، ~~ويمكن أن يقال إن العلة التي ذكرناها للكراهة منتفية في حقه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأمنه من غلبة النوم وعروض الكسل، ويجاب بمنع أمنه من غلبة النوم ~~مسندا بنومه في الوادي، وأما أمنه من عروض الكسل فمسلم إن لم يكن ذلك من ~~الأمور العارضة لطبيعة الانسان الخارجة عن الاختيار. # باب تسميتها بالعشاء والعتمة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة: ~~أن رسول الله صلى الله عليه ms0477 وآله وسلم قال: لو يعلم الناس ما في النداء ~~والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما ~~في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو ~~حبوا متفق عليه. زاد أحمد في روايته عن عبد الرزاق: فقلت لمالك: أما تكره ~~أن تقول العتمة؟ قال: هكذا قال الذي حدثني. # قوله: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول أي من مزيد الفضل وكثرة ~~الاجر. قوله: لأتوهما أي لأتوا المحل الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد. ~~قوله: # ولو حبوا أي زحفا إذا منعهم مانع من المشي كما يزحف الصغير. ولابن أبي ~~شيبة من حديث أبي الدرداء: ولو حبوا على المرافق والركب. الحديث يدل على ~~استحباب القيام بوظيفة الاذان، والملازمة للصف الأول، والمسارعة إلى جماعة ~~العشاء والفجر، وسيأتي الكلام على ذلك، ويدل على جواز تسمية العشاء ~~بالعتمة، وقد ورد من حديث عائشة عند البخاري بلفظ: أعتم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالعتمة ومن حديث جابر عند البخاري أيضا بلفظ: صلى لنا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة صلاة العشاء وهي التي تدعوا الناس ~~العتمة ومن حديث غيرهما أيضا. وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث ~~ابن عمر الآتي، فقال النووي وغيره: الجواب عن حديث أبي هريرة من وجهين: ~~أحدهما أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا للتحريم. ~~والثاني أنه يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء فخوطب بما يعرفه، ~~PageV01P418 # أو استعمل لفظ العتمة لأنه أشهر عند العرب، وإنما كانوا يطلقون العشاء ~~على المغرب كما في صحيح البخاري ومسلم بلفظ: لا تغلبنكم الاعراب على اسم ~~صلاتكم المغرب، قال: والاعراب تقول هي العشاء وقد تقدم هذا الحديث والكلام ~~عليه. وقيل: إن النهي عن تسمية العتمة عتمة ناسخ للجواز، وفيه أنه يحتاج في ~~مثل ذلك إلى معرفة التاريخ والعلم بتأخر حديث المنع. وقال الحافظ في الفتح: ~~ولا يبعد أن ذلك كان جائزا، فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب ms0478 السنة ~~الجاهلية على السنة الاسلامية، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أن الصحابة ~~الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، وأما استعمالها في مثل حديث ~~أبي هريرة فلدفع الالتباس بالمغرب والله أعلم اه. # وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # لا تغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم إلا أنها العشاء وهم يعتمون بالإبل ~~رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. وفي رواية لمسلم: لا تغلبنكم الاعراب ~~على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل. # الحديث أخرج نحوه ابن ماجة من حديث أبي هريرة بإسناد حسن قاله الحافظ، ~~وأخرج نحوه أيضا البيهقي وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن عوف، كذلك زاد ~~الشافعي في روايته في حديث ابن عمر، وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة ~~صاح وغضب، وأخرج عبد الرزاق هذا الموقوف من وجه آخر. وروى ابن أبي شيبة عن ~~ابن عمر أنه قال له ميمون بن مهران: من أول من سمى العشاء العتمة؟ قال: ~~الشيطان. # والحديث يدل على كراهة تسمية العشاء بالعتمة، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر ~~وجماعة من السلف، ومنهم من قال بالجواز، وقد نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر ~~الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وقد نقله ابن المنذر عن مالك ~~والشافعي واختاره. # قال الحافظ: وهو الراجح، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة المتقدم، وقد ~~تقرر أن جواز المصير إلى الترجيح مشروط بتعذر الجمع، ولم يتعذر ههنا كما ~~عرفت في شرح الحديث الأول. قوله: يعتمون قد تقدم تفسير ذلك في باب وقت صلاة ~~العشاء. PageV01P419 # باب وقت صلاة الفجر وما جاء في التغليس بها والاسفار قد تقدم بيان وقتها ~~في غير حديث. وعن عائشة قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين ~~الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس رواه الجماعة. وللبخاري: # ولا يعرف بعضهن بعضا. # قوله: نساء المؤمنات صورته صورة إضافة الشئ إلى ms0479 نفسه، واختلف في تأويله ~~وتقديره. فقيل: تقديره نساء الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات ~~المؤمنات، وقيل: # إن نساء هنا بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات، كما يقال رجال القوم أي ~~فضلاؤهم ومقدموهم. وقوله: كن قال الكرماني: هو مثل أكلوني البراغيث لأن ~~قياسه الافراد وقد جمع. # قوله: متلفعات هو بالعين المهملة بعد الفاء أي متجللات ومتلففات. والمروط ~~جمع مرط بكسر الميم الأكسية المعلمة من خز أو صوف أو غير ذلك. قوله: لا ~~يعرفهن أحد قال الداودي: # معناه ما يعرفن أنساءهن أم رجال. وقيل: لا يعرف أعيانهن، قال النووي: ~~وهذا ضعيف لان المتلفعة في النهار أيضا لا يعرف عنها، فلا يبقى في الكلام ~~فائدة، وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر ~~عنه بنفي العلم. قال الحافظ: وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا يعرف ~~عينها فيه نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان ~~بدنها مغطى. قال الباجي: وهذا يدل على أنهن كن سافرات إذ لو كن متقنعات ~~لكان المانع من المعرفة تغطيهن لا التغليس. قوله: من الغلس من ابتدائية أو ~~تعليلية ، ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة ~~حين يعرف الرجل جليسه، لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد، وذاك إخبار ~~عن رؤية الجليس. # والحديث يدل على استحباب المبادرة بصلاة الفجر في أول الوقت، وقد اختلف ~~العلماء في ذلك، فذهبت العترة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ~~والأوزاعي وداود بن علي وأبو جعفر الطبري وهو المروي عن عمر وعثمان وابن ~~الزبير وأنس وأبي موسى وأبي هريرة إلى أن التغليس أفضل، وأن الاسفار غير ~~مندوب. وحكي هذا القول الحازمي عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وأبي ~~مسعود الأنصاري وأهل الحجاز، واحتجوا بالأحاديث PageV01P420 # المذكورة في هذا الباب وغيرها، ولتصريح أبي مسعود في الحديث الآتي بأنها ~~كانت صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التغليس حتى مات ولم يعد إلى ~~الاسفار. وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأكثر ms0480 ~~العراقيين وهو مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود إلى أن الاسفار أفضل. ~~واحتجوا بحديث: أسفروا بالفجر وسيأتي ونحوه. وقد أجاب القائلون بالتغليس عن ~~أحاديث الاسفار بأجوبة: منها أن الاسفار التبين والتحقق، فليس المراد إلا ~~تبين الفجر وتحقق طلوعه، ورد بما أخرجه ابن أبي شيبة وإسحاق وغيرهما بلفظ: ~~ثوب بصلاة الصبح يا بلال حين يبصر القوم مواقع نبلهم من الاسفار ومنها أن ~~الامر بالاسفار في الليالي المقمرة فإنه لا يتحقق فيها الفجر إلا ~~بالاستظهار في الاسفار. وذكر الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل ~~صلوا بين الفجر الأول والثاني طلبا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر ~~الثاني وأصبحوا بها فإنه أعظم لأجركم. فإن قيل: لو صلوا قبل الفجر لم يكن ~~فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم وإن لم تصح صلاتهم لقوله: إذا ~~اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر. وقال أبو جعفر الطحاوي: إنما يتفق معاني آثار ~~هذا الباب بأن يكون دخوله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الصبح مغلسا ثم ~~يطيل القراءة حتى ينصرف عنها مسفرا، وهذا خلاف قول عائشة لأنها حكت أن ~~انصراف النساء كان وهن لا يعرفن من الغلس، ولو قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالسور الطوال ما انصرف إلا وهم قد أسفروا ودخلوا في الاسفار ~~جدا، ألا ترى إلى أبي بكر رضي الله عنه حين قرأ البقرة في ركعتي الصبح قيل ~~له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. # وعن أبي مسعود الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة ~~الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس ~~حتى مات لم يعد إلى أن يسفر رواه أبو داود. الحديث رجاله في سنن أبي داود ~~رجال الصحيح، وأصله في الصحيحين والنسائي وابن ماجة ولفظه: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: نزل جبريل فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه، ~~ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ms0481 يحسب بأصابعه خمس ~~صلوات، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر حين تزول الشمس ~~وربما أخرها حين اشتد الحر ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة PageV01P421 # بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل ~~غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق ~~وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر ~~بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر ولم يذكر ~~رؤيته لصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أبو داود، قال المنذري: ~~وهذه الزيادة في قصة الاسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة ~~مقبولة اه. وقال الخطابي: هو صحيح الاسناد. وقال ابن سيد الناس: إسناده ~~حسن. قوله: فأسفر بها قال في القاموس: سفر الصبح بسفر أضاء وأشرق اه. ~~والغلس بقايا الظلام وقد مر تفسيره. والحديث يدل على استحباب التغليس وأنه ~~أفضل من الاسفار، ولولا ذلك لما لازمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ~~مات، وبذلك احتج من قال باستحباب التغليس، وقد مر ذكر الخلاف في ذلك وكيفية ~~الجمع بين الأحاديث. # وعن أنس عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية متفق ~~عليه. # الحديث أخرجه ابن حبان والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: يا أنس إني أريد الطعام أطعمني شيئا، فجئته بتمر وإناء فيه ماء ~~وذلك بعدما أذن بلال، قال: يا أنس انظر رجلا يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت ~~فجاء فتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة. الحديث يدل أيضا على ~~استحباب التغليس، وأن أول وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذي يحرم فيه ~~الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي ~~قراءة الخمسين آية هي مقدار الوضوء، فأشعر ذلك بأن ms0482 أول وقت الصبح أول ما ~~يطلع الفجر. # عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أسفروا ~~بالفجر فإنه أعظم للاجر رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والطبراني، قال الحافظ في الفتح وصححه غير ~~واحد قال: وأبعد من زعم أنه ناسخ للصلاة في الغلس، وقد احتج به من قال ~~بمشروعية الاسفار، وقد تقدم الكلام عليه وعلى الجمع بينه وبين أحاديث ~~التغليس، وقد تقرر في PageV01P422 # الأصول أن الخطاب الخاص بنا لا يعارضه فعل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والامر بالاسفار لا يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا على طريق ~~النصوصية ولا الظهور، فملازمته للتغليس وموته عليه لا تقدح في مشروعية ~~الاسفار للأمة لولا أنه فعل ذلك وفعله معه الصحابة لكان ذلك مشعرا بعدم ~~الاختصاص به فلا بد من المصير إلى التأويل كما سبق. # وعن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة ~~لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ~~ميقاتها متفق عليه، ولمسلم: قبل وقتها بغلس ولأحمد والبخاري عن عبد الرحمن ~~بن يزيد قال: خرجت مع عبد الله فقدمنا جمعا فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها ~~بأذان وإقامة وتعشى بينهما ثم صلى حين طلع الفجر. قائل يقول: طلع الفجر، ~~وقائل يقول: لم يطلع، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء، ولا يقدم ~~الناس جمعا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة. # قوله: بجمع بجيم مفتوحة فميم ساكنة فعين مهملة وهي المزدلفة، ويوم جمع ~~يوم عرفة، وأيام جمع أيام منى أفاده القاموس. وإنما سميت المزدلفة جمعا لأن ~~آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها. وروي عن قتادة أنه قال: ~~إنما سميت جمعا لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، وقيل: وصفت بفعل أهلها لأنهم ~~يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إليه ms0483 بالوقوف فيها، وقيل غير ~~ذلك. قوله: حتى يعتموا أي يدخلوا في العتمة وقد تقدم بيانها، وتمام حديث ~~ابن مسعود في البخاري بعد قوله وصلاة الفجر هذه الساعة ثم وقف حتى أسفر ثم ~~قال يعني ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة فما أدري ~~أقوله كان أسرع أم دفع عثمان؟ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر ~~انتهى. والحديث استدل به من قال باستحباب الاسفار، لأن قوله: قبل ميقاتها ~~قد بين في رواية مسلم أنه في وقت الغلس، فدل على أن ذلك الوقت أعني وقت ~~الغلس متقدم على ميقات الصلاة المعروف عند ابن مسعود، فيكون ميقاتها ~~المعهود هو الاسفار لأنه الذي يتعقب الغلس فيصلح ذلك للاحتجاج به على ~~الاسفار، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن أبي الربيع قال: كنت مع ابن عمر فقلت له: إني أصلي معك ثم ألتفت فلا ~~أرى وجه جليسي ثم أحيانا تسفر، فقال: كذلك رأيت رسول الله صلى الله ~~PageV01P423 # عليه وآله وسلم يصلي وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يصليها رواه أحمد. # الحديث في إسناده أبو الربيع المذكور. قال الدارقطني: مجهول وهو من جملة ~~ما تمسك به القائلون باستحباب الاسفار، لأن ابن عمر كان يسفر بعد موته صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فلو كان منسوخا لما فعله، ولا يخفاك أن غاية ما فيه ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أحيانا يغلس وأحيانا يسفر، وهذا لا ~~يدل على أن الاسفار أفضل من التغليس، إنما يدل على أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فعل الامرين، وذلك مما لا نزاع فيه إنما النزاع في الأفضل، وفعل ~~ابن عمر لا يدل على عدم النسخ المتنازع فيه وهو نسخ الفضيلة لما سلف، إنما ~~يدل على عدم نسخ الجواز وذلك أمر متفق عليه. # وعن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن ~~فقال: يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة ms0484 قدر ما يطيق ~~الناس ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر فإن الليل قصير والناس ~~ينامون فأمهلهم حتى يدركوا رواه الحسين بن مسعود البغوي في شرح السنة، ~~وأخرجه بقي بن مخلد في مسنده المصنف. # الحديث أخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية كما قال السيوطي في الجامع الكبير، ~~وفيه التفرقة بين زمان الشتاء والصيف في الاسفار والتغليس، معللا بتلك ~~العلة المذكورة في الحديث، ولكنه لا يعارض أحاديث التغليس لما في حديث أبي ~~مسعود السابق من التصريح بملازمته صلى الله عليه وآله وسلم للتغليس حتى ~~مات، فكان آخر الامرين منه، وهذا الحديث ظاهر في التقدم لما فيه من التاريخ ~~بخروج معاذ إلى اليمن فلا بد من تأويله بما تقدم. # باب بيان أن من أدرك بعض الصلاة في الوقت فإنما يتمها ووجوب المحافظة على ~~الوقت عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أدرك من ~~الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر ~~PageV01P424 # قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر رواه الجماعة. وللبخاري: إذا أدرك ~~أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة ~~من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته. وعن عائشة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو ~~من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ~~ماجة. والسجدة هنا الركعة. # قوله: فقد أدرك قال النووي: أجمع المسلمون على أن هذا ليس على ظاهره، ~~وأنه لا يكون بالركعة مدركا لكل الصلاة وتكفيه وتحصل الصلاة بهذه الركعة، ~~بل هو متأول وفيه إضمار تقديره فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها ~~انتهى. وقيل: # يحمل على أنه أدرك الوقت. قال الحافظ: وهذا قول الجمهور، وفي رواية من ~~حديث أبي هريرة: من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس وصلى ما بقي بعد ~~غروب الشمس لم تفته العصر وقال ms0485 مثل ذلك في الصبح. وفي رواية للبخاري من ~~حديث أبي هريرة أيضا: فليتم صلاته. وللنسائي: فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه ~~يقضي ما فاته وللبيهقي: فليصل إليها أخرى ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي ~~حيث خص الادراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحو ذلك، وأراد ~~بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته، لأنه لا يكملها ~~إلا في وقت الكراهة، وهو مبني على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل وهي ~~خلافية مشهورة، قال الترمذي: وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وخالف أبو ~~حنيفة فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج في ~~ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن ~~أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، قال الحافظ: وهي دعوى تحتاج إلى دليل، ~~وأنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل ~~أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل انتهى. قلت: وهذا أيضا جمع بما ~~يوافق مذهب الحافظ، والحق أن أحاديث النهي عامة تشمل كل صلاة وهذا الحديث ~~خاص فيبنى العام على الخاص، ولا يجوز في ذلك الوقت شئ من الصلوات إلا بدليل ~~يخصه، سواء كان من ذوات الأسباب أو غيرها، ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ~~ركعة لا يكون مدركا للوقت وأن صلاته تكون قضاء وإليه ذهب الجمهور، وقال ~~البعض أداء. والحديث PageV01P425 # يرده، واختلفوا إذا أدرك من لا تجب عليه الصلاة، كالحائض تطهر، والمجنون ~~يغفل، والمغمى عليه يفيق، والكافر يسلم دون ركعة من وقتها هل تجب عليه ~~الصلاة أم لا؟ وفيه قولان: # للشافعي أحدهما لا تجب، وروي عن مالك عملا بمفهوم الحديث وأصحهما عن ~~أصحاب الشافعي أنها تلزمه، وبه قال أبو حنيفة لأنه أدرك جزءا من الوقت ~~فاستوى قليله وكثيره، وأجابوا عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرج مخرج ~~الغالب ولا يخفى ما فيه من البعد، وأما إذا أدرك أحد هؤلاء ركعة وجبت عليه ~~الصلاة، بالاتفاق بينهم، ومقدار هذه الركعة قدر ما ms0486 يكبر، ويقرأ أم القرآن ~~ويركع ويرفع ويسجد سجدتين. والحديث يدل على أن الصلاة التي أدركت منها ركعة ~~قبل خروج الوقت أداء لا قضاء، وفي ذلك إشكالات عند أئمة الأصول. قوله: سجدة ~~المراد بها الركعة، كما ذكره المصنف ومسلم في صحيحه، وقد ثبت عند ~~الإسماعيلي بلفظ ركعة مكان سجدة، فدل على أن الاختلاف في اللفظ وقع من ~~الرواة، وقد ثبت أيضا عند البخاري من طريق مالك بلفظ: من أدرك ركعة قال ~~الحافظ: ولم يختلف على راويها في ذلك فكان عليها الاعتماد، قال الخطابي: # المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها ~~بسجودها فسميت على هذا سجدة انتهى. وإدراك الركعة قبل خروج الوقت لا يخص ~~صلاة الفجر والعصر لما ثبت عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وهو أعم من حديث ~~الباب. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون اللام عهدية، ويؤيده أن كلا منهما من ~~رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وهذا مطلق، وذاك يعني حديث الباب مفيد فيحمل ~~المطلق على المقيد انتهى. ويمكن أن يقال: إن حديث الباب دل بمفهومه على ~~اختصاص ذلك الحكم بالفجر والعصر، وهذا الحديث دل بمنطوقه على أن حكم جميع ~~الصلوات لا يختلف في ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم، فيتعين المصير إليه ~~ولاشتماله على الزيادة التي ليست منافية للمزيد. قال النووي: وقد اتفق ~~العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت انتهى. وقد قدمنا ~~الكلام على اختصاص هذا الوقت بالمضطرين في أوائل الأوقات فارجع إليه. # وعن أبي ذر. قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أنت إذا ~~كانت عليك أمراء يميتون الصلاة أو يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قلت: فما ~~تأمرني؟ # قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة. وفي رواية: ~~فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل. وفي أخرى: فإن أدركتك يعني الصلاة ~~معهم PageV01P426 # فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي رواه أحمد ومسلم والنسائي. # قوله: ms0487 يميتون الصلاة أي يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه، ~~والمراد بتأخيرها عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن ~~الامراء المتقدمين والمتأخرين إن هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها ~~أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. قوله: فإن ~~أدركتها الخ معناه صل في أول الوقت وتصرف في شغلك، فإن صادفتهم بعد ذلك وقد ~~صلوا أجزأتك صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصل معهم وتكون هذه الثانية لك ~~نافلة. الحديث يدل على مشروعية الصلاة لوقتها وترك الاقتداء بالأمراء إذا ~~أخروها عن أول وقتها، وأن المؤتم يصليها منفردا ثم يصليها مع الامام، فيجمع ~~بين فضيلة أول الوقت وطاعة الأمير. ويدل على وجوب طاعة الامراء في غير ~~معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، ولهذا ورد في الرواية الأخرى: أن ~~خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف. وقوله: فإنها لك ~~نافلة صريح أن الفريضة الأولى والنافلة الثانية. وقد اختلف في الصلاة التي ~~تصلى مرتين هل الفريضة الأولى أو الثانية، فذهب الهادي والأوزاعي وبعض ~~أصحاب الشافعي إلى أن الفريضة الثانية إن كانت في جماعة والأولى في غير ~~جماعة، وذهب المؤيد بالله والامام يحيى وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن ~~الفريضة الأولى، وعن بعض أصحاب الشافعي أن الفرض أكملهما. وعن بعض أصحاب ~~الشافعي أيضا أن الفرض أحدهما على الابهام فيحتسب الله بأيتهما شاء. وعن ~~الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضا كلاهما فريضة. # (احتج الأولون) بحديث يزيد بن عامر عند أبي داود مرفوعا وفيه: فإذا جئت ~~الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم وإن كنت صليت ولتكن لك نافلة وهذه ~~مكتوبة. ورواه الدارقطني بلفظ: وليجعل التي صلى في بيته نافلة وأجيب بأنها ~~رواية شاذة مخالفة لرواية الحفاظ والثقات كما قال البيهقي وقد ضعفها ~~النووي، وقال الدارقطني هي رواية ضعيفة شاذة، واستدل القائلون بأن الفريضة ~~هي الأولى سواء كانت جماعة أو فرادى بحديث يزيد بن الأسود عند أحمد وأبي ~~داود والترمذي والنسائي والدارقطني وابن حبان والحاكم، وصححه ابن السكن ms0488 ~~بلفظ: شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجته فصليت معه الصبح في مسجد ~~الخيف، فلما قضى صلاته وانحرف إذ هو برجلين PageV01P427 # في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: علي بهما، فجئ بهما ترعد فرائصهما قال: ~~ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا؟ ~~قال فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم ~~فإنها لكما نافلة قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول لأن يزيد بن الأسود ~~ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى. قال الحافظ: # يعلى من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره، وقال: وقد وجدنا لجابر ~~راويا غير يعلى أخرجه ابن منده في المعرفة، ومن حجج أهل القول الثاني حديث ~~الباب فإنه صريح في المطلوب، ولان تأدية الثانية بنية الفريضة يستلزم أن ~~يصلي في يوم مرتين، وقد ورد النهي عنه من حديث ابن عمر مرفوعا: لا تصلوا ~~صلاة في يوم مرتين عند أبي داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وأما جعله ~~مخصصا بما يحدث فيه فضيلة فدعوى عاطلة عن البرهان، وكذا حمله على التكرير ~~لغير عذر. وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر وسائر ~~الصلوات، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطلق الامر بالإعادة ولم يفرق ~~بين صلاة وصلاة، فيكون مخصصا لحديث لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر، ولأصحاب ~~الشافعي وجه أنه لا يعيد الصبح والعصر تمسكا بعموم حديث: لا صلاة ووجه أنه ~~لا يعيد بعد المغرب لئلا تصير شفعا. قال النووي: وهو ضعيف، قلت: وكذلك ~~الوجه الأول لأن الخاص مقدم على العام، وهم يوجبون بناء العام على الخاص ~~مطلقا كما تقرر في الأصول لهم، واحتج من قال بأنهما فريضة بعدم المخصص ~~بالاعتداد بأحدهما، ورد بحديث: لا ظهران في يوم. وحديث: لا تصلي صلاة في ~~يوم مرتين. # وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ستكون عليكم ~~بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى ms0489 يذهب وقتها فصلوا الصلاة ~~لوقتها، فقال رجل: يا رسول الله أصلي معهم؟ فقال: نعم إن شئت رواه أبو داود ~~وأحمد بنحوه. وفي لفظ: واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا. # الحديث رجال إسناده في سنن أبي داود ثقات، وقد أخرجه أيضا ابن ماجة، وسكت ~~أبو داود والمنذري عن الكلام عليه، وقد عرفت ما أسلفناه عن ابن الصلاح ~~والنووي وغيرهما من صلاحية ما سكت عنه أبو داود للاحتجاج. وحديث أبي ذر ~~الذي قبله يشهد لصحته. وفيه دليل على وجوب تأدية الصلاة لوقتها، وترك ما ~~عليه أمراء الجور من التأخير وعلى استحباب الصلاة معهم، لأن الترك من دواعي ~~الفرقة وعدم الوجوب لقوله PageV01P428 # في هذا الحديث: إن شئت. وقوله: تطوعا وقد تقدم الكلام على فقه الحديث، ~~قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه دليل لمن رأى المعادة نافلة، ولمن لم ~~يكفر تارك الصلاة، ولمن أجاز إمامة الفاسق، انتهى. # استنبط المؤلف من هذا الحديث والذي قبله ثلاثة أحكام، وقد تقدم الكلام ~~على الأول منها في شرح حديث أبي ذر، وعلى الثاني في أول كتاب الصلاة، وأما ~~الثالث فلعله يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في الجماعة. والحق جواز ~~الائتمام بالفاسق لان الأحاديث الدالة على المنع كحديث: لا يؤمنكم ذو جراءة ~~في دينه. وحديث: لا يؤمن فاجر مؤمنا ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ~~الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق كحديث: صلوا بعد من قال لا إله ~~إلا الله. وحديث: صلوا خلف كل بر وفاجر ونحوهما ضعيفة أيضا، ولكنها متأيدة ~~بما هو الأصل الأصيل، وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا تنتقل عن ~~هذا الأصل إلى غيره لدليل ناهض، وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة وليس ~~المقام مقام بسط الكلام في ذلك. # (تم) PageV01P429 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الاخبار منتقى الاخبار للشيخ الامام المجتهد ~~العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد الشوكاني ~~المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء الثاني - 1973 صار الجيل بيروت - لبنان ص - پ - ~~8737 PageV02P001 # باب قضاء الفوائت عن ms0490 أنس بن مالك: أن النبي (ص) قال من نسي صلاة فليصلها ~~إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك متفق عليه. ولمسلم: إذا رقد أحدكم عن ~~الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول: * (أقم الصلاة ~~لذكري) * (طه: 14). وعن أبي هريرة: عن النبي (ص) قال: من نسي صلاة فليصلها ~~إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول: * (أقم الصلاة لذكري) * رواه الجماعة إلا ~~البخاري والترمذي. # قوله: من نسي تمسك بدليل الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة، لان ~~انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وإلى ~~ذلك ذهب داود وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي، وحكاه في البحر عن ابني الهادي ~~والأستاذ ورواية عن القاسم والناصر. قال ابن تيمية حفيد المصنف: والمنازعون ~~لهم ليس لهم حجة قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء ~~إلا بأمر جديد وليس معهم هنا أمر، ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط، بل ~~ننازع في قبول القضاء منه وصحة الصلاة في غير وقتها، وأطال البحث في ذلك ~~واختار ما ذكره داود ومن معه، والامر كما ذكره فإني لم أقف مع البحث الشديد ~~للموجبين للقضاء على العامد، وهم من عدا من ذكرنا على دليل ينفق في سوق ~~المناظرة ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث: فدين الله ~~أحق أن يقضى باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم ولكنهم لم ~~يرفعوا إليه رأسا، وأنهض ما جاؤوا به في هذا المقام قولهم: إن الأحاديث ~~الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على ~~العامد لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فتدل بفحوى الخطاب وقياس ~~الأولى على المطلوب، وهذا مردود لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه ~~أخف حالا من PageV02P002 # الناسي، بل صرح بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الاثم ~~عنه فلا فائدة فيه، فيكون إثباته مع عدم النص عبثا، بخلاف الناسي والنائم ~~فقد أمرهما ms0491 الشارع بذلك، وصرح بأن القضاء كفارة لهما لا كفارة لهما سواه، ~~ومن جملة حججهم أن قوله في الحديث: # لا كفارة لها إلا ذلك يدل على أن العامد مراد بالحديث لأن النائم والناسي ~~لا إثم عليهما، قالوا: # فالمراد بالناسي التارك سواء كان عن ذهول أم لا. ومنه قوله تعالى: * ~~(نسوا الله فنسيهم) * (التوبة: 67) وقوله تعالى: * (نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم) * (الحشر: 19) ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء ~~على الناسي والنائم لعدم الاثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به، والأحاديث ~~الصحيحة قد صرحت بوجوب ذلك عليهما، وقد استضعف الحافظ في الفتح هذا ~~الاستدلال، وقال: الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، على أنه قد ~~قيل: إن المراد بالكفارة هي الاتيان بها تنبيها على أنه لا يكفي مجرد ~~التوبة والاستغفار من دون فعل لها. وقد أنصف ابن دقيق العيد فرد جميع ما ~~تشبثوا به، والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقا من عموم حديث: فدين ~~الله أحق أن يقضى لا سيما على قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب ~~الأول الدال على وجوب الأداء، فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما ~~نحن بصدده تردد لأنه يقول: المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه ~~تأديتها فصارت دينا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه، إذا عرفت هذا علمت أن ~~المقام من المضايق. وأن قول النووي في شرح مسلم بعد حكاية قول من قال: لا ~~يجب القضاء على العامد أنه خطأ من قائله وجهالة من الافراط المذموم. # وكذلك قول المقبلي في المنار: إن باب القضاء ركب على غير أساس ليس فيه ~~كتاب ولا سنة إلى آخر كلامه من التفريط. قوله: لا كفارة لها إلا ذلك استدل ~~بالحصر الواقع في هذه العبارة على الاكتفاء بفعل الصلاة عند ذكرها، وعدم ~~وجوب إعادتها عند حضور وقتها من اليوم الثاني، وسيأتي الكلام على ذلك عند ~~الكلام على حديث عمران بن حصين من آخر هذا الباب. والامر بفعلها عند الذكر ~~يدل على وجوب ms0492 المبادرة بها، فيكون حجة لمذهب من قال بوجوبه على الفور وهو ~~الهادي والمؤيد بالله والناصر وأبو حنيفة وأبو يوسف والمزني والكرخي. وقال ~~القاسم ومالك والشافعي وروي عن المؤيد بالله أنه على التراخي، واستدلوا في ~~قضاء الصلاة بما في بعض روايات حديث نوم الوادي من أنه لما استيقظ النبي ~~(ص) بعد فوات الصلاة بالنوم PageV02P003 # أخر قضائها واقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، ورد بأن التأخير لمانع ~~آخر وهو ما دل عليه الحديث بأن ذلك الوادي كان به شيطان، ولأهل القول الأول ~~حجج غير مختصة بقضاء الصلاة، وكذلك أهل القول الآخر. واعلم أن الصلاة ~~المتروكة في وقتها لعذر النوم والنسيان لا يكون فعلها بعد خروج وقتها ~~المقدر لها لهذا العذر قضاء وإن لزم ذلك باصطلاح الأصول، لكن الظاهر من ~~الأدلة أنها أداء لا قضاء، فالواجب الوقوف عند مقتضى الأدلة حتى ينتهض دليل ~~يدل على القضاء. والحديثان يدلان على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو ~~نسيان وهو إجماع. قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق حديث أبي هريرة: ~~وفيه أن الفوائت يجب قضاؤها على الفور، وإنها تقضي في أوقات النهى وغيرها ~~وان من مات وعليه صلاة فإنها لا تقضى عنه ولا يطعم عنه لها لقوله (لا كفارة ~~لها الا ذلك) وفيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه انتهى ~~* 3 - وعن أبي قتادة قال " ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة ~~فقال إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة فإذا نسي أحدكم صلاة ~~أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها " رواه النسائي والترمذي وصححه) * الحديث ~~أخرجه أيضا أبو داود من حديثه: قال الحافظ واسناده على شرط مسلم ورواه مسلم ~~بنحوه في قصة نومهم في صلاة الفجر ولفظه " ليس في النوم تفريط إنما التفريط ~~على من لم يصل الصلاة حتى يجيئ وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حتى ~~ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها " الحديث يدل على أن النائم ليس ~~بمكلف ms0493 حال نومه وهو اجماع ولا ينافيه ايجاب الضمان عليه لما أتلفه والزامه ~~أرش ما جناه لأن ذلك من الأحكام الوضعية لا التكليفية وأحكام الوضع تلزم ~~النائم والصبي والمجنون بالاتفاق: وظاهر الحديث انه لا تفريط في النوم سواء ~~كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضيقه: وقيل إنه إذا تعمد النوم قبل ~~تضيق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه انه لا يستيقظ الا ~~وقد خرج الوقت كان آثما والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم لأنه ~~فعله في وقت يباح فعله فيه فيشمله الحديث وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك ~~فلا اشكال في العصيان بذلك ولا شك في إثم من نام بعد تضييق الوقت لتعلق ~~الخطاب به والنوم مانع من الامتثال والواجب إزالة المانع PageV02P004 # وقد تقدم الكلام على قوله في الحديث " فإذا نسي أحدكم صلاة الخ * 4 (وعن ~~أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال " ثم اذن بلال بالصلاة فصلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم " ~~رواه أحمد ومسلم " * الحديث أو رده مسلم مطولا وذكر فيه قصة أبى قتادة مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه على راحلته وان أبا قتادة عمه ثلاث ~~مرات واخرج النسائي وابن ماجة طرفا منه. قوله " ثم اذن بلال " فيه استحباب ~~الاذان للصلاة الفائتة: قوله " فصلى " الخ فيه استحباب قضاء السنة الراتبة ~~لأن الظاهر أن هاتين الركعتين اللتين قبل الغداة هما سنة الصبح: قوله " كما ~~كان يصنع كل يوم " فيه إشارة إلى أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها فيؤخذ ~~منه ان فائتة الصبح يقنت فيها والى ذلك ذهب الشافعية وسيأتي الكلام على ~~القنوت وتحقيق ما هو الحق فيه: ويؤخذ منه أيضا انه يجهر في الصبح المقضية ~~بعد طلوع الشمس: وقال بعض أصحاب الشافعي انه يسن فقط وحمل قوله " كما كان ~~يصنع " على الأفعال فقط وفيه ضعف * 5 (وعن عمران بن حصين قال سرينا مع ~~النبي صلى ms0494 الله عليه وسلم فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى ~~أيقظنا حر الشمس فجعل الرجل منا يقوم دهشا إلى طهوره ثم أمر بلالا فأذن ثم ~~صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا فقالوا يا رسول الله الا نعيدها في ~~وقتها من الغد فقال أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم " رواه أحمد ~~في مسنده) * الحديث أخرجه ابن خزيمة وابن جبان في صحيحيهما وابن إلى شيبة ~~والطبراني وأخرجه البخاري ومسلم مطولا عن أبي رجاء العطاردي عن عمران وليس ~~فيهما ذكر الأذان والإقامة ولا قوله فقالوا يا رسول الله الا نعيدها إلى ~~آخره: وأخرجه أبو داود من حديث الحسن عن عمران وفيه ذكر الأذان والإقامة ~~دون قوله فقالوا يا رسول الله إلى آخر الحديث المذكور ولكنه اخرج هذه ~~الزيادة التي في حديث الباب النسائي وذكرها الحافظ في الفتح واحتج بها ~~ويعارضها صحيح مسلم من حديث أبي قتادة بلفظ " فإذا كان الغد فليصلها عند ~~وقتها " وما في سنن داود من PageV02P005 # حديث عمران بن حصين بلفظ " من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض ~~مثلها " ويشهد لصحة تلك الرواية ما تقدم في أول الباب من حديث أنس بلفظ " ~~لا كفارة لها الا ذلك " ويدل على صحتها اجماع المسلمين على عدم وجوب قضاء ~~تلك الصلاة التي فعلها النائم عند استيقاظه والساهي عند ذكره إذا حضر وقتها ~~كما صرح بذلك الخطابي والحافظ ابن حجر والمعارضة برواية مسلم السابقة غير ~~صحيحة لاحتمال ان يريد بقوله " فليصلها عند وقتها " أي الصلاة التي تحضر ~~لأنه ربما توهم ان وقتها قد تحول إلى ذلك الوقت الذي ذكرها فيه ولا يريد ~~انه يعيد الصلاة بعد خروج وقتها قد تحول إلى ذلك النووي والحافظ وغيرهما: ~~واما رواية أبى داود فقال الحافظ انها خطا من راويها قال وحكي ذلك الترمذي ~~وغيره عن البخاري: وقد ذكر الحافظ في الفتح انه رواها أبو داود من حديث ~~عمران بن حصين ورأيناها في السنن من حديث أبي قتادة الأنصاري ولم يتفرد بها ~~عمران حتى ms0495 يقال في تضعيفها انها من رواية الحسن عنه: وقد صرح علي بن ~~المديني وأبو حاتم وغيرهما ان الحسن لم يسمع منه ولكنها لا تنهض لمعارضة ~~حديث الباب بعد تأييده بما أسلفنا لا سيما بعد تصريح الحافظ بأنها خطأ: قال ~~المصنف رحمه الله بعد سياقه لحديث الباب فيه دليل على أن الفائتة يسن لها ~~الأذان والإقامة والجماعة وإن النداءين مشروعان في السفر وإن السنن الرواتب ~~تقضى انتهى: قوله " عرسنا " التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم ~~والاستراحة هكذا قاله الخليل: وقال أبو زيد هو النزول أي وقت كان من ليل أو ~~نهار قوله " فإذن ثم أقام " سيأتي الكلام علي الأذان والإقامة في القضاء في ~~باب من عليه فائتة آخر الاذان إن شاء الله تعالى * (باب الترتيب في قضاء ~~الفوائت) 1 (عن جابر بن عبد الله " أن عمر جاء يوم الخندق بعد ما غربت ~~الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال يا رسول الله ما كدت أصلى العصر حتى كادت ~~الشمس تغرب فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما صليتها فتوضأنا فصلى ~~العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب " متفق عليه) * PageV02P006 # قوله " عن جابر " قد اتفق الحافظ من الرواة أن هذا الحديث من رواية جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الا حجاج بن نصير فإنه رواه عن علي بن ~~المبارك عن يحيى بن أبي كثير فقال فيه عن جابر عن عمر فجعله في مسند عمر: ~~قال الحافظ تفرد بذلك حجاج وهو ضعيف، قوله " يسب كفار قريش " لأنهم كانوا ~~السبب بفي تأخيرهم الصلاة عن وقتها، قوله " ما كدت " لفظة كاد من أفعال ~~المقاربة فإذا قلت كاد زيد يقوم فهم منه أناه قارب القيام ولم يقم كما تقرر ~~في النحو * والحديث يدل علي وجوب قضاء الصلاة المتروكة لعذر الاشتغال ~~بالقتال وقد وقع الخلاف في سبب ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~لهذه الصلاة فقيل تركوها نسيانا وقيل شغلوا فلم يتمكنوا وهو الأقرب كما قال ~~الحافظ: وفي سنن النسائي عن ms0496 أبي سعيد ان ذلك قبل ان ينزل الله في صلاة ~~الخوف فرجالا أو ركبانا وسيأتي الحديث: وقد استدل بهذا الحديث على وجوب ~~الترتيب بين الفوائت المقضية والمؤداة فأبو حنيفة ومالك والليث والزهري ~~والنخعي وربيعة قالوا بوجوب تقديم الفائتة علي خلاف بينهم: وقال الشافعي ~~والهادي والقاسم لا يجب ولا ينتهض استدلال الموجبين بالحديث للمطلوب لأن ~~الفعل بمجردة لا يدل على الوجوب: قال الحافظ الا أن يستدل بعموم قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلى " فيقوى قال وقد اعتبر ذلك ~~الشافعية في أشياء غير هذه انتهى: # وقد استدل للموجبين أيضا بأن توقيت المقضية بوقت الذكر أضيق من توقيت ~~المؤداة فيجب تقديم ما تضيق: والخلاف في جواز التراخي إنما هو في المطلقات ~~لا المؤقتات المضيقة: وقد اختلف أيضا في الترتيب بين المقضيات أنفسها ~~وسنذكره في شرح الحديث الآتي * 2 (وعن أبي سعيد قال " حبسنا يوم الخندق عن ~~الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل كفينا وذلك قول الله عز وجل وكفى ~~الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا قال فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلالا فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ~~ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره ~~فأقام المغرب فصلاها كذلك قال وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف ~~فان خفتم فرجالا أو ركبانا " رواه أحمد والنسائي ولم يذكر المغرب) * ~~PageV02P007 # الحديث رجال إسناده رجال الصحيح وسيأتي ذكر من صححه، وفى الباب عن عبد ~~الله بن مسعود عند الترمذي والنسائي بلفظ " أن المشركين شغلوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق " وساقا نحو الحديث: وأخرج ~~نحوه مالك في الموطأ: قوله " بهوى " الهوي بفتح الهاء وكسر الواو بياء ~~مشددة السقوط والمراد بعد دخول طائفة من الليل * والحديث يدل على وجوب قضاء ~~الصلاة المتروكة لعذر الاشتغال بحرب الكفار ونحوهم لكن إنما كان هذا قبل ~~شرعية صلاة الخوف كما في آخر الحديث ms0497 والواجب بعد شرعيتها على من حبس بحرب ~~العدو وأن يفعلها: وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا منسوخ بصلاة الخود وذهب ~~مكحول وغيره من الشاميين إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يتمكن من أدائها ~~والصحيح الأول لما في آخر هذا الحديث والحديث مصرح بأنها فائتة صلاة الظهر ~~والعصر وحديث جابر المتقدم مصرح بأنها العصر وحديث عبد الله بن مسعود مصرح ~~بأنها أربع صلوات فمن الناس من اعتمد الجمع فقال إن وقعة الخندق بقيت أياما ~~فكان في بعض الأيام الفائت العصر فقط وفي بعضها الفائت العصر والظهر وفي ~~بعضها الفائت أربع صلوات ذكره النووي وغيره: ومن الناس من اعتمد الترجيح ~~فقال إن الصلاة التي شغل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدة وهي ~~العصر ترجيحا لما في الصحيحين على ما في غيرهما ذكره أبو بكر بن العربي قال ~~ابن سيد الناس والجمع أرجح لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن ~~الشافعي حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن ~~أبي سعيد عن أبيه قال وهذا اسناد صحيح جليل انتهى: وأخرجه أيضا ابن خزيمة ~~وابن حبان في صحيحيهما وصححه ابن السكن وقد تقدم نحو هذا في باب الصلاة ~~الواسطي على أن حديث الباب ونحوه متضمن للزيادة فالمصير إليه متحتم واقتصار ~~الراوي على ذكر المصر فقط لا يقدح في قول غيره انها العصر والظهر أو الأربع ~~الصلوات وغايته انه روى ما علم وترك ما لم يعلم ومن علم حجة على من لم يعلم ~~ولا يحتاج إلى الجمع بتعدد واقعة الخندق مع هذا * والحديث أيضا يدل على ~~الترتيب بين الفوائت المقضية وقد قال بوجوبه زيد بن علي والناصر وأبو حنيفة ~~وقل الشافعي والهادي والامام يحيى انه غير واجب وهو الظاهر لأن مجرد الفعل ~~لا يدل على الوجوب الا ان يستدل بعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم " صلوا ~~كما رأيتموني أصلى " ك ما سبق ولكنه غير خالص عن شوب اعتراض PageV02P008 # ومعارضة وفي الحديث دليل ms0498 على استحباب قضاء الفوائت في الجماعة وخالف فيه ~~الليث ابن سعد والحديث يرد عليه * قال المصنف رحمه الله تعالى وفيه دليل ~~على الإقامة للفوائت وعلى أن صلاة النهار وان قضيت ليلا لا يجهر فيها، وعلى ~~ان تأخيره يوم الخندق نسخ بشرع صلاة الخوف انتهى * (أبواب الاذن) الاذان ~~لغة الاعلام نقل ذلك النووي في شرح مسلم عن أهل اللغة، وشرعا الاعلام بوقت ~~الصلاة بألفاظ مخصوصة وهو مع قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقائد كما بين ~~ذلك الحافظ في الفسخ نقلا عن القرطبي، وقد اختلف في الأفضل من الاذان ~~والإمامة وسيأتي ما يرشد إلى الصواب: وقد اختلف في أي وقت كان ابتداء شرعية ~~الاذان فقيل نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع فرض الصلاة وقد ~~روى ذلك ابن حبان عن ابن عباس باسناده فيه عبد العزيز بن عمران وهو ممن لا ~~تقوم به حجة: وعند الدارقطني من حديث أنس قال الحافظ واسناده ضعيف وعند ~~الطبراني عن ابن عمر وذكر انه في ليلة الاسراء وفى اسناده طلحة بن زيد وهو ~~متروك، وعند ابن مردويه من حديث عائشة مثله وفيه من لا يعرف: وعند البزار ~~وغيره عن علي رضي الله عنه وفي إسناده زيادة بن المنذر أبو الجارود وهو ~~متروك قال الحافظ والحق انه لا يصح شئ من هذه وقد أطالب الكلام في ذلك في ~~الفتح فليرجع إليه: وقيل كان فرض الاذان عند قدوم المسلمين المدينة لما ثبت ~~عند البخاري ومسلم والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي من حديث عبد الله بن ~~عمر قال " كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ~~ينادى بها أحد فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس ~~النصارى وقال بعضهم اتخذوا قرنا مثل قرن اليهود قال فقال عمر ألا تبعثون ~~رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا بلال قم فناد ~~بالصلاة " وهذا أصح ما ورد في تعيين ابتداء وقت الاذان * PageV02P009 # (باب وجوبه وفضيلته) 1 * (عن أبي الدرداء قال " سمعت ms0499 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول ما من ثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة الا استحوذ ~~عليهم الشيطان " رواه أحمد) * الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان ~~والحاكم وقال صحيح الاسناد ولكن لفظ أبي داود " ما من ثلاثة في قرية ولا ~~بدو لا تقام فيهم الصلاة الا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما ~~يأكل الذئب القاصية " الحديث استدل به على وجوب الأذان والإقامة لأن الترك ~~الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنبه: وإلى وجوبهما ذهب أكثر العترة ~~وعطاء وأمد بن حنبل ومالك والاصطخري كذا في البحر ومجاهد والأوزاعي وداود ~~كذا في شرح الترمذي وقد حكى الماوردي عنهم تفصيلا في ذلك فحكى عن مجاهد أن ~~الأذان والإقامة واجبان معا لا ينوب أحدهما عن الاخر فان تركهما أو أحدهما ~~فسدت صلاته، وقال الأوزاعي يعيد إن كان وقت الصلاة باقيا وإلا لم يعد: وقال ~~عطاء الإقامة واجبة دون الاذان فان تركها لعذر أجزأه ولغير عذر قضى: وفي ~~البحر أن القائل بوجوب الإقامة دون الاذان الأوزاعي وروى عن أبي طالب أن ~~الاذان واجب دون الإقامة، وعند الشافعي وأبي حنيفة انهما سنة واختلف أصحاب ~~الشافعي على ثلاثة أقوال الأول انهما سنة الثاني فرض كفاية: الثالث سنة في ~~غير الجمعة وفرض كفاية فيها وروى ابن عبد البر عن مالك وأصحابه انهما سنة ~~مؤكدة واجبة الكفاية، وقال آخرون الاذان فرض على الكفاية ومن أدلة الموجبين ~~للاذان قوله في حديث مالك بن الحويرث الآتي " فليؤمن لكم أحدكم " وفي لفظ ~~للبخاري " فأذنا ثم أقيما " ومنها حديث أنس المتفق عليه بلفظ " أمر بلال أن ~~يشفع الاذان ويوتر الإقامة " والامر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ~~سيأتي: ومنها ما في حديث عبد الله بن زيد الآتي من قوله " انها لرؤيا حق إن ~~شاء الله ثم أمر بالتأذين " وما سيأتي من قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان ~~بن أبي العاص " اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " ومنها حديث أنس عند ~~البخاري وغيره قال " إن النبي صلى ms0500 الله عليه وسلم كان إذا أغزى بنا قوما لم ~~يكن PageV02P010 # يغزينا حتى يصبح وينظر فان سمع أذانا كف عنهم وان لم يسمع أذانا أغار ~~عليهم " ومنها طول الملازمة من أول الهجرة إلى الموت لم يثبت انه ترك ذلك ~~في سفر ولا حضر الا يوم المزدلفة فقد صحح كثير من الأئمة انه لم يؤذن فيها ~~وإنما أقام على أنه قد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود انه صلى الله عليه ~~وسلم صلاها في جمع بأذانين وإقامتين وبهذا الترك على ما فيه من الخلاف احتج ~~من قال بعدم الوجوب وخص بعض القائلين بالوجوب الرجال بوجوبهما ولم يوجبهما ~~علي النساء استدلالا بحديث " ليس على النساء أذان ولا إقامة " عند البيهقي ~~من حديث ابن عمر باسناد صحيح الا أنه قال ابن الجوزي لا يعرف مرفوعا: وقد ~~رواه البيهقي وابن عبدي من حديث أسماء مرفوعا وفى اسناده الحكم بن عبد الله ~~الأيلي وفيه ضعف جدا: وبحديث " النساء عي وعورات فاستروا عيهن بالسكوت ~~وعوراتهن بالبيوت " * 2 (وعن مالك بن الحويرث " أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " متفق ~~عليه) قوله " أحدكم " يدل على أنه لا يعتبر السن والفضل في الاذن كما يعتبر ~~في إمامة الصلاة: وقد استدل بهذا من قال بأفضلية الإمامة علي الاذان لا كون ~~الأشرف أحق بها مشعر بمزيد شرف لها: وفي لفظ للبخاري " فإذا أنتما خرجتما ~~فأذنا " ولا تعارض بينه وبين ما في حديث الباب لأن المراد بقوله أذانا أي ~~من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن وذلك لاستوائهما في الفضل * والحديث استدل به ~~من قال بوجوب الاذان لما فيه من صيغة الامر وقد تقدم الخلاف في ذلك * 3 ~~(وعن معاوية " ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن المؤذنين أطول ~~الناس أعناقا يوم القيامة " رواه أحمد ومسلم وابن ماجة) * وفي الباب عن أبي ~~هريرة وابن الزبير بألفاظ مختلفة: قوله " أطول الناس أعناقا " هو بفتح ~~الهمزة جمع عنق واختلف السلف والخلف في معناه فقيل ms0501 معناه أكثر الناس تشوفا ~~إلى رحمة الله لأن المتشوف يطيل عنقه لما يتطلع إليه فمعناه كثرة ما يرونه ~~من الثواب وقال النضر بن شميل إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت ~~أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق: وقيل معناه انهم سادة ورؤساء والعرب ~~تصف السادة بطول العنق: وقيل معناه أكثر اتباعا وقال ابن الأعرابي أكثر ~~الناس أعمالا القاضي عياض وغيره PageV02P011 # وروي بعضهم إعناقا بكسر الهمزة أي اسراعا إلى الجنة وهو من سير العنق قال ~~ابن أبي داود سمعت أبي يقول معناه ان الناس يعطشون يوم القيامة فإذا عطش ~~الانسان انطوت عنقه والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة. وفي صحيح ابن حبان ~~من حديث أبي هريرة " يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة " زاد السراج لقولهم ~~" لا إله الا الله " وظاهره الطول الحقيقي فلا يجوز المصير إلى التفسير ~~بغيره الا لملجئ * والحديث يدل على فضيلة الاذان أن صاحبه يوم القيامة ~~يمتاز عن غيره ولكن إذا كان فاعله غير متخذ أجرا عليه وإلا كان فعله لذلك ~~من طلب الدنيا والسعي للمعاش وليس من أعمال الآخرة: # وقد استدل بهذا الحديث من قال إن الاذان أفضل من الإمامة وهو نص الشافعي ~~في الام وقول أكثر أصحابه: وذهب بعض أصحابه إلى أن الإمامة أفضل وهو نص ~~الشافعي أيضا قاله النووي وبعضهم ذهب إلى أنهما سواء وبعضهم إلى أنه ان علم ~~من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجمع خصالها فهي أفضل وإلا فالاذان قاله أبو ~~علي وأبو القاسم بن كج والمسعودي والقاضي حسين من أصحاب الشافعي واختلف في ~~الجمع بين الاذان والإمامة فقال جماعة من أصحاب الشافعي انه يستحب ان لا ~~يفعله وقال بعضهم يكره وقال محققوهم وأكثرهم لا بأس به بل يستحب: قال ~~النووي وهذا أصح في البيهقي مرفوعا من حديث جابر النهى عن ذلك قال الحافظ ~~لكن سنده ضعيف * 4 - * (وعن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الامام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # الحديث رواه ms0502 الشافعي من طريق إبراهيم بن أبي يحيى وابن حبان وابن خزيمة، ~~كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه من ذكر المصنف ~~عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وروي أيضا عن أبي صالح عن عائشة، قال ~~أبو زرعة: حديث أبي هريرة أصح من حديث عائشة. وقال محمد عكسه، وذكر علي بن ~~المديني أنه لم يثبت واحد منهما. وقال أيضا: لم يسمع سهيل هذا الحديث من ~~أبيه إنما سمعه من الأعمش، ولم يسمعه الأعمش من أبي صالح بيقين لأنه يقول ~~فيه: نبئت عن أبي صالح، وكذا قال البيهقي في المعرفة. وقال الدارقطني في ~~العلل: رواه سليمان وروح بن القاسم ومحمد بن جعفر وغيره عن سهيل عن الأعمش، ~~قال: وقال أبو بدر عن الأعمش: حدثت عن أبي صالح، PageV02P012 # وقال ابن فضيل عنه عن رجل عن أبي صالح. وقال الثوري: لم يسمع الأعمش هذا ~~الحديث من أبي صالح، وصحح حديث أبي هريرة وعائشة جميعا ابن حبان وقال: قد ~~سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعا. وقال ابن عبد ~~الهادي: أخرج مسلم بهذا الاسناد يعني سهيلا عن أبيه نحوا من أربعة عشر ~~حديثا. وفي الباب عن ابن عمر أخرجه أبو العباس السراج وصححه الضياء في ~~المختارة. وعن أبي أمامة عند أحمد. وعن جابر عند ابن الجوزي في العلل. ~~ورواه البزار عن أبي هريرة وزاد فيه بذلك الاسناد: قالوا يا رسول الله لقد ~~تركتنا نتنافس في الاذان بعدك فقال: إنه يكون بعدكم قوم سفلتهم مؤذنوهم قال ~~الدارقطني: هذه الزيادة ليست محفوظة، وأشار ابن القطان إلى أن البزار هو ~~المنفرد بها، قال الحافظ: وليس كذلك فقد جزم ابن عدي بأنها من أفراد أبي ~~حمزة، وكذا قال الخليلي وابن عبد البر، وأخرجه البيهقي من غير طريق البزار ~~فبرئ من عهدتها، وأخرجها ابن عدي في ترجمة عيسى بن عبد الله عن يحيى بن ~~عيسى الرملي عن الأعمش واتهم بها عيسى وقال: إنما تعرف هذه الزيادة بأبي ~~حمزة. قال ms0503 ابن القطان: # أبو حمزة ثقة ولا عيب للاسناد إلا ما ذكر من الانقطاع، ويجاب عنه بأن ~~الواسطة قد عرفت وهو الأعمش كما تقدم، فلا يضر هذا الانقطاع ولا تعد علة، ~~وأما الانقطاع الثاني بين الأعمش وأبي صالح الذي تقدم فيه قوله عن رجل ~~فيجاب عنه بأن ابن نمير قد قال عن الأعمش عن أبي صالح ولا أراني، إلا قد ~~سمعته منه. وقال إبراهيم بن حميد الرؤاسي: # قال الأعمش وقد سمعته من أبي صالح. وقال هشيم عن الأعمش: حدثنا أبو صالح ~~عن أبي هريرة ذكر ذلك الدارقطني، فبينت هذه الطرق أن الأعمش سمعه عن غير ~~أبي صالح ثم سمعه منه. قال اليعمري: والكل صحيح والحديث متصل. قوله: الامام ~~ضامن الضمان في اللغة الكفالة والحفظ والرعاية، والمراد أنهم ضمناء على ~~الاسرار بالقراءة والأذكار، حكي ذلك عن الشافعي في الام. وقيل: المراد ضمان ~~الدعاء أن يعم القوم به ولا يخص نفسه. وقيل: لأنه يتحمل القيام والقراءة عن ~~المسبوق. وقال الخطابي: معناه أنه يحفظ على القوم صلاتهم وليس من الضمان ~~الموجب للغرامة. قوله: والمؤذن مؤتمن قيل: المراد أنه أمين على مواقيت ~~الصلاة. وقيل: أمين على حرم الناس لأنه يشرف على المواضع العالية. والحديث ~~استدل به على فضيلة الاذان وعلى أنه أفضل من الإمامة، لأن الأمين أرفع حالا ~~من الضمين، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ويؤيد قول من قال PageV02P013 # إن الإمامة أفضل أن النبي (ص) والخلفاء الراشدين بعده أموا ولم يؤذنوا ~~وكذا كبار العلماء بعدهم. # وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: يعجب ربك عز وجل من راعي ~~غنم في شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي ~~هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني فقد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي. # الحديث رجال إسناده ثقات، وقد أخرجه أيضا سعيد بن منصور والطبراني ~~والبيهقي، وفي البخاري والموطأ والنسائي بلفظ: إذا كنت في غنمك أو باديتك ~~فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن ms0504 جن ولا إنس ~~ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله (ص)، ~~وأخرج عبد الرزاق والمقدسي والنسائي في المواعظ من سننه عن سلمان رفعه: إذا ~~كان الرجل في أرض في أي قفر فتوضأ فإن لم يجد الماء تيمم ثم ينادي بالصلاة ~~ثم يقيمها ويصليها إلا أم من جنود الله صفا ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~عن معتمر التيمي عن أبيه، وروى نحوه البيهقي والطبراني في الكبير. والحديث ~~يدل على شرعية الاذان للمنفرد، فيكون صالحا لرد قول من قال: إن شرعية ~~الاذان تختص بالجماعة، وفيه أيضا أن الاذان من أسباب المغفرة للذنوب، وقد ~~أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا بلفظ: يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس وفي إسناده أبو ~~يحيى الراوي له عن أبي هريرة. قال ابن القطان: لا يعرف، وادعى ابن حبان في ~~الصحيح أن اسمه سمعان، وقد رواه البيهقي من وجهين آخرين عن الأعمش، قال ~~تارة عن أبي صالح، وتارة عن مجاهد عن أبي هريرة، ومن طريق أخرى عن مجاهد عن ~~ابن عمر. ورواه أحمد والنسائي من حديث البراء بن عازب بلفظ: المؤذن يغفر له ~~مد صوته ويصدقه من يسمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه وصححه ابن ~~السكن، ورواه أحمد والبيهقي من حديث مجاهد عن ابن عمر. وفي فضل الاذان ~~أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما مصرحة بعظيم فضله وارتفاع درجته، وأنه من ~~أجل الطاعات التي يتنافس فيها المتنافسون ولكن بذلك الشرط الذي عرفناك في ~~شرح حديث معاوية. قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق حديث الباب: وفيه دليل ~~على أن الاذان يسن للمنفرد وإن كان PageV02P014 # بحيث لا يسمعه أحد. الشظية الطريقة كالجدة انتهى. ويقال الشظية للقطعة ~~المرتفعة من الجبل وهي بالظاء المعجمة. # باب صفة الاذان عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد ~~الله بن زيد بن عبد ربه قال: لما أجمع ms0505 رسول الله (ص) أن يضرب بالناقوس وهو ~~له كاره لموافقته النصارى طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان ~~أخضران، وفي يده ناقوس يحمله قال فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ~~وما تصنع به؟ # قال قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، ~~قال تقول: # الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد ~~أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي ~~على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله ~~أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا أقمت ~~الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول ~~الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله ~~أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: # فلما أصبحت أتيت رسول الله (ص) فأخبرته بما رأيت فقال رسول الله (ص): إن ~~هذه الرؤيا حق إن شاء الله ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن ~~بذلك ويدعو رسول الله (ص) إلى الصلاة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر ~~فقيل له: إن رسول الله (ص) نائم فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من ~~النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر: ~~رواه أحمد وأبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ~~محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه وفيه: فلما أصبحت أتيت رسول الله (ص) ~~فأخبرته بما رأيت فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ~~ما رأيت فإنه أندى صوتا منك، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، ~~قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه ~~يقول: والذي بعثك بالحق ms0506 لقد رأيت مثل الذي أري، فقال رسول الله (ص): فلله ~~الحمد وروى الترمذي هذا الطرف منه بهذه الطريق وقال: PageV02P015 # حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح. # الحديث أخرجه أيضا من الطريقة الأولى الحاكم وقال: هذه أمثل الروايات في ~~قصة عبد الله بن زيد لأن سعيد بن المسيب قد سمع من عبد الله بن زيد، ورواه ~~يونس ومعمر وشعيب وابن إسحاق عن الزهري، ومتابعة هؤلاء لمحمد بن إسحاق عن ~~الزهري ترفع احتمال التدليس الذي تحتمله عنعنة ابن إسحاق. وأخرجه أيضا من ~~الطريقة الثانية ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والبيهقي وابن ماجة. قال ~~محمد بن يحيى الذهلي: # ليس في أخبار عبد الله بن زيد أصح من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن ~~إبراهيم التيمي يعني هذا، لأن محمدا قد سمع من أبيه عبد الله بن زيد، وقال ~~ابن خزيمة في صحيحه: هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل، لأن محمدا سمع من ~~أبيه، وابن إسحاق سمع من التيمي وليس هذا مما دلسه. وقد صحح هذه الطريقة ~~البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل عنه. وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود من ~~حديث محمد بن عمرو الواقفي عن محمد بن عبد الله عن عمه عبد الله بن زيد ~~ومحمد بن عمرو ضعيف، واختلف عليه فيه فقيل عن محمد بن عبد الله. وقيل عبد ~~الله بن محمد. قال ابن عبد البر: # إسناده حسن من حديث الإفريقي، قال الحاكم: وأما أخبار الكوفة في هذه ~~القصة يعني في تثنية الأذان والإقامة فمدارها على حديث عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى واختلف عليه فيه، فمنهم من قال عن معاذ بن جبل، ومنهم من قال عن عبد ~~الله بن زيد، ومنهم من قال غير ذلك. الحديث فيه تربيع التكبير. وقد ذهب إلى ~~ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء كما قال النووي. ومن أهل ~~البيت الناصر والمؤيد بالله والامام يحيى واحتجوا بهذا الحديث فإن المشهور ~~فيه التربيع وبحديث أبي محذورة الآتي. وبأن التربيع عمل أهل مكة وهي مجمع ms0507 ~~المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم. # وذهب مالك وأبو يوسف ومن أهل البيت زيد بن علي والصادق والهادي والقاسم ~~إلى تثنيته محتجين بما وقع في بعض روايات هذا الحديث من التثنية. وبحديث ~~أبي محذورة الآتي في رواية لمسلم عنه وفيه: أن الاذان مثنى فقط وبأن ~~التثنية عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن. وبحديث أمره (ص) لبلال بتشفيع ~~الاذان وإيتار الإقامة وسيأتي. والحق أن روايات التربيع أرجح لاشتمالها على ~~الزيادة وهي مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها. وفي الحديث ذكر الشهادتين ~~مثنى مثنى، وقد اختلف الناس PageV02P016 # في ذلك، فذهب أبو حنيفة والكوفيون والهادوية والناصر إلى عدم استحباب ~~الترجيع تمسكا بظاهر الحديث، والترجيع هو العود إلى الشهادتين مرتين مرتين ~~برفع الصوت بعد قولها مرتين مرتين بخفض الصوت، ذكر ذلك النووي في شرح مسلم. ~~وفي كلام الرافعي ما يشعر بأن الترجيع اسم للمجموع من السر والجهر. وفي شرح ~~المهذب والتحقيق والدقائق والتحرير أنه اسم للأول. وذهب الشافعي ومالك ~~وأحمد وجمهور العلماء كما قال النووي إلى أن الترجيع في الاذان ثابت لحديث ~~أبي محذورة الآتي، وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها، ~~وهو أيضا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد. قال في شرح مسلم: إن حديث أبي ~~محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، ~~ويرجحه أيضا عمل أهل مكة والمدينة به. قال النووي: وقد ذهب جماعة من ~~المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه. وفيه التثويب في صلاة ~~الفجر لقول سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر ~~يعني قول بلال: الصلاة خير من النوم، وزاد ابن ماجة: فأقرها رسول الله (ص) ~~وفي إسناده ضعف جدا. وروى أيضا ابن ماجة وأحمد والترمذي من حديث بلال بلفظ: ~~لا تثويب في شئ من الصلاة إلا في صلاة الفجر وفيه أبو إسماعيل الملائي وهو ~~ضعيف مع انقطاعه بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وبلال. وقال ابن السكن: ms0508 لا يصح ~~إسناده. ورواه الدارقطني من طريق أخرى وفيه أبو سعيد البقال وهو نحو أبي ~~إسماعيل في الضعف: وبيان الانقطاع بين ابن أبي ليلى وبلال أن ابن أبي ليلى ~~مولده سنة سبع عشرة ووفاة بلال سنة عشرين أو إحدى وعشرين بالشام، وكان ~~مرابطا بها قبل ذلك من أوائل فتوحها، فهو شامي وابن أبي ليلى كوفي، فكيف ~~يسمع منه مع حداثة السن وتباعد الديار؟ وقد روي إثبات التثويب من حديث أبي ~~محذورة قال: علمني رسول الله (ص) الاذان وقال: إذا كنت في أذان الصبح فقلت ~~حي على الفلاح فقل الصلاة خير من النوم أخرجه أبو داود وابن حبان مطولا من ~~حديثه وفيه هذه الزيادة، وفي إسناده محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة وهو ~~غير معروف الحال، والحرث بن عبيد وفيه مقال. وذكره أبو داود من طريق أخرى ~~عن أبي محذورة، وصححه ابن خزيمة من طريق ابن جريج. ورواه النسائي من وجه ~~آخر، وصححه أيضا ابن خزيمة ورواه بقي بن مخلد. وروى التثويب PageV02P017 # أيضا الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عمر بلفظ: كان الاذان بعد حي ~~على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين قال اليعمري: وهذا إسناد صحيح. وروى ~~ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي عن أنس أنه قال: من السنة إذا قال المؤذن في ~~الفجر حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم قال ابن سيد الناس اليعمري: ~~وهو إسناد صحيح. # وفي الباب عن عائشة عند ابن حبان، وعن نعيم النحام عد البيهقي. وقد ذهب ~~إلى القول بشرعية التثويب عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري وابن ~~سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وأصحاب الشافعي ~~وهو رأي الشافعي في القديم ومكروه عنده في الجديد، وهو مروي عن أبي حنيفة، ~~واختلفوا في محله فالمشهور أنه في صلاة الصبح فقط، وعن النخعي وأبي يوسف ~~أنه سنة في كل الصلوات، وحكى القاضي أبو الطيب عن الحسن بن صالح أنه يستحب ~~في أذان العشاء، وروي عن الشعبي وغيره أنه يستحب في العشاء والفجر، ms0509 ~~والأحاديث لم ترد بإثباته إلا في صلاة الصبح لا في غيرها، فالواجب الاقتصار ~~على ذلك، والجزم بأن فعله في غيرها بدعة كما صرح بذلك ابن عمر وغيره، وذهبت ~~العترة والشافعي في أحد قوليه إلى أن التثويب بدعة، قال في البحر: أحدثه ~~عمر فقال ابنه هذه بدعة. وعن علي عليه السلام حين سمعه: # لا تزيدوا في الاذان ما ليس منه، ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي محذورة، ~~وبلال: # قلنا لو كان لما أنكره علي وابن عمر وطاوس سلمنا فأمر به إشعارا في حال ~~لا شرعا جمعا بين الآثار انتهى. وأقول: قد عرفت مما سلف رفعه إلى النبي ~~(ص)، والامر به على جهة العموم من دون تخصيص بوقت دون وقت، وابن عمر لم ~~ينكر مطلق التثويب بل أنكره في صلاة الظهر، ورواية الانكار عن علي عليه ~~السلام بعد صحتها لا تقدح في مروي غيره، لأن المثبت أولى، ومن علم حجة، ~~والتثويب زيادة ثابتة فالقول بها لازم، والحديث ليس فيه ذكر حي على خير ~~العمل، وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنه بعد قول المؤذن حي على الفلاح، ~~قالوا يقول مرتين: حي على خير العمل، ونسبه المهدي PageV02P018 # في البحر إلى أحد قولي الشافعي، وهو خلاف ما في كتب الشافعية، فإنا لم ~~نجد في شئ منها هذه المقالة، بل خلاف ما في كتب أهل البيت، قال في ~~الانتصار: إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك، يعني في أن حي على خير ~~العمل ليس من ألفاظ الاذان، وقد أنكر هذه الرواية الامام عز الدين في شرح ~~البحر وغيره ممن له اطلاع على كتب الشافعية. # (احتج القائلون بذلك) بما في كتب أهل البيت كأمالي أحمد بن عيسى والتجريد ~~والاحكام وجامع آل محمد من إثبات ذلك مسندا إلى رسول الله (ص) قال في ~~الاحكام: # وقد صح لنا أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله (ص) يؤذن بها ولم ~~تطرح إلا في زمن عمر، وهكذا قال الحسن بن يحيى روي ذلك عنه في جامع آل ms0510 ~~محمد، وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر ~~أنه كان يؤذن بحي على خير العمل أحيانا. وروي فيها عن علي بن الحسين أنه ~~قال: # هو الاذان الأول. وروى المحب الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنه أذن ~~بذلك قال المحب الطبري: رواه ابن حزم، ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي ~~أمامة بن سهل البدري، ولم يرو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعا. وقول ~~بعضهم وقد صحح ابن حزم والبيهقي والمحب الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك عن ~~علي بن الحسين وابن عمر وأبي أمامة بن سهل موقوفا ومرفوعا ليس بصحيح، اللهم ~~إلا أن يريد بقوله مرفوعا قول علي بن الحسين هو الاذان الأول. ولم يثبت عن ~~ابن عمر وأبي أمامة الرفع في شئ من كتب الحديث (وأجاب الجمهور) عن أدلة ~~إثباته بأن الأحاديث الواردة بذكر ألفاظ الاذان في الصحيحين وغيرهما من ~~دواوين الحديث ليس في شئ منها ما يدل على ثبوت ذلك، قالوا: وإذا صح ما روي ~~من أنه الاذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الاذان لعدم ذكره فيها. وقد أورد ~~البيهقي حديثا في نسخ ذلك ولكنه من طريق لا يثبت النسخ بمثلها. وفي الحديث ~~إفراد الإقامة إلا التكبير في أولها وآخرها وقد قامت الصلاة، وقد اختلف ~~الناس في ذلك، وسنذكر ذلك وما هو الحق في شرح حديث أنس الآتي بعد هذا. قوله ~~في الحديث: أن يضرب بالناقوس هو الذي تضرب به النصارى لأوقات صلاتهم وجمعه ~~نواقيس والنقس ضرب الناقوس. قوله: # حي على الصلاة حي على الفلاح اسم فعل معناه أقبلوا إليها وهلموا إلى ~~الفوز والنجاة، وفتحت الياء لسكونها وسكون الياء السابقة المدغمة. قوله: ~~فإنه أندى صوتا منك PageV02P019 # أي أحسن صوتا منك. وفيه دليل على استحباب اتخاذ مؤذن حسن الصوت. وقد أخرج ~~الدارمي وأبو الشيخ بإسناد متصل بأبي محذورة أن رسول الله (ص) أمر بنحو ~~عشرين رجلا فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الاذان. وأخرجه أيضا ابن ~~حبان من طريق أخرى. ms0511 ورواه ابن خزيمة في صحيحه، قال الزبير بن بكار: كان أبو ~~محذورة أحسن الناس صوتا وأذانا. ولبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة: # أما ورب الكعبة المستورة * وما تلا محمد من سوره والنغمات من أبي محذوره ~~* لأفعلن فعلة مذكورة وفي رواية للترمذي بلفظ: فقم مع بلال فإنه أندى أو ~~أمد صوتا منك فألق عليه ما قيل لك والمراد بقوله: أو أمد صوتا منك أي أرفع ~~صوتا منك، وفيه استحباب رفع الصوت بالاذان، وسيذكر المصنف لذلك بابا بعد ~~هذا الباب. # وعن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الاذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة رواه ~~الجماعة. # وليس فيه للنسائي والترمذي وابن ماجة إلا الإقامة. قوله: أمر بلال هو في ~~معظم الروايات على البناء للمفعول. وقد اختلف أهل الأصول والحديث في اقتضاء ~~هذه الصيغة للرفع، والمختار عند محققي الطائفتين أنها تقتضيه، لأن الظاهر ~~أن المراد بالآمر من له الامر الشرعي الذي يلزم اتباعه وهو الرسول (ص)، لا ~~سيما في أمور العبادة فإنها إنما تؤخذ عن توقيف، ويؤيد هذا ما وقع في رواية ~~روح عن عطاء: فأمر بلالا بالنصب وفاعل أمر هو النبي (ص)، وأصرح من ذلك ~~رواية النسائي وغيره عن قتيبة عن عبد الوهاب بلفظ: أن النبي (ص) أمر بلالا ~~قال الحاكم: صرح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قتيبة، قال الحافظ: # ولم يتفرد به، فقد أخرجه أبو عوانة من طريق عبدان المروزي ويحيى بن معين ~~كلاهما عن عبد الوهاب، وطريق يحيى عند الدارقطني أيضا ولم يتفرد عبد ~~الوهاب. وقد رواه البلاذري من طريق أبي شهاب الحناط عن أبي قلابة، وقضية ~~وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النداء، والآمر بذلك النبي (ص) من غير شك. ~~وقد روى البيهقي فيه بالسند الصحيح عن أنس: أن رسول الله (ص) أمر بلالا أن ~~يشفع الاذان ويوتر الإقامة لا ما حكي عن بعضهم من أن الامر لبلال بذلك ~~PageV02P020 # كان من بعد رسول الله (ص)، إذ من المنقول أن بلالا لم يؤذن لاحد بعد رسول ~~الله (ص) إلا لأبي بكر، ms0512 وقيل: لم يؤذن لاحد بعد موت رسول الله (ص) إلا مرة ~~واحدة بالشام. قوله: أن يشفع الاذان بفتح أوله وفتح الفاء أي يأتي بألفاظه ~~شفعا وهو مفسر بقوله: مثنى مثنى. قال الحافظ: لكن لم يختلف في أن كلمة ~~التوحيد التي في آخره مفردة فيحمل قوله مثنى على ما سواها انتهى. فتكون ~~أحاديث تشفيع الاذان وتثنيته مخصصة بالأحاديث التي ذكرت فيها كلمة التوحيد ~~مرة واحدة كحديث عبد الله بن زيد ونحوه. قوله: إلا الإقامة ادعى ابن منده ~~والأصيلي أن قوله: إلا الإقامة من كلام أيوب وليس من الحديث، وفيما قالاه ~~نظر لأن عبد الرزاق رواه عن معمر عن أيوب بسنده متصلا بالخبر مفسرا، وكذا ~~أبو عوانة في صحيحه والسراج في مسنده، والأصل أن كل ما كان من الخبر فهو ~~منه حتى يقوم دليل على خلافه ولا دليل. وفي رواية أيوب زيادة من حافظ، فلا ~~يقدح في صحتها عدم ذكر خالد الحذاء لها، وقد ثبت تكرير لفظ قد قامت الصلاة ~~في حديث ابن عمر مرفوعا وسيأتي. # وقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة فإنه يثنى كما تقدم في حديث ~~عبد الله بن زيد، وأجيب بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الاذان، فإن التكبير في ~~أول الاذان أربع، وهذا إنما يتم في تكبير أول الاذان لا في آخره كما قال ~~الحافظ، وأنت خبير بأن ترك استثنائه في هذا الحديث لا يقدح في ثبوته، لأن ~~روايات التكرير زيادة مقبولة. # الحديث يدل على وجوب الأذان والإقامة وعلى أن الاذان مثنى وقد تقدم ~~الكلام على ذلك. ويدل على إفراد الإقامة إلا الإقامة، وقد اختلف الناس في ~~ذلك، ذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة ~~كلمة كلها مفردة إلا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ قد قامت الصلاة فإنها ~~مثنى مثنى، واستدلوا بهذا الحديث، وحديث ابن عمر الآتي، وحديث عبد الله بن ~~زيد السابق. قال الخطابي: مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في ~~الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الاسلام أن ms0513 ~~الإقامة فرادى، قال أيضا: مذهب كافة العلماء أنه يكرر قوله قد قامت الصلاة ~~إلا مالكا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها. وذهب الشافعي في قديم قوليه إلى ~~ذلك. قال النووي: ولنا قول شاذ إنه يقول في التكبير الأول الله أكبر مرة ~~وفي الأخير مرة، ويقول قد قامت الصلاة مرة، قال ابن سيد الناس: وقد ذهب إلى ~~القول بأن الإقامة PageV02P021 # إحدى عشرة كلمة: عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري والزهري ~~والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور ويحيى بن يحيى وداود وابن المنذر. قال ~~البيهقي: وممن قال بإفراد الإقامة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وابن ~~سيرين وعمر بن عبد العزيز. قال البغوي: # هو قول أكثر العلماء. وذهبت الحنفية والهادوية والثوري وابن المبارك وأهل ~~الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الاذان عندهم مع زيادة قد قامت الصلاة ~~مرتين، واستدلوا بهما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي وأبي ~~داود بلفظ: كان أذان رسول الله (ص) شفعا شفعا في الأذان والإقامة وأجيب عن ~~ذلك بأنه منقطع كما قال الترمذي، وقال الحاكم والبيهقي: الروايات عن عبد ~~الله بن زيد في هذا الباب كلها منقطعة، وقد تقدم ما في سماع ابن أبي ليلى ~~عن عبد الله بن زيد. ويجاب عن هذا الانقطاع بأن الترمذي قال بعد إخراج هذا ~~الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد ما لفظه: وقال شعبة ~~عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: # حدثنا أصحاب محمد (ص) أن عبد الله بن زيد رأى الاذان في المنام، قال ~~الترمذي: وهذا أصح انتهى. وقد روى ابن أبي ليلى عن جماعة من الصحابة منهم ~~عمر وعلي وعثمان وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب والمقداد وبلال: وكعب بن ~~عجرة وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وصهيب وخلق يطول ذكرهم وقال: أدركت ~~عشرين ومائة من أصحاب النبي (ص) كلهم من الأنصار فلا علة للحديث، لأنه على ~~الرواية عن عبد الله بدون توسيط الصحابة مرسل عن ms0514 الصحابة وهو في حكم ~~المسند، وعلى روايته عن الصحابة عنه مسند، ومحمد بن عبد الرحمن وإن كان بعض ~~أهل الحديث يضعفه فمتابعة الأعمش إياه عن عمرو بن مرة ومتابعة شعبة كما ذكر ~~ذلك الترمذي مما يصحح خبره، وإن خالفاه في الاسناد وأرسلا فهي مخالفة غير ~~فادحة. واستدلوا أيضا بما رواه الحاكم والبيهقي في الخلافيات والطحاوي من ~~رواية سويد بن غفلة أن بلالا كان يثني الأذان والإقامة وادعى الحاكم فيه ~~الانقطاع. قال الحافظ: ولكن في رواية الطحاوي سمعت بلالا، ويؤيد ذلك ما ~~رواه ابن أبي شيبة عن جبر بن علي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده وهو ~~سعد القرظ قال: أذن بلال حياة رسول الله (ص)، ثم أذن لأبي بكر في حياته، ~~ولم يؤذن في زمان عمر، وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر. وأما ما رواه ~~أبو داود من أن بلالا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر فكان بها حتى مات فهو ~~مرسل PageV02P022 # وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مدلس. وروى الطبراني في مسند الشاميين من ~~طريق جنادة بن أبي أمية عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى ~~وفي إسناده ضعف، قال الحافظ: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند ~~النسائي وغيره انتهى. # وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في الناسخ والمنسوخ وذكر فيه ~~الإقامة مرتين مرتين وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي ~~والنسائي. # وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة: أن النبي (ص) علمه الاذان تسع عشرة ~~PageV02P023 # كلمة والإقامة سبع عشرة وهو حديث صححه الترمذي وغيره، وهو متأخر عن حديث ~~بلال الذي فيه الامر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكة لأن أبا محذورة من ~~مسلمة الفتح، وبلال أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الاذان فيكون ناسخا. وقد ~~روى أبو الشيخ: أن بلالا أذن بمنى ورسول الله (ص) ثم مرتين مرتين وأقام مثل ~~ذلك إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما ~~أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة ms0515 وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في ~~الصحيحين، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم لا ~~سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ~~إفراد الإقامة وتثنيتها، قال أبو عمر بن عبد البر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول ~~الله (ص) في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: كل ذلك جائز لأنه قد ~~ثبت عن النبي (ص) جميع ذلك وعمل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر أربعا ~~في أول الاذان، ومن شاء ثنى، ومن شاء ثنى الإقامة، ومن شاء أفرده إلا قوله ~~قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان على كل حال انتهى. وقد أجاب القائلون بإفراد ~~الإقامة عن حديث أبي محذورة بأجوبة منها أن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا ~~وأقوم قاعدة وهذا ممنوع فإن المعتبر في الناسخ مجرد الصحة لا الأصحية. # ومنها أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير ~~محفوظة، ورووا من طريق أبي محذورة أن النبي (ص) أمره أن يشفع الاذان ويوتر ~~الإقامة، كما ذكر ذلك الحازمي في الناسخ والمنسوخ، وأخرجه البخاري في ~~تاريخه والدار قطني وابن خزيمة، وهذا الوجه غير نافع لأن القائلين بأنها ~~غير محفوظة غاية ما اعتذروا به عدم الحفظ، وقد حفظ غيرهم من الأئمة كما ~~تقدم ومن علم حجة على من لا يعلم. # وأما رواية إيتار الإقامة عن أبي محذورة فليست كروايته التشفيع على أن ~~الاعتماد على الرواية المشتملة على الزيادة. ومن الأجوبة أن تثنية الإقامة ~~لو فرض أنها محفوظة وأن الحديث بها ثابت لكانت منسوخة، فإن أذان بلال هو ~~آخر الامرين، لأن النبي (ص) لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقر بلالا ~~على أذانه وإقامته. # قالوا: وقد قيل لأحمد بن حنبل أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن ~~زيد لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ قال: أليس ms0516 قد رجع رسول الله (ص) ~~PageV02P024 # إلى المدينة فأقر بلالا على أذان عبد الله بن زيد وهذا أنهض ما أجابوا ~~به، ولكنه متوقف على نقل صحيح أن بلالا أذن بعد رجوع النبي (ص) المدينة ~~وأفرد الإقامة، ومجرد قول أحمد بن حنبل لا يكفي، فإن ثبت ذلك كان دليلا ~~لمذهب من قال بجواز الكل ويتعين المصير إليها، لأن فعل كل واحد من الامرين ~~عقب الآخر مشعر بجواز الجميع لا بالنسخ. # وعن ابن عمر قال: إنما كان الاذان على عهد رسول الله (ص) مرتين مرتين ~~والإقامة مرة مرة غير أنه يقول: قد قامت الصلاة مرتان، وكنا إذا سمعنا ~~الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة رواه أحمد وداود والنسائي. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وأبو عوانة والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان ~~والحاكم وفي إسناده أبو جعفر المؤذن، قال شعبة: لا يحفظ لأبي جعفر غير هذا ~~الحديث. # وقال ابن حبان: اسمه محمد بن مسلم بن مهران. وقال الحاكم: اسمه عمير بن ~~يزيد بن حبيب الخطمي. قال الحافظ: ووهم الحاكم في ذلك. ورواه أبو عوانة ~~والدارقطني من حديث سعيد بن المغيرة عن عيسى بن يونس عن عبيد الله عن نافع ~~عن ابن عمر، قال الحافظ: وأظن سعيدا وهم فيه وإنما رواه عيسى عن شعبة كما ~~تقدم، لكن سعيد وثقه أبو حاتم، ورواه ابن ماجة من حديث سعد القرظ مرفوعا: ~~كان أذان بلال مثنى مثنى وإقامته مفردة وعن أبي رافع نحوه وهما ضعيفان، وقد ~~صرح اليعمري في شرح الترمذي أن حديث ابن عمر إسناده صحيح. والحديث يدل على ~~أن الاذان مثنى والإقامة مفردة إلا الإقامة. وقد تقدم البحث عن ذلك. # وعن أبي محذورة قالت: أن رسول الله (ص) علمه هذا الاذان: الله أكبر، الله ~~أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول ~~الله أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله ~~مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي ms0517 على الفلاح ~~مرتين، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله رواه مسلم والنسائي. وذكر ~~التكبير في أوله أربعا. # وللخمسة عن أبي محذورة: أن النبي (ص) علمه الاذان تسع عشرة PageV02P025 # كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # الرواية الأولى أخرجها أيضا بتربيع التكبير في أوله الشافعي وأبو داود ~~وابن ماجة وابن حبان، وقال ابن القطان: الصحيح في هذا تربيع التكبير وبه ~~يصح كون الاذان تسع عشرة كلمة كما في الرواية الثانية مضموما إلى تربيع ~~التكبير الترجيع، قال الحافظ حاكيا عن ابن القطان: وقد وقع في بعض روايات ~~مسلم بتربيع التكبير وهي التي ينبغي أن يعد في الصحيح انتهى. وقد رواه أبو ~~نعيم في المستخرج والبيهقي بتربيع التكبير وقال بعده: أخرجه مسلم عن إسحاق، ~~وكذلك أخرجه أبو عوانة في مستخرجه من طريق ابن المديني عن معاذ. والرواية ~~الثانية أخرجها أيضا الدارمي والدارقطني والحاكم في مستدركه والبيهقي وتكلم ~~عليه بأوجه من التضعيف، ردها ابن دقيق العيد في الامام وصحح الحديث وأخرجه ~~أيضا الطبراني. قوله: تسع عشرة كلمة لأن التكبير في أوله مربع والترجيع في ~~الشهادتين يصير كل واحدة منهما أربعة ألفاظ، والحيعلتين أربع كلمات، ~~والتكبير كلمتان، وكلمة التوحيد في آخره. قوله: سبع عشرة كلمة بتربيع ~~التكبير في أول الإقامة وترك الترجيع وزيادة قد قامت الصلاة مرتين وباقي ~~ألفاظها كالاذان فتكون الإقامة ذلك المقدار. والحديث يدل على تربيع التكبير ~~والترجيع وتربيع تكبير الإقامة وتثنية باقي ألفاظها، وقد تقدم الكلام على ~~جميع هذه الأطراف مستوفى، وقد عرفت مما سلف أن حديث أبي محذورة راجح لأنه ~~متأخر ومشتمل على الزيادة لا سيما مع كون النبي (ص) هو الذي لقنه إياه. # وعن أبي محذورة قال: قلت يا رسول الله علمني سنة الاذان فعلمه وقال: # فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله ~~أكبر الله أكبر لا إله إلا الله رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والنسائي وصححه ابن خزيمة وفي إسناده محمد بن ~~عبد ms0518 الملك بن أبي محذورة والحرث بن عبيد، والأول غير معروف والثاني فيه ~~مقال، ولكنه قد روي من طريق أخرى، وقد قدمنا الكلام على الحديث وعلى فقهه ~~في شرح حديث عبد الله بن زيد فليرجع إليه. PageV02P026 # باب رفع الصوت بالاذان وعن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: المؤذن يغفر له ~~مد صوته ويشهد له كل رطب ويابس رواه الخمسة إلا الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وفي إسناده أبو يحيى الراوي له عن ~~أبي هريرة قال ابن القطان: لا يعرف، وادعى ابن حبان في الصحيح أن اسمه ~~سمعان، ورواه البيهقي من وجهين آخرين عن الأعمش، قال تارة عن أبي صالح ~~وتارة عن مجاهد عن أبي هريرة، قال الدارقطني: الأشبه أنه عن مجاهد مرسل. ~~وفي العلل لأبي حاتم سئل أبو زرعة عن حديث منصور فقال فيه عن عطاء رجل من ~~أهل المدينة ووقفه. ورواه أبو أسامة عن الحرث بن الحكم عن أبي هبيرة يحيى ~~بن عباد عن شيخ من الأنصار فقال: الصحيح حديث منصور. ورواه أحمد والنسائي ~~من حديث البراء بن عازب بلفظ: المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه من يسمعه من ~~رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه وصححه ابن السكن، ورواه أحمد والبيهقي من ~~حديث مجاهد عن ابن عمر، وفي الباب عن أنس عند ابن عدي، وعن أبي سعيد ~~الدارقطني في العلل. وعن جابر عند الخطيب في الموضح وغير ذلك. والحديث يدل ~~على استحباب مد الصوت في الاذان لكونه سببا للمغفرة وشهادة الموجودات، ~~ولأنه أمر بالمجئ إلى الصلاة، فكل ما كان ادعى لاسماع المأمومين بذلك كان ~~أولى، ولقوله (ص) لأبي محذورة: # ارجع فارفع صوتك وهذا أمر برفع الصوت، قيل هو تمثيل بمعنى أنه لو كان بين ~~المكان الذي يؤذن فيه والمكان الذي يبلغه صوته ذنوب تملأ تلك المسافة ~~لغفرها الله له. # وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أن أبا سعيد الخدري قال له: ~~إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك ms0519 فارفع صوتك ~~بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا يشهد له يوم ~~القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله (ص) رواه أحمد والبخاري ~~والنسائي وابن ماجة. PageV02P027 # الحديث أخرجه أيضا الشافعي ومالك في الموطأ وغيرهما. قوله: تحب الغنم ~~والبادية أي لأجل الغنم لأن فيها ما يحتاج في إصلاحها إليه من الرعي وهو في ~~الغالب لا يكون إلا بالبادية. قوله: في غنمك أو باديتك يحتمل أن يكون أو ~~شكا من الراوي، ويحتمل أن يكون للتنويع، لأن الغنم قد لا تكون في البادية ~~ولأنه قد يكون في البادية حيث لا غنم. قوله: فارفع صوتك فيه دليل لمن قال ~~باستحباب الاذان للمنفرد وهو الراجح عند الشافعية. قوله: مدى صوت المؤذن أي ~~غاية صوته. قوله: جن ولا إنس ولا شئ ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات فهو من ~~العام بعد الخاص. والحديث الأول يبين معنى الشئ المذكور هنا، لأن الرطب ~~واليابس لا يخرج عن الاتصاف بأحدهما شئ من الموجودات. وفي رواية لابن ~~خزيمة: # لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس، وبهذا يظهر أن التخصيص ~~بالملائكة كما قال، القرطبي، أو بالحيوان كما قال غيره غير ظاهر وغير ممتنع ~~عقلا ولا شرعا أن يخلق الله في الجمادات القدرة على السماع والشهادة، ومثله ~~قوله تعالى: * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * (الاسراء: 44) وفي صحيح مسلم: ~~إني لأعرف حجرا كان يسلم علي ومنه ما ثبت في البخاري وغيره من قول النار: ~~أكل بعضي بعضا، قال الزين بن المنير: والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند ~~عالم الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من ~~توجه الدعوى والجواب والشهادة. وقيل: المراد بهذه الشهادة إشهار المشهود له ~~بالفضل وعلو الدرجة، وكما أن الله يفضح بالشهادة قوما كذلك يكرم بالشهادة ~~آخرين. وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالاذان وقد تقدم تعليل ذلك، وفيه أن ~~حب الغنم والبادية لا سيما عند نزول الفتنة من عمل السلف الصالح. # باب ms0520 المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه ويلوي عنقه عند الحيعلة ولا يستدير عن ~~أبي جحيفة قال: أتيت النبي (ص) بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم ~~قال: فخرج بلال بوضوئه فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي (ص) عليه حلة حمراء ~~كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا ~~وههنا يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة حي على الفلاح، قال: ثم ركزت ~~PageV02P028 # له عنزة فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع وفي ~~رواية: # تمر من ورائه المرأة والحمار ثم صلى العصر ثم لم يزل يصلي حتى رجع إلى ~~المدينة متفق عليه. ولأبي داود: رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن فلما بلغ ~~حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر. وفي رواية: ~~رأيت بلالا يؤذن ويدور وأتتبع فاه ههنا وههنا وأصبعاه في أذنيه، قال: ورسول ~~الله (ص) في قبة له حمراء أراها من أدم، قال: فخرج بلالا بين يديه بالعنزة ~~فركزها فصلى رسول الله (ص) وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيه رواه ~~أحمد والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه النسائي بزيادة: فجعل يقول في أذانه هكذا ينحرف يمينا ~~وشمالا وابن ماجة بزيادة: رأيته يدور في أذانه لكن في إسناده الحجاج بن ~~أرطاة. ورواه الحاكم بزيادة ألفاظ وقال: قد أخرجاه إلا أنهما لم يذكرا فيه ~~إدخال الإصبعين في الاذنين والاستدارة وهو صحيح على شرطهما. ورواه ابن ~~خزيمة بلفظ: # رأيت بلالا يؤذن يتبع بفيه يميل رأسه يمينا وشمالا ورواه من طريق أخرى ~~بزيادة: ووضع الإصبعين في الاذنين وكذا رواه أبو عوانة في صحيحه وأبو نعيم ~~في مستخرجه بزيادة: رأى أبو جحيفة بلالا يؤذن ويدور وأصبعاه في أذنيه وكذا ~~رواه البزار. وقال البيهقي: الاستدارة لم ترد من طريق صحيحة لأن مدارها على ~~سفيان الثوري وهو لم يسمعه من عون بن أبي جحيفة إنما سمعه عن رجل عنه، ~~والرجل يتوهم أنه الحجاج والحجاج غير محتج به. قال: ووهم عبد الرزاق في ~~ادراجه، ms0521 وقد وردت الاستدارة من وجه آخر أخرجه أبو الشيخ في كتاب الاذان من ~~طريق حماد وهشيم جميعا عن عون الطبراني من طريق إدريس الأودي عنه، وفي ~~الافراد للدارقطني عن بلال: أمرنا رسول الله (ص)، إذا أذنا وأقمنا لا نزيل ~~أقدامنا عن مواضعها وإسناده ضعيف. قوله: # فمن ناضح ونائل الناضح الآخذ من الماء لجسده تبركا ببقية وضوئه (ص)، ~~والنائل الآخذ من ماء في جسد صاحبه لفراغ الماء لقصد التبرك. وقيل: إن ~~بعضهم كان ينال ما لا يفضل منه شئ، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره. ~~وفي رواية في الصحيح: ورأيت بلالا أخرج وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك ~~الوضوء، فمن أصاب منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب أخذ من بلل صاحبه، وبهذه ~~الرواية يتبين المراد من تلك العبارة، PageV02P029 # والنضح الرش وقد تقدم الكلام عليه. قوله: ههنا وههنا ظرفا مكان، والمراد ~~بهما جهة اليمين والشمال كما فسره بذلك الراوي. وللحديث فوائد وفيه أحكام ~~سيأتي بسط الكلام عليها في مواضعها، والمقصود منه ههنا الاستدلال على ~~مشروعية التفات المؤذن يمينا وشمالا، وجعل الإصبعين في الاذنين حال الاذان، ~~والالتفات المذكور ههنا مقيد بوقت الحيعلتين، وقد بوب له ابن خزيمة فقال ~~باب انحراف المؤذن عند قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه لا ببدنه ~~كله، وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الرأس، وقد اختلفت الروايات في ~~الاستدارة، ففي بعضها أنه كان يستدير وفي بعضها ولم يستدر كما سلف، ولكنها ~~لم تر والاستدارة إلا من طريق حجاج وإدريس الأودي وهما ضعيفان، وقد رويت من ~~طريق ثالثة وفيها ضعيف وهو محمد العرزمي. وقد خالف هؤلاء الثلاثة من هو ~~مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع فرواه عن عون قال في حديثه: ولم يستدر ~~أخرجه أبو داود كما تقدم، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة ~~عنى بها استدارة الرأس، ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله، ومشى ابن بطال ~~ومن تبعه على ظاهره فاستدل به على جواز الاستدارة. قال ابن دقيق العيد: فيه ~~دليل على استدارة ms0522 المؤذن للاسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختلف هل يستدير ~~ببدنه كله أو بوجهه فقط وقدماه قارتان، واختلف أيضا هل يستدير في الحيعلتين ~~الأولتين مرة وفي الثانيتين مرة، أو يقول: حي على الصلاة عن يمينه ثم حي ~~على الصلاة عن شماله وكذا في الأخرى، وقد رجح هذا الوجه بأنه يكون لكل جهة ~~نصيب من كل كلمة، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث انتهى كلامه بالمعنى. ~~وروي عن أحمد أنه لا يدور إلا إذا كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين، ~~وبه قال أبو حنيفة وإسحاق، وقال النخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ~~ثور وهو رواية عن أحمد أنه يستحب الالتفات في الحيعلتين يمينا وشمالا ولا ~~يدور ولا يستدير، سواء كان على الأرض أو على منارة، وقال مالك: لا يدور ولا ~~يلتفت إلا أن يريد إسماع الناس، وقال ابن سيرين: يكره الالتفات. والحق ~~استحباب الالتفات حال الاذان بدون تقييد، وأما الدوران فقد عرفت اختلاف ~~الأحاديث فيه وقد أمكن الجمع بما تقدم فلا يصار إلى الترجيح. وفي الحديث ~~استحباب وضع الإصبعين في الاذنين وفي ذلك فائدتان ذكرهما العلماء: الأولى ~~أن ذلك أرفع لصوته، قال الحافظ: وفيه حديث ضعيف من طريق سعد القرظ عن بلال. ~~والثانية أنه علامة للمؤذن ليعرف من يراه على بعد أو PageV02P030 # من كان به صمم أنه يؤذن. قال الترمذي: استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن ~~أصبعيه في أذنيه في الاذان، قال: واستحبه الأوزاعي في الإقامة أيضا، ولم ~~يرد في الأحاديث كما قال الحافظ تعيين الإصبع التي يستحب وضعها، وجزم ~~النووي بأنها المسبحة وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة. # باب الاذان في أول الوقت وتقديمه عليه في الفجر خاصة عن جابر بن سمرة ~~قال: كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يخرم ثم لا يقيم حتى يخرج إليه النبي ~~(ص) فإذا خرج أقام حين يراه رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # قوله: لا يخرم أي لا يترك شيئا من ألفاظه. الحديث فيه المحافظة على ~~الاذان عند دخول وقت الظهر بدون تقديم ولا تأخير، وهكذا ms0523 سائر الصلوات إلا ~~الفجر لما سيأتي. # وفيه أيضا أن المقيم لا يقيم إلا إذا أراد الامام الصلاة، وقد أخرج ابن ~~عدي من حديث أبي هريرة مرفوعا: المؤذن أملك بالاذان والامام أملك بالإقامة ~~وضعفه ولعل تضعيفه له لأن في إسناده شريكا القاضي، وقد أخرج البيهقي نحوه ~~عن علي رضي الله عنه من قوله. وقال ليس بمحفوظ، ورواه أبو الشيخ من طريق ~~أبي الجوزاء عن ابن عمه وفيه معارك وهو ضعيف. # ويعارض حديث الباب وما في معناه ما عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي ~~والنسائي بلفظ: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني أي خرجت لأنه يدل ~~على أن المقيم شرع في الإقامة قبل خروجه، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن ~~بلالا كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيشرع في الإقامة عند ~~أول رؤيته له قبل أن يراه غالب الناس ثم إذا رأوه قاموا، ويشهد لهذا ما ~~أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب: أن الناس كانوا ساعة يقول ~~المؤذن: الله أكبر يقومون للصلاة فلا يأتي النبي (ص) مقامه حتى تعتدل ~~الصفوف. # وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود ومستخرج أبي عوانة أنهم كانوا يقومون ساعة ~~تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي (ص) فنهاهم عند ذلك لاحتمال أن يقع له ~~PageV02P031 # شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم الانتظار. قال المصنف رحمه الله تعالى ~~بعد ذكر حديث الباب: وفيه أن الفريضة تغني عن تحية المسجد انتهى. # وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يمنعن أحدكم ~~أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ~~رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: أحدكم في رواية للبخاري: أحدا منكم شك من الراوي وكلاهما يفيد ~~العموم. قوله: من سحوره بفتح أوله وله اسم لما يؤكل في السحر. ويجوز الضم ~~وهو اسم الفعل. قوله: ليرجع بفتح الياء وكسر الجيم المخففة يستعمل هذا ~~لازما ومتعديا، تقول: رجع زيد ورجعت زيدا، ولا يقال في المتعدي بالتثقيل، ~~ومن رواه ms0524 بالضم والتثقيل فقد أخطأ لأنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس ~~مرادا هنا، وإنما معناه يرد القائم أي المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة ~~الصبح نشيطا أو يتسحر إن كان له حاجة إلى الصيام، ويوقظ النائم ليتأهب ~~للصلاة بالغسل والوضوء. والحديث يدل على جواز الاذان قبل دخول الوقت في ~~صلاة الفجر خاصة، وقد ذهب إلى مشروعيته الجمهور مطلقا، وخالف في ذلك الثوري ~~وأبو حنيفة ومحمد والهادي والقاسم والناصر وزيد بن علي، قال الشافعي ومالك ~~وأحمد وأصحابهم: إنه يكتفى به للصلاة، وقال ابن المنذر وطائفة من أهل ~~الحديث والغزالي: إنه لا يكتفى به وادعى بعضهم أنه لم يرد في شئ من الحديث ~~ما يدل على الاكتفاء وتعقب بحديث الباب، وأجيب بأنه مسكوت عنه وعلى التنزل ~~فمحله ما إذ لم يرد نطق بخلافه، وههنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة الآتي ~~وهو يدل على عدم الاكتفاء، نعم حديث زياد بن الحرث عند أبي داود يدل على ~~الاكتفاء، فإن فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبي (ص)، وأنه استأذنه في ~~الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعف كما قال ~~الحافظ. وأيضا فهي واقعة عين وكانت في سفر، ومن ثم قال القرطبي: إنه مذهب ~~واضح. ويدل أيضا على عدم الاكتفاء أن الاذان المذكور قد بين النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الغرض به فقال: # ليرجع قائمكم الحديث فهو لهذه الأغراض المذكورة لا للاعلام بالوقت، ~~والاذان هو الاعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، والاذان قبل الوقت ليس ~~إعلاما بالوقت، وتعقب بأن الاعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاما بأنه دخل ~~أو قارب أن يدخل. واحتج المانعون من الاذان قبل دخول الوقت بحجج منها قوله ~~(ص) لبلال: PageV02P032 # لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر ومد يديه عرضا أخرجه أبو داود. وبما أخرجه ~~أيضا من حديث ابن عمر: أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام قالوا فوجب تأويل حديث ~~الباب ms0525 بما قال بعض الحنفية أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الاذان وإنما ~~كان تذكيرا كما يقع للناس اليوم. وأجيب عن الاحتجاج بالحديثين المذكورين ~~بأن الأول منهما لا ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين لا سيما مع إشعار الحديث ~~بالاعتياد. وأما الثاني فلا حجة فيه لأنه قد صرح بأنه موقوف أكابر الأئمة ~~كأحمد والبخاري والذهلي وأبي داود وأبي حاتم والدارقطني والأثرم والترمذي، ~~وجزموا بأن حمادا أخطأ في رفعه وأن الصواب وقفه. # وأما التأويل المذكور فقال الحافظ في الفتح أنه مردود، لأن الذي يصنعه ~~الناس اليوم محدث قطعا، وقد تضافرت الأحاديث على التعبير بلفظ الاذان قطعا ~~فحمله على معناه الشرعي مقدم، ولان الاذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما ~~التبس على السامعين، والحديث ليس فيه تعيين الوقت الذي كان بلال يؤذن فيه، ~~وقد اختلف من أي وقت يشرع في ذلك؟ فقيل: إنه يشرع وقت السحر ورجحه جماعة من ~~أصحاب الشافعي. # وقيل: إنه يشرع من النصف الأخير ورجحه النووي وتأول ما خالفه، وقيل: يشرع ~~للسبع الأخير في الشتاء وفي الصيف لنصف السبع قاله الجويني. وقيل: وقته ~~الليل جميعه ذكره صاحب العمدة وكأن مسنده إطلاق لفظ بليل. وقيل: بعد آخر ~~اختيار العشاء، وقد ورد ما يشعر بتعيين الوقت الذي كان بلال يؤذن فيه وهو ~~ما رواه النسائي والطحاوي من حديث عائشة: أنه لم يكن بين أذان بلال وابن أم ~~مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا وكانا يؤذنان في بيت مرتفع كما أخرجه أبو ~~داود، فهذه الرواية تقيد إطلاق سائر الروايات، ويؤيد هذا ما أخرجه الطحاوي ~~أن بلالا وابن أم مكتوم كانا يقصدان وقتا واحدا فيخطئه بلال ويصيبه ابن أم ~~مكتوم. وقد اختلف في أذان بلال بليل هل كان في رمضان فقط أم في جميع ~~الأوقات؟ فادعى ابن القطان الأول، قال الحافظ: وفيه نظر. والحكمة في اختصاص ~~صلاة الفجر لهذا من بين الصلوات ما ورد من الترغيب في الصلاة لأول الوقت، ~~والصبح يأتي غالبا عقيب النوم، فناسب أن PageV02P033 # ينصب من يوقظ الناس قبل دخول ms0526 وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة الوقت. # وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله (ص): # لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير ~~هكذا يعني معترضا رواه مسلم وأحمد والترمذي. ولفظهما: لا يمنعنكم من سحوركم ~~أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق. وعن عائشة ~~وابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي (ص) قال: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم متفق عليه، ولأحمد والبخاري: فإنه لا يؤذن ~~حتى يطلع الفجر. ولمسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا. # قوله: المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا صفة هذه الإشارة مبينة في صحيح مسلم ~~في الصوم من حديث ابن مسعود بلفظ: وليس أن يقول هكذا وهكذا وصوب يده رفعها ~~حتى يقول هكذا وفرج بين أصبعيه. وفي رواية: ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ~~ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ووضع المسبحة على ~~المسبحة ومد يديه. وفي رواية: ليس الذي يقول هكذا ولكن يقول هكذا وفسرها ~~جرير بأن المراد أن الفجر هو المعترض، وليس بالمستطيل والمعترض هو الفجر ~~الصادق، ويقال له الثاني والمستطير بالراء، وأما المستطيل باللام فهو الفجر ~~الكاذب الذي يكون كذنب السرحان. وفي البخاري من حديث ابن مسعود: وليس أن ~~يقول الفجر أو الصبح وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول ~~هكذا. وقال زهير: بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم أمرهما عن يمينه وشماله. ~~قوله: حتى يؤذن ابن أم مكتوم في رواية للبخاري: حتى ينادي وبتلك الزيادة ~~أعني قوله فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر أوردها في الصيام. قوله: ولمسلم لم ~~يكن بينهما هذه الزيادة ذكرها مسلم في الصيام من حديث ابن عمر، وذكرها ~~البخاري في الصيام من كلام القاسم. # قال الحافظ في أبواب الاذان من الفتح: ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم ~~تابعي فلم يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النسائي من رواية حفص بن ~~غياث، وعند الطحاوي من رواية يحيى بن ms0527 القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن ~~القاسم عن عائشة بلفظ: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. قال ~~النووي في شرح مسلم: قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص ~~بعد أذانه للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم ~~مكتوم فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها ثم يرقى PageV02P034 # ويشرع في الاذان مع أول طلوع الفجر. # والحديث يدل على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد، وأما الزيادة فليس في ~~الحديث تعرض لها، ونقل عن بعض أصحاب الشافعي أنه يكره الزيادة على أربعة ~~لان عثمان اتخذ أربعة، ولم تنقل الزيادة عن أحد من الخلفاء الراشدين، وجوزه ~~بعضهم من غير كراهة قالوا: إذا جازت الزيادة لعثمان على ما كان في زمن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم جازت الزيادة لغيره. قال أبو عمر بن عبد ~~البر: وإذا جاز اتخاذ مؤذنين جاز أكثر من هذا العدد إلا أن يمنع من ذلك ما ~~يجب التسليم له اه. والمستحب أن يتعاقبوا واحدا بعد واحد كما اقتضاه الحديث ~~إن اتسع الوقت لذلك كصلاة الفجر، فإن تنازعوا في البداءة أقرع بينهم. # وفي الحديث دليل على جواز أذان الأعمى، قال ابن عبد البر: وذلك عند أهل ~~العلم إذا كان معه مؤذن آخر يهديه للأوقات، وقد نقل عن ابن مسعود وابن ~~الزبير كراهة أذان الأعمى. وعن ابن عباس كراهة إقامته، وللحديثين المذكورين ~~ههنا فوائد وأحكام قد سبق بعضها في شرح حديث ابن مسعود. # باب ما يقول عند سماع الأذان والإقامة وبعد الاذان عن أبي سعيد: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ~~رواه الجماعة. # وفي الباب عن أبي رافع عند النسائي، وعن أبي هريرة عند النسائي أيضا، وعن ~~أم حبيبة عند الطحاوي، وعن ابن عمر عند أبي داود والنسائي، وعن عائشة عند ~~أبي داود، وعن معاذ عند أبي الشيخ، وعن معاوية عند النسائي. قوله: إذا ~~سمعتم ظاهره اختصاص الإجابة بمن ms0528 سمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلا في ~~الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة، ~~قاله النووي في شرح المهذب. قوله: فقولوا مثل ما يقول المؤذن ادعى ابن وضاح ~~أن قوله المؤذن مدرج، وأن الحديث انتهى عند قوله مثل ما يقول، وتعقب بأن ~~الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في الصحيحين والموطأ على ~~إثباتها، ولم يصب صاحب العمدة في حذفها قاله الحافظ. قوله: مثل ما يقول قال ~~الكرماني: PageV02P035 # قال مثل ما يقول ولم يقل مثل ما قال، ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل ~~كلمتها. قال الحافظ: والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت. وأصرح من ذلك ~~حديث عمر بن الخطاب الآتي بعد هذا. والحديث يدل على أنه يقول السامع مثل ما ~~يقول المؤذن في جميع ألفاظ الاذان الحيعلتين وغيرهما، وقد ذهب الجمهور إلى ~~تخصيص الحيعلتين بحديث عمر الآتي فقالوا: يقول مثل ما يقول فيما عدا ~~الحيعلتين، وأما في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال ابن ~~المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، ~~وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع ~~بينهما وجب أعمالهما، قال: فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة ~~والحوقلة وهو وجه عند الحنابلة. والظاهر من قوله في الحديث فقولوا التعبد ~~بالقول وعدم كفاية إمرار المجاوبة على القلب. والظاهر من قوله مثل ما يقول ~~عدم اشتراط المساواة من جميع الوجوه. قال اليعمري: لاتفاقهم على أنه لا ~~يلزم المجيب أن يرفع صوته ولا غير ذلك. قال الحافظ: وفيه بحث لأن المماثلة ~~وقعت في القول لا في صفته، ولاحتياج المؤذن إلى الاعلام شرع له رفع الصوت، ~~بخلاف السامع فليس مقصوده إلا الذكر، والسر والجهر مستويان في ذلك. وظاهر ~~الحديث إجابة المؤذن في جميع الحالات من غير ms0529 فرق بين المصلي وغيره. وقيل: ~~يؤخر المصلي الإجابة حتى يفرغ. وقيل: # يجيب إلا في الحيعلتين، قال الحافظ والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في ~~الصلاة بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا حال الجماع والخلاء، قيل: والقول بكراهة ~~الإجابة في الصلاة يحتاج إلى دليل ولا دليل، ولا يخفى أن حديث إن في الصلاة ~~لشغلا دليل على الكراهة، ويؤيده امتناع النبي (ص) من إجابة السلام فيها وهو ~~أهم من الإجابة للمؤذن. وظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول المؤذن من غير ~~فرق بين الترجيع وغيره. وفيه متمسك لمن قال بوجوب الإجابة لأن الامر يقتضيه ~~بحقيقته، وقد حكى ذلك الطحاوي عن قوم من السلف، وبه قالت الحنفية وأهل ~~الظاهر وابن وهب. # وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب. قال الحافظ: واستدلوا بحديث أخرجه مسلم ~~وغيره: # أن النبي (ص) سمع مؤذنا فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرج من ~~النار قالوا: فلما قال (ص) غير ما قال المؤذن علمنا أن الامر بذلك ~~PageV02P036 # للاستحباب، ورد بأنه ليس في الرواية أنه لم يقل مثل ما قال، وباحتمال إنه ~~وقع ذلك قبل الامر بالإجابة، واحتمال أن الرجل الذي سمعه النبي (ص) يؤذن لم ~~يقصد الاذان، وأجيب عن هذا الأخير بأنه وقع في بعض طرق هذا الحديث إنه ~~حضرته الصلاة، وقد عرفت غير مرة أن فعله (ص) لا يعارض القول الخاص بنا وهذا ~~منه. والظاهر من الحديث التعبد بالقول مثل ما يقول المؤذن، وسواء كان ~~المؤذن واحدا أو جماعة. قال القاضي عياض: وفيه خلاف بين السلف، فن رأى ~~الاقتصار على الإجابة للأول احتج بأن الامر لا يقتضي التكرار، ويلزمه على ~~ذلك أن يكتفي بإجابة المؤذن مرة واحدة في العمر. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله ~~أكبر، ثم قال: # أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن ~~محمدا رسول الله، ms0530 قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، ~~قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: # الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من ~~قلبه دخل الجنة رواه مسلم وأبو داود. # الحديث أخرج البخاري نحوه من حديث معاوية وقال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول. قال الحافظ في الفتح: وقد وقع لنا هذا الحديث يعني ~~حديث معاوية، وذكر إسنادا متصلا بعيسى بن طلحة قال: دخلنا على معاوية فنادى ~~مناد بالصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله ~~أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله ~~إلا الله، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال معاوية: # وأنا أشهد أن محمدا رسول الله، ولما قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، ثم قال: # هكذا سمعت نبيكم (ص). قوله: لا حول ولا قوة قال النووي في شرح مسلم: قال ~~أبو الهيثم الحول الحركة أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى، ~~وكذا قال ثعلب وآخرون. وقيل: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا ~~بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا ~~بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري لغة غريبة ضعيفة إنه يقال: ~~لا حيل ولا قوة إلا بالله، قال: والحول والحيل بمعنى. ويقال في PageV02P037 # التعبير عن قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله الحوقلة، هكذا قال الأزهري ~~والأكثرون. # وقال الجوهري: الحولقة فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول ~~والقاف من القوة واللام من اسم الله، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول ~~والقاف من القوة، والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف، ومثل الحوقلة الحيعلة ~~في حي على الصلاة وعلى الفلاح. # والبسملة في بسم الله ms0531 والحمدلة في الحمد لله. والهيللة في لا إله إلا ~~الله، والسبحلة في سبحان الله انتهى كلامه. قوله: دخل الجنة قال القاضي ~~عياض: إنما كان ذلك لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى وانقياد لطاعته ~~وتفويض إليه بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة ~~الايمان وكمال الاسلام واستحق الجنة بفضل الله، وإنما أفرد (ص) الشهادتين ~~والحيعلتين في هذا الحديث مع أن كل نوع منها مثنى كما هو المشروع لقصد ~~الاختصار. قال النووي: فاختصر صلى الله عليه وآله وسلم من كل نوع شطرا ~~تنبيها على باقيه، والحديث قد تقدم الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله. # وعن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي ~~(ص): أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في سائر ~~الاذان رواه أبو داود. # الحديث في إسناده رجل مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد، ووثقه يحيى ~~بن معين وأحمد بن حنبل، وفيه دلالة على استحباب مجاوبة المقيم لقوله وقال ~~في سائر الإقامة بنحو حديث عمر. وفيه أيضا أنه يستحب لسامع الإقامة أن يقول ~~عند قول المقيم قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى: وفيه دليل على أن السنة أن يكبر الامام بعد الفراغ من الإقامة ~~انتهى. وفي ذلك خلاف لعله يأتي إن شاء الله تعالى. # وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قال حين يسمع ~~النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه ~~الجماعة إلا مسلما. # وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند الطحاوي، وعن أنس عند ابن حبان في ~~فوائد الأصبهانيين له، وعن ابن عباس عند ابن حبان أيضا في كتاب الاذان، وعن ~~PageV02P038 # أبي أمامة عند الضياء المقدسي، ورواه الحاكم ms0532 في المستدرك وفيه عفير بن ~~معدان وقد تكلم فيه غير واحد. وعن عبد الله بن عمرو وسيأتي. قوله: رب هذه ~~الدعوة التامة بفتح الدال والمراد بها دعوة التوحيد لقوله تعالى: * (له ~~دعوة الحق) * وقيل لدعوة التوحيد تامة لأنها لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل ~~هي باقية إلى يوم القيامة. وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم ~~القول وهو لا إله إلا الله. قوله: الوسيلة هي ما يتقرب به، يقال: توسلت أي ~~تقربت وتطلق على المنزلة العلية، وسيأتي تفسيرها في الحديث الذي بعد هذا. ~~قوله: والفضيلة أي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون ~~تفسيرا للوسيلة. قوله: مقاما محمودا أي يحمد القائم فيه، وهو يطلق على كل ~~ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات ونصبه على الظرفية، أي ابعثه يوم القيامة ~~فأقمه مقاما محمودا، أو ضمن ابعثه معنى أقمه، أو على أنه مفعول به، ومعنى ~~ابعثه اعطه، ويجوز أن يكون حالا أي ابعثه ذا مقام محمود، والتنكير للتفخيم ~~والتعظيم كما قال الطيبي، كأنه قال مقاما أي مقام محمودا بكل لسان. وقد روي ~~بالتعريف عند النسائي وابن حبان والطحاوي والطبراني والبيهقي، وهذا يرد على ~~من أنكر ثبوته معرفا كالنووي. قوله: الذي وعدته أراد بذلك قوله تعالى: * ~~(عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) * (الاسراء: 79) وذلك لأن عسى في كلام ~~الله للوقوع. قال الحافظ: والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف ~~وليس صفة للنكرة، وسيأتي تفسير حلت له الشفاعة في الحديث الذي بعد هذا. # وعن عبد الله بن عمرو: أنه سمع صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله بها ~~عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد ~~من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه ~~الشفاعة. رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. # قوله: مثل ما يقول قد تقدم الكلام على ms0533 ذلك. قوله: ثم صلوا علي هذه زيادة ~~ثابتة في الصحيح وقبولها متعين. قوله: ثم سلوا الله الخ قد تقدم ذكر بعض ~~الأقوال في تفسير الوسيلة، والمتعين المصير إلى ما في هذا الحديث من ~~تفسيرها. قوله: # حلت عليه الشفاعة وفي الحديث الأول حلت له الشفاعة، قال الحافظ: واللام ~~بمعنى على، ومعنى حلت أي استحقت ووجبت أو نزلت عليه، ولا يجوز أن تكون من ~~الحل PageV02P039 # لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. قوله: شفاعتي استشكل بعضهم جعل ذلك ثوابا ~~لقائل ذلك مع ما ثبت أن الشفاعة للمذنبين، وأجيب بأن له (ص) شفاعات أخر، ~~كإدخال الجنة بغير حساب وكرفع الدرجات فيعطي كل أحد ما يناسبه، ونقل عياض ~~عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصا مستحضرا إجلال النبي ~~(ص) لا من قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك. قال الحافظ: وهو تحكم غير مرضي، ~~ولو كان لاخراج الغافل اللاهي لكان أشبه، قال المهلب في الحديث: الحض على ~~الدعاء في أوقات الصلوات لأنه حال رجاء الإجابة. # وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): الدعاء لا يرد بين الأذان ~~والإقامة رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # الحديث أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والضياء في المختارة وحسنه ~~الترمذي، ورواه سليمان التيمي عن أنس بن مالك عن النبي (ص) قال: إذا نودي ~~بالاذان فتحت أبوب السماء واستجيب الدعاء وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله (ص): عند الاذان تفتح أبواب السماء، وعند الإقامة لا ~~ترد دعوة وقد روي من حديث سهل بن سعد الساعدي، رواه مالك عن ابن أبي حازم ~~عن سهل بن سعد قال: # ساعتان تفتح لهما أبواب السماء، وقل داع ترد عليه دعوته عند حضور النداء ~~للصلاة والصف في سبيل الله. قال ابن عبد البر: هكذا هو موقوف على سهل بن ~~سعد في الموطأ عند جماعة الرواة، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ثم ساقه ~~مرفوعا من طريق أبي بشر الدولابي قال: # حدثنا أبو عمير أحمد بن عبد ms0534 العزيز بن سويد البلوي، حدثنا أيوب بن سويد ~~قال: حدثنا مالك عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله (ص) فذكر نحو الحديث ~~المتقدم. # الحديث يدل على قبول مطلق الدعاء بين الأذان والإقامة، وهو مقيد بما لم ~~يكن فيه إثم أو قطيعة رحم كما في الأحاديث الصحيحة، وقد ورد تعيين أدعية ~~تقال حال الاذان وبعده وهو بين الأذان والإقامة. منها ما سلف في هذا الباب. ~~ومنها ما أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي وحسنه، وصححه اليعمري من ~~حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا بلفظ من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا ~~وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي ~~في عمل اليوم والليلة من PageV02P040 # حديث ابن عمرو بن العاص: أن رجلا قال: يا رسول الله إن المؤذنين ~~يفضلوننا، فقال رسول الله (ص): قل كما يقول فإذا انتهيت فسل تعطه ومنها ما ~~أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمة قالت: علمني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن أقول عند أذان المغرب: اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار ~~نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي وقد عين ما يدعى به (ص) لما قال: الدعاء بين ~~الأذان والإقامة لا يرد قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله ~~العفو والعافية في الدنيا والآخرة قال ابن القيم: هو حديث صحيح، وفي المقام ~~أدعية غير هذه. # باب من أذن فهو يقيم عن زياد بن الحرث الصدائي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يا أخا صداء أذن، قال: فأذنت وذلك حين أضاء الفجر، ~~قال: فلما توضأ رسول الله (ص) قام إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال رسول ~~الله (ص): يقيم أخو صداء فإن من أذن فهو يقيم رواه الخمسة إلا النسائي ~~ولفظه لأحمد. # الحديث في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن زياد بن نعيم ~~الحضرمي عن ms0535 زياد بن الحرث الصدائي قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث ~~الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال ~~أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: ~~هو مقارب الحديث، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم ~~اه. قال في البدر المنير: # ضعفه لكثرة روايته للمنكرات مع علمه وزهده، ورواية المنكرات كثير ما ~~تعتري الصالحين لقلة تفقدهم للرواة، لذلك قيل: لم نر الصالحين في شئ أكذب ~~منهم في الحديث اه. وكان سفيان الثوري يعظمه، وقال ابن أبي داود: إنما تكلم ~~الناس فيه لأنه روى عن مسلم بن يسار فقيل: أين رأيته؟ فقال: بإفريقية، ~~فقالوا: ما دخل مسلم بن يسار إفريقية قط يعنون البصري ولم يعلموا أن مسلم ~~بن يسار آخر يقال له أبو عثمان الطنبذي وعنه روى. # وفي الباب عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): إنما يقيم من أذن أخرجه ~~الطبراني والعقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ في الاذان، وفي إسناده سعيد بن ~~راشد PageV02P041 # وهو ضعيف. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن سعيد بن راشد هذا فقال: ضعيف ~~الحديث منكر الحديث، وقال مرة: متروك. قال الحازمي في كتابه الناسخ ~~والمنسوخ: واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز، واختلفوا ~~في الأولوية فقال أكثرهم: # لا فرق والامر متسع، وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة ~~وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور. وقال بعض العلماء: من أذن فهو يقيم، قال ~~الشافعي: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة، وإلى أولوية المؤذن ~~بالإقامة ذهب الهادوية واحتجوا بهذا الحديث، واحتج القائلون بعدم الفرق ~~بالحديث الذي سيأتي، وسيأتي الكلام عليه، والاخذ بحديث الصدائي أولى، لأن ~~حديث عبد الله بن زيد الآتي كان أول ما شرع الاذان في السنة الأولى، وحديث ~~الصدائي بعده بلا شك قاله الحافظ اليعمري. فإذا أذن واحد فقط فهو الذي ~~يقيم، وإذا أذن جماعة دفعة واتفقوا على من يقيم منهم فهو الذي ms0536 يقيم، وإن ~~تشاحوا أقرع بينهم. قال ابن سيد الناس اليعمري: ويستحب أن لا يقيم في ~~المسجد الواحد إلا واحد إلا إذا لم تحصل به الكفاية اه. # وعن عبد الله بن زيد: أنه أري الاذان قال: فجئت إلى النبي (ص) فأخبرته ~~فقال: ألقه على بلال فألقيته فأذن فأراد أن يقيم فقلت: يا رسول الله أنا ~~رأيت أريد أن أقيم، قال: فأقم أنت فأقام هو وأذن بلال رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده محمد بن عمرو الواقفي الأنصاري البصري وهو ضعيف، ضعفه ~~القطان وابن نمير ويحيى بن معين، واختلف عليه فيه فقيل عن محمد بن عبد ~~الله، وقيل عبد الله بن محمد، قال ابن عبد البر: إسناده أحسن من حديث ~~الإفريقي، وقال البيهقي: إن صحا لم يتخالفا لأن قصة الصدائي بعد. وذكره ابن ~~شاهين في الناسخ وله طريق أخرى أخرجها أبو الشيخ عن ابن عباس، قال: كان أول ~~من أذن في الاسلام بلال وأول من أقام عبد الله بن زيد: قال الحافظ: وإسناده ~~منقطع لأنه رواه الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وهذا من الأحاديث التي لم ~~يسمعها الحكم من مقسم، وأخرجه الحاكم وفيه أن الذي أقام عمر قال: والمعروف ~~أنه عبد الله بن زيد. # والحديث استدل به من قال بعدم أولوية المؤذن بالإقامة، وقد تقدم ذكرهم في ~~الحديث الذي قبل هذا، وقد عرفت تأخر حديث الصدائي وأرجحية الاخذ به على أنه ~~لو لم يتأخر لكان هذا الحديث خاصا بعبد الله بن زيد، والأولوية باعتبار ~~غيره من PageV02P042 # الأمة، والحكمة في التخصيص تلك المزية التي لا يشاركه فيها غيره أعني ~~الرؤيا، فإلحاق غيره به لا يجوز لوجهين: الأول أنه يؤدي إلى إبطال فائدة ~~النص، أعني حديث من أذن فهو يقيم فيكون فاسد الاعتبار. الثاني: وجود الفارق ~~وهو بمجرده مانع من الالحاق. # باب الفصل بين النداءين بجلسة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا ~~أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لقد أعجبني أن تكون ~~صلاة المسلمين أو المؤمنين ms0537 واحدة وذكر الحديث وفيه: فجاء رجل من الأنصار ~~فقال: يا رسول الله إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ~~ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه ~~يقول: قد قامت الصلاة وذكر الحديث رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ~~ليلى عن معاذ بن جبل به. ورواه أبو الشيخ في كتاب الاذان من طريق يزيد بن ~~أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد. قال الحافظ: وهذا ~~الحديث ظاهر الانقطاع. قال المنذري: إلا أن قوله في رواية أبي داود حدثنا ~~أصحابنا إن أراد الصحابة فيكون مسندا وإلا فهو مرسل. وفي رواية ابن أبي ~~شيبة وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي: حدثنا أصحاب محمد فتعين الاحتمال ~~الأول، ولهذا صححها ابن حزم وابن دقيق العيد. وقد قدمنا في شرح حديث أنس ~~أنه أمر بلال أن يشفع الاذان ويوتر الإقامة ما يجاب به عن دعوى الانقطاع ~~وإعلال الحديث بها فارجع إليه. # والحديث استدل به على استحباب الفصل بين الأذان والإقامة. لقوله: فأذن ثم ~~قعد قعدة وقد تقدم الكلام على ذلك في باب جواز الركعتين قبل المغرب من ~~أبواب الأوقات، والكلام على بقية فوائد الحديث قد مر في أول الاذان. # باب النهي عن أخذ الأجرة على الاذان عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما ~~عهد إلي رسول الله (ص) PageV02P043 # أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه الخمسة. # الحديث صححه الحاكم، وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ~~وأخرج ابن حبان عن يحيى البكالي قال: سمعت رجلا قال لابن عمر: إني لأحبك في ~~الله، فقال له ابن عمر: إني لأبغضك في الله، فقال: سبحان الله أحبك في الله ~~وتبغضني في الله، قال: نعم إنك تسأل على أذانك أجرا. وروي عن ابن ms0538 مسعود أنه ~~قال: أربع لا يؤخذ عليهن أجر: # الاذان وقراءة القرآن والمقاسم والقضاء ذكره ابن سيد الناس في شرح ~~الترمذي. # وروى ابن أبي شيبة عن الضحاك أنه كره أن يأخذ المؤذن على أذانه جعلا ~~ويقول: # إن أعطي بغير مسألة فلا بأس. وروي أيضا عن معاوية بن قرة أنه قال: كان ~~يقال لا يؤذن لك إلا محتسب. وقد ذهب إلى تحريم الاجر شرطا على الأذان ~~والإقامة الهادي والقاسم والناصر وأبو حنيفة وغيرهم. وقال مالك: لا بأس ~~بأخذ الاجر على ذلك. وقال الأوزاعي: يجاعل عليه ولا يؤاجر. وقال الشافعي في ~~الام: أحب أن يكون المؤذنون متطوعين، قال: وليس للامام أن يرزقهم وهو يجد ~~من يؤذن متطوعا ممن له أمانة إلا أن يرزقهم من ماله، قال: ولا أحسب أحدا ~~ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذنا أمينا يؤذن متطوعا، فإن لم يجده فلا ~~بأس أن يرزق مؤذنا، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس الفضل. وقال ابن العربي: ~~الصحيح جواز أخذ الأجرة على الاذان والصلاة والقضاء وجميع الأعمال الدينية، ~~فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة ~~كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قوله (ص): # ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة اه، فقاس المؤذن على العامل ~~وهو قياس في مصادمة النص، وفتيا ابن عمر التي مرت لم يخالفها أحد من ~~الصحابة كما صرح بذلك اليعمري، وقد عقد ابن حبان ترجمة على الرخص في ذلك ~~وأخرج عن أبي محذورة أنه قال: فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الاذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها شئ من فضة وأخرجه أيضا ~~النسائي، PageV02P044 # قال اليعمري: ولا دليل فيه لوجهين: الأول أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم ~~لأنه أعطاه حين علمه الاذان وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص فحديث عثمان ~~متأخر. الثاني: # أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب ~~التأليف لحداثة عهده بالاسلام، كما أعطي حينئذ غيره من ms0539 المؤلفة قلوبهم، ~~ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من ~~الاجمال انتهى. وأنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال: إن الأجرة ~~إنما تحرم إذا كانت مشروطة لا إذا أعطيها بغير مسألة، والجمع بين الحديثين ~~بمثل هذا حسن. # (179) باب فيمن عليه فوائت أن يؤذن ويقيم للأولى ويقيم لكل صلاة بعدها عن ~~أبي هريرة قال: عرسنا مع رسول الله (ص) فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل ~~حضرنا فيه الشيطان، قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم صلى سجدتين ثم ~~أقيمت الصلاة فصلى الغداة رواه أحمد ومسلم والنسائي. ورواه أبو داود ولم ~~يذكر فيه سجدتي الفجر وقال فيه: فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى. # الامر بالإقامة للمقضية ثابت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: # وأمر بلالا فأقام الصلاة الحديث بطوله في نومهم في الوادي، وفيه من حديث ~~أبي قتادة: أن بلالا أذن. قوله: عرسنا قد تقدم تفسيره في باب قضاء الفوائت. # قوله: فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان قال النووي: فيه دليل على اجتناب ~~مواضع الشيطان وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الحمام. قوله: # ثم صلى سجدتين يعني ركعتين وفيه دليل على استحباب قضاء النافلة الراتبة. # قوله: فأذن وأقام استدل به على مشروعية الأذان والإقامة في الصلاة ~~المقضية، وقد ذهب إلى استحبابهما في القضاء الهادي والقاسم والناصر وأبو ~~حنيفة وأحمد بن حنبل وأبو ثور، وقال مالك والأوزاعي، ورواه المهدي في البحر ~~قولا للشافعي أنه لا يستحب الاذان واحتج لهم بأنه لم ينقل في قضائه الأربع، ~~وأجاب عن ذلك بأنه نقل في رواية ثم قال: سلمنا فتركه خوف اللبس، وسيأتي ~~PageV02P045 # حديث قضاء الأربع بعد هذا الحديث مصرحا فيه بالاذان والإقامة، وإنما ترك ~~الاذان في رواية أبي هريرة عند مسلم وغيره يوم نومهم في الوادي لما قال ~~النووي في شرح مسلم ولفظه. وأما ترك ذكر الاذان في حديث أبي هريرة وغيره ms0540 ~~فجوابه من وجهين: أحدهما لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن فلعله أذن وأهمله ~~الراوي ولم يعلم به. والثاني لعله ترك الاذان في هذه المرة لبيان جواز ~~تركه، وإشارة إلى أنه ليس بواجب متحتم لا سيما في السفر. وقال أيضا: وفي ~~المسألة خلاف، والأصح عندنا إثبات الاذان لحديث أبي قتادة وغيره من ~~الأحاديث الصحيحة. وفي الحديث استحباب الجماعة في الفائتة، وقد استشكل نومه ~~(ص) في الوادي لقوله: إن عيني تنام ولا ينام قلبي قال النووي: وجوابه من ~~وجهين أصحهما وأشهرهما أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات ~~المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق ~~بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان. والثاني ~~أنه كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب وصادق هذا الموضع. والثاني لا ~~ينام وهذا هو الغالب من أحواله، وهذا التأويل ضعيف والصحيح المعتمد هو ~~الأول اه. # وعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء ~~الله، فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام ~~فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: ليس ~~بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. # الحديث رجاله رجال الصحيح، ولا علة له إلا عدم سماع أبي عبيدة من أبية ~~وهو الذي جذم به الحفاظ أعني عدم سماعه منه. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري ~~عند أحمد والنسائي وقد تقدم. قال اليعمري: وحديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن ~~المزني عن الشافعي، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد ~~الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، وهذا إسناد صحيح جليل انتهى. وفي الباب ~~أيضا عن جابر عند البخاري ومسلم وقد تقدم وليس فيه ذكر الأذان والإقامة. ~~والحديث استدل به على مشروعية الأذان والإقامة في ms0541 القضاء وقد تقدم الخلاف ~~في ذلك. وللحديث أحكام PageV02P046 # وفوائد قد تقدم ذكر بعضها في باب الترتيب في قضاء الفوائت. وقد استشكل ~~الجمع بينه وبين ما في الصحيحين من أن الصلاة التي شغل عنها رسول الله (ص) ~~صلاة العصر فقط، وقد قدمنا طرفا من الكلام على ذلك في باب الصلاة الوسطى، ~~وطرفا في باب الترتيب في قضاء الفوائت. # أبواب ستر العورة باب وجوب سترها عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: قال ~~قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من ~~زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت ~~أن لا يراها أحد فلا يرينها، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله تبارك ~~وتعالى أحق أن يستحي منه رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث أخرجه أيضا النسائي في عشرة النساء عن عمرو بن علي عن يحيى بن ~~سعيد عن بهز فذكره لا كما قال المصنف، وقد علقه البخاري وحسنه الترمذي ~~وصححه الحاكم، وأخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا بهز بن ~~حكيم عن أبيه عن جده بدون قوله: فإذا كان القوم إلى قوله: قلت فإذا كان ~~أحدنا، وزاد بعد قوله: # فالله أحق أن يستحيا منه لفظ من الناس، وقد عرف من السياق أنه وارد في ~~كشف العورة، بخلاف ما قال أبو عبد الله البوني أن المراد بقوله أحق أن ~~يستحيا منه أي فلا يعصى. ومفهوم قوله: إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك يدل ~~على أنه يجوز لهما النظر إلى ذلك منه وقياسه أنه يجوز له النظر. ويدل أيضا ~~على أنه لا يجوز النظر لغير من استثنى، ومنه الرجل للرجل والمرأة للمرأة، ~~وكما دل مفهوم الاستثناء على ذلك فقد دل عليه منطوق. قوله: فإذا كان القوم ~~بعضهم في بعض، ويدل على أن التعري في الخلاء غير جائز مطلقا. وقد استدل ~~البخاري على جوازه في الغسل بقصة موسى وأيوب. # ومما يدل على عدم الجواز مطلقا حديث ms0542 ابن عمر عند الترمذي بلفظ: قال ~~PageV02P047 # رسول الله (ص): إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط ~~وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم ويدل على ما أشعر به الحديث ~~مفهوما ومنطوقا من عدم جواز نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة ~~المرأة حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم وأبي داود والترمذي بلفظ: لا ينظر ~~الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى ~~الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد. # والحديث يدل على وجوب الستر للعورة كما ذكر المصنف. لقوله: احفظ عورتك. # وقوله: فلا يرينها وقد ذهب قوم إلى عدم وجوب ستر العورة وتمسكوا بأن ~~تعليق الامر بالاستطاعة قرينة تصرف الامر إلى معناه المجازي الذي هو الندب، ~~ورد بأن ستر العورة مستطاع لكل أحد، فهو من الشروط التي يراد بها التهييج ~~والالهاب كما علم في علم البيان، وتمسكوا أيضا بما سيأتي من كشفه (ص) لفخذه ~~وسيأتي الجواب عليه، والحق وجوب ستر العورة في جميع الأوقات إلا وقت قضاء ~~الحاجة، وإفضاء الرجل إلى أهله كما في حديث ابن عمر السابق، وعند الغسل على ~~الخلاف الذي مر في الغسل، ومن جميع الاشخاص إلا في الزوجة والأمة كما في ~~حديث الباب، والطبيب والشاهد والحاكم على نزاع في ذلك. # باب بيان العورة وحدها عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت رواه أبو داود ~~وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبزار من حديث علي وفيه ابن جريج عن حبيب. # وفي رواية أبي داود من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب ~~بن أبي ثابت، وقد قال أبو حاتم في العلل: أن الواسطة بينهما هو الحسن بن ~~ذكوان، قال: ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم. قال الحافظ: فهذه علة أخرى، ~~وكذا قال ابن معين أن حبيبا لم يسمعه من عاصم، وأن بينهما ms0543 رجلا ليس بثقة، ~~وبين البزار أن الواسطة PageV02P048 # بينهما هو عمرو بن خالد الواسطي، ووقع في زيادات المسند وفي الدارقطني ~~ومسند الهيثم بن كليب تصريح ابن جريج بأخبار حبيب له وهو وهم كما قال ~~الحافظ. والحديث يدل على أن الفخذ عورة، وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعي ~~وأبو حنيفة. قال النووي: # ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة، وعن أحمد ومالك في رواية العورة ~~القبل والدبر فقط، وبه قال أهل الظاهر وابن جرير والاصطخري، قال الحافظ في ~~ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر، فقد ذكر المسألة في تهذيبه ورد على من زعم أن ~~الفخذ ليست بعورة، واحتجوا بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، والحق أن ~~الفخذ من العورة، وحديث علي هذا وإن كان غير منتهض على الاستقلال ففي الباب ~~من الأحاديث ما يصلح للاحتجاج به على المطلوب كما ستعرف ذلك. وأما حديث ~~عائشة وأنس الآتيان في الباب الذي بعد هذا فهما وارد في قضايا معينة مخصوصة ~~يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى ~~الأحاديث المذكورة في هذا الباب لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي وإظهار شرع عام ~~فكان العمل بها أولى، كما قال القرطبي على أن طرف الفخذ قد يتسامح في كشفه ~~لا سيما في مواطن الحرب ومواقف الخصام، وقد تقرر في الأصول أن القول أرجح ~~من الفعل. # وعن محمد بن جحش قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على معمر ~~وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة رواه أحمد ~~والبخاري في تاريخه. # الحديث أخرجه البخاري أيضا في صحيحه تعليقا والحاكم في المستدرك، كلهم من ~~طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى محمد بن ~~جحش عنه فذكره. قال الحافظ في الفتح: رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير فقد ~~روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحا بتعديل. وقد أخرج ابن قانع هذا الحديث ~~من طريقه أيضا قال: وقد وقع لي حديث محمد بن ms0544 جحش هذا مسلسلا بالمحمديين من ~~ابتدائه إلى انتهائه وقد أمليته في الأربعين المتباينة. والحديث يدل على أن ~~الفخذ عورة، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه وبيان ما هو الحق. ومحمد بن جحش هذا ~~هو محمد بن عبد الله بن جحش نسب إلى جده، له ولأبيه صحبة، وزينب بنت جحش هي ~~عمته، ومعمر المشار إليه هو معمر بن عبد الله بن نضلة القرشي العدوي. ~~PageV02P049 # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الفخذ عورة رواه ~~الترمذي وأحمد ولفظه: مر رسول الله (ص) على رجل وفخذه خارجة فقال: غط فخذيك ~~فإن فخذ الرجل من عورته. # الحديث في إسناده أبو يحيى القتات بقاف ومثناتين وهو ضعيف مشهور بكنيته. # واختلف في اسمه على ستة أقوال أو سبعة أشهرها دينار. وقد أخرج هذا الحديث ~~البخاري في صحيحه تعليقا وهو يدل على أن الفخذ عورة وقد تقدم الكلام في ~~ذلك. # وعن جرهد الأسلمي قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بردة ~~وقد انكشفت فخذي فقال: غط فخذك فإن الفخذ عورة رواه مالك في الموطأ وأحمد ~~وأبو داود والترمذي وقال: حسن. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه، وعلقه البخاري في صحيحه وضعفه في ~~تاريخه للاضطراب في إسناده. قال الحافظ في الفتح: وقد ذكرت كثيرا من طرقه ~~في تغليق التعليق. وجرهد هذا هو بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء. ~~والحديث من أدلة القائلين بأن الفخذ عورة وهم الجمهور كما تقدم. # باب من لم ير الفخذ من العورة وقال هي السوأتان فقط عن عائشة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كان جالسا كاشفا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر ~~فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن ~~عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر ~~فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك، فقال: # يا عائشة ألا استحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه رواه أحمد. ms0545 ~~وروى أحمد هذه القصة من حديث حفصة بنحو ذلك ولفظه: دخل على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ذات يوم فوضع ثوبه بين فخذيه، وفيه فلما استأذن عثمان ~~تجلل بثوبه. # الحديث أخرج نحوه البخاري تعليقا فقال في صحيحه في بعض ما يذكر في الفخذ: # وقال أبو موسى: غطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركبتيه حين دخل عثمان. ~~وأخرجه PageV02P050 # مسلم من حديث عائشة بلفظ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه الحديث وفيه فلما استأذن عثمان ~~جلس. وحديث حفصة أخرجه الطحاوي والبيهقي من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو ~~خالد عن عبد الله ابن سعيد المدني حدثتني حفصة بنت عمر قالت: كان رسول الله ~~(ص) عندي يوما وقد وضع ثوبه بين فخذيه فدخل أبو بكر الحديث. والحديث استدل ~~به من قال إن الفخذ ليست بعورة، وقد تقدم ذكرهم في الباب الأول وهو لا ~~ينتهض لمعارضة الأحاديث المتقدمة لوجوه، الأول: ما قدمنا من أنها حكاية ~~فعل. الثاني: أنها لا تقوى على معارضة تلك الأقوال الصحيحة العامة لجميع ~~الرجال. الثالث: التردد الواقع في رواية مسلم التي ذكرناها ما بين الفخذ ~~والساق، والساق ليس بعورة إجماعا. الرابع: غاية ما في هذه الواقعة أن يكون ~~ذلك خاصا بالنبي (ص) لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك، ~~فالواجب التمسك بتلك الأقوال الناصة على أن الفخذ عورة. # وعن أنس: أن النبي (ص) يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إن لأنظر إلى ~~بياض فخذه رواه أحمد والبخاري وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. # قوله: حسر الإزار بمهملات مفتوحات أي كشف، وضبطه بعضهم بضم أوله وكسر ~~ثانيه على البناء للمفعول بدليل رواية مسلم فانحسر. قال الحافظ: وليس ذلك ~~بمستقيم إذ لا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري ~~على خلافه، وزاد البخاري في هذا الحديث عن أنس بلفظ: وإن ركبتي لتمس فخذ ~~نبي الله وهو ms0546 من جملة حجج القائلين بأن الفخذ ليست بعورة، لأن ظاهره أن ~~المس كان بدون الحائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز، ورد بما في صحيح مسلم ~~ومن تابعه من أن الإزار لم تنكشف بقصد منه (ص)، ويمكن أن يقال: إن ~~الاستمرار على ذلك يدل على مطلوبهم، لأنه وإن كان من غير قصد لكن لو كانت ~~عورة لم يقر على ذلك لمكان PageV02P051 # عصمته (ص)، وظاهر سياق أبي عوانة والجوزقي من طريقي عبد الوارث عن عبد ~~العزيز يدل على استمرار ذلك لأنه بلفظ: فأجرى رسول الله (ص) في زقاق خيبر ~~وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله وإني لأرى عياض فخذيه وقد عرفت الجواب عن هذا ~~الاحتجاج مما سلف. # باب بيان أن السرة والركبة ليستا من العورة عن أبي موسى: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء فكشف عن ركبتيه أو ركبته ~~فلما دخل عثمان غطاها رواه البخاري. # الحديث في البخاري في كتاب الصلاة باللفظ الذي ذكرناه في شرح حديث عائشة، ~~وقد تقدم الكلام على الحديث هنالك، وهو بهذا اللفظ المذكور هنا في المناقب ~~من صحيح البخاري. واستدل المصنف به وبما بعده لمذهب من قال: إن الركبة ~~والسرة ليستا من العورة، أما الركبة فقال الشافعي إنها ليست عورة، وقال ~~الهادي والمؤيد بالله وأبو حنيفة وعطاء وهو قول الشافعي إنها عورة. وأما ~~السرة فالقائلون بأن الركبة عورة قائلون بأنها غير عورة، وخالفهم في ذلك ~~الشافعي فقال: إنها عورة على عكس ما مر له في الركبة، والاحتجاج بحديث ~~الباب لمن قال إن الركبة ليست بعورة لا يتم، لأن الكشف كان لعذر الدخول في ~~الماء، وقد تقدم في الغسل أدلة جوازه والخلاف فيه، وأيضا تغطيتها من عثمان ~~مشعر بأنها عورة، وإن أمكن تعليل التغطية بغير ذلك فغاية الامر الاحتمال. ~~واستدل القائلون بأن الركبة من العورة بحديث أبي أيوب عند الدارقطني ~~والبيهقي بلفظ: عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته وحديث أبي سعيد مرفوعا ~~عند الحرث بن أبي أسامة في مسنده ms0547 بلفظ: عورة الرجل ما بين سرته وركبته ~~وحديث عبد الله بن جعفر عند الحاكم بنحوه، قالوا: والحد يدخل في المحدود ~~كالمرفق وتغليبا لجانب الحصر، ورد أولا بأن حديث أبي أيوب فيه عباد بن كثير ~~وهو متروك، وحديث أبي سعيد فيه شيخ الحرث بن أبي أسامة داود بن المحبر رواه ~~عن عباد بن كثير عن أبي عبد الله الشامي عن عطاء عنه وهو مسلسل بالضعفاء ~~إلى عطاء. وحديث عبد الله بن جعفر فيه أصرم بن حوشب وهو متروك. وبالمنع من ~~دخول الحد في المحدود والقياس على الوضوء باطل لأنه دخل PageV02P052 # بدليل آخر، ولان غسله من مقدمة الواجب، وأيضا يلزمهم القول بأن السرة ~~عورة وهم لا يقولون بذلك والجواب الجواب. وقد استدل المهدي في البحر ~~للقائلين بأن الركبة عورة لا السرة بقوله (ص): أسفل من سرته إلى ركبته ~~وبتقبيل أبي هريرة سرة الحسن وروايته ذلك عن رسول الله (ص) كما سيأتي. ~~ويمكن الاستدلال لمن قال: السرة والركبة ليستا من العورة بما في سنن أبي ~~داود والدارقطني وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في حديث: ~~وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة ~~ورواه البيهقي أيضا ولكنه أخص من الدعوى والدليل على مدعي أنهما عورة، ~~والواجب البقاء على الأصل والتمسك بالبراءة حتى ينتهض ما يتعين به ~~الانتقال، فإن لم يوجد فالرجوع إلى مسمى العورة لغة هو الواجب ويضم إليه ~~الفخذان بالنصوص السالفة. # وعن عمير بن إسحاق قال: كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال: أرني ~~أقبل منك حيث رأيت رسول الله (ص) يقبل، فقال بقميصه فقبل سرته رواه أحمد. # الحديث في إسناده عمير بن إسحاق الهاشمي مولاهم وفيه مقال. وقد أخرجه ~~الحاكم وصححه بإسناد آخر من غير طريق عمير المذكور، وقد استدل بمن قال: إن ~~السرة ليست بعورة وهو لا يفيد المطلوب لأن فعل أبي هريرة لا حجة فيه، وفعل ~~النبي (ص) وقع والحسن طفل، وفرق بين عورة الصغير والكبير، ms0548 وإلا لزم أن ذكر ~~الرجل ليس بعورة لما روي أنه (ص) قبل زبيبة الحسن أو الحسين، أخرجه ~~الطبراني والبيهقي من حديث أبي ليلى الأنصاري، قال البيهقي: وإسناده ليس ~~بالقوي. وروي أيضا من حديث ابن عباس بلفظ: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته أخرجه الطبراني وفي إسناده ~~قابوس بن أبي ظبيان وقد ضعفه النسائي. قال ابن الصلاح: ليس في حديث أبي ~~ليلى تردد بين الحسن والحسين إنما هو الحسن، وقد وقع الاجماع على أن القبل ~~والدبر عورة فاللازم باطل، فلا يكون الحديث متمسكا لمن قال: إن السرة ليست ~~بعورة، وقد حكى المهدي في البحر الاجماع على أن سرة الرجل ليست بعورة ثم ~~قال: وفي دعوى الاجماع نظر وقد عرفناك أن القائل بذلك غير محتاج إلى ~~الاستدلال عليه. قوله: فقال بقميصه هذا من التعبير بالقول PageV02P053 # عن الفعل وهو كثير. # وعن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مسرعا قد حفزه النفس قد حسر عن ركبتيه فقال: أبشروا هذا ربكم قد فتح بابا ~~من أبواب السماء يباهي بكم يقول: انظروا إلى عبادي قد صلوا فريضة وهم ~~ينتظرون أخرى رواه ابن ماجة. # الحديث رجاله في سنن ابن ماجة رجال الصحيح فإنه قال: حدثنا أحمد بن سعيد ~~الدارمي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد عن ثابت عن أبي أيوب عن عبد الله ~~بن عمرو فذكره. قوله: وعقب من عقب يقال: عقبه تعقيبا إذا جاء بعقبه، وقال ~~في النهاية: # إن معنى قوله عقب أي أقام في مصلاه بعدما يفرغ من الصلاة، يقال: صلى ~~القوم وعقب فلان. قوله: حفزه النفس في القاموس: حفزه يحفزه دفعه من خلفه ~~وبالرمح طعنه، وعن الامر أعجله وأزعجه اه. والحديث من أدلة من قال: إن ~~الركبة ليست بعورة، وقد تقدم الكلام على ذلك وفيه أن انتظار الصلاة بعد فعل ~~الصلاة من ms0549 موجبات الاجر، وأسباب مباهاة رب العزة لملائكته بمن فعل ذلك. # وعن أبي الدرداء قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ ~~أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أما صاحبكم فقد غامر فسلم وذكر الحديث رواه أحمد والبخاري. # قوله: غامر المغامر في الأصل الملقي بنفسه في الغمرة، وغمرة الشئ شدته ~~ومزدحمه، الجمع غمرات. والمراد بالمغامرة هنا المخاصمة أخذا من الغمر الذي ~~هو الحقد والبغض. # والحديث يدل على أن الركبة ليست عورة. قال المصنف رحمه الله: والحجة منه ~~أنه أقره على كشف الركبة ولم ينكره عليه اه. # باب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها عن عائشة: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار رواه الخمسة ~~إلا النسائي. الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة والحاكم PageV02P054 # وأعله الدارقطني بالوقف وقال: إن وقفه أشبه، وأعله الحاكم بالارسال، ~~ورواه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي قتادة بلفظ: لا يقبل الله من ~~امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا من جارية بلغت الحيض حتى تختمر. قوله: لا ~~يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار قد تقدم الكلام على لفظ القبول وما يدل ~~عليه. والحائض من بلغت سن المحيض لا من هي ملابسة للحيض فإنها ممنوعة من ~~الصلاة، وهو مبين في رواية ابن خزيمة في صحيحه بلفظ: لا يقبل الله صلاة ~~امرأة قد حاضت إلا بخمار. وقوله: # إلا بخمار هو بكسر الخاء ما يغطى به رأس المرأة، قال صاحب المحكم: الخمار ~~النصيف وجمعه أخمرة وخمر. والحديث استدل به على وجوب ستر المرأة لرأسها حال ~~الصلاة، واستدل به من سوى بين الحرة والأمة في العورة لعموم ذكر الحائض، ~~ولم يفرق بين الحرة والأمة وهو قول أهل الظاهر. وفرقت العترة والشافعي وأبو ~~حنيفة والجمهور بين عورة الحرة والأمة، فجعلوا عورة الأمة ما بين السرة ~~والركبة كالرجل. والحجة لهم ما رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما، وقد ~~ذكرنا لفظ الحديث ms0550 في شرح حديث أبي موسى المتقدم في الباب الذي قبل هذا، ~~وبما رواه أبو داود أيضا بلفظ: إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى ~~عورتها قالوا: والمراد بالعورة المذكورة في هذا الحديث ما صرح ببيانه في ~~الحديث الأول. وقال مالك: الأمة عورتها كالحرة حاشا شعرها فليس بعورة، ~~وكأنه رأى العمل في الحجاز على كشف الإماء لرؤوسهن، هكذا حكاه عنه ابن عبد ~~البر في الاستذكار. قال العراقي في شرح الترمذي: والمشهور عنه أن عورة ~~الأمة كالرجل، وقد اختلف في مقدار عورة الحرة فقيل جميع بدنها ما عدا الوجه ~~والكفين، وإلى ذلك ذهب الهادي والقاسم في أحد قوليه، والشافعي في أحد ~~أقواله، وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه ومالك. وقيل: والقدمين وموضع ~~الخلخال وإلى ذلك ذهب القاسم في قول وأبو حنيفة في رواية عنه، والثوري وأبو ~~العباس، وقيل: بل جميعها إلا الوجه وإليه ذهب أحمد بن حنبل وداود. وقيل: ~~جميعها بدون استثناء وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي وروي عن أحمد. وسبب ~~اختلاف هذه الأقوال ما وقع من المفسرين من الاختلاف في تفسير قوله تعالى: * ~~(إلا ما ظهر منها) * (النور: 31) وقد استدل بهذا الحديث على أن ستر العورة ~~شرط في صحة الصلاة، لأن قوله: لا يقبل صالح للاستدلال به على الشرطية كما ~~قيل. وقد اختلف في ذلك فقال الحافظ في الفتح: ذهب الجمهور إلى أن ستر ~~العورة PageV02P055 # من شروط الصلاة، قال: وعن بعض المالكية التفرقة بين الذاكر والناسي، ~~ومنهم من أطلق كونه سنة لا يبطل تركها الصلاة. (احتج الجمهور) بقوله تعالى: ~~* (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * (الأعراف: 31) وبما أخرجه البخاري تعليقا ~~ووصله في تاريخه، وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان عن سلمة بن الأكوع قال: ~~قلت يا رسول الله إني رجل أتصيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم زره ولو ~~بشوكة وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب من صلى في قميص غير مزرر. ~~وبحديث بهز بن حكيم المتقدم في أول هذه الأبواب. # ويجاب عن هذه الأدلة بأن غايتها إفادة الوجوب. وأما ms0551 الشرطية التي يؤثر ~~عدمها في عدم المشروط فلا تصلح للاستدلال بها عليها، لأن الشرط حكم وضعي ~~شرعي لا يثبت بمجرد الأوامر، نعم يمكن الاستدلال للشرطية بحديث الباب ~~والحديث الآتي بعده، وبحديث أبي قتادة عند الطبراني بلفظ: لا يقبل الله من ~~امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا جارية بلغت المحيض حتى تختمر لكن لا يصفو ~~الاستدلال بذلك عن شوب كدر، لأنه أولا يقال نحن نمنع أن نفي القبول يدل على ~~الشرطية، لأنه قد نفى القبول عن صلاة الآبق ومن في جوفه الخمر، ومن يأتي ~~عرافا مع ثبوت الصحة بالاجماع. # وثانيا بأن غاية ذلك أن الستر شرط لصحة صلاة المرأة وهو أخص من الدعوى، ~~وإلحاق الرجال بالنساء لا يصح ههنا لوجود الفارق وهو ما في تكشف المرأة من ~~الفتنة، وهذا معنى لا يوجد في عورة الرجل. وثالثا بحديث سهل بن سعد عند ~~الشيخين وأبي داود والنسائي بلفظ: كان الرجال يصلون مع النبي (ص) عاقدين ~~أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي ~~الرجال جلوسا زاد أبو داود: من ضيق الأزر وهذا يدل على عدم وجوب الستر فضلا ~~عن شرطيته. # ورابعا بحديث عمرو بن سلمة وفيه: فكنت أئمهم وعلي بردة مفتوقة فكنت إذا ~~سجدت تقلصت عني وفي رواية: خرجت أستي فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا ~~است قارئكم الحديث أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي، فالحق أن ستر العورة ~~في الصلاة واجب فقط كسائر الحالات لا شرط يقتضي تركه عدم الصحة. (وقد احتج ~~القائلون) لعدم الشرطية على مطلوبهم بحجج فقهية واهية. منها قولهم: لو كان ~~الستر شرطا في الصلاة لاختص بها ولافتقر إلى النية، ولكان العاجز العريان ~~ينتقل إلى بدل كالعاجز عن القيام ينتقل إلى القعود، والأول منقوض بالايمان ~~فهو شرط في الصلاة ولا يختص بها، PageV02P056 # والثاني باستقبال القبلة فإنه غير مفتقر إلى النية. والثالث بالعاجز عن ~~القراءة والتسبيح فإنه يصلي ساكتا. # وعن أم سلمة: أنها سألت النبي (ص): أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها ~~إزار؟ قال: إذا ms0552 كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها رواه أبو داود. وعن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر ~~الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: # يرخين شبرا، قالت: إذن ينكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه ~~رواه النسائي والترمذي وصححه. ورواه أحمد ولفظه: أن نساء النبي (ص) سألنه ~~عن الذيل فقال: اجعلنه شبرا، فقلن: إن شبرا لا يستر من عورة، فقال: اجعلنه ~~ذراعا. # حديث أم سلمة أخرجه أيضا الحاكم وأعله عبد الحق بأن مالكا وغيره رووه ~~موقوفا. قال الحافظ: وهو الصواب ولكنه قد قال الحاكم: إن رفعه صحيح على شرط ~~البخاري اه. وفي إسناده عبد الرحمن بن دينار وفيه مقال، قال في التقريب: ~~صدوق يخطئ من السابعة. قال أبو داود: روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن ~~مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق عن محمد بن زيد ~~عن أمه عن أم سلمة، لم يذكر واحد منهم النبي (ص) قصروا به عن أم سلمة اه، ~~والرفع زيادة لا ينبغي إلغاؤها كما هو مصطلح أهل الأصول وبعض أهل الحديث ~~وهو الحق، وحديث ابن عمر هو للجماعة كلهم بدون قول أم سلمة، وجواب النبي ~~(ص) عليها، وسيأتي الكلام عليه في باب الرخصة في اللباس الجميل من كتاب ~~اللباس. وقد استدل بحديث أم سلمة، فإن فبعض ألفاظه أن النبي (ص) قال لها: ~~لا بأس إذا كان الدرع سابغا الخ كما في التلخيص، على أن ستر بدن المرأة من ~~شروط صحة الصلاة، لان تقييد نفي البأس بتغطية القدمين مشعر أن البأس فيما ~~عداه وليس الافساد الصلاة، وأنت خبير بأن هذا الاشعار لو سلم لم يستلزم حصر ~~البأس في الافساد، لأن نقصان الاجر الموجب لنقص الصلاة وعدم كمالها مع ~~صحتها بأس، ولو سلم ذلك الاستلزام فغايته أن يفيد الشرطية في النساء كما ~~عرفت مما سلف. وفي هذا الحديث دليل لمن لم يستثن القدمين من ms0553 عورة المرأة ~~لأن قوله: يغطي ظهور قدميها يدل على عدم العفو، وهكذا PageV02P057 # استدل من قال بالشرطية بما في حديث ابن عمر من قوله (ص): يرخين شبرا. ~~وقوله: يرخينه ذراعا وهو كما عرفت غير صالح للاستدلال به على الشرطية ~~المدعاة، وغاية ما فيه أن يدل على وجوب ذلك. وفيه أيضا حجة لمن قال: إن ~~قدمي المرأة عورة. قوله: في درع هو قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجليها، ~~ويقال له سابغ إذا طال من فوق إلى أسفل. قوله: يرخين شبرا قال ابن رسلان: ~~الظاهر أن المراد بالشبر والذراع أن يكون هذا القدر زائدا على قميص الرجل ~~لا أنه زائد على الأرض. # باب النهي عن تجريد المنكبين في الصلاة إلا إذا وجد ما يستر العورة وحدها ~~عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس ~~على عاتقه منه شئ رواه البخاري ومسلم ولكن قال: على عاتقيه ولأحمد اللفظان. # الحديث اتفق عليه الشيخان وأبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة. قوله: لا يصلين في لفظ لا يصلي قال ابن الأثير: # كذا هو في الصحيحين بإثبات الياء، ووجهه أن لا نافية وهو خبر بمعنى ~~النهي. قال الحافظ: # ورواه الدارقطني في غرائب مالك بلفظ: لا يصل ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء ~~عن مالك بلفظ: لا يصلين بزيادة نون التأكيد، ورواه الإسماعيلي من طريق ~~الثوري عن أبي الزناد بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: ~~ليس على عاتقه منه شئ العاتق ما بين المنكبين إلى أصل العنق، والمراد أنه ~~لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه بل يتوشح بهما على عاتقيه، فيحصل ~~الستر من أعالي البدن، وإن كان ليس بعورة أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة. ~~قال النووي: # قال العلماء حكمته أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شئ لم يؤمن أن ~~تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه ~~بيده ms0554 فيشتغل بذلك وتفوته سنة وضع اليمنى على اليسرى تحت صدره ورفعهما. ~~والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال النووي: ولا خلاف في هذا ~~إلا ما حكي عن ابن مسعود ولا أعلم صحته وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل. ~~ويدل أيضا على المنع من الصلاة في PageV02P058 # الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلي منه شئ، وقد حمل الجمهور هذا ~~النهي على التنزيه. وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك تركه. وعنه أيضا: ~~تصح ويأثم. وغفل الكرماني عن مذهب أحمد فادعى الاجماع على جواز ترك جعل طرف ~~الثوب على العاتق، وجعله صارفا للنهي عن التحريم إلى الكراهة، وقد نقل ابن ~~المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز، وكلام الترمذي يدل على ثبوت الخلاف ~~أيضا، وعقد الطحاوي له بابا في شرح المغني ونقل المنع عن ابن عمر ثم عن ~~طاوس والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير، وجمع الطحاوي بين الأحاديث ~~بأن الأصل أن يصلي مشتملا فإن ضاق اتزر. ونقل الشيخ تقي الدين السبكي وجوب ~~ذلك عن الشافعي واختاره. قال الحافظ: لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه. ~~واستدل الخطابي على عدم الوجوب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى في ثوب ~~كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة، قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو ~~لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به ويفضل منه ما كان لعاتقه، وفيما قاله ~~نظر لا يخفى قاله الحافظ. إذا تقرر لك عدم صحة الاجماع الذي جعله الكرماني ~~صارفا للنهي فالواجب الجزم بمعناه الحقيقي، وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب ~~الواحد حال الصلاة على العاتق والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بالحديث ~~الآتي حتى ينتهض دليل يصلح للصرف، ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعا جمعا ~~بين الأحاديث كما سيأتي التصريح بذلك في حديث جابر. وقد عمل بظاهر الحديث ~~ابن حزم فقال: وفرض على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه أو ~~عاتقيه فإن لم يفعل بطلت ms0555 صلاته، إن كان ضيقا اتزر به وأجزأه، سواء كان معه ~~ثياب غيره أو لم يكن، ثم ذكر ذلك عن نافع مولى ابن عمر والنخعي وطاوس. # وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من صلى ~~في ثوب واحد فليخالف بطرفيه رواه البخاري وأحمد وأبو داود وزاد على عاتقيه. # أخرج هذه الزيادة أحمد، وكذا الإسماعيلي وأبو نعيم من طريق حسين عن ~~شيبان. # وقد حمل الجمهور هذا الامر على الاستحباب وخالفهم في ذلك أحمد. والخلاف ~~في الامر ههنا كالخلاف في النهي في الحديث الذي قبل هذا. وفي الباب عن عمر ~~بن أبي سلمة عند الجماعة كلهم. وعن سلمة بن الأكوع عند أبي داود والنسائي. ~~وعن أنس PageV02P059 # عند البزار والموصلي في مسنديهما. وعن عمرو بن أبي أسد عند البغوي في ~~معجم الصحابة، والحسن بن سفيان في مسنده. وعن أبي سعيد عند مسلم وابن ماجة. ~~وعن كيسان عند ابن ماجة. وعن ابن عباس عند أحمد بإسناد صحيح. وعن عائشة عند ~~أبي داود. وعن أم هانئ عند الشيخين. وعن عمار بن ياسر عند أبي يعلى ~~والطبراني. وعن طلق بن علي عند أبي داود. وعن عبادة بن الصامت عند ~~الطبراني. وعن أبي بن كعب عند عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند: وعن ~~حذيفة عند أحمد. وعن سهل بن سعد عند الشيخين وأبي داود والنسائي وعن عبد ~~الله بن أبي أمية عند الطبراني. وعن عبد الله بن سرجس عند الطبراني أيضا ~~وعن عبد الله بن عبد الله بن المغيرة عند أحمد. وعن عبد الله بن عمر عند ~~أبي داود. وعن علي بن أبي طالب عند الطبراني، وعن معاذ عند الطبراني أيضا، ~~وعن معاوية عند الطبراني أيضا، وعن أبي أمامة عند الطبراني أيضا. وعن أبي ~~بكر الصديق عند أبي يعلى الموصلي. # وعن أبي عبد الرحمن حاضن عائشة عند الطبراني. وعن أم حبيبة عند أحمد، وعن ~~أم الفضل عند أحمد، وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسم ms0556 ~~عند أحمد بإسناد صحيح. # وعن جابر بن عبد الله: أن النبي (ص) قال: إذا صليت في ثوب واحد فإن كان ~~واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به متفق عليه، ولفظه لأحمد. وفي لفظ له ~~آخر قال: قال رسول الله (ص): إذا ما اتسع الثوب فلتعاطف به على منكبيك ثم ~~صل، وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء. # قوله: فالتحف به الالتحاف بالثوب التغطي به كما أفاده في القاموس. ~~والمراد أنه لا يشد الثوب في وسطه فيصلي مكشوف المنكبين، بل يتزر به ويرفع ~~طرفيه فيلتحف بهما فيكون بمنزلة الإزار والرداء، هذا إذا كان الثوب واسعا، ~~وأما إذا كان ضيقا جاز الاتزار به من دون كراهة، وبهذا يجمع بين الأحاديث ~~كما ذكره الطحاوي وغيره، واختاره ابن المنذر وابن حزم وهو الحق الذي يتعين ~~المصير إليه، فالقول بوجوب طرح الثوب على العاتق والمخالفة من غير فرق بين ~~الثوب الواسع والضيق ترك للعمل بهذا الحديث وتعسير مناف للشريعة السمحة، ~~وإن أمكن الاستئناس له بحديث: أن رجالا كانوا PageV02P060 # يصلون مع النبي (ص) عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء: ~~لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي الرجال جلوسا عند الشيخين وأبي داود والنسائي من ~~حديث سهل بن سعد. قوله: فشد به حقويك الحقو بفتح الحاء المهملة موضع شد ~~الإزار وهو الخاصرة ثم توسعوا فيه حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة ~~حقوا. # باب من صلى في قميص غير مزرر تبدو منه عورته في الركوع أو غيره عن سلمة ~~بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد وأصلي وليس علي إلا ~~قميص واحد، قال: فزره وإن لم تجد إلا شوكة رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والحاكم، وعلقه ~~البخاري في صحيحه ووصله في تاريخه وقال: في إسناده نظر. قال الحافظ: وقد ~~بينت طرقه في تغليق التعليق وله شاهد مرسل وفيه انقطاع أخرجه البيهقي، وقد ~~رواه البخاري أيضا عن إسماعيل بن ms0557 أبي أويس وعن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن ~~أبيه عن سلمة، زاد في الاسناد رجلا ورواه أيضا عن مالك بن إسماعيل عن عطاف ~~بن خالد قال: # حدثنا موسى بن إبراهيم قال: حدثنا سلمة فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، ~~فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو يكون ~~التصريح في رواية عطاف وهما، فهذا وجه النظر في إسناده الذي ذكره البخاري. ~~وأما من صححه فاعتمد على رواية الدراوردي وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها. ~~وطريق عطاف أخرجها أيضا أحمد والنسائي. وأما قول ابن القطان أن موسى هو ابن ~~محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري وأبي حاتم وأبي داود وأنه نسب ~~هنا إلى جده فليس بمستقيم، لأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميا وهو ~~غير التيمي فلا تردد، نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن ~~كان محفوظا فيحتمل على بعد أن يكونا جميعا رويا الحديث وحمله عنهما ~~الدراوردي، وإلا فذكر محمد فيه شاذ، كذا قال الحافظ. قوله: في الصيد جاء في ~~رواية بلفظ: إنا نكون في الصيف وفي أخرى بالصف، وقد جمع ابن الأثير بين ~~الروايات في شرحه للمسند بما حاصله أن ذكر الصيد، لأن الصائد يحتاج أن يكون ~~خفيفا ليس عليه ما يشغله عن الاسراع في طلب الصيد، وذكر الصف معناه أن يصلي ~~في جماعة في PageV02P061 # وليس عليه إلا قميص واحد فربما بدت عورته، وذكر الصيف لأنه مظنة للحر لا ~~سيما في الحجاز لا يمكن معه الاكثار من اللباس. قوله: فزره هكذا وقع هنا. ~~وفي رواية البخاري قال: يزره. وفي رواية أبي داود: فأزرره. وفي رواية ابن ~~حبان والنسائي: زره. # والمراد شد القميص والجمع بين طرفيه لئلا تبدو عورته، ولو لم يمكنه ذلك ~~الا بان يغرز في طرفه شوكة يستمسك بها. والحديث يدل على جواز الصلاة في ~~الثوب الواحد وفي القميص منفردا عن غيره مقيدا بعقد الزرار، وقد تقدم ~~الخلاف في ذلك. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى ms0558 أن يصلي الرجل حتى ~~يحتزم رواه أحمد وأبو داود. # هذا الحديث وقع البحث عنه في سنن أبي داود ومسند أحمد والجامع الكبير ~~ومجمع الزوائد فلم يوجد بهذا اللفظ فينظر في نسبة المصنف له إلى أحمد وأبي ~~داود، ولكنه يشهد له الامر بشد الإزار على الحقو وقد تقدم، لأن الاحتزام شد ~~الوسط كما في القاموس وغيره. وكذلك حديث: وإن كان ضيقا فاتزر به عند ~~الشيخين كما تقدم، لأن الاتزار شد الإزار على الحقو، فيكون هذا النهي مقيدا ~~بالثوب الضيق كما في غيره من الأحاديث، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن عروة بن عبد الله عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت النبي (ص) في ~~رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق، قال: فبايعته فأدخلت يدي من قميصه ~~فمسست الخاتم، قال عروة: فما رأيت معاوية ولا أباه في شتاء ولا حر إلا ~~مطلقي أزرارهما لا يزرران أبدا رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة، وذكر الدارقطني أن هذا الحديث تفرد ~~به وذكر ابن عبد البر أن قرة بن إياس والد معاوية المذكور، ولم يرو عنه غير ~~ابنه معاوية، وفي إسناده أبو مهل بميم ثم هاء مفتوحتين ولام مخففة الجعفي ~~الكوفي، وقد وثقه أبو زرعة الرازي وذكره ابن حبان. قوله: وعن عروة بن عبد ~~الله هو ابن نفيل النفيلي وقيل ابن قشير وهو أبو مهل المذكور الراوي عن ~~معاوية بن قرة. قوله: وإن قميصه بكسر الهمزة لأنها بعد واو الحال. قوله: ~~لمطلق أي غير مشدود، وكان PageV02P062 # عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة، فربما يشدونها وربما يتركونها مفتوحة ~~مطلقة. # قوله: فمسست بكسر السين الأولى. قوله: الخاتم يعني خاتم النبوة تبركا به ~~وليخبر به من لم يره. قوله: إلا مطلقي بكسر اللام وفتح القاف. والحديث يدل ~~على أن إطلاق الزرار من السنة. والمصنف أورده ههنا توهما منه أنه معارض ~~بحديث سلمة بن الأكوع الذي مر، وليس الامر كذلك، لأن حديث سلمة خاص بالصلاة ~~وهذا الحديث ليس فيه ذكر الصلاة، ويمكن أن ms0559 يكون مراد المصنف بإيراده ههنا ~~الاستدلال به على جواز إطلاق الزرار في غير الصلاة، وإن كانت ترجمة الباب ~~لا تساعد على ذلك، قال رحمه الله: وهذا محمول على أن القميص لم يكن وحده ~~اه. # باب استحباب الصلاة في ثوبين وجوازها في الثوب الواحد عن أبي هريرة: أن ~~سائلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال: أو ~~لكلكم ثوبان رواه الجماعة إلا الترمذي زاد البخاري في رواية: ثم سأل رجل ~~عمر فقال: إذا وسع الله فأوسعوا جمع رجل عليه ثيابه صلى رجل في إزار ورداء، ~~في إزار وقميص، في إزار وقبا، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل ~~وقبا، في تبان وقبا في تبان وقميص. قال وأحسبه قال: في تبان ورداء. # قوله: أن سائلا ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه المبسوط أن ~~السائل ثوبان. قوله: أو لكلكم ثوبان قال الخطابي: لفظه استخبار ومعناه ~~الاخبار على ما هم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى ~~كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض والصلاة لازمة وليس لكل أحد منكم ~~ثوبان فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ أي مع مراعاة ستر ~~العورة. وقال الطحاوي معناه: لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت ~~لمن لا يجد إلا ثوبا واحدا اه. قال الحافظ: وهذه الملازمة في مقام المنع ~~للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه لا عن الكراهة. ~~قوله: ثم سأل رجل عمر يحتمل أن يكون ابن مسعود لأنه اختلف هو وأبي بن كعب، ~~فقال أبي: الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة، وقال ابن مسعود: إنما كان ~~ذلك وفي الثياب قلة، فقام عمر على المنبر فقال: القول ما قال أبي، ولم يأل ~~ابن مسعود أي لم يقصر أخرجه عبد الرزاق. قوله: جمع رجل هذا PageV02P063 # من قول عمر وأورده بصيغة الخبر ومراده الامر. قال ابن بطال: يعني ليجمع ~~وليصل، وقال ابن المنير: الصحيح أنه كلام في معنى ms0560 الشرط كأنه قال: إن جمع ~~رجل عليه ثيابه فحسن ثم فصل الجمع بصور. قال ابن مالك: تضمن هذا فائدتين: ~~الأولى ورود الماضي بمعنى الامر في قوله صلى والمعنى ليصل. والثانية حذف ~~حرف العطف ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: تصدق امرؤ من ديناره من ~~درهمه من صاع تمره. قوله: في سراويل قال ابن سيده: السراويل فارسي معرب ~~يذكر ويؤنث، ولم يعرف أبو حاتم السجستاني التذكير والأشهر عدم صرفه. قوله: ~~وقبا بالقصر وبالمد. قيل: هو فارسي معرب، وقيل: عربي مشتق من قبوت الشئ إذا ~~ضممت أصابعك سمي بذلك لانضمام أطرافه. قوله: # في تبان التبان بضم المثناة وتشديد الموحدة وهو على هيئة السراويل إلا ~~أنه ليس له رجلان وهو يتخذ من جلد. قوله: وأحسبه القائل أبو هريرة والضمير ~~في أحسبه راجع إلى عمر، ومجموع ما ذكر عمر من الملابس ستة: ثلاثة للوسط ~~وثلاثة لغيره، فقدم ملابس الوسط لأنها محل سترة العورة، وقدم أسترها ~~وأكثرها استعمالا لهم، وضم إلى كل واحد واحدا، فخرج من ذلك تسع صور من ضرب ~~ثلاثة في ثلاثة، ولم يقصد الحصر في ذلك بل يلحق به ما يقوم مقامه. والحديث ~~يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة، ولم يخالف في ذلك إلا ابن مسعود ~~وقد تقدم ذلك، وتقدم قول النووي: لا أعلم صحته، وتقدم الاجماع على أن ~~الصلاة في ثوبين أفضل، صرح بذلك القاضي عياض وابن عبد البر والقرطبي ~~والنووي وفي قول ابن المنذر، واستحب بعضهم الصلاة في ثوبين إشعار بالخلاف. # وعن جابر: أن النبي (ص) صلى في ثوب واحد متوشحا به متفق عليه. # الحديث أخرجه مسلم من رواية سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر، ومن ~~رواية عمرو بن الحرث عن أبي الزبير. ورواه أبو داود من رواية محمد بن عبد ~~الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: أمنا جابر الحديث، ولم يخرجه البخاري من ~~حديث جابر بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف، بل أخرج نحوه من حديث عمر بن أبي ~~سلمة الذي سيأتي. قوله: متوشحا به ms0561 قال ابن عبد البر حاكيا عن الأخفش: إن ~~التوشح هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فيلقيه على منكبه ~~الأيمن ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر، قال: ~~وهذا التوشح الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله PageV02P064 # وسلم أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به. والحديث يدل على جواز الصلاة في ~~الثوب الواحد إذا توشح به المصلي، وقد تقدم الكلام في ذلك. # وعن عمر بن أبي سلمة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في ~~ثوب واحد متوشحا به في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقيه رواه الجماعة. # قوله: متوشحا به في البخاري والترمذي مشتملا. وفي بعض روايات مسلم: ~~ملتحفا به وقد جعلها النووي بمعنى واحد فقال: المشتمل والمتوشح والمخالف ~~بين طرفيه معناه واحد هنا، وقد سبقه إلى ذلك الزهري، وفرق الأخفش بين ~~الاشمال والتوشيح فقال: إن الاشمال أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه ~~إلى قدمه ويرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر، قال: والتوشح وذكر ما ~~قدمنا عنه في شرح الحديث الذي قبل هذا. وفائدة التوشح والاشتمال والالتحاف ~~المذكورة في هذه الأحاديث أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، ولئلا ~~يسقط الثوب عند الركوع والسجود قاله ابن بطال. قوله: قد ألقى طرفيه على ~~عاتقيه قد تقدم الكلام في ذلك. (والحديث يدل) على أن الصلاة في الثوب ~~الواحد صحيحة إذا توشح به المصلي أو وضع طرفه على عاتقه أو خالف بين طرفيه، ~~وقد تقدم الكلام في ذلك. # باب كراهية اشتمال الصماء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه ~~شئ وأن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه منه يعني شئ متفق ~~عليه. وفي لفظ لأحمد: # نهى عن لبستين: أن يحتبي أحدكم في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شئ، وأن ~~يشتمل في إزاره إذا ما ms0562 صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقيه. # قوله: أن يحتبي الاحتباء أن يقعد على أليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوبا ~~ويقال له الحبوة وكانت من شأن العرب. قوله: ليس على فرجه منه شئ فيه دليل ~~على أن الواجب ستر السوأتين فقط لأنه قيد النهي بما إذا لم يكن على الفرج ~~PageV02P065 # شئ، ومقتضاه أن الفرج إذا كان مستورا فلا نهي. قوله: وأن يشتمل الصماء هو ~~بالصاد المهملة والمد، قال أهل اللغة: هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه ~~جانبا ولا يبقي ما تخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سميت صماء لأنه يسد ~~المنافذ كلها فيصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن ~~يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه باديا. ~~قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروها لئلا تعرض له حاجة فيتعسر ~~عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم لأجل انكشاف العورة. ~~قال الحافظ: ظاهر سياق البخاري من رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور ~~فيها مرفوع وهو موافق لما قال الفقهاء ولفظه سيأتي في هذا الباب، وعلى ~~تقدير أن يكون موقوفا فهو حجة على الصحيح لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ~~ظاهر الخبر. قوله: وفي لفظ لأحمد هذه الرواية موافقة لما عند الجماعة في ~~المعنى إلا أن فيها زيادة وهو قوله إذا ما صلى وهي غير صالحة لتقييد النهي ~~بحالة الصلاة، لأن كشف العورة محرم في جميع الحالات إلا ما استثني، والنهي ~~عن الاحتباء والاشتمال لكونهما مظنة الانكشاف فلا يختص بتلك الحالة. قوله: ~~لبستين هو بكسر اللام لأن المراد بالنهي الهيئة المخصوصة لا المرة الواحدة ~~من اللبس. والحديث يدل على تحريم هاتين اللبستين لأنه المعنى الحقيقي ~~للنهي، وصرفه إلى الكراهة مفتقر إلى دليل. # وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن اشتمال الصماء ~~والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ رواه الجماعة إلا الترمذي فإنه ~~رواه من حديث أبي هريرة. وللبخاري: نهى ms0563 عن لبستين والبستان اشتمال الصماء، ~~والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، واللبسة ~~الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شئ. قد تقدم الكلام على ~~الحديث في شرح الذي قبله. # باب النهي عن السدل والتلثم في الصلاة عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه رواه أبو داود. ~~ولأحمد والترمذي عنه النهي عن السدل. ولابن ماجة النهي عن تغطية الفم. ~~PageV02P066 # الحديث قال الترمذي: لا نعرفه من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعا إلا من ~~حديث عسل بن سفيان وأخرجه الحاكم في المستدرك من الطريق التي رواها أبو ~~داود بالزيادة التي ذكرها وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا ~~فيه تغطية الرجل فاه في الصلاة اه، وكلامه هذا يفهم أنهما أخرجا أصل الحديث ~~مع أنهما لم يخرجاه. # وفي الباب عن أبي جحيفة عند الطبراني في معاجمه الثلاثة، والبزار في ~~مسنده وفي إسناده حفص بن أبي داود وقد اختلف فيه عليه وهو ضعيف، وكذلك أبو ~~مالك النخعي وقد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. قال البيهقي: ~~وقد كتبناه من حديث إبراهيم بن طهمان عن الهيثم، فإن كان محفوظا فهو أحسن ~~من رواية حفص. وفي الباب أيضا عن ابن مسعود عند البيهقي وقد تفرد به بسر بن ~~رافع وليس بالقوي. وعن ابن عباس عند ابن عدي في الكامل وفي إسناده عيسى بن ~~قرطاس وليس بثقة، وقال النسائي: # متروك الحديث، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. # وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديث الباب، فمنهم من لم يحتج به لتفرد ~~عسل ابن سفيان وقد ضعفه أحمد، قال الخلال: سئل أحمد عن حديث السدل في ~~الصلاة من حديث أبي هريرة فقال: ليس هو بصحيح الاسناد وقال: عسل بن سفيان ~~غير محكم الحديث، وقد ضعفه الجمهور يحيى بن معين وأبو حاتم والبخاري ~~وآخرون، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف على قلة ms0564 روايته اه. ~~وقد أخرج له الترمذي هذا الحديث فقط، وأبو داود أخرج له هذا وحديثا آخر، ~~وقد تقدم تصحيح الحاكم لحديث أبي هريرة. وعسل بن سفيان لم يتفرد به، فقد ~~شاركه في الرواية عن عطاء الحسن بن ذكوان، وترك يحيى له لم يكن إلا لقوله ~~إنه كان قدريا، وقد قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قوله: نهى عن السدل ~~قال أبو عبيدة في غريبه: السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين ~~يديه فإن ضمه فليس بسدل، وقال صاحب النهاية: هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه ~~من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك، قال: وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب، ~~قال وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من ~~غير أن يجعلهما على كتفيه. وقال الجوهري: سدل ثوبه يسدله بالضم سدلا أي ~~أرخاه. وقال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض اه. PageV02P067 # فعلى هذا السدل والاسبال واحد. قال العراقي: ويحتمل أن يراد بالسدل سدل ~~الشعر، ومنه حديث ابن عباس: إن النبي (ص) سدل ناصيته وفي حديث عائشة أنها ~~سدلت قناعها وهي محرمة أي أسبلته اه. ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه ~~المعاني إن كان السدل مشتركا بينها وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب ~~القوي. وقد روي أن السدل من فعل اليهود، أخرج الخلال في العلل وأبو عبيد في ~~الغريب من رواية عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن علي عليه السلام أنه ~~خرج فرأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: كأنهم اليهود خرجوا من قهرهم ~~قال أبو عبيد: هو موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه. قال صاحب الامام: والقهر ~~بضم القاف وسكون الهاء موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه، وذكره في القاموس ~~والنهاية في الفاء لا في القاف. (والحديث يدل) على تحريم السدل في الصلاة ~~لأنه معنى النهي الحقيقي، وكرهه ابن عمر ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري ~~والشافعي في الصلاة وغيرها. وقال أحمد: يكره في الصلاة. وقال جابر ms0565 بن عبد ~~الله وعطاء والحسن وابن سيرين ومكحول والزهري: # لا بأس به. وروي ذلك عن مالك، وأنت خبير بأنه لا موجب للعدول عن التحريم ~~إن صح الحديث لعدم وجدان صارف له عن ذلك. قوله: وأن يغطي الرجل فاه قال ابن ~~حبان: لأنه من زي المجوس، قال: وإنما زجر عن تغطية الفم في الصلاة على ~~الدوام لا عند التثاؤب بمقدار ما يكظمه لحديث: إذا تثاءب أحدكم فليضع يده ~~على فيه فإن الشيطان يدخل وهذا لا يتم إلا بعد تسليم عدم اعتبار قيد في ~~الصلاة المصرح به في المعطوف عليه في جانب المعطوف وفيه خلاف ونزاع. وقد ~~استدل به على كراهة أن يصلي الرجل ملتثما كما فعل المصنف. # باب الصلاة في ثوب الحرير والغصب عن ابن عمر قال: من اشترى ثوبا بعشرة ~~دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله عز وجل له صلاة ما دام عليه، ثم أدخل ~~أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن لم يكن النبي (ص) سمعته يقوله رواه أحمد. # الحديث أخرجه عبد بن حميد والبيهقي في الشعب وضعفه، وتمام والخطيب وابن ~~عساكر والديلمي وفي إسناده هاشم عن ابن عمر، قال ابن كثير في إرشاده وهو لا ~~يعرف. وقد استدل PageV02P068 # به من قال: إن الصلاة في الثوب المغصوب أو المغصوب ثمنه لا تصح وهم ~~العترة جميعا. وقال أبو حنيفة والشافعي: تصح لأن العصيان ليس بنفس الطاعة ~~لتغاير اللباس والصلاة، ورد بأن الحديث مصرح بنفي قبول الصلاة في الثوب ~~المغصوب ثمنه والمغصوب عينه بالأولى، وأنت خبير بأن الحديث لا ينتهض ~~للحجية، ولو سلم فمعنى نفي القبول لا يستلزم نفي الصحة لأنه يرد على وجهين: # الأول يراد به الملازم لنفي الصحة والاجزاء نحو قوله: هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة إلا به والثاني يراد به نفي الكمال والفضيلة كما في حديث نفي ~~قبول صلاة الآبق، والمغاضبة لزوجها، ومن في جوفه خمر، وغيرهم ممن هو مجمع ~~على صحة صلاتهم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في موضعين من هذا الشرح، ومن ~~ههنا تعلم أن ms0566 نفي القبول مشترك بين الامرين، فلا يحمل على أحدهما إلا ~~لدليل، فلا يتم الاحتجاج به في مواطن النزاع. وقال أبو هاشم: إن استتر ~~بحلال لم يفسدها المغصوب فوقه إذ هو فضلة. قال المصنف رحمه الله تعالى: ~~وفيه يعني الحديث دليل على أن النقود تتعين في العقود اه، وفي ذلك خلاف بين ~~الفقهاء، وقد صرح المتأخرون من فقهاء الزيدية أنها تتعين في اثني عشر موضعا ~~ومحل الكلام على ذلك علم الفروع. # وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد متفق عليه. ولأحمد: من صنع أمرا على غير أمرنا فهو مردود. # قوله: ليس عليه أمرنا المراد بالامر هنا واحد الأمور وهو ما كان عليه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. قوله: فهو رد المصدر بمعنى اسم ~~المفعول كما بينته الرواية الأخرى، قال في الفتح: يحتج به في إبطال جميع ~~العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها، وأن النهي يقتضي الفساد، ~~لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، ويستفاد منه أن حكم الحاكم ~~لا يغير ما في باطن الامر. لقوله: ليس عليه أمرنا والمراد به أمر الدين، ~~وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد اه. # وهذا الحديث من قواعد الدين لأنه يندرج تحته من الاحكام ما لا يأتي عليه ~~الحصر. # وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام ~~وتخصيص الرد PageV02P069 # ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل، فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة ~~بالقيام في مقام المنع مسندا له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # كل بدعة ضلالة طالبا لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها ~~بعد الاتفاق على أنها بدعة، فإن جاءك به قبلته وإن كاع كنت قد ألقمته حجرا ~~واسترحت من المجادلة. ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع ~~الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر ms0567 رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد، متمسكا بما تقرر في الأصول من ~~أنه لا يقتضي ذلك إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم كالشرط، أو وجود أمر يؤثر ~~وجوده في العدم كالمانع، فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا ~~مجرد الاصطلاح، مسندا لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل ~~فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلا: # هذا أمر ليس من أمره، وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد، وكل رد باطل فهذا ~~باطل، فالصلاة مثلا التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله (ص) أو فعل فيها ~~ما كان يتركه ليست من أمره فتكون باطلة بنفس هذا الدليل، سواء كان ذلك ~~الامر المفعول أو المتروك مانعا باصطلاح أهل الأصول أو شرطا أو غيرهما ~~فليكن منك هذا على ذكر. قال في الفتح: وهذا الحديث معدود من أصول الاسلام ~~وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع من الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله ~~فلا يلتفت إليه، قال النووي: # هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال ~~به كذلك. وقال الطوخي: هذا الحديث يصح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل ~~يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه. وهذا الحديث ~~مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه، لأن منطوقه مقدمة كلية، مثل أن ~~يقال في الوضوء بماء نجس هذا ليس من أمر الشرع وكل ما كان كذلك فهو مردود ~~فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الدليل وإنما يقع النزاع في ~~الأولى، ومفهومه أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، فلو اتفق أن يوجد ~~حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجمع ~~أدلة الشرع لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذن حديث الباب نصف أدلة الشرع انتهى. # وعن عقبة بن عامر قال: أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فروج ms0568 ~~حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا عنيفا شديدا كالكاره له ثم ~~PageV02P070 # قال: لا ينبغي هذا للمتقين متفق عليه. # قوله: فروج بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم هو القبا المفرج ~~من خلف. وحكى أبو زكريا التبريزي عن أبي العلاء المعري جواز ضم أوله وتخفيف ~~الراء، قال الحافظ في الفتح: والذي أهداه هو أكيدر دومة كما صرح بذلك ~~البخاري في اللباس. # والحديث استدل به من قال بتحريم الصلاة في الحرير وهو الهادي في أحد ~~قوليه، والناصر والمنصور بالله والشافعي. وقال الهادي في أحد قوليه وأبو ~~العباس والمؤيد بالله والامام يحيى وأكثر الفقهاء أنها مكروهة فقط، مستدلين ~~بأن علة التحريم الخيلاء ولا خيلاء في الصلاة، وهذا تخصيص للنص بخيال علة ~~الخيلاء وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه. وقد استدلوا لجواز الصلاة في ثياب ~~الحرير بعدم إعادته صلى الله عليه وآله وسلم لتلك الصلاة وهو مردود، لأن ~~ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم ~~بلفظ: صلى في قبا ديباج ثم نزعه وقال: نهاني جبريل وسيأتي، وهذا ظاهر في أن ~~صلاته فيه كانت قبل تحريمه. قال المصنف: وهذا يعني حديث الباب محمول على ~~أنه لبسه قبل تحريمه، إذ لا يجوز أن يظن به أنه لبسه بعد التحريم في صلاة ~~ولا غيرها، ويدل على إباحته في أول الأمر ما روى أنس بن مالك: # أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبة سندس أو ديباج ~~قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها فتعجب الناس منها فقال: والذي نفسي بيده ~~لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها رواه أحمد انتهى. قال في البحر: ~~فإن لم يوجد غيره صحت فيه وفاقا بينهم، فإن صلى عاريا بطلت صلاته. وقال ~~أحمد بن حنبل: يصلي عاريا كالنجس. وقد اختلفوا هل تجزئ الصلاة في الحرير ~~بعد تحريمه أم لا؟ فقال الحافظ في الفتح: إنها تجزئ عند الجمهور مع ~~التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت انتهى. وسيأتي البحث عن لبس ms0569 الحرير وحكمه ~~قريبا. # وعن جابر بن عبد الله قال: لبس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبا له من ~~ديباج أهدي إليه ثم أوشك أن نزعه وأرسل به إلى عمر بن الخطاب فقيل: قد ~~أوشكت ما نزعته يا رسول الله، قال: نهاني عنه جبريل عليه السلام، فجاءه عمر ~~يبكي فقال: # يا رسول الله كرهت أمرا وأعطيتنيه فما لي، فقال: ما أعطيتك لتلبسه إنما ~~أعطيتك تبيعه فباعه بألفي درهم رواه أحمد. # الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بنحو مما هنا. قوله: من ديباج الديباج هو ~~PageV02P071 # نوع من الحرير، قيل: هو ما غلظ منه. قوله: ثم أوشك أي أسرع كما في ~~القاموس وغيره. والحديث يدل على تحريم لبس الحرير، ولبس النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا يكون دليلا على الحل لأنه محمول على أنه لبسه قبل ~~التحريم بدليل. قوله: نهاني عنه جبريل ولهذا حصر الغرض من الاعطاء في ~~البيع، وسيأتي تحقيق ما هو الحق في ذلك. قال المصنف رحمه الله فيه يعني ~~الحديث دليل أن أمته عليه السلام أسوته في الاحكام اه. # وقد تقرر في الأصول ما هو الحق في ذلك، والأدلة العامة قاضية بمثل ما ~~ذكره المصنف من نحو قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * ~~(الأحزاب: 21) * (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (الحشر: ~~7) * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (آل عمران: 31). كتاب اللباس باب ~~تحريم لبس الحرير والذهب على الرجال دون النساء عن عمر قال: سمعت النبي (ص) ~~يقول: لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. وعن ~~أنس: أن النبي (ص) قال: من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة متفق ~~عليهما. # الحديثان يدلان على تحريم لبس الحرير، لما في الأول من النهي الذي يقتضي ~~بحقيقته التحريم، وتعليل ذلك بأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ~~والظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة وقد قال الله تعالى في أهل الجنة: * ~~(ولباسهم فيها حرير) * (الحج: 23) فمن لبسه في ms0570 الدنيا لم يدخل الجنة، روى ~~ذلك النسائي عن ابن الزبير، وأخرج النسائي عن ابن عمر أنه قال: والله لا ~~يدخل الجنة وذكر الآية، وأخرج النسائي والحاكم عن أبي سعيد أنه قال: وإن ~~دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه. ويدل على ذلك أيضا حديث ابن عمر عند ~~الشيخين بلفظ قال: قال رسول الله (ص): إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا ~~خلاق له في الآخرة والخلاق كما في كتب اللغة وشروح الحديث النصيب أي من لا ~~نصيب له في الآخرة، وهكذا إذا فسر بمن لا حرمة له أو من لا دين له كما قيل. ~~وهكذا حديث ابن عمر عند الستة إلا الترمذي بلفظ: أنه رأى عمر حلة من إستبرق ~~تباع PageV02P072 # فأتى بها النبي (ص) فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد ~~والوفود، فقال رسول الله (ص): إنما هذه لباس من لا خلاق له، ثم لبث عمر ما ~~شاء الله أن يلبث، فأرسل إليه (ص) بجبة ديباج فأتى عمر النبي (ص) فقال: يا ~~رسول الله قلت: إنما هذه لباس من لا خلاق له ثم أرسلت إلي بهذه، فقال (ص): ~~إني لم أرسلها إليك لتلبسها ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك. # ومن أدلة التحريم حديث عقبة بن عامر السابق في الباب الذي قبل هذا ~~الكتاب، فإن قوله: لا ينبغي هذا للمتقين إرشاد إلى أن لابس الحرير ليس من ~~زمرة المتقين. وقد علم وجوب الكون منهم ومن ذلك ما عند البخاري بلفظ: الذهب ~~والفضة والحرير والديباج لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ومن ذلك حديث أبي ~~موسى وعلي وحذيفة وعمر وأبي عامر وستأتي، وإذا لم تفد هذه الأدلة التحريم ~~فما في الدنيا محرم. وأما معارضتها بما سيأتي فستعرف ما عليه. وقد أجمع ~~المسلمون على التحريم، ذكر ذلك المهدي في البحر وقد نسب فيه الخلاف في ~~التحريم إلى ابن علية وقال: إنه انعقد الاجماع بعده على التحريم. وقال ~~القاضي عياض: حكي عن قوم إباحته، وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا ~~من ms0571 الصحابة أو أكثر منهم أنس والبراء بن عازب ووقع الاجماع على أن التحريم ~~مختص بالرجال دون النساء، وخالف في ذلك ابن الزبير مستدلا بعموم الأحاديث، ~~ولعله لم يبلغه المخصص الذي سيأتي. وقد استدل من جوز لبس الحرير بأدلة: ~~منها حديث عقبة بن عامر المتقدم في الباب الذي قبل الكتاب، وقد عرفت الجواب ~~عن ذلك فيما سلف. # ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر في الجبة التي كان يلبسها رسول الله (ص)، ~~وسيأتي في باب إباحة اليسير من الحرير وسنذكر الجواب عنه هنالك. ومنها حديث ~~المسور بن مخرمة عند الشيخين إنها قدمت للنبي (ص) أقبية فذهب هو وأبوه إلى ~~النبي (ص) لشئ منها فخرج النبي (ص) وعليه قباء من ديباج مزرور فقال: يا ~~مخرمة خبأنا لك هذا وجعل يريه محاسنه وقال: أرضي مخرمة؟ والجواب أن هذا فعل ~~لا ظاهر له، والأقوال صريحة في التحريم، على أنه لا نزاع أن النبي (ص) كان ~~يلبس الحرير ثم كان التحريم آخر الامرين كما يشعر بذلك حديث جابر المتقدم. ~~ومنها حديث عبد الله بن سعد عن أبيه، وسيأتي في باب ما جاء في لبس الحرير ~~وسنذكر الجواب عنه هنالك. ومنها ما تقدم من لبس جماعة PageV02P073 # من الصحابة له، وسيأتي الجواب عليه في باب ما جاء في لبس الخز. ومنها أنه ~~(ص) لبس مستقة من سندس أهداها له ملك الروم ثم بعث بها إلى جعفر فلبسها ثم ~~جاءه فقال: إني لم أعطكها لتلبسها، قال: فما أصنع؟ قال: أرسل بها إلى أخيك ~~النجاشي، أخرجه أبو داود، والجواب عن الاحتجاج بلبسه (ص) مثل ما تقدم في ~~الجواب عن حديث مخرمة. وأما عن الاحتجاج بأمره (ص) لجعفر أن يبعث بها ~~للنجاشي فالجواب عنه كالجواب الذي سيأتي في شرح حديث لبسه (ص) للخز، على أن ~~الحديث غير صالح للاحتجاج، لأن في إسناده علي بن زيد بن جدعان ولا يحتج ~~بحديثه، ويمكن أن يقال: إن لبسه (ص) لقبا الديباج وتقسيمه للأقبية بين ~~أصحابه ليس فيه ما يدل على أنه متقدم على أحاديث ms0572 النهي، كما أنه ليس فيها ~~ما يدل على أنها متأخرة عنه، فيكون قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة، ويكون ~~ذلك جمعا بين الأدلة. ومن مقويات هذا ما تقدم أنه لبسه عشرون صحابيا، ويبعد ~~كل البعد أن يقدموا على ما هو محرم في الشريعة، ويبعد أيضا أن يسكت عنهم ~~سائر الصحابة وهم يعلمون تحريمه، فقد كانوا ينكرون على بعضهم بعضا ما هو ~~أخف من هذا وقد اختلفوا في الصغار أيضا هل يحرم إلباسهم الحرير أم لا؟ فذهب ~~الأكثر إلى التحريم، قالوا: لأن قوله على ذكور أمتي كما في الحديث الآتي ~~يعمهم. ولحديث ثوبان عند أبي داود: أن النبي (ص) قدم من غزاة وكان لا يقدم ~~إلا بدأ حين يقدم ببيت فاطمة، فوجدها قد علقت سترا على بابها وحلت الحسنين ~~بقلبين من فضة، فتقدم فلم يدخل عليها فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى، ~~فهتكت الستر وفكت القلبين عن الصبيين فانطلقا إلى رسول الله (ص) يبكيان ~~فأخذه منهما وقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان الحديث. وهذا وإن كان ~~واردا في الحلية ولكنه مشعر بأن حكمهم حكم المكلفين فيها فيكون حكمهم ~~PageV02P074 # في لبس الحرير كذلك. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن في آخر الحديث ما يشعر ~~بعدم التحريم فإنه قال: نحن أهل بيت لا نستغرق طيباتنا في حياتنا الدنيا أو ~~كما قال. وقد ثبت عنه (ص) أنه قال: عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم ~~والصغار غير مكلفين وإنما التكليف على الكبار. وقد روي أن إسماعيل بن عبد ~~الرحمن دخل على عمر وعليه قميص من حرير وسواران من ذهب فشق القميص وفك ~~السوارين وقال: اذهب إلى أمك. وقال محمد بن الحسن: إنه يجوز إلباسهم ~~الحرير. وقال أصحاب الشافعي: يجوز في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم، وفي ~~جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه: أصحها جوازه. والثاني تحريمه. ~~والثالث يحرم بعد سن التمييز. واختلفوا في المقدار الذي يستثنى من الحرير ~~للرجال وسيأتي الكلام عليه. # وعن أبي موسى: أن النبي (ص) قال: ms0573 أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم ~~على ذكورها رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. # الحديث أيضا أخرجه أبو داود والحاكم وصححه والطبراني وفي إسناده سعيد ابن ~~أبي هند عن أبي موسى قال أبو حاتم: إنه لم يلقه، وقال الدارقطني في العلل: ~~لم يسمع سعيد بن أبي هند من أبي موسى. وقال ابن حبان في صحيحه: حديث سعيد ~~بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح. والحديث قد صححه الترمذي كما ذكر ~~المصنف، وصححه أيضا ابن حزم كما ذكر الحافظ. وقد روي من طريق يحيى بن سليم ~~عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ذكر ذلك الدارقطني في العلل قال: ~~والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. وقد اختلف فيه على نافع، ~~فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد مثله، ورواه عبد الله بن عمر ~~العمري عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى. وفي الباب عن علي بن أبي طالب ~~عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان بلفظ: أخذ النبي (ص) ~~حريرا فجعله في يمنيه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: إن هذين حرام على ~~ذكور أمتي زاد ابن ماجة: حل لإناثهم وبين النسائي الاختلاف فيه على يزيد بن ~~حبيب. قال الحافظ: # وهو اختلاف لا يضر، ونقل عبد الحق عن ابن المديني أنه قال: حديث حسن ~~ورجاله معروفون. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على يزيد بن أبي حبيب، ورجح ~~النسائي رواية ابن المبارك عن الليث عن يزيد عن ابن أبي الصعبة عن رجل من ~~همدان يقال PageV02P075 # له أفلح عن عبد الله بن زرير عن علي عليه السلام، قال الحافظ: الصواب أبو ~~أفلح. # وقد أعله ابن القطان بجهالة حال رواته ما بين يزيد بن أبي حبيب وعلي، ~~فأما عبد الله بن زرير فقد وثقه العجلي وابن سعد، وأما أبو أفلح فقال ~~الحافظ ينظر فيه، وأما ابن أبي الصعبة فقد ذكره ابن حبان في الثقات واسمه ~~عبد العزيز. ms0574 وفي الباب أيضا عن عقبة بن عامر عند البيهقي بإسناد حسن. وعن ~~عمر عند البزار والطبراني وفيه عمرو بن جرير البجلي قال البزار: لين ~~الحديث. وعن عبد الله بن عمرو نحو حديث أبي موسى عند ابن ماجة والبزار وأبي ~~يعلى والطبراني وفي إسناده الإفريقي وهو ضعيف. وعن زيد بن أرقم عند ~~الطبراني والعقيلي وابن حبان في الضعفاء وفيه ثابت ابن زيد قال أحمد: له ~~مناكير. وعن واثلة بن الأسقع عند الدارقطني وإسناده مقارب. وعن ابن عباس ~~عند الدارقطني والبزار بإسناد واه، وهذه الطرق متعاضدة بكثرتها ينجبر الضعف ~~الذي لم تخل منه واحدة منها. والحديث دليل للجماهير القائلين بتحريم الحرير ~~والذهب على الرجال وتحليلهما للنساء، وقد تقدم الخلاف في ذلك. # وعن علي عليه السلام قال: أهديت إلى النبي (ص) حلة سيراء فبعث بها إلي ~~فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت ~~بها إليك لتشققها خمرا بين النساء متفق عليه. # قوله: أهديت له أهداها له ملك أيلة وهو مشرك. قوله: حلة الحلة على ما في ~~القاموس وغيره من كتب اللغة إزار ورداء، ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب ~~له بطانة وهي بضم الحاء. قوله: سيراء بكسر السين المهملة بعدها مثناة تحتية ~~ثم راء مهملة ثم ألف ممدودة، قال في القاموس: كعنباء نوع من البرود فيه ~~خطوط صفر أو يخالطه حرير والذهب الخالص اه. قال الخطابي: هي برود مضلعة ~~بالقز، وكذا قال الخليل والأصمعي وأبو داود، وقال آخرون: إنها شبهت خطوطها ~~بالسيور. وقيل: هي مختلفة الألوان قاله الأزهري. وقيل: هي وشي من حرير قاله ~~مالك، وقيل: هي حرير محض. # وقال ابن سيده: إنها ضرب من البرود. وقال الجوهري: إنها ما كان فيه خطوط ~~صفر، وقيل: ما يعمل من القز. وقيل: ما يعمل من ثياب اليمن. وقد روي تنوين ~~الحلة وإضافتها والمحققون على الإضافة. قال القرطبي: كذا قيد عمن يوثق ~~بعلمه، فهو على هذا من باب إضافة الشئ إلى صفته، على أن سيبويه قال: لم ms0575 يأت ~~فعلاء صفة. قوله: خمرا جمع خمار. PageV02P076 # وقوله: بين النساء زاد في رواية: فشققته بين نسائي. وفي رواية بين ~~الفواطم وهن ثلاث: فاطمة بنت رسول الله. وفاطمة بنت أسد أم علي. وفاطمة بنت ~~حمزة. وذكر عبد الغني وابن عبد البر أن الفواطم أربع والرابعة فاطمة بنت ~~شيبة بن ربيعة، كذا قاله عياض وابن رسلان. والحديث يدل على المنع من لبس ~~الثوب المشوب بالحرير إن كانت السيراء تطلق على المخلوط بالحرير، وإن لم ~~يكن خالصا كما هو المشهور عند أئمة اللغة، وإن كانت الحرير الخالص كما قاله ~~البعض فلا إشكال. وقد رجح بعضهم أنه الخالص لحديث ابن عباس: أن النبي (ص) ~~إنما نهى عن الثوب المصمت وسيأتي، وستعرف ما هو الحق في المقدار الذي يحل ~~من المشوب. ويدل الحديث أيضا على حل الحرير للنساء، وقد تقدم الكلام على ~~ذلك. # وعن أنس بن مالك: أنه رأى على أم كلثوم بنت النبي (ص) برد حلة سيراء رواه ~~البخاري والنسائي وأبو داود. # قوله: أم كلثوم هي بنت خديجة بنت خويلد تزوجها عثمان بعد رقية. قوله: برد ~~حلة بالإضافة في رواية البخاري. وفي رواية أبي داود: بردا سيراء بالتنوين. ~~والحديث من أدلة جواز الحرير للنساء أن فرض اطلاع النبي (ص) على ذلك ~~وتقريره، وقد تقدم مخالفة ابن الزبير في ذلك. # باب في أن افتراش الحرير كلبسه عن حذيفة قال: نهانا النبي (ص) أن نشرب في ~~آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه ~~رواه البخاري. # الحديث قد تقدم الكلام عليه في باب الأواني. وقوله: وأن نجلس عليه يدل ~~على تحريم الجلوس على الحرير وإليه ذهب الجمهور كذا في الفتح بأنه مذهب ~~الجمهور، وبه قال عمر وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص، وإليه ذهب الناصر ~~والمؤيد بالله والامام يحيى. قال القاسم وأبو طالب والمنصور بالله وأبو ~~حنيفة وأصحابه، وروي عن ابن عباس وأنس أنه يجوز افتراش الحرير، وبه قال ابن ~~الماجشون وبعض الشافعية. واحتج لهم في البحر بأن PageV02P077 # الفراش موضع إهانة، ms0576 وبالقياس على الوسائد المحشوة بالقز قال: إذ لا خلاف ~~فيها، وهذا دليل باطل لا ينبغي التعويل عليه في مقابلة النصوص كحديث الباب ~~والحديث الآتي بعده، وقد تقرر عند أئمة الأصول وغيرهم بطلان القياس المنصوب ~~في مقابلة النص وأنه فاسد الاعتبار، وعدم حجية أقوال الصحابة لا سيما إذا ~~خالفت الثابت عنه (ص). # وعن علي عليه السلام قال: نهاني رسول الله (ص) عن الجلوس على المياثر ~~والمياثر قسي كانت تصنعه النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف من الأرجوان ~~رواه مسلم والنسائي. # قد اتفق الشيخان على النهي عن المياثر من حديث البراء. وأخرج الجماعة ~~كلهم إلا البخاري حديث علي عليه السلام بلفظ: نهى رسول الله (ص) عن خاتم ~~الذهب وعن لبس القسي وعن الميثرة. وفي رواية: مياثر الأرجوان ولم يذكر ~~الجلوس إلا في رواية مسلم ولهذا ذكره المصنف رحمه الله. قوله: # على المياثر جمع ميثرة بكسر الميم وبالثاء المثلثة وهي مأخوذة من الوثارة ~~وهي اللين والنعمة وياء ميثرة وأو لكنها قلبت لكسر ما قبلها كميزان وميعاد، ~~وقد فسرها علي بما ذكره مسلم في صحيحه كما رواه المصنف عنه، وكذلك فسرها ~~البخاري في صحيحه، وقد اختلف في تفسير المياثر على أربعة أقوال: منها هذا ~~التفسير المروي عن علي عليه السلام والاخذ به أولى. قوله: # والمياثر قسي القسي بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة على الصحيح، ~~قال أهل اللغة: وغريب الحديث هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس بفتح القاف ~~موضع من بلاد مصر على ساحل البحر قريب من تنيس. وقيل إنها منسوبة إلى القز ~~وهو ردئ الحرير فأبدلت الزاي سينا. قوله: من الأرجوان هو بضم الهمزة والجيم ~~وهو الصوف الأحمر كذا في شرح السنن لابن رسلان وقيل: الأرجوان الحمرة، ~~وقيل: الشديد الحمرة، وقيل: الصباغ الأحمر ألقاني. والحديث يدل على تحريم ~~الجلوس على ما فيه حرير، وقد خصص بعضهم بالمذهب فقال: إن كان حرير الميثرة ~~أكثر أو كانت جميعها من الحرير فالنهي للتحريم وإلا فالنهي للتنزيه. ~~والاستدلال بهذا الحديث على تحريم ذلك على الأمة مبني على أن ms0577 خطابه (ص) ~~لواحد خطاب لبقية الأمة، والحكم عليه حكم عليهم، وفي ذلك خلاف في الأصول ~~مشهور، وقد ثبت في غير هذه الرواية بلفظ نهي كما عرفت، وهو دليل على عدم ~~اختصاص ذلك بعلي عليه السلام. PageV02P078 # باب إباحة يسير ذلك كالعلم والرقعة عن عمر: أن رسول الله (ص) نهى عن لبوس ~~الحرير إلا هكذا ورفع لنا رسول الله (ص) أصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما ~~متفق عليه. وفي لفظ: نهى عن لبس الحرير إن موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة ~~رواه الجماعة إلا البخاري، وزاد فيه أحمد وأبو داود: وأشار بكفه. # الحديث فيه دلالة على أنه يحل من الحرير مقدار أربع أصابع كالطراز ~~والسجاف، من غير فرق بين المركب على الثوب والمنسوج والمعمول بالإبرة ~~والترقيع كالتطريز، ويحرم الزائد على الأربع من الحرير ومن الذهب بالأولى ~~وهذا مذهب الجمهور، وقد أغرب بعض المالكية فقال: يجوز العلم وإن زاد على ~~الأربع، وروي عن مالك القول بالمنع من المقدار المستثنى في الحديث ولا أظن ~~ذلك يصح عنه، وذهبت الهادوية إلى تحريم ما زاد على الثلاث الأصابع، ورواية ~~الأربع ترد عليهم وهي زيادة صحيحة بالاجماع فتعين الاخذ بها. # وعن أسماء: أنها أخرجت جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني ~~وفرجيها مكفوفين به فقالت: هذه جبة رسول الله (ص) كان يلبسها كانت عند ~~عائشة، فلما قبضت عائشة قبضتها إلي فنحن نغسلها للمريض يستشفى بها رواه ~~أحمد ومسلم ولم يذكر لفظ الشبر. # قوله: جبة طيالسة هو بإضافة جبة إلى طيالسة كما ذكره ابن رسلان في شرح ~~السنن، والطيالسة جمع طيلسان وهو كساء غليظ، والمراد أن الجبة غليظة كأنها ~~من طيلسان. # قوله: كسرواني بفتح الكاف وسكون السين وفتح الواو نسبة إلى كسرى ملك ~~الفرس. قوله: وفرجيها مكفوفين الفرج في الثوب الشق الذي يكون أمام الثوب ~~وخلفه في أسفلها وهما المراد بقوله فرجيها. (والحديث) يدل على جواز لبس ما ~~فيه من الحرير هذا المقدار. وقد قيل: إن ذلك محمول على أنه أربع أصابع أو ~~دونها أو فوقها إذا لم يكن ms0578 مصمتا جمعا بين الأدلة، ولكنه يأبى الحمل على ~~الأربع فما دون. قوله في حديث PageV02P079 # الباب: شبر من ديباج وعلى غير المصمت. قوله: من ديباج فإن الظاهر أنها من ~~ديباج فقط لا منه ومن غيره، إلا أن يصار إلى المجاز للجمع كما ذكر، نعم ~~يمكن أن يكون التقدير بالشبر لطول تلك اللبنة لا لعرضها فيزول الاشكال (وفي ~~الحديث) أيضا دليل على استحباب التجمل بالثياب والاستشفاء بآثار رسول الله ~~(ص)، وفي الأدب المفرد للبخاري أنه كان يلبسها للوفد والجمعة، وقد وقع عند ~~ابن أبي شيبة من طريق حجاج بن أبي عمر وعن أسماء أنها قالت: كان يلبسها إذا ~~لقي العدو وجمع وأخرج الطبراني من حديث علي النهي عن المكفف بالديباج، وفي ~~إسناده محمد بن جحادة عن أبي صالح عن عبيد بن عمير، وأبو صالح هو مولى أم ~~هانئ وهو ضعيف، وروى البزار من حديث معاذ بن جبل أن النبي (ص) رأى رجلا ~~عليه جبة مزررة أو مكفف بحرير فقال له: طوق من نار، وإسناده ضعيف. وقد ~~أسلفنا أنه استدل بعض من جوز لبس الحرير بهذا وهو استدلال غير صحيح، لأن ~~لبسه (ص) للجبة المكفوفة بالحرير لا يدل على جواز لبث الثوب الخالص الذي هو ~~محل النزاع، ولو فرض أن هذه الجبة جميعها حرير خالص لم يصلح هذا الفعل ~~للاستدلال به على الجواز، لما قدمنا من الجواب على الاستدلال بحديث مخرمة. # وعن معاوية قال: نهى رسول الله (ص) عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا ~~مقطعا رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث أخرجه أبو داود في الخاتم، والنسائي في الزينة بإسناد رجاله ثقات ~~إلا ميمون القناد وهو مقبول وقد وثقه ابن حبان، وقد رواه النسائي عن غير ~~طريقه، وقد اقتصر أبو داود في اللباس منه على النهي عن ركوب النمار وكذلك ~~ابن ماجة، ورواه أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب ومعاوية، وفيه النهي ~~من لبس الذهب والحرير وجلود السباع، وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال ~~معروف. قوله: عن ركوب النمار ms0579 في رواية النمور فكلاهما جمع نمر بفتح النون ~~وكسر الميم، ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم وهو سبع أخبث وأجرأ من ~~الأسد، وهو منقط الجلد نقط سود، وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه، وإنما ~~نهى عن استعمال جلوده لما فيها من الزينة والخيلاء ولأنه زي العجم، وعموم ~~النهي شامل للمذكي وغيره. قوله: وعن لبس الذهب إلا مقطعا لا بد فيه من ~~تقييد القطع بالقدر المعفو عنه لا بما فوقه جمعا بين الأحاديث. قال ابن ~~رسلان في شرح سنن أبي داود: والمراد بالنهي الذهب الكثير لا المقطع قطعا ~~يسيرة منه PageV02P080 # تجعل حلقة أو قرطا أو خاتما للنساء، أو في سيف الرجل، وكره الكثير منه ~~الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبر. وقد يضبط الكثير منه بما كان ~~نصابا تجب فيه الزكاة واليسير بما لا تجب فيه انتهى. وقد ذكر مثل هذا ~~الكلام الخطابي في المعالم وجعل هذا الاستثناء خاصا بالنساء، قال: لأن جنس ~~الذهب ليس بمحرم عليهن كما حرم على الرجال قليله وكثيره. # باب لبس الحرير للمريض عن أنس: أن النبي (ص) رخص لعبد الرحمن بن عوف ~~والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما رواه الجماعة، إلا أن لفظ الترمذي: ~~أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي (ص) القمل فرخص لهما في قمص ~~الحرير في غزاة لهما. # وهكذا في صحيح مسلم أن الترخيص لعبد الرحمن والزبير كان في السفر. وزعم ~~المحب الطبري انفراده به وعزاه إليهما ابن الصلاح وعبد الحق والنووي. قوله: ~~في قمص الحرير بضم القاف والميم جمع قميص ويروى بالافراد. قوله: لحكة بكسر ~~الحاء وتشديد الكاف. قال الجوهري: هي الجرب، وقيل هي غيره، وهكذا يجوز لبسه ~~للقمل كما في رواية الترمذي وهي أيضا في الصحيحين. والتقييد بالسفر بيان ~~للحال الذي كانا عليه لا للتقييد، وقد جعل السفر بعض الشافعية قيدا في ~~الترخيص وهو ضعيف، ووجهه أنه شاغل عن التفقد والمعالجة، واختاره ابن الصلاح ~~لظاهر الحديث والجمهور على خلافه. # (والحديث) يدل على جواز لبس الحرير لعذر ms0580 الحكة والقمل عند الجمهور، وقد ~~خالف في ذلك مالك والحديث حجة عليه، ويقاس غيرهما من الحاجات عليهما، وإذا ~~ثبت الجواز في حق هذين الصحابين ثبت في حق غيرهما ما لم يقم دليل على ~~اختصاصهما بذلك وهو مبني على الخلاف المشهور في الأصول، فمن قال: حكمه على ~~الواحد حكم على الجماعة كان الترخيص لهما ترخيصا لغيرهما إذا حصل له عذر ~~مثل عذرهما، ومن منع من ذلك ألحق غيرهما بالقياس بعدم الفارق. PageV02P081 # باب ما جاء في لبس الخز وما نسج من حرير وغيره عن عبد الله بن سعد عن ~~أبيه سعد قال: رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: ~~كسانيها رسول الله (ص) رواه أبو داود والبخاري في تاريخه. وقد صح لبسه عن ~~غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي، ورواه البخاري في التاريخ الكبير عن مخيلد عن ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد وقال: قال عبد الله نراه ابن خازم السلمي، ~~قال: وابن خازم ما أدري أدرك النبي (ص) أم لا؟ وهذا شيخ آخر. وقال النسائي ~~قال بعضهم: إن هذا الرجل عبد الله بن خازم أمير خراسان. قال المنذري: عبد ~~الله بن خازم هذا بالخاء المعجمة والزاي كنيته أبو صالح ذكر بعضهم أن له ~~صحبة وأنكرها بعضهم انتهى. وعبد الله بن سعد المذكور في هذا الحديث هو عبد ~~الله بن سعد بن عثمان الدشتكي الرازي، روى عنه هذا الحديث ابنه عبد الرحمن ~~وليس له في الكتب غيره، وقد وثقه ابن حبان، وقد ساق هذا الحديث أبو داود في ~~سننه من طريق أحمد بن عبد الرحمن الرازي عن أبيه عبد الرحمن قال: أخبرني ~~أبي عبد الله بن سعد عن أبيه سعد قال: رأيت رجلا، الحديث. ولعل عبد الله بن ~~خازم كما ذكر النسائي والبخاري هو الرجل المبهم في الحديث، وقد صرح بهذا ~~ابن رسلان فقال: الرجل الراكب، قيل: # هو عبد الله بن خازم وكنيته أبو صالح. قوله: عمامة خز قال ابن الأثير: ~~الخز ms0581 ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، ~~وقال غيره: # الخز اسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها. وقال المنذري: أصله من ~~وبر الأرنب ويسمى ذكره الخز. وقيل: إن الخز ضرب من ثياب الإبريسم. وفي ~~النهاية ما معناه: أن الخز الذي كان على عهد النبي (ص) مخلوط من صوف وحرير. ~~وقال عياض في المشارق: إن الخز ما خلط من الحرير والوبر، وذكر أنه من وبر ~~الأرنب ثم قال: فسمي ما خالط الحرير من سائر الأوبار خزا (والحديث) قد ~~استدل به على جواز لبس الخز، وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن ~~رسول الله (ص) كساه عمامة الخز PageV02P082 # وذلك لا يستلزم جواز اللبس. وقد ثبت من حديث علي عند البخاري ومسلم وأبي ~~داود والنسائي أنه قال: كساني رسول الله (ص) حلة سيراء فخرجت بها فرأيت ~~الغضب في وجهه فأطرتها خمرا بين نسائي هذا لفظ الحديث في التيسير، فلم يلزم ~~من قول علي عليه السلام كساني جواز اللبس، وهكذا قال عمر لما بعث إليه ~~النبي (ص) بحلة سيراء: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت، ~~فقال رسول الله (ص): إني لم أكسكها لتلبسها هذا لفظ أبي داود، وبهذا يتبين ~~لك أنه لا يلزم من قوله كساني جواز اللبس، على أنه قد ثبت في تحريم الخز ما ~~هو أصح من هذا الحديث وهو حديث أبي عامر الآتي وكذلك حديث معاوية. # (وقد استدل) بهذا الحديث أيضا على جواز لبس المشوب، وهو لا يدل على ذلك ~~إلا على أحد التفاسير للخز وقد تقدم ذكر بعضها، وقد اختلف الناس في المشوب، ~~وسيأتي بيان ما هو الحق. قوله: وقد صح لبسه عن غير واحد من الصحابة لا ~~يخفاك أنه لا حجة في فعل بعض الصحابة وإن كانوا عددا كثيرا، والحجة إنما هي ~~في إجماعهم عند القائلين بحجية الاجماع، ولو كان لبسهم الخز يدل على أنه ~~حلال لكان الحرير الخالص حلالا، لما تقدم عن أبي داود ms0582 أنه قال: لبس الحرير ~~عشرون صحابيا، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه سيكون من أمته أقوام يستحلون ~~الخز والحرير، وذكر الوعيد الشديد في آخر هذا الحديث من المسخ إلى القردة ~~والخنازير كما سيأتي. # وعن ابن عباس قال: إنما نهى رسول الله (ص) عن الثوب المصمت من قز، قال ~~ابن عباس: أما السدى والعلم فلا نرى به بأسا رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده خصيف بن عبد الرحمن وقد ضعفه غير واحد، قال في التقريب: # هو صدوق سيئ الحفظ خلط بأخرة ورمي بالإرجاء، وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة ~~وبقية رجال إسناده ثقات. وأخرجه الحاكم بإسناد صحيح والطبراني بإسناد حسن ~~كما قال الحافظ في الفتح. قوله: المصمت بضم الأولى وفتح الثانية المخففة ~~وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره قاله ابن رسلان. قوله: أما ~~السدى بفتح السين والدال بوزن الحصى ويقال ستى بمثناة من فوق بدل الدال ~~لغتان بمعنى واحد وهو خلاف اللحمة وهو ما مد طولا في النسج. قوله: والعلم ~~هو رسم الثوب ورقمه قاله في القاموس وذلك كالطراز والسجاف. PageV02P083 # والحديث يدل على حل لبس الثوب المشوب بالحرير، وقد اختلف الناس في ذلك. ~~قال في البحر مسألة ويحل المغلوب بالقطن وغيره ويحرم الغالب إجماعا فيهما ~~اه. # وكلا الاجماعين ممنوع، أما الأول فقد نقل الحافظ في الفتح عن العلامة ابن ~~دقيق العيد أنه إنما يجوز من المخلوط ما كان مجموع الحرير فيه أربع أصابع ~~لو كانت منفردة بالنسبة إلى جميع الثوب. وأما الثاني فقد تقدم الخلاف عن ~~ابن علية في الحرير الخالص، ونقله القاضي عياض عن قوم كما عرفت. وقد ذهب ~~الامامية إلى أنه لا يحرم إلا ما كان حريرا خالصا لم يخالطه ما يخرجه عن ~~ذلك كما روى ذلك الريمي عنهم. وقال الهادي في الاحكام والمؤيد بالله وأبو ~~طالب أنه يحرم من المخلوط ما كان الحرير غالبا فيه أو مساويا تغليبا لجانب ~~الحظر، ولا دليل على تحليل المشوب إلا حديث ابن عباس هذا وهو غير صالح ~~للاحتجاج من ms0583 وجهين: الأول الضعف في إسناده كما عرفت. الثاني أنه أخبر بما ~~بلغه من قصر النهي على المصمت وغيره أخبر بما هو أعم من ذلك، كما تقدم في ~~حلة السيراء من غضبه (ص) لما رأى عليا لابسا لها. والقول بأن حلة السيراء ~~هي الحرير الخالص كما قال البعض ممنوع، والسند ما أسلفناه عن أئمة اللغة، ~~بل أخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والدورقي والبيهقي حديث على السابق في ~~السيراء بلفظ: # قال علي أهدى إلي رسول الله (ص) حلة سيراء وإما سداها حرير وإما لحمتها ~~فأرسل بها إلي فأتيته فقلت: ما أصنع بها ألبسها؟ قال: لا إني لا أرضى لك ما ~~أكره لنفسي شققها خمرا لفلانة وفلانة فشققتها أربعة أخمرة وسيأتي الحديث. ~~وهذا صريح بأن تلك السيراء مخلوطة لا حرير خالص. ومن ذلك حديث أبي ريحانة ~~عند أبي داود والنسائي وابن ماجة وفيه النهي عن عشر. منها أن يجعل الرجل في ~~أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم، وأن يجعل على منكبه حريرا مثل الأعاجم، وقد ~~عرفت مما سلف الأحاديث الواردة في تحريم الحرير بدون تقييد، فالظاهر منها ~~تحريم ماهية الحرير سواء وجدت منفردة أو مختلطة بغيرها، ولا يخرج عن ~~التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير الخالص، ~~وسواء وجد ذلك المقدار مجتمعا كما في القطعة الخالصة أو مفرقا كما في الثوب ~~المشوب. وحديث ابن عباس لا يصلح لتخصيص تلك العمومات ولا لتقييد تلك ~~الاطلاقات لما عرفت، ولا متمسك للجمهور القائلين بحل المشوب إذا كان الحرير ~~مغلوبا إلا قول ابن عباس فيما أعلم، فانظر أيها المنصف هل PageV02P084 # يصلح جعله جسرا تذاد عنه الأحاديث الواردة في تحريم مطلق الحرير ومقيده؟ ~~وهل ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم مع ما في إسناده من الضعف ~~الذي يوجب سقوط الاستدلال به على فرض تجرده عن المعارضات؟ فرحم الله ابن ~~دقيق العيد فلقد حفظ الله به في هذه المسألة أمة نبيه عن الاجماع على ~~الخطأ، ويمكن أن يقال: # إن خصيفا المذكور في إسناد ms0584 الحديث قد وثقه من تقدم واعتضد الحديث بوروده ~~من وجهين آخرين: أحدهما صحيح والآخر حسن كما سلف، فانتهض الحديث للاحتجاج ~~به. (فإن قلت): قد صرح الحافظ ابن حجر أن عهدة الجمهور في جواز لبس ما ~~خالطه الحرير إذا كان غير الحرير أغلب ما وقع في تفسير الحلة السيراء. ~~(قلت): ليس في أحاديث الحلة السيراء ما يدل على أنها حلال بل جميعها قاضية ~~بالمنع منها كما في حديث عمر وعلي وغيرهما مما سلف، فإن فسرت بالثياب ~~المخلوطة بالحرير كما قال جمهور أهل اللغة كانت حجة على الجمهور لا لهم، ~~وإن فسرت بأنها الحرير الخالص فأي دليل فيها على جواز لبس المخلوط، وهكذا ~~إن فسرت بسائر التفاسير المتقدمة. (والحاصل) أنه لم يأت المدعون للحل بشئ ~~تركن النفس إليه، وغاية ما جادلوا به أنه قول الجمهور وهذا أمر هين والحق ~~لا يعرف بالرجال. وأما دعوى الاجماع التي ذكرها صاحب البحر فما هي بأول ~~دعاويه، على أن الراجح عند من أطلق نفسه عن وثاق العصبية الوبية عدم حجية ~~الاجماع إن سلم إمكانه ووقوعه ونقله والعلم به وإن كان الحق منع الكل. ~~وأحسن ما يستدل به على الجواز حديث عبد الله بن سعد المتقدم في لبس عمامة ~~الخز لما في النهاية من أن الخز الذي كان على عهده (ص) مخلوط من صوف وحرير. ~~وقال في المشارق: إن الخز ما خلط من الحرير والوبر كما تقدم، لولا أنه يمنع ~~من صلاحيته للاحتجاج به على المطلوب ما أسلفناه في شرحه، على أن النزاع في ~~مسمى الخز بمجرده مانع مستقل. # وعن علي عليه السلام قال: أهدي لرسول الله (ص) حلة مكفوفة بحرير إما ~~سداها وإما لحمتها فأرسل بها إلي فأتيته فقلت: يا رسول الله ما أصنع بها ~~ألبسها؟ قال: لا ولكن اجعلها خمرا بين الفواطم. # الحديث في إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال معروف، وأما هبيرة بن يريم ~~الراوي له عن علي فقد وثقه ابن حبان، وقد أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبيهقي ~~والدورقي. قوله: بين الفواطم ms0585 قد تقدم ذكر أسمائهن في شرح حديث علي ~~PageV02P085 # المتقدم. والحديث يدل على المنع من لبس الثوب المخلوط بالحرير، وقد قدمنا ~~الكلام على ذلك وذكرنا القدر المعفو عنه. # وعن معاوية قال: قال رسول الله (ص): لا تركبوا الخز ولا النمار رواه أبو ~~داود. # الحديث رجال إسناده ثقات. وقد أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة، والكلام على ~~الخز تفسيرا وحكما قد تقدم. وكذلك الكلام على النمار وقد ذكرناه في حديث ~~معاوية السابق. # وعن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشجعي أنه سمع ~~النبي (ص) يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير وذكر كلاما ~~قال: يمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة رواه أبو داود والبخاري ~~تعليقا. وقال فيه: يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف. # الحديث رجال إسناده في سنن أبي داود ثقات، وقد وهم المصنف رحمه الله ~~فقال: أبو مالك الأشجعي وليس كذلك بل هو الأشعري. قوله: ليكونن من أمتي ~~استدل بهذا على أن استحلال المحرمات لا يوجب لفاعله الكفر والخروج عن ~~الأمة. قوله: الخز بالخاء المعجمة والزاي وهو الذي نص عليه الحميدي وابن ~~الأثير، وذكره أبو موسى في باب الحاء والراء المهملتين وهو الفرج، وكذلك ~~ابن رسلان في شرح السنن ضبطه بالمهملتين قال: وأصله حرح فحذف أحد الحاءين ~~وجمعه أحراح كفرخ وأفراخ. ومنهم من شدد الراء وليس بجيد يريد أنه يكثر فيهم ~~الزنا. قال في النهاية: والمشهور الأول، وقد تقدم تفسير الخز، وعطف الحرير ~~على الخز يشعر بأنهما متغايران. قوله: آخرين وفي رواية: آخرون. قوله: قردة ~~بكسر القاف وفتح الراء جمع قرد. وفي ذلك دليل على أن المسخ واقع في هذه ~~الأمة. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الملاهي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: ~~يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير، فقالوا: # يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: ~~بلى ويصومون ويصلون ويحجون، قالوا: فما بالهم؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف ~~والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم ms0586 فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير، وليمرن ~~الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو خنزيرا. قال ~~أبو هريرة: لا تقوم الساعة PageV02P086 # حتى يمشي الرجلان في الامر فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا، ولا يمنع الذي ~~نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه حتى يقضي شهوته. قوله: والمعازف ~~بعين مهملة فزاي معجمة وهي أصوات الملاهي قاله ابن رسلان، وفي القاموس: ~~المعازف الملاهي كالعود والطنبور انتهى. والكلام الذي أشار إليه المصنف ~~تبعا لأبي داود بقوله وذكر كلاما هو ما ذكره البخاري بلفظ: ولينزلن أقوام ~~إلى جنب علم بروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجته فيقولون ارجع ~~إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم عليهم انتهى. والعلم بفتح العين المهملة ~~واللام هو الجبل، ومعنى يضع العلم عليهم أي يدكدكه عليهم فيقع. (والحديث) ~~يدل على تحريم الأمور المذكورة في الحديث للتوعد عليها بالخسف والمسخ، ~~وإنما لم يسند البخاري الحديث بل علقه في كتاب الأشربة من صحيحه لأجل الشك ~~الواقع من المحدث حيث قال أبو عامر وأبو مالك، وأبو عامر هو عبد الله بن ~~هانئ الأشعري صحابي نزل الشام وقيل هو عبيد بن وهب، وأبو مالك هو الحرث ~~وقيل كعب بن عاصم صحابي يعد في الشاميين. # باب نهي الرجال عن المعصفر وما جاء في الأحمر عن عبد الله بن عمر وقال: ~~رأى رسول الله (ص) علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا ~~تلبسها رواه أحمد ومسلم والنسائي. # قوله: معصفرين المعصفر هو المصبوغ بالعصفر كما في كتب اللغة وشروح ~~الحديث. # وقد استدل بهذا الحديث من قال بتحريم لبس الثوب المصبوغ بعصفر وهم ~~العترة، واستدلوا أيضا على ذلك بحديث ابن عمرو وحديث علي المذكورين بعد هذا ~~وغيرهما وسيأتي بعض ذلك. وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك إلى الإباحة، كذا قال ابن رسلان ~~في شرح السنن، قال: وقال جماعة من العلماء بالكراهة للتنزيه، وحملوا النهي ~~على هذا لما في الصحيحين من حديث ms0587 ابن عمر قال: # رأيت رسول الله (ص) يصبغ بالصفرة زاد في رواية أبي داود والنسائي: وقد ~~كان يصبغ بها ثيابه كلها وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب، ~~وكأنه نظر إلى ما في الصحيحين من ذكر مطلق الصبغ بالصفرة، فقصره على صبغ ~~اللحية دون الثياب، وجعل النهي متوجها إلى الثياب، ولم يلتفت إلى تلك ~~الزيادة المصرحة بأنه كان PageV02P087 # يصبغ ثيابه بالصفرة، ويمكن الجمع بأن الصفرة التي كان يصبغ بها رسول الله ~~(ص) غير صفرة العصفر المنهي عنه. ويؤيد ذلك ما سيأتي في باب لبس الأبيض ~~والأسود من حديث ابن عمر: أن النبي (ص) كان يصبغ بالزعفران وقد أجاب من لم ~~يقل بالتحريم عن حديث ابن عمرو المذكور في الباب وحديثه الذي بعده بأنه لا ~~يلزم من نهيه له نهي سائر الأمة، وكذلك أجاب عن حديث علي الآتي بأن ظاهر ~~قوله نهاني أن ذلك مختص به، ولهذا ثبت في رواية عنه أنه قال: ولا أقول ~~نهاكم، وهذا الجواب ينبني على الخلاف المشهور بين أهل الأصول في حكمه (ص) ~~على الواحد من الأمة، هل يكون حكما على بقيتهم أو لا؟ والحق الأول فيكون ~~نهيه لعلي وعبد الله نهيا لجميع الأمة، ولا يعارضه صبغه بالصفرة على تسليم ~~أنها من العصفر، لما تقرر في الأصول من أن فعله الخالي عن دليل التأسي ~~الخاص لا يعارض قوله الخاص بأمته، فالراجح تحريم الثياب المعصفرة والعصفر ~~وإن كان يصبغ صبغا أحمر كما قال ابن القيم، فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في ~~الصحيحين من أنه (ص) كان يلبس حلة حمراء كما يأتي، لأن النهي في هذه ~~الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر، ~~وسيأتي ما حكاه الترمذي عن أهل الحديث بمعنى هذا. # وقد قال البيهقي رادا لقول الشافعي أنه لم يحك أحد عن النبي (ص) النهي عن ~~الصفرة إلا ما قال علي: نهاني، ولا أقول نهاكم أن الأحاديث تدل على أن ~~النهي على العموم، ثم ذكر أحاديث ثم قال ms0588 بعد ذلك: ولو بلغت هذه الأحاديث ~~الشافعي رحمه الله لقال بها، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال: إذا ~~صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله (ص) من ثنية ~~فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ما هذه؟ فعرفت ما كره، فأتيت ~~أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: يا عبد الله ما ~~فعلت الربطة؟ فأخبرته فقال: ألا كسوتها بعض أهلك؟ رواه أحمد وكذلك أبو داود ~~وابن ماجة وزاد: فإنه لا بأس بذلك للنساء. # الحديث في إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه مقال مشهور ومن دونه ~~ثقات. قوله: من ثنية هي الطريقة في الجبل، وفي لفظ ابن ماجة: من ثنية أذاخر ~~PageV02P088 # وأذاخر بفتح الهمزة والذال المعجمة المخففة وبعدها ألف ثم خاء معجمة على ~~وزن أفاعل ثنية بين مكة والمدينة. قوله: ريطة بفتح الراء المهملة وسكون ~~المثناة تحت ثم طاء مهملة ويقال رائطة. قال المنذري: جاءت الرواية بهما وهي ~~كل ملاءة منسوجة بنسج واحد، وقيل: كل ثوب رقيق لين والجمع ريط ورياط. قوله: ~~مضرجة بفتح الراء المشددة أي ملطخة. # قوله: يسجرون أي يوقدون. قوله: بعض أهلك يعني زوجته أو بعض نساء محارمه ~~وأقاربه. (وفيه دليل) على جواز لبس المعصفر للنساء، وفيه الانكار على إحراق ~~الثوب المنتفع به لبعض الناس دون بعض لأنه من إضاعة المال المنهي عنها، ~~ولكنه يعارض هذا ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر. وأيضا قال: رأى ~~علي النبي (ص) ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟ قال قلت: # أغسلهما يا رسول الله، قال: بل أحرقهما وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأنه ~~(ص) أمر أولا بإحراقهما ندبا، ثم لما أحرقهما قال له النبي (ص): # لو كسوتهما بعض أهلك إعلاما له بأن هذا كان كافيا لو فعله وأن الامر ~~للندب، ولا يخفى ما في هذا من التكلف الذي عنه مندوحة، لأن القضية لم تكن ~~واحدة حتى يجمع ms0589 بين الروايتين بمثل هذا، بل هما قضيتان مختلفتان، وغايته ~~أنه (ص) في إحدى القضيتين غلظ عليه وعاقبه فأمره بإحراقهما، ولعل هذه المرة ~~التي أمره فيها بالاحراق كانت بعد تلك المرة التي أخبره فيها بأن ذلك غير ~~واجب، وهذا وإن كان بعيدا من جهة أن صاحب القصة يبعد أن يقع منه اللبس ~~للمعصفر مرة أخرى بعد أن سمع فيه ما سمع المرة الأولى، ولكنه دون البعد ~~الذي في الجمع الأول، لأن احتمال النسيان كائن، وكذا احتمال عروض شبهة توجب ~~الظن بعدم التحريم، ولا سيما وقد وقعت منه (ص) المعاتبة على الاحراق. قال ~~القاضي عياض: أمره (ص) بإحراقهما من باب التغليظ والعقوبة انتهى. وفيه حجة ~~على جواز المعاقبة بالمال. # والحديث يدل على المنع من لبس الثياب المصبوغة بالعصفر وقد تقدم الكلام ~~في ذلك. # وعن علي عليه السلام قال: نهاني رسول الله (ص) عن التختم بالذهب، وعن ~~لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر رواه الجماعة ~~إلا البخاري وابن ماجة. PageV02P089 # قوله: نهاني هذا لفظ مسلم، وفي لفظ لأبي داود وغيره نهى، وقد تقدم جواب ~~من أجاب عن الحديث باختصاصه بعلي عليه السلام وتعقبه. قوله: القسي قد تقدم ~~ضبطه وتفسيره في شرح حديث علي في باب أن افتراش الحرير كلبسه. قوله: # وعن القراءة في الركوع والسجود فيه دليل على تحريم القراءة في هذين ~~المحلين، لأن وظيفتهما إنما هي التسبيح والدعاء لما في صحيح مسلم وغيره عنه ~~(ص): نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، ~~وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء. قوله: وعن لبس المعصفر فيه دليل على تحريم ~~لبسه، وقد تقدم البحث عن ذلك. # وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله (ص) مربوعا بعيد ما بين المنكبين ~~له شعر يبلغ شحمة أذنيه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه متفق ~~عليه. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي والنسائي وأبو داود. وفي الباب عن أبي جحيفة ~~عند البخاري وغيره: أنه رأى النبي (ص) خرج في حلة ms0590 حمراء مشمرا صلى إلى ~~العنزة بالناس ركعتين وعن عامر المزني عند أبي داود بإسناد فيه اختلاف قال: ~~رأيت رسول الله (ص) بمنى وهو يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعلي عليه ~~السلام أمامه يعبر عنه قال في البدر المنير: وإسناده حسن، وأخرج البيهقي عن ~~جابر أنه كان له (ص) ثوب أحمر يلبسه في العيدين والجمعة. وروى ابن خزيمة في ~~صحيحه نحوه بدون ذكر الأحمر. (والحديث) احتج به من قال بجواز لبس الأحمر ~~وهم الشافعية والمالكية وغيرهم. وذهبت العترة والحنفية إلى كراهة ذلك، ~~واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو الذي سيأتي بعد هذا، وسيأتي في شرحه إن شاء ~~الله تعالى ما يتبين به عدم انتهاضه للاحتجاج. واحتجوا أيضا بالأحاديث ~~الواردة في تحريم المصبوغ بالعصفر قالوا: لان العصفر يصبغ صباغا أحمر وهي ~~أخص من الدعوى، وقد عرفناك أن الحق أن ذلك النوع من الأحمر لا يحل لبسه. ~~(ومن أدلتهم) حديث رافع بن خديج عند أبي داود قال: خرجنا مع رسول الله (ص) ~~في سفر فرأى على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن أحمر فقال: ألا ~~أرى هذه الحمرة قد علتكم؟ فقمنا سراعا لقول رسول الله (ص) فأخذنا الأكسية ~~فنزعناها عنها وهذا الحديث لا تقوم به حجة لان PageV02P090 # في إسناده رجلا مجهولا. (ومن أدلتهم) حديث أن امرأة من بني أسد قالت: كنت ~~يوما عند زينب امرأة رسول الله (ص) ونحن نصبغ ثيابها بمغرة والمغرة صباغ ~~أحمر قالت: فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله (ص) فلما رأى المغرة ~~رجع، فلما رأت ذلك زينب علمت أنه (ص) قد كره ما فعلت وأخذت فغسلت ثيابها ~~ووارت كل حمرة، ثم إن رسول الله (ص) رجع فاطلع فلما لم ير شيئا دخل الحديث ~~أخرجه أبو داود وفي إسناده إسماعيل بن عياش وابنه وفيهما مقال مشهور. وهذه ~~الأدلة غاية ما فيها لو سلمت صحتها وعدم وجدان معارض لها الكراهة لا ~~التحريم، فكيف وهي غير صالحة للاحتجاج بها لما في أسانيدها من المقال الذي ~~ذكرنا ومعارضة بتلك ms0591 الأحاديث الصحيحة، نعم من أقوى حججهم ما في صحيح ~~البخاري من النهي عن المياثر الحمر، وكذلك ما في سنن أبي داود والنسائي ~~وابن ماجة والترمذي من حديث علي قال: نهاني رسول الله (ص) عن لبس القسي ~~والميثرة الحمراء ولكنه لا يخفى عليك أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ~~ما في ذلك تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها مع ثبوت ~~لبس النبي (ص) له مرات، ومن أصرح أدلتهم حديث رافع بن برد أو رافع بن خديج ~~كما قال ابن قانع مرفوعا بلفظ: أن الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ~~ثوب ذي شهرة أخرجه الحاكم في الكنى، وأبو نعيم في المعرفة، وابن قانع وابن ~~السكن وابن منده وابن عدي، ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين ~~مرفوعا بلفظ: إياكم والحمرة فإنها أحب الزينة إلى الشيطان وأخرج نحوه عبد ~~الرزاق من حديث الحسن مرسلا، وهذا إن صح كان أنص أدلتهم على المنع، ولكنك ~~قد عرفت لبسه (ص) للحلة الحمراء في غير مرة، ويبعد منه (ص) أن يلبس ما ~~حذرنا من لبسه معللا ذلك بأن الشيطان يحب الحمرة. ولا يصح أن يقال ههنا ~~فعله لا يعارض القول الخاص بنا كما صرح بذلك أئمة الأصول، لأن تلك العلة ~~مشعرة بعدم اختصاص الخطاب بنا، إذ تجنب ما يلابسه الشيطان هو (ص) أحق الناس ~~به. (فإن قلت) فما الراجح إن صح ذلك الحديث؟ قلت: قد تقرر في الأصول أن ~~النبي (ص) إذا فعل فعلا لم يصاحبه دليل خاص يدل على التأسي به فيه كان ~~مخصصا له عن عموم القول الشامل له بطريق الظهور، فيكون على هذا لبس الأحمر ~~مختصا به، ولكن ذلك الحديث غير صالح للاحتجاج به، كما صرح بذلك PageV02P091 # الحافظ وجزم بضعفه لأنه من رواية أبي بكر البدلي. وقد بالغ الجوزقاني ~~فقال باطل، فالواجب البقاء على البراءة الأصلية المعتضدة بأفعاله الثابتة ~~في الصحيح، لا سيما مع ثبوت لبسه لذلك بعد حجة الوداع، ولم يلبث بعدها إلا ~~أياما يسيرة. وقد زعم ms0592 ابن القيم أن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان ~~بخطوط حمر مع الأسود، وغلط من قال أنها كانت حمراء بحتا، قال: وهي معروفة ~~بهذا الاسم، ولا يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان، ~~والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت، والمصير إلى المجاز ~~أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب، فإن أراد ~~أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد ~~أن ذلك حقيقة شرعية فيها فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب ~~حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه، فإن قال: ~~إنما فسرها بذلك التفسير للجمع بين الأدلة فمع كون كلامه آبيا عن ذلك ~~لتصريحه بتغليظ من قال إنها الحمراء البحت لا ملجئ إليه لامكان الجمع بدونه ~~كما ذكرنا، مع أن حمله الحلة الحمراء على ما ذكر ينافي ما احتج به في أثناء ~~كلامه من إنكاره (ص) على القوم الذين رأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر. ~~(وفيه دليل) على كراهية ما فيه الخطوط وتلك الحلة كذلك بتأويله. قوله في ~~الحديث: يبلغ شحمة أذنيه هي اللين من الاذن في أسفلها وهو معلق القرط منها، ~~وقد اختلفت الروايات الصحيحة في شعره، فههنا إلى شحمة أذنيه، وفي رواية كان ~~يبلغ شعره منكبيه، وفي رواية إلى أنصاف أذنيه وعاتقه. قال القاضي: الجمع ~~بين هذه الروايات أن ما يلي الاذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين ~~أذنه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقيل: كان ذلك لاختلاف ~~الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف ~~أذنيه، وكان يقصر ويطول بحسب ذلك. وقد تقدم نحو هذا في باب اتخاذ الشعر. ~~وفي فتح الباري أن في لبس الثوب الأحمر سبعة مذاهب: الأول الجواز مطلقا جاء ~~عن علي عليه السلام وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة، ~~وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وطائفة ms0593 من التابعين. ~~والثاني: المنع مطلقا ولم ينسبه الحافظ إلى قائل معين إنما ذكر أخبارا ~~وآثارا يعرف بها من قال بذلك. الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ~~ما كان صبغه خفيفا، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد. الرابع: يكره لبس الأحمر ~~PageV02P092 # مطلقا لقصد الزينة والشهرة ويجوز في البيوت والمهنة جاء ذلك عن ابن عباس. # الخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح ~~إلى ذلك الخطابي. السادس: اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر ولم ينسبه إلى ~~أحد. السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير ~~أحمر فلا حكي عن ابن القيم أنه قال بذلك بعض العلماء، ثم قال الحافظ: ~~والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس ~~الكفار فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء، وإن كان من أجل أنه زي ~~النساء فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء فيكون النهي عنه لا لذاته، ~~وإن كان من أجل الشهرة أو خرم المروءة فيمنع حيث يقع ذلك وإلا فلا، فيقوى ~~ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين لبسه في المحافل وفي البيوت. # وعن عبد الله بن عمرو قال: مر على النبي (ص) رجل عليه ثوبان أحمران فسلم ~~فلم يرد النبي (ص) رواه الترمذي وأبو داود، وقال: معناه عند أهل الحديث أنه ~~كره المعصفر، وقال: ورأوا أن ما صبغ بالحمرة من مدر أو غيره فلا بأس به إذا ~~لم يكن معصفرا. # الحديث قال الترمذي: إنه حسن غريب من هذا الوجه اه. وفي إسناده أبو يحيى ~~القتات، وقد اختلف في اسمه، فقيل عبد الرحمن بن دينار، وقيل زازان، وقيل ~~عمران، وقيل مسلم، وقيل زياد، وقيل يزيد. قال المنذري: وهو كوفي لا يحتج ~~بحديثه. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ~~عبد الله بن عمرو، ولا نعلم له طريقا إلا هذه الطريق، ولا نعلم رواه ~~إسرائيل إلا عن إسحاق بن منصور. قال ms0594 الحافظ في الفتح: هو حديث ضعيف الاسناد ~~وإن وقع في نسخ الترمذي أنه حسن. (والحديث) احتج به القائلون بكراهية لبس ~~الأحمر وقد تقدم ذكرهم، وأجاب المبيحون عنه بأنه لا ينهض للاستدلال به في ~~مقابلة الأحاديث القاضية بالإباحة لما فيه من المقال وبأنه واقعة عين، ~~فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر، وحمله البيهقي على ما صبغ بعد ~~النسج لا ما صبغ غزلا ثم نسج فلا كراهة فيه. قال ابن التين: زعم بعضهم أن ~~لبس النبي (ص) الحلة كان لأجل الغزو وفيه نظر، لأنه كان عقيب حجة الوداع ~~ولم يكن له إذ ذاك غزو، وقد قدمنا الكلام على حجج الفريقين مستوفى. قوله: ~~فلم يرد النبي (ص) عليه فيه جواز ترك الرد على من سلم وهو مرتكب ~~PageV02P093 # لمنهي عنه، ردعا له وزجرا عن معصيته. قال ابن رسلان: ويستحب أن يقول ~~المسلم عليه: # أنا لم أرد عليك لأنك مرتكب لمنهي عنه. وكذلك يستحب ترك السلام على أهل ~~البدع والمعاصي الظاهرة تحقيرا لهم وزجرا، ولذلك قال كعب بن مالك: فسلمت ~~عليه فوالله ما رد السلام علي، والجمع الذي ذكره الترمذي ونسبه إلى أهل ~~الحديث جمع حسن لانتهاض الأحاديث القاضية بالمنع من لبس ما صبغ بالعصفر. # باب ما جاء في لبس الأبيض والأسود والأخضر والمزعفر والملونات عن سمرة بن ~~جندب قال: قال رسول الله (ص): البسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا ~~فيها موتاكم رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة والحاكم واختلف في وصله وإرساله، قال الحافظ ~~في الفتح: وإسناده صحيح وصححه الحاكم. وفي الباب عن ابن عباس عند الشافعي ~~وأحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بلفظ: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من ~~خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وأخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي بمعناه. ~~وفي لفظ للحاكم: خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم وكفنوا بها موتاكم ~~وصحح حديث ابن عباس ابن القطان والترمذي وابن حبان. وفي الباب أيضا عن ~~عمران بن الحصين عند الطبراني. # وعن أنس عند أبي حاتم في العلل. وعند ms0595 البزار في مسنده. وعن ابن عمر عند ~~ابن عدي في الكامل. وعن أبي الدرداء يرفعه عند ابن ماجة بلفظ: أحسن ما زرتم ~~الله به في قبوركم ومساجدكم البياض (والحديث) يدل على مشروعية لبس البياض ~~وتكفين الموتى به لعلة كونه أطهر من غيره وأطيب، أما كونه أطيب فظاهر، وأما ~~كونه أطهر فلان أدنى شئ يقع عليه يظهر فيغسل إذا كان من جنس النجاسة فيكون ~~نقيا، كما ثبت عنه (ص) في دعائه: ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض ~~من الدنس والامر المذكور في الحديث ليس للوجوب، أما في اللباس فلما ثبت (ص) ~~من لبس غيره وإلباس جماعة من الصحابة ثيابا غير بيض وتقريره لجماعة منهم ~~على غير لبس البياض، وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود. قال الحافظ ~~PageV02P094 # بإسناده حسن من حديث جابر مرفوعا: إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ~~ثوب حبرة. # وعن أنس قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله (ص) أن يلبسها الحبرة رواه ~~الجماعة إلا ابن ماجة. # قوله: الحبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها. قال الجوهري: ~~الحبرة كعنبة برد يمان يكون من كتان أو قطن، سميت حبرة لأنها محبرة أي ~~مزينة، والتحبير التزيين والتحسين والتخطيط، ومنه حديث أبي ذر: الحمد لله ~~الذي أطعمنا الخمير وألبسنا الحبير وإنما كانت الحبرة أحب الثياب إلى رسول ~~الله (ص) لأنه ليس فيها كثير زينة، ولأنها أكثر احتمالا للوسخ من غيرها. # وعن أبي رمثة قال: رأيت النبي (ص) وعليه بردان أخضران رواه الخمسة إلا ~~ابن ماجة. # الحديث حسنه الترمذي وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن أياد ~~انتهى. # وعبيد الله وأبوه ثقتان، وأبو رمثة بكسر الراء وسكون الميم بعدها ثاء ~~مثلثة مفتوحة واسمه رفاعة بن يثربي، كذا قال صاحب التقريب، وقال الترمذي: ~~اسمه حبيب بن وهب، ويدل على استحباب لبس الأخضر لأنه لباس أهل الجنة، وهو ~~أيضا من أنفع الألوان للأبصار ومن أجملها في أعين الناظرين. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي (ص) ذات غداة ms0596 وعليه مرط مرحل من ~~شعر أسود رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. # قوله: مرط بكسر الميم وسكون الراء المهملة كساء من صوف أو خز، الجمع مروط ~~كذا في القاموس. وقيل: كساء من خز أو كتان. قوله: مرحل بميم مضمومة وراء ~~مهملة مفتوحة وحاء مهملة مشددة ولام كمعظم وهو برد فيه تصاوير. قال في ~~القاموس: وتفسير الجوهري إياه بإزار خز فيه علم غير جيد إنما ذلك تفسير ~~المرجل بالجيم انتهى. وتلك التصاوير هي صور الرحال، والرحال تطلق على ~~المنازل وعلى الرواحل، وعلى ما يوضع على الرواحل يستوي عليه الراكب، ~~والترحيل مصدر رحل البرد أي وشاه. قال النووي: والمراد تصاوير رحال الإبل، ~~ولا بأس بهذه الصورة انتهى. وسيأتي الكلام على حكم ما فيه صورة في الباب ~~الذي بعد هذا. (والحديث) يدل على أنه PageV02P095 # لا كراهة في لبس السواد. وقد أخرج أبو داود والنسائي من حديث عائشة قالت: # صبغت للنبي (ص) بردة سوداء فلبسها فلما عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، ~~قال: وأحسبه قال وكان يعجبه الريح الطيبة. # وعن أم خالد قالت: أتي النبي (ص) بثياب فيها خميصة سوداء فقال: من ترون ~~نكسو هذه الخميصة؟ فأسكت القوم، فقال: ائتوني بأم خالد، فأتي إلى النبي (ص) ~~فألبسنيها بيده وقال: أبلي وأخلقي مرتين، وجعل ينظر إلى علم الخميصة ويشير ~~بيده إلي ويقول: يا أم خالد هذا سنا يا أم خالد هذا سنا والسنا بلسان ~~الحبشة الحسن رواه البخاري. # قوله: خميصة بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة كساء مربع له ~~علمان. # قوله: نكسو هذه بالنون للمتكلم. قوله: فأسكت القوم بضم الهمزة على البناء ~~للمجهول. قوله: أبلي وأخلقي هذا من باب التفاؤل والدعاء لللابس بأن يعمر ~~ويلبس ذلك الثوب حتى يبلى ويصير خلقا، وفيه أنه يستحب أن يقال لمن لبس ثوبا ~~جديدا كذلك، وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر: أن رسول الله (ص) رأى على عمر ~~قميصا أبيض فقال: البس جديدا أو عش حميدا ومت شهيدا وأخرج أبو داود وسعيد ~~بن منصور من حديث أبي نضرة قال: كان ms0597 أصحاب النبي (ص) إذا لبس أحدهم ثوبا ~~جديدا قيل له: تبلى ويخلف الله تعالى وسنده صحيح. # قوله: هذا سنا بفتح السين المهملة وتشديد النون وفيه جواز التكلم باللغة ~~العجمية ومعناه حسن. (والحديث) يدل على أنه يجوز للنساء لباس الثياب السود، ~~ولا أعلم في ذلك خلافا. # وعن ابن عمر: أنه كان يصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران فقيل له: لم تصبغ ثيابك ~~وتدهن بالزعفران؟ فقال: إني رأيته أحب الاصباغ إلى رسول الله (ص) يدهن به ~~ويصبغ به ثيابه رواه أحمد، وكذلك أبو داود والنسائي بنحوه وفي لفظهما: # ولقد كان يصبغ ثيابه كلها حتى عمامته. # الحديث في إسناده اختلاف كما قال المنذري، ولم يذكر أبو داود والنسائي ~~الزعفران، وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبيد بن جريج عن ابن عمر أنه قال: ~~وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله (ص) يصبغ بها فإني أحب أن أصبغ بها. قال ~~PageV02P096 # المنذري: واختلف الناس في ذلك فقال بعضهم: أراد الخضاب للحية بالصفرة. ~~وقال آخرون: # أراد يصفر ثيابه ويلبس ثيابا صفرا، انتهى. ويؤيد القول الثاني تلك ~~الزيادة التي أخرجها أبو داود والنسائي. قوله: حتى عمامته بالنصب. ~~(والحديث) يدل على مشروعية صبغ الثياب بالصفرة، وقد تقدم الكلام على ذلك في ~~باب نهي الرجال عن المعصفر. # وفيه أيضا مشروعية الادهان بالزعفران. ومشروعية صباغ اللحية بالصفرة ~~لقوله (ص) في رواية النسائي وغيره: إن اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوهم ~~واصبغوا قال ابن الجوزي: قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين بالصفرة. ~~ورأي أحمد بن حنبل رجلا قد خضبت لحيته فقال: إني لأرى الرجل يحيي ميتا من ~~السنة. # وقد تقدم الكلام على الخضاب في باب تغيير الشيب بالحناء والكتم. # باب حكم ما فيه صورة من الثياب والبسط والستور والنهي عن التصوير عن ~~عائشة: أن النبي (ص) لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه رواه ~~البخاري وأبو داود وأحمد. ولفظه: لم يكن يدع في بيته ثوبا فيه تصليب إلا ~~نقضه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي. قوله: لم يكن يترك في بيته شيئا يشمل الملبوس ~~والستور ms0598 والبسط والآلات وغير ذلك. قوله: فيه تصاليب أي صورة صليب من نقش ~~ثوب أو غيره، والصليب فيه صورة عيسى عليه السلام تعبده النصارى. قوله: # نقضه بفتح النون والقاف والضاد المعجمة أي كسره وأبطله وغيره صورة ~~الصليب. # وفي رواية أبي داود: قضبه بالقاف المفتوحة والضاد المعجمة والباء الموحدة ~~أي قطع موضع التصليب منه دون غيره، والقضب القطع كذا قال ابن رسلان. ~~(والحديث) يدل على عدم جواز اتخاذ الثياب والستور والبسط وغيرها التي فيها ~~تصاوير، وعلى جواز تغيير المنكر باليد من غير استئذان مالكه زوجة كانت أو ~~غيرها لما ثبت عنه (ص) يوم فتح مكة أنه كان يهوي بالقضيب الذي في يده إلى ~~كل صنم فيخر لوجهه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل حتى مر على ثلاثمائة وستين ~~صنما. وأخرج البخاري من حديث ابن عباس قال: لما رأى النبي (ص) الصور التي ~~في PageV02P097 # البيت لم يدخل حتى أمر فمحيت، ورأي صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما ~~الأزلام فقال: قاتلهم الله والله إن استقسما بالأزلام قط قال النووي: قال ~~أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من ~~الكبائر، لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه ~~لما يمتهن أو لغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، ~~وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار وفلس وإناء وحائط وغيرها. ~~وأما تصوير صورة الشجرة وجبال الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس ~~بحرام، هذا حكم نقش التصوير. وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان، فإن كان معلقا ~~على حائط أو ثوبا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام، وإن كان ~~في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ~~ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ وسيأتي. قال: ولا فرق في ذلك كله بين ما له ظل ~~وما لا ظل له، قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير ~~العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو مذهب ms0599 الثوري ومالك وأبي حنيفة ~~وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس ~~لها ظل وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي (ص) الصور فيه لا يشك ~~أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال ~~الزهري: # النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي ~~هي فيه، سواء كانت رقما في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو ~~بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ~~ذكره مسلم وهذا مذهب قوي. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقما في ثوب، سواء ~~امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، قال: وهو مذهب القاسم بن محمد، ~~وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. قال القاضي عياض: إلا ما ورد ~~في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ~~ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث ~~انتهى. # وعن عائشة: أنها نصبت سترا وفيه تصاوير فدخل رسول الله (ص) فنزعه، قالت: ~~فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما متفق عليه. وفي لفظ أحمد: فقطعته مرفقتين ~~فلقد رأيته متكئا على إحداهما وفيها صورة. PageV02P098 # قوله: فنزعه فيه الارشاد إلى إزالة التصاوير المنقوشة على الستور. قوله: ~~فقطعته وسادتين فيه أن الصورة والتمثال إذا غيرا لم يكن بهما بأس بعد ذلك ~~وجاز افتراشهما والارتفاق عليهما. قوله: فكان يرتفق في القاموس: ارتفق اتكأ ~~على مرفق يده أو على المخدة. قوله: فقطعته مرفقتين تثنية مرفقة كمكنسة وهي ~~المخدة. (والحديث) يدل على جواز افتراش الثياب التي كانت فيها تصاوير، وعلى ~~استحباب الارتفاق لما يشعر به لفظ كان من استمراره على ذلك، وكثيرا ما ~~يتجنبه الرؤساء تكبرا. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك ~~الليلة فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال رجل، ms0600 ~~وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال ~~الذي في باب البيت يقطع يصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين ~~منتبذتين توطآن، وأمر بالكلب يخرج، ففعل رسول الله (ص)، وإذا الكلب جرو، ~~وكان للحسن والحسين تحت نضد لهم رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي. قوله: الليلة وفي رواية أبي داود البارحة. # قوله: قرام ستر بكسر القاف وتخفيف الراء والتنوين، وروي بحذف التنوين ~~والإضافة وهو الستر الرقيق من صوف ذي ألوان. قوله: فيه تماثيل وفي رواية ~~لمسلم: وقد سترت سهوة لي بقرام والسهوة الخزانة الصغيرة، وفي رواية ~~للنسائي: قال جبريل: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير واختلاف الروايات ~~يبين بعضها بعضا. قوله: فمر بضم الميم أي فقال جبريل عليه السلام للنبي ~~(ص): مر. قوله: يصير كهيئة الشجرة لأن الشجر ونحوه مما لا روح فيه لا يحرم ~~صنعته ولا التكسب به، من غير فرق بين الشجرة المثمرة وغيرها. قال ابن ~~رسلان: وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهد، فإنه جعل الشجرة المثمرة من ~~المكروه لما روي عنه (ص) أنه قال حاكيا عن الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب ~~يخلق خلقا كخلقي. قوله: وأمر بالستر رواية أبي داود ومر، وكذلك قوله: وأمر ~~بالكلب. قوله: منتبذتين أي مطروحتين على الأرض، ولفظ أبي داود: منبوذتين. ~~قوله: وكان للحسن والحسين فيه جواز تربية جرو الكلب للولد الصغير، وقد ~~يستدل به على طهارة الكلب، وقد PageV02P099 # تقدم الكلام على ذلك وعلى جواز اتخاذه لغير الاصطياد. قوله: تحت نضد بفتح ~~النون والضاد المعجمة فعل بمعنى مفعول، أي تحت متاع البيت المنضود بعضه فوق ~~بعض. # وقيل: هو السرير سمي بذلك لأن النضد يوضع عليه أي يجعل بعضه فوق بعض، وفي ~~حديث مسروق: شجر الجنة نضد من أصلها إلى فرعها، أي ليس لها سوق بارزة ~~ولكنها منضودة بالورق والثمار من أسفلها إلى أعلاها. (الحديث) يدل على أنها ~~لا تدخل الملائكة البيوت التي فيها تماثيل أو كلب، كما ورد من حديث ms0601 أبي ~~طلحة الأنصاري عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي بلفظ قال: ~~قال رسول الله (ص): # لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل زاد أبو داود والنسائي عن علي ~~مرفوعا: # ولا جنب قيل: أراد بالملائكة السياحين غير الحفظة وملائكة الموت. قال في ~~معالم السنن: الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة، وأما الحفظة فلا ~~يفارقون الجنب وغيره. # قال النووي في شرح مسلم: سبب امتناع الملائكة من بيت فيه صورة كونها ~~معصية فاحشة، وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب كثرة أكله كله النجاسات ولان ~~بعضها يسمى شيطانا كما جاء في الحديث، والملائكة ضد الشياطين، وخص الخطابي ~~ذلك بما كان يحرم اقتناؤه من الكلاب، وبما لا يجوز تصويره من الصور لا كلب ~~الصيد والماشية ولا الصورة التي في البساط والوسادة وغيرهما، فإن ذلك لا ~~يمنع دخول الملائكة، والأظهر أنه عام في كل كلب وفي كل صورة، وأنهم يمتنعون ~~من الجميع لاطلاق الأحاديث، ولان الجر والذي كان في بيت النبي (ص) تحت ~~السرير كان له فيه عذر فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبريل من دخول البيت ~~لأجل ذلك الجرو. # وعن ابن عمر: أن رسول الله (ص) قال: الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم ~~القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم. وعن ابن عباس: # وجاءه رجل فقال: إني أصور هذه التصاوير فأفتني فيها، فقال: سمعت رسول ~~الله (ص) يقول: كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا تعذبه في ~~جهنم، فإن كنت لا بد فاعلا فاجعل الشجر وما لا نفس له متفق عليهما. # الحديثان يدلان على أن التصوير من أشد المحرمات للتوعد عليه بالتعذيب في ~~النار، وبأن كل مصور من أهل النار، ولورود لعن المصورين في أحاديث أخر، ~~وذلك لا يكون إلا على محرم متبالغ في القبح، وإنما كان التصوير من أشد ~~المحرمات الموجبة لما ذكر، لأن فيه PageV02P100 # مضاهاة لفعل الخالق جل جلاله، ولهذا سمى الشارع فعلهم خلقا وسماهم ~~خالقين. وظاهر قوله: كل مصور. وقوله: بكل صورة صورها، أنه لا فرق بين ms0602 ~~المطبوع في الثياب وبين ما له جرم مستقل. ويؤيد ذلك ما في حديث عائشة ~~المتقدم من التعميم وما في حديث مسلم وغيره: # أن النبي (ص) هتك درنوكا لعائشة كان فيه صور الخيل ذوات الأجنحة حتى ~~اتخذت منه وسادتين والدرنوك ضرب من الثياب أو البسط. وما أخرج البخاري ~~ومسلم والموطأ والنسائي من حديث عائشة قالت: قدم رسول الله (ص) من سفر وقد ~~سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه هتكه وتلون وجهه وقال: يا عائشة ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله وما أخرجه البخاري ~~والترمذي والنسائي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): من صور صورة ~~عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ. فهذه ~~الأحاديث قاضية بعدم الفرق بين المطبوع من الصور والمستقل، لأن اسم الصورة ~~صادق على الكل، إذ هي كما في كتب اللغة الشكل، وهو يقال لما كان منها ~~مطبوعا على الثياب شكلا، نعم حديث أبي طلحة عند مسلم وأبي داود وغيرهما ~~بلفظ: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تمثال. ~~وفيه أنه قال: إلا رقما في ثوب فهذا إن صح رفعه كان مخصصا لما رقم في ~~الأثواب من التماثيل. قوله: أحيوا ما خلقتم هذا من باب التعليق بالمحال، ~~والمراد أنهم يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: لا تزالون في عذاب حتى تحيوا ~~ما خلقتم وليسوا بفاعلين وهو كناية عن دوام العذاب واستمراره، وهذا الذي ~~قدرناه في تفسير الحديث مصرح بمعناه في حديث ابن عباس المتقدم، والأحاديث ~~يفسر بعضها بعضا. قوله: فاجعل الشجر وما لا نفس له فيه الاذن بتصوير الشجر ~~وكل ما ليس له نفس، وهو يدل على اختصاص التحريم بتصوير الحيوانات، قال في ~~البحر: ولا يكره تصوير الشجر ونحوها من الجماد إجماعا. # باب ما جاء في لبس القميص والعمامة والسراويل عن أبي أمامة قال: قلنا: يا ~~رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا PageV02P101 # يأتزرون، فقال رسول الله (ص): تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل ms0603 الكتاب رواه ~~أحمد. وعن مالك بن عمير قال: بعت رسول الله (ص) رجل سراويل قبل الهجرة فوزن ~~لي فأرجح لي رواه أحمد وابن ماجة. # أما حديث أبي أمامة فلم أقف فيه على كلام لاحد إلا ما ذكره في مجمع ~~الزوائد فإنه قال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم ~~وهو ثقة وفيه كلام لا يضر انتهى. وفيه الاذن بلبس السراويل، وأن مخالفة أهل ~~الكتاب تحصل بمجرد الاتزار في بعض الأوقات لا بترك لبس السراويل في جميع ~~الحالات فإنه غير لازم وإن كان أدخل في المخالفة. وأما حديث مالك بن عمير ~~فأخرجه أيضا أبو داود والنسائي ورجال إسناده رجال الصحيح، ويشهد لصحته حديث ~~سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا ~~رسول الله (ص) يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل يزن بالاجر فقال له: زن ~~وأرجح رواه الخمسة وصححه الترمذي، وسيأتي في أبواب الإجارة إن شاء الله ~~وحديث مالك بن عمير المذكور هو عند أحمد من طريق يزيد بن هارون عن شعبة عن ~~سماك بن حرب عنه، وقد صرح كثير من الأئمة بثبوت شرائه (ص) للسراويل. (قال ~~في الهدى) فصل: واشترى (ص) سراويل. والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها، وقد ~~روي في غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه انتهى. # وقال في الفصل الذي بعد هذا في الهدى: ولبس البرود اليمانية والبرد ~~الأخضر، ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل انتهى. قال في المواهب ~~اللدنية للقسطلاني: وأما السراويل فاختلف هل لبسها النبي (ص) أم لا؟ فجزم ~~بعض العلماء بأنه (ص) لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النووي في ترجمة ~~عثمان رضي الله عنه من كتاب تهذيب الأسماء واللغات أنه لم يلبس السراويل في ~~جاهلية ولا إسلام إلى يوم قتله، فإنهم كانوا أحرص شئ على اتباعه، لكن قد ~~ورد في حديث أبي يعلى الموصلي بسند ضعيف جدا عن أبي هريرة قال: دخلت السوق ~~يوما مع رسول الله (ص) فجلس إلى البزار فاشترى منه ms0604 سراويل بأربعة دراهم، ~~وكان لأهل السوق وزان يزن، فقال له رسول الله (ص): أتزن راجحا، فقال الوزان ~~أن هذه كلمة ما سمعتها من أحد، قال أبو هريرة: فقلت له: كفى بك من الجفاء ~~في دينك أن لا تعرف PageV02P102 # نبيك، فطرح الميزان ووثب إلى يد رسول الله (ص) يريد أن يقبلها، فجذب يده ~~رسول الله (ص) وقال له: يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها ولست بملك ~~إنما أنا رجل منكم، فأخذ فوزن وأرجح، وأخذ رسول الله (ص) السراويل، قال أبو ~~هريرة: فذهبت لأحمله عنه فقال: صاحب الشئ أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ~~ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم، قال قلت: يا رسول الله وإنك لتلبس ~~السراويل؟ قال: أجل في السفر والحضر والليل والنهار، فإني أمرت بالستر فلم ~~أجد شيئا أستر منه وكذا أخرجه ابن حبان في الضعفاء عن أبي يعلى، ورواه ~~الطبراني في الأوسط، والدارقطني في الافراد، والعقيلي في الضعفاء، ومداره ~~على يوسف بن زياد الواسطي وهو ضعيف عن شيخه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ~~الإفريقي وهو أيضا ضعيف، لكن قد صح شراء النبي (ص) للسراويل، وأما اللبس ~~فلم يأت من طريق صحيحة، ولهذا قال أبو عبد الله الحجازي في حاشيته على ~~الشفاء ما لفظه: وما قاله في الهدى من أنه (ص) لبس السراويل سبق قلم والله ~~أعلم. وقد أورد أبو سعيد النيسابوري ذكر الحديث في السراويل، وأورد فيه ~~حديث المحرم لكونه لم يرد فيه شئ على شرطه. # وعن أم سلمة قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله (ص) القمص رواه أحمد ~~وأبو داود والترمذي. # الحديث أخرجه أيضا النسائي، وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديث ~~عبد المؤمن بن خالد تفرد به وهو مروزي. وروى بعضهم هذا الحديث عن أبي ثميلة ~~عن عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة قال: وسمعت ~~محمد بن إسماعيل يقول: حديث عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة أصح. هذا ~~آخر كلامه. ms0605 وعبد المؤمن هذا قاضي مرو. قال المنذري: ولا بأس به، وأبو ثميلة ~~يحيى بن واضح أدخله البخاري في الضعفاء ووثقه يحيى بن معين. (والحديث) يدل ~~على استحباب لبس القميص، وإنما كان أحب الثياب إلى رسول الله (ص) لأنه أمكن ~~في الستر من الرداء والإزار اللذين يحتاجان كثيرا إلى الربط والامساك وغير ~~ذلك بخلاف القميص. ويحتمل أن يكون المراد من أحب الثياب إليه القميص لأنه ~~يستر عورته ويباشر جسمه فهو شعار الجسد، بخلاف ما يلبس فوقه من الدثار، ولا ~~شك أن كل ما قرب من الانسان كان أحب إليه من غيره، ولهذا شبه (ص) الأنصار ~~بالشعار PageV02P103 # الذي يلي البدن بخلاف غيرهم فإنهم شبههم بالدثار، وإنما سمي القميص قميصا ~~لأن الآدمي يتقمص فيه أي يدخل فيه ليستره، وفي حديث المرجوم أنه يتقمص في ~~أنهار الجنة أي ينغمس فيها. # وعن أسماء بنت بريد قالت: كانت يد كم قميص رسول الله (ص) إلى الرسغ رواه ~~أبو داود والترمذي. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله (ص) يلبس قميصا قصير ~~اليدين والطول رواه ابن ماجة. # الحديث الأول أخرجه النسائي أيضا. وقال الترمذي: حسن غريب وفي إسناده شهر ~~ابن حوشب وفيه مقال مشهور. والحديث الثاني رواه ابن ماجة في سننه من طريق ~~عبيد بن محمد قال: حدثنا الحسن بن صالح، ورواه أيضا من طريق شعبان ابن وكيع ~~عن أبيه عن الحسن بن صالح عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس، وعبيد بن محمد ~~ضعيف، وشعبان بن وكيع أضعف منه، ولكن شطره الأول يشهد له حديث أسماء هذا، ~~وشطره الثاني يشهد له حديث ابن عمر الآتي في إسبال الإزار والعمامة ~~والقميص. قوله: إلى الرسغ بالسين المهملة هذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود ~~الرصغ بالصاد المهملة الساكنة قبلها راء مكسورة وبعدها غين معجمة وهو مفصل ~~ما بين الكف والساعد، ويقال لمفصل الساق والقدم رسغ أيضا، قاله ابن رسلان ~~في شرح السنن. (والحديثان) يدلان على أن السنة في الأكمام أن لا تجاوز ~~الرسغ، قال الحافظ ابن القيم في الهدى. ms0606 وأما الأكمام الواسعة الطوال التي ~~هي كالاخراج فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، وهي مخالفة لسنته، وفي ~~جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء انتهى. وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه ~~السنة في زماننا هذا العلماء، فيرى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين يصلح كل واحد ~~منهما أن يكون جبة أو قميصا لصغير من أولاده أو يتيم، وليس في ذلك شئ من ~~الفائدة الدنيوية إلا العبث وتثقيل المؤنة على النفس ومنع الانتفاع باليد ~~في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا ~~مخالفة السنة والاسبال والخيلاء. قال ابن رسلان: والظاهر أن نساءه (ص) كن ~~كذلك، يعني أن أكمامهن إلى الرسغ، إذ لو كانت أكمامهن تزيد على ذلك لنقل، ~~ولو نقل لوصل إلينا، كما نقل في الذيول من رواية النسائي وغيره أن أم سلمة ~~لما سمعت من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه قالت: يا رسول الله فكيف يصنع ~~النساء بذيولهن؟ قال: يرخينه شبرا، قالت: إذن ينكشف أقدامهن، قال: يرخينه ~~ذراعا PageV02P104 # ولا يزدن عليه. ويفرق بين الكف إذا ظهر وبين القدم، أن قدم المرأة عورة ~~بخلاف كفها انتهى. (وفي الحديث) الثاني دلالة على أن هديه (ص) كان تقصير ~~القميص لأن تطويله إسبال وهو منهي عنه وسيأتي الكلام على ذلك. # وعن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله (ص) إذا اعتم سدل عمامته بين ~~كتفيه، قال نافع: وكان ابن عمر يسدل عمامته بين كتفيه رواه الترمذي. # الحديث أخرج نحوه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ~~جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: رأيت النبي (ص) على المنبر وعليه عمامة ~~سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. وأخرج ابن عدي من حديث جابر قال: كان للنبي ~~(ص) عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه قال ابن عدي: لا أعلم ~~يرويه عن أبي الزبير غير العرزمي وعنه حاتم بن إسماعيل. وأخرج الطبراني عن ~~أبي موسى: أن جبريل نزل على النبي (ص) وعليه عمامة سوداء قد أرخى ms0607 ذؤابته من ~~ورائه. قوله: سدل السدل الاسبال والارسال وفسره في القاموس بالارخاء. ~~(والحديث) يدل على استحباب لبس العمامة، وقد أخرج الترمذي وأبو داود ~~والبيهقي من حديث ركانة ابن عبد يزيد الهاشمي أنه قال: سمعت النبي (ص) ~~يقول: فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس قال ابن القيم في ~~الهدى: وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة انتهى. ~~(والحديث) PageV02P105 # أيضا يدل على استحباب إرخاء العمامة بين الكتفين، وقد أخرج أبو داود من ~~حديث عبد الرحمن بن عوف قال: عممني رسول الله (ص) فسدلها من بين يدي ومن ~~خلفي والراوي عن عبد الرحمن شيخ من أهل المدينة لم يذكر أبو داود اسمه، ~~وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن ياسر قال: بعث رسول الله (ص) علي بن ~~أبي طالب عليه السلام إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء ثم أرسلها من ورائه، أو ~~قال: على كتفه اليسرى وحسنه السيوطي. وأخرج ابن سعد عن مولى يقال له هرمز ~~قال: # رأيت عليا عليه عمامة سوداء قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه قال ابن ~~رسلان في شرح السنن عند ذكر حديث عبد الرحمن: وهي التي صارت شعار الصالحين ~~المتمسكين بالسنة يعني إرسال العمامة على الصدر. وقال: وفي الحديث النهي عن ~~العمامة المقعطة بفتح القاف وتشديد العين المهملة، قال أبو عبيد في الغريب: ~~المقعطة التي لا ذؤابة لها ولا حنك، قيل: # المقعطة عمامة إبليس، وقيل: عمامة أهل الذمة. وورد النهي عن العمامة التي ~~ليست محنكة ولا ذؤابة لها، فالمحنكة من حنك الفرس إذا جعل له في حنكه ~~الأسفل ما يقوده به، هذا معنى كلام ابن رسلان. والذي ذكره أبو عبيد في ~~الغريب في حديث أنه (ص) أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط أن المقعطة هي التي ~~لم يجعل منها تحت الحنك. وقال ابن الأثير في النهاية في حديث أنه (ص) نهى ~~عن الاقتعاط وأمر بالتلحي: أن الاقتعاط أن لا يجعل تحت الحنك من العمامة ~~شيئا، والتلحي جعل بعض العمامة تحت الحنك، وقال الجوهري في الصحاح: ms0608 ~~الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير إدارة تحت الحنك، والتلحي تطويف ~~العمامة تحت الحنك، وهكذا في القاموس، وكذا قال ابن قتيبة، وقال الإمام أبو ~~بكر الطرطوشي: اقتعاط العمائم هو التعميم دون حنك وهو بدعة منكرة وقد شاعت ~~في بلاد الاسلام. وقال ابن حبيب في كتاب الواضحة: إن ترك الالتحاء من بقايا ~~عمائم قوم لوط. وقال مالك: أدركت في مسجد رسول الله (ص) سبعين محنكا وأن ~~أحدهم لو ائتمن على بيت المال لكان به أمينا. وقال القاضي عبد الوهاب في ~~كتاب المعونة له: ومن المكروه ما خالف زي العرب وأشبه زي العجم كالتعمم ~~بغير حنك، وقال القرافي: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا، وقد روي ~~التحنك عن جماعة من السلف. وروي النهي عن الاقتعاط عن جماعة منهم، وكان ~~طاوس والمجاهد يقولان: إن الاقتعاط عمامة الشيطان، فينظر فيما نقله ابن ~~رسلان PageV02P106 # عن أبي عبيد من أن المقعطة هي التي لا ذؤابة لها. (وقد استدل) على جواز ~~ترك الذؤابة ابن القيم في الهدى بحديث جابر بن سليم عند مسلم وأبي داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ: أن رسول الله (ص) دخل مكة وعليه عمامة ~~سوداء بدون ذكر الذؤابة، قال: فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائما بين ~~كتفيه، وقد يقال: # إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما ~~يناسبه اه. # وروى أبو داود من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: عممني رسول الله (ص) ~~فسدلها بين يدي ومن خلفي وروى الطبراني عن عائشة قالت: عمم رسول الله (ص) ~~عبد الرحمن بن عوف وأرخى له أربع أصابع وفي إسناده المقدام بن داود وهو ~~ضعيف. وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر: أن النبي (ص) عمم عبد ~~الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال: هكذا فاعتم فإنه ~~أعرب وأحسن قال السيوطي: وإسناده حسن. وأخرج الطبراني أيضا في الأوسط من ~~حديث ثوبان: أن النبي (ص) كان إذا اعتم أرخى عمامته بين ms0609 يديه ومن خلفه وفي ~~إسناده الحجاج بن رشدين وهو ضعيف. # وأخرج الطبراني أيضا في الكبير عن أبي أمامة قال: كان رسول الله (ص) قلما ~~يولي واليا حتى يعممه ويرخي لها من جانبه الأيمن نحو الاذن وفي إسناده جميع ~~بن ثوبان وهو متروك، قيل: ويحرم إطالة العذبة طولا فاحشا ولا مقتضى للجزم ~~بالتحريم. قال النووي في شرح المهذب: يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير ~~إرساله، ولا كراهة في واحد منهما، ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها إرسالا ~~فاحشا كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويكره لغيره انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة ~~أن عبد الله بن الزبير كان يعتم بعمامة سوداء قد أرخاها من خلفه نحوا من ~~ذراع. وروى سعد بن سعيد عن رشدين قال: رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة ~~سوداء ويرخيها شبرا أو أقل من شبر. قال السيوطي في الحاوي في الفتاوى: وأما ~~مقدار العمامة الشريفة فلم يثبت في حديث وقد روى البيهقي في شعب الايمان عن ~~ابن سلام بن عبد الله بن سلام قال: سألت ابن عمر كيف كان النبي (ص) يعتم؟ ~~قال: كان يدير العمامة على رأسه ويقورها من ورائه ويرسل لها ذؤابة بين ~~كتفيه وهذا يدل على أنها عدة أذرع، والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها ~~بيسير انتهى. ولا أدري ما هذا الظاهر PageV02P107 # الذي زعمه، فإن كان الظهور من هذا الحديث الذي ساقه باعتبار ما فيه من ~~ذكر الإدارة والتقوير وإرسال الذؤابة فهذه الأوصاف تحصل في عمامة دون ثلاثة ~~أذرع، وإن كان من غيره فما هو بعد إقراره بعدم ثبوت مقدارها في حديث. # باب الرخصة في اللباس الجميل واستحباب التواضع فيه وكراهة الشهرة ~~والاسبال عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): لا يدخل الجنة من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله ~~حسنا، قال إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس رواه أحمد ~~ومسلم. # قوله: إن الله جميل اختلفوا في معناه ms0610 فقيل: إن كل أمره سبحانه وتعالى حسن ~~جميل، وله الأسماء الحسنى وصفات الجمال والكمال. وقيل: جميل بمعنى مجمل ~~ككريم وسميع بمعنى مكرم ومسمع. وقال أبو القاسم القشيري: معناه جليل. وقال ~~الخطابي: إنه بمعنى ذي النور والبهجة أي مالكهما. وقيل: معناه جميل الأفعال ~~بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه. ~~(قال النووي): واعلم أن هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح ولكنه من أخبار ~~الآحاد، وقد ورد أيضا في حديث الأسماء الحسنى وفي إسناده مقال، والمختار ~~جواز إطلاقه على الله ومن العلماء من منعه، قال إمام الحرمين: ما ورد الشرع ~~بإطلاقه في أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع الشرع من إطلاقه ~~منعناه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم، فإن ~~الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا ~~مثبتين حكما بغير الشرع انتهى. # وقد وقع الخلاف في تسمية الله ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما ~~لم يرد به الشرع ولا منعه، فأجازه طائفة ومنعه آخرون، إلا أن يرد به شرع ~~مقطوع به من نص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع على إطلاقه، فإن ورد خبر واحد ~~فاختلفوا فيه فأجازه طائفة وقالوا الدعاء به والثناء من باب العمل وهو جائز ~~بخبر الواحد، ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على ~~الله تعالى وطريق هذا القطع قال القاضي PageV02P108 # عياض: والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقول الله تعالى: * (ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها) * (الأعراف: 180) انتهى. والمسألة مدونة في علم ~~الكلام فلا نطيل فيها المقال. قوله: بطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا ~~قاله النووي. وفي القاموس: بطر الحق أن يتكبر عنده فلا يقبله. قوله: وغمص ~~الناس هو بغين معجمة مفتوحة وصاد مهملة قبلها ميم ساكنة، وقال النووي في ~~شرح مسلم: هو بالطاء المهملة في نسخ صحيح مسلم. قال القاضي عياض: لم نرو ~~هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفي البخاري إلا بالطاء، ذكره أبو ms0611 داود في ~~مصنفه، وذكره أبو سعيد الترمذي وغيره. والغمط والغمص قال النووي بمعنى واحد ~~وهو احتقار الناس. (والحديث) يدل على أن الكبر مانع من دخول الجنة، وإن بلغ ~~في القلة إلى الغاية، ولهذا ورد التحديد بمثقال ذرة، وقد اختلف في تأويله ~~فذكر الخطابي فيه وجهين: # أحدهما أن المراد التكبر عن الايمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات ~~عليه. والثاني أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخول الجنة كما قال الله تعالى: ~~* (ونزعنا ما في صدورهم من غل) * (الأعراف: 43) قال النووي: وهذان ~~التأويلان فيهما بعد، فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو ~~الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين ~~التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره ~~من المحققين أنه لا يدخلها بدون مجازاة إن جازاه. وقيل: هذا جزاؤه لو ~~جازاه، وقيل: # لا يدخلها مع المتقين أول وهلة، ويمكن أن يقال: إن هذا الحديث وما يشابهه ~~من الأحاديث التي وردت مصرحا فيها بعدم دخول جماعة من العصاة الجنة، أو عدم ~~خروج جماعة منهم من النار خاصة. وأحاديث دخول جميع الموحدين الجنة وخروج ~~عصاتهم من النار عامة، فلا حاجة على هذا إلى التأويل. (والحديث). أيضا يدل ~~على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من ~~الكبر في شئ، وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم، والرجل المذكور في الحديث هو ~~مالك بن مرارة الرهاوي، ذكر ذلك ابن عبد البر والقاضي عياض، وقد جمع الحافظ ~~ابن بشكوال في اسمه أقوالا استوفاها النووي في شرح مسلم. # وعن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: من ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه تواضع لله عز وجل دعاه ~~الله PageV02P109 # عز وجل على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حلل الايمان أيتهن شاء رواه أحمد ~~والترمذي. # الحديث حسنه الترمذي، وقد رواه من طريق عباس بن محمد الدوري، عن عبد ms0612 الله ~~ابن يزيد المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ~~عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وعبد الرحيم بن ميمون قال النسائي: # ليس به بأس، وضعفه ابن معين. وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، ~~وفيه استحباب الزهد في الملبوس وترك لبس حسن الثياب ورفيعها لقصد التواضع، ~~ولا شك أن لبس ما فيه جمال زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو ~~والخيلاء والكبر، وقد كان هديه صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الحافظ ابن ~~القيم أن يلبس ما تيسر من اللباس: الصوف تارة، والقطن أخرى، والكتان تارة، ~~ولبس البرود اليمانية، والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقباء والقميص، إلى أن ~~قال: فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا ~~وتعبدا بإزائهم طائفة قابلوهم فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب، ولم يأكلوا إلا ~~أطيب وألين الطعام، فلم يروا لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا، وكلا ~~الطائفتين مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا قال بعض السلف: # كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض. وفي السنن عن ابن عمر ~~يرفعه: من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة إلى آخر كلامه. وذكر الشيخ أبو ~~إسحاق الأصفهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على ~~محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف فاشمأز عنه محمد وقال: ~~أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون قد لبسه عيسى ابن مريم، وقد حدثني من ~~لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن ~~وسنة نبينا أحق أن تتبع. ومقصود ابن سيرين من هذا أن قوما يرون أن لبس ~~الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرون ~~زيا واحدا من الملابس، ويتحرون رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها ~~منكرا، وليس المنكر إلا التقييد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها. ~~(والحاصل) أن ms0613 الأعمال بالنيات، فلبس المنخفض من الثياب تواضعا وكسرا لسورة ~~النفس التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد ~~الصالحة الموجبة للمثوبة من الله، ولبس الغالي من الثياب عند الامن ~~PageV02P110 # على النفس من التسامي المشوب بنوع من التكبر لقصد التوصل بذلك إلى تمام ~~المطالب الدينية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي ~~الهيئات، كما هو الغالب على عوام زماننا وبعض خواصه، لا شك أنه من الموجبات ~~للاجر، لكنه لا بد من تقييد ذلك بما يحل لبسه شرعا. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لبس ثوب ~~شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة رواه أحمد وأبو داود وابن ~~ماجة. # الحديث أخرجه أيضا النسائي ورجال إسناده ثقات، رواه أبو داود عن شيخه ~~محمد بن عيسى بن بحيح بن الطباع قال فيه أبو حاتم: مبرز ثقة له عدة مصنفات ~~عن أبي عوانة الوضاح وهو ثقة عن عثمان بن أبي زرعة الثقفي، وقد أخرج له ~~البخاري في الأنبياء عن المهاجر بن عمرو البسامي، وقد أخرج له ابن حبان في ~~الثقات عن ابن عمر، وأخرجه أيضا من طريق محمد بن عيسى عن القاضي شريك عن ~~عثمان بذلك الاسناد. قوله: من لبس ثوب شهرة قال ابن الأثير: الشهرة ظهور ~~الشئ، والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع ~~الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر. قوله: # ألبسه الله تعالى ثوب مذلة لفظ أبي داود ثوبا مثله، والمراد بقوله ثوب ~~مذلة يوجب ذلته يوم القيامة، كما لبس في الدنيا ثوبا يتعزز به على الناس ~~ويترفع به عليهم، والمراد بقوله مثله في تلك الرواية أنه مثله في شهرته بين ~~الناس. قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز به ويفتخر على غيره، ~~ويلبسه الله يوم القيامة ثوبا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، ~~والعقوبة من جنس العمل انتهى. ويدل على هذا التأويل الزيادة التي زادها ms0614 أبو ~~داود من طريق أبي عوانة بلفظ: تلهب فيه النار. (والحديث) يدل على تحريم لبس ~~ثوب الشهرة، وليس هذا الحديث مختصا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ~~ثوبا يخالف ملبوس الناس من الفقراء ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه ~~قاله ابن رسلان، وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في النار فلا فرق بين رفيع ~~الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف، لأن التحريم يدور مع ~~الاشتهار والمعتبر القصد وإن لم يطابق الواقع. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من جر ثوبه ~~خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: إن أحد شقي إزاري ~~يسترخي PageV02P111 # إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء رواه الجماعة ~~إلا أن مسلما وابن ماجة والترمذي لم يذكروا قصة أبي بكر. # قوله: خيلاء فعلاء بضم الخاء المعجمة ممدود. والمخيلة والبطر والكبر ~~والزهو والتبختر والخيلاء كلها بمعنى واحد، يقال: خال واختال اختيالا إذا ~~تكبر، وهو رجل خال أي متكبر، وصاحب خال أي صاحب كبر. قوله: لم ينظر الله ~~إليه النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي وهو هنا مجاز عن الرحمة، أي لا ~~يرحمه الله لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى والعلاقة هي السببية، فإن من ~~نظر إلى غيره وهو في حالة ممتهنة رحمه. وقال في شرح الترمذي: عبر عن المعنى ~~الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر ~~مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر (والحديث) يدل على تحريم جر الثوب ~~خيلاء، والمراد بجره هو جره على وجه الأرض، وهو الموافق لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار كما سيأتي، وظاهر ~~الحديث أن الاسبال محرم على الرجال والنساء لما في صيغة من في. # قوله: من جر من العموم، وقد فهمت أم سلمة ذلك لما سمعت الحديث فقالت: ~~فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخينه شبرا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، ~~قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن ms0615 عليه أخرجه النسائي والترمذي، ولكنه قد أجمع ~~المسلمون على جواز الاسبال للنساء، كما صرح بذلك ابن رسلان في شرح السنن، ~~وظاهر التقييد. بقوله: خيلاء يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون ~~داخلا في هذا الوعيد، قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا ~~يلحقه الوعيد إلا أنه مذموم، قال النووي: إنه مكروه وهذا نص الشافعي، قال ~~البويطي في مختصره عن الشافعي: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها ~~للخيلاء ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر انتهى. ~~قال ابن العربي: # لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد ~~تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله لفظا أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا ~~أمتثله لأن تلك العلة ليست في، فإنها دعوى غير مسلمة بل إطالة ذيله دالة ~~على تكبره انتهى (وحاصله) أن الاسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم ~~الخيلاء ولو لم يقصده اللابس، ويدل على عدم اعتبار التقييد بالخيلاء ما ~~أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث جابر بن سليم من حديث طويل ~~فيه: وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال ~~الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة. وما أخرج الطبراني من ~~PageV02P112 # حديث أبي أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله عز وجل ويقول: عبدك ~~وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني أحمش الساقين فقال: ~~يا عمرو إن الله تعالى قد أحسن كل شئ خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل. ~~والحديث رجاله ثقات وظاهره أن عمرا لم يقصد الخيلاء، وقد عرفت ما في حديث ~~الباب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك ~~خيلاء وهو ms0616 تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء، وأن الاسبال قد يكون للخيلاء ~~وقد يكون لغيره فلا بد من حمل. قوله: فإنها من المخيلة في حديث جابر بن ~~سليم على أنه خرج مخرج الغالب، فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجها ~~إلى من فعل ذلك اختيالا، والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذا بظاهر حديث ~~جابر ترده الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور ~~الخيلاء بباله، ويرده ما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر ~~لما عرفت وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به ~~في الصحيحين وقد جمع بعض المتأخرين رسالة طويلة جزم فيها بتحريم الاسبال ~~مطلقا، وأعظم ما تمسك به حديث جابر. وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه ~~التصريح بأن الله لا يحب المسبل، وحديث الباب مقيد بالخيلاء، وحمل المطلق ~~على المقيد واجب، وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل ~~هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة، وسيأتي ذكر المقدار الذي يعد إسبالا ~~وذكر عموم الاسبال لجميع اللباس. ومن الأحاديث الدالة على أن الاسبال من ~~أشد الذنوب ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي ذر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم ~~القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قلت: من هم يا رسول الله ~~فقد خابوا وخسروا؟ فأعادها ثلاثا قلت: من هم خابوا وخسروا؟ قال: المسبل ~~والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر وما أخرجه أبو داود وغيره ~~من حديث أبي هريرة قال: # بينما رجل يصلي مسبلا إزاره فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء قال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله ~~ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: إنه صلى وهو مسبل إزاره وإن الله لا ~~يقبل صلاة رجل PageV02P113 # مسبل وفي إسناده أبو جعفر رجل من أهل المدينة ms0617 لا يعرف اسمه. وما أخرجه ~~أبو داود من جملة حديث طويل وفيه: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: نعم الرجل خزيم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره. # وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الاسبال في الإزار ~~والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة رواه أبو ~~داود والنسائي وابن ماجة. # الحديث في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد، وقد تكلم فيه غير واحد، قال ~~ابن ماجة: # قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أعرفه انتهى. وهو مولى المهلب بن أبي صفرة، ~~وقد أخرج له البخاري، وقال النووي في شرح مسلم بعد أن ذكر هذا الحديث: إن ~~إسناده حسن. (والحديث) يدل على عدم اختصاص الاسبال بالثوب والإزار، بل يكون ~~في القميص والعمامة كما في الحديث. قال ابن رسلان: والطيلسان: والرداء ~~والشملة. قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدا على ~~ما جرت به العادة انتهى. وأما المقدار الذي جرت به العادة فقد تقدم أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله هو وأصحابه، وتطويل أكمام القميص ~~تطويلا زائدا على المعتاد من الاسبال، وقد نقل القاضي عياض عن العلماء ~~كراهة كل ما زاد على المعتاد في اللباس في الطول والسعة. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال لا ينظر الله إلى ~~من جر إزاره بطرا متفق عليه. ولأحمد والبخاري: ما أسفل من الكعبين من ~~الإزار في النار. # قوله: بطرا قد تقدم أن البطر معناه معنى الخيلاء، وفي القاموس: البطر ~~النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة والدهش والحيرة والطغيان وكراهة الشئ من ~~غير أن يستحق الكراهة انتهى. قوله: ما أسفل من الكعبين إلخ قال في الفتح: ~~موصولة وبعض صلته المحذوف وهو كان، وأسفل خبره وهو منصوب ويجوز الرفع أي ما ~~هو أسفل وهو أفعل تفضيل، ويحتمل أن يكون فعلا ماضيا، ويجوز أن تكون ما نكرة ~~موصوفة بأسفل. # قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من ms0618 أسفل الكعبين في ~~النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم ~~يعذب عقوبة. وحاصله أنه من تسمية الشئ باسم ما جاوره أو حل فيه وتكون من ~~بيانية ويحتمل أن تكون سببية، PageV02P114 # ويكون المراد الشخص نفسه، فيكون هذا من باب تسمية الشئ بما يؤول إليه ~~أمره في الآخرة كقوله: * (إني أراني أعصر خمرا) * يعني عنبا فسماه بما يؤول ~~إليه غالبا. وقيل معناه فهو محرم عليه لأن الحرام يوجب النار في الآخرة. ~~وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين ~~الكعبين وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار. وأخرجه أيضا النسائي وابن ~~ماجة. (وحديث) الباب يدل على أن الاسبال المحرم إنما يكون إذا جاوز ~~الكعبين، وقد تقدم الكلام على اعتبار الخيلاء وعدمه. # باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها أو تشبه بالرجال عن أسامة بن زيد ~~قال: كساني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبطية كثيفة كانت مما أهدى ~~له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ~~لك لا تلبس القبطية؟ فقلت: يا رسول الله كسوتها امرأتي، فقال: # مرها أن تجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبزار وابن سعد والروياني والبارودي ~~والطبراني والبيهقي والضياء في المختارة، وقد أخرج نحوه أبو داود عن دحية ~~بن خليفة قال: أتي رسول الله بقباطي فأعطاني منها قبطية فقال: اصدعها ~~صدعتين فاقطع أحدهما قميصا وأعط الآخر امرأتك تختمر به، فلما أدبر قال: ~~امرأتك تجعل تحته ثوبا لا يصفها وفي إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بحديثه، وقد ~~تابع ابن لهيعة على روايته هذه أبو العباس يحيى بن أيوب المصري وفيه مقال، ~~وقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري. قوله: قبطية قال في القاموس: بضم ~~القاف على غير قياس وقد تكسر وفي ms0619 الضياء بكسرها. وقال القاضي عياض: بالضم ~~وهي نسبة إلى القبط بكسر القاف وهم أهل مصر. قوله: غلالة الغلالة بكسر ~~الغين المعجمة شعار يلبس تحت الثوب كما في القاموس وغيره. (والحديث) يدل ~~على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة، ~~وإنما أمر بالثوب تحته لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية ~~الناظر بل تصفها. PageV02P115 # وعن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أم سلمة وهي ~~تختمر فقال: لية لا ليتين رواه أحمد وأبو داود. # الحديث رواه عن أم سلمة وهب مولى أبي أحمد، قال المنذري: وهذا يشبه ~~المجهول، وفي الخلاصة أنه وثقه ابن حبان. قوله: وهي تختمر الواو للحال ~~والتقدير دخل عليها حال كونها تصلح خمارها، يقال: اختمرت المرأة وتخمرت إذا ~~لبست الخمار، كما يقال: اعتم وتعمم إذا لبس العمامة. قوله: فقال لية بفتح ~~اللام وتشديد الياء والنصب على المصدر، والناصب فعل مقدر والتقدير ألويه ~~لية. قوله: لا ليتين أمرها أن تلوي خمارها على رأسها وتديره مرة واحدة لا ~~مرتين لئلا يشبه اختمارها تدوير عمائم الرجال إذا اعتموا فيكون ذلك من ~~التشبه المحرم، وسيأتي أنه محرم على العموم من دون تخصيص. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صنفان من أهل ~~النار لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن أمثال ~~أسنمة البخت المائلة لا يرين الجنة ولا يجدن ريحها. ورجال معهم سياط كأذناب ~~البقر يضربون بها الناس رواه أحمد ومسلم. # قوله: صنفان من أهل النار فيه ذم هذين الصنفين: قال النووي: هذا الحديث ~~من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان. قوله: كاسيات عاريات ~~قيل كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها، وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف ~~بعضه إظهارا لجمالها ونحوه، وقيل تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها. قوله: ~~مائلات أي عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، مميلات أي يعلمن غيرهن فعلهن ~~المذموم وقيل مائلات بمشيهن متبخترات مميلات ms0620 لأكتافهن. وقيل المائلات ~~بمشطهن مشطة البغايا المميلات بمشطهن غيرهن تلك المشطة. # قوله: على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت أي يكر من شعورهن ويعظمنها بلف عمامة ~~أو عصابة أو نحوها. والبخت بضم الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة والتاء ~~المثناة الإبل الخراسانية. # (والحديث) ساقه المصنف للاستدلال به على كراهة لبس المرأة ما يحكى بدنها ~~وهو أحد التفاسير كما تقدم، والاخبار بأن من فعل ذلك من أهل النار وأنه لا ~~يجد ريح الجنة مع أن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام، وعيد شديد يدل على ~~تحريم ما اشتمل عليه الحديث من صفات هذين الصنفين. PageV02P116 # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الرجل يلبس لبس ~~المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا النسائي، ولم يتكلم عليه أبو داود ولا المنذري، ورجال ~~إسناده رجال الصحيح. وأخرج أبو داود عن عائشة أنها قالت: لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم الرجلة من النساء. وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء. ~~وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه رأى امرأة متقلدة قوسا وهي ~~تمشي مشية الرجل فقال: من هذه؟ فقال: هذه أم سعيد بنت أبي جهل، فقال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليس منا من تشبه بالرجال من ~~النساء. قوله: لبس المرأة ولبس الرجل رواية أبي داود لبسة في الموضعين. ~~(والحديث) يدل على تحريم تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء، لأن اللعن ~~لا يكون إلا على فعل محرم وإليه ذهب الجمهور. وقال الشافعي في الام: إنه لا ~~يحرم زي النساء على الرجل وإنما يكره فكذا عكسه انتهى. وهذه الأحاديث ترد ~~عليه ولهذا قال النووي في الروضة: والصواب أن تشبه النساء بالرجال وعكسه ~~حرام للحديث الصحيح انتهى. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~المترجلات: # أخرجوهن من بيوتكم. وأخرج ms0621 أبو داود من حديث أبي هريرة قال: أتي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ما بال هذا؟ فقالوا: يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي ~~إلى النقيع، قيل: # يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: إني نهيت أن أقتل المصلين وروى البيهقي أن ~~أبا بكر أخرج مخنثا وأخرج عمر واحدا. # باب التيامن في اللبس وما يقول من استجد ثوبا عن أبي هريرة قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا لبس قميصا بدأ بميامينه. # وعن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استجد ثوبا ~~سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه ~~أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له رواهما الترمذي. ~~PageV02P117 # الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه. # ويشهد له حديث: إذا توضأتم وإذا لبستم فابدؤوا بميامنكم أخرجه ابن حبان ~~والبيهقي والطبراني، قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح، ويشهد له أيضا ~~حديث عائشة المتفق عليه بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه ~~التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله وهو يدل على مشروعية الابتداء ~~في لبس القميص بالميامن وكذلك لبس غيره، لعموم الأحاديث الدالة على مشروعية ~~تقديم الميامن. (والحديث) الثاني أخرجه أيضا النسائي وأبو داود وحسنه ~~الترمذي. قوله: سماه باسمه قال ابن رسلان في شرح السنن: البداءة باسم الثوب ~~قبل حمد الله تعالى أبلغ في تذكر النعمة وإظهارها، فإن فيه ذكر الثوب ~~مرتين: فمرة ذكره ظاهرا ومرة ذكره مضمرا. # قوله: أسألك خيره هكذا لفظ الترمذي. ولفظ أبي داود: أسألك من خيره بزيادة ~~من. ولفظ الترمذي أعم وأجمع لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: ~~عليك بالجوامع الكوامل: اللهم إني أسألك الخير كله. ولفظ أبي داود أنسب لما ~~فيه من المطابقة لقوله في آخر الحديث: وأعوذ بك من ms0622 شره. قوله: وخير ما صنع ~~له هو استعماله في طاعة الله تعالى وعبادته ليكون عونا له عليها. قوله: وشر ~~ما صنع له هو استعماله في معصية الله ومخالفة أمره. (والحديث) يدل على ~~استحباب حمد الله تعالى عند لبس الثوب الجديد. وقد أخر الحاكم في المستدرك ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ~~اشترى عبد ثوبا بدينار أو بنصف دينار فحمد الله إلا لم يبلغ ركبتيه حتى ~~يغفر الله له وقال: حديث لا أعلم في إسناده أحدا، ذكر بجرح والله أعلم. # أبواب اجتناب النجاسات ومواضع الصلوات باب اجتناب النجاسة في الصلاة ~~والعفو عما لا يعلم بها عن جابر بن سمرة قال: سمعت رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم إلا أن ترى فيه ~~شيئا فتغسله رواه أحمد وابن ماجة. وعن معاوية قال: قلت لام حبيبة: هل كان ~~يصلي النبي صلى الله PageV02P118 # عليه وآله وسلم في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى ~~رواه الخمسة إلا الترمذي. # حديث جابر بن سمرة رجال إسناده عند ابن ماجة ثقات، وحديث معاوية رجال ~~إسناده كلهم ثقات. (والحديثان) يدلان على تجنب المصلي للثوب المتنجس، وهل ~~طهارة ثوب المصلي شرط لصحة الصلاة أم لا؟ فذهب الأكثر إلى أنها شرط، وروي ~~عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وهو مروي عن مالك أنها ليست بواجبة، ~~ونقل صاحب النهاية عن مالك قولين: أحدهما إزالة النجاسة سنة وليست بفرض. ~~وثانيهما أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان. وقديم قولي الشافعي أن إزالة ~~النجاسة غير شرط. # (احتج الجمهور) بحجج. منها قول الله تعالى: * (وثيابك فطهر) * (المدثر: ~~4) قال في البحر: والمراد للصلاة للاجماع على أن لا وجوب في غيرها، ولا ~~يخفاك أن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب عند من جعل الامر حقيقة فيه، ~~والوجوب لا يستلزم الشرطية، لأن كون الشئ شرطا حكم شرعي وضعي لا يثبت إلا ~~بتصريح ms0623 الشارع بأنه شرط، أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط، أو بنفي الفعل ~~بدونه نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال، أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد ~~الامر به. وقد أجاب صاحب ضوء النهار عن الاستدلال بالآية بأنها مطلقة، وقد ~~حملها القائلون بالشرطية على الندب في الجملة، فأين دليل الوجوب في المقيد ~~وهو الصلاة؟ وفيه أنهم لم يحملوها على الندب بل صرحوا بأنها مقتضية للوجوب ~~في الجملة، لكنه قام الاجماع على عدم الوجوب في غير الصلاة، فكان صارفا عن ~~اقتضاء الوجوب فيما عدا المقيد. ومنها حديث خلع النعل الذي سيأتي وغاية ما ~~فيه الامر بمسح النعل، وقد عرفت أنه لا يفيد الشرطية، على أنه بنى على ما ~~كان قد صلى قبل الخلع، ولو كانت طهارة الثياب ونحوها شرطا لوجب عليه ~~الاستئناف، لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط كما تقرر في الأصول فهو ~~عليهم لا لهم. ومنها الحديثان المذكوران في الباب، ويجاب عنهما بأن الثاني ~~فعل وهو لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية، والأول ليس فيه ما يدل على ~~الوجوب، سلمنا أن قوله فتغسله خبر في معنى الامر فهو غير صالح للاستدلال به ~~على المطلوب. ومنها حديث عائشة قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفيه: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الكساء فلبسه ~~ثم خرج فصلى فيه الغداة ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله PageV02P119 # هذه لمعة من دم في الكساء، فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها ~~مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: اغسلي هذه واجفيها ثم ~~ارسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو عليه أخرجه أبو داود، ويجاب عنه أولا بأنه ~~غريب كما قال المنذري. وثانيا بأن غاية ما فيه الامر وهو لا يدل على ~~الشرطية. وثالثا بأنه عليهم لا لهم لأنه لم ينقل إلينا أنه أعاد الصلاة ~~التي صلاها في ذلك ms0624 الثوب. ومنها حديث عمار بلفظ: إنما تغسل ثوبك من البول ~~والغائط والقئ والدم والمني رواه أبو يعلى والبزار في مسنديهما، وابن عدي ~~في الكامل، والدارقطني والبيهقي في سننهما، والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم ~~في المعرفة، والطبراني في الكبير والأوسط، ويجاب عنه أولا بأن هؤلاء كلهم ~~ضعفوه وضعفه غيرهم من أهل الحديث، لأن في إسناده ثابت بن حماد وهو متروك ~~ومتهم بالوضع، وعلي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف حتى قال البيهقي في سننه: ~~حديث باطل لا أصل له وثانيا بأنه لا يدل على المطلوب وليس فيه إلا أنه يغسل ~~الثوب من هذه الأشياء لا من غيرها. # ومنها حديث غسل المني وفركه في الصحيحين وغيرهما كما تقدم، وهو لا يدل ~~على الوجوب فكيف يدل على الشرطية؟ ومنها حديث: حتيه ثم اقرصيه عند البخاري ~~ومسلم وغيرهما من حديث أسماء. وفي لفظ: فلتقرصه ثم لتنضحه بماء من حديث ~~عائشة. وفي لفظ: حكيه بضلع من حديث أم قيس بنت محصن، ويجاب عن ذلك أولا بأن ~~الدليل أخص من الدعوى، وثانيا بأن غاية ما فيه الدلالة على الوجوب. ومنها ~~أحاديث الامر بغسل النجاسة كحديث تعذيب من لم يستنزه من البول، وحديث الامر ~~بغسل المذي وغيرهما، وقد تقدمت في أول هذا الكتاب، ويجاب عنها بأنها أوامر ~~وهي لا تدل على الشرطية التي هي محل النزاع كما تقدم، نعم يمكن الاستدلال ~~بالأوامر المذكورة في هذا الباب على الشرطية إن قلنا إن الامر بالشئ نهي عن ~~ضده وأن النهي يدل على الفساد، وفي كلا المسألتين خلاف مشهور في الأصول، ~~لولا أن ههنا مانعا من الاستدلال بها على الشرطية وهو عدم إعادته صلى الله ~~عليه وآله وسلم للصلاة التي خلع فيها نعليه، لان بناءه على ما فعله من ~~الصلاة قبل الخلع مشعر بأن الطهارة غير شرط، وكذلك عدم نقل إعادته للصلاة ~~التي صلاها في الكساء الذي فيه لمعة من دم كما تقدم. ومن أدلتهم على ~~الشرطية حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم ~~PageV02P120 # أخرجه ms0625 الدارقطني والعقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل. وهذا الحديث لو ~~صح لكان صالحا للاستدلال به على الشرطية المدعاة، لكنه غير صحيح بل باطل، ~~لأن في إسناده روح بن غطيف، وقال ابن عدي وغيره: إنه تفرد به وهو ضعيف، قال ~~الذهلي: أخاف أن يكون هذا موضوعا. وقال البخاري: حديث باطل. وقال ابن حبان: ~~موضوع. وقال البزار: # أجمع أهل العلم على نكرة هذا الحديث. قال الحافظ: وقد أخرجه ابن عدي في ~~الكامل من طريق أخرى عن الزهري لكن فيها أبو عصمة وقد اتهم بالكذب انتهى. ~~إذا تقرر لك ما سقناه من الأدلة وما فيها فاعلم أنها لا تقصر عن إفادة وجوب ~~تطهير الثياب، فمن صلى وعلى ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب، وأما أن صلاته ~~باطلة كما هو شأن فقدان شرط الصحة فلا لما عرفت. ومن فوائد حديثي الباب أنه ~~لا يجب العمل بمقتضى المظنة، لأن الثوب الذي يجامع فيه مظنة لوقوع النجاسة ~~فيه، فأرشد الشارع صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن الواجب العمل بالمئنة ~~دون المظنة. ومن فوائدهما كما قال ابن رسلان في شرح السنن طهارة رطوبة فرج ~~المرأة لأنه لم يذكر هنا أنه كان يغسل ثوبه من الجماع قبل أن يصلي ولو غسله ~~لنقل. ومن المعلوم أن الذكر يخرج وعليه رطوبة من فرج المرأة انتهى. # وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى فخلع نعليه فخلع ~~الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم: لم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، ~~فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب ~~نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما رواه أحمد ~~وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن خزيمة وابن حبان، واختلف في وصله وإرساله، ~~ورجح أبو حاتم في العلل الموصول، ورواه الحاكم من حديث أنس وابن مسعود، ~~ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس وعبد الله بن الشخير وإسناداهما ضعيفان، ~~ورواه البزار من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف معلول أيضا، قاله الحافظ ms0626 في ~~التلخيص. قوله: # فأخبرني فيه جواز تكليم المصلي وإعلامه بما يتعلق بمصالح الصلاة، وأنه لا ~~يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قوله: خبثا في رواية أبي داود قذرا وهو ~~ما تكرهه الطبيعة من نجاسة ومخاط ومني وغير ذلك. (والحديث) قد عرفت مما سلف ~~أنه استدل به القائلون بأن إزالة النجاسة من شروط صحة الصلاة وهو كما ~~عرفناك عليهم لا لهم، لأن استمراره على الصلاة التي صلاها قبل خلع النعل ~~وعدم استئنافه لها يدل على عدم PageV02P121 # كون الطهارة شرطا. وأجاب الجمهور عن هذا بأن المراد بالقذر هو الشئ ~~المستقذر كالمخاط والبصاق ونحوهما، ولا يلزم من القذر أن يكون نجسا، وبأنه ~~يمكن أن يكون دما يسيرا معفوا عنه، وإخبار جبريل له بذلك لئلا تتلوث ثيابه ~~بشئ مستقذر. ويرد هذا الجواب بما قاله في البارع في تفسير قوله: * (أو جاء ~~أحد منكم من الغائط) * (النساء: 43) أنه كنى بالغائط عن القذر، وقول ~~الأزهري: النجس القذر الخارج من بدن الانسان، فجعله لمستقذر غير نجس أو نجس ~~معفو عنه تحكم، وإخبار جبريل في حال الصلاة بالقذر الظاهر أنه لما فيها من ~~النجاسة التي يجب تجنبها في الصلاة لا لمخافة التلوث، لأنه لو كان لذلك ~~لأخبره قبل الدخول في الصلاة، لأن القعود حال لبسها مظنة للتلوث بما فيها، ~~على أن هذا الجواب لا يمكن مثله في رواية الخبث المذكورة في الباب للاتفاق ~~بين أئمة اللغة وغيرهم أن الأخبثين هما البول والغائط. قال المصنف رحمه ~~الله تعالى بعد أن ساق الحديث ما لفظه: وفيه أن ذلك النعال يجزئ، وأن الأصل ~~أن أمته أسوته في الاحكام، وأن الصلاة في النعلين لا تكره، وأن العمل ~~اليسير معفو عنه انتهى. وقد تقدم الكلام على أن ذلك النعال مطهر لها في ~~أبواب تطهير النجاسة، وأما أمته أسوته فهو الحق وفيه خلاف في الأصل مشهور، ~~وأما عدم كراهة الصلاة في النعلين فسيأتي، وأما العفو عن العمل اليسير ~~فسيأتي أيضا. ومن فوائد الحديث جواز المشي إلى المسجد بالنعل. # باب حمل المحدث والمستجمر في الصلاة ms0627 وثياب الصغار وما شك في نجاسته عن ~~أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة ~~بنت زينب فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها متفق عليه. # قوله: وهو حامل أمامة قال الحافظ: المشهور في الروايات التنوين ونصب ~~أمامة وروي بالإضافة، وزاد عبد الرزاق عن مالك بإسناد حديث الباب: على ~~عاتقه وكذا المسلم وغيره من طريق أخرى، ولأحمد من طريق ابن جريج: على رقبته ~~وأمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين كانت صغيرة على عهد النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وتزوجها علي بعد موت فاطمة بوصية منها. قوله: فإذا ركع وضعها ~~هكذا في صحيح مسلم والنسائي وأحمد وابن حبان كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ ~~مالك. ورواية البخاري عن مالك: فإذا سجد. ولأبي داود PageV02P122 # من طريق المقبري عن عمرو بن سليم: حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ~~ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها. وهذا صريح في ~~أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، وهو يرد تأويل الخطابي حيث قال: يشبه ~~أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده ~~فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها. ويرد أيضا قول ابن دقيق العيد: أن ~~لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل لأنا نقول: فلان حمل كذا ~~ولو كان غيره حمله، بخلاف وضع فعلي هذا، فالفعل الصادر منه هو الوضع لا ~~الرفع فيقل العمل انتهى. لأن قوله: حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها ~~في مكانها صريح في أن الرفع صادر منه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رجع ابن ~~دقيق العيد إلى هذا فقال: وقد كنت أحسب هذا يعني الفرق بين حمل ووضع، وأن ~~الصادر منه الوضع لا الرفع حسنا، إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة فإذا قام ~~أعادها انتهى. وهذه الرواية في صحيح مسلم. ولأحمد: # فإذا قام حملها فوضعها على رقبته. (والحديث) يدل على أن مثل هذا ms0628 الفعل ~~معفو عنه. من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم والامام لما ~~في صحيح مسلم من زيادة: وهو يؤم الناس في المسجد وإذا جاز ذلك في حال ~~الإمامة في صلاة الفريضة جاز في غيرها بالأولى. قال القرطبي: وقد اختلف ~~العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن ~~القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده المازري وعياض وابن القاسم، ~~قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة. وأصرح من هذا ما ~~أخرجه أبو داود بلفظ: بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج علينا وأمامة على عاتقه ~~فقام في مصلاه فقمنا خلفه فكبر فكبرنا وهي في مكانها. وروى أشهب وعبد الله ~~بن نافع عن مالك أن ذلك للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها، وقال بعض ~~أصحابه: # لأنه لو تركها لبكت وشغلته أكثر من شغلته بحملها. وفرق بعض أصحابه بين ~~الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون ~~الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف ~~التنيسي عن مالك أن الحديث منسوخ. # قال الحافظ: روى ذلك عنه الإسماعيلي لكنه غير صريح. وقال ابن عبد البر: ~~لعل الحديث منسوخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة، وتعقب بأن النسخ لا ~~يثبت بالاحتمال، PageV02P123 # وبأن القضية كانت بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في الصلاة لشغلا ~~لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة بمدة مديدة قطعا قاله ~~الحافظ. وقال القاضي عياض: إن ذلك كان من خصائصه، ورد بأن الأصل عدم ~~الاختصاص. قال النووي بعد أن ذكر هذه التأويلات: وكل ذلك دعاوى باطلة ~~مردودة لا دليل عليه، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال ~~وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا ~~تبطلها إذا قلت أو تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي ms0629 ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لبيا الجواز انتهى. قال الحافظ: وحمل أكثر أهل ~~العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان الصلاة. ~~ومن فوائد الحديث جواز إدخال الصبيان المساجد وسيأتي الكلام على ذلك، وأن ~~مس الصغيرة لا ينتقض به الوضوء، والظاهر طهارة ثياب من لا يحترز من النجاسة ~~كالأطفال. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون ذلك وقع حال التنظيف لأن ~~حكايات الأحوال لا عموم لها. # وعن أبي هريرة قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء، ~~فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذا ~~رفيقا ويضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاته، ثم أقعد أحدهما ~~على فخذيه، قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله أردهما؟ فبرقت برقة، فقال ~~لهما: الحقا بأمكما، فمكث ضوءها حتى دخلا رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا ابن عساكر، وفي إسناد أحمد كامل بن العلاء وفيه مقال ~~معروف، وهو يدل على أن مثل هذا الفعل الذي وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~غير مفسد للصلاة، وفيه التصريح بأن ذلك كان في الفريضة، وقد تقدم الكلام في ~~شرح الحديث الذي قبل هذا، وفيه جواز إدخال الصبيان المساجد، وقد أخرج ~~الطبراني من حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم وحدودكم وشراءكم وبيعكم وجمروها يوم جمعكم ~~واجعلوا على أبوابها مطاهركم ولكن الراوي له عن معاذ مكحول وهو لم يسمع ~~منه. وأخرج ابن ماجة من حديث واثلة بن الأسقع: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع ~~أصواتكم وإقامة حدودكم PageV02P124 # وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع وفي إسناده ~~الحرث بن شهاب وهو ضعيف. وقد عارض هذين الحديثين الضعيفين حديث أمامة ~~المتقدم وهو متفق عليه. وحديث الباب وحديث أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في ms0630 الصلاة فأخفف مخافة أن تفتتن ~~أمه وهو متفق عليه، فيجمع بين الأحاديث بحمل الامر بالتجنيب على الندب كما ~~قال العراقي في شرح الترمذي، أو بأنها تنزه المساجد عمن لا يؤمن حدثه فيها. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل وأنا ~~إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا النسائي، واتفق على نحوه الشيخان من حديث ميمونة. # قوله: مرط بكسر الميم وهو كساء من صوف أو خز أو كتان. وقيل: لا يسمى مرطا ~~إلا الأخضر. وفي الصحيح: في مرط من شعر أسود والمرط يكون إزارا ويكون رداء، ~~قاله ابن رسلان. (وفيه دليل) على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته ~~وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: إنها تبطل والحديث يرد عليه. وفيه أن ~~ثياب الحائض طاهرة إلا موضعا يرى فيه أثر الدم أو النجاسة. وفيه جواز ~~الصلاة بحضرة الحائض وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه عليها. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يصلي في شعرنا ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. ولفظه: لا يصلي في لحف نسائه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة كلهم من طريق محمد بن سيرين عن عبد ~~الله بن شقيق عن عائشة، قال أبو داود في سننه: قال حماد يعني ابن زيد: سمعت ~~سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدا يعني ابن سيرين عنه فلم يحدثني وقال: ~~سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعته من ثبت أم لا، فاسألوا عنه. قال ابن عبد ~~البر في هذا المعنى: # قول من حفظ عنه حجة على من سأله في حال نسيانه أو في حال تغير، فكره من ~~أمر طرأ له من غضب أو غيره، ففي مثل هذا العالم لا يسأل. وقوله: فاسألوا ~~عنه غيري لا يقدح في الرواية المتقدمة فإنه محمول على أنه أمر بسؤال غيره ~~لتقوية الحجة. قوله: في شعرنا PageV02P125 # بضم الشين والعين المهملة جمع شعار ms0631 على وزن كتب وكتاب وهو الثوب الذي يلي ~~الجسد، وخصتها بالذكر لأنها أقرب إلى أن تنالها النجاسة من الدثار وهو ~~الثوب الذي يكون فوق الشعار، قال ابن الأثير: المراد بالشعار هنا الإزار ~~الذي كانوا يتغطون به عند النوم وفي رواية أبي داود: في شعرنا أو لحفنا شك ~~من الراوي، واللحاف اسم لما يلتحف به. # (والحديث) يدل على مشروعية تجنب ثياب النساء التي هي مظنة لوقوع النجاسة ~~فيها، وكذلك سائر الثياب التي تكون كذلك. وفيه أيضا أن الاحتياط والاخذ ~~باليقين جائز غير مستنكر في الشرع، وأن ترك المشكوك فيه إلى المتيقن ~~المعلوم جائز وليس من نوع الوسواس كما قال بعضهم. وقد تقدم في الباب الأول ~~أنه كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله ما لم ير فيه أذى، وأنه قال لمن ~~سأله هل يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله: # نعم إلا أن يرى فيه شيئا فيغسله، وذكرنا هنالك أنه من باب الاخذ بالمئنة ~~لعدم وجوب العمل بالمظنة، وهكذا حديث صلاته في الكساء الذي لنسائه وقد ~~تقدم، وحديث عائشة المذكور قبل هذا، وكل ذلك يدل على عدم وجوب تجنب ثياب ~~النساء، وإنما هو مندوب فقط عملا بالاحتياط كما يدل عليه حديث الباب، وبهذا ~~يجمع بين الأحاديث. # باب من صلى على مركوب نجس أو قد أصابته نجاسة عن ابن عمر قال: رأيت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وأبو داود. وعن أنس: أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ~~على حمار وهو راكب إلى خيبر والقبلة خلفه رواه النسائي. # أما حديث ابن عمر فرواه عمرو بن يحيى المازني عن أبي الحباب سعيد بن يسار ~~عن عبد الله بن عمر بلفظ الكتاب. قال النسائي: عمرو بن يحيى لا يتابع على ~~قوله على حمار وربما قال على راحلته وقال الدارقطني وغيره: غلط عمرو بن ~~يحيى بذكر الحمار والمعروف على راحلته وعلى البعير، وقد أخرجه مسلم في ~~الصحيح من طريق عمرو ms0632 بن يحيى بلفظ: على حمار قال النووي: وفي الحكم بتغليط ~~عمرو بن يحيى نظر لأنه ثقة نقل شيئا محتملا، فلعله كان الحمار مرة والبعير ~~مرات، ولكنه يقال إنه شاذ، فإنه مخالف رواية الجمهور في البعير والراحلة، ~~والشاذ مردود وهو المخالف للجماعة والله أعلم انتهى. PageV02P126 # وأما حديث أنس فإسناده في سنن النسائي، هكذا أخبرنا محمد بن منصور قال: ~~حدثنا إسماعيل بن عمر قال: حدثنا داود بن قيس عن محمد بن عجلان عن يحيى بن ~~سعيد عن أنس فذكره، وهؤلاء كلهم ثقات. قال النسائي: الصواب موقوف انتهى. ~~وقد خرجه مسلم والامام مالك في الموطأ من فعل أنس. ولفظ مسلم: حدثنا أنس بن ~~سيرين قال: تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام فلقيناه بعين التمر فرأيته ~~يصلي على حمار. # قال القاضي عياض: قيل إنه وهم وصوابه قدم من الشام كما جاء في صحيح ~~البخاري، لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام. قال النووي: ~~ورواية مسلم صحيحة، ومعناه تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، وإنما حذف في ~~رجوعه للعلم به. واستدل المصنف بالحديثين على جواز الصلاة على المركوب ~~النجس والمركوب الذي أصابته نجاسة، وهو لا يتم إلا على القول بأن الحمار ~~نجس عين، نعم يصح الاستدلال به على جواز الصلاة على ما فيه نجاسة لأن ~~الحمار لا ينفك عن التلوث بها. (والحديثان) يدلان على جواز التطوع على ~~الراحلة. قال النووي: وهو جائز بإجماع المسلمين، ولا يجوز عند الجمهور إلا ~~في السفر من غير فرق بين قصيره وطويله، وقيده مالك بسفر القصر. وقال أبو ~~يوسف وأبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي: إنه يجوز التنفل على الدابة في ~~البلد، وسيعقد المصنف لذلك بابا في آخر أبواب القبلة. # باب الصلاة على الفراء والبسط وغيرهما من المفارش عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم صلى على بساط رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث في إسناده زمعة بن صالح الحيدي، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم ~~والنسائي، وقد أخرج له مسلم فرد حديث مقرونا بآخر، ms0633 وهذا الحديث قد أخرجه ~~ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا وكيع عن زمعة عن عمرو بن دينار وسلمة، ~~قال أحدهما عن عكرمة عن ابن عباس فذكره. وفي الباب عن أنس بن مالك عند ~~البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وصححه ابن ماجة بلفظ: كان يقول لأخ لي ~~صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ # قال: ونضح بساط لنا فصلى عليه. قوله: بساط بكسر الباء جمعه بسط بضمها ~~وتسكين السين وضمها وهو ما يبسط أي يفرش، وأما البساط بفتح الباء فهي الأرض ~~الواسعة، قال عديل بن الفرخ العجلي: PageV02P127 # ودون يد الحجاج من أن تنالني * بساط لأيدي الناعجات عريض (والحديث) يدل ~~على جواز الصلاة على البسط، وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ~~ومن بعدهم، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء، وقد ~~كره ذلك جماعة من التابعين ممن بعدهم، فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد ~~بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهما قالا: الصلاة على الطنفسة وهي البساط الذي ~~تحته خمل محدثة. وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شئ من ~~الحيوان، ويستحب الصلاة على كل شئ من نبات الأرض. وعن عروة بن الزبير أنه ~~كان يكره أن يسجد على شئ دون الأرض. وإلى الكراهة ذهب الهادي ومالك. # ومنعت الامامية صحة السجود على ما لم يكن أصله من الأرض، وكره مالك أيضا ~~الصلاة على ما كان من نبات الأرض، فدخلته صناعة أخرى كالكتان والقطن. قال ~~ابن العربي: # وإنما كرهه من جهة الزخرفة. واستدل الهادي على كراهة ما ليس من الأرض ~~بحديث: # جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا بناء على أن لفظ الأرض لا يشتمل ذلك. قال في ~~ضوء النهار: وهو وهم لأن المراد بالأرض في حديث التراب بدليل وطهورا، وإلا ~~لزم مذهب أبي حنيفة في جواز التيمم بما أنبتت الأرض انتهى. وأقول: بل ~~المراد بالأرض في الحديث ما هو أعم من التراب بدليل ما ثبت في الصحيح بلفظ: ~~وتربتها طهورا وإلا لزم صحة إضافة الشئ إلى ms0634 نفسه وهي باطلة بالاتفاق، ولكن ~~الأولى أن يقال في الجواب عن الاستدلال بالحديث أن التنصيص على كون الأرض ~~مسجدا لا ينفي كون غيرها مسجدا بعد تسليم عدم صدق مسمى الأرض على البسط، ~~على أن السجود على البسط ونحوها سجود على الأرض، كما يقال للراكب على السرج ~~الموضوع على ظهر الفرس: راكب على الفرس، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى على البسط وهو لا يفعل المكروه. # (فائدة) حديث أنس الذي ذكر بلفظ البسط أخرجه الأئمة الستة بلفظ الحصير، ~~قال العراقي في شرح الترمذي: فرق المصنف يعني الترمذي بين حديث أنس في ~~الصلاة على البسط وبين حديث أنس في الصلاة على الحصير وعقد لكل منهما بابا، ~~وقد روى ابن أبي شيبة في سننه ما يدل على أن المراد بالبساط الحصير بلفظ: ~~فيصلي أحيانا على بساط لنا وهو حصير ننضحه بالماء قال العراقي: فتبين أن ~~مراد أنس بالبساط الحصير، ولا شك أنه صادق على الحصير، لكونه يبسط على ~~الأرض أي يفرش انتهى. PageV02P128 # وهذه الرواية إن صلحت لتقييد حديث أنس لم تصلح لتقييد حديث ابن عباس. # وعن المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ~~على الحصير والفروة المدبوغة رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده أبو عون محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي عن أبيه عن ~~المغيرة ، وأبو عون ثقة احتج به الشيخان، وأما أبوه فلم يرو عنه غير ابنه ~~أبي عون. قال أبو حاتم فيه مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات في أتباع ~~التابعين وقال: يروي المقاطيع، قال العراقي: # وهذا يدل على الانقطاع بينه وبين المغيرة انتهى. ولكن صلاته صلى الله ~~عليه وآله وسلم على الحصير ثابتة من حديث أنس عند الجماعة، ومن حديث أبي ~~سعيد وسيأتي، ومن حديث أم سلمة عند الطبراني في الكبير، ومن حديث ابن عمر ~~عند أبي حاتم في العلل. # قوله: والفروة المدبوغة الفروة هي التي تلبس وجمعها فراء كبهمة وبهام، ~~وفي ذلك رد على من كره ms0635 الصلاة على غير الأرض وما خلق منها، وقد تقدم الكلام ~~على ذلك. # (ويدل الحديث) وسائر الأحاديث التي ذكرناها على أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى على الحصير. وأخرج أبو يعلى الموصلي عن عائشة بسند قال العراقي ~~رجاله ثقات: أنها سئلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على ~~الحصير؟ قالت: لم يكن يصلي عليه وكيفية الجمع بين حديثها هذا وسائر ~~الأحاديث أنها إنما نفت علمها، ومن علم صلاته على الحصير مقدم على النافي، ~~وأيضا فإن حديثها وإن كان رجاله ثقات فإن فيه شذوذا ونكارة كما قال ~~العراقي. وقد ذهب إلى استحباب الصلاة على الحصير أكثر أهل العلم كما قال ~~الترمذي قال: إلا أن قوما من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحبابا ~~انتهى. وقد روي عن زيد بن ثابت وأبي ذر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر ~~وسعيد بن المسيب ومكحول وغيرهما من التابعين استحباب الصلاة على الحصير، ~~وصرح ابن المسيب بأنها سنة. وممن اختار مباشرة المصلى للأرض من غير وقاية ~~عبد الله بن مسعود فروى الطبراني عنه أنه كان لا يصلي ولا يسجد إلا على ~~الأرض، وعن إبراهيم النخعي أنه كان يصلي على الحصير ويسجد على الأرض. # وعن أبي سعيد: أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه رواه مسلم. # حديث أبي سعيد أخرجه مسلم عن عمر والناقد وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن ~~عيسى بن PageV02P129 # يونس. ورواه أيضا مسلم وابن ماجة عن أبي كريب، زاد مسلم: وعن أبي بكر بن ~~أبي شيبة كلاهما عن أبي معاوية عن الأعمش، زاد مسلم: ورأيته يصلي في ثوب ~~واحد متوشحا به وهذه الزيادة أفردها ابن ماجة، فرواها عن أبي كريب عن عمر ~~بن عبيد عن الأعمش، والكلام على فقه الحديث قد تقدم. # وعن ميمونة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة ~~رواه الجماعة إلا الترمذي لكنه له من رواية ابن عباس رضي الله عنه. ms0636 # لفظ حديث ابن عباس في سنن الترمذي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يصلي على الخمرة وقال: حسن صحيح. وفي الباب عن أم حبيبة عند الطبراني، ~~وعن أم سلمة عند الطبراني أيضا، وعن عائشة عند مسلم وأبي داود والترمذي ~~والنسائي، وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير والأوسط وأحمد والبزار. وعن ~~أم كلثوم بنت أبي سلمة بن عبد الأسد عند ابن أبي شيبة. قال الترمذي: ولم ~~يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أورد لها الطبراني في المعجم ~~الكبير أحاديث من روايتها عن أم سلمة، وفي بعض طرقها عن أم كلثوم بنت عبد ~~الله بن زمعة أن جدتها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفعت ~~إليها مخضبا من صفر، وعن أنس عند الطبراني في الصغير والأوسط والبزار ~~بإسناد رجاله ثقات، وعن جابر عند البزار، وعن أبي بكرة عند الطبراني بإسناد ~~رجاله ثقات، وعن أبي هريرة عند مسلم والنسائي، وعن أم أيمن عند الطبراني ~~بإسناد جيد، وعن أم سليم عند أحمد والطبراني وإسناده جيد. قوله: على الخمرة ~~قال أبو عبيد: هي بضم الخاء سجادة من سعف النخل على قدر ما يسجد عليه ~~المصلي، فإن عظم بحيث يكفي لجسده كله في صلاة أو اضطجاع فهو حصير وليس ~~بخمرة. وقال الجوهري: الخمرة بالضم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل ~~بالخيوط. وقال الخطابي: الخمرة السجادة، وكذا قال صاحب المشارق، قال: وهي ~~على قدر ما يضع عليه الوجه والأنف. وقال صاحب النهاية: هي مقدار ما يضع ~~عليه الرجل وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خوص ونحوه من الثياب، ولا يكون ~~خمرة إلا في هذا المقدار، وقد تقدم تفسير الخمرة بأخصر مما هنا في باب ~~الرخصة في اجتياز الجنب من المسجد من أبواب الغسل. ومادة خمر تدل على ~~التغطية والستر، ومنه سميت الخمر لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره. ~~(والحديث) يدل على أنه لا بأس بالصلاة على السجادة، سواء كانت من الخرق أو ~~الخوص أو غير ذلك، ms0637 وسواء كانت صغيرة كالخمرة على القول بأنها لا تسمى خمرة ~~PageV02P130 # إلا إذا كانت صغيرة، أو كانت كبيرة كالحصير والبساط لما تقدم من صلاته ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الحصير والبساط والفروة. وقد أخرج أحمد في ~~مسنده من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأفلح: يا ~~أفلح ترب وجهك أي في سجوده، قال العراقي: والجواب عنه أنه لم يأمره أن يصلي ~~على التراب، وإنما أراد به تمكين الجبهة من الأرض، وكأنه رآه يصلي ولا يمكن ~~جبهته من الأرض فأمره بذلك، لا أنه رآه يصلي على شئ يستره من الأرض فأمره ~~بنزعه انتهى. وقد ذهب إلا أنه لا بأس بالصلاة على الخمرة الجمهور، قال ~~الترمذي وبه يقول بعض أهل العلم، وقد نسبه العراقي إلى الجمهور من غير فرق ~~بين ثياب القطن والكتان والجلود وغيرها من الطاهرات، وقد تقدم ذكر من اختار ~~مباشرة الأرض. # وعن أبي الدرداء قال: ما أبالي لو صليت على خمس طنافس رواه البخاري في ~~تاريخه. # الحديث رواه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: ست طنافس بعضها فوق بعض وروي ابن أبي ~~شيبة عن ابن عباس أنه صلى على طنفسة. وعن أبي وائل أنه صلى على طنفسة. وعن ~~الحسن قال: لا بأس بالصلاة على الطنفسة. وعنه أنه كان يصلي على طنفسة قدماه ~~وركبتاه عليها ويداه ووجهه على الأرض. وعن إبراهيم والحسن أيضا أنهما صليا ~~على بساط فيه تصاوير. وعن عطاء أنه صلى على بساط أبيض. وعن سعيد بن جبير ~~أنه صلى على بساط أيضا. # وعن مرة الهمداني أنه صلى على لبد، وكذا عن قيس بن عباد. (وإلى جواز ~~الصلاة) على الطنافس ذهب جمهور العلماء والفقهاء كما تقدم في الصلاة على ~~البسط، وخالف في ذلك من خالف في الصلاة على البسط، لأن الطنافس البسط التي ~~تحتها خمل كما تقدم. قوله: # طنافس جمع طنفسة وفي ضبطها لغات كسر الطاء والفاء معا وضمهما وفتحهما معا ~~وكسر الطاء مع فتح الفاء. # باب الصلاة في النعلين والخفين عن أبي مسلمة ms0638 سعيد بن يزيد قال: سألت ~~أنسا: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم متفق ~~عليه. وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خالفوا ~~اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم PageV02P131 # رواه أبو داود. الحديث الأول أخرجه البخاري عن آدم عن شعبة، وعن سليمان ~~بن حرب عن حماد ابن زيد، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن بشر بن المغفل، ~~وعن الربيع الزهراني عن عباد بن العوام، وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن ~~يزيد بن زريع، وغسان بن مضر عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد. والحديث الثاني ~~أخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه ولا مطعن في إسناده، وفي الباب أحاديث أربعة ~~أخر عن أنس: الأول عند الطبراني والبيهقي قال البيهقي: لا بأس بإسناده. # الثاني عند البزار بنحو حديث شداد بن أوس. والثالث عند ابن مردويه بلفظ: ~~صلوا في نعالكم وفي إسناده عباد بن جويرية كذبه أحمد والبخاري. والرابع عند ~~ابن مردويه وفي إسناده عيسى بن عبد الله العسقلاني وهو ضعيف يسرق الحديث. ~~وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند ابن ماجة، وله حديث آخر عند الطبراني ~~في إسناده علي بن عاصم تكلم فيه، وله حديث ثالث عند البزار والطبراني ~~والبيهقي وفي إسناده أبو حمزة الأعور وهو غير محتج به. وعن عبد الله بن أبي ~~حبيبة عند أحمد والبزار والطبراني، وعن عبد الله بن عمرو وعند أبي داود ~~وابن ماجة، وعن عمرو بن حريث عند الترمذي في الشمائل والنسائي، وعن أوس ~~الثقفي عند ابن ماجة، وعن أبي هريرة عند أبي داود، وله حديث آخر عند أحمد ~~والبيهقي، وله حديث ثالث عند البزار والطبراني وفيه عباد بن كثير وهو لين ~~الحديث، وقيل: متروك، وقيل: لا يحتج بحديثه، وله حديث رابع رواه ابن مردويه ~~وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف، وعن عطاء الشيبي عند ابن منده في معرفة ~~الصحابة والطبراني وابن قانع، وعن البراء عند أبي الشيخ وفي إسناده سوار ms0639 بن ~~مصعب وهو ضعيف، وعن عبد الله بن الشخير عند مسلم وله حديث آخر عند ~~الطبراني، وعن ابن عباس عند البزار والطبراني وابن عدي وفي إسناده النضر بن ~~عمر وهو ضعيف جدا وله حديث آخر عند الطبراني، وعن عبد الله بن عمر عند ~~الطبراني، وعن علي بن أبي طالب عند ابن عدي في الكامل من رواية الحسين بن ~~ضميرة عن أبيه عن جده وهو ضعيف جدا، وله حديث آخر عند أبي يعلى وابن عدي ~~وقال: وهذا ليس له أصل وهو مما وضعه محمد بن الحجاج اللخمي، وعن فيروز ~~الديلمي عند الطبراني وإسناده جيد، وعن مجمع بن جارية عند أحمد وفي إسناده ~~يزيد بن عياض وهو ضعيف، وعن الهرماس بن زياد عند ابن حبان في الثقات ~~والطبراني في معجميه الكبير والأوسط، وعن أبي بكرة عند البزار وأبي يعلى ~~وابن عدي وفي إسناده بحر بن مرار اختلط وتغير وقد وثقه ابن معين، وعن أبي ~~ذر عند أبي PageV02P132 # الشيخ والبيهقي، وعن أبي سعيد أبي داود، وعن عائشة عند الطبراني بإسناد ~~صحيح، وعن أعرابي من الصحابة لم يسم عند ابن أبي شيبة في مصنفه وأحمد في ~~مسنده. (والحديثان يدلان) على مشروعية الصلاة في النعال، وقد اختلف نظر ~~الصحابة والتابعين في ذلك هل هو مستحب أو مباح أو مكروه؟ فروي عن عمر ~~بإسناد ضعيف أنه كان يكره خلع النعال ويشتد على الناس في ذلك وكذا عن ابن ~~مسعود. وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم. وروي عن ~~إبراهيم أنه كان يكره خلع النعال وهذا يشعر بأنه مستحب عند هؤلاء. قال ~~العراقي في شرح الترمذي: وممن كان يفعل ذلك يعني لبس النعل في الصلاة عمر ~~بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعويمر بن ساعدة وأنس بن مالك ~~وسلمة بن الأكوع وأوس الثقفي، ومن التابعين سعيد بن المسيب والقاسم وعروة ~~بن الزبير وسالم بن عبد الله وعطاء بن يسار وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وطاوس ~~وشريح القاضي وأبو مجلز وأبو عمر والشيباني ms0640 والأسود بن يزيد وإبراهيم ~~النخعي وإبراهيم التيمي وعلي بن الحسين وابنه أبو جعفر، وممن كان لا يصلي ~~فيهما عبد الله بن عمر وأبو موسى الأشعري. وممن ذهب إلى الاستحباب الهادوية ~~وإن أنكر ذلك عوامهم، قال الإمام المهدي في البحر مسألة ويستحب في النعل ~~الطاهر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا في نعالكم الخبر. وقال ابن ~~دقيق العيد في شرح الحديث الأول من حديثي الباب: أنه لا ينبغي أن يؤخذ منه ~~الاستحباب لأن ذلك لا مدخل له في الصلاة، ثم أطال البحث وأطاب، إلا أن ~~الحديث الثاني من حديثي الباب أقل أحواله الدلالة على الاستحباب، وكذلك ~~سائر الأحاديث التي ذكرنا. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أنه ~~قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن ~~رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما ويمكن الاستدلال لعدم ~~الاستحباب بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدا ~~ليجعلهما بين رجليه أو ليصل فيهما وهو كما قال العراقي صحيح الاسناد. وحديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصلي حافيا ومنتعلا أخرجه أبو داود وابن ماجة. وروى ابن أبي شيبة بإسناده ~~إلى أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في نعليه فصلى الناس في نعالهم فخلع PageV02P133 # نعليه فخلعوا، فلما صلى قال: من شاء أن يصلي في نعليه فليصل ومن شاء أن ~~يخلع فليخلع قال العراقي: وهذا مرسل صحيح الاسناد، ويجمع بين أحاديث الباب ~~بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة ~~لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب، لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد ~~تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب كما في حديث: بين كل أذانين صلاة لمن شاء ~~وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي. # باب ms0641 المواضع المنهي عنها والمأذون فيها للصلاة عن جابر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته ~~الصلاة فليصل حيث أدركته متفق عليه. وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: جعلت لي كل الأرض طيبة مسجدا وطهورا رواه الخطابي ~~بإسناده. # الحديث قد تقدم الكلام على طرقه وفقهه في التيمم فلا نعيده، وهو ثابت ~~بزيادة طيبة من رواية أنس عند ابن السراج في مسنده، قال العراقي بإسناد ~~صحيح: # وأخرجه أيضا أحمد والضياء في المختارة، وأشار إلى حديث أنس أيضا الترمذي. ~~قال العراقي في شرح الترمذي ما لفظه: وحديث جابر أخرجه البخاري ومسلم ~~والنسائي من رواية يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # أعطيت خمسا فذكرها وفيه: وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا الحديث انتهى. ~~فعلى هذا يكون زيادة طيبة مخرجة في الصحيحين، ولكنه ذكر البخاري الحديث من ~~طريق يزيد الفقير عن جابر في التيمم والصلاة وليس فيه هذه الزيادة، وأما ~~مسلم فصرح بها في صحيحه في الصلاة، وهي تدل على أن المراد بالأرض المذكورة ~~في الحديث ليس هي الأرض جميعها، كما تدل على ذلك زيادة لفظ كلها في حديث ~~حذيفة عند مسلم، وكما في حديث أبي ذر وحديث أبي سعيد الآتيين، بل المراد ~~الأرض الطاهرة المباحة، لأن المتنجسة ليست بطيبة لغة، والمغصوبة ليست بطيبة ~~شرعا، نعم من قال: إن التأكيد ينفي المجاز قال: المراد بالأرض المؤكدة بلفظ ~~كل جميعها، وجعل هذه الزيادة معارضة لأصل الحديث لأنها وقعت منافية له، ~~والزيادة إنما تقبل مع عدم منافاة الأصل فيصار حينئذ إلى PageV02P134 # التعارض، وقد حكى بعضهم في التأكيد بكل خلافا هل يرفع المجاز أو يضعفه؟ ~~والظاهر عدم الرفع لما في الصحيح من حديث عائشة: كان يصوم شعبان كله كان ~~يصوم نصفه إلا قليلا والقول بأنه يرفع المجاز يستلزم عدم صحة وقوع ~~الاستثناء بعد المؤكد كما صرح بذلك القائلون به، وللمقام بحث ليس ms0642 هذا ~~موضعه. ومما يدل على عدم الرفع الأحاديث الواردة في المنع من الصلاة في ~~المقبرة والحمام وغيرهما وسيأتي ذكرها. # وعن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي مسجد وضع ~~أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ # قال: أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: حيثما أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد ~~متفق عليه. # قوله: قال أربعون يعني في الحدوث لا في المسافة. قوله: حيثما أدركت لفظ ~~مسلم وأينما أدركتك الصلاة فصلها فإنه مسجد. وفي لفظ له: ثم حيثما أدركتك ~~وفي لفظ له أيضا: فحيثما أدركتك الصلاة فصل قال النووي: وفيه جواز الصلاة ~~في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة في المقابر وغيرها من ~~المواضع التي فيها النجاسة كالمزبلة والمجزرة، وكذا ما نهى عنه لمعنى آخر، ~~فمن ذلك أعطان الإبل، ومنه قارعة الطريق والحمام وغيرهما، وسيأتي الكلام ~~على ذلك مستوفى. قوله: فكلها هو تأكيد لما فهم من قوله: حيثما أدركت وهو ~~الأرض أو أمكنتها. # وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الأرض كلها مسجد إلا ~~المقبرة والحمام رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث أخرجه الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الترمذي: وهذا ~~حديث فيه اضطراب، رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مرسلا. ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن ~~أبي سعيد، ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: وكان عامة ~~روايته عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يذكر فيه عن أبي ~~سعيد، وكأن رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه أثبت وأصح انتهى. وقال ~~الدارقطني في العلل: المرسل المحفوظ، ورجح البيهقي المرسل. وقال النووي: هو ~~ضعيف. وقال صاحب الامام: حاصل PageV02P135 # ما علل به الارسال، وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول. قال الحافظ: وأفحش ~~ابن دحية فقال في كتاب التنوير له: هذا لا ms0643 يصح من طريق من الطرق، كذا قال ~~فلم يصب انتهى. # (والحديث) صححه الحاكم في المستدرك وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق ~~العيد في الامام إلى صحته. وفي الباب عن علي عند أبي داود، وعن ابن عمر عند ~~الترمذي وابن ماجة وسيأتي، وعن عمر عند ابن ماجة، وعن أبي مرثد الغنوي عند ~~مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وسيأتي، وعن جابر وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص وعمران بن الحصين ومعقل بن يسار وأنس بن مالك جميعهم عند ابن عدي في ~~الكامل، وفي إسناد حديثهم عباد بن كثير ضعيف جدا ضعفه أحمد وابن معين، قال ~~ابن حزم: أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور والصلاة في المقبرة أحاديث ~~متواترة لا يسع أحدا تركها، قال العراقي: إن أراد بالتواتر ما يذكره ~~الأصوليون من أنه رواه عن كل واحد من رواته جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب ~~في الطرفين والواسطة فليس كذلك فإنها أخبار آحاد، وإن أراد بذلك وصفها ~~بالشهرة فهو قريب، وأهل الحديث غالبا إنما يريدون بالمتواتر المشهور انتهى. ~~وفيه أن المعتبر في التواتر هو أن يروي الحديث المتواتر جمع عن جمع، يستحيل ~~تواطؤ كل جمع على الكذب، لا أنه يرويه جمع كذلك عن كل واحد من رواته ما لم ~~يعتبره أهل الأصول، اللهم إلا أن يريد بكل واحد من رواته كل رتبة من رتب ~~رواته. # قوله: إلا المقبرة مثلثة الباء مفتوحة الميم وقد تكسر الميم وهي المحل ~~الذي يدفن فيه الموتى. (والحديث) يدل على المنع من الصلاة في المقبرة ~~والحمام، وقد اختلف الناس في ذلك، أما المقبرة فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة ~~في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئا ~~يقيه من النجاسة أم لا، ولا بين أن يكون في القبور أو في مكان منفرد عنها ~~كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار. ~~قال ابن حزم: وبه يقول طوائف من السلف، فحكي عن خمسة من الصحابة النهي عن ~~ذلك وهم: # عمر وعلي وأبو هريرة وأنس ms0644 وابن عباس وقال: ما نعلم لهم مخالفا من ~~الصحابة، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم ~~وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم. وقوله: لا نعلم لهم مخالفا في الصحابة ~~إخبار عن علمه، وإلا فقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر ~~أنه رخص في الصلاة في المقبرة، وحكى أيضا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وقد ~~ذهب إلى تحريم الصلاة على القبر من أهل البيت المنصور بالله PageV02P136 # والهادوية وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها. وذهب الشافعي إلى الفرق بين ~~المقبرة المنبوشة وغيرها فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم وما ~~يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها ~~أجزأته. وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب وأبو العباس والامام يحيى من أهل البيت، ~~وقال الرافعي: أما المقبرة فالصلاة مكروهة فيها بكل حال. وذهب الثوري ~~والأوزاعي وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق ~~الشافعي ومن معه بين المنبوشة وغيرها، وذهب مالك إلى جواز الصلاة في ~~المقبرة وعدم الكراهة والأحاديث ترد عليه. (وقد احتج له) بعض أصحابه بما ~~يقضى منه العجب، فاستدل له بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر ~~المسكينة السوداء، وأحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الامام لا تقصر عن ~~الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول أن ~~النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان، لأن الفساد ~~الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان، من غير فرق بين الصلاة على القبر ~~وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة. وأما الحمام فذهب أحمد إلى عدم ~~صحة الصلاة فيه ومن صلى فيه أعاد أبدا. وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا ~~مقبرة على ظاهر الحديث وإلى ذلك ذهبت الظاهرية. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~لا يصلين إلى حش ولا في حمام ولا في مقبرة، قال ابن حزم: وما نعلم لابن ~~عباس في هذا ms0645 مخالفا من الصحابة، وروينا مثل ذلك عن نافع بن جبير بن مطعم ~~وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد عن أبيه، قال ابن حزم: ولا تحل ~~الصلاة في حمام سواء في ذلك مبدأ بابه إلى جميع حدوده ولا على سطحه وسقف ~~مستوقده وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما، فإن سقط من بنائه شئ يسقط عنه ~~اسم حمام جازت الصلاة في أرضه حينئذ انتهى. وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة في ~~الحمام مع الطهارة وتكون مكروهة، وتمسكوا بعمومات نحو حديث: أينما أدركت ~~الصلاة فصل وحملوا النهي على حمام متنجس، والحق ما قاله الأولون لأن أحاديث ~~المقبرة والحمام مخصصة لذلك العموم، وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل ~~هو ما تحت المصلى من النجاسة، وقيل لحرمة الموتى، وحكمة المنع من الصلاة في ~~الحمام أنه يكثر فيه النجاسات، وقيل إنه مأوى الشيطان. # وعن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها رواه الجماعة إلا البخاري وابن ~~ماجة. PageV02P137 # الحديث يدل على منع الصلاة إلى القبور، وقد تقدم الكلام في ذلك وعلى منع ~~الجلوس عليها، وظاهر النهي التحريم. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ~~لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على ~~قبر أخيه وروي عن مالك أنه لا يكره القعود عليها ونحوه قال: إنما النهي عن ~~القعود لقضاء الحاجة. # وفي الموطأ عن علي أنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها. وفي البخاري أن ~~يزيد بن ثابت أخا يزيد بن ثابت كان يجلس على القبور وقال: إنما كره ذلك لمن ~~أحدث عليها، وفيه عن ابن عمر أنه كان يجلس على القبور، وقد صحت الأحاديث ~~القاضية بالمنع، ولا حجة في قول أحد لا سيما إذا كان معارضا للثابت عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجة وابن ~~حبان والحاكم من حديث جابر بلفظ: # نهى أن يجصص القبر ويبنى عليه وأن يكتب عليه وأن ms0646 يوطأ وهو في صحيح مسلم ~~بدون الكتابة. وقال الحاكم: الكتابة على شرط مسلم، والجلوس لا يكون غالبا ~~إلا مع الوطئ. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوا من ~~صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا رواه الجماعة إلا ابن ماجة. # قوله: من صلاتكم قال القرطبي: من للتبعيض والمراد النوافل بدليل ما رواه ~~مسلم من حديث جابر مرفوعا: إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته ~~نصيبا من صلاته وقد حكى القاضي عياض عن بعضهم أن معناه: اجعلوا بعض فرائضكم ~~في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن. قال الحافظ: ~~وهذا وإن كان محتملا لكن الأول هو الراجح، وقد بالغ الشيخ محيي الدين فقال: # لا يجوز حمله على الفريضة. قوله: ولا تتخذوها قبورا لأن القبور ليست بمحل ~~للعبادة، وقد استنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر، ~~ونازعه الإسماعيلي فقال: # الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر، وتعقب بأن الحديث ~~قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ولا تجعلوا ~~بيوتكم مقابر وقال ابن التين: # تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما ~~فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، ~~قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ~~ذلك. قال الحافظ: إن أراد لا يؤخذ بطريق المنطوق فمسلم، وإن أراد نفي ذلك ~~مطلقا فلا. وقيل: يحتمل أن المراد لا تجعلوا PageV02P138 # البيوت وطن النوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي. ~~وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت وبيته ~~كالقبر. ويؤيد ما رواه مسلم: # مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي ~~والميت قال الخطابي: وأما من تأوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس ~~بشئ، فقد دفن رسول ms0647 الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته الذي كان يسكنه ~~أيام حياته، وتعقبه الكرماني بأن قال: # لعل ذلك من خصائصه. وقد روي أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، كما روى ذلك ~~ابن ماجة بإسناد فيه حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وله طريق أخرى ~~مرسلة. قال الحافظ: # فإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك بل هو متجه، ~~لان استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة. ~~ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب وهو. قوله: لا تجعلوا بيوتكم ~~مقابر فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا انتهى. وكأن البخاري ~~أشار بترجمة الباب بقوله: باب كراهة الصلاة في المقابر إلى حديث أبي سعيد ~~المتقدم لما لم يكن على شرطه. # وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور ~~أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك ~~رواه مسلم. # الحديث أخرجه النسائي أيضا. وفي الباب عن عائشة عند الشيخين والنسائي، ~~وعن أبي هريرة عند الشيخين وأبي داود والنسائي، وعن ابن عباس عند أبي داود ~~والترمذي وحسنه، وله حديث آخر عند الشيخين والنسائي، وعن أسامة بن زيد عند ~~أحمد والطبراني بإسناد جيد، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني بإسناد جيد أيضا، ~~وعن ابن مسعود عند الطبراني بإسناد جيد أيضا، وعن أبي عبيدة بن الجراح عند ~~البزار، وعن علي عند البزار أيضا، وعن أبي سعيد عند البزار أيضا، وفي ~~إسناده عمر بن صهبان وهو ضعيف، وعن جابر عند ابن عدي. (والحديث) يدل على ~~تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء مساجد، قال العلماء: # إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا ~~خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به وربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى ~~لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضي ms0648 الله عنهم والتابعون إلى ~~الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كثر المسلمون ~~وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات PageV02P139 # المؤمنين فيه. وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وصاحبيه أبي بكر وعمر بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر ~~في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني ~~القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر. ~~وقد روي أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد كان في مرض موته قبل اليوم الذي ~~مات فيه بخمسة أيام، وقد حمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب ~~العهد بعبادة الأوثان وهو تقييد بلا دليل، لأن التعظيم والافتتان لا يختصان ~~بزمان دون زمان. وقد يؤخذ من. قوله: كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد في ~~حديث الباب، وكذلك قوله في حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي بلفظ: ~~والمتخذين عليها المساجد أن محل الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور ~~بعد الدفن لا لو بني المسجد أولا وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه واقف ~~المسجد أو غيره فليس بداخل في ذلك. قال العراقي: والظاهر أنه لا فرق، وأنه ~~إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة بل يحرم الدفن ~~في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدا ~~والله أعلم انتهى. واستنبط البيضاوي من علة التعظيم جواز اتخاذ القبور في ~~جوار الصلحاء لقصد التبرك دون التعظيم، ورد بأن قصد التبرك تعظيم. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا في ~~مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل رواه أحمد والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة، وفي الباب عن جابر بن سمرة عند مسلم، وعن ~~البراء عند أبي داود، وعن سبرة بن معبد عند ابن ماجة، وعن عبد الله بن مغفل ~~عند ابن ماجة أيضا والنسائي، وعن ابن عمر ms0649 عند ابن ماجة أيضا، وعن أنس عند ~~الشيخين، وعن أسيد بن حضير عند الطبراني، وعن سليك الغطفاني عند الطبراني ~~أيضا وفي إسناده جابر الجعفي ضعفه الجمهور ووثقه شعبة وسفيان، وعن طلحة بن ~~عبد الله عند أبي يعلى في مسنده، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد ~~وفي إسناده ابن لهيعة وله حديث آخر عند الطبراني، وعن عقبة بن عامر عند ~~الطبراني ورجال إسناده ثقات، وعن يعيش الجهني المعروف بذي الغرة عند أحمد ~~والطبراني ورجال إسناده ثقات. قوله: في مرابض الغنم جمع مربض بفتح الميم ~~وكسر الباء الموحدة وآخره ضاد معجمة، قال الجوهري: المرابض للغنم ~~PageV02P140 # كالمعاطن للإبل واحدها مربض مثال مجلس، قال: وربوض الغنم والبقر والفرس ~~مثل بروك الإبل وجثوم الطير. قوله: في أعطان الإبل هي جمع عطن بفتح العين ~~والطاء المهملتين، وفي بعض الطرق معاطن وهي جمع معطن بفتح الميم وكسر ~~الطاء، قال في النهاية: العطن مبرك الإبل حول الماء. (والحديث) يدل على ~~جواز الصلاة في مرابض الغنم وعلى تحريمها في معاطن الإبل، وإليه ذهب أحمد ~~بن حنبل فقال: لا تصح بحال، وقال: من صلى في عطن إبل أعاد أبدا، وسئل مالك ~~عمن لا يجد إلا عطن إبل قال: لا يصلى فيه، قيل: فإن بسط عليه ثوبا؟ قال: ~~لا. وقال ابن حزم: لا تحل في عطن إبل، وذهب الجمهور إلى حمل النهي على ~~الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول ~~بأن علة النهي هي النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، وقد ~~عرفت ما قدمنا فيه، ولو سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة، لأن العلة لو ~~كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم، إذ لا قائل ~~بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي، وأيضا قد قيل: ~~إن حكمة النهي ما فيها من النفور، فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى ~~قطعها أو أذى يحصل له منها، أو تشوش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة، ms0650 ~~وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك، وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل ~~في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ، ويرشد إلى صحة هذا حديث ~~ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت ~~من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت؟ وقد يحتمل أن علة النهي أن ~~يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها أو يستمر فيها مع شغل ~~خاطره. وقيل: لأن الراعي يبول بينها، وقيل: # الحكمة في النهي كونها خلقت من الشياطين. ويدل على هذا أيضا من حديث ابن ~~مغفل السابق، وكذا عند النسائي من حديثه، وعند أبي داود من حديث البراء، ~~وعند ابن ماجة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، إذا عرفت هذا الاختلاف في ~~العلة تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم، كما ذهب إليه ~~أحمد والظاهرية، وأما الامر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة ليس للوجوب، ~~قال العراقي: اتفاقا وإنما نبه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك لئلا يظن ~~أن حكمها حكم الإبل، أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الامرين ~~فأجاب في الإبل بالمنع وفي الغنم بالاذن. وأما الترغيب المذكور في الأحاديث ~~بلفظ: فإنها بركة فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم PageV02P141 # الإبل كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة. # (فائدة) ذكر ابن حزم أن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواتر ~~يوجب العلم. # وعن زيد بن جبيرة عند أود بن حصين عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة ~~والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله رواه ~~عبد بن حميد في مسنده وابن ماجة والترمذي وقال: إسناده ليس بذاك القوي، وقد ~~تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد ~~الله بن عمر العمري عن نافع ms0651 عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~مثله قال: وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشبه وأصح من ~~حديث الليث بن سعد. والعمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه. # الحديث في إسناد الترمذي زيد بن جبيرة وهو ضعيف كما قال الترمذي، قال ~~البخاري وابن معين: زيد بن جبيرة متروك، وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، ~~وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ~~الحافظ في التلخيص: إنه ضعيف جدا. وفي إسناد ابن ماجة عبد الله بن صالح و ~~عبد الله بن عمر العمري وهما ضعيفان، قال ابن أبي حاتم في العلل: هما جميعا ~~يعني الحديثين واهيان، وصحح الحديث ابن السكن وإمام الحرمين، وقد تقدم ~~الكلام في المقبرة والحمام وأعطان الإبل وما فيها من الأحاديث الصحيحة. ~~قوله: # المزبلة فيها لغتان: فتح الموحدة وضمها حكاهما الجوهري، وهي المكان الذي ~~يلقى فيه الزبل. قوله: والمجزرة بفتح الزاي المكان الذي ينحر فيه الإبل ~~وتذبح فيه البقر والغنم. # قوله: وقارعة الطريق قيل: المراد به أعلى الطريق، وقيل صدره، وقيل ما برز ~~منه. (والحديث) يدل على تحريم الصلاة في هذه المواطن، وقد اختلف في العلة ~~في النهي، أما في المقبرة والحمام وأعطان الإبل فقد تقدم الكلام في ذلك. ~~وأما في المزبلة والمجزرة فلكونهما محلا للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير ~~حائل اتفاقا ومع الحائل فيه خلاف. وقيل: إن العلة في المجزرة كونها مأوى ~~الشياطين ذكر ذلك عن جماعة اطلعوا على ذلك، وأما في قارعة الطريق فلما فيها ~~من شغل الخاطر المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو سر الصلاة. وقيل: لأنها مظنة ~~النجاسة، وقيل: لأن الصلاة فيها شغل لحق المار، ولهذا قال أبو PageV02P142 # طالب: إنها لا تصح الصلاة فيها ولو كانت واسعة، قال: لاقتضاء النهي ~~الفساد. وقال المؤيد بالله والمنصور بالله: لا تكره في الواسعة إذ لا ضرر ~~لأن العلة عندهما الاضرار بالمار. # وأما في ظهر الكعبة فلأنه إذا لم يكن بين يديه ms0652 سترة ثابتة تستره لم تصح ~~صلاته لأنه مصل على البيت لا إلى البيت. وذهب الشافعي إلى الصحة بشرط أن ~~يستقبل من بنائها قدر ثلثي زراع، وعند أبي حنيفة لا يشترط ذلك، وكذا قال ~~ابن سريج قال: لأنه كمستقبل العرب لو هدم البيت والعياذ بالله. # (فائدة) قال القاضي أبو بكر بن العربي: والمواضع التي لا يصلى فيها ثلاثة ~~عشر، فذكر السبعة المذكورة في حديث الباب وزاد: الصلاة إلى المقبرة، وإلى ~~جدار مرحاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبيعة، وإلى التماثيل، وفي دار العذاب، ~~وزاد العراقي: الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة إلى النائم والمتحدث، ~~والصلاة في بطن الوادي، والصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في مسجد ~~الضرار، والصلاة إلى التنور، فصارت تسعة عشر موضعا، ودليل المنع من الصلاة ~~في هذه المواطن، أما السبعة الأولة فلما تقدم، وأما الصلاة إلى المقبرة ~~فلحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم، وأما الصلاة إلى جدار مرحاض ~~فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ: نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه ~~حش، أخرجه ابن عدي قال العراقي: ولم يصح إسناده، وروى ابن أبي شيبة في ~~المصنف عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يصلى إلى الحش، وعن علي قال: لا ~~يصلى تجاه حش، وعن إبراهيم كانوا يكرهون ثلاثة أشياء فذكر منها الحش، وفي ~~كراهة استقباله خلاف بين الفقهاء. وأما الكنيسة والبيعة فروى ابن أبي شيبة ~~في المصنف عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير، وقد ~~رويت الكراهة عن الحسن، ولم ير الشعبي وعطاء بن أبي رباح بالصلاة في ~~الكنيسة والبيعة بأسا، ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسا، وصلى أبو ~~موسى الأشعري وعمر بن عبد العزيز في كنيسة، ولعل وجه الكراهة ما تقدم من ~~اتخاذهم لقبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد لأنها تصير جميع البيع والمساجد ~~مظنة لذلك. وأما الصلاة إلى التماثيل فلحديث عائشة الصحيح أنه قال لها صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أزيلي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في ms0653 ~~صلاتي وكان لها ستر فيه تماثيل. وأما الصلاة في دار العذاب فلما عند أبي ~~داود من حديث علي قال: نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل لأنها ملعونة وفي ~~إسناده ضعف. وأما إلى النائم والمتحدث فهو في حديث ابن عباس عند أبي داود ~~PageV02P143 # وابن ماجة وفي إسناده من لم يسم. وأما في بطن الوادي فورد في بعض طرق ~~حديث الباب بدل المقبرة، قال الحافظ: وهي زيادة باطلة لا تعرف. وأما الصلاة ~~في الأرض المغصوبة فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه. وأما الصلاة ~~في مسجد الضرار فقال ابن حزم: إنه لا يجزي أحدا الصلاة فيه لقصة مسجد ~~الضرار. وقوله: لا تقم فيه أبدا فصح أنه ليس موضع صلاة. وأما الصلاة إلى ~~التنور فكرهها محمد بن سيرين وقال: بيت نار، رواه ابن أبي شيبة في المصنف، ~~وزاد ابن حزم فقال: لا تجوز الصلاة في مسجد يستهزأ فيه بالله أو برسوله أو ~~شئ من الدين، أو في مكان يكفر بشئ من ذلك فيه، وزادت الهادوية كراهة الصلاة ~~إلى المحدث والفاسق والسراج، وزاد الامام يحيى الجنب والحائض، فيكون الجميع ~~ستة وعشرين موضعا، واستدل على كراهة الصلاة إلى المحدث بحديث ذكره الامام ~~يحيى في الانتصار بلفظ: لا صلاة إلى محدث، لا صلاة إلى جنب، لا صلاة إلى ~~حائض وقيل في الاستدلال على كراهة الصلاة إليه القياس على الحائض وقد ثبت ~~أنها تقطع الصلاة، وأما الفاسق فإهانة له كالنجاسة. وأما السراج فللفرار من ~~التشبيه بعبدة النار، والأولى عدم التخصيص بالسراج ولا بالتنور، بل إطلاق ~~الكراهة على استقبال النار، فيكون استقبال التنور والسراج وغيرهما من أنواع ~~النار قسما واحدا. وأما الجنب والحائض فللحديث الذي في الانتصار ولما في ~~الحائض من قطعها للصلاة. # واعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن أو في أكثرها تمسكوا في ~~المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث: أينما أدركتك الصلاة فصل ونحوها ~~وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل الأحاديث القاضية بعدم الصحة، وقد عرفناك ~~أن أحاديث النهي عن المقبرة والحمام ونحوهما خاصة، فبنى ms0654 العامة عليها ~~وتمسكوا في المواطن التي لم تصح أحاديثها بالقدح فيها لعدم التعبد بما لم ~~يصح وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها، لا سيما بعد ~~ورود عمومات قاضية بأن كل موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه وهذا ~~متمسك صحيح لا بد منه. قوله: أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد قيل: إن قوله ~~من حديث الليث صفة لحديث ابن عمر بأنه من حديث الليث الذي هو أصح من حديث ~~ابن جبيرة. PageV02P144 # باب صلاة التطوع في الكعبة عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم ~~الباب، فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين متفق عليه. # وعن ابن عمر أنه قال لبلال: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ ~~قال: نعم ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت ثم خرج فصلى في وجهة ~~الكعبة ركعتين رواه أحمد والبخاري. # قوله: دخل النبي (ص) البيت قال الحافظ: كان ذلك في عام الفتح كما وقع ~~مبينا من رواية يونس بن يزيد عن نافع عند البخاري في كتاب الجهاد. قوله: هو ~~وأسامة وبلال وعثمان، زاد مسلم من طريق أخرى: ولم يدخلها معهم أحد. ووقع ~~عند النسائي من طريق ابن عون عن نافع ومعه الفضل بن عباس وأسامة وبلال ~~وعثمان فزاد الفضل. ولأحمد من حديث ابن عباس: حدثني أخي الفضل وكان معه حين ~~دخلها. قوله: فأغلقوا عليهم الباب زاد مسلم: فمكث فيها مليا. وفي رواية له: ~~فأجافوا عليهم الباب طويلا. وفي رواية لأبي عوانة: من داخل. وزاد يونس: ~~فمكث نهارا طويلا وفي رواية فليح زمانا. # قوله: فلما فتحوا في رواية: ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم. وفي ~~رواية: وكنت شابا قويا فبادرت الناس فبدرتهم. وأفاد الأزرقي في كتاب مكة أن ~~خالد بن الوليد كان على الباب يذب الناس عنه. ms0655 قوله: بين العمودين اليمانيين ~~وفي رواية: بين العمودين المقدمين. # قوله: فصلى في وجهة الكعبة ركعتين وفي رواية للبخاري في الصلاة أن ابن ~~عمر قال: فذهب على أن أسأله كم صلى، وروي عنه أنه قال: نسيت أن أسأله كم ~~صلى. وقد جمع الحافظ بين الروايتين في الفتح. (والحديثان) يدلان على ~~مشروعية الصلاة في الكعبة لصلاته صلى الله عليه وآله وسلم فيها، وقد ادعى ~~ابن بطال أن الحكمة في تغليق الباب لئلا يظن الناس أن ذلك سنة فيلتزمونه، ~~قال الحافظ: وهو مع ضعفه منتقض بأنه لو أراد إخفاء ذلك ما أطلع عليه بلال ~~ومن كان معه، وإثبات الحكم بذلك يكفي فيه نقل الواحد انتهى. فالظاهر أن ~~التغليق ليس لما ذكره بل لمخافة أن يزدحموا عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة ~~أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه. وإنما أدخل ~~معه عثمان لئلا يظن أنه عزل من ولاية البيت وبلالا وأسامة لملازمتهما ~~خدمته. وقيل: فائدة ذلك PageV02P145 # للتمكن من الصلاة في جميع جهاتها، لأن الصلاة إلى جهة الباب وهو مفتوح لا ~~تصح، وقد عارض أحاديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في الكعبة حديث ابن ~~عباس عند البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر في البيت ~~ولم يصل فيه قال الحافظ: # ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى التكبير، لأن ابن عباس أثبته ولم يتعرض له ~~بلال، وأما الصلاة فإثبات بلال أرجح، لأن بلالا كان معه يومئذ ولم يكن معه ~~ابن عباس، وإنما استند في نفيه تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل، مع ~~أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة، وقد روى أحمد من طريق ~~ابن عباس عن أخيه الفضل نفى الصلاة فيها، فيحتمل أن يكون تلقاه عن أسامة ~~فإنه كان معه، وقد روى عنه نفي الصلاة في الكعبة أيضا مسلم من طريق ابن ~~عباس، ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عنه فتعارضت ~~الروايات في ذلك، فتترجح رواية بلال من جهة ms0656 أنه مثبت وغيره ناف، ومن جهة ~~أنه لم يختلف عنه في الاثبات واختلف على من نفى، وقال النووي وغيره: يجمع ~~بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى ~~أسامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو، فاشتغل بالدعاء في ناحية والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية، ثم صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، ولان بإغلاق الباب تكون ~~الظلمة مع احتمال أنه يحجب عنه بعض الأعمدة فنفاها عملا بظنه. وقال المحب ~~الطبري: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته، ~~ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة قال: دخلت على رسول ~~الله (ص) الكعبة فرأى صورا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصور قال ~~الحافظ: هذا إسناده جيد، قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده ~~انتهى. وقد روى عمر بن شيبة في كتاب مكة عن علي بن بذيمة قال: دخل النبي ~~(ص) الكعبة ودخل معه بلال وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد ~~احتبى فأخذ حبوته فحلها الحديث فلعله احتبى فاستراح فنعس فلم يشاهد صلاته، ~~فلما سئل عنها نفاها مستصحبا للنفي لقصر زمن احتبائه، وفي كل نفي رؤيته لا ~~ما في نفس الامر. ومنهم من جمع بين الحديثين بعد الترجيح وذلك من وجوه: ~~الأول أن الصلاة المثبتة هي اللغوية والمنفية الشرعية. والثاني يحتمل أن ~~يكون دخول البيت وقع مرتين قاله المهلب شارح البخاري. وقال ابن حبان: ~~الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين PageV02P146 # فيقال لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ~~ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها، لأن ابن عباس ~~نفاها وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة ~~أيضا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: وهذا جمع حسن، ~~لكن ms0657 تعقبه النووي بأنه لا خلاف أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل في يوم ~~الفتح لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في كتاب مكة عن غير واحد ~~من أهل العلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام ~~الفتح وأما يوم حج فلم يدخلها، وإذا كان الامر كذلك فلا يمتنع أن يكون ~~دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالوحدة وحدة السفر لا الدخول. # باب الصلاة في السفينة عن ابن عمر قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كيف أصلي في السفينة؟ قال: صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق رواه ~~الدارقطني والحاكم وأبو عبد الله في المستدرك على شرط الصحيحين. # الحديث رواه الحاكم من طريق جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عمر ~~وقال: على شرط مسلم، قال: وهو شاذ بمرة. (الحديث) يدل على وجوب الصلاة من ~~قيام في السفينة، ولا يجوز القعود إلا لعذر مخافة غرق أو غيره، لأن مخافة ~~الغرق تنفي عنه الاستطاعة وقد قال الله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) ~~* (التغابن: 16) وثبت من حديث ابن عباس: إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم وهي أيضا عذر أشد من المرض. وقد أخرج الدارقطني من حديث علي: أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: يصلي المريض قائما إن استطاع، فإن لم يستطع ~~صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم ~~يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن ~~يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة. وفي إسناده حسين ~~بن زيد ضعفه ابن المديني والحسن بن الحسين العرني وهو متروك. وقال النووي: ~~هذا حديث ضعيف، وأخرج البزار والبيهقي في المعرفة من حديث جابر مرفوعا ~~بلفظ: صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك ~~قال أبو حاتم: الصواب أنه موقوف ورفعه خطأ. PageV02P147 # باب صلاة الفرض على الراحلة لعذر عن يعلى ms0658 بن مرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم ~~والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن وأقام ثم تقدم رسول الله (ص) ~~على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع رواه أحمد ~~والترمذي. # الحديث أخرجه أيضا النسائي والدارقطني، وقال الترمذي: حديث غريب تفرد به ~~عمرو بن الرياح، وثبت ذلك عن أنس من فعله، وصححه عبد الحق، وحسنه النووي، ~~وضعفه البيهقي، وهو يدل على ما ذهب إليه البعض من صحة صلاة الفريضة على ~~الراحلة كما تصح في السفينة بالاجماع، ويعارض هذا حديث عامر بن ربيعة ~~الآتي، وستعرف الكلام على ذلك هنالك. وقد صحح الشافعي الصلاة المفروضة على ~~الراحلة بالشروط التي ستأتي، وحكى النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح ~~الاجماع على عدم جواز ترك الاستقبال في الفريضة. قال الحافظ: لكن رخص في ~~شدة الخوف، وحكى النووي أيضا الاجماع على عدم صلاة الفريضة على الدابة قال: ~~فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على دابة واقفة عليها ~~هودج أو نحوه جازت الفريضة على الصحيح من مذهبنا، فإن كانت سائرة لم تصح ~~على الصحيح المنصوص للشافعي. وقيل: تصح كالسفينة فإنها تصح فيها الفريضة ~~بالاجماع ولو كان في ركب وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر، قال ~~أصحابنا: يصلي الفريضة على الدابة بحسب الامكان ويلزمه إعادتها لأنه عذر ~~نادر انتهى. (والحديث) يدل على جواز صلاة الفريضة على الراحلة، ولا دليل ~~يدل على اعتبار تلك الشروط إلا عمومات يصلح هذا الحديث لتخصيصها، وليس في ~~الحديث إلا ذكر عذر المطر ونداوة الأرض، فالظاهر صحة الفريضة على الراحلة ~~في السفر لمن حصل له مثل هذا العذر وإن لم يكن في هودج إلا أن يمنع من ذلك ~~إجماع ولا إجماع، فقد روى الترمذي في جامعه عن أحمد وإسحاق أنهما يقولان ~~بجواز الفريضة على الراحلة إذا لم يجد موضعا يؤدي فيه الفريضة نازلا. ورواه ~~العراقي في شرح PageV02P148 # الترمذي عن الشافعي. قوله: والسماء من ms0659 فوقهم المراد بالسماء هنا المطر، ~~قال الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا قال الجوهري: يقال ما ~~زلنا نطأ في السماء حتى أتيناكم. قوله: والبلة بكسر الباء الموحدة وتشديد ~~اللام، قال الجوهري: البلة بالكسر النداوة. قال المصنف رحمه الله: وإنما ~~ثبتت الرخصة إذا كان الضرر بذلك بينا، فأما اليسير فلا، روى أبو سعيد ~~الخدري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد في الماء والطين ~~حتى رأيت أثر الطين في جبهته متفق عليه انتهى. وسيأتي حديث أبي سعيد هذا ~~بطوله في باب الاجتهاد في العشر الأواخر من كتاب الاعتكاف. واستدلال المصنف ~~على تقييده لجواز صلاة الفريضة على الراحلة بالضرر البين بحديث أبي سعيد ~~غير متجه، لأن سجوده على الماء والطين كان في الحضر وكان معتكفا، على أنه ~~لا نزاع أن السجود على الأرض مع المطر عزيمة، فلا يكون صالحا لتقييد هذه ~~الرخصة. # وعن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على ~~راحلته يسبح يومئ برأسه قبل أي وجهة توجه، ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة ~~المكتوبة متفق عليه. # وفي الباب عن جابر عند البخاري وأبي داود والترمذي وصححه، وعن أنس عند ~~الشيخين وأبي داود والنسائي، وعن ابن عمر عند أبي داود والنسائي. وأخرجه ~~البخاري من فعل ابن عمر. وأخرجه مسلم عنه مرفوعا بنحو ما عند أبي داود ~~والنسائي، وعن أبي سعيد عند أحمد، وعن سعيد بن أبي وقاص عند البزار وفي ~~إسناده ضرار بن صرد وهو ضعيف، وعن شقران عند أحمد وفي إسناده مسلم بن خالد ~~وثقه الشافعي وابن حبان وضعفه غير واحد، ورواه أيضا الطبراني في الكبير ~~والأوسط، وعن الهرماس عند أحمد أيضا وفي إسناده عبد الله بن واقد الحراني ~~مختلف فيه، ورواه الطبراني أيضا، وعن أبي موسى عند أحمد أيضا وفي إسناده ~~يونس بن الحرث، وثقه ابن معين في رواية عنه وابن حبان وابن عدي، وضعفه أحمد ~~وغير واحد، ورواه الطبراني في الأوسط. (والحديث) يدل على جواز ms0660 التطوع على ~~الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده وهو إجماع، كما قال النووي والعراقي والحافظ ~~وغيرهم، وإنما الخلاف في جواز ذلك في الحضر، فجوزه أبو يوسف وأبو سعيد ~~الإصطخري من أصحاب الشافعي وأهل الظاهر. قال ابن حزم: وقد روينا عن ~~PageV02P149 # وكيع عن سفيان عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يصلون ~~على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين رضي ~~الله عنهم عموما في الحضر والسفر. قال النووي: وهو محكي عن أنس بن مالك ~~انتهى. قال العراقي: استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم يصرح ~~فيها بذكر السفر وهو ماش على قاعدتهم في أنه لا يحمل المطلق على المقيد بل ~~يعمل بكل منهما، فأما من يحمل المطلق على المقيد وهم جمهور العلماء فحمل ~~الروايات المطلقة على المقيدة بالسفر انتهى. وظاهر الأحاديث المقيدة بالسفر ~~عدم الفرق بين السفر الطويل والقصير، وإليه ذهب الشافعي وجمهور العلماء ~~وذهب مالك، إلا أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة وهو محكي عن ~~الشافعي ولكنها حكاية غريبة، وذهب إليه الامام يحيى، ويدل لما قالوه ما في ~~رواية رزين من حديث جابر بزيادة في سفر القصر، فإن صحت هذه الزيادة وجب حمل ~~ما أطلقته الأحاديث عليها. وظاهر الأحاديث أن الجواز مختص بالراكب، وإليه ~~ذهب أهل الظاهر وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وقال الأوزاعي والشافعي: إنه ~~يجوز للراجل، قال المهدي في البحر: وهو قياس المذهب واستدلوا بالقياس على ~~الراكب. وظاهر الأحاديث اختصاص ذلك بالنافلة، كما صرح في حديث الباب وغيره ~~بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يفعل ذلك في المكتوبة، وقد تقدم ~~الخلاف في ذلك في الحديث الذي قبل هذا، ونفى فعل ذلك في المكتوبة وإن كان ~~ثابتا في الصحيحين وغيرهما، لكن غاية ما فيه أنه أخبرنا النافي بما علم ~~وعدم علمه لا يستلزم العدم، فالواجب علينا العمل بخبر من أخبرنا بشرع لم ~~يعلمه غيره، لأن من علم حجة على من لا يعلم، وكثيرا ما يرجح أهل الحديث ms0661 ما ~~في الصحيحين على ما في غيرهما في مثل هذه الصورة وهو غلط أوقع في مثله ~~الجمود، فليكن منك هذا على ذكر. قوله: يسبح أي يتنفل، والسبحة بضم السين ~~وإسكان الباء النافلة قاله النووي، وإطلاق التسبيح على النافلة مجاز، ~~والعلاقة الجزئية والكلية أو اللزوم، لأن الصلاة المخلصة يلزمها التنزيه. # باب اتخاذ متعبدات الكفار ومواضع القبور إذا نبشت مساجد عن عثمان بن أبي ~~العاص: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يجعل مساجد الطائف حيث ~~كان طواغيتهم رواه أبو داود وابن ماجة قال البخاري. وقال PageV02P150 # عمر: إنا لا ندخل كنائسهم من أجل التماثيل التي فيها الصور. قال: وكان ~~ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها التماثيل. # الحديث رجال إسناده ثقات، ومحمد بن عبد الله بن عياض الطائفي المذكور في ~~إسناد هذا الحديث ذكره ابن حبان في الثقات، وكذلك أبو همام ثقة واسمه محمد ~~بن محمد الدلال البصري، وعثمان بن أبي العاص المذكور هو الثقفي أمره النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حين استعمله على الطائف. قوله: طواغيتهم جمع ~~طاغوت وهو بيت الصنم الذي كانوا يتعبدون فيه لله تعالى ويتقربون إليه ~~بالأصنام على زعمهم. # (والحديث) يدل على جواز جعل الكنائس والبيع وأمكنة الأصنام مساجد، وكذلك ~~فعل كثير من الصحابة حين فتحوا البلاد، جعلوا متعبداتهم متعبدات للمسلمين ~~وغيروا محاريبها. قوله: وقال عمر هكذا ذكره البخاري تعليقا، ووصله عبد ~~الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لما قدم عمر الشام صنع له رجل من ~~النصارى طعاما وكان من عظمائهم وقال: أحب أن تجيبني وتكرمني، فقال له عمر: ~~إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها يعني التماثيل. قوله: من أجل ~~التماثيل هو جمع تمثال بمثناة ثم مثلثة بينهما ميم. قال الحافظ: وبينه وبين ~~الصورة عموم وخصوص مطلق فالصورة أعم. قوله: التي فيها الصور الضمير يعود ~~على الكنيسة، والصور بالجر بدل من التماثيل أو بيان لها، أو بالنصب على ~~الاختصاص أو بالرفع، أي أن التماثيل مصورة والضمير على هذا للتماثيل. ms0662 وفي ~~رواية الأصيلي بزيادة الواو العاطفة. قوله: وكان ابن عباس هكذا ذكره ~~البخاري تعليقا، ووصله البغوي في الجعديات وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل ~~خرج فصلى في المطر. (والأثران يدلان) على جواز دخول البيع والصلاة فيها إلا ~~إذا كان فيها تماثيل، وقد تقدم الكلام في ذلك، والبيعة صومعة الراهب قاله ~~في المحكم، وقيل: كنيسة النصارى. قال الحافظ: والثاني هو المعتمد وهي بكسر ~~الباء، قال: ويدخل في حكم البيعة الكنيسة وبيت المدراس والصومعة وبيت الصنم ~~وبيت النار ونحو ذلك. قال ابن رسلان: وفي الحديث أنه كان يصلي في البيعة ~~وهي كنيسة أهل الكتاب. # وعن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال: خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من ~~فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ثم صبه في إداوة وأمرنا فقال: اخرجوا ~~PageV02P151 # فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها ~~مسجدا رواه النسائي. # الحديث أخرج نحوه الطبراني في الكبير والأوسط، وقيس بن طلق ممن لا يحتج ~~بحديثه، قال يحيى بن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج ~~بحديثه، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: إن أباه وأبا زرعة قالا: قيس بن طلق ~~ليس ممن تقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه، وضعفه أحمد ويحيى بن معين في إحدى ~~الروايتين عنه، وفي رواية عثمان بن سعيد عنه أنه وثقه ووثقه العجلي، قال في ~~الميزان حاكيا عن ابن القطان أنه قال: يقتضي أن يكون خبره حسنا لا صحيحا، ~~وأما من دون قيس بن طلق فهم ثقات، فإن النسائي قال: # أخبرنا هناد بن السري عن ملازم قال: حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن ~~طلق، وملازم هو ابن عمر ووثقه ابن معين والنسائي. وعبد الله بن بدر ثقة، ~~وأما هناد فهو الامام الكبير المشهور. والطهور والإداوة قد تقدم ضبطهما. ~~(والحديث) يدل على جواز اتخاذ البيع مساجد وغيرها من الكنائس ونحوها ملحق ~~بها بالقياس كما تقدم. # وعن ms0663 أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب أن يصلي حيث أدركته ~~الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملا من بني ~~النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله ما نطلب ~~ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: وكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين وفيه خرب ~~وفيه نخل، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم ~~بالخرب فسويت ثم بالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه ~~الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة مختصر ~~من حديث متفق عليه. # قوله: ثامنوني أي اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي اختاره، قال ذلك ~~على سبيل المساومة فكأنه قال: ساوموني في الثمن. قوله: لا نطلب ثمنه إلا ~~إلى الله تقديره لا نطلب الثمن لكن الامر فيه إلى الله أو إلى بمعنى من، ~~وكذا عند الإسماعيلي: لا نطلب ثمنه إلا من الله. وزاد ابن ماجة: أبدا وظاهر ~~الحديث أنهم لم يأخذوا منه ثمنا، وخالف ذلك أهل السير قاله الحافظ. قوله: ~~فكان فيه أي في الحائط الذي بني في مكانه المسجد. # قوله: وفيه خرب قال ابن الجوزي: المعروف فيه فتح الخاء وكسر الراء بعدها ~~موحدة PageV02P152 # جمع خربة ككلم وكلمة. وحكى الخطابي كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب ~~وعنبة، وللكشميهني بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة. وقد بين ~~أبو داود أن رواية عبد الوارث بالمعجمة والموحدة، ورواية حماد بن سلمة عن ~~أبي التياح بالمهملة والمثلثة، قال الحافظ: فعلى هذا فرواية الكشميهني وهم ~~لأن البخاري إنما أخرجه من رواية عبد الوارث. قوله: فاغفر للأنصار وفي ~~رواية في البخاري للمستملي والحموي: فاغفر الأنصار بحذف اللام قال الحافظ ~~ويوجه له بأن ضمن اغفر معنى استر. وقد رواه أبو داود عن مسدد بلفظ فانصر ~~الأنصار. (وفي الحديث) جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، ~~وجواز نبش القبور ms0664 الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر ~~المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها، وجواز ~~قطع النخل المثمرة للحاجة، قال الحافظ: وفيه نظر لاحتمال أن يكون ذلك مما ~~لا يثمر، إما بأن يكون ذكورا، وإما أن يكون مما طرأ عليه ما قطع ثمرته، ~~وفيه أن احتمال كونها مما لا تثمر خلاف الظاهر فلا يناقش بمثله، والأولى ~~المناقشة باحتمال أن تكون غير مثمرة حال القطع إن أراد المستدل بالمثمرة ما ~~كانت الثمرة موجودة فيها حال القطع. (وللحديث) فوائد ليس هذا محل بسطها، ~~وصفة بنيان المسجد ما ثبت عند البخاري وغيره من حديث ابن عمر أنه قال: إن ~~المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبنيا باللبن وسقفه ~~الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على ~~بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده ~~خشبا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة ~~والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. # باب فضل من بنى مسجدا عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة متفق ~~عليه. # وفي الباب عن أبي بكرة عند الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل، وفي ~~إسناد الطبراني وهب بن حفص وهو ضعيف، وفي إسناد ابن عدي الحكم بن يعلى بن ~~عطاء وهو PageV02P153 # منكر الحديث، وعن عمر عند ابن ماجة، وعن علي عند ابن ماجة أيضا وفيه ابن ~~لهيعة، وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة، وعن أنس ~~عند الترمذي وفي إسناده زياد النميري وهو ضعيف، وله طرق أخر عن أنس منها ~~عند الطبراني ومنها عند ابن عدي وفيهما مقال، وعن ابن عباس عند أحمد ~~والبزار في مسنديهما وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف. وعن عائشة عند ~~البزار والطبراني في الأوسط وفيه ms0665 كثير ابن عبد الرحمن ضعفه العقيلي، وله ~~طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط وفيها المثنى بن الصباح ضعفه الجمهور، ~~ورواه أبو عبيد في غريبه بإسناد جيد، وعن أم حبيبة عند ابن عدي في الكامل ~~وفيه أبو ظلال ضعيف جدا. وعن أبي ذر عند ابن حبان في صحيحه، والبزار ~~والطبراني والبيهقي وزاد: قدر مفحص قطاة قال العراقي: وإسناده صحيح، وعن ~~عمرو بن عبسة عند النسائي، وعن واثلة بن الأسقع عند أحمد والطبراني وابن ~~عدي، وعن أبي هريرة عند البزار وابن عدي والطبراني وفي إسناده سليمان بن ~~داود اليمامي وليس بشئ، ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها المثنى بن ~~الصباح، وعن جابر عند ابن ماجة وإسناده جيد، وعن معاذ عند الحافظ الدمياطي ~~في جزء المساجد له، وعن عبد الله بن أبي أوفى عنده أيضا، وعن ابن عمر عند ~~البزار والطبراني وفي إسناده الحكم بن ظهير وهو متروك بزيادة: ولو كمفحص ~~قطاة، وعن أبي موسى عند الدمياطي في جزئه المذكور، وعن أبي أمامة عند ~~الطبراني وفيه علي بن زيد وهو ضعيف، وعن أبي قرصافة واسمه حيدرة عند ~~الطبراني وفي إسناده جهالة، وعن نبيط بن شريط عند الطبراني، وعن عمر بن ~~مالك عند الدمياطي في الجزء المذكور، وعن أسماء بنت يزيد عند أحمد ~~والطبراني وابن عدي، قال يحيى بن معين: هذا ليس بشئ، وذكر أبو القاسم بن ~~منده في كتابه المستخرج من كتب الناس للفائدة أنه رواه عن النبي (ص) رافع ~~بن خديج، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وفضالة بن عبيد، وقدامة بن عبد ~~الله العامري، ومعاوية بن حيدة، والمغيرة بن شعبة، والمقدام بن معديكرب، ~~وأبو سعيد الخدري. # قوله: من بنى لله مسجدا يدل على أن الاجر المذكور يحصل ببناء المسجد لا ~~بجعل الأرض مسجدا من غير بناء، وأنه لا يكفي في ذلك تحويطه من غير حصول ~~مسمى البناء والتنكير في مسجد للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير، وعن أنس ~~عند الترمذي مرفوعا بزيادة لفظ: كبيرا أو صغيرا ويدل لذلك رواية: كمفحص ~~قطاة ms0666 وهي مرفوعة ثابتة عند ابن أبي شيبة عن عثمان PageV02P154 # وابن حبان، والبزار عن أبي ذر، وأبي مسلم الكجي من حديث ابن عباس، ~~والطبراني في الأوسط من حديث أنس وابن عمر، وعن أبي نعيم في الحلية عن أبي ~~بكر، وابن خزيمة عن جابر، وحمل ذلك العلماء على المبالغة، لأن المكان الذي ~~تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة، وقيل: هي ~~على ظاهرها، والمعنى أنه يزيد في مسجد قدرا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة ~~هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فيقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، ~~وفي رواية للبخاري قال بكير: حسبت أنه قال يعني شيخه عاصم بن عمر بن قتادة: ~~يبتغي به وجه الله قال الحافظ: وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث، ~~ولم أرها إلا من طريقه هكذا وكأنها ليست في الحديث بلفظها، فإن كل من روى ~~الحديث من جميع الطرق إليه لفظهم: # من بنى لله مسجدا فكأن بكيرا نسيها فذكرها بالمعنى مترددا في اللفظ الذي ~~ظنه انتهى ولكنه يؤدي معنى هذه الزيادة. قوله: من بنى لله فإن الباني ~~للرياء والسمعة والمباهاة ليس بانيا لله، وأخرج الطبراني من حديث عائشة ~~بزيادة: لا يريد به رياء ولا سمعة. قوله: بنى الله له مثله وقد اختلف في ~~معنى المماثلة، فقال ابن العربي: مثله في القدر والمساحة، ويرده زيادة بيتا ~~أوسع منه عند أحمد والطبراني من حديث ابن عمر. وروى أحمد أيضا من طريق ~~واثلة بن الأسقع بلفظ: أفضل منه وقيل مثله في الجودة والحصانة وطول البقاء، ~~ويرده أن بناء الجنة لا يخرب بخلاف بناء المسجد فلا مماثلة. وقال صاحب ~~المفهم: هذه المثلية ليست على ظاهرها وإنما يعني أنه يبنى له بثوابه بيتا ~~أشرف وأعظم وأرفع. وقال النووي: # يحتمل أن يكون مثله معناه بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في ~~السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر، ويحتمل أن يكون معناه أن ms0667 فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على ~~بيوت الدنيا انتهى. قال الحافظ: # لفظ المثل له استعمالان: أحدهما الافراد مطلقا كقوله تعالى: * (فقالوا ~~أنؤمن لبشرين مثلنا) * (المؤمنون: 47) والآخر المطابقة كقوله تعالى: * (أمم ~~أمثالكم) * (الانعام: 38) فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية ~~متعددة، فيحصل جواب من استشكل تقييده بقوله مثله مع أن الحسنة بعشر ~~أمثالها، لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله. وأما من ~~أجاب باحتمال أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك قبل نزول قوله ~~تعالى: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (الانعام: 160) ففيه بعد. ~~وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة قال: ومن الأجوبة ~~المرضية أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من ~~بيت خير من PageV02P155 # عشرة بل من مائة، وهذا الذي ارتضاه هو الاحتمال الأول الذي ذكره النووي. ~~وقيل: # إن المثلية هي أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره مع قطع النظر ~~عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة. ~~قال في المفهم: # هذا البيت والله أعلم مثل بيت خديجة الذي قال فيه إنه من قصب، يريد أنه ~~من قصب الزمرد والياقوت انتهى. # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من بنى لله مسجدا ~~ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة رواه أحمد. الكلام على ~~الحديث تخريجا وتفسيرا قد قدمناه في شرح الذي قبله. # باب الاقتصاد في بناء المساجد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ما أمرت بتشييد المساجد قال ابن عباس: لتزخرفها كما زخرفت ~~اليهود والنصارى. أخرجه أبو داود. # الحديث صححه ابن حبان ورجاله رجال الصحيح، لأن أبا داود رواه عن سفيان بن ~~عيينة عن سفيان الثوري عن أبي فزارة وهو راشد بن كيسان الكوفي، وقد أخرج له ~~مسلم عن يزيد بن الأصم هو العامري التابعي، أخرج له مسلم أيضا عن ابن عباس، ~~وقد أخرج ms0668 البخاري في صحيحه قول ابن عباس المذكور تعليقا، وإنما لم يذكر ~~البخاري المرفوع للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله قاله الحافظ. ~~قوله: ما أمرت بضم الهمزة وكسر الميم مبني للمفعول. قوله: بتشييد المساجد ~~قال البغوي في شرح السنة: التشييد رفع البناء وتطويله ومنه قوله تعالى: * ~~(بروج مشيدة) * (النساء: 78) وهي التي طول بناؤها، يقال: شدت الشئ أشيده ~~مثل بعته أبيعه إذا بنيته بالشيد وهو الجص، وشيدته تشييدا طولته ورفعته. ~~وقيل: المراد بالبروج المشيدة المجصصة، قال ابن رسلان: والمشهور في الحديث ~~أن المراد بتشييد المساجد هنا رفع البناء وتطويله كما قال البغوي، وفيه رد ~~على من حمل قوله تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * (النور: 36) على ~~رفع بنائها وهو الحقيقة، بل المراد أن تعظم فلا يذكر فيها الخنى من الأقوال ~~وتطييبها من الأدناس والأنجاس ولا ترفع فيها الأصوات انتهى. قوله: قال ابن ~~عباس هكذا رواه ابن حبان موقوفا، وقبله حديث ابن عباس أيضا مرفوعا، وظن ~~PageV02P156 # الطيبي في شرح المشكاة أنهما حديث واحد، فشرحه على أن اللام في لتزخرفنها ~~مكسورة، قال: وهي لام التعليل للمنفي قبله، والمعنى: ما أمرت بالتشييد ~~ليجعل ذريعة إلى الزخرفة، قال: والنون فيه لمجرد التأكيد وفيه نوع تأنيب ~~وتوبيخ، ثم قال: # ويجوز فتح اللام على أنها جواب القسم. قال الحافظ: وهذا يعني فتح اللام ~~هو المعتمد، والأول لم تثبت به الرواية أصلا فلا يغتر به. وكلام ابن عباس ~~فيه مفصول من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المشهورة وغيرها ~~انتهى. والزخرفة الزينة، قال محيي السنة: إنهم زخرفوا المساجد عندما بدلوا ~~دينهم وحرفوا كتبهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمركم إلى ~~المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها، قال أبو الدرداء: # إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم. قال ابن رسلان: وهذا ~~الحديث فيه معجزة ظاهرة لاخباره صلى الله عليه وآله وسلم عما سيقع بعده، ~~فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا ~~الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس، بأخذهم أموال الناس ظلما ms0669 وعمارتهم بها ~~المدارس على شكل بديع، نسأل الله السلامة والعافية انتهى. (والحديث) يدل ~~على أن تشييد المساجد بدعة، وقد روي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك. وروي عن ~~أبي طالب أنه لا كراهة في تزيين المحراب. وقال المنصور بالله: انه يجوز في ~~جميع المسجد. وقال البدر بن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن ~~يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على ~~اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي ~~بالزخرفة فلا لبقاء العلة. ومن جملة ما عول عليه المجوزون للتزيين بأن ~~السلف لم يحصل منهم الانكار على من فعل ذلك، وبأنه بدعة مستحسنة، وبأنه ~~مرغب إلى المسجد، وهذه حجج لا يعول عليها من له حظ من التوفيق، لا سيما مع ~~مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة كما ~~روي عن علي عليه السلام. وأنه من صنع اليهود والنصارى، وقد كان صلى الله ~~عليه وآله وسلم يحب مخالفتهم ويرشد إليها عموما وخصوصا. ودعوى ترك إنكار ~~السلف ممنوعة لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة ~~لأهل العلم والفضل، وأحدثوا من البدع ما لا يأتي عليه الحصر ولا ينكره أحد، ~~وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا، بل قام في وجه باطلهم جماعة من علماء ~~الآخرة، وصرخوا بين أظهرهم بنعي ذلك عليهم PageV02P157 # ودعوى أنه بدعة مستحسنة باطلة، وقد عرفناك وجه بطلانها في شرح حديث: من ~~عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد في باب الصلاة في ثوب الحرير والغصب ودعوى ~~أنه مرغب إلى المسجد فاسدة، لأن كونه داعيا إلى المسجد ومرغبا إليه، لا ~~يكون إلا لمن كان غرضه وغاية قصده النظر إلى تلك النقوش والزخرفة، فأما من ~~كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع ~~خشوع، وإلا كانت كجسم بلا روح، فليست إلا ms0670 شاغلة عن ذلك، كما فعله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الانبجانية التي بعث بها إلى أبي جهم. وكما تقدم من هتكه ~~للستور التي فيها نقوش. وكما سيأتي في باب تنزيه قبلة المصلي عما يلهي، ~~وتقويم البدع المعوجة التي يحدثها الملوك، توقع أهل العلم في المسالك ~~الضيقة فيتكلفون لذلك من الحجج الواهية ما لا ينفق إلا على بهيمة. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى ~~يتباهى الناس في المساجد رواه الخمسة إلا الترمذي. وقال البخاري: قال أبو ~~سعيد: # كان سقف المسجد من جريدة النخل، وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس ~~من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. # الحديث صححه ابن خزيمة، وأورده البخاري عن أنس تعليقا بلفظ: يتباهون بها ~~ثم لا يعمرونها إلا قليلا ووصله أبو يعلى الموصلي في مسنده. وروى الحديث ~~أبو نعيم في كتاب المساجد من الوجه الذي عند ابن خزيمة بلفظ: يتباهون بكثرة ~~المساجد. قوله: حتى يتباهى الناس في المساجد أي يتفاخرون في بناء المساجد، ~~والمباهاة بها كما في رواية البخاري أن يتفاخروا بها بالنقش والكثرة. وروي ~~في شرح السنة بسنده عن أبي قلابة قال: غدونا مع أنس بن مالك إلى الزاوية ~~فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس: أي مسجد هذا؟ قالوا: مسجد أحدث ~~الآن، فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: سيأتي على ~~الناس زمان يتباهون في المساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا. قوله: وقال أكن ~~الناس قال الحافظ: # وقع في روايتنا أكن الناس بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون المضمومة ~~بلفظ المضارع من أكن الرباعي، يقال: أكننت الشئ اكنانا أي صنته وسترته، ~~وحكى أبو زيد: كننته من الثلاثي بمعنى أكننته، وفرق الكسائي بينهما فقال: ~~كننته أي سترته، وأكننته في نفسي أي أسررته. ووقع في رواية الأصيلي أكن ~~بفتح الهمزة والنون فعل أمر من الأكنان أيضا، ويرجحه قوله قبله: وأمر عمر، ~~وقوله بعده: وإياك، وتوجه الأولى بأنه خاطب القوم بما أراد، ms0671 ثم التفت إلى ~~الصانع فقال له: PageV02P158 # وإياك. أو يحمل قوله وإياك على التجريد كأنه خاطب نفسه بذلك، قال عياض: ~~وفي رواية غير الأصيلي كن الناس بحذف الهمزة وكسر الكاف وهو صحيح أيضا، ~~وجوز ابن مالك ضم الكاف على أنه من كن فهو مكنون انتهى. قال الحافظ وهو ~~متجه: لكن الرواية لا تساعده. قوله: فتفتن الناس بفتح المثناة من فتن، ~~وضبطه الأصيلي بالضم من افتن، وذكر أن الأصمعي أنكره، وأن أبا عبيدة أجازه ~~فقال: فتن وأفتن بمعنى قال ابن بطال: كأن عمر فهم من ذلك رد الشارع الخميصة ~~إلى أبي جهم من أجل الاعلام التي فيها وقال: إنها ألهتني عن صلاتي. قال ~~الحافظ: ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم خاص بهذه المسألة، فقد روى ابن ~~ماجة من طريق عمرو بن ميمون عن عمر مرفوعا: ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا ~~مساجدهم ورجاله ثقات إلا شيخ جبارة بن المغلس ففيه مقال. # باب كنس المساجد وتطييبها وصيانتها من الروائح الكريهة عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها ~~الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن ~~أو آية أوتيها رجل ثم نسيها رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا ~~الوجه، قال: وذاكرت به محمد بن إسماعيل يعني البخاري فلم يعرفه واستغربه، ~~قال محمد: # ولا أعرف للمطلب بن عبد الله يعني الراوي له عن أنس سماعا من أحد من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ~~(ص). وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس وفي إسناده عبد ~~المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غير ~~واحد. قال الحافظ في بلوغ المرام: وصححه ابن خزيمة. قوله: القذاة بتخفيف ~~الذال المعجمة والقصر الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك. قال أهل ms0672 اللغة: ~~القذى في العين والشراب مما يسقط فيه، ثم استعمل في كل شئ يقع في البيت ~~وغيره إذا كان يسيرا. قال ابن رسلان في شرح السنن: فيه ترغيب في تنظيف ~~المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة أنها تكتب في أجورهم وتعرض على ~~نبيهم، وإذا كتب هذا القليل وعرض فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى، ~~PageV02P159 # ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالطاهر عن النجس، والحسنات على قدر ~~الأعمال. قال: # وسمعت من بعض المشايخ أنه ينبغي لمن أخرج قذاة من المسجد أو أذى من طريق ~~المسلمين أن يقول عند أخذها: لا إله إلا الله ليجمع بين أدنى شعب الايمان ~~وأعلاها وهي كلمة التوحيد، وبين الأفعال والأقوال، وإن اجتمع القلب مع ~~اللسان كان ذلك أكمل انتهى. # إلا أنه لا يخفى أن الأحكام الشرعية تحتاج إلى دليل، وقوله ينبغي حكم ~~شرعي. قوله: # فلم أر ذنبا أعظم قال شارح المصابيح: أي من سائر الذنوب الصغائر، لأن ~~نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن من استخفافه وقلة تعظيمه ~~للقرآن، وإنما قال صلى الله عليه وآله وسلم هذا التشديد العظيم تحريضا منه ~~على مراعاة حفظ القرآن انتهى. # والتقييد بالصغائر يحتاج إلى دليل. وقيل: المراد بقوله نسيها ترك العمل ~~بها. ومنه قوله تعالى: # * (نسوا الله فنسيهم) * (الحشر: 19) وهو مجاز لا يصار إليه إلا لموجب. # وعن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناء المساجد في ~~الدور وأن تنظف وتطيب رواه الخمسة إلا النسائي. وعن سمرة بن جندب قال: ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا ~~أن ننظفها رواه أحمد والترمذي وصححه، ورواه أبو داود ولفظه: كان يأمرنا ~~بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها. # الحديث الأول أخرجه الترمذي مسندا ومرسلا. وقال: المرسل أصح، ولكنه رواه ~~غير مسند بإسناد رجاله ثقات، فرواه أبو داود عن حسين بن علي بن الأسود ~~العجلي، قال أبو حاتم: صدوق عن زائدة بن قدامة أو ابن بسيط وهما ثقتان عن ms0673 ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا، والحديث الثاني رواه أحمد بإسناد ~~صحيح. وكذا رواه غيره بأسانيد جيدة. قوله: في الدور قال البغوي في شرح ~~السنة: يريد المحال التي فيها الدور، ومنه قوله تعالى: * (سأريكم دار ~~الفاسقين) * (الأعراف: 145) لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها ~~قبيلة دارا، ومنه الحديث: ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد قال سفيان: بناء ~~المساجد في الدور يعني القبائل أي من العرب يتصل بعضها ببعض وهم بنو أب ~~واحد، يبنى لكل قبيلة مسجد، هذا ظاهر معنى تفسير سفيان الدور. قال أهل ~~اللغة: الأصل في إطلاق الدور على المواضع، وقد تطلق على القبائل مجازا. قال ~~بعض المحدثين: والبساتين في معنى الدور، وعلى هذا فيستحب بناء المسجد من ~~حجر أو لبن أو مدر أو خشب وغير ذلك، في كل محلة يحلها المقيمون PageV02P160 # بها وكل بساتين مجتمعة. وقال في شرح المشكاة: الدور المذكورة في الحديث ~~جمع دار وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة، والمراد المحلات فإنهم كانوا ~~يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا، أو محمول على اتخاذ بيت للصلاة ~~كالمسجد يصلي فيه أهل البيت، قاله ابن عبد الملك. والأول هو المعول عليه ~~انتهى. وقال شارح المصابيح: يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أذن أن يبني الرجل في داره مسجدا يصلي فيه أهل بيته اه. # فعلى تفسير الدار بالمحلة المساجد المذكورة في الحديث جمع مسجد بكسر ~~الجيم، وعلى تفسيرها بدار الرجل المساجد جمع مسجد بفتح الجيم، وقد نقل عن ~~سيبويه ما يؤدي هذا المعنى. قوله: وأن تنظف بالظاء المشالة لا بالضاد فإنه ~~تصحيف، ومعناه تطهر كما في رواية ابن ماجة، والمراد تنظيفها من الوسخ ~~والدنس. قوله: وتطيب قال ابن رسلان: # بطيب الرجال وهو ما خفي لونه وظهر ريحه، فإن اللون ربما شغل بصر المصلي، ~~والأولى في تطييب المسجد مواضع المصلين ومواضع سجودهم أولى، ويجوز أن يحمل ~~التطييب على التجمير في المسجد، والظاهر أن الامر ببناء المسجد للندب ~~لحديث: جعلت لنا الأرض مسجدا. وحديث: أينما ms0674 أدركت الصلاة فصل. # وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أكل الثوم والبصل ~~والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم متفق ~~عليه. # قال النووي بعد أن ذكر حديث مسلم بلفظ: فلا يقربن المساجد هذا تصريح بنهي ~~من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه ~~القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص بمسجد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لقوله في رواية: مسجدنا وحجة الجمهور فلا يقربن المساجد. قال ابن دقيق ~~العيد: # ويكون مسجدنا للجنس أو لضرب المثال، فإنه معلل إما بتأذي الآدميين أو ~~بتأذي الملائكة الحاضرين، وذلك قد يوجد في المساجد كلها، ثم إن النهي إنما ~~هو عن حضور المسجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما، فهذه البقول حلال ~~بإجماع من يعتد به. وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لأنها تمنع عن ~~حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين. (وحجة الجمهور) قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في أحاديث الباب: كل فإني أناجي من لا تناجي. وقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أيها الناس ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها ~~أخرجه مسلم وغيره. قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل PageV02P161 # والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها. قال القاضي عياض: ~~ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشأ. قال: قال ابن المرابط: ويلحق به من به ~~بخر في فيه أو به جرح له رائحة، قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع ~~الصلاة غير المسجد، كمصلى العيد والجنائز ونحوهما من مجامع العبادات، وكذا ~~مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلحق بها الأسواق ونحوها انتهى. ~~وفيه أن العلة إن كانت هي التأذي فلا وجه لاخراج الأسواق، وإن كانت مركبة ~~من التأذي وكونه حاصلا للمشتغلين بطاعة صح ذلك، ولكن العلة المذكورة في ~~الحديث هي تأذي الملائكة، فينبغي الاقتصار على إلحاق المواطن التي تحضرها ~~الملائكة. وقد ورد في حديث عند مسلم بلفظ: لا يؤذينا ms0675 بريح الثوم وهي تقتضي ~~التعليل بتأذي بني آدم. قال ابن دقيق العيد: والظاهر أن كل واحد منهما علة ~~مستقلة انتهى. وعلى هذا الأسواق كغيرها من مجامع العبادات. (وقد استدل) ~~بالحديث على عدم وجوب الجماعة، قال ابن دقيق العيد: وتقريره أن يقال كل هذه ~~الأمور جائزة بما ذكرنا، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة في حق آكلها، ولازم ~~الجائز جائز، فترك الجماعة في حق آكلها جائز وذلك ينافي الوجوب. وأهل ~~الظاهر القائلون بتحريم أكل ما له رائحة كريهة يقولون: إن صلاة الجماعة ~~واجبة على الأعيان ولا تتم إلا بترك أكل الثوم، لهذا الحديث قوما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب، فترك أكل ذلك واجب. قوله: فإن الملائكة تتأذى قال ~~النووي: وهو بتشديد الذال، ووقع في أكثر الأصول بالتخفيف وهي لغة، يقال: ~~أذى تأذى مثل عمى يعمى. قال قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على منع من ~~أكل الثوم من دخول المسجد وإن كان خاليا لأنه محل الملائكة ولعموم ~~الأحاديث. # باب ما يقول إذا دخل المسجد وإذا خرج منه عن أبي حميد وأبي أسيد قالا: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وإذا خرج ~~فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك رواه أحمد والنسائي، وكذا مسلم وأبو داود. ~~وقال عن أبي حميد أو أبي أسيد بالشك. # وأخرجه أيضا ابن ماجة عن أبي حميد وحده وهو عبد الرحمن بن سعد الساعدي، ~~PageV02P162 # وأبو أسيد بضم الهمزة مصغرا هو مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري. قوله: ~~فليقل في رواية أبي داود فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليقل ~~وروى ابن السني عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل ~~المسجد قال: بسم الله اللهم صل على محمد وإذا خرج قال: بسم الله اللهم صل ~~على محمد قال النووي: وروينا الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ~~دخول المسجد والخروج منه من رواية ابن عمر أيضا، وسيأتي حديث ms0676 فاطمة عليها ~~السلام. قوله: افتح لنا رواية أبي داود: افتح لي ويجمع بينهما بأن المنفرد ~~يقول: اللهم افتح لي، وإذا دخل ومعه غيره يقول: اللهم افتح لنا، كذا قال ~~ابن رسلان. قوله: # اللهم إني أسألك من فضلك في رواية الطبراني في الأوسط عن ابن عمر: وإذا ~~خرج قال: # اللهم افتح لنا أبواب فضلك وفي إسناده سالم بن عبد الأعلى، قال ابن ~~رسلان: وسؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى: * (فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) * (الجمعة: 10) يعني الرزق الحلال. ~~وقيل: وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم والوجهان متقاربان، فإن العلم هو ~~من رزق الله تعالى، لأن الرزق لا يختص بقوت الأبدان بل يدخل فيه قوت ~~الأرواح والاسماع وغيرها، وقيل: فضل الله عيادة مريض وزيارة أخ صالح. # وعن فاطمة الزهراء رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا دخل المسجد قال: بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ~~ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله ~~اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث إسناده في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ~~إسماعيل بن إبراهيم وأبو معاوية عن ليث عن عبد الله بن الحسن عن أمه عن ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره وفيه انقطاع، لأن فاطمة ~~بنت الحسين وهي أم عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي لم تدرك فاطمة ~~الزهراء رضي الله عنها، وليث المذكور في الاسناد إن كان ابن أبي سليم ففيه ~~مقال معروف. (وهذا الحديث) فيه زيادة التسمية والسلام على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم والدعاء بالمغفرة في الدخول والخروج، وزيادة التسليم ~~ثابتة عند أبي داود في الحديث الأول وابن مردويه، وزيادة التسمية ثابتة عند ~~ابن السني من حديث أنس كما تقدم وعن ابن مردويه، وقد تقدمت زيادة الصلاة، ~~فينبغي لداخل المسجد ms0677 والخارج منه أن يجمع بين التسمية والصلاة PageV02P163 # والسلام على رسول الله، والدعاء بالمغفرة والدعاء بالفتح لأبواب الرحمة ~~داخلا ولأبواب الفضل خارجا، ويزيد في الخروج سؤال الفضل، وينبغي أيضا أن ~~يضم إلى ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه ~~الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: ~~حفظ مني سائر اليوم وما أخرج الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: * (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) * ~~(النور: 61) قال: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين. # باب جامع فيما تصان عنه المساجد وما أبيح فيها عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سمع رجلا ينشد في مسجد ضالة فليقل: ~~لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا. وعن بريدة: # أن رجلا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له رواهما أحمد ~~ومسلم وابن ماجة. # قوله: ينشد بفتح الياء وضم الشين، يقال: نشدت الضالة بمعنى طلبتها ~~وأنشدتها عرفتها. والضالة تطلق على الذكر والأنثى والجمع ضوال كدابة ودواب، ~~وهي مختصة بالحيوان، ويقال لغير الحيوان ضائع ولقيط. قال ابن رسلان. قوله ~~لا أداها الله إليك فيه دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم ~~الوجدان معاقبة له في ماله معاملة له بنقيض قصده. قال ابن رسلان: ويلحق ~~بذلك من رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، قال: وفيه ~~النهي عن رفع الصوت بنشد الضالة، وما في معناه من البيع والشراء والإجارة ~~والعقود. قال مالك وجماعة من العلماء: # يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة ~~من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه ms0678 ~~الناس لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه. قوله: وإنما بنيت المساجد لما بنيت له ~~قال النووي: معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها: ~~قال القاضي عياض: فيه دليل على منع الصنائع في المسجد، قال: وقال بعض ~~شيوخنا إنما يمنع من الصنائع الخاصة فأما العامة للمسلمين في دينهم فلا بأس ~~بها، وكره بعض PageV02P164 # المالكية تعليم الصبيان في المساجد وقال: إنه من باب البيع وهذا إذا كان ~~بأجرة، فإن كان بغير أجرة كان مكروها لعدم تحرزهم من الوسخ الذي يصان عنه ~~المسجد، وقد تقدم اختلاف الأحاديث في دخولهم المساجد في باب حمل المحدث. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من دخل ~~مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخل لغير ~~ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له رواه أحمد وابن ماجة وقال: هو بمنزلة الرجل ~~ينظر إلى متاع غيره. # الحديث إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ~~حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن المقبري عن أبي هريرة فذكره، وحاتم بن ~~إسماعيل قد وثقه ابن سعد وهو صدوق كان يهم وبقية الاسناد ثقات، وحميد بن ~~صخر هو حميد الطويل الامام الكبير. قوله: مسجدنا هذا فيه تصريح بأن الاجر ~~المترتب على الدخول إنما يحصل لمن كان في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ولا يصح إلحاق غيره به من المساجد التي هي دونه في الفضيلة لأنه قياس مع ~~الفارق. قوله: ليتعلم خيرا أو ليعلمه فيه أن الثواب المذكور. إنما يتسبب عن ~~هذه الطاعة الخاصة لا عن كل طاعة. وفيه أيضا التنويه بشرف تعلم العلم ~~وتعليمه، لأنه هو الخير الذي لا يقادر قدره، وهذا إن جعل تنكير الخير ~~للتعظيم، ويمكن إدراج كل تعلم وتعليم لخير أي خير كان تحت ذلك فيدخل كل ما ~~فيه قربة يتعلمها الداخل أو يعلمها غيره. وفيه أيضا التسوية بين العالم ~~والمتعلم والارشاد إلى أن التعليم والتعلم في المسجد أفضل ms0679 من سائر الأمكنة. ~~قوله: ومن دخل لغير ذلك إلخ ظاهره أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من ~~أنواع الخير لا يجوز فعله في المسجد ولا بد من تقييده، بما عدا الصلاة ~~والذكر والاعتكاف ونحوها مما ورد فعله في المسجد أو الارشاد إلى فعله فيه. ~~(والحديث) يدل على أن المسجد لم يوضع لكل طاعة، بل الطاعات مخصوصة لتقييد ~~الخير في الحديث بالتعليم والتعلم. # وعن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقام ~~الحدود في المساجد ولا يستفاد فيها رواه أحمد وأبو داود والدارقطني. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن السكن والبيهقي، قال الحافظ في التلخيص: ~~ولا بأس بإسناده، وقال في بلوغ المرام: إن إسناده ضعيف. وفي الباب عن ابن ~~عباس عند الترمذي وابن ماجة وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قبل ~~حفظه، وعن جبير بن مطعم عند البزار PageV02P165 # وفيه الواقدي، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه ابن لهيعة. ~~(والحديث) يدل على تحريم إقامة الحدود في المساجد وتحريم الاستفادة فيها، ~~لأن النهي كما تقرر في الأصول حقيقة في التحريم، ولا صارف له ههنا عن معناه ~~الحقيقي. # وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا رأيتم من ~~يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ~~فيه ضالة فقولوا: لا رد الله عليك رواه الترمذي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشراء والبيع في ~~المسجد، وأن تنشد فيه الاشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحلق يوم الجمعة ~~قبل الصلاة رواه الخمسة وليس للنسائي فيه إنشاد الضالة. # الحديث الأول أخرجه النسائي في اليوم والليلة وحسنه الترمذي، والحديث ~~الثاني حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة. قال الحافظ في الفتح: وإسناده صحيح ~~إلى عمرو بن شعيب، فمن يصحح نسخته يصححه، قال: وفي المعنى أحاديث لكن في ~~أسانيدها مقال انتهى. # وعمرو بن شعيب عن ms0680 أبيه عن جده فيه مقال مشهور. قال الترمذي قال محمد بن ~~إسماعيل: # رأيت أحمد وإسحق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، قال: وقد سمع ~~شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو قال أبو عيسى: ومن تكلم في حديث عمرو بن ~~شعيب إنما ضعفه لأنه يحدث من صحيفة جده، كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه ~~الأحاديث من جده. قال علي بن عبد الله المديني: قال يحيى بن سعيد: حديث ~~عمرو بن شعيب عندنا واه. # (وفي الباب) عن بريدة عند مسلم وابن ماجة والنسائي، وعن جابر عند ~~النسائي، وعن أنس عند الطبراني قال العراقي: ورجاله ثقات، وعن أبي هريرة من ~~طريق أخرى غير التي في الباب عند مسلم، وعن سعد بن أبي وقاص عند البزار وفي ~~إسناده الحجاج بن أرطاة، وعن ابن مسعود عند البزار أيضا والطبراني، وعن ~~ثوبان عند الطبراني أيضا، وثوبان هذا ليس بثوبان مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ولم يورده ابن حبان في الصحابة ولا ابن عبد البر، وأورده ~~ابن منده، وعن معاذ بن جبل عند الطبراني أيضا، وعن ابن عمر عند ابن ماجة، ~~وعن واثلة بن الأسقع عند ابن ماجة أيضا، وعن عصمة عند الطبراني، وعن أبي ~~سعيد عند ابن أبي حاتم في العلل. (الحديثان) يدلان على تحريم البيع والشراء ~~وإنشاد الضالة وإنشاد الاشعار والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد تقدم ~~الكلام في PageV02P166 # إنشاد الضالة. أما البيع والشراء فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول ~~على الكراهة، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في ~~المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي. وأنت خبير بأن حمل النهي على ~~الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند ~~القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز ~~النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل ~~النهي على الكراهة. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء ~~في ms0681 المسجد والأحاديث ترد عليه. وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك ويكثر ~~فيكره أو يقل فلا كراهة وهو فرق لا دليل عليه. وأما إنشاد الاشعار في ~~المسجد فحديث الباب وما في معناه يدل على عدم جوازه، ويعارضه ما سيأتي من ~~قصة عمر وحسان، وتصريح حسان بأنه كان ينشد الشعر بالمسجد وفيه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك حديث جابر بن سمرة الآتي، وقد جمع بين ~~الأحاديث بوجهين: الأول حمل النهي على التنزيه والرخصة على بيان الجواز. ~~والثاني حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه، كهجاء حسان ~~للمشركين ومدحه صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك، ويحمل النهي على التفاخر ~~والهجاء ونحو ذلك، ذكر هذين الوجهين العراقي في شرح الترمذي، وقد بوب ~~النسائي على قصة حسان مع عمر بن الخطاب فقال: باب الرخصة في إنشاد الشعر ~~الحسن. وقال الشافعي: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. وقد ورد هذا ~~مرفوعا في غير حديث، فروى أبو يعلى عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الشعر فقال: هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح قال العراقي: ~~وإسناده حسن، ورواه أيضا البيهقي في سننه من طريق أبي يعلى ثم قال: وصله ~~جماعة والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل. وروى الطبراني في الأوسط ~~من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن ~~رافع وحبان بن جبلة وبكر بن سوادة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه ~~كقبح الكلام وقد جمع الحافظ بين الأحاديث بحمل النهي على تناشد أشعار ~~الجاهلية والمبطلين، وحمل المأذون فيه على ما سلم من ذلك، ولكن حديث جابر ~~بن سمرة الآتي فيه التصريح بأنهم كانوا يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر ~~الجاهلية قال: وقيل المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبا على المسجد حتى ~~يتشاغل به من فيه. وأبعد أبو عبد الله البوني ms0682 PageV02P167 # فأعمل أحاديث النهي وادعى النسخ في حديث الاذن ولم يوافق على ذلك، حكاه ~~ابن التين عنه انتهى. وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، ~~وقد أمكن هنا بلا تعسف كما عرفت. قال ابن العربي: لا بأس بإنشاد الشعر في ~~المسجد إذا كان في مدح الدين وإقامة الشرع، وإن كان فيه الخمر ممدوحة ~~بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها، ~~وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله (ص) فقال: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ~~إلى قوله في صفة ريقها: كأنه منهل بالراح معلول قال العراقي: وهذه القصيدة ~~قد رويناها من طرق لا يصح منها شئ، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع، وعلى ~~تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشادها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في المسجد أو غيره فليس فيها مدح الخمر وإنما فيها مدح ريقها وتشبيهه ~~بالراح، قال: ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث ~~يشوش بذلك على مصل أو قارئ أو منتظر للصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره، ولو قيل ~~بتحريمه لم يكن بعيدا. وقد قدمنا ما يدل على النهي عن رفع الصوت في المساجد ~~مطلقا في باب حمل المحدث. وأما التحلق يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة ~~فحمل النهي عنه الجمهور على الكراهة وذلك لأنه ربما قطع الصفوف، مع كونهم ~~مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول. وقال ~~الطحاوي: التحلق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ~~ذلك لا بأس به. والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر. ~~والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيرها، كما في الحديث المتفق عليه ~~من حديث أبي واقد الليثي قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله وذهب واحد، فأما أحدهما ~~فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم الحديث. وأما التحلق ms0683 ~~في المسجد في أمور الدنيا فغير جائز. وفي حديث ابن مسعود: سيكون في آخر ~~الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ~~ليس لله فيهم حاجة ذكره العراقي في شرح الترمذي قال: وإسناده ضعيف فيه بزيغ ~~أبو الخليل وهو ضعيف جدا. قوله: وعن الحلق بفتح المهملة ويجوز كسرها واللام ~~مفتوحة على كل حال جمع حلقة بإسكان اللام على غير قياس، وحكي فتحها أيضا ~~كذا في الفتح. PageV02P168 # وعن سهل بن سعد: أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته ~~رجلا أيقتله؟ الحديث فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد متفق عليه. # الحديث سيأتي بطوله في كتاب اللعان ويأتي شرحه إن شاء الله هنالك. وساقه ~~المصنف هنا للاستدلال به على جواز اللعان في المسجد. وقد جعلت الهادوية ~~إيقاعه في غير المسجد مندوبا ولا وجه له، والتعليل بأنه ربما كان مفضيا إلى ~~الحد إذا أقر أحد الزوجين بكذبه باطل لأن تسبب الحد عنه نادر لا يستلزم ~~وقوع الحد فيه. # وعن جابر بن سمرة قال: شهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة ~~مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم ~~معهم رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي بلفظ: جالست النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون العر ويتذاكرون أشياء من أمر ~~الجاهلية وهو ساكت فربما تبسم معهم وقال: هذا حديث صحيح. (والحديث) يدل على ~~جواز إنشاد الشعر في المسجد، وقد تقدم الكلام في ذلك. # وعن سعيد بن المسيب قال: مر عمر في المسجد وحسان فيه ينشد فلحظ إليه ~~فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: ~~أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أجب عني: اللهم ~~أيده بروح القدس؟ قال: نعم متفق عليه. # قوله: قال مر عمر رواية سعيد لهذه القصة مرسلة عندهم لأنه لم يدرك زمن ~~المرور، لكن يحمل على أن سعيدا سمع ذلك ms0684 من أبي هريرة بعد أو من حسان، أو ~~وقع لحسان استشهاد بأبي هريرة مرة أخرى فحضر ذلك سعيد. قوله: وفيه من هو ~~خير منك يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: أنشدك الله بفتح الهمزة ~~وضم الشين المعجمة أي سألتك الله، والنشد بفتح النون وسكون المعجمة ~~التذكير. قوله: أيده بروح القدس أي قوه، وروح القدس المراد به هنا جبريل ~~بدليل حديث البراء عند البخاري بلفظ: وجبريل معك والمراد بالإجابة الرد على ~~الكفار الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الترمذي عن ~~عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينصب لحسان منبرا في ~~المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار وأخرجه الحاكم في PageV02P169 # المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الاسناد. (والحديث) يدل على جواز إنشاد ~~الشعر في المسجد، وقد تقدم الجمع بين حديث الباب وبين ما يعارضه. # وعن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى متفق عليه. # قوله: واضعا إحدى رجليه على الأخرى قال الخطابي فيه: أن النهي الوارد عن ~~ذلك منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو عورته، والجواز حيث يؤمن من ~~ذلك. قال الحافظ: # الثاني أولى من ادعاء النسخ لأنه لا يثبت بالاحتمال. وممن جزم به البيهقي ~~والبغوي وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ، ويمكن أن ~~يقال: إن النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى الثابت في مسلم وسنن أبي ~~داود عام، وفعله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك مقصور عليه، فلا يؤخذ من ذلك ~~الجواز لغيره، صرح بذلك المازري قال: # لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصا به صلى ~~الله عليه وآله وسلم بل هو جائز مطلقا. فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين ~~تعارض فيجمع بينهما، ثم ذكر نحو ما ذكره الخطابي. قال الحافظ وفي قوله: فلا ~~يؤخذ منه الجواز نظر لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظاهر ms0685 أن فعله كان ~~لبيان الجواز، والظاهر على ما تقتضيه القواعد الأصولية ما قاله المازري من ~~قصر الجواز عليه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن قوله: لكن لما صح أن عمر ~~وعثمان الخ لا يدل على الجواز مطلقا كما قال لاحتمال أنهما فعلا ذلك لعدم ~~بلوغ النهي إليهما. (والحديث) يدل على جواز الاستلقاء في المسجد على تلك ~~الهيئة وعلى غيرها لعدم الفارق. # وعن عبد الله بن عمر أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه البخاري والنسائي وأبو داود وأحمد. ~~ولفظه: كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ننام في المسجد ونقيل ~~فيه ونحن شباب. قال البخاري: وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عكل على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا في الصفة، وقال: قال عبد الرحمن بن ~~أبي بكر: كان أصحاب الصفة الفقراء. # قوله: عزب قال الحافظ: المشهور فيه فتح العين المهملة وكسر الزاي. وفي ~~رواية للبخاري أعزب وهي لغة قليلة مع أن القزاز أنكرها. والمراد به الذي لا ~~زوجة له. # وقوله: لا أهل له تفسير لقوله عزب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص ~~فيدخل فيه PageV02P170 # الأقارب ونحوهم. وقوله: في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعلق ~~بقوله ينام، ورواية أحمد أدل على الجواز للتصريح فيها بأن ذلك كان في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أخرج البخاري حديث: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم جاء وعلي مضطجع في المسجد قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه ~~تراب فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحه ويقول: قم أبا تراب وقد ~~ذهب الجمهور إلى جواز النوم في المسجد. وروي عن ابن عباس كراهته إلا لمن ~~يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقا. وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره ~~وبين من لا مسكن له فيباح. قوله: وقال أبو قلابة عن أنس هذا طرف من قصة ms0686 ~~العرنيين وقد ذكرها البخاري في الطهارة من صحيحه، ووصل هذا اللفظ المذكور ~~هنا في المحاربين من طريق وهيب عن أيوب عن أبي قلابة. قوله: قال عبد الرحمن ~~هو أيضا طرف من حديث طويل ذكره البخاري في علامات النبوة. # والصفة موضع مظلل في المسجد النبوي كانت تأوي إليه المساكين. وعكل بضم ~~العين المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم، وقد تقدم ضبطه وتفسيره في باب ~~الرخصة في بول ما يؤكل لحمه. # وعن عائشة قالت: أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ~~حبان بن العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~خيمة في المسجد ليعوده من قريب متفق عليه. # قوله: حبان بن العرقة بعين مهملة مفتوحة ثم راء مكسورة ثم قاف بعدها هاء ~~التأنيث. قوله: في الأكحل هو عرق في اليد، وتمام الحديث في البخاري: قالت: # فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل عليهم فقالوا: يا ~~أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات فيها ~~يعني الخيمة أو في تلك المرضة. (والحديث) يدل على جواز ترك المريض في ~~المسجد وإن كان في ذلك مظنة لخروج شئ منه يتنجس به المسجد. # وعن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل ~~يسأل فوجدت كسرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه رواه أبو ~~داود. # قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر ~~إلا بهذا PageV02P171 # الاسناد وذكر أنه روي مرسلا. قال المنذري: وقد أخرجه مسلم في صحيحه ~~والنسائي في سننه من حديث أبي حازم سلمان الأشجعي بنحوه أتم منه. (والحديث) ~~يدل على جواز التصدق في المسجد وعلى جواز المسألة عند الحاجة، وقد بوب أبو ~~داود في سننه لهذا الحديث فقال: باب المسألة في المساجد. # وعن عبد الله بن ms0687 الحرث قال: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في المسجد الخبز واللحم رواه ابن ماجة. # الحديث إسناده في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب وحرملة ~~ابن يحيى قالا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحرث قال: ~~حدثني سليمان بن زياد الحضرمي أنه سمع عبد الله بن الحرث فذكره، وهؤلاء ~~كلهم من رجال الصحيح إلا يعقوب بن حميد وقد رواه معه حرملة بن يحيى. ~~(والحديث) يدل على المطلوب منه وهو جواز الأكل في المسجد، وفيه أحاديث ~~كثيرة منها سكنى أهل الصفة في المسجد الثابت في البخاري وغيره، فإن كون لا ~~مسكن لهم سواه يستلزم أكلهم للطعام فيه. ومنها حديث ربط الرجل الأسير ~~بسارية من سواري المسجد المتفق عليه، وفي بعض طرقه أنه استمر مربوطا ثلاثة ~~أيام. ومنها ضرب الخيام في المسجد لسعد بن معاذ كما تقدم، أو للسوداء التي ~~كانت تقم المسجد كما في الصحيحين. ومنها إنزال وفد ثقيف المسجد وغيرهم، ~~والأحاديث الدالة على جواز أكل الطعام في المسجد متكاثرة. (قال المصنف) ~~رحمه الله: وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسر ثمامة بن أثال ~~فربط بسارية في المسجد قبل إسلامه، وثبت عنه أنه نثر مالا جاء من البحرين ~~في المسجد وقسمه فيه انتهى. قلت: ربط ثمامة ثابت في الصحيحين بلفظ: بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ~~ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فاغتسل ثم دخل فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونثر المال في المسجد وقسمته ثابت في ~~البخاري وغيره بلفظ: أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين ~~فقال: انثروه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم ساق القصة بطولها. (والحديثان) يدلان على جواز ربط الأسير المشرك ~~في المسجد والمسلم بالأولى، وعلى جواز قسمة الأموال في المساجد ونثرها ~~فيها. ms0688 PageV02P172 # باب تنزيه قبلة المسجد عما يلهي المصلي عن أنس قال: كان قرام لعائشة قد ~~سترت به جانب بيتها فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أميطي عني ~~قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي رواه أحمد والبخاري. # قوله: قرام بكسر القاف وتخفيف الراء ستر رقيق من صوف ذو ألوان كما تقدم. ~~قوله: أميطي أي أزيلي وزنا ومعنى. قوله: لا تزال تصاويره في رواية للبخاري: # لا تزال تصاوير بحذف الضمير، قال الحافظ: كذا في روايتنا وللباقين بإثبات ~~الضمير، قال: # والهاء على روايتنا في فإنه ضمير الشأن، وعلى الأخرى يحتمل أن يعود على ~~الثوب. # قوله: تعرض بفتح أوله وكسر الراء أي تلوح، وللإسماعيلي تعرض بفتح العين ~~وتشديد الراء وأصله تتعرض. (والحديث) يدل على كراهة الصلاة في الأمكنة التي ~~فيها تصاوير، وقد تقدم كراهة زخرفة المساجد والتصاوير نوع من ذلك، وقد تقدم ~~أيضا الكلام على الثياب التي فيها تصاوير. (ودل الحديث) أيضا على أن الصلاة ~~لا تفسد بذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطعها ولم يعدها. # وعن عثمان بن طلحة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا بعد دخوله ~~الكعبة فقال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن ~~تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شئ يلهي المصلي رواه ~~أحمد وأبو داود. الحديث أخرجه أبو داود من طريق منصور الحجبي قال: حدثني ~~خالي عن أمي قالت: # سمعت الأسلمية تقول قلت لعثمان: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حين دعاك؟ قال: # إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شئ ~~يشغل المصلي. وخال صفوان المذكور في الاسناد قال ابن السراج: هو مسافع بن ~~شيبة، وأم منصور المذكورة هي صفية بنت شيبة القرشية العبدرية وقد جاءت ~~مسماة في بعض طرق هذا الحديث، واختلف في صحبتها، وقد جاءت أحاديث ظاهرة في ~~صحبتها. وعثمان بن طلحة المذكور هو القرشي العبدري الحجبي بفتح ms0689 الحاء ~~المهملة وبعدها جيم مفتوحة وباء PageV02P173 # موحدة منسوب إلى حجابة بيت الله الحرام شرفه الله تعالى، وهم جماعة من ~~بني عبد الدار وإليهم حجابة الكعبة. وقد اختلف في هذا الحديث، فروي عن ~~منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة عن امرأة من بني سليم عن عثمان، وروي ~~عنه عن خاله عن امرأة من بني سليم ولم يذكر أمه. والأسلمية المذكورة لم أقف ~~على اسمها. (والحديث) يدل على كراهة تزيين المحاريب وغيرها مما يستقبله ~~المصلي بنقش أو تصوير أو غيرهما مما يلهي، وعلى أن تخمير التصاوير مزيل ~~لكراهة الصلاة في المكان الذي هي فيه لارتفاع العلة وهي اشتغال قلب المصلي ~~بالنظر إليها، وقد أسلفنا الكلام في التصاوير وفي كراهية زخرفة المساجد. # قوله: قرني الكبش أي كبش إبراهيم الذي فدى به إسماعيل. # باب لا يخرج من المسجد بعد الاذان حتى يصلي إلا لعذر عن أبي هريرة قال: ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة ~~فلا يخرج أحدكم حتى يصلي رواه أحمد. وعن أبي الشعثاء قال: خرج رجل من ~~المسجد بعد ما أذن فيه فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى ~~الله عليه وآله وسلم رواه الجماعة إلا البخاري. # الحديث الأول روى من طريق ابن أبي الشعثاء واسمه أشعث عن أبيه عن أبي ~~هريرة، ورواه عن أبي هريرة أبو صالح ومحمد بن زاذان وسعيد بن المسيب، قاله ~~ابن سيد الناس في شرح الترمذي بعد أن روى الحديث بإسناده ولم يتكلم فيه. ~~وأما الحديث الثاني فروي عن بعضهم أنه موقوف، قال ابن عبد البر: هو مسند ~~عندهم لا يختلفون فيه انتهى. وفي إسناده إبراهيم بن المهاجر وقد وثق وضعف ~~وأخرج له الجماعة إلا البخاري. وفي الرواة من يسمى إبراهيم بن مهاجر ثلاثة. ~~هذا أحدهم وهو البجلي الكوفي. والثاني المدني مولى سعد ابن أبي وقاص. ~~والثالث الأزدي الكوفي. وفي الباب عن عثمان بلفظ قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أدرك ms0690 الآذان وهو في المسجد ثم ~~خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق رواه ابن سنجر والزيدوني ~~في أحكامه، وابن سيد الناس في شرح الترمذي، وأشار إليه الترمذي في جامعه. ~~(والحديثان) يدلان على تحريم الخروج من المسجد بعد سماع الاذان لغير الوضوء ~~وقضاء الحاجة وما تدعو الضرورة إليه PageV02P174 # حتى يصلي فيه تلك الصلاة، لأن ذلك المسجد قد تعين لتلك الصلاة، قال ~~الترمذي بعد أن ذكر الحديث: وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد إلا من عذر أن ~~يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه، ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: ~~يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه ~~انتهى. قال ابن رسلان في شرح السنن: إن الخروج مكروه عند عامة أهل العلم ~~إذا كان لغير عذر من طهارة أو نحوها وإلا جاز بلا كراهة. قال القرطبي: هذا ~~محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدليل ~~نسبته إليه، وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الاذان فأطلق ~~لفظ المعصية عليه. # أبواب استقبال القبلة باب وجوبه للصلاة عن أبي هريرة في حديث يأتي ذكره ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ~~ثم استقبل القبلة فكبر. # هذا الحديث الذي أشار إليه المصنف هو حديث المسئ، وسيأتي في باب السجدة ~~الثانية ولزوم الطمأنينة، ويأتي إن شاء الله شرحه هنالك، وهذا اللفظ الذي ~~ذكره المصنف هو لفظ مسلم، وهو يدل على وجوب الاستقبال، وهو إجماع المسلمين ~~إلا في حالة العجز أو في الخوف عند التحام القتال أو في صلاة التطوع كما ~~سيأتي. وقد دل على الوجوب القرآن والسنة المتواترة. وفي الصحيح من حديث أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت ان أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ms0691 قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ~~ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز ~~وجل. وقالت الهادوية: إن استقبال القبلة من شروط صحة الصلاة، وقد عرفناك ~~فيما سبق أن الأوامر بمجردها لا تصلح للاستدلال بها على الشرطية إلا على ~~القول بأن الامر بالشئ نهي عن ضده، ولكن ههنا ما يمنع من الشرطية وهو خبر ~~السرية الذي أخرجه الترمذي وأحمد والطبراني من حديث عامر بن ربيعة بلفظ: ~~كنا مع PageV02P175 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة وصلى كل ~~رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فنزل: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (البقرة: 115) فإن الاستقبال لو كان ~~شرطا لوجبت الإعادة في الوقت وبعده، لأن الشرط يؤثر عدمه في العدم، مع أن ~~الهادوية يوافقون في عدم وجوب الإعادة بعد الوقت، وهو يناقض قولهم: إن ~~الاستقبال شرط، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين ولكن له شواهد ~~تقويه: منها حديث جابر عند البيهقي بلفظ: صلينا ليلة في غيم وخفيت علينا ~~القبلة، فلما انصرفنا نظرنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قد أحسنتم ولم يأمرنا أن نعيد ~~وله طريق أخرى عنه بنحو هذه وفيها أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: قد ~~أجزأت صلاتكم ولكنه تفرد به محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العرزمي عن ~~عطاء وهما ضعيفان. وكذا قال الدارقطني، قال البيهقي: وكذلك روي عن عبد ~~الملك العرزمي عن عطاء،، ثم رواه من طريق أخرى بنحو ما هنا وقال: لا نعلم ~~لهذا الحديث إسنادا صحيحا قويا، والصحيح أن الآية إنما نزلت في التطوع خاصة ~~كما في صحيح مسلم، وسيأتي ذلك في باب تطوع المسافر. ومنها حديث معاذ عند ~~الطبراني في الأوسط بلفظ: # صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم غيم في سفر إلى غير ~~القبلة، فلما قضى الصلاة وسلم تجلت ms0692 الشمس فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى ~~غير القبلة، فقال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله عز وجل وفي إسناده أبو ~~عبلة واسمه شمر بن عطاء وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وهذه الأحاديث يقوي ~~بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها، وفي حديث معاذ التصريح بأن ذلك كان بعد ~~الفراغ من الصلاة قبل انقضاء الوقت وهو أصرح في الدلالة على عدم الشرطية، ~~وفيها أيضا رد لمذهب من فرق في وجوب الإعادة بين بقاء الوقت وعدمه. # وعن ابن عمر قال: بينما الناس بقبا في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل ~~القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة متفق ~~عليه. وعن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي نحو بيت ~~المقدس فنزلت * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام) * (البقرة: 144) فمر رجل PageV02P176 # ومن بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة ~~قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # وفي الباب عن البراء عند الجماعة إلا أبا داود. وعن ابن عباس عند أحمد ~~والبزار والطبراني، قال العراقي: وإسناده صحيح. وعن عمارة بن أوس عند أبي ~~يعلى في مسنده والطبراني في الكبير، وعن عمرو بن عوف المزني عند البزار ~~والطبراني أيضا، وعن سعد بن أبي وقاص عند البيهقي وإسناده صحيح، وعن سهل بن ~~سعد عند الطبراني والدارقطني، وعن عثمان بن حنيف عند الطبراني أيضا، وعن ~~عمارة بن رويبة عند الطبراني أيضا، وعن أبي سعيد بن المعلى عند البزار ~~والطبراني أيضا، وعن تويلة بنت أسلم عند الطبراني أيضا. قوله: في صلاة ~~الصبح هكذا في صحيح مسلم من حديث أنس بلفظ: وهم ركوع في صلاة الفجر. وكذا ~~عند الطبراني من حديث سهل بن سعد بلفظ: # فوجدهم يصلون صلاة الغداة. وفي الترمذي من حديث البراء بلفظ: فصلى رجل ms0693 ~~معه العصر وساق الحديث، وهو مصرح بذلك في رواية البخاري من حديث البراء، ~~وليس عند مسلم تعيين الصلاة من حديث البراء. وفي حديث عمارة بن أوس أن التي ~~صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة إحدى صلاتي العشي، وهكذا ~~في حديث عمارة بن رويبة وحديث تويلة، وفي حديث أبي سعيد بن المعلى أنها ~~الظهر. والجمع بين هذه الروايات أن من قال إحدى صلاتي العشي شك هل هي الظهر ~~أو العصر؟ وليس من شك حجة على من جزم، فنظرنا فيمن جزم فوجدنا بعضهم قال ~~الظهر وبعضهم قال العصر، ووجدنا رواية العصر أصح لثقة رجالها وإخراج ~~البخاري لها في صحيحه. وأما حديث كونها الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان ~~وهو مختلف فيه. وأما رواية أن أهل قباء كانوا في صلاة الصبح فيمكن أنه أبطأ ~~الخبر عنهم إلى صلاة الصبح. قال ابن سعد في الطبقات حاكيا عن بعضهم: إن ذلك ~~كان بمسجد المدينة، فقال: ويقال صلى رسول الله صل الله عليه وآله وسلم ~~ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام ~~فاستدار إليه وكان معه المسلمون، ويكون المعنى برواية البخاري أنها العصر ~~أي أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر. قوله: إذ جاءهم آت قيل: ~~هو عباد بن بشر، وقيل: عباد بن نهيك، وقيل غيرهما. قوله: فاستقبلوها بفتح ~~الموحدة للأكثر أي فتحولوا إلى جهة الكعبة، وفاعل استقبلوها المخاطبون بذلك ~~وهم أهل قبا، ويحتمل PageV02P177 # أن يكون فاعل استقبلوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. وفي ~~رواية في البخاري بكسر الموحدة بصيغة الامر، ويؤيد الكسر ما عند البخاري في ~~التفسير بلفظ: ألا فاستقبلوها. قوله: وكانت وجوههم هو تفسير من الراوي ~~للتحول المذكور، والضمير في وجوههم فيه الاحتمالان، وقد وقع بيان كيفية ~~التحول في خبر تويلة قالت: فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء. ~~قال الحافظ: وتصويره أن الامام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر ~~المسجد لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، ms0694 وهو لو دار في مكانه لم ~~يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الامام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، ~~وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة، ~~فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ~~ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو وقعت ~~الخطوات غير متوالية عند التحول بل وقعت مفرقة. (وللحديث الأول فوائد) ~~منها: أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قبا لم يؤمروا ~~بالإعادة. ومنها: جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~أمر القبلة، لأن الأنصار تحولوا إلى جهة الكعبة بالاجتهاد ونظره الحافظ ~~قال: يحتمل أن يكون عندهم بذلك نص سابق. ومنها: # جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها. ومنها: جواز نسخ الثابت بطريق ~~العلم والقطع بخبر الواحد، وتقريره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~ينكر على أهل قبا عملهم بخبر الواحد، وأجيب عن ذلك بأن الخبر المذكور احتف ~~بالقرائن والمقدمات التي أفادت القطع لكونه في زمن تقلب وجهه في السماء ~~ليحول إلى جهة الكعبة، وقد عرفت منه الأنصار ذلك بملازمتهم له فكانوا ~~يتوقعون ذلك في كل وقت، فلما فجأهم الخبر عن ذلك أفادهم العلم لما كانوا ~~يتوقعون حدوثه. وأجاب العراقي بأجوبة أخر. منها: أن النسخ بخبر الواحد كان ~~جائزا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما امتنع بعده. قال ~~الحافظ: ويحتاج إلى دليل. ومنها أنه تلا عليهم الآية التي فيها ذكر النسخ ~~بالقرآن وهم أعلم الناس بإطالته وإيجازه وأعرفهم بوجوه إعجازه. ومنها أن ~~العمل بخبر الواحد مقطوع به، ثم قال: # الصحيح أن النسخ للمقطوع بالمظنون كنسخ نص الكتاب أو السنة المتواترة ~~بخبر الواحد جائز عقلا وواقع سمعا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وزمانه، ولكن أجمعت الأمة على منعه بعد الرسول، فلا مخالف فيه وإنما الخلاف ~~في تجويزه في عهد الرسول صلى الله PageV02P178 # عليه وآله وسلم انتهى. ms0695 (ومن فوائد الحديث) ما ذكره المصنف قال: وهو حجة ~~في قبول أخبار الآحاد انتهى، وذلك لأنه أجمع عليه الذين بلغ إليهم ولم ينكر ~~عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بل روى الطبراني في آخر حديث تويلة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيهم: أولئك رجال آمنوا بالغيب. # باب حجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة لا العين عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة رواه ابن ماجة ~~والترمذي وصححه. وقوله عليه السلام في حديث أبي أيوب: ولكن شرقوا أو غربوا ~~يعضد ذلك. # الحديث الأول أخرجه الترمذي وابن ماجة من طريق أبي معشر، وقد تابع أبا ~~معشر عليه علي بن ظبيان قاضي حلب، كما رواه ابن عدي في الكامل قال: ولا ~~أعلم يرويه عن محمد بن عمرو غير علي بن ظبيان وأبي معشر، وهو بأبي معشر ~~أشهر منه بعلي بن ظبيان، قال: ولعل علي بن ظبيان سرقه منه، وذكر قول ابن ~~معين فيه أنه ليس بشئ، وقول النسائي متروك الحديث، وقد تابعه عليه أيضا أبو ~~جعفر الرازي، رواه البيهقي في الخلافيات. وأبو جعفر وثقه ابن معين وابن ~~المديني وأبو حاتم، وقال أحمد والنسائي ليس بقوي، وقال العلاسي: # سيئ الحفظ. وأبو معشر المذكور ضعيف. (والحديث) رواه أيضا الحاكم ~~والدارقطني، وقد أخرج الحديث الترمذي من طريق غير طريق أبي معشر وقال: حديث ~~حسن صحيح، وقد خالفه البيهقي فقال بعد إخراجه من هذه الطريق: هذا إسناد ~~ضعيف، فنظرنا في الاسناد فوجدنا عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن ~~شريق قد تفرد به عن المقبري وقد اختلف فيه، فقال علي بن المديني: إنه روى ~~أحاديث مناكير، ووثقه ابن معين وابن حبان فكان الصواب ما قاله الترمذي. ~~وأما الحديث الثاني أعني حديث أبي أيوب فهو متفق عليه وقد تقدم شرحه في ~~أبواب التخلي. وفي الباب عن ابن عمر عند البيهقي. # وفي الباب أيضا من قول عمر عند الموطأ وابن أبي شيبة والبيهقي. ومن ms0696 قول ~~علي عند ابن أبي شيبة. ومن قول عثمان عند ابن عبد البر في التمهيد. ومن قول ~~ابن عباس أشار إلى ذلك الترمذي. (والحديث) يدل على أن الفرض على من بعد عن ~~الكعبة الجهة PageV02P179 # لا العين، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو ظاهر ما نقله المزني عن ~~الشافعي، وقد قال الشافعي أيضا: إن شطر البيت وتلقاء وجهته واحد في كلام ~~العرب، واستدل لذلك أيضا بحديث أخرجه البيهقي عن ابن عباس: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل ~~الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي قال البيهقي: تفرد ~~به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف، قال: # وروي بإسناد آخر ضعيف لا يحتج بمثله. وإلى هذا المذهب ذهب الأكثر، وذهب ~~الشافعي في أظهر القولين عنه إلى أن فرض من بعد العين، وأنه يلزمه ذلك ~~بالظن لحديث أسامة بن زيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل البيت دعا ~~في نواحيه ولم يصل فيه حتى خرج فلما خرج ركع ركعتين في قبل القبلة وقال: ~~هذه القبلة ورواه البخاري من حديث ابن عباس مختصرا، وقد عرفت ما قدمنا في ~~باب صلاة التطوع في الكعبة من ترجيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى في ~~الكعبة. وقد اختلف في معنى حديث الباب الأول فقال العراقي: ليس عاما في ~~سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة المشرقة وما وافق قبلتها، وهكذا ~~قال البيهقي في الخلافيات، وهكذا قال أحمد بن خالويه الوهبي قال: ولسائر ~~البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال، ونحو ذلك قال ابن ~~عبد البر، وهذا صحيح لا مدفع له ولا خلاف بين أهل العلم فيه. وقال الأثرم: ~~سألت أحمد بن حنبل عن معنى الحديث فقال: هذا في كل البلدان إلا بمكة عند ~~البيت فإنه إن زال عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة، ثم قال: هذا المشرق ~~وأشار بيده، وهذا المغرب وأشار بيده، وما بينهما قبلة، قلت له: ms0697 فصلاة من ~~صلى بينهما جائزة؟ قال: نعم وينبغي أن يتحرى الوسط. قال ابن عبد البر: ~~تفسير قول أحمد هذا في كل البلدان يريد أن البلدان كلها لأهلها في قبلتهم ~~مثل ما لمن كانت قبلتهم بالمدينة الجنوب التي يقع لهم فيها الكعبة ~~فيستقبلون جهتها ويتسعون يمينا وشمالا فيها ما بين المشرق والمغرب، يجعلون ~~المغرب عن أيمانهم والمشرق عن يسارهم، وكذلك لأهل اليمن من السعة في قبلتهم ~~مثل ما لأهل المدينة ما بين المشرق والمغرب إذا توجهوا أيضا قبل القبلة إلا ~~أنهم يجعلون المشرق عن أيمانهم والمغرب عن يسارهم، وكذلك أهل العراق ~~وخراسان لهم من السعة في استقبال القبلة ما بين الجنوب والشمال، مثل ما كان ~~لأهل المدينة من السعة فيما بين المشرق والمغرب، وكذلك ضد العراق على ضد ~~ذلك أيضا، وإنما تضيق القبلة كل الضيق على أهل المسجد الحرام PageV02P180 # وهي لأهل مكة أوسع قليلا، ثم هي لأهل الحرم أوسع قليلا، ثم لأهل الآفاق ~~من السعة على حسب ما ذكرنا اه. قال الترمذي قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب ~~عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة. وقال ابن ~~المبارك: ما بين المشرق والمغرب قبلة هذا لأهل المشرق، واختار ابن المبارك ~~التياسر لأهل مرو اه. وقد يستشكل قول ابن المبارك من حيث أن من كان بالمشرق ~~إنما يكون قبلته المغرب فإن مكة بينه وبين المغرب، والجواب عنه أنه أراد ~~بالمشرق البلاد التي يطلق عليها اسم المشرق كالعراق مثلا فإن قبلتهم أيضا ~~بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق، قال: وقد ورد مقيدا بذلك في بعض طرق ~~حديث أبي هريرة: ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق رواه البيهقي في ~~الخلافيات، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال: إذا جعلت المغرب عن ~~يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق. ويدل على ذلك أيضا ~~تبويب البخاري على حديث أبي أيوب بلفظ باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام، ~~والمشرق ليس في المشرق ولا المغرب قبلة. قال ابن بطال في ms0698 تفسير هذه ~~الترجمة: يعني وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي ~~تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها ~~كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الامر بالانحراف عند الغائط، لأنهم إذا ~~شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها، قال: وأما ما قابل مشرق ~~مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من شرقها إلى مغربها فلا ~~يجوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا، لأنهم ~~إذا شرقوا استدبروا القبلة، وإذا غربوا استقبلوها، وكذلك من كان موازيا ~~بالمغرب مكة، إذ العلة فيه مشتركة مع المشرق، فاكتفى بذكر المشرق عن المغرب ~~لأن المشرق أكثر الأرض المعمورة، وبلاد الاسلام في جهة مغرب الشمس قليل، ~~قال: وتقدير الترجمة بأن قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ليس في ~~التشريق ولا في التغريب يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا ~~بمواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها، والعرب تطلق المشرق والمغرب بمعنى ~~التغريب والتشريق، وأنشد ثعلب في المجالس: أبعد مغربهم نجدا وساحتها. # قال ثعلب معناه أبعد تغريبهم انتهى. وقد أطلنا الكلام في تفسير معنى ~~الحديث لأنه كثيرا ما يسأل عنه الناس ويستشكلونه لا سيما مع زيادة لفظ لأهل ~~المشرق. PageV02P181 # باب ترك القبلة لعذر الخوف عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن صلاة ~~الخوف وصفها ثم قال: # فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي ~~القبلة وغير مستقبليها، قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رواه البخاري. # الحديث ذكره البخاري في تفسير سورة البقرة، وأخرجه مالك في الموطأ وقال ~~في آخره قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. ورواه ابن خزيمة وأخرجه مسلم وصرح بأن الزيادة من قول ابن ~~عمر، ورواه البيهقي من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. وقال ms0699 النووي ~~في شرح المهذب: # هو بيان حكم من أحكام صلاة الخوف لا تفسير للآية. وقد أخرجه البخاري في ~~صلاة الخوف بلفظ: وزاد ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وإذا ~~كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا (والحديث) يدل على أن صلاة الخوف ~~لا سيما إذا كثر العدو تجوز حسب الامكان، فينتقل عن القيام إلى الركوب، وعن ~~الركوع والسجود إلى الايماء، ويجوز ترك ما لا يقدر عليه من الأركان، وبهذا ~~قال الجمهور، لكن قالت المالكية: لا يصنعون ذلك إلا إذا خشي فوات الوقت، ~~وسيأتي للمصنف في باب الصلاة في شدة الخوف نحو ما هنا ويأتي شرحه هنالك إن ~~شاء الله. # باب تطوع المسافر على مركوبه حيث توجه به عن ابن عمر قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يسبح على راحلته قبل أي وجهة توجه ويوتر عليها غير أنه ~~لا يصلي عليها المكتوبة متفق عليه. وفي رواية: كان يصلي على راحلته وهو ~~مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به وفيه نزلت: * (فأينما تولوا فثم ~~وجه الله) * رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. # الحديث قد تقدم شرحه والكلام على فقهه في باب صلاة الفرض على الراحلة، ~~لان المصنف رحمه الله ذكره هنالك بنحو ما هنا من حديث عامر بن ربيعة. ولفظ ~~الرواية PageV02P182 # الآخرة في الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى إلى بعيره أو ~~راحلته وكان يصلي على راحلته حيثما توجهت به ولم يذكر نزول الآية. قوله: ~~حيثما توجهت به قيدت الشافعية الحديث بالمذهب فقالت: إذا توجهت به نحو ~~مقصده، وأما إذا توجهت به إلى غير مقصده، فإن كان إلى جهة القبلة لم يضر، ~~وإن كان إلى غيرها بطلت صلاته، وقد تقدم في أول أبواب الاستقبال ما يدل على ~~أن الآية نزلت في صلاة الفريضة ولكن الصحيح ما هنا كما تقدم. # وعن جابر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وهو على راحلته ~~النوافل في كل جهة ولكن يخفض السجود من الركوع ويومئ إيماء ms0700 رواه أحمد وفي ~~لفظ: بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على ~~راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع رواه أبو داود والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه البخاري عن جابر ولكن بلفظ: كان يصلي التطوع وهو راكب. # وفي لفظ: كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل ~~فاستقبل القبلة. وأخرجه أيضا مسلم بنحو ذلك. وفي الباب عن جماعة من الصحابة ~~وقد قدمنا في باب صلاة الفرض على الراحلة أنه يجوز التطوع عليها للمسافر ~~بالاجماع، وقدمنا الخلاف في جواز ذلك في الحضر وفي جواز صلاة الفريضة. ~~(والحديث) يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه، ولا ~~يلزمه وضع الجبهة على السرج، ولا بذل غاية الوسع في الانحناء، بل يخفض ~~سجوده بمقدار يفترق به السجود عن الركوع. # وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن ~~يصلي على راحلته تطوعا استقبل القبلة فكبر للصلاة ثم خلى عن راحلته فصلى ~~حيثما توجهت به رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الشيخان بنحو ما هنا. وأخرجه أيضا النسائي من رواية ~~يحيى بن سعيد عن أنس وقال: حديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف، وأما ~~أبو داود فأخرجه من رواية الجارود بن أبي سبرة عن أنس. (والحديث) يدل على ~~جواز التنفل على الراحلة، وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى أنه لا بد من ~~الاستقبال حال تكبيرة الاحرام، ثم لا يضر الخروج بعد ذلك عن سمت القبلة كما ~~أسلفنا. PageV02P183 # أبواب صفة الصلاة باب افتراض افتتاحها بالتكبير عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مفتاح الصلاة الطهور، ~~وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم رواه الخمسة إلا النسائي وقال الترمذي: ~~هذا أصح شئ في هذا الباب وأحسن. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي والبزار والحاكم وصححه وابن السكن من حديث عبد ~~الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية عن علي، قال البزار: ms0701 لا نعلمه عن علي ~~إلا من هذا الوجه. وقال أبو نعيم: تفرد به ابن عقيل، وقال العقيلي: في ~~إسناده لين، وقال: # هو أصح من حديث جابر الآتي، وعكس ذلك ابن العربي فقال: حديث جابر أصح شئ ~~في هذا الباب، والعقيلي أقعد منه بمعرفة الفن. وقال ابن حبان: هذا حديث لا ~~يصح لأن له طريقين: إحداهما عن علي وفيه ابن عقيل وهو ضعيف. والثانية عن ~~أبي نضرة عن أبي سعيد تفرد به أبو سفيان عنه. (وفي الباب) عن جابر عند أحمد ~~والبزار والترمذي والطبراني وفي إسناده أبو يحيى القتات وهو ضعيف. وقال ابن ~~عدي: # أحاديثه عندي حسان. وعن أبي سعيد عند الترمذي وابن ماجة وفي إسناده أبو ~~سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف، ورواه الحاكم عن سعيد بن مسروق الثوري عن أبي ~~سعيد وهو معلول قاله الحافظ. (وفي الباب) أيضا عن عبد الله بن زيد عند ~~الطبراني وفي إسناده الواقدي. وعن ابن عباس عند الطبراني أيضا وفي إسناده ~~نافع بن هرمز وهو متروك. وعن أنس عند ابن عدي وفي إسناده أيضا نافع بن ~~هرمز. وعن عبد الله بن مسعود عند أبي نعيم قال الحافظ: وإسناده صحيح وهو ~~موقوف. وعن عائشة عند مسلم وغيره بلفظ: كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ~~بالحمد لله رب العالمين الحديث وآخره: وكان يختم الصلاة بالتسليم وروى ~~الحديث الدارقطني من حديث أبي إسحاق والبيهقي من حديث شعبة، وهذه الطرق ~~يقوي بعضها بعضا فيصلح الحديث للاحتجاج به. قوله: مفتاح بكسر الميم والمراد ~~أنه أول شئ يفتتح به من أعمال الصلاة لأنه شرط من شروطها. قوله: الطهور بضم ~~الطاء وقد تقدم ضبطه في أول الكتاب. وفي رواية: الوضوء مفتاح الصلاة. قوله: ~~وتحريمها التكبير فيه دليل على PageV02P184 # أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب ~~الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنعقد الصلاة بكل لفظ قصد به التعظيم والحديث يرد ~~عليه، لأن الإضافة في قوله تحريمها تقتضي الحصر فكأنه قال: جميع تحريمها ~~التكبير أي انحصرت صحة تحريمها في ms0702 التكبير لا تحريم لها غيره كقولهم: مال ~~فلان الإبل، وعلم فلان النحو. (وفي الباب) أحاديث كثيرة تدل على تعين لفظ ~~التكبير من قوله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله. وعلى هذا فالحديث يدل على ~~وجوب التكبير، وقد اختلف في حكمه، فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وشرط ~~عند الحنفية، ووجه عند الشافعي، وسنة عند الزهري. # قال ابن المنذر: ولم يقبه أحد غيره، وروي عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ~~ومالك ولم يثبت عن أحد منهم تصريحا، وإنما قالوا فيمن أدرك الامام راكعا ~~يجزيه تكبيرة الركوع. قال الحافظ: نعم نقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية ~~وأبي بكر الأصم ومخالفتهما للجمهور كثيرة. وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف، ~~قال في البحر: إنه فرض إلا عن نفاة الأذكار والزهري، ويدل على وجوبه ما في ~~حديث المسئ عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ: فإذا قمت إلى الصلاة ~~فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر. وعند الجماعة من حديثه بلفظ: إذا قمت ~~إلى الصلاة فكبر وقد تقرر أن حديث المسئ هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة، ~~وأن كل ما هو مذكور فيه واجب، وما خرج عنه وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه ~~ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف. ~~ويدل للشرطية حديث رفاعة في قصة المسئ صلاته عند أبي داود بلفظ: لا تتم ~~صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر. ورواه الطبراني ~~بلفظ: ثم يقول الله أكبر والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح إن كان نفي ~~التمام يستلزم نفي الصحة وهو الظاهر، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، ~~فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها فعليه البيان، وقد جعل صاحب ضوء النهار ~~نفي التمام هنا هو نفي الكمال بعينه، واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في حديث المسئ: فإن انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك وأنت ~~خبير بأن هذا من محل النزاع أيضا لأنا نقول: الانتقاص يستلزم عدم الصحة ~~لذلك ms0703 الدليل الذي أسلفناه، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها ~~انتقاص منها لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة فلا يرد الالزام بها، وكونها ~~تزيد في الثواب PageV02P185 # لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست ~~منها، نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ أنه لما قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: فإنك لم تصل كبر على الناس أنه من أخف صلاته لم يصل، حتى قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: فإن انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك فكان ~~أهون عليهم. فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام ~~المذكور بمعنى نفي الكمال، إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين ~~المقالتين، ولما كانت هذه أهون عليهم، ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن ~~الشارع من قوله وفعله وتقريره لا في فهم بعض الصحابة سلمنا أن فهمهم حجة ~~لكونهم أعرف بمقاصد الشارع، فنحن نقول بموجب ما فهموه، ونسلم أن بين ~~الحالتين تفاوتا، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة ~~فقد فعل خيرا من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، ~~وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن ~~أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا ~~بفعل جميعها. وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف وهو ~~حسن، ثم إنا نقول: غاية ما ينتهض له دعوى من قال إن نفي التمام بمعنى نفي ~~الكمال هو عدم الشرطية لا عدم الوجوب، لأن المجئ بالصلاة تامة كاملة واجب. ~~وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام ولفظه، ومن قال من الفقهاء إن هذا ~~لنفي الكمال قيل: إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين: أحدهما أن هذا ~~لا يوجد قط في لفظ الشارع أنه ينفي عملا فعله العبد على الوجه الذي وجب ~~عليه ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي ms0704 عملا إلا إذا لم يفعله ~~العبد كما وجب عليه. والثاني لو نفي لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة ~~لهم ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقال لا صلاة له اه. قوله: وتحليلها التسليم ~~سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في باب كون السلام فرضا. # وعن مالك بن الحويرث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلوا كما ~~رأيتموني أصلي رواه أحمد والبخاري، وقد صح عنه أنه كان يفتتح بالتكبير. # الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة ~~من الأقوال والأفعال، ويؤكد الوجوب كونها بيانا لمجمل قوله: أقيموا الصلاة ~~وهو أمر PageV02P186 # قرآني يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر في الأصول، إلا ~~أنه ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم اقتصر في تعليم المسئ صلاته على بعض ~~ما كان يفعله ويداوم عليه، فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من الأقوال ~~والأفعال، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، كما تقرر في الأصول ~~بالاجماع ووقع الخلاف إذا جاءت صيغة أمر بشئ لم يذكر في حديث المسئ، فمنهم ~~من قال: يكون قرينة تصرف الصيغة إلى الندب، ومنهم من قال: تبقى الصيغة على ~~الظاهر الذي تدل عليه ويؤخذ بالزائد فالزائد، وسيأتي ترجيح ما هو الحق عند ~~الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى. # باب أن تكبير الامام بعد تسوية الصفوف والفراغ من الإقامة عن النعمان بن ~~بشير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى ~~الصلاة فإذا استوينا كبر رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أبو داود بهذا اللفظ، وبلفظ آخر من طريق سماك بن حرب عن ~~النعمان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسوينا في الصفوف كما ~~يقوم القدح حتى إذا ظن أن قد أخذنا عنه ذلك وفقهنا أقبل ذات يوم بوجهه إذا ~~رجل منتبذ بصدره فقال: لتسون صفوفكم ms0705 أو ليخالفن الله بين وجوهكم. قال ~~المنذري: والحديث المذكور في الباب طرف من هذا الحديث، وهذا الحديث أخرجه ~~مسلم والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة. وأخرج البخاري ومسلم من حديث سالم ~~بن أبي الجعد عن النعمان بن بشير الفصل الأخير منه. (وفي الباب) عن جابر بن ~~سمرة عند مسلم، وعن البراء عند مسلم أيضا، وعن أنس عند البخاري ومسلم، وله ~~حديث آخر عند البخاري، وعن جابر عند عبد الرزاق، وعن أبي هريرة عند مسلم، ~~وعن عائشة عند أحمد وابن ماجة، وعن ابن عمر عند أحمد وأبي داود. وروي عن ~~عمر أنه كان يوكل رجالا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد ~~استوت أخرجه عنه الترمذي، قال: وروي عن علي وعثمان أنهما كان يتعاهدان ذلك ~~ويقولان: استووا، وكان علي يقول: تقدم يا فلان تأخر يا فلان اه، قال ابن ~~سيد الناس عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي ~~مناكبنا، قال: والآثار في هذا الباب كثيرة عمن ذكرنا وعن غيرهم، قال القاضي ~~عياض: ولا يختلف فيه أنه من سنن الجماعات، وفي البخاري بزيادة: فإن تسوية ~~الصف من إقامة الصلاة PageV02P187 # وقد ذهب ابن حزم الظاهري إلى فرضية ذلك محتجا بهذه الزيادة، قال: وإذا ~~كان من إقامة الصلاة فهو فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو ~~فرض، وأجاب عن هذا اليعمري فقال: إن الحديث ثبت بلفظ الإقامة وبلفظ التمام، ~~ولا يتم له الاستدلال إلا برد لفظ التمام إلى لفظ الإقامة، وليس ذلك بأولى ~~من العكس، قال: وأما قوله وإقامة الصلاة فرض، فإقامة الصلاة تطلق ويراد بها ~~فعل الصلاة، وتطلق ويراد بها الإقامة بالصلاة التي تلي التأذين، وليس إرادة ~~الأول كما زعم بأولى من إرادة الثاني، إذ الامر بتسوية الصفوف تعقب الإقامة ~~وهو من فعل الامام أو من يوكله الامام وهو مقيم الصلاة غالبا، قال: فما ذهب ~~إليه الجمهور من الاستحباب أولى، ويحمل لفظ الإقامة على الإقامة التي تلي ~~التأذين أو يقدر له محذوف تقديره من ms0706 تمام إقامة الصلاة، وتنتظم به أعمال ~~الألفاظ الواردة في ذلك كلها، لأن إتمام الشئ زائد على وجود حقيقته، فلفظ ~~من تمام الصلاة يدل على عدم الوجوب. وقد ورد من حديث أبي هريرة في صحيح ~~مسلم مرفوعا بلفظ: # فإن إقامة الصلاة من حسن الصلاة. # وعن أبي موسى قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قمتم إلى ~~الصلاة فليؤمكم أحدكم، وذا قرأ الامام فأنصتوا رواه أحمد. # الفصل الأول من الحديث ثابت عند مسلم والنسائي وغيرهما من طرق. والفصل ~~الثاني ثابت عند أبي داود وابن ماجة والنسائي وغيرهم، وقال مسلم: هو صحيح ~~كما سيأتي، وسيأتي الكلام على الحديث في باب ما جاء في قراءة المأموم ~~وإنصاته، وفي أبواب الإقامة، وقد ساقه المصنف هنا لأنه جعل إقامة الصلاة ~~مقدمة على الامر بالإمامة، وهذا إنما يتم إذا جعلت الإقامة بمعنى تسوية ~~الصلاة، لا إذا كان المراد بها الإقامة التي تلي التأذين كما تقدم. # باب رفع اليدين وبيان صفته ومواضعه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا رواه الخمسة إلا ابن ~~ماجة. # الحديث لا مطعن في إسناده لأنه رواه أبو داود عن مسدد، والنسائي عن عمرو ~~بن علي، كلاهما عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب وهؤلاء من أكابر الأئمة، عن ~~سعيد PageV02P188 # بن سمعان وهو معدود في الثقات وقد ضعفه الأزدي، وعن أبي هريرة، وقد أخرجه ~~الدارمي عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ~~ثوبان عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي أيضا بهذا اللفظ المذكور في الكتاب ~~وبلفظ: كان إذا كبر للصلاة نشر أصابعه وقد تفرد بإخراج هذا اللفظ الآخر من ~~طريق يحيى بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة وقال: ~~قد روى هذا الحديث غير واحد عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ms0707 دخل في الصلاة رفع يديه مدا وهذا ~~أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ يحيى بن اليمان في هذا الحديث ثم قال: ~~وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي، ~~حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة يقول كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا قال قال عبد ~~الله: # وهذا أصح من حديث يحيى بن اليمان، وحديث يحيى بن اليمان خطأ، انتهى كلام ~~الترمذي: # وقال ابن أبي حاتم: قال أبي وهم يحيى إنما أراد كان إذا قام إلى الصلاة ~~رفع يديه مدا، كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب. قوله: مدا يجوز أن ~~يكون منتصبا على المصدرية بفعل مقدر وهو يمدهما مدا، ويجوز أن يكون منتصبا ~~على الحالية أي رفع يديه في حال كونه مادا لهما إلى رأسه، ويجوز أن يكون ~~مصدرا منتصبا بقوله رفع لأن الرفع بمعنى المد، وأصل المد في اللغة الجر ~~قاله الراغب. والارتفاع قال الجوهري: ومد النهار ارتفاعه، وله معان أخر ~~ذكرها صاحب القاموس وغيره. وقد فسر ابن عبد البر المد المذكور في الحديث ~~بمد اليدين فوق الاذنين مع الرأس انتهى. والمراد به ما يقابل النشر المذكور ~~في الرواية الأخرى لأن النشر تفريق الأصابع. (والحديث) يدل على مشروعية رفع ~~اليدين عند تكبيرة الاحرام، وقد قال النووي في شرح مسلم: إنها أجمعت الأمة ~~على ذلك عند تكبير الاحرام، وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك، وحكى النووي أيضا ~~عن داود إيجابه عند تكبيرة الاحرام قال: وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد ~~بن سيار، والنيسابوري من أصحابنا أصحاب الوجوه، وقد اعتذر له عن حكاية ~~الاجماع أولا، وحكاية الخلاف في الوجوب ثانيا، بأن الاستحباب لا ينافي ~~الوجوب، أو بأنه أراد إجماع من قبل المذكورين، أو بأنه لم يثبت ذلك عنده ~~عنهم، ولم يتفرد النووي بحكاية الاجماع، فقد روى الاجماع على الرفع عند ~~تكبيرة الاحرام ابن حزم وابن المنذر وابن السبكي، وكذا حكى ms0708 الحافظ في الفتح ~~عن ابن عبد البر PageV02P189 # أنه قال: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. قال ~~الحافظ: وممن قال بالوجوب أيضا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة ~~من أصحابنا، نقله عنه الحاكم في ترجمة محمد بن علي العلوي، وحكاه القاضي ~~حسين عن الامام، وقال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الايجاب لا تبطل الصلاة ~~بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي، قال الحافظ: # ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة أنه يأثم تاركه، ونقل القفال عن أحمد بن ~~سيار أنه يجب، ولا تصح صلاة من لم يرفع، ولا دليل يدل على الوجوب ولا على ~~بطلان الصلاة بالترك، نعم من ذهب من أهل الأصول إلى أن المداومة على الفعل ~~تفيد الوجوب قال به هنا. ونقل ابن المنذر والعبدري عن الزيدية أنه لا يجوز ~~رفع اليدين عند تكبيرة الاحرام ولا عند غيرها انتهى. وهو غلط على الزيدية، ~~فإن إمامهم زيد بن علي رحمه الله ذكر في كتابه المشهور بالمجموع حديث الرفع ~~وقال باستحبابه، وكذا أكابر أئمتهم المتقدمين والمتأخرين صرحوا باستحبابه، ~~ولم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحيى بن الحسين، وروي مثل قوله عن جده ~~القاسم بن إبراهيم، وروي عنه أيضا القول باستحبابه، وروى صاحب التبصرة من ~~المالكية عن مالك أنه لا يستحب، وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم، ~~والمشهور عن مالك القول باستحباب الرفع عند تكبيرة الاحرام، وإنما حكي عنه ~~أنه لا يستحب عند الركوع والاعتدال منه، قال ابن عبد الحكم: لم يرو أحد عن ~~مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم. (احتج القائلون) بالاستحباب ~~بالأحاديث الكثيرة عن العدد الكثير من الصحابة حتى قال الشافعي: روى الرفع ~~جمع من الصحابة لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم. وقال البخاري في جزء ~~رفع اليدين: روى الرفع تسعة عشر نفسا من الصحابة، وسرد البيهقي في السنن ~~وفي الخلافيات أسماء من روى الرفع نحوا من ثلاثين صحابيا وقال: سمعت الحاكم ~~يقول: اتفق على رواية هذه السنة العشرة المشهود لهم بالجنة فمن ms0709 بعدهم من ~~أكابر الصحابة، قال البيهقي: وهو كما قال. قال الحاكم والبيهقي أيضا: ولا ~~يعلم سنة اتفق على روايتها العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم ~~في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة. وروى ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي ~~سلمة لا عرج قال: # أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع، قال البخاري في الجزء ~~المذكور: قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله (ص) يرفعون أيديهم ~~ولم يستثن أحدا منهم. قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله (ص) ~~PageV02P190 # أنه لم يرفع يديه، وجمع العراقي عدد من روى رفع اليدين في ابتداء الصلاة ~~فبلغوا خمسين صحابيا منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. قال الحافظ في الفتح: ~~وذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل أنه تتبع من رواه من الصحابة رضي الله عنهم ~~فبلغوا خمسين رجلا (واحتج من قال) بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة عند ~~مسلم وأبي داود قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما ~~لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة وأجيب عن ذلك ~~بأنه ورد على سبب خاص، فإن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة قال: كنا ~~إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله ~~السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لهم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # علام تومؤن بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه ~~على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله ورد هذا الجوب بأنه ~~قصر للعام على السبب وهو مذهب مرجوح كما تقرر في الأصول، وهذا الرد متجه ~~لولا أن الرفع قد ثبت من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا متواترا كما ~~تقدم، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام ~~على السبب أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر، وربما نازع في هذا ~~بعضهم ms0710 فقال: قد تقرر عند بعض أهل الأصول أنه إذا جهل تاريخ العام والخاص ~~اطرحا وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه السنة بعد موته صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهم لا يجمعون إلا على أمر، فارقوا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع يديه عند تكبيرة الاحرام ~~وعند الركوع وعند الاعتدال، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى. وأيضا ~~المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء، وقد جعله ~~بعض أئمة الأصول مجمعا عليه كما في شرح الغاية وغيره. وربما احتج بعضهم بما ~~رواه الحاكم في المدخل من حديث أنس بلفظ: من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة ~~له وربما رواه ابن الجوزي عن أبي هريرة بنحو حديث أنس وهو لا يشعر أن ~~الحاكم قال بعد إخراج حديث أنس أنه موضوع. وقد قال في البدر المنير: إن في ~~إسناده محمد بن عكاشة الكرماني، قال الدارقطني: يضع الحديث، وابن الجوزي ~~جعل حديث أبي هريرة المذكور من جملة الموضوعات. (وقد اختلفت الأحاديث) في ~~محل الرفع عند تكبيرة الاحرام هل يكون قبلها أو بعدها أو مقارنا لها؟ ففي ~~بعضها قبلها كحديث ابن عمر الآتي PageV02P191 # بلفظ: رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر وفي بعضها بعدها كما في ~~حديث مالك بن الحويرث عند مسلم بلفظ: كبر ثم رفع يديه وفي بعضها ما يدل على ~~المقارنة كحديث ابن عمر الآتي في هذا الباب بلفظ: كان إذا دخل في الصلاة ~~كبر ورفع يديه وفي ذلك خلاف بين العلماء، والمرجح عند الشافعية المقارنة. ~~قال الحافظ: ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع، ويرجح المقارنة حديث ~~وائل بن حجر الآتي عند أبي داود بلفظ: رفع يديه مع التكبير وقضية المعية ~~أنه ينتهي بانتهائه، وهو المرجح أيضا عند المالكية. وقال فريق من العلماء: # الحكمة في اقترانهما ms0711 أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقد ذكرت في ذلك ~~مناسبات أخر سيأتي ذكرها. ونقل ابن عبد البر عن ابن عمر أنه قال: رفع ~~اليدين من زينة الصلاة. وعن عقبة بن عامر أنه قال: لكل رفع عشر حسنات لكل ~~أصبع حسنة انتهى. وهذا له حكم الرفع لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه هذا ~~الكلام في رفع اليدين عند تكبيرة الاحرام، وسيأتي الكلام على الرفع عند ~~الركوع والاعتدال وعند القيام من التشهد الأوسط. # وعن وائل بن حجر: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه ~~مع التكبيرة رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه البيهقي أيضا من طريق عبد الرحمن بن عامر اليحصبي عن وائل. ~~ورواه أحمد وأبو داود من طريق عبد الجبار بن وائل قال: حدثني أهل بيتي عن ~~أبي، قال المنذري: وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، وأهل بيته ~~مجهولون، وقد تقدم الكلام على فقه الحديث. # وعن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة ~~رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ~~ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا وقال: سمع الله لمن حمده ~~ربنا ولك الحمد متفق عليه. وللبخاري: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع ~~رأسه من السجود. ولمسلم: # ولا يفعل حين يرفع رأسه من السجود. وله أيضا. ولا يرفعهما بين السجدتين. # الحديث أخرجه البيهقي بزيادة: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى قال ~~ابن المديني: هذا الحديث عندي حجة على الخلق كل من سمعه فعليه أن يعمل به ~~لأنه ليس في إسناده شئ. وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا مفردا وحكى ~~فيه عن الحسن وحميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، يعني الرفع في ~~الثلاثة المواطن، ولم يستثن الحسن أحدا، PageV02P192 # قال ابن عبد البر: كل من روى عنه ترك الرفع في الركوع والرفع منه روى عنه ~~فعله إلا ابن مسعود. وقال محمد بن نصر ms0712 المروزي: أجمع علماء الأمصار على ~~مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة. وقال ابن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك ترك ~~الرفع فيهما إلا ابن القاسم، والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر وهو ~~الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك، ولم يحك الترمذي عن مالك غيره. ونقل ~~الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قول مالك. وإلى الرفع في الثلاثة ~~المواطن ذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم، وروي عن ~~مالك والشافعي قول أنه يستحب رفعهما في موضع رابع وهو إذا قام من التشهد ~~الأوسط. قال النووي: # وهذا القول هو الصواب، فقد صح في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه كان يفعله رواه البخاري. وصح أيضا من حديث أبي حميد الساعدي، ~~رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة وسيأتي ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب في غير تكبيرة الاحرام، قال النووي: وهو ~~أشهر الروايات عن مالك. # (واحتجوا) على ذلك بحديث البراء بن عازب عند أبي داود والدارقطني بلفظ: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى ~~قريب من أذنيه ثم لم يعد وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى عنه. وقد اتفق الحفاظ أن قوله: ثم لم يعد مدرج في الخبر من قول ~~يزيد بن أبي زياد. وقد رواه بدون ذلك شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير ~~وغيرهم من الحفاظ. وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد ويزيد يزيد. ~~وقال أحمد بن حنبل: # لا يصح، وكذا ضعفه البخاري وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد. قال ~~يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول هذا الحديث حديث رواه. # وكان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه ثم لا يعود، فلما لقنوه يعني ~~أهل الكوفة تلقن وكان يذكرها، وهكذا قال علي بن عاصم. وقال البيهقي: اختلف ~~فيه على عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال البزار ms0713 قوله في الحديث: ثم لم يعد لا ~~يصح. # وقال ابن حزم: إن صح قوله لا يعود دل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~فعل ذلك ولبيان الجواز، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره. (واحتجوا) ~~أيضا بما روي عن عبد الله بن مسعود من طريق عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن ~~الأسود PageV02P193 # عن علقمة عنه عند أحمد وأبي داود والترمذي أنه قال: لأصلين لكم صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة ورواه ابن ~~عدي والدارقطني والبيهقي من حديث محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة ~~عنه بلفظ: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا ~~أيديهم إلا عند الاستفتاح وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حزم ولكنه ~~عارض هذا التحسين، والتصحيح قول ابن المبارك لم يثبت عندي. وقول ابن أبي ~~حاتم هذا حديث خطأ، وتضعيف أحمد وشيخه يحيى بن آدم له وتصريح أبي داود بأنه ~~ليس بصحيح. وقول الدارقطني أنه لم يثبت، وقول ابن حبان: هذا أحسن خبر روى ~~أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في ~~الحقيقة أضعف شئ يعول عليه لأن له عللا تبطله. قال الحافظ: وهؤلاء الأئمة ~~إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب، أما طريق محمد بن جابر فذكرها ابن ~~الجوزي في الموضوعات وقال عن أحمد: محمد بن جابر لا شئ ولا يحدث عنه إلا من ~~هو شر منه. (واحتجوا) أيضا بما روي عن ابن عمر عند البيهقي في الخلافيات ~~بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ~~ثم لا يعود قال الحافظ: وهو مقلوب موضوع. (واحتجوا) أيضا بما روي عن ابن ~~عباس أنه قال: كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يرفع يديه كلما ركع وكلما ~~رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك حكاه ابن الجوزي وقال: لا ~~أصل له ms0714 ولا أعرف من رواه. والصحيح عن ابن عباس خلافه، ورووا نحو ذلك عن ابن ~~الزبير، قال ابن الجوزي: لا أصل له ولا أعرف من رواه، والصحيح عن ابن ~~الزبير خلافه. قال ابن الجوزي: وما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث لتعارض بها ~~الأحاديث الثابتة انتهى. ولا يخفى على المنصف أن هذه الحجج التي أوردوها ~~منها ما هو متفق على ضعفه وهو ما عدا حديث ابن مسعود منها كما بينا، ومنها ~~ما هو مختلف فيه وهو حديث ابن مسعود لما قدمنا من تحسين الترمذي وتصحيح ابن ~~حزم له، ولكن أين يقع هذا التحسين والتصحيح من قدح أولئك الأئمة الأكابر ~~فيه غاية الأمر؟ ونهايته أن يكون ذلك الاختلاف موجبا لسقوط الاستدلال به، ~~ثم لو سلمنا صحة حديث ابن مسعود ولم نعتبر بقدح أولئك الأئمة فيه، فليس ~~بينه وبين الأحاديث المثبتة للرفع في الركوع والاعتدال منه تعارض، ~~PageV02P194 # لأنها متضمنة للزيادة التي لا منافاة بينها وبين المزيد وهي مقبولة ~~بالاجماع، لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة واتفق على إخراجها الجماعة، ~~فمن جملة من رواها ابن عمر كما في حديث الباب. وعمر كما أخرجه البيهقي وابن ~~أبي حاتم وعلي وسيأتي. ووائل بن حجر عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة ~~ومالك بن الحويرث عند البخاري ومسلم وسيأتي. وأنس بن مالك عند ابن ماجة. ~~وأبو هريرة عند ابن ماجة أيضا وأبي داود. وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن ~~مسلمة عند ابن ماجة. وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني وجابر عند ابن ماجة. ~~وعمير الليثي عند ابن ماجة أيضا. وابن عباس عند ابن ماجة أيضا، وله طريق ~~أخرى عند أبي داود، فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة ومعهم أبو حميد الساعدي في ~~عشرة من الصحابة كما سيأتي، في كون الجميع خمسة وعشرين أو اثنين وعشرين إن ~~كان أبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة من العشرة المشار إليهم في رواية ~~أبي حميد كما في بعض الروايات، فهل رأيت أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء ~~الجماعة بمثل حديث ms0715 ابن مسعود السابق مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه؟ ومع ~~وجود مانع عن القول بالمعارضة وهو تضمن رواية الجمهور للزيادة كما تقدم. ~~قوله في حديث الباب: حتى يكونا بحذو منكبيه وهكذا في رواية علي وأبي حميد ~~وسيأتي ذكرهما، وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور، وفي حديث مالك بن الحويرث ~~الآتي حتى يحاذي بهما أذنيه، وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب عن أبيه ~~عن وائل بن حجر أنه جمع بينهما فقال: # حتى يحاذي بظهر كفيه المنكبين وبأطراف أنامله الاذنين. ويؤيده رواية أخرى ~~عن وائل عند أبي داود بلفظ: حتى كانتا حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه ~~وأخرج الحاكم في المستدرك والدارقطني من طريق عاصم الأحول عن أنس قال: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كبر فحاذى بإبهاميه أذنيه ومن طريق حميد ~~عن أنس: كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه. ~~وأخرج أبو داود عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه في الافتتاح وفي ~~غيره دون ذلك. وأخرج أبو داود أيضا عن البراء: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى ~~قريب من أذنيه. # وفي حديث وائل عند أبي داود أنه رأى الصحابة يرفعون أيديهم إلى صدورهم. ~~والأحاديث الصحيحة وردت بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى حذو ~~منكبيه وغيرها لا يخلو عن مقال إلا حديث مالك بن الحويرث. قوله: ولا يفعل ~~ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه PageV02P195 # من السجود. في الرواية الأخرى: ولا يرفعهما بين السجدتين وسيأتي في حديث ~~علي بلفظ: ولا يرفع يديه في شئ من صلاته وقد عارض هذه الروايات ما أخرجه ~~أبو داود عن ميمون المكي: أنه رأى عبد الله بن الزبير يشير بكفيه حين يقوم ~~وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام قال: فانطلقت إلى ابن عباس فقلت: إني ~~رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها فوصفت له هذه الإشارة فقال: إن ~~أحببت أن تنظر إلى ms0716 صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقتد بصلاة عبد ~~الله بن الزبير. وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال مشهور. # وأخرج أبو داود والنسائي عن النضر بن كثير السعدي قال: صلى إلى جنبي عبد ~~الله بن طاوس في مسجد الخيف، فكان إذا سجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها ~~رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت ذلك فقلت لوهيب بن خالد، فقال له وهيب: تصنع ~~شيئا لم أر أحدا يصنعه؟ فقال ابن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن ~~عباس يصنعه، ولا أعلم إلا أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصنعه وفي إسناده النضر بن كثير وهو ضعيف الحديث. قال الحافظ أبو أحمد ~~النيسابوري: هذا حديث منكر من حديث ابن طاوس، وأخرج الدارقطني في العلل من ~~حديث أبي هريرة: أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع ويقول: # أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه الأحاديث لا ~~تنتهض للاحتجاج بها على الرفع في غير تلك المواطن، فالواجب البقاء على ~~النفي الثابت في الصحيحين حتى يقوم دليل صحيح يقتضي تخصيصه، كما قام في ~~الرفع عند القيام من التشهد الأوسط وقد تقدم الكلام عليه. وقد ذهب إلى ~~استحبابه في السجود أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري من أصحاب الشافعي ~~وبعض أهل الحديث. # وعن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع ~~يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع ~~يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. رواه البخاري ~~والنسائي وأبو داود. # قوله: ورفع ذلك ابن عمر قال أبو داود: رواه الثقفي يعني عبد الوهاب عن ~~عبيد الله يعني ابن عمر بن حفص فلم يرفعه وهو الصحيح. وكذا رواه الليث بن ~~سعد وابن جريج ومالك يعني موقوفا. وحكى الدارقطني في العلل الاختلاف في ~~رفعه ووقفه. # قال الحافظ: وقفه معتمر وعبد الوهاب عن عبيد الله عن نافع كما قال ms0717 يعني ~~الدارقطني، لكن رفعاه عن سالم عن ابن عمر، أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين ~~وفيه الزيادة، وقد توبع نافع PageV02P196 # على ذلك عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من ~~الركعتين كبر ورفع يديه وله شواهد كما تقدم وسيأتي. (والحديث) يدل على ~~مشروعية الرفع في الأربعة المواطن، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان إذا ~~قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى ~~قراءته وإذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه ~~في شئ من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وصححه أيضا أحمد بن حنبل فيما حكاه ~~الخلال. قوله: وإذا قام من السجدتين وقع في هذا الحديث وفي حديث ابن عمر في ~~طريق ذكر السجدتين مكان الركعتين، والمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك كما ~~جاء في رواية الباقين، كذا قال العلماء من المحدثين والفقهاء إلا الخطابي ~~فإنه ظن أن المراد السجدتان المعروفتان، ثم استشكل الحديث الذي وقع فيه ذكر ~~السجدتين وهو حديث ابن عمر، وهذا الحديث مثله وقال: لا أعلم أحدا من ~~الفقهاء قال به. قال ابن رسلان: ولعله لم يقف على طرق الحديث، ولو وقف ~~عليها لحمله على الركعتين كما حمله الأئمة. (والحديث) يدل على استحباب ~~الرفع في هذه الأربعة المواطن، وقد عرفت الكلام على ذلك. قال المصنف رحمه ~~الله تعالى: وقد صح التكبير في المواضع الأربعة في حديث أبي حميد الساعدي، ~~وسنذكره إن شاء الله انتهى. # وعن أبي قلابة: أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا ~~أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه رفع يديه، وحدث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم صنع هكذا متفق عليه. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله ~~عليه ms0718 وآله وسلم كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع ~~يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن ~~حمده فعل مثل ذلك رواه أحمد ومسلم. وفي لفظ لهما: حتى يحاذي بهما فروع ~~أذنيه. # قوله: إذا صلى كبر في رواية مسلم: ثم كبر وقد تقدم الكلام على اختلاف ~~الأحاديث في الرفع، هل يكون قبل التكبير أو بعده أو مقارنا له؟ والحديث قد ~~تقدم PageV02P197 # البحث عن جميع أطرافه. وقد اختلف في الحكمة في رفع اليدين فقال الشافعي: ~~هو إعظام لله تعالى واتباع لرسوله. وقيل: استكانة واستسلام وانقياد، وكان ~~الأسير إذا غلب مد يديه علامة لاستسلامه، وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما ~~دخل فيه. وقيل: # إشارة إلى طرح أمور الدنيا والاقبال بكليته على صلاته ومناجاته ربه كما ~~تضمن ذلك قوله: # الله أكبر فيطابق فعله قوله، وقيل: إشارة إلى تمام القيام. وقيل: إلى رفع ~~الحجاب بينه وبين المعبود. وقيل: ليستقبل بجميع بدنه. وقيل: ليراه الأصم ~~ويسمعه الأعمى. وقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا يختص بالرفع لتكبيرة ~~الاحرام. وقيل: لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ~~ذلك له عز وجل، والنفي سابق على الاثبات كما في كلمة الشهادة، وقيل غير ~~ذلك. قال النووي: وفي أكثرها نظر. واعلم أن هذه السنة تشترك فيها الرجال ~~والنساء، ولم يرد ما يدل على الفرق بينهما فيها، وكذا لم يرد ما يدل على ~~الفرق بين الرجل والمرأة في مقدار الرفع. وروي عن الحنفية أن الرجل يرفع ~~إلى الاذنين والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها، ولا دليل على ذلك كما ~~عرفت. # وعن أبي حميد الساعدي أنه قال وهو في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أحدهم أبو قتادة أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، قالوا: ما كنت أقدم منا له صحبة ولا أكثرنا له إتيانا، قال: ~~بلى، قالوا: فاعرض، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ms0719 قام ~~إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر، فإذا ~~أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال: الله أكبر وركع ثم ~~اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع ووضع يديه على ركبتيه ثم قال: سمع الله لمن ~~حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا، ثم هوى إلى الأرض ~~ساجدا ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم ~~في موضعه ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من ~~السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة، ~~ثم صنع كذلك حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى ~~وقعد على شقه متوركا ثم سلم، قالوا: صدقت هكذا صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصرا. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان، وأعله الطحاوي بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم ~~يدرك أبا قتادة، قال: ويزيد ذلك بيانا أن عطاف بن خالد رواه عن محمد بن ~~عمرو بلفظ: PageV02P198 # حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلوسا. ~~وقال ابن حبان: سمع هذا الحديث محمد بن عمرو عن أبي حميد، وسمعه من عباس بن ~~سهل بن سعد عن أبيه والطريقان محفوظان. قال الحافظ: السياق يأبى على ذلك كل ~~الإباء، والتحقيق عندي أن محمد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه هو محمد ~~بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو لم يلق أبا قتادة ولا قارب ذلك، إنما ~~يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وغيره من كبار التابعين. وأما محمد بن عمرو ~~الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه فهو محمد بن عمرو بن عطاء تابعي كبير جزم ~~البخاري بأنه سمع من أبي حميد وغيره، وأخرج الحديث من طريقه انتهى. وقد ~~اختلف في موت أبي قتادة، فقيل: مات في ms0720 سنة أربع وخمسين وعلى هذا فلقا محمد ~~له ممكن لأن محمدا مات بعد سنة عشرين ومائة وله نيف وثمانون سنة. وقيل: مات ~~أبو قتادة في خلافة علي رضي الله عنه ولا يمكن على هذا أن محمدا أدركه لأن ~~عليا قتل في سنة أربعين. وقد أجيب عن هذا أنه إذا صح موته في خلافة علي ~~فلعل من ذكر مقدار عمر محمد أو وقت وفاته وهم. قوله: أنا أعلمكم بصلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه مدح الانسان نفسه لمن يأخذ عنه ليكون ~~كلامه أوقع وأثبت عند السامع، كما أنه يجوز مدح الانسان نفسه وافتخاره في ~~الجهاد ليوقع الرهبة في قلوب الكفار. قوله: فاعرض بوصل الهمزة وكسر الراء ~~من قولهم: عرضت الكتاب عرضا قرأته عن ظهر قلب، ويحتمل أن يكون من قولهم ~~عرضت الشئ عرضا من باب ضرب أي أظهرته. قوله: فلم يصوب بضم الياء المثناة من ~~تحت وفتح الصاد وتشديد الواو وبعده باء موحدة أي يبالغ في خفضه وتنكيسه. ~~قوله: ولم يقنع بضم الياء وإسكان القاف وكسر النون أي لا يرفعه حتى يكون ~~أعلى من ظهره. قوله: حتى يرجع كل عظم وفي رواية ابن ماجة: حتى يقر كل عظم ~~في موضعه. # وفي رواية البخاري: حتى يعود كل فقار. قوله: ثم هوى الهوي السقوط من علو ~~إلى أسفل. قوله: ثم ثنى رجله وقعد عليها وهذه تسمى قعدة الاستراحة وسيأتي ~~الكلام فيها. قوله: حتى يرجع كل عظم في موضعه فيه فضيلة الطمأنينة في هذه ~~الجلسة. قوله: # متوركا التورك في الصلاة القعود على الورك اليسرى، والوركان فوق الفخذين ~~كالكعبين فوق العضدين. (والحديث) قد اشتمل على جملة كثيرة من صفة صلاته صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقد تقدم الكلام على بعض ما فيه في هذا الباب، وسيأتي ~~الكلام على بقية فوائده في المواضع التي يذكرها المصنف فيها إن شاء الله ~~تعالى. وقد رويت حكاية أبي حميد لصلاته PageV02P199 # (ص) بالقول كما في حديث الباب وبالفعل كما في غيره. قال الحافظ: ويمكن ~~الجمع بين الروايتين ms0721 بأن يكون وصفها مرة بالفعل ومرة بالقول. # باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال عن وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر ثم التحف بثوبه ثم ~~وضع اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع ~~فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه رواه أحمد ~~ومسلم. وفي رواية لأحمد وأبي داود: ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى ~~والرسغ والساعد. # الحديث أخرجه النسائي وابن حبان وابن خزيمة. وفي الباب عن هلب عند أحمد ~~والترمذي وابن ماجة والدارقطني، وفي إسناده قبيصة بن هلب لم يرو عنه غير ~~سماك وثقه العجلي. وقال ابن المديني والنسائي: مجهول وحديث هلب حسنه ~~الترمذي. وعن غطيف بن الحرث عند أحمد، وعن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي ~~وابن حبان والطبراني وقد تفرد به حرملة، وعن ابن عمر عند العقيلي وضعفه، ~~وعن حذيفة عند الدارقطني، وعن أبي الدرداء عند الدارقطني مرفوعا وابن أبي ~~شيبة موقوفا، وعن جابر عند أحمد والدارقطني، وعن ابن الزبير عند أبي داود، ~~وعن عائشة عند البيهقي وقال: صحيح، وعن شداد بن شرحبيل عند البزار وفيه ~~عباس بن يونس، وعن يعلى بن مرة عند الطبراني وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى ~~وهو ضعيف، وعن عقبة بن أبي عائشة عند الهيثمي موقوفا بإسناد حسن، وعن معاذ ~~عند الطبراني وفيه الخصيب بن جحدر، وعن أبي هريرة عند الدارقطني والبيهقي، ~~وعن الحسن مرسلا عند أبي داود، وعن طاوس مرسلا عنده أيضا، وعن سهل ابن سعد ~~وابن مسعود وعلي وسيأتي في هذا الباب. قوله: والرسغ بضم الراء وسكون ~~المهملة بعدها معجمة هو المفصل بين الساعد والكف. قوله: والساعد بالجر عطف ~~على الرسغ، والرسغ مجرور لعطفه على قوله: كفه اليسرى. والمراد أنه وضع يده ~~اليمنى على كف يده اليسرى ورسغها وساعدها. ولفظ الطبراني: وضع يده اليمنى ~~على ظهر اليسرى في الصلاة قريبا من الرسغ قال أصحاب الشافعي: ms0722 يقبض بكفه ~~اليمنى كوع اليسرى PageV02P200 # وبعض رسغها وساعدها. (والحديث) يدل على مشروعية وضع الكف على الكف، وإليه ~~ذهب الجمهور، وروى ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه ~~يرسلهما ولا يضع اليمنى على اليسرى، ونقله النووي عن الليث بن سعد. ونقله ~~المهدي في البحر عن القاسمية والناصرية والباقر. ونقله ابن القاسم عن مالك، ~~وخالفه ابن الحكم فنقل عن مالك الوضع، والرواية الأولى عنه هي رواية جمهور ~~أصحابه وهي المشهورة عندهم. ونقل ابن سيد الناس عن الأوزاعي التخيير بين ~~الوضع والارسال. (احتج الجمهور) على مشروعية الوضع بأحاديث الباب التي ~~ذكرها المصنف وذكرناها وهي عشرون عن ثمانية عشر صحابيا وتابعيين. وحكى ~~الحافظ عن ابن عبد البر أنه قال: لم يأت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيه خلاف. (واحتج القائلون) بالارسال بحديث جابر بن سمرة المتقدم بلفظ: ما ~~لي أراكم رافعي أيديكم وقد عرفناك أن حديث جابر وارد على سبب خاص. (فإن ~~قلت): # العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: إن صدق على الوضع مسمى الرفع ~~فلا أقل من صلاحية أحاديث الباب لتخصيص ذلك العموم، وإن لم يصدق عليه مسمى ~~الرفع لم يصح الاحتجاج على مشروعيته بحديث جابر المذكور. (واحتجوا) أيضا ~~بأنه مناف للخشوع وهو مأمور به في الصلاة، وهذه المنافاة ممنوعة. قال ~~الحافظ قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو ~~أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، ~~والعادة أن من احترز على حفظ شئ جعل يديه عليه ، انتهى. قال المهدي في ~~البحر: ولا معنى لقول أصحابنا ينافي الخشوع والسكون. (واحتجوا) أيضا بأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم المسئ صلاته الصلاة ولم يذكر وضع اليمين ~~على الشمال، كذا حكاه ابن سيد الناس عنهم وهو عجيب، فإن النزاع في استحباب ~~الوضع لا وجوبه، وترك ذكره في حديث المسئ إنما يكون حجة على القائل ~~بالوجوب، وقد علم أن النبي (ص) اقتصر على ذكر الفرائض في حديث المسئ. وأعجب ~~من هذا ms0723 الدليل قول المهدي في البحر مجيبا عن أدلة الجمهور بلفظ قلنا: أما ~~فعله فلعله لعذر لاحتماله، وأما الخبر فإن صح فقوي، ويحتمل الاختصاص ~~بالأنبياء انتهى. وقد اختلف في محل وضع اليدين وسيأتي الكلام عليه. # وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد ~~اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا ينمي ~~PageV02P201 # ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والبخاري. # قوله: كان الناس يؤمرون قال الحافظ: هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن ~~الآمر لهم بذلك هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال البيهقي: لا خلاف في ~~ذلك بين أهل النقل. قال النووي في شرح مسلم: وهذا حديث صحيح مرفوع. قوله: ~~على ذراعه اليسرى أبهم هنا موضعه من الذراع، وقد بينته رواية أحمد وأبي ~~داود في الحديث الذي قبل هذا. قوله: ولا أعلمه إلا ينمي هو بفتح أوله وسكون ~~النون وكسر الميم. قال أهل اللغة: نميت الحديث رفعته وأسندته. وفي رواية ~~يرفع مكان ينمي، والمراد بقوله ينميه يرفعه في اصطلاح أهل الحديث قاله ~~الحافظ. وقد أعل بعضهم الحديث بأنه ظن من أبي حازم ورد بأن أبا حازم لو لم ~~يقل لا أعلمه إلى آخره لكان في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: كنا نؤمر ~~بكذا يصرف بظاهره إلى من له الامر وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وأجيب عن هذا بأنه لو كان مرفوعا لما احتاج أبو حازم إلى قوله: لا أعلمه ~~إلى آخره، ورد بأنه قال ذلك للانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له مرفوع ~~وإنما يقال له حكم الرفع. والثاني يقال له مرفوع. (والحديث) يصلح للاستدلال ~~به على وجوب وضع اليد على اليد، للتصريح من سهل بن سعد بأن الناس كانوا ~~يؤمرون، ولا يصلح لصرفه عن الوجوب ما في حديث علي الآتي بلفظ: أن من السنة ~~في الصلاة وكذا ما في حديث ابن عباس بلفظ: ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل ~~الفطر، وتأخير السحور، ووضع ms0724 اليمين على الشمال لما تقرر من أن السنة في ~~لسان أهل الشرع أعم منها في لسان أهل الأصول، على أن الحديثين ضعيفان. ~~ويؤيد الوجوب ما روي أن عليا فسر قوله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * ~~(الكوثر: 2) بوضع اليمين على الشمال، رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم ~~وقال: إنه أحسن ما روي في تأويل الآية. وعند البيهقي من حديث ابن عباس مثل ~~تفسير علي وروى البيهقي أيضا أن جبريل فسر الآية لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بذلك، وفي إسناده إسرائيل بن حاتم وقد اتهمه ابن حبان به، ومع ~~هذا فطول ملازمته صلى الله عليه وآله وسلم لهذه السنة معلوم لكل ناقل، وهو ~~بمجرده كاف في إثبات الوجوب عند بعض أهل الأصول، فالقول بالوجوب هو المتعين ~~إن لم يمنع منه إجماع على أنا لا ندين بحجية الاجماع، بل نمنع إمكانه ونجزم ~~بتعذر وقوعه، إلا أن من جعل حديث المسئ قرينة صارفة لجميع PageV02P202 # الأوامر الواردة بأمور خارجة عنه، لم يجعل هذه الأدلة صالحة للاستدلال ~~بها على الوجوب، وسيأتي الكلام على ذلك. # وعن ابن مسعود: أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فوضع يد ه اليمنى على اليسرى رواه أبو داود والنسائي ~~وابن ماجة. # الحديث قال ابن سيد الناس: رجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ في الفتح: ~~إسناده حسن. وفي الباب عن جابر عند أحمد والدارقطني قال: مر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها ~~ووضع اليمنى على اليسرى. (والحديث) يدل على أن المشروع وضع اليمنى على ~~اليسرى دون العكس، ولا خلاف فيه بين القائلين بمشروعية الوضع. # وعن علي رضي الله عنه قال: إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف ~~تحت السرة رواه أحمد وأبو داود. # الحديث ثابت في بعض نسخ أبي داود وهي نسخة ابن الأعرابي ولم يوجد في ~~غيرها، وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي. قال أبو داود: سمعت أحمد بن ~~حنبل يضعفه، ms0725 وقال البخاري: فيه نظر. وقال النووي: هو ضعيف بالاتفاق. وأخرج ~~أبو داود أيضا عن أبي جرير الضبي عن أبيه قال: رأيت عليا يمسك شماله بيمينه ~~على الرسغ فوق السرة. وفي إسناده أبو طالوت عبد السلام بن أبي حازم، قال ~~أبو داود: يكتب حديثه. وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة بلفظ: أخذ الأكف على ~~الأكف تحت السرة وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المتقدم. وأخرج أبو داود ~~أيضا عن طاوس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع يده ~~اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة وهو مرسل، وهذه ~~الروايات المذكورة عن أبي داود كلها ليست إلا في نسخة ابن الأعرابي كما ~~تقدم. (والحديث) استدل به من قال: إن الوضع يكون تحت السرة وهو أبو حنيفة ~~وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي. ~~وذهبت الشافعية قال النووي: وبه قال الجمهور إلى أن الوضع يكون تحت صدره ~~فوق سرته. وعن أحمد روايتان كالمذهبين، ورواية ثالثة أنه يخير بينهما ولا ~~ترجيح، وبالتخيير قال الأوزاعي وابن المنذر. قال ابن المنذر في بعض ~~تصانيفه: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شئ فهو مخير. ~~وعن PageV02P203 # مالك روايتان: إحداهما يضعهما تحت صدره. والثانية يرسلهما ولا يضع ~~إحداهما على الأخرى. # واحتجت الشافعية لما ذهبت إليه بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه من ~~حديث وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده ~~اليمنى على يده اليسرى على صدره. وهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه ~~لأنهم قالوا: إن الوضع يكون تحت الصدر كما تقدم، والحديث الصريح بأن الوضع ~~على الصدر، وكذلك حديث طاوس المتقدم، ولا شئ في الباب أصح من حديث وائل ~~المذكور وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى: * ~~(فصل لربك وانحر) * (الكوثر: 2) بأن النحر وضع اليمين على الشمال في محل ~~النحر والصدر. # باب نظر المصلي إلى موضع ms0726 سجوده والنهي عن رفع البصر في الصلاة عن ابن ~~سيرين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقلب بصره في السماء فنزلت ~~هذا الآية: * (الذين هم في صلاتهم خاشعون) * (المؤمنون: 2) فطأطأ رأسه. ~~رواه أحمد في كتاب الناسخ والمنسوخ، وسعيد بن منصور في سننه بنحوه وزاد ~~فيه: وكانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه وهو حديث مرسل. وعن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لينتهين أقوام يرفعون ~~أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم رواه أحمد ومسلم والنسائي. ~~وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما بال أقوام يرفعون ~~أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن أو ~~لتخطفن أبصارهم رواه الجماعة إلا مسلما والترمذي. # وعن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه ~~اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته رواه أحمد والنسائي وأبو ~~داود. # حديث ابن سيرين مرسل كما قال المصنف لأنه تابعي لم يدرك النبي (ص) ورجاله ~~ثقات. وأخرجه البيهقي موصولا وقال: المرسل هو المحفوظ. وأخرجه الحاكم في ~~المستدرك عن أبي هريرة بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت * (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون) * (المؤمنون: 2) فطأطأ رأسه وقال: إنه PageV02P204 # على شرط الشيخين. وحديث ابن الزبير أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه وأصله ~~في مسلم دون قوله: ولم يجاوز بصره إشارته. قوله: كان يقلب بصره إلخ، لعل ~~ذلك كان عند إرادته (ص) تحويل القبلة كما وصفه الله تعالى في كتابه بقوله: ~~* (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) * (البقرة: 144). ~~قوله: أن لا يجاوز بصره مصلاه فيه دليل على استحباب النظر إلى المصلى وترك ~~مجاوزة البصر له. قوله: لينتهين أقوام بتشديد النون وفيه: أن النبي (ص) كان ~~لا يواجه أحدا بمكروه، بل إن ms0727 رأى أو سمع ما يكره عمم كما قال: ما بال أقوام ~~يشترطون شروطا لينتهين أقوام عن كذا. # قوله: يرفعون أبصارهم قال ابن المنير: نظر المأموم إلى الامام من مقاصد ~~الائتمام، فإذا تمكن من مراقبته بغير التفات أو رفع بصر إلى السماء كان ذلك ~~من إصلاح صلاته. # وقال ابن بطال: فيه حجة لمالك في أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة. ~~وقال الشافعي والكوفيون، يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده لأنه أقرب إلى ~~الخشوع. # ويدل عليه ما رواه ابن ماجة بإسناد حسن عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج ~~النبي (ص) أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد موضع جبينه، ~~فتوفي أبو بكر فكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم ~~موضع القبلة، فكان عثمان وكانت الفتنة فالتفت الناس يمينا وشمالا. لكن في ~~إسناده موسى بن عبد الله بن أبي أمية لم يخرج له من أهل الكتب الستة غير ~~ابن ماجة. قوله: أو لتخطفن بضم الفوقية وفتح الفاء على البناء للمفعول، ~~يعني لا يخلو الحال من أحد الامرين: إما الانتهاء عنه، وإما العمى، وهو ~~وعيد عظيم وتهديد شديد، وإطلاقه يقضي بأنه لا فرق بين أن يكون عند الدعاء ~~أو عند غيره إذا كان ذلك في الصلاة كما وقع به التقييد. والعلة في ذلك أنه ~~إذا رفع بصره إلى السماء خرج عن سمت القبلة وأعرض عنها وعن هيئة الصلاة. ~~والظاهر أن رفع البصر إلى السماء حال الصلاة حرام، لأن العقوبة بالعمى لا ~~تكون إلا عن محرم، والمشهور عند الشافعية أنه مكروه، وبالغ ابن حزم فقال: ~~تبطل الصلاة به. وقيل: المعنى في ذلك أنه يخشى على الابصار من الأنوار التي ~~تنزل بها الملائكة على المصلي، كما في حديث أسيد بن حضير في فضائل القرآن، ~~وأشار إلى ms0728 ذلك الداودي ونحوه في جامع حماد بن سلمة عن أبي مجلز أحد ~~التابعين. قوله: فاشتد PageV02P205 # قوله في ذلك إما بتكرير هذا القول أو غيره مما يفيد المبالغة في الزجر. ~~قوله: # لينتهن في رواية أبي داود: لينتهين وهو جواب قسم محذوف. وفيه روايتان ~~للبخاري: # فالأكثرون بفتح أوله وضم الهاء وحذف الياء المثناة وتشديد النون على ~~البناء للفاعل. # والثانية بضم الياء وسكون النون وفتح الفوقية والهاء والياء التحتية ~~وتشديد النون للتأكيد على البناء للمفعول. قوله: وضع يده اليمنى على فخذه ~~اليمنى الخ، سيأتي الكلام على هذه الهيئة. قوله: ولم يجاوز بصره إشارته فيه ~~أنه يستحب للمصلي حال التشهد أن لا يرفع بصره إلى ما يجاوز به الإصبع التي ~~يشير بها. # باب ذكر الاستفتاح بين التكبير والقراءة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة، فقلت: ~~يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ ~~أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم ~~نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي ~~بالثلج والماء والبرد رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: هنيهة في رواية هنية قال النووي: وأصله هنوة، فلما صغرت صارت هنيوة ~~فاجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغمت وقد تقلب ~~هاء كما في رواية الكتاب. قال النووي أيضا: والهمز خطأ. وقال القرطبي: # إن أكثر الرواة قالوه بالهمز. قوله: بأبي أنت وأمي هو متعلق بمحذوف إما ~~اسم أو فعل، والتقدير: أنت مفدى أو أفديك. قوله: أرأيت الظاهر أنه بفتح ~~التاء بمعنى أخبرني. قوله: # ما تقول فيه إشعار بأنه قد فهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يقول قولا. قال ابن دقيق العيد: ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ~~استدل غيره على القراءة باضطراب اللحية. قوله: باعد قال الحافظ: المراد ~~بالمباعدة نحو ما حصل منها، يعني الخطايا والعصمة عما سيأتي منها انتهى. ms0729 ~~وفي هذا اللفظ مجازان: الأول استعمال المباعدة التي هي في الأصل للأجسام في ~~مباعدة المعاني. الثاني: استعمال المباعدة في الإزالة بالكلية، مع أن أصلها ~~لا يقتضي الزوال، وموضع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، وكأنه ~~PageV02P206 # أراد أن لا يقع له منها اقتراب بالكلية، وكرر لفظ بين لأن العطف على ~~الضمير المجرور يعاد فيه الخافض. قوله: نقني بتشديد القاف وهو مجاز عن زوال ~~الذنوب ومحوها بالكلية. قال الحافظ: ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر ~~من غيره من الألوان وقع التشبيه به والدنس الوسخ الذي يدنس الثوب. قوله: ~~بالثلج والماء والبرد جمع بين الثلاثة تأكيدا ومبالغة كما قال الخطابي، لأن ~~الثلج والبرد نوعان من الماء. قال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو، ~~فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية تكون في غاية النقاء، قال: ~~ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها ~~المحو. (والحديث) يدل على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة. وخالف في ~~ذلك مالك في المشهور عنه والأحاديث ترد عليه. وفيه جواز الدعاء في الصلاة ~~بما ليس من القرآن خلافا للحنفية والهادوية. وفيه أن دعاء الاستفتاح يكون ~~بعد تكبيرة الاحرام، وخالف في ذلك الهادي والقاسم وأبو العباس وأبو طالب من ~~أهل البيت، وسيأتي بيان ما هو الحق في ذلك. # وعن علي بن أبي طالب قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى ~~الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من ~~المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا ~~عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا ~~يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ~~أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت ms0730 أستغفرك وأتوب إليك. وإذا ركع قال: اللهم لك ~~ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا رفع ~~رأسه قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، ~~وملء ما شئت من شئ بعد. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، ~~سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم ~~يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، ~~وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت ~~المؤخر لا إله إلا أنت رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. PageV02P207 # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي مطولا، وابن ماجة مختصرا، وقد وقع ~~في بعض نسخ هذا الكتاب مكان قوله: رواه أحمد ومسلم الخ، رواه الجماعة إلا ~~البخاري وهو الصواب. وأخرجه أيضا ابن حبان وزاد: إذا قام إلى الصلاة ~~المكتوبة، وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضا بالمكتوبة وكذا غيرهما، وأما مسلم ~~فقيده بصلاة الليل وزاد لفظ من جوف الليل. قوله: كان إذا قام إلى الصلاة ~~زاد أبو داود: كبر ثم قال. وهذا تصريح بأن هذا التوجه بعد التكبيرة لا كما ~~ذهب إليه من ذكرنا في شرح الحديث السابق من أنه قبل التكبيرة محتجين على ~~ذلك بقوله تعالى: * (وكبره تكبيرا) * (الاسراء: 111) بعد قوله: * (الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا) * (الاسراء: 111) إلى آخره، وهو عندهم التوجه ~~الصغير. وقوله: وجهت وجهي التوجه الكبير وهذا إنما يتم بعد تسليم أن المراد ~~بقوله: * (وكبره تكبيرا) * الاحرام وبعد تسليم أن الواو تقتضي الترتيب، ~~وبعد تسليم أن قوله تعالى: * (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) * (الاسراء: ~~111) إلى آخره من التوجهات الواردة. وهذه الأمور جميعا ممنوعة، ودون ~~تصحيحها مفاوز وعقاب، والأحسن الاحتجاج لهم بإطلاق بعض الأحاديث الواردة ~~كحديث جابر بلفظ: كان إذا استفتح الصلاة. وحديث الباب بلفظ: كان إذا قام ~~إلى الصلاة ولا يخفى عليك أنه قد ورد التقييد في حديث أبي هريرة المتقدم، ~~وفي حديث الباب ms0731 أيضا في رواية أبي داود كما ذكرنا. # وفي حديث أبي سعيد: كان إذا قام إلى الصلاة كبر وسيأتي. وقد ورد التقييد ~~في غير حديث، وحمل المطلق على المقيد واجب على ما هو الحق في الأصول. (ومن ~~غرائبهم) قولهم: إنه لا يشرع التوجه بغير ما ورد في هذا الحديث من الألفاظ ~~القرآنية إلا قوله تعالى: * (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) * (الاسراء: ~~111) الخ، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بتوجهات متعددة. قوله: وجهت وجهي قيل ~~معناه قصدت بعبادتي. وقيل: أقبلت بوجهي وجمع السماوات وإفراد الأرض مع ~~كونها سبعا لشرفها. وقال القاضي أبو الطيب: لأنا لا ننتفع من الأرض إلا ~~بالطبقة الأولى بخلاف السماء، فإن الشمس والقمر والكواكب موزعة عليها. ~~وقيل: لان الأرض السبع لها سكن، أخرج البيهقي عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه ~~قال قوله: # * (ومن الأرض مثلهن) * (الطلاق: 12). قال: سبع أرضين في كل أرض نبي ~~كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم. ~~قال: وإسناده صحيح عن ابن عباس، غير أني لا أعلم لأبي الضحى متابعا. قوله: ~~حنيفا الحنيف المائل إلى الدين بالحق وهو الاسلام قاله الأكثر، ويطلق على ~~المائل والمستقيم، وهو عند العرب PageV02P208 # اسم لمن كان على ملة إبراهيم وانتصابه على الحال. قوله: ونسكي النسك ~~العبادة لله وهو من ذكر العام بعد الخاص. قوله: ومحياي ومماتي أي حياتي ~~وموتي. والجمهور على فتح الياء الآخرة في محياي وقرئ بإسكانها. قوله: وأنا ~~من المسلمين في رواية لمسلم: وأنا أول المسلمين قال الشافعي: لأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة. وفي رواية أخرى لمسلم كما هنا. ~~قال في الانتصار: أن غير النبي إنما يقول: وأنا من المسلمين وهو وهم منشؤه ~~توهم أن معنى وأنا أول المسلمين أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس ~~بمعزل عنه وليس كذلك، بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به ~~ونظيره: * (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) * (الزخرف: 81) وقال ~~موسى: * (وأنا أول المؤمنين) * (الأعراف: 143) وظاهر الاطلاق أنه لا ms0732 فرق في ~~قوله: وأنا من المسلمين. وقوله: وما أنا من المشركين بين الرجل والمرأة، ~~وهو صحيح على إرادة الشخص. وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة: قومي فاشهدي أضحيتك وقولي: إن ~~صلاتي ونسكي إلى قوله: وأنا من المسلمين فدل على ما ذكرناه. قوله: ظلمت ~~نفسي اعتراف بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأدبا، وأراد بالنفس ~~هنا الذات المشتملة على الروح. قوله: لأحسن الأخلاق أي لأكملها وأفضلها. ~~قوله: # سيئها أي قبيحها. قوله: لبيك هو من ألب بالمكان إذا أقام به، وثنى هذا ~~المصدر مضافا إلى الكاف، وأصل لبيك لبين فحذف النون للإضافة. وقال النووي: ~~قال العلماء ومعناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة. قوله: وسعديك قال ~~الأزهري وغيره: # معناه مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة لدينك بعد متابعة. قوله: والخير ~~كله في يديك زاد الشافعي عن مسلم بن خالد عن موسى بن عقبة: والمهدى من ~~هديت. قال الخطابي وغيره: فيه الارشاد إلى الأدب في الثناء على الله ومدحه ~~بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب. قوله: والشر ليس ~~إليك قال الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل، وإسحق بن راهويه، ويحيى بن معين، ~~وأبو بكر بن خزيمة، والأزهري وغيرهم معناه لا يتقرب به إليك، روى ذلك ~~النووي عنهم، وهذا القول الأول والقول الثاني حكاه الشيخ أبو حامد عن ~~المزني أن معناه لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة ~~والخنازير، ويا رب الشر ونحو هذا، وإن كان خالق كل شئ ورب كل شئ، وحينئذ ~~يدخل الشر في العموم. والثالث معناه والشر لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم ~~الطيب PageV02P209 # والعمل الصالح. والرابع معناه والشر ليس شرا بالنسبة إليك، فإنك خلقته ~~بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. والخامس حكاه الخطابي أنه ~~كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عداده فيهم، حكى هذه الأقوال النووي في ~~شرح مسلم وقال: إنه مما يجب تأويله، لأن مذهب أهل ms0733 الحق أن كل المحدثات فعل ~~الله تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرها اه. وفي المقام كلام طويل ليس هذا ~~موضعه. قوله: أنا بك وإليك أي التجائي وانتمائي إليك وتوفيقي بك، قاله ~~النووي. قوله: تباركت قال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك، وقيل: ثبت ~~الخير عندك، وقال النووي: استحققت الثناء. قوله: خشع لك أي خضع وأقبل عليك ~~من قولهم: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت. قوله: ومخي قال ابن رسلان: المراد ~~به هنا الدماغ، وأصله الودك الذي في العظم، وخالص كل شئ مخه. قوله: وعصبي ~~العصب طنب المفاصل وهو ألطف من العظم، زاد الشافعي في مسنده من رواية أبي ~~هريرة: وشعري وبشري، والجمهور على تضعيف هذه الزيادة، وزاد النسائي من ~~رواية جابر: ودمي ولحمي. وزاد ابن حبان في صحيحه: وما استقلت به قدمي لله ~~رب قوله: ملء السماوات هو وما بعده بكسر الميم ونصب الهمزة ورفعها العالمين ~~والنصب أشهر قاله النووي، ورجحه ابن خالويه وأطنب في الاستدلال، وجوز الرفع ~~على أنه مرجوح. وحكى عن الزجاج أنه يتعين الرفع ولا يجوز غيره، وبالغ في ~~إنكار النصب. والذي تقتضيه القواعد النحوية هو ما قاله ابن خالويه. قال ~~النووي: قال العلماء معناه حمدا لو كان أجساما لملا السماوات والأرض وما ~~بينهما لعظمه، وهكذا قال القاضي عياض وصرح أنه من قبيل الاستعارة. قوله: ~~وملء ما شئت من شئ بعد وذلك كالكرسي والعرش وغيرهما مما لم يعلمه إلا الله، ~~والمراد الاعتناء في تكثير الحمد. # قوله: وصوره زاد مسلم وأبو داود: فأحسن صورته وهو الموافق لقوله تعالى: * ~~(فأحسن صوركم) * (التغابن: 3). قوله: وشق سمعه وبصره رواية أبي داود فشق، ~~قال القاضي عياض: قال الامام يحتج به من يقول الأذنان من الوجه، وقد مر ~~الكلام على ذلك. قوله: فتبارك هكذا رواية ابن حبان، وهو في مسلم بدون ~~الفاء، وفي سنن أبي داود بالواو. قوله: أحسن الخالقين أي المصورين ~~والمقدرين. والخلق في اللغة الفعل الذي يوجده فاعله مقدرا له لا عن سهو ~~وغفلة، والعبد قد يوجد منه ذلك. قال الكعبي: لكن لا يطلق ms0734 الخالق على العبد ~~إلا مقيدا كالرب. قوله: # ما قدمت وما أخرت المراد بقوله ما أخرت إنما هو بالنسبة إلى ما وقع من ~~ذنوبه المتأخرة، لأن الاستغفار قبل الذنب محال، كذا قال أبو الوليد ~~النيسابوري. قال الأسنوي: ولقائل PageV02P210 # أن يقول: المحال إنما هو طلب مغفرته قبل وقوعه، وأما الطلب قبل الوقوع أن ~~يغفر إذا وقع فلا استحالة فيه. قوله: وما أسررت وما أعلنت أي جميع الذنوب ~~لأنها إما سر أو علن. # قوله: وما أسرفت المراد الكبائر لأن الاسراف الافراط في الشئ ومجاوزة ~~الحد فيه. قوله: # وما أنت أعلم به مني أي من ذنوبي وإسرافي في أموري وغير ذلك. قوله: أنت ~~المقدم وأنت المؤخر قال البيهقي: قدم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، ~~وأخر من شاء عن مراتبهم. # وقيل: قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، وأخر من أبعده عن غيره، ~~فلا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم. قوله: لا إله إلا أنت أي ليس لنا ~~معبود نتذلل له ونتضرع إليه في غفران ذنوبنا إلا أنت. (الحديث) يدل على ~~مشروعية الاستفتاح بما في هذا الحديث. قال النووي: إلا أن يكون إماما لقوم ~~لا يرون التطويل. وفيه استحباب الذكر في الركوع والسجود والاعتدال والدعاء ~~قبل السلام، وفيه الدعاء في الصلاة بغير القرآن والرد على المانعين من ذلك ~~وهم الحنفية والهادوية. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا استفتح الصلاة ~~قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك رواه أبو ~~داود والدارقطني مثله من رواية أنس. وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد. وأخرج ~~مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي ~~بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك وكذلك رواه الدارقطني عن عثمان بن عفان ~~وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود. وقال الأسود: كان عمر إذا افتتح الصلاة ~~قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ms0735 وتعالى جدك ولا إله غيرك، يسمعنا ذلك ~~ويعلمنا رواه الدارقطني. # أما حديث عائشة فأخرجه الترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم، قال ~~الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة يعني ابن أبي الرجال ~~المذكور في إسناد هذا الحديث قد تكلم فيه من قبل حفظه انتهى. وقال أبو داود ~~بعد إخراجه: ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه عن عبد السلام إلا ~~طلق بن غنام. وقال الدارقطني: ليس هذا الحديث بالقوي. وقال الحافظ محمد بن ~~عبد الواحد: ما علمت فيهم يعني رجال إسناد أبي داود مجروحا انتهى. وطلق بن ~~غنام أخرج عنه البخاري في الصحيح. وعبد السلام بن حرب PageV02P211 # أخرج له الشيخان ووثقه أبو حاتم، وقد صحح الحاكم هذا الحديث وأورد له ~~شاهدا، وقال الحافظ: رجال إسناده ثقات لكفيه انقطاع، قال: وفي الباب عن ابن ~~مسعود وعثمان وأبي سعيد وأنس والحكم بن عمرو وأبي أمامة وعمرو بن العاص ~~وجابر. وأما حارثة بن أبي الرجال الذي أخرج الحديث الترمذي من طريقه فضعفه ~~أحمد ويحيى والرازيان وابن عدي وابن حبان. وأما حديث أبي سعيد فسيأتي ~~الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا. # وأما أن عمر كان يجهر بهذه الكلمات فرواه مسلم عن عبدة بن أبي لبابة عنه ~~وهو موقوف على عمر، وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من عبد الله ~~بن عمر، ويقال: رأى عمر رؤية، وقد روى هذا الكلام عن عمر مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، قال الدارقطني: المحفوظ عن عمر موقوف. قال ~~الحاكم: وقد صح ذلك عن عمر، وهو في صحيح ابن خزيمة عنه. قال الحافظ: وفي ~~إسناده انقطاع، وهكذا رواه الترمذي عن عمر موقوفا، ورواه أيضا عن ابن ~~مسعود. قوله: سبحانك التسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله كما قال ابن سيد ~~الناس المر السريع في عبادة الله، وأصله مصدر مثل غفران. قوله: وبحمدك قال ~~الخطابي: # أخبرني ابن جلاد قال: سألت الزجاج عن قوله سبحانك اللهم وبحمدك، فقال: ~~معناه سبحانك وبحمدك سبحتك. قوله: ms0736 تبارك اسمك البركة ثبوت الخير الإلهي في ~~الشئ، وفيه إشارة إلى اختصاص أسمائه تعالى بالبركات. قوله: وتعالى جدك الجد ~~العظمة، وتعالى تفاعل من العلو، أي علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك. قال ~~ابن الأثير: معنى تعالى جدك علا جلالك وعظمتك. (والحديثان) وما ذكره المصنف ~~من الآثار تدل على مشروعية الاستفتاح بهذه الكلمات. قال المصنف رحمه الله: ~~واختيار هؤلاء يعني الصحابة الذين ذكرهم بهذا الاستفتاح وجهر به عمر أحيانا ~~بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاؤه، يدل على أنه الأفضل، ~~وأنه الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يداوم عليه غالبا، وإن استفتح ~~بما رواه علي أو أبو هريرة فحسن لصحة الرواية انتهى. # (لا يخفى) أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالايثار ~~والاختيار. وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة المتقدم ثم حديث علي. ~~وأما حديث عائشة فقد عرفت ما فيه من المقال، وكذلك حديث أبي سعيد ستعرف ~~المقال الذي فيه. قال الإمام أحمد: # أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي كان ~~حسنا. وقال ابن خزيمة: لا أعلم في الافتتاح بسبحانك اللهم خبرا ثابتا، ~~وأحسن أسانيده حديث أبي PageV02P212 # سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدا ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. # باب التعوذ بالقراءة قال الله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم) * (النحل: 98). وعن أبي سعيد الخدري: عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه: كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: أعوذ بالله ~~السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه رواه أحمد والترمذي. ~~وقال ابن المنذر: جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول قبل ~~القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال الأسود: رأيت عمر حين يفتتح ~~الصلاة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم ~~يتعوذ رواه الدارقطني. # حديث أبي سعيد أخرجه أيضا أبو داود والنسائي، ولفظ ms0737 الترمذي: كان إذا قام ~~إلى الصلاة كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا ~~إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر، ثم يقول: أعوذ بالله إلى آخر ما ~~ذكره المصنف. ولفظ أبي داود كلفظ الترمذي إلا أنه قال: ثم يقول لا إله إلا ~~الله ثلاثا، ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثلاثا أعوذ بالله إلى آخره. قال أبو ~~داود: وهذا الحديث يقولون هو عن علي بن علي يعني الرفاعي عن الحسن الوهم من ~~جعفر. وقال الترمذي: حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب، وقد أخذ قوم من ~~أهل العلم بهذا الحديث. وأما أكثر أهل العلم فقالوا: إنما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك هكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، والعمل ~~على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم. وقد تكلم في إسناد حديث ~~أبي سعيد: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: لا يصح هذا ~~الحديث، انتهى كلام الترمذي. وعلي بن علي هو ابن نجاد بن رفاعة الرفاعي ~~البصري، روى عنه وكيع ووثقه، وأبو نعيم وزيد بن الحباب وشيبان بن فروخ. ~~وقال الفضل بن دكين وعفان: كان علي بن علي الرفاعي يشبه بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وقال أحمد بن حنبل: هو صالح. وقال محمد بن عبد الله بن ~~عمار: زعموا أنه كان يصلي كل يوم ستمائة PageV02P213 # ركعة، وكان يشبه عيناه بعيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رجلا ~~عابدا، ما أرى أن يكون له عشرون حديثا، قيل له: أكان ثقة؟ قال: نعم. وقال ~~ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس لا يحتج بحديثه. وقال يعقوب بن ~~إسحاق: قدم علينا شعبة فقال: اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي ~~الرفاعي. قوله: من همزه ونفخه ونفثه قد ذكر ابن ماجة تفسير هذه الثلاثة عن ~~عمرو بن مرة ms0738 الجملي بفتح الجيم والميم فقال: نفثه الشعر، ونفخه الكبر، ~~وهمزه الموتة بسكون الواو بدون همز والمراد بها هنا الجنون، وكذا فسره بهذا ~~أبو داود في سننه. وإنما كان الشعر من نفثة الشيطان لأنه يدعو الشعراء ~~المداحين الهجائين المعظمين المحقرين إلى ذلك. وقيل: المراد شياطين الإنس ~~وهم الشعراء الذين يختلقون كلاما لا حقيقة له، والنفث في اللغة قذف الريق ~~وهو أقل من التفل. والنفخ في اللغة أيضا نفخ الريح في الشئ، وإنما فسر ~~بالكبر لان المتكبر يتعاظم لا سيما إذا مدح. والهمز في اللغة أيضا العصر، ~~يقال: همزت الشئ في كفي أي عصرته. وهمز الانسان اغتيابه. (والحديث) يدل على ~~مشروعية الافتتاح بما ذكر في الحديث، وفيه وفي سائر الأحاديث رد لما ذهب ~~إليه مالك من عدم استحباب الافتتاح بشئ، وفي تقييده ببعد التكبير كما تقدم ~~رد لما ذهب من قال: إن الافتتاح قبل التكبير، وفيه أيضا مشروعية التعوذ من ~~الشيطان من همزه ونفخه ونفثه، وإلى ذلك ذهب أحمد وأبو حنيفة والثوري وابن ~~راهويه وغيرهم، وقد ذهب الهادي والقاسم من أهل البيت إلى أن محله قبل ~~التوجه، ومذهبهما أن التوجه قبل التكبيرة كما تقدم، وقد عرفت التصريح بأنه ~~بعد التكبير، وهذا الحديث وإن كان فيه المقال المتقدم فقد ورد من طرق ~~متعددة يقوي بعضها بعضا. منها ما أخرجه ابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود ~~عن النبي (ص) بلفظ: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه ~~وأخرجه أيضا البيهقي. ومنها ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث ~~جبير بن مطعم: أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة فقال: الله ~~أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا، الحمد لله كثيرا الحمد لله ~~كثيرا الحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا، أعوذ بالله من ~~الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه ومنها ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة بنحو حديث ~~جبير. ومنها عن سمرة عند الترمذي. ومنها عن عمر موقوفا عند الدارقطني كما ~~ذكره المصنف، ms0739 وهو أيضا عند الترمذي، هذا مع ما يؤيد ثبوت هذه السنة من عموم ~~القرآن PageV02P214 # والحديث مصرح أن التعوذ المذكور يكون بعد الافتتاح بالدعاء المذكور في ~~الحديث. # (فائدة). قال الحافظ في التلخيص: كلام الرافعي يقتضي أنه لم يرد الجمع ~~بين وجهت وجهي وبين سبحانك اللهم وليس كذلك فقد جاء في حديث ابن عمر رواه ~~الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف، وفيه عن جابر ~~أخرجه البيهقي بسند جيد ولكنه من رواية ابن المنكدر عنه وقد اختلف عليه ~~فيه، وفيه عن علي رواه إسحاق بن راهويه في مسنده وأعله أبو حاتم انتهى. ~~(فائدة أخرى). الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في ~~الركعة الأولى، وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كل ركعة ~~واستدلوا بعموم قوله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) * (النحل: ~~98) ولا شك أن الآية تدل على مشروعية الاستعاذة قبل قراءة القرآن وهي أعم ~~من أن يكون القارئ خارج الصلاة أو داخلها. وأحاديث النهي عن الكلام في ~~الصلاة يدل على المنع منه حال الصلاة من غير فرق بين الاستعاذة وغيرها مما ~~لم يرد به دليل يخصه ولا وقع الاذن بجنسه، فالأحوط الاقتصار على ما وردت به ~~السنة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط، وسيأتي ما يدل على ذلك ~~في باب افتتاح الثانية بالقراءة. # باب ما جاء في بسم الله الرحمن الرحيم عن أنس بن مالك قال: صليت مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم ~~الله الرحمن الرحيم رواه أحمد ومسلم. # وفي لفظ: صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر ~~وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم رواه أحمد والنسائي ~~بإسناد على شرط الصحيح. ولأحمد ومسلم: صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا ~~يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها ms0740 ولعبد الله بن ~~أحمد في مسند أبيه عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: صليت خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يستفتحون القراءة ~~ببسم الله الرحمن الرحيم قال شعبة: فقلت لقتادة: أنت سمعته من أنس؟ قال: ~~نعم نحن سألناه عنه. وللنسائي عن منصور بن زاذان عن أنس PageV02P215 # قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسمعنا قراءة بسم ~~الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما. # الحديث قد استوفى المصنف رحمه الله أكثر ألفاظه. ورواية: فكانوا لا ~~يجهرون أخرجها أيضا ابن حبان والدارقطني والطحاوي والطبراني. وفي لفظ لابن ~~خزيمة: كانوا يسرون. وقوله: كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين هذا ~~متفق عليه، وإنما انفرد مسلم بزيادة: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم وقد ~~أعل هذا اللفظ بالاضطراب، لأن جماعة من أصحاب شعبة رووه عنه بهذا، وجماعة ~~رووه عنه بلفظ: فلم أسمع أحدا منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وأجاب ~~الحافظ عن ذلك بأنه قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين. وأخرجه ~~البخاري في جزء القراءة، والنسائي وابن ماجة عن أيوب وهؤلاء والترمذي من ~~طريق أبي عوانة والبخاري فيه، وأبو داود من طريق هشام الدستوائي والبخاري ~~فيه، وابن حبان من طريق حماد بن سلمة والبخاري فيه، والسراج من طريق همام ~~كلهم عن قتادة باللفظ الأول. # وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة بلفظ: لم يكونوا يذكرون بسم الله ~~الرحمن الرحيم. ورواه أبو يعلى والسراج وعبد الله بن أحمد عن أبي داود ~~الطيالسي عن شعبة بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة إلى آخر ما ذكره ~~المصنف. # وفي الباب عن عائشة عند مسلم، وعن أبي هريرة عند ابن ماجة وفي إسناده بشر ~~ابن رافع وقد ضعفه غير واحد، وله حديث آخر عند أبي داود والنسائي وابن ~~ماجة، وله حديث ثالث سيأتي ذكره. وعن عبد الله بن مغفل وسيأتي أيضا. وقد ~~استدل بالحديث من قال: إنه لا يجهر ببسم الله ms0741 الرحمن الرحيم، وهم ما حكاه ~~ابن سيد الناس في شرح الترمذي علماء الكوفة ومن شايعهم، قال: وممن رأى ~~الاسرار بها عمر وعلي وعمار. وقد اختلف عن بعضهم فروي عنه الجهر بها، وممن ~~لم يختلف عنه أنه كان يسر بها عبد الله ابن مسعود، وبه قال أبو جعفر محمد ~~بن علي بن حسين والحسن وابن سيرين، وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، وروي ~~عنهما الجهر بها، وروي عن علي أنه كان لا يجهر بها وعن سفيان وإليه ذهب ~~الحكم وحماد والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد وحكي عن النخعي، وروي عن ~~عمر، قال أبو عمر من وجوه ليست بالقائمة أنه قال: يخفي الامام PageV02P216 # أربعا: التعوذ وبسم الله الرحمن الرحيم وآمين وربنا لك الحمد. وروى علقمة ~~والأسود عن عبد الله بن مسعود قال: ثلاث يخفيهن الامام: الاستعاذة وبسم ~~الله الرحمن الرحيم وآمين. وروي نحو ذلك عن إبراهيم والثوري، وعن الأسود: ~~صليت خلف عمر سبعين صلاة فلم يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم. وروى ابن ~~أبي شيبة عن إبراهيم أنه قال: # الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة. وروى الترمذي والحازمي الاسرار عن ~~أكثر أهل العلم. وأما الجهر بها عند الجهر بالقراءة فروي عن جماعة من ~~السلف، قال ابن سيد الناس: # روي ذلك عن عمر وابن عر وابن الزبير وابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ~~ياسر، وعن عمر فيها ثلاث روايات: أنه لا يقرؤها، وأنه يقرؤها سرا، وأنه ~~يجهر بها. وكذلك اختلف عن أبي هريرة في جهره بها وإسراره. وروى الشافعي ~~بإسناده عن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالناس بالمدينة صلاة جهر فيها ~~بالقراءة فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر في الخفض والرفع، فلما ~~فرغ ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية نقصت الصلاة أين بسم الله الرحمن ~~الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت ورفعت؟ فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بسم ~~الله الرحمن الرحيم وكبر. وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: # صحيح على شرط مسلم. وذكره الخطيب عن أبي بكر ms0742 الصديق وعثمان وأبي بن كعب ~~وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وشداد بن أوس وعبد الله ~~بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية. قال الخطيب: وأما التابعون ومن بعدهم ممن ~~قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا، منهم سعيد بن ~~المسيب وطاوس وعطاء ومجاهد وأبو وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة وعلي ~~بن الحسين وابنه محمد بن علي وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر ~~وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وأبو ~~الشعثاء وعمر بن عبد العزيز ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهري وأبو قلابة ~~وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه والأزرق بن قيس وعبد الله بن معقل بن مقرن. ~~وممن بعد التابعين عبيد الله العمري والحسن بن زيد وزيد بن علي بن حسين ~~ومحمد بن عمر بن علي وابن أبي ذئب والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه. وزاد ~~البيهقي في التابعين: عبد الله بن صفوان ومحمد ابن الحنفية وسليمان التيمي. # ومن تابعيهم: المعتمر بن سليمان، وزاد أبو عمر عن أصبغ بن الفرج قال: كان ~~ابن وهب PageV02P217 # يقول بالجهر ثم رجع إلى الاسرار، وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور. ~~وذكر البيهقي في الخلافيات أنه اجتمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، حكاه عن أبي جعفر الهاشمي، ومثله في ~~الجامع الكافي وغيره من كتب العترة. وقد ذهب جماعة من أهل البيت إلى الجهر ~~بها في الصلاة السرية والجهرية. # وذكر الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من لا يجهر بالبسملة. وعن أبي ~~جعفر الهاشمي مثله، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه، ونقل عن مالك قراءتها في ~~النوافل في فاتحة الكتاب وسائر سور القرآن. وقال طاوس: تذكر فاتحة الكتاب ~~ولا تذكر في السورة بعدها. وحكي عن جماعة أنها لا تذكر سرا ولا جهرا، وأهل ~~هذه المقالة منهم القائلون إنها ليست من القرآن. وحكى ms0743 القاضي أبو الطيب ~~الطبري عن ابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والاسرار بها سواء، فهذه المذاهب ~~في الجهر بها والاسرار وإثبات قراءتها ونفيها. (وقد اختلفوا) هل هي آية من ~~الفاتحة فقط؟ أو من كل سورة؟ أو ليست بآية؟ فذهب ابن عباس وابن عمر وابن ~~الزبير وطاوس وعطاء ومكحول وابن المبارك وطائفة إلى أنها آية من الفاتحة ~~ومن كل سورة غير براءة، وحكي عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد وجماعة أهل الكوفة ~~ومكة وأكثر العراقيين، وحكاه الخطابي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير، ورواه ~~البيهقي في الخلافيات بإسناده عن علي بن أبي طالب والزهري وسفيان الثوري، ~~وحكاه في السنن الكبرى عن ابن عباس ومحمد بن كعب أنها آية من الفاتحة فقط، ~~وحكي عن الأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وداود وهو رواية عن أحمد أنها ليست آية ~~في الفاتحة ولا في أوائل السور. وقال أبو بكر الرازي وغيره من الحنفية: هي ~~آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة، وليست من السور بل هي قرآن مستقل ~~كسورة قصيرة، وحكي هذا عن داود وأصحابه وهو رواية عن أحمد. # واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف ~~العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد ~~فإنه يكفر بالاجماع. # ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة النمل، ولا خلاف في إثباتها خطأ في ~~أوائل السور في المصحف إلا في أول سورة التوبة. وأما التلاوة فلا خلاف بين ~~القراء السبعة في أول فاتحة الكتاب وفي أول كل سورة إذا ابتدأ بها القارئ ~~ما خلا سورة التوبة. وأما في أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتها ابن ~~كثير وقالون وعاصم والكسائي من PageV02P218 # القراء في أول كل سورة إلا أول سورة التوبة، وحذفها منهم أبو عمرو وحمزة ~~وورش وابن عامر. (وقد احتج القائلون) بالاسرار بها بحديث الباب وحديث ابن ~~مغفل الآتي وغيرهما مما ذكرنا. (واحتج القائلون) بالجهر بها في الصلاة ~~الجهرية بأحاديث: # منها حديث أنس وحديث أم سلمة ms0744 الآتيان وسيأتي الكلام عليهما. ومنها حديث ~~ابن عباس عند الترمذي والدارقطني بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده ~~بذاك، وفي إسناده إسماعيل بن حماد، قال البزار: إسماعيل لم يكن بالقوي. ~~وقال العقيلي: غير محفوظ، وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: ~~يكتب حديثه، وفي إسناده أبو خالد الوالبي اسمه هرمز وقيل هرم قال الحافظ: ~~مجهول. وقال أبو زرعة: لا أعرف من هو. وقال أبو حاتم: # صالح الحديث. وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، روى ذلك عنه الحافظ في ~~التلخيص. وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس رواها الحاكم بلفظ: كان يجهر في ~~الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم وصحح الحاكم هذا الطريق، وخطأه الحافظ في ~~ذلك لأن في إسنادها عبد الله بن عمرو بن حسان، وقد نسبه ابن المديني إلى ~~الوضع للحديث. # وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم عن شريك، ولم يذكر ابن ~~عباس في إسناده بل أرسله وهو الصواب من هذا الوجه قاله الحافظ. وقال أبو ~~عمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # ومنها ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم وفي إسناده عمر بن حفص ~~المكي وهو ضعيف. # وأخرجه أيضا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشيد بن خثيم عن عمه سعيد بن ~~خثيم وهما ضعيفان. ومنها ما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة بلفظ: قال ~~نعيم المجمر: # صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن. ~~وفيه: ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال ~~على شرط البخاري ومسلم، وقال البيهقي: # صحيح الاسناد وله شواهد، وقال أبو ms0745 بكر الخطيب فيه ثابت صحيح لا يتوجه ~~عليه تعليل. # ومنها عن أبي هريرة أيضا عند الدارقطني عن النبي (ص): كان إذا قرأ وهو ~~يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ~~PageV02P219 # ثقات انتهى. وفي إسناده عبد الله بن عبد الله الأصبحي روي عن ابن معين ~~توثيقه وتضعيفه، وقال المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا وقد تكلم فيه غير ~~واحد. ومنها عن أبي هريرة أيضا عند الدارقطني قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم ~~القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها قال ~~اليعمري: وجميع رواته ثقات، إلا أن نوح بن أبي بلال الراوي له عن سعيد بن ~~أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة تردد فيه فرفعه تارة ووقفه أخرى. وقال ~~الحافظ: هذا الاسناد رجاله ثقات، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه، ~~وأعله ابن القطان بتردد نوح المذكور، وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد ~~الحميد بن جعفر فإن فيه مقالا، ولكن متابعة نوح له مما تقويه. ومنها عن علي ~~بن أبي طالب وعمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر في ~~المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه الدارقطني وفي إسناده جابر الجعفي ~~وإبراهيم بن الحكم بن ظهير وغيرهما ممن لا يعول عليه. # ومنها عن علي أيضا بلفظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بسم ~~الله الرحمن الرحيم في صلاته أخرجه الدارقطني وقال: هذا إسناد علوي لا بأس ~~به، وله طريق أخرى عنده عنه بلفظ: أنه سئل عن السبع المثاني فقال: الحمد ~~لله رب العالمين، قيل: إنما هي ست، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم وإسناده ~~كلهم ثقات. وقال الحافظ في الحديث الأول الذي قال إنه لا بأس بإسناده أنه ~~بين ضعيف ومجهول. ومنها عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ~~قام إلى الصلاة فأراد أن يقرأ قال: بسم الله الرحمن ms0746 الرحيم رواه ابن عبد ~~البر قال: ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف. ومنها عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ قلت: أقرأ الحمد لله ~~رب العالمين، قال قل: بسم الله الرحمن الرحيم رواه الشيخ أبو الحسن وفي ~~إسناده الجهم بن عثمان قال أبو حاتم مجهول. ومنها عن سمرة قال: كان للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم سكتتان: سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ~~وسكتة إذا فرغ من القراءة، فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبي بن ~~كعب فكتب أن صدق سمرة أخرجه الدارقطني وإسناده جيد، غير أن الحديث أخرجه ~~الترمذي وأبو داود وغيرهما بلفظ: سكتة حين يفتتح وسكتة إذا فرغ من السورة ~~ومنها عن أنس قال: # كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ~~أخرجه الدارقطني أيضا، وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني والحاكم بمعناه. ~~ومنها عن أنس أيضا بلفظ: سمعت PageV02P220 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه ~~الحاكم قال: # ورواته كلهم ثقات. ومنها عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي وفي ~~إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد وقد تكلم فيه غير واحد. ومنها عن بريدة بن ~~الحصيب بنحو حديث عائشة وفيه جابر الجعفي وليس بشئ، وله طريق أخرى فيها ~~سلمة بن صالح وهو ذاهب الحديث. # ومنها عن الحكم بن عمر وغيره من طرق لا يعول عليها. ومنها عن ابن عمر ~~قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا ~~يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه الدارقطني، قال الحافظ: وفيه أبو ~~طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي، وقد كذبه أبو ~~حاتم وغيره ومن دونه أيضا ضعيف ومجهول، ورواه الخطيب عن ابن عمر من وجه آخر ~~وفيه مسلم ms0747 بن حبان وهو مجهول قال: والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع. ~~(فهذه الأحاديث) فيها القوي والضعيف كما عرفت، وقد عارضتها الأحاديث الدالة ~~على ترك البسملة التي قدمناها، وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك ~~الجهر لا ترك البسملة مطلقا لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه ~~بلفظ: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وكذلك حملت رواية حديث عبد ~~الله بن مغفل الآتية وغيرهما حملا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على ~~تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط، وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو ~~نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه. # قال الحافظ: لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسا يبعد جدا ~~أن يصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة عشر سنين، ويصحب أبا بكر وعمر ~~وعثمان خمسا وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون ~~أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم ~~بالافتتاح بالحمد لله جهرا فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الاخذ بحديث ~~من أثبت الجهر انتهى. ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما ~~أخرجه الدارقطني عن أبي سلمة قال: سألت أنس بن مالك أكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن ~~الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شئ ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك، فقلت: ~~أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في النعلين؟ قال: نعم. قال ~~PageV02P221 # الدارقطني: هذا إسناد صحيح، وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر، فقد ~~حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا، وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين ~~في ذلك الجامع، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والاخفات قال: وكان صيتا ~~يملأ صوته الجامع، فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم يجهر، وقال بعضهم يخفت، ~~ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر ms0748 منها ~~ما لا يدل على المطلوب، وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة، أو ذكر ~~القراءة لها، أو ذكر الامر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة، ~~لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب وهو الجهر بها في الصلاة. # وكذلك ما كان مقيدا بالجهر بها دون ذكر الصلاة لأنه لا نزاع في الجهر بها ~~خارج الصلاة. # (فإن قلت): أما ذكر أنها آية أو ذكر الامر بقراءتها في الصلاة بدون تقييد ~~بالجهر فعدم الاستلزام مسلم، وأما ذكر قراءته صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر، لأن الطريق إلى نقله إنما هي السماع ~~وما يسمع جهر وهو المطلوب. قلت: يمكن أن تكون الطريق إلى ذلك إخباره صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بها في الصلاة فلا ملازمة. والذي يدل على ~~المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة، وهي أحاديث لا ينتهض ~~الاحتجاج بها كما عرفت، ولهذا قال الدارقطني: إنه لم يصح في الجهر بها ~~حديث، ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك ~~مطلوب القائلين بالجهر، لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة ~~المتقدم، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، على أنه قد رواه ~~جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة كما قال الحافظ في الفتح. ~~وقد جمع القرطبي بما حاصله: إن المشركين كانوا يحضرون المسجد فإذا قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: إنه يذكر رحمن اليمامة يعنون مسيلمة، ~~فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزلت: * (ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها) * (الاسراء: 110) قال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا ~~على ذكر الرسم وإن زالت العلة، وقد روى هذا الحديث الطبراني في الكبير ~~والأوسط. وعن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يجهر ببسم الله ms0749 الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزؤون بمكاء وتصدية ويقولون: ~~محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن، فأنزل الله: * (ولا ~~تجهر بصلاتك) * فتسمع المشركين فيهزؤا بك * (ولا تخافت) * عن أصحابك فلا ~~تسمعهم. رواه ابن جبير PageV02P222 # عن ابن عباس، ذكره النيسابوري في التيسير، وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان ~~السبب في ترك الجهر. وقد قال في مجمع الزوائد: إن رجاله موثقون. وقد ذكر ~~ابن القيم في الهدى أن النبي (ص) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ~~ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم ~~وليلة خمس مرات أبدا حضرا وسفرا، ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور ~~أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى ~~التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح ~~وصريحها غير صحيح انتهى. # وحجج بقية الأقوال التي فيها التفصيل في الجهر والاسرار وجواز الامرين ~~مأخوذة من هذه الأدلة فلا نطول بذكرها. وأما أدلة المثبتين لقرآنية البسملة ~~والنافين لقرآنيتها فيأتي ذكر طرف منها في الباب الذي بعد هذا. وهذه ~~المسألة طويلة لذيل، وقد أفردها جماعة من أكابر العلماء بتصانيف مستقلة ومن ~~آخر ما وقع رسالة جمعتها في أيام الطلب مشتملة على نظم ونثر أجبت بها على ~~سؤال ورد، وأجاب عنه جماعة من علماء العصر، فلنقتصر في هذا الشرح على هذا ~~المقدار، وإن كان بالنسبة إلى ما في المسألة من التطويل نزرا يسيرا، ولكنه ~~لا يقصر عن إفادة المنصف ما هو الصواب في المسألة، وأكثر ما في المقام ~~الاختلاف في مستحب أو مسنون فليس شئ من الجهر، وتركه يقدح في الصلاة يبطلان ~~بالاجماع، فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف ~~فيها، ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد. # وعن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فقال: # يا بني إياك والحدث، قال: ولم أر من أصحاب رسول الله صلى ms0750 الله عليه وآله ~~وسلم رجلا كان أبغض إليه حدثا في الاسلام منه، فإني صليت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها ~~فلا تقلها، إذا أنت قرأت فقل: الحمد لله رب العالمين رواه الخمسة إلا أبا ~~داود. PageV02P223 # الحديث حسنه الترمذي وقد تفرد به الجريري، وقد قيل إنه اختلط بأخرة وقد ~~توبع عليه الجريري كما سيأتي، وهو أيضا من أفراد ابن عبد الله بن مغفل ~~وعليه مداره، وذكر أن اسمه يزيد وهو مجهول، لا يعرف روى عنه إلا أبو نعامة، ~~وقد رواه معمر عن الجريري، ورواه إسماعيل بن مسعود عن خالد بن عبد الله ~~الواسطي عن عثمان بن غياث عن أبي نعامة عن ابن عبد الله بن مغفل ولم يذكر ~~الجريري. وإسماعيل هو الجحدري قال أبو حاتم: صدوق وروى عنه النسائي فعثمان ~~بن غياث متابع للجريري، وقد وثق عثمان أحمد ويحيى وروى له البخاري ومسلم. ~~وقال ابن خزيمة: هذا الحديث غير صحيح. وقال الخطيب وغيره ضعيف، قال النووي: ~~ولا يرد على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي أنه حسن انتهى. وسبب تضعيف هذا ~~الحديث ما ذكرناه من جهالة ابن عبد الله بن مغفل والمجهول لا تقوم به حجة. ~~قال أبو الفتح اليعمري: والحديث عندي ليس معللا بغير الجهالة في ابن عبد ~~الله بن مغفل، وهي جهالة حالية لا عينية للعلم بوجوده، فقد كان لعبد الله ~~بن المغفل سبعة أولاد سمى هذا منهم يزيد، وما رمى بأكثر من أنه لم يرو عنه ~~إلا أبا نعامة، فحكمه حكم المستور، قال: وليس في رواة هذا الخبر من يتهم ~~بكذب فهو جار على رسم الحسن عنده. وأما تعليله بجهالة المذكور فما أراه ~~يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي ولا غيره. # وأما قول من قال غير صحيح فكل حسن كذلك. (والحديث) استدل به القائلون ~~بترك قراءة البسملة في الصلاة والقائلون بترك الجهر بها، وقد تقدم الكلام ~~على ذلك. # (قال المصنف) رحمه الله: ومعنى قوله لا تقلها. وقوله: ms0751 لا يقرؤونها أو لا ~~يذكرونها ولا يستفتحون بها أي جهرا بدليل قوله في رواية تقدمت: ولا يجهرون ~~بها، وذلك يدل على قراءتهم لها سرا انتهى. وقد قدمنا الكلام على ذلك في شرح ~~الحديث الذي قبل هذا. # وعن قتادة قال: سئل أنس كيف كان قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ ~~فقال: # كانت مدا ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ~~ويمد بالرحيم رواه البخاري. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بدون ذكر ~~البسملة، وهو يدل على مشروعية قراءة البسملة، وعلى أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يمد قراءته في البسملة وغيرها. (وقد استدل به القائلون) ~~باستحباب الجهر بقراءة البسملة في الصلاة، لأن كون قراءته كانت على الصفة ~~التي وصفها أنس تستلزم سماع PageV02P224 # أنس لها منه (ص) خارج الصلاة، فظاهره أنه أخبر عن مطلق قراءته صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولفظ كان مشعر بالاستمرار كما تقرر في الأصول، فيستفاد منه ~~عموم الأزمان، وكونه من لفظ الراوي لا يقدح في ذلك لأن الفرض أنه عدل عارف. # وروى ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أنها سئلت عن قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية بسم ~~الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين ~~رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي في القراءة ولم يذكر التسمية وقال غريب وليس ~~إسناده بمتصل، وقد أعل الطحاوي الخبر بالانقطاع فقال: لم يسمعه ابن أبي ~~مليكة من أم سلمة، واستدل على ذلك برواية الليث عن ابن أبي مليكة عن يعلى ~~بن مملك عن أم سلمة. قال الحافظ: وهذا الذي أعل به ليس بعلة. قد رواه ~~الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة، وصححه ورجحه على ~~الاسناد الذي فيه يعلى بن مملك انتهى. وقد عرفت أن الترمذي قال: إنه غريب ~~وليس بمتصل في باب القراءة، ورواه في باب فضائل ms0752 القرآن، وصححه هنالك بعد أن ~~رواه عن أبي مليكة عن يعلى بن مملك، فلعل التصحيح لأجل الاتصال كما يدل ~~عليه قوله في باب القراءة وليس إسناده بمتصل. وأخرجه الدارقطني عن ابن أبي ~~مليكة عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ: الحمد لله ~~رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ~~فقطعها آية آية وعدها عد الاعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد ~~عليهم. قال اليعمري: رواته موثقون، وكذا رواه من هذا الوجه ابن خزيمة ~~والحاكم وفي إسناده عمر بن هارون البلخي، قال الحافظ: هو ضعيف انتهى. ولكنه ~~قد وثق فقول اليعمري: رواته موثقون صحيح. (والحديث) يدل على أن البسملة ~~آية، وقد استدل به من قال باستحباب الجهر بالبسملة في الصلاة لما ذكرناه في ~~شرح الحديث الذي قبله، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك في أول الباب. # باب في البسملة هل هي من الفاتحة وأوائل السور أم لا عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى صلاة PageV02P225 # لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج يقولها ثلاثا، فقيل لأبي هريرة: إنا ~~نكون وراء الامام، فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ~~ولعبدي ما سأل؟ فإذا قال العبد: # الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، ~~قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال ~~مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال: # إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا ~~قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل رواه الجماعة إلا البخاري وابن ~~ماجة. # قوله: خداج بكسر الخاء المعجمة قال الخليل والأصمعي وأبو ms0753 حاتم السجستاني ~~والهروي وآخرون: الخداج النقصان، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل ~~أوان النتاج وإن كان تام الخلق، وأخدجت إذا ولدته ناقصا وإن كان لتمام ~~الولادة. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام، قالوا: ~~فقوله خداج أي ذات خداج. قوله: اقرأ بها في نفسك السائل لأبي هريرة هو أبو ~~السائب أي اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك. قوله: قسمت الصلاة قال النووي قال ~~العلماء: المراد بالصلاة الفاتحة، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، والمراد ~~قسمتها من جهة المعنى، لأن نصفها الأول تحميد لله وتمجيد وثناء عليه وتفويض ~~إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار. قوله: حمدني وأثنى علي ~~ومجدني الحمد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، والثناء ~~مشتمل على الامرين، ولهذا جاء جوابا للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على ~~الصفات الذاتية والفعلية، حكى ذلك النووي عن العلماء. # قوله: فوض إلي عبدي وجه مطابقة هذا لقوله مالك يوم الدين أن الله تعالى ~~هو المنفرد بالملك ذلك اليوم وبجزاء العباد وحسابهم. والدين الحساب وقيل ~~الجزاء، ولا دعوى لاحد ذلك اليوم حقيقة ولا مجازا، وأما في الدنيا فلبعض ~~العباد ملك مجازي، ويدعي بعضهم دعوى باطلة، وكل هذا ينقطع في ذلك اليوم. ~~قوله: فإذا قال إياك نعبد إلخ قال القرطبي: إنما قال الله تعالى هذا لأن في ~~ذلك تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ~~ما طلب منه. قوله: فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة إنما كان ~~هذا للعبد لأنه سؤال يعود نفعه إلى العبد، وفيه دليل على أن اهدنا وما بعده ~~إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان، وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة ~~من الفاتحة أم لا، وقد تقدم بسطه. (والحديث) PageV02P226 # يدل على أنها ليست من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات بالاجماع، فثلاث في ~~أولها ثناء أولها الحمد لله. وثلاث دعاء أولها اهدنا الصراط المستقيم، ~~والرابعة متوسطة وهي إياك نعبد وإياك نستعين، ولم تذكر البسملة في الحديث ~~ولو كانت ms0754 منها لذكرت. قال النووي. وهو من أوضح ما احتجوا به، قال: وأجاب ~~أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة: أحدها أن ~~التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ. والثاني أن ~~التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة. والثالث معناه فإذا ~~انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين فحينئذ تكون القسمة ~~انتهى. ولا يخفى أن هذه الأجوبة منها ما هو غير نافع ومنها ما هو متعسف. # (والحديث) أيضا يدل على وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وإليه ذهب ~~الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله. وأما ~~الاستدلال بهذا الحديث على ترك الجهر في الصلاة بالبسملة فليس بصحيح، قال ~~اليعمري: لأن جماعة ممن يرى الجهر بها لا يعتقدونها قرآنا، بل هي من السنن ~~عندهم كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الاسرار يعتقدونها قرآنا، ولهذا ~~قال النووي: إن مسألة الجهر ليست مرتبة على إثبات مسألة البسملة، وكذلك ~~احتجاج من احتج بأحاديث عدم قراءتها على أنها ليست بآية لما عرفت. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن سورة من ~~القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة والحاكم وابن حبان، وصححه وحسنه ~~الترمذي، وأعله البخاري في التاريخ الكبير بأن عباسا الجشمي لا يعرف سماعه ~~من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، وله شاهد من حديث ثابت عن أنس ~~رواه الطبراني في الكبير بإسناد صحيح. (والحديث) استدل به من قال: إن ~~البسملة ليست من القرآن، وقد تقدم ذكر أهل هذه المقالة في الباب الأول، ~~وإنما استدلوا به لأن سورة تبارك ثلاثون آية بالاجماع بدون التسمية، ولهذا ~~قال المصنف: ولا يختلف العادون أنها ثلاثون آية بدون التسمية انتهى. وأجيب ~~عن ذلك بأن المراد عدد ما هو خاصة السورة لأن البسملة كالشئ المشترك فيه، ~~وكذا الجواب عما ms0755 روي عن أبي هريرة أن سورة الكوثر ثلاث آيات. # وعن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم بين أظهرنا ~~في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا له: ما أضحكك يا رسول ~~الله؟ فقال: نزلت PageV02P227 # علي آنفا سورة فقرأ * (بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر فصل ~~لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر) * ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قال: وذكر ~~الحديث، رواه أحمد ومسلم والنسائي. # تمام الحديث: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ~~عليه خير كثير، وهو حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء ~~فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي؟ فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك ~~هذا الحديث من جملة أدلة من أثبت البسملة وقد تقدم ذكرهم. ومن أدلتهم على ~~إثباتها ما ثبت في المصاحف منها بغير تمييز، كما ميزوا أسماء السور وعدد ~~الآي بالحمرة أو غيرها مما يخالف صورة المكتوب قرآنا. (وأجاب عن ذلك ~~القائلون) بأنها ليست من القرآن، أنها ثبتت للفصل بين السور، وتخلص ~~القائلون بإثباتها عن هذا الجواب بوجوه: الأول أن هذا تغرير ولا يجوز ~~ارتكابه لمجرد الفصل. # الثاني: لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال ولما كتبت في أول ~~الفاتحة. الثالث: أن الفصل كان ممكنا بتراجم السور كما حصل بين براءة ~~والأنفال. ومن جملة حجج المثبتين ما تقدم من الأحاديث المصرحة بأنها آية من ~~الفاتحة، وأجاب من لم يثبتها بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولا تواتر لا ~~سيما مع ورود الأدلة الدالة على أنها ليست بقرآن، كحديثي أبي هريرة المتقدم ~~ذكرهما في هذا الباب، وحديث إتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # وقوله: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * (سورة العلق: 1) رواه البخاري ومسلم ~~وسائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول. وبإجماع أهل العدد على ترك عدها ~~آية من غير الفاتحة، وتخلص المثبتون عن قولهم لا يثبت القرآن إلا بالتواتر ~~بوجهين: الأول أن إثباتها في المصحف في معنى ms0756 التواتر، وقد صرح عضد الدين أن ~~الرسم دليل علمي. الثاني: أن التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآنا على سبيل ~~القطع، فأما ما ثبت قرآنا على سبيل الحكم فلا، والبسملة قرآن على سبيل ~~الحكم. (ومن جملة) ما أجيب به أن عدم تواترها ممنوع لأن بعض القراء السبعة ~~أثبتها، والقراءات السبع متواترة فيلزم تواترها، والاختلاف لا يستلزم عدم ~~التواتر، فكثيرا ما يقع لبعض الباحثين ولا يقع لمن لم يبحث كل البحث، ومحل ~~البحث الأصول، فمن رام الاستيفاء فليراجع مطولاته. # وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف فصل ~~السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم رواه أبو داود. PageV02P228 # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه على شرطهما. وقد رواه أبو داود في ~~المراسيل عن سعيد بن جبير وقال: المرسل أصح. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك ~~بعد أن ذكر الحديث عن ابن عباس: أما هذا فثابت. وقال الهيثمي: رواه البزار ~~بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. (والحديث) استدل به القائلون بأن ~~البسملة من القرآن وقد تقدم ذكرهم، وهو ينبني على تسليم أن مجرد تنزيل ~~البسملة يستلزم قرآنيتها. # باب وجوب قراءة الفاتحة عن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب رواه الجماعة. وفي لفظ: لا ~~تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح. # الحديث زاد فيه مسلم وأبو داود وابن حبان لفظ: فصاعدا لكن قال ابن حبان: # تفرد بها معمر عن الزهري، وأعلها البخاري في جزء القراءة، ورواية ~~الدارقطني صححها ابن القطان، ولها شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بهذا ~~اللفظ، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما. ولأحمد بلفظ: لا تقبل صلاة لا ~~يقرأ فيها بأم القرآن. وفي الباب عن أنس عند مسلم والترمذي. وعن أبي قتادة ~~عند أبي داود والنسائي. وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجة. وعن أبي سعيد ~~عند أحمد وأبي داود وابن ماجة. # وعن أبي الدرداء عند النسائي وابن ماجة. ms0757 وعن جابر عند ابن ماجة. وعن علي ~~عند البيهقي. # وعن عائشة وأبي هريرة وسيأتيان إن شاء الله تعالى. وعن عبادة وسيأتي في ~~الباب الذي بعد هذا. (والحديث) يدل على تعين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه ~~لا يجزئ غيرها، وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة ~~والتابعين فمن بعدهم وهو مذهب العترة، لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه ~~إلى الذات إن أمكن انتفاؤها، وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة ~~لا إلى الكمال، لأن الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب ~~المجازين واجب. وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح، ~~لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع ~~محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، ~~وإذا كان PageV02P229 # المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات، لأن المركب كما ينتفي بانتفاء ~~جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الاجزاء ~~ولا الكمال كما روي عن جماعة، لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم ~~إمكان انتفاء الذات، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه ~~النفي إلى ذاتها لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض، لكان المتعين ~~توجيه النفي إلى الصحة أو الاجزاء لا إلى الكمال، أما أولا فلماذا ذكرنا من ~~أن ذلك أقرب المجازين. وأما ثانيا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث ~~فإنها مصرحة بالاجزاء فيتعين تقديره. إذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج ~~به على أن الفاتحة من شروط الصلاة لا من واجباتها فقط، لأن عدمها قد استلزم ~~عدم الصلاة وهذا شأن الشرط. # وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن، ~~هكذا قال النووي، والصواب ما قال الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة ~~الفاتحة، لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة، ~~لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم ~~لا يثبت بما يزيد على ms0758 القرآن وقد قال تعالى: * (فاقرءوا ما تيسر منه) * ~~(المزمل: 20) فالفرض قراءة ما تيسر، وتعين الفاتحة إنما يثبت بالحديث، ~~فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزئ الصلاة بدونه، وهذا تعويل على رأي فاسد ~~حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة، فكم موطن من ~~المواطن يقول فيه الشارع: # لا يجزئ كذا، لا يقبل كذا، لا يصح كذا، ويقول المتمسكون بهذا الرأي: يجزئ ~~ويقبل ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي. (ومن جملة) ما أشادوا به ~~هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر وهو تخيير، فلو تعينت الفاتحة لكان ~~التعيين نسخا للتخيير، والقطعي لا ينسخ بالظني، فيجب توجيه النفي إلى ~~الكمال، وهذه الكلية ممنوعة، والسند ما تقدم من تحول أهل قبا إلى الكعبة ~~بخبر واحد، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل مدحهم كما ~~تقدم ذلك في باب الاستقبال، ولو سلمت لكان محل النزاع خارجا عنها، لان ~~المنسوخ إنما هو استمرار التخيير وهو ظني، وأيضا الآية نزلت في قيام الليل ~~فليست مما نحن فيه. وأما قولهم: إن الحمل على توجه النفي إلى الصحة إثبات ~~للغة بالترجيح، وأن الصحة عرف متجدد لأهل الشرع فلا يحمل خطاب الشارع عليه، ~~وأن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال فيكفي، لأن الواجب التقدير بحسب ~~الحاجة، فيرده تصريح الشارع بلفظ الاجزاء، وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ~~ممنوع، بل هو من إلحاق الفرد المجهول بالأعم PageV02P230 # الأغلب المعلوم. ومن جملة ما استظهروا به على توجه النفي إلى الكمال أن ~~الفاتحة لو كانت فرضا لوجب تعلمها واللازم باطل فالملزوم مثله، لما في حديث ~~المسئ صلاته بلفظ: فإن كان معك قرآن وإلا فاحمد الله وكبره وهلله عند ~~النسائي وأبي داود والترمذي وهذا ملتزم، فإن أحاديث فرضيتها تستلزم وجوب ~~تعلمها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب كما تقرر في الأصول. وما في حديث ~~المسئ لا يدل على بطلان اللازم لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن ~~تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن، كما في ms0759 حديث ابن أبي أوفى عند أبي ~~داود والنسائي وأحمد وابن الجارود وابن حبان والحاكم والدارقطني: أن رجلا ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من ~~القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال قل: سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف لأن الاستطاعة شرط في التكليف، فالعدول ~~ههنا إلى البدل عند تعذر المبدل غير قادح في فرضيته أو شرطيته. (ومن ~~أدلتهم) ما في حديث المسئ بلفظ: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن والجواب عنه ~~أنه قد ورد في حديث المسئ أيضا عند أحمد وأبي داود وابن حبان بلفظ: ثم اقرأ ~~بأم القرآن فقوله ما تيسر مجمل مبين أو مطلق مقيد أو مبهم مفسر بذلك، لأن ~~الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ المسلمين لها، وقد قيل: إن المراد بما تيسر ~~فيما زاد على الفاتحة جمعا بين الأدلة، لأن حديث الفاتحة زيادة وقعت غير ~~معارضة وهذا حسن. وقيل: إن ذلك منسوخ بحديث تعيين الفاتحة، وقد تعقب القول ~~بالاجمال والاطلاق والنسخ والظاهر الابهام والتفسير، وهذا الكلام إنما ~~يحتاج إليه على القول بأن حديث المسئ يصرف ما ورد في غيره من الأدلة ~~المقتضية للفرضية. وأما على القول بأنه يؤخذ بالزائد فالزائد فلا إشكال في ~~تحتم المصير إلى القول بالفرضية بل القول بالشرطية لما عرفت. ومن أدلتهم ~~أيضا حديث أبي سعيد بلفظ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها قال ابن سيد ~~الناس: لا يدري بهذا اللفظ من أين جاء، وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود ~~أنه قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر وإسناده صحيح ورواته ثقات، ~~ومن أدلتهم أيضا حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ لا صلاة إلا بقرآن ولو ~~بفاتحة الكتاب ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون وليس بثقة كما قال ~~النسائي. وقال أحمد: ليس بقوي في الحديث. وقال ابن عدي: يكتب حديثه في ms0760 ~~الضعفاء. وأيضا قد روى أبو داود هذا PageV02P231 # الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد كما سيأتي، ~~وليست الرواية الأولى بأولى من هذه، وأيضا أين تقع هذه الرواية على فرض ~~صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة ~~بدونها؟ (ومن أدلتهم) أيضا ما روى ابن ماجة عن ابن عباس أنه لما مرض النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس ومجئ رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إليهم وفيه: فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عباس وأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر. ويجاب عنه بأنه روي ~~بإسناد فيه قيس بن الربيع، قال البزار: لا نعلم روي هذا الكلام إلا من هذا ~~الوجه بهذا الاسناد، وقيس قال ابن سيد الناس: # هو ممن اعتراه من ضعف الرواية وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ~~ليلى وشريكا، وقد وثقه قوم وضعفه آخرون، على أنه لا مانع من قراءته صلى ~~الله عليه وآله وسلم للفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر ~~فيها، لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة لا في وجوبها في ~~كل ركعة، فسيأتي هذا خلاصة ما في هذه المسألة من المعارضات. (وقد استدل) ~~بهذا الحديث على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناء على أن الركعة تسمى ~~صلاة وفيه نظر، لأن قراءتها في ركعة واحدة تقتضي حصول مسمى القراءة في تلك ~~الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة، وإطلاق اسم الكل على ~~البعض مجاز لا يصار إليه إلا لموجب فليس في الحديث، إلا أن الواجب في ~~الصلاة التي هي اسم لجميع الركعات قراءة الفاتحة مرة واحدة، فإن دل دليل ~~خارجي على وجوبها في كل ركعة وجب المصير إليه، ms0761 وقد نسب القول بوجوب الفاتحة ~~في كل ركعة النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح إلى الجمهور. ورواه ابن ~~سيد الناس في شرح الترمذي عن علي وجابر، وعن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور ~~قال: وإليه ذهب أحمد وداود، وبه قال مالك إلا في الناسي، وإليه ذهب الامام ~~شرف الدين من أهل البيت. قال المهدي في البحر: أن الظاهر مع من ذهب إلى ~~إيجابها في كل ركعة، واستدلوا أيضا على ذلك بما وقع عند الجماعة، واللفظ ~~للبخاري من قوله (ص) للمسئ: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها بعد أن أمره ~~بالقراءة، وفي رواية لأحمد وابن حبان والبيهقي في قصة المسئ صلاته أنه قال ~~في آخره: ثم افعل ذلك في كل ركعة وقد نسب صاحب ضوء النهار هذه الرواية إلى ~~PageV02P232 # البخاري من حديث أبي قتادة وهو وهم، والذي في البخاري عن أبي قتادة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وهذا ~~الدليل إذا ضممته إلى ما أسلفنا لك من حمل قوله في حديث المسئ: ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن على الفاتحة لما تقدم، انتهض ذلك للاستدلال به على وجوب ~~الفاتحة في كل ركعة، وكان قرينة لحمل قوله في حديث المسئ: ثم كذلك في كل ~~صلاتك فافعل على المجاز وهو الركعة وكذلك حمل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ~~عليه. ويؤيد وجوب الفاتحة في كل ركعة حديث أبي سعيد عند ابن ماجة بلفظ: لا ~~صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها. قال الحافظ: # وإسناده ضعيف. وحديث أبي سعيد أيضا بلفظ: أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة رواه إسماعيل بن سعيد ~~الشاكنجي، قال ابن عبد الهادي في التفتيح: رواه إسماعيل هذا هو صاحب الإمام ~~أحمد من حديث عبادة وأبي سعيد بهذا اللفظ، وظاهر هذه الأدلة وجوب قراءة ~~الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم، وبين إسرار الامام ~~وجهره، ms0762 وسيأتي الكلام على ذلك. (ومن جملة المؤيدات) لوجوب الفاتحة في كل ~~ركعة ما أخرجه مالك في الموطأ والترمذي وصححه عن جابر أنه قال: من صلى ركعة ~~لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الامام. وذهب الحسن البصري ~~والهادي والمؤيد بالله وداود وإسحاق إلى أن الواجب في الصلاة قراءة الفاتحة ~~وقرآن معها مرة واحدة في أي ركعة أو مفرقة. وقال زيد بن علي والناصر: أن ~~الواجب القراءة في الأوليين، وكذا قال أبو حنيفة، لكن من غير تخصيص للفاتحة ~~كما سلف عنه. وأما الاخريان فلا تتعين القراءة فيهما عندهم، بل إن شاء قرأ ~~وإن شاء سبح، زاد أبو حنيفة: وإن شاء سكت. # (واحتج القائلون) بوجوب الفاتحة مرة واحدة بالأحاديث المذكورة في الباب، ~~فإن المعنى الحقيقي للصلاة هو جميعها لا بعضها. وقد عرفت الجواب عن ذلك، ~~واحتج من قال بوجوبها في الأوليين فقط بما روي عن علي عليه السلام أنه قرأ ~~في الأوليين وسبح في الآخريين، وقد اختلف القائلون بتعيين الفاتحة في كل ~~ركعة هل تصح صلاة من نسيها؟ # فذهبت الشافعية وأحمد بن حنبل إلى عدم الصحة، وروى ابن القاسم عن مالك ~~أنه إن نسيها في ركعة من صلى ركعتين فسدت صلاته، وإن نسيها في ركعة من صلى ~~ثلاثية أو رباعية فروي عنه أنه يعيدها ولا تجزئه، وروي عنه أنه يسجد سجدتي ~~السهو، وروي عنه أنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام ومقتضى ~~الشرطية التي نبهناك PageV02P233 # على صلاحية الأحاديث للدلالة على أن الناسي يعيد الصلاة كمن صلى بغير ~~وضوء ناسيا، واختلف هل تجب القراءة بزيادة على الفاتحة أو لا؟ وسيأتي ~~تحقيقه. # وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من صلى ~~صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج رواه أحمد وابن ماجة. وقد سبق مثله ~~من حديث أبي هريرة. # الحديث أخرجه ابن ماجة من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد ~~الله ابن الزبير عن أبيه عن عائشة. ومحمد بن إسحاق فيه ms0763 مقال مشهور، ولكنه ~~يشهد لصحته حديث أبي هريرة المتقدم الذي أشار إليه المصنف عند الجماعة إلا ~~البخاري بلفظ: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج وتقدم ~~هنالك أيضا ضبط الخداج وتفسيره، ويشهد له أيضا ما أخرجه البيهقي عن علي ~~عليه السلام مرفوعا بلفظ: كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. ~~(والحديث) احتج به الجمهور القائلون بوجوب قراءة الفاتحة، وأجاب القائلون ~~بعدم الوجوب عنه بأن الخداج معناه النقص وهو لا يستلزم البطلان، ورد بأن ~~الأصل أن الصلاة الناقصة لا تسمى صلاة حقيقة، وقد تقدم الكلام على بقية ~~الأدلة في المسألة. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يخرج فينادي: لا ~~صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أبو داود من طريق جعفر بن ميمون. وقد تقدم أن النسائي قال: ~~ليس بثقة، وأحمد قال: ليس بقوي، وابن عدي قال: يكتب حديثه في الضعفاء. # ولكنه يشهد لصحته ما عند مسلم وأبي داود وابن حبان من حديث عبادة بن ~~الصامت بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا وإن كان قد أعلها ~~البخاري في جزء القراءة كما تقدم. ويشهد له أيضا حديث أبي سعيد عند أبي ~~داود بلفظ: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر قال ابن سيد الناس: ~~وإسناده صحيح ورجاله ثقات. وقال الحافظ: إسناده صحيح، ويشهد له أيضا حديث ~~أبي سعيد عند ابن ماجة بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة ~~وقد تقدم تضعيف الحافظ له. وهذه الأحاديث لا تقصر عن الدلالة على وجوب قرآن ~~مع الفاتحة، ولا خلاف في استحباب قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة الصبح ~~والجمعة والأوليين من كل الصلوات. قال النووي: إن ذلك سنة عند جميع ~~PageV02P234 # العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة. قال النووي: ~~وهو شاذ مردود. وأما السورة في الركعة الثالثة والرابعة فكره ذلك مالك، ~~واستحبه الشافعي في قوله الجديد دون القديم. ms0764 وقد ذهب إلى إيجاب قرآن مع ~~الفاتحة عمر وابنه عبد الله وعثمان بن أبي العاص والهادي والقاسم والمؤيد ~~بالله كذا في البحر. وقدره الهادي بثلاث آيات، قال القاسم والمؤيد بالله أو ~~آية طويلة، والظاهر ما ذهبوا إليه من إيجاب شئ من القرآن، وأما التقدير ~~بثلاث آيات فلا دليل عليه إلا توهم أنه لا يسمى ما دون ذلك قرآنا لعدم ~~إعجازه كما قال المهدي في البحر وهو فاسد، لصدق القرآن على القليل والكثير ~~لأنه جنس، وأيضا المراد ما يسمى قرآنا لا ما يسمى معجزا ولا تلازم بينهما، ~~وكذلك التقدير بالآية الطويلة. نعم لو كان حديث أبي سعيد المصرح فيه بذكر ~~السورة صحيحا لكان مفسرا للمبهم في الأحاديث من قوله: فما زاد. وقوله: ~~فصاعدا. وقوله: وما تيسر ولكان دالا على وجوب الفاتحة وسورة في كل ركعة ~~ولكنه ضعيف كما عرفت. وقد عورضت هذه الأحاديث بما في البخاري ومسلم وغيرهما ~~عن أبي هريرة أنه قال في كل صلاة يقرأ: فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن ~~أجزأت، وإن زدت فهو خير، ولكن الظاهر من السياق أن قوله: وإن لم تزد الخ ~~ليس مرفوعا ولا مما له حكم الرفع فلا حجة فيه. وقد أخرج أبو عوانة هذا ~~الحديث كرواية الشيخين، إلا أنه زاد في آخره وسمعته يقول: لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب قال الحافظ في الفتح: # وظاهر سياقه أن ضمير سمعته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مرفوعا ~~بخلاف رواية الجماعة ثم قال نعم. قوله: ما أسمعنا وما أخفى عنا يشعر بأن ~~جميع ما ذكره متلقى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون للجميع حكم ~~الرفع اه. وهذا الاشعار في غاية الخفاء باعتبار جميع الحديث، فإن صح جمع ~~بينه وبين الأحاديث المصرحة بزيادة ما تيسر من القرآن بحملها على ~~الاستحباب. وقد قيل: إن المراد بقوله فصاعدا دفع توهم حصر الحكم على ~~الفاتحة، كذا قال الحافظ، وهو معنى ما ms0765 قال البخاري في جزء القراءة أن قوله ~~فصاعدا نظير قوله: تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا قال الحافظ في الفتح: ~~وادعى ابن حبان والقرطبي وغيرهما الاجماع على عدم وجوب قدر زائد على ~~الفاتحة وفيه نظر، لثبوته عن بعض الصحابة وغيرهم اه. PageV02P235 # باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا كبر ~~فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا رواه الخمسة إلا الترمذي. # وقال مسلم: هو صحيح. # زيادة قوله: وإذا قرأ فأنصتوا قال أبو داود: ليست بمحفوظة، والوهم عندنا ~~من أبي خالد. قال المنذري: وفيما قاله نظر، فإن أبا خالد هذا هو سليمان بن ~~حبان الأحمر، وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحيهما، ~~ومع هذا فلم يتفرد بهذه الزيادة، بل قد تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد ~~الأنصاري الأشهلي المدني نزيل بغداد. وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة، وثقه ~~يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المخرمي وأبو عبد الرحمن النسائي، وقد أخرج ~~هذه الزيادة النسائي في سننه من حديث أبي خالد الأحمر، ومن حديث محمد بن ~~سعد، وقد أخرج مسلم في الصحيح هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من ~~حديث جرير بن عبد الحميد عن سليمان التيمي عن قتادة، وقال الدارقطني: هذه ~~اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفاظ فلم يذكروها، ~~قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه، قال المنذري: ولم يؤثر عند مسلم، ~~تفرد سليمان بذلك لثقته وحفظه وصحح هذه الزيادة يعني مسلما، قال أبو إسحاق ~~صاحب مسلم. قال أبو بكر ابن أخت أبي النصر في هذا الحديث لمسلم أي طعن فيه، ~~فقال مسلم: يزيد أحفظ من سليمان، فقال أبو بكر: فحديث أبي هريرة هو صحيح ~~يعني فإذا قرأ فانصتوا فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لم تضعه ههنا؟ فقال: ~~ليس كل شئ عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه، فقد ms0766 صحح ~~مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة. قوله: إنما ~~جعل الامام ليؤتم به معناه أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه، فلا ~~يجوز له المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه، كصلاة ~~القائم خلف القاعد ونحوها، وقد ورد النهي عن الاختلاف بخصوصه بقوله: لا ~~تختلفوا قوله: فكبروا جزم ابن بطال وابن دقيق العيد بأن الفاء للتعقيب، ~~ومقتضاه الامر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الامام، فلو سبقه بتكبيرة ~~الاحرام له لم تنعقد صلاته، وتعقب القول بالتعقيب بأن فاءه هي العاطفة، ~~وأما التي هنا فهي للربط PageV02P236 # فقط لأنها وقعت جوابا للشرط، فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن ~~الامام إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء. وقد قال قوم: إن الجزاء يكون ~~مع الشرط فينبغي على هذا المقارنة. قوله: وإذا قرأ فأنصتوا احتج بذلك ~~القائلون أن المؤتم لا يقرأ خلف الامام في الصلاة الجهرية، وهم زيد بن علي ~~والهادي والقاسم وأحمد بن عيسى وعبيد الله بن الحسن العنبري وإسحاق بن ~~راهويه وأحمد ومالك والحنفية، لكن الحنفية قالوا: لا يقرأ خلف الامام لا في ~~سرية ولا جهرية، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن شداد الآتي وهو ضعيف ~~لا يصلح للاحتجاج به كما ستعرف ذلك. (واستدل القائلون) أن المؤتم لا يقرأ ~~خلف الامام في الجهرية بقوله تعالى: * (فاستمعوا له وأنصتوا) * (الأعراف: ~~204) وبحديث أبي هريرة الآتي ذهب الشافعي وأصحابه إلى وجوب قراءة الفاتحة ~~على المؤتم من غير فرق بين الجهرية والسرية، سواء سمع المؤتم قراءة الإمام ~~أم لا، وإليه ذهب الناصر من أهل البيت واستدلوا على ذلك بحديث عبادة بن ~~الصامت الآتي، وأجابوا عن أدلة أهل القول الأول بأنها عمومات، وحديث عبادة ~~خاص، وبناء العام على الخاص واجب كما تقرر في الأصول وهذا لا محيص عنه. ~~ويؤيده الأحاديث المتقدمة القاضية بوجوب فاتحة الكتاب في كل ركعة من غير ~~فرق بين الإمام والمأموم، لأن البراءة عن عهدتها إنما تحصل بناقل صحيح، لا ~~بمثل هذه العمومات التي ms0767 اقترنت بما يجب تقديمه عليها، وقد أجاب المهدي في ~~البحر عن حديث عبادة بأنه معارض بحديث ما لي أنازع القرآن وهي من معارضة ~~العام بالخاص وهو لا يعارضه، أما على قول من قال من أهل الأصول أنه يبنى ~~العام على الخاص مطلقا وهو الحق فظاهر، وأما على قول من قال: إن العام ~~المتأخر عن الخاص ناسخ له، وإنما يخصص المقارن والمتأخر بمدة لا تتسع للعمل ~~فكذلك أيضا، لأن عبادة روى العام والخاص في حديثه الآتي فهو من التخصيص ~~بالمقارن، فلا تعارض في المقام على جميع الأقوال. (ومن جملة) ما استدل به ~~القائلون بوجوب السكوت خلف الامام في الجهرية ما تقدم من قول جابر: من صلى ~~ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الامام وهو مع كونه غير ~~مرفوع مفهوم لا يعارض بمثله منطوق حديث عبادة. (وقد اختلفت) الشافعية في ~~قراءة الفاتحة هل تكون عند سكتات الامام أو عند قراءته؟ وظاهر الأحاديث ~~الآتية أنها تقرأ عند قراءة الإمام، وفعلها حال سكوت الامام إن أمكن أحوط ~~لأنه يجوز عند أهل القول الأول، فيكون فاعل ذلك آخذا بالاجماع، وأما اعتياد ~~PageV02P237 # قراءتها حال قراءة الإمام للفاتحة فقط، أو حال قراءته للسورة فقط فليس ~~عليه دليل، بل الكل جائز وسنة، نعم حال قراءة الإمام للفاتحة مناسب من جهة ~~عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلها الذي هو بعد التوجه، أو تكريرها ~~عند إرادة قراءة الفاتحة إن فعلها في محلها أولا، وأخر الفاتحة إلى حال ~~قراءة الإمام للسورة، ومن جهة الاكتفاء بالتأمين مرة واحدة عند فراغه، ~~وفراغ الامام من قراءة الفاتحة إن وقع الاتفاق في التمام، بخلاف من أخر ~~قراءة الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة، وقد بالغ بعض الشافعية، فصرح ~~بأنه إذا اتفقت قراءة الإمام والمأموم في آية خاصة من آي الفاتحة بطلت ~~صلاته، روى ذلك صاحب البيان من الشافعية عن بعض أهل الوجوه منهم وهو من ~~الفساد بمكان يغني عن رده. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ms0768 وسلم انصرف من صلاة جهر ~~فيها بالقراءة فقل: هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، ~~قال: فإني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن. # الحديث أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وابن ماجة وابن حبان. # وقوله: فانتهى الناس عن القراءة مدرج في الخبر كما بينه الخطيب، واتفق ~~عليه البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي ~~وغيرهم، قال النووي: وهذا مما لا خلاف فيه بينهم. قوله: ما لي أنازع بضم ~~الهمزة للمتكلم وفتح الزاي مضارع، ومفعوله الأول مضمر فيه، والقرآن مفعوله ~~الثاني، قاله شارح المصابيح، واقتصر عليه ابن رسلان في شرح السنن. ~~والمنازعة المجاذبة، قال صاحب النهاية: أنازع أي أجاذب، كأنهم جهروا ~~بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة، وأصل النزع الجذب ومنه نزع ~~الميت بروحه. (والحديث) استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الامام ~~في الجهرية وهو خارج عن محل النزاع، لأن الكلام في قراءة المؤتم خلف الامام ~~سرا، والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره، وأيضا لو سلم دخول ~~ذلك في المنازعة لكان هذا الاستفهام الذي للانكار عاما لجميع القرآن أو ~~مطلقا في جميعه، وحديث PageV02P238 # عبادة خاصا ومقيدا، وقد تقدم البحث عن ذلك. # وعن عبادة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح فثقلت عليه ~~القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قال قلنا يا رسول ~~الله إي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بها رواه أبو داود والترمذي. وفي لفظ: # فلا تقرؤوا بشئ من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن رواه أبو داود ~~والنسائي والدارقطني وقال: كلهم ثقات. وعن عبادة أن النبي ms0769 صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا ~~بأم القرآن رواه الدارقطني وقال: رجاله كلهم ثقات. # الحديث أخرجه أيضا أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه، وابن حبان ~~والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن ~~عبادة وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول. ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق ~~خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي (ص) ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ ~~قالوا: إنا لنفعل، قال: لا إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب قال الحافظ ~~إسناده حسن، ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس وزعم أن ~~الطريقتين محفوظتان، وخالفه البيهقي فقال: إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست ~~بمحفوظة، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة تدليسه وتابعه من ~~تقدم. # قوله: فثقلت عليه القراءة أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن ~~يراد به أنها التبست عليه القراءة، بدليل ما عند أبي داود من حديث عبادة في ~~رواية له بلفظ: فالتبست عليه القراءة. قوله: لا تفعلوا هذا النهي محمول على ~~الصلاة الجهرية كما في الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف بلفظ: إذا جهرت به ~~وبلفظ: إذا جهرت بالقراءة وفي رواية لمالك والنسائي وأبي داود والترمذي ~~وحسنها عن أبي هريرة بلفظ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيما جهر فيه حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كما تقدم في الحديث الذي قبل هذا. وفي لفظ للدارقطني: إذا أسررت ~~بقراءتي فاقرؤوا، وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأ معي أحد. قوله: فإنه لا صلاة ~~قد تقدم الكلام على ما يقدر في هذا النفي. (والحديث) استدل به من قال بوجوب ~~قراءة الفاتحة خلف الامام وهو الحق، وقد تقدم بيان ذلك، وظاهر الحديث الاذن ~~بقراءة الفاتحة جهرا لأنه استثنى ms0770 من النهي عن الجهر خلفه، ولكنه أخرج ابن ~~حبان من حديث أنس قال: قال PageV02P239 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتقرأون في صلاتكم خلف الامام والإمام ~~يقرأ فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه وأخرجه أيضا الطبراني ~~في الأوسط والبيهقي، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلا، وظاهر التقييد ~~بقوله من القرآن يدل على أنه لا بأس بالاستفتاح حال قراءة الإمام بما ليس ~~بقرآن والتعوذ والدعاء. وقد ذهب ابن حزم إلى أن المؤتم لا يأتي بالتوجه ~~وراء الامام، قال: لأن فيه شيئا من القرآن، وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يقرأ خلف الامام إلا أم القرآن وهو فاسد، لأنه إن أراد ~~بقوله لأن فيه شيئا من القرآن كل توجه فقد عرفت مما سلف أن أكثرها مما لا ~~قرآن فيه، وإن أراد خصوص توجه علي رضي الله عنه الذي فيه: وجهت وجهي إلى ~~آخره فليس محل النزاع هذا التوجه الخاص، ولكنه ينبغي لمن صلى خلف إمام ~~يتوجه قبل التكبيرة كالهادوية، أو دخل في الصلاة حال قراءة الإمام أن يأتي ~~بأخصر التوجهات ليتفرغ لسماع قراءة الإمام. ويمكن أن يقال: لا يتوجه بشئ من ~~التوجهات من صلى خلف إمام لا يتوجه بعد التكبيرة، لأن عمومات القرآن والسنة ~~قد دلت على وجوب الانصات والاستماع، والمتوجه حال قراءة الإمام للقرآن غير ~~منصت ولا مستمع، وإن لم يكن تاليا للقرآن إلا عند من يجوز تخصيص مثل هذا ~~العموم بمثل ذلك المفهوم، أعني مفهوم قوله من القرآن هذا هو التحقيق في ~~المقام. (فائدة) قد عرفت مما سلف وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ~~ركعة، وعرفناك أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها، على أن قراءة الفاتحة من ~~شروط صحة الصلاة، فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات أو وركعة من الركعات ~~بدون فاتحة الكتاب فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة. ومن ههنا ~~يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الامام راكعا دخل معه واعتد ~~بتلك ms0771 الركعة وإن لم يدرك شيئا من القراءة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي ~~هريرة: من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ~~ركعة أخرى رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ وهو متروك. وأخرجه ~~الدارقطني بلفظ: # إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع ~~إليها أخرى ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني، ومن طريق صالح بن ~~أبي الأخضر، وسليمان متروك، وصالح ضعيف، على أن التقييد بالجمعة في كلا ~~الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية ~~الأخرى يدل على خلاف المدعي، PageV02P240 # لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار ~~إليه إلا لقرينة، كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ: فوجدت قيامه ~~فركعته فاعتداله فسجدته فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال ~~والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع. وقد ورد حديث: من أدرك ركعة ~~من صلاة الجمعة بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في ~~العلل عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث إنما المتن: من أدرك من الصلاة ركعة فقد ~~أدركها وكذا قال الدارقطني والعقيلي. وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا ~~بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الامام صلبه وليس في ~~ذلك دليل لمطلوبهم لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها وأركانها حقيقة ~~شرعية وعرفية وهما مقدمتان على اللغوية كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل ~~حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. (فإن قلت) : فأي ~~فائدة عن هذا في التقليد بقوله: قبل أن يقيم صلبه قلت: دفع توهم أن من دخل ~~مع الامام ثم قرأ الفاتحة وركع الامام قبل فراغه منها غير مدرك. إذا تقرر ~~لك هذا علمت أن الواجب الحمل على الادراك الكامل للركعة الحقيقية، لعدم ~~وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية وأدلة وجوب ~~الفاتحة. وقد ذهب إلى هذا بعض أهل ms0772 الظاهر وابن خزيمة وأبو بكر الضبعي، روى ~~ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي وذكر فيه حاكيا عمن روي عن ابن خزيمة أنه ~~احتج لذلك بمروي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أدرك ~~الامام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة وقد رواه البخاري في القراءة خلف ~~الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال: إن أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك ~~الركعة قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفا، وأما المرفوع فلا ~~أصل له. وقال الرافعي تبعا للامام: إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة ~~أنه احتج به، وقد حكى هذا المذهب البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ~~ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحكاه في الفتح عن جماعة من الشافعية، ~~وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي. ~~قال: وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقها وحديثا فلم أحصل منها ~~على غير ما ذكرت، يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط. قال العراقي في ~~شرح الترمذي بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتد بالركعة ~~من لا يدرك الفاتحة ما لفظه وهو الذي يختاره اه. فالعجب PageV02P241 # ممن يدعي الاجماع والمخالف مثل هؤلاء. وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي ~~بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: زادك الله حرصا ولا تعد ولم يؤمر بإعادة الركعة، فليس فيها ما يدل ~~على ما ذهبوا إليه، لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد ~~بها. والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها، لأن الكون مع الامام مأمور ~~به، سواء كان الشئ الذي يدركه المؤتم معتدا به أم لا، كما في حديثه: إذا ~~جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا أخرجه أبو داود وغيره، ~~على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ~~ذلك. والاحتجاج بشئ قد نهى ms0773 عنه لا يصح، وقد أجاب ابن حزم في المحلى عن حديث ~~أبي بكرة فقال: إنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة، ثم ~~استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام ~~والقراءة بحديث: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. ثم جزم بأنه لا فرق بين ~~فوت الركعة والركن والذكر المفروض، لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به، ~~قال: # فهو مأمور بقضاء ما سبقه الامام وإتمامه، فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك بغير ~~نص آخر ولا سبيل إلى وجوده، قال: وقد أقدم بعضهم على دعوى الاجماع على ذلك ~~وهو كاذب في ذلك، لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ ~~أم القرآن، وروى القضاء أيضا عن زيد بن وهب ثم قال: فإن قيل إنه يكبر قائما ~~ثم يركع فقد صار مدركا للوقفة، قلنا: وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى ~~قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الامام عليها، وأيضا ~~لا يجزي قضاء شئ يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الامام لا قبل ذلك. وقال ~~أيضا في الجواب عن استدلالهم بحديث: # من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة أنه حجة عليهم لأنه مع ذلك لا ~~يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة انتهى. (والحاصل) أن أنهض ما احتج به ~~الجمهور في المقام حديث أبي هريرة باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة لقوله فيه: ~~قبل أن يقيم صلبه كما تقدم. وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم، ~~وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني كما ~~عرفت، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحا ويذهب إلى خلافه. (ومن ~~الأدلة) على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة وأبي هريرة ~~المتفق عليهما بلفظ: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا قال الحافظ في ~~الفتح: # قد استدل بهما على أن من أدرك الامام راكعا لم ms0774 يحتسب له تلك الركعة للامر ~~بإتمام PageV02P242 # ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه، ثم قال: وحجة الجمهور حديث أبي ~~بكرة وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم به وقد ألف السيد العلامة محمد بن ~~إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة ورجح مذهب الجمهور وقد كتبت أبحاثا في ~~الجواب عليها. # وروى عبد الله بن شداد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان له ~~إمام فقراءة الامام له قراءة رواه الدارقطني. وقد روي مسندا من طرق كلها ~~ضعاف والصحيح أنه مرسل. # الحديث، قال الدارقطني: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة ~~والحسن بن عمارة وهما ضعيفان، قال: وروي هذا الحديث سفيان الثوري، وشعبة، ~~وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وحريث ~~بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا، عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصواب انتهى. قال الحافظ: وهو مشهور من ~~حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة. وقال في الفتح: إنه ~~ضعيف عند جميع الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني. وقد احتج به ~~القائلون بأن الامام يتحمل القراءة عن المؤتم في الجهرية الفاتحة وغيرها، ~~والجواب أنه عام، لأن القراءة مصدر مضاف وهو من صيغ العموم، وحديث عبادة ~~المتقدم خاص فلا معارضة، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر فجعل رجل ~~يقرأ خلفه: * (سبح اسم ربك الأعلى) *، فلما انصرف قال: أيكم قرأ أو أيكم ~~القارئ؟ # فقال الرجل: أنا، فقال: لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها متفق عليه. # قوله: خالجنيها أي نازعنيها. ومعنى هذا الكلام الانكار عليه في جهره أو ~~رفع صوته بحيث أسمع غيره لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرؤون ~~بالسورة في الصلاة للسرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للامام ~~والمأموم. قال النووي: وهكذا الحكم عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف، أنه لا يقرأ ~~المأموم السورة في السرية كما ms0775 لا يقرؤها في الجهرية وهذا غلط، لأنه في ~~الجهرية يؤمر بالانصات وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير استماع ولو ~~كان بعيدا عن الامام لا يسمع قراءته، فالصحيح أنه يقرأ السورة لما ذكرناه ~~انتهى. # وظاهر الأحاديث المنع من قراءة ما عدا الفاتحة من القرآن من غير فرق بين ~~أن يسمع المؤتم الامام أو لا يسمعه، لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: فلا ~~تقرؤوا بشئ من القرآن إذا PageV02P243 # جهرت يدل على النهي عن القراءة عند مجرد وقوع الجهر من الامام، وليس فيه ~~ولا في غيره ما يشعر باعتبار السماع. # باب التأمين والجهر به مع القراءة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إذا أمن الامام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين ~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. وقال ابن شهاب: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول آمين رواه الجماعة إلا أن ~~الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب. وفي رواية: إذا قال الامام غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين فقولوا آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الامام يقول ~~آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أحمد ~~والنسائي. # وفي الباب عن علي عند ابن ماجة، وعن بلال عند أبي داود، وعن أبي موسى عند ~~أبي عوانة، وعن عائشة عند أحمد والطبراني وابن ماجة، وعن ابن عباس عند ابن ~~ماجة أيضا وفي إسناده طلحة بن عمرو، وقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، ~~وعن سلمان عند الطبراني في الكبير وفيه سعيد بن بشير، وعن ابن أم الحصين ~~عند الطبراني في الكبير وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وعن أبي ~~هريرة حديث آخر سيأتي، وحديث ثالث عند النسائي، وعن وائل ثلاثة أحاديث ~~سيأتي ذكرها في المتن والشرح، وذكر الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير رحمه ~~الله أن في الباب أيضا عن أم سلمة وسمرة انتهى، وعن ابن شهاب مرسل كما في ~~حديث الباب، وفي الباب أيضا عن علي ms0776 حديث آخر عند أحمد بن عيسى في الأمالي، ~~وعنه موقوف عليه من طريق أبي خالد الواسطي في مجموع زيد بن علي، وعنه أيضا ~~موقوف عليه آخر من فعله عند ابن أبي حاتم وقال: هذا عندي خطأ، وعن ابن ~~الزبير من فعله عند الشافعي، فهذه سبعة عشر حديثا وثلاثة آثار. قوله: إذا ~~أمن الامام فيه مشروعية التأمين للامام، وقد تعقب بأن القضية شرطية فلا تدل ~~على المشروعية، ورد بأن إذا تشعر بتحقق الوقوع كما صرح بذلك أئمة المعاني. ~~وقد ذهب مالك إلى أن الامام لا يؤمن في الجهرية وفي رواية عنه مطلقا. وكذا ~~روي عن أبي حنيفة والكوفيين وأحاديث الباب ترده، وسيأتي منها ما هو أصرح من ~~حديث أبي هريرة في مشروعيته للامام، وظاهر PageV02P244 # الرواية الأولى من الحديث أن المؤتم يوقع التأمين عند تأمين الامام، ~~وظاهر الرواية الثانية منه أنه يوقعه عند قول الإمام غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين. وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله: إذا أمن أي أراد ~~التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم معا. قال الحافظ: ويخالفه رواية معمر ~~عن ابن شهاب بلفظ: إذا قال الامام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة ~~تقول آمين والامام يقول آمين قال: أخرجها النسائي وابن السراج وهي الرواية ~~الثانية من حديث الباب. وقيل: المراد. قوله: إذا قال ولا الضالين فقولوا ~~آمين أي إذا لم يقل الامام آمين. وقيل: الأول لمن قرب من الامام، والثاني ~~لمن تباعد عنه، لأن جهر الامام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة. وقيل: يؤخذ ~~من الروايتين تخيير المأموم في قولها مع الامام أو بعده قاله الطبري. قال ~~الخطابي: وهذه الوجوه كلها محتملة، وليست بدون الوجه الذي ذكره يعني ~~الجمهور. قوله: فأمنوا استدل به على مشروعية تأخير تأمين المأموم عن تأمين ~~الامام لأنه رتبه عليه بالفاء، لكن قد تقدم في الجمع بين الروايتين أن ~~المراد المقارنة وبذلك قال الجمهور. قوله: تأمين الملائكة قال النووي: ~~واختلف في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة، وقيل غيرهم لقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من وافق ms0777 قوله قول أهل السماء وأجاب الأولون بأنه إذا قاله ~~الحاضرون من الحفظة قاله من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء. والمراد ~~بالموافقة الموافقة في وقت التأمين فيؤمن مع تأمينهم قاله النووي. قال ابن ~~المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على ~~يقظة للاتيان بالوظيفة في محلها. وقال القاضي عياض: معناه وافقهم في الصفة ~~والخشوع والاخلاص. قال الحافظ: والمراد بتأمين الملائكة استغفارهم ~~للمؤمنين. قوله: # آمين هو بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء. وحكى أبو نصر ~~عن حمزة والكسائي الإمالة وفيه ثلاث لغات أخر شاذة القصر، حكاه ثعلب وأنشد ~~له شاهدا، وأنكره ا بن درستويه وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر. وحكى ~~عياض ومن تبعه عن ثعلب أنه إنما أجازه في الشعر خاصة. والثانية التشديد مع ~~المد. والثالثة التشديد مع القصر وخطأهما جماعة من أئمة اللغة. وآمين من ~~أسماء الأفعال، ويفتح في الوصل لأنها مثل كيف، ومعناه: اللهم استجب عند ~~الجمهور. وقيل غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى. # وقيل إنه اسم لله حكاه صاحب القاموس عن الواحدي. (والحديث) يدل على ~~مشروعية التأمين، قال الحافظ: وهذا الامر عند الجمهور للندب. وحكى ابن ~~بزيزة عن بعض أهل العلم PageV02P245 # وجوبه على المأموم عملا بظاهر الامر. وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي. ~~والظاهر من الحديث الوجوب على المأموم فقط، لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن ~~الامام، وأما الامام والمنفرد فمندوب فقط. وحكى المهدي في البحر عن العترة ~~جميعا أن التأمين بدعة، وقد عرفت ثبوته عن علي عليه السلام من فعله وروايته ~~عن النبي (ص) في كتب أهل البيت وغيرهم على أنه قد حكى السيد العلامة الإمام ~~محمد بن إبراهيم الوزير عن الإمام المهدي محمد بن المطهر وهو أحد أئمتهم ~~المشاهير أنه قال في كتابه الرياض الندية: إن رواة التأمين جم غفير، قال: ~~وهو مذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى انتهى. وقد استدل صاحب البحر على أن ~~التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي أن هذه صلاتنا ms0778 لا يصلح فيها شئ ~~من كلام الناس، ولا يشك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام، وإن كانت أحاديثه ~~الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوى بعضها على تخصيص حديث واحد من الصحابة، ~~مع أنها مندرجة تحت العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة لأن ~~التأمين دعاء، فليس في الصلاة تشهد وقد أثبتته العترة، فما هو جوابهم في ~~إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك، على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو ~~تكليمهم لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم. ويدل على أن ذلك السبب المذكور في ~~الحديث. وأما القدح في مشروعية التأمين بأنه من طريق وائل بن حجر فهو ثابت ~~من طريق غيره في كتب أهل البيت وغيرها، فإنه مروي من جهة ذلك العدد الكثير. ~~وأما ما رواه في الجامع الكافي عن القاسم بن إبراهيم أن آمين ليست من لغة ~~العرب فهذه كتب اللغة بأجمعها على ظهر البسيطة. # وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تلا غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول رواه ~~أبو داود وابن ماجة وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وقال: إسناده حسن، والحاكم وقال: صحيح على ~~شرطهما. والبيهقي وقال: حسن صحيح. وأشار إليه الترمذي وهو يدل على مشروعية ~~التأمين للامام ومشروعية الجهر به، وقد تقدم الخلاف في ذلك. واستدلوا على ~~مشروعية الجهر به بحديث عائشة مرفوعا عند أحمد وابن ماجة والطبراني بلفظ: ~~ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين وحديث ابن عباس عند ~~ابن ماجة PageV02P246 # بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما حسدتكم اليهود على ~~شئ ما حسدتكم على قول آمين فأكثروا من قول آمين اه. # وعن وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين يمد بها صوته رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن ms0779 حبان وزاد أبو داود: ورفع بها صوته قال ~~الحافظ: وسنده صحيح، وصححه الدارقطني، وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس وقال: ~~إنه لا يعرف، وخطأه الحافظ وقال: إنه ثقة معروف قيل له صحبة، ووثقه يحيى بن ~~معين وغيره، وروى الحديث ابن ماجة وأحمد والدارقطني من طريق أخرى بلفظ: ~~وخفض بها صوته وقد أعلت باضطراب شعبة في إسنادها ومتنها، ورواها سفيان ولم ~~يضطرب في الاسناد ولا المتن. قال ابن القطان: اختلف شعبة وسفيان، فقال ~~شعبة: خفض، وقال الثوري: رفع. # وقال شعبة: حجر أبو عنبس، وقال الثوري: حجر بن عنبس، وصوب البخاري وأبو ~~زرعة قول الثوري، وقد جزم ابن حبان في الثقات أن كنيته كاسم أبيه فيكون ما ~~قالاه صوابا. وقال البخاري: # إن كنيته أبو السكن، ولا مانع من أن يكون له كنيتان، وقد ورد الحديث من ~~طرق ينتفي بها إعلاله بالاضطراب من شعبة، ولم يبق إلا التعارض بين شعبة ~~وسفيان، وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة، فلذلك جزم ~~النقاد بأن روايته أصح كما روي ذلك عن البخاري وأبي زرعة. وقد حسن الحديث ~~الترمذي، قال ابن سيد الناس: ينبغي أن يكون صحيحا. # (وهو يدل) على مشروعية التأمين للامام والجهر ومد الصوت به، قال الترمذي: ~~وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والتابعين، ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه ~~يقول الشافعي وأحمد وإسحاق اه. # باب حكم من لم يحسن فرض القراءة عن رفاعة بن رافع: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم علم رجلا الصلاة فقال: # إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع رواه أبو ~~داود والترمذي. # وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني، قال قل: ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله PageV02P247 # أكبر، ولا حول ولا قوة إلا ms0780 بالله رواه أحمد وأبو داود والنسائي ~~والدارقطني ولفظه فقال: # إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي فذكره. # أما الحديث الأول فهو طرف من حديث المسئ صلاته، وأخرجه النسائي أيضا، ~~وقال الترمذي: # حديث رفاعة حسن، وأما الحديث الثاني فأخرجه أيضا ابن الجارود وابن حبان ~~والحاكم، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل السكسكي وهو من رجال البخاري لكن ~~عيب عليه إخراج حديثه وضعفه النسائي. وقال ابن القطان: ضعفه قوم فلم يأتوا ~~بحجة. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكر المتن. وذكره النووي في الخلاصة ~~في فصل الضعيف. وقال في شرح المهذب: # رواه أبو داود والنسائي بإسناد ضعيف اه. ولم ينفرد بالحديث إبراهيم، فقد ~~رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه أيضا من طريق طلحة بن مصرف عن ابن أبي ~~أوفى، ولكن في إسناده الفضل بن موفق، ضعفه أبو حاتم كذا قال الحافظ. قوله: ~~فاحمد الله إلخ، قيل: قد عين الحديث الثاني لفظ الحمد والتكبير والتهليل ~~المأمور به، ولا يخفى أنه من التقييد بموافق المطلق. # قوله: إني لا أستطيع رواه ابن ماجة بلفظ: إني لا أحسن من القرآن شيئا قال ~~شارح المصابيح: اعلم أن هذه الواقعة لا تجوز أن تكون في جميع الأزمان، لأن ~~من يقدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة بل تأويله، ~~لا أستطيع أن أتعلم شيئا من القرآن في هذه الساعة وقد دخل على وقت الصلاة، ~~فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم. (والحديثان) يدلان على أن الذكر ~~المذكور يجزئ من لا يستطيع أن يتعلم القرآن وليس فيه ما يقتضي التكرار، ~~فظاهره أنها تكفي مرة. وقد ذهب البعض إلى أنه يقوله ثلاث مرات، والقائلون ~~بوجوب الفاتحة في كل ركعة لعلهم يقولون بوجوبه في كل ركعة. # باب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأوليين وهل تسن قراءتها في الأخريين ~~أم لا عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في ~~الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة ms0781 الكتاب، ~~ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، ~~وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح متفق عليه. # ورواه أبو داود وزاد قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة ~~الأولى. PageV02P248 # قوله: الأوليين بتحتانيتين تثنية الأولى، وكذا الأخريين. قوله: وسورتين ~~أي في كل ركعة سورة، ويدل على ذلك ما ثبت من حديث أبي قتادة في رواية ~~للبخاري بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين من الظهر ~~والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة وفيه دليل على إثبات القراءة في الصلاة ~~السرية. وقد أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه سئل: أكان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: ~~فلعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال خمسا هذه أشد من الأولى فكان عبدا مأمورا بلغ ~~ما أرسل به الحديث. وهو كما قال الخطابي: وهم من ابن عباس، وقد أثبت ~~القراءة في السرية أبو قتادة وخباب بن الإرث وغيرهما، والاثبات مقدم على ~~النفي. وقد تردد ابن عباس في ذلك فروى عنه أبو داود أنه قال: لا أدري أكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا. وفي هذه ~~الرواية دليل على أنه اعتمد في الأولى على عدم الدراية لا على قرائن دلت ~~على ذلك. قوله: ويسمعنا الآية أحيانا فيه دلالة على جواز الجهر في السرية، ~~وهو يرد على من جعل الاسرار شرطا لصحة الصلاة السرية، وعلى من أوجب في ~~الجهر سجود السهو. # وقوله: أحيانا يدل على أنه تكرر ذلك منه. قوله: ويطول في الركعة الأولى ~~استدل به على استحباب تطويل الأولى على الثانية، سواء كان التطويل بالقراءة ~~بترتيلها مع استواء المقروء في الأوليين. وقد قيل: إن المستحب التسوية بين ~~الأوليين، فاستدلوا بحديث سعد عند البخاري ومسلم وغيرهما وسيأتي. وكذلك ~~استدلوا بحديث أبي سعيد الآتي عند مسلم وأحمد: أنه كان صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ms0782 ثلاثين آية وفي رواية لابن ~~ماجة: أن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة وجعل صاحب هذا القول ~~تطويل الأولى المذكور في الحديث بسبب دعاء الاستفتاح والتعوذ. # وقد جمع البيهقي بين الأحاديث بأن الامام يطول في الأولى إن كان منتظرا ~~لاحد وإلا سوى بين الأوليين. وجمع ابن حبان بأن تطويل الأولى إنما كان لأجل ~~الترتيل في قراءتها مع استواء المقروء في الأوليين. قوله: وهكذا في الصبح ~~إلخ فيه دليل على عدم اختصاص القراءة بالفاتحة وسورة في الأوليين، ~~وبالفاتحة فقط في الأخريين، والتطويل في الأولى بصلاة الظهر، بل ذلك هو ~~السنة في جميع الصلوات. قوله: فظننا أنه يريد إلخ فيه أن الحكمة في التطويل ~~المذكور هي انتظار الداخل، وكذا روى هذه الزيادة ابن خزيمة وابن حبان. وقال ~~القرطبي: لا حجة فيه لأن الحكمة لا تعلل PageV02P249 # بها لخفائها وعدم انضباطها. (والحديث) يدل على مشروعية القراءة بفاتحة ~~الكتاب في كل ركعة، وقد تقدم الكلام عليه وعلى قراءة سورة مع الفاتحة في كل ~~واحدة من الأوليين، وعلى جواز ببعض الآيات في السرية. # وعن جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد: لقد شكوك في كل شئ حتى الصلاة، قال: ~~أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو ما اقتديت به من صلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: صدقت ذلك الظن بك أو ظني بك متفق ~~عليه. # قوله: شكوك يعني أهل الكوفة، وفي رواية للبخاري: شكا أهل الكوفة سعدا. # قوله: في كل شئ قال الزبير بن بكار في كتاب النسب: رفع أهل الكوفة عليه ~~أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة ولكن عزله واستعمل عليهم عمار بن ياسر. قال ~~خليفة: # استعمل عمارا على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف على ~~مساحة الأرض. قوله: فأمد في رواية في الصحيحين فأركد في الأوليين وهما ~~متقاربان. قال القزاز: أي أقيم طويلا أطول فيهما القراءة، ويحتمل التطويل ~~لما هو أعم كالأذكار والقراءة والركوع والسجود، والمعهود في التفرقة بين ~~الركعات إنما هو في القراءة. قوله: ms0783 # وأحذف بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، قال الحافظ: وكذا هو في جميع طرق ~~هذا الحديث التي وقفت عليها، لكن في رواية البخاري وأخف بضم الهمزة وكسر ~~الخاء المعجمة، والمراد بالحذف حذف التطويل وتقصيرهما عن الأوليين، لا حذف ~~أصل القراءة والاخلال بها فكأنه قال: احذف المد. (وفيه دليل) على أن ~~الأوليين من الرباعية متساويتان في الطول، وكذا الأوليان من الثلاثية، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك. وفيه دليل أيضا على تساوي الأخريين. قوله: ولا آلو ~~بمد الهمزة من آلو وضم اللام بعدها أي لا أقصر في ذلك. قوله: ذلك الظن بك ~~فيه جواز مدح الرجل الجليل في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، ~~والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه، وقد جاءت أحاديث كثيرة ثابتة في ~~الصحيح بالامرين، والمد في الأوليين يدل على قراءة زيادة على فاتحة الكتاب، ~~ولذا أورد المصنف الحديث دليلا لقراءة السورة بعد الفاتحة. # وعن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في صلاة ~~الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر ~~قراءة PageV02P250 # خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة ~~قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك رواه أحمد ومسلم. # الحديث يدل على استحباب التطويل في الأوليين من الظهر والأخريين منه، لأن ~~الوقوف في كل واحدة من الأخريين منه مقدار خمس عشرة آية يدل على أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بزيادة على الفاتحة لأنها ليست إلا سبع آيات. ~~وقوله: في الأخريين قدر خمس عشرة آية أي في كل ركعة كما يشعر بذلك السياق. ~~ويدل أيضا على استحباب التخفيف في صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة ~~الظهر. وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد من طريق أخرى هذا ~~الحديث بدون قوله في كل ركعة ولفظه: فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من ~~الظهر فينبغي حمل المطلق في هذه الرواية على المقيد ms0784 بقوله في كل ركعة. ~~والحكمة في إطالة الظهر أنها في وقت غفلة بالنوم في القائلة فطولت ليدركها ~~المتأخر، والعصر ليست كذلك بل تفعل في تعب أهل الأعمال فخففت، وقد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يطول في الظهر تطويلا زائدا على هذا ~~المقدار كما في حديث: # إن صلاة الظهر كانت تقام ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي ~~أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الركعة الأولى مما ~~يطيلها. # باب قراءة سورتين في كل ركعة وقراءة بعض سورة وتنكيس السور في ترتيبها ~~وجواز تكريرها عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان ~~كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد ~~حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فلما ~~أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر فقال: وما يحملك على ~~لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة ~~رواه الترمذي وأخرجه البخاري تعليقا. # الحديث، قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وأخرجه البزار والبيهقي والطبراني. # قوله: كان رجل هو كلثوم بن الهدم ذكره ابن منده في كتاب التوحيد. وقيل ~~قتادة ابن PageV02P251 # النعمان، وقيل مكتوم بن هدم، وقيل كرز بن هدم. قوله: افتتح بقل هو الله ~~أحد تمسك به من قال: لا يشترط قراءة الفاتحة، وأجيب بأن الراوي لم يذكر ~~الفاتحة للعلم بأنه لا بد منها، فيكون معناه افتتح سورة بعد الفاتحة، أو أن ~~ذلك قبل ورود الدليل على اشتراط الفاتحة. قوله: فكان يصنع ذلك في كل ركعة ~~لفظ البخاري: فكلمه أصحابه وقالوا إنك تفتتح بهذه السورة لا ترى أنها تجزئك ~~حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ أخرى، فقال: ما أنا ~~بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم ذلك تركتكم، وكانوا يرون ~~أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى ms0785 الله عليه وآله ~~وسلم أخبروه الخبر فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما ~~يحملك الخ. قوله: ما يحملك أجابه عن الحامل على الفعل بأنه المحبة وحدها. ~~قوله: أدخلك الجنة التبشير له بالجنة يدل على الرضا بفعله، وعبر بالفعل ~~الماضي وإن كان الدخول مستقبلا تنبيها على تحقق الوقوع كما نص عليه أئمة ~~المعاني، قال ناصر الدين بن المنير في هذا الحديث: إن المقاصد تغير أحكام ~~الفعل، لأن الرجل لو قال: # إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، ~~لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه. قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض ~~القرآن يميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانا لغيره. ~~(والحديث) يدل على جواز قراءة سورتين في كل ركعة مع فاتحة الكتاب على ذلك ~~التأويل، من غير فرق بين الأوليين والأخريين، لأن قوله في كل ركعة يشمل ~~الأخريين. # وعن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فافتتح ~~البقرة فقلت: يركع عند المائدة ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى فقلت: ~~يركع بها فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلا ~~إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ~~ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم وكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: سمع ~~الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد ~~فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. # قوله: فقلت يصلي بها في ركعة قال النووي معناه: ظننت أنه يسلم بها ~~فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكمالها وهي ركعتان، ولا بد من ~~هذا التأويل لينتظم الكلام بعده. # قوله: فمضى معناه قرأ معظمها بحيث غلب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى ~~إلا في آخر البقرة، فحينئذ قلت: يركع الركعة الأولى بها فجاوز وافتتح ~~النساء. قوله: ثم افتتح PageV02P252 # آل ms0786 عمران قال القاضي عياض: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من ~~المسلمين حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بل وكله إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك والجمهور، واختاره ~~القاضي أبو بكر الباقلاني. قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع ~~احتمالهما، قال: والذي نقوله إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في ~~الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين والتعليم، وأنه لم يكن من النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في ذلك نص ولا يحرم مخالفته، ولذلك اختلف ترتيب ~~المصاحف قبل مصحف عثمان، قال: وأما من قال من أهل العلم إن ذلك بتوقيف من ~~النبي (ص) كما استقر في مصحف عثمان، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم ~~التوقيف فيتأول قراءته (ص) النساء ثم آل عمران هنا، على أنه كان قبل ~~التوقيف والترتيب، قال: ولا خلاف إنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة ~~الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو ~~في غير الصلاة، قال: وقد أباح بعضهم وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن ~~منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، ولا خلاف أن ترتيب آيات كل ~~سورة بتوقيف من الله على ما بنى عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن ~~نبيها صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فقرأها مترسلا إذا مر بآية الخ، فيه ~~استحباب الترسل والتسبيح عند المرور بآية فيها تسبيح، والسؤال عند قراءة ~~آية فيها سؤال، والتعوذ عند تلاوة آية فيها تعوذ. والظاهر استحباب هذه ~~الأمور لكل قارئ، من غير فرق بين المصلي وغيره، وبين الامام والمنفرد ~~والمأموم، وإلى ذلك ذهبت الشافعية. قوله: # ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم فيه استحباب تكريره هذا الذكر في ~~الركوع، وكذلك سبحان ربي الأعلى في السجود، وإلى ذلك ذهب الشافعي وأصحابه، ~~والأوزاعي، وأبو حنيفة، والكوفيون، وأحمد، والجمهور. وقال مالك: لا يتعين ~~ذلك للاستحباب، وسيأتي الكلام على ذلك في باب الذكر ms0787 في الركوع والسجود. ~~قوله: ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم قام قياما طويلا فيه رد ~~لما ذهب إليه أصحاب الشافعي من أن تطويل الاعتدال عن الركوع لا يجوز وتبطل ~~به الصلاة، وسيأتي الكلام على ذلك. (والحديث) أيضا يدل على استحباب تطويل ~~صلاة الليل وجواز الائتمام في النافلة. # وعن رجل من جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصبح: ~~* (إذا زلزلت الأرض) * (الزلزلة: 1) في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري ~~أنسي رسول الله صلى الله PageV02P253 # عليه وآله وسلم أم قرأ ذلك عمدا؟ رواه أبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد قدمنا أن جماعة من أئمة الحديث ~~صرحوا بصلاحية ما سكت عنه أبو داود للاحتجاج، وليس في إسناده مطعن، بل ~~رجاله رجال الصحيح، وجهالة الصحابي لا تضر عند الجمهور وهو الحق. قوله: ~~يقرأ في الصبح إذا زلزلت فيه استحباب قراءة سورة بعد الفاتحة وجواز قراءة ~~قصار المفصل في الصبح. # قوله: فلا أدري أنسي فيه دليل لمذهب الجمهور القائلين بجواز النسيان عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقد صرح بذلك حديث: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ~~ولكن فيما ليس طريقه البلاغ، قالوا: ولا يقر عليه بل لا بد أن يتذكره، ~~واختلفوا هل من شرط ذلك الفور أم يصح على التراخي قبل وفاته صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قوله: أم قرأ ذلك عمدا تردد الصحابي في أن إعادة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم للسورة هل كان نسيانا لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في ~~الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى فلا يكون مشروعا لامته، أو فعله ~~عمدا لبيان الجواز، فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها، وإذا دار ~~الامر بين أن يكون مشروعا أو غير مشروع فحمل فعله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على المشروعية أولى، لأن الأصل في أفعاله التشريع والنسيان على خلاف الأصل. ~~ونظيره ما ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله صلى الله عليه وآله وسلم بين ~~أن يكون جبليا ms0788 أو لبيان الشرع والأكثر على التأسي به. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر ~~في الأولى منهما: * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) * (البقرة: 136) ~~الآية التي في البقرة، وفي الآخرة: * (آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون) * (آل ~~عمران: 52) وفي رواية: كان يقرأ في ركعتي الفجر: * (قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا) * (البقرة: 136) والتي في آل عمران: * (تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم) * (آل عمران: 64) رواهما أحمد ومسلم. # الروايات فيما كان يقرؤه صلى الله عليه وآله وسلم في الركعتين قبل الفجر ~~مختلفة. # فمنها ما ذكره المصنف. ومنها ما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في ركعتي الفجر: * (قل يا أيها ~~الكافرون) * (الكافرون: 1) و * (قل هو الله أحد) * (الاخلاص: 1) وقد ثبت في ~~الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخفف ~~الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى أني لأقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ ~~وفي PageV02P254 # رواية: أقول لم يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب (والحديث) يدل على استحباب ~~قراءة الآيتين المذكورتين فيهما بعد قراءة فاتحة الكتاب لما ثبت في رواية ~~لمسلم: أنه كان يقرأ فيهما بعد فاتحة الكتاب ب * (قل يا أيها الكافرون) * و ~~* (قل هو الله أحد) * فتحمل الأحاديث التي لم يذكر فيها القراءة بفاتحة ~~الكتاب كحديث الباب على هذه الرواية، ويكون المصلي مخيرا إن شاء قرأ مع ~~فاتحة الكتاب في كل ركعة ما في حديث ابن عباس، وإن شاء قرأ بعد الفاتحة * ~~(قل يا أيها الكافرون) * في ركعة، و * (قل هو الله أحد) * في ركعة، وإلى ~~ذلك ذهب الجمهور. وقال مالك وجمهور أصحاب الشافعي: إنه لا يقرأ غير ~~الفاتحة. وقال بعض السلف: لا يقرأ شيئا، وكلاهما خلاف هذه الأحاديث ~~الصحيحة، وسيأتي الكلام على ذلك في باب تأكيد ركعتي الفجر. وقد استدل ~~المصنف رحمه الله بالحديث على جواز قراءة بعض سورة في الركعة كما فعل في ~~ترجمة الباب. # باب جامع القراءة ms0789 في الصلوات عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يقرأ في الفجر ب * (ق والقرآن المجيد) * (ق: 1) ونحوها، وكان ~~صلاته بعد إلى تخفيف وفي رواية: كان يقرأ في الظهر ب * (الليل إذا يغشى) * ~~(الليل: 1) وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك رواهما أحمد ومسلم. ~~وفي رواية: كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من: * (والليل إذا ~~يغشى) * والعصر كذلك، والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها رواه ~~أبو داود. # قوله: كان يقرأ في الفجر بق قد تقرر في الأصول إن كان تفيد الاستمرار ~~وعموم الأزمان، فينبغي أن يحمل قوله: كان يقرأ في الفجر بق على الغالب من ~~حاله (ص)، أو تحمل على أنها لمجرد وقوع الفعل لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ~~ابن دقيق العيد، لأنه قد ثبت أنه قرأ في الفجر: * (إذا الشمس كورت) * ~~(التكوير: 1) عند الترمذي والنسائي من حديث عمرو بن حريث. وثبت أنه (ص) صلى ~~بمكة الصبح فاستفتح سورة المؤمنين عند مسلم من حديث عبد الله بن السائب. ~~وأنه قرأ بالطور ذكره البخاري تعليقا من حديث أم سلمة. وأنه كان يقرأ في ~~ركعتي الفجر أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة، أخرجه البخاري ومسلم من ~~حديث أبي PageV02P255 # برزة. وأنه قرأ الروم أخرجه النسائي عن رجل من الصحابة. وأنه قرأ ~~المعوذتين أخرجه النسائي أيضا من حديث عقبة بن عامر. وأنه قرأ: * (إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا) * (الفتح: 1) أخرجه عبد الرزاق عن أبي بردة. وأنه قرأ ~~الواقعة أخرجه عبد الرزاق أيضا عن جابر بن سمرة. وأنه قرأ بيونس وهود أخرجه ~~ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي هريرة. وأنه قرأ: * (إذا زلزلت الأرض) * ~~(الزلزلة: 1) كما تقدم عند أبي داود. وأنه قرأ: * (ألم تنزيل) * (السجدة: ~~1) و * (هل أتى على الانسان) * (الانسان: 1) أخرجه الشيخان من حديث ابن ~~مسعود. قوله: وكان يقرأ في الظهر بالليل، والعصر نحو ذلك. ينبغي أن يحمل ~~هذا على ما تقدم، لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله ms0790 وسلم كان يقرأ في ~~الظهر والعصر ب * (السماء ذات البروج) * (البروج: 1) و * (السماء والطارق) ~~* (الطارق: 1) وشبههما، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث جابر بن ~~سمرة. وأنه كان يقرأ في الظهر ب * (سبح اسم ربك الأعلى) * (الأعلى: 1) ~~أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة أيضا. وأنه قرأ من سورة لقمان والذاريات في ~~صلاة الظهر أخرجه النسائي عن البراء. وأنه قرأ في الأولى من الظهر ب * (سبح ~~اسم ربك الأعلى) * (الأعلى: 1) وفي الثانية: * (هل أتاك حديث الغاشية) * ~~(الغاشية: 1) أخرجه النسائي أيضا عن أنس، وثبت أنه كان يقرأ في الأوليين من ~~صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية عند ~~البخاري وقد تقدم ولم يعين السورتين. وتقدم أنه كان يقرأ في الركعتين ~~الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وتقدم أيضا أنه كان يقرأ في ~~صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين ~~قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ~~ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. وثبت عن أبي سعيد عند ~~مسلم وغيره أنه قال: كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر ~~والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة آلم تنزيل ~~السجدة، وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه ~~في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الآخرتين من الظهر وفي ~~الآخريين من العصر على النصف من ذلك. # قوله: وفي الصبح أطول من ذلك. قال العلماء: لأنها تفعل في وقت الغفلة ~~بالنوم في آخر الليل، فيكون في التطويل انتظار للمتأخر. قال النووي حاكيا ~~عن العلماء: إن السنة أن تقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، ويكون الصبح ~~أطول، وفي العشاء والعصر بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصاره، قال قالوا: ~~والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل وفي ~~القائلة فطولتا ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك ~~PageV02P256 # بل تفعل ms0791 في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج ~~إلى زيادة تخفيفها لذلك، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم، والعشاء في ~~وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر انتهى. وكون السنة في ~~صلاة المغرب القراءة بقصار المفصل غير مسلم فقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قرأ فيها بسورة الأعراف والطور والمرسلات كما يأتي في أحاديث هذا ~~الباب. وثبت أنه (ص) قرأ فيها بالأعراف في الركعتين جميعا، أخرجه ابن أبي ~~شيبة في مصنفه عن أبي أيوب. # وقرأ بالدخان أخرجه النسائي، وأخرج البخاري عن مروان بن الحكم قال: قال ~~لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت رسول الله (ص) ~~يقرأ بطولي الطوليين؟ والطوليان هما الأعراف والانعام. وثبت أنه (ص) قرأ ~~فيه: * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) * (النساء: 167) أخرجه ابن حبان ~~من حديث ابن عمر، وسيأتي بقية الكلام في آخر الباب. # وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في ~~المغرب بالطور رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: بالطور أي بسورة الطور. قال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون الباء بمعنى ~~من كقوله تعالى: * (يشرب بها عباد الله) * (الانسان: 6) وهو خلاف الظاهر، ~~وقد ورد في الأحاديث ما يشعر بأنه قرأ السورة كلها، فعند البخاري في ~~التفسير بلفظ سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: * (أم خلقوا ~~من غير شئ أم هم الخالقون) * الآيات إلى قوله: * (المصيطرون) * (الطور: 35 ~~37) كاد قلبي يطير وقد ادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شئ من الأحاديث على ~~تطويل القراءة، لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك ~~بما رواه من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: سمعته يقرأ: * (إن ~~عذاب ربك لواقع) * (الطور: 7) قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هو ~~هذه الآية خاصة، وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة. وحديث البخاري المتقدم ~~يبطل هذه الدعوى، وقد ثبت في رواية أنه ms0792 سمعه يقرأ: * (والطور وكتاب مسطور) ~~* (الطور: 1 2) ومثله لابن سعد، وزاد في أخرى: # فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد وأيضا لو كان اقتصر على قراءة تلك ~~الآية كما زعم لما كان لانكار زيد بن ثابت على مروان كما في الحديث المتقدم ~~معنى، لأن الآية أقصر من قصار المفصل، وقد روي أن زيدا قال له: إنك تخف ~~القراءة في الركعتين من المغرب PageV02P257 # فوالله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ فيهما بسورة ~~الأعراف في الركعتين جميعا أخرج هذه الرواية ابن خزيمة، وقد ادعى أبو داود ~~نسخ التطويل، ويكفي في إبطال هذه الدعوى حديث أم الفضل الآتي. وقد ذهب إلى ~~كراهة القراءة في المغرب بالسور الطوال ما لك، وقال الشافعي: لا أكره ذلك ~~بل استحبه. قال الحافظ: والمشهور عند الشافعية أنه لا كراهة ولا استحباب ~~انتهى. # وعن ابن عباس: أن أم الفضل بنت الحرث سمعته وهو يقرأ: * (والمرسلات عرفا) ~~* (المرسلات: 1) فقال: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في المغرب رواه ~~الجماعة إلا ابن ماجة. # قوله: أن أم الفضل هي والدة ابن عباس الراوي عنها، وبذلك صرح الترمذي ~~فقال عن أمه أم الفضل، واسمها لبابة بنت الحرث الهلالية، ويقال إنها أول ~~امرأة أسلمت بعد خديجة. قوله: سمعته أي سمعت ابن عباس، وفيه التفات لأن ~~ظاهر السياق أن يقول: # سمعتني. قوله: لقد ذكرتني أي شيئا نسيته. قوله: إنها لآخر ما سمعت إلخ، ~~في رواية: # ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. وقد ثبت من حديث عائشة أن آخر صلاة ~~صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه في مرض موته الظهر. وطريق ~~الجمع أن عائشة حكت آخر صلاة صلاها في المسجد لقرينة قولها بأصحابه، والتي ~~حكتها أم الفضل كانت في بيته كما روى ذلك النسائي، ولكنه يشكل على ذلك ما ~~أخرجه الترمذي عن أم الفضل بلفظ: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ms0793 وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب. ويمكن حمل قولها خرج إلينا أنه ~~خرج من مكانه الذي كان فيه راقدا إلى من في البيت. وهذا الحديث يرد على من ~~قال التطويل في صلاة المغرب منسوخ كما تقدم. # وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بسورة ~~الأعراف فرقها في الركعتين رواه النسائي. # الحديث إسناده في سنن النسائي، هكذا أخبرنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا ~~بقية وأبو حياة عن ابن أبي حمزة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~فذكره، وبقية وإن كان فيه ضعف فقد تابعه أبو حياة وهو ثقة. وقد أخرج نحوه ~~ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي أيوب بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين جميعا وأخرج نحوه ابن خزيمة من حديث ~~زيد بن ثابت كما تقدم. ويشهد PageV02P258 # لصحته ما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي من حديث زيد بن ثابت: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بطولي الطوليين. زاد أبو ~~داود: قلت: وما طولي الطوليين؟ قال: الأعراف. قال الحافظ في الفتح: إنه حصل ~~الاتفاق على تفسير الطولي بالأعراف. وقد استدل الخطابي وغيره بالحديث على ~~امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق، وكذلك استدل به المصنف رحمه الله كما ~~تقدم في باب وقت صلاة المغرب من أبواب الأوقات، وتقدم الكلام على ذلك ~~هنالك. # وعن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في المغرب: # * (قل يا أيها الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) * رواه ابن ماجة. وفي ~~حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا معاذ أفتان أنت؟ أو ~~قال: أفتان أنت؟ فلولا صليت ب * (سبح اسم ربك الأعلى) * و * (الشمس وضحاها) ~~* و * (الليل إذا يغشى) * متفق عليه. # أما الحديث الأول فقال الحافظ في الفتح: ظاهر إسناده الصحة إلا أنه ~~معلول، قال الدارقطني: أخطأ بعض رواته فيه، وأخرج نحوه ابن حبان والبيهقي ~~عن جابر بن ms0794 سمرة وفي إسناده سعيد بن سماك وهو متروك. قال الحافظ أيضا: ~~والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب. وأما الحديث الثاني فقال في ~~الفتح: إن قصة معاذ كانت في العشاء، وقد صرح بذلك البخاري في روايته لحديث ~~جابر، وسيأتي الخلاف في تعيين الصلاة، وتعيين السورة التي قرأها معاذ في ~~باب انفراد المؤتم لعذر. ولفظ الحديث في البخاري أنه قال جابر: أقبل رجل ~~بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذا يصلي، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ فقرأ ~~بسورة البقرة والنساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فشكا إليه معاذا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى آخر ما ذكره المصنف. قوله: فلولا صليت أي فهلا صليت؟ قوله: أفتان أنت ~~أو قال أفتان قال ابن سيد الناس: الأولى أن يكون للشك من الراوي لا من باب ~~الرواية بالمعنى كما زعم بعضهم، لما تحلت به صيغة فعال من المبالغة التي ~~خلت عنها صيغة فاعل. (والحديث) يدل على مشروعية القراءة في العشاء بأوساط ~~المفصل كما حكاه النووي عن العلماء. ويدل أيضا على مشروعية التخفيف للامام ~~لما بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض روايات حديث معاذ عند ~~البخاري وغيره بلفظ: فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير. وفي لفظ له: فإن ~~خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة قال أبو عمر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع ~~عليه مندوب عند العلماء إليه، إلا أن ذلك إنما PageV02P259 # هو أقل الكمال، وأما الحذف والنقصان فلا لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد نهى عن نقر الغراب، ورأي رجلا يصلي ولم يتم ركوعه وسجوده فقال ~~له: ارجع فصل فإنك لم تصل وقال: لا ينظر الله عز وجل إلى من لا يقيم صلبه ~~في ركوعه وسجوده. وقال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخف ~~الناس صلاة في تمام. قال ابن دقيق العيد: وما أحسن ما قال: # إن التخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشئ خفيفا بالنسبة إلى ms0795 عادة ~~قوم طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين انتهى. ولعله يأتي إن شاء الله تعالى ~~للمقام مزيد تحقيق في باب ما يؤمر به الامام من التخفيف من أبواب صلاة ~~الجماعة. وسيذكر المصنف طرفا من حديث معاذ في باب انفراد المأموم لعذر. وفي ~~باب: هل يقتدي المفترض بالمتنفل أم لا؟ وسنذكر إن شاء الله في شرحه هنالك ~~بعضا من فوائده التي لم يذكرها ههنا. # وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من فلان لامام كان بالمدينة، قال سليمان: ~~فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الآخرتين ويخفف العصر، ويقرأ ~~في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط ~~المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل رواه أحمد والنسائي. # الحديث قال الحافظ في الفتح: صححه ابن خزيمة وغيره، وقال في بلوغ المرام: ~~ان إسناده صحيح. (والحديث) استدل به على مشروعية ما تضمنه من القراءة في ~~الصلوات لما عرفت من إشعار لفظ كان بالمداومة. قيل في الاستدلال به على ذلك ~~نظر، لأن قوله أشبه صلاة يحتمل أن يكون في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، ~~وقد تقدم نظير هذا، ويمكن أن يقال في جوابه أن الخبر ظاهر في المشابهة في ~~جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت ما يخصصه، وقد تقدم الكلام في صلاة ~~الصبح والظهر والعصر، وأما المغرب فقد عرفت ما تقدم من الأحاديث الدالة على ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستمر على قراءة قصار المفصل فيها، بل قرأ ~~فيها بطولي الطوليين وبطوال المفصل، وكانت قراءته في آخر صلاة صلاها ~~بالمرسلات في صلاة المغرب كما تقدم. قال الحافظ في الفتح: وطريق الجمع بين ~~هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أحيانا يطيل القراءة في ~~المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، ولكنه ~~يقدح في هذا الجمع ما في البخاري وغيره من إنكار زيد بن ثابت على مروان ~~مواظبته ms0796 على قصار المفصل في المغرب، ولو كانت قراءته صلى الله عليه وآله ~~وسلم السور الطويلة في المغرب لبيان الجواز، لما كان ما فعله مروان من ~~المواظبة على قصار المفصل إلا PageV02P260 # محض السنة، ولم يحسن من هذا الصحابي الليل إنكار ما سنه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولم يفعل غيره إلا لبيان الجواز، ولو كان الامر كذلك ~~لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك في ~~مقام الانكار عليه. وأيضا بيان الجواز يكفي فيه مرة واحدة. وقد عرفت أنه ~~قرأ بالسور الطويلة مرات متعددة، وذلك يوجب تأويل لفظ كان الذي استدل به ~~على الدوام بمثل ما قدمنا. فالحق أن القراءة في المغرب بطوال المفصل وقصاره ~~وسائر السور سنة، والاقتصار على نوع من ذلك أن انضم إليه اعتقاد أنه السنة ~~دون غيره مخالف لهديه صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: بقصار المفصل قد ~~اختلف في تفسير المفصل على عشرة أقوال ذكرها صاحب القاموس وغيره، وقد ~~ذكرناها في باب وقت صلاة المغرب من أبواب الأوقات. قوله: ويقرأ في الأوليين ~~من العشاء من وسط المفصل قد تقدم في حديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمره بالقراءة بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا ~~يغشى وهذه السور من أوساط المفصل، وزاد مسلم: # أنه أمره بقراءة اقرأ باسم ربك الذي خلق وزاد عبد الرزاق الضحى، وفي ~~رواية للحميدي بزيادة: والسماء ذات البروج والسماء والطارق وقد عرفت أن قصة ~~معاذ كانت في صلاة العشاء وثبت أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في ~~صلاة العشاء بالشمس وضحاها ونحوها من السور، أخرجه أحمد والنسائي والترمذي ~~وحسنه من حديث بريدة وأنه قرأ فيها بالتين والزيتون، أخرجه البخاري ومسلم ~~والترمذي من حديث البراء. وأنه قرأ بإذا السماء انشقت أخرجه البخاري من ~~حديث أبي هريرة. # باب الحجة في الصلاة بقراءة ابن مسعود وأبي وغيرهما ممن أثني على قراءته ~~عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ms0797 عليه وآله وسلم: خذوا ~~القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم ~~مولى أبي حذيفة رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه. وعن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه ~~على قراءة ابن أم عبد رواه أحمد. PageV02P261 # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار، وفيه جرير بن أيوب البجلي ~~وهو متروك، لكنه أخرجه بهذا اللفظ البزار والطبراني في الكبير والأوسط من ~~حديث عمار بن ياسر، قال في مجمع الزوائد: ورجال البزار ثقات. قوله: ابن أم ~~عبد هو عبد الله بن مسعود، وقد روي أنه لم يحفظ القرآن جميعا في عصره صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلا هؤلاء الأربعة. والمصنف رحمه الله عقد هذا الباب ~~للرد على من يقول إنها لا تجزئ في الصلاة إلا قراءة السبعة القراء ~~المشهورين، قالوا: لأن ما نقل آحاديا ليس بقرآن، ولم تتواتر إلا السبع دون ~~غيرها، فلا قرآن إلا ما اشتملت عليه، وقد رد هذا الاشتراط إمام القراءات ~~الجزري فقال في النشر: زعم بعض المتأخرين أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ~~ولا يخفى ما فيه، لأنا إذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى ~~كثير من أحرف الخلاف الثابتة عن هؤلاء السبعة وغيرهم، وقال: ولقد كنت أجنح ~~إلى هذا القول ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف على خلافه، وقال: ~~القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه ~~والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم ~~تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما نقل عن غيرهم اه. فانظر كيف جعل اشتراط ~~التواتر قولا لبعض المتأخرين، وجعل قول أئمة السلف والخلف على خلافه. وقال ~~أيضا في النشر: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف ~~العثمانية ولو احتمالا وصح إسنادها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ~~ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة ms0798 التي نزل بها القرآن ووجب على ~~الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم غيرهم من الأئمة ~~عن المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو ~~شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح ~~عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك المدني والمكي والمهدوي وأبو ~~شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف من أحدهم خلافه، قال أبو شامة في المرشد ~~الوجيز: لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد هؤلاء السبعة ويطلق عليها ~~لفظ الصحة وأنها نزلت هكذا، إلا إذا دخلت في تلك الضابطة، وحينئذ لا ينفرد ~~مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء ~~فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من ~~تنسب إليه، إلى آخر كلام الجزري الذي حكاه عنه صاحب الاتقان. وقال أبو ~~شامة: شاع على ألسنة جماعة من المقرئين PageV02P262 # المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة، أي كل حرف مما يروى ~~عنهم، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن نقول بهذا القول، ~~ولكن فيما أجمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير فلا ~~أقل من اشتراط ذلك، إذ لم يتفق التواتر في بعضها اه. إذا تقرر لك إجماع ~~أئمة السلف والخلف على عدم تواتر كل حرف من حروف القراءات السبع، وعلى أنه ~~لا فرق بينها وبين غيرها إذا وافق وجها عربيا وصح إسناده، ووافق الرسم ولو ~~احتمالا بما نقلناه عن أئمة القراء، تبين لك صحة القراءة في الصلاة بكل ~~قراءة متصفة بتلك الصفة، سواء كانت من قراءة الصحابة المذكورين في الحديث ~~أو من قراءة غيرهم، وقد خالف هؤلاء الأئمة النويري المالكي في شرح الطيبة ~~فقال عند شرح قول الجزري فيها: # فكل ما وافق وجه نحوي * وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن * ~~فهذه الثلاثة الأركان وكل ما خالف وجها أثبت ms0799 * شذوذه لو أنه في السبعة ما ~~لفظه ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ~~ولا يحتاج إلى التواتر، وهذا قول حادث مخالف لاجماع الفقهاء والمحدثين ~~وغيرهم من الأصوليين والمفسرين اه. وأنت تعلم أن نقل مثل الامام الجزري ~~وغيره من أئمة القراءة لا يعارضه نقل النويري لما يخالفه، لأنا إن رجعنا ~~إلى الترجيح بالكثرة أو الخبرة بالفن أو غيرهما من المرجحات قطعنا بأن نقل ~~أولئك الأئمة أرجح، وقد وافقهم عليه كثير من أكابر الأئمة، حتى أن الشيخ ~~زكريا بن محمد الأنصاري لم يحك في غاية الوصول إلى شرح لب الأصول الخلاف ~~لما حكاه الجزري وغيره عن أحد سوى ابن الحاجب. # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي: إن الله أمرني ~~أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا وفي رواية: أن أقرأ عليك القرآن، قال: # وسماني لك؟ قال: نعم، فبكى متفق عليه. # قوله: أمرني أن أقرأ عليك فيه استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه وأهل ~~العلم به والفضل، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، وفيه منقبة شريفة ~~لأبي بقراءته صلى الله عليه وآله وسلم عليه، ولم يشاركه فيها أحد لا سيما ~~مع ذكر الله تعالى لاسمه ونصه عليه في هذه المنزلة الرفيعة. قوله: لم يكن ~~الذين كفروا وجه تخصيص هذه السورة أنها وجيزة جامعة PageV02P263 # لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته والاخلاص وتطهير القلوب، وكان ~~الوقت يقتضي الاختصار. قوله: وسماني لك فيه جواز الاستثبات في الاحتمالات، ~~وسببه ههنا أنه جوز أن يكون الله تعالى أمر النبي (ص) يقرأ على رجل من أمته ~~ولم ينص عليه. قوله: # فبكى فيه جواز البكاء للسرور والفرح بما يبشر الانسان ويعطاه من معالي ~~الأمور. واختلفوا في وجه الحكمة في قراءته على أبي فقيل: سببها أن يسن ~~لامته بذلك القراءة على أهل الاتقان والفضل ويتعلموا آداب القراءة ولا يأنف ~~أحد من ذلك. وقيل: التنبيه على جلالة أبي وأهليته لاخذ القرآن عنه، ولذلك ~~كان بعده (ص) رأسا، وإما ms0800 ما في قراءة القرآن وهو أجل ناشريه أو من أجلهم. # باب ما جاء في السكتتين قبل القراءة وبعدها عن الحسن عن سمرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسكت سكتتين إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ ~~من القراءة كلها وفي رواية: سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين روى ذلك أبو داود وكذلك أحمد والترمذي وابن ماجة ~~بمعناه. # الحديث حسنه الترمذي، وقد تقدم الكلام في سماع الحسن من سمرة لغير حديث ~~العقيقة، وقد صحح الترمذي حديث الحسن عن سمرة في مواضع من سننه. منها حديث: ~~نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وحديث: جار الدار أحق بدار الجار. # وحديث: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار. وحديث: الصلاة ~~الوسطى صلاة العصر. فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جديرا بالتصحيح. وقد ~~قال الدارقطني: # رواة الحديث كلهم ثقات، وفي الباب عن أبي هريرة عند أبي داود والنسائي ~~بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة. ~~قوله: إذا استفتح الصلاة الغرض من هذه السكتة ليفرغ المأمومون من النية ~~وتكبيرة الاحرام، لأنه لو قرأ الامام عقب التكبير لفات من كان مشتغلا ~~بالتكبير والنية بعض سماع القراءة. وقال الخطابي: إنما كان يسكت في ~~الموضعين ليقرأ من خلفه فلا ينازعونه القراءة إذا قرأ. قال اليعمري: # كلام الخطابي هذا في السكتة التي بعد قراءة الفاتحة، وأما السكتة الأولى ~~فقد وقع بيانها PageV02P264 # في حديث أبي هريرة السابق في باب الافتتاح: أنه كان يسكت بين التكبير ~~والقراءة يقول: # اللهم باعد بيني وبين خطاياي الحديث. قوله: وإذا فرغ من القراءة كلها قيل ~~وهي أخف من السكتتين اللتين قبلها، وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن ~~التكبير، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصل فيه. قوله: ~~وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال النووي عن أصحاب ~~الشافعي: يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة، قال: ويختار الذكر والدعاء ~~والقراءة سرا، لأن ms0801 الصلاة ليس فيها سكوت في حق الامام. وقد ذهب إلى استحباب ~~هذه السكتات الثلاث الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأي ~~ومالك: السكتة مكروهة، وهذه الثلاث السكتات قد دل عليها حديث سمرة باعتبار ~~الروايتين المذكورتين. وفي رواية في سنن أبي داود بلفظ: إذا دخل في صلاته ~~وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد: وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~واستحب أصحاب الشافعي سكتة رابعة بين ولا الضالين وبين آمين قالوا: ليعلم ~~المأموم أن لفظة آمين ليست من القرآن. # باب التكبير للركوع والسجود والرفع عن ابن مسعود قال: رأيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود رواه أحمد والنسائي ~~والترمذي وصححه. # الحديث أخرج نحوه البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين، وأخرجا نحوه أيضا ~~من حديث أبي هريرة، وأخرج نحوه البخاري من حديثه. وفي الباب عن أنس عند ~~النسائي، وعن ابن عمر عند أحمد والنسائي. وعن أبي مالك الأشعري عند ابن أبي ~~شيبة. وعن أبي موسى غير الحديث الذي سيذكره المصنف عند ابن ماجة. وعن وائل ~~بن حجر عند أبي داود وأحمد والنسائي وابن ماجة، وفي الباب عن غير هؤلاء، ~~وسيأتي في هذا الكتاب بعض من ذلك. (والحديث) يدل على مشروعية التكبير في كل ~~خفض ورفع وقيام وقعود، إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن ~~حمده. قال النووي: وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه ~~خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للاحرام انتهى. وقد ~~حكى مشروعية التكبير في كل خفض ورفع الترمذي عن الخلفاء الأربعة ~~PageV02P265 # وغيرهم ومن بعدهم من التابعين قال: وعليه عامة الفقهاء والعلماء. وحكاه ~~ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر وجابر ~~وقيس بن عباد والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك وسعيد بن عبد ~~العزيز وعامة أهل العلم. وقال البغوي في شرح السنة: اتفقت الأمة على هذه ~~التكبيرات. قال ابن سيد الناس وقال آخرون: # لا ms0802 يشرع إلا تكبير الاحرام فقط، يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وقتادة وسعيد ~~بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري، ونقله ابن المنذر عن القاسم بن ~~محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، ونقله ابن بطال عن جماعة أيضا منهم معاوية ~~بن أبي سفيان وابن سيرين، قال أبو عمر: # قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى ~~وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر. وقال أحمد أحب إلي أن يكبر إذا صلى وحده في ~~الفرض، وأما في التطوع فلا. # وروي عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده. (واستدل) من قال بعدم ~~مشروعية التكبير كذلك بما أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن أبزى عن أبيه أنه ~~صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان لا يتم التكبير. وفي لفظ لأحمد: ~~إذا خفض ورفع. وفي رواية: فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين، وفي ~~إسناده الحسن بن عمران، قال أبو زرعة: شيخ، ووثقه ابن حبان. وحكى عن أبي ~~داود الطيالسي أنه قال: هذا عندي باطل، وهذا لا يقوى على معارضة أحاديث ~~الباب لكثرتها وصحتها وكونها مثبتة ومشتملة على الزيادة، والأحاديث الواردة ~~في هذا الباب أقل أحوالها الدلالة على سنية التكبير في كل خفض ورفع. وقد ~~روى أحمد عن عمران بن حصين أن أول من ترك التكبير عثمان حين كبر وضعف صوته، ~~وهذا يحتمل أنه ترك الجهر. وروى الطبري عن أبي هريرة أن أول من ترك التكبير ~~معاوية، وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد. وهذه الروايات غير متنافية، ~~لأن زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك ~~جماعة من أهل العلم على الاخفاء، وحكى الطحاوي أن بني أمية كانوا يتركون ~~التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها. # وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير، فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب فيما ~~عدا تكبيرة الاحرام، وقال أحمد في رواية عنه: وبعض أهل الظاهر أنه يجب ms0803 كله. ~~(واحتج الجمهور) على الندبية بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه ~~المسئ صلاته ولو كان واجبا لعلمه، وأيضا حديث ابن أبزى يدل على عدم الوجوب، ~~لأن تركه صلى الله عليه وآله وسلم له في بعض الحالات لبيان الجواز والاشعار ~~بعدم الوجوب، وسيأتي دليل القائلين بالوجوب. وأما الجواب بأنه PageV02P266 # صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه المسئ فممنوع، بل قد أخرج أبو داود أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسئ بلفظ: ثم يقول: الله أكبر، ثم ~~يركع حتى يطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم ~~يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن مفاصله، ثم يقول: # الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى ~~يطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته. # وعن عكرمة قال قلت لابن عباس: صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق، فكبر ~~ثنتين وعشرين تكبيرة، يكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، فقال ابن عباس: # تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والبخاري. # قوله: الظهر لم يكن ذلك في البخاري وإنما زاده الإسماعيلي، وبذلك يصح عدد ~~التكبير، لأن في كل ركعة خمس تكبيرات، فتقع في الرباعية عشرون تكبيرة مع ~~تكبيرة الافتتاح والقيام مع التشهد الأول. ولأحمد والطبراني عن عكرمة أنه ~~قال: صلى بنا أبو هريرة. قوله: تلك صلاة أبي القاسم في لفظ للبخاري: أو ليس ~~تلك صلاة أبي القاسم لا أم لك؟. وفي لفظ له: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى ~~الله عليه وآله وسلم. (والحديث) يدل على مشروعية تكبير الانتقال وقد تقدم ~~الخلاف فيه. # وعن أبي موسى قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبنا فبين لنا ~~سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا ~~كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ~~فقولوا: آمين يجبكم الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الامام يركع ms0804 ~~قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلك بتلك، وإذا ~~قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن ~~الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا ~~واسجدوا فإن الامام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات ~~الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود. وفي رواية بعضهم: وأشهد أن ~~محمدا. # قوله: فأقيموا صفوفكم قال النووي: هو مأمور به بإجماع الأمة، قال: وهو ~~أمر ندب، والإقامة PageV02P267 # تسويتها والاعتدال فيها وتتميمها الأول فالأول والتراص فيها. قوله: ثم ~~ليؤمكم أحدكم فيه الامر بالجماعة في المكتوبات، وقد اختلفوا هل هو أمر ندب ~~أو إيجاب، وسيأتي بسط الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: فإذا كبر ~~فكبروا فيه أن المأموم لا يكبر قبل الامام ولا معه بل بعده لأن الفاء ~~للتعقيب، وقد قدمنا لمناقشة في هذا. قوله: وإذا قرأ فأنصتوا قد تقدم الكلام ~~على هذه الزيادة في باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته. قوله: # فإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين استدل به على ~~مشروعية أن يكون تأمين الإمام والمأموم متفقا، وقد تقدم الكلام على ذلك ~~مستوفى. قوله: يجبكم الله أي يستجب لكم وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد ~~الاهتمام به. قوله: فإذا كبر وركع إلى قوله: فتلك بتلك معناه اجعلوا ~~تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع بعد ~~رفعه، ومعنى تلك بتلك أي اللحظة التي سبقكم الامام بها في تقدمه إلى الركوع ~~تنجبر لكم بتأخيركم في الركوع بعد رفعه لحظة فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار ~~قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وكذلك في السجود. قوله: وإذا قال سمع الله لمن حمده ~~فقولوا ms0805 إلخ فيه دلالة على استحباب الجهر من الامام بالتسميع ليسمعوه ~~فيقولون، وفيه أيضا دليل لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم على قوله ربنا لك ~~الحمد، ولا يقول معه: سمع الله لمن حمده. وفيه خلاف وسيأتي بسطه في باب ما ~~يقول في رفعه. ومعنى سمع الله لمن حمده أجاب دعاء من حمده، ومعنى قوله: ~~يسمع الله لكم يستجب لكم. قوله: ربنا لك الحمد هكذا هو بلا واو، وقد جاءت ~~الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها والكل جائز، ولا ترجيح لأحدهما على ~~الآخر، كذا قال النووي، والظاهر أن إثبات الواو أرجح لأنها زيادة مقبولة. ~~قوله: وإذا كان عند القعدة إلى آخر الحديث الكلام على بقية ألفاظه يأتي إن ~~شاء الله تعالى في أبواب التشهد. وقد استدل بقوله: فليكن من أول قول أحدكم ~~على أنه يقول ذلك في أول جلوسه ولا يقول بسم الله. قال النووي: وليس هذا ~~الاستدلال بواضح لأنه قال: فليكن من أول ولم يقل فليكن أول. (والحديث) يدل ~~على مشروعية تكبير النقل، وقد استدل به القائلون بوجوبه كما تقدم، وهو أخص ~~من الدعوى لأنه أمر للمؤتم فقط، وقد دفعه الجمهور بما تقدم من عدم ذكر ~~تكبير الانتقال في حديث المسئ، وقد عرفت ما فيه بحديث ابن أبزى المتقدم. ~~PageV02P268 # باب جهر الامام بالتكبير ليسمع من خلفه وتبليغ الغير له عند الحاجة عن ~~سعيد بن الحرث قال: صلى بنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من ~~السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين وقال: هكذا رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه البخاري وهو لأحمد بلفظ أبسط من هذا. # الحديث يدل على مشروعية الجهر بالتكبير للانتقال، وقد كان مروان وسائر ~~بني أمية يسرون به، ولهذا اختلف الناس لما صلى أبو سعيد هذه الصلاة فقام ~~على المنبر فقال: إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أم لم تختلف، إني رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا يصلي، وقد عرفت مما سلف أن أول من ~~ترك تكبير النقل أي ms0806 الجهر به عثمان، ثم معاوية، ثم زياد، ثم سائر بني أمية. # وعن جابر قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلينا وراءه وهو ~~قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. ~~ولمسلم والنسائي قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر ~~وأبو بكر خلفه، فإذا كبر كبر أبو بكر يسمعنا. # الحديث يأتي وشرحه إن شاء الله تعالى في باب الامام ينتقل مأموما، وقد ~~ذكره المصنف هنا للاستدلال به على جواز رفع الصوت بالتكبير ليسمعه الناس ~~ويتبعوه، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر، وهذا مذهب الجمهور، وقد نقل ~~أنه إجماع، قال النووي: # وما أراه يصح الاجماع فيه فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم أن منهم من أبطل ~~صلاة المقتدي، ومنهم من لم يبطلها، ومنهم من قال: إن أذن له الامام في ~~الاسماع صح الاقتداء به وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة المسمع، ومنهم من ~~صححها، ومنهم من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إن تكلف صوتا بطلت صلاته ~~وصلاة من ارتبط بصلاته، وكل هذا ضعيف، والصحيح جواز كل ذلك وصحة صلاة ~~المسمع والسامع، ولا يعتبر إذن الإمام. PageV02P269 # باب هيئات الركوع عن أبي مسعود عقبة بن عمرو أنه ركع فجافى يديه ووضع ~~يديه على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال: هكذا رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يصلي رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي حديث ~~رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وإذا ركعت فضع راحتيك على ~~ركبتيك رواه أبو داود. # الحديث الأول طرف من حديث أبي مسعود. والثاني طرف من حديث رفاعة بن رافع ~~في وصف تعليمه صلى الله عليه وآله وسلم للمسئ صلاته، وكلاهما لا مطعن فيه، ~~فإن جميع رجال إسنادهما ثقات. قوله: فجافى يديه أي باعدهما عن جنبيه وهو من ~~الجفاء وهو البعد عن الشئ. قوله: وفرج بين أصابعه أي فرق بينها جاعلا لها ~~وراء ركبتيه. قوله: فضع راحتيك تثنية راحة وهي الكف ms0807 جمعها راح بغير تاء. ~~قوله: على ركبتيك فيه رد على أهل التطبيق، وسيأتي البحث في ذلك قريبا. # (والحديثان) يدلان على مشروعية ما اشتملا عليه من هيئات الركوع، ولا خلاف ~~في شئ منها بين أهل العلم إلا للقائلين بمشروعية التطبيق. # وعن مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين ~~فخذي فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل هذا فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب ~~رواه الجماعة. # وفي الباب عن عمر عند النسائي والترمذي وصححه. وعن أنس أشار إليه الترمذي ~~أيضا. وعن أبي حميد الساعدي وأبي أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة إلى تمام ~~عشرة من الصحابة عند الخمسة وقد تقدم. وعن عائشة عند ابن ماجة. قوله: مصعب ~~بن سعد يعني ابن أبي وقاص. قوله: فطبقت التطبيق الالصاق بين باطني الكفين ~~حال الركوع وجعلهما بين الفخذين. قوله: كنا نفعل هذا فأمرنا لفظ البخاري ~~والترمذي وغيرهما: كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا إلخ فيه دليل على نسخ ~~التطبيق لأن هذه الصيغة حكمها الرفع، قال الترمذي: # التطبيق منسوخ عند أهل العلم وقال: لا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ~~ابن PageV02P270 # مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون انتهى. وقد روى النووي عن علقمة ~~والأسود أنهما يقولان بمشروعية التطبيق. وأخرج مسلم عن علقمة والأسود أنهما ~~دخلا على عبد الله فذكر الحديث قال: فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا ~~ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وروى ابن خزيمة عن ابن مسعود أنه قال: إن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك ~~سعدا فقال: صدق أخي كنا نفعل ذلك ثم أمرنا بهذا، يعني الامساك بالركب. وقد ~~اعتذر عن ابن مسعود وصاحبيه بأن الناسخ لم يبلغهم. وقد روى ابن المنذر عن ~~ابن عمر أنه قال: إنما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة يعني ~~التطبيق، قال الحافظ: ms0808 وإسناده قوي. واستدل ابن خزيمة بقوله: نهينا على أن ~~التطبيق غير جائز، قال الحافظ: وفيه نظر لاحتمال حمل النهي على الكراهة، ~~فقد روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمر عن علي قال: إذا ركعت فإن شئت ~~قلت هكذا يعني وضعت يديك على ركبتيك وإن شئت طبقت وإسناده حسن، وهو ظاهر في ~~أنه كان يرى التخيير أو لم يبلغه الناسخ، والظاهر ما قاله ابن خزيمة لأن ~~المعنى الحقيقي للنهي على ما هو الحق التحريم، وقول الصحابي لا يصلح قرينة ~~لصرفه إلى المجاز. # باب الذكر في الركوع والسجود عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فكان يقول في ركوعه: # سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مرت به آية رحمة إلا ~~وقف عندها يسأل ولا آية عذاب إلا تعوذ منها رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا مسلم. قوله: يسأل أي الرحمة. قوله: تعوذ أي من العذاب ~~وشر العقاب. قال ابن رسلان: ولا بآية تسبيح إلا سبح وكبر، ولا بآية دعاء ~~واستغفار إلا دعا واستغفر، وإن مر بمرجو سأل يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه. ~~(والحديث) يدل على مشروعية هذا التسبيح في الركوع والسجود، وقد ذهب الشافعي ~~ومالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء من أئمة العترة وغيرهم إلا أنه سنة وليس ~~بواجب. وقال إسحاق بن راهويه: التسبيح واجب، فإن تركه عمدا بطلت صلاته، وإن ~~نسيه لم تبطل. وقال الظاهري: واجب مطلقا، PageV02P271 # وأشار الخطابي في معالم السنن إلى اختياره. وقال أحمد: التسبيح في الركوع ~~والسجود وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد، والذكر بين السجدتين وجميع ~~التكبيرات واجب، فإن ترك منه شيئا عمدا بطلت صلاته، وإن نسيه لم تبطل ويسجد ~~للسهو، هذا هو الصحيح عنه، وعنه رواية أنه سنة كقول الجمهور، وقد روي القول ~~بوجوب تسبيح الركوع والسجود عن ابن خزيمة. (احتج الموجبون) بحديث عقبة بن ~~عامر الآتي بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي وبقول ~~الله تعالى: * (وسبحوه) * (الأحزاب: 42) ولا وجوب في ms0809 غير الصلاة، فتعين أن ~~يكون فيها وبالقياس على القراءة. (واحتج الجمهور) بحديث المسئ صلاته، فإن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار، ~~مع أنه علمه تكبيرة الاحرام والقراءة، فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه ~~إياها، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيكون تركه لتعليمه دالا ~~على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علمه للاستحباب لا للوجوب. ~~(والحديث) يدل على أن التسبيح في الركوع والسجود يكون بهذا اللفظ، فيكون ~~مفسرا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عقبة: اجعلوها في ركوعكم ~~اجعلوها في سجودكم وإلى ذلك ذهب الجمهور من أهل البيت، وبه قال جميع من ~~عداهم. وقال الهادي والقاسم والصادق: إنه سبحان الله العظيم وبحمده في ~~الركوع، وسبحان الله الأعلى وبحمده في السجود. واستدلوا بظاهر قوله: # * (فسبح باسم ربك العظيم) * (الواقعة: 4) و * (سبح اسم ربك الأعلى) * ~~(الأعلى: 1) وقد أمر ( ص) بجعل الأولى في الركوع والثانية في السجود كما ~~سيأتي في حديث عقبة، ولكنه لا يتم إلا على فرض أنه ليس لله جل جلاله إلا ~~اسم واحد، وقد تقرر أن له تسعة وتسعين اسما بالأحاديث الصحيحة، وأن له ~~أسماء متعددة بصريح القرآن: * (ولله الأسماء الحسنى) * (الأعراف: 180) ~~فامتثال ما في الآيتين يحصل بالمجئ بأي اسم منها مثل: سبحان ربي، وسبحان ~~الله، وسبحان الاحد، وغير ذلك، لكنه قد ورد من فعله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما يدل على بيان المراد من ذلك كحديث الباب وغيره، وكذلك ورد من قوله ~~ما يدل على ذلك كحديث ابن مسعود الآتي، فتعين أن لفظ الرب هو المراد. وبهذا ~~يندفع ما ألزم به صاحب البحر من تلاوة لفظ الآيتين في الركوع والسجود، وأما ~~زيادة وبحمده فهي عند أبي داود من حديث عقبة الآتي، وعند الدارقطني من حديث ~~ابن مسعود الآتي أيضا. وعنده أيضا من حديث حذيفة. وعند أحمد والطبراني من ~~حديث أبي مالك الأشعري وعند الحاكم من حديث أبي جحيفة، PageV02P272 # ولكنه قال أبو داود بعد إخراجه لها من ms0810 حديث عقبة أنه يخاف أن لا تكون ~~محفوظة. # وفي حديث ابن مسعود السري بن إسماعيل وهو ضعيف. وفي حديث حذيفة محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف. وفي حديث أبي مالك شهر بن حوشب، وقد رواه ~~أحمد والطبراني أيضا من طريق ابن السعدي عن أبيه بدونها. وحديث أبي جحيفة ~~قال الحافظ: إسناده ضعيف، وقد أنكر هذه الزيادة ابن الصلاح وغيره، ولكن هذه ~~الطرق تتعاضد فيرد بها هذا الانكار. وسئل أحمد عنها فقال: أما أنا فلا أقول ~~وبحمده انتهى. # وعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: * (فسبح باسم ربك العظيم) * (الواقعة: ~~74) قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما ~~نزلت: * (سبح اسم ربك الأعلى) * (الأعلى: 1) قال: # اجعلوها في سجودكم رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه. قوله: اجعلوها ~~قد تبين بالحديث الأول وبما سيأتي كيفية هذا الجعل، والحكمة في تخصيص ~~الركوع بالعظيم والسجود بالأعلى أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما ~~فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الاقدام كان أفضل من ~~الركوع، فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو الأعلى بخلاف العظيم، ~~جعلا للأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق. (والحديث) يصلح متمسكا للقائلين ~~بوجوب تسبيح الركوع والسجود، وقد تقدم الجواب عنهم. # وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ركوعه ~~وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # قوله: سبوح قدوس بضم أولهما وبفتحهما والضم أكثر وأفصح. قال ثعلب: كل اسم ~~على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر. قال ~~الجوهري: سبوح من صفات الله. وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: سبوح هو الله ~~عز وجل، والمراد المسبح والمقدس فكأنه يقول: مسبح مقدس. ومعنى سبوح المبرأ ~~من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية. وقدوس المطهر من كل ما لا ~~يليق بالخالق، وهما خبران مبتدؤهما محذوف تقديره ms0811 ركوعي وسجودي لمن هو سبوح ~~قدوس. وقال الهروي: قيل القدوس المبارك، قال القاضي عياض: وقيل فيه سبوحا ~~قدوسا على تقدير PageV02P273 # أسبح سبوحا، أو أذكر، أو أعظم، أو أعبد. قوله: رب الملائكة والروح هو من ~~عطف الخاص على العام، لأن الروح من الملائكة وهو ملك عظيم يكون إذا وقف ~~كجميع الملائكة. وقيل: يحتمل أن يكون جبريل، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة ~~كنسبة الملائكة إلينا. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول في ~~ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن رواه ~~الجماعة إلا الترمذي. # قوله: يكثر أن يقول في رواية ما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة ~~بعد أن نزلت عليه: * (إذا جاء نصر الله والفتح) * (النصر: 1 3) إلا يقول ~~فيها: سبحانك الحديث، وفي بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها. قوله: سبحانك هو منصوب ~~على المصدرية والتسبيح التنزيه كما تقدم. قوله: # وبحمدك هو متعلق بمحذوف دل عليه التسبيح، أي وبحمد ك سبحتك، ومعناه ~~بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي. قال القرطبي: ويظهر ~~وجه آخر وهو إبقاء معنى الحمد على أصله، وتكون الباء باء السببية، ويكون ~~معناه: بسبب أنك موصوف بصفات الكمال والجلال سبحك المسبحون وعظمك المعظمون. ~~وقد روي بحذف الواو من قوله: وبحمدك وبإثباتها. قوله: اللهم اغفر لي يؤخذ ~~منه إباحة الدعاء في الركوع وفيه رد على من كرهه فيه كما لك. (واحتج من ~~قال) بالكراهة بحديث مسلم وأبي داود والنسائي بلفظ: أما الركوع فعظموا فيه ~~الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء الحديث وسيأتي، ولكنه لا يعارض ما ~~ورد من الأحاديث الدالة على إثبات الدعاء في الركوع، لأن تعظيم الرب فيه لا ~~ينافي الدعاء، كما أن الدعاء في السجود لا ينافي التعظيم. # قال ابن دقيق العيد: ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز وذلك على ~~الأولوية، ويحتمل أنه أمر في السجود بتكثير الدعاء، ms0812 والذي وقع في الركوع من ~~قوله: اللهم اغفر لي ليس كثيرا. قوله: يتأول القرآن يعني قوله تعالى: * ~~(فسبح بحمد ربك واستغفره) * (النصر: 3) أي يعمل بما أمر به فيه، فكان يقول ~~هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفى ما أمر به في الآية، وكان يأتي به ~~في الركوع والسجود لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا ~~الواجب الذي أمر به فيكون أكمل. # وعن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله PageV02P274 # عليه وآله وسلم قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث ~~مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ~~ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وهو ~~مرسل عون لم يلق ابن مسعود. # الحديث قال أبو داود: مرسل كما قال المصنف، قال: لأن عونا لم يدرك عبد ~~الله، وذكره البخاري في تاريخه الكبير وقال مرسل. وقال الترمذي: ليس إسناده ~~بمتصل انتهى. وعون هذا ثقة سمع جماعة من الصحابة وأخرج له مسلم. وفي الحديث ~~مع الارسال إسحاق بن يزيد الهذلي راويه عن عون لم يخرج له في الصحيح. قال ~~ابن سيد الناس: لا نعلمه وثق ولا عرف إلا برواية ابن أبي ذئب عنه خاصة، فلم ~~ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية. قوله: وذلك أدناه في الموضعين أي ~~أدنى الكمال، وفيه إشعار بأنه لا يكون المصلي متسننا بدون الثلاث. وقد قال ~~الماوردي: إن الكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس، ولو سبح مرة حصل ~~التسبيح. وروى الترمذي عن ابن المبارك وإسحاق ابن راهويه أنه يستحب خمس ~~تسبيحات للامام وبه قال الثوري، ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم، بل ~~ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد. # وأما إيجاب سجود السهو فيما زاد على التسع واستحباب أن يكون عدد التسبيح ~~وترا لا شفعا فيما زاد على الثلاث فمما لا دليل عليه. # وعن سعيد بن جبير عن ms0813 أنس قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الفتى ~~يعني عمر بن عبد العزيز، قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر ~~تسبيحات رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث رجال إسناده كلهم ثقات إلا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان ~~أبو يزيد الصنعاني، قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، ~~وليس له عند أبي داود والنسائي إلا هذا الحديث. قوله: فحزرنا أي قدرنا. ~~قوله: عشر تسبيحات قيل فيه حجة لمن قال: إن كمال التسبيح عشر تسبيحات، ~~والأصح أن المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان أولى، والأحاديث ~~الصحيحة في تطويله صلى الله عليه وآله وسلم ناطقة بهذا وكذلك الامام إذا ~~كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل. (فائدة) من الأذكار المشروعة في الركوع ~~والسجود ما تقدم في حيث علي عليه السلام في باب الاستفتاح. ومنها ما أخرجه ~~PageV02P275 # أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء ~~والعظمة، ثم قال في سجوده مثل ذلك. ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي ~~هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي ~~كله، دقه وجله، أوله وآخره، وعلانيته وسره ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود ~~وابن ماجة من حديث عائشة: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في ~~سجوده في صلاة الليل: أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ ~~بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقد ورد الاذن بمطلق ~~التعظيم في الركوع وبمطلق الدعاء في السجود، كما سيأتي في الباب الذي بعد ~~هذا. # باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود عن ابن عباس قال: كشف رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ms0814 فقال: يا أيها ~~الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى ~~له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، أما الركوع فعظموا فيه ~~الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وأبو داود. # قوله: كشف الستارة بكسر السين المهملة وهي الستر الذي يكون على باب البيت ~~والدار. قوله: من مبشرات النبوة أي من أول ما يبدو منها، مأخوذ من تباشير ~~الصبح وهو أول ما يبدو منه، وهو كقول عائشة: أول ما بدئ به رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الوحي الحديث، وفيه أن الرؤيا من المبشرات سواء ~~رآها المسلم أو رآها غيره. قوله: # ألا وإني نهيت النهي له صلى الله عليه وآله وسلم نهي لامته كما يشعر بذلك ~~قوله في الحديث: أما الركوع إلى آخره، ويشعر به أيضا ما في صحيح مسلم وغيره ~~أن عليا قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقرأ القرآن ~~راكعا أو ساجدا. ويدل عليه أيضا أدلة التأسي العامة وفيه خلاف في الأصول، ~~وهذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود، وفي بطلان ~~الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف. قوله: أما الركوع فعظموا فيه ~~الرب PageV02P276 # أي سبحوه ونزهوه ومجدوه، وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم اللفظ الذي يقع ~~به هذا التعظيم بالأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا. قوله: وأما ~~السجود فاجتهدوا في الدعاء فيه الحث على الدعاء في السجود، وقد ثبت في ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أقرب ما يكون العبد من ربه ~~وهو ساجد فأكثروا الدعاء. قوله: فقمن قال النووي: هو بفتح القاف وفتح الميم ~~وكسرها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر ~~فهو وصف يثنى ويجمع، قال: وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة الياء وفتح القاف ~~وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير. ويستحب الجمع بين الدعاء والتسبيح المتقدم ~~ليكون المصلي عاملا بجميع ما ms0815 ورد، والامر بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد ~~في الدعاء في السجود محمول على الندب عند الجمهور، وقد تقدم ذكر من قال ~~بوجوب تسبيح الركوع والسجود. # باب ما يقول في رفعه من الركوع وبعد انتصابه عن أبي هريرة قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر ~~حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول ~~وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ~~ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة ~~كلها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس متفق عليه. وفي رواية لهم: ~~ربنا لك الحمد. # قوله: إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم فيه أن التكبير يكون مقارنا لحال ~~القيام وأنه لا يجزي من قعود. وقد اختلف في وجوب تكبيرة الاحرام وقد قدمنا ~~الكلام على ذلك. قوله: ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد فيه متمسك لمن ~~قال: إنه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصل من غير فرق بين الامام والمؤتم ~~والمنفرد، وهو من الشافعي ومالك وعطاء وأبو داود وأبو بردة ومحمد بن سيرين ~~وإسحاق وداود قالوا: إن المصلي إذا رفع رأسه من الركوع يقول في حال ~~ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى قائما يقول: ربنا ولك الحمد. وقال ~~الامام يحيى والثوري والأوزاعي وروي عن مالك أنه يجمع بينهما الامام ~~والمنفرد ويحمد المؤتم. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما الامام والمنفرد ~~أيضا، PageV02P277 # ولكن يسمع المؤتم. وقال الهادي والقاسم وأبو حنيفة: إنه يقول الامام ~~والمنفرد: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط، وحكاه ابن ~~المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد قال: وبه أقول انتهى. ~~وهو مروي عن الناصر. (احتج القائلون) بأنه يجمع بينهما كل مصل بحديث الباب ~~ولكنه أخص من الدعوى، لأنه حكاية لصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إماما كما هو ms0816 المتبادر، والغالب إلا أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم صلوا ~~كما رأيتموني أصلي يدل على عدم اختصاص ذلك بالامام. (واحتجوا أيضا) بما ~~نقله الطحاوي وابن عبد البر من الاجماع على أن المنفرد يجمع بينهما، وجعله ~~الطحاوي حجة لكون الامام يجمع بينهما فيلحق بهما المؤتم، لأن الأصل استواء ~~الثلاثة في المشروع في الصلاة إلا ما صرح الشرع باستثنائه. (واحتجوا) أيضا ~~بما أخرجه الدارقطني عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك ~~الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شئ بعد وظاهره عدم الفرق ~~بين كونه منفردا أو إماما أو مأموما ولكن سنده ضعيف. وبما أخرجه أيضا عن ~~أبي هريرة قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~سمع الله لمن حمده، قال من ورائه: سمع الله لمن حمده. (واحتج القائلون) ~~بأنه يجمع بينهما الامام والمنفرد ببعض هذه الأدلة. (واحتج القائلون) بأن ~~الامام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد ~~فقط، بحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما جعل ~~الامام ليؤتم به. وفيه: وإذا قال: # سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد أخرجه الشيخان، وأخرجا نحوه من ~~حديث عائشة، وقد تقدم نحو ذلك في باب التكبير للركوع والسجود من حديث أبي ~~موسى، وسيأتي نحوه من حديث أنس. ويجاب بأن أمر المؤتم بالحمد عند تسميع ~~الامام لا ينافي فعله له، كما أنه لا ينافي قوله (ص): إذا قال الامام: ولا ~~الضالين، فقولوا: آمين قراءة المؤتم للفاتحة، وكذلك أمر المؤتم بالتحميد لا ~~ينافي مشروعيته اللمام، كما لا ينافي أمر المؤتم بالتأمين تأمين الامام، ~~وقد استفيد التحميد للامام والتسميع للمؤتم من أدلة أخرى هي المذكورة ~~سابقا، والواو في قوله: ربنا ولك الحمد ثابتة في أكثر الروايات، وقد قدمنا ~~أنها زيادة فيكون الاخذ بها أرجح، لا كما قال النووي: أنه ms0817 لا ترجيح لإحدى ~~الروايتين على الأخرى، وهي عاطفة على مقدر بعد قوله: ربنا وهو استجب كما ~~قال ابن دقيق العيد، أو حمدناك كما قال النووي، أو الواو PageV02P278 # زائدة كما قال أبو عمرو بن العلاء، أو للحال كما قال غيره. وروي عن أحمد ~~بن حنبل أنه إذا قال: # ربنا، قال: ولك الحمد، وإذا قال: اللهم ربنا، قال: لك الحمد. قال ابن ~~القيم: لم يأت في حديث صحيح الجمع بين لفظ اللهم وبين الواو. وأقول: قد ثبت ~~الجمع بينهما في صحيح البخاري في باب صلاة للقاعد من حديث أنس بلفظ: وإذا ~~قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد. وقد تطابقت على هذا ~~اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخاري. قوله: ثم يكبر حين يهوي فيه أن ~~التكبير ذكر الهوي، فيبتدئ به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال إلى حين ~~يتمكن ساجدا. قوله: وفي رواية لهم يعني البخاري ومسلما وأحمد، لأن المتفق ~~عليه في اصطلاحه هو ما أخرجه هؤلاء الثلاثة كما تقدم في أول الكتاب، لا ما ~~أخرجه الشيخان فقط كما هو اصطلاح غيره. (والحديث) يدل على مشروعية تكبير ~~النقل، وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى. # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا قال الامام: # سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد متفق عليه. # الحديث قد سبق شرحه في باب التكبير للركوع والسجود. وفي الحديث الذي في ~~أول الباب، وقد احتج به القائلون بأن الامام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن ~~حمده فقط، والمؤتم يقول: ربنا ولك الحمد فقط. وقد عرفت الجواب عن ذلك. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما ~~شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد رواه مسلم والنسائي. # الحديث قد تقدم طرف من شرحه في حديث علي ms0818 المتقدم في باب ذكر الاستفتاح ~~بين التكبير والقراءة. قوله: أهل الثناء والمجد هو في صحيح مسلم بزيادة أحق ~~ما قال العبد وكلنا لك عبد قبل قوله لا مانع إلخ. وأهل منصوب على النداء أو ~~الاختصاص وهذا هو المشهور، وجوز بعضهم رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~والثناء الوصف الجميل، والمجد العظمة والشرف، وقد وقع في بعض نسخ مسلم ~~الحمد مكان المجد. قوله: لا مانع لما أعطيت هذه جملة مستأنفة متضمنة ~~للتفويض والاذعان والاعتراف. قوله: ذا الجد بفتح الجيم على المشهور، وروى ~~ابن عبد البر عن البعض الكسر. قال ابن جرير: وهو خلاف ما عرفه أهل النقل ~~ولا يعلم من قاله غيره، ومعناه بالفتح الحظ PageV02P279 # والغنى والعظمة أي لا ينفعه ذلك وإنما ينفعه العمل الصالح، وبالكسر ~~الاجتهاد أي لا ينفعه اجتهاده وإنما تنفعه الرحمة. (والحديث) يدل على ~~مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والذكر فيه بهذا. وقد وردت في تطويله ~~أحاديث كثيرة وسيأتي الكلام على ذلك. # باب في أن الانتصاب بعد الركوع فرض عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه ~~وسجوده رواه أحمد. وعن علي بن شيبان: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا صلاة لمن لم يقم صلبه في ~~الركوع والسجود رواه أحمد وابن ماجة. وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في ~~الركوع والسجود رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث الأول تفرد به أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي، قال في مجمع ~~الزوائد: ولم أجد من ترجمه، وقد ذكر ابن حجر في المنفعة أنه وهم الهيثمي في ~~تسميته عبد الله بن زيد، وأنه عبد الله بن بدر وهو معروف موثق، ولكنه قال: ~~إن عبد الله بن بدر لا يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة. والحديث الثاني أخرجه ~~أيضا ابن ماجة من طريق أبي بكر بن أبي ms0819 شيبة عن ملازم بن عمرو، وقد وثقه ~~أحمد ويحيى والنسائي. وقال أبو داود: # ليس به بأس عن عبد الله بن بدر، وقد وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة عن ~~عبد الرحمن بن علي بن شيبان، وقد وثقه ابن حبان. والحديث الثالث إسناده ~~صحيح وصححه الترمذي كما قال المصنف. (وفي الباب) عن أنس عند الشيخين، وعن ~~أبي هريرة من حديث المسئ صلاته وسيأتي. وعن رفاعة الزرقي عند أبي داود ~~والترمذي والنسائي من حديث المسئ صلاته أيضا. وعن حذيفة عند أحمد والبخاري ~~وسيأتي. وعن أبي قتادة عند أحمد. وعن أبي سعيد عنده أيضا وسيأتيان. # وعن عبد الرحمن بن شبل عند أبي داود والنسائي وابن ماجة. (والأحاديث) ~~المذكورة في الباب تدل على وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع والاعتدال ~~بين السجدتين، وإلى ذلك ذهبت العترة والشافعي وأحمد وإسحاق وداود، وأكثر ~~العلماء قالوا: ولا تصح PageV02P280 # صلاة من لم يقم صلبه فيهما، وهو الظاهر من أحاديث الباب لما قررناه غير ~~مرة من أن النفي إن لم يمكن توجهه إلى الذات توجه إلى الصحة لأنها أقرب ~~إليها. وقال أبو حنيفة وهو مروي عن مالك: أن الطمأنينة في الموضعين غير ~~واجبة، بل لو انحط من الركوع إلى السجود، أو رفع رأسه عن الأرض أدنى رفع ~~أجزأه ولو كحد السيف. (واحتج أبو حنيفة) بقوله تعالى: * (اركعوا واسجدوا) * ~~(الحج: 77) وقد عرفناك في باب قراءة الفاتحة أن الفرض عنده لا يثبت بما ~~يزيد على القرآن وبينا بطلانه هنالك، وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب الجلسة ~~بين السجدتين إن شاء الله. # باب هيئات السجود وكيف الهوي إليه عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه ~~قبل ركبتيه رواه الخمسة إلا أحمد. # الحديث قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدا رواه غير شريك، ~~وذكر أنهما ما رواه عن عاصم مرسلا، ولم يذكر وائل بن حجر، قال اليعمري: من ~~شأن الترمذي التصحيح بمثل هذا الاسناد، فقد ms0820 صحح حديث عاصم بن كليب عن أبيه ~~عن وائل: لأنظرن إلى صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما جلس للتشهد ~~الحديث، وإنما الذي قصر بهذا عن التصحيح عنده الغرابة التي أشار إليها وهي ~~تفرد يزيد بن هارون عن شريك، وهو لا يحطه عن درجة الصحيح لجلالة يزيد ~~وحفظه، وأما تفرد شريك به عن عاصم وبه صار حسنا، فإن شريكا لا يصحح حديثه ~~منفردا هذا معنى كلامه. وكذا علل الحديث النسائي بتفرد يزيد بن هارون عن ~~شريك، وقال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب ~~غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به. وقال البيهقي: هذا حديث يعد في ~~إفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام مرسلا، هكذا ذكر البخاري وغيره من ~~الحفاظ المتقدمين، وأخرج الحديث أبو داود من طريق محمد بن جحادة عن عبد ~~الجبار بن وائل عن أبيه، قال المنذري: عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، ~~وكذا قال ابن معين، وأخرجه أيضا من طريق همام عن شقيق عن عاصم بن كليب عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مرسل. وكذا قال الترمذي وغيره ~~كما تقدم، لأن كليب بن شهاب والد عاصم لم يدرك النبي (ص). (وفي الباب) عن ~~PageV02P281 # أنس: أنه صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه أخرجه ~~الحاكم والبيهقي والدارقطني وقال: تفرد به العلاء بن إسماعيل وهو مجهول، ~~وقال الحاكم: هو على شرطهما ولا أعلم له علة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ~~إنه منكر. (الحديث) يدل على مشروعية وضع الركبتين قبل اليدين ورفعهما عند ~~النهوض قبل رفع الركبتين، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وحكاه القاضي أبو الطيب عن ~~عامة الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار ~~وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال: وبه أقول. وذهبت العترة ~~والأوزاعي ومالك وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين وهي رواية ~~عن أحمد، وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال: أدركت الناس يضعون ms0821 أيديهم قبل ~~ركبهم، قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث. (واحتجوا) بحديث أبي هريرة ~~الآتي وهو أقوى، لأن له شاهدا من حديث ابن عمر، أخرجه ابن خزيمة وصححه، ~~وذكره البخاري تعليقا موقوفا، كذا قال الحافظ في بلوغ المرام. وقد أخرجه ~~الدارقطني والحاكم في المستدرك مرفوعا بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه قال: # على شرط مسلم. (وأجاب الأولون) عن ذلك بأجوبة: منها أن حديث أبي هريرة ~~وابن عمر منسوخان بما أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث مصعب بن سعد بن أبي ~~وقاص عن أبيه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل ~~اليدين ولكنه قال الحازمي، في إسناده مقال، ولو كان محفوظا لدل على النسخ، ~~غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق. وقال الحافظ في الفتح: ~~إنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان، وقد ~~عكس ابن حزم فجعل حديث أبي هريرة في وضع اليدين قبل الركبتين ناسخا لما ~~خالفه. ومنها ما جزم به ابن القيم في الهدى أن حديث أبي هريرة الآتي انقلب ~~متنه على بعض الرواة، قال: ولعله وليضع ركبتيه قبل يديه، قال: وقد رواه ~~كذلك أبو بكر بن أبي شيبة فقال: حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن ~~جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا سجد أحدكم ~~فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل ورواه الأثرم في سننه أيضا ~~عن أبي بكر كذلك، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ما يصدق ذلك ويوافق حديث وائل بن حجر. قال ابن أبي داود: حدثنا يوسف بن ~~عدي، حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه اه. ولكنه قد ~~PageV02P282 # ضعف عبد الله ms0822 بن سعيد يحيى القطان وغيره، قال أبو أحمد الحاكم: إنه ذاهب ~~الحديث. وقال أحمد بن حنبل: هو منكر الحديث متروك الحديث. وقال يحيى بن ~~معين: ليس بشئ لا يكتب حديثه. # وقال أبو زرعة: هو ضعيف لا يوقف منه على شئ. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. ~~وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الضعف عليه بين. (ومما أجاب به ابن القيم) عن ~~حديث أبي هريرة أن أوله يخالف آخره، قال: فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد ~~برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولا، قال: ولما علم أصحاب ~~هذا القول ذلك قالوا ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ~~ركبتيه أولا فهذا هو المنهي عنه، قال: وهو فاسد لوجوه. حاصلها أن البعير ~~إذا برك يضع يديه ورجلاه قائمتان وهذا هو المنهي عنه، وإن القول بأن ركبتي ~~البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة، وإنه لو كان الامر كما قالوا لقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم فليبرك كما يبرك البعير، لأن أول ما يمس الأرض من ~~البعير يداه. ومن الأجوبة التي أجاب بها الأولون عن حديث أبي هريرة الآتي ~~أن حديث وائل أرجح منه كما قال الخطابي وغيره، ويجاب عنه بأن المقال الذي ~~سيأتي على حديث أبي هريرة لا يزيد على المقال الذي تقدم في حديث وائل على ~~أنه قد رجحه الحافظ كما عرفت، وكذلك الحافظ ابن سيد الناس قال: أحاديث وضع ~~اليدين قبل الركبتين أرجح، وقال: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلا في ~~الحسن على رسم الترمذي لسلام رواته من الجرح. ومنها الاضطراب في حديث أبي ~~هريرة، فإن منهم من يقول: وليضع يديه قبل ركبتيه. ومنهم من يقول بالعكس كما ~~تقدم. ومنهم من يقول: # وليضع يديه على ركبتيه كما رواه البيهقي. ومنها: أن حديث وائل موافق لما ~~نقل عن الصحابة كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود. ومنها: أن لحديث ~~وائل شواهد من حديث أنس وابن عمر، ويجاب عنه بأن الحديث أبي هريرة ms0823 شواهد ~~كذلك. ومنها: أنه مذهب الجمهور. # (ومن المرجحات) لحديث أبي هريرة أنه قول، وحديث وائل حكاية فعل، والقول ~~أرجح، مع أنه قد تقرر في الأصول أن فعله (ص) لا يعارض قوله الخاص بالأمة، ~~ومحل النزاع من هذا القبيل. وأيضا حديث أبي هريرة مشتمل على النهي المقتضي ~~للحظر وهو مرجح مستقل، وهذا خلاصة ما تكلم به الناس في هذه المسألة، وقد ~~أشرنا إلى تزييف البعض منه، والمقام من معارك الأنظار ومضايق الأفكار، ~~ولهذا قال النووي: لا يظهر له ترجيح أحد المذهبين. وأما الحافظ ابن القيم ~~فقد رجح حديث وائل بن حجر وأطال الكلام في ذلك، وذكر عشرة مرجحات قد أشرنا ~~ههنا إلى بعضها. وقد حاول المحقق المقبلي الجمع بين الأحاديث بما ~~PageV02P283 # حاصله: أن من قدم يديه أو قدم ركبتيه وأفرط في ذلك بمباعدة سائر أطرافه ~~وقع في الهيئة المنكرة، ومن قارب بين أطرافه لم يقع فيها، سواء قدم اليدين ~~أو الركبتين وهو مع كونه جمعا لم يسبقه إليه أحد تعطيل لمعاني الأحاديث ~~وإخراج لها عن ظاهرها، ومصير إلى ما لم يدل عليه دليل. ومثل هذا ما روى ~~البعض عن مالك من جواز الامرين ولكن المشهور عنه ما تقدم. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا سجد ~~أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه ثم ركبتيه رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وقال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. # الحديث أخرجه الترمذي وقال: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا ~~الوجه اه. وقال البخاري: إن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب لا ~~يتابع عليه وقال: لا أدري سمع من أبي الزناد أو لا. وقال الدارقطني: تفرد ~~به الدراوردي عن محمد بن عبد الله المذكور. قال المنذري: وفيما قال ~~الدارقطني نظر، فقد روى نحوه عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله، وأخرجه ~~أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه، وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: ms0824 ~~هذه سنة تفرد بها أهل المدينة ولهم فيها إسناد أن هذا أحدهما، والآخر عن ~~عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قدمنا ~~أنه أخرج حديث ابن عمر هذا الدارقطني والحاكم وابن خزيمة وصححه، وقد أعله ~~الدارقطني بتفرد الدراوردي أيضا عن عبيد الله بن عمر، وقال في موضع آخر: ~~تفرد به أصبغ بن الفرج عن الدراوردي اه. ولا ضير في تفرد الدراوردي فإنه قد ~~أخرج له مسلم في صحيحه واحتج به، وأخرج له البخاري مقرونا بعبد العزيز بن ~~أبي حازم، وكذلك تفرد أصبغ فإنه قد حدث عنه البخاري في صحيحه محتجا به. ~~(والحديث) استدل به القائلون بوضع اليدين قبل الركبتين، وقد تقدم الكلام ~~على ذلك مستوفى. قوله: وليضع يديه ثم ركبتيه هو في سنن أبي داود وغيرها ~~بلفظ: قبل ركبتيه ولعل ما ذكره المصنف لفظ أحمد. # وعن عبد الله ابن بحينة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه متفق عليه. # قوله: يجنح بضم الياء المثناة من تحت وفتح الجيم وكسر النون المشددة وروي ~~فرج. وروي خوى وكلها بمعنى واحد. والمراد أنه نحى كل يد عن الجنب الذي ~~يليها. PageV02P284 # قوله: حتى يرى قال النووي: هو بالنون وروي بالياء المثناة من تحت ~~المضمومة وكلاهما صحيح. قوله: وضح إبطيه هو البياض وفي رواية: حتى يبدو ~~بياض إبطيه وفي أخرى: # حتى أني لأرى بياض إبطيه قال الحافظ: قال القرطبي: والحكمة في استحباب ~~هذه الهيئة أن يخف اعتماده على وجهه ولا يتأثر أنفه ولا جبهته، ولا يتأذى ~~بملاقاة الأرض، قال: # وقال غيره: هو أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع ~~مغايرته لهيئة الكسلان وقال ابن المنير ما معناه: أن يتميز كل عضو بنفسه. ~~وأخرج الطبراني وغيره بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ~~تفترش افتراش السبع واعتمد على راحتيك وأبد ضبعيك فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو ~~منك وأخرج مسلم من ms0825 حديث عائشة: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفترش ~~الرجل ذراعيه افتراش السبع. # وأخرج أيضا من حديث البراء مرفوعا: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك وظاهر ~~هذه الأحاديث مع حديث أنس الآتي وجوب التفريج المذكور، لولا ما أخرجه أبو ~~داود من حديث أبي هريرة بلفظ: شكى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ~~مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال: استعينوا بالركب وترجم له باب الرخصة ~~في ذلك أي في ترك التفريج، وفسره ابن عجلان أحد رواته بوضع المرفقين على ~~الركبتين إذا طال السجود. وقد أخرجه الترمذي ولم يقع في روايته إذا ~~انفرجوا، فترجم له باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود، فجعل محل ~~الاستعانة بالركب حين يرتفع من السجود طالبا للقيام، واللفظ يحتمل ما قال، ~~والزيادة التي أخرجها أبو داود تعين المراد، ولكنه قال الترمذي: أنه لم ~~يعرف الحديث إلا من هذا الوجه، وذكر أنه روي من غير هذا الوجه مرسلا وكأنه ~~أصح. وقال البخاري: إرساله أصح من وصله، وهذا الاعلال غير قادح لأنه قد ~~رفعه أئمة، فرواه الليث عن ابن عجلان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~مرفوعا، والرفع من هؤلاء زيادة وتفردهم غير ضائر. # وعن أنس <عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اعتدلوا في السجود، ~~ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب رواه الجماعة. # قوله: ولا يبسط في رواية: ولا يبتسط بزيادة التاء المثناة من فوق، وفي ~~رواية: ولا يفترش ومعناه واحد كما قال ابن المنير وابن رسلان، أي لا يجعل ~~ذراعيه على الأرض كالفراش والبساط. قال القرطبي: ولا شك في كراهة هذه ~~الهيئة ولا في استحباب نقيضها PageV02P285 # قوله " انبساط الكلب " في رواية " افتراش الكلب " وقد عرفت أن معناهما ~~واحد، والانبساط مصدر فعل محذوف تقديره ولا يبسط فينبسط انبساط الكلب، ~~ومثله قوله تعالى: # * (والله أنبتكم من الأرض نباتا) * (نوح 17) وقوله تعالى: * (وأنبتها ~~نباتا حسنا) * (آل عمران: 37) أي أنبتكم فنبتم نباتا، وأنبتها فنبتت نباتا. ~~والمراد بالاعتدال المأمور به في الحديث هو ms0826 التوسط بين الافتراش والقبض. ~~وظاهر الحديث الوجوب، وقد تقدم في شرح الحديث الأول ما يدل على صرفه عنه ~~إلى الاستحباب. # وعن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ~~سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شئ من فخذيه رواه أبو داود. # حديث أبي حميد قد تقدم ذكر من أخرجه في باب رفع اليدين وهذا طرف منه. # قوله: فرج بين فخذيه أي فرق بين فخذيه وركبتيه وقدميه، قال أصحاب ~~الشافعي: # يكون التفريق بين القدمين بقدر شبر. قوله: غير حامل بطنه بفتح الراء من ~~غير، والمراد أنه لم يجعل شيئا من فخذيه حاملا لبطنه بل يرفع بطنه عن ~~فخذيه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت. (والحديث) يدل على مشروعية ~~التفريج بين وعن أبي حميد: أن الفخذين في السجود ورفع البطن عنهما ولا خلاف ~~في ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من ~~الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه رواه أبو داود والترمذي ~~وصححه. # وهذا أيضا طرف من حديث أبي حميد المتقدم، وأخرجه بهذا اللفظ أيضا ابن ~~خزيمة في صحيحه. قوله: أمكن يقال: أمكنته من الشئ ومكنته منه فتمكن واستمكن ~~أي قوي عليه. وفيه دليل على مشروعية السجود على الانف والجبهة وسيأتي ~~الكلام عليه. قوله: ونحى يديه فيه مشروعية التخوية في السجود كما في ~~الركوع. قوله: # ووضع كفيه هذه الرواية مبينة للرواية الأخرى الواردة بلفظ: ووضع يديه. # قوله: حذو منكبيه فيه مشروعية وضع اليدين في السجود حذو المنكبين. # باب أعضاء السجود عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه ~~وقدماه رواه الجماعة إلا البخاري. PageV02P286 # قوله: آراب بالمد جمع إرب بكسر أوله وإسكان ثانيه وهو العضو. (الحديث) ~~يدل على أن أعضاء السجود سبعة، وأنه ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وقد ~~اختلف العلماء في وجوب السجود على ms0827 هذه السبعة الأعضاء، فذهبت العترة ~~والشافعي في أحد قوليه إلى وجوب السجود على جميعها للأوامر التي ستأتي من ~~غير فصل بينها. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وأكثر الفقهاء: ~~الواجب السجود على الجبهة فقط لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ومكن جبهتك ~~ووافقهم المؤيد بالله في عدم وعن ابن عباس قال: أمر وجوب السجود على ~~القدمين، والحق ما قاله الأولون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على ~~سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين ~~أخرجاه. # وفي لفظ: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ~~على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين والقدمين متفق عليه. وفي ~~رواية: # أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف واليدين ~~والركبتين والقدمين رواه مسلم والنسائي. # قوله: أمر قال الحافظ: هو بضم الهمزة في جميع الروايات على البناء لما لم ~~يسم فاعله وهو الله جل جلاله. قال البيضاوي: وعر ف ذلك بالعرف وذلك يقتضي ~~الوجوب، ونظره الحافظ قال: # لأنه ليس فيه صيغة افعل وهو ساقط، لأن لفظ أمر أدل على المطلوب من صيغة ~~أفعل كما تقرر في الأصول، ولكن الذي يتوجه على القول باقتضائه الوجوب على ~~الأمة أنه لا يتم إلا على القول بأن خطابه صلى الله عليه وآله وسلم خطاب ~~لامته وفيه خلاف معروف، ولا شك أن عموم أدة التأسي تقتضي ذلك، وقد أخرجه ~~البخاري في صحيحه من رواية شعبة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس ~~بلفظ: أمرنا وهو دال على العموم. قوله: سبعة أعظم سمي كل واحد عظما وإن ~~اشتمل على عظام باعتبار الجملة، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم ~~بعضها، كذا قال ابن دقيق العيد. قوله: ولا يكف شعرا ولا ثوبا جملة معترضة ~~بين المجمل والمبين. والمراد بالشعر شعر الرأس. وظاهره أن ترك الكف واجب ~~حال الصلاة لا خارجها، ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور فإنهم ~~كرهوا ذلك ms0828 للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها. قال الحافظ: ~~واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن PageV02P287 # حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. (قيل) والحكمة في ذلك أنه إذا رفع ~~ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين. قوله: الجبهة احتج به من قال ~~بوجوب السجود على الجبهة دون الانف وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: أنه ~~يجزئ السجود على الانف وحده، وقد نقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا ~~يجزئ السجود على الانف وحده، وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب من ~~المالكية وغيرهم إلى أنه يجب أن يجمعهما وهو قول للشافعي. (واستدل) أبو ~~حنيفة بالرواية الثانية من حديث ابن عباس المذكور في الباب، لأنه ذكر ~~الجبهة وأشار إلى الانف، فدل على أنه المراد ورده ابن دقيق العيد فقال: إن ~~الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة لأنها قد لا تعين المشار إليه، بخلاف ~~العبارة فإنها معينة، وفيه أن الإشارة الحسية أقوى من الدلالة اللفظية، ~~وعدم التعيين المدعي ممنوع، وقد صرح النحاة أن التعيين فيها يقع بالعين ~~والقلب، وفي المعرف باللام بالقلب فقط، ولهذا جعلوها أعرف منه، بل قال ابن ~~السراج: إنها أعرف المعارف. واستدل القائلون بوجوب الجمع بينهما بالرواية ~~الثالثة من حديث ابن عباس المذكور لأنه جعلهما كعضو واحد، ولو كان كل واحد ~~منهما عضوا مستقلا للزم أن تكون الأعضاء ثمانية، وتعقب بأنه يلزم منه أن ~~يكتفي بالسجود على الانف وحده والجبهة وحدها، فيكون دليلا لأبي حنيفة، لأن ~~كل واحد منهما بعض العضو وهو يكفي كما في غيره من الأعضاء، وأنت خبير بأن ~~المشي على الحقيقة هو المتحتم، والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه ~~غير ضائرة. ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع، ولا خلاف أن السجود ~~على مجموع الجبهة والأنف مستحب. وقد أخرج أحمد من حديث وائل قال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد على الأرض واضعا جبهته وأنفه في سجوده ~~وأخرج الدارقطني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ms0829 الله ~~عليه وآله وسلم: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين. قال ~~الدارقطني: الصواب عن عكرمة مرسلا، وروى إسماعيل بن عبد الله المعروف ~~بسمويه في فوائده عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على ~~الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك. قوله: واليدين المراد بهما الكفان بقرينة ما ~~تقدم من النهي عن افتراش السبع والكلب. قوله: والرجلين وفي الرواية الثانية ~~والثالثة: والركبتين والقدمين وهي معينة للمراد من الرجلين في الرواية ~~الأولى. # (والحديث) يدل على وجوب السجود على السبعة الأعضاء جميعا، وقد تقدم ~~الخلاف PageV02P288 # في ذلك، وظاهره أنه لا يجب كشف شئ من هذه الأعضاء، لأن مسمى السجود يحصل ~~بوضعها دون كشفها. قال ابن دقيق العيد: ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير ~~واجب لما يحذر فيه من كشف العورة، وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف، ~~وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة يقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف ~~القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة اه. ويمكن أن يخص ~~ذلك بلابس الخف لأجل الرخصة. وأما كشف اليدين والجبهة فسيأتي الكلام عليه ~~في الباب الذي بعد هذا. وقد ذهب الهادي والقاسم والشافعي إلى أنه لا يجب ~~الكشف عن شئ من السبعة الأعضاء. وذهب الناصر والمرتضى وأبو طالب والشافعي ~~في أحد قوليه إلى أنه يجب في الجبهة دون غيرها. وقال المؤيد بالله وأبو ~~حنيفة: إنه يجزئ السجود على كور العمامة. وفي قول للشافعي أنه يجب كشف ~~اليدين كالجبهة. وقال المؤيد بالله وأبو حنيفة وأهل القول الأول: أنه لا ~~يجب كعصابة الحرة، وسيأتي الدليل على ذلك. # باب المصلي يسجد على ما يحمله ولا يباشر مصلاه بأعضائه عن أنس قال: كنا ~~نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع ~~أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه رواه الجماعة. # قوله: ثوبه قال في الفتح: الثوب في الأصل يطلق على غير المخيط. (والحديث) ~~يدل على ms0830 جواز السجود على الثياب لاتقاء حر الأرض، وفيه إشارة إلى أن مباشرة ~~الأرض عند السجود هي الأصل لتعليق بسط ثوب بعدم الاستطاعة. وقد استدل ~~بالحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. قال النووي وبه قال أبو ~~حنيفة والجمهور، وحمله الشافعي على الثوب المنفصل. قال ابن دقيق العيد: ~~يحتاج من استدل به على الجواز إلى أمرين: أحدهما أن لفظ ثوبه دال على ~~المتصل به، إما من حيث اللفظ وهو تعقيب السجود بالبسط، وإما من خارج اللفظ ~~وهو قلة الثياب عندهم، وعلى تقدير أن يكون كذلك وهو الأمر الثاني يحتاج إلى ~~ثبوت كونه متناولا لمحل النزاع، وهو أن يكون مما يتحرك بحركة المصلي، وليس ~~في الحديث ما يدل عليه، وقد عورض هذا الحديث بحديث خباب بن الأرت عند ~~الحاكم في الأربعين والبيهقي بلفظ: شكونا إلى PageV02P289 # رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا ~~وأخرجه مسلم بدون لفظ حر وبدون لفظ جباهنا وأكفنا، ويجمع بين الحديثين بأن ~~الشكاية كانت لأجل تأخير الصلاة حتى يبرد الحر، لا لأجل السجود على الحائل، ~~إذ لو كان كذلك لاذن لهم بالحائل المنفصل، كما تقدم أنه كان (ص) يصلي على ~~الخمرة، ذكر معنى ذلك الحافظ في التلخيص. وأما ما أخرجه أبو داود في ~~المراسيل عن صالح بن خيوان السبائي أن رسول الله (ص) رأى رجلا يسجد إلى ~~جنبه وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته. # وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن عبد الله قال: رأى رسول الله (ص) رجلا ~~يسجد على كور العمامة فأومأ بيده ارفع عمامتك فلا تعارضهما الأحاديث ~~الواردة بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يسجد على كور عمامته، لأنها كما ~~قال البيهقي لم يثبت منها شئ يعني مرفوعا. وقد رويت من طرق عن جماعة من ~~الصحابة. منها: عن ابن عباس عند أبي نعيم في الحلية وفي إسناده ضعف كما قال ~~الحافظ. ومنها: عن ابن أبي أوفى عند الطبراني وفيه قائد أبو الورقاء وهو ~~ضعيف. ومنها: عن جابر ms0831 عند ابن عدي وفيه عمرو بن شمر وجابر الجعفي وهما ~~متروكان. ومنها: عن أنس عند ابن أبي حاتم في العلل وفيه حسان بن سيارة وهو ~~ضعيف. # ورواه عبد الرزاق مرسلا. وعن أبي هريرة قال أبو حاتم: هو حديث باطل، ~~ويمكن الجمع إن كان لهذه الأحاديث أصل في الاعتبار، بأن يحمل حديث صالح بن ~~خيوان وعياض بن عبد الله على عدم العذر من حر أو برد، وأحاديث سجوده صلى ~~الله عليه وآله وسلم على كور العمامة على العذر. وكذلك يحمل حديث الحسن ~~الآتي على العذر المذكور. ومن القائلين بجواز السجود على كور العمامة عبد ~~الرحمن بن يزيد، وسعيد بن المسيب، والحسن، وبكر المزني، ومكحول، والزهري، ~~روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة. ومن المانعين عن ذلك علي بن أبي طالب، وابن ~~عمر، وعبادة بن الصامت، وإبراهيم، وابن سيرين، وميمون بن مهران، وعمر بن ~~عبد العزيز، وجعدة بن هبيرة، روى ذلك عنهم أيضا أبو بكر بن أبي شيبة. # وعن ابن عباس قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم ~~مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد ~~رواه أحمد. # الحديث أخرج نحوه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها. وأخرجه بهذا اللفظ أحمد ~~وأبو يعلى PageV02P290 # والطبراني في الأوسط والكبير. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال ~~الصحيح. # (والحديث) يدل على جواز الاتقاء بطرف الثوب الذي على المصلي ولكن للعذر، ~~إما عذر المطر كما في حديث الباب، أو الحر والبرد كما في رواية ابن أبي ~~شيبة. وهذا الحديث مصرح بأن الكساء الذي سجد عليه كان متصلا به. وقد استدل ~~القائلون بجواز ترك كشف اليدين في الصلاة، وقد تقدم ذكرهم في الباب الأول ~~ولكنه مقيد بالعذر كما عرفت، إلا أن القول بوجوب الكشف يحتاج إلى دليل إلا ~~أن يقال: إن الامر بالسجود على الأعضاء المذكورة يقتضي أن لا يكون بينها ms0832 ~~وبين الأرض حائل، وقد قدمنا أن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها. # وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ~~بنا في مسجد بني الأشهل فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد رواه أحمد وابن ~~ماجة وقال: على ثوبه. # الحديث أخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد ~~الدراوردي عن إسماعيل بن أبي حبيبة عنه. وهذا الحديث قد اختلف في إسناده، ~~فقال ابن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن ثابت بن الصامت عن أبيه عن جده وهذا أولى بالصواب قاله المزني. ~~وقد استدل به أيضا القائلون بجواز ترك كشف اليدين حال السجود، وهو أدل على ~~مطلوبهم من حديث ابن عباس لاطلاقه، وتقييد حديث ابن عباس بالعذر، وقد تقدم ~~تمام الكلام عليه. # قال المصنف: وقال البخاري قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة ~~والقلنسوة ويداه في كمه. وروى سعيد في سننه عن إبراهيم قال: كانوا يصلون في ~~المساتق والبرانس والطيالسة ولا يخرجون أيديهم انتهى. وكلام الحسن الذي ~~علقه البخاري قد وصله البيهقي وقال: هذا أصح ما في السجود موقوفا على ~~الصحابة. ووصله أيضا عبد الرزاق وابن أبي شيبة. والقلنسوة بفتح القاف ~~واللام، وسكون النون، وضم المهملة، وفتح الواو وقد تبدل ياء مثناة من تحت ~~وقد تبدل ألفا وتفتح السين، وبعدها هاء تأنيث وهي غشاء مبطن يستر به الرأس، ~~قاله القزاز في شرح الفصيح. وقال ابن هشام: التي يقال لها العمامة الشاشية. ~~وفي المحكم هي من ملابس الروس معروفة. وقال أبو هلال العسكري: هي التي تغطي ~~بها العمائم وتستر من الشمس والمطر كأنها عنده رأس البرنس. وقول الحسن: ~~PageV02P291 # ويداه في كمه أي يد كل واحد منهم، قال الحافظ: وكأنه أراد بتغيير الأسلوب ~~بيان أن كل واحد منهم مكان يجمع بين السجود على العمامة والقلنسوة معا، لكن ~~في كل حالة كان يسجد ويداه في كمه. والمساتق جمع مستقة وهي فرو ms0833 طويل الكمين ~~كذا في القاموس. # والبرانس جمع برنس بالضم، قال في القاموس: هو قلنسوة طويلة، أو كل ثوب ~~رأسه منه دراعة كان أو جبة. والطيالسة جمع طيلسان. # باب الجلسة بين السجدتين وما يقول فيها عن أنس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم، ثم ~~يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم رواه مسلم. وفي رواية متفق ~~عليها: أن أنسا قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يصلي بنا، فكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى ~~يقول الناس قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول الناس قد نسي. # الرواية الأولى أخرجها أيضا أبو داود وغيره. قوله: قد أوهم بفتح الهمزة ~~والهاء فعل ماض مبني للفاعل. قال القرطبي: ومعناه ترك. قال ثعلب: يقال ~~أوهمت الشئ إذا تركته كله، أوهم ووهمت في الحساب وغيره إذا غلطت، أهم ووهمت ~~إلى الشئ إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره. وقال في النهاية: أوهم في ~~صلاته أي أسقط منها شيئا، يقال: أوهمت الشئ إذا تركته، وأوهمت في الكلام ~~والكتاب إذا أسقطت منه شيئا. ووهم يعني بكسر الهاء يوهم وهما بالتحريك إذا ~~غلط. قال ابن رسلان: ويحتمل أن يكون معناه نسي أنه في صلاة، وكذا قال ~~الكرماني وزاد: أو ظن أنه في وقت القنوت حيث كان معتدلا، والتشهد حيث كان ~~جالسا، ويؤيد التفسير بالنسيان التصريح به في الرواية الأخرى. قوله: إني لا ~~آلو هو بهمزة ممدودة بعد حرف النفي ولام مضمومة بعدها واو خفيفة أي لا ~~أقصر. قوله: قد نسي أي نسي وجوب الهوي إلى السجود قاله الكرماني، ويحتمل أن ~~يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلا، ~~والتشهد حيث كان جالسا قاله الحافظ. ووقع عند الإسماعيلي PageV02P292 # من طريق غندر عن شعبة قلنا: قد نسي طول القيام أي لأجل طول قيامه. ~~(والحديث) ms0834 يدل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين، ~~وقد ذهب بعض الشافعية إلى بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال والجلوس بين ~~السجدتين محتجا بأن طولهما ينفي الموالاة، وما أدري ما يكون جوابه عن حديث ~~الباب. وعن حديث حذيفة الآتي بعده. وعن حديث البراء المتفق عليه: أنه كان ~~ركوعه صلى الله عليه وآله وسلم وسجوده وإذا رفع من الركوع وبين السجدتين ~~قريبا من السواء. ولفظ مسلم: # وجدت قيامه فركعته فاعتداله الحديث. وفي لفظ للبخاري: كان ركوع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا ~~القيام والقعود قريبا من السواء. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على ~~أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس أصرح في الدلالة على ذلك بل هو نص فيه، ~~فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف وهو قولهم: لم يسن فيه تكرير التسبيحات ~~كالركوع والسجود. ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد انتهى. على ~~أنه قد ثبتت مشروعية أذكار في الاعتدال أكثر من التسبيح المشروع في الركوع ~~والسجود كما تقدم وسيأتي. # وأما القول بأن طولهما ينفي الموالاة فباطل، لأن معنى الموالاة أن لا ~~يتخلل فصل طويل بين الأركان مما ليس فيها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي ~~كونه منها، وقد ترك الناس هذه السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة محدثهم ~~وفقيههم ومجتهدهم ومقلدهم، فليت شعري ما الذي عولوا عليه في ذلك والله ~~المستعان. # وعن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول بين السجدتين: # رب اغفر لي رب اغفر لي رواه النسائي وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وأبو داود عن حذيفة مطولا ولفظه: أنه رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل وكان يقول: الله أكبر ثلاثا، ~~ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع ~~فكان ركوعه نحوا من قيامه وكان يقول في ركوعه: # سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه ~~نحوا من قيامه وفي ms0835 رواية الأسارى: حوا من ركوعه وكان يقول لربي الحمد، ثم ~~يسجد فكان سجوده نحوا من قيامه فكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثم ~~يرفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده وكان ~~يقول: رب اغفر لي رب PageV02P293 # اغفر لي، فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ~~أو الانعام شك شعبة وفي إسناده رجل من بني عبس. قيل: هو صلة بن زفر العبسي ~~الكوفي، وقد احتج به البخاري ومسلم. والحديث أصله في مسلم، وهو يدل على ~~مشروعية طلب المغفرة في الاعتدال بين السجدتين، وعن استحباب تطويل صلاة ~~النافلة والقراءة فيها بالسور الطويلة وتطويل أركانها جميعا. وفيه رد على ~~من ذهب إلى كراهة تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين. قال ~~النووي: والجواب عن هذا الحديث صعب. وقد تقدم بقية الكلام على ذلك. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول بين السجدتين: ~~اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني رواه الترمذي وأبو داود إلا ~~أنه قال فيه: وعافني مكان واجبرني. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، وجمع ابن ماجة بين ~~لفظ ارحمني واجبرني وزاد: ارفعني ولم يقل اهدني ولا عافني. وجمع بينها ~~الحاكم كلها إلا أنه لم يقل وعافني. وفي إسناده كامل أبو العلاء التميمي ~~السعدي الكوفي، وثقه يحيى ابن معين وتكلم فيه غيره. (والحديث) يدل على ~~مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السجدتين. قال المتولي: ويستحب ~~للمنفرد أن يزيد هنا: اللهم هب لي قلبا نقيا من الشرك بريا لا كافرا ولا ~~شقيا. قال الأذرعي: لحديث ورد فيه. # باب السجدة الثانية ولزوم الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع عنهما عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ~~ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ارجع فصل فإنك لم ~~تصل، فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ارجع ms0836 فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: # ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره ~~فعلمني، فقال: # إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى ~~تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع ~~حتى تطمئن PageV02P294 # جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها متفق عليه، ~~لكن ليس لمسلم فيه ذكر السجدة الثانية. وفي رواية لمسلم: إذا قمت إلى ~~الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر الحديث. # الحديث فيه زيادات وله طرق وسنشير إلى بعضها عند الكلام على مفرداته. # وفي الباب عن رفاعة بن رافع عند الترمذي وأبي داود والنسائي. وعن عمار بن ~~ياسر أشار إليه الترمذي. قوله: فدخل رجل هو خلاد بن رافع، كذا بينه ابن أبي ~~شيبة. # قوله: فصلى زاد النسائي ركعتين، وفيه إشعار بأنه صلى نفلا. قال الحافظ: ~~والأقرب أنها تحية المسجد. قوله: ثم جاء فسلم زاد البخاري: فرد النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وفي مسلم وكذا البخاري في الاستئذان من رواية ابن ~~نمير فقال: وعليك السلام وهذه الزيادة ترد ما قاله ابن المنير من أن ~~الموعظة في وقت الحاجة أهم من رد السلام، واستدل بالحديث قال: ولعله لم يرد ~~عليه تأديبا له على جهله، ولعله لم يستحضر هذه الزيادة. قوله: فإنك لم تصل ~~قال عياض فيه: إن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ، وهذا مبني ~~على أن المراد بالنفي نفي الاجزاء وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال ~~تمسك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالإعادة بعد التعليم فدل على ~~إجزائها وإلا لزم تأخير البيان، كذا قال بعض المالكية وتعقب بأنه قد أمره ~~في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك ~~على غير هذه الكيفية. وقد احتج لتوجه النفي إلى الكمال بما وقع ms0837 في بعض ~~روايات الحديث عند أبي داود والترمذي من حيث رفاعة بلفظ: فإن انتقصت منه ~~شيئا انتقصت من صلاتك وكان أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك شيئا ~~انتقص من صلاته ولم تذهب كلها، قالوا: والنقص لا يستلزم الفساد وإلا لزم في ~~ترك المندوبات لأنها تنتقص بها الصلاة، وقد قدمنا الجواب عن هذا الاحتجاج ~~في شرح أول حديث من أبواب صفة الصلاة. قوله: ثلاثا في رواية البخاري: فقال ~~في الثالثة أو في التي بعدها، وفي أخرى له فقال في الثانية أو في الثالثة، ~~ورواية الكتاب أرجح لعدم الثالثة فيها، ولكونه صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~من عادته استعمال الثلاث في تعليمه. قوله: إذا قمت إلى الصلاة فكبر وفي ~~رواية للبخاري: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر وهي ~~في مسلم أيضا كما قال المصنف. وفي رواية للبخاري أيضا والترمذي وأبي داود: ~~فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم والمراد بقوله: ثم تشهد الامر بالشهادتين ~~عقيب PageV02P295 # الوضوء لا التشهد في الصلاة، كذا قال ابن رسلان وهو الظاهر من السياق ~~لأنه جعله مرتبا على الوضوء، ورتب عليه الإقامة والتكبير والقراءة كما في ~~رواية أبي داود. والمراد بقوله: # وأقم الامر بالإقامة. وفي رواية النسائي وأبي داود: ثم يكبر ويحمد الله ~~ويثني عليه، إلا أنه قال النسائي: يمجده مكان يثني عليه، ثم ساق أبو داود ~~في هذه الرواية الامر بتكبير الانتقال في جميع الأركان والتسميع وهي تدل ~~على وجوبه، وقد تقدم البحث عن ذلك. وظاهر قوله: فكبر في رواية حديث الباب ~~وجوب تكبيرة الافتتاح، وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل أبواب صفة الصلاة. ~~قوله: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن وفي رواية لأبي داود والنسائي من حديث ~~رفاعة: فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله وفي ~~رواية لأبي داود من حديث رفاعة: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله ولأحمد ~~وابن حبان: ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت. وقد تمسك ms0838 بحديث الباب من ~~لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأجيب عنه بهذه الروايات المصرحة بأم ~~القرآن، وقد تقدم البحث عن ذلك في باب وجوب قراءة الفاتحة. قوله: ثم اركع ~~حتى تطمئن في رواية لأحمد وأبي داود: فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ~~وامدد ظهرك ومكن ركوعك. قوله: ثم ارفع حتى تعتدل قائما في رواية لابن ماجة: ~~تطمئن وهي على شرط مسلم، وأخرجها إسحاق بن راهويه في مسنده، وأبو نعيم في ~~مستخرجه، والسراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري. قال الحافظ: فثبت ذكر ~~الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن ~~حبان. وفي لفظ لأحمد: فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها وهذه الروايات ~~ترد مذهب من لم يوجب الطمأنينة، وقد تقدم الكلام في ذلك. قوله: ثم اسجد حتى ~~تطمئن ساجدا فيه دليل على وجوب السجود وهو إجماع، ووجوب الطمأنينة فيه ~~خلافا لأبي حنيفة. قوله: ثم ارفع حتى تطمئن جالسا فيه دلالة على وجوب الرفع ~~والطمأنينة فيه ولا خلاف في ذلك. # وقال أبو حنيفة: يكفي أدنى رفع، وقال مالك: يكون أقرب إلى الجلوس. قوله: ~~ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا فيه أيضا وجوب السجود والطمأنينة فيه، ولا خلاف في ~~ذلك. # (وقد استدل) بهذا الحديث على عدم وجوب قعدة الاستراحة، وسيأتي الكلام على ~~ذلك في الباب الذي بعد هذا، ولكنه قد ثبت في رواية للبخاري من رواية ابن ~~نمير في باب الاستئذان بعد ذكر السجود الثاني بلفظ: ثم ارفع حتى تطمئن ~~جالسا وهي PageV02P296 # تصلح للمتمسك بها على الوجوب، ولكنه لم يقل به أحد، على أنه قد أشار ~~البخاري إلى أن ذلك وهم لأنها عقبها بقوله: قال أبو أسامة في الأخير حتى ~~يستوي قائما. ويمكن أن يحمل إن كان محفوظا على الجلوس للتشهد انتهى. فشكك ~~البخاري هذه الرواية التي ذكرها ابن نمير بمخالفة أبي أسامة وبقوله إن كان ~~محفوظا. قال في البدر المنير ما معناه: # وقد أثبت هذه الزيادة إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة كما ms0839 قال ابن ~~نمير. # وكذلك البيهقي من طريقه، وزاد أبو داود في حديث رفاعة: فإذا جلست في وسط ~~الصلاة يعني التشهد الأوسط فاطمئن وافرش فخذك ثم تشهد. (الحديث يدل) على ~~وجوب الطمأنينة في جميع الأركان كما تقدم، وقد جزم كثير من العلماء بأن ~~واجبات الصلاة هي المذكورة في طرق هذا الحديث، واستدلوا به على عدم وجوب من ~~لم يذكر فيه. قال ابن دقيق العيد: تقرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث ~~على وجوب ما ذكر فيه وعدم وجوب ما لم يذكر فيه، فأما وجوب ما ذكر فيه ~~فلتعلق الامر به، وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك بمجرد كون الأصل عدم الوجوب ~~بل لأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف ~~لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر ~~أنه (ص) ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم يتعلق به أساءته من ~~واجبات الصلاة. وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة ~~فقط. فإذا تقرر هذا، فكل موضع اختلفت العلماء في وجوبه وكان مذكورا في هذا ~~الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في عدم وجوبه ولم يكن ~~مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه لكونه غير مذكور على ~~ما تقدم من كونه موضع تعليم، ثم قال: إلا أن على طالب التحقيق ثلاث وظائف: ~~أحدها أن يجمع طرق الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد ~~فالزائد فإن الاخذ بالزائد واجب. وثانيها: إذا أقام دليلا على أحد الامرين ~~إما الوجوب أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى، وهذا ~~عند النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به، ~~قال: وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شئ بعدم ذكره في الحديث، وجاءت ~~صيغة الامر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الامر وإن كان يمكن أن يقال ~~الحديث دليل على عدم الوجوب ويحمل صيغة الامر على ms0840 الندب، ثم ضعفه بأنه إنما ~~يتم إذا PageV02P297 # كان عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الامر وليس كذلك، فإن ~~عدم الذكر إنما يدل على عدم الوجوب، وهو غير عدم الذكر في نفس الامر، فيقدم ~~ما دل على الوجوب لأنه إثبات لزيادة يتعين العمل بها انتهى. والوظائف التي ~~أرشد إليها قد امتثلنا رسمه فيها. فجمعنا من طرق هذا الحديث في هذا الشرح ~~عند الكلام على مفرداته ما تدعو الحاجة إليه، وتظهر للاختلاف في ألفاظه ~~مزيد فائدة، وعملنا بالزائد فالزائد من ألفاظه، فوجدنا الخارج عما اشتمل ~~عليه حديث الباب: الشهادتين بعد الوضوء، وتكبير الانتقال، والتسميع، ~~والإقامة، وقراءة الفاتحة، ووضع اليدين على الركبتين حال الركوع، ومد ~~الظهر، وتمكين السجود، وجلسة الاستراحة، وفرش الفخذ، والتشهد الأوسط، ~~والامر بالتحميد والتكبير والتهليل والتمجيد عند عدم استطاعة القراءة، وقد ~~تقدم الكلام على جميعها، إلا التشهد الأوسط، وجلسة الاستراحة، وفرش الفخذ، ~~فسيأتي الكلام على ذلك. والخارج عن جميع ألفاظه من الواجبات المتفق عليها ~~كما قال الحافظ والنووي: النية، والقعود الأخير. ومن المختلف فيها التشهد ~~الأخير، والصلاة على النبي (ص) فيه، والسلام في آخر الصلاة وقد قدمنا ~~الكلام على النية في الوضوء، وسيأتي الكلام على الثلاثة الأخيرة. وأما قوله ~~إنها تقدم صيغة الامر إذا جاءت في حديث آخر واختياره لذلك من دون تفصيل ~~فنحن لا نوافقه، بل نقول: إذا جاءت صيغة أمر قاضية بوجوب زائد على ما في ~~هذا الحديث، فإن كانت متقدمة على تاريخه كان صارفا لها إلى الندب، لأن ~~اقتصاره (ص) في التعلم على غيرها وتركه لها من أعظم المشعرات بعدم وجوب ما ~~تضمنته لما تقرر من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وإن كانت ~~متأخرة عنه فهو غير صالح لصرفها، لان الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتا ~~فوقتا، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ~~ثعلبة وغيره، أعني الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين، لأن النبي (ص) ~~اقتصر عليها في مقام التعليم، والسؤال عن جميع PageV02P298 # الواجبات واللازم ms0841 باطل فالملزوم مثله. وإن كانت صيغة الامر الواردة بوجوب ~~زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدم عليه ولا التأخر ولا المقارنة، ~~فهذا محل الاشكال ومقام الاحتمال، والأصل عدم الوجوب والبراءة منه حتى يقوم ~~دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة، ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة ~~على حديث المسئ إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره، فلا ينتهض ~~للاستدلال به على الوجوب، وهذا التفصيل لا بد منه، وترك مراعاته خارج عن ~~الاعتدال إلى حد الافراط أو التفريط، لأن قصر الواجبات على حديث المسئ فقط، ~~وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيلا لصلاحيته لصرف كل دليل يرد بعده دال على ~~الوجوب، سد لباب التشريع، ورد لما تجدد من واجبات الصلاة، ومنع للشارع من ~~إيجاب شئ منها وهو باطل لما عرفت من تجدد الواجبات في الأوقات. والقول ~~بوجوب كل ما ورد الامر به من غير تفصيل، يؤدي إلى إيجاب كل أقوال الصلاة ~~وأفعالها التي ثبتت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من غير فرق بين أن يكون ~~ثبوتها قبل حديث المسئ أو بعده، لأنها بيان للامر القرآني أعني قوله تعالى: ~~* (أقيموا الصلاة) * (الأحزاب: 56) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا ~~كما رأيتموني أصلي وهو باطل لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا ~~يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب ~~أمر خارج عن حديث المسئ، ليس بصيغة الامر كالتوعد على الترك أو الذم لمن لم ~~يفعل. وهكذا يفصل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شئ مما اشتمل عليه حديث المسئ ~~أو تحريمه إن فرضنا وجوده. (وقد استدل) بالحديث على عدم وجوب الإقامة، ~~ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الاحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، ~~وتكبيرات الانتقال، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على ~~الفخذ، والقعود ونحو ذلك. قال الحافظ: وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر ~~في بعض الطرق اه. وقد قدمنا البعض من ذلك. وللحديث فوائد كثيرة، قال أبو ~~بكر بن العربي: فيه أربعون مسألة ثم ms0842 سردها. # وعن حذيفة أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته دعاه ~~فقال له حذيفة: ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والبخاري. # قوله: رأى حذيفة رجلا روى عبد الرزاق وابن خزيمة وابن حبان من طريق ~~PageV02P299 # الثوري عن الأعمش أن هذا الرجل كان عند أبواب كندة. قال الحافظ: ولم أقف ~~على اسمه. قوله: ما صليت هو نظير قوله (ص) للمسئ: فإنك لم تصل وزاد أحمد ~~بعد قوله فقال له حذيفة: منذ كم صليت؟ قال: منذ أربعين سنة. وللنسائي مثل ~~ذلك. وحذيفة مات سنة ست وثلاثين من الهجرة، فعلى هذا يكون ابتداء صلاة ~~المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر. قال الحافظ: ولعل الصلاة لم تكن ~~فرضت بعد، فلعله أراد المبالغة، أو لعله كان ممن يصلي قبل إسلامه ثم أسلم ~~فحصلت المدة المذكورة من الامرين. ولهذه العلة لم يذكر البخاري هذه ~~الزيادة. قوله: غير الفطرة قال الخطابي: # الفطرة الملة والدين، قال: ويحتمل أن يكون المراد بها السنة كما في حديث: ~~خمس من الفطرة وقد قدمنا تفسيرها في شرح حديث خصال الفطرة. (والحديث) يدل ~~على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الاخلال بها يبطل الصلاة، ~~وعلى تكفير تارك الصلاة، لأن ظاهره أن حذيفة نفى الاسلام عنه وهو على ~~حقيقته عند قوم، وعلى المبالغة عند قوم آخرين. وقد تقدم الكلام على ذلك في ~~أوائل كتاب الصلاة. وقال الحافظ: إن حذيفة أراد توبيخ الرجل ليرتدع في ~~المستقبل. ويرجحه وروده من وجه آخر عند البخاري بلفظ: سنة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهذه الزيادة تدل على أن حديث حذيفة المذكور مرفوع، لأن قول ~~الصحابي من السنة يفيد ذلك، وقد مال إليه قوم وخالفه آخرون والأول هو ~~الراجح. # وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أشر الناس ~~سرقة الذي يسرق من صلاته، فقالوا: يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته؟ قال: ~~لا يتم ms0843 ركوعها ولا سجودها، أو قال: ولا يقيم صلبه في الركوع والسجود رواه ~~أحمد. ولأحمد من حديث أبي سعيد مثله إلا أنه قال: يسرق صلاته. # الحديث أخرجه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط قال في مجمع الزوائد: ~~ورجاله رجال الصحيح. وفيه أن ترك إقامة الصلب في الركوع والسجود جعله ~~الشارع من أشر أنواع السرق، وجعل الفاعل لذلك أشر من تلبس بهذه الوظيفة ~~الخسيسة التي لا أوضع ولا أخبث منها تنفيرا عن ذلك وتنبيها على تحريمه. وقد ~~صرح صلى الله عليه وآله وسلم بأن صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ~~غير مجزئة، كما أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه النسائي وابن ماجة من حديث ~~ابن مسعود بلفظ: لا تجزئ صلاة الرجل PageV02P300 # حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود ونحوه عن علي بن شيبان عند أحمد وابن ~~ماجة، وقد تقدما في باب أن الانتصاب بعد الركوع فرض. والأحاديث في هذا ~~الباب كثيرة، وكلها ترد على من لم يوجب الطمأنينة في الركوع والسجود ~~والاعتدال منهما. # باب كيف النهوض إلى الثانية وما جاء في جلسة الاستراحة عن وائل بن حجر أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع ~~كفاه، فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه، وإذا نهض نهض على ~~ركبتيه واعتمد على فخذيه رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أبو داود من طريق عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه، وقد ~~أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أبيه شيئا، وقال أيضا: مات ~~وهو حمل، قال الذهبي: وهذا القول مردود بما صح عنه أنه قال: كنت غلاما لا ~~أعقل صلاة أبي. وأخرجه من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكليب والد عاصم لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فحديثه مرسل، قال ذلك الترمذي والمنذري وغيرهما، وقد تقدم تفصيل ذلك في باب ~~هيئات السجود. قوله: وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع كفاه وقد ms0844 تقدم ~~الكلام على هذه الهيئة وما فيها من الاختلاف في باب هيئات السجود. قوله: ~~فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه لم يذكر هذا أبو داود في الباب ~~الذي ذكر فيه طرق حديث وائل، وإنما ذكره في باب افتتاح الصلاة. والمجافاة ~~المباعدة وهو من الجفاء وهو البعد عن الشئ. قوله: وإذا نهض نهض على ركبتيه ~~فيه مشروعية النهوض على الركبتين والاعتماد على الفخذين لا على الأرض. ~~قوله: على فخذيه الذي في سنن أبي داود على فخذه بلفظ الافراد، وقيده ابن ~~رسلان في شرح السنن بالافراد أيضا وقال: هكذا الرواية، ثم قال: وفي رواية ~~أظنها لغير المصنف يعني أبا داود على فخذيه بالتثنية وهو اللائق بالمعنى. ~~ورواه أيضا أبو داود في باب افتتاح الصلاة بالافراد، قال ابن رسلان: ولعل ~~المراد التثنية كما في ركبتيه. # وعن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فإذا ~~كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا رواه الجماعة إلا مسلما وابن ~~ماجة. PageV02P301 # الحديث فيه مشروعية جلسة الاستراحة، وهي بعد الفراغ من السجدة الثانية ~~وقبل النهوض إلى الركعة الثانية والرابعة. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في ~~المشهور عنه وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان. وذكر الخلال أن أحمد ~~رجع إلى القول بها ولم يستحبها الأكثر، واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي أحمد ~~الساعدي المشتمل على وصف صلاته صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر فيه هذه ~~الجلسة بل ثبت في بعض ألفاظه: أنه قام ولم يتورك كما أخرجه أبو داود قال: ~~فيحتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد من أجلها، ~~لأن ذلك من سنة الصلاة، ثم قوى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر ~~مخصوص، وتعقب بأن الأصل عدم العلة، وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث: ~~صلوا كما رأيتموني أصلي فحكاياته لصفات صلاة رسول الله (ص) داخلة تحت هذا ~~الامر. وحديث أبي حميد يستدل به على عدم وجوبها، وأنه تركها ms0845 لبيان الجواز ~~لا على عدم مشروعيتها، على أنها لم تتفق الروايات عن أبي حميد في نفي هذه ~~الجلسة، بل أخرج أبو داود والترمذي وأحمد عنه من وجه آخر بإثباتها. وأما ~~الذكر المخصوص فإنها جلسة خفيفة جدا استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام. ~~(واحتج بعضهم) على نفي كونها سنة بأنها لو كانت كذلك لذكرها كل من وصف ~~صلاته، وهو متعقب بأن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف ~~صلاته، إنما أخذ مجموعها عن مجموعهم. # (واحتجوا أيضا) على عدم مشروعيتها بما وقع في حديث وائل بن حجر عند ~~البزار بلفظ: كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائما وهذا الاحتجاج يرد ~~على من قال بالوجوب لا من قال بالاستحباب لما عرفت، على أن حديث وائل قد ~~ذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف. (واحتجوا) أيضا بما أخرجه الطبراني ~~من حديث معاذ أنه كان يقوم كأنه السهم، وهذا لا ينفي الاستحباب المدعي على ~~أن في إسناده متهما بالكذب، وقد عرفت مما قدمنا في شرح حديث المسئ أن جلسة ~~الاستراحة مذكورة فيه عند البخاري وغيره، لا كما زعمه النووي من أنها لم ~~تذكر فيه، وذكرها فيه يصلح للاستدلال به على وجوبها، لولا ما ذكرنا فيما ~~تقدم من إشارة البخاري إلى أن ذكر هذه الجلسة وهم، وما ذكرنا أيضا من أنه ~~لم يقل بوجوبها أحد، وقد صرح بمثل ذلك الحافظ في الفتح. (ومن جملة) ما احتج ~~به القائلون بنفي استحبابها حديث وائل بن حجر عند أبي داود المتقدم قبل ~~حديث الباب. وما روى ابن المنذر عن النعمان بن أبي عياش PageV02P302 # قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا ~~رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس، وذلك لا ~~ينافي القول بأنها سنة، لأن الترك لها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط، وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في ~~سنيتها، لأن ترك ما ليس ms0846 بواجب جائز. # باب افتتاح الثانية بالقراءة من غير تعوذ ولا سكتة عن أبي هريرة قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نهض في الركعة الثانية افتتح ~~القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت رواه مسلم. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة من حديث عبد الواحد وغيره عن عمارة ~~بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، أخرجه أيضا أبو داود وليس عنده ~~السكتة في الركعة الأولى وذكر دعاء الاستفتاح فيها، وكذلك هو عند ابن ماجة ~~بلفظ أبي داود، وعند النسائي من هذا الوجه عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة. (والحديث) يدل على عدم ~~مشروعية السكتة قبل القراءة في الركعة الثانية، وكذلك عدم مشروعية التعوذ ~~فيها، وحكم ما بعدها من الركعات حكمها، فتكون السكتة قبل القراءة مختصة ~~بالركعة الأولى، وكذلك التعوذ قبلها، وقد تقدم الكلام في السكتتين في باب ~~ما جاء في السكتتين وفي التعوذ في بابه المتقدم، وقد رجح صاحب الهدى ~~الاقتصار على التعوذ في الأولى ولهذا الحديث واستدل لذلك بأدلة فليراجع. # باب الأمر بالتشهد الأول وسقوطه بالسهو عن ابن مسعود قال: إن محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله ~~والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه عز وجل ~~رواه أحمد والنسائي. PageV02P303 # الحديث رواه أحمد من طرق بألفاظ فيها بعض اختلاف وفي بعضها طول وجميعها ~~رجالها ثقات، وإنما عزاه المصنف رحمه الله إلى أحمد والنسائي باعتبار ~~الزيادة التي في أوله وهي إذا قعدتم في كل ركعتين فإنها لم تكن عند غيرهما ~~بهذا اللفظ، وهو عند الترمذي بلفظ قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا قعدنا في الركعتين وفي رواية أخرى للنسائي بلفظ: فقولوا في كل ~~جلسة وأما ms0847 سائر ألفاظ الحديث إلى قوله: ثم ليتخير فقد اتفق على إخراجه ~~الجماعة كلهم وسيذكره المصنف. وأما زيادة قوله ثم ليتخير إلى آخر الحديث ~~فأخرجها البخاري بلفظ: ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به وفي ~~لفظ له: ثم يتخير من الثناء ما شاء. وأخرجها أيضا مسلم بلفظ: ثم يتخير من ~~المسألة ما شاء. وفي رواية للنسائي عن أبي هريرة: ثم يدعو لنفسه بما بدا ~~له. قال الحافظ: # إسنادها صحيح. وفي رواية أبي داود: ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه ~~إليه. وقوله: # فقولوا التحيات فيه دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط وهو أحمد في ~~المشهور عنه، والليث وإسحاق وهو قول للشافعي، وإليه ذهب داود وأبو ثور، ~~ورواه النووي عن جمهور المحدثين. ومما يدل على ذلك إطلاق الأحاديث الواردة ~~بالتشهد وعدم تقييدها بالأخير. # (واحتج الطبري) لوجوبه بأن الصلاة وجبت أولا ركعتين وكان التشهد فيها ~~واجبا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وتعقب بأن الزيادة لم ~~تتعين في الأخريين، بل يحتمل أن يكون هما الفرض الأول، والمزيد هما ~~الركعتان الأوليان بتشهدهما. ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما ~~كان، كذا قال الحافظ. ولا يخفى ما في هذا التعقب من التعسف، وغاية ما استدل ~~به القائلون بعدم الوجوب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك التشهد ~~الأوسط ولم يرجع إليه، ولا أنكر على أصحابه متابعته في الترك وجبره بسجود ~~السهو، فلو كان واجبا لرجع إليه وأنكر على أصحابه متابعته، ولم يكتف في ~~تجبيره بسجود السهو، ويجاب عن ذلك بأن الرجوع على تسليم وجوبه للواجب ~~المتروك إنما يلزم إذا ذكره المصلي وهو في الصلاة، ولم ينقل إلينا أن النبي ~~(ص) ذكره قبل الفراغ، اللهم إلا أن يقال: إنه قد روي أن الصحابة سبحوا به ~~فمضى حتى فرغ كما يأتي، وذلك يستلزم أنه علم به وترك إنكاره على المؤتمين ~~به متابعته إنما يكون حجة بعد تسليم أنه يجب على المؤتمين ترك متابعة ~~الامام إذا ترك واجبا من واجبات الصلاة وهو ممنوع، والسند ms0848 الأحاديث الدالة ~~على وجوب المتابعة، وتجبيره بالسجود إنما يكون دليلا على عدم الوجوب إذا ~~سلمنا أن PageV02P304 # سجود السهو إنما يجبر به المسنون دون الواجب وهو غير مسلم. (والحاصل) أن ~~حكمه حكم التشهد الأخير وسيأتي، والتفرقة بينهما ليس عليها دليل يرتفع به ~~النزاع، على أنه يدل على مزيد خصوصية للتشهد الأوسط، ذكره في حديث المسئ ~~كما تقدم في شرحه وسيأتي. قوله: # التحيات لله إلى آخر ألفاظ التشهد سيأتي شرحها في باب ذكر تشهد ابن ~~مسعود. قوله: ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيه الاذن بكل دعاء ~~أراد المصلي أن يدعو به في هذا الموضع، وعدم لزوم الاقتصار على ما ورد عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن رفاعة بن رافع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا قمت في ~~صلاتك فكبر ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، فإذا جلست في وسط الصلاة ~~فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد رواه أبو داود. # هذا طرف من حديث رفاعة في تعليم المسئ، وقد أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة ~~والترمذي وحسنه، ولكنه انفرد أبو داود بهذه الزيادة أعني قوله: فإذا جلست ~~في وسط الصلاة الخ وفي إسنادها محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث. قوله: في ~~وسط الصلاة بفتح السين قال في النهاية: يقال فيما كان متفرق الاجزاء غير ~~متصل كالناس والدواب بسكون السين، وما كان متصل الاجزاء كالدار والرأس فهو ~~بالفتح، والمراد هنا القعود للتشهد الأول في الرباعية، ويلحق به الأول في ~~الثلاثة. قوله: فاطمئن يؤخذ منه أن المصلي لا يشرع في التشهد حتى يطمئن ~~يعني يستقر كل مفصل في مكانه ويسكن من الحركة. قوله: وافترش فخذك اليسرى أي ~~ألقها على الأرض وابسطها كالفراش للجلوس عليها، والافتراش في وسط الصلاة ~~موافق لمذهب الشافعي وأحمد، ولكن أحمد يقول: يفترش في التشهد الثاني ~~كالأول. والشافعي يتورك في الثاني، ومالك يتورك فيهما، كذا ذكره ابن رسلان ~~في شرح السنن. وفيه دليل لمن قال: إن السنة الافتراش في الجلوس للتشهد ~~الأوسط وهم الجمهور، قال ابن ms0849 القيم: ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه ~~الصفة يعني الفرش والنصب، وقال مالك: يتورك فيه لحديث ابن مسعود: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركا. قال ابن ~~القيم: لم يذكر عنه صلى الله عليه وآله وسلم التورك إلا في التشهد الأخير. ~~(والحديث) فيه دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط، وقد تقدم الاختلاف فيه. # وعن عبد الله ابن بحينة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام في صلاة ~~PageV02P305 # الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس ~~قبل أن يسلم وسجدها الناس معه مكان ما نسي من الجلوس رواه الجماعة. # قوله: عن عبد الله بن بحينة بحينة اسم أم عبد الله أو اسم أم أبيه، قال ~~الحافظ: فعلى هذا ينبغي أن يكتب ابن بحينة بالألف. قوله: قام في صلاة الظهر ~~زاد الضحاك بن عثمان عن الأعرج: فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته أخرجه ابن ~~خزيمة. وعند النسائي والحاكم نحو هذه الزيادة. قوله: وعليه جلوس فيه إشعار ~~بالوجوب حيث قال: وعليه جلوس. قوله: يكبر في كل سجود فيه مشروعية تكبير ~~النقل في سجود السهو. قوله: # وهو جالس جملة حالية متعلقة بقوله سجد أي أنشأ السجود جالسا. (والحديث) ~~استدل به من قال: بأن التشهد الأوسط غير واجب، وتقدم وجه دلالته على ذلك ~~والجواب عنه. # باب صفة الجلوس في التشهد وبين السجدتين وما جاء في التورك والاقعاء عن ~~وائل بن حجر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فسجد ثم قعد ~~فافترش رجله اليسرى رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي لفظ لسعيد بن منصور ~~قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قعد وتشهد فرش قدمه ~~اليسرى على الأرض وجلس عليها. وعن رفاعة بن رافع: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال للأعرابي: إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا جلست فاجلس على رجلك ~~اليسرى رواه أحمد. # حديث وائل أخرجه أيضا ابن ماجة ms0850 والترمذي وقال: حسن صحيح، وحديث رفاعة ~~أخرجه أيضا أبو داود باللفظ الذي سبق في الباب الأول ولا مطعن في إسناده. ~~وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وابن حبان، وقد احتج بالحديثين القائلون باستحباب ~~فرش اليسرى ونصب اليمنى في التشهد الأخير، وهم زيد بن علي، والهادي، ~~والقاسم، والمؤيد بالله، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري. وقال مالك والشافعي ~~وأصحابه: إنه يتورك المصلي في التشهد الأخير. وقال أحمد بن حنبل: إن التورك ~~يختص بالصلاة التي فيها تشهدان. (واستدل) الأولون أيضا بما أخرجه الترمذي ~~وقال: حسن صحيح من حديث أبي حميد: أن رسول PageV02P306 # الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس يعني للتشهد فافترش رجله اليسرى وأقبل ~~بصدور اليمنى على قبلته الحديث. وبحديث عائشة الآتي. ووجه الاستدلال بهذين ~~الحديثين وبحديثي الباب أن رواتها ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يقيدوه ~~بالأول، واقتصارهم عليها من دون تعرض لذكر غيرها مشعر بأنها هي الهيئة ~~المشروعة في التشهدين جميعا، ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة التشهد ~~الأخير ولم يهملوه، لا سيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة، فعلم بذلك أن هذه الهيئة شاملة ~~لهما. ويمكن أن يقال: إن هذه الجلسة التي ذكر هيئتها أبو حميد في هذا ~~الحديث هي جلسة التشهد الأول بدليل حديثه الآتي، فإنه وصف هيئة الجلوس ~~الأول بهذه الصفة، ثم ذكر بعدها هيئة الجلوس الآخر فذكر فيها التورك، ~~واقتصاره على بعض الحديث في هذه الرواية ليس بمناف لما ثبت عنه في الرواية ~~الأخرى، لا سيما وهي ثابتة في صحيح البخاري، ويعد ذلك الاقتصار إهمالا ~~لبيان هيئة التشهد الأخير في مقام التصدي لصفة جميع الصلوات، لأنه ربما ~~اقتصر من ذلك على ما تدعو الحاجة إليه، ويقال في حديث رفاعة المذكور ههنا ~~أنه مبين بروايته المتقدمة في الباب الأول. # وأما حديث وائل وحديث عائشة فقد أجاب عنهما القائلون بمشروعية التورك في ~~التشهد الأخير، بأنهما محمولان على التشهد الأوسط جمعا بين الأدلة، لأنهما ~~مطلقان عن التقييد بأحد الجلوسين. وحديث أبي ms0851 حميد مقيد، وحمل المطلق على ~~المقيد واجب، ولا يخفاك أنه يبعد هذا الجمع ما قدمنا من أن مقام التصدي ~~لبيان صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم يأبى الاقتصار على ذكر هيئة أحد ~~التشهدين وإغفال الآخر، مع كون صفته مخالفة لصفة المذكور، لا سيما حديث ~~عائشة فإنها قد تعرضت فيه لبيان الذكر المشروع في كل ركعتين، وعقبت ذلك ~~بذكر هيئة الجلوس، فمن البعيد أن يخص بهذه الهيئة أحدهما ويهمل الآخر، ~~ولكنه يلوح من هذا أن مشروعية التورك في الأخير آكد من مشروعية النصب ~~والفرش، وأما أنه ينفي مشروعية النصف والفرش فلا، وإن كان حق حمل المطلق ~~على المقيد هو ذلك، لكنه منع من المصير إليه ما عرفناك. والتفصيل الذي ذهب ~~إليه أحمد يرده قوله أبي حميد في حديثه الآتي: فإذا جلس في الركعة الأخيرة. ~~وفي رواية لأبي داود: حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم. وقد اعتذر ~~ابن القيم عن ذلك بما لا طائل تحته، وقد ذكر مسلم في صحيحه من حديث ابن ~~الزبير صفة ثالثة لجلوس التشهد الأخير، وهي أنه صلى الله PageV02P307 # عليه وآله وسلم كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى، ~~واختار هذه الصفة أبو القاسم الخرقي في مصنفه، ولعله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يفعل هذا تارة. وقد وقع الخلاف في الجلوس للتشهد الأخير هل هو ~~واجب أم لا؟ فقال بالوجوب عمر بن الخطاب وأبو مسعود وأبو حنيفة والشافعي. ~~ومن أهل البيت: الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله. وقال علي بن أبي ~~طالب والثوري والزهري ومالك أنه غير واجب. استدل الأولون بملازمته صلى الله ~~عليه وآله وسلم له والآخرون بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه المسئ ~~ومجرد الملازمة لا يفيد الوجوب، وهذا هو الظاهر لا سيما مع قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حديث المسئ بعد أن علمه: فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ~~ولا يتوهم أن ما دل على وجوب التسليم دل على وجوب جلوس التشهد لأنه لا ~~ملازمة بينهما. ms0852 # وعن أبي حميد أنه قال وهو في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رأيته إذا كبر جعل ~~يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره، فإذا رفع ~~رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا ~~قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على ~~رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب ~~الأخرى وقعد على مقعدته رواه البخاري، وقد سبق لغيره بلفظ أبسط من هذا. # الحديث تقدم في باب رفع اليدين، وههنا ألفاظ لم تذكر هنالك، وبعضها محتاج ~~إلى الشرح، فمن ذلك. قوله: ثم هصر ظهره هو بالهاء والصاد المهملة ~~المفتوحتين، أي ثناه في استواء من غير تقويس ذكره الخطابي. قوله: حتى يعود ~~كل فقار الفقار بفتح الفاء والقاف جمع فقارة وهي عظام الظهر، وهي العظام ~~التي يقال لها خرز الظهر قاله الفزاز. وقال ابن سيده: هي من الكاهل إلى ~~العجب، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عدتها سبع عشرة، وفي أمالي الزجاج ~~أصولها سبع غير التوابع. وعن الأصمعي هي خمس وعشرون: سبع في العنق، وخمس في ~~الصلب، وبقيتها في طرف الأضلاع، كذا في الفتح. قوله: واستقبل بأطراف أصابع ~~رجليه القبلة فيه حجة لمن قال: إن السنة أن ينصب قدميه في السجود، وأن تكون ~~أصابع رجليه متوجهة إلى القبلة، وإنما يحصل توجيهها بالتحامل عليها ~~والاعتماد على بطونها. (والحديث) قد اشتمل على جمل واسعة من صفة صلاته صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقد تقدم الكلام على كل PageV02P308 # فرد منها في بابه. وقد ساقه المصنف ههنا للاستدلال به على مشروعية ~~التورك، وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة ~~بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يرفع رأسه ولم ~~يصوبه وكان بين ذلك، وكان إذا ms0853 رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، ~~وإذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين ~~التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقب ~~الشيطان، وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة ~~بالتسليم رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # الحديث له علة وهي أنه رواه أبو الجوزاء عن عائشة، قال ابن عبد البر: لم ~~يسمع منها وحديثه عنها مرسل. قوله: يفتتح الصلاة بالتكبير هو الله أكبر، ~~وفيه رد على من قال إنه يجزئ كل ما فيه تعظيم نحو الله أجل الله أعظم وهو ~~أبو حنيفة. قوله: والقراءة بالحمد لله قال النووي: # هو برفع الدال على الحكاية، وبه تمسك من قال بمشروعية ترك الجهر بالبسملة ~~في الصلاة، وأجيب عنه بأن المراد بذلك اسم السورة، ونوقش هذا الجواب بأنه ~~لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة بالحمد لأنه وحده هو الاسم، ورد ذلك ~~بما ثبت عند أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعا: الحمد لله رب العالمين أم ~~القرآن والسبع المثاني وبما عند البخاري بلفظ: الحمد لله رب العالمين هي ~~السبع المثاني ويمكن الجواب عن ذلك الاستدلال بأنها ذكرت أول آية من الآيات ~~التي تخص السورة، وتركت البسملة لأنها مشتركة بينها وبين غيرها من السورة، ~~وقد تقدم البحث عن هذا مبسوطا. قوله: ولم يصوبه قد تقدم ضبط هذا اللفظ ~~وتفسيره في حديث أبي حميد السابق في باب رفع اليدين. قوله: وكان يقول في كل ~~ركعتين التحية فيه التصريح بمشروعية التشهد الأوسط والأخير والتسوية ~~بينهما، وقد تقدم الكلام عليهما. قوله: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله ~~اليمنى استدل به من قال بمشروعية النصب والفرش في التشهدين جميعا، ووجهه ما ~~قدمنا من الاطلاق وعدم التقييد في مقام التصدي لوصف صلاته صلى الله عليه ~~وآله وسلم، لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع في التشهدين جميعا، وقد بينا ~~ما هو الحق في أول الباب. قوله: وكان ينهى عن عقب الشيطان قيده ms0854 النووي ~~وغيره بفتح العين وكسر القاف قال: وهذا هو الصحيح المشهور فيه. قال ابن ~~رسلان: وحكي ضم العين مع فتح القاف جمع عقبة بضم العين وسكون القاف، وقد ~~ضعف PageV02P309 # ذلك القاضي عياض وفسره أبو عبيد وغيره بالاقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق ~~أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وقال ابن ~~رسلان في شرح السنن: هي أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. قوله: وكان ينهى أن ~~يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، ~~ويفضي بمرفقه وكفه إلى الأرض (والحديث) قد اشتمل على كثير من فروض الصلاة ~~وأركانها، وقد تقدم الكلام على جميع ما فيه كل شئ في بابه إلا التسليم ~~فسيأتي البحث عنه. # وعن أبي هريرة قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ثلاث: عن ~~نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب رواه أحمد. # الحديث أخرجه البيهقي أيضا وأشار إليه الترمذي وهو من رواية ليث بن أبي ~~سليم، وأخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الأوسط، قال في مجمع الزوائد: ~~وإسناد أحمد حسن، والنهي عن نقرة كنقرة الغراب أخرجه أيضا أبو داود ~~والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن شبل، والنهي عن الاقعاء أخرجه ~~الترمذي وأبو داود وابن ماجة من حديث علي مرفوعا بلفظ: لا تقع بين السجدتين ~~وفي إسناده الحرث الأعور، وأخرجه ابن ماجة من رواية أنس بلفظ: إذا رفعت ~~رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك وألزق ظاهر ~~قدميك بالأرض وفي إسناده العلاء أبو محمد وقد ضعفه بعض الأئمة، وأخرج ~~البيهقي من روايته حديثا آخر بلفظ: # نهى عن الاقعاء والتورك وأخرج أيضا من حديث جابر بن سمرة قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الاقعاء في الصلاة. وأخرج ابن ماجة عن ~~عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد فرفع رأسه لم ~~يسجد حتى يستوي جالسا وكان يفرش رجله اليسرى. قوله: عن ms0855 نقرة كنقرة الديك ~~النقرة بفتح النون والمراد بها كما قال ابن الأثير ترك الطمأنينة وتخفيف ~~السجود، وأن لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الاكل منه ~~كالجيفة، لأنه يتابع في النقر منها من غير تلبث. قوله: وإقعاء كإقعاء الكلب ~~الاقعاء قد اختلف في تفسيره اختلافا كثيرا. قال النووي: والصواب الذي لا ~~يعدل عنه إن الاقعاء نوعان: أحدهما أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع ~~يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه ~~أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل PageV02P310 # اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد النهي عنه. والنوع الثاني: أن ~~يجعل أليتيه على العقبين بين السجدتين اه. قال في النهاية: والأول أصح. ~~قوله: والتفات كالتفات الثعلب فيه كراهة الالتفات في الصلاة، وقد وردت ~~بالمنع منه أحاديث، وثبت أن الالتفات اختلاس من الشيطان، وسيأتي الكلام على ~~الالتفات في الباب الذي عقده المصنف له. وقد اختلف أهل العلم في كيفية ~~الجمع بين هذه الأحاديث الواردة بالنهي عن الاقعاء، وما روي عن ابن عباس ~~أنه قال في الاقعاء على القدمين بين السجدتين إنه السنة، فقال له طاوس: إنا ~~لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: هي سنة نبيكم. أخرجه مسلم والترمذي وأبو ~~داود. وأخرج البيهقي عن ابن عمر أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى ~~يقعد على أطراف أصابعه ويقول إنه من السنة. وعن ابن عمر وابن عباس أنهما ~~كانا يقعيان. وعن طاوس قال: رأيت العبادلة يقعون. قال الحافظ: وأسانيدها ~~صحيحة، فقال الخطابي والماوردي: إن الاقعاء منسوخ ولعل ابن عباس لم يبلغه ~~النهي. # وقد أنكر القول بالنسخ ابن الصلاح والنووي، وقال البيهقي والقاضي عياض ~~وابن الصلاح والنووي وجماعة من المحققين: إنه يجمع بينهما بأن الاقعاء الذي ~~ورد النهي عنه هو الذي يكون كإقعاء الكلب على ما تقدم من تفسير أئمة اللغة، ~~والاقعاء الذي صرح ابن عباس وغيره إنه من السنة هو وضع الأليتين على ~~العقبين بين السجدتين والركبتان على الأرض، وهذا الجمع لا ms0856 بد منه. وأحاديث ~~النهي والمعارض لها يرشد إليه لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب، ولما في ~~أحاديث العبادلة من التصريح بالاقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع. وقد ~~روي عن ابن عباس أيضا أنه قال: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك وهو مفسر ~~للمراد، فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك، وعما صرح به الحفاظ من جهل تاريخ هذه ~~الأحاديث، وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع. وقد روي عن جماعة ~~من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي، ونص الشافعي في البويطي ~~والاملاء على استحبابه. وأما النهي عن عقب الشيطان فقد عرفت تفسير ذلك في ~~شرح الحديث الأول. وقال الحافظ في التلخيص: يحتمل أن يكون واردا للجلوس ~~للتشهد الأخير، فلا يكون منافيا للقعود على العقبين بين السجدتين، والأولى ~~أن يمنع كون الاقعاء المروي عن العبادلة مما يصدق عليه حديث النهي عن عقب ~~الشيطان مسندا بما تقدم في تفسيره. PageV02P311 # باب ذكر تشهد ابن مسعود وغيره عن ابن مسعود قال: علمني رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن: ~~التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رواه الجماعة. وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله وذكره وفيه عند قوله: وعلى ~~عباد الله الصالحين: فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في ~~السماء والأرض وفي آخره: ثم يتخير من المسألة ما شاء متفق عليه. ولأحمد من ~~حديث أبي عبيدة عن عبد الله قال: علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~التشهد وأمره أن يعلمه الناس: التحيات لله وذكره، قال الترمذي: حديث ابن ~~مسعود أصح حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ~~والتابعين. # الحديث، قال أبو بكر البزار أيضا: هو أصح حديث في التشهد، قال: ms0857 وقد روي ~~من نيف وعشرين طريقا وسرد أكثرها. وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة. وقال ~~مسلم: # إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود، لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا، ~~وغيره قد اختلف أصحابه. وقال الذهلي: إنه أصح حديث روي في التشهد، ومن ~~مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه ~~مرفوعا على صفة واحدة، وقد روى التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جماعة من الصحابة غير ابن مسعود منهم ابن عباس وسيأتي حديثه، ومنهم ~~جابر، أخرج حديثه النسائي وابن ماجة والترمذي في العلل والحاكم ورجاله ~~ثقات. ومنهم عمر أخرج حديثه مالك والشافعي والحاكم والبيهقي روي مرفوعا. ~~وقال الدارقطني: لم يختلفوا في أنه موقوف عليه. ومنهم ابن عمر أخرج حديثه ~~أبو داود والدارقطني والطبراني. ومنهم علي أخرج حديثه الطبراني بإسناد ~~ضعيف. ومنهم أبو موسى أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني. ومنهم ~~عائشة أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي ورجح الدارقطني وقفه. ومنهم ~~سمرة أخرجه أبو داود وإسناد ضعيف. ومنهم ابن الزبير أخرجه الطبراني وقال: ~~تفرد به ابن لهيعة. ومنهم معاوية PageV02P312 # أخرجه الطبراني وإسناده حسن قاله الحافظ. ومنهم سلمان أخرجه الطبراني ~~والبزار وإسناده ضعيف. ومنهم أبو حميد أخرجه الطبراني. ومنهم أبو بكر أخرجه ~~البزار وإسناده حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا. ومنهم الحسين بن علي ~~أخرجه الطبراني. ومنهم طلحة بن عبيد الله قال الحافظ: وإسناده حسن. ومنهم ~~أنس قال: وإسناده صحيح. ومنهم أبو هريرة قال: وإسناده صحيح أيضا. ومنهم أبو ~~سعيد قال: وإسناده صحيح أيضا. ومنهم الفضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، ~~والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى، وفي أسانيدهم مقال وبعضها مقارب. # قوله: التحيات لله هي جمع تحية، قال الحافظ: ومعناها السلام، وقيل: ~~البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك. قال ~~المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين هذه المعاني. وقال ~~الخطابي والبغوي: المراد بالتحيات أنواع التعظيم. # قوله: والصلوات قيل: المراد الخمس، وقيل: أعم، ms0858 وقيل: العبادات كلها، ~~وقيل: الدعوات وقيل: # الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، ~~والطيبات العبادات المالية، كذا قال الحافظ. قوله: والطيبات قيل: هي ما طاب ~~من الكلام. وقيل: # ذكر الله وهو أخص. وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم. قال البيضاوي: يحتمل ~~أن يكون والصلوات والطيبات عطفا على التحيات، ويحتمل أن تكون الصلوات مبتدأ ~~خبره محذوف، والطيبات معطوفة عليها. قال ابن مالك: إذا جعلت التحيات مبتدأ ~~ولم يكن صفة لموصوف محذوف كان قولك: والصلوات مبتدأ لئلا يعطف نعت على ~~منعوته، فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، فكل جملة مستقلة، وهذا ~~المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو. قوله: # السلام قال الحافظ في التلخيص: أكثر الروايات فيه يعني حديث ابن مسعود ~~بتعريف السلام في الموضعين، ووقع في رواية للنسائي سلام علينا بالتنكير، ~~وفي رواية للطبراني سلام عليك بالتنكير. وقال في الفتح: لم يقع في شئ من ~~طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس، قال ~~النووي: لا خلاف في جواز الامرين ولكن بالألف واللام أفضل، وهو الموجود في ~~روايات صحيحي البخاري ومسلم، وأصله النصب، وعدل إلى الرفع على الابتداء ~~للدلالة على الدوام والثبات. والتعريف فيه بالألف واللام، إما للعهد ~~التقديري أي السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، أو ~~للجنس أي السلام المعروف لكل أحد وهو اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه ~~التعويذ بالله والتحصين به، أو هو السلامة من كل عيب وآفة ونقص وفساد. قال ~~البيضاوي: علمهم PageV02P313 # أن يفردوه صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم ~~علمهم أن يخصوا أنفسهم لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على ~~الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم اه. ~~والمراد بقوله: رحمة الله إحسانه، وقوله: وبركاته زيادة من كل خير، قاله ~~الحافظ. قوله: أشهد أن لا إله إلا الله زاد ابن أبي شيبة: وحده لا شريك له. ~~قال الحافظ في الفتح: وسنده ضعيف لكن ثبتت هذه ms0859 الرواية في حديث أبي موسى ~~عند مسلم. وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ. وفي حديث ابن عمر عند ~~الدارقطني، وعند أبي داود عن ابن عمر أنه قال: زدت فيها وحده لا شريك له ~~وإسناده صحيح. قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيأتي في حديث ابن عباس ~~بدون قوله عبده. وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر رجلا أن يقول عبده ورسوله ورجاله ثقات لولا إرساله. قوله: فإنكم ~~إذا فعلتم ذلك في لفظ للبخاري: فإنكم إذا قلتموها والمراد قوله: وعلى عباد ~~الله الصالحين، وهو كلام معترض بين قوله الصالحين وبين قوله أشهد. قوله: ~~على كل عبد صالح استدل به على أن الجمع المضاف والجمع المحلى باللام يعم. ~~قوله: في السماء والأرض في رواية بين السماء والأرض أخرجها الإسماعيلي ~~وغيره. قوله: ثم يتخير من المسألة قد قدمنا في باب الأمر بالتشهد الأول ~~اختلاف الروايات في هذه الكلمة، وفي ذلك دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة ~~قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما، وإلى ذلك ذهب الجمهور. ~~وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بالدعوات المأثورة في القرآن والسنة، وقالت ~~الهادوية: لا يجوز مطلقا. (والحديث) وغيره من الأدلة المتكاثرة التي فيها ~~الاذن بمطلق الدعاء ومقيدة ترد عليهم، ولولا ما رواه ابن رسلان عن البعض من ~~الاجماع على عدم وجوب الدعاء قبل السلام لكان الحديث منتهضا للاستدلال به ~~عليه، لأن التخيير في آحاد الشئ لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد، وهو ~~المتقرر في الأصول أنه قد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر وروي عن أبي هريرة. ~~(وقد استدل) بقوله في الحديث: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل وبقوله في ~~الرواية الأخرى: وأمره أن يعلمه الناس القائلون بوجوب التشهد الأخير وهم: ~~عمر، وابن عمر، وأبو مسعود، والهادي، والقاسم، والشافعي، وقال النووي في ~~شرح مسلم: مذهب أبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أن التشهدين سنة، وإليه ذهب ~~الناصر من أهل البيت عليهم السلام. قال: وروي عن ms0860 مالك القول بوجوب الأخير. # (واستدل القائلون) بالوجوب أيضا بقول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض ~~علينا التشهد: PageV02P314 # السلام على عباد الله، الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي وصححاه، وهو مشعر ~~بفرضية التشهد. وأجاب عن ذلك القائلون بعدم الوجوب بأن الأوامر المذكورة في ~~الحديث للارشاد لعدم ذكر التشهد الأخير في حديث المسئ، وعن قول ابن مسعود ~~بأنه تفرد به ابن عيينة كما قال ابن عبد البر، ولكن هذا لا يعد قادحا. وأما ~~الاعتذار بعدم الذكر في حديث المسئ فصحيح، إلا أن يعلم تأخر الامر بالتشهد ~~عنه كما قدمنا. وأما الاعتذار عن الوجوب بأن الامر المذكور صرف لهم عما ~~كانوا يقولون من تلقاء أنفسهم فلا يدل على الوجوب، أو بأن قول ابن عباس: ~~كما يعلمنا السورة يرشد إلى الارشاد، لأن تعليم السورة غير واجب فمما لا ~~يعول عليه. (ومن جملة) ما استدل به القائلون بعدم الوجوب ما ثبت في بعض ~~روايات حديث المسئ من قوله (ص): فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك. ويتوجه على ~~القائلين بالوجوب إيجاب جميع التشهد وعدم التخصيص بالشهادتين كما قالت ~~الهادوية بنفس الدليل الذي استدلوا به على ذلك. وقد اختلف العلماء في ~~الأفضل من التشهدات، فذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك إلى أن تشهد ابن عباس ~~أفضل لزيادة لفظ المباركات فيه كما يأتي. وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور ~~الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لما قدمناه من المرجحات، وقال ~~مالك: تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد ~~ولفظه: التحيات لله الزاكيات الطيبات الصلوات لله الحديث، وفي رواية: # بسم الله خير الأسماء، قال البيهقي: لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف ~~على عمر، ورواه بعض المتأخرين عن مالك مرفوعا. قال الحافظ: وهو وهم، وقالت ~~الهادوية: أفضلها ما رواه زيد بن علي عن علي عليه السلام ولفظه: بسم الله ~~وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وضم إليه أبو طالب ms0861 ما رواه الهادي ~~في المنتخب من زيادة التحيات لله والصلوات والطيبات بعد قوله: والأسماء ~~الحسنى كلها لله. قال النووي: واتفق العلماء على جوازها كلها، يعني ~~التشهدات الثابتة من وجه صحيح، وكذلك نقل الاجماع القاضي أبو الطيب الطبري. # وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا التشهد ~~كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات ~~لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله رواه ~~مسلم وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام ~~منكرا. ورواه ابن ماجة كمسلم لكنه قال: وأشهد PageV02P315 # أن محمدا عبده ورسوله ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام وقالا فيه: وأن ~~محمدا ولم يذكرا أشهد والباقي كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن ~~بتعريف السلام. ورواه النسائي كمسلم لكنه نكر السلام وقال: وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني في أحد روايتيه، وابن حبان في صحيحه بتعريف ~~السلام الأول وتنكير الثاني. وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني. ~~قوله: # التحيات المباركات الصلوات الطيبات قال النووي تقديره: والمباركات ~~والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود وغيره، ولكن حذفت اختصارا، وهو ~~جائز معروف في اللغة. (ومعنى الحديث) أن التحيات وما بعدها مستحقة لله ~~تعالى، ولا يصلح حقيقتها لغيره. والمباركات جمع مباركة وهي كثيرة الخير، ~~وقيل: النماء، وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عباس، كما اشتمل حديث ابن ~~مسعود على زيادة الواو، ولولا وقوع الاجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من ~~التشهدات الصحيحة لكان اللازم الاخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها، وقد مر ~~شرح بقية ألفاظ الحديث. # باب في أن التشهد في الصلاة فرض عن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض ~~علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقولوا هكذا ولكن قولوا: التحيات لله وذكره، ~~رواه الدارقطني وقال: إسناده ms0862 صحيح. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي وصححه، وهو من جملة ما استدل به القائلون ~~بوجوب التشهد، وقد ذكرنا ذلك مستوفى في شرح حديث ابن مسعود، وقد صرح صاحب ~~ضوء النهار أن الفرض هنا بمعنى التعيين، وهو شئ لا وجود له في كتب اللغة، ~~وقد صرح صاحب النهاية أن معنى فرض الله أوجب، وكذا في القاموس وغيره. ~~وللفرض معان أخر مذكورة في كتب اللغة لا تناسب المقام ومن جملة ما اعتذر به ~~في ضوء النهار أن قول ابن مسعود هذا اجتهاد منه، ولا يخفى أن كلامه هذا ~~خارج مخرج الرواية لأنه بصدد الرأي، وقول الصحابي: فرض علينا وجب علينا ~~إخبار عن حكم الشارع وتبليغ إلى الأمة، وهو من أهل اللسان العربي، وتجويزه ~~ما ليس بفرض فرضا بعيد، فالأولى الاقتصار في الاعتذار PageV02P316 # عن الوجوب على عدم الذكر في حديث المسئ، وعدم العلم بتأخر هذا عنه كما ~~تقدم. # قال المصنف رحمه الله: وهذا يعني قول ابن مسعود يدل على أنه فرض عليهم ~~اه. # وعن عمر بن الخطاب قال: لا تجزئ صلاة إلا بتشهد رواه سعيد في سننه ~~والبخاري في تاريخه. # الأثر من جملة ما تمسك به القائلون بوجوب التشهد، وهو لا يكون حجة إلا ~~على القائلين بحجية أقوال الصحابة لا على غيرهم، لظهور أنه قاله رأيا لا ~~رواية، بخلاف ما تقدم عن ابن مسعود، وقد حكى ابن عبد البر عن الشافعي أنه ~~قال: من ترك التشهد ساهيا أو عامدا فعليه إعادة الصلاة، إلا أن يكون الساهي ~~قريبا فيعود إلى إتمام صلاته ويتشهد، وإلى وجوب إعادة الصلاة على من ترك ~~التشهد ذهبت الهادوية، وقد قدمنا غير مرة أن الاخلال بالواجبات لا يستلزم ~~بطلان الصلاة، وأن المستلزم لذلك إنما هو الاخلال بالشروط والأركان. باب ~~الإشارة بالسبابة وصفة وضع اليدين عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى ~~على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ms0863 ~~ثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها رواه أحمد ~~والنسائي وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي، وهو طرف من حديث وائل ~~المذكور في صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: ثم قعد فافترش رجله ~~اليسرى استدل به من قال بمشروعية الفرش والنصب في الجلوس الأخير، وقد تقدم ~~تحقيق ذلك. قوله: ووضع كفه اليسرى على فخذه أي ممدودة غير مقبوضة، قال إمام ~~الحرمين: ينشر أصابعها مع التفريج. قوله: وجعل حد مرفقه أي طرفه، والمراد ~~كما قال في شرح المصابيح: أن يجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد. قال ابن رسلان: ~~يرفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه حتى يكون مرتفعا عنه كما يرتفع الوتد ~~عن الأرض، ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن. قوله: ثم قبض ~~اثنتين أي PageV02P317 # إصبعين من أصابع يده اليمنى وهما الخنصر والبنصر. قوله: وحلق بتشديد ~~اللام أي جعل أصبعيه حلقة، والحلقة بسكون اللام جمعها حلق بفتحتين على غير ~~قياس. وقال الأصمعي: الجمع حلق بكسر الحاء مثل قصعة وقطع. قوله: فرأيته ~~يحركها قال البيهقي: # يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض ~~حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ: كان ~~يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته قال الحافظ: وأصله في مسلم ~~دون قوله: ولا يجاوز بصره إشارته انتهى. وليس في مسلم من حديث ابن الزبير ~~إلا الإشارة دون قوله ولا يحركها وما بعده. ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي ~~رواية أبي داود لحديث وائل فإنه بلفظ: وأشار بالسبابة. وقد ورد في وضع ~~اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها. والثانية: ما أخرجه مسلم من ~~حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جلس ~~في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار ~~بالسبابة. والثالثة: قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة، كما في ms0864 حديث ابن ~~عمر الذي سيذكره المصنف. والرابعة: ما أخرجه مسلم من حديث ابن الزبير بلفظ: ~~كان رسول الله (ص) إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده ~~اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على أصبعه ~~الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته. والخامسة: وضع اليد اليمنى على الفخذ من ~~غير قبض والإشارة بالسبابة، وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدل ~~على ذلك، لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة. وكذلك أخرج عن ابن عمر ~~ما يدل على ذلك كما سيأتي. وكذلك أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي حميد ~~بدون ذكر القبض، اللهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض على ~~الروايات التي فيها القبض حمل المطلق على المقيد. وقد جعل ابن القيم في ~~الهدى الروايات المذكورة كلها واحدة قال: فإن من قال قبض أصابعه الثلاث ~~أراد به أن الوسطى كانت مضمومة ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض ~~اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر ~~متساويتان في القبض دون الوسطى. وقد صرح بذلك من قال: وعقد ثلاثا وخمسين، ~~فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر انتهى. ~~(والحديث) يدل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد وهو ~~مجمع عليه. PageV02P318 # قال أصحاب الشافعي: تكون الإشارة بالإصبع عند قوله: إلا الله من الشهادة. ~~قال النووي: والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي ~~داود ويشير بها موجهة إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والاخلاص. قال ~~ابن رسلان: # والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في ~~توحيده بين القول والفعل والاعتقاد. وروي عن ابن عباس في الإشارة أنه قال: ~~هي الاخلاص، وقال مجاهد: مقمعة الشيطان. # وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جلس في ~~الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الابهام فدعا بها، ~~ويده اليسرى على ركبته ms0865 باسطها عليها. وفي لفظ: كان إذا جلس في الصلاة وضع ~~كفه اليسرى على فخذه اليسرى رواهما أحمد ومسلم والنسائي. # وأخرج نحوه الطبراني بلفظ: كان إذا جلس في الصلاة للتشهد نصب يده على ~~ركبته، ثم يرفع أصبعه السبابة التي تلي الابهام، وباقي أصابعه على يمينه ~~مقبوضة. قوله: وضع يده على ركبته ورفع أصبعه ظاهر هذا عدم القبض لشئ من ~~الأصابع، فيكون دليلا على الهيئة الخامسة التي قدمناها، إلا أن يحمل على ~~اللفظ الآخر كما سلف. ويمكن أن يقال: إن قوله ويده اليسرى على ركبته باسطها ~~عليها مشعر بقبض اليمنى، ولكنه إشعار فيه خفاء على أنه يمكن أن يكون توصيف ~~اليسرى بأنها مبسوطة ناظرا إلى رفع أصبع اليمنى للدعاء، فيفيد أنه لم يرفع ~~أصبع اليسرى للدعاء. (والحديث) يدل على مشروعية الإشارة وقبض الأصابع كما ~~في اللفظ الآخر من حديث الباب، وقد تقدم البحث عن ذلك. # باب ما جاء في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أبي ~~مسعود قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في مجلس سعد بن ~~عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~PageV02P319 # آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي والترمذي وصححه. ولأحمد في لفظ آخر نحوه. وفيه: فكيف نصلي عليك ~~إذا نحن صلينا في صلاتنا؟. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وحسنه، ~~والحاكم وصححه، والبيهقي وصححه، وزادوا: النبي الأمي بعد. قوله: قولوا: ~~اللهم صل على محمد وزاد أبو داود بعد قول: كما باركت على آل إبراهيم لفظ: ~~في العالمين. وفي الباب عن كعب بن عجرة عند الجماعة وسيأتي. وعن علي ms0866 عليه ~~السلام عند النسائي في مسند علي بلفظ حديث أبي هريرة الآتي. وعن أبي هريرة ~~وسيأتي أيضا. وعن طلحة بن عبيد الله عند النسائي بلفظ: اللهم صل على محمد ~~كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد، وبارك على محمد وآل محمد كما ~~باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وفي رواية: وآل محمد في ~~الموضعين ولم يقل فيهما وآل إبراهيم، وعن أبي سعيد عند البخاري والنسائي ~~وابن ماجة بلفظ: # قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على ~~محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم. وعن بريدة عند أحمد ~~بلفظ: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد، كما جعلتها على ~~آل إبراهيم إنك حميد مجيد وفيه أبو داود الأعمى اسمه نفيع وهو ضعيف جدا ~~ومتهم بالوضع. وعن زيد بن خارجة عند أحمد والنسائي بلفظ: # قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعن أبي حميد وسيأتي. وعن رويفع ~~بن ثابت وجابر وابن عباس عند المستغفري في الدعوات. قال النووي في شرح ~~المهذب: ينبغي أن تجمع ما في الأحاديث الصحيحة فتقول: اللهم صل على محمد ~~النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. قال العراقي: # بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر وهي خمسة يجمعها قولك: اللهم ~~صلى على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه أمهات ~~المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، اللهم بارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما ~~باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، انتهى. وهذه ~~الزيادات التي ذكرها العراقي ثابتة في أحاديث الباب التي ذكرها المصنف ~~وذكرناها. وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي PageV02P320 # وابن مسعود وغيرهما ولكن ms0867 فيها مقال. قوله في الحديث: قولوا استدل بذلك ~~على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب ~~عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وجابر بن زيد. والشعبي ومحمد بن كعب القرظي ~~وأبو جعفر الباقر والهادي والقاسم والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن ~~المواز، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي. # (وذهب الجمهور) إلى عدم الوجوب منهم: مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري ~~والأوزاعي والناصر من أهل البيت وآخرون. قال الطبري والطحاوي: إنه أجمع ~~المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب. وقال بعضهم: إنه لم يقل بالوجوب إلا ~~الشافعي وهو مسبوق بالاجماع. وقد طول القاضي عياض في الشفاء الكلام على ~~ذلك، ودعوى الاجماع من الدعاوي الباطلة لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى ~~جماعة من الصحابة والتابعين وأهل البيت والفقهاء، ولكنه لا يتم الاستدلال ~~على وجوب الصلاة بعد التشهد بما في حديث الباب من الامر بها، وبما في سائر ~~أحاديث الباب، لأن غايتها الامر بمطلق الصلاة عليه (ص) وهو يقتضي الوجوب في ~~الجملة، فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة، فليس فيها زيادة على ~~ما في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * ~~(الأحزاب: 56) ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة بما أخرجه ابن ~~حبان والحاكم والبيهقي وصححوه، وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من حديث ابن ~~مسعود بزيادة: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ وفي رواية: كيف ~~نصلي عليك في صلاتنا؟. وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه (ص) ~~وهو مطلق الصلاة، وليس فيها ما يعين محل النزاع وهو إيقاعها بعد التشهد ~~الأخير. ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث ~~تعليم كيفية وهي لا تفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: ~~إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه أسرا أم جهرا؟ فقال له: أعطنيه سرا، كان ~~ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية لا أمرا بالاعطاء، وتبادر هذا المعنى لغة ~~وشرعا وعرفا لا يدفع. وقد تكرر ms0868 في السنة وكثر فمنه: إذا قام أحدكم الليل ~~فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين الحديث. وكذا قوله (ص) في صلاة الاستخارة: ~~فليركع ركعتين ثم ليقل الحديث، وكذا قوله في صلاة التسبيح: # فقم وصل أربع ركعات. وقوله في الوتر: فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة والقول ~~بأن هذه الكيفية المسؤول عنها هي كيفية الصلاة المأمور بها في القرآن ~~فتعليمها بيان للواجب PageV02P321 # المجمل فتكون واجبة لا يتم إلا بعد تسليم أن الامر القرآني بالصلاة مجمل ~~وهو ممنوع، لاتضاح معنى الصلاة والسلام المأمور بهما، على أنه قد حكى ~~الطبري الاجماع، على أن محمل الآية على الندب، فهو بيان لمجمل مندوب لا ~~واجب، ولو سلم انتهاض الأدلة على الوجوب لكان غايتها أن الواجب فعلها مرة ~~واحدة، فأين دليل التكرار في كل صلاة؟ ولو سلم وجود ما يدل على التكرار ~~لكان تركها في تعليم المسئ دالا على عدم وجوبه. (ومن جملة) ما استدل به ~~القائلون بوجوب الصلاة بعد التشهد الأخير ما أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح ~~من حديث علي عن النبي (ص) أنه قال: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي قالوا: ~~وقد ذكر النبي في التشهد، وهذا أحسن ما يستدل به على المطلوب، لكن بعد ~~تسليم تخصيص البخل بترك الواجبات وهو ممنوع، فإن أهل اللغة والشرع والعرف ~~يطلقون اسم البخيل على من يشح بما ليس بواجب، فلا يستفاد من الحديث الوجوب. ~~واستدلوا أيضا بحديث عائشة عند الدارقطني والبيهقي بلفظ: لا صلاة إلا بطهور ~~والصلاة علي وهو مع كونه في إسناده عمرو بن شمر وهو متروك، وجابر الجعفي ~~وهو ضعيف لا يدل على المطلوب، لأن غايته إيجاب الصلاة عليه (ص) من دون ~~تقييد بالصلاة، فأين دليل التقييد بما سلمنا؟ فأين دليل تعيين وقتها بعد ~~التشهد؟ ومثله حديث سهل بن سعد عند الدارقطني والبيهقي والحاكم بلفظ: لا ~~صلاة لمن لم يصل على نبيه وهو مع كونه غير مفيد للمطلوب كما عرفت ضعيف ~~الاسناد كما قال الحافظ في التلخيص: (ومن جملة أدلتهم) ما أخرجه الدارقطني ~~من حديث أبي مسعود بلفظ: ms0869 من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم ~~تقبل منه وهو لا يدل على المطلوب، وغايته إيجاب الصلاة في مطلق الصلاة، ~~فأين دليل التقييد ببعد التشهد؟ على أنه لا يصلح للاستدلال به، فإن ~~الدارقطني قال بعد إخراجه: الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي بن ~~الحسين. # (واستدلوا) أيضا بحديث فضالة بن عبيد الآتي، وغايته إيجاب الصلاة في مطلق ~~الصلاة عند إرادة الدعاء، فما الدليل على الوجوب بعد التشهد؟ على أنه حجة ~~عليهم لا لهم كما سيأتي للمصنف. (ومن جملة أدلتهم) ما قاله المهدي في البحر ~~أنه لا حتم في غير الصلاة إجماعا فتعين فيها للامر والاجماع ممنوع، فقد قال ~~مالك: إنها تجب في العمر مرة، وإليه ذهب أهل الظاهر. وقال الطحاوي: إنها ~~تجب كلما ذكر، واختاره الحليمي من الشافعية. # قال ابن دقيق العيد: وقد كثر الاستدلال على الوجوب في الصلاة بين ~~المتفقهة بأن الصلاة PageV02P322 # عليه واجبة بالاجماع، ولا تجب في غير الصلاة بالاجماع، فتعين أن تجب في ~~الصلاة وهو ضعيف جدا، لأن قوله: لا تجب في غير الصلاة بالاجماع إن أراد، لا ~~تجب في غير الصلاة عينا فهو صحيح، لكنه لا يلزم منه أن تجب في الصلاة عينا، ~~لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من المعينين، أعني خارج ~~الصلاة وداخل الصلاة، وإن أراد أعم من ذلك وهو الوجوب المطلق فممنوع اه. ~~(ومن جملة أدلتهم) ما أخرجه البزار في مسنده من رواية إسماعيل بن أبان عن ~~قيس، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: # صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال: آمين آمين آمين، فلما ~~نزل سئل عن ذلك فقال: أتاني جبريل الحديث. وفيه: ورغم أنف امرئ ذكرت عنده ~~فلم يصل علي وإسماعيل بن أبان هو الغنوي كذبه يحيى بن معين وغيره، نعم حديث ~~كعب بن عجرة عند الطبراني: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما ~~إلى المنبر فقال حين ارتقى درجة: آمين، ثم رقى أخرى فقال: آمين ms0870 الحديث ~~وفيه: أن جبريل قال له عند الدرجة الثالثة: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك ~~فقلت آمين ورجاله ثقات كما قال العراقي. وحديث جابر عند الطبراني بلفظ: شقي ~~من ذكرت عنده فلم يصل علي يفيد أن الوجوب عند الذكر من غير فرق بين داخل ~~الصلاة وخارجها، والقائلون بالوجوب في الصلاة لا يقولون بالوجوب خارجها، ~~فما هو جوابهم عن الوجوب خارجها فهو جوابنا عن الوجوب داخلها، على أن ~~التقييد بقوله عنده مشعر بوقوع الذكر من غير من أضيف إليه، والذكر الواقع ~~حال الصلاة ليس من غير الذاكر، وإلحاق ذكر الشخص بذكر غيره يمنع منه وجود ~~الفارق، وهو ما يشعر به السكوت عند سماع ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الغفلة وفرط القسوة، بخلاف ما إذا جرى ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الشخص نفسه، فكفى به عنوانا على الالتفات والرقة. ويؤيد هذا الحديث الصحيح ~~أن في الصلاة لشغلا. (ومن أنهض) ما يستدل به على الوجوب في الصلاة مقيدا ~~بالمحل المخصوص أعني بعد التشهد، ما أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق يحيى بن ~~السباق عن رجل من آل الحرث عن ابن مسعود عن النبي (ص) بلفظ: إذا تشهد أحدكم ~~في الصلاة فليقل الحديث لولا أن في إسناده رجلا مجهولا وهو هذا الحارثي. # (والحاصل) أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب ~~وعلى فرض ثبوته، فترك تعليم المسئ للصلاة لا سيما مع قوله (ص): فإذا فعلت ~~PageV02P323 # ذلك فقد تمت صلاتك قرينة صالحة لحمله على الندب. ويؤد ذلك قوله لابن ~~مسعود بعد تعليمه التشهد إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت ~~أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي ~~والدارقطني، وفيه كلام يأتي إن شاء الله في باب كون السلام فرضا. وبعد هذا ~~فنحن لا ننكر أن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم من أجل الطاعات التي ~~يتقرب بها الخلق إلى الخالق، وإنما نازعنا في إثبات واجب من ms0871 واجبات الصلاة ~~بغير دليل يقتضيه، مخافة من التقول على الله بما لم يقل، ولكن تخصيص التشهد ~~الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف، وجميع هذه الأدلة التي ~~استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على ~~تخصيص الأخير بها حديث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس في ~~التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وليس ~~فيه إلا مشروعية التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله أعني التشهد ~~الأخير، وإما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا، ولا شك أن ~~المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان مسارعا غاية المسارعة، باعتبار ما يقع من تطويل الأخير ~~بالتعوذ من الأربع، والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه. إذا تقرر لك ~~الكلام في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة، فاعلم ~~أنه قد اختلف في وجوبها على الآل بعد التشهد، فذهب الهادي والقاسم والمؤيد ~~بالله وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي إلى الوجوب، واستدلوا بالأوامر ~~المذكورة في الأحاديث المشتملة على الآل. وذهب الشافعي في أحد قوليه، وأبو ~~حنيفة وأصحابه والناصر إلى أنها سنة فقط، وقد تقدم ذكر الأدلة من الجانبين. # (ومن جملة) ما احتج به الآخرون هنا الاجماع الذي حكاه النووي على عدم ~~الوجوب، قالوا: فيكون قرينة لحمل الأوامر على الندب، قالوا: ويؤيد ذلك عدم ~~الامر بالصلاة على الآل في القرآن، والخلاف في تعيين الآل من هم، وسيأتي في ~~الباب الثاني. وشرح بقية ألفاظ حديث ابن مسعود يأتي في شرح ما بعده من ~~أحاديث الباب. # وعن كعب بن عجرة قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا أو عرفنا كيف السلام ~~عليك فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ~~على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل PageV02P324 # محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ms0872 رواه الجماعة إلا أن ~~الترمذي قال فيه: على إبراهيم في الموضعين ولم يذكر آله. # قوله: قد علمنا إلخ يعني بما تقدم في أحاديث التشهد وهو: السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وهو يدل على تأخر مشروعية الصلاة عن ~~التشهد. قوله: # فكيف الصلاة فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه ~~من له به علم. قوله: قولوا استدل به القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة، وقد ~~تقدم البحث عن ذلك. وقوله: وعلى آل محمد في رواية لأبي داود: وآل محمد بحذف ~~على، وسائر الروايات في هذا الحديث وغيره بإثباتها. وقد ذهب البعض إلى وجوب ~~زيادتها. # قوله: كما صليت على آل إبراهيم هم إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وقد جمع ~~الله لهم الرحمة والبركة بقوله: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه ~~حميد مجيد ولم يجمعا لغيرهم، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إعطاء ما ~~تضمنته الآية، واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالصلاة على إبراهيم كما في بعض الروايات، أو على آل إبراهيم كما ~~في البعض الآخر، مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب وهو صلى الله عليه ~~وآله وسلم أفضل من إبراهيم وآله، وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها أن المشبه ~~مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل ~~إبراهيم معظم الأنبياء، فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية. ومنها: أن التشبيه ~~وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر. ومنها: # أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو خلاف الظاهر. # ومنها: أن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار تكررها من كل فرد ~~تصير باعتبار مجموع الافراد أعظم وأوفر، وإن كانت باعتبار الفرد مساوية أو ~~ناقصة، وفيه أن التشبيه حاصل في صلاة كل فرد، فالصلاة من المجموع مأخوذ ~~فيها ذلك، فلا يتحقق كونها أعظم وأوفر. # ومنها: أن الصلاة عليه كانت ثابتة له، والسؤال إنما هو باعتبار الزائد ms0873 ~~على القدر الثابت، وبانضمام ذلك الزائد المساوي أو الناقص إلى ما قد ثبت ~~تصير أعظم قدرا. ومنها: أن التشبيه غير منظور فيه إلى جانب زيادة أو نقص، ~~وإنما المقصود أن لهذه الصلاة نوع تعظيم وإجلال كما فعل في حق إبراهيم ~~وتقرر واشتهر من تعظيمه وتشريفه وهو خلاف الظاهر. ومنها: أن الغرض من ~~التشبيه قد يكون لبيان حال المشبه من غير نظر إلى قوة المشبه به وهو قليل ~~لا يحمل عليه إلا لقرينة. ومنها: أن التشبيه لا يقتضي أن يكون PageV02P325 # المشبه دون المشبه به على جهة اللزوم، كما صرح بذلك جماعة من علماء ~~البيان، وفيه أنه وإن لم يقتض ذلك نادرا فلا شك أنه غالب. ومنها أنه كان ~~ذلك منه (ص) قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم. ومنها: أن مراده (ص) أن يتم ~~النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله. ومنها: أن مراده (ص) أن يبقى له ~~لسان صدق في الآخرين كإبراهيم. ومنها: أنه سأل أن يتخذه الله خليلا ~~كإبراهيم. ومنها: أنه (ص) من جملة آل إبراهيم. وكذلك آله فالمشبه هو الصلاة ~~عليه وعلى آله بالصلاة على إبراهيم وآله الذي هو من جملتهم فلا ضير في ذلك. ~~قوله: إنك حميد أي محمود الأفعال مستحق لجميع المحامد لما في الصيغة من ~~المبالغة وهو تعليل لطلب الصلاة منه، والمجيد المتصف بالمجد وهو كمال الشرف ~~والكرم والصفات المحمودة. قوله: اللهم بارك البركة هي الثبوت والدوام من ~~قولهم: برك البعير إذا ثبت ودام أي أدم شرفه وكرامته وتعظيمه. # وعن فضالة بن عبيد قال: سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يدعو في ~~صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ ~~بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~ليدع بعد ما شاء رواه الترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم. ms0874 ~~قوله: عجل هذا أي بدعائه قبل تقديم الصلاة، وفيه دليل على مشروعية تقديم ~~الصلاة قبل الدعاء ليكون وسيلة للإجابة، لأن من حق السائل أن يتلطف في نيل ~~ما أراده. وقد روى الحديث غير المصنف بلفظ: سمع رجلا يدعو في صلاته لم يمجد ~~الله ولم يصل على النبي. قوله: والثناء عليه هو من عطف العام على الخاص. ~~قوله: ما شاء في أكثر الروايات بما شاء، يعني من خير الدنيا والآخرة، وفيه ~~الاذن في الصلاة بمطلق الدعاء من غير تقييد بمحل مخصوص، قيل: هذا الحديث ~~موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره في التشهد، فإن ذلك متضمن للتمجيد ~~والثناء، وهذا مجمل وذلك مبين للمراد، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم سمع الرجل يدعو في قعدة التشهد. (وقد استدل) ~~بالحديث القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة وقد تقدم الجواب عن ذلك. قال ~~المصنف رحمه الله تعالى: وفيه حجة PageV02P326 # لمن لا يرى الصلاة عليه فرضا حيث لم يأمر تاركها بالإعادة. ويعضده قوله ~~في خبر ابن مسعود بعد ذكر التشهد ثم يتخير من المسألة ما شاء اه. # باب ما يستدل به على تفسير آله المصلى عليهم عن أبي حميد الساعدي أنهم ~~قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال قولوا: اللهم صل على محمد وعلى ~~أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما ~~باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد متفق عليه. # الحديث احتج به طائفة من العلماء على أن الآل هم الأزواج والذرية، ووجهه ~~أنه أقام الأزواج والذرية مقام آل محمد في سائر الروايات المتقدمة. ~~واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا) * (الأحزاب: 33) لأن ما قبل الآية وبعدها في ~~الزوجات، فأشعر ذلك بإرادتهن، وأشعر تذكير المخاطبين بها بإرادة غيرهن. ~~وبين هذا الحديث وحديث أبي هريرة الآتي من هم المرادون بالآية وبسائر ~~الأحاديث التي أجمل فيها الآل، ولكنه يشكل على هذا امتناعه صلى الله عليه ~~وآله ms0875 وسلم من إدخال أم سلمة تحت الكساء بعد سؤالها ذلك، وقوله (ص) عند نزول ~~هذه الآية مشيرا إلى علي وفاطمة والحسن والحسين: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي ~~بعد أن جللهم بالكساء. وقيل: إن الآل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وهم بنو ~~هاشم. ومن أهل هذا القول الامام يحيى، واستدل القائل بذلك بأن زيد بن أرقم ~~فسر الآل بهم وبين أنهم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس كما في صحيح ~~مسلم، والصحابي أعرف بمراده (ص) فيكون تفسيره قرينة على التعيين. وقيل: ~~إنهم بنو هاشم وبنو المطلب وإلى ذلك ذهب الشافعي. وقيل: فاطمة وعلي ~~والحسنان وأولادهم. وإلى ذلك ذهب جمهور أهل البيت، واستدلوا بحديث الكساء ~~الثابت في صحيح مسلم وغيره، وقوله (ص) فيه: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي مشيرا ~~إليهم، ولكنه يقال: إن كان هذا التركيب يدل على الحصر باعتبار المقام أو ~~غيره فغاية ما فيه إخراج من عداهم بمفهومه، والأحاديث الدالة على أنهم أعم ~~منهم كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم. ~~واقتصاره (ص) على تعيين البعض عند نزول الآية لا ينافي إخباره بعد ذلك ~~بالزيادة، لأن الاقتصار PageV02P327 # ربما كان لمزية للبعض أو قبل العلم بأن الآل أعم من المعينين، ثم يقال: ~~إذا كانت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين ~~بالكساء في الآل مع أن مفهوم هذا الحصر يخرجهم؟ فإن كان إدخالهم بمخصص وهو ~~التفسير بالذرية وذريته (ص) هم أولاد فاطمة فما الفرق بين مخصص ومخصص؟ ~~وقيل: إن الآل هم القرابة من غير تقييد، وإلى ذلك ذهب جماعة من أهل العلم. ~~وقيل: هم الأمة جميعا. قال النووي في شرح مسلم وهو أظهرها قال: وهو اختيار ~~الأزهري وغيره من المحققين اه. وإليه ذهب نشوان الحميري إمام اللغة ومن ~~شعره في ذلك: # آل النبي هم أتباع ملته * من الأعاجم والسودان والعرب لو لم يكن آله إلا ~~قرابته * صلى المصلي على الطاغي أبي لهب ويدل على ذلك أيضا قول عبد المطلب ~~من أبيات ms0876 : وانصر على آل الصلي * ب وعابديه اليوم آلك والمراد بآل الصليب ~~أتباعه. (ومن الأدلة) على ذلك قول الله تعالى: * (أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب) * (غافر: 46) لأن المراد بآله أتباعه، واحتج لهذا القول بما أخرجه ~~الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن الآل قال: آل محمد ~~كل تقي وروي هذا من حديث علي ومن حديث أنس وفي أسانيدها مقال. ويؤيد ذلك ~~معنى الآل لغة، فإنهم كما قال في القاموس: أهل الرجل وأتباعه، ولا ينافي ~~هذا اقتصاره صلى الله عليه وآله وسلم على البعض منهم في بعض الحالات كما ~~تقدم وكما في حديث مسلم في الأضحية: اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة ~~محمد فإنه لا شك أن القرابة أخص الآل، فتخصيصهم بالذكر ربما كان لمزايا لا ~~يشاركهم فيها غيرهم كما عرفت، وتسميتهم بالأمة لا ينافي تسميتهم بالآل، ~~وعطف التفسير شائع ذائع كتابا وسنة ولغة، على أن حديث أبي هريرة المذكور ~~آخر هذا الباب فيه عطف أهل بيته على ذريته، فإذا كان مجرد العطف يدل على ~~التغاير مطلقا لزم أن تكون ذريته خارجة عن أهل بيته، والجواب الجواب. ولكن ~~ههنا مانع من حمل الآل على جميع الأمة وهو حديث: أني تارك فيكم الثقلين ما ~~إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره، ~~فإنه لو كان الآل جميع الأمة لكان المأمور بالتمسك والامر المتمسك به شيئا ~~واحدا وهو باطل. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سره أن ~~PageV02P328 # يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد ~~النبي 2 وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد 2 رواه أبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وهو من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن ~~الحسين بن علي عن المجمر عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ~~اختلف فيه على أبي جعفر. وأخرجه ms0877 النسائي في مسند علي من طريق عمرو بن عاصم، ~~عن حبان بن يسار الكلابي، عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي، عن أبي جعفر، عن ~~محمد ابن الحنفية، عن أبيه علي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ ~~حديث أبي هريرة. وقد اختلف فيه على أبي جعفر وعلى حبان بن يسار. (الحديث) ~~استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل، والقائلون إن الذرية من الآل وهو ~~أدل على ذلك من الحديث الأول لذكر الآل وفيه مجملا ومبينا. قوله: بالمكيال ~~بكسر الميم وهو ما يكال به. وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجرا من ~~غيرها وأوفر ثوابا. قوله: أهل البيت الأشهر فيه النصب على الاختصاص، ويجوز ~~إبداله من ضمير علينا. قوله: فليقل اللهم صل على محمد قال الأسنوي: قد ~~اشتهر زيادة سيدنا قبل محمد عند أكثر المصلين، وفي كون ذلك أفضل نظر اه. ~~وقد روي عن ابن عبد السلام أنه جعله من باب سلوك الأدب، وهو مبني على أن ~~سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال. ويؤيده حديث أبي بكر حين أمره صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يثبت مكانه فلم يمتثل وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن ~~يتقدم بين يدي رسول الله عليه وآله وسلم، وكذلك امتناع علي عن محو اسم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره ~~بذلك وقال: لا أمحو اسمك أبدا، وكلا الحديثين في الصحيح، فتقريره صلى الله ~~عليه وآله وسلم لهما على الامتناع من امتثال الامر تأدبا مشعر بأولويته. # باب ما يدعو به في آخر الصلاة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من ~~عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال ~~رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. PageV02P329 # وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو في الصلاة: اللهم ~~إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك ms0878 من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من ~~فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم رواه ~~الجماعة إلا ابن ماجة. # قوله: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فيه تعيين محل هذه الاستعاذة بعد ~~التشهد الأخير وهو مقيد، وحديث عائشة مطلق فيحمل عليه، وهو يرد ما ذهب إليه ~~ابن حزم من وجوبها في التشهد الأول، وما ورد من الاذن للمصلي بالدعاء بما ~~شاء بعد التشهد يكون بعد هذه الاستعاذة لقوله إذا فرغ. قوله: فليتعوذ استدل ~~بهذا الامر على وجوب الاستعاذة، وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية، وروي عن ~~طاوس، وقد ادعى بعضهم الاجماع على الندب وهو لا يتم مع مخالفة من تقدم، ~~والحق الوجوب إن علم تأخر هذا الامر عن حديث المسئ لما عرفناك في شرحه. ~~قوله: من أربع ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوذ من المغرم والمأثم ~~المذكورين في حديث عائشة. قوله: ومن عذاب القبر فيه رد على المنكرين لذلك ~~من المعتزلة، والأحاديث في هذا الباب متواترة. قوله: ومن فتنة المحيا ~~والممات قال ابن دقيق العيد فتنة المحيا ما يعرض للانسان مدة حياته من ~~الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة ~~عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه ~~لقربها منه، ويكون المراد على هذا بفتنة المحيا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد ~~بها فتنة القبر، وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم. وقيل: # أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في ~~القبر مع الحيرة كذا في الفتح. قوله: ومن شر المسيح الدجال قال أبو داود في ~~السنن: المسيح مثقل الدجال ومخفف عيسى، ونقل الفريري عن خلف بن عامر أن ~~المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، ويقال للدجال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق ~~بينهما. قال الجوهري في الصحاح: من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله ~~بالتشديد فلكونه ممسوح العين. قال الحافظ: وحكي عن بعضهم بالخاء المعجمة في ~~الدجال ونسب قائله إلى التصحيف. قال في القاموس: والمسيح عيسى ابن مريم ms0879 ~~صلوات الله عليه لبركته، قال: وذكرت في اشتقاقه خمسين قولا في شرحي لمشارق ~~الأنوار وغيره، والدجال لشؤمه اه. قوله: من المغرم والمأثم في البخاري ~~بتقديم المأثم على المغرم. والمغرم الدين يقال: غرم بكسر الراء أي أدان، ~~قيل: المراد به ما يستدان فيما لا يجوز أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، ~~ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ (ص) PageV02P330 # من غلبة الدين. وفي البخاري: أنه قال له صلى الله عليه وآله وسلم قائل: ~~ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: أن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف. # باب جامع أدعية منصوص عليها في الصلاة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ~~ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم متفق عليه. # قوله: ظلمت نفسي قال في الفتح: أي بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ، ~~وفيه أن الانسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقا. قوله: كثيرا روي بالثاء ~~المثلثة وبالباء الموحدة. قال النووي: ينبغي أن يجمع بينهما فيقول كثيرا ~~كبيرا. # قال الشيخ عز الدين بن جماعة: ينبغي أن يجمع بين الروايتين، فيأتي مرة ~~بالمثلثة ومرة بالموحدة، فإذا أتى بالدعاء مرتين فقد نطق بما نطق به النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بيقين، وإذا أتى بما ذكره النووي لم يكن آتيا ~~بالسنة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينطق به كذلك اه. قوله: ولا ~~يغفر الذنوب إلا أنت قال الحافظ: فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة ~~وهو كقوله: * (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله) * (آل عمران: 135) فأثنى على ~~المستغفرين، وفي ضمن ثنائه بالاستغفار لوح بالأمرية، كما قيل إن كل شئ أثنى ~~الله على فاعله فهو آمر به، وكل شئ ذم فاعله فهو ناه عنه. ms0880 قوله: مغفرة من ~~عندك قال الطيبي: ذكر التنكير يدل على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه ~~ووصفه بكونه من عنده سبحانه وتعالى، مريدا بذلك التعظيم، لأن الذي يكون من ~~عند الله لا يحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد يحتمل وجهين: أحدهما الإشارة ~~إلى التوحيد المذكور كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت فافعله أنت. والثاني ~~وهو أحسن أنه أشار إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل ~~حسن ولا غيره، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي. قوله: إنك أنت الغفور الرحيم ~~قال الحافظ: هما صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما تقدم، ~~فالغفور مقابل. لقوله: # اغفر لي. والرحيم مقابل لقوله: ارحمني وهي مقابلة مرتبة. (والحديث) يدل ~~PageV02P331 # على مشروعية هذا الدعاء في الصلاة ولم يصرح بمحله. قال ابن دقيق العيد: ~~ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين: السجود أو التشهد لأنه أمر فيهما ~~بالدعاء، وقد أشار البخاري إلى محله فأورده في باب الدعاء قبل السلام. قال ~~في الفتح: وفي الحديث من الفوائد استحباب طلب التعليم من العالم، خصوصا ما ~~في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم. # وعن عبيد بن القعقاع قال: رمق رجل رسول الله (ص) وهو يصلي فجعل يقول في ~~صلاته: اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في ذاتي، وبارك لي فيما رزقتني رواه ~~أحمد. # عبيد بن القعقاع ويقال حميد بن القعقاع لا يعرف حاله، والراوي عنه أبو ~~مسعود الجريري لا يعرف حاله، وقد اختلف فيه على شعبة. قال ابن حجر في ~~المنفعة: # وله شاهد من حديث أبي موسى في الدعاء للطبراني وأبو مسعود الجريري هو ~~سعيد بن إياس ثقة أخرج له الجماعة، فلا وجه لقول من قال لا يعرف حاله. ~~(والحديث) فيه مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في مطلق الصلاة من غير تقييد ~~بمحل منها مخصوص، وجهالة الراوي عنه (ص) لا تضر، لأن جهالة الصحابي مغتفرة، ~~كما ذهب إلى ذلك الجمهور ودلت عليه الأدلة، وقد ذكرت الأدلة على ذلك في ~~الرسالة التي سميتها القول المقبول ms0881 في رد رواية المجهول من غير صحابة ~~الرسول. قوله: رمق رجل الرمق اللحظ الخفيف كما في القاموس. # وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ~~صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الامر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر ~~نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما ~~تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، واستغفرك لما تعلم رواه النسائي. # الحديث رجال إسناده ثقات، وقد ذكره في الجامع عند أدعية الاستخارة بلفظ: ~~عن رجل من بني حنظلة قال: صحبت شداد بن أوس فقال: ألا أعلمك ما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا؟ نقول إذا روينا أمرا فذكره وزاد: إنك أنت ~~علام الغيوب أخرجه الترمذي، وزاد في حديث آخر بمعناه: إذا أوى إلى فراشه ~~ولم يذكر فيه إذا روينا أمرا. وقد أخرجه النسائي في اليوم والليلة ولم يذكر ~~في الصلاة. وأما صاحب التيسير فساقه باللفظ الذي ذكره المصنف. قوله: كان ~~يقول في صلاته هذا الدعاء ورد مطلقا في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص. قوله: ~~الثبات في الامر سؤال الثبات في الامر من جوامع الكلم النبوية، PageV02P332 # لأن من ثبته الله في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر ~~على خلاف ما يرضاه الله. قوله: والعزيمة على الرشد هي تكون بمعنى إرادة ~~الفعل وبمعنى الجد في طلبه والمناسب هنا هو الثاني. قوله: قلبا سليما أي ~~غير عليل بكدر المعصية ولا مريض بالاشتمال على الغل والانطواء على الإحن. ~~قوله: من خير ما تعلم هو سؤال الخير الأمور على الاطلاق، لأن علمه جل جلاله ~~محيط بجميع الأشياء، وكذلك التعوذ من شر ما يعلم والاستغفار لما يعلم، ~~فكأنه قال: أسألك من خير كل شئ، وأعوذ بك من شر كل شئ، واستغفرك لكل ذنب. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سجوده: # اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره رواه مسلم ~~وأبو داود. ms0882 # قوله: ذنبي كله استدل به على جواز نسبة الذنب إليه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال مذكورة في الأصول. أحدها أن ~~الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر، وهذا هو اللائق بشرفهم، لولا ~~مخالفته لصرائح القرآن والسنة المشعرة بأن لهم ذنوبا. قوله: دقه وجله بكسر ~~أولهما أي قليله وكثيره. قوله: # وأوله وآخره هو من عطف الخاص على العام. قوله: وعلانيته وسره هو كذلك. ~~قال النووي: فيه تكثير ألفاظ الدعاء وتوكيده وإن أغنى بعضها عن بعض. # وعن عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك، فقال: ألم أتم ~~الركوع والسجود؟ فقالوا بلى، قال: أما أني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يدعو به: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ~~أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، أسألك ~~خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر ~~والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، ~~ومن فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين رواه أحمد ~~والنسائي. # الحديث رجال إسناده ثقات، وساقه بإسناد آخر بنحو هذا اللفظ، وإسناده في ~~سنن النسائي هكذا: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد قال: حدثنا ~~عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى عمار فذكره وفي إسناده عطاء بن السائب وقد ~~اختلط، وأخرج له البخاري مقرونا بآخر، وبقية رجاله ثقات، ووالد عطاء هو ~~السائب بن مالك الكوفي وثقه العجلي. قوله: فأوجز فيها لعله لم يصاحب هذا ~~الايجاز تمام الصلاة PageV02P333 # على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا لم ~~يكن للانكار عليه وجه، فقد ثبت من حديث أنس في مسلم وغيره أنه قال: ما صليت ~~خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله (ص) في تمام. قوله: فأنكروا ذلك عليه فيه ~~جواز الانكار على من أخف الصلاة من دون استكمال. قوله: ألم أتم الركوع ~~والسجود فيه ms0883 إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه. قوله: كان رسول ~~الله (ص) يدعو به يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة، ويكون فعل عمار قرينة ~~تدل على ذلك، ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو ~~الظاهر من الكلام. قوله: بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق فيه دليل على جواز ~~التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله. قوله: أحيني إلى قوله: خيرا لي ~~هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا ~~لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي وهو يدل على جواز الدعاء بهذا لكن عند ~~نزول الضرر، كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور المتفق عليه ولفظه ~~قال: قال رسول الله (ص) لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد ~~متمنيا فليقل: اللهم أحيني، إلى آخره. # قوله: خشيتك في الغيب والشهادة أي في مغيب الناس وحضورهم، لأن الخشية بين ~~الناس فقط ليست من الخشية لله بل من خشية الناس. قوله: وكلمة الحق في الغضب ~~والرضا إنما جمع بين الحالتين، لأن الغضب ربما حال بين الانسان وبين الصدع ~~بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق. ~~قوله: والقصد في الفقر والغنى القصد في كتب اللغة بمعنى استقامة الطريق ~~والاعتدال، وبمعنى ضد الافراط وهو المناسب هنا، لأن بطر الغنى ربما جر إلى ~~الافراط. وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط، فالقصد فيهما هو ~~الطريقة القويمة. قوله: ولذة النظر إلى وجهك فيه متمسك للأشعرية ومن قال ~~بقولهم، والمسألة طويلة الذيل ومحلها علم الكلام. وقد أفردتها برسالة مطولة ~~سميتها البغية في الرؤية. قوله: والشوق إلى لقائك إنما سأله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأنه من موجبات محبة الله للقاء عبده لحديث: من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة. قوله: مضرة إنما ~~قيد صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلا أو ~~عاجلا ms0884 فلا يليق الاستعاذة منها. قوله: # مضلة وصفها صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأن من الفتن ما يكون من أسباب ~~الهداية، وهي بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة: الفتنة ~~الامتحان والاختبار. PageV02P334 # وعن معاذ بن جبل قال: لقيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني ~~أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن الحديث ~~قال الحافظ: سنده قوي، وذكره عبادتك رواه أحمد والنسائي وأبو داود المصنف ~~في هذا الباب المشتمل على أدعية الصلاة بناء على أن لفظ الحديث في كل صلاة ~~كما في الكتاب، وقد رواه غيره بلفظ: دبر كل صلاة وهو عند أبي داود بلفظ: في ~~دبر كل صلاة وكذلك رويته من طريق مشايخي مسلسلا بالمحبة، فلا يكون باعتبار ~~هذه الزيادة من أدعية الصلاة، لأن دبر الصلاة بعدها على الأقرب كما سيأتي، ~~ويحتمل دبر الصلاة آخرها قبل الخروج منها لأن دبر الحيوان منه، وعليه بعض ~~أئمة الحديث، فلعل المصنف أراد ذلك، ولكنه يشكل عليه إيراده لأدعية مقيدة ~~بذلك في باب الذكر بعد الصلاة، كحديث ابن الزبير، وحديث المغيرة الآتيين. ~~قوله: إني أوصيك بكلمات تقولهن في رواية أبي داود: لا تدعهن والنهي أصله ~~التحريم، فيدل على وجوب الدعاء بهذه الكلمات. وقيل: إنه نهي إرشاد وهو ~~محتاج إلى قرينة. ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات أنها مشتملة على جميع خير ~~الدنيا والآخرة. # وعن عائشة: أنها فقدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مضجعها فلمسته ~~بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول: رب أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من ~~زكاها، أنت وليها ومولاها رواه أحمد. # الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عائشة بلفظ: # فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فلمست المسجد فإذا هو ~~ساجد وقدماه منصوبتان وهو يقول: إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فيمكن أن ~~يكون اللفظ الذي ذكره أحمد ms0885 من أحد روايات هذا الحديث. ويمكن أن يكون حديثا ~~مستقلا، ويحمل ذلك على تعدد الواقعة. قوله: أعط نفسي تقواها أي اجعلها ~~متقية سامعة مطيعة. # قوله: زكها أي اجعلها زاكية بما تفضلت به عليها من التقوى وخصال الخير. ~~قوله: أنت وليها أمتولي أمورها ومولاها أي مالكها. (والحديث) يدل على ~~مشروعية الدعاء في السجود وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى فجعل يقول في ~~PageV02P335 # صلاته: أو في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري ~~نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي ~~نورا، وتحتي نورا، واجعل لي نورا، أو قال: واجعلني نورا مختصر من مسلم. # الحديث ذكره مسلم في صحيحه مطولا ومختصرا بطرق متعددة وألفاظ مختلفة، ~~وجميع الروايات مقيدة بصلاة الليل. قوله: في صلاته أو في سجوده هذا الشك ~~وقع في رواية محمد ابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، ~~عن كريب، عن ابن عباس. وفي رواية في مسلم: فخرج إلى الصلاة وهو يقول ~~الحديث. وفي رواية له: وكان في دعائه: اللهم اجعل الخ من غير تقييد بحال ~~الصلاة ولا بحال الخروج. # قوله: اجعل في قلبي نورا إلى آخر الحديث، قال النووي قال العلماء: سأل ~~النور في أعضائه وجهاته، والمراد بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل ~~النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته وفي جهاته ~~الست حتى لا يزيغ شئ فيها عنه. # باب الخروج من الصلاة بالسلام عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: # السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده ~~رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: كنت أرى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده رواه ~~أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. # الحديث الأول أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وله ألفاظ ms0886 وأصله في صحيح ~~مسلم. قال العقيلي: والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين، ~~ولا يصح في تسليمة واحدة شئ. والحديث الثاني أخرجه أيضا البزار والدارقطني ~~وابن حبان، قال البزار، روي عن سعد من غير وجه. (وفي الباب) أحاديث فيها ~~ذكر التسليمتين. منها عن عمار عند ابن ماجة والدارقطني. وعن البراء عند ابن ~~أبي شيبة في مصنفه والدارقطني أيضا. وعن سهل بن سعد عند أحمد وفيه ابن ~~لهيعة. وعن حذيفة عند ابن ماجة. وعن عدي بن عميرة عند ابن ماجة أيضا ~~وإسناده حسن. وعن طلق بن علي عند أحمد والطبراني PageV02P336 # وفيه ملازم بن عمرو، وعن المغيرة عند المعمري في اليوم والليلة والطبراني ~~قال الحافظ: # وفي إسناده نظر. وعن وائلة بن الأسقع عند الشافعي وإسناده ضعيف. وعن وائل ~~بن حجر عند أبي داود والطبراني من طريق ابنه عبد الجبار ولم يسمع منه. وعن ~~يعقوب بن الحصين عند أبي نعيم في المعرفة وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ~~متروك. # وعن أبي رمثة عند الطبراني وابن منده قال الحافظ: وفي إسناده نظر. وعن ~~أبي موسى عند أحمد وابن ماجة. وعن سمرة وسيأتي. وعن جابر بن سمرة وسيأتي ~~أيضا. # (وهذه الأحاديث) تدل على مشروعية التسليمتين، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي ~~بكر الصديق وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر ونافع بن عبد الحرث من الصحابة. ~~وعن عطاء بن أبي رباح وعلقمة والشعبي وأبي عبد الرحمن السلمي من التابعين. ~~وعن أحمد وإسحق وأبي ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وبه أقول، وحكاه في ~~البحر عن الهادي والقاسم وزيد بن علي والمؤيد بالله من أهل البيت. وإليه ~~ذهب الشافعي كما قال النووي. # وذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة ~~من الصحابة، والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين، ومالك ~~والأوزاعي والإمامية وأحد قولي الشافعي وغيرهم. وذهب عبد الله بن موسى بن ~~جعفر من أهل البيت إلى أن الواجب ثلاث: يمينا وشمالا وتلقاء وجهه. واختلف ~~القائلون بمشروعية التسليمتين ms0887 هل الثانية واجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى ~~استحبابها. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة ~~واحدة جائزة. وقال النووي في شرح مسلم أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه ~~لا يجب إلا تسليمة واحدة. وحكى الطحاوي وغيره عن الحسن بن صالح أنه أوجب ~~التسليمتين جميعا وهي رواية عن أحمد، وبها قال بعض أصحاب مالك، ونقله ابن ~~عبد البر عن بعض أصحاب الظاهر، وإلى ذلك ذهبت الهادوية، وسيأتي الكلام على ~~وجوب التسليمة أو التسليمتين أو عدم ذلك في باب كون السلام فرضا، وسنتكلم ~~ههنا في مجرد المشروعية من غير نظر إلى الوجوب. فنقول: (احتج القائلون) ~~بمشروعية التسليمتين بالأحاديث المتقدمة، واحتج القائلون بمشروعية الواحدة ~~فقط بالأحاديث التي سيأتي ذكرها في باب من اجتزأ بتسليمة، واحتج القائل ~~بمشروعية ثلاث بأن في ذلك جمعا بين الروايات، والحق ما ذهب إليه الأولون ~~لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها ~~على الزيادة وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث PageV02P337 # الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج كما ~~ستعرف ذلك، ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت ~~من اشتمالها على الزيادة. # وأما القول بمشروعية ثلاث فلعل القائل به ظن أن التسليمة الواحدة الواردة ~~في الباب الذي سيأتي غير التسليمتين المذكورتين في هذا الباب، فجمع بين ~~الأحاديث بمشروعية الثلاث وهو فاسد. وأفسد منه ما رواه في البحر عن البعض ~~من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير وثنتان في المسجد الكبير. قوله: عن ~~يمينه وعن يساره فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة ~~اليسار. قال النووي: ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء ~~وجهه، أو الأولى عن يساره والثانية عن يمينه صحت صلاته وحصلت التسليمتان ~~ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما. قوله: السلام عليكم ورحمة الله زاد أبو ~~داود من حديث وائل: وبركاته. وأخرجها أيضا ابن حبان في صحيحه من حديث ابن ~~مسعود، وكذلك ابن ماجة من حديثه، قال الحافظ في التلخيص: ms0888 فيتعجب من ابن ~~الصلاح حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شئ من كتب الحديث إلا في رواية ~~وائل بن حجر، وقد ذكر لها الحافظ طرقا كثيرة في تلقيح الأفكار تخريج ~~الأذكار لما قال النووي أن زيادة وبركاته رواية فردة. ثم قال الحافظ بعد أن ~~ساق تلك الطرق: # فهذه عدة طرق تثبت بها وبركاته، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية ~~فردة انتهى. # وقد صحح أيضا في بلوغ المرام حديث وائل المشتمل على تلك الزيادة. قوله: ~~حتى يرى بياض خده بضم الياء المثناة من تحت من قوله يرى مبنيا للمجهول، كذا ~~قال ابن رسلان، وبياض بالرفع على النيابة. وفيه دليل على المبالغة في ~~الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار، وزاد النسائي فقال: عن يمينه حتى ~~يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر. وفي رواية له: حتى ~~يرى بياض خده من ههنا وبياض خده من ههنا. # وعن جابر بن سمرة قال: إذا كنا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده ~~إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علام تومؤن بأيديكم ~~كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه يسلم على أخيه ~~من على يمينه وشماله رواه أحمد ومسلم. وفي رواية: كنا نصلي خلف النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: ما بال هؤلاء PageV02P338 # يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على ~~فخذه ثم يقول: السلام عليكم، السلام عليكم رواه النسائي. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود. قوله: علام تومؤن في رواية أبي داود بلفظ: ~~ما بال أحدكم يرمي بيده بالراء، قال ابن الأثير: إن صحت الرواية بالراء ولم ~~يكن تصحيفا للواو فقد جعل الرمي باليد موضع الايماء بها لجواز ذلك في ~~اللغة، يقول: رميت ببصري إليك أي مددته، ورميت إليك بيدي أي أشرت بها. قال: ~~والرواية المشهورة رواية مسلم: # على ما تومؤن ms0889 بهمزة مضمومة بعد الميم، والايماء الإشارة أومأ يومئ إيماء ~~وهم يومؤن مهموزا، ولا تقل أوميت بياء ساكنة قاله الجوهري. قال ابن الأثير: ~~وقد جاء في رواية الشافعي: يومؤن بضم الميم بلا همزة، فإن صحت الرواية ~~فيكون قد أبدل من الهمزة ياء، فلما قلبت الهمزة ياء صارت يومي، فلما لحقه ~~ضمير الجماعة كان القياس يوميون، فثقلت الياء وقبلها كسرة فحذفت ونقلت ~~ضمتها إلى الميم فقيل يومؤن. قوله: أذناب خيل شمس بإسكان الميم وضمها مع ضم ~~الشين المعجمة جمع شموس بفتح الشين، وهو من الدواب النفور الذي يمتنع على ~~راكبه، ومن الرجال صعب الخلق. قوله: من على يمينه وشماله في رواية أبي داود ~~من عن يمينه ومن عن شماله وهو من الأدلة على مشروعية التسليمتين، وقد قدمنا ~~الكلام على ذلك. قوله: ثم يقول: السلام عليكم قال المصنف رحمه الله: وهو ~~دليل على أنه إذا لم يقل ورحمة الله أجزأه انتهى. (والأحاديث) المتقدمة ~~مشتملة على زيادة ورحمة الله وبركاته، فلا يتم الاتيان بالمشروع إلا بذلك. ~~وأما الاجزاء وعدمه فينبني على القول بالوجوب وعدمه وسيأتي ذلك. # وعن سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم ~~على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض رواه أحمد وأبو داود ولفظه: أمرنا أن ~~نرد على الامام، وأن يلم بعضنا على بعض. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبزار وزاد: في الصلاة قال الحافظ: وإسناده ~~حسن انتهى. ولكنه رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في سماعه منه على أربعة ~~مذاهب. # سمع منه مطلقا، لم يسمع منه مطلقا. سمع منه حديث العقيقة. سمع منه ثلاثة ~~أحاديث. وقد قدمنا بسط ذلك. وقد أخرج هذا الحديث أبو داود من طريق أخرى عن ~~سمرة بلفظ: # ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم قال الحافظ: لكنه ضعيف لما فيه من ~~المجاهيل. قوله: PageV02P339 # أن نسلم على أئمتنا أي نرد السلام عليهم كما في الرواية الثانية. قال ~~أصحاب الشافعي: # إن كان المأموم عن يمين الامام فينوي الرد عليه بالثانية، وإن كان عن ~~يساره ms0890 فينوي الرد عليه بالأولى، وإن حاذاه فبم شاء وهو في الأولى أحب. ~~قوله: وأن يسلم بعضنا على بعض ظاهره شامل للصلاة وغيرها، ولكنه قيده البزار ~~بالصلاة كما تقدم، ويدخل في ذلك سلام الامام على المأمومين، والمأمومين على ~~الامام، وسلام المقتدين بعضهم على بعض. وقد ذهب المؤيد بالله وأبو طالب إلى ~~وجوب قصد الملكين ومن في ناحيتهما من الامام والمؤتمين في الجماعة تمسكا ~~بهذا، وهو ينبني على القول بإيجاب السلام، وسيأتي الكلام فيه. قوله: # وأن نتحاب بتشديد الباء الموحدة آخر الحروف، والتحابب التوادد، وتحابوا ~~أحب كل واحد منهم صاحبه. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: حذف التسليم سنة ~~رواه أحمد وأبو داود. ورواه الترمذي موقوفا وصححه. وقال ابن المبارك: # معناه أن لا يمد مدا. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي إسناده قرة بن ~~عبد الرحمن بن حيويل بن ناشرة بن عبد بن عامر المعاقري المصري. قال أحمد: # منكر الحديث جدا. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال ~~ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا وأرجو أنه لا بأس به. وقد ذكره مسلم في ~~الصحيح مقرونا بعمرو بن الحرث. وقال الأوزاعي: ما أعلم أحدا أعلم بالزهري ~~من قرة، وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وصحح الترمذي هذا الحديث من طريقه ~~وليس موقوفا كما قال المصنف، لأن لفظ الترمذي عن أبي هريرة: قال: حذف ~~السلام سنة قال ابن سيد الناس: وهذا مما يدخل في المسند عند أهل الحديث أو ~~أكثرهم، وفيه خلاف بين الأصوليين معروف. قوله: حذف التسليم في نسخة من هذا ~~الكتاب حذف السلام وهي الموافقة للفظ أبي داود والترمذي. والحذف بفتح الحاء ~~المهملة وسكون الذال المعجمة بعدها فاء هو ما رواه المصنف عن عبد الله بن ~~المبارك أن لا يمده مدا، يعني يترك الإطالة في لفظه ويسرع فيه. قال ~~الترمذي: وهو الذي يستحبه أهل العلم، قال: وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: ~~التكبير جزم، والسلام جزم. قال ابن سيد ms0891 الناس: قال العلماء: يستحب أن يدرج ~~لفظ السلام ولا يمد مدا، لا أعلم في ذلك خلافا بين PageV02P340 # العلماء، وقد ذكر المهدي في البحر أن الرمي بالتسليم عجلا مكروه، قال: ~~لفعله صلى الله عليه وآله وسلم بسكينة ووقار انتهى. وهو مردود بهذا الدليل ~~الخاص إن كان يريد كراهة الاستعجال باللفظ. # باب من اجتزأ بتسليمة واحدة عن هشام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن ~~هشام عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أوتر بتسع ~~ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعو ثم ينهض ولا يسلم، ~~ثم يصلي التاسعة فيجلس فيذكر الله ويدعو ثم يسلم تسليمة يسمعنا، ثم يصلي ~~ركعتين وهو جالس، فلما كبر وضعف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة ثم ~~ينهض ولا يسلم؟ فيصلي السابعة ثم يسلم تسليمة ثم يصلي ركعتين وهو جالس رواه ~~أحمد والنسائي. وفي رواية لأحمد في هذه القصة: # ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا. وعن ابن ~~عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفصل بين الشفع والوتر ~~بتسليمة يسمعناها رواه أحمد. # أما حديث عائشة فأخرج نحوه أيضا الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم ~~والدارقطني بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم تسليمة واحد ~~تلقاء وجهه قال الدارقطني في العلل: رفعه عن زهير بن محمد، عن هشام عن أبيه ~~عنها عمرو بن سلمة وعبد الملك الصنعاني، وخالفهما الوليد فوقفه عليها أو ~~قال عقبة، قال الوليد قلت لزهير: أبلغك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيه شئ؟ قال: نعم أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فبين أن الرواية المرفوعة وهم. وكذا رجح رواية الوقف الترمذي ~~والبزار وأبو حاتم وقال في المرفوع: إنه منكر. وقال ابن عبد البر: لا يصح ~~مرفوعا، ولم يرفعه عن هشام غير زهير وهو ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا ~~يحتج به اه. وزهير ms0892 لا ينتهي إلى هذه الدرجة في التضعيف فقد قال أحمد: إنه ~~مستقيم الحديث، وقال صالح بن محمد: إنه ثقة صدوق، وقال موسى بن هارون: أرجو ~~أنه صدوق. وقال الدارمي: ثقة له أغاليط كثيرة، ووثقه PageV02P341 # ابن معين، وقال أبو حاتم: محله الصدق وفي حفظه سوء. وقد أخرج له الشيخان، ~~ولكنه روى الترمذي عن البخاري عن أحمد بن حنبل أنه قال: لأن زهير بن محمد ~~هذا ليس هو الذي يروى عنه بالعراق وكأنه رجل آخر قلبوا اسمه. وقال الحاكم: # رواه وهيب عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة مرفوعا وهذا إسناد ~~صحيح. # ورواه بقي بن مخلد في مسنده من رواية عاصم عن هشام بن عروة مرفوعا، ~~وهاتان الطريقتان فيهما متابعة لزهير فيقوي حديثه. قال الحافظ: وعاصم عندي ~~هو ابن عمر وهو ضعيف، وهم من زعم أنه ابن سليمان الأحول. وأخرجه ابن حبان ~~في صحيحه والسراج في مسنده عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ~~باللفظ الذي ذكره المصنف. قال الحافظ: وإسناده على شرط مسلم، ولم يستدركه ~~الحاكم مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد انتهى. وقد قدمنا أنه أخرج له ~~البخاري أيضا، فهو على شرط مسلم فقط، وبما ذكرنا تعرف عدم صحة قول العقيلي، ~~ولا يصح في تسليمة واحدة شئ. وكذا قول ابن القيم إنه لم يثبت عنه ذلك من ~~وجه صحيح. # وأما حديث ابن عمر فأخرجه أيضا ابن حبان وابن السكن في صحيحيهما، ~~والطبراني من حديث إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر بلفظ: كان يفصل بين ~~الشفع والوتر وقد عقد صاحب مجمع الزوائد لذلك بابا فقال: باب الفصل بين ~~الشفع والوتر، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ~~في الحجرة وأنا في البيت فيفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها رواه ~~الطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن سعيد وهو ضعيف انتهى. ولم يذكر في هذا ~~الباب إلا هذا الحديث. (وفي الباب) عن سهل بن سعد عند ابن ماجة بلفظ: أن ~~رسول ms0893 الله صلى الله عليه وآله وسلم سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه. وفي ~~إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد. وقد قال البخاري: إنه منكر ~~الحديث. وقال النسائي: متروك. وعن سلمة بن الأكوع عند ابن ماجة أيضا بلفظ: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى فسلم مرة واحدة. وفي إسناده ~~يحيى بن راشد البصري، قال يحيى: ليس بشئ. وقال النسائي: ضعيف. وعن أنس عند ~~ابن أبي شيبة أن النبي (ص) سلم تسليمة واحدة. وعن الحسن مرسلا: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة ذكره ابن ~~أبي شيبة. وقال: حدثنا أبو خالد عن PageV02P342 # حميد قال: كان أنس يسلم واحدة وحدثنا أبو خالد عن سعيد بن مرزبان قال: ~~صليت خلف ابن أبي ليلى فسلم واحدة، ثم صليت خلف علي فسلم واحدة، وذكر مثله ~~عن أبي وائل، ويحيى بن وثاب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن وابن سيرين، ~~والقاسم بن محمد، وعائشة، وأنس، وأبي العالية، وأبي رجاء، وابن أبي أوفى، ~~وابن عمر، وسعيد بن جبير، وسويد، وقيس بن أبي حازم بأسانيده إليهم، وذكر ~~ذلك عبد الرزاق عن الزهري. قال الترمذي: ورأي قوم من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والتابعين وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة قال: وأصح ~~الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسليمتان، وعليه أكثر الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم انتهى. (وقد احتج) بهذه الأحاديث المذكورة ههنا من قال ~~بمشروعية تسليمة واحدة، وقد قدمنا ذكرهم في الباب الأول، وقد اشتمل حديث ~~عائشة على صفتين من صفات صلاة الوتر، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه، وكذلك ~~يأتي الكلام في صلاة الركعتين بعد الوتر. # باب في كون السلام فرضا قال النبي (ص): وتحليلها التسليم. وعن زهير بن ~~معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيد فحدثني ~~أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ ~~بيد عبد الله فعلمه التشهد في ms0894 الصلاة ثم قال: إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد ~~قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد رواه أحمد وأبو ~~داود والدارقطني وقال: الصحيح أن قوله: إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك من ~~كلام ابن مسعود فصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود. وقوله: أشبه ~~بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه. # الحديث الذي أشار إليه المصنف بقوله: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~وتحليلها التسليم هو من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد تقدم لفظه ~~وذكر من خرجه، والكلام عليه في باب افتراض افتتاح الصلاة بالتكبير، وهو من ~~جملة ما تمسك به القائلون بوجوب التسليم، لأن الإضافة في قوله: وتحليلها ~~تقتضي الحصر فكأنه قال: جميع PageV02P343 # تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيره، وسيأتي ~~ذكر القائلين بالوجوب وذكر الجواب عليهم. وأما حديث ابن مسعود فقال البيهقي ~~في الخلافيات أنه كالشاذ من قول عبد الله، وإنما جعله كالشاذ لأن أكثر ~~أصحاب الحسن بن الحر لم يذكروا هذه الزيادة لا من قول ابن مسعود مفصولة من ~~الحديث، ولا مدرجة في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت عن ~~الحسن فجعلها من قول ابن مسعود، وزهير بن معاوية عن الحسن فأدرجها في آخر ~~الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سوار عنه مفصولة كما ذكر ~~الدارقطني. وقد روى البيهقي من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود ما يخالف هذه ~~الزيادة بلفظ: مفتاح الصلاة التكبير وانقضاؤها التسليم إذا سلم الامام فقم ~~إن شئت. قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود. وقال ابن حزم: قد صح عن ابن ~~مسعود إيجاب السلام فرضا، وذكر رواية أبي الأحوص هذه عنه. قال البيهقي: إن ~~تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم التشهد لابن مسعود، كان قبل فرض ~~التسليم ثم فرض بعد ذلك، وقد صرح بأن تلك الزيادة المذكورة في حديث الباب ~~مدرجة جماعة من الحفاظ ms0895 منهم الحاكم والبيهقي والخطيب، وقال البيهقي في ~~المعرفة: ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم من زهير بن معاوية. وقال النووي في ~~الخلاصة: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة انتهى. وقد رواه عن الحسن بن الحر ~~حسين الجعفي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة ~~في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن ابن مسعود ~~على ذلك. (والحديث) يدل على عدم وجوب السلام، وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ~~والناصر، وروى ذلك الترمذي عن أحمد وإسحاق بن راهويه. ورواه أيضا عن بعض ~~أهل العلم. # قال العراقي: وروي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود. وذهب إلى ~~الوجوب أكثر العترة والشافعي، قال النووي في شرح مسلم: وهو مذهب جمهور ~~العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. (واحتجوا) بحديث تحليلها التسليم، ~~وهو لا ينتهض للاحتجاج به إلا بعد تسليم تأخره عن حديث المسئ، لما عرفناك ~~في شرحه من أنه لا يثبت الوجوب إلا بما علم تأخره عنه، لأن تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة لا يجوز بالاجماع، لا سيما وقد ثبت في بعض الروايات: فإذا فعلت ~~ذلك فقدت تمت صلاتك كما قدمنا ذلك. إذا عرفت هذا تبين لك أن هذا الحديث لا ~~يكون حجة يجب التسليم لها إلا بعد العلم بتأخره. ويؤيد PageV02P344 # القول بعدم الوجوب حديث ابن مسعود المذكور في الباب، وحديث ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر ~~صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته أخرجه أبو داود والترمذي وقال: ليس ~~إسناده بذاك القوي وقد اضطربوا في إسناده، وإنما أشار إلى عدم قوة إسناده ~~لأن فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل العلم. ~~وقال النووي في شرح المهذب: إنه ضعيف باتفاق الحفاظ وفيه نظر، فإنه قد وثقه ~~غير واحد منهم زكريا الساجي وأحمد بن صالح المصري، وقال يعقوب بن سفيان: لا ~~بأس به، وقال يحيى بن معين: ms0896 ليس به بأس. وأما الاستدلال للوجوب بحديث سمرة ~~بن جندب المتقدم فهو أيضا لا ينتهض لذلك إلا بعد تسليم تأخره لما عرفت على ~~أنه أخص من الدعوى، لأن غاية ما فيه أمر المؤتمين بالرد على الامام ~~والتسليم على بعضهم بعضا، وليس فيه ذكر المنفرد والامام، على أن الامر ~~بالرد على الامام صيغته غير صيغة السلام الذي للخروج الذي هو محل النزاع، ~~فلا يصلح للتمسك به على الوجوب. وأما اعتذار صاحب ضوء النهار عن الحديث ~~بهجر ظاهره بإسقاط التحاب المذكور فيه فغير صحيح، لأن التحاب المأمور به هو ~~الموالاة بين المؤمنين وهي واجبة فلم يهجر ظاهره. وقد احتج المهدي في البحر ~~بقوله تعالى: * (ويسلموا تسليما) * (النساء: 65) وبقوله تعالى: * (فسلموا) ~~* (النور: 61) وهو غفلة عن سببهما. # (فإن قال) الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لزمه إيجاب السلام في غير ~~الصلاة وقد أجمع الناس على عدم وجوبه، فإن قال: الاجماع صارف عن وجوبه خارج ~~الصلاة. # قلنا: سلمنا فحديث المسئ صارف عن الوجوب في محل النزاع مع عدم العلم ~~بالتأخر. # باب في الدعاء والذكر بعد الصلاة عن ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ~~ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام رواه الجماعة إلا البخاري. # قوله: إذا انصرف قال النووي: المراد بالانصراف السلام. قوله: استغفر ~~ثلاثا فيه مشروعية الاستغفار ثلاثا، وقد استشكل استغفاره صلى الله عليه ~~وآله وسلم مع أنه مغفور له. قال ابن سيد الناس: هو وفاء بحق العبودية وقيام ~~بوظيفة الشكر كما PageV02P345 # قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وليبين للمؤمنين سنته فعلا، كما بينها قولا ~~في الدعاء والضراعة ليقتدي به في ذلك. قوله: أنت السلام ومنك السلام السلام ~~الأول من أسماء الله تعالى، والثاني السلامة. قوله: تباركت تفاعلت من ~~البركة وهي الكثرة والنماء. # ومعناه تعاظمت إذ كثرت صفات جلالك وكمالك. # وعن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: # لا إله إلا الله وحده لا شريك ms0897 له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ ~~قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا نعبد إلا إياه، له ~~النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو ~~كره الكافرون. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهلل بهن دبر ~~كل صلاة رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # قوله: في دبر كل صلاة بضم الدال على المشهور في اللغة والمعروف في ~~الروايات قاله النووي. وقال أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت: دبر كل شئ ~~بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، ~~وأما الجارحة فبالضم. وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دبر الشئ بالضم والفتح ~~آخر أوقاته، والصحيح الضم كما قال النووي، ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره. ~~وفي القاموس: الدبر بضمتين نقيض القبل، ومن كل شئ عقبه، وبفتحتين الصلاة في ~~آخر وقتها. قوله: حين يسلم فيه أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر واليا للسلام ~~مقدما على غيره لتقييد القول به بوقت التسليم. # (والحديث) يدل على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة مرة واحدة لعدم ما يدل ~~على التكرار. # وعن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في دبر ~~كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شئ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد متفق عليه. # قوله: في دبر تقدم ضبطه وتفسيره. قوله: له الملك وله الحمد قال الحافظ في ~~الفتح: زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة: يحيي ويميت وهو حي لا يموت ~~بيده الخير إلى قدير ورواته موثقون، وثبت مثله عند البزار من حديث عبد ~~الرحمن بن عوف بسند صحيح، لكن في القول إذا أصبح وإذا أمسى انتهى. قوله: ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد قد تقدم ضبط ذلك وتفسيره في باب ما يقول في رفعه ~~من الركوع. (والحديث) يدل ms0898 PageV02P346 # على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة، وظاهره أنه يقول ذلك مرة، ووقع عند ~~أحمد والنسائي وابن خزيمة أنه كان يقول: الذكر المذكور ثلاث مرات. قال ~~الحافظ في الفتح: وقد اشتهر على الألسنة في الذكر المذكور زيادة: ولا راد ~~لما قضيت وهو في مسند عبد بن حميد من رواية معمر عن عبد الملك بهذا الاسناد ~~لكن حذف. قوله: ولا معطي لما منعت ووقع عند الطبراني تاما من وجه آخر. # وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خصلتان ~~لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل يسبح ~~الله في دبر كل صلاة عشرا، ويكبره عشرا، ويحمده عشرا. قال: فرأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يعقدها بيده، فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف ~~وخمسمائة في الميزان، وإذا أوى إلى فراشه سبح وحمد وكبر مائة مرة، فتلك ~~مائة باللسان وألف بالميزان رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث ذكره الترمذي في الدعوات وزاد فيه النسائي بعد قوله: وألف ~~بالميزان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فأيكم يعمل في يوم وليلة ~~ألفين وخمسمائة سيئة، قيل: يا رسول الله وكيف لا يحصيها؟ قال: إن الشيطان ~~يأتي أحدكم وهو في صلاته يقول: أذكر كذا، أذكر كذا، ويأتيه عند منامه ~~فينيمه. قوله: خصلتان هما المفسرتان بقوله في الحديث: يسبح الله وبقوله: ~~وإذا أوى إلى فراشه. قوله: يسبح الله في دبر كل صلاة عشرا اعلم أن الأحاديث ~~وردت بأعداد مختلفة في التسبيح والتكبير والتحميد وسنشير ههنا إليها. (أما ~~التسبيح) فورد كونه عشرا كما في حديث الباب، وحديث أنس عند الترمذي ~~والنسائي، وحديث سعد بن أبي وقاص عند النسائي. وعلي بن أبي طالب عند أحمد، ~~وأم مالك الأنصارية عند الطبراني. وورد ثلاثا وثلاثين كما في حديث ابن عباس ~~عند الترمذي والنسائي، وحديث كعب بن عجرة عند مسلم والترمذي والنسائي، ~~وحديث أبي هريرة عند الشيخين، وحديث أبي الدرداء عند النسائي. وورد خمسا ~~وعشرين كما في حديث زيد بن ms0899 ثابت عند النسائي، وعبد الله بن عمر عند النسائي ~~أيضا. وورد إحدى عشرة كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزار. وورد ستا ما ~~في بعض طرق حديث أنس. # وورد مرة كما في بعض طرق حديث أنس أيضا عند البزار. وورد سبعين كما في ~~حديث أبي زميل عند الطبراني في الكبير وفي إسناده جهالة. وورد مائة كما في ~~بعض طرق حديث PageV02P347 # أبي هريرة عند النسائي وفيه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح وهو ضعيف. (وأما ~~التكبير) فورد كونه أربعا وثلاثين كما في حديث ابن عباس عند الترمذي ~~والنسائي، وحديث كعب بن عجرة عند مسلم والترمذي والنسائي وأبي الدرداء عند ~~النسائي كما تقدم في التسبيح، وأبي هريرة عند مسلم في بعض الروايات، وأبي ~~ذر عند ابن ماجة، وابن عمر عند النسائي وزيد بن ثابت عند النسائي. وعن عبد ~~الله بن عمر وعند الترمذي والنسائي. وورد ثلاثا وثلاثين من حديث أبي هريرة ~~عند الشيخين. وعن رجل من الصحابة عند النسائي في عمل اليوم والليلة. وورد ~~خمسا وعشرين كما في حديث زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر عند من تقدم في ~~التسبيح خمس وعشرون. وورد إحدى عشرة كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند ~~البزار كما تقدم في التسبيح، وعشرا كما في حديث الباب. وعن أنس وسعد بن أبي ~~وقاص وعلي وأم مالك عند من تقدم في تسبيح هذا المقدار، ومائة كما في حديث ~~من ذكرنا في تسبيح هذا المقدار عند من تقدم. (وأما التحميد) فورد كونه ~~ثلاثا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرا ومائة، كما في الأحاديث ~~المذكورة في أعداد التسبيح وعند من رواها. وكل ما ورد من هذه الاعداد فحسن، ~~إلا أنه ينبغي الاخذ بالزائد فالزائد. # قوله: فتلك خمسون ومائة باللسان وذلك لأن بعد كل صلاة من الصلوات الخمس ~~ثلاثين تسبيحة وتحميدة وتكبيرة، وبعد جميع الخمس الصلوات مائة وخمسين، وقد ~~صرح بهذا النسائي في عمل اليوم والليلة من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: ما ~~يمنع أحدكم أن ms0900 يسبح دبر كل صلاة عشرا ويكبر عشرا ويحمد عشرا فذلك في خمس ~~صلوات خمسون ومائة ثم ساق الحديث بنحو حديث عبد الله بن عمر. قوله: وألف ~~وخمسمائة في الميزان وذلك لان الحسنة بعشرة أمثالها، فيحصل من تضعيف المائة ~~والخمسين عشر مرات ألف وخمسمائة. # قوله: وألف بالميزان لمثل ما تقدم. (والحديث) يدل على مشروعية التسبيح ~~والتكبير والتحميد بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة وتكريره عشر مرات. قال ~~العراقي في شرح الترمذي: كان بعض مشايخنا يقول: إن هذه الاعداد الواردة عقب ~~الصلاة أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء وغير ذلك إذا ورد ~~لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص فزاد الآتي بها في أعدادها عمدا، لا يحصل له ~~ذلك الثواب الوارد على الاتيان بالعدد الناقص، فلعل لتلك الاعداد حكمة ~~وخاصية تفوت بمجاوزة تلك الاعداد وتعديها، ولذلك نهى عن الاعتداء في الدعاء ~~وفيما قاله نظر، لأنه قد أتى PageV02P348 # بالمقدار الذي رتب على الاتيان به ذلك الثواب، فلا تكون الزيادة عليه ~~مزيلة له بعد الحصول بذلك العدد الوارد. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما ~~يدل على ذلك، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شئ قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت ~~له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى ~~يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك الحديث. # ولمسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم ~~القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه. وقد يقال: ~~إن هذا واضح في الذكر الواحد الوارد بعدد مخصوص. وأما الأذكار التي يعقب كل ~~عدد منها عدد مخصوص ms0901 من نوع آخر كالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلوات فقد ~~يقال إن الزيادة في كل عدد زيادة لم يرد بها نص يقطع التتابع بينه وبين ما ~~بعده من الأذكار، وربما كان لتلك الاعداد المتوالية حكمة خاصة، فينبغي أن ~~لا يزاد فيها على العدد المشروع. قال العراقي: وهذا محتمل لا تأباه النصوص ~~الواردة في ذلك، وفي التعبد بالألفاظ الواردة في الأذكار والأدعية كقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم للبراء: قل ونبيك الذي أرسلت انتهى. وهذا مسلم في ~~التعبد بالألفاظ، لأن العدول إلى لفظ آخر لا يتحقق معه الامتثال. وأما ~~الزيادة في العدد فالامتثال متحقق، لأن المأمور به قد حصل على الصفة التي ~~وقع الامر بها، وكون الزيادة عليه مغيرة له غير معقول. وقيل: إن نوى عند ~~الانتهاء إليه امتثال الامر الوارد ثم أتى بالزيادة فقد حصل الامتثال، وإن ~~زاد بغير نية لم يعد ممتثلا. # وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم ~~الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعوذ ~~بهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك ~~أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر ~~رواه البخاري والترمذي وصححه. # قوله: من البخل بضم الباء الموحدة وإسكان الخاء المعجمة وبفتحهما وبضمهما ~~وبفتح الباء وإسكان الخاء ضد الكرم، ذكر معنى ذلك في القاموس، وقد قيده ~~بعضهم PageV02P349 # في الحديث بمنع ما يجب إخراجه من المال شرعا أو عادة ولا وجه له، لأن ~~البخل بما ليس بواجب من غرائز النقص المضادة للكمال، فالتعوذ منها حسن بلا ~~شك، فالأولى تبقية الحديث على عمومه وترك التعرض لتقييده بما لا دليل عليه. ~~قوله: والجبن بضم الجيم وسكون الباء وتضم المهابة للأشياء والتأخر عن ~~فعلها، وإنما تعوذ منه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يؤدي إلى عدم الوفاء ~~بفرض الجهاد والصدع بالحق وإنكار المنكر، ويجر إلى الاخلال بكثير من ~~الواجبات. قوله: إلى أرذل العمر ms0902 هو البلوغ إلى حد في الهرم يعود معه كالطفل ~~في سخف العقل وقلة الفهم وضعف القوة. قوله: من فتنة الدنيا هي بالاغترار ~~بشهواتها المفضي إلى ترك القيام بالواجبات، وقد تقدم الكلام على ذلك في شرح ~~حديث التعوذ من الأربع، لأن فتنة الدنيا هي فتنة المحيا. قوله: من عذاب ~~القبر قد تقدم شرحه في شرح حديث التعوذ من الأربع أيضا، وإنما خص صلى الله ~~عليه وآله وسلم هذه المذكورات بالتعوذ منها، لأنها من أعظم الأسباب المؤدية ~~إلى الهلاك باعتبار ما يتسبب عنها من المعاصي المتنوعة. # وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: إذا صلى الصبح ~~حين يسلم اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا رواه أحمد ~~وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا ابن أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة، عن موسى بن أبي ~~عائشة، عن مولى لام سلمة، عن أم سلمة. ورواه ابن ماجة في سننه عن أبي بكر ~~بن أبي شيبة بهذا الاسناد ورجاله ثقات لولا جهالة مولى أم سلمة، وإنما قيد ~~العلم بالنافع والرزق بالطيب والعمل بالمتقبل، لأن كل علم لا ينفع، فليس من ~~عمل الآخرة، وربما كان من ذرائع الشقاوة، ولهذا كان صلى الله عليه وآله ~~وسلم يتعوذ من علم لا ينفع. وكل رزق غير طيب موقع في ورطة العقاب، وكل عمر ~~غير متقبل إتعاب للنفس في غير طائل. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ~~ورزق لا يطيب، وعمل لا يتقبل. # وعن أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل ~~الآخر ودبر الصلوات المكتوبات رواه الترمذي. الحديث حسنه الترمذي وهو من ~~طريق محمد بن يحيى الثقفي المروزي عن حفص ابن غياث، عن ابن جريج، عن عبد ~~الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تصريح بأن ~~جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبات من أوقات الإجابة. وقد أخرج مسلم من ~~PageV02P350 # حديث جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ms0903 إن في ~~الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا ~~والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة فيمكن أن يقيد مطلق جوف الليل المذكور ~~في حديث الباب بساعة من ساعاته كما في حديث جابر. وقد وردت أذكار عقب ~~الصلوات غير ما ذكره المصنف. منها حديث أبي أمامة عند النسائي وصححه ابن ~~حبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قرأ آية الكرسي دبر ~~كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت. وزاد الطبراني: وقل هو ~~الله أحد ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث زيد بن أرقم قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شئ ~~أنا شهيد إنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شئ أنا شهيد أن ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شئ أنا شهيد ~~أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شئ اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ~~ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والاكرام اسمع واستجب، الله أكبر ~~الأكبر، اللهم نور السماوات والأرض، الله أكبر الأكبر حسبي ونعم الوكيل، ~~الله أكبر الأكبر. وفي إسناده داود الطفاوي، قال ابن معين: ليس بشئ. وأخرج ~~أبو داود من حديث علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلم ~~من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما ~~أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر. وأخرجه الترمذي أيضا ~~وقال: حديث حسن صحيح. أخرج أبو داود والنسائي والترمذي من حديث عقبة بن ~~عامر أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقرأ بالمعوذات دبر كل ~~صلاة. وقال الترمذي: حديث غريب. وأخرج مسلم من حديث البراء أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يقول بعد الصلاة: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك. ومنها ~~عند الطبراني في ms0904 الأوسط بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~دبر كل صلاة: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حر النار وعذاب ~~القبر ومنها عند أحمد والطبراني في الكبير بلفظ: اللهم أصلح لي ديني، ووسع ~~لي داري، وبارك لي في رزقي. وعند الترمذي: سبحان ربك رب العزة عما يصفون ~~وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وأخرجه أيضا أبو بكر بن ~~PageV02P351 # أبي شيبة من حديث أبي سعيد. وعند الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا صلى وفرغ من صلاته يمسح يمينه على رأسه ويقول: بسم الله الذي ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن وعند النسائي ~~التهليل مائة مرة. # هذه الأذكار وردت في أدبار الصلوات غير مقيدة ببعضها. وورد عقب المغرب ~~والفجر بخصوصهما عند أحمد والنسائي: من قال قبل أن ينصرف منهما: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير عشر مرات، ~~كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، وكان يومه في حرز من الشيطان. ~~وبعدهما أيضا قبل أن يتكلم عند أبي داود وابن حبان في صحيحه: اللهم أجرني ~~من النار سبع مرات. وعقب صلاة الفجر عند الترمذي وقال حسن صحيح: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه ~~قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ~~ويميت وهو على كل شئ قدير عشر مرات كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر ~~سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من ~~الشيطان، لم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله عز وجل. ~~وأخرجه أيضا النسائي وزاد فيه: # بيده الخير وعقب المغرب عند الترمذي وحسنه والنسائي من حديث عمارة بن ~~شبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قال: لا إله ms0905 إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير عشر ~~مرات على أثر المغرب بعث الله له ملائكة يحفظونه من الشيطان الرجيم حتى ~~يصبح ويكتب له بها عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل ~~عشر رقبات مؤمنات وفي إسناده رشدين بن سعد وفيه مقال. # باب الانحراف بعد السلام وقدر اللبث بينهما واستقبال المأمومين عن عائشة ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما ~~يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام رواه ~~أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة. PageV02P352 # الحديث قد تقدم شرح ألفاظه في الباب الأول، وساقه المصنف ههنا للاستدلال ~~به على مشروعية قيام الامام من موضعه الذي صلى فيه بعد سلامه، وقد ذهب بعض ~~المالكية إلى كراهة المقام للامام في مكان صلاته بعد السلام. ويؤيد ذلك ما ~~أخرجه عبد الرزاق من حديث أنس قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت وراء أبي بكر فكان إذا سلم وثب فكأنما ~~يقوم عن رضفة ويؤيده أيضا ما سيأتي في باب لبث الامام أنه كان يمكث صلى ~~الله عليه وآله وسلم في مكانه يسيرا قبل أن يقوم لكي ينصرف النساء، فإنه ~~يشعر بأن الاسراع بالقيام هو الأصل والمشروع، وقد عورض هذا بما تقدم من ~~الأحاديث الدالة على استحباب الذكر بعد الصلاة، وأنت خبير بأنه لا ملازمة ~~بين مشروعية الذكر بعد الصلاة والقعود في المكان الذي صلى المصلي تلك ~~الصلاة فيه، لأن الامتثال يحصل بفعله بعدها، سواء كان ماشيا أو قاعدا في ~~محل آخر، نعم ما ورد مقيدا نحو قوله: وهو ثان رجليه. # وقوله: قبل أن ينصرف كان معارضا، ويمكن الجمع بحمل مشروعية الاسراع على ~~الغالب، كما يشعر به لفظ كان أو على، ما عدا ما ورد مقيدا بذلك من الصلوات، ~~أو على أن اللبث مقدار الاتيان بالذكر المقيد لا ينافي الاسراع، فإن اللبث ~~مقدار ms0906 ما ينصرف النساء ربما اتسع لأكثر من ذلك. # وعن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى صلاة أقبل ~~علينا بوجهه رواه البخاري. وعن البراء بن عازب قال: كنا إذا صلينا خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه ~~رواه مسلم وأبو داود. # الحديث الا وذكره البخاري في الصلاة بهذا اللفظ، وذكره في الجنائز مطولا، ~~وهو يدل على مشروعية استقبال الامام للمؤتمن بعد الفراغ من الصلاة ~~والمواظبة على ذلك، لما يشعر به لفظ كان كما تقرر في الأصول. قال النووي: ~~المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظة كان لا يلزمها ~~الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض تدل على وقوعه مرة انتهى. قيل: ~~والحكمة في استقبال المؤتمين أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختص بمن ~~كان في مثل حاله صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاحية للتعليم والموعظة. ~~وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة إذ لو استمر الامام PageV02P353 # على حاله وهم أنه في التشهد مثلا. وقال الزين بن المنير: استدبار الامام ~~المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم ~~حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين. (والحديث الثاني) يدل على أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل على من في جهة الميمنة، ويمكن ~~الجمع بين الحديثين، بأنه كان تارة يستقبل جميع المؤتمين وتارة يستقبل أهل ~~الميمنة، أو يجعل حديث البراء مفسرا لحديث سمرة، فيكون المراد بقوله: أقبل ~~علينا أي على بعضنا أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي ~~في جهة اليمين. (وفي الباب) عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا صلى الله ~~عليه وآله وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما ~~انصرف أقبل على الناس الحديث أخرجه البخاري، والمراد بقوله انصرف أي من ~~صلاته أو مكانه، كذا قال الحافظ، وهو على التفسير الأول من أحاديث الباب. ~~وكذا ذكره البخاري في باب يستقبل ms0907 الامام الناس إذا سلم. ومن أحاديث الباب ~~ما أخرجه البخاري عن أنس قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل ثم خرج علينا فلما صلى أقبل علينا بوجهه. # وعن يزيد بن الأسود قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة ~~الوداع قال: فصلى بنا صلاة الصبح ثم انحرف جالسا فاستقبل الناس بوجهه وذكر ~~قصة الرجلين اللذين لم يصليا قال: ونهض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ونهضت معهم وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلده، قال: فما زلت أزحم ~~الناس حتى وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذت بيده فوضعتها ~~إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، قال: وهو يومئذ في مسجد الخيف رواه أحمد. وفي ~~رواية أيضا: أنه صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الحديث ~~قال: ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فمسحت ~~بها وجهي فوجدتها أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح لكن بلفظ: ~~شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجته فصليت معه الصبح في مسجد الخيف ~~فلما قضى صلاته وانحرف ثم ذكروا قصة الرجلين، وفي إسناده جابر بن ~~PageV02P354 # يزيد بن الأسود السوائي عن أبيه، روى عنه يعلى بن عطاء. قال ابن المديني: ~~لم يرو عنه غيره وقد وثقه النسائي. قوله: فاستقبل الناس بوجهه فيه دليل على ~~مشروعية ذلك وقد تقدم الكلام فيه. قوله: وذكر قصة الرجلين اللذين لم يصليا ~~لفظهما عند الترمذي وأبي داود والنسائي: فلما قضى صلى الله عليه وآله وسلم ~~صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه فقال: علي بهما، ~~فجئ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول ~~الله إنا كنا صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، ms0908 إذا صليتما في رحالكما ثم ~~أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة. وسيأتي الكلام على ذلك في ~~أبواب الجماعة. قوله: وأجلده جعل ضمير الجماعة مفردا لغة قليلة، ومنه هو ~~أحسن الفتيان وأجمله. ومنه أيضا قول الشاعر: # إن الأمور إذا الاحداث دبرها * دون الشيوخ ترى في بعضها خللا قوله: ~~فوضعتها إما على وجهي أو صدري فيه مشروعية التبرك بملامسة أهل الفضل لتقرير ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم له على ذلك. وكذلك قوله: ثم ثار الناس بيده ~~يمسحون بها وجوههم. # وعن أبي جحيفة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهاجرة إلى ~~البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة تمر من ~~ورائها المرأة، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: # فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك ~~رواه أحمد والبخاري. الحديث أخرجه البخاري مطولا ومختصرا في مواضع من ~~كتابه، ذكره في الطهارة وفي باب الصلاة في الثوب الأحمر في أوائل كتاب ~~الصلاة، وفي الاذان وفي أبواب السترة في موضعين، وفي صفة النبي صلى الله ~~وسلم في موضعين. وفي اللباس في موضعين. قوله: إلى البطحاء يعني بطحاء مكة ~~وهو موضع خارج مكة وهو الذي يقال له الأبطح. وقوله: # بالهاجرة يستفاد منه أنه جمع جمع تقديم، ويحتمل أن يكون قوله: والعصر ~~ركعتين أي بعد دخول وقتها. قوله: عنزة هي الحربة القصيرة. قوله: تمر من ~~ورائها المرأة فيه متمسك لمن قال: إن المرأة لا تقطع الصلاة، وسيأتي الكلام ~~على ذلك. قوله: فيمسحون بها وجوههم فيه مشروعية التبرك كما تقدم. (والحديث) ~~لا يطابق الترجمة التي PageV02P355 # ذكرها المصنف، لأن قيام الناس إليه لا يستلزم أنه باق في المكان الذي صلى ~~فيه فضلا عن استقباله للمصلين. # باب جواز الانحراف عن اليمين والشمال عن ابن مسعود قال: لا يجعلن أحدكم ~~للشيطان شيئا من صلا ته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه ms0909 وآله وسلم كثيرا ينصرف عن يساره. وفي لفظ: ~~أكثر انصرافه عن يساره رواه الجماعة إلا الترمذي. # وعن أنس قال: أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه ~~رواه مسلم والنسائي. وعن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يؤمنا فينصرف عن جانبيه جميعا على يمينه وعلى شماله رواه ~~أبو داود وابن ماجة والترمذي. # وقال: صح الأمران عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # الحديث الثالث حسنه الترمذي، وصححه ابن عبد البر في الاستيعاب، وذكره عبد ~~الباقي بن قانع في معجمه من طرق متعددة وفي إسناده قبيصة بن هلب، وقد رماه ~~بعضهم بالجهالة، ولكنه وثقه العجلي وابن حبان، ومن عرف حجة على من لم يعرف. # (وفي الباب) عن عبد الله بن عمرو عند ابن ماجة بلفظ: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة. قوله في الحديث ~~الأول: شيئا من صلاته في رواية مسلم جزءا من صلاته. قوله: يرى بفتح أوله أي ~~يعتقد، ويجوز الضم أي يظن. قوله: أن حقا عليه هو بيان للجعل في قوله: لا ~~يجعلن. قوله: أن لا ينصرف أي يرى أن عدم الانصراف حق عليه. وظاهر قوله في ~~حديث ابن مسعود: أكثر انصرافه عن يساره وقوله في حديث أنس: أكثر ما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينصرف عن يمينه المنافاة، لأن كل واحد ~~منهما قد استعمل فيه صيغة أفعل التفضيل. قال النووي: ويجمع بينهما بأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل منهما بما ~~أعتقد أنه الأكثر، وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب الانصراف عن اليمين. ~~قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث PageV02P356 # ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر، ثم إذا ~~تعارض اعتقاد ms0910 ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه أعلم وأسن وأجمل وأكثر ~~ملازمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقرب إلى مواقفه في الصلاة من أنس. ~~وبأن في إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدي. وبأن حديث ابن مسعود متفق ~~عليه. وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال لأن حجرة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كانت على جهة يساره كما تقدم. # قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر وهو أن من قال: كان ~~أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حالة الصلاة، ومن قال: كان أكثر ~~انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من ~~الصلاة، فعلى هذا لا يختص الانصراف بجهة معينة، ومن ثم قال العلماء: يستحب ~~الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقه فاليمين أفضل ~~لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن. قال ابن المنير فيه: إن المندوبات قد ~~تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها، لان التيامن مستحب في كل شئ، لكن لما ~~خشي ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته. قال الترمذي بعد أن ساق ~~حديث هلب وعليه العمل عند أهل العلم قال: # ويروى عن علي أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت ~~حاجته عن يساره أخذ عن يساره. # باب لبث الامام بالرجال قليلا ليخرج من صلى معه من النساء عن أم سلمة ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي ~~تسليمه وهو يمكث في مكانه يسيرا قبل أن يقوم قالت: فنرى والله أعلم أن ذلك ~~كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال رواه أحمد والبخاري. # الحديث فيه أنه يستحب للامام مراعاة أحوال المأمومين والاحتياط في ~~الاجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، واجتناب مواقع التهم، وكراهة مخالطة ~~الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت، ومقتضى التعليل المذكور أن ~~المأمومين إذا كانوا رجالا فقط لا يستحب هذا المكث، وعليه حمل ابن قدامة ms0911 ~~حديث عائشة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا PageV02P357 # سلم لا يقعد إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام الحديث المتقدم، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك. (وفي الحديث) أنه لا بأس بحضور النساء الجماعة في المسجد. ~~قوله: فنرى بضم النون أي نظن. # باب جواز عقد التسبيح باليد وعده بالنوى ونحوه عن بسيرة وكانت من ~~المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عليكن ~~بالتهليل والتسبيح والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل ~~فإنهن مسؤولات مستنطقات رواه أحمد والترمذي وأبو داود. وعن سعد بن أبي ~~وقاص: أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة وبين يديها ~~نوى أو حصى تسبح به فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل، سبحان ~~الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله ~~عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد ~~لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك ~~رواه أبو داود والترمذي. # وعن صفية قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين يدي ~~أربعة آلاف نواة أسبح بها فقال: لقد سبحت بهذا، ألا أعلمك بأكثر مما سبحت ~~به؟ فقالت: # علمني، فقال قولي: سبحان الله عدد خلقه رواه الترمذي. # أما الحديث الأول فأخرجه أيضا الحاكم، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا ~~من حديث هانئ بن عثمان، وقد صحح السيوطي إسناد هذا الحديث. وأما الحديث ~~الثاني فأخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وحسنه ~~الترمذي. # وأما الحديث الثالث فأخرجه أيضا الحاكم وصححه السيوطي. (والحديث الأول) ~~يدل على مشروعية عقد الأنامل بالتسبيح، وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، ~~والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عمرو أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله وآله ~~وسلم يعقد التسبيح زاد في رواية لأبي داود وغيره: بيمينه وقد علل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ms0912 وسلم ذلك في حديث الباب بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات، ~~يعني أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة ~~والحصى. (والحديثان الآخران) يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى، ~~وكذا PageV02P358 # بالسبحة لعدم الفارق، لتقريره صلى الله عليه وآله وسلم للمرأتين على ذلك. ~~وعدم إنكاره، والارشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، وقد وردت بذلك ~~آثار، ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح ~~به إلى نصف النهار ثم يرفع، فإذا صلى أتى به فيسبح حتى يمسي، وأخرجه الإمام ~~أحمد في الزهد قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس بن عبيد، عن أمه ~~قالت: رأيت أبا صفية رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان ~~خازنا قالت: فكان يسبح بالحصى. وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمي أن سعد بن ~~أبي وقاص كان يسبح بالحصى. وقال ابن سعد في الطبقات: # أخبرنا عبد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن جابر، عن امرأة خدمته، عن ~~فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها. ~~وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة أنه كان له ~~خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح. # وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى ~~من العجوة في كيس، فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة واحدة يسبح بهن حتى ~~ينفذهن. # وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع. وأخرج الديلمي ~~في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي، عن أم الحسن بنت جعفر، عن ~~أبيها عن جدها، عن علي رضي الله عنه مرفوعا: نعم المذكر السبحة. وقد ساق ~~السيوطي آثارا في الجزء الذي سماه المنحة في السبحة وهو من جملة كتابه ~~المجموع في الفتاوى وقال في آخره: ولم ينقل ms0913 عن أحد من السلف ولا من الخلف ~~المنع من جواز عد الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك ~~مكروها، انتهى. (وفي الحديثين) الآخرين فائدة جليلة وهي أن الذكر يتضاعف ~~ويتعدد بعدد ما أحال الذاكر على عدده، وإن لم يتكرر الذكر في نفسه، فيحصل ~~مثلا على مقتضى هذين الحديثين لمن قال مرة واحدة: سبحان الله عدد كل شئ من ~~التسبيح ما لا يحصل لمن كرر التسبيح ليالي وأياما بدون الإحالة على عدد، ~~وهذا مما يشكل على القائلين أن الثواب على قدر المشقة المنكرين للتفضل ~~الثابت بصرائح الأدلة، وقد أجابوا عن هذين الحديثين وما شابههما من نحو ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من فطر صائما كان له مثل أجره. من عزى مصابا ~~كان له مثل أجره بأجوبة متعسفة متكلفة. PageV02P359 # أبواب ما يبطل الصلاة وما يكره ويباح فيها باب النهي عن الكلام في الصلاة ~~عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى ~~جنبه في الصلاة حتى نزلت: * (وقوموا لله قانتين) * (البقرة: 238) فأمرنا ~~بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وللترمذي فيه: كنا ~~نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة. # الحديث قال الترمذي: حسن صحيح. (وفي الباب) عن جابر بن عبد الله عند ~~الشيخين، وعن عمار عند الطبراني، وعن أبي أمامة عند الطبراني أيضا، وعن أبي ~~سعيد عند البزار، وعن معاوية بن الحكم وابن مسعود وسيأتيان. (والحديث) يدل ~~على تحريم الكلام في الصلاة، ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم في صلاته ~~عامدا عالما فسدت صلاته. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في ~~صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا في كلام ~~الساهي والجاهل. وقد حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم أنهم سوموا بين كلام ~~الناسي والعامد والجاهل، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك، حكى ذلك الترمذي ~~عنهما، وبه قال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وهو إحدى ms0914 ~~الروايتين عن قتادة، وإليه ذهبت الهادوية. وذهب قوم إلى الفرق بين كلام ~~الناسي والجاهل وبين كلام العامد، وقد حكى ذلك ابن المنذر عن ابن مسعود، ~~وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين عن عروة بن الزبير، وعطاء بن ~~أبي رباح، والحسن البصري، وقتادة في إحدى الروايتين عنه، وحكاه الحازمي عن ~~عمرو بن دينار. وممن قال به مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، ~~وحكاه الحازمي عن نفر من أهل الكوفة، وعن أكثر أهل الحجاز وأكثر أهل الشام. ~~وعن سفيان الثوري وهو إحدى الروايتين عنه. وحكاه النووي في شرح مسلم عن ~~الجمهور. (استدل الأولون) بحديث الباب وسائر الأحاديث المصرحة بالنهي عن ~~التكلم في الصلاة، وظاهرها عدم الفرق بين العامد والناسي والجاهل. # (واحتج) الآخرون لعدم فساد صلاة الناسي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~تكلم في حال السهو، وبنى عليه كما في حديث ذي اليدين، وبما روى الطبراني في ~~الأوسط PageV02P360 # من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم في الصلاة ~~ناسيا فبنى على ما صلى. وبحديث: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الذي أخرجه ابن ~~ماجة وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم بنحو هذا اللفظ. ~~(واحتجوا) لعدم فساد صلاة الجاهل بحديث معاوية بن الحكم الذي سيأتي، فإنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالإعادة. وأجيب عن ذلك بأن عدم حكاية ~~الامر بالإعادة لا يستلزم العدم، وغايته أنه لم ينقل إلينا فيرجع إلى غيره ~~من الأدلة كذا قيل، ويجاب أيضا عن الاستدلال بحديث: رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان، أن المراد رفع الاثم لا الحكم، فإن الله أوجب في قتل الخطأ ~~الكفارة، على أن الحديث مما لا ينتهض للاحتجاج به. وقد استوفى الحافظ ~~الكلام عليه في باب شروط الصلاة من التلخيص، ويجاب عن الاحتجاج بحديث ذي ~~اليدين بأن كلامه صلى الله عليه وآله وسلم وقع وهو غير متصل، وبناؤه على ما ~~قد فعل قبل الكلام لا يستلزم أن يكون ما وقع قبله منها. قوله في الحديث: ~~حتى نزلت: ms0915 وقوموا لله قانتين فيه إطلاق القنوت على السكوت. قال زين الدين ~~في شرح الترمذي: وذكر ابن العربي أن له عشرة معان قال: وقد نظمتها في بيتين ~~بقولي: # ولفظ القنوت أعدد معانيه تجد * مزيدا على عشر معاني مرضية دعاء خشوع ~~والعبادة طاعة * إقامتها إقرارنا بالعبودية سكوت صلاة والقيام وطوله * كذاك ~~دوام الطاعة الرابح الفيه قوله: ونهينا عن الكلام هذه الزيادة ليست للجماعة ~~كما يشعر به كلام المصنف، وإنما زادها مسلم وأبو داود. وقد استدل بزيادتها ~~على مسألة أصولية، قال ابن العربي. قوله: # أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام يعطي بظاهره أن الامر بالشئ ليس نهيا عن ~~ضده، والكلام على ذلك مبسوط في الأصول. قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق ~~الحديث: # وهذا يدل على أن تحريم الكلام كان بالمدينة بعد الهجرة، لأن زيدا مدني، ~~وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون خلف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة ~~إلى أن نهوا، انتهى. ويؤيد ذلك أيضا اتفاق المفسرين على أن قوله تعالى: * ~~(وقوموا لله قانتين) * (البقرة: 238) نزلت بالمدينة، ولكنه يشكل على ذلك ~~حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا، فإن فيه أنه لما رجع من عند النجاشي كان ~~تحريم الكلام، وكان رجوعه من الحبشة من عند النجاشي بمكة قبل الهجرة، وقد ~~أجاب عن ذلك ابن حبان في صحيحه فقال: توهم من لم يطلب PageV02P361 # العلم من مظانه أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة، قال: وليس مما ~~يذهب إليه الوهم فيه في شئ منه، وذلك لأن زيد بن أرقم كان من الأنصار من ~~الذين أسلموا بالمدينة وصلوا بها قبل هجرة المصطفى صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وكانوا يصلون بالمدينة كما يصلي المسلمون بمكة في إباحة الكلام في ~~الصلاة لهم، فلما نسخ ذلك بمكة نسخ كذلك بالمدينة، فحكى زيد ما كانوا عليه ~~لا أن زيدا حكى ما لم يشهده في الصلاة، وهذا الجواب يرده قول زيد المتقدم: ~~كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأيضا قد ذكر ابن حبان ~~نفسه أن نسخ الكلام ms0916 في الصلاة كان عند رجوع ابن مسعود من أرض الحبشة قبل ~~الهجرة بثلاث سنين، وإذا كان كذلك فلم يكن الأنصار حينئذ قد صلوا ولا ~~أسلموا، فإن إسلام من أسلم منهم كان حين أتى النفر الستة من الخزرج عند ~~العقبة فدعاهم إلى الله فآمنوا، ثم جاء في الموسم الثاني منهم اثنا عشر ~~رجلا فبايعوه وهي بيعة العقبة الأولى، ثم جاؤوا في الموسم الثالث فبايعوه ~~بيعة العقبة الثانية، ثم هاجر إليهم في شهر ربيع الأول، فكان إسلامهم قبل ~~الهجرة بسنتين وثلاثة أشهر. (وأجاب العراقي) عن ذلك الاشكال بأن الرواية ~~الصحيحة المتفق عليها في حديث ابن مسعود هي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أجابه بقوله: إن في الصلاة شغلا، فيحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~رأى ذلك منه اجتهادا قبل نزول الآية. قال: وأما الرواية التي فيها أن الله ~~قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة فلا تقاوم الرواية الأولى للاختلاف ~~في راويها، وعلى تقدير ثبوتها فلعله أوحي إليه ذلك بوحي غير القرآن. # وفيه أن الترجيح فرع التعارض ولا تعارض، لأن رواية أن لا تتكلموا زيادة ~~ثابتة من وجه معتبر كما سيأتي فقبولها متعين. وأما الاعتذار بأنها بوحي غير ~~قرآن فذلك غير نافع، لأن النزاع في كون التحريم للكلام في مكة أو في ~~المدينة لا في خصوص أنه بالقرآن. (ومن جملة) ما أجيب به عن ذلك الاشكال أن ~~زيد بن أرقم ممن لم يبلغه تحريم الكلام في الصلاة إلا حين نزول الآية، ~~ويرده قوله في حديث الباب: يكلم الرجل منا صاحبه، وإن ذلك كان خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن المعلوم أن تكليم بعضهم بعضا في الصلاة ~~لا يخفى عليه لأنه يراهم من خلفه كما صح عنه. (ومن الأجوبة) أن يكون الكلام ~~نسخ بمكة ثم أبيح ثم نسخت الإباحة بالمدينة. ومنها حمل حديث ابن مسعود على ~~تحريم الكلام لغير مصلحة الصلاة، PageV02P362 # وحديث زيد على تحريم سائر الكلام. ومنها ترجيح حديث ابن مسعود والمصير ~~إليه لأنه ms0917 حكي فيه حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك ابن سريج ~~والقاضي أبو الطيب. ومنها أن زيد بن أرقم أراد بقوله: كنا نتكلم في الصلاة ~~الحكاية عمن كان يفعل ذلك في مكة، كما يقول القائل: فعلنا كذا وهو يريد بعض ~~قومه، ذكر معنى ذلك ابن حبان وهو بعيد. # وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ~~الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا ~~فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال: إن في ~~الصلاة لشغلا متفق عليه. وفي رواية: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذ كنا بمكة قبل أن نأتي أرض الحبشة، فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه ~~فسلمنا عليه فلم يرد، فأخذني ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة فسألته فقال: ~~إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وأنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة ~~رواه أحمد والنسائي. # الرواية الثانية أخرجها أيضا أبو داود وابن حبان في صحيحه. قوله: فلم يرد ~~هو يرد على من قال: بجواز رد السلام في الصلاة لفظا وهم أبو هريرة وجابر ~~والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة. قوله: لشغلا ههنا صفة محذوفة والتقدير ~~لشغلا كافيا عن غيره من الكلام أو مانعا من الكلام. قوله: ما قرب وما بعد ~~لفظ أبي داود وابن حبان ما قدم وما حدث، والمراد من هذا اللفظ ولفظ الكتاب ~~اتصال الآخران البعيدة أو المتقدمة بالقريبة أو الحادثة لسبب تركه صلى الله ~~عليه وآله وسلم لرد السلام عليه. قوله: أن لا نتكلم في الصلاة لفظ أبي داود ~~وغيره أن لا تكلموا في الصلاة. وزاد: فرد علي السلام يعني بعد فراغه. (وقد ~~استدل به) على أنه يستحب لمن سلم عليه في الصلاة أن لا يرد السلام إلا بعد ~~فراغه من الصلاة، وروي هذا عن أبي ذر وعطاء والنخعي والثوري. # قال ابن رسلان: ومذهب الشافعي والجمهور أن المستحب ms0918 أن يرد السلام في ~~الصلاة بالإشارة، واستدلوا بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه عن ~~صهيب أنه قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فسلمت ~~عليه فرد إشارة قال الراوي عنه: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه وسيأتي ~~الكلام على هذا في باب الإشارة في الصلاة لرد السلام. # وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى ~~PageV02P363 # الله عليه وآله وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله فرماني القوم ~~بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم ~~على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكنني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فبأبي وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، ~~فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ ~~من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وقال: لا ~~يحل مكان لا يصلح. وفي رواية لأحمد: إنما هي التسبيح والتكبير والتحميد ~~وقراءة القرآن. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي. قوله: فرماني القوم بأبصارهم أي ~~نظروا إلي بأبصارهم نظر منكر، ولذلك استعير له الرمي. قوله: وا ثكل أماه ~~وأحرف للندبة، وثكل بضم المثلثة وإسكان الكاف وبفتحهما جميعا لغتان كالبخل ~~والبخل حكاهما الجوهري وغيره وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده. ~~وقوله: # أماه بتشديد الميم وأصله أم زيدت عليه ألف الندبة لمد الصوت وأردفت بهاء ~~السكت، وفي رواية إلى داود أمياه بزيادة الياء وأصله أمي زيدت عليه ألف ~~الندبة لذلك. قوله: # على أفخاذهم هذا محمول على أنه وقع قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شئ في ~~صلاته للرجال والتصفيق للنساء، ولا يقال إن ضرب اليد على الفخذين تصفيق لأن ~~التصفيق إنما هو ضرب الكف على الكف أو الأصابع على الكف. قال القرطبي: ~~ويبعد أن يسمى من ضرب على فخذه وعليها ثوبه ms0919 مصفقا ولهذا قال: فجعلوا يضربون ~~بأيديهم على أفخاذهم، ولو كان يسمى هذا تصفيقا لكان الأقرب في اللفظ أن ~~يقول: يصفقون لا غيره. قوله: لكني سكت قال المنذري: يريد لم أتكلم لكني ~~سكت، وورود لكن هنا مشكل لأنه لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها نحو: ~~ما هذا ساكنا لكنه متحرك، أو ضد له نحو: ما هو أبيض لكنه أسود، ويحتمل أن ~~يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يسكتوني لم أكلمهم لكني سكت، فيكون ~~الاستدراك لرفع ما توهم ثبوته مثل: ما زيد شجاعا لكنه كريم، لأن الشجاعة ~~والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهم نفي كرمه، ويحتمل أن يكون ~~لكن هنا للتوكيد نحو: # لو جاءني أكرمته لكنه لم يجئ فأكدت، لكن ما أفادته لو من الامتناع، وكذا ~~في الحديث أكدت لكن ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. قوله: فبأبي وأمي متعلق ~~بفعل محذوف تقديره أفديه بأبي وأمي. قوله: ما كهرني أي ما انتهرني والكهر ~~الانتهار قاله أبو عبيد، وقرأ عبد الله بن مسعود: فأما اليتيم فلا تكهر ~~وقيل: الكهر العبوس في وجه من تلقاه. PageV02P364 # قوله: إن هذه الصلاة يعني مطلق الصلاة فيشمل الفرائض وغيرها. قوله: لا ~~يصلح فيها شئ من كلام الناس في الرواية الأخرى لا يحل. (استدل) بذلك على ~~تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة أم لا، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو ~~غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل سبح الرجل وصفقت المرأة، وهذا ~~مذهب الجمهور من أهل البيت وغيرهم من السلف والخلف. وقالت طائفة منهم ~~الأوزاعي: إنه يجوز الكلام لمصلحة الصلاة واستدلوا بحديث ذي اليدين. وكلام ~~الناس المذكور في الحديث اسم مصدر يراد به تارة ما يتكلم به على أنه مصدر ~~بمعنى المفعول، وتارة يراد به التكليم للغير وهو الخطاب للناس، والظاهر أن ~~المراد به ههنا الثاني بشهادة السبب. قوله: إنما هي التسبيح والتكبير ~~وقراءة القرآن هذا الحصر يدل بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير ~~الثلاثة، وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ms0920 ألفاظ ~~القرآن من الحنفية والهادوية، ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية ~~وأذكار مخصوصة في الصلاة مخصصة لعموم هذا المفهوم، وبناء العام على الخاص ~~متعين، لا سيما بعدما تقرر أن تحريم الكلام كان بمكة كما قدمنا، وأكثر ~~الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خصصوا هذا المفهوم بالتشهد، ~~فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره؟ وهذا واضح لا يلتبس على من له أدنى نظر ~~في العلم، ولكن المتعصب أعمى، وكم من حديث صحيح وسنة صريحة قد نصبوا هذا ~~المفهوم العام في مقابلتها وجعلوه معارضا لها وردوها به، وغفلوا عن بطلان ~~معارضة العام بالخاص، وعن رجحان المنطوق على المفهوم إن سلم التعارض. (قال ~~المصنف) رحمه الله بعد أن ساق الحديث: وفيه دليل على أن التكبير من الصلاة ~~وأن القراءة فرض، وكذلك التسبيح والتحميد، وأن تشميت العاطس من الكلام ~~المبطل، وأن من فعله جاهلا لم تبطل صلاته حيث لم يأمره بالإعادة انتهى. # باب أن من دعا في صلاته بما لا يجوز جاهلا لم تبطل عن أبي هريرة قال: قام ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو ~~في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فلما سلم PageV02P365 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للأعرابي: لقد تحجرت واسعا يريد رحمة ~~الله رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي. # الحديث أخرجه أيضا مسلم. قوله: تحجرت واسعا أي ضيقت ما وسعه الله، وخصصت ~~به نفسك دون إخوانك من المسلمين، هلا سألت الله لك ولكل المؤمنين؟ # وأشركتهم في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شئ؟ وفي هذا إشارة إلى ترك هذا ~~الدعاء والنهي عنه، وأنه يستحب الدعاء لغيره من المسلمين بالرحمة والهداية ~~ونحوهما. (واستدل به) المصنف على أنها لا تبطل صلاة من دعا بما لا يجوز ~~جاهلا لعدم أمر هذا الداعي بالإعادة. # قوله: يريد رحمة الله قال الحسن وقتادة: وسعت في الدنيا البر والفاجر وهي ~~يوم القيامة للمتقين خاصة، جعلنا الله ممن وسعته رحمته في الدارين. # باب ما جاء في النحنحة ms0921 والنفخ في الصلاة عن علي قال: كان لي من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مدخلان بالليل والنهار، وكنت إذا دخلت عليه وهو ~~يصلي يتنحنح لي رواه أحمد وابن ماجة والنسائي بمعناه. # الحديث صححه ابن السكن، وقال البيهقي: هذا مختلف في إسناده ومتنه، قيل: ~~سبح، وقيل: # تنحنح، ومداره على عبد الله بن نجي. قال الحافظ: واختلف عليه فيه فقيل عن ~~علي، وقيل عن أبيه عن علي، قال البخاري فيه نظر وضعفه غيره ووثقه النسائي ~~وابن حبان. وقال يحيى بن معين: لم يسمعه عبد الله من علي، بينه وبين علي ~~أبوه. (والحديث) يدل على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد وقد ذهب إلى ذلك ~~الامام يحيى والشافعي وأبو يوسف كذا في البحر. # وروي عن الناصر. وقال المنصور بالله: إذا كان لاصلاح الصلاة لم تفسد به، ~~وذهب أبو حنيفة ومحمد والهادوية إلى أن التنحنح مفسد، لأن الكلام لغة ما ~~تركب من حرفين وإن لم يكن مفيدا، ورد بأن الحرف ما اعتمد على مخرجه المعين ~~وليس في التنحنح اعتماد. وقد أجاب المهدي عن الحديث بقوله: لعله قبل نسخ ~~الكلام، ثم دليل التحريم أرجح للحظر، وقد عرفناك أن تحريم الكلام كان بمكة، ~~والاتكال على مثل هذه العبارة التي ليس فيها إلا مجرد الترجي من دون علم ~~ولا ظن، لو جاز التعويل على مثلها لرد من شاء ما شاء من PageV02P366 # الشريعة المطهرة وهو باطل بالاجماع. وأما ترجيح دليل تحريم الكلام في ~~كونه من ترجيح العام على الخاص قد عرفت أن العام غير صادق على محل النزاع. # وعن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفخ في صلاة ~~الكسوف رواه أحمد وأبو داود والنسائي وذكره البخاري تعليقا. وروى أحمد هذا ~~المعنى من حديث المغيرة بن شعبة. وعن ابن عباس قال: النفخ في الصلاة كلام، ~~رواه سعيد بن منصور في سننه. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي، ولفظ أبي داود: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف ~~أف ثم قال: يا رب ألم تعدني ms0922 أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا ~~تعذبهم وهم يستغفرون؟ # ففرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد انمحصت الشمس. وفي إسناده ~~عطاء بن السائب، وقد أخرج له البخاري مقرونا. وأثر ابن عباس أخرجه أيضا عبد ~~الرزاق. قوله: # نفخ في صلاة الكسوف النفخ في أصل اللغة إخراج الريح من الفم كما في ~~القاموس وغيره، وقد فسر في الحديث بقوله: أف أف. وقد استدل بالحديث من قال: ~~إن النفخ لا يفسد الصلاة، واستدل من قال: إنه يفسد الصلاة بأحاديث النهي عن ~~الكلام، والنفخ كلام كما قال ابن عباس. وأجيب بمنع كون النفخ من الكلام لما ~~عرفت من أن الكلام متركب من الحروف المعتمدة على المخارج، والاعتماد في ~~النفخ وأيضا الكلام المنهي عنه في الصلاة هو المكالمة كما تقدم، ولو سلم ~~صدق اسم الكلام على النفخ كما قال ابن عباس لكان فعله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لذلك في الصلاة مخصصا لعموم النهي عن الكلام. واستدلوا أيضا بما رواه ~~الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن النفخ في السجود وعن النفخ في الشراب. ولا تقوم به حجة، لأن في ~~إسناده خالد بن إلياس وهو متروك، وقال البيهقي: حديث زيد بن ثابت مرفوعا ~~ضعيف بمرة. (واستدلوا) أيضا بما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كره أن ينفخ بين يديه في الصلاة أو في ~~شرابه قال زين الدين العراقي: وفي إسناده غير واحد متكلم فيه. # (واستدلوا) أيضا بما رواه البزار في مسنده عن أنس بن مالك رفعه قال: ~~ثلاثة من الجفاء: أن ينفخ الرجل في سجوده، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من ~~صلاته قال البزار: ذهبت عني الثالثة. وفي إسناده خالد بن أيوب وهو ضعيف. ~~ولأنس حديث آخر عند البيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من ألهاه شئ في صلاته فذلك حظه والنفخ كلام. وفي PageV02P367 # إسناده نوح ms0923 بن أبي مريم وهو متروك الحديث لا يحتج به، وروى البزار من ~~حديث بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاث من الجفاء: أن ~~يبول الرجل قائما أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده. ~~قال العراقي: ورجاله رجال الصحيح. ورأيت بخط الحافظ على كلام زين الدين ما ~~لفظه: قوله ورجاله رجال الصحيح ليس بصحيح اه. # وقال البزار: لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه إلا سعيد بن ~~عبيد الله. ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه وقال: لا يروى عن بريدة ~~إلا بهذا الاسناد، تفرد به أبو عبيدة الحداد عن سعيد بن حبان، قال العراقي: ~~لم ينفرد به عنه بل تابعه عليه عبد الله بن داود الخريبي. وأخرج الطبراني ~~في الأوسط من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ~~قام أحدكم إلى الصلاة فليسو موضع سجوده ولا يدعه حتى إذا أهوى ليسجد نفخ ثم ~~سجد. وفي إسناده عبد المنعم بن بشير وهو منكر الحديث. وقد ذهب إلى كراهة ~~النفخ ابن مسعود وابن عباس، وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عباس أنه كان ~~يخشى أن يكون النفخ كلاما، وكرهه من التابعين النخعي، وابن سيرين، والشعبي، ~~وعطاء بن أبي رباح، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن أبي الهذيل، ~~ويحيى بن أبي كثير. # وروي أيضا عن سعيد بن الزبير، ورخص فيه من الصحابة قدامة بن عبد الله بن ~~عمار الكلابي كما رواه البيهقي عنه. وقالت الشافعية والهادوية: إن بان منه ~~حرفان بطلت الصلاة وإلا فلا. ورواه ابن المنذر عن مالك، وأبي حنيفة، ومحمد ~~بن الحسن، وأحمد بن حنبل، و أجابوا عن حديث عبد الله بن عمر بأن قوله أف لا ~~يكون كلاما حتى يشدد الفاء فيكون ثلاثة أحرف كذا قال الخطابي. قال ابن ~~الصلاح: ما ذكره لا يستقيم على أصلنا لان حرفين كلام مبطل، وأجاب البيهقي ~~بأن هذا نفخ يشبه الغطيط وذلك لما عرض عليه من ms0924 تعذيب بعض من وجب عليه ~~العذاب. # باب البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى قال الله تعالى: # * (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) * (مريم: 58). عن عبد ~~الله بن الشخير قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وفي صدره ~~أزيز كأزيز المرجل من البكاء رواه أحمد وأبو داود والنسائي. PageV02P368 # الحديث أخرجه أيضا الترمذي وصححه ابن حبان وابن خزيمة. قوله: أزيز الأزيز ~~بفتح الألف بعدها زاي مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، ثم زاي أيضا وهو صوت ~~القدر، قال في النهاية: هو أن يجيش جوفه ويغلي من البكاء. قوله: كأزيز ~~المرجل المرجل بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم قدر من نحاس، وقد يطلق ~~على كل قدر يطبخ فيها، ولعله المراد في الحديث. وفي رواية أبي داود كأزيز ~~الرحا يعني الطاحون. # قوله: من البكاء فيه دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة، سواء ظهر منه ~~حرفان أم لا، وقد قيل: إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل، وهذا الحديث ~~يدل عليه، ويدل عليه أيضا ما رواه ابن حبان بسنده إلى علي بن أبي طالب قال: ~~ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود، ولقد رأيتنا وما فينا ~~قائم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. ~~وبوب عليه ذكر الإباحة للمرء أن يبكي من خشية الله. وأخرج البخاري وسعيد بن ~~منصور وابن المنذر أن عمر صلى صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله: ~~* (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) * فسمع نشيجه واستدل المصنف على جواز ~~البكاء في الصلاة بالآية التي ذكرها لأنها تشمل المصلي وغيره. # وعن ابن عمر قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه قيل ~~له الصلاة، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل ~~رقيق إذا قرأ غلبه البكاء، فقال: مروه فليصل، فعاودته، فقال: مروه فليصل ~~إنكن صواحب يوسف رواه البخاري ومعناه متفق عليه من حديث عائشة. # قوله: رجل ms0925 رقيق أي رقيق القلب. وفي رواية للبخاري: أنها قالت: إن أبا بكر ~~أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. قوله: إنكن صواحب يوسف صواحب ~~جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، وهذا ~~الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحدة هي عائشة فقط، كما أن المراد ~~بصواحب يوسف زليخا فقط كذا قال الحافظ. ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن ~~زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الاكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك ~~وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب ~~إرادتها صرف الامام عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ~~ومرادها PageV02P369 # زيادة وهو أن لا يتشاءم الناس به، كما صرحت بذلك في بعض طرق الحديث ~~فقالت: # وما حملني على مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا ~~قام مقامه. # (والحديث) له فوائد ليس هذا محل بسطها. وقد استدل به المصنف ههنا على ~~جواز البكاء في الصلاة. ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما صمم على استخلاف أبي بكر بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء دل ذلك ~~على الجواز. # باب حمد الله في الصلاة لعطاس أو حدوث نعمة عن رفاعة بن رافع قال: صليت ~~خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعطست فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا ~~طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من المتكلم في الصلاة؟ فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية فلم ~~يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة فقال رفاعة: أنا يا رسول الله؟ فقال: والذي ~~نفسي بيده لقد ابتدرها بضع وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها رواه النسائي ~~والترمذي. # الحديث أخرجه البخاري ولفظه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلي يوما ~~وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله ~~لمن حمده، فقال رجل من ورائه: ربنا ولك الحمد حمدا ms0926 كثيرا طيبا مباركا فيه، ~~فلما انصرف قال: من المتكلم؟ # قال: أنا، قال: رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ولم ~~يذكر العطاس ولا زاد: كما يحب ربنا ويرضى. وزاد أن ذلك عند الرفع من ~~الركوع، فيجمع بين الروايتين بأن الرجل المبهم في رواية البخاري هو رفاعة ~~كما في حديث الباب، ولا مانع أن يكني عن نفسه، إما لقصد إخفاء عمله أو لنحو ~~ذلك، ويجمع أيضا بأن عطاسه وقع عند رفع رأسه. قوله: بضع البضع ما بين ~~الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع ~~إلى تسع أو سبع. كذا في القاموس. قال الفراء: ولا يذكر البضع مع العشرين ~~إلى التسعين، وكذا قال الجوهري. (والحديث) يرد ذلك. # قوله: أيهم يصعد بها في رواية البخاري: يكتبها. وفي رواية الطبراني: ~~يرفعها. قال الحافظ: # وأما أيهم فرويناه بالرفع وهو مبتدأ خبره يكتبها، ويجوز النصب بتقدير ~~ينظرون أيهم. وعند سيبويه أي موصولة والتقدير الذي هو يكتبها. (وقد استشكل) ~~تأخير رفاعة إجابة النبي PageV02P370 # صلى الله عليه وآله وسلم حتى كرر سؤاله ثلاثا، مع أن إجابته واجبة عليه، ~~بل وعلى من سمع رفاعة، فإنه لم يسأل المتكلم وحده. وأجيب بأنه لما لم يعين ~~واحدا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم ولا من واحد بعينه، ~~وكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شئ ظنا ~~منهم أنه أخطأ فيما فعل ورجوا أن يقع العفو عنه، وكأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرفهم أنه لم يقل بأسا. (والحديث) استدل به ~~على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور. # وعلى جواز رفع الصوت بالذكر، وتعقب بأن سماعه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لصوت الرجل لا يستلزم رفعه لصوته وفيه نظر. ويدل أيا على مشروعية الحمد في ~~الصلاة لمن عطس. # ويؤيد ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته فإنها لم تفرق بين الصلاة ~~وغيرها. # باب من نابه شئ في صلاته ms0927 فإنه يسبح والمرأة تصفق عن سهل بن سعد: عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: من نابه شئ في صلاته فليسبح فإنما التصفيق ~~للنساء. وعن علي بن أبي طالب قال: كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كان قائما يصلي سبح لي فكان ذلك ~~إذنه لي، وإن لم يكن يصلي أذن لي رواه أحمد. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة رواه ~~الجماعة ولم يذكر فيه البخاري وأبو داود والترمذي في الصلاة. # الحديث الأول لم يخرجه المصنف، وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو ~~داود، وهو حديث طويل هذا طرف منه. وفي لفظ أبي داود: إذا نابكم شئ في ~~الصلاة فليسبح الرجال وليصفق النساء والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي ~~والبيهقي وقال: هو مختلف في إسناده ومتنه فقيل سبح وقيل تنحنح، ومداره على ~~عبد الله بن نجي الحضرمي، قال البخاري: فيه نظر، وضعفه غيره، وقد وثقه ~~النسائي وابن حبان، ورواه النسائي وابن ماجة من رواية عبد الله بن نجي عن ~~علي بلفظ: تنحنح وقد تقدم. والحديث الثالث أخرجه الجماعة كلهم كما ذكر ~~المصنف. (وفي الباب) عن جابر عند ابن أبي شيبة بلفظ حديث أبي هريرة دون ~~زيادة في الصلاة، واختلف في رفعه ووقفه. ورواه ابن أبي شيبة أيضا عن ~~PageV02P371 # جابر من قوله. وعن أبي سعيد عند ابن عدي في الكامل بلفظ حديث أبي هريرة ~~بدون تلك الزيادة، وفي إسناده أبو هارون عمارة بن جوين، كذبه حماد بن زيد ~~والجوزجاني. # وعن ابن عمر عند ابن ماجة بلفظ: رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~للنساء في التصفيق وللرجال في التسبيح. قوله: من نابه شئ في صلاته أي نزل ~~به شئ من الحوادث والمهمات وأراد إعلام غيره، كإذنه لداخل، وإنذاره لأعمى، ~~وتنبيهه لساه أو غافل. قوله: فإنما التصفيق للنساء هو بالقاف. وفي رواية ~~لأبي داود: فإنما التصفيح قال زين الدين العراقي: والمشهور أن معناهما ms0928 ~~واحد، قال عقبة: والتصفيح التصفيق. وكذا قال أبو علي البغدادي والخطابي ~~والجوهري. قال ابن حزم: لا خلاف في أن التصفيح والتصفيق بمعنى واحد، وهو ~~الضرب بإحدى صفحتي الكف على الأخرى. قال العراقي: وما ادعاه من نفي الخلاف ~~ليس بجيد، بل فيه قولان آخران إنهما مختلفا المعنى: أحدهما أن التصفيق ~~الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى، والتصفيق الضرب بباطن إحداهما على باطن ~~الأخرى، حكاه صاحب الاكمال وصاحب المفهم. والقول الثاني: أن التصفيح الضرب ~~بأصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بالجميع للهو واللعب. وروى أبو داود في ~~سننه عن عيسى بن أيوب أن التصفيح الضرب بأصبعين من اليمين على باطن الكف ~~اليسرى. (وأحاديث الباب) تدل على جواز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إذا ~~ناب أمر من الأمور، وهي ترد على ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه من أن ~~المشروع في حق الجميع التسبيح دون التصفيق، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من ~~فساد صلاة المرأة إذا صفقت في صلاتها، وقد اختلف في حكم التسبيح والتصفيق ~~هل الوجوب أو الندب أو الإباحة؟ فذهب جماعة من الشافعية إلى أنه سنة منهم ~~الخطابي وتقي الدين السبكي والرافعي وحكاه عن أصحاب الشافعي. # باب الفتح في القراءة على الامام وغيره عن مسور بن يزيد المالكي قال: صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله ~~آية كذا وكذا، قال: فهلا ذكرتنيها؟. رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد في ~~مسند أبيه. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة فقرأ ~~فيها فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما ~~منعك؟ PageV02P372 # رواه أبو داود. الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان والأثرم، وفي إسناده ~~يحيى بن كثير الكاهلي، قال أبو حاتم: لما سئل عنه شيخ. والمسور بضم الميم ~~وفتح السين المهملة وتشديد الواو وفتحها كذا قيده الدارقطني وابن مأكولا ~~والمنذري. قال الخطيب: يروى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث ~~واحد، والحديث الثاني أخرجه الحاكم ms0929 وابن حبان ورجال إسناده ثقات. (وفي ~~الباب) عن أنس عند الحاكم بلفظ: كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال الحافظ: وقد صح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال ~~علي: إذا استطعمك الامام فأطعمه. قوله: آية كذا وكذا رواية ابن حبان: يا ~~رسول الله إنك تركت آية كذا وكذا. قوله: فلبس ضبطه ابن رسلان بفتح اللام ~~والباء الموحدة المخففة أي التبس واختلط عليه، قال: ومنه قوله تعالى: * ~~(وللبسنا عليهم ما يلبسون) * (الانعام: 9) قال: وفي بعض النسخ بضم اللام ~~وتشديد الموحدة المكسورة. قال المنذري: لبس بالتخفيف أي مع ضم اللام وكسر ~~الموحدة. قوله: فلما انصرف ولفظ ابن حبان: فالتبس عليه، فلما فرغ قال لأبي: ~~أشهدت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تفتحها علي؟. (والحديثان) يدلان ~~على مشروعية الفتح على الامام، وقد ذهبت العترة والفريقان إلى أنه مندوب، ~~وذهب المنصور بالله إلى وجوبه. وقال زيد بن علي وأبو حنيفة في رواية عنه: ~~أنه يكره. # وقال أحمد بن حنبل: إنه يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة ~~أخرى، أو على من ليس في صلاة. واحتج من قال بالكراهة بما أخرجه أبو داود عن ~~ابن إسحاق السبيعي عن الحرث الأعور عن علي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا علي لا تفتح على الامام في الصلاة. قال أبو داود: أبو ~~إسحاق السبيعي لم يسمع من الحرث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. قال ~~المنذري: والحرث الأعور، قال غير واحد من الأئمة أنه كذاب، وقد روي حديث ~~الحرث عن علي مرفوعا عبد الرزاق في مصنفه بلفظ: # لا تفتحن على الامام وأنت في الصلاة وهذا الحديث لا ينتهض لمعارضة ~~الأحاديث القاضية بمشروعية الفتح، وتقييد الفتح بأن يكون على إمام لم يؤد ~~الواجب من القراءة وبآخر ركعة مما لا دليل عليه. وكذا تقييده بأن يكون في ~~القراءة الجهرية، والأدلة قد دلت على مشروعية الفتح مطلقا، فعند نسيان ~~الامام الآية في القراءة ms0930 الجهرية يكون الفتح عليه بتذكيره تلك الآية كما في ~~حديث الباب، وعند نسيانه لغيرها من الأركان يكون PageV02P373 # الفتح بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء كما تقدم في الباب الأول. # باب المصلي يدعو ويذكر الله إذا مر بآية رحمة أو عذاب أو ذكر رواه حذيفة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سبق. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة ليست ~~بفريضة، فمر بذكر الجنة والنار فقال: أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار ~~رواه أحمد وابن ماجة بمعناه. # حديث ابن أبي ليلى رواه ابن ماجة من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن ~~هاشم، وحديث حذيفة الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب قراءة سورتين في ~~ركعة، وذكرنا في شرحه أنه يدل على مشروعية السؤال عند المرور بآية فيها ~~سؤال، والتعوذ عند المرور بآية فيها تعوذ، والتسبيح عند قراءة ما فيه ~~تسبيح. وقد ذهب إلى استحباب ذلك الشافعية. وحديث الباب يدل على استحباب ~~التعوذ من النار عند المرور بذكرها، وقد قيده الراوي بصلاة غير فريضة. ~~وكذلك حديث حذيفة مقيد بصلاة الليل. وكذلك حديث عائشة الآتي، وحديث عوف بن ~~مالك. # وعن عائشة قالت: كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ~~التمام فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخويف ~~إلا دعا الله عز وجل واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز ~~وجل ورغب إليه رواه أحمد. وعن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق ~~بيته وكان إذا قرأ * (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) * (القيامة: 40) ~~قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: # سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أبو داود. # الحديث الأول يشهد له حديث حذيفة المتقدم وحديث عوف الآتي، والحديث ~~الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري. قوله: ليلة التمام أي ليلة تمام البدر. ~~قوله: عن موسى بن ms0931 أبي عائشة هو الهمداني الكوفي مولى آل جعدة بن هبيرة ~~المخزومي، قال في التقريب: ثقة عابد من الخامسة وكان يرسل، ومن دونه هم ~~رجال الصحيح. قوله: كان رجل جهالة الصحابي مغتفرة عند الجمهور وهو الحق. ~~قوله: يصلي فوق بيته فيه جواز الصلاة على ظهر البيت PageV02P374 # والمسجد ونحوهما فرضا أو نفلا عند من جعل فعل الصحابي حجة أخذا بهذا. ~~والأصل الجواز في كل مكان من الأمكنة ما لم يقم دليل على عدمه. قوله: قال ~~سبحانك أي تنزيها لك أن يقدر أحد على إحياء الموتى غيرك وهو منصوب على ~~المصدر. وقال الكسائي: # منصوب على أنه منادى مضاف. قوله: فبلى في نسخة من سنن أبي داود فبكى ~~بالكاف. # قال ابن رسلان: وأكثر النسخ المعتمدة باللام بدل الكاف، وبلى حرف لايجاب ~~النفي، والمعنى: أنت قادر على أن تحيي الموتى. # وعن عوف بن مالك قال: قمت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبدأ فاستاك ~~وتوضأ ثم قام فصلى فبدأ فاستفتح البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ~~قال: # ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث راكعا بقدر قيامه يقول في ~~ركوعه: # سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في ~~سجوده: # سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران، ثم سورة ~~سورة، ثم فعل مثل ذلك رواه النسائي وأبو داود ولم يذكر الوضوء ولا السواك. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي ورجال إسناده ثقات، لأن أبا داود أخرجه عن ~~أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح الحضرمي قاضي الأندلس. وقد ~~أخرج له مسلم والأربعة عن عمرو بن قيس الكندي السكوتي سيد أهل حمص عن عاصم ~~بن قوله: فاستفتح البقرة فيه جواز حميد. قال الدارقطني: ثقة عن عوف بن مالك ~~تسمية السورة بالبقرة وآل عمران والعنكبوت والروم. ونحو ذلك، خلافا لمن كره ~~ذلك وقال: إنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة. قوله: فتعوذ قال عياض: # وفيه آداب تلاوة القرآن في الصلاة وغيرها. قال النووي: وفيه ms0932 استحباب هذه ~~الأمور لكل قارئ في الصلاة وغيرها يعني فرضها ونفلها، وللامام والمأموم ~~والمنفرد. قوله: # ذي الجبروت هو فعلوت من الجبر وهو القهر، يقال: جبرت وأجبرت بمعنى قهرت. # وفي الحديث: ثم يكون ملك وجبرؤت أي عتو وقهر. وفي كلام التهذيب للأزهري ~~ما يشعر بأنه يقال في الآدمي جبرؤت بالهمز، لأن زيادة الهمز تؤذن بزيادة ~~الصفة وتجددها، فالهمز للفرق بين صفة الله وصفة الآدمي. قال ابن رسلان: وهو ~~فرق حسن. # قوله: والملكوت اسم من الملك. قوله والكبرياء من الكبر بكسر الكاف وهو ~~العظمة، فيكون على هذا عطفها عليه في الحديث عطف تفسير. قيل: وهي عبارة عن ~~كمال PageV02P375 # الذات والوجود، ولا يوصف بها إلا الله. قوله: ثم سجد بقدر ركوعه رواية ~~أبي داود: # ثم سجد بقدر قيامه. قوله: ثم سورة سورة رواية أبي داود: ثم قرأ سورة سورة ~~قال ابن رسلان: يحتمل أن المراد: ثم قرأ سورة النساء ثم سورة المائدة. ~~قوله: ثم فعل مثل ذلك هذه رواية للنسائي ولم يذكرها أبو داود أي فعل في ~~الركوع والسجود مثل ما فعل في الركعتين قبلهما. # باب الإشارة في الصلاة لرد السلام أو حاجة تعرض عن ابن عمر قال: قلت ~~لبلال: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرد عليهم حين كانوا ~~يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: يشير بيده رواه الخمسة، إلا أن في رواية ~~النسائي وابن ماجة صهيبا مكان بلال. وعن ابن عمر عن صهيب أنه قال: مررت ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فسلمت فرد إلي إشارة وقال: لا ~~أعلم إلا أنه قال: إشارة بأصبعه رواه الخمسة إلا ابن ماجة. وقال الترمذي: # كلا الحديثين عندي صحيح. وقد صحت الإشارة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من رواية أم سلمة في حديث الركعتين بعد العصر. ومن حديث عائشة ~~وجابر لما صلى بهم جالسا في مرض له فقاموا خلفه فأشار إليهم أن اجلسوا. # حديث بلال رجاله رجال الصحيح، وحديث صهيب في إسناده نايل صاحب العباء ~~وفيه ms0933 مقال. (وفي الباب) عن جماعة من الصحابة منهم الذين أشار إليهم المصنف ~~بقوله: وقد صحت الإشارة إلخ. وحديث أم سلمة عند البخاري ومسلم وأبي داود من ~~رواية كريب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى ~~عائشة ثم إلى أم سلمة، فقالت أم سلمة: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ينهى عن الركعتين بعد العصر، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل علي ~~وعندي نسوة من بني حرام فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه وقولي له: ~~تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار ~~بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية فأشار بيده الحديث. وحديث عائشة أخرجه ~~أيضا الشيخان وأبو داود وابن ماجة في صلاته صلى الله عليه وآله وسلم شاكيا ~~وفيه. فأشار PageV02P376 # إليهم أن اجلسوا الحديث. وحديث جابر أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجة في قصة شكوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: فأشار إلينا فقعدنا ~~الحديث. (وفي الباب) مما لم يذكره المصنف عن أنس عند أبي داود بإسناد صحيح. ~~وعن بريدة عند الطبراني. وعن ابن عمر غير حديث الباب عند البيهقي. وعن ابن ~~مسعود عند الطبراني والبيهقي بلفظ: مررت برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فسلمت عليه وأشار إلي. وعنه حديث آخر عند البخاري ومسلم وأبي داود ~~والنسائي: سلمنا عليه فلم يرد علينا وقد تقدم. وعن معاذ بن جبل عند ~~الطبراني وعن المغيرة عند أبي داود والترمذي. وعن أبي سعيد عند البزار في ~~مسنده وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف. وعن أسماء عند ~~الشيخين ولكنه من فعل عائشة وهو في حكم المرفوع. (والأحاديث) المذكورة تدل ~~على أنه لا بأس أن يسلم غير المصلي على المصلي لتقريره صلى الله عليه وآله ~~وسلم من سلم عليه على ذلك، وجواز تكليم المصلي بالغرض الذي يعرض لذلك، ~~وجواز الرد بالإشارة، وقد قدمنا في باب النهي عن الكلام في شرح حديث ابن ~~مسعود ذكر القائلين ms0934 أنه يستحب الرد بالإشارة والمانعين من ذلك. (وقد استدل) ~~القائلون بالاستحباب بالأحاديث المذكورة في هذا الباب. # واستدل المانعون بحديث ابن مسعود السابق لقوله فيه: فلم يرد علينا ولكنه ~~ينبغي أن يحمل الرد المنفي ههنا على الرد بالكلام لا الرد بالإشارة، لأن ~~ابن مسعود نفسه قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه رد عليه ~~بالإشارة، ولو لم ترد عنه هذه الرواية لكان الواجب هو ذلك جمعا بين ~~الأحاديث. (واستدلوا) أيضا بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا غرار في الصلاة ولا تسليم والغرار بكسر ~~الغين المعجمة وتخفيف الراء هو في الأصل النقض. قال أحمد بن حنبل: يعني ~~فيما أرى أن لا تسلم ويسلم عليك ويغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك. ~~(واستدلوا) أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، ~~من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها يعني الصلاة، ورواه البزار ~~والدارقطني. ويجاب عن الحديث الأول بأنه لا يدل على المطلوب من عدم جواز رد ~~السلام بالإشارة، لأنه ظاهر في التسليم على المصلي لا في الرد منه. ولو سلم ~~شموله للإشارة لكان غايته المنع من التسليم على المصلي باللفظ والإشارة ~~وليس فيه تعرض للرد، ولو سلم شموله للرد لكان الواجب PageV02P377 # حمل ذلك على الرد باللفظ جمعا بين الأحاديث. وأما الحديث الثاني فقال أبو ~~داود: # إنه وهم اه. وفي إسناده أبو غطفان. قال ابن أبي داود: هو رجل مجهول، قال: ~~وآخر الحديث زيادة، والصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يشير ~~في الصلاة قال العراقي قلت: وليس بمجهول، فقد روى عنه جماعة ووثقه النسائي ~~وابن حبان وهو أبو غطفان المري قيل اسمه سعيد اه. وعلى فرض صحته ينبغي أن ~~تحمل الإشارة المذكورة في الحديث على الإشارة لغير رد السلام والحاجة جمعا ~~بين الأدلة. (فائدة) ورد في كيفية الإشارة لرد ms0935 السلام في الصلاة حديث ابن ~~عمر عن صهيب قال: لا أعلمه، إلا أنه قال: أشار بأصبعه. وحديث بلال قال: كان ~~يشير بيده، ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون أشار مرة بأصبعه ومرة بجميع ~~يده، ويحتمل أن يكون المراد باليد الإصبع حملا للمطلق على المقيد. وفي حديث ~~ابن عمر عند أبي داود: أنه سأل بلالا: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ فقال يقول: هكذا، ~~وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق ففيه الإشارة بجميع ~~الكف. وفي حديث ابن مسعود عند البيهقي بلفظ: فأومأ برأسه. وفي رواية له: ~~فقال برأسه يعني الرد. ويجمع بين الروايات بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~فعل هذا مرة. وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزا. # باب كراهة الالتفات في الصلاة إلا من حاجة عن أنس قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة ~~هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة رواه الترمذي وصححه. وعن ~~عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التلفت في الصلاة ~~فقال: اختلاس يختلسه الشيطان من العبد رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو ~~داود. # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يزال الله ~~مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه رواه أحمد ~~والنسائي وأبو داود. # الحديث الثالث في إسناده أبو الأحوص الراوي له عن أبي ذر. قال المنذري: ~~لا يعرف PageV02P378 # له اسم لم يرو عنه غير الزهري، وقد صحح له الترمذي وابن حبان، وقال ابن ~~عبد البر: هو مولى بني غفار إمام مسجد بني ليث. قال ابن معين: أبو الأحوص ~~الذي حدث عنه الزهري ليس بشئ، وليس لقول ابن معين هذا أصل إلا كونه انفرد ~~الزهري بالرواية عنه، وقد قيل له ابن أكيمة، لم يرو عنه غير الزهري فقال: ~~يكفيك ms0936 قول الزهري: حدثني ابن أكيمة فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص لأنه قال ~~في حديث الباب: سمعت أبا الأحوص. وقال أبو أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين ~~عندهم. قوله: هلكة سمي الالتفات هلكة باعتبار كونه سببا لنقصان الثواب ~~الحاصل بالصلاة، أو لكونه نوعا من تسويل الشيطان واختلاسه، فمن استكثر منه ~~كان من المتبعين للشيطان، واتباع الشيطان هلكة، أو لأنه إعراض عن التوجه ~~إلى الله، والاعراض عنه عز وجل هلكة. وقد أخرج الترمذي من حديث الحرث ~~الأشعري وصححه من حديث طويل: إن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا ~~تلتفتوا، فإن الله تعالى ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. ونحوه ~~حديث أبي ذر المذكور في الباب. # قوله: فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة فيه الاذن بالالتفات ~~للحاجة في التطوع، والمنع من ذلك في صلاة الفرض. قوله: اختلاس يختلسه ~~الشيطان الاختلاس أخذ الشئ بسرعة، يقال: اختلس الشئ إذا استلبه. (وفي ~~الحديث) النهي عن الخلسة بفتح الخاء وهو ما يستخلص من السبع فيموت قبل أن ~~يذكى. وفي النهاية: الاختلاس افتعال من الخلسة وهو ما يؤخذ سلبا. وقيل: ~~المختلس الذي يخطف الشئ من غير غلبة ويهرب، ونسب إلى الشيطان لأنه سبب له ~~لوسوسته به، وإطلاق اسم الاختلاس على الالتفات مبالغة. # (وأحاديث) الباب تدل على كراهة الالتفات في الصلاة وهو قول الأكثر، ~~والجمهور على أنها كراهة تنزيه ما لم يبلغ إلى حد استدبار القبلة. والحكمة ~~في التنفير عنه ما فيه من نقص الخشوع والاعراض عن الله تعالى وعدم التصميم ~~على مخالفة وسوسة الشيطان. # وعن سهل ابن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة يعني صلاة الصبح، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب رواه أبو داود قال: # وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وقال: على شرط الشيخين، وحسنه الحازمي. وأخرج ~~الحازمي في الاعتبار عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يلتفت في صلاته يمينا وشمالا ولا يلوي ms0937 عنقه خلف ظهره قال: هذا ~~حديث غريب، PageV02P379 # تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلا وأرسله غيره ~~عن عكرمة، قال: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا وقال: لا بأس بالالتفات في ~~الصلاة ما لم يلو عنقه، وإليه ذهب عطاء ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي ~~وأهل الكوفة، ثم ساق الحازمي حديث الباب بإسناده، وجزم بعدم المناقضة بين ~~حديث الباب وحديث ابن عباس، قال: لاحتمال أن الشعب كان في جهة القبلة فكان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلتفت إليه ولا يلوي عنقه. (واستدل) على نسخ ~~الالتفات بحديث رواه بإسناده إلى ابن سيرين قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا، فلما نزل: * (قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) * (المؤمنون: 1 2) نظر هكذا قال ابن ~~شهاب: ببصره نحو الأرض، قال: وهذا وإن كان مرسلا فله شواهد. # واستدل أيضا بقول أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزل: * (الذين هم في صلاتهم خاشعون) *. # باب كراهة تشبيك الأصابع وفرقعتها والتخصر والاعتماد على اليد إلا لحاجة ~~عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان أحدكم في ~~المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما ~~دام في المسجد حتى يخرج منه رواه أحمد. # الحديث أخرجه أحمد في مسنده عن مولى لأبي سعيد الخدري قال: بينا أنا مع ~~أبي سعيد الخدري وهو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ دخلنا ~~المسجد، فإذا رجل جالس في المسجد وسط محتبيا مشبكا أصابعه بعضها في بعض، ~~فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يفطن الرجل لإشارة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالتفت إلى أبي سعيد فقال: إذا كان أحدكم ~~الحديث، قال في مجمع الزوائد: إسناده حسن. وقد اختلف في الحكمة في النهي عن ~~التشبيك في ms0938 المسجد كما في حديث أبي سعيد وفي غيره، كما في حديث كعب بن ~~عجرة، فقيل: لما فيه من العبث. وقيل: لما فيه من التشبه بالشيطان. وقيل: ~~لدلالة الشيطان على ذلك، وجعل بعضهم ذلك دالا على تشبيك الأحوال. قال ابن ~~العربي: وقد شاهدت رجلا كان يكره رؤية ذلك ويقول فيه تطير في تشبيك الأحوال ~~PageV02P380 # والأمور على المرء. وظاهر النهي عن التشبيك التحريم، لولا حديث ذي اليدين ~~الذي سيشير إليه المصنف قريبا. وظاهره نهي من كان في المسجد عن التشبيك، ~~سواء كان في الصلاة أم لا، كما جزم به النووي في التحقيق، وكره النخعي ~~التشبيك في الصلاة، وقال النعمان بن أبي عياش: كانوا ينهون عنه. وروى ~~العراقي في شرح الترمذي عن ابن عمر وابنه سالم أنهما شبكا بين أصابعهما في ~~الصلاة. وروي عن الحسن البصري أنه شبك أصابعه في المسجد. قال العراقي: وفي ~~معنى التشبيك بين الأصابع تفقيعها، فيكره أيضا في الصلاة ولقاصد الصلاة، ~~قال النووي: وكره ذلك في الصلاة ابن عباس وعطاء والنخعي ومجاهد وسعيد بن ~~جبير، وروى أحمد والطبراني من حديث أنس بن معاذ مرفوعا إن الضاحك في الصلاة ~~والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة وفي إسناده ابن لهيعة. ويدل على ~~كراهة التفقيع حديث علي الآتي. # وعن كعب بن عجرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا ~~توضأ أحدكم ثم خرج عامدا إلى الصلاة فلا يشبكن الحديث أخرجه أيضا ابن بين ~~يديه فإنه في صلاة رواه أحمد وأبو داود والترمذي ماجة، وفي إسناده عند ~~الترمذي رجل مجهول، وهو الراوي له عن كعب بن عجرة، وقد كني أبو داود هذا ~~الرجل المجهول، فرواه من طريق سعد بن إسحاق قال: حدثني أبو ثمامة الخياط عن ~~كعب. وقد ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له ما في صحيحه هذا الحديث. ~~(الحديث) فيه كراهة التشبيك من وقت الخروج إلى المسجد للصلاة. وفيه أنه ~~يكتب لقاصد الصلاة أجر المصلي من حين يخرج من بيته إلى أن يعود إليه. قال ~~المصنف رحمه الله ms0939 بعد أن ساق الحديث: وقد ثبت في خبر ذي اليدين أنه عليه ~~الصلاة والسلام شبك أصابعه في المسجد وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع ~~الكراهة لكونه فعله نادرا انتهى. قد عارض حديث الباب مع ما فيه هذا الحديث ~~الصحيح في تشبيكه صلى الله عليه وآله وسلم بين أصابعه في المسجد وهو في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين بلفظ: ثم قام إلى خشبة معروضة ~~في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه. وفيهما من حديث أبي ~~موسى: المؤمن للمؤمن كالبنيان وشبك بين أصابعه وعند البخاري من حديث ابن ~~عمر قال: شبك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصابعه. وهذه الأحاديث أصح من ~~حديث الباب، ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بأن تشبيكه صلى الله PageV02P381 # عليه وآله وسلم في حديث السهو كان لاشتباه الحال عليه في السهو الذي وقع ~~منه، ولذلك وقف كأنه غضبان. وتشبيكه في حديث أبي موسى وقع لقصد التشبيه ~~لتعاضد المؤمنين بعضهم ببعض، كما أن البنيان المشبك بعضه ببعض يشد بعضه ~~بعضا. فأما حديث الباب فهو محمول على التشبيك للعبث، وهو منهي عنه في ~~الصلاة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس في المسجد والمشي إليه. أو يجمع بما ~~ذكره المصنف من كان فعله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك نادرا يرفع التحريم ~~ولا يرفع الكراهة، ولكن يبعد أن يفعل صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ~~مكروها. والأولى أن يقال: إن النهي عن التشبيك ورد بألفاظ خاصة بالأمة، ~~وفعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض قوله الخاص بهم كما تقرر في ~~الأصول. # وعن كعب بن عجرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا قد شبك ~~أصابعه في الصلاة ففرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصابعه. # وعن علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تفقع أصابعك في الصلاة ~~رواهما ابن ماجة. # الحديث الأول في إسناده علقمة بن عمر. والحديث الثاني في إسناده الحرث ~~الأعور. قوله: ففرج رسول الله صلى ms0940 الله عليه وآله وسلم بين أصابعه فيه ~~كراهية التشبيك في الصلاة من غير تقييد بالمسجد، سواء كان المصلي في ~~المسجد، أو في البيت، أو في السوق، لأنه نوع من العبث، فلا يختص بكراهية ~~الصلاة في المسجد. ويؤيد ذلك تعليله صلى الله عليه وآله وسلم للنهي عن ~~التشبيك إذا خرج من بيته بأنه في صلاة، وإذا نهى من يكتب له أجر المصلي ~~لكونه قاصدا الصلاة فأولى من هو في حال الصلاة الحقيقية. قوله: لا تفقع هو ~~بالفاء بعد حرف المضارعة، ثم القاف المشددة المكسورة، ثم العين المهملة، ~~وهو غمز الأصابع حتى يسمع لها صوت. قال في القاموس: والتفقيع التشدق في ~~الكلام والفرقعة. وفسر الفرقعة بنقض الأصابع، وقد تقدم في شرح حديث أبي ~~سعيد ما أخرجه أحمد والطبراني من حديث أنس وهو مما يؤيد حديث على هذا. # وعن أبي هرير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن التخصر في الصلاة ~~رواه الجماعة إلا ابن ماجة. # وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود والنسائي. قوله: عن التخصر في الصلاة ~~PageV02P382 # وهو وضع اليد على الخاصرة، فسره بذلك الترمذي في سننه، وأبو داود في سننه ~~أيضا. # وفسره بذلك أيضا محمد بن سيرين، روى ذلك عنه ابن أبي شيبة في مصنفه، ~~وكذلك فسره هشام بن حسان، رواه عنه البيهقي في سننه قال: وروى سلمة بن ~~علقمة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة معنى هذا التفسير، وحكى الخطابي وغيره ~~قولا آخر في تفسير الاختصار فقال: وزعم بعضهم أن معنى الاختصار هو أن يمسك ~~بيديه مخصرة أي عصا يتوكأ عليها. # قال ابن العربي: ومن قال إنه الصلاة على المخصرة لا معنى له، وفيه قول ~~ثالث حكاه الهروي في الغريبين، وابن الأثير في النهاية، وهو أن يختصر ~~السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين. # وفيه قول رابع حكاه الهروي وهو أن يحذف من الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها ~~وسجودها. قال العراقي: والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون ~~والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه. وقد ms0941 اختلف في المعنى الذي نهى عن ~~الاختصار في الصلاة لأجله على أقوال: الأول التشبيه بالشيطان قاله الترمذي ~~في سننه، وحميد بن هلال في رواية ابن أبي شيبة عنه. وروي أيضا عن ابن عباس ~~حكاه عنه ابن أبي شيبة. والثاني: # أنه تشبه باليهود، قالته عائشة فيما رواه البخاري عنها في صحيحه. ~~والثالث: أنه راحة أهل النار، روى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد، ورواه أيضا ~~عن عائشة. وروى البيهقي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: الاختصار في الصلاة راحة أهل النار. قال العراقي: وظاهر إسناده الصحة، ~~ورواه أيضا الطبراني. والرابع: أنه فعل المختالين والمتكبرين قاله المهلب ~~بن أبي صفرة. والخامس: أنه شكل من أشكال أهل المصائب يصفون أيديهم على ~~الخواصر إذا قاموا في المأتم قاله الخطابي. (والحديث) يدل على تحريم ~~الاختصار، وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر. وذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة ~~وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجلز ومالك والأوزاعي والشافعي وأهل الكوفة ~~وآخرون إلى أنه مكروه. # والظاهر ما قاله أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي ~~هو معناه الحقيقي كما هو الحق. # وعن ابن عمر قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجلس الرجل في ~~الصلاة وهو معتمد على يده رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ لأبي داود: نهى أن ~~يصلي الرجل وهو معتمد على يده. وعن أم قيس بنت محصن: أن النبي صلى ~~PageV02P383 # الله عليه وآله وسلم لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه ~~رواه أبو داود. # الحديث الأول رواه أبو داود عن أربعة من مشايخه: أحمد بن حنبل، وأحمد بن ~~شبويه، ومحمد بن رافع، ومحمد بن عبد الملك، كلهم عن عبد الرزاق، عن معمر، ~~عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر. واللفظ الأول في حديث الباب لفظ ~~أحمد بن حنبل. واللفظ الثاني لفظ محمد بن رافع، ولفظ ابن شبويه: نهى أن ~~يعتمد الرجل على يده. ولفظ محمد بن عبد الملك: # نهى أن يعتمد ms0942 الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة. وقد سكت أبو داود ~~والمنذري عن الكلام على حديث ابن عمر وحديث أم قيس، فهما صالحان للاحتجاج ~~بهما، كما صرح بذلك جماعة من الأئمة، لكن حديث أم قيس هو من حديث عبد ~~السلام بن عبد الرحمن الوابصي عن أبيه وأبوه مجهول. والحديث الأول بجميع ~~ألفاظه يدل على كراهة الاعتماد على اليدين عند الجلوس وعند النهوض وفي مطلق ~~الصلاة. وظاهر النهي التحريم، وإذا كان الاعتماد على اليد كذلك فعلى غيرها ~~بالأولى. وحديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد على العمود والعصا ونحوهما، ~~لكن مقيدا بالعذر المذكور وهو الكبر وكثرة اللحم، ويلحق بهما الضعف والمرض ~~ونحوهما، فيكون النهي محمولا على عدم العذر، وقد ذكر جماعة من العلماء أن ~~من احتاج في قيامه إلى أن يتكئ على عصا أو عكاز، أو يستند إلى حائط، أو ~~يميل على أحد جانبيه جاز له ذلك، وجزم جماعة من أصحاب الشافعي باللزوم وعدم ~~جواز القعود مع إمكان القيام مع الاعتماد منهم المتولي والأذرعي، وكذا قال ~~باللزوم ابن قدامة الحنبلي، وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي: # لا يلزم ذلك ويجوز القعود. # باب ما جاء في مسح الحصى وتسويته عن معيقيب: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: إن كنت فاعلا فواحدة رواه ~~الجماعة. وعن أبي ذر قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن ~~الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى رواه الخمسة. وفي رواية لأحمد: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV02P384 # عن كل شئ حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة أودع. # الحديث الثاني في إسناده أبو الأحوص. قال المنذري: لا يعرف اسمه، وقد صحح ~~له الترمذي وابن حبان وغيرهما، وقد تقدم الكلام في أبي الأحوص في باب ~~الالتفات، وهذا الحديث حسنه الترمذي (وفي الباب) عن علي عند أحمد وابن أبي ~~شيبة. # وعن حذيفة عند ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في المسند بلفظ الرواية ~~الآخرة ms0943 من حديث أبي ذر. وعن جابر عند ابن أبي شيبة، وأحمد أيضا وفي إسناده ~~شرحبيل بن سعد وهو ضعيف. وعن أنس عن البزار وأبي يعلى وفي إسناده يوسف بن ~~خالد السمتي وهو ضعيف جدا. وعن السائب بن يزيد عند الطبراني وفي إسناده ~~يزيد بن عبد الملك النوفلي ضعفه الجمهور ووثقه ابن معين في رواية عنه. وعن ~~ابن عمر عند الطبراني وفي إسناده الوزاع بن نافع وهو ضعيف وعن أبي هريرة ~~عند مسلم وابن ماجة (والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على كراهة المسح على ~~الحصى، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة عمر بن الخطاب وجابر، ومن التابعين ~~مسروق وإبراهيم النخعي والحسن البصري وجمهور العلماء بعدهم، وحكى النووي في ~~شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته، وفي حكاية الاتفاق نظر، فإن مالكا لم ~~ير به بأسا وكان يفعله في الصلاة، كما حكاه الخطابي في المعالم وابن ~~العربي. قال العراقي في شرح الترمذي: وكان ابن مسعود وابن عمر يفعلانه في ~~الصلاة. وعن ابن مسعود أيضا أنه كان يفعله في الصلاة مرة واحدة. قال: # وممن رخص فيه في الصلاة مرة واحدة أبو ذر وأبو هريرة وحذيفة ومن التابعين ~~إبراهيم النخعي وأبو صالح. وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة. ~~قوله: فواحدة قال القرطبي: رويناه بنصب واحدة ورفعه، فنصبه بإضمار فعل ~~الامر تقديره فامسح واحدة، ويكون صفة مصدر محذوف، أي أمسح مسحة واحدة، ~~ورفعه على الابتداء تقديره فواحدة تكفيه. وفيه الاذن بمسحة واحدة عند ~~الحاجة. قوله: فإن الرحمة تواجهه هذا التعليل يدل على أن الحكمة في النهي ~~عن المسح أن لا يشغل خاطره بشئ يلهيه عن الرحمة المواجهة له فيفوته حظه ~~منها. وقد روي أن حكمة ذلك أن لا يغطي شيئا من الحصى بمسحه فيفوته السجود ~~عليه، رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي صالح قال: إذا سجدت فلا تمسح ~~الحصى فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها، وقال النووي: لأنه ينافي التواضع ~~ويشغل المصلي. وقوله: فلا يمسح الحصى التقييد PageV02P385 # بالحصى خرج مخرج ms0944 الغالب، لكونه كان الغالب على فرش مساجدهم، ولا فرق بينه ~~وبين التراب والرمل على قول الجمهور. ويدل على ذلك قوله في حديث معيقيب في ~~الرجل يسوي التراب. والمراد بقوله: إذا قام أحدكم إلى الصلاة الدخول فيها، ~~فلا يكون منهيا عن مسح الحصى إلا بعد دخوله، ويحتمل أن المراد قبل الدخول، ~~حتى لا يشتغل عند إرادة الصلاة إلا بالدخول فيها، قال العراقي: والأول أظهر ~~ويرجحه حديث معيقيب فإنه سأل عن مسح الحصى في الصلاة دون مسحه عند القيام ~~كما في رواية الترمذي. # باب كراهة أن يصلي الرجل معقوص الشعر عن ابن عباس أنه رأى عبد الله بن ~~الحرث يصلي ورأسه معقوص إلى ورائه، فجعل يحله وأقر له الآخر، ثم أقبل على ~~ابن عباس فقال: ما لك ورأسي؟ قال إنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: إنما مثل هذا كمثل الذي يصلي وهو مكتوف رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود والنسائي. # وعن أبي رافع قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي الرجل ~~ورأسه معقوص رواه أحمد وابن ماجة، ولأبي داود والترمذي معناه. # الحديث الأول أخرجه من ذكر المصنف. وأخرج الأئمة الستة أيضا عن ابن عباس ~~قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا ~~يكف شعرا ولا ثوبا وأخرج الشيخان والنسائي وابن ماجة عنه من طريق أخرى ~~نحوه. والحديث الثاني أخرجه ابن ماجة من رواية مخول، سمعت أبا سعد رجلا من ~~أهل المدينة يقول: رأيت رافعا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ~~الحسن بن علي رضي الله عنه يصلي وقد عقص شعره فأطلقه أو نهى عنه وقال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره وأخرجه أبو ~~داود والترمذي وصححه بمعناه كما ذكره المصنف. ولفظه عن أبي رافع: أنه مر ~~بالحسن بن علي وهو يصلي وقد عقص ضفرته فحلها، فالتفت إليه الحسن مغضبا ~~فقال: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول ms0945 الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: ذلك PageV02P386 # كفل الشيطان (وفي الباب) عن أم سلمة عند ابن أبي حاتم في العلل بنحو حديث ~~أبي رافع. وعن علي رضي الله عنه عند أبي علي الطوسي. وعن ابن مسعود عند ابن ~~ماجة بإسناد صحيح. وعن أبي موسى عند أبي علي الطوسي في الاحكام. وعن جابر ~~عند ابن عدي في الكامل وفيه علي بن عاصم وهو ضعيف. قوله: عبد الله بن الحرث ~~وهو ابن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي وبعدها همزة السهمي شهد بدرا. قوله: ~~ورأسه معقوص عقص الشعر ضفره وفتله، والعقاص خيط يشد به أطراف الذوائب، ذكر ~~معنى ذلك في القاموس. قوله: # وأقر له الآخر أي استقر لما فعله ولم يتحرك. قوله: وهو مكتوف كتفته كتفا ~~كضربته ضربا، إذا شددت يده إلى خلف كتفيه موثقا بحبل (والحديثان) يدلان على ~~كراهة صلاة الرجل وهو معقوص الشعر أو مكفوفه. وقد حكى الترمذي عن أهل العلم ~~أنهم كرهوا ذلك. # قال العراقي: وممن كرهه من الصحابة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ~~بن أبي طالب، وحذيفة، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن مسعود. ومن ~~التباين إبراهيم النخعي في آخرين (والحكمة) في ذلك أن الشعر يسجد معه إذا ~~سجد وفيه امتهان. له في العبادة، قاله عبد الله بن مسعود، فيما رواه ابن ~~أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح إليه أنه دخل المسجد فرأى فيه رجلا يصلي ~~عاقصا شعره، فلما انصرف قال عبد الله: إذا صليت فلا تعقص شعرك فإن شعرك ~~يسجد معك ولك بكل شعرة أجر فقال الرجل: إني أخاف أن يتترب، فقال: تتريبه ~~خير لك. وقال ابن عمر لرجل رآه يصلي معقوصا شعره، أرسله ليسجد معك. وروى ~~ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إلى عثمان بن عفان أنه رأى رجلا يصلي وقد عقد ~~شعره فقال: يا ابن أخي مثل الذي يصلي وقد عقص شعره مثل الذي يصلي وهو ~~مكتوف. وقد تقدم تمثيل من فعل ذلك بالمكتوف مرفوعا من حديث ابن عباس وفيه ~~معنى ما أشار ms0946 إليه ابن مسعود من سجود الشعر: فإن المكتوف لا يسجد بيديه على ~~الأرض، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: اليدان يسجدان ~~كما يسجد الوجه وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه كان إذا صلى وقع شعره ~~على الأرض وظاهر الشعبي في حديث الباب التحريم فلا يعدل عنه إلا لقرينة. ~~قال العراقي: وهو مختص بالرجال دون النساء، لأن شعرهن عورة يجب ستره في ~~الصلاة، فإذا نقضته ربما استرسل وتعذر ستره فتبطل صلاتها، وأيضا فيه مشقة ~~عليها في نقضه للصلاة، وقد رخص لهن صلى الله عليه وآله وسلم في أن لا ينقضن ~~ضفائرهن في الغسل مع الحاجة إلى بل جميع الشعر كما تقدم. PageV02P387 # باب كراهة تنخم المصلي قبله أو عن يمينه عن أبي هريرة وأبي سعيد: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحتها ~~وقال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره ~~أو تحت قدمه اليسرى متفق عليه. وفي رواية للبخاري: # فيدفنها. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا قام أحدكم ~~في صلاته فلا يبزقن قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه ~~فبصق فيه ورد بعضه على بعض فقال: أو يفعل هكذا رواه أحمد والبخاري. ولا حمد ~~ومسلم نحوه بمعناه من حديث أبي هريرة. # قوله: نخامة قيل: هي ما تخرج من الصدر، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، ~~وبالميم من الرأس، كذا في الفتح قوله: في جدار المسجد في رواية للبخاري: في ~~القبلة وفي أخرى له أيضا: في جدار القبلة. وهذا يبين أن المراد بجدار ~~المسجد الجدار الذي من جهة القبلة. قوله: # فتناول حصاة فحتها في رواية للبخاري: فحكه بيده وفي رواية: فحكه واختلاف ~~الروايات يدل على جواز الحك باليد أو الحصى أو غيرهما مما يزيل الأثر. وقد ~~بوب البخاري للحك باليد، وبوب للحك بالحصى. قوله: قبل وجهه بكسر القاف وفتح ~~الموحدة أي جهة وجهه. ms0947 قوله: ولا عن يمينه ظاهر حديث أبي هريرة كراهة ذلك ~~داخل الصلاة وخارجها لعدم تقييده بحال الصلاة. وقد جزم النووي بالمنع في كل ~~حالة داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أم غيره. قال الحافظ: ويشهد ~~للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه ~~وليس في صلاة. وعن معاذ بن جبل: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. وعن عمر بن ~~عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا. وقال ما لك: لا بأس به خارج الصلاة، ~~ويدل لما قاله التقييد بالصلاة في حديث أنس المذكور في الباب. قوله: وليبصق ~~عن يساره ظاهر هذا جواز البصق عن اليسار في المسجد وغيره، وداخل الصلاة ~~وخارجها. وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها ~~دفنها كما أخرجه الشيخان عدم جواز التفل في المسجد إلى جهة اليسار وغيرها. ~~قال الحافظ: وحاصل النزاع أن ههنا عمومين تعارضا وهما قوله: البزاق في ~~المسجد خطيئة. وقوله: وليبصق عن يساره أو تحت PageV02P388 # قدمه، فالنووي يجعل الأول عاما، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، ~~والقاضي عياض بخلافه يجعل الثاني عاما فيخص الأول بمن لم يرد دفنها. وقد ~~وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي والقرطبي وغيرهما. ويشهد له ما رواه أحمد ~~بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: فمن تنخم في المسجد فليغيب ~~نخامته أن يصيب جلده مؤمن أو ثوبه فتؤذيه وأوضح منه في المقصود ما رواه ~~أحمد أيضا والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعا قال: من تنخم في ~~المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة. فلم يجعل سيئة إلا بقيد عدم الدفن. ~~ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعا قال: ووجدت في مساوي أعمال أمتي النخاعة ~~تكون في المسجد لا تدفن قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد ~~إيقاعها في المسجد بل به وبتركها غير مدفونة انتهى. ومما يدل على ذلك أي ~~تخصيص عموم قوله: # البزاق في المسجد خطيئة جواز التنخم في الثوب ms0948 ولو كان في المسجد بلا ~~خلاف. وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير أنه صلى مع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله قال الحافظ: إسناده ~~صحيح وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم، ويؤيد ~~قول النووي تصريحه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه بأن ~~البزاق في المسجد خطيئة، وأن دفنها كفارة لها، فإن دلالته على كتب الخطيئة ~~بمجرد البزاق في المسجد ظاهرة غاية الظهور، ولكنها تزول بالدفن وتبقى ~~بعدمه. قال الحافظ: وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر، كأن لم ~~يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر وهو تفصيل حسن ~~انتهى. قوله: # فيدفنها قال النووي في الرياض: المراد بدفنها إذا كان المسجد ترابيا أو ~~رمليا، فأما إذا كان مبلطا مثلا فدلكها بشئ مثلا فليس ذلك بدفن بل زيادة في ~~التقذر. قال الحافظ: لكن إذا لم يبق لها أثر البتة فلا مانع. وعليه قوله في ~~حديث عبد الله بن الشخير المتقدم ثم دلكه بنعله قوله: أو يفعل هكذا ظاهر ~~هذا أنه مخير بين ما ذكر وظاهر النهي عن البصق إلى القبلة التحريم. ويؤيده ~~تعليله بأن ربه تعالى بينه وبين القبلة كما في البخاري من حديث أنس. وبأن ~~الله قبل وجهه إذا صلى كما في حديث ابن عمر عند البخاري. قال في الفتح: ~~وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أم لا، ~~ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل ~~هي للتنزيه أو للتحريم وفي صحيحي ابن حبان وابن خزيمة من حديث حذيفة ~~مرفوعا: من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله PageV02P389 # بين عينيه وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا: يبعث صاحب ~~النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه. ولأبي داود بن حبان من حديث ~~السائب بن جلاد: # أن ms0949 رجلا أم قوما فبصق في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لا يصلي بكم الحديث وفيه أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله انتهى. # باب في أن قتل الحية والعقرب والمشي اليسير للحاجة لا يكره عن أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: العقرب ~~والحية رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث، نقل ابن عساكر في الأطراف وتبعه المزي وتبعهما المصنف أن الترمذي ~~صححه، والذي في النسخ أنه قال: حديث حسن، ولم يرتفع به إلى الصحة. وأخرجه ~~أيضا ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه. (وفي الباب) عن ابن عباس عند الحاكم ~~بإسناد ضعيف. وعن أبي رافع عند ابن ماجة وفي إسناده مندل وهو ضعيف، وكذلك ~~شيخه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع. وعن ابن عمر عن إحدى نساء النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عند البخاري ومسلم. وعن عائشة عند أبي يعلى الموصلي ~~وفي إسناده معاوية بن يحيى الصدفي ضعفه الجمهور. وعن رجل من بني عدي بن كعب ~~عند أبي داود بإسناد منقطع. # قوله: أمر بقتل الأسودين تسمية الحية والعقرب بالأسودين من باب التغليب، ~~ولا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية (والحديث) يدل على جواز قتل الحية ~~والعقرب في الصلاة من غير كراهة، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال ~~العراقي. وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك منهم إبراهيم النخعي، وكذا روي ~~ذلك عن إبراهيم بن أبي شيبة في المصنف. وروى ابن أبي شيبة أيضا عن قتادة ~~أنه قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها. قال العراقي، وأما من قتلها في ~~الصلاة أو هم بقتلها فعلي بن أبي طالب وابن عمر، روى ابن أبي شيبة عنه ~~بإسناد صحيح أنه رأى ريشة وهو يصلي فحسب أنها عقرب فضربها بنعله. ورواه ~~البيهقي أيضا وقال: فضربها برجله وقال: حسبت أنها عقرب. ومن التابعين الحسن ~~البصري، وأبو العالية، وعطاء، ومورق العجلي وغيرهم انتهى (واستدل) المانعون ~~من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير ms0950 كالهادوية والكارهون له كالنخعي بحديث: ~~إن في الصلاة PageV02P390 # لشغلا المتقدم، وبحديث: اسكنوا في الصلاة عند أبي داود، ويجاب عن ذلك بأن ~~حديث الباب خاص، فلا يعارضه ما ذكروه، وهكذا يقال في كل فعل كثير، ورد ~~الاذن به كحديث حمله صلى الله عليه وآله وسلم لامامة. وحديث خلعه للنعل. ~~وحديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، ونزوله للسجود، ورجوعه ~~بعد ذلك. وحديث أمره صلى الله عليه وآله وسلم بدرء المار وإن أفضى إلى ~~المقاتلة. وحديث مشيه لفتح الباب الآتي بعد هذا الحديث، وكل ما كان كذلك ~~ينبغي أن يكون مخصصا لعموم أدلة المنع (واعلم) أن الامر بقتل الحية والعقرب ~~مطلق غير مقيد بضربة أو ضربتين، وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كفاك للحية ضربة أصبتها أم أخطأتها ~~وهذا يوهم التقييد بالضربة قال البيهقي: وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم ~~وقوع الكفاية بها في الاتيان بالمأمور، فقد أمر صلى الله عليه وآله وسلم ~~بقتلها، وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها عند الخطأ، ولم يرد به المنع ~~من الزيادة على ضربة واحدة، ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند ~~مسلم: من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة ~~الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة ~~فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية قال في شرح السنة: وفي معنى الحية ~~والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في البيت ~~والباب عليه مغلق، فجئت فمشى حتى فتح لي ثم رجع إلى مقامه ووصفت أن الباب ~~في القبلة رواه الخمسة إلا ابن ماجة. # الحديث حسنه الترمذي، وزاد النسائي: يصلي تطوعا وكذا ترجم عليه الترمذي. ~~قوله: # والباب عليه مغلق فيه أن المستحب لمن صلى في مكان بابه إلى القبلة أن ~~يغلق الباب عليه ليكون سترة للمار بين يديه، ms0951 وليكون أستر، وفيه إخفاء ~~الصلاة عن الآدميين. قوله: فجئت فمشى لفظ أبي داود: فجئت فاستفتحت فمشى قال ~~ابن رسلان: هذا المشي محمول على أنه مشى خطوة أو خطوتين، أو مشى أكثر من ~~ذلك متفرقا، وهو من التقييد بالمذهب ولا يخفى فساده. # (والحديث) يدل على إباحة المشي في صلاة التطوع للحاجة. PageV02P391 # باب في أن عمل القلب لا يبطل وإن طال عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع ~~الاذان، فإذا قضي الاذان أقبل فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل ~~حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: أذكر كذا أذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى ~~يضل الرجل أن يدري كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم. ثلاثا صلى أو أربعا فليسجد ~~سجدتين وهو جالس متفق عليه. وقال البخاري قال عمر: # إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. # قوله: وله ضراط جملة اسمية وقعت حالا. وفي رواية بدون واو لحصول الارتباط ~~بالضمير. قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم يصح منه خروج الريح، ~~ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره، ويقربه رواية مسلم بلفظ: له حصاص بمهملات ~~مضموم الأول، وقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو. قال في الفتح: والمراد ~~بالشيطان إبليس، وعليه يدل كلام كثير من الشراح، ويحتمل أن المراد جنس ~~الشيطان، وهو كل متمرد من الجن أو الإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة. ~~قوله: حتى لا يسمع التأذين ظاهره أن يتعمد إخراج ذلك إما ليشغله سماع الصوت ~~الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافا كما يفعله السفهاء، ~~ويحتمل أن لا يتعمد ذلك، بل يحصل له عند سماع الاذان شدة خوف حتى يحدث له ~~ذلك. قوله: فإذا قضي بضم أوله والمراد به الفراغ والانتهاء، ويروى بفتح ~~أوله على حذف الفاعل والمراد المنادى. قوله: أقبل زاد مسلم عن أبي هريرة ~~فوسوس. قوله: فإذا ثوب بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة قيل: هو من ثاب ~~إذا رجع، وقيل: هو من ms0952 ثوب إذا أشار بثوبه عند الفراغ لاعلام غيره. قال ~~الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه، ~~والخطابي والبيهقي وغيرهم. وقال القرطبي: ثوب بالصلاة إذا أقيمت، وأصله رجع ~~إلى ما يشبه الاذان، وكل من يردد صوتا فهو مثوب، وزعم بعض الكوفيين أن ~~المراد بالتثويب قول المؤذن من الأذان والإقامة: حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح، قد قامت الصلاة. قال الخطابي: لا تعرف العامة التثويب في الاذان ~~إلا من قول المؤذن في الاذان: # الصلاة خير من النوم، لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة. قوله: حتى ~~يخطر PageV02P392 # بضم الطاء. قال الحافظ: كذا سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه عن المتقنين ~~بالكسر وهو وجه ومعناه يوسوس. وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به ~~فخذيه. وأما بالضم فمن المرور أن يدنو منه فيشغله، وضعف الهجري في نوادره ~~الضم مطلقا. قوله: # بين المرء ونفسه أي قلبه، وكذا هو للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق. قال ~~الباجي: بمعنى أنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته ~~وإخلاصه فيها. # قوله: لما لم يكن يذكر أي لشئ لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، وهو ~~أعم من أن يكون من أمور الدنيا أو الآخرة. وهل يشمل ذلك التفكر في معاني ~~الآيات التي يتلوها لا يبعد ذلك، لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان، ~~كذا قال الحافظ. قوله: حتى يضل الرجل بضاد مكسورة كذا وقع عند الأصيلي ~~ومعناه يجهل، قال الحافظ في الفتح: وعند الجمهور بالظاء المشالة بمعنى يصير ~~أو يبقى أو يتحير. # قوله: إن يدري كم صلى بكسر الهمزة وهي التي للنفي بمعنى لا. وحكى ابن عبد ~~البر عن الأكثر فتح الهمزة ووجهه بما تعقبه عليه جماعة. قال القرطبي: ليست ~~رواية الفتح بشئ إلا مع الضاد، فيكون أن مع الفعل بتأويل المصدر مفعولا لضل ~~بإسقاط حرف الجر أي يضل عن درايته. وفي رواية للبخاري: لا يدري كم صلى ~~(والحديث) يدل على أن الوسوسة في الصلاة غير مبطلة ms0953 لها، وكذلك سائر الأعمال ~~القلبية لعدم الفارق. وللحديث فوائد ليس المقام محلا لبسطها. قوله: إني ~~لأجهز جيشي وأنا في الصلاة أي أدبر تجهيزه وأفكر فيه. # باب القنوت في المكتوبة عند النوازل وتركه في غيرها عن أبي مالك الأشجعي ~~قال: قلت لأبي: إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: ~~أي بني محدث رواه أحمد والترمذي وصححه ابن ماجة. # وفي رواية: أكانوا يقنتون في الفجر؟ والنسائي ولفظه قال: صليت خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت ~~خلف PageV02P393 # عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي عليه السلام فلم ~~يقنت، ثم قال: يا بني بدعة. # الحديث: قال الحافظ في التلخيص: إسناده حسن. وفي الباب عن ابن عباس عند ~~الدارقطني والبيهقي أنه قال: القنوت في صلاة الصبح بدعة. قال البيهقي: لا ~~يصح. وعن ابن عمر عند الطبراني قال في قيامهم عند فراغ القارئ من السورة ~~يعني قيام القنوت إنها لبدعة ما فعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وفي إسناده بشر بن حرب الرازي وهو ضعيف. وعن ابن مسعود عند الطبراني في ~~الأوسط والبيهقي والحاكم في كتاب القنوت بلفظ: ما قنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في شئ من صلاته زاد الطبراني: إلا في الوتر، وأنه كان إذا حارب ~~يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر ولا عمر حتى ~~ماتوا، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت في الصلوات كلهن. وكان ~~معاوية يدعو عليه أيضا، قال البيهقي: # كذا رواه محمد بن جابر السحيمي وهو متروك. وعن أم سلمة عند ابن ماجة. ~~قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القنوت في الفجر. ورواه ~~الدارقطني وفي إسناده ضعف. (والحديث) يدل على عدم مشروعية القنوت، وقد ذهب ~~إلى ذلك أكثر أهل العلم، كما حكاه الترمذي ms0954 في كتابه، وحكاه العراقي عن أبي ~~بكر وعمر وعلي وابن عباس وقال: قد صح عنهم القنوت، وإذا تعارض الاثبات ~~والنفي قدم المثبت، وحكاه عن أربعة من التابعين. وعن أبي حنيفة وابن ~~المبارك وأحمد وإسحاق، وحكاه المهدي في البحر عن العبادلة وأبي الدرداء ~~وابن مسعود. وقد اختلف النافون لمشروعيته هل يشرع عند النوازل أم لا؟ وذهب ~~جماعة إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه الحازمي عن أكثر الناس من ~~الصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء الأمصار، ثم عد من الصحابة الخلفاء ~~الأربعة إلى تمام تسعة عشر من الصحابة، ومن المخضرمين أبو رجاء العطاردي، ~~وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ. ومن التابعين اثنا ~~عشر ومن الأئمة والفقهاء، أبو إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن ~~عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس وأهل الحجاز، والأوزاعي. وأكثر أهل الشام ~~والشافعي وأصحابه، وعن الثوري روايتان. ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير. وزاد ~~العراقي: عبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وابن أبي ليلى، ~~والحسن بن صالح، وداود، ومحمد بن جرير، وحكاه عن جماعة من أهل الحديث منهم ~~PageV02P394 # أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأبو عبد الله الحاكم، والدارقطني، ~~والبيهقي، والخطابي، وأبو مسعود الدمشقي. وحكاه الخطابي في المعالم عن أحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وحكى الترمذي عنهما خلاف ذلك. قال النووي في شرح ~~المهذب: القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير ~~منهم، وحكاه المهدي في البحر عن الهادي والقاسم وزيد بن علي والناصر ~~والمؤيد بالله من أهل البيت. وقال الثوري وابن حزم: كل من الفعل والترك حس. ~~واعلم أنه قد وقع الاتفاق على ترك القنوت في أربع صلوات من غير سبب وهي: ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من ~~المكتوبات، وفي صلاة الوتر من غيرها. أما القنوت في الوتر فسيأتي الكلام ~~عليه في أبواب الوتر. (وأما القنوت) في صلاة الصبح فاحتج المثبتون له بحجج ~~منها حديث البراء وأنس الآتيان، ms0955 ويجاب بأنه لا نزاع في وقوع القنوت منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم، إنما النزاع في استمرار مشروعيته، فإن قالوا: لفظ كان ~~يفعل يدل على استمرار المشروعية، قلنا: قد قدمنا عن النووي ما حكاه عن ~~جمهور المحققين أنها لا تدل على ذلك سلمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ~~ينافي الترك آخرا، كما صرحت بذلك الأدلة الآتية على أن هذين الحديثين فيهما ~~أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب فهو جوابنا عن ~~الفجر. وأيضا في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه كان يقنت في الركعة الآخرة ~~من صلاة الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح، فما هو جوابكم عن مدلول لفظ ~~كان ههنا فهو جوابنا. قالوا: أخرج الدارقطني وعبد الرزاق وأبو نعيم وأحمد ~~والبيهقي والحاكم وصححه عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قنت شهرا ~~يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى ~~فارق الدنيا. وأول الحديث في الصحيحين، ولو صح هذا لكان قاطعا للنزاع، ~~ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي، قال فيه عبد الله بن أحمد: ليس بالقوي. ~~وقال علي بن المديني: إنه يخلط. وقال أبو زرعة: بهم كثيرا. وقال عمرو بن ~~علي الفلاس: صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن معين: ثقة ولكنه يخطئ. وقال الدوري: ~~ثقة ولكنه يغلط. وحكى الساجي أنه قال: صدوق ليس بالمتقن، وقد وثقه غير ~~واحد. ولحديثه هذا شاهد ولكن في إسناده عمرو بن عبيد وليس بحجة. قال ~~الحافظ: ويعكر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن ~~سليمان قلنا لأنس: إن قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل ~~PageV02P395 # يقنت في الفجر، فقال: كذبوا إنما قنت شهرا واحدا يدعو على حي من أحياء ~~المشركين وقيس وإن كان ضعيفا لكنه لم يتهم بكذب. وروى ابن خزيمة في صحيحه ~~من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقنت ~~إلا إذا دعا لقوم ms0956 أو دعا على قوم فاختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت، فلا ~~يقوم لمثل هذا حجة انتهى. (إذا تقرر لك هذا) علمت أن الحق ما ذهب إليه من ~~قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وإنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به ~~صلاة دون صلاة. وقد ورد ما يدل على هذا الاختصاص من حديث أنس عند ابن خزيمة ~~في صحيحه وقد تقدم ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ: كان لا يقنت إلا ~~أن يدعو لاحد أو يدعو على أحد وأصله في البخاري كما سيأتي. وستعرف الأدلة ~~الدالة على ترك مطلق القنوت ومقيده، وقد حاول جماعة من حذاق الشافعية الجمع ~~بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في ~~صلاة الفجر في غير طائل. (وحاصله) ما عرفناك، وقد طول المبحث الحافظ ابن ~~القيم في الهدى وقال ما معناه: الانصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم قنت وترك، وكان تركه للقنوت أكثر من فعله، فإنه إنما ~~قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا ~~لهم وخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، وكان قنوته لعارض ~~فلما زال ترك القنوت، وقال في غضون ذلك، المبحث أن أحاديث أنس كلها صحاح ~~يصدق بعضها بعضا ولا تتناقض، وحمل قول أنس: ما زال يقنت حتى فارق الدنيا ~~على إطالة القيام بعد الركوع، وقد أسلفنا الأدلة على مشروعية ذلك في باب ~~الجلسة بين السجدتين، وأجاب عن تخصيصه بالفجر بأنه وقع بحسب سؤال السائل، ~~فإنه إنما سأل أنسا عن قنوت الفجر، فأجابه عما سأله عنه، وبأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، قال: ومعلوم أنه كان ~~يدعو ربه ويثني عليه ويمجده في هذا الاعتدال، وهذا قنوت منه فلا ريب، فنحن ~~لا نشك ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، ولما صار ~~القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف: اللهم اهدني ms0957 ~~فيمن هديت الخ، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك ~~الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على ~~القنوت في اصطلاحهم، ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا مداومين على هذا كل غداة، وهذا هو الذي ~~PageV02P396 # نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا ~~يثبت عنه أنه فعله، وغاية ما روي عنه فهذا القنوت أنه علمه الحسن بن علي، ~~إلى آخر كلامه، وهو على فرض صلاحية حديث أنس للاحتجاج وعدم اختلافه ~~واضطرابه محمل حسن. واعلم أنه قد وقع الاتفاق على عدم وجوب القنوت مطلقا، ~~كما صرح بذلك صاحب البحر وغيره. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قنت شهرا ثم تركه رواه أحمد ~~وفي لفظ: قنت شهرا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وابن ماجة. وفي لفظ: قنت شهرا حين قتل القراء فما رأيته حزن حزنا ~~قط أشد منه رواه البخاري. # قوله: على أحياء من أحياء العرب هم بنو سليم قتلة القراء كما سيأتي في ~~حديث ابن عباس. قوله: حين قتل القراء هم أهل بئر معونة وقصتهم مشهورة. ~~(والحديث) يدل على عدم مشروعية القنوت في جميع الصلوات. وقد جمع بينه وبين ~~حديث أنس الدال على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما زال يقنت في الفجر ~~حتى فارق الدنيا، بأن المراد ترك الدعاء على الكفار لا أصل القنوت. وروى ~~البيهقي مثل هذا الجمع عن عبد الرحمن بن مهدي بسند صحيح، والقنوت له معان ~~تقدم ذكرها في باب نسخ الكلام، والمراد في هذا الباب الدعاء. (فائدة) في ~~البخاري من طريق عاصم الأحول عن أنس أن القنوت قبل الركوع. قال البيهقي: ~~رواة القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ، وعليه درج الخلفاء الراشدون. وروى ~~الحاكم أبو أحمد في الكنى عن الحسن البصري قال: صليت خلف ثمانية وعشرين ~~بدريا كلهم يقنت في الصبح ms0958 بعد الركوع. قال الحافظ: # وإسناده ضعيف. قال الأثرم، قلت لأحمد: يقول أحد في حديث أنس إنه قنت قبل ~~الركوع غير عاصم الأحول، قال: لا يقوله غيره، خالفوه كلهم، هشام عن قتادة، ~~والتيمي عن أبي مجلز، وأيوب عن ابن سيرين، وغير واحد عن حنظلة كلهم عن أنس. ~~وكذا روى أبو هريرة وخفاف بن إيماء وغير واحد. وروى ابن ماجة من طريق سهل ~~بن يوسف عن حميد عن أنس أنه سئل عن القنوت في صلاة الصبح قبل الركوع أم ~~بعده؟ فقال: كلاهما قد كنا نفعل قبل وبعد. وصححه أبو موسى المديني، كذا قال ~~الحافظ. # وعن أنس قال: كان القنوت في المغرب والفجر رواه البخاري. # وعن البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقنت في صلاة ~~المغرب والفجر رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. PageV02P397 # قوله: كان القنوت أي في أول الأمر. قوله: في المغرب والفجر تمسك بهذا ~~الطحاوي في ترك القنوت في الفجر قال: لأنهم أجمعوا على نسخه في المغرب، ~~فيكون في الصبح كذلك، وقد عارضه بعضهم فقال أجمعوا على أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قنت في الصبح، ثم اختلفوا هل ترك أم لا؟ فيتمسك بما أجمعوا عليه ~~حتى يثبت ما اختلفوا فيه، وقد قدمنا ما هو الحق في ذلك. # وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رفع رأسه من ~~الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا، ~~بعدما يقول: # سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله تعالى: * (ليس لك من الامر ~~شئ) * إلى قوله: # * (فإنهم ظالمون) * (آل عمران: 128) رواه أحمد والبخاري. # الحديث أخرجه أيضا النسائي. قوله: إذا رفع رأسه من الركوع هكذا وردت أكثر ~~الروايات كما تقدم قريبا. قوله: فلانا وفلانا وفلانا زاد النسائي: يدعو على ~~أناس من المنافقين، وبهذه الزيادة يعلم أن هؤلاء الذين لعنهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم غير قتلة القراء. وفي رواية للبخاري من حديث أنس قال: ~~كان رسول الله ms0959 صلى الله عليه وآله وسلم يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن ~~عمرو، والحرث بن هشام فنزلت. وفي رواية للترمذي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان؟ اللهم العن الحرث بن ~~هشام، اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت. وفي أخرى للترمذي: قال: كان رسول ~~الله (ص) يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله تعالى الآية. (والحديث) يدل على ~~نسخ القنوت بلعن المستحقين، وأن الذي يشرع فعله عند نزول النوازل إنما هو ~~الدعاء لجيش المحقين بالنصرة، وعلى جيش المبطلين بالخذلان، والدعاء برفع ~~المصائب، ولكنه يشكل على ذلك ما سيأتي في حديث أبي هريرة من نزول الآية عقب ~~دعائه للمستضعفين، وعلى كفار مضر، مع أن ذلك مما يجوز فعله في القنوت عند ~~النوازل. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد أن يدعو ~~على أحد أو يدعو لاحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع الله لمن ~~حمده ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن ~~أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف، قال: يجهر PageV02P398 # بذلك. ويقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا حيين ~~من أحياء العرب حتى أنزل الله تعالى: * (ليس لك من الامر شئ) * الآية رواه ~~أحمد والبخاري. وعن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج ~~الوليد بن الوليد، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف رواه البخاري. وعنه أيضا قال: ~~لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان أبو هريرة يقنت ~~في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح بعد ما يقول: ~~سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار متفق عليه. وفي رواية ~~لأحمد: وصلاة العصر ms0960 مكان صلاة العشاء الآخرة. # قوله: اللهم أنج الوليد فيه جواز الدعاء في القنوت لضعفة المسلمين ~~بتخليصهم من الأسر، ويقاس عليه جواز الدعاء لهم بالنجاة من كل ورطة يقومون ~~فيها من غير فرق بين المستضعفين وغيرهم. قوله: اشدد وطأتك الوطأة الضغطة أو ~~الآخذة الشديدة كما في القاموس. قوله: كسني يوسف هي السنين المذكورة في ~~القرآن. وفيه جواز الدعاء على الكفار بالجدب والبلاء. قوله: قال يجهر بذلك ~~فيه مشروعية الجهر بالقنوت. # قوله: في صلاة الفجر بيان لقوله في بعض صلاته. قوله: لأقربن في رواية ~~الإسماعيلي: # إني لأقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: وكان أبو ~~هريرة الخ، قيل: المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت لا وقوعه في الصلاة ~~المذكورة فإنه موقوف على أبي هريرة، ويوضحه ما ذكره البخاري في سورة النساء ~~من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء. ولأبي داود قنت رسول الله (ص) في صلاة ~~العتمة شهرا ونحوه لمسلم، ولكن هذا لا ينفي كونه (ص) قنت في غير العشاء. ~~وظاهر سياق الحديث أن جميعه مرفوع. قوله: في الركعة الآخرة قد تقدم بيان ~~الاختلاف في كونه قبل الركوع أو بعده. # قوله: فيدعو للمؤمنين هم من كان مأسورا بمكة، والكفار كفار قريش كما بينه ~~البخاري في تفسير سورة آل عمران. وهذه الأحاديث تدل على مشروعية القنوت عند ~~نزول النوازل، وقد تقدم الكلام عليه، وقد اقتصرنا في شرحها على هذا ~~المقدار، وإن كانت تحتمل البسط لعدم عود التطويل على ما نحن فيه بفائدة. ~~PageV02P399 # وعن ابن عباس قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهرا متتابعا ~~في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله ~~لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو عليهم على حي من سليم، على رعل، وذكوان، ~~وعصية، ويؤمن من خلفه رواه أبو داود وأحمد وزاد: أرسل إليهم يدعوهم إلى ~~الاسلام فقتلوهم قال عكرمة: كان هذا مفتاح القنوت. # الحديث أخرجه أبو داود من طريق هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس. # وأخرجه أيضا الحاكم ms0961 وليس في إسناده مطعن إلا هلال بن خباب فإن فيه مقالا، ~~وقد وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. قوله: في دبر كل صلاة فيه أن القنوت ~~للنوازل لا يختص ببعض الصلوات، فهو يرد على من خصصه بصلاة الفجر عندها. ~~قوله: إذا قال سمع الله لمن حمده فيه التصريح بأن القنوت بعد الركوع وهو ~~الثابت في أكثر الروايات كما تقدم. قوله: من بني سليم بضم السين المهملة ~~وفتح اللام قبيلة معروفة. قوله: على رعل براء مكسورة وعين مهملة ساكنة ~~قبيلة من سليم كما في القاموس، وهو وما بعده بدل من قوله من بني سليم، ~~وقوله: من بني سليم بدل أيضا من الضمير في قوله عليهم. وقوله: وعصية تصغير ~~عصا سميت به قبيلة من سليم أيضا. قوله: وذكوان هم قبيلة أيضا من سليم. ~~PageV02P400 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء الثالث - 1973 دار الجيل بيروت - لبنان ~~ص. ب - 8747 PageV03P001 # بسم الله الرحمن الرحيم (أبواب السترة أمام المصلى وحكم المرور دونها) ~~باب استحباب الصلاة إلى السترة والدنو منها والانحراف قليلا عنها والرخصة ~~في تركها عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا صلى ~~أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها رواه أبو داود وابن ماجة. # الحديث في إسناده محمد بن عجلان وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد أخرج أبو ~~داود من حديث سهل بن أبي حثمة بمعناه، وأخرجه أيضا النسائي، قال أبو داود ~~في سننه: وقد اختلف في إسناده، وقد بين ذلك الاختلاف. قوله: فليصل إلى سترة ~~فيه أن اتخاذ السترة واجب، ويؤيده حديث أبي هريرة الآتي، وحديث سبرة بن ~~معبد الجهني عند الحاكم وقال على شرط مسلم بلفظ: ليستتر أحدكم في الصلاة ~~ولو بسهم. # قوله: وليدن منها فيه مشروعية الدنو من السترة حتى يكون مقدار ما بينهما ~~ثلاثة أذرع كما سيأتي. والحكمة في الامر بالدنو أن لا يقطع ms0962 الشيطان عليه ~~صلاته، كما أخرجه أبو داود في هذا الحديث متصلا. بقوله: وليدن منها والمراد ~~بالشيطان المار بين يدي المصلي كما في حديث: فإن أبى فليقاتله فإنما هو ~~شيطان. قال في شرح المصابيح معناه يدنو من السترة حتى لا يوسوس الشيطان ~~عليه صلاته، وسيأتي سبب تسمية المار شيطانا والخلاف فيه. PageV03P002 # وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل في غزوة تبوك عن سترة ~~المصلي فقال: كمؤخرة الرحل رواه مسلم. # قوله: كمؤخرة الرحل قال النووي: المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ~~ساكنة، ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة، وتشديد الخاء مع إسكان الهمزة، ~~وتخفيف الخاء، ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء، فهذه أربع لغات ~~وهي العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب من كور البعير وهي قدر ~~عظم الذراع وهو نحو ثلثي ذراع. (والحديث) يدل على مشروعية السترة، قال ~~النووي: ويحصل بأي شئ أقامه بين يديه. قال العلماء: والحكمة في السترة كف ~~البصر عما وراءها ومنع من يجتاز بقربه. # وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج يوم ~~العيد يأمر بالحربة فتوضأ بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ~~ذلك في السفر متفق عليه. # قوله: يأمر بالحربة أي يأمر خادمه بحمل الحربة. وفي لفظ لابن ماجة: وذلك ~~أن المصلى كان فضاء ليس فيه شئ يستره. قوله: والناس بالرفع عطفا على فاعل ~~فيصلي. # قوله: وكان يفعل ذلك أي نصب الحربة بين يديه حيث لا يكون جدار (والحديث) ~~يدل على مشروعية اتخاذ السترة في الفضاء وملازمة ذلك في السفر، وعلى أن ~~السترة تحصل بكل شئ ينصب تجاه المصلي وإن دق. # وعن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وبين الجدار ممر شاة متفق عليه. وفي حديث بلال: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم دخل الكعبة فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع رواه أحمد ~~والنسائي، ومعناه للبخاري من حديث ابن عمر. # حديث ms0963 بلال رجاله رجال الصحيح. قوله: وبين الجدار أي جدار المسجد مما يلي ~~القبلة، وقد صرح بذلك البخاري في الاعتصام. قوله: ممر شاة بالرفع وكان تامة ~~أو ناقصة، والخبر محذوف أو الظرف الخبر، وأعربه الكرماني بالنصب، على أن ~~الممر خبر كان، واسمها نحو قدر المسافة، قال: والسياق يدل عليه. وروى ~~الإسماعيلي من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة: كان المنبر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ~~ما تمر العنز وأصله في البخاري قال ابن بطال: هذا أقل PageV03P003 # ما يكون بين المصلي وسترته يعني قدر ممر الشاة. وقيل أقل ذلك ثلاثة أذرع ~~لحديث ابن عمر عن بلال الذي أشار إليه المصنف. ولفظه في البخاري عن نافع أن ~~عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل وجعل الباب قبل ظهره، ~~فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع صلى، ~~يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى ~~فيه. وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع. وجمع بعضهم بأن ~~ممر الشاة في حال القيام، والثلاثة الأذرع في حال الركوع والسجود، كذا قال ~~ابن رسلان. والظاهر أن الامر بالعكس، قال ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة ~~بثلاثة أذرع. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، قال ابن رسلان: # وثلث ذراع أقرب إلى المعنى من ثلاثة أذرع. قال البغوي: استحب أهل العلم ~~الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف ~~اه. # وعن طلحة بن عبيد الله قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا فذكرنا ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، ~~ثم لا يضره ما مر بين يديه رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. # قوله: مثل مؤخرة الرحل قد تقدم ضبطه وتفسيره. قوله: بين يدي أحدكم هذا ~~مطلق، والأحاديث التي فيها التقدير بممر الشاة وبثلاثة أذرع ms0964 مقيدة لذلك. ~~قوله: # ثم لا يضره ما مر بين يديه لأنه قد فعل المشروع من الاعلام بأنه يصلي، ~~والمراد بقوله: # لا يضره الضرر الراجع إلى نقصان صلاة المصلي، وفيه إشعار بأنه لا ينقص من ~~صلاة من اتخذ سترة لمرور من مر بين يديه شئ وحصول النقصان إن لم يتخذ ذلك، ~~وسيأتي الكلام فيه، وقد قيد بما إذا كان منفردا أو إماما، وأما إذا كان ~~مؤتما فسترة الامام سترة له. وقد بوب البخاري وأبو داود لذلك، وأخرج ~~الطبراني في الأوسط عن أنس مرفوعا: سترة الامام سترة لمن خلفه وفي إسناده ~~سويد بن عاصم، وقد تفرد به وهو ضعيف. وأخرج نحوه عبد الرزاق عن ابن عمر ~~موقوفا عليه. وروى عبد الرزاق التفرقة بين من يصلي إلى سترة أو إلى غير ~~سترة عن عمر، لان الذي يصلي إلى غير سترة مقصر بتركها لا سيما إن صلى إلى ~~شارع المشاة. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا صلى أحدكم ~~فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط ~~خطا، ولا يضره ما مر بين يديه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. PageV03P004 # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه، والبيهقي وصححه أحمد وابن المديني ~~فيما نقله ابن عبد البر في الاستذكار، وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة ~~والشافعي والبغوي وغيرهم. قال الحافظ: وأورده ابن الصلاح مثالا للمضطرب ~~ونوزع في ذلك. قال في بلوغ المرام: ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل حسن. قوله: ~~فليجعل تلقاء وجهه شيئا فيه أن السترة لا تختص بنوع بل كل شئ ينصبه المصلي ~~تلقاء وجهه يحصل به الامتثال كما تقدم. قوله: فلينصب بكسر الصاد أي يرفع أو ~~يقيم. قوله: عصا ظاهره عدم الفرق بين الرقيقة والغليظة، ويدل على ذلك. # قوله (ص): استتروا في صلاتكم ولو بسهم الحديث المتقدم. وقوله (ص): # يجزي من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة أخرجه الحاكم وقال: على ~~شرطهما. قوله: فإن لم يكن معه ms0965 عصا هكذا لفظ أبي داود وابن حبان. ولفظ ابن ~~ماجة: فإن لم يجد. قوله: فليخط هذا لفظ ابن ماجة. ولفظ أبي داود: فليخطط ~~وصفة الخط ما ذكره أبو داود في سننه قال: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن وصف ~~الخط غير مرة فقال: هكذا عرضا مثل الهلال، وسمعت مسددا قال: بل الخط بالطول ~~اه. فاختار أحمد أن يكون مقوسا كالمحراب، ويصلي إليه كما يصلي في المحراب، ~~واختار مسدد أن يكون مستقيما من بين يديه إلى القبلة، قال النووي في ~~كيفيته: المختار ما قاله الشيخ أبو إسحاق إنه إلى القبلة، لقوله في الحديث: ~~تلقاء وجهه واختار في التهذيب أن يكون من المشرق إلى المغرب ولم ير مالك ~~ولا عامة الفقهاء الخط، كذا قال القاضي عياض، واعتذروا عن الحديث بأنه ضعيف ~~مضطرب وقالوا: الغرض الاعلام وهو لا يحصل بالخط واختلف قول الشافعي، فروي ~~عنه استحبابه، وروي عنه عدم ذلك. # وقال جمهور أصحابه باستحبابه. قوله: ولا يضره مما مر بين يديه لفظ أبي ~~داود: ثم لا يضره ما مر أمامه ولفظ ابن حبان: من مر أمامه وقد تقدم الكلام ~~على هذا. # وعن المقداد بن الأسود أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيسر أو الأيمن ~~ولا يصمد له صمدا. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في ~~فضاء ليس بين يديه شئ رواهما أحمد وأبو داود. # الحديث الأول في إسناده أبو عبيدة الوليد بن كامل البجلي الشامي، قال ~~المنذري: # وفيه مقال وقال في التقريب: لين الحديث. (والحديث) الثاني أخرجه أيضا ~~النسائي، قال المنذري: وذكر بعضهم في إسناده مقالا. قوله: إلى عود هو واحد ~~العيدان. PageV03P005 # قوله: ولا عمود هو واحد العمد. قوله: الأيسر أو الأيمن قال ابن رسلان: ~~ولعل الأيمن أولى لهذا بدأ به في الحديث رواية أبي داود، وعكس ذلك المصنف ~~ولعلها رواية أحمد، ويكفي في الأولوية حديث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم ms0966 ~~كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. (وفي الحديث) ~~استحباب أن تكون السترة على جهة اليمين أو اليسار. قوله: ولا يصمد بفتح ~~أوله وضم ثالثه، والصمد في اللغة القصد، يقال: اصمد صمد فلان أي اقصد قصده، ~~أي لا يجعله قصده الذي يصلي إليه تلقاء وجهه. قوله: صلى في فضاء ليس بين ~~يديه شئ فيه دليل على أن اتخاذ السترة غير واجب، فيكون قرينة لصرف الأوامر ~~إلى الندب، ولكنه قد تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يعارض القول الخاص بنا، وتلك الأوامر السابقة خاصة بالأمة، فلا يصلح هذا ~~الفعل أن يكون قرينة لصرفها. (فائدة) إعلم أن ظاهر أحاديث الباب عدم الفرق ~~بين الصحارى والعمران، وهو الذي ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من اتخاذه ~~السترة، سواء كان في الفضاء أو في غيره، وحديث أنه كان بين مصلاه وبين ~~الجدار ممر شاة ظاهر أن المراد في مصلاه في مسجده، لأن الإضافة للعهد وكذلك ~~حديث صلاته في الكعبة المتقدم فلا وجه لتقييد مشروعية السترة بالفضاء. # باب دفع المار وما عليه من الاثم والرخصة في ذلك للطائفين بالبيت عن ابن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع ~~أحدا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين رواه أحمد ومسلم وابن ~~ماجة. وعن أبي سعيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا صلى ~~أحدكم إلى شئ يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى ~~فليقاتله فإنما هو شيطان رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجة. # قوله: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع هذا مطلق مقيد بما في حديث أبي سعيد من ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره فلا يجوز الدفع ~~والمقاتلة إلا لمن كان له ستر. قال النووي: واتفقوا على أن هذا كله لمن لم ~~يفرط في صلاته، بل احتاط وصلى إلى سترة أو في ms0967 مكان يأمن المرور بين يديه. ~~قوله: فلا يدع أحدا يمر بين PageV03P006 # يديه ظاهر النهي التحريم. قوله: فإن أبى فليقاتله وفيه أنه يدافعه أولا ~~بما دون القتل، فيبدأ بأسهل الوجوه، ثم ينتقل إلى الأشد فالأشد، إلى حد ~~القتل. قال القاضي عياض والقرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله ~~بالسلاح لمخالفة ذلك لقاعدة الاقبال على الصلاة والاشتغال بها، وأطلق جماعة ~~من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة، واستبعد ذلك ابن العربي وقال: المراد ~~بالمقاتلة المدافعة، وأغرب الباجي فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة ~~اللعن أو التعنيف، وتعقبه الحافظ بأنه يستلزم التكلم في الصلاة وهو مبطل ~~بخلاف الفعل اليسير، وقد روى الإسماعيلي بلفظ: فإن أبى فليجعل يده في صدره ~~وليدفعه وهو صريح في الدفع باليد، وكذلك فعل أبو سعيد بالغلام الذي أراد أن ~~يجتاز بين يديه، فإنه دفعه في صدره ثم عاد فدفعه أشد من الأولى كما في ~~البخاري وغيره. ونقل البيهقي عن الشافعي أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من ~~الدفع الأول. قال القاضي عياض: فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه باتفاق ~~العلماء، وهل تجب دية أم يكون هدرا؟ مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب ~~مالك، وحكى القاضي عياض وابن بطال الاجماع على أنه لا يجوز له المشي من ~~مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشد في الصلاة من ~~المرور. # قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده ~~لأن فيه إعادة للمرور. قال وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ~~ذلك. قال النووي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، وتعقبه ~~الحافظ بأنه قد صرح بوجوبه أهل الظاهر اه. وظاهر الحديث معهم. قوله: فإن ~~معه القرين في القاموس: القرين المقارن والصاحب، والشيطان المقرون بالانسان ~~لا يفارقه وهو المراد هنا. قوله: فإنما هو شيطان قال الحافظ: # إطلاق الشيطان على المار من الإنس شائع ذائع، وقد جاء في القرآن قوله ~~تعالى: * (شياطين الإنس والجن) * (الانعام: 112) وسبب إطلاقه ms0968 عليه أنه فعل ~~فعل الشيطان. وقيل معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان. ~~وقال ابن بطال في هذا الحديث: جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في ~~الدين. قال الحافظ: وهو مبني على أن لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الإنسي ~~ومجازا على الجني وفيه بحث. وقيل: المراد بالشيطان القرين كما في الحديث ~~الأول. وقد استنبط ابن أبي جمرة. من قوله: فإنما هو شيطان أن المراد ~~بالمقاتلة المدافعة اللطيفة لا حقيقة القتال، لأن مقابلة الشيطان إنما هي ~~بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها، قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في ~~صلاة المصلي من المرور أو لدفع الاثم عن PageV03P007 # المار؟ الظاهر الثاني اه. قال الحافظ: وقال غيره بل الأول أظهر، لأن ~~إقبال المصلي على صلاته أولى من اشتغاله بدفع الاثم عن غيره. وقد روى ابن ~~أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته. وروى أبو ~~نعيم عن عمر لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا ~~إلى شئ يستره من الناس. قال: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق ~~بصلاة المصلي ولا يختص بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظا فحكمهما حكم ~~الرفع لأن مثلهما يقال بالرأي اه. # وعن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم عبد ~~الله بن الحرث بن الصمة الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من ~~أن يمر بين يديه قال أبو النضر: لا أدري قال أربعين يوما أو شهرا أو سنة ~~رواه الجماعة. # قوله: ماذا عليه في رواية للبخاري من الاثم تفرد بها الكشميهني. قال ~~الحافظ: # ولم أرها في شئ من الروايات مطلقا، قال: فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل ~~البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلا، وقد أنكر ابن الصلاح في مشكل الوسيط ~~على من أثبتها. قوله: # لكان أن يقف أربعين يعني لو علم المار ms0969 مقدار الاثم الذي يلحقه من مروره ~~بين يدي المصلي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الاثم، ~~فجواب لو قوله لكان أن يقف. وقال الكرماني: جواب لو ليس هو المذكور، بل ~~التقدير لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرا له. قال ~~الحافظ: وليس ما قاله متعينا. قوله: أربعين ذكر الكرماني لتخصيص الأربعين ~~بالذكر حكمتين: إحداهما كون الأربعة أصل جميع الاعداد، فلما أريد التكثير ~~ضربت في عشرة. ثانيهما: كون كمال أطوار الانسان بأربعين كالنطفة والمضغة ~~والعلقة، وكذا بلوغ الأشد. قال الحافظ: ويحتمل غير ذلك. وفي سنن ابن ماجة ~~وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة: لكان أن يقف مائة عام خيرا له من ~~الخطوة التي خطاها وهذا مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الامر ~~لا لخصوص عدد معين. وفي مسند البزار لكان أن يقف أربعين خريفا. قوله: خيرا ~~له روي بالنصب على أنه خبر كان، وبالرفع على أنه اسم كان وهي رواية ~~الترمذي. قال في الفتح: ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها. ~~قوله: قال أبو النضر إلى آخره فيه إبهام ما على المار من الاثم زجرا له. ~~(والحديث) يدل على أن المرور بين يدي المصلي من PageV03P008 # الكبائر الموجبة للنار، وظاهره عدم الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة. # وعن المطلب بن أبي وداعة أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي مما ~~يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة رواه أحمد وأبو ~~داود، ورواه ابن ماجة والنسائي ولفظهما: رأيت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن فصلى ركعتين في حاشية المطاف ~~وليس بينه وبين الطواف أحد. # الحديث من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهله عن ~~جده، ففي إسناده مجهول، والمطلب وأبوه لهما صحبة وهما من مسلمة الفتح. ~~قوله: والناس يمرون بين يديه فيه دليل على أن مرور المار بين يدي المصلي مع ~~عدم اتخاذ السترة ms0970 لا يبطل صلاته. قوله: وليس بينهما سترة قال سفيان: يعني ~~ليس بينه وبين الكعبة سترة. (وفيه دليل) على عدم وجوب السترة، ولكن قد عرفت ~~أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض القول الخاص بنا. قوله: من سبعه ~~بضم السين المهملة وسكون الباء بعدها عين مهملة أي مر أشواطه السبعة. قوله: ~~في حاشية المطاف أي جانبه. # باب من صلى وبين يديه إنسان أو بهيمة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة ~~اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت رواه الجماعة إلا ~~الترمذي. # قوله: صلاته من الليل أي صلاة التطوع. قوله: وأنا معترضة بينه وبين ~~القبلة زاد أبو داود: راقدة وفيه دلالة على جواز الصلاة إلى النائم من غير ~~كراهة. وقد ذهب مجاهد وطاوس ومالك والهادوية إلى كراهة الصلاة إلى النائم ~~خشية ما يبدو منه مما يلهي المصلي عن صلاته، واستدلوا بحديث ابن عباس عند ~~أبي داود وابن ماجة بلفظ: # لا تصلوا خلف النائم والمتحدث وقال أبو داود: طرقه كلها واهية، وقال ~~النووي: هو ضعيف باتفاق الحفاظ. (وفي الباب) عن أبي هريرة عند الطبراني وعن ~~ابن عمر عند ابن عدي وهما واهيان. قوله: فإذا أراد أن يوتر فيه مشروعية جعل ~~الوتر آخر صلاة الليل، وسيأتي الكلام عليه. قوله: فأوترت فيه دليل على ما ~~قاله النووي في شرح المهذب أن من لم PageV03P009 # يكن له تهجد ووثق باستيقاظه آخر الليل فيستحب له تأخير الوتر ليفعله آخر ~~الليل، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث عن ذلك. (وفي الحديث) دليل على أن ~~المرأة لا تقطع الصلاة، وسيأتي أيضا الكلام فيه. قال المصنف بعد أن ساقه: ~~وهو حجة في جواز الصلاة إلى النائم اه. # وعن ميمونة أنها كانت تكون حائضا لا تصلي وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي على خمرته إذا سجد أصابني بعض ثوبه ~~متفق عليه. # وفي رواية للبخاري: حيال مصلى النبي (ص). ms0971 وفي أخرى له: وأنا إلى جنبه ~~نائمة ومعنى الروايات واحد. قوله: وهي مفترشة في رواية للبخاري: وأنا على ~~فراشي. # قوله: على خمرته هي السجادة، وقد تقدم ضبطها وتفسيرها. قوله: أصابني بعض ~~ثوبه وفي رواية للبخاري: أصابني ثوبه. وفي أخرى له: وأصابني ثيابه. وفي ~~أخرى له: فربما وقع ثوبه. وفي أخرى له أيضا: فربما وقع ثيابه. (الحديث) يدل ~~على أنه لا كراهة إذا أصاب ثوب المصلي امرأته الحائض، وقد تقدم الكلام في ~~ذلك، وساقه المصنف هنا للاستدلال به على صحة صلاة من صلى وبين يديه إنسان، ~~ولا دلالة في الحديث على ذلك، لأن غاية ما فيه أنها كانت بحذاء مسجده صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وهو لا يستلزم أن تكون بين يديه، وقد استدل به على أن ~~المرأة لا تقطع الصلاة. قال ابن بطال: هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التي ~~فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته تدل على جواز القعود لا على جواز ~~المرور. # وعن الفضل بن عباس قال: زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عباسا في ~~بادية لنا ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~العصر وهما بين يديه، فلم يؤخرا ولم يزجرا رواه أحمد والنسائي. ولأبي داود ~~معناه. # الحديث في إسناده عند أبي داود والنسائي محمد بن عمر بن علي، والعباس بن ~~عبيد الله بن العباس وهما صدوقان. وقال المنذري: ذكر بعضهم أن في إسناده ~~مقالا. قوله: # زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخ فيه مشروعية زيارة الفاضل ~~للمفضول. قوله: # في بادية لنا البادية البدو وهو خلاف الحضر. قوله: كلبة بلفظ التصغير ~~ورواية أبي داود: كلبة بالتكبير. قوله: وحمارة قال في المفاتيح: التاء في ~~حمارة، وكلبة للافراد. كما يقال: تمر وتمرة، ويجوز أن تكون للتأنيث. قال ~~الجوهري: وربما قالوا حمارة والأكثر أن يقال للأنثى أتان (الحديث) استد به ~~على أن الكلب والحمار لا يقطعان PageV03P010 # الصلاة. وقد اختلف في ذلك، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا، ~~وليس في هذا الحديث ذكر ms0972 نعت الكلب بكونه أسود، ولا ذكر أنهما مرا بين يديه، ~~وكونهما بين يديه لا يستلزم المرور الذي هو محل النزاع. # باب ما يقطع الصلاة بمروره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار رواه أحمد وابن ماجة ومسلم ~~وزاد: وبقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل. وعن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار رواه أحمد ~~وابن ماجة. وعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره، إذا كان بين يديه مثل ~~آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة ~~والحمار والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب ~~الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان رواه الجماعة إلا البخاري. # حديث عبد الله بن مغفل رواه ابن ماجة من طريق جميل بن الحسن وفيه ضعف ~~وبقية رجاله ثقات. وفي الباب عن الحكم الغفاري عند الطبراني في المعجم ~~الكبير بلفظ حديث عبد الله بن مغفل. وعن أنس عند البزار بلفظ: يقطع الصلاة ~~الكلب والحمار والمرأة قال العراقي: ورجاله ثقات. وعن أبي سعيد أشار إليه ~~الترمذي. وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة بلفظ: ويقطع الصلاة الكلب ~~الأسود والمرأة الحائض ولم يقل أبو داود الأسود. وقد روي موقوفا على ابن ~~عباس. وعن ابن عباس حديث آخر مرفوع عند أبي داود وزاد فيه الخنزير واليهودي ~~والمجوسي. وقد صرح أبو داود أن ذكر الخنزير والمجوسي فيه نكارة، قال: ولم ~~أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل، وأحسبه وهم لأنه كان يحدثنا من ~~حفظه اه. وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد قال: بينما نحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ببعض أعلى الوادي يريد ms0973 أن يصلي، قد قام وقمنا إذ خرج ~~علينا حمار من شعب، فأمسك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكبر وأجرى ~~إليه يعقوب بن زمعة حتى رده. قال العراقي: وإسناده صحيح. # وعن عائشة عند أحمد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~يقطع صلاة المسلم شئ إلا PageV03P011 # الحمار والكافر والكلب والمرأة لقد قرنا بدواب سوء. قال العراقي: ورجاله ~~ثقات. # (وأحاديث) الباب تدل على أن الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة، والمراد ~~بقطع الصلاة إبطالها، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة ~~وأنس وابن عباس في رواية عنه، وحكى أيضا عن أبي ذر وابن عمر، وجاء عن ابن ~~عمر أنه قال به في الكلب، وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار. وممن ~~قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة الحسن البصري وأبو الأحوص صاحب ابن ~~مسعود. ومن الأئمة أحمد بن حنبل فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري، وحكى ~~الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود، ويتوقف في الحمار والمرأة، قال ابن ~~دقيق العيد: وهو أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه ~~لا يقطع المرأة والحمار، وذهب أهل الظاهر أيضا إلى قطع الصلاة بالثلاثة ~~المذكورة، إذا كان الكلب والحمار بين يديه، سواء كان الكلب والحمار مارا أم ~~غير مار، وصغيرا أم كبيرا، حيا أم ميتا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة أم ~~غير مارة، صغيرة أم كبيرة، إلا أن تكون مضطجعة معترضة. وذهب إلى أنه يقطع ~~الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، واستدلا ~~بالحديث السابق عند أبي داود وابن ماجة بلفظ: يقطع الصلاة الكلب الأسود ~~والمرأة الحائض ولا عذر لمن يقول بحمل المطلق على المقيد من ذلك وهم ~~الجمهور. وأما من يعمل بالمطلق وهم الحنفية وأهل الظاهر فلا يلزمهم ذلك. ~~وقال ابن العربي: أنه لا حجة لمن قيد بالحائض، لأن الحديث ضعيف، قال: وليست ~~حيضة المرأة في يدها ولا بطنها ولا رجلها، قال العراقي: إن أراد بضعفه ضعف ms0974 ~~رواته فليس كذلك فإن جميعهم ثقات، وإن أراد به كون الأكثرين وقفوه على ابن ~~عباس فقد رفعه شعبة، ورفع الثقة مقدم على وقف من وقفه، وإن كانوا أكثر على ~~القول الصحيح في الأصول وعلوم الحديث انتهى. وروي عن عائشة أنها ذهبت إلى ~~أنه يقطعها الكلب والحمار والسنور دون المرأة، ولعل دليلها على ذلك ما روته ~~من اعتراضها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم. وقد عرفت أن ~~الاعتراض غير المرور، وقد تقدم عنها أنها روت عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن المرأة تقطع الصلاة فهي محجوجة بما روت. ويمكن الاستدلال بحديث أم ~~سلمة الآتي وسيأتي ما عليه. وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنه يقطعها الكلب ~~الأسود فقط، وحكاه ابن المنذر عن عائشة، ودليل هذا القول إن حديث ابن عباس ~~الآت أخرج الحمار، وحديث أم سلمة الآتي أيضا. وكذلك حديث عائشة المتقدم ~~أخرج المرأة، والتقييد PageV03P012 # بالأسود أخرج ما عداه من الكلاب، وحديث أن الخنزير والمجوسي واليهودي ~~يقطع لا تقوم بمثله حجة كما تقدم. وفيه أن حديث عائشة المتقدم مشتمل على ~~ذكر الكافر ورجال إسناده ثقات كما عرفت. وذهب مالك والشافعي وحكاه النووي ~~عن جمهور العلماء من السلف والخلف، ورواه المهدي في البحر عن العترة أنه لا ~~يبطل الصلاة مرور شئ. # قال النووي: وتأول هؤلاء هذا الحديث، على أن المراد بالقطع نقص الصلاة ~~لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، ومنهم من يدعي النسخ ~~بالحديث الآخر: لا يقطع الصلاة شئ وادرأوا ما استطعتم قال: وهذا غير مرضي، ~~لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وتأويلها وعلمنا ~~التاريخ، وليس هنا تاريخ ولا تعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرنا، ~~مع أن حديث: لا يقطع صلاة المرء شئ ضعيف انتهى. # وروي القول بالنسخ عن الطحاوي وابن عبد البر، واستدلا على تأخر تاريخ ~~حديث ابن عباس الآتي بأنه كان في حجة الوداع وهي في سنة عشر، وفي آخر حياة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ms0975 وعلى تأخر حديث عائشة وحديث ميمونة ~~المتقدمين. وحديث أم سلمة الآتي بأن ما حكاه زوجاته عنه يعلم تأخره لكونه ~~صلاته بالليل عندهن، ولم يزل على ذلك حتى مات خصوصا مع عائشة، مع تكرر ~~قيامه في كل ليلة، فلو حدث شئ مما يخالف ذلك لعلمن به، وعلى تسليم صحة هذا ~~الاستدلال على التأخر لا يتم به المطلوب من النسخ، أما أولا فقد عرفت أن ~~حديث عائشة وميمونة خارجان عن محل النزاع، وحديث أم سلمة أخص من المتنازع ~~فيه، لأن الذي فيه مرور الصغيرة بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم. وحديث ~~ابن عباس ليس فيه إلا مرور الأتان فهو أخص من الدعوى. وأما ثانيا فالخاص ~~بهذه الأمور لا يصلح لنسخ ما اشتمل على زيادة عليها لما تقرر من وجوب بناء ~~العام على الخاص مطلقا. وأما ثالثا فقد أمكن الجمع بما تقدم. وأما رابعا ~~فيمكن الجمع أيضا بأن يحمل حديث عائشة وميمونة وأم سلمة على صلاة النفل، ~~وهو يغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض، على أنه لم ينقل أنه اجتزأ بتلك ~~الصلاة، أو يحمل على أن ذلك وقع في غير حالة الحيض، والحكم بقطع المرأة ~~للصلاة إنما هو إذا كانت حائضا كما تقدم. وأيضا قد عرفت أن وقوع ثوبه صلى ~~الله عليه وآله وسلم على ميمونة لا يستلزم أنها بين يديه فضلا عن أن يستلزم ~~المرور، وكذلك اعتراض عائشة لا يستلزم المرور، ويحمل حديث ابن عباس على أن ~~صلاته صلى الله عليه وآله وسلم كانت إلى سترة مع وجود السترة لا يضر مرور ~~شئ من PageV03P013 # الأشياء المتقدمة، كما يدل على ذلك قوله في حديث أبي هريرة: وبقي من ذلك ~~مثل مؤخرة الرحل وقوله في حديث أبي ذر: فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل ~~آخرة الرحل ولا يلزم نفي الجدار، كما سيأتي في حديث ابن عباس نفي سترة أخرى ~~من حربة أو غيرها كما ذكره العراقي. ويدل على هذا أن البخاري بوب على هذا ~~الحديث باب سترة الامام سترة لمن خلفه، ms0976 فاقتضى ذلك أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يصلي إلى سترة، لا يقال: قد ثبت في بعض طرقه عند البزار بإسناد ~~صحيح بلفظ: ليس شئ بسترة تحول بيننا وبينه لأنا نقول: لم ينف السترة مطلقا، ~~إنما نفى السترة التي تحول بينهم وبينه كالجدار المرتفع الذي يمنع الرؤية ~~بينهما، وقد صرح بمثل هذا العراقي ولو سلم أن هذا يدل على نفي السترة مطلقا ~~لأمكن الجمع بوجه آخر، ذكره ابن دقيق العيد وهو أن قول ابن عباس كما سيأتي، ~~ولم ينكر ذلك على أحد ولم يقل، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذلك، يدل على أن المرور كان بين يدي بعض الصف، ولا يلزم من ذلك اطلاع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، لجواز أن يكون الصف ممتدا ولا يطلع عليه. (لا ~~يقال) إن قوله أحد يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا معنى ~~للاستدلال بعدم الانكار من غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع حضرته، ~~ولو سلم اطلاعه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك كما ورد في بعض روايات ~~الصحيح بلفظ: فلم ينكر ذلك على بالبناء للمجهول، لم يكن ذلك دليلا على ~~الجواز، لأن ترك الانكار إنما كان لأجل أن الامام سترة للمؤتمين كما تقدم، ~~وسيأتي ولا قطع مع السترة لما عرفت، ولو سلم صحة الاستدلال بهذا الحديث على ~~الجواز وخلوصه من شوائب هذه الاحتمالات لكان غايته أن الحمار لا يقطع ~~الصلاة ويبقى ما عداه. (وأما الاستدلال) بحديث لا يقطع الصلاة شئ فستعرف ~~عدم انتهاضه للاحتجاج، ولو سلم انتهاضه فهو عام مخصص بهذه الأحاديث، أما ~~عند من يقول: إنه يبنى العام على الخاص مطلقا فظاهر، وعند من يقول: إن ~~العام المتأخر ناسخ فلا تأخر لعدم العلم بالتاريخ، ومع عدم العلم يبنى ~~العام على الخاص عند الجمهور. وقد ادعى أبو الحسين الاجماع على ذلك. وأما ~~على القول بالتعارض بين العام والخاص مع جهل التاريخ كما هو مذهب جمهور ~~الزيدية والحنفية والقاضي عبد الجبار والباقلاني فلا ms0977 شك أن الأحاديث الخاصة ~~فيما نحن بصدده أرجح من هذا الحديث العام، إذا تقرر لك ما أسلفنا عرفت أن ~~الكلب الأسود والمرأة الحائض يقطعان الصلاة، ولم يعارض الأدلة القاضية بذلك ~~معارض إلا ذلك العموم على المذهب الثاني، وقد عرفت أنه مرجوح. وكذلك يقطع ~~PageV03P014 # الصلاة الخنزير والمجوسي واليهودي إن صح الحديث الوارد بذلك، وقد تقدم ما ~~يؤيده، ويبقى النزاع في الحمار وقد أسلفنا في ذلك ما فيه كفاية. وأما ~~المرأة غير الحائض والكلب الذي ليس بأسود فقد عرفت الكلام فيهما انتهى. # وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي في حجرتها فمر ~~بين يديه عبد الله أو عمر فقال بيده هكذا فرجع، فمرت ابنة أم سلمة فقال ~~بيده هكذا فمضت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: هن أغلب ~~رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث في إسناده مجهول وهو قيس المدني والد محمد بن قيس القاص وبقية ~~رجاله ثقات. قوله: عبد الله أو عمر يعني ابني أبي سلمة. قوله: ابنة أم سلمة ~~تعني زينب بنت أبي سلمة. قوله: هن أغلب أي لا ينتهين لجهلهن. (والحديث) يدل ~~على أن مرور الجارية لا يقطع الصلاة، والاستدلال به على ذلك لا يتم إلا بعد ~~تسليم أنه لم يكن له صلى الله عليه وآله وسلم سترة عند مرورها، وأنه اعتد ~~بتلك الصلاة، وقد عرفت بقية الكلام على ذلك في شرح الأحاديث التي قبله. # وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقطع ~~الصلاة شئ وادرأوا ما استطعتم فإنما هو شيطان رواه أبو داود. # الحديث في إسناده مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، وقد تكلم فيه ~~غير واحد، وأخرج له مسلم حديثا مقرونا بجماعة من أصحاب الشعبي. (وفي الباب) ~~عن ابن عمر عند الدارقطني بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر ~~وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شئ وادرأ ما استطعت وفيه إبراهيم بن يزيد ~~الخوزي وهو ضعيف. قال العراقي: والصحيح ms0978 عن ابن عمر ما رواه مالك في الموطأ ~~من قوله أنه كان يقول: لا يقطع الصلاة شئ مما يمر بين يدي المصلي. وأخرج ~~الدارقطني عنه بإسناد صحيح أنه قال: لا يقطع صلاة المسلم شئ. وفي الباب ~~أيضا عن أنس عند الدارقطني بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى ~~بالناس فمر بين أيديهم حمار فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله سبحان ~~الله، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من المسبح آنفا؟ ~~قال: أنا يا رسول الله إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال: لا يقطع ~~الصلاة شئ وإسناده ضعيف كما قال الحافظ في الفتح وعن جابر عند الطبراني في ~~الأوسط بلفظ: قال PageV03P015 # صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقطع الصلاة شئ وادرأوا ما استطعتم. وفي ~~إسناده يحيى بن ميمون التمار وهو ضعيف. وعن أبي إمامة عند الطبراني في ~~الكبير والدارقطني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقطع ~~الصلاة شئ، وفي إسناده عفير بن معدان وهو ضعيف: وعن أبي هريرة عند ~~الدارقطني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقطع صلاة المرء ~~امرأة ولا كلب ولا حمار وادرأ ما استطعت وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن ~~إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبو ~~هريرة، فإن صح كان صالحا للاستدلال به على النسخ إن صح تأخر تاريخه. وأما ~~بقية أحاديث الباب فلا تصلح لذلك لأنها على ما فيها من الضعف عمومات مجهولة ~~التاريخ، وقد قدمنا كيفية العمل فيها على ما يقتضيه الأصول. وقد أخرج سعيد ~~بن منصور عن علي عليه السلام وعثمان وغيرهما من أقوالهم نحو أحاديث الباب ~~بأسانيد صحيحة. # وعن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت ~~بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في ms0979 الصف فلم ينكر ذلك علي ~~أحد رواه الجماعة. # قوله: على أتان الأتان بهمزة مفتوحة وتاء مثناة من فوق الأنثى من الحمير ~~ولا يقال أتانة. والحمار يطلق على الذكر والأنثى كالفرس. وفي بعض طرق ~~البخاري على حمار أتان. قوله: ناهزت الاحتلام أي قاربته من قولهم: نهز أي ~~نهض، يقال: # ناهز الصبي البلوغ أي داناه. وقد أخرج البزار بإسناد صحيح أن هذه القصة ~~كانت في حجة الوداع كما تقدم، ففيه دليل على أن ابن عباس كان في حجة الوداع ~~دون البلوغ، قال العراقي: وقد اختلف في سنه حين توفي النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقيل: ثلاث عشرة، ويدل له قولهم: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة ~~بثلاث سنين. وقيل: كان عمره عشر سنين وهو ضعيف، وقيل: خمس عشرة، قال أحمد: ~~إنه الصواب انتهى. وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس مثل من ~~أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: # أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. قوله: بين يدي بعض ~~الصف زاد البخاري في الحج: حتى سرت بين يدي بعض الصف. قوله: فلم ينكر ذلك ~~علي أحد قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عباس بترك الانكار على الجواز، ولم ~~يستدل بترك إعادتهم PageV03P016 # الصلاة، لأن ترك الانكار أكثر فائدة. قال الحافظ: وتوجيهه أن ترك الإعادة ~~يدل على صحتها فقط لا على جواز المرور، وترك الانكار يدل على جواز المرور ~~وصحة الصلاة معا. (والحديث) استدل به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، ~~وإنه ناسخ لحديث أبي ذر المتقدم ونحوه، لكون هذه القصة في حجة الوداع، وقد ~~تعقب بما قدمنا في شرح أحاديث أول الباب، وحكى الحافظ عن ابن عبد البر أنه ~~قال: حديث ابن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع ~~أحدا يمر بين يديه فإن ذلك مخصوص بالامام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره ~~من مر بين يديه لحديث ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه ms0980 بين ~~العلماء، وكذا نقل القاضي عياض الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، ~~لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الامام أو سترتهم الامام بنفسه انتهى. إذا تقرر ~~الاجماع على أن الامام أو سترته سترة للمؤتمين وتقرر بالأحاديث المتقدمة أن ~~الحمار ونحوه إنما يقطع مع عدم اتخاذ السترة، تبين بذلك عدم صلاحية حديث ~~ابن عباس للاحتجاج به، على أن الحمار لا يقطع الصلاة لعدم تناوله لمحل ~~النزاع وهو القطع مع عدم السترة، ولو سلم تناوله لكان المتعين الجمع بما ~~تقدم. # أبواب صلاة التطوع باب سنن الصلاة الراتبة المؤكدة عن عبد الله بن عمر ~~قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين ~~بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة، ~~كانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها، فحدثتني حفصة ~~أنه كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين متفق عليه. # وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالت: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ~~ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين رواه الترمذي وصححه. وأخرجه ~~أحمد ومسلم وأبو داود بمعناه، لكن ذكروا فيه قبل الظهر أربعا. PageV03P017 # قوله: حفظت في لفظ للبخاري: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قوله: ركعتين في رواية للبخاري: سجدتين مكان ركعتين في جميع أطراف ~~الحديث، والمراد بهما الركعتان، وقد ساقه البخاري في باب الركعتين قبل ~~الظهر بنحو اللفظ الذي ذكره المصنف هنا. قوله: ركعتين قبل الظهر في الحديث ~~الآخر أربع قبل الظهر. # قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر أن قبل صلاة الظهر ركعتين، وفي حديث ~~عائشة أربعا، وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى، قال: ويحتمل أن ~~ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع. قال الحافظ: وهذا الاحتمال بعيد، والأولى ~~أن يحمل على حالين، فكان تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعا. وقيل: هو محمول ~~على أنه كان في ms0981 المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعا، ويحتمل أنه ~~كان يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ~~ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الامرين. ويقوي ~~الأول ما رواه أحمد وأبو داود من حديث عائشة أنه كان يصلي في بيته قبل ~~الظهر أربعا ثم يخرج. قال أبو جعفر الطبري: # الأربع كانت في كثير من أحواله والركعتان في قليلها. قوله: وركعتين بعد ~~المغرب زاد البخاري: في بيته. وفي لفظ له: فأما المغرب والعشاء ففي بيته ~~وقد استدل بذلك على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد، ~~بخلاف رواتب النهار، وحكى ذلك عن مالك والثوري. قال الحافظ: وفي الاستدلال ~~به لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان صلى الله عليه وآله ~~وسلم يتشاغل بالناس في النهار غالبا وبالليل يكون في بيته غالبا. وروي عن ~~ابن أبي ليلى أنها لا تجزئ صلاة سنة المغرب في المسجد، واستدل بحديث محمود ~~بن لبيد مرفوعا: أن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت وحكى ذلك لأحمد ~~فاستحسنه. قوله: وركعتين بعد العشاء زاد البخاري: في بيته وقد تقدم الكلام ~~في ذلك. قوله: وركعتين قبل الغداة إلى آخره فيه أنه إنما أخذ عن حفصة وقت ~~إيقاع الركعتين لا أصل المشروعية، كذا قال الحافظ. (والحديثان) يدلان على ~~مشروعية ما اشتملا عليه من النوافل وأنها مؤقتة، واستحباب المواظبة عليها، ~~وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقد روي عن مالك ما يخالف ذلك. وذهب الجمهور أيضا ~~إلى أنه لا وجوب لشئ من رواتب الفرائض، وروي عن الحسن البصري القول بوجوب ~~ركعتي الفجر. PageV03P018 # وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة سجدة سوى المكتوبة بني له بيت في الجنة ~~رواه الجماعة إلا البخاري. ولفظ الترمذي: من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ~~ركعة بني له بيت في الجنة، أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين ms0982 بعد ~~المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر وللنسائي حديث أم ~~حبيبة كالترمذي لكن قال: # وركعتين قبل العصر ولم يذكر ركعتين بعد العشاء. # الحديث، قال الترمذي بعد أن ساقه بهذا التفسير: حسن صحيح، وقد فسره أيضا ~~ابن حبان، وقد ساقه بهذا التفسير الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ~~عائشة. وفي الباب عن أبي هريرة عند النسائي وابن ماجة بلفظ: قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة بنى الله له ~~بيتا في الجنة ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، ~~وركعتين أظنه قال قبل العصر، وركعتين بعد المغرب أظنه قال وركعتين بعد ~~العشاء الآخرة. وفي إسناده محمد بن سليمان الأصبهاني وهو ضعيف. وعن أبي ~~موسى عند أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحو حديث أم حبيبة بدون ~~التفسير. (وأحاديث الباب) تدل على تأكيد صلاة هذه الاثنتي عشرة ركعة، وهي ~~من السنن التابعة للفرائض. وقد اختلف في حديث أم حبيبة كما ذكر المصنف، ~~فالترمذي أثبت ركعتين بعد العشاء، ولم يثبت ركعتين قبل العصر، والنسائي عكس ~~ذلك، وحديث عائشة فيه إثبات الركعتين بعد العشاء دون الركعتين قبل العصر. # وحديث أبي هريرة فيه إثبات ركعتين قبل العصر وركعتين بعد العشاء، ولكنه ~~لم يثبت قبل الظهر إلا ركعتين، والمتعين المصير إلى مشروعية جميع ما اشتملت ~~عليه هذه الأحاديث وهو وإن كان أربع عشرة ركعة. (والأحاديث) مصرحة بأن ~~الثواب يحصل باثنتي عشرة ركعة، لكنه لا يعلم الاتيان بالعدد الذي نص عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الأوقات التي جاء التفسير بها إلا بفعل أربع ~~عشرة ركعة لما ذكرنا من الاختلاف. # باب فضل الأربع قبل الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد العشاء عن أم حبيبة ~~قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من PageV03P019 # صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها حرمه الله على النار رواه الخمسة ~~وصححه الترمذي. # الحديث من رواية مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وقد قال أبو ~~زرعة، ms0983 وهشام بن عمار، وأبو عبد الرحمن النسائي: أن مكحولا لم يسمع من عنبسة ~~بن أبي سفيان، كذا قال المنذري. وقد أعله ابن القطان وأنكره أبو الوليد ~~الطيالسي، وأما الترمذي فصححه كما قال المصنف، لكن من طريق أبي عبد الرحمن ~~القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة. قال المنذري: والقاسم هذا اختلف فيه، ~~فمنهم من يضعف روايته، ومنهم من يوثقه انتهى. وقد روي عن ابن حبان أنه ~~صححه، ورواه الترمذي أيضا عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن عنبسة بن أبي ~~سفيان، عن أم حبيبة وقال: حسن غريب. وهذه متابعة لمكحول والشعيثي المذكور ~~وثقه دحيم والمفضل بن غسان العلائي والنسائي وابن حبان. # قوله: حرمه الله على النار في رواية: لم تمسه النار. وفي رواية: حرم على ~~النار وفي أخرى: # حرم الله لحمه على النار وقد اختلف في معنى ذلك هل المراد أنه لا يدخل ~~النار أصلا: أو أنه وإن قدر عليه دخولها لا تأكله النار، أو إنه يحرم على ~~النار أن تستوعب أجزاءه وإن مست بعضه كما في بعض طرق الحديث عند النسائي ~~بلفظ: فتمس وجهه النار أبدا وهو موافق لقوله في الحديث الصحيح: وحرم على ~~النار أن تأكل مواضع السجود فيكون قد أطلق الكل وأريد البعض مجازا، والحمل ~~على الحقيقة أولى، وأن الله تعالى يحرم جميعه على النار، وفضل الله تعالى ~~أوسع ورحمته أعم. (والحديث) يدل على تأكد استحباب أربع ركعات قبل الظهر ~~وأربع بعده، وكفي بهذا الترغيب باعثا على ذلك. وظاهر. قوله: من صلى أن ~~التحريم على النار يحصل بمرة واحدة، ولكنه قال أخرجه الترمذي وأبو داود ~~وغيرهما بلفظ: من حافظ فلا يحرم على النار إلا المحافظ. # وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: رحم الله امرأ صلى ~~قبل العصر أربعا رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # الحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وابن خزيمة، وفي إسناده محمد بن ~~مهران وفيه مقال، ولكنه قد وثقه ابن حبان وابن عدي. (وفي الباب) عن علي رضي ~~الله عنه ms0984 عند أهل السنن بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي قبل ~~العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم وزاد الترمذي والنسائي وابن ماجة: ~~على الملائكة المقربين PageV03P020 # ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين وله حديث آخر بمعناه عند الطبراني في ~~الأوسط. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني في الكبير والأوسط مرفوعا ~~بلفظ: من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار وعن أبي هريرة عند أبي ~~نعيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى أربع ركعات قبل ~~العصر غفر الله له. وهو من رواية الحسن عن أبي هريرة ولم يسمع منه. وعن أم ~~حبيبة عند أبي يعلى بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من حافظ ~~على أربع ركعات قبل العصر بنى الله له بيتا في الجنة وفي إسناده محمد بن ~~سعيد المؤذن، قال العراقي: لا أدري من هو. وعن أم سلمة عند الطبراني في ~~الكبير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من صلى أربع ركعات قبل العصر ~~حرم الله بدنه على النار والأحاديث المذكورة تدل على استحباب أربع ركعات ~~قبل العصر، والدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلم بالرحمة لمن فعل ذلك، ~~والتصريح بتحريم بدنه على النار مما يتنافس فيه المتنافسون. # وعن عائشة قالت: ما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء قط فدخل ~~علي، إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات رواه أحمد وأبو داود. # الحديث رجال إسناده ثقات، ومقاتل بن بشير العجلي قد وثقه ابن حبان، وقد ~~أخرجه أيضا النسائي، وقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي من حديث ابن عباس ~~قال: بت في بيت خالتي ميمونة الحديث. وفيه: فصلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم العشاء ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات وروى محمد بن نصر في قيام ~~الليل والطبراني في الكبير من حديث ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: من صلى أربع ركعات خلف العشاء الآخرة قرأ في ms0985 الركعتين ~~الأولتين: * (قل يا أيها الكافرون) * (الكافرون: 1) و * (قل هو الله أحد) * ~~(الاخلاص: 1) وفي الركعتين الآخرتين: * (تنزيل السجدة) * و * (تبارك الذي ~~بيده الملك) * (الملك: 1) كتبن له كأربع ركعات من ليلة القدر وفي إسناده ~~أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي ضعفه الجمهور. وقال أبو حاتم: محله الصدق. ~~وقال البخاري: مقارب الحديث. وروى محمد بن نصر من حديث ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم صلى العشاء الآخرة، ثم صلى أربع ركعات حتى لم يبق ~~في المسجد غيري وغيره وفيه المنهال بن عمر وقد اختلف فيه. وروى الطبراني في ~~الكبير عن ابن عمر مرفوعا: من صلى العشاء الآخرة في جماعة وصلى أربع ركعات ~~قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر قال العراقي ولم يصح وأكثر ~~الأحاديث PageV03P021 # ان ذلك كان في البيت ولم يرد التقييد بالمسجد إلا في حديث ابن عباس، ~~وحديث ابن عمر المذكورين. فأما حديث ابن عمر فقد تقدم ما قال العراقي فيه. ~~وأما حديث ابن عباس ففي إسناده من تقدم. قال العراقي: وعلى تقدير ثبوته ~~فيكون قد وقع ذلك منه لبيان الجواز أو لضرورة له في المسجد اقتضت ذلك. ~~(والحديث) يدل على مشروعية صلاة أربع ركعات أو ست ركعات بعد صلاة العشاء، ~~وذلك من جملة صلاة الليل وسيأتي الكلام فيها. # وعن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من صلى قبل ~~الظهر أربعا كان كأنما تهجد من ليلته، ومن صلاهن بعد العشاء كان كمثلهن من ~~ليلة القدر رواه سعيد بن منصور في سننه. # الحديث أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط باللفظ الذي ذكره المصنف، وهو من ~~رواية ناهض بن سالم الباهلي قال: حدثنا عمار أبو هاشم عن الربيع بن لوط عن ~~عمه البراء ابن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعمار والربيع ~~ثقتان. وأما ناهض فقال العراقي: لم أر لهم فيه جرحا ولا تعديلا، ولم أجد له ~~ذكرا انتهى. وأخرج الطبراني عن البراء حديثا آخر وفي إسناده محمد بن عبد ~~الرحمن ms0986 بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ. # (وفي الباب) عن أنس عند الطبراني أيضا بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # أربع قبل الظهر كعدلهن بعد العشاء، وأربع بعد العشاء كعدلهن من ليلة ~~القدر وفي إسناده يحيى ابن عقبة وليس بثقة، قاله النسائي وغيره. وقال ابن ~~معين: ليس بشئ. (والحديث) يدل على مشروعية أربع قبل الظهر، وقد تقدم الكلام ~~فيها، وعلى مشروعية أربع بعد العشاء، وقد قدمنا ما في ذلك من الأحاديث. # باب تأكيد ركعتي الفجر وتخفيف قراءتهما والضجعة والكلام بعدهما وقضائهما ~~إذا فاتتا عن عائشة قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شئ من ~~النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر متفق عليه. وعنها عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها رواه أحمد ~~ومسلم والترمذي وصححه. PageV03P022 # وفي الباب عن علي عليه السلام عند ابن ماجة، وعن ابن عمر عند أحمد، وأبي ~~داود والطبراني غير حديثه الآتي، وعن ابن عباس عند ابن عدي في الكامل، وعن ~~بلال عند أبي داود. قوله: # الضجعة بكسر الضاد المعجمة الهيئة، وبفتحها المرة ذكر معنى ذلك في الفتح. ~~قوله: أشد تعاهدا في رواية ابن خزيمة: أشد معاهدة. ولمسلم: ما رأيته، إلى ~~شئ من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر زاد ابن خزيمة من هذا الوجه، ~~ولا إلى غنيمة. (والحديثان) يدلان على أفضلية ركعتي الفجر، وعلى استحباب ~~التعاهد لهما، وكراهة التفريط فيهما. وقد استدل بهما على أن ركعتي الفجر ~~أفضل من الوتر، وهو أحد قولي الشافعي، ووجه الدلالة أنه جعل ركعتي الفجر ~~خيرا من الدنيا وما فيها، وجعل الوتر خيرا من حمر النعم، وحمر النعم جزء ما ~~في الدنيا. وأصح القولين عن الشافعي أن الوتر أفضل. وقد استدل لذلك بما في ~~صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~أفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل وبالاختلاف في وجوبه كما ~~سيأتي، وقد وقع الاختلاف أيضا ms0987 في وجوب ركعتي الفجر، فذهب إلى الوجوب الحسن ~~البصري، حكى ذلك عنه ابن أبي شيبة في المصنف، وحكى صاحب البيان والرافعي ~~وجها لبعض الشافعية أو الوتر وركعتي الفجر سواء في الفضيلة. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تدعوا ~~ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المدني، ويقال فيه عباد بن إسحاق ~~أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري ووثقه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم ~~الرازي: لا يحتج به وهو حسن الحديث، وليس بثبت ولا قوي. وقال يحيى بن سعيد ~~القطان: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه، وقال بعضهم: إنما لم يحمدوه في ~~مذهبه، فإنه كان قدريا فنفوه من المدينة، فأما رواياته فلا بأس. وقال ~~البخاري: مقارب الحديث. وقال العراقي: إن هذا حديث صالح. # (والحديث) يقتضي وجوب ركعتي الفجر، لأن النهي عن تركهما حقيقة في ~~التحريم، وما كان تركه حراما كان فعله واجبا، ولا سيما مع تعقيب ذلك. ~~بقوله: ولو طردتكم الخيل فإن النهي عن الترك في مثل هذه الحالة الشديدة ~~التي يباح لأجلها كثير من الواجبات من الأدلة الدالة على ما ذهب إليه الحسن ~~من الوجوب، فلا بد للجمهور من قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي للنهي بعد ~~تسليم صلاحية الحديث للاحتجاج. وأما الاعتذار عنه بحديث: هل علي غيرها؟ ~~قال: لا، إلا أن تطوع فسيأتي الجواب عنه. PageV03P023 # وعن ابن عمر قال: رمقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهرا فكان يقرأ ~~في الركعتين قبل الفجر * (قل يا أيها الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) * ~~رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث أخرجه أيضا مسلم، وفي الباب عن ابن مسعود عند الترمذي، وعن أبي ~~هريرة عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة. وعن أنس عند البزار ورجال ~~إسناده ثقات. # وعن عائشة عند ابن ماجة. وعن عبد الله بن جعفر عند الطبراني في الأوسط. ~~وعن جابر عند ابن حبان في صحيحه. قوله: رمقت في رواية للنسائي: رمقت النبي ~~صلى ms0988 الله عليه وآله وسلم عشرين مرة. وفي رواية ابن أبي شيبة في المصنف: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من عشرين مرة. وفي رواية ابن عدي ~~في الكامل: رمقت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وعشرين صباحا. وجميع ~~هذه الروايا ت مشعرة بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر بقراءتهما. ~~(والحديث) يدل على استحباب قراءة سورتي الاخلاص في ركعتي الفجر. قال ~~العراقي: وممن روى عنه ذلك من الصحابة عبد الله بن مسعود، ومن التابعين ~~سعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وسويد بن غفلة، ~~وغنيم بن قيس، ومن الأئمة الشافعي، وقال مالك: أما أنا فلا أزيد على أم ~~القرآن في كل ركعة، وروى عن الأصم وابن علية أنه لا يقرأ فيهما أصلا، وهو ~~مخالف للأحاديث الصحيحة، واحتج بحديث عائشة الآتي، وسيأتي أنه مجرد شك ~~منها، فلا يصح الاحتجاج به. # (وفي الحديث) أيضا استحباب تخفيف ركعتي الفجر، وسيأتي ذكر الحكمة في ذلك. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخفف الركعتين اللتين ~~قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ متفق عليه. # وفي الباب عن أبو عباس عند الجماعة بلفظ: فصلى ركعتين خفيفتين وله حديث ~~آخر عند مسلم وأبي داوود النسائي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقرأ في ركعتي الفجر: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) * (البقرة: ~~136) والتي في آل عمران * (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) * (آل ~~عمران: 64) وفي رواية لمسلم: وفي الآخرة آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون. وعن ~~حفصة عند الجماعة إلا أبا داود بلفظ: ركع ركعتين خفيفتين وعن الفضل بن عباس ~~عند أبي داود بلفظ: # فصلى سجدتين خفيفتين. وعن أسامة بن عمر عند الطبراني بلفظ: فصلى ركعتين ~~خفيفتين. # (الحديث) وما ذكر في الباب معه يدل على مشروعية التخفيف، وقد ذهب إلى ذلك ~~الجمهور، وخالفت في ذلك الحنفية فذهبت إلى استحباب إطالة القراءة، وهو ~~مخالف لصرائح PageV03P024 # الأدلة، واستدلوا بالأحاديث الواردة في ms0989 الترغيب في تطويل الصلاة نحو قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل الصلاة طول القنوت. ونحو: إن طول صلاة الرجل ~~مئنة من فقهه وهو من ترجيح العام على الخاص، وبهذا الحديث تمسك مالك وقال ~~بالاقتصار على قراءة فاتحة الكتاب في هاتين الركعتين، وليس فيه إلا أن ~~عائشة شكت هل كان يقرأ بالفاتحة أم لا لشدة تخفيفه لهما، وهذا لا يصلح ~~التمسك به، لرد الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة من طرق متعددة كما تقدم. ~~وقد أخرج ابن ماجة عن عائشة نفسها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يصلي ركعتي الفجر فكان يقول: نعم السورتان هما يقرأ بهما في ركعتي ~~الفجر: * (قل يا أيها الكافرون) * (الكافرون: 1) و * (قل هو الله أحد) * ~~ولا ملازمة بين مطلق التخفيف والاقتصار على الفاتحة لأنه من الأمور ~~النسبية. (وقد اختلف) في الحكمة في التخفيف لهما فقيل ليبادر إلى صلاة ~~الفجر في أول الوقت وبه جزم القرطبي، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين ~~خفيفتين كما يصنع في صلاة الليل، ليدخل في الفرض أو ما يشابهه بنشاط ~~واستعداد تام، ذكره الحافظ في الفتح والعراقي في شرح الترمذي. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى أحدكم ~~الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي وصححه. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن وفي رواية: كان إذا صلى ركعتي ~~الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع متفق عليه. # الحديث الأول رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه أيضا ابن ماجة. والحديث ~~الثاني أخرجه الجماعة كلهم. (وفي الباب) عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند ~~أحمد والطبراني بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى ركعتي ~~الفجر اضطجع على شقه الأيمن وفي إسناده حي بن عبد الله المعافري وهو مختلف ~~فيه، وفي إسناد أحمد أيضا ابن لهيعة وفيه مقال مشهور. وعن ابن عباس عند ~~البيهقي ms0990 بنحو حديث عبد الله بن عمرو، وفيه انقطاع واختلاف على ابن عباس. ~~وعن أبي بكرة عند أبي داود بلفظ: قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله. أدخله ~~أبو داود والبيهقي في باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. (والأحاديث) المذكورة ~~تدل على مشروعية الاضطجاع بعد PageV03P025 # صلاة ركعتي الفجر إلى أن يؤذن بالصلاة، كما في صحيح البخاري من حديث ~~عائشة، وقد اختلف في حكم هذا الاضطجاع على ستة أقوال: الأول أنه مشروع على ~~سبيل الاستحباب، قال العراقي: فمن كان يفعل ذلك أو يفتي به من الصحابة أبو ~~موسى الأشعري ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة. واختلف فيه على ابن ~~عمر فروى عنه فعل ذلك، كما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، وروى عنه إنكاره ~~كما سيأتي. وممن قال به من التابعين ابن سيرين وعروة وبقية الفقهاء السبعة، ~~كما حكاه عبد الرحمن بن زيد في كتاب السبعة وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم ~~بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن ~~زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار. # قال ابن حزم: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عثمان بن غياث هو ~~ابن عثمان أنه حدثه قال: كان الرجل يجئ وعمر بن الخطاب يصلي بالناس فيصلي ~~ركعتين في مؤخر المسجد ويضع جنبه في الأرض ويدخل معه في الصلاة. وممن قال ~~باستحباب ذلك من الأئمة الشافعي وأصحابه. القول الثاني: أن الاضطجاع بعدهما ~~واجب مفترض لا بد من الاتيان به، وهو قول أبي محمد بن حزم، واستدل بحديث ~~أبي هريرة المذكور، وحمله الأولون على الاستحباب لقول عائشة: فإن كنت ~~مستيقظة حدثني وإلا اضطجع وظاهره أنه كان لا يضطجع مع استيقاظها، فكان ذلك ~~قرينة لصرف الامر إلى الندب، وفيه أن تركه صلى الله عليه وآله وسلم لما أمر ~~به أمرا خاصا بالأمة لا يعارض ذلك الامر الخاص، ولا ms0991 يصرفه عن حقيقته كما ~~تقرر في الأصول. القول الثالث: أن ذلك مكروه وبدعة، وممن قال به من الصحابة ~~ابن مسعود، وابن عمر على اختلاف عنه، فروى ابن أبي شيبة في المصنف من رواية ~~إبراهيم قال: قال ابن مسعود: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما ~~تتمعك الدابة أو الحمار إذا سلم فقد فصل. وروى ابن أبي شيبة أيضا من رواية ~~مجاهد قال: صحبت ابن عمر في السفر والحضر فما رأيته اضطجع بعد ركعتي الفجر. ~~وروى سعيد بن المسيب عنه أنه رأى رجلا يضطجع بعد الركعتين فقال: أحصبوه. ~~وروى أبو مجلز عنه أنه قال: إن ذلك من تلعب الشيطان. وفي رواية زيد العمي ~~عن أبي الصديق الناجي عنه أنه قال: إنها بدعة، ذكر ذلك جميعه ابن أبي شيبة. ~~وممن كره ذلك من التابعين الأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي وقال: هي ضجعة ~~الشيطان، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير. ومن الأئمة مالك، وحكاه القاضي ~~عياض عن جمهور العلماء. القول الرابع: أنه PageV03P026 # خلاف الأولى، روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ~~ركعتي الفجر. القول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل فيستحب له ذلك ~~للاستراحة، وبين غيره فلا يشرع له، واختاره ابن العربي وقال: لا يضطجع بعد ~~ركعتي الفجر لانتظار الصلاة، إلا أن يكون قام الليل فيضطجع استجماما لصلاة ~~الصبح فلا بأس. ويشهد لهذا ما رواه الطبراني وعبد الرزاق عن عائشة أنها ~~كانت تقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ~~ليله فيستريح وهذا لا تقوم به حجة، أما أولا فلان في إسناده راويا لم يسم ~~كما قال الحافظ في الفتح، وأما ثانيا فلان ذلك منها ظن وتخمين وليس بحجة، ~~وقد روت أنه كان يفعله والحجة في فعله، وقد ثبت أمره به فتأكدت بذلك ~~مشروعيته. القول السادس: أن الاضطجاع ليس مقصودا لذاته، وإنما المقصود ~~الفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة، روى ذلك البيهقي عن الشافعي. وفيه أن ~~الفصل يحصل بالقعود والتحول والتحدث ms0992 وليس بمختص بالاضطجاع. قال النووي: # والمختار الاضطجاع لظاهر حديث أبي هريرة، وقد أجاب من لم ير مشروعية ~~الاضطجاع عن الأحاديث المذكورة بأجوبة: منها أن حديث أبي هريرة من رواية ~~عبد الواحد بن زياد عن الأعمش، وقد تكلم فيه بسبب ذلك يحيى بن سعيد القطان، ~~وأبو داود الطيالسي، قال يحيى بن سعيد: ما رأيته يطلب حديثا بالبصرة ولا ~~بالكوفة قط، وكنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة إذا كره بحديث ~~الأعمش لا يعرف منه حرفا. # وقال عمرو بن علي الفلاس: سمعت أبا داود يقول: عمد عبد الواحد إلى أحاديث ~~كان يرسلها الأعمش فوصلها يقول: حدثنا الأعمش، حدثنا مجاهد في كذا وكذا ~~انتهى. # وهذا من روايته عن الأعمش، وقد رواه الأعمش بصيغة العنعنة وهو مدلس. وقال ~~عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عن عبد الواحد بن زياد فقال: ليس ~~بشئ. # والجواب عن هذا الجواب أن عبد الواحد بن زياد قد احتج به الأئمة الستة، ~~ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن حبان، وقد روى عن ~~ابن معين ما يعارض قوله السابق فيه من طريق من روى عنه التضعيف له وهو ~~عثمان بن سعيد الدارمي المتقدم، فروي عنه أنه قال: إنه ثقة، وروى معاوية بن ~~صالح عن يحيى بن معين أنه صرح بأن عبد الواحد من أثبت أصحاب الأعمش. قال ~~العراقي: وما روي عنه من أنه ليس بثقة فلعله اشتبه على ناقله بعبد الواحد ~~بن زيد وكلاهما بصري، ومع هذا فلم ينفرد به عبد PageV03P027 # الواحد بن زياد ولا شيخه الأعمش، فقد رواه ابن ماجة من رواية شعبة عن ~~سهيل بن أبي صالح عن أبيه إلا أنه جعله من فعله لا من قوله. (ومن جملة) ~~الأجوبة التي أجاب بها النافون لشرعية الاضطجاع أنه اختلف في حديث أبي ~~هريرة المذكور، هل من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من فعله كما ~~تقدم؟ وقد قال البيهقي: إن كونه من فعله أولى أن يكون محفوظا، والجواب عن ~~هذا الجواب ms0993 أن وروده من فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينافي كونه ورد من ~~قوله، فيكون عند أبي هريرة حديثان: حديث الامر به وحديث ثبوته من فعله، على ~~أن الكل يفيد ثبوت أصل الشرعية فيرد نفي النافين. (ومن الأجوبة) التي ~~ذكروها أن ابن عمر لما سمع أبا هريرة يروي حديث الامر به قال: أكثر أبو ~~هريرة على نفسه، والجواب عن ذلك أن ابن عمر سئل هل تنكر شيئا مما يقول أبو ~~هريرة؟ فقال: لا، وأن أبا هريرة قال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. وقد ثبت ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا له بالحفظ. (ومن الأجوبة) التي ~~ذكروها أن أحاديث الباب ليس فيها الامر بذلك، إنما فيها فعله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والاضطجاع من فعله المجرد إنما يدل على الإباحة عند مالك ~~وطائفة، والجواب منع كون فعله لا يدل إلا على الإباحة والسندان قوله: * ~~(وما آتاكم الرسول فخذوه) * (الحشر: 7) وقوله: * (فاتبعوني) * (آل عمران: ~~31) يتناول الأفعال كما يتناول الأقوال. وقد ذهب جمهور العلماء وأكابرهم ~~إلى أن فعله يدل على الندب، وهذا على فرض أنه لم يكن في الباب إلا مجرد ~~الفعل، وقد عرفت ثبوت القول من وجه صحيح. (ومن الأجوبة) التي ذكروها أن ~~أحاديث عائشة في بعضها الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وفي بعضها بعد ركعتي ~~الفجر. وفي حديث ابن عباس قبل ركعتي الفجر، وقد أشار القاضي عياض إلى أن ~~رواية الاضطجاع بعدهما مرجوحة، فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما، ولم يقل أحد ~~في الاضطجاع قبلهما أنه سنة فكذا بعدهما، ويجاب عن ذلك بأنا لا نسلم أرجحية ~~رواية الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر على رواية الاضطجاع ~~بعدهما، بل رواية الاضطجاع بعدهما أرجح، والحديث من رواية عروة عن عائشة، ~~ورواه عن عروة محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة والزهري، ففي رواية محمد بن ~~عبد الرحمن إثبات الاضطجاع بعد ركعتي الفجر وهي في صحيح البخاري، ولم تختلف ~~الرواية عنه في ذلك، واختلف الرواة عن الزهري فقال مالك في أكثر الروايات ~~عنه: ms0994 أنه كان إذا فرغ من صلاة الليل اضطجع على شقه الأيمن الحديث، ولم يذكر ~~الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. وقال معمر، ويونس، وعمرو بن الحرث، والأوزاعي، ~~وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي PageV03P028 # حمزة عن عروة عن عائشة: كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع ~~على شقه الأيمن وهذا لرواية اتفق عليها الشيخان، فرواها البخاري من رواية ~~معمر ومسلم من رواية يونس بن يزيد، وعمرو بن الحرث، قال البيهقي عقب ~~ذكرهما: والعدد أولى بالحفظ من الواحد قال: وقد يحتمل أن يكونا محفوظين، ~~فنقل مالك أحدهما، ونقل الباقون الآخر، قال: واختلف فيه أيضا على ابن عباس ~~قال: وقد يحتمل مثل ما احتمل في رواية مالك. وقال النووي: إن حديث عائشة ~~وحديث ابن عباس لا يخالفان حديث أبي هريرة، فإنه لا يلزم من الاضطجاع ~~قبلهما أن لا يضطجع بعدهما، ولعله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الاضطجاع ~~بعدهما في بعض الأوقات بيانا للجواز، ويحتمل أن يكون المراد بالاضطجاع ~~قبلهما هو نومه صلى الله عليه وآله وسلم بين صلاة الليل وصلاة الفجر كما ~~ذكره الحافظ، وفي تحديثه صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة بعد ركعتي الفجر ~~دليل على جواز الكلام بعدهما، وإليه ذهب الجمهور، وقد روي عن ابن مسعود أنه ~~كرهه، روى ذلك الطبراني عنه، وممن كرهه من التابعين سعيد بن جبير، وعطاء بن ~~أبي رباح، وحكي عن سعيد بن المسيب، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون ~~الكلام بعد الركعتين. وعن عثمان بن أبي سليمان قال: إذا طلع الفجر ~~فليسكتوا، وإن كانوا ركبانا وإن لم يركعوهما فليسكتوا. إذا عرفت الكلام في ~~الاضطجاع تبين لك مشروعيته، وعلمت بما أسلفنا لك من أن تركه (ص) لا يعارض ~~الامر للأمة الخاص بهم، ولاح لك قوة القول بالوجوب والتقييد في الحديث بأن ~~الاضطجاع كان على الشق الأيمن يشعر بأن حصول المشروع لا يكون إلا بذلك لا ~~بالاضطجاع على الجانب الأيسر، ولا شك في ذلك مع القدرة. وأما مع التعذر فهل ~~يحصل المشروع بالاضطجاع على الأيسر أم لا؟ بل ms0995 يشير إلى الاضطجاع على الشق ~~الأيمن، جزم بالثاني ابن حزم وهو الظاهر. (والحكمة) في ذلك أن القلب معلق ~~في الجانب الأيسر، فإذا اضطجع على الجانب الأيسر غلبه النوم، وإذا اضطجع ~~على الأيمن قلق لقلق القلب وطلبه لمستقره. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يصل ~~ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس رواه الترمذي. وقد ثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قضاهما مع الفريضة لما نام عن الفجر في السفر. # الحديث قال الترمذي بعد إخراجه له: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ~~PageV03P029 # وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط ~~الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني والبيهقي. والحديث الذي أشا إليه المصنف قد ~~تقدم في باب قضاء الفوائت من أبواب الأوقات. (والحديث) استدل به على أن من ~~لم يركع ركعتي الفجر قبل الفريضة فلا يفعل بعد الصلاة حتى تطلع الشمس، ~~ويخرج الوقت المنهي عن الصلاة فيه، وإلى ذلك ذهب الثوري وابن المبارك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق، حكى ذلك الترمذي عنهم، وحكاه الخطابي عن الأوزاعي، ~~قال العراقي: والصحيح من مذهب الشافعي أنهما يفعلان بعد الصبح ويكونان ~~أداء. (والحديث) لا يدل صريحا على أن من تركهما قبل صلاة الصبح لا يفعلهما ~~إلا بعد طلوع الشمس، وليس فيه إلا الامر لمن لم يصلهما مطلقا أن يصليهما ~~بعد طلوع الشمس، ولا شك أنهما إذا تركا في وقت الأداء فعلا في وقت القضاء، ~~وليس في الحديث ما يدل على المنع من فعلهما بعد صلاة الصبح، ويدل على ذلك ~~رواية الدارقطني والحاكم والبيهقي فإنها بلفظ: من لم يصل ركعتي الفجر حتى ~~تطلع الشمس فليصلهما ويدل على عدم الكراهة أيضا حديث قيس بن عمرو، أو ابن ~~فهد، أو ابن سهل على اختلاف الروايات عند الترمذي، وأبي داود وابن ماجة ~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقيمت الصلاة فصليت معه الصبح ~~ثم انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدني أصلي فقال: مهلا ms0996 يا قيس ~~أصلاتان معا؟ قلت: يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: فلا إذن ~~ولفظ أبي داود قال: # رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين ~~فقال: صلاة الصبح ركعتان، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين ~~قبلهما فصليتهما الآن فسكت. قال الترمذي: # إنما يروى هذا الحديث مرسلا وإسناده ليس بمتصل، لأن فيه محمد بن إبراهيم ~~عن قيس بن عمرو، ومحمد لم يسمع من قيس. وقول الترمذي إنه مرسل ومنقطع ليس ~~بجيد، فقد جاء متصلا من رواية يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس، رواه ابن ~~خزيمة في صحيحه، وابن حبان من طريقه وطريق غيره، والبيهقي في سننه عن يحيى ~~بن سعيد، عن أبيه، عن جده قيس المذكور. وقد قيل: إن سعيد بن قيس لم يسمع من ~~أبيه، فيصح ما قاله الترمذي من الانقطاع. وأجيب عن ذلك بأنه لم يعرف القائل ~~بذلك، وقد أخرجه أيضا الطبراني في الكبير من طريق أخرى متصلة فقال: حدثنا ~~إبراهيم ابن متويه الأصبهاني، حدثنا أحمد بن الوليد بن برد الأنصاري، حدثنا ~~أيوب بن سويد عن ابن جريج، عن عطاء، أن قيس بن سهل حدثه: أنه دخل المسجد ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ولم يكن صلى الركعتين، فصلى ~~PageV03P030 # مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قضى صلاته قام فركع. وأخرجه ابن ~~حزم في المحلي من رواية الحسن بن ذكوان، عن عطاء بن أبي رباح، عن رجل من ~~الأنصار قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يصلي بعد الغداة ~~فقال: يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فصليتهما الآن، فلم يقل له ~~شيئا. قال العراقي: وإسناده حسن، ويحتمل أن الرجل هو قيس المتقدم. ويؤيد ~~الجواز حديث ثابت بن قيس بن شماس عند الطبراني في الكبير قال: أتيت المسجد ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة، فلما سلم النبي التفت إلي وأنا ~~أصلي، فجعل ينظر إلي وأنا أصلي، فلما ms0997 فرغت قال: ألم تصل معنا؟ قلت: نعم ~~قال: فما هذه الصلاة؟ قلت: # يا رسول الله ركعتا الفجر خرجت من منزلي ولم أكن صليتهما، قال: فلم يعب ~~ذلك علي. وفي إسناده الجراح بن منهال وهو منكر الحديث، قاله البخاري ومسلم، ~~ونسبه ابن حبان إلى الكذب. (وفي الحديث) مشروعية قضاء النوافل الراتبة ~~وظاهره سواء، فأتت لعذر أو لغير عذر. وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال: ~~أحدها استحباب قضائها مطلقا، سواء كان الفوت لعذر أو لغير عذر، لأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أطلق الامر بالقضاء ولم يقيده بالعذر، وقد ذهب إلى ذلك ~~من الصحابة عبد الله ابن عمر، ومن التابعين عطاء وطاوس والقاسم بن محمد، ~~ومن الأئمة ابن جريج والأوزاعي والشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق ومحمد بن ~~الحسن والمزني. والقول الثاني أنها لا تقضى وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ~~يوسف في أشهر الروايتين عنه، وهو قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، ~~والمشهور عن مالك قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس. والقول الثالث: التفرقة ~~بين ما هو مستقل بنفسه كالعيد والضحى فيقضي، وبين ما هو تابع لغيره كرواتب ~~الفرائض فلا يقضي، وهو أحد الأقوال عن الشافعي. والقول الرابع: إن شاء ~~قضاها وإن شاء لم يقضها على التخيير، وهو مروي عن أصحاب الرأي ومالك. ~~والقول الخامس: التفرقة بين الترك لعذر نوم أو نسيان فيقضي، أو لغير عذر ~~فلا يقضي، وهو قول ابن حزم، واستدل بعموم قوله: من نام عن صلاته الحديث. ~~وأجاب الجمهور أن قضاء التارك لها تعمد من باب الأولى، وقد قدمنا الجواب عن ~~هذه الأولوية. PageV03P031 # باب ما جاء في قضاء سنتي الظهر عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها رواه الترمذي وقال حديث ~~حسن غريب. وعن عائشة قالت: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن ~~بعد الركعتين بعد الظهر رواه ابن ماجة. # الحديث الأول رجال إسناده ثقات إلا عبد الوارث بن ms0998 عبيد الله العتكي، وقد ~~ذكره ابن حبان في الثقات، وقد حسنه الترمذي كما قال المصنف، وقال: إنه ~~غريب، إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه، قال: وقد رواه قيس بن ~~الربيع عن شعبة عن خالد الحذاء نحو هذا ولا نعلم أحدا رواه عن شعبة غير قيس ~~بن الربيع. والحديث الثاني رواه ابن ماجة عن محمد بن يحيى، وزيد بن أخزم، ~~ومحمد بن معمر، ثلاثتهم عن موسى بن داود الكوفي، عن قيس بن الربيع، عن ~~شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، وكلهم ثقات إلا قيس ~~بن الربيع ففيه مقال، وقد وثق، وفي الباب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى مرسلا ~~عند ابن أبي شيبة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فاتته أربع ~~قبل الظهر صلاها بعدها. (والحديثان) يدلان على مشروعية المحافظة على السنن ~~التي قبل الفرائض، وعلى امتداد وقتها إلى آخر وقت الفريضة، وذلك لأنها لو ~~كانت أوقاتها تخرج بفعل الفرائض لكان فعلها بعدها قضاء، وكانت مقدمة على ~~فعل سنة الظهر. وقد ثبت في حديث الباب أنها تفعل بعد ركعتي الظهر، ذكر معنى ~~ذلك العراقي قال: وهو الصحيح عند الشافعية، قال: وقد يعكس هذا فيقال: لو ~~كان وقت الأداء باقيا لقدمت على ركعتي الظهر، وذكر أن الأول أولى. # وعن أم سلمة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عنهما تعني ~~الركعتين بعد العصر ثم رأيته يصليهما، أما حين صلاهما فإنه صلى العصر ثم ~~دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فصلاهما، فأرسلت إليه الجارية فقلت: ~~قومي بجنبه فقولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين ~~الركعتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية فأشار ~~بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف PageV03P032 # قال: يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر فإنه أتاني ناس من بني ~~عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان متفق عليه. وفي ~~رواية لأحمد: ما رأيته ms0999 صلاهما قبلها ولا بعدها. # قوله: أما حين صلاهما فإنه صلى العصر هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ثم ~~رأيته يصليهما حين صلى العصر. قوله: من بني حرام بفتح المهملتين. قوله: ~~فصلاهما يعني بعد الدخول. # قوله: فأشار بيده فيه جواز الإشارة باليد في الصلاة لمن كلم المصلي في ~~حاجة، وقد تقدم البحث في ذلك. قوله: يا بنت أبي أمية هو والد أم سلمة واسمه ~~حذيفة، وقيل سهيل بن المغيرة المخزومي. قوله: عن الركعتين يعني اللتين ~~صليتهما الآن. قوله: فإنه أتاني ناس من بني عبد القيس زاد في المغازي ~~بالاسلام: من قومهم فسألوني وفي رواية للطحاوي: فنسيتهما ثم ذكرتهما فكرهت ~~أن أصليهما في المسجد والناس يرون فصليتهما عندك. وله من وجه آخر: فجاءني ~~مال فشغلني. وله من وجه آخر: قدم علي وفد من بني تميم أو جاءتني صدقة. ~~قوله: # فهما هاتان زاد الطحاوي: فقلت: أمرت بهما؟ فقال: لا، ولكن كنت أصليهما ~~بعد الظهر فشغلت عنهما فصليتهما الآن. قوله: ما رأيته صلاهما قبلها ولا ~~بعدها لفظ الطحاوي: لم أره صلاهما قبل ولا بعد. وعند الترمذي وحسنه عن ابن ~~عباس قال: إنما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الركعتين بعد العصر لأنه ~~أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد. ولكن ~~هذا لا ينفي الوقوع، فقد ثبت في صحيح مسلم: أن عائشة قالت: كان يصليهما قبل ~~العصر، فشغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما، وكان إذا صلى ~~صلاة أثبتها أي داوم عليها. وفي البخاري عنها، أنها قالت: ما ترك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط وفيه عنها: ركعتان لم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعهما سرا ولا علانية ركعتان قبل صلاة ~~الصبح وركعتان بعد العصر. وفيه أيضا عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين. وقد جمع بين رواية النفي ~~وروايات الاثبات بحمل النفي على المسجد، أي لم يفعلهما في ms1000 المسجد، والاثبات ~~على البيت. وقد تمسك بحديث الباب من قال بجواز قضاء الفوائت في الأوقات ~~المكروهة، ومن أجاز التنفل بعد العصر مطلقا ما لم يقصد الصلاة عند غروب ~~الشمس، وأجاب من أطلق الكراهة بأن ذلك من خصائصه، والدليل عليه ما أخرجه ~~أبو داود عن عائشة أنها قالت: كان يصلي بعد العصر وينهى عنهما ويواصل وينهى ~~عن PageV03P033 # الوصال وما أخرجه أحمد عن أم سلمة أنها قالت: فقلت: يا رسول الله ~~أنقضيهما إذا فاتا؟ فقال: لا قال البيهقي: وهي رواية ضعيفة. وقد احتج بها ~~الطحاوي، على أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم، قال البيهقي: الذي ~~اختص به صلى الله عليه وآله وسلم المداومة على ذلك لا أصل القضاء اه. وعلى ~~تسليم عدم اختصاصه بالقضاء بل بمجرد المداومة كما دل عليه حديث عائشة ~~المذكور، فليس في حديث الباب إلا جواز قضاء الفائتة لا جواز التنفل مطلقا. ~~وللعلماء في ذلك مذاهب يأتي ذكرها، وبيان الراجح منها في باب الأوقات ~~المنهي عن الصلاة فيها. وللحديث فوائد ليس هذا محل بسطها، وقد أشار في ~~الفتح قبيل كتاب الجنائز إلى بعض منها. # باب ما جاء في قضاء سنة العصر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ~~عن السجدتين اللتين كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصليهما بعد ~~العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما ~~بعد العصر ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها رواه مسلم والنسائي. ~~وعن أم سلمة قالت: شغل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الركعتين قبل ~~العصر فصلاهما بعد العصر رواه النسائي. وعن ميمونة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يجهز بعثا ولم يكن عنده ظهر، فجاءه ظهر من الصدقة فجعل ~~يقسمه بينهم فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين أو ما شاء ~~الله، فصلى العصر ثم رجع فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاة أو فعل ~~شيئا يحب أن يداوم ms1001 عليه رواه أحمد. # الحديث الأول له طرق وألفاظ، هذا الذي ذكر المصنف أحدها. والحديث الثاني ~~رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه أيضا البخاري ومسلم وغيرهما، لكن ليس فيه ~~قوله عن الركعتين قبل العصر، بل فيه التصريح بأن الركعتين اللتين شغل عنهما ~~هما الركعتان اللتان بعد الظهر. والحديث الثالث في إسناده حنظلة السدوسي ~~وهو ضعيف، وقد أخرجه أيضا الطبراني وأشار إليه الترمذي. (وأحاديث الباب) ~~تدل على مشروعية قضاء ركعتي العصر بعد فعل الفريضة، فيكون قضاؤهما في ذلك ~~الوقت مخصصا لعموم أحاديث النهي، وسيأتي PageV03P034 # البحث مستوفى في باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. وأما المداومة على ~~ذلك فمختصة به صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم، واعلم أنها قد اختلفت ~~الأحاديث في النافلة المقضية بعد العصر، هل هي الركعتان بعد الظهر ~~المتعلقتان به؟ أو هي سنة العصر المفعولة قبله؟ ففي حديث أم سلمة المتقدم ~~في الباب الأول، وكذلك حديث ابن عباس المتقدم التصريح بأنهما ركعتا الظهر، ~~وفي أحاديث الباب أنهما ركعتا العصر. ويمكن الجمع بين الروايات بأن يكون ~~مراد من قال بعد الظهر ومقال قبل العصر الوقت الذي بين الظهر والعصر، فيصح ~~أن يكون مراد الجميع سنة الظهر المفعولة بعده، أو سنة العصر المفعولة قبله. ~~وأما الجمع بتعدد الواقعة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم شغل تارة عن أحدهما ~~وتارة عن الأخرى فبعيد، لأن الأحاديث مصرحة بأنه داوم عليهما، وذلك يستلزم ~~أنه كان يصلي بعد العصر أربع ركعات ولم ينقل ذلك أحد. # باب أن الوتر سنة مؤكدة وأنه جائز على الراحلة عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يوتر فليس منا رواه أحمد. وعن ~~علي رضي الله عنه قال: الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة. ~~ولفظه: أن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أوتر فقال: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب ms1002 الوتر. ~~وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوتر على بعيره رواه ~~الجماعة. # وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الوتر حق فمن ~~أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر ~~بواحدة فليفعل رواه الخمسة إلا الترمذي. وفي لفظ لأبي داود: الوتر حق على ~~كل مسلم ورواه ابن المنذر وقال فيه: الوتر حق وليس بواجب. # أما حديث أبي هريرة فأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وفي إسناده الخليل بن مرة، ~~قال فيه أبو زرعة: شيخ صالح، وضعفه أبو حاتم والبخاري. وأما حديث علي فحسنه ~~الترمذي وصححه الحاكم. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الجماعة كما ذكر المصنف. ~~وأما حديث PageV03P035 # أبي أيوب فأخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والحاكم وله ألفاظ، وصحح أبو ~~حاتم والذهلي والدارقطني في العلل والبيهقي وغير واحد وقفه. قال الحافظ: ~~وهو الصواب. # (وفي الباب) عن أبي هريرة غير حديثه المذكور في الباب عند البيهقي في ~~الخلافيات بلفظ: إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن وعن ابن عمرو ~~عند ابن أبي شيبة وأحمد بلفظ: وزادكم صلاة حافظوا عليها وهي الوتر وفي ~~إسناده ضعيفان. # وعن بريدة عند أبي داود بلفظ: الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق ~~فمن لم يوتر فليس منا. ورواه الحاكم في المستدرك ولم يكرر لفظه. وقال: هذا ~~حديث صحيح. # وعن أبي بصرة عند أحمد بلفظ: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر فصلوها فيما ~~بين العشاء إلى الفجر ورواه الطبراني بلفظ: فحافظوا عليها وعن سليمان بن ~~صرد عند الطبراني في الأوسط بلفظ: وأوتروا فالله وتر يحب الوتر. وعن ابن ~~عباس عند البزار بلفظ: إن الله قد أمدكم بصلاة وهي الوتر وعن ابن عمر عند ~~البيهقي بلفظ: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر وفي إسناده مقال. وعن ابن ~~مسعود عند البزار بلفظ: # الوتر واجب على كل مسلم. وفي إسناده جابر الجعفي، وقد ضعفه الجمهور ووثقه ~~الثوري، وله حديث آخر عند ms1003 أبي داود وابن ماجة بلفظ حديث أبي هريرة الذي ~~ذكرناه. # وعن عبد الله بن أبي أوفى عند البيهقي بلفظ حديث أبي بصرة المتقدم، وفي ~~إسناده أحمد بن مصعب وهو ضعيف. وعن علي عند أهل السنن بنحو حديث أبي هريرة ~~الذي ذكرناه. وعن عقبة بن عامر، وعمرو بن العاص عند الطبراني في الكبير ~~والأوسط بنحو حديث أبي بصرة. وعن معاذ عند أحمد بنحو حديث أبي بصرة أيضا. ~~وعن ابن مسعود حديث آخر عند الطبراني في الصغير بلفظ: الوتر على أهل ~~القرآن. وعن ابن عباس حديث آخر عند أحمد والطبراني والدارقطني والبيهقي ~~بلفظ: ثلاث علي فرائض وهي لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر. وأخرجه ~~أيضا الحاكم في المستدرك شاهدا على أن الوتر ليس بحتم وسكت عليه. وقال ~~البيهقي في روايته: ركعتا الضحى بدل ركعتي الفجر. وعن أنس عند الدارقطني ~~بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت بالوتر والأضحى ولم ~~يعزم علي وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو ضعيف. # وعن جابر عند المروزي بلفظ: إني كرهت أو خشيت أن يكتب عليكم الوتر وعن ~~PageV03P036 # عائشة عند الطبراني في الأوسط بلفظ: ثلاث هن علي فريضة وهن لكم سنة: ~~الوتر والسواك وقيام الليل واعلم أن هذه الأحاديث فيها ما يدل على الوجوب ~~كقوله: فليس منا. # وقوله: الوتر حق. وقوله: أوتروا وحافظوا. وقوله: الوتر واجب. وفيها ما ~~يدل على عدم الوجوب وهو بقية أحاديث الباب، فتكون صارفة لما يشعر بالوجوب. ~~وأما حديث: الوتر واجب. # فلو كان صحيحا لكان مشكلا لما عرفناك في باب غسل يوم الجمعة، من أن ~~التصريح بالوجوب لا يصح أن يقال: إنه مصروف إلى غيره، بخلاف بقية الألفاظ ~~المشعرة بالوجوب. # (وقد ذهب الجمهور) إلى أن الوتر غير واجب بل سنة، وخالفهم أبو حنيفة ~~فقال: إنه واجب، وروي عنه فرض وتمسك بما عرفت من الأدلة الدالة على الوجوب، ~~وأجاب عليه الجمهور بما تقدم. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا وافق أبا ~~حنيفة في هذا، وأورد المصنف في الباب حديث ابن ms1004 عمر: أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أوتر على بعيره للاستدلال به على عدم الوجوب، لأن الفريضة لا تصلى على ~~الراحلة، وكذلك إيراده حديث أبي أيوب للاستدلال بما فيه من التخيير على عدم ~~الوجوب، وهو إنما يدل على عدم وجوب أحدها على التعيين لا على عدم الوجوب ~~مطلقا، ويمكن أنه أورده للاستدلال به على الوجوب لقوله فيه حق. ومن الأدلة ~~الدالة على عدم وجوب الوتر ما اتفق عليه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله ~~قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل نجد الحديث ~~وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خمس صلوات في اليوم ~~والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. وروى الشيخان أيضا من ~~حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذا إلى اليمن ~~الحديث. وفيه: # فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة. وهذا من أحسن ~~ما يستدل به، لأن بعث معاذ كان قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم بيسير. ~~(وأجاب الجمهور) أيضا عن أحاديث الباب المشعرة بالوجوب بأن أكثرها ضعيف، ~~وهو حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وبريدة، وسليمان بن صرد، وابن عباس، ~~وابن عمر، وابن مسعود، وابن أبي أوفى، وعقبة بن عامر، ومعاذ بن جبل، كذا ~~قال العراقي. وبقيتها لا يثبت بها المطلوب، لا سيما مع قيام ما أسلفناه من ~~الأدلة الدالة على عدم الوجوب. PageV03P037 # باب الوتر بركعة وبثلاث وخمس وسبع وتسع بسلام واحد وما يتقدمها من الشفع ~~عن ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر ~~بواحدة رواه الجماعة. # وزاد أحمد في رواية: صلاة الليل مثنى مثنى تسلم في كل ركعتين وذكر ~~الحديث. ولمسلم: قيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم في كل ركعتين. # الحديث زاد فيه الخمسة: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. وقد ms1005 اختلف في ~~زيادة قوله والنهار فضعفها جماعة، لأنها من طريق علي البارقي الأزدي عن ابن ~~عمر وهو ضعيف عند ابن معين، وقد خالفه جماعة من أصحاب ابن عمر ولم يذكروا ~~فيه النهار. وقال الدارقطني في العلل: إنها وهم، وقد صححها ابن خزيمة وابن ~~حبان والحاكم في المستدرك وقال: رواتها ثقات، وقال الخطابي: إن سبيل ~~الزيادة من الثقة أن تقبل، وقال البيهقي: هذا حديث صحيح، وعلى البارقي احتج ~~به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد صححه البخاري لما سئل عنه، ثم روى ~~ذلك بسنده إليه، قال: وقد روي عن محمد بن سيرين عن ابن عمر مرفوعا بإسناد ~~كلهم ثقات اه كلام البيهقي. وله طرق وشواهد، وقد ذكر بعض ذلك الحافظ في ~~التلخيص. قوله: قام رجل وقع في معجم الطبراني الصغير أن السائل هو ابن عمر، ~~ولكنه يشكل عليه ما وقع في بعض الروايات عن ابن عمر بلفظ: أن رجلا سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا بينه وبين السائل فذكر الحديث. وفيه: # ثم سأله رجل على رأس الحول وأنا بذلك المكان منه قال: فما أدري أهو ذلك ~~الرجل أم غيره؟. وعند النسائي أن السائل المذكور من أهل البادية. قوله: كيف ~~صلاة الليل الجواب عن هذا السؤال يشعر بأنه وقع عن كيفية الوصل والفصل لا ~~عن مطلق الكيفية. # قوله: مثنى مثنى أي اثنتين اثنتين، وهو غير منصرف للعدل والوصف، وتكرار ~~لفظ مثنى للمبالغة، وقد فسر ذلك ابن عمر في رواية أحمد ومسلم عنه كما ذكره ~~المصنف. وقد أخذ مالك بظاهر الحديث فقال: لا تجوز الزيادة على الركعتين. ~~قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور ~~على أنه لبيان الأفضل لما صح من فعله صلى الله عليه وآله وسلم مما يخالف ~~ذلك كما سيأتي، ويحتمل أن يكون للارشاد إلى الأخف، PageV03P038 # إذ السلام من الركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها لما فيه من ~~الراحة غالبا. وقد اختلف السلف في الأفضل من الفصل والوصل فقال أحمد: الذي ms1006 ~~اختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، وإن صلى بالنهار أربعا فلا بأس وقال محمد ~~بن نصر نحوه في صلاة الليل قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه أوتر بخمس، لم يجلس إلا في آخرها إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على ~~الوصل. قوله: فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة استدل به على خروج وقت الوتر ~~بطلوع الفجر، وأصرح منه ما رواه أبو داود والنسائي وصححه أبو عوانة وغيره ~~عن ابن عمر أنه قال: من صلى الليل فليجعل آخر صلاته وترا، فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة ~~الليل والوتر. وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي سعيد مرفوعا: من أدركه الصبح ولم ~~يوتر فلا وتر له. وسيأتي الكلام على هذا في باب وقت صلاة الوتر. (والحديث) ~~يدل على مشروعية الايتار بركعة واحدة عند مخافة هجوم الصبح، وسيأتي ما يدل ~~على مشروعية ذلك من غير تقييد، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. قال العراقي: وممن ~~كان يوتر بركعة من الصحابة الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاذ بن ~~جبل، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، ~~وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وتميم الداري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو ~~هريرة، وفضالة بن عبيد، وعبد الله بن الزبير، ومعاذ بن الحرث القاري، وهو ~~مختلف في صحبته، وقد روي عن عمر وعلي وأبي وابن مسعود الايتار بثلاث متصلة. ~~قال: وممن أوتر بركعة سالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ~~ربيعة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وعقبة بن عبد ~~الغافر، وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير بن مطعم، وجابر بن زيد، والزهري، ~~وربيعة بن أبي عبد الرحمن وغيرهم. ومن الأئمة: مالك، والشافعي، والأوزاعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن حزم. وذهبت الهادوية وبعض الحنفية ~~إلى أنه لا يجوز الايتار بركعة، وإلى أن المشروع الايتار بثلاث. واستدلوا ~~بما روي من حديث محمد ms1007 بن كعب القرظي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى ~~عن البتيراء قال العراقي: وهذا مرسل ضعيف. # وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن البتيراء، ~~قال: ولا في الحديث على سقوطه بيان ما هي البتيراء. قال: وقد روينا من طريق ~~عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~الثلاث بتيراء يعني الوتر، قال: فعاد البتيراء على المحتج بالخبر الكاذب ~~فيها اه. واحتجوا أيضا بما حكي عن ابن مسعود أنه قال: ما أجزأت PageV03P039 # ركعة قط. قال النووي في شرح المهذب: إنه ليس بثابت عنه، قال: ولو ثبت ~~لحمل على الفرائض، فقد قيل: إنه ذكره ردا على ابن عباس في قوله: إن الواجب ~~من الصلاة الرباعية في حال الخوف ركعة واحدة، فقال ابن مسعود: ما أجزأت ~~ركعة قط أي عن المكتوبات اه. وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، ومحمد بن نصر ~~في قيام الليل من رواية محمد بن سيرين قال: سمر حذيفة وابن مسعود عند ~~الوليد بن عقبة وهو أمير مكة، فلما خرجا أوتر كل واحد منهما بركعة، ومحمد ~~بن سيرين لم يدرك ابن مسعود، ولكن القائل بعدم صحة الايتار بركعة من ~~الهادوية والحنفية يرى الاحتجاج بالمرسل، واحتج بعض الحنفية على الاقتصار ~~على ثلاث، وعدم إجزاء غيرها، بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة ~~حسن جائز، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما ~~اختلفوا فيه، وتعقب بمنع الاجماع ربما سيأتي من النهي عن الايتار بثلاث. # وعن ابن عمر أنه: كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى أنه كان ~~يأمر ببعض حاجته. رواه البخاري. وعن ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الوتر ركعة من آخر الليل رواه أحمد ومسلم. # الأثر والحديث يدلان على مشروعية الايتار بركعة، وتعريف المسند من قوله ~~الوتر ركعة مشعر بالحصر لولا ورود منطوقات قاضية بجواز الايتار بغير ركعة ~~وسيأتي. قال الحافظ: ms1008 وظاهر الأثر المروي عن ابن عمر أنه كان يصلي الوتر ~~موصولا، فإن عرضت له حاجة فصل. وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور بإسناد ~~صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال: صلى ابن عمر ركعتين ثم قال: يا غلام ~~ارحل لنا ثم قام وأوتر بركعة. وروى الطحاوي عن ابن عمر: أنه كان يفصل بين ~~شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعله ~~وإسناده قوي، وقد تقدم الكلام على الايتار بركعة. # وعن عائشة: قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ما بين أن ~~يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر ~~بواحدة، فإذا سكب المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام ~~فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة ~~رواه الجماعة إلا الترمذي. # الحديث قد تقدم الكلام على أطراف منه في ركعتي الفجر وفي الاضطجاع، وفي ~~الايتار بركعة، وقد تقدم الكلام في دلالة كان على الدوام، وقد ورد عن عائشة ~~في PageV03P040 # الاخبار عن صلاته صلى الله عليه وآله وسلم بالليل روايات مختلفة منها ~~هذه، ومنها الرواية الآتية في هذا الباب أنه: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ~~ويوتر بخمس. ومنها عند الشيخين أنه: # ما كان يزيد صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ~~ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن ~~حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. ومنها أيضا ما سيأتي في هذا الباب أنه: كان ~~يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم فيصلي ~~التاسعة ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ~~ركعة، فلما أسن أوتر بسبع ولا حل هذا الاختلاف نسب بعضهم إلى حديثها ~~الاضطراب، وأجيب عن ذلك بأنه لا يتم الاضطراب إلا على تسليم أن إخبارها عن ~~وقت واحد وليس كذلك، بل هو محمول على ms1009 أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب ~~النشاط ويجمع بين قولها إنه ما كان يزيد على إحدى عشرة ركعة، وبين إثباتها ~~الثلاث عشرة ركعة بأنها أضافت إلى الإحدى عشرة ما كان يفتتح به صلاته من ~~الركعتين الخفيفتين كما ثبت في صحيح مسلم. ويدل على ذلك أنها قالت عند ~~تفصيل الإحدى عشرة: كان يصلي أربعا ثم أربعا، وتركت التعرض للافتتاح ~~بالركعتين. وكذلك قالت في الرواية الأخرى أنه كان يصلي تسع ركعات ثم يصلي ~~ركعتين، والجمع بين الروايات ما أمكن هو الواجب. قوله: وسكب المؤذن هو بفتح ~~السين المهملة والكاف وبعدها باء موحدة أي أسرع مأخوذ من سكب الماء. قوله: ~~قام فركع ركعتين وقد تقدم الكلام فيهما. # وعن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الوتر ب * ~~(سبح اسم ربك الأعلى) * وفي الركعة الثانية ب * (قل يا أيها الكافرون) * ~~وفي الثالثة ب * (قل هو الله أحد) * ولا يسلم إلا في آخرهن رواه النسائي. # الحديث رجال إسناده ثقات إلا عبد العزيز بن خالد وهو مقبول، وقد أخرجه ~~أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجة بدون قوله: ولا يسلم إلا في آخرهن. وفي ~~الباب عن ابن عباس عند الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي شيبة بلفظ: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الوتر ب * (سبح اسم ربك الأعلى) ~~*، و * (قل يا أيها الكافرون) *، و * (قل هو الله أحد) * في ركعة ركعة ولم ~~يذكر فيه ولا يسلم إلا في آخرهن أيضا. وعن عبد الرحمن بن أبزى عند النسائي ~~بنحو حديث ابن عباس، وقد اختلف في صحبته، وفي إسناد حديثه PageV03P041 # هذا وسيأتي. وعن أنس عند محمد بن نصر المروزي بنحو حديث ابن عباس. وعن ~~عبد الله بن أبي أوفى عند البزار بنحوه. وعن عبد الله بن عمر وعند الطبراني ~~والبزار أيضا بنحوه، وفي إسناده سعيد بن سنان وهو ضعيف جدا. وعن عبد الله ~~بن مسعود عند البزار، وأبي يعلى والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه أيضا، ~~وفي إسناده عبد الملك ms1010 بن الوليد بن معدان، وثقه يحيى بن معين وضعفه البخاري ~~وغير واحد. وعن عبد الرحمن بن سبرة عند الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه ~~أيضا، وفي إسناده إسماعيل بن رزين، ذكره الأزدي في الضعفاء، وابن حبان في ~~الثقات. وعن عمران بن حصين عند النسائي والطبراني بنحوه أيضا. وعن النعمان ~~بن بشير عند الطبراني في الأوسط بنحوه، وفي إسناده السري بن إسماعيل وهو ~~ضعيف. وعن أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط بزيادة والمعوذتين في الثالثة، ~~وفي إسناده المقدام بن داود وهو ضعيف. وعن عائشة عند أبي داود والترمذي ~~بزيادة كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة: * (قل هو الله أحد) * والمعوذتين، ~~وفي إسناده خصيف الجزري وفيه لين، ورواه الدارقطني، وابن حبان، والحاكم من ~~حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وتفرد به يحيى بن أيوب عنه وفيه مقال ~~ولكنه صدوق، وقال العقيلي: إسناده صالح، قال ابن الجوزي: وقد أنكر أحمد ~~ويحيى زيادة المعوذتين، وروى ابن السكن في صحيحه لذلك شاهدا من حديث عبد ~~الله بن سرجس بإسناد غريب، وروى المعوذتين محمد بن نصر من حديث ابن ضميرة ~~عن أبيه عن جده وهو حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، وهو ضعيف عند ~~أحمد، وابن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم وغيرهم. # وكذبه مالك وأبوه لا يعرف، وجده ضميرة يقال إنه مولى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # (والأحاديث) تدل على مشروعية قراءة هذه السورة في الوتر، وحديث الباب يدل ~~أيضا على مشروعية الايتار بثلاث ركعات متصلة، وسيأتي الكلام على ذلك. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر بثلاث لا ~~يفصل بينهن رواه أحمد والنسائي ولفظه: كان لا يسلم في ركعتي الوتر وقد ضعف ~~أحمد إسناده، وإن ثبت فيكون قد فعله أحيانا، كما أوتر بالخمس والسبع والتسع ~~كما سنذكره. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا توتروا بثلاث ~~أوتروا بخمس أو سبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب رواه الدارقطني بإسناده وقال: ~~كلهم ثقات. ms1011 # أما حديث عائشة فأخرجه أيضا البيهقي والحاكم بلفظ أحمد، وأخرجه أيضا ~~البيهقي PageV03P042 # والحاكم بلفظ النسائي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأخرج الحاكم ~~أيضا من حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يوتر بثلاث ~~وليس فيه لا يفصل بينهن وصححه. وقال: على شرط الشيخين، وأخرجه أيضا ~~الترمذي، وأخرج الشيخان وغيرهما عنها، أنها قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا ~~تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا وفي الباب عن علي عند الترمذي بلفظ: ~~كان يوتر بثلاث وعن عمران بن حصين عند محمد بن نصر بلفظ حديث علي. وعن ابن ~~عباس عند مسلم وأبي داود والنسائي بلفظ: أوتر بثلاث وعن أبي بن أيوب عند ~~أبي داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل وعن أبي ~~بن كعب عند أبي داود والنسائي وابن ماجة أيضا بنحو حديث علي. وعن عبد ~~الرحمن بن أبزى عند النسائي بنحوه أيضا. # وعن ابن عمر عند ابن ماجة بنحوه أيضا. وعن ابن مسعود عند الدارقطني بنحوه ~~أيضا، وفي إسناده يحيى بن زكريا بن أبي الحواجب وهو ضعيف. وعن أنس عند محمد ~~بن نصر بنحوه أيضا. وعن ابن أبي أوفى عند البزار بنحو أيضا. وأما حديث أبي ~~هريرة فأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه. قال الحافظ: ورجاله ~~كلهم ثقات، ولا يضره وقف من وقفه. وأخرجه أيضا محمد بن نصر من رواية عراك ~~بن مالك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو ~~بإحدى عشرة، أو أكثر من ذلك. قال العراقي: # وإسناده صحيح. وأخرج أيضا من رواية عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة وعبد ~~الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ~~توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب ms1012 قال العراقي ~~أيضا: وإسناده صحيح، ثم روى محمد ابن نصر قول مقسم: إن الوتر لا يصلح إلا ~~بخمس أو سبع، وأن الحكم بن عتيبة سأله عمن فقال: عن الثقة، عن الثقة، عن ~~عائشة وميمونة، وقد روى نحوه النسائي عن ميمونة مرفوعا. وروى محمد بن نصر ~~أيضا بإسناد، قال العراقي: صحيح عن ابن عباس قال: الوتر سبع أو خمس ولا تحب ~~ثلاثا بتراء وروي أيضا عن عائشة بإسناد، قال العراقي أيضا: صحيح أنها قالت: ~~الوتر سبع أو خمس، وإني لأكره أن يكون ثلاثا بتراء وروي أيضا بإسناد صححه ~~العراقي أيضا عن سليمان بن يسار: أنه سئل عن الوتر بثلاث فكره الثلاث وقال: ~~لا تشبه التطوع بالفريضة، أوتر بركعة أو بخمس أو PageV03P043 # بسبع. قال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبرا ~~ثابتا صريحا أنه أوتر بثلاث موصولة، قال: نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن ~~لم يبين الراوي هل هي موصولة أم مفصولة اه. وتعقبه العراقي والحافظ بحديث ~~عائشة الذي ذكره المصنف، وبحديث كعب ابن عجرة المتقدم قالا: ويجاب عن ذلك ~~باحتمال أنهما لم يثبتا عنده، وقد قال البيهقي في حديث عائشة المذكور أنه ~~خطأ، وجمع الحافظ بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على الايتار بثلاث: ~~بتشهدين لمشابهة ذلك لصلاة المغرب، وأحاديث الايتار بثلاث على أنها متصلة ~~بتشهد في آخرها، وروي فعل ذلك عن جماعة من السلف، ويمكن الجمع بحمل النهي ~~عن الايتار بثلاث على الكراهة، والأحوط ترك الايتار بثلاث مطلقا، لان ~~الاحرام بها متصلة بتشهد واحد في آخرها ربما حصلت به المشابهة لصلاة ~~المغرب، وإن كانت المشابهة الكاملة تتوقف على فعل التشهدين، وقد جعل الله ~~في الامر سعة، وعلمنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوتر على هيئات ~~متعددة، فلا ملجئ إلى الوقوع في مضيق التعارض. # وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يوتر بسبع ~~وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وعن ~~عائشة قالت: كان ms1013 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل ثلاث ~~عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس ولا يجلس في شئ منهن إلا في آخرهن متفق عليه. # الحديث الأول رواه النسائي وابن ماجة من رواية الحكم عن مقسم عن أم سلمة، ~~وقد روي في الايتار بسبع وبخمس أحاديث منها عن عائشة عند محمد بن نصر بلفظ: ~~أوتر بخمس وأوتر بسبع. وعن ابن عباس عند أبي داود بلفظ: ثم صلى سبعا أو ~~خمسا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن وعن أبي أيوب عند النسائي بلفظ: الوتر ~~حق، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس. وعن ميمونة عند النسائي بلفظ: ~~لا يصلح يعني الوتر إلا بتسع أو خمس. وعن أبي هريرة عند الدارقطني وقد ~~تقدم، وفي الايتار بخمس أو بسبع أحاديث كثيرة قد تقدم بعضها وسيأتي بعضها، ~~قال الترمذي: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوتر بثلاث عشرة، ~~وإحدى عشرة، وتسع، وسبع، وخمس، وثلاث، وواحدة اه. وأخرج أبو داود والنسائي ~~عن ابن عباس بلفظ: ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن وأخرجه البخاري عنه بلفظ: # ثم صلى خمس ركعات وأخرج الترمذي وحسنه، والنسائي عن أم سلمة أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أوتر بسبع وسيأتي عن عائشة نحوه. وعن أبي أمامة عند أحمد ~~والطبراني PageV03P044 # نحوه بإسناد صحيح. وعن ابن عباس عند محمد بن نصر نحوه. (والأحاديث) ~~المذكورة في الباب تدل على مشروعية الإيتار بخمس ركعا ت أو بسبع، وهي ترد ~~على من قال بتعين الثلاث، وقد تقدم ذكرهم. # وعن سعيد بن هشام أنه قال لعائشة: أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله متى شاء أن ~~يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في ~~الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي ~~التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ~~ركعتين بعدما يسلم وهو ms1014 قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل ~~صنيعه الأول فتلك تسع يا بني، وكان نبي الله إذا صلى صلاة أحب أن يداوم ~~عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ~~ركعة، ولا أعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ~~ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود والنسائي. وفي رواية لأحمد والنسائي وأبي داود نحوه وفيها: فلما أسن ~~وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا ~~في السابعة وفي رواية للنسائي قالت: فلما أسن وأخذه اللحم صلى سبع ركعات لا ~~يقعد إلا في آخرهن. # الإيتار بتسع مروي من طريق جماعة من الصحابة غير عائشة، والإيتار بسبع قد ~~تقدم ذكر طرقه. قوله: فيتسوك ويتوضأ فيه استحباب السواك عند القيام من ~~النوم. قوله: # ويصلي تسع ركعات الخ فيه مشروعية الإيتار بتسع ركعات متصلة، لا يسلم إلا ~~في آخرها، ويقعد في الثامنة ولا يسلم. قوله: ثم يسلم تسليما يسمعنا فيه ~~استحباب الجهر بالتسليم. قوله: # ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد. أخذ بظاهر الحديث الأوزاعي وأحمد، ~~فيما حكاه القاضي عنهما وأباحا ركعتين بعد الوتر جالسا، قال أحمد: لا أفعله ~~ولا أمنع من فعله، قال: # وأنكره مالك. قال النووي: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما (ص) بعد الوتر ~~جالسا لبيان الجواز ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرة أو مرات قليلة، قال: ~~ولا يغتر بقولها، كان يصلي فإن المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من ~~الأصوليين أن لفظة كان لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض ~~تدل على وقوعه مرة، فإن دل PageV03P045 # دليل عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها، وقد قالت عائشة: كنت أطيب رسول الله ~~صل الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف ومعلوم أنه (ص) لم يحج ms1015 بعد أن صحبته ~~عائشة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع، قال: ولا يقال لعلها طيبته في إحرامه ~~بعمرة، لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالاجماع، فثبت أنها ~~استعملت كان في مرة واحدة، قال: # وإنما تأولنا حديث الركعتين لأن الروايات المشهورة في الصحيحين مصرحة بأن ~~آخر صلاته (ص) في الليل كانت وترا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة مشهورة ~~بالامر بجعل آخر صلاة الليل وترا، فكيف يظن به (ص) مع هذه الأحاديث ~~وأشباهها أن يداوم على ركعتين بعد الوتر، ويجعلهما آخر صلاة الليل، قال: ~~وأما ما أشار إليه القاضي عياض من ترجيح الأحاديث المشهورة ورد رواية ~~الركعتين فليس بصواب، لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينها تعين، وقد ~~جمعنا بينها ولله الحمد اه. وأقول): # أما الأحاديث التي فيها الامر للأمة بأن يجعلوا آخر صلاة الليل وترا فلا ~~معارضة بينها وبين فعله (ص) للركعتين بعد الوتر، لما تقرر في الأصول أن ~~فعله (ص) لا يعارض القول الخاص بالأمة، فلا معنى للاستنكار، وأما أحاديث ~~أنه كان آخر صلاته (ص) من الليل وترا فليس فيها ما يدل على الدوام، لما ~~قرره من عدم دلالة لفظ كان عليه، فطريق الجمع باعتباره صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقال إنه كان يصلي الركعتين بعد الوتر تارة ويدعهما تارة، وأما ~~باعتبار الأمة فغير محتاج إلى الجمع، لما عرفت من أن الأوامر بجعل آخر صلاة ~~الليل وترا مختصة بهم، وأن فعله (ص) لا يعارض ذلك. قال ابن القيم في الهدى: ~~وقد أشكل هذا يعني حديث الركعتين بعد الوتر على كثير من الناس، فظنوه ~~معارضا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا. ثم ~~حكى عن مالك وأحمد ما تقدم، وحكى عن طائفة ما قدمنا عن النووي ثم قال: ~~والصواب أن يقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة وتكميل الوتر، فإن ~~الوتر عبادة مستقلة، ولا سيما إن قيل بوجوبه فتجري الركعتين بعده مجرى سنة ~~المغرب من المغرب فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها، فكذلك ~~الركعتان ms1016 بعد وتر الليل والله أعلم اه. والظاهر ما قدمنا من اختصاص ذلك به ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ورد فعله صلى الله عليه وآله وسلم لهاتين ~~الركعتين بعد الوتر من طريق أم سلمة عند أحمد في المسند ومن طريق غيرها، ~~قال الترمذي: روى نحو هذا عن أبي أمامة وعائشة وغير واحد عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وفي المسند أيضا PageV03P046 # والبيهقي عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان يصلي ~~ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما: ب * (إذا زلزلت الأرض زلزالها) * و ~~* (قل يا أيها الكافرون) * وروى الدارقطني نحوه من حديث أنس، وسيأتي ذكر ~~القائلين باستحباب التنفل لمن استيقظ من النوم، وقد كان أوتر قبله، وحديث ~~أبي بكر وعمر الدال على جواز ذلك في باب: لا وتران في ليلة. قوله: صلى من ~~النهار ثنتي عشرة ركعة فيه مشروعية قضاء الوتر وسيأتي. قوله: ولا صام شهرا ~~كاملا سيأتي في باب ما جاء في صوم شعبان من كتاب الصيام عن عائشة ما يدل ~~على أنه كان يصوم شعبان كله، ويأتي الكلام هنالك إن شاء الله تعالى. قوله: ~~لم يجلس إلا في السادسة والسابعة وفي الرواية الثانية: صلى سبع ركعات لا ~~يقعد إلا في آخرهن. الرواية الأولى تدل على إثبات القعود في السادسة، ~~والرواية الثانية تدل على نفيه، ويمكن الجمع بحمل النفي للقعود في الرواية ~~الثانية على القعود الذي يكون فيه التسليم. وظاهر هذا الحديث وغيره من ~~الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يوتر بدون سبع ركعات. # وقال ابن حزم في المحلى: إن الوتر وتهجد الليل ينقسم إلى ثلاثة عشر وجها، ~~أيها فعل أجزأه، ثم ذكرها واستدل على كل واحد منها ثم قال: وأحبها إلينا ~~وأفضلها أن يصلي ثنتي عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ثم يصلي ركعة واحدة ~~ويسلم. # باب وقت صلاة الوتر والقراءة فيها والقنوت عن خارجة بن حذافة قال: خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة ms1017 فقال: لقد أمدكم الله ~~بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، قلنا: ما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر فيما ~~بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم وصححه وضعفه البخاري، وقال ابن ~~حبان: # إسناده منقطع ومتنه باطل. قال الخطابي: فيه عبد الله بن أبي مرة الزوفي ~~عن خارجة. # (وفي الباب) عن أبي هريرة عند أحمد وابن أبي شيبة، وعنه حديث آخر عند ~~البيهقي وفيه أبو إسماعيل الترمذي وثقه الدارقطني، وقال الحاكم: تكلم فيه ~~أبو حاتم. وعن PageV03P047 # عبد الله بن عمرو عند أحمد والدارقطني وفي إسناده العرزمي وهو ضعيف. وعن ~~بريدة عند أبي داود والحاكم في المستدرك وقال: صحيح. وعن أبي بصرة الغفاري ~~عند أحمد والحاكم والطحاوي وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف ولكنه توبع، وعن سليمان ~~بن صرد عند الطبراني في الأوسط وفي إسناده إسماعيل بن عمرو البجلي، وثقه ~~ابن حبان وضعفه أبو حاتم والدارقطني وابن عدي. وعن ابن عباس عند البزار ~~والطبراني في الكبير، والدارقطني وفي إسناده النصر أبو عمرو الخزاز وهو ~~ضعيف متروك، وقال البخاري: # منكر الحديث. وعن ابن عمر عند البيهقي في الخلافيات، وابن حبان في ~~الضعفاء وفي إسناده حماد بن قيراط وهو ضعيف. وقال أبو حاتم: لا يجوز ~~الاحتجاج به، وكان أبو زرعة يمرض القول فيه. وادعى ابن حبان أن الحديث ~~موضوع، وله حديث آخر عند الطبراني، وفي إسناده أيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم ~~وغيره. وعن ابن مسعود عند البزار وفي إسناده جابر الجعفي وقد ضعفه الجمهور. ~~وعن عبد الله بن أبي أوفى عند البيهقي في الخلافيات وفي إسناده أحمد بن ~~محمد بن مصعب بن بشر بن فضالة وقد قيل: إنه كان يضع المنون والآثار، ويقلب ~~الأسانيد للاخبار. قال أبو حاتم: ولعله قد قلب على الثقات أكثر من عشرة ~~آلاف حديث. وعن علي عليه السلام عند أهل السنن. وعن عقبة بن عامر عند ~~الطبراني وفيه ضعف. وعن عمرو بن العاص عند الطبراني أيضا وفيه ضعف. # وعن معاذ بن ms1018 جبل عند أحمد وفي إسناده عبيد الله بن زحر وهو ضعيف وفيه ~~انقطاع. # وعن أبي أيوب عند الطبراني في الكبير والأوسط. قوله: أمدكم الامداد يكون ~~بمعنى الإعانة، ومنه الامداد بالملائكة وبمعنى الاعطاء ومنه: * (وأمددناهم ~~بفاكهة) * (الطور: 22) الآية، فيحتمل أن يكون هذا من الإعانة، أي أعانكم ~~بها على الانتهاء عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى: * (إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر) * (العنكبوت: 45). ويحتمل أن يكون من الاعطاء، قال ~~العراقي: والظاهر أن المراد الزيادة في الاعطاء، ويدل عليه قوله في بعض طرق ~~الحديث: (إن الله زادكم صلاة) كما في حديث عبد الله بن عمرو، وأبي بصرة، ~~وابن عمر، وابن أبي أوفى، وعقبة بن عامر. قوله: الوتر بكسر الواو وفتحها ~~لغتان، وقرئ بهما في السبعة. قوله: (بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) استدل ~~به على أن أول وقت الوتر يدخل بالفراغ من صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع ~~الفجر، كما قالت عائشة في الحديث الصحيح. وانتهى وتره إلى السحر، وفي وجه ~~لأصحاب الشافعي أنه يمتد بعد طلوع الفجر إلى صلاة الصبح، وفي وجه آخر ~~PageV03P048 # يمتد إلى صلاة الظهر. وفي وجه آخر أنه يصح الوتر قبل العشاء، وكلها ~~مخالفة للأدلة. # (واستدل) بالحديث أيضا أبو حنيفة على وجوب الوتر، وقد تقدم الكلام على ~~ذلك، واستدل به أيضا على أن الوتر أفضل من ركعتي الفجر، وقد تقدمت الإشارة ~~إليه. # واستدل به المصنف أيضا على أن الوتر لا يصح الاعتداد به قبل العشاء فقال ~~ما لفظه: # وفيه دليل على أنه لا يعتد به قبل العشاء بحال انتهى. # وعن عائشة قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر رواه الجماعة. وعن أبي ~~سعيد: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أوتروا قبل أن تصبحوا رواه ~~الجماعة إلا البخاري وأبا داود. # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيكم خاف أن لا يقوم من ~~آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام ms1019 من آخر الليل فليوتر من آخره، ~~فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة. # في الباب أحاديث منها عن أبي هريرة عند البزار والطبراني في الأوسط قال: # سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر كيف توتر؟ قال: أوتر أول ~~الليل، قال: # حذر كيس، ثم سأل عمر: كيف توتر؟ قال: من آخر الليل، قال: قوي معان. وفي ~~إسناده سليمان بن داود اليمامي وقد ضعف. وعن أبي مسعود عند أحمد والطبراني: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوتر من أول الليل وأوسطه وآخره قال ~~العراقي: وإسناده صحيح. وعن أبي قتادة عند أبي داود بنحو حديث أبي هريرة ~~المتقدم، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وقال العراقي: صحيح. وعن ابن عمر عند ~~ابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة المتقدم وصححه الحاكم، وعن عقبة بن عامر عند ~~الطبراني بنحو حديث أبي هريرة المتقدم أيضا. وعن علي عليه السلام عند ابن ~~ماجة بلفظ: من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أوله ~~وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر قال العراقي: وإسناده جيد. وعن أبي موسى عند ~~الطبراني في الكبير قال: كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أحيانا أول الليل ووسطه ليكون سعة للمسلمين وعن ابن عمر عند أبي داود ~~والترمذي وصححه والحاكم في المستدرك بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: بادروا الصبح بالوتر وله حديث آخر عند الترمذي بلفظ: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل ~~والوتر، فأوتروا قبل PageV03P049 # طلوع الفجر. وعن أبي ذر عند النسائي بلفظ: أوصاني خليلي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أوصاني بصلاة الضحى والوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل ~~شهر. وعن سعد بن أبي وقاص عند أحمد بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: الذي لا ينام حتى يوتر حازم وعن علي عليه السلام عند البزار ~~قال: نهاني رسول ms1020 الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنام إلا على وتر. وفي ~~إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه أحمد وضعفه الجمهور. وعن عمر ~~عند ابن ماجة بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تسأل ~~الرجل فيم يضرب امرأته ولا تنم إلا على وتر. والحديث عند أبي داود ~~والنسائي، ولكنهما اقتصرا على النهي عن السؤال عن ضرب الرجل امرأته. وعن ~~أبي الدرداء عند مسلم بنحو حديث أبي ذر المتقدم. (وأحاديث) الباب تدل على ~~أن جميع الليل وقت للوتر إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، إذ لم ينقل أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أوتر فيه، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر ~~ولا غيرهم، إلا ما قدمنا أنه يجوز ذلك في وجه لأصحاب الشافعي، وهو وجه ضعيف ~~صرح بذلك العراقي وغيره منهم. وقد حكى صاحب المفهم الاجماع على أنه لا يدخل ~~وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء، وورد في حديث عائشة الصحيح: أنه كان يصلي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما بين أن يصلي العشاء إلى أن يطلع الفجر إحدى ~~عشرة ركعة. # واستدل بحديث أبي سعيد وما شابهه من الأحاديث المذكورة في الباب على أن ~~الوتر لا يجوز بعد الصبح، وهو يرد على ما تقدم في أحد الوجوه لأصحاب ~~الشافعي أنه يمتد إلى صلاة الصبح أو إلى صلاة الظهر. واستدل بحديث جابر وما ~~في معناه من الأحاديث المذكورة على مشروعية الإيتار قبل النوم لمن خاف أن ~~ينام عن وتره، وعلى مشروعية تأخيره إلى آخره لمن لم يخف ذلك، ويمكن تقييد ~~الأحاديث المطلقة التي فيها الوصية بالوتر قبل النوم، والامر به بالأحاديث ~~المقيدة بمخافة النوم عنه. # وعن أبي بن كعب قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الوتر * ~~(بسبح اسم ربك الأعلى) * و * (قل يا أيها الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) ~~*. رواه الخمسة إلا الترمذي، وللخمسة إلا أبا داود مثله من حديث ابن عباس، ~~وزاد أحمد والنسائي في حديث أبي: # فإذا ms1021 سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات ولهما مثله من حديث عبد ~~الرحمن بن أبزى وفي آخره: ورفع صوته في الآخرة. # حديث أبي بن كعب قد تقدم وتقدم الكلام عليه، ولعل إعادة المصنف لذكره ~~PageV03P050 # لهذه الزيادة التي ذكرها أعني قوله: فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ~~ثلاث مرات قال العراقي: وهي مصرح بها في حديث أبي بكعب وعبد الرحمن بن أبزى ~~وكلاهما عند النسائي بإسناد صحيح انتهى. وقد أخرجهما أيضا البزار من حديث ~~ابن أبي أوفى وقال: أخطأ فيه هاشم بن سعيد، لأن الثقات يروونه عن زبيد، عن ~~سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: وزاد هاشم: فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس وليس هذا في حديث غيره. ~~قال العراقي: بل هذه الزيادة في حديث غيره من الثقات انتهى. وعبد الرحمن بن ~~أبزى قد وقع الاختلاف في صحبته كما قدمنا، وقد اختلفوا هل هذا الحديث من ~~روايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من روايته عن أبي بن كعب عن ~~النبي (ص)، قال الترمذي: يروى عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب، ويروى ~~عن عبد الرحمن بن أبزى عن النبي (ص). # وعن الحسن بن علي عليه السلام: قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن ~~عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك ~~تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت. وعن علي بن ~~أبي طالب عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ~~آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ ~~بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواهما الخمسة. # أما حديث الحسن فأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني ~~والبيهقي من طريق بريد، عن أبي الحوراء بالحاء المهملة والراء، ms1022 عن الحسن، ~~وأثبت بعضهم الفاء في قوله: فإنك تقضي وبعضهم أسقطها، وزاد الترمذي قبل: ~~تباركت وتعاليت سبحانك. # وزاد البيهقي قبل تباركت وتعاليت أيضا: ولا يعز من عاديت. قال النووي في ~~الخلاصة بسند ضعيف وتبعه ابن الرفعة فقال: لم تثبت هذه الرواية، قال ~~الحافظ: وهو معترض فإن البيهقي رواها من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي ~~إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن أو الحسين بن علي، ~~وهذا التردد من إسرائيل إنما هو في الحسن أو الحسين، قال البيهقي: كأن الشك ~~إنما وقع في الاطلاق أو في النسبة، قال: ويؤيد الشك أن أحمد بن حنبل أخرجه ~~في مسند الحسين من مسنده من غير تردد، ومن حديث PageV03P051 # شريك عن أبي إسحاق بسنده قال: وهذا وإن كان الصواب خلافه، والحديث من ~~حديث الحسن لا من حديث أخيه الحسين، فإنه يدل على أن الوهم فيه من أبي ~~إسحاق، فلعله ساء فيه حفظه فنسي هل هو الحسن أو الحسين؟ قال: ثم إن الزيادة ~~أعني قوله: ولا يعز من عاديت رواها الطبراني أيضا من حديث شريك وزهير بن ~~معاوية عن أبي إسحاق، ومن حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق، ثم ذكره الحافظ ~~بإسناد له متصل وفيه تلك الزيادة، وزاد النسائي بعد قوله: تباركت وتعاليت ~~وصلى الله على النبي. قال النووي: إنها زيادة بسند صحيح أو حسن، وتعقبه ~~الحافظ بأنه منقطع. وروى تلك الزيادة الطبراني والحاكم، وقد ضعف ابن حبان ~~حديث الحسن هذا. وقال: توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن ابن ~~ثماني سنين فكيف يعلمه صلى الله عليه وآله وسلم هذا الدعاء؟. وقد أشار صاحب ~~البدر المنير إلى تضعيف كلام ابن حبان، وقد نبه ابن خزيمة وابن حبان على أن ~~قوله في قنوت الوتر تفرد به أبو إسحاق عن بريد بن أبي مريم وتبعه ابناه ~~يونس وإسرائيل، وقد رواه شعبة وهو أحفظ من مائتين مثل أبي إسحاق وابنيه، ~~فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر وإنما قال: كان يعلمنا هذا الدعاء وأيد ms1023 ذلك ~~الحافظ برواية الدولابي والطبراني فإن فيها التصريح بالقنوت، وكذلك رواية ~~البيهقي عن ابن الحنفية، وكذلك رواية محمد بن نصر. وروى البيهقي عن ابن ~~عباس وابن الحنفية أنهما كانا يقولان: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات وفي إسناده عبد الرحمن بن ~~هرمز، قال الحافظ: وهو محتاج إلى الكشف عن حاله. وقال ابن حبان: # إن ذكر صلاة الصبح ليس بمحفوظ. وقال ابن النحوي: إن إسنادها جيد، وصرح ~~الحافظ في بلوغ المرام أن إسنادها ضعيف، وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة ~~بلفظ حديث الحسن مقيدا بصلاة الصبح وقال: صحيح. قال الحافظ: وليس كما قال ~~وهو ضعيف، لأن في إسناده عبد الله بن سعيد المقبري، ولولاه لكان صحيحا، ~~وكان الاستدلال به أولى من الاستدلال بحديث الحسن بن علي في قنوت الوتر. ~~وروى الطبراني في الأوسط من حديث بريدة نحوه، وفي إسناده كما قال الحافظ ~~رحمه الله تعالى مقال. وأما حديث علي المذكور فأخرجه أيضا البيهقي والحاكم ~~وصححه مقيدا بالقنوت. وأخرجه الدارمي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان في ~~كتبهم وليس فيه ذكر الوتر. (وفي الباب) عن علي حديث آخر عند الدارقطني ~~بلفظ: قنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الوتر وفي إسناده ~~PageV03P052 # عمرو بن شمر الجعفي أحد الكذابين الوضاعين. وعن أبي بكر وعمر وعثمان عند ~~الدارقطني أنهم كانوا يقولون: قنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك وفي إسناده أيضا عمرو بن شمر المذكور. وعن أبي ~~بن كعب عند النسائي وابن ماجة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يوتر فيقنت قبل الركوع. وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة في المصنف ~~والدارقطني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقنت في الوتر قبل ~~الركوع وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو ضعيف. وعن ابن عباس عند محمد بن ~~نصر المروزي قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في ms1024 صلاة الصبح ~~بهؤلاء الكلمات وقد تقدم. وعن ابن عمر عند الحاكم في كتاب القنوت: قال: إن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم أحد بنيه في القنوت: اللهم اهدني فيمن ~~هديت الحديث. وعن عبد الرحمن بن أبزى عند محمد بن نصر وفيه ذكر القنوت في ~~الوتر. وعن أم عبد أم عبد الله بن مسعود عند ابن أبي شيبة والدارقطني ~~والبيهقي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قنت قبل الركوع والأحاديث المذكورة ~~تدل على مشروعية القنوت بهذا الدعاء المذكور في حديث الحسن وفي حديث علي. ~~وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة وبعض الشافعية من غير فرق بين رمضان ~~وغيره، وروى ذلك الترمذي عن ابن مسعود. ورواه أيضا عنه محمد بن نصر، قال ~~العراقي: بأسانيد جيدة. ورواه محمد بن نصر أيضا عن علي وعمر. وحكاه ابن ~~المنذر عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبي ثور، ورواية عن أحمد. وروى ~~محمد بن نصر عن علي عليه السلام أنه كان يقنت في النصف الأخير من رمضان وهو ~~من رواية الحرث عنه. وروى أبو داود أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن ~~كعب وكان يصلي لهم عشرين ليلة ولا يقنت إلا في النصف الباقي من رمضان. وروى ~~محمد بن نصر بإسناد صحيح: أن ابن عمر كان لا يقنت في الصبح ولا في الوتر ~~إلا في النصف الآخر من رمضان وروى العراقي عن معاذ بن الحرث الأنصاري أنه ~~كان إذا انتصف رمضان لعن الكفرة. قال: وعن الحسن كانوا يقنتون في النصف ~~الأخير من رمضان. وروي أيضا عن الزهري أنه قال: لا قنوت في السنة كلها إلا ~~في النصف الأخير من رمضان. وروي عن عثمان بن سراقة نحوه. وذهب مالك فيما ~~حكاه النووي في شرح المهذب وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي كما قال العراقي إلى ~~مشروعية القنوت في جميع رمضان دون بقية السنة، وذهب الحسن وقتادة ومعمر، ~~PageV03P053 # كما روى ذلك محمد بن نصر عنهم أنه يقنت في جميع السنة إلا في النصف الأول ~~من رمضان. # وقد ms1025 روي عن الحسن القنوت في جميع السنة كما تقدم. وذهب طاوس إلى أن ~~القنوت في الوتر بدعة. وروى ذلك محمد بن نصر عن ابن عمر وأبي هريرة وعروة ~~بن الزبير. # وروي عن مالك مثل ذلك. قال بعض أصحاب مالك: سألت مالكا عن الرجل يقوم ~~لأهله في شهر رمضان أترى أن يقنت بهم في النصف الباقي من الشهر؟ فقال مالك: ~~لم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قنت ولا أحدا من أولئك، وما ~~هو من الامر القديم، وما أفعله أنا في رمضان ولا أعرف القنوت قديما. وقال ~~معن بن عيسى عن مالك: لا يقنت في الوتر عندنا. وقال ابن العربي: اختلف قول ~~مالك فيه في صلاة رمضان قال: والحديث لم يصح والصحيح عندي تركه، إذ لم يصح ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله ولا قوله اه. # قال العراقي: قلت بل هو صحيح أحسن. وروى محمد بن نصر أنه سئل سعيد بن ~~جبير عن بدء القنوت في الوتر فقال: بعث عمر بن الخطاب جيشا فتورطوا متورطا ~~خاف عليهم، فلما كان النصف الآخر من رمضان قنت يدعو لهم، فهذه خمسة مذاهب ~~في القنوت، وبها يتبين عدم صحة دعوى المهدي في البحر أنه مجمع عليه في ~~النصف الأخير من رمضان. وقد اختلف في كونه قبل الركوع أو بعده، ففي بعض طرق ~~الحديث عند البيهقي التصريح بكونه بعد الركوع وقال: تفرد بذلك أبو بكر بن ~~شيبة الحزامي، وقد روى عنه البخاري في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات، ~~فلا يضر تفرده. وأما القنوت قبل الركوع فهو ثابت عند النسائي من حديث أبي ~~بن كعب كما تقدم وعبد الرحمن بن أبزى، وضعف أبو داود ذكر القنوت فيه، وثابت ~~أيضا في حديث ابن مسعود كما تقدم. قال العراقي: وهو ضعيف، قال: ويعضد كونه ~~بعد الركوع أولى فعل الخلفاء الأربعة لذلك، والأحاديث الواردة في الصبح كما ~~تقدم في بابه. وقد روى محمد بن نصر عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ms1026 وسلم كان يقنت بعد الركعة وأبو بكر وعمر، حتى كان عثمان فقنت قبل ~~الركعة ليدرك الناس قال العراقي: وإسناده جيد. قوله في حديث علي: وأعوذ بك ~~منك أي أستجير بك من عذابك. PageV03P054 # باب لا وتران في ليلة وختم صلاة الليل بالوتر وما جاء في نقضه عن طلق بن ~~علي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # لا وتران في ليلة رواه الخمسة إلا ابن ماجة. وعن ابن عمر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا رواه الجماعة إلا ~~ابن ماجة. # أما حديث طلق بن علي فحسنه الترمذي، قال عبد الحق: وغير الترمذي صححه، ~~وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه وقد احتج به على أنه لا يجوز نقض الوتر. ومن ~~جملة المحتجين به على ذلك طلق بن علي الذي رواه كما قال العراقي قال: وإلى ~~ذلك ذهب أكثر العلماء وقالوا: إن من أوتر وأراد الصلاة بعد ذلك لا ينقض ~~وتره ويصلي شفعا شفعا حتى يصبح، قال: فمن الصحابة أبو بكر الصديق وعمار بن ~~ياسر ورافع بن خديج وعائد بن عمرو وطلق بن علي وأبو هريرة وعائشة. ورواه ~~ابن أبي شيبة في المصنف عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس. وممن قال ~~به من التابعين سعيد بن المسيب وعلقمة والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن ~~جبير ومكحول والحسن البصري، روى ذلك ابن أبي شيبة عنهم في المصنف أيضا. ~~وقال به من التابعين: طاوس وأبو مجلز، ومن الأئمة: سفيان الثوري ومالك وابن ~~المبارك وأحمد، روى ذلك الترمذي عنهم في سننه وقال: إنه أصح. ورواه العراقي ~~عن الأوزاعي والشافعي وأبي ثور، وحكاه القاضي عياض عن كافة أهل الفتيا، ~~وروى الترمذي عن جماعة من أصحاب النبي (ص) ومن بعدهم جواز نقض الوتر ~~وقالوا: يضيف إليها أخرى ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، قال: وذهب ~~إليه إسحاق، واستدلوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب وقالوا: إذا أوتر ثم ~~نام ثم قام فلم يشفع وتره وصلى ms1027 مثنى مثنى كما قال الأولون ولم يوتر في آخر ~~صلاته كان قد جعل آخر صلاته من الليل شفعا لا وترا، وفيه مخالفة لقوله (ص): ~~اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا واستدل الأولون على جواز صلاة الشفع بعد ~~الوتر بحديث عائشة المتقدم، وبحديث أم سلمة الآتي، وقد قدمنا الكلام على ~~ذلك في شرح حديث عائشة. # وعن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن ~~أنام ثم أردت أن أصلي بالليل شفعت بواحدة ما مضى من وتري ثم صليت مثنى ~~مثنى، فإذا PageV03P055 # قضيت صلاتي أوترت بواحدة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا ~~أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر رواه أحمد. وعن علي قال: الوتر ثلاثة أنواع: ~~فمن شاء أن يوتر أول الليل أوتر، فإن استيقظ فشاء أن يشفعها بركعة ويصلي ~~ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر فعل، وإن شاء ركعتين حتى يصبح، وإن شاء آخر ~~الليل أوتر رواه الشافعي في مسنده. # حديث ابن عمر قال في مجمع الزوائد: فيه ابن إسحاق وهو مدلس وهو ثقة، ~~وبقية رجاله رجال الصحيح اه. والمرفوع من حديث ابن عمر متفق عليه كما تقدم. ~~وأثر علي أخرجه البيهقي أيضا، وقد استدل به ابن عمر ومن معه على جواز نقض ~~الوتر، وقد قدمنا وجه دلالته على ذلك. وقد ناقضهم القائلون بعدم الجواز، ~~فاستدلوا به على أنه لا يجوز النقض، قالوا: لأن الرجل إذا أوتر أول الليل ~~فقد قضى وتره، فإذا هو نام بعد ذلك ثم قام وتوضأ وصلى ركعة أخرى فهذه صلاة ~~غير تلك الصلاة، وغير جائز في النظر أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى ~~التي صلاها في أول الليل، فلا يصير أن صلاة واحدة، وبينهما نوم وحدث ووضوء ~~وكلام في الغالب، وإنما هما صلاتان متباينتان كل واحدة غير الأولى، ومن فعل ~~ذلك فقد أوتر مرتين، ثم إذا هو أوتر أيضا في آخر صلاته صار موترا ثلاث ~~مرات. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ms1028 اجعلوا آخر ~~صلاتكم من الليل وترا وهذا قد جعل الوتر في مواضع من صلاة الليل. وأيضا ~~قال: صلى الله عليه وسلم لا وتران في ليلة وهذا قد أوتر ثلاث مرات. # وعن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يركع ركعتين بعد ~~الوتر رواه الترمذي. ورواه أحمد وابن ماجة وزاد: وهو جالس وقد سبق هذا ~~المعنى من حديث عائشة وهو حجة لمن لم ير نقض الوتر. وقد روى سعيد بن ~~المسيب: أن أبا بكر وعمر تذاكرا الوتر عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال أبو بكر: أما أنا فأصلي ثم أنام على وتر، فإذا استيقظت صليت شفعا ~~شفعا حتى الصباح. وقال عمر: ولكن أنام على شفع ثم أوتر من آخر السحر، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: حذر هذا، وقال لعمر: قوي هذا رواه ~~أبو سليمان الخطابي بإسناده. # أما حديث أم سلمة فصححه الدارقطني في سننه، ثبت ذلك في رواية محمد بن عبد ~~الملك بن بشران عنه، وليس في رواية أبي طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم عن ~~الدارقطني تصحيح له، كذا قال العراقي. قال الترمذي: وقد روي نحو هذا عن أبي ~~أمامة PageV03P056 # وعائشة وغير واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اه. وأما حديث عائشة ~~الذي أشار إليه المصنف فقد تقدم وتقدم شرحه. وأما حديث أبي بكر وعمر فقد ~~ورد من طرق ليس فيها قول أبي بكر، فإذا استيقظت صليت شفعا شفعا، منها عند ~~البزار والطبراني عن أبي هريرة. ومنها عند ابن ماجة عن جابر. ومنها عند أبي ~~داود والحاكم عن أبي قتادة. # ومنها عند ابن ماجة عن ابن عمر. ومنها عند الطبراني في الكبير، ومحمد بن ~~نصر عن عقبة بن عامر، فإن صحت هذه الزيادة التي ذكرها الخطابي كانت صالحة ~~للاستدلال بها على من أجاز التنفل بعد الوتر، وقد تقدم ذكرهم، وإن لم تصح ~~فالكلام ما قدمنا في شرح حديث عائشة من اختصاص الركعتين بعد الوتر به صلى ~~الله ms1029 عليه وآله وسلم لما سلف. # باب قضاء ما يفوت من الوتر والسنن الراتبة والأوراد عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من نام عن وتره أو نسيه ~~فليصله إذا ذكره رواه أبو داود. # الحديث أخرجه الترمذي وزاد: أو إذا استيقظ وأخرجه أيضا ابن ماجة والحاكم ~~في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، وإسناد الطريق التي أخرجه منها ~~أبو داود صحيح كما قال العراقي، وإسناد طريق الترمذي وابن ماجة ضعيف، ~~أوردها ابن عدي وقال: إنها غير محفوظة، وكذا أوردها ابن حبان في الضعفاء، ~~وأخرجه الترمذي من طريق زيد بن أسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من نام عن وتره فليصل إذا أصبح قال: وهذا أصح من الحديث الأول، يعني ~~حديث أبي سعيد. (وفي الباب) عن عبد الله بن عمر عند الدارقطني قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من فاته الوتر من الليل فليقضه من الغد ~~قال العراقي: وإسناده ضعيف، وله حديث آخر عند البيهقي: أن النبي (ص) أصبح ~~فأوتر وعن أبي هريرة عند الحاكم والبيهقي قال: قال رسول الله (ص): إذا أصبح ~~أحدكم ولم يوتر فليوتر وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وعن أبي الدرداء عند ~~الحاكم والبيهقي بلفظ: ربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر ~~وقد قام الناس لصلاة الصبح وصححه الحاكم. # وعن الأغر المزني عند الطبراني في الكبير بلفظ: أن رجلا قال: يا نبي الله ~~إني أصبحت ولم أوتر، فقال: إنما الوتر بالليل، فقال: يا نبي الله إني أصبحت ~~ولم أوتر، قال: PageV03P057 # فأوتر وفي إسناده خالد بن أبي كريمة، ضعفه ابن معين وأبو حاتم، ووثقه ~~أحمد وأبو داود والنسائي. وعن عائشة عند أحمد والطبراني في الأوسط بلفظ: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصبح فيوتر وإسناده حسن. (الحديث) ~~يدل على مشروعية قضاء الوتر إذا فات، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة علي بن ~~أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ms1030 وعبد الله بن عمر، وعبادة ~~بن الصامت، وعامر بن ربيعة، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وفضالة بن عبيد، ~~وعبد الله بن عباس، كذا قال العراقي. قال: ومن التابعين عمرو بن شرحبيل، ~~وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن المنتشر، وأبو العالية، وحماد ~~بن أبي سليمان. ومن الأئمة: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، ~~والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة، ~~ثم اختلف هؤلاء إلى متى يقضي على ثمانية أقوال: أحدها ما لم يصل الصبح وهو ~~قول ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي ~~ومكحول وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي أيوب وأبي خيثمة، حكاه ~~محمد بن نصر عنهم. ثانيها: أنه يقضي الوتر ما لم تطلع الشمس ولو بعد صلاة ~~الصبح وبه قال النخعي. # ثالثها: أنه يقضي بعد الصبح وبعد طلوع الشمس إلى الزوال، روي ذلك عن ~~الشعبي وعطاء والحسن وطاوس ومجاهد وحماد بن أبي سليمان، وروي أيضا عن ابن ~~عمر. # رابعها: أنه لا يقضيه بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فيقضيه نهارا حتى يصلي ~~العصر، فلا يقضيه بعده، ويقضيه بعد المغرب إلى العشاء، ولا يقضيه بعد ~~العشاء لئلا يجمع بين وترين في ليلة، حكي ذلك عن الأوزاعي. خامسها: أنه إذا ~~صلى الصبح لا يقضيه نهارا لأنه من صلاة الليل، ويقضيه ليلا قبل وتر الليلة ~~المستقبلة، ثم يوتر للمستقبلة، روي ذلك عن سعيد بن جبير. سادسها: أنه إذا ~~صلى الغداة أوتر حيث ذكره نهارا، فإذا جاءت الليلة الأخرى ولم يكن أوتر لم ~~يوتر لأنه إن أوتر في ليلة مرتين صار وتره شفعا، حكي ذلك عن الأوزاعي أيضا. ~~سابعها: أنه يقضيه أبدا ليلا ونهارا، وهو الذي عليه فتوى الشافعية. ثامنها: ~~التفرقة بين أن يتركه لنوم أو نسيان، وبين أن يتركه عمدا، فإن تركه لنوم أو ~~نسيان قضاه إذا استيقظ، أو إذا ذكر في أي وقت كان ليلا أو نهارا وهو ظاهر ~~الحديث، واختاره ابن حزم واستدل بعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~نام عن ms1031 صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها قال: وهذا عموم يدخل فيه كل صلاة ~~فر ض أو نافلة، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر ندب، قال: ومن تعمد ~~تركه حتى دخل الفجر فلا يقدر على قضائه أبدا، PageV03P058 # قال: فلو نسيه أحببنا له أن يقضيه أبدا متى ذكره ولو بعد أعوام. وقد ~~استدل بالامر بقضاء الوتر على وجوبه وحمله الجمهور على الندب، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك. # وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من نام ~~عن حزبه من الليل أو عن شئ منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له ~~كأنما قرأه من الليل رواه الجماعة إلا البخاري. وثبت عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو رجع صلى من النهار اثنتي ~~عشرة ركعة، وقد ذكرنا عنه قضاء السنن في غير حديث. # قوله: عن حزبه الحزب بكسر الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها باء موحدة ~~الورد، والمراد هنا الورد من القرآن، وقيل: المراد ما كان معتاده من صلاة ~~الليل. (والحديث) يدل على مشروعية اتخاذ ورد في الليل. وعلى مشروعية قضائه ~~إذا فات لنوم أو عذر من الاعذار، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة ~~الظهر كان كمن فعله في الليل. قوله: # وثبت عنه (ص) الخ هو ثابت من حديث عائشة عند مسلم والترمذي وصححه ~~والنسائي. وفيه استحباب قضاء التهجد إذا فاته من الليل، ولم يستحب أصحاب ~~الشافعي قضاءه، إنما استحبوا قضاء السنن الرواتب، ولم يعدوا التهجد من ~~الرواتب. قوله: # وقد ذكرنا عند قضاء السنن في غير حديث قد تقدم بعض من ذلك في باب القضاء ~~وبعض في أبواب التطوع. # باب صلاة التراويح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه الجماعة. وعن عبد الرحمن بن ~~عوف: ms1032 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله عز وجل فرض صيام رمضان ~~وسننت قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ~~رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. # حديث عبد الرحمن بن عوف في إسناده النضر بن شيبان وهو ضعيف. وقال ~~النسائي: # هذا الحديث خطأ، والصواب حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. قوله: من غير أن ~~يأمر فيه بعزيمة. فيه التصريح بعدم وجوب القيام، وقد فسره بقوله: من قام ~~الخ فإنه يقتضي الندب PageV03P059 # دون الايجاب، وأصرح منه قوله في الحديث الآخر: وسننت قيامه بعد قوله: فرض ~~صيام رمضان. # قوله: من قام رمضان المراد قيام لياليه مصليا، ويحصل بمطلق ما يصدق عليه ~~القيام، وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل، قيل: ويكون أكثر الليل. ~~وقال النووي: إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها ~~المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرماني ~~فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. قوله: إيمانا ~~واحتسابا قال النووي: معنى إيمانا تصديقا بأنه حق معتقدا فضيلته، ومعنى ~~احتسابا أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما ~~يخالف الاخلاص. قوله: غفر له ما تقدم من ذنبه زاد أحمد والنسائي: وما تأخر. ~~قال الحافظ: وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر عدة أحاديث جمعتها في كتاب ~~مفرد اه. (قيل) ظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر، وبذلك جزم ابن ~~المنذر، وقيل: الصغائر فقط وبه جزم إمام الحرمين. قال النووي: وهو المعروف ~~عند الفقهاء، وعزاه عياض إلى أهل السنة، وقد أورد أن غفران الذنوب المتقدمة ~~معقول، وأما المتأخرة فلا، لأن المغفرة تستدعي سبق ذنب، وأجيب عنه بأن ذلك ~~كناية عن عدم الوقوع. وقال الماوردي: إنها تقع منهم الذنوب مغفورة. ~~(والحديث) يدل على فضيلة قيام رمضان وتأكد استحبابه، واستدل به أيضا على ~~استحباب صلاة التراويح، لأن القيام المذكور في الحديث المراد به صلاة ~~التراويح كما تقدم عن النووي والكرماني. قال النووي: اتفق ms1033 العلماء على ~~استحبابها. قال: واختلفوا في أن الأفضل صلاتها في بيته منفردا أم في جماعة ~~في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية ~~وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله ~~عنهم واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة ~~العيد، وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على ~~الكفاية، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت ~~لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا ~~المكتوبة متفق عليه. وقالت العترة: إن التجميع فيها بدعة وسيأتي تمام ~~الكلام على صلاة التراويح. # وعن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فلم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم ~~يقم بنا في الثالثة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول ~~الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: إنه من قام مع الامام حتى ينصرف كتب ~~له قيام ليلة، ثم لم يقم بنا حتى PageV03P060 # بقي ثلاث من الشهر فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى ~~تخوفنا الفلاح قلت له: وما الفلاح؟ قال: السحور رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث رجال إسناده عند أهل السنن كلهم رجال الصحيح. قوله: فلم يصل بنا ~~لفظ أبي داود: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رمضان فلم يقم ~~بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع. قوله: لو نفلتنا النفل محركة في الأصل ~~الغنيمة والهبة، ونفله النفل وأنفله أعطاه إياه، والمراد هنا لو قمت بنا ~~طول ليلتنا ونفلتنا من الاجر الذي يحصل من ثواب الصلاة. قوله: فصلى بنا في ~~الثالثة أي في ليلة ثلاث بقيت من الشهر، وكذا قوله في السادسة في الخامسة. ~~وفيه أنه كان يتخولهم بقيام الليل لئلا يثقل عليهم كما كان ذلك ديدنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم في الموعظة، فكان ms1034 يقوم بهم ليلة ويدع القيام أخرى، ~~وفيه تأكد مشروعية القيام في الافراد من ليالي العشر الآخرة من رمضان لأنها ~~مظنة الظفر بليلة القدر. قوله: ودعا أهله ونساءه وفيه استحباب ندب الأهل ~~إلى فعل الطاعات وإن كانت غير واجبة. وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رحم الله رجلا ~~قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضخ في وجهها الماء، رحم الله ~~امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضخت في وجهه الماء. وأخرج ~~أبو داود والنسائي وابن ماجة أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو ~~صلى ركعتين جميعا كتب في الذاكرين والذاكرات. قوله: الفلاح قال في القاموس: ~~الفلاح الفوز والنجاة والبقاء في الخير. والسحور قال: والسحور ما يتسحر به ~~أي ما يؤكل في وقت السحر وهو قبيل الصبح. (والحديث) استدل به على استحباب ~~صلاة التراويح، لأن الظاهر منه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمهم في تلك ~~الليالي. # وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته ~~ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة ~~فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أصبح قال: رأيت ~~الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم وذلك ~~في رمضان متفق عليه. وفي رواية: قالت: # كان الناس يصلون في المسجد في رمضان بالليل أوزاعا، يكون مع الرجل الشئ ~~من القرآن فيكون معه النفر الخمسة أو السبعة أو أقل من ذلك أو أكثر يصلون ~~بصلاته، قالت: فأمرني PageV03P061 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي ~~ففعلت، فخرج إليه بعد أن صلى عشاء الآخرة، فاجتمع إليه من في المسجد فصلى ~~بهم وذكرت القصة بمعنى ما تقدم غير أن فيها ms1035 أنه لم يخرج إليهم في الليلة ~~الثانية رواه أحمد. # قوله: صلى في المسجد الخ، قال النووي: فيه جواز النافلة جماعة، ولكن ~~الاختيار فيها الانفراد إلا نوافل مخصوصة وهي العيد والكسوف والاستسقاء. ~~وكذا التراويح عند الجمهور كما سبق. وفيه جواز النافلة في المسجد وإن كان ~~البيت أفضل، ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما فعلها في المسجد ~~لبيان الجواز، أو أنه كان معتكفا. وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته ~~قال: وهذا صحيح على المشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء، ولكن إن نوى الامام ~~إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم، وإن لم ينوها حصلت لهم ~~فضيلة الجماعة، ولا تحصل للامام على الأصح لأنه لم ينوها، والأعمال ~~بالنيات، وأما المأمومون فقد نووها. وفيه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة أو ~~مصلحتان اعتبر أهمها، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان رأى الصلاة في ~~المسجد مصلحة لما ذكرناه، فلما عارضه خوف الافتراض عليهم تركه لعظم المفسدة ~~التي يخاف من عجزهم وتركهم للفرض، وفيه أن الامام وكبير القوم إذا فعل شيئا ~~خلاف ما يتوقعه أتباعه، وكان له فيه عذر يذكره لهم تطييبا لقلوبهم وإصلاحا ~~لذا ت البين لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السوء. قوله: أوزاعا أي ~~جماعات. والحديث) استدل به المصنف على صلاة التراويح. وقد استدل به على ذلك ~~غيره كالبخاري، فإنه ذكره من جملة الأحاديث التي ذكرها في كتاب التراويح من ~~صحيحه. ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل الصلاة في ~~المسجد وصلى خلفه الناس ولم ينكر عليهم، وكان ذلك في رمضان، ولم يترك إلا ~~لخشية الافتراض، فصح الاستدلال به على مشروعية مطلق التجمع في النوافل في ~~ليالي رمضان، وأما فعلها على الصفة التي يفعلونها الآن من ملازمة عدد مخصوص ~~وقراءة مخصوصة في كل ليلة فسيأتي الكلام عليه. (ومن جملة) ما استدل به ~~البخاري عليها حديث عائشة وهو أيضا في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى ms1036 في المسجد وصلى رجال بصلاته، ~~فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا، ~~فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فصلى PageV03P062 # بصلاته، فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما ~~قضى الصلاة أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ~~ولكن خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم والامر على ذلك. # وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى ~~المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي ~~بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ~~ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة ~~قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ~~يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري. ولمالك في الموطأ ~~عن يزيد بن رومان قال: كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ~~ركعة. # قوله: أوزاع قد تقدم تفسيره. قوله: فقال عمر: نعمت البدعة قال في الفتح: ~~البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع على مقابلة السنة ~~فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي ~~حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من ~~قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة انتهى. قوله: بثلاث وعشرين ركعة ~~قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك. ووهم في ضوء النهار فقال: إن في ~~سنده أبا شيبة وليس الامر كذلك، لان مالكا في الموطأ ذكره كما ذكر المصنف. ~~والحديث الذي في إسناده أبو شيبة هو حديث ابن عباس الآتي كما في البدر ~~المنير والتلخيص، وفي الموطأ أيضا عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها ~~إحدى عشرة. ms1037 وروى محمد بن نصر عن محمد بن يوسف أنها إحدى وعشرون ركعة. وفي ~~الموطأ من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أنها عشرون ركعة. # وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة ~~وثلاث PageV03P063 # ركعات الوتر. قال الحافظ: والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ~~ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطول القراءة ~~تقلل الركعات وبالعكس، وبه جزم الداودي وغيره قال: والاختلاف فيما زاد على ~~العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، فكأنه تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث. ~~وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان ~~بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ~~ويوترون بثلاث. وقال مالك: الامر عندنا بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، ~~وليس في شئ من ذلك ضيق. قال الترمذي: أكثر ما قيل إنه يصلي إحدى وأربعين ~~ركعة بركعة الوتر. ونقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أربعين يوتر بسبع ~~وقيل ثمان وثلاثين، ذكره محمد بن نصر عن ابن يونس عن مالك. قال الحافظ: ~~وهذا يمكن رده إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرح في روايته بأنه يوتر ~~بواحدة، فيكون أربعين إلا واحدة. قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة ~~سنة. # وروي عن مالك ست وأربعون وثلاث الوتر. قال في الفتح: وهذا المشهور عنه، ~~وقد رواه ابن وهب عن العمري عن نافع قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعا ~~وثلاثين، ويوترون منها بثلاث. وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة ~~أربعا وثلاثين ويوتر. وعن سعيد بن جبير أربعا وعشرين، وقيل: ست عشرة غير ~~الوتر، هذا حاصل ما ذكره في الفتح من الاختلاف في ذلك. وأما العدد الثابت ~~عنه (ص) في صلاته في رمضان فأخرج البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت: ما كان ~~النبي (ص) يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة وأخرج ابن حبان في ~~صحيحه من حديث ms1038 جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم: صلى بهم ثمان ركعات ثم ~~أوتر. وأخرج البيهقي عن ابن عباس: كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة ~~عشرين ركعة والوتر. # زاد سليم الرازي في كتاب الترغيب له: ويوتر بثلاث قال البيهقي: تفرد به ~~أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف. وأما مقدار القراءة في كل ركعة فلم ~~يرد به دليل. # (والحاصل) أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعية القيام ~~في رمضان، والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على ~~عدد معين، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة. PageV03P064 # باب ما جاء في الصلاة بين العشاءين عن قتادة عن أنس في قوله تعالى: * ~~(كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) * (الذاريات: 17) قال: كانوا يصلون فيما ~~بين المغرب والعشاء، وكذلك * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) * رواه أبو داود. ~~وعن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المغرب فلما قضى ~~الصلاة قام يصلي فلم يزل يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج رواه أحمد والترمذي. # أما قول أنس: فرواه أيضا ابن مردويه في تفسيره من رواية الحرث بن وجيه ~~قال: سمعت مالك بن دينار قال: سألت أنس بن مالك عن قوله تعالى: * (تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع) * (السجدة: 16) فقال: # كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلون من صلاة ~~المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فأنزل الله فيهم: * (تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع) * والحرث بن وجيه ضعيف. # ورواه أيضا من رواية أبان بن أبي عياش عن أنس نحوه وأبان ضعيف أيضا. ~~ورواه أيضا من رواية الحسن بن أبي جعفر عن مالك بن دينار عنه. ورواه أيضا ~~من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في هذه الآية قال: يصلون ما ~~بين المغرب والعشاء. قال العراقي: # وإسناده جيد. ورواه أيضا من رواية خالد بن عمران الخزاعي عن ثابت عن أنس. # وأخرج نحوه أيضا من رواية يزيد بن أسلم عن أبيه قال: قال بلال: لما نزلت ~~هذه الآية: # * (تتجافى ms1039 جنوبهم عن المضاجع) * كنا نجلس في المجلس، وناس من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت. وأخرج ~~محمد بن نصر عن أنس في قوله تعالى: # * (إن ناشئة الليل) * (المزمل: 6) قال: ما بين المغرب والعشاء. قال: وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ما بين المغرب والعشاء. وفي إسناده ~~منصور بن شقير كتب عنه أحمد بن حنبل وقال فيه: أبو حاتم ليس بقوي وفي حديثه ~~اضطراب. وقال العقيلي: في حديثه بعض PageV03P065 # الوهم وفي إسناده أيضا عمارة بن زاذان، وثقه الجمهور وضعفه الدارقطني. ~~وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن حميد بن عبد الرحمن، عن عمارة بن ~~زاذان، عن ثابت عن أنس أنه كان يصلي ما بين المغرب والعشاء ويقول: هي ناشئة ~~الليل، هكذا جعله موقوفا، وهكذا رواه القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله ~~بن مغيث في كتاب الصلاة من رواية حماد ابن سلمة، عن عمارة بن زاذان، عن ~~ثابت، عن أنس أنه كان يحيي ما بين المغرب والعشاء ويقول: هي ناشئة الليل. ~~وممن قال بذلك من التابعين أبو حازم ومحمد بن المنكدر وسعيد ابن جبير وزين ~~العابدين، ذكره العراقي في شرح الترمذي، وروى محمد بن نصر عن أنس قال ~~العراقي: بإسناد صحيح أن قوله تعالى: * (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) * ~~(الذاريات: 17) نزلت فيمن كان يصلي ما بين العشاء والمغرب، وأخرج محمد بن ~~نصر عن سفيان الثوري أنه سئل عن قوله تعالى: * (من أهل الكتاب أمة قائمة ~~يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) * (آل عمران: 113) فقال: بلغني ~~أنهم كانوا يصلون ما بين العشاء والمغرب. وقد روي عن محمد بن المنكدر: # أن النبي (ص) قال: إنها صلاة الأوابين وهذا وإن كان مرسلا لا يعارضه ما ~~في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ~~فإنه لا مانع أن يكون كل من الصلاتين صلاة الأوابين. وأما حديث حذيفة ~~المذكور في الباب فأخرجه الترمذي في باب مناقب ms1040 الحسن والحسين من آخر كتابه ~~مطولا وقال: حسن غريب. وأخرجه أيضا النسائي مختصرا، وأخرج أيضا ابن أبي ~~شيبة عنه نحوه. (وفي الباب) عن ابن عباس عند أبي الشيخ بن حبان في كتا ب ~~الثواب وفضائل الأعمال قال: # قال رسول الله (ص): من أحيا ما بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء ~~غفر له وشفع له ملكان وفي إسناده حفص بن عمر الفزاز، قال العراقي: مجهول. ~~ولابن عباس حديث آخر رواه الديلمي في مسند الفردوس بلفظ قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى أربع ركعات بعد المغرب قبل أن يتكلم رفعت ~~له في عليين، وكان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى وهي خير من قيام ~~نصف ليلة قال العراقي: # وفي إسناده جهالة ونكارة، وهو أيضا من رواية عبد الله بن أبي سعيد، فإن ~~كان الذي يروي عن الحسن ويروي عنه يزيد بن هارون فقد جهله أبو حاتم، وذكره ~~ابن حبان في الثقات، وإن كان ابن أبي سعيد المقبري فهو ضعيف. وعن ابن عمر ~~عند محمد بن نصر في كتاب قيام الليل بلفظ: سمعت النبي (ص) يقول: من صلى ست ~~ركعات بعد المغرب PageV03P066 # قبل ان يتكلم غفر له بها خمسين سنة وفي إسناده محمد بن غزوان الدمشقي، ~~قال أبو زرعة: # منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، وله حديث آخر عند ~~الديلمي في مسند الفردوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~صلى أربع ركعات بعد المغرب كان كالمعقب غزوة بعد غزوة في سبيل الله وفي ~~إسناده موسى ابن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدا. قال العراقي: والمعروف أنه من ~~قول ابن عمر غير مرفوع، هكذا رواه ابن أبي شيبة في المصنف. وعن ابن مسعود ~~عند محمد بن نصر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بين ~~المغرب والعشاء أربع ركعات وهو منقطع لأنه من رواية معن بن عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن مسعود عن جده ولم يدركه. وعن ms1041 عبيد مولى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عند أحمد والطبراني: أنه سئل أكان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يأمر بصلاة بعد المكتوبة أو سوى المكتوبة؟ قال: نعم بين المغرب ~~والعشاء وعن عمار بن ياسر عند الطبراني في معاجيمه الثلاثة وابن منده في ~~معرفة الصحابة أنه: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بعد المغرب ست ~~ركعات وقال: من صلى بعد المغرب ست ركعات غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد ~~البحر قال الطبراني: تفرد به صالح بن قطن. وقال ابن الجوزي: إن في هذه ~~الطريق مجاهيل. وعن أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن ~~عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة وفي إسناده عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وهو ~~ضعيف جدا. وعن عائشة عند الترمذي عن النبي (ص): من صلى بعد المغرب عشرين ~~ركعة بنى الله له بيتا في الجنة. # (والآيات والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على مشروعية الاستكثار من ~~الصلاة ما بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفا فهي منتهضة ~~بمجموعها، لا سيما في فضائل الأعمال، قال العراقي: وممن كان يصلي ما بين ~~المغرب والعشاء من الصحابة: # عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وسلمان الفارسي، وابن عمر، وأنس ~~بن مالك في ناس من الأنصار. ومن التابعين: الأسود بن يزيد، وأبو عثمان ~~النهدي، وابن أبي مليكة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن المنكدر، وأبو حاتم، وعبد ~~الله بن سخبرة، وعلي بن الحسين، وأبو عبد الرحمن الحبلي، وشريح القاضي، ~~وعبد الله بن مغفل وغيرهم. ومن الأئمة: سفيان الثوري. PageV03P067 # باب ما جاء في قيام الليل عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل، قال: ~~فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ # قال: شهر الله المحرم رواه الجماعة إلا البخاري. ولابن ماجة منه فضل ~~الصوم فقط. ms1042 # وفي الباب عن بلال عند الترمذي في كتاب الدعوات من سننه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ~~وعن أبي أمامة عند ابن عدي في الكامل والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي ~~مثل حديث بلال، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو مختلف فيه. ~~ولأبي أمامة حديث آخر عند محمد ابن نصر والطبراني عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذكر الحديث وفيه: والصلاة بالليل والناس نيام وفي إسناده ~~ليث بن أبي سليم وهو مختلف فيه. # وعن جابر عند ابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار قال العراقي: وهذا حديث شبه الموضوع ~~اشتبه على ثابت بن موسى، وإنما قاله شريك القاضي لثابت عقب إسناد ذكره فظنه ~~ثابت حديثا. # ولجابر حديث آخر رواه الطبراني في الأوسط عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا بد عن صلاة الليل ولو حلب شاة قال الطبراني: تفرد به بقية. ~~ولجابر أيضا حديث آخر عند ابن حبان في صحيحه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذكر حديثا وفيه: # وإن هو توضأ ثم قام إلى الصلاة أصبح نشيطا قد أصاب خيرا وقد انحلت عقده ~~كلها وعن سلمان الفارسي عند ابن عدي في الكامل والطبراني بلفظ حديث بلال ~~المتقدم. # وعن ابن عباس عند محمد بن نصر والطبراني في الكبير قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: عليكم بقيام الليل ولو ركعة واحدة وفي إسناده ~~حسين بن عبد الله وهو ضعيف. وله حديث آخر عند الترمذي في التفسير مثل حديث ~~أبي أمامة الثاني. # وعن عبد الله بن سلام عند الترمذي في الزهد وصححه، وابن ماجة بنحو حديث ~~أبي أمامة الثاني أيضا. وعن ابن عمر عند محمد بن نصر بنحو حديث أبي أمامة ~~الثاني أيضا. وعن عبد الله بن عمر عند محمد بن نصر بنحوه أيضا. وعن علي عند ~~الترمذي PageV03P068 # في ms1043 البر بنحوه أيضا. وعن أبي مالك الأشعري عند محمد بن نصر والطبراني ~~بنحوه أيضا بإسناد جيد. وعن معاذ عند الترمذي في التفسير بنحو حديث ابن ~~عباس. وعن ثوبان عند البزار بنحو حديث أبي أمامة. وعن ابن مسعود عند ابن ~~حبان في صحيحه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: عجب ربنا من ~~رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته فيقول الله ~~تعالى: انظروا إلى عبدي ثار من وطائه وفراشه من بين حبه وأهله إلى صلاته ~~رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي الحديث. ورواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في ~~الكبير، قال العراقي: وإسناده جيد. وعن سهل بن سعد عند الطبراني في الأوسط ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: واعلم أن شرف المؤمن ~~قيام الليل وعن أبي سعيد عند ابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إن الله ليضحك إلى ثلاثة: للصف في الصلاة، وللرجل يصلي في جوف ~~الليل، وللرجل يقاتل الكتيبة. وعن إياس بن معاوية المزني عند الطبراني في ~~الكبير مثل حديث جابر الثاني. (وهذه الأحاديث) تدل على تأكد استحباب قيام ~~الليل ومشروعية الاستكثار من الصلوات فيه، وبها استدل من قال: إن الوتر ~~أفضل من صلاة الصبح، وقد قدمنا الخلاف في ذلك. وحديث الباب أيضا يدل على ~~تفضيل الصيام في المحرم، وأن صيامه أفضل من صيام بقية الأشهر، وهو مخصص ~~لعموم ما عند البخاري والترمذي وصححه، والنسائي وأبي داود من حديث ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من أيام العمل الصالح فيهن ~~أحب إلى الله من هذه الأيام العشر فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل ~~الله؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ~~ذلك بشئ. وهذا إذا كان كون الشئ أحب إلى الله يستلزم أنه أفضل من غيره، وإن ~~كان لا يستلزم ذلك فلا حاجة إلى التخصيص لعدم التنافي. # وعن عمرو ms1044 بن عبسة: أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أقرب ما ~~يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله ~~في تلك الساعة فكن رواه الترمذي وصححه. # الحديث رجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضا أبو داود والحاكم. وفي ~~الباب عن أبي هريرة عند الجماعة كلهم قال: قال: ينزل الله إلى السماء ~~الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذي ~~يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني PageV03P069 # فأعطيه، من ذا الذي يستغفر لي فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضئ الفجر وعن ~~علي عند أحمد والدار قطني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذكر حديثا وفيه: # فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا، فلم يزل هنالك ~~حتى يطلع الفجر فيقول القائل: ألا سائل يعطى سؤاله؟ ألا داع يجاب؟ وعن أبي ~~سعيد عند مسلم والنسائي في اليوم والليلة بنحو حديث أبي هريرة. وعن جبير بن ~~مطعم عند النسائي في اليوم والليلة بنحو حديث أبي هريرة أيضا. وعن ابن ~~مسعود عند أحمد بنحوه. وعن أبي الدرداء عند الطبراني قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فذكر حديثا وفيه: ثم يهبط آخر ساعة من الليل ~~فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داع ~~يدعوني فأستجيب له، حتى يطلع الفجر قال الطبراني: وهو حديث منكر. وعن عثمان ~~بن العاص عند أحمد والبزار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ينادي مناد كل ليلة: هل من داع فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مستغفر ~~فيغفر له؟ حتى يطلع الفجر وعن جابر عند الدارقطني وأبي الشيخ بنحو حديث أبي ~~هريرة، وفي إسناده محمد بن إسماعيل الجعفري وهو منكر الحديث قاله أبو حاتم. # وعن عبادة بن الصامت عند الطبراني في الكبير والأوسط بنحو حديث أبي هريرة ~~أيضا. # وعن عقبة بن عامر عند الدارقطني قال: قال رسول الله ms1045 صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إذا مضى ثلث الليل أو قال نصف الليل ينزل الله عز وجل إلى السماء ~~الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدا غيري وعن عمرو بن عبسة حديث آخر غير ~~المذكور في الباب عند الدارقطني قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقلت: يا رسول الله جعلني الله فداك علمني شيئا تعلمه وأجهله، ينفعني ~~ولا يضرك، ما ساعة أقرب من ساعة، فقال: يا عمرو لقد سألتني عن شئ ما سألني ~~عنه أحد قبلك، إن الرب عز وجل يتدلى من جوف الليل زاد في رواية: فيغفر إلا ~~ما كان من الشرك وله حديث آخر عند أحمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: صلاة الليل مثنى مثنى، وجوف الليل الآخر أجوبه دعوة، قلت: أوجبه، قال: # لا أجوبه يعني بذلك الإجابة، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي ~~مريم وهو ضعيف. وعن أبي الخطاب عند أحمد بنحو حديث أبي هريرة. (وهذه ~~الأحاديث) تدل على استحباب الصلاة والدعاء في ثلث الليل الآخر، وإنه وقت ~~الإجابة والمغفرة والنزول المذكور في الأحاديث قد طول علماء الاسلام الكلام ~~في تأويله، وأنكر الأحاديث الواردة به كثير من المعتزلة، والطريقة ~~المستقيمة ما كان عليه التابعون PageV03P070 # كالزهري ومكحول والسفيانين والليث وحماد بن سلمة وحماد بن زيد والأوزاعي ~~وابن المبارك والأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، ~~فإنهم أجروها كما جاءت بلا كيفية ولا تعرض لتأويل. # وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أحب ~~الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود، كان ~~ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما رواه ~~الجماعة إلا الترمذي فإنه إنما روى فضل الصوم فقط. # الحديث يدل على أن صوم يوم وإفطار يوم أحب إلى الله من غيره وإن كان أكثر ~~منه، وما كان أحب إلى الله جل جلاله فهو أفضل والاشتغال به أولى. وفي رواية ~~لمسلم: ms1046 # أن عبد الله بن عمرو قال للنبي (ص): إني أطيق أفضل من ذلك، فقال (ص): لا ~~أفضل من ذلك. وسيأتي ذكر الحكمة في ذلك في كتاب الصيام عند ذكر المصنف لهذا ~~الحديث إن شاء الله. ويدل على أفضلية قيام ثلث الليل بعد نوم نصفه، وتعقيب ~~قيام ذلك الثلث بنوم السدس الآخر، ليكون ذلك كالفاصل ما بين صلاة التطوع ~~والفريضة، ويحصل بسببه النشاط لتأدية صلاة الصبح، لأنه لو وصل القيام بصلاة ~~الفجر لم يأمن أن يكون وقت القيام إليها ذاهب النشاط والخشوع لما به من ~~التعب والفتور، ويجمع بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة المتقدم بنحو ما سلف. # وعن عائشة أنها سئلت: كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالليل؟ فقالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما أسر وربما جهر رواه الخمسة وصححه ~~الترمذي. # الحديث رجاله رجال الصحيح. وفي الباب عن أبي قتادة عند الترمذي وأبي ~~داود: أن النبي (ص) قال لأبي بكر: مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك، ~~فقال: إني سمعت من ناجيت، قال: ارفع قليلا، وقال لعمر: مررت بك وأنت تقرأ ~~وأنت ترفع صوتك، فقال: إنا أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، قال: اخفض قليلا. ~~وعن ابن عباس عند أبي داود قال: كانت قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على قدر PageV03P071 # ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت وعن علي نحو حديث أبي قتادة. وعن ~~عمار عند الطبراني بنحو حديث أبي قتادة أيضا. وعن أبي هريرة عند أبي داود ~~بنحوه أيضا، وله حديث آخر عند أبي داود قال: كانت قراءة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالليل يرفع طورا ويخفض طورا وله حديث ثالث عند أحمد ~~والبزار أن عبد الله بن حذافة قام يصلي فجهر بصلاته فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا ابن حذافة لا تسمعني وسمع ربك قال العراقي: وإسناده ~~صحيح. وعن أبي سعيد عند أبي داود والنسائي قال: # اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف ~~الستر ms1047 وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم ~~على بعض في القراءة أو قال في الصلاة وعن ابن عمر عند أحمد والبزار ~~والطبراني بنحو حديث أبي سعيد. # وعن البياضي واسمه فروة بن عمر، وعند أحمد قال العراقي بإسناد صحيح: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت ~~أصواتهم بالقراءة فقال: # إن المصلي يناجي ربه عز وجل فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض ~~بالقرآن وعن عقبة بن عامر عند أبي داود والترمذي، والنسائي قالا: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر ~~بالقرآن كالمسر بالصدقة وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير بنحو حديث ~~عقبة، وفي إسناده إسحاق بن مالك الحضرمي ضعفه الأزدي، ورواه الطبراني من ~~وجه آخر وفيه بسر بن نمير وهو ضعيف جدا. (وفي الباب) أحاديث كثيرة وفيها أن ~~الجهر والاسرار جائزان في قراءة صلاة الليل، وأكثر الأحاديث المذكورة تدل ~~على أن المستحب في القراءة في صلاة الليل التوسط بين الجهر والاسرار، وحديث ~~عقبة وما في معناه يدل على أن السر أفضل لما علم من أن إخفاء الصدقة أفضل ~~من إظهارها. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل ~~افتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه أحمد ومسلم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله (ص): إذا قام أحدكم من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود. # الحديثان يدلان على مشروعية افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط ~~بهما لما بعدهما، وقد تقدم الجمع بين روايات عائشة المختلفة في حكايتها ~~لصلاته صلى الله عليه PageV03P072 # وآله وسلم أنها ثلاث عشرة تارة، وأنها إحدى عشرة أخرى، بأنها ضمت هاتين ~~الركعتين فقالت: ثلاث عشرة ولم تضمهما فقالت: إحدى عشرة، ولا منافاة بين ~~هذين الحديثين وبين قولها في صفة صلاته (ص): صلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن ~~وطولهن لأن المراد صلى أربعا بعد هاتين الركعتين. وقد استدل ms1048 المصنف بذلك ~~على ترك نقض الوتر فقال: وعمومه حجة في ترك نقض الوتر انتهى. وقد قدمنا ~~الكلام على هذا. # باب صلاة الضحى عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي (ص) بثلاث: بصيام ثلاثة ~~أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام متفق عليه. وفي لفظ ~~لأحمد ومسلم وركعتي الضحى كل يوم. # في الباب أحاديث منها ما سيذكره المصنف في هذا الباب. ومنها غير ما ذكره ~~عن أنس عند الترمذي وابن ماجة قال: قال رسول الله (ص): من صلى الضحى اثنتي ~~عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة وعن أبي الدرداء عند الترمذي وحسنه ~~مثل حديث نعيم بن همار الذي سيذكره المصنف، وعنه حديث آخر عند مسلم بنحو ~~حديث أبي هريرة المذكور. وعن أبي هريرة حديث آخر عند الترمذي وابن ماجة ~~قال: قال رسول الله (ص): من حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت ~~مثل زبد البحر وعن أبي سعيد عند الترمذي وحسنه قال: كان (ص) يصلي الضحى حتى ~~يقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها. وعن عائشة غير الحديث الذي ~~سيذكره المصنف عنها عند مسلم والنسائي والترمذي في الشمائل من رواية معاذة ~~العدوية قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله (ص) يصلي الضحى؟ قالت: # نعم أربعا ويزيد ما شاء الله. وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير مثل ~~حديث نعيم بن همار الذي سيذكره المصنف وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن، ~~وثقه الجمهور وضعفه بعضهم، وله حديث آخر عند الطبراني بنحو حديث عائشة الذي ~~سيذكره المصنف وفي إسناده ميمون بن زيد عن ليث بن أبي سليم وكلاهما متكلم ~~فيه. وعن عتبة بن عبد عند الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم يثبت حتى يسبح سبحة الضحى كان له كأجر ~~حاج ومعتمر تام له حجه وعمرته وفي إسناده الأحوص بن حكيم PageV03P073 # ضعفه الجمهور ووثقه العجلي. وعن ابن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير أنه ~~صلى الله ms1049 عليه وآله وسلم صلى يوم الفتح ركعتين. وعن ابن عباس عند الطبراني ~~في الأوسط بنحو حديث أبي ذر الذي سيذكره المصنف. وعن جابر عند الطبراني في ~~الأوسط أيضا: أنه رأى النبي (ص) صلى الضحى ست ركعات. وعن حذيفة عند ابن أبي ~~شيبة في المصنف أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى ثمان ~~ركعات طول فيهن. وعن عائذ بن عمرو عند أحمد والطبراني: أن النبي (ص) صلى ~~الضحى. وعن عبد الله بن عمر عند الطبراني في الكبير مثل حديث نعيم بن همار ~~الذي سيذكره المصنف. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والطبراني ~~قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة، ~~فتحدث الناس بقر ب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ألا أدلكم على أقرب منهم مغزى، وأكثر غنيمة، وأوشك ~~رجعة؟ من توضأ ثم خرج إلى المسجد لسبحة الضحى فهو أقرب منهم مغزى، وأكثر ~~غنيمة، وأوشك رجعة وعن أبي موسى عند الطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى الضحى أربعا وقبل الأولى أربعا بني له بيت ~~في الجنة. وعن عتبان بن مالك عند أحمد: أن النبي (ص) صلى الضحى في بيته ~~وقصة عتبان في صلاة النبي (ص) في بيته في الصحيح، لكن ليس فيها ذكر سبحة ~~الضحى. وعن عقبة بن عامر عند أحمد، وأبي يعلى بنحو حديث نعيم بن همار. وعن ~~علي عليه السلام عند النسائي: أن النبي (ص) كان يصلي الضحى وإسناده قال ~~العراقي: جيد. وعن معاذ بن أنس عند أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى ~~لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر. قال العراقي: ~~وإسناده ضعيف. وعن النواس بن سمعان عند الطبراني في الكبير مثل حديث نعيم ~~بن همار، قال العراقي: وإسناده ms1050 صحيح. وعن أبي بكرة عند ابن عدي قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى، فجاء الحسن وهو غلام فلما ~~سجد ركب ظهره وفي إسناده عمرو بن عبيد وهو متروك. وعن أبي مرة الطائفي عند ~~أحمد مثل حديث نعيم بن همار. وعن سعد بن أبي وقاص عند البزار: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلى بمكة يوم فتحها ثمان ركعات يطيل القراءة فيها ~~والركوع. قال السيوطي: # وسنده ضعيف. وعن قدامة وحنظلة الثقفيين عند ابن منده وابن شاهين قالا: ~~كان رسول الله PageV03P074 # صلى الله عليه وآله وسلم إذا ارتفع النهار وذهب كل أحد وانقلب الناس خرج ~~إلى المسجد فركع ركعتين أو أربعا ثم ينصرف. وعن رجل من الصحابة عند ابن عدي ~~أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى. وعن ابن عباس حديث آخر ~~عند ابن أبي حاتم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أمرت بالضحى ولم تؤمروا ~~بها. وعن الحسن بن علي عند البيهقي قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه ~~يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى من الضحى ركعتين حرمه الله على النار أن ~~تلحقه أو تطعمه. وعن عبد الله بن جراد بن أبي جراد عند الديلمي عن النبي ~~(ص) قال: المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ * (قل يا أيها الكافرون) *. وعن ~~عمر بن الخطاب عند حميد بن زنجويه بنحو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ~~المتقدم، وله حديث آخر عند ابن أبي شيبة. وعن أبي هريرة حديث آخر عند أبي ~~يعلى بسند رجال ثقات بنحو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق. (وهذه ~~الأحاديث) المذكورة تدل على استحباب صلاة الضحى، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من ~~العلماء منهم الشافعية والحنفية، ومن أهل البيت علي بن الحسين وإدريس بن ~~عبد الله. (وقد جمع ابن القيم) في الهدى الأقوال فبلغت ستة، الأول: أنها ~~سنة واستدلوا بهذه الأحاديث التي قدمناها. الثاني: لا ms1051 تشرع إلا لسبب ~~واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا لسبب فاتفق وقوعه وقت الضحى ~~وتعددت الأسباب، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح كان لسبب الفتح، وأن سنة ~~الفتح أن يصلي عنده ثمان ركعات، قال: وكان الامراء يسمونها صلاة الفتح، ~~وصلاته عند القدوم من مغيبه كما في حديث عائشة كانت لسبب القدوم، فإنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ~~وصلاته في بيت عتبان بن مالك كانت لسبب وهو تعليم عتبان إلى أين يصلي في ~~بيته النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأل ذلك. (وأما أحاديث) الترغيب ~~فيها والوصية بها فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، ولهذا خص بذلك أبا ~~هريرة وأبا ذر ولم يوص بذلك أكابر الصحابة. # والقول الثالث: أنها لا تستحب أصلا. والقول الرابع: يستحب فعلها تارة ~~وتركها أخرى. # والقول الخامس: تستحب صلاتها والمحافظة عليها في البيوت. والقول السادس: ~~أنها بدعة روي ذلك عن ابن عمر، وإليه ذهب الهادي عليه السلام والقاسم وأبو ~~طالب، ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة بإثباتها قد بلغت مبلغا لا يقصر البعض ~~منه عن اقتضاء الاستحباب. وقد جمع الحاكم الأحاديث في إثباتها في جزء مفرد ~~عن نحو عشرين نفسا من PageV03P075 # الصحابة، وكذلك السيوطي صنف جزءا في الأحاديث الواردة في إثباتها، وروي ~~فيه عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلونها منهم أبو سعيد الخدر، وقد روى ~~ذلك عنه سعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل وعائشة. وقد روى ذلك عنها سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة وأبو ذر. وقد روى ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد الله بن ~~غالب. وقد روى ذلك عنه أبو نعيم. # وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه سئل: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يصلونها؟ فقال: نعم كان منهم من يصلي ركعتين، ومنهم من يصلي ~~أربعا، ومنهم من يمد إلى نصف النهار. وأخر سعيد بن منصور أيضا في سننه عن ~~ابن عباس أنه ms1052 قال: طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها ههنا * (يسبحن بالعشي ~~والاشراق) * (ص: 18). وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في الايمان من ~~وجه آخر عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها إلا ~~غواص في قوله تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال) * (النور: 36). وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن عون ~~العقيلي في قوله تعالى: * (إنه كان للأوابين غفورا) * (الاسراء: 25). قال: ~~الذين يصلون صلاة الضحى. # (وأما احتجاج) القائلين بأنها لا تشرع إلا لسبب بما سلف، فالأحاديث التي ~~ذكرها المصنف وذكرناها في هذا الباب ترده، وكذلك ترد اعتذار من اعتذر عن ~~أحاديث الوصية والترغيب بما تقدم من الاختصاص، وترد أيضا قول ابن القيم أن ~~عامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال وبعضها منقطع، وبعضها موضوع لا يحل ~~الاحتجاج به، فإن فيها الصحيح والحسن وما يقاربه كما عرفت. قوله في حديث ~~الباب: وركعتي الضحى قد اختلف أقواله صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله في ~~مقدار صلاة الضحى، فأكثر ما ثبت من فعله ثمان ركعات، وأكثر ما ثبت من قوله ~~اثنتا عشرة ركعة. وقد أخرج الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا: من صلى الضحى ~~لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعا كتب من القانتين، ومن صلى ستا كفي ذلك ~~اليوم، ومن صلى ثمانيا كتب من العابدين، ومن صلى اثنتي عشرة بنى الله له ~~بيتا في الجنة قال الحافظ: وفي إسناده ضعف، وله شاهد من حديث أبي ذر رواه ~~البزار وفي إسناده ضعف أيضا. وحديث أنس المتقدم فيه التصريح بأن الضحى ~~اثنتا عشرة ركعة، وقد ضعفه النووي، قال الحافظ: لكن إذا ضم حديث أبي ذر ~~وأبي الدرداء إلى حديث أنس قوي وصلح للاحتجاج، وقال أيضا: إن حديث أنس ليس ~~PageV03P076 # في إسناده من أطلق عليه الضعف، وبه يندفع تضعيف النووي له، ولكنه تابعه ~~الحافظ في التلخيص. وقد ذهب قوم منهم أبو جعفر الطبري، وبه جزم الحليمي ~~والروياني من الشافعية إلى أنه لا حد لأكثرها. قال ms1053 العراقي في شرح الترمذي: ~~لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين أنه حصرها في اثنتي عشرة ركعة. وكذا قال ~~السيوطي. وقد اختلف في الأفضل، فقيل: ثمان، وقيل: أربع. # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يصبح على كل ~~سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، ~~وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ~~ركعتان يركعهما من الضحى رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن عبد الله بن بريدة ~~عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: في الانسان ~~ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة، قالوا: فمن ~~الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ # قال: النخاعة في المسجد يدفنها، أو الشئ ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر ~~فركعتا الضحى تجزي عنك رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي، والحديث الثاني أخرجه أبو داود عن أحمد ~~بن محمد المروزي وهو ثقة، عن علي بن الحسين بن واقد وهو من رجال مسلم، عن ~~أبيه وهو أيضا من رجال مسلم، عن عبد الله بن بريدة فذكره. وقد أخرجه أيضا ~~حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال ولم يعزه السيوطي في جزء الضحى إلا إليه. ~~قوله: سلامي قال النووي: بضم السين وتخفيف اللام وأصله عظام الأصابع وسائر ~~الكف، ثم استعمل في عظام البدن ومفاصله، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: خلق الانسان على ستين وثلاثمائة ~~مفصل على كل مفصل صدقة وفي القاموس: إنها عظام صغار طول أصبع وأقل في اليد ~~والرجل انتهى. وقيل: كل عظم مجوف من صغار العظام. وقيل: ما بين كل مفصلين ~~من عظام الأنامل، وقيل: العروق التي في الأصابع وهي ثلاثمائة وستون أو ~~أكثر. قوله: # ويجزي من ذلك ركعتان الخ، قال النووي: ضبطنا يجزي بفتح أوله وضمه، فالضم ~~من الاجزاء والفتح من جزى يجزي أي كفى. (والحديثان) يدلان ms1054 على عظم فضل ~~الضحى، وأكبر موقعها، وتأكد مشروعيتها، وأن ركعتيها تجزيان عن ثلاثمائة ~~وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة. ويدلان أيضا على ~~مشروعية الاستكثار من PageV03P077 # التسبيح والتحميد والتهليل، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفن ~~النخامة، وتنحية ما يؤذي المار عن الطريق، وسائر أنواع الطاعات، ليسقط بفعل ~~ذلك ما على الانسان من الصدقات اللازمة في كل يوم. # وعن نعيم بن همار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال ربكم عز ~~وجل: يا ابن آدم صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره رواه أحمد وأبو ~~داود، وهو للترمذي من حديث أبي ذر وأبي الدرداء. # الحديث في إسناده اختلاف كثير، قال المنذري: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد. ~~وقد اختلف أيضا في اسم همار المذكور فقيل: هبار بالباء الموحدة. وقيل: هدار ~~بالدال المهملة. # وقيل: همام بالميمين، وقيل: خمار بالخاء المفتوحة المعجمة، وقيل: حمار ~~بالحاء المهملة المكسورة، والراء مهملة في همار وهبار وخمار وحمار وهدار. ~~قوله: وهو للترمذي من حديث أبي ذر وأبي الدرداء هكذا في النسخ الصحيحة بدون ~~إثبات الألف التي للتخيير بين أبي ذر وأبي الدرداء والصواب إثباتها، لأن ~~الترمذي إنما روى حديثا واحدا، وتردد هل هو من رواية أبي ذر أو من رواية ~~أبي الدرداء؟ ولم يرو لكل منهما حديثا، ولا روى الحديث عنهما جميعا، ولفظ ~~الحديث في الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تبارك ~~وتعالى: إن الله تعالى قال: ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك ~~آخره قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب انتهى. وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ~~وقد صحح جماعة من الأئمة حديثه إذا كان عن الشاميين وهو هنا كذلك، لأن بحير ~~بن سعيد شامي وإسماعيل رواه عنه، وهذا الحديث قد روي عن جماعة من الصحابة ~~قد قدمنا الإشارة إليهم في أول الباب. واستدل على مشروعية صلاة الضحى لكنه ~~لا يتم إلا على تسليم أنه أريد بالأربع المذكورة صلاة الضحى. وقد قيل: ms1055 # يحتمل أن يراد بها فرض الصبح وركعتا الفجر لأنها هي التي في أول النهار ~~حقيقة، ويكون معناه كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى الصبح فهو في ~~ذمة الله قال العراقي: # وهذا ينبني على أن النهار هل هو من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ ~~والمشهور الذي يدل عليه كلام جمهور أهل اللغة وعلماء الشريعة أنه من طلوع ~~الفجر، وقال على تقدير أن يكون النهار من طلوع الفجر: فلا مانع من أن يراد ~~بهذه الأربع الركعات بعد طلوع الشمس، لأن ذلك الوقت ما خرج عن كونه أول ~~النهار، وهذا هو الظاهر من الحديث وعمل الناس، فيكون المراد بهذه الأربع ~~ركعات صلاة الضحى انتهى. وقد اختلف في PageV03P078 # وقت دخول الضحى، فروى النووي في الروضة عن أصحاب الشافعي أن وقت الضحى ~~يدخل بطلوع الشمس، ولكن يستحب تأخيرها إلى ارتفاع الشمس. وذهب البعض منهم ~~إلى أن وقتها يدخل من الارتفاع، وبه جزم الرافعي وابن الرفعة، وسيأتي ما ~~يبين وقتها في حديث زيد بن أرقم وحديث علي عليه السلام. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى أربع ~~ركعات ويزيد ما شاء الله رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. # الحديث يدل على مشروعية صلاة الضحى، وقد اختلفت الأحاديث عن عائشة، فروي ~~عنها أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلاها من غير تقييد كما في حديث الباب، ~~وروي عنها أنها سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ~~الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجئ من مغيبه أخرجه مسلم. وروي عنها أنها قالت: ما ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبحها. ~~متفق عليه. وقد جمع بين هذه الروايات بأن قولها كان يصلي الضحى أربعا لا ~~يدل على المداومة، بل على مجرد الوقوع، على ما صرح به أهل التحقيق من أن ~~ذلك مدلول كان كما تقدم وإن خالف في ذلك بعض أهل الأصول، ولا يستلزم هذا ~~الاثبات أنها رأته يصلي، لجواز أن تكون ms1056 روت ذلك من طريق غيرها. # وقولها: إلا أن يجئ من مغيبه يفيد تقييد ذلك المطلق بوقت المجئ من السفر. ~~وقولها: # ما رأيته يصلي سبحة الضحى نفي للرؤية، ولا يستلزم أن لا يثبت لها ذلك ~~بالرواية، أو نفي لما عدا الفعل المقيد بوقت القدوم من السفر، وغاية الامر ~~أنها أخبرت عما بلغ إليه علمها وغيرها من أكابر الصحابة أخبر بما يدل على ~~المداومة وتأكد المشروعية، ومن علم حجة على من لا يعلم، لا سيما وذلك الوقت ~~الذي تفعل فيه ليس من الأوقات التي تعتاد فيها الخلوة بالنساء، وقد تقدم ~~تحقيق ما هو الحق. # وعن أم هانئ: أنه لما كان عام الفتة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو بأعلى مكة، فقام رسول الله (ص) إلى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ~~ثوبه فالتحف به ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى متفق عليه. # ولأبي داود عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى يوم الفتح سبحة ~~الضحى ثمان ركعات يسلم بين كل ركعتين. # قوله: وهو بأعلى مكة في رواية للبخاري ومسلم أنها قالت: أن النبي صلى ~~الله عليه PageV03P079 # وآله وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات. ويجمع بينهما ~~بأن ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة عنها أن أبا ذر ستره لما ~~اغتسل، ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة وكانت في بيت آخر بمكة، ~~فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان، ذكر معنى ذلك الحافظ. قوله: فسترت ~~عليه فاطمة فيه جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارم الرجل إذا كان مستور ~~العورة عنها، وجواز تستيرها إياه بثوب أو نحوه. قوله: ثماني ركعات زاد ابن ~~خزيمة من طريق كريب عن أم هانئ: # يسلم من كل ركعتين وزادها أيضا أبو داود كما ذكر المصنف، وفي ذلك رد على ~~من قال: إن صلاة الضحى موصولة، سواء كانت ثمان ركعات أو أقل أو أكثر. ~~(والحديث) يدل على استحباب صلاة الضحى، وقد تقدم قول من قال: إن هذه صلاة ~~الفتح ms1057 لا صلاة الضحى، وتقدم الجواب عليه. # وعن زيد بن أرقم قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل قباء ~~وهم يصلون الضحى فقال: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى رواه أحمد ~~ومسلم. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي، ولفظ مسلم: أن زيد بن أرقم رأى قوما يصلون من ~~الضحى فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلاة الأوابين حين ترمض الفصال وفي رواية له: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل قباء وهم يصلون فقال: صلاة ~~الأوابين إذا رمضت الفصال زاد ابن أبي شيبة في المصنف وهم يصلون الضحى ~~فقال: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى وفي رواية لابن مردويه في ~~تفسيره: وهم يصلون بعدما ارتفعت الشمس وفي رواية له: أنه وجدهم قد بكروا ~~بصلاة الظهر فقال ذلك. وفي رواية للطبراني: # أنه مر بهم وهم يصلون صلاة الضحى حين أشرقت الشمس. قوله: الأوابين جمع ~~أواب وهو الراجع إلى الله تعالى من آب إذا رجع. قوله: إذا رمضت بفتح الراء ~~وكسر الميم وفتح الضاد المعجمة أي احترقت من حر الرمضاء وهي شدة الحر. ~~والمراد إذا وجد الفصيل حر الشمس ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها. (والحديث) ~~يدل على أن المستحب فعل الضحى في ذلك الوقت. وقد توهم أن قول زيد بن أرقم ~~إن الصلاة في غير هذه PageV03P080 # الساعة أفضل كما في رواية مسلم يدل على نفي الضحى وليس الامر كذلك، بل ~~مراده أن تأخير الضحى إلى ذلك الوقت أفضل. # وعن عاصم بن ضمرة قال: سألنا عليا عن تطوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالنهار فقال: كان إذا صلى الفجر أمهل حتى إذا كانت الشمس من ههنا يعني من ~~المشرق مقدارها من صلاة العصر من ههنا قبل المغرب قام فصلى ركعتين ثم يمهل، ~~حتى إذا كانت الشمس من ههنا يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة الظهر من ~~ههنا يعني من قبل المغرب ms1058 قام فصلى أربعا وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس ~~ركعتين بعدها، وأربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة ~~المقربين والنبيين ومن يتبعهم من المسلمين والمؤمنين رواه الخمسة إلا أبا ~~داود. # الحديث حسنه الترمذي وأسانيده ثقات، وعاصم بن ضمرة فيه مقال، ولكن قد ~~وثقه ابن معين وعلي بن المديني. قوله: إذا كانت الشمس من ههنا يعني من ~~المشرق مقدارها من صلاة العصر من ههنا قبل المغرب، المراد من هذا أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلى ركعتي الضحى، ومقدار ارتفاع الشمس من جهة المشرق ~~كمقدار ارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر وفيه تبيين وقتها. قوله: حتى ~~إذا كانت الشمس إلى قوله: قام فصلى أربعا المراد إذا كان مقدار بعد الشمس ~~من مشرقها كمقدار بعدها من مغربها عند صلاة الظهر قام فصلى ذلك المقدار. ~~قوله: إذا زالت الشمس هذا تبيين لما قبله. (وفيه دليل) على استحباب أربع ~~ركعات إذا زالت الشمس، قال العراقي: وهي غير الأربع التي هي سنة الظهر ~~قبلها. وممن نص على استحباب صلاة الزوال الغزالي في الاحياء في كتاب ~~الأوراد. ويدل على ذلك ما رواه أبو الوليد بن مغيث الصفار عن عبد الملك بن ~~حبيب قال: بلغني عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~ما من عبد مسلم يصلي أربع ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر يحسن فيها الركوع ~~والسجود والخشوع يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وذكر حديثا طويلا. ورواه ~~الطبراني موقوفا على ابن مسعود. # وما أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا استوى النهار خرج إلى بعض حيطان المدينة وفيه: قام فصلى ~~أربع ركعات لم يتشهد بينهن ويسلم في آخر الأربع وقد بوب الترمذي للصلاة عند ~~الزوال، وذكر PageV03P081 # حديث عبد الله بن السائب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي ~~أربعا بعد أن تزول الشمس وأشار إلى حديث علي هذا، وإلى حديث أبي أيوب وهو ~~عند ms1059 ابن ماجة وأبي داود بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أربع ~~قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء. قوله: وركعتين بعدها ~~وأربعا قبل العصر الخ، قد تقدم الكلام على ذلك. # باب تحية المسجد عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين رواه الجماعة والأثرم ~~في سننه. ولفظه: # أعطوا المساجد حقها، قالوا: وما حقها؟ قال: أن تصلوا ركعتين قبل أن ~~تجلسوا. # حديث أبي قتادة أورده البخاري بلفظ النهي، كما ذكره المصنف وبلفظ الامر، ~~فروي من طريق عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس وأخرج ~~البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ~~سليكا الغطفاني لما أتى يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ~~فقعد قبل أن يصلي الركعتين أن يصليهما وأخرج مسلم عن جابر أيضا: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمره لما أتى المسجد لثمن جمله الذي اشتراه منه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي الركعتين. # والامر يفيد تحقيقية وجوب فعل التحية، والنهي يفيد بحقيقته أيضا تحريم ~~تركها، وقد ذهب إلى القول بالوجوب الظاهرية كما حكى ذلك عنهم ابن بطال. قال ~~الحافظ في الفتح: # والذي صرح به ابن حزم عدمه. وذهب الجمهور إلى أنها سنة، وقال النووي: إنه ~~إجماع المسلمين، قال: وحكى القاضي عياض عن داود وأصحابه وجوبها، قال الحافظ ~~في الفتح: # واتفق أئمة الفتوى على أن الامر في ذلك للندب، قال: ومن أدلة عدم الوجوب ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي رآه يتخطى: اجلس فقد آذيت ولم يأمره ~~بصلاة، كذا استدل به الطحاوي وغيره وفيه نظر انتهى. (ومن جملة) أدلة ~~الجمهور على عدم الوجوب ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: كان ~~أصحاب رسول الله صلى PageV03P082 # الله عليه ms1060 وآله وسلم يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون. (ومن أدلتهم) ~~أيضا حديث ضمام بن ثعلبة عند البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي لما ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما فرض الله عليه من الصلاة فقال: ~~الصلوات الخمس، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع وفي رواية ~~للبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود قال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع ~~ويجاب عن عدم أمره صلى الله عليه وآله وسلم للذي رآه يتخطى بالتحية بأنه لا ~~مانع له من أن يكون قد فعلها في جانب من المسجد قبل وقوع التخطي منه، أو ~~أنه كان ذلك قبل الامر بها والنهي عن تركها، ولعل هذا وجه النظر الذي ذكره ~~الحافظ، ويجاب عن الاستدلال بأن الصحابة كانوا يدخلون ويخرجون ولا يصلون، ~~بأن التحية إنما تشرع لمن أراد الجلوس لما تقدم، وليس في الرواية أن ~~الصحابة كانوا يدخلون ويجلسون ويخرجون بغير صلاة تحية، وليس فيها إلا مجرد ~~الدخول والخروج، فلا يتم الاستدلال إلا بعد تبيين أنهم كانوا يجلسون، على ~~أنه لا حجة في أفعالهم، أما عند من لا يقول بحجية الاجماع فظاهر. وأما عند ~~القائل بذلك فلا يكون حجة إلا فعل جميعهم بعد عصره صلى الله عليه وآله وسلم ~~لا في حياته كما تقرر في الأصول، وتلك الرواية محتملة، وأيضا يمكن أن يكون ~~صدور ذلك منهم قبل شرعيتها، ويجاب عن حديث ضمام بن ثعلبة أولا بأن التعاليم ~~الواقعة في مبادئ الشريعة لا تصلح لصرف وجوب ما تجدد من الأوامر، وإلا لزم ~~قصر واجبات الشريعة على الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين، واللازم ~~باطل فكذا الملزوم. أما الملازمة فلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقتصر ~~في تعليم ضمام بن ثعلبة في هذا الحديث السابق نفسه على الخمس المذكورة كما ~~في الأمهات، وفي بعضها على أربع، ثم لما سمعه يقول بعد أن ذكر له ذلك: ~~والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال: أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن ~~صدق. وتعليق الفلاح ms1061 ودخول الجنة بصدقه في ذلك القسم الذي صرح فيه بترك ~~الزياد على الأمور المذكورة مشعر بأن لا واجب عليه سواها، إذ لو فرض بأن ~~عليه شيئا من الواجبات غيرها لما قرره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ذلك ومدحه به، وأثبت له الفلاح ودخول الجنة، فلو صلح قوله: لا إلا أن تطوع ~~لصرف الأوامر الواردة بغير الخمس الصلوات لصلح قوله: # أفلح إن صدق ودخل الجنة إن صدق لصرف الأدلة القاضية بوجوب ما عدا الأمور ~~المذكورة. (وأما بطلان اللازم) فقد ثبت بالأدلة المتواترة وإجماع الأمة أن ~~واجبات PageV03P083 # الشريعة قد بلغت أضعاف أضعاف تلك الأمور، فكان اللازم باطلا بالضرورة ~~الدينية وإجماع الأمة، ويجاب ثانيا بأن قوله: إلا أن تطوع ينفي وجوب ~~الواجبات ابتداء، لا الواجبات بأسباب يختار المكلف فعلها كدخول المسجد ~~مثلا، لأن الداخل ألزم نفسه الصلاة بالدخول فكأنه أوجبها على نفسه، فلا يصح ~~شمول ذلك الصارف لمثلها. ويجاب ثالثا بأن جماعة من المتمسكين بحديث ضمام ~~ابن ثعلبة في صرف الامر بتحية المسجد إلى الندب قد قالوا بوجوب صلوات خارجة ~~عن الخمس، كالجنازة، وركعتي الطواف، والعيدين، والجمعة، فما هو جوابهم في ~~إيجاب هذه الصلوات؟ فهو جواب الموجبين لتحية المسجد. # (لا يقال) الجمعة داخلة في الخمس لأنها بدل عن الظهر. لأنا نقول: لو كانت ~~كذلك لم يقع النزاع في وجوبها على الأعيان، ولا احتيج إلى الاستدلال لذلك، ~~إذا عرفت هذا لاح لك أن الظاهر ما قاله أهل الظاهر من الوجوب. (والحديث) ~~يدل على مشروعية التحية في جميع الأوقات، وإلى ذلك ذهب جماعة من العلماء ~~منهم الشافعية، وكرهها أبو حنيفة والأوزاعي والليث في وقت النهي، وأجاب ~~الأولون بأن النهي إنما هو عما لا سبب له، واستدلوا بأنه (ص) صلى بعد العصر ~~ركعتي الظهر، وصلى ذات السبب، ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر ~~الذي دخل المسجد وهو يخطب فجلس قبل أن يركع أن يقوم فيركع ركعتين، مع أن ~~الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية، ولان النبي صلى الله عليه ms1062 ~~وآله وسلم قطع خطبته وأمره أن يصلي التحية، فلولا شدة الاهتمام بالتحية في ~~جميع الأوقات لما اهتم هذا الاهتمام، ذكر معنى ذلك النووي في شرح مسلم. ~~والتحقيق أنه قد تعارض في المقام عمومات النهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة ~~من غير تفصيل، والامر للداخل بصلاة التحية من غير تفصيل، فتخصيص أحد ~~العمومين بالآخر تحكم، وكذلك ترجيح أحدهما على الآخر، مع كون كل واحد منهما ~~في الصحيحين بطرق متعددة، ومع اشتمال كل واحد منهما على النهي أو النفي ~~الذي في معناه، ولكنه إذا ورد ما يقضي بتخصيص أحد العمومين عمل عليه، ~~وصلاته صلى الله عليه وآله وسلم سنة الظهر بعد العصر مختص به، لما ثبت عند ~~أحمد وغيره ممن قدمنا ذكرهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قالت له ~~أم سلمة: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا ولو سلم عدم الاختصاص لما كان في ~~ذلك إلا جواز قضاء سنة الظهر لا جواز جميع ذوات الأسباب، نعم حديث يزيد بن ~~الأسود الذي سيأتي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجلين: ~~PageV03P084 # ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: قد صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما ~~في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة. وكانت تلك ~~الصلاة صلاة الصبح كما سيأتي يصلح لأن يكون من جملة المخصصات لعموم ~~الأحاديث القاضية بالكراهة، وكذلك ركعتا الطواف، وسيأتي تحقيق هذا في باب ~~الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وباب الرخصة في إعادة الجماعة وركعتي ~~الطواف. وبهذا التقرير يعلم أن فعل تحية المسجد في الأوقات المكروهة وتركها ~~لا يخلو عند القائل بوجوبها من إشكال، والمقام عندي من المضايق، والأولى ~~للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة. قوله في حديث الباب: فلا يجلس ~~قال الحافظ: صرح جماعة بأنه إذا خالف وجلس لا يشرع له التدارك، قال: وفيه ~~نظر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم ms1063 فاركعهما. ~~ومثله قصة سليك المتقدم ذكرها، وسيأتي ذكرها في أبواب الجمعة. وقال الطبري: ~~يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: ~~وقتهما قبله أداء وبعده قضاء. قال الحافظ: # ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل، وظاهر ~~التعليق بالجلوس أنه ينتفي النهي بانتفائه، فلا يلزم التحية من دخل المسجد ~~ولم يجلس، ذكر معنى ذلك ابن دقيق العيد وتعقب بأن الجلوس نفسه ليس هو ~~المقصود بالتعليق عليه، بل المقصود الحصول في بقعته، واستدل على ذلك بما ~~عند أبي داود بلفظ: ثم ليقعد بعد إن شاء أو ليذهب لحاجته إن شاء. والظاهر ~~ما ذكره ابن دقيق العيد. قوله: حتى يصلي ركعتين قال الحافظ في الفتح: هذا ~~العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله والصحيح اعتباره، فلا تتأدى ~~هذه السنة بأقل من ركعتين انتهى. وظاهر الحديث أن التحية مشروعة وإن تكرر ~~الدخول إلى المسجد، ولا وجه لما قاله البعض من عدم التكرر قياسا على ~~المترددين إلى مكة في سقوط الاحرام عليهم. (فائدة) ذكر ابن القيم أن تحية ~~المسجد الحرام الطواف لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدأ فيه بالطواف، ~~وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجلس، إذ التحية إنما تشرع لمن جلس ~~كما تقدم، والداخل إلى المسجد الحرام يبدأ بالطواف ثم يصلي صلاة المقام، ~~فلا يجلس إلا وقد صلى، فأما لو دخل المسجد الحرام وأراد القعود قبل الطواف ~~فإنه يشرع له أن يصلي التحية. ومن جملة ما استثني من عموم التحية دخول ~~المسجد لصلاة العيد، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها، ~~وتعقب بأنه صلى الله عليه PageV03P085 # وآله وسلم لم يجلس حتى يتحقق في حقه ترك التحية. وأيضا الجبانة ليست ~~بمسجد فلا تحية لها، فلا يلحق بذلك من دخل لصلاة العيد في مسجد وأراد ~~الجلوس قبل الصلاة، ولكنه سيأتي في أبواب صلاة العيد حديث مرفوع يدل على ~~منع التحية قبل صلاة العيد وبعدها. ومن جملة ما ms1064 استثني من عموم التحية من ~~دخل المسجد، وقد أقيمت الفريضة فإنها لا تشرع، لحديث أبي هريرة عند مسلم ~~وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان مرفوعا بلفظ: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ~~إلا المكتوبة. # باب الصلاة عقيب الطهور عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال لبلال عند صلاة الصبح: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام فإني ~~سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر ~~طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي متفق ~~عليه. # قوله: لبلال هو ابن رباح المؤذن. قوله: عند صلاة الصبح فيه إشارة إلى أن ~~ذلك وقع في المنام، لأن عادته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يعبر ما ~~رآه، ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر، كما وردت بذلك الأحاديث، ويدل ~~على ذلك أن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت. قوله: بأرجى عمل بلفظ أفعل ~~التفضيل، وإضافة الرجاء إلى العمل لأنه السبب الداعي إليه. قوله: في ~~الاسلام زاد مسلم في روايته: منفعة عندك. قوله: فإني سمعت زاد مسلم: ~~الليلة، وفيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام كما تقدم. قوله: دف نعليك ~~بفتح المهملة وتثقيل الفاء وضبطه المحب الطبري بالذال المعجمة، قال الخليل: ~~دف الطائر إذا حرك جناحيه وهو قائم على رجليه، وقال الحميدي: الدف الحركة ~~الخفيفة. ووقع في رواية مسلم: خشف نعليك بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين ~~وتخفيف الفاء، قال أبو عبيد وغيره: # الخشف الحركة الخفيفة، ووقع في رواية عند أحمد والترمذي وغيرهما خشخشة ~~بمعجمتين مكررتين وهو بمعنى الحركة أيضا. قوله: أني لم أتطهر بفتح الهمزة ~~ومن مقدرة قبله صلة لأفعل التفضيل وهي ثابتة في رواية مسلم. قوله: ما كتب ~~لي أي قدر، وهو أعم من الفريضة والنافلة. قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ~~ذلك لأنه علم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن PageV03P086 # الصلاة أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل ms1065 من عمل الجهر، وبهذا التقدير ~~يندفع إيراد من أورد عليه غير مذكر من الأعمال الصالحة. (وللحديث) فوائد ~~منها جواز الاجتهاد في توقيت العبادة، والحث على الصلاة عقيب الوضوء، وسؤال ~~الشيخ عن عمل تلميذه فيحضه عليه. واستدل به على جواز الصلات في الأوقات ~~المكروهة لعموم قوله: في ساعة من ليل أو نهار وتعقب بأن الاخذ بعمومه ليس ~~بأولى من الاخذ بعموم النهي. # باب صلاة الاستخارة عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من ~~القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: ~~اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك ~~تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله ~~فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ~~ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ~~واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به، قال: ويسمي حاجته رواه الجماعة إلا ~~مسلما. # الحديث مع كونه في صحيح البخاري، ومع تصحيح الترمذي وأبي حاتم له قد ضعفه ~~أحمد بن حنبل وقال: إن حديث عبد الرحمن بن أبي الموالي يعني الذي أخرجه ~~هؤلاء الجماعة من طريقه منكر في الاستخارة. وقال ابن عدي في الكامل في ~~ترجمة عبد الرحمن المذكور: أنه أنكر عليه حديث الاستخارة، قال: وقد رواه ~~غير واحد من الصحابة انتهى. وقد وثق عبد الرحمن بن أبي الموالي جمهور أهل ~~العلم كما قال العراقي. # وقال أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به. (وفي الباب) عن ابن ~~مسعود عند الطبراني قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الاستخارة قال: إذا أراد أحدكم أمرا فليقل فذكر نحو حديث الباب، وفي إسناده ~~صالح بن موسى بن إسحاق ms1066 بن طلحة PageV03P087 # التيمي وهو متروك كما ذكر في التقريب. وعن أبي أيوب عند الطبراني في ~~الكبير، وابن حبان في صحيحه وفيه: ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر وذكر ~~الحديث. وعن أبي بكر الصديق عند الترمذي في الدعوات: أن النبي (ص)، كان إذا ~~أراد أمرا قال: اللهم خر لي واختر لي. وفي إسناده ضعف. وعن أبي سعيد عند ~~أبي يعلى الموصل بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أراد ~~أحدكم أمرا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك الحديث، وزاد في آخره: # لا حول ولا قوة إلا بالله قال العراقي وإسناده جيد. وعن سعد بن أبي وقاص ~~عند أحمد وأبي يعلى والبزار في مسانيدهم قال: قال رسول الله (ص): من سعادة ~~ابن آدم استخارته الله عز وجل قال البزار: نعلمه بهذا اللفظ إلا عن سعد، ~~ولا رواه عنه إلا ابنه محمد، قال العراقي: قد رواه البزار أيضا من رواية ~~عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه نحوه، وكلاهما لا يصح إسناده، وأصل الحديث ~~عند الترمذي في الرضا والسخط. وعن ابن عباس وابن عمر عند الطبراني في ~~الكبير قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة كما ~~يعلمنا السورة من القرآن: اللهم إني أستخيرك الحديث إلى قوله: علام الغيوب ~~وفي إسناده عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة وهو متهم بالكذب. ~~وعن ابن عمر حديث آخر عند الطبراني في الأوسط بنحو حديثه الأول. قوله: في ~~الأمور كلها دليل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمرا لصغره وعدم الاهتمام ~~به فيترك الاستخارة فيه. فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الاقدام عليه ضرر ~~عظيم أو في تركه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ليسأل أحدكم ربه حتى في ~~شسع نعله. قوله: كما يعلمنا السورة من القرآن فيه دليل على الاهتمام بأمر ~~الاستخارة، وأنه متأكد مرغب فيه، قال العراقي: ولم أجد من قال بوجوب ~~الاستخارة، مستدلا بتشبيه ذلك بتعليم السورة من القرآن، كما استدل بعضهم ~~على ms1067 وجوب التشهد في الصلاة بقول ابن مسعود: كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا ~~السورة من القرآن. # (فإن قال قائل): إنما دل على وجوب التشهد الامر في قوله: فليقل التحيات ~~لله الحديث، قلنا: # وهذا أيضا فيه الامر بقوله: فليركع ركعتين ثم ليقل فإن قال الامر في هذا ~~تعلق بالشرط وهو قوله: إذا هم أحدكم بالامر قلنا: إنما يؤمر به عند إرادة ~~ذلك لا مطلقا، كما قال في التشهد: # إذا صلى أحدكم فليقل التحيات قال: ومما يدل على عدم وجوب الاستخارة ~~الأحاديث الصحيحة الدالة على انحصار فرض الصلاة في الخمس من قوله: هل علي ~~غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع وغير ذلك انتهى. وفيه ما قدمنا لك في باب تحية ~~المسجد: فليركع ركعتين فيه PageV03P088 # أن السنة في الاستخارة كونها ركعتين، فلا تجزئ الركعة الواحدة، وهل يجزئ ~~في ذلك أن يصلي أربعا أو أكثر بتسليمة، يحتمل أن يقال يجزئ ذلك لقوله في ~~حديث أبي أيوب: ثم صل ما كتب الله لك فهو دال على أنها لا تضر الزيادة على ~~الركعتين، ومفهوم العدد في قوله: # فليركع ركعتين ليس بحجة على قول الجمهور. قوله: من غير الفريضة فيه، أنه ~~لا يحصل التسنن بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة، والسنن الراتبة، وتحية ~~المسجد، وغير ذلك من النوافل. وقال النووي في الأذكار: إنه يحصل التسنن ~~بذلك، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بذلك بعد حصول الهم بالامر، ~~فإذا صلى راتبة أو فريضة ثم هم بأمر بعد الصلاة أوفي أثناء الصلاة لم يحصل ~~بذلك الاتيان بالصلاة المسنونة عند الاستخارة. قال العراقي: # إن كان همه بالامر قبل الشروع في الراتبة ونحوها ثم صلى من غير نية ~~الاستخارة وبدا له بعد الصلاة الاتيان بدعاء الاستخارة فالظاهر حصول ذلك. ~~قوله: ثم ليقل فيه أنه لا يضر تأخر دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل ~~الفصل، وأنه لا يضر الفصل بكلام آخر يسير، خصوصا إن كان من آداب الدعاء ~~لأنه أتى بثم المقتضية للتراخي. قوله: أستخيرك أي أطلب منك الخير أو ~~الخيرة، ms1068 قال صاحب المحكم: استخار الله طلب منه الخير. وقال صاحب النهاية: # خار الله لك أي أعطاك الله ما هو خير لك، قال: والخيرة بسكون الياء الاسم ~~منه، قال: فأما بالفتح فهي الاسم من قوله: اختاره الله. قوله: بعلمك الباء ~~للتعليل أي بأنك أعلم، وكذا قوله: # بقدرتك. قوله: ومعاشي المعاش والعيشة واحد يستعملان مصدرا واسما، قال ~~صاحب المحكم: العيش الحياة، قال: والمعيش والمعاش والمعيشة ما يؤنس به ~~انتهى. قوله: أو قال عاجل أمري هو شك من الراوي. قوله: فاصرفه عني واصرفني ~~عنه هو طلب الأكمل من وجوه انصراف ما ليس فيه خيرة عنه، ولم يكتف بسؤال صر ~~ف أحد الامرين لأنه قد يصرف الله المستخير عن ذلك الامر بأن ينقطع طلبه له، ~~وذلك الامر الذي ليس فيه خيرة يطلبه فربما أدركه، وقد يصرف الله عن ~~المستخير ذلك الامر ولا يصرف قلب العبد عنه، بل يبقى متطلعا متشوقا إلى ~~حصوله، فلا يطيب له خاطر إلا بحصوله، فلا يطمئن خاطره، فإذا صرف كل منهما ~~عن الآخر كان ذلك أكمل ولذلك قال: واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به، ~~لأنه إذا قدر له الخير وليرض به كان منكد العيش آثما بعدم رضاه بما قدره ~~الله له مع كونه خيرا له. قوله: ويسمي حاجته أي في أثناء الدعاء عند ذكرها ~~بالكناية عنها في قوله: إن كان هذا الامر. (والحديث) يدل على مشروعية ~~PageV03P089 # صلاة الاستخارة والدعاء عقيبها، ولا أعلم في ذلك خلافا، وهل يستحب تكرار ~~الصلاة والدعاء؟ قال العراقي: الظاهر الاستحباب، وقد ورد في حديث تكرار ~~الاستخارة سبعا، رواه ابن السني من حديث أنس مرفوعا بلفظ: إذا هممت بأمر ~~فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه. ~~قال النووي في الأذكار: # إسناده غريب فيه من لا أعرفهم. قال العراقي: كلهم معروفون، ولكن بعضهم ~~معروف بالضعف الشديد وهو إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك، وقد ~~ذكره في الضعفاء العقيلي وابن حبان وابن عدي والأزدي. قال العقيلي: ms1069 يحدث عن ~~الثقات بالبواطيل، وكذا قال ابن عدي. وقال ابن حبان: شيخ كان يدور بالشام ~~يحدث عن الثقات بالموضوعات، لا يجوز ذكره إلا على سبيل القدح فيه، وقد رواه ~~الحسن بن سعيد الموصلي فقال: حدثنا إبراهيم بن حبان بن النجار، حدثنا أبي ~~عن أبيه النجار عن أنس، فكأنه دلسه وسماه النجار لكونه من بني النجار. قال ~~العراقي: فالحديث على هذا ساقط لا حجة فيه، نعم وقد يستدل للتكرار بأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا دعا ثلاثا الحديث الصحيح، وهذا وإن ~~كان المراد به تكرار الدعاء في الوقت الواحد، فالدعاء الذي تسن الصلاة له ~~تكرر الصلاة له كالاستسقاء. قال النووي: ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ~~ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ~~ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسا، وإلا فلا يكون مستخيرا لله، بل يكون ~~مستخيرا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبرئ من العلم ~~والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن ~~اختياره لنفسه. # باب ما جاء في طول القيام وكثرة الركوع والسجود عن أبي هريرة: أن رسول ~~الله (ص) قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # قوله: من ربه أي من رحمة ربه وفضله. قوله: وهو ساجد الواو للحال أي أقرب ~~حالاته من الرحمة حال كونه ساجدا، وإنما كان في السجود أقرب من سائر أحوال ~~الصلاة وغيرها، لأن العبد بقدر ما يبعد عن نفسه يقرب من ربه، والسجود ~~PageV03P090 # غاية التواضع، وترك التكبر وكسر النفس لأنها لا تأمر الرجل بالمذلة ولا ~~ترضى بها ولا بالتواضع، بل بخلاف ذلك، فإذا سجد فقد خالف نفسه وبعد عنها، ~~فإذا بعد عنها قرب من ربه. قوله: فأكثروا الدعاء أي في السجود لأنه حالة ~~قرب كما تقدم، وحالة القرب مقبول دعاؤها، لأن السيد يحب عبده الذي يطيعه ~~ويتواضع له ويقبل منه ما يقوله وما يسأله. (والحديث) ms1070 يدل على مشروعية ~~الاستكثار من السجود ومن الدعاء فيه. وفيه دليل لمن قال: السجود أفضل من ~~القيام، وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك. # وعن ثوبان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: عليك بكثرة ~~السجود فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # الحديث لفظه في صحيح مسلم، قال: يعني معدان بن أبي طلحة اليعمري: لقيت ~~ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: أخبرني بعمل أعمله ~~يدخلني الله به الجنة، أو قال: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته ~~فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فذكر الحديث، وهو يدل على أن كثرة السجود مرغب فيها، والمراد به ~~السجود في الصلاة، وسبب الحث عليه ما تقدم في الحديث الذي قبل هذا، أن أقرب ~~ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وهو موافق لقوله تعالى: * (واسجد واقترب) * ~~(العلق: 19) كذا قال النووي. وفيه دليل لمن يقول: إن السجود أفضل من القيام ~~وسائر أركان الصلاة. (وفي هذه المسألة) مذاهب أحدها: أن تطويل السجود ~~وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بذلك ~~ابن عمر. والمذهب الثاني: أن تطويل القيام أفضل لحديث جابر الآتي، وإلى ذلك ~~ذهب الشافعي وجماعة وهو الحق كما سيأتي. والمذهب الثالث: أنهما سواء، وتوقف ~~أحمد بن حنبل في المسألة ولم يقض فيها بشئ. وقال إسحاق بن راهويه: أما في ~~النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام إلا أن ~~يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل، لأنه يقرأ ~~جزأه، ويربح كثرة الركوع والسجود. قال ابن عدي: إنما قال إسحاق هذا لأنهم ~~وصفوا صلاة النبي (ص) بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما ~~وصف من تطويله بالليل. PageV03P091 # وعن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم آتيه ~~بوضوئه وحاجته، فقال: سلني، فقلت: أسألك ms1071 مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ~~ذلك، فقلت: هو ذاك، فقال: أعني على نفسك بكثرة السجود رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وأبو داود. # قوله: سلني فيه جواز قول الرجل لاتباعه ومن يتولى خدمته: سلوني حوائجكم. # قوله: مرافقتك فيه دليل على أن من الناس من يكون مع الأنبياء في الجنة. ~~وفيه أيضا جواز سؤال الرتب الرفيعة التي تكبر عن السائل. قوله: أعني على ~~نفسك بكثرة السجود فيه أن السجود من أعظم القرب التي يكون بسببها ارتفاع ~~الدرجات عند الله إلى حد لا يناله إلا المقربون، وبه أيضا استدل من قال: إن ~~السجود أفضل من القيام كما تقدم. # وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أفضل الصلاة طول القنوت ~~رواه أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وصححه. # وفي الباب عن عبد الله بن حبشي عند أبي داود والنسائي: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه الحديث. وفيه: ~~فأي الصلاة أفضل؟ # قال: طول القنوت وعن أبي ذر عند أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم في ~~المستدرك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل. قال فيه: فأي ~~الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قوله: طول القنوت هو يطلق بإزاء معان قد ~~قدمنا ذكرها، والمراد هنا طول القيام، قال النووي باتفاق العلماء: ويدل على ~~ذلك تصريح أبي داود في حديث عبد الله بن حبشي: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام. (والحديث) يدل على أن القيام ~~أفضل من السجود والركوع وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي كما تقدم ~~وهو الظاهر، ولا يعارض حديث الباب وما في معناه الأحاديث المتقدمة في فضل ~~السجود، لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام، ~~ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام. وأما حديث: # ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي، فإنه لا يصح لارساله كما قال ~~العراقي، ولان في إسناده ms1072 أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، وكذلك أيضا لا يلزم ~~من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده بأفضليته على القيام، لأن ذلك إنما هو ~~باعتبار إجابة الدعاء. قال العراقي: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام ~~محمولة على صلاة النفل PageV03P092 # والتي لا تشرع فيها الجماعة وعلى صلاة المنفرد، فأما الامام في الفرائض ~~والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين ~~المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه فلا ~~بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف كما تقدم. # وعن المغيرة بن شعبة قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليقوم ويصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا؟ # رواه الجماعة إلا أبا داود. # في الباب عن أنس عند البزار وأبي يعلى والطبراني في الأوسط مثل حديث ~~المغيرة، قال العراقي: ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن مسعود عند الطبراني في ~~الأوسط بنحوه. وعن النعمان بن بشير عند الطبراني في الأوسط أيضا بنحوه، وفي ~~إسناده سليمان بن الحكم وهو ضعيف. وعن أبي جحيفة عند الطبراني في الكبير ~~بنحوه، وفي إسناده أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، ضعفه البخاري ~~والجمهور، ووثقه ابن معين في رواية وأحمد وقال: ربما أخطأ. وعن عائشة عند ~~البخاري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم حتى تتفطر قدماه ~~الحديث. وعنها حديث آخر عند أبي داود: # أن أول سورة المزمل نزلت فقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~حتى انتفخت أقدامهم. وعن سفينة عند البزار: أن النبي (ص) تعبد قبل أن يموت ~~واعتزل النساء حتى صار كأنه شن. قوله: حتى ترم قدماه الورم الانتفاخ. قوله: ~~أفلا أكون عبدا شكورا فيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، ومنه ~~قوله تعالى: * (اعملوا آل داود شكرا) * (سبأ: 13). (والحديث) يدل على ~~مشروعية اجتهاد النفس في العبادة من الصلاة وغيرها ما لم يؤده ذلك إلى ~~الملال، وكانت حاله صلى الله عليه وآله ms1073 وسلم أكمل الأحوال، فكان لا يمل من ~~عبادة ربه، بل كان في الصلاة قرة عينه وراحته، كما قال في الحديث الذي رواه ~~النسائي عن أنس: وجعلت قرة عيني في الصلاة. وكما قال في الحديث الذي رواه ~~أبو داود: أرحنا بها يا بلال. PageV03P093 # باب إخفاء التطوع وجوازه جماعة عن زيد بن ثابت أن النبي (ص) قال: أفضل ~~الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة رواه الجماعة إلا ابن ماجة لكن له ~~معناه من رواية عبد الله بن سعد. # حديث عبد الله بن سعد الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى أخرجه أيضا ~~الترمذي في الشمائل ولفظه قال: سألت رسول الله (ص): أيما أفضل الصلاة في ~~بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلان ~~أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة. وفي ~~الباب عن عمر بن الخطاب عند ابن ماجة قال: سألت رسول الله (ص) فقال: أما ~~صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا بيوتكم وفيه انقطاع. وعن جابر عند مسلم في ~~إفراده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضى أحدكم الصلاة في ~~مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله عز وجل جاعل في بيته من صلاته ~~خيرا. وعن أبي سعيد عند ابن ماجة مثل حديث جابر، قال العراقي: وإسناده ~~صحيح. وعن أبي هريرة عند مسلم والنسائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة ~~البقرة وعن ابن عمر عند الشيخين وأبي داود عن النبي (ص) قال: صلوا في ~~بيوتكم ولا تتخذوها قبورا. وفي لفظ متفق عليه: صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها ~~قبور. وعن عائشة عند أحمد: أن رسول الله (ص) كان يقول: صلوا في بيوتكم ولا ~~تجعلوها عليكم قبورا وعن زيد بن خالد عند أحمد والبزار والطبراني قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها ms1074 قبورا قال ~~العراقي: وإسناده صحيح. وعن الحسن بن علي عند أبي يعلى بنحو حديث زيد بن ~~خالد، وفي إسناده عبد الله بن نافع وهو ضعيف. # وعن صهيب بن النعمان عند الطبراني في الكبير قال: قال رسول الله (ص): فضل ~~صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوب على النافلة. ~~وفي إسناده محمد بن مصعب، وثقه أحمد بن حنبل وضعفه ابن معين وغيره. ~~(الحديث) يدل على استحباب فعل صلاة التطوع في البيوت، وأن فعلها فيها أفضل ~~من فعلها في المساجد، ولو كانت المساجد فاضلة، كالمسجد الحرام، ومسجده صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ومسجد بيت المقدس. وقد ورد التصريح PageV03P094 # بذلك في إحدى روايتي أبي داود لحديث زيد بن ثابت فقال فيها: صلاة المرء ~~في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة قال العراقي: وإسناده ~~صحيح، فعلى هذا لو صلى نافلة في مسجد المدينة كانت بألف صلاة على القول ~~بدخول النوافل في عموم الحديث، وإذا صلاها في بيته كانت أفضل من ألف صلاة، ~~وهكذا حكم المسجد الحرام وبيت المقدس. وقد استثني أصحاب الشافعي من عموم ~~أحاديث الباب عدة من النوافل فقالوا: # فعلها في غير البيت أفضل، وهي ما تشرع فيها الجماعة كالعيدين، والكسوف، ~~والاستسقاء، وتحية المسجد، وركعتي الطواف، وركعتي الاحرام. قوله: إلا ~~المكتوبة قال العراقي: هو في حق الرجال دون النساء، فصلاتهن في البيوت ~~أفضل، وإن أذن لهن في حضور بعض الجماعات، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الحديث الصحيح: إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن ~~وبيوتهن خير لهن. والمراد بالمكتوبة هنا الواجبات بأصل الشرع وهي الصلوات ~~الخمس دون المنذورة. قال النووي: إنما حث على النافلة في البيت لكونه أخفى ~~وأبعد من الرياء، وأصون من محبطات الأعمال، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه ~~الرحمة والملائكة، وينفر منه الشيطان كما جاء في الحديث. # وعن عتبان بن مالك أنه قال: يا رسول الله إن السيول لتحول بيني وبين مسجد ~~قومي، فأحب أن تأتيني فتصلي في مكان من ms1075 بيتي أتخذه مسجدا، فقال: سنفعل، ~~فلما دخل قال: أين تريد؟ فأشرت لا إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين متفق عليه. وقد صح التنفل ~~جماعة من رواية ابن عباس وأنس رضي الله عنهما. # حديث ابن عباس الذي أشار إليه المصنف له ألفاظ في البخاري وغيره أحدها: ~~أنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فقمت عن يساره ~~فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه. ~~وحديث أنس المشار إليه أيضا له ألفاظ كثيرة في البخاري وغيره وأحدها أنه ~~قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي (ص) وأمي أم سليم خلفنا. الأحاديث ~~ساقها المصنف ههنا للاستدلال بها على صلاة النوافل جماعة وهي كما ذكر، وليس ~~للمانع من ذلك متمسك يعارض به هذه الأدلة. (وفي حديث) عتبان فوائد: منها ~~جواز التخلف عن الجماعة في المطر والظلمة ونحو ذلك. ومنها جواز اتخاذ موضع ~~معين للصلاة، وأما النهي عن إيطان موضع معين PageV03P095 # من المسجد ففيه حديث رواه أبو داود وهو محمول على ما إذا استلزم رياء ~~ونحوه. وفيه تسوية الصفوف، وأن عموم النهي عن إمامة الزائر من زاره مخصوص ~~بما إذا كان الزائر هو الامام الأعظم فلا يكره، وكذا من أذن له صاحب المنزل ~~وفيه أنه يشرع لمن دعي من الصالحين للتبرك به الإجابة، وإجابة الفاضل دعوة ~~المفضول، وغير ذلك من الفوائد. وفي حديث ابن عباس فوائد كثيرة أيضا ذكر ~~بعضهم منها عشرين فائدة وهي تزيد على ذلك. وكذلك حديث أنس له فوائد، وهما ~~يدلان على أن الصبي يسد الجناح، وفي ذلك خلاف معروف. # باب أن أفضل التطوع مثنى مثنى فيه عن ابن عمر وعائشة وأم هانئ وقد سبق. ~~وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلاة الليل والنهار ~~مثنى مثنى. رواه الخمسة، وليس هذا بمناقض لحديثه الذي خص فيه الليل بذلك، ~~لأنه وقع جوابا عن سؤال سائل عينه ms1076 في سؤاله. # حديث ابن عمر الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب الوتر بركعة. وحديث ~~عائشة المشار إليه تقدم في باب الوتر بركعة أيضا. وحديث أم هانئ تقدم في ~~باب الضحى. وحديث ابن عمر المذكور في الباب قد تقدم الكلام عليه أيضا في ~~شرح حديثه المتقدم في باب الوتر بركعة. (وفي الباب) عن عمرو بن عبسة عند ~~أحمد بدون ذكر النهار. وعن ابن عباس عند الطبراني وابن عدي بنحو حديث عمرو ~~بن عنبسة. # وعن عمار عند الطبراني في الكبير بنحوه وفي إسناده الربيع بن بدر وهو ~~ضعيف. (والحديث) يدل على أن المستحب في صلاة تطوع الليل والنهار أن يكون ~~مثنى مثنى إلا ما خص من ذلك، أما في جانب الزيادة كحديث عائشة: صلى أربعا ~~فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم صلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. وأما في ~~جانب النقصان كأحاديث الإيتار بركعة. وقد أشار المصنف رحمه الله إلى الجمع ~~بين حديث ابن عمر هذا وحديثه الذي تقدم الاقتصار فيه على صلاة الليل، بأن ~~حديثه المتقدم وقع جوابا لسؤال سائل، وأيضا حديثه هذا مشتمل على زيادة وقعت ~~غير منافية فيتحتم العمل بها كما تقدم. PageV03P096 # وعن أبي أيوب: أن رسول الله (ص) كان إذا قام يصلي من الليل صلى أربع ~~ركعات لا يتكلم ولا يأمر بشئ ويسلم بين كل ركعتين. وعن عائشة: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك ثم ~~توضأ ثم صلى ثمان ركعات يجلس في كل ركعتين ويسلم، ثم يوتر بخمس ركعات لا ~~يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة. وعن المطلب بن ربيعة: أن رسول الله (ص) قال: ~~الصلاة مثنى مثنى وتشهد وتسلم في كل ركعتين وتبأس وتمسكن وتقنع يديك وتقول: ~~اللهم فمن لم يفعل ذلك فهي خداج. رواهن ثلاثتهن أحمد. # أما حديث أبي أيوب فأخرجه أيضا الطبراني في الكبير وفي إسناده واصل بن ~~السائب وهو ضعيف، وزاد أحمد في رواية: يستاك من الليل مرتين أو ثلاثا وأما ~~حديث عائشة فيشهد ms1077 له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يحيي الليل بثماني ركعات ركوعهن كقراءتهن، ~~وسجودهن كقراءتهن، ويسلم بين كل ركعتين. وفي إسناده جنادة بن مروان اتهمه ~~أبو حاتم. وأما الإيتار بخمس متصلة فهو ثابت عند مسلم والترمذي والنسائي من ~~حديثها وقد تقدم. وأما حديث المطلب بن ربيعة فأخرجه أيضا أبو داود قال: ~~حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ، حدثنا شعبة، حدثني عبد ربه بن سعيد، عن ~~أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن الحرث، عن المطلب ~~فذكره. وقال المنذري: أخرجه البخاري وابن ماجة. وفي حديث ابن ماجة: المطلب ~~بن أبي وداعة وهو وهم. وقيل: هو عبد المطلب بن ربيعة، وقيل: الصحيح فيه ~~ربيعة بن الحرث عن الفضل بن عباس، وأخطأ فيه شعبة في مواضع. وقال البخاري ~~في التاريخ: إنه لا يصح اه. ويشهد لصحته الأحاديث المذكورة في أول الباب. ~~قوله: وتبأس قال ابن رسلان: بفتح المثناة الفوقانية وسكون الباء الموحدة ~~وفتح الهمزة، والمعنى أن تظهر الخضوع، وفي بعض النسخ تبايس بفتح الباء ~~والتاء وبعد الألف ياء تحتانية مفتوحة ومعناهما واحد. قال في القاموس: ~~التباؤس التفاقر. ويطلق أيضا على التخشع والتضرع. # قوله: وتمسكن قال في القاموس: تمسكن صار مسكينا، والمسكين من لا شئ له، ~~والذليل والضعيف. قوله: وتقنع يديك بقاف فنون فعين مهملة أي ترفعهما. قال ~~ابن رسلان: # هو بضم التاء وكسر النون، قال: والاقناع رفع اليدين في الدعاء والمسألة. ~~والخداج قد تقدم تفسيره. والحديث الأول والثاني مقيدان بصلاة الليل. ~~والحديث الثالث PageV03P097 # مطلق، وجميعها يدل على مشروعية أن تكون صلاة التطوع مثنى مثنى إلا ما خص ~~كما تقدم، وفي هذه الأحاديث فوائد: منها مشروعية التسوك عند القيام من ~~النوم، وقد تقدم الكلام عليه. ومنها مشروعية التمسكن والتفاقر لأن ذلك من ~~الأسباب للإجابة. # ومنها مشروعية رفع اليدين عند الدعاء، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يرفع يديه في دعاء قط إلا ms1078 في أمور مخصوصة. قال ~~النووي في شرح مسلم: أنه وجد منها في الصحيحين ثلاثين موضعا، هذا معنى ~~كلامه. # وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: في كل ركعتين ~~تسليمة. رواه ابن ماجة. وعن علي عليه السلام: قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات يجعل ~~التسليم في آخره رواه النسائي. # الحديث الأول في إسناده أبو سفيان السعدي طريف بن شهاب، وقد ضعفه ابن ~~معين، ولكن له شواهد قد تقدم ذكرها. والحديث الثاني أخرجه أيضا الترمذي ~~وابن ماجة بألفاظ مختلفة في بعضها كما ذكر المصنف، وفي بعضها أربعا قبل ~~الظهر وبعدها ركعتين وفي بعضها غير ذلك. وحديث أبي سعيد يدل على ما دلت ~~عليه أحاديث صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وقد تقدمت، وحديث علي يدل على ~~جواز صلاة أربع ركعات متصلة في النهار فيكون من جملة المخصصات لأحاديث صلاة ~~الليل والنهار مثنى مثنى، وفيه جواز الصلاة عند الزوال، وقد تقدم الكلام في ~~ذلك. # باب جواز التنفل جالسا والجمع بين القيام والجلوس في الركعة الواحدة عن ~~عائشة قالت: لما بدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثقل كان أكثر ~~صلاته جالسا متفق عليه. # قوله: لما بدن قال أبو عبيدة: بدن بفتح الدال المشددة تبدينا إذا أسن، ~~قال: ومن رواه بضم الدال المخففة فليس له معنى هنا، لأن معناه كثرة اللحم، ~~وهو خلاف صفته صلى الله عليه وآله وسلم. قال القاضي عياض: روايتنا في مسلم ~~عن جمهورهم بدن بالضم، وعن العذري بالتشديد وأراه إصلاحا، قال: ولا ينكر ~~اللفظان في حقه صلى الله عليه وآله وسلم PageV03P098 # وقد قالت عائشة: فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع كما في صحيح مسلم. وفي ~~لفظ: ولحم وفي آخر أسن وكثر لحمه. (والحديث) يدل على جواز التنفل قاعدا مع ~~القدرة على القيام، قال النووي: وهو إجماع العلماء. # وعن حفصة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى في سبحته ~~قاعدا حتى ms1079 كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا، وكان يقرأ بالسورة ~~فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي ~~وصححه. # قوله: سبحته بضم السين المهملة وسكون الباء الموحدة أي نافلته. (والحديث) ~~يدل على جواز صلاة التطوع من قعود وهو مجمع عليه كما تقدم. وفيه استحباب ~~ترتيل القراءة، والمراد بقولها: حتى تكون أطول من أطول منها أن مدة قراءته ~~لها أطول من قراءة سورة أخرى أطول منها إذا قرئت غير مرتلة، وإلا فلا يمكن ~~أن تكون السورة نفسها أطول من أطول منها من غير تقيد بالترتيل والاسراع ~~والتقييد بقبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم بعام لا ينافي قول عائشة في ~~الحديث الأول: فلما بدن وثقل كان أكثر صلاته جالسا لاحتمال أن يكون صلى ~~الله عليه وآله وسلم بدن وثقل قبل موته بمقدار عام. وكذلك لا ينافي حديثها ~~الآتي أنه صلى قاعدا حين أسن، ولو فرض أنه صلى جالسا قبل وفاته بأكثر من ~~عام فلا تنافي أيضا، لأن حفصة إنما نفت رؤيتها لا وقوع ذلك. # وعن عمران بن حصين أنه: سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صلاة الرجل ~~قاعدا قال: إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن ~~صلى نائما فله نصف أجر القاعد ورواه الجماعة إلا مسلما. # وفي الباب عن عبد الله بن السائب عند الطبراني في الكبير قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم. وفي ~~إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف. وعن عبد الله بن عباس عند ابن ~~عدي في الكامل مثل حديث عبد الله بن السائب وفي إسناده حماد بن يحيى، وقد ~~اختلف فيه. # وعن ابن عمر عند البزار في مسنده، والطبراني وابن أبي شيبة بنحوه. وعن ~~المطلب بن أبي وداعة بنحوه وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف. وعن ~~عائشة عند النسائي بنحوه. (والحديث) يدل على جواز التنفل من قعود واضطجاع ~~وهو المراد ms1080 بقوله: PageV03P099 # ومن صلى نائما قال الخطابي في معالم السنن: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم ~~أنه رخص في صلاة التطوع نائما كما رخصوا فيها قاعدا، فإن صحت هذه اللفظة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم تكن من بعض الرواة مدرجة في الحديث ~~قياسا على صلاة القاعد، أو اعتبارا بصلاة المريض نائما إذا لم يقدر على ~~القعود، دلت على جواز تطوع القادر على القعود مضطجعا، قال: ولا أعلم أني ~~سمعت نائما إلا في هذا الحديث. وقال ابن بطال: وأما قوله: من صلى نائما فله ~~نصف أجر القاعد فلا يصح معناه عند العلماء، لأنهم مجمعون أن النافلة لا ~~يصليها القادر على القيام إيماء، قال: وإنما دخل الوهم على ناقل الحديث، ~~وتعقب ذلك العراقي فقال: أما نفي الخطابي وابن بطال للخلاف في صحة التطوع ~~مضطجعا للقادر فمردود، فإن في مذهب الشافعية وجهين الأصح منهما الصحة. وعند ~~المالكية ثلاثة أوجه حكاها القاضي عياض في الاكمال: أحدها الجواز مطلقا في ~~الاضطرار والاختيار للصحيح والمريض. وقد روى الترمذي بإسناده عن الحسن ~~البصري جوازه، فكيف يدعي مع هذا الخلاف القديم. والحديث الاتفاق؟ انتهى. ~~وقد اختلف شراح الحديث في الحديث هل هو محمول على التطوع أو على الفرض في ~~حق غير القادر؟ فحمله الخطابي على الثاني وهو محمل ضعيف، لأن المريض ~~المفترض الذي أتى بما يجب عليه من القعود والاضطجاع يكتب له جميع الاجر لا ~~نصفه. قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشئ ~~لك نصف أجر القادر عليه، بل الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن من منعه الله وحبسه عن عمله بمرض أو غيره يكتب له أجر عمله وهو ~~صحيح اه. وحمله سفيان الثوري وابن الماجشون على التطوع، وحكاه النووي عن ~~الجمهور وقال: إنه يتعين حمل الحديث عليه، وحكى الترمذي عن سفيان الثوري ~~أنه قال: إن تنصيف الاجر إنما هو للصحيح، فأما من كان له عذر من مرض أو ~~غيره فصلى جالسا فإنه ms1081 مثل أجر القائم. # وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي ليلا طويلا قائما، ~~وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ ~~قاعدا ركع وسجد وهو قاعد رواه الجماعة إلا البخاري. وعن عائشة أيضا: أنها ~~لم تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن، ~~وكان يقرأ قاعدا، PageV03P100 # حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع رواه ~~الجماعة. # وزادوا إلا ابن ماجة: ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك. # الحديث الأول يدل على أن المشروع لمن قرأ قائما أن يركع ويسجد من قيام، ~~ومن قرأ قاعدا أن يركع ويسجد من قعود. والحديث الثاني يدل على جواز الركوع ~~من قيام لمن قرأ قاعدا، ويجمع بين الحديثين بحمل قولها: وكان إذا قرأ وهو ~~قائم وإذا قرأ قاعدا في الحديث الأول، على أن المراد جميع القراءة، بمعنى ~~أنه لا يفرغ من القراءة قاعدا فيقوم للركوع والسجود، ولا يفرغ منها قائما ~~فيقعد للركوع والسجود، فأما إذا افتتح الصلاة قائما ثم قرأ بعض القراءة جاز ~~له أن يقعد لتمامها ويركع ويسجد من قعود، وكذا إذا افتتح الصلاة قاعدا ثم ~~قرأ بعض القراءة جاز له أن يقوم لتمامها، ويركع ويسجد من قيام كما في ~~الحديث الثاني. ويشكل على هذا الجمع ما ثبت في بعض طرق الحديث الأول عند ~~مسلم من حديث عائشة بلفظ: فإذا افتتح الصلاة قائما ركع قائما، وإذا افتتح ~~الصلاة قاعدا ركع قاعدا قال العراقي: فيحمل على أنه كان يفعل مرة كذا ومرة ~~كذا، فكان مرة يفتتح قاعدا، ويتم قراءته قاعدا، ويركع قاعدا، وكان مرة ~~يفتتح قاعدا، ويقرأ بعض قراءته قاعدا، وبعضها قائما، ويركع قائما، فإن لفظ ~~كان لا يقتضي المداومة. وقد جاء في رواية علقمة عن عائشة عند مسلم ما يقتضي ~~أنه يفتتح قاعدا، ويقرأ قاعدا، ثم يقوم فيركع، ولكن الظاهر أن هذا في ~~الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس. وقد ms1082 جاء التصريح به عند ~~مسلم في حديث آخر من رواية أبي سلمة عنها وفيه: ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو ~~جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. (والحديثان) يدلان على جواز صلاة التطوع ~~من قعود. والحديث الثاني يدل على أنه يجوز فعل بعض الصلاة من قعود، وبعضها ~~من قيام. قال العراقي: وهو كذلك، سواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، وهو قول ~~جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه النووي عن ~~عامة العلماء. وحكى عن بعض السلف منعه قال: وهو غلط. وحكى القاضي عياض عن ~~أبي يوسف ومحمد في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ومنع أشهب من المالكية ~~الجلوس بعد أن ينوي القيام، وجوزه ابن القاسم والجمهور. # وعن عائشة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي متربعا رواه ~~الدارقطني. PageV03P101 # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم، قال النسائي: ما أعلم أحدا ~~رواه غير أبي داود الحفري، ولا أحسبه إلا خطأ. قال الحافظ: قد رواه ابن ~~خزيمة والبيهقي من طريق محمد بن سعيد بن الأصبهاني بمتابعة أبي داود، فظهر ~~أنه لا خطأ فيه. وروى البيهقي من طريق ابن عيينة عن ابن عجلان عن عامر بن ~~عبد الله بن الزبير عن أبيه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ~~هكذا، ووضع يديه على ركبتيه وهو متربع جالس ورواه البيهقي عن حميد: رأيت ~~أنسا يصلي متربعا على فراشه. وعلقه البخاري. # (والحديث) يدل على أن المستحب لمن صلى قاعدا أن يتربع، وإلى ذلك ذهب أبو ~~حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحد القولين للشافعي، وذهب الشافعي في أحد قوليه ~~إنه يجلس مفترشا كالجلوس بين السجدتين، وحكى صاحب النهاية عن بعض المصنفين ~~أنه يجلس متوركا. # وقال القاضي حسين من الشافعية: أنه يجلس على فخذه اليسرى وينصب ركبته ~~اليمنى كجلسة القارئ بين يدي المقرئ، وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل، وقد ~~وقع الاتفاق على أنه يجوز له أن يقعد على أي صفة شاء من القعود، لما في ~~حديثي عائشة المتقدمين من ms1083 الاطلاق، وما في حديث عمران بن حصين المتقدم من ~~العموم. # باب النهي عن التطوع بعد الإقامة عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة رواه الجماعة إلا ~~البخاري. وفي رواية لأحمد: إلا التي أقيمت. # وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني في الافراد مثل حديث أبي هريرة، قال ~~العراقي: وإسناده حسن. وعن جابر عند ابن عدي في الكامل مثله، وفي إسناده ~~عبد الله بن ميمون القداح قال البخاري: ذاهب الحديث. (والحديث) يدل على أنه ~~لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة، من غير فرق بين ركعتي الفجر ~~وغيرهما، وقد اختلف الصحابة والتابعون ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال. ~~أحدها: الكراهة وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر ~~على خلاف عنه في ذلك، وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومحمد بن ~~سيرين، وإبراهيم النخعي، PageV03P102 # وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير. ومن الأئمة: ~~سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن ~~جرير، هكذا أطلق الترمذي الرواية عن الثوري، وروى عنه ابن عبد البر والنووي ~~تفصيلا، وهو أنه إذا خشي فوت ركعة من صلاة الفجر دخل معهم وترك سنة الفجر ~~وإلا صلاها وسيأتي. القول الثاني: أنه لا يجوز صلاة شئ من النوافل إذا كانت ~~المكتوبة قد قامت من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، قاله ابن عبد البر ~~في التمهيد. القول الثالث: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح والامام في الفريضة، ~~حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصري، ومجاهد، ومكحول، ~~وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حي، ففرق هؤلاء بين سنة الفجر ~~وغيره، واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي ~~الصبح. وأجيب عن ذلك بأن البيهقي قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وفي إسنادها ~~حجاج ms1084 بن نصر وعباد بن كثير وهما ضعيفان، على أنه قد روى البيهقي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أقيمت الصلاة فلا ~~صلاة إلا المكتوبة، قيل: يا رسول الله ولا ركعتي الفجر؟ قال: ولا ركعتي ~~الفجر وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وهو متكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان ~~واحتج به في صحيحه. القول الرابع: التفرقة بين أن يكون في المسجد أو خارجه، ~~وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الامام أو لا، وهو قول مالك. فقال: إذا ~~كان قد دخل المسجد فليدخل مع الامام ولا يركعهما يعني ركعتي الفجر، وإن لم ~~يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الامام بركعة فليركع خارج المسجد، وإن ~~خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الامام فليدخل وليصل معه. القول الخامس: أنه ~~إن خشي فوت الركعتين معا وأنه لا يدرك الامام قبل رفعه من الركوع في ~~الثانية دخل معه وإلا فيركعهما، يعني ركعتي الفجر خارج المسجد، ثم يدخل مع ~~الامام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البر، وحكى عنه أيضا ~~نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه. وحكى ~~النووي عنه مثل قول الأوزاعي الآتي ذكره. القول السادس: أنه يركعهما في ~~المسجد إلا أنه يخاف فوت الركعة الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع وإن ~~فاتته وهو قول الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النووي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه. القول السابع: يركعهما في المسجد وغيره إلا إذا خاف فوت الركعة ~~الأولى، وهو قول سفيان الثوري، حكى ذلك عنه PageV03P103 # ابن عبد البر، وهو مخالف لما رواه الترمذي عنه. القول الثامن: أنه ~~يصليهما وإن فاتته صلاة الامام إذا كان الوقت واسعا، قاله ابن الجلاب من ~~المالكية. القول التاسع: أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي ~~الفجر ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد ~~عصى وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعي، وعن ms1085 جمهور السلف، وكذا ~~قال الخطابي، وحكي الكراهة عن الشافعي وأحمد. وحكى القرطبي في المفهم عن ~~أبي هريرة وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة، وهذا ~~القول هو الظاهر، إن كان المراد بإقامة الصلاة الإقامة التي يقولها المؤذن ~~عند إرادة الصلاة وهو المعنى المتعارف. قال العراقي: وهو المتبادر إلى ~~الأذهان من هذا الحديث. (والأحاديث) المذكورة في شرح الحديث الذي بعد هذا ~~تدل على ذلك، لا إذا كان المراد بإقامة الصلاة فعلها كما هو المعنى ~~الحقيقي. ومنه قوله تعالى: * (الذين يقيمون الصلاة) * (المائدة 55) فإنه لا ~~كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذن قبل الشروع في الصلاة، وإذا كان ~~المراد المعنى الأول فهل المراد به الفراغ من الإقامة لأنه حينئذ يشرع في ~~فعل الصلاة؟ أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقي: يحتمل أن يراد ~~كل من الامرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة ليتهيأ المأمومون ~~لادراك التحريم مع الامام. ومما يدل على ذلك قوله في حديث أبي موسى عند ~~الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا صلى ركعتي الفجر حين ~~أخذ المؤذن يقيم قال العراقي: وإسناده جيد، ومثله حديث ابن عباس الآتي. # قوله: فلا صلاة يحتمل أن يتوجه النفي إلى الصحة أو إلى الكمال، والظاهر ~~توجهه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، وقد قدمنا الكلام في ~~ذلك، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة الصلاة المكتوبة، كما تقدم عن أبي ~~هريرة وأهل الظاهر. قال العراقي: إن قوله: فلا صلاة يحتمل أن يراد فلا يشرع ~~حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد فلا يشتغل بصلاة وإن كان ~~قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لادراك فضيلة التحريم، أو أنها ~~تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل كلا من الامرين، وقد بالغ أهل ~~الظاهر فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر أو غيرهما من النوافل فأقيمت صلاة ~~الفريضة بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلم منهما، ولو لم يبق عليه ~~منهما غير السلام، بل ms1086 يدخل كما هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا ~~أتم الفريضة فإن شاء ركعهما وإن شاء لم يركعهما، قال: وهذا غلو منهم في ~~صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري أيهما أطول زمنا، ~~PageV03P104 # مدة السلام، أو مدة إقامة الصلاة بل يمكنه أن يتهيأ بعد السلام لتحصيل ~~أكمل الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة، نعم قال الشيخ أبو حامد من ~~الشافعية: إن الأفضل خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى فوات فضيلة ~~التحريم، وهذا واضح انتهى. قوله: # إلا المكتوبة الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة إلى ~~الصلاة التي أقيمت، وقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ: فلا صلاة ~~إلا المكتوبة التي أقيمت وكذلك في رواية لأبي هريرة ذكرها ابن عبد البر في ~~التمهيد، وكما ذكره المصنف في حديث الباب. # وعن عبد الله بن مالك ابن بحينة: أن رسول الله (ص) رأى رجلا وقد أقيمت ~~الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاث به ~~الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصبح أربعا الصبح ~~أربعا متفق عليه. # وفي الباب عن عبد الله بن سرجس عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة ~~قال: # جاء رجل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الصبح، فصلى ركعتين قبل أن ~~يدخل في الصلاة، فلما انصرف رسول الله (ص) قال له: يا فلان بأي صلاتيك ~~اعتددت؟ # بالتي صليت وحدك، أو بالتي صليت معنا؟. وعن ابن عباس عند أبي داود ~~الطيالسي قال: # كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي الله (ص) وقال: أتصلي الصبح ~~أربعا؟ ورواه أيضا البيهقي والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه، والحاكم ~~في المستدرك وقال: إنه على شرط الشيخين والطبراني. وعن أنس عند البزار أنه ~~قال: خرج رسول الله (ص) حين أقيمت الصلاة فرأى ناسا يصلون ركعتي الفجر ~~فقال: صلاتان معا؟ ونهى أن تصليا إذا أقيمت الصلاة. وأخرجه مالك في الموطأ. # وعن زيد بن ثابت عند الطبراني في الأوسط ms1087 قال رأى رسول الله (ص) رجلا يصلي ~~ركعتي الفجر وبلال يقيم الصلاة فقال: أصلاتان معا؟ وفي إسناده عبد المنعم ~~بن بشير الأنصاري، وقد ضعفه ابن معين وابن حبان. وعن أبي موسى عند الطبراني ~~في الكبير: أن رسول الله (ص) رأى رجلا يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن ~~يقيم، فغمز النبي (ص) منكبه وقال: ألا كان هذا قبل هذا؟ قال العراقي: # وإسناده جيد. وعن عائشة عند ابن عبد البر في التمهيد: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله PageV03P105 # وسلم خرج حين أقيمت صلاة الصبح فرأى ناسا يصلون فقال: أصلاتان معا؟. وفي ~~إسناده شريك بن عبد الله، وقد اختلف عليه في وصله وإرساله. قوله: لاث به ~~الناس أي اختلطوا به والتفوا عليه. قال في القاموس: والالتياث الاختلاط ~~والالتفاف. (والحديث) يدل على كراهة صلاة سنة الفجر عند إقامة الصلاة ~~المكتوبة، وقد تقدم بسط الخلاف في ذلك في شرح الحديث الذي قبله. (فإن قيل) ~~قد روى ابن ماجة من حديث علي عليه السلام أنه قال: كان النبي (ص) يصلي ~~الركعتين عند الإقامة فكيف الجمع بينه وبين أحاديث الباب؟ فقيل: إن ذلك خاص ~~بالامام، وقيل: بالنبي (ص)، والأولى أن يقال: إن في إسناد الحديث الحرث ~~الأعور وهو ضعيف كما علم، بل قد رمي بالكذب فلا حاجة إلى تكلف الجمع. # باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها عن أبي سعيد: أن النبي (ص) قال: لا ~~صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع ~~الشمس متفق عليه. وفي لفظ: لا صلاة بعد صلاتين بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ~~وبعد العصر حتى تغرب رواه أحمد والبخاري. وعن عمر بن الخطاب: أن النبي (ص) ~~نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس ورواه ~~أبو هريرة مثل ذلك متفق عليهما. وفي لفظ عن عمر: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح ~~حتى تطلع الشمس رواه البخاري. ورواه أحمد ms1088 وأبو داود وقالا فيه: بعد صلاة ~~العصر. # في الباب عن جماعة من الصحابة. منهم عمرو بن عبسة وابن عمر، وسيذكر ذلك ~~المصنف. وعن ابن مسعود عند الطحاوي بلفظ: كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع ~~الشمس وعند غروبها ونصف النهار. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند ~~الطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصلوا ~~بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس. وعن معاذ بن ~~عفراء أشار إليه الترمذي، وذكره ابن سيد الناس في شرحه بنحو حديث أبي سعيد. ~~وعن زيد بن ثابت عند الطبراني: أن رسول PageV03P106 # الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر وعن كعب بن مرة ~~عند الطبراني أيضا بنحو حديث عمرو بن عبسة الآتي. وعن سلمة بن الأكوع أشار ~~إليه الترمذي. وعن علي عند أبي داود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يصلي في أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر وفي الباب عن ~~جماعة ذكرهم الترمذي والحافظ في التلخيص. قوله: لا صلاة قال ابن دقيق ~~العيد: صيغة النفي إذا دخلت في ألفاظ الشارع على فعل كان الأولى حملها على ~~نفي الفعل الشرعي لا الحسي، لأنا لو حملناه على نفي الحسي لاحتجنا في ~~تصحيحه إلى إضمار والأصل عدمه، وإذا حملناه على الشرعي لم نحتج إلى إضمار، ~~فهذا وجه الأولوية، وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي. # والتقدير لا تصلوا كما تقدم التصريح بذلك في حديث أبي هريرة وابن عمرو بن ~~العاص وسيأتي حديث علي. وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم ~~قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنه لا ~~يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب. ~~ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن، كما قال الحافظ عن علي ~~عليه السلام عن النبي (ص) قال: لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا أن ~~تكون ms1089 الشمس نقية. وفي رواية: # (مرتفعة). فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت ~~الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما، كذا في الفتح. قوله: بعد صلاة العصر وبعد ~~صلاة الفجر هذا تصريح بأن الكراهة متعلقة بفعل الصلاة لا بدخول وقت الفجر ~~والعصر. وكذا قوله في الرواية الأخرى: لا صلاة بعد الصلاتين. وكذا قوله في ~~رواية ابن عمر: # لا صلاة بعد صلاة الصبح. وكذا قوله في حديث عمرو بن عبسة الآتي: صل صلاة ~~الصبح ثم اقصر. وقوله: حتى تصلي العصر ثم اقصر فتحمل الأحاديث المطلقة على ~~الأحاديث المقيدة بهذه الزيادة. (وقد اختلف) أهل العلم في الصلاة بعد العصر ~~وبعد الفجر، فذهب الجمهور إلى أنها مكروهة، وادعى النووي الاتفاق على ذلك، ~~وتعقبه الحافظ بأنه قد حكى عن طائفة من السلف الإباحة مطلقا، وأن أحاديث ~~النهي منسوخة، قال: وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم، ~~وهو أيضا مذهب الهادي والقاسم عليهما السلام، وقد اختلف القائلون بالكراهة، ~~فذهب الشافعي والمؤيد بالله إلى أنه يجوز من الصلاة في هذين الوقتين ما له ~~سبب، واستدلا بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم سنة الظهر بعد PageV03P107 # العصر، وقد تقدم الجوا ب عن هذا الاستدلال في باب تحية المسجد، وذهب أبو ~~حنيفة إلى كراهة التطوعات في هذين الوقتين مطلقا، وحكى عن جماعة منهم أبو ~~بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات. (واستدل) القائلون ~~بالإباحة مطلقا بأدلة. منها دعوى النسخ لأحاديث الباب، صرح بذلك ابن حزم ~~وغيره وجعلوا الناسخ حديث: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، ومن ~~أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس. وقد تقدم، ولكنه خاص بصلاة الفرض، ~~فلا يصلح لنسخ أحاديث الباب على فرض تأخره، وغاية ما فيه تخصيص صلاة ~~الفريضة من عموم النهي. (واستدلوا) أيضا بحديث صلاته صلى الله عليه وآله ~~وسلم لركعتي الظهر بعد العصر وقد تقدم الجواب عنه. واستدلوا أيضا بحديث علي ~~المتقدم لتقييد النهي فيه بقوله: إلا أن تكون الشمس ms1090 بيضاء نقية. وقد تقدم ~~أن الحافظ قال في الفتح: إن إسناده حسن، وقال في موضع آخر منه: إن إسناده ~~صحيح. وهذا وإن كان صالحا لتقييد الأحاديث المذكورة في الباب القاضية بمنع ~~الصلاة بعد صلاة العصر على الاطلاق بما عدا الوقت الذي تكون الشمس فيه ~~بيضاء نقية، لكنه أخص من دعوى مدعي الإباحة للصلاة بعد العصر وبعد الفجر ~~مطلقا. (واستدلوا) أيضا بما رواه مسلم عن عائشة أنها قالت: وهم عمر إنما ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. وبما ~~رواه البخاري عن ابن عمر أنه قال: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، ولا أنهى ~~أحدا يصلي بليل أو نهار ما شاء، غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها. ~~ويجاب عن الاستدلال بقول عائشة بأن الذي رواه عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثابت من طريق جماعة من الصحابة كما تقدم فلا اختصاص له بالوهم، ~~وهم مثبتون وناقلون للزيادة، فروايتهم مقدمة، وعدم علم عائشة لا يستلزم ~~العدم، فقد علم غيرها بما لا تعلم. ويجاب عن الاستدلال بقول ابن عمر بأنه ~~قول صحابي لا حجة فيه، ولا يعارض المرفوع على أنه قد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم خلاف ما رآه كما سيأتي. # (واستدلوا) أيضا بما أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها. ~~قالوا: فتحمل الأحاديث المذكورة في الباب على هذا حمل المطلق على المقيد، ~~أو تبنى عليه بناء العام على الخاص، ويجاب بأن هذا من التنصيص على أحد ~~أفراد العام، وهو لا يصلح للتخصيص كما تقرر في الأصول. PageV03P108 # واعلم أن الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة العصر والفجر عامة، ~~فما كان أخص منها مطلقا كحديث يزيد بن الأسود وابن عباس الآتيين في الباب ~~الذي بعد هذا، وحديث علي المتقدم، وقضاء سنة الظهر بعد العصر، وسنة الفجر ~~بعده، للأحاديث المتقدمة في ذلك، فلا شك أنها مخصصة لهذا ms1091 العموم، وما كان ~~بينه وبين أحاديث الباب عموم وخصوص من وجه، كأحاديث تحية المسجد، وأحاديث ~~قضاء الفوائت وقد تقدمت، والصلاة على الجنازة لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت الحديث ~~أخرجه الترمذي. وصلاة الكسوف لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فإذا رأيتموها ~~فافزعوا إلى الصلاة والركعتين عقب التطهر لحديث أبي هريرة المتقدم. وصلاة ~~الاستخارة للأحاديث المتقدمة وغير ذلك، فلا شك أنها أعم من أحاديث الباب من ~~وجه، وأخص منها من وجه، وليس أحد العمومين أولى من الآخر بجعله خاصا لما في ~~ذلك من التحكم والوقف هو المتعين حتى يقع الترجيح بأمر خارج. # وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا نبي الله أخبرني عن الصلاة، قال: صل صلاة ~~الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين ~~قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى ~~يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفئ ~~فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب ~~فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار رواه أحمد ومسلم. ولأبي ~~داود نحوه وأوله عنده: # قلت: يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن ~~الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح. # قوله: وترتفع فيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس طلوع الشمس ~~بل لا بد من الارتفاع. وقد وقع عند البخاري من حديث عمر المتقدم بلفظ: حتى ~~تشرق الشمس والاشراق الإضاءة. وفي حديث عقبة الآتي: حتى تطلع الشمس بازغة ~~وذلك يبين أن المراد بالطلوع المذكور في حديث الباب وغيره الارتفاع ~~والإضاءة لا مجرد الظهور، ذكر معنى ذلك القاضي عياض. قال النووي: وهو متعين ~~لا عدول عنه للجمع بين الروايات، وقد ورد مفسرا في بعض الروايات بارتفاعها ~~قدر رمح. قوله: فإنها تطلع بين قرني PageV03P109 # شيطان قال النووي قيل: المراد ms1092 بقرني الشيطان حزبه وأتباعه. وقيل: غلبة ~~أتباعه وانتشار فساده. وقيل: القرنان ناحيتا الرأس وأنه هو على ظاهره، قال: ~~وهذا الأقوى ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون ~~لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون لو لشيعته تسلط ظاهر ~~وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما ~~كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان، وفي رواية لأبي داود والنسائي: ~~فإنها تطلع بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار. قوله: # مشهودة محضورة أي تشهدها الملائكة ويحضرونها، وذلك أقرب إلى القبول وحصول ~~الرحمة. قوله: حتى يستقل الظل بالرمح قال النووي: معناه أنه يقوم مقابله في ~~الشمال، ليس مائلا إلى المشرق ولا إلى المغرب، وهذا حالة الاستواء انتهى. ~~والمراد أنه يكون الظل في جانب الرمح ولم يبق على الأرض من ظله شئ، وهذا ~~يكون في بعض أيام السنة ويقدر في سائر الأيام عليه. قوله: تسجر جهنم بالسين ~~المهملة والجيم والراء أي يوقد عليها إيقادا بليغا. قوله: قوله: # فإذا أقبل الفئ أي ظهر إلى جهة المشرق، والفئ، مختص بما بعد الزوال، وأما ~~الظل فيقع على ما قبل الزوال وبعده. قوله: حتى تصلي العصر فيه دليل على أن ~~وقت النهي لا يدخل بدخول وقت العصر ولا بصلاة غير المصلي، وإنما يكره لكل ~~إنسان بعد صلاته نفسه، حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنفل قبلها، ~~وقد تقدم الكلام في ذلك. وكذا قوله: حتى تصلي الصبح قال المصنف رحمه الله: ~~وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن النهي في الفجر لا يتعلق بطلوعه بل بالفعل ~~كالعصر انتهى. (والحديث) يدل على كراهة التطوعات بعد صلاة العصر والفجر وقد ~~تقدم ذلك، وعلى كراهتها أيضا عند طلوع الشمس، وعند قائمة الظهيرة، وعند ~~غروبها، وسيأتي الكلام على هذه الأوقات. # وعن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعدما طلع الفجر ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه ~~الساعة فقال: ليبلغ شاهدكم ms1093 غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين رواه ~~أحمد وأبو داود. # وأخرجه أيضا الدارقطني والترمذي وقال: غريب لا يعرف إلا من حديث قدامة بن ~~موسى. قال الحافظ: وقد اختلف في اسم شيخه فقيل: أيوب بن حصين. وقيل: # محمد ابن حصين وهو مجهول. وأخرجه أبو يعلى والطبراني من وجهين آخرين عن ~~ابن عمر نحوه. ورواه ابن عدي من طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه ~~عن ابن عمر. ورواه PageV03P110 # أيضا الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده الإفريقي. ~~ورواه أيضا الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي سنده رواد ~~بن الجراح. ورواه أيضا البيهقي من حديث سعيد بن المسيب مرسلا وقال: روي ~~موصولا عن أبي هريرة ولا يصح. ورواه موصولا الطبراني وابن عدي وسنده ضعيف ~~والمرسل أصح. (والحديث) يدل على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي ~~الفجر، قال الترمذي: وهو مما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد ~~طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. قال الحافظ في التلخيص: دعوى الترمذي الاجماع ~~على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره، وقال ~~الحسن البصري: لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة بالليل. ~~وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في قيام الليل انتهى. وطرق حديث الباب يقوي ~~بعضها بعضا، فتنتهض للاحتجاج بها على الكراهة. وقد أفرط ابن حزم فقال: ~~الروايات في أنه لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر ساقطة مطروحة مكذوبة. # وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ~~ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف للغروب حتى تغرب رواه الجماعة ~~إلا البخاري. # قوله: أن نقبر هو بضم الباء الموحدة وكسرها لغتان. قال النووي: قال ~~بعضهم: المراد بالقبر صلاة الجنازة وهذا ضعيف، لأن صلاة الجنازة لا تكره في ~~هذا الوقت بالاجماع، فلا ms1094 يجوز تفسير الحديث بما يخالف الاجماع، بل الصواب ~~أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى ~~اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين، قال: فأما إذا وقد الدفن بلا ~~تعمد في هذه الأوقات فلا يكره انتهى. # وظاهر الحديث أن الدفن في هذه الأوقات محرم من غير فرق بين العامد وغيره، ~~إلا أن يخص غير العامد بالأدلة القاضية برفع الجناح عنه. قوله: بازغة أي ~~ظاهرة. قوله: تضيف ضبطه النووي في شرح مسلم بفتح التاء والضاد المعجمة ~~وتشديد الياء. والمراد به الميل. (والحديث) يدل على تحريم الصلاة في هذه ~~الأوقات وكذا الدفن. وقد حكى النووي الاجماع على الكراهة قال: واتفقوا على ~~جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة ~~التحية، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وصلاة الجنازة، ~~وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي ~~حنيفة PageV03P111 # وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث انتهى. وجعله لصلاة الجنازة ~~ههنا من جملة ما وقع فيه الخلاف ينافي دعواه الاجماع على عدم كراهتها كما ~~تقدم عنه. ومن القائلين بكراهة قضاء الفرائض في هذه الأوقات زيد بن علي، ~~والمؤيد بالله، والداعي، والامام يحيى، قالوا: # لشمول النهى للقضاء لأن دليل المنع لم يفصل. (واحتج القائلون) بجواز قضاء ~~الفرائض في هذه الأوقات وهم: الهادي والقاسم والشافعي ومالك بقوله (ص): من ~~نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها الحديث المتقدم، فجعلوه مخصصا ~~لأحاديث الكراهة وهو تحكم، لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد ~~العمومين أولى بالتخصيص من الآخر، وكذلك الكلام في فعل الصلاة المفروضة في ~~هذه الأوقات أداء، إلا أن حديث من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس، ~~ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس أخص من أحاديث النهي مطلقا فيقدم ~~عليها، وقد استثنى الشافعي وأصحابه وأبو يوسف الصلاة عند قائمة الظهيرة يوم ~~الجمعة خاصة وهي رواية عن الأوزاعي وأهل الشام، واستدلوا بما رواه الشافعي ~~عن ms1095 أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار ~~حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة. وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وإسحاق بن ~~عبد الله بن أبي فروة وهما ضعيفان. ورواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر، ~~عن عبد الله شيخ من أهل المدينة، عن سعيد، عن أبي هريرة. ورواه الأثرم بسند ~~فيه الواقدي وهو متروك. ورواه البيهقي أيضا بسند آخر فيه عطاء بن عجلان وهو ~~متروك أيضا. وقد روى الشافعي عن ثعلبة بن أبي مالك عن عامة الصحابة أنهم ~~كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة. (وفي الباب) عن واثلة عند الطبراني قال ~~الحافظ بسند واه. وعن أبي قتادة عند أبي داود والأثرم أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: إن جهنم تسحر إلا ~~يوم الجمعة وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وهو أيضا منقطع لأنه من رواية ~~أبي الخليل عن أبي قتادة ولم يسمع منه. # وعن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال رواه أبو داود. # الحديث في إسناده محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء وفيه مقال إذا ~~لم يصرح بالتحديث، وهو هنا قد عنعن فينظر في عنعنته كما قال الحافظ، وقد ~~قدمنا في باب قضاء سنة الظهر ما يدل على اختصاص ذلك به صلى الله عليه وآله ~~وسلم. PageV03P112 # باب الرخصة في إعادة الجماعة وركعتي الطواف في كل وقت عن يزيد بن الأسود: ~~قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في ~~مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم ولم يصليا ~~فقال: علي بهما، فجئ بهما ترعد فرائصهما فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ ~~فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا إذا ~~صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا ms1096 معهم فإنها لكما نافلة رواه ~~الخمسة إلا ابن ماجة. وفي لفظ لأبي داود: إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك ~~الصلاة مع الامام فليصلها معه فإنها له نافلة. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن، وقال ~~الترمذي: حسن صحيح، وقد أخرجوه كلهم من طريق يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد ~~بن الأسود عن أبيه، قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول. قال البيهقي: لأن ~~يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى. قال ~~الحافظ: يعلى من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره، وقد وجدنا لجابر بن ~~يزيد راويا غير يعلى، أخرجه ابن منده في المعرفة من طريق شيبة عن إبراهيم ~~بن أبي أمامة عن عبد الملك بن عمير عن جابر. (وفي الباب) عن أبي ذر عند ~~مسلم في حديث أوله: كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ~~وفيه: فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة. وعن ابن مسعود عند مسلم بنحوه، ~~وعن شداد بن أوس عند البزار. وعن محجن الديلي عند مالك في الموطأ والنسائي ~~وابن حبان والحاكم. وعن أبي أيوب عند أبي داود: أنه سأله رجل من بني أسد بن ~~خزيمة فقال: يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة فأصلي ~~معهم فأجد في نفسي من ذلك شيئا، فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: فذلك له سهم جمع. وفي إسناده رجل مجهول. قوله: ~~ترعد بضم أوله وفتح ثالثه أي تتحرك، كذا قال ابن رسلان. قوله: فرائصهما جمع ~~فريصة بالصاد المهملة وهي اللحمة من الجنب والكتف التي لا تزال ترعد أي ~~تتحرك من الدابة، واستعير للانسان لأن له فريصة وهي ترجف عند الخوف. وقال ~~الأصمعي: الفريصة لحمة بين الكتف والجنب. وسبب ارتعاد فرائصهما ما اجتمع في ~~رسول الله (ص) من الهيبة PageV03P113 # العظيمة والحرمة الجسيمة لكل من رآه مع كثرة تواضعه. قوله: ثم أتيتما ~~مسجد جماعة لفظ أبي داود: إذا ms1097 صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الامام ولم يصل ~~فليصل معه ولفظ ابن حبان: إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الصلاة فصليا. ~~قوله: فإنها لكما نافلة فيه تصريح بأن الثانية في الصلاة المعادة نافلة، ~~وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى جماعة أو فرادى، لأن ترك الاستفصال في ~~مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. # قال ابن عبد البر: قال جمهور الفقهاء: إنما يعيد الصلاة مع الامام في ~~جماعة من صلى وحده في بيته أو في غير بيته، وأما من صلى في جماعة، وإن قلت: ~~فلا يعيد في أخرى، قلت: أو كثرت، ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد في ثالثة ~~ورابعة إلى ما لا نهاية له، وهذا لا يخفى فساده، قال: وممن قال بهذا القول ~~مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم. ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا تصلي صلاة في يوم مرتين انتهى. وذهب الأوزاعي والهادي وبعض أصحاب ~~الشافعي وهو قول الشافعي القديم إلى أن الفريضة هي الثانية إذا كانت الأولى ~~فرادى، واستدلوا بما أخرجه أبو داود عن يزيد بن عامر قال: جئت والنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في الصلاة فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة فانصرف علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرآه جالسا فقال: ألم تسلم يا يزيد؟ ~~قال: بلى يا رسول الله قد أسلمت، قال: فما منعك أن تدخل مع الناس في ~~صلاتهم؟ قال: إني كنت قد صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال: إذا ~~جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه ~~مكتوبة ولكنه قد ضعفه النووي، وقال البيهقي: إن حديث يزيد بن الأسود أثبت ~~منه وأولى. ورواه الدارقطني بلفظ: وليجعل التي صلى في بيته نافلة وقال: هي ~~رواية ضعيفة شاذة انتهى. وعلى فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به، ~~فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن بحمل حديث الباب على من صلى الصلاة ~~الأولى في جماعة، وحمل هذا على من صلى ms1098 منفردا كما هو الظاهر من سياق ~~الحديثين، ويكونان مخصصين لحديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن خزيمة ~~وابن حبان بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تصلوا ~~صلاة في يوم مرتين على فرض شموله لإعادة الفريضة، من غير فرق بين أن تكون ~~الإعادة بنية الافتراض أو التطوع. وأما إذا كان النهي مختصا بإعادة الفريضة ~~بنية الافتراض فقط، فلا يحتاج إلى الجمع بينه وبين حديث الباب. ومن جملة ~~المخصصات لحديث ابن PageV03P114 # عمر المذكور حديث أبي سعيد قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فدخل رجل فقام يصلي الظهر فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ ~~أخرجه الترمذي وحسنه ابن حبان والحاكم والبيهقي. (وحديث) الباب يدل على ~~مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة، وإن كان ~~الوقت وقت كراهة، للتصريح بأن ذلك كان في صلاة الصبح، وإلى ذلك ذهب ~~الشافعي، فيكون هذا مخصصا لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة ~~الصبح، ومن جوز التخصيص بالقياس ألحق به ما ساواه من أوقات الكراهة. وظاهر ~~التقييد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم أتيتما مسجد جماعة أن ذلك مختص ~~بالجماعات التي تقام في المساجد لا التي تقام في غيرها، فيحمل المطلق من ~~ألفاظ حديث الباب كلفظ أبي داود وابن حبان المتقدمين على المقيد بمسجد ~~الجماعة، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن سليمان بن يسار مولى ~~ميمونة قال: # رأيت ابن عمر جالسا على البلاط وهو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق ~~بالمدينة وهم يصلون فقلت: ألا تصلي معهم؟ فقال: قد صليت إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. # وعن جبير بن مطعم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا بني عبد ~~مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه ~~الجماعة إلا البخاري. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه ms1099 وآله وسلم قال: ~~يا بني عبد المطلب أو يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بالبيت ويصلي ~~فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا ~~عند هذا البيت يطوفون ويصلون رواه الدارقطني. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وصححه الترمذي، ~~ورواه الدارقطني من وجهين آخرين عن جابر. قال الحافظ وهو معلول فإن المحفوظ ~~عن جبير لاعن جابر، وقد عزا المصنف رحمه الله حديث الباب إلى مسلم، لأنه لم ~~يستثن من الجماعة إلا البخاري وهو خطأ، قال الحافظ في التلخيص: عزا المجد ~~بن تيمية حديث جبير لمسلم فإنه قال: رواه الجماعة إلا البخاري، وهذا وهم ~~منه تبعه عليه المحب الطبري فقال: # رواه السبعة إلا البخاري. وابن الرفعة وقال: رواه مسلم، وكأنه والله أعلم ~~لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة دون البخاري اقتطع مسلما من بينهم ~~واكتفى به عنهم ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن تيمية فأخطأ مكررا انتهى. ~~والحديث الثاني أخرجه أيضا الطبراني PageV03P115 # وأبو نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في تلخيصه. قال ابن حجر في التلخيص: ~~وهو معلول. وروى ابن عدي عن أبي هريرة حديث: لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع ~~الشمس وزاد في آخره: من طاف فليصل أي حين طاف وقال: لا يتابع عليه. وكذا ~~قال البخاري، وقد استدل بحديثي الباب على جواز الطواف والصلاة عقيبه في ~~أوقات الكراهة، وإلى ذلك ذهب الشافعي والمنصور بالله، وذهب الجمهور إلى ~~العمل بالأحاديث القاضية بالكراهة على العموم ترجيحا لجانب ما اشتمل على ~~الكراهة، وأنت خبير بأن حديث جبير بن مطعم لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي ~~المتقدمة لأنه أعم منها من وجه وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى ~~بالتخصيص من الآخر لما عرفت غير مرة. وأما حديث ابن عباس فهو صالح لتخصيص ~~النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، لكن بعد صلاحيته للاحتجاج وهو معلول ~~كما تقدم. ويؤيده حديث أبي ذر عند الشافعي بلفظ: # لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ms1100 ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ~~إلا بمكة وكرر الاستثناء ثلاثا ورواه أيضا أحمد وابن عدي وفي إسناده عبد ~~الله بن المؤمل وهو ضعيف. وذكر ابن عدي هذا الحديث من جملة ما أنكر عليه. ~~وقال البيهقي: # تفرد به عبد الله، ولكن تابعه إبراهيم بن طهمان، وهو أيضا من رواية مجاهد ~~عن أبي ذر، وقد قال أبو حاتم وابن عبد البر والبيهقي والمنذري وغير واحد ~~أنه لم يسمع منه. وقد رواه أيضا ابن خزيمة في صحيحه وقال: أنا أشك في سماع ~~مجاهد من أبي ذر، وهذا الحديث إن صح كان دالا على جواز الصلاة في مكة بعد ~~العصر وبعد الفجر، من غير فرق بين ركعتي الطواف وغيرهما من التطوعات التي ~~لا سبب لها والتي لها سبب. # أبواب سجود التلاوة والشكر باب مواضع السجود في الحج وص والمفصل وعن عمرو ~~بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في ~~القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان رواه أبو داود وابن ماجة. ~~PageV03P116 # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم، وحسنه المنذري والنووي، وضعفه عبد ~~الحق وابن القطان، وفي إسناده عبد الله بن منين الكلابي وهو مجهول، والراوي ~~عنه الحرث بن سعيد العتقي المصري وهو لا يعرف أيضا، كذا قال الحافظ، وقال ~~ابن مأكولا: ليس له غير هذا الحديث. قوله: خمس عشرة سجدة فيه دليل على أن ~~مواضع السجود خمسة عشر موضعا، وإلى ذلك ذهب أحمد والليث وإسحاق وابن وهب ~~وابن حبيب من المالكية، وابن المنذر وابن سريج من الشافعية، وطائفة من أهل ~~العلم، فأثبتوا في الحج سجدتين وفي * (ص) *. وذهب أبو حنيفة وداود ~~والهادوية إلى أنها أربع عشرة سجدة. إلا أن أبا حنيفة لم يعد في سورة الحج ~~إلا سجدة، وعد سجدة * (ص) * والهادوية عدوا في الحج سجدتين ولم يعدوا سجدة ~~* (ص) *. وذهب الشافعي في القديم والمالكية إلى أنها إحدى عشرة، وأخرج ~~سجدات المفصل وهي ثلاث كما يأتي، وذهب في قوله الجديد إلى أنها أربع عشرة ~~سجدة ms1101 وعد منها سجدات المفصل ولم يعد سجدة * (ص) *. # (واعلم) أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف. وثانيها عند قوله في الرعد: ~~* (بالغدو والآصال) * (الرعد: 15). وثالثها عند قوله في النحل: * (ويفعلون ~~ما يؤمرون) * (النحل: 50). ورابعها عند قوله في بني إسرائيل: * (ويزيدهم ~~خشوعا) * (الاسراء: 109). وخامسها عند قوله في مريم: * (خروا سجدا وبكيا) * ~~(مريم: 58). وسادسها عند قوله في الحج: * (إن الله يفعل ما يشاء) * (الحج: ~~18). وسابعها عند قوله في الفرقان: * (وزادهم نفورا) * (الفرقان: 60). # وثامنها عند قوله في النمل: * (رب العرش العظيم) * (النمل: 26). وتاسعها ~~عند قوله في ألم تنزيل: * (وهم لا يستكبرون) * (السجدة: 15). وعاشرها عند ~~قوله في ص: * (وخر راكعا وأناب) * (ص: 24). والحادي عشر عند قوله في حم ~~السجدة: * (إن كنتم إياه تعبدون) * (فصلت: 37). وقال أبو حنيفة والشافعي ~~والجمهور عند قوله: # * (وهم لا يسأمون) * (فصلت: 38). والثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر: ~~سجدات المفصل وستأتي. # والخامس عشر: السجدة الثانية في الحج. قوله: ثلاث في المفصل هي سجدة ~~النجم: * (وإذا السماء انشقت) * (الانشقاق: 1). و * (اقرأ باسم ربك) * ~~(العلق: 1). وفي ذلك حجة لمن قال بإثباتها، ويدل على ذلك أيضا حديث ابن ~~مسعود وابن عبا س وأبي هريرة وأبي رافع وستأتي جميعا. (واحتج من نفي سجدات ~~المفصل) بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ: لم يسجد ~~صلى الله عليه وآله وسلفي شئ من المفصل منذ تحول إلى المدينة. وفي إسناده ~~أبو قدامة الحرث بن عبيد، ومطر الوراق، وهما ضعيفان وإن كانا من رجال مسلم. ~~قال النووي: حديث ابن عباس ضعيف الاسناد لا يصح الاحتجاج به انتهى. وعلى ~~فرض صلاحيته للاحتجاج PageV03P117 # فالأحاديث المتقدمة مثبتة وهي مقدمة على النفي ولا سيما مع إجماع العلماء ~~على أن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة، وهو يقول في حديثه الآتي: ~~سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في: * (إذا السماء انشقت) * ~~(الانشقاق: 1). و * (اقرأ باسم ربك) * (العلق: 1). وأما الاحتجاج على عدم ~~مشروعية السجود في المفصل بحديث زيد بن ثابت الآتي فسيأتي الجواب عنه. ~~قوله: وفي الحج ms1102 سجدتان فيه حجة لمن أثبت في سورة الحج سجدتين ويؤيد ذلك ~~حديث عقبة بن عامر عند أحمد وأبي داود والترمذي وقال: إسناده ليس بالقوي، ~~والدارقطني والبيهقي والحاكم بلفظ: قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن ~~فيها سجدتين؟ قال: نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما وفي إسناده ابن لهيعة ~~ومشرح بن عاهان وهما ضعيفان. وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به، وأكده بأن ~~الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي ~~موسى وعمار، ثم ساقها موقوفة عنهم، وأكده البيهقي بما رواه في المعرفة من ~~طريق خالد بن معدان مرسلا. (وحديث الباب) يدل على مشروعية سجود التلاوة. ~~قال النووي في شرح مسلم: قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة، وهو عند ~~الجمهور سنة، وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض، وسيأتي ذكر ما احتج به الجمهور ~~وما احتج به أبو حنيفة. # وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ * (والنجم) * ~~(النجم: 1) فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من ~~حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته ~~بعد قتل كافرا متفق عليه. # قوله: غير أن شيخا من قريش صرح البخاري في التفسير من صحيحه أنه أمية بن ~~خلف. ووقع في سيرة ابن إسحاق أنه الوليد بن المغيرة، قال الحافظ: وفيه نظر ~~لأنه لم يقتل. وفي تفسير سنيد الوليد بن المغيرة أو عقبة بن ربيعة بالشك ~~وفيه نظر، لما أخرجه الطبراني من حديث مخرمة بن نوفل قال: لما أظهر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الاسلام أسلم أهل مكة، حتى أن كان ليقرأ السجدة ~~فيسجدون فلا يقدر بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء قريش الوليد بن ~~المغيرة وأبو جهل وغيرهما وكانوا بالطائف فرجعوا وقالوا: تدعون دين آبائكم ~~ولكن في هذا نظر لقول أبي سفيان في حديثه الطويل الثابت في الصحيح أنه لم ~~يرتد أحد ممن أسلم. قال في الفتح: ويمكن الجمع ms1103 بأن النفي مقيد بمن ارتد ~~سخطا لدينه لا لسبب مراعاة خاطر رؤسائه. وروى PageV03P118 # الطبراني عن سعيد بن جبير أن الذي رفع التراب فسجد عليه سعيد بن العاص بن ~~أمية. وذكر أبو حيان في تفسيره أنه أبو لهب. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي ~~هريرة: # أنهم سجدوا في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة. وللنسائي من ~~حديث المطلب بن أبي وداعة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~النجم فسجد وسجد من معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن المطلب يومئذ ~~أسلم. وإذا ثبت ذلك فلعل ابن مسعود لم يره أو خصه وحده بذكره لاختصاصه بأخذ ~~الكف من التراب دون غيره. (والحديث) فيه مشروعية السجود لمن حضر عند القارئ ~~للآية التي فيها السجدة. قال القاضي عياض: وكأن سبب سجودهم فيما قال ابن ~~مسعود أنها أول سجدة نزلت، وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ~~ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الثناء على آلهة ~~المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شئ، لا من جهة العقل ولا من جهة ~~النقل، لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسلط ~~الشيطان على ذلك، كذا في شرح مسلم للنووي. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد بالنجم، وسجد معه ~~المسلمون والمشركون والجن والإنس رواه البخاري والترمذي وصححه. وعن أبي ~~هريرة قال: سجدنا مع النبي (ص) في: * (إذا السماء انشقت) * (الانشقاق: 1) ~~و: * (اقرأ باسم ربك) * (العلق: 1) رواه الجماعة إلا البخاري. # قوله: سجد بالنجم زاد الطبراني في الأوسط من هذا الوجه بمكة. قال الحافظ: # فأفاد اتحاد قصة ابن عباس وابن مسعود. قوله: والجن كأن مستند ابن عباس في ~~ذلك إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إما مشافهة له وإما بواسطة، لأنه ~~لم يحضر القصة لصغره، وأيضا فهو من ms1104 الأمور التي لا يطلع عليها إلا بتوقيف. ~~وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد لأنه لم يحضرها قطعا، قاله الحافظ. قوله: * ~~(إذا السماء انشقت) * و * (اقرأ باسم ربك) * فيه دليل على إثبات السجود في ~~المفصل، وقد تقدم الخلاف في ذلك. (والحديثان) يدلان على مشروعية سجود ~~التلاوة، وقد تقدم أنه مجمع عليه. # وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ليست * (ص) * من عزائم السجود، ولقد رأيت ~~النبي (ص) يسجد فيها رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه. وعن PageV03P119 # ابن عباس: أن النبي (ص) سجد في * (ص) *. وقال: سجدها داود عليه السلام ~~توبة ونسجدها شكرا. رواه النسائي. وعن سعيد قال: قرأ رسول الله (ص) وهو على ~~المنبر * (ص) * فلما بلغ السجدة نز سجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر ~~قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال رسول الله (ص): إنما هي توبة ~~نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا رواه أبو داود. # الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي، والحديث الثاني أخرجه أيضا الشافعي في ~~الام عن ابن عيينة، عن أيوب، عن عكرمة، وأخرجه أيضا عن سفيان، عن عمر بن ذر ~~عن أبيه، قال البيهقي: وروى من وجه آخر عن عمر بن ذر عن أبيه، عن سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس موصولا وليس بالقوي. قال الحافظ: وقد رواه النسائي من ~~حديث حجاج بن محمد عن عمر بن ذر موصولا. ورواه الدارقطني من حديث عبد الله ~~بن بزيع عن عمر بن ذر نحوه. وأعله ابن الجوزي به يعني بعبد الله بن بزيع ~~وقد توبع وصححه ابن السكن. والحديث الثالث سكت عليه أبو داود والمنذري ~~ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضا الحاكم، وذكر البيهقي عن جماعة من ~~الصحابة أنهم سجدوا في * (ص) *. قوله: # ليست من عزائم السجود. المراد بالعزائم ما وردت العزيمة في فعله كصيغة ~~الامر مثلا، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب، ~~وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي عليه السلام أن العزائم: حم، والنجم، ~~واقرأ، وألم ms1105 تنزيل. قال الحافظ في الفتح، وإسناده حسن، قال: وكذا أثبت عن ~~ابن عباس في الثلاثة الأخر، وقيل: الأعراف، وسبحان، وحم، وألم، أخرجه ابن ~~أبي شيبة. قوله: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها في ~~البخاري في تفسير * (ص) * من طريق مجاهد عن ابن عباس، وكذا لابن خزيمة أنه ~~سأل ابن عباس من أين أخذت السجود في * (ص) * فقال: من قوله تعالى: * (ومن ~~ذريته داود وسليمان) * إلى قوله: * (فبهداهم اقتده) * (الانعام: 84 90). ~~ففيه هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية، والذي في الباب يدل على ~~أنه أخذه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تعارض بينهما، لاحتمال أنه ~~استفاده من الطريقين، وإنما لم تكن السجدة في * (ص) * من العزائم لأنها ~~وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. قوله: سجدها داود ~~توبة ونسجدها شكرا استدل به الشافعي، على أنه PageV03P120 # لا يشرع السجود فيها في الصلاة، لأن سجود الشكر غير مشروع فيها، وكذلك ~~استدل من قال بأن السجود فيها غير مؤكد بحديث أبي سعيد المذكور في الباب، ~~لأن الظاهر من سياقه أنها ليست من مواطن السجود لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إنما هي توبة نبي ثم تصريحه بأن سبب سجوده تشزنهم للسجود. قوله: تشزن ~~الناس بالشين المعجمة والزاي والنون. قال الخطابي في المعالم: هو من الشزن ~~وهو القلق، يقال: باب على شزن إذا بات قلقا يتقلب من جنب إلى جنب، استشزنوا ~~إذا تهيأوا للسجود. # باب قراءة السجدة في صلاة الجهر والسر عن أبي رافع الصائغ قال: صليت مع ~~أبي هريرة العتمة فقرأ: * (إذا السماء انشقت) * فسجد فيها، فقلت: ما هذه؟ ~~فقال: سجدت بها خلف أبي القاسم (ص) فما أزال أسجد فيها حتى ألقاه متفق ~~عليه. # قوله: فسجد فيها في رواية للبخاري: فسجد بها والباء ظرفية. قوله: فقلت ما ~~هذه قيل: هو استفهام إنكار، وكذا وقع في البخاري عن أبي سلمة أنه قال لأبي ~~هريرة: ألم أرك تسجد؟ وحمل ذلك منه على استفهام الانكار، وبذلك ms1106 تمسك من رأى ~~ترك السجود للتلاوة في الصلاة، ومن رأى تركه في المفصل، ويجاب عن ذلك بأن ~~أبا رافع وأبا سلمة لم ينكرا على أبي هريرة بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه ~~المسألة ولا احتجا عليه بالعمل على خلاف ذلك. قال ابن عبد البر: وأي عمل ~~يدعي مع مخالفة النبي (ص) والخلفاء الراشدين بعده. (والحديث) يدل على ~~مشروعية سجود التلاوة في الصلاة، لأن ظاهر السياق أن سجوده صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان في الصلاة. وفي الفتح أن في رواية أبي الأشعث عن معمر ~~التصريح بأن سجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها كان داخل الصلاة، ~~وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، ولم يفرقوا بين صلاة الفريضة والنافلة. وذهب ~~الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله إلى أنه لا يسجد في الفرض فإن فعل ~~فسدت، واستدلوا على ذلك بما أخرجه أبو داود عن ابن عمر أنه قال: كان رسول ~~الله (ص) يقرأ علينا السورة. زاد ابن نمير: في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه ~~حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته وفي مسلم عنه أنه PageV03P121 # قال: ربما قرأ رسول الله (ص) القرآن فيمر بالسجدة فيسجد بنا حتى ازدحمنا ~~عنده، حتى ما يجد أحدنا مكانا يسجد فيه في غير صلاة. والحديث في البخاري ~~بدون قوله في غير صلاة كما سيأتي. وهذا تمسك بمفهوم قوله في غير صلاة، وهو ~~لا يصلح للاحتجاج به، لأن القائل بذلك ذكر صفة الواقعة التي وقع فيها ~~السجود المذكور، وذلك لا ينافي ما ثبت من سجوده صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصلاة، كما في حديث الباب، وحديث ابن عمر نفسه الآتي. وبهذا الدليل يرد ~~على من قال بكراهة قراءة ما فيه سجدة في الصلاة السرية والجهرية، كما روي ~~عن مالك، أو السرية فقط كما روي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل. # وعن ابن عمر: أن النبي (ص) سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر فرأى ~~أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة. رواه أحمد وأبو داود ولفظه: # سجد في صلاة الظهر ms1107 ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ: * (ألم تنزل السجدة) * ~~(السجدة: 1). # الحديث أخرجه أيضا الطحاوي والحاكم وفي إسناده أمية شيخ لسليمان التيمي، ~~رواه له عن أبي مجلز وهو لا يعرف، قاله أبو داود في رواية الرملي عنه، وفي ~~رواية الطحاوي عن سليمان عن أبي مجلز قال: ولم يسمعه منه ولكنه عند الحاكم ~~بإسقاطه. قال الحافظ: ودلت رواية الطحاوي على أنه مدلس. (والحديث) يدل على ~~مشروعية سجود التلاوة في الصلاة السرية، وقد تقدم الخلاف في ذلك. # باب سجود المستمع إذا سجد التالي وأنه إذا لم يسجد لم يسجد عن ابن عمر ~~قال: كان رسول الله (ص) يقرأ علينا السورة فيقرأ السجدة فيسجد ونسجد معه ~~حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته متفق عليه. ولمسلم في رواية: في غير ~~صلاة. # قوله: يقرأ علينا السورة زاد البخاري في رواية: ونحن عنده. قوله: لموضع ~~جبهته يعني من شدة الزحام، وقد اختلف فيمن لم يجد مكانا يسجد عليه فقال ابن ~~عمر: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد وإسحاق، وقال عطاء ~~والزهري: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك والجمهور، وهذا الخلاف في سجود ~~الفريضة، قال في الفتح: وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود ~~التلاوة، ولم يذكر ابن عمر في هذا الحديث ما كانوا PageV03P122 # يصنعون حينئذ ولذلك وقع الخلاف المذكور. ووقع في الطبراني من طريق مصعب ~~بن ثابت عن نافع في هذا الحديث: إن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي (ص) النجم. ~~وزاد فيه: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل قال الحافظ: الذي يظهر أن هذا ~~الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد، قال: ~~وسياق حديث الباب مشعر بأن ذلك وقع مرارا، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني من ~~رواية المسور بن مخرمة عن أبيه قال: أظهر أهل مكة الاسلام يعني في أول ~~البعثة حتى أن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقرأ السجدة فيسجد وما ~~يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام حتى قدم ms1108 رؤساء مكة وكانوا في الطائف ~~فرجعوهم عن الاسلام. قوله: في غير صلاة قد تقدم أنه تمسك بهذه الرواية من ~~قال: إنه لا سجود للتلاوة في صلاة الفرض، وتقدم الجواب عليه. (والحديث) يدل ~~على مشروعية السجود لمن سمع الآية التي يشرع فيها السجود إذا سجد القارئ ~~لها. # وعن عطاء بن يسار: أن رجلا قرأ عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم السجدة ~~فسجد فسجد النبي (ص)، ثم قرأ آخر عنده السجدة فلم يسجد فلم يسجد النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله قرأ فلان عندك السجدة فسجدت وقرأت ~~فلم تسجد، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كنت إمامنا فلو سجدت سجدت ~~رواه الشافعي في مسنده هكذا مرسلا. قال البخاري: وقال ابن مسعود لتميم بن ~~حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال: اسجد فإنك إمامنا فيها. # الحديث أخرجه أبو داود في المراسيل. وقال البيهقي: رواه قرة عن الزهري عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة وقرة ضعيف، وأخرج ابن أبي شيبة من رواية ابن عجلان ~~عن زيد بن أسلم قال: إن غلاما قرأ عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~السجدة، فانتظر الغلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما لم يسجد قال: يا ~~رسول الله ليس في هذه السجدة سجود؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: بلى ولكنك ~~كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا. قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات إلا أنه ~~مرسل. قوله: قال البخاري هذا الأثر ذكره البخاري تعليقا، ووصله سعيد بن ~~منصور من رواية مغيرة عن إبراهيم. # قوله: ابن حذلم بفتح المهملة واللام بينهما معجمة ساكنة. (والحديث) يدل ~~على أن سجود التلاوة لا يشرع للسامع إلا إذا سجد القارئ، قال ابن بطال: ~~أجمعوا على PageV03P123 # أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد. وقد اختلف العلماء في اشتراط ~~السماع لآية السجدة، وإلى اشتراط ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة والشافعي ~~وأصحابه، لكن الشافعي شرط قصد الاستماع، والباقون لم يشترطوا ذلك. وقال ~~الشافعي في البويطي: لا أؤكد على ms1109 السامع كما أؤكد على المستمع. وقد روى ~~البخاري عن عثمان بن عفان وعمران بن حصين وسلمان الفارسي أن السجود إنما ~~شرع لمن استمع، وكذلك روى البيهقي وابن أبي شيبة عن ابن عباس. # وعن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنجم فلم ~~يسجد فيها رواه الجماعة إلا ابن ماجة. ورواه الدارقطني وقال فلم يسجد منا ~~أحد. # الحديث احتج به من قال: إن المفصل لا يشرع فيه سجود التلاوة، وهم ~~المالكية والشافعي في أحد قوليه كما تقدم، واحتج به أيضا من خص سور النجم ~~بعدم السجود وهو أبو ثور، وأجيب عن ذلك بأن تركه صلى الله عليه وآله وسلم ~~للسجود في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقا، لاحتمال أن يكون السبب في ~~الترك إذ ذاك، إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو ~~لكون القارئ لم يسجد، أو كان الترك لبيان الجواز، قال في الفتح: وهذا أرجح ~~الاحتمالات، وبه جزم الشافعي، وقد تقدم حديث ابن عباس: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس. وروى البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: إن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد في سورة النجم وسجدنا معه. قال في ~~الفتح: ورجاله ثقات. وروى ابن مردويه بإسناد حسنه الحافظ عن أبي هريرة أنه ~~سجد في خاتمة النجم، فسأل عن ذلك فقال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم سجد فيها. وقد تقدم أن أبا هريرة إنما أسلم سنة سبع من الهجرة. واستدل ~~المصنف رحمه الله بحديث الباب على عدم وجوب السجود فقال ما لفظه: وهو حجة ~~في أن السجود لا يجب اه. واستدل من قال بالوجوب بالأوامر الواردة به في ~~القرآن كما في ثانية الحج، وخاتمة النجم، وسورة اقرأ، ولا يخفى أن هذا ~~الدليل أخص من الدعوى، وأيضا القائل بالوجوب وهو أبي حنيفة لا يقول بوجوب ~~السجود في ثانية الحج كما تقدم، ومقتضى دليله هذا أن ms1110 يكون أوجبه. ~~PageV03P124 # باب السجود على الدابة وبيان أنه لا يجب بحال عن ابن عمر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم منهم الراكب ~~والساجد في الأرض حتى إن الراكب ليسجد على يده رواه أبو داود. # الحديث في إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وقد ضعفه غير واحد ~~من الأئمة. قوله: والساجد في الأرض أي ومنهم الساجد في الأرض. قوله: ليسجد ~~على يده فيه جواز سجود الراكب على يده في سجود التلاوة، وهو يدل على جواز ~~السجود في التلاوة لمن كان راكبا من دون نزول، لأن التطوعات على الراحلة ~~جائزة كما تقدم وهذا منها. # وعن عمر: أنه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل ~~وسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة ~~قال: أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا ~~إثم عليه رواه البخاري. وفي لفظ: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن ~~نشاء. # الأثر أخرجه أيضا مالك في الموطأ والبيهقي وأبو نعيم في مستخرجه وابن أبي ~~شيبة. وقد استدل به القائلون بعدم الوجوب، وأجابت الحنفية على قاعدتهم في ~~التفرقة بين الفرض والواجب، بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب، قال في ~~الفتح: وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث، وما كان الصحابة يفرقون بينهما، ويغني ~~عن هذا. قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وتعقب أيضا بقوله: إلا أن نشاء، ~~فإنه يدل على أن المرء مخير في السجود، فلا يكون واجبا، وأجاب من أوجبه بأن ~~المعنى إلا أن نشاء قراءتها فتجب. قال الحافظ: # ولا يخفى بعده. ويرده أيضا قوله: فلا إثم عليه فإن انتفاء الاثم عمن ترك ~~الفعل مختارا يدل على عدم وجوبه، واستدل بهذا الاستثناء على وجوب إتمام ~~السجود على من شرع فيه، لأن الظاهر أنه استثناء من قوله: لم يفرض وأجيب ~~بأنه استثناء منقطع ومعناه لكن ذلك موكول إلى مشيئة المرء بدليل ms1111 قوله: ومن ~~لم يسجد فلا إثم عليه. # (لا يقال) الاستدلال يقول عمر على عدم الوجوب لا يكون مثبتا للمطلوب لأنه ~~قول صحابي، PageV03P125 # ولا حجة فيه لأنه يقال أولا أن القائل بالوجوب وهم الحنفية يقولون بحجية ~~أقوال الصحابة. وثانيا أن تصريحه بعدم الفرضية وبعدم الاثم على التارك في ~~مثل هذا الجمع من دون صدور إنكار يدل على إجماع الصحابة على ذلك، والأثر ~~أيضا يدل على جواز قراءة القرآن في الخطبة، وجواز نزول الخطيب عن المنبر ~~وسجوده إذا لم يتمكن من السجود فوق المنبر. وعن مالك أنه يقرأ في خطبته: ~~ولا يسجد وهذا الأثر وارد عليه. # باب التكبير للسجود وما يقول فيه عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا رواه ~~أبو داود. # الحديث في إسناده العمري عبد الله المكبر وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم من ~~رواية العمري أيضا، لكن وقع عنده مصغرا، والمصغر ثقة، ولهذا قال على شرط ~~الشيخين. قال الحافظ: وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر، قال عبد ~~الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث، وقد أخرج مسلم لعبد الله العمري ~~المذكور في صحيحه لكن مقرونا بأخيه عبيد الله. (والحديث) يدل على أنه يشرع ~~التكبير لسجود التلاوة، وإلى ذلك ذهبت الهادوية وبعض أصحاب الشافعي، قال ~~أبو طالب: ويكبر بعد تكبيرة الافتتاح تكبيرة أخرى للنقل، وحكى في البحر عن ~~العترة أنه لا تشهد في سجود التلاوة ولا تسليم. وقال بعض أصحاب الشافعي: بل ~~يتشهد ويسلم كالصلاة، وقال بعض أصحاب الشافعي: يسلم قياسا للتحليل على ~~التحريم، ولا يتشهد إذ لا دليل. ولهم في السائر وجهان: # يومئ للعذر ويسجد، إذ الايماء ليس بسجود. وفي الاستغناء عنه بالركوع ~~قولان: الهادوية والشافعي لا يغني إذ لم يؤثر، وقال أبو حنيفة: نغني إذ ~~القصد الخضوع. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في سجود القرآن ~~بالليل: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته رواه الخمسة إلا ~~ابن ms1112 ماجة وصححه الترمذي. وعن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى ~~أصل شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول: اللهم أحطط عني ~~PageV03P126 # بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، قال ابن عباس: فرأيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قر السجدة فسجد فسمعته يقول في سجوده مثل ~~الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة رواه ابن ماجة والترمذي وزاد فيه: وتقبلها ~~مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام. # الحديث الأول أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم والبيهقي، وصححه ابن السكن ~~وقال في آخره: ثلاثا وزاد الحاكم: فتبارك الله أحسن الخالقين وزاد البيهقي: # وصوره بعد قوله: خلقه ولمسلم نحو من حديث علي في سجود الصلاة وقد تقدم. ~~وللنسائي أيضا نحوه من حديث جابر في سجود الصلاة أيضا. والحديث الثاني ~~أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان وفي إسناده الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي ~~يزيد. قال العقيلي: فيه جهالة. (وفي الباب) عن أبي سعيد الخدري عند ~~البيهقي، واختلف في وصله وإرساله، وصوب الدارقطني في العلل رواية حماد عن ~~حميد عن بكر أن أبا سعيد رأى فيما يرى النائم وذكر الحديث. (والحديثان) ~~يدلان على مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتملا عليه. (فائدة): ليس في ~~أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئا، وقد كان ~~يسجد معه صلى الله عليه وآله وسلم من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدا ~~منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعا متوضئين، وأيضا قد كان يسجد معه ~~المشركون كما تقدم وهم أنجاس لا يصح وضوءهم، وقد روى البخاري عن ابن عمر ~~أنه كان يسجد على غير وضوء. وكذلك روى عنه ابن أبي شيبة. # وأما ما رواه البيهقي عنه بإسناد قال في الفتح: صحيح أنه قال: لا يسجد ~~الرجل إلا وهو طاهر فيجمع بينهما بما قال الحافظ من حمله على الطهارة ~~الكبرى أعلى حالة الاختيار، والأول على ms1113 الضرورة، وهكذا ليس في الأحاديث ما ~~يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة والاستقبال مع ~~الامكان فقيل إنه معتبر اتفاقا، قال في الفتح: لم يوافق ابن عمر أحد على ~~جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح. وأخرج ~~أيضا عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير ~~وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء، ومن الموافقين لابن عمر من أهل ~~البيت أبو طالب والمنصور بالله. (فائدة أخرى): روي عن بعض PageV03P127 # الصحابة أنه يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروهة، والظاهر عدم ~~الكراهة، لان السجود المذكور ليس بصلاة، والأحاديث الواردة بالنهي مختصة ~~بالصلاة. # باب سجدة الشكر عن أبي بكرة: أن النبي (ص) كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر ~~به خر ساجدا شكرا لله تعالى رواه الخمسة إلا النسائي. ولفظ أحمد: أنه شهد ~~النبي (ص) أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة فقام ~~فخر ساجدا فأطال السجود، ثم رفع رأسه فتوجه نحو صدفته فدخل فاستقبل القبلة. # وعن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج النبي (ص) فتوجه نحو صدفته فدخل فاستقبل ~~القبلة فخر ساجدا فأطال السجود، ثم رفع رأسه وقال: إن جبريل أتاني فبشرني ~~فقال: إن الله عز وجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت ~~عليه، فسجدت لله شكرا رواه أحمد. # حديث أبي بكرة قال الترمذي: هو حسن غريب، وفي إسناده بكار بن عبد العزيز ~~بن أبي بكرة عن أبيه عن جده وهو ضعيف عند العقيلي وغيره. وقال ابن معين: ~~إنه صالح الحديث، وحديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أيضا البزار وابن أبي عاصم ~~في فضل الصلاة على النبي (ص)، والعقيلي في الضعفاء والحاكم. (وفي الباب) عن ~~أنس عند ابن ماجة بنحو حديث أبي بكرة وفي سنده ضعف واضطراب. وعن جابر عن ~~ابن حبان في الضعفاء: أن رسول الله (ص) رأى رجلا نغاشيا فخر ساجدا ثم قال: ~~أسأل الله ms1114 العافية. والنغاش بضم النون وبالغين والشين المعجمتين القصير ~~الضعيف الحركة الناقص الخلق، قاله ابن الأثير. وذكر حديث جابر الشافعي في ~~المختصر ولم يذكر له إسنادا، وكذا صنع الحاكم في المستدرك، واستشهد به على ~~حديث أبي بكرة، وأسنده الدارقطني والبيهقي من حديث جابر الجعفي عن أبي جعفر ~~محمد بن علي مرسلا وزاد: أن اسم الرجل زنيم، وكذا هو في مصنف ابن أبي شيبة ~~من هذا الوجه. # (وفي الباب) عن سعد بن أبي وقاص وسيأتي، قال البيهقي في الباب عن جابر ~~وابن عمر وأنس وجرير وأبي جحيفة اه. قال المنذري: وقد جاء حديث سجدة الشكر ~~من حديث البراء بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك وغير ذلك اه. قوله: ~~صدفته PageV03P128 # بفتح الصاد والدال المهملتين والفاء. والصدفة من أسماء البناء المرتفع، ~~وفي النهاية ما لفظه: # كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي، قال: الصدف بفتحتين وضمتين كل بناء ~~عظيم مرتفع تشبيها بصدف الجبل وهو ما قابلك من جانبه، واسم لحيوان في البحر ~~اه. وهذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر، وإلى ذلك ذهبت العترة وأحمد ~~والشافعي، وقال مالك وهو مروي عن أبي حنيفة: أنه يكره، إذ لم يؤثر عنه (ص) ~~مع تواتر النعم عليه صلى الله عليه وآله وسلم. وفي رواية عن أبي حنيفة: أنه ~~مباح لأنه لم يؤثر، وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه صلى الله عليه وآله وسلم من هذه ~~الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها من الغرائب. ومما يؤيد ثبوت سجود الشكر ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتقدم في سجود * (ص) *: هي لنا ~~شكر ولداود توبة وليس في أحاديث الباب ما يدل على اشتراط الوضوء وطهارة ~~الثياب والمكان، وإلى ذلك ذهب الامام يحيى وأبو طالب. وذهب أبو العباس ~~والمؤيد بالله والنخعي وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يشترط في سجود الشكر ~~شروط الصلاة. وليس في أحاديث الباب أيضا ما يدل على التكبير في سجود الشكر، ~~وفي البحر ms1115 أنه يكبر، قال الامام يحيى: ولا يسجد للشكر في الصلاة قولا واحدا ~~إذ ليس من توابعها، قال أبو طالب: ومستقبل القبلة. # وعن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ~~نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزوراء نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ~~ثم خر ساجدا فمكث طويلا، ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فعله ثلاثا ~~وقال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا شكرا لربي، ~~ثم رفعت رأسي فسألت ربي لامتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم ~~رفعت رأسي فسألت ربي لامتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي. رواه أبو ~~داود وسجد أبو بكر حين جاء قتل مسيلمة، رواه سعيد بن منصور وسجد على حين ~~وجد ذا الثدية في الخوارج، رواه أحمد في مسنده وسجد كعب بن مالك في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه. وقصته متفق عليها. # الحديث، قال المنذري: في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وفيه مقال اه. ~~وأخرج أبو داود عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله (ص): أمتي ~~PageV03P129 # هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن ~~والزلازل والقتل. # وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، تكلم فيه غير ~~واحد. وقال العقيلي: تغير في آخر عمره في حديثه اضطراب. وقال ابن حبان ~~البستي: اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق الترك. وقد استشهد بعبد الرحمن ~~المذكور البخاري. قوله: من عزوراء بفتح العين المهملة، وسكون الزاي، وفتح ~~الواو بالمد، ثنية الجحفة عليها الطريق من المدينة ويقال فيها عزور. قال في ~~القاموس: وعزور ثانية الجحفة عليها الطريق. قوله: قتل مسيلمة هو الكذاب ~~وقصته معروفة. قوله: ذا الثدية هو رجل من الخوارج الذين قتلهم علي عليه ~~السلام يوم النهروان. ويقال له المخدج، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على ~~رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعرات مثل سبالة السنور، وقصته مشهورة، ~~ذكرها ms1116 مسلم في صحيحه وأبو داود وغيرهما. قوله: وقصته متفق عليها وهي مطولة ~~في الصحيحين وغيرهما. وحاصلها أنه تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، واعترف بذلك ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعتذر بالأعذار الكاذبة كما ~~فعل ذلك المختلفون من المنافقين، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الناس عن تكليمه، وأمر بمفارقة زوجته حتى ضاقت عليه وعلى صاحبيه اللذين ~~اعترفاكما اعترف الأرض بما رحبت، كما وصف الله ذلك في كتابه، ثم بعد خمسين ~~ليلة تاب الله عليهم، فلما بشر بذلك سجد شكرا لله تعالى. (والحديث) يدل على ~~مشروعية سجود الشكر، وكذلك الآثار المذكورة، وقد تقدم الخلاف في ذلك. # أبواب سجود السهو باب ما جاء فيمن سلم من نقصان عن ابن سيرين عن أبي ~~هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي فصلى ~~ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ~~ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه ~~اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: PageV03P130 # قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل ~~يقال له ذو اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ~~ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك ثم ~~سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر وسجد مثل ~~سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلم، فيقول: أنبئت أن ~~عمران بن حصين قال: ثم سلم متفق عليه. وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ~~ولا التشبيك. وفي رواية: قال: بينما أنا أصلي مع النبي (ص) صلاة الظهر سلم ~~من ركعتين فقام رجل من بني سليم فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ ~~وساق الحديث. رواه أحمد ومسلم. وهذا يدل على أن القصة كانت بحضرته وبعد ~~إسلامه. وفي رواية متفق عليها ms1117 لما قال: لم أنس ولم تقصر، قال: بلى قد نسيت. ~~وهذا يدل على أن ذا اليدين تكلم بعدما علم عدم النسخ كلاما ليس بجواب سؤال. # قال الحافظ في التلخيص: لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه ~~الحافظ صلاح الدين العلائي وتكلم عليه كلاما شافيا انتهى. (وفي الباب) عن ~~ابن عمر عند أبي داود وابن ماجة. وعن ذي اليدين عند عبد الله بن أحمد في ~~زيادات المسند والبيهقي. وعن ابن عباس عند البزار في مسنده والطبراني. وعن ~~عبد الله بن مسعدة عند الطبراني في الأوسط. وعن معاوية بن خديج عند أبي ~~داود والنسائي. # وعن أبن العريان عند الطبراني في الكبير. قال ابن عبد البر في التمهيد: ~~وقد قيل إن أبا العريان المذكور هو أبو هريرة. وقال النووي في الخلاصة: إن ~~ذا اليدين يكنى أبا العريان، قال العراقي: كلا القولين غير صحيح، وأبو ~~العريان صحابي آخر لا يعرف اسمه، ذكره الطبراني فيهم في الكنى، وكذلك أورده ~~أبو موسى المديني في ذيله على ابن مندة في الصحابة. قوله: صلى بنا ظاهره أن ~~أبا هريرة حضر القصة وحمله الطحاوي على المجاز، قال: إن المراد به صلى ~~بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزبيري: إن صاحب القصة استشهد ببدر، لأنه يقتضي ~~أن القصة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، لكن ~~اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك، ~~وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو ~~خزاعي، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة. # وأما ذو اليدين فتأخر بعد موت النبي (ص) بمدة، وحدث بهذا الحديث بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أخرج ذلك الطبراني واسمه الخرباق كما ~~PageV03P131 # سيأتي، وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي ~~اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل أحدهما وهو قصة ذي الشمالين، ~~وشاهد الآخر وهو قصة ذي اليدين. قال في الفتح: وهذا ms1118 محتمل في طريق الجمع، ~~وقيل: يحمل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا ذو اليدين وبالعكس، فكان ~~ذلك سبب الاشتباه، ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي الرواية الأخرى التي ~~ذكرها المصنف بلفظ: # بينما أنا أصلي مع النبي (ص) قال الحافظ في الفتح: وقد اتفق معظم أهل ~~الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونص على ذلك ~~الشافعي في اختلاف الحديث. قوله: إحدى صلاتي العشي قال النووي: هو بفتح ~~العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء، قال: قال الأزهري: العشي ~~عند العرب ما بين زوال الشمس وغروبها، ويبين ذلك ما وقع عند البخاري من ~~حديث أبي هريرة قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر أو ~~العصر. وفي رواية له قال محمد يعني ابن سيرين: وأكثر ظني أنها العصر. وفي ~~مسلم: العصر من غير شك. وفي رواية له: الظهر كذلك كما ذكر المصنف. وفي ~~رواية له أيضا: إحدى صلاتي العشي، إما الظهر وإما العصر. قال في الفتح: ~~والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعد من قال يحمل على أن القصة وقعت ~~مرتين، بل روى النسائي من طريق ابن عوف عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي ~~هريرة ولفظه صلى الله عليه وآله وسلم إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: ~~ولكني نسيت فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرا على الشك، وكان ربما غلب على ~~ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، وطرأ ~~الشك أيضا في تعيينها على ابن سيرين، وكأن سبب ذلك الاهتمام بما في القصة ~~من الأحكام الشرعية. قوله: # فقام إلى خشبة في المسجد في رواية للبخاري: في مقدم المسجد. ولمسلم: في ~~قبلة المسجد. # قوله: السرعان بفتح المهملات ومنهم من يسكن الراء، وحكى عياض أن الأصيلي ~~ضبطه بضم ثم إسكان كأنه جمع سريع، والمراد بهم أول الناس خروجا من المسجد ~~وهم أهل الحاجات غالبا. قوله: فهابا في رواية للبخاري: فهاباه بزيادة ~~الضمير، والمعنى أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه ms1119 عن الاعتراض عليه، وأما ذو ~~اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. # قوله: يقال له ذو اليدين قال القرطبي: هو كناية عن طولهما، وعن بعض شراح ~~التنبيه أنه كان قصير اليدين، وجزم ابن قتيبة أنه كان يعمل بيديه جميعا. ~~وذهب الأكثر PageV03P132 # إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة ~~وآخره قاف، اعتمادا على ما وقع في حديث عمران بن حصين الآتي. قال في الفتح: ~~وهذا موضع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران وهو الراجح في نظري، وإن كان ~~ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع ~~في السياقين، ففي حديث أبي هريرة: أن السلام وقع من اثنتين، وأنه (ص) قام ~~إلى خشبة في المسجد. وفي حديث عمران: أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل ~~منزله لما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله ~~على أن المراد أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة واستبعده، ولكن طريق الجمع ~~يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، لأنه يلزم منه ~~كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ~~واستفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني ~~فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله، لكون ~~الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح ~~لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجة وابن ~~خزيمة، ولموافقة ذي اليدين، كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في ~~زيادات المسند، وأبو بكر بن أبي خيثمة وغيرهم انتهى. قوله: لم أنس ولم تقصر ~~هو تصريح بنفي النسيان ونفي القصر، وهو مفسر لما عند مسلم بلفظ: كل ذلك لم ~~يكن وتأييد لما قاله علماء المعاني أن لفظ كل إذا تقدم، وعقبه نفي كان نفيا ~~لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخر، ms1120 ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله: قد ~~كان بعض ذلك كما في صحيح مسلم. وفي البخاري ومسلم أنه قال: بلى قد نسيت كما ~~ذكر المصنف. (وفيه دليل) على جواز دخول السهو عليه صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الأحكام الشرعية وقد نقل عياض والنووي الاجماع على عدم جواز دخول السهو ~~في الأقوال التبليغية، وخصا الخلاف بالافعال وقد تعقبا، قال الحافظ: # نعم اتفق من جوز ذلك، على أنه لا يقر عليه بل يقع له بيان ذلك، إما متصلا ~~بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث. وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان ~~الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره. وأما من منع السهو مطلقا منه (ص) فأجابوا ~~عن هذا الحديث بأجوبة: منها أن قوله (ص): لم أنس على ظاهره وحقيقته، وأنه ~~كان متعمدا لذلك ليقع منه التشريع بالفعل لكونه أبلغ من القول، ويكفي في رد ~~هذا تقريره PageV03P133 # (ص) لذي اليدين على قوله: بلى قد نسيت وأصرح من ذلك قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون وهو متفق عليه من حديث ابن مسعود ~~كما سيأتي. ومن أجوبتهم أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لا أنسى ولكن ~~أنسى لا سن يدل على عدم صدور النسيان منه، وتعقب بما قاله الحافظ في الفتح ~~أن هذا الحديث لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد ~~البحث الشديد. وأيضا هو أحد الأحاديث الأربعة التي تكلم عليها في الموطأ. ~~(ومن أجوبتهم) أيضا حديث إنكاره صلى الله عليه وآله وسلم على من قال: نسيت ~~آية كذا وكذا وقال: بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا وتعقب بأنه لا ~~يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شئ، فإن الفرق بينهما واضح ~~جدا. (ومن أجوبتهم) أن قوله: لم أنس راجع إلى السلام أي سلمت قصدا بانيا ~~على ما في اعتقادي أني صليت أربعا. قال الحافظ: وهذا جيد، وكأن ذا اليدين ~~فهم العموم فقال: بلى نسيت، والكلام ms1121 في ذلك محله علم الكلام والأصول. وقد ~~تكلم عياض في الشفاء بما يشفي، فمن أراد البسط فليرجع إليه، وهذا كله مبني ~~على أن معنى السهو والنسيان واحد، وأما من فرق بينهما فله أن يقول هذه ~~الأدلة وإن دلت على أنه وقع النسيان منه صلى الله عليه وآله وسلم فهي لا ~~تستلزم وقوع السهو. قوله: فصلى ما ترك فيه جواز البناء على الصلاة التي خرج ~~منها المصلي قبل تمامها ناسيا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، كما قال العراقي من ~~غير فرق بين من سلم من ركعتين أو أكثر أو أقل. وقال سحنون: إنما يبني من ~~سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر ~~على مورد النص، وحديث عمران بن حصين الآتي يبطل ما زعمه من قصر الجواز على ~~ركعتين، على أنه يلزمه أن يقصر الجواز على إحدى صلاتي العشي ولا قائل به. # وذهبت الهادوية إلى أنه لا يجوز البناء على الصلاة التي خرج منها ~~بتسليمتين من غير فرق بين العمد والسهو، وأجابوا عن حديث الباب بأن قصة ذي ~~اليدين كانت قبل نسخ الكلام، اعتمادا منهم على ما سلف عن الزهري، وقد قدمنا ~~أنه وهم، على أنه قد روى البناء عمران بن حصين كما سيأتي وإسلامه متأخر. ~~ورواه أيضا معاوية بن خديج كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وإسلامه قبل موت ~~النبي (ص) بشهرين، ومع هذا فتحريم الكلام كان بمكة، وقد حققنا ذلك في باب ~~تحريم الكلام. (وفي حديث الباب) دليل على أن كلام الساهي لا يبطل الصلاة، ~~وكذا PageV03P134 # كلام من ظن التمام، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب تحريم الكلام أيضا، ~~وفيه أيضا دليل على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة إذا وقعت ~~سهوا أو مع ظن التمام لا تفسد الصلاة، وقد تقدم البحث في ذلك. قوله: ثم سلم ~~ثم كبر وسجد فيه دليل لمن قال: إن سجود السهو بعد السلام، وقد اختلف أهل ~~العلم في ذلك على ثمانية أقوال، كما ذكر ذلك ms1122 العراقي في شرح الترمذي. ~~الأول: أن سجود السهو كله محله بعد السلام، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من ~~الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعبد الله ~~بن مسعود، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وأبو هريرة. ~~وروى الترمذي عنه خلاف ذلك كما سيأتي. وروى أيضا عن ابن عباس، ومعاوية، ~~وعبد الله بن الزبير على خلاف في ذلك عنهم. ومن التابعين: أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، والحسن البصري، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن أبي ~~ليلى، والسائب القاري. وروى الترمذي عنه خلاف ذلك وهو قول الثوري وأبي ~~حنيفة وأصحابه. وحكى عن الشافعي قولا له. ورواه الترمذي عن أهل الكوفة، ~~وذهب إليه من أهل البيت: الهادي، والقاسم، وزيد ابن علي، والمؤيد بالله، ~~واستدلوا بحديث الباب وبسائر الأحاديث التي ذكر فيها السجود بعد السلام. ~~القول الثاني: إن سجود السهو كله قبل السلام، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة ~~أبو سعيد الخدري، وروى أيضا عن ابن عباس، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير على ~~خلاف في ذلك، وبه قال الزهري، ومكحول، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، والليث بن ~~سعد، والشافعي في الجديد وأصحابه، ورواه الترمذي عن أكثر فقهاء المدينة وعن ~~أبي هريرة. (واستدلوا) على ذلك بالأحاديث التي ذكر فيها السجود قبل السلام ~~وسيأتي بعضها. القول الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة ~~بعد السلام وللنقص قبله، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه، والمزني وأبو ثور، وهو ~~قول للشافعي، وإليه ذهب الصادق والناصر من أهل البيت. قال ابن عبد البر: # وبه يصح استعمال الخبرين جميعا، قال: واستعمال الاخبار على وجهها أولى من ~~ادعاء النسخ، ومن جهة النظر الفرق بين الزيادة والنقصان بين في ذلك، لأن ~~السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال أن يكون الاصلاح والجبر بعد الخروج من ~~الصلاة، وأما السجود في الزيادة فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أيكون ~~بعد الفراغ. قال ابن العربي: ما لك أسعد قيلا وأهدى سبيلا، انتهى. ويدل على ~~هذه التفرقة ms1123 ما رواه الطبراني من حديث PageV03P135 # عائشة في آخر حديث لها وفيه قال من سها قبل التمام فليسجد سجدتي السهو ~~قبل أن يسلم، وإذا سها بعد التمام سجد سجدتي السهو بعد أن يسلم ولكن في ~~إسناده عيسى بن ميمون المدني المعروف بالواسطي، وهو وإن وثقه حماد بن سلمة، ~~وقال فيه ابن معين مرة: لا بأس به، فقد قال فيه مرة: ليس بشئ وضعفه ~~الجمهور. القول الرابع: أنه يستعمل كل حديث كما ورد وما لم يرد فيه شئ سجد ~~قبل السلام، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل كما حكاه الترمذي عنه، وبه قال ~~سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي، وأبو خيثمة. قال ابن دقيق العيد: # هذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع، وعدم سلوك طريق الترجيح، ~~لكنهما اختلفا في وجه الجمع. القول الخامس: أنه يستعمل كل حديث كما ورد وما ~~لم يرد فيه شئ، فما كان نقصا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد ~~السلام، وإلى ذلك ذهب إسحاق بن راهويه كما حكاه عنه الترمذي. القول السادس: ~~أن الباني على الأقل في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد ~~الآتي، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود ~~الآتي أيضا، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم بن حبان، قال: # وقد يتوهم من لم يحكم صناعة الاخبار، ولا تفقه في صحيح الآثار أن التحري ~~في الصلاة والبناء على اليقين واحد وليس كذلك، لأن التحري هو أن يشك المرء ~~في صلاته فلا يدري ما صلى، فإذا كان كذلك فعليه أن يتحرى الصواب، وليبن على ~~الأغلب عنده، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود. والبناء على ~~اليقين هو أن يشك في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع، فإذ كان كذلك ~~فعليه أن يبني على اليقين وهو الأقل وليتم صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل ~~السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد، وما اختاره من التفرقة بين ~~التحري والبناء على اليقين قاله أحمد ms1124 بن حنبل، فيما ذكره ابن عبد البر في ~~التمهيد. وقال الشافعي وداود وابن حزم: أن التحري هو البناء على اليقين، ~~وحكاه النووي عن الجمهور. القول السابع: أنه يتخير الساهي بين السجود قبل ~~السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عن علي ~~عليه السلام، وحكاه الرافعي قولا للشافعي، ورواه المهدي في البحر عن ~~الطبري، ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صح عنه السجود قبل ~~السلام وبعده، فكان الكل سنة. القول الثامن: أن محله كله بعد السلام إلا في ~~موضعين، فإن الساهي فيهما مخير. أحدهما: من قام من ركعتين ولم يجلس ولم ~~يتشهد. والثاني: أن لا يدري أصلى ركعة أم ثلاثا أم أربعا؟ فيبني على الأقل ~~PageV03P136 # ويخير في السجود، وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر. وبه قال ابن حزم. وروى النووي ~~في شرح مسلم عن داود أنه قال: تستعمل الأحاديث في مواضعها كما جاءت. قال ~~القاضي عياض وجماعة من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم ~~من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعد للزيادة أو للنقص أنه يجزئه ولا ~~تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل. قال النووي: وأقوى المذاهب هنا مذهب ~~مالك ثم الشافعي. وقال ابن حزم في مذهب مالك: أنه رأى لا برهان على صحته، ~~قال: وهو أيضا مخالف للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمره ~~بسجود السهو قبل السلام من شك فلم يدر كم صلى وهو سهو زيادة، ثم قال: ليت ~~شعري من أين لهم أن جبر الشئ لا يكون إلا فيه لا بائنا عنه، وهم مجمعون على ~~أن الهدى والصيام يكونان جبرا لما نقص من الحج وهما بعد الخروج عنه، وأن ~~عتق الرقبة أو الصدقة أو صيام الشهرين جبرا لنقص وطئ التعمد في نهار رمضان، ~~وفعل ذلك لا يجوز إلا بعد تمامه اه. وأحسن ما يقال في المقام أنه يعمل على ~~ما تقتضيه أقواله وأفعاله (ص) من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من ~~أسباب ms1125 السجود مقيدا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدا ببعد السلام ~~سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرا بين السجود قبل السلام ~~وبعده، من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن ~~مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد ~~سجدتين. وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصا أو مجموعهما، وهذا ~~ينبغي أن يعد مذهبا تاسعا، لأن مذهب داود وإن كان فيه أنه يعمل بمقتضى ~~النصوص الواردة كما حكاه النووي، فقد جزم بأن الخارج عنها يكون قبل السلام، ~~وإسحاق بن راهويه وإن قال إنها تستعمل الأحاديث كما وردت، فقد جزم أنه يسجد ~~لما خرج عنها إن كان زيادة بعد السلام، وإن كان نقصا فقبله كما سبق. ~~والقائلون بالتخيير لم يستعملوا النصوص كما وردت، ولا شك أنه أفضل. ومحل ~~الخلاف في الأفضل كما عرفت، وإن كانت الهادوية تقول بفساد صلاة من سجد ~~لسهوه قبل التسليم مطلقا، لكن قولهم مع كونه مخالفا لما صرحت به الأدلة ~~مخالف للاجماع الذي حكاه عياض وغيره. قوله: # فربما سألوه ثم سلم يعني سألوا محمد بن سيرين: هل سلم النبي (ص) بعد ~~سجدتي السهو؟ فروي عن عمران بن حصين أنه أخبر أن النبي (ص) سلم بعدهما. ~~ولفظ أبي داود: فقيل لمحمد سلم في السجود؟ فقال: لم أحفظه أبي هريرة، ولكن ~~نبئت أن عمران بن PageV03P137 # حصين قال: ثم سلم وفيه دليل على مشروعية التسليم في سجود السهو، وقد نقل ~~بعض المتأخرين عن النووي أن الشافعية لا يثبتون التسليم، وهو خلاف المشهور ~~عن الشافعية والمعروف في كتبهم، وخلاف ما صرح به النووي في شرح مسلم فإنه ~~قال: والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد. # وعن عمران بن حصين: أن رسول الله (ص) صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم ~~دخل منزله وفي لفظ: فدخل الحجرة فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يده ~~طول فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه فخرج ms1126 غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى ~~الناس فقال: أصد هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. ~~رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. # الكلام على فقه الحديث قد تقدم، وتقدم أيضا الاختلاف بين أهل العلم، هل ~~حديث عمران هذا وحديث أبي هريرة المتقدم حكاية لقصة واحدة أو لقصتين ~~مختلفتين؟ والظاهر ما قاله ابن خزيمة ومن تبعه من التعدد، لأن دعوى الاتحاد ~~تحتاج إلى تأويلات متعسفة كما سلف. وتقدم أيضا ضبط الخرباق وأنه اسم ذي ~~اليدين. (وفي الباب) عن ابن عباس عند البزار والطبراني في الكبير: أن رسول ~~الله (ص) صلى بهم العصر ثلاثا، فدخل على بعض نسائه، فدخل عليه رجل من ~~أصحابه يقال له ذو الشمالين الحديث. # وعن عطاء: أن ابن الزبير صلى المغرب فسلم في ركعتين فنهض ليستلم الحجر ~~فسبح القوم فقال: ما شأنكم؟ قال: فصلى ما بقي وسجد سجدتين قال: فذكر ذلك ~~لابن عباس فقال: ما أماط عن سنة نبيه (ص) رواه أحمد. # الحديث أيضا أخرجه البزار والطبراني في الأوسط والكبير، قال في مجمع ~~الزوائد: # ورجال أحمد رجال الصحيح. قوله: ما أماط أوله همزة مفتوحة وآخره مهملة. ~~قال في القاموس، ماط يميط ميطا جار وزجر، وعنى ميطانا وميطا تنحى وبعد، ~~ونحى وأبعد كأماط فيهما اه. والمراد هنا أن ابن الزبير ما بعد ولا تنحى عن ~~السنة، أو ما أبعد ولا نحى غيره عنها بما فعله، لما تقدم من ثبوت ذلك عنه ~~(ص)، والخلاف في جواز البناء قد مر. PageV03P138 # باب من شك في صلاته عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: # إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة، ~~وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثا صلى ~~أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم ~~سجدتين رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه. وفي رواية: سمعت رسول الله (ص) ~~يقول: # من ms1127 صلى صلاة يشك في النقصان فليصل حتى يشك في الزيادة رواه أحمد. # الحديث معلول لأنه من رواية ابن إسحاق عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، ~~عن عبد الرحمن. وقد رواه أحمد في المسند عن ابن علية، عن ابن إسحاق، عن ~~مكحول مرسلا. قال ابن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله فقال لي: أسنده لك؟ ~~قلت: لا، فقال: # لكنه حدثني أن كريبا حدثه به وحسين ضعيف جدا. ورواه إسحاق بن راهويه ~~والهيثم بن كليب في مسنديهما من طريق الزهري عن عبد الله بن عبد الله، عن ~~ابن عباس مختصرا، وفي إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وتابعه بحر ~~بن كثير السقاء فيما ذكره الدارقطني في العلل. وقد رواه أيضا أحمد بن حنبل ~~عن محمد بن يزيد عن إسماعيل بن مسلم عن الزهري، وإسماعيل بن مسلم ضعيف كما ~~مر. والزيادة التي رواها المصنف رحمه الله عن أحمد أخرج نحوها ابن ماجة ~~ولفظه: ثم ليتم ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في الزيادة وفي الباب غير ~~ما ذكره المصنف عن عثمان عند أحمد وفيه: من صلى فلم يدر أشفع أم أوتر ~~فليسجد سجدتين فإنهما إتمام صلاته قال العراقي: رجاله ثقات، إلا أن يزيد بن ~~أبي كبشة لم يسمع من عثمان. وقد رواه أحمد أيضا عن يزيد بن أبي كبشة عن ~~مروان عن عثمان، وعن عائشة عند الطبراني في الأوسط وفيه: إذا صليت فرأيت ~~أنك أتممت صلاتك وأنت في بيتك الحديث. وعن أنس عند البيهقي: قال (ص): إذا ~~شك أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين أو ثلاثا فليلق الشك وليبن على اليقين ~~ورجال إسناده ثقات. وعن عبد الله بن جعفر عند أبي داود بلفظ: من شك في ~~صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم. وفي إسناده مصعب بن عمير قال النسائي، ~~منكر الحديث، وفي إسناده أيضا عتبة بن محمد بن الحرث PageV03P139 # قال العراقي، ليس بالمعروف، وقال البيهقي: لا بأس بإسناد هذا الحديث. ~~(وحديث الباب) قد استدل به وبما ذكر معه من قال: إن ms1128 من شك في ركعة بنى على ~~الأقل مطلقا. قال النووي: # وإليه ذهب الشافعي والجمهور. وحكاه المهدي في البحر عن علي عليه السلام، ~~وأبي بكر، وعمر وابن مسعود، وربيعة والشافعي، ومالك، واستدلوا أيضا بحديث ~~أبي سعيد الآتي. وذهب عطاء والأوزاعي والشعبي وأبو حنيفة، وهو مروي عن ابن ~~عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة، إلى أن من شك في ~~ركعة وهو مبتدأ بالشك لا مبتلى به أعاد، هكذا في البحر، وقال: إن المبتلى ~~الذي يمكنه التحري يعمل بتحريه، وحكاه عن ابن عمرو وأبي هريرة وجابر بن زيد ~~والنخعي وأبي طالب وأبي حنيفة، والذي حكاه النووي في شرح مسلم عن أبي حنيفة ~~وموافقيه من أهل الكوفة وغيرهم من أهل الرأي: أن من شك في صلاته في عدد ~~ركعاته تحرى وبنى على غالب ظنه، ولا يلزم الاقتصار والآتيان بالزيادة، قال: # واختلف هؤلاء فقال أبو حنيفة ومالك في طائفة: هذا لم اعتراه الشك مرة بعد ~~أخرى، وأما غيره فيبني على اليقين وقال آخرون: هو على عمومه اه. وحكى ~~العراقي في شرح الترمذي عن عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، ~~ومحمد ابن الحنفية، وميمون بن مهران، وعبد الكريم الجزري، والشعبي، ~~والأوزاعي، أنهم يقولون بوجوب الإعادة مرة بعد أخرى حتى يستيقن، ولم يرو ~~عنهم الفرق بين المبتدئ والمبتلى. وروى عن عطاء ومالك أنهما قالا: يعيد ~~مرة. وعن طاوس كذلك. وعن بعضهم يعيد ثلاث مرات. (واحتج القائلون) ~~بالاستئناف بما أخرجه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى فقال: ~~ليعد صلاته وليسجد سجدتين قاعدا. وهو من رواية إسحاق بن يحيى بن عبادة بن ~~الصامت. قال العراقي: لم يسمع إسحاق من جده عبادة انتهى. فلا ينتهض لمعارضة ~~الأحاديث الصحيحة المصرحة بوجوب البناء على الأقل، ومع هذا فظاهره عدم ~~الفرق بين المبتدأ والمبتلى والمدعي اختصاص الإعادة بالمبتدأ. (واحتجوا) ~~أيضا بما أخرجه الطبراني عن ميمونة بنت ms1129 سعد أنها قالت: أفتنا يا رسول الله ~~في رجل سها في صلاته فلا يدري كم صلى، قال: ينصرف ثم يقوم في صلاته حتى ~~يعلم كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض فيسهيه عن صلاته. وفي إسناده عثمان بن ~~عبد الرحمن الطرائفي الجزري مختلف فيه، وهو كبقية في الشاميين يروي عن ~~المجاهيل، وفي إسناده أيضا PageV03P140 # عبد الحميد بن يزيد وهو مجهول كما قال العراقي. (واحتج القائلون) بوجوب ~~العمل بالظن والتحري، إما مطلقا أو لمن كان مبتلي بالشك بحديث ابن مسعود ~~الآتي لما فيه من الامر لمن شك بأن يتحرى الصواب، وأجاب عنهم القائلون ~~بوجوب البناء على الأقل بأن التحري هو القصد. ومنه قوله تعالى: * (فأولئك ~~تحروا رشدا) * (الجن: 14) فمعنى الحديث فليقصد الصواب فيعمل به، وقصد ~~الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره، وقد قدمنا طرفا من الخلاف في ~~كون التحري والبناء على اليقين شيئا واحدا أم لا. وفي القاموس: أن التحري ~~التعمد وطلب ما هو أحرى بالاستعمال، قال النووي: فإن قالت الحنفية: حديث ~~أبي سعيد لا يخالف ما قلنا لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ~~ولم يترجح له أحد الطريقين يبني على الأقل بالاجماع، بخلاف من غلب على ظنه ~~أنه صلى أربعا مثلا، فالجواب أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح ~~طارئ للأصوليين، وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشئ وعدمه كله يسمى شكا، ~~سواء المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة، ما لم يكن هناك ~~حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح ~~انتهى. والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء ~~على اليقين وتحري الصواب، وذلك لأن التحري في اللغة كما عرفت هو طلب ما ~~أحرى إلى الصواب، وقد أمر به صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر بالبناء على ~~اليقين والبناء على الأقل عند عروض الشك، فإن أمكن الخروج بالتحري عن دائرة ~~الشك لغة، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه فعل من الصلاة كذا ركعات، ms1130 فلا شك ~~أنه مقدم على البناء على الأقل، لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على ~~الأقل عدم الدراية، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف، وهذا المتحري قد حصلت ~~له الدراية، وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن كما في حديث أبي سعيد، ومن ~~بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن، وبهذا تعلم أنه لا معارضة ~~بين الأحاديث المذكورة، وأن التحري المذكور مقدم على البناء على الأقل، وقد ~~أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق ليس عليها أثارة من علم، ~~كالفرق بين المبتدأ والمبتلى والركن والركعة. قوله في حديث الباب: قبل أن ~~يسلم استدل به القائلون بمشروعية سجود السهو قبل السلام، PageV03P141 # وقد تقدم الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحق. قوله: فليصل حتى يشك في ~~الزيادة فيه أن جعل الشك في جانب الزيادة أولى من جعله في جانب النقصان. # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا شك ~~أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما ~~استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن ~~كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان رواه أحمد ومسلم. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود بلفظ: فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا ~~استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة والسجدتان ~~نافلة، وإن كانت صلاته ناقصة كانت الركعة تماما والسجدتان ترغيما للشيطان. ~~وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي. واختلف فيه على عطاء بن يسار فروي ~~مرسلا، وروي بذكر أبي سعيد فيه، وروي عنه عن ابن عباس، قال الحافظ: وهو ~~وهم. وقال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب. (والحديث) استدل ~~به القائلون بوجوب إطراح الشك والبناء على اليقين وهم الجمهور، كما قال ~~النووي والعراقي. وقد تقدم ما أجاب به القائلون بالبناء على الظن، وما أجيب ~~به عليهم وما هو الحق. قوله: قبل أن يسلم هو من أدلة ms1131 القائلين بالسجود ~~للسهو قبل السلام، وقد تقدم البحث عن ذلك أيضا. قوله: فإن كان صلى خمسا ~~شفعن له صلاته يعني أن السجدتين بمنزلة الركعة لأنهما ركناها، فكأنه ~~بفعلهما قد فعل ركعة سادسة فصارت الصلاة شفعا. قوله: كانتا ترغيما للشيطان ~~لأنه لما قصد التلبيس على المصلي وإبطال صلاته كان السجدتان لما فيهما من ~~الثواب ترغيما له، فعاد عليه بسببهما قصده بالنقض. وفي جعل العلة ترغيم ~~الشيطان رد على من أوجب السجود للأسباب المتعمدة، وهو أبو طالب والامام ~~يحيى والشافعي كما في البحر، لأن إرغام الشيطان إنما يكون بما حدث بسببه، ~~والعمد ليس من الشيطان بل من المصلي. وأما استدلالهم على ذلك بالقياس للعمد ~~على السهو، لأنه إنما شرع في السهو للنقص، فالعمد مثله فمردود بأن العلة ~~ليست النقص بل إرغام الشيطان كما في الحديث، وظاهر الحديث أن مجرد حصول ~~الشك موجب للسجود، ولو زال وحصلت معرفة الصواب وتحقق أنه لم يزد شيئا، وإلى ~~ذلك ذهب الشيخ أبو علي والمؤيد بالله، وذهب المنصور بالله وإمام الحرمين ~~أنه لا يسجد لزوال التردد، ويدل للمذهب الأول ما أخرجه أبو داود عن زيد بن ~~أسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وآله PageV03P142 # وسلم: إذا شك أحدكم في صلاته فإن استيقن أنه صلى ثلاثا فليقم وليتم ركعة ~~بسجودها ثم يجلس فيتشهد، فإذا فرغ فلم يبق إلا أن يسلم فليسجد سجدتين وهو ~~جالس ثم يسلم وسيأتي في حديث ابن مسعود ما يدل على مثل ما دل عليه هذا ~~الحديث. # وعن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~قال إبراهيم: زاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله حدث في الصلاة شئ؟ ~~قال: # لا وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد ~~سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شئ أنبأتكم ~~به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم ~~في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ms1132 ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين رواه الجماعة ~~إلا الترمذي. وفي لفظ ابن ماجة ومسلم في رواية: فلينظر أقرب ذلك إلى ~~الصواب. # قوله: وعن إبراهيم هو النخعي. قوله: زاد أو نقص في رواية للجماعة من طريق ~~إبراهيم عن علقمة أنه صلى خمسا على الجزم، وستأتي في باب من صلى الرباعية ~~خمسا. وفي قوله: # زاد أو نقص دليل على مشروعية سجود السهو لمن تردد بين الزيادة والنقصان، ~~إلا أن تجعل رواية الجزم مفسرة لرواية التردد. قوله: فثنى رجليه في رواية ~~أبي داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان بالافراد، وهذه الرواية هي اللائقة ~~بالمقام ومعنى ثني الرجل صرفها عن حالتها التي كانت عليها. قوله: لو حدث في ~~الصلاة شئ أنبأتكم به فيه أن الأصل في الاحكام بقاؤها على ما قررت عليه وإن ~~جوز غير ذلك، وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قوله: إنما أنا بشر ~~مثلكم هذا حصر له في البشرية، باعتبار من أنكر ثبوت ذلك ونازع فيه عنادا ~~وجحودا، وأما باعتبار، غير ذلك مما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية، إذ له ~~صفات أخر، ككونه جسما حيا متحركا نبيا رسولا بشيرا نذيرا سراجا منيرا وغير ~~ذلك. وتحقيق هذا المبحث ونظائره محله علم المعاني. قوله: أنسى كما تنسون ~~زاد النسائي: وأذكر كما تذكرون وفيه دليل على جواز النسيان عليه صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيما طريقه البلاغ، وقد تقدم الكلام على هذا في شرح حديث ذي ~~اليدين. قوله: فإذا نسيت فذكروني فيه أمر التابع بتذكير PageV03P143 # المتبوع. وظاهر الحديث يدل على الوجوب على الفور. قوله: فليتحر الصواب ~~فيه دليل لمن قال بالعمل على غالب الظن، وتقديمه على البناء على الأقل، وقد ~~قدمنا الجواب عليه من جهة القائلين بوجوب البناء على الأقل. قوله: فليتم ~~عليه بضم التحتانية وكسر الفوقانية. # قوله: ثم ليسجد سجدتين فيه دليل لمن قال: إن السجود قبل التسليم وقد مر ~~تحقيقه، وفيه أيضا أن مجرد النظر والتفكير من أسباب السجود، لأنه قد لحق ~~الصلاة بسبب الوسوسة نقص، وقد تقدم ms1133 الكلام على ذلك. # وعن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: إن الشيطان يدخل بين ابن آدم وبين نفسه ~~فلا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم رواه أبو ~~داود وابن ماجة. وهو لبقية الجماعة إلا قوله: قبل أن يسلم. # وعن عبد الله بن جعفر: أن النبي (ص) قال: من شك في صلاته فليسجد سجدتين ~~بعدما يسلم رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # حديث عبد الله بن جعفر في إسناده مصعب بن شيبة، قال النسائي: منكر ~~الحديث، وعنه ليس بمعروف، وقد وثقه ابن معين، واحتج به مسلم في صحيحه. وقال ~~أحمد بن حنبل: أنه روى أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحمدونه ~~وليس بالقوي، وقال الدارقطني: # ليس بالقوي ولا بالحافظ. قوله: إن الشيطان يدخل بين ابن آدم وبين نفسه في ~~لفظ للبخاري وأبي داود: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه. وفي ~~لفظ للبخاري أيضا: أقبل يعني الشيطان حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: أذكر ~~كذا، أذكر كذا، أذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى. ~~قوله: فليسجد سجدتين قبل أن يسلم. فيه دليل لمن قال: سجود السهو قبل ~~التسليم، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: بعدما يسلم احتج به القائلون بأن ~~سجود السهو بعد السلام، وقد تقدم ذكرهم. والأحاديث الصحيحة الواردة في سجود ~~السهو لأجل الشك، كحديث عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد، وأبي هريرة وغيرها ~~قاضية بأن سجود السهو لهذا السبب يكون قبل السلام، وحديث عبد الله بن جعفر ~~لا ينتهض لمعارضتها، لا سيما مع ما فيه من المقال الذي تقدم ذكره، ولكنه ~~يؤيده حديث ابن مسعود المذكور قريبا، فيكون الكل جائزا، وقد استدل بظاهر ~~هذين الحديثين من قال: إن المصلي إذا شك فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه إلا ~~سجدتان عملا بظاهر الحديثين المذكورين. وإلى ذلك ذهب الحسن البصري ~~PageV03P144 # وطائفة من السلف. وروي ذلك عن أنس وأبي هريرة، وخالف في ذلك الجمهور ~~والعترة والأئمة الأربعة ms1134 وغيرهم. فمنهم من قال: يبني على الأقل. ومنهم من ~~قال: يعمل على غالب ظنه. # ومنهم من قال: يعيد، وقد تقدم تفصيل ذلك، وليس في حديثي الباب أكثر من أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس ~~فيهما بيان ما يصنعه من وقع له ذلك، والأحاديث الآخرة قد اشتملت على زيادة، ~~وهي بيان ما هو الواجب عليه عند ذلك من غير السجود فالمصير إليها واجب. ~~وظاهر قوله: من شك في صلاته. وقوله: فإذا وجد أحدكم ذلك. وقوله في حديث أبي ~~سعيد المتقدم: إذا شك أحدكم في صلاته. وقوله في حديث ابن مسعود المتقدم ~~أيضا: وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب. وقوله في حديث عبد الرحمن بن عوف: إذا ~~شك أحدكم في صلاته أن سجود السهو مشروع في صلاة النافلة، كما هو مشروع في ~~صلاة الفريضة، وإلى ذلك ذهب الجمهور من العلماء قديما وحديثا، لأن الجبران ~~وإرغام الشيطان يحتاج إليه في النفل، كما يحتاج إليه في الفرض. وذهب ابن ~~سيرين وقتادة، وروي عن عطاء، ونقله جماعة من أصحاب الشافعي عن قوله القديم: ~~إلى أن التطوع لا يسجد فيه، وهذا ينبني على الخلاف في اسم الصلاة الذي هو ~~حقيقة شرعية في الأفعال المخصوصة، هل هو متواطئ فيكون مشتركا معنويا فيدخل ~~تحته كل صلاة؟ أو هو مشترك لفظي بين صلاتي الفرض والنفل؟ فذهب الرازي إلى ~~الثاني لما بين صلاتي الفرض والنفل من التباين في بعض الشروط كالقيام، ~~واستقبال القبلة، وعدم اعتبار العدد المنوي وغير ذلك. قال العلائي: والذي ~~يظهر أنه مشترك معنوي لوجود القدر الجامع بين كل ما يسمى صلاة وهو التحريم ~~والتحليل مع ما يشمل الكل من الشروط التي لا تنفك. # قال في الفتح: وإلى كونه مشتركا معنويا ذهب جمهور أهل الأصول. قال ابن ~~رسلان: وهو أولى، لأن الاشتراك اللفظي على خلاف الأصل والتواطؤ خير منه اه. ~~فمن قال: إن لفظ الصلاة مشترك معنوي، قال بمشروعية سجود السهو في صلاة ~~التطوع، ومن قال: بأنه مشترك لفظي فلا ms1135 عموم له حينئذ إلا على قول الشافعي ~~أن المشترك يعم جميع مسمياته، وقد ترجم البخاري على باب السهو في الفرض ~~والتطوع، وذكر عن ابن عباس أنه يسجد بعد وتره، وذكر حديث أبي هريرة ~~المتقدم. PageV03P145 # باب من نسي التشهد الأول حتى انتصب قائما لم يرجع عن ابن بحينة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم صلى فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى، فلما فرغ من ~~صلاته سجد سجدتين ثم سلم رواه النسائي. وعن زياد بن علاقة قال: صلى بنا ~~المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار ~~إليهم أن قوموا بنا، فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم ثم قال: ~~هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. رواه أحمد والترمذي ~~وصححه. # وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله (ص): إذا قام أحدكم من الركعتين ~~فلم يستتم قائما فليجلس، وإن استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو رواه ~~أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث الأول أخرجه بقية الأئمة الستة بنحو لفظ النسائي الذي ذكره ~~المصنف. # والحديث الثاني أخرجه أيضا أبو داود، وفي إسناده المسعودي وهو عبد الرحمن ~~بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، استشهد به البخاري، وتكلم فيه غير واحد. ~~وأخرجه الترمذي أيضا من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي عن ~~المغيرة، قال أحمد: لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى وقد تكلم فيه غيره. والحديث ~~الثالث أخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي ومداره علي جابر الجعفي وهو ضعيف ~~جدا، وقد قال أبو داود: ولم أخرج عنه في كتابي غير هذا. قوله: فقام في ~~الركعتين يعني أنه قام إلى الركعة الثالثة ولم يتشهد عقب الركعتين. قوله: # فلما فرغ من صلاته استدل به من قال إن السلام ليس من الصلاة، ومن تقدم ~~البحث عن ذلك، وتعقب بأن السلام لما كان للتحلل من الصلاة كان المصلي إذا ~~انتهى إليه كمن فرغ من صلاته. ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ms1136 ماجة من طريق ~~جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن ~~يسلم فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه، والزيادة من الحافظ ~~مقبولة. قوله: ثم سلم استدل بذلك من قال: إن السجود قبل التسليم، وقد قدمنا ~~الخلاف فيه وما هو الحق. وزاد الترمذي في الحديث: وسجدهما الناس معه مكان ~~ما نسي من الجلوس. وفي هذه الزيادة فائدتان: # (إحداهما) أن المؤتم يسجد مع إمامه لسهو الامام ولقوله في الحديث الصحيح: ~~لا تختلفوا. PageV03P146 # وقد أخرج البيهقي والبزار عن عمر قال: قال رسول الله (ص): إن الامام يكفي ~~من وراءه، فإن سها الامام فعليه سجدتا السهو، وعلى من وراءه أن يسجدوا معه، ~~وإن سها أحد ممن خلفه فليس عليه أن يسجد والامام يكفيه. وفي إسناده خارجة ~~بن مصعب وهو ضعيف، وأبو الحسين المدائني وهو مجهول. والحكم بن عبيد الله ~~وهو أيضا ضعيف. (وفي الباب) عن ابن عباس عند ابن عدي وفي إسناد عمر بن عمرو ~~العسقلاني وهو متروك، وقد ذهب إلى أن المؤتم يسجد لسهو الامام، ولا يسجد ~~لسهو نفسه الحنفية والشافعية، ومن أهل البيت زيد بن علي والناصر والمؤيد ~~بالله والامام يحيى، وروي عن مكحول والهادي أنه يسجد لسهوه لعموم الأدلة ~~وهو الظاهر، لعدم انتهاض هذا الحديث لتخصيصها، وإن وقع السهو من الامام ~~والمؤتم فالظاهر أنه يكفي سجود واحد من المؤتم، إما مع الامام أو منفردا، ~~وإليه ذهب الفريقان والناصر والمؤيد بالله. وذهب الهادي إلى أنه يجب عليه ~~سجودان لسهو الامام ثم لسهو نفسه، والظاهر ما ذهب إليه الأولون. # (والفائدة الثانية) أن قوله: مكان ما نسي من الجلوس يدل على أن السجود ~~إنما هو لأجل ترك الجلوس لا لترك التشهد، حتى لو أنه جلس مقدار التشهد ولم ~~يتشهد لا يسجد، وجزم أصحاب الشافعي وغيرهم أنه يسجد لترك التشهد وإن أتى ~~بالجلوس. قوله: فليجلس زاد في رواية، ولا سهو عليه، وبها تمسك من قال: إن ~~السجود إنما هو لفوات التشهد لا لفعل القيام، وإلى ms1137 ذلك ذهب النخعي وعلقمة ~~والأسود والشافعي في أحد قوليه، وذهبت العترة وأحمد بن حنبل إلى أنه يجب ~~السجود لفعل القيام لما روي عن أنس أنه صلى الله عليه وآله وسلم تحرك ~~للقيام في الركعتين الآخرتين من العصر على جهة السهو فسبحوا له فقعد ثم سجد ~~للسهو، أخرجه البيهقي والدارقطني موقوفا عليه. وفي بعض طرقه أنه قال هذه ~~السنة. قال الحافظ: ورجاله ثقات. وأخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن ~~عمر من حديثه بلفظ: لا سهو إلا في قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام وهو ضعيف. # (واستدل) بأحاديث الباب أن التشهد الأول ليس من فروض الصلاة، إذ لو كان ~~فرضا لما جبر بالسجود، ولم يكن بد من الاتيان به كسائر الفروض، وبذلك قال ~~أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور، وذهب أحمد وأهل الظاهر إلى وجوبه، وقد ~~تقدم الكلام على هذا الاستدلال، والجواب عنه في شرح أحاديث التشهد. قوله: ~~وإن استتم قائما فلا يجلس فيه أنه لا يجوز العود إلى القعود والتشهد بعد ~~الانتصاب الكامل، لأنه قد تلبس بالفرض، فلا PageV03P147 # يقطعه ويرجع إلى السنة. وقيل: يجوز له العود ما لم يشرع في القراءة، فإن ~~عاد عالما بالتحريم بطلت لظاهر النهي ولأنه زاد قعودا، وهذا إذا تعمد ~~العود، فإن عاد ناسيا لم تبطل صلاته، وأما إذا لم يستتم القيام فإنه يجب ~~عليه العود لقوله في الحديث: إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما ~~فليجلس. # باب من صلى الرباعية خمسا عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى الظهر خمسا فقيل له: أزيد في الصلاة فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت ~~خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم رواه الجماعة. # قوله: صلى الظهر خمسا في هذه الرواية الجزم وقد تقدم عن إبراهيم النخعي ~~التردد والكل من طريقه عن علقمة عن ابن مسعود. قوله: فقال وما ذلك كذا في ~~بعض النسخ، وفي بعضها فقيل: وما ذاك، وفي بعضها فقال: لا وما ذاك بزيادة ~~لا، وهي ثابتة في مسلم وأبي داود، وبها يتبين أن إخبارهم كان ms1138 بعد استفساره ~~صلى الله عليه وآله وسلم لهم. (والحديث) يدل على أن من صلى خمسا ساهيا ولم ~~يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: أنها ~~تفسد إن لم يجلس في الرابعة، قال أبو حنيفة: فإن جلس في الرابعة ثم صلى ~~خامسة فإنه يضيف إليها ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، والحديث يرد ما ~~قالاه، وإلى العمل بمضمونه ذهب الجمهور، وقد فرق مالك بين الزيادة القليلة ~~والكثيرة من الساهي. قال القاضي عياض: إن مذهب مالك أنه إن زاد دون نصف ~~الصلاة لم تبطل صلاته بل هي صحيحة ويسجد للسهو، وإن زاد النصف وأكثر فذهب ~~ابن القاسم ومطرف إلى بطلانها. وقال عبد الرحمن بن حبيب وغيره: إن زاد ~~ركعتين بطلت صلاته، وإن زاد ركعة فلا، وحكي عن مالك أنها لا تبطل مطلقا. ~~وقد استدل بالحديث على أن سجدتي السهو محلهما بعد التسليم مطلقا، وليس فيه ~~حجة على ذلك لأنه لم يعلم صلى الله عليه وآله وسلم بزيادة الركعة إلا بعد ~~السلام حين سألوه أزيد في الصلاة، وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على فعل ~~ذلك بعد السلام لتعذره قبله. PageV03P148 # باب التشهد لسجود السهو بعد السلام عن عمران بن حصين: أن النبي صلى بهم ~~فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم رواه أبو داود والترمذي. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح ~~على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما ~~قالوا: والمحفوظ في حديث عمران أنه ليس فيه ذكر التشهد، وإنما تفرد به أشعث ~~عن ابن سيرين، وقد خالف فيه غيره من الحفاظ عن ابن سيرين. وقد أخرج النسائي ~~الحديث بدون ذكر التشهد. # (وفي الباب) عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث وأربع وأكثر ظنك على أربع ~~تشهدت ثم سجدت سجد وأنت جالس قبل أن تسلم ثم تشهدت أيضا ثم تسلم قال ~~البيهقي: هذا حديث ms1139 مختلف في رفعه ومتنه غير قوي، وهو من رواية أبي عبيدة بن ~~عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال البيهقي: مرسل. وقد ضعف الحافظ في الفتح ~~إسناد هذا الحديث. وعن المغيرة ابن شعبة عند البيهقي: أن النبي (ص) تشهد ~~بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرد به محمد بن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى عن الشعبي، ولا يفرح بما تفرد به. وقال في المعرفة: لا حجة ~~فيما تفرد به لسوء حفظه وكثرة خطئه في الروايات انتهى. وقد أخرج حديث ~~المغيرة الترمذي من رواية هشام عن ابن أبي ليلى المذكور، ولم يذكر فيه ~~التشهد بعد سجدتي السهو. وعن عائشة عند الطبراني. وفيه: وتشهدي وانصرفي ثم ~~اسجدي سجدتين وأنت قاعدة ثم تشهدي الحديث. وفي إسناده موسى بن مطير عن أبيه ~~وهو ضعيف، وقد نسب إلى وضع الحديث. وقد استدل بحديث عمران وما ذكر معه من ~~الأحاديث على مشروعية التشهد في سجدتي السهو، فإذا كان بعد السلام كما في ~~حديث عمران فقد حكى الترمذي عن أحمد وإسحاق أنه يتشهد وهو قول بعض المالكية ~~والشافعية ونقله أبو حامد الأسفراييني عن القديم من قولي الشافعي، وفي ~~مختصر المزني سمعت الشافعي يقول: إذا سجد بعد السلام تشهد أو قبل السلام ~~أجزأه التشهد الأول، وإذا كان قبل السلام فالجمهور على أنه لا يعيد التشهد. ~~وحكى ابن عبد البر عن الليث أنه يعيده. وعن البويطي والشافعي PageV03P149 # مثله وخطؤه في هذا النقل فإنه لا يعرف. وعن عطاء يتخير. واختلف فيه عند ~~المالكية. # (وحديث) ابن مسعود يدل على مشروعية التشهد في سجود السهو قبل السلام، ~~وفيه المقال الذي تقدم. قال الحافظ في الفتح: قد يقال إن الأحاديث الثلاثة ~~يعني حديث عمران وابن مسعود والمغيرة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال ~~العلائي: وليس ذلك ببعيد ، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي ~~شيبة. (واعلم) أن المراد بالتشهد المذكور في سجود السهو هو التشهد المعهود ~~في الصلاة، لا كما قاله الإمام المهدي في البحر أنه ms1140 الشهادتان في الأصح ~~لعدم وجدان ما يدل على الاقتصار على البعض من التشهد الذي ينصرف إليه مطلق ~~التشهد. # أبواب صلاة الجماعة باب وجوبها والحث عليها عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء ~~وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر ~~بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من ~~حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار متفق عليه. ولأحمد ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لولا ما في البيوت من ~~النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار. # الحديث الثاني في إسناده أبو معشر وهو ضعيف. قوله: أثقل الصلاة على ~~المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر فيه أن الصلاة كلها ثقيلة على ~~المنافقين. ومنه قوله تعالى: * (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) * ~~(التوبة: 54) وإنما كان العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي ~~إلى تركهم لهما، لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم. ~~قوله: PageV03P150 # ولو يعلمون ما فيهما أي من مزيد الفضل. قوله: لأتوهما أي لأتوا المحل ~~الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد. قوله: ولو حبوا أي زحفا إذا منعهم مانع ~~من المشي كما يزحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء: ولو حبوا ~~على المرافق والركب. قوله: ولقد هممت اللام جواب القسم. وفي البخاري وغيره: ~~والذي نفسي بيده لقد هممت والهم العزم، وقيل: # دونه. قوله: فأحرق بالتشديد، يقال: حرقه إذا بالغ في تحريقه، وفيه جواز ~~العقوبة بإتلاف المال. (والحديث) استدل به القائلون بوجوب صلاة الجماعة، ~~لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت ~~قائمة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. ويمكن أن يقال: إن التهديد ~~بالتحريق المذكور يقع في حق تاركي فرض الكفاية لمشروعية قتال تاركي فرض ~~الكفاية. قال الحافظ: وفيه نظر، لأن التحريق الذي يفضي إلى ms1141 القتل أخص من ~~المقاتلة، ولان المقاتلة إنما يشرع فيها إذا تمالا الجميع على الترك وقد ~~اختلفت أقوال العلماء في صلاة الجماعة، فذهب عطاء والأوزاعي وإسحاق وأحمد ~~وأبو ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان وأهل الظاهر وجماعة، ومن أهل ~~البيت: أبو العباس إلى أنها فرض عين، واختلفوا فبعضهم قال: هي شرط روي ذلك ~~عن داود ومن تبعه، وروي مثل ذلك عن أحمد وقال الباقون: إنها فرض عين غير ~~شرط. # وذهب الشافعي في أحد قوليه، قال الحافظ: هو ظاهر نصه، وعليه جمهور ~~المتقدمين من أصحابه، وبه قال كثير من المالكية والحنفية إلى أنها فرض ~~كفاية، وذهب الباقون إلى أنها سنة، وهو قول زيد بن علي والهادي والقاسم ~~والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأجابوا عن ~~حديث الباب بأجوبة: الأول أنها لو كانت شرطا أو فرضا لبين ذلك عند التوعد، ~~كذا قال ابن بطال، ورد بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد دل على وجوب الحضور ~~وهو كاف في البيان. والثاني: أن الحديث يدل على خلاف المدعي وهو عدم ~~الوجوب، لكونه صلى الله عليه وآله وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، ولو كانت ~~الجماعة فرضا لما تركها، وفيه أن تركه لها حال التحريق لا يستلزم ~~PageV03P151 # الترك مطلقا، لامكان أن يفعلها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده. ~~الثالث: قال الباجي وغيره إن الخبر ورود مورد الزجر وحقيقته غير مرادة، ~~وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بعقوبة لا يعاقبها إلا ~~الكفار، وقد انعقد الاجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك، وأجيب بأن ذلك وقع ~~قبل تحريم التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزا، على أنه لو فرض أن هذا ~~التوعد وقع بعد التحريم لكان مخصصا له، فيجوز التحريق في عقوبة تارك ~~الصلاة. الرابع: تركه صلى الله عليه وآله وسلم لتحريقهم بعد التهديد، ولو ~~كان واجبا لما عفا عنهم. قال عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة لأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم هم ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين ms1142 لما تركهم، ~~وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك ~~لا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، على أن رواية أحمد ~~التي ذكرها المصنف فيها بيان سبب الترك. الخامس: أن التهديد لقوم تركوا ~~الصلاة رأسا لا مجرد الجماعة وهو ضعيف، لأن قوله: لا يشهدون الصلاة بمعنى ~~لا يحضرون. وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة: # العشاء في الجمع أي في الجماعة. وعند ابن ماجة من حديث أسامة: لينتهين ~~رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم. السادس: أن الحديث ورد في الحث ~~على مخالفة أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، ذكر ~~ذلك ابن المنير. # السابع: أن الحديث ورد في حق المنافقين فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد ~~الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم، ~~وبأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان معرضا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه ~~بطويتهم، وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وتعقب هذا التعقب ابن ~~دقيق العيد بأنه لا يتم إلا إن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبا ~~عليه، ولا دليل على ذلك، وليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. ~~قال في الفتح: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في صدر الحديث: أثقل الصلاة على المنافقين. ولقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لو يعلمون الخ، لأن هذا الوصف يليق بهم لا بالمؤمنين، لكن ~~المراد نفاق المعصية لا نفاق الكفر، يدل على ذلك قوله في رواية: لا يشهدون ~~العشاء في الجمع وقوله في حديث أسامة: لا يشهدون الجماعات وأصرح من ذلك ما ~~في رواية أبي داود عن أبي هريرة: ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة ~~فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته ~~إنما يصلي في المسجد PageV03P152 # رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله تعالى ms1143 من الكفر ~~والاستهزاء. قال الطيبي: # خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذ سمعوا النداء جاز لهم ~~التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات ~~المنافقين، ويدل على ذلك قول ابن مسعود الآتي: لقد رأيتنا وما يتخلف عن ~~الجماعة إلا منافق. وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عمير ~~بن أنس قال: حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله (ص): ما يشهدهما ~~منافق يعني العشاء والفجر. # الثامن: أن فريضة الجماعة كانت في أول الأمر ثم نسخت، حكى ذلك القاضي ~~عياض. # قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى لثبوت النسخ بالوعيد المذكور في حقهم وهو ~~التحريق بالنار. # قال: ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة ~~الفذ كما سيأتي، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك ~~الجواز. # التاسع: أن المراد بالصلاة الجمعة لا باقي الصلوات، وتعقب بأن الأحاديث ~~مصرحة بالعشاء والفجر كما في حديث الباب وغيره، ولا ينافي ذلك ما وقع عند ~~مسلم من حديث ابن مسعود أنها الجمعة لاحتمال تعدد الواقعة، كما أشار إليه ~~النووي والمحب الطبري. # (وللحديث) فوائد ليس هذا محل بسطها، وسيأتي التصريح بما هو الحق في صلاة ~~الجماعة. # وعن أبي هريرة: أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى ~~المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته ~~فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب رواه ~~مسلم والنسائي. وعن عمرو بن أم مكتوم قال قلت: يا رسول الله أنا ضرير شاسع ~~الدار ولي قائد لا يلاؤمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع ~~النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث الثاني أخرجه أيضا ابن حبان والطبراني، زاد ابن حبان وأحمد في ~~رواية: # فأتها ولو حبوا. قوله: أن رجلا أعمى هو ابن أم مكتوم ms1144 كما في الحديث ~~الثاني. # قوله: ليس لي قائد. في الحديث الآخر: ولي قائد لا يلاؤمني ظاهره التنافي، ~~إذا كان الأعمى المذكور في حديث أبي هريرة هو ابن أم مكتوم ويجمع بينهما ~~إما بتعداد الواقعة أو بأن المراد بالمنفي في الرواية الأولى القائد ~~الملائم، وبالمثبت في الثانية القائد الذي ليس بملائم. قوله: فرخص له إلى ~~قوله: قال فأجب قيل: إن الترخيص PageV03P153 # في أول الأمر اجتهاد منه (ص)، والامر بالإجابة بوحي من الله تعالى. وقيل: # الترخيص مطلق مقيد بعدم سماع النداء. وقيل: إن الترخيص باعتبار العذر ~~والامر للندب، فكأنه قال: الأفضل لك، والأعظم لاجرك أن تجيب وتحضر فأجب. ~~قوله: ولي قائد لا يلاؤمني قال الخطابي: يروى في الحديث يلاؤمني بالواو، ~~والصواب يلاؤمني أي يوافقني وهو بالهمزة المرسومة بالواو والهمزة فيه ~~أصلية، وأما الملاومة بالواو فهي من اللوم وليس هذا موضعه. قوله: رخصة بوزن ~~غرفة، وقد تضم الخاء المعجمة بالاتباع وهي التسهيل في الامر والتيسير. ~~(والحديثان) استدل بهما القائلون بأن الجماعة فرض عين، وقد تقدم ذكرهم، ~~وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه سأل هل له رخصة في أن يصلي في بيته وتحصل له ~~فضيلة الجماعة لسبب عذر؟ فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر ~~بإجماع المسلمين، ومن جملة العذر العمى إذا لم يجد قائدا، كما في حديث ~~عتبان بن مالك وهو في الصحيح وسيأتي، ويدل على ذلك حديث ابن عباس عند ابن ~~ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم أن النبي (ص) قال: من سمع النداء فلم ~~يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر قال الحافظ: وإسناده على شرط مسلم لكن ~~رجح بعضهم وقفه، وأجاب البعض عن حديث الأعمى بأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم علم منه أنه يمشي بلا قائد لحذقه وذكائه، كما هو مشاهد في بعض العميان ~~يمشي بلا قائد، لا سيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى، أو بتكرر المشي ~~إليه استغنى عن القائد، ولا بد من التأويل لقوله تعالى: * (ليس على الأعمى ~~حرج) * (النور: 61) وفي أمر الأعمى بحضور ms1145 الجماعة مع عدم القائد ومع شكايته ~~من كثرة السباع والهوام في طريقه كما في مسلم غاية الحرج، ولا يقال: الآية ~~في الجهاد. لأنا نقول: هو من القصر على السبب، وقد تقرر في الأصول أن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (واعلم) أن الاستدلال بحديثي الأعمى ~~وحديث أبي هريرة الذي في أول الباب على وجوب مطلق الجماعة فيه نظر، لأن ~~الدليل أخص من الدعوى، إذ غاية ما في ذلك وجوب حضور جماعة النبي (ص) في ~~مسجده لسامع النداء، ولو كان الواجب مطلق الجماعة لقال في المتخلفين أنهم ~~لا يحضرون جماعته ولا يجمعون في منازلهم، ولقال لعتبان بن مالك: انظر من ~~يصلي معك، ولجاز الترخيص للأعمى بشرط أن يصلى في منزلة جماعة وعن عبد الله ~~بن مسعود قال: لقد رأيتنا وما أن يصلي في منزله جماعة يتخلف عنها إلا منافق ~~PageV03P154 # معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في ~~الصف رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. # هذا طرف من أثر طويل، ذكره مسلم مطولا، وذكره غيره مختصرا ومطولا. # قوله: ولقد رأيتنا هذا فيه الجمع بين ضميري المتكلم، فالتاء له خاصة، ~~والنون له مع غيره. قوله: وما يتخلف عنها يعني الصلوات الخمس المذكورة في ~~أول الأثر. ولفظ مسلم: من سره أن يلقى الله غدا سالما فليحافط على هؤلاء ~~الصلوات الخمس حيث ينادى بهن. ولفظ أبي داود: حافظوا على هؤلاء الصلوات ~~الخمس حيث ينادى بهن. ثم ذكر مسلم اللفظ الذي ذكره المصنف وذكر غيره نحوه. ~~قوله: يؤتى به يهادي بين الرجلين أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد ~~عليهما. قوله: حتى يقام في الصف قال النووي: في هذا كله تأكيد أمر الجماعة ~~وتحمل المشقة في حضورها، وإذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له ~~حضورها انتهى. والأثر استدل به على وجوب صلاة الجماعة، وفيه أنه قول صحابي ~~ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة وعدم التخلف عنها، ولا يستدل بمثل ~~ذلك على الوجوب، وفيه حجة لمن خص التوعد بالتحريق بالنار المتقدم ms1146 في حديث ~~أبي هريرة بالمنافقين. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ ~~بسبع وعشرين درجة. وعن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: صلاة الرجل في جماعة ~~تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة متفق عليهما. # وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد بلفظ: خمسا وعشرين درجة كلها مثل صلاته ~~وعن أبي بن كعب عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: صلاة الرجل مع ~~الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما ~~كثر فهو أحب إلى الله عز وجل. وعن معاذ أشار إليه الترمذي، وذكر لفظه ابن ~~سيد الناس في شرحه فقال: فضل صلاة الجمع على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين ~~وعن أبي سعيد عند البخاري بلفظ: صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس ~~وعشرين درجة وعنه أيضا عند أبي داود وسيأتي. وعن أنس عند الدارقطني بنحو ~~حديث أبي هريرة المذكور في الباب. وعن عائشة عند أبي العباس السراج بلفظ: ~~صلاة الرجل في الجمع PageV03P155 # تفضل على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة وعن صهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ~~ثابت عند الطبراني بطرق كلها ضعيفة، واتفقوا على خمس وعشرين. قال الترمذي ~~وعامة من روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنما قالوا خمسة وعشرين ~~إلا ابن عمر فإنه قال: بسبع وعشرين. قال الحافظ في الفتح: لم يختلف عليه في ~~ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع قال: خمسا ~~وعشرين، لكن العمري ضعيف، وكذلك وقع عند أبي عوانة في مستخرجه، ولكنها شاذة ~~مخالفة لرواية الحفاظ. وروي بلفظ: سبع وعشرين عن أبي هريرة عند أحمد وفي ~~إسناده شريك القاضي وفي حفظه ضعف، وقد اختلف هل الراجح رواية السبع ~~والعشرين أو الخمس والعشرين؟ فقيل: # رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل ~~حافظ، وقد جمع بينهما بوجوه: منها أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا ms1147 قول ~~من لا يعتبر مفهوم العدد. وقيل: إنه (ص) أخبر بالخمس، ثم أخبره الله بزيادة ~~الفضل فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه محتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في ~~الفضائل مختلف فيه. وقيل: الفرق باعتبار قرب المسجد وبعده. وقيل: الفرق ~~بحال المصلي كأن يكون أعلم وأخشع. وقيل: الفرق بإيقاعها في المسجد أو غيره. ~~وقيل: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. # وقيل: الفرق بإدراكها كلها أو بعضها. وقيل: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم. ~~وقيل: السبع مختصة بالفجر والعشاء. وقيل: بالفجر والعصر والخمس بما عدا ~~ذلك. وقيل: السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية، ورجحه الحافظ في الفتح، ~~والراجح عندي أولها لدخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع. # (واعلم) أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التي تقصر العقول عن ~~إدراكها، وقد تعرض جماعة للكلام على وجه الحكمة وذكروا مناسبات، وقد طول ~~الكلام في ذلك صاحب الفتح، فمن أحب الوقوف على ذلك رجع إليه. قوله: درجة هو ~~مميز العدد المذكور، وفي الروايات كلها التعبير بقوله درجة أو حذف المميز ~~إلا طرق أبي هريرة، ففي بعضها ضعفا، وفي بعضها جزءا، وفي بعضها درجة، وفي ~~بعضها صلاة، ووجد هذا الأخير في بعض طرق أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف ~~الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة، والمراد أنه يحصل له من ~~صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبعا وعشرين مرة. قوله: على صلاته في ~~بيته وصلاته في سوقه مقتضاه أن الصلاة PageV03P156 # في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت والسوق وجماعة وفرادى، ولكنه ~~خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردا. قال ابن ~~دقيق العيد: وهو الذي يظهر لي. وقال الحافظ: وهو الراجح في نظري قال: ولا ~~يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية بين صلاة البيت والسوق، إذ لا يلزم ~~من استوائهما في المفضولية أن لا تكون إحداهما أفضل من الأخرى، وكذا لا ~~يلزم منه التسوية بين صلاة البيت أو السوق، الأفضل فيها على الصلاة منفردا، ~~بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في ms1148 المسجد، والصلاة في البيت ~~مطلقا أولى منها في السوق، لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة ~~جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد انتهى. وقد استدل بالحديثين وما ~~ذكرنا معهما القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة وقد تقدم ذكرهم، لان صيغة ~~أفضل كما في بعض ألفاظ حديث ابن عمر تدل على الاشتراك في أصل الفضل كما ~~تقدم، وكذلك قوله في حديث أبي بن كعب: أزكى والمشترك ههنا لا بد أن يكون هو ~~الاجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلا عن الفضل والزكاة. (ومن أدلتهم) على ~~عدم الوجوب حديث: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ~~فإنها لكما نافلة. وقد تقدم في باب الرخصة في إعادة الجماعة. (ومن أدلتهم) ~~ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله (ص): إن أعظم الناس ~~أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها ~~مع الامام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام. # وفي رواية أبي كريب عند مسلم أيضا: حتى يصليها مع الامام في جماعة. ومن ~~أدلتهم أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر جماعة من الوافدين عليه ~~بالصلاة ولم يأمرهم بفعلها في جماعة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ~~وهذه الأدلة توجب تأويل الأدلة القاضية بالوجوب بما أسلفنا ذكره، وكذلك ~~تأويل حديث ابن عباس المتقدم بلفظ: من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة ~~له، إلا من عذر بأن المراد لا صلاة له كاملة، على أن في إسناده يحيى بن أبي ~~حية الكلبي المعروف بأبي جناب بالجيم المكسورة، وهو كما قال الحافظ ضعيف ~~ومدلس وقد عنعن، وقد أخرجه بقي بن مخلد وابن ماجة وابن حبان والدارقطني ~~والحاكم من طريق أخرى بإسناد قال الحافظ: صحيح بلفظ: من سمع النداء فلم يجب ~~فلا صلاة له إلا من عذر ولكن قال الحاكم: وقفه أكثر أصحاب شعبة، ثم أخرج له ~~شاهدا عن أبي موسى الأشعري بلفظ:: من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا ms1149 ~~صلاة له وقد PageV03P157 # رواه البزار موقوفا، قال البيهقي: الموقوف أصح، ورواه العقيلي في الضعفاء ~~من حديث جابر. # ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه. وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ~~ما أمكن هو الواجب، وتبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون ~~تأويل، والتمسك بما يقضي به الظاهر فيه إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب ~~وهو لا يجوز، فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن الجماعة من السنن ~~المؤكدة التي لا يخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم مشؤوم، وأما أنها فرض عين ~~أو كفاية أو شرط لصحة الصلاة فلا. ولهذا قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق ~~حديث أبي هريرة ما لفظه. وهذا الحديث يرد على من أبطل صلاة المنفرد لغير ~~عذر وجعل الجماعة شرطا، لأن المفاضلة بينهما تستدعي صحتهما، وحمل النص على ~~المنفرد لعذر لا يصح، لأن الأحاديث قد دلت على أن أجره لا ينقص عما يفعله ~~لولا العذر، فروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا مرض ~~العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا رواه أحمد والبخاري ~~وأبو داود. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح ~~فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك ~~من أجورهم شيئا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، انتهى. استدل المصنف رحمه ~~الله بهذين الحديثين على ما ذكره من عدم صحة حمل النص على المنفرد لعذر، ~~لأن أجره كأجر المجمع. # والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده محمد بن طحلاء قال ~~أبو حاتم: # ليس به بأس، وليس له عند أبي داود إلا هذا الحديث، وأخرج أبو داود عن ~~سعيد بن المسيب قال: حضر رجلا من الأنصار الموت فقال: إني محدثكم حديثا ما ~~أحدثكموه إلا احتسابا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا ~~توضأ أحدكم فأحسن الوضوء وفيه: فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، وإن ms1150 ~~أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن ~~أتى المسجد وقد صلوا فأتم كان كذلك. # وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة في ~~جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت ~~خمسين صلاة رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة، قال أبو داود، قال عبد الواحد بن زياد: في ~~هذا الحديث PageV03P158 # صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة، وساق الحديث. قال ~~المنذري: في إسناده هلال بن ميمون الجهني الرملي كنيته أبو المغيرة، قال ~~يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي يكتب حديثه، وقد وثقه ~~أيضا غير ابن معين كما قال ابن رسلان. # قوله: فإذا صلاها في فلاة هو أعم من أن يصليها منفردا أو في جماعة. قال ~~ابن رسلان: لكن حمله على الجماعة أولى وهو الذي يظهر من السياق انتهى. ~~والأولى حمله على الانفراد لان مرجع الضمير في حديث الباب من قوله: صلاها ~~إلى مطلق الصلاة لا إلى المقيد بكونها في جماعة. ويدل على ذلك الرواية التي ~~ذكرها أبو داود عن عبد الواحد ابن زياد، لأنه جعل فيها صلاة الرجل في ~~الفلاة مقابلة لصلاته في الجماعة، والمراد بالفلاة الأرض المتسعة التي لا ~~ماء فيها، والجمع في مثل حصاة وحصى. (والحديث) يدل على أفضلية الصلاة في ~~الفلاة مع تمام الركوع والسجود، وأنها تعدل خمسين صلاة في جماعة كما في ~~رواية عبد الواحد، وعلى هذا الصلاة في الفلاة تعدل ألف صلاة ومائتين وخمسين ~~صلاة في غير جماعة، وهذا إن كانت صلاة الجماعة تتضاعف إلى خمسة وعشرين ضعفا ~~فقط، فإن كانت تتضاعف إلى سبعة وعشرين كما تقدم فالصلاة في الفلاة تعدل ~~ألفا وثلاثمائة وخمسين صلاة، وهذا على فرض أن المصلي في الفلاة صلى منفردا، ~~فإن صلى في جماعة تضاعف العدد المذكور بحسب تضاعف صلاة الجماعة على ~~الانفراد، وفضل الله واسع. (والحكمة) في اختصاص صلاة الفلاة بهذه المزية أن ms1151 ~~المصلي فيها يكون في الغالب مسافرا، والسفر مظنة المشقة، فإذا صلاها ~~المسافر مع حصول المشقة تضاعفت إلى ذلك المقدار. وأيضا الفلاة في الغالب من ~~مواطن الخوف والفزع لما جبلت عليه الطباع البشرية من التوحش عند مفارقة ~~النوع الانساني، فالاقبال مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلا من بلغ في ~~التقوى إلى حد يقصر عنه كثير من أهل الاقبال والقبول. وأيضا في مثل هذا ~~الموطن تنقطع الوساوس التي تقود إلى الرياء، فإيقاع الصلاة فيها شأن أهل ~~الاخلاص. ومن ههنا كانت صلاة الرجل في البيت المظلم الذي لا يراه فيه أحد ~~إلا الله عز وجل أفضل الصلوات على الاطلاق، وليس ذلك إلا لانقطاع حبائل ~~الرياء الشيطانية التي يقتنص بها كثيرا من المتعبدين، فكيف لا تكون صلاة ~~الفلاة مع انقطاع تلك الحبائل وانضمام ما سلف إلى ذلك بهذه المنزلة؟ ~~(والحديث) أيضا من حجج القائلين بأن الجماعة غير واجبة، وقد قدمنا الكلام ~~على ذلك. PageV03P159 # باب حضور النساء المساجد وفضل صلاتهن في بيوتهن عن ابن عمر عن النبي (ص) ~~قال: إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن رواه الجماعة إلا ~~ابن ماجة. وفي لفظ: لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد وبيوتهن خير لهن ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات رواه أحمد وأبو داود. # حديث ابن عمر هو بنحو اللفظ الآخر في الصحيحين أيضا بدون قوله: وبيوتهن ~~خير لهن وهذه الزيادة أخرجها ابن خزيمة في صحيحه، وللطبراني بإسناد حسن ~~نحوها، ولها شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود، وحديث أبي هريرة أخرجه ~~أيضا ابن خزيمة من حديثه، وابن حبان من حديث زيد بن خالد. وأخرج مسلم من ~~حديث زينب امرأة ابن مسعود: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا وأول حديث ~~أبي هريرة متفق عليه من حديث ابن عمر كما عرفت. قوله: إذا استأذنكم نساؤكم ~~بالليل لم يذكر أكثر الرواة بالليل، كذا أخرجه مسلم وغيره. ms1152 وخص الليل ~~بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة. قال النووي: واستدل به على أن المرأة لا ~~تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الامر إلى الأزواج بالاذن، وتعقبه ابن ~~دقيق العيد بأن ذلك إن كان أخذا بالمفهوم فهو مفهوم لقب ضعيف، لكن يتقوى ~~بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر متقرر، وإنما علق الحكم بالمسجد لبيان ~~محل الجواز فبقي ما عداه على المنع، وفيه إشارة إلى أن الاذن المذكور لغير ~~الوجوب، لأنه لو كان واجبا لا يبقى معنى للاستئذان، لان ذلك إنما هو متحقق ~~إذا كان المستأذن مجيزا في الإجابة والرد، أو يقال إذا كان الاذن لهن فيما ~~ليس بواجب حقا على الأزواج فالاذن لهن فيما هو واجب من باب الأولى. # قوله: لا تمنعوا النساء مقتضى هذا النهي أن منع النساء من الخروج إلى ~~المساجد إما مطلقا في الأزمان كما في هذه الرواية، وكما في حديث أبي هريرة، ~~أو مقيدا بالليل كما تقدم، أو مقيدا بالغلس كما في بعض الأحاديث يكون محرما ~~على الأزواج. وقال النووي: إن النهي محمول على التنزيه، وسيأتي الخلاف في ~~ذلك. قوله: وبيوتهن خير PageV03P160 # لهن أي صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك، ~~لكنهن لم يعلمن، فيسألن الخروج إلى الجماعة يعتقدن أن أجرهن في المساجد ~~أكثر. ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل الامن من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد ~~وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت. قوله: ~~إماء الله بكسر الهمزة والمد جمع أمة. قوله وليخرجن تفلات بفتح التاء ~~المثناة وكسر الفاء أي غير متطيبات، يقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة ~~الريح، كذا قال ابن عبد البر وغيره، وإنما أمرن بذلك ونهين عن التطيب كما ~~في رواية مسلم المتقدمة عن زينب امرأة ابن مسعود، لئلا يحركن الرجال ~~بطيبهن. ويلحق بالطيب ما في معناه من المحركات لداعي الشهوة، كحسن الملبس ~~والتحلي الذي يظهر أثره والزينة الفاخرة. وفرق كثير من الفقهاء المالكية ~~وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر، ms1153 لأنها إذا عرت مما ذكر وكانت متسترة ~~حصل الامن عليها، ولا سيما إذا كان ذلك بالليل. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيما امرأة ~~أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة رواه مسلم وأبو داود والنسائي. # وعن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير مساجد ~~النساء قعر بيوتهن رواه أحمد. وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: لو ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد ~~كما منعت بنو إسرائيل نساءها، قلت لعمرة: ومنعت بنو إسرائيل نساءها؟ قالت: ~~نعم متفق عليه. # حديث أم سلمة أخرجه أبو يعلى أيضا والطبراني في الكبير وفي إسناده ابن ~~لهيعة، وقد تقدم ما يشهد له. وأخرج أحمد والطبراني من حديث أم حميد ~~الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقالت: يا رسول ~~الله إني أحب الصلاة معك، فقال (ص): قد علمت وصلاتك في بيتك خير لك من ~~صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك ~~خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في ~~مسجد الجماعة. # قال الحافظ: وإسناده حسن. وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود قال: قال صلى ~~الله عليه وسلم: صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها ~~في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها. قوله: أصابت بخورا. فيه دليل على أن ~~الخروج من النساء PageV03P161 # إلى المساجد إنما يجوز إذا لم يصحب ذلك ما فيه فتنة كما تقدم، وما هو في ~~تحريك الشهوة فوق البخور داخل بالأولى. قوله: فلا تشهدن في بعض النسخ هكذا ~~بزيادة نون التوكيد، وفي بعضها بحذفها، وظاهر النهي التحريم. قوله: رأى من ~~النساء ما رأينا لمنعهن يعني من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج، وإنما ~~كان النساء يخرجن في المروط والأكسية والشملات الغلاظ. وقد تمسك بعضهم في ~~منع النساء ms1154 من المساجد مطلقا بقول عائشة وفيه نظر، إذ لا يترتب على ذلك ~~تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد في زمانه (ص)، بل قالت ذلك بناء ~~على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع فيقال عليه لم ير ولم يمنع وظنها ليس بحجة. ~~قوله: كما منعت بنو إسرائيل نساءها هذا وإن كان موقوفا فحكمه الرفع لأنه لا ~~يقال بالرأي، وقد روى نحوه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح. قوله: ~~قالت نعم يحتمل أنها تلقته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك ~~من حديث عروة عن عائشة موقوفا أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه قالت: كن ~~نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب يتشرفن للرجال في المساجد فحرم الله ~~تعالى عليهن المساجد وسلطت عليهن الحيضة. وقد حصل من الأحاديث المذكورة في ~~هذا الباب أن الاذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما ~~يدعو إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة واجب على الرجال، وأنه لا يجب مع ~~ما يدعو إلى ذلك، ولا يجوز ويحرم عليهن الخروج لقوله: فلا تشهدن وصلاتهن ~~على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد. # باب فضل المسجد الأبعد والكثير الجمع عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم إليها ممشى. ~~رواه مسلم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده عبد الرحمن بن ~~مهران مولى بني هاشم. قال في التقريب: مجهول. وقال في الخلاصة: وثقه ابن ~~حبان انتهى. وبقية PageV03P162 # رجاله رجال الصحيح. قوله: إن أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم إليها ~~ممشى فيه التصريح بأن أجر من مسكنه بعيدا من المسجد أعظم ممن كان قريبا ~~منه، وكذلك قوله: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا وذلك لما ثبت عند ~~البخاري ms1155 ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في ~~بيته، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن ~~الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ~~وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد الحديث. ولما أخرجه أبو داود عن سعيد بن ~~المسيب عن رجل من الصحابة مرفوعا وفيه: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج ~~إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له عز وجل حسنة، ولم يضع قدمه ~~اليسرى إلا حط الله عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد الحديث. ولما أخرجه ~~مسلم عن جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى ~~قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: إنه ~~بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله قد ~~أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم. # وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله (ص): صلاة الرجل مع الرجل أزكى من ~~صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو ~~أحب إلى الله تعالى. رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وابن حبان، وصححه ابن السكن والعقيلي ~~والحاكم، وأشار ابن المديني إلى صحته وفي إسناده عبد الله بن أبي نصير قيل: ~~لا يعرف لأنه ما روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي، لكن أخرجه الحاكم من رواية ~~العيزار بن حريث عنه فارتفعت جهالة عينه، وأورد له الحاكم حديث قياس بن ~~أشيم وفي إسناده نظر. وأخرجه البزار والطبراني وعبد الله المذكور وثقه ابن ~~حبان. قوله: أزكى من صلاته وحده أي أكثر أجرا وأبلغ في تطهير المصلي وتكفير ~~ذنوبه، لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة دون الانفراد. قوله: وما ~~كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى فيه ms1156 أن ما كثر جمعه فهو أفضل مما قل جمعه، ~~وأن الجماعات تتفاوت في الفضل، وأن كونها تعدل سبعا وعشرين صلاة يحصل لمطلق ~~الجماعة، والرجل مع الرجل PageV03P163 # جماعة، كما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنه قال: الرجل مع الرجل ~~جماعة لهما التضعيف خمسا وعشرين انتهى. وقد أخرج ابن ماجة عن أبي موسى ~~والبغوي في معجم الصحابة عن الحكم بن عمير الثمالي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: اثنان فما فوقهما جماعة وأحاديث التضاعف إلى هذا المقدار التي ~~تقدم ذكرها لا ينافي الزيادة في الفضل لما كان أكثر، لا سيما مع وجود النص ~~المصرح بذلك كما في حديث الباب. # باب السعي إلى المسجد بالسكينة عن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: ما شأنكم؟ ~~قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم ~~السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا متفق عليه. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا سمعتم الإقامة ~~فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا ~~وما فاتكم فأتموا رواه الجماعة إلا الترمذي. ولفظ النسائي وأحمد في رواية: ~~فاقضوا. وفي رواية لمسلم: # إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، ~~فصل ما أدركت واقض ما سبقك. # قوله: جلبة بجيم ولام وموحدة مفتوحات أي أصواتهم حال حركتهم. قوله: # فعليكم السكينة ضبطه القرطبي بنصب السكينة على الاغراء، وضبطه النووي ~~بالرفع، على أنها جملة في موضع الحال. وفي رواية للبخاري: وعليكم بالسكينة. ~~وقد استشكل بعضهم دخول الباء لأنه متعد بنفسه كقوله تعالى: * (عليكم ~~أنفسكم) * (المائدة: 105) قال الحافظ: وفيه نظر لثبوت زيادة الباء في ~~الأحاديث الصحيحة كحديث: عليكم برخصة الله. فعليه بالصوم. # وعليك بالمرأة. قوله: فما أدركتم قال الكرماني: الفاء جواب شرط محذوف ~~PageV03P164 # أي إذا ثبت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا. قال في الفتح: أو ~~التقدير إذا فعلتم فما أدركتم ms1157 فصلوا، أي فعلتم الذي آمركم به من السكينة ~~وترك الاسراع. قوله: وما فاتكم فأتموا أي أكملوا، وقد اختلف في هذه اللفظة ~~في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور فأتموا ورواية معاوية بن هشام عن شيبان: ~~فاقضوا كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه. ومثله روى أبو داود، وكذلك وقع الخلاف ~~في حديث أبي هريرة كما ذكر المصنف. # قال الحافظ: والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ: فأتموا وأقلها بلفظ: ~~فاقضوا وإنما يظهر فائد ذلك إذا جعلنا بين التمام والقضاء مغايرة، لكن إذا ~~كان مخرج الحديث واحدا واختلف في لفظه منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى ~~واحد كان أولى، وهذا كذلك، لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائتة غالبا لكنه ~~يطلق على الأداء أيضا، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: * (فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا) * (الجمعة: 10) ويرد لمعان أخر، فيحمل قوله هنا فاقضوا على معنى ~~الأداء والفراغ فلا يغاير قوله: فأتموا فلا حجة لمن تمسك برواية فاقضوا، ~~على أن ما أدركه مع الامام هو آخر صلاته، حتى يستحب له الجهر في الركعتين ~~الآخرتين، وقراءة السورة وترك القنوت بل هو أولها، وإن كان آخر صلاة إمامه، ~~لأن الآخر لا يكون إلا عن شئ تقدمه. وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن ~~يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الامام آخرا له لما ~~احتاج إلى إعادة التشهد، وقول ابن بطال: # أنه ما تشهد إلا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد ليس بالجواب ~~الناهض على دفع الايراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضا أنهم أجمعوا ~~على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى، وقد عمل بمقتضى ~~اللفظين الجمهور فإنهم قالوا: إن ما أدرك مع الامام هو أول صلاته، إلا أنه ~~يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية، لكن لم ~~يستحبوا له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين، وكان الحجة فيه قول علي ~~عليه السلام: ما أدركت مع الامام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به ms1158 من القرآن ~~أخرجه البيهقي. وعن إسحاق والمزني أنه لا يقرأ إلا أم القرآن فقط، قال ~~الحافظ: # وهو القياس. قوله: إذا سمعتم الإقامة هو أخص من قوله في حديث أبي قتادة: ~~إذا أتيتم الصلاة لكن الظاهر أنه في مفهوم الموافقة، وأيضا سامع الإقامة لا ~~يحتاج إلى الاسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها، فينتهي عن الاسراع من باب ~~الأولى. وقد لحظ بعضهم PageV03P165 # معنى غير هذا فقال: الحكمة في التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت ~~الصلاة يصل إليها فيقرأ في تلك الحال، فلا يحصل تمام الخشوع في الترتيل ~~وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك، فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح، وفيه أنه ~~لا يكره الاسراع لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالف لصريح قوله: إذا أتيتم ~~الصلاة لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قيد الحديث الثاني بالإقامة لأن ~~ذلك هو الحامل في الغالب على الاسراع. قوله: والوقار قال عياض والقرطبي: هو ~~بمعنى السكينة، وذكر على سبيل التأكيد. وقال النووي: الظاهر أن بينهما ~~فرقا، وإن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة بغض ~~البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات. قوله: ولا تسرعوا فيه زيادة تأكيد، ~~فيستفاد منه الرد على من أول قوله في حديث أبي قتادة: فلا تفعلوا ~~بالاستعجال المفضي إلى عدم الوقار، وأما الاسراع الذي لا ينافي الوقار لمن ~~خاف فوت التكبيرة فلا، كذا روي عن إسحاق بن راهويه. (والحديثان) يدلان على ~~مشروعية المشي إلى الصلاة على سكينة ووقار، وكراهية الاسراع والسعي. ~~والحكمة في ذلك ما نبه عليه صلى الله عليه وآله وسلم كما وقع عند مسلم من ~~حديث أبي هريرة بلفظ: فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة أي ~~أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلى اعتماده، واجتناب ما ~~ينبغي للمصلي اجتنابه. وقد استدل بحديثي الباب أيضا، على أن من أدرك الامام ~~راكعا لم تحسب له تلك الركعة للامر بإتمام ما فاته، لأنه فاته القيام ~~والقراءة فيه. قال في الفتح: وهو قول أبي هريرة وجماعة، ms1159 بل حكى البخاري في ~~جزء القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام ، ~~واختاره ابن خزيمة والضبعي وغيرهما من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين ~~السبكي من المتأخرين، وقد قدمنا البحث عن هذا في باب ما جاء في قراءة ~~المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه. قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق الحديثين ~~ما لفظه: وفيه حجة لمن قال إن ما أدركه المسبوق آخر صلاته، واحتج من قال ~~بخلافه بلفظة الاتمام انتهى. وقد عرفت الجمع بين الروايتين. # باب ما يؤمر به الامام من التخفيف وعن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: إذا ~~صلى أحدكم PageV03P166 # للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه فليطول ~~ما شاء رواه الجماعة إلا ابن ماجة، لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص. ~~وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤخر الصلاة ويكملها. وفي ~~رواية: ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي (ص) متفق عليه. # وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني لأدخل في الصلاة وأنا ~~أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من ~~بكائه رواه الجماعة إلا أبا داود والنسائي لكنه لهما من حديث أبي قتادة. # قوله: فليخفف قال ابن دقيق العيد التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، ~~فقد يكون الشئ خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين، ~~قال: وقول الفقهاء لا يزيد الامام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا ~~يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يزيد على ذلك، لأن ~~رغبة الصحابة في الخير لا تقتضي أن يكون ذلك تطويلا. # قوله: فإن فيهم في رواية في البخاري للكشميهني: فإن منهم. وفي رواية: فإن ~~خلفه وهو تعليل للامر بالتخفيف، ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم من يتصف بإحدى ~~الصفات المذكورات لم يضر التطويل، ويرد عليه أنه يمكن أن يجئ من يتصف ~~بأحدها بعد ms1160 الدخول في الصلاة. وقال اليعمري: الاحكام إنما تناط بالغالب لا ~~بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا، قال: وهذا كما شرع القصر في ~~صلاة المسافر، وهي مع ذلك تشرع ولو لم تشق عملا بالغالب، لأنه لا يدري ما ~~يطرأ عليه وهنا كذلك. قوله: فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير المراد ~~بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض. وفي رواية للبخاري: فإن منهم ~~المريض والضعيف والمراد بالضعيف في هذه الرواية ضعيف الخلقة بلا شك. وفي ~~رواية للبخاري أيضا عن ابن مسعود: فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة. ~~وكذلك في رواية أخرى له من حديثه، والمراد بالضعيف في هاتين الروايتين ~~المريض، ويصح أن يراد من فيه ضعف، وهو أعم من الحاصل بالمرض أو بنقصان ~~الخلقة. وزاد مسلم من وجه آخر في حديث أبي هريرة والصغير، وزاد الطبراني من ~~حديث عثمان بن أبي العاص والحامل والمرضع. # وله من حديث عدي بن حاتم والعابر السبيل. قوله: فليطول ما شاء. ولمسلم: ~~PageV03P167 # فليصل كيف شاء أي مخففا أو مطولا. واستدل بذلك على جواز إطالة القراءة ~~ولو خرج الوقت وهو المصحح عند بعض الشافعية. قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه ~~يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة: إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل ~~وقت الأخرى أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ~~ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كان مراعاة تلك المفسدة أولى. واستدل ~~بعمومه أيضا على جواز تطويل الاعتدال من الركوع وبين السجدتين. قوله: لكنه ~~له من حديث عثمان بن أبي العاص في إسناده محمد بن عبد الله القاضي، ضعفه ~~الجمهور ووثقه ابن معين وابن سعد، وقد أخرج حديث عثمان المذكور مسلم في ~~صحيحه. قوله: يؤخر الصلاة ويكملها فيه أن مشروعية التخفيف لا تستلزم أن ~~تبلغ إلى حد يكون بسببه عدم تمام أركان الصلاة وقراءتها، وأن من سلك طريق ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الايجاز والاتمام لا يشتكي منه تطويل. ~~وروى ابن أبي شيبة أن الصحابة كانوا يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة فبين ~~العلة ms1161 في تخفيفهم. قوله: إني أدخل في الصلاة في رواية للبخاري: # إني لأقوم في الصلاة. قوله: وأنا أريد إطالتها فيه أن من قصد في الصلاة ~~الاتيان بشئ مستحب لا يجب عليه الوفاء به خلافا لأشهب. قوله: أسمع بكاء ~~الصبي فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، وإن كان الأولى تنزيه المساجد عمن ~~لا يؤمن حدثه فيها لحديث: جنبوا مساجدكم وقد تقدم. قوله: فأتجوز فيه دليل ~~على مشروعية الرفق بالمأمومين وسائر الاتباع، ومراعاة مصالحهم، ودفع ما يشق ~~عليهم، وإن كانت المشقة يسيرة، وإيثار تخفيف الصلاة للامر يحدث. قوله: لكنه ~~لهما من حديث أبي قتادة هو في البخاري ولفظه: # إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من ~~شدة وجد أمه من بكائه. (وأحاديث) الباب تدل على مشروعية التخفيف للأئمة، ~~وترك التطويل للعلل المذكورة من الضعف والسقم والكبر والحاجة، واشتغال خاطر ~~أم الصبي ببكائه، ويلحق بها ما كان فيه معناها. قال أبو عمر بن عبد البر: ~~التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه، إلا أن ذلك إنما ~~هو أقل الكمال. وأما الحذف والنقصان فلا، لان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد نهى عن نقر الغراب، ورأي رجلا يصلي فلم يتم ركوعه فقال له: ارجع ~~فصل فإنك لم تصل، وقال: لا ينظر الله إلى من لا يقيم صله في ركوعه وسجوده، ~~ثم قال: لا أعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكل من أم قوما ~~على ما شرطنا PageV03P168 # من الاتمام. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا تبغضوا الله إلى عباده ~~يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه، انتهى. وقد ورد في مشروعية ~~التخفيف أحاديث غير ما ذكره المصنف. منها عن عدي بن حاتم عند ابن أبي شيبة. ~~وعن سمرة عند الطبراني. # وعن مالك بن عبد الله الخزاعي عند الطبراني أيضا. وعن أبي واقد الليثي ~~عند الطبراني أيضا. وعن ابن مسعود عند البخاري ومسلم. وعن جابر بن عبد الله ~~عند البخاري ومسلم ms1162 أيضا. وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة. وعن حزم بن أبي بن ~~كعب الأنصاري عند أبي داود. وعن رجل من بني سلمة يقال له سليم من الصحابة ~~عند أحمد. وعن بريدة عند أحمد أيضا. وعن ابن عمر عند النسائي. # باب إطالة الامام الركعة الأولى وانتظار من أحس به داخلا ليدرك الركعة ~~فيه عن أبي قتادة وقد سبق. وعن أبي سعيد: لقد كانت الصلاة تقام فيذهب ~~الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الركعة الأولى مما يطولها رواه أحمد ومسلم وابن ماجة ~~والنسائي. # وعن محمد بن جحادة عن رجل عن عبد الله بن أبي أوفى: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع ~~قدم رواه أحمد وأبو داود. # حديث أبي قتادة تقدم مع شرحه في باب السورة بعد الفاتحة في الأوليين من ~~أبواب صفة الصلاة، وفيه بعد ذكر أنه كان يطول في الأولى قال: فظننا أنه ~~يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. وحديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه ~~أيضا البزار وسياقه أتم، وفي إسناده رجل مجهول لا يعرف، وسماه بعضهم طرفة ~~الحضرمي وهو مجهول كما قال الأزدي، وفيه وفي حديث أبي قتادة وأبي سعيد ~~مشروعية التطويل في الركعة الأولى من صلاة الظهر وغيرها، وقد قدمنا الكلام ~~على ذلك في أبواب صفة الصلاة. # (وقد استدل) القائلون بمشروعية تطويل الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك ~~فضيلة الجماعة بتلك الرواية التي ذكرناها من حديث أبي قتادة، أعني قوله: ~~فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. واستدلوا أيضا بحديث ابن ~~أبي أوفى PageV03P169 # المذكور في الباب، وقد حكى استحباب ذلك ابن المنذر عن الشعبي والنخعي ~~وأبي مجلز و ابن أبي ليلى من التابعين. وقد نقل الاستحباب أبو الطيب الطبري ~~عن الشافعي في الجديد، وفي التجريد للمحاملي، نسبة ذلك إلى القديم وإن ~~الجديد كراهته. وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو يوسف وداود ms1163 والهادوية ~~إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر وشدد في ذلك بعضهم. وقال: أخاف أن ~~يكون شركا وهو قول محمد بن الحسن، وبالغ بعض أصحاب الشافعي فقال: إنه مبطل ~~للصلاة. وقال أحمد وإسحاق فيما حكاه عنهما ابن بطال: إن كان الانتظار لا ~~يضر بالمأمومين جاز، وإن كان مما يضر ففيه الخلاف. # وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة انتظره الامام وإلا فلا، روى ذلك ~~النووي في شرح المهذب عن جماعة من السلف. (وقد استدل) الخطابي في المعالم ~~على الانتظار المذكور بحديث أنس المتقدم في الباب الأول في التخفيف عند ~~سماع بكاء الصبي فقال: فيه دليل على أن الامام وهو راكع إذا أحس بداخل يريد ~~الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعا ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة، لأنه ~~إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة إنسان في بعض أمور الدنيا كان له ~~أن يزيد فيها لعباد الله تعالى، بل هو أحق بذلك وأولى، وكذلك قال ابن بطال. ~~وتعقبهما ابن المنير والقرطبي بأن التخفيف ينافي التطويل فكيف يقاس عليه؟ ~~قال ابن المنير: وفيه مغايرة للمطلوب، لأن فيه إدخال مشقة على جماعة لأجل ~~واحد، وهذا لا يرد على أحمد وإسحاق لتقييدهما الجواز بعدم الضر للمؤتمين ~~كما تقدم، وما قالا هو أعدل المذاهب في المسألة، وبمثله قال أبو ثور. # باب وجوب متابعة الامام والنهي عن مسابقته عن أبي هريرة: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، ~~فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ~~اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون ~~متفق عليه. وفي لفظ: إنما الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى ~~يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا ~~حتى يسجد رواه أحمد وأبو داود. PageV03P170 # في الباب غير ما ذكر المصنف عن عائشة عند الشيخين وأبي داود وابن ماجة. # وعن جابر عند مسلم ms1164 وأبى داود والنسائي وابن ماجة. وعن ابن عمر عند أحمد ~~والطبراني. وعن معاوية عند الطبراني في الكبير. قال العراقي: ورجاله رجال ~~الصحيح. وعن أسيد بن حضير عند أبي داود وعبد الرزاق. وعن قيس بن فهد عند ~~عبد الرزاق أيضا. وعن أبي أمامة عند ابن حبان في صحيحه. قوله: إنما جعل ~~الامام ليؤتم به لفظ إنما من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان. ~~ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، واختار الآمدي ~~أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الاثبات فقط ونقله أبو حيان عن ~~البصريين. وفي كلام الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ما يقتضي نقل الاتفاق ~~على إفادتها للحصر. والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالامام ~~والاتباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا ~~يخالفه في شئ من الأحوال التي فصلها الحديث ولا في غيرها قياسا عليها، ولكن ~~ذلك مخصوص بالافعال الظاهرة لا الباطنة، وهي ما لا يطلع عليه المأموم ~~كالنية فلا يضن الاختلاف فيها، فلا يصح الاستدلال به على من جوز ائتمام من ~~يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي ~~الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك، وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم ~~بصلاة الامام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها، لأن ذلك من الاختلاف، وقد ~~نهى عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: فلا تختلفوا. وأجيب بأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قد بين وجوه الاختلاف فقال: فإذا كبر فكبروا الخ، ويتعقب ~~بإلحاق غيرها بها قياسا كما تقدم. وقد استدل بالحديث أيضا القائلون بأن صحة ~~صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الامام إذا بان جنبا أو محدثا أو عليه ~~نجاسة خفية، وبذلك صرح أصحاب الشافعي بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف ~~بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتم الاطلاع عليها. ~~قوله: فإذا كبر فكبروا فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ ~~الامام منه، ms1165 وكذلك الركوع والرفع منه والسجود. ويدل على ذلك أيضا قوله في ~~الرواية الثانية: ولا تكبروا ولا تركعوا ولا تسجدوا، وكذلك سائر الروايات ~~المشتملة PageV03P171 # على النهي وسيأتي. وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ ~~والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الاحرام وغيرها. قوله: وإذا قال: سمع ~~الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد فيه دليل لمن قال: إنه يقتصر ~~المؤتم في ذكر الرفع من الركوع على قوله: ربنا لك الحمد، وقد قدمنا بسط ذلك ~~في باب ما يقول في رفعه من الركوع من أبواب صفة الصلاة، وقدمنا أيضا الكلام ~~على اختلاف الروايات في زيادة الواو وحذفها. قوله: وإذا صلى قاعدا فصلوا ~~قعودا فيه دليل لمن قال: إن المأموم يتابع الامام في الصلاة قاعدا، وإن لم ~~يكن المأموم معذورا، وإليه ذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي وأبو بكر بن المنذر ~~وداود وبقية أهل الظاهر، وسيأتي الكلام على ذلك في باب اقتداء القادر على ~~القيام بالجالس. قوله: أجمعون كذا في أكثر الروايات بالرفع على التأكيد ~~لضمير الفاعل في قوله: صلوا وفي بعضها بالنصب على الحال. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما يخشى ~~أحدكم إذا رفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يحول الله ~~صورته صورة حمار؟ رواه الجماعة. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ~~ولا بالقعود ولا بالانصراف رواه أحمد ومسلم. وعنه: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: إنما جعل الامام ليؤتم به، فلا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا ~~حتى يرفع. رواه البخاري. # قوله: أما يخشى أحدكم أما مخففة حرف استفتاح مثل ألا، وأصلها النافية ~~دخلت عليها همزة الاستفهام وهي هنا استفهام توبيخ. قوله: إذا رفع رأسه قبل ~~الامام زاد ابن خزيمة في صلاته: والمراد الرفع من السجود، ويدل على ذلك ما ~~وقع في رواية حفص بن عمر: الذي يرفع رأسه ms1166 والامام ساجد وفيه تعقب على من ~~قال: إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم في الرفع من الركوع والسجود ~~معا وليس كذلك، بل هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لكونه في معناه، ~~ويمكن الفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية، لأن العبد أقرب ما يكون فيه ~~من ربه، وأما التقدم على الامام في الخفض للركوع والسجود فقيل يلتحق به من ~~باب الأولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع ~~والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى ~~أن يجب فيما هو مقصد. قال الحافظ: ويمكن أن يقال ليس هذا بواضح، لان الرفع ~~من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، قال: وقد ورد الزجر عن الرفع ~~PageV03P172 # والخفض قبل الامام من حديث أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعا: الذي يخفض ~~ويرفع قبل الامام إنما ناصيته بيد شيطان وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه ~~موقوفا وهو المحفوظ. قوله: أو يحول الله صورته الخ الشك من شعبة، وقد رواه ~~الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة، عن حماد بن زيد ومسلم، عن يونس بن ~~عبيد والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان ~~فقالا: رأس. وأما الربيع فقال: وجه، وأما يونس فقال: صورة، والظاهر أنه من ~~تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم ~~الصورة فيه. # قال الحافظ: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضا، وأما الرأس فرواتها أكثر ~~وهي أشمل فهي المعتمد، وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية. وظاهر ~~الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الامام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد ~~العقوبات، وبذلك جزم النووي في شرح المهذب، ومع القول بالتحريم فالجمهور ~~على أن فاعله يأثم وتجزئه صلاته، وعن ابن عمر يبطل، وبه قال أحمد في رواية ~~وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد والوعيد بالمسح في معناه. وقد ~~ورد التصريح بالنهي في رواية أنس المذكورة في الباب عن السبق بالركوع ~~والسجود والقيام والقعود، ms1167 وقد اختلف في معنى الوعيد المذكور فقيل: يحتمل أن ~~يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى ~~للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الامام، ويرجح هذا المجاز أن ~~التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، ولكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك ~~يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك، ولا يلزم من التعرض للشئ ~~وقوعه، وقيل: هو على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، وقد وردت أحاديث ~~كثيرة تدل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة، وأما ما ورد من الأدلة ~~القاضية برفع المسخ عنها فهو المسخ العام، ومما يبعد المجاز المذكور ما عند ~~ابن حبان بلفظ: أن يحول الله رأسه رأس كلب لانتفاء المناسبة التي ذكروها من ~~بلادة الحمار. ومما يبعده أيضا إيراد الوعيد بالامر المستقبل، وباللفظ ~~الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو كان المراد التشبيه بالحمار لأجل ~~البلادة لقال مثلا: فرأسه رأس حمار، ولم يحسن أن يقال له: إذا فعلت ذلك صرت ~~بليدا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة. (واستدل) بالأحاديث ~~المذكورة على جواز المقارنة، ورد بأنها دلت بمنطوقها على منع المسابقة، ~~وبمفهومها على طلب المتابعة، وأما المقارنة فمسكوت عنها. قوله: ولا ~~بالانصراف قال النووي: المراد بالانصراف السلام انتهى. ويحتمل أن يكون ~~المراد النهي عن الانصراف من مكان الصلاة قبل الامام لفائدة أن يدرك المؤتم ~~الدعاء، أو لاحتمال أن يكون الامام قد حصل له في صلاته سهو فيذكر وهو في ~~المسجد، ويعود له كما في قصة ذي PageV03P173 # اليدين. وقد أخرج أبو داود عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حضهم على الصلاة ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة وأخرج ~~الطبراني في الكبير عن ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات أنه قال: إذا سلم ~~الامام وللرجل حاجة فلا ينتظره إذا سلم أن يستقبله بوجهه وإن فصل الصلاة ~~التسليم. وروي عنه أنه كان إذا سلم لم يلبث أن يقوم أو يتحول من مكانه. ms1168 # باب انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي أو امرأة عن ابن عباس قال: بت عند ~~خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل فقمت أصلي ~~معه، فقمت عن يساره فأخذ برأسي وأقامني عن يمينه رواه الجماعة. وفي لفظ: ~~صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا يومئذ ابن عشر وقمت إلى جنبه ~~عن يساره فأقامني عن يمينه، قال: وأنا يومئذ ابن عشر سنين رواه أحمد. # قوله: بت في رواية: نمت. قوله: يصلي من الليل قد تقدم الكلام في صلاة ~~الليل. # قوله: وأقامني عن يمينه يحتمل المساواة ويحتمل التقدم والتأخر قليلا. وفي ~~رواية: فقمت إلى جنبه وهو ظاهر في المساواة. وعن بعض أصحاب الشافعي: يستحب ~~أن يقف المأموم دونه قليلا، وليس عليه فيما أعلم دليل. وفي الموطأ عن عبد ~~الله بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح فقمت ~~وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه. # (والحديث) له فوائد كثيرة، منه ما بوب له المصنف من انعقاد الجماعة ~~باثنين أحدهما صبي وليس على قول من منع من انعقاد إمامة من معه صبي فقط ~~دليل، ولم يستدل لهم في البحر إلا بحديث رفع القلم، ورفع القلم لا يدل على ~~عدم صحة صلاته وانعقاد الجماعة به، ولو سلم لكان مخصصا بحديث ابن عباس ~~ونحوه، وقد ذهب إلى أن الجماعة لا تنعقد بصبي الهادي والناصر والمؤيد ~~بالله، وأبو حنيفة وأصحابه، وذهب أصحاب الشافعي والامام يحيى، إلى الصحة من ~~غير فرق بين الفرض والنفل. وذهب مالك وأبو حنيفة في رواية عنه إلى الصحة في ~~النافلة. ومنها صحة صلاة النوافل جماعة، وقد تقدم بعض الكلام على ذلك ~~وسيأتي بقيته. ومنها أن موقف المؤتم عن يمين الامام، وقال سعيد بن المسيب: ~~أن موقف المؤتم الواحد عن يسار الامام ولم يتابع PageV03P174 # على ذلك لمخالفته للأدلة، وقد اختلف في صحة صلاة من وقف عن اليسار فقيل: ~~لا تبطل بل هي صحيحة وهو قول الجمهور، وتمسكوا بعدم بطلان صلاة ابن عباس ~~لوقوفه عن ms1169 اليسار لتقريره صلى الله عليه وآله وسلم له على أول صلاته، وقيل: ~~تبطل وإليه ذهب أحمد والهادوية، قالوا: وتقريره صلى الله عليه وآله وسلم ~~لابن عباس لا يدل على صحة صلاة من وقف من أول الصلاة إلى آخرها عن اليسار ~~عالما، وغاية ما فيه تقرير من جهل الموقف والجهل عذر، وسيأتي الكلام على ~~الموقف للمؤتم الواحد والاثنين والجماعة في أبواب مواقف الإمام والمأموم . ~~ومنها جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وقد بوب البخاري لذلك، وفي ~~المسألة خلاف، والأصح عند الشافعية أنه لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي ~~الامام الإمامة، واستدل بذلك ابن المنذر بحديث أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى في رمضان قال: فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء آخر فقام إلى جنبي ~~حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنا تجوز في صلاته ~~الحديث وسيأتي. وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء، وائتموا هم به ~~ابتداء وأقرهم، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وعلقه البخاري. # وذهب أحمد إلى الفرق بين النافلة والفريضة، فشرط أن ينوي في الفريضة دون ~~النافلة، وفيه نظر لحديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ~~رجلا يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ أخرجه أبو داود، ~~وقد حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. # وعن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله (ص): # من استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات رواه أبو داود. # الحديث ذكر أبو داود أن بعضهم لم يرفعه ولا ذكر أبا هريرة وجعله كلام أبي ~~سعيد، وبعضهم رواه موقوفا، وقد أخرجه النسائي وابن ماجة مسندا. وفيه ~~مشروعية إيقاظ الرجل أهله بالليل للصلاة، وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن ~~ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رحم الله ~~رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم ~~الله امرأة قامت ms1170 من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء. ~~وفي إسناده محمد بن عجلان، وقد وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم، واستشهد به ~~البخاري، وأخرج له مسلم في المتابعة، وتكلم PageV03P175 # فيه بعضهم. وحديث الباب استدل به على صحة الإمامة وانعقادها برجل وامرأة، ~~وإلى ذلك ذهب الفقهاء، ولكنه لا يخفى أن قوله: فصليا ركعتين جميعا محتمل ~~لأنه يصدق عليهما إذا صلى كل واحد منهما ركعتين منفردا، أنهما صليا جميعا ~~ركعتين، أي كل واحد منهما فعل الركعتين ولم يفعلهما أحدهما فقط، ولكن الأصل ~~صحة الجماعة وانعقادها بالمرأة مع الرجل، كما تنعقد بالرجل مع الرجل، ومن ~~منع من ذلك فعليه الدليل، ويؤيد ذلك ما أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه عن ~~عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رجع من المسجد صلى ~~بنا وقال: إنه حديث غريب، وقد روى الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري تعليقا ~~عن عائشة أنها كانت تأتم بغلامها، وحكى المهدي في البحر عن العترة أنه لا ~~يؤم الرجل امرأة، واستدل لذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أخروهن حيث ~~أخرهن الله. وقوله: شر صفوف النساء أولها وليس في ذلك ما يدل على المطلوب. # واستدل أيضا بأن عليا عليه السلام منع من ذلك، قال: وهو توقيف. وجعله من ~~التوقيف دعوى مجردة، لأن المسألة من مسائل الاجتهاد، وليس المنع مذهبا ~~لجميع العترة، فقد صرح الهادي أنه يجوز للرجل أن يؤم بالمحارم في النوافل، ~~وجوز ذلك المنصور بالله مطلقا. # باب انفراد المأموم لعذر ثبت أن الطائفة الأولى في صلاة الخوف تفارق ~~الامام وتتم وهي مفارقة لعذر. وعن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤم ~~قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله فدخل المسجد مع القوم، فلما رأى ~~معاذا طول تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ~~ذلك قال: إنه لمنافق أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله، قال: فجاء حرام إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعاذ عنده فقال: # يا نبي ms1171 الله إني أردت أن أسقي نخلا لي فدخلت المسجد لأصلي مع القوم فلما ~~طول تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه فزعم أني منافق، فأقبل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم على معاذ فقال: أفتان أنت أفتان أنت؟ لا تطول بهم، ~~اقرأ ب * (اسم ربك الأعلى) *، * (والشمس وضحاها) * ونحوهما. وعن بريدة ~~الأسلمي: أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها * (اقتربت الساعة) * ~~(القمر: 1) فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولا شديدا ~~PageV03P176 # فأتى النبي (ص) فاعتذر إليه وقال: إني كنت أعمل في نخل وخفت على الماء، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني لمعاذ: صل بالشمس وضحاها ~~ونحوها من السور. رواهما أحمد بإسناد صحيح. فإن قيل: ففي الصحيحين من حديث ~~جابر أن ذلك الرجل الذي فارق معاذا سلم ثم صلى وحده، وهذا يدل على أنه ما ~~بنى بل استأنف. # قيل في حديث جابر: إن معاذا استفتح سورة البقرة فعلم بذلك أنهما قصتان ~~وقعتا في وقتين مختلفين، إما لرجل أو لرجلين. # هذه القصة قد رويت على أوجه مختلفة، ففي بعضها لم يذكر تعيين السورة التي ~~قرأها معاذ، ولا تعيين الصلاة التي وقع ذلك فيها، كما في رواية أنس ~~المذكورة. وفي بعضها أن السورة التي قرأها * (اقتربت الساعة) * (القمر: 1) ~~والصلاة العشاء، كما في حديث بريدة المذكور. وفي بعضها أن السورة التي ~~قرأها البقرة والصلاة العشاء، كما في حديث جابر الذي أشار إليه المصنف. وفي ~~بعضها أن الصلاة المغرب كما في رواية أبي داود والنسائي وابن حبان. # ووقع الاختلاف أيضا في اسم الرجل فقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حزم بن أبي ~~كعب، وقيل: حازم، وقيل: سليم، وقيل: سليمان، وقيل: غير ذلك. وقد جمع بين ~~الروايات بتعدد القصة، وممن جمع بينها بذلك ابن حبان في صحيحه. قوله: ثبت ~~أن الطائفة الأولى الخ، سيأتي بيان ذلك في كتاب صلاة الخوف. قوله: فدخل ~~حرام بالحاء والراء المهملتين ضد حلال بن ملحان بكسر الميم وسكون اللام ~~بعدها حاء مهملة. قوله: فلما ms1172 طول يعني معاذا، وكذلك قوله فزعم. قوله: إني ~~منافق في رواية للبخاري فكأن معاذا نال منه وللمستملي: تناول منه وفي رواية ~~ابن عيينة: فقال له: أنا فقلت يا فلان؟ فقال: لا والله، ولآتين رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وكأن معاذا قال ذلك أولا، ثم قاله أصحابه للرجل، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بلغه الرجل كما في حديث الباب ~~وغيره. وعند النسائي قال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فذكر ذلك له فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا ~~رسول الله عملت على ناضح لي. الحديث، ويجمع بين الروايتين بأن معاذا سبقه ~~بالشكوى، فلما أرسل له جاء فاشتكى من معاذ. قوله: أفتان أنت؟ في رواية ~~مرتين، وفي رواية ثلاثا، وفي رواية أفاتن؟. وفي رواية أتريد أن تكون ~~فاتنا؟. وفي رواية: يا معاذ لا تكن فاتنا ومعنى الفتنة هنا أن التطويل يكون ~~سببا لخروجهم من الصلاة ولترك الصلاة في الجماعة. PageV03P177 # قوله: لا تطول بهم فيه أن التطويل منهي عنه فيكون حراما، ولكنه أمر نسبي ~~كما تقدم: فنهيه لمعاذ عن التطويل لأنه كان يقرأ بهم سورة البقرة و * ~~(اقتربت الساعة) * (القمر: 1). قوله: # اقرأ ب * (سبح اسم ربك الأعلى) * (الأعلى: 1) * (والشمس وضحاها) * ~~(الشمس: 1) الامر بقراءة هاتين السورتين متفق عليه من حديث جابر، كما تقدم ~~في أبواب القراءة. وفي رواية للبخاري من حديثه وأمره بسورتين من أوسط ~~المفصل. وفي رواية لمسلم بزيادة * (والليل إذا يغشى) * (الليل: 1). وفي ~~رواية له بزيادة: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * (العلق: 1). وفي رواية لعبد ~~الرزاق بزيادة: * (الضحى) * (الضحى: 1). وفي رواية للحميدي بزيادة: * ~~(والسماء ذات البروج) * (البروج: 1). وفيه أن الصلاة بمثل هذه السور تخفيف، ~~وقد يعد ذلك من لا رغبة له في الطاعة تطويلا. قوله: العشاء كذا في معظم ~~روايات البخاري وغيره. وفي رواية المغرب كما تقدم، فيجمع بما سلف من ~~التعدد، أو بأن المراد بالمغرب العشاء مجازا، وإلا فما في الصحيح أصح ~~وأرجح. قوله: اقتربت الساعة ms1173 في الصحيحين وغيرهما أنه قرأ بسورة البقرة كما ~~أشار إلى ذلك المصنف. وفي رواية لمسلم: # قرأ بسورة البقرة أو النساء على الشك. وفي رواية للسراج: قرأ بالبقرة ~~والنساء بلا شك. # وقد قوي الحافظ في الفتح إسناد حديث بريدة ولكنه قال: هي رواية شاذة، ~~وطريق الجمع الحمل على تعدد الواقعة كما تقدم، أو ترجيح ما في الصحيحين مع ~~عدم الامكان، كما قال بعضهم: إن الجمع بتعدد الواقعة مشكل، لأنه لا يظن ~~بمعاذ أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف ثم يعود. وأجيب عن ذلك ~~باحتمال أن يكون معاذ قرأ أولا بالبقرة، فلما نهاه قرأ: * (اقتربت) * وهي ~~طويلة بالنسبة إلى السور التي أمره بقراءتها، ويحتمل أن يكون النهي وقع ~~أولا لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الاسلام، ثم لما اطمأنت نفوسهم ظن ~~أن المانع قد زال فقرأ ب * (اقتربت) * لأنه سمع النبي (ص) يقرأ في المغرب ~~بالطور فصادف صاحب الشغل، كذا قال الحافظ. وجمع النووي باحتمال أن يكون قرأ ~~في الأولى بالبقرة فانصرف رجل، ثم قرأ ب * (اقتربت) * في الثانية فانصرف ~~آخر، وقد استدل المصنف بحديث أنس وبريدة المذكورين على جواز صلاة من قطع ~~الائتمام بعد الدخول فيه لعذر وأتم لنفسه وجمع بينه وبين ما في الصحيحين من ~~أنه سلم ثم استأنف بتعدد الواقعة، ويمكن الجمع بأن قول الرجل تجوزت في ~~صلاتي كما في حديث أنس وكذلك قوله: فصلى وذهب كما في حديث بريدة لا ينافي ~~الخروج من صلاة الجماعة PageV03P178 # بالتسليم واستئنافها فرادى والتجوز فيها، لأن جميع الصلاة توصف بالتجوز، ~~كما توصف به بقيتها، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي بلفظ: فانصرف الرجل فصلى في ~~ناحية المسجد وفي رواية لمسلم فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وغاية الامر أن ~~يكون ما في حديثي الباب محتملا، وما في الصحيحين وغيرهما مبينا لذلك. # باب انتقال المنفرد إماما في النوافل عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يصلي في رمضان فجئت فقمت خلفه وقام رجل فقام إلى جنبي، ثم ms1174 ~~جاء آخر حتى كنا رهطا، فلما أحس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أننا ~~خلفه تجوز في صلاته ثم قام فدخل منزله فصلى صلاة لم يصلها عندنا، فلما ~~أصبحنا قلنا: يا رسول الله أفطنت بنا الليلة؟ قال: نعم، فذلك الذي حملني ~~على ما صنعت رواه أحمد ومسلم. وعن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ حجرة قال: حسبت أنه قال من حصير في ~~رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد ~~فخرج إليهم فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم ~~فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة رواه البخاري. وعن عائشة: ~~أن رسول الله (ص) كان يصلي في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام ناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا، ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الليلة الثانية فقام ناس ~~يصلون بصلاته رواه البخاري. # قوله: فقمت خلفه فيه جواز قيام الرجل الواحد خلف الامام، وسيأتي في أبواب ~~موقف الإمام والمأموم ما يدل على خلاف ذلك. قوله: كنا رهطا قال في القاموس: # الرهط قوم الرجل وقبيلته من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة وما ~~فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه الجمع أرهط وأرهاط وأراهيط. قوله: فلما أحس ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أننا خلفه تجوز في صلاته لعله فعل ذلك ~~مخافة أن يكتب عليهم كما في سائر الأحاديث، وليس في تجوزه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ودخوله منزله ما يدل على عدم جواز ما فعلوه، لأنه لو كان غير ~~جائز لما قررهم على ذلك بعد علمه به PageV03P179 # وأعلامهم له. قوله: اتخذ حجرة أكثر الروايات بالراء. وللكشميهني بالزاي. ~~قوله: # جعل يقعد أي يصلي من قعود لئلا يراه الناس فيأتموا به. قوله: من صنيعكم ~~بفتح الصاد وإثبات الياء، وللأكثر بضم الصاد وسكون النون، ms1175 وليس المراد ~~صلاتهم فقط، بل كونهم رفعوا أصواتهم وصاحوا به ليخرج إليهم، وحصب بعضهم ~~الباب لظنهم أنه نام، كما ذكر ذلك البخاري في الاعتصام من صحيحه وزاد فيه: ~~حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به. قوله: فإن أفضل الصلاة ~~صلاة المرء في بيته المراد بالصلاة الجنس الشامل لكل صلاة، فيخرج عن ذلك ~~إلا المكتوبة لاستثنائها. وما يتعلق بالمسجد كتحيته، وهل يدخل في ذلك ما ~~وجب لعارض كالمنذورة؟ فيه خلاف. # والمراد بالمرء جنس الرجال، فلا يدخل في ذلك النساء لما تقدم من أن ~~صلاتهن في بيوتهن المكتوبة وغيرها أفضل من صلاتهن في المساجد. قال النووي: ~~إنما حث على النافلة في البيت لكونه أبعد من الرياء وأخفى، وليتبرك البيت ~~بذلك وتنزل فيه الرحمة، وعلى هذا يمكن أن يخرج بقوله في بيته غيره ولو أمن ~~فيه من الرياء. قوله: إلا المكتوبة المراد بها الصلوات الخمس، قيل: ويدخل ~~في ذلك ما وجب بعارض كالمنذورة. # قوله: في حجرته ظاهره أن المراد حجرة بيته، ويدل عليه ذكر جدار الحجرة. # وأوضح منه رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عند أبي نعيم بلفظ: كان ~~يصلي في حجرة من حجر أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم. ويحتمل أن تكون ~~الحجرة التي احتجرها في المسجد بالحصير كما في بعض الروايات، وكما تقدم في ~~حديث زيد بن ثابت. ولأبي داود ومحمد بن نصر من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن ~~عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها. قال في الفتح: فأما أن ~~يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار وفي نسبة الحجرة إليها. ~~(والأحاديث) المذكورة تدل على ما بوب له المصنف رحمه الله من جواز انتقال ~~المنفرد إماما من النوافل، وكذلك في غيرها لعدم الفارق. وقد قدمنا الخلاف ~~في ذلك في باب انعقاد الجماعة باثنين. وقد استدل البخاري في صحيحه بحديث ~~عائشة المذكور على جواز أن يكون بين الامام وبين القوم المؤتمين به حائط أو ~~سترة. PageV03P180 # باب الامام ينتقل مأموما إذا ms1176 استخلف فحضر مستخلفه عن سهل بن سعد: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت ~~الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، قال: ~~فصلى أبو بكر فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في الصلاة ~~فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما ~~أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأشار ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه ~~فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك، ثم ~~استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي (ص) فصلى ثم انصرف فقال: يا ~~أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن ~~يصلي بين يدي رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): ما لي رأيتكم أكثرتم ~~التصفيق، من نابه شئ في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما ~~التصفيق للنساء متفق عليه. وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي قال: كان ~~قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتاهم بعد ~~الظهر ليصلح بينهم وقال: # يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس قال: فلما حضرت ~~العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فتقدم وذكر الحديث. # قوله: ذهب إلى بني عمرو بن عوف أي ابن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي ~~الأنصار وهما: الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس. وسبب ~~ذهابه (ص) إليهم كما في الرواية التي ذكرها المصنف وقد ذكر نحوها البخاري ~~في الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا ~~بالحجارة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال: اذهبوا نصلح ~~بينهم. وله فيه من رواية ms1177 غسان عن أبي حازم، فخرج في ناس من أصحابه، وله ~~أيضا في الاحكام من صحيحه من طريق حماد بن زيد أن توجهه كان بعد أن صلى ~~الظهر. وللطبراني أن الخبر جاء بذلك وقد أذن بلال لصلاة الظهر. قوله: فحانت ~~الصلاة أي صلاة العصر كما صرح به البخاري PageV03P181 # في الاحكام من صحيحه. قوله: فقال أتصلي بالناس في الرواية الأخرى التي ~~ذكرها المصنف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر بلالا أن يأمر ~~أبا بكر بذلك، وقد أخرج نحوها ابن حبان والطبراني، ولا مخالفة بين ~~الروايتين لأنه يحمل على أنه استفهمه، هل تبادر أول الوقت أو ننتظر مجد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فرجح أبو بكر المبادرة لأنها فضيلة محققة، ~~فلا تترك لفضيلة متوهمة. قوله: فأقيم بالنصب لأنها بعد الاستفهام، ويجوز ~~الرفع على الاستئناف. قوله: قال نعم في رواية للبخاري: إن شئت وإنما فوض ~~ذلك إليه لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في ذلك. قوله: فصلى أبو بكر أي دخل في الصلاة، وفي لفظ للبخاري: فتقدم أبو ~~بكر فكبر. وفي رواية: فاستفتح أبو بكر وبهذا يجاب عن سبب استمراره في ~~الصلاة في مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم، وامتناعه من الاستمرار في هذا ~~المقام، لأنه هناك قد مضى معظم الصلاة فحسن الاستمرار، وهنا لم يمض إلا ~~اليسير فلم يحسن. # قوله: فنخلص في رواية للبخاري: فجاء يمشي حتى قام عند الصف، ولمسلم: فخرق ~~الصفوف . قوله: فصفق الناس في رواية للبخاري: فأخذ الناس في التصفيح، قال ~~سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. وفيه أنهما مترادفان، وقد تقدم ~~التنبيه على ذلك. قوله: وكان أبو بكر لا يلتفت قيل: كان ذلك لعلمه بالنهي ~~وقد تقدم الكلام عليه. قوله: فرفع أبو بكر يديه فحمد الله. # الخ، ظاهره أنه تلفظ بالحمد، وادعى ابن الجوزي أنه أشار بالحمد والشكر ~~بيده ولم يتكلم. قوله: # أن يصلي بين يدي رسول الله (ص) تقرير النبي (ص) له على ذلك يدل ms1178 على ما ~~قاله البعض من أن سلوك طريقة الأدب خير من الامتثال، ويؤيد ذلك عدم إنكاره ~~(ص) على علي عليه السلام لما امتنع من محو اسمه في قصة الحديبية. # وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى في أبواب صفة الصلاة. قوله: أكثرتم ~~التصفيق ظاهره أن الانكار إنما حصل لكثرته لا لمطلقه، ولكن قوله: إنما ~~التصفيق للنساء يدل على منع الرجال منه مطلقا. قوله: التفت إليه بضم ~~المثناة على البناء للمجهول. وفي رواية للبخاري: # فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت. (والحديث) يدل على ما ~~بوب له المصنف من جواز انتقال الامام مأموما إذا استخلف فحضر مستخلفه، ~~وادعى ابن عبد البر أن ذلك من خصائص النبي (ص)، وادعى الاجماع على عدم جواز ~~ذلك لغيره، ونوقض أن الخلاف ثابت، وأن الصحيح المشهور عند الشافعية الجواز، ~~وروى عن ابن القاسم الجواز أيضا. وللحديث فوائد ذكر المصنف رحمه الله تعالى ~~بعضها فقال PageV03P182 # فيه: من العلم أن المشي من صف إلى صف يليه لا يبطل، وأن حمد الله لأمر ~~يحدث والتنبيه بالتسبيح جائزان، وأن الاستخلاف في الصلاة لعذر جائز من طريق ~~الأولى، لأن قصاراه وقوعها بإمامين اه. ومن فوائد الحديث جواز كون المرء في ~~بعض صلاته إماما، وفي بعضها مأموما. وجواز رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء ~~والثناء. وجواز الالتفات للحاجة، وجواز مخاطبة المصلي بالإشارة، وجواز ~~الحمد والشكر على الوجاهة في الدين. وجواز إمامة المفضول للفاضل. وجواز ~~العمل القليل في الصلاة، وغير ذلك من الفوائد. # وعن عائشة قالت: مرض رسول الله (ص) فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فخرج ~~أبو بكر يصلي فوجد النبي (ص) في نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين، فأراد أبو ~~بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي (ص) أن مكانك، ثم أتيا به حتى جلس إلى جنبه ~~عن يسار أبي بكر وكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يصلي قاعدا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم والناس بصلاة أبي ms1179 بكر متفق عليه. وللبخاري في رواية: # فخرج يهادي بين رجلين في صلاة الظهر. ولمسلم: وكان النبي (ص) يصلي بالناس ~~وأبو بكر يسمعهم التكبير. # قوله: مرض رسول الله (ص) هو مرض موته (ص). # قوله: مروا أبا بكر استدل بهذا على أن الامر بالامر بالشئ يكون أمرا به، ~~كما ذهب إلى ذلك جماعة من أهل الأصول، وأجاب المانعون بأن المعنى بلغوا أبا ~~بكر أني أمرته، والمبحث مستوفى في الأصول. قوله: فخرج أبو بكر فيه حذف دل ~~عليه سياق الكلام والتقدير فأمروه فخرج. وقد ورد مبينا في بعض روايات ~~البخاري بلفظ: فأتاه الرسول فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له ~~عمر: أنت أحق بذلك. قوله: فوجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه خفة. ~~يحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم وجد الخفة في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل ~~ما هو أعم من ذلك. قوله: يهادي بضم أوله وفتح الدال أي يعتمد على الرجلين ~~متمايلا في مشيه من شد الضعف، والتهادي التمايل في المشي البطئ. قوله: بين ~~رجلين في البخاري أنهما العباس بن المطلب وعلي بن أبي طالب سلام الله ~~عليهما. وفي رواية له: أنه خرج بين بريرة وثويبة. قال النووي: ويجمع بين ~~الروايتين بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هاتين، ومن ثم إلى مقام المصلى ~~بين العباس وعلي. أو يحمل على PageV03P183 # التعدد، ويدل على ذلك ما في رواية الدارقطني أنه (ص) خرج بين أسامة بن ~~زيد والفضل بن العباس. قال الحافظ: وأما ما في صحيح مسلم أنه (ص) خرج بين ~~الفضل ابن العباس وعلي، فذلك في حال مجيئه (ص) إلى بيت عائشة. قوله: ثم ~~أتيا به في رواية للبخاري: ثم أتي به. وفي رواية له: أن ذلك كان بأمره ~~ولفظها. فقال: أجلساني إلى جنبه فأجلساه. قوله: عن يسار أبي بكر فيه رد على ~~القرطبي حيث قال: لم يقع في الصحيح بيان جلوسه (ص) ms1180 هل كان عن يمين أبي بكر ~~أو عن يساره؟ قوله: يقتدي أبو بكر بصلاة النبي (ص) فيه أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان إماما وأبو بكر مؤتما به، وقد اختلف في ذلك اختلافا ~~شديدا، كما قال الحافظ، ففي رواية لأبي داود: أن رسول الله (ص) كان المقدم ~~بين يدي أبي بكر. # وفي رواية لابن خزيمة في صحيحه عن عائشة أنها قالت: من الناس من يقول: ~~كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله (ص)، ومنهم من يقول: كان النبي (ص) ~~المقدم. وأخرج ابن المنذر من رواية مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: أن النبي ~~(ص) صلى خلف أبي بكر. وأخرج ابن حبان بلفظ: كان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ~~(ص) والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وأخرج الترمذي والنسائي وابن خزيمة عنها ~~بلفظ: أن النبي (ص) صلى خلف أبي بكر. قال في الفتح: تضافرت الروايات عن ~~عائشة بالجزم بما يدل على أن النبي (ص) كان هو الامام في تلك الصلاة، ثم ~~قال بعد أن ذكر الاختلاف: # فمن العلماء من سلك الترجيح، فقدم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان ~~مأموما للجزم بها في رواية أبي معاوية وهو أحفظ في حديث الأعمش من غيره. ~~ومنهم من عكس ذلك فقدم الرواية التي فيها أنه كان إماما. ومنهم من سلك ~~الجمع فحمل القصة على التعدد، والظاهر من رواية حديث الباب المتفق عليها أن ~~النبي (ص) كان إماما، وأبو بكر مؤتما، لأن الاقتداء المذكور المراد به ~~الائتمام، ويؤيد ذلك رواية مسلم التي ذكرها المصنف بلفظ: وكان النبي (ص) ~~يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير. وقد استدل بحديث الباب القائلون ~~بجواز ائتمام القائم بالقاعد، وسيأتي بسط الكلام في ذلك في باب اقتداء ~~القادر على القيام بالجالس. قوله: وأبو بكر يسمعهم PageV03P184 # التكبير فيه دلالة على جواز رفع الصوت بالتكبير لاسماع المؤتمين، وقد ~~قيل: إن جواز ذلك مجمع عليه، ونقل القاضي عياض عن بعض المالكية أنه يقول ~~ببطلان صلاة المسمع. # باب من صلى في المسجد جماعة ms1181 بعد إمام الحي عن أبي سعيد: أن رجلا دخل ~~المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: من يتصدق على ذا فيصلي معه؟ فقام رجل من القوم فصلى ~~معه. رواه أحمد وأبو داود والترمذي بمعناه. وفي رواية لأحمد: صلى رسول الله ~~(ص) بأصحابه الظهر فدخل رجل وذكره. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن حبان وحسنه الترمذي قال: وفي ~~الباب عن أبي أمامة، وأبي موسى، والحكم بن عمير، انتهى. وأحاديثهم بلفظ: ~~الاثنان فما فوقهما جماعة. قوله: أن رجلا دخل المسجد لفظ أبي داود: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يصلي وحده. قوله: من يتصدق لفظ أبي ~~داود: ألا رجل يتصدق؟. # ولفظ الترمذي: أيكم يتجر على هذا؟. قوله: فقام رجل من القوم فصلى معه هو ~~أبو بكر الصديق كما بين ذلك ابن أبي شيبة. (والحديث) يدل على مشروعية ~~الدخول مع من دخل في الصلاة منفردا، وإن كان الداخل معه قد صلى في جماعة، ~~قال ابن الرفعة: وقد اتفق الكل على أن من رأى شخصا يصلي منفردا لم يلحق ~~الجماعة فيستحب له أن يصلي معه، وإن كان قد صلى في جماعة، وقد استدل الترمذ ~~بهذا الحديث على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه، قال: وبه ~~يقول أحمد وإسحاق، وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان ~~ومالك وابن المبارك والشافعي انتهى. قال البيهقي: وقد حكى ابن المنذر ~~كراهية ذلك عن سالم بن عبد الله وأبي قلابة وابن عون وأيوب والبتي والليث ~~بن سعد والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقد استدل بهذا الحديث أيضا على أن من صلى ~~جماعة ثم رأى جماعة يصلون يستحب له أن يصليها معهم، وقد تقدم البحث عن ذلك. ~~واستدل به أيضا على أن أقل الجماعة اثنان، وعلى أنها غير واجبة لعدم إنكاره ~~على الرجل المتأخر عنها لما دخل وحده، وقد قدمنا الكلام على ذلك، والحديث ~~من مخصصات حديث: لا تعاد صلاة في ms1182 يوم مرتين كما تقدم. PageV03P185 # باب المسبوق يدخل مع الامام على أي حال كان ولا يعتد بركعة لا يدرك ~~ركوعها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إذا جئتم إلى الصلاة ونحن ~~سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة رواه أبو ~~داود. وعن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: من أدرك ركعة من الصلاة مع الامام ~~فقد أدرك الصلاة أخرجاه. وعن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول ~~الله (ص): إذا أتى أحدكم الصلاة والامام على حال فليصنع كما يصنع الامام ~~رواه الترمذي. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: # صحيح. والحديث الثاني عزاه المصنف إلى الشيخين، وقد طول الحافظ الكلام ~~عليه في التلخيص فليراجع. والحديث الثالث قال في التلخيص: فيه ضعف وانقطاع. ~~قوله: # فاسجدوا فيه مشروعية السجود مع الامام لمن أدركه ساجدا. قوله: ولا تعدوها ~~شيئا بضم العين وتشديد الدال أي وافقوه في السجود، ولا تجعلوا ذلك ركعة. ~~قوله: ومن أدرك الركعة قيل: المراد بها هنا الركوع، وكذلك قوله في حديث أبي ~~هريرة: من أدرك ركعة من الصلاة فيكون مدرك الامام راكعا مدركا لتلك الركعة، ~~وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقد بسطنا الكلام في ذلك في باب ما جاء في قراءة ~~المأموم وإنصاته، وبينا ما نظنه الصواب. قوله: فقد أدرك الصلاة قال ابن ~~رسلان: المراد بالصلاة هنا الركعة، أي صحت له تلك الركعة وحصل له فضيلتها ~~انتهى. قوله: فليصنع كما يصنع الامام فيه مشروعية دخول اللاحق مع الامام في ~~أي جزء من أجزاء الصلاة أدركه، من غير فرق بين الركوع والسجود والقعود ~~لظاهر قوله: والامام على حال والحديث وإن كان فيه ضعف كما قال الحافظ لكنه ~~يشهد له ما عند أحمد وأبي داود من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ قال: أحيلت ~~الصلاة ثلاثة أحوال فذكر الحديث وفيه: فجاء معاذ فقال: # لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد ~~سبقه النبي ms1183 صلى الله غليه وسلم صلاته قام يقضى، فقال رسول الله (ص): قد سن ~~لكم معاذ PageV03P186 # فهكذا فاصنعوا. وابن أبي ليلى وإن لم يسمع من معاذ فقد رواه أبو داود من ~~وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابنا: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فذكر الحديث وفيه فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت ~~عليها الحديث، ويشهد له أيضا ما رواه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار ~~مرفوعا: من وجدني راكعا أو قائما أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا ~~عليها. وما أخرجه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة مثل لفظ ابن أبي ~~شيبة، والظاهر أنه يدخل معه في الحال التي أدركه عليها مكبرا معتدا بذلك ~~التكبير، وإن لم يعتد بما أدركه من الركعة كمن يدرك الامام في حال سجوده أو ~~قعوده. وقالت الهادوية: أنه يقعد ويسجد مع الامام ولا يحرم بالصلاة، ومتى ~~قام الامام أحرم، واستدلوا بقوله في حديث أبي هريرة: ولا تعدوها شيئا وأجيب ~~عن ذلك بأن عدم الاعتداد المذكور لا ينافي الدخول بالتكبير والاكتفاء به. # باب المسبوق يقضي ما فاته إذا سلم إمامه من غير زيادة عن المغيرة بن شعبة ~~قال: تخلفت مع رسول الله (ص) في غزوة تبوك فتبرز وذكر وضوءه، ثم عمد الناس ~~وعبد الرحمن يصلي بهم فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن ~~قام رسول الله (ص) يتم صلاته، فلما قضاها أقبل عليهم فقال: قد أحسنتم ~~وأصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها متفق عليه. # ورواه أبو داود قال فيه: فلما سلم قام النبي (ص) فصلى الركعة التي سبق ~~بها لم يزد عليها شيئا. قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن ~~عمر يقولون: # من أدرك الفرد من الصلاة، عليه سجدتا السهو. # قوله: في غزوة تبوك. هي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بنفسه وذلك في سنة تسع من الهجرة. قوله: وذكر وضوءه قد تقدم في باب ~~المعاونة في ms1184 الوضوء وفي باب اشتراط الطهارة قبل اللبس. قوله: ثم عمد الناس ~~بفتح العين المهملة والميم بعدها دال مهملة أي قصد، والناس مفعول به. قوله: ~~وعبد الرحمن يصلي بهم جملة حالية، وفيه دليل على أنه إذا خيف فوت وقت ~~الصلاة أو فوت الوقت المختار منها لم ينتظر الامام وإن كان فاضلا. وفيه ~~أيضا: أن فضيلة أول الوقت لا يعادلها فضيلة الصلاة مع الإمام الفاضل في ~~غيره. قوله: يصلي بهم يعني صلاة الفجر كما وقع مبينا في سنن PageV03P187 # أبي داود. قوله: صلى مع الناس الركعة الأخيرة فيه فضيلة لعبد الرحمن بن ~~عوف، إذ قدمه الصحابة لأنفسهم في صلاتهم بدلا من نبيهم، وفيه فضيلة أخرى له ~~وهي اقتداؤه صلى الله عليه وآله وسلم به. وفيه جواز ائتمام الامام أو ~~الوالي برجل من رعيته، وفيه أيضا تخصيص لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~يؤمن أحد في سلطانه إلا بإذنه يعني أو إلا أن يخاف خروج أول الوقت. قوله: ~~يتم صلاته فيه متمسك لمن قال: إن ما أدركه المؤتم مع الامام أول صلاته وقد ~~تقدم الكلام على ذلك. قوله: قد أصبتم وأحسنتم فيه جواز الثناء على من بادر ~~إلى أداء فرضه وسارع إلى عمل ما يجب عليه عمله. قوله: # يغبطهم فيه أن الغبط جائزة، وأنها مغايرة للحسد المذموم. قوله: لم يزد ~~عليها شيئا أي لم يسجد سجدتي السهو، فيه دليل لمن قال: ليس على المسبوق ~~ببعض الصلاة سجود، قال ابن رسلان: وبه قال أكثر أهل العلم، ويؤيد ذلك قوله ~~(ص): وما فاتكم فأتموا. وفي رواية: فاقضوا ولم يأمر بسجود سهو. وذهب جماعة ~~من أهل العلم منهم من ذكر المصنف راويا عن أبي داود، ومنهم عطاء وطاوس ~~ومجاهد وإسحاق، إلى أن كل من أدرك وترا من صلاة إمامه فعليه أن يسجد للسهو، ~~لأنه يجلس للتشهد مع الامام في غير موضع الجلوس، ويجاب عن ذلك بأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم جلس خلف عبد الرحمن ولم يسجد ولا أمر به المغيرة، ~~وأيضا ليس السجود إلا ms1185 للسهو، ولا سهو هنا، وأيضا متابعة الامام واجبة، فلا ~~يسجد لفعلها كسائر الواجبات. # باب من صلى ثم أدرك جماعة فليصلها معهم نافلة فيه عن أبي ذر وعبادة ويزيد ~~بن الأسود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سبق. وعن محجن بن الأدرع ~~قال: أتيت النبي (ص) وهو في المسجد فحضرت الصلاة فصلى يعني ولم أصل، فقال ~~لي: ألا صليت؟ قلت: يا رسول الله إني قد صليت في الرحل ثم أتيتك، قال: فإذا ~~جئت فصل معهم واجعلها نافلة رواه أحمد. وعن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت ~~على ابن عمر وهو بالبلاط والقوم يصلون في المسجد فقلت: # ما يمنعك أن تصلي مع الناس؟ قال: إني سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تصلوا ~~صلاة في يوم مرتين رواه أحمد وأبو داود والنسائي. PageV03P188 # حديث أبي ذر وحديث عبادة اللذين أشار إليهما المصنف تقدما في باب بيان أن ~~من أدرك بعض الصلاة في الوقت فإنه يتمها من أبواب الأوقات. وحديث يزيد بن ~~الأسود تقدم في باب الرخصة في إعادة الجماعة. وحديث محجن أخرجه أيضا مالك ~~في الموطأ والنسائي وابن حبان والحاكم. وحديث ابن عمر أخرجه أيضا مالك في ~~الموطأ، وابن خزيمة وابن حبان. (وفي الباب) أحاديث قدمنا ذكرها في باب ~~الرخصة في إعادة الجماعة. (وحديث) محجن وما قبله من الأحاديث التي أشار ~~إليها المصنف تدل على مشروعية الدخول في صلاة الجماعة لمن كان قد صلى تلك ~~الصلاة، ولكن ذلك مقيد بالجماعات التي تقام في المساجد لما في حديث يزيد بن ~~الأسود المتقدم بلفظ: ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا. وقد وقع الخلاف بين أهل ~~العلم هل الصلاة المفعول مع الجماعة هي الفريضة أم الأولى؟ وقد قدمنا بسط ~~الكلام في ذلك في باب الرخصة في إعادة الجماعة، وقدمنا أيضا أن أحاديث ~~مشروعية الدخول في الجماعة مخصصة لعموم أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر ~~وبعد الفجر، لما تقدم في حديث يزيد بن الأسود أن ذلك كان في صلاة الصبح، ~~وقدمنا أيضا أن أحاديث الدخول مع الجماعة مخصصة ms1186 لحديث ابن عمر المذكور في ~~الباب. قوله: وهو بالبلاط هو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق ~~بالمدينة كما تقدم. قوله: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين لفظ النسائي: لا تعاد ~~الصلاة في يوم مرتين وقد تمسك بهذا الحديث القائلون إن من صلى في جماعة ثم ~~أدرك جماعة لا يصلي معهم كيف كانت، لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة وقد ~~حصلت له، وهو مروي عن الصيدلاني والغزالي وصاحب المرشد، قال في الاستذكار: ~~اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله (ص): لا تصلوا صلاة ~~في يوم مرتين أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ ~~منها فيعيدها على جهة الفرض أيضا، وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها ~~نافلة اقتداء بالنبي (ص) في أمره بذلك فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم ~~مرتين، لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذ. # باب الاعذار في ترك الجماعة عن ابن عمر عن النبي (ص) أنه كان يأمر ~~المنادي فينادي PageV03P189 # بالصلاة ينادي صلوا في رحالكم في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة في ~~السفر متفق عليه. # وعن جابر قال: خرجنا مع رسول الله (ص) في سفر فمطرنا فقال: ليصل من شاء ~~منكم في رحله رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن ابن عباس أنه ~~قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على ~~الصلاة قل صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: أتعجبون من ~~ذا، فقد فعل ذا من هو خير مني يعني النبي (ص)، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت ~~أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض متفق عليه ولمسلم: أن ابن عباس أمر مؤذنه ~~في يوم جمعة في يوم مطير بنحوه. # وفي الباب عن سمرة عند أحمد. وعن أسامة عند أبي داود والنسائي. وعن عبد ~~الرحمن بن سمرة أشار إليه الترمذي. وعن عتبان بن مالك عند الشيخين والنسائي ~~وابن ماجة. # وعن نعيم النحام عند أحمد. وعن أبي هريرة ms1187 عند ابن عدي في الكامل. وعن ~~صحابي لم يسم عند النسائي. قوله: يأمر المنادي في رواية للبخاري ومسلم: ~~يأمر المؤذن وفي رواية للبخاري: يأمر مؤذنا. قوله: ينادي صلوا في رحالكم في ~~رواية للبخاري: ثم يقول على أثره يعني أثر الاذان: ألا صلوا في الرحال، وهو ~~صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الاذان. وفي رواية لمسلم بلفظ: في ~~آخر ندائه قال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد في آخره قبل الفراغ منه جمعا ~~بينه وبين حديث ابن عباس المذكور في الباب، وحمل ابن خزيمة حديث ابن عباس ~~على ظاهره وقال: إنه يقال ذلك بدلا من الحيعلة نظرا إلى المعنى، لأن معنى ~~حي على الصلاة هلموا إليها، ومعنى الصلاة في الرحال تأخروا عن المجئ، فلا ~~يناسب إيراد اللفظين معا، لان أحدهما نقيض الآخر. قال الحافظ: ويمكن الجمع ~~بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد ~~أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو بحمل ~~المشقة. ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فمطرنا فقال: ليصل من شاء منكم في رحله. قوله: في رحالكم ~~قال أهل اللغة: الرحل المنزل وجمعه رحال، سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو ~~وبر أو صوف أو شعر أو غير ذلك. قوله: # في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة في رواية للبخاري: في الليلة ~~الباردة أو المطيرة PageV03P190 # وفي أخرى له: إذا كانت ليلة ذات برد ومطر. وفي صحيح أبي عوانة: ليلة ~~باردة أو ذات مطر أو ذات ريح وفيه أن كلا من الثلاثة عذر في التأخر عن ~~الجماعة، ونقل ابن بطال فيه الاجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح ~~عذر في الليل فقط. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، وفي السنن من طريق ~~أبي إسحاق عن نافع في هذا الحديث في الليلة المطيرة والغداة القرة، وفيها ~~بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا ms1188 يوما فرخص لهم. وكذلك ~~في حديث ابن عباس المذكور في الباب في يوم مطير. قال الحافظ: ولم أر في شئ ~~من الأحاديث الترخيص لعذر الريح في النهار صريحا. قوله: ليصل من شاء منكم ~~في رحله فيه التصريح بأن الصلاة في الرحال لعذر المطر ونحوه رخصة وليست ~~بعزيمة. قوله: في يوم مطير في رواية للبخاري: في يوم رزغ بفتح الراء وسكون ~~الزاي بعدها غين معجمة. قال في المحكم: الرزغ الماء القليل، وقيل: إنه طين ~~ووحل، وفي رواية له ولابن السكن في يوم ردغ بالدال بدل الزاي. قوله: إذا ~~قلت: أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم ~~في رواية للبخاري: فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة، فأمره أن ينادي: الصلاة ~~في الرحال. وفيه دليل على أن المؤذن في يوم المطر ونحوه من الاعذار لا يقول ~~حي على الصلاة، بل يجعل مكانها صلوا في بيوتكم، وبوب على حديث ابن عباس هذا ~~ابن خزيمة، وتبعه ابن حبان، ثم المحب الطبري باب حذف حي على الصلاة. قوله: ~~إن الجمعة عزمة بسكون الزاي ضد الرخصة. قوله: أن أحرجكم بالحاء المهملة ثم ~~راء ثم جيم. وفي رواية: أن أخرجكم بالخاء المعجمة. وفي رواية في البخاري: ~~أن أؤثمكم وهي ترجح رواية من روى بالحاء المهملة. قوله: فتمشوا في رواية: ~~فتجيئون فتدوسون الطين إلى ركبكم. (والأحاديث) المذكورة تدل على الترخيص في ~~الخروج إلى الجماعة والجمعة عند حصول المطر وشدة البرد والريح. # وعن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان أحدكم على ~~الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة رواه البخاري. # وعن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا صلاة بحضرة ~~طعام ولا وهو يدافع الأخبثين رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن أبي ~~PageV03P191 # الدرداء قال: من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه ~~فارغ ذكره البخاري في صحيحه. # وفي الباب عن أنس عند الشيخين والترمذي والنسائي. وعن سلمة ms1189 بن الأكوع عند ~~أحمد والطبراني في معجميه، وفي إسناده أيوب بن عتبة قاضي اليمامة ضعفه ~~الجمهور. # وعن أم سلمة عند أحمد وأبي يعلى والطبراني في الكبير وإسناده جيد. وعن ~~ابن عباس عند الطبراني في الكبير أيضا وإسناده حسن. وعن أبي هريرة عند ~~الطبراني في الصغير والأوسط، وقد تقدم الكلام على الصلاة بحضرة الطعام، ~~وذكر من ذهب إلى وجوب تقديم الاكل على الصلاة، ومن قال إنه مندوب فقط، ومن ~~قيد ذلك بالحاجة ومن لم يقيد، وما هو الحق في باب تقديم العشاء إذا حضر على ~~تعجيل صلاة المغرب من أبواب الأوقات فليرجع إلى هنالك. # أبواب الإمامة وصفة الأئمة باب من أحق بالإمامة عن أبي سعيد قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم ~~بالإمامة أقرؤهم رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، ~~فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، ~~فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا، ولا يؤمن الرجل الرجل ~~في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه وفي لفظ: لا يؤمن الرجل ~~الرجل في أهله ولا سلطانه. # وفي لفظ: سلما بدل سنا روى الجميع أحمد ومسلم. ورواه سعيد بن منصور لكن ~~قال فيه: لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في ~~بيته إلا بإذنه. # قوله: إذا كانوا ثلاثة مفهوم العدد هنا غير معتبر لما سيأتي في حديث مالك ~~بن الحويرث. # قوله: وأحقهم بالإمامة أقرؤهم. وقوله في الحديث الآخر: يؤم القوم أقرؤهم ~~فيه PageV03P192 # حجة لمن قال: يقدم في الإمامة الأقرأ على الأفقه، وإليه ذهب الأحنف بن ~~قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحابهما. وقال الشافعي ~~ومالك وأصحابهما والهادوية: الأفقه مقدم على الأقرأ. قال النووي: لأن الذي ~~يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد ~~يعرض في ms1190 الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه، وأجابوا ~~عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. # قال الشافعي: المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم، فإنهم ~~كانوا يسلمون كبارا ويتفقهون قبل أن يقرؤوا، فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو ~~فقيه، وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ لكن قال النووي وابن سيد الناس: أن ~~قوله في الحديث: فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة دليل على تقديم ~~الأقرأ مطلقا، وبه يندفع هذا الجواب عن ظاهر الحديث، لأن التفقه في أمور ~~الصلاة لا يكون إلا من السنة، وقد جعل القارئ مقدما على العالم بالسنة، ~~وأما ما قيل من أن الأكثر حفظا للقرآن من الصحابة أكثر فقها فهو وإن صح ~~باعتبار مطلق الفقه لا يصح باعتبار الفقه في أحكام الصلاة، لأنها بأسرها ~~مأخوذة من السنة قولا وفعلا وتقريرا، وليس في القرآن إلا الامر بها على جهة ~~الاجمال، وهو مما يستوي في معرفته القارئ للقرآن وغيره. وقد اختلف في ~~المراد من قوله: يؤم القوم أقرؤهم فقيل: المراد أحسنهم قراءة وإن كان أقلهم ~~حفظا. وقيل: # أكثرهم حفظا للقرآن، ويدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ~~رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة قال: انطلقت مع أبي إلى النبي (ص) بإسلام ~~قومه، فكان فيما أوصانا: ليؤمكم أكثركم قرآنا فكنت أكثرهم قرآنا فقدموني. ~~وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود والنسائي، وسيأتي في باب ما جاء في إمامة ~~الصبي. قوله: فإن كانوا في القراءة سواء أي استووا في القدر المعتبر منها، ~~إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها على القولين، ولفظ مسلم: فإن كانت ~~القراءة واحدة. قوله: فأعلمهم بالسنة فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من ~~المزايا الدينية. قوله: فأقدمهم هجرة الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص ~~بالهجرة في عصره (ص)، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك ~~الأحاديث وقال به الجمهور. وأما حديث: لا هجرة بعد الفتح فالمراد به الهجرة ~~من مكة إلى المدينة، ms1191 أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل PageV03P193 # الهجرة قبل الفتح، وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث. قال النووي: ~~وأولاد من تقدمت هجرته من المهاجرين أولى من أولاد من تأخرت هجرته، وليس في ~~الحديث ما يدل على ذلك. قوله: فأقدمهم سنا أي يقدم في الإمامة من كبر سنه ~~في الاسلام لأن ذلك فضيلة يرجح بها. والمراد بقوله: سلما في الرواية التي ~~ذكرها المصنف الاسلام، فيكون من تقدم إسلامه أولى ممن تأخر إسلامه. وجعل ~~البغوي أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل ~~عليه. قوله: ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه قال النووي: معناه أن صاحب ~~البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره. قال ابن رسلان: لأنه موضع سلطنته ~~انتهى. والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس لا صاحب ~~البيت ونحوه، ويدل على ذلك ما في رواية أبي داود بلفظ: ولا يؤم الرجل في ~~بيته ولا في سلطانه وظاهره أن السلطان مقدم على غيره، وإن كان أكثر منه ~~قرآنا وفقها وورعا وفضلا، فيكون كالمخصص لما قبله. قال أصحاب الشافعي: ~~ويقدم السلطان أو نائبه على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما، لان ولايته ~~وسلطنته عامة. قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. قوله: # على تكرمته قال النووي وابن رسلان: بفتح التاء وكسر الراء الفراش ونحوه ~~مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به دون أهله. وقيل: هي الوسادة في معناها ~~السرير ونحوه. # وعن مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي (ص) أنا وصاحب لي، فلما أردنا ~~الأقفال من عنده قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما. # رواه الجماعة. ولأحمد ومسلم: وكانا متقاربين في القراءة. ولأبي داود: ~~وكنا يومئذ متقاربين في العلم. # قوله: فلما أردنا الأقفال هو مصدر أقفل أي رجع. وفي رواية للبخاري أن ~~مالك بن الحويرث قال: قدمنا على النبي (ص) ونحن شببة فلبثنا عنده نحوا من ~~عشرين ليلة، وكان النبي (ص) رحيما فقال: لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتوهم. ~~قوله: وليؤمكما أكبركما. ms1192 فيه متمسك لمن قال بوجوب الجماعة، وقد ذكرنا فيما ~~تقدم ما يدل على صرفه إلى الندب، وظاهره أن المراد كبر السن. ومنهم من جوز ~~أن يكون مراده بالكبر ما هو أعم من السن والقدر، وهو مقيد بالاستواء في ~~القراءة PageV03P194 # والفقه كما في الروايتين الأخريين. وقد زعم بعضهم أنه معارض لقوله: يؤم ~~القوم أقرؤهم ثم جمع بأن قصة مالك بن الحويرث واقعة عين غير قابلة للعموم، ~~بخلاف قوله (ص): يؤم القوم أقرؤهم والتنصيص على تقاربهم في القراءة والعلم ~~يرد عليه. قوله: وكنا يومئذ متقاربين في العلم قال في الفتح: أظن في هذه ~~الرواية إدراجا، فإن ابن خزيمة رواه من طريق إسماعيل بن علية عن خالد قال: ~~قلت لأبي قلابة: # فأين القراءة؟ قال: فإنهما كانا متقاربين، ثم ذكر ما يدل على عدم ~~الادراج. # وعن مالك بن الحويرث قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ~~زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم رواه الخمسة، إلا ابن ماجة، وأكثر أهل ~~العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان لقوله (ص) في حديث أبي ~~مسعود: إلا بإذنه. ويعضده عموم ما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة: عبد أدى حق الله وحق ~~مواليه، ورجل أم قوما وهم به راضون، ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل ليلة ~~رواه الترمذي. # وعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يؤم قوما إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم رواه ~~أبو داود. # أما حديث مالك بن الحويرث فحسنه الترمذي وفي إسناده أبو عطية، قال أبو ~~حاتم: # لا يعرف ولا يسمى، ويشهد له حديث ابن مسعود عند الطبراني بإسناد صحيح. ~~والأثرم بلفظ: من السنة أن يتقدم صاحب البيت وأخرجه أحمد في مسنده، وحديث ~~عبد الله بن حنطب عند البزار والطبراني قال: قال رسول الله (ص): الرجل أحق ~~بصدر فراشه، وأحق بصدر دابته، وأحق أن يؤم ms1193 في بيته. وما تقدم من حديث أبي ~~مسعود عند أبي داود بلفظ: ولا يؤم الرجل في بيته. وأما حديث أبي مسعود الذي ~~أشار إليه المصنف فقد تقدم في أول الباب. وأما حديث ابن عمر فقد حسنه ~~الترمذي وفي إسناده أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي وهو ضعيف، ضعفه أحمد ~~وغيره، وتركه ابن مهدي، وقد أخرجه أيضا أحمد. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ~~أبو داود من رواية ثور عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن وكلهم ~~ثقات، عن أبي هريرة عن النبي (ص). وأخرجه أيضا الترمذي بهذا الاسناد عن ~~ثوبان، ولكن PageV03P195 # لفظه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يحل لامرئ أن ~~ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قوما فيخص نفسه ~~بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن. وقال: حديث ~~حسن، ثم قال: وقد روى هذا الحديث عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي ~~(ص)، وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسنادا ~~وأشهر انتهى. وأخرجه أيضا أحمد عن أبي أمامة وفيه: ولا يؤمن قوما فيخص نفسه ~~بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم. ورواه الطبراني أيضا بلفظ: ومن صلى بقوم ~~فخص نفسه بدعوة دونهم فقد خانهم. وفي حديث أبي أمامة اختلاف ذكره ~~الدارقطني. قوله: # من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم فيه أن المزور أحق بالإمامة من ~~الزائر، وإن كان أعلم أو أقرأ من المزور. قال الترمذي: والعمل على هذا عند ~~أكثر أهل العلم من أصحاب النبي (ص) وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق ~~بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به. ~~وقال إسحاق: لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له، قال: وكذلك في المسجد إذ ~~زارهم يقول: ليصل بهم رجل منهم انتهى. وقد حكى المصنف عن أكثر أهل العلم ~~أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن ms1194 رب المكان، واستدل بما ذكره، وقد عرفت مما ~~سلف أن أبا داود زاد في حديث أبي مسعود: ولا يؤم الرجل في بيته فيصلح حينئذ ~~قوله في آخر حديثه: إلا بإذنه لتقييد جميع الجمل المذكورة فيه التي من ~~جملتها قوله: ولا يؤم الرجل في بيته على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول، ~~وقال به الشافعي وأحمد قالا: ما لم يقم دليل على اختصاص القيد ببعض الجمل. ~~ويعضد التقييد بالاذن عموم قوله في حديث ابن عمر وهم به راضون. وقوله في ~~حديث أبي هريرة: إلا بإذنهم كما قال المصنف، فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر ~~عند رضا المزور. قال العراقي: ويشترط أن يكون المزور أهلا للإمامة، فإن لم ~~يكن أهلا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلا، والأمي في صورة كون الزائر ~~قارئا ونحوهما فلا حق له في الإمامة. PageV03P196 # باب إمامة الأعمى والعبد والمولى عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى رواه أحمد ~~وأبو داود. وعن محمود بن الربيع: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى ~~وأنه قال: يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر فصل ~~يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذ مصلى؟ # فجاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار ~~إلى مكان في البيت فصلى فيه رسول الله (ص) رواه بهذا اللفظ البخاري ~~والنسائي. # حديث أنس أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى، والطبراني عن عائشة، ~~وأخرجه أيضا الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس، وأخرجه أيضا من حديث ابن ~~بحينة وفي إسناده الواقدي. (وفي الباب) عن عبد الله بن عمر الخطمي أنه كان ~~يؤم قومه بني خطمة وهو أعمى على عهد رسول الله (ص)، أخرجه الحسن بن سفيان ~~في مسنده وابن أبي خيثمة. قوله: يصلي بهم وهو أعمى فيه جواز إمامة الأعمى، ~~وقد صرح أبو إسحاق المروزي والغزالي بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير ms1195 ~~لأنه أكثر خشوعا من البصير، لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات، ورجح ~~البعض أن إمامة الأعمى البصير أولى لأنه أشد توقيا للنجاسة والذي فهمه ~~الماوردي من نص الشافعي أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهية، لأن ~~في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل، لأن أكثر من جعله النبي (ص) ~~إماما البصراء، وأما استنابته صلى الله عليه وآله وسلم لابن أم مكتوم في ~~غزواته فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن ~~في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان ~~الجواز. وأما إمامة عتبان ابن مالك لقومه فلعله أيضا لم يكن في قومه من هو ~~في مثل حاله من البصراء. قوله: كان يؤم قومه وهو أعمى في رواية للبخاري: # أنه قال للنبي (ص): يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي. # وهو أصرح من اللفظ الذي ذكره المصنف في الدلالة على المطلوب لما فيه من ~~ظهور التقرير بدون احتمال. قوله: وأنا رجل ضرير البصر في رواية للبخاري: ~~جعل PageV03P197 # بصري يكل. وفي أخرى: قد أنكرت بصري. ولمسلم: أصابني في بصري بعض الشئ ~~واللفظ الذي ذكره المصنف أخرجه البخاري في باب الرخصة في المطر، وهو يدل ~~على أنه قد كان أعمى. وبقية الروايات تدل على أنه لم يكن قد بلغ إلى حد ~~العمى. # وفي رواية لمسلم بلفظ: أنه عمي فأرسل وقد جمع بين الروايات بأنه أطلق ~~عليه العمى لقربه منه ومشاركته له في فوات بعض البصر المعهود في حال الصحة، ~~وأما قول محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، فالمراد ~~أنه لقيه حين سمع منه الحديث وهو أعمى. قوله: مكانا هو منصوب على الظرفية. ~~(وفي حديث عتبان) فوائد منها إمامة الأعمى، وإخبار المرء عن نفسه بما فيه ~~من عاهة، والتخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، واتخاذ موضع معين للصلاة، ~~وإمامة الزائر إذا كان هو الامام الأعظم، والتبرك بالمواضع التي صلى فيها ~~(ص)، وإجابة ms1196 الفاضل دعوة المفضول وغير ذلك. # وعن ابن عمر: لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة موضعا بقباء قبل ~~مقدم النبي (ص) كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا، وكان ~~فيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد رواه البخاري وأبو داود. # وعن ابن أبي مليكة: أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وعبيد بن ~~عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة، وأبو عمرو ~~غلامها حينئذ لم يعتق رواه الشافعي في مسنده. # ذكر الحافظ في التلخيص رواية ابن أبي مليكة ونسبها إلى الشافعي كما نسبها ~~المصنف، وذكر في الفتح أنها رواها أيضا عبد الرزاق، قال: وروى ابن أبي شيبة ~~في المصنف عن وكيع عن هشام عن أبي بكر بن أبي مليكة أن عائشة أعتقت غلاما ~~لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف. وعلقه البخاري. قوله: قدم ~~المهاجرون الأولون أي من مكة إلى المدينة، وبه صرح في رواية الطبراني. ~~قوله: العصبة بالعين المهملة المفتوحة، وقيل مضمومة وإسكان الصاد المهملة ~~وبعدها موحدة اسم مكان بقباء. وفي النهاية عن بعضهم: بفتح العين والصاد ~~المهملتين، قيل: والمعروف المعصب بالتشديد. قوله: وكان يؤمهم سالم مولى أبي ~~حذيفة هو مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق، ~~وإنما قيل له مولى أبي حذيفة لأنه لازم أبا حذيفة بعد أن أعتق فتبناه، فلما ~~نهوا عن ذلك قيل له مولاه. واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر. قوله: ~~وكان PageV03P198 # أكثرهم قرآنا إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه. وفي رواية ~~للطبراني: # لأنه كان أكثرهم قرآنا. قوله: وكان فيهم عمر بن الخطاب الخ، زاد البخاري ~~في الاحكام: أبا بكر الصديق، وزيد بن حارثة، وعامر بن ربيعة. واستشكل ذكر ~~أبي بكر فيهم إذ في الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبي (ص) وأبو بكر كان ~~رفيقه. ووجهه البيهقي باحتمال أن يكون سالم المذكور استقر على الصلاة بهم ~~فيصح ذكر أبي بكر. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. وقد ms1197 استدل المصنف رحمه ~~الله بإمامة سالم بهؤلاء الجماعة على جواز إمامة العبد. ووجه الدلالة عليه ~~إجماع أكابر الصحابة القرشيين على تقديمه، وكذلك استدل بإمامة مولى عائشة ~~لأولئك لمثل ذلك. # باب ما جاء في إمامة الفاسق عن جابر عن النبي (ص) قال: لا تؤمن امرأة ~~رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف ~~سيفه أو سوطه رواه ابن ماجة. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم ~~فيما بينكم وبين ربكم رواه الدارقطني. وعن مكحول عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله (ص): الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا، والصلاة ~~واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر رواه أبو داود ~~والدارقطني بمعناه. وقال مكحول: لم يلق أبا هريرة. وعن عبد الكريم البكاء ~~قال: أدركت عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يصلي خلف ~~أئمة الجور رواه البخاري في تاريخه. # حديث جابر في إسناده عبد الله بن محمد التميمي وهو تالف. قال البخاري: ~~منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال وكيع: يضع الحديث، ~~وقد تابعه عبد الملك بن حبيب في الواضحة، ولكنه متهم بسرقة الحديث وتخليط ~~الأسانيد، وقد صرح ابن عبد البر بأن عبد الملك المذكور أفسد إسناد هذا ~~الحديث، وقد ثبت في كتب جماعة من أئمة أهل البيت كأحمد بن عيسى، والمؤيد ~~بالله، وأبي طالب، وأحمد بن سليمان، والأمير الحسين، وغيرهم عن علي عليه ~~السلام مرفوعا: لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه. وفي إسناد حديث جابر أيضا علي ~~بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وحديث PageV03P199 # ابن عباس في إسناده سلام بن سليمان المدائني وهو ضعيف. وحديث أبي هريرة ~~أخرجه أيضا البيهقي وهو منقطع، وأخرجه ابن حبان في الضعفاء وفي إسناده عبد ~~الله بن محمد بن يحيى ابن عروة وهو متروك. وأخرجه الدارقطني أيضا من حديث ~~الحرث عن علي عليه السلام، ومن حديث علقمة والأسود عن عبد ms1198 الله، ومن حديث ~~مكحول أيضا عن واثلة، ومن حديث أبي الدرداء من طرق كلها كما قال الحافظ ~~واهية جدا، قال العقيلي: ليس في هذا المتن إسناد يثبت. ونقل ابن الجوزي عن ~~أحمد أنه سئل عنه فقال: # ما سمعناه بهذا. وقال الدارقطني: ليس فيها شئ يثبت. قال الحافظ: وللبيهقي ~~في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبي ~~هريرة على إرساله. وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر، وأما قول عبد ~~الكريم البكاء أنه أدرك عشرة من أصحاب النبي الخ فهو ممن لا يحتج بروايته، ~~وقد استوفى الكلام عليه في الميزان، ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من ~~بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعا فعليا، ولا يبعد أن يكون قوليا ~~على الصلاة خلف الجائرين، لأن الامراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات ~~الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير، وكانت ~~الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى. وقد أخرج البخاري ~~عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف. وأخرج مسلم وأهل السنن أن أبا ~~سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، ~~وإخراج منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنكار بعض الحاضرين. وأيضا قد ~~ثبت تواترا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء ~~يميتون الصلاة ميتة الأبدان ويصلونها لغير وقتها فقالوا: يا رسول الله بما ~~تأمرنا؟ فقال: صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة. ولا شك ~~أن من أمات الصلاة وفعلها في غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبي (ص) بالصلاة ~~خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك. ومما يؤيد عدم اشتراط ~~عدالة إمام الصلاة حديث: صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلوا على من ~~قال: لا إله إلا الله. أخرجه الدارقطني وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، ~~كذبه يحيى بن معين، ورواه أيضا من وجه آخر ms1199 عنه وفي إسناده خالد بن إسماعيل ~~وهو متروك، ورواه أيضا من وجه آخر عنه وفي إسناده أبو الوليد المخزومي وقد ~~خفي حاله أيضا على الضياء المقدسي، وتابعه أبو البختري وهب PageV03P200 # بن وهب وهو كذاب. ورواه أيضا والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عمر وفيه ~~محمد بن الفضل وهو متروك، وله طريق أخرى عند ابن عمرو فيها عثمان بن عبد ~~الله العثماني وقد رماه ابن عدي بالوضع. ومما يؤيد ذلك أيضا عموم أحاديث ~~الامر بالجماعة من غير فرق بين أن يكون الامام برا أو فاجرا. (والحاصل) أن ~~الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، وقد اعتضد ~~هذا الأصل بما ذكر المصنف وذكرنا من الأدلة، وبإجماع الصدر الأول عليه، ~~وتمسك الجمهور من بعدهم به، فالقائل بأن العدالة شرط كما روي عن العترة ~~ومالك وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل ينقل عن ذلك الأصل، وقد ~~أفردت هذا البحث برسالة مستقلة، واستوفيت فيها الكلام على ما ظنه القائلون ~~بالاشتراط دليلا من العمومات القرآنية وغيرها، ولهم متمسك على اشتراط ~~العدالة لم أقف على أحد استدل به ولا تعرض له، وهو ما أخرجه أبو داود وسكت ~~عنه هو والمنذري عن السائب بن خلاد: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا أم قوما فبصق في القبلة ~~ورسول الله (ص) ينظر إليه، فقال رسول الله (ص) حين فرغ: لا يصلي لكم، فأراد ~~بعد ذلك أن يصلي بهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذكر ذلك لرسول الله (ص) فقال: نعم. قال الراوي حسبت أنه قال له: إنك آذيت ~~الله ورسوله. (واعلم) أن محل النزاع إنما هو في صحة الجماعة خلف من لا ~~عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك كما في البحر. وقد أخرج الحاكم ~~في ترجمة مرثد الغنوي عنه (ص): إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم ~~فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. ويؤيد ذلك حديث ابن عباس المذكور في ~~الباب. ms1200 # وله: لا تؤمن امرأة رجلا فيه أن المرأة لا تؤم الرجل، وقد ذهب إلى ذلك ~~العترة والحنفية والشافعية وغيرهم، وأجاز المزني وأبو ثور والطبري إمامتها ~~في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن. ويستدل للجواز بحديث أم ورقة: أن ~~النبي (ص) أمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة، وأخرجه ~~أيضا الدارقطني والحاكم. وأصل الحديث: أن رسول الله (ص) لما غزا بدرا قالت: ~~يا رسول الله أتأذن لي في الغزو معك؟ فأمرها أن تؤم أهل دارها، وجعل لها ~~مؤذن يؤذن لها، وكان لها غلام وجارية دبرتهما. فالظاهر أنها كانت تصلي ~~ويأتم بها مؤذنها وغلامها PageV03P201 # وبقية أهل دارها. وقال الدارقطني: إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها. ~~قوله: # ولا أعرابي مهاجرا فيه أنه لا يؤم الاعرابي الذي لم يهاجر بمن كان ~~مهاجرا، وقد تقدم أن المهاجر أولى من المتأخر عنه في الهجرة، وممن لم يهاجر ~~أولى بالأولى. # باب ما جاء في إمامة الصبي عن عمرو بن مسلمة قال: لما كانت وقعة الفتح ~~بادر كل قوم بإسلامهم وبادر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم من عند ~~النبي (ص) حقا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، ~~فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا، فنظروا فلم يكن أحد ~~أكثر قرآنا مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست ~~سنين أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من ~~الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ # فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشئ فرحي بذلك القميص رواه البخاري ~~والنسائي بنحوه. قال فيه: كنت أؤمهم وأنا ابن ثمان سنين وأبو داود وقال ~~فيه: وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين وأحمد ولم يذكر سنه. ولأحمد وأبي ~~داود: فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم إلى يومي هذا. وعن ابن مسعود ~~قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود. وعن ابن عباس قال: لا يؤم الغلام ms1201 ~~حتى يحتلم رواهما الأثرم في سننه. # عمرو بن سلمة قد اختلف في صحبته، قال في التهذيب: لم يثبت له سماع من ~~النبي (ص). وروى الدارقطني ما يدل على أنه وفد مع أبيه. وأثر ابن عباس رواه ~~عبد الرزاق مرفوعا بإسناد ضعيف. قوله: وليؤمكم أكثركم فيه أن المراد ~~بالأقرأ في الأحاديث المتقدمة الأكثر قرآنا لا الأحسن قراءة وقد تقدم. ~~قوله: فقدموني فيه جواز إمامة الصبي. ووجه الدلالة ما في قوله (ص): ليؤمكم ~~أكثركم PageV03P202 # قرآنا من العموم. قال أحمد بن حنبل: ليس فيه اطلاع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # وأجيب بأن إمامته بهم كانت حال نزول الوحي، ولا يقع حالة التقرير لاحد من ~~الصحابة على الخطأ، ولذا استدل بحديث أبي سعيد وجابر: كنا نعزل والقرآن ~~ينزل وأيضا الذين قدموا عمرو بن سلمة كانوا كلهم صحابة، قال ابن حزم: ولا ~~نعلم لهم مخالفا، كذا في الفتح. وقد ذهب إلى جواز إمامة الصبي الحسن وإسحاق ~~والشافعي والامام يحيى، ومنع من صحتها الهادي والناصر والمؤيد بالله من أهل ~~البيت، وكرهها الشعبي والأوزاعي والثوري ومالك. واختلفت الرواية عن أحمد ~~وأبي حنيفة، قال في الفتح: والمشهور عنهما الاجزاء في النوافل دون الفرائض، ~~وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة، ورد بأن قوله: صلوا ~~صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا يدل على أن ذلك كان في فريضة. ~~وأيضا قوله: فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم لا يحتمل غير الفريضة، لأن ~~النافلة لا يشرع لها الاذان. ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما ~~روي عن أحمد بن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو ابن سلمة، وروى ذلك عنه الخطابي ~~في المعالم، ورد بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور. قال في التقريب: صحابي صغير ~~نزل بالبصرة، وقد روي ما يدل على أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~تقدم. وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة وهو لا يجوز كما ~~في ضوء النهار ms1202 فهو من الغرائب. وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ~~ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا. زاد أبو داود: # من ضيق الأزر. قوله: وكانت علي بردة في رواية أبي داود: وعلي بردة لي ~~صغيرة. وفي أخرى: كنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق. والبردة كساء صغير ~~مربع، ويقال كساء أسود صغير وبه كني أبو بردة. قوله: تقلصت عني في رواية ~~لأبي داود: خرجت إستي. وفي أخرى له: تكشفت. قوله: إست قارئكم المراد هنا ~~بالإست العجز ويراد به حلق الدبر. قوله: فاشتروا فقطعوا لي قميصا. لفظ أبي ~~داود: فاشتروا لي قميصا. قوله: من جرم بجيم مفتوحة وراء ساكنة وهم قومه. ~~ومن جملة حجج PageV03P203 # القائلين بأن إمامة الصبي لا تصح حديث: رفع القلم عن ثلاثة ورد بأن رفع ~~القلم لا يستلزم عدم الصحة، ومن جملتها أن صلاته غير صحيحة، لأن الصحة ~~معناها موافقة الامر والصبي غير مأمور، ورد بمنع أن ذلك معناها، بل معناها ~~استجماع الأركان وشروط الصحة، ولا دليل على أن التكليف منها، ومن جملتها ~~أيضا أن العدالة شرط لما مر، والصبي غير عدل، ورد بأن العدالة نقيض الفسق ~~وهو غير فاسق، لأن الفسق فرع تعلق الطلب ولا تعلق، وانتفاء كون صلاته واجبة ~~عليه لا يستلزم عدم صحة إمامته لما سيأتي من صحة صلاة المفترض خلف المتنفل. # باب اقتداء المقيم بالمسافر عن عمران بن حصين قال: ما سافر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن ~~الفتح ثمان عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم يقول: يا ~~أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر رواه أحمد. وعن عمر: أنه ~~كان إذ قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم ~~سفر رواه مالك في الموطأ. # حديث عمران أخرجه أيضا الترمذي وحسنه، والبيهقي وفي إسناده علي بن زيد بن ~~جدعان وهو ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده كما قال الحافظ. ms1203 وأثر عمر ~~رجال إسناده أئمة ثقات. قوله: ما سافر رسول الله (ص) الخ، سيأتي الكلام ~~عليه في أبواب صلاة المسافر. قوله: ثمان عشرة ليلة وقد روي أقل من ذلك، وقد ~~روي أكثر، وسيأتي بيان الاختلاف وكيفية الجمع بين الروايات في باب من أقام ~~لقضاء حاجته. (والحديث) يدل على جواز ائتمام المقيم بالمسافر، وهو مجمع ~~عليه كما في البحر، واختلف في العكس، فذهب الهادي والقاسم وأبو طالب وأبو ~~العباس وطاوس وداود والشعبي والامامية إلى عدم الصحة لقوله (ص): لا تختلفوا ~~على إمامكم. وقد خالف في العدد والنية. وذهب زيد بن علي والمؤيد بالله ~~والباقر وأحمد بن عيسى والشافعية والحنفية إلى الصحة، إذ لم تفصل أدلة ~~الجماعة، وقد خصصت الهادوية عدم صحة صلاة المسافر خلف المقيم بالركعتين ~~الأوليين من الرباعية، وقالوا بصحتها في الآخرتين، ويدل للجواز مطلقا ما ~~أخرجه أحمد PageV03P204 # بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا ~~انفرد، وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة وفي لفظ أنه قال له موسى بن ~~سلمة: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا، وإذا رجعنا صلينا ركعتين، فقال: تلك ~~سنة أبي القاسم (ص) وقد أورد الحافظ هذا الحديث في التلخيص ولم يتكلم عليه ~~وقال: إن أصله في مسلم والنسائي بلفظ: قلت لابن عباس: كيف أصلى إذا كنت ~~بمكة إذا لم أصل مع الامام؟ قال: # ركعتين سنة أبي القاسم. # باب هل يقتدي المفترض بالمتنفل أم لا؟ # عن جابر: أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشاء ~~الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة متفق عليه. ورواه الشافعي ~~والدارقطني وزاد: هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء. وعن معاذ بن رفاعة عن ~~سليم رجل من بني سلمة: أنه أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله إن معاذ بن ~~جبل يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا في النهار فينادي بالصلاة فنخرج ~~إليه فيطول علينا، فقال رسول الله (ص): يا معاذ لا تكن فتانا، إما أن تصلي ms1204 ~~معي، وإما أن تخفف على قومك رواه أحمد. # حديث معاذ بن رفاعة إسناده كلهم ثقات. وحديث معاذ قد روي بألفاظ مختلفة، ~~وقد قدمنا في باب انفراد المأموم لعذر بعضا من ذلك، والزيادة التي رواها ~~الشافعي والدارقطني رواها أيضا عبد الرزاق والطحاوي والبيهقي وغيرهم، قال ~~الشافعي: هذا حديث ثابت لا أعلم حديثا يروى عن النبي (ص) من طريق واحد أثبت ~~منه. قال في الفتح بعد أن ذكر هذه الزيادة: وهو حديث صحيح ورجاله رجال ~~الصحيح. # وقد رد في الفتح على ابن الجوزي لما قال: إنها لا تصح، وعلى الطحاوي لما ~~أعلها وزعم أنها مدرجة، والرواية الثانية التي رواها أحمد رواها أيضا ~~الطحاوي وأعلها ابن حزم بالانقطاع، لأن معاذ بن رفاعة لم يدرك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولا أدرك هذا الذي شكا إليه، لأن هذا الشاكي مات قبل ~~يوم أحد. (واعلم) أنه قد استدل بالرواية المتفق عليها وتلك الزيادة المصرحة ~~بأن صلاته بقومه كانت له تطوعا على جواز اقتداء المفترض PageV03P205 # بالمتنفل، وأجيب عن ذلك بأجوبة منها: قوله (ص): إما أن تصلي معي وإما أن ~~تخفف على قومك فإنه ادعى الطحاوي أن معناه إما أن تصلي معي ولا تصلي مع ~~قومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي، ويرد بأن غاية ما في هذا أنه أذن ~~له بالصلاة معه والصلاة بقومه مع التخفيف، والصلاة معه فقط مع عدمه، وهولا ~~يدل على مطلوب المانع من ذلك، نعم قال المصنف رحمه الله ما لفظه: وقد احتج ~~به بعض من منع اقتداء المفترض بالمتنفل، قال: لأنه يدل على أنه متى صلى معه ~~امتنعت إمامته، وبالاجماع لا تمتنع بصلاة النفل معه، فعلم أنه أراد بهذا ~~القول صلاة الفرض، وأن الذي كان يصلي معه كان ينويه نفلا اه. وعلى تسليم أن ~~هذا هو المراد من ذلك القول فتلك الزيادة أعني قوله: هي له تطوع ولهم ~~مكتوبة أرجح سندا وأصرح معنى. وقول الطحاوي أنها ظن من جابر مردود، لأن ~~جابرا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول ms1205 على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر ~~أنه أخبر عن شخص بأمر غير معلوم له إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه، ~~فإنه أتقى لله وأخشى. ومنها: أن فعل معاذ لم يكن بأمر النبي (ص) ولا ~~تقريره، كذا قال الطحاوي، ورد بأن النبي (ص) علم بذلك وأمر معاذا به فقال: ~~صل بهم صلاة أخفهم. وقال له لما شكوا إليه تطويله: أفتان أنت يا معاذ؟. ~~وأيضا رأى الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع ههنا كذلك، فإن الذين ~~كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم كما قال الحافظ ثلاثون عقبيا وأربعون ~~بدريا، وكذا قال ابن حزم قال: ولا نحفظ من غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل ~~قال: معهم بالجواز عمر وابنه، وأبو الدرداء، وأنس وغيرهم. ومنها: أن ذلك ~~كان في الوقت الذي يصلي فيه الفريضة مرتين فيكون منسوخا بقوله (ص): لا ~~تصلوا الصلاة في اليوم مرتين كذا قال الطحاوي، ورد بأن النهي عن فعل الصلاة ~~مرتين، محمول على أنها فريضة في كل مرة، كما جزم بذلك البيهقي جمعا بين ~~الحديثين، قال في الفتح: بل لو قال قائل: إن هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم ~~يكن بعيدا، ولا يقال: القصة قديمة، وصاحبها استشهد بأحد، لأنا نقول: كانت ~~أحد في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى والاذن في الثانية ~~مثلا، وقد قال (ص) للرجلين اللذين لم يصليا معه: إذا صليتما في رحالكما ثم ~~أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة أخرجه أصحاب السنن من حديث ~~يزيد بن الأسود، وصححه ابن خزيمة وغيره، وقد تقدم، وكان ذلك في حجة الوداع ~~في أواخر PageV03P206 # حياة النبي (ص)، ويدل على الجواز أمره (ص) لمن أدرك الأئمة الذين يأتون ~~بعده ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن يصلوها في بيوتهم في الوقت ثم يجعلوها ~~معهم نافلة. ومنها: أن صلاة المفترض خلف المتنفل من الاختلاف وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: لا تختلفوا على إمامكم ورد بأن الاختلاف المنهي عنه مبين ~~في الحديث بقوله: # فإذا كبر ms1206 فكبروا الخ، ولو سلم أنه يعم كل اختلاف لكان حديث معاذ ونحوه ~~مخصصا له، ومن المؤيدات لصحة صلاة المفترض خلف المتنفل ما قاله أصحاب ~~الشافعي أنه لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في مسجده ~~الذي هو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام. ومنها ما قاله الخطابي أن العشاء ~~في قوله: كان يصلي مع النبي (ص) العشاء حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ~~ينوي بها التطوع. ومنها ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الخوف ~~أنه كان يصلي بكل طائفة ركعتين. وفي رواية أبي داود أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: صلى بطائفة ركعتين وسلم، ثم صلى بطائفة ركعتين وإحداهما نفل قطعا، ~~ودعوى اختصاص ذلك بصلاة الخوف غير ظاهر. # ومنها ما رواه الإسماعيلي عن عائشة أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعود ~~من المسجد فيؤم بأهله وقد تقدم. # باب اقتداء الجالس بالقائم عن أنس قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في مرضه خلف أبي بكر قاعدا في ثوب متوشحا به. وعن عائشة قالت: صلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا ~~رواهما الترمذي وصححهما. # حديث أنس أخرجه النسائي أيضا والبيهقي، وحديث عائشة أخرجه أيضا النسائي. # (والحديثان) يدلان على أن الامام في تلك الصلاة هو أبو بكر، وقد اختلفت ~~الروايات في ذلك عن عائشة وغيرها. وقد قدمنا طرفا من الاختلاف وأشرنا إلى ~~الجمع بينها في باب الامام ينتقل مأموما. وفيهما دليل على جواز صلاة القاعد ~~لعذر خلف القائم، ولا أعلم فيه خلافا. PageV03P207 # باب اقتداء القادر على القيام بالجالس وأنه يجلس معه عن عائشة: أنها ~~قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته وهو شاك، فصلى جالسا ~~وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: # إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى ~~جالسا فصلوا جلوسا. وعن أنس قال: سقط النبي صلى الله عليه وآله ms1207 وسلم عن فرس ~~فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدا فصلينا ~~وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا كبر ~~فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، ~~فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون متفق عليهما. ~~وللبخاري عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صرع عن فرسه فجحش شقه ~~أو كتفه فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسا، وهم قيام، فلما سلم قال: ~~إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا ~~فصلوا قعودا. ولأحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انفكت قدمه فقعد في مشربة له درجتها من ~~جذوع، فأتى أصحابه يعودونه فصلى بهم قاعدا وهم قيام، فلما حضرت الصلاة ~~الأخرى قال لهم: ائتموا بإمامكم، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى ~~قاعدا فصلوا قعودا. وعن جابر قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرسا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده فوجدناه في ~~مشربة لعائشة يسبح جالسا، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى ~~نعوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا، فلما قضى الصلاة ~~قال: إذا صلى الامام جالسا فصلوا جلوسا، وإذا صلى الامام قائما فصلوا ~~قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها رواه أبو داود. # حديث عائشة أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجة. وحديث أنس أخرجه أيضا بقية ~~الأئمة الستة. وحديث جابر أخرجه أيضا مسلم وابن ماجة والنسائي من رواية ~~الليث عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فصلينا PageV03P208 # وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، ~~فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: إن كنتم آنفا ~~تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا ~~بأئمتكم إن ms1208 صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا. ورواه أيضا ~~مسلم من رواية عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير عن جابر. ورواه ~~أبو داود من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. (وفي الباب) أحاديث قد ~~قدمنا الإشارة إليها في باب وجوب متابعة الامام، وقد قدمنا الكلام على أكثر ~~ألفاظ أحاديث الباب هنالك. قوله: مشربة بفتح الميم وبالشين المعجمة وبضم ~~الراء وفتحها وهي الغرفة. وقيل: كالخزانة فيها الطعام والشراب ولهذا سميت ~~مشربة، فإن المشربة بفتح الراء فقط هي الموضع الذي يشرب منه الناس. قوله: ~~على جذم بجيم مكسورة وذال معجمة ساكنة وهو أصل الشئ، والمراد هنا أصل ~~النخلة. وفي رواية ابن حبان: على جذع نخلة ذهب أعلاها وبقي أصلها في الأرض ~~وحكى الجوهري فتح الجيم وهي ضعيفة، فإن الجذم بالفتح القطع. قوله: فانفكت ~~الفك نوع من الوهن والخلع، وانفك العظم انتقل من مفصله، يقال: فككت الشئ ~~أبنت بعضه من بعض. وقد استدل بالأحاديث المذكورة في الباب القائلون إن ~~المأموم يتابع الامام في الصلاة قاعدا، وإن لم يكن المأموم معذورا، وممن ~~قال بذلك أحمد وإسحاق والأوزاعي وابن المنذر وداود وبقية أهل الظاهر، قال ~~ابن حزم: وبهذا نأخذ إلا فيمن يصلي إلى جنب الامام يذكر الناس ويعلمهم ~~تكبير الامام، فإنه يتخير بين أن يصلي قاعدا وبين أن يصلي قائما، قال ابن ~~حزم: وبمثل قولنا يقول جمهور السلف، ثم رواه عن جابر وأبي هريرة وأسيد بن ~~حضير قال: ولا مخالف لهم يعرف في الصحابة، ورواه عن عطاء، وروي عن عبد ~~الرزاق أنه قال: ما رأيت الناس إلا على أن الامام إذا صلى قاعدا صلى من ~~خلفه قعودا، قال: # وهي السنة عن غير واحد. وقد حكاه ابن حبان أيضا عن الصحابة الثلاثة ~~المذكورين، وعن قيس بن قهد أيضا من الصحابة، وعن أبي الشعثاء وجابر بن زيد ~~من التابعين، وحكاه أيضا عن مالك بن أنس وأبي أيوب سليمان بن داود الهاشمي، ~~وأبي خيثمة وابن أبي شيبة، ومحمد بن إسماعيل، ومن تبعهم من ms1209 أصحاب الحديث ~~مثل محمد بن نصر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ثم قال بعد ذلك: وهو عندي ضرب ~~من الاجماع الذي أجمعوا على إجازته، لأن من أصحاب رسول الله (ص) أربعة ~~أفتوا به، والاجماع PageV03P209 # عندنا إجماع الصحابة، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة لا ~~بإسناد متصل ولا منقطع، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الامام إذا صلى قاعدا ~~كان على المأمومين أن يصلوا قعودا، وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد ~~وأبو الشعثاء، ولم يرو عن أحد من التابعين أصلا خلافه، لا بإسناد صحيح ولا ~~واه، فكأن التابعين أجمعوا على إجازته، قال: وأول من أبطل في هذه الأمة ~~صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي، وأخذ ~~عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة، وتبعه عليه من بعده من ~~أصحابه، انتهى كلام ابن حبان. وحكى الخطابي في المعالم والقاضي عياض عن ~~أكثر الفقهاء خلاف ذلك. وحكى النووي عن جمهور السلف خلاف ما حكى ابن حزم ~~عنهم، وحكاه ابن دقيق العيد عن أكثر الفقهاء المشهورين. وقال الحازمي في ~~الاعتبار ما لفظه: وقال أكثر أهل العلم: يصلون قياما ولا يتابعون الامام في ~~الجلوس. # وقد أجاب المخالفون لأحاديث الباب بأجوبة: أحدها دعوى النسخ قاله الشافعي ~~والحميدي وغير واحد، وجعلوا الناسخ ما تقدم من صلاته (ص) في مرض موته ~~بالناس قاعدا وهم قائمون خلفه ولم يأمرهم بالقعود، وأنكر أحمد نسخ الامر ~~بذلك وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الامام ~~الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعودا. ثانيتهما: ~~إذا ابتدأ الامام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما، سواء ~~طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موته ~~(ص)، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك ~~الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما وصلوا معه قياما، بخلاف الحالة ~~الأولى فإنه (ص) ابتدأ الصلاة جالسا، فلما ms1210 صلوا خلفه قياما أنكر عليهم. ~~ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم ~~النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدا، وقد ~~نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي ~~وقوع PageV03P210 # النسخ مرتين وهو بعيد. والجواب الثاني من الأجوبة التي أجاب بها ~~المخالفون لأحاديث الباب دعوى التخصيص بالنبي (ص) فكونه يؤم جالسا، حكى ذلك ~~القاضي عياض قال: ولا يصح لاحد أن يؤم جالسا بعده (ص) قال: وهو مشهور قول ~~مالك وجماعة أصحابه، قال: وهذا أولى الأقاويل لأنه (ص) لا يصح التقدم بين ~~يديه في الصلاة ولا في غيرها ولا لعذر ولا لغيره، ورد بصلاته (ص) خلف عبد ~~الرحمن بن عوف، وخلف أبي بكر، وقد تقدم ذلك. وقد استدل على دعوى التخصيص ~~بحديث الشعبي عن جابر مرفوعا: لا يؤمن أحد بعدي جالسا. وأجيب عن ذلك بأن ~~الحديث لا يصح من وجه من الوجوه كما قال العراقي، وهو أيضا عند الدارقطني ~~من رواية جابر الجعفي عن الشعبي مرسلا وجابر متروك. وروي أيضا من رواية ~~مجالد عن الشعبي ومجالد ضعفه الجمهور. ولما ذكر ابن العربي أن هذا الحديث ~~لا يصح عقبه بقوله: # بيد أني سمعت بعض الأشياخ أن الحال أحد وجوه التخصيص وحال النبي صلى الله ~~عليه وسلم والتبرك به وعدم العوض منه يقتضي الصلاة خلفه قاعدا، وليس ذلك ~~كله لغيره انتهى. قال ابن دقيق العيد: وقد عرف أن الأصل عدم التخصيص حتى ~~يدل عليه دليل انتهى. على أنه يقدح في التخصيص ما أخرجه أبو داود أن أسيد ~~بن حضير: كان يؤم قومه، فجاء رسول الله (ص) يعوده فقيل: يا رسول الله إن ~~إمامنا مريض، فقال: # إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا. قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بمتصل. وما ~~أخرجه عبد الرزاق عن قيس بن فهد الأنصاري: إن إماما لهم اشتكى على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: فكان يؤمنا جالسا ونحن جلوس ms1211 قال العراقي: ~~وإسناده صحيح. # والجواب الثالث من الأجوبة التي أجاب بها المخالفون لأحاديث الباب أنه ~~يجمع بين الأحاديث بما تقدم عن أحمد بن حنبل، وأجيب عنه بأن الأحاديث ترده ~~لما في بعض الطرق أنه أشار إليهم بعد الدخول في الصلاة. والجواب الرابع ~~تأويل قوله: وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، أي تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا ~~أجمعين حكاه ابن حبان في صحيحه عن بعض العراقيين، وهو كما قال ابن حبان ~~تحريف للخبر عن عمومه بغير دليل، ويرده ما ثبت في حديث عائشة أنه أشار ~~إليهم أن اجلسوا، وفيه تعليل ذلك بموافقة الأعاجم في القيام على ملوكهم. ~~إذا عرفت الأجوبة التي أجاب بها المخالفون لأحاديث الباب، فاعلم أنه قد ~~أجاب المتمسكون بها على PageV03P211 # الأحاديث المخالفة لها بأجوبة: منها قول ابن خزيمة أن الأحاديث التي وردت ~~بأمر المأموم أن يصلي قاعدا لم يختلف في صحتها ولا فسياقها، وأما صلاته (ص) ~~في مرض موته فاختلف فيها هل كان إماما أو مأموما؟. ومنها: أن بعضهم جمع بين ~~القصتين بأن الامر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان ~~الجواز. ومنها: أنه استمر عمل الصحابة على القعود خلف الامام القاعد في ~~حياته صلى الله عليه وآله وسلم وبعد موته، كما تقدم عن أسيد بن حضير وقيس ~~بن قهد. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة ~~فصلى بهم جالسا وصلوا معه جلوسا. وعن أبي هريرة أيضا أنه أفتى بذلك، ~~وإسناده كما قال الحافظ صحيح. ومنها: ما روي عن ابن شعبان أنه نازع في ثبوت ~~كون الصحابة صلوا خلفه (ص) قياما غير أبي بكر، لان ذلك لم يرد صريحا. قال ~~الحافظ: والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي وقال: إنه في رواية إبراهيم عن ~~الأسود عن عائشة. قال الحافظ: ثم وجدته مصرحا به في مصنف عبد الرزاق عن ابن ~~جريج أخبرني عطاء فذكر الحديث ولفظه: فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قاعدا وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس وصلى الناس وراءه قياما. قال: ms1212 ~~وهذا مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي، قال: وهذا الذي ~~يقتضيه النظر لأنهم ابتدأوا الصلاة مع أبي بكر قياما، فمن ادعى أنهم قعدوا ~~بعد ذلك فعليه البيان. # باب اقتداء المتوضئ بالمتيمم فيه حديث عمرو بن العاص عن غزوة ذات السلاسل ~~وقد سبق. وعن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس في سفر معه ناس من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم عمار بن ياسر فكانوا يقدمونه لقرابته من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى بهم ذات يوم فضحك وأخبرهم أنه ~~أصاب من جارية له رومية فصلى بهم وهو جنب متيمم رواه الأثرم. واحتج به أحمد ~~في روايته. # حديث عمرو بن العاص تقدم في باب الجنب يتيمم لخوف البرد من كتاب التيمم ~~وفيه أنه: احتلم في ليلة باردة فتيمم ثم صلى بأصحابه صلاة الصبح، فلما ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا ذلك له فقال: يا عمرو صليت ~~بأصحابك وأنت PageV03P212 # جنب؟ فقال: ذكرت قول الله: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (النساء: 29) فضحك ~~رسول الله (ص) ولم يقل شيئا. التقرير احتج من قال بصحة صلاة المتوضئ خلف ~~المتيمم، ويؤيد ذلك ما أخرجه الدارقطني عن البراء: أن رسول الله (ص) قال: ~~إذا صلى الامام بقوم وهو على غير وضوء أجزأتهم ويعيد وفي إسناده جويبر بن ~~سعيد وهو متروك، وفي إسناده أيضا انقطاع. وما أخرجه أبو داود وصححه ابن ~~حبان والبيهقي من حديث أبي بكرة: أن رسول الله (ص) دخل في صلاة الفجر فأومأ ~~بيده أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر فصلبهم. وفي رواية له قال في أوله: وكبر ~~وقال في آخره: فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر مثلكم وإني كنت جنبا ~~وسيأتي الحديث قريبا وهو في الصحيحين بلفظ: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى ~~قام النبي صلى الله عليه وسلم في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف وقال مكانكم ~~الحديث. وعلى هذا فلا يكون الحديث مؤيدا ولكنه زعم ابن حبان أنهم قضيتان: ~~إحداهما ذكر النبي (ص) ms1213 أنه جنب قبل الاحرام بالصلاة، والثانية بعد أن أحرم. ~~ومن المؤيدات لجواز صلاة المتيمم بالمتوضئ ما ذكره المصنف من الأثر المروي ~~عن ابن عباس. # وذهبت العترة إلى أنه لا يصح ائتمام المتوضئ بالمتيمم، واحتج لهم في ~~البحر بقوله (ص): لا يؤمن المتيمم المتوضئين وهذا الحديث لو صح لكان حجة ~~قوية. # باب من اقتدى بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله (ص): يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم ~~رواه أحمد والبخاري. وعن سهل بن سعد قال: # سمعت رسول الله (ص) يقول: الامام ضامن فإذا أحسن فله ولهم، وإن أساء ~~فعليه يعني ولا عليهم رواه ابن ماجة. وقد صح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب ~~ولم يعلم فأعاد ولم يعيدوا، وكذلك عثمان. وروي عن علي من قوله رضي الله ~~عنهم. PageV03P213 # حديث سهل بن سعد في إسناده عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف. قوله: يصلون ~~بكم لفظ البخاري: يصلون لكم باللام التي للتعليل، والمراد الأئمة. قوله: ~~فإن أصابوا فلكم أي ثواب صلاتكم. قوله: ولهم هذه اللفظة ليست في البخاري ~~وهي في مسند أحمد، والمراد أن لهم ثواب صلاتهم. وزعم ابن بطال أن المراد ~~بالإصابة هنا إصابة الوقت، واستدل بحديث ابن مسعود مرفوعا: لعلكم تدركون ~~أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت ~~ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة وهو حديث حسن أخرجه النسائي وغيره، قال: ~~فالتقدير على هذا، فإن أصابوا الوقت وإن أخطؤوا الوقت فلكم يعني الصلاة ~~التي في الوقت. وأجاب عنه الحافظ بأن زيادة لهم كما في رواية أحمد تدل على ~~أن المراد صلاتهم معهم لا عند الانفراد. # وكذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما، وكذلك أخرج هذه الزيادة ~~ابن حبان من حديث أبي هريرة وأبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعا بلفظ: ~~من أم الناس فأصاب الوقت فله ولهم. وفي رواية لأحمد في هذا الحديث: فإن ~~صلوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ms1214 ولهم قال في الفتح: فهذا ~~يبين أن المراد ما هو أعم من إصابة الوقت. قال ابن المنذر: هذا الحديث يرد ~~على من زعم أن صلاة الامام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه. قوله: وإن أخطؤوا ~~أي ارتكبوا الخطيئة ولم يرد الخطأ المقابل للعمد لأنه لا إثم فيه. قال ~~المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر، واستدل به البغوي، على أنه يصح ~~صلاة المأمومين إذا كان إمامهم محدثا وعليه الإعادة. قال في الفتح: واستدل ~~به غيره على أعم من ذلك، وهو صحة الائتمام بمن يخل بشئ من الصلاة ركنا كان ~~أو غيره إذا أتم المأموم وهو وجه للشافعية، بشرط أن يكون الامام هو الخليفة ~~أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا لمن علم أنه ترك واجبا. ومنهم من ~~استدل به على الجواز مطلقا، وهو الظاهر من الحديث، ويؤيده ما رواه المصنف ~~عن الثلاثة الخلفاء رضي الله عنهم. قوله: الامام ضامن قد قدمنا الكلام على ~~حديث أبي هريرة وعلى معنى الضمان في باب الاذان. قوله: وإن أساء فعليه فيه ~~أن الامام إذا كان مسيئا كأن يدخل في الصلاة مخلا بركن أو شرط عمدا فهو ~~آثم، ولا شئ على المؤتمين من إساءته. PageV03P214 # باب حكم الامام إذ ذكر أنه محدث أو خرج لحدث سبقه أو غير ذلك عن أبي ~~بكرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استفتح الصلاة فكبر ثم أومأ إليهم ~~أن مكانكم، ثم دخل ثم خرج ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما قضى الصلاة قال: إنما ~~أنا بشر وإني كنت جنبا رواه أحمد وأبو داود. وقال: رواه أيوب وابن عون ~~وهشام عن محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فكبر ثم أومأ إلى ~~القوم أن اجلسوا وذهب فاغتسل. وعن عمرو بن ميمون قال: إني لقائم ما بيني ~~وبين عمر غداة أصيب إلا عبد الله بن عباس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: ~~قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى ~~بهم صلاة خفيفة ms1215 مختصر من البخاري. وعن أبي رزين قال: صلى علي رضي الله عنه ~~ذات يوم فرعف فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف رواه سعيد في سننه. وقال أحمد بن ~~حنبل: # إن استخلف الامام فقد استخلف عمر وعلي، وإن صلوا وحدانا فقد طعن معاوية ~~وصلى الناس وحدانا من حيث طعن أتموا صلاتهم. # حديث أبي بكرة قال الحافظ: اختلف في وصله وإرساله. (وفي الباب) عن أنس ~~عند الدارقطني واختلف في وصله وإرساله، كما اختلف في وصل حديث أبي بكرة ~~وإرساله. وعن علي عند أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة. ~~وعن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا عند أبي داود ~~ومالك. وعن أبي هريرة عند ابن ماجة قال الحافظ: وفي إسناده نظر. وعن محمد ~~بن سيرين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا عند أبي داود كما ذكر ~~المصنف، والحديث في الصحيحين عن أبي هريرة بألفاظ ليس فيها ذكر أن ذلك كان ~~بعد الدخول في الصلاة، وفي بعضها التصريح بأن ذلك كان قبل التكبير كما ~~تقدم. قال في الفتح: يمكن الجمع بين رواية الصحيحين وغيرهما، بأن يحمل قوله ~~فكبر في رواية أبي داود وغيره على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان كما ~~تقدم عن ابن حبان، وذكره أيضا القاضي عياض والقرطبي، وقال النووي: إنه ~~الأظهر، فإن ثبت ذلك وإلا فما في الصحيحين أصح. قوله: ثم أومأ أي أشار ~~ورواية البخاري: فقال لنا فتحمل رواية البخاري على إطلاق القول على ~~PageV03P215 # الفعل. ويمكن أن يكون جمع بين الكلام والإشارة. قوله: أن مكانكم منصوب ~~بفعل محذوف هو وفاعله والتقدير: الزموا مكانكم. قوله: ورأسي يقطر أي من ماء ~~الغسل. قوله: # فصلى بهم في رواية للبخاري: فصلينا معه وفيه جواز التخلل الكثير بين ~~الإقامة والدخول في الصلاة. قوله: إنما أنا بشر قد تقدم الكلام على مثل هذا ~~الحصر. قوله: وإني كنت جنبا فيه دليل على جواز اتصافه (ص) بالجنابة وعلى ~~صدور النسيان منه. قوله: عن محمد هو ابن سيرين. قوله: أن ms1216 اجلسوا هذا يدل ~~على أنهم قد كانوا اصطفوا للصلاة قياما، وقد صرح بذلك البخاري عن أبي هريرة ~~ولفظه: أن رسول الله (ص) خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف. قوله: وذهب في ~~رواية لأبي داود: فذهب. وللنسائي: # ثم رجع إلى بيته. قوله: فقدمه فصلى بهم سيأتي حديث عمر مطولا في كتاب ~~الوصايا، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وفيه جواز الاستخلاف للامام ~~عند عروض عذر يقتضي ذلك لتقرير الصحابة لعمر على ذلك، وعدم الانكار من أحد ~~منهم فكان إجماعا، وكذلك فعل علي وتقريرهم له على ذلك، وإلى ذلك ذهبت ~~العترة وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك، وفي قول للشافعي: أنه لا يجوز، ~~واستدل له في البحر بتركه (ص) الاستخلاف لما ذكر أنه جنب. وأجاب عن ذلك ~~بأنه فعل ذلك ليدل على جواز الترك أو ذكر قبل دخولهم في الصلاة، قال: ولا ~~قائل بهذا إلا الشافعي انتهى. وذهب أحمد بن حنبل إلى التخيير، كما روى عنه ~~المصنف رحمه الله تعالى. # باب من أم قوما يكرهونه عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله (ص) كان يقول: # ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قوما وهم له كارهون ورجل أتى ~~الصلاة دبارا والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته. ورجل اعتبد محرره رواه أبو ~~داود وابن ماجة وقال فيه: يعني بعدما يفوته الوقت. وعن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق ~~حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون رواه ~~الترمذي. # حديث عبد الله بن عمرو في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ~~ضعفه PageV03P216 # الجمهور، وحديث أبي أمامة انفرد بإخراجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن ~~غريب، وقد ضعفه البيهقي. قال النووي في الخلاصة: والأرجح هنا قول الترمذي ~~انتهى. وفي إسناده أبو غالب الراسبي البصري صحح الترمذي حديثه. وقال أبو ~~حاتم: ليس بالقوي. # وقال النسائي: ضعيف ووثقه الدارقطني. (وفي الباب) عن أنس عند الترمذي ~~بلفظ: # لعن رسول الله ms1217 صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة: رجلا أم قوما وهم له ~~كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجلا سمع حي على الفلاح ثم لم يجب ~~قال الترمذي: حديث أنس لا يصح لأنه قد روي عن الحسن عن النبي (ص) مرسلا، ~~وفي إسناده أيضا محمد بن القاسم الأسدي، قال الترمذي: تكلفيه أحمد بن حنبل ~~وضعفه وليس بالحافظ، وضعف حديث أنس هنا أيضا البيهقي، وقال بعد ذكر رواية ~~الحسن له عن أنس: ليس بشئ، تفرد به محمد بن القاسم الأسدي عن الفضل بن دلهم ~~عنه، ثم قال: # وروى عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن أنس بن مالك يرفعه. ~~(وفي الباب) أيضا عن ابن عباس عند ابن ماجة عن رسول الله (ص) قال: ثلاثة لا ~~ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت ~~وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان قال العراقي: وإسناده حسن. وعن طلحة ~~عند الطبراني في الكبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه. وفي إسناده سليمان بن ~~أيوب الطلحي، قال فيه أبو زرعة: عامة أحاديثه لا يتابع عليها. وقال الذهبي ~~في الميزان: صاحب مناكير وقد وثق. وعن أبي سعيد عند البيهقي بلفظ: ثلاثة لا ~~تجاوز صلاتهم رؤوسهم: رجل أم قوما وهم كارهون. الحديث، قال البيهقي بعد ~~ذكره: وهذا إسناد ضعيف. وعن سلمان عند ابن أبي شيبة في المصنف بنحو حديث ~~أبي أمامة، وهو من رواية القاسم بن مخيمرة عن سلمان ولم يسمع منه. (وأحاديث ~~الباب) يقوي بعضها بعضا فينتهض للاستدلال بها على تحريم أن يكون الرجل ~~إماما لقوم يكرهونه، ويدل على التحريم نفي قبول الصلاة وأنها لا تجاوز آذان ~~المصلين ولعن الفاعل لذلك. وقد ذهب إلى التحريم قوم، وإلى الكراهة آخرون ~~وقد روى العراقي ذلك عن علي بن أبي طالب، والأسود بن هلال، وعبد الله بن ~~الحرث البصري، وقد قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهة الدينية لسبب ms1218 شرعي، ~~فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه أيضا بأن يكون الكارهون ~~PageV03P217 # أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين والثلاثة إذا كان ~~المؤتمون جمعا كثيرا، لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم أو كراهة ~~أكثرهم معتبرة. وحمل الشافعي الحديث على إمام غير الوالي، لأن الغالب كراهة ~~ولاة الامر. وظاهر الحديث عدم الفرق والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم، ~~حتى قال الغزالي في الاحياء: لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر ~~إليهم. قوله: ورجل اعتبد محرره أي اتخذ معتقه عبدا بعد إعتاقه، وذلك بأن ~~يعتقه ثم يكتمه ذلك ويستعمله، يقال: اعتبدته اتخذته عبدا. قوله: # لا تجاوز صلاتهم آذانهم أي لا ترتفع إلى السماء، وهو كناية عن عدم ~~القبول، كما هو مصرح به في حديث ابن عمرو وغيره. قوله: العبد الآبق فيه أن ~~العبد الآبق لا تقبل له صلاة حتى يرجع من إباقه إلى سيده. وفي صحيح مسلم ~~وسنن أبي داود والنسائي من حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة. وروي القول بذلك عن أبي ~~هريرة، وقد أول المازري وتبعه القاضي عياض حديث جرير على العبد المستحل ~~للإباق فيكفر ولا تقبل له صلاة ولا غيرها، ونبه بالصلاة على غيرها، وقد ~~أنكر ابن الصلاح ذلك على المازري والقاضي وقال: إن ذلك جار في غير المستحل، ~~ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة، وقد قدمنا البحث عن هذا في مواضع. قوله: ~~وامرأة إلخ فيه أن إغضاب المرأة لزوجها حتى يبيت ساخطا عليها من الكبائر، ~~وهذا إذا كان غضبه عليها بحق. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم ~~تأته فبات غضبانا عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح. ولعل التأويل المذكور في ~~عدم قبول صلاة العبد يجري في صلاة المرأة المذكورة. # أبواب موقف الإمام والمأموم وأحكام الصفوف باب وقوف الواحد عن يمين ~~الامام والاثنين فصاعدا خلفه ms1219 عن جابر بن عبد الله قال: قام النبي (ص) يصلي ~~المغرب فجئت فقمت عن يساره فنهاني فجعلني عن يمينه، ثم جاء صاحب لي فصفنا ~~خلفه فصلى بنا في ثوب واحد مخالفا بين طرفيه رواه أحمد. وفي رواية: قام ~~رسول الله صلى الله PageV03P218 # عليه وآله وسلم ليصلي فجئت فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني ~~عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله (ص) فأخذ بأيدينا ~~جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه رواه مسلم وأبو داود. وعن سمرة بن جندب قال: # أمرنا رسول الله (ص) إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا رواه الترمذي. # حديث جابر هو في صحيح مسلم وسنن أبي داود مطولا، وهذا الذي ذكر المصنف ~~بعض منه. وحديث سمرة بن جندب غربه الترمذي. وقال ابن عساكر في الأطراف أنه ~~قال فيه: حسن غريب، وذكر ابن العربي إنه ضعفه، وليس فيما وقفنا عليه من نسخ ~~الترمذي إلا أنه قال: إنه حديث غريب، ولعل المراد بقول ابن العربي: أنه ~~ضعفه أي أشار إلى تضعيفه بقوله: وقد تكلم الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل ~~حفظه بعد أن ساق الحديث من طريقه، وإسماعيل بن مسلم هذا هو المكي وأصله ~~بصري سكن مكة فنسب إليها لكثرة مجاورته بها وكان فقيها مفتيا. قال البخاري: ~~تركه ابن المبارك وربما روى عنه. وقال يحيى بن سعيد: لم يزل مختلطا. وقال ~~أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث. وقال السعدي: هو واه جدا. وقال عمرو بن علي: ~~كان ضعيفا في الحديث بهم فيه، وكان صدوقا كثير الغلط، يحدث عنه من لا ينظر ~~في الرجال. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة إلا أنه ممن يكتب حديثه. ~~قوله: فجعلني عن يمينه فيه أن موقف الواحد عن يمين الامام، وقد ذهب الأكثر ~~إلى أن ذلك واجب، وروي عن ابن المسيب أن ذلك مندوب فقط. # وروي عن النخعي أن الواحد يقف خلف الامام بيانا للتبعية، فإذا ركع الامام ~~قبل مجئ ثالث اتصل بيمينه وفيه جواز العمل في الصلاة، وقد ms1220 تقدم الكلام على ~~ذلك. قوله: # فصفنا خلفه. وكذلك قوله: فدفعنا حتى أقامنا خلفه. وقوله: أمرنا صلى الله ~~عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا في هذه الروايات دليل على أن موقف ~~الرجلين مع الامام في الصلاة خلفه، وبه قال علي بن أبي طالب عليه السلام ~~وعمر وابنه وجابر بن زيد والحسن وعطاء، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة، وجماعة من فقهاء الكوفة. قال ابن سيد الناس: وليس ذلك شرطا عند أحد ~~منهم، ولكن الخلاف في الأولى والأحسن وإلى كون موقف الاثنين خلف الامام ~~ذهبت العترة. وروي عن ابن مسعود أن الاثنين يقفان عن يمين الامام وعن شماله ~~والزائد خلفه، واستدل بما سيأتي، وسيأتي الكلام على دليله. قوله: فصلى بنا ~~في ثوب واحد فيه جواز الصلاة PageV03P219 # في الثوب الواحد وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: ثم جاء جبار بن صخر هو ~~الأنصاري السلمي شهد العقبة وبدرا وما بعدهما. # وعن ابن عباس قال: صليت إلى جنب النبي (ص) وعائشة معنا تصلي خلفنا، وأنا ~~إلى جنب النبي (ص) أصلي معه رواه أحمد والنسائي. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى به وبأمه أو خالته قال: ~~فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # حديث ابن عباس إسناده في سنن النسائي هكذا: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن ~~إبراهيم يعني ابن مقسم وقد وثقه النسائي قال: حدثنا حجاج يعني ابن محمد ~~مولى سليمان خرج حديثه الجماعة قال: قال ابن جريج: أخبرني زياد أن قزعة ~~مولى لعبد القيس أخبره أنه سمع عكرمة. قال: قال ابن عباس فذكره، وزيادة هو ~~ابن سعد الخراساني أخرج له الجماعة، وقزعة وثقه أبو زرعة، فرجال هذا ~~الاسناد ثقات. قوله: صلى به وبأمه أو خالته وفي بعض الروايات: أن جدته ~~مليكة دعت النبي (ص) ثم ذكر الصلاة وسيأتي. (والحديثان) يدلان على أنه إذا ~~حضر مع إمام الجماعة رجل وامرأة كان موقف الرجل عن يمينه وموقف المرأة ~~خلفهما، وإنها لا تصف مع الرجال، والعلة في ذلك ms1221 ما يخشى من الافتتان، فلو ~~خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة. ~~قال في الفتح: وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف حيث قال قائلهم: # قال ابن مسعود: أخروهن من حيث أخرهن الله والامر للوجوب، فإذا حاذت الرجل ~~فسدت صلاة الرجل لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، قال: وحكاية هذا تغني عن ~~جوابه. # وذهبت الهادوية إلى فساد صلاتها إذا صفت مع الرجال، وفساد صلاة من خلفها، ~~وفساد صلاة من في صفها إن علموا بكونها في صفهم. ومن الأدلة الدالة على أن ~~المرأة تقف وحدها حديث أنس متفق عليه بلفظ: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف ~~النبي (ص) وأمي أم سليم خلفنا. وفي لفظ فصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ~~ورائنا وأخرج ابن عبد البر عن عائشة مرفوعا بلفظ: المرأة وحدها صف. قال ابن ~~عبد البر: # هو موضوع وضعه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي، عن المسعودي، عن ابن ~~أبي مليكة، عن عائشة قال: وهذا لا يعرف إلا بإسماعيل. # وعن الأسود بن يزيد قال: دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود PageV03P220 # بالهاجرة قال: فأقام الظهر ليصلي فقمنا خلفه، فأخذ بيدي ويد عمي ثم جعل ~~أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره فصفنا صفا واحدا، قال ثم قال: هكذا كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كانوا ثلاثة رواه أحمد. ولأبي داود ~~والنسائي معناه. # الحديث في إسناده هارون بن عنترة، وقد تكلم فيه بعضهم. قال أبو عمر: هذا ~~لحديث لا يصح رفعه، والصحيح فيه عندهم أنه موقوف على ابن مسعود انتهى. وقد ~~أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي موقوفا على ابن مسعود، وقد ذكر جماعة من أهل ~~العلم منهم الشافعي أن حديث ابن مسعود هذا منسوخ، لأنه إنما تعلم هذه ~~الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وفيها التطبيق، وأحكام أخر هي ~~الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم المدينة تركه، وعلى فرض عدم علم التاريخ لا ينتهض ms1222 هذا الحديث لمعارضة ~~الأحاديث المتقدمة في أول الباب، وقد وافق ابن مسعود على وقوف الاثنين عن ~~يمين الامام ويساره أبو حنيفة وبعض الكوفيين. ومن أدلتهم ما رواه أبو داود ~~عن أبي هريرة عنه (ص) أنه قال: وسطوا الامام وسدوا الخلل وسيأتي، وهو محتمل ~~أن يكون المراد اجعلوه مقابلا لوسط الصف الذي تصفون خلفه، ومحتمل أن يكون ~~من قولهم: فلان واسطة قومه أي خيارهم، ومحتمل أن يكون المراد اجعلوه وسط ~~الصف فيما بينكم غير متقدم ولا متأخر، ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال. ~~وأيضا هو مهجور الظاهر بالاجماع، لأن ابن مسعود ومن معه إنما قالوا بتوسط ~~الامام في الثلاثة لا فيما زاد عليهم فيقفون خلفه. وظاهر الحديث عدم الفرق ~~بين الثلاثة وأكثر منهم. # باب وقوف الامام تلقاء وسط الصف وقرب أولي الأحلام والنهى منه عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (ص): وسطوا الامام وسدوا الخلل رواه أبو داود. ~~وعن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول الله (ص) يمسح مناكبنا في الصلاة ~~ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام ~~والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم رواه أحمد ومسلم PageV03P221 # والنسائي وابن ماجة. وعن ابن مسعود عن النبي (ص): قال: ليليني منكم أولو ~~الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الأسواق ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وعن أنس: قال: كان رسول الله (ص) يحب ~~أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه رواه أحمد وابن ماجة. # حديث أبي هريرة سكت عنه أبو داود والمنذري، وهو من طريق جعفر بن مسافر ~~شيخ أبي داود، قال النسائي: صالح وفي إسناده يحيى بن بشير بن خلاد عن أمه ~~واسمها أمة الواحد، ويحيى مستور وأمه مجهولة، وحديث أبي مسعود أخرجه أيضا ~~أبو داود. # وحديث ابن مسعود قال الترمذي: حسن غريب، وقال الدارقطني: تفرد به خالد بن ~~مهران الحذاء عن أبي معشر زياد بن كليب. وقال ابن سيد الناس: إنه صحيح لثقة ~~رواته وكثرة الشواهد له، قال: ولذلك حكم مسلم بصحته. وأما غرابته ms1223 فليست ~~تنافي الصحة في بعض الأحيان. وأما حديث أنس فأخرجه أيضا الترمذي ولم يذكر ~~له إسنادا، والنسائي ورجال إسناده عند ابن ماجة رجال الصحيح. (وفي الباب) ~~عن أبي بن كعب عند أحمد من حديث قيس بن عباد قال: قدمت المدينة للقاء أصحاب ~~محمد (ص) وما كان بينهم رجل ألقاه أحب إلي من أبي بن كعب، فأقيمت الصلاة ~~فخرج عمر مع أصحاب رسول الله (ص) فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في ~~وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي، فلما صلى ~~قال: يا بني لا يسوؤك الله إني لم آت الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله (ص) ~~قال لنا، كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك ~~ثم حدث، فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شئ متوجها إليه، قال: فسمعته ~~يقول: هلك أهل العقدة ورب الكعبة، ألا لا عليهم آسي، ولكن آسي على من ~~يهلكون من المسلمين، وإذا هو أبي يعني ابن كعب. هذا لفظ أحمد. وقد أخرج ~~الحديث أيضا النسائي وابن خزيمة في صحيحه. ومتحت بفتح الميم وتاءين مثناتين ~~بينهما حاء مهملة أي مدت. وأهل العقدة بضم العين المهملة وسكون القاف يريد ~~البيعة المعقودة للولاية. وعن سمرة عند الطبراني في الكبير: أن النبي (ص) ~~قال: ليقم الاعراب خلف المهاجرين والأنصار ليقتدوا بهم في الصلاة. وهو من ~~رواية الحسن عن سمرة. وعن البراء أشار إليه الترمذي. وعن ابن عباس عند ~~الدارقطني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتقدم في الصف ~~PageV03P222 # الأول أعرابي ولا عجمي ولا غلام لم يحتلم. وفي إسناده ليث بن أبي سليم ~~وهو ضعيف. # قوله: وسطوا الامام فيه مشروعية جعل الامام مقابلا لوسط الصف، وهو أحد ~~الاحتمالات التي يحتملها الحديث وقد تقدمت. قوله: وسدوا الخلل قال المنذري ~~هو بفتح الخاء المعجمة واللام وهو ما بين الاثنين من الاتساع، وسيأتي ذكر ~~ما هي الحكمة في ذلك في باب الحث على تسوية الصفوف. قوله: فتختلف قلوبكم ~~لأن مخالفة ms1224 الصفوف مخالفة الظواهر، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ~~قوله: ليليني قال النووي: هو بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل ~~النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد، واللام في أوله لام ~~الامر المكسورة أي ليقرب مني. قوله: أولو الأحلام والنهى قال ابن سيد ~~الناس: الأحلام والنهى بمعنى واحد، والنهى بضم النون جمع نهية بالضم أيضا ~~وهي العقول لأنها تنهي عن القبح. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النهى ~~مصدرا كالهدى، وأن يكون جمعا كالظلم. وقيل: المراد بأولي الأحلام البالغون، ~~وبأولي النهى العقلاء، فعلى الأول يكون العطف فيه من باب: # فألفى قولها كذبا وميتا. وهو أن ينزل تغاير اللفظ منزلة تغاير المعنى، ~~وهو كثير في الكلام، وعلى الثاني يكون لكل لفظ معنى مستقل. وقد روي عن عمر ~~بن الخطاب أنه كان إذا رأى صبيا في الصف أخرجه. وعن زر بن حبيش وأبي وائل ~~مثل ذلك، وإنما خص النبي (ص) هذا النوع بالتقديم لأنه الذي يتأتى منه ~~التبليغ، ويستخلف إذا احتيج إلى استخلافه، ويقوم بتنبيه الامام إذا احتيج ~~إليه. قوله: وإياكم وهيشات الأسواق بفتح الهاء وإسكان الياء المثناة من تحت ~~وبالشين المعجمة، أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط ~~والفتن التي فيها. والهوشة الفتنة والاختلاط. والمراد النهي عن أن يكون ~~اجتماع الناس في الصلاة مثل اجتماعهم في الأسواق متدافعين متغايرين مختلفي ~~القلوب والأفعال. قوله: يحب أن يليه المهاجرون والأنصار فيه. وفي حديث أبي ~~بن كعب وسمرة مشروعية تقدم أهل العلم والفضل ليأخذوا عن الامام ويأخذ عنهم ~~غيرهم، لأنهم أمس بضبط صفة الصلاة وحفظها ونقلها وتبليغها. PageV03P223 # باب موقف الصبيان والنساء من الرجال عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك ~~الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان يسوي بين الأربع ~~ركعات في القراءة والقيام، ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يثوب الناس، ~~ويجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان رواه ~~أحمد. ولأبي داود عنه قال: ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وآله ms1225 ~~وسلم؟ قال: فأقام الصلاة وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم فذكر ~~صلاته. وعن أنس: أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لطعام صنعته فأكل ثم قال: قوموا فلأصلي لكم، فقمت إلى حصير لنا قد اسود من ~~طول ما لبس، فنضحته بماء فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمت ~~أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف رواه ~~الجماعة إلا ابن ماجة. وعن أنس: قال: صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأمي خلفنا أم سليم رواه البخاري. وعن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير صفوف الرجال أولها وشرها ~~آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه الجماعة إلا البخاري. # حديث أبي مالك سكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه ~~مقال. قوله: يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام. قد قدمنا في أبواب ~~القراءة الكلام في ذلك مبسوطا. قوله: لكي يثوب أي يرجع الناس إلى الصلاة ~~ويقبلوا إليها. قوله: ويجعل الرجال قدام الغلمان الخ فيه تقديم صفوف الرجال ~~على الغلمان، والغلمان على النساء، هذا إذا كان الغلمان اثنين فصاعدا، فإن ~~كان صبي واحد دخل مع الرجال، ولا ينفرد خلف الصف، قاله السبكي، ويدل على ~~ذلك حديث أنس المذكور في الباب، فإن اليتيم لم يقف منفردا بل صف مع أنس. ~~وقال أحمد بن حنبل: # يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الامام إلا من قد احتلم وأنبت ~~وبلغ خمس عشرة سنة، وقد تقدم عن عمر أنه كان إذا رأى صبيا في الصف أخرجه. ~~وكذلك عن أبي وائل وزر بن حبيش. وقيل: عند اجتماع الرجال والصبيان يقف بين ~~كل رجلين صبي ليتعلموا منها الصلاة وأفعالها. قوله: أن جدته مليكة قال ابن ~~عبد البر: إن PageV03P224 # الضمير عائد إلى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الراوي للحديث عن أنس، ~~فهي جدة إسحاق لا جدة ms1226 أنس، وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري، ~~وهي أم أنس بن مالك. وقال غيره: الضمير يعود على أنس بن مالك وهي جدته أم ~~أمه واسمها مليكة بنت مالك، ويؤيد ما قاله ابن عبد البر ما أخرجه النسائي ~~عن إسحاق المذكور أن أم سليم: سألت رسول الله (ص) أن يأتيها ويؤيده أيضا ~~قوله في الرواية المذكورة في الباب: وأمي خلفنا أم سليم وقيل: إنها جدة ~~إسحاق أم أبيه، وجدة أنس أم أمه. قال ابن رسلان: وعلى هذا فلا اختلاف. ~~قوله: فلأصلي لكم روي بكسر اللام وفتح الياء من أصلي، على أنها لام كي ~~والفاء زائدة كما في زيد فمنطلق، وروي بكسر اللام وحذف الياء للجزم، لكن ~~أكثر ما يجزم بلام الامر الفعل المبني للفاعل إذا كان للغائب ظاهر نحو: * ~~(لينفق ذو سعة من سعته) * (الطلاق: 7) أو ضمير نحو مره فليراجعها، وأقل منه ~~أن يكون مسندا إلى ضمير المتكلم نحو: * (ولنحمل خطاياكم) * (العنكبوت: 12) ~~ومثله ما في الحديث وأقل من ذلك ضمير المخاط ب كقراءة * (فبذلك فليفرحوا) * ~~(يونس: 58) بتاء الخطاب، واللام في قوله: لكم للتعليل، وليس المراد إلا ~~أصلي لتعليمكم وتبليغكم ما أمرني به ربي، وليس فيه تشريك في العبادة، فيؤخذ ~~منه جواز أن يكون مع نية صلاته مريدا للتعليم فإنه عبادة أخرى. ويدل على ~~ذلك ما رواه البخاري عن أبي قلابة قال: جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا ~~هذا فقال: إني لأصلي لكم وما أريد الصلاة. وبوب له البخاري باب من صلى ~~بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم. قوله: في نضحته بالضاد المفتوحة والحاء ~~المهملة وهو الرش كما قال الجوهري. وقيل: هو الغسل. قوله: وقمت أنا واليتيم ~~وراءه هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله (ص)، وهو جد حسين بن عبد الله ~~بن ضميرة. وفيه أن الصبي يسد الجناح، وإليه ذهب الجمهور من أهل البيت ~~وغيرهم. وذهب أبو طالب والمؤيد بالله في أحد قوليه إلى أنه لا يسد، إذ ليس ~~بمصل حقيقة. وأجاب المهدي عن الحديث في ms1227 البحر بأنه يحتمل بلوغ اليتيم ~~فاستصحب الاسم. # وفيه أن الظاهر من اليتم الصغر، فلا يصار إلى خلافه إلا بدليل. ويؤيد ما ~~ذهب إليه الجمهور جذبه (ص) لابن عباس من جهة اليسار إلى جهة اليمين، وصلاته ~~معه وهو صبي. وأما ما تقدم من جعله صلى الله عليه وآله وسلم للغلمان صفا ~~بعد الرجال ففعل لا يدل على فساد خلافه. قوله: خير صفوف الرجال أولها فيه ~~التصريح بأفضلية PageV03P225 # الصف الأول للرجال وأنه خيرها لما فيه من إحراز الفضيلة، وقد ورد في ~~الترغيب فيه أحاديث كثيرة سيأتي ذكر بعضها. قوله: وشرها آخرها إن كان شرها ~~لما فيه من ترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول. قوله: وخير صفوف ~~النساء آخرها إنما كان خيرها لما في الوقوف فيه من البعد عن مخالطة الرجال، ~~بخلاف الوقوف في الصف الأول من صفوفهن فإنه مظنة المخالطة لهم، وتعلق القلب ~~بهم المتسبب عن رؤيتهم وسماع كلامهم ولهذا كان شرها. وفيه أن صلاة النساء ~~صفوفا جائزة من غير فرق بين كونهن مع الرجال أو منفردات وحدهن. # باب ما جاء في صلاة الرجل فذا ومن ركع أو أحرم دون الصف ثم دخله عن علي ~~بن شيبان: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف ~~فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف رواه ~~أحمد وابن ماجة. وعن وابصة بن معبد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته رواه الخمسة إلا النسائي. ~~وفي رواية قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل صلى خلف ~~الصفوف وحده فقال: يعيد الصلاة رواه أحمد. وعن أبي بكرة: أنه انتهى إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: زادك الله حرصا ولا تعد رواه أحمد ~~والبخاري وأبو داود والنسائي. وعن ابن عباس قال: أتيت النبي ms1228 صلى الله عليه ~~وسلم من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه رواه أحمد. # حديث علي بن شيبان روى الأثرم عن أحمد أنه قال: حديث حسن. قال ابن سيد ~~الناس: رواته ثقات معروفون، وهو من رواية عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن ~~أبيه، وعبد الرحمن قال فيه ابن حزم: وما نعلم أحدا عابه بأكثر من أنه لم ~~يرو عنه إلا عبد الرحمن بن بدر، وهذا ليس جرحة انتهى. وقد روى عنه أيضا ~~ابنه محمد، ووعلة بن عبد الرحمن بن رئاب، ووثقه ابن حبان. وروي له أبو داود ~~وابن ماجة. ويشهد لحديث علي PageV03P226 # بن شيبان ما أخرجه ابن حبان عن طلق مرفوعا: لا صلاة لمنفرد خلف الصف ~~وحديث وابصة بن معبد أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وحسنه الترمذي، وقال ~~ابن عبد البر: إنه مضطرب الاسناد، ولا يثبته جماعة من أهل الحديث. وقال ابن ~~سيد الناس: # ليس الاضطراب الذي وقع فيه مما يضره، وبين ذلك في شرح الترمذي له وأطال ~~وأطاب. وحديث أبي بكرة أخرجه أيضا ابن حبان. وحديث ابن عباس هو إحدى ~~الروايات التي وردت في صفة دخوله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة ~~الليل في الليلة التي بات فيها عند خالته ميمونة. والذي في الصحيحين ~~وغيرهما: أنه قام عن يساره فجعله عن يمينه. (وقد اختلف السلف) في صلاة ~~المأموم خلف الصف وحده، فقالت طائفة: لا يجوز ولا يصح. وممن قال بذلك ~~النخعي والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وحماد وابن أبي ليلى ووكيع، وأجاز ذلك ~~الحسن البصري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وفرق آخرون في ذلك ~~فرأوا على الرجل الإعادة دون المرأة، وتمسك القائلون بعدم الصحة بحديث علي ~~بن شيبان ووابصة بن معبد المذكورين وتمسك القائلون بالصحة بحديث أبي بكرة ~~قالوا: لأنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف، ولم يأمره النبي (ص) بالإعادة، ~~فيحمل الامر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على الأولى. (ومن ~~جملة) ما تمسكوا به حديث ابن عباس وجابر، إذ جاء ms1229 كل واحد منهما فوقف عن ~~يسار رسول الله (ص) مؤتما به وحده، فأدار كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه، ~~قالوا: فقد صار واحد منهما خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك ~~الإدارة، وهو تمسك غير مفيد للمطلوب، لأن المدار من اليسار إلى اليمين لا ~~يسمى مصليا خلف الصف وإنما هو مصل عن اليمين. (ومن متمسكاتهم) ما روي عن ~~الشافعي أنه كان يضعف حديث وابصة ويقول: لو ثبت لقلت به، ويجاب عنه بأن ~~البيهقي وهو من أصحابه قد أجاب عنه فقال: الخبر المذكور ثابت. قيل: الأولى ~~الجمع بين أحاديث الباب بحمل عدم الامر بالإعادة على من فعل ذلك لعذر مع ~~خشية الفوت لو انضم إلى الصف، وأحاديث الإعادة على من فعل ذلك لغير عذر. ~~وقيل: من لم يعلم ما في ابتداء الركوع على تلك الحال من النهي فلا إعادة ~~عليه كما في حديث أبي بكرة، لأن النهي عن ذلك لم يكن تقدم، ومن علم بالنهي ~~وفعل بعض الصلاة أوكلها خلف الصف لزمته الإعادة. قال ابن سيد الناس: ولا ~~يعد حكم الشروع في الركوع خلف الصف حكم PageV03P227 # الصلاة كلها خلفه، فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف ~~باطلة، ويرى أن الركوع دون الصف جائز. قال: وقد اختلف السلف في الركوع دون ~~الصف، فرخص فيه زيد بن ثابت، وفعل ذلك ابن مسعود وزيد بن وهب، وروي عن سعيد ~~بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة وابن جريج ومعمر أنهم فعلوا ذلك. ~~وقال الزهري: إن كان قريبا من الصف فعل، وإن كان بعيدا لم يفعل، وبه قال ~~الأوزاعي انتهى. قال الحافظ في التلخيص: # اختلف في معنى قوله: ولا تعد فقيل: نهاه عن العود إلى الاحرام خارج الصف، ~~وأنكر هذا ابن حبان وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجئ إلى الصلاة. وقال ابن ~~القطان الفاسي تبعا للمهلب بن أبي صفرة معناه لا تعد إلى دخولك في الصف ~~وأنت راكع فإنها كمشية البهائم، ويؤيده رواية حماد بن سلمة في ms1230 مصنفه عن ~~الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه: دخل المسجد ورسول الله (ص) يصلي وقد ركع ~~فركع ثم دخل الصف وهو راكع فلما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ~~أيكم دخل في الصف وهو راكع؟ فقال له أبو بكرة: أنا، فقال: زادك الله حرصا ~~ولا تعد. وقال غيره: بل معناه لا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعا، واحتج بما ~~رواه ابن السكن في صحيحه بلفظ: أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في ~~الصف، فلما قضى الصلاة قال: من الساعي آنفا؟ قال أبو بكرة: فقلت أنا، فقال: ~~زادك الله حرصا ولا تعد. قال في التلخيص أيضا: أنه روى الطبراني في الأوسط ~~من حديث ابن الزبير ما يعارض هذا الحديث، فأخرج من حديث ابن وهب عن ابن ~~جريج عن عطاء سمع ابن الزبير على المنبر يقول: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ~~ركوع فليركع حين يدخل، ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة. قال ~~عطاء: # وقد رأيته يصنع ذلك وقال: تفرد به ابن وهب ولم يروه عنه غير حرملة، ولا ~~يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الاسناد انتهى. وقد اختلف فيمن لم يجد فرجة ~~ولا سعة في الصف ما الذي يفعل؟ فحكى عن نصه في البويطي أنه يقف منفردا ولا ~~يجذب إلى نفسه أحدا، لأنه لو جذب إلى نفسه واحدا لفوت عليه فضيلة الصف ~~الأول، ولأوقع الخلل في الصف، وبهذا قال أبو الطيب الطبري وحكاه عن مالك. ~~وقال أكثر أصحاب الشافعي وبه قالت الهادوية: أنه يجذب إلى نفسه واحدا، ~~ويستحب للمجذوب أن يساعده، ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة والحاضر في ~~ابتدائها في ذلك، وقد روي عن عطاء وإبراهيم النخعي أن الداخل إلى الصلاة ~~والصفوف قد استوت واتصلت يجوز له أن يجذب إلى PageV03P228 # نفسه واحدا ليقوم معه، واستقبح ذلك أحمد وإسحاق، وكرهه الأوزاعي ومالك. ~~وقال بعضهم: جذب الرجل في الصف ظلم، واستدل القائلون بالجواز بما رواه ~~الطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث وابصة: أنه (ص) قال لرجل ms1231 صلى خلف ~~الصف: أيها المصلي هلا دخلت في الصف أو جررت رجلا من الصف؟ أعد صلاتك. وفيه ~~السري بن إسماعيل وهو متروك، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم ~~وفيها قيس بن الربيع وفيه ضعف. ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن ~~حيان مرفوعا: # إن جاء رجل فلم يجد أحدا فليختلج إليه رجلا من الصف فليقم معه، فما أعظم ~~أجر المختلج. وأخرج الطبراني عن ابن عباس بإسناد قال الحافظ، واه بلفظ: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر الآتي وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلا ~~يقيمه إلى جنبه. # باب الحث على تسوية الصفوف ورصها وسد خللها عن أنس أن النبي (ص) قال: ~~سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة. وعن أنس قال: كان رسول الله ~~(ص) يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: تراصوا واعتدلوا متفق عليهما. وعن ~~النعمان بن بشير قال: كان رسول الله (ص) يسوي صفوفنا كأنما يسوي به القداح ~~حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا ~~باديا صدره من الصف فقال: عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين ~~وجوهكم رواه الجماعة إلا البخاري فإن له منه: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله ~~بين وجوهكم ولأحمد وأبي داود في رواية قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب ~~صاحبه، وركبته بركبته، ومنكبه بمنكبه. # وفي الباب غير ما ذكره المصنف عند أحمد وأبي داود والنسائي قال: كان رسول ~~الله (ص) يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: # لا تختلفوا فتختلف قلوبكم الحديث. وعن أبي هريرة عند مسلم. وعن جابر بن ~~عبد الله عند عبد الرزاق. وعن ابن عمر عند أحمد وأبي داود. قوله: سووا ~~صفوفكم فيه أن تسوية الصفوف واجبة. قوله: فإن تسوية الصف من تمام الصلاة في ~~لفظ البخاري: PageV03P229 # من إقامة الصلاة والمراد بالصف الجنس. وفي رواية: فإن تسوية الصفوف وقد ~~استدل ابن حزم بذلك على وجوب التسوية قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل ms1232 شئ ~~من الواجب واجب، ونازع من ادعى الاجماع على عدم الوجوب، وروي عن عمر وبلال ~~ما يدل على الوجوب عندهما لأنهما كانا يضربان الاقدام على ذلك. قال في ~~الفتح: ولا يخفى ما فيه لا سيما وقد بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه ~~العبارة، يعني أنه رواها بعضهم بلفظ: من تمام الصلاة كما تقدم. # واستدل ابن بطال بما في البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: فإن إقامة الصف ~~من حسن الصلاة على أن التسوية سنة، قال: لأن حسن الشئ زيادة على تمامه، ~~وأورد عليه رواية: من تمام الصلاة وأجاب ابن دقيق العيد فقال: قد يؤخذ من ~~قوله تمام الصلاة الاستحباب، لأن تمام الشئ في العرف أمر خارج عن حقيقته ~~التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يطلق حسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلا ~~به، ورد بأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان ~~العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع لا العرف الحادث. ~~قوله: تراصوا بتشديد الصاد المهملة أي تلاصقوا بغير خلل. وفيه جواز الكلام ~~بين الإقامة والدخول في الصلاة. قوله: لتسون بضم التاء المثناة من فوق وفتح ~~السين وضم الواو وتشديد النون، قال البيضاوي: هذه اللام التي يتلقى بها ~~القسم، والقسم هنا مقدر، ولهذا أكده بالنون المشددة. قوله: أو ليخالفن الله ~~بين وجوهكم أي إن لم تسووا، والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على ~~سمت واحد، ويراد بها أيضا سد الخلل الذي في الصف، واختلف في الوعيد المذكور ~~فقيل: هو على حقيقته، والمراد تشويه الوجه بتحويل خلقه عن موضعه بجعله موضع ~~القفا أو نحو ذلك، فهو نظير ما تقدم فيمن رفع رأسه قبل الامام أن يجعل الله ~~رأسه رأس حمار. وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية وهي المخالفة. ~~قال في الفتح: وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام، ويؤيد الوجوب حديث ~~أبي أمامة بلفظ: لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه أخرجه أحمد وفي إسناده ضعف. ~~ومنهم من حمل ms1233 الوعيد المذكور على المجاز، قال النووي: معناه يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما تقول تغير وجه فلان أي ظهر لي من ~~وجهه كراهة، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر ~~سبب لاختلاف البواطن، ويؤيده رواية أبي داود بلفظ: أو ليخالفن الله بين ~~قلوبكم وقال القرطبي: # معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجها غير الذي يأخذه صاحبه، لأن تقدم الشخص ~~PageV03P230 # على غيره مظنة للتكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة. (والحاصل) أن ~~المراد بالوجه إن حمل على العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة ~~الانسانية أو الصفة، أو جعل القدام وراء، وإن حمل على ذات الشخص فالمخالفة ~~بحسب المقاصد أشار إلى ذلك الكرماني، ويحتمل أن يراد المخالفة في الجزاء، ~~فيجازى المسوي بخير، ومن لا يسوي بشر. قوله: كأنما يسوي بها القداح هي جمع ~~قدح بكسر القاف وإسكان الدال المهملة وهو السهم قبل أن يراش ويركب فيه ~~النصل. قوله: يلزق بضم أوله يتعدى بالهمزة والتضعيف يقال: ألزقته ولزقته. ~~قوله: منكبه المنكب مجتمع العضد والكتف. # وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سووا صفوفكم، ~~وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل، فإن الشيطان ~~يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف، يعني أولاد الضأن الصغار رواه أحمد. # الحديث، قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد بإسناد لا بأس به ~~والطبراني، وأخرج نحوه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر، وأخرجا نحوه ~~أيضا من حديث أنس. قوله: وحاذوا بين مناكبكم بالحاء المهملة والذال المعجمة ~~أي اجعلوا بعضها حذاء بعض بحيث يكون منكب كل واحد من المصلي موازيا لمنكب ~~الآخر ومسامتا له، فتكون المناكب والأعناق والاقدام على سمت واحد. قوله: ~~ولينوا في أيدي إخوانكم لفظ أبي داود عن ابن عمر: ولينوا بأيدي إخوانكم أي ~~إذا جاء المصلي ووضع يده على منكب المصلي فليلن له بمنكبه، وكذا إذا أمره ~~من يسوي الصفوف بالإشارة بيده أن يستوي في الصف أو وضع يده على منكبه ~~فليستو. وكذا إذا أراد أن يدخل في الصف فليوسع ms1234 له. قال في المفاتيح شرح ~~المصابيح: وهذا أولى وأليق من قول الخطابي: إن معنى لين المنكب السكون ~~والخشوع. قوله: وسدوا الخلل هو بفتحتين الفرجة بين الصفين كمتقدم. قوله: ~~الحذف قال النووي: بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين ثم فاء واحدتها حذفة مثل ~~قصب وقصبة وهي غنم سود صغار تكون باليمن والحجاز. # وعن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله كيف تصف ~~الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف رواه الجماعة ~~إلا البخاري PageV03P231 # والترمذي. وعن أنس: أن رسول الله (ص) قال: أتموا الصف الأول ثم الذي ~~يليه، فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله ~~وملائكته يصلون على الذين يصلون على ميامن الصفوف رواه أبو داود وابن ماجة. # وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى في ~~أصحابه تأخرا فقال لهم: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من ورائكم، لا يزال ~~قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ~~ماجة. # حديث أنس هو عند أبي داود من طريق محمد بن سليمان الأنباري وهو صدوق، ~~وبقية رجاله رجال الصحيح. وحديث عائشة رجاله رجال الصحيح على ما في معاوية ~~بن هشام من المقال. قوله: ألا تصفون بفتح التاء المثناة من فوق وضم الصاد ~~وبضم أوله مبني للمفعول، والمراد الصف في الصلاة. قوله: كما تصف الملائكة ~~فيه الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم وتعبداتهم. قوله: عند ربها كذا لفظ ~~ابن حبان، ولفظ أبي داود والنسائي: عند ربهم. قوله: فقلنا لفظ أبي داود ~~وابن حبان: قلنا. # ولفظ النسائي: قالوا. قوله: يتمون الصف الأول لفظ أبي داود: يتمون الصفوف ~~المتقدمة وفيه فضيلة إتمام الصف الأول. قوله: ويتراصون تقدم تفسيره. قوله: ~~أتموا الصف الأول فيه مشروعية إتمام الصف الأول، وقد ms1235 اختلف في الصف الأول ~~في المسجد الذي فيه منبر هل هو الخارج بين يدي المنبر أو الذي هو أقرب إلى ~~القبلة؟ فقال الغزالي في الاحياء: أن الصف الأول هو المتصل الذي في فناء ~~المنبر وما عن طرفيه مقطوع، قال: وكان سفيان يقول: الصف الأول هو الخارج ~~بين يدي المنبر، قال: ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الأول. وقال ~~النووي في شرح مسلم: الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله هو الصف ~~الذي يلي الامام، سواء جاء صاحبه مقدما أو مؤخرا، سواء تخلله مقصورة أو ~~نحوها، هذا هو الصحيح الذي جزم به المحققون. وقال طائفة من العلماء: الصف ~~الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصورة ونحوها، فإن تخلل ~~الذي يلي الامام فليس بأول، بل الأول ما لم يتخلله شئ، قال: وهذا هو الذي ~~ذكره الغزالي. وقيل: الصف الأول عبارة عن مجئ الانسان إلى المسجد أولا، وإن ~~صلى في صف آخر. قيل لبشر بن الحرث: نراك تبكر PageV03P232 # وتصلي في آخر الصفوف، فقال: إنما يراد قرب القلوب لأقرب الأجساد، ~~والأحاديث ترد هذا. قوله: إن الله وملائكته يصلون الخ، لفظ أبي داود: إن ~~الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وفيه استحباب الكون في يمين الصف ~~الأول وما بعده من الصفوف. # قوله: وليأتم بكم من وراءكم أي ليقتد بكم من خلفكم من الصفوف. وقد تمسك ~~به الشعبي على قوله: إن كل صف منهم إمام لمن وراءه وعامة أهل العلم ~~يخالفونه. قوله: لا يزال قوم يتأخرون زاد أبو داود: عن الصف الأول. قوله: ~~حتى يؤخرهم الله أي يؤخرهم الله عن رحمته وعظيم فضله، أو عن رتبة العلماء ~~المأخوذ عنهم، أو عن رتبة السابقين، وقيل: # إن هذا في المنافقين، والظاهر أنه عام لهم ولغيرهم. وفيه الحث على الكون ~~في الصف الأول والتنفير عن التأخر عنه. وقد ورد في فضيلة الصلاة في الصف ~~الأول أحاديث غير ما ذكره المصنف. منها عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي ~~وأبي داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: ms1236 # خير صفوف الرجال أولها الحديث وقد تقدم، وله حديث آخر متفق عليه: لو أن ~~الناس يعلمون ما في النداء والصف الأول وقد تقدم أيضا. وعن جابر عند ابن ~~أبي شيبة بنحو حديث أبي هريرة الأول. وعن العرباض بن سارية عند النسائي ~~وابن ماجة وأحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يستغفر للصف ~~المقدم ثلاثا وللثاني مرة وعن عبد الرحمن بن عوف عند ابن ماجة بنحو حديث ~~عائشة. وعن النعمان بن بشير بنحوه عند أحمد. وعن البراء بن عازب عند أحمد ~~وأبي داود والنسائي من حديث فيه نحو حديث عائشة أيضا. # باب هل يأخذ القوم مصافهم قبل الامام أم لا؟ # عن أبي هريرة: إن الصلاة كانت تقام لرسول الله (ص) فيأخذ الناس مصافهم ~~قبل أن يأخذ النبي (ص) مقامه رواه مسلم وأبو داود. # وعن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما قبل أن يخرج إلينا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إلينا فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب ~~وقال لنا: # مكانكم، فمكثنا على هيئتنا يعني قياما، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ~~ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه متفق عليه. ولأحمد والنسائي: حتى إذا قام في ~~مصلاه وانتظرنا أن PageV03P233 # يكبر انصرف وذكر نحوه. وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت رواه الجماعة إلا ابن ~~ماجة، ولم يذكر البخاري فيه قد خرجت. # قوله: إن الصلاة كانت تقام المراد بالإقامة ذكر الألفاظ المشهور المشعرة ~~بالشروع في الصلاة. قوله: فيأخذ الناس مصافهم يعني مكانهم من الصف. قوله: # قبل أن يأخذ النبي (ص) فيه اعتدال الصفوف قبل وصول الامام إلى مكانه. ~~قوله: قبل أن يخرج فيه جواز قيام المؤتمين وتعديل الصفوف قبل خروج الامام، ~~وهو معارض لحديث أبي قتادة، ويجمع بينهما بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، ~~أو بأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سببا للنهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، ~~وأنهم كانوا يقومون ساعة ms1237 تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق ~~عليهم انتظاره. # قوله: ذكر أنه جنب قد تقدم الكلام فباب حكم الامام إذا ذكر أنه محدث. # قوله: مكانكم قد تقدم أنه منصوب بفعل مقدر. قوله: على هيئتنا بفتح الهاء ~~بعدها ياء تحتانية ساكنة ثم همزة مفتوحة ثم مثناة فوقانية. والمراد بذلك ~~أنهم امتثلوا أمره في قوله: مكانكم فاستمروا على الهيئة أي الكيفية التي ~~تركهم عليها وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة. وفي رواية للكشميهني: على ~~هينتنا بكسر الهاء وبعد الياء نون مفتوحة والهينة الرفق. قوله: يقطر في ~~رواية للبخاري: ينطف وهي بمعنى الأولى. قوله: وانتظرنا أن يكبر فيه أنه ذكر ~~قبل أن يدخل في الصلاة، وقد تقدم الاختلاف في ذلك. قوله: إذا أقيمت الصلاة ~~أي ذكرت ألفاظ الإقامة كما تقدم. # قوله: حتى تروني قد خرجت فيه أن قيام المؤتمين في المسجد إلى الصلاة يكون ~~عند رؤية الامام، وقد اختلف في ذلك، فذهب الأكثرون إلى أنهم يقومون إذا كان ~~الامام معهم في المسجد عند فراغ الإقامة. وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال ~~المؤذن: # قد قامت الصلاة رواه ابن المنذر وغيره. وعن سعيد بن المسيب: إذا قال ~~المؤذن: # الله أكبر وجب القيام، فإذا قال: قامت الصلاة كبر الامام. وقال مالك في ~~الموطأ: لم اسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك ~~على طاقة الناس فإن فيهم الثقيل والخفيف. وأما إذا لم يكن الامام في ~~المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم PageV03P234 # يقومون حين يرونه، وخالف البعض في ذلك، وحديث الباب حجة عليه. (وفي حديث ~~الباب) جواز الإقامة والامام في منزله إذا كان يسمعها، وتقدم إذنه في ذلك، ~~وهو معارض لحديث جابر بن سمرة أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فلأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل ms1238 أن يراه غالب الناس، ثم إذا ~~رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم. ويشهد له ما رواه عبد ~~الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب: أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: الله ~~أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقامه حتى ~~تعتدل الصفوف وقد تقدم مثل هذا في باب الاذان في أول الوقت. # باب كراهة الصف بين السواري للمأموم عن عبد الحميد بن محمود قال: صلينا ~~خلف أمير من الامراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال ~~أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله (ص) رواه الخمسة إلا ابن ~~ماجة. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونطرد عنها طردا رواه ابن ماجة. وقد ثبت ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين. # حديث أنس حسنه الترمذي وعبد الحميد المذكور. قال أبو حاتم: هو شيخ، وقال ~~الدارقطني: كوفي ثقة يحتج به. وقد ضعف أبو محمد عبد الحق هذا الحديث بعبد ~~الحميد ابن محمود المذكور وقال: ليس ممن يحتج بحديثه. قال أبو الحسن بن ~~القطان رادا عليه: # ولا أدري من أنبأه بهذا، ولم أر أحدا ممن صنف الضعفاء ذكره فيهم، ونهاية ~~ما يوجد فيه مما يوهم ضعفا قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عنه: هو شيخ، وهذا ~~ليس بتضعيف، وإنما هو إخبار بأنه ليس من أعلام أهل العلم، وإنما هو شيخ ~~وقعت له روايات أخذت عنه. وقد ذكره أبو عبد الرحمن النسائي فقال: هو ثقة ~~على شحه بهذه اللفظة انتهى. # وأما حديث معاوية بن قرة عن أبيه ففي إسناده هارون بن مسلم البصري وهو ~~مجهول PageV03P235 # كما قال أبو حاتم، ويشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أنس بلفظ: كنا ~~ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها. وقال: لا تصلوا بين الأساطين ~~وأتموا الصفوف. وأما صلاته صلى الله عليه وآله ms1239 وسلم لما دخل الكعبة بين ~~الساريتين فهو في الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم. (والحديثان) ~~المذكوران في الباب يدلان على كراهة الصلاة بين السواري، وظاهر حديث معاوية ~~بن قرة عن أبيه. وحديث أنس الذي ذكره الحاكم، أن ذلك محرم، والعلة في ~~الكراهة ما قاله أبو بكر بن العربي من أن ذلك إما لانقطاع الصف أو لأنه ~~موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس: # والأول أشبه، لأن الثاني محدث، قال القرطبي: روي أن سبب كراهة ذلك أنه ~~مصلى الجن المؤمنين. وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم، ~~قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه قاله أحمد ~~وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك انتهى. وبالكراهة قال النخعي: ~~وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. ~~قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ورخص فيه أبو حنيفة ~~ومالك والشافعي وابن المنذر قياسا على الامام والمنفرد، قالوا: وقد ثبت أن ~~النبي (ص) صلى في الكعبة بين ساريتين. # قال ابن رسلان: وأجازه الحسن وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير، وإبراهيم ~~التيمي، وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين. قال ~~ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه ~~للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، وقد صلى (ص) في الكعبة بين سواريها ~~انتهى. وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في حال الضيق لقوله: ~~فاضطرنا الناس، ويمكن أن يقال: إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ ~~قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن ~~الصف بين السواري، ولم يقل كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ففيه دليل على ~~التفرقة بين الجماعة والمنفرد، ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي ~~عن مطلق الصلاة، فيحمل المطلق على المقيد، ويدل على ذلك صلاته صلى الله عيه ~~وسلم بين الساريتين، ms1240 فيكون النهي على هذا مختصا بصلاة المؤتمين بين السواري ~~دون صلاة الامام والمنفرد، وهذا أحسن ما يقال. ومتقدم من قياس المؤتمين على ~~الامام والمنفرد فاسد الاعتبار لمصادمته لأحاديث الباب. PageV03P236 # باب وقوف الامام أعلى من المأموم وبالعكس عن همام: أن حذيفة أم الناس ~~بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه فلما فرغ من صلاته قال: ~~ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى قد ذكرت حين مددتني رواه أبو ~~داود. وعن ابن مسعود: قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم ~~الامام فوق شئ والناس خلفه يعني أسفل منه رواه الدارقطني. وعن سهل بن سعد: ~~أن النبي (ص) جلس على المنبر في أول يوم وضع فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل ~~القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: أيها الناس ~~إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي متفق عليه. ومن ذهب إلى الكراهة ~~حمل هذا على العلو اليسير ورخص فيه. وعن أبي هريرة: أنه صلى على ظهر المسجد ~~بصلاة الامام. وعن أنس: أنه كان يجمع في دار أبي نافع عن يمين المسجد في ~~غرفة قدر قامة منها لها باب مشرف على المسجد بالبصرة، فكان أنس يجمع فيه ~~ويأتم بالامام رواهما سعيد في سننه. # الحديث الأول صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وفي رواية للحاكم ~~التصريح برفعه. ورواه أبو داود من وجه آخر وفيه: أن الامام كان عمار بن ~~ياسر، والذي جبذه حذيفة وهو مرفوع ولكن فيه مجهول والأول أقوى كما قال ~~الحافظ. وحديث ابن مسعود ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وأثر أبي هريرة ~~أخرجه أيضا الشافعي والبيهقي، وذكره البخاري تعليقا. قوله: بالمدائن هي ~~مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد. قوله: # على دكان بضم الدال المهملة وتشديد الكاف الدكان الحانوت، قيل: النون ~~زائدة، وقيل: # أصلية، وهي الدكة بفتح الدال وهو المكان المرتفع يجلس عليه. قوله: كانوا ~~ينهون بفتح الياء والهاء، ورواية ابن حبان أليس قد نهى عن هذا. قوله: حين ms1241 ~~مددتني أي مددت قميصي وجبذته إليك، ورواية ابن حبان: ألم ترني قد تابعتك ~~وفي رواية لأبي داود: قال عمار لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. وقد استدل ~~بهذا الحديث على أنه يكره ارتفاع الامام في المجلس، قال ابن رسلان: وإذا ~~كره أن يرتفع الامام على المأموم الذي يقتدي به فلان يكره ارتفاع المأموم ~~على إمامه أولى. ويؤيد الكراهة حديث ابن مسعود، وظاهر النهي فيه ~~PageV03P237 # أن ذلك محرم لولا ما ثبت عنه (ص) من الارتفاع على المنبر. وقد حكى المهدي ~~في البحر الاجماع على أنه لا يضر الارتفاع قدر القامة من المؤتم في غير ~~المسجد إلا بحذاء رأس الامام أو متقدما، واستدل لذلك أيضا بفعل أبي هريرة ~~المذكور في الباب وقال: # المذهب أن ما زاد فسد، واستدل على ذلك بأن أصل البعد التحريم للاجماع في ~~المفرط، ولا دليل على جواز ما تعدى القامة، ورد بأن الأصل عدم المانع، ~~فالدليل على مدعيه، وذهب الشافعي، إلى أنه يعفى قدر ثلاثمائة ذراع، واختلف ~~أصحابه في وجهه. وقال عطاء: لا يضر البعد في الارتفاع مهما علم المؤتم بحال ~~الامام، وأما ارتفاع المؤتم في المسجد فذهبت الهادوية إلى أنه لا يضر ولو ~~زاد على القامة، وكذلك قالوا: لا يضر ارتفاع الامام قدر القامة في المسجد ~~وغيره، وإذا زاد على القامة كان مضرا من غير فرق بين المسجد وغيره. # (والحاصل) من الأدلة منع ارتفاع الامام على المؤتمين من غير فرق بين ~~المسجد وغيره، وبين القامة ودونها وفوقها لقول أبي سعيد: إنهم كانوا ينهون ~~عن ذلك، وقول ابن مسعود: نهى رسول الله (ص) الحديث. وأما صلاته صلى الله ~~عليه وآله وسلم على المنبر فقيل: إنه إنما فعل ذلك لغرض التعليم كما يدل ~~عليه قوله: ولتعلموا صلاتي. وغاية ما فيه جواز وقوف الامام على محل أرفع من ~~المؤتمين إذا أراد تعليمهم. قال ابن دقيق العيد: من أراد أن يستدل به على ~~جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد ~~الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة ms1242 اعتباره فلا بد منه انتهى. على أنه قد ~~تقرر في الأصول أن النبي (ص) إذا نهى عن شئ نهيا يشمله بطريق الظهور ثم فعل ~~ما يخالفه كان الفعل مخصصا له من العموم دون غيره، حيث لم يقم دليل على ~~التأسي به في ذلك الفعل، فلا تكون صلاته على المنبر معارضة للنهي عن ~~الارتفاع باعتبار الأمة، وهذا على فرض تأخر صلاته ص) على المنبر عن النهي ~~عن الارتفاع، وعلى فرض تقدمها أو التباس المتقدم من المتأخر فيه الخلاف ~~المعروف في الأصول في التخصيص بالمتقدم والملتبس. وأما ارتفاع المؤتم فإن ~~كان مفرطا بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم ~~بأفعال الامام فهو ممنوع للاجماع من غير فرق بين المسجد وغيره، وإن كان دون ~~ذلك المقدار فالأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع، ويعضد هذا الأصل فعل ~~أبي هريرة المذكور ولم ينكر عليه. قوله: فكبر وهو عليه ثم ركع لم يذكر ~~القيام بعد الركوع في هذه الرواية، وكذا لم يذكر القراءة بعد التكبير، ~~PageV03P238 # وقد بين ذلك البخاري في رواية له عن سفيان عن أبي حازم ولفظه: كبر فقرأ ~~وركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى والقهقرى بالقصر المشي إلى خلف، والحامل ~~عليه المحافظة على استقبال القبلة. (وفي الحديث) دليل على جواز العمل في ~~الصلاة وقد تقدم تحقيقه. قوله: # ولتعلموا صلاتي بكسر اللام وفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام وفيه أن ~~الحكمة في صلاته في أعلى المنبر أن يراه من قد يخفى عليه ذلك إذا صلى على ~~الأرض. قوله: # أنه كان يجمع الخ. فيه جواز كون المؤتم في مكان في خارج المسجد، قال في ~~البحر: ويصح كون المؤتم في داره والامام في المسجد إن كان يرى الامام أو ~~المعلم ولم يتعد القامة انتهى. # باب ما جاء في الحائل بين الإمام والمأموم عن عائشة قالت: كان لنا حصيرة ~~نبسطها بالنهار ونحتجر بها بالليل، فصلى فيها رسول الله (ص) ذات ليلة فسمع ~~المسلمون قراءته فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الثانية كثروا فاطلع عليهم ms1243 ~~فقال: أكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا رواه أحمد. # الحديث قد تقدم نحوه عن عائشة عند البخاري في باب انتقال المنفرد إماما ~~في النوافل. وفيه تصريح بأنه كان بينه وبينهم جدار الحجرة، وقد تقدم نحو ~~الحديث أيضا عنها في باب صلاة التراويح وفيه أنها قالت: فأمرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي. وقوله: أكلفوا من ~~الأعمال إلى آخر الحديث هو عند الأئمة الستة من حديثها بلفظ: خذوا من ~~الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا والملال الاستثقال من الشئ ~~ونفور النفس عنه بعد محبته وهو محال على الله تعالى، فإطلاقه عليه من باب ~~المشاكلة نحو: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * (سورة الشورى: 40) وهذا أحسن ~~محامله. وفي بعض طرقه عن عائشة: فإن الله لا يمل من التواب حتى تملوا من ~~العمل أخرجه ابن جرير في تفسيره. وقيل معناه: إن الله لا يمل أبدا مللتم أم ~~لم تملوا، مثل قولهم: حتى يشيب الغراب. وقيل: إن معناه أن الله لا يقطع ~~عنكم فضله حتى تملوا سؤاله. (والحديث) يدل على أن الحائل بين الامام ~~والمؤتمين غير مانع من صحة PageV03P239 # الصلاة. قال في البحر: ولا يضر بعد المؤتم في المسجد ولا الحائل ولو فوق ~~القامة مهما علم الإمام إجماعا اه. وكذلك لا يضر الحائل في غير المسجد ولو ~~فوق القامة إلا أن يمنع من ذلك مانع. # باب ما جاء فيمن يلازم بقعة بعينها من المسجد عن عبد الرحمن بن شبل: أن ~~النبي (ص) نهى في الصلاة عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن ~~الرجل المقام الواحد كإيطان البعير رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن سلمة بن ~~الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف وقال: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتحرى الصلاة عندها متفق عليه. ولمسلم: ~~أن سلمة كان يتحرى موضع المصحف يسبح فيه، وذكر أن النبي (ص) كان يتحرى ذلك ~~المكان. # حديث عبد الرحمن بن ms1244 شبل سكت عنه أبو داود والمنذري، والراوي له عن عبد ~~الرحمن بن شبل هو تميم بن محمود، قال البخاري: في حديثه نظر. قوله: عن نقرة ~~الغراب المراد بها كما قال ابن الأثير: ترك الطمأنينة وتخفيف السجود، وأن ~~لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل والشرب منه ~~كالجيفة. قوله: وافتراش السبع هو أن يقع ساعديه على الأرض كالذئب وغيره، ~~كما يقعد الكلب في بعض حالاته. # قوله: وأن يوطن الرجل قال ابن رسلان: بكسر الطاء المشددة وفيه أن قوله في ~~الحديث: # كإيطان يدل على عدم التشديد، لأن المصدر على إفعال لا يكون إلا من أفعل ~~المخفف، ومعناه كما قال ابن الأثير أن يألف الرجل مكانا معلوما في المسجد ~~يصلي فيه ويختص به. # قوله: كإيطان البعير المراد كما يوطن البعير المبرك الدمث الذي قد أوطنه ~~واتخذه مناخا له فلا يأوي إلا إليه. وقيل معناه أن يبرك على ركبتيه قبل ~~يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير على المكان الذي أوطنه، يقال: أوطنت ~~الأرض ووطنتها واستوطنتها أي اتخذتها وطنا ومحلا. قوله: عند الأسطوانة هي ~~بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الطاء وهي السارية. قوله: التي عند ~~المصحف هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به، ووقع عند مسلم بلفظ: يصلي ~~وراء الصندوق وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه. قال الحافظ: PageV03P240 # والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة ~~المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، قال: وروي عن عائشة أنها كانت ~~تقول: لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام، وأنها أسرتها إلى ابن الزبير ~~فكان يكثر الصلاة عندها، قال: ثم وجدت ذلك في تاريخ المدينة لابن النجار ~~وزاد: أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وذكره قبله محمد بن الحسن ~~في أخبار المدينة. (والحديث الأول) يدل على كراهة اعتياد الرجل بقعة من ~~بقاع المسجد، ولا يعارضه الحديث الثاني لما تقرر في الأصول أن فعله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يكون مخصصا له من القول الشامل له بطريق الظهور كما ~~تقدم ms1245 غير مرة إذا لم يكن فيه دليل التأسي، وعلة النهي عن المواظبة على مكان ~~في المسجد ما سيأتي في الباب الذي بعد هذا من مشروعية تكثير مواضع العبادة. ~~قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق حديث سلمة ما لفظه: قلت وهذا محمول على ~~النفل، ويحمل النهي على من لازم مطلقا للفرض والنفل اه. # باب استحباب التطوع في غير موضع المكتوبة عن المغيرة بن شعبة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يصلي الامام في مقامه الذي صلى فيه ~~المكتوبة حتى يتنحى عنه رواه ابن ماجة وأبو داود. # وعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر، ~~أو عن يمينه أو عن شماله؟ رواه أحمد وأبو داود. ورواه ابن ماجة وقالا يعني ~~في السبحة. # الحديث الأول في إسناده عطاء الخراساني ولم يدرك المغيرة بن شعبة، كذا ~~قال أبو داود. قال المنذري: وما قاله ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في ~~السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور. ~~قال الخطيب: أجمع العلماء على ذلك، وقيل: ولد قبل وفاته بسنة. والحديث ~~الثاني في إسناده إبراهيم بن إسماعيل، قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول. ~~قوله: حتى يتنحى لفظ أبي داود: حتى يتحول. قوله: أيعجز بكسر الجيم. قوله: ~~يعني السبحة أي التطوع. (والحديثان) يدلان على مشروعية انتقال المصلي عن ~~مصلاه الذي صلى فيه لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، أما PageV03P241 # الامام فبنص الحديث الأول وبعموم الثاني. وأما المؤتم والمنفرد فبعموم ~~الحديث الثاني وبالقياس على الامام والعلة في ذلك تكثير مواضع العبادة كما ~~قال البخاري والبغوي، لأن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى: * ~~(يومئذ تحدث أخبارها) * (الزلزلة: 4) أي تخبر بما عمل عليها. وورد في تفسير ~~قوله تعالى: * (فما بكت عليهم السماء والأرض) * (الدخان: 29) إن المؤمن إذا ~~مات بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء. وهذه العلة تقتضي أيضا ~~أن ينتفل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل ms1246 لكل صلاة يفتتحها من أفراد ~~النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لحديث النهي: عن أن توصل ~~صلاة بصلاة حتى يتكلم المصلي أو يخرج أخرجه مسلم وأبو داود. # كتاب صلاة المريض عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن ~~لم تستطع فعلى جنبك رواه الجماعة إلا مسلما. وزاد النسائي: فإن لم تستطع ~~فمستلقيا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يصلي المريض قائما إن استطاع، فإن ~~لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ~~ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن ~~لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة رواه ~~الدارقطني. # حديث علي في إسناده حسين بن زيد، ضعفه ابن المديني والحسن بن الحسين ~~العرني. قال الحافظ: وهو متروك. وقال النووي: هذا حديث ضعيف. (وفي الباب) ~~عن جابر عند البزار والبيهقي في المعرفة: أن النبي (ص) عاد مريضا فرآه يصلي ~~على وسادة فأخذها فرمى بها وأخذ عودا ليصلي عليه فأخذه فرمى به، وقال (ص): ~~صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك. قال ~~البزار: لا نعلم PageV03P242 # أحدا رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي. قال الحافظ: ثم غفل عنه فأخرجه ~~من حديث عبد الوهاب بن عطاء عن سفيان نحوه. وقد سئل أبو حاتم فقال: الصواب ~~عن جابر موقوف ورفعه خطأ، قيل له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا ~~الحديث مرفوعا، فقال: ليس بشئ وقد قوي إسناده في بلوغ المرام. وروى ~~الطبراني نحوه من حديث طارق ابن شهاب عن ابن عمر قال: عاد النبي (ص) رجلا ~~من أصحابه مريضا فذكره وروى الطبراني أيضا من حديث ابن عباس مرفوعا: يصلي ~~المريض قائما، فإن ms1247 نالته مشقة صلى نائما يومئ برأسه، فإن نالته مشقة سبح ~~قال في التلخيص: وفي إسنادهما ضعف، وحديث عمران يدل على أنه يجوز لمن حصل ~~له عذر لا يستطيع معه القيام أن يصلي قاعدا، ولمن حصل له عذر لا يستطيع معه ~~القعود أن يصلي على جنبه، والمعتبر في عدم الاستطاعة عند الشافعية هو ~~المشقة أو خوف زيادة المرض أو الهلاك لا مجرد التألم، فإنه لا يبيح ذلك عند ~~الجمهور، وخالف في ذلك المنصور بالله. وظاهر قوله: فقاعدا أنه يجوز أن يكون ~~القعود على أي صفة شاء المصلي، وهو مقتضى كلام الشافعي في البويطي. وقال ~~الهادي والقاسم والمؤيد بالله: أنه يتربع واضعا ليديه على ركبتيه. وقال زيد ~~بن علي والناصر والمنصور: أنه كقعود التشهد وهو خلاف في الأفضل والكل جائز. ~~والمراد بقوله: فعلى جنبك هو الجنب الأيمن كما في حديث علي، وإلى ذلك ذهب ~~الجمهور، قالوا: ويكون كتوجه الميت في القبر. وقال الهادي وهو مروي عن أبي ~~حنيفة وبعض الشافعية: أنه يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، وحديثا ~~الباب يردان عليهم، لان الشارع قد اقتصر في الأول منهما على الصلاة على ~~الجنب عند تعذر القعود، وفي الثاني قدم الصلاة على الجنب على الاستلقاء. ~~وحديث علي رضي الله عنه يدل على أن من لم يستطع أن يركع ويسجد قاعدا يومئ ~~للركوع والسجود، ويجعل الايماء لسجوده أخفض من الايماء لركوعه، وأن من لم ~~يستطع الصلاة على جنبه يصلي مستلقيا جاعلا رجليه مما يلي القبلة. وظاهر ~~الأحاديث المذكورة في الباب أنه إذا تعذر الايماء من المستلقي لم يجب عليه ~~شئ بعد ذلك. وقيل: يجب الايماء بالعينين. وقيل: بالقلب. # وقيل: يجب إمرار القرآن على القلب والذكر على اللسان ثم على القلب، ويدل ~~على ذلك قول الله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * (التغابن: 16) وقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أمرتم بأمر PageV03P243 # فأتوا منه ما استطعتم والبواسير المذكورة في حديث عمران قيل هي بالباء ~~الموحدة، وقيل بالنون. والأول ورم في باطن المقعدة، والثاني قرحة فاسدة. # باب ms1248 الصلاة في السفينة عن ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: سئل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كيف أصلي في السفينة؟ قال: صل فيها قائما إلا أن تخاف ~~الغرق رواه الدارقطني وأبو عبد الله الحاكم على شرط الصحيحين. وعن عبد الله ~~بن أبي عتبة قال: صحبت جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة في ~~سفينة فصلوا قياما في جماعة أمهم بعضهم وهم يقدرون على الجد رواه سعيد في ~~سننه. # قوله: صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق فيه أن الواجب على من يصلي في ~~السفينة القيام، ولا يجوز له القعود إلا عند خشية الغرق. ويؤيد ذلك ~~الأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب القيام في مطلق صلاة الفريضة، فلا يصار ~~إلى جواز القعود في السفينة ولا غيرها إلا بدليل خاص، وقد قدمنا ما يدل على ~~الترخيص في صلاة الفريضة على الراحلة عند العذر، والرخص لا يقاس عليها، ~~وليس راكب السفينة كراكب الدابة لتمكنه من الاستقبال. ويقاس على مخافة ~~الغرق المذكورة في الحديث ما ساواها من الاعذار. قوله: # وهم يقدرون على الجد بضم الجيم وتشديد الدال هو شاطئ البحر. والمراد أنهم ~~يقدرون على الصلاة في البر، وقد صحت صلاتهم في السفينة مع اضطرابها. وفيه ~~جواز الصلاة في السفينة وإن كان الخروج إلى البر ممكنا. # أبواب صلاة المسافر باب اختيار القصر وجواز الاتمام عن ابن عمر قال: صحبت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر ~~وعمر وعثمان كذلك متفق عليه. وعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن PageV03P244 # خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس، قال: عجبت مما عجبت منه، ~~فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته رواه الجماعة إلا البخاري. # قوله: وكان لا يزيد في السفر على ركعتين فيه أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لازم القصر في السفر ولم ms1249 يصل فيه تماما. ولفظ الحديث في صحيح مسلم: ~~صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز ~~وجل، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت عمر ~~فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين ~~حتى قبضه الله عز وجل. وظاهر هذه الرواية وكذا الرواية التي ذكرها المصنف ~~أن عثمان لم يصل في السفر تماما. وفي رواية لمسلم عن ابن عمر أنه قال: ومع ~~عثمان صدرا من خلافته ثم أتم. وفي رواية: ثمان سنين أو ست سنين. قال ~~النووي: # وهذا هو المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته، وتأول العلماء هذه ~~الرواية أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى، والرواية ~~المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الاتمام بمنى خاصة. ~~وقد صرح في رواية بأن إتمام عثمان كان بمنى. وفي البخاري ومسلم: أن عبد ~~الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقيل في ذلك لعبد الله ~~بن مسعود فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنى ~~ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ~~ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان. قوله: عجبت مما عجبت منه. وفي ~~رواية لمسلم: عجيب ما عجبت منه والرواية الأولى هي المشهورة المعروفة كما ~~قال النووي. قوله: صدقة تصدق الله بها عليكم فيه جواز قول القائل: تصدق ~~الله علينا. واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي: وهو غلط ~~ظاهر. # (واعلم) أنه قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أم رخصة والتمام أفضل، ~~فذهب إلى الأول الحنفية والهادوية. وروي عن علي وعمر ونسبه النووي إلى كثير ~~من أهل العلم. قال الخطابي في المعالم: كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء ~~الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي، وعمر، وابن عمر، ms1250 ~~وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والحسن، وقال حماد بن ~~سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعا، PageV03P245 # وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت اه. وإلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد. ~~قال النووي وأكثر العلماء: وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس، قال ابن ~~المنذر: وقد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب. قال النووي: ~~ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه ~~يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة. وعن بعضهم ~~كونه سفر طاعة. (احتج القائلون) بوجوب القصر بحجج. الأولى: ملازمته (ص) ~~للقصر في جميع أسفاره كما في حديث ابن عمر المذكور في الباب، ولم يثبت عنه ~~(ص) أنه أتم الرباعية في السفر البتة. كما قال ابن القيم، وأما حديث عائشة ~~الآتي المشتمل على أنه (ص) أتم الصلاة في السفر فسيأتي أنه لم يصح، ويجاب ~~عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب. كما ذهب إلى ذلك جمهور ~~أئمة الأصول وغيرهم. الحجة الثانية: # حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ، منها: فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة ~~السفر، وأتمت صلاة الحضر، وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا ~~كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على ~~أربع في الحضر، وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة. منها: أن الحديث من قول ~~عائشة غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتا لنقل ~~تواترا، وقد قدمنا الجواب عن هذه الأجوبة في أول كتاب الصلاة في الموضع ~~الذي ذكر فيه المصنف حديث عائشة. ومنها: أن المراد يقولها فرضت أي قدرت وهو ~~خلاف الظاهر. ومنها: ما قال النووي أن المراد بقولها فرضت يعني لمن أراد ~~الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة ~~السفر على جواز الاقتصار، وهو تأويل متعسف لا يعول على مثله. ومنها: # المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في ms1251 عدم وجوب القصر وسيأتي ~~ويأتي الجواب عنها. الحجة الثالثة: ما في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: ~~إن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم ~~أربعا، والخوف ركعة فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله عز وجل أنه فرض ~~صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكى أن الله فرض ذلك بلا ~~برهان. والحجة الرابعة: حديث عمر عند النسائي وغيره: صلاة الأضحى ركعتان، ~~وصلاة الفجر ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان تمام غير ~~قصر على لسان محمد (ص) وسيأتي، وهو يدل على PageV03P246 # أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعا ثم قصرت. ~~وقوله: # على لسان محمد تصريح بثبوت ذلك من قوله (ص) الحجة الخامسة: # حديث ابن عمر الآتي بلفظ: أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر. (واحتج ~~القائلون) بأن القصر رخصة والتمام أفضل بحجج. الأولى: منها قول الله تعالى: ~~* (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * (النساء: 101) ونفي الجناح لا ~~يدل على العزيمة بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من ~~شئ أطول منه. وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف لا في قصر ~~العدد، لما علم من تقدم شرعية قصر العدد. قال في الهدى وما أحسن ما قال: ~~وقد يقال إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد ~~بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وجد الامر أن ~~أبيح القصران، فيصلون صلاة خوف مقصورا عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران ~~وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد ~~السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى ~~العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وجد السفر والامن ~~قصر العدد واستوفيت الأركان وصليت صلاة أمن، وهذا أيضا نوع قصر، وليس ~~بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى ~~تامة باعتبار تمام أركانها وإن ms1252 لم تدخل في الآية اه. الحجة الثانية: قوله ~~(ص) في حديث الباب: صدقة تصدق الله بها عليكم فإن الظاهر من قوله: صدقة أن ~~القصر رخصة فقط. وأجيب بأن الامر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو ~~المطلوب. # الحجة الثالثة: ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم ~~المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض، كذا قال النووي في شرح مسلم، ولم نجد في ~~صحيح مسلم قوله: فمنهم القاصر، ومنهم المتم وليس فيه إلا أحاديث الصوم ~~والافطار، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك ~~وقررهم عليه، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرر أن إجماع ~~الصحابة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك ~~مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم علي وعثمان لما أتم بمنى وتأولوا له ~~تأويلات. # قال ابن القيم: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع ~~وتزوج فيه، PageV03P247 # أو كان له به زوجة أتم، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما ~~قدمت تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا تأهل رجل ببلد فليصل به ~~صلاة مقيم. ورواه أيضا عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده أيضا. وقد أعله ~~البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه. الحجة ~~الرابعة: حديث عائشة الآتي وسيأتي الجواب عنه، وهذا النزاع في وجوب القصر ~~وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب. وأما دعوى أن ~~التمام أفضل فمدفوعة بملازمته (ص) للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور التمام ~~عنه كما تقدم، ويبعد أن يلازم (ص) طول عمره المفضول ويدع الأفضل. # وعن عائشة قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة في رمضان ~~فأفطر وصمت وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال: ~~أحسنت يا عائشة رواه الدارقطني وقال: هذا ms1253 إسناد حسن. وعن عائشة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم رواه ~~الدارقطني وقال إسناد صحيح. # الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي والبيهقي بزيادة: أن عائشة اعتمرت مع ~~رسول الله (ص) من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قالت: بأبي أنت وأمي ~~يا رسول الله أتممت وقصرت. الحديث وفي إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن ~~بن الأسود بن يزيد النخعي عنها، والعلاء بن زهير قال ابن حبان: كان يروى عن ~~الثقات ما لا يشبه حديث الاثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الاثبات. ~~وقال ابن معين: ثقة، وقد اختلف في سماع عبد الرحمن منها، فقال الدارقطني: ~~أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قال الحافظ: وهو كما قال: ففي تاريخ ~~البخاري وغيره ما يشهد لذلك. وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير ولم يسمع ~~منها. وادعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها، وفي رواية الدارقطني ~~عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة، قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه عن ~~عائشة فقد أخطأ. واختلف قول الدارقطني فيه فقال في السنن: إسناده حسن، وقال ~~في العلل: المرسل أشبه. قال في البدر المنير: إن في متن هذا الحديث نكارة، ~~وهو كون عائشة خرجت معه في عمرة رمضان، والمشهور أنه (ص) لم يعتمر إلا أربع ~~عمر، ليس منهن شئ في رمضان بل كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته فكان ~~إحرامها PageV03P248 # في ذي القعدة وفعلها في ذي الحجة. قال: هذا هو المعروف في الصحيحين ~~وغيرهما، قال: # وتمحل بعض شيوخنا الحافظ في الجواب عن هذا الاشكال فقال: لعل عائشة ممن ~~خرج مع النبي (ص) في سفره عام الفتح، وكان سفره ذلك في رمضان، ولم يرجع من ~~سفره ذلك حتى اعتمر عمرة الجعرانة، فأشارت بالقصر والاتمام والفطر والصيام ~~والعمرة إلى ما كان في تلك السفرة. قال: قال شيخنا وقد روي من حديث ابن ~~عباس أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في رمضان، ثم رأيت بعد ذلك ms1254 القاضي عياضا ~~أجاب بهذا الجواب فقال: لعل هذه عملها في شوال وكان ابتداء خروجها في ~~رمضان. وظاهر كلام أبي حاتم ابن حبان أنه (ص) اعتمر في رمضان، فإنه قال في ~~صحيحه: اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر، الأولى: عمرة القضاء سنة القابل ~~من عام الحديبية، وكان ذلك في رمضان. ثم الثانية حيث فتح مكة وكان فتحها في ~~رمضان. ثم خرج منها قبل هوازن وكان من أمره ما كان، فلما رجع وبلغ الجعرانة ~~قسم الغنائم بها واعتمر منها إلى مكة وذلك في شوال، واعتمر الرابعة في حجته ~~وذلك في ذي الحجة سنة عشر من الهجرة. واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد ~~بن عبد الواحد المقدسي في كلام له على هذا الحديث وقال: وهم في هذا في غير ~~موضع، وذكر أحاديث في الرد عليه. وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه وطعن ~~فيه ورد عليه ابن النحوي. قال في الهدى بعد ذكره لهذا الحديث: وسمعت شيخ ~~الاسلام ابن تيمية يقول: هذا حديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي ~~بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الصحابة وهي تشاهدهم ~~يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين، ~~فزيدت في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن بها أنها تزيد على فرض ~~الله وتخالف رسول الله وأصحابه. وقال الزهري لهشام لما حدثه عن أبيه عنها ~~بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ قال: تأولت كما تأول عثمان، فإذا كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد حسن فعلها فأقرها عليه فما للتأويل حينئذ ~~وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير وقد أخبر ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين، ~~ولا أبو بكر، ولا عمر أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون ~~وأما بعد موته فإنها أتمت كما أتم عثمان وكلاهما تأول تأويلا، والحجة في ~~روايتهم لا في تأويل الواحد منهم ms1255 مع مخالفة غيره له اه. والحديث الثاني صحح ~~إسناد الدارقطني PageV03P249 # كما ذكره المصنف، قال في التلخيص: وقد استنكره أحمد وصحته بعيدة، فإن ~~عائشة كانت تتم. وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان كما في الصحيح، فلو ~~كان عندها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية لم يقل عروة عنها أنها ~~تأولت. قال في الهدى بعد ذكر هذا الحديث: وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية ~~يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقد روي كان يقصر، ~~وتتم الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذلك يفطر ~~وتصوم، قال: قال شيخنا: وهذا باطل، ثم ذكر نحو الكلام السابق من استبعاد ~~مخالفة عائشة لرسول الله (ص) والصحابة، وكذا ضبط الحافظ في التلخيص لفظ تتم ~~وتصوم في هذا الحديث بالمثناة من فوق. (وقد استدل) بحديثي الباب القائلون ~~بأن القصر رخصة، وقد تقدم ذكرهم، ويجاب عنهم بأن الحديث الثاني لا حجة فيه ~~لهم، لما تقدم من أن لفظ تتم وتصوم بالفوقانية، لأن فعلها على فرض عدم ~~معارضته لقوله وفعله (ص) لا حجة فيه، فكيف إذا كان معارضا للثابت عنه من ~~طريقها وطريق غيرها من الصحابة؟ وأما الحديث الأول فلو كان صحيحا لكان حجة ~~لقوله (ص) في الجواب عنها: أحسنت ولكنه لا ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين ~~وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة، وهذا بعد تسليم أنه حسن كما قال ~~الدارقطني، فكيف وقد طعن فيه بتلك المطاعن المتقدمة؟ فإنها بمجردها توجب ~~سقوط الاستدلال به عند عدم المعارض. # وعن عمر أنه قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ~~ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام من غير قصر على لسان محمد (ص) رواه أحمد ~~والنسائي وابن ماجة. وعن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أتانا ونحن ضلال فعلمنا فكان فيما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلي ~~ركعتين في السفر رواه النسائي. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): # إن الله يحب أن تؤتى رخصه، ms1256 كما يكره أن تؤتى معصيته رواه أحمد. # الحديث المروي عن عمر رجاله رجال الصحيح إلا يزيد بن زياد بن أبي الجعد ~~وقد وثقه أحمد وابن معين. وقد روي من طريق أخرى بأسانيد رجالها رجال ~~الصحيح. وقد قال ابن القيم في الهدى: هو ثابت عنه، قال: وهو الذي سأل النبي ~~(ص): ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال له رسول الله (ص): صدقة تصدق الله بها ~~عليكم PageV03P250 # فاقبلوا صدقته قال: ولا تناقض بين حديثيه، فإن النبي (ص) لما أجابه بأن ~~هذا صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح علم عمر أنه ليس المراد من الآية ~~قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر، ~~وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن ~~شاء المصلي فعله، وإن شاء أتمه، وقد كان رسول الله (ص) يواظب في أسفاره على ~~ركعتين ركعتين، فلم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف. وحديث ابن ~~عمد الثاني أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما. وفي رواية: كما ~~يحب أن تؤتى عزائمه. (وفي الباب) عن أبي هريرة عند ابن عدي. وعن عائشة عنده ~~أيضا والمراد بالرخصة التسهيل والتوسعة في ترك بعض الواجبات أو إباحة بعض ~~المحرمات، وهي في لسان أهل الأصول الحكم الثابت، على خلاف دليل الوجوب أو ~~الحرمة لعذر، وفيه أن الله يحب إتيان ما شرعه من الرخص، وفي تشبيه تلك ~~المحبة بكراهته لاتيان المعصية دليل على أن في ترك إتيان الرخصة ترك طاعة ~~كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية. وحديث ابن عمر الأول من أدلة ~~القائلين بأن القصر واجب لقوله: فكان فيما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن ~~نصلي ركعتين في السفر وقد تقدم الكلام على ذلك. # باب الرد على من قال إذا خرج نهارا لم يقصر إلى الليل عن أنس قال: صليت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر بالمدينة أربعا، وصليت معه ~~العصر بذي الحليفة ركعتين متفق عليه. وعن ms1257 شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي ~~قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين شعبة الشاك. رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود. # قوله: وصليت معه العصر بذي الحليفة هكذا في رواية للبخاري ذكرها ~~الكشميهني، وهي ثابتة عند مسلم، وعند البخاري أيضا في كتاب الحج. وقد استدل ~~بذلك على إباحة القصر في السفر القصير، لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة ~~أميال، وتعقب بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان ~~قاصدا إلى مكة واتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة PageV03P251 # حضرت صلاة العصر فقصرها واستمر يقصر إلى أن رجع. قوله: إذا خرج مسيرة ~~ثلاثة أميال اختلف في تقدير الميل، فقال في الفتح: الميل هو من الأرض منتهى ~~مد البصر، لان البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم ~~الجوهري، وقيل: إن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية فلا يدري أرجل هو أم ~~امرأة، أو ذاهب أو آت؟ قال النووي: # الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، والإصبع ~~ست شعيرات معترضة معتدلة. قال الحافظ: وهذا الذي قال هو الأشهر. ومنهم من ~~عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الانسان. وقيل: هو أربعة آلاف ذراع. ~~وقيل: ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب البيان. وقيل: خمسمائة وصححه ابن عبد ~~البر. وقيل: ألفا ذراع. ومنهم من عبر عن ذلك بألف خطوة للجمل، قال: ثم إن ~~الذراع الذي ذكر النووي تحريره قد حرره غيره بذراع الحديد المشهور في مصر ~~والحجاز في هذه الاعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا ~~فالميل بذراع الحديد في القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ~~ذراعا. قوله: أو ثلاثة فراسخ الفرسخ في الأصل السكون ذكره ابن سيده. وقيل: ~~السعة. وقيل: الشئ الطويل، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة ~~أميال. # (واعلم) أنه قد وقع الخلاف الطويل بين علماء الاسلام في مقدار المسافة ms1258 ~~التي يقصر فيها الصلاة، قال في الفتح: فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوا من ~~عشرين قولا أقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وأكثره ما دام غائبا عن بلده. ~~وقيل: أقل ما قيل في ذلك الميل كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن ~~عمر، وإلى ذلك ذهب ابن حزم الظاهري، واحتج له بإطلاق السفر في كتاب الله ~~تعالى كقوله: * (وإذا ضربتم في الأرض) * (النساء: 101) الآية، وفي سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم ~~سفرا من سفر، ثم احتج على ترك القصر فيمدون الميل بأن النبي (ص) قد خرج إلى ~~البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصر ولا أفطر. ~~وذكر في المحلى من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء في تقدير ~~مسافة القصر أقوالا كثيرة لم يحط بها غيره، واستدل لها ورد تلك ~~الاستدلالات. وقد أخذ بظاهر حديث أنس المذكور في الباب الظاهرية كما قال ~~النووي، فذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، قال في الفتح: # وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد ~~المسافة التي PageV03P252 # يبتدأ منها القصر لا غاية السفر، قال: ولا يخفى بعد هذا الحمل، مع أن ~~البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: ~~سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ~~ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: فذكر الحديث قال: فظهر أنه سأله عن جواز القصر ~~في السفر لا عن الموضع الذي يبتدئ القصر منه. وذهب الشافعي ومالك ~~وأصحابهما، والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم إلى أنه لا يجوز ~~إلا في مسيرة مرحلتين وهما ثمانية وأربعون ميلا هاشمية كما قال النووي. ~~وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل. وروي عن عثمان ~~وابن مسعود وحذيفة. وفي البحر عن أبي حنيفة أن مسافة القصر أربعة وعشرون ~~فرسخا. وحكي في البحر أيضا ms1259 عن زيد بن علي والنفس الزكية والداعي والمؤيد ~~بالله وأبي طالب والثوري والكرخي وإحدى الروايات عن أبي حنيفة أن مسافة ~~القصر ثلاثة أيام بسير الإبل والاقدام. وذهب الباقر والصادق وأحمد بن عيسى ~~والقاسم والهادي إلى أن مسافته بريد فصاعدا، وقال أنس وهو مروي عن ~~الأوزاعي: أن مسافته يوم وليلة. قال في الفتح: وقد أورد البخاري ما يدل على ~~أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة يعني قوله في صحيحه، وسمى النبي ~~(ص) السفر يوما وليلة بعد قوله باب في كم يقصر الصلاة. وحجج هذه الأقوال ~~مأخوذ بعضها من قصره (ص) في أسفاره، وبعضها من قوله (ص): لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم عند ~~الجماعة إلا النسائي. وفي رواية للبخاري من حديث ابن عمر عنه (ص): لا تسافر ~~المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم. وفي رواية لأبي داود: لا تسافر المرأة ~~بريدا. ولا حجة في جميع ذلك. أما قصره (ص) في أسفاره فلعدم استلزام فعله ~~لعدم الجواز فيما دون المسافة التي قصر فيها، وأما نهي المرأة عن أن تسافر ~~ثلاثة أيام بغير ذي محرم فغاية ما فيه إطلاق اسم السفر على مسيرة ثلاثة ~~أيام، وهو غير مناف للقصر فيما دونها، وكذلك نهيها عن سفر اليوم بدون محرم، ~~والبريد لا ينافي جواز القصر في ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ كما في حديث ~~أنس، لأن الحكم على الأقل حكم على الأكثر. # وأما حديث ابن عباس عند الطبراني أنه (ص) قال: يا أهل مكة لا تقصروا في ~~أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان فليس مما تقوم به حجة لان PageV03P253 # في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبير وهو متروك، وقد نسبه النووي إلى ~~الكذب. وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، والراوي عنه إسماعيل بن عياش وهو ~~ضعيف في الحجازيين، وعبد الوهاب المذكور حجازي، والصحيح أنه موقوف على ابن ~~عباس، كما أخرجه عنه الشافعي بإسناد صحيح، ومالك في الموطأ، إذا تقرر ms1260 لك ~~هذا فالمتيقن هو ثلاثة فراسخ لأن حديث أنس المذكور في الباب متردد ما بينها ~~وبين ثلاثة أميال، والثلاثة الأميال مندرجة في الثلاثة الفراسخ، فيؤخذ ~~بالأكثر احتياطا، ولكنه روى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة. وقد أورد الحافظ هذا ~~في التلخيص ولم يتكلم عليه، فإن صح كان الفرسخ هو المتيقن، ولا يقصر فيما ~~دونه إلا إذا كان يسمى سفرا لغة أو شرعا. وقد اختلف أيضا فيمن قصد سفرا ~~يقصر في مثله الصلاة على اختلاف الأقوال من أين يقصر. فقال ابن المنذر: ~~أجمعوا على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج ~~منها، واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت، فذهب الجمهور إلى أنه لا بد من ~~مفارقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ~~ولو كان في منزله، ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء. ورجح ابن المنذر ~~الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت، واختلفوا فيما قبل ذلك، ~~فعليه الاتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر، قال: ولا أعلم أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من ~~المدينة. # باب أن من دخل بلدا فنوى الإقامة فيه أربعا يقصر عن أبي هريرة: أنه صلى ~~مع النبي (ص) إلى مكة في المسير والمقام بمكة إلى أن رجعوا ركعتين ركعتين ~~رواه أبو داود والطيالسي في مسنده. # وعن يحيى بن أبو إسحاق عن أنس قال: خرجنا مع النبي (ص) من المدينة إلى ~~مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بها شيئا؟ قال: ~~أقمنا بها عشرا متفق عليه. ولمسلم: خرجنا من المدينة إلى الحج ثم ذكر مثله. ~~وقال أحمد: إنما وجه حديث أنس. إنه حسب مقام النبي (ص) بمكة ومنى وإلا ~~PageV03P254 # فلا وجه له غير هذا. واحتج بحديث جابر: أن النبي (ص) قدم ms1261 مكة صبيحة رابعة ~~من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم ~~الثامن ثم خرج إلى منى وخرج من مكة متوجها إلى المدينة بعد أيام التشريق ~~ومعنى ذلك كله في الصحيحين وغيرهما. # قوله: ركعتين ركعتين زاد البيهقي: إلا المغرب. قوله: أقمنا بها عشرا هذا ~~لا يعارض حديث ابن عباس وعمران بن حصين الآتيين، لأنهما في فتح مكة وهذا في ~~حجة الوداع. قوله: وقال أحمد الخ هذا لا بد منه لما في حديث جابر المذكور ~~في الباب. ومثله أيضا حديث ابن عباس عند البخاري بلفظ: قدم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ~~الحديث. قال في الفتح: ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة ~~الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس، ويكون مدة إقامته ~~بمكة أربعة أيام لا سوى، لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى بمنى. وقال ~~الطبري: أطلق على ذلك الإقامة بمكة، لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في ~~حكم التابع بمكة، لأنها المقصود بالأصالة لا يتجه سوى ذلك كما قال أحمد. ~~وقال النووي في شرح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في اليوم ~~الرابع فأقام بها الخامس والسادس والسابع، وخرج منها في الثامن إلى منى، ~~وذهب إلى عرفات في التاسع، وعاد إلى منى في العاشر فأقام بها الحادي عشر ~~والثاني عشر ونفر في الثالث عشر إلى مكة وخرج منها إلى المدينة في الرابع ~~عشر، فمدة إقامته صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وحواليها عشرة أيام اه. ~~وقد أشار المصنف بترجمة الباب إلى الرد على الشافعي حيث قال: إن المسافر ~~يصير بنية إقامة أربعة أيام مقيما. وقد زعم الطحاوي بأن الشافعي لم يسبق ~~إلى ذلك، ورد ذلك في الفتح بأن أحمد قد قال بنحو ذلك وهي رواية عن مالك، ~~ونسبه في البحر إلى عثمان وسعيد بن المسيب وأبي ثور ومالك، واستدل لهم ~~بنهيه (ص) للمهاجر عن إقامة ms1262 فوق ثلاث في مكة، فتكون الزيادة عليها إقامة لا ~~قدر الثلاث، ورده بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة. # وذهبت القاسمية والناصر والامامية والحسن ابن صالح، وهو مروي عن ابن عباس ~~أنه لا يتم الصلاة إلا من نوى إقامة عشر، واحتجوا بما روي عن علي عليه ~~السلام أنه قال: # يتم الذي يقيم عشرا، والذي يقول اليوم أخرج غدا أخرج يقصر شهرا قالوا: ~~وهو توقيف ورد PageV03P255 # بأنه من مسائل الاجتهاد. وقال أبو حنيفة: إنه يتم إذا عزم على إقامة خمسة ~~عشر يوما، واحتج بما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا أقمت ببلدة ~~وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة، ورد بأنه لا حجة ~~في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرح وهذه منها. وروي عن ~~الأوزاعي التحديد باثني عشر يوما، وعن ربيعة يوم وليلة. وعن الحسن البصري: ~~أن المسافر يصير مقيما بدخول البلد. وعن عائشة بوضع الرحل، قال الامام ~~يحيى: ولا يعرف لهم مستند شرعي، وإنما ذلك اجتهاد من أنفسهم، والامر كما ~~قال هذا الامام، والحق أن من حط رحله ببلد ونوى الإقامة بها أياما من دون ~~تردد لا يقال له مسافر فيتم الصلاة ولا يقصر إلا لدليل، ولا دليل ههنا إلا ~~ما في حديث الباب من إقامته (ص) بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة، والاستدلال ~~به متوقف على ثبوت أنه (ص) عزم على إقامة أربعة أيام، إلا أن يقال: # إن تمام أعمال الحج في مكة لا يكون في دون الأربع، فكان كل من يحج عازما ~~على ذلك فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر والأصل في حق من نوى إقامة ~~أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين ~~متعددة ولا قائل به، ولا يرد على هذا قوله (ص) في إقامته بمكة في الفتح: ~~إنا قوم سفر كما سيأتي، لأنه كان إذ ذاك مترددا ولم يعزم على إقامة مدة ~~معينة. # باب من أقام لقضاء حاجة ولم ms1263 يجمع إقامة عن جابر قال: أقام النبي (ص) ~~بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة رواه أحمد وأبو داود. وعن عمران بن حصين قال: ~~غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ~~ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول: يا أهل البلدة صلوا أربعا فإنا سفر. رواه ~~أبو داود. وفيه دليل على أنه لم يجمع إقامة. # وعن ابن عباس قال: لما فتح النبي (ص) مكة أقام فيها تسع عشرة يصلي ~~ركعتين، قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا وإن زدنا أتممنا رواه ~~أحمد والبخاري وابن ماجة. ورواه أبو داود ولكنه قال: سبع عشرة وقال: قال ~~عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس: أقام تسع عشرة. عن ثمامة بن شراحيل ~~قال: خرجت PageV03P256 # إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ~~ثلاثا، قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذي المجاز؟ قلت: مكان نجتمع ~~فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة، فقال: يا أيها الرجل كنت ~~بآذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين ~~رواه أحمد في مسنده. # أما حديث جابر فأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي، وصححه ابن حزم والنووي، ~~وأعله الدارقطني في العلل بالارسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من ~~الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، ~~وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن أنس فقال: بضع عشرة وبهذا اللفظ أخرجه ~~البيهقي وهو ضعيف. وقد اختلف فيه على الأوزاعي، ذكره الدارقطني في العلل ~~وقال: الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسا كان يفعله. قال الحافظ: ويحيى لم ~~يسمع من أنس. # وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أيضا الترمذي وحسنه، والبيهقي وفي إسناده ~~علي بن يزيد بن جدعان وهو ضعيف، قال الحافظ: وإنما حسن الترمذي حديثه ~~لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما عرف من عادة المحدثين من ~~اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق. وأما حديث ms1264 ابن عباس فأخرجه أيضا ~~بلفظ: سبع عشرة بتقديم السين ابن حبان. وأما الأثر المروي عن ابن عمر فذكره ~~الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه. وأخرجه البيهقي بسند قال الحافظ: صحيح ~~بلفظ أن ابن عمر أقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد اختلفت الأحاديث ~~في إقامته صلى الله عليه وآله وسلم في مكة عام الفتح فروي ما ذكر المصنف، ~~وروي عشرون، أخرجه عبد بن حميد في مسنده عن ابن عباس. وروي خمسة عشر أخرجه ~~النسائي وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس أيضا. قال البيهقي: أصح ~~الروايات في ذلك رواية البخاري وهي رواية تسع عشرة بتقديم التاء، وجمع إمام ~~الحرمين والبيهقي بين الروايات، باحتمال أن يكون في بعضها لم يعد يومي ~~الدخول والخروج وهي رواية سبعة عشر بتقديم السين، وعدها في بعضها وهي رواية ~~تسع عشرة بتقديم التاء، وعد يوم الدخول ولم يعد يوم الخروج وهي رواية ~~ثمانية عشر. قال الحافظ: وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة ~~لمخالفتها، ورواية عشرين وهي صحيحة الاسناد إلا أنها شاذة أيضا اه. وقد ضعف ~~PageV03P257 # النووي في الخلاصة رواية خمسة عشر. قال في الفتح: وليس بجيد لأن رواتها ~~ثقات، ولم يفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك ~~عن عبد الله كذلك. وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل ~~سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك ~~أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضا ~~أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية ~~خمس عشرة لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقا. وأخذ ~~الشافعي بحديث عمران بن حصين. (وقد اختلف العلماء) في تقدير المدة التي ~~يقصر فيها المسافر إذا أقام ببلدة وكان مترددا غير عازم على إقامة أيام ~~معلومة، فذهب الهادي والقاسم والامامية إلى أن من لم يعزم إقامة مدة معلومة ~~كمنتظر الفتح يقصر إلى شهر ويتم ms1265 بعده، واستدلوا بقول علي عليه السلام ~~المتقدم في شرح الباب الأول، وقد تقدم الجواب عليه. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~والامام يحيى وهو مروي عن الشافعي إلى أنه يقصر أبدا لأن الأصل السفر، ولما ~~ذكره المصنف عن ابن عمر قالوا: وما روي من قصره (ص) في مكة وتبوك دليل لهم ~~لا عليهم، لأنه (ص) قصر مدة إقامته، ولا دليل على التمام فيما بعد تلك ~~المدة. ويؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس: أن النبي (ص) أقام بحنين ~~أربعين يوما يقصر الصلاة ولكنه قال: تفرد به الحسن بن عمارة وهو غير محتج ~~به. وروي عن ابن عمر وأنس أنه يتم بعد أربعة أيام: (والحق) أن الأصل في ~~المقيم الاتمام، لأن القصر لم يشرعه الشارع إلا للمسافر، والمقيم غير ~~مسافر، فلولا ما ثبت عنه (ص) من قصره بمكة وتبوك مع الإقامة لكان المتعين ~~هو الاتمام، فلا ينتقل عن ذلك الأصل إلا بدليل، وقد دل الدليل على القصر مع ~~التردد إلى عشرين يوما كما في حديث جابر، ولم يصح أنه صلى الله عليه وسلم ~~قصر في الإقامة أكثر من ذلك فيقتصر على هذا المقدار، ولا شك أن قصره صلى ~~الله عليه وآله وسلم في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ~~ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك. (فإن قيل) المعتبر صدق اسم المسافر ~~على المقيم المتردد وقد قال (ص): إنا قوم سفر فصدق عليه هذا الاسم، ومن صدق ~~عليه هذا الاسم قصر، لان المعتبر هو السفر لانضباطه لا المشقة لعدم ~~انضباطها، فيجاب عنه أولا بأن في الحديث المقال المتقدم، PageV03P258 # وثانيا بأنه يعلم بالضرورة أن المقيم المتردد غير مسافر حال الإقامة، ~~فإطلاق اسم المسافر عليه مجاز باعتبار ما كان عليه أو ما سيكون عليه. # باب من اجتاز في بلد فتزوج فيه أو له فيه زوجة فليتم عن عثمان بن عفان: ~~أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه فقال: يا أيها الناس إني تأهلت ~~بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى ms1266 الله عليه وآله وسلم يقول: # من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم رواه أحمد. # الحديث أيضا أخرجه البيهقي وأعله بالانقطاع، وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم ~~وهو ضعيف كما قال البيهقي. وأخرجه أيضا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال في ~~الهدى: قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف. فإن البخاري ~~ذكر عكرمة المذكور في تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين. ~~قال في الفتح: هذا حديث لا يصح لأنه منقطع وفي رواته من لا يحتج به، ويرده ~~قول عروة أن عائشة تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تؤول عائشة أصلا، فدل ~~على وهي ذلك الخبر، قال: ثم ظهر أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: تأولت ~~كما تأول عثمان التشبيه بعثمان في الاتمام بتأويل . لا اتحاد تأويلهما، ~~ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت بخلاف تأويل عائشة. وقد ~~أخرج ابن جرير في تفسير سورة النساء أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعا، ~~فإذ احتجوا عليها تقول: إن النبي (ص) كان في حروب وكان يخاف فهل تخافون ~~أنتم؟ وقيل في تأويل عائشة أنها إنما أتمت في سفرها إلى البصرة لقتال علي ~~عليه السلام، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة. قال في الفتح: وهذان ~~القولان باطلان لا سيما الثاني، قال: والمنقول في سبب إتمام عثمان أنه كان ~~يرى القصر مختصا بمن كان شاخصا سائرا. وأما من أقام في مكان في أثناء سفره ~~فلحكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد ~~الله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة ~~ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا له: لقد ~~عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة ~~إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعا ربعا، ثم إذا خرج إلى منى ~~وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ الحج وأقام بمنى أتم الصلاة. PageV03P259 # وقال ابن بطال: ms1267 الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته وآخذا ~~أنفسهما بالشدة، وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي. وروى عبد الرزاق عن ~~معمر عن الزهري عن عثمان إنما أتم الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحج، وأجيب ~~بأنه مرسل، وفيه أيضا نظر، لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام. وقد صح عن ~~عثمان أنه كان لا يودع البيت إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج خشية أن ~~يرجع في هجرته، وثبت أنه قال له المغيرة لما حاصروه: اركب رواحلك إلى مكة، ~~فقال: لن أفارق دار هجرتي. وأيضا قد روى أيوب عن الزهري ما يخالفه، فروى ~~الطحاوي وغيره من هذا الوجه عن الزهري أنه قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعا، ~~لأن الاعراب كانوا كثروا في ذلك العام فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع. وروى ~~البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عثمان ~~أنه أتم بمنى ثم خطب فقال: # إن القصر سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه، ولكنه حدث طغام ~~يعني بفتح الطاء والمعجمة فخفت أن يستنوا. وعن ابن جريج أن أعرابيا ناداه ~~في منى يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين. وقد روي ~~في تأول عثمان غير ذلك، والذي ذكرنا هنا أحسن ما قيل. وأما تأول عائشة ~~فأحسن ما قيل فيه ما أخرجه البيهقي بإسناد صحيح من طريق هشام بن عروة عن ~~أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ~~ابن أختي أنه لا يشق علي. وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن ~~الاتمام لمن لا يشق عليه أفضل، وقد تقدم بسط الكلام في ذلك. # أبواب الجمع بين الصلاتين باب جوازه في السفر في وقت إحداهما عن أنس قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر ~~الظهر ms1268 إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ~~ثم ركب متفق عليه. وفي رواية لمسلم: كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين ~~PageV03P260 # في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما. # قوله: تزيغ بزاي وغين معجمة أي تميل. قوله: يجمع بينهما أي في وقت العصر، ~~وفي الحديث دليل على جواز جمع التأخير في السفر، سواء كان السير مجدا أم ~~لا، وقد وقع الخلاف في الجمع في السفر، فذهب إلى جوازه مطلقا تقديما ~~وتأخيرا كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأشهب، واستدلوا بالأحاديث الآتية في هذا الباب ويأتي الكلام عليها. ~~وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقا، إلا بعرفة ومزدلفة، وهو قول الحسن والنخعي ~~وأبي حنيفة وصاحبيه، وأجابوا عما روي من الاخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع ~~صوري، وهو أنه أخر المغرب مثلا إلى آخر وقتها، وعجل العشاء في أول وقتها، ~~كذا في الفتح قال: وتعقبه الخطابي وغيره بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ~~ذكروه لكان أعظم ضيقا من الاتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات ~~وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة، وسيأتي الجواب عن هذا ~~التعقب في الباب الذي بعد هذا الباب. قال في الفتح مؤيدا لما قاله الخطابي: ~~وأيضا فإن الاخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو ~~المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، قال: ومما يرد على الجمع الصوري جمع ~~التقديم وسيأتي. وقال الليث: وهو المشهور عن مالك أن الجمع يختص بمن جد به ~~السير. وقال ابن حبيب: يختص بالسائر، ويستدل لهما بما أخرجه البخاري وغيره ~~عن ابن عمر قال: كان النبي (ص) يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير ~~ولما قاله ابن حبيب بما في البخاري أيضا عن ابن عباس قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ~~ويجمع بين المغرب والعشاء فيقيد حديث أنس ms1269 المذكور في الباب بما إذا كان ~~المسافر سائرا سيرا مجدا كما في هذين الحديثين. وقال الأوزاعي: إن الجمع في ~~السفر يختص بمن له عذر. وقال أحمد واختاره ابن حزم وهو مروي عن مالك: أنه ~~يجوز جمع التأخير دون التقديم، واستدلوا بحديث أنس المذكور في الباب، ~~وأجابوا عن الأحاديث القاضية بجواز جمع التقديم بما سيأتي. # وعن معاذ رضي الله عنه: أن النبي (ص) كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن ~~تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد ~~زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر ~~المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع ~~المغرب رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن ابن عباس رضي الله عنه عن ~~PageV03P261 # النبي (ص): كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر ~~قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين ~~الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا ~~لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما رواه أحمد ورواه ~~الشافعي في مسنده بنحوه وقال فيه: وإذا سار قبل أن تزول الشمس أخر الظهر ~~حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر. وعن ابن عمر: أنه استغيث على بعض ~~أهله فجد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما، ثم ~~أخبرهم أن رسول الله (ص) كان يفعل ذلك إذا جد به السير رواه الترمذي بهذا ~~اللفظ وصححه، ومعناه لسائر الجماعة إلا ابن ماجة. # أما حديث معاذ فأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي، قال ~~الترمذي: حسن غريب تفرد به قتيبة. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من ~~حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، وليس فيه جمع التقديم يعني الذي ~~أخرجه مسلم وقال أبو داود: هذا حديث منكر وليس في جمع التقديم حديث قائم. ms1270 ~~وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة ويقال إنه غلط فيه، ~~وأعله الحاكم وطول، وابن حزم وقال: إنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب عن أبي ~~الطفيل، ولا يعرف له عنه رواية. وقال أيضا: إن أبا الطفيل مقدوح لأنه كان ~~حامل راية المختار وهو يؤمن بالرجعة، وأجيب عن ذلك بأنه إنما خرج مع ~~المختار على قاتلي الحسين، وبأنه لم يعلم من المختار الايمان بالرجعة. قال ~~في البدر المنير: إن للحفاظ في هذا الحديث خمسة أقوال: # أحدها أنه حسن غريب قاله الترمذي. ثانيها: أنه محفوظ صحيح قاله ابن حبان. ~~ثالثها: أنه منكر قاله أبو داود. رابعها: أنه منقطع قاله ابن حزم. خامسها: ~~أنه موضوع قاله الحاكم. # وأصل حديث أبي الطفيل في صحيح مسلم، وأبو الطفيل عدل ثقة مأمون اه. وأما ~~حديث ابن عباس فأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني، وروي أن الترمذي حسنه، قال ~~الحافظ: وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده وليس بصحيح ~~لأنه من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب قال فيه ~~أبو حاتم: # ضعيف ولا يحتج بحديثه. وقال ابن معين: ضعيف، وقال أحمد: له أشياء منكرة. ~~وقال النسائي: متروك الحديث. وقال السعدي: لا يحتج بحديثه. وقال ابن ~~المديني: تركت حديثه. PageV03P262 # وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ولكن له طريق أخرى أخرجها ~~يحيى بن عبد الحميد الحماني عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن ~~مقسم، عن ابن عباس. وله أيضا طريق أخرى رواها إسماعيل القاضي في الاحكام عن ~~إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن هشام، عن عروة، عن ~~كريب، عن ابن عباس بنحوه. (وفي الباب) عن علي عليه السلام عند الدارقطني ~~وفي إسناده كما قال الحافظ من لا يعرف. وفيه أيضا المنذر القابوسي وهو ~~ضعيف. وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بإسناد آخر عن علي عليه ~~السلام أنه كان يفعل ذلك. وفي الباب أيضا عن أنس عند الإسماعيلي والبيهقي ~~وقال: ms1271 إسناده صحيح بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر ~~وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا وله طريق أخرى عند الحاكم في الأربعين، ~~وهو في الصحيحين من هذا الوجه وليس فيه والعصر. قال في التلخيص: # وهي زيادة غريبة صحيحة الاسناد وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، ~~وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك. وله طريق أخرى رواها الطبراني ~~في الأوسط، وفي الباب أيضا عن جابر عند مسلم من حديث طويل وفيه: ثم أذن ثم ~~أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، وكان ذلك بعد ~~الزوال. وقد استدل القائلون بجواز جمع التقديم والتأخير في السفر بهذه ~~الأحاديث، وقد تقدم ذكرهم، وأجاب المانعون من جمع التقديم عنها بما تقدم من ~~الكلام عليها، وقد عرفت أن بعضها صحيح وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبي داود: ~~ليس في جمع التقديم حديث قائم. وأما حديث ابن عمر فقد استدل به من قال ~~باختصاص رخصة الجمع في السفر بمن كان سائرا لا نازلا كما تقدم، وأجيب عن ~~ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ بلفظ: أن النبي (ص) ~~أخر الصلاة في غزوة تبوك خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى ~~المغرب والعشاء جميعا قال الشافعي في الام قوله: ثم دخل ثم خرج لا يكون إلا ~~وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلا ومسافرا. وقال ابن عبد البر: # هذا أوضح دليل في الرد على من قال: لا يجمع إلا من جدبه السير، وهو قاطع ~~للالتباس وحكى القاضي عياض أن بعضهم أول قوله: ثم دخل أي في الطريق مسافرا، ~~ثم خرج أي عن الطريق للصلاة ثم استبعده. قال الحافظ: ولا شك في بعده، وكأنه ~~صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث ~~أنس يعني المذكور في PageV03P263 # أول الباب، ومن ثمة قالت الشافعية: ترك الجمع أفضل. وعن مالك رواية أنه ~~مكروه، وهذه الأحاديث تخصص أحاديث ms1272 الأوقات التي بينها جبريل وبينها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي حيث قال في آخرها: الوقت ما بين هذين ~~الوقتين. # باب جمع المقيم لمطر أو غيره عن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي (ص) صلى ~~بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. متفق عليه. وفي لفظه ~~للجماعة إلا البخاري وابن ماجة: جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء ~~بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن ~~لا يحرج أمته. # الحديث ورد بلفظ: من غير خوف ولا سفر. وبلفظ: من غير خوف ولا مطر قال ~~الحافظ: # واعلم أنه لم يقع مجموعا بالثلاثة في شئ من كتب الحديث، بل المشهور من ~~غير خوف ولا سفر. قوله: # سبعا وثمانيا أي سبعا جميعا، وثمانيا جميعا، كما صرح به البخاري في رواية ~~له ذكرها في باب وقت المغرب. قوله: أراد أن لا يحرج أمته قال ابن سيد ~~الناس: قد اختلف في تقييده، فروي يحرج بالياء المضمومة آخر الحروف، وأمته ~~منصوب على أنه مفعوله. # وروي تحرج بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة وضم أمته على أنها فاعله. ومعناه ~~إنما فعل تلك لئلا يشق عليهم ويثقل فقصد إلى التخفيف عنهم. وقد أخرج ذلك ~~الطبراني في الأوسط والكبير، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود ~~بلفظ: جمع رسول الله صلى (ص) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقيل له في ~~ذلك فقال: صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي. وقد ضعف بأن فيه ابن عبد القدوس وهو ~~مندفع، لأنه لم يتكلم فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء وتشيعه، والأول غير ~~قادح باعتبار ما نحن فيه، إذ لم يروه عن ضعيف بل رواه عن الأعمش كما قال ~~الهيثمي، والثاني ليس بقدح معتد به ما لم يجاوز الحد المعتبر، ولم ينقل عنه ~~ذلك، على أنه قد قال البخاري أنه صدوق. وقال أبو حاتم: # لا بأس به. (وقد استدل) بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقا بشرط أن ~~لا يتخذ ذلك خلقا وعادة، قال في الفتح: وممن ms1273 قال به ابن سيرين وربيعة وابن ~~المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، وقد رواه ~~في البحر عن PageV03P264 # الامامية، والمتوكل على الله أحمد بن سليمان، والمهدي أحمد بن الحسين. ~~ورواه ابن مظفر في البيان عن علي عليه السلام، وزيد بن علي، والهادي، وأحد ~~قولي الناصر، وأحد قولي المنصور بالله، ولا أدري ما صحة ذلك، فإن الذي ~~وجدناه في كتب بعض هؤلاء الأئمة وكتب غيرهم يقضي بخلاف ذلك. وذهب الجمهور ~~إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز. # وحكي في البحر عن البعض أنه إجماع، ومنع ذلك مسندا بأنه قد خالف في ذلك ~~من تقدم، واعترض عليه صاحب المنار بأنه اعتداد بخلاف حادث بعد إجماع الصدر ~~الأول. # وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأجوبة، منها: أن الجمع المذكور كان للمرض ~~وقواه النووي. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه لو كان جمعه (ص) بين الصلاتين ~~لعارض المرض لما صلى معه إلا من له نحو ذلك العذر. والظاهر أنه (ص) جمع ~~بأصحابه، وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته. ومنها: أنه كان في غيم فصلى ~~الظهر، ثم انكشف الغيم مثلا فبان أن وقت العصر قد دخل فصلاها. قال النووي: ~~وهو باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في ~~المغرب والعشاء. قال الحافظ: وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب ~~إلا وقت واحد، والمختار عنه خلافه وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء، وعلى هذا ~~فالاحتمال قائم. ومنها: أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر ~~وقتها، وعجل العصر في أول وقتها. # قال النووي: وهذا احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا ~~تحتمل. قال الحافظ: وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي ورجحه إمام الحرمين، ~~وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا ~~الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به. قال الحافظ أيضا: ويقوي ما ~~ذكر من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت ms1274 الجمع، فإما أن ~~يحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن ~~يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الاخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، ~~فالجمع الصوري أولى والله أعلم اه. ومما يدل على تعيين حمل حديث الباب على ~~الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: صليت مع النبي (ص) الظهر ~~والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، ~~وعجل العشاء فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرح بأن ما رواه من الجمع ~~المذكور هو الجمع الصوري. ومما PageV03P265 # يؤيد ذلك ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال: يا أبا الشعثاء أظنه ~~أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه، وأبو ~~الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس كما تقدم. ومن المؤيدات للحمل على ~~الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن ~~مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة لغير ~~ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ ~~قبل ميقاتها. فنفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة، مع أنه ممن ~~روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدم، وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة ~~صوري، ولو كان جمعا حقيقيا لتعارض روايتاه، والجمع ما أمكن المصير إليه هو ~~الواجب. ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضا ما أخرجه ابن جرير عن ~~ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان يؤخر الظهر ~~ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما وهذا هو ~~الجمع الصوري، وابن عمر هو ممن روى جمعه (ص) بالمدينة، كما أخرج ذلك عبد ~~الرزاق عنه. وهذه الروايات معينة لما هو المراد بلفظ جمع لما تقرر في ~~الأصول من أن لفظ جمع بين الظهر والعصر لا يعم وقتها كما في مختصر المنتهى ~~وشروحه، والغاية وشرحها، وسائر كتب الأصول بل مدلوله لغة الهيئة ~~الاجتماعية، وهي موجودة ms1275 في جمع التقديم والتأخير والجمع الصوري، إلا أنه لا ~~يتناول جميعها ولا اثنين منها، إذ الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه، ~~كما صرح بذلك أئمة الأصول، فلا يتعين واحد من صور الجمع المذكور إلا بدليل، ~~وقد قام الدليل على أن الجمع المذكور في الباب هو الجمع الصوري، فوجب ~~المصير إلى ذلك. وقد زعم بعض المتأخرين أنه لم يرد الجمع الصوري في لسان ~~الشارع وأهل عصره وهو مردود بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله ~~للمستحاضة: # وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين ~~الصلاتين. # ومثله في المغرب والعشاء، وبما سلف عن ابن عباس وابن عمر. وقد روي عن ~~الخطابي أنه لا يصح حمل الجمع المذكور في الباب على الجمع الصوري، لأنه ~~يكون أعظم ضيقا من الاتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها ~~مما لا يدركه الخاصة فضلا عن العامة، ويجاب عنه بأن الشارع قد عرف أمته ~~أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان، حتى أنه عينها بعلامات ~~حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة، PageV03P266 # والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وفعل الأولى في أول ~~وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان ذلك ~~ديدنه صلى الله عليه وآله وسلم حتى قالت عائشة: ما صلى صلاة لآخر وقتها ~~مرتين حتى قبضه الله تعالى. ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج ~~إليهما مرة أخف من خلافه وأيسر. وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح إن ~~قوله (ص) لئلا تحرج أمتي يقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه ~~يخلو عن حرج، فإن قلت: الجمع الصوري هو فعل لكل واحدة من الصلاتين ~~المجموعتين في وقتها فلا يكون رخصة بل عزيمة، فأي فائدة في قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لئلا تحرج أمتي مع شمول الأحاديث المعينة للوقت للجمع ~~الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح ~~لفائدته وإلغاء ms1276 مضمونه؟ قلت: # لا شك أن الأقوال الصادرة منه صلى الله عليه وآله وسلم شاملة للجمع ~~الصوري كما ذكرت، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوبا إليها، بل هو منسوب إلى ~~الأفعال، ليس إلا لما عرفناك من أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما صلى صلاة ~~لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم لملازمته ~~(ص) لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعا صوريا تخفيف وتسهيل على من اقتدى ~~بمجرد الفعل، وقد كان اقتداء الصحابة بالافعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا ~~امتنع الصحابة رضي الله عنهم من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالنحر حتى دخل (ص) على أم سلمة مغموما فأشارت عليه ~~بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل، فنحروا أجمع وكادوا يهلكون غما من شدة ~~تراكم بعضهم على بعض حال الحلق. ومما يدل على أن الجمع المتنازع فيه لا ~~يجوز إلا لعذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النبي (ص) قال: من جمع بين ~~الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر وفي إسناده حنش بن قيس ~~وهو ضعيف. ومما يدل على ذلك ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل منه ~~ولفظه: جميع ما في كتابي هذا من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ~~ما خلا حديثين: حديث ابن عباس: # أن النبي (ص) جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ~~ولا سفر وحديث أنه قال (ص): إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة ~~فاقتلوه انتهى. ولا يخفاك أن الحديث صحيح، وترك الجمهور للعمل به لا يقدح ~~في صحته، ولا يوجب سقوط الاستدلال به، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف، ~~وإن كان PageV03P267 # ظاهر كلام الترمذي أنه لم يأخذ به أحد ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت ~~مقدم، فالأولى التعويل على ما قدمنا من أن ذلك الجمع صوري، بل القول بذلك ~~متحتم لما سلف. وقد جمعنا في ms1277 هذه المسألة رسالة مستقلة سميناها تشنيف السمع ~~بإبطال أدلة الجمع، فمن أحب الوقوف عليها فليطلبها. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى بعد أن ساق حديث الباب ما لفظه: قلت وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر ~~والخوف وللمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للاجماع ولأخبار ~~المواقيت فتبقى فحواه على مقتضاه. وقد صح الحديث في الجمع للمستحاضة ~~والاستحاضة نوع مرض. ولمالك في الموطأ عن نافع: أن ابن عمر كان إذا جمع ~~الامراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم. وللأثرم في سننه عن أبي ~~سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب ~~والعشاء اه. # باب الجمع بأذان وإقامتين من غير تطوع بينهما عن ابن عمر رضي الله عنه: ~~أن النبي (ص) صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا، كل واحدة منهما بإقامة ~~ولم يسبح بينهما، وعلى أثر واحدة منهما رواه البخاري والنسائي. وعن جابر ~~رضي الله عنه: أن النبي (ص) صلى الصلاتين بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وأتى ~~المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما، ثم ~~اضطجع حتى طلع الفجر مختصر لأحمد ومسلم والنسائي. وعن أسامة رضي الله عنه: ~~أن النبي (ص) لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة، ~~فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم ~~يصل بينهما شيئا متفق عليه. وفي لفظ: # ركب حتى جئنا المزدلفة فأقام المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا ~~حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا رواه أحمد ومسلم. وفي لفظ: أتى ~~المزدلفة فصلوا المغرب ثم حلوا رحالهم وأعنته ثم صلى العشاء رواه أحمد، وهو ~~حجة في جواز التفريق بين المجموعتين في وقت الثانية. # قوله: صلى المغرب والعشاء في رواية للبخاري: جمع النبي صلى الله عليه ~~وآله PageV03P268 # وسلم المغرب والعشاء وفي رواية له: جمع بين المغرب والعشاء. قوله: بإقامة ~~لم يذكر الاذان وهو ثابت في حديث جابر المذكور بعده. وفي حديث عبد الله بن ms1278 ~~مسعود عند البخاري بلفظ: فأتينا المزدلفة حين الاذان بالعتمة أو قريبا من ~~ذلك فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب الحديث. قوله: ولم يسبح بينهما أي ~~لم يتنفل بين صلاة المغرب والعشاء، ولا عقب كل واحدة منها. قال في الفتح: ~~ويستفاد منه أنه ترك النفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب ~~والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون ~~المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل. ومن ثم قال ~~الفقهاء: تؤخر سنة العشاءين عنهما. ونقل ابن المنذر الاجماع على ترك التطوع ~~بين الصلاتين بالمزدلفة، لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب ~~والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، ويعكر على نقل ~~الاتفاق ما في البخاري عن ابن مسعود: أنه صلى المغرب بالمزدلفة وصلى بعدها ~~ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر بالاذان والإقامة ثم صلى العشاء وقد ~~اختلف أهل العلم في صلاة النافلة في مطلق السفر، قال النووي: قد اتفق ~~الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب ~~النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه ~~والجمهور. ودليلهم الأحاديث العامة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث ~~صلاته صلى الله عليه وآله وسلم الضحى في يوم الفتح وركعتي الصبح حين ناموا ~~حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل ~~المطلقة. وأما ما في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: صحبت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلم أره يسبح في السفر. وفي رواية: صحبت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان ~~كذلك. فقال النووي: لعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الرواتب في ~~رحله ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض ~~الأوقات تنبيها على جواز تركها. وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها ~~لو شرعت لكان إتمام ms1279 الفريضة أولى، فجوابه أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة ~~لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون ~~مشروعة، ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شئ عليه. وقال ~~ابن دقيق العيد: إن قول ابن عمر: فكان لا يزيد في السفر PageV03P269 # على ركعتين، يحتمل أنه كان لا يزيد في عدد ركعات الفرض، ويحتمل أنه كان ~~لا يزيد نفلا، ويحتمل أعم من ذلك. قال في الفتح: ويدل على الثاني رواية ~~مسلم بلفظ: صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين ثم أقبل ~~وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسا قياما ~~فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحا لأتممت. ثم ذكر ~~الحديث. قال ابن القيم في الهدي: وكان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم في ~~سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى ~~سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من سنة الوتر والفجر فإنه لم يكن ~~يدعها حضرا ولا سفرا انتهى. وتعقبه الحافظ بما أخرجه أبو داود والترمذي من ~~حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية ~~عشر سفرا، فلم أره ترك ركعتين إذ زاغت الشمس قبل الظهر قال: وكأنه لم يثبت ~~عنده، وقد استغربه الترمذي ونقل عن البخاري أنه رآه حسنا. وقد حمله بعض ~~العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر انتهى. وقد ذكر ابن القيم ~~هذا الحديث الذي تعقبه به الحافظ في الهدي في هذا البحث وأجاب عنه وذكر ~~حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر ~~وركعتين بعدها وأجاب عنه، واعلم أنه لا بد من حمل قول ابن عمر: فلم أره ~~يسبح على صلاة السنة وإلا فقد صح عنه أنه: كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان ~~وجهه. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه ms1280 وآله وسلم ~~يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به. وفي الصحيحين عن عامر بن ربيعة أنه ~~رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر ~~راحلته. قال في الهدي: وقد سئل الإمام أحمد عن التطوع في السفر فقال: أرجو ~~أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس. قال: وروي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. ~~قال: # وروي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر. قوله: # بأذان واحد وإقامتين فيه أن السنة في الجمع بين الصلاتين الاقتصار على ~~أذان واحد، والإقامة لكل واحدة من الصلاتين. وقد أخرج البخاري عن ابن مسعود ~~أنه أمر بالاذان والإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين بمزدلفة. قال ~~ابن حزم: لم نجده مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو ثبت لقلت به، ~~ثم أخرج من طريق PageV03P270 # عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث. قال أبو ~~إسحاق: # فذكرته لأبي جعفر محمد بن علي فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع. قال ~~ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله، وأخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم ~~تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأذن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم. ~~قال الحافظ: # ولا يخفى تكلفه ولو تأتى له ذلك في حق عمر، لكونه كان الامام الذي يقيم ~~للناس حجتهم لم يتأت له في حق ابن مسعود. وقد ذهب إلى أن المشروع أذان واحد ~~في الجمع وإقامة لكل صلاة الشافعي في القديم، وهو مروي عن أحمد وابن حزم ~~وابن الماجشون وقواه الطحاوي، وإليه ذهبت الهادوية. وقال الشافعي في الجديد ~~والثوري وهو مروي عن أحمد: أنه يجمع بين الصلاتين بإقامتين فقط، وتمسك ~~الأولون بحديث جابر المذكور في الباب، وتمسك الآخرون بحديث أسامة المذكور ~~في الباب أيضا، لأنه اقتصر فيه على ذكر الإقامة لكل واحدة من الصلاتين. ~~(والحق) ما قاله الأولون، لأن حديث ms1281 جابر مشتمل على زيادة الاذان وهي زيادة ~~غير منافية فيتعين قبولها. قوله: ثم أناخ كل إنسان بعيره فيه جواز الفصل ~~بين الصلاتين المجموعتين بمثل هذا، وظاهر قوله: ولم يحلوا حتى أقام العشاء ~~الآخرة فصلى ثم حلوا المنافاة لقوله في الرواية الأخرى: # ثم حلوا رحالهم وأعنته ثم صلى العشاء فإن أمكن الجمع إما بأنه حل بعضهم ~~قبل صلاة العشاء وبعضهم بعدها، أو بغير ذلك فذاك وإن لم يمكن، فالرواية ~~الأولى أرجح لكونها في صحيح مسلم، ويرجحها أيضا الاقتصار في الرواية المتفق ~~عليها على مجرد الإناخة فقط. # أبواب الجمعة باب التغليظ في تركها عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا ~~يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم رواه أحمد ومسلم. ~~وعن أبي هريرة وابن عمر: أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم PageV03P271 # الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم، ~~ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس. وعن أبي الجعد الضمري وله ~~صحبة: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع ~~الله على قلبه رواه الخمسة. ولأحمد وابن ماجة من حديث جابر نحوه. # حديث أبي الجعد أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبزار وصححه ابن السكن. # وأبو الجعد قال الترمذي عن البخاري: لا أعرف اسمه، وكذا قال أبو حاتم، ~~وذكره الطبراني في الكنى من معجمه. وقيل: اسمه أدرع، وقيل: جنادة، وقيل: ~~عمرو. وقد اختلف في هذا الحديث على أبي سلمة فقيل عن أبي الجعد. قال ~~الحافظ: وهو الصحيح. وقيل: عن أبي هريرة وهو وهم، قاله الدارقطني في العلل. ~~ورواه الحاكم من حديث أبي قتادة وهو حسن وقد اختلف فيه. # وحديث جابر الذي أشار إليه المصنف رحمه الله أخرجه أيضا النسائي وابن ~~خزيمة والحاكم بلفظ: من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع ms1282 على قلبه قال ~~الدارقطني: # إنه أصح من حديث أبي الجعد. ولجابر حديث آخر بلفظ: إن الله افترض عليكم ~~الجمعة في شهركم هذا فمن تركها استخفافا بها وتهاونا إلا، فلا جمع الله له ~~شمله إلا، ولا بارك الله له إلا، ولا صلاة له أخرجه ابن ماجة وفي إسناده ~~عبد الله البلوي وهو واهي الحديث. # وأخرجه البزار من وجه آخر وفيه علي بن زيد بن جدعان، قال الدارقطني: إن ~~الطريقين كليهما غير ثابت. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث واهي الاسناد ~~انتهى. (وفي الباب) عن ابن عمر حديث آخر غير ما ذكر المصنف عند الطبراني في ~~الأوسط بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ألا عسى أحد منكم ~~أن يتخذ الضبنة من الغنم على رأس ميلين أو ثلاثة تأتي الجمعة فلا يشهدها ~~ثلاثا، فيطبع الله على قلبه وسيأتي نحوه في الباب الذي بعد هذا من حديث أبي ~~هريرة. والضبنة بكسر الضاد المعجمة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون هي ما تحت ~~يدك من مال أو عيال. وعن ابن عباس حديث آخر غير الذي ذكره المصنف عن أبي ~~يعلى الموصلي: من ترك ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الاسلام وراء ظهره هكذا ~~ذكره موقوفا وله حكم الرفع، لأن مثله لا يقال من قبل الرأي كما قال ~~العراقي. وعن سمرة عند أبي داود والنسائي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار. وعن ~~أسامة بن زيد عند الطبراني في الكبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من ترك PageV03P272 # ثلاث جمع من غير عذر كتب من المنافقين. وفي إسناده جابر الجعفي وقد ضعفه ~~الجمهور. وعن أنس عند الديلمي في مسند الفردوس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر طبع الله على قلبه. ~~وعن عبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير قال: قال رسول الله صلى ~~الله ms1283 عليه وآله وسلم: من سمع النداء يوم الجمعة ولم يأتها ثم سمع النداء ~~ولم يأتها ثلاثا طبع على قلبه فجعل قلب منافق قال العراقي: وإسناده جيد. ~~وعن عقبة بن عامر عند أحمد في حديث طويل فيه: أناس يحبون اللبن ويخرجون من ~~الجماعات ويدعون الجمعات. وفي إسناده ابن لهيعة. # وعن أبي قتادة عند أحمد أيضا بنحو حديث جابر الأول. وعن كعب بن مالك عند ~~الطبراني في الكبير بنحو حديث أبي هريرة وابن عمر المذكور في الباب. قوله: # يتخلفون عن الجمعة قال في الفتح: قد اختلف في تسمية اليوم بالجمعة مع ~~الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة بفتح العين وضم الراء ~~وبالموحدة، فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة عن ابن ~~عباس وإسناده ضعيف، وقيل: # لأن خلق آدم جمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان عند أحمد وابن خزيمة ~~وغيرهما، وله شاهد عن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم موقوفا بإسناد قوي، ~~وأحمد مرفوعا بإسناد ضعيف، وهذا أصح الأقوال. ويليه ما أخرجه عبد بن حميد ~~عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة وكانوا ~~يسمونه يوم العروبة فصلى بهم وذكرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه. وقيل: ~~لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه ويذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم ~~بأنه سيبعث منه نبي، روى ذلك الزبير في كتاب النسب عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن بن عوف مقطوعا، وبه جزم الفراء وغيره وقيل: إن قصيا هو الذي كان ~~يجمعهم، ذكره ثعلب في أماليه. وقيل: سمي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، ~~وبهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وأنه كان يسمى ~~يوم العروبة. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: # إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية، وقالوا: في الجمعة هو يوم العروبة، ~~فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى أول، أهون، جبار، ~~دبار، مؤنس، عروبة، شيار. قال الجوهري: وكانت العرب تسمي يوم ms1284 الاثنين أهون ~~في أسمائهم القديمة، وهذا يشعر بأنهم أحدثوا لها اسما وهي هذه المتعارفة ~~كالسبت والأحد الخ. وقيل: إن أول من سمى PageV03P273 # الجمعة العروبة كعب بن لؤي، وبه جزم بعض أهل اللغة. والجمعة بضم الجيم ~~على المشهور وقد تسكن وقرأ بها الأعمش، وحكى الفراء فتحها، وحكى الزجاج ~~كسرها. قال النووي: # ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها كما يقال همزة ولمزة لكثير ~~الهمز واللمز ونحو ذلك. قوله: لقد هممت الخ، قد استدل بذلك على أن الجمعة ~~من فروض الأعيان، وأجيب عن ذلك بأجوبة قدمنا ذكرها في أبواب الجماعة، ~~وسيأتي بيان ما هو الحق. قوله: ودعهم أي تركهم. قوله: أو ليختمن الله تعالى ~~الختم الطبع والتغطية، قال القاضي عياض: اختلف المتكلمون في هذا اختلافا ~~كثيرا فقيل: هو إعدام اللطف وأسباب الخير. وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم ~~وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة يعني الأشعرية. وقال غيرهم: هو الشهادة ~~عليهم. وقيل: هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم ليعرف بها الملائكة من ~~يمدح ومن يذم. قال العراقي: والمراد بالطبع على قلبه أنه يصير قلبه قلب ~~منافق، كما تقدم في حديث ابن أبي أوفى، وقد قال تعالى في حق المنافقين: * ~~(فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) * (المنافقون: 30). قوله: ثلاث جمع يحتمل ~~أن يراد حصول الترك مطلقا، سواء توالت الجماعات أو تفرقت، حتى لو ترك في كل ~~سنة جمعة لطبع الله تعالى على قلبه بعد الثالثة وهو ظاهر الحديث. ويحتمل أن ~~يراد ثلاث جمع متوالية كما تقدم في حديث أنس، لأن موالاة الذنب ومتابعته ~~مشعرة بقلة المبالاة به. # قوله: تهاونا فيه أن الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونا، ~~فينبغي حمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون، وكذلك تحمل ~~الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر كما تقدم. (وقد استدل) بأحاديث ~~الباب على أن الجمعة من فروض الأعيان، وقد حكى ابن المنذر الاجماع على أنها ~~فرض عين. وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قدامة في ~~المغني: أجمع ms1285 المسلمون على وجوب الجمعة، وقد حكى الخطابي الخلاف في أنها من ~~فروض الأعيان أو من فروض الكفايات وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض ~~الكفايات، وذكر ما يدل على أن ذلك قو للشافعي، وقد حكاه المرعشي عن قوله ~~القديم، قال الدارمي: وغلطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزي: لا يجوز حكاية ~~هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم وغلطه. قال العراقي: # نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادعاه الخطابي من أن أكثر الفقهاء ~~قالوا إن الجمعة فرض على الكفاية ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة ~~على أنها فرض PageV03P274 # عين، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب. قال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن ~~مالك أن شهودها سنة، ثم قال: قلنا له تأويلان: أحدهما أن مالكا يطلق السنة ~~على الفرض. # الثاني: أنه أراد سنة على صفتها لا يشاركها فيه سائر الصلوات حسب ما شرعه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله المسلمون. وقد روى ابن وهب عن ~~مالك عزيمة الجمعة على كل من سمع النداء انتهى. (ومن جملة الأدلة) الدالة ~~على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: * (إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا) * (الجمعة: 9) ومنها حديث طارق بن شهاب الآتي في الباب الذي ~~بعد هذا. ومنها حديث حفصة الآتي أيضا. ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي ~~هريرة: أنه سمع رسول الله (ص) يقول: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد ~~أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله تعالى عليهم ~~واختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا تبع فيه الحديث. وقد استنبط ~~منه البخاري فرضية صلاة الجمعة، وبوب عليه باب فرض الجمعة، وصرح النووي ~~والحافظ بأنه يدل على الفرضية قالا: لقوله فرض الله تعالى عليهم فهدانا له، ~~فإن التقدير فرض عليهم وعلينا، فضلوا وهدينا، وقد وقع مسلم في رواية سفيان ~~عن أبي الزناد بلفظ: كتب علينا وقد أجاب عن هذه الأدلة من لم يقل بأنها فرض ~~عين بأجوبة. أما عن ms1286 حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف فيما تقدم في الجماعة. ~~وأما عن سائر الأحاديث المشتملة على الوعيد فبصرفها إلى من ترك الجمعة ~~تهاونا حملا للمطلق على المقيد، ولا نزاع في أن التارك لها تهاونا مستحق ~~للوعيد المذكور، وإنما النزاع فيمن تركها غير متهاون. # وأما عن الآية فبما يقضي به آخرها أعني قوله: * (ذلكم خير لكم) * ~~(الجمعة: 9) من عدم فرضية العين. وأما عن حديث طارق فبما قيل فيه من ~~الارسال وسيأتي. وأما عن حديث أبي هريرة الآخر فبمنع استلزام افتراض يوم ~~الجمعة على من قبلنا افتراضه علينا، وأيضا ليس فيه افتراض صلاة الجمعة ~~عليهم ولا علينا. وقد ردت هذه الأجوبة بردود. (والحق) أن الجمعة من فرائض ~~الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق وأم سلمة ~~الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم. والاعتذار عن حديث طارق ~~بالارسال ستعرف اندفاعه، وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان صغيرا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في ~~عهده صلى الله عليه وآله وسلم بأمره إلا في مسجده، وقبائل العرب كانوا ~~مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يؤمروا بالحضور مدفوع بأن تخلف ~~PageV03P275 # المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله تعالى به وأمر رسوله، والتوعد الشديد ~~لمن لم يحضر لا يكون حجة إلا على فرض تقريره صلى الله عليه وآله وسلم ~~للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته صلى الله عليه وآله ~~وسلم من المسلمين وكلاهما باطل. # أما الأول فلا يصح نسبة التقرير إليه صلى الله عليه وآله وسلم بعد همه ~~بإحراق المتخلفين عن الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب ~~المنافقين. وأما الثاني فمع كونه قصرا للخطابات العامة بدون برهان ترده ~~أيضا تلك التوعدات للقطع بأنه لا معنى لتوعد الحاضرين، ولتصريحه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأن ذلك الوعيد للمتخلفين، وضيق مسجده صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يدل على عدم الفرضية إلا على فرض أن الطلب مقصور على مقدار ما ms1287 يتسع ~~له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه، وفي سائر البقاع ~~وكلاهما باطل. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضا لامكان إقامتها في ~~تلك البقاع عقلا وشرعا. (لا يقال) عدم أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بإقامتها في غير مسجده يدل على عدم الوجوب. لأنا نقول: الطلب العام يقتضي ~~وجوب صلاة الجمعة على كل فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في ~~مسجده صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكنه الوفاء بما طلبه الشارع إلا ~~بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به واجب كوجوبه كما تقرر في ~~الأصول. # باب من تجب عليه ومن لا تجب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال الجمعة على من سمع النداء رواه أبو داود ~~والدار قطني. وقال فيه إنما الجمعة على من سمع النداء. # الحديث، قال أبو داود في السنن: رواه جماعة عن سفيان مقصورا على عبد الله ~~بن عمرو، ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة انتهى. وفي إسناده محمد بن سعيد ~~الطائفي قال المنذري: وفيه مقال، وقال في التقريب: صدوق. وقال أبو بكر بن ~~أبي داود: هو ثقة، قال: # وهذه سنة تفرد بها أهل الطائف انتهى. وقد تفرد به محمد بن سعيد عن شيخه ~~أبي سلمة، وتفرد به أبو سلمة عن شيخه عبد الله بن هارون، وقد ورد من حديث ~~عبد الله PageV03P276 # بن عمرو من وجه آخر، أخرجه الدارقطني من رواية الوليد عن زهير بن محمد، ~~عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا، والوليد وزهير كلاهما من رجال ~~الصحيح، قال العراقي: لكن زهير روى عن أهل الشام مناكير منهم الوليد، ~~والوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة فلا يصح. ورواه الدارقطني أيضا من رواية ~~محمد ابن الفضل بن عطية عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومحمد بن الفضل ضعيف جدا، والحجاج هو ابن ~~أرطأة وهو مدلس مختلف ms1288 في الاحتجاج به. ورواه أيضا البيهقي من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا (والحديث) يدل على أن الجمعة لا تجب إلا على من ~~سمع النداء، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، حكى ذلك الترمذي عنهم، وحكاه ~~ابن العربي عن مالك، وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو راوي الحديث. وحديث ~~الباب وإن كان فيه المقال المتقدم فيشهد لصحته قوله تعالى: * (إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة) * (الجمعة: 9) الآية. قال النووي في الخلاصة: إن ~~البيهقي قال له شاهد فذكره بإسناد جيد. قال العراقي: وفيه نظر، قال: ويغني ~~عنه حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى ~~دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب. وروى نحوه أبو ~~داود بإسناد حسن عن ابن أم مكتوم قال: فإذا كان هذا في مطلق الجماعة فالقول ~~به في خصوصية الجمعة أولى، والمراد بالنداء المذكور في الحديث هو النداء ~~الواقع بين يدي الامام في المسجد، لأنه الذي كان في زمن النبوة لا الواقع ~~على المنارات فإنه محدث كما سيأتي. وظاهره عدم وجوب الجمعة على من لم يسمع ~~النداء، سواء كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة أو في خارجه، وقد ادعى في ~~البحر الاجماع على عدم اعتبار سماع النداء في موضعها، واستدل لذلك بقوله: ~~إذا لم تعتبره الآية وأنك تعلم أن الآية قد قيد الامر بالسعي فيها بالنداء ~~لما تقرر عند أئمة البيان من أن الشرط قيد لحكم الجزاء، والنداء المذكور ~~فيها يستوي فيه من في المصر الذي تقام فيه الجمعة ومن خارجه، نعم إن صح ~~الاجماع كان هو الدليل على عدم اعتبار سماع النداء لمن في موضع إقامة ~~الجمعة عند من قال بحجية الاجماع، وقد حكى العراقي في شرح الترمذي عن ~~الشافعي ومالك وأحمد بن ms1289 حنبل أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم ~~يسمعوا النداء، وقد اختلف أهل العلم فيمن كان خارجا PageV03P277 # عن البلد الذي تقام فيه الجمعة، فقال عبد الله بن عمر وأبو هريرة وأنس ~~والحسن وعطاء ونافع وعكرمة والحكم والأوزاعي والامام يحيى أنها تجب على من ~~يؤويه الليل إلى أهله، والمراد أنه إذا جمع مع الامام أمكنه العود إلى أهله ~~آخر النهار وأول الليل، واستدلوا بما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: الجمعة على من أواه الليل إلى أهله. قال ~~الترمذي: وهذا إسناد ضعيف، إنما يروى من حديث معارك بن عباد عن عبد الله بن ~~سعيد المقبري، وضعف يحيى بن سعيد القطان عبد الله بن سعيد المقبري في ~~الحديث انتهى. وقال العراقي: إنه غير صحيح فلا حجة فيه. وذهب الهادي ~~والناصر ومالك إلى أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيت من سور البلد. وقال ~~عطاء: # تلزم من على عشرة أميال. وقال الزهري: من على ستة أميال. وقال ربيعة: من ~~على أربعة، وروي عن مالك ثلاثة. وروي عن الشافعي فرسخ، وكذلك روي عن أحمد. ~~قال ابن قدامة: وهذا قول أصحاب الرأي. وروي في البحر عن زيد بن علي والباقر ~~والمؤيد بالله وأبي حنيفة وأصحابه أنها لا تجب على من كان خارج البلد. وقد ~~استدل بحديث الباب على أن الجمعة من فروض الكفايات، حتى قال في ضوء النهار: ~~إنه يدل على ذلك بلا شك ولا شبهة، ورد بأنه ليس في الحديث إلا إنها من ~~فرائض الأعيان على سامع النداء فقط، وليس فيه أنها فرض كفاية على من لم ~~يسمع، بل مفهومه يدل على أنها لا تجب عليه لا عينا ولا كفاية. # وعن حفصة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # رواح الجمعة واجب على كل محتلم رواه النسائي. وعن طارق بن شهاب رضي الله ~~عنه: # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الجمعة حق واجب على كل مسلم في ~~جماعة إلا أربعة: ms1290 # عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض رواه أبو داود. وقال طارق بن شهاب: ~~قد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسمع منه شيئا. # الحديث الا ورجال إسناده رجال الصحيح إلا عياش بن عياش وقد وثقه العجلي. ~~والحديث الآخر أخرجه أيضا الحاكم من حديث طارق هذا عن أبي موسى، قال ~~الحافظ: وصححه غير واحد. وقال الخطابي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، وطارق ~~بن شهاب لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه قد لقي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال العراقي: فإذا قد ثبتت صحبته فالحديث ~~صحيح، وغايته أن PageV03P278 # يكون مرسل صحابي وهو حجة عند الجمهور، إنما خالف فيه أبو إسحاق ~~الأسفراييني، بل ادعى بعض الحنفية الاجماع على أن مرسل الصحابي حجة اه. على ~~أنه قد اندفع الاعلال بالارسال بما في رواية الحاكم من ذكر أبي موسى، وقد ~~شد من عضد هذا الحديث حديث حفصة المذكور في الباب، ويؤيده أيضا ما أخرجه ~~الدارقطني والبيهقي من حديث جابر بلفظ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فعليه الجمعة، إلا امرأة، أو مسافرا، أو عبدا، أو مريضا. وفي إسناده ابن ~~لهيعة ومعاذ بن محمد الأنصاري وهما ضعيفان. (وفي الباب) عن تميم الداري عند ~~العقيلي والحاكم أبي أحمد وفيه أربعة ضعفاء على الولاء، قاله ابن القطان. ~~وعن ابن عمر عند الطبراني في الأوسط. وعن مولى لآل الزبير عند البيهقي. وعن ~~أبي هريرة ذكره الحافظ في التلخيص، وذكره صاحب مجمع الزوائد، وقال فيه ~~إبراهيم بن حماد ضعفه الدارقطني. وعن أم عطية بلفظ: نهينا عن اتباع الجنائز ~~ولا جمعة علينا أخرجه ابن خزيمة. وقد استدل بحديثي الباب على أن الجمعة من ~~فرائض الأعيان، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: عبد مملوك فيه أن الجمعة ~~غير واجبة على العبد، وقال داود: إنها واجبة عليه لدخوله تحت عموم الخطاب. # قوله: أو امرأة فيه عدم وجوب الجمعة على النساء، أما غير العجائز فلا ~~خلاف في ذلك، وأما العجائز فقال الشافعي: ms1291 يستحب لهن حضورها. قوله: أو صبي ~~فيه أن الجمعة غير واجبة على الصبيان وهو مجمع عليه. قوله: أو مريض فيه أن ~~المريض لا تجب عليه الجمعة إذا كان الحضور يجلب عليه مشقة، وقد ألحق به ~~الامام يحيى وأبو حنيفة الأعمى وإن وجد قائدا لما في ذلك من المشقة. وقال ~~الشافعي: إنه غير معذور عن الحضور إن وجد قائدا. وظاهر حديث أبي هريرة وابن ~~أم مكتوم المتقدمين في شرح الحديث الذي في أول هذا الباب أنه غير معذور مع ~~سماعه للنداء، وإن لم يجد قائدا، لعدم الفرق بين الجمعة وغيرها من الصلوات، ~~وقد تقدم الكلام على الحديثين في أول أبواب الجماعة. (اختلف) في المسافر هل ~~تجب عليه الجمعة إذا كان نازلا أم لا؟ فقال الفقهاء وزيد بن علي والناصر ~~والباقر والامام يحيى: أنها لا تجب عليه ولو كان نازلا وقت إقامتها، ~~واستدلوا بما تقدم في حديث جابر من استثناء المسافر، وكذا استثناء المسافر ~~في حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه. وقال الهادي والقاسم وأبو العباس ~~والزهري والنخعي: أنها تجب على المسافر إذا كان نازلا وقت إقامتها لا إذا ~~كان سائرا، ومحل PageV03P279 # الخلاف هل يطلق اسم المسافر على من كان نازلا أو يختص بالسائر؟ وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في أبواب صلاة السفر. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ألا ~~هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه ~~الكلأ فيرتفع، ثم تجئ الجمعة فلا يجئ ولا يشهدها، وتجئ الجمعة فلا يشهدها، ~~وتجئ الجمعة فلا يشهدها، حتى يطبع الله تعالى على قلبه. رواه ابن ماجة. # الحديث هو عند ابن ماجة كما ذكر المصنف من رواية محمد بن عجلان عن أبيه ~~عن أبي هريرة، وأخرجه الحاكم أيضا وفي إسناده معدي بن سليمان وفيه مقال. ~~وروى نحوه الطبراني وأحمد من حديث حارثة بن النعمان. وروى أيضا نحوه ~~الطبراني من حديث ابن عمر وقد تقدم. # قوله: أن يتخذ الصبة بصاد مهملة ms1292 مضمومة وبعدها باء موحدة مشددة قال في ~~النهاية: هي من العشرين إلى الأربعين ضأنا ومعزا. وقيل: معزا خاصة، وقيل: ~~ما بين الستين إلى السبعين، ولفظ حديث ابن عمر أن يتخذ الضبنة، قال ~~العراقي: بكسر الضاد المعجمة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون هي ما تحت يدك من ~~مال أو عيال اه. وفي القاموس في فصل الصاد المهملة من باب الباء الموحدة ما ~~لفظه: والصبة بالضم ما صب من طعام وغيره، ثم قال: والسربة من الخيل والإبل ~~والغنم، أو ما بين العشرة إلى الأربعين، أو هي من الإبل ما دون المائة. ~~وقال في فصل الضاد المعجمة من حرف النون: الضبنة مثلثة وكفرحة العيال ومن ~~لا غناء فيه ولا كفاية من الرفقاء. (والحديث) فيه الحث على حضور الجمعة ~~والتوعد على التشاغل عنها بالمال، وفيه أنها لا تسقط عمن كان خارجا عن بلد ~~إقامتها، وأن طلب الكلأ ونحوه لا يكون عذرا في تركها. # وعن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم جمعة قال: فتقدم ~~أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع النبي (ص) الجمعة، ثم ألحقهم؟ قال: فلما صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ ~~فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، قال: فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم رواه أحمد ~~والترمذي. وقال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث وعدها، وليس ~~هذا الحديث فيما عده. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أبصر رجلا عليه ~~هيئة السفر فسمعه يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت، فقال عمر: أخرج ~~PageV03P280 # فإن الجمعة لا تحبس عن سفر رواه الشافعي في مسنده. # أما حديث ابن عباس فقال الترمذي: إنه غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ثم ~~قال: قال يحيى بن سعيد، قال شعبة، وذكر ms1293 الكلام الذي ذكره المصنف وفي إسناده ~~الحجاج بن أرطأة، قال البيهقي: انفرد به الحجاج وهو ضعيف، وقال العراقي في ~~شرح الترمذي: ضعفه الجمهور، ومال ابن العربي إلى تصحيح الحديث وقال: ما ~~قاله شعبة لا يؤثر في الحديث، وقال: هو صحيح السند، صحيح المعنى، لأن الغزو ~~أفضل من الجماعة في الجمعة وغيرها، وطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الغزو أفضل من طاعته في صلاة الجماعة، وتعقبه العراقي فقال: هذا الكلام ليس ~~جاريا على قواعد أهل الحديث، ولا يلزم من كون المعنى صحيحا أن يكون السند ~~صحيحا، فإن شرط صحة الاسناد اتصاله فالمنقطع ليس من أقسام الصحيح عند عامة ~~العلماء، وهم الذين لا يحتجون بالمرسل، فكل من لا يحتج بالمرسل لا يحتج ~~بعنعنة المدلس، بل حكى النووي في شرح المهذب وغيره اتفاق العلماء على أنه ~~لا يحتج بعنعنة المدلس مع احتمال الاتصال، فكيف مع تصريح شعبة وهو أمير ~~المؤمنين في الحديث بأن الحكم لم يسمعه من مقسم، فلو ثبت الحديث لكان حجة ~~واضحة، وإذا لم يثبت فالحجة قائمة بغيره من حيث تعارض الواجبات، وأنه يقدم ~~أهمها، ولا شك أن الغزو أهم من صلاة الجمعة، إذ الجمعة لها خلف عند فوتها، ~~بخلاف الغزو خصوصا إذا تعين فإنه يجب تقديمه، وأيضا فالجمعة لم تجب قبل ~~الزوال، وإن وجب السعي إليها قبله في حق من سمع النداء، ولا يمكنه إدراكها ~~إلا بالسعي إليها قبله، ومن هذه حاله يمكن أن يكون حكمه عند ذلك حكم ما بعد ~~الزوال اه. وأما الأثر المروي عن عمر فذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم ~~عليه. وروى سعيد بن منصور أن أبا عبيدة سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة. ~~وأخرج أبو داود في المراسيل وابن أبي شيبة عن الزهري أنه أراد أن يسافر يوم ~~الجمعة ضحوة فقيل له في ذلك فقال: # إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سافر يوم الجمعة. وفي مقابل ذلك ما ~~أخرجه الدارقطني في الافراد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: من سافر يوم الجمعة ~~دعت ms1294 عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره وفي إسناده ابن لهيعة وهو مختلف فيه، ~~وما أخرجه الخطيب في كتاب أسماء الرواة عن مالك من رواية الحسين بن علوان ~~عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره ولا تقضى له ~~حاجة ثم قال الخطيب: الحسين بن علوان غيره PageV03P281 # أثبت منه. قال العراقي: قد ألان الخطيب الكلام في الحسين هذا، وقد كذبه ~~يحيى بن معين، ونسبه ابن حبان إلى الوضع، وذكر له الذهبي في الميزان هذا ~~لحديث، وأنه مما كذب فيه على مالك. وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم ~~الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال. الأول: الجواز قال ~~العراقي وهو قول أكثر العلماء: فمن الصحابة: # عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر. ومن ~~التابعين: # الحسن وابن سيرين والزهري. ومن الأئمة: أبو حنيفة ومالك في الرواية ~~المشهورة عنه، والأوزاعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه وهو القول ~~القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم. والقول الثاني: المنع ~~منه وهو قول الشافعي في الجديد وهو إحدى الروايتين عن أحمد وعن مالك. ~~والثالث: جوازه لسفر الجهاد دون غيره وهو إحدى الروايات عن أحمد. والرابع: ~~جوازه للسفر الواجب دون غيره وهو اختيار أبي إسحاق المروي من الشافعية ومال ~~إليه إمام الحرمين. والخامس: جوازه لسفر الطاعة واجبا كان أو مندوبا وهو ~~قول كثير من الشافعية وصححه الرافعي. وأما بعد الزوال من يوم الجمعة فقال ~~العراقي: قد ادعى بعضهم الاتفاق على عدم جوازه وليس كذلك، فقد ذهب أبو ~~حنيفة والأوزاعي إلى جوازه كسائر الصلوات، وخالفهم في ذلك عامة العلماء، ~~وفرقوا بين الجمعة وبين غيرها من الصلوات بوجوب الجماعة في الجمعة دون ~~غيرها، والظاهر جواز السفر قبل دخول وقت الجمعة وبعد دخوله لعدم المانع من ~~ذلك، وحديث أبي هريرة وكذلك حديث ابن عمر لا يصلحان للاحتجاج ms1295 بهما على ~~المنع لما عرفت من ضعفهما ومعارضة ما هو أنهض منهما، ومخالفتهما لما هو ~~الأصل، فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح ولم يوجد، وأما وقت صلاة الجمعة ~~فالظاهر عدم الجواز لمن قد وجب عليه الحضور إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه ~~للجمعة، كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معها، وما شابه ~~ذلك من الاعذار، وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر، فجوازه لما ~~كان أدخل في المشقة منه أولى. # باب انعقاد الجمعة بأربعين وإقامتها في القرى عن عبد الرحمن بن كعب بن ~~مالك وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره عن أبيه PageV03P282 # كعب رضي الله عنهما: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن ~~زرارة، قال فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول ~~من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات، ~~قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: # أربعون رجلا رواه أبو داود وابن ماجة وقال فيه: كان أول من صلى بنا صلاة ~~الجمعة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي وصححه، قال الحافظ: وإسناده حسن اه. ~~وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال مشهور. قوله: هزم النبيت هو بفتح الهاء ~~وسكون الزاي المطمئن من الأرض، والنبيت بفتح النون وكسر الباء الموحدة ~~وسكون الياء التحتية وبعدها تاء فوقية، قال في القاموس: هو أبوحي باليمن ~~اسمه عمرو بن مالك اه. والمراد به هنا موضع من حرة بني بياضة وهي قرية على ~~ميل من المدينة، وبنو بياضة بطن من الأنصار. قوله: في نقيع هو بالنون ثم ~~القاف ثم الياء التحتية بعدها عين مهملة. قوله: الخضمات بالخاء المعجمة ~~وكسر الضاد المعجمة موضع معروف. قوله: # أربعون رجلا استدل به من قال: إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلا، وإلى ~~ذلك ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وبه قال عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة، وعمر ms1296 بن عبد العزيز. وجه الاستدلال بحديث الباب أن الأمة ~~أجمعت على اشتراط العدد والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثابت بدليل ~~وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صحيح. وثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلوا كما رأيتموني أصلي قالوا: ولم تثبت ~~صلاته لها بأقل من أربعين، وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة في الحديث على ~~اشتراط الأربعين لأن هذه واقعة عين، وذلك أن الجمعة فرضت على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو بمكة قبل الهجرة، كما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، ~~فلم يتمكن من إقامتها هنالك من أجل الكفار، فلما هاجر من هاجر من أصحابه ~~إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمعوا فجمعوا، واتفق أعدتهم إذا كانت ~~أربعين وليس فيه ما يدل على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة. وقد ~~تقرر في الأصول أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم. وروى عبد بن حميد ~~وعبد الرزاق عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار لليهود: يوم يجمعون ~~فيه كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك، PageV03P283 # فهلم فلنجعل يوما نجمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره فجعلوه يوم العروبة، ~~واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموا الجمعة حين ~~اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، فأنزل الله تعالى في ذلك ~~بعد: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) * (البقرة: ~~180) الآية. قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أنه مرسل. وقولهم: # لم يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى الجمعة بأقل من أربعين يرده ~~حديث جابر الآتي في باب انفضاض العدد لتصريحه بأنه لم يبق معه صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا اثنا عشر رجلا. وما أخرجه الطبراني عن أبي مسعود ~~الأنصاري قال: أول من قدم المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير وهو أول من ~~جمع بها يوم الجمعة قبل أن ms1297 يقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم اثنا ~~عشر رجلا وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف. # قال الحافظ: ويجمع بينه وبين حديث الباب بأن أسعد كان أميرا ومصعبا كان ~~إماما. # وما أخرجه الطبراني أيضا وابن عدي عن أم عبد الله الدوسية مرفوعا: الجمعة ~~واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة. وفي رواية: وإن لم ~~يكونوا إلا ثلاثة رابعهم الامام وقد ضعفه الطبراني وابن عدي وفيه متروك. ~~قال في التلخيص: وهو منقطع، وأما احتجاجهم بحديث جابر عند الدارقطني ~~والبيهقي بلفظ: في كل أربعين فما فوقها جمعة وأضحى وفطر ففي إسناده بعد ~~تسليم أنه مرفوع عبد العزيز بن عبد الرحمن، قال أحمد: اضرب على أحاديثه ~~فإنها كذب أو موضوعة. وقال النسائي: # ليس بثقة. وقال الدارقطني: منكر الحديث، وكان ابن حبان لا يجوز الاحتجاج ~~به. # وقال البيهقي: هذا الحديث لا يحتج بمثله. ومن الغرائب ما استدل به ~~البيهقي على اعتبار الأربعين وهو حديث ابن مسعود قال: جمعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وكنت آخر من أتاه ونحن أربعون رجلا فقال: إنكم مصيبون ~~ومنصورون ومفتوح لكم، فإن هذه الواقعة قصد فيها النبي (ص) أن يجمع أصحابه ~~ليبشرهم، فاتفق أن اجتمع له منهم هذا العدد. قال السيوطي: وإيراد البيهقي ~~لهذا الحديث أقوى دليل على أنه لم يجد من الأحاديث ما يدل للمسألة صريحا ~~اه. # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة منتشر جدا، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري ~~خمسة عشر مذهبا فقال: وجملة ما للعلماء في ذلك خمسة عشر قولا. أحدها: تصح ~~من الواحد نقله ابن حزم، قلت: وحكاه الدارمي عن القاشاني، وصاحب البحر عن ~~الحسن بن PageV03P284 # صالح. الثاني: اثنان كالجماعة وهو قول النخعي، وأهل الظاهر، والحسن بن ~~يحيى. الثالث: # اثنان مع الامام عند أبي يوسف ومحمد، قلت: وحكاه في شرح المهذب عن ~~الأوزاعي وأبي ثور، وحكاه في البحر عن أبي العباس وتحصيله للهادي والأوزاعي ~~والثوري. الرابع: # ثلاثة معه عند أبي حنيفة، قلت: وإليه ذهب المؤيد ms1298 بالله وأبو طالب، وحكاه ~~ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي ثور، واختاره المزني والسيوطي، وحكاه عن ~~الثوري والليث. الخامس: # سبعة حكي عن عكرمة. السادس: تسعة عند ربيعة. السابع: اثنا عشر عنه في ~~رواية قلت: # وحكاه عنه المتولي والماوردي في الحاوي، وحكاه الماوردي أيضا عن الزهري ~~والأوزاعي ومحمد بن الحسن. الثامن: مثله غير الامام عند إسحاق. التاسع: ~~عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون في روايته أيضا عن مالك. ~~الحادي عشر: أربعون بالامام عند الشافعي، قلت: ومعه من قدمنا ذكرهم كما حكى ~~ذلك السيوطي: الثاني عشر: # أربعون غير الامام روي عن الشافعي، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. ~~الثالث عشر: # خمسون عند أحمد، وفي رواية كليب عن عمر بن عبد العزيز. الرابع عشر: ~~ثمانون حكاه المازري. الخامس عشر: جمع كثير بغير قيد، قلت: حكاه السيوطي عن ~~مالك. قال الحافظ: # ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. (واعلم) أنه لا مستند لاشتراط ~~ثمانين أو ثلاثين أو عشرين أو تسعة أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من ~~الواحد المنفرد، وأما من قال إنها تصح باثنين فاستدل بأن العدد واجب ~~بالحديث والاجماع، ورأي أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت ~~الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نص ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا ~~القول هو الراجح عندي، وأما الذي قال بثلاثة فرأى العدد واجبا في الجمعة ~~كالصلاة، فشرط العدد في المأمومين المستمعين للخطبة. وأما الذي قال بأربعة ~~فمستنده حديث أم عبد الله الدوسية المتقدم، وقد تقدم أنه لا ينتهض للاحتجاج ~~به، وله طريق أخرى عند الدارقطني وفيها متروكون، وله طريق ثالثة عنده أيضا ~~وفيها متروك، قال السيوطي: قد حصل من اجتماع هذه الطرق نوع قوة للحديث، ~~وفيه أن الطرق التي لا تخلو كل واحدة منها من متروك لا تصلح للاحتجاج وإن ~~كثرت. وأما الذي قال باثني عشر فمستنده حديث جابر في الانفضاض وسيأتي، ms1299 وفيه ~~أنه يدل على صحتها بهذا المقدار، وأما أنها لا تصح إلا بها فصاعدا لا بما ~~دونهم فليس في الحديث ما يدل على ذلك. وأما من PageV03P285 # قال باشتراط الخمسين فمستنده ما أخرجه الطبراني في الكبير والدارقطني عن ~~أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الجمعة على الخمسين ~~رجلا وليس على ما دون الخمسين جمعة قال السيوطي: لكنه ضعيف، ومع ضعفه فهو ~~محتمل للتأويل، لأن ظاهره أن هذا العدد شرط للوجوب لا شرط للصحة، فلا يلزم ~~من عدم وجوبها على ما دون الخمسين عدم صحتها منهم. وأما اشتراط جمع كثير من ~~دون تقييد بعدد مخصوص فمستنده أن الجمعة شعار، وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ ~~أعداء المؤمنين، وفيه أن كونها شعارا لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء ~~العدد الذي يحصل به ذلك، على أن الطلب لها من العباد كتابا وسنة مطلق عن ~~اعتبار الشعار فما الدليل على اعتباره؟ وكتبه صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~مصعب بن عمير أن ينظر اليوم الذي يجهر فيه اليهود بالزبور فيجمع النساء ~~والأبناء، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة تقربوا إلى ~~الله تعالى بركعتين، كما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس غاية ما فيه أن ~~ذلك سبب أصل المشروعية، وليس فيه أنه معتبر في الوجوب، فلا يصلح للتمسك به ~~على اعتبار عدد يحصل به الشعار، وإلا لزم قصر مشروعية الجمعة على بلد تشارك ~~المسلمين في سكونه اليهود وإنه باطل، على أنه يعارض حديث ابن عباس المذكور ~~ما تقدم عن ابن سيرين في بيان السبب في اعتراض الجمعة، وليس فيه إلا أنه ~~كان اجتماعهم لذكر الله تعالى وشكره، وهو حاصل من القليل والكثير بل من ~~الواحد، لولا ما قدمنا من أن الجمعة يعتبر فيها الاجتماع وهو لا يحصل ~~بواحد، وأما الاثنان فبانضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع، وقد أطلق ~~الشارع اسم الجماعة عليهما فقال: الاثنان فما فوقهما جماعة، كما تقدم في ~~أبواب الجماعة، وقد انعقدت سائر الصلوات بهما ms1300 بالاجماع، والجمعة صلاة فلا ~~تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على ~~المعتبر في غيرها. وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، ~~وكذلك قال السيوطي: # لم يثبت في شئ من الأحاديث تعيين عدد مخصوص. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد عبد القيس بجواثي من ~~البحرين رواه البخاري وأبو داود. وقال: بجواثي قرية من قرى البحرين. # قوله: أول جمعة جمعت زاد أبو داود: في الاسلام. قوله: في مسجد رسول ~~PageV03P286 # الله صلى الله عليه وآله وسلم وقع في رواية بمكة قال في الفتح: وهو خطأ ~~بلا مرية. # قوله: بجواثي بضم الجيم وتخفيف الواو وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة. قوله: من ~~قرى البحرين فيه جواز إقامة الجمعة في القرى، لأن الظاهر أن عبد القيس لم ~~يجمعوا إلا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عرف من عادة الصحابة من ~~عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا ~~يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل بذلك جابر وأبو سعيد في جواز العزل بأنهم ~~فعلوا والقرآن ينزل فلم ينهوا عنه، وحكى الجوهري والزمخشري وابن الأثير أن ~~جواثى اسم حصن البحرين. قال الحافظ: وهذا لا ينافي كونها قرية. وحكى ابن ~~التين عن أبي الحسن اللخمي أنها مدينة، وما ثبت في نفس الحديث من كونها ~~قرية أصمع احتمال أن تكون في أول الأمر قرية ثم صارت مدينة. وذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه، وبه قال زيد بن علي، والباقر، والمؤيد بالله، وأسنده ابن أبي شيبة ~~عن علي عليه السلام وحذيفة وغيرهما أن الجمعة لا تقام إلا في المدن دون ~~القرى، واحتجوا بما روي عن علي عليه السلام مرفوعا: لا جمعة ولا تشريق إلا ~~في مصر جامع وقد ضعف أحمد رفعه، وصحح ابن حزم وقفه، وللاجتهاد فيه مسرح فلا ~~ينتهض للاحتجاج به. وقد روى ابن أبي ms1301 شيبة عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين ~~أن اجمعوا حيث ما كنتم، وهذا يشمل المدن والقرى، وصححه ابن خزيمة، وروى ~~البيهقي عن الليث بن سعد أن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر ~~وعثمان بأمرهما وفيها رجال من الصحابة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر بإسناد ~~صحيح أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم، فلما ~~اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع. ويؤيد عدم اشتراط المصر حديث أم ~~عبد الله الدوسية المتقدم. وذهب الهادي إلى اشتراط المسجد قال: لأنها لم ~~تقم إلا فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي والمؤيد بالله وسائر العلماء: إنه ~~غير شرط، قالوا: إذ لم يفصل دليلها، قال في البحر: قلت وهو قوي إن صحت ~~صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي اه. # وقد روى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل ~~السير، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه. ~~PageV03P287 # باب التنظيف والتجمل للجمعة وقصدها بسكينة والتبكير والدنو من الامام عن ~~ابن سلام رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول على ~~المنبر في يوم الجمعة، ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي ~~مهنته رواه ابن ماجة وأبو داود. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ~~ثيابه وإن كان له طيب مس منه رواه أحمد. # الحديث الأول له طرق عند أبي داود. منها: عن موسى بن سعد، عن ابن حبان، ~~عن ابن سلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومنها: عن موسى بن سعد، عن ~~يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال البخاري: ~~وليوسف صحبة، وذكر غيره أن له رواية. ومنها: عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. وأخرجه ابن ماجة ms1302 من حديث عبد ~~الله بن سلام. وأخرجه في الموطأ بلاغا، ووصله ابن عبد البر في التمهيد من ~~طريق يحيى بن سعيد الأموي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة، قال ~~في الفتح: وفي إسناده نظر. (والحديث الثاني) أخرجه أيضا أبو داود وهو عند ~~البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي بلفظ: الغسل يوم الجمعة واجب على كل ~~محتلم، وأن يستن وأن يمس طيبا إن وجد قال البخاري: قال عمرو بن سليم ~~الأنصاري راوي الحديث عن أبي سعيد: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما ~~الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب أم لا؟ # ولكن هكذا في الحديث. (والحديث) الأول يدل على استحباب لبس الثياب الحسنة ~~يوم الجمعة، وتخصيصه بملبوس غير ملبوس سائر الأيام. وحديث أبي سعيد فيه ~~مشروعية الغسل في يوم الجمعة، واللبس من صالح الثياب والتطيب، وقد تقدم ~~الكلام على الغسل في أبوابه. وأما لبس صالح الثياب والتطيب فلا خلاف في ~~استحباب ذلك، وقد ادعى بعضهم الاجماع على عدم وجوب الطيب، وجعل ذلك دليلا ~~على عدم وجوب الغسل، وأجيب عن ذلك بأنه قد روي عن أبي هريرة بإسناد صحيح، ~~كما قال الحافظ في الفتح PageV03P288 # أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وبه قال بعض أهل الظاهر، وبأنه لا يمتنع ~~عطف ما ليس بواجب على الواجب كما قال ابن الجوزي، وقد تقدم بسط الكلام على ~~ذلك في أبواب الغسل. # وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس ~~من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد، ويفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له، ثم ~~ينصت للامام إذا تكلم، إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى رواه ~~أحمد والبخاري. # قوله: ويتطهر بما استطاع من طهر في رواية الكشميهني: من طهره والمراد ~~المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطف على يغتسل أن إفاضة الماء تكفي في حصول ~~الغسل. قال في الفتح: المراد بالغسل غسل الجسد ms1303 وبالتطهر غسل الرأس. قوله: ~~ويدهن المراد به إزالة شعث الشعر به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة. ~~قوله: أو يمس من طيب بيته أي إن لم يجد دهنا. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ~~أو بمعنى الواو وإضافته إلى البيت تؤذن بأن السنة أن يتخذ المرء لنفسه ~~طيبا، ويجعل استعماله له عادة فيدخره في البيت، وهذا مبني على أن المراد ~~بالبيت حقيقته، لكن في حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود: أو يمس من طيب ~~امرأته. والمعنى على هذا أن من لم يتخذ لنفسه طيبا فليستعمل من طيب امرأته. ~~وعند مسلم من حديث أبي سعيد بلفظ: ولو من طيب المرأة وفيه أن المراد بالبيت ~~في الحديث امرأة الرجل. قوله: ثم يروح إلى المسجد في رواية للبخاري: ثم ~~يخرج. وفي رواية لأحمد: ثم يمشي وعليه السكينة زاد ابن خزيمة: إلى المسجد. ~~قوله: ولا يفرق بين اثنين وفي حديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد: ثم لم ~~يتخط رقاب الناس وفي حديث أبي الدرداء: ولم يتخط أحدا ولم يؤذه وفيه كراهة ~~التفريق، وتخطي الرقاب وأذية المصلين، قال الشافعي : أكره التخطي إلا لمن ~~لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بذلك انتهى. قال في الفتح: وهذا يدخل فيه ~~الامام ومن يريد وصل الصف المنقطع إن أبى السابق من ذلك، ومن يريد الرجوع ~~إلى موضعه الذي قام منه لضرورة، واستثنى المتولي من الشافعية من يكون معظما ~~لدينه وعلمه إذا ألف مكانا يجلس فيه وهو تخصيص بدون مخصص، ويمكن أن ~~PageV03P289 # يستدل لذلك بحديث: ليليني منكم أولو الأحلام والنهى إذا كان المقصود من ~~التخطي هو الوصول إلى الصف الذي يلي الامام في حق من كان كذلك، وكان مالك ~~يقول: # لا يكره التخطي إلا إذا كان الامام على المنبر ولا دليل على ذلك، وسيأتي ~~بقية الكلام على التخطي في باب الرجل أحق بمجلسه. قوله: ثم يصلي ما كتب له ~~في حديث أبي الدرداء: ثم يركع ما قضي له وفيه استحباب الصلاة قبل استماع ~~الخطبة وسيأتي. # قوله: ثم ينصت ms1304 للامام إذا تكلم فيه أن من تكلم حال تكلم الامام لم يحصل ~~له من الاجر ما في الحديث، وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: غفر له ما بين ~~الجمعة إلى الجمعة الأخرى. في رواية: ما بينه وبين الجمعة الأخرى. وفي ~~رواية: ذنوب ما بينه وبين الجمعة الأخرى والمراد بالأخرى التي مضت بينه ~~الليث عن ابن عجلان في روايته عند ابن خزيمة ولفظه: غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة التي قبلها. ولابن حبان: # غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها. ~~وزاد ابن ماجة عن أبي هريرة: ما لم يغش الكبائر ونحو ذلك لمسلم. وظاهر ~~الحديث أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما ذكر في ~~الحديث من الغسل والتنظيف والتطيب أو الدهن، وترك التفرقة والتخطي والأذية ~~والتنفل والانصات، وكذلك لبس أحسن الثياب كما وقع في بعض الروايات، والمشي ~~بالسكينة كما وقع في أخرى، وترك الكبائر كما في رواية أيضا. قال المصنف ~~رحمه الله تعالى بعد أن ساق حديث الباب: وفيه دليل على جواز الكلام قبل ~~تكلم الامام انتهى. # وعن أبي أيوب رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ~~اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه ~~السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج ~~إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا الطبراني من رواية عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي ~~أيوب وأشار إليه الترمذي، وقال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. (وفي الباب) ~~أحاديث قد تقدم بعضها في أبواب الغسل. منها عن أبي بكر عند الطبراني بلفظ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من اغتسل يوم الجمعة كفرت عنه ~~ذنوبه وخطاياه، فإذا أخذ في المسير كتب له بكل خطوة عشرون حسنة، فإذا انصرف ~~من الصلاة أجيز بعمل مائتي PageV03P290 # سنة. وفي إسناده الضحاك ms1305 بن حمزة، وقد ضعفه ابن معين والنسائي والجمهور، ~~وذكره ابن حبان في الثقات. وللحديث طريق أخرى عند الطبراني أيضا. وعن أبي ~~ذر عند ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من اغتسل يوم ~~الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب ~~الله تعالى له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة ولم يلغ ولم يفرق بين اثنين غفر ~~له ما بينه وبين الجمعة الأخرى. # وعن ابن عمر عند الطبراني في الأوسط: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من اغتسل يوم الجمعة، ثم مس من أطيب طيبه، ولبس من أحسن ثيابه، ثم راح ~~ولم يفرق بين اثنين حتى يقوم من مقامه، ثم أنصت حتى يفرغ الامام من خطبته، ~~غفر له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام. وعن ابن عباس عند البزار ~~والطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من غسل ~~واغتسل يوم الجمعة ثم دنا حيث يسمع خطبة الامام فإذا خرج استمع وأنصت حتى ~~يصليها معه، كتب له بكل خطوة يخطوها عبادة سنة قيامها وصيامها وعن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص عند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ~~اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم ~~يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة له لما بينهما، ومن لغا ~~وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا وللحديث طريق أخرى عند أحمد في مسنده. وعن ~~نبيشة عند أحمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن المسلم إذا اغتسل ~~يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا، فإن لم يجد الامام خرج صلى ما ~~بدا له وإن وجد الامام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الامام جمعته ~~وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن يكون له كفارة للجمعة ~~التي تليها وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير ms1306 قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: اغتسلوا يوم الجمعة فإنه من اغتسل يوم الجمعة فله ~~كفارة ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام قال العراقي: # وإسناده حسن. ولأبي أمامة حديث آخر رواه الطبراني أيضا. وعن أبي طلحة عند ~~الطبراني أيضا في الكبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الامام وأنصت ولم يلغ في يوم جمعته كتب ~~الله تعالى له بكل خطوة خطاها إلى المسجد صيام سنة وقيامها وعن أبي قتادة ~~عند الطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~اغتسل يوم الجمعة كان PageV03P291 # في طهارة إلى الجمعة الأخرى. وعن أبي هريرة عند أبي يعلى الموصلي قال: ~~أوصاني خليلي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث لا أدعهن أبدا: الوتر قبل ~~النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة قال العراقي: ورجاله ~~ثقات إلا أنه من رواية الحسن عن أبي هريرة ولم يسمع منه. وفي الباب أحاديث ~~أخر، وشرح حديث الباب قد تقدم في الذي قبله. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في ~~الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب ~~كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة ~~الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ~~رواه الجماعة إلا ابن ماجة. # قوله: من اغتسل يعم كل من يصح منه الغسل من ذكر وأنثى وحر وعبد. # قوله: غسل الجنابة بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي غسلا كغسل الجنابة. # وفي رواية لعبد الرزاق: فاغتسل أحدكما كما يغتسل من الجنابة قال في ~~الفتح: وظاهره أن التشبيه للكيفية للحكم وهو قول الأكثر، وقيل فيه إشارة ~~إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة. والحكمة فيه أن يسكن النفس ms1307 ~~في الرواح إلى الصلاة، ولا تمتد عينه إلى شئ يراه. وفيه حمل المرأة أيضا ~~على الاغتسال كما تقدم في حديث أوس ابن أوس في أبواب الغسل. قال النووي: ~~ذهب بعض أصحابنا إلى هذا وهو ضعيف أو باطل. قال الحافظ: قد حكاه ابن قدامة ~~عن الإمام أحمد. وقد ثبت أيضا عن جماعة من التابعين. وقال القرطبي: إنه ~~أنسب الأقوال، فلا وجه لادعاء بطلانه وإن كان الأول أرجح، ولعله عنى أنه ~~باطل في المذهب. قوله: ثم راح زاد أصحاب الموطأ عن مالك: في الساعة الأولى. ~~قوله: فكأنما قرب بدنة أي تصدق بها متقربا إلى الله تعالى. وقيل: ليس ~~المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني من ~~الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلا، ويدل عليه أن في مرسل طاوس ~~عند عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة وهذا هو الظاهر، وقد قيل ~~غير ذلك. # قوله: ومن راح في الساعة الثانية قد اختلف في الساعة المذكورة في الحديث ~~ما المراد PageV03P292 # بها، فقيل: إنها ما يتبادر إلى الذهن من العرف فيها، قال في الفتح: وفيه ~~نظر، إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الامر في اليوم الشاتي والصائف، لأن ~~النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة ساعة، وهذا ~~الاشكال للقفال، وأجاب عنه القاضي حسين من أصحاب الشافعي بأن المراد ~~بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر، فالنهار ثنتا عشرة ساعة لكن يزيد ~~كل منها وينقص، والليل كذلك، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات، ~~وتلك التعديلية. وقد روى أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث جابر ~~مرفوعا: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة قال الحافظ: وهذا وإن لم يرد في حديث ~~التبكير فيستأنس به في المراد بالساعات. وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب ~~التبكير من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس، وتجاسر الغزالي ~~فقسمها برأيه فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ~~ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن ترمض الاقدام، ms1308 والخامسة ~~إلى الزوال. واعترضه ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى، ~~وإلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى، لأن المراتب متفاوتة جدا. وقيل: ~~المراد بالساعات خمس لحظات لطيفة، أو لها زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب ~~على المنبر، روي ذلك عن المالكية. واستدلوا على ذلك بأن الساعة تطلق على ~~جزء من الزمان غير محدود، وقالوا: الرواح لا يكون إلا من بعد الزوال، وقد ~~أنكر الأزهري على من زعم أن الرواح لا يكون إلا من بعد الزوال، ونقل أن ~~العرب تقول: راح في جميع الأوقات بمعنى ذهب، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل ~~أبو عبيد في الغريبين نحوه. وفيه رد على الزين بن المنير حيث أطلق أن ~~الرواح لا يستعمل في المضي في أول النهار بوجه، وحيث قال: إن استعمال ~~الرواح بمعنى الغدو لم يسمع ولا ثبت ما يدل عليه، وقد روي الحديث بلفظ غدا ~~مكان راح. وبلفظ المتعجل إلى الجمعة قال الحافظ: # ومجموع الروايات يدل على أن المراد بالرواح الذهاب، وما ذكرته المالكية ~~أقرب إلى الصواب، لأن الساعة في لسان الشارع وأهل اللغة الجزء من أجزاء ~~الزمان كما في كتب اللغة، ويؤيد ذلك أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه ذهب ~~إلى الجمعة قبل طلوع الشمس أو عند انبساطها، ولو كانت الساعة هي المعروفة ~~عند أهل الفلك لما ترك الصحابة الذين هم خير القرون، وأسرع الناس إلى ~~موجبات الأجور الذهاب إلى الجمعة في الساعة الأولى من أول النهار أو ~~الثانية أو الثالثة، فالواجب حمل كلام الشارع على لسان قومه إلا أن يثبت ~~PageV03P293 # له اصطلاح يخالفهم، ولا يجوز حمله على المتعارف في لسان المتشرعة الحادث ~~بعد عصره إلا أنه يعكر على هذا حديث جابر المصرح بأن يوم الجمعة اثنتا عشرة ~~ساعة، فإنه تصريح منه باعتبار الساعات الفلكية، ويمكن التفصي عنه بأن مجرد ~~جريان ذلك على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستلزم أن يكون اصطلاحا له ~~تجري عليه خطاباته. ومما يشكل على اعتبار الساعات الفلكية وحمل كلام ms1309 الشارع ~~عليها استلزامه صحة صلاة الجمعة قبل الزوال، ووجه ذلك أن تقسيم الساعات إلى ~~خمس ثم تعقيبها بخروج الامام وخروجه عند أول وقت الجمعة يقتضي أنه يخرج في ~~أول الساعة السادسة وهي قبل الزوال، وقد أجاب صاحب الفتح عن هذا الاشكال ~~فقال: إنه ليس في شئ من طرق الحديث ذكر الاتيان من أول النهار، فلعل الساعة ~~الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره ويكون مبدأ المجئ من أول الثانية، ~~فهي أولى بالنسبة إلى المجئ ثانية بالنسبة إلى النهار، قال: وعلى هذا فآخر ~~الخامسة أول الزوال فيرتفع الاشكال، وإلى هذا أشار الصيدلاني فقال: إن أول ~~التبكير يكون من ارتفاع النهار وهو أول الضحى وهو أول الهاجرة، قال: ويؤيده ~~الحث على التهجير إلى الجمعة، ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان: أحدهما أن ~~أول التبكير طلوع الشمس، والثاني طلوع الفجر، قال: ويحتمل أن يكون ذكر ~~الساعة السادسة ثابتا، كما وقع في رواية ابن عجلان عن سمي عند النسائي من ~~طريق الليث عنه بزيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة وهي العصفور، وتابعه ~~صفوان بن عيسى عن ابن عجلان، أخرجه محمد ابن عبد السلام، وله شاهد من حديث ~~أبي سعيد أخرجه حميد بن زنجويه في الترغيب له بلفظ: فكمهدي البدنة إلى ~~البقرة إلى الشاة إلى الطير إلى العصفور الحديث ونحوه في مرسل طاوس عند ~~سعيد بن منصور، وقع أيضا في حديث الزهري من رواية عبد الأعلى عن معمر عند ~~النسائي زيادة البطة بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق وهو أثبت ~~منه في معمر، وعلى هذا فخروج الامام يكون عند انتهاء السادسة. # قوله: دجاجة بالفتح ويجوز الكسر وحكى بعضهم جواز الضم. (والحديث) يدل على ~~مشروعية الاغتسال يوم الجمعة، وقد تقدم الكلام عليه وعلى فضيلة التبكير ~~إليها. قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه دليل على أن أفضل الهدي الإبل ثم ~~البقر ثم الغنم، وقد تمسك به من أجاز الجمعة في الساعة السادسة، ومن قال: ~~إنه إذا نذر هديا مطلقا أجزأه إهداء أي مال كان انتهى. PageV03P294 # وعن سمرة رضي ms1310 الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أحضروا ~~الذكر وادنوا من الامام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن ~~دخلها رواه أحمد وأبو داود. # الحديث قال المنذري: في إسناده انقطاع، وهو يدل على مشروعية حضور الخطبة ~~والدنو من الامام لما تقدم في الأحاديث من الحض على ذلك والترغيب إليه، ~~وفيه أن التأخر عن الامام يوم الجمعة من أسباب التأخر عن دخول الجنة، جعلنا ~~الله تعالى من المتقدمين في دخولها. # باب فضل يوم الجمعة وذكر ساعة الإجابة وفضل الصلاة على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه ~~السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم ~~الجمعة رواه مسلم والترمذي وصححه. # وعن أبي لبابة البدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: # سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله تعالى من ~~يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله عز وجل فيه آدم عليه ~~السلام، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله تعالى آدم، ~~وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله تعالى إياه ما لم يسأل ~~حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا ~~جبال ولا بحر إلا هن يشفقن من يوم الجمعة رواه أحمد وابن ماجة. وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في ~~الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله عز وجل خيرا إلا ~~أعطاه الله تعالى إياه وقال بيده قلنا يقللها يزهدها رواه الجماعة إلا أن ~~الترمذي وأبا داود لم يذكرا القيام ولا يقللها. # الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي وأبو داود. والحديث الثاني قال العراقي: ~~إسناده ms1311 PageV03P295 # حسن. والحديث الثالث زاد فيه الترمذي وأبو داود: أن أبا هريرة قال: لقيت ~~عبد الله بن سلام فحدثته هذا الحديث فقال: أنا أعلم تلك الساعة، فقلت: ~~أخبرني بها، فقال عبد الله: # هي آخر ساعة من يوم الجمعة كذا عند أبي داود، وعند الترمذي: هي بعد العصر ~~إلى أن تغرب الشمس. قوله: خير يوم طلعت فيه الشمس فيه أن أفضل الأيام يوم ~~الجمعة، وبه جزم ابن العربي، ويشكل على ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه من ~~حديث عبد الله بن قرط: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أفضل الأيام ~~عند الله تعالى يوم النحر. وسيأتي في آخر أبواب الضحايا، ويأتي الجمع بينه ~~وبين ما أخرج أيضا ابن حبان في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة هنالك إن شاء ~~الله تعالى. وقد جمع العراقي فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام ~~الجمعة، وتفضيل يوم عرفة أو يوم النحر بالنسبة إلى أيام السنة، وصرح بأن ~~حديث أفضلية يوم الجمعة أصح. قال صاحب المفهم: صيغة خير وشر يستعملان ~~للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانت للمفاضلة فأصلها أخير وأشرر على وزن أفعل، ~~وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فهما من جملة الأسماء كما قال تعالى: * (إن ترك ~~خيرا) * (النساء: 19) وقال: * (ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) * (الجمعة: 9) ~~قال: وهي في حديث الباب للمفاضلة، ومعناها في هذا الحديث أن يوم الجمعة ~~أفضل من كل يوم طلعت شمسه. وظاهر قوله: طلعت عليه الشمس أن يوم الجمعة لا ~~يكون أفضل أيام الجنة، ويمكن أن لا يعتبر هذا القيد، ويكون يوم الجمعة أفضل ~~أيام الجنة، كما أنه أفضل أيام الدنيا، لما ورد من أن أهل الجنة يزورون ~~ربهم فيه، ويجاب بأنا لا نعلم أنه يسمى في الجنة يوم الجمعة، والذي ورد ~~أنهم يزورون ربهم بعد مضي جمعة كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن ~~ماجة قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله ms1312 وسلم أن أهل الجنة إذا ~~دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام ~~الدنيا فيزورون الحديث. قوله: فيه خلق آدم فيه دليل على أم آدم لم يخلق في ~~الجنة بل خلق خارجها ثم أدخل إليها. قوله: وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ~~الخ، قد اختلفت الأحاديث في تعيين هذه الساعة بحسب ذلك أقوال الصحابة ~~والتابعين والأئمة بعدهم، قال الحافظ في الفتح: قد اختلف أهل العلم من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الساعة هل هي باقية أو قد رفعت؟ وعلى ~~البقاء هل هي في كل جمعة أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول هل هي وقت ~~من اليوم معين أو مبهم؟ وعلى التعيين هل تستوعب PageV03P296 # الوقت أو تبهم فيه؟ وعلى الابهام ما ابتداؤه وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك هل ~~تستمر أو تنتقل؟ وعلى الانتقال هل تستغرق اليوم أو بعضه؟ وذكر رحمه الله ~~تعالى من الأقوال فيها ما لم يذكره غيره، وها أنا أشير إلى بسطه مختصرا. ~~القول الأول: أنها قد رفعت، حكاه ابن المنذر عن قومه وزيفه، وروى عبد ~~الرزاق عن أبي هريرة أنه كذب من قال بذلك. وقال صاحب الهدى: أن قائله إن ~~أراد أنها صارت مبهمة بعد أن كانت معلومة احتمل، وإن أراد حقيقة الرفع فهو ~~مردود. الثاني: أنها موجودة في جمعة واحدة من السنة، روي عن كعب بن مالك. ~~الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر، وقد روى الحاكم ~~وابن خزيمة عن أبي سعيد أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها ~~فقال: قد علمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر. وقد مال إلى هذا جمع من ~~العلماء منهم الرافعي وصاحب المغني. الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة ولا ~~تلزم ساعة معينة، وجزم به ابن عساكر ورجحها الغزالي والمحب الطبري. الخامس: ~~إذا أذن المؤذنون لصلاة الغداة روي ذلك عن عائشة. السادس: من طلوع الفجر ~~إلى طلوع الشمس، روى ذلك ابن عساكر عن أبي هريرة. السابع: ms1313 مثله وزاد: ومن ~~العصر إلى المغرب، رواه سعيد بن منصور عن أبي هريرة وفي إسناده ليث بن أبي ~~سليم. الثامن: مثله وزاد: وما بين أن ينزل الامام من المنبر إلى أن يكبر، ~~رواه حميد بن زنجويه عن أبي هريرة. # التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في شرح التنبيه وتبعه ~~المحب الطبري في شرحه. العاشر: عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في الاحياء، ~~وعزاه ابن المنير إلى أبي ذر. الحادي عشر: أنها آخر الساعة الثالثة من ~~النهار، حكاه صاحب المغني وهو في مسند أحمد عن أبي هريرة موقوفا بلفظ: وفي ~~آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا الله تعالى بها استجيب له وفي إسناده فرج ~~بن فضالة وهو ضعيف. الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع، حكاه ~~المحب الطبري والمنذري. الثالث عشر: مثله لكن زاد: إلى أن يصير الظل نصف ~~ذراع، حكاه عياض والقرطبي والنووي. # الرابع عشر: بعد زوال الشمس يشير إلى ذراع، رواه ابن المنذر وابن عبد ~~البر عن أبي ذر. الخامس عشر: إذا زالت الشمس حكاه ابن المنذر عن أبي ~~العالية، وروي نحوه عن علي وعبد الله بن نوفل، وروى ابن عساكر عن قتادة أنه ~~قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس. السادس عشر: ~~إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، PageV03P297 # رواه ابن المنذر عن عائشة. السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في ~~الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السوار العدوي. الثامن عشر: من الزوال إلى ~~خروج الامام، حكاه أبو الطيب الطبري. التاسع عشر: من الزوال إلى غروب ~~الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي الأزماري بسكون الزاي وقبل ياء النسبة ~~راء مهملة، ونقله ابن الملقن. العشرون: ما بين خروج الامام إلى أن تقام ~~الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، ورواه المروزي عن الشعبي. الحادي ~~والعشرون: عند خروج الامام، رواه حميد بن زنجويه عن الحسن. الثاني ~~والعشرون: ما بين خروج الامام إلى أن تنقضي الصلاة، رواه ابن جرير عن ~~الشعبي، وروي ms1314 عن أبي موسى وابن عمر. الثالث والعشرون: ما بين أن يحرم البيع ~~إلى أن يحل، رواه سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي. الرابع والعشرون: ~~ما بين الاذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس. # الخامس والعشرون: ما بين أن يجلس الامام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، ~~رواه مسلم وأبو داود عن أبي موسى وسيأتي، وهذا يمكن أن يتحد مع الذي قبله. ~~السادس والعشرون: عند التأذين وعند تذكير الامام وعند الإقامة، رواه حميد ~~بن زنجويه عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. السابع والعشرون: مثله لكن قال: ~~إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاة، رواه ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر عن أبي أمامة الصحابي. # الثامن والعشرون: من حيث يفتتح الامام الخطبة حتى يفرغها، رواه ابن عبد ~~البر عن ابن عمر مرفوعا بإسناد ضعيف. التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب ~~المنبر وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي. الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، ~~حكاه الطيبي عن بعض شراح المصابيح. # الحادي والثلاثون: عند نزول الامام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن أبي بردة. الثاني والثلاثون: حين تقام ~~الصلاة حتى يقوم الامام في مقامه، حكاه ابن المنذر عن الحسن. وروى الطبراني ~~من حديث ميمونة بنت سعد نحوه بإسناد ضعيف. الثالث والثلاثون: من إقامة ~~الصلاة إلى تمام الصلاة، أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو ابن عوف ~~وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال: حين تقام الصلاة إلى الانصراف ~~وسيأتي، وإليه ذهب ابن سيرين، رواه عنه ابن جرير وسعد بن منصور. الرابع ~~والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فيها ~~الجمعة، رواه ابن عساكر عن ابن سيرين، قال الحافظ: وهذا يغاير الذي قبله من ~~جهة PageV03P298 # إطلاق ذلك وتقييد هذا. الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، ~~ويدل على ذلك حديث ابن عباس عند ابن جرير، وحديث أبي سعيد عنده بلفظ: # فالتمسوها بعد العصر وذكر ابن عبد البر أن قوله: ms1315 فالتمسوها إلى آخره ~~مدرج، ورواه الترمذي عن أنس مرفوعا بلفظ: بعد العصر إلى غيبوبة الشمس ~~وإسناده ضعيف. السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق عن يحيى ~~بن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. السابع ~~والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في الاحياء. ~~الثامن والثلاثون: بعد العصر مطلقا، رواه أحمد وابن عساكر عن أبي هريرة ~~وأبي سعيد مرفوعا بلفظ: وهي بعد العصر ورواه ابن المنذر عن مجاهد مثله قال: ~~وسمعته عن الحكم عن ابن عباس، ورواه أبو بكر المروزي عن أبي هريرة، ورواه ~~عبد الرزاق عن طاوس. التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، ~~روي ذلك عن أبي سلمة بن علقمة. الأربعون: من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب، ~~رواه عبد الرزاق عن طاوس. الحادي والأربعون: # آخر ساعة بعد العصر، ويدل على ذلك حديث جابر الآتي، ورواه مالك وأهل ~~السنن وابن خزيمة وابن حبان عن عبد الله بن سلام من قوله: وروى ابن جرير عن ~~أبي هريرة مرفوعا مثله. الثاني والأربعون: من حين يغرب قرص الشمس أو من حين ~~يدلي قرص الشمس للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني والدارقطني ~~والبيهقي من طريق زيد بن علي عن مرجانة مولاة فاطمة رضي الله عنها قالت: ~~حدثتني فاطمة عن أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: أية ساعة هي؟ قال: ~~إذا تدلى نصف الشمس للغروب، وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا كان يوم الجمعة ~~أرسلت غلاما لها يقال له زيد ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب ~~أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب، قال الحافظ: وفي إسناده اختلاف على زيد بن ~~علي، وفي بعض رواته من لا يعرف حاله. # وأخرجه أيضا إسحاق بن راهويه ولم يذكر مرجانة. الثالث والأربعون: أنها ~~وقت قراءة الإمام الفاتحة في الجمعة إلى أن يقول آمين، قال الجزري في كتابه ~~المسمى الحصن الحصين في الأدعية ورجحه، وفيه أنه يفوت على الداعي الانصات ~~لقراءة الامام كما قال ms1316 الحافظ قال: وهذه الأقوال ليست كلها متغاير من كل ~~وجه، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره. قال المحب الطبري: أصح الأحاديث ~~في تعيين الساعة حديث أبي موسى وسيأتي، وقد صرح مسلم بمثل ذلك. وقال بذلك ~~البيهقي وابن العربي وجماعة والقرطبي PageV03P299 # والنووي، وذهب آخرون إلى ترجيح حديث عبد الله بن سلام، حكى ذلك الترمذي ~~عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البر: أنه أثبت شئ ~~في هذا الباب، ويؤيده ما سيأتي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن من أن ناسا من ~~الصحابة أجمعوا على ذلك، ورجحه أحمد وإسحاق وجماعة من المتأخرين. (والحاصل) ~~أن حديث أبي هريرة المتقدم ظاهره يخالف الأحاديث الواردة في كونها بعد ~~العصر، لأن الصلاة بعد العصر منهي عنها وقد ذكر فيه: لا يوافقها عبد مسلم ~~قائم يصلي وقد أجاب عنه عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة، وروي ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي، ولكنه يشكل على ذلك قوله ~~قائم، وقد أجاب عنه القاضي عياض بأنه ليس المراد القيام الحقيقي، وإنما ~~المراد به الاهتمام بالامر كقولهم: # فلان قام في الامر الفلاني، ومنه قوله تعالى: * (إلا ما دمت عليه قائما) ~~* (آل عمران: 5) وليس بين حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى الآتي تعارض ولا ~~اختلاف، وإنما الاختلاف بين حديث أبي موسى وبين الأحاديث الواردة في كونها ~~بعد العصر، أو آخر ساعة من اليوم وسيأتي. فأما الجمع فإنما يمكن بأن يصار ~~إلى القول بأنها تنتقل، فيحمل حديث أبي موسى على أنه أخبر فيه عن جمعة ~~خاصة، وتحمل الأحاديث الاخر على جمعة أخرى، فإن قيل بتنقلها فذاك، وإن قيل ~~بأنها في وقت واحد لا تنتقل، فيصار حينئذ إلى الترجيح، ولا شك أن الأحاديث ~~الواردة في كونها بعد العصر أرجح لكثرتها واتصالها بالسماع، وأنه لم يختلف ~~في رفعها، والاعتضاد بكونه قول أكثر الصحابة ففيها أربعة مرجحات. وفي حديث ~~أبي موسى مرجح واحد وهو كونه في أحد الصحيحين دون بقية الأحاديث، ولكن ms1317 عارض ~~كونه في أحد الصحيحين أمران وسيأتي ذكرهما في شرحه. وسلك صاحب الهدى مسلكا ~~آخر، واختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما ~~لا يعارض الآخر، لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم دل على أحدها في ~~وقت وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر: أنه ينبغي الاجتهاد في ~~الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى تجويز ذلك الإمام أحمد. قال ابن ~~المنير: إذا علم أن فائدة الابهام لهذه الساعة والليلة القدر بعث الدواعي ~~على الاكثار من الصلاة والدعاء، ولو وقع البيان لها لا تكل الناس على ذلك ~~وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يتكل في طلب تحديدها، وقال ~~PageV03P300 # في موضع آخر: يحسن جمع الأقوال، فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا ~~بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها. # وعن أبي موسى رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~في ساعة الجمعة: هي ما بين أن يجلس الامام يعني على المنبر إلى أن يقضي ~~الصلاة رواه مسلم وأبو داود وعن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: قال: إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله تعالى العبد ~~فيها شيئا إلا أتاه إياه قالوا: يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال: حين تقام ~~الصلاة إلى الانصراف منها رواه ابن ماجة والترمذي. # الحديث الأول مع كونه في صحيح مسلم قد أعل بالانقطاع والاضطراب، أما ~~الانقطاع فلان مخرمة بن بكير رواه عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج وهو ~~لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه. وقال سعيد بن ~~أبي مريم: سمعت خالي موسى بن سلمة قال: أتيت مخرمة بن بكير فسألته أن ~~يحدثني عن أبيه فقال: ما سمعت من أبي شيئا إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه، ~~ما أدركت أبي إلا وأنا غلام. وفي لفظ: لم أسمع من أبي وهذه كتبه. وقال علي ~~بن المديني: سمعت ms1318 معنا يقول: مخرمة سمع من أبيه قال: ولم أجد أحدا بالمدينة ~~يخبر عن مخرمة أنه كان يقول في شئ: سمعت أبي قال: علي ومخرمة ثقة. وقال ابن ~~معين: يخبر عن مخرمة مخرمة ضعيف الحديث ليس حديثه بشئ. قال في الفتح: ولا ~~يقال مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو كذلك هنا، لأنا ~~نقول: وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع ~~انتهى. وأما الاضطراب فقال العراقي: # إن أكثر الرواة جعلوه من قول أبي بردة مقطوعا، وأنه لم يرفعه غير مخرمة ~~عن أبيه، وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم فقال: لم يسنده غير ~~مخرمة عن أبيه عن أبي بردة، قال: ورواه حماد عن أبي بردة من قوله. ومنهم من ~~بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنه من قول أبي بردة، وتابعه واصل ~~الأحدب ومجالد روياه عن أبي بردة من قوله. وقال النعمان بن عبد السلام، عن ~~الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه موقوف، ولا يثبت قوله عن أبيه، ~~انتهى كلام الدارقطني. وأجاب النووي في شرح مسلم عن ذلك بقوله: وهذا الذي ~~استدركه بناء على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في ~~رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتصال حكموا بالوقف، PageV03P301 # والارسال وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، قال: والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء ~~والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة ~~انتهى. والحديث الثاني المذكور في الباب حسنه الترمذي، وفي إسناده كثير بن ~~عبد الله بن عمرو بن عوف، وقد اتفق أئمة الجرح والتعديل على ضعفه، والترمذي ~~في شرط في حد الحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، وكثير هنا قال ~~فيه الشافعي وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب، وقد حسن له الترمذي مع هذا ~~عدة أحاديث وصحح له حديث: الصلح جائز بين المسلمين قال الذهبي في الميزان: ~~فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي. قال العراقي: لا يقبل هذا الطعن ~~منه في ms1319 حق الترمذي، وإنما جهل الترمذي من لا يعرفه كابن حزم، وإلا فهو إمام ~~معتمد عليه، ولا يمتنع أن يخالف اجتهاده اجتهاد غيره في بعض الرجال، وكأنه ~~رأى ما رآه البخاري، فإنه روي عنه أنه قال في حديث كثير عن أبيه عن جده في ~~تكبير العيدين أنه حديث حسن، ولعله إنما حكم عليه بالحسن باعتبار الشواهد، ~~فإنه بمعنى حديث أبي موسى المذكور في الباب، فارتفع بوجود حديث شاهد له إلى ~~درجة الحسن. وقد رواه البيهقي، ورواه أيضا ابن أبي شيبة من طريق مغيرة عن ~~واصل الأحدب عن أبي بردة من قوله: وإسناده قوي. (والحديثان) يدلان على أن ~~ساعة الإجابة هي وقت صلاة الجمعة من عند صعود الامام المنبر، أو من عند ~~الإقامة إلى الانصراف منها، وقد تقدم أن الأحاديث المصرحة بأنها بعد العصر ~~أرجح وسيأتي ذكرها. # وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قلت ورسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم جالس: إنا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا ~~يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا قضى له حاجته، قال ~~عبد الله: فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو بعض ساعة، فقلت: ~~صدقت أو بعض ساعة، قلت: # أي ساعة هي؟ قال: آخر ساعة من ساعات النهار، فقلت: إنها ليست ساعة صلاة، ~~قال: بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة ~~رواه ابن ماجة. # وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: # إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل فيها خيرا إلا ~~أعطاه إياه وهي بعد العصر رواه أحمد. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوجد ~~عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئا PageV03P302 # إلا آتاه إياه والتمسوها آخر ساعة بعد العصر رواه النسائي وأبو داود. ms1320 وعن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فتفرقوا ولم ~~يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة رواه سعيد في سننه. وقال أحمد بن ~~حنبل: أكثر الأحاديث في الساعة التي يرجى فيها إجابة الدعاء أنها بعد صلاة ~~العصر، ويرجى بعد زوال الشمس. # الحديث الأول رفعه ابن ماجة كما ذكر المصنف، وهو من طريق أبي النضر، عن ~~أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جالس الحديث. ورواه مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من طريق ~~محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام من قوله. ~~والحديث الثاني رواه أيضا البزار عنهما بإسناد، قال العراقي: صحيح، وقال في ~~مجمع الزوائد: ورجالهما رجال الصحيح. والحديث الثالث أخرجه الحاكم في ~~مستدركه وقال: صحيح على شرط مسلم، وحسن الحافظ في الفتح إسناده. والأثر ~~الذي رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جماعة من الصحابة. قال الحافظ في ~~الفتح: إسناده صحيح. (وفي الباب) عن أنس عند الترمذي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى ~~غيبوبة الشمس وفي إسناده محمد بن أبي حميد وهو ضعيف، وقد تابعه ابن لهيعة ~~كما رواه الطبراني في الأوسط. وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم وقد تقدم أول الباب. وعن أبي ذر عند ابن عبد البر في التمهيد ~~وابن المنذر، وعن سلمان أشار إليه الترمذي. (والأحاديث) المذكورة في الباب ~~تدل على أن الساعة التي تقدم الخلاف في تعيينها هي آخر ساعة من يوم الجمعة، ~~وقد تقدم بسط الخلاف في ذلك وبيان الجمع بين بعض الأحاديث، والترجيح بين ~~بعض آخر. والقول بأنها آخر ساعة من اليوم هو أرجح الأقوال، وإليه ذهب ~~الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، ولا يعارض ذلك الأحاديث الواردة ~~بأنها ms1321 بعد العصر بدون تعيين آخر ساعة، لأنها تحمل على الأحاديث المقيدة ~~بأنها آخر ساعة، وحمل المطلق على المقيد متعين كما تقرر في الأصول. وأما ~~الأحاديث المصرحة بأنها وقت الصلاة فقد عرفت أنها مرجوحة، ويبقى الكلام في ~~حديث أبي سعيد الذي أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم بلفظ: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عنها فقال: قد علمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة ~~القدر. قال العراقي: ورجاله PageV03P303 # رجال الصحيح، ويجاب عنه بأن نسيانه صلى الله عليه وآله وسلم لها لا يقدح ~~في الأحاديث الصحيحة الواردة بتعيينها، لاحتماله أنه سمع منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم التعيين قبل النسيان كما قال البيهقي، وقد بلغنا صلى الله عليه ~~وآله وسلم تعيين وقتها، فلا يكون إنساؤه ناسخا للتعيين المتقدم. # وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، ~~وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا ~~رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني وقد بليت؟ فقال: إن الله عز ~~وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن ~~أبي الدرداء رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة ~~فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى ~~يفرغ منها رواه ابن ماجة. وعن خالد بن معدان رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: أكثروا الصلاة علي في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي ~~تعرض علي في كل يوم جمعة رواه سعيد في سننه. وعن صفوان بن سليم رضي الله ~~عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة فأكثروا الصلاة علي رواه الشافعي في مسنده، هذا والذي قبله مرسلان. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، ms1322 والحاكم في مستدركه وقال: ~~صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وذكره ابن أبي حاتم في العلل وحكى عن ~~أبيه أنه حديث منكر، لأن في إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وهو منكر ~~الحديث. وذكر البخاري في تاريخه أنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم. وقال ابن ~~العربي: إن الحديث لم يثبت. والحديث الثاني قال العراقي في شرح الترمذي: ~~رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا، لأن في إسناده زيد بن أيمن، عن عبادة بن ~~نسي، عن أبي الدرداء، قال البخاري: زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي مرسل. ~~والحديث الثالث والرابع مرسلان كما قال المصنف، لأن خالد ابن معدان وصفوان ~~بن سليم لم يدركا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (وفي الباب) عن شداد بن ~~أوس عند ابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة بنحو حديث أوس بن أوس، هكذا وقع عند ابن ~~PageV03P304 # ماجة في الصلاة، ووقع عنده في الجنائز أوس بن أوس وهو الصواب. وعن أبي ~~مسعود الأنصاري عند البيهقي في كتابه حياة الأنبياء في قبورهم عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: أكثروا علي من الصلاة في يوم الجمعة، فإنه ليس ~~يصلي علي أحد يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته قال البيهقي: قال أبو عبد الله ~~يعني الحاكم أبو رافع: هذا يعني المذكور في السند هو إسماعيل بن نافع. قال ~~العراقي: وثقه البخاري وضعفه النسائي، ورواه البيهقي أيضا في شعب الايمان ~~وابن أبي عاصم من هذا الوجه. وأخرج البيهقي في السنن أيضا حديثا آخر بلفظ: ~~أكثروا علي الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله ~~تعالى عليه عشرا. قوله: وقد أرمت بهمزة مفتوحة وراء مكسورة وميم ساكنة ~~بعدها تاء المخاطب المفتوحة والأحاديث فيها مشروعية الاكثار من الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة، وأنها تعرض عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأنه حي في قبره. وقد أخرج ابن ماجة بإسناد جيد ms1323 أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لأبي الدرداء: إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل ~~أجساد الأنبياء. وفي رواية للطبراني: ليس من عبد يصلي علي إلا بلغني صلاته، ~~قلنا: وبعد وفاتك؟ قال: وبعد وفاتي إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل ~~أجساد الأنبياء وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حي بعد وفاته، وأنه يسر بطاعات أمته، وأن الأنبياء لا يبلون، مع ~~أن مطلق الادراك كالعلم والسماع ثابت لسائر الموتى. وقد صح عن ابن عباس ~~مرفوعا: ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن وفي رواية: بقبر الرجل كان ~~يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه ورد عليه. ولابن أبي الدنيا: إذا مر ~~الرجل بقبر يعرفه فيسلم عليه رد عليه السلام وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه ~~رد عليه السلام. وصح أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج إلى البقيع ~~لزيارة الموتى ويسلم عليهم. وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم ~~أحياء يرزقون، وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ ~~وقد ثبت في الحديث: أن الأنبياء أحياء في قبورهم رواه المنذري وصححه ~~البيهقي. # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مررت بموسى ليلة ~~أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. PageV03P305 # باب الرجل أحق بمجلسه وآداب الجلوس والنهي عن التخطي إلا لحاجة عن جابر ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا يقيم أحدكم يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل افسحوا رواه ~~أحمد ومسلم. # وعن ابن عمر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه نهى أن ~~يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا متفق عليه. ولأحمد ~~ومسلم: # كان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه. وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ms1324 قام أحدكم من ~~مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به رواه أحمد ومسلم. وعن وهب بن حذيفة رضي الله ~~عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الرجل أحق بمجلسه، وإن خرج ~~لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه رواه أحمد والترمذي وصححه. # قوله: لا يقيم بصيغة الخبر والمراد النهي. وفي لفظ لمسلم: لا يقيمن أحدكم ~~الرجل من مجلسه بصيغة النهي المؤكد. قوله: يوم الجمعة فيه التقييد بيوم ~~الجمعة، وفي لفظ من طريق أبي الزبير عن جابر: لا يقيمن أحدكم أخاه يوم ~~الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه وقد بوب لذلك البخاري فقال: باب لا ~~يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه. وذكر يوم الجمعة في حديث جابر ~~من باب التنصيص على بعض أفراد العام، لا من باب التقييد للأحاديث المطلقة، ~~ولا من باب التخصيص للعمومات، فمن سبق إلى موضع مباح سواء كان مسجدا أو ~~غيره، في يوم جمعة أو غيرها لصلاة أو لغيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم ~~على غيره إقامته منه والقعود فيه، إلا أنه استثنى من ذلك الموضع الذي قد ~~سبق لغيره فيه حق، كأن يقعد رجل في موضع ثم يقوم منه لقضاء حاجة من الحاجات ~~ثم يعود إليه فإنه أحق به ممن قعد فيه بعد قيامه، لحديث أبي هريرة وحديث ~~وهب بن حذيفة المذكورين في الباب، وظاهرهما عدم الفرق بين المسجد وغيره، ~~ويجوز له إقامة من قعد فيه. وقد ذهب إلى ذلك الشافعية والهادوية. ومثل ذلك ~~الأماكن التي يقعد الناس فيها لتجارة أو نحوها، فإن المعتاد للقعود في مكان ~~يكون أحق به من غيره، PageV03P306 # إلا إذا طالت مفارقته له بحيث ينقطع معا ملوه، ذكره النووي في شرح مسلم. ~~وقال في الغيث: يكون أحق به إلى العشى. وقال الغزالي: يكون أحق به ما ~~ليضرب. وقال أصحاب الشافعي: إن ذلك على وجه الندب لا على وجه الوجوب، وإليه ~~ذهب مالك. # قال أصحاب الشافعي: ولا فرق في المسجد بين من قام وترك له سجادة فيه ms1325 ~~ونحوها وبين من لم يترك، قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون ~~غيرها. وظاهر الحديثين عدم الفرق، وظاهر حديث جابر وحديث ابن عمر أنه يجوز ~~للرجل أن يقعد في مكان غيره إذا أقعده برضاه، ولعل امتناع ابن عمر عن ~~الجلوس في مجلس من قام له برضاه كان تورعا منه، لأنه ربما استحيا منه إنسان ~~فقام له بدون طيبة من نفسه، ولكن الظاهر أن من فعل ذلك قد أسقط حق نفسه، ~~وتجويز عدم طيبة نفسه بذلك خلاف الظاهر، ويكره الايثار بمحل الفضيلة ~~كالقيام من الصف الأول إلى الثاني، لأن الايثار وسلوك طرائق الآداب لا يليق ~~أن يكون في العبادات والفضائل، بل المعهود أنه في حظوظ النفس وأمور الدنيا، ~~فمن آثر بحظه في أمر من أمور الآخرة فهو من الزاهدين في الثواب. # وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره رواه أحمد والترمذي ~~وصححه. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود عن هناد عن عبيدة بن سليمان وفي إسناده محمد ~~ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وقد أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه معنعنا، ~~وأما ابن العربي فمال إلى ضعف الحديث لذلك. (وفي الباب) عن سمرة عند البزار ~~والطبراني في الكبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا نعس ~~أحدكم يوم الجمعة فليتحول إلى مكان صاحبه ويتحول صاحبه إلى مكانه، وهو من ~~رواية إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة، قال البزار: إسماعيل لا يتابع ~~على حديثه انتهى. وفي سماع الحسن من سمرة خلاف قد تقدم ذكره، وللحديث طريق ~~أخرى عند البزار وفيها خالد بن يوسف السمتي وهو ضعيف، وفيها أيضا أبو يوسف ~~بن خالد وهو هالك، وبقية السند مجهولون كما قال ابن القطان، قال الذهبي في ~~الميزان: وبكل حال هذا إسناد مظلم. قوله: إذا نعس أحدكم يوم الجمعة لم يرد ~~بذلك جميع اليوم، بل المراد به إذا كان في المسجد ms1326 ينتظر صلاة الجمعة كما في ~~رواية أحمد في مسنده بلفظ: إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة. وسواء فيه ~~حال الخطبة أو قبلها لكن حال الخطبة أكثر. قوله: يوم الجمعة يحتمل أنه خرج ~~مخرج الأغلب لطول PageV03P307 # مكث الناس في المسجد للتبكير إلى الجمعة ولسماع الخطبة، وإن المراد ~~انتظار الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها، كما في رواية أبي هريرة لحديث ~~الباب بلفظ: إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول عن مجلسه ذلك إلى غيره ~~فيكون ذكر يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العام، ويحتمل أن المراد ~~يوم الجمعة فقط للاعتناء بسماع الخطبة فيه. (والحكمة) في الامر بالتحول أن ~~الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته ~~فيه الغفلة بنومه، وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه كما ~~تقدم، وأيضا من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من ~~الشيطان، فربما كان الامر بالتحول لاذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث ~~غفلة الجالس في المسجد عن الذكر، أو سماع الخطبة، أو ما فيه منفعة. # وعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الحبوة يوم الجمعة والامام يخطب رواه أحمد وأبو داود والترمذي ~~وقال: هذا حديث حسن. وعن يعلى بن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: شهدت مع ~~معاوية فتح بيت المقدس فجمع بنا فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فرأيتهم محتبين والامام يخطب رواه أبو داود. # حديث معاذ بن أنس هو من رواية ابنه سهل بن معاذ، وقد ضعفه يحيى بن معين، ~~وتكلم فيه غير واحد، وفي إسناده أيضا أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون مولى ~~بني ليث ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. (وفي الباب) عن ~~عبد الله بن عمرو عند ابن ماجة قال: ms1327 نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن الاحتباء يوم الجمعة يعني والامام يخطب وفي إسناده بقية بن الوليد وهو ~~مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن شيخه عبد الله بن واقد، قال العراقي: لعله من ~~شيوخه المجهولين، وعن جابر عند ابن عدي في الكامل: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والامام يخطب وفي إسناده عبد الله بن ~~ميمون القداح وهو ذاهب الحديث كما قال البخاري. والأثر الذي رواه يعلى بن ~~شداد عن الصحابة سكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده سليمان بن عبد الله ~~بن الزبرقان وفيه لين، وقد وثقه ابن حبان، قال أبو داود: وكان ابن عمر ~~يحتبي والامام يخطب، وأنس بن مالك وشريح وصعصعة PageV03P308 # بن صوحان وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن ~~سعد ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها، قال أبو داود: لم يبلغني أن أحدا ~~كرهها إلا عبادة بن نسي. # قوله: عن الحبوة هي أن يقيم الجالس ركبتيه ويقيم رجليه إلى بطنه بثوب ~~يجمعهما به مع ظهره ويشد عليهما ويكون أليتاه على الأرض، وقد يكون الاحتباء ~~باليدين عوض الثوب، يقال: احتبى يحتبي احتباء والاسم الحبوة بالضم والكسر ~~معا، والجمع حب وحبى بالضم والكسر. قال الخطابي: وإنما نهى عن الاحتباء في ~~ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض. وقد ورد النهي عن ~~الاحتباء مطلقا غير مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة، لأنه مظنة لانكشاف ~~عورة من كان عليه ثوب واحد. (وقد اختلف العلماء) في كراهية الاحتباء يوم ~~الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم كما قال الترمذي منهم عبادة بن نسي ~~المتقدم. قال العراقي: وورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون أن ~~يحتبوا والامام يخطب يوم الجمعة. رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: ولكنه ~~قد اختلف عن الثلاثة فنقل عنهم القول بالكراهة، ونقل عنهم عدمها، واستدلوا ~~بحديث الباب وما ذكرناه في معناه وهي تقوي بعضها بعضا. وذهب أكثر أهل العلم ~~كما قال العراقي إلى ms1328 عدم الكراهة، منهم من تقدم ذكره في رواية أبي داود. ~~ورواه ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وعطاء وابن سيرين ~~والحسن وعمرو بن دينار وأبي الزبير وعكرمة ابن خالد المخزومي. ورواه ~~الترمذي عن ابن عمر وغيره قال: وبه يقول أحمد وإسحاق، وأجابوا عن أحاديث ~~الباب أنها كلها ضعيفة، وإن كان الترمذي قد حسن حديث معاذ بن أنس وسكت عنه ~~أبو داود فإن فيه من تقدم ذكره. # وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم ~~الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: اجلس فقد آذيت رواه أبو داود والنسائي وأحمد وزاد: وآنيت. # وعن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين ~~بعد خروج الامام كالجار قصبه في النار رواه أحمد. وعن عقبة بن الحرث رضي ~~الله عنه قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة العصر ~~ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته ~~فخرج عليهم فرأى أنهم PageV03P309 # قد عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئا متبر كان عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت ~~بقسمته رواه البخاري والنسائي. # حديث عبد الله بن بسر سكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه ابن خزيمة وغيره، ~~وهو من رواية أبي الزاهرية، وقد أخرج له مسلم. وحديث أرقم أخرجه أيضا ~~الطبراني في الكبير وفي إسناده هشام بن زياد، ضعفه أحمد وأبو داود والنسائي ~~وغيرهم، وقد اضطرب فيه فرواه مرة عن عثمان بن الأرقم عن أبيه، ومرة عن ~~عمارة بن سعد عن عثمان بن الأزرق كما سيأتي. (وفي الباب) عن معاذ بن أنس ~~عند الترمذي وابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم وهو من رواية سهل ms1329 بن معاذ ~~عن أبيه، وقد تقدم الكلام على سهل في شرح الحديث الذي قبل هذه الأحاديث. ~~وفيه أيضا رشدين بن سعد وفيه مقال. وعن جابر عند ابن ماجة: أن رجلا دخل ~~المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فجعل يتخطى ~~رقاب الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجلس فقد آذيت وآنيت. ~~وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وقد رواه بأطول من هذا ابن أبي ~~شيبة في المصنف. وعن عثمان بن الأزرق عند الطبراني في الكبير بنحو حديث ~~أرقم المذكور في الباب وفي إسناده هشام بن زياد وقد تقدم أنه ضعيف، وعن أبي ~~الدرداء عند الطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا تخطي رقاب الناس يوم الجمعة قال الطبراني: تفرد به أرطأة انتهى. ~~وفي إسناده أيضا عبد الله بن زريق قال الأزدي: لم يصح حديثه. وعن أنس عند ~~الطبراني في الصغير والأوسط: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لرجل: قد رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلما فقد آذاني، ومن ~~آذاني فقد آذى الله عز وجل. وفي إسناده موسى بن خلف العجلي، والقاسم بن ~~مطيب العجلي، ضعفهما ابن حبان، واختلف قول ابن معين في موسى فقال مرة ضعيف، ~~ومرة ليس به بأس. وفي الباب أحاديث غير هذه قد تقدم بعضها فباب التنظيف. ~~قوله: يتخطى رقاب الناس قد فرق النووي بين التخطي والتفريق بين الاثنين، ~~وجعل ابن قدامة في المغني التخطي هو التفريق. قال العراقي: والظاهر الأول ~~لأن التفريق يحصل بالجلوس بينهما وإن لم يتخط. قوله: وآنيت بهمزة ممدودة أي ~~أبطأت وتأخرت. قوله: قصبه في النار بضم PageV03P310 # القاف وسكون الصاد المهملة واحد الأقصاب وهي المعي كما في القاموس وغيره. ~~قوله: # ففزع الناس أي خافوا وكانت تلك عادتهم إذا رأوا منه ما لا يعهدون خشية أن ~~ينزل فيهم شئ يسوءهم. قوله: من تبر بكسر التاء المثناة وسكون الموحدة الذهب ~~الذي لم يصف ولم يضرب. ms1330 قوله: فكرهت أن يحبسني أي يشغلني التفكر فيه عن ~~التوجه والاقبال على الله تعالى، كذا قال الحافظ، وفهم منه ابن بطال معنى ~~آخر فقال فيه إن المعنى أن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة. قوله: ~~فأمرت بقسمته في رواية فقسمته. (وأحاديث) الباب تدل على كراهة التخطي يوم ~~الجمعة، وظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الكراهة مختصة به، ويحتمل أنه يكون ~~التقييد خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات، ~~فلا يختص ذلك بالجمعة، بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها، ويؤيد ذلك التعليل ~~بالأذية، وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجري في مجالس العلم وغيرها، ويؤيده ~~أيضا ما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي أمامة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من تخطى حلق قوم بغير إذنهم فهو عاص ولكن في ~~إسناده جعفر بن الزبير، وقد كذبه شعبة وتركه الناس، وقد اختلف أهل العلم في ~~حكم التخطي يوم الجمعة فقال الترمذي حاكيا عن أهل العلم: إنهم كرهوا تخطي ~~الرقاب يوم الجمعة وشددوا في ذلك، وحكى أبو حامد في تعليقه عن الشافعي ~~التصريح بالتحريم، وقال النووي في زوائد الروضة: إن المختار تحريمه ~~للأحاديث الصحيحة، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط، وروى العراقي عن كعب ~~الأحبار أنه قال: لأن أدع الجمعة أحب إلي من أن أتخطى الرقاب وقال ابن ~~المسيب لأن أصلي الجمعة بالحرة أحب إلي من التخطي. وروي عن أبي هريرة نحوه، ~~ولا يصح عنه لأنه من رواية صالح مولى التوأمة عنه. # قال العراقي: وقد استثني من التحريم أو الكراهة الامام أو من كان بين ~~يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، وهكذا أطلق النووي في الروضة، وقيد ~~ذلك في شرح المهذب فقال: # إذا لم يجد طريقا إلى المنبر أو المحراب إلا بالتخطي لم يكره لأنه ضرورة ~~وروي نحو ذلك عن الشافعي، وحديث عقبة بن الحرث المذكور في الباب يدل على ~~جواز التخطي للحاجة في غير الجمعة، فمن خصص الكراهة بصلاة الجمعة فلا ~~معارضة بينه وبين أحاديث ms1331 الباب عنده، ومن عمم الكراهة لوجود العلة المذكورة ~~سابقا في الجمعة وغيرها فهو محتاج PageV03P311 # إلى الاعتذار عنه، وقد خص الكراهة بعضهم بغير من يتبرك الناس بمروره ~~ويسرهم ذلك ولا يتأذون لزوال علة الكراهة التي هي التأذي باب التنفل قبل ~~الجمعة ما لم يخرج الامام وأن انقطاعه بخروجه إلا تحية المسجد عن نبيشة ~~الهذلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا فإن لم ~~يجد الامام خرج صلى ما بدا له، وإن وجد الامام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حتى ~~يقضي الامام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون ~~كفارة للجمعة التي تليها رواه أحمد. # الحديث في إسناده عطاء الخراساني وفيه مقال، وقد وثقه الجمهور ولكنه قيل ~~إنه لم يسمع من نبيشة. وفيه مشروعية الغسل في يوم الجمعة وترك الأذية، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك. وفيه أيضا مشروعية الاستماع والانصات وسيأتي البحث ~~عنهما. وفيه مشروعية الصلاة قبل خروج الامام والكف عنها بعد خروجه. (وقد ~~اختلف العلماء) هل للجمعة سنة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنة قبلها ~~وبالغوا في ذلك قالوا: لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يؤذن ~~للجمعة إلا بين يديه ولم يكن يصليها، وكذلك الصحابة لأنه إذا خرج الامام ~~انقطعت الصلاة. وقد حكى ابن العربي عن الحنفية والشافعية أنه لا يصلى قبل ~~الجمعة. وعن مالك أنه يصلى قبلها، واعترض عليه العراقي بأن الحنفية إنما ~~يمنعون الصلاة قبل الجمعة في وقت الاستواء لا بعده، وبأن الشافعية تجوز ~~الصلاة قبل الجمعة بعد الاستواء يقولون: إن وقت سنة الجمعة التي قبلها يدخل ~~بعد الزوال، وبأن البيهقي قد نقل عن الشافعي أنه قال: من شأن الناس التهجير ~~إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الامام. قال البيهقي في المعرفة: هذا الذي ~~أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم رغب في التبكير ms1332 إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الامام، فمن ~~الأحاديث الدالة على ذلك حديث الباب، وحديث أبي هريرة الآتي. ومنها حديث ~~ابن عباس عند ابن ماجة PageV03P312 # والطبراني قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يركع قبل الجمعة أربعا ~~لا يفصل بينهن. وقد ضعف النووي في الخلاصة رجال إسناده وقال: إن ميسر بن ~~عبيد أحد رجال إسناده وضاع صاحب أباطيل. ومنها حديث عبد الله بن مغفل عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الستة بلفظ: بين كل أذانين صلاة ومنها ~~حديث عبد الله بن الزبير عند ابن حبان في صحيحه والدارقطني والطبراني قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ~~ركعتان وهذا والذي قبله تدخل فيهما الجمعة وغيرها. ومنها الأحاديث الواردة ~~في مشروعية الصلاة بعد الزوال وقد تقدمت والجمعة كغيرها. ومنها حديث ~~استثناء يوم الجمعة من كراهة الصلاة حال الزوال وقد تقدم. قال العراقي: لم ~~ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصلي قبل الجمعة، لأنه كان ~~يخرج إليها فيؤذن بين يديه ثم يخطب. وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى ~~بحديث الباب على ترك التحية بعد خروج الامام فقال وفيه حجة بترك التحية ~~كغيرها اه. وسيأتي الكلام على هذا. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي ~~بعدها ركعتين، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك ~~رواه أبو داود. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: # من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ ~~الامام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة ~~أيام رواه مسلم. # حديث ابن عمر قال العراقي: إسناده صحيح، وأخرجه النسائي بدون قوله: يطيل ~~الصلاة قبل الجمعة قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة ~~من وجه آخر بمعناه اه. (والحديثان) يدلان على مشروعية الصلاة قبل ms1333 الجمعة، ~~ولم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال، وهو مع كون ~~عمومه مخصصا بيوم الجمعة كما تقدم ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل ~~الجمعة على الاطلاق، وغاية ما فيه المنع في وقت الزوال وهو غير محل النزاع. ~~والحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عموما وخصوصا، فالدليل على مدعي ~~الكراهة على الاطلاق. قوله: فصلى ما قدر PageV03P313 # له فيه أن الصلاة قبل الجمعة لا حد لها. قوله: ثم أنصت في رواية: ثم ~~انتصت بزيادة تاء فوقية قال القاضي عياض: وهو وهم. قال النووي: ليس هو وهما ~~بل هي لغة صحيحة. # قوله: حتى يفرغ الإمام قال النووي: هو في الأصول بدون ذكر الامام، وعاد ~~الضمير إليه للعلم به وإن لم يكن مذكورا. قوله: وفضل ثلاثة أيام هو بنصب ~~فضل على الظرف كما قال النووي قال: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين ~~الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل ~~فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها، قال بعض ~~العلماء: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك ~~الوقت حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان ويضم إليها ثلاثة فتصير ~~عشرة. # وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على المنبر فأمره أن يصلي ركعتين رواه الخمسة ~~إلا أبا داود، وصححه الترمذي ولفظه: أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئة بذة ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فأمره فصلى ركعتين والنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يخطب. # قلت: وهذا يصرح بضعف ما روي أنه أمسك عن خطبته حتى فرغ من الركعتين. # وعن جابر رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يخطب فقال: صليت؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين رواه الجماعة. وفي ~~رواية: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين ms1334 وليتجوز فيهما ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي رواية: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج ~~الامام فليصل ركعتين متفق عليه. # وفي الباب عن سهل بن سعد عند ابن أبي حاتم في العلل، وأشار إليه الترمذي ~~بنحو حديث أبي سعيد. وعن أبي قتادة عند الأئمة الستة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ~~وقد تقدم. # وعن أنس عند الدارقطني قال: جاء رجل ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قم فاركع ركعتين وأمسك من ~~الخطبة حتى فرغ من صلاته. # قال الدارقطني: أسنده عبيد بن محمد العبدي عن معتمر عن أبيه، عن قتادة عن ~~أنس ووهم فيه والصواب كذلك رواه أحمد بن حنبل وغيره عن معتمر، ثم رواه من ~~طريق أحمد مرسلا. وعبيد بن محمد هذا روى عنه أبو حاتم، وإنما حكم عليه ~~PageV03P314 # الدارقطني بالوهم لمخالفته من هو أحفظ منه أحمد بن حنبل وغيره. وهذا ~~الحديث هو الذي أشار إليه المصنف. وفي الباب أيضا عن سليك عند أحمد. قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جاء أحدكم والامام يخطب فليصل ~~ركعتين خفيفتين ورواه أيضا ابن عدي في الكامل. قوله: أن رجلا وكذلك قوله: ~~دخل رجل هو سليك بمهملة مصغرا ابن هدية. وقيل: ابن عمرو الغطفاني وقع مسمى ~~في هذه القصة عند مسلم وأبي داود والدارقطني. وقيل: هو النعمان بن قوقل، ~~كذا وقع عند الطبراني من رواية منصور بن أبي الأسود عن الأعمش. قال أبو ~~حاتم الرازي: وهم فيه منصور، ووقع عند الطبراني أيضا من طريق أبي صالح عن ~~أبي ذر أنه: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب فقال له: صليت ~~ركعتين الحديث. وفي إسناده ابن لهيعة. قال الحافظ: المشهور عن أبي ذر أنه ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس في المسجد، كذا عند ابن ~~حبان وغيره. وعند الدارقطني: جاء رجل من قيس ms1335 المسجد فذكر نحو قصة سليك. قال ~~الحافظ: لا يخالف كونه سليكا، فإن غطفان من قيس. # قوله: صليت قال الحافظ: كذا للأكثر بحذف همزة الاستفهام، وثبتت في رواية ~~الأصيلي. (والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على مشروعية تحية المسجد حال ~~الخطبة، وإلى ذلك ذهب الحسن وابن عيينة والشافعي وأحمد وإسحاق ومكحول وأبو ~~ثور وابن المنذر، وحكاه النووي عن فقهاء المحدثين. وحكى ابن العربي أن محمد ~~بن الحسن حكاه عن مالك. وذهب الثوري وأهل الكوفة إلى أنه يجلس ولا يصليهما ~~حال الخطبة، حكى ذلك الترمذي، وحكاه القاضي عياض عن مالك، والليل ث وأبي ~~حنيفة وجمهور السلف من الصحابة والتابعين. وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين ~~وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري. ورواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر ~~وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير. ورواه ~~النووي عن عثمان وإلى ذلك ذهبت الهادوية، وأجابوا عن أمره صلى الله عليه ~~وآله وسلم لسليك بأن ذلك واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ~~قالوا: ويدل على ذلك ما وقع في حديث أبي سعيد أن الرجل كان في هيئة بذة ~~فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: صل الركعتين، وحض الناس على الصدقة، فأمره ~~أن يصلي ليراه الناس وهو قائم فيتصدقون عليه. # ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إن PageV03P315 # هذا الرجل دخل في هيئة بذة وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه ويؤيده ~~أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسليك في آخر الحديث: لا تعودن لمثل هذا ~~أخرجه ابن حبان، ورد هذا الجواب بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ~~صلى الله عليه وآله وسلم قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن ~~المانعين لا يجوزون الصلاة في هذا الوقت لعلة التصدق، ولو ساغ هذا لساغ ~~مثله في سائر الأوقات المكروهة ولا قائل به، كذا قال ابن المنير، ومما يرد ~~هذا التأويل ما في الباب من قوله صلى الله عليه ms1336 وآله وسلم: إذا جاء أحدكم ~~يوم الجمعة الخ، فإن هذا نص لا يتطرق إليه التأويل. قال النووي: لا أظن ~~عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه اه. قال الحافظ: والحامل للمانعين على ~~التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض لقوله تعالى: * (وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له) * (الأعراف: 204) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا قلت لصاحبك أنصت والامام يخطب فقد لغوت متفق عليه، قالوا: فإذا امتنع ~~الامر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالانصات فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها ~~أولى، وعارضوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي دخل يتخطى رقاب ~~الناس وهو يخطب: قد آذيت وقد تقدم، قالوا: فأمره بالجلوس ولم يأمره ~~بالتحية. وبما أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر رفعه: إذا دخل أحدكم المسجد ~~والامام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الامام ويجاب عن ذلك كله ~~بإمكان الجمع وهو مقدم على المعارضة المؤدية إلى إسقاط أحد الدليلين، أما ~~في الآية فليست الخطبة قرآنا، وما فيها من القرآن الامر بالانصات حال ~~قراءته عام مخصص بأحاديث البا ب. وأما حديث: إذا قلت لصاحبك أنصت فهو وارد ~~في المنع من المكالمة للغير ولا مكالمة في الصلاة، ولو سلم أنه يتناول كل ~~كلام حتى الكلام في الصلاة لكان عموما مخصصا بأحاديث الباب، قال الحافظ: ~~وأيضا فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت لحديث أبي هريرة المتقدم ~~أنه قال: يا رسول الله سكوتك بين التكبيرة والقراءة ما تقول فيه فأطلق على ~~القول سرا السكوت. وأما أمره صلى الله عليه وآله وسلم لمن دخل يتخطى الرقاب ~~بالجلوس فذلك واقعة عين ولا عموم لها، فيحتمل أن يكون أمره بالجلوس قبل ~~مشروعيتها، أو أمره بالجلوس بشرطه وهو فعل التحية، وقد عرفه قبل ذلك أو ترك ~~أمره بالتحية لبيان الجواز، أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة وقد ضاق الوقت ~~عن التحية. وأما حديث ابن عمر فهو ضعيف، لأن في إسناده أيوب بن نهيك، قال ~~PageV03P316 # أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث والأحاديث الصحيحة لا تعارض ms1337 بمثله، وقد ~~أجاب المانعون عن أحاديث الباب بأجوبة غير ما تقدم وهي زيادة على عشرة، ~~أوردها الحافظ في الفتح، بعضها ساقط لا ينبغي الاشتغال بذكره، وبعضها لا ~~ينبغي إهماله، فمن البعض الذي لا ينبغي إهماله قولهم إنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من صلاته، قالوا: ويدل على ذلك حديث ~~أنس المتقدم، ويجاب عن ذلك بأن الدارقطني وهو الذي أخرجه قال: إنه مرسل أو ~~معضل، وأيضا يعارضه اللفظ الذي أورده المصنف عن الترمذي على أنه لو تم لهم ~~الاعتذار عن حديث سليك بمثل هذا، لما تم لهم الاعتذار بمثله عن بقية أحاديث ~~الباب المصرحة بأمر كل أحد إذا دخل المسجد والامام يخطب أن يوقع الصلاة حال ~~الخطبة. ومنها أنه لما تشاغل صلى الله عليه وآله وسلم بمخاطبة سليك سقط فرض ~~الاستماع، إذا لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم خطبة في تلك الحال. وقد ~~ادعى ابن العربي أن هذا أقوى الأجوبة. قال الحافظ: وهو أضعفها لأن المخاطبة ~~لما انقضت رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خطبته، وتشاغل سليك ~~بامتثال ما أمره به من الصلاة، فصح أنه صلى حال الخطبة. ومنها أنهم اتفقوا ~~على أن الامام يسقط عنه التحية، مع أنه لم يكن قد شرع في الخطبة، فسقوطها ~~على المأموم بطريق الأولى، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد ~~الاعتبار. ومنها عمل أهل المدينة خلفا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك ~~أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقا. # قال الحافظ: وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة، فقد ثبت فعل التحية عن أبي ~~سعيد، روى ذلك عنه الترمذي وابن خزيمة وصححاه، وهو من فقهاء الصحابة من أهل ~~المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة ~~صريحا ما يخالف ذلك، وأما ما نقله ابن بطال عن عمر وعثمان وغير واحد من ~~الصحابة من المنع مطلقا، فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال على ~~أنه لا حجة ms1338 في فعل أهل المدينة ولا في إجماعهم على فرض ثبوته كما تقرر في ~~الأصول. قوله في حديث الباب: وليتجوز فيهما فيه مشروعية التخفيف لتلك ~~الصلاة ليتفرغ لسماع الخطبة، ولا خلاف في ذلك بين القائلين بأنها تشرع صلاة ~~التحية حال الخطبة. قوله: فليصل ركعتين فيه أن داخل المسجد حال الخطبة ~~يقتصر على ركعتين. قال المصنف رحمه الله تعالى: ومفهومه يمنع من تجاوز ~~الركعتين بمجرد خروج الامام وإن لم يتكلم. وفي رواية عن أبي هريرة ~~PageV03P317 # وجابر قالا: جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ~~فقال له: # أصليت ركعتين قبل أن تجئ؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين وتجوز فيهما رواه ابن ~~ماجة ورجال إسناده ثقات. وقوله: قبل أن تجئ يدل على أن هاتين الركعتين سنة ~~للجمعة قبلها وليستا تحية للمسجد اه. حديث ابن ماجة هذا هو كما قال المصنف ~~وصححه العراقي، وقد أخرجه أيضا أبو داود من حديث أبي هريرة، والبخاري ومسلم ~~من حديث جابر. وقد ذهب إلى مثل ما قال المصنف الأوزاعي فقال: إن كان صلى في ~~البيت قبل أن يجئ فلا يصلي إذا دخل المسجد، وتعقب بأن المانع من صلاة ~~التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقا. قال في الفتح: ويحتمل أن يكون ~~معنى قبل أن تجئ أي إلى الموضع الذي أنت فيه. وفائدة الاستفهام احتمال أن ~~يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة كما تقدم في قصة ~~الذي تخطى، ويؤيده أن في رواية لمسلم: أصليت الركعتين؟ بالألف واللام وهو ~~للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد. # باب ما جاء في التجميع قبل الزوال وبعده عن أنس رضي الله عنه قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس رواه أحمد ~~والبخار وأبو داود والترمذي. وعنه رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم الجمعة ثم نرجع إلى القائلة فنقيل رواه أحمد والبخاري. ~~وعنه رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله ms1339 عليه وآله وسلم إذا اشتد البرد ~~بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعني الجمعة رواه البخاري هكذا. ~~وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفئ أخرجاه. وعن سهل بن سعد رضي ~~الله عنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة رواه الجماعة، وزاد ~~أحمد ومسلم والترمذي: في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعن جابر رضي ~~الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى ~~جمالنا فنريحها حين تزول الشمس يعني النواضح رواه أحمد ومسلم والنسائي. ~~PageV03P318 # وعن عبد الله بن سيدان السلمي رضي الله عنه قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر ~~فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته ~~إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن ~~أقول زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره رواه الدارقطني والإمام ~~أحمد في رواية ابنه عبد الله واحتج به. وقال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر ~~وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال. # أثر عبد الله بن سيدان السلمي فيه مقال، لأن البخاري قال: لا يتابع على ~~حديثه، وحكي في الميزان عن بعض العلماء أنه قال: هو مجهول لا حجة فيه. ~~قوله: حين تميل الشمس فيه إشعار بمواظبته صلى الله عليه وآله وسلم على صلاة ~~الجمعة إذا زالت الشمس. # قوله: كنا نصلي الجمعة مع النبي (ص) ثم نرجع إلى القائلة فنقيل. وفي لفظ ~~للبخاري: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة. وفي لفظ له أيضا: كنا نصلي مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة ثم تكون القائلة وظاهر ذلك أنهم ~~كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، قال الحافظ: لكن طريق الجمع أولى من دعوى ~~التعارض، وقد تقرر أن التبكير يطلق على فعل الشئ في أول وقته أو تقديمه على ~~غيره، وهو المراد هنا، والمعنى أنهم ms1340 كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، ~~بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فإنهم كانوا يقيلون ثم ~~يصلون لمشروعية الابراد اه. والمراد بالقائلة المذكورة في الحديث نوم نصف ~~النهار. قوله: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة أي صلاها في أول وقتها. قوله: ~~وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعني الجمعة يحتمل أن يكون قوله يعني الجمعة ~~من كلام التابعي أو من دونه، أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الجمعة ~~والظهر عند أنس، ويؤيده ما عند الإسماعيلي عن أنس من طريق أخرى وليس فيه ~~قوله يعني الجمعة. قوله: نجمع هو بتشديد الميم المكسورة. قوله: نتتبع الفئ ~~فيه تصريح بأنه قد وجد في ذلك الوقت فئ يسير. قال النووي: إنما كان ذلك ~~لشدة التبكير وقصر حيطانهم. وفي رواية للبخاري: ثم ننصرف وليس للحيطان ظل ~~نستظل به. وفي رواية لمسلم: وما نجد فيئا نستظل به والمراد نفي الظل الذي ~~يستظل به لا نفي أصل الظل، كما هو الأكثر الأغلب من توجه النفي إلى القيود ~~الزائدة، ويدل على ذلك قوله: ثم نرجع نتتبع الفئ قيل: وإنما كان كذلك لأن ~~الجدران كانت في ذلك العصر قصيرة لا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت، فلا ~~دلالة في ذلك على أنهم كانوا يصلون قبل الزوال. قوله: ما كنا PageV03P319 # نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل ~~الزوال، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، واختلف أصحابه في الوقت الذي تصبح فيه ~~قبل الزوال هل هو الساعة السادسة، أو الخامسة، أو وقت دخول وقت صلاة العيد؟ ~~ووجه الاستدلال به أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال. وحكوا عن ابن ~~قتيبة أنه قال: لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال. وأيضا قد ثبت: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر ~~الناس كما في مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها ~~قالت: ما حفظت * (ق والقرآن المجيد) * (ق: 1) إلا من فئ ms1341 رسول الله (ص) وهو ~~يقرأها على المنبر كل جمعة. وعند ابن ماجة من حديث أبي بن كعب: أن النبي ~~(ص) قرأ يوم الجمعة * (تبارك) * (الفرقان: 1) وهو قائم يذكر بأيام الله، ~~وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث ~~علي وأبي هريرة وابن عباس، ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف ~~منها إلا وقد صار للحيطان ظل يستظل به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة، وأصرح ~~من هذا حديث جابر المذكور في الباب فإنه صرح بأن النبي (ص) كان يصلي الجمعة ~~ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها عند الزوال، ولا ملجئ إلى التأويلات ~~المتعسفة التي ارتكبها الجمهور، واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله. وقد أغرب ~~ابن العربي فنقل الاجماع، على أنها لا تجب حتى تزول الشمس إلا ما نقل عن ~~أحمد وهو مردود، فإنه قد نقل ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف مثل قول ~~أحمد. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن سلمة أنه قال: صلى بنا عبد ~~الله بن مسعود الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحر. وأخرج من طريق سعيد بن ~~سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى. وكذلك روي عن جابر وسعيد بن زيد كما ~~في رواية أحمد الذي ذكرها المصنف، وروى مثل ذلك ابن أبي شيبة في المصنف عن ~~سعد بن أبي وقاص. قوله: وعن عبد الله بن سيدان السلمي أخرج هذا الأثر أيضا ~~أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة وابن أبي شيبة. قال الحافظ: ورجاله ~~ثقات إلا عبد الله بن سيدان فإنه تابعي كبير، إلا أنه غير معرو ف العدالة. ~~قال ابن عدي: يشبه المجهول. # وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقد عارضه ما هو أقوى منه، روى ابن ~~أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين تزول الشمس ~~وإسناده قوي. PageV03P320 # باب تسليم الامام إذا رقي المنبر، والتأذين إذا جلس عليه واستقبال ms1342 ~~المأمومين له عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذا صعد المنبر سلم رواه ابن ماجة وفي إسناده ابن لهيعة. وهو للأثرم في ~~سننه عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. # الحديث أخرجه الأثرم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن مجالد، عن ~~الشعبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صعد المنبر يوم ~~الجمعة استقبل الناس فقال: السلام عليكم وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن ~~الشعبي مرسلا، وإسناد ابن ماجة فيه ابن لهيعة كما قال المصنف وهو ضعيف. ~~(وفي الباب) عن ابن عمر عند ابن عدي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان ~~إذا دنا من المنبر سلم على من عند المنبر، ثم صعد، فإذا استقبل الناس بوجهه ~~سلم ثم قعد وأخرجه أيضا الطبراني والبيهقي وفي إسناده عيسى بن عبد الله ~~الأنصاري، وقد ضعفه ابن عدي وابن حبان. (وفي الباب) أيضا عن عطاء مرسلا، ~~كذا قال الحافظ في التلخيص. وقال الشافعي: بلغنا عن سلمة بن الأكوع أنه ~~قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبتين وجلس جلستين، وحكى الذي ~~حدثني قال: استوى صلى الله عليه وآله وسلم على الدرجة التي تلي المستراح ~~قائما، ثم سلم، ثم جلس على المستراح حتى فرغ المؤذن من الاذان، ثم قام ~~فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب الثانية. # (والحديث) يدل على مشروعية التسليم من الخطيب على الناس بعد أن يرقى ~~المنبر وقبل أن يؤذن المؤذن. وقال في الانتصار: بعد فراغ المؤذن. وقال أبو ~~حنيفة ومالك: # إنه مكروه، قالا: لأن سلامه عند دخول المسجد مغن عن الإعادة. وعن السائب ~~بن يزيد رضي الله عنه قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على ~~المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان ~~عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، ولم يكن للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مؤذن غير ms1343 واحد رواه البخاري والنسائي وأبو داود. وفي رواية ~~لهم: فلما PageV03P321 # كانت خلافة عثمان وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث فأذن به ~~على الزوراء، فثبت الامر على ذلك ولأحمد والنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر ويقيم إذا نزل. وعن عدي بن ثابت ~~عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام على المنبر ~~استقبله أصحابه بوجوههم رواه ابن ماجة. # حديث عدي بن ثابت قال ابن ماجة: أرجو أن يكون متصلا، قال: ووالد عدي لا ~~صحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبو أبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ من ~~المتأخرين، وأخرج نحوه الترمذي عن ابن مسعود بلفظ: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا وفي إسناده محمد بن ~~الفضل بن عطية وهو ضعيف. قال الترمذي: ذاهب الحديث، قال: ولا يصح في هذا ~~الباب شئ. قال الحافظ في بلوغ المرام: # وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة اه. وفي الباب عن أبي سعيد عند ~~البخاري ومسلم والنسائي قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس ~~يوما على المنبر وجلسنا حوله بوب عليه البخاري باب استقبال الناس الامام ~~إذا خطب. وفي الباب أيضا عن مطيع أبي يحيى عن أبيه عن جده قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام استقبلناه بوجوهنا ومطيع هذا مجهول، ~~وقد تقدم من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يستقبل الناس ~~بوجهه. قوله: كان النداء يوم الجمعة في رواية لابن خزيمة: كان ابتداء ~~النداء الذي ذكره الله تعالى في القرآن يوم الجمعة وله في رواية: كان ~~الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر أذانين ~~يوم الجمعة وفسر الأذانين بالاذان والإقامة يعني تغليبا. قوله: إذا جلس ~~الإمام قال المهلب: الحكمة في جعل الاذان في هذا المحل ليعرف الناس جلوس ~~الامام على المنبر ms1344 فينصتون له إذا خطب. قال الحافظ: وفيه نظر لما عند ~~الطبراني وغيره في هذا الحديث: أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد فالظاهر ~~أنه كان لمطلق الاعلام لا لخصوص الانصات، نعم لما زيد الاذان الأول كان ~~للاعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للانصات. قوله: فلما كان عثمان أي ~~خليفة. قوله: وكثر الناس أي بالمدينة كما هو مصرح به في رواية، وكان أمره ~~بذلك بعد مضي مدة من خلافته كما عند أبي نعيم في المستخرج. قوله: زاد ~~النداء الثالث في رواية: فأمر عثمان بالنداء الأول، PageV03P322 # وفي رواية التأذين الثاني أمر به عثمان، ولا منافاة لأنه سمي ثالثا ~~باعتبار كونه مزيدا، وأولا باعتبار كون فعله مقدما على الأذان والإقامة، ~~وثانيا باعتبار الاذان الحقيقي لا الإقامة. # قوله: على الزوراء بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممدودة. قال ~~البخاري: هي موضع بسوق المدينة، قال الحافظ: وهو المعتمد. وقال ابن بطال: ~~هو حجر كبير عند باب المسجد، ورد بما عند ابن خزيمة وابن ماجة عن الزهري ~~أنها دار بالسوق يقال لها الزوراء. وعند الطبراني: # فأمر بالنداء الأول على دار يقال لها الزوراء فكان يؤذن عليها، فإذا جلس ~~على المنبر أذن مؤذنه الأول فإذا نزل أقام الصلاة. قال في الفتح: والذي ~~يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك، لكونه كان خليفة ~~مطاع الامر، لكن ذكر الفاكهاني أن أول من أحدث الاذان الأول بمكة الحجاج ~~وبالبصرة زياد قال الحافظ وبلغني أن أهل الغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم ~~سوى مرة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الاذان الأول يوم الجمعة ~~بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار، ويحتمل أن يريد أنه لم يكن ~~في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، ~~وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لاعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على ~~بقية الصلوات، وألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالاذان بين يدي الخطيب. ~~وأما ما أحدث الناس قبل ms1345 الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح ~~أولى، كذا في الفتح. وقد روي عن معاذ أن عمر هو الذي أحدث ذلك وإسناده ~~منقطع، ومعاذ أيضا خرج من المدينة إلى الشام في أول غزو الشام، واستمر في ~~الشام إلى أن مات في طاعون عمواس. قوله: غير مؤذن واحد فيه أنه قد اشتهر ~~أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من المؤذنين منهم بلال، وابن ~~أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة، وأجيب بأنه أراد في الجمعة وفي مسجد ~~المدينة، ولم ينقل أن ابن أم مكتوم كان يؤذن يوم الجمعة، بل الذي ورد عنه ~~التأذين يوم الجمعة بلال، وأبو محذورة جعله صلى الله عليه وآله وسلم مؤذنا ~~بمكة، وسعد جعله بقباء. قوله: استقبله أصحابه بوجوههم فيه مشروعية استقبال ~~الناس للخطيب حال الخطبة، وأحاديث الباب PageV03P323 # وإن كانت غير بالغة إلى درجة الاعتبار فقد شد عضدها عمل السلف والخلف على ~~ذلك. # قال ابن المنذر: وهذا كالاجماع. وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل ~~العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم يستحبون استقبال ~~الامام إذا خطب، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال العراقي ~~وغيرهم: عطاء بن أبي رباح وشريح، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ~~وابن جابر، ويزيد بن أبي مريم، وأصحاب الرأي. وروي عن ابن المسيب والحسن ~~أنهما كان لا ينحرفان إليه وهل المراد باستقبال السامعين للخطيب أن يستقبله ~~من يواجهه أو جميع أهل المسجد حتى أن من كان في الصف الأول والثاني وإن ~~طالت الصفوف ينحرفون بأبدانهم أو بوجوههم لسماع الخطبة، قال العراقي: ~~والظاهر أن المراد بذلك من يسمع الخطبة دون من بعد فلم يسمع، فاستقبال ~~القبلة أولى به من توجهه لجهة الخطبة. وروي عن الامام شرف الدين أنه يجب ~~على العدد الذين تنعقد بهم الجمعة المواجهة دون غيرهم، وأوجب الاستقبال ~~المذكور أبو الطيب الطبري، صرح بذلك في تعليقه. # باب اشتمال الخطبة ms1346 على حمد الله تعالى والثناء على رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم والموعظة والقراءة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: # كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم رواه أبو داود وأحمد بمعناه. ~~وفي رواية: الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي وقال: تشهد بدل شهادة. # الحديث أخرجه أيضا باللفظ الأول النسائي وابن ماجة وأبو عوانة والدارقطني ~~وابن حبان والبيهقي، واختلف في وصله وإرساله، فرجح النسائي والدارقطني ~~الارسال، واللفظ الآخر من حديث الباب حسنه الترمذي، وأخرج ابن حبان ~~والعسكري وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد ~~الله تعالى فهو أقطع. PageV03P324 # وفي الباب عن كعب بن مالك عند الطبراني في الكبير والرهاوي مرفوعا: كل ~~أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع. قوله: أجذم روي بالحاء المهملة ~~وبالجيم المعجمة ثم بالذال المعجمة، والأول من الحذم وهو القطع، والثاني ~~المراد به الداء المعروف. شبه الكلام الذي لا يبتدأ فيه بحمد الله تعالى ~~بإنسان مجذوم تنفيرا عنه وإرشادا إلى استفتاح الكلام بالحمد. قوله: # ليس فيها شهادة أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقد ~~استدل المصنف بالحديث على مشروعية الحمد لله في الخطبة لأنها في الرواية ~~الأولى داخلة تحت عموم الكلام، وسيأتي الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحق. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ~~تشهد قال: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من ~~يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من ~~يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر ~~الله تعالى شيئا. وعن ابن شهاب رضي الله عنه أنه سئل عن تشهد النبي صلى ~~الله عليه وآله ms1347 وسلم يوم الجمعة فذكر نحوه وقال: ومن يعصهما فقد غوى رواهما ~~أبو داود. # الحديث الأول في إسناده عمران بن داور أبو العوام البصري، قال عفان: كان ~~ثقة واستشهد به البخاري. وقال يحيى بن معين والنسائي: ضعيف الحديث. وقال ~~مرة: ليس بشئ، وقال يزيد بن زريع: كان عمران حروريا، وكان يرى السيف على ~~أهل القبلة، وقد صحح إسناد هذا الحديث النووي في شرح مسلم والحديث الثاني ~~مرسل. قوله: فقد رشد بكسر الشين المعجمة وفتحها. قوله: ومن يعصهما فيه جواز ~~التشريك بين ضمير الله تعالى ورسوله، ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بلفظ: أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما. ~~وما ثبت أيضا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر مناديا ينادي يوم خيبر: إن ~~الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية. وأما ما في صحيح مسلم وسنن ~~أبي داود والنسائي من حديث عدي بن حاتم: أن خطيبا خطب عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ~~غوى، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ~~تعالى ورسوله فقد غوى فمحمول على ما قال النووي من أن سبب الانكار عليه ~~PageV03P325 # أن الخطبة شأنها البسط والايضاح واجتناب الإشارات والرموز، قال: ولهذا ~~ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ~~لتفهم عنه، قال: # وإنما ثني الضمير في قوله: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما لأنه ~~ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكل ما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه، ~~بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها، وإنما يراد الاتعاظ بها، ولكنه ~~يرد عليه أنه قد وقع الجمع بين الضميرين منه صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حديث الباب، وهو وارد في الخطبة لا في تعليم الاحكام. وقال القاضي عياض ~~وجماعة من العلماء: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ms1348 أنكر على الخطيب ~~تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيما لله تعالى بتقديم ~~اسمه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الآخر: لا يقل أحدكم ما ~~شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل ما شاء الله ثم ما شاء فلان. ويرد على هذا ما ~~قد من جمعه صلى الله عليه وآله وسلم بين ضمير الله وضميره، ويمكن أن يقال: # إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أنكر على ذلك الخطيب التشريك لأنه ~~فهم منه اعتقاد التسوية، فنبهه على خلاف معتقده، وأمره بتقديم اسم الله ~~تعالى على اسم رسوله، ليعلم بذلك فساد ما اعتقده. قوله: فقد غوى بفتح الواو ~~وكسرها والصواب الفتح كما في شرح مسلم، وهو من الغي وهو الانهماك في الشر. ~~(وقد اختلف) أهل العلم في حكم خطبة الجمعة، فذهبت العترة والشافعي وأبو ~~حنيفة ومالك إلى الوجوب، ونسبه القاضي عياض إلى عامة العلماء، واستدلوا على ~~الوجوب بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم بالأحاديث الصحيحة ثبوتا ~~مستمرا أنه كان يخطب في كل جمعة، وقد عرفت غير مرة أن مجرد الفعل لا يفيد ~~الوجوب، واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني ~~أصلي وهو مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب لما قدمنا في أبواب صفة ~~الصلاة، ليس فيه إلا الامر بإيقاع الصلاة، على الصفة التي كان يوقعها ~~عليها، والخطبة ليست بصلاة، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: * (فاسعوا إلى ذكر ~~الله) * (ق: 1) وفعله للخطبة بيان للمجمل، وبيان المجمل الواجب واجب، ورد ~~بأن الواجب بالامر هو السعي فقط، وتعقب بأن السعي ليس مأمورا به لذاته بل ~~لمتعلقه وهو الذكر، ويتعقب هذا التعقب بأن الذكر المأمور بالسعي إليه هو ~~الصلاة غاية الأمر أنه متردد بينها وبين الخطبة، وقد وقع الاتفاق على وجوب ~~الصلاة والنزاع في وجوب الخطبة، فلا ينتهض هذا الدليل PageV03P326 # للوجوب، فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني من أن ~~الخطبة مندوبة فقط، وأما الاستدلال للوجوب بحديث أبي هريرة المذكور وفي أول ms1349 ~~الباب، وبحديثه أيضا عند البيهقي في دلائل النبوة مرفوعا حكاية عن الله ~~تعالى بلفظ: وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي فوهم ~~لأن غاية الأول عدم قبول الخطبة التي لأحمد فيها، وغاية الثاني عدم جواز ~~خطبة لا شهادة فيها بأنه صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله ورسوله، والقبول ~~والجواز وعدمهما لا ملازمة بينها وبين الوجوب قطعا. # وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يخطب قائما، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس رواه ~~الجماعة إلا البخاري والترمذي. # قوله: يخطب قائما فيه أن القيام حال الخطبة مشروع، وسيأتي الخلاف في ~~حكمه. # قوله: ويجلس بين الخطبتين. فيه مشروعية الجلوس بين الخطبتين، واختلف في ~~وجوبه، فذهب الشافعي والامام يحيى إلى وجوبه، وذهب الجمهور إلى أنه غير ~~واجب. استدل من أوجب ذلك بفعله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله: صلوا كما ~~رأيتموني أصلي وقد قدمنا الجواب عن مثل هذا الاستدلال، وأنه غير صالح ~~لاثبات الوجوب. قوله: # بين الخطبتين فيه أن المشروع خطبتان، وقد ذهب إلى وجوبهما العترة ~~والشافعي، وحكى العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي ~~وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل في رواية أن الواجب ~~خطبة واحدة قال: وإليه ذهب جمهور العلماء، ولم يستدل من قال بالوجوب إلا ~~بمجرد الفعل مع قوله: # صلوا كما رأيتموني الحديث. وقد عرفت أن ذلك لا ينتهض لاثبات الوجوب. # قوله: ويقرأ آيات ويذكر الناس استدل به على مشروعية القراءة والوعظ في ~~الخطبة، وقد ذهب الشافعي إلى وجوب الوعظ وقراءة آية، وإلى ذلك ذهب الامام ~~يحيى ولكنه قال: تجب قراءة سورة، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب وهو الحق. # وعنه أيضا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان لا ~~يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات رواه أبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وهو من رواية شيبان بن عبد الرحمن ~~PageV03P327 # النحوي عن ms1350 سماك ورجال إسناده ثقات، وفيه أن الوعظ في الخطبة مشروع، وأن ~~إقصار الخطبة أولى من إطالتها، وسيأتي الكلام على ذلك. # وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت: ما أخذت * (ق ~~والقرآن المجيد) * (ق: 1) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو ~~داود. # وفي الباب عن يعلى بن أمية عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك. ~~وعن أبي هريرة عند البزار قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~جمعة فذكر سورة وله حديث آخر عند ابن عدي في الكامل قال: خطب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم الناس على المنبر يقرأ آيات من سورة البقرة. وعن أبي ~~بن كعب عند ابن ماجة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ يوم ~~الجمعة: * تبارك) * (الفرقان: 1) وهو قائم يذكر بأيام الله تعالى وهو من ~~رواية عطاء بن يسار عن أبي ولم يدركه. وعن جابر بن عبد الله عند الطبراني ~~في الأوسط: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب فقرأ في خطبته آخر الزمر ~~فتحرك المنبر مرتين وفي إسناده أبو بحر البكروئي واسمه عبد الرحمن بن عثمان ~~بن أمية، وقد طرح الناس حديثه. وقال أبو داود: صالح، وفي إسناده أيضا عباد ~~بن ميسرة المنقري، ضعفه أحمد ويحيى. وعن ابن عمر عند ابن عدي في الكامل ~~بلفظ حديث جابر بن عبد الله، وفي إسناده عباد بن ميسرة وهو ضعيف كما تقدم، ~~وله حديث آخر عند ابن عدي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على ~~المنبر: * (والأرض جميعا قبضته) * (الزمر: 67) الآية. وفي إسناده المنكدر ~~بن محمد وقد ضعفه النسائي. وعن علي بن أبي طالب سلام الله عليه عند ~~الطبراني في الأوسط: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ على ~~المنبر: * (قل يا أيها الكافرون) * (الكافرون: ms1351 1) و * (قل هو الله أحد) * ~~(الاخلاص: 1). وفي إسناده هارون بن عنترة، قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج ~~به منكر الحديث، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال الدارقطني: يحتج ~~به. وعن أبي الدرداء عند الطبراني أيضا بنحو حديث أبي هريرة المتقدم. وعن ~~أبي ذر عند الطبراني أيضا. وعن أبي سعيد عند أبي داود قال: قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر * (ص) * فلما بلغ السجدة نزل فسجد ~~وسجد الناس معه قال العراقي: وإسناده صحيح. وقد استدل بحديث الباب، وما ~~ذكرناه من الأحاديث PageV03P328 # على مشروعية قراءة شئ من القرآن في الخطبة، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما ~~الخلاف في الوجوب كما تقدم. وقد اختلف في محل القراءة على أربعة أقوال. ~~الأول في إحداهما لا بعينها، وإليه ذهب الشافعي وهو ظاهر إطلاق الأحاديث. ~~والثاني في الأولى وإلى ذلك ذهبت الهادوية وبعض أصحاب الشافعي، واستدلوا ~~بما رواه ابن أبي شيبة عن الشعبي مرسلا قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه ثم قال: السلام ~~عليكم، ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب ثم ~~ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه. والقول الثالث إن القراءة مشروعة فيهما ~~جميعا، وإلى ذلك ذهب العراقيون من أصحاب الشافعي، قال العراقي: وهو الذي ~~اختاره القاضي من الحنابلة. والرابع في الخطبة الثانية دون الأولى، حكاه ~~العمراني ويدل له ما رواه النسائي عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ آيات ويذكر الله عز ~~وجل قال العراقي: وإسناده صحيح، وأجيب عنه بأن قوله يقرأ معطوف على قوله ~~يخطب لا على قوله يقوم. والظاهر من أحاديث الباب أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ ~~مرة هذه السورة، ومرة هذه، ومرة هذه الآية، ومرة هذه. # باب هيئات الخطبتين وآدابهما ms1352 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم كما يفعلون ~~اليوم رواه الجماعة. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال إنه ~~يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة رواه أحمد ومسلم ~~وأبو داود. # قوله: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة قائما فيه أن ~~القيام حال الخطبة مشروع. قال ابن المنذر: وهو الذي عليه عمل أهل العلم من ~~علماء الأمصار اه. # واختلف في وجوبه، فذهب الجمهور إلى الوجوب، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام ~~سنة PageV03P329 # وليس بواجب، وإلى ذلك ذهبت الهادوية. واستدل الجمهور على الوجوب بحديثي ~~الباب وبغيرهما من الأحاديث الصحيحة. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: خطب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من جلس ~~على المنبر معاوية. وروى ابن أبي شيبة أيضا عن الشعبي أن معاوية إنما خطب ~~قاعدا لما كثر شحم بطنه ولحمه، ولا شك أن الثابت عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا ~~يفيد الوجوب كما عرفت غير مرة. قوله: # ثم يجلس فيه مشروعية الجلوس بين الخطبتين، وقد تقدم الخلاف في حكمه. ~~قوله: # فمن قال إنه يخطب رواية أبي داود: فمن حدثك أنه كان يخطب. ورواية مسلم: # فمن نبأك أنه كان يخطب. قوله: أكثر من ألفي صلاة قال النووي: المراد ~~الصلوات الخمس لا الجمعة اه. ولا بد من هذا لأن الجمع التي صلاها صلى الله ~~عليه وآله وسلم من عند افتراض صلاة الجمعة إلى عند موته لا تبلغ ذلك ~~المقدار ولا نصفه. # وعن الحكم بن حزن الكلفي رضي الله عنه قال: قدمت إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياما شهدنا ms1353 فيها الجمعة، ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوكئا على قوس أو قال على عصا، ~~فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال: أيها الناس إنكم ~~لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتم ولكن سددوا وأبشروا رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده شهاب بن حراش أبو الصلت، وقد اختلف فيه، فقال ابن ~~المبارك: # ثقة. وقال أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن حبان: كان ~~رجلا صالحا، وكان ممن يخطئ كثيرا حتى خرج عن الاعتداد به. قال الحافظ: ~~والأكثر وثقوه، وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن، وحسن إسناده الحافظ ~~قال: وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند أبي داود: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أعطي يوم العيد قوسا فخطب عليه وطوله أحمد والطبراني وصححه ~~ابن السكن. (وفي الباب) عن ابن عباس وابن الزبير عند أبي الشيخ ابن حبان في ~~كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الباب أيضا عن عطاء مرسلا ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خطب يعتمد على عنزته اعتمادا ~~أخرجه الشافعي وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. (الحديث) فيه مشروعية ~~الاعتماد على سيف أو عصى حال الخطبة، PageV03P330 # قيل: والحكمة في ذلك الاشتغال عن العبث، وقيل: إنه أربط للجأش. وفيه أيضا ~~مشروعية اشتمال الخطبة على الحمد لله والوعظ، وقد تقدم الخلاف في الوعظ. ~~وأما الحمد لله فذهب الجمهور إلى أنه واجب في الخطبة. وكذلك الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وحكي في البحر عن الامام يحيى إنه لا بد في الخطبتين من الحمد والصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله إجماعا. # وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة ~~واقصروا الخطبة رواه أحمد ومسلم. والمئنة العلامة والمظنة. وعن جابر بن ~~سمرة رضي الله عنه ms1354 قال: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصدا ~~وخطبته قصدا رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود. وعن عبد الله بن أبي أوفى ~~رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطيل الصلاة ~~ويقصر الخطبة رواه النسائي. # حديث ابن أبي أوفى قال العراقي في شرح الترمذي: إسناده صحيح. وفي الباب ~~عن عبد الله بن مسعود عند البزار: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إن قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل، فطولوا الصلاة واقصروا ~~الخطب، وإن من البيان لسحرا، وأنه سيأتي بعدكم قوم يطيلون الخطب ويقصرون ~~الصلاة وقد رواه الطبراني في الكبير موقوفا على عبد الله. قال العراقي: وهو ~~أولى بالصواب لاتفاق سفيان وزائدة على ذلك وانفراد قيس برفعه. وعن أبي ~~أمامة عند الطبراني في الكبير: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث أميرا قال: اقصر الخطبة، ~~وأقلل الكلام، فإن من الكلام سحرا. وفي إسناده جميع بالفتح ويقال بالضم ~~مصغرا ابن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو بعدها، قال البخاري والدارقطني: إن ~~منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. قوله: مئنة قال النووي بفتح ~~الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة، قال: وقال الأزهري والأكثرون: ~~الميم فيها زائدة وهي مفعلة. قال الهروي قال الأزهري: غلط أبو عبيد في جعل ~~الميم أصلية، ورده الخطابي وقال: إنما هي فعيلة. وقال القاضي عياض: قال ~~شيخنا ابن سراج: هي أصلية انتهى. وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه ~~الرجل، لأن الفقيه والمطلع على جوامع الألفاظ، PageV03P331 # فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر على المعاني الكثيرة. قوله: ~~فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة قال النووي: الهمزة في اقصر همزة وصل. وظاهر ~~الامر بإطالة الصلاة في هذا الحديث المخالفة لقوله في حديث جابر بن سمرة: ~~كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصدا وخطبته قصدا. وقال ~~النووي: لا مخالفة لأن المراد بالامر بإطالة الصلاة بالنسبة إلى الخطبة لا ~~التطويل الذي يشق على المؤتمين، قال العراقي: ms1355 # أو حيث احتيج إلى التطويل لادراك بعض من تخلف، قال: وعلى تقدير تعذر ~~الجمع بين الحديثين يكون الاخذ في حقنا بقوله لأنه أدل، لا بفعله لاحتمال ~~التخصيص انتهى، وقد ذكرنا غير مرة أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يعارض القول الخاص بالأمة مع عدم وجدان دليل يدل على التأسي في ذلك الفعل ~~بخصوصه وهذا منه. قوله: قصدا القصد في الشئ هو الاقتصاد فيه وترك التطويل. ~~وإنما كانت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم وخطبته كذلك لئلا يمل الناس. ~~وأحاديث الباب فيها مشروعية إقصار الخطبة ولا خلاف في ذلك. واختلف في أقل ~~ما يجزئ على أقوال مبسوطة في كتب الفقه. # وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~خطب احمرت عيناه، وعلا صوت، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ~~ومساكم رواه مسلم وابن ماجة. # الحديث تمامه في صحيح مسلم: ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، ~~وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. قوله: إذا خطب ~~احمرت عيناه فيه أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل ~~كلامه، ويظهر غاية الغضب والفزع، لأن تلك الأوصاف إنما تكون عند اشتدادهما. ~~قوله: يقول أي منذر الجيش. # قوله: صبحكم فاعله ضمير يعود إلى العدو المنذر PageV03P332 # منه ومفعوله يعود إلى المنذرين. وكذلك قوله: ومساكم أي أتاكم العدو وقت ~~الصباح أو وقت المساء. # وعن حصين بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: كنت إلى جنب عمارة بن رؤيبة ~~وبشر بن مروان يخطبنا، فلما دعا رفع يديه فقال عمارة: يعني قبح الله هاتين ~~اليدين، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر يخطب إذا ~~دعا يقول هكذا فرفع السبابة وحدها رواه أحمد والترمذي بمعناه وصححه. وعن ~~سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~شاهرا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ما كان يدعو إلا يضع يده حذو ms1356 منكبه ~~ويشير بأصبعه رواه أحمد وأبو داود وقال فيه: لكن رأيته يقول هكذا، وأشار ~~بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام. # الحديث الأول أخرجه أيضا مسلم والنسائي، والحديث الثاني في إسناده عبد ~~الرحمن ابن إسحاق القرشي ويقال له عباد بن إسحاق وفيه مقال، كذا قال ~~المنذري. (وفي الباب) عن غطيف بن الحرث الثمالي عند أحمد والبزار قال: بعث ~~إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا سليمان إنا قد جمعنا الناس على أمرين ~~فقال: وما هما؟ رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح، ~~فقال: أما أنهما أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شئ منها. قال: لم؟ قال: ~~لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من ~~السنة، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة وفي إسناده ابن أبي مريم وهو ضعيف، ~~وبقية وهو مدلس. قوله: فقال عمارة يعني لفظ يعني ليس في مسلم ولا في سنن ~~أبي داود ولا الترمذي. قوله: قبح الله هاتين اليدين زاد الترمذي: # القصيرتين. (والحديثان) المذكوران في الباب يدلان على كراهة رفع الأيدي ~~على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في ~~الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وظاهره أنه لم يرفع يديه ~~في غير الاستسقاء، قال النووي: وليس الامر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في ~~الدعاء في مواطن وهي أكثر من أن تحصى، قال: وقد جمعت منها نحوا من ثلاثين ~~حديثا من الصحيحين انتهى. وظاهر حديثي الباب أنها تجوز الإشارة بالإصبع في ~~خطبة الجمعة. PageV03P333 # باب المنع من الكلام والامام يخطب والرخصة في تكلمه وتكليمه لمصلحة، وفي ~~الكلام قبل أخذه في الخطبة وبعد إتمامها عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والامام يخطب فقد لغوت رواه الجماعة إلا ~~ابن ماجة. وعن علي ms1357 رضي الله تعالى عنه في حديث له قال: من دنا من الامام ~~فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر، ومن قال صه فقد لغا، ومن ~~لغا فجمعة له، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ~~وأبو داود. # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل حمار يحمل أسفارا، والذي يقول لو ~~أنصت ليس له جمعة رواه أحمد. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: جلس النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوما على المنبر فخطب الناس وتلا آية، وإلى جنبي ~~أبي بن كعب فقلت له: يا أبي متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني، ثم سألته ~~فأبى أن يكلمني، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أبي ما ~~لك من جمعتك إلا ما لغيت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جئت فأخبرته فقال: صدق أبي فإذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ رواه ~~أحمد. # حديث علي في إسناده رجل مجهول، لأن عطاء الخراساني رواه عن مولى امرأته ~~أم عثمان قالت: سمعت عليا الحديث. وعطاء الخراساني وثقه يحيى بن معين وأثنى ~~عليه، وتكلم فيه ابن حبان، وكذبه سعيد بن المسيب. وحديث ابن عباس أخرجه ~~أيضا ابن أبي شيبة في المصنف، والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير، وفي ~~إسناده مجالد ابن سعيد وقد ضعفه الجمهور. وقال الحافظ في بلوغ المرام: لا ~~بأس بإسناده. وحديث أبي الدرداء أخرجه أيضا الطبراني من رواية شريك بن عبد ~~الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء. وروي أيضا من رواية عبد ~~الله بن سعد عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء. قال في مجمع الزوائد: ورجال ~~أحمد ثقات. ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى والطبراني PageV03P334 # عن جابر قال: دخل ابن مسعود والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فجلس ~~إلى جنبه أبي فذكر ms1358 نحو حديث أبي الدرداء. قال العراقي: ورجاله ثقات، ويشهد ~~له أيضا ما رواه الطبراني عن أبي ذر بنحو حديث أبي الدرداء المذكور في ~~الباب. وعن ابن أبي أوفى عند ابن أبي شيبة في المصنف قال: ثلاث من سلم منهن ~~غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى: # من أن يحدث حدثا يعني أذى، أو أن يتكلم، أو أن يقول صه قال العراقي: ~~ورجاله ثقات، قال: وهذا وإن كان موقوفا فمثله لا يقال من قبل الرأي فحكمه ~~الرفع، كما قاله ابن عبد البر وغيره فيما كان من هذا القبيل. ولابن أبي ~~أوفى حديث آخر مرفوع عند النسائي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة وعن جابر عند ابن ~~أبي شيبة أيضا في المصنف قال: قال سعد لرجل يوم الجمعة: لا جمعة لك، فذكر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لم يا سعد؟ # قال: إنه يتكلم وأنت تخطب، قال: صدق سعد يعني ابن أبي وقاص. ورواه أيضا ~~أبو يعلى والبزار وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف عند الجمهور كما تقدم. ~~وعن عبد الله بن عمر عند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها يلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو ~~رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط ~~رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزياد ثلاثة أيام ~~قال العراقي: # واسناده جيد. وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في ~~الكبير قال: كفى لغوا إذا صعد الامام المنبر أن تقول لصاحبك أنصت قال ~~العراقي: # ورجاله ثقات محتج بهم في الصحيح، قال: وهو وإن كان موقوفا فمثله لا يقال ~~من قبل الرأي فحكمه الرفع. قوله: أنصت قال الأزهري: يقال أنصت ونصت وانتصت. ~~قال ابن خزيمة: والمراد بالانصات السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله ~~تعالى، وتعقب بأنه ms1359 يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، والظاهر أن ~~المراد السكوت مطلقا، قاله في الفتح وهو ظاهر الأحاديث فلا يجوز من الكلام ~~إلا ما خصه دليل كصلاة التحية، نعم الامر بالصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عند ذكره يعم جميع الأوقات، والنهي عن الكلام حال الخطبة يعم كل ~~كلام، فيتعارض العمومات، ولكنه يرجح مشروعية الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عند ذكره حال الخطبة PageV03P335 # ما سيأتي في تفسير اللغو من اختصاصه بالكلام الباطل الذي لا أصل له لولا ~~ما سيأتي من الأدلة القاضية بالتعميم. قوله: والامام يخطب فيه دليل على ~~اختصاص النهي بحال الخطبة، ورد على من أوجب الانصات من خروج الامام. وكذلك ~~قوله يوم الجمعة ظاهره أن الانصات في خطبة غير يوم الجمعة لا يجب. قوله: ~~فقد لغوت قال في الفتح قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل ~~وشبهه. وقال ابن عرفة: # اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الاثم لقوله ~~تعالى: * (وإذا مروا باللغو مروا كراما) * (الفرقان: 72) وقال الزين ابن ~~المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام، وأغرب ~~أبو عبيد الهروي في الغريب فقال: معنى لغا تكلم والصواب التقييد. وقال ~~النضر بن شميل: معنى لغوت خبت من الاجر. وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: ~~صارت جمعتك ظهرا. قلت: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، انتهى كلام الفتح. # وفي القاموس: اللغو السقط وما لا يعتد به من كلام أو غيره انتهى. ويؤيد ~~قول من قال: إن اللغو صيرورية الجمعة ظهرا ما عند أبي داود وابن خزيمة من ~~حديث ابن عمرو بن العاص مرفوعا بلفظ: من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ~~ظهرا. قوله: فلا جمعة له قال العلماء معناه: لا جمعة له كاملة للاجماع على ~~إسقاط فرض الوقت عنه. قوله: # فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا شبه من لم يمسك عن الكلام بالحمار الحامل ~~للأسفار بجامع عدم الانتفاع. وظاهر قوله: من تكلم يوم الجمعة المنع من جميع ms1360 ~~أنواع الكلام من غير فرق بين ما لا فائدة فيه وغيره. ومثله حديث جابر الذي ~~تقدم، وكذلك حديث أبي لاطلاق الكلام فيهما. ويؤيده أنه إذا جعل قوله أنصت ~~مع كونه أمرا بمعروف لغوا فغيره من الكلام أولى بأن يسمى لغوا. وقد وقع عند ~~أحمد بعد قوله: فقد لغوت عليك بنفسك، ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من تسمية ~~السؤال عن نزول الآية لغوا، وقد ذهب إلى تحريم كل كلام حال الخطبة الجمهور، ~~ولكن قيد ذلك بعضهم بالسامع للخطبة، والأكثر لم يقيدوا قالوا: وإذا أراد ~~الامر بالمعروف فليجعله بالإشارة، قال الحافظ: # وأغرب ابن عبد البر فنقل الاجماع على وجوب الانصات للخطبة على من سمعها ~~إلا عن قليل من التابعين منهم الشعبي، وتعقبه بأن للشافعي قولين، وكذلك ~~لأحمد، وروى عنهما التفرقة بين من سمع الخطبة ومن لم يسمعها. ولبعض ~~الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة فيجب عليهم الانصات، وبين من زاد ~~عليهم فلا يجب. وقد حكى PageV03P336 # المهدي في البحر عن القاسم وابنه محمد بن القاسم، والمرتضى، ومحمد بن ~~الحسن أنه يجوز الكلام الخفيف حال الخطبة، واستدلوا على ذلك بتقرير النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله عن الساعة ولمن سأله في الاستسقاء، ورد ~~بأن الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما فيه أن يكون عموم الامر بالانصات مخصصا ~~بالسؤال. ونقل صاحب المغني الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز ~~في الخطبة، كتحذير الضرير من البئر ونحوه. وخصص بعضهم رد السلام وهو أعم من ~~أحاديث الباب من وجه وأخص من وجه، فتخصيص أحدهما بالآخر فحكم ومثله تشميت ~~العاطس. وقد حكى الترمذي عن أحمد وإسحاق الترخيص في رد السلام وتشميت ~~العاطس. وحكي عن الشافعي خلاف ذلك. وحكى ابن العربي عن الشافعي موافقة أحمد ~~وإسحاق. قال العراقي: # وهو أولى مما نقله عنه الترمذي. وقد صرح الشافعي في مختصر البويطي ~~بالجواز فقال: ولو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأن التشميت ~~سنة، ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك له ورأيت ms1361 أن يرد عليه، لأن السلام سنة، ~~ورده فرض هذا لفظ. # وقال النووي في شرح المهذب: إنه الأصح. قال في الفتح: وقد استثنى من ~~الانصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلام لم يشرع في الخطبة مثل ~~الدعاء للسلطان مثلا، بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه. وقال ~~النووي: محله إذا جاوز وإلا فالدعاء لولاة الامر مطلوب. قال الحافظ: ومحل ~~الترك إذا لم يخف الضرر وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه. قوله: إلا ما ~~لغيت بفتح اللام وبكسر الغين المعجمة لغة في لغوت. # وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم ~~قال: صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين ~~يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما رواه الخمس. وعن أنس رضي ~~الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزل من المنبر يوم ~~الجمعة فيكلمه الرجل في الحاجة ويكلمه ثم يتقدم إلى مصلاه فيصلي رواه ~~الخمسة. وعن ثعلبة بن أبي مالك رضي الله عنه قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة ~~وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام PageV03P337 # عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل ~~عمر تكلموا رواه الشافعي في مسنده وسنذكر سؤال الاعرابي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الاستسقاء في خطبة الجمعة. # حديث بريدة قال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد ~~انتهى. والحسين المذكور هو أبو علي قاضي مرو، احتج به مسلم في صحيحه. وقال ~~المنذري: ثقة. وحديث أنس قال الترمذي: هذا حديث لا يعرف إلا من حديث جرير ~~بن حازم، وسمعت محمدا يعني البخاري يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، ~~والصحيح ما روى ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي صلى الله ~~عليه وآله ms1362 وسلم فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم قال محمد: والحديث هو هذا ~~، وجرير ابن حازم ربما يهم في الشئ وهو صدوق، انتهى كلام الترمذي. وقال أبو ~~داود: # الحديث ليس بمعروف، وهو مما تفرد به جرير بن حازم. وقال الدارقطني: تفرد ~~به جرير بن حازم عن ثابت. قال العراقي: ما أعل به البخاري وأبو داود الحديث ~~من أن الصحيح كلام الرجل له بعدما أقيمت الصلاة لا يقدح ذلك في صحة حديث ~~جرير بن حازم، بل الجمع بينهما ممكن بأن يكون المراد بعد إقامة صلاة الجمعة ~~وبعد نزوله من المنبر، فليس الجمع بينهما متعذرا كيف وجرير بن حازم أحد ~~الثقات المخرج لهم في الصحيح، فلا تضر زيادته في كلام الرجل له أنه كان بعد ~~نزوله عن المنبر. قوله: # فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه جواز الكلام في الخطبة للامر ~~يحدث. وقال بعض الفقهاء: إذا تكلم أعاد الخطبة، قال الخطابي: والسنة أولى ~~ما اتبع. قوله: فيكلمه الرجل في الحاجة ويكلمه فيه أنه لا بأس بالكلام بعد ~~فراغ الخطيب من الخطبة، وأنه لا يحرم ولا يكره، ونقله ابن قدامة في المغني ~~عن عطا وطاوس والزهري وبكر المزني والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق ويعقوب ~~ومحمد قال: وروي ذلك عن ابن عمر انتهى. # وإلى ذلك ذهبت الهادوية. وروي عن أبي حنيفة أنه يكره الكلام بعد الخطبة، ~~قال ابن العربي: والأصح عندي أن لا يتكلم بعد الخطبة، لأن مسلما قد روى أن ~~الساعة التي في يوم الجمعة هي من حين يجلس الامام على المنبر إلى أن تقام ~~الصلاة، فينبغي أن يتجرد للذكر والتضرع، والذي في مسلم أنها ما بين أن يجلس ~~الامام إلى أن تقضى الصلاة. ومما يرجح ترك الكلام بين الخطبة والصلاة ~~الأحاديث الواردة في الانصات حتى تنقضي الصلاة، كما PageV03P338 # عند النسائي بإسناد جيد من حديث سلمان بلفظ: فينصت حتى يقضي صلاته وأحمد ~~بإسناد صحيح من حديث نبيشة بلفظ: فاستمع وأنصت حتى يقضي الامام جمعته ~~وكلامه وقد تقدما، ويجمع بين الأحاديث بأن الكلام ms1363 الجائز بعد الخطبة هو ~~كلام الامام لحاجة، أو كلام الرجل للرجل لحاجة. قوله: وعمر جالس على المنبر ~~فيه جواز الكلام حال قعود الامام على المنبر قبل شروعه في الخطبة، لأن ظهور ~~ذلك بين الصحابة من دون نكير يدل على أنه إجماع لهم. وروى أحمد بإسناد قال ~~العراقي: # صحيح أن عثمان بن عفان كان وهو على المنبر والمؤذن يقيم يستخبر الناس عن ~~أخبارهم وأسعارهم. قوله: وسنذكر سؤال الاعرابي الخ، سيذكره المصنف في كتاب ~~الاستسقاء. # باب ما يقرأ به في صلاة الجمعة وفي صبح يومها عن عبد الله بن أبي رافع ~~رضي الله عنه قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى مكة، فصلى ~~لنا أبو هريرة يوم الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة * (إذا ~~جاءك المنافقون) * (المنافقون: 1) فقلت له حين انصرف: إنك قرأت سورتين كان ~~علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقرأ بهما في الجمعة رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. ~~وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه وسأله الضحاك: ما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقرأ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ: * (هل ~~أتاك حديث الغاشية) * رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن النعمان بن ~~بشير رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في العيدين ~~وفي الجمعة: ب * (سبح اسم ربك الأعلى) * (الأعلى: 1) و * (هل أتاك حديث ~~الغاشية) * (الغاشية: 1) قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ ~~بهما في الصلاتين رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وعن سمرة بن جندب ~~رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الجمعة ب * ~~(سبح اسم ربك الأعلى) * و * (هل أتاك حديث الغاشية) * رواه أحمد والنسائي ~~وأبو داود. # حديث سمرة قال العراقي: إسناده صحيح. وفي الباب عن أبي عنبسة الخولاني ~~PageV03P339 # عند ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الجمعة ms1364 * ~~(سبح اسم ربك الأعلى) * و * (هل أتاك حديث الغاشية) * وفي إسناده سعيد بن ~~سنان، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير ~~والبزار في مسنده. وعن ابن عباس وسيأتي. # وقد استدل بأحاديث الباب على أن السنة أن يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في ~~الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، أو في الأولى: ب * (سبح ~~اسم ربك الأعلى) * وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية) *. أو في الأولى ~~بالجمعة، وفي الثانية ب * (هل أتاك حديث الغاشية) *. # قال العراقي: والأفضل من هذه الكيفيات قراءة الجمعة في الأولى، ثم ~~المنافقين في الثانية، كما نص عليه الشافعي فيما رواه عنه الربيع، وقد ثبتت ~~الأوجه الثلاثة التي قدمناها، فلا وجه لتفضيل بعضها على بعض، إلا أن ~~الأحاديث التي فيها لفظ كان مشعرة بأنه فعل ذلك في أيام متعددة كما تقرر في ~~الأصول. وقال مالك: إنه أدرك الناس يقرؤون في الأول بالجمعة، والثانية ~~بسبح، ولم يثبت ذلك في الأحاديث: وقال الهادي والقاسم والناصر: أنه يندب أن ~~يقرأ في الجمعة مع الفاتحة سورة الجمعة في الأولى، والمنافقين في الثانية ~~أو سبح والغاشية. وقال زيد بن علي: في الأولى السجدة، وفي الثانية الدهر. # وقال أبو حنيفة وأصحابه ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن البصري ~~أنه يقرأ الإمام بما شاء. وقال ابن عيينة أنه يكره أن يتعمد القراءة في ~~الجمعة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يجعل ذلك من سننها ~~وليس منها. قال ابن العربي: وهو مذهب ابن مسعود، وقد قرأ فيها أبو بكر ~~الصديق بالبقرة. وحكى ابن عبد البر في الاستذكار عن أبي إسحاق المروزي مثل ~~قول أبي عيينة، وحكى عن ابن أبي هريرة مثله، وخالفهم جمهور العلماء، وممن ~~خالفهم من الصحابة علي وأبي هريرة، قال العراقي: وهو قول مالك والشافعي ~~وأحمد بن حنبل وأبي ثور. (والحكمة) في القراءة في الجمعة بسورة الجمعة ~~والمنافقين ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms1365 مما يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة فيحرض به ~~المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين فيفزع المنافقين. قال العراقي: وفي ~~إسناده من يحتاج إلى الكشف عنه. قال الطبراني: لم يروه عن أبي جعفر إلا ~~منصور، تفرد به عنه عمرو بن أبي قيس. وقد اختلف فيه على منصور فرفعه عنه ~~عمرو بن أبي قيس، وخالفه في إسناده جرير بن حازم، وأعضله فرواه عن منصور عن ~~إبراهيم عن الحكم عن أناس من أهل المدينة. PageV03P340 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ ~~يوم الجمعة في صلاة الصبح: * (ألم تنزيل) * (السجدة: 1) و * (هل أتى على ~~الانسان) * (الانسان: 1) وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: * (آلم تنزيل) * و ~~* (هل أتى على الانسان) * رواه الجماعة إلا الترمذي وأبا داود، لكنه لهما ~~من حديث ابن عباس. # وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجة قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: * (ألم تنزيل) * و * (هل ~~أتى على الانسان) * وأورده ابن عدي في الكامل وفي إسناده الحرث بن شهاب وهو ~~متروك الحديث. # وعن ابن مسعود عند ابن ماجة أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: * (آلم تنزيل) * و * (هل أتى) * وقد ~~رواه الطبراني ورجاله ثقات. وعن علي بن أبي طالب عليه السلام عند الطبراني ~~في معجميه الصغير والأوسط بنحو الذي قبله، وفي إسناده حفص بن سليمان ~~الغاضري ضعفه الجمهور. (وهذه الأحاديث) فيها مشروعية قراءة تنزيل السجدة ~~وهل أتى على الانسان. قال العراقي: وممن كان يفعله من الصحابة عبد الله بن ~~عباس. ومن المتابعين: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو مذهب الشافعي ~~وأحمد وأصحاب الحديث وكرهه مالك وآخرون. قال النووي: وهم محجوجون بهذه ~~الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من ms1366 طرق. واعتذر مالك عن ذلك بأن حديث أبي ~~هريرة من طريق سعد بن إبراهيم وهو مردود، أما أولا فبأن سعد بن إبراهيم قد ~~اتفق الأئمة على توثيقه. قال العراقي: ولم أر من نقل عن مالك تضعيفه غير ~~ابن العربي، ولعل الذي أوقعه في ذلك هو أن مالكا لم يرو عنه. # قال ابن عبد البر: وأما امتناع مالك عن الرواية عن سعد فلكونه طعن في نسب ~~مالك. # وأما ثانيا فغاية هذا الاعتذار سقوط الاستدلال بحديث أبي هريرة دون بقية ~~أحاديث الباب. قال الحافظ: ليس في شئ من الطرق التصريح بأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم سجد لما قرأ سورة تنزيل في هذا المحل إلا في كتاب الشريعة لابن ~~أبي داود من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غدوت على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد الحديث. ~~وفي إسناده من ينظر في حاله، PageV03P341 # وللطبراني في الصغير من حديث علي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد ~~في صلاة الصبح في تنزيل السجدة لكن في إسناده ضعف انتهى. قال العراقي: قد ~~فعله عمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان، وابن مسعود، وابن عمر، وعبد الله بن ~~الزبير، وهو قول الشافعي وأحمد، وقد كرهه في الفريضة من التابعين أبو مجلز، ~~وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة، ومنعته الهادوية، وقد قدمنا بعض ~~حجج الفريقين في أبواب سجود التلاوة. وقد اختلف القائلون باستحباب قراءة: ~~آلم تنزيل السجدة في يوم الجمعة هل للامام أن يقرأ بدلها سورة أخرى فيها ~~سجدة فيسجد فيها أو يمتنع ذلك؟ فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم ~~النخعي قال: كان يستحب أن يقرأ يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وروي أيضا عن ~~ابن عباس. وقال ابن سيرين: لا أعلم به بأسا، قال النووي في الروضة من ~~زوائده: لو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجدة لغرض السجود فقط لم أر ~~فيه كلاما لأصحابنا قال: وفي كراهته خلاف السلف. ms1367 وأفتى الشيخ ابن عبد ~~السلام بالمنع من ذلك وبطلان الصلاة به. وروى ابن أبي شيبة عن أبي العالية ~~والشعبي كراهة اختصار السجود، زاد الشعبي: وكانوا يكرهون إذا أتوا على ~~السجدة، أن يجاوزوها حتى يسجدوا. # وكره اختصار السجود ابن سيرين. وعن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون أن ~~تختصر السجدة. وعن الحسن أنه كره ذلك. وروي عن سعيد بن المسيب وشهر بن حوشب ~~أن اختصار السجود مما أحدث الناس، وهو أن يجمع الآيات التي فيها السجود ~~فيقرأها ويسجد فيها. وقيل: اختصار السجود أن يقرأ القرآن إلا آيات السجود ~~فيحذفها، وكلاهما مكروه لأنه لم يرد عن السلف. # باب انفضاض العدد في أثناء الصلاة أو الخطبة عن جابر رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من ~~الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فأنزلت هذه الآية ~~التي في الجمعة * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) * ~~(الجمعة: 11) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. وفي رواية: أقبلت عير ونحن ~~نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة فانفض الناس إلا اثني عشر ~~PageV03P342 # رجلا فنزلت هذه الآية: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما) * (الجمعة: 11) رواه أحمد والبخاري. # قوله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب قائما ظاهره أن ~~الانفضاض وقع حال الخطبة وظاهر قوله في الرواية الأخرى: ونحن نصلي مع النبي ~~(ص) أن الانفضاض وقع بعد دخولهم في الصلاة. ويؤيد الرواية الأولى ما عند ~~أبي عوانة من طريق عباد بن العوام، وعند ابن حميد من طريق سليمان بن كثير، ~~كلاهما عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بلفظ: يخطب وكذا وقع في حديث ~~ابن عباس عند البزار. وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط. وفي مرسل ~~قتادة عند الطبراني وغيره، وعلى هذا فقوله: نصلي أي ننتظر الصلاة، وكذا ~~يحمل قوله: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة ms1368 كما ~~وقع في مستخرج أبي نعيم، على أن المراد بقوله في الصلاة أي في الخطبة، وهو ~~من تسمية الشئ باسم ما يقارنه، وبهذا يجمع بين الروايات. ويؤيده استدلال ~~ابن مسعود على القيام في الخطبة بالآية المذكورة كما أخرجه ابن ماجة بإسناد ~~صحيح. وكذلك استدلال كعب بن عجرة كما في صحيح مسلم على ذلك. قوله: فجاءت ~~عير من الشام العير بكسر العين الإبل التي تحمل التجارة طعاما كانت أو ~~غيره، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، ولابن مردويه عن ابن عباس: جاءت عير ~~لعبد الرحمن بن عوف ووقع عند الطبراني عن أبي مالك أن الذي قدم بها من ~~الشام دحية بن خليفة الكلبي، وكذلك في حديث ابن عباس عند البزار، وجمع بين ~~الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن، وكان دحية السفير فيها أو كان ~~مقارضا وقع. وفي رواية ابن وهب عن الليث أنها كانت لوبرة الكلبي، ويجمع ~~بأنه كان رفيق دحية. قوله: فانفتل الناس إليها وفي الرواية الأخرى: فانفض ~~الناس إليها وهو موافق للفظ القرآن. وفي رواية للبخاري: فالتفتوا إليها ~~والمراد بالانفتال والالتفات الانصراف، يدل على ذلك رواية فانفض. وفيه رد ~~على من حمل الالتفات على ظاهره وقال: لا يفهم منه الانصراف عن الصلاة ~~وقطعها، وإنما يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم، وأيضا لو كان ~~الالتفات على ظاهره لما وقع الانكار الشديد لأنه لا ينافي الاستماع للخطبة. # قوله: إلا اثنا عشر رجلا قال الكرماني: ليس هذا الاستثناء مفرغا فيجب ~~رفعه، بل هو من ضمير لم يبق العائد إلى الناس فيجوز فيه الرفع والنصب، قال: ~~وثبت الرفع في بعض الروايات. ووقع عند الطبراني إلا أربعين رجلا وقال: تفرد ~~به علي بن عاصم وهو ضعيف الحفظ، وخالفه أصحاب حصين كلهم. ووقع عند ابن ~~مردويه من رواية PageV03P343 # ابن عباس وسبع نسوة بعد قوله: إلا اثنا عشر رجلا، وفي تفسير إسماعيل بن ~~زياد الشامي وامرأتان. وقد سمي من الجماعة الذين لم ينفضوا أبو بكر وعمر ~~عند مسلم. وفي رواية له: أن جابرا قال: أنا ms1369 فيهم، وفي تفسير الشامي أن ~~سالما مولى أبي حذيفة منهم. وروى العقيلي عن ابن عباس أن منهم الخلفاء ~~الأربعة وابن مسعود وأناسا من الأنصار، وروى السهيلي بسند منقطع أن الاثني ~~عشر هم العشرة المبشرة بالجنة وبلال وابن مسعود. قال: وفي رواية عمار بدل ~~ابن مسعود. قال في الفتح: ورواية العقيلي أقوى وأشبه. قوله: فأنزلت هذه ~~الآية ظاهر في أنها نزلت بسبب قدوم العير المذكورة. والمراد باللهو على هذا ~~ما ينشأ من رؤية القادمين وما معهم. ووقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد ~~عن أبيه مرسلا: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة وكان ~~لهم سوق كانت بنو سليم يجلبون إليه الخيل والإبل والسمن، فقدموا فخرج إليهم ~~الناس وتركوه قائما وكان لهم لهو يضربونه فنزلت ووصله أبو عوانة في صحيحه. ~~قوله: انفضوا إليها قيل: النكتة في عود الضمير إلى التجارة دون اللهو، أن ~~اللهو لم يكن مقصودا، وإنما كان تبعا للتجارة. وقيل: حذف ضمير أحدهما ~~لدلالة الآخر عليه. وقال الزجاج: أعيد الضمير إلى المعنى أي انفضوا إلى ~~الرؤية. (والحديث) استدل به من قال: إن عدد الجمعة اثنا عشر رجلا، وقد تقدم ~~بسط الكلام في ذلك، وقد استشكل الأصيلي حديث الباب فقال: إن الله تعالى قد ~~وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله، ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية. قال الحافظ: ~~وهذا الذي يتعين المصير إليه مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في ~~الصحابة، وعلى تقدير ذلك فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية ~~الجمعة وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه، فوصفوا بعد ذلك بما في آية النور. # باب الصلاة بعد الجمعة وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إذا PageV03P344 # صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات رواه الجماعة إلا البخاري. وعن ~~ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله ms1370 وسلم كان يصلي بعد ~~الجمعة ركعتين في بيته رواه الجماعة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان ~~إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعا، وإذا كان ~~بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد، فقيل ~~له في ذلك، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك رواه أبو ~~داود. # حديث ابن عمر الآخر سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال العراقي: إسناده ~~صحيح، وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يصلي بعد الجمعة أربعا وفي إسناد مبشر بن عبيد وهو ضعيف جدا. وفي ~~السند ضعفاء غيره عن ابن مسعود عند الترمذي موقوفا عليه: أنه كان يصلي قبل ~~الجمعة أربعا وبعدها أربعا. قوله: # إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها الخ، لفظ أبي داود والترمذي وهو أحد ~~ألفاظ مسلم: من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا قال النووي في شرح ~~مسلم: نبه بقوله من كان منكم مصليا على أنها سنة ليست بواجبة، وذكر الأربع ~~لفضلها وفعل الركعتين في أوقات بيانا لأن أقلها ركعتان قال: ومعلوم أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعا لأنه أمرنا بهن وحثنا ~~عليهن. قال العراقي: وما ادعي من أنه معلوم فيه نظر، بل ليس ذلك بمعلوم ولا ~~مظنون، لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته، ولا يلزم من كونه أمر به أن ~~يفعله، وكون ابن عمر بن الخطاب كان يصلي بمكة بعد الجمعة ركعتين ثم أربعا، ~~وإذا كان بالمدينة صلى بعدها ركعتين في بيته، فقيل له فقال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك، فليس في ذلك علم ولا ظن أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يفعل بمكة ذلك، وإنما أراد رفع فعله بالمدينة فحسب، ~~لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه فليس ذلك في ~~أكثر الأوقات، بل نادرا، وربما كانت ms1371 الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض ~~الأوقات، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم: كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته ~~واشتد غضبه كأنه منذر جيش الحديث فربما لحقه تعب من ذلك، فاقتصر على ~~الركعتين في بيته وكان يطيلهما، كما ثبت في رواية النسائي، وأفضل الصلاة ~~طول القنوت أي القيام، فلعلهما كانت أطول من أربع ركعات خفاف أو متوسطات ~~انتهى. (والحاصل) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأمة أمرا مختصا ~~بهم بصلاة أربع ركعات بعد الجمعة وأطلق ذلك، ولم يقيده بكونها في البيت، ~~واقتصاره صلى الله عليه وآله وسلم على ركعتين كما في حديث ابن PageV03P345 # عمر لا ينافي مشروعية الأربع لما تقرر في الأصول من عدم المعارضة بين ~~قوله الخاص بالأمة وفعله الذي لم يقترن بدليل خاص يدل على التأسي به فيه، ~~وذلك لأن تخصيصه للأمة بالامر يكون مخصصا لأدلة التأسي العامة. قوله: ~~ركعتين في بيته استدل به على أن سنة الجمعة ركعتان. وممن فعل ذلك عمران بن ~~حصين، وقد حكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد، قال العراقي: لم يرد الشافعي ~~وأحمد بذلك إلا بيان أقل ما يستحب، وإلا فقد استحبا أكثر من ذلك، فنص ~~الشافعي في الام على أنه يصلي بعد الجمعة أربع ركعات ذكره في باب صلاة ~~الجمعة والعيدين. ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: إن شاء صلى بعد الجمعة ~~ركعتين، وإن شاء صلى أربعا، وفي رواية عنه: وإن شاء ستا، وكان ابن مسعود ~~والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربعا لحديث أبي هريرة. وعن علي ~~عليه السلام وأبي موسى وعطاء ومجاهد وحميد بن عبد الرحمن والثوري أنه يصلي ~~ستا لحديث ابن عمر المذكور في الباب. # (وقد اختلف) في الأربع الركعات هل تكون متصلة بتسليم في آخرها أو يفصل ~~بين كل ركعتين بتسليم؟ فذهب إلى الأول أهل الرأي وإسحاق بن راهويه وهو ظاهر ~~حديث أبي هريرة، وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور كما قال العراقي، ~~واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلاة النهار مثنى مثنى أخرجه ms1372 أبو ~~داود وابن حبان في صحيحه وقد تقدم، والظاهر القول الأول لأن دليله خاص، ~~ودليل القول الآخر عام، وبناء العام على الخاص واجب. قال أبو عبد الله ~~المازري وابن العربي: أن أمره صلى الله عليه وآله وسلم لمن يصلي بعد الجمعة ~~بأربع لئلا يخطر على بال جاهل أنه صلى ركعتين لتكملة الجمعة، أو لئلا يتطرق ~~أهل البدع إلى صلاتها ظهرا أربعا. (واختلف) أيضا هل الأفضل فعل سنة الجمعة ~~في البيت أو في المسجد؟ فذهب إلى الأول الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، ~~واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: أفضل صلاة المرء ~~في بيته إلا المكتوبة وأما صلاة ابن عمر في مسجد مكة فقيل لعله كان يريد ~~التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزله لصلاة ~~سنة الجمعة، أو أنه يشق عليه الذهاب إلى منزله ثم الرجوع إلى المسجد ~~للطواف، أو أنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة دون بقية مكة أو كان له ~~أمر متعلق به. PageV03P346 # باب ما جاء في اجتماع العيد والجمعة عن زيد بن أرقم رضي الله عنه وسأله ~~معاوية: هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عيدين اجتمعا قال: ~~نعم صلى العيد أول النهار ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يجمع فليجمع ~~رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال: قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء ~~أجزاه من الجمعة وإنا مجمعون رواه أبو داود وابن ماجة. وعن وهب بن كيسان ~~رضي الله عنه قال: اجتمع عيدان على عهد أب الزبير فأخر الخروج حتى تعالى ~~النهار، ثم خرج فخطب، ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يوم الجمعة، فذكرت ذلك ~~لابن عباس فقال: أصاب السنة رواه النسائي وأبو داود بنحوه لكن من رواية ~~عطاء. ولأبي داود أيضا عن عطاء قال: اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر على عهد ~~ابن الزبير فقال: عيدان اجتمعا ms1373 في يوم واحد فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين ~~بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. # حديث زيد بن أرقم أخرجه أيضا النسائي والحاكم وصححه علي بن المديني، وفي ~~إسناده إياس بن أبي رملة وهو مجهول. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا الحاكم وفي ~~إسناده بقية بن الوليد، وقد صحح أحمد بن حنبل والدارقطني إرساله، ورواه ~~البيهقي موصولا مقيدا بأهل العوالي وإسناده ضعيف، وفعل ابن الزبير وقول ابن ~~عباس أصاب السنة رجاله رجال الصحيح. وحديث عطاء رجاله رجال الصحيح. (وفي ~~الباب) عن ابن عباس عند ابن ماجة قال الحافظ: وهو وهم منه نبه عليه هو. وعن ~~ابن عمر عند ابن ماجة أيضا وإسناده ضعيف. ورواه الطبراني من وجه آخر عن ابن ~~عمر، ورواه البخاري من قول ابن عثمان. ورواه الحاكم من قول بن الخطاب، كذا ~~قال الحافظ. قوله: ثم رخص في الجمعة الخ، فيه أن صلاة الجمعة في يوم العيد ~~يجوز تركها، وظاهر الحديثين عدم الفرق بين من صلى العيد ومن لم يصل، وبين ~~الامام وغيره، لأن قوله لمن شاء يدل على أن الرخصة تعم كل أحد، وقد ذهب ~~الهادي والناصر والاخوان إلى أن صلاة الجمعة تكون رخصة لغير الامام وثلاثة، ~~واستدلوا بقوله في حديث أبي هريرة: وإنا مجمعون PageV03P347 # وفيه أن مجرد هذا الاخبار لا يصلح للاستدلال به على المدعي أعني الوجوب، ~~ويدل على عدم الوجوب أن الترخيص عام لكل أحد ترك ابن الزبير للجمعة وهو ~~الامام إذ ذاك. # وقول ابن عباس: أصاب السنة رجاله رجال الصحيح وعدم الانكار عليه من أحد ~~من الصحابة. وأيضا لو كانت الجمعة واجبة على البعض لكانت فرض كفاية وهو ~~خلاف معنى الرخصة، وحكى في البحر عن الشافعي في أحد قوليه، وأكثر الفقهاء ~~أنه لا ترخيص لأن دليل وجوبها لم يفصل. وأحاديث الباب ترد عليهم. وحكي عن ~~الشافعي أيضا أن الترخيص يختص بمن كان خارج المصر، واستدل له بقول عثمان: ~~من أراد من أهل العوالي أن يصلي معنا الجمعة فليصل، ومن أحب أن ينصرف ~~فليفعل، ورده بأن قول ms1374 عثمان لا يخصص قوله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: ~~لم يزد عليهما حتى صلى العصر ظاهره أنه لم يصل الظهر، وفيه أن الجمعة إذا ~~سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر، وإليه ~~ذهب عطاء، حكي ذلك عنه في البحر، والظاهر أنه يقول بذلك القائلون بأن ~~الجمعة الأصل، وأنت خبير بأن الذي افترضه الله تعالى على عباده في يوم ~~الجمعة هو صلاة الجمعة، فإيجاب صلاة الظهر على من تركها لعذر أو لغير عذر ~~محتاج إلى دليل، ولا دليل يصلح للتمسك به على ذلك فيما أعلم. قال المصنف ~~رحمه الله تعالى. بعد أن ساق الرواية المتقدمة عن ابن الزبير: قلت إنما وجه ~~هذا أنه رأى تقدمة الجمعة قبل الزوال فقدمها واجتزأ بها عن العيد انتهى. ~~ولا يخفى ما في هذا الوجه من التعسف. # كتاب العيدين العيد مشتق من العود، فكل عيد يعود بالسرور وإنما جمع على ~~أعياد بالياء للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقيل غير ذلك. وقيل أصله عود ~~بكسر العين وسكون الواو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها مثل ميعاد وميقات ~~وميزان. قال الخليل: وكل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنباري: ~~يسمى عيدا للعود في الفرح والمرح. وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود فيه ~~إلى قدر منزلته، فهذا يضيف وهذا يضاف. وهذا يرحم وهذا يرحم. وقيل: سمي عيدا ~~لشرفه من العيد وهو محل كريم مشهور في العرب تنسب إليه الإبل العيدية. ~~PageV03P348 # باب التجمل للعيد وكراهة حمل السلاح فيه إلا لحاجة عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: وجد عمر حلة من إستبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد ~~والوفد، فقال: إنما هذه لباس من لا خلاق له متفق عليه. وعن جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يلبس برد حبرة في كل ms1375 عيد رواه الشافعي. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ~~كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمه بالركاب ~~فنزلت فنزعتها وذلك بمنى، فبلغ الحجاج فجاء يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من ~~أصابك؟ فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم ~~يكن يحمل فيه وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم رواه البخاري ~~وقال: قال الحسن نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدوا. # حديث جعفر بن محمد رواه الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد، عن جعفر، ~~وإبراهيم بن محمد المذكور لا يحتج بما تفرد به، ولكنه قد تابعه سعيد بن ~~الصلت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس به، كذا أخرجه الطبراني، ~~قال الحافظ: # فظهر أن إبراهيم لم يتفرد به، وأن رواية إبراهيم مرسلة. وفي الباب عن ~~جابر عند ابن خزيمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبس برده ~~الأحمر في العيدين وفي الجمعة. قوله: من إستبرق في رواية للبخاري: رأى حلة ~~سيراء والاستبراق ما غلظ من الديباج، والسيراء قد تقدم الكلام عليه في ~~اللباس. قوله: ابتع هذا فتجمل في رواية للبخاري: ابتع هذه تجمل بها. وفي ~~رواية: ابتع هذه وتجمل. قوله: للعيد والوفد في لفظ للبخاري: للجمعة مكان ~~العيد. قال الحافظ: وكلاهما صحيح، وكان ابن عمر ذكرهما معا فاقتصر كل راو ~~على أحدهما. قوله: إنما هذه لباس من لا خلاق له الخلاق النصيب. وفيه دليل ~~على تحريم لبس الحرير، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك في اللباس، ووجه ~~الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التجمل للعيد تقريره صلى الله عليه وآله ~~وسلم لعمر على أصل التجمل للعيد، وقصر الانكار على من لبس مثل تلك الحلة ~~لكونها PageV03P349 # كانت حرير. وقال الداودي: ليس في الحديث دلالة على ذلك. وأجاب ابن بطال ~~بأنه كان معهودا عندهم أن يلبس المرء أحسن ثيابه للجمعة، وتبعه ابن التين، ~~والاستدلال بالتقرير أولى كما تقدم. قوله: برد ms1376 حبرة كعنبة ضرب من برود ~~اليمن كما في القاموس. # قوله: أخمص قدمه الأخمص بإسكان الخاء المعجمة وفتح الميم بعدها صاد مهملة ~~باطن القدم ومارق من أسفلها. وقيل: هو ما لا تصيبه الأرض عند المشي من ~~باطنها. قوله: # بالركاب أي وهي في راحلته. قوله: فنزعتها ذكر الضمير مؤثنا مع أنه أعاده ~~على السنان وهو مذكر، لأنه أراد الحديدة، ويحتمل أنه أراد القدم. قوله: ~~فبلغ الحجاج أي ابن يوسف الثقفي وكان إذ ذاك أميرا على الحجاز، وذلك بعد ~~قتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين. قوله: فجاء يعوده في رواية ~~للبخاري: فجعل يعوده، وفي رواية الإسماعيلي: # فأتاه. قوله: لو نعلم لو للتمني، ويحتمل أن تكون شرطية، والجواب محذوف ~~لدلالة السياق عليه، ويرجح ذلك ما أخرجه ابن سعد بلفظ: لو نعلم من أصابك ~~عاقبناه وله من وجه آخر: لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه. قوله: أنت أصبتني ~~نسبة الفعل إلى الحجاج لكونه سببا فيه. وحكى الزبير في الأنساب أن عبد ~~الملك لما كتب إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه وأمر رجلا معه حربة ~~يقال إنها كانت مسمومة فلصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه فمرض منها ~~أياما ثم مات، وذلك في سنة أربع وسبعين، وقد ساق هذه القصة في الفتح ولم ~~يتعقبها، وصدور مثلها غير بعيد من الحجاج، فإنه صاحب الأفاعيل التي تبكي ~~لها عيون الاسلام وأهله. قوله: حملت السلاح أي فتبعك أصحابك في حمله. # قوله: في يوم لم يكن يحمل فيه هذا محل الدليل على كراهة حمل السلاح يوم ~~العيد، وهو مبني على أن قول الصحابي كان يفعل كذا على البناء للمجهول له ~~حكم الرفع، وفيه خلاف معروف في الأصول. قوله: قال الحسن: نهوا أن يحملوا ~~السلاح قال الحافظ: لم أقف عليه موصولا، إلا أن ابن المنذر قد ذكر نحوه عن ~~الحسن، وفيه تقييد لاطلاق قول ابن عمر أنه لا يحمل، وقد ورد مثله مرفوعا ~~مقيدا وغير مقيد، فروى عبد الرزاق بإسناد مرسل قال: نهى رسول الله ms1377 صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يخرج بالسلاح يوم العيد. وروى ابن ماجة بإسناد ضعيف عن ~~ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يلبس السلاح في بلاد ~~الاسلام في العيدين إلا أن يكون بحضرة العدو. وهذا كله في العيدين، فأما ~~الحرم فروى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يحمل PageV03P350 # السلاح بمكة. وسيأتي الجمع بينه وبين أحاديث دخوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مكة بالسلاح في باب المحرم يتقلد بالسيف من كتاب الحج. # باب الخروج إلى العيد ماشيا والتكبير فيه وما جاء في خروج النساء عن علي ~~عليه السلام رضي الله تعالى عنه قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا، ~~وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعن أم عطية رضي ~~الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نخرجهن في ~~الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة. ~~وفي لفظ: المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا ~~يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها من جلبابها رواه الجماعة. وليس للنسائي ~~فيه أمر الجلباب. ولمسلم وأبي داود في رواية والحيض يكن خلف الناس يكبرن مع ~~الناس. وللبخاري: قالت أم عطية: كنا نؤمر أن نخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهن. ~~وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان إذا غدا إلى المصلى كبر فرفع ~~صوته بالتكبير. وفي رواية: # كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس، فيكبر حتى يأتي المصلى، ~~ثم يكبر بالمصلى حتى إذا جلس الامام ترك التكبير رواهما الشافعي. # حديث علي أخرجه أيضا ابن ماجة، وفي إسناده الحرث الأعور، وقد اتفقوا على ~~أنه كذاب كما قال النووي في الخلاصة. ودعوى الاتفاق غير صحيحة، فقد روى ~~عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين أنه قال فيه ثقة. وقال النسائي مرة: ليس ~~به بأس، ومرة ليس بالقوي. وروى عباس الدوري عن ابن معين أنه قال: لا بأس ms1378 ~~به. وقال أبو بكر بن أبي داود: كان أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس، ~~تعلم الفرائض من علي، نعم كذبه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وعلي بن المديني. ~~وقال أبو زرعة: # لا يحتج به. وقال ابن حبان: كان غالبا في التشيع واهيا في الحديث. وقال ~~الدارقطني: # ضعيف، وضرب يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على حديثه. قال في الميزان: # والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الأبواب، قال: وحديثه في ~~السنن الأربع والنسائي مع تعنته في الجراح، قد احتج به وقوي أمره، قال: ~~وكان من أوعية العلم. PageV03P351 # (وفي الباب) عن ابن عمر عند ابن ماجة قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد ~~الله بن عمر العمري كذبه أحمد. وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: متروك. ~~وقال البخاري: ليس ممن يروى عنه. وعن سعد القرظ عند ابن ماجة أيضا بنحو ~~حديث ابن عمر، وفي إسناده أيضا عبد الرحمن بسعد بن عمار بن سعد القرظ عن ~~أبيه عن جده، وقد ضعفه ابن معين، وأبوه سعد بن عمار، قال في الميزان: لا ~~يكاد يعرف، وجده عمار بن سعد قال فيه البخاري: لا يتابع على حديثه، وذكره ~~ابن حبان في الثقات. وعن أبي رافع عند ابن ماجة أيضا: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتي العيد ماشيا وفي إسناده ~~مندل بن علي، ومحمد بن عبد الله بن أبي رافع. ومندل متكلم فيه وقد ضعفه ~~أحمد. وقال ابن معين: # لا بأس به. ومحمد قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشئ. وعن ~~سعد بن أبي وقاص عند البزار في مسنده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع في طريق غير الطريق الذي خرج منه وفي ~~إسناده خالد بن إلياس ليس بالقوي، كذا قال البزار. وقال ابن معين والبخاري: ~~ليس بشئ. وقال أحمد والنسائي: متروك. وحديث أم عطية أخرجه من ذكر ms1379 المصنف. ~~(وفي الباب) عن ابن عباس عند ابن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يخرج بناته ونساءه في العيدين وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مختلف ~~فيه. وقد رواه الطبراني من وجه آخر. وعن جابر عند أحمد قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يخرج في العيدين ويخرج أهله وفي إسناده الحجاج ~~المذكور. وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # ليس للنساء نصيب في الخروج إلا المضطرة ليس لها خادم إلا في العيدين ~~الأضحى والفطر وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك. وعن ابن عمرو بن العاص ~~عند الطبراني أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإخراج العواتق ~~والحيض وفي إسناده يزيد ابن شداد وعتبة بن عبد الله وهما مجهولان، قال أبو ~~حاتم الرازي. # وعن عائشة عند ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في المسند أنها قالت: قد ~~كانت الكعاب تخرج لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خدرها في الفطر ~~والأضحى قال العراقي: ورجاله رجال الصحيح، ولكنه من رواية أبي قلابة عن ~~عائشة. وقد قال PageV03P352 # ابن أبي حاتم: أنها مرسلة. وفيه أن أبا قلابة أدرك علي بن أبي طالب عليه ~~السلام. # وقد قال أبو حاتم: إن أبا قلابة لا يعرف له تدليس. ولعائشة حديث آخر عند ~~الطبراني في الأوسط قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل تخرج ~~النساء في العيدين؟ قال: نعم. قيل: فالعواتق؟ قال: نعم فإن لم يكن لها ثوب ~~تلبسه فلتلبس ثوب صاحبتها وفي إسناده مطيع بن ميمون، قال ابن عدي له حديثان ~~غير محفوظين. # قال العراقي: وله هذا الحديث فهو ثالث. وقال فيه علي بن المديني: ذاك شيخ ~~عندنا ثقة. # وعن عمرة أخت عبد الله بن رواحة عند أحمد وأبي يعلى والطبراني في الكبير: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وجب الخروج على كل ذات نطاق. زاد ~~أبو يعلى: # يعني في العيدين. وقال فيه: ms1380 سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~من رواية امرأة من عبد القيس عنها. والأثر الذي ذكره المصنف عن ابن عمر ~~أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي مرفوعا وموقوفا وصحح وقفه. قوله: من السنة أن ~~يخرج ماشيا فيه مشروعية الخروج إلى صلاة العيد والمشي إليها وترك الركوب، ~~وقد روى الترمذي ذلك عن أكثر أهل العلم. وحديث الباب وإن كان ضعيفا فما ~~ذكرنا من الأحاديث الواردة بمعناه تقويه، وهذا حسنه الترمذي. وقد استدل ~~العراقي لاستحباب المشي في صلاة العيد بعموم حديث أبي هريرة المتفق عليه: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم ~~تمشون فهذا عام في كل صلاة تشرع فيها الجماعة، كالصلوات الخمس والجمعة ~~والعيدين والكسوف والاستسقاء. قال: وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن ~~يأتي إلى صلاة العيد ماشيا، فمن الصحابة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. ~~ومن التابعين: إبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز. ومن الأئمة: # سفيان الثوري والشافعي وأحمد وغيرهم. وروي عن الحسن البصري أنه كان يأتي ~~صلاة العيد راكبا، ويستحب أيضا المشي في الرجوع، كما في حديث ابن عمر وسعد ~~القرظ، وروى البيهقي في حديث الحرث عن علي أنه قال: من السنة أن تأتي العيد ~~ماشيا ثم تركب إذا رجعت قال العراقي: وهذا أمثل من حديث ابن عمر وسعد ~~القرظ، وهو الذي ذكره أصحابنا يعني الشافعية. قوله: وأن يأكل. فيه استحباب ~~الاكل قبل الخروج إلى الصلاة، وهذا مختص بعيد الفطر، وأما عيد النحر فيؤخر ~~الاكل حتى يأكل من أضحيته لما سيأتي في الباب الذي بعد هذا. قوله: العواتق ~~جمع عاتق، وهي المرأة الشابة أول ما تدرك. وقيل: هي التي لم تبن من والديها ~~ولم تزوج بعد إدراكها، وقال PageV03P353 # ابن دريد: هي التي قاربت البلوغ. قوله: وذوات الخدور جمع خدر بكسر الخاء ~~المعجمة وهو ناحية في البيت يجعل عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر وهي ~~المخدرة أي خدرت في الخدر. قوله: لا يكون لها جلباب الجلباب بكسر الجيم ~~وبتكرار الموحدة ms1381 وسكون اللام قيل: هو الإزار والرداء، وقيل: الملحفة. وقيل: ~~المقنعة تغطي بها المرأة رأسها وظهرها. وقيل: هو الخمار. (والحديث) وما في ~~معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من ~~غير فرق بين البكر والثيب، والشابة والعجوز، والحائض وغيرها، ما لم تكن ~~معتدة أو كان في خروجها فتنة أو كان لها عذر. (وقد اختلف) العلماء في ذلك ~~على أقوال. أحدها: أن ذلك مستحب وحملوا الامر فيه على الندب، ولم يفرقوا ~~بين الشابة والعجوز، وهذا قول أبي حامد من الحنابلة، والجرجاني من ~~الشافعية، وهو ظاهر إطلاق الشافعي. القول الثاني: التفرقة بين الشابة ~~والعجوز، قال العراقي: # وهو الذي عليه جمهور الشافعية تبعا لنص الشافعي في المختصر. والقول ~~الثالث: أنه جائز غير مستحب لهن مطلقا، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد فيما ~~نقله عنه ابن قدامة. # والرابع: أنه مكروه، وقد حكاه الترمذي عن الثوري وابن المبارك، وهو قول ~~مالك وأبي يوسف، وحكاه ابن قدامة عن النخعي ويحيى بن سعيد الأنصاري. وروى ~~ابن أبي شيبة عن النخعي أنه كره للشابة أن تخرج إلى العيد. القول الخامس: ~~إنه على النساء الخروج إلى العيد، حكاه القاضي عياض عن أبي بكر وعلي وابن ~~عمر وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعلي أنهما قالا: حق على كل ذات نطاق ~~الخرو إلى العيدين انتهى. والقول بكراهة الخروج على الاطلاق رد للأحاديث ~~الصحيحة بالآراء الفاسدة، وتخصيص الشواب يأباه صريح الحديث المتفق عليه ~~وغيره. قوله: # يكبرن مع الناس. وكذلك قوله: يشهدن الخير ودعوة المسلمين يرد ما قاله ~~الطحاوي أن خروج النساء إلى العيد كان في صدر الاسلام لتكثير السواد ثم ~~نسخ. # وأيضا قد روى ابن عباس خروجهن بعد فتح مكة، وقد أفتت به أم عطية بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمدة كما في البخاري. قوله: إذا غدا إلى ~~المصلى كبر فيه إن صح رفعه دليل على مشروعية التكبير حال المشي إلى المصلى. ~~وقد روى أبو بكر النجاد عن الزهري أنه قال: كان النبي صلى ms1382 الله عليه وآله ~~وسلم يخرج يوم الفطر فيكبر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى وهو عند ~~ابن أبي شيبة عن الزهري مرسلا بلفظ PageV03P354 # فإذا قضى الصلاة قطع التكبير. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ~~مرفوعا: زينوا أعيادكم بالتكبير وإسناده غريب كما قال الحافظ. وقد روى ~~البيهقي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع صوته ~~بالتكبير والتهليل حال خروجه إلى العيد يوم الفطر حتى يأتي المصلى وقد ~~أخرجه أيضا الحاكم، قال البيهقي: وهو ضعيف. وأخرجه موقوفا على ابن عمر قال: ~~وهذا الموقوف صحيح. قال الناصر: إن تكبير الفطر واجب لقوله تعالى: * ~~(ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) * (البقرة: 185) والأكثر على ~~أنه سنة، وهو من خروج الامام من بيته للصلاة إلى ابتداء الخطبة عند الأكثر، ~~وسيأتي الكلام على تكبير التشريق. # باب استحباب الاكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى عن أنس رضي الله عنه ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ~~ويأكلهن وترا رواه أحمد والبخاري. وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم ~~الأضحى حتى يرجع رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد وزاد: # فيأكل من أضحيته. ولمالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب: أن الناس كانوا ~~يؤمرون بالاكل قبل الغدو يوم الفطر. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. والحديث الثاني أخرجه أبن ابن ~~حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان. (وفي الباب) عن علي ~~عند الترمذي وابن ماجة وقد تقدم. وعن ابن عباس عند الطبراني في الكبير ~~والدارقطني بلفظ: من السنة أن لا يخرج حتى يطعم ويخرج صدقة الفطر. وفي ~~إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مختلف فيه. وفي لفظ: من السنة أن يطعم قبل أن ~~يخرج رواه البزار، قال العراقي: وإسناده حسن. وفي لفظ: أن ابن عباس قال: إن ~~استطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفطر حتى يطعم فليفعل ms1383 رواه الطبراني. وعن ~~أبي سعيد عند أحمد والبزار وأبي يعلى والطبراني قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يفطر يوم الفطر قبل الخروج. قال العراقي: وإسناده جيد، ~~زاد الطبراني من وجه آخر: ويأمر PageV03P355 # الناس بذلك. وعن جابر بن سمرة عند البزار في مسنده قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم الفطر أكل قبل أن يخرج سبع تمرات وإذا كان ~~يوم الأضحى لم يطعم شيئا وفي إسناده ناصح أبو عبد الله وهو لين الحديث، وقد ~~ضعفه ابن معين والفلاس والبخاري وأبو داود وابن حبان. وعن سعيد بن المسيب ~~مرسلا عند مالك في الموطأ باللفظ الذي ذكره المصنف. وعن صفوان بن سليم ~~مرسلا عند الشافعي: أن الرجل كان يطعم قبل أن يخرج إلى الجبانة ويأمر به. ~~وعن السائب بن يزيد عند ابن أبي شيبة قال: مضت السنة أن نأكل قبل أن نغدو ~~يوم الفطر. # وعن رجل من الصحابة عند ابن أبي شيبة أنه كان يؤمر بالاكل يوم الفطر قبل ~~أن نأتي المصلى. وعن ابن عمر عند العقيلي وضعفه قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يغدي أصحابه من صدقة الفطر. ~~قوله: كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. لفظ ~~الإسماعيلي وابن حبان والحاكم: ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثا أو ~~خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا وهي أصرح في المداومة على ذلك. ~~قال المهلب: # الحكمة في الاكل قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، ~~فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم ~~استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله سبحانه، أشار إلى ذلك ابن ~~أبي حمزة. وقال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الاكل يوم الفطر ~~اختلافا كذا في الفتح. قال الحافظ: وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ~~التخيير فيه. وعن النخعي أيضا ms1384 مثله. # قال: والحكمة في استحباب التمر فيه لما في الحلو من تقوية البصر الذي ~~يضعفه الصوم، ولان الحلو مما يوافق الايمان، ويعبر به المنام، ويرق القلب، ~~وهو أسر من غيره، ومن ثم استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا ~~كالعسل، رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما. وقد أخرج ~~الترمذي عن سلمان: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد ~~فليفطر على ماء فإنه طهور. قوله: ويأكلهن وترا هذه الزيادة أوردها البخاري ~~تعليقا ووصلها أحمد بن حنبل وغيره. (والحكمة) في جعلهن وترا الإشارة إلى ~~الوحدانية، وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أموره تبركا ~~بذلك، كذا في الفتح. قوله: ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع PageV03P356 # في رواية للترمذي: ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي ورواه أبو بكر الأثرم ~~بلفظ: حتى يضحي وقد خصص أحمد بن حنبل استحباب تأخير الاكل في عيد الأضحى ~~بمن له ذبح. (والحكمة) في تأخير الفطر يوم الأضحى أنه يوم تشرع فيه الأضحية ~~والاكل منها، فشرع له أن يكون فطره على شئ منها، قاله ابن قدامة. قال الزين ~~بن المنير: وقع أكله صلى الله عليه وآله وسلم في كل من العيدين في الوقت ~~المشروع لاخراج صدقتهما الخاصة بهما بإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى ~~المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها. # باب مخالفة الطريق في العيد والتعييد في الجامع للعذر عن جابر رضي الله ~~عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق ~~رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه رواه أحمد ~~ومسلم والترمذي. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق ~~آخر رواه أبو داود وابن ماجة. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم، وقد ms1385 عزاه المصنف إلى مسلم، ~~ولم نجد له موافقا على ذلك، ولا رأينا الحديث في صحيح مسلم. وقد رجح ~~البخاري في صحيحه حديث جابر المذكور في الباب على حديث أبي هريرة وقال: إنا ~~أصح. وحديث ابن عمر رجال إسناده عند ابن ماجة ثقات، وكذلك عند أبي داود ~~رجاله رجال الصحيح، وفيه عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال. وقد أخرج له ~~مسلم، وقد رواه أيضا الحاكم. (وفي الباب) عن أبي رافع عند ابن ماجة وقد ~~تقدم في باب الخروج إلى العيد ماشيا. وعن سعد بن أبي وقاص عند البزار في ~~مسنده وقد تقدم أيضا هنالك. وعن بكر بن مبشر عند أبي داود قال: كنت أغدو مع ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفطر ويوم الأضحى فنسلك بطن ~~بطحان حتى نأتي المصلى، فنصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا. قال ابن السكن: وإسناده PageV03P357 # صالح. وعن سعد القرظ وقد تقدم في باب الخروج إلى العيد ماشيا أيضا. وعن ~~عبد الرحمن بن حاطب عن الطبراني في الكبير قال رأيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يأتي العيد يذهب في طريق ويرجع في آخر وفي إسناده خالد بن إلياس ~~وهو ضعيف. # وعن معاذ بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده عند الشافعي أنه رأى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رجع من المصلى في يوم عيد فسلك على النجارين من ~~أسفل السوق حتى إذا كان عند مسجد الأعرج الذي هو موضع البركة التي بالسوق ~~قام فاستقبل فج أسلم فدعا ثم انصرف. قال الشافعي: فأحب أن يصنع الامام مثل ~~هذا، وأن يقف في موضع فيدعو الله مستقبل القبلة. وفي إسنا الحديث إبراهيم ~~بن محمد بن أبي يحيى، وثقه الشافعي وضعفه الجمهور. (وأحاديث) الباب تدل على ~~استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق أخرى للامام ~~والمأموم، وبه قال أكثر أهل العلم كما في الفتح. (وقد اختلف) في الحكمة في ~~مخالفته صلى الله ms1386 عليه وآله وسلم الطريق في الذهاب والرجوع يوم العيد على ~~أقوال كثيرة. قال الحافظ: اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولا. قال القاضي ~~عبد الوهاب المالكي: ذكر في ذلك فوائد بعضها قريب وأكثرها دعاوى فارغة اه. ~~قال في الفتح: فمن ذلك أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: سكانهما من ~~الجن والإنس. وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروره أو في التبرك به، أو ~~لتشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها لأنه كان معروفا بذلك. وقيل: لان ~~طريقه إلى المصلى كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع إلى جهة الشمال فرجع ~~من غيرها، وهذا يحتاج إلى دليل. وقيل: لاظهار شعار الاسلام فيهما. وقيل: ~~لاظهار ذكر الله تعالى. # وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود. وقيل: ليرهبهم بكثرة من معه ورجحه ابن ~~بطال. وقيل: # حذرا من كيد الطائفتين، أو إحداهما، وفيه نظر لأنه لكان كذلك لم يكرره. ~~قال ابن التين: وتعقب أنه لا يلزم من مواظبته على مخالفة الطريق المواظبة ~~على طريق منها معين، لكن في رواية الشافعي من طريق المطلب ابن عبد الله بن ~~حنطب مرسلا: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من ~~الطريق الأعظم ويرجع من الطريق الآخر. وهذا لو ثبت لقوي بحث ابن التين. ~~وقيل: فعل ذلك ليعمهم بالسرور به، والتبرك بمروره ورؤيته والانتفاع به في ~~قضاء حوائجهم في الاستفتاء، أو التعليم أو الاقتداء أو الاسترشاد أو الصدقة ~~أو السلام عليهم أو غير ذلك، وقيل: ليزور أقاربه الاحياء والأموات. وقيل: ~~ليصل رحمه، PageV03P358 # وقيل: للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا. وقيل: كان في ذهابه ~~يتصدق، فإذا رجع لم يبق معه شئ فرجع من طريق آخر لئلا يرد من سأله، وهذا ~~ضعيف جدا مع احتياجه إلى الدليل. وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وهذا رجحه ~~الشيخ أبو حامد، وأيده المحب الطبري بما رواه البيهقي من حديث ابن عمر فقال ~~فيه: ليسع الناس، وتعقب بأنه ضعيف، وبأن قوله يسع الناس يحتمل أن يفسر ~~ببركته وفضله وهو الذي رجحه ms1387 ابن التين. وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها ~~أبعد من التي يرجع فيها، فأراد تكثير الاجر بتكثير الخطأ في الذهاب، وأما ~~في الرجوع فليسرع إلى منزله، وهذا اختيار الرافعي وتعقب بأنه يحتاج إلى ~~دليل، وبأن أجر الخطأ يكتب في الرجوع أيضا، كما ثبت في حديث أبي بن كعب عند ~~الترمذي وغيره فلو عكس ما قال لكان له اتجاه ويكون سلوك الطريق القريبة ~~للمبادرة إلى فعل الطاعة وإدراك الفضيلة أول الوقت. # وقيل: إن الملائكة تقف في الطرقات فأراد أن يشهد له فريقان منهم، وقال ~~ابن أبي حمزة: # هو في معنى قول يعقوب لبنيه: * (لا تدخلوا من باب واحد) * (يوسف: 67) ~~وأشار إلى أنه فعل ذلك حذر إصابة العين. وأشار صاحب الهدى إلى أنه فعل ذلك ~~لجميع ما ذكر من الأشياء المحتملة القريبة، انتهى كلام الفتح. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنهم أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العيد في المسجد رواه أبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال في التلخيص: # إسناده ضعيف انتهى، وفي إسناده رجل مجهول وهو عيسى بن عبد الأعلى بن أبي ~~فروة الفروي المدني، قال فيه الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف، وقال: هذا ~~حديث منكر، وقال ابن القطان: لا أعلم عيسى هذا مذكورا في شئ من كتب الرجال، ~~ولا في غير هذا الاسناد. # (الحديث) يدل على أن ترك الخروج إلى الجبانة وفعل الصلاة في المسجد عند ~~عروض عذر المطر غير مكروه، وقد اختلف هل الأفضل فعل صلاة العيد في المسجد ~~أو الجبانة؟ # فذهبت العترة ومالك إلى أن الخروج إلى الجبانة أفضل، واستدلوا على ذلك ~~بما ثبت من مواظبته صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج إلى الصحراء، وذهب ~~الشافعي والامام يحيى وغيرهما إلى أن المسجد أفضل. قال في الفتح: قال ~~الشافعي في الام: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج في ~~العيدين إلى المصلى بالمدينة، وهكذا من بعده ms1388 إلا من عذر مطر ونحوه، وكذا ~~عامة أهل البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار الشافعي PageV03P359 # إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة، قال: فلو عمر بلد وكان مسجد ~~أهله يسعهم في الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن لم يسعهم كرهت الصلاة فيه ~~ولا إعادة، قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة لا لذات ~~الخروج إلى الصحراء، لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد ~~مع أولويته كان أولى انتهى. وفيه أن كون العلة الضيق، والسعة مجرد تخمين لا ~~ينتهض للاعتذار عن التأسي به صلى الله عليه وآله وسلم في الخروج إلى ~~الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. وأما ~~الاستدلال على أن ذلك هو العلة بفعل الصلاة في مسجد مكة فيجاب عنه باحتمال ~~أن يكون ترك الخروج إلى الجبانة لضيق أطراف مكة لا للسعة في مسجدها. # باب وقت صلاة العيد عن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه خرج مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الامام وقال: ~~إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح رواه أبو داود وابن ماجة. ~~وللشافعي في حديث مرسل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى عمرو بن ~~حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى، وأخر الفطر، وذكر الناس. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري، ورجال إسناده عن أبي داود ثقات. ~~والحديث الثاني رواه الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث وهو ~~كما قال المصنف: مرسل، وإبراهيم بن محمد ضعيف عند الجمهور كما تقدم. وقال ~~البيهقي: لم أر له أصلا في حديث عمرو بن حزم. (وفي الباب) عن جندب عند أحمد ~~بن حسن البناء في كتاب الأضاحي قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رمح أورده ~~الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه. قوله: حين التسبيح قال ابن رسلان: ms1389 يشبه ~~أن يكون شاهدا على جواز حذف اسمين مضافين، والتقدير وذلك حين وقت صلاة ~~التسبيح كقوله تعالى: * (فإنها من تقوى القلوب) * (الحج: 32) أي فإن ~~تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب. وقوله PageV03P360 # (فقبضت قبضة من أثر الرسول) * (سورة طه: 96) أي من أثر حافر فرس الرسول. ~~وقوله: حين التسبيح يعني ذلك الحين حين وقت صلاة العيد، فدل ذلك على أن ~~صلاة العيد سبحة ذلك اليوم انتهى. وحديث عبد الله بن بسر يدل على مشروعية ~~التعجيل لصلاة العيد وكراهة تأخيرها تأخيرا زائدا على الميعاد. وحديث عمرو ~~بن حزم يدل على مشروعية تعجيل الأضحى وتأخير الفطر، ولعل الحكمة في ذلك ما ~~تقدم من استحباب الامساك في صلاة الأضحى حتى يرفع من الصلاة، فإنه ربما كان ~~ترك التعجيل لصلاة الأضحى مما يتأذى به منتظر الصلاة لذلك، وأيضا فإنه يعود ~~إلى الاشتغال بالذبح لأضحيته، بخلاف عيد الفطر فإنه لا إمساك ولا ذبيحة. ~~وأحسن ما ورد من الأحاديث في تعيين وقت صلاة العيدين حديث جندب المتقدم. ~~قال في البحر: وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال ولا أعرف فيه خلافا ~~انتهى. # باب صلاة العيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة وما يقرأ فيها عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر ~~يصلون العيدين قبل الخطبة رواه الجماعة إلا أبا داود. # وفي الباب عن جابر عند البخاري ومسلم وأبي داود قال: خرج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم الفطر فصلى قبل الخطبة. وعن ابن عباس عند الجماعة إلا ~~الترمذي قال: شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر ~~وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة. وفي لفظ: أشهد على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لصلى قبل الخطبة. وعن أنس عند البخاري ومسلم: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى يوم النحر ثم خطب. وعن البراء عند ~~البخاري ومسلم وأبي داود قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~الأضحى ms1390 بعد الصلاة وعن جندب عند البخاري ومسلم قال: صلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم النحر ثم خطب ثم ذبح. وعن أبي سعيد عند البخاري ومسلم ~~والنسائي وابن ماجة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أضحى ~~أو فطر إلى المصلى فصلى ثم انصرف فقام فوعظ الناس الحديث. وعن عبد الله بن ~~السائب عند أبي داود والنسائي وابن ماجة قال: شهدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم العيد فلما قضى الصلاة PageV03P361 # قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب. # قال أبو داود: وهو مرسل. وقال النسائي: هذا خطأ والصواب مرسل. وعن عبد ~~الله بن الزبير عند أحمد أنه قال: حين صلى قبل الخطبة ثم قام يخطب أيها ~~الناس كل سنة الله وسنة رسوله. قال العراقي: وإسناده جيد. (وأحاديث) الباب ~~تدل على أن المشروع في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة، قال القاضي ~~عياض: هذا هو المتفق عليه بين علماء الأمصار وأئمة الفتوى، ولا خلا ف بين ~~أئمتهم فيه وهو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين من ~~بعده، إلا ما روي أن عمر في شطر خلافته الآخر قدم الخطبة لأنه رأى من الناس ~~من تفوته الصلاة وليس بصحيح، ثم قال: وقد فعله ابن الزبير في آخر أيامه. ~~وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين إلا عن بني أمية. قال: وعن ~~ابن عبا س وابن الزبير أنهما فعلاه ولم يصح عنهما. قال: ولا يعتد بخلاف بني ~~أمية لأنه مسبوق بالاجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الصحيحة. وقد أنكر عليهم فعلهم وعد بدعة ومخالفا للسنة. وقال ~~العراقي: أن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافة، وقال: إن ما روي عن ~~عمر وعثمان وابن الزبير لم يصح عنهم، أما رواية ذلك عن عمر فرواها ابن أبي ~~شيبة أنه لما كان عمر وكثر الناس في زمانه فكان إذا ذهب ليخطب ذهب أكثر ms1391 ~~الناس، فلما رأى ذلك بدأ بالخطبة وختم بالصلاة، قال: وهذا الأثر وإن كان ~~رجاله ثقات فهو شاذ مخالف لما ثبت في الصحيحين عن عمر من رواية ابنه عبد ~~الله وابن عباس وروايتهما عنه أولى، قال: وأما رواية ذلك عن عثمان فلم أجد ~~لها إسنادا. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال إن أول من قدمها عثمان ~~وهو كذب لا يلتفتون إليه انتهى. ويرده ما ثبت في الصحيحين من رواية ابن ~~عباس عن عثمان كما تقدم. وقال الحافظ في الفتح: إنه روى ابن المنذر ذلك عن ~~عثمان بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، قال: أول من خطب الناس قبل الصلاة ~~عثمان، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا، وقال بعد أن ساق ~~الرواية المتقدمة عن عمر وعزاها إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وصحح ~~إسنادها: إنه يحمل على أن ذلك وقع منه نادرا. قال العراقي: وأما فعل ابن ~~الزبير فرواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإنما فعل ذلك لأمر وقع بينه وبين ~~ابن عباس، ولعل ابن الزبير كان يرى ذلك جائزا، وقد تقدم عن ابن الزبير أنه ~~صلى قبل الخطبة، وثبت في صحيح مسلم عن عطاء أن ابن PageV03P362 # عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم ~~الفطر فلا تؤذن لها، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه، وأرسل إليه مع ذلك ~~إنما الخطبة بعد الصلاة، وإن ذلك قد كان يفعل، قال: فصلى ابن الزبير قبل ~~الخطبة. قال الترمذي: ويقال إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم ~~انتهى. وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد قال: أول ~~من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. وقيل: أول من فعل ذلك معاوية، ~~حكاه القاضي عياض وأخرجه الشافعي عن ابن عباس بلفظ: حتى قدم معاوية فقدم ~~الخطبة. ورواه عبد الرزاق عن الزهري بلفظ: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة ~~في العيد معاوية. وقيل: أول من فعل ذلك زياد ms1392 بالبصرة في خلافة معاوية، حكاه ~~القاضي عياض أيضا. وروى ابن المنذر عن ابن سيرين أن أول من فعل ذلك زياد ~~بالبصرة قال: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان، لأن كلا من مروان ~~وزياد كان عاملا لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله. قال ~~العراقي: الصواب أن أول من فعله مروان بالمدينة في خلافة معاوية، كما ثبت ~~ذلك في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: ولم يصح فعله عن أحد من الصحابة، ~~لا عمر ولا عثمان ولا معاوية ولا ابن الزبير انتهى. وقد عرفت صحة بعض ذلك ~~فالمصير إلى الجمع أولى. وقد اختلف في صحة صلاة العيدين مع تقدم الخطبة، ~~ففي مختصر المزني عن الشافعي ما يدل على عدم الاعتداد بها. وكذا قال النووي ~~في شرح المهذب إن ظاهر نص الشافعي أنه لا يعتد بها قال: وهو الصواب. # وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود والترمذي. وعن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم قالا: لم يكن يؤذن يوم ~~الفطر ولا يوم الأضحى متفق عليه. ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا ~~أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعدما يخرج، ولا إقامة ولا نداء ~~ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا إقامة. # وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص عند البزار في مسنده: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائما ~~يفصل بينهما بجلسة. وعن البراء بن عازب عند الطبراني في الأوسط: أن رسول ~~الله صلى الله PageV03P363 # عليه وآله وسلم صلى في يوم الأضحى بغير أذان ولا إقامة. وعن أبي رافع عند ~~الطبراني في الكبير: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج إلى العيد ~~ماشيا بغير أذان ولا إقامة وفي إسناده مندل، وفيه مقال قد تقدم. (وأحاديث ~~الباب) تدل على عدم شرعية الأذان والإقامة ms1393 في صلاة العيدين. قال العراقي: ~~وعليه عمل العلماء كافة. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافا ~~ممن يعتبر خلافه، إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام، قال وقيل: إن ~~أول من أذن في العيدين زياد انتهى. وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد ~~صحيح عن ابن المسيب قال: أول من أحدث الاذان في العيد معاوية، وقد زعم ابن ~~العربي أنه رواه عن معاوية من لا يوثق به. قوله: لا إقامة ولا نداء ولا شئ ~~فيه أنه لا يقال أمام صلاة العيد شئ من الكلام، لكن روى الشافعي عن الزهري ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر المؤذن في العيدين فيقول: ~~الصلاة جامعة، قال في الفتح: وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ~~ذلك فيها انتهى. وأخرج هذا الحديث البيهقي من طريق الشافعي. # وعن سمرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في ~~العيدين ب‍ * (سبح اسم ربك الأعلى) * (الأعلى: 1) و * (هل أتاك حديث ~~الغاشية) * (الغاشية: 1) رواه أحمد. ولابن ماجة من حديث ابن عباس، وحديث ~~النعمان بن بشير مثله، وقد سبق حديث النعمان لغيره في الجمعة. وعن أبي واقد ~~الليثي: وسأله عمر ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب * (ق والقرآن المجيد) * (ق: 1) و * ~~(اقتربت الساعة) * (القمر: 1) رواه الجماعة إلا البخاري. # حديث سمرة أخرجه أيضا ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير. # والحديث عند أبي داود والنسائي إلا أنهما قالا: الجمعة بدل العيد. وحديث ~~ابن عباس الذي أشار إليه المصنف لفظه كلفظ حديث سمرة وفي إسناده موسى بن ~~عبيدة الربذي وهو ضعيف. ولابن عباس حديث آخر عند البزار في مسنده أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في العيدين ب * (عم يتساءلون) * (النبأ: ~~1) و ب * (والشمس وضحاها) * (الشمس: 1). وفي إسناده أيوب بن سيار، قال فيه ~~ابن معين: ليس بشئ، وقال ابن المديني ms1394 والجوزجاني: # ليس بثقة. وقال النسائي: متروك. ولابن عباس أيضا حديث ثالث عند أحمد قال: ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العيدين ركعتين لا يقرأ فيهما إلا ~~بأم الكتاب لم يزد PageV03P364 # عليها شيئا. وفي إسناده شهر بن حوشب وهو مختلف فيه. وحديث النعمان الذي ~~أشار إليه المصنف أيضا في باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، وقد تقدم حديث ~~النعمان هذا لسمرة ابن جندب في الجمعة في الباب المذكور بدون ذكر العيدين. ~~وحديث أبي واقد أخرجه من ذكرهم المصنف. (وفي الباب) عن أنس عند ابن أبي ~~شيبة في المصنف عن مولى لأنس قد سماه قال: انتهيت مع أنس يوم العيد حتى ~~انتهينا إلى الزاوية، فإذا مولى له يقرأ في العيد بسبح اسم ربك الأعلى) * و ~~* (هل أتاك حديث الغاشية) * فقال أنس: إنهما للسورتان اللتان قرأ بهما رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعن عائشة عند الطبراني في الكبير ~~والدارقطني: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالناس يوم الفطر والأضحى فكبر ~~في الركعة الأولى سبعا وقرأ: * (ق والقرآن المجيد) * وفي الثانية خمسا ~~وقرأ: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال ~~مشهور. وأكثر أحاديث الباب تدل على استحباب القراءة في العيدين: ب * (سبح ~~اسم ربك الأعلى) * و * (الغاشية) * وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، وذهب ~~الشافعي إلى استحباب القراءة فيهما ب * (ق) * و * (اقتربت) * لحديث أبي ~~واقد، واستحب ابن مسعود القراءة فيهما بأوساط المفصل من غير تقييد بسورتين ~~معينتين. # وقال أبو حنيفة والهادوية: ليس فيه شئ مؤقت. وروي ابن أبي شيبة أن أبا ~~بكر قرأ في يوم عيد بالبقرة حتى رأيت الشيخ يمتد من طول القيام. وقد جمع ~~النووي بين الأحاديث فقال: كان في وقت يقرأ في العيدين ب * (ق) * و * ~~(اقتربت) * وفي وقت ب * (سبح) * و * (هل أتاك) * وقد سبقه إلى مثل ذلك ~~الشافعي. (ووجه الحكمة) في القراءة في العيدين بالسور المذكور أن في سورة * ~~(سبح) * الحث على الصلاة وزكاة الفطر على ما قال ms1395 سعيد بن المسيب وعمر بن ~~عبد العزيز في تفسير قوله تعالى * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * ~~(الأعلى: 14) فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها. وأما الغاشية ~~فللموالاة بين سبح وبينها، كما بين الجمعة والمنافقين. وأما سورة * (ق) * و ~~* (اقتربت) * فنقل النووي في شرح مسلم عن العلماء أن ذلك لما اشتملتا عليه ~~من الاخبار بالبعث، والاخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه ~~بروز الناس في العيد ببروزهم في البعث، وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد ~~منتشر. وقد استشكل بعضهم سؤال عمر لأبي واقد الليثي عن قراءة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في العيد، مع ملازمة عمر لأبي واقد الليثي عن قراءة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العيد، مع ملازمة عمر له في الأعياد ~~وغيرها. قال النووي: قالوا يحتمل أن عمر شك في ذلك فاستثبته أو أراد إعلام ~~الناس بذلك أو نحو ذلك. قال العراقي PageV03P365 # : ويحتمل أن عمر كان غائبا في بعض الأعياد عن شهوده، وأن ذلك الذي شهده ~~أبو واقد كان في عيد واحد أو أكثر، قال: ولا عجب أن يخفى على الصاحب ~~الملازم بعض ما وقع من مصحوبه كما في قصة الاستئذان ثلاثا. وقول عمر: خفي ~~علي هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألهاني الصفق بالأسواق، ~~انتهى. # باب عدد التكبيرات في صلاة العيد ومحلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة: سبعا في ~~الأولى، وخمسا في الآخرة، ولم يصل قبلها وبعدها. رواه أحمد وابن ماجة. وقال ~~أحمد: أنا أذهب إلى هذا. وفي رواية قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما ~~كلتيهما رواه أبو داود والدارقطني. وعن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل ~~القراءة، وفي الثانية خمسا قبل القراءة رواه الترمذي وقال: هو ms1396 أحسن شئ في ~~هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورواه ابن ماجة ولم يذكر ~~القراءة، لكنه رواه وفيه القراءة، كما سبق من حديث سعد المؤذن. # حديث عمرو بن شعيب قال العراقي: إسناده صالح، ونقل الترمذي في العلل ~~المفردة عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح. وحديث عمرو بن عوف أخرجه أيضا ~~الدارقطني وابن عدي والبيهقي، وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ~~عن أبيه عن جده، قال الشافعي وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب. وقال ابن ~~حبان: له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده، وقد تقدم الكلام عليه. قال الحافظ في ~~التلخيص: وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي، وأجاب النووي في الخلاصة عن ~~الترمذي في تحسينه فقال: لعله اعتضد بشواهد وغيرها انتهى. قال العراقي ~~والترمذي: إنما تبع فذلك البخاري، فقد قال في كتاب العلل المفردة: سألت ~~محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب شئ أصح منه، وبه ~~أقول انتهى. وحديث سعد المؤذن وهو سعد القرظ، أخرجه ابن ماجة، عن هشام بن ~~عمار، عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول PageV03P366 # الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يكبر في العيدين، في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي ~~الآخرة خمسا قبل القراءة قال العراقي: وفي إسناده ضعف. (وفي الباب) عن أبي ~~موسى الأشعري وحذيفة عند أبي داود أن سعيد بن العاص سألهما كيف كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان ~~يكبر أربعا تكبيره على الجنازة، فقال حذيفة: صدق، قال البيهقي: خولف راويه ~~في موضعين في رفعه وفي جواب أبي موسى، والمشهور أنهم أسندوه إلى ابن مسعود ~~فأفتاهم بذلك، ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعن عبد ~~الرحمن بن عوف عند البزار في مسنده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم تخرج له ms1397 العنزة في العيدين حتى يصلي إليها، فكان يكبر ثلاث عشرة ~~تكبيرة، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك وفي إسناده الحسن البجلي وهو لين ~~الحديث. وقد صحح الدارقطني إرسال هذا لحديث. وعن ابن عباس عند الطبراني في ~~الكبير: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكبر في العيدين ثنتي ~~عشرة تكبيرة، في الأولى سبعا، وفي الآخرة خمسا. وفي إسناده سليمان بن أرقم ~~وهو ضعيف. وعن جابر عند البيهقي قال: مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين ~~سبعا وخمسا. وعن ابن عمر عند البزار والدارقطني قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات، ~~وفي الآخرة خمس تكبيرات. وفي إسناده فرج بن فضالة، وثقه أحمد، وقال البخاري ~~ومسلم: منكر الحديث. وعن عائشة عند أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية ~~خمس تكبيرات وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. وذكر الترمذي في كتاب العلل أن ~~البخاري ضعف هذا الحديث، وزاد ابن وهب في هذا الحديث: سوى تكبيرتي الركوع. # وزاد إسحاق: سوى تكبيرة الافتتاح ورواه الدارقطني أيضا. (وقد اختلف) ~~العلماء في عدد التكبيرات في صلاة العيد في الركعتين، وفي موضع التكبير على ~~عشرة أقوال: # أحدها أنه يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا قبل ~~القراءة. قال العراقي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ~~والأئمة، قال: وهو مروي عن PageV03P367 # عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد ~~بن ثابت وعائشة، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وعمر بن عبد ~~العزيز والزهري ومكحول، وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، ~~قال الشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبو طالب وأبو العباس: أن السبع في الأولى ~~بعد تكبيرة الاحرام. # القول الثاني: أن تكبيرة الاحرام معدودة من السبع في الأولى وهو قول مالك ~~وأحمد والمزني وهو قول المنتخب. القول الثالث: إن التكبير في الأولى سبع، ~~وفي ms1398 الثانية سبع، روي ذلك عن أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن عباس وسعيد ~~بن المسيب والنخعي. # القول الرابع في الأولى ثلاثة بعد تكبيرة الاحرام قبل القراءة، وفي ~~الثانية ثلاث بعد القراءة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة ابن مسعود وأبي ~~موسى وأبي مسعود الأنصاري، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. والقول الخامس: يكبر ~~في الأولى ستا بعد تكبيرة الاحرام وقبل القراءة، وفي الثانية خمسا بعد ~~القراءة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، ورواه صاحب البحر عن مالك. ~~القول السادس: يكبر في الأولى أربعا غير تكبيرة الاحرام، وفي الثانية أربعا ~~وهو قول محمد بن سيرين، وروي عن الحسن ومسروق والأسود والشعبي وأبي قلابة، ~~وحكاه صاحب البحر عن ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن العاص. القول السابع: # كالقول الأول إلا أنه يقرأ في الأولى بعد التكبير، ويكبر في الثانية بعد ~~القراءة، حكاه في البحر عن القاسم والناصر. القول الثامن: التفرقة بين عيد ~~الفطر والأضحى، يكبر في الفطر إحدى عشرة، ستا في الأولى، وخمسا في الثانية. ~~وفي الأضحى ثلاثا في الأولى، وثنتين في الثانية، وهو مروي عن علي بن أبي ~~طالب كما في مصنف ابن أبي شيبة، ولكنه من رواية الحرث الأعور عنه. القول ~~التاسع: التفرقة بينهما على وجه آخر، وهو أن يكبر في الفطر إحدى عشرة ~~تكبيرة، وفي الأضحى تسعا، وهو مروي عن يحيى بن يعمر. القول العاشر كالقول ~~الأولى، إلا أن محل التكبير بعد القراءة، وإليه ذهب الهادي والمؤيد بالله ~~وأبو طالب. (احتج أهل القول الأول) بما في الباب من الأحاديث المصرحة بعدد ~~التكبير وكونه قبل القراءة. قال ابن عبد البر: وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من طريق حسان أنه كبر في العيدين سبعا في الأولى وخمسا في ~~الثانية، من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو ~~بن عوف المزني، ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أولى ما عمل ~~به انتهى. وقد تقدم في حديث عائشة عند الدارقطني ms1399 سوى PageV03P368 # تكبيرة الافتتاح، وعند أبي داود سوى تكبيرتي الركوع، وهو دليل لمن قال: ~~إن السبع لا تعد فيها تكبيرة الافتتاح والركوع، والخمس لا تعد فيها تكبيرة ~~الركوع. (واحتج أهل) القول الثاني بإطلاق الأحاديث المذكورة في الباب، ~~وأجابوا عن حديث عائشة بأنه ضعيف كما تقدم وأما أهل القول الثالث فلم أقف ~~لهم على حجة. قال العراقي: لعلهم أرادوا بتكبيرة القيام من الركعة الأولى ~~وتكبيرة الركوع في الثانية وفيه بعد انتهى. # (واحتج أهل القول الرابع) بحديث أبي موسى وحذيفة المتقدم، وفتيا ابن عباس ~~السابقة، قالوا: لأن الأربع المذكورة في الحديث جعلت تكبيرة الاحرام منها، ~~وهذا التأويل لا يجري في الثانية، وقد تقدم ما في حديث أبي موسى، وصرح ~~الخطابي بأنه ضعيف، ولم يبين وجه الضعف، وضعفه البيهقي في المعرفة بعبد ~~الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد ضعف ثابتا يحيى بن معين، وضعفه غير واحد بأن ~~راويه عن أبي موسى هو أبو عائشة ولا يعرف ولا نعرف اسمه. ورواه البيهقي من ~~رواية مكحول عن رسول أبي موسى وحذيفة عنهما، قال البيهقي: هذا الرسول ~~مجهول، ولم يحتج أهل القول الخامس بما يصلح للاحتجاج. (واحتج أهل القول) ~~السادس بحديث أبي موسى وحذيفة المتقدم، وقد تقدم ما فيه. (واحتج أهل القول) ~~السابع بما روي عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى بين ~~القراءتين في صلاة العيد ذكر هذا الحديث في الانتصار ولم أجده في شئ من كتب ~~الحديث. (واحتج أهل) القول الثامن على التفرقة بين عيد الفطر والأضحى بما ~~تقدم من رواية ذلك عن علي وهو مع كونه غير مرفوع في إسناده الحرث الأعور ~~وهو ممن لا يحتج به. وأما القول التاسع فلم يأت القائل به بحجة. # (واحتج أهل القول) العاشر بما ذكره في البحر من أن ذلك ثابت في رواية ~~لابن عمر، وثابت من فعل علي عليه السلام، ولا أدري ما هذه الرواية التي عن ~~ابن عمر. وقد ذكر في الانتصار الدليل على هذا القول فقال: والحجة على هذا ~~ما روى ms1400 عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كبر ~~سبعا في الأولى وخمسا في الثانية القراءة قبلهما كلاهما، وهو عكس الرواية ~~التي ذكرها المصنف عنه وذكرها غيره، فينظر هل وافق صاحب الانتصار على ذلك ~~أحد من أهل هذا الشأن، فإني لم أقف على شئ من ذلك، مع أن الثابت في أصل ~~الانتصار لفظ بعدهما مكان قبلهما PageV03P369 # ، ولكنه وقع التضبيب على الأصل في حاشية بلفظ قبلهما فلا مخالفة حينئذ. ~~(وأرجح هذه الأقوال) أولها في عدد التكبير وفي محل القراءة. وقد وقع الخلاف ~~هل المشروع الموالاة بين تكبيرات صلاة العيد أو الفصل بينهما بشئ من ~~التحميد والتسبيح ونحو ذلك؟ فذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي إلى أنه يوالي ~~بينها كالتسبيح في الركوع والسجود قالوا: لأنه لو كان بينها ذكر مشروع لنقل ~~كما نقل التكبير. وقال الشافعي: إنه يقف بين كل تكبيرتين يهلل ويمجد ويكبر، ~~واختلف أصحابه فيما يقوله بين التكبيرتين فقال الأكثرون يقول: سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. # وقال بعضهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شئ قدير. وقيل: غير ذلك. وقال الهادي وبعض أصحاب الشافعي: إنه يفصل ~~بينها يقول: # الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. وقال الناصر ~~والمؤيد بالله والامام يحيى: إنه يقول: لا إله إلا الله إلى آخر الدعاء ~~الطويل الذي رواه الأمير الحسين، قال في الشفاء عن علي عليه السلام: وروي ~~في البحر عن مالك أنه يفصل بالسكوت. # وقد اختلف في حكم تكبير العيدين فقالت الهادوية: إنه فرض، وذهب من عداهم ~~إلى أنه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. قال ابن قدامة: ولا أعلم ~~فيه خلافا، قالوا: # وإن تركه لا يسجد للسهو. وروي عن أبي حنيفة ومالك أنه يسجد للسهو، ~~والظاهر عدم وجوب التكبير كما ذهب إليه الجمهور لعدم وجدان دليل يدل عليه. # باب لا صلاة قبل العيد ولا بعدها عن ابن عباس رضي الله ms1401 عنهما قال: خرج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا ~~بعدهما رواه الجماعة وزادوا: إلا الترمذي وابن ماجة: ثم أتى النسائي وبلال ~~معهن فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تصدق بخرصها وسخابها. وعن ابن عمر رضي ~~الله عنه: أنه خرج يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فعله رواه أحمد والترمذي وصححه. # وللبخاري عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد. وعن أبي سعيد رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان لا يصلي قبل العيد شيئا، ~~فإذا رجع PageV03P370 # إلى منزله صلى ركعتين رواه ابن ماجة وأحمد بمعناه. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا الحاكم وهو صحيح كما قال الترمذي، وله طريق أخرى ~~عند الطبراني في الأوسط وفيها جابر الجعفي وهو متروك. وحديث أبي سعيد أخرجه ~~أيضا الحاكم وصححه وحسنه الحافظ في الفتح، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن ~~عقيل وفيه مقال. (وفي الباب) عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجة ~~بنحو حديث ابن عباس. وعن علي عند البزار من طريق الوليد بن سريع مولى عمرو ~~بن حريث قال: خرجنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في يوم عيد فسأله قوم ~~من أصحابه عن الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها فلم يرد عليهم شيئا. ثم جاء قوم ~~فسألوه فما رد عليهم شيئا، فلما انتهينا إلى الصلاة فصلى بالناس فكبر سبعا ~~وخمسا، ثم خطب الناس ثم نزل فركب فقالوا: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم ~~يصلون، قال: فما عسيت أن أصنع؟ سألتموني عن السنة أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها فمن شاء فعل ومن شاء ترك، أتروني أمنع ~~قوما يصلون فأكون بمنزلة من منع عبدا إذا صلى. قال العراقي: وفي إسناده ~~إبراهيم بن محمد بن النعمان الجعفي لم أقف على حاله وباقي رجاله ثقات. وعن ~~ابن مسعود عند الطبراني في الكبير قال: ليس من السنة الصلاة ms1402 قبل خروج ~~الامام يوم العيد ورجاله ثقات. وعن كعب بن عجرة عند الطبراني في الكبير ~~أيضا من طريق عبد الملك بن كعب بن عجرة قال: خرجت مع كعب بن عجرة يوم العيد ~~إلى المصلى فجلس قبل أن يأتي الامام ولم يصل حتى انصرف الامام والناس ~~ذاهبون كأنهم عنق نحو المسجد، فقلت: ألا ترى؟ فقال: هذه بدعة وترك للسنة. ~~وفي رواية له: أن كثيرا مما يرى جفاء وقلة علم أن هاتين الركعتين سبحة هذا ~~اليوم حتى تكون الصلاة تدعوك وإسناده جيد كما قال العراقي. وعن ابن أبي ~~أوفى عند الطبراني في الكبير أيضا أنه أخبر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يصل قبل العيد ولا بعدها وفي إسناده قائد أبي الورقاء وهو ~~متروك. قوله: لم يصل قبلها ولا بعدها. فيه وفي بقية أحاديث الباب دليل على ~~كراهة الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل قال ابن ~~قدامة: وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، قال: وروي ذلك عن علي وابن مسعود ~~وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى. وقال به شريح وعبد ~~الله بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج والشعبي ومالك ~~PageV03P371 # وروي عن مالك أنه قال: لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها، وله في ~~المسجد روايتان. # وقال الزهري: لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر أن أحدا من سلف هذه الأمة كان ~~يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها. قال ابن قدامة: وهو إجماع كما ذكرنا عن ~~الزهري وعن غيره انتهى. ويرد دعوى الاجماع ما حكاه الترمذي عن طائفة من أهل ~~العلم من الصحابة وغيرهم أنهم رأوا جواز الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، ~~وروى ذلك العراقي عن أنس بن مالك، وبريدة بن الحصيب، ورافع ابن خديج، وسهل ~~بن سعد، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي بزرة، قال: وبه قال من ~~التابعين: إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والأسود بن يزيد، وجابر بن زيد، ~~والحسن البصري، وأخوه سعيد بن أبي ms1403 الحسن، وسعيد بن المسيب، وصفوان بن محرز، ~~وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير، وعلقمة، والقاسم بن محمد، ومحمد ~~بن سيرين، ومكحول، وأبو بردة، ثم ذكر من روى ذلك عن الصحابة المذكورين من ~~أئمة الحديث قال: وأما أقوال التابعين فرواها ابن أبي شيبة وبعضها في ~~المعرفة للبيهقي انتهى. ومما يدل على فساد دعوى ذلك الاجماع ما رواه ابن ~~المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون ~~قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها. قال في الفتح: وبالأول قال ~~الأوزاعي والثوري والحنفية، وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة، وبالثالث ~~قال الزهري وابن جريج وأحمد، وأما مالك فمنعه في المصلى، وعنه في المسجد ~~روايتان انتهى. وحمل الشافعي أحاديث الباب على الإمام قال: فلا يتنفل قبلها ~~ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، نقل ذلك عنه البيهقي في المعرفة ~~وهو نصه في الام. وقال النووي في شرح مسلم: قال الشافعي وجماعة من السلف: ~~لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها، قال الحافظ: إن حمل كلامه على المأموم ~~وإلا فهو مخالف لنص الشافعي. وقد أجاب القائلون بعدم كراهة الصلاة قبل صلاة ~~العيد وبعدها عن أحاديث الباب بأجوبة منها جواب الشافعي المتقدم. ومنها ما ~~قاله العراقي في شرح الترمذي من أنه ليس فيها نهي عن الصلاة في هذه ~~الأوقات، ولكن لما كان صلى الله عليه وآله وسلم يتأخر مجيئه إلى الوقت الذي ~~يصلي بهم فيه ويرجع عقب الخطبة روى عنه من روى من أصحابه أنه كان لا يصلي ~~قبلها ولا بعدها، ولا يلزم من تركه لذلك لاشتغاله بما هو مشروع في حقه من ~~التأخر إلى وقت الصلاة أن غيره لا يشرع ذلك له ولا يستحب، فقد روى عنه غير ~~واحد من الصحابة أنه صلى الله PageV03P372 # عليه وآله وسلم لم يكن يصلي الضحى وصح ذلك عنهم، وكذلك لم ينقل عنه أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم صلى سند الجمعة قبلها لأنه إنما كان يؤذن للجمعة ~~بين يديه وهو على المنبر. ms1404 قال البيهقي يوم العيد كسائر الأيام، والصلاة ~~مباحة إذا ارتفعت الشمس حيث كان المصلى، ويدل على عدم الكراهة حديث أبي ذر ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر ~~ومن شاء استقل رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في صحيحه. قال الحافظ في ~~الفتح: والحاصل أن صلاة العيد لم تثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافا لمن ~~قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص، إلا إن كان ~~ذلك في وقت الكراهة في جميع الأيام انتهى. وكذا قال العراقي في شرح ~~الترمذي، وهو كلام صحيح جار على مقتضى الأدلة، فليس في الباب ما يدل على ~~منع مطلق النفل، ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية إذا أقيمت صلاة ~~العيد في المسجد، وقد قدمنا الإشارة إلى مثل هذا في باب تحية المسجد، نعم ~~في التلخيص ما لفظه: وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: لا صلاة ~~يوم العيد قبلها ولا بعدها فإن صح هذا كان دليلا على المنع مطلقا لأنه نفى ~~في قوة النهي، وقد سكت عليه الحافظ فينظر فيه. قوله: فجعلت المرأة المراد ~~بالمرأة جنس النساء. قوله: تصدق بخرصها هو الحلقة الصغيرة من الحلي. وفي ~~القاموس: # الخرص بالضم ويكسر حلقة الذهب والفضة، أو حلقة القرط، أو الحلقة الصغيرة ~~من الحلي انتهى. قوله: وسخابها بسين مهملة مكسورة بعدها خاء معجمة وهو خيط ~~تنظم فيه الخرزات. وفي القاموس: أن السخاب ككتاب قلادة من سك وقرنفل ومحلب ~~بلا جوهر انتهى. ولهذا الحديث ألفاظ مختلفة، وفيه استحباب وعظ النساء ~~وتعليمهن أحكام الاسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، واستحباب حثهن على الصدقة ~~وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد. # باب خطبة العيد وأحكامها عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شئ يبدأ به ~~الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل PageV03P373 # الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن ms1405 ~~يقطع بعثا أو يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف متفق عليه. # قوله: إلى المصلى هو موضع بالمدينة معروف قال في الفتح: بينه وبين باب ~~المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي غسان الكتاني ~~صاحب مالك. # قوله: وأول شئ يبدأ به الصلاة فيه أن السنة تقديم الصلاة على الخطبة، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك مبسوطا. قوله: ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس في رواية ~~ابن حبان: فينصرف إلى الناس قائما في مصلاه ولابن خزيمة في رواية مختصرة: ~~خطب يوم عيد على رجليه. قوله: فيعظهم ويوصيهم فيه استحبا ب الوعظ والتوصية ~~في خطبة العيد. قوله: وإن كان يريد أن يقطع بعثا أي يخرج طائفة من الجيش ~~إلى جهة من الجهات. وهذا الحديث يدل على أنه لم يكن في المصلى فزمانه صلى ~~الله عليه وآله وسلم منبر، ويدل على ذلك ما عند البخاري وغيره في هذا ~~الحديث أن أبا سعيد قال: فلم تزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير ~~المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذ منبر بناه كثير بن الصلت ~~الحديث. # وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد فبدأ ~~بالخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة، أخرجت المنبر في ~~يوم عيد ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد: أما ~~هذا فقد أدى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من رأى ~~منكرا فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الايمان رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. # قوله: أخرج مروان المنبر الخ، هذا يؤيد ما مر من أن مروان أول من فعل ذلك ~~ووقع في المدونة لمالك. ورواه عمر بن شبة عن أبي غسان عنه. قال: أول من خطب ~~الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان قال الحافظ: يحتمل أن يكون عثمان ~~فعل ذلك مرة ثم ms1406 تركه حتى أعاده مروان. قوله: فبدأ بالخطبة قبل الصلاة قد ~~قدمنا الكلام على هذا في باب صلاة العيد قبل الخطبة. وقد اعتذر مروان عن ~~فعله لما قال له أبو سعيد: غيرتم والله كما في البخاري بقوله: إن الناس لم ~~يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبلها. قال في الفتح، وهذا يشعر بأن ~~مروان فعل ذلك باجتهاد منه. وقال في موضع PageV03P374 # آخر: لكن قيل إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع الخطبة لما فيها ~~من سب من لا يستحق السب، والافراد في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى ~~مصلحة نفسه. # قوله: فقام رجل في المهمات أنه عمارة بن رؤيبة. وقال في الفتح: يحتمل أن ~~يكون هو أبا مسعود كما في رواية عبد الرزاق. وفي البخاري ومسلم: أن أبا ~~مسعود أنكر على مروان أيضا، فيمكن أن يكون الانكار من أبي سعيد وقع في أول ~~الأمر، ثم تعقبه الانكار من الرجل المذكور. ويؤيد ذلك ما عند البخاري في ~~حديث أبي سعيد بلفظ: # فإذا مروان يريد أن يرتقيه يعني المنبر قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجذبني ~~فارتفع فخطب فقلت له: غير تم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم فقلت ~~ما أعلم والله خير مما لا أعلم. وفي مسلم: فإذا مروان ينازعني يده كأنه ~~يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين ~~الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم، فقلت: كلا والذي ~~نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم ثلاث مرات ثم انصرف والحديث فيه مشروعية ~~الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إن استطاع ذلك، وإلا فباللسان، وإلا ~~فبالقلب، وليس وراء ذلك من الايمان شئ. # وعن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على ~~بلال فأمر بتقوى الله وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى ~~النساء فوعظهن وذكرهن رواه ms1407 مسلم والنسائي. وفي لفظ لمسلم: فلما فرغ نزل ~~فأتى النساء فذكرهن. # الحديث فيه تقديم صلاة العيد على الخطبة، وترك الأذان والإقامة لصلاة ~~العيد، وقد تقدم بسط ذلك، وفيه استحباب الوعظ والتذكير في خطبة العيد، ~~واستحباب وعظ النساء وتذكيرهن وحثهن على الصدقة، إذا لم يترتب على ذلك ~~مفسدة وخوف فتنة على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما، وفيه أيضا تمييز مجلس ~~النساء إذا حضرن مجامع الرجال، لأن الاختلاط ربما كان سببا للفتنة الناشئة ~~عن النظر أو غيره. قوله: # فلما فرغ نزل قال القاضي عياض: هذا النزول كان في أثناء الخطبة. قال ~~النووي: # وليس كما قال، إنما نزل إليهن بعد خطبة العيد وبعد انقضاء وعظ الرجال، ~~وقد ذكره مسلم صريحا في حديث جابر كما في اللفظ الذي أورده المصنف، وهو ~~صريح أنه PageV03P375 # أتاهن بعد فراغ خطبة الرجال. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله نزل يدل ~~على أن خطبته كانت على شئ عال، انتهى. # وعن سعد المؤذن رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين رواه ابن ماجة. وعن ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنه قال: السنة أن يخطب الامام في ~~العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس رواه الشافعي. # الحديث الأول هو من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ المؤذن ~~عن أبيه عن جده، وعبد الرحمن ضعيف. وقد أخرج نحوه البيهقي من حديث عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة قال: السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى ~~والثانية بسبع تكبيرات تترى. وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبيد الله، ~~وعبيد الله المذكور أحد فقهاء التابعين، وليس قول التابعي من السنة ظاهرا ~~في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال باستحباب التكبير على الصفة ~~المذكورة في الخطبة كثير من أهل العلم. قال ابن القيم: وأما قول كثير من ~~الفقهاء إنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير، فليس ~~معهم فيها سنة ms1408 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم البتة، والسنة تقتضي خلافه ~~وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد. والحديث الثاني يرجحه القياس على الجمعة. ~~وعبيد الله بن عبد الله تابعي كما عرفت، فلا يكون قوله: من السنة دليلا على ~~أنها سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تقرر في الأصول. # وقد ورد في الجلوس بين خطبتي العيد حديث مرفوع رواه ابن ماجة عن جابر. ~~وفي إسناده إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. # وعن عطاء عن عبد الله بن السائب رضي الله عنهما قال: شهدت مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس ~~للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب رواه النسائي وابن ماجة وأبو داود. # الحديث قال أبو داود: هو مرسل. وقال النسائي: هذا خطأ والصواب أنه مرسل، ~~وفيه أن الجلوس لسماع خطبة العيد غير واجب. قال المصنف رحمه الله تعالى: ~~وفيه بيان أن الخطبة سنة، إذ لو وجبت وجب الجلوس لها، انتهى. وفيه أن تخيير ~~السامع لا يدل على PageV03P376 # عدم وجوب الخطبة، بل على عدم وجوب سماعها، إلا أن يقال: إنه يدل من باب ~~الإشارة، لأنه إذا لم يجب سماعها لا يجب فعلها، وذلك لأن الخطبة خطاب، ولا ~~خطاب إلا المخاطب، فإذا لم يجب السماع على المخاطب لم يجب الخطاب، وقد اتفق ~~الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلا يقول ~~بوجوبها. # باب استحباب الخطبة يوم النحر عن الهرماس بن زياد رضي الله عنه قال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى ~~بمنى رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت خطبة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنى يوم النحر رواه أبو داود. وعن عبد ~~الرحمن بن معاذ التميمي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، ~~فطفق يعلمهم مناسكهم ms1409 حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال بحصا ~~الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار فنزلوا من ~~وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك رواه أبو داود والنسائي بمعناه. # الأحاديث الثلاثة سكت عنها أبو داود والمنذري، ورجال إسناد الحديث الأول ~~ثقات، وكذلك رجال إسناد الحديث الثاني، وكذلك رجال إسناد الحديث الثالث. ~~(وفي الباب) عن رافع بن عمرو المزني عند أبي داود والنسائي. وعن أبي سعيد ~~عند النسائي وابن ماجة وابن حبان وأحمد. وعن ابن عباس عند البخاري وله حديث ~~آخر عند الطبراني. وعن أبي كاهل الأحمسي عند النسائي وابن ماجة، وعن أبي ~~بكرة وسيأتي. # وعن ابن عمر عند البخاري. وعن ابن عمرو بن العاص عند البخاري أيضا وغيره. # وعن جابر عند أحمد. وعن أبي حرة الرقاشي عن عمه عند أحمد أيضا. وعن كعب ~~بن عاهم عند الدارقطني. (وأحاديث الباب) تدل على مشروعية الخطبة في يوم ~~النحر، وهي ترد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج، وأن المذكور في ~~أحاديث الباب إنما هو من قبيل الوصايا العامة، لا أنه خطبة من شعار الحج. ~~ووجه الرد أن الرواة سموها خطبة، كما سموا التي وقعت بعرفات خطبة. وقد اتفق ~~على مشروعية الخطبة PageV03P377 # بعرفات، ولا دليل على ذلك إلا ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~خطب بعرفات. # والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية وقالوا: ~~خطب الحج ثلاث: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، ووافقهم ~~الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، ~~قال: وبالناس إليها حاجة ليعملوا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق ~~والطواف. واستدل بأحاديث الباب، وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست ~~من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئا من أعمال الحج، وإنما ذكر وصايا ~~عامة كما تقدم، قال: ولم ينقل أحد أنهم علمهم فيها شيئا مما يتعلق بالحج ~~يوم النحر، فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن القصار: ms1410 إنما فعل ذلك ~~من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي ~~رآه أنه خطب. قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب ~~التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الامام يمكنه أن يعلمهم إياها بمكة أو ~~يوم عرفة انتهى. وأجيب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم نبه في الخطبة ~~المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم عشر ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد ~~الحرام. وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم فلا تلتفت إلى ~~تأويل غيرهم. وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى ~~مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما ~~يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع ~~تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب وقد بين الزهري وهو عالم أهل زمانه أن ~~الخطبة ثاني يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر، وأن ذلك من عمل الامراء ~~يعني بني أمية، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة عنه، وهذا وإن كان مرسلا لكنه ~~معتضد بما سبق، وبان به أن السنة الخطبة يوم النحر ثانيه. وأما قول ~~الطحاوي: # أنه لم يعلمهم شيئا من أسباب التحلل فيرده ما عند البخاري من حديث ابن ~~عمرو بن العاص أنه شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم النحر، وذكر ~~فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك. وثبت أيضا في بعض أحاديث الباب: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: خذوا عني مناسككم فكأنه وعظهم وأحال في ~~تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله. قوله: ونحن بمنى أيام منى أربعة أيام: يوم ~~النحر، وثلاثة أيام بعده، وأحاديث الباب مصرحة بيوم النحر، فيحمل المطلق ~~على المقيد ويتعين يوم النحر. قوله: ثم PageV03P378 # قال: بحصى الخذف فيه استعارة القول للفعل وهو كثير في السنة، والمراد أنه ~~وضع إحدى السبابتين على الأخرى ليريهم أنه يريد حصى الخذف، والخذف بالخاء ~~والذال المعجمتين، ويروى بالحاء المهملة والأول ms1411 أصوب. قال الجوهري في فصل ~~الحاء المهملة: # حذفته بالعصى أي رميته بها، وفي فصل الخاء المعجمة: الخذف بالحصى الرمي ~~به بالأصابع، وسيأتي ذكر مقدار حصا الخذف في باب استحباب الخطبة يوم النحر ~~من كتاب الحج، لأن المصنف رحمه الله سيكرر هذه الأحاديث المذكورة في هذا ~~الباب جميعها هنالك، وسنشرح هنالك ما لم نتعرض لشرحه ههنا من ألفاظ هذه ~~الأحاديث. # وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه ~~سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟ قلنا: ~~الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال أليس ذا ~~الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا ~~أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليست البلدة؟ # قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في ~~شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، ~~قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض رواه أحمد والبخاري. # قوله: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم في البخاري من حديث ابن ~~عباس أنهم قالوا: يوم حرام وقالوا عند سؤاله عن الشهر: شهر حرام، وعند ~~سؤاله عن البلد، بلد حرام. وعند البخاري أيضا من حديث ابن عمر بنحو حديث ~~أبي بكرة، إلا أنه ليس فيه قوله: فسكت في الثلاثة المواضع. وقد جمع بين ~~حديث ابن عباس وحديث الباب ونحوه بتعدد الواقعة، قال في الفتح: وليس بشئ، ~~لأن الخطبة يوم النحر إنما تشرع مرة واحدة، وقد قال في كل منهما: إن ذلك ~~كان يوم النحر، وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر بالجواب وبعضهم سكت. ~~وقيل في الجمع: إنهم فوضوا الامر أولا كلهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلما ~~سكت أجابه بعضهم دون بعض. وقيل: وقع ms1412 السؤال في الوقت الواحد مرتين بلفظين، ~~فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليس في حديث ابن عباس لقوله فيه: أتدرون؟ ~~سكتوا عن الجواب، بخلاف حديث ابن عباس لخلوه عن PageV03P379 # ذلك، أشار إلى هذا الكرماني. وقيل في حديث ابن عباس اختصار بينته رواية ~~أبي بكرة، فكأنه أطلق قولهم قالوا يوم حرام، باعتبار أنهم قرروا ذلك حيث ~~قالوا بلى، قال الحافظ: وهذا جمع حسن. (والحكمة) في سؤاله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها ما قاله القرطبي من أن ذلك ~~كان لاستحضار فهو مهم، وليقبلوا عليه بكليتهم ويستشعروا عظمة ما يخبرهم ~~عنه، ولذلك قال بعد هذا: فإن دماءكم الخ مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء ~~اه. ومناط التشبيه في قوله: كحرمة يومكم هذا وما بعده ظهوره عند السامعين، ~~لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتا في نفوسهم مقررا عندهم، بخلاف ~~الأنفس والأموال والاعراض فكانوا يستبيحونها في الجاهلية، فطرأ الشرع عليهم ~~بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا ~~يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه، لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما ~~اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. قوله: أليست البلدة كذا وقع بتأنيث ~~البلدة. وفي رواية للبخاري: أليس بالبلدة الحرام. وفي أخرى له: # أليس بالبلدة الحرام قال الخطابي يقال إن البلدة اسم خاص لمكة وهي المراد ~~بقوله عز وجل: * (إنما أمر ت أن أعبد رب هذه البلدة) * (النمل: 91) وقال ~~الطيبي: المطلق محمول على الكامل وهي الجامعة للخير المستحقة للكمال. قوله: ~~فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام هكذا ساقه البخاري في الحج، وذكره في كتاب ~~العلم بزيادة: وأعراضكم وكذا ذكر هذه الزيادة في الحج من حديث ابن عباس، ~~ومن حديث ابن عمر، وهو على حذف مضاف، أي سفك دماءكم وأخذ أموالكم وسلب ~~أعراضكم. والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الانسان سواء كان سلفه أو ~~نفسه. قوله: اللهم اشهد إنما قال ذلك لأنه كان فرضا عليه أن يبلغ، فأشهد ~~الله تعالى على أداء ms1413 ما أوجبه عليه. قوله: فرب مبلغ بفتح اللام أي رب شخص ~~بلغه كلامي فكان أحفظ له وأفهم لمعناه من الذي نقله له. قال المهلب فيه: ~~أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم والعلم ما ليس لمن تقدمه، إلا ~~أن ذلك يكون في الأقل لأن رب موضوعة للتقليل. قال الحافظ: هي في الأصل ~~كذلك، إلا أنها استعملت في التكثير بحيث غلب على الاستعمال الأول، قال: # لكن يؤيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع في رواية للبخاري بلفظ: عسى أن ~~يبلغ من هو أوعى له منه وقوله: أوعى من سامع نعت لمبلغ، والذي يتعلق به رب ~~محذوف وتقديره يوجد PageV03P380 # أو يكون، ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رب اسم أن تكون هي مبتدأ وأوعى ~~الخبر، فلا حذف ولا تقدير. قوله: فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب ~~بعض قال النووي في شرح مسلم في معناه سبعة أقوال: أحدها أن ذلك كفر في حق ~~المستحل بغير حق. # والثاني: المراد كفر النعمة وحق الاسلام. والثالث: أنه يقرب من الكفر ~~ويؤدي إليه. # والرابع: أنه فعل كفعل الكفار. والخامس: المراد حقيقة الكفر ومعناه: لا ~~تكفروا بل دوموا مسلمين. والسادس: حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار ~~المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه. قال الأزهري في كتاب ~~تهذيب اللغة: # يقال للابس السلاح كافر. والسابع معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال ~~بعضكم بعضا، قاله الخطابي. قال النووي: وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار ~~القاضي عياض قال: # والرواية يضرب برفع الباء هذا هو الصواب، وهكذا رواه المتقدمون ~~والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا. ونقل القاضي عياض أن بعض العلماء ضبطه ~~بإسكان الباء والصواب الضم، وكذا قال أبو البقاء أنه يجوز جزم الباء على ~~تقدير شرط مضمر، أي أن ترجعوا يضرب. والمراد بقوله بعدي أي بعد فراقي من ~~موقفي هذا، كذا قال الطبري، أو يكون صلى الله عليه وآله وسلم تحقق أن هذا ~~الامر لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته. # (والحديث) فيه استحباب الخطبة يوم ms1414 النحر، وقد تقدم الكلام على ذلك، وفيه ~~وجوب تبليغ العلم وتأكيد تحريم تلك الأمور وتغليظها بأبلغ ما يمكن، وفيه ~~غير ذلك من الفوائد. # باب حكم الهلال إذا غم ثم علم به من آخر النهار عن عمير بن أنس عن عمومة ~~له من الأنصار رضي الله عنهم قالوا: غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، ~~فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم ~~رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من ~~الغد رواه الخمسة إلا الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، وصححه ابن المنذر، وابن السكن، ~~وابن حزم، والخطابي، وابن حجر في بلوغ المرام، وعلق الشافعي القول به على ~~صحته. وقال PageV03P381 # ابن عبد البر: أبو عمير مجهول. قال الحافظ: كذا قال، وقد عرفه من صحح له ~~اه. وقول المصنف عن عمير لعله من سقط القلم وهو أبو عمير كما في سائر كتب ~~هذا الفن. (والحديث) دليل لمن قال: إن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني إن ~~لم يتبين العيد إلا بعد خروج وقت صلاته، وإلى ذلك ذهب الأوزاعي والثوري ~~وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وهو قول للشافعي. ومن أهل البيت: ~~الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب، وقيد ذلك أبو طالب بشرط ~~أن يكون ترك الصلاة في اليوم الأول للبس كما في الحديث، ورد بأن كون الترك ~~للبس إنما هو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه لا للركب، لأنهم تركوا ~~الصلاة في يوم العيد عمدا بعد رؤيتهم للهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لهم كما في رواية أبي داود يدل على عدم الفرق بين عذر اللبس ~~وغيره، كما ذهب إلى ذلك الباقون، فإنهم لا يفرقون بين اللبس وغيره من ~~الاعذار، إما لذلك، وإما قياسا لها عليه. وظاهر الحديث أن الصلاة في اليوم ~~الثاني أداء لا قضاء، وروى الخطابي عن الشافعي أنهم إن علموا بالعيد قبل ~~الزوال صلوا، وإلا لم يصلوا يومهم ms1415 ولا من الغد، لأنه عمل في وقت فلا يعمل ~~في غيره، قال: وكذا قال مالك وأبو ثور. قال الخطابي: سنة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أولى بالاتباع. وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب اه. ~~وحكى في شرح القدوري عن الحنفية أنهم إذا لم يصلوها في اليوم الثاني حتى ~~زالت الشمس صلوها في اليوم الثالث، فإن لم يصلوها فيه حتى زالت الشمس سقطت ~~سواء كان لعذر أو لغير عذر اه. (والحديث) وارد في عيد الفطر، فمن قال ~~بالقياس ألحق به عيد الأضحى، وقد استدل بأمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~للركب أن يخرجوا إلى المصلى لصلاة العيد الهادي والقاسم وأبو حنيفة، على أن ~~صلاة العيد من فرائض الأعيان، وخالفهم في ذلك الشافعي وجمهور أصحابه، قال ~~النووي وجماهير العلماء: فقالوا إنها سنة، وبه قال زيد بن علي، والناصر، ~~والامام يحيى، وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية إنها فرض كفاية، وحكاه ~~المهدي في البحر عن الكرخي وأحمد بن حنبل وأبي طالب وأحد قولي الشافعي. ~~واستدل القائلون بأنها سنة بحديث: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. وقد ~~قدمنا في باب تحية المسجد الجواب عن هذا الاستدلال مبسوطا فراجعه. (واستدل ~~القائلون) أنها فرض كفاية بأنها شعار كالغسل والدفن، وبالقياس على صلاة ~~الجنازة بجامع التكبيرات، والظاهر ما قاله الأولون، لأنه قد انضم إلى ~~ملازمته صلى الله عليه وآله وسلم لصلاة القيد على جهة الاستمرار وعدم ~~إخلاله بها PageV03P382 # الامر بالخروج إليها، بل ثبت كما تقدم أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالخروج للعواتق والحيض وذوات الخدور، وبالغ في ذلك حتى أمر من لها جلباب ~~أن تلبس من لا جلباب لها، ولم يأمر بذلك في الجمعة ولا في غيرها من الفراض، ~~بل ثبت الامر بصلاة العيد في القرآن، كما صرح بذلك أئمة التفسير في تفسير ~~قول الله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * (الكوثر: 2) فقالوا: # المراد صلاة العيد ونحر الأضحية. ومن مقويات القول بأنها فرض إسقاطها ~~لصلاة الجمعة كما تقدم، والنوافل لا تسقط الفرائض في الغالب. ms1416 # وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الفطر يوم يفطر ~~الناس، والأضحى يوم يضحي الناس رواه الترمذي وصححه. وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الصوم يوم يصومون، والفطر يوم ~~يفطرون والأضحى يوم يضحون رواه الترمذي أيضا. وهو لأبي داود وابن ماجة إلا ~~فصل الصوم. # الحديث الأول أخرجه أيضا الدارقطني وقال: وقفه عليها هو الصواب. والحديث ~~الثاني حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات، قال ~~الترمذي: # وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع ~~الجماعة وعظيم الناس. وقال الخطابي في معنى الحديث: أن الخطأ مرفوع عن ~~الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا ~~بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان ~~تسعا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض لا شئ عليهم من وزر أو عيب، وكذلك في ~~الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة. وقال غيره: فيه الإشارة إلى أن ~~يوم الشك لا يصام احتياطا، وإنما يصوم يوم يصوم الناس. وقيل فيه الرد على ~~من يقول: إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم به ~~ويفطر دون من لم يعلم. وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم ~~القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا صوما له كما لم يكن للناس، ذكر هذه الأقوال ~~المنذري في مختصر السنن. وقد ذهب إلى الأخير محمد بن الحسن الشيباني قال: ~~إنه يتعين على المنفرد برؤية هلال الشهر حكم الناس في الصوم والحج وإن خالف ~~ما تيقنه، وروي مثل ذلك عن عطاء والحسن، والخلاف في ذلك للجمهور فقالوا: ~~يتعين عليه حكم نفسه فيما تيقنه، وفسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي. وقيل ~~في معنى الحديث: أنه إخبار بأن الناس PageV03P383 # يتحزبون أحزابا، ويخالفون الهدي النبوي، فطائفة تعمل بالحساب وعليه أمة ~~من الناس، وطائفة يقدمون الصوم والوقوف بعرفة وجعلوا ذلك شعارا وهم ~~الباطنية، ms1417 وبقي الهدي النبوي الفرقة التي لا تزال ظاهرة على الحق فهي ~~المرادة بلفظ الناس في الحديث، وهي السواد الأعظم ولو كانت قليلة العدد. # باب الحث على الذكر والطاعة في أيام العشر وأيام التشريق عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني ~~أيام العشر، قالوا: # يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا ~~رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشئ من ذلك رواه الجماعة إلا مسلما ~~والنسائي. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه ~~الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد رواه أحمد. وعن ~~نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل رواه أحمد ومسلم والنسائي. ~~قال البخاري: وقال ابن عباس: واذكروا الله في أيام معلومات أيام العشر، ~~والأيام المعدودات أيام التشريق. قال: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى ~~السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. قال: # وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق ~~حتى يرتج منى تكبيرا. حديث ابن عمر أخرجه أيضا ابن أبي الدنيا والبيهقي في ~~الشعب، وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير عن ابن عباس. قوله: ما من أيام ~~العمل الصالح فيها في لفظ للبخاري: ما العمل الصالح في أيام وفي رواية ~~كريمة عن الكشميهني: ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه قال في ~~الفتح: وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على العمل في هذه الأيام ~~إن فسرت بأنها أيام التشريق، وعلى ذلك جرى بعض شراح البخاري وزعم أن ~~البخاري فسر الأيام المبهمة في هذا PageV03P384 # الحديث بأنها أيها ms1418 التشريق، وفسر العمل بالتكبير لكونه أورد الآثار ~~المذكورة المتعلقة بالتكبير فقط. وقال ابن أبي حمزة: الحديث دال على أن ~~العمل في أيام التشريق أفضل من العمل في غيرها، قال: ولا يعكر على ذلك ~~كونها أيام عيد كما في حديث عائشة، ولا ما صح من قوله: إنها أيام أكل وشرب ~~كما في حديث الباب، لأن ذلك لا يمنع العمل فيها، بل قد شرع فيها أعلى ~~العبادات وهو ذكر الله تعالى ولم يمتنع فيها إلا الصوم قال وسر كون ~~العبادات فيها أفضل من غيرها أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها ~~وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد ~~في غيرها. قال الحافظ وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يعارضه والسياق الذي ~~وقع في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر وهو من الحافظ عن الكشميهني ~~وهو شيخ كريمة بلفظ: ما العمل في أيام أفضل منها في هذه العشر. وكذا أخرجه ~~أحمد وغيره عن غندر عن شعبة بالاسناد المذكور. ورواه أبو داود الطيالسي في ~~مسنده عن شعبة فقال: في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة وكذا رواه الدارمي ~~عن سعيد بن الربيع عن شعبة. ووقع في رواية وكيع باللفظ الذي ذكره المصنف، ~~وكذا رواه ابن ماجة من طريق أبي معاوية عن الأعمش، ورواه الترمذي من رواية ~~أبي معاوية وقال: من هذه الأيام العشر. وقد ظن بعض الناس أن قوله في حديث ~~الباب يعني أيام العشر تفسير من بعض الرواة، لكن ما ذكرنا من رواية ~~الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر، وكذا وقع في رواية القاسم بن أبي ~~أيوب بلفظ: ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر ~~الأضحى. وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان: ما من أيام أفضل عند ~~الله من عشر ذي الحجة. ومن جملة الروايات المصرحة بالعشر حديث ابن عمر ~~المذكور في الباب، فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب عشر ms1419 ذي الحجة. ~~قوله: # ولا الجهاد في سبيل الله يدل على تقرر أفضلية الجهاد عندهم، وكأنهم ~~استفادوه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب من سأله عن عمل يعدل ~~الجهاد فقال: لا أجده كما في البخاري من حديث أبي هريرة. قوله: إلا رجل هو ~~على حذف مضاف أي إلا عمل رجل. قوله: ثم لم يرجع بشئ من ذلك أي فيكون أفضل ~~من العامل في أيام العشر أو مساويا له. قال ابن بطال: هذا اللفظ يحتمل ~~أمرين: أن لا يرجع بشئ من ماله وإن رجع هو، وأن لا يرجع هو ولا ماله بأن ~~رزقه الله الشهادة، وتعقبه الزين بن PageV03P385 # المثير بأن قوله: لم يرجع بشئ يستلزم أن يرجع بنفسه ولا بد انتهى. قال ~~الحافظ: وهو تعقب مردود، فإن قوله: لم يرجع بشئ نكرة في سياق النفي فتعم ما ~~ذكره. وقد وقع فرواية الطيالسي وغندر وغيرهما عن شعبة، وكذا في أكثر ~~الروايات فلم يرجع من ذلك بشئ، قال: والحاصل أن نفي الرجوع بالشئ لا يستلزم ~~إثبات الرجوع بغير شئ بل هو على الاحتمال كما قال ابن بطال انتهى. ومبنى ~~هذا الاختلاف على توجيه النفس المذكور إلى القيد فقط كما هو الغالب، فيكون ~~هو المنتفي دون الرجوع الذي هو المقيد أو توجيهه إلى القيد والمقيد ~~فينتفيان معا. ويدل على الثاني ما عند ابن أبي عوانة بلفظ: إلا من عقر ~~جواده وأهريق دمه. وفي رواية له: إلا من لا يرجع بنفسه ولا ماله. وفي حديث ~~جابر: إلا من عفر وجهه التراب. (والحديث) فيه تفضيل أيام العشر على غيرها ~~من السنة، وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر بصيام أفضل الأيام، وقد تقدم الجمع بين ~~حديث أبي هريرة عند مسلم: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة وبين الأحاديث ~~الدالة على أن غيره أفضل منه. (والحكمة) في تخصيص عشر ذي الحجة بهذه المزية ~~اجتماع أمهات العبادة فيها الحج والصدقة والصيام والصلاة، ولا يتأتى ذلك في ~~غيرها، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم فيه ms1420 احتمال. وقال ابن ~~بطال: المراد بالعمل في أيام التشريق التكبير فقط، لأنه ثبت أنها أيام أكل ~~وشرب وبعال. وثبت تحريم صومها، وورد فيها إباحة اللهو بالحراب ونحو ذلك، ~~فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر، والمشروع منه فيها التكبير فقط، ~~وتعقبه الزين بأن العمل إنما يفهم منه عند الاطلاق العبادة وهي لا تنافي ~~استيفاء حظ النفس من الاكل وسائر ما ذكر، فإن ذلك يستغرق اليوم والليلة. ~~وقال الكرماني: الحث على العمل في أيام التشريق لا ينحصر في التكبير، بل ~~المتبادر إلى الذهن منه أنه المناسك من الرمي وغيره الذي يجتمع مع الأكل ~~والشرب انتهى. والذي يجتمع مع الأكل والشرب لكل أحد من العبادة الزائدة على ~~مفروضات اليوم والليلة هو الذكر المأمور به، وقد فسر بالتكبير كما قال ابن ~~بطال. وأما المناسك فمختصة بالحاج. ويؤيد ذلك ما وقع في حديث ابن عمر ~~المذكور في الباب من الامر بالاكثار فيها من التهليل والتكبير. وفي البيهقي ~~من حديث ابن عباس فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير ووقع من الزيادة في ~~حديث ابن عباس: # وإن صيام يوم منها يعدل صيام سنة والعمل بسبعمائة ضعف. وللترمذي عن أبي ~~هريرة: # يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة فيها بقيام ليلة القدر ~~لكن إسناده PageV03P386 # ضعيف، وكذا إسناد حديث ابن عباس. قوله: قال ابن عباس هذا الأثر وصله عبد ~~بن حميد وفيه الأيام المعدودات أيام التشريق والأيام المعلومات أيام العشر. ~~وروى ابن مردويه عن ابن عباس أن الأيام المعلومات التي قبل يوم التروية، ~~ويوم التروية ويوم عرفة والمعدودات أيام التشريق. قال الحافظ: وإسناده ~~صحيح، وظاهره إدخال يوم العيد في أيام التشريق. وقد روى ابن أبي شيبة عن ~~ابن عباس أيضا أن المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ورجح الطحاوي هذا ~~لقوله تعالى: * (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام) * (الحج: 28). فإنه يشعر بأن المراد أيام النحر، قال في الفتح: ~~وهذا لا يمنع تسمية أيام العشر معلومات، ولا أيام التشريق معدودات، ms1421 بل ~~تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه لقوله تعالى: * (واذكروا الله في ~~أيام معدودات) * (البقرة: 203) الآية. وهكذا قال المهدي في البحر: إن أيام ~~التشريق هي الأيام المعدودات إجماعا. وقيل: إنها سميت معدودات لأنها إذا ~~زيد عليها شئ عد ذلك حصرا أي في حكم حصر العدد. وقد وقع الخلاف في أيام ~~التشريق، فمقتضى كلام أهل اللغة والفقه أن أيام التشريق ما بعد يوم النحر ~~على اختلافهم هل هي ثلاثة أو يومان؟ لكن ما ذكره من سبب تسميتها بذلك يقتضي ~~دخول يوم العيد فيها. وقد حكى أبو عبيد أن فيه قولين: أحدهما لأنهم كانوا ~~يشرقون فيها لحوم الأضاحي يقد دونها ويبرزونها للشمس. ثانيهما: لأنها كلها ~~أيام تشريق لصلاة يوم النحر فصارت تبعا ليوم النحر، قال: وهذا أعجب ~~القولين، إلى أن قال الحافظ: وأظنه أراد ما حكاه غيره أن أيام التشريق سميت ~~بذلك، لأن صلاة العيد إنما تصلى بعد أن تشرق الشمس. وعن ابن الاعرابي قال: ~~سمعت بذلك لأن الهدايا والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس. وعن يعقوب بن ~~السكيت قال: هو من قول الجاهلية: أشرق ثبير كيما نغير أي ندفع للنحر: قال ~~الحافظ: وأظنهم أخرجوا يوم العيد منها لشهرته بلقب يخصه وهو العيد، وإلا ~~فهي في الحقيقة تبعا له في التسمية كما تبين من كلامهم. ومن ذلك حديث علي ~~عليه السلام: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع أخرجه أبو عبيد بإسناد ~~صحيح إليه موقوفا، ومعناه لا صلاة جمعة ولا صلاة عيد. قال: وكان أبو حنيفة ~~يذهب بالتشريق في هذا إلى التكبير في دبر الصلاة يقول: لا تكبير إلا على ~~أهل الأمصار، قال: وهذا لم نجد أحدا يعرفه ولا وافقه عليه صاحباه ولا ~~غيرهما، ومن ذلك حديث: من ذبح قبل التشريق فليعد أي قبل صلاة العيد، رواه ~~أبو عبيد من مرسل الشعبي ورجاله ثقات، وهذا كله يدل على أن PageV03P387 # يوم العيد من أيام التشريق. قوله: وكان ابن عمر وأبو هريرة الخ، قال ~~الحافظ: لم أره موصولا، وقد ذكره البيهقي معلقا عنهما، ms1422 وكذا البغوي. قوله: ~~وكان عمر الخ، وصله سعيد بن منصور وأبو عبيد. وقوله: ترتج بتثقيل الجيم أي ~~تضطرب وتتحرك، وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات. وقد ورد فعل تكبير ~~التشريق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيهقي والدارقطني: أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كبر بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر آخر أيام ~~التشريق. وفي إسناده عمرو بن بشر وهو متروك، عن جابر الجعفي وهو ضعيف، عن ~~عبد الرحمن بن سابط قال البيهقي: لا يحتج به، عن جابر بن عبد الله. وروي من ~~طريق أخرى مختلفة أخرجها الدارقطني مدارها على عبد الرحمن المذكور، واختلف ~~فيها في شيخ جابر الجعفي. ورواه الحاكم من وجه آخر عن فطر بن خليفة عن أبي ~~الفضل عن علي وعمار قال وهو صحيح: وصح من فعل عمر وعلي وابن عباس وابن ~~مسعود، وأخرج الدارقطني عن عثمان أنه كان يكبر من ظهر يوم النحر إلى صبح ~~يوم الثالث من أيام التشريق. وأخرج أيضا هو والبيهقي عن ابن عمر وزيد بن ~~ثابت أنهما كانا يفعلان ذلك. # وجاء عن ابن عمر خلاف ذلك، رواه ابن أبي شيبة. وأخرج الدارقطني عن جابر ~~وابن عباس أنهما كانا يكبران ثلاثا ثلاثا بسندين ضعيفين. وقال ابن عبد البر ~~في الاستذكار: صح عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم كانوا يكبرون ثلاثا ثلاثا: ~~الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. وقد حكي في البحر الاجماع على مشروعية ~~تكبير التشريق إلا عن النخعي قال: ولا وجه له. وقد اختلف في محله فحكي في ~~البحر عن علي وابن عمر والعترة والثوري وأحمد بن حنبل وأبي يوسف ومحمد، ~~وأحد أقوال الشافعي أن محله عقيب كل صلاة من فجر عرفة إلى آخر أيام ~~التشريق. وقال عثمان بن عفان وابن عباس وزيد بن علي ومالك والشافعي في أحد ~~أقواله: بل من ظهر النحر إلى فجر الخامس. وقال الشافعي في أحد أقواله: بل ~~من مغرب يوم النحر إلى فجر الخامس. وقال أبو حنيفة: من فجر عرفة إلى عصر ~~النحر ms1423 وقال داود والزهري وسعيد بن جبير: من ظهر النحر إلى عصر الخامس. قال ~~في الفتح: وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم من خص التكبير على ~~أعقاب الصلوات. ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل. ومنهم من خصه ~~بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤداة دون المقضية، ~~وبالمقيم دون المسافر، وساكن المصر دون القرية. قال: وللعلماء أيضا اختلاف ~~في ابتدائه وانتهائه فقيل: من صبح يوم عرفة. وقيل: من ظهره. وقيل: من عصره. ~~وقيل: من صبح PageV03P388 # يوم النحر. وقيل: من ظهره. وقيل: في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر. وقيل: ~~إلى عصره وقيل: إلى ظهر ثانيه. وقيل: إلى صبح آخر أيام التشريق. وقيل: إلى ~~ظهره وقيل: # إلى عصره. قال: حكى هذه الأقوال كلها النووي إلا الثاني من الانتهاء. وقد ~~رواه البيهقي عن أصحاب ابن مسعود، ولم يثبت في شئ من ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم حديث. وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود: أنه ~~من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجهما ابن المنذر وغيره. وأما صفة ~~التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال ~~كبروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا. ونقل عن سعيد بن جبير ~~ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه الفريابي في كتاب العيدين من طريق ~~يزيد بن أبي الزناد عنهم وهو قول الشافعي وزاد: ولله الحمد. وقيل: يكبر ~~ثلاثا ويزيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ. # وقيل: يكبر ثنتين بعدهما لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله ~~الحمد، جاء ذلك عن عمر وابن مسعود، وبه قال أحمد وإسحاق، وقد أحدث في هذا ~~الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها، انتهى كلام الفتح. وقد استحسن البعض ~~زيادات في تكبير التشريق لم ترد عن السلف، وقد استوفى ذلك الإمام المهدي في ~~البحر. والظاهر أن تكبير التشريق لا يختص استحبابه بعقب الصلوات، بل هو ~~مستحب في كل وقت من تلك الأيام، ms1424 كما يدل على ذلك الآثار المذكورة. ~~PageV03P389 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخبار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفي سنة 1255 ه‍. # الجزء الرابع دار الجيل بيروت - لبنان ص - ب - 8747 PageV04P001 # كتاب صلاة الخوف باب الأنواع المروية في صفتها عن صالح بن خوات عمن صلى ~~مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ذات الرقاع: أن الطائفة صفت معه ~~وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ثم ~~انصرفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من ~~صلاته فأتموا لأنفسهم فسلم بهم رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وفي رواية ~~للجماعة عن صالح بن خوات عن سهل ابن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بمثل هذه الصفة. # قوله: عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيل: هو سهل بن أبي حثمة ~~كما وقع في الرواية الأخرى. وقد أخرج البيهقي وابن منده في المعرفة الحديث ~~عن صالح بن خوات عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمكن أن يكون ~~هو المبهم. # قوله: يوم ذات الرقاع هي غزوة نجد لقي بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~جمعا من غطفان فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، وصلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأصحابه صلاة الخوف، وسميت ذات الرقاع لأنها نقبت أقدامهم، فلفوا على ~~أرجلهم الخرق. # قيل: إن ذلك المحل الذي غزوا إليه حجارة مختلفة الألوان كالرقاع ~~المختلفة. # (والحديث) يدل على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي الامام في الثنائية ~~بطائفة ركعة ثم ينتظر حتى يتموا لأنفسهم ركعة ويذهبوا فيقوموا وجاه العدو، ~~ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلون معه الركعة الثانية، ثم ينتظر حتى يتموا ~~لأنفسهم ركعة ويسلم بهم. وقد حكي في البحر أن هذه الصفة لصلاة الخوف، قال ~~بهما علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن ثابت وأبو موسى ~~PageV04P002 # وسهل بن أبي حثمة ms1425 والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو العباس. قال ~~النووي: # وبها أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم انتهى. وقد أخذ بكل نوع من أنواع ~~صلاة الخوف الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من أهل العلم ~~كما سيأتي. والحق الذي لا محيص عنه أنها جائزة على كل نوع من الأنواع ~~الثابتة، وقد قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثا إلا صحيحا، فلا ~~وجه للاخذ ببعض ما صح دون بعض، إذ لا شك أن الاخذ بأحدها فقط تحكم محض. ~~(وقد اختلف) في عدد الأنواع الواردة في صلاة الخوف فقال ابن القصار ~~المالكي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاها في عشرة مواطن. وقال ~~النووي: أنه يبلغ مجموع أنواع صلاة الخوف ستة عشر وجها كلها جائزة. وقال ~~الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيام ~~مختلفة وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، ~~فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. وسرد ابن المنذر في صفتها ثمانية أوجه. ~~وكذا ابن حبان وزاد تاسعا. وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجها وبينها في ~~جزء مفرد. وقال ابن العربي: جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية ~~مختلفة ولم يبينها، وقد بينها العراقي في شرح الترمذي وزاد وجها آخر فصارت ~~سبعة عشر وجها. وقال في الهدى: أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر. وهؤلاء ~~كما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها فصارت سبعة عشر، لكن يمكن أن ~~تتداخل أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة. ~~قال الحافظ: # وهذا هو المعتمد. وقال ابن العربي أيضا: صلاها النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أربعا وعشرين مرة. وقال أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة ~~أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة، وكذا رجحه ~~الشافعي ولم يختر إسحاق شيئا على شئ، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن ~~المنذر، وقال النووي ms1426 ومذهب العلماء كافة: أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما ~~كانت إلا أبا يوسف والمزني فقالا: لا تشرع بعد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم انتهى. وقال بقولهما الحسن بن زياد واللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن ~~علية كما في الفتح، واستدلوا بمفهوم قوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة) * (النساء: 102) وأجاب الجمهور عن ذلك بأن شرط كونه صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده. والتقدير: # بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قال ابن العربي وغيره. وقال ابن ~~المنير: PageV04P003 # الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى: * ~~(أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (النساء: 101) وقال الطحاوي: كان أبو يوسف ~~قد قال مرة: لا تصلي صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وزعم أن الناس إنما صلوها معه صلى الله عليه وآله وسلم لفضل الصلاة معه، ~~قال: وهذا القول عندنا ليس بشئ انتهى. وأيضا الأصل تساوي الأمة في الاحكام ~~المشروعة، فلا يقبل التخصيص بقوم دون قوم إلا بدليل، واحتج عليهم الجمهور ~~بإجماع الصحابة على فعل هذه الصلاة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي وعموم منطوق ~~هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وقد اختلف في صلاة الخوف في الحضر فمنع ~~من ذلك ابن الماجشون والهادوية وأجازه الباقون. (احتج الأولون) بقوله ~~تعالى: * (إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * ~~(النساء: 101) ورد بما تقدم في أبواب صلاة المسافر، واحتجوا أيضا بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا في سفر ورد بأن اعتبار السفر وصف طردي ~~ليس بشرط ولا سبب، وإلا لزم أن لا يصلي إلا عند الخوف من العدو الكافر. ~~وأما الاحتجاج بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصلها يوم الخندق، وفات ~~عليه العصران وقضاهما بعد المغرب، ولو كانت جائزة في الحضر لفعلها، فيجاب ~~عنه بأن ذلك كان قبل نزول ms1427 صلاة الخوف كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي. ~~وقد تقدم الكلام على هذا في باب الترتيب في قضاء الفوائت. # نوع آخر وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الاخر مواجهة للعدو ثم ~~انصرفوا، وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركعة ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ~~متفق عليه. # الحديث فيه أن من صفة صلاة الخوف أن يصلي الامام بطائفة من الجيش ~~PageV04P004 # ركعة والطائفة الأخرى قائمة تجاه العدو، ثم تنصرف الطائفة التي صلت معه ~~الركعة وتقوم تجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي معه ركعة، ثم تقضي كل ~~طائفة لنفسها ركعة. قال في الفتح: وظاهر قوله: ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ~~ركعة أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، قال: وهو ~~الراجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الامام ~~وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه: ثم سلم وقام هؤلاء ~~أي الطائفة الثانية فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى ~~مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا قال: وظاهره أن الطائفة الثانية والت ~~بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها. قال النووي: وبهذا الحديث أخذ ~~الأوزاعي وأشهب المالكي وهو جائز عند الشافعي. وقال في الفتح: وبهذه ~~الكيفية أخذ الحنفية، وحكى هذه الكيفية في البحر عن محمد، وإحدى الروايتين ~~عن أبي يوسف. واستدل بقوله طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين في ~~العدد، لكن لا بد أن تكون التي تحرس تحصل الثقة بها في ذلك. قال في الفتح: ~~والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع ~~لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد ويحرس واحد ثم يصلي الآخر، وهو أقل ما ~~يتصور في صلاة الخوف جماعة انتهى. # وقد رجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر ms1428 على غيرها ~~لقوة الاسناد ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه. # نوع آخر عن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلاة الخوف، فصفنا صفين خلفه، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه ~~من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف الآخر ~~في نحر العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم السجود والصف الذي ~~يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف ~~المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وآله PageV04P005 # وسلم وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر ~~بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف ~~المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم السجود بالصف ~~الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وسلمنا جميعا رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. والنسائي. وروى أحمد ~~وأبو داود والنسائي هذه الصفة من حديث أبي عياش الزرقي وقال: فصلاها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم مرتين: مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم. # الحديث الثاني رجال إسناده عند أبي داود والنسائي رجال الصحيح. وفي ~~الحديثين أن صلاة الطائفتين من الامام جميعا واشتراكهم في الحراسة ومتابعته ~~في جميع أركان الصلاة إلا السجود، فتسجد معه طائفة وتنتظر الأخرى حتى تفرغ ~~الطائفة الأولى ثم تسجد، وإذا فرغوا من الركعة الأولى تقدمت الطائفة ~~المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة وتأخرت المتقدمة. قال النووي: وبهذا الحديث ~~قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا كان العدو في جهة القبلة قال: ~~ويجوز عند الشافعي تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في رواية جابر، ويجوز ~~بقاؤهما على حالهما كما هو ظاهر حديث ابن عباس انتهى. قوله: مرة بعسفان ~~أشار البخاري إلى أن صلاة جابر مع النبي صلى الله عليه ms1429 وآله وسلم كانت بذات ~~الرقاع كما سيأتي، ويجمع بتعداد الواقعة وحضور جابر في الجميع. # نوع آخر عن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بذات الرقاع وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة ~~الأخرى ركعتين، فكان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع وللقوم ركعتان ~~متفق عليه. وللشافعي والنسائي عن الحسن عن جابر: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم ~~سلم. عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلاة PageV04P006 # الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم تأخروا، وجاء الآخرون فكانوا ~~في مقامهم، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فصار للنبي صلى الله عليه وآله أربع ~~ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان رواه أحمد والنسائي وأبو داود وقال: وكذلك ~~رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: وكذلك قال سليمان اليشكري، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # رواية الحسن عن جابر أخرجها أيضا ابن خزيمة، وروايته عن أبي بكرة أخرجها ~~أيضا ابن حبان والحاكم والدارقطني، وأعلها ابن القطان بأن أبا بكرة بعد ~~وقوع صلاة الخوف بمدة. قال الحافظ: وهذه ليست بعلة، فإنه يكون مرسل صحابي. ~~وحديث جابر وأبي بكرة يدلان على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي الامام بكل ~~طائفة ركعتين، فيكون مفترضا في ركعتين ومتنفلا في ركعتين قال النووي: # وبهذا قال الشافعي، وحكوه عن الحسن البصري، وادعى الطحاوي أنه منسوخ ولا ~~تقبل دعواه، إذ لا دليل لنسخه انتهى. وهكذا ادعى نسخ هذه الكيفية الإمام ~~المهدي في البحر فقال: قلنا منسوخ أو في الحضر انتهى. والحامل له وللطحاوي ~~على ذلك أنهما لا يقولان بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وقد قدمنا ~~الاستدلال على صحة ذلك بما فيه كفاية. قال أبو داود في السنن: وكذلك المغرب ~~يكون للامام ست ركعات وللقوم ثلاث ms1430 انتهى. وهو قياس صحيح. # نوع آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلاة الخوف عام غزوة نجد فقام إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة ~~وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر فكبروا جميعا الذين معه ~~والذين مقابل العدو ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد ~~فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام وقامت الطائفة ~~التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو ~~فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى PageV04P007 # الله عليه وآله وسلم كما هو، ثم قاموا، فركع ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد ~~وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم وسلموا ~~جميعا، فكان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركعتان، ولكل طائفة ركعتان ~~رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات عند أبي داود ~~والنسائي، وساقه أبو داود أيضا من طريق أخرى عن أبي هريرة، وفي إسنادها ~~محمد بن إسحاق وفيه مقال مشهور إذا لم يصرح بالتحديث وقد عنعن ههنا ~~(والحديث) فيه أن من صفة صلاة الخوف أن تدخل الطائفتان مع الامام في الصلاة ~~جميعا، ثم تقوم إحدى الطائفتين بإزاء العدو وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة ~~ثم يذهبون فيقومون في وجاه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي لنفسها ~~ركعة والامام قائم، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه، ثم تأتي الطائفة ~~القائمة في وجاه العدو فيصلون لأنفسهم ركعة والامام قاعد ثم يسلم الامام ~~ويسلمون جميعا. وقد روى أبو داود في سننه عن عائشة في هذه القصة أنها قالت: # كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ~~ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم جالسا ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية، ثم ms1431 قاموا فنكصوا على أعقابهم ~~يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فقاموا فكبروا ثم ~~ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسجدوا معه، ثم ~~قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قامت ~~الطائفتان جميعا فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فركع فركعوا ~~ثم سجد فسجدوا جميعا، ثم عاد فسجد الثانية وسجدوا معه سريعا كأسرع الاسراع، ~~ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلموا فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقد شاركه الناس في الصلاة كلها. وفي إسناده أيضا محمد بن ~~إسحاق أيضا ولكنه صرح بالتحديث، وهذه الصفة ينبغي أن تكون صفة ثانية من ~~صفات صلاة الخوف غير الصفة التي في حديث أبي هريرة لمخالفتها لها في هيئات ~~كثيرة. PageV04P008 # نوع آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين: صفا خلفه، وصفا موازي العدو فصلى ~~بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ~~ولم يقضوا ركعة رواه النسائي. وعن ثعلبة بن زهدم رضي الله عنه قال: كنا مع ~~سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم ~~يقضوا رواه أبو داود والنسائي. وروى النسائي بإسناده عن زيد بن ثابت عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة حذيفة، كذا قال. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: فرض الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في الحضر ~~أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة رواه أحمد ومسلم وأبو داود ~~والنسائي. # حديث ابن عباس الأول ساقه النسائي بإسناد رجاله ثقات، وقد احتج به الحافظ ~~في الفتح وليتكلم عليه. وقال الشافعي لا يثبت، واعترض عليه الحافظ بأنه قد ~~صححه ابن حبان وغيره. وحديث ثعلبة بن زهدم سكت ms1432 عنه أبو داود والمنذري ~~والحافظ في التلخيص ورجال إسناده رجال الصحيح. وحديث زيد بن ثابت أخرجه ~~أيضا أبو داود وابن حبان ويشهد للجميع حديث ابن عباس المذكور. (وفي الباب) ~~عن جابر عند النسائي. وعن ابن عمر عند البزار بإسناد ضعيف قال: قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان. وأحاديث الباب تدل ~~على أن من صفة صلاة الخوف الاقتصار على ركعة لكل طائفة، قال في الفتح: ~~وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف يقول الثوري وإسحاق ومن تبعهما، وقال ~~به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم من قيد بشدة ~~الخوف، وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا هذه الأحاديث ~~بأن المراد بها ركعة مع الامام وليس فيها نفي الثانية، ويرد ذلك قوله في ~~حديث ابن عباس: ولم يقضوا ركعة وكذا قوله في حديث حذيفة: ولم يقضوا. ~~PageV04P009 # وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني: وفي الخوف ركعة وأما تأويلهم قوله لم ~~يقصوا بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الامن فبعيد جدا. (فائدة) وقع ~~الاجماع على أن صلاة المغرب لا يدخلها قصر، ووقع الخلاف هل الأولى أن يصلي ~~الامام بالطائفة الأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس، فذهب إلى الأول أبو ~~حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه والقاسمية، وإلى الثاني الناصر ~~والشافعي في أحد قوليه، قال في الفتح لم يقع في شئ من الأحاديث المروية في ~~صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب انتهى. وقد أخرج البيهقي عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه أن عليا عليه السلام صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير ~~انتهى. وروي أنه صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين، قال الشافعي: ~~وحفظ عن علي عليه السلام أنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، كما روى صالح بن ~~خوات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تقدمت رواية صالح، وروى في ~~البحر عن علي عليه السلام أنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين قال: وهو توقيف. ~~واحتج لأهل القول الثاني بفعل علي ms1433 وأجاب عنه بأن الرواية الأولى أرجح، وحكي ~~عن الشافعي التخيير، قال: وفي الأفضل وجهان: أصحهما ركعتان بالأولى، واستدل ~~له بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فعل في صلاة المغرب ولا قول كما عرفت. # باب الصلاة في شدة الخوف بالايماء وهل يجوز تأخيرها أم لا عن ابن عمر رضي ~~الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف صلاة الخوف وقال: فإن كان ~~خوف أشد من ذلك فرجالا وركبانا رواه ابن ماجة. # وعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرفة وعرفات فقال: اذهب ~~فاقتله، قال فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني ~~وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت ~~منه قال لي: من أنت؟ # قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك، فقال: إني ~~لفي ذلك فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد رواه أحمد وأبو ~~داود. PageV04P010 # حديث ابن عمر هو في البخاري في تفسير سورة البقرة بلفظ: فإن كان خوف أشد ~~من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها قال مالك قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في مسلم من قول ابن عمر بنحو ذلك، ورواه ~~ابن خزيمة من حديث مالك بلا شك، ورواه البيهقي عن حديث موسى بن عقبة عن ~~نافع عن ابن عمر جزما، قال النووي في شرح المهذب: هو بيان حكم من أحكام ~~صلاة الخوف لا تفسير للآية وحديث عبد الله ابن أنيس سكت عنه أبو داود ~~والمنذري، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (والحديثان) استدلا بهما على جواز ~~الصلاة عند شدة الخوف بالايماء، ولكنه لا يتم الاستدلال على ذلك بحديث عبد ~~الله بن أنيس الا ms1434 على فرض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرره على ذلك، ~~وإلا فهو فعل صحابي لا حجة فيه. قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه العلم ~~يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماء، وإن كان طالبا نزل فصلى ~~بالأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه ~~فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن ~~شدة الخوف في المطلوب ظاهرة لتحقق السبب المقتضى لها. وأما الطالب فلا يخاف ~~استيلاء العدو عليه، وإنما يخاف أن يفوته العدو. قال في الفتح: # وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بشدة الخوف، ولم ~~يستثن طالبا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وذكر أبو إسحاق ~~الفزاري في كتاب السنن له عن الأوزاعي أنه قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا ~~الأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال، والظاهر أن مرجع هذا الخلاف ~~إلى الخوف المذكور في الآية، فمن قيده بالخوف على النفس والمال من العدو، ~~وفرق بين الطالب والمطلوب، ومن جعله أعم من ذلك لم يفرق بينهما، وجوز ~~الصلاة المذكورة للراجل والراكب عند حصول أي خوف. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يوم انصرف عن الأحزاب أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فتخوف ~~ناس لفوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدا ~~PageV04P011 # من الفريقين رواه مسلم. وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~رجع من الأحزاب قال: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم ~~العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم ~~يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعنف واحدا منهم ~~رواه البخاري. # قوله: لا يصلين أحد العصر في رواية ms1435 لمسلم عن عبد الله محمد بن أسماء شيخ ~~البخاري في هذا الحديث الظهر. وقد بين في الفتح في كتاب المغازي ما هو ~~الصواب. قوله: فما عنف واحدا فيه دليل على أن كل مجتهد مصيب (والحديث) ~~استدل به البخاري وغيره على جواز الصلاة بالايماء وحال الركوب. قال ابن ~~بطال: لو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانا لكان ~~بينا في الاستدلال، وان لم يوجد ذلك فالاستدلال يكون بالقياس، يعني أنه كما ~~ساغ لأولئك أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المفترض، كذلك يسوغ للطالب ترك، ~~إتمام الأركان والانتقال إلى الايماء. قال ابن المنير: والأبين عندي أن وجه ~~الاستدلال من جهة أن الاستعجال المأمور به يقتضي ترك الصلاة أصلا كما جرى ~~لبعضهم، أو الصلاة على الدواب كما وقع لآخرين، لأن النزول ينافي مقصود الجد ~~في الوصول، فالأولون بنوا على أن النزول معصية بمعارضته للامر الخاص ~~بالاسراع، وكان تأخيرهم لها لوجود المعارض، والآخرون جمعوا بين دليلي وجوب ~~الاسراع ووجوب الصلاة في وقتها فصلوا ركبانا، فلو فرضنا أنهم نزلوا لكان ~~ذلك مضادة للامر بالاسراع وهو لا يظن بهم لما فيه من المخالفة، وهذا الذي ~~حاوله ابن المنير قد أشار إليه ابن بطال بقوله: لو وجد في بعض طرق الحديث ~~إلى آخره، فلم يستحسن الجزم في النقل بالاحتمال. وأما قوله له، لا يظن بهم ~~المخالفة فمعترض بمثله بأن يقال لا يظن بهم المخالفة بتغيير هيئة الصلاة ~~بغير توقيف وقال الحافظ: والأولى ما قال ابن المرابط، ووافقه الزين بن ~~المنير أن وجه الاستدلال منه بطريق الأولوية، لأن الذين أخروا الصلاة حتى ~~وصلوا إلى بني قريظة لم يعنفوا مع كونهم فوتوا الوقت، وصلاة من لا يفوت ~~الوقت بالايماء أو كيفما يمكن أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها. ~~PageV04P012 # أبواب صلاة الكسوف باب النداء لها وصفتها عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنه قال: لما كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نودي أن ~~الصلاة جامعة، فركع النبي صلى الله عليه ms1436 وآله وسلم ركعتين في سجدة ثم قام ~~فركع ركعتين في سجدة، ثم جلي عن الشمس، قالت عائشة: # ما ركعت ركوعا قط ولا سجدت سجودا قط كان أطول منه. وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث ~~مناديا الصلاة جامعة فقام فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. وعن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد فقام ~~فكبر وصف الناس وراءه فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى ~~من القراءة الأولى، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ~~ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعا ~~هو أدنى من الركوع الأول ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد ~~ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، ~~وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ~~ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينخسفان لموت أحد ~~ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام قياما ~~طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا ~~وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ~~ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون ~~الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا ~~طويلا وهو دون الركوع الأول، PageV04P013 # ثم سجد، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات ~~الله يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله متفق ms1437 على هذه ~~الأحاديث. # قوله: لما كسفت الشمس الكسوف لغة التغير إلى سواد، ومنه كسف في وجهه، ~~وكسفت الشمس اسودت وذهب شعاعها. قال في الفتح: والمشهور في استعمال الفقهاء ~~أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح، ~~وقيل: يتعين ذلك. وحكى عياض عن بعضهم عكسه وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في ~~القرآن. وقيل: يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث. قال الحافظ: ولا ~~شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف التغير إلى سواد ~~والخسوف النقصان أو الذل، قال: ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان. وقيل: ~~بالكاف في الابتداء والخاء في الانتهاء. وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء ~~وبالخاء لبعضه. # وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغييره انتهى. وقد روي عن عروة أنه ~~قال: لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت، قال في الفتح: وهذا موقوف صحيح ~~رواه سعيد بن منصور عنه. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، لكن الأحاديث ~~الصحيحة المذكورة في الباب وغيرها ترد ذلك. قوله: ركعتين في سجدة المراد ~~بالسجدة هنا الركعة بتمامها، وبالركعتين الركوعان، وهو موافق لروايتي عائشة ~~وابن عباس. قوله: قالت عائشة الراوي لذلك عنها هو أبو سلمة، ويحتمل أن يكون ~~عبد الله بن عمرو، فيكون من رواية صحابي عن صحابية. قال في الفتح: ووهم من ~~زعم أنه معلق، فقد أخرجه مسلم وابن خزيمة وغيرهما من رواية أبي سلمة عن عبد ~~الله بن عمرو، وفيه قول عائشة هذا. قوله: ما ركعت الخ، ذكر الركوع لمسلم ~~والبخاري اقتصر على ذكر السجود، وقد ثبت طول الركوع والسجود في الكسوف في ~~أحاديث كثيرة. منها: المذكورة في الباب. ومنها: عن عبد الله بن عمرو من وجه ~~آخر عند النسائي. وعن أبي هريرة عنده. وعن أبي موسى عند الشيخين. وعن سمرة ~~عند أبي داود والنسائي. وعن جابر وعن أسماء وسيأتيان، وإلى مشروعية التطويل ~~في الركوع والسجود في صلاة الكسوف كما يطول القيام ذهب أحمد وإسحاق ~~والشافعي في أحد قوليه، وبه جزم أهل العلم بالحديث من ms1438 أصحابه واختاره ابن ~~سريج. PageV04P014 # قوله: خسفت الشمس بالخاء المعجمة، وقد تقدم بيان معنى الخسوف. قوله: وصف ~~الناس برفع الناس أي اصطفوا، يقال: صف القوم إذا صاروا صفا، ويجوز النصب ~~والفاعل ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: وانجلت الشمس ~~قبل أن ينصرف فيه أن الانجلاء وقع قبل انصراف النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الصلاة. قوله: ثم قام فخطب الناس فيه استحباب الخطبة بعد صلاة ~~الكسوف وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل، ~~وتعقب بأن الأحاديث وردت بذلك وهي ذات كثرة كما قال الحافظ، والمشهور عند ~~المالكية أنه لا خطبة في الكسوف، مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، ~~وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد لها الخطبة بخصوصها، ~~وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، وتعقب ~~بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح لها، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء، ~~وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الاعلام بسبب الكسوف، والأصل ~~مشروعية الاتباع والخصائص لا تثبت إلا بدليل. وقد ذهب إلى عدم استحباب ~~الخطبة في الكسوف مع مالك أبو حنيفة والعترة. قوله: لا ينخسفان في رواية: ~~يخسفان بدون نون كما سيأتي في حديث ابن عباس. قوله: لموت أحد إنما قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم كذلك لأن ابنه إبراهيم مات فقال الناس: إنما كسفت ~~الشمس لموت إبراهيم. ولأحمد والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ~~من حديث النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فخرج فزعا يجر ثوبه حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلي حتى انجلت فلما ~~انجلت قال: إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من ~~العظماء وليس كذلك الحديث. # وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب. ~~قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير الأرض من ~~موت ms1439 أو ضرر، فأعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه اعتقاد باطل، وأن ~~الشمس والقمر خلقان مسخران لله تعالى، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة ~~على الدفع عن أنفسهما. قوله: ولا لحياته استشكلت هذه الزيادة لأن السياق ~~إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة. قال في ~~الفتح: والجواب أن فائدة PageV04P015 # ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببا للفقد أن لا يكون ~~سببا للايجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. قوله: فإذا رأيتموهما ~~أكثر الروايات بصيغة ضمير المؤنث، والمراد رأيتم كسوف كل واحد في وقته ~~لاستحالة اجتماعهما في وقت واحد. قوله: فافزعوا بفتح الزاي أي التجؤوا أو ~~توجهوا، وفيه إشارة إلى المبادرة، وأنه لا وقت لصلاة الكسوف معين، لأن ~~الصلاة علقت برؤية الشمس أو القمر وهي ممكنة في كل وقت، وبهذا قال الشافعي ~~ومن تبعه، واستثنت الحنفية أوقات الكراهة وهو مشهور مذهب أحمد. وعن ~~المالكية وقتها من وقت محل النافلة إلى الزوال. وفي رواية إلى صلاة العصر، ~~ورجح الأول بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قيل الانجلاء، وقد انفقوا على ~~أنها لا تقضى بعده، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود. ~~قال في الفتح: ولم أقف على شئ من الطرق مع كثرتها أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلاها الأضحى، لكن ذلك وقع اتفاقا فلا يدل على منع ما عداه، ~~واتفقت الطرق على أنه بادر إليها انتهى. قوله: نحوا من سورة البقرة فيه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسر بالقراءة. قوله: وهو دون القيام الأول ~~فيه أن القيام الأول من الركعة الأولى أطول من القيام الثاني منها، وكذا ~~الركوع الأول والثاني منها لقوله: وهو دون الركوع الأول. قال النووي: ~~اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه ~~فيهما. قوله: ثم سجد أي سجدتين. # قوله: ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول فيه دليل لمن قال: إن ~~القيام الأول من الركعة ms1440 الثانية يكون دون القيام الثاني من الركعة الأولى، ~~وقد قال ابن بطال: # إنه لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة ~~الثانية بقيامها وركوعها. قوله: ثم رفع فقام قياما طويلا الخ فيه أنه يشرع ~~تطويل القيامين والركوعين في الركعة الآخرة، وقد ورد تقدير القيام في ~~الثانية بسورة آل عمران كما في سنن أبي داود، وفيه أيضا أن القيام الثاني ~~دون الأول كما في الركعة الأولى وكذلك الركوع، وقد تقدمت حكاية النووي ~~للاتفاق على ذلك. والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أن المشروع في صلاة ~~الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان. وقد اختلف العلماء في صفتها بعد الاتفاق ~~على أنها سنة غير واجبة، كما حكاه النووي في شرح مسلم، والمهدي في البحر ~~وغيرهما، فذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور إلى أنها ركعتان في كل ركعة ~~ركوعان، وهي PageV04P016 # الصفة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة المذكورة في الباب وغيرها وحكي في ~~البحر عن العترة جميعا أنها ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات، واستدلوا له ~~بحديث أبي بن كعب وسيأتي وقال أبو حنيفة والثوري والنخعي: أنها ركعتان ~~كسائر النوافل في كل ركعة ركوع واحد، وحكاه النووي عن الكوفيين، واستدلوا ~~بحديث النعمان وسمرة الآتيين. وقال حذيفة: في كل ركعة ثلاثة ركوعات، واستدل ~~بحديث جابر وابن عباس وعائشة وستأتي. قال النووي: وقد قال بكل نوع جماعة من ~~الصحابة، وحكى النووي عن ابن عبد البر أنه قال: أصح ما في الباب ركوعان، ~~وما خالف ذلك فمعلل أو ضعيف، وكذا قال البيهقي، ونقل صاحب الهدى عن الشافعي ~~وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من ~~بعض الرواة، لأن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها إن ذلك ~~كان يوم موت إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعين الاخذ بالراجح، ولا شك أن ~~أحاديث الركوعين أصح، قال في الفتح: وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد ~~الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارا، فيكون كل من هذه الأوجه جائزا، وإلى ذلك ~~ذهب إسحاق لكن لم ms1441 يثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات. وقال ابن خزيمة وابن ~~المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك وهو ~~من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم، وبمثل ذلك قال الامام يحيى. ~~والحق إن صح تعدد الواقعة أن الأحاديث المشتملة على الزيادة الخارجة من ~~مخرج صحيح يتعين الاخذ بها لعدم منافاتها للمريد، وإن كانت الواقعة ليست ~~إلا مرة واحدة فالمصير إلى الترجيح أمر لا بد منه وأحاديث الركوعين أرجح. # وعن أسماء رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة ~~الكسوف فأقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ثم ~~ركع فأطال الركوع، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم قام فأطال القيام، ثم ~~ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فسجد ~~فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم انصرف رواه أحمد والبخاري ~~وأبو داود وابن ماجة. وعن جابر رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد ~~PageV04P017 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا ~~يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم سجد سجدتين ثم قام، ~~فصنع نحوا من ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات رواه أحمد ومسلم وأبو ~~سعيد. # ومن الأحاديث المصرحة بالركوعين حديث علي عند أحمد، وحديث أبي هريرة عند ~~النسائي، وحديث ابن عمر عند البزار، وحديث أم سفيان عند الطبراني. قوله: # ثم رفع ثم سجد لم يذكر فيه تطويل الرفع الذي يتعقبه السجود ولا في غيره ~~من الأحاديث المتقدمة. ووقع عند مسلم من حديث جابر بلفظ: ثم رفع فأطال ثم ~~سجد. قال النووي: هي رواية شاذة، وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة ~~وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر وفيه: ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع، ثم ~~رفع فأطال حتى قيل لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل لا يرفع، ثم رفع فجلس ~~فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، ms1442 ثم سجد وصحح الحديث الحافظ قال: لم أقف في ~~شئ من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا. وقد نقل الغزالي ~~الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام، وإلا فهو ~~محجوج بهذه الرواية، والكلام على ألفاظ الحديثين قد سبق وهما من حجج ~~القائلين بأن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان. # باب من أجاز في كل ركعة ثلاث ركوعات وأربعة وخمسة عن جابر رضي الله عنه ~~قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ست ركعات ~~بأربع سجدا ت رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى ~~في كسوف فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد والأخرى مثلها ~~رواه الترمذي وصححه. وعن عائشة رضي الله عنها أن نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى ست ركعات وأربع سجدات رواه أحمد والنسائي. # حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي وقال عن الشافعي: إنه غلط، وهذه الدعوى ~~يردها ثبوته في الصحيح فإنه رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن ~~نمير، PageV04P018 # عن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وحديث ابن عباس رواه الترمذي عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، ~~عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ~~علل الحديث بأن حبيبا لم يسمع من طاوس، قال البيهقي، حبيب وإن كان ثقة فإنه ~~كان يدلس ولم يبين سماعه من طاوس. وحديث عائشة هو أيضا في صحيح مسلم بهذا ~~اللف الذي ذكره المصنف. ولعائشة أيضا حديث آخر في صحيح مسلم ولفظه: إن ~~الشمس انكسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام قياما شديدا ~~يقوم قائما، ثم يركع، ثم يقوم، ثم يركع، ثم يقوم، ثم يركع ركعتين في ثلاث ~~ركعات وأربع سجدات وانصرف وقد ms1443 تجلت الشمس، وكان إذا ركع قال الله أكبر ثم ~~يركع وإذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: إن الشمس والقمر الحديث. وهذه الأحاديث الصحيحة ترد ما تقدم عن ابن ~~عبد البر والبيهقي من أن ما خالف أحاديث الركوعين معلل أو ضعيف، وما تقدم ~~عن الشافعي وأحمد والبخاري من عدهم لما خالف أحاديث الركوعين غلطا، وقد ~~استدل بأحاديث الباب على أن المشروع في صلاة الكسوف في كل ركعة ثلاثة ~~ركوعات، وقد تقدم الخلاف في ذلك. قوله: ست ركعات وأربع سجدات أي صلى ركعتين ~~في كل ركعة ثلاثة ركوعات وسجدتان. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في ~~كسوف قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والآخر ~~مثلها. وفي لفظ: صلى ثماني ركعات في أربع سجدات روى ذلك أحمد ومسلم ~~والنسائي وأبو داود. # الحديث مع كونه في صحيح مسلم ومع تصحيح الترمذي له قد قال ابن حبان في ~~صحيحه: إنه ليس بصحيح، قال لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، ولم ~~يسمعه حبيب من طاوس، وحبيب معروف بالتدليس كما تقدم، ولم يصرح بالسماع من ~~طاوس، وقد خالفه سليمان الأحول فوقفه، وروي عن حذيفة نحوه قاله البيهقي. # قوله: ثماني ركعات الخ أي ركع ثماني مرات، كل أربع في ركعة، وسجد في كل ~~ركعة PageV04P019 # سجدتين (والحديث يدل) على أن من جملة صفات صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ~~أربعة ركوعات. # وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فصلى بهم، فقرأ بسورة من الطول وركع خمس ركعات وسجدتين، ثم ~~قام إلى الثانية فقرأ بسورة من الطول وركع خمس ركعات وسجدتين ثم جلس كما هو ~~مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها. رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد في ~~المسند. وقد روي بأسانيد حسان من حديث سمرة والنعمان بن ms1444 بشير وعبد الله بن ~~عمرو: أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلاها ركعتين كل ركعة بركوع. # وفي حديث قبيصة الهلالي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا رأيتم ذلك ~~فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة والأحاديث بذلك كله لأحمد ~~والنسائي. والأحاديث المتقدمة بتكرار الركوع أصح وأشهر. # أما حديث أبي بن كعب فأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وقال: هذا سند لم يحتج ~~الشيخان بمثله، وهذا توهين منه للحديث بأن سنده مما لا يصلح للاحتجاج به ~~عند الشيخين، لا أنه تقوية للحديث وتعظيم لشأنه كما فهمه بعض المتأخرين، ~~وروي عن ابن السكن تصحيح هذا الحديث، وقال الحاكم: رواته صادقون. وفي ~~إسناده أبو جعفر عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي. قال الفلاس: سيئ الحفظ. ~~وقال ابن المديني: يخلط عن المغيرة. وقال ابن معين: ثقة (وفي الباب) عن علي ~~عليه السلام عند البزار وهو معلول كما قال في الفتح، وقد احتج بهذا الحديث ~~القائلون بأن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات وقد تقدم ذكرهم. ~~وأما حديث سمرة فأخرجه أيضا مسلم وفيه: قرأ بسورتين وصلى ركعتين. وأما حديث ~~النعمان بن بشير فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه ابن عبد ~~البر، وهو عند بعض هؤلاء باللفظ الذي ذكره المصنف عن قبيصة، وأعله ابن أبي ~~حاتم بالانقطاع. وأما حديث ابن عمرو فأخرجه أيضا أبو داود والترمذي ورجاله ~~ثقات. وأما حديث قبيصة فأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم باللفظ الذي ذكره ~~المصنف، وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح. (وفي الباب) ~~PageV04P020 # عن أبي بكرة عند النسائي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى ركعتين ~~مثل صلاتكم هذه وقد احتج بهذه الأحاديث القائلون بأن صلاة الكسوف ركعتان ~~بركوع واحد كسائر الصلوات، وقد تقدم ذكرهم، وقد رجحت أدلة هذا المذهب ~~باشتمالها على القول كما في حديث قبيصة، والقول أرجح من الفعل، وأشار ~~المصنف إلى ترجيح الأحاديث التي فيها تكرار الركوع، ولا شك أنها أرجح من ~~وجوه كثيرة، منها كثرة طرقها، وكونها في الصحيحين، واشتمالها على ms1445 الزيادة. # باب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ~~ركعتين وأربع سجدات أخرجاه وفي لفظ: صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها ~~رواه الترمذي وصححه. # وفي لفظ: قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأتى المصلى فكبر فكبر الناس، ثم قرأ فجهر بالقراءة وأطال القيام. وذكر ~~الحديث، رواه أحمد. وعن سمرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في كسوف ركعتين لا نسمع له فيها صوتا رواه الخمسة وصححه ~~الترمذي، وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده لأن في رواية مبسوطة له: أتينا ~~والمسجد قد امتلأ. # حديث عائشة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم، والرواية التي أخرجها أحمد ~~أخرجها أيضا أبو داود الطيالسي في مسنده، وأخرج نحوها ابن حبان. وحديث سمرة ~~صححه أيضا ابن حبان والحاكم، وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد راويه عن ~~سمرة، وقد قال ابن المديني: إنه مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات مع أنه لا ~~راوي له إلا الأسود بن قيس، كذا قال الحافظ (وفي الباب) عن ابن عباس عند ~~الشافعي وأبي يعلى والبيهقي قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في صلاة الكسوف فما سمعت منه حرفا من القرآن وفي إسناده ابن لهيعة. ~~وللطبراني نحوه من وجه آخر، وقد وصله البيهقي من ثلاث طرق أسانيدها ~~PageV04P021 # واهية. ولابن عباس حديث آخر متفق عليه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قام قياما طويلا من سورة البقرة وقد تقدم، وهو يدل على أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يجهر قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة، ~~ورجح الشافعي رواية سمرة بأنها موافقة لرواية ابن عباس المتقدمة ولروايته ~~الأخرى، والزهري قد انفرد بالجهر، وهو وإن كان حافظا فالعدد أولى بالحفظ من ~~واحد، قاله البيهقي. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه مثبت وروايته مقدمة، ms1446 وجمع ~~بين حديث سمرة وعائشة بأن سمرة كان في أخريات الناس، فلهذا لم يسمع صوته، ~~ولكن قول ابن عباس: كنت إلى جنبه يدفع ذلك. وجمع النووي: بأن رواية الجهر ~~في القمر ورواية الاسرار في كسوف الشمس، وهو مردود بالرواية التي ذكرها ~~المصنف في حديث عائشة منسوبة إلى أحمد، وبما أخرجه ابن حبان من حديثها ~~بلفظ: # كسفت الشمس والصواب أن يقال: إن كانت صلاة الكسوف لم تقع منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا مرة واحدة كما نص على ذلك جماعة من الحفاظ، فالمصير إلى ~~الترجيح متعين، وحديث عائشة أرجح لكونه في الصحيحين، ولكونه متضمنا ~~للزيادة، ولكونه مثبتا، ولكونه معتضدا بما أخرجه ابن خزيمة وغيره عن علي ~~مرفوعا من إثبات الجهر، وإن صح أن صلاة الكسوف وقعت أكثر من مرة كما ذهب ~~إليه البعض، فالمتعين الجمع بين الأحاديث بتعدد الواقعة فلا معارضة بينها، ~~إلا أن الجهر أولى من الاسرار لأنه زيادة، وقد ذهب إلى ذلك أحمد وإسحاق ~~وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية، وبه قال صاحبا أبي ~~حنيفة وابن العربي من المالكية. وحكى النووي عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة ~~والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس، ويجهر في خسوف القمر، ~~وإلى مثل ذلك ذهب الامام يحيى وقال الطبري: يخير بين الجهر والاسرار. وإلى ~~مثل ذلك ذهب الهادي ورواه في البحر عن مالك، وهو خلاف ما حكاه غيره عنه. ~~واعلم أنه لم يرد تعيين ما قرأ به صلى الله عليه وآله وسلم إلا في حديث ~~لعائشة، أخرجه الدارقطني والبيهقي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في ~~الأولى بالعنكبوت، وفي الثانية بالروم أو لقمان، وقد ثبت الفصل بالقراءة ~~بين كل ركوعين كما تقدم من حديث عائشة المتفق عليه، PageV04P022 # فيتخير المصلي من القرآن ما شاء، ولا بد من القراءة بالفاتحة في كل ركعة ~~لما تقدم من الأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون فاتحة. قال النووي: ~~واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كركعة، ms1447 واختلفوا في ~~القيام الثاني، فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة إلا ~~بقراءتها فيه. وقال محمد بن مسلمة من المالكية لا تتعين الفاتحة في القيام ~~الثاني انتهى. وينبغي الاستكثار من الدعاء لورود الامر به في الأحاديث ~~الصحيحة، كما في حديث ابن عباس المتقدم وغيره. # باب الصلاة لخسوف القمر في جماعة مكررة الركوع عن محمود بن لبيد رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات ~~الله وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا ~~إلى المساجد رواه أحمد. وعن الحسن البصر رضي الله عنه قال: خسف القمر وابن ~~عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب ~~وقال: إنما صليت كما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي رواه الشافعي ~~في مسنده. # حديث محمود بن لبيد أصله في الصحيحين بدون قوله: فافزعوا إلى المساجد وقد ~~أخرج هذه الزيادة أيضا الحاكم وابن حبان. وحديث ابن عباس أخرجه الشافعي كما ~~ذكر المصنف عن شيخه إبراهيم بن محمد وهو ضعيف ولا يحتج بمثله. وقول الحسن ~~صلى بنا لا يصح، قال الحسن: لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها. وقيل: إن ~~هذا من تدليساته، وأن المراد من قوله: صلى بنا أي صلى بأهل البصرة. ~~(والحديثان) يدلان على مشروعية التجميع في خسوف القمر، أما الأول فلقوله ~~فيه: فإذا رأيتموهما كذلك الخ، ولكنه لم يصرح بصلاة الجماعة. وأما الحديث ~~الثاني فلقول ابن عباس بعد أن صلى بهم جماعة في خسوف القمر: إنما صليت كما ~~رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ولكنه يحتمل أن يكون المشبه بصلاة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صفتها من الاقتصار في كل ركعة على ركوعين ~~ونحو ذلك، لا أنها مفعولة في خصوص ذلك الوقت PageV04P023 # الذي فعلها فيه لما تقدم من اتحاد القصة، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة عند موت ولده إبراهيم، ms1448 نعم أخرج الدارقطني من ~~حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي في كسوف الشمس ~~والقمر أربع ركعات وأخرج أيضا عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى في كسوف القمر ثماني ركعات في أربع سجدات. وذكر القمر في الأول ~~مستغرب كما قال الحافظ، والثاني في إسناده نظر لأنه من طريق حبيب عن طاوس ~~ولم يسمع منه. # وقد أخرجه مسلم بدون ذكر القمر، وإنما اقتصر المصنف في التبويب على ذكر ~~القمر لأن التجميع في كسوف الشمس معلوم من فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المتقدمة وغيرها. وقد ذهب مالك ~~والشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن صلاة الكسوف والخسوف تسن الجماعة ~~فيها. وقال أبو يوسف ومحمد: بل الجماعة شرط فيهما. وقال الامام يحيى: إنها ~~شرط في الكسوف فقط وقال العراقيون: إن صلاة الكسوف والخسوف فرادى، وحكي في ~~البحر عن أبي حنيفة ومالك أن الانفراد شرط. وحكى النووي في شرح مسلم عن ~~مالك أنه يقول بأن الجماعة تسن في الكسوف والخسوف كما تقدم. وحكي في البحر ~~عن العترة أنه يصح الامر أن (احتج الأولون) بالأحاديث الصحيحة المتقدمة، ~~وليس لمن ذهب إلى أن الانفراد شرط، أو أنه أولى من التجميع دليل، وأما من ~~جوز الامرين فقال: لم يرد ما يقتضي اشتراط التجميع لأن فعله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية وهو صحيح، ولكنه لا ينفي ~~أولوية التجميع. # باب الحث على الصدقة والاستغفار والذكر في الكسوف وخروج وقت الصلاة ~~بالتجلي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لقد أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالعتاقة في كسوف الشمس. وعن عائشة رضي الله عنها: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ~~يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا ~~PageV04P024 # وصلوا. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: خسفت الشمس ms1449 فقام النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فصلى وقال: إذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ~~ودعائه واستغفاره. وعن المغيرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم مات إبراهيم فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ~~عز وجل لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فادعوا الله تعالى ~~وصلوا حتى ينجلي متفق. # قوله: العتاقة بفتح العين المهملة. وفي لفظ للبخاري في كتاب العتق من ~~طريق غنام بن علي بن هشام: كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة وفيه مشروعية ~~الاعتاق عند الكسوف. قوله: فادعوا الله الخ فيه الحث على الدعاء والتكبير ~~والتصدق والصلاة. قوله: فافزعوا إلى ذكر الله الخ فيه أيضا الندب إلى ~~الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، لأنه مما يدفع الله تعالى به البلاء، ~~ومنهم من حمل الذكر والدعاء على الصلاة لكونهما من أجزائها وفيه نظر، لأنه ~~قد جمع بين الذكر والدعاء وبين الصلاة في حديث عائشة المذكور في الباب. وفي ~~حديث أبي بكرة عند البخاري وغيره ولفظه: فصلوا وادعوا. قوله: يوم مات ~~إبراهيم يعني ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال الحافظ: وقد ذكر ~~جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قيل: في ربيع الأول، ~~وقيل: في رمضان، وقيل: # في ذي الحجة، والأكثر أنه في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، في رابع عشره، ~~ولا يصح شئ من هذا على قول ذي الحجة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم ~~قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت صح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية، ~~وقد استدل بوقوع الكسوف عند موت إبراهيم على بطلان قول أهل الهيئة لأنهم ~~كانوا يزعمون أنه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فرض الشافعي وقوع العيد ~~والكسوف معا، واعترضه بعض من اعتمد على قول أهل الهيئة، ms1450 ورد عليه أصحاب ~~الشافعي. قوله: حتى ينجلي فيه أن الصلاة والدعاء يشرعان إلى أن ينجلي ~~الكسوف فلا يستحب ابتداء الصلاة بعده، وأما إذا حصل الانجلاء وقد فعل ~~PageV04P025 # بعض الصلاة فقيل يتمها. وقيل: يقتصر على ما قد فعل. وقيل: يتمها على هيئة ~~النوافل، وإذا وقع الانجلاء بعد الفراغ من صلاة الكسوف وقيل الخطبة فظاهر ~~حديث عائشة المتقدم بلفظ: وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ثم قام فخطب الناس ~~أنها تشرع الخطبة بعد الانجلاء، وفي الحديث أنها تستحب ملازمة الصلاة ~~والذكر إلى الانجلاء وقال الطحاوي: إن قوله: فصلوا وادعوا يدل على أن من ~~سلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي، وقرره ابن دقيق ~~العيد قال: لأنه جعل الغاية لمجموع الامرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية ~~لكل واحد منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتدا إلى غاية الانجلاء ~~بعد الصلاة فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة ولا تكريرها. ~~وأما ما وقع عند النسائي من حديث النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يصلي ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت ~~فقال في الفتح: إن كان محفوظا احتمل أن يكون معنى قوله ركعتين أي ركوعين، ~~وقد وقع التعبير بالركوع عن الركعة في حديث الحسن المتقدم في الباب الذي ~~قبل هذا، ويحتمل أن يكون السؤال بالإشارة فلا يلزم التكرار. وقد أخرج عبد ~~الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان كلما ~~ركع ركعة أرسل رجلا ينظر هل انجلت فتعين الاحتمال المذكور، وإن ثبت تعدد ~~القصة زال الاشكال. # [كتاب الاستسقاء] عن ابن عمر رضي الله عنهما في حديث له: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين ~~وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر ~~من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا رواه ابن ماجة. # الحديث هذا ذكره ابن ماجة في كتاب الزهد مطولا، وفي إسناده خالد ms1451 بن يزيد ~~بن عبد الرحمن بن أبي مالك وهو ضعيف، وقد ذكره الحافظ في التلخيص. لم يتكلم ~~عليه. (وفي الباب) عن بريدة عند الحاكم والبيهقي: ما نقض قوم العهد إلا كان ~~PageV04P026 # فيهم القتل، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله تعالى عنهم القطر واختلف ~~فيه على عبد الله بن بريدة فقيل عنه هكذا. وقيل عن ابن عباس. قوله: كتاب ~~الاستسقاء قال في الفتح: الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو ~~للغير، وشرعا طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص انتهى. قال ~~الرافعي: هو أنواع أدناها الدعاء المجرد، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات، ~~وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين، والاخبار وردت بجميع ذلك انتهى. وسيأتي ~~ذكرها في هذا الكتاب. # قوله: لم ينقص قوم المكيال والميزان الخ، فيه أن نقص المكيال والميزان ~~سبب للجدب وشدة المؤنة وجور السلاطين. قوله: ولم يمنعوا زكاة أموالهم الخ، ~~فيه أن منع الزكاة من الأسباب الموجبة لمنع قطر السماء. قوله: ولولا ~~البهائم الخ، فيه أن نزول الغيث عند وقوع المعاصي إنما هو رحمة من الله ~~تعالى للبهائم. وقد أخرج أبو يعلى والبزار من حديث أبي هريرة بلفظ: مهلا عن ~~الله مهلا فإنه لولا شباب خشع، وبهائم رتع وأطفال رضع: لصب عليكم العذاب ~~صبا. وفي إسناده إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك وهو ضعيف وأخرجه أبو نعيم ~~من طريق مالك بن عبيدة بن مسافع عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لولا عباد لله ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم ~~العذاب صبا وأخرجه أيضا البيهقي وابن عدي ومالك بن عبيدة، قال أبو حاتم ~~وابن معين مجهول وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عدي: ليس له غير هذا ~~الحديث وله شاهد مرسل، أخرجه أبو نعيم أيضا في معرفة الصحابة عن أبي ~~الزاهرية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من يوم إلا وينادي ~~مناد: مهلا أيها الناس مهلا، فإن لله سطوات، ولولا رجال خشع، وصبيان رضع، ms1452 ~~ودواب رتع، لصب عليكم العذاب صبا ثم رضضتم به رضا وأخرج الدارقطني والحاكم ~~من حديث أبي هريرة رفعه قال: خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو بنملة ~~رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا فقد استجيب من أجل شأن النملة ~~وأخرج نحوه أحمد والطحاوي. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما ~~يخرجون فيه قالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بدا ~~حاجب الشمس، PageV04P027 # فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عز وجل ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم ~~واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه، ~~ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك ~~يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل الله ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا ~~أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة ~~وبلاغا إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول ~~إلى الناس ظهره وقلب، أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل ~~فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله ~~تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى ~~بدت نواجذه فقال: أشهد أن الله على كل شئ قدير، وأني عبد الله ورسوله رواه ~~أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن، وقال ~~أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جيد. قوله: قحوط المطر هو مصدر قحط. قوله: ~~فأمر بمنبر الخ فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء. # قوله: ووعد الناس الخ، فيه أنه يستحب للامام أن يجمع الناس ويخرج بهم إلى ~~خارج البلد. # قوله: حين بدا حاجب الشمس في القاموس: حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها ~~انتهى. وإنما سمي الضوء حاجبا لأنه ms1453 يحجب جرمها عن الادراك. وفيه استحباب ~~الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. وقد أخرج الحاكم وأصحاب السنن عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صنع في الاستسقاء كما صنع في ~~العيد وسيأتي، وظاهره أنه صلاها وقت صلاة العيد كما قال الحافظ. وقد حكى ~~ابن المنذر الاختلاف في وقتها، قال في الفتح: والراجح أنه لا وقت لها معين ~~وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها مخالفة بأنها لا تختص بيوم معين. ونقل ~~ابن قدامة الاجماع على أنها لا تصلي في وقت الكراهة، وأفاد ابن حبان بأن ~~خروجه صلى الله عليه وآله وسلم للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من ~~الهجرة. قوله: عن إبان زمانه بكسر الهمز وبعدها باء موحدة مشددة قال في ~~القاموس: إبان الشئ بالكسر حينه أو أوله انتهى. قوله: وقد أمركم الله الخ، ~~يريد قول الله تعالى: * (ادعوني أستجب لكم) * (غافر: 60). PageV04P028 # قوله: قوة لنا وبلاغا إلى حين أي اجعله سببا لقوتنا ومده لنا مدا طويلا. ~~قوله: # ثم رفع يديه الخ فيه استحباب المبالغة في رفع اليدين عند الاستسقاء، ~~وسيأتي حديث أنس أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرفع يديه في شئ من ~~دعائه إلا في الاستسقاء. قوله: ثم حول إلى الناس ظهره فيه استحباب استقبال ~~الخطيب عند تحويل الرداء القبلة، والحكمة في ذلك التفاؤل بتحولة عن الحالة ~~التي كان عليها، وهي المواجهة للناس إلى الحالة الأخرى، وهي استقبال القبلة ~~واستدبارهم ليتحول عنهم الحال الذي هم فيه وهو الجدب، بحال آخر وهو الخصب. ~~قوله: وقلب أو حول رداءه سيأتي الكلام على تحويل الرداء في الباب الذي عقده ~~المصنف لذلك. قوله: ونزل فصلى ركعتين فيه استحباب الصلاة في الاستسقاء، ~~وسيأتي الكلام على ذلك. # قوله: إلى الكن بكسر الكاف وتشديد النون. قال في القاموس: الكن وقاء كل ~~شئ وستره كالكنة والكنان بكسرهما، والبيت الجمع أكنان. وأكنة انتهى. قوله: # حتى بدت نواجذه النواجذ على ما ذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس وهي ~~أربعة، أو هي الأنياب أو التي تلي ms1454 الأنياب، أو هي الأضراس كلها، جمع ناجذ، ~~والنجذ شدة العض بها انتهى. # باب صفة صلاة الاستسقاء وجوازها قبل الخطبة وبعدها عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: خرج نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما يستسقي فصلى بنا ~~ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله عز وجل وحول وجهه نحو ~~القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على ~~الأيمن رواه أحمد وابن ماجة. وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين ~~استقبل القبلة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القبلة فدعا رواه أحمد. ~~وعنه أيضا قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خرج يستسقي قال: ~~فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر ~~فيهما بالقراءة رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي. ورواه مسلم ولم ~~يذكر الجهر بالقراءة. PageV04P029 # الحديث الأول أخرجه أيضا أبو عوانة والبيهقي وقال: تفرد به النعمان بن ~~راشد، وقال في الخلافيات: رواته ثقات، والرواية الأولى من حديث عبد الله بن ~~زيد ذكرها الحافظ في التلخيص والفتح ولم يتكلم عليها مع معارضتها للرواية ~~الأخرى المذكورة في الصحيحين. وقد أخرج نحوها ابن قتيبة في الغريب من حديث ~~أنس. وقد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس، ففي حديث ~~أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل ~~الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين وغيرهما. وكذا في حديث ابن ~~عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه ~~لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين أنه خطب، وإنما ذكر ~~تحويل الظهر لمشابهتها للعيد. وكذا قال القرطبي يعتضد القول بتقديم الصلاة ~~على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، ~~قال في الفتح: ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات ms1455 في ذلك أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على ~~شئ وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف، والمرجح عند الشافعية ~~والمالكية الشروع بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك. قال النووي: وبه قال ~~الجماهير وقال الليث بعد الخطبة: وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول ~~الجماهير. قال: # قال أصحابنا ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة ~~كصلاة العيد وخطبتها. وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، ~~واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة انتهى. وجواز التقديم والتأخير بلا ~~أولوية هو الحق، وحكى المهدي في البحر عن الهادي والمؤيد بالله أنه لا خطبة ~~في الاستسقاء، واستدلا لذلك بقول ابن عباس الآتي ولم يخطب كخطبتكم وهو غفلة ~~عن أحاديث الباب، وابن عباس إنما نفى وقوع خطبة منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم مشابهة لخطبة المخاطبين، ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، كما يدل على ذلك ما وقع في الرواية التي ستأتي من حديثه أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم: كما يدل على ذلك ما وقع في الرواية التي ستأتي من ~~حديثه أنه صلى الله عليه وآله وسلم رقى المنبر. وقد دلت الأحاديث الكثيرة ~~على مشروعية صلاة الاستسقاء، وبذلك قال جمهور العلماء من السلف والخلف، ولم ~~يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة مستدلا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة. ~~(واحتج الجمهور) بالأحاديث الثابتة في الصحيحين PageV04P030 # وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الاستسقاء ركعتين وهي ~~مشتملة على الزيادة التي لم تقع منافية فلا معذرة عن قبولها، وقد وقع ~~الاجماع من المثبتين للصلاة على أنها ركعتان، كما حكى ذلك النووي في شرح ~~مسلم والحافظ في الفتح للتصريح بذلك في أحاديث الباب وغيرها. وقال الهادي: ~~إنها أربع بتسليمتين، واستدل له بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استسقى ~~في الجمعة وهي بالخطبة أربع، ونصب مثل هذا الكلام الذي هو عن الدلالة على ~~مطلوب المستدل ms1456 بمراحل في مقابلة الأدلة الصحيحة الصريحة من الغرائب التي ~~يتعجب منها ووقع الاتفاق أيضا بين القائلين بصلاة الاستسقاء على أنها سنة ~~غير واجبة كما حكى ذلك النووي وغيره واختلف في صفة صلاة الاستسقاء، فقال ~~الشافعي وابن جرير وروي عن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز أنه يكبر فيها ~~كتكبير العيد، وبه قال زيد بن علي ومكحول وهو مروي عن أبي يوسف ومحمد. وقال ~~الجمهور: إنه لا تكبير فيها، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، وقال داود ~~إنه مخير بين التكبير وتركه (استدل) الأولون بحديث ابن عباس الآتي بلفظ: ~~فصلى ركعتين كما يصلي في العيد وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد ~~في العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة. وقد أخرج الدارقطني من حديث ~~ابن عباس أنه يكبر فيها سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيها بسبح وهل أتاك، ~~وفي إسناده محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري وهو متروك (وأحاديث الباب) ~~تدل على أنه يستحب للامام أن يستقبل القبلة، ويحول ظهره إلى الناس، ويحول ~~ردائه، وسيأتي الكلام على ذلك قوله: جهر فيهما بالقراءة قال النووي في شرح ~~مسلم: أجمعوا على استحبابه، وكذلك نقل الاجماع على استحباب الجهر ابن بطال. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما، وسئل عن الصلاة في الاستسقاء فقال: خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متواضعا مبتذلا متخشعا متضرعا، فصلى ~~ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه رواه أحمد والنسائي وابن ~~ماجة. # وفي رواية: خرج متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فرقي المنبر ولم ~~يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين ~~رواه أبو داود، وكذلك النسائي والترمذي وصححه لكن قالا: وصلى ركعتين ولم ~~يذكر الترمذي رقي المنبر. PageV04P031 # الحديث أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي، ~~وصححه أيضا، أبو عوانة وابن حبان. قوله: متبذلا أي لابسا لثياب البذلة، ~~تاركا لثياب الزينة تواضعا لله تعالى. قوله: متخشعا أي مظهرا للخشوع ليكون ~~ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز ms1457 وجل، وزاد في رواية: مترسلا أي غير ~~مستعجل في مشيه. قوله: متضرعا أي مظهرا للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة. ~~قوله: فصلى ركعتين فيه دليل على استحباب الصلاة وأنها قبل الخطبة، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك. قوله: كما يصلي في العيد تمسك به الشافعي ومن معه في ~~مشروعية التكبير في صلاة الاستسقاء، وقد تقدم الجواب عليه. قوله: ولم يخطب ~~خطبتكم هذه النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد، كما يدل على ذلك الأحاديث ~~المصرحة بالخطبة، ويدل عليه أيضا قوله في هذا الحديث، فرقي المنبر ولم يخطب ~~خطبتكم هذه، فلا يصح التمسك به لعدم مشروعية الخطبة كما تقدم. # باب الاستسقاء بذوي الصلاح وإكثار الاستغفار ورفع الأيدي بالدعاء وذكر ~~أدعية مأثورة في ذلك عن أنس رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا ~~استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون رواه ~~البخاري. # قوله: كان إذا قحطوا قال في الفتح: قحطوا بضم القاف وكسر المهملة أي ~~أصابهم القحط، قال: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به ~~العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناده أن العباس ~~لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا ~~بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ~~ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت ~~الأرض وعاش الناس. وأخرج أيضا من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن ~~عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب وذكر ~~الحديث وفيه: فخطب الناس PageV04P032 # عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى للعباس ما يرى ~~الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله. وفيه فما برحوا حتى ms1458 أسقاهم الله، وأخرج ~~البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقال عن أبيه بدل ابن عمر، ~~فيحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ~~ثماني عشرة، وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح ~~الراء وتخفيف الميم سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب، فاغبرت الأرض جدا ~~من عدم المطر، قال: ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير ~~والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته ~~بحقه، انتهى كلام الفتح. وظاهر قوله: كان إذا قحطوا استسقى بالعباس أنه فعل ~~ذلك مرارا كثيرة، كما يدل عليه لفظ كان، فإن صح أنه لم يقع منه ذلك إلا مرة ~~واحدة كانت كان مجردة عن معناها الذي هو الدلالة على الاستمرار. # وعن الشعبي رضي الله عنه قال: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار ~~فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي ~~يستنزل به المطر ثم قرأ: * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم ~~مدرارا) * و * ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) * الآية رواه سعيد في سننه. # قوله: فلم يزد على الاستغفار فيه استحباب الاستكثار من الاستغفار، لان ~~منع القطر متسبب عن المعاصي، والاستغفار بمحوها، فيزول بزوالها المانع من ~~القطر. # قوله: بمجاديح بجيم ثم دال مهملة ثم حاء مهملة أيضا جمع مجدح كمنبر قال ~~في القاموس: مجاديح السماء أنواؤها انتهى. والمراد بالأنواء النجوم التي ~~يحصل عندها المطر عادة فشبه الاستغفار بها. واستدل عمر بالآيتين، على أن ~~الاستغفار الذي ظن الاقتصار عليه يكون استسقاء من أعظم الأسباب التي يحصل ~~عندها المطر والخصب، لأن الله جل جلاله قد وعد عباده بذلك وهو لا يخلف ~~الوعد، ولكن إذا كان الاستغفار واقعا من صميم القلب وتطابق عليه الظاهر ~~والباطن وذلك مما يقل وقوعه. # وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV04P033 # لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه ms1459 كان يرفع يديه حتى ~~يرى بياض إبطيه متفق عليه. ولمسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~استسقى فأشار بظهر كفه إلى السماء. # قوله: إلا فالاستسقاء ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو ~~معارض للأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء وهي كثيرة، وقد أفردها ~~البخاري بترجمة في آخر كتاب الدعوات وساق فيها عدة أحاديث، وصنف المنذري في ~~ذلك جزءا. وقال النووي في شرح مسلم: وهي أكثر من أن تحصر، قال: وقد جمعت ~~منها نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو أحدهما، قال: وذكرتها في آخر باب ~~صفة الصلاة في شرح المهذب انتهى. فذهب بعض أهل العلم إلى أن العمل بها ~~أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب ~~آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على جهة ~~مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه ويؤيده ~~أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد ~~اليدين أو بسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء زاد على ذلك، فرفعهما ~~إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وحينئذ يرى بياض إبطيه. وإما على صفة رفع اليدين ~~في ذلك كما في رواية مسلم المذكورة في البا ب. ولأبي داود من حديث أنس كان ~~يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه. ~~والظاهر أنه ينبغي البقاء على النفي المذكور عن أنس، فلا ترفع اليد في شئ ~~من الأدعية إلا في المواضع التي ورد فيها الرفع ويعمل فيما سواها بمقتضى ~~النفي، وتكون الأحاديث الواردة في الرفع في غير الاستسقاء أرجح من النفي ~~المذكور في حديث أنس، إما لأنها خاصة فيبنى العام على الخاص، أو لأنها ~~مثبتة وهي أولى من النفي، وغاية ما في حديث أنس أنه نفى الرفع فيما يعلمه، ~~ومن علم حجة على من لم يعلم. قوله: فأشار بظهر كفه إلى السماء قال في الفتح ~~قال العلماء: السنة في كل ms1460 دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلا ظهور كفيه إلى ~~السماء، وإذا دعا بحصول شئ أو تحصيله أن يجعل بطن كفيه إلى السماء، وكذا ~~قال النووي في شرح مسلم حاكيا بذلك عن جماعة من العلماء (وقيل الحكمة) في ~~الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقلب الحال ~~PageV04P034 # كما قيل في تحويل الرداء، وقد أخرج أحمد من حديث السائب بن خلاد عن أبيه ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه، وإذا ~~استعاذ جعل ظاهرهما إليه وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال مشهور. # وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء أعرابي يوم الجمعة فقال: يا رسول الله ~~هلكت الماشية، وهلكت العيال، وهلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من ~~المسجد حتى مطرنا مختصر من البخاري. # قوله: جاء أعرابي لفظ البخاري: أتى رجل أعرابي من أهل البادية، وفي لفظ ~~له: جاء رجل. وفي لفظ: دخل رجل المسجد يوم جمعة وسيأتي، قال في الفتح: لم ~~أقف على تسمية هذا الرجل. قوله: هلكت الماشية في الرواية الآتية في باب ما ~~يقول وما يصنع: هلكت الأموال وهي أعم من الماشية، ولكن المراد هنا الماشية ~~كما سيأتي. وفي رواية للبخاري: هلكت الكراع بضم الكاف وهي تطلق على الخيل ~~وغيرها. قوله: وهلكت العيال وهلك الناس هو من عطف العام على الخاص. قوله: ~~فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زاد مسلم في رواية شريك: حذاء ~~وجهه. ولابن خزيمة: حتى رأيت بياض إبطيه وزاد البخاري في رواية ذكرها في ~~الأدب: فنظر إلى السماء، والحديث سيأتي بطوله، وإنما ذكره المصنف ههنا ~~للاستدلال به على مشروعية رفع اليدين عند الاستسقاء. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا ~~يخطر لهم فحل فصعد النبي صلى الله عليه وآله ms1461 وسلم المنبر فحمد الله ثم قال: ~~اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث ثم نزل، فما ~~يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا: قد أحيينا رواه ابن ماجة. # الحديث إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا محمد بن أبي القاسم أبو ~~الأحوص، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا الربيع، حدثنا عبد الله بن إدريس، ~~حدثنا حصين عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس فذكره ورجاله ثقات، أخرجه ~~أيضا أبو عوانة وسكت عنه الحافظ في التلخيص، وقد رويت بعض هذه الألفاظ وبعض ~~معانيها عن PageV04P035 # جماعة من الصحابة مرفوعة. منها عن أنس وسيأتي. وعن جابر عند أبي داود ~~والحاكم. وعن كعب بن مرة عند الحاكم في المستدرك. وعن عبد الله بن جراد عند ~~البيهقي وإسناده ضعيف جدا. وعن عمرو بن شعيب وسيأتي. وعن المطلب بن حنطب ~~وسيأتي أيضا. وعن ابن عمر عند الشافعي. وعن عائشة بنت الحكم عن أبيها عند ~~أبي عوانة بسند واه. وعن عامر بن خارجة بن سعيد عن جده عند أبي عوانة أيضا. ~~وعن سمرة عند أبي عوانة أيضا وإسناده ضعيف. وعن عمرو بن حريث عن أبيه عند ~~أبي عوانة أيضا. وعن أبي أمامة عند الطبراني وسنده ضعيف: # ولا يخطر لهم فحل بالخاء المعجمة ثم الطاء المهملة بعدها راء قال في ~~القاموس: # خطر الفحل بذنبه يخطر خطرا وخطرانا وخطيرا، ضرب به يمينا وشمالا انتهى. ~~وأراد بقوله: لا يخطر لهم فحل أن مواشيهم قد بلغت لقلة المرعى إلى حد من ~~الضعف لا تقوى معه على تحريك أذنابها. قوله: غيثا الغيث المطر ويطلق على ~~النبات تسمية له باسم سببه. قوله: مغيثا بضم الميم وكسر الغين المعجمة ~~وسكون الياء التحتية بعدها ثاء مثلثة وهو المنقذ من الشدة. قوله: مريئا ~~بالهمزة هو المحمود العاقبة المنمي للحيوان. قوله: مريعا بضم الميم وفتحها ~~وكسر الراء وسكون الياء التحتية بعدها عين مهملة هو الذي يأتي بالربع وهو ~~الزيادة، مأخوذ من المراعة وهي الخصب ومن فتح الميم جعله اسم مفعول أصله ~~مريوع ms1462 كمهيب ومعناه مخصب، ويروى بضم الميم وسكون الراء بعدها موحدة مكسورة ~~من قولهم: أربع يربع إذا أكل الربيع، ويروى بضم الميم ومثناة فوقية مكسورة ~~من قولهم: أربع المطر إذا أنبت ما ترتع فيه الماشية. قوله: طبقا هو المطر ~~العام كما في القاموس. قوله: # غدقا الغدق هو الماء الكثير، وأغدق المطر واغدودق كبر قطره، وغيدق كثر ~~براقه. # قوله: غير رائث الريث الابطاء، والرائث المبطئ. قوله: قد أحيينا أي مطرنا ~~لما كان المطر سببا للحياة عبر عن نزوله بالاحياء. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك ~~وأحي بلدك الميت رواه أبو داود. وعن المطلب بن حنطب رضي الله عنه: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند المطر: اللهم سقيا رحمة PageV04P036 # ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر، ~~اللهم حوالينا ولا علينا رواه الشافعي في مسنده وهو مرسل. # الحديث الأول أخرجه أبو داود متصلا، ورواه مالك مرسلا، ورجحه أبو حاتم، ~~والحديث الثاني هو مرسل كما قال المصنف وأكثر ألفاظه في الصحيحين، وقد تقدم ~~ما في الباب من الأحاديث. قوله: على الظراب بكسر المعجمة وآخره موحدة جمع ~~ظرب بكسر الراء وقد تسكن، قيل: هو الجبل المنبسط الذي ليس بالعالي، وقال ~~الجوهري: الرابية الصغيرة. قوله: اللهم حوالينا بفتح اللام وفيه حذف تقديره ~~جعل أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور. قوله: ولا علينا فيه ~~بيان للمراد بقوله: حوالينا لأنه يشمل الطرق التي حولهم، فأراد إخراجها ~~بقوله: ولا علينا قال الطيبي في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك لأنه لو ~~أسقطها لكان مستسقيا للأكمام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر ~~على المذكورات ليس مقصودا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست ~~الواو محصلة للعطف ولكنها للتعليل كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، فإن ~~الجوع ليس مقصودا لعينه، ولكن ms1463 ليكون مانعا من الرضاع بأجرة، إذ كانوا ~~يكرهون ذلك أنفا، انتهى. (والحديث الأول) يدل على استحباب الدعاء بما اشتمل ~~عليه عند الاستسقاء، والحديث الثاني يدل على استحباب الدعاء بما فيه عند ~~نزول المطر. # باب تحويل الامام والناس أرديتهم في الدعاء وصفته ووقته عن عبد الله بن ~~زيد رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين استسقى ~~لنا أطال الدعاء وأكثر المسألة قال: ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ~~ظهرا لبطن وتحول الناس معه رواه أحمد. وفي رواية: # خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما يستسقي، فحول رداءه وجعل عطافه ~~الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله ~~عز وجل رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~PageV04P037 # وسلم استسقى وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها ~~فثقلت عليه فقلبها الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن رواه أحمد وأبو ~~داود. # حديث عبد الله بن زيد أصله في الصحيح وله ألفاظ منها هذه الروايات التي ~~أوردها المصنف، ومنها ألفاظ أخر، وقد سبق بعضها في باب صفة صلاة الاستسقاء، ~~ورجال أبي داود ورجال الصحيح. قوله: ثم تحول إلى القبلة في لفظ للبخاري: # ثم حول إلى الناس ظهره فيه استحباب استقبال القبلة حال تحويل الرداء، وقد ~~سبق بيان الحكمة في ذلك، ومحل هذا التحويل بعد الفراغ من الخطبة وإرادة ~~الدعاء كما في الفتح. قوله: وحول رداءه ذكر الواقدي أن طول ردائه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ستة أذرع في عرض ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبر في ~~ذراعين وشبر انتهى. وقد اختلفت الروايات، ففي بعضها أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم حول رداءه، وفي بعضها أنه قلبه، وفسر التحويل في هذه الرواية بالقلب، ~~فدل ذلك على أنهما بمعنى واحد كما قال الزين بن المنير، واختلف في حكمة ~~التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن ~~العربي بأن من شرط الفأل ms1464 أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه ~~وبين ربه قيل له: حول رداءك لتحول حالك. قال الحافظ وتعقب بأن الذي جزم به ~~يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدارقطني ~~والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر، ورجح الدارقطني ~~إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. وقال بعضهم: إنما حول رداءه ~~ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال، ~~وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على ~~المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص انتهى. ~~وقد اختلف في صفة التحويل فقال الشافعي ومالك: هو جعل الأسفل أعلى مع ~~التحويل، وروى القرطبي عن الشافعي أنه اختار في الجديد تنكيس الرداء، لا ~~تحويله، والذي في الام هو الأول. وذهب الجمهور إلى استحباب التحويل فقط، ~~واستدل الشافعي ومالك بهمه صلى الله عليه وآله وسلم بقلب الخميصة لأنه لم ~~يدع ذلك إلا لثقلها، كما في الرواية PageV04P038 # المذكورة في الباب. قال في الفتح: ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط ~~انتهى. # وذلك لأنه اختار الجمع بين التحويل والتنكيس كما تقدم، وإذا كان مذهبه ما ~~رواه عنه القرطبي فليس بأحوط. (واستدل الجمهور) بقوله في رواية حديث الباب ~~فجعل عطافه الأيمن الخ، وبقوله: فقلبها الأيمن على الأيسر الخ. قال الغزالي ~~في صفة التحويل: أو يجعل الباطن ظاهرا وهو ظاهر قوله: فقلبه ظهرا لبطن، أي ~~جعل ظاهره باطنا وباطنه ظاهرا. وقال أبو حنيفة وبعض المالكية: أنه لا يستحب ~~شئ من ذلك وخالفهم الجمهور. قوله: وتحول الناس معه هكذا رواه المصنف رحمه ~~الله تعالى، ورواه غيره بلفظ: وحول وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من ~~استحباب تحويل الناس بتحويل الامام. وقال الليث وأبو يوسف: يحول الامام ~~وحده، وظاهر قوله: ويحول الناس أنه يستحب ذلك للنساء. وقال ابن الماجشون: # لا يستحب في حقهن. قوله: وعليه خميصة قال في القاموس: الخميصة ms1465 كساء أسود ~~مربع له علمان انتهى. # باب ما يقول وما يصنع إذا رأى المطر وما يقول إذا كثر جدا عن عائشة قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا ~~نافعا رواه أحمد والبخاري والنسائي. وعن أنس قال: # أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطر قال: فخسر ثوبه ~~حتى أصابه من المطر فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود. # قوله: صيبا بالنصب بفعل مقدر أي اجعله صيبا ونافعا صفة للصيب ليخرج الضار ~~منه، والصيب المطر قاله ابن عباس، وإليه ذهب الجمهور، وقال بعضهم: الصيب ~~السحاب ولعله أطلق ذلك مجازا، وهو من صاب المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض ~~(والحديث) فيه استحباب الدعاء عند نزول المطر، وقد أخرج مسلم من حديث عائشة ~~قالت: كان إذا كان يوم ريح عرف ذلك في وجهه فيقول: # إذا رأى المطر رحمة وأخرجه أبو داود والنسائي عنها بلفظ: كان إذا رأى ~~ناشئا PageV04P039 # من أفق السماء ترك العمل، فإن كشف حمد الله، فإن مطر قال: اللهم صيبا ~~نافعا. قوله: # حسر أي كشف بعض ثوبه. قوله: لأنه حديث عهد بربه قال العلماء: # أي بتكوين ربه إياه. قال النووي ومعناه: أن المطر رحمة، وهو قريب العهد ~~بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها. (وفي الحديث) دليل أنه يستحب عند أول ~~المطر أن يكشف بدنه ليناله المطر لذلك. # وعن شريك بن أبي نمر عن أنس أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو ~~دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال ~~وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في ~~السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: ms1466 فطلعت من ~~ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ~~ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا ~~رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، ~~اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: # فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسا أهو الرجل الأول: ~~قال: # لا أدري متفق عليه. # قوله: أن رجلا في مسند أحمد ما يدل على أن هذا المبهم كعب بن مرة، وفي ~~البيهقي من طريق مرسلة ما يدل على أنه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر ~~الفزاري، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب. قال في الفتح: وفيه نظر لأنه ~~جاء في واقعة أخرى وقال الحافظ: لم أقف على تسميته كما تقدم. قوله: يوم ~~جمعة فيه دليل على أنه إذا اتفق وقوع الاستسقاء يوم جمعة اندرجت خطبة ~~الاستسقاء وصلاتها في الجمعة وقد بوب لذلك البخاري وذكر حديث الباب. قوله: ~~من باب كان نحو دار القضاء فسر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمامة، قال في ~~الفتح: وليس كذلك وإنما هي دار عمر بن الخطاب، PageV04P040 # وسميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دينه، فكان يقال لها دار قضاء دين ~~عمر، ثم طال ذلك فقيل لها دار القضاء، ذكره الزبير بن بكار بسنده إلى ابن ~~عمر. وقد قيل في تفسيرها غير ذلك. قوله: ثم قال: يا رسول الله هذا يدل على ~~أن السائل كان مسلما، وبه يرد على من قال إنه أبو سفيان لأنه حين سؤاله ~~لذلك لم يكن قد أسلم. # قوله: هلكت الأموال المراد بالأموال هنا الماشية لا الصامت. قوله: ~~وانقطعت السبل المراد بذلك أن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، لكونها لا ~~تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها. وقيل: المراد ms1467 نفاد ما عند الناس من ~~الطعام أو قلته، فلا يجدون ما يجلبونه ويحملونه إلى الأسواق. قوله: فادع ~~الله يغثنا هكذا في رواية للبخاري بالجزم، وفي رواية له يغيثنا بالرفع، وفي ~~رواية له أن يغيثنا، فالجزم ظاهر، والرفع على الاستئناف أي فهو يغيثنا، قال ~~في الفتح: وجائز أن يكون من الغوث أو من الغيث، والمعروف في كلام العرب ~~غثنا لأنه من الغوث. وقال ابن القطاع غاث الله عباده غيثا وغياثا سقاهم ~~المطر وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال: غاث وأغاث بمعنى. # قال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غوثا، واستعمل أغاثه ومن فتح أوله ~~فمن الغيث، ويحتمل أن يكون معنى أغثنا أعطنا غوثا وغيثا. قوله: فرفع يديه ~~فيه استحباب رفع اليد عند دعاء الاستسقاء، وقد تقدم الكلام عليه. قوله: من ~~سحاب أي مجتمع. قوله: ولا قزعة بفتح القاف والزاي بعدها مهملة أي سحاب ~~متفرق. # وقال ابن سيده: القزع قطع من السحاب رقاق. قال أبو عبيدة: وأكثر ما يجئ ~~في الخريف. قوله: وما بيننا وبين سلع بفتح المهملة وسكون اللام جبل معروف ~~بالمدينة، وقد حكي أنه بفتح اللام. قوله: من بيت ولا دار أي يحجبنا من ~~رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودا لا مستترا ببيت ولا غيره. ~~قوله: فطلعت أي ظهرت من وراء سلع. قوله: مثل الترس أي مستديرة، ولم يرد ~~أنها مثله في القدر. وفي رواية: فنشأت سحابة مثل رجل الطائر. قوله: فلما ~~توسطت السماء انتشرت هذا يشعر بأنها استمرت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق ~~وانبسطت حينئذ، وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر. قوله: ما رأينا الشمس سبتا ~~هذا كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهو كذلك في الغالب، وإلا فقد يستمر ~~المطر والشمس بادية، وقد تحتجب الشمس بغير مطر. وأصرح من ذلك ما وقع في ~~رواية PageV04P041 # أخرى للبخاري بلفظ: فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد ومن بعد الغد، والذي يليه ~~حتى الجمعة الأخرى. والمراد بقوله سبتا أي من السبت إلى السبت، قاله ابن ~~المنير والطبري، قال: وفيه تجوز لأن السبت لم يكن مبتدأ، ms1468 ولا الثاني منتهي، ~~وإنما عبر أنس بذلك لأنه كان من الأنصار، وقد كانوا جاوروا اليهود فأخذوا ~~بكثير من اصطلاحهم، وإنما سموا الأسبوع سبتا لأنه أعظم الأيام عند اليهود، ~~كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك، وفي تعبيره عن الأسبوع بالسبت مجاز مرسل، ~~والعلاقة الجزئية والكلية. # وقال صاحب النهاية: أراد قطعة من الزمان، وكذا قال النووي. ووقع في رواية ~~ستا أي ستة أيام. ووقع في رواية: فمطرنا من جمعة إلى جمعة. قوله: ثم دخل ~~رجل من ذلك الباب ظاهره أنه غير الأول، لأن النكرة إذا تكررت دلت على ~~التعدد، وقد قال شريك في آخر هذا الحديث: سألت أنسا أهو الرجل الأول؟ فقال: ~~لا أدري، وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير. وفي رواية للبخاري عن أنس: فقام ~~ذلك الرجل أو غيره وفي رواية له عنه: فأتى الرجل فقال: يا رسول الله. ~~ومثلها لأبي عوانة، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدا، فلعل أنسأ تذكره بعد أن ~~نسيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي عنه بلفظ: فقال الرجل يعني الذي سأله ~~يستسقي قوله: # هلكت الأموال انقطعت السبل أي بسبب غير السبب الأول، والمراد أن كثرة ~~الماء انقطع المرعى بسببها، فهلكت المواشي من عدم المرعى أو لعدم ما يمكنها ~~من المطر، ويدل على ذلك ما عند النسائي بلفظ من كثرة الماء. وأما انقطاع ~~السبل فلتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء. وفي رواية عند ابن خزيمة: واحتبس ~~الركبان، وفي رواية للبخاري: تهدمت البيوت. وفي رواية له: هدم البناء وغرق ~~المال. قوله: # يمسكها يجوز ضم الكاف وسكونها، والضمير يعود إلى الأمطار أو إلى السحاب ~~أو إلى السماء. قوله: اللهم حوالينا ولا علينا تقدم الكلام عليه. قوله: على ~~الآكام بكسر الهمزة وقد تفتح جمع أكمة مفتوحة الحروف جميعا، قيل: هي التراب ~~المجتمع، وقيل: هي الحجر الواحد وبه قال الخليل. وقال الخطابي: هي الهضبة ~~الضخمة. # وقيل: الجبل الصغير. وقيل: ما ارتفع من الأرض. قوله: والظراب تقدم تفسيره ~~وضبطه. قوله: وبطون الأودية المراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به. ~~قوله: # فانقلعت أي ms1469 السماء أو السحابة الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على ~~المدينة. PageV04P042 # (وفي الحديث) فوائد منها جواز المكالمة من الخطيب حال الخطبة، وتكرار ~~الدعاء، وإدخال الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، وترك ~~تحويل الرداء، والاستقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء كما ~~تقدم. وفيه علم من أعلام النبوة في إجابة الله تعالى دعاء نبيه وامتثال ~~السحاب أمره، كما وقع في كثير من الروايات، وغير ذلك من الفوائد. # كتاب الجنائز هي جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها، قال ابن قتيبة وجماعة: ~~والكسر أفصح، وحكى صاحب المطالع أنه يقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ~~الميت، ويقال عكس ذلك انتهى. والجنازة مشتقة من جنز إذا ستر، قاله ابن فارس ~~وغيره، والمضارع يجنز بكسر النون قاله النووي. والجنائز بفتح الجيم لا غير، ~~قاله النووي والحافظ وغيرهما. # باب عيادة المريض عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، ~~وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس متفق عليه. وعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة ~~حتى يرجع رواه أحمد ومسلم والترمذي. # قوله: خمس في رواية لمسلم: حق المسلم على المسلم ست وزاد: وإذا استنصحك ~~فانصح له. وفي رواية للبخاري من حديث البراء: أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بسبع وذكر الخمس المذكورة في حديث الباب وزاد: ونصر المظلوم ~~وإبرار القسم والمراد بقوله: حق المسلم أنه لا ينبغي تركه، ويكون فعله إما ~~واجبا أو مندوبا ندبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون ~~استعماله في المعنيين PageV04P043 # من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق يستعمل في معنى الواجب، كذا ~~ذكره ابن الاعرابي، وكذا يستعمل في معنى الثابت، ومعنى اللازم، ومعنى الصدق ~~وغير ذلك. # وقال ابن بطال: المراد بالحق هنا الحرمة والصحبة. وقال الحافظ: الظاهر أن ~~المراد به هنا وجوب الكفاية. قوله: رد السلام فيه دليل على مشروعية ms1470 رد ~~السلام، ونقل ابن عبد البر الاجماع على أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض، ~~وصفة الرد أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهذه الصفة أكمل ~~وأفضل، فلو حذف الواو جاز وكان تاركا للأفضل، وكذا لو اقتصر على وعليكم ~~السلام بالواو أو بدونها أجزاه، فلو اقتصر على وعليكم لم يجزه بلا خلاف، ~~ولو قال: وعليكم بالوا ففي إجزائه وجهان لأصحاب الشافعي. وظاهر قوله: حق ~~المسلم أنه لا يرد على الكافر. وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم. وفي الصحيحين عن أنس: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا ~~وعليكم. وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عمر، وقد قطع الأكثر بأنه لا يجوز ~~ابتداؤهم بالسلام. وفي الصحيحين عن أسامة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم وفي الصحيحين ~~أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم: سلام ~~على من اتبع الهدى. قوله: # وعيادة المريض فيه دلالة على شرعية عيادة المريض وهي مشروعة بالاجماع، ~~وجزم البخاري بوجوبها فقال: باب وجوب عيادة المريض، قال ابن بطال: # يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون ~~الوارد فيها محمولا على الندب، وجزم الداودي بالأول، وقال الجمهور بالندب، ~~وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى ~~بركته، وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف ونقل ~~النووي الاجماع على عدم الوجوب. قال الحافظ: يعني على الأعيان وعامة في كل ~~مرض. قوله: واتباع الجنائز فيه أن اتباعها مشروع وهو سنة بالاجماع، واختلف ~~في وجوبه، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: وإجابة الدعوة فيه ~~مشروعية إجابة الدعوة وهي أعم من الوليمة، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب ~~PageV04P044 # الوليمة إن ms1471 شاء الله تعالى. قوله: وتشميت العاطس التشميت بالسين المهملة ~~والمعجمة لغتان مشهورتان. قال الأزهري قال الليث: التسميت ذكر الله تعالى ~~على كل شئ، ومنه قولك للعاطس: يرحمك الله. وقال ثعلب: الأصل فيه المهملة ~~فقلبت معجمة. وقال صاحب المحكم: تسميت العاطس معناه الدعاء له بالهداية إلى ~~السمت الحسن. وفيه دليل على مشروعية تسميت العاطس وهو أن يقول له يرحمك ~~الله وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: إذا عطس أحدكم فليقل: # الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم ~~الله ويصلح بالكم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل أخوه أو صاحبه: ~~يرحمك الله، فإذا قال: يرحمك الله، فليقل له، يهديكم الله ويصلح بالكم. ~~وأخرج مالك في الموطأ عن ابن عمر قال: إذا عطس أحدكم فقيل له يرحمك الله ~~يقول: يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا وإياكم والتسميت سنة على الكفاية، ولو ~~قال بعض الحاضرين أجزأ عن الباقين، ولكن الأفضل أن يقول كل واحد لما في ~~البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا عطس أحدكم ~~وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله تعالى. وقال أهل ~~الظاهر: إنه يلزم كل واحد، وبه قال ابن أبي مريم، واختاره ابن العربي، ~~والتسميت إنما يكون مشروعا للعاطس إذا حمد الله كما في حديث أبي هريرة ~~المذكور. وفي الصحيحين عن أنس: قال عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فسمت أحدهما ولم يسمت الآخر فقال الذي لم يسمته فلان عطس فسمته وعطست ~~فلم تسمتني، فقال: هذا حمد الله وأنت لم تحمد الله. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا عطس ~~أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه. وإذا تكرر العطاس ms1472 ~~فهل يشرع تكرير التسميت أو لا، فيه خلاف. وقد أخرج ابن السني بإسناد فيه من ~~لم يتحقق حاله عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: إذا عطس أحدكم فليسمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يسمت ~~بعد ثلاث. وفي مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه قال له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الثانية: إنك مزكوم. وأخرج أبو داود والترمذي PageV04P045 # من حديث سلمة أنه قال له في الثالثة: يرحمك الله هذا رجل مزكوم. وأخرج ~~أبو داود والترمذي أيضا عن عبيد بن رفاعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: تسميت العاطس ثلاثا، فإن زاد شئت سمته وإن شئت فلا. ولكنه حديث ~~ضعيف، قال الترمذي إسناده مجهول. قال ابن العربي: ومعنى قوله إنك مزكوم أي ~~إنك لست ممن يسمت بعد هذا، لأن هذا الذي بك زكام ومرض لا خفة العطاس، ولكنه ~~يدعى له بدعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة، ولا يكون من باب التسميت. ~~والسنة للعاطس أن يضع ثوبه أو يده على فيه عند العطاس لما أخرجه أبو داود ~~والترمذي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا عطس ~~وضع ثوبه أو يده على فيه وخفض أو عض بها صوته وحسنة الترمذي. # ويكره رفع الصوت بالعطاس لما أخرجه ابن السني عن عبد الله أن الزبير قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله عز وجل يكره رفع الصوت ~~بالتثاؤب والعطاس. وأخرج أيضا عن أم سلمة. قال ت: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان. قوله: # لم يزل في مخرفة الجنة بالخاء المعجمة على زنة مرحلة وهي البستان ويطلق ~~على الطريق اللاحب أي الواضح. ولفظ الترمذي: لم يزل في خرفة الجنة والخرف ~~بالضم المخترف والمجتني أفاده صاحب القاموس. # عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # إذا عاد المسلم ms1473 أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة ~~فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ~~ألف ملك حتى يصبح رواه أحمد وابن ماجة. وللترمذي وأبي داود ونحوه. وعن أنس ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث رواه ~~ابن ماجة. # وعن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجع ~~كان بعيني رواه أحمد وأبو داود. # حديث علي قال أبو داود: إنه أسند عن علي من غير وجه صحيح وقال الترمذي ~~أنه حسن غريب. وقال أبو بكر البزار هذا الحديث رواه أبو معاوية عن الأعمش ~~عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي. ورواه شعبة عن الحكم عن عبد الله عن ~~PageV04P046 # نافع وهذا اللفظ لا يعلم رواه الأعلى. وقد روي عن علي من غير وجه وحديث ~~أنس في إسناده مسلم بن علي وهو متروك وحديث زيد بن أرقم سكت عنه أبو داود ~~والمنذري وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد وصححه الحاكم. وفي الباب عن ~~أبي موسى عند البخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عودوا ~~المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني وعن جابر عند البخاري وأبي داود قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعودني ليس براكب بغل ولا برذون وعن أنس ~~غير حديث الباب عند أبي داود قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسير ~~سبعين خريفا وفي إسناد الفضل بن دلهم. قال يحيى بن معين ضعيف الحديث وقال ~~أحمد: لا يحفظ. وقال مرة ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ فلا يفحش ~~خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به ولا اقتفى أثر العدول فيسلك به سنتهم فهو غير ~~محتج به إذا انفرد. # وعن عائشة عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي قال: لما أصيب سعد بن ~~معاذ يوم الخندق ms1474 ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيمة في ~~المسجد ليعوده من قريب وعن عائشة بنت سعد عن أبيها قال: اشتكيت فجاءني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يعودني ووضع يده علي جبهتي ثم مسح صدري وبطني ~~ثم قال: اللهم اشف سعدا وأتمم له هجرته أخرجه البخاري وأبو داود. وعن ~~البراء أشار إليه الترمذي. وعن أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجة بلفظ: من ~~عاد مريضا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا. ~~قوله: من خرافة بزنة كناسة المخترف والمجتني كذا قال في القاموس قال في ~~الفتح خرفة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها فاء هي الثمرة وقيل المراد بها ~~هنا الطريق. والمعنى أن العائد يمشي في طريق يؤديه إلى الجنة والتفسير ~~الأول أولى فقد أخرجه البخاري في الأدب من هذا الوجه وفيه قلت لأبي قلابة: ~~ما خرفة الجنة قال: جناها وهو عند مسلم من جملة المرفوع. قوله: إلا بعد ~~ثلاث يدل على أن زيارة المريض إنما تشرع بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء مرضه ~~فتقيد به مطلقات الأحاديث الواردة في الزيارة ولكنه غير صحيح ولا حسن كما ~~عرفت فلا يصلح لذلك. قوله: من وجع كان بعيني فيه أن وجع العين من الأمراض ~~التي تشرع لها الزيارة فيرد بالحديث على من لم يقل باستحباب زيارة من كان ~~مرضه الرمد ونحوه من الأمراض الخفيفة. PageV04P047 # وأحاديث الباب تدل على تأكد مشروعية زيارة المريض وقد تقدم الخلاف في ~~حكمها ويستحب الدعاء للمريض وقد ورد في صفته أحاديث منها حديث عائشة بنت ~~سعد المتقدم. ومنها حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي والترمذي وحسنه عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال ~~عنده سبع مرات: # أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض ~~وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد المعروف بالدالاني، وقد وثقه أبو ~~حاتم وتكلم فيه غير واحد ومنها حديث عن عبد ms1475 الله بن عمرو بن العاص عند أبي ~~داود قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جاء الرجل يعود مريضا ~~فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمشي لك إلى جنازة. # باب من كان آخر قوله لا إله إلا الله وتلقين المحتضر وتوجيهه وتغميض ~~الميت والقراءة عنده عن معاذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: من كان آخر قوله لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وفي إسناده صالح بن أبي غريب. قال ابن القطان ~~لا يعرف واعل الحديث به وتعقب بأنه روى عنه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات ~~وقد عزا هذا الحديث ابن معن إلى الصحيحين فغلط فإنه ليس فيهما والذي فيهما ~~لم يقيد بالموت ولكنه روى مسلم من حديث عثمان: من مات وهو يعلم أن لا إله ~~إلا الله دخل الجنة وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة عند الطبراني بلفظ: ~~من قال عند موته لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله لا ~~تطعمه النار أبدا وفي إسناد جابر بن يحيى الحضرمي. وأخرج النسائي نحوه عن ~~أبي هريرة وحده وأخرج مسلم من حديث أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ما من عبد قال: # لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة وأخرج الحاكم عن عمر ~~مرفوعا: أني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم ~~على النار لا إله إلا PageV04P048 # الله وفي الباب أيضا عن طلحة وعبادة وعمر عند أبي نعيم في الحلية. وعن ~~ابن مسعود عند الخطيب مثل حديث الباب. وعن حذيفة عنده أيضا بنحوه. وعن جابر ~~وابن عمر عند الدارقطني في العلل بنحوه أيضا: والحديث فيه دليل على نجاة من ~~كان آخر قوله: لا إله إلا الله من النار واستحقاقه لدخول الجنة وقد وردت ~~أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة أن مجرد ms1476 قوله: لا ~~إله إلا الله من موجبات دخول الجنة من غير تقييد بحال الموت فبالأولى أن ~~توجب ذلك إذا قالها في وقت لا تتعقبه معصية. # وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لقنوا موتاكم لا إله ~~إلا الله رواه الجماعة إلا البخاري. # وفي الباب عن أبي هريرة عند مسلم بمثل حديث أبي سعيد ورواه ابن حبان عنه ~~وزاد: فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن ~~أصابه ما أصابه قبل ذلك وعنه أيضا حديث آخر بلفظ: إذا ثقلت مرضاكم فلا ~~تملوهم قول لا إله إلا الله ولكن لقنوهم فإنه لم يختم به لمنافق قط وفي ~~إسناده محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك. وعن عائشة عند النسائي بنحو حديث ~~الباب. وعن عبد الله بن جعفر عند ابن ماجة وزاد: الحليم الكريم سبحان الله ~~رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين. وعن جابر عند الطبراني في الدعاء ~~والعقيلي في الضعفاء وفيه عبد الله بن مجاهد وهو متروك. وعن عروة بن مسعود ~~الثقفي عند العقيلي بإسناد ضعيف. وعن حذيفة عند ابن أبي الدنيا وزاد: فإنها ~~تهدم ما قبلها من الخطايا. وعن ابن عباس عند الطبراني. وعن ابن مسعود عنده ~~أيضا. وعن عطاء بن السائب عن أبيه عن جده عنده أيضا. قال العقيلي: روي في ~~الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من الصحابة. # وروي فيه أيضا عن عمر وعثمان وابن مسعود وأنس وغيرهم هكذا في التلخيص. # قوله: لقنوا موتاكم قال النووي: أي من حضره الموت، والمراد ذكروه لا إله ~~إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ~~دخل الجنة والامر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين ~~وكرهوا الاكثار عليه والموالاة لئلا يضجره لضيق حاله وشدة كربه، فيكره ذلك ~~بقلبه أو يتكلم بكلام لا يليق، قالوا: وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن ~~يتكلم بعده بكلام آخر، PageV04P049 # فيعاد التعريض له به ms1477 ليكون آخر كلامه. ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر ~~لتذكيره وتأنيسه وإغماض عينيه والقيام بحقوقه، وهذا مجمع عليه، اه كلام ~~النووي، ولكنه ينبغي أن ينظر ما القرينة الصارفة للامر عن الوجوب. # وعن عبيد بن عمير عن أبيه وكانت له صحبة: أن رجلا قال يا رسول الله ما ~~الكبائر قال: هي سبع فذكر منها واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ~~رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا النسائي والحاكم ولفظه عند أبي داود والنسائي: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال، وقد سأله رجل عن الكبائر فقال: هن تسع: # الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف ~~وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحديث. وفي الباب: # عن ابن عمر عند البغوي في الجعديات بنحو حديث الباب ومداره على أيوب بن ~~عتبة وهو ضعيف وقد اختلف عليه فيه. قوله: قال: هي سبع بتقديم السين هكذا ~~وقع في نسخ الكتاب الصحيحة التي وقفنا عليها والصواب تسع بتقديم التاء ~~الفوقية. والحديث استدل به على مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة لقوله: # واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا. وفي الاستدلال به على ذلك ~~نظر لأن المراد بقوله: أحياء عند الصلاة وأمواتا في اللحد والمحتضر حي غير ~~مصل فلا يتناوله الحديث والالزام وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم ~~اختصاصه بحال الصلاة وهو خلاف الاجماع. والأولى الاستدلال لمشروعية التوجيه ~~بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة: أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه ~~للقبلة إذا احتضر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أصاب الفطرة وقد ~~ذكر هذا الحديث في التلخيص وسكت عنه. وقد اختلف في صفة التوجيه إلى القبلة ~~فقال الهادي والناصر والشافعي في أحد قوليه: أنه يوجه مستلقيا ليستقبلها ~~بكل وجهه. # وقال المؤيد بالله وأبو حنيفة والامام يحيى والشافعي في أحد قوليه: إنه ~~يوجه على جنبه الأيمن، وروي عن الامام يحيى أنه قال: الأمران جائزان ~~والأولى أن يوجه على جنبه الأيمن لما أخرجه ابن عدي في الكامل ولم يضعفه ms1478 من ~~حديث البراء بلفظ: إذا أخذ أحدكم مضجعه فليتوسد يمينه الحديث. أخرجه ~~البيهقي في الدعوات PageV04P050 # بإسناد قال الحافظ: حسن، وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ: إذا أويت مضجعك ~~فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم إني أسلمت نفسي ~~إليك وفي آخره: فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة وفي الباب عن عبد الله بن ~~زيد عند النسائي والترمذي وأحمد بلفظ: كان إذا نام وضع يده اليمنى تحت خده ~~وعن ابن مسعود عند النسائي والترمذي وابن ماجة. وعن حفصة عند أبي داود. وعن ~~سلمى أم أبي رافع عند أحمد في المسند بلفظ: إن فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها وعن حذيفة ~~عند الترمذي وعن أبي قتادة عند الحاكم والبيهقي بلفظ: كان إذا عرس وعليه ~~ليل توسد يمينه وأصله في مسلم. ووجه الاستدلال بأحاديث توسد اليمين عن ~~النوم على استحباب أن يكون المحتضر عند الموت كذلك أن النوم مظنة للموت ~~وللإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة ~~بعد قوله: ثم اضطجع على شقك الأيمن فإنه يظهر منها أنه ينبغي أن يكون ~~المحتضر على تلك الهيئة. # وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه ~~يؤمن على ما قال أهل الميت رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والطبراني في الأوسط والبزار في إسناده قزعة بن ~~سويد قال في التقريب قزعة بفتح القاف والزاي والعين قال في الخلاصة: قال ~~أبو حاتم محله صدق ليس بذاك القوي. وفي الباب عن أم سلمة قالت: دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: إن ~~الروح إذا قبض تبعه البصر أخرجه مسلم. قوله: فإن البصر يتبع الروح قال ~~النووي معناه: إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرا أين يذهب، قال: وفي ms1479 ~~الروح لغتان التذكير والتأنيث، قال: وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن ~~وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن، وتذهب الحياة عن الجسد ~~بذهابها، وليس عرضا كما قاله آخرون، ولا دما كما قاله آخرون، وفيها كلام ~~متشعب للمتكلمين اه. قوله: وقولوا خيرا الخ هذا في صحيح مسلم من حديث أم ~~سلمة بلفظ: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير PageV04P051 # فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون والحديث فيه الندب إلى قول الخير ~~حينئذ من الدعاء والاستغفار له، وطلب اللطف به، والتخفيف عنه ونحوه، وحضور ~~الملائكة حينئذ وتأمينهم. وفيه أن تغميض الميت عند موته مشروع. قال النووي: ~~وأجمع المسلمون على ذلك قالوا: والحكمة فيه أن لا يقبح منظره لو ترك ~~إغماضه. # وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # اقرؤوا يس على موتاكم رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد ولفظه: يس قلب ~~القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له واقرؤوها على ~~موتاكم. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالاضطراب ~~وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه المذكورين في السند. وقال الدارقطني: ~~هذا حديث ضعيف الاسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث، قال أحمد في ~~مسنده: # حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يعني ~~يس لميت خفف عنه بها وأسنده صاحب مسند الفردوس من طريق مروان بن سالم عن ~~صفوان بن عمر وعن شريح عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله صلى لله ~~عليه وآله وسلم: ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه وفي الباب ~~عن أبي ذر وحده أخرجه أبو الشيخ في فضل القرآن هكذا في التلخيص. قال ابن ~~حبان في صحيحه قوله: اقرؤوا على موتاكم يس أراد به من حضرته المنية لا أن ~~الميت يقرأ عليه وكذلك: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ورده المحب الطبري في ~~القراءة وسلم له في التلقين اه. واللفظ نص في الأموات وتناوله للحي ms1480 المحتضر ~~مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة. # باب المبادرة إلى تجهيز الميت وقضاء دينه عن الحصين بن وحوح: أن طلحة بن ~~البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فقال: إني لا أرى ~~طلحة إلا قد حدث فيه الموت فأذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن ~~تحبس بين ظهري أهله رواه أبو داود. PageV04P052 # الحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم ~~روى هذا الحديث غير سعيد بن عثمان البلوي وهو غريب اه. وقد وثق سعيد ~~المذكور ابن حبان، ولكن في إسناد هذا الحديث عروة بن سعيد الأنصاري، ويقال ~~عزرة عن أبيه وهو وأبوه مجهولان (وفي الباب) عن علي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ثلاث يا علي لا يؤخرن: الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا ~~حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا أخرجه أحمد وهذا لفظه، والترمذي بهذا اللفظ ~~ولكنه قال: # لا تؤخرها مكان قوله لا يؤخرن وقال: هذا حديث غريب وما أرى إسناده بمتصل. # وأخرجه أيضا ابن ماجة والحاكم وابن حبان وغيرهم، وإعلال الترمذي له بعدم ~~الاتصال لأنه من طريق عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب، قيل: ولم يسمع ~~منه، وقد قال أبو حاتم: أنه سمع منه فاتصل إسناده، وقد أعله الترمذي أيضا ~~بجهالة سعيد بن عبد الله الجهني ولكنه عده ابن حبان في الثقات. قوله: عن ~~الحصين بن وحوح هو أنصاري وله صحبة، ووحوح بفتح الواو وسكون الحاء المهملة ~~وبعدها واو مفتوحة وحاء مهملة أيضا. وطلحة بن البراء أنصاري له صحبة. ~~(والحديث) يدل على مشروعية التعجيل بالميت والاسراع في تجهيزه، وتشهد له ~~أحاديث الاسراع بالجنازة وستأتي. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: نفس المؤمن معلقة ~~بدينه حتى يقضى عنه رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن. # الحديث رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو صدوق ~~يخطئ. # فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والاخبار لهم ms1481 بأن نفسه معلقة بدينه ~~حتى يقضى عنه، وهذا مقيد بمن له مال يقضي منه دينه، وأما من لا مال له ومات ~~عازما على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، ~~بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي الله سبحانه ~~لقضاء دينه، وإن كان له مال ولم يقض منه الورثة، أخرج الطبراني عن أبي ~~أمامة مرفوعا: من دان بدين في نفسه وفاؤه تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما ~~شاء، ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه ومات اقتص الله لغريمه منه يوم ~~القيامة. وأخرج أيضا من حديث ابن عمر: الدين دينان فمن مات وهو ينوي قضاءه ~~فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس ~~PageV04P053 # يومئذ دينار ولا درهم وأخرج أيضا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: يؤتى ~~بصاحب الدين يوم القيامة فيقول الله: فيم أتلفت أموال الناس؟ فيقول: يا رب ~~إنك تعلم أنه أتى علي إما حرق وإما عرق، فيقول: فإني سأقضي عنك اليوم فيقضي ~~عنه. وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية والبزار والطبراني بلفظ: يدعى بصاحب ~~الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عز وجل فيقول: يا بن آدم فيم أخذت ~~هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ~~ولم أشر ب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة، فيقول ~~الله: صدق عبدي وأنا أحق من قضى عنك، فيدعو الله بشئ فيضعه في كفة ميزانه ~~فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته. وأخرج البخاري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أخذ أموال الناس يريد ~~أدائها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله. وأخرج ابن ماجة ~~وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة. ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه ~~يريد أداءه إلا أدى الله عنه في الدنيا والآخرة. وأخرج الحاكم بلفظ: من ms1482 ~~تداين بدين في نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. وقد ~~ورد أيضا ما يدل على أن من مات من المسلمين مديونا فدينه على من إليه ولاية ~~أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم، وإن كان له مال كان لورثته. أخرج ~~البخاري من حديث أبي هريرة: ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا ~~والآخرة، اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فأيما مؤمن مات ~~وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا ~~مولاه. وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي، وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث ~~أنس: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا فعلى الله وعلى رسوله. وأخرج ابن ~~ماجة من حديث عائشة: من حمل من أمتي دينا فجهد في قضائه فمات قبل أن يقضيه ~~فأنا وليه وأخرج ابن سعد من حديث جابر يرفعه: أحسن الهدي هدي محمد، وشر ~~الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة من مات فترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ~~ضياعا فإلي وعلي. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة في حديث آخر: من ترك ~~ما فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي وأنا أولى بالمؤمنين. وفي معنى ~~ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قالها بعد أن كان ~~يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح PageV04P054 # الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديونا وقضى عنه، وذلك ~~مشعر بأن من مات مديونا استحق أن يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين وهو ~~أحد المصارف الثمانية، فلا يسقط حقه بالموت، ودعوى من ادعى اختصاصه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك ساقطة، وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: وأنا وارث من لا وراث له أعقل عنه وأرثه ~~أخرجه أحمد وابن ماجة وسعيد بن منصور والبيهقي، وهم لا يقولون أن ميراث من ~~لا وارث له مختص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أخرج ms1483 الطبراني من ~~حديث سلمان ما يدل على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة ولفظه: من ترك مالا ~~فلورثته، ومن ترك دينا فعلي وعلى الولاة من بعدي من بيت المال. # باب تسجية الميت والرخصة في تقبيله عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة متفق عليه. وعن عائشة: أن أبا بكر دخل ~~فبصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مسجى ببرده فكشف عن وجهه وأكب ~~عليه فقبله رواه أحمد والبخاري والنسائي. وعن عائشة وابن عباس: أن أبا بكر ~~قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته رواه البخاري والنسائي وابن ~~ماجة. وعن عائشة قالت: قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن ~~مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه رواه أحمد وابن ماجة والترمذي ~~وصححه. # حديث عائشة الرابع في إسناده عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهو ~~ضعيف. قوله: سجي بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة أي غطي. قوله: # حبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة وهي ثوب فيه ~~أعلام وهي ضرب من برود اليمن، وفيه استحباب تسجية الميت، قال النووي: وهو ~~مجمع عليه، وحكمته صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين. قال ~~أصحاب الشافعي: ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه ~~لئلا ينكشف منه، قال: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها لئلا ~~يتغير PageV04P055 # بدنه بسببها. قوله: فقبله فيه جواز تقبيل الميت تعظيما وتبركا، لأنه لم ~~ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعا. قوله: قبل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان فيه دلالة على جواز تقبيل الميت كما ~~تقدم. قوله: حتى رأيت الدموع الخ فيه جواز البكاء على الميت وسيأتي تحقيقه. # أبواب غسل الميت باب من يليه ورفقه به وستره عليه عن عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش ~~عليه ms1484 ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقال: ليلة أقربكم ~~إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة رواه أحمد. ~~وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن كسر عظم الميت ~~مثل كسر عظمه حيا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ستر مسلما ستره ~~الله يوم القيامة متفق عليه. وعن أبي بن كعب: أن آدم عليه السلام قبضته ~~الملائكة وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه، ثم دخلوا ~~قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من القبر، ثم حثوا عليه ~~التراب، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم رواه عبد الله بن أحمد في المسند. # حديث عائشة الأول أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط وفي إسناده جابر الجعفي ~~وفيه كلام كثير، وحديث عائشة الثاني رجاله رجال الصحيح على كلام في سعد بن ~~سعيد الأنصاري. وحديث أبي بن كعب أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح ~~الاسناد ولم يخرجاه. قوله: فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ~~ذلك المراد بتأدية الأمانة إما كتم ما يرى منه مما يكرهه الناس ويكون قوله ~~لم يفش عطفا تفسيريا، أو يكون المراد بتأدية الأمانة أن يغسل الغسل الذي ~~وردت به الشريعة، لأن العلم عند حامله أمانة، واستعماله في مواضعه من ~~تأديتها. قوله: PageV04P056 # ليلة أقربكم فيه أن الأحق بغسل الميت من الناس الأقرب إلى الميت، بشرط أن ~~يكون عالما بما يحتاج إليه من العلم، وقد قال بتقديم القريب على غيره ~~الامام يحيى. قوله: فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة فيه دليل لما ذهبت ~~إليه الهادوية من اشتراط العدالة في الغاسل وخالفهم الجمهور، فإن صح هذا ~~الحديث فذاك، وإلا فالظاهر عدم اختصاص هذه القربة بمن ليس فاسقا، لأنه مكلف ~~بالتكاليف الشرعية، وغسل الميت من جملتها، وإلا لزم عدم صحة كل تكليف شرعي ~~منه، وهو خلاف الاجماع، ms1485 ودعوى صحة بعضها دون بعض بغير دليل تحكم. وقد حكى ~~المهدي في البحر الاجماع على أن غسل الميت واجب على الكفاية. وكذلك حكى ~~الاجماع النووي، وناقش دعوى الاجماع صاحب ضوء النهار مناقشة واهية حاصلها ~~أنه لا مستند له إلا أحاديث الفعل، وهي لا تفيد الوجوب، وأحاديث الامر بغسل ~~الذي وقصته ناقته، والامر بغسل ابنته صلى الله عليه وآله وسلم، والامر ~~مختلف في كونه للوجوب أو للندب، ورد كلامه بأنه إن ثبت الاجماع على الوجوب ~~فلا يضر جهل المستند، ويرد أيضا بأن الاختلاف في كون الامر للوجوب لا ~~يستلزم الاختلاف في كل مأمور به، لأنه ربما شهدت لبعض الأوامر قرائن يستفاد ~~منها وجوبه، وهذا مما لا يخالف فيه القائل بأن الامر ليس للوجوب، لأن محل ~~الخلا ف الامر المجرد كما تقرر في الأصول، نعم قال في الفتح، وقد نقل ~~النووي الاجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد، فإن الخلاف ~~مشهور جدا عند المالكية على أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة ولكن ~~الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك وقال: قد توارد ~~به القول والعمل انتهى. وهكذا فليكن التعقب لدعوى الاجماع. قوله: إن كسر ~~عظم الميت الخ فيه دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله وتكفينه وحمله وغير ~~ذلك، لأن تشبيه كسر عظمه بكسر عظم الحي إن كان في الاثم فلا شك في التحريم، ~~وإن كان في التألم، فكما يحرم تأليم الحي يحرم تأليم الميت، وقد زاد ابن ~~ماجة من حديث أم سلمة لفظ: في الاثم فيتعين الاحتمال الأول. # قوله: من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة فيه الترغيب في ستر عورات ~~المسلم، وظاهره عدم الفرق بين الحي والميت، فيدخل في عمومه ستر ما يراه ~~الغاسل ونحوه من الميت، وكراهة إفشائه والتحدث به، وأيضا قد صح أن الغيبة ~~هي ذكرك لأخيك PageV04P057 # بما يكره، ولا فرق بين الأخ الحي والميت، ولا شك أن الميت يكره أن يذكر ~~بشئ من عيوبه التي تظهر موته، ms1486 فيكون على هذا ذكرها محرما وسيأتي بقية ~~الكلام على هذا في باب الكف عن ذكر مساوي الأموات. قوله: وعن أبي ابن كعب ~~أن آدم الخ سيأتي الكلام في تفاصيل ما اشتمل عليه حديث أبي بن كعب، هذا في ~~أبوابه من هذا الكتاب. # باب ما جاء في غسل أحد الزوجين للآخر عن عائشة قالت: رجع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأقول: ~~وا رأساه، فقال: بل أنا وا رأساه، ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت ~~عليك ودفنتك رواه أحمد وابن ماجة. وعن عائشة أنها كانت تقول: لو استقبلت من ~~الامر ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا نساؤه رواه ~~أحمد وأبو داود وابن ماجة. # وقد ذكرنا أن الصديق أوصى أسماء زوجته أن تغسله فغسلته. # حديث عائشة الأول أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي، وفي ~~إسناده محمد بن إسحاق وبه أعله البيهقي قال الحافظ: ولم ينفرد به، بل تابعه ~~عليه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي. وأما ابن الجوزي فقال: لم يقل غسلتك ~~إلا ابن إسحاق، وأصل الحديث عند البخاري بلف: ذاك لو كان وأنا حي فاستغفر ~~لك وأدعو لك. وأثرها الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله ثقات إلا ابن ~~إسحاق وقد عنعن. وغسل أسماء لأبي بكر الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب ~~الغسل من غسل الميت من أبواب الغسل، وليس فيه أن ذلك كان بوصية من أبي بكر. ~~قوله: فغسلتك فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله ~~قياسا، وبغسل أسماء لأبي بكر كما تقدم، وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي ~~والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار ~~على علي وأسماء فكان إجماعا. وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعية والأوزاعي ~~وإسحاق والجمهور. # وقال أحمد: لا تغسله لبطلان النكاح، ويجوز العكس عنده كالجمهور. وقال أبو ~~حنيفة: PageV04P058 # وأصحابه والشعبي والثوري: لا يجوز أن يغسلها ms1487 لمثل ما ذكر أحمد، ويجوز ~~العكس عندهم كالجمهور قالوا: لأنه لا عدة عليه بخلافها. ويجاب عن المذهبين ~~الآخرين بأنه إذا سلم ارتفاع حل الاستمتاع بالموت وأنه العلة في جواز نظر ~~الفرج فغايته تحريم نظر الفرج، فيجب ستره عند غسل أحدهما للآخر، وقد قيل: ~~إن النظر إلى الفرج وغيره لازم من لوازم العقد، فلا يرتفع بارتفاع جواز ~~الاستمتاع المرتفع بالموت، والأصل بقاء حل النظر على ما كان عليه قبل ~~الموت. قوله: لو استقبلت من الامر الخ، قيل: فيه أيضا متمسك لمذهب الجمهور، ~~ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة، ولا على أنها ~~أولى من الرجال لأنه قول صحابية ولا حجة فيه، وقد تولى غسله صلى الله عليه ~~وآله وسلم علي والفضل بن العباس وأسامة بن زيد يتناول الماء والعباس واقف ~~قال ابن دحية: لم يتخلف في أن الذين غسلوه صلى الله عليه وآله وسلم علي ~~والفضل، واختلف في العباس وأسامة وقثم وشقران انتهى. # وقد استوفى صاحب التلخيص الطرق في ذلك ولم ينقل إلينا أن أحدا من الصحابة ~~أنكر ذلك فكان إجماعا منهم. وروى البزار من طريق يزيد بن بلال قال: قال ~~علي: # أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يغسله أحد غيري. وروى ابن ~~المنذر عن أبي بكر أنه أمرهم أن يغسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنو ~~أبيه وخرج من عندهم. # باب ترك غسل الشهيد وما جاء فيه إذا كان جنبا عن جابر قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم ~~يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر ~~بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم رواه البخاري والنسائي وابن ~~ماجة والترمذي وصححه. ولأحمد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في ~~قتلى أحد: لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل ~~عليهم. # قوله: يجمع بين الرجلين ms1488 الخ، فيه جواز جمع الرجلين في كفن واحد عند ~~PageV04P059 # الحاجة إلى ذلك، والظاهر أنه كان يجمعهما في ثوب واحد. وقيل: كان يقطع ~~الثوب بينهما نصفين. وقيل: المراد بالثوب القبر مجازا، ويرده ما وقع في ~~رواية عن جابر: # فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة. وقد ترجم البخاري على هذا الحديث باب دفن ~~الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وأورده مختصرا بلفظ: كان يجمع بين الرجلين ~~من قتلى أحد وليس فيه تصريح بالدفن. قال ابن رشيد: إنه جرى على عادته من ~~الإشارة إلى ما ليس على شرطه أو اكتفى بالقياس يعني على جمعهم في ثوب واحد ~~انتهى. ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث قدمه في اللحد يدل على الجمع بين ~~الرجلين فصاعدا في الدفن. وقد أورد الحديث البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف ~~في باب الصلاة على الشهيد، فلعل البخاري أشار بما أورده مختصرا إلى هذا لا ~~إلى ما ليس على شرطه، ولا سيما مع اتصال باب دفن الرجلين والثلاثة بباب ~~الصلاة على الشهيد بلا فاصل، وقد ثبت عند عبد الرزاق بلفظ: وكان يدفن ~~الرجلين والثلاثة في القبر الواحد وورد ذكره الصلاة أيضا في هذه القصة عند ~~الترمذي وغيره. وروى أصحاب السنن من حديث هشام بن عامر الأنصاري: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأنصار أن يجعلوا الرجلين ~~والثلاثة في القبر وصححه الترمذي، قال في الفتح: ويؤخذ من هذا جواز دفن ~~المرأتين في قبر واحد، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد ~~حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم ~~الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حاجزا لا سيما إذا كانا ~~أجنبيين. قوله: أيهم أكثر أخذا للقرآن فيه استحباب تقديم من كان أكثر ~~قرآنا، ومثله سائر أنواع الفضائل قياسا. قوله: ولم يغسلوا فيه دليل على أن ~~الشهيد لا يغسل وبه قال الأكثر، وسيأتي الكلام في بيان ماهية الشهيد الذي ~~وقع الخلاف في غسله في الصلاة على الشهيد. وقال سعيد بن المسيب ms1489 والحسن ~~البصري حكاه عنهما ابن المنذر وابن أبي شيبة أنه يغسل، وبه قال ابن سريج من ~~الشافعية، والحق ما قاله الأولون، والاعتذار عن حديث الباب بأن الترك إنما ~~كان لكثرة القتلى وضيق الحال مردود بعلة الترك المنصوصة كما في رواية أحمد ~~المتقدمة وهي رواية لا مطعن فيها. (وفي الباب) أحاديث منها عن أنس عند أحمد ~~والحاكم وأبي داود والترمذي وقال: غريب، وغلط بعض المتأخرين فقال وحسنه: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم PageV04P060 # وعن جابر حديث آخر غير حديث الباب عند أبي داود قال: رمي رجل بسهم في ~~صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وإسناده على شرط مسلم. وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة ~~قال: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد ~~والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي: وقد ~~تكلم فيه جماعة وعطاء بن السائب وفيه مقال: (وفي الباب) أيضا عن رجل من ~~الصحابة وسيأتي، وقد اختلف في الشهيد إذا كان جنبا أو حائضا، وسيأتي الكلام ~~على ذلك، وأما سائر من يطلق عليه اسم الشهيد كالطعين والمبطون والنفساء ~~ونحوهم فيغسلون إجماعا كما في البحر. قوله: ولم يصل عليهم قال في التلخيص ~~هو بفتح اللام وعليه المعنى، قال النووي: ويجوز أن يكون بكسرها ولا يفسد ~~لكنه لا يبقى فيه دليل على ترك الصلاة عليهم مطلقا، لأنه لا يلزم من قوله: ~~لم يصل عليهم، أن لا يأمر غيره بالصلاة عليهم انتهى. وسيأتي الكلام في ~~الصلاة على الشهيد. # وروى محمد بن إسحاق في المغازي بإسناده عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود ~~بن لبيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن صاحبكم لتغسله الملائكة ~~يعني حنظلة، فسألوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع ~~الهائعة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ms1490 لذلك غسلته الملائكة. # الحديث قال في الفتح: قصته مشهورة رواها ابن إسحاق وغيره انتهى. وأخرجه ~~أيضا ابن حبان في صحيحه، والحاكم والبيهقي من حديث ابن الزبير، والحاكم في ~~الإكليل من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف، والسرقسطي في غريبه من طريق الزهري ~~مرسلا، والحاكم أيضا في المستدرك، والطبراني والبيهقي عن ابن عباس أيضا، ~~وفي إسناد الحاكم معلى بن عبد الرحمن وهو متروك، وفي إسناد الطبراني حجاج ~~وهو مدلس، وفي إسناد البيهقي أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدا. (وفي الباب) ~~أيضا عن ابن عباس عند الطبراني بإسناد قال الحافظ: لا بأس به، عنه قال: ~~أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال: رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: رأيت الملائكة تغسلهما وهو غريب في ذكر حمزة كما قال ~~في الفتح. قوله: PageV04P061 # الهائعة هي الصوت الشديد. وقد استدل بالحديث من قال: إنه يغسل الشهيد إذا ~~كان جنبا، وبه قال أبو حنيفة والمنصور بالله. وقال الشافعي ومالك وأبو يوسف ~~ومحمد وإليه ذهب الهادي والقسم والمؤيد بالله وأبو طالب أنه لا يغسل لعموم ~~الدليل وهو الحق، لأنه لو كان واجبا علينا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة، ~~وفعلهم ليس من تكليفنا ولا أمرنا بالاقتداء بهم. # وعن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أغرنا ~~على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدر ~~الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثيابه ودمائه ~~وصلى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: نعم وأنا له شهيد ~~رواه أبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو ~~مجهول. وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلام ~~عن جده أبي سلام انتهى. وزيد ثقة. قوله: فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ms1491 بثيابه ودمائه ظاهره أنه لم يغسله ولا أمر بغسله، فيكون من أدلة ~~القائلين بأن الشهيد لا يغسل كما تقدم، وهو يدل على أن من قتل نفسه في ~~المعركة خطأ، حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل، وأما من قتل نفسه عمدا ~~فإنه لا يغسل عند العترة والأوزاعي لفسقه لا لكونه شهيدا. # قوله: وصلى عليه فيه إثبات الصلاة على الشهيد، وسيأتي الكلام على ذلك. ~~قوله: # قال نعم الخ فيه أن من قتل نفسه خطأ شهيد، وقد أخرج مسلم والنسائي وأبو ~~داود عن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا فارتد ~~عليه سيفه فقتله فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ~~وشكوا فيه رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مات ~~جاهدا مجاهدا وفي رواية: كذبوا مات جاهدا مجاهدا فله أجره مرتين. هذا لفظ ~~أبي داود. # باب صفة الغسل عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم PageV04P062 # حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ~~بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، ~~فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره رواه ~~الجماعة. وفي رواية لهم: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها. وفي لفظ: ~~اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن. وفيه قالت: ~~فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها متفق عليهما لكن ليس لمسلم فيه: ~~فألقيناها خلفها. # قوله: حين توفيت ابنته في رواية متفق عليها: ونحن نغسل ابنته قال في ~~الفتح: ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل وابنته ~~المذكورة هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع كما في مسلم. وقال الداودي: إنها ~~أم كلثوم زوج عثمان. ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجة بإسناد على شرط الشيخين ~~كما قال الحافظ ولفظه: دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم وكذا وقع لابن ms1492 ~~بشكوال في المبهمات عن أم عطية والدولابي في الذرية الطاهرة، قال في الفتح: # فيمكن ترجيح أنها أم كلثوم بمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون ~~أم عطية حضرتهما جميعا، فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة ~~الميتات انتهى. قوله: اغسلنها قال ابن بريدة: استدل به على وجوب غسل الميت، ~~قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: ثلاثا الخ، ليس للوجوب على المشهور من مذاهب ~~العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ ~~واحد، لأن قوله ثلاثا غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة ~~الامر، فيراد بلفظ الامر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، أو الندب بالنسبة ~~إلى الإيتار انتهى. فمن جوز ذلك جوز الاستدلال بهذا الامر على الوجوب، ومن ~~لم يجوزه حم الامر على الندب لهذه القرينة، واستدل على الوجوب بدليل آخر. ~~وقد ذهب الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى إيجاب الثلاث، وروي ذلك عن ~~الحسن، وهو يرد ما حكاه في البحر من الاجماع على أن الواجب مرة فقط. قوله: ~~من ذلك بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث. قال في الفتح: ولم أر في شئ من ~~الروايات بعد قوله سبعا التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود، وأما ~~سواه فإما أو سبعا، وإما أو أكثر من ذلك انتهى وهو ذهول منه عما أخرجه ~~البخاري في باب يجعل الكافور، فإنه PageV04P063 # روى حديث أم عطية هنالك بلفظ: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ~~ذلك. # وقد صرح المصنف رحمه الله تعالى بأن الجمع بين التعبير بسبع وأكثر متفق ~~عليه كما وقع في حديث الباب، لكن قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال ~~بمجاوزة السبع. # وصرح بأنها مكروهة أحمد والماوردي وابن المنذر. قوله: إن رأيتن ذلك فيه ~~دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي كما ~~قال في الفتح. قال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو ~~الإيتار. قوله: بماء وسدر قال الزين بن المنير: ظاهره أن ms1493 السدر يخلط في كل ~~مرة من مرات الغسل، لأن قوله بماء وسدر يتعلق بقوله: اغسلنها، قال: وهو ~~مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به ~~وتعقبه الحافظ بمنع لزوم مصير الماء مضافا بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر ~~وصف الماء بأن يمعك بالسدر، ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا ~~يأتي ذلك. قوله: واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور وهو شك من ~~الراوي، قال فالفتح، والأول محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الاثبات ~~فيصدق بكل شئ منه وقد جزم البخاري في رواية باللفظ الأول وظاهره أنه يجعل ~~الكافور في الماء وبه قال الجمهور. وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل ~~الكافور في الحنوط، والحكمة في الكافور كونه طيب الرائحة وذلك وقت تحضر فيه ~~الملائكة تبريد وقوة نفوذ، وخاصة في تصلب بدن الميت، وطرد الهوام عنه، وردع ~~ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وإذا عدم قام غيره مقامه مما ~~فيه الخواص أو بعضها قوله: فآذنني أي أعلمنني. قوله: فأعطانا حقوه قال في ~~الفتح: بفتح المهملة، ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة، والمراد ~~هنا الإزار كما وقع مفسرا في آخر هذه الرواية والحقو في الأصل معقد الإزار، ~~وأطلق على الإزار مجازا. وفي رواية للبخاري: فنزع عن حقوه إزاره والحقو على ~~هذا حقيقة. قوله: فقال أشعرنها إياه أي ألففنها فيه، لأن الشعار ما يلي ~~الجسد من الثياب، والمراد اجعلنه شعارا لها، قال في الفتح قيل: الحكمة في ~~تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولا، ليكون قريب ~~العهد من جسده، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل ~~في التبرك بآثار الصالحين وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وقد نقل ~~ابن بطال الاتفاق على ذلك. قوله: ابدأن بميامنها ومواضع PageV04P064 # الوضوء منها، ليس بين الامرين تناف لامكان البداءة بمواضع الوضوء ~~وبالميامن معا. قال الزين بن المنير. قوله: ابدأن بميامنها أي في الغسلات ms1494 ~~التي لا وضوء فيها، ومواضع الوضوء منها أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، وفي ~~هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية، واستدل به ~~على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافا للحنفية. قوله: اغسلنها ~~وترا ثلاثا الخ استدل به على أن أقل الوتر ثلاث، قال الحافظ: # ولا دلالة فيه لأنه سيق مساق البيان للمراد، إذ لو أطلق لتناول الواحدة ~~فما فوقها. قوله: # فضفرنا شعرها ثلاثة قرون هو بضاد وفاء خفيفة، وفيه استحباب ضفر شعر ~~المرأة، وجعله ثلاثة قرون وهي ناصيتها وقرناها أي جانبا رأسها كما وقع في ~~رواية وكيع عن سفيان عند البخاري تعليقا ووصل ذلك الإسماعيلي، وتسمية ~~الناصية قرنا تغليب، وقال الأوزاعي والحنفية إنه يرسل شعر المرأة خلفها ~~وعلى وجهها مفرقا. قال القرطبي: وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل ~~استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مرفوعا، أو هو شئ رأته ~~ففعلته استحبابا؟ كلا الامرين محتمل، لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شئ من ~~جنس القرب إلا بإذن الشرع، ولم يرد ذلك مرفوعا، كذا قال. # وقال النووي: الظاهر عدم اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقريره ~~له، وتعقب ذلك الحافظ بأن سعيد بن منصور روى عن أم عطية أنها قالت: قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغسلنها وترا واجعلن شعرها ضفائر، وأخرج ~~ابن حبان في صحيحه عن أم عطية مرفوعا بلفظ: واجعلن لها ثلاثة قرون. قوله: # فألقيناها خلفها فيه استحباب جعل ضفائر المرأة خلفها، وقد زعم ابن دقيق ~~العيد أن الوارد في ذلك حديث غريب. قال في الفتح: وهو مما يتعجب منه مع كون ~~الزيادة في صحيح البخاري وقد توبع رواتها عليها، وقد استوفى تلك المتابعات ~~وذكر للحديث فوائد غير ما تقدم. # وعن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع؟ أنجرد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما نجرد موتانا أم ms1495 نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا ~~أرسل الله عليهم السنة حتى والله ما من القوم من رجل إلا ذقنه في صدره ~~نائما، قالت: ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو فقال: اغسلوا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV04P065 # وعليه ثيابه، قالت: فثاروا إليه فغسلوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر ويدلك الرجال بالقميص رواه أحمد ~~وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. وفي رواية لابن حبان: فكان الذي ~~أجلسه في حجره علي بن أبي طالب، وروى الحاكم عن عبد الله بن الحرث قال: # غسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي وعلى يده خرقة فغسله فأدخل يده ~~تحت القميص فغسله والقميص عليه. وفي الباب عن بريدة عند ابن ماجة والحاكم ~~والبيهقي قال: لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناداهم ~~مناد من الداخل لا تنزعوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصه. وعن ابن ~~عباس عند أحمد: أن عليا أسند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدره ~~وعليه قميصه وفي إسناده حسين بن عبد الله وهو ضعيف. وعن جعفر بن محمد عن ~~أبيه عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي والشافعي قال: غسل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثلاثا بسدر، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر يقال لها ~~الغرس بقبا كانت لسعد بن خيثمة وكان يشرب منها، وولي سفلته علي والفضل ~~محتضنه والعباس يصب الماء فجعل الفضل يقول: أرحني قطعت وتيني إني لأجد شيئا ~~يترطل علي قال الحافظ: وهو مرسل جيد. قوله: السنة بسين مهملة مكسورة بعدها ~~نون وهي ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس، قال عدي بن الرقاع ~~العاملي: # وسنان أقصده النعاس فرنقت * في عينه سنة وليس بنائم أبواب الكفن وتوابعه ~~باب التكفين من رأس المال عن خباب بن الأرت أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ~~ولم يترك إلا نمرة فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت ms1496 رجلا، وإذا غطينا رجليه بدا ~~رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نغطي بها رأسه ونجعل ~~على رجليه شيئا من الإذخر رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وعن خباب أيضا: أن ~~حمزة لم يوجد له PageV04P066 # كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه ~~وجعل على قدميه الإذخر رواه أحمد. # الحديث الثاني أخرجه أيضا الحاكم عن أنس. قوله: أن مصعب بن عمير قتل في ~~رواية للبخاري: أن عبد الرحمن بن عوف قال: قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني ~~فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، وقتل حمزة أو رجل آخر فلم يوجد له ما ~~يكفن فيه إلا بردة. قال فالفتح. قوله: أو رجل آخر لم أقف على اسمه، ولم يقع ~~في أكثر الروايات إلا بلفظ حمزة ومصعب فقط. قوله: إلا نمرة هي شملة فيها ~~خطوط بيض وسود أو بردة من صوف يلبسها الاعراب، كذا في القاموس. # قوله: فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نغطي بها رأسه فيه ~~دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي ~~الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين. قال النووي: فإن ضاق عن ذلك سترت ~~العورة، فإن فضل شئ جعل فوقها، وإن ضاق عن العورة ستر ت السوأتان لأنهما ~~أهم، وهما الأصل في العورة، قال: وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في ~~الكفن ستر العورة فقط، ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن (فإن قيل) لم ~~يكونوا متمكنين من جميع البدن لقوله: لم يوجد له غيرها فجوابه معناه لم ~~يوجد مما يملكه الميت إلا نمرة، ولو كان ستر جميع البدن واجبا لوجب على ~~المسلمين الحاضرين تتميمه إن لم يكن له قريب يلزمه نفقته، فإن كان وجبت ~~عليه. (فإن قيل) كانوا عاجزين عن ذلك لأن القضية جرت يوم أحد وقد كثرت ~~القتلى من المسلمين واشتغلوا بهم وبالخوف من العدو عن ذلك، وجوابه أنه يبعد ~~من حال الحاضرين ms1497 المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها ~~انتهى. وقد استدل بالحديثين على أن الكفن يكون من رأس المال، لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمر بالتكفين في النمرة ولا مال غيرها. # قال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمر ~~وقال: # الكفن من الثلث. وعن طاوس قال: من الثلث إن كان قليلا. وحكي في البحر عن ~~الزهري وطاوس أنه من الثلث إن كان معسرا. وقد أخرج الطبراني في الأوسط من ~~حديث علي أن الكفن من جميع المال وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم في ~~العلل من حديث جابر وحكى عن أبيه أنه منكر، وقد أخرجهما عبد الرزاق. ~~PageV04P067 # قوله: ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر فيه أنه يستحب إذا لم يوجد ساتر ~~البتة لبعض البدن أو لكله أن يغطى بالإذخر، فإن لم يوجد فما تيسر من نبات ~~الأرض، وقد كان الإذخر مستعملا لذلك عند العرب، كما يدل عليه قول العباس، ~~إلا الإذخر فإنه لبيوتنا وقبورنا. # باب استحباب احسان الكفن من غير مغالاة عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه رواه ابن ماجة ~~والترمذي. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب يوما فذكر رجلا ~~من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا، فزجر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، ~~وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود. # حديث أبي قتادة حسنه الترمذي ورجال إسناده ثقات. وفي الباب عن أم سلمة ~~عند الديلمي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أحسنوا الكفن ولا ~~تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعة، وعجلوا بقضاء ~~دينه، واعدلوا عن جيران السوء، وإذا حفرتم فأعمقوا ووسعوا. وعن جابر غير ~~حديث الباب عند الديلمي ms1498 أيضا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أحسنوا كفن موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون بها في قبورهم. قوله: فليحسن ~~كفنه ضبط بفتح الحاء وإسكانها. قال النووي: وكلاهما صحيح، والمراد بإحسان ~~الكفن نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه وكونه من جنس لباسه في الحياة لا ~~أفخر منه ولا أحقر، قال العلماء: وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ~~ونفاسته، وإنما المراد ما تقدم. # قوله: غير طائل أي حقير غير كامل. قوله: حتى يصلى عليه هو بفتح اللام كما ~~قال النووي، وإنما نهى عن القبر ليلا حتى يصلى عليه لأن الدفن نهارا يحضره ~~كثيرون من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد. وقيل: لأنهم ~~كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن فلا يبين في الليل، ويؤيده أول ~~الحديث وآخره. قال PageV04P068 # القاضي: العلتان صحيحتان، قال: والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قصدهما معا، قال: # وقد قيل غير هذا. قوله: إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك يدل على أنه لا بأس به ~~في وقت الضرورة. (وقد اختلف) العلماء في الدفن بالليل فكرهه الحسن البصري ~~إلا لضرورة، وقال جماعة العلماء من السلف والخلف لا يكره واستدلوا بأن أبا ~~بكر الصديق وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير إنكار. وبحديث المرأة ~~السوداء أو الرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي بالليل فدفنوه ليلا، وسألهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقالوا: توفي فدفناه في الليل فقال: ألا ~~آذنتموني؟ قالوا: كانت ظلمة، ولم ينكر عليهم أخرجه البخاري. وسيأتي في باب ~~الدفن ليلا، وأجابوا عن حديث الباب بأن النهي كان لترك الصلاة لا لمجرد ~~الدفن بالليل أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع، وتأتي بقية الكلام إن شاء ~~الله في باب الدفن ليلا. # وعن عائشة: أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران ~~فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق، ~~قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للمهلة مختصر من البخاري. # قوله: ms1499 به ردع بسكون المهملة بعدها عين مهملة أي لطخ لم يعمه كله. قوله: # وزيدوا عليه ثوبين في رواية جديدين. قوله: فكفنوني فيها رواية أبي ذر ~~فيهما. وفسر الحافظ ضمير المثنى بالمزيد والمزيد عليه، وفي رواية غير أبي ~~ذر فيها كما وقع عند المصنف. قوله: خلق بفتح المعجمة واللام أي غير جديد. ~~وفي رواية عند ابن سعد: ألا نجعلها جددا كلها؟ قال: لا. وظاهره أن أبا بكر ~~كان يرى عدم المغالاة في الأكفان ويؤيده قوله: إنما هو للمهلة. وروى أبو ~~داود من حديث علي عليه السلام مرفوعا: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا. ~~ولا يعارضه حديث جابر في الامر بتحسين الكفن كما تقدم، فإنه يجمع بينهما ~~بحمل التحسين على الصفة، وحمل المغالاة على الثمن. وقيل: التحسين حق للميت، ~~فإذا أوصى بتركه اتبع كما فعل الصديق، ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب ~~بعينه لمعنى فيه من التبرك، لكونه صار إليه من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أو لكونه قد كان جاهد فيه أو تعبد فيه. # ويؤيده ما رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: أبو بكر: ~~PageV04P069 # كفنوني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما. قوله: إنما هو أي الكفن للمهلة ~~قال القاضي عياض: روي بضم الميم وفتحها وكسرها وبذلك جزم الخليل. وقال ابن ~~حبيب: هو بالكسر الصديد، وبالفتح التمهل، وبالضم عكر الزيت، والمراد هنا ~~الصديد، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: وإنما هو أي الجديد، وأن يكون المراد ~~المهلة على هذا التمهل أي الجديد لمن يريد البقاء. قال الحافظ: والأول ~~أظهر. # (وفي هذا الأثر) استحباب التكفين في ثلاثة أكفان، وجواز التكفين في ~~الثياب المغسولة، وإيثار الحي بالجديد. ويدل على استحباب أن يكون الكفن ~~جديدا ما أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد: أنه لما حضره ~~الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها. ورواه ابن حبان بدون ~~القصة ms1500 وقال: # أراد بذلك أعماله لقوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * (المدثر: 4) يريد وعملك ~~فأصلحه، قال: # والأخبار الصحيحة صريحة أن الناس يحشرون حفاة عراة، وحكى الخطابي في ~~الجمع بينهما أنه يبعث في ثيابه ثم يحشر عريانا. # باب صفة الكفن للرجل والمرأة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كفن في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية الحلة ~~ثوبان رواه أحمد وأبو داود. # وعن عائشة قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب ~~بيض سحولية جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجا رواه ~~الجماعة. ولهم إلا أحمد والبخاري ولفظه لمسلم: وأما الحلة فإنما ما شبه على ~~الناس فيها إنما اشتريت ليكفن فيها فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض ~~سحولية. # ولمسلم: قالت: أدرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حلة يمنية كانت ~~لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ~~ليس فيها عمامة ولا قميص. # حديث ابن عباس في إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تغير وهذا من أضعف حديثه. ~~PageV04P070 # وقال النووي: إنه مجمع على ضعف يزيد المذكور، وقد بين مسلم أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم يكفن في الحلة، وإنما شبه على الناس كما ذكر المصنف. ~~(وفي الباب) عن جابر بن سمرة عند البزار وابن عدي في الكامل أنه كفن صلى ~~الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب: قميص وإزار ولفافة. وفي إسناده ناصح ~~وهو ضعيف. وعن ابن عباس غير حديث الباب عند ابن عدي قال: كفن صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قطيفة حمراء. وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف. قال الحافظ: ~~كأنه اشتبه عليه بحديث جعل في قبره قطيفة حمراء فإنه يروى بالاسناد المذكور ~~بعينه وعن علي عند ابن أبي شيبة وأحمد والبزار قال: كفن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في سبعة أثواب وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيئ ~~الحفظ لا يصلح ms1501 الاحتجاج بحديثه إذا خالف الثقات كما هنا، وقد خالف هنا ~~رواية نفسه فإنه روى عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثوب نمرة. ~~قال الحافظ: وروى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية ~~ابن عقيل عن ابن الحنفية عن علي بمعنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ~~سبعة وعن جابر عند أبي داود أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثوبين وبرد ~~حبرة. # وفي رواية النسائي فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة فقالت: قد أتي ~~بالبرد ولكنهم ردوه. وأخرج مسلم والترمذي عنها أنها قالت: إنهم نزعوها عنه. ~~وروى عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لف في برد حبرة جفف فيه ثم نزع عنه. قال الترمذي: تكفينه في ثلاثة أثواب ~~أصح ما ورد في كفنه. قوله: قميصه الذي مات فيه دليل لمن قال باستحباب ~~القميص في الكفن وهم الحنفية ومالك وزيد بن علي والمؤيد بالله، وذهب ~~الجمهور إلى أنه غير مستحب، واستدلوا بقول عائشة: ليس فيها قميص ولا عمامة، ~~وأجابوا عن حديث ابن عباس بأنه ضعيف الاسناد كما تقدم، وأجاب القائلون ~~بالاستحباب أن قول عائشة ليس فيها قميص ولا عمامة يحتمل نفي وجودهما، ~~ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود أي الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة ~~وهما زائدان، وأن يكون معناه ليس فيها قميص جديد، أو ليس فيها القميص الذي ~~غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف، ويجاب بأن الاحتمال الأول هو ~~الظاهر، وما عداه متعسف فلا يصار إليه. قوله: جدد هكذا وقع عند المصنف، ~~وكذلك رواه البيهقي PageV04P071 # وليس في الصحيحين لفظ جدد. ووقع في رواية لهما بدل جدد من كرسف وهو ~~القطن. قوله: بيض فيه دليل على استحباب التكفين في الأبيض، قال النووي: وهو ~~مجمع عليه. قوله: سحولية بضم المهملتين، ويروى بفتح أوله نسبة إلى سحول ~~قرية باليمن، قال النووي: والفتح أشهر وهو رواية الأكثرين، قال ابن ~~الاعرابي وغيره: ms1502 # هي ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن، وقال ابن قتيبة، ثياب بيض ولم ~~يخصها بالقطن، وفي رواية للبخاري سحول بدون نسبة وهو جمع سحل والسحل الثوب ~~الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن كما تقدم. وقال الأزهري: بالفتح ~~المدينة، وبالضم الثياب، وقيل: النسبة إلى القرية بالضم، وأما بالفتح فنسبة ~~إلى القصار لأنه يسحل الثياب أي ينقيها، كذا في الفتح. قوله: يمانية بتخفيف ~~الياء على اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في ~~تشديدها. ووجه الأول أن الألف بدل من باء النسبة فلا يجتمعان، فيقال يمنية ~~بالتشديد أو يمانية بالتخفيف، وكلاهما نسبة إلى اليمن. قوله: فإنما شبه على ~~الناس بضم الشين المعجمة وكسر الباء المشددة ومعناه اشتبه عليهم، واعلم أنه ~~قد اختلف في أفضل. الكفن بعد الاتفاق على أنه لا يجب أكثر من ثوب واحد يستر ~~جميع البدن، فذهب الجمهور إلى أن أفضلها ثلاثة أثواب بيض، واستدلوا بحديث ~~عائشة المذكور، قال في الفتح: وتقرير الاستدلال به أن الله عز وجل لم يكن ~~ليختار لنبيه إلا الأفضل، وعن الحنفية أن المستحب أن يكون في أحدها ثوب ~~حبرة، وتمسكوا بحديث جابر المتقدم وإسناده كما قال الحافظ حسن، ولكنه معارض ~~بالمتفق عليه من حديث عائشة، على أنا قد قدمنا عن عائشة أنهم نزعوا عنه ثوب ~~الحبرة، وبذلك يجمع بين الروايات. وقال الهادي: إن المشروع إلى سبعة ثياب، ~~واستدل بحديث علي المتقدم، وأجيب عنه بأنه لا ينتهض لمعارضة حديث عائشة ~~الثابت في الصحيحين وغيرهما. وقد قال الحاكم: إنها تواتر ت الاخبار عن علي ~~وابن عباس وابن عمر و عبد الله بن مغفل وعائشة في تكفين النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ولكنه لا يخفى ~~أن إثبات ثلاثة ثياب لا ينفي الزيادة عليها، وقد تقرر أن ناقل الزيادة أولى ~~بالقبول، على أنه لو تعرض رواة الثلاثة لنفي ما زاد عليها لكان المثبت أولى ~~من النافي، نعم حديث علي فيه المقال المتقدم، فإن صلح الاحتجاج ms1503 معه فالمصير ~~إلى الجمع بما ذكرنا متعين، وإن لم يصلح فلا فائدة في الاشتغال PageV04P072 # به لا سيما وقد اقتصر على رواية الثلاثة جماعة من الصحابة، ويبعد أن يخفى ~~على جميعهم الزيادة عليها، وقد قال الامام يحيى: إن السبعة غير مستحبة ~~إجماعا. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: البسوا من ثيابكم ~~البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم رواه الخمسة إلا النسائي ~~وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان. ~~وأخرجه أيضا الترمذي وصححه، وابن ماجة والنسائي والحاكم من حديث سمرة، ~~واختلف في وصله وإرساله وقد تقدم في اللباس. (وفي الباب) عن عمران بن ~~الحصين عند الطبراني. وعن أنس عند أبي حاتم في العلل والبزار في مسنده. # وعن ابن عمر عند ابن عدي في الكامل. وعن أبي الدرداء عند ابن ماجة يرفعه: # أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض (والحديث) يدل على ~~مشروعية لبس البياض، وقد تقدم الكلام على ذلك في أبواب اللباس، وعلى ~~مشروعية تكفين الموتى في الثياب البيض وهو إجماع، كما تقدم في شرح الحديث ~~الذي قبله، وقد تقدم أيضا عن الحنفية أنهم يستحبون أن يكون في الأكفان ثوب ~~حبرة واستدلوا بما سلف. ومن أدلتهم حديث جابر عند أبي داود بإسناد حسن كما ~~قال الحافظ بلفظ: إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة والامر ~~باللبس والتكفين في الثياب البيض محمول على الندب لما قدمنا في أبواب ~~اللباس. # وعن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك ~~في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الباب معه ~~كفنها يناولنا ثوبا ثوبا رواه أحمد وأبو داود. قال البخاري قال الحسن: ~~الخرقة الخامسة يشد بها الفخذان والوركان تحت الدرع. ms1504 # الحديث في إسناده ابن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث، وفي إسناده أيضا نوح بن ~~حكيم. قال ابن القطان: مجهول، ووثقه ابن حبان، وقال ابن إسحاق: كان قارئا ~~للقرآن، وفي إسناده أيضا داود رجل من بني عروة بن مسعود، فإن كان داود بن ~~PageV04P073 # عاصم بن عروة بن مسعود فهو ثقة، وقد جزم بذلك ابن حبان، وإن كان غيره ~~فينظر فيه. قوله: ليلى بنت قانف بالقاف بعد الألف نون ثم فاء. قوله: الحقا ~~بكسر المهملة وتخفيف القاف مقصور، قيل: هو لغة في الحقو وهو الإزار. ~~(والحديث) يدل على أن المشروع في كفن المرأة أن يكون إزار، أو درعا وخمارا ~~وملحفة ودرجا، ولم يقع تسمية أم عطية في هذا الحديث فيمن حضر. وقد وقع عند ~~ابن ماجة أن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ونحن نغسل ابنته أم كلثوم الحديث. ورواه مسلم فقال زينب ورواته أتقن وأثبت، ~~وقد تقدم الكلام على هذا الاختلاف في باب صفة الغسل. قوله: قال البخاري: ~~قال الحسن الخ، وصله ابن أبي شيبة قال في الفتح: وهذا يدل على أن أول ~~الكلام أن المرأة تكفن في خمسة أثواب. وروى الخوارزمي من طريق إبراهيم بن ~~حبيب ابن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية أنها قالت: وكفناها في ~~خمسة أثواب وخمرناها كما نخمر الحي قال الحافظ: وهذه الزيادة صحيحة ~~الاسناد، وقول الحسن: إن الخرقة الخامسة يشد بها الفخذان والوركان قال به ~~زفر. وقالت طائفة: تشد على صدرها ليضم أكفانها، ولا يكره القميص للمرأة على ~~الراجح عند الشافعية والحنابلة. # باب وجوب تكفين الشهيد في ثيابه التي قتل فيها عن ابن عباس قال: أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد بالشهداء أن ننزع عنهم الحديد ~~والجلود وقال: ادفنوهم بدمائهم وثيابهم رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن ~~عبد الله بن ثعلبة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم أحد: ~~زملوهم في ثيابهم، وجعل يدفن في القبر الرهط ويقول: ms1505 # قدموا أكثرهم قرآنا رواه أحمد. # الحديث الأول في إسناده عطاء بن السائب وهو مما حدث به بعد الاختلاط، ~~وحديث عبد الله بن ثعلبة أخرجه أيضا أبو داود بإسناد رجاله رجال الصحيح، ~~وفي الباب أحاديث قد تقدم ذكرها في باب ترك غسل الشهيد. (والحديثان) ~~PageV04P074 # المذكوران في الباب وما في معناهما فيها مشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه ~~من الثياب، ونزع الحديد والجلود عنه وكل ما هو آلة حرب. وقد روى زيد بن علي ~~عن أبيه عن جده عن علي أنه قال: ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة ~~والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصاب السراويل دم، وفي إسناده أبو ~~خالد الواسطي والكلام فيه معروف. وقد روى ذلك أحمد بن عيسى في أماليه من ~~طريق الحسين بن علوان عن أبي خالد المذكور عن زيد بن علي، والحسين بن علوان ~~متكلم فيه أيضا، والظاهر أن الامر بدفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب ~~للوجوب. قوله: وجعل يدفن في القبر الخ، قد تقدم الكلام على هذا في باب ترك ~~غسل الشهيد. # باب تطييب بدن الميت وكفنه إلا المحرم عن جابر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا رواه أحمد. عن ابن ~~عباس قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعرفة إذ ~~وقع عن راحلته فوقصته، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله ~~تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا رواه الجماعة. وللنسائي عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اغسلوا المحرم في ثوبيه اللذين ~~أحرم فيهما واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا ~~رأسه فإنه يبعث يوم القيامة محرما. # حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي والبزار قيل: ورجاله رجال الصحيح، وأخرج ~~نحوه أحمد بن حنبل أيضا عن جابر مرفوعا بلفظ: إذا أجمرتم الميت فأوتروا. # قوله: إذا أجمرتم الميت أي بخرتموه وفيه ms1506 استحباب تبخير الميت ثلاثا. ~~قوله: بينما رجل قال في الفتح: لم أقف في شئ من الطرق على تسمية المحرم ~~المذكور، ووهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله، وعزاه إلى ابن ~~قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي، وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ~~ترجمة عمر ذكر أولاده PageV04P075 # ومنهم عبد الله بن عمر، ثم ذكر أولاد عبد الله فذكر فيهم واقد بن عبد ~~الله بن عمر فقال: وقع عن بعيره وهو محرم فهلك، فظن هذا المتأخر أن لواقد ~~بن عبد الله صحبة، وأنه صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وليس كما ظن، فإن واقدا المذكور لا صحبة له، فإن أمه صفية بنت ~~أبي عبيد وإنما تزوجها أبوه في خلافة عمر، وفي الصحابة أيضا واقد بن عبد ~~الله آخر ولكنه مات في خلافة عمر كما ذكر ابن سعد. قوله: فوقصته بفتح الواو ~~بعدها قاف ثم صاد مهملة. وفي رواية للبخاري: فأقصعته. وفي أخرى له أيضا: ~~أقصعته، وفي أخرى له أيضا: أو قصته، والوقص الكسر كما في القاموس، والقصع ~~الهشم وقيل هو خاص بكسر العظم. قال الحافظ: ولو سلم فلا مانع أن يستعار ~~لكسر الرقبة، والقمص القتل في الحال، ومنه قعاص الغنم وهو موتها كذا في ~~الفتح. قوله: اغسلوه بماء وسدر فيه دليل على وجوب الغسل بالماء والسدر، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك. قوله: وكفنوه في ثوبيه فيه أنه يكفن المحرم في ثيابه ~~التي مات فيها وقيل: إنما اقتصر على تكفينه في ثوبيه لكونه مات فيهما، وهو ~~متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد غيرهما. # قوله: ولا تحنطوه هو من الحنوط بالمهملة، وهو الطيب الذي يوضع للميت. # قوله: ولا تخمروا رأسه أي لا تغطوه، وفيه دليل على بقاء حكم الاجرام، ~~وكذلك قوله: ولا تحنطوه وأصرح من ذلك التعليل بقوله: فإن الله يوم القيامة ~~يبعثه ملبيا. وقوله: في الرواية الأخرى: فإنه يبعث يوم القيامة محرما وخالف ~~في ذلك المالكية والحنفية وقالوا: إن قصة ms1507 هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها ~~فتختص به، وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة هي كونه في النسك وهي عامة في ~~كل محرم، والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص. وما أحسن ما اعتذر به الداودي عن مالك فقال: ~~إنه لم يبلغه الحديث. # قوله: ولا تمسوه بضم أوله وكسر الميم من أمس. قال ابن المنذر: وفي الحديث ~~إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافا لمن كرهه، وأن الوتر في الكفن ليس ~~بشرط، وأن الكفن من رأس المال لامره صلى الله عليه وآله وسلم بتكفينه في ~~ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا، وفيه استحباب تكفين المحرم في ~~PageV04P076 # إحرامه، وأن إحرامه باق، وأنه لا يكفن في المحنط كما تقدم، وأنه يجوز ~~التكفين في الثياب الملبوسة، وأن الاحرام يتعلق بالرأس. # أبواب الصلاة على الميت باب من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه الصلاة على ~~الأنبياء عن ابن عباس قال: دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا ~~أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد ~~رواه ابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي، قال الحافظ: وإسناده ضعيف لأنه من حديث حسين ~~بن عبد الله بن ضميرة (وفي الباب) عن أبي عسيب عند أحمد: أنه شهد الصلاة ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقال كيف نصلي عليك؟ قال: ادخلوا ~~أرسالا كذا في التلخيص. وعن جابر وابن عباس أيضا عند الطبراني وفي إسناده ~~عبد المنعم بن إدريس وهو كذاب. وقد قال البزار إنه موضوع. وعن ابن مسعود ~~عند الحاكم بسند واه. وعن نبيط بن شريط عند البيهقي وذكره مالك بلاغا. (وفي ~~الحديث) أن الصلاة كانت عليه صلى الله عليه وآله وسلم فرادى الرجال ثم ~~النساء ثم الصبيان. قال ابن عبد البر: وصلاة الناس عليه أفرادا بجمع عليه ~~عند أهل ms1508 السير، وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه وتعقبه ابن دحية بأن ابن ~~القصار حكى الخلاف فيه، هل صلوا عليه الصلاة المعهودة أو دعوا فقط؟ وهل ~~صلوا فرادى أو جماعة؟ واختلفوا فيمن أم بهم فقيل: أبو بكر، روي بإسناد قال ~~الحافظ: لا يصح وفيه حرام وهو ضعيف جدا قال ابن دحية: هو باطل بيقين لضعف ~~رواته وانقطاعه، قال: والصحيح أن المسلمين صلوا عليه أفرادا لا يؤمهم أحد ~~وبه جزم الشافعي. قال: # وذلك لعظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هو وأمي وتنافسهم في ~~أن لا يتولى الإمامة عليه في الصلاة واحد. قال ابن دحية: كان المصلون عليه ~~ثلاثين ألفا، PageV04P077 # قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث: وتمسك به من قدم النساء ~~على الصبيان في الصلاة على جنائزهم وحال دفنهم في القبر الواحد اه. باب ترك ~~الصلاة على الشهيد عن أنس: أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل ~~عليهم رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقد أسلفنا هذا المعنى من رواية جابر، ~~وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت. # أما حديث أنس فأخرجه أيضا الحاكم. وقال الترمذي: إنه حديث غريب لا نعرفه ~~من حديث أنس إلا من هذا الوجه. وأخرجه أبو داود في المراسيل والحاكم من ~~حديثه قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حمزة وقد مثل به ولم يصل ~~على أحد من الشهداء غيره، وأعله البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غلط فيه ~~أسامة بن زيد فرواه عن الزهري عن أنس، ورجحوا رواية الليث عن الزهري عن عبد ~~الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر. وأما حديث جابر فقد تقدم في باب ترك غسل ~~الشهيد، وأما الأحاديث الواردة في الصلاة على شهداء أحد التي أشار إليها ~~المصنف وقال: إنها بأسانيد لا تثبت فستعرف الكلام عليها، وفي الصلاة على ~~الشهيد أحاديث. منها: ما أخرجه الحاكم من حديث جابر قال: فقصد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حمزة حين جاء الناس من القتال فقال رجل: رأيته عند ms1509 ~~تلك الشجيرات فلما رآه ورأي ما مثل به شهق وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى ~~عليه بثوب ثم جئ بحمزة فصلى عليه الحديث وفي إسناده أبو حماد الحنفي وهو ~~متروك. # وعن شداد بن الهاد عند النسائي بلفظ: أن رجلا من الاعراب جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فآمن به واتبعه وفي الحديث: أنه استشهد فصلى عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم فحفظ من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم له: اللهم ~~إن هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل في سبيلك وحمل البيهقي هذا على أنه ~~لم يمت في المعركة، وعن أنس عند أبي داود في المراسيل. وقد تقدم لفظه. وعن ~~عقبة بن عامر في البخاري وغيره. أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى ~~أحد PageV04P078 # بعد ثمان سنين صلاته على ميت كالمودع للاحياء والأموات وفي رواية لابن ~~حبان: ثم دخل بيته ولم يخرج حتى قبضه الله. وعن ابن عباس عند ابن إسحاق ~~قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمزة فسجي ببرده ثم صلى عليه ~~وكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فيصلي عليهم وعليه معهم ~~حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة. وفي إسناده رجل مبهم لأن ابن إسحاق قال: ~~حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس، قال السهيلي: إن كان ~~الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسن بن عمارة فهو ضعيف وإلا فهو مجهول لا حجة ~~فيه. # قال الحافظ: الحامل للسهيلي على ذلك ما وقع في مقدمة مسلم عن شعبة أن ~~الحسن بن عمارة حدثه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى على قتلى أحد، فسألت الحكم فقال: لم يصل عليهم اه. لكن حديث ~~ابن عباس روي من طرق أخرى منها ما أخرجه الحاكم وابن ماجة والطبراني ~~والبيهقي من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس مثله وأتم منه، ~~ويزيد فيه ضعف يسير. (وفي الباب) أيضا ms1510 عن أبي مالك الغفاري عند أبي داود في ~~المراسيل من طريقه وهو تابعي اسمه غزوان ولفظه: أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة. ~~قال الحافظ: ورجاله ثقات، وقد أعله الشافعي بأنه متدافع لأن الشهداء كانوا ~~سبعين، فإذا أتى بهم عشرة عشرة يكون قد صلى سبع صلوات فكيف تكون سبعين؟ ~~قال: # وإن أراد التكبير فيكون ثمانية وعشرين تكبيرة، وأجيب بأن المراد صلى على ~~سبعين نفسا وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة. وعن ابن مسعود عند ~~أحمد بلفظ: رفع الأنصاري حمزة فصلى عليه ثم جئ برجل من الأنصار ووضعوه إلى ~~جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة. ~~(وفي الباب) أيضا حديث أبي سلام عن رجل من الصحابة عند أبي داود وقد تقدم ~~في باب ترك غسل الشهيد، هذا جملة ما وقفنا عليه في هذا الباب من الأحاديث ~~المتعارضة، وقد اختلف أهل العلم في ذلك قاله الترمذي، قال بعضهم: يصلى على ~~الشهيد وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يصلى عليه وهو قول ~~المدنيين والشافعي وأحمد اه. وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري ~~والمزني والحسن PageV04P079 # البصري وابن المسيب، وإليه ذهب العترة واستدلوا بالأحاديث التي ذكرناها، ~~وأجاب عنها القائلون بأنه لا يصلى على الشهيد، فقالوا: أما حديث جابر ففيه ~~متروك كما تقدم، وأما حديث شداد بن الهاد فهو مرسل لأن شدادا تابعي، وقد ~~أجيب عنه بما تقدم عن البيهقي، وبأن المراد بالصلاة الدعاء، وأما حديث أنس ~~فقد تقدم أن البخاري والترمذي والدارقطني قالوا بأنه غلط فيه أسامة، وقد ~~قال البيهقي عن الدارقطني أن قوله فيه: ولم يصل على أحد من الشهداء غيره ~~ليست بمحفوظة، على أنه يقال: الحديث حجة عليهم لا لهم، لأنها لو كانت واجبة ~~لما خص بها واحدا من سبعين. وأما حديث عقبة فلنبدأ بتقرير الاستدلال به، ثم ~~نذكر جوابه وتقريره ما قاله الطحاوي أن معنى صلاته صلى الله عليه ms1511 وآله وسلم ~~عليهم لا يخلو من ثلاثة معان، إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة ~~عليهم، أو يكون من سنتهم أن لا يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة، أو تكون ~~الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة، وأيها كان فقد ثبت بصلاته ~~عليهم الصلاة على الشهداء، ثم الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في ~~الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن ~~أولى اه. وأجيب بأن صلاته عليهم تحتمل أمورا أخر منها أن تكون من خصائصه، ~~ومنها أن تكون بمعنى الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم لها فكيف ينتهض ~~الاحتجاج بها لدفع حكم قد ثبت؟ وأيضا لم يقل أحد من العلماء بالاحتمال ~~الثاني الذي ذكره الطحاوي، كذا قال الحافظ، وأنت خبير بأن دعوى الاختصاص ~~خلاف الأصل، ودعوى أن الصلاة بمعنى الدعاء يردها قوله في الحديث صلاته على ~~الميت، وأيضا قد تقرر في الأصول أن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية، فلو ~~فرض عدم ورود هذه الزيادة لكان المتعين المصير إلى حمل الصلاة على حقيقتها ~~الشرعية وهي ذات الأذكار والأركان، ودعوى أنها واقعة عين لا عموم لها يردها ~~أن الأصل فيما ثبت لواحد أو لجماعة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ثبوته ~~للغير، على أنه يمكن معارضة هذه الدعوى بمثلها فيقال: ترك الصلاة على ~~الشهداء في يوم أحد واقعة عين لا عموم لها، فلا تصلح للاستدلال بها على ~~مطلق الترك بعد ثبوت مطلق الصلاة على الميت، ووقوع الصلاة منه على خصوص ~~الشهيد في غيرها كما في حديث شداد بن الهاد وأبي سلام. # وأما حديث ابن عباس وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم ~~فأجاب عن ذلك الشافعي بأن الاخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن ~~النبي صلى PageV04P080 # الله عليه وآله وسلم لم يصل على قتلى أحد، قال: وما روي أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ~~ينبغي ms1512 لمن عار ض بذلك هذه الأحاديث أن يستحي على نفسه اه. وأجيب أيضا بأن ~~تلك الحالة الضيقة لا تتسع لسبعين صلاة، وبأنها مضطربة، وبأن الأصل عدم ~~الصلاة، ولا يخفى عليك أنها رويت من طرق يشد بعضها بعضا، وضيق تلك الحالة ~~لا يمنع من إيقاع الصلاة، فإنها لو ضاقت عن الصلاة لكان ضيقها عن الدفن ~~أولى، ودعوى الاضطراب غير قادحة، لأن جميع الطرق قد أثبتت الصلاة وهي محل ~~النزاع، ودعوى أن الأصل عدم الصلاة مسلمة قبل ورود الشرع، وأما بعد وروده ~~فالأصل الصلاة على مطلق الميت والتخصيص ممنوع، وأيضا أحاديث الصلاة قد شد ~~من عضدها كونها مثبتة، والاثبات مقدم على النفي، وهذا مرجح معتبر، والقدح ~~في اعتباره في المقام يبعد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك الشهداء ~~معارض بمثله، وهو بعد غفلة الصحابة عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتا ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة على الأموات، فكيف يرجح ناقلة وهو ~~أقل عددا من نقله الاثبات الذي هو مظنة الغفول عنه لكونه واقعا على مقتضى ~~عادته صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة على مطلق الميت، ومن مرجحات ~~الاثبات الخاصة بهذا المقام أنه لم يرو النفي إلا أنس وجابر، وأنس عند تلك ~~الواقعة من صغار الصبيان، وجابر قد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى ~~على حمزة وكذلك أنس كما تقدم، فقد وافقا غيرهما في وقوع مطلق الصلاة على ~~الشهيد في تلك الواقعة، ويبعد كل البعد أن يخص النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بصلاته حمزة لمزية القرابة ويدع بقية الشهداء، ومع هذا فلو سلمنا أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل عليهم حال الواقعة وتركنا جميع هذه ~~المرجحات لكانت صلاته عليهم بعد ذلك مفيدة للمطلوب لأنها كالاستدراك لما ~~فات مع اشتمالها على فائدة أخرى، وهي أن الصلاة على الشهيد لا ينبغي أن ~~تترك بحال، وإن طالت المدة وتراخت إلى غاية بعيدة. وأما حديث أبي سلام فلم ~~أقف للمانعين من الصلاة على جواب ms1513 عليه، وهو أدلة المثبتين لأنه قتل في ~~المعركة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماه شهيدا وصلى عليه، ~~نعم لو كان النفي علما غير مقيد بوقعة أحد، ولم يرد في الاثبات غير هذا ~~الحديث لكان مختصا بمن قتل على مثل صفته. واعلم أنه قد اختلف في الشهيد ~~الذي وقع الخلاف في غسله PageV04P081 # والصلاة عليه هل هو مختص بمن قتل في المعركة أو أعم من ذلك، فعند الشافعي ~~أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله في المعركة من ~~جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج بحرب الكفار من مات في قتال ~~المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيدا بسبب غير السبب ~~المذكور، ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ~~ومحمد أن من جرح في المعركة، أن من مات قبل الارتثاث فشهيد، والارتثاث أن ~~يحمل ويأكل أو يشرب أو يوصي أو يبقى في المعركة يوما وليلة حيا، وذهبت ~~الهادوية إلى أن من جرح في المعركة يقال له شهيد وإن مات بعد الارتثاث، ~~وأما من قتل مدافعا عن نفس أو مال أو في الممر ظلما فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف والهادوية إنه شهيد. وقال الامام يحيى والشافعي: إنه قيل له شهيد فليس ~~من الشهداء الذين لا يغسلون. وذهبت العترة والحنفية والشافعي في قول له: إن ~~قتيل البغاة شهيد قالوا: إذ لم يغسل علي أصحابه وهو توقيف. (فائدة) لم يرد ~~في شئ من الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على شهداء بدر ولا أنه ~~لم يصل عليهم. وكذلك في شهداء سائر المشاهد النبوية؟ إلا ما ذكرنا في هذا ~~البحث فليعلم ذلك. # باب الصلاة على السقط والطفل عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو ~~عن يسارها، والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة رواه أحمد ~~وأبو داود وقال فيه: والماشي يمشي ms1514 خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريبا ~~منها وفي رواية: الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى ~~عليه رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه والحاكم وقال على شرط البخاري بلفظ: ~~السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة. وأخرجه بهذا اللفظ ~~الترمذي وصححه، ولكن رواه الطبراني موقوفا على المغيرة، ورجح الدارقطني في ~~PageV04P082 # العلل الموقوف. (وفي الباب) عن علي عند ابن عدي وفي إسناده عمرو بن خالد ~~وهو متروك. وعن ابن عباس عنده أيضا من رواية شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء ~~عنه، وقواه ابن طاهر في الذخيرة، وقد ذكره البخاري من قول الزهري تعليقا ~~ووصله ابن أبي شيبة. وعن أبي هريرة عند ابن ماجة يرفعه بلفظ: صلوا على ~~أطفالكم فإنهم من أفراطكم وإسناده ضعيف. قوله: الراكب خلف الجنازة أي يمشي، ~~وسيأتي الكلام على المشي مع الجنازة. قوله: والسقط يصلى عليه فيه دليل على ~~مشروعية الصلاة على السقط، وإليه ذهبت العترة والفقهاء، ولكنها إنما تشرع ~~الصلاة عليه إذا كان قد استهل، والاستهلال الصياح أو العطاس أو حركة يعلم ~~بها حياة الطفل. وقد أخرج البزار عن ابن عمر مرفوعا: استهلال الصبي العطاس ~~قال الحافظ: وإسناده ضعيف. ويدل على اعتبار الاستهلال حديث جابر عند ~~الترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي بلفظ: إذا استهل السقط صلي عليه وورث ~~وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي عن أبي الزبير عنه وهو ضعيف، قال ~~الترمذي: رواه أشعث بن سوار وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر. ورواه ~~النسائي أيضا، وابن حبان في صحيحه، والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان ~~الثوري عن أبي الزبير عن جابر وصححه الحاكم على شرط الشيخين قال الحافظ: ~~ووهم لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن فهو علة هذا الخبر إن كان ~~محفوظا عن سفيان، قال: ورواه الحاكم أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي ~~الزبير مرفوعا وقال: # لا أعلم أحدا رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة، وقد وقفه ابن جريج وغيره، ~~وروي أيضا من ms1515 طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي الزبير مرفوعا. وقال الشافعي: ~~إنما يغسل لأربعة أشهر، إذ يكتب في الأربعين الرابعة رزقه وأجله وإنما ذلك ~~للحي. وقد رجح المصنف رحمه الله تعالى هذا واستدل له فقال قلت: وإنما يصلى ~~عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا ~~لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال: حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في ~~بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث ~~الله إليه ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ ~~فيه الروح PageV04P083 # متفق عليه اه. ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل. وظاهر ~~حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه وهو الحق، لأن الاستهلال يدل على وجود ~~الحياة قبل خروج السقط، كما يدل على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من ~~الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة ~~على الطفل، وأنه لا يكتفي بمجرد العلم بحياته في البطن فقط. # باب ترك الامام الصلاة على الغال وقاتل نفسه عن زيد بن خالد الجهني: أن ~~رجلا من المسلمين توفي بخيبر وأنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: إن ~~صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود ما ~~يساوي درهمين رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن جابر بن سمرة: أن رجلا قتل نفسه ~~بمشاقص فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه الجماعة إلا ~~البخاري. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: # فقال صلوا على صاحبكم فيه جواز الصلاة على العصاة، وأما ترك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم للصلاة عليه فلعله للزجر عن الغلول، كما امتنع من ~~الصلاة على ms1516 المديون وأمرهم بالصلاة عليه. قوله: ففتشنا متاعه الخ، فيه ~~معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاخباره بذلك وانكشاف الامر كما ~~قال. قوله: ما يساوي درهمين فيه دليل على تحريم الغلول وإن كان شيئا حقيرا، ~~وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة ليس هذا محل بسطها. قوله: بمشاقص جمع ~~مشقص كمنبر نصل عريض أو سهم فيه ذلك، والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به ~~الوحش، كذا في القاموس. # قوله: فلم يصل عليه فيه دليل لمن قال: إنه لا يصلى على الفاسق وهم العترة ~~وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي فقالوا: لا يصلى على الفاسق تصريحا أو ~~تأويلا، ووافقهم أبو حنيفة وأصحابه في الباغي والمحارب، وافقهم الشافعي في ~~قول له في قاطع الطريق، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى ~~أنه يصلى على الفاسق، وأجابوا PageV04P084 # عن حديث جابر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما لم يصل عليه بنفسه ~~زجرا للناس وصلت عليه الصحابة. ويؤيد ذلك ما عند النسائي بلفظ: أما أنا فلا ~~أصلي عليه وأيضا مجرد الترك لو فرض أنه لم يصل عليه هو ولا غيره لا يدل على ~~الحرمة المدعاة. ويدل على الصلاة على الفاسق حديث: صلوا على من قال: لا إله ~~إلا الله وقد تقدم الكلام عليه في باب ما جاء في إمامة الفاسق من أبواب ~~الجماعة. # باب الصلاة على من قتل في حد عن جابر: أن رجلا من أسلم جاء النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات ~~فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم فأمر به فرجم بالمصلى، فلما ~~أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم خيرا وصلى عليه رواه البخاري في صحيحه، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي ~~والترمذي وصححه وقالوا: ولم يصل عليه ورواية الاثبات أولى، وقد صح عنه عليه ~~السلام أنه صلى على الغامدية، وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله ms1517 ~~عليه وآله وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه. # حديث جابر أخرجه البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف عن محمود بن غيلان عن ~~عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عنه وقال: لم يقل يونس وابن جريج ~~عن الزهري وصلى عليه، وعلل بعضهم هذه الزيادة أعني قوله: فصلى عليه بأن ~~محمد بن يحيى لم يذكرها وهو أضبط من محمود بن غيلان قال: وتابع محمد بن ~~يحيى نوح بن حبيب، وقال غيره: كذا روي عن عبد الرزاق والحسن بن علي ومحمد ~~بن المتوكل ولم يذكروا الزيادة وقال: ما أرى مسلما ترك حديث محمود بن غيلان ~~إلا لمخالفة هؤلاء، وقد خالف محمودا أيضا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف ~~بابن راهويه، وحميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الرمادي، وإسحاق بن إبراهيم ~~الديري، فهؤلاء ثمانية من أصحاب عبد الرزاق خالفوا محمودا، وفيهم هؤلاء ~~الحفاظ إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، وحميد بن زنجويه وقد أخرجه ~~مسلم PageV04P085 # في صحيحه عن إسحاق عن عبد الرزاق ولم يذكر لفظه، غير أنه قال نحو رواية ~~عقيل. وحديث عقيل الذي أشار إليه ليس فيه ذكر الصلاة. وقال البيهقي: ورواه ~~البخاري عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق إلا أنه قال: فصلى عليه وهو خطأ ~~لاجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه ~~انتهى. وعلى هذا تكون زيادة. قوله: وصلى عليه شاذة، ولكنه قد تقرر في ~~الأصول أن زيادة الثقة إذا وقعت غير منافية كانت مقبولة وهي ههنا كذلك، ~~باعتبار رواية الجماعة المذكورين لأصل الحديث، وأما باعتبار ما وقع عند ~~أحمد وأهل السنن من أنه لم يصل عليه فرواية الصلاة أرجح من جهات، الأولى: ~~كونها في الصحيح. # الثانية: كونها مثبتة الثالثة: كونها معتضدة بما أخرجه مسلم في صحيحه ~~وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عمران بن حصين: أن امرأة من ~~جهينة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إنها قد زنت وهي حبلى، ~~فدعا النبي صلى الله عليه ms1518 وآله وسلم وليها فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أحسن إليها فإذا وضعت فجئ بها فلما وضعت جابها فأمر بها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم أمرهم ~~فصلوا عليها، الحديث. وبما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث بريدة أن ~~امرأة من غامد أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحو حديث عمران ~~وقال: فأمر بها فصلى عليها الحديث، وبما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ~~أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم امرأة وفيه فلما طفئت ~~أخرجها فصلى عليها وفي إسناده مجهول، ومن المرجحات أيضا الاجتماع على ~~الصلاة على المرجوم، قال النووي: قال القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاة على ~~كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا اه. ويتعقب بأن الزهري يقول: ~~لا يصلى على المرجوم، وقتادة يقول: لا يصلى على ولد الزنا، وأما قاتل نفسه ~~فقد تقدم الخلاف فيه. (ومن جملة) المرجحات ما حكاه المصنف عن أحمد أنه قال: ~~ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك الصلاة على أحد إلا الغال ~~وقاتل نفسه. وأما ما أخرجه أبو داود من حديث أبي برزة الأسلمي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه ففي ~~إسناده مجاهيل، PageV04P086 # وبقية الكلام على حديث ماعز والغامدية يأتي إن شاء الله في الحدود، وهذا ~~المقدار هو الذي تدعو إليه الحاجة في المقام. # الصلاة على الغائب بالنية وعلى القبر إلى شهر عن جابر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعا. وفي لفظ قال: توفي ~~اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه، فصففنا خلفه فصلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليه ونحن صفوف متفق عليهما. وعن أبي هريرة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج ~~بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه ms1519 أربع تكبيرات. رواه الجماعة. # وفي لفظ: نعى النجاشي لأصحابه ثم قال: استغفروا له، ثم خرج بأصحابه إلى ~~المصلى ثم قام فصلى بهم كما يصلى على الجنازة رواه أحمد. وعن عمران بن ~~حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أخاكم النجاشي قد مات ~~فقوموا فصلوا عليه، قال: فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت، وصلينا عليه ~~كما يصلى على الميت رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. # قوله: على أصحمة قال في الفتح: وقع في جميع الروايات التي اتصلت بنا من ~~طريق البخاري أصحمة بمهملتين بوزن أفعله مفتوح العين. ووقع في مصنف ابن أبي ~~شيبة صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء، وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد ~~أصخمة بخاء معجمة وإثبات الألف، قال: وهو غلط، وحكى الكرماني أن في بعض ~~النسخ صحبة بالموحدة بدل الميم انتهى. وهو اسم النجاشي. قال ابن قتيبة ~~وغيره: ومعناه بالعربية عطية، والنجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف ~~شين معجمة ثم ياء كياء النسب، وقيل بالتخفيف، ورجحه الصغاني لقب لمن ملك ~~الحبشة، وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه. قال المطرزي وابن خالويه ~~وآخرون: أن كل من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة ~~النجاشي، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك الترك خاقان، ~~ومن ملك القبط فرعون، ومن ملك مصر PageV04P087 # العزيز، ومن ملك اليمن تبع، ومن ملك حمير القيل، بفتح القاف، وقيل: أقل ~~درجة من الملك. # قوله: فكبر عليه أربعا فيه دليل على أن المشروع في تكبير الجنازة أربع، ~~وسيأتي الكلام في ذلك. قوله: وخرج بهم إلى المصلى تمسك به من قال بكراهة ~~صلاة الجنازة في المسجد، وسيأتي البحث في ذلك، وقد استدل بهذه القصة ~~القائلون بمشروعية الصلاة على الغائب عن البلد، قال في الفتح: وبذلك قال ~~الشافعي وأحمد وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة ~~منعه. قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو ~~في القبر؟ ms1520 وذهبت الحنفية والمالكية وحكاه في البحر عن العترة أنها لا تشرع ~~الصلاة على الغائب مطلقا، قال الحافظ وعن بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في ~~اليوم الذي يموت فيه أو ما قرب منه لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر، ~~وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، قال المحب الطبري: لم ~~أر ذلك لغيره، واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن هذه القصة بأعذار ~~منها أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد، ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على ~~الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس فيها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني ~~وترجم بذلك أبو داود في السنن فقال: باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ~~في بلد آخر، قال الحافظ: وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شئ من الاخبار أنه ~~لم يصل عليه في بلده أحد انتهى. وممن اختار هذا التفصيل شيخ الاسلام ابن ~~تيمية حفيد المصنف والمحقق المقبلي، واستدل له بما أخرجه الطيالسي وأحمد ~~وابن ماجة وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي. وعن أبي الطفيل عن حذيفة ~~بن أسيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أخاكم مات بغير أرضكم ~~فقوموا فصلوا عليه. ومن الاعذار قولهم إنه كشف له صلى الله عليه وآله وسلم ~~حتى رآه فيكون حكمه حكم الحاضر بين يدي الامام الذي لا يراه المؤتمون، ولا ~~خلاف في جواز الصلاة على من كان كذلك. قال ابن دقيق العيد: # هذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال، وتعقبه بعض الحنفية بأن الاحتمال ~~كاف في مثله، هذا من جهة المانع. قال الحافظ: وكأن مستند القائل بذلك ما ~~ذكره الواحدي في أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس قال: كشف للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه. ولابن حبان من ~~حديث عمران بن حصين: فقاموا وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين ~~يديه ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى: فصلينا خلفه ms1521 ونحن لا نرى إلا ~~أن PageV04P088 # الجنازة قدامنا. ومن الاعذار أن ذلك خاص بالنجاشي، لأنه لم يثبت أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلى على ميت غائب غيره، وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو مات بالمدينة والنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان إذ ذاك بتبوك، ذكر ذلك في الاستيعاب. وروي أيضا عن أبي ~~أمامة الباهلي مثل هذه القصة في حق معاوية بن مقرن، وأخرج مثلها أيضا عن ~~أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزني ثم قال بعد ذلك: أسانيد هذه الأحاديث ~~ليست بالقوية ولو أنها في الاحكام لم يكن شئ منها حجة وقال الحافظ في الفتح ~~متعقبا لمن قال إنه لم يصل على غير النجاشي قال: وكأنه لم يثبت عنده قصة ~~معاوية بن معاوية الليثي، وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي ~~بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى. وقال الذهبي: لا نعلم في الصحابة معاوية بن ~~معاوية، وكذلك تكلم فيه البخاري. # وقال ابن القيم، لا يصح حديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية ~~بن معاوية: # لأن في إسناده العلاء بن يزيد، قال ابن المديني: كان يضع الحديث، وقال ~~النووي مجيبا على من قال بأن ذلك خاص بالنجاشي أنه لو فتح باب هذا الخصوص ~~لا نسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شئ مما ذكروه لتوفرت الدواعي ~~إلى نقله. وقال ابن العربي: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد، قلنا: وما ~~عمل به محمد تعمل به أمته، يعني لأن الأصل عدم الخصوص، قالوا: طويت له ~~الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربنا عليه لقادر، وإن نبينا لأهل ~~لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم، ولا ~~تحدثوا إلا بالثابتات، ودعوا الضعاف فإنه سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف. ~~وقال الكرماني: قولهم رفع الحجاب عنه ممنوع، ولئن سلمنا فكان غائبا عن ~~الصحابة الذين صلوا عليه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # (والحاصل) ms1522 أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشئ يعتد به سوى ~~الاعتذار بأن ذلك مختص بمكان في أرض لا يصلى عليه فيها، وهو أيضا جمود على ~~قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر. # وعن ابن عباس قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبر رطب ~~فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا. وعن أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم ~~المسجد أو شابا ففقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV04P089 # فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات، قال: أفلا آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا ~~أمرها أو أمره فقال: دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها ثم قال: إن هذه ~~القبور مملوءة ظلمة على أهلها وأن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم متفق ~~عليهما، وليس للبخاري: إن هذه القبور مملوءة ظلمة إلى آخر الخبر. وعن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر بعد شهر. وعنه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على ميت بعد ثلاث رواهما الدارقطني. وعن ~~سعيد بن المسيب: أن أم سعد ماتت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم غائب، فلما ~~قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر رواه الترمذي. # حديث ابن عباس الآخر أخرج الدارقطني الرواية الأولى منه من طريق بشر بن ~~آدم عن أبي عاصم عن سفيان الثوري عن الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس. ~~وأخرجه أيضا البيهقي، وأخرج الثانية من طريق سفيان عن الشيباني به. # ووقع في الأوسط للطبراني من طريق محمد بن الصباح الدولابي عن إسماعيل بن ~~زكريا عن الشيباني به أنه صلى بعد دفنه بليلتين. وحديث سعيد بن المسيب ~~أخرجه البيهقي. قال الحافظ: وإسناده مرسل صحيح. وقد رواه البيهقي عن ابن ~~عباس وفي إسناده سويد بن سعيد. (وفي الباب) عن أبي هريرة عند الشيخين بنحو ~~حديث الباب. وعن أنس عند البزار نحوه. وعن أبي أمامة بن سهل عند مالك في ~~الموطأ نحوه أيضا. وعن زيد بن ثابت عند أحمد والنسائي نحوه أيضا. وعن أبي ~~سعيد عند ابن ماجة وفي ms1523 إسناده ابن لهيعة. وعن عقبة بن عامر البخاري وعن ~~عمران بن حصين عند الطبراني في الأوسط وعن ابن عمر عنده أيضا. وعن عبد الله ~~بن عامر بن ربيعة عند النسائي. وعن أبي قتادة عند البيهقي أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم على قبر البراء. وفي رواية بعد شهر. قال حرب الكرماني. (وفي ~~الباب) أيضا عن عامر بن ربيعة وعبادة وبريدة بن الحصيب. قوله: إلى قبر رطب ~~أي لم ييبس ترابه لقرب وقت الدفن فيه. قوله: وكبر أربعا فيه أن المشروع في ~~تكبير صلاة الجنازة أربع وسيأتي. قوله: أن امرأة سوداء سماها البيهقي أم ~~محجن، وذكر ابن منده في الصحابة خرقاء اسم امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ~~فيمكن أن يكون اسمها خرقاء وكنيتها أم محجن. قوله: أو شابا هكذا وقع الشك ~~في ألفاظ PageV04P090 # الحديث. وفي حديث أبي هريرة الجزم بأن صاحبة القصة امرأة، وجزم بذلك ابن ~~خزيمة في روايته لحديث أبي هريرة. قوله: كانت تقم بضم القاف أي تجمع ~~القمامة وهي الكناسة. قوله: ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة الخ، احتج ~~بهذه الرواية من قال بعدم مشروعية الصلاة على القبر وهو النخعي ومالك وأبو ~~حنيفة والهادوية قالوا: إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: وأن الله ينورهم ~~بصلاتي عليهم، يدل على أن ذلك من خصائصه، وتعقب ذلك ابن حبان فقال في ترك ~~إنكاره صلى الله عليه وآله وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك ~~لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب هذا التعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ~~ينتهض دليلا للأصالة. # (ومن جملة) ما أجاب به الجمهور عن هذه الزيادة أنها مدرجة في هذا ~~الاسناد، وهي من مراسيل ثابت بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، قال ~~الحافظ: # وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب بيان المدرج. قال البيهقي: يغلب على الظن ~~أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال أحمد انتهى. وقد عرفت غير مرة أن ~~الاختصاص لا يثبت إلا بدليل ومجرد كون الله ينور القبور ms1524 بصلاته صلى الله ~~عليه وآله وسلم على أهلها، لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره، لا ~~سيما بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا ~~باعتبار من كان قد صلى عليه قبل الدفن، وأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة ~~عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باق، وجعل الدفن مسقطا لهذا الفرض محتاج ~~إلى دليل، وقد قال بمشروعية الصلاة على القبر الجمهور كما قال ابن المنذر، ~~وبه قال الناصر من أهل البيت. وقد استدل بحديث الباب على رد قول من فصل ~~فقال: يصلى على قبر من ليكن قد صلى عليه قبل الدفن، لا من كان قد صلى عليه، ~~لأن القصة وردت فيمن قد صلى عليه، والمفصل هو بعض المانعين الذين تقدم ~~ذكرهم، واختلفوا في أمد ذلك فقيده بعضهم إلى شهر وقيل: ما لم يبل الجسد. ~~وقيل: # يجوز أبدا. وقيل: إلى اليوم الثالث. وقيل: إلى أن يترب. (ومن جملة) ما ~~اعتذر به المانعون من الصلاة على القبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إنما فعل ذلك حيث صلى من ليس بأولى بالصلاة مع إمكان صلاة الأولى، وهذا ~~تمحل لا ترد بمثله هذه السنة، لا سيما مع ما تقدم من صلاته صلى الله عليه ~~وآله وسلم على البراء بن معرور، مع أنه مات والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~غائب في مكة قبل الهجرة، وكان ذلك PageV04P091 # بعد موته بشهر. وعلى أم سعد وكان أيضا عند موتها غائبا وعلى غيرهما. # باب فضل الصلاة على الميت وما يرجى له بكثرة الجمع عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله ~~قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل ~~الجبلين العظيمين متفق عليه. ولأحمد ومسلم: حتى توضع في اللحد بدل تدفن ~~وفيه دليل فضيلة اللحد على الشق. # وفي الباب عن عائشة عند البخاري. وعن ثوبان عند مسلم. وعن عبد الله بن ~~مغفل عند النسائي. وعن أبي سعيد ms1525 عند أحمد، وعن ابن مسعود عند أبي عوانة قال ~~الحافظ: وأسانيده هذه صحاح. وعن أبي بن كعب عن ابن ماجة. وعن ابن مسعود عند ~~البيهقي في الشعب وأبي عوانة. وعن أنس عند الطبراني في الأوسط وعن واثلة بن ~~الأسقع عند ابن عدي. وعن حفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال. قال ~~الحافظ: وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. قوله: من شهد في رواية ~~للبخاري: # من شيع. وفي أخرى له: من تبع. وفي رواية لمسلم: من خرج مع جنازة من بيتها ~~ثم تبعها حتى تدفن فينبغي أن تكون هذه الرواية مقيدة لبقية الروايات، ~~فالتشييع والشهادة والاتباع يعتبر في كونها محصلة للاجر المذكور في الحديث ~~أن يكون ابتداء الحضور من بيت الميت. ويدل على ذلك ما وقع في رواية لأبي ~~هريرة عند البزار بلفظ: من أهلها وما عند أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ~~بلفظ: # فمشى معها من أهلها ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى ~~انقضاء الصلاة، وبذلك جزم الطبري. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن القيراط ~~يحصل لمن صلى فقط، لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من ~~صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى واستدل بما عند مسلم بلفظ: من صلى على جنازة ~~ولم يتبعها فله قيراط وبما عند أحمد عن أبي هريرة: ومن صلى ولم يتبع فله ~~قيراط فدل على أن الصلاة تحصل القيراط وإن لم يقع اتباع، قال: ويمكن أن ~~يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة انتهى. وهكذا الخلاف في قيراط الدفن ~~PageV04P092 # هل يحصل بمجرد الدفن من دون اتباع أو لا بد منه. قوله: حتى يصلى عليه قال ~~في الفتح: اللام للأكثر مفتوحة. وفي بعض الروايات بكسرها، ورواية الفتح ~~محمولة عليها، فإن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له ~~انتهى. قال ابن المنير: إن القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى، أو اتبع ~~وشيع وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة، ms1526 وذلك لأن ~~الاتباع إنما هو وسيلة لاحد مقصودين: # إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المترتب ~~على المقصود، وإن كان يترجى أن يحصل لذلك فضل ما يحتسب. وقد روى سعيد بن ~~منصور عن مجاهد أنه قال: اتباع الجنازة أفضل النوافل، وفي رواية عبد الرزاق ~~عنه، اتباع الجنازة أفضل من صلاة التطوع. قوله: فله قيراط بكسر القاف قال ~~في الفتح: قال الجوهري: القيراط نصف دانق، وقال: والدانق سدس الدرهم فهو ~~على هذا نصف سدس الدرهم كما قال ابن عقيل، وذكر القيراط تقريبا للفهم لما ~~كان الانسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته، فضرب له المثل بما يعلم، ~~ثم لما كان مقدار القيراط المتعارف حقيرا نبه على عظم القيراط الحاصل لمن ~~فعل ذلك فقال مثل أحدكما في بعض الروايات، وفي أخرى أصغرهما مثل أحد. وفي ~~حديث الباب مثل الجبلين العظيمين. قوله: ومن شهدها حتى تدفن ظاهره أن حصول ~~القيراط متوقف على فراغ الدفن وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: ~~يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب. وقد ~~وردت الاخبار بكل ذلك، فعند مسلم: حتى يفرغ منها. وعنده في أخرى: حتى توضع ~~في اللحد. وعنده أيضا: حتى توضع في القبر وعند أحمد: حتى يقضى قضاؤها. وعند ~~الترمذي: حتى يقضى دفنها. وعند أبي عوانة: # حتى يسوى عليها أي التراب. وقيل: يحصل القيراط بكل من ذلك ولكن يتفاوت ~~والظاهر أنها تحمل الروايات المطلقة عن الفراغ من الدفن وتسوية التراب ~~بالمقيدة بهما. قوله: مثل الجبلين في رواية: مثل أحد. وفي رواية للنسائي: # كل واحد منهما أعظم من أحد. وعند مسلم أصغرهما مثل أحد. وعند ابن عدي: # أثقل من أحد. فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد ~~به زنة الثواب المترتب على ذلك. قوله: حتى توضع في اللحد استدل به المصنف ~~على أن اللحد أفضل من الشق، وسيأتي الكلام على ذلك. PageV04P093 # وعن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ms1527 # ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف ~~إلا غفر له، فكان مالك بن هبيرة يتحرى إذا قل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة ~~صفوف رواه الخمسة النسائي. وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما ~~من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا ~~فيه رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه. وعن ابن عباس قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته ~~أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله ~~تعالى: قد قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون رواه أحمد. # حديث مالك بن هبيرة في إسناده محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ~~مرثد، عن مالك، وفيه مقال معروف إذا عنعن. وقد حسن الحديث الترمذي. # وقال: رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق، وروى إبراهيم بن سعد عن محمد بن ~~إسحاق هذا الحديث، وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا، ورواية هؤلاء أصح ~~عندنا، قال: وفي الباب عن عائشة وأم حبيبة وأبي هريرة، ثم ذكر حديث عائشة ~~بنحو اللفظ الذي ذكره المصنف من طريق ابن أبي عمر عن عبد الوهاب الثقفي عن ~~أيوب وعن أحمد بن منيع وعلي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ~~أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة ثم قال: حسن صحيح، وقد وقفه ~~بعضهم ولم يرفعه قال النووي: من رفعه ثقة وزيادة الثقة مقبولة. وحديث ابن ~~عباس أخرجه أيضا ابن ماجة. وحديث أنس أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم من طريق ~~حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا. ولأحمد من حديث أبي هريرة نحوه وقال: # ثلاثة بدل أربعة. وفي إسناده رجل لم يسم، ms1528 وله شاهد من مراسيل بشير بن ~~كعب، أخرجه أبو مسلم الكجي. قوله: يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف فيه دليل ~~على أن من صلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين غفر له، وأقل ما يسمى صفا رجلان ~~ولا حد لأكثره. قوله: يبلغون مائة فيه استحباب تكثير جماعة الجنازة، ويطلب ~~PageV04P094 # بلوغهم إلى هذا العدد الذي يكون من موجبات الفوز، وقد قيد ذلك بأمرين: ~~الأول أن يكونوا شافعين فيه أي مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة. ~~الثاني: أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئا كما في حديث ابن ~~عباس، قال القاضي: # قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن ~~سؤاله. قال النووي: ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر ~~بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به، ثم ثلاثة صفوف ~~وإن قل عددهم فأخبر به. قال: ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد، ولا يحتج ~~به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من الاخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما ~~دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كل الأحاديث معمول بها، ~~وتحصل الشفاعة بأقل الامرين من ثلاثة صفوف وأربعين. # قوله: أربعة أبيات ليس عند ابن حبان والحاكم لفظ أبيات، وفيه أن شهادة ~~أربعة من جيران الميت من موجبات مغفرة الله تعالى له. ويؤيد ذلك ما أخرجه ~~البخاري وغيره عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيما مسلم ~~شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: ~~واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد. قال الزين بن المنير: إنما لم ~~يسأله عمر عن الواحد استعبادا منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل ~~من النصاب. قال الداودي: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة، ~~لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن ~~شهادة العدو لا تقبل وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أنس قال: مر ms1529 بجنازة ~~فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت، ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت، ~~فقال عمر: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم ~~عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض هذا لفظ البخاري. وفي ~~مسلم، وجبت وجبت وجبت ثلاثا في الموضعين. قال النووي قال بعضهم: معنى ~~الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ذلك. مطابقا للواقع ~~فهو من أهل الجنة، فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه. قالوا والصحيح أنه على ~~عمومه، وأن من مات فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير كان دليلا على ~~أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلة ~~تحت المشيئة، وهذا الالهام يستدل PageV04P095 # به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى. قال الحافظ: وهذا في ~~جانب الخير واضح، وأما في جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ~~ذلك في حق من غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية من حديث أنس المتقدم: إن ~~لله عز وجل ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر. # باب ما جاء في كراهة النعي عن ابن مسعود: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: إياكم والنعي فإن النعي عمل الجاهلية. رواه الترمذي كذلك. ورواه ~~موقوفا وذكر أنه أصح. # وعن حذيفة أنه قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا إني أخاف أن يكون نعيا إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن النعي رواه أحمد وابن ماجة ~~والترمذي وصححه. وعن إبراهيم أنه قال: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه ~~وأصحابه إنما كان يكره أن يطاف في المجالس فيقال: أنعي فلانا فعل أهل ~~الجاهلية رواه سعيد في سننه. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله ~~بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه ms1530 وآله وسلم لتذرفان، ثم ~~أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له رواه أحمد والبخاري. # حديث ابن مسعود في إسناده أبو حمزة ميمون الأعور، وليس بالقوي عند أهل ~~الحديث. وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي وقفه كما قال المصنف وقال: # إنه حديث غريب. وحديث حذيفة قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن، وكلام ~~إبراهيم الذي رواه سعيد بن منصور هو من طريق ابن علية عن ابن عون قال: # قلت لإبراهيم: هل كانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم، ثم ذكره. وروى أيضا سعيد ~~بن منصور بهذا الاسناد إلى ابن سيرين أنه قال: لا أعلم بأسا أن يؤذن الرجل ~~صديقه وحميمه. قوله: إياكم والنعي النعي هو الاخبار بموت الميت كما في ~~الصحاح والقاموس وغيرهما كتب اللغة، قال في القاموس: نعاه له نعيا ونعيا ~~ونعيانا أخبره بموته. # وفي النهاية نعى الميت نعيا إذا أذاع موته وأخبر به انتهى. فمدلول النعي ~~لغة هو هذا، وإليه PageV04P096 # يتوجه النهي لوجوب حمل كلام الشارع على مقتضى اللغة العربية عند عدم وجود ~~اصطلاح له يخالفه. وقال في الفتح: إنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، ~~وكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. وقال ابن ~~المرابط: # إن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب ~~والمصاب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك ~~من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له ~~والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الاحكام انتهى. ويستدل ~~لجواز مجرد الاعلام بحديث أنس المذكور في الباب فإن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أخبر بقتل الثلاثة الامراء المقتولين بموتة وقصتهم مشهورة وهم: ~~زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة. وبحديث أبي هرير: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه ~~كما تقدم وقد بوب عليه البخاري باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه وبحديث ~~أبي هريرة وغيره: ms1531 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند أن أخبر بموت ~~السوداء أو الشاب الذي كان يقم المسجد: # ألا آذنتموني وقد تقدم. وفي حديث ابن عباس: ما منعكم أن تعلموني؟ وقد بوب ~~عليه البخاري باب الاذن بالجنازة. وبحديث الحصين بن وحوح، وقد تقدم في باب ~~المبادرة إلى تجهيز الميت، فهذه الأحاديث تدل على أن مجرد الاعلام بالموت ~~لا يكون نعيا محرما، وإن كان باعتبار اللغة مما يصدق عليه اسم النعي ما ~~تقدم ويؤيد ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي وابن سيرين كما ~~سلف. وقال ابن العربي، يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات، الأولى: إعلام ~~الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة. والثانية: الدعوة للمفاخرة بالكثرة ~~فهذا مكروه. الثالثة: # الاعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم انتهى. (فالحاصل) أن ~~الاعلام للغسل والتكفين والصلاة والحمل والدفن مخصوص من عموم النهي، لأن ~~إعلام من لا تتم هذه الأمور إلا مما وقع الاجماع على فعله في زمن النبوة ~~وما بعده وما جاوز هذا المقدار فهو داخل تحت عموم النهي. PageV04P097 # باب عدد تكبير صلاة الجنائز قد ثبت الأربع في رواية أبي هريرة وابن عباس ~~وجابر. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا ~~أربعا، وأنه كبر خمسا على جنازة فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يكبرها رواه الجماعة إلا البخاري. # حديث أبي هريرة وابن عباس وجابر تقدم في الصلاة على الغائب، وممن روى ~~الأربع كما قال البيهقي: عقبة بن عامر، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، ~~وابن مسعود. # وروى ابن عبد البر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ~~عن أبيه، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكبر على الجنائز أربعا وخمسا ~~وسبعا وثمانيا حتى جاء موت النجاشي فخرج فكبر أربعا، ثم ثبت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم على أربع حتى توفاه الله تعالى. وكذا قال القاضي عياض. ~~وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا: ms1532 صلوا على موتاكم بالليل والنهار ~~والصغير والكبير والدنئ والأمير أربعا. وفي إسناده عمرو بن هشام البيروتي، ~~تفرد به عن ابن لهيعة. وإلى مشروعية الأربع التكبيرات في الجنازة ذهب ~~الجمهور، قال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو ~~قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ~~انتهى. قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم، إلى أن التكبير أربع انتهى. ~~وقد اختلف السلف في ذلك، فروي عن زيد بن أرقم أنه كان يكبر خمسا كما في ~~حديث الباب. وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني ~~أسد فكبر خمسا وروي أيضا عن ابن مسعود عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ~~ستا، وعلى الصحابة خمسا، وعلى سائر الناس أربعا. وروي ذلك أيضا ابن أبي ~~شيبة والطحاوي والدارقطني عن عبد خير عنه. وروى ابن المنذر أيضا بإسناد ~~صحيح عن ابن عباس أنه كبر على جنازة ثلاثا. قال القاضي عياض: اختلفت ~~الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع. قال ابن عبد البر: وانعقد الاجماع ~~PageV04P098 # بعد ذلك على أربع. وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما ~~جاء في الأحاديث الصحيح وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه وقال: لا ~~نعلم أحدا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى، وقال علي بن الجعد: ~~حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن عمر قال: كل ذلك ~~قد كان أربعا وخمسا فاجتمعنا على أربع رواه البيهقي ورواه ابن عبد البر من ~~وجه آخر عن شعبة. # وروى البيهقي أيضا عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أربعا وخمسا وستا وسبعا، فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأخبر كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عمر على أربع ~~تكبيرات. وروي أيضا من طريق إبراهيم النخعي ms1533 أنه قال: اجتمع أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أبي مسعود فاجتمعوا على أن التكبير على ~~الجنازة أربع. وروي أيضا بسنده إلى الشعبي قال: صلى ابن عمر على زيد بن عمر ~~وأمه أم كلثوم بنت علي فكبر أربعا وخلفه ابن عباس والحسين بن علي وابن ~~الحنفية. قوله: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبرها استدل به من ~~قال: إن تكبير الجنازة خمس، وقد حكاه في البحر عن العترة جميعا، وأبي ذر، ~~وزيد بن أرقم، وحذيفة، وابن عباس، ومحمد ابن الحنفية، وابن أبي ليلى، وحكاه ~~في المبسوط عن أبي يوسف، وفي دعوى إجماع العترة نظر، لأن صاحب الكافي حكى ~~عن زيد بن علي القول بالأربع، واستدلوا أيضا بحديث حذيفة الآتي، وبما تقدم ~~عن جماعة من الصحابة قالوا: والخمس زيادة يتحتم قبولها لعدم منافاتها، ~~وأورد عليهم أنه كان يلزمكم الاخذ بأكثر من خمس لأنها زيادة، وقد وردت كما ~~أخرجه البيهقي عن أبي وائل وقد تقدم، ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه من ~~مشروعية الأربع بمرجحات أربعة، الأول أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة ~~أكثر عددا ممن روى منهم الخمس. الثاني أنها في الصحيحين. # الثالث: أنه أجمع على العمل بها الصحابة كما تقدم. الرابع: أنها آخر ما ~~وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم، كما أخرج الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ. ~~آخر: # ما كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجنائز أربع وفي إسناده ~~الفرات بن سلمان. وقال الحاكم بعد ذكر الحديث ليس من شرط الكتاب. ورواه ~~أيضا البيهقي بإسناد فيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف وقد تفرد به كما قال ~~البيهقي. PageV04P099 # قال الحافظ: وروي هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ضعيفة. وقال الأثرم: رواه ~~محمد بن معاوية النيسابوري عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس. # وقد سألت أحمد عنه فقال: محمد هذا روى أحاديث موضوعة منها هذا واستعظمه. ~~وقال: # كان أبو المليح أتقى لله وأصح حديثا من أن يروي ms1534 مثل هذا، وقال حرب عن ~~أحمد: هذا الحديث إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. وقال ابن ~~القيم قال أحمد: هذا كذب ليس له أصل اه. ورواه ابن الجوزي في الناسخ ~~والمنسوخ من طريق ابن شاهين عن ابن عمر وفي إسناده زافر بن الحرث عن أبي ~~العلاء عن ميمون بن مهران عنه. قال ابن الجوزي: وخالفه غيره ولا يثبت فيه ~~شئ، ورواه الحرث بن أبي أسامة عن جعفر بن حمزة عن فرات بن السائب عن ميمون ~~بن مهران عن ابن عمر بنحو، ويجاب عن الأول من هذه المرجحات، والثاني منها ~~بأنه إنما يرجح بهما عند التعارض، ولا تعارض بين الأربع والخمس، لأن الخمس ~~مشتملة زيادة غير معارضة وعن الرابع بأنه لم يثبت، ولو ثبت لكان غير رافع ~~للنزاع، لان اقتصاره على الأربع لا ينفي مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه، ~~وغاية ما فيه جواز الامرين. # نعم المرجح الثالث أعني إجماع الصحابة على الأربع هو الذي يعول عليه في ~~مثل هذا المقام إن صح، وإلا كان الاخذ بالزيادة الخارجة من مخرج صحيح هو ~~الراجح. وفي المسألة أقوال أخر: منها ما روي عن أحمد بن حنبل أنه لا ينقص ~~عن أربع ولا يزاد على سبع. ومنها: ما روي عن بكر بن عبد الله المزني أنه لا ~~ينقص عن ثلاث ولا يزاد على سبع ومنها: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ~~التكبير تسع وسبع وخمس وأربع وكبر ما كبر الامام، روى ذلك جميعه ابن ~~المنذر. ومنها: ما روي عن أنس أن تكبير الجنازة ثلاث، كما روى عنه ابن ~~المنذر أنه قيل له: إن فلانا كبر ثلاثا، فقال: وهل التكبير إلا ثلاث؟ وروى ~~عنه ابن أبي شيبة أنه كبر ثلاثا لم يزد عليها، وروى عنه عبد الرزاق أنه كبر ~~على جنازة ثلاثا ثم انصرف ناسيا فقالوا له: يا أبا حمزة إنك كبرت ثلاثا، ~~قال: # فصفوا فصفوا فكبر الرابعة. وروى عنه البخاري تعليقا نحو ذلك، وجمع بين ~~الروايات عنه الحافظ بأنه إما كان ms1535 يرى الثلاث مجزئة والأربع أكمل منها، ~~وإما بأن من أطلق عنه الثلاث لم يذكر الأولى لأنها افتتاح الصلاة. # وعن حذيفة: أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت فقال: ما نسيت ولا وهمت ~~PageV04P100 # ولكن كبرت كما كبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة فكبر ~~خمسا رواه أحمد. وعن علي: أنه كبر على سهل بن حنيف ستا وقال: إنه شهد بدر ~~رواه البخاري. وعن الحكم بن عتيبة، أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا ~~وستا وسبعا رواه سعيد في سننه. # حديث حذيفة ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه وفي إسناده يحيى بن عبد الله ~~الجابري وهو متكلم عليه، والأثر المذكور عن علي هو في البخاري بلفظ: # أنه كبر على سهل بن حنيف زاد البرقاني في مستخرجه: ستا وكذا ذكره البخاري ~~في تاريخه وسعيد بن منصور. ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر عن يزيد بن أبي ~~زياد عن عبد الله بن مغفل فقال: خمسا. وروى البيهقي عنه أنه كبر على أبي ~~قتادة سبعا وقال: إنه غلط، لأن أبا قتادة عاش بعد ذلك، قال الحافظ: وهذه ~~علة غير قادحة لأنه قد قيل إن أبا قتادة مات في خلافة علي وهذا هو الراجح ~~اه. وقول الحكم بن عتيبة أورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه، وقد تقدم ~~الخلاف في عدد التكبير وما هو الراجح. وفي فعل على دليل على استحباب تخصيص ~~من له فضيلة بإكثار التكبير عليه، وكذلك في رواية الحكم بن عتيبة عن السلف، ~~وقد تقدم من فعله صلى الله عليه وآله وسلم بصلاته على حمزة ما يدل على ذلك. # باب القراءة والصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيها ~~عن ابن عباس: أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنه من ~~السنة رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وقال فيه: # فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال: سنة وحق. وعن أبي أمامة بن ~~سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ms1536 صلى الله عليه وآله وسلم أن السنة في ~~الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى ~~سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويخلص الدعاء ~~للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شئ منهن ثم يسلم سرا في نفسه رواه ~~الشافعي، في PageV04P101 # مسنده. وعن فضالة بن أبي أمية قال: قرأ الذي صلى على أبي بكر وعمر بفاتحة ~~الكتاب رواه البخاري في تاريخه. # حديث عباس أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. وحديث أبي أمامة بن سهل في ~~إسناده مطرف، ولكنه قد قواه البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق عبد الله ~~بن أبي زياد الرصافي عن الزهري بمعناه وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر، ~~وأخرجه أيضا النسائي وعبد الرزاق، قال في الفتح: وإسناده صحيح وليس فيه ~~قوله: بعد التكبيرة ولا قوله: ثم يسلم سرا في نفسه ولكنه أخرج الحاكم ~~نحوها. (وفي الباب) عن ابن عباس حديث آخر عند الترمذي وابن ماجة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وفي إسناده إبراهيم ~~بن عثمان أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدا، وقال الترمذي: لا يصح هذا عن ابن ~~عباس، والصحيح عنه قوله: من السنة وعن أم شريك عند ابن ماجة قالت: أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. وفي ~~إسناده ضعف يسير كما قال الحافظ. وعن ابن عباس حديث آخر أيضا عند الحاكم: ~~أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ الفاتحة رافعا صوته، ثم صلى على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: اللهم هذا عبدك وابن عبديك أصبح ~~فقيرا إلى رحمتك فأنت غني عن عذابه، إن كان زاكيا فزكه وإن كان مخطئا فاغفر ~~له اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم انصرف ~~فقال: أيها الناس إن لم أقرأ عليها أي جهرا إلا لتعلموا أنه سنة وفي إسناده ~~شرحبيل بن سعد وهو مختلف في توثيقه. وعن جابر ms1537 عند النسائي في المجتبى ~~والحاكم والشافعي وأبي يعلى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ فيها ~~بأم القرآن وفي إسناده الشافعي والحاكم إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن ~~محمد بن عقيل. وعن محمد بن مسلمة عند ابن أبي حاتم في العلل أنه قال: السنة ~~على الجنائز أن يكبر الامام ثم يقرأ أم القرآن في نفسه، ثم يدعو ويخلص ~~الدعاء للميت، ثم يكبر ثلاثا ثم يسلم وينصرف، ويفعل من وراءه ذلك. وقال: ~~سألت أبي عنه فقال: هذا خطأ إنما هو حبيب بن مسلمة. قال الحافظ: حديث حبيب ~~في المستدرك من طريق الزهري عن أبي أمامة PageV04P102 # بن سهل باللفظ السابق. قوله: لتعلموا أنه من السنة فيه وفي بقية أحاديث ~~الباب دليل على مشروعية قراء فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، وقد حكى ابن ~~المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمسور بن مخرمة، وبه قال ~~الشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال الهادي والقاسم والمؤيد بالله، ونقل ابن ~~المنذر أيضا عن أبي هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قراءة وهو قول مالك وأبي ~~حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين، وإليه ذهب زيد بن علي والناصر، وأحاديث ~~الباب ترد عليهم. (واختلف الأولون) هل قراءة الفاتحة واجبة أم لا؟ فذهب إلى ~~الأول الشافعي وأحمد وغيرهما، واستدلوا بحديث أم شريك المتقدم، وبالأحاديث ~~المتقدمة في كتاب الصلاة، كحديث: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. ونحوه، وصلاة ~~الجنازة صلاة وهو الحق. قوله: وسورة فيه مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في ~~صلاة الجنازة، ولا محيص عن المصير إلى ذلك، لأنها زيادة خارجة من مخرج ~~صحيح. # ويؤيد وجوب قراءة السورة في صلاة الجنازة الأحاديث المتقدمة في باب وجوب ~~قراءة الفاتحة من كتاب الصلاة فإنها ظاهرة في كل صلاة. قوله: وجهر فيه دليل ~~على الجهر في قراءة صلاة الجنازة، وقال بعض أصحاب الشافعي: إنه يجهر بالليل ~~كالليلية، وذهب الجمهور إلى أنه لا يستحب الجهر في صلاة الجنازة وتمسكوا ~~بقول ابن عباس المتقدم: # لم أقرأ أي جهرا إلا لتعلموا أنه سنة. وبقوله في ms1538 حديث أبي أمامة سرا في ~~نفسه. قوله: # بعد التكبيرة الأولى فيه بيان محل قراءة الفاتحة، وقد أخرج الشافعي ~~والحاكم عن جابر مرفوعا بلفظ: وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى وفي ~~إسناده إبراهيم بن محمد وهو ضعيف جدا وقد صرح العراقي في شرح الترمذي بأن ~~إسناده حديث جابر ضعيف. قوله: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيه مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجنازة، ~~ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة في الصلاة كحديث: لا صلاة لمن لم يصل علي ~~ونحوه وروى إسماعيل القاضي في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن أبي إمامة أنه قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة ~~الكتاب ويصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت حتى ~~يفرغ ولا يقرأ إلا مرة ثم يسلم. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى، قال ~~الحافظ: # ورجاله مخرج لهم في الصحيحين. قوله: ثم يسلم سرا في نفسه فيه دليل على ~~مشروعية السلام في صلاة الجنازة والاسرار به وهو مجمع عليه ذلك في البحر، ~~PageV04P103 # وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنائز مثل التسليم في ~~الصلاة. وله أيضا نحوه عن عبد الله بن أبي أوفى، فحصل من الأحاديث المذكورة ~~في الباب أن المشروع في صلاة الجنازة قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى ~~وقراءة سورة، وتكون أيضا بعد التكبيرة الأولى مع الفاتحة لقوله في حديث أبي ~~أمامة بن سهل: ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات ولا يقرأ في شئ منهن، ثم ~~يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد ما يدل على تعيين موضعها، ~~والظاهر أنها تفعل بعد القراءة، ثم يكبر بقية التكبيرات، ويستكثر من الدعاء ~~بينهن للميت مخلصا له، ولا يشتغل بشئ من الاستحسانات التي وقعت في كتب ~~الفقه فإنه لا مستند لها إلا التخيلات، ثم بعد فراغه من التكبير والدعاء ~~المأثور يسلم، ms1539 وقد اختلف في مشروعية الرفع عند كل تكبيرة، فذهب الشافعي إلى ~~أنه يشرع مع كل تكبيرة. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، ~~وعطاء، وسالم بن عبد الله، وقيس بن أبي حازم، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، ~~وإسحاق، واختاره ابن المنذر، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي: أنه لا ~~يرفع عند سائر التكبيرات بل عند الأولى فقط. وعن مالك ثلاث روايات، الرفع ~~في الجميع، وفي الأولى فقط، وعدمه في كلها، وقالت العترة، بمنعه في كلها. ~~(احتج الأولون) بما أخرجه البيهقي عن ابن عمر قال الحافظ: بسند صحيح، وعلقه ~~البخاري ووصله في جزء رفع اليدين أنه كان يرفع يديه في جميع تكبيرات ~~الجنازة ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة موسى بن عيسى مرفوعا وقال: لم ~~يروه عن نافع إلا عبد الله بن محرر، تفرد به عباد بن صهيب، قال في التلخيص: ~~وهما ضعيفان، ورواه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن ~~نافع عنه مرفوعا، لكن قال في العلل: تفرد به برفعه عمر بن شبة عن يزيد بن ~~هارون ورواه الجماعة عن يزيد موقوفا وهو الصواب، وروى الشافعي عمن سمع سلمة ~~بن وردان يذكر عن أنس أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة. وروى أيضا ~~الشافعي عن عروة وابن المسيب مثل ذلك قال: وعلى ذلك أدركنا أهل العلم ~~ببلدنا. (واحتج القائلون) بأنه لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح بما ~~رواه الدارقطني من حديث ابن عباس وأبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود. قال ~~الحافظ: PageV04P104 # ولا يصح فيه شئ، وقد صح عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في تكبيرات ~~الجنازة، رواه سعيد بن منصور اه. واحتجوا أيضا بما أخرجه الترمذي عن أبي ~~هريرة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ~~ووضع اليمنى على اليسرى وقال: غريب وفي إسناده يزيد بن سنان الرهاوي ms1540 وهو ~~ضعيف عند أهل الحديث. والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شئ يصلح ~~للاحتجاج به عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأفعال الصحابة وأقوالهم لا ~~حجة فيها، فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الاحرام، لأنه لم يشرع في ~~غيرها إلا عند الانتقال من ركن إلى ركن كما في سائر الصلوات، ولا انتقال في ~~صلاة الجنازة. # باب الدعاء للميت وما ورد فيه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: # إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وابن ماجة. وعن أبي ~~هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى على جنازة قال: ~~اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، ~~اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الايمان ~~رواه أحمد والترمذي ورواه أبو داود وابن ماجة وزاد: اللهم لا تحرمنا أجره ~~ولا تضلنا بعده. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان وصححه والبيهقي، وفي إسناده ابن إسحاق ~~وقد عنعن، ولكن أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عنه مصرحا بالسماع. # والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم وقال: وله شاهد ~~صحيح من حديث عائشة نحوه. وأخرج هذا الشاهد الترمذي وأعله بعكرمة بن عمار، ~~وفي إسناد حديث الباب يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال أبو ~~حاتم: # الحفاظ لا يذكرون أبا هريرة إنما يقولون أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مرسلا، ولا يوصله بذكر أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح أنه ~~مرسل. وقال الترمذي روى هذا الحديث هشام الدستوائي وعلي بن المبارك عن يحيى ~~بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا اه. وقد ~~رواه يحيى بن PageV04P105 # أبي كثير من حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مثل حديث أبي هريرة، أخرجه من هذا الوجه أحمد والنسائي والترمذي ~~وقال: # حسن صحيح، وقال: ms1541 أصح الروايات في هذا يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم ~~الأشهلي عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم فلم يعرفه. وقال أبو حاتم: أبو ~~إبراهيم مجهول اه. ولكن جهالة الصحابي غير قادحة. وقد أخرجه الترمذي ~~والحاكم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة، ولكن في إسناده هذه ~~الطريق عكرمة بن عمار كما تقدم. وأخرجه أيضا الترمذي عن يحيى بن أبي كثير، ~~عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ~~توهم بعض الناس أن أبا إبراهيم الأشهلي هو عبد الله بن أبي قتادة، قال ~~الحافظ: وهو غلط لأن أبا إبراهيم من بني عبد الأشهل، وأبو قتادة من بني ~~سلمة. (وفي الباب) عن أبي هريرة حديث آخر عند أبي داود والنسائي: أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته على الجنازة يقول: اللهم أنت ~~ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها ~~وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها وعن عوف بن مالك وواثلة وسيأتيان. قوله: ~~فأخلصوا له الدعاء فيه دليل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص من هذه الأدعية ~~الواردة، وأنه ينبغي للمصلي على الميت أن يخلص الدعاء له، سواء كان محسنا ~~أو مسيئا، فإن ملابس المعاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وأفقرهم ~~إلى شفاعتهم، ولذلك قدموه بين أيديهم وجاؤوا به إليهم، لا كما قال بعضهم: ~~إن المصلي يلعن الفاسق ويقتصر في الملتبس على قوله: اللهم إن كان محسنا ~~فزده إحسانا، وإن كان مسيئا فأنت أولى بالعفو عنه فإن الأول من إخلاص السب ~~لا من إخلاص الدعاء، والثاني من باب التفويض باعتبار المسئ لا من باب ~~الشفاعة والسؤال، وهو تحصيل للحاصل، والميت غني عن ذلك. قوله: فأحيه على ~~الاسلام هذا اللفظ هو الثابت عند الأكثر، وفي سنن أبي داود: فأحيه على ~~الايمان وتوفه على الاسلام (واعلم) أنه قد وقع في كتب الفقه ذكر أدعية غير ~~المأثورة عنه صلى الله عليه وآله وسلم والتمسك بالثابت ms1542 عنه أولى، واختلاف ~~الأحاديث في ذلك محمول على أنه كان يدعو لميت بدعاء ولآخر بآخر، والذي أمر ~~به صلى الله عليه وآله وسلم إخلاص الدعاء (فائدة) إذا كان المصلى عليه طفلا ~~استحب أن PageV04P106 # يقول المصلي اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا روى ذلك البيهقي من حديث ~~أبي هريرة، وروى مثله سفيان في جامعه عن الحسن. # وعن عوف بن مالك قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة ~~يقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، ~~واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ~~وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وقه ~~فتنة القبر، وعذاب النار، قال عوف: تمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الميت رواه مسلم والنسائي. وعن واثلة بن ~~الأسقع قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل من ~~المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه ~~فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه ~~إنك الغفور الرحيم رواه أبو داود. # الحديث الأول أخرجه أيضا الترمذي مختصرا، والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن ~~ماجة وسكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده مروان بن جناح وفيه مقال. # قوله: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك قوله: فسمعته وفي رواية ~~لمسلم من حديث عوف: فحفظت من دعائه جميع ذلك يدل على أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب الاسرار ~~بالدعاء، وقد قيل: إن جهره صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء لقصد تعليمهم. ~~وأخرج أحمد عن جابر قال: ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وفسر أباح بمعنى قدر. قال الحافظ: ~~والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر، والظاهر أن الجهر والاسرار ms1543 بالدعاء جائزان. ~~قوله: واغسله بماء وثلج الخ، هذه الألفاظ قد تقدم شرحها في الصلاة. (واعلم) ~~أنه لم يرد تعيين موضع هذه الأدعية، فإن شاء المصلي جاء بما يختار منها ~~دفعة، إما بعد فراغه من التكبير، أو بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أو ~~الثالثة، أو يفرقه بين كل تكبيرتين، أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه ~~الأدعية، ليكون مؤديا لجميع ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم. وأما حديث ~~عبد الله بن أبي أوفى الآتي فليس فيه أنه لم يدع إلا بعد التكبيرة الرابعة، ~~إنما فيه أنه دعا بعدها، وذلك لا يدل على أن الدعاء مختص بذلك PageV04P107 # الموضع. قوله: إن فلان ابن فلان فيه دليل على استحباب تسمية الميت باسمه ~~واسم أبيه، وهذا إن كان معروفا، وإلا جعل مكان ذلك: اللهم إن عبدك هذا أو ~~نحوه، والظاهر أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث، سواء كان ~~الميت ذكرا أو أنثى، ولا يحول الضمائر المذكورة إلى صيغة التأنيث إذا كان ~~الميت أنثى لان مرجعها الميت، وهو يقال على الذكر والأنثى. # وعن عبد الله بن أبي أوفى أنه ماتت ابنة له فكبر عليه أربعا ثم قام بعد ~~الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يصنع في الجنازة هكذا رواه أحمد وابن ماجة بمعناه. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي في السنن الكبرى. وفي رواية: كبر أربعا حتى ~~ظننت أنه سيكبر خمسا، ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما ~~هذا؟ فقال: إني لا أزيد على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصنع، وهكذا كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الحاكم: هذا ~~حديث صحيح وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم ~~وفيه خلاف، والراجح الاستحباب لهذا الحديث. وقال الشافعي في كتاب البويطي: ~~أنه يقول بعدها: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وقال أبو علي بن أبي ~~هريرة: كان المتقدمون يقولون ms1544 في الرابعة: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وقال الهادي والقاسم: إنه يقول بعد ~~الرابعة: سبحان من سبحت له السماوات والأرضون، سبحان ربنا الأعلى سبحانه ~~وتعالى، اللهم هذا عبدك وابن عبديك وقد صار إليك، وقد أتيناك مستشفعين له ~~سائلين له المغفرة، فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيئاته، وألحقه بنبيه محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم وسع عليه قبره، وأفسح له أمره، وأذقه عفوك ~~ورحمتك يا أكرم الأكرمين، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتنا ~~بعده، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، ثم يكبر الخامسة ~~ثم يسلم. PageV04P108 # باب موقف الامام من الرجل والمرأة وكيف يصنع إذا اجتمعت أنواع عن سمرة ~~قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة ماتت في ~~نفاسها فقام عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وسطها رواه ~~الجماعة. وعن أبي غالب الحناط قال: شهد ت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل ~~فقام عند رأسه، فلما رفعت أتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها وفينا ~~العلاء بن زياد العلوي، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا ~~أبا حمزة هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم من الرجل حيث ~~قمت؟ ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وأبو ~~داود. وفي لفظه فقال العلاء بن زياد: # هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الجنازة كصلاتك، ~~يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. # الحديث الثاني حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في ~~التلخيص، ورجال إسناده ثقات. قوله: وسطها بسكون السين وفيه دليل على أن ~~المصلي على المرأة الميتة يستقبل وسطها، ولا منافاة بين هذا الحديث وبين ~~قوله في حديث أنس: وعجيزة المرأة لأن العجيزة يقال لها وسط، وأما الرجل ~~فالمشروع أن يقف الامام حذاء رأسه لحديث أنس المذكور، ولم يصب من استدل ~~بحديث سمرة ms1545 على أنه يقام حذاء وسط الرجل والمرأة، وقال: إنه نص في المرأة ~~ويقاس عليها الرجل، لأن هذا قياس مصادم للنص وهو فاسد الاعتبار، ولا سيما ~~مع تصريح من سأل أنسا بالفرق بين الرجل والمرأة، وجوابه عليه بقوله: نعم، ~~وإلى ما يقتضيه هذان الحديثان من القيام عند رأس الرجل ووسط المرأة ذهب ~~الشافعي وهو الحق. # وقال أبو حنيفة، حذاء صدرهما، وفي رواية: حذاء وسطهما. وقال مالك: حذاء ~~الرأس منهما. وقال الهادي: حذاء رأس الرجل، وثدي المرأة، واستدل بفعل علي ~~عليه السلام قال أبو طالب: وهو رأي أهل البيت لا يختلفون فيه. وحكي في ~~البحر عن القاسم أنه يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل، قال في ~~البحر بعد حكاية الخلاف مؤيدا لما ذهب إليه الهادي: لنا إجماع العترة أولى ~~من استحسانهم انتهى. وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي، وأن ~~ما عداه لا مستند له PageV04P109 # من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال أو التعويل على محض الرأي، أو ~~ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا ~~جاء نهر الله بطل نهر معقل، نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلا للوجوب، ولكن ~~النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التي فعلها ~~المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: # العلاء بن زياد العلوي. الذي في غير هذا الكتاب كجامع الأصول والكاشف ~~وغيرهما العدوي وهو الصواب. # وعن عمار مولى الحرث بن نوفل قال: حضرت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما ~~يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، فصلى عليهما وفي القوم أبو سعيد الخدري ~~وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة فسألتهم عن ذلك فقالوا: السنة رواه ~~النسائي وأبو داود وعن عمار أيضا: أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ~~أخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فجعل المرأة بين يدي الرجل ~~وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ كثير وثمت الحسن والحسين. ~~وعن الشعبي: أن أم كلثوم بنت علي وابنها ms1546 زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت ~~جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما حين صلى ~~عليهما رواهما سعيد في سننه. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، ورجال إسناده ثقات، وأخرجه أيضا ~~البيهقي. وقال: وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ~~ثمانين نفسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي رواية للبيهقي: ~~أن الامام في هذه القصة ابن عمر. وفي أخرى له وللدارقطني، والنسائي في ~~المجتبى من رواية نافع بن عمر أنه صلى على سبع جنائز رجال ونساء، فجعل ~~الرجال مما يلي الامام، وجعل النساء مما يلي القبلة، وصفهم صفا واحدا، ~~ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر وابن لها يقال له زيد، والامام ~~يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو ~~قتادة، فوضع الغلام مما يلي الامام فقلت: ما هذا؟ قالوا: السنة. # وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى، قال الحافظ: وإسناده صحيح. قوله: ~~أمير المدينة هو سعيد بن العاص كما وقع مبينا في سائر الروايات، ويجمع بينه ~~وبين ما وقع فيه أن الامام كان ابن عمر، بأن ابن عمر أم بهم بإذنه. قال ~~الحافظ: ويحمل قوله: إن الامام PageV04P110 # يومئذ سعيد بن العاص يعني الأمير، لا أنه كان إماما في الصلاة، ويرده ~~قوله في حديث الباب فصلى عليهما أمير المدينة. قال الحافظ: أيحمل على أن ~~نسبة ذلك إلى ابن عمر لكونه أشار بترتيب وضع تلك الجنائز. (والحديث) يدل ~~على أن السنة إذا اجتمعت جنائز أن يصلى عليها صلاة واحدة، وقد تقدم في ~~كيفية صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على قتلى أحد أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صلى على كل واحد منهم صلاة، وحمزة مع كل واحد، وأنه كان يصلي على ~~كل عشرة صلاة. وأخرج ابن شاهين أن عبد الله بن معقل بن مقرن أتى بجنازة رجل ~~وامرأة فصلى على الرجل، ثم صلى على الرجل، ثم صلى على المرأة وفيه انقطاع. ~~(وفي الحديث) أيضا أن ms1547 الصبي إذا صلى عليه مع امرأة كان الصبي مما يلي ~~الامام، والمرأة مما يلي القبلة، وكذلك إذا اجتمع رجل وامرأة أو أكثر من ~~ذلك كما تقدم عن ابن عمر. وقد ذهب إلى ذلك الهادي والقاسم والمؤيد بالله ~~وأبو طالب والشافعية والحنفية، وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر والحسن ~~البصري وسالم بن عبد الله: بل الأولى العكس ليلي القبلة الأفضل. وفيه أيضا ~~دليل على أن الأولى بالتقدم للصلاة على الجنازة ذو الولاية ونائبه، ويؤيده ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يؤم الرجل في سلطانه. وقد تقدم في ~~الصلاة، وقد وقع الخلاف إذا اجتمع الامام والولي أيهما أولى؟ فعند أكثر ~~العترة وأبي حنيفة وأصحابه أن الامام وواليه أولى، وعند الشافعي والمؤيد ~~بالله والناصر في رواية عنه أن الولي أولى. # باب الصلاة على الجنازة في المسجد عن عائشة أنها قالت: لما توفي سعد بن ~~أبي وقاص أدخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكروا ذلك عليها فقالت: والله ~~لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل ~~وأخيه رواه مسلم. وفي رواية: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~سهيل ابن البيضاء إلا في جوف المسجد رواه الجماعة إلا البخاري. # وعن عروة قال: صلي على أبي بكر في المسجد. وعن ابن عمر: قال: # صلي على عمر في المسجد رواهما سعيد وروى الثاني مالك. # وأخرج الصلاة على أبي بكر وعمر أيضا في المسجد ابن أبي شيبة بلفظ: أن ~~PageV04P111 # عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد. قوله: # على ابني بيضاء قال النووي قال العلماء: بنو بيضاء ثلاثة إخوة: سهل وسهيل ~~وصفوان، وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة ~~القرشي الفهري. (والحديث) يدل على جواز إدخال الميت إلى المسجد والصلاة ~~عليه فيه، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور. قال ابن عبد البر، ورواه ~~المدنيون في رواية عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكي، وكرهه ابن أبي ms1548 ذئب ~~وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه والهادوية، وكل من قال بنجاسة الميت، ~~وأجابوا عن حديث الباب بأنه محمول على أن الصلاة على ابني بيضاء وهما كانا ~~خارج المسجد والمصلون داخله وذلك جائز بالاتفاق، ورد بأن عائشة استدلت بذلك ~~لما أنكروا عليها أمرها بإدخال الجنازة المسجد، وأجابوا أيضا بأن الامر ~~استقر على ترك ذلك، لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة، ورد بأن ~~عائشة لما أنكرت ذلك الانكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه، وأن ~~الامر استقر على الجواز، ويدل على ذلك الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد ~~لما تقدم، وأيضا العلة التي لأجلها كرهوا الصلاة على الميت في المسجد هي ~~زعمهم أنه نجس وهي باطلة لما تقدم: أن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا وأنهض ~~ما استدلوا به على الكراهة ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له. ~~وأخرجه ابن ماجة ولفظه: فليس له شئ وفي إسناده صالح مولى التوأمة وقد تكلم ~~فيه غير واحد من الأئمة. قال النووي: وأجابوا عنه يعني الجمهور بأجوبة: ~~أحدها أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: # هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. والثاني: أن الذي في ~~النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود: من صلى على جنازة في ~~المسجد فلا شئ عليه فلا حجة لهم حينئذ. والثالث: أنه لو ثبت الحديث وثبت ~~أنه فلا شئ له لوجب تأويله بأن له بمعنى عليه ليجمع بين الروايتين، قال: # وقد جاء بمعنى عليه كقوله تعالى: * (وإن أسأتم فلها) * (الاسراء: 7). ~~الرابع: أنه محمول على نقص الاجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها ~~إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه انتهى. PageV04P112 # أبواب حمل الجنازة والسير بها عن ابن مسعود قال: من اتبع جنازة فليحمل ~~بجوانب السرير كلها فإنه من السنة، ثم إن شاء ms1549 فليتطوع وإن شاء فليدع رواه ~~ابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود الطيالسي والبيهقي من رواية أبي عبيدة بن عبد ~~الله بن مسعود عن أبيه، قال الدارقطني في العلل: اختلف في إسناده على منصور ~~بن المعتمر، وفي الباب عن أبي الدرداء عند ابن أبي شيبة في مصنفه، وعن ~~ثوبان عند ابن الجوزي في العلل وإسناده ضعيف. وعن أنس عنده أيضا فيها ~~وإسناده ضعيف. وأخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعا بلفظ: من حمل جوانب السرير ~~الأربع كفر الله عنه أربعين كبيرة. وعن بعض الصحابة عند الشافعي: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. ورواه أيضا ~~ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل. وروي حمل ~~الجنازة عن جماعة من الصحابة والتابعين، فأخرج الشافعي عن إبراهيم بن سعد ~~عن أبيه عن جده قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف ~~قائما بين العمودين المقدمين واضعا للسرير على كاهله. ورواه الشافعي أيضا ~~بأسانيد من فعل عثمان وأبي هريرة وابن الزبير وابن عمر، أخرجها كلها ~~البيهقي. وروى ذلك البيهقي أيضا من فعل المطلب بن عبد الله بن حنطب وغيره، ~~وفي البخاري أن ابن عمر حمل ابنا لسعيد بن زيد، وروى ابن سعد ذلك عن عثمان ~~وأبي هريرة ومروان، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريق علي الأزدي قال: ~~رأيت ابن عمر في جنازة يحمل جوانب السرير الأربع. وروى عبد الرزاق عن أبي ~~هريرة أنه قال: من حمل الجنازة بجوانبها الأربع فقد قضى الذي عليه. وأخرج ~~الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # من تبع الجنازة وحملها ثلاث مرات فقد قضى ما عليه من حقها قال الترمذي: ~~هذا حديث غريب. ورواه بعضهم بهذا الاسناد ولم يرفعه. (والحديث) يدل على ~~مشروعية الحمل للميت، وأن السنة أن يكون بجميع جوانب السرير. PageV04P113 # باب الاسراع بها من غير رمل عن أبي هريرة قال: قال رسول ms1550 الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتمونها إلى الخير، وإن ~~كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم رواه الجماعة. وعن أبي موسى قال: مرت ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة تمخض مخض الزق فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # عليكم القصد رواه أحمد. وعن أبي بكرة قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا رواه أحمد والنسائي. # وعن محمود بن لبيد عن رافع قال: أسرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ~~تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ أخرجه البخاري في تاريخه. # حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن ماجة والبيهقي وقاسم بن أصبغ، وفي إسناده ~~ضعف كما قال الحافظ. وأخرج البيهقي عن أبي موسى من قوله: إذا انطلقتم ~~بجنازتي فأسرعوا في المشي قال: وهذا يدل على أن المراد كراهة شدة الاسراع. # وحديث أبي بكرة أخرجه أيضا أبو داود والحاكم. (وفي الباب) عن ابن مسعود ~~عند الترمذي وأبي داود قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~المشي خلف الجنازة فقال: ما دون الخبب، فإن كان خيرا عجلتموه، وإن كان شرا ~~فلا يبعد إلا أهل النار. وقد ضعف هذا الحديث البخاري والترمذي وابن عدي ~~والنسائي والبيهقي وغيرهم، لأن في إسناده أبا ماجدة، قال الدارقطني: مجهول. ~~وقال يحيى الرازي وابن عدي: منكر الحديث، والراوي عنه يحيى الجابر بالجيم ~~والباء الموحدة، قال البيهقي وغيره: إنه ضعيف. قوله: أسرعوا قال ابن قدامة: ~~هذا الامر للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه، ~~والمراد بالاسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية. قال ~~صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبب، وفي المبسوط: ليس فيه شئ مؤقت ~~غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة. وعن الجمهور: والمراد بالاسراع ما فوق ~~سجية المشي المعتاد. قال في الفتح: # والحاصل أنه يستحب الاسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها ~~حدوث PageV04P114 # مفسدة ms1551 الميت أو مشقة على الحامل أو المشيع، لئلا يتنافى المقصود من ~~النظافة وإدخال المشقة على المسلم. قال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ ~~بالميت عن الدفن، لان التباطئ ربما أدى إلى التباهي والاختيال اه. وحديث ~~أبي بكرة وحديث محمود بن لبيد يدلان على أن المراد بالسرعة المأمور بها في ~~حديث أبي هريرة هي السرعة الشديدة المقاربة للرمل. وحديث ابن مسعود يدل على ~~أن المراد بالسرعة ما دون الخبب، والخبب على ما في القاموس هو ضرب من العدو ~~أو كالرمل أو السرعة، فيكون المراد بالخبب في الحديث ما هو كالرمل بقرينة ~~الأحاديث المتقدمة لا مجرد السرعة. وحديث أبي موسى يدل على أن المشي ~~المشروع بالجنازة هو القصد، والقصد ضد الافراط كما في القاموس، فلا منافاة ~~بينه وبين الاسراع ما لم يبلغ إلى حد الافراط، ويدل على ذلك ما رواه ~~البيهقي من قول أبي موسى كما تقدم. قوله: بالجنازة أي بحملها إلى قبرها، ~~وقيل: المعنى الاسراع بتجهيزها فهو أعم من الأول. قال القرطبي والأول أظهر. # وقال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: تضعونه عن رقابكم. وقد ~~قوى الحافظ الثاني بما أخرجه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر: قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا ~~به إلى قبره وبما أخرجه أيضا أبو داود من حديث الحصين بن وحوح مرفوعا: لا ~~ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله الحديث تقدم. قوله: فإن كانت ~~صالحة أي الجثة المحمولة. قوله: تضعونه استدل به على أن حمل الجنازة يختص ~~بالرجال للاتيان فيه بضمير الذكور ولا يخفى ما فيه. قال الحافظ: والحديث ~~فيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يتحقق أنه مات، أما مثل ~~المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع في تجهيزهم حتى يمضي يوم ~~وليلة ليتحقق موتهم، نبه على ذلك ابن بزيزة. ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل ~~البطالة وغير الصالحين اه. # باب المشي أمام الجنازة وما جاء في الركوب معها قد سبق ms1552 في ذلك حديث ~~المغيرة. وعن ابن عمر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر ~~وعمر يمشون أمام الجنازة رواه الخمسة واحتج به أحمد. PageV04P115 # حديث المغيرة تقدم في الصلاة على السقط، وحديث ابن عمر أخرجه أيضا ~~الدارقطني وابن حبان وصححه، والبيهقي من حديث ابن عيينة عن الزهري، عن ~~سالم، عن أبيه به، قال أحمد: إنما هو عن الزهري مرسل. وحديث سالم فعل ابن ~~عمر. وحديث ابن عيينة وهم. قال الترمذي: أهل الحديث يرون المرسل أصح، قاله ~~ابن المبارك، قال: # وروى معمر ويونس ومالك عن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يمشي أمام الجنازة قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام ~~الجنازة، قال الترمذي: ورواه ابن جريج عن الزهري مثل ابن عيينة، ثم روي عن ~~ابن المبارك أنه قال: أرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة. وقال النسائي: وصله ~~خطأ والصواب مرسل. وقال أحمد: حدثنا حجاج قرأت على ابن جريج، حدثنا زياد بن ~~سعد أن ابن شهاب أخبره حدثني سالم عن ابن عمر أنه كان يمشي بين يدي الجنازة ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمامها. ~~وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من فعل ابن عمر وأبي بكر وعمر وعثمان، قال ~~الزهري: وكذلك السنة. قال الحافظ في التلخيص: فهذا أصح من حديث ابن عيينة، ~~وصحح الدارقطني بعد ذكر الاختلاف أنه فعل ابن عمر، ورجح البيهقي الموصول ~~لأن ابن عيينة ثقة حافظ، وقد أتى بزيادة على من أرسل والزيادة مقبولة. وقد ~~قال لما قال له ابن المديني أنه قد خالفه الناس في هذا الحديث: أن الزهري ~~حدثه به مرارا عن سالم عن أبيه، قال الحافظ: وهذا لا ينفي الوهم لأنه ضبط ~~أنه سمعه منه عن سالم عن أبيه وهو كذلك إلا أن فيه إدراجا، وقد جزم بصحة ~~الحديث ابن المنذر وابن حزم. (وفي الباب) عن أنس عند الترمذي مثله وقال: ~~سألت عنه البخاري فقال: هذا خطأ أخطأ فيه محمد ms1553 بن بكر. وقد اختلف أهل العلم ~~هل الأفضل لمتبع الجنازة أن يمشي خلفها أو أمامها، فقال الزهري ومالك ~~والشافعي وأحمد والجمهور وجماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وابن ~~عمرو وأبو هريرة: أن المشي أمام الجنازة أفضل واستدلوا بحديث ابن عمر ~~المذكور في الباب. وقال أبو حنيفة وأصحابه، وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري ~~وإسحاق، وحكاه في البحر عن العترة أن المشي خلفها أفضل، واستدلوا بما تقدم ~~من حديث ابن مسعود عند الترمذي وأبي داود قال: سألنا النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال: ما دون الخبب. فقرر قولهم خلف ~~الجنازة ولم ينكره، واستدلوا أيضا بما روي عن طاوس أنه قال: ما مشى رسول ~~الله صلى الله PageV04P116 # عليه وآله وسلم حتى مات إلا خلف الجنازة وهذا مع كونه مرسلا لم أقف عليه ~~في شئ من كتب الحديث. وروي في البحر عن علي عليه السلام أنه قال: المشي خلف ~~الجنازة أفضل، وحكي في البحر عن الثوري أنه قال: الراكب يمشي خلفها، ~~والماشي أمامها، ويدل لما قاله حديث المغيرة المتقدم: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن ~~يمينها أو عن يسارها. أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، وهذا مذهب ~~قوي لولا ما سيأتي من الأدلة الدالة على كراهة الركوب لمتبع الجنازة. وقال ~~أنس بن مالك: إنه يمشي بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها، رواه ~~البخاري عنه تعليقا، ووصله عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز، ووصله أيضا ~~ابن أبي شيبة وعبد الرزاق. # وعن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتبع جنازة ابن ~~الدحداح ماشيا ورجع على فرس رواه الترمذي. وفي رواية: أتي بفرس معرور فركبه ~~حين انصرفنا من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله. رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. # وعن ثوبان قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة فرأى ~~ناسا ركبانا فقال: ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم ms1554 على ظهور ~~الدواب؟ رواه ابن ماجة والترمذي. وعن ثوبان أيضا: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي ~~بدابة فركب فقيل له فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون ~~فلما ذهبوا ركبت رواه أبو داود. # حديث جابر بن سمرة قال الترمذي: حسن صحيح. وفي لفظ له: وهو على فرس له ~~يسعى ونحن حوله وهو يتوقص به وحديث ثوبان الأول قال الترمذي: قد روي عنه ~~مرفوعا، ولم يتكلم عليه بحسن ولا ضعف، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ~~ضعيف. وحديث ثوبان الثاني سكت عن أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال ~~الصحيح. قوله: ابن الدحداح بدالين مهملتين وحاء بين مهملتين، ويقال: أبو ~~الدحداح، ويقال: أبو الدحداحة، قال ابن عبد البر: لا يعرف اسمه. قوله: ورجع ~~على فرس فيه أنه لا بأس بالركوب عند الرجوع من دفن الميت. قوله: معرور بضم ~~الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: اعروريت الفرس إذا ركبته عريانا فهو ~~معرور. قال النووي: ولم يأت افعوعل معدي إلا قولهم: اعروريت PageV04P117 # الفرس واحلوليت الشئ اه. قوله: ونحن نمشي حوله فيه جواز مشي الجماعة مع ~~كبيرهم الراكب، وأنه لا كراهة فيه في حقه ولا في حقهم إذا لم يكن فيه ~~مفسدة، وإنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعين، أو خيف إعجاب أنحو ذلك ~~من المفاسد. قوله: ألا تستحيون فيه كراهة الركوب لمن كان متبعا للجنازة، ~~ويعارضه حديث المغيرة المتقدم من أذنه للراكب أن يمشي خلف الجنازة، ويمكن ~~الجمع بأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الراكب خلفها لا يدل على عدم ~~الكراهة، وإنما يدل على الجواز، فيكون الركوب جائزا مع الكراهة، أو بأن ~~إنكاره صلى الله عليه وآله وسلم على من ركب وتركه للركوب إنما كان لأجل مشي ~~الملائكة ومشيهم مع الجنازة التي مشى معها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، لا يستلزم مشيهم مع كل جنازة، لامكان أن يكون ذلك منهم تبركا به ms1555 صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فيكون الركوب على هذا جائزا غير مكروه، والله تعالى ~~أعلم. # باب ما يكره مع الجنازة من نياحة أو نار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن نتبع جنازة معها رانة رواه أحمد وابن ماجة. وعن ~~أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بمجمر قالوا: ~~أو سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه ابن ~~ماجة. # الحديث الأول إسناده عند ابن ماجة، هكذا حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا عبيد ~~الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عمر. وأبو يحيى هذا ~~القتات وفيه مقال وبقية رجاله ثقات. والحديث الثاني في إسناده أبو حريز ~~مولى معاوية، قال في التقريب: شامي مجهول. وقال في الخلاصة: مجهول. قوله: ~~معها رانة هي بالراء المهملة وبعد الألف نون مشددة أي مصوتة. قال في ~~القاموس: رن يرن رنينا صاح اه. (وفيه دليل) على تحريم اتباع الجنازة التي ~~معها النائحة، وعلى تحريم النوح، وسيأتي الكلام عليه. قوله: بمجمر المجمر ~~كمنبر الذي يوضع فيه الجمر. وفيه دليل على أنه لا يجوز اتباع الجنائز ~~بالمجامر وما يشابهها لأن ذلك من فعل الجاهلية، وقد هدم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذلك وزجر عنه. PageV04P118 # باب من اتبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن اتبعها فلا ~~يجلس حتى توضع رواه الجماعة إلا ابن ماجة، لكن إنما لأبي داود منه: إذا ~~اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع وقال: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل ~~عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: حتى توضع في الأرض ورواه أبو معاوية عن ~~سهيل: حتى توضع في اللحد وسفيان أحفظ من أبي معاوية. وعن علي بن أبي طالب ~~عليه السلام: أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع، فقال علي عليه السلام: ~~قام رسول الله صلى الله ms1556 عليه وآله وسلم ثم قعد رواه النسائي والترمذي ~~وصححه. ولمسلم معناه. # ولفظ مسلم من حديث علي عليه السلام قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يعني في الجنازة ثم قعد. قوله: إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فيه مشروعية ~~القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدا، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي ~~بعد هذا. # قوله: فمن اتبعها فلا يجلس فيه النهي عن جلوس الماشي مع الجنازة قبل أن ~~توضع على الأرض، فقال الأوزاعي وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن أنه مستحب، حكى ~~ذلك عنهم النووي والحافظ في الفتح، ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة ~~والتابعين قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرت به في قيام من شيعها. وحكي ~~في الفتح عن الشعبي والنخعي أنه يكره القعود قبل أن توضع، قال: وقال بعض ~~السلف: # يجب القيام، واحتج له برواية النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: ~~ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع ~~انتهى. # ولا يخفى أن مجرد الفعل لا ينتهض دليلا للوجوب، فالأولى الاستدلال له ~~بحديث الباب، فإن فيه النهي عن القعود قبل وضعها، وهو حقيقة للتحريم وترك ~~الحرام واجب. ومثل ذلك حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا: من صلى على جنازة ~~ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع. وروى ~~الحافظ عن الشعبي والنخعي أن القعود مكروه قبل أن توضع. ومما يدل على ~~الاستحباب ما رواه البيهقي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أن القائم مثل ~~الحامل يعني في PageV04P119 # الاجر. قوله: حتى توضع في الأرض قد ذكر المصنف كلام أبي داود في ترجيح ~~هذه الرواية على الرواية الأخرى أعني قوله: حتى توضع في اللحد وكذلك أشار ~~البخاري إلى ترجيحها بقوله: باب من شهد جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب ~~الرجال. وأخرج أبو نعيم عن سهيل قال: رأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن ~~مناكب الرجال. وهذا يدل على أن الرواية الأولى أرجح، لأن ms1557 أبا صالح راوي ~~الحديث وهو أعرف بالمراد منه، وقد تمسك بالرواية الثانية صاحب المحيط من ~~الحنفية فقال: الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب انتهى. وإذا قعد ~~الماشي مع الجنازة قبل أن توضع فهل يسقط القيام أو يقوم؟ الظاهر الثاني، ~~لأن أصل مشروعية القيام تعظيم أمر الموت وهو لا يفوت بذلك. وقد روى البخاري ~~في صحيحه أن أبا هريرة ومروان كانا مع جنازة فقعدا قبل أن توضع، فجاء أبو ~~سعيد فأخذ بيد مروان فأقامه، وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ~~ذلك، فقال أبو هريرة: صدق. # ورواه الحاكم بنحو ذلك وزاد: أن مروان لما قال له أبو سعيد: قم قام، ثم ~~قال له: لم أقمتني؟ # فذكر له الحديث، فقال لأبي هريرة: فما منعك أن تخبرني فقال: كنت إماما ~~فجلست فجلست. (وقد استدل) المهلب بقعود أبي هريرة ومروان، على أن القيام ~~ليس بواجب، وأنه ليس عليه العمل. قال الحافظ: إن أراد أنه ليس بواجب عندهما ~~فظاهر، وإن أراد في نفس الامر فلا دلالة فيه على ذلك. قوله: وعن علي عليه ~~السلام الخ، ذكر المصنف هذا الحديث للاستدلال به على نسخ مشروعية القيام ~~لمن تبع الجنازة حتى توضع لقوله فيه: حتى توضع فإنه يدل على أن المراد به ~~قيام التابع للجنازة لا قيام من مرت به، لأنه لا يشرع حتى توضع بل حتى ~~تخلفه كما سيأتي، ولكنه سيأتي في باب القيام للجنازة من حديث عامر بن ربيعة ~~عند الجماعة بلفظ: # حتى تخلفكم أو توضع فذكر الوضع في حديث علي عليه السلام لا يكون نصا، على ~~أن المراد قيام التابع، وقد استدل به الترمذي على نسخ قيام من رأى الجنازة ~~فقال بعد إخراجه له وهذا ناسخ للأول: إذا رأيتم الجنازة فقوموا اه. ولو سلم ~~أن المراد بالقيام المذكور في حديث علي هو قيام التابع للجنازة فلا يكون ~~تركه صلى الله عليه وآله وسلم ناسخا مع عدم ما يشعر بالتأسي به في هذا ~~الفعل بخصوصه، لما تقرر في الأصول من ms1558 أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يعارض القول الخاص بالأمة ولا بنسخه. PageV04P120 # باب ما جاء في القيام للجنازة إذا مرت عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع رواه الجماعة. ولأحمد: # وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه. وله أيضا عنه: أنه ربما تقدم ~~الجنازة فقعد حتى إذ رآها قد أشرفت قام حتى توضع. وعن جابر قال: مر بنا ~~جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه فقلنا: يا رسول ~~الله إنها جنازة يهودي، فقال إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها. وعن سهل بن ~~حنيف وقيس بن سعد: إنهما كانا قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما ~~فقيل لهما إنها من أهل الأرض أي من أهل الذمة، فقالا: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي فقال: ~~أليست نفسا متفق عليهما. وللبخاري عن ابن أبي ليلى قال: كان أبو مسعود وقيس ~~يقومان للجنازة. # قوله: حتى تخلفكم بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد اللام المكسورة أي تترككم ~~ورائها. قوله: مر بنا في رواية الكشميهني: مرت بفتح الميم. قوله: فقال إذا ~~رأيتم الجنازة فقوموا لها زاد البيهقي: إن الموت فزع. وكذا لمسلم من وجه ~~آخر، قال القرطبي: معناه أن الموت يفزع. قال البيضاوي: وهو مصدر جرى مجرى ~~الوصف للمبالغة أو فيه تقدير أي الموت ذو فزع. ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجة ~~عن أبي هريرة بلفظ: إن للموت فزعا. وعن ابن عباس مثله عند البزار. قوله: ~~أليست نفسا هذا لا يعارض التعليل المتقدم حيث قال: إن للموت فزعا، وكذا ما ~~أخرج الحاكم عن أنس مرفوعا: إنما قمنا للملائكة ونحوه لأحمد من حديث أبي ~~موسى، ولأحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: إنما ~~تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس. ولفظ ابن حبان إعظاما لله تعالى الذي يقبض ~~الأرواح، فإن ذلك لا ms1559 ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفزع من الموت فيه ~~تعظيم لأمر الله تعالى، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة. فأما ~~ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال: إنما قام رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم تأذيا بريح اليهود، زاد الطبراني: PageV04P121 # فأذاه ريح بخورها. وللطبراني والبيهقي من وجه آخر عنه كراهية أن يعلو على ~~رأسه، فإن ذلك لا يعارض الاخبار الأولى الصحيحة، أما أولا فلان أسانيد هذه ~~لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانيا فلان التعليل بذلك راجع إلى ما فهم ~~الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكأن ~~الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه صلى الله عليه وآله وسلم، فعلل ~~باجتهاده، ومقتضى التعليل بقوله: أليست نفسا أن ذلك يستحب لكل جنازة. ~~(واختلف العلماء) في هذه المسألة فذهب أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون ~~أن القيام للجنازة لم ينسخ، والقعود منه صلى الله عليه وآله وسلم كما في ~~حديث علي الآتي إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله ~~أجر. وكذا قال ابن حزم: أن قعوده صلى الله عليه وآله وسلم بعد أمره بالقيام ~~يدل على أن الامر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخا. قال النووي: # والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي وصاحب المهذب من الشافعية. وممن ذهب ~~إلى استحباب القيام ابن عمر، وابن مسعود، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، كما ~~يدل على ذلك الروايات المذكورة في الباب. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: ~~إن القيام منسوخ بحديث علي الآتي. قال الشافعي: إما أن يكون القيام منسوخا ~~أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من ~~أمره، والقعود أحب إلي انتهى. وسيأتي بيان ما هو الحق. وظاهر أحاديث الباب ~~أنه يشرع القيام لجنازة المسلم والكافر كما تقدم. # وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا ms1560 بالجلوس رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة بنحوه. وعن ابن سيرين: أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس ~~فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أما قام لها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: قام وقعد رواه أحمد والنسائي. # الحديث الأول رجال إسناده ثقات عند أبي داود وابن ماجة، وقد أخرجه ابن ~~حبان بهذا اللفظ، والبيهقي بلفظ: ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود. وقد خرج ~~حديث علي مسلم باللفظ الذي تقدم في الباب الأول. والحديث الثاني رجال ~~إسناده ثقات، وقد أشار إليه الترمذي أيضا. (وفي الباب) عن عبادة بن الصامت ~~عند PageV04P122 # أبي داود والترمذي وابن ماجة والبزار: أن يهوديا قال: لما كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقوم للجنازة هكذا يفعل فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: اجلسوا وخالفوهم وفي إسناده بشر بن رافع وليس بالقوي كما قال ~~الترمذي. وقال البزار: تفرد به بشر وهو لين. قال الترمذي: حديث عبادة غريب. ~~وقال أبو بكر الهمداني: ولو صح لكان صريحا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد ~~أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الاسناد، وقد تمسك بهذه الأحاديث من قال: إن ~~القيام للجنازة منسوخ، وقد تقد ذكرهم. قال القاضي عياض: ذهب جمع من السلف ~~إلى أن الامر بالقيام منسوخ بحديث علي هذا، وتعقبه النووي بأن النسخ لا ~~يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو ههنا ممكن. (واعلم) أن حديث علي باللفظ ~~الذي سبق في الباب الأول لا يدل على النسخ لما عرفناك من أن فعله لا ينسخ ~~القول الخاص بالأمة. وأما حديثه باللفظ الذي ذكره هنا فإن صح صلح النسخ ~~لقوله فيه: وأمرنا بالجلوس ولكنه لم يخرج هذه الزيادة مسلم ولا الترمذي ولا ~~أبو داود، بل اقتصروا على قوله: ثم قعد. # وأما حديث ابن عباس فكذلك أيضا لا يدل على النسخ لما عرفت. وأما حديث ~~عبادة بن الصامت فهو صريح في النسخ لولا ضعف إسناده، فلا ينبغي أن يستند في ~~نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة ms1561 من طريق جماعة من الصحابة إلى ~~مثله، بل المتحتم الاخذ بها واعتقاد مشروعيتها، حتى يصح ناسخ صحيح، ولا ~~يكون الامر بالجلوس، أو نهي عن القيام، أو إخبار من الشارع، بأن تلك السنة ~~منسوخة بكذا، واقتصار جمهور المخرجين لحديث علي عليه السلام وحفاظهم على ~~مجرد القعود بدون ذكر زيادة الامر بالجلوس، مما يوجب عدم الاطمئنان إليها ~~والتمسك بها في النسخ لما هو من الصحة في الغاية، لا سيما بعد أن شد من ~~عضدها عمل جماعة من الصحابة بها يبعد كل البعد أن يخفى على مثلهم الناسخ، ~~ووقوع ذلك منهم بعد عصر النبوة. # ويمكن أن يقال: إن الامر بالجلوس لا يعارض بفعل بعض الصحابة بعد أيام ~~النبوة، لأن من علم حجة علي من لم يعلم. وحديث عبادة وإن كان ضعيفا فهو لا ~~يقصر عن كونه شاهدا لحديث الامر بالجلوس. PageV04P123 # أبواب الدفن وأحكام القبور باب تعميق القبر واختيار اللحد على الشق عن ~~رجل من الأنصار قال: خرجنا في جنازة فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر ويقول: أوسع من قبل الرأس، وأوسع من ~~قبل الرجلين، رب عذق له في الجنة رواه أحمد وأبو داود. # وعن هشام بن عامر قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~أحد فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في ~~قبر واحد، فقالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: قدموا أكثرهم قرآنا، وكان ~~أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد رواه النسائي والترمذي بنحوه وصححه. # الحديث الأول أخرجه أيضا البيهقي، قال الحافظ: إسناده صحيح. والحديث ~~الثاني أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجة، واختلف فيه على حميد بن هلال راويه ~~عن هشام، فمنهم من أدخل بينه وبين سعد بن هشام ابنه، ومنهم من أدخل بينهما ~~أبا الدهماء، ومنهم من لم يذكر بينهما أحدا. قوله: يوصي بالواو والصاد من ~~التوصية، وذكر ابن المواق أن الصواب ms1562 يرمي بالراء والميم وأطال في ذلك. وفيه ~~مشروعية التوصية من الحاضرين للدفن بتوسد القبر وتفقد ما يحتاج إلى التفقد. ~~قوله: رب عذق العذق بفتح العين النخلة والجمع أعذق وأعذاق، وبكسر العين ~~القنو منها، والعنقود من العنب، والجمع أعذاق وعذوق. قوله: وأعمقوا وأحسنوا ~~فيه دليل على مشروعية إعماق القبر وإحسانه. وقد اختلف في حد الإعماق فقال ~~الشافعي: قامة. وقال عمر بن عبد العزيز: # إلى السرة. وقال الامام يحيى: إلى الثدي، وأقله ما يواري الميت ويمنع ~~السبع. وقال مالك: # لا حد لاعماقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال: أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة. قوله: وادفنوا الاثنين الخ، فيه ~~جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كما في مثل ~~هذه الواقعة وإلا كان PageV04P124 # مكروها كما ذهب إليه الهادي والقاسم وأبو حنيفة والشافعي. قال المهدي في ~~البحر: أو تبركا كقبر فاطمة فيه خمسة: يعني فاطمة، والحسن بن علي وعلي بن ~~الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وولده جعفر بن محمد الصاد، وهذا ~~من المجاورة لا من الجمع بين جماعة في قبر واحد الذي هو المدعي. وقد قدمنا ~~في باب ترك غسل الشهيد طرفا من الكلام على دفن الجماعة في قبر. قوله: قدموا ~~أكثرهم قرآنا فيه دليل على أنه يقدم في اللحد من كان أكثرهم أخذا للقرآن، ~~ويلحق بذلك سائر المزايا الدينية لعدم الفارق. # وعن عامر بن سعد قال: قال سعد: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا ~~كما صنع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ~~ماجة. وعن أنس قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رجل ~~يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل ~~إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له رواه أحمد وابن ماجة. ولابن ماجة هذا ~~المعنى من حديث ابن عباس وفيه: أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وأن أبا ~~طلحة كان يلحد. وعن ms1563 ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~اللحد لنا والشق لغيرنا رواه الخمسة. قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من ~~هذا الوجه. # حديث أنس قال الحافظ: إسناده حسن، وحديث ابن عباس الأول قال الحافظ أيضا: ~~في إسناده ضعف. وحديثه الثاني أخرجه من ذكر المصنف عن سعيد بن جبير عنه ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي، ~~كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه. وفي إسناده عبد الأعلى بن ~~عامر وهو ضعيف. (وفي الباب) عن جرير بن عبد الله عند أحمد والبزار وابن ~~ماجة بنحو حديث ابن عباس الثاني وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف، وزاد أحمد ~~بعد قوله لغيرنا أهل الكتاب. وعن ابن عمر عند أحمد وفيه عبد الله العمري ~~بلفظ: أنهم ألحدوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لحدا. وأخرجه ابن أبي ~~شيبة عنه بلفظ: ألحدوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكر وعمر وعن ~~جابر عند ابن شاهين بنحو حديث سعد بن أبي وقاص. وعن بريدة عند ابن عدي في ~~الكامل. وعن عائشة PageV04P125 # عند ابن ماجة بنحو حديث أنس وإسناده ضعيف، وله طريق أخر عند ابن أبي حاتم ~~في العلل وقال: إنها خطأ والصواب المحفوظ مرسل، وكذا رجح الدارقطني المرسل. ~~قوله: الحدوا قال النووي في شرح مسلم: هو بوصل الهمزة وفتح الحاء، ويجوز ~~بقطع الهمزة وكسر الحاء، يقال: لحد يلحد كذهب يذهب، وألحد يلحد إذا حفر ~~القبر، واللحد بفتح اللام وضمها معروف وهو الشق تحت الجانب القبلي من القبر ~~انتهى. قال الفراء: الرباعي أجود، وقال غيره: الثلاثي أكثر ويؤيده حديث ~~عائشة في قصة دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلوا إلى الشقاق ~~واللاحد. وسمي اللحد لحدا لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسطه، ~~والالحاد في أصل اللغة الميل والعدول. ومنه قيل للمائل عن الدين ملحد. ~~قوله: وانصبوا علي اللبن نصبا فيه استحباب نصب اللبن لأنه الذي صنع برسول ~~الله صلى الله عليه ms1564 وآله وسلم باتفاق الصحابة. قال النووي: وقد نقلوا أن ~~عدد لبناته صلى الله عليه وآله وسلم تسع. قوله: كان يضرح أي يشق في وسط ~~القبر. قال الجوهري: الضرح الشق. # (والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على استحباب اللحد، وأنه أولى من ~~الضرح، وإلى ذلك ذهب الأكثر كما قال النووي، وحكي في شرح مسلم إجماع ~~العلماء على جواز اللحد والشق انتهى. ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قرر من كان يضرح ولم يمنعه. ولا يقدح في صحة حديث ابن عباس الثاني، ~~وما في معناه تحير الصحابة عند موته صلى الله عليه وآله وسلم هل يلحدون له ~~أو يضرحون؟ بأن يقال: # لو كان عندهم علم بذلك لم يتحيروا، لأنه يمكن أن يكون من سمع منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم ذلك لم يحضر عند موته. # باب من أين يدخل الميت قبره وما يقال عند ذلك والحثي في القبر عن أبي ~~إسحاق قال: أوصى الحرث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله ~~القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة رواه أبو داود وسعيد في سننه ~~وزاد ثم قال: أنشطوا الثوب فإنما يصنع هذا بالنساء. وعن ابن عمر: عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم ~~PageV04P126 # الله وعلى ملة رسول الله. وفي لفظ: وعلى سنة رسول الله رواه الخمسة إلا ~~النسائي. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة ثم أتى ~~قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا رواه ابن ماجة. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص، ورجال إسناد ~~رجال الصحيح. (وفي الباب) عن ابن عباس عند الشافعي: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سل من قبل رأسه سلا. وعن ابن عمر عند أبي بكر النجاد مثله. وعن ~~أبي رافع عند ابن ماجة قال: سل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن ~~معاذ سلا ورش ms1565 على قبره الماء. وأما الزيادة التي زادها سعيد فسيأتي الكلام ~~فيها. # والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. (وفي الباب) عن ابن عمر عند ~~النسائي والحاكم وغيرهما وفيه الامر به، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح ~~الدارقطني والنسائي الوقف، ورجح غيرهما الرفع، وقد رواه ابن حبان من طريق ~~سعيد عن قتادة مرفوعا. وروى البزار والطبراني عن ابن عمر نحوه، وابن ماجة ~~عنه مرفوعا وفي إسناده حماد بن عبد الرحمن الكلبي وهو مجهول. وعن عبد ~~الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عند الطبراني قال: قال لي اللجلاج: يا ~~بني إذا أنامت فألحدني، فإذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول ~~الله، ثم شن علي التراب شنا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك. # واللام الأولى. وعن أبي حازم مولى الغفاري: حدثني البياضي وهو صحابي كما ~~في الكاشف وغيره عند الحاكم يرفعه بلفظ: الميت إذا وضع في قبره فليقل الذين ~~يضعونه حين يوضع في اللحد: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وعن أبي أمامة عند الحاكم والبيهقي بلفظ: لما وضعت أم ~~كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبر قال رسول الله صلى ~~عليه وآله وسلم: * (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) * ~~(طه: 55) بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله الحديث وسنده ضعيف كما ~~قال الحافظ. # والحديث الثالث قال أبو حاتم في العلل: هذا حديث باطل. وقال الحافظ: ~~إسناده ظاهر الصحة، قال ابن ماجة: حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا يحيى بن ~~صالح، حديثنا سلمة ابن كلثوم، حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة فذكره ورجاله ثقات، وقد رواه ابن أبي داود من هذا الوجه ~~وصححه، قال الحافظ: لكن أبو حاتم إمام لم يحكم عليه PageV04P127 # بالبطلان إلا بعد أن تبين له، وأظن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة ~~شيخه، وهذا كله ms1566 إن كان يحيى بن صالح هو الوحاظي شيخ البخاري. (وفي الباب) ~~عن عامر بن ربيعة عند البزار والدارقطني قال: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر عليه أربعا، وحثى على قبره ~~بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه وزاد البزار: فأمر فرش عليه ~~الماء قال البيهقي: وله شاهد من حديث جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا رواه ~~الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر. وعن أبي المنذر عند أبي داود في ~~المراسيل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حثى في قبر ثلاثا قال أبو حاتم ~~في العلل: أبو المنذر مجهول. وعن أبي أمامة عند البيهقي قال: توفي رجل فلم ~~تصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها على قبر فغفرت له ذنوبه. وعن أبي هريرة ~~غير حديث الباب عند أبي الشيخ مرفوعا: # من حثى على مسلم احتسابا كتب له بكل ثراة حسنة قال الحافظ: إسناده ضعيف. ~~قوله: # وقال هذا من السنة فيه وفيما قدمنا دليل على أنه يستحب أن يدخل الميت من ~~قبل رجلي القبر، أي موضع رجلي الميت منه عند وضعه فيه، وإلى ذلك ذهب ~~الشافعي وأحمد والهادي والناصر والمؤيد بالله، وقال أبو حنيفة: إنه يدخل ~~القبر من جهة القبلة معرضا إذ هو أيسر، واتباع السنة أولى من الرأي. وقد ~~استدل لأبي حنيفة بما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة ~~أنهم أدخلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القبلة، ويجاب بأن ~~البيهقي ضعفها. وقد روي عن الترمذي تحسين حديث ابن عباس منها، وأنكر ذلك ~~عليه، لأن مداره على الحجاج بن أرطأة، قال في ضوء النهار: على أنه لا حاجة ~~إلى التضعيف بذلك، لأن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عن يمين ~~الداخل إلى البيت لاصقا بالجدار، والجدار الذي ألحد تحته هو القبلة، فهو ~~مانع من إدخال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القبلة ضرورة انتهى. ~~قال في البدر المنير بعد ms1567 أن ذكر أنه أدخل صلى الله عليه وآله وسلم من جهة ~~القبلة وهو غير ممكن كما ذكره الشافعي في الام وأطنب في الشناعة على من ~~يقول ذلك، ونسبه إلى الجهالة ومكابرة الحس انتهى. قوله: # ثم قال: أنشطوا الثوب بهمزة فنون فشين معجمة فطاء مهملة أي اختلسوه، ذكر ~~معناه في القاموس، وقد أخرج نحو هذه الزيادة يوسف القاضي بإسناد له عن رجل ~~عن علي: # أنه أتاهم وهم يدفنون قيسا وقد بسط الثوب على قبره فجذبه وقال: إنما يصنع ~~هذا بالنساء والطبراني عن أبي إسحاق أيضا أن عبد الله بن يزيد صلى على ~~الحرث الأعور وفيه ثم لم PageV04P128 # يدعهم يمدون ثوبا على القبر وقال: هكذا السنة، وقد رواه ابن أبي شيبة من ~~طريق الثوري عن أبي إسحاق بلفظ: شهدت جنازة الحرث فمدوا على قبره ثوبا ~~فجذبه عبد الله بن يزيد وقال: # إنما هو رجل ورواه البيهقي بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي أنه حضر ~~جنازة الحرث الأعور فأمر عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبا. قال ~~الحافظ: لعل الحديث كان فيه، فأمر أن لا يبسطوا فسقطت لا، أو كان فيه فأبى ~~بدل فأمر. وروى البيهقي من حديث ابن عباس قال: جلل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبر سعد بثوبه قال البيهقي: # لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف. وروى عبد ~~الرزاق عن الشعبي عن رجل أن سعد بن مالك قال: أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فستر على القبر حتى دفن سعد بن معاذ فيه، فكنت ممن أمسك الثوب ~~وفي إسناده هذا المبهم. وقد أوله القائلون باختصاص ذلك بالمرأة على أنه ~~إنما فعل صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقبر سعد لأنه كان مجروحا وكان جرحه ~~قد تغير. قوله: قال بسم الله الخ، فيه استحباب هذا الذكر عند وضع الميت في ~~قبره. قوله: من قبل رأسه فيه دليل على أن المشروع أن يحثى على الميت من جهة ~~رأسه، ويستحب أن يقول عند ms1568 ذلك: * (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى) * (طه: 55) ذكره أصحاب الشافعي. # وقال الهادي: بلغنا عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان إذا حثى على ~~ميت قال: # اللهم إيمانا بك، وتصديقا برسلك، وإيقانا ببعثك، هذا ما وعد الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله، ثم قال: من فعل ذلك كان له بكل ذرة حسنة. # باب تسنيم القبر ورشه بالماء وتعليمه ليعرف وكراهة البناء والكتابة عليه ~~عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسنما رواه ~~البخاري في صحيحه. وعن القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: # يا أمه بالله اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه ~~فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ~~PageV04P129 # رواه أبو داود. الرواية الأولى أخرجها أيضا ابن أبي شيبة من طريق سفيان ~~المذكور وزاد: # وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك. وكذلك أخرجه أبو نعيم، وذكر هذه الزيادة ~~التي ذكرها ابن أبي شيبة والرواية الثانية أخرجها أيضا الحاكم من هذا الوجه ~~وزاد: ورأيت قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدما، وأبو بكر رأسه ~~بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر رأسه عند رجل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. (وفي الباب) عن صالح بن أبي صالح عند أبي داود في ~~المراسيل قال: # رأيت قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم شبرا أو نحو شبر وعن عثيم بن ~~بسطام المديني عند أبي بكر الآجري في كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: # رأيت قبره صلى الله عليه وآله وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته ~~مرتفعا نحوا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر ~~وراء قبر أبي بكر أسفل منه. قوله: مسنما أي مرتفعا. قال في القاموس: ~~التسنيم ضد التسطيح، وقال: سطحه كمنعه بسطه قوله: ولا لاطئة أي ولا لازقة ~~بالأرض. (وقد اختلف أهل العلم) في الأفضل من التسنيم والتسطيح ms1569 بعد الاتفاق ~~على جواز الكل، فذهب الشافعي وبعض أصحابه، والهادي والقاسم والمؤيد بالله ~~إلى أن التسطيح أفضل، واستدلوا برواية القاسم بن محمد بن أبي بكر المذكورة ~~وما وافقها قالوا: وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي، لاحتمال ~~أن قبره صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في الأول مسنما، بل كان في أول ~~الأمر مسطحا، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على ~~المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة، وبهذا يجمع بين ~~الروايات ويرجح التسطيح ما سيأتي من أمره صلى الله عليه وآله وسلم عليا أن ~~لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من ~~الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق أصحاب الشافعي عليه، ونقله القاضي عياض ~~عن أكثر العلماء أن التسنيم أفضل، وتمسكوا بقول سفيان التمار، والأرجح أن ~~الأفضل التسطيح لما سلف. # وعن أبي الهياج الأسدي عن علي قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ~~رواه PageV04P130 # الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. # قوله: عن أبي الهياج هو بفتح الهاء وتشديد الياء واسمه حيان بن حصين. # قوله: لا تدع تمثالا إلا طمسته فيه الامر بتغيير صور ذوات الأرواح. قوله ~~: ولا قبرا مشرفا إلا سويته في أن السنة أن القبر لا يرفع رفعا كثيرا من ~~غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة ~~على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب ~~الشافعي ومالك، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير، ~~كما قال الامام يحيى والمهدي في الغيث لا يصح، لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا ~~عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية، وتحريم رفع ~~القبور ظني، ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب، والمشاهد ~~المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور ms1570 مساجد، وقد لعن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فاعل ذلك كما سيأتي، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور ~~وتحسينها من مفاسد يبكي لها الاسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد ~~الكفار للأصنام وعظم ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، ~~فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما ~~يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها، واستغاثوا، ~~وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من ~~يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما، ولا أميرا ولا ~~وزيرا، ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الاخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من ~~هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله ~~فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ ~~وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق ~~شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين، ويا ملوك ~~المسلمين، أي رزء للاسلام أشد من الكف؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من ~~عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر ~~يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجبا؟ # لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي PageV04P131 # ولو نارا نفخت بها أضاءت * ولكن أنت تنفخ في رماد وعن جعفر بن محمد عن ~~أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع ~~عليه حصباء رواه الشافعي. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلم ~~قبر عثمان بن مظعون بصخرة رواه ابن ماجة. # الحديث الأول مرسل، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور والبيهقي من هذا الوجه ~~مرسلا بهذا اللفظ وزادا: ورفع قبره قدر شبر. (وفي الباب) عن جابر عند ~~البيهقي قال: رش على ms1571 قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالماء رشا فكان ~~الذي رش على قبره بلال بن رباح، بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى ~~إلى رجليه. وفي إسناده الواقدي والكلام فيه معروف. (وفي الباب) عن عامر بن ~~ربيعة تقدم في الباب الأول، وروى سعيد بن منصور أن الرش على القبر كان على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى مشروعية الرش على القبر ذهب ~~الشافعي وأبو حنيفة والقاسمية، والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن عدي، قال أبو ~~زرعة: هذا خطأ، والصواب رواية من روى عن المطلب بن حنطب وسيأتي. وقد رواه ~~الطبراني في الأوسط من حديث أنس بإسناد آخر فيه ضعف، ورواه الحاكم في ~~المستدرك في ترجمة عثمان بن مظعون بإسناد آخر فيه الواقدي من حديث أبي رافع ~~فذكر معناه. وروى أبو داود من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما ~~مات عثمان بن مظعون خرج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجلا أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وحسر عن ذراعيه قال المطلب: قال الذي أخبرني: كأني أنظر إلى بياض ~~ذراعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها ~~عند رأسه وقال: أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي قال الحافظ ~~وإسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد، راويه عن المطلب وهو صدوق انتهى. # والمطلب ليس صحابيا، ولكنه بين أن مخبرا أخبره ولم يسمه، وإيهام الصحابي ~~لا يضر (وفيه دليل) على جعل علامة على قبر الميت كنصب حجرا ونحوها. قال ~~الامام يحيى: # فأما نصب حجرين على المرأة وواحدة على الرجل فبدعة، قال في البحر قلت: لا ~~بأس به لقصد التمييز لنصبه على قبر ابن مظعون. PageV04P132 # وعن جابر قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد ~~عليه، وأن يبنى عليه رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ~~ولفظه: ms1572 نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ وفي ~~لفظ النسائي: نهى أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وابن حبان والحاكم، وقال الحاكم: الكتابة وإن ~~لم يذكرها مسلم فهي على شرطه وهي صحيحة غريبة. وقال أهل العلم من أئمة ~~المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك. (وفي البا ب) عن ابن مسعود ~~ذكره صاحب مسند الفردوس عن الحاكم مرفوعا: لا يزال الميت يسمع الاذان ما لم ~~يطين عليه قال الحافظ: وإسناده باطل، فإنه من رواية محمد بن القاسم ~~الطايكاني وقد رموه بالوضع. قوله: أن يجصص القبر في رواية لمسلم: عن تقصيص ~~القبور والتقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص. والقصة بفتح القاف ~~وتشديد الصاد المهملة هي الجص، وفيه تحريم تجصيص القبور. وأما التطيين فقال ~~الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم في تطيين القبور منهم الحسن البصري ~~والشافعي. وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رفع قبره من الأرض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة. ~~وحكي في البحر عن الهادي والقاسم أنه لا بأس بالتطيين لئلا ينطمس. وقال ~~الامام يحيى وأبو حنيفة: يكره. قوله: وأن يقعد عليه فيه دليل على تحريم ~~القعود على القبر، وإليه ذهب الجمهور، وقال مالك في الموطأ: المراد بالقعود ~~الحدث. قال النووي: وهذا تأويل ضعيف أو باطل، والصواب أن المراد بالعقود ~~الجلوس، ومما يوضحه الرواية الواردة بلفظ: لا تجلسوا على القبور كما سيأتي. ~~قوله: وأن يبنى عليه فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي ~~وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة ~~مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل، وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة ~~يأمرون بهدم ما يبنى، ويدل على الهدم حديث علي المتقدم. قوله: وأن يكتب ~~عليها فيه تحريم الكتابة على القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت ~~على ms1573 القبر وغيرها، وقد استثنت الهادوية رسم الاسم فجوزوه، لا على وجه ~~الزخرفة قياسا على وضعه صلى الله عليه وآله وسلم على قبر عثمان كما تقدم ~~وهو من التخصيص بالقياس، وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص ~~كما قال في ضوء النهار، ولكن الشأن في صحة هذا القياس. PageV04P133 # قوله: وأن توطأ فيه دليل على تحريم وطئ القبر، والكلام فيه كالكلام في ~~القعود عليه، ولعل مالكا لا يخالف هنا. قوله: أو يزاد عليه بوب على هذه ~~الزيادة البيهقي باب لا يزاد عليه القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع. وظاهره ~~أن المراد بالزيادة عليه الزيادة على ترابه، وقيل: المراد بالزيادة عليه أن ~~يقبر ميت على قبر ميت آخر. # باب من يستحب أن يدفن المرأة عن أنس قال: شهدت بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم تدفن وهو جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان فقال: هل فيكم ~~من أحد لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فأنزل في قبرها فنزل في ~~قبرها رواه أحمد والبخاري، ولأحمد عن أنس: # أن رقية لما ماتت قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل القبر رجل ~~قارف الليلة أهله، فلم يدخل عثمان بن عفان القبر. # قوله: بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي أم كلثوم زوج عثمان، ~~رواه الواقدي عن طليح بن سليمان، وبهذا الاسناد أخرجه ابن سعد في الطبقات ~~في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة، والطبري والطحاوي من ~~هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، كما ذكره ~~المصنف عن أحمد، وكذلك أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في ~~المستدرك. قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ببدر لم يشهدها. قال الحافظ: وهم حماد في تسميتها فقط، ~~ويؤيد أنها أم كلثوم ما رواه ابن سعد أيضا في ترجمة أم كلثوم من طريق عمرة ~~بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة، وأغرب الخطابي ms1574 فقال: هذه ~~البنت كانت لبعض بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسبت إليه. قوله: لم ~~يقارف بقاف وفاء، زاد ابن المبارك عن فليح: أراه يعني الذنب، ذكره البخاري ~~في باب من يدخل قبر المرأة تعليقا، ووصله الإسماعيلي، وكذا قال شريح بن ~~النعمان عن فليح، أخرجه أحمد عنه. وقيل معناه لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ~~ابن حزم قال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأنه لم يذنب تلك الليلة انتهى، ويقويه أن في رواية ثابت المذكور ~~بلفظ: لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة فتنحى عثمان. وقد استبعد أن ~~PageV04P134 # يكون عثمان جامع في تلك الليلة التي حدث فيها موت زوجته لحرصه على مراعاة ~~الخاطر الشريف، وأجيب عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى ~~الوقاع، ولم يكن يظن موتها تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع ~~بعد موتها، بل ولا حين احتضارها. (والحديث) يدل على أنه يجوز أن يدخل ~~المرأة في قبرها الرجال دون النساء لكونهم أقوى على ذلك، وأنه يقدم الرجال ~~الأجانب الذين بعد عهدهم بالملاذ في المواراة على الأقارب الذين قرب عهدهم ~~بذلك كالأب والزوج، وعلل بعضهم تقدم من لم يقارف بأنه حينئذ يأمن من أن ~~يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة، وحكي عن ابن حبيب أن السر في إيثار ~~أبي طلحة على عثمان، أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة، فتلطف ~~صلى الله عليه وآله وسلم في منعه من النزول قبر زوجته بغير تصريح. ووقع في ~~رواية حماد المذكورة فلم يدخل عثمان القبر. (وفي الحديث) أيضا جواز الجلوس ~~على شفير القبر وجواز البكا بعد الموت. وحكى ابن قدامة عن الشافعي أنه يكره ~~لخبر: فإذا وجب فلا تبكين باكية يعني إذا مات وهو محمول على الأولوية. ~~والمراد لا ترفع صوتها بالبكاء ويمكن الفرق بين النساء والرجال في ذلك، لأن ~~بكاء النساء قد يفضي إلى ما لا يحل من النوح لقلة صبرهن. ms1575 # باب آداب الجلوس في المقبرة والمشي فيها عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الانصاف انتهينا إلى ~~القبر ولم يلحد بعد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل القبلة ~~وجلسنا معه رواه أبو داود. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من ~~أن يجلس على قبر رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن عمرو بن حزم قال: ~~رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متكئا على قبر فقال: لا تؤذ صاحب ~~هذا القبر أو لا تؤذه رواه أحمد. PageV04P135 # وعن بشير بن الخصاصية: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا ~~يمشي في نعلين بين القبور فقال: يا صاحب السبتيتين القهما رواه الخمسة إلا ~~الترمذي. # حديث البراء سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح على ~~كلام في المنهال بن عمرو، وشيخه زاذان. وقد أخرجه من هذه الطريق النسائي ~~وابن ماجة. وحديث عمرو بن حزم قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح، وحديث ~~بشير سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات إلا خالد بن نمير فإنه ~~يهم. # وأخرجه أيضا الحاكم وصححه. قوله: مستقبل القبلة فيه دليل على استحباب ~~الاستقبال في الجلوس لمن كان منتظرا دفن الجنازة. قوله: لأن يجلس أحدكم ~~الخ، فيه دليل على أنه لا يجوز الجلوس على القبر، وقد تقدم النهي عن ذلك، ~~وذهاب الجمهور إلى التحريم، والمراد بالجلوس القعود، وروى الطحاوي من حديث ~~محمد بن كعب قال: إنما قال أبو هريرة: من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط ~~فكأنما جلس على جمرة قال في الفتح: لكن إسناده ضعيف، وقال نافع: كان ابن ~~عمر يجلس على القبور. ومخالفة الصحابي لما روى لا تعارض المروي. قوله: لا ~~تؤذ صاحب القبر هذا دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالجلوس ~~القعود، وفيه بيان علة المنع من ms1576 الجلوس أعني التأذي. قوله: السبتيتين قد ~~تقدم تفسير ذلك في باب تغيير الشيب، والمراد بها جلود البقر وكل جلد مدبوغ، ~~وإنما قيل لها السبتية أخذا من السبت وهو الحلق، لأن شعرها قد حلق عنها. ~~وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز المشي بين القبور بالنعلين، ولا يختص عدم ~~الجواز بكون النعلين سبتيتين لعدم الفارق بينها وبين غيرها. وقال ابن حزم: ~~يجوز وطئ القبور بالنعال التي ليست سبتية لحديث: إن الميت يسمع خفق نعالهم ~~وخص المنع بالسبتية، وجعل هذا جمعا بين الحديثين وهو وهم، لأن سماع الميت ~~لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة. # وقال الخطابي: إن النهي عن السبتية لما فيها من الخيلاء ورد بأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبسها كما تقدم في باب تغيير الشيب. ~~PageV04P136 # باب الدفن ليلا عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا، فلما أصبح أخبروه فقال ما منعكم ~~أن تعلموني؟ قالوا: # كان الليل فكرهنا وكانت ظلمة أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه رواه ~~البخاري وابن ماجة. قال البخاري: ودفن أبو بكر ليلا. وعن عائشة قالت: ما ~~علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من ~~آخر الليل ليلة الأربعاء قال محمد بن إسحاق: والمساحي المرور. رواه أحمد. ~~وعن جابر قال: # رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في القبر يقول: ناولوني صاحبكم وإذا هو الذي كان يرفع صوته بالذكر رواه أبو ~~داود. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا مسلم، وقد روي نحوه عن جماعة من الصحابة قدمنا ~~ذكرهم في باب الصلاة على الغائب، وقدمنا شرح هذا الحديث، والاختلاف في اسم ~~هذا الانسان المبهم هنالك، ودفن أبي بكر بالليل ذكره البخاري تعليقا في باب ~~الدفن بالليل، ووصله في آخر كتاب الجنائز في باب موت يوم الاثنين من حديث ~~عائشة. ولابن أبي شيبة من ms1577 حديث القاسم بن محمد قال: دفن أبو بكر ليلا. ومن ~~حديث عبيد بن السباق أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الأخيرة، قال الحافظ في ~~الفتح: # وصح أن عليا دفن فاطمة ليلا. وحديث جابر سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال ~~إسناده ثقات إلا محمد بن مسلم الطائفي ففيه مقال. وأخرج الترمذي من حديث ~~ابن عباس نحوه ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل قبرا ليلا ~~فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة وقال: رحمك الله إن كنت لأواها تلاء ~~للقرآن قال الترمذي: # حديث ابن عباس حديث حسن. قوله: صوت المساحي هي جمع مسحاة والمسحاة آلة من ~~حديد يجرف بها الطين مشتقة من السحو، وهو كشف وجه الأرض، والميم فيها ~~زائدة. قوله: المرور جمع مر بفتح الميم بعدها راء مهملة، وهي المسحاة على ~~ما في القاموس. وقيل: صوت المسحاة على الأرض. (والأحاديث) المذكورة في ~~الباب PageV04P137 # تدل على جواز الدفن بالليل، وبه قال الجمهور، وكرهه الحسن البصري، واستدل ~~بحديث أبي قتادة المتقدم في باب استحباب إحسان الكفن وفيه: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه. وأجيب عنه أن ~~الزجر منه صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لترك الصلاة لا للدفن بالليل، ~~أو لأجل أنهم كانوا يدفنون بالليل لرداءة الكفن، فالزجر إنما هو لما كان ~~الدفن بالليل مظنة إساءة الكفن كما تقدم، فإذا لم يقع تقصير في الصلاة على ~~الميت وتكفينه فلا بأس بالدفن ليلا. # وقد قيل في تعليل كراهة الدفن بالليل أن ملائكة النهار أرأف من ملائكة ~~الليل، ولم يصح ما يدل على ذلك. # باب الدعاء للميت بعد دفنه عن عثمان قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له ~~التثبيت فإنه الآن يسأل رواه أبو داود. وعن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب ~~وحكيم بن عمير قالوا: إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا ~~يستحبون أن يقال ms1578 للميت عند قبره: # يا فلان قل لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان ~~قل: ربي الله، وديني الاسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينصرف ~~رواه سعيد في سننه. # الحديث الأول أخرجه أيضا الحاكم وصححه والبزار وقال: لا يروى عن النبي ~~صلى الله عليه وآله إلا من هذا الوجه. والأثر المروي عن راشد وضمرة وحكيم ~~ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه، وراشد المذكور شهد صفين مع معاوية ضعفه ~~ابن حزم، وقال الدارقطني: يعتبر به. والثلاثة كلهم من قدماء التابعين ~~حمصيون، وقد روي نحوه مرفوعا من حديث أبي أمامة عند الطبراني وعبد العزيز ~~الحنبلي في الشافي أنه قال: إذا أنامت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على ~~رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه PageV04P138 # ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول: يا ~~فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: أذكر ~~ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ~~وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فإن ~~منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول: # انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم ~~يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء، يا فلان ابن حواء قال الحافظ في ~~التلخيص وإسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه. وفي إسناده سعيد الأزدي ~~بيض له أبو حاتم، وقال الهيثمي بعد أن ساقه في إسناده جماعة لم أعرفهم ~~انتهى. وفي إسناد أيضا عاصم بن عبد الله وهو ضعيف. قال الأثرم: قلت لأحمد: ~~هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلانة، قال: ~~ما رأيت أحدا ms1579 يفعله، إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، روى فيه عن أبي ~~بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل بن عياش ~~يرويه يشير إلى حديث أبي أمامة انتهى. وقد استشهد في التلخيص لحديث أبي ~~أمامة بالأثر الذي رواه سعيد بن منصور وذكر له شواهد أخر خارجة عن البحث لا ~~حاجة إلى ذكرها. قوله: إذا فرغ من دفن الميت الخ فيه مشروعية الاستغفار ~~للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له لأنه يسأل في تلك الحال، وفيه ~~دليل على ثبوت حياة القبر، وقد وردت بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، ~~وفيه أيضا دليل على أن الميت يسأل في قبره، وقد وردت به أيضا أحاديث صحيحة ~~في الصحيحين وغيرهما، وورد أيضا ما يدل على أن السؤال في القبر مختص بهذه ~~الأمة، كما في حديث زيد بن ثابت عند مسلم أن هذه الأمة تبتلى في قبورها، ~~وبذلك جزم الحكيم الترمذي. وقال ابن القيم: السؤال عام للأمة وغيرها، وليس ~~في الأحاديث ما يدل على الاختصاص. قوله: وعن راشد وضمرة هما تابعيان ~~قديمان، وكذلك حكيم بن عمير وكل الثلاثة من حمص. قوله: كانوا يستحبون ظاهره ~~أن المستحب لذلك الصحابة الذين أدركوهم، وقد ذهب إلى استحباب ذلك أصحاب ~~الشافعي. # باب النهي عن اتخاذ المساجد والسرج في المقبرة عن أبي هريرة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قاتل PageV04P139 # الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق عليه. وعن ابن عباس قال: ~~لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج رواه الخمسة إلا ابن ماجة. # الحديث الثاني حسنه الترمذي وفي إسناده أبو صالح باذام، ويقال باذان مولى ~~أم هانئ بنت أبي طالب وهو صاحب الكلبي. وقد قيل: إنه لم يسمع من ابن عباس، ~~وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، قال ابن عدي: ولا أعلم أحدا من المتقدمين ~~رضيه. # وقد روي عن يحيى بن سعيد أنه كان يحسن أمره. قوله: قاتل الله اليهود زاد ~~مسلم: # والنصارى، ومعنى ms1580 قاتل قتل، وقيل: لعن فإنه قد ورد بلفظ اللعن. قوله: ~~اتخذوا جملة مستأنفة على سبيل البيان لموجب المقاتلة كأنه قيل: ما سبب ~~مقاتلتهم؟ فأجيب بقوله: # اتخذوا. قوله: مساجد ظاهره أنهم كانوا يجعلونها مساجد يصلون فيها، وقيل: ~~هو أعم من الصلاة عليها وفيها وقد أخرج مسلم: لا تجلسوا على القبور ولا ~~تصلوا إليها أو عليها وروى مسلم أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ذلك في مرضه الذي مات منه قبل موته بخمس، وزاد فيه: فلا تتخذوا القبور ~~مساجد فإني أنهاكم عن ذلك. وفيه دليل على تحريم اتخاذ القبور مساجد، وقد ~~زعم بعضهم أن ذلك إنما كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، ورده ~~ابن دقيق العيد. قوله: لعن الله زائرات القبور فيه تحريم زيارة القبور ~~للنساء، وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: # والسرج فيه دليل على تحريم اتخاذ السرج على المقابر لما يفضي إليه ذلك من ~~الاعتقادات الفاسدة كما عرفت مما تقدم. # باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى عن عبد الله بن عمرو أن العاص بن ~~وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته ~~خمسين، وأن عمرا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال أما أبوك ~~فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك رواه أحمد. وعن أبي هريرة: أن ~~رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أبي مات ولم يوص أفينفعه أن ~~أتصدق عنه؟ قال: نعم رواه أحمد ومسلم PageV04P140 # والنسائي وابن ماجة. وعن عائشة: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ # قال: نعم متفق عليه. وعن ابن عباس: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، فإن لي مخرفا ~~فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها رواه البخاري والترمذي وأبو داود ~~والنسائي. # وعن الحسن عن سعد بن عبادة ms1581 أن أمه ماتت فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت ~~فأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء، قال الحسن: ~~فتلك سقاية آل سعد بالمدينة رواه أحمد والنسائي. # حديث سعد رجال إسناده عند النسائي ثقات، ولكن الحسن لم يدرك سعدا، وقد ~~أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجة. قوله: نحر حصته خمسين إنما كانت حصته خمسين ~~لأن العاص بن وائل خلف ابنين هشاما وعمرا، فأراد هشام أن يفي بنذر أبيه ~~فنحر حصته من المائة التي نذرها وحصته خمسون، وأراد عمرو أن يفعل كفعل أخيه ~~فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أن موت أبيه على الكفر مانع ~~من وصول نفع ذلك إليه، وأنه لو أقر بالتوحيد لأجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه. ~~(وفيه دليل) على أن نذر الكافر بما هو قربة لا يلزم إذا مات على كفره، وأما ~~إذا أسلم وقد وقع منه نذر في الجاهلية ففيه خلاف، والظاهر أنه يلزمه الوفاء ~~بنذره لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر: أن عمر قال: يا رسول الله إني ~~نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أوف بنذرك. وفي ذلك أحاديث يأتي ذكرها في باب من نذر، وهو مشرك ~~من كتاب النذور. قوله: نفعه ذلك فيه دليل على أن ما فعله الولد لأبيه ~~المسلم من الصوم والصدقة يلحقه ثوابه. قوله: افتلتت بضم المثناة بعد الفاء ~~الساكنة وبعدها لام مكسورة على صيغة المجهول ماتت فجأة، كذا في القاموس. ~~وقوله: نفسها بالضم على الأشهر نائب مناب الفاعل. قوله: وأراها بضم الهمزة ~~بمعنى أظنها. قوله: # فإن لي مخرفا في رواية مخراف، والمخرف والمخراف الحديقة من النخل أو ~~العنب أو غيرهما. قوله: قال سقي الماء فيه دليل على أن سقي الماء أفضل ~~الصدقة. # ولفظ أبي داود: فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء، فحفروا بئرا وقال: هذه لام ~~سعد PageV04P141 # وأخرج هذا الحديث الدارقطني في غرائب مالك. وقد أخرج الموطأ من حديث سعيد ~~بن سعد بن عبادة: ms1582 أنه خرج سعد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض ~~مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل لها: أوصي، فقالت: فيما أوصي والمال ~~مال سعد، فتوفيت قبل أن يقدم سعد فذكر الحديث. وقد قيل: إن الرجل المبهم في ~~حديث عائشة وفي حديث ابن عباس وهو سعد بن عبادة، ويدل على ذلك أن البخاري ~~أورد بعد حديث عائشة حديث ابن عباس بلفظ: أن سعد بن عبادة قال: إن أمي ماتت ~~وعليها نذر وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد. وأحاديث الباب ~~تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ~~ويصل إليهما ثوابها، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: * (وأن ليس ~~للانسان إلا ما سعى) * (النجم: 39) ولكن ليس في أحاديث البا ب إلا لحوق ~~الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الانسان من سعيه، فلا حاجة إلى دعوى ~~التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه ~~إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها. وقد اختلف في غير ~~الصدقة من أعمال البر هل يصل إلى الميت؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل ~~إليه شئ، واستدلوا بعموم الآية. وقال في شرح الكنز: إن للانسان أن يجعل ~~ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوما، أو حجا، أو صدقة، أو قراءة قرآن، أو غير ~~ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه عند أهل السنة انتهى. ~~والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب ~~قراءة القرآن، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب ~~الشافعي إلى أنه يصل، كذا ذكره النووي في الأذكار. وفي شرح المنهاج لابن ~~النحوي لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول ~~إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغي الجزم به لأنه دعاء، فإذا جاز ~~الدعاء للميت بما ليس للداعي فلان يجوز بما هو له أولى، ويبقى الامر فيه ~~موقوفا على استجابة الدعاء، وهذا ms1583 المعنى لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر ~~الأعمال، والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد ~~بوصية وغيرها. وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه ~~بظهر الغيب انتهى. وقد حكى النووي في شرح مسلم الاجماع على وصول الدعاء إلى ~~الميت، وكذا حكي أيضا الاجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصل ثوابها، ولم ~~يقيد ذلك بالولد. وحكي أيضا الاجماع على لحوق قضاء PageV04P142 # الدين، وألحق أنه يخصص عموم الآية بالصدقة من الولد كما في أحاديث الباب، ~~وبالحج من الولد كما في خبر الخثعمية، ومن غير الولد أيضا كما في حديث ~~المحرم عن أخيه شبرمة، ولم يستفصله صلى الله عليه وآله وسلم هل أوصى شبرمة ~~أم لا؟ وبالعتق من الولد كما وقع في البخاري في حديث سعد، خلافا للمالكية ~~على المشهور عندهم، وبالصلاة من الولد أيضا لما روى الدارقطني: أن رجلا ~~قال: يا رسول الله أنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما ~~بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: # إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك. ~~وبالصيام من الولد لهذا الحديث. ولحديث عبد الله بن عمرو المذكور في الباب. ~~ولحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ~~ماتت وعليها صوم نذر فقال: # أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: ~~فصومي عن أمك. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي من حديث بريدة: أن امرأة ~~قالت: # إنه كان على أمي صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها. ومن غير الولد ~~أيضا لحديث: من مات وعليه صيام صام عنه وليه متفق عليه من حديث عائشة، ~~وبقراءة يس من الولد وغيره لحديث: اقرؤوا على موتاكم يس وقد تقدم، وبالدعاء ~~من الولد لحديث: أو ولد صالح يدعو له. ومن غيره لحديث: استغفروا لأخيكم ~~وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وقد تقدم. ولحديث: فضل الدعاء ms1584 للأخ بظهر ~~الغيب. ولقوله تعالى: * (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) * (الحشر: 10). ولما ثبت من الدعاء للميت ~~عند الزيارة كحديث بريدة عند مسلم وأحمد وابن ماجة قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ~~نسأل الله لنا ولكم العافية. وبجميع ما يفعله الولد لوالديه من أعمال البر ~~لحديث: ولد الانسان من سعيه. وكما تخصص هذه الأحاديث الآية المتقدمة، كذلك ~~يخصص حديث أبي هريرة عند مسلم وأهل السنن. قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ~~علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له فإنه ظاهره أنه ينقطع عنه ما عدا هذه ~~الثلاثة كائنا ما كان. وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها ~~الأدلة غيرها، PageV04P143 # فيلحق الميت كل شئ فعله غيره. وقال في شرح الكنز: إن الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: * (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم) * (الطور: 21) وقيل: الانسان أريد ~~به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى إخوانه. وقيل: ليس له من طريق العدل وهو ~~له من طريق الفضل، وقيل: # اللام بمعنى على كما في قوله تعالى: * (ولهم اللعنة) * (غافر: 52) أي ~~وعليهم انتهى. # باب تعزية المصاب وثواب صبره وأمره به وما يقول لذلك عن عبد الله بن محمد ~~بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل ~~الكرامة يوم القيامة رواه ابن ماجة. وعن الأسود عن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من عزى مصابا فله مثل أجره رواه ابن ماجة ~~والترمذي. وعن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من ~~مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن ms1585 قدم عهدها فيحدث لذلك استرجاعا إلا ~~جدد الله تبارك وتعالى له عند ذلك فأعطاه أجرها يوم أصيب رواه أحمد وابن ~~ماجة. # حديث عمرو بن حزم رواه ابن ماجة من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد ~~بن مخلد، حدثني قيس أبو عمارة مولى الأنصار قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر ~~بن محمد بن عمرو بن حزم فساقه، وهؤلاء كلهم ثقات إلا قيسا أبا عمارة ففيه ~~لين، وقد ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا ~~الحاكم، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن عاصم. ورواه بعضهم ~~عن محمد بن سوقة بهذا الاسناد مثله موقوفا ولم يرفعه ويقال: أكثر ما ابتلي ~~به علي بن عاصم هذا الحديث نقموه عليه انتهى. قال البيهقي: تفرد به علي بن ~~عاصم، وقال ابن عدي: قد رواه مع علي بن عاصم محمد بن الفضل بن عطية وعبد ~~الرحمن بن مالك بن مغول. # وروي عن إسرائيل، وقيس بن الربيع، والثوري وغيرهم. وروى ابن الجوزي في ~~الموضوعات من طريق نصر بن حماد عن شعبة نحوه. وقال الخطيب: رواه عبد الحكم ~~بن منصور والحرث بن عمران الجعفري وجماعة مع علي بن عاصم، وليس PageV04P144 # شئ منها ثابتا، ويحكى عن أبي داود قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان علي بن ~~عاصم في وصل هذا الحديث، وإنما هو عندهم منقطع وقال: إن أصحابك الذين سمعوه ~~معك لا يسندونه فأبى أن يرجع، قال الحافظ: ورواية الثوري مدارها على حماد ~~بن الوليد وهو ضعيف جدا، وكل المتابعين لعلي بن عاصم أضعف منه بكثير، وليس ~~فيها رواية يمكن التعليق بها إلا طريق إسرائيل، فقد ذكرها صاحب الكمال من ~~طريق وكيع عنه ولم أقف على إسنادها بعد. قال في التلخيص: وله شاهد أضعف منه ~~من طريق محمد بن عبد الله العرزمي عن أبي الزبير عن جابر ساقه ابن الجوزي ~~في الموضوعات، وله أيضا شاهد آخر من حديث أبي برزة مرفوعا: من عزى ثكلى كسي ~~بردا في الجنة قال ms1586 الترمذي: غريب. ومن شواهده حديث عمرو بن حزم الذي قبله، ~~قال السيوطي في التعقبات: وأخرج البيهقي في الشعب عن محمد بن هارون الفأفاء ~~وكان ثقة صدوقا، قال: رأيت في المنام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث علي بن عاصم الذي يرويه عن ابن ~~سوقة: من عز مصابا هو عنك؟ قال: نعم. فكان محمد بن هارون كلما حدث بهذا ~~الحديث بكى. وقال الذهبي: أبلغ ما شنع به على علي بن عاصم هذا الحديث، وهو ~~مع ضعفه صدوق في نفسه، وله صورة كبيرة في زمانه، وقد وثقه جماعة، قال يعقوب ~~بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح والخير والتاريخ، وكان شديد التوقي، ~~أنكر عليه كثرة الغلط مع تماديه على ذلك. وقال وكيع: ما زلنا نعرف بالخير، ~~فخذوا الصحاح من حديثه ودعوا الغلط. وقال أحمد: أما أنا فأحدث عنه كان فيه ~~لجاج ولم يكن متهما. وقال الفلاس: صدوق. وحديث الحسين في إسناده هشام بن ~~زياد وفيه ضعف عن أمه وهي لا تعرف. قوله: من عزى مصابا فيه دليل على أن ~~تعزية المصاب من موجبات الكسوة من الله تعالى لمن فعل ذلك من حلل كرامته. ~~قوله: فله مثل أجره فيه دليل على أنه يحصل للمعزي بمجرد التعزية مثل أجر ~~المصاب، وقد يستشكل ذلك باعتبار أن المشقة مختلفة، ويجاب عنه بجوابات ليس ~~هذا محل بسطها. وثمرة التعزية الحث على الرجوع، إلى الله تعالى ليحصل ~~الاجر. قال في البحر: والمشروع مرة واحدة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # التعزية مرة انتهى. قال الهادي والقاسم والشافعي: وهي بعد الدفن أفضل ~~لعظم المصاب بالمفارقة. وقال أبو حنيفة والثوري: إنما هي قبله لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: PageV04P145 # فإذا وجب فلا تبكين باكية أخرجه مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي ~~وابن حبان والحاكم، والمراد بالوجوب دخول القبر كما وقع في رواية لأحمد، ~~ولان وقت الموت حال الصدمة الأولى كما سيأتي والتعزية تسلية، فينبغي أن ~~يكون وقت الصدمة التي يشرع ms1587 الصبر عندها. قوله: فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب ~~فيه دليل على أن استرجاع المصاب عند ذكر المصيبة يكون سببا لاستحقاقه لمثل ~~الاجر الذي كتبه الله له في الوقت الذي أصيب فيه بتلك المصيبة، وإن تقادم ~~عهدها ومضت عليها أيام طويلة، والاسترجاع هو قول القائل: * (إنا لله وإنا ~~إليه راجعون) *. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما الصبر عند الصدمة ~~الأولى رواه الجماعة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله ~~عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، ~~وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب رواه الشافعي. وعن أم سلمة قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة ~~فيقول: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) *، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي ~~خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها، قالت: فلما توفي ~~أبو سلمة قالت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم؟ قالت: ثم عزم الله لي فقلتها: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا ~~منها، قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ومسلم ~~وابن ماجة. # حديث جعفر بن محمد في إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك، وقد ~~كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال أحمد أيضا: كان يضع الحديث، ورواه ~~الحاكم عن أنس في مستدركه وصححه وفي إسناده عباد بن عبد الصمد وهو ضعيف ~~جدا، وزاد فقال: أبو بكر وعمر هذا الخضر. قوله: إنما الصبر عند الصدمة ~~الأولى في رواية للبخاري: عند أول صدمة ونحوها لمسلم. والمعنى: إذا وقع ~~الثبات أول شئ يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي ~~يترتب عليه الاجر، وأصل الصدم ضرب الشئ الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة ~~الواردة على القلب. # وقال ms1588 الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة ~~المصيبة، بخلاف PageV04P146 # ما بعد ذلك. وقال غيره: إن المراد لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من ~~صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره. وأول الحديث: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري، ~~فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم تجد عنده ~~بوابين فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. ~~قوله: إن في الله عزاء من كل مصيبة الخ، فيه دليل على أنه تستحب التعزية ~~لأهل الميت بتعزية الخضر عليه السلام، وأصل العزاء في اللغة الصبر الحسن، ~~والتعزية التصبر، وعزاه صبره، فكل ما يجلب للمصاب صبرا يقال له تعزية بأي ~~لفظ كان، ويحصل به للمعزي الاجر المذكور في الأحاديث السابقة، وأحسن ما ~~يعزى به ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها ~~أو ابنا لها في الموت، فقال للرسول: ارجع إليها وأخبرها أن لله ما أخذ ولله ~~ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب الحديث وسيأتي. # وهذا لا يختص بالصغير باعتبار السبب، لأن كل شخص يصلح أن يقال له وفيه ~~ذلك، ولو سلم أن أول الحديث يختص بمن مات له صغير كان الامر بالصبر ~~والاحتساب المذكور آخر الحديث غير مختص به. قوله: اللهم أجرني قال القاضي: ~~يقال أجرني بالقصر والمد حكاهما صاحب الأفعال. قال الأصمعي وأكثر أهل اللغة ~~قالوا: هو مقصور لا يمد، ومعنى أجره الله أعطاه أجره، وجزاء صبره، وهمه في ~~مصيبته. # قوله: وأخلف لي قال النووي: هو بقطع الهمزة وكسر اللام. قال أهل اللغة: # يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شئ يتوقع حصول مثله: أخلف الله ms1589 ~~عليك أي رد عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب والد أو عم قيل ~~له: # خلف الله عليك بغير ألف أي كان الله خليفة منه عليك. قوله: إلا أجره الله ~~قال PageV04P147 # النووي: هو بقصر الهمزة ومدها، والقصر أفصح وأشهر كما سبق. قوله: ثم عزم ~~الله لي فقلتها أي خلق في عزما. # باب صنع الطعام لأهل الميت وكراهيته منهم للناس عن عبد الله بن جعفر قال: ~~لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اصنعوا لآل ~~جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم رواه الخمسة إلا النسائي. وعن جرير بن عبد ~~الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من ~~النياحة رواه أحمد. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا عقر ~~في الاسلام رواه أحمد وأبو داود. وقال: # قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة في الجاهلية. # حديث عبد الله بن جعفر أخرجه أيضا الشافعي، وصححه ابن السكن، وحسنه ~~الترمذي، وأخرجه أيضا أحمد والطبراني وابن ماجة من حديث أسماء بنت عميس وهي ~~والدة عبد الله بن جعفر، وحديث جرير أخرجه أيضا ابن ماجة وإسناده صحيح، ~~وحديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: ~~اصنعوا لآل جعفر فيه مشروعية القيام بمؤنة أهل الميت مما يحتاجون إليه من ~~الطعام، لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة، قال الترمذي: وقد كان ~~بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشئ لشغلهم بالمصيبة، وهو قول ~~الشافعي انتهى. قوله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت الخ، يعني أنهم كانوا ~~يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه، وأكل الطعام عندهم نوعا من النياحة ~~لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلتهم، مع ما هم فيه من شغلة الخاطر بموت ~~الميت، وما فيه من مخالفة السنة، لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت ~~طعاما فخالفوا ذلك وكلفوهم صنعة الطعام لغيرهم. قوله: لا عقر في الاسلام ~~فيه ms1590 دليل على عدم جواز العقر في الاسلام كما كان في الجاهلية، قال الخطابي: ~~كان أهل الجاهلية PageV04P148 # يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون: نجازيه على فعله لأنه كان ~~يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره حتى تأكلها السباع ~~والطير، فيكون مطعما بعد مماته، كما كان مطعما في حياته، قال: ومنهم من كان ~~يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبا، ومن ~~لم يعقر عنده حشر راجلا انتهى. # وهذا إنما يتم على فرض أنهم كانوا يعقرون الإبل فقط لا على ما نقله أبو ~~داود عن عبد الرزاق أنهم كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. # باب ما جاء في البكاء على الميت وبيان المكروه منه عن جابر قال: أصيب أبي ~~يوم أحد فجعلت أبكي فجعلوا ينهوني ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبكين ~~أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه متفق عليه. وعن ~~ابن عباس قال: ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكت ~~النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بيده وقال: مهلا يا عمر ثم قال: إياكن ونعيق الشيطان، ثم قال: إنه مهما كان ~~من العين والقلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن ~~الشيطان رواه أحمد. # حديث ابن عباس فيه علي بن زيد وفيه كلام وهو ثقة، وقد أشار إلى الحديث ~~الحافظ في التلخيص وسكت عنه. قوله: فجعلت أبكي في لفظ للبخاري: فجعلت أكشف ~~الثوب عن وجهه أبكى وفي لفظ آخر له: فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، ~~ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي. قوله: ينهوني في رواية للبخاري: # وينهوني. قوله: ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهاني فيه دليل ~~على جواز البكاء الذي لا صوت معه وسيأتي تحقيق ذلك. قوله: فجعلت عمتي فاطمة ~~تبكي قال ms1591 في الفتح: هي شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو. وفي لفظ للبخاري: فسمع ~~صوت نائحة فقال: من هذه؟ فقالوا: بنت عمرو أو أخت عمرو والشك من سفيان، ~~والصواب بنت عمرو، ووقع في الإكليل للحاكم تسميتها هند بنت عمرو، فلعل لها ~~اسمين، أو PageV04P149 # أحدهما اسمها والآخر لقبها، أو كانتا جميعا حاضرتين. قوله: تبكين أو لا ~~تبكين قيل: هذا شك من الراوي هل استفهم أو نهى؟ والظاهر أنه ليس بشك، وإنما ~~المراد به التخيير، والمعنى أنه مكرم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم ~~بروحه، ومن كان بهذه المثابة تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يبكى عليه ~~بل يفرح له بما صار إليه. وفيه إذن بالبكاء المجرد مع الارشاد إلى أولوية ~~الترك لمن كان بهذه المنزلة. قوله: # إياكن ونعيق الشيطان هو النوح والصراخ المنهي عنه بالأحاديث الآتية. # قوله: إنه مهما كان من العين والقلب الخ، فيه دليل على جواز البكاء ~~المجرد عما لا يجوز من فعل اليد، كشق الجيب واللطم، ومن فعل اللسان كالصراخ ~~ودعوى الويل والثبور ونحو ذلك. # وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن ~~مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: قد قضي؟ فقالوا: لا يا رسول الله، ~~فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رأى القوم بكاءه بكوا قال: ~~ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب؟ ولكن يعذب بهذا ~~وأشار إلى لسانه أو يرحم. وعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها في الموت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ~~وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول ~~فقال: إنها أقسمت لتأتينها، قال: # فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام مع سعد ms1592 بن عبادة ومعاذ بن جبل، ~~قال: # فانطلقت معهم فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه، ~~فقال سعد: # ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما ~~يرحم الله من عباده الرحماء متفق عليهما. PageV04P150 # قوله: اشتكى أي ضعف وشكوى بغير تنوين. قوله: فلما دخل عليه زاد مسلم: ~~فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~الذين معه. قوله: وجده في غشية قال النووي: بفتح الغين وكسر الشين ~~المعجمتين وتشديد الياء، قال القاضي: هكذا رواية الأكثرين، قال: وضبطه ~~بعضهم بإسكان الشين وتخفيف الياء. وفي رواية البخاري: في غاشية وكله صحيح ~~وفيه قولان: # أحدهما من يغشاه من أهله، والثاني ما يغشاه من كرب الموت. قوله: فلما رأى ~~القوم بكاءه بكوا هذا فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ~~ولم يعترض بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد ~~البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر. قوله: ألا تسمعون لا يحتاج ~~إلى مفعول لأنه جعل كالفعل اللازم أي لا توجدون السماع، وفيه إشارة إلا أنه ~~فهم من بعضهم الانكار فبين لهم الفرق بين الحالتين. قوله: إن الله بكسر ~~الهمزة لأنه ابتداء كلام، وفيه دليل على جواز البكاء والحزن اللذين لا قدرة ~~للمصاب على دفعهما. قوله: ولكن يعذب بهذا أي إن قال سوءا، أو يرحم إن قال ~~خيرا، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ويرحم أي إن لم ينفذ الوعيد. قوله: إحدى ~~بناته هي زينب كما وقع عند ابن أبي شيبة. قوله: # أن صبيا لها قيل: هو علي بن أبي العاص بن الربيع وهو من زينب وفيه نظر، ~~لأن الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالاخبار ذكروا أن عليا المذكور عاش ~~حتى ناهز الحلم، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أردفه على راحلته يوم ms1593 ~~فتح مكة، وهذا لا يقال في حقه صبيا عرفا وإن جاز من حيث اللغة. وفي الأنساب ~~للبلاذري: أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما مات وضعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجره وقال: ~~إنما يرحم الله من عباده الرحماء. وفي مسند البزار من حديث أبي هريرة قال: ~~ثقل ابن لفاطمة فبعثت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحو حديث ~~الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا الابن المذكور محسن ~~بن علي، وقد اتفق أهل العلم بالاخبار أنه مات صغيرا في حياة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فهذا أولى إن ثبت أن القصة كانت لصبي ولم يثبت أن المرسلة ~~زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب كما قال الحافظ، وأن الولد ~~صبية كما في مسند أحمد، PageV04P151 # وكذا أخرجه أبو سعيد ابن الاعرابي في معجمه. ويدل على ذلك ما عن أبي داود ~~بلفظ: # إن ابنتي أو ابني. وفي رواية: إن ابنتي قد حضرت. قوله: إن لله ما أخذ قدم ~~ذكر الاخذ على الاعطاء وإن كان متأخرا في الواقع لما يقتضيه المقصد، ~~والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذ هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو ~~له، فلا ينبغي الجزع، لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت ~~منه، ويحتمل أن يكون المراد بالاعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الموت، أو ~~ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك. وما في الموضعين مصدرية، ويجوز ~~أن تكون موصولة والعائد محذوف. قوله: وكل شئ عنده بأجل مسمى أي كل من الاخذ ~~والاعطاء، أو من الأنفس، أو ما هو أعم من ذلك، وهي جملة ابتدائية معطوفة ~~على الجمل المذكورة، ويجوز في كل النصب عطفا على اسم أن فينسحب التأكيد ~~عليه، ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة، والأجل يطلق على الحد ~~الأخير وعلى مطلق العمر. قوله: مسمى أي معلوم أو ms1594 مقدر أو نحو ذلك. # قوله: ولتحتسب أي تنو بصبره طلب الثواب من ربها. قوله: ونفسه تقعقع بفتح ~~التاء والقافين، والقعقعة حكاية صوت الشن اليابس إذا حرك. قوله: كأنها في ~~شنة بفتح الشين وتشديد النون القربة الخلقة اليابسة، شبه البدن بالجلد ~~اليابس، وحركة الروح فيه بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها. قوله: ففاضت ~~عيناه أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد صرح به في رواية شعبة. قوله: ~~هذه رحمة أي الدمعة أثر رحمة، وفيه دليل على جواز ذلك، وإنما المنهي عنه ~~الجزع وعدم البصر. قوله: # وإنما يرحم الله من عباده الرحماء الرحماء جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة، ~~ومقتضاه أن رحمة الله تعالى تختص لمن اتصف بالرحمة وتحقق بها، بخلاف من فيه ~~أدنى رحمة، لكن ثبت عند أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن عمرو: الراحمون ~~يرحمهم الرحمن والراحمون جمع راحم، فيدخل فيه من فيه أدنى رحمة. ومن فيه ~~قوله من عبادة بيانية، وهي حال من المفعول قدمت ليكون أوقع. PageV04P152 # وعن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبو بكر وعمر قالت: فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء ~~عمر وأنا في حجرتي رواه أحمد. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما قدم من أحد سمع نساء من عبد الأشهل يبكين على هلكاهن فقال: ~~لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده، فاستيقظ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ويحهن أيتن ههنا يبكين حتى الآن، ~~مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم رواه أحمد وابن ماجة. وعن جابر ~~بن عتيك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت ~~فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع، ~~فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: دعهن فإذا ms1595 وجب فلا تبكين باكية، قالوا: وما الوجوب يا رسول ~~الله؟ قال: الموت رواه أبو داود والنسائي. # حديث عائشة وابن عمر أشار إليهما الحافظ في التلخيص وسكت عنهما، ورجال ~~إسناد حديث ابن عمر ثقات إلا أسامة بن زيد الليثي ففيه مقال. وقد أخرج له ~~مسلم. # وحديث جابر بن عتيك أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم. قوله: وأبو بكر ~~وعمر الخ، محل الحجة من هذا الحديث تقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لهما على البكاء وعدم إنكاره عليهما، مع أنه قد حصل منهما زيادة على مجرد ~~دمع العين، ولهذا فرقت عائشة وهي في حجرتها بين بكاء أبي بكر وعمر، ولعل ~~الواقع منهما مما لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه ولم يبلغ إلى الحد المنهي ~~عنه. قوله: ولكن حمزة لا بواكي له هذه المقالة منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~مع عدم إنكاره للبكاء الواقع من نساء عبد الأشهل على هلكاهن تدل على جواز ~~مجرد البكاء. وقوله: ولا يبكين على هالك بعد اليوم ظاهره المنع من مطلق ~~البكاء، وكذلك قوله في حديث جابر بن عتيك: فإذا وجب فلا تبكين باكية وذلك ~~يعارض ما في الأحاديث المذكورة في الباب من الاذن بمطلق البكاء بعد الموت، ~~ويعارض أيضا سائر الأحاديث الواردة في الاذن بمطلق البكاء مما لم يذكره ~~المصنف، كحديث عائشة في قصة عثمان بن مظعون عند أبي داود والترمذي. وحديث ~~أبي هريرة عند النسائي وابن ماجة PageV04P153 # وابن حبان بلفظ: مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجنازة فانتهرهن ~~عمر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعهن يا ابن الخطاب، فإن النفس ~~مصابة والعين دامعة والعهد قريب وحديث بريدة عند مسلم في زيارته صلى الله ~~عليه وآله وسلم قبر أمه وسيأتي. وحديث أنس عند الشيخين: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذرفت عيناه لما جعل ابنه إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه ~~فقيل له في ذلك فقال: إنها رحمة، ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ~~إلا ما يرضي ms1596 ربنا وهو عند الترمذي من حديث جابر بلفظ: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به إلى ابنه إبراهيم ~~فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعه في حجره ~~فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: لا، ~~ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة ~~شيطان الحديث، قال الترمذي: حسن، فيجمع بين الأحاديث بحمل النهي عن البكاء ~~مطلقا ومقيدا ببعد الموت على البكاء المفضي إلى ما لا يجوز زمن النوح ~~والصراخ وغير ذلك، والاذن به على مجرد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا ~~يمكن دفعه من الصوت، وقد أرشد إلى هذا الجمع قوله: ولكن نهيت عن صوتين الخ، ~~وقوله في حديث ابن عباس المتقدم: إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز ~~وجل ومن الرحمة. وقوله في حديث ابن عمر السابق: إن الله لا يعذب بدمع العين ~~ولا بحزن القلب فيكون معنى قوله: لا يبكين على هالك بعد اليوم. وقوله: # فإذا وجب فلا تبكين باكية النهي عن البكاء الذي يصحبه شئ مما حرمه ~~الشارع، وقيل: إنه يجمع بأن الاذن بالبكاء قبل الموت والنهي عنه بعده، ويرد ~~بحديث أبي هريرة المذكور قريبا، وبحديث عائشة الذي ذكره المصنف. وبحديث ~~بريدة في قصة زيارته صلى الله عليه وآله وسلم لامه. وبحديث جابر وابن عباس ~~المذكورين في أول الباب. وقيل: إنه يجمع بحمل أحاديث النهي عن البكاء بعد ~~الموت على الكراهة، وقد تمسك بذلك الشافعي فحكى عنه كراهة البكاء بعد ~~الموت، والجمع الذي ذكرناه أولا هو الراجح. قوله: قالوا وما الوجوب الخ في ~~رواية لأحمد: أن بعض رواة الحديث قالوا: الوجوب إذا دخل قبره، والتفسير ~~المرفوع أصح وأرجح. PageV04P154 # باب النهي عن النياحة والندب وخمش الوجوه ونشر الشعر ونحوه والرخصة في ~~يسير الكلام من صفة الميت عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ليس منا من ضرب ms1597 الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية. وعن أبي بردة ~~قال: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة ~~من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: أنا برئ ممن برئ من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. وعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنه من نيح عليه يعذب بما نيح عليه. وعن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي. وفي ~~رواية: ببعض بكاء أهله عليه. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله. وعن عائشة قالت: إنما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه متفق على ~~هذه الأحاديث. ولأحمد ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه. # قوله: ليس منا أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه من ~~الدين، وفائدة إيراد هذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما ~~يقول الرجل لولده عند معاتبته: # لست منك ولست مني، أي ما أنت على طريقتي. وحكي عن سفيان أنه كان يكره ~~الخوض في تأويل هذه اللفظة ويقول: ينبغي أن نمسك عن ذلك ليكون أوقع في ~~النفوس وأبلغ في الزجر، وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل أي إنه خرج من ~~فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربي، قال الحافظ: ويظهر ~~لي أن هذا النفي يفسره التبرء الذي في حديث أبي موسى، وأصل البراءة ~~الانفصال من الشئ، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلا. قوله: من ضرب ~~الخدود خص الخد بذلك لكونه الغالب وإلا فضرب بقية الوجه مثله. قوله: وشق ~~الجيوب جمع جيب بالجيم وهو ما يفتح من ms1598 الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه ~~إكمال PageV04P155 # فتحه إلى آخره وهو من علامات السخط. قوله: ودعا بدعوة الجاهلية أي من ~~النياحة ونحوها، وكذا الندبة كقولهم: وا جبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور ~~كما سيأتي. وقوله: # وجع بكسر الجيم. قوله: في حجر امرأة من أهله الخ في رواية لمسلم: أغمي ~~على أبي موسى فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة ولأبي نعيم في المستخرج ~~على مسلم: أغمي على أبي موسى فصاحت امرأته بنت أبي دومة وذلك يدل على أن ~~الصائحة أم عبد الله بنت أبي دومة واسمها صفية، قاله عمر بن شبة في تاريخ ~~البصرة. قوله: أنا برئ قال المهلب: أي ممن فعل ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن ~~الاسلام والبراءة الانفصال كما تقدم. قوله: الصالقة بالصاد المهملة والقاف ~~أي التي ترفع صوتها بالبكاء، ويقال فيه بالسين بدل الصاد. ومنه قوله تعالى: ~~* (سلقوكم بألسنة حداد) * (الأحزاب: 19). وعن ابن الاعرابي: الصلق ضرب ~~الوجه والأول أشهر. قوله: والحالقة هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. قوله: ~~والشاقة هي التي تشق ثوبها. ولفظ مسلم: أنا برئ ممن حلق وصلق وخرق أي حلق ~~شعره، وصلق صوته، أي رفعه، وخرق ثوبه. # (والحديثان) يدلان على تحريم هذه الأفعال لأنها مشعرة بعدم الرضا ~~بالقضاء. قوله: # من نيح عليه يعذب بما نيح عليه ظاهره وظاهر حديث عمر وابنه المذكورين ~~بعده أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وقد ذهب إلى الاخذ بظاهر هذه الأحاديث ~~جماعة من السلف منهم عمر وابنه. وروي عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث ~~وعارضها بقوله: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (فاطر: 18). وروى عنه أبو ~~يعلى أنه قال: تالله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت ~~امرأته سفها وجهلا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة. وإلى هذا ~~جنح جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره، وذهب جمهور العلماء إلى ~~تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب ~~له، واختلفوا في التأويل فذهب جمهورهم كما قال النووي إلى تأويلها بمن أوصى ms1599 ~~بأن يبكي عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: وقد كان ذلك من عادة العرب ~~كما قال طرفة بن العبد: # إذا مت فابكيني بما أنا أهله * وشقي علي الجيب يا أم معبد قال في الفتح: ~~واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على ~~أنه إنما يقع عند الامتثال، والجواب أنه ليس في السياق PageV04P156 # حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلا ~~انتهى. ومن التأويلات ما حكاه الخطابي أن المراد أن مبدأ عذاب الميت يقع ~~عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالبا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك ~~الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فيكون معنى الحديث على هذا أن الميت يعذب ~~حال بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببا لتعذيبه. قال ~~الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعل قائله أخذه من قول عائشة: إنما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه، وأن ~~أهله ليبكون عليه الآن أخرجه مسلم. ومنها ما جزم به القاضي أبو بكر بن ~~الباقلاني وغيره أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في ~~الميت لمعهود معين، واحتجوا بما أخرجه مسلم من حديث عائشة أنها قالت: يغفر ~~الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكن نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على يهودية فذكرت الحديث. وأخرج البخاري نحوه ~~عنها. ومنها أن ذلك يختص بالكافر دون المؤمن، واستدل لذلك بحديث عائشة ~~المذكور في الباب، قال في الفتح: وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيها ~~إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرت من معارضة القرآن. ~~وقال القرطبي: إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة والنسيان، وعلى ~~أنه سمع بعضا أو لم يسمع بعضا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة ~~كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح. ومنها أن ~~ذلك يقع ms1600 لمن أهمل نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود وطائفة، قال ابن المرابط: ~~إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ~~ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل ~~نفسه لا بفعل غيره بمجرده. ومنها أنه يعذب بسبب الأمور التي يبكيه أهله بها ~~ويندبونه لها، فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه، وذلك كالشجاعة فيما لا ~~يحل، والرياسة المحرمة، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة، واستدل بحديث ابن عمر ~~المتقدم بلفظ: ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه. وقد رجح هذا الإسماعيلي ~~وقال: قد كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال: كل فيها باجتهاده على حسب ~~ما قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في ~~الجاهلية يغزون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك ~~الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، ~~PageV04P157 # لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر وهي زيادة ذنب ~~في ذنوبه يستحق عليها العقاب. ومنها: أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة له ~~بما يندبه أهله، ويدل على ذلك حديث أبي موسى وحديث النعمان بن بشير ~~الآتيان. ومنها: أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة ~~وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ~~ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبي ~~خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم من حديث قيلة بفتح القاف وسكون الياء ~~التحتية، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فوالذي نفس محمد ~~بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم ~~قال الحافظ: وهو حسن الاسناد. وأخرج أبو داود والترمذي أطرافا منه. قال ~~الطبري: # ويؤيد ما قال أبو هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ~~ساقه بإسناد صحيح، وقد وهم المغربي في شرح بلوغ المرام، فجعل قول ms1601 أبي هريرة ~~هذا حديثا، وصحف الطبري بالطبراني. ومن أدلة هذا التأويل حديث النعمان بن ~~بشير الآتي، وكذلك حديث أبي موسى لما فيهما من أن ذلك يبلغ الميت. قال ابن ~~المرابط: # حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه. واعترضه ابن رشيد فقال: ليس نصا ~~وإنما هو محتمل، فإن قوله يستعبر إليه صويحبه ليس نصا في أن المراد به ~~الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي، وأن الميت حينئذ يعذب ببكاء ~~الجماعة عليه، قال في الفتح: ويحتمل أن يجمع بين هذه التأويلات، فينزل على ~~اختلاف الاشخاص بأن يقال مثلا: من كان طريقته النوح فمشى أهله على طريقته ~~أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنيعه، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب ~~بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيا ~~بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم ~~من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه ~~تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم عز وجل. قال: ~~وحكى الكرماني تفصيلا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم ~~القيامة، فيحمل قوله: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (فاطر: 18) على يوم ~~القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ انتهى. وأنت خبير بأن الآية ~~عامة، لأن الوزر المذكور فيها واقع في سياق النفي، والأحاديث المذكورة في ~~الباب مشتملة على وزر خاص، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الآحادية هو ~~PageV04P158 # المذهب المشهور الذي عليه الجمهور، فلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا ~~العموم، ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار ~~الآية. وأما ما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ذلك ~~في الكافر أو في يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة، لأن ~~روايتهم مشتملة على زيادة، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفي الحكم ~~عن بقية الافراد لما تقرر في الأصول من عدم صحة ms1602 التخصيص بموافق العام، ~~والأحاديث التي ذكر فيها تعذيب مختص بالبرزخ أو بالتألم أو بالاستعبار كما ~~في حديث قيلة لا تدل على اختصاص التعذيب المطلق في الأحاديث بنوع منها، لأن ~~التنصيص على ثبوت الحكم لشئ بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره، ~~فلا إشكال من هذه الحيثية، وإنما الاشكال في التعذيب بلا ذنب، وهو مخالف ~~لعدل الله وحكمته على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحسن عندها في ~~مقتضى الحكمة، كالوصية من الميت بالنوح، وإهمال نهيهم عنه، والرضا به، وهذا ~~يؤول إلى مسألة التحسين والتقبيح، والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف، ~~ونقول: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الميت يعذب ببكاء أهله ~~عليه فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا. (واعلم) أن النووي حكى إجماع العلماء ~~على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ~~ونياحة لا بمجرد دمع العين. # وعن أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب والطعن في ~~الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها ~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه أحمد ومسلم. وعن ~~أبي موسى: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت ~~النائحة: # وا عضداه وا ناصراه وا كاسباه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها ~~أنت كاسبها رواه أحمد. وفي لفظ: ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: وا ~~جبلاه وا سنداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت رواه ~~الترمذي. # وعن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة ~~تبكي PageV04P159 # وا جبلاه وا كذا وا كذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل ~~لي أنت كذلك، فلما مات لم تبك عليه رواه البخاري. # حديث أبي موسى رواه أيضا الحاكم وصححه وحسنه الترمذي. وحديث النعمان ~~أخرجه ms1603 البخاري في المغازي من صحيحه، وأخرجه أيضا مسلم. قوله: والطعن في ~~الأنساب هو من المعاصي التي يتساهل فيها العصاة. وقد أخرج مسلم من حديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اثنتان في الناس هما ~~بهم: # كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت وقد اختلف في توجيه إطلاق الكفر ~~على من فعل هاتين الخصلتين. قال النووي فيه أقوال: أصحها أن معناهما من ~~أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية. والثاني: أنه يؤدي إلى الكفر. والثالث: كفر ~~النعمة والاحسان. والرابع: أن ذلك في المستحل انتهى. قوله: والاستسقاء ~~بالنجوم هو قول القائل: مطرنا بنوء كذا، أو سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ~~ذلك على جهة اعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر فهو كفر. وقد ثبت في الصحيح ~~من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يقول الله: أصبح ~~من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ~~كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب. ~~وأخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذه الأربع لا تتركها أمته من ~~علامات نبوته، فإنها باقية فيهم على تعاقب العصور وكرور الدهور، لا يتركها ~~من الناس إلا النادر القليل. قوله: # الميت يعذب ببكاء الحي قد تقدم الكلام عليه. قوله: وا عضداه الخ، أي أنه ~~كان لها كالعضد، وكان لها ناصرا وكاسبا، وكان لها كالجبل تأوي إليه عند ~~طروق الحوادث فتعتصم به، ومستندا تستند إليه في أمورها. قوله: يلهزانه أي ~~يلكزانه. (وهذه الأحاديث) تدل على تحريم النياحة، وهو مذهب العلماء كافة ~~كما قال النووي، إلا ما يروي عن بعض المالكية فإنه قال: النياحة ليست ~~بحرام، واستدل بما أخرجه مسلم عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية * ~~(يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف) ~~* (الممتحنة: 12) قالت: كان منه النياحة، قالت فقلت: يا ms1604 رسول الله، إلا آل ~~فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إلا آل فلان وغاية ما فيه الترخيص لام عطية ~~في آل فلان خاصة، PageV04P160 # فما الدليل على حل ذلك لغيرها في غير آل فلان؟ وللشارع أن يخص من العموم ~~ما شاء، وقد استشكل القاضي عياض هذا الحديث ولا مقتضي لذلك، فإن للشارع أن ~~يخص من شاء بما شاء. وقد ورد لعن النائح والمستمعة من حديث أبي سعيد عند ~~أحمد، ومن حديث ابن عمر عند الطبراني والبيهقي. ومن حديث أبي هريرة عند ابن ~~عدي، قال الحافظ في التلخيص: وكلها ضعيفة. وأخرج مسلم من حديث أم عطية أيضا ~~قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع البيعة أن لا ننوح، ~~فما وفت منا امرأة إلا خمس، فذكرت منهن أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي ~~سبرة، وامرأة معاذ وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر رجلا أنه ينهي ~~نساء جعفر عن البكاء كما في البخاري ومسلم، والمراد بالبكاء ههنا النوح كما ~~تقدم. # وعن أنس قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل يتغشاه الكرب ~~فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات ~~قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى ~~جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم التراب رواه البخاري. وعن أنس: أن أبا بكر دخل على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على ~~صدغيه وقال: وا نبياه وا خليلاه وا صفياه رواه أحمد. # قوله في حديث أنس الأول: واكرب أبتاه قال في الفتح: في هذا نظر، وقد رواه ~~مبارك بن فضالة عن ثابت بلفظ: وا كرباه. قوله: أطابت أنفسكم قال في الفتح: ~~ولسان حال أنس لم تطب أنفسنا لكن قهرناها امتثالا لامره. ms1605 # وقد قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. ومثله عن ~~أنس يريد أن تغيرت عما عهدنا من الألفة والصفاء والرقة لفقدان ما كان يمدهم ~~به من التعليم. ويؤخذ من قول فاطمة الخ جواز ذكر الميت بما هو متصف به إن ~~كان معلوما، قال الكرماني: وليس هذا من نوح الجاهلية من الكذب ورفع الصوت ~~وغيره، إنما هو ندبة مباحة انتهى. وعلى فرض صدق اسم النوح في لسان الشارع ~~على مثل هذا، فليس في فعل فاطمة وأبي بكر دليل على جواز ذلك، لأن فعل ~~الصحابي لا يصلح للحجية كما تقرر في الأصول ويحمل ما وقع منهما على أنهما ~~لم يبلغهما أحاديث النهي عن ذلك PageV04P161 # الفعل، ولم ينقل أن ذلك وقع منهما بمحضر جميع الصحابة حتى يكون كالاجماع ~~منهم على الجواز لسكوتهم عن الانكار والأصل أيضا عدم ذلك. # باب الكف عن ذكر مساوي الأموات عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا رواه أحمد ~~والبخاري والنسائي. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تسبوا أمواتنا ~~فتؤذوا أحياءنا رواه أحمد والنسائي. حديث ابن عباس أخرجه عنه بمعناه ~~الطبراني في الأوسط بإسناد فيه صالح بن نبهان وهو ضعيف، وأخرج نحوه ~~الطبراني في الكبير والأوسط من حديث سهل بن سعد والمغيرة. قوله: لا تسبوا ~~الأموات ظاهره النهي عن سب الأموات على العموم، وقد خصص هذا العموم بما ~~تقدم في حديث أنس وغيره أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم عند ثنائهم بالخير ~~والشر: وجبت أنتم شهداء الله في أرضه ولم ينكر عليهم. وقيل: # إن اللام في الأموات عهدية والمراد بهم المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب ~~إلى الله عز وجل بسبهم، ويدل على ذلك قوله في حديث ابن عباس المذكور: لا ~~تسبوا أمواتنا وقال القرطبي في الكلام على حديث وجبت أنه يحتمل أجوبة الأول ~~أن الذي كان يحدث عنه بالسر كان مستظهرا به، فيكون من باب ms1606 لا غيبة لفاسق أو ~~كان منافقا، أو يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به ~~من يسمعه، أو يكون هذا النهي العام متأخرا فيكون ناسخا. قال الحافظ: وهذا ~~ضعيف. وقال ابن رشيد ما محصله إن السب يكون في حق الكافر وفي حق المسلم، ~~أما في الحق الكافر فيمتنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو ~~الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة عليه، وقد يجب في بعض المواضع، ~~وقد تكون مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ مالا بشهادة زور ومات الشاهد، فإن ~~ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن من بيده المال يرده إلى صاحبه، والثناء على ~~الميت بالخير والشر من باب الشهادة لا من باب السب انتهى. والوجه تبقية ~~الحديث على عمومه إلا ما خصه دليل كالثناء على الميت بالشر، وجرح المجروحين ~~من الرواة PageV04P162 # أحياء وأمواتا لاجماع العلماء على جواز ذلك، وذكر مساوي الكفار والفساق ~~للتحذير منهم والتنفير عنهم. قال ابن بطال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة، ~~فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة، فالاغتياب له ممنوع، ~~وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له، وكذلك الميت انتهى. ويتعقب بأن ذكر الرجل ~~بما فيه حال حياته قد يكون لقصد زجره وردعه عن المعصية، أو لقصد تحذير ~~الناس منه وتنفيرهم، وبعد موته قد أفضى إلى ما قدم فلا سواء، وقد عملت ~~عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو ~~حي، فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه، كما روى ذلك عنها عمر بن شبة في كتاب ~~أخبار البصرة، ورواه ابن حبان من وجه آخر وصححه، والمتحري لدينه في اشتغاله ~~بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات وسب من لا يدري كيف حاله عند ~~بارئ البريات، ولا ريب أن تمزيق عرض من قدم على من قدم وجثا بين يدي من هو ~~بما تكنه الضمائر أعلم، مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه ms1607 أحموقة لا ~~تقع لمتيقظ، ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب، ونسأل الله السلامة بالحسنات، ~~ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات، اللهم اغفر لنا تفلتات اللسان والقلم في ~~هذه الشعاب والهضاب، وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ~~ذوي الألباب. قوله: فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أي وصلوا إلى ما عملوا من ~~خير وشر، والربط بهذه العلة من مقتضيات الحمل على العموم. قوله: فتؤذوا ~~الاحياء أي فيتسبب عن سبهم أذية الاحياء من قراباتهم، ولا يدل هذا على جواز ~~سب الأموات عند عدم تأذي الاحياء، كمن لا قرابة له أو كانوا، ولكن لا ~~يبلغهم ذلك، لان سب الأموات منهي عنه للعلة المتقدمة، ولكونه من الغيبة ~~التي وردت الأحاديث بتحريمها، فإن كان سببا لأذية الاحياء فيكون محرما من ~~جهتين، وإلا كان محرما من جهة. وقد أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اذكروا محاسن أمواتكم وكفوا عن ~~مساويهم وفي إسناده عمران بن أنس المكي وهو منكر الحديث، كما قال البخاري. ~~وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. # وقال الكرابيسي: حديثه ليس بالمعروف. وأخرجه أبو داود عن عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه وقد ~~سكت أبو داود والمنذري عن الكلام على هذا الحديث. PageV04P163 # باب استحباب زيارة القبور للرجال دون النساء وما يقال عند دخولها عن ~~بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة رواه ~~الترمذي وصححه. وعن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر ~~أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، ~~واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت رواه ~~الجماعة. # الحديث الأول أخرجه أيضا مسلم وأبو داود وابن حبان والحاكم، والحديث ~~الثاني عزاه المصنف إلى الجماعة بدون استثناء، ms1608 ولم أجده في البخاري ولا ~~عزاه غيره إليه فينظر. وقد أخرجه أيضا الحاكم. (وفي الباب) عن ابن مسعود ~~عند ابن ماجة والحاكم وفي إسناده أيوب بن هانئ مختلف فيه. وعن أبي سعيد ~~الخدري عند الشافعي وأحمد والحاكم. وعن أبي ذر عند الحاكم وسنده ضعيف. وعن ~~علي بن أبي طالب عليه السلام عند أحمد. وعن عائشة عند ابن ماجة. (وهذه ~~الأحاديث) فيها مشروعية زيارة القبور ونسخ النهي عن الزيارة، وقد حكى ~~الحازمي والعبدري والنووي اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال ~~جائزة. قال الحافظ: كذا أطلقوه وفيه نظر، لان ابن أبي شيبة وغيره رووا عن ~~ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي أنهم كرهوا ذلك مطلقا، حتى قال الشعبي: ~~لولا نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزرت قبر ابنتي، فلعل من أطلق أراد ~~بالاتفاق ما استقر عليه الامر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ ~~والله أعلم. # وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود ~~الامر به، وهذا يتنزل على الخلاف في الامر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو ~~مجرد الإباحة فقط، والكلام في ذلك مستوفى في الأصول. قوله: فقد أذن لمحمد ~~الخ فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الذي لم يدرك الاسلام. قال القاضي ~~عياض: سبب زيارته صلى الله عليه وآله وسلم قبرها أنه قصد قوة الموعظة ~~والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~PageV04P164 # آخر الحديث: فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت. قوله: فلم يؤذن لي فيه ~~دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الاسلام. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن زوارات القبور ~~رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه. وعن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة ~~أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من ~~قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن زيارة القبور؟ ms1609 قالت: نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها ~~رواه الأثرم في سننه. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه. والحديث الثاني أخرجه أيضا ~~الحاكم. وأخرجه ابن ماجة عن عائشة مختصرا: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم رخص في زيارة القبور. (وفي الباب) عن حسان عند أحمد وابن ماجة ~~والحاكم. # وعن ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان والحاكم وفي ~~إسناده أبو صالح مولى أم هانئ وهو ضعيف. (وفي الباب) أيضا أحاديث تدل على ~~تحريم اتباع الجنائز للنساء، فتحريم زيارة القبور تؤخذ منها بفحوى الخطاب ~~منها عن ابن عمر، وعند أبي داود والحاكم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~رأى فاطمة ابنته فقال: ما أخرجك من بيتك؟ فقالت: أتيت أهل هذا الميت فرحمت ~~على ميتهم، فقال لها: فلعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله وقد سمعتك ~~تذكر فيها ما تذكر، فقال: # لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدا في ذلك، فسألت ربيعة ما الكدى؟ فقال: ~~القبور فيما أحسب. وفي رواية: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها ~~جد أبيك. # قال الحاكم: صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال ابن دقيق ~~العيد: وفيما قاله الحاكم عندي نظر، فإنه رواية ربيعة بن سيف لم يخرج له ~~الشيخين في الصحيح شيئا فيما أعلم. وعن أم عطية عند الشيخين قالت: نهينا عن ~~اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. وعنها أيضا عند الطبراني وفيه: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهاهن أن يخرجن في جنازة. وقد ذهب إلى كراهة الزيارة ~~للنساء جماعة من أهل العلم وتمسكوا بأحاديث الباب، واختلفوا في الكراهة هل ~~هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ وذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمنت الفتنة، ~~واستدلوا بأدلة منها دخولهن تحت الاذن العام بالزيارة، PageV04P165 # ويجاب عنه بأن الاذن العام مخصص بهذا النهي الخاص المستفاد من اللعن، أما ~~على مذهب الجمهور فمن غير فرق بين تقدم العام وتأخره ومقارنته وهو الحق. ~~وأما على مذهب البعض القائلين بأن العام المتأخر ناسخ ms1610 فلا يتم الاستدلال به ~~إلا بعد معرفة تأخره. ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت: كيف أقول يا رسول ~~الله إذا زرت القبور؟ قال: قولي: # السلام على أهل الديار من المؤمنين الحديث. ومنها ما أخرجه البخاري: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله ~~واصبري قالت: إليك عني الحديث ولم ينكر عليها الزيارة. ومنها ما رواه ~~الحاكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها ~~حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما ~~هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي ~~إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك، وقد ~~يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه ~~الرجال والنساء انتهى. وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين ~~أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى المقبرة فقال: ~~السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. ولأحمد من حديث عائشة مثله وزاد: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا ~~تفتنا بعدهم. # وعن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا ~~إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية رواه ~~أحمد ومسلم وابن ماجة. # حديث عائشة أخرجه أيضا مسلم بلفظ: قول السلام على أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله ~~بكم للاحقون وأخرج أيضا عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج إلى البقيع من آخر الليل فيقول: السلام ~~عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإن شاء الله بكم ~~لاحقون، اللهم اغفر ms1611 لأهل بقيع الغرقد. قوله: السلام عليكم دار قوم مؤمنين ~~دار قوم منصوب على النداء أي يا أهل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~وقيل: منصوب على الاختصاص، قال صاحب المطالع: ويجوز جره على البدل من ~~الضمير PageV04P166 # في عليكم. قال الخطابي: إن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح فإن ~~الدار في اللغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول. قوله: وإنا ~~إن شاء الله بكم لاحقون التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قول الله ~~تعالى: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا إن يشاء الله) * (الكهف: 23) ~~وقيل: المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة، وقيل غير ذلك. # (والأحاديث) فيها دليل على استحباب التسليم على أهل القبور والدعاء لهم ~~بالعافية. قال الخطابي وغيره: إن السلام على الأموات والاحياء سواء في ~~تقديم السلام على عليكم، بخلاف ما كانت الجاهلية عليه كقولهم: # عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما باب ما جاء في ~~الميت ينقل أو ينبش لغرض صحيح عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه. ~~وفي رواية: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي بعدما ~~أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه ~~فالله أعلم، وكان كسا عباسا قميصا، قال سفيان: فيرون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافأة بما صنع رواهما البخاري. وعن جابر ~~قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى أحد أن يردوا إلى ~~مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعن جابر ~~قال: دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة رواه ~~البخاري والنسائي. # ولمالك في الموطأ أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن ~~زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها. ولسعيد ms1612 في سننه عن شريح بن ~~عبيد الحضرمي أن رجالا قبروا صاحبا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنا، ثم ~~لقوا معاذ بن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن ~~وحنط ثم صلى عليه. # قوله: عبد الله بن أبي يعني ابن سلول وهو رأس المنافقين ورئيسهم.: # بعدما دفن كان أهل عبد الله بن أبي بادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى ~~PageV04P167 # الله عليه وآله وسلم، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمر بإخراجه، ~~وفيه دليل على جواز إخراج الميت من قبره إذا كان في ذلك مصلحة له من زيادة ~~البركة عليه ونحوها. قوله: فالله أعلم لفظ البخاري والله أعلم بالواو، وكأن ~~جابرا التبست عليه الحكمة في صنعه صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله ذلك ~~بعدما تبين نفاقه. قوله: # وكان كسا عباسا يعني ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وذلك يوم بدر لما أتى بالأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص ~~عبد الله بن أبي فكساه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياه، فلذلك ألبسه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصه، هكذا ساقه البخاري في الجهاد، فيمكن ~~أن يكون هذا هو السبب في إلباسه صلى الله عليه وآله وسلم قميصه، ويمكن أن ~~يكون السبب ما أخرجه البخاري أيضا في الجنائز أن ابن عبد الله المذكور قال: ~~يا رسول الله ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك وفي رواية أنه قال: أعطني قميصك ~~أكفنه فيه. ويمكن أن يكون السبب هو المجموع للسؤال والمكافأة ولا مانع من ~~ذلك. قوله: وكانوا نقلوا إلى المدينة فيه جواز إرجاع الشهيد إلى الموضع ~~الذي أصيب فيه بعد نقله منه وليس في هذا أنهم كانوا قد دفنوا بالمدينة ثم ~~أخرجوا من القبور ونقلوا. قوله: فلم تطب نفسي فيه دليل على أنه يجوز نبش ~~الميت لأمر يتعلق بالحي، لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد ~~بين جابر ذلك بقوله: فلم تطب نفسي، ولكن هذا ms1613 إن ثبت أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أذن له بذلك أو قرره عليه، وإلا فلا حجة في فعل الصحابي والرجل ~~الذي دفن معه هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري وكان صديق والد ~~جابر وزوج أخته هند بنت عمرو. روى ابن إسحاق في المغازي: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا. قوله: # حتى أخرجته في لفظ للبخاري: فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته ~~غير هنية في أذنه وظاهر هذا يخالف ما في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ~~أنه بلغه أن عمر بن الجموح وعبد الله بن عمرو يعني والد جابر الأنصاريين ~~كانا قد حفر السيل قبرهما وكانا في قبر واحد فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا ~~كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة وقد ~~جمع ابن عبد البر بينهما بتعدد القصة. قال في الفتح: وفيه نظر لأن الذي ~~فحديث جابر أنه دفن أباه في PageV04P168 # قبر وحده بعد ستة أشهر. وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ست ~~وأربعين سنة، فإما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو إن ~~السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد. وقد أخرج نحو ما ذكره في الموطأ ~~ابن إسحاق في المغازي وابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر بإسناد صحيح. ~~ومعنى قوله هنية أي شيئا يسيرا، وهي بنون بعدها تحتانية مصغرا وهو تصغير ~~هنة. قوله: # فحملا إلى المدينة فيه جواز نقل الميت من الموطن الذي مات فيه إلى موطن ~~آخر يدفن فيه والأصل الجواز، فلا يمنع من ذلك إلا لدليل. قوله: فأمرهم أن ~~يخرجوه الخ، فيه أنه يجوز نبش الميت لغسله وتكفينه والصلاة عليه، وهذا وإن ~~كان قول صحابي ولا حجة فيه، ولكن جعل الدفن مسقطا لما علم من وجوب غسل ~~الميت أو تكفينه أو الصلاة عليه محتاج إلى دليل ولا دليل. # كتاب الزكاة الزكاة في اللغة النماء، ms1614 يقال: زكا الزرع إذا نما، وترد أيضا ~~بمعنى التطهير، وترد شرعا بالاعتبارين معا، أما بالأول فلان إخراجها سبب ~~للنماء في المال، أو بمعنى أن الاجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلقها ~~بالأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة. # ودليل الأول ما نقص مال من صدقة لأنها يضاعف ثوابها كما جاء: إن الله ~~تعالى يربي الصدقة. وأما الثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وطهرة ~~من الذنوب. # قال في الفتح: وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الاسلام عليها. قال ~~أبو بكر بن العربي: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة ~~والعفو والحق. # وتعريفها في الشرع إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غير متصف بمانع ~~شرعي PageV04P169 # يمنع من الصرف إليه. ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغني عن تكلف ~~الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها فيكفر جاحدها. وقد اختلف في ~~الوقت الذي فرضت فيه فالأكثر أنه بعد الهجرة. وقال ابن خزيمة: إنها فرضت ~~قبل الهجرة. واختلف الأولون فقال النووي: إن ذلك كان في السنة الثانية من ~~الهجرة. وقال ابن الأثير في التاسعة قال في الفتح: وفيه نظر لأنها ذكرت في ~~حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدة أحاديث، وكذا في ~~مخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكانت في أول السابعة وقال فيها يأمرنا بالزكاة. ~~وقد أطال الكلام الحافظ على هذا في أوائل كتاب الزكاة من الفتح فليرجع ~~إليه. # باب الحث عليها والتشديد في منعها عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب ~~فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك ~~فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك ~~لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، ~~فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس ~~بينها وبين الله حجاب رواه ms1615 الجماعة. # قوله: لما بعث معاذا كان بعثه سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك في سنة تسع عند ~~منصرفه من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وقد أخرجه ابن سعد ~~في الطبقات عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه ~~عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي ~~بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان واليا أو قاضيا، فجزم ابن ~~عبد البر بالثاني والغساني بالأول. قوله: تأتي قوما من أهل الكتاب هذا ~~كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، ~~فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبته الجهال من عبدة الأوثان. قوله: فادعهم الخ، ~~إنما وقعت البدأة بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصح بشئ غيرهما، فمن ~~PageV04P170 # كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على ~~التعيين، ومن كان موحدا فالمطالبة له بالجمع بينهما. قوله: فإن هم أطاعوك ~~الخ، استدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولا الايمان ~~فقط ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليه بالفاء، وتعقب بأن مفهوم الشرط مختلف ~~في الاحتجاج به، وبأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما ~~أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى ~~في هذا الحديث، ورتبت الأخرى عليها بالفاء. قوله: خمس صلوات استدل به على ~~أن الوتر ليس بفرض، وكذلك تحية المسجد وصلاة العيد وقد تقدم البحث عن ذلك. ~~قوله: فإن هم أطاعوك لذلك قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون ~~المراد إن هم أطاعوك بالاقرار بوجوبها عليهم والتزامهم بها. والثاني أن ~~يكون المراد الطاعة بالفعل، وقد رجح الأول بأن المذكور هو الاخبار بالفريضة ~~فتعود الإشارة إليها ويرجع الثاني أنهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى ~~الامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط التلفظ بخلاف الشهادتين، ms1616 فالشرط عدم ~~الانكار والاذعان للوجوب. وقال الحافظ: # المراد القدر المشترك بين الامرين، فمن امتثل بالاقرار أو بالفعل كفاه أو ~~بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة فإذا صلوا، ~~وبعد ذكر الزكاة فإذا أقروا بذلك فخذ منهم. قوله: صدقة زاد البخاري في ~~رواية: في أموالهم، وفي رواية له أخرى: افترض عليهم زكاة في أموالهم. قوله: ~~تؤخذ من أغنيائهم استدل به على أن الامام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها ~~إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منهم أخذت منه قهرا. قوله: على فقرائهم ~~استدل به لقول مالك وغيره: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد وفيه بحث كما ~~قال ابن دقيق العيد لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك، ~~وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء. قال الخطابي: وقد يستدل به من لا يرى على ~~المديون زكاة إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذ ~~إخراج ماله مستحق لغرمائه. قوله: فإياك وكرائم أموالهم كرائم منصوب بفعل ~~مضمر يجوز إظهاره، والكرائم جمع كريمة أي نفيسة. (وفيه دليل) على أنه لا ~~يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك ~~الاجحاف بالمالك إلا برضاه. قوله: واتق دعوة المظلوم فيه تنبيه على المنع ~~من جميع أنواع الظلم والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال ~~الإشارة إلى أن أخذها ظلم. قوله: حجاب أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، ~~PageV04P171 # والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد ~~مرفوعا: دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا، ففجره على نفسه. قال الحافظ: ~~وإسناده حسن، وليس المراد أن لله تعالى حجابا يحجبه عن الناس. قال المصنف ~~رحمه الله بعد أن ساق الحديث: وقد احتج به على وجوب صرف الزكاة في بلدها، ~~واشتراط إسلام الفقير وأنها تجب في مال الطفل الغني عملا بعمومه، كما تصرف ~~فيه مع الفقر انتهى. وفيه أيضا دليل على بعث السعاة، وتوصية الامام عامله ~~فيما يحتاج إليه ms1617 من الاحكام، وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، وإيجاب ~~الزكاة في مال المجنون للعموم أيضا، وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة من ~~حيث إنه جعل أن المأخوذ منه غني وقابله بالفقير، وأن المال إذا تلف قبل ~~التمكن من الأداء سقط ت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال. وقد استشكل عدم ~~ذكر الصوم والحج في الحديث، مع أن بعث معاذ كان في آخر الامر كما تقدم، ~~وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع ~~الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب ~~الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في القرآن، ~~فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الاسلام، ~~وقيل: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشئ كحديث: بني ~~الاسلام على خمس فإذا كان في الدعاء إلى الاسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: # الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الحج والصوم لقوله تعالى: ~~* (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (التوبة: 5 و 11) مع أن ~~نزولها بعد فرض الصوم والحج. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من صاحب ~~كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه ~~وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى ~~سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا ~~بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه ~~أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى ~~سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا ~~بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها ~~عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين ms1618 ~~عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله ~~PageV04P172 # إما إلى الجنة وإما إلى النار. قالوا: فالخيل يا رسول الله؟ قال: الخير ~~في نواصيها، أ قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل ~~ثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما التي هي له أجر فالرجل ~~يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له ~~أجرا، ولو رعاها في مرج فما أكلت من شئ إلا كتب الله له بها أجرا، ولو ~~سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر، حتى ذكر الاجر في ~~أبوالها وأرواثها، ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر. ~~وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا، ولا ينسى حق ظهورها ~~وبطونها في عسرها ويسرها، وأما التي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا ~~وبذخا ورياء الناس فذلك الذي هي عليه وزر، قالوا: فالحمر يا رسول الله؟ ~~قال: ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: * (فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (الزلزلة: 7 8) ~~رواه أحمد ومسلم. # قوله: ما من صاحب كنز قال الإمام أبو جعفر الطبري: الكنز كل شئ مجموع ~~بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض أو في ظهرها، قال صاحب العين وغيره: ~~وكان مخزونا. قال القاضي عياض: اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في ~~القرآن وفي الحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجب فيه صدقة الزكاة فلم تؤد، ~~فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ~~ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة، وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون ~~قبل ذلك، وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته، وقيل: هو ~~ما فضل عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الاسلام وضيق الحال، واتفق أئمة ~~الفتوى على القول الأول لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ms1619 تؤدى زكاته وفي ~~صحيح مسلم: # من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع. وفي آخره: فيقول: أنا ~~كنزك. وفي لفظ لمسلم بدل قوله: ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته وما من صاحب ~~ذهب ولا فضة لا يؤدي منهما حقهما. قوله: ثم يرى سبيله قال النووي: هو بضم ~~الياء التحتية من يرى وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها. قوله: إلا بطح لها ~~بقاع قرقر القاع المستوي الواسع في سوي من الأرض: قال الهروي: وجمعه قيعة ~~وقيعان مثل جار وجيرة وجيران. والقرقر بقافين مفتوحتين وراءين أولهما ساكنة ~~المستوى PageV04P173 # أيضا من الأرض الواسع. والبطح: قال جماعة من أهل اللغة معناه الالقاء على ~~الوجه. # قال القاضي عياض: وقد جاء في رواية للبخاري: تخبط وجهه بأخفافها قال: ~~وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح أن يكون على الوجه، وإنما هو في اللغة ~~بمعنى البسط والمد، فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره، ومنه سميت بطحاء ~~مكة لانبساطها. # قوله: كأوفر ما كانت يعني لا يفقد منها شئ. وفي رواية لمسلم: أعظم ما ~~كانت. # قوله: تستن عليه أي تجري عليه وهو بفتح الفوقية وسكون السين المهملة ~~بعدها فوقية مفتوحة ثم نون مشددة. قوله: كلما مضى عليه أخراها ردت عليه ~~أولاها وقع في رواية لمسلم: كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها قال القاضي ~~عياض: وهو تغيير وتصحيف، وصوابه الرواية الأخرى يعني المذكورة في الكتاب. ~~قوله: ليس فيها عقصاء الخ، قال أهل اللغة: العقصاء ملتوية القرنين وهي بفتح ~~العين المهملة وسكون القاف بعدها صاد مهملة ثم ألف ممدودة. والجلحاء بجيم ~~مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة التي لا قرن لها. قوله: تنطحه بكسر الطاء ~~وفتحها لغتان حكاهما الجوهري وغيره والكسر أفصح وهو المعروف في الرواية. ~~قوله: الخيل في نواصيها الخير جاء تفسيره في الحديث الآخر في الصحيح بأنه ~~الاجر والمغنم، وفيه دليل على بقاء الاسلام والجهاد إلى يوم القيامة، ~~والمراد قبيل القيامة بيسير، وهو وقت إتيان الريح الطيبة من قبل اليمن التي ~~تقبض ms1620 روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح. قوله: فأما التي هي له أجر ~~هكذا في أكثر نسخ مسلم، وفي بعضها: فأما الذي هي له أجر وهي أوضح وأظهر. ~~قوله: في مرج بميم مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم وهو الموضع الذي ترعى فيه ~~الدواب. قوله: ولو استنت شرفا أو شرفين أي جرت، والشرف بفتح الشين المعجمة ~~والراء وهو العالي من الأرض، وقيل: المراد طلقا أو طلقين. قوله: أشرا وبطرا ~~وبذخا قال أهل اللغة: الأشر بفتح الهمزة والشين المعجمة والمرح واللجاج. ~~والبطر بفتح الباء بواحدة من أسفل والطاء المهملة ثم راء هو الطغيان عند ~~الحق. والبذخ بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة بعدها خاء معجمة هو بمعنى ~~الأشر والبطر. قوله: إلا هذه الآية الفاذة الجامعة المراد بالفاذة القليلة ~~النظير وهي بالذال المعجمة المشددة، والجامعة العامة المتناولة لكل خير ~~ومعروف، ومعنى ذلك أنه لم ينزل علي فيها نص بعينها، ولكن نزلت PageV04P174 # هذه الآية العامة. وقد يحتج بهذا من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ويجاب بأنه لم يظهر له فيها شئ ومحل ذلك الأصول. ~~(والحديث) يدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والغنم. وقد زاد ~~مسلم في هذا الحديث: # ولا صاحب بقر الخ، قال النووي: وهو أصح حديث ورد في زكاة البقر، وقد ~~استدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في رواية لمسلم عند ~~ذكر الخيل: # ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها. وتأول الجمهور هذا الحديث على ~~أن المراد يجاهد بها. وقيل: المراد بالحق في رقابها الاحسان إليها والقيام ~~بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته، وقيل: ~~المراد حق الله مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة، وسيأتي ~~الكلام على هذه الأطراف التي دل الحديث عليها. قال المصنف رحمه الله تعالى: ~~وفيه دليل أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار، وآخره دليل في إثبات العموم ~~انتهى. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه لما توفي رسول ms1621 الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ~~تعالى، فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق ~~المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله ~~صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق رواه الجماعة إلا ابن ماجة، لكن في لفظ ~~مسلم والترمذي وأبي داود: لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه بدل العناق. # قوله: وكفر من كفر من العرب قال الخطابي: أهل الردة كانوا صنفين: صنفا ~~ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو ~~هريرة، وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة ~~وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن استجابه ~~من أهل اليمن، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم مدعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة ~~والعنسي بصنعاء، وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم. والطائفة الأخرى ارتدوا عن ~~الدين فأنكروا الشرائع وتركوا PageV04P175 # الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في ~~الجاهلية، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد ~~المدينة، ومسجد عبد القيس، قال: والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة ~~وبين الزكاة، فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الامام، وهؤلاء على الحقيقة ~~أهل البغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصا لدخولهم في غمار ~~أهل الردة، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الامرين ~~وأهمهما، وأرخ مبدأ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب عليه السلام إذ ~~كانوا منفردين في زمانه لم يخلطوا ms1622 بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء ~~المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولم يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ~~ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنهم قد كانوا جمعوا ~~صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك ~~وفرقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب، فراجع ~~أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن ~~أقاتل الناس الحديث، وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في ~~آخره ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال يريد أن القضية ~~قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا ~~يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها فكان في ذلك ~~من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة، ولذلك ~~رد المختلف فيه إلى المتفق عليه. وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر ~~بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، ودل ذلك إلى أن العموم يخص بالقياس، وأن ~~جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ~~ومعتبر صحته، فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على ~~قتال القوم، وهو معنى قوله: فعرفت أنه الحق يشير إلى انشراح صدره بالحجة ~~التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة. وقد زعم زاعمون من الرافضة ~~أن أبا بكر أول من سبى المسلمين، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، ~~وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) * (التوبة: 103) خطاب خاص في ~~مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا ~~PageV04P176 # توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على ~~المتصدق ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومثل هذه الشبهة إذا وجدت ~~كان ms1623 ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم، وزعموا أن قتالهم كان ~~عسفا، وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب ~~والوقيعة في السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافا منهم من ارتد عن ~~الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر ~~الشرائع كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا، ولذلك رأى أبو بكر سبي ~~ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة. واستولد علي بن أبي طالب عليه السلام ~~جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد ابن الحنيفة، ثم لم ينفض عصر الصحابة ~~حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى، فأما مانعوا الزكاة منهم المقيمون على ~~أصل الدين فإنهم أهل بغي ولم يسموا على الانفراد كفارا، وإن كانت الردة قد ~~أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك ~~أن الردة اسم لغوي، فكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه، وقد ~~وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق، وانقطع عنهم اسم الثناء ~~والمدح، وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا. # وأما قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 103) وما ادعوه من ~~كون الخطاب خاصا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن خطاب كتاب الله ~~على ثلاثة أوجه: خطاب عام كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة) * (المائدة: 6) الآية ونحوها. وخطاب خاص برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص ~~وقطع التشريك كقوله تعالى: * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (الاسراء: ~~79) وكقوله: # خالصة لك من دون المؤمنين. وخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو وجميع أمته في المراد به سواء كقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) ~~* (الاسراء: 78) وكقوله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) * ~~(النحل: 98) ونحو ذلك. ومنه قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: ~~103) وهذا غير مختص به بل يشاركه ms1624 فيه الأمة. والفائدة في مواجهة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالخطاب أنه هو الداعي إلى الله والمبين عنه معنى ما ~~أراد، فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم. ~~وأما التطهير والتزكية والدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب الصدقة ~~فإن الفاعل PageV04P177 # لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله فيها، وكل ثواب موعود على ~~عمل بر كان في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم فإنه باق غير منقطع. قوله: حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله الخ، المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم ~~يقولون: # لا إله إلا الله ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. قوله: لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة قال النووي: ضبطناه بوجهين: فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ~~ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها. قوله: عناقا بفتح العين ~~بعدها نون وهو الأنثى من أولاد المعز. وفي الرواية الأخرى: عقالا وقد اختلف ~~في تفسيره فذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال زكاة عام. قال النووي: وهو ~~معروف في اللغة كذلك، وهذا قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد ~~وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، قال: والعقال الذي هو ~~الحبل الذي يعقل به البعير، لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه، ~~فلا يصح حمل الحديث على هذا. وذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال ~~الحبل الذي يعقل به البعير، وهذا القول محكي عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، ~~وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين. قال صاحب التحرير: قول ~~من قال: المراد صدقة عام تعسف وذهاب عن طريقة العرب، لأن الكلام خرج مخرج ~~التضييق والتشديد والمبالغة، فيقتضي قلة ما علق به العقال وحقارته، وإذا ~~حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى، قال النووي: وهذا الذي اختاره هو ~~الصحيح الذي لا ينبغي غيره، وكذلك أقول أنا، ثم اختلفوا في المراد بقوله: ~~منعوني عقالا فقيل قدر قيمته كما في زكاة الذهب ms1625 والفضة والمعشرات والمعدن ~~والركاز والفطرة والمواشي في بعض أحوالها، وهو حيث يجوز دفع القيمة. وقيل: ~~زكاة عقال إذا كان من عروض التجارة، وقيل: المراد المبالغة ولا يمكن تصويره ~~ويرده ما تقدم. وقيل: إنه العقال الذي يؤخذ مع الفريضة، لأن على صاحبها ~~تسليمها برباطها. (واعلم) أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة ~~يقاتل حتى يعطيها، ولعلها لم تبلغ الصديق ولا الفاروق، ولو بلغتهما لما ~~خالف عمر، ولا احتج أبو بكر بتلك الحجة التي هي القياس. فمنها ما أخرجه ~~البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ~~إلا بحق PageV04P178 # الاسلام وحسابهم على الله. وأخرج البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. وأخرج مسلم ~~والنسائي من حديث جابر بن عبد الله نحوه. وفي الباب أحاديث. # وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها ~~من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها، وشطر إبله عزمة من ~~عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لآل محمد منها شئ رواه أحمد والنسائي وأبو ~~داود وقال: وشطر ماله وهو حجة في أخذها من الممتنع ووقوعها موقعها. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي، وقال يحيى بن معين إسناده صحيح إذا ~~كان من دون بهز ثقة، وقد اختلف في بهز فقال أبو حاتم: لا يحتج به، وروى ~~الحاكم عن الشافعي أنه قال: ليس بهز حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم ~~بالحديث ولو ms1626 ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم ثم رجع. وسئل أحمد عن هذا ~~الحديث فقال: ما أدري وجهه، وسئل عن إسناده فقال: صالح الاسناد. وقال ابن ~~حبان: لولا هذا الحديث لأدخلت بهزا في الثقات. وقال ابن حزم: إنه غير مشهور ~~العدالة. وقال ابن الطلاع: إنه مجهول، وتعقبا بأنه قد وثقه جماعة من ~~الأئمة. وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا. وقال الذهبي: ما تركه عالم ~~قط، وقد تكلم فيه أنه كان يلعب بالشطرنج. # قال ابن القطان: وليس ذلك بضائر له، فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة، ~~قال الحافظ: # وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب. وقال البخاري: بهز بن حكيم ~~يختلفون فيه، وقال ابن كثير: الأكثر لا يحتجون به. وقال الحاكم: حديثه ~~صحيح، وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث ووثقه واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري ~~خارج الصحيح وعلق له فيه، وروي عن أبي داود أنه حجة عنده. قوله: في كل إبل ~~سائمة يدل على أنه لا زكاة في المعلوفة. قوله: في كل أربعين الخ، سيأتي ~~تفصيل الكلام في ذلك. # قوله: لا تفرق إبل عن حسابها أي لا يفرق أحد الخليطين ملكه عن ملك صاحبه، ~~وسيأتي أيضا تحقيقه. قوله: مؤتجرا أي طالبا للاجر. قوله: فإنا آخذوها ~~PageV04P179 # استدل به، على أنه يجوز للامام أن يأخذ الزكاة قهرا، إذ لم يرض رب المال ~~وعلى أنه يكتفي بنية الامام كما ذهب إلى ذلك الشافعي والهادوية، وعلى أن ~~ولاية قبض الزكاة إلى الامام، وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه ~~ومالك والشافعي في أحد قوليه. قوله: وشطر ماله أي بعضه. وقد استدل به على ~~أنه يجوز للامام أن يعاقب بأخذ المال، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم من ~~قوليه ثم رجع عنه وقال: إنه منسوخ، وهكذا قال البيهقي وأكثر الشافعية، قال ~~في التلخيص: وتعقبه النووي فقال: # الذي أدعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الاسلام ليس بثابت ولا ~~معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. وقد نقل الطحاوي ~~والغزالي الاجماع على نسخ ms1627 العقوبة بالمال. وحكى صاحب ضوء النهار عن النووي ~~أنه نقل الاجماع مثلهما، وهو يخالف ما قدمنا عنه فينظر. وزعم الشافعي أن ~~الناسخ حديث ناقة البراء لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم عليه بضمان ما ~~أفسدت، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك القضية أضعف الغرامة، ~~ولا يخفى أن تركه صلى الله عليه وآله وسلم للمعاقبة بأخذ المال في هذه ~~القضية لا يستلزم الترك مطلقا، ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ~~ناسخا البتة، وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الامام يحيى والهادوية. ~~وقال في الغيث: لا أعلم في جواز ذلك خلافا بين أهل البيت، واستدلوا بحديث ~~بهز هذا، وبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن ~~الجماعة وقد تقدم في الجماعة. وبحديث عمر عند أبي داود قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه وفي إسناده صالح ~~بن محمد بن زائدة المديني، قال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل. ~~وقال الدارقطني: أنكروه على صالح ولا أصل له، والمحفوظ أن سالما أمر بذلك ~~في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام. قال أبو داود: وهذا أصح. وبحديث ابن ~~عمرو بن العاص عند أبي داود والحاكم والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه وفي إسناده زهير بن محمد، ~~قيل: هو الخراساني، وقيل: # غيره وهو مجهول، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الجهاد، وله شاهد ~~مذكور هنالك، وبحديث أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدا وجده يصيد في حرم المدينة ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من وجدتموه يصيد فيه فخذوا ~~سلبه أخرجه مسلم. PageV04P180 # وبحديث تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها. وحديث تضمين من أخرج غير ما ~~يأكل من الثمر المعلق مثليه، كما أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري من ~~حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ms1628 عن الثمر ~~المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه، ومن خرج ~~بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين ~~فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة. ~~وأخرج نحوه النسائي والحاكم وصححه، وسيأتي في كتاب السرقة. ومن الأدلة قضية ~~المددي الذي أغلظ لأجله الكلام عوف بن مالك عن خالد بن الوليد لما أخذ سلبه ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا ترد عليه أخرجه مسلم. وبإحراق علي ~~بن أبي طالب عليه السلام لطعام المحتكر ودور قوم يبيعون الخمر، وهدمه دار ~~جرير بن عبد الله، ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من ~~العمل الذي بعثه إليه، وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي ~~غصبها عبيده وانتحروها، وتغليظه هو وابن عباس الدية على من قتل في الشهر ~~الحرام في البلد الحرام. (وقد أجيب) عن هذه الأدلة بأجوبة. أما عن حديث بهز ~~فيما فيه من المقال وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد والحافظ في ~~التلخيص عن إبراهيم الحربي أنه قال في سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوي ~~وإنما هو فإنا آخذوها من شطر ماله أي يجعل ماله شطرين، ويتخير عليه المصدق ~~ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمه فلا، ~~وبما قال بعضهم: إن لفظة وشطر ماله بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة ~~فعل مبني للمجهول، ومعناه جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي الشطرين ~~أراد. ويجاب عن القدح بما في الحديث من المقال بأنه مما لا يقدح بمثله. وعن ~~كلام الحربي وما بعده بأن الاخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة ~~بالمال لأنه زائد على الواجب. وأما حديث هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالاحراق فأجيب عنه بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات، والهم ليس من ~~الثلاثة، ويرد بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يهم إلا بالجائز، ms1629 وأما حديث ~~عمر فيما فيه من المقال المتقدم. وكذلك أجيب عن حديث ابن عمرو. وأما حديث ~~سعد بن أبي وقاص فبأنه من باب الفدية، كما يجب على من يصيد صيد مكة، وإنما ~~عين صلى الله عليه وآله وسلم نوع الفدية هنا بأنها سلب PageV04P181 # العاضد، فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هي هتك الحرمة عن التعدية. ~~وأما حديث تغريم كاتم الضالة والمخرج غير ما يأكل من الثمن. وقضية المددي ~~فهي واردة على سبب خاص، فلا يجاوز بها إلى غيره، لأنها وسائل أحاديث الباب ~~مما ورد على خلاف القياس، لورود الأدلة كتابا وسنة بتحريم ما الغير. قال ~~الله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجار) * ~~(النساء: 29) * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) * ~~(البقرة: 188). وقال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع: إنما ~~دماؤكم وأموالكم وأعراضكم الحديث قد تقدم. وقال: لا يحل مال امرئ مسلم، إلا ~~بطيبة من نفسه. وأما تحريق على طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير، ~~فبعد تسليم صحة الاسناد إليه وانتهاض فعله للاحتجاج به، يجاب عنه بأن ذلك ~~من قطع ذرائع الفساد، كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير. وأما المروي عن ~~عمر من ذلك فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضا قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به، ~~ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة، وكذلك المروي عن ابن عباس. قوله: ~~عزمة من عزمات ربنا قال في البدر المنير: عزمة خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك ~~عزمة، وضبطه صاحب إرشاد الفقه بالنصب على المصدر، وكلا الوجهين جائز من حيث ~~العربية. ومعنى العزمة في اللغة الجد في الامر. وفيه دليل على أن أخذ ذلك ~~واجب مفروض من الاحكام. والعزائم الفرائض كما في كتب اللغة. # باب صدقة المواشي عن أنس أن أبا بكر كتب لهم أن هذه فرائض الصدقة التي ~~فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين التي أمر الله بها ~~ورسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوق ذلك فلا ms1630 ~~يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبل والغنم في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت ~~خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم يكن ابنة مخاض فابن ~~لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا ~~بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت واحدة وستين ~~ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، PageV04P182 # فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت واحدة وتسعين ~~ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي ~~كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض ~~الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل ~~منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ~~الحقة وليست عنده إلا جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو ~~شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده ابنة لبون فإنها تقبل ~~منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ~~ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو ~~شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض ~~فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت ~~عنده صدقة ابنة مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه ~~شئ، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شئ إلا أن يشاء ربها. وفي ~~صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا ~~زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ~~ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ~~ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية ~~الصدقة، وما كان من ms1631 خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وإذا كانت ~~سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شئ إلا أن يشاء وبها. ~~وفي الرقة ربع العشر، فإذا لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس فيها شئ إلا ~~أن يشاء ربها. رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري وقطعه في عشرة مواضع. # ورواه الدارقطني كذلك وله فيه في رواية في صدقة الإبل: فإذا بلغت إحدى ~~وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. قال الدارقطني: هذا ~~إسناد صحيح ورواته كلهم ثقات. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي والبيهقي والحاكم، قال ابن حزم: هذا كتاب في ~~نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحمد، وصححه ابن حبان ~~أيضا وغيره. قوله: أن أبا بكر كتب لهم في لفظ للبخاري: أن أبا بكر كتب له ~~هذا PageV04P183 # الكتاب لما وجهه إلى البحرين: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها ورسوله. قوله: التي ~~فرض رسول الله معنى فرض هنا أوجب أو شرع يعني بأمر الله تعالى. وقيل معناه ~~قدر لأن إيجابها ثابت بالكتاب، فيكون المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بين ذلك. قال في الفتح: # وقد يرد الفرض بمعنى البيان كقوله تعالى: * (قد فرض الله لكم تحلة ~~إيمانكم) * (التحريم: 2) وبمعنى الانزال كقوله: * (إن الذي فرض عليك ~~القرآن) * (القصص: 85) وبمعنى الحل كقوله: * (ما كان على النبي من حرج فيما ~~فرض الله له) * (الأحزاب: 38) وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير. ووقع ~~استعمال الفرض بمعنى اللزوم حتى يكاد يغلب عليه وهو لا يخرج عن معنى ~~التقدير. وقد قال الراغب: كل شئ ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى ~~الالزام، وكل شئ ورد فرض له فهو بمعنى لم يحرم عليه، وذكر أن معنى قوله ~~تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن) * (القصص: 85) أي أوجب عليك العمل به، ~~وهذا يؤيد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفية بين الفرض ~~والواجب باعتبار ما يثبتان ms1632 به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من ~~الأحاديث الصحيحة على ذلك، لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث ~~انتهى. قوله: ورسوله في نسخة رسوله بدون واو وهو الصواب كما في البخاري ~~وغيره. قوله: ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه أي من سئل زائدا على ذلك في سن أو ~~عدد فله المنع. ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه. وقيل معناه فليمنع الساعي ~~وليتول إخراجه بنفسه أو يدفعها إلى ساع آخر، فإن الساعي الذي طلب الزكاة ~~يكون بذلك متعديا، وشرطه أن يكون أمينا. قال الحافظ: لكن محل هذا إذا طلب ~~الزيادة بغير تأويل انتهى، ولعله يشير بهذا إلى الجمع بين هذا الحديث ~~وحديث: # أرضوا مصدقيكم عند مسلم والنسائي من حديث جرير، وحديث: سيأتيكم ركب ~~مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون، فإن عدلوا ~~فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم أخرجه أبو داود ~~من حديث جابر بن عتيك. وفي لفظ للطبراني من حديث سعد بن أبي وقاص: ادفعوا ~~إليهم ما صلوا الخمس، فتكون هذه الأحاديث محمولة على أن للعامل تأويلا في ~~طلب الزائد على الواجب. قوله: الغنم هو مبتدأ وما قبله خبره، وهو يدل على ~~أن إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل متعين، وإليه ذهب مالك وأحمد، ~~فلا يجزئ عندهما إخراج بعير عن أربع وعشرين. قال PageV04P184 # الشافعي: والجمهور يجزئ لأنه إذا أجزأ في خمس وعشرين فإجزاؤه فيما دونها ~~بالأولى، قال في الفتح: ولان الأصل أن يجب في جنس المال، وإنما عدل عنه ~~رفقا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير ~~مثلا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، والأقيس أنه لا ~~يجزي انتهى. قوله: في كل خمس ذود شاة الذود: بفتح الذال المعجمة وسكون ~~الواو بعدها ذال مهملة قال الأكثر: وهو من الثلاثة إلى العشرة لا واحد له ~~من لفظه، وقال أبو عبيدة: من الاثنين إلى العشرة، قال: # وهو مختص بالإناث. وقال سيبويه: تقول ثلاث ms1633 ذود لأن الذود مؤنث وليس باسم ~~كسر عليه مذكر، وقال القرطبي: أصله ذاد يذود إذا دفع شيئا فهو مصد، وكأن من ~~كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة. وقال ابن قتيبة: إنه ~~يقع على الواحد فقط، وأنكر أن يراد بالذود الجمع، قال: ولا يصح أن يقال خمس ~~ذود، كما لا يصح أن يقال خمس ثوب، وغلطه بعض العلماء في ذلك، وقال أبو حاتم ~~السجستاني: تركوا القياس في الجمع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، كما ~~قالوا: ثلاثمائة على غير قياس، قال القرطبي: # وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه، قال الحافظ: والأشهر ما قاله ~~المتقدمون أنه لا يطلق على الواحد. قوله: فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة ~~مخاض بنت المخاض بفتح الميم بعدها خاء معجمة خفيفة وآخره ضاد معجمة، هي ~~التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها، والماخض الحامل، والمراد ~~أنه قد دخل وقت حملها وإن لم تحمل، وهذا يدل على أنه يجب في الخمس والعشرين ~~إلى الخمس والثلاثين بنت مخاض، وإليه ذهب الجمهور. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وغيره عن علي عليه السلام أن في الخمس والعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستا ~~وعشرين كان فيها بنت مخاض. وقد روي عنه هذا مرفوعا وموقوفا، قال الحافظ: # وإسناد المرفوع ضعيف. قوله: فابن لبون ذكر هو الذي دخل في السنة الثالثة ~~وصارت أمه لبونا بوضع الحمل. وقوله: ذكر تأكيد لقوله ابن لبون، وفيه دليل ~~على جواز العدول إلى ابن اللبون عند عدم بنت المخاض. قوله: ابنة لبون زاد ~~البخاري أنثى. قوله: حقة الحقة بكسر المهملة وتشديد القاف والجمع حقاق ~~بالكسر، وطروقة الفحل بفتح أوله أي مطروقة كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد ~~أنها بلغت أن يطرقها الفحل وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة. ~~قوله: ففيها جذعة الجذعة بفتح الجيم والذال المعجمة، وهي التي أتى عليها ~~أربع سنين ودخلت في الخامسة. قوله: ففي كل أربعين بنت لبون PageV04P185 # المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كل ms1634 أربعين بنت ~~لبون، فيكون الواجب في مائة إحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب ~~الجمهور، ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحدة، كنصف أو ثلث أو ربع، خلافا ~~للإصطخري فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة، ويرد عليه ما عند ~~الدارقطني في آخر هذا الحديث، وما في كتاب عمر الآتي بلفظ: فإذا كانت إحدى ~~وعشرين ومائة. ومثله في كتاب عمرو بن حزم، وإلى ما قاله الجمهور ذهب الناصر ~~والهادي في الاحكام، حكى ذلك عنهما المهدي في البحر، وحكي في البحر أيضا عن ~~علي وابن مسعود والنخعي وحماد والهادي وأبي طالب والمؤيد بالله وأبي العباس ~~أن الفريضة تستأنف بعد المائة والعشرين فيجب في الخمس شاة ثم كذلك، واحتج ~~لهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: وما زاد على ذلك استؤنفت الفريضة، وهذا ~~إن صح كان محمولا على الاستئناف المذكور في الحديث، أعني إيجاب بنت اللبون ~~في كل أربعين والحقة في كل خمسين جمعا بين الأحاديث. (لا يقال) إنه يرجح ~~حديث الاستئناف بمعنى الرجوع إلى إيجاب شاة في كل خمس إلى خمس وعشرين على ~~حسب التفصيل المتقدم بأنه متضمن للايجاب، يعني إيجاب شاة مثلا في الخمس ~~الزائدة على مائة وعشرين، وحديث الباب وما في معناه متضمن للاسقاط. لأنا ~~نقول: هو وهم ناشئ من قوله: # وإذا زادت ففي كل أربعين فظن أن معناه في كل أربعين من الزياد فقط وليس ~~كذلك، بل معناه في كل أربعين من الزيادة والمزيد. وحكي في الفتح عن أبي ~~حنيفة مثل قول علي وابن مسعود ومن معهما، وقيده في البحر بأنه يقول بذلك ~~إلى مائة وخمس وأربعين، ثم له فيما زاد روايتان كالمذهب الأول وكالمذهب ~~الثاني. قوله: ويجعل معها شاتين الخ، فيه دليل على أنه يجب على المصدق قبول ~~ما هو أدون، ويأخذ التفاوت من جنس غير جنس الواجب وكذا العكس، وذهبت ~~الهادوية إلى أن الواجب إنما هو زيادة فضل القيمة من المصدق أو رب المال، ~~ويرجع في ذلك إلى التقويم، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو ms1635 كان كذلك لم ~~ينظر إلى ما بين السنين في القيمة، وكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى ~~لاختلاف ذلك في الأمكنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ~~ينقص، كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك، ولولا تقدير الشارع بذلك ~~لتعينت بنت المخاض مثلا، ولم يجز أن تبدل ابن لبون مع التفاوت. وذهب أبو ~~حنيفة إلى أنه يرجع إلى القيمة فقط عند التعذر، PageV04P186 # وذهب زيد بن علي إلى أن الفضل بين كل سنين شاة أو عشرة دراهم. قوله: إلا ~~أن يشاء ربها أي إلا أن يتطوع متبرعا. قوله: فإذا زادت ففيها شاتان قد ورد ~~ما يدل على تعيين أقل المراد من هذه الزيادة المطلقة، ففي كتاب عمرو بن ~~حزم: فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان، وقد تقدم خلاف ~~الإصطخري في ذلك. # قوله: ففي كل مائة شاة مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي ~~أربعمائة شاة وهو مذهب الجمهور، وعن بعض الكوفيين والحسن بن صالح ورواية عن ~~أحمد إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجبت الأربع. قوله: هرمة بفتح الهاء ~~وكسر الراء هي الكبيرة التي سقطت أسنانها. قوله: ولا ذات عوار بفتح العين ~~المهملة وضمها، وقيل: بالفتح فقط أي معيبة، وقيل: # بالفتح العيب وبالضم العور. واختلف في مقدار ذلك، فالأكثر على أنه ما ثبت ~~به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الاجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب ~~المريض والذكر بالنسبة إلى الأنثى، والصغير بالنسبة إلى سن أكبر منه. قوله: ~~ولا تيس بتاء فوقية مفتوحة وياء تحتية ساكنة ثم سين مهملة وهو فحل الغنم. ~~قوله: إلا أن يشاء المصدق قال في الفتح: اختلف في ضبطه يعني المصدق فالأكثر ~~على أنه بالتشديد، والمراد المالك وهو اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث لا ~~تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلا، ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك لكونه محتاجا ~~إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ~~ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه أشير بذلك ms1636 إلى التفويض إليه ~~في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما ~~تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي انتهى. قوله: ولا يجمع بين مفترق ولا ~~يفرق بين مجتمع خشية الصدقة قال في الفتح: قال مالك في الموطأ: معنى هذا أن ~~يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها ~~حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة ~~وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما ~~إلا شاة واحدة. وقال الشافعي: # هو خطاب لرب المال من جهة والساعي من جهة، فأمر كل منهما أن لا يحدث شيئا ~~من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو ~~يفرق لتقل، والساعي أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله خشية ~~الصدقة أي خشية أن تكثر أو تقل، فلما كان محتملا للامرين لم يكن الحمل على ~~PageV04P187 # أحدهما أولى من الآخر فحمل عليهما معا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك ~~أظهر. واستدل به على أن من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من ~~الذهب مثلا أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابا كاملا، فيجب عليه ~~فيه الزكاة، خلافا لمن قال بالضم كالمالكية والهادوية والحنفية. واستدل به ~~أحمد على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب، وله ببلد آخر ما يوفيه ~~منها أنها لا تضم، قال ابن المنذر: وخالفه الجمهور فقالوا: تجمع على صاحب ~~المال أمواله ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة واستدل به أيضا على ~~إبطال الحيلة والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن. قوله: وما كان من ~~خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية قال في الفتح: اختلف في المراد ~~بالخليطين، فعند أبي حنيفة أنهما الشريكان قال: ولا يجب على أحد منهما فيما ~~يملك إلا مثل الذي كان يجب عليهما لو لم يكن خلط، وتعقبه ابن جرير بأنه لو ~~كان تفريقهما مثل جمعهما في الحكم ms1637 لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهى عن أمر لو ~~فعله كان فيه فائدة، ولو كان كما قال لم يكن لتراجع الخليطين بينهما ~~بالسوية معنى. ومثل تفسير أبي حنيفة روى البخاري عن سفيان وبه قال مالك، ~~وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلط ~~عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل والشركة أخص منهما. ومثل ~~ذلك روى سفيان في جامعه عن عمر والمصير إلى هذا التفسير متعين. ومما يدل ~~على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا قوله تعالى: * (وإن كثيرا من ~~الخلطاء) * (ص: 24) وقد بينه قبل ذلك بقوله: * (إن هذا أخي له تسع وتسعون ~~نعجة) * (ص: 23) واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الحديث لم يبلغهم، أو أرادوا ~~أن الأصل ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وحكم الخليط يخالفه، ويرد بأن ذلك مع ~~الانفراد وعدم الخلطة، لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون به ~~الجميع نصابا، فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد في معناه ولا بد ~~من الجمع بهذا. ومعنى التراجع كما قال الخطابي أن يكون بينهما أربعون شاة ~~مثلا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله، فيأخذ المصدق من ~~أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة وهي تسمى خلطة ~~الجوار. قوله: وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة لفظ شاة ~~الأول منصوب على أنه مميز عدد أربعين، ولفظ شاة الثاني منصوب أيضا على أنه ~~مميز نسبة ناقصة إلى السائمة. قوله: وفي الرقة بكسر الراء وتخفيف ~~PageV04P188 # القاف هي الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة. قال الحافظ: ~~قيل أصلها الورق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل: تطلق على الذهب والفضة ~~بخلاف الورق، وعلى هذا قيل: إن الأصل فزكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ ~~الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهي ربع العشر، وهذا ~~قول الزهري وخالفه الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الذهب والفضة. # وعن الزهري عن سالم عن ms1638 أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي، قال: فأخرجها أبو بكر من ~~بعده فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها قال: فلقد هلك عمر ~~يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته، قال: فكان فيها في الإبل في خمس شاة حتى ~~تنتهي إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس ~~وثلاثين، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون، فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها ~~بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت ~~ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا ~~زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة وفي ~~كل أربعين ابنة لبون. وفي الغنم من أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا ~~زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ~~فإذا زادت بعد فليس فيها شئ حتى تبلغ أربعمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل ~~مائة شاة، وكذلك لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق مخافة الصدقة، وما ~~كان من خليطين فهما يتراجعان بالسوية، لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب من الغنم ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وفي هذا الخبر من رواية ~~الزهري عن سالم مرسلا: فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون ~~حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة ~~حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت ~~لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا بلغت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق ~~حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون ~~حتى تبلغ تسعا وستين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون ~~وحقة حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا بلغت ثمانين ومائة ففيها حقتان ~~PageV04P189 # وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا ms1639 وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ~~ثلاث حقاق وابنة لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها ~~أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت أخذت رواه أبو داود. # الحديث أخرج المرفوع منه أيضا الدارقطني والحاكم والبيهقي، ويقال: تفرد ~~بوصله سفيان بن حسين وهو ضعيف في الزهري خاصة، والحفاظ من أصحاب الزهري لا ~~يصلونه، رواه أبو داود والدارقطني والحاكم عن أبي كريب عن ابن المبارك عن ~~يونس عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ~~كتب في الصدقة وهي عند آل عمر. قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن ~~عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله ~~وسالم ابني عبد الله بن عمر فذكر الحديث، وقال البيهقي: تابع سفيان بن حسين ~~على وصله سليمان بن كثير، وأخرجه أيضا ابن عدي من طريقه، ولكنه كما قال ~~الحافظ: لين في الزهري، وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث سليمان بن كثير ~~والاحتجاج به. وأخرج مسلم حديث سفيان بن حسين واستشهد به البخاري، قال ~~الترمذي في كتاب العلل: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون ~~محفوظا وسفيان بن حسين صدوق انتهى. وضعف ابن معين هذا الحديث وقال: تفرد به ~~سفيان بن حسين، ولم يتابع سفيان أحد عليه، وسفيان ثقة دخل مع يزيد بن ~~المهلب خراسان وأخذوا عنه. وفي رواية للدارقطني في هذا الحديث: إن في خمس ~~وعشرين خمس شياه وضعفها لأنها من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري وهو ضعيف. ~~واعلم أن المرفوع من هذا الحديث وهو بعض من حديث أنس السابق وقد تقدم شرحه. ~~قوله: # ففيها بنتا لبون وحقة الحقة عن خمسين وبنتا اللبون عن ثمانين، وكذلك إذا ~~بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان عن مائة، وبنت لبون عن أربعين، وإذا بلغت ~~مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق عن كل خمسين حقة، وإذا بلغت مائة وستين ففيها ~~أربع بنات لبون عن كل أربعين واحدة، وإذا ms1640 بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاث بنات ~~لبون عن مائة وعشرين، وحقة عن خمسين، وإذا بلغت مائة وثمانين ففيها حقتان ~~عن مائة وابنتا لبون عن ثمانين، وإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق عن ~~مائة وخمسين وبنت لبون عن أربعين، وإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق عن كل ~~خمسين حقة أو خمس بنات لبون عن كل أربعين واحدة، وهذا لا يخالف ما تقدم في ~~حديث أنس لأن قوله فيه: PageV04P190 # ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة معناه مثل هذا لا فرق بينه ~~وبينه إلا أنه مجمل وهذا مفصل. وزاد أبو داود في هذا الحديث بعد قوله: ولا ~~ذات عيب فقال: وقال الزهري: إذا جاء المصدق قسمت الشياه أثلاثا: ثلثا ~~شرارا، وثلثا خيارا، وثلثا وسطا فيأخذ من الوسط. # وعن معاذ بن جبل: قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن ~~وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة ~~ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر رواه الخمسة وليس لابن ماجة فيه حكم ~~الحاكم. وعن يحيى بن الحكم: أن معاذا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن ~~كل أربعين مسنة، فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين، وما بين ~~الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فقدمت فأخبرت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك وزعم أن الأوقاص لا فريضة ~~فيها رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه، والدارقطني والحاكم وصححه أيضا من ~~رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ. ورواه أبو داود والنسائي من رواية أبي ~~وائل عن معاذ، ورجح الترمذي والدارقطني الرواية المرسلة، ويقال: إن مسروقا ~~لم يسمع من معاذ، وقد بالغ ابن حزم في تقرير ذلك. وقال ابن القطان: هو على ~~الاحتمال، وينبغي أن يحكم لحديثه بالاتصال على رأي الجمهور. وقال ابن عبد ~~البر في التمهيد: ms1641 إسناده متصل صحيح ثابت، ووهم عبد الحق فنقل عنه أنه قال: ~~مسروق لم يلق معاذا، وتعقبه ابن القطان بأن أبا عمر إنما قال ذلك في رواية ~~مالك عن حميد بن قيس عن طاوس عن معاذ، وقد قال الشافعي: طاوس عالم بأمر ~~معاذ، وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا، وهذا مما لا أعلم من أحد ~~فيه خلافا انتهى. قال الحافظ في التلخيص: ورواه البزار والدارقطني من طريق ~~ابن عباس بلفظ: لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذا إلى اليمن ~~أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا، أو تبيعة جذعا أو جذعة الحديث، ~~لكنه من طريق بقية عن المسعودي وهو ضعيف. والرواية الثانية المذكورة عن ~~معاذ أخرجها أيضا البزار وفي إسنادها الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ويدل على ~~ضعفه ذكره فيها لقدوم معاذ على النبي PageV04P191 # صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقدم إلا بعد موته. وقد أخرج نحو هذه ~~الرواية مالك في الموطأ من طريق طاوس عن معاذ، وليس عنده أن معاذا قدم قبل ~~موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل صرح فيها أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مات قبل قدومه. # وحكى الحافظ عن عبد الحق أنه قال في زكاة البقر حديث متفق على صحته يعني ~~في النصب. وحكي أيضا عن ابن جرير الطبري أنه قال: صح الاجماع المتيقن ~~المقطوع به الذي لا اختلاف فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة، فوجب الاخذ بهذا، ~~وما دون ذلك مختلف فيه، ولا نص في إيجابه، وتعقبه صاحب الامام بحديث عمرو ~~بن حزم الطويل في الديات وغيرها، فإن فيه في كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو ~~جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة. وحكي أيضا عن ابن عبد البر أنه قال في ~~الاستذكار: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث ~~معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه فيها انتهى. قوله: من كل ثلاثين من البقر ~~فيه دليل على أن الزكاة لا تجب ms1642 فيما دون الثلاثين، وإليه ذهبت العترة ~~والفقهاء. # وحكي في البحر عن سعيد بن المسيب والزهري أنها تجب في خمس وعشرين منها ~~كالإبل، ورده بأن النصب لا تثبت بالقياس. وإن سلم فالنص مانع. قوله: تبيعا ~~أو تبيعة التبيع على ما في القاموس والنهاية ما كان في أول سنه. وفي حديث ~~عمرو بن حزم جذع أو جذعة. # قوله: مسنة حكي في النهاية عن الأزهري أن البقرة والشاة يقع عليهما اسم ~~المسن إذا كان في السنة الثانية، والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على ~~أنه لا يجزئ المسن، ولكنه أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: وفي كل أربعين ~~مسنة أو مسن. قوله: ومن كل حالم دينارا فسره أبو داود بالمحتلم، والمراد به ~~أخذ الجزية ممن لم يسلم. قوله: معافر بالعين المهملة حي من همدان لا ينصرف ~~لما فيه من صيغة منتهى الجموع، وإليهم تنسب الثياب المعافرية، والمراد هنا ~~الثياب المعافرية كما فسره بذلك أبو داود. قوله: إن الأوقاص الخ هي جمع وقص ~~بفتح الواو والقاف، ويجوز إسكانها وإبدال الصاد سينا وهو ما بين الفرضين ~~عند الجمهور، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول. وقد وقع الاتفاق على ~~أنه لا يجب فيها شئ في البقر إلا في رواية عن أبي حنيفة فإنه أوجب فيما بين ~~الأربعين والستين ربع مسنة، وروي عنه وهو المصحح له أنه يجب قسطه من ~~المسنة. # وعن رجل يقال له سعر عن مصدقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنهما ~~PageV04P192 # قالا: نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نأخذ شافعا، والشافع ~~التي في بطنها ولدها. وعن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسمعته يقول: إن في عهدي أنا لا نأخذ من راضع لبن، ولا نفرق ~~بين مجتمع، ولا نجمع بين مفترق، وأتاه رجل بناقة كوماء فأبى أن يأخذها ~~رواهما أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث الأول أخرجه أيضا الطبراني، وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ ~~في التلخيص ورجال إسناده ثقات. والحديث الثاني أخرجه ms1643 أيضا الدارقطني ~~والبيهقي وفي إسناده هلال بن خباب، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه بعضهم. ~~قوله: يقال له سعر بكسر السين المهملة وسكون العين المهملة وآخره راء كذا ~~في جامع الأصول ومختصر المنذري. وفي كتاب ابن عبد البر: بفتح السين المهملة ~~وهو ابن ديسم بفتح الدال المهملة وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة ~~الكناني الديلي، روى عنه ابنه جابر هذا الحديث، وذكر الدارقطني وغيره أن له ~~صحبة، وقيل: كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما جاء في هذا ~~الحديث. قوله: من راضع لبن فيه دليل على أنها لا تؤخذ الزكاة من الصغار ~~التي ترضع اللبن، وظاهره سواء كانت منفردة أو منضمة إلى الكبار، ومن أوجبها ~~فيها عارض هذا بما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي وابن حزم أن عمر قال ~~لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي: اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي ~~على يده ولا تأخذها كما سيأتي، وهو مبني على جواز التخصيص بمذهب الصحابي ~~والحق خلافه. قوله: كوماء بفتح الكاف وسكون الواو هي الناقة العظيمة ~~السنام. (والحديثان) يدلان على أنه لا يجوز للمصدق أن يأخذ من خيار ~~الماشية، وقد أخرج الشيخان من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إياك وكرائم أموالهم. وقد تقدم ~~الكلام على قوله: ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق. # وعن عبد الله بن معاوية الغاضري من غاضرة قيس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ثلاث من فعلهن طعم طعم الايمان: من عبد الله وحده ~~وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام، ~~ولا يعطي الهرمة PageV04P193 # ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن ~~الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره رواه أبو داود. # الحديث، أخرجه أيضا الطبراني وجود إسناده وسياقه أتم سندا ومتنا، وذكره ~~أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة مسندا، وعبد الله هذا له ms1644 صحبة وهو معدود ~~في أهل حمص، قيل: إنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا حديثا ~~واحدا، والغاضري بالغين والضاد المعجمتين. قوله: رافدة الرافدة المعينة ~~والمعطية، والمراد هنا المعنى الأول أي معينة له على أداء الزكاة. قوله: ~~ولا الدرنة بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء ~~قاله الخطابي، وأصل الدرن الوسخ كما في القاموس وغيره. قوله: ولا الشرط ~~اللئيمة الشرط بفتح الشين المعجمة والراء، قال أبو عبيد: هي صغار المال ~~وشراره، واللئيمة البخيلة باللبن. قوله: ولكن من وسط أموالكم الخ، فيه دليل ~~على أنه ينبغي أن يخرج الزكاة من أوساط المال لا من شراره ولا من خياره. # وعن أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدقا ~~فمررت برجل فلم أجد عليه في ماله إلا ابنة مخاض فأخبرته أنها صدقته فقال: ~~ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وما كنت لأقرض الله ما لا لبن فيه ولا ظهر، ~~ولكن هذه ناقة سمينة فخذها، فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به، فهذا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم منك قريب، فخرج معي وخرج بالناقة حتى قدمنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ذاك الذي عليك وإن تطوعت بخير قبلناه منك وأجرك الله ~~فيه، قال: فخذها فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبضها ودعا له ~~بالبركة رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود بأتم مما هنا، وصححه الحاكم وفي إسناده محمد ~~بن إسحاق، وخلاف الأئمة في حديثه مشهور إذا عنعن، وهو هنا قد صرح بالتحديث. # قوله: ولا ظهر يعني أن بنت المخاض ليست ذات لبن ولا صالحة للركوب عليها. ~~قوله: # ولكن هذه ناقة سمينة لفظ أبي داود: لكن هذه ناقة عظيمة سمينة. # قوله: منك قريب زاد أبو داود: فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي ~~فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك ms1645 رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي ~~PageV04P194 # بالناقة التي عرضت علي الخ. قوله: فأخبره الخبر لفظ أبي داود: فقال له: ~~يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله مقام في مالي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا رسوله قط قبله فجمعت مالي فزعم أن ما علي ~~فيه إلا ابنة مخاض ثم ذكر نحو ما تقدم. # (والحديث) يدل على جواز أخذ سن أفضل من السن التي تجب على المالك إذا رضي ~~بذلك، وهو مما لا أعلم فيه خلافا. # وعن سفيان بن عبد الله الثقفي: أن عمر بن الخطاب قال: تعد عليهم بالسخلة ~~يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا ~~فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره رواه ~~مالك في الموطأ. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن حزم، وأغرب ابن أبي شيبة فروا مرفوعا ~~قال: حدثنا أبو أسامة عن النهاس بن قهم عن الحسن بن مسلم قال: بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم سفيان بن عبد الله على الصدقة الحديث. ورووا ~~أيضا أبو عبيد في الأموال من طريق الأوزاعي عن سالم بن عبد الله المحاربي ~~أن عمر بعث مصدقا فذكر نحوه. قوله: تعد عليهم بالسخلة استدل به على وجوب ~~الزكاة في الصغار، وقد تقدم في المرفوع من حديث سويد بن غفلة ما يخالفه. ~~قوله: # الأكولة بفتح الهمزة وضم الكاف العاقر من الشياه، والشاة تعزل للاكل هكذا ~~في القاموس، وأما الأكولة بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول، وليست ~~مرادة هنا لأن السياق في تعداد الخيار. قوله: ولا الربى بضم الراء وتشديد ~~الباء الموحدة هي الشاة التي تربى في البيت للبنها. قوله: ولا فحل الغنم ~~إنما منعه من أخذه مع كونه لا يعد من الخيار، لأن المالك يحتاج إليه لينزو ~~على الغنم. قوله: وتأخذ الجذعة والثنية المراد الجذعة من الضأن والثنية من ~~المعز، ويدل على ذلك ما في بعض روايات حديث سويد بن غفلة المتقدم أن المصدق ~~قال: إنما حقنا ms1646 في الجذعة من الضأن والثنية من المعز. قوله: بين غذاء المال ~~الغذاء بالغين المعجمة المكسورة بعدها ذال معجمة جمع غذى كغنى السخال. (وقد ~~استدل) بهذا الأثر على أن الماشية التي تؤخذ في الصدقة هي المتوسطة بين ~~الخيار والشرار. وفي المرفوع النهي عن كرائم PageV04P195 # الأموال كما تقدم من حديث معاذ، وعن المعيب كما تقدم في حديث أنس وعمر، ~~والامر بأخذ الوسط كما تقدم في حديث الغاضري. # باب لا زكاة في الرقيق والخيل والحمر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه رواه ~~الجماعة. ولأبي داود: ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر ولأحمد ~~ومسلم: ليس للعبد صدقة إلا صدقة الفطر. # وعن عمر وجاءه ناس من أهل الشام فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا خيلا ورقيقا ~~نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله، ~~واستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم علي رضي الله عنه فقال ~~علي: هو حسن إن لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك رواه أحمد. وعن أبي ~~هريرة قال: # سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحمير فيها زكاة فقال: ما ~~جاءني فيها شئ إلا هذه الآية الفاذة: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (الزلزلة: 7 8) رواه أحمد. وفي الصحيحين معناه. # الأثر المروي عن عمر قال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. قوله: ليس على ~~المسلم صدقة في عبده ولا فرسه قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس ~~والعبد لا الفرد الواحد، إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد ~~للركوب، ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين، ~~تؤخذ منها بالقيمة. # وقال أبو حنيفة: إنها تجب في الخيل إذا كانت ذكرانا وإناثا نظرا إلى ~~النسل، وله في المنفردة روايتان، ولا يرد عليه أنه يلزم مثل هذا في سائر ~~السوائم، إذا انفردت لعدم التناسل ms1647 لأنه يقول: إنه إذا عدم التناسل حصل فيها ~~النمو للاكل والخيل لا تؤكل عنده. # قال الحافظ: ثم عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو ~~يقوم ويخرج ربع العشر، وهذا الحديث يرد عليه، وأجيب من جهته بحمل النفي فيه ~~على الرقبة لا على القيمة وهو خلاف الظاهر. ومن جملة ما يرد به عليه حديث ~~علي عند أبي داود بإسناد حسن مرفوعا: قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة ~~الرقة وسيأتي. واستدل PageV04P196 # على الوجوب بما وقع في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال في الخيل: ثم لم ينس حق الله في ظهورها. وقد تقدم الجواب عن ~~ذلك في شرح حديث أبي هريرة. (ومن جملة) ما استدل به ما أخرجه الدارقطني ~~والبيهقي والخطيب من حديث جابر عنه صلى الله عليه وآله وسلم: في كل فرس ~~سائمة دينار أو عشرة دراهم وهذا الحديث مما لا تقوم به حجة، لأنه قد ضعفه ~~الدارقطني والبيهقي، فلا يقوى على معارضة حديث الباب الصحيح، وتمسك أيضا ~~بما روي عن عمر أنه أمر عامله بأخذ الصدقة من الخيل، وقد تقرر أن أفعال ~~الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها، لا سيما بعد إقرار عمر بأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأبا بكر لم يأخذ الصدقة من الخيل كما في الرواية المذكورة ~~في الباب. (وقد احتج) بظاهر حديث الباب الظاهرية فقالوا: لا تجب الزكاة في ~~الخيل والرقيق لا لتجارة ولا لغيرها، وأجيب عنهم بأن زكاة التجارة ثابتة ~~بالاجماع. كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخص به عموم هذا الحديث، ولا يخفى ~~أن الاجماع على وجوب زكاة التجارة في الجملة لا يستلزم وجوبها في كل نوع من ~~أنواع المال، لأن مخالفة الظاهرية في وجوبها في الخيل والرقيق الذي هو محل ~~النزاع مما يبطل الاحتجاج عليهم بالاجماع على وجوبها فيهما، فالظاهر ما ذهب ~~إليه أهله. قوله: إن لم تكن جزية الخ، ظاهر هذا أن عليا لا يقول بجواز أخذ ~~الزكاة من هذين ms1648 النوعين، وإنما حسن الاخذ من الجماعة المذكورين لكونهم قد ~~طلبوا من عمر ذلك. وحديث أبي هريرة المذكور في الباب هو طرف من حديثه ~~المتقدم في أول الكتاب، وقد شرحناه هنالك، PageV04P197 # وقد استدل به على عدم وجوب الزكاة في الحمر، لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سئل عن زكاتها فلم يذكر أن فيها الزكاة، والبراءة الأصلية ~~مستصحبة، والأحكام التكليفية لا تثبت بدون دليل، ولا أعرف قائلا من أهل ~~العلم يقول بوجوب الزكاة في الحمر لغير تجارة واستغلال. # باب زكاة الذهب والفضة عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من ~~كل أربعين درهما درهما، وليس في تسعين ومائة شئ، فإذا بلغت مائتين ففيها ~~خمسة دراهم رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وفي لفظ: قد عفوت لكم عن الخيل ~~وليس فيما دون المائتين زكاة رواه أحمد والنسائي. # الحديث روي من طريق عاصم بن ضمرة عن علي. ومن طريق الحرث الأعور عن علي ~~أيضا، قال الترمذي: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما عن أبي إسحاق ~~عن عاصم بن ضمرة عن علي. وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي ~~إسحاق عن الحرث عن علي، وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: ~~كلاهما عندي صحيح انتهى. وقد حسن هذا الحديث الحافظ، وقال الدارقطني: # الصواب وقفه على علي. (الحديث يدل) على وجوب الزكاة في الفضة وهو مجمع ~~على ذلك. ويدل أيضا على أن زكاتها ربع العشر ولا أعلم في ذلك خلافا. ويدل ~~أيضا على اعتبار النصاب في زكاة الفضة وهو إجماع أيضا، وعلى أنه مائتا ~~درهم، قال الحافظ: ولم يخالف في أن نصاب الفضة مائتا درهم إلا ابن حبيب ~~الأندلسي فإنه قال: إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم. وذكر ابن عبد البر ~~اختلافا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان، قيل: ~~وبعضهم اعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن وهو خارق للاجماع، وهذا البعض الذي ~~أشار ms1649 إليه هو المريسي، وبه قال المغربي من الظاهرية كما في البحر، وقد قوي ~~كلام هذا المغربي الظاهري المغربي الصنعاني شرح بلوغ المرام وقال: إنه ~~الظاهر إن لم يمنع منه إجماع، وحكي في البحر عن مالك أنه يغتفر نقص الحبة ~~والحبتين، ولا بد أن يكون النصاب خالصا عن الغش، كما ذهب إليه PageV04P198 # الجمهور. وقال المؤيد بالله والامام يحيى: إنه يغتفر اليسير، وقدره ~~الامام يحيى بالعشر فما دون. وحكي في البحر عن أبي حنيفة أنه يغتفر ما دون ~~النصف، وسيأتي تحقيق مقدار الدرهم. (وفي الحديث) أيضا دليل على أنه لا زكاة ~~في الخيل والرقيق، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس فيما دون خمس ~~أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون ~~خمسة أوسق من التمر صدقة رواه أحمد ومسلم، وهو لأحمد والبخاري من حديث أبي ~~سعيد. وعن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كانت ~~لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شئ يعني في ~~الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها ~~الحول ففيها نصف دينار رواه أبو داود. # حديث أبي سعيد المشار إليه هو متفق عليه. ولفظه في البخاري: ليس فيما دون ~~خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما ~~دون خمس ذود من الإبل صدقة. وحديث علي هو من حديث أبي إسحاق عن الحرث ~~الأعور، وعاصم بن ضمرة عنه، وقد تقدم أن البخاري قال: كلاهما عنده صحيح، ~~وقد حسنه الحافظ والحرث ضعيف، وقد كذبه ابن المديني وغيره، وروي عن ابن ~~معين توثيقه، وعاصم وثقه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس. قوله: خمس ~~أواق بالتنوين وبإثبات التحتية مشددا ومخففا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد ~~التحتانية، وحكى اللحياني وقية بحذف الألف وفتح الواو، قال في الفتح: ~~ومقدار الأوقية في هذا ms1650 الحديث أربعون درهما بالاتفاق، والمراد بالدرهم ~~الخالص من الفضة، سواء كان مضروبا أو غير مضروب. قال عياض قال أبو عبيد: إن ~~الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا ~~كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، قال: وهذا يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وآله ~~وسلم أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل، والصواب أن معنى ما نقل من ~~ذلك أنه لم يكن شئ منها من ضرب الاسلام وكانت مختلفة في الوزن، فعشرة مثلا ~~وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بالكتابة العربية، ~~ويصير وزنها وزنا PageV04P199 # واحدا، وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام. وأما الدرهم ~~فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم انتهى. قوله: من الورق قد تقدم ~~الكلام عليه، وكذا تقدم الكلام على قوله: خمس ذود. قوله: خمسة أوسق جمع وسق ~~بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب المحكم، وجمعه حينئذ أوساق كحمل ~~وأحمال وهو ستون صاعا بالاتفاق، وقد وقع في رواية ابن ماجة من طريق أبي ~~البختري عن أبي سعيد نحو هذا لحديث وفيه: والوسق ستون صاعا وأخرجها أبو ~~داود أيضا لكن قال: ستون مختوما وللدارقطني من طريق عائشة: الوسق ستون صاعا ~~وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق، وسيأتي البحث عن ذلك. ~~قوله: عشرون دينارا الدينار مثقال، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، ~~والدرهم ستة دوانيق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، ~~والحبة سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم، كذا في ~~القاموس في فصل الميم من حرف الكاف. (وفيه دليل) على أن نصاب الذهب عشرون ~~دينارا، وإلى ذلك ذهب الأكثر. وروي عن الحسن البصري أن نصابه أربعون. وروي ~~عنه مثل قول الأكثر ونصابه معتبر في نفسه. وقال طاوس: إنه يعتبر في نصابه ~~التقويم بالفضة، فما بلغ منه ما يقوم بمائتي درهم وجبت فيه الزكاة ويرده ~~الحديث. # قوله: وحال عليها الحول فيه دليل على اعتبار الحول في ms1651 زكاة الذهب ومثله ~~الفضة، وإلى ذلك ذهب الأكثر. وذهب ابن عباس وابن مسعود والصادق والباقر ~~والناصر وداود إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابا أن يزكيه في الحال ~~تمسكا بقوله: في الرقة ربع العشر وهو مطلق مقيد بهذا الحديث، فاعتبار الحول ~~لا بد منه، والضعف الذي في حديث الباب منجبر بما عند ابن ماجة والدارقطني ~~والبيهقي والعقيلي من حديث عائشة من اعتبار الحول. وفي إسناده حارثة بن أبي ~~الرجال وهو ضعيف، وبما عند الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مثله وفيه ~~إسماعيل بن عياش وحديثه عن غير أهل الشام ضعيف، وبما عند الدارقطني من حديث ~~أنس وفيه حسان بن سياه وهو ضعيف. قوله: ففيها نصف دينار فيه دليل على أن ~~زكاة الذهب ربع العشر ولا أعلم فيه خلافا. PageV04P200 # باب زكاة الزرع والثمار عن جابر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور رواه أحمد ~~ومسلم والنسائي وأبو داود وقال: الأنهار والعيون. وعن ابن عمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، ~~وفيما سقي بالنضح نصف العشر رواه الجماعة إلا مسلما، لكن لفظ النسائي وأبي ~~داود وابن ماجة بعلا بدل عثريا. # قوله: والغيم بفتح الغين المعجمة وهو المطر، وجاء في رواية الغيل باللام. # قال أبو عبيد: هو ما جرى من المياه في الأنهار وهو سيل دون السيل الكبير. ~~وقال ابن السكيت: هو الماء الجاري على الأرض. قوله: العشور قال النووي: ~~ضبطناه بضم العين جمع عشر. وقال القاضي عياض: ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح ~~العين وقال: وهو اسم للمخرج من ذلك. وقال صاحب المطالع: أكثر الشيوخ ~~يقولونه بالضم وصوابه الفتح. قال النووي: وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس ~~بصحيح، وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر، وقد ~~اتفقوا على قولهم عشور أهل الذمة بالضم ولا فرق بين اللفظين. قوله: ~~بالسانية هي البعير الذي يستقي به الماء من البئر، ms1652 ويقال له الناضح يقال: ~~منه سنا يسنو سنوا إذا استقى به. قوله: فيما سقت السماء المراد بذلك المطر ~~أو الثلج أو البرد أو الطل، والمراد بالعيون الأنهار الجارية التي يستقى ~~منها من دون اغتراف بآلة بل تساح إساحة. قوله: أو كان عثريا هو بفتح العين ~~المهملة وفتح الثاء المثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية. وحكي عن ابن ~~الاعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب. قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من ~~غير سقي، زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى: وهو المستنقع في بركة ونحوها ~~يصب إليه ماء المطر في سواق تسقى إليه، قال: واشتقاقه من العاثور وهي ~~الساقية التي يجري فيها الماء، لأن الماشي يتعثر فيها، قال: ومثله الذي ~~يشرب من الأنهار بغير مؤنة أو يشرب بعروقه، كأن يغرس في أرض يكون الماء ~~قريبا من وجهها فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي. قال الحافظ: وهذا ~~التفسير أولى من إطلاق أبي عبيد أن العثري ما سقته السماء، لأن سياق الحديث ~~يدل على المغايرة، وكذا قول من فسر العثري بأنه الذي PageV04P201 # لا حمل له لأنه لا زكاة فيه. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذه التفرقة التي ~~ذكرها خلافا. # قوله: بالنضح بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة أي ~~بالسانية. # قوله: بعلا بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة ويروى بضمها قال في ~~القاموس: # البعل الأرض المرتفعة تمطر في السنة مرة، وكل نخل وزرع لا يسقى أو ما ~~سقته السماء انتهى. وقيل: هو الأشجار التي تشرب بعروقها من الأرض. ~~(والحديثان) يدلان على أنه يجب العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ~~ونحوهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سقي بالنواضح ونحوها مما ~~فيه مؤنة كثيرة، قال النووي: # وهذا متفق عليه، وإن وجد مما يسقى بالنضح تارة وبالمطر أخرى، فإن كان ذلك ~~على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر وهو قول أهل العلم. قال ابن قدامة: ~~لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعا للأكثر عند ~~أحمد والثوري وأبي ms1653 حنيفة وأحد قولي الشافعي. وقيل: يؤخذ بالتقسيط. قال ~~الحافظ: ويحتمل أن يقال: إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه، وعن ابن ~~القاسم صاحب مالك: # العبرة بما تم به الزرع ولو كان أقل. # وعن أبي سعيد: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة رواه ~~الجماعة. وفي لفظ لأحمد ومسلم والنسائي: ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ~~ولا حب صدقة ولمسلم في رواية: من تمر بالثاء ذات النقط الثلاث. وعن أبي ~~سعيد أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الوسق ستون صاعا رواه ~~أحمد وابن ماجة، ولأحمد وأبي داود: ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة والوسق ~~ستون مختوما. # قوله: ليس فيما دون خمسة أوسق قد تقدم تفسير الوسق والأواقي والذود. # قوله: الوسق ستون صاعا هذا الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان من ~~طريق عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد، وأخرجه أيضا النسائي وأبو داود ~~وابن ماجة من طريق أبي البختري من أبي سعيد، قال أبو داود: وهو منقطع لم ~~يسمع أبو البختري عن أبي سعيد، وقال أبو حاتم: لم يدركه، وأخرج البيهقي ~~نحوه من حديث ابن عمر وابن ماجة من حديث جابر وإسناده ضعيف، قال الحافظ: ~~وفيه عن عائشة وعن سعيد بن المسيب. وحديث: ليس PageV04P202 # فيما دون خمسة أوسق صدقة مخصص لعموم حديث جابر المتقدم في أول الباب. ~~ولحديث ابن عمر المذكور بعده لأنهما يشملان الخمسة الأوسق وما دونها، وحديث ~~أبي سعيد هذا خاص بقدر الخمسة الأوسق فلا تجب الزكاة فيما دونها، وإلى هذا ~~ذهب الجمهور. وذهب ابن عباس وزيد بن علي والنخعي وأبو حنيفة إلى العمل ~~بالعام فقالوا: تجب الزكاة في القليل والكثير ولا يعتبر النصاب، وأجابوا عن ~~حديث الأوساق بأنه لا ينتهض لتخصيص حديث العموم لأنه مشهور وله حكم ~~المعلوم، وهذا إنما يتم على مذهب الحنفية القائلين بأن دلالة العموم قطعية، ~~وأن العمومات القطعية لا ms1654 تخصص بالظنيات، ولكن ذلك لا يجري فيما نحن بصدده، ~~فإن العام والخاص ظنيان كلاهما، والخاص أرجح دلالة وإسنادا، فيقدم على ~~العام تقدم أو تأخر أو قارن على ما هو الحق من أنه يبنى العام على الخاص ~~مطلقا، وهكذا يجب البناء إذا جهل التاريخ، وقد قيل: إن ذلك إجماع، والظاهر ~~أن مقام النزاع من هذا القبيل. وقد حكى ابن المنذر الاجماع، على أن الزكاة ~~لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض، إلا أن أبا حنيفة قال: تجب في ~~جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس ~~له ثمر انتهى. وحكى عياض عن داود أن كل ما يدخله الكيل يراعى فيه النصاب، ~~وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة وهو نوع من الجمع. وقال ابن ~~العربي: # أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة وهو التمسك بالعموم انتهى. # وههنا مذهب ثالث حكاه صاحب البحر عن الباقر والصادق أنه يعتبر النصاب في ~~التمر والزبيب والبر والشعير إذ هي المعتادة فانصرف إليها، وهو قصر للعام ~~على بعض ما يتناوله بلا دليل. # وعن عطاء بالسائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن ~~طلحة من الخضراوات صدقة، فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ليس في ذلك صدقة رواه الأثرم في سننه. ~~وهو من أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله به. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن ~~عمه موسى بن طلحة عن معاذ بلفظه. وأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب فعفو ~~عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الحافظ: وفيه ضعف وانقطاع. ~~وروى PageV04P203 # الترمذي بعضه من حديث عيسى بن طلحة عن معاذ وهو ضعيف. وقال الترمذي: # ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شئ يعني في الخضراوات، وإنما ~~يروى عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. وذكره ms1655 ~~الدارقطني في العلل وقال: الصواب مرسل. وروى البيهقي بعضه من حديث موسى بن ~~طلحة قال: # عندنا كتاب معاذ. ورواه الحاكم وقال: موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقي ~~معاذا. وقال ابن عبد البر: لم يلق معاذا ولا أدركه، وكذلك قال أبو زرعة. ~~وروى البزار والدارقطني من طريق الحرث بن نبهان عن عطاء بن السائب عن موسى ~~بن طلحة عن أبيه مرفوعا: ليس في الخضراوات صدقة قال البزار: لا نعلم أحدا ~~قال فيه عن أبيه إلا الحرث بن نبهان. وقد حكى ابن عدي تضعيفه عن جماعة، ~~والمشهور عن موسى مرسل. ورواه الدارقطني من طريق مروان بن محمد السنجاري عن ~~جرير عن عطاء بن السائب فقال عن أنس بدل قوله عن أبيه ولعله تصحيف منه، ~~ومروان مع ذلك ضعيف جدا. وروى الدارقطني من حديث علي مثله وفيه الصقر بن ~~حبيب وهو ضعيف جدا. (وفي الباب) عن محمد بن جحش عند الدارقطني وفي إسناده ~~عبد الله بن شبيب. قيل عنه إنه يسرق الحديث. وعن عائشة عند الدارقطني أيضا ~~وفيه صالح بن موسى وفيه ضعف. وعن علي موقوفا عند البيهقي. وعن عمر كذلك ~~عنده. # (والحديث يدل) على عدم وجوب الزكاة في الخضراوات، وإلى ذلك ذهب مالك ~~والشافعي وقالا: إنما تجب الزكاة فيما يكال ويدخر للاقتيات. وعن أحمد أنها ~~تخرج مما يكال ويدخر ولو كان لا يقتات، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وأوجبها في ~~الخضراوات الهادي والقسم إلا الحشيش والحطب لحديث الناس شركاء في ثلاث، ~~ووافقهما أبو حنيفة إلا أنه استثنى السعف والتبن، واستدلوا على وجوب الزكاة ~~في الخضراوات بعموم قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 103) ~~وقوله: * (ومما أخرجنا لكم من الأرض) * (البقرة: 267). وقوله: * (وآتوا حقه ~~يوم حصاده) * (الانعام: 141) وبعموم حديث: فيما سقت السماء العشر ونحوه، ~~قالوا: وحديث الباب ضعيف لا يصلح لتخصيص هذه العمومات، وأجيب بأن طرقه يقوي ~~بعضها بعضا فينتهض لتخصيص هذه العمومات، ويقوي ذلك ما أخرجه الحاكم ~~والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه ~~وآله ms1656 وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: فقال: لا تأخذا الصدقة إلا من ~~هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر. قال البيهقي: رواته ثقات وهو ~~متصل. وما أخرجه الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول PageV04P204 # الله صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة في هذه الأربعة فذكرها وهو من رواية ~~موسى بن طلحة عن عمر. قال أبو زرعة: موسى عن عمر مرسل. وما أخرجه ابن ماجة ~~والدار قطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: إنما سن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. زاد ابن ~~ماجة: والذرة وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك. وما أخرج ~~البيهقي من طريق مجاهد قال: # لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في خمسة فذكرها. ~~وأخرج أيضا من طريق الحسن فقال: لم يفرض الصدقة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا في عشرة، فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب ~~والفضة. وحكي أيضا عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال ~~البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضا، ومعها حديث أبي ~~موسى، ومعها قول عمر وعلي وعائشة: ليس في الخضراوات زكاة انتهى. # فلا أقل من انتهاض هذه الأحاديث لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها ~~التخصيص بالأوساق والبقر العوامل وغيرهما، فيكون الحق ما ذهب إليه الحسن ~~البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي: من أن الزكاة لا تجب إلا في البر ~~والشعير والتمر والزبيب، لا فيما عدا هذه الأربعة مما أخرجت الأرض، وأما ~~زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب فقد عرفت أن في إسنادها متروكا، ولكنها ~~معتضدة بمرسل مجاهد والحسن. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث عبد الله بن ~~رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود يأخذونه بذلك ~~الخرص أو يدفعونه إليهم ms1657 بذلك الخرص لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار ~~وتفرق رواه أحمد وأبو داود. وعن عتاب بن أسيد: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم رواه الترمذي وابن ~~ماجة. وعنه أيضا قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرص العنب ~~كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته زبيبا، كما تؤخذ صدقة النخل تمرا رواه أبو داود ~~والترمذي. وعن سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع رواه ~~الخمسة إلا ابن ماجة. PageV04P205 # حديث عائشة فيه واسطة بين ابن جريج والزهري ولم يعرف. وقد رواه عبد ~~الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة، وابن جريج مدلس فلعله تركها ~~تدليسا. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه فقال: رواه صالح عن أبي الأخضر عن ~~الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله معمر ومالك وعقيل، ولم يذكروا ~~أبا هريرة، وحديث عتاب بن أسيد أخرجه أيضا باللفظ الأول أبو داود وابن ~~حبان، وباللفظ الثاني النسائي وابن حبان والدارقطني، ومداره على سعيد بن ~~المسيب عن عتاب وقد قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال ابن قانع: لم يدركه. ~~وقال المنذري: انقطاعه ظاهر لأن مولد سعيد في خلافة عمر، ومات عتاب يوم مات ~~أبو بكر، وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر. وقال ابن السكن: لم يرو عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من وجه غير هذا، وقد رواه الدارقطني بسند فيه ~~الواقدي فقال عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد. وقال ~~أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ~~عتابا مرسل، وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري. # وحديث سهل بن أبي حثمة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وفي إسناده ~~عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن ابن أبي حثمة، وقد قال البزار: إنه ~~انفرد به، وقال ابن ms1658 القطان: لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناد ~~متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به. ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر ~~عن جابر مرفوعا: خففوا في الخرص الحديث وفي إسناده ابن لهيعة. (والأحاديث ~~المذكورة) تدل على مشروعية الخرص في العنب والنخل، وقد قال الشافعي في أحد ~~قوليه بوجوبه مستدلا بما في حديث عتاب من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أمر بذلك، وذهبت العترة ومالك وروي عن الشافعي إلى أنه جائز فقط، وذهبت ~~الهادوية وروي عن الشافعي أيضا إلى أنه مندوب، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ~~لأنه رجم بالغيب والأحاديث المذكورة ترد عليه. وقد قصر جواز الخرص على مورد ~~النص بعض أهل الظاهر فقال: لا يجوز إلا في النخل والعنب، ووافقه على ذلك ~~شريح وأبو جعفر وابن أبي الفوارس، وقيل: يقاس عليه غيره مما يمكن ضبطه ~~بالخرص، واختلف في خرص الزرع فأجازه للمصلحة الامام يحيى. ومنعته الهادوية ~~والشافعية. قوله: ودعوا الثلث قال ابن حبان له معنيان: أحدهما أن يترك ~~الثلث أو الربع من العشر. وثانيهما: # أن يترك ذلك من نفس الثمرة قبل أن تعشر. وقال الشافعي: أن يدع ثلث الزكاة ~~PageV04P206 # أو ربعها ليفرقها هو بنفسه. وقيل: يدع له ولأهله قدر ما يأكلون ولا يخرص. ~~وأخرج أبو نعيم في الصحابة من طريق الصلت بن زبيد بن الصلت عن أبيه عن جده: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعمله على الخرص فقال: أثبت لنا ~~النصف وبق لهم النصف فإنهم يسرقون ولا تصل إليهم. # وعن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة. قال الزهري: # تمرين من تمر المدينة رواه أبو داود وعن أبي أمامة بن سهل في الآية التي ~~قال الله عز وجل: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * (البقرة: 267) قال: ~~هو الجعرور، ولون حبيق، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤخذ في ~~الصدقة الرذالة رواه ms1659 النسائي. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح، ~~والحديث الثاني في إسناده عبد الجليل بن حبيب اليحصبي ولا بأس به، وبقية ~~رجاله رجال الصحيح، وقد أخرج نحوه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب من حديث ~~البراء: قال في قوله تعالى: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * (البقرة: ~~267) نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على ~~قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان ~~أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فسقط ~~البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه ~~الشيص والحشف والقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى: # * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) * ~~(البقرة: 267) قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطي لم يأخذه إلا على ~~إغماض وحياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. قوله: الجعرور ~~بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الراء وسكون الواو بعدها راء قال في ~~القاموس: هو تمر ردئ. قوله: ولون الحبيق بضم الحاء المهملة وفتح الباء ~~الموحدة وسكون التحتية بعدها قاف. قال في القاموس: حبيق كزبير تمرد قل. ~~قوله: الرذالة بضم الراء بعدها ذال معجمة هي ما انتقى جيده كما في القاموس. ~~وقوله: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، فيه دليل على ~~PageV04P207 # أنه لا يجوز للمالك أن يخرج الردئ عن الجيد الذي وجبت فيه الزكاة نصا في ~~التمر، وقياسا في سائر الأجناس التي تجب فيها الزكاة، وكذلك لا يجوز للمصدق ~~أن يأخذ ذلك. # باب ما جاء في زكاة العسل عن أبي سيارة المتعي قال: قلت: يا رسول الله إن ~~لي نحو، قال: فأد العشور قال قلت: يا رسول الله احم لي جبلها، قال: فحمى لي ~~جبلها رواه أحمد وابن ماجة. وعن عمرو بن شعيب عن ms1660 أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أنه أخذ من العسل العشر رواه ابن ماجة. وفي رواية له: ~~جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعشور نحل ~~له وكان سأله أن يحمي واديا، يقال له سلبة فحمى له ذلك الوادي، فلما ولي ~~عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى ~~إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عشور نحله فاحم ~~له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء رواه أبو داود والنسائي. ~~ولأبي داود في رواية بنحوه وقال: من كل عشر قرب قربة. # حديث أبي سيارة أخرجه أيضا أبو داود والبيهقي وهو منقطع، لأنه من رواية ~~سليمان بن موسى عن أبي سيارة، قال البخاري: لم يدرك سليمان أحدا من ~~الصحابة، وليس في زكاة العسل شئ يصح. قال أبو عمر: ابن عبد البر لا يقوم ~~بهذا حجة. وحديث عمرو بن شعيب قال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحرث ~~وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندا. ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن ~~شعيب عن عمر مرسلا. قال الحافظ: # فهذه علته، وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الاتقان، لكن تابعهما ~~عمرو بن الحرث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند ابن ~~ماجة وغيره. (وفي الباب) عن ابن عمر عند الترمذي: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال في العسل: في كل عشرة أزقاق زق وفي إسناده صدقة السمين ~~وهو ضعيف الحفظ وقد خولف. وقال النسائي: # هذا حديث منكر. ورواه البيهقي وقال: تفرد به صدقة وهو ضعيف، وقد تابعه ~~طلحة بن زيد عن موسى بن يسار، ذكره المروزي ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر ~~الترمذي أنه سأل PageV04P208 # البخاري عنه فقال: هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسل، ~~وعن أبي هريرة عند البيهقي وعبد الرزاق وفي إسناده ms1661 عبد الله بن محرر ~~بمهملات وهو متروك. وعن سعد بن أبي ذئاب عند البيهقي: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم استعمله على قومه وأنه قال لهم: أدوا العشر في العسل وفي ~~إسناده منير بن عبد الله، ضعفه البخاري والأزدي وغيرهما. قال الشافعي وسعد ~~بن أبي ذئاب: يحكى ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره ~~فيه بشئ وأنه شئ رآه هو فتطوع له به قومه. قال ابن المنذر: ليس في الباب شئ ~~ثابت. قوله: متعان بضم الميم وسكون المثناة بعدها مهملة، وكذا المتعي. ~~قوله: سلبة بفتح المهملة واللام والباء الموحدة هو واد لبني متعان، قال ~~البكري في معجم البلدان: وقد استدل بأحاديث الباب على وجوب العشر في العسل ~~أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وحكاه في البحر ~~عن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز والهادي والمؤيد بالله وأحد قولي ~~الشافعي. وقد حكى البخاري وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز ~~أنه لا يجب في العسل شئ من الزكاة، وروى عنه عبد الرزاق أيضا مثل ما روى ~~عنه صاحب البحر ولكنه بإسناد ضعيف كما قال الحافظ في الفتح. وذهب الشافعي ~~ومالك والثوري، وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور إلى عدم وجوب الزكاة في ~~العسل، وحكاه في البحر عن علي عليه السلام، وأشار العراقي في شرح الترمذي ~~إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أولى من نقل الترمذي. (واعلم) أن ~~حديث أبي سيارة وحديث هلال إن كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة ~~في العسل لأنهما تطوعا بها وحمى لهما بدل ما أخذ، وعقل عمر العلة فأمر بمثل ~~ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك. وبقية أحاديث الباب لا ~~تنتهض للاحتجاج بها. ويؤيد عدم الوجوب ما تقدم من الأحاديث القاضية بأن ~~الصدقة إنما تجب في أربعة أجناس، ويؤيده أيضا ما رواه الحميدي بإسناده إلى ~~معاذ بن جبل أنه أتى بوقص البقر والعسل فقال ms1662 معاذ: # كلاهما لم يأمرني فيه صلى الله عليه وآله وسلم بشئ. قوله: وإلا فإنما هو ~~ذباب غيث أي وإن لم يؤدوا عشور النحل فالعسل مأخوذ من ذباب النحل، وأضاف ~~الذباب إلى الغيث لأن النحل يقصد مواضع القطر لما فيها من العشب والخصب. ~~قوله: يأكله من يشاء يعني العسل، فالضمير راجع إلى المقدر المحذوف. (وفيه ~~دليل) على أن العسل الذي يوجد في الجبال يكون من سبق إليه أحق به. ~~PageV04P209 # باب ما جاء في الركاز والمعدن عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز ~~الخمس رواه الجماعة. * 2 وعن ربيعة بن عبد الرحمن عن غير واحد: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية ~~وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم رواه ~~أبو داود ومالك في الموطأ. # الحديث الأول له طرق وألفاظ. والحديث الثاني أخرجه أيضا الطبراني والحاكم ~~والبيهقي بدون قوله: وهي من ناحية الفرع الخ، قال الشافعي بعد أن روى هذا ~~الحديث: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولم يكن فيه رواية عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلا إقطاعه. وأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست ~~مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال البيهقي: هو كما قال الشافعي، ~~وقد روي هذا الحديث عن الدراوردي عن ربيعة المذكور موصولا. وكذلك أخرجه ~~الحاكم في المستدرك، وكذا ذكره ابن عبد البر. ورواه أبو سبرة المديني عن ~~مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال موصولا لكن لم ~~يتابع عليه. وروى أبو أويس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده. وعن ثور بن ~~زيد عن عكرمة عن ابن عباس هكذا. # قال البيهقي: وأخرجه من الوجهين الآخرين أبو داود، وسيأتي حديث ابن عباس ~~المشار إليه في باب ما جاء في إقطاع المعادن من كتاب إحياء الموات. قوله: ~~العجماء سميت البهيمة ms1663 عجماء لأنها لا تتكلم. قوله: جبار أي هدر، وسيأتي ~~الكلام على ذلك. # قوله: وفي الركاز الخمس الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي مأخوذ ~~من الركز بفتح الراء، يقال: ركزه يركزه إذا دفعه فهو مركوز، وهذا متفق ~~عليه. قال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية. وقال أبو حنيفة والثوري ~~وغيرهما: إن المعدن ركاز، واحتج لهم بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازا ~~وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن، وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا: لا يقال ~~للمعدن ركاز، واحتجوا بما وقع في حديث الباب من التفرقة بينهما بالعطف، فدل ~~ذلك على المغايرة، وخص الشافعي الركاز PageV04P210 # بالذهب والفضة. وقال الجمهور: لا يختص واختاره ابن المنذر. قوله: القبلية ~~منسوبة إلى قبل بفتح القاف والباء، وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين ~~المدينة خمسة أيام. والفرع موضع بين نخلة والمدينة. (والحديث) الأول يدل ~~على أن زكاة الركاز الخمس على الخلاف السابق في تفسيره. قال ابن دقيق ~~العيد: ومن قال من الفقهاء إن في الركاز الخمس إما مطلقا أو في أكثر الصور ~~فهو أقرب إلى الحديث انتهى. وظاهره سواء كان الواجد له مسلما أو ذميا، وإلى ~~ذلك ذهب الجمهور فيخرج الخمس، وعند الشافعي لا يؤخذ منه شئ، واتفقوا على ~~أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال، وإلى ذلك ذهبت ~~العترة. قال في الفتح: # وأغرب ابن العربي في شرح الترمذي فحكى عن الشافعي الاشتراط، ولا يعرف ذلك ~~في شئ من كتبه ولا كتب أصحابه. ومصرف هذا الخمس مصرف خمس الفئ عند مالك ~~وأبي حنيفة والجمهور، وعند الشافعي مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان. وظاهر ~~الحديث عدم اعتبار النصاب، وإلى ذلك ذهبت الحنفية والعترة، وقال مالك وأحمد ~~وإسحاق: يعتبر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس فيما دون خمس أواق صدقة ~~وقد تقدم، وأجيب بأن الظاهر من الصدقة الزكاة فلا تتناول الخمس وفيه نظر. ~~قوله: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة فيه دليل لمن قال: إن الواجب ~~في المعادن الزكاة وهي ربع العشر ms1664 كالشافعي وأحمد وإسحاق، ومن أدلتهم أيضا ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: في الرقة ربع العشر ويقاس غيرها عليها. ~~وذهبت العترة والحنفية والزهري وهو قول للشافعي إلى أنه يجب فيه الخمس لأنه ~~يصدق عليه اسم الركاز، وقد تقدم الخلاف في ذلك. # أبواب إخراج الزكاة باب المبادرة إلى إخراجها عن عقبة بن الحرث قال: صلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم العصر فأسرع ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج ~~فقلت أو قيل له فقال: كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته ~~فقسمته رواه البخاري. وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته PageV04P211 # رواه الشافعي والبخاري في تاريخه والحميدي وزاد قال: يكون قد وجب عليك في ~~مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة ~~بالعين. # قوله: تبرا بكسر المثناة وسكون الموحدة الذهب الذي لم يصف ولم يضرب. # قال الجوهري: لا يقال إلا للذهب وقد قاله بعضهم في الفضة انتهى. وأطلقه ~~بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن تصاغ وتضرب، حكاه ابن الأنباري عن ~~الكسائي، كذا أشار إليه ابن دريد. قوله: أن أبيته أي أتركه يبيت عندي. ~~قوله: فقسمته في رواية للبخاري فأمرت بقسمته. (والحديث الأول) يدل على ~~مشروعية المبادرة بإخراج الصدقة. قال ابن بطال: فيه أن الخير ينبغي أن ~~يبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير ~~محمود، زاد غيره: وهو أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، ~~وأرضى للرب تعالى، وأمحى للذنب. # (والحديث الثاني) يدل على أن مجرد مخالطة الصدقة لغيرها من الأموال سبب ~~لاهلاكه، وظاهره وإن كان الذي خلطها بغيرها من الأموال عازما على إخراجها ~~بعد حين، لأن التراخي عن الاخراج مما لا يبعد أن يكون سببا لهذه العقوبة، ~~أعني هلاك المال واحتجاج من احتج به على تعلق الزكاة بالعين صحيح، لأنها لو ~~كانت متعلقة بالذمة لم يستقم هذا الحديث، لأنها لا تكون في ms1665 جزء من أجزاء ~~المال، فلا يستقيم اختلاطها بغيرها، ولا كونها سببا لاهلاك ما خالطته. # باب ما جاء في تعجيلها عن علي عليه السلام: أن العباس بن عبد المطلب سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك ~~رواه الخمسة إلا النسائي. وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس عم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون ~~خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، وأما العباس فهي علي ~~ومثلها معها، ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه رواه ~~PageV04P212 # أحمد ومسلم. وأخرجه البخاري وليس فيه ذكر عمر ولا ما قيل له في العباس. ~~وقال فيه فهي عليه ومثلها معها. قال أبو عبيد: أرى والله أعلم أنه أخر عنه ~~الصدقة عامين لحاجة عرضت للعباس، وللامام أن يؤخر على وجه النظر ثم يأخذه، ~~ومن روى فهي علي ومثلها، فيقال: كان تسلف منه صدقة عامين ذلك العام والذي ~~قبله. # حديث علي أخرجه أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي وفيه اختلاف، ذكره ~~الدارقطني ورجح إرساله، وكذا رجحه أبو داود، وقال الشافعي: لا أدري أثبت أم ~~لا يعني هذا الحديث. # ويشهد له ما أخرجه البيهقي عن علي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين رجاله ثقات إلا أن فيه ~~انقطاعا، ويعضده أيضا حديث أبي هريرة المذكور بعده. قوله: ينقم بكسر القاف ~~وفتحها والكسر أفصح، وابن جميل هذا قال ابن الأثير: لا يعرف اسمه، لكن وقع ~~في تعليق القاضي حسين الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله، وذكر الشيخ ~~سراج الدين بن الملقن أن بعضهم سماه حميدا، ووقع في رواية ابن جريج أبو جهم ~~بن حذيفة بدل ابن جميل وهو خطأ ms1666 لاطباق الجميع على ابن جميل. وقول الأكثر: ~~إنه كان أنصاريا، وأما أبو جهم بن حذيفة فهو قرشي فافترقا. # قوله: وأعتاده جمع عتاد بفتح العين المهملة بعدها فوقية وبعد الألف دال ~~مهملة، والأعتاد آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، ويجمع أيضا على ~~أعتدة. # ومعنى ذلك أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنا منهم أنها للتجارة، وأن ~~الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة فيها علي، فقالوا للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إن خالدا منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمونه لأنه حبسها ~~ووقفها في سبيل الله تعالى قبل الحول عليها فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون ~~المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله ~~تعالى متبرعا فكيف يشح بواجب عليه؟ واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة ~~التجارة، وبه قال جمهور السلف والخلف خلافا لداود. (وفيه دليل) على صحة ~~الوقف وصحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض ~~الكوفيين، وقال بعضهم: هذا الصدقة التي منعها ابن جميل وخالد والعباس لم ~~تكن زكاة إنما كانت صدقة تطوع، حكاه القاضي عياض قال: ويؤيده أن عبد الرزاق ~~روى هذا الحديث وذكر في روايته: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ندب ~~الناس إلى الصدقة وذكر تمام الحديث، قال ابن القصار من المالكية: وهذا ~~التأويل PageV04P213 # أليق بالقصة، ولا يظن بالصحابة منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه ~~أخرج ماله في سبيل الله فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون ~~ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه. وقال في العباس هي علي ومثلها معها، ~~أي أنه لا يمتنع إذا طلبت منه، انتهى كلام ابن القصار. قال القاضي عياض: ~~ولكن ظاهر الأحاديث في الصحيحين أنها في الزكاة لقوله: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عمر على الصدقة وإنما كان يبعث في الفريضة، ورجح هذا ~~النووي. # قوله: فهي علي ومثلها معها مما يقوي أن المراد بهذا أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أخبرهم أنه تعجل ms1667 من العباس صدقة عامين ما أخرجه أبو داود ~~والطيالسي من حديث أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: ~~إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول. وما أخرجه الطبراني والبزار من ~~حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وآله وسلم تسلف من العباس صدقة عامين وفي ~~إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف. ورواه البزار من حديث موسى بن طلحة عن أبيه ~~نحوه وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك. ورواه الدارقطني من حديث ابن ~~عباس وفي إسناده مندل بن علي والعرزمي وهما ضعيفان، والصواب أنه مرسل، ومما ~~يرجح أن المراد ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو أراد أن يتحمل ما ~~عليه لأجل امتناعه لكفاه أن يتحمل مثلها من غير زيادة، وأيضا الحمل على ~~الامتناع فيه سوء ظن بالعباس. # (والحديثان) يدلان على أنه يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول ولو لعامين، وإلى ~~ذلك ذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، وبه قال الهادي والقاسم. قال المؤيد ~~بالله: وهو أفضل. # وقال مالك وربيعة وسفيان الثوري وداود وأبو عبيد بن الحرث، ومن أهل البيت ~~الناصر: أنه يجزئ حتى يحول الحول، واستدلوا بالأحاديث التي فيها تعليق ~~الوجوب بالحول وقد تقدمت. وتسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل، لأن ~~الوجوب متعلق بالحول بلا نزاع، وإنما النزاع في الاجزاء قبله. PageV04P214 # باب تفرقة الزكاة في بلدها ومراعاة المنصوص عليه لا القيمة وما يقال عند ~~دفعها عن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها ~~قلوصا رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعن عمران بن حصين أنه استعمل على ~~الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني أخذناه من حيث كنا ~~نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه ~~رواه أبو داود وابن ماجة. وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ من خرج من مخلاف ~~إلى مخلاف فإن صدقته ms1668 وعشره في مخلاف عشيرته رواه الأثرم في سننه. # الحديث الأول هو من رواية حفص بن غياث عن أشعث عن عون بن أبي جحفة عن ~~أبيه، وهؤلاء ثقات إلا أشعث بن سوار ففيه مقال. وقد أخرج له مسلم متابعة. ~~قال الترمذي بعد ذكر الحديث وفي الباب عن ابن عباس. والحديث الثاني سكت عنه ~~أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن عطاء وهو صدوق. ~~والحديث الثالث أخرجه أيضا سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى طاوس بلفظ: من ~~انتقل من مخلاف عشيرته فصدقته وعشره في مخلاف عشيرته (وفي الباب) عن معاذ ~~عند الشيخين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن قال له: ~~خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم. وقد استدل بهذه الأحاديث على مشروعية ~~صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله وكراهية صرفها في غيرهم. وقد روي عن مالك ~~والشافعي والثوري أنه لا يجوز صرفها في غير فقراء البلد. وقال غيرهم: إنه ~~يجوز مع كراهة، لما علم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يستدعي الصدقات من الاعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين ~~والأنصار، كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال: جاء رجل ~~إلى رسول PageV04P215 # الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من ~~الصدقة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما ~~أخذتها. ولما أخرجه البيهقي وعلقه البخاري عن معاذ: أنه قال لأهل اليمن: ~~ائتوني بكل خميس ولبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أرفق بكم وأنفع ~~للمهاجرين والأنصار بالمدينة وفيه انقطاع. وقال الإسماعيلي: إنه مرسل فلا ~~حجة فيه، لا سيما مع معارضته لحديثه المتفق عليه الذي تقدم، وقد قال فيه ~~بعض الرواة من الجزية بدل قوله الصدقة. أو يحمل على أنه بعد كفاية من في ~~اليمن وإلا فما كان معاذ ليخالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: ~~من مخلاف الخ، فيه دليل على أن من انتقل من ms1669 بلد إلى بلد كان زكاة ماله لأهل ~~البلد الذي انتقل منه مهما أمكن إيصال ذلك إليهم. # وعن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن ~~فقال: خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من ~~البقر رواه أبو داود وابن ماجة. والجبرانات المقدرة في حديث أبي بكر تدل ~~على أن القيمة لا تشرع وإلا كانت تلك الجبرانات عبثا. # الحديث صححه الحاكم على شرطهما، وفي إسناده عطاء عن معاذ ولم يسمع منه ~~لأنه ولد بعد موته، أو في سنة موته، أو بعد موته بسنة. وقال البزار: لا ~~نعلم أن عطاء سمع من معاذ. وقد استدل بهذا الحديث من قال إنها تجب الزكاة ~~من العين، ولا يعدل عنها إلى القيمة إلا عند عدمها وعدم الجنس، وبذلك قال ~~الهادي والقاسم والشافعي والامام يحيى. وقال أبو حنيفة والمؤيد بالله أنها ~~تجزئ مطلقا، وبه قال الناصر والمنصور بالله وأبو العباس وزيد بن علي، ~~واستدلوا بقول معاذ: ائتوني بكل خميس ولبيس، فإن الخميس واللبيس ليس إلا ~~قيمة عن الأعيان التي تجب فيها الزكاة، وهو مع كونه فعل صحابي لا حجة فيه، ~~فيه انقطاع وإرسال كما قدمنا ذلك في الشرح للحديث الذي قبل هذا، فالحق أن ~~الزكاة واجبة من العين لا يعدل عنها إلى القيمة إلا لعذر. قوله: والجبرانات ~~بضم الجيم جمع جبران وهو ما يجبر به الشئ، وذلك نحو قوله في حديث أبي بكر ~~السابق: ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما فإن ذلك ونحوه يدل ~~على أن الزكاة واجبة في العين، ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك ~~عبثا لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فتقدير PageV04P216 # الجبران. بمقدار معلوم لا يناسب تعلق الوجوب بالقيمة، وقد تقدمت الإشارة ~~إلى طرف من هذا. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أعطيتم ~~الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما ~~رواه ابن ماجة. وعن عبد الله بن ms1670 أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم صل عليهم فأتاه أبي أبو أوفى ~~بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى متفق عليه. # الحديث الأول إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا ~~الوليد بن مسلم عن البختري بن عبيد عن أبيه أبي هريرة فذكره، والبختري بن ~~عبيد الطابخي متروك، وسويد بن سعيد فيه مقال. (وفي الباب) عن وائل بن حجر ~~عند النسائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجل بعث بناقة ~~حسنة في الزكاة: اللهم بارك فيه وفي إبله. قوله: فلا تنسوا ثوابها أن ~~تقولوا كأنه جعل هذا القول نفس الثواب لما كان له دخل في زيادة الثواب. ~~قوله: اللهم صل عليهم في رواية على آل فلان. وفي أخرى على فلان. قوله: على ~~آل أبي أوفى يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشئ، كقوله في قصة ~~أبي موسى: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود. وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق ~~الرجل الجليل القدر، واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي، شهد هو ~~وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستدل بهذا الحديث على جواز ~~الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور. قال ابن التين: وهذا الحديث ~~يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء: # يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث. وأجيب عنه بأن أصل ~~الصلاة الدعاء، إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته دعاء له بزيادة القربة ~~والزلفى، ولذلك كانت لا تليق بغيره، وفيه دليل على أنه يستحب الدعاء عند ~~أخذ الزكاة لمعطيها وأوجبه بعض أهل الظاهر، وحكاه الحناطي وجها لبعض ~~الشافعية، وأجيب بأنه لو كان واجبا لعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV04P217 # السعاة. ولان سائر ما يأخذه الامام من الكفارات والديون وغيرها لا يجب ~~عليه فيه الدعاء فكذلك الزكاة، ms1671 وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصا به ~~لكون صلاته صلى الله عليه وآله وسلم سكن لهم بخلاف غيره. # باب من دفع صدقته إلى من ظنه من أهلها فبان غنيا عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته ~~فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال: اللهم لك الحمد على ~~سارق لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق ~~الليلة على زانية فقال: اللهم لك الحمد على زانية فقال: لأتصدقن بصدقة، ~~فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني فقال: اللهم لك ~~الحمد على زانية وعلى سارق وعلى غني، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، ~~أما الزانية فلعلها تستعف به من زناها، ولعل السارق أن يستعف به عن سرقته، ~~ولعل الغني أن يعتبر فينفق مما آتاه الله عز وجل متفق عليه. # قوله: قال رجل وقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث ~~أنه كان من بني إسرائيل. قوله: لأتصدقن زاد في رواية متفق عليها الليلة، ~~وهذا اللفظ من باب الالتزام كالنذر مثلا، والقسم فيه مقدر كأنه قال: # والله لأتصدقن. قوله: في يد سارق أي وهو لا يعلم أنه سارق، وكذلك على ~~الزانية، وكذلك على غني. قوله: تصدق بضم أوله على البنا للمجهول. قوله: لك ~~الحمد أي لا لي، لان صدقتي وقعت في يد من لا يستحقها، فلك الحمد حيث كان ~~ذلك بإرادتك لا بإرادتي، قال الطيبي: # لما عزم أن يتصدق على مستحق فوضعها بيد سارق حمد الله على أنه لم يقدر له ~~أن يتصدق على من هو أسوأ حالا، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند ~~مشاهدة ما يتعجب منه تعظيما للتعالي، فلما تعجبوا من فعله تعجب هو أيضا ~~فقال: اللهم لك الحمد على سارق أي تصدقت عليه، فهو متعلق بمحذوف. قال ~~الحافظ: ولا يخفى بعد هذا الوجه. وأما الذي قبله فأبعد منه، والذي يظهر ~~الأول، ms1672 وأنه سلم وفوض ورضي بقضاء الله، فحمد الله سبحانه على تلك الحال، ~~لأنه المحمود على جميع الأحوال، لا يحمد على المكروه سواه. وقد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى ما لا يعجبه قال: الحمد لله على ~~كل حال. قوله: فأتي PageV04P218 # فقيل له في رواية الطبراني: فساءه ذلك فأتي في منامه. وكذلك أخرجه أبو ~~نعيم والإسماعيلي، وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره. ~~قال الكرماني. # قوله أتي أي أري في المنام، أو سمع هاتفا ملكا أو غيره، أو أخبره نبي، أو ~~أفتاه عالم. وقال غيره: أو أتاه ملك فكلمه، فقد كان الملائكة تكلم بعضهم في ~~بعض الأمور، وقد ظهر بما سلف أن الواقع هو الأول دون غيره. قوله: أما صدقتك ~~فقد قبلت في رواية للطبراني: إن الله قد قبل صدقتك في الحديث دلالة على أن ~~الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا. وفيه أن ~~نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع. واختلف الفقهاء ~~في الاجزاء إذا كانت ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة في الحديث على الاجزاء ~~ولا المنع، ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث بلفظ الاستفهام فقال: باب ~~إذا تصدق على غني وهو لا يعلم ولم يجزم بالحكم. قال في الصحيح: فإن قيل إن ~~الخبر إنما تضمن قصة خاصة وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة ~~اتفاقية فمن أين يقع تعميم الحكم؟ فالجواب أن التنصيص في هذا الخبر على ~~رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه ~~الأسباب، انتهى. # باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور وأنه إذا ظلم ~~بزيادة لم يحتسب به عن شئ عن أنس: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ قال: ~~نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها ~~على من بدلها مختصر لأحمد. ms1673 وقد احتج بعمومه من يرى المعجلة إلى الامام إذا ~~هلكت عنده من ضمان الفقراء دون الملاك. وعن ابن مسعود: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا ~~رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم ~~متفق عليه. وعن وائل بن حجر PageV04P219 # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجل يسأله فقال: أرأيت إن ~~كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم، فقال: اسمعوا وأطيعوا فإنما ~~عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم رواه مسلم والترمذي وصححه. # الحديث الأول أخرجه أيضا الحرث بن وهب، وأورد الحافظ في التلخيص وسكت ~~عنه. (وفي الباب) عن جابر بن عتيك مرفوعا عند أبي داود بلفظ: سيأتيكم ركب ~~مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا ~~فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وعن سعد بن أبي ~~وقاص عند الطبراني في الأوسط مرفوعا: ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس. وعن ابن ~~عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وأبي سعيد عند سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة: أن رجلا سألهم عن الدفع إلى السلطان فقالوا: ادفعها إلى السلطان. وفي ~~رواية: # أنه قال لهم: هذ السلطان يفعل ما ترون فأدفع إليه زكاتي؟ قالوا: نعم. ~~ورواه البيهقي عنهم وعن غيرهم أيضا. وروى ابن أبي شيبة من طريق قزعة قال: ~~قلت لابن عمران: لي مالا فإلى من أدفع زكاته؟ قال: ادفعها إلى هؤلاء القوم ~~يعني الامراء، قلت: إذا يتخذون بها ثيابا وطيبا، قال: وإن. وفي رواية أنه ~~قال: ادفعوا صدقة أموالكم إلى من ولاه الله أمركم، فمن بر فلنفسه، ومن أثم ~~فعليها. (وفي الباب) أيضا عند البيهقي عن أبي بكر الصديق والمغيرة بن شعبة ~~وعائشة، وأخرج البيهقي أيضا عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال: ادفعوها إليهم ~~وإن شربوا الخمور. وأخرج أيضا من حديث أبي هريرة: إذا أتاك المصدق فأعطه ~~صدقتك، فإن اعتدى عليك فوله ظهرك ولا تلعنه وقل: اللهم ms1674 إني أحتسب عندك ما ~~أخذ مني. قوله: أثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة هي اسم لاستئثار الرجل على ~~أصحابه. (والأحاديث) المذكور في الباب استدل بها الجمهور على جواز دفع ~~الزكاة إلى سلاطين الجور وإجزائها. وحكى المهدي في البحر عن العترة وأحد ~~قولي الشافعي أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الظلمة ولا يجزئ، واستدلوا بقوله ~~تعالى: * (لا ينال عهدي الظالمين) * (البقرة: 124) ويجاب بأن هذه الآية على ~~تسليم صحة الاستدلال بها على محل النزاع عمومها مخصص بالأحاديث المذكورة في ~~الباب. وقد زعم بعض المتأخرين أن الأدلة المذكورة لا تدل على مطلوب ~~المجوزين، لأنها في المصدق والنزاع في الوالي وهو غفلة عن حديث ابن مسعود ~~وحديث وائل بن حجر المذكورين في الباب. وقد حكي في التقرير عن أحمد بن عيسى ~~والباقر مثل قول الجمهور، وكذلك عن PageV04P220 # المنصور وأبي مضر. وقد استدل للمانعين أيضا بما رواه ابن أبي شيبة عن ~~خيثمة قال: # سألت ابن عمر عن الزكاة فقال: ادفعها إليهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: لا ~~تدفعها إليهم فإنهم قد أضاعوا الصلاة. وهذا مع كونه قول صحابي ولا حجة فيه ~~ضعيف الاسناد لأنه من رواية جابر الجعفي. ومن جملة ما احتج بصاحب البحر ~~للقائلين بالجواز بأنها لم تزل تؤخذ كذلك ولا تعاد، وبأن عليا لم يثن على ~~من أعطى الخوارج، وأجاب عن الأول بأنه ليس بإجماع، وعن الثاني بأن ذلك كان ~~لعذر أو مصلحة، إذ لا تصريح بالاجزاء، ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق ما ~~ذهب إليه الجمهور من الجواز والاجزاء. # وعن بشير بن الخصاصية قال: قلنا يا رسول الله إن قوما من أصحاب الصدقة ~~يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: لا رواه أبو ~~داود. # الحديث أخرجه أيضا عبد الرزاق وسكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده ~~ديسم السدوسي ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب مقبول. (وفي الباب) ~~عن جرير بن عبد الله وأبي هريرة عند البيهقي. (والحديث) استدل به على أنه ~~لا يجوز كتم شئ عن المصدقين وإن ms1675 ظلموا وتعدوا، وقد عورض ذلك بقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من سئل فوق ذلك فلا يعطه كما تقدم في حديث أنس الطويل الذي ~~رواه عن كتاب أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتقدم الجمع بين ~~هذا الحديث وبين ذلك هنالك. قال ابن رسلان: لعل المراد بالمنع من الكتم أن ~~ما أخذه الساعي ظلما يكون في ذمته لرب المال، فإن قدر المالك على استرجاعه ~~منه استرجعه وإلا استقر في ذمته. # باب أمر الساعي أن يعد الماشية حيث ترد الماء ولا يكلفهم حشدها إليه عن ~~عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: تؤخذ صدقات ~~المسلمين على مياهه رواه أحمد. وفي رواية لأحمد وأبي داود: لا جلب ولا جنب ~~ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم. PageV04P221 # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص وفي إسناده محمد بن ~~إسحاق وقد عنعن. (وفي الباب) عن عمران بن حصين عند أحمد وأبي داود والنسائي ~~والترمذي وابن حبان وصححاه بمثل حديث الباب. وعن أنس عند أحمد والبزار وابن ~~حبان وعبد الرزاق وأخرجه النسائي عنه من وجه آخر. # قوله: لا جلب بفتح الجيم واللام، ولا جنب بفتح الجيم والنون، قال ابن ~~إسحاق: معنى لا جلب أن تصدق الماشية في موضعها ولا تجلب إلى المصدق، ومعنى ~~لا جنب أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فيجنب إليه فنهوا عن ذلك، ~~وفسر مالك الجلب بأن تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشئ يستحث فيه ~~فيسبق، والجنب أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسا آخر حتى إذا دنا تحول ~~الراكب عن الفرس المجنوب فسبق. قال ابن الأثير: له تفسيران فذكرهما وتبعه ~~المنذري في حاشيته. (والحديث) يدل على أن المصدق هو الذي يأتي للصدقات ~~ويأخذها على مياه أهلها لأن ذلك أسهل لهم. # باب سمة الامام المواشي إذا تنوعت عنده عن أنس قال: غدوت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده ms1676 ~~الميسم يسم إبل الصدقة أخرجاه. # ولأحمد وابن ماجة: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسم غنما ~~في آذانها. وعن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر: إن في الظهر ناقة عمياء، ~~فقال: أمن نعم الصدقة أو من نعم الجزية؟ قال أسلم: من نعم الجزية وقال: إن ~~عليها ميسم الجزية رواه الشافعي. # قوله: الميسم بكسر الميم وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة، وأصله ~~موسم لأن فاءه واو، لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياء، وهي الحديدة ~~التي يوسم بها أي يعلم بها وهو نظير الخاتم. (وفيه دليل) على جواز وسم إبل ~~الصدقة، ويلحق بها غيرها من الانعام، والحكمة في ذلك تمييزها وليردها من ~~أخذها ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلا لئلا ~~يعود في صدقته، قال في الفتح: ولم أقف على تصريح بما كان مكتوبا على ميسم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن ابن الصباغ PageV04P222 # من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة زكاة أو ~~صدقة، وقد ذكره بعض الحنفية الوسم بالميسم لدخوله في عموم النهي عن المثلة، ~~وحديث الباب يخصص هذا العموم فهو حجة عليه. (وفي الحديث) اعتناء الامام ~~بأموال الصدقة وتوليها بنفسه، وجواز تأخير القسمة لأنها لو عجلت لاستغني عن ~~الوسم. قوله: إن عليها ميسم الجزية الخ، فيه دليل على أن وسم إبل الجزية ~~كان يفعل في أيام الصحابة كما كان يوسم إبل الصدقة. # أبواب الأصناف الثمانية باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة والغني ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس المسكين ~~الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي ~~يتعفف، اقرؤوا إن شئتم: لا يسألون الناس إلحافا وفي لفظ: ليس المسكين الذي ~~يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين ~~الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس متفق ~~عليهما. # قوله: ولا اللقمة واللقمتان في رواية للبخاري: الاكلة ms1677 والأكلتان. قوله: ~~يغنيه هذه صفة زائدة على الغنى المنهي إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن ~~يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شئ آخر، وكان المعنى نفي اليسار المقيد بأنه ~~يغنيه مع وجود أصل اليسار. (وفي الحديث) دليل على أن المسكين هو الجامع بين ~~عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغني من ~~عدم الحاجة، ومع هذا فهو مستعفف عن السؤال. (وقد استدل) به من يقول: إن ~~الفقير أسوأ حالا من المسكين، وإن المسكين الذي له شئ لكنه لا يكفيه، ~~والفقير الذي لا شئ له، ويؤيده قوله تعالى: * (أما السفينة فكانت لمساكين ~~يعملون في البحر) * (الكهف: 79) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون ~~فيها، وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور كما قال في الفتح، وذهب أبو حنيفة ~~والعترة إلى أن المسكين دون الفقير واستدلوا بقوله تعالى: * (أو مسكينا ذا ~~متربة) * (البلد: 16) قالوا: لأن المراد يلصق بالتراب للعري. وقال ابن ~~القاسم وأصحاب مالك: أنهما سواء. PageV04P223 # وروي عن أبي يوسف ورجحه الجلال قال: لأن المسكنة لازمة للفقير، إذ ليس ~~معناها الذل والهوان، فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر، بل ~~معناها العجز عن إدراك المطالب الدنيوية، والعاجز ساكن عن الانتهاض إلى ~~مطالبه انتهى. وقيل: الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل، حكاه ابن ~~بطال. وظاهره أيضا أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الالحاف في السؤال، لكن ~~قال ابن بطال بمعناه المسكين الكامل، وليس المراد نفي أصل المسكنة، بل هو ~~كقوله: أتدرون من المفلس الحديث. وقوله تعالى: # * (ليس البر) * (البقرة: 189) الآية، وكذا قرره القرطبي وغير واحد. (ومن ~~جملة) حجج القول الأول قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أحيني مسكينا ~~مع تعوذه من الفقر، والذي ينبغي أن يعول عليه أن يقال: المسكين من اجتمعت ~~له الأوصاف المذكورة في الحديث، والفقير من كان ضد الغني كما في الصحاح ~~والقاموس وغيرهما من كتب اللغة، وسيأتي تحقيق الغني، فيقال لمن عدم الغنى ~~فقير، ولمن عدمه مع التعفف عن ms1678 السؤال وعدم تفطن الناس له مسكين. وقيل: إن ~~الفقير من يجد القوت والمسكين من لا شئ له. وقيل: الفقير المحتاج، والمسكين ~~من أذلة الفقر، حكى هذين صاحب القاموس. # وعن أنس: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: المسألة لا تحل إلا ~~لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع وعن عبد رواه أحمد ~~وأبو داود. # وفيه تنبيه على أن الغارم لا يأخذ مع الغني الله بن عمرو قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي رواه ~~الخمسة إلا ابن ماجة والنسائي، لكنه لهما من حديث أبي هريرة ولأحمد ~~الحديثان. وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر ورآهما ~~جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي، وقال أحمد: هذا أجودها إسنادا. # حديث أنس أخرجه أيضا ابن ماجة والترمذي وحسنه وقال: لا نعرفه إلا من حديث ~~الأخضر بن عجلان انتهى. والأخضر بن عجلان قال يحيى بن معين: صالح. # وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وحديث عبد الله بن عمر وحسنه الترمذي ~~وذكر أن شعبة لم يرفعه وفي إسناده ريحان بن يزيد وثقه يحيى بن معين، وقال ~~أبو حاتم PageV04P224 # الرازي: شيخ مجهول، وقال بعضهم: لم يصح إسناد هذا الحديث وإنما هو موقوف ~~على عبد الله عمرو. وقال أبو داود: الأحاديث الاخر عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعضها لذي مرة سوي وبعضها لذي مرة قوي. وحديث عبيد الله بن عدي ~~بن الخيار أخرجه أيضا الدارقطني، وروي عن أحمد أنه قال: ما أجوده من حديث، ~~وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. # (وفي الباب) عن طلحة عند الدارقطني. وعن ابن عمر عند ابن عدي. وعن حبشي ~~بن جنادة عند الترمذي. وعن جابر عند الدارقطني. وعن أبي زميل عن ms1679 رجل من بني ~~هلال عند أحمد. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني. قوله: مدقع بضم ~~الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه ~~بالدقعاء وهي الأرض التي لا نبات بها. قوله: أو لذي غرم مفظع الغرم بضم ~~الغين المعجمة وسكون الراء هو ما يلزم أداؤه تكلفا لا في مقابلة عوض، ~~والمفظع بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة وهو ~~الشديد الشنيع الذي جاوز الحد. قوله: أو لذي دم موجع هو الذي يتحمل دية عن ~~قريبة أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، وإن لم يدفعها ~~قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه. (والحديث) يدل على جواز ~~المسألة لهؤلاء الثلاثة. قوله: لا تحل الصدقة لغني قد اختلفت المذاهب في ~~المقدار الذي يصير به الرجل غنيا، فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الغني من ~~ملك النصاب فيحرم عليه أخذ الزكاة، واحتجوا بما تقدم في حديث معاذ من قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم قالوا: فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغني ~~وقد قال: # لا تحل الصدقة لغني، وقال بعضهم: هو من وجد ما يغديه ويعشيه، حكاه ~~الخطابي، واستدل بما أخرجه أبو داود وابن حبان وصححه عن سهل بن الحنظلية ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما ~~يستكثر من النار، قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغذيه ويعشيه ~~وسيأتي. وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وجماعة من أهل العلم: هو من ~~كان عنده خمسون درهما أو قيمتها، واستدلوا بحديث ابن مسعود عند الترمذي ~~وغيره مرفوعا: من يسأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه ~~خموش، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو حسابها من الذهب ~~وسيأتي. وقال الشافعي وجماعة: إذا كان عنده خمسون درهما PageV04P225 # أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة. وروي عن الشافعي أن الرجل قد ~~يكون غنيا ms1680 بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. ~~وقال أبو عبيد ابن سلام: هو من وجد أربعين درهما، واستدل بحديث أبي سعيد ~~الآتي بلفظ: وله قيمة أوقية لأن الأربعين الدرهم قيمة الأوقية، وقيل: هو من ~~لا يكفيه غلة أرضه للسنة، حكاه في البحر عن أبي طالب والمرتضى. قوله: ولا ~~لذي مرة سوي المرة بكسر الميم وتشديد الراء قال الجوهري: المرة القوة وشدة ~~العقل، ورجل مرير أي قوي ذو مرة. وقال غيره: المرة القوة على الكسب والعمل، ~~وإطلاق المرة هنا وهي القوة مقيد بالحديث الذي بعده أعني قوله: ولا لقوي ~~مكتسب فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن ~~بها الكسب. وقوله: سوي أي مستوي الخلق قاله الجوهري، والمراد استواء ~~الأعضاء وسلامتها. قوله: # جلدين بإسكان اللام أي قويين شديدين. قال الجوهري: الجلد بفتح اللام هو ~~الصلابة والجلادة، تقول منه جلد الرجل بالضم فهو جلد يعني بإسكان اللام، ~~وجليد بين الجلد والجلادة. قوله: مكتسب أي يكتسب قدر كفايته، وفيه دليل على ~~أنه يستحب للامام أو المالك الوعظ والتحذير وتعريف الناس بأن الصدقة لا تحل ~~لغني ولا لذي قوة على الكسب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويكون ذلك برفق. # وعن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # للسائل حق وإن جاء على فرس رواه أحمد وأبو داود، وهو حجة في قبول قول ~~السائل من غير تحليف وإحسان الظن به. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي. وعن سهل بن الحنظلية: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم. قالوا: يا رسول الله وما ~~يغنيه؟ قال: ما يغذيه أو يعشيه رواه أحمد واحتج به، وأبو داود وقال: يغديه ~~ويعشيه. # وعن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن ms1681 بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سأل وله ما يغنيه ~~جاءت يوم القيامة خدوشا، أو كدوشا في وجهه، قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ ~~قال: خمسون درهما أو حسابها من الذهب رواه PageV04P226 # الخمسة وزاد أبو داود وابن ماجة والترمذي. فقال رجل لسفيان: إن شعبة لا ~~يحدث عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن ~~يزيد. # أما حديث الحسن بن علي فالذي وقفنا عليه في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب ~~أن الراوي للحديث الحسن بن علي. وفي سنن أبي داود وغيرها: أن الراوي للحديث ~~الحسين بن علي وهذا الحديث في إسناده يعلى بن أبي يحيى، سأل عنه أبو حاتم ~~الرازي فقال: مجهول. وقال أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن: قد روي من وجوه ~~صحاح حضور الحسين بن علي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعبه بين ~~يديه وتقبيله إياه، فأما الرواية التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فكلها مراسيل. وقال أبو القاسم البغوي في معجمه نحوا من ذلك. وقال أبو ~~عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء: # سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورآه ولم يكن بينه وبين أخيه ~~الحسن بن علي إلا ظهر واحد. وحديث أبي سعيد سكت عنه أبو داود والمنذري ~~ورجال إسناده ثقات، وعبد الرحمن بن محمد أبي الرجال المذكور في إسناده قد ~~وثقه أحمد والدارقطني وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما ~~أخطأ. وحديث سهل أخرجه ابن حبان وصححه. وحديث ابن مسعود حسنه الترمذي وقال: ~~وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. قوله: وإن جاء على فرس ~~فيه الامر بحسن الظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال فلا يقابله بسوء ~~الظن به واحتقاره، بل يكرمه بإظهار السرور له ويقدر أن الفرس التي تحته ~~عارية أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغني، كمن ms1682 تحمل حمالة أو غرم غرما ~~لاصلاح ذا ت البين. قوله: وله قيمة أوقية قال أبو داود: زاد هشام في ~~روايته: وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين ~~درهما. قوله: فقد ألحف قال الواحدي: الالحاف في اللغة هو الالحاح في ~~المسألة. قال أبو الأسود الدؤلي: ليس للسائل الملحف مثل الرد. قال الزجاج: ~~معنى ألحف شمل بالمسألة، والالحاف في المسألة هو أن يشتمل على وجوه الطلب ~~بالمسألة كاشتمال اللحاف في التغطية. وقال غيره: معنى الالحاف في المسألة ~~مأخوذ من قولهم: # ألحف الرجل إذا مشى في لحف الجبل وهو أصله، كأنه استعمل الخشونة في ~~الطلب. # قوله: فإنما يستكثر أي يطلب الكثرة. قوله: ما يغديه بفتح الغين المعجمة ~~وتشديد الدال المهملة أي من الطعام بحيث يشبعه. قوله: ويعشيه بفتح العين ~~أيضا. فعلى رواية PageV04P227 # التخيير يكون المعنى: أن الانسان إذا حصل له أكلة في النهار غداء أو عشاء ~~كفته واستغنى بها. وعلى رواية الجمع يكون المعنى: أنه إذا حصل له في يومه ~~أكلتان كفتاه. قوله: # خدوشا بضم الخاء المعجمة جمع خدش وهو خمش الوجه بظفر أو حديدة أو نحوهما. ~~قوله: # أو كدوشا بضم الكاف والدال المهملة وبعد الواو شين معجمة جمع كدش وهو ~~الخدش. قوله: أو حسابها من الذهب هذه رواية أحمد، ورواية أبي داود: أو ~~قيمتها من الذهب. وهذه الأحاديث الثلاثة قد استدل بكل واحد منها طائفة من ~~المختلفين في حد الغنى، وقد تقدم بيان ذلك، ويجمع بينها بأن القدر الذي ~~يحرم السؤال عنده هو أكثرها وهي الخمسون عملا بالزيادة. # وعن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن المسألة كد يكد ~~بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه رواه أبو ~~داود والنسائي والترمذي وصححه. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه ويستغني ~~به عن الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ms1683 متفق عليه. وعنه أيضا عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل ~~جمرا فليستقل أو ليستكثر رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. # قوله: كد هذا لفظ الترمذي وابن حبان في صحيحه. ولفظ أبي داود: كدوح وهي ~~آثار الخموش. قوله: إلا أن يسأل الرجل سلطانا فيه دليل على جواز سؤال ~~السلطان من الزكاة أو الخمس أو بيت المال أو نحو ذلك، فيخص به عموم أدلة ~~تحريم السؤال. قوله: # أو في أمر لا بد منه فيه دليل على جواز المسألة عند الضرورة والحاجة التي ~~لا بد عندها من السؤال، نسأل الله السلامة. قوله: وعن أبي هريرة الخ، فيه ~~الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب ~~الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك ~~عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، ~~ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل. وأما قوله: خير ~~له فليست بمعنى أفعل التفضيل، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، ~~والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، ويحتمل أن يكون المراد ~~بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسمية الذي يعطاه خيرا PageV04P228 # وهو في الحقيقة شر. قوله: تكثرا فيه دليل على أن سؤال التكثر محرم، وهو ~~السؤال لقصد الجمع من غير حاجة. قوله: فإنما يسأل جمرا الخ، قال القاضي ~~عياض معناه أنه يعاقب بالنار، قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي ~~يأخذه يصير جمرا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة. # وعن خالد بن عدي الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: من بلغه معروف عن أخيه عن غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده ~~فإنما هو رزق ساقه الله إليه رواه أحمد. وعن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه ms1684 من هو ~~أفقر إليه مني، فقال: # خذه إذا جاءك من هذا المال شئ وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وملأ فلا ~~تتبعه نفسك متفق عليه. # حديث خالد بن عدي أخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الكبير. قال في مجمع ~~الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح. قوله: ولا إشراف نفس الاشراف بالمعجمة ~~التعرض للشئ والحرص عليه من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول، وقيل للمكان ~~المرتفع مشرف لذلك. قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب. # وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلى ~~فلان بكذا. وقال الأثرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك. قوله: يعطيني ~~سيأتي ما يدل على أن عطية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بسبب العمالة ~~كما في حديث ابن السعدي، ولهذا قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في ~~الصدقات وإنما هو في الأموال، وليست هي من جهة الفقر ولكن شئ من الحقوق، ~~فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى ~~غير الفقر، قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب: خذه فتموله فدل على أنه ليس من ~~الصدقات. (واختلف العلماء) فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب؟ على ثلاثة ~~مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بعد إجماعهم على أنه مندوب. قال ~~النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب في غير عطية السلطان، ~~وأما عطية السلطان يعني الجائر فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم، ~~والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا ~~يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح PageV04P229 # إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الاخذ. وقالت طائفة: الاخذ ~~واجب من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. ~~وحديث خالد بن عدي يرده. قال الحافظ: ويؤيده حديث سمرة في السنن إلا أن ~~يسأل ذا سلطان، قال: والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله ms1685 حلالا فلا ترد ~~عطيته، ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو ~~الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل انتهى. قال ابن المنذر: واحتج من رخص بأن الله ~~تعالى قال في اليهود: * (سماعون للكذب أكالون للسحت) * (المائدة: 42) وقد ~~رهن الشارع صلى الله عليه وآله وسلم درعه عند يهودي مع علمه بذلك. وكذا أخذ ~~الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات ~~الفاسدة. قال الحافظ: وفي حديث الباب أن للامام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى ~~لذلك وجها وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن رد عطية الامام ليس من الأدب، ~~ولا سيما من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: * (وما آتاكم ~~الرسول فخذوه) * (الحشر: 7). قوله: من هو أفقر إليه مني ظاهره أن عمر لم ~~يكن غنيا، لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى ~~المال، ولكن ظاهر أمره صلى الله عليه وآله وسلم له بالأخذ إذا لم يكن ~~مستشرفا ولا سائلا أنه لا فرق بين كونه غنيا أو فقيرا، وهكذا في قبول المال ~~من غير السلطان، لا فرق فيه بين الغني والفقير على ظاهر حديث خالد بن عدي، ~~وسيكرر المصنف حديث خالد بن عدي هذا في كتاب الهبة، ونذكر بقية الكلام عليه ~~هنالك إن شاء الله تعالى باب العاملين عليها عن بسر بن سعيد أن ابن السعدي ~~المالكي قال: استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي ~~بعمالة فقلت: إنما عملت لله، فقال: خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فعملني فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق متفق عليه. # قوله: أن ابن السعدي هو أبو محمد عبد الله بن وقدان بن عبد الله بن عبد ~~شمس PageV04P230 # بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب. وإنما قيل ms1686 له ~~السعدي لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر بن هوزان، وقد صحب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قديما وقال: وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. والمالكي نسبه إلى مالك بن حنبل. قوله: ~~بعمالة قال الجوهري: العمالة بالضم رزق العامل على عمله. قوله: فعملني ~~بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عمل وجعل لي عمالة. قوله: من غير أن تسأل فيه ~~دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة. (وفي الحديث) دليل على ~~أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة، كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب ~~في ذلك، وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياس قواعد الشرع أن المأخوذ في ~~مقابلته أجرة، ولهذا قال أصحاب الشافعي تبعا له: إنه يستحق أجرة المثل. ~~(وفيه) أيضا دليل على أن من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك، ولهذا ~~قال المصنف رحمه الله: # وفيه دليل على أن نصيب العامل يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطا ~~انتهى. # وعن المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب: أنه والفضل بن عباس انطلقا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول ~~الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي ~~إليك ما يؤدي الناس، فقال: إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي ~~أوساخ الناس مختصر لأحمد ومسلم. وفي لفظ لهما: لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. # قوله: أوساخ الناس هذا بيان لعلة التحريم والارشاد إلى تنزه الآل عن أكل ~~الأوساخ، وإنما سميت أوساخا لأنها تطهرة لأموال الناس ونفوسهم كما قال ~~تعالى: * (تطهرهم وتزكيهم بها) * (التوبة: 103) فذلك من التشبيه، وفيه ~~إشارة إلى أن المحرم على الآل إنما هو الصدقة الواجبة التي يحصل بها تطهير ~~المال. وأما صدقة التطوع فنقل الخطابي وغيره الاجماع على أنها محرمة على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وللشافعي قول ms1687 إنها تحل، وتحل للآل على قول ~~الأكثر، وللشافعي قول بالتحريم، وسيأتي الكلام في تحريم الصدقة الواجبة على ~~بني هاشم. وظاهر هذا الحديث أنها لا تحل لهم، ولو كان أخذهم لها من باب ~~العمالة، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة والناصر: العمالة معاوضة ~~بمنفعة والمنافع مال، فهي كما لو اشتراها بماله، وهذا قياس فاسد الاعتبار ~~لمصادمته للنص. قال النووي: وهذا PageV04P231 # ضعيف أو باطل، وهذا الحديث صريح في رده. قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ~~أن ساق هذا الحديث ما لفظه: وهو يمنع جعل العامل من ذوي القربى انتهى. ~~وتعقب بأن الحديث إنما يمنع دخول ذوي القربى في سهم العامل، ولا يمنع من ~~جعلهم عمالا عليها ويعطون من غيرها فإنه جائز بالاجماع، وقد استعمل علي ~~عليه السلام بني العباس رضي الله عنه. # وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الخازن ~~المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه حتى يدفعه إلى ~~الذي أمر له به أحد المتصدقين متفق عليه. # قوله: طيبة به نفسه هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة ~~للخازن، فإنه إذا لم يكن مسلما لم تصح منه نية التقرب، وإن لم يكن أمينا ~~كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟ وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة ~~لم يكن له نية فلا يؤجر. قوله: أحد المتصدقين قال القرطبي: لم نروه إلا ~~بالتثنية، ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق، وصاحب المال متصدق آخر، فهما ~~متصدقان، قال: # ويصح أن يقال على الجمع فتكسر القاف ويكون معناه أنه متصدق من جملة ~~المتصدقين. # (والحديث) يدل على أن المشاركة في الطاعة توجب المشاركة في الاجر، ومعنى ~~المشاركة أن له أجرا كما أن لصاحبه أجرا، وليس معنا أنه يزاحمه في أجره، بل ~~المراد المشاركة في الطاعة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب، وإن ~~كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب ~~هذا أكثر، وقد ms1688 يكون عكسه، فإذا أعطى المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ~~ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة ~~أو رغيفا أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة ~~بعيدة بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها. فأجر الخازن ~~أكثر. وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الاجر سواء. قال ابن رسلان: ~~ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل على عياله من وكيل وعبد وامرأة وغلام، ومن ~~يقوم على طعام الضيفان. # وعن بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من استعملناه على عمل ~~فرزقناه رزقا فما أخذ بعد فهو غلول رواه أبو داود. PageV04P232 # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات. وفيه دليل على أنه ~~لا يحل للعامل زيادة على ما فرض له من استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو من ~~الغلول، وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل، ~~ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمل للعامل تؤخذ على حسب ~~العمل، فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه، وقيل: يأخذ ويكون من باب الصرف. (وفي ~~الحديث) أيضا دليل على أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه من تحت يده، ولهذا قال ~~المصنف رحمه الله تعالى: وفيه تنبيه على جواز أن يأخذ العامل حقه من تحت ~~يده فيقبض من نفسه لنفسه انتهى. # باب المؤلفة قلوبهم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ~~يسأل شيئا على الاسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير ~~بين جبلين من شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن ~~محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن عمرو بن ~~تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى بمال أو سبي فقسمه فأعطى ~~رجالا وترك رجالا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل ms1689 وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي ~~أعطي، ولكني أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما ~~إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب فوالله ما أحب أن ~~لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمر النعم رواه أحمد والبخاري. # الحديثان يدلان على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من سأل الله عز وجل، ~~وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها إعطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم أبا ~~سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعباس بن ~~مرداس، كل إنسان منهم مائة من الإبل. وروي أيضا أنه أعطى علقمة بن علاثة ~~مائة، ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء ~~والإبل، وتذهبون PageV04P233 # برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رحالكم، ثم قال لما بلغه أنهم ~~قالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا: إنما فعلت ذلك لا تألفهم كما في صحيح مسلم. ~~وقد ذهب إلى جواز التأليف العترة والجبائي والبلخي وابن مبشر. وقال ~~الشافعي: لا نتألف كافرا، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه، قد سقط بانتشار الاسلام وغلبته، واستدلوا على ذلك بامتناع ~~أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس، والظاهر جواز ~~التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الامام قوم لا يطيعونه إلا ~~للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم، ولا ~~يكون لفشو الاسلام تأثير، لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة، وقد عد ابن ~~الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفسا. # باب قول الله تعالى وفي الرقاب وهو يشمل بعمومه المكاتب وغيره. وقال ابن ~~عباس: لا بأس أن معتق من زكاة ماله ذكره عنه أحمد والبخاري. وعن البراء بن ~~عازب قال: # جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دلني على عمل يقربني ~~إلى الجنة ويبعدني من النار، فقال: أعتق النسمة ms1690 وفك الرقبة، قال: يا رسول ~~الله أو ليسا واحدا؟ قال: لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن ~~تعين في ثمنها رواه أحمد والدارقطني. وعن أبي هريرة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاثة كلهم حق على الله عونه: ~~الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح المتعفف رواه ~~الخمسة إلا أبا داود. # حديث البراء بن عازب قال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات، وحديث أبي هريرة ~~قال الترمذي: حسن صحيح. قوله: المكاتب وغيره قد اختلف العلماء في المراد ~~بقوله تعالى: * (وفي الرقاب) * (التوبة: 60) فروي عن علي بن أبي طالب وسعيد ~~بن جبير والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية وأكثر أهل العلم أن ~~المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة. وروي عن ابن عباس ~~والحسن البصري ومالك وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وإليه مال البخاري ~~وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشتري رقاب لتعتق، واحتجوا بأنها لو اختصت ~~بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم، وبأن PageV04P234 # شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق، لأن ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولان الشراء يتيسر في كل وقت بخلا ف ~~الكتابة. وقال الزهري: # إنه يجمع بين الامرين، وإليه أشار المصنف وهو الظاهر لأن الآية تحتمل ~~الامرين، وحديث البراء المذكور فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى ~~أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقربة من الجنة ~~والمبعدة من النار. قوله: حق على الله فيه دليل على أن الله يتولى إعانة ~~هؤلاء الثلاثة ويتفضل عليهم بأن لا يحوجهم، لكن بشرط أن يكون الغازي غازيا ~~في سبيل الله، والمكاتب مريدا للأداء، والناكح متعففا. وقد اختلف في ~~المكاتب إذا كان فاسقا هل يعان على الكتابة أم لا؟ فذهبت الهادوية إلى أنه ~~لا يعان، قالوا: لأنه لا قربة في إعانته. وقال الشافعي والامام يحيى ~~والمؤيد بالله: إنه يعان وهو الظاهر. # باب الغارمين عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ms1691 إن المسألة ~~لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع رواه ~~أحمد وأبو داود. وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة ~~فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة: رجل ~~تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ~~ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل ~~أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة ~~فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من ~~المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو ~~داود. # حديث أنس قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة وتقدم ~~الكلام عليه هنالك. قوله: حمالة بفتح الحاء المهملة وهو ما يتحمله الانسان ~~ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين، وإنما تحل له ~~المسألة بسببه، ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين PageV04P235 # لغير معصية، وإلى هذا ذهب الحسن البصري والباقر والهادي وأبو العباس وأبو ~~طالب. # وروي عن الفقهاء الأربعة والمؤيد بالله أنه يعان، لأن الآية لم تفصل، ~~وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين فتنة، وقد كانت العرب إذا وقعت ~~بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك ~~والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق، ~~وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ~~ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصا في قدره بل فخرا. # قوله: فنأمر لك بنصب الراء. قوله: رجل يجوز فيه الجر على البدل، والرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: جائحة هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافا ~~ظاهرا كالسيل والحريق. قوله: قواما بكسر القاف ms1692 وهو ما تقوم به حاجته ~~ويستغني به وهو بفتح القاف الاعتدال. قوله: سدادا هو بكسر السين ما تسد به ~~الحاجة والخلل. وأما السداد بالفتح فقال الأزهري: هو الإصابة في النطق ~~والتدبير والرأي، ومنه سداد من عوز. قوله: من ذوي الحجا بكسر الحاء المهملة ~~مقصور العقل، وإنما جعل العقل معتبرا لأن من لا عقل له لا تحصل الثقة ~~بقوله، وإنما قال من قومه لأنهم أخبر بحاله وأعلم بباطن أمره، والمال مما ~~يخفى في العادة ولا يعلمه إلا من كان خبيرا بحاله، وظاهره اعتبار شهادة ~~ثلاثة على الاعسار، وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي. وقال ~~الجمهور: تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على ~~الاستحباب. قوله: فاقة قال الجوهري: الفاقة الفقر والحاجة. قوله: # فسحت بضم السين وسكون الحاء المهملتين، وروي بضم الحاء وهو الحرام، وسمي ~~سحتا لأنه يسحت أي يمحق. وهذا الحديث مخصص بما في حديث سمرة من جواز سؤال ~~الرجل للسلطان، وفي الامر الذي لا بد منه، فيزادان على هذه الثلاثة ويكون ~~الجميع خمسة. # باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، ~~أو جار فقير يتصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك رواه أبو داود. وفي لفظ: لا تحل ~~الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، PageV04P236 # أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه ~~بها فأهدى منها لغني رواه أبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا أحمد ومالك في الموطأ، والبزار وعبد بن حميد وأبو يعلى ~~والبيهقي والحاكم وصححه، وقد أعل بالارسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد، ~~والرفع زيادة يتعين الاخذ بها. قوله: لغني قد قدمنا الكلام عليه في باب ما ~~جاء في الفقير والمسكين. قوله: إلا في سبيل الله أي للغازي في ms1693 سبيل الله ~~كما في الرواية الآخرة. # قوله: أو ابن السبيل قال المفسرون: هو المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة، ~~وإن كان غنيا في بلده. وقال مجاهد: هو الذي قطع عليه الطريق. وقال الشافعي: ~~ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ ~~مقصده إلا بمعونة. قوله: # لعامل عليها قال ابن عباس: ويدخل في العامل الساعي والكاتب والقاسم ~~والحاشر الذي يجمع الأموال، وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم ~~عمال، لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له، أو ظاهر هذا أنه يجوز الصرف من ~~الزكاة إلى العامل عليها، سواء كان هاشميا ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ~~ربيعة المتقدم، أو غير هاشمي فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل ~~الهاشمي، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي في باب تحريم الصدقة في بني هاشم، فإن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم. قوله: أو رجل ~~اشتراها بماله فيه أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها، ويجوز لآخذها بيعها، ~~ولا كراهة في ذلك. (وفيه دليل) على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ ~~تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها. # قوله: أو غارم وهو من غرم لا لنفسه بل لغيره: كإصلاح ذات البين بأن يخاف ~~وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين، فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالا ~~لتسكين الثائرة، فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيا. قال المصنف ~~رحمه الله تعالى: ويحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لاصلاح ذات البين كما ~~في حديث قبيصة لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس: أو ذي غرم مفظع انتهى. # قوله: فأهدى منها لغني فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضا ~~منها إلى الأغنياء، لأن صفة الزكاة قد زالت عنها، وفيه أيضا دليل على جواز ~~قبول هدية PageV04P237 # الفقير للغني. (وفي هذا الحديث) دليل على أنها لا تحل ms1694 الصدقة لغير هؤلاء ~~الخمسة من الأغنياء، وما ورد بدليل خاص كان مخصصا لهذا العموم، كحديث عمر ~~المتقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين. # وعن ابن لاس الخزاعي قال: حملنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إبل ~~من الصدقة إلى الحج رواه أحمد وذكره البخاري تعليقا. وعن أم معقل الأسدية: ~~أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت العمر فسألت زوجها البكر فأبى، ~~فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له فأمره أن يعطيها، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحج والعمرة في سبيل الله رواه أحمد. # وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل، قالت: لما حج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل ~~الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ~~فرغ من حجته جئته فقال: يا أم معقل ما منعك أن تخرجي؟ قالت: لقد تهيأنا ~~فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل ~~الله، قال: فهلا خرجت عليه؟ فإن الحج من سبيل الله رواه أبو داود. # حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه، وحديث أم معقل أخرجه بنحو الرواية ~~الأولى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وفي إسناده رجل مجهول، وفي ~~إسناده أيضا إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، وقد تكلم فيه غير ~~واحد، وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه، فروي عنه عن رسول مروان ~~الذي أرسله إلى أم معقل عنها. وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة، وروي عنه عن ~~أبي معقل. # والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود في إسنادها محمد بن إسحاق وفيه ~~مقال معروف. # قوله: ابن لاس هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة بلفظ ابن، والذي في البخاري ~~أبي لاس، وكذا في التقريب من ترجمة عبد الله بن عنمة، ولاس بسين مهملة ~~خزاعي اختلف في اسمه، فقيل زياد، وقيل عبد ms1695 الله بن عنمة بمهملة ونون ~~مفتوحتين، وقيل غير ذلك، له صحبة وحديثان هذا أحدهما، وقد وصله مع أحمد بن ~~خزيمة والحاكم وغيرهما من طريقه. قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ~~ابن إسحاق، لهذا توقف ابن المنذر في ثبوته. (وأحاديث الباب) تدل على أن ~~الحج والعمر من سبيل الله، وأن PageV04P238 # من جعل شيئا من ماله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين، وإذا كان ~~شيئا مركوبا جاز حمل الحاج والمعتمر عليه، وتدل أيضا على أنه يجوز صرف شئ ~~من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحج والعمر. # باب ما يذكر في استيعاب الأصناف عن زياد بن الحرث الصدائي قال: أتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ~~ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك رواه أبو داود. ويروى أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لسلمة بن صخر: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق ~~فقل له فليدفعها إليك. # حديث زياد بن الحرث الصدائي في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ~~الإفريقي وقد تكلم فيه غير واحد. وحديث سلمة بن صخر له طرق وروايات يأتي ~~ذكر بعضها في الصيام وهذه إحداها. وقد أخرجها بهذا اللفظ أحمد في مسنده ~~بإسناد فيه محمد بن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، ومع هذا فهذه الرواية تعارض ~~ما سيأتي من الروايات الصحيحة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعانه ~~بعرق من تمر من طريق جماعة من الصحابة، وإنما أورد المصنف هذه الرواية ههنا ~~للاستدلال بها على أن الصرف فيمن لزمته كفارة من الزكاة جائز. قوله: فجزأها ~~بتشديد الزاي، وهذا الحديث مع الآية يرد على المزني وأبي حفص بن الوكيل من ~~أصحاب الشافعي حيث قالا: إنه لا يصرف خمس الزكاة إلى من يصرف إليه خمس الفئ ~~والغنيمة، ويرد أيضا على أبي ms1696 حنيفة والثوري والحسن البصري حيث قالوا: يجوز ~~صرفها إلى بعض الأصناف الثمانية، حتى قال أبو حنيفة: يجوز صرفها إلى ~~الواحد، وعلى مالك حيث قال: يدفعها إلى أكثرهم حاجة، أي لأن كل الأصناف ~~يدفع إليهم للحاجة، فواجب اعتبار أمسهم حاجة. PageV04P239 # باب تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم دون موالي أزواجهم عن أبي هريرة ~~قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ متفق ~~عليه. ولمسلم إنا لا تحل لنا الصدقة. # قوله: فجعلها في فيه زاد في رواية: فلم يفطن له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى قام ولعابه يسيل فضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم شدقيه. قوله: # كخ كخ بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلا ومخففا، وبكسرها منونة وغير ~~منونة فيخرج من ذلك ست لغات، والثانية تأكيد للأولى وهي كلمة تقال لردع ~~الصبي عند مناولة ما يستقذر، قيل: إنها عربية، وقيل: أعجمية، وزعم الداودي ~~أنها معربة، وقد أوردها البخاري في باب من تكلم بالفارسية. قوله: ارم بها ~~في رواية لأحمد: # ألقها يا بني وكأنه كلمه أولا بهذا، فلما تمادى قال له: كخ كخ إشارة إلى ~~استقذار ذلك، ويحتمل العكس. قوله: لا تحل لنا الصدقة وفي رواية: لا تحل لآل ~~محمد الصدقة وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه. قال ~~الحافظ: وإسناده قوي. وللطبراني والطحاوي من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه. ~~(والحديث يدل) على تحريم الصدقة عليه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله، ~~واختلف ما المراد بالآل هنا فقال الشافعي وجماعة من العلماء: أنهم بنو هاشم ~~وبنو المطلب، واستدل الشافعي على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى، ولم يعط أحدا من قبائل ~~قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة، كما أخرج ~~البخاري من حديث جبير بن مطعم قال: مشيت ms1697 أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر ~~وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إنما بنو المطلب وبنو هاشم شئ واحد. وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك ~~لمولاتهم لا عوضا عن الصدقة. وقال أبو حنيفة ومالك والهادوية: هم بنو هاشم ~~فقط. PageV04P240 # وعن أحمد في بني المطلب روايتان. وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن ~~فهر قولان: # فعن أصبغ منهم هم بنو قصي، وعن غيره بنو غالب بن فهر، كذا في الفتح. ~~والمراد ببني هاشم آل علي، وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحرث، ولم ~~يدخل في ذلك آل أبي لهب لما قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ويرده ما في جامع الأصول أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب ~~عام الفتح، وسر صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامهما ودعا لهما وشهدا معه ~~حنينا والطائف، ولهما عقب عند أهل النسب. قال ابن قدامة: لا يعلم خلافا في ~~أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت، ~~حكي ذلك عنه في البحر، وكذا حكى الاجماع ابن رسلان، وقد نقل الطبري الجواز ~~عن أبي حنيفة وقيل عنه: تجوز لهم إذ حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي ~~ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم، قال في الفتح: وهو وجه لبعض الشافعية. ~~وحكي فيه أيضا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا مع غيرهم، وحكاه في ~~البحر عن زيد بن علي والمرتضى وأبي العباس والامامية. وحكاه في الشفاء عن ~~ابني الهادي والقاسم العياني. قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة ~~أقوال مشهورة: # الجواز. المنع. جواز التطوع دون الفرض عكسه. والأحاديث الدالة على ~~التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة توترا معنويا، ~~ويؤيد ذلك قوله تعالى: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * ~~(الشورى: ms1698 23) وقوله: * (قل ما أسألكم عليه من أجر) * (الفرقان: 57) ولو ~~أحلها لا آله أو شك أن يطعنوا فيه. ولقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها) * (التوبة: 103) وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أن ~~الصدقة أوساخ الناس كما رواه مسلم. وأما ما استدل به القائلون بحلها ~~للهاشمي من الهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع ~~والثلاثين من علوم الحديث بإسناد كله من بني هاشم: أن العباس بن عبد المطلب ~~قال قلت: يا رسول الله إنك حرمت علينا صدقات الناس هل تحل لنا صدقات بعضنا ~~لبعض؟ قال: نعم فهذا الحديث قد اتهم به بعض رواته، وقد أطال صاحب الميزان ~~الكلام على ذلك، فليس بصالح لتخصيص تلك العمومات الصحيحة. وأما قول العلامة ~~محمد بن إبراهيم الوزير بعد أن ساق الحديث ما لفظه: وأحسب له متابعا لشهرة ~~القول به قال: والقول به قول جماعة وافرة من أئمة العترة وأولادهم ~~وأتباعهم، بل ادعى بعضهم أنه إجماعهم، ولعل توارث هذا بينهم يقوي الحديث ~~انتهى. فكلام PageV04P241 # ليس على قانون الاستدلال، لأن مجرد الحسبان أن له متابعا وذهاب جماعة من ~~أهل البيت إليه لا يدل على صحته، وأما دعوى أنهم أجمعوا عليه فباطل باطل، ~~ومطولات مؤلفاتهم ومختصراتها شاهدة لذلك. وأما قول الأمير في المنحة: أنها ~~سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده وما عضده من دعوى الاجماع فقد ~~عرفت بطلان دعوى الاجماع، وكيف يصح إجماع لأهل البيت والقاسم والهادي ~~والناصر والمؤيد بالله وجماعة من أكابرهم بل جمهورهم خارجون عنه. وأما مجرد ~~وجدان السند للحديث بدون كشف عنه فليس مما يوجب سكون النفس. (والحاصل) أن ~~تحريم الزكاة على بني هاشم معلوم من غير فرق بين أن يكون المزكي هاشميا أو ~~غيره، فلا ينفق من المعاذير عن هذا المحرم المعلوم إلا ما صح عن الشارع لا ~~ما لفقه الواقعون في هذه الورطة من الاعذار الواهية التي لا تخلص ولا ما لم ~~يصح من الأحاديث المروية في التخصيص، ولكثرة أكلة الزكاة من آل هاشم في ms1699 ~~بلاد اليمن خصوصا أرباب الرياسة، قام بعض العلماء منهم في الذب عنهم وتحليل ~~ما حرم الله عليهم مقاما لا يرضاه الله ولا نقاد العلماء، فألف في ذلك ~~رسالة هي في الحقيقة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاء لم يجده ~~شيئا وصار يتسلى بها أرباب النباهة منهم. وقد يتعلل بعضهم بما قاله البعض ~~منهم أن أرض اليمن خراجية، وهو لا يشعر أن هذه المقالة مع كونها من أبطل ~~الباطلات ليست مما يجوز التقليد فيه على مقتضى أصولهم، فالله المستعان ما ~~أسرع الناس إلى متابعة الهوى، وإن خالف ما هو معلوم من الشريعة المطهرة. ~~(واعلم) أن ظاهر قوله: لا تحل لنا الصدقة عدم حل صدقة الفرض والتطوع، وقد ~~نقل جماعة منهم الخطابي الاجماع على تحريمها عليه صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولا. وكذا في رواية عن ~~أحمد. # وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة، وأما آل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عن الشافعية والحنابلة ~~وكثير من الزيدية أنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم ~~عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع، وقال في البحر: ~~إنه خصص صدقة التطوع القياس على الهبة والهدية والوقف. وقال أبو يوسف وأبو ~~العباس: إنها تحرم PageV04P242 # عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل. # وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بعث رجلا من مخزوم ~~على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، قال: لا حتى آتي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسأله، وانطلق فسأله فقال: إن الصدقة لا تحل ~~لنا وإن موالي القوم من أنفسهم رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه. (وفي الباب) عن ابن عباس ~~عند الطبراني. قوله: من أنفسهم بضم الفاء ولفظ الترمذي مولى القوم منهم أي ~~حكمه كحكمهم. (الحديث) يدل ms1700 على تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وتحريمها على آله، وقد تقدم الكلام على ذلك. ويدل على تحريمها على ~~موالي آل بني هاشم، ولو كان الاخذ على جهة العمالة وقد سلف ما فيه. قال ~~الشافعي: حرم على مواليه من الصدقة ما حرم على نفسه، وبه قال أبو حنيفة، ~~وهو مروي أيضا عن الناصر والشافعي وأصحابه، وإليه ذهب المؤيد بالله وأبو ~~طالب، وهو مروي عن الناصر وابن الماجشون. # وقال مالك ويحيى وهو مروي أيضا عن الناصر والشافعي في قول له إنها تحل ~~لهم، قال في البحر: لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف، قلنا: جزم الخبر ~~بدفع ذلك انتهى. # ونصب هذه العلة في مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها ~~المتيقظ. # وعن أم عطية قالت: بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشاة من ~~الصدقة فبعثت إلى عائشة منها بشئ، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: هل عندكم من شئ؟ فقالت: لا إلا أن نسيبة بعثت إلينا من الشاة ~~التي بعثتم بها إليها، فقال: إنها قد بلغت محلها متفق عليه. وعن جويرة بنت ~~الحرث: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها فقال: هل من طعام؟ ~~فقالت: لا والله ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطيتها مولاتي من الصدقة، ~~فقال: قدميها فقد بلغت محلها رواه أحمد ومسلم. # قوله: هل عندكم من شئ أي من الطعام. قوله: نسيبة قال في الفتح بالنون ~~والمهملة والموحد مصغرا اسم أم عطية انتهى. وأما نسيبة بفتح النون وكسر ~~السين فهي أم عمارة. قوله: بلغت محلها قوله أي أنها لما تصرفت فيها بالهدية ~~لصحة ملكها لها، PageV04P243 # انتقلت عن حكم الصدقة فحلت محل الهدية، وكانت تحل لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بخلاف الصدقة كما تقدم، كذا قال ابن بطال. قال في الفتح: ~~وضبط بعضهم بكسرها من الحلول أي بلغت مستقرها، والأول أولى انتهى. ~~(والحديث) يدل على أن موالي أزواج بني هاشم ليس حكمهم ms1701 كحكم موالي بني هاشم ~~فتحل لهم الصدقة وقد نقل ابن بطال اتفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ~~ذلك وفيه نظر، لان ابن قدامة ذكر أن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن ~~عائشة أنها قالت: # إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة قال: وهذا يدل على تحريمها. قال الحافظ: ~~وإسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا، وهذا لا يقدح فيما نقله ~~ابن بطال، وذكر ابن المنير أنها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولا واحدا. ~~(ولا يقال) إن قول البعض بدخولهن في الآل يستلزم تحريم الصدقة عليهن فإن ~~ذلك غير لازم. (وفي الحديثين) أيضا دليل على أنه يجوز لمن تحرم عليه الصدقة ~~الاكل منها بعد مصيرها إلى المصرف وانتقالها عنه بهبة أو هدية أو نحوها. ~~وفي الباب عن عائشة عند البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أتي بلحم فقالت له: هذا ما تصدق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا ~~هدية. # باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به عن عمر بن الخطاب قال: حملت على فرس ~~في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، ~~فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك، وإن ~~أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه متفق عليه. وعن ابن عمر: ~~أن عمر حمل على فرس في سبيل الله وفي لفظ: تصدق بفرس في سبيل الله ثم رآها ~~تباع فأراد أن يشتريها فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا تعد في ~~صدقتك يا عمر رواه الجماعة، زاد البخاري: فبذلك كان ابن عمر لا يترك أن ~~يبتاع شيئا تصدق به إلا جعله صدقة. # قوله: عن عمر هذا يقتضي أن الحديث من مسند عمر، والرواية الأخرى تقتضي ~~أنه من مسند ابن عمر. ورجح الدارقطني الثاني. قوله: حملت على فرس المراد ~~أنه ملكه إياه، PageV04P244 # ولذلك ساغ له بيعه، ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، ms1702 وإنما ساغ للرجل بيعه ~~لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة ~~عدم الانتفاع به، ويرجح الأول. قوله: لا تعد في صدقتك ولو كان حبسا لعلله ~~به. قوله: فأضاعه أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته. وقيل: لم ~~يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل معناه استعمله في غير ما جعل له ~~والأول أظهر. قوله: وإن أعطاكه بدرهم هو مبالغة في تنقيصه وهو الحامل له ~~على شرائه. قوله: لا تعد إنما سمى شراءه برخص عودا في الصدقة من حيث إن ~~الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على ~~الآخرة، فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح فيه. قوله: كالعائد في قيئه ~~استدل به على تحريم ذلك لأن القئ حرام. قال القرطبي: وهذا هو الظاهر من ~~سياق الحديث، ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القئ مما يستقذر ~~وهو قول الأكثر، ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات. قوله: ~~لا يترك أن يبتاع الخ، أي كان إذا اتفق له أن يشتري شيئا مما تصدق به لا ~~يتركه في ملكه حتى يتصدق به، فكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو ~~لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة. (والحديث) يدل على كراهة الرجوع عن ~~الصدقة، وأن شراءها برخص نوع من الرجوع فيكون مكروها، وقد قيل: إنه يعارض ~~هذا الحديث الحديث المتقدم عن أبي سعيد في حل الصدقة لرجل اشتراها بماله ~~وجمع بينهما بحمل هذا على كراهة التنزيه، ولهذا قال المصنف رحمه الله ~~تعالى: وحمل قوم هذا على التنزيه واحتجوا بعموم قوله: أو رجل اشتراها بماله ~~في خبر أبي سعيد، ويدل عليه ابتياع ابن عمر وهو راوي الخبر، ولو فهم منه ~~التحريم لما فعله وتقرب بصدقة تستند إليه انتهى. والظاهر أنه لا معارضة بين ~~هذا وبين حديث أبي سعيد المتقدم، لان هذا في صدقة التطوع وذاك في صدقة ~~الفريضة، فيكون الشراء جائزا في صدقة الفريضة، لأنه لا يتصور ms1703 الرجوع فيها ~~حتى يكون الشراء مشبها له، بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها فكره ~~ما يشبهه وهو الشراء، نعم يعارض حديث PageV04P245 # الباب في الظاهر ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة: ~~أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كنت تصدقت على أمي ~~بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال: وجب أجرك ورجعت إليك في ~~الميراث. ويجمع بجواز تملك الشئ المتصدق به بالميراث، لأن ذلك ليس مشبها ~~بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات. # باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تصدقن يا معشر النساء ولو من ~~حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك ~~يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، قالت: # فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ألقيت عليه ~~المهابة، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على ~~أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن، قالت: # فدخل بلال فسأله فقال له: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب فقال: أي ~~الزيانب؟ # فقال: امرأة عبد الله، فقال لهما: أجران أجر القرابة وأجر الصدقة متفق ~~عليه. ولفظ البخاري: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وعلى أيتام لي في حجري؟. # قوله: إنك رجل خفيف ذات اليد هذا كناية عن الفقر. وفي لفظ للبخاري: # إن زينب كانت تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها فقالت لعبد الله: سل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في ~~حجري من الصدقة؟ الحديث. قوله: فإذا امرأة ms1704 من الأنصار زاد النسائي ~~والطيالسي: # يقال لها زينب. وفي رواية للنسائي: انطلقت امرأة عبد الله يعني ابن مسعود ~~وامرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري. (استدل بهذا الحديث) على أنه ~~يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها، وبه قال الثوري والشافعي وصاحبا أبي ~~حنيفة وإحدى PageV04P246 # الروايتين عن مالك. وعن أحمد وإليه ذهب الهادي والناصر والمؤيد بالله، ~~وهذا إنما يتم دليلا بعد تسلم ان هذه الصدقة صدقة واجبة، وبذلك جزم ~~المازري. ويؤيد ذلك قولها: أيجزئ عنه وتعقبه عياض بأن قوله: ولو من حليكن ~~وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع، وبه جزم النووي وتأولوا ~~قولها: # أيجزئ عني أي في الوقاية من النار؟ كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا ~~يحصل لها المقصود، وما أشار إليه من الصناعة احتج به الطحاوي لقول أبي ~~حنيفة: إنها لا تجزئ زكاة المرأة في زوجها، فأخرج من طريق رائطة امرأة ابن ~~مسعود أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده، فهذا يدل ~~على أنها صدقة تطوع. # (واحتجوا) أيضا على أنها صدقة تطوع بما في البخاري من حديث أبي سعيد: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: زوجك وولدك أحق من تصدقت ~~عليهم. # قالوا: لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالاجماع كما نقله ابن ~~المنذر والمهدي في البحر وغيرهما، وتعقب هذا بأن الذي يمتنع إعطاؤه من ~~الصدقة الواجبة من تلزم المعطي نفقته، والام لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود ~~أبيه. قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث: وهذا عند أكثر أهل ~~العلم في صدقة التطوع انتهى. والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى ~~زوجها، أما أولا فلعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل، ~~وأما ثانيا فلان ترك استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم لها ينزل منزلة ~~العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب فكأنه قال: يجزي ~~عنك فرضا كان أو تطوعا. (وقد اختلف) في الزوج هل يجوز له أن يدفع ms1705 زكاته إلى ~~زوجته؟ فقال ابن المنذر: # أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئا لأن نفقتها واجبة ~~عليه، ويمكن أن يقال: إن التعليل بالوجوب على الزوج لا يوجب امتناع الصرف ~~إليها لأن نفقتها واجبة عليه غنية كانت أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه ~~شيئا. وأما الصدقة على الأصول والفصول وبقية القرابة فسيأتي الكلام عليها. # وعن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الصدقة على ~~المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة رواه أحمد وابن ماجة ~~والترمذي. وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح رواه أحمد. وله مثله من حديث ~~PageV04P247 # حكيم بن حزام. وعن ابن عباس قال: إذا كان ذوو قرابة لا تعولهم فأعطهم من ~~زكاة مالك، وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول رواه الأثرم في ~~سننه. # حديث سلمان أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم وحسنه ~~الترمذي. قال الحافظ: وفي الباب عن أبي طلحة وأبي أمامة عند الطبراني. ~~قوله: # الكاشح هو المضمر للعداوة. وقد استدل بالحديثين على جواز صرف الزكاة إلى ~~الأقارب، سواء كانوا ممن تلزم لهم النفقة أم لا، لأن الصدقة المذكورة فيهما ~~لم تقيد بصدقة التطوع، ولكنه قد تقدم عن ابن المنذر وصاحب البحر أنهما حكيا ~~الاجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد، وكذا سائر الأصول والفصول ~~كما في البحر فإنه قال: مسألة ولا تجزئ في أصول وفصوله مطلقا إجماعا. وقال ~~صاحب ضوء النهار: إن دعوى الاجماع وهم، قال: وكيف ومحمد بن الحسن ورواية عن ~~العباس أنها تجزئ في الآباء والأمهات، ثم قال قلت: والمسألة في البحر لم ~~تنسب إلى قائل فضلا عن الاجماع، وهذا وهم منه رحمه الله تعالى. فإن صاحب ~~البحر صرح بنسبتها إلى الاجماع كما حكيناه سالفا، فقد نسبت إلى قائل وهم ~~أهل الاجماع، إلا أنه يدل لما روي عن أبي عباس ومحمد بن الحسن ما في ~~البخاري وأحمد ms1706 عن معن بن يزيد قال: أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في ~~المسجد فجئت فأخذتها فقال: # والله ما إياك أردت، فجئت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن وسيأتي هذا الحديث في كتاب ~~الوكالة إن شاء الله تعالى، ولكنه يحتمل أ تكون الصدقة صدقة تطوع بل هو ~~الظاهر. وقد روي عن مالك أنه يجوز الصرف في بني البنين وفيما فوق الجد ~~والجدة، وأما غير الأصول والفصول من القرابة الذين تلزم نفقتهم فذهب الهادي ~~والقاسم والناصر والمؤيد بالله ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزي الصرف ~~إليهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه والامام يحيى: يجوز ويجزئ إذ لم يفصل الدليل ~~لعموم الأدلة المذكورة في الباب، وقال الأولون: إنها مخصصة بالقياس ولا أصل ~~له. وأما الأثر المروي عن ابن عباس فكلام صحابي ولا حجة فيه لأن للاجتهاد ~~في ذلك مسرحا. ويؤيد الجواز والاجزاء الحديث الذي تقدم عند البخاري بلفظ: ~~زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم. وترك PageV04P248 # الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما سلف، ثم ~~الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ~~ولا دليل. # باب زكاة الفطر عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر ~~والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين رواه الجماعة. ولأحمد والبخاري وأبي ~~داود: # وكان ابن عمر يعطي التمر إلا عاما واحدا أعوز التمر فأعطى الشعير ~~وللبخاري: # وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين. وعن أبي سعيد قال: كنا نخرج زكاة ~~الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو ~~صاعا من زبيب أخرجاه. وفي رواية: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم صاعا من طعام، أو صاعا من تمر، أو صاعا من ~~شعير، أو ms1707 صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية ~~المدينة فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من تمر فأخذ الناس ~~بذلك، قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه رواه الجماعة لكن ~~البخاري لم يذكر فيه: قال أبو سعيد فلا أزال الخ. وابن ماجة لم يذكر لفظة ~~أو فشئ منه. وللنسائي عن أبي سعيد قال: # فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا ~~من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، وهو حجة في أن الأقط أصل. ~~وللدارقطني عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد ~~قال: ما أخرجنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا صاعا من ~~دقيق، أو صاعا من تمر، أو صاعا من سلت، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من شعير، ~~أو صاعا من أقط فقال ابن المديني لسفيان يا أبا محمد إن أحدا لا يذكر في ~~هذا الدقيق، قال: بلى هو فيه رواه الدارقطني واحتج به أحمد على إجزاء ~~الدقيق. # قوله: فرض فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض، وقد نقل ابن المنذر ~~وغيره الاجماع على ذلك، ولكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية على ~~قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب، قالوا: إذ لا دليل قاطع تثبت به ~~الفرضية. قال الحافظ: PageV04P249 # وفي نقل الاجماع نظر، لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا: ~~إن وجوبها نسخ، واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بسعد بن عبادة ~~قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل ~~الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله. قال: وتعقب بأن ~~في إسناده راويا مجهولا، وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال ~~الاكتفاء بالامر الأول، لان نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر. ونقل المالكية ~~عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو ms1708 قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية ~~قالوا: ومعنى قوله في الحديث فرض أي قدر وهو أصله في اللغة كما قال ابن ~~دقيق العيد، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى. وقد ثبت أن ~~قوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى) * (الأعلى: 14) نزلت في زكاة الفطر كما ~~روى ذلك ابن خزيمة. قوله: زكاة الفطر أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب ~~بالفطر من رمضان، كذا قال في الفتح. وقال ابن قتيبة: والمراد بصدقة الفطر ~~صدقة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة. قال الحافظ: # والأول أظهر. ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: زكاة الفطر في رمضان. وقد ~~استدل بقوله: زكاة الفطر على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت ~~الفطر من رمضان، وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد، لأن الليل ليس ~~محلا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالاكل بعد طلوع الفجر، والأول قول ~~الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك، والثاني ~~قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم، والرواية الثانية عن مالك وبه ~~قال الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ويقويه قوله في حديث ابن عمر ~~الآتي: أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولكنها لم تقيد ~~القبلية بكونها في يوم الفطر. # قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بقوله: زكاة الفطر على الوقت ضعيف لأن ~~الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى ~~الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر. قوله: صاعا من تمر أو ~~صاعا من شعير قال في الفتح: انتصب صاعا على التمييز أو أنه مفعول ثان. ~~قوله: على العبد والحر ظاهره يدل على أن العبد يخرج عن نفسه ولم يقل به إلا ~~داود فقال: يجب على السيد أن يمكن عبده من الاكتساب لها: ويدل على ما ذهب ~~إليه الجمهور من كون الوجوب على PageV04P250 # السيد حديث: ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر. ولفظ ms1709 ~~مسلم: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر. قوله: الذكر والأنثى ظاهره وجوبها ~~على المرأة، سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن ~~المنذر، وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: تجب على زوجها تبعا ~~للنفقة، قال الحافظ: وفيه نظر لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت ~~فطرتها على السيد، بخلاف النفقة فافترقا، واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن ~~زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزم، وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق ~~محمد بن علي الباقر مرسلا: أدوا صدقة الفطر عمن تمونون. وأخرجه البيهقي من ~~هذا الوجه فزاد في إسناده ذكر علي وهو منقطع. وأخرجه من حديث ابن عمر ~~وإسناده ضعيف، وأخرجه أيضا عنه الدارقطني. قوله: والصغير والكبير وجوب فطرة ~~الصغير في ماله والمخاطب بإخراجها وليه إن كان للصغير مال، وإلا وجبت على ~~من تلزمه نفقته، وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب ~~مطلقا فإن لم يكن له أب فلا شئ عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري: لا ~~تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس الآتي بلفظ: صدقة الفطر ~~طهرة للصائم قال في الفتح: وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب، كما ~~أنها تجب على من لا يذنب، كمتحقق الصلاح أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة ~~قال فيه. ونقل ابن المنذر الاجماع على أنهما لا تجب على الجنين وكان أحمد ~~يستحبه ولا يوجبه. قوله: من المسلمين فيه دليل على اشتراط الاسلام في وجوب ~~الفطرة فلا تجب على الكافر. # قال الحافظ: وهو أمر متفق عليه، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة؟ ~~نقل ابن المنذر فيه الاجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية ورواية ~~عن أحمد. # وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا خلافا لعطاء والنخعي ~~والثوري والحنفية وإسحاق، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس على ~~المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر. وأجاب الجمهور بأنه يبنى عموم قوله في ~~عبده على خصوص ms1710 قوله من المسلمين في حديث الباب، ولا يخفى أن قوله من ~~المسلمين أعم من قوله في عبده من وجه وأخص من وجه، فتخصيص أحدهما بالآخر ~~تحكم، ولكنه يؤيد اعتبار الاسلام ما عند مسلم بلفظ: على كل نفس من المسلمين ~~حر أو عبد واحتج بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد بأن ابن عمر راوي الحديث ~~كان يخرج عن عبده الكافر وهو أعرف بمراد الحديث، وتعقبه بأنه لو صح حمل على ~~PageV04P251 # أنه كان يخرج عنهم تطوعا ولا مانع منه. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين أهل ~~البادية وغيرهم، وإليه ذهب الجمهور. وقال الزهري وربيعة والليث: إن زكاة ~~الفطر تختص بالحاضرة ولا تجب على أهل البادية. قوله: أعوز التمر بالمهملة ~~والزاي أي احتاج، يقال: أعوزني الشئ إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه، وفيه ~~دليل على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر. قوله: بيوم أو يومين فيه ~~دليل على جواز تعجيل الفطرة قبل يوم الفطر، وقد جوزه الشافعي من أول رمضان، ~~وجوزه الهادي والقاسم وأبو حنيفة وأبو العباس وأبو طالب ولو إلى عامين عن ~~البدن الموجود. # وقال الكرخي وأحمد بن حنبل: لا تقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو ~~يومين. وقال مالك والناصر والحسن بن زياد: لا يجوز التعجيل مطلقا كالصلاة ~~قبل الوقت، وأجاب عنهم في البحر بأن ردها إلى الزكاة أقرب. وحكى الامام ~~يحيى إجماع السلف على جواز التعجيل. قوله: صاعا من طعام الخ ظاهره المغايرة ~~بين الطعام وبين ما ذكر بعده، وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا ~~الحنطة وأنه اسم خاص له، قال هو وغيره: قد كانت لفظة الطعام تستعمل في ~~الحنطة عند الاطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فهم منه سوق القمح، ~~وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه، لأنه لما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره ~~عند الاطلاق أغلب. قال في الفتح: وقد رد ذلك ابن المنذر وقال: ظن بعض ~~أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعا من طعام حجة لمن قال صاع من ms1711 حنطة ~~وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة ~~عند البخاري وغيره أن أبا سعيد قال: كنا نخرج في عهد النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوم الفطر صاعا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير ~~والزبيب والأقط والتمر وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوي نحوه من طريق ~~أخرى. وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحهما أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده ~~صدقة رمضان: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صاع تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط، فقال له رجل من ~~القوم: أو مدين من قمح؟ فقال: لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعلم بها. ~~قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدري ممن ~~الوهم، ويدل على أنه خطأ قوله فقال رجل الخ، إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم ~~PageV04P252 # كانوا يخرجون منها صاعا لما قال الرجل أو مدين من قمح. وقد أشار أيضا أبو ~~داود إلى أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. قوله: حتى قدم معاوية زاد مسلم: ~~حاجا أو معتمرا وكلم الناس على المنبر وزاد ابن خزيمة: وهو يومئذ خليفة. ~~قوله: من سمراء الشام بفتح السين المهملة وإسكان الميم وبالمد هي القمح ~~الشامي. قال النووي: # تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة وفيه نظر، لأنه فعل صحابي قد ~~خالف فيه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقد صرح بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشئ ~~اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من ~~الشعير وهم الأئمة، فغير جائز ms1712 أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند ~~عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي ~~بكر بأسانيد. قال الحافظ: صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح ~~انتهى، وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد ~~دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة. قوله: ~~لم يذكر لفظة أو يعني لم يذكر حرف التخيير في شئ من طرق الحديث. قوله: أو ~~صاعا من أقط بفتح الهمزة وكسر القاف وهو لبن يابس غير منزوع الزبد. وقال ~~الأزهري: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى ينصل. # وقد اختلف في إجزائه على قولين: أحدهما أنه لا يجزئ لأنه غير مقتات، وبه ~~قال أبو حنيفة إلا أنه جاز إخراجه بدلا عن القيمة على قاعدته. والقول ~~الثاني أنه يجزئ وبه قال مالك وأحمد وهو الراجح لهذا الحديث الصحيح من غير ~~معارض. # وروي عن أحمد أنه يجزئ مع عدم وجدان غيره، وزعم الماوردي أنه يجزئ عن أهل ~~البادية دون أهل الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعقبه النووي فقال: قطع ~~الجمهور بأن الخلاف في الجميع. قوله: إلا صاعا من دقيق ذكر الدقيق ثابت في ~~سنن أبي داود من حديث أبي سعيد أيضا، ولكنه قال أبو داود: إن ذكر الدقيق ~~وهم من ابن عيينة. وقد روى ذلك ابن خزيمة من حديث ابن عباس: قال: أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تؤدى زكاة رمضان صاعا من طعام عن الصغير ~~والكبير، PageV04P253 # والحر والمملوك، من أدى سلتا قبل منه، وأحسبه قال: من أدى دقيقا قبل منه، ~~ومن أدى سويقا قبل منه، ورواه الدارقطني، ولكن قال ابن أبي حاتم: سألت أبي ~~عن هذا الحديث فقال: منكر لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس. وقد استدل ~~بذلك على جواز إخراج الدقيق كما يجوز إخراج السويق، وبه قال أحمد وأبو قاسم ~~الأنماطي لأنه مما يكال ms1713 وينتفع به الفقير، وقد كفي فيه الفقير مؤنة الطحن. ~~وقال الشافعي ومالك: إنه لا يجزئ إخراجه لحديث ابن عمر المتقدم، ولان ~~منافعه قد نقصت، والنص ورد في الحب وهو يصلح لما لا يصلح له الدقيق ~~والسويق. قوله: من سلت بضم السين المهملة وسكون اللام بعدها مثناة فوقية ~~ونوع من الشعير وهو كالحنطة في ملاسته، وكالشعير في برودته وطبعه. ~~والروايات المذكورة في الباب تدل على أن الواجب من هذه الأجناس المنصوصة في ~~الفطرة صاع، ولا خلاف في ذلك إلا في البر والزبيب. وقد ذهب أبو سعيد وأبو ~~العالية وأبو الشعثاء والحسن البصري وجابر بن زيد والشافعي ومالك وأحمد ~~وإسحاق والهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله إلى أن البر والزبيب كذلك ~~يجب من كل واحد منهما صاع، وقال من تقدم ذكره من الصحابة في كلام ابن ~~المنذر، وزاد في البحر: أبا بكر، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وزيد بن علي ~~والامام يحيى أن الواجب نصف صاع منهما، والقول الأول أرجح لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرض صدقة الفطر صاعا من طعام، والبر مما يطلق عليه اسم ~~الطعام إن لم يكن غالبا فيه كما تقدم، وتفسيره بغير البر إنما هو لما تقدم ~~من أنه لم يكن معهودا عندهم، فلا يجزئ دون الصاع منه، ويمكن أن يقال: إن ~~البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بما أخرجه الحاكم من حديث ابن ~~عباس مرفوع بلفظ: صدقة الفطر مدان من قمح وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أيضا. وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن ~~مالك وفي إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف، وأخرج أبو داود والنسائي عن ~~الحسن مرسلا بلفظ: # فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر أو من ~~شعير أو نصف صاع من قمح. وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ~~ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ms1714 ~~وسلم: صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين. وأخرج سفيان الثوري في ~~جامعه عن علي عليه السلام موقوفا PageV04P254 # بلفظ: نصف صاع بر وهذه تنتهض بمجموعها للتخصيص. وحديث أبي سعيد الذي فيه ~~التصريح بالحنطة قد تقدم ما فيه، على أنه لم يذكر اطلاع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم على ذلك. # وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أمر بزكاة الفطر أن ~~تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة رواه الجماعة إلا ابن ماجة. قوله: قبل خروج ~~الناس إلى الصلاة قال ابن التين: أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد ~~صلاة الفجر. قال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: يقدم ~~الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله تعالى يقول: # * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * (الأعلى: 14) ولابن خزيمة من ~~طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سئل عن هذه الآية فقال نزلت في زكاة الفطر وحمل الشافعي التقييد بقبل ~~صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار. وقد رواه أبو معشر ~~عن نافع عن ابن عمر بلفظ: # كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي، فإذا انصرف قسمه بينهم وقال: أغنوهم ~~عن الطلب أخرجه سعيد بن منصور، ولكن أبو معشر ضعيف. ووهم ابن العربي في عزو ~~هذه الزيادة لمسلم. (وقد استدل) بالحديث على كراهة تأخيرها عن الصلاة، ~~وحمله ابن حزم على التحريم. # وعن ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر ~~طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي ~~زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات رواه أبو داود وابن ~~ماجة. الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم وصححه. قوله: طهرة أي تطهيرا ~~لنفس من صام رمضان من اللغو، وهو ما لا ينعقد عليه القلب من القول والرفث. # قال ابن الأثير: الرفث هنا هو الفحش ms1715 من الكلام. قوله: وطعمة بضم الطاء ~~وهو الطعام الذي يؤكل. وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم ~~من مصارف الزكاة، كما ذهب إليه الهادي والقاسم وأبو طالب. وقال المنصور ~~بالله، هي كالزكاة فتصرف في مصارفها وقواه المهدي. قوله: من أداها قبل ~~الصلاة أي PageV04P255 # قبل صلاة العيد. قوله: فهي زكاة مقبولة المراد بالزكاة صدقة الفطر. قوله: # فهي صدقة من الصدقات يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات، وأمر القبول ~~فيها موقوف على مشيئة الله تعالى. والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد صلاة ~~العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة، وقد ~~ذهب الجمهور إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا ~~بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر، والحديث يرد عليهم. وأما تأخيرها عن يوم ~~العيد فقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة، فوجب أن يكون في ~~تأخيرها إثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها، وحكي في البحر عن المنصور بالله ~~أن وقتها إلى آخر اليوم الثالث من شهر شوال. # وعن إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: أبا عبد الله كم قدر ~~صاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا ~~حزرته، فقلت: أبا عبد الله خالفت شيخ القوم، قال: من هو؟ قلت: أبو حنيفة ~~يقول ثمانية أرطال، فغضب غضبا شديدا ثم قال لجلسائنا: يا فلان هات صاع جدك، ~~يا فلان هات صاع عمك، يا فلان هات صاع جدتك، قال إسحاق: فاجتمعت آصع فقال: ~~ما تحفظون في هذا؟ فقال هذا حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال هذا حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي ~~بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال الآخر حدثني أبي عن ~~أمه أنها أدت بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال مالك: ~~أنا حزر ت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا رواه الدارقطني. # هذه ms1716 القصة مشهورة، أخرجها أيضا البيهقي بإسناد جيد. وقد أخرج ابن خزيمة ~~والحاكم من طريق عروة عن أسماء بنت أبي بكر أمه أنهم كانوا يخرجون زكاة ~~الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمد الذي يقتات به أهل ~~المدينة. وللبخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يعطي زكاة رمضان عند ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمد الأول، ولم يختلف أهل المدينة في ~~الصاع وقدره من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أنه كما قال أهل الحجاز: خمسة ~~أرطال وثلث بالعراقي. وقال العراقيون منهم أبو حنيفة أنه ثمانية أرطال، وهو ~~قول مردود تدفعه هذه القصة المسندة إلى صيعان PageV04P256 # الصحابة التي قررها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رجع أبو يوسف ~~يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة بعد هذه الواقعة إلى قول مالك وترك قول ~~أبي حنيفة. # قوله: أنا حزرته بالحاء المهملة المفتوحة بعدها زاي مفتوحة ثم راء ساكنة ~~أي قدرته. قوله: آصع جمع صاع قال في البحر: والصاع أربعة أمداد إجماعا. # (فائدة) قد اختلف في القدر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال ~~الهادي والقاسم وأحد قولي المؤيد بالله: أنه يعتبر أن يملك قوت عشرة أيام ~~فاضل عما استثني للفقير وغير الفطرة لما أخرجه أبو داود في حديث ابن أبي ~~صعير عن أبيه في رواية بزيادة غني أو فقير بعد حر أو عبد. ويجاب عن هذا ~~الدليل بأنه وإن أفاد عدم اعتبار الغنى الشرعي فلا يفيد اعتبار ملك قوت ~~عشر. وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه: # إنه يعتبر أن يكون المخرج غنيا غنى شرعيا، واستدل لهم في البحر بقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # إنما الصدقة ما كانت عن ظهر غنى. وبالقياس على زكاة المال، ويجاب بأن ~~الحديث لا يفيد المطلوب لأنه بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى كما أخرجه ~~أبو داود، ومعارض أيضا بما أخرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: أفضل الصدقة جهد المقل. وما أخرجه الطبراني من ms1717 حديث أبي أمامة ~~مرفوعا: أفضل الصدقة سر إلى فقير وجهد من مقل وفسره في النهاية بقدر ما ~~يحتمل حال قليل المال. وما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه ~~واللفظ له، والحاكم وقال على شرط مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك ~~يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها، ~~ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، فهذا تصدق بنصف ماله الحديث، ~~وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح لأنه قياس مع الفارق، إذ وجوب الفطرة ~~متعلق بالأبدان والزكاة بالأموال، وقال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق والمؤيد بالله في أحد قوليه: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطر مالكا ~~لقوت يوم وليلة لما تقدم من أنها طهرة للصائم، ولا فرق بين الغني والفقير ~~في ذلك، ويؤيد ذلك ما تقدم من تفسيره صلى الله عليه وآله وسلم من لا يحل له ~~السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه، وهذا هو الحق لأن النصوص أطلقت ولم تخص ~~غنيا ولا فقيرا، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون ~~مخرج الفطرة مالكا له، ولا سيما والعلة التي شرعت لها PageV04P257 # الفطرة موجودة في الغني والفقير، وهي التطهر من اللغو والرفث، واعتبار ~~كونه واجدا لقوت يوم وليلة أمر لا بد منه، لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء ~~الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر قال: فرض ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم. ~~وفي رواية للبيهقي: أغنوهم عن طواف هذا اليوم وأخرجه أيضا ابن سعد في ~~الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد، فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن ~~أمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة وإغناء غيره، ~~وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم ms1718 ~~إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به. # كتاب الصيام قال النووي في شرح مسلم، والحافظ في الفتح: الصيام في اللغة ~~الامساك. وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة انتهى. وكان ~~فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة. # باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود عن ابن عمر قال: تراءى الناس ~~الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني رأيته فصام وأمر ~~الناس بصيامه رواه أبو داود والدارقطني وقال: تفرد به مروان بن محمد عن ابن ~~وهب وهو ثقة. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال: أتشهد أن لا إله ~~إلا الله؟ قال: # نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذن في ~~الناس فليصوموا غدا رواه الخمسة إلا أحمد. ورواه أبو داود أيضا من حديث ~~حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة مرسلا بمعناه. وقال: فأمر بلالا فنادى في ~~الناس أن يقوموا وأن يصوموا. PageV04P258 # الحديث الأول أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان والحاكم وصححاه، والبيهقي ~~وصححه ابن حزم كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عنه. والحديث الثاني ~~أخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم، قال الترمذي: روي مرسلا. ~~وقال النسائي إنه أولى بالصواب، وسماك بن حرب إذا تفرد بأصل لم يكن حجة. ~~(وفي الباب) عن ابن عباس وابن عمر أيضا عند الدارقطني والطبراني في الأوسط ~~من طريق طاوس قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى ~~واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن ~~شهادته فأمراه أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاز ~~شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الافطار إلا بشهادة ~~رجلين. قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف. (والحديثان) ~~المذكوران في الباب يدلان ms1719 على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان، وإلى ~~ذلك ذهب ابن المبارك وأحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه. قال النووي: وهو ~~الأصح، وبه قال المؤيد بالله، وقال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي ~~في أحد قوليه والهادوية: أنه لا يقبل الواحد بل يعتبر اثنان، واستدلوا ~~بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الآتي وفيه: فإن شهد شاهدان مسلمان ~~فصوموا وأفطروا. وبحديث أمير مكة الآتي وفيه: فإن لم نره وشهد شاهدا عدل، ~~وظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين باحتمال أن يكون قد ~~شهد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيرهما، وأجاب الأولون بأن التصريح ~~بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا الباب يدلان ~~على قبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح. وأما التأويل بالاحتمال المذكور ~~فتعسف وتجويز، لو صح اعتبار مثله لكان مفضيا إلى طرح أكثر الشريعة. وحكي في ~~البحر عن الصادق وأبي حنيفة وأحد قولي المؤيد بالله أنه يقبل الواحد في ~~الغيم، لاحتمال خفاء الهلال عن غيره لا الصحو فلا يقبل إلا جماعة لبعد ~~خفائه. واختلف أيضا في شهادة خروج رمضان، فحكي في البحر عن العترة جميعا ~~والفقهاء أنه لا يكفي الواحد في هلال شوال. وحكي عن أبي ثور أنه يقبل. قال ~~النووي في شرح مسلم: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع ~~العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل انتهى. (واستدل) الجمهور بحديث ابن عمر ~~وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة لما تقدم من ضعف من PageV04P259 # تفرد به. وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وحديث أمير مكة الاتيان ~~فهما واردان في شهادة دخول رمضان. أما حديث أمير مكة فظاهر لقوله فيه: ~~نسكنا بشهادتهما. # وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ففي بعض ألفاظه: إلا أن يشهد ~~شاهدا عدل وهو مستثنى من قوله: فأكملوا عدة شعبان فالكلام في شهادة دخول ~~رمضان. وأما اللفظ الذي سيذكره المصنف أعني قوله: فإن شهد مسلمان فصوموا ~~وأفطروا فمع كون مفهوم الشرط قد وقع ms1720 الخلاف في العمل به، هو أيضا معارض بما ~~تقدم من قبوله صلى الله عليه وآله وسلم لخبر الواحد في أول الشهر وبالقياس ~~عليه في آخره لعدم الفارق، فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لاثبات هذا لحكم به، ~~وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الافطار من الأدلة ~~الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسا على الاكتفاء به في الصوم، وأيضا ~~التعبد بقبول خبر الواحد يدل على قبوله في كل موضع، إلا ما ورد الدليل ~~بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخبر الواحد كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ~~ما قاله أبو ثور، ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب قد عورض في أول الشهر بما تقدم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك ~~القياس لمعارضته، لا سيما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدم، وهو ~~وإن كان ضعيفا فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم ~~المعتضد بذلك الحديث لتخصيص مورد من التعبد بأخبار الآحاد والمقام بعد محل ~~نظر. ومما يؤيد القول بقبول الواحد مطلقا أن قبوله في أول رمضان يستلزم ~~الافطار عند كمال العدة استنادا إلى قوله: وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الافطار ~~بقول الواحد ضمنا لا صريحا وفيه نظر. # وعن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالله لأهل الهلال أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الناس أن يفطروا رواه أحمد وأبو داود وزاد في رواية: وأن يغدوا ~~إلى مصلاهم. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح، وجهالة الصحابي ~~غير قادحة. وفي الباب عن عبيد الله أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له أن ~~ركبا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال ~~بالأمس، فأمرهم PageV04P260 # أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم أخرجه أحمد وأبو ms1721 داود ~~والنسائي وابن ماجة، وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم. ورواه ابن حبان ~~في صحيحه عن أنس: أن عمومة له وهو وهم كما قال أبو حاتم في العلل. ~~(والحديث) يدل على قبول شهادة الاعراب، وأنه يكتفي بظاهر الاسلام كما تقدم ~~في حديث الاعرابي في أول الباب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: # أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم الحديث، وقد استدل بحديث الباب على ~~اعتبار شهادة الاثنين في الافطار وغير خاف أن مجرد قبول شهادة الاثنين في ~~واقعة لا يدل على عدم قبول الواحد. قوله: فأمر الناس أن يفطروا فيه رد على ~~من زعم أن أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالافطار خاص بالركب كما فعل ~~الجلال في رسالة له، وقد نبهنا على ذلك في الاعتراضات التي كتبناها عليها ~~وسميناها اطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من ~~الاختلال. # وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال: ألا ~~إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وساءلتهم وأنهم حدثوني ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، ~~وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما، فإن شهد شاهدان مسلمان ~~فصوموا وأفطروا رواه أحمد ورواه النسائي ولم يقل فيه مسلمان. وعن أمير مكة ~~الحرث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننسك ~~للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما رواه أبو داود والدار ~~قطني وقال: هذا إسناد متصل صحيح. # الحديث الأول ذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحا، وإسناده لا بأس ~~به على اختلاف فيه. والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال ~~الصحيح إلا الحسين بن الحرث الجدلي وهو صدوق. وصححه الدارقطني كما ذكر ~~المصنف، والحرث بن حاطب المذكور له صحبة خرج مع أبيه مهاجرا إلى أرض الحبشة ~~وهو صغير، وقيل: ولد بأرض الحبشة هو وأخوه محمد ms1722 بن حاطب، واستعمل على مكة ~~سنة ست وستين. قوله: وانسكوا لها هو أعم من قوله: صوموا لرؤيته لأن النسك ~~في اللغة العبادة وكل حق لله تعالى، كذا في القاموس. قوله: فأتموا ثلاثين ~~يوما فيه PageV04P261 # الامر بإتمام العدة وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: مسلمان فيه دليل على ~~أنها لا تقبل شهادة الكافر في الصيام والافطار. وقد استدل بالحديثين على ~~اشتراط العدد في شهادة الصوم والافطار. وقد تقدم الجواب على ذلك الاستدلال. ~~قوله: شاهدا عدل فيه دليل على اعتبار العدالة في شهادة الصوم وعار ض ذلك من ~~لم يشترط العدالة بحديث الاعرابي المتقدم، فإن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يختبره، بل اكتفى بمجرد تكلمه بالشهادتين، وأجيب بأنه أسلم في ذلك ~~الوقت، والاسلام يجب ما قبله فهو عدل بمجرد تكلمه بكلمة الاسلام، وإن لم ~~ينضم إليها عمل في تلك الحال. # باب ما جاء في يوم الغيم والشك عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم ~~فاقدروا له أخرجاه هما والنسائي وابن ماجة، وفي لفظ: الشهر تسع وعشرون ليلة ~~فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين رواه البخاري. وفي ~~لفظ: أنه ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد ~~إبهامه في الثالثة صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأقدروا ~~ثلاثين رواه مسلم، وفي رواية أنه قال: إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا ~~حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدروا له رواه مسلم وأحمد ~~وزاد: قال نافع وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما يبعث من ~~ينظر فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، ~~وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما. # قوله: إذا رأيتموه أي الهلال هو عند الإسماعيلي بلفظ: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول لهلال رمضان: إذا رأيتموه فصوموا وكذا أخرجه عبد ms1723 ~~الرزاق. وظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهارا، لكنه محمول ~~على صوم اليوم المستقبل، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء رمضا قبل رؤية ~~الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة ~~لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة ~~هو PageV04P262 # قوله: فإن غم عليكم فأقدروا له فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين الصحو ~~والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر ~~ويحتمل أن لا تفرقة، ويكون الثاني مؤكدا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر ~~الحنابلة. وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا: المراد بقوله: فاقدروا له أي ~~قدروا أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجح هذه الروايات المصرحة بإكمال ~~العدة ثلاثين. قوله: فإن غم بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينه وبينكم ~~سحاب أو نحوه. قوله: فاقدروا قال أهل اللغة: # يقال قدرت الشئ أقدره وأقدره بكسر الدال وضمها، وقدرته وأقدرته كلها ~~بمعنى واحد وهي من التقدير كما قال الخطابي، ومعناه عند الشافعية والحنفية ~~وجمهور السلف والخلف فاقدروا له تمام الثلاثين يوما، لا كما قال أحمد بن ~~حنبل وغيره: إن معناه فذروه تحت السحاب، فإنه يكفي في رد ذلك الروايات ~~المصرحة بالثلاثين كما تقدم، ولا كما قال جماعة منهم ابن شريح ومطرف بن عبد ~~الله وابن قتيبة إن معناه قدروه بحساب المنازل، قال في الفتح: قال ابن عبد ~~البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا، ~~ولا كما نقله ابن العربي عن ابن شريح أن قوله: فأقدروا له خطاب لمن خصه ~~الله بهذا العلم. وقوله: فأكملوا العدة خطاب للعامة لأنه كما قال ابن ~~العربي أيضا: يستلزم اختلاف وجوب رمضان، فيجب على قوم بحساب الشمس والقمر، ~~وعلى آخرين بحساب العدد وقال: هذا بعيد عن النبلاء. قوله: الشهر تسع وعشرون ~~ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين. ~~والمعنى: أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو ms1724 اللام للعهد، والمراد شهر بعينه، ~~ويؤيد الأول ما وقع في رواية لام سلمة من حديث الباب بلفظ الشهر يكون تسعة ~~وعشرين. ويؤيد الثاني قول ابن مسعود: # صمنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين ~~أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد. قوله: فلا ~~تصوموا حتى تروه ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في كل أحد، بل المراد بذلك ~~رؤية البعض إما واحدا على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي غيرهم، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك، وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد ~~برؤية أهل بلد غيرها وسيأتي تحقيقه. قوله: الشهر هكذا وهكذا الخ، قال ~~النووي: حاصله أن الاعتبار بالهلال لأن الشهر قد يكون تاما ثلاثين، وقد ~~يكون ناقصا تسعة وعشرين، PageV04P263 # وقد لا يرى الهلال، فيجب إكمال العدة ثلاثين، قال قالوا: وقد يقع النقص ~~متواليا في شهرين وثلاثة وأربعة، ولا يقع أكثر من أربعة. (وفي هذا الحديث) ~~جواز اعتماد الإشارة. قوله: قتر بفتح القاف والتاء الفوقية وبعدها راء هو ~~الغبرة على ما في القاموس. # قوله: أصبح صائما فيه دليل على أن ابن عمر كان يقول بصوم الشك، وسيأتي ~~بسط الكلام في ذلك. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين رواه البخاري ~~ومسلم وقال: فإن غبي عليكم فعدوا ثلاثين. وفي لفظ: صوموا لرؤيته، فإن غمي ~~عليكم فعدوا ثلاثين رواه أحمد. وفي لفظ: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا ~~رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما رواه أحمد ومسلم وابن ~~ماجة والنسائي. وفي لفظ: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ~~ثلاثين ثم أفطروا رواه أحمد والترمذي وصححه. # قوله: صوموا لرؤيته اللام للتأقيت لا للتعليل، وسيأتي الكلام على ذلك في ~~باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين. قوله: فإن غبي بفتح الغين ~~المعجمة وكسر الباء الموحدة مخففة وهو بمعنى غم مأخوذ من ms1725 الغباوة وهي عدم ~~الفطنة استعار ذلك لخفاء الهلال. قوله: فإن غمي عليكم بضم المعجمة وتشديد ~~الميم وتخفيفها فهو مغموم وهو بمعنى غم، ونقل ابن العربي أنه روي عمي ~~بالعين المهملة من العمى وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ~~البصيرة عن المعقولات. (والحديث) يدل على أنه يجب على من لم يشاهد الهلال ~~ولا أخبره من شاهده أن يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم يصوم، ولا يجوز أن ~~يصوم يوم ثلاثين من شعبان خلافا لمن قال بصوم يوم الشك، وسيأتي ذكرهم ويكمل ~~عدة رمضان ثلاثين يوما ثم يفطر ولا خلاف في ذلك. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا ~~تستقبلوا الشهر استقبالا رواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه وصححه، وعنه ~~في لفظ للنسائي: فأكملوا العدة عدة شعبان رواه من حديث أبي يونس عن سماك عن ~~عكرمة عنه: لا تقدموا PageV04P264 # الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيئا يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى ~~تروه ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا ~~رواه أبو داود. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظه من غيره يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه ~~عد ثلاثين يوما ثم صام رواه أحمد وأبو داود والدارقطني. وقال: إسناد حسن ~~صحيح. # وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقدموا الشهر ~~حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ~~رواه أبو داود والنسائي. وعن عمار بن يا سقال: من صام اليوم الذي يشك فيه ~~فقد عصى أبا القاسم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رواه الخمسة إلا أحمد ~~وصححه الترمذي وهو للبخاري تعليقا. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة والحاكم، وهو من صحيح حديث ~~سماك بن حرب لم يدلس فيه ولم ms1726 يلقن أيضا فإنه من رواية شعبة عنه، وكان شعبة ~~لا يأخذ عن شيوخه ما دلسوا فيه ولا ما لقنوا. وحديث عائشة صححه أيضا ~~الحافظ. وحديث حذيفة أخرجه أيضا ابن حبان من طريق جرير عن منصور عن ربعي عن ~~حذيفة. وحديث عمار أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة وصححاه، والحاكم ~~والدارقطني والبيهقي من حديث صلة بن زفر قال: كنا عند عمار فذكره، وعلقه ~~البخاري في صحيحه عن صلة وليس هو عند مسلم وقد وهم من عزاه إليه. قال ابن ~~عبد البر: هذا مسند عندهم مرفوع لا يختلفون في ذلك. وزعم أبو القاسم ~~الجوهري أنه موقوف ورد عليه، ورواه إسحاق بن راهويه عن وكيع عن سفيان عن ~~سماك عن عكرمة. ورواه الخطيب وزاد فيه ابن عباس. (وفي الباب) عن أبي هريرة ~~عند ابن عدي في ترجمة على القرشي وهو ضعيف، وعنه أيضا حديث آخر عند النسائي ~~بلفظ: لا تستقبلوا الشهر بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق ذلك صياما كان ~~يصومه أحدكم. وعنه أيضا حديث آخر عند البزار بلفظ: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن صيام ستة أيام أحدها اليوم الذي يشك فيه. وفي إسناده عبد ~~الله بن سعيد المقبري عن جده وهو ضعيف. وأخرجه أيضا الدارقطني وفي إسناده ~~الواقدي، وأخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده عباد وهو عبد الله بن سعيد ~~المقبري المتقدم وهو منكر الحديث كما قال أحمد بن حنبل. (وقد استدل) بهذه ~~PageV04P265 # الأحاديث على المنع من صوم يوم الشك. قال النووي: وبه قال مالك والشافعي ~~والجمهور. وحكى الحافظ في الفتح عن مالك وأبي حنيفة أنه لا يجوز صومه عن ~~فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك. قال ابن الجوزي في التحقيق: ولأحمد في هذه ~~المسألة وهي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ~~ثلاثة أقوال: أحدها يجب صومه على أنه من رمضان. وثانيها: لا يجوز فرضا ولا ~~نفلا مطلقا، بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة. ثالثها: المرجع إلى ~~رأي الامام في الصوم ms1727 والفطر، وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه منهم علي ~~وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبو هريرة ومعاوية ~~وعمرو بن العاص وغيرهم، وجماعة من التابعين منهم مجاهد وطاوس وسالم بن عبد ~~الله وميمون بن مهران ومطرف بن الشخير وبكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان ~~النهدي. وقال جماعة من أهل البيت باستحبابه، وقد ادعى المؤيد بالله أنه ~~أجمع على استحباب صومه أهل البيت، وهكذا قال الأمير الحسن في الشفاء، ~~والمهدي في البحر، وقد أسند لابن القيم في الهدى الرواية عن الصحابة ~~المتقدم ذكرهم القائلين بصومه، وحكى القول بصومه عن جميع من ذكرنا منهم. ~~ومن التابعين وقال: وهو مذهب إمام أهل الحديث والسنة أحمد بن حنبل، واستدل ~~المجوزون لصومه بأدلة: منها ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي عن أم سلمة أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصومه، وأجيب عنه بأن مرادها أنه كان ~~يصوم شعبان كله لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثها قالت: ما ~~رأيته يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان وهو غير محل النزاع، لأن ذلك ~~جائز عند المانعين من صوم يوم الشك، لما في الحديث الصحيح المتفق عليه من ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه وأيضا قد تقرر ~~في الأصول أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة، ~~ولا العام له ولهم، لأنه يكون فعله مخصصا له من العموم. ومنها ما أخرجه ~~الشافعي عن علي عليه السلام قال: # لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. وأجيب بأن ذلك ~~من رواية فاطمة بنت الحسين عن علي وهي لم تدركه فالرواية منقطعة، ولو سلم ~~الاتصال فليس ذلك بنافع، لأن لفظ الرواية أن رجلا شهد عند علي على رؤية ~~الهلال فصام وأمر الناس أن يصوموا ثم قال: لأن أصوم الخ، فالصوم لقيام ~~شهادة واحد عنده لا لكونه PageV04P266 # يوم شك، وأيضا الاحتجاج بذلك على فرض أنه عليه السلام ms1728 استحب صوم يوم الشك ~~من غير نظر إلى شهادة الشاهد، إنما يكون حجة على من قال بأن قوله حجة، على ~~أنه قد روي عنه القول بكراهة صومه، حكى ذلك عنه صاحب الهدى. قال ابن عبد ~~البر: # وممن روى عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ~~وعمار، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك. ~~(والحاصل) أن الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحجة ~~ما جاءنا عن الشارع وقد عرفته، وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في ~~الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال، وسيأتي الكلام على استقبال رمضان ~~بيوم أو يومين في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. # باب الهلال إذا رآه أهل بلدة هل يلزم بقية البلاد الصوم عن كريب: أن أم ~~الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي ~~رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ~~فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ~~رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام ~~معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو ~~نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. # قوله: واستهل علي رمضان هو بضم التاء من استهل قاله النووي. قوله: أفلا ~~تكتفي شك أحد رواته هل هو بالخطاب لابن عباس أو بنون الجمع للمتكلم؟. وقد ~~تمسك بحديث كريب هذا من قال: إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها، وقد ~~اختلفوا في ذلك على مذاهب ذكرها صاحب الفتح. أحدها: أنه يعتبر لأهل كل بلد ~~رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم، حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمد ~~وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سوا، وحكاه الماوردي ~~وجها للشافعية. وثانيها: أنه لا يلزم أهل بلد ms1729 رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك ~~عند الامام الأعظم فيلزم الناس كلهم، لأن البلاد في حقه PageV04P267 # كالبلد الواحد، إذ حكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون. وثالثها: ~~أنها إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا، وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند ~~الأكثر قاله بعض الشافعية، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي ~~عن الشافعي، وفي ضبط البعيد أوجه. # أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في ~~الروضة وشرح المهذب. ثانيها: مسافة القصر قطع به البغوي وصححه الرافعي ~~والنووي. ثالثها: # باختلاف الأقاليم حكاه في الفتح. رابعها: أنه يلزم أهل كل بلد لا يتصور ~~خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم، حكاه السرخسي. خامسها: مثل قول ابن ~~الماجشون المتقدم. # سادسها: أنه لا يلزم إذا اختلفت الجهتان ارتفاعا وانحدارا، كأن يكون ~~أحدهما سهلا والآخر جبلا، أو كان كل بلد في إقليم، حكاه المهدي في البحر عن ~~الامام يحيى والهادوية. # وحجة أهل هذه الأقوال حديث كريب هذا. ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم ~~يعمل برؤية أهل الشام، وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر. (واعلم) أن الحجة إنما ~~هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار ~~إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هو قوله: فلا ~~نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والامر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا ~~تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين. وهذا لا يختص بأهل ~~ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، ~~فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من ~~الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد ms1730 فقد رآه المسلمون فيلزم ~~غيرهم ما لزمهم، ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية ~~أهل بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيدا بدليل العقل، وهو أن يكون بين ~~القطرين من البعد ما يجوز مع اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل ~~الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة، ولو ~~سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار ~~يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها، ~~وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فلا ~~يقبل التخصيص إلا بدليل، ولو سلم صلاحية PageV04P268 # حديث كريب هذا للتخصيص، فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص ~~معلوما، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوما لوروده على خلاف القياس، ولم ~~يأت ابن عباس بلفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا بمعنى لفظه حتى ننظر ~~في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل ~~المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ~~ذلك حتى نجعله مخصصا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك ~~الوارد على خلاف القياس وعدم الالحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل ~~برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها، ولو نسلم ~~صحة الالحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من ~~البعد ما بين المدينة والشام أو أكثر، وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر، ~~فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في ~~المنع من العمل بالرؤية، والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية ~~وجماعة من الزيدية، واختاره المهدي منهم، أو حكاه القرطبي عن شيوخه أنه إذا ~~رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى ما قاله ms1731 ابن عبد البر من ~~أن هذا القول خلاف الاجماع، قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية ~~فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الاجماع لا يتم والمخالف ~~مثل هؤلاء الجماعة. # باب وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: # من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له رواه الخمسة. # الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعا. وأخرجه أيضا ~~الدارقطني، قال في التلخيص: واختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي ~~حاتم عن أبيه: لا أدري أيهما أصح، يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن ~~أبي بكر عن الزهري عن سالم، أو رواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر ~~عن سالم بغير واسطة الزهري لكن الوقف أشبه. وقال أبو داود: لا يصح رفعه، ~~وقال الترمذي: # الموقوف أصح، ونقل في العلل عن البخاري أنه قال: هو خطأ وهو حديث فيه ~~اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي: الصواب عندي موقوف، ولم ~~يصح PageV04P269 # رفعه. وقال أحمد: ما له عندي ذلك الاسناد. وقال الحاكم في الأربعين: صحيح ~~على شرط الشيخين. وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري. وقال البيهقي: ~~رواته ثقات إلا أنه روي موقوفا. وقال الخطابي: أسنده عبد الله بن أبي بكر ~~والزيادة من الثقة مقبولة. وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة. ~~وقال الدارقطني: كلهم ثقات، انتهى كلام التلخيص. وقد تقرر في الأصول وعلم ~~الاصطلاح أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة، وإنما قال ابن حزم: أن الاختلاف ~~يزيد الخبر قوة لأن من رواه مرفوعا فقد رواه موقوفا باعتبار الطرق. (وفي ~~الباب) عن عائشة عند الدارقطني وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول، وقد ذكره ~~ابن حبان في الضعفاء، وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني أيضا بلفظ: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # من أجمع الصيام من الليل فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه ms1732 فلا يصم وفي إسناده ~~الواقدي. # (والحديث) فيه دليل على وجوب تبييت النية وإيقاعها في جزء من أجزاء ~~الليل، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر وجابر بن يزيد من الصحابة، والناصر والمؤيد ~~بالله ومالك والليث وابن أبي ذئب ولم يفرقوا بين الفرض والنفل. وقال أبو ~~طلحة وأبو حنيفة والشافعية وأحمد بن حنبل والهادي والقاسم: أنه لا يجب ~~التبييت في التطوع، ويروى عن عائشة أنها تصح النية بعد الزوال. وروي عن علي ~~عليه السلام والناصر وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي أنها لا تصح النية بعد ~~الزوال. وقالت الهادوية: وروي عن علي وابن مسعود والنخعي أنه لا يجب ~~التبييت، إلا في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارات، وأن وقت النية في غير ~~هذه من غروب شمس اليوم الأول إلى بقية من نهار اليوم الذي صامه. وقد استدل ~~القائلون بأنه لا يجب التبييت بحديث سلمة بن الأكوع والربيع عند الشيخين: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس إذ ~~فرض صوم عاشوراء الا كل: من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم. وأجيب بأن خبر ~~حفصة متأخر فهو ناسخ لجوازها في النهار، ولو سلم عند النسخ فالنية إنما صحت ~~في نهار عاشوراء، لكن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورا ~~فيخص الجواز بمثل هذه الصورة، أعني من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار ~~كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له في النهار أن ~~ذلك اليوم من رمضان. واستدلوا PageV04P270 # أيضا بحديث عائشة الآتي، وسيأتي الجواب عنه. (والحاصل) أن قوله: لا صيام ~~نكرة في سياق النفي، فيعم كل صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه ~~لا يشترط فيه التبييت، والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة لأنها أقرب ~~المجازين إلى الذات، أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية، فيصلح الحديث ~~للاستدلال به على عدم صحة صوم من لا يبيت النية إلا ما خص كالصورة ~~المتقدمة. والحديث أيضا يرد على الزهري وعطاء وزفر لأنهم لم ms1733 يوجبوا النية ~~في صوم رمضان وهو يدل على وجوبها. # ويدل أيضا على الوجوب حديث: إنما الأعمال بالنيات. والظاهر وجوب تجديدها ~~لكل يوم، لأنه عبادة مستقلة مسقطة لفرض وقتها، وقد وهم من قاس أيام رمضان ~~على أعمال الحج باعتبار التعدد للأفعال، لأن الحج عمل واحد، ولا يتم إلا ~~بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والاخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم ~~إجزائه. # قوله: يجمع أي يعزم، يقال: أجمعت على الامر أي عزمت عليه. قال المنذري: # يجمع بضم الياء آخر الحروف وسكون الجيم من الاجماع وهو أحكام النية ~~والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد. # وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ~~فقال: هل عندكم من شئ؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوما آخر ~~فقلنا: # يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل رواه ~~الجماعة إلا البخاري. وزاد النسائي: ثم قال: إنما مثل صوم المتطوع مثل ~~الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها. وفي لفظ له أيضا: ~~قال: يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل ~~أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل منها بما شاء فأمسكه قال ~~البخاري: وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا لا ~~قال: فإني صائم يومي هذا قال: وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة ~~رضي الله عنهم. # الرواية الأولى أخرجها أيضا الدارقطني والبيهقي، وفي لفظ لمسلم: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟ فإن ~~قالوا لا، قال: فإني صائم وله ألفاظ عنده. ورواه أبو داود وابن حبان ~~والدارقطني بلفظ: # كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتينا فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن ~~قلنا: نعم PageV04P271 # تغدى، وإن قلنا: لا، قال: إني صائم. وأنه أتانا ذات يوم وقد أهدي لنا حيس ~~الحديث. # قوله: حيس بفتح الحاء المهملة وسكون ms1734 المثناة التحتية بعدها سين مهملة هو ~~طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق والفتيت، ~~قاله في النهاية. وقد استدل بحديث عائشة من قال: إنه لا يجب تبييت النية في ~~صوم التطوع وهم الجمهور كما قال النووي، وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم وهو ~~محتمل، لا سيما على رواية: # فلقد أصبحت صائما. ولو سلم عد الاحتمال كان غايته تخصيص صوم التطوع من ~~عموم قوله: فلا صيام له. قوله: إنما مثل صوم المتطوع الخ، فيه دليل على أنه ~~يجوز للمتطوع بالصوم أن يفطر، ولا يلزمه الاستمرار على الصوم وإن كان أفضل ~~بالاجماع، وظاهره أن من أفطر في التطوع لم يجب عليه القضاء، وإليه ذهب ~~الجمهور. وقال أبو حنيفة ومالك والحسن البصري ومكحول والنخعي: أنه لا يجوز ~~للمتطوع الافطار ويلزمه القضاء إذا فعل، واستدلوا على وجوب القضاء بما وقع ~~في رواية للدارقطني والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: واقض يوما مكانه، ولكنهما ~~قالا: هذه الزيادة غير محفوظة. # قوله: كان أبو الدرداء هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة و عبد الرزاق. قوله: # وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة. أما أثر أبي طلحة فوصله عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة. وأما أثر أبي هريرة فوصله البيهقي وعبد الرزاق، وأما ~~أثر ابن عباس فوصله الطحاوي. وأما أثر حذيفة فوصله عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة أيضا. # باب الصبي يصوم إذا أطاق وحكم من وجب عليه الصوم في أثناء الشهر أو اليوم ~~عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداة ~~عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائما فليتم صومه، ~~ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه ونصومه صبياننا ~~الصغار PageV04P272 # منهم ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم من ~~الطعام أعطيناها إياه حتى يكون عند الافطار أخرجاه. قال البخاري: وقال عمر ~~لنشوان ms1735 في رمضان: ويلك وصبياننا صيام وضربه. # قوله: الربيع بتشديد الياء مصغرا ومعوذ بكسر الواو المشددة وهو ابن عون ~~ويعرف بابن عفراء. قوله: اللعبة بضم اللام المشددة بعدها عين مهملة ساكنة ~~ثم باء موحدة ثم تاء تأنيث وهي الشئ الذي يلعب به الصبيان. قوله: من العهن ~~أي الصوف قيل: هو المصبوغ منه. قوله: أعطيناها إياه حتى يكون عند الافطار ~~وقع في مسلم: أعطيناه إياه عند الافطار وهو مشكل، ورواية البخاري توضح أنه ~~سقط منه شئ. وقد رواه مسلم أيضا من وجه آخر فقال فيه: فإذا سألونا الطعام ~~أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم. قوله: لنشوان هو بفتح النون وسكون ~~المعجمة كسكران وزنا ومعنى، وجمعه نشاوى كسكارى. قال ابن خالويه: سكر الرجل ~~فانتشى وثمل بمعنى. وقال صاحب المحكم: نشأ الرجل وانتشى وتنشى كله بمعنى ~~سكر. وقال ابن التين: النشوان السكران سكرا خفيفا، وهذا الأثر وصله سعيد بن ~~منصور والبغوي في الجعديات بلفظ: أن عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في ~~رمضان، فلما دنا منه جعل يقول للمنخرين والفم وفي رواية البغوي: فلما رفع ~~إليه عثر فقال عمر: على وجهك ويحك وصبياننا صيام. ثم أمر به فضرب ثمانين ~~سوطا ثم سيره إلى الشام. (الحديث) استدل به على أن عاشوراء كان فرضا قبل أن ~~يفرض رمضان، وعلى أنه يستحب أمر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه، ~~وقد قال باستحباب ذلك جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري والشافعي ~~وغيرهم، واختلف أصحاب الشافعي في تحديد السن التي يؤمر الصبي عندها بالصيام ~~فقيل، سمع سنين، وقيل: # عشر وبه قال أحمد. وقيل: اثنتا عشرة سنة وبه قال إسحاق، وقال الأوزاعي: ~~إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والمشهور عن ~~المالكية أن الصوم لا يشرع في حق الصبيان، والحديث يرد عليهم لأنهم يبعد كل ~~البعد أن لا يطلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. وأخرج ابن خزيمة ~~من حديث رزينة بفتح الراء وكسر الزاي: أن النبي صلى الله عليه وآله ms1736 وسلم ~~كان يأمر برضعائه ورضعاء فاطمة، فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا ~~يرضعن إلى الليل. وقد توقف ابن خزيمة في صحته، PageV04P273 # قال الحافظ: وإسناده لا بأس به، وهو يرد على القرطبي قوله: لعل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بذلك، لأنه تعذيب ~~صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السنة انتهى. مع أن الصحيح عند أهل الأصول ~~والحديث أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان حكمه الرفع، لأن الظاهر اطلاعه عليه مع توفر دواعيهم إلى ~~سؤالهم إياه عن الاحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه لأنه إيلام ~~لغير مكلف فلا يكون إلا بدليل، ومذهب الجمهور أنه لا يجب الصوم على من دون ~~البلوغ، وذكر الهادي في الاحكام أنه يجب على الصبي الصوم بالإطاقة لصيام ~~ثلاثة أيام، واحتج على ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام الشهر كله هذا الحديث ~~ذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال: أخرجه المرهبي عن ابن عباس ولفظه: تجب ~~الصلاة على الغلام إذا عقل، والصوم إذا أطاق، والحدود والشهادة إذا احتلم ~~وقد حمل المرتضى كلام الهادي على لزوم التأديب، وحمله السادة الهارونيون ~~على أنه يؤمر بذلك تعويدا وتمرينا. # وعن سفيان بن عبد الله بن ربيعة قال: حدثنا وفدنا الذين قدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بإسلام ثقيف قالوا: وقدموا عليه في رمضان ~~وضرب عليهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا ما بقي عليهم من الشهر رواه ~~ابن ماجة. وعن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه أن أسلم أتت إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم ~~واقضوا رواه أبو داود. # الحديث الأول إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا ~~أحمد بن خالد الوهبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عيسى ms1737 بن عبد الله بن مالك، ~~عن عطية بن سفيان بن عبد الله فذكره، ورجال إسناده فيهم الثقة والصدوق ومن ~~لا بأس به، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق، وهذا الحديث هو طرف من حديث قدوم ~~ثقيف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنزاله لهم المسجد. والحديث ~~الثاني أخرجه الترمذي أيضا من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه ~~فذكره. (والحديث) الأول يدل على وجوب الصيام على من أسلم في رمضان ولا أعلم ~~فيه خلافا. (والحديث PageV04P274 # الثاني) فيه دليل على أنه يجب الامساك على من أسلم في نهار رمضان، ويلحق ~~به من تكلف أفاق من الجنون أو زال عذره المانع من الصوم، وأنه يجب عليه ~~القضاء لذلك اليوم، وإن لم يكن مخاطبا بالصوم في أوله. قال في الفتح: وعلى ~~تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الامر بالقضاء فلا يتعين القضاء، لأن من لم ~~يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ أو أسلم في أثناء النهار. قال ~~المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق حديث الربيع وما بعده ما لفظه: وهذا حجة ~~في أن صوم عاشوراء كان واجبا، وإن الكافر إذا أسلم أو بلغ الصبي في أثناء ~~يومه لزمه إمساكه وقضاؤه، ولا حجة فيه على سقوط تبييت النية، لأن صومه إنما ~~لزمهم في أثناء اليوم انتهى. وقد قدمنا الكلام على جميع هذه الأطراف. # أبواب ما يبطل الصوم وما يكره وما يستحب باب ما جاء في الحجامة عن رافع ~~بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفطر الحاجم والمحجوم ~~رواه أحمد والترمذي. ولأحمد وأبي داود وابن ماجة من حديث ثوبان وحديث شداد ~~بن أوس مثله. ولأحمد وابن ماجة من حديث أبي هريرة مثله. ولأحمد من حديث ~~عائشة وحديث أسامة بن زيد مثله. وعن ثوبان: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال: # أفطر الحاجم والمحجوم. وعن الحسن عن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال: # مر علي رسول الله ms1738 صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة ~~خلت من شهر رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم رواهما أحمد وهما دليل على أن ~~من فعل ما يفطر جاهلا يفسد صومه بخلاف الناسي. قال أحمد: أصح حديث في هذا ~~الباب حديث رافع بن خديج. وقال ابن المديني: أصح شئ في هذا الباب حديث ~~ثوبان وشداد بن أوس. # حديث رافع أخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه، قال الترمذي: ذكر عن أحمد ~~PageV04P275 # أنه قال: هذا أصح شئ في هذا الباب. وبالغ أبو حاتم فقال: هو عندي من طريق ~~رافع باطل. وعن يحيى بن معين أنه قال: هو أضعف أحاديث الباب. وحديث ثوبان ~~أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم. وروي عن أحمد أنه قال: هو أصح ما ~~روي في الباب، وكذا قال الترمذي عن البخاري، وصححه البخاري تبعا لعلي بن ~~المديني، نقله الترمذي في العلل. وحديث شداد بن أوس أخرجه أيضا النسائي ~~وابن خزيمة وابن حبان وصححاه، وصححه أيضا أحمد والبخاري وعلي بن المديني. ~~وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا النسائي من طريق عبد الله بن بشير عن الأعمش عن ~~أبي صالح عنه، وله طريق أخرى عن شقيق بن ثور عن أبيه عنه. وحديث عائشة ~~أخرجه أيضا النسائي وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وحديث أسامة أخرجه أيضا ~~النسائي وفيه اختلاف. وحديث ثوبان الآخر أخرجه أيضا النسائي وهو أحد ألفاظ ~~حديثه المشار إليه أولا. وحديث معقل بن سنان في إسناده عطاء بن السائب وقد ~~اختلط، ورواه الطبراني في الكبير، وأخرجه أيضا النسائي وذكر الاختلاف فيه. # (وفي الباب) عن أبي موسى عند النسائي والحاكم وصححه علي بن المديني. وقال ~~النسائي: # رفعه خطأ، والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة وعلقه البخاري ووصله أيضا بدون ~~ذكر أفطر الحاجم والمحجوم له. وعن بلال عند النسائي. وعن علي عند النسائي ~~أيضا. قال علي ابن المديني: اختلف فيه على الحسن. وعن أنس وجابر وابن عمر ~~وسعد بن أبي وقاص وأبي يزيد الأنصاري وابن مسعود عند ابن عدي في الكامل ~~والبزار ms1739 وغيرهما. (وقد استدل) بأحاديث الباب القائلون بفطر الحاجم والمحجوم ~~له، ويجب عليهما القضاء، وهم علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ~~وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان، حكاه عن هؤلاء ~~الجماعة صاحب الفتح، وصرح بأنهم يقولون إنه يفطر الحاجم والمحجوم له، وهو ~~يرد ما قاله المهدي في البحر، وتبعه المغربي في شرح بلوغ المرام وصاحب ضوء ~~النهار من أنه لم يقل أحد من العلماء بأن الحاجم يفطر. ومن القائلين بأنه ~~يفطر الحاجم والمحجوم له أبو هريرة وعائشة، قال الزعفراني: # إن الشافعي علق القول به على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية. ~~وذهب الجمهور إلى أن الحجامة لا تفسد الصوم، وحكاه في البحر عن جماعة من ~~الصحابة منهم علي وابنه الحسن، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن ~~PageV04P276 # أرقم. وعن العترة وأكثر الفقهاء والحسن البصري وعطاء والصادق. قال ~~الحازمي: # ممن روينا عنه ذلك من الصحابة: سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي وابن ~~مسعود، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وابن عمر، وأنس، وعائشة، وأم سلمة. ومن ~~التابعين والعلماء: # الشعبي، وعروة، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، وعكرمة، ~~وأبو العالية، وإبراهيم، وسفيان، ومالك، والشافعي وأصحابه إلا ابن المنذر. ~~وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها منسوخة بالأحاديث التي ستأتي. وأجيب عن ~~ذلك بما سنذكره في شرحها، وأجابوا أيضا بما أخرجه الطحاوي وعثمان الدارمي ~~والبيهقي في المعرفة عن ثوبان أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال: أفطر ~~الحاجم والمحجوم لأنهما كانا يغتابان، ورد بأن في إسناده يزيد بن ربيعة وهو ~~متروك، وحكم ابن المديني بأنه حديث باطل. قال ابن خزيمة: جاء بعضهم بأعجوبة ~~فزعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال: أفطر الحاجم والمحجوم لأنهما ~~كانا يغتابان، فإذا قيل له: فالغيبة تفطر الصائم، قال: لا، فعلى هذا لا ~~يخرج من مخالفة الحديث بلا شبهة، وأجابوا أيضا بأن المراد بقوله: أفطر ~~الحاجم والمحجوم أنهما سيفطران باعتبار ما يؤول الامر إليه كقوله تعالى: * ~~(إني أراني أعصر خمرا) * (يوسف: 36) قال ms1740 الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا ~~التأويل. # وقال البغوي في شرح السنة: معنى أفطر الحاجم والمحجوم أي تعرضا للافطار، ~~أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شئ من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم ~~فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر، وهذا أيضا ~~جواب متكلف، وسيأتي التصريح بما هو الحق. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم واحتجم ~~وهو صائم رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: احتجم وهو محرم صائم رواه أبو داود ~~وابن ماجة والترمذي وصححه. وعن ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم ~~تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: لا ~~إلا من أجل الضعف رواه البخاري. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاء على أصحابه ولم يحرمهما ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم PageV04P277 # أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد في ~~الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم رواه الدارقطني وقال: كلهم ثقات ~~وأعلم له علة. # حديث ابن عباس ورد على أربعة أوجه كما حكاه في التلخيص عن بعض الحفاظ: # الأول: احتجم وهو محرم. الثاني: احتجم وهو صائم. الثالث: كالرواية الأولى ~~التي ذكرها المصنف. الرابع: كالرواية الثانية التي ذكرها المصنف. وقد أخرج ~~اللفظ الأول من الأربعة الشيخان من حديث عبد الله ابن بحينة وله طرق شتى عن ~~النسائي وغيره من حديث أنس وجابر. والثاني رواه أصحاب السنن من طريق الحكم ~~عن مقسم عن ابن عباس، لكن أعل بأنه ليس من مسموع الحكم عن مقسم وله طرق ~~أخرى. والثالث أخرجه من ذكر المصنف، وكذلك الرابع، وأعله أحمد وعلي بن ~~المديني ms1741 وغيرهما، فقال أحمد: ليس فيه صائم إنما هو محرم عند أصحاب ابن ~~عباس. وقال أبو حاتم: هذا خطأ أخطأ فيه شريك. وقال الحميدي: # إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن محرما صائما لأنه خرج في رمضان في ~~غزاة الفتح ولم يكن محرما انتهى. وإذا صح فينبغي أن يحمل على أن كل واحد من ~~الصوم والاحرام وقع في حالة مستقلة وهذا لا مانع منه، وقد صح أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم صام في رمضان وهو مسافر، وزاد الشافعي وابن عبد ~~البر وغير واحد: أن ذلك في حجة الوداع، قال الحافظ: وفيه نظر، لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان مفطرا كما صح أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن ~~فشربه وهو واقف بعرفة، وعلى تقدير وقوع ذلك فقد قال ابن خزيمة: هذا الخبر ~~لا يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم، لأنه إنما احتجم وهو صائم محرم في ~~سفر لا في حضر، لأنه لم يكن قط محرما مقيما ببلد، قال: وللمسافر أن يفطر ~~ولو نوى الصوم ومضى عليه بعض النهار، خلافا لمن أبى ذلك ثم احتج له، لكن ~~تعقب عليه الخطابي بأن قوله وهو صائم دال على بقاء الصوم. قال الحافظ قلت: ~~ولا مانع من إطلاق ذلك باعتبار ما كان عليه حالة الاحتجام، لأنه على هذا ~~التأويل إنما أفطر بالاحتجام انتهى. وحديث أنس الأول اعترض على البخاري فيه ~~بأنه سقط من إسناده حميد ما بين شعبة وثابت البناني. وقال الحافظ: إن الخلل ~~وقع فيه من غير البخاري وبين وجه ذلك. وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه ~~أيضا عبد الرزاق. قال في الفتح: وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر. ~~وقوله: إبقاء على أصحابه متعلق PageV04P278 # بقوله نهى. وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا، ولفظه ~~عن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: إنما نهى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف أي لئلا يضعف. وحديث أنس ~~الآخر ms1742 قال في الفتح: رواته كلهم من رجال البخاري. (وفي الباب) عن أبي سعيد ~~الخدري قال: رخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحجامة، أخرجه النسائي ~~وابن خزيمة والدارقطني، قال الحافظ: إسناده صحيح ورجاله ثقات، لكن اختلف في ~~رفعه ووقفه واستشهد له بحديث أنس المذكور. وله حديث آخر عند الترمذي ~~والبيهقي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاث لا يفطرن: القئ والحجامة ~~والاحتلام وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. وقال الترمذي: ~~هذا الحديث غير محفوظ. وقد رواه الدراوردي وغير واحد عن زيد بن أسلم مرسلا، ~~ورواه أبو داود عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ورجحه أبو حاتم وأبو زرعة وقال: # إنه أصح وأشبه بالصواب، وتبعهما البيهقي. وقال الدارقطني: رواه كامل بن ~~طلحة عن مالك عن زيد موصولا ثم رجع عنه، وليس هو من حديث مالك، قال: ورواه ~~هشام بن سعد عن زيد موصولا ولا يصح وأخرجه في السنن. (وفي الباب) عن ابن ~~عباس عند البزار وهو معلول، وعن ثوبان عند الطبراني وسنده ضعيف. وقد استدل ~~الجمهور بالأحاديث المذكورة على أن الحجامة لا تفطر، ولكن حديث ابن عباس لا ~~يصلح لنسخ الأحاديث السابقة، إما أولا فلأنه لم يعلم تأخره لما عرفت من عدم ~~انتهاض تلك الزيادة أعني قوله في حجة الوداع. وأما ثانيا فغاية فعل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الواقع بعد عموم يشمله أن يكون مخصصا له مع العموم ~~لا رافعا لحكم العام، نعم حديث ابن أبي ليلى وأنس وأبي سعيد يدل على أن ~~الحجامة غير محرمة ولا موجبة لافطار الحاجم ولا المحجوم فيجمع بين الأحاديث ~~بان الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف ~~يبلغ إلى حد يكون سببا للافطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى ~~كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله: أفطر الحاجم والمحجوم ~~على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه ms1743 الحقيقي. PageV04P279 # باب ما جاء في القئ والاكتحال عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من ذرعه القئ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض رواه الخمسة ~~إلا النسائي. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والحاكم وله ألفاظ. قال النسائي: # وقفه عطاء على أبي هريرة. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث هشام عن ~~محمد عن أبي هريرة، تفرد به عيسى بن يونس. وقال البخاري: لا أراه محفوظا. ~~وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده. وقال أبو داود وبعض الحفاظ لا نراه ~~محفوظا. قال الحافظ: # وأنكره أحمد وقال في روايته: ليس من ذا شئ يعني أنه غير محفوظ كما قال ~~الخطابي، وصححه الحاكم على شرطهما. (وفي الباب) عن ابن عمر موقوفا عند مالك ~~في الموطأ والشافعي بلفظ: من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القئ ~~فليس عليه القضاء. قوله: من ذرعه قال في التلخيص: هو بفتح الذال المعجمة أي ~~غلبه. قوله: من استقاء عمدا أي استدعى القئ وطلب خروجه تعمدا. (والحديث) ~~يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القئ ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من ~~تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء. وقد ذهب إلى هذا علي وابن عمر ~~وزيد بن أرقم وزيد بن علي والشافعي والناصر والامام يحيى، حكي ذلك عنهم في ~~البحر. وحكى ابن المنذر الاجماع، على أن تعمد القئ يفسد الصيام. وقال ابن ~~مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم: أنه لا يفسد الصوم، سواء كان غالبا ~~أو مستخرجا ما لم يرجع منه شئ باختيار، واستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم في ~~الباب الذي قبل هذا بلفظ: ثلاث لا يفطرن: القئ والحجامة والاحتلام. وأجيب ~~بأن فيه المقال المتقدم فلا ينتهض معه للاستدلال. ولو سلم صلاحيته لذلك فهو ~~محمول كما قال البيهقي على من ذرعه القئ، وهذا لا بد منه لأن ظاهر حديث أبي ~~سعيد أن القئ لا يفطر مطلقا، وظاهر حديث أبي هريرة أنه يفطر نوع منه خاص، ~~فيبنى العام على الخاص، ويؤيد ms1744 حديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني ~~وابن منده والحاكم PageV04P280 # من حديث أبي الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاء فأفطر ~~قال معدان بن أبي طلحة الراوي له عن أبي الدرداء: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق ~~فقلت له: إن أبا الدرداء أخبرني فذكره فقال: صدق أنا صببت عليه وضوءه. # قال ابن منده: إسناده صحيح متصل وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده. قال ~~الترمذي: # جوده حسين المعلم وهو أصح شئ في هذا الباب، وكذلك قال أحمد قال البيهقي: # هذا حديث مختلف في إسناده، فإن صح فهو محمول على القئ عامدا، وكأنه كان ~~صلى الله عليه وآله وسلم صائما تطوعا، وقال في موضع آخر: إسناده مضطرب ولا ~~تقوم به حجة. # وعن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: ليتقه الصائم ~~رواه أبو داود والبخاري في تاريخه. وفي إسناده مقال قريب. قال ابن معين: # عبد الرحمن هذا ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق. # الحديث قال ابن معين أيضا: هو منكر. وقال الذهبي: إنه روى عن سعيد بن ~~إسحاق، فقلب اسمه أولا فقال عن إسحاق بن سعيد بن كعب، ثم غلط في الحديث ~~فقال: عن أبيه عن جده، ثم النعمان بن معبد غير معروف. وقد استدل بهذا ~~الحديث ابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالا: إن الكحل يفسد الصوم، وخالفهم ~~العترة والفقهاء وغيرهم فقالوا: إن الكحل لا يفسد الصوم، وأجابوا عن الحديث ~~بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به. واستدل بان شبرمة وابن أبي ليلى بما أخرجه ~~البخاري تعليقا، ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس ~~بلفظ: الفطر مما دخل والوضوء مما خرج قال: وإذا وجد طعمه فقد دخل، ويجاب ~~بأن في إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف جدا، وفيه أيضا شعبة مولى ابن ~~عباس وهو ضعيف. # وقال ابن عدي: الأصل ms1745 في هذا الحديث أنه موقوف. وقال البيهقي: لا يثبت ~~مرفوعا. # ورواه سعيد بن منصور موقوفا من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه. ورواه ~~الطبراني من حديث أبي أمامة. قال الحافظ: وإسناده أضعف من الأول. ومن حديث ~~ابن عباس مرفوعا. (واحتج الجمهور) على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه ~~ابن ماجة عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اكتحل في رمضان وهو ~~صائم PageV04P281 # وفي إسناده بقية عن الزبيدي عن هشام عن عروة، والزبيدي المذكور اسمه سعيد ~~بن أبي سعيد، ذكره ابن عدي وأورد هذا الحديث في ترجمته، وكذا قال البيهقي ~~وصرح به في روايته وزاد أنه مجهول. وقال النووي في شرح المهذب: رواه ابن ~~ماجة بإسناد ضعيف من رواية بقية عن سعد بن أبي سعيد وهو ضعيف، قال: وقد ~~اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة انتهى. قال الحافظ: ~~وليس سعيد بن أبي سعيد بمجهول بل هو ضعيف، واسم أبيه عبد الجبار على ~~الصحيح، وفرق ابن عدي بين سعيد بن أبي سعيد الزبيدي فقال: هو مجهول، وسعيد ~~بن عبد الجبار فقال: # هو ضعيف وهما واحد. ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع ~~عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كان يكتحل وهو صائم ~~قال ابن أبي حاتم عن أبيه هذا حديث منكر وقال في محمد إنه منكر الحديث وكذا ~~قال البخاري ورواه ابن ماجة في الضعفاء من حديث ابن عمر قال في التلخيص ~~وسنده مقارب. ورواه ابن أبي عاصم في كتاب الصيام له من حديث ابن عمر أيضا ~~بلفظ: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيناه مملوءتان من ~~الإثمد وذلك في رمضان وهو صائم ورواه الترمذي من حديث أنس في الاذن فيه لمن ~~اشتكت عينه، وقال: إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في هذا الباب شئ. ورواه أبو داود من فعل أنس، قال الحافظ: ولا بأس ~~بإسناده، قال: ms1746 # وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني. وعن ابن عباس في شعب ~~الايمان للبيهقي، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، لأن البراءة الأصلية لا ~~تنتقل عنها إلا بدليل، وليس في الباب ما يصلح للنقل، لا سيما بعد أن شد هذا ~~الحديث من عضدها، وعلى فرض صلاحية حديث الفطر مما دخل للاحتجاج به يكون ~~اكتحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخصصا للكحل، وكذلك على فرض صلاحية ~~حديث الباب يكون محمولا على الامر باجتناب الكحل المطيب لأن المروح هو ~~المطيب فلا يتناول ما لا طيب فيه، ويمكن أن يقال حديث الاكتحال صارف للامر ~~عن حقيقته أعني الوجوب فيكون الاكتحال مكروها، ولكنه يبعد أن يفعل صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما هو مكروه. قوله: بالإثمد بكسر الهمزة وهو حجر للكحل كما ~~في القاموس. PageV04P282 # باب من أكل أو شرب ناسيا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما الله أطعمه وسقاه ~~رواه الجماعة إلا النسائي. # وفي لفظ: إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ~~ولا قضاء عليه رواه الدارقطني. وقال: إسناده صحيح. وفي لفظ: من أفطر يوما ~~من رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة قال الدارقطني: تفرد به ابن مرزوق ~~وهو ثقة عن الأنصاري. # لفظ الدارقطني الأول أخرجه من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عند ابن علية ~~عن هشام عن ابن سيرين عنه وقال بعد قوله إسناده صحيح: أن رواته كلهم ثقات. ~~واللفظ الثاني أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الحافظ في بلوغ ~~المرام: وهو صحيح. وقد تعقب قول الدارقطني إنه تفرد به محمد بن مرزوق عن ~~الأنصاري بأن ابن خزيمة أيضا أخرجه عن إبراهيم بن محمد الباهلي عن ~~الأنصاري، وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي عن الأنصاري أيضا، ~~فالأنصاري هو المتفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة. قال في الفتح: والمراد ~~أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء ms1747 فقط لا بتعيين رمضان. وقد أخرج الدارقطني من ~~حديث أبي سعيد مرفوعا: من أكل في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه. قال ~~الحافظ: وإسناده وإن كان ضعيفا لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات الحديث بهذه ~~الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من ~~المسائل بما هو دونه في القوة، ويعتضد أيضا بأنه قد أفتى به جماعة من ~~الصحابة من غير مخالف لهم، كما قال ابن المنذر وابن حزم وغيرهما منهم علي ~~وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: * (ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) * (البقرة: 225) فالنسيان ليس من كسب القلوب، ~~وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الاكل لا بنسيانه انتهى. (وقد ذهب إلى ~~هذا الجمهور) فقالوا: من أكل ناسيا فلا يفسد صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة. ~~وقال مالك وابن أبي ليلى والقاسمية: إن من أكل ناسيا فقد بطل صومه ولزمه ~~القضاء، واعتذر بعض PageV04P283 # المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة وهو اعتذار باطل. ~~(والحديث) قاعدة مستقلة في الصيام، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل ~~هذا لما بقي من الحديث إلا القليل ولرد من شاء ما شاء. وأجاب بعضهم أيضا ~~بحمل الحديث على التطوع، حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قاله ابن ~~القصار واعتذر بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، وهو حمل غير صحيح ~~واعتذار فاسد، يرده ما وقع في حديث الباب من التصريح بالقضاء، ومن الغرائب ~~تمسك بعض المتأخرين في فساد الصوم ووجوب القضاء بما وقع في حديث المجامع ~~بلفظ: واقض يوما مكانه قال: ولم يسأله هل جامع عامدا أو ناسيا، وهذا يرده ~~ما وقع في أول الحديث، فإنه عند سعيد ابن منصور بلفظ: فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: تب إلى الله واستغفره وتصدق واقض يوما مكانه والتوبة ~~والاستغفار إنما يكونان عن العمد لا عن الخطأ، وأيضا بعد تسليم تنزيل ترك ~~الاستفصال منزلة العموم يكون حديث الباب مخصصا له، فلم يبق ما يوجب تر ms1748 ك ~~العمل بالحديث. وأما اعتذار ابن دقيق العيد عن الحديث بأن الصوم قد فات ~~ركنه وهو من باب المأمورات والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، ~~فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث ~~الباب مخصصا لها. قوله: فإنما الله أطعمه وسقاه هو كناية عن عدم الاثم، لأن ~~الفعل إذا كامن الله كان الاثم منتفيا. قوله: من أفطر يوما من رمضان ظاهره ~~يشمل المجامع وقد اختلف فيه، فبعضهم لم ينظر إلى هذا العموم وقال: إنه ملحق ~~بمن أكل أو شرب، وبعضهم منع من الالحاق لقصور حالة المجامع عن حالة الآكل ~~والشارب. وفرق بعضهم بين الأكل والشرب القليل والكثير، وظاهر الحديث عدم ~~الفرق. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد عن أم إسحاق أنها كانت عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها صائمة فقال لها ~~ذو اليدين الآن بعد ما شبعت، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتمي ~~صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك. PageV04P284 # باب التحفظ من الغيبة واللغو وما يقول إذا شتم عن أبي هريرة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ويصخب، ~~فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف ~~فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر ~~فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليه. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يدع ~~قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه رواه الجماعة ~~إلا مسلما والنسائي. # قوله: فلا يرفث بضم الفاء وكسرها ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد به هنا ~~الكلام الفاحش وهو بهذا المعنى بفتح الراء والفاء، وقد يطلق على الجماع ~~وعلى مقدماته، وعلى ذكر ذلك مع النساء أو مطلقا. قال في الفتح: ويحتمل أن ~~يكون النهي لما هو أعم منها. ms1749 وفي رواية: ولا يجهل أي لا يفعل شيئا من أفعال ~~الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك. قوله: ولا يصخب الصخب هو الرجة واضطراب ~~الأصوات للخصام. # قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما ~~المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. قوله: أو قاتله يمكن حمله على ظاهره، ~~ويمكن أن يراد بالقتل اللعن فيرجع إلى معنى الشتم، ولا يمكن حمل قاتله ~~وشاتمه على المفاعلة، لان الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك؟ ~~وإنما المعنى إذا جاء متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته كأن يبدأه بقتل أو شتم ~~اقتضت العادة أن يكافئه عليها، فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من ~~الصائم، وقد تطلق المفاعلة على وقوع الفعل من واحد، كما يقال: عالج الامر ~~وعاناه. قال في الفتح: وأبعد من حمله على ظاهره فقال: # المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ~~ذلك، ومما يبعد ذلك ما وقع في رواية فإن شتمة أحد. قوله: إني امرؤ صائم في ~~رواية لابن خزيمة بزيادة: وإن كنت قائما فاجلس ومن الرواة من ذكر قوله: # إني امرؤ صائم مرتين. واختلف في المراد بقوله: إني صائم هل يخاطب بها ~~الذي PageV04P285 # يشتمه ويقاتله أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن ~~الأئمة، ورجح النووي في الأذكار الأول، وقال في شرح المهذب: كل منهما حسن، ~~والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنا. وقال الروياني: إن كان رمضان ~~فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه. وادعى ابن العربي أن موضع ~~الخلاف في التطوع، وأما في الفرض فليقله بلسانه قطعا. قوله: والذي نفسي ~~محمد بيده هذا القسم لقصد التأكيد. قوله: # لخلوف بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء قال عياض: هذه الرواية ~~الصحيحة، وبعض الشيوخ يقول بفتح الخاء. قال الخطابي: وهو خطأ، وحكي عن ~~القابسي الوجهين، وبالغ النووي في شرح المهذب فقال: لا يجوز فتح الخاء، ~~واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله ms1750 قليلة، ذكرها ~~سيبويه وغيره، وليس هذا منها، والخلوف تغير رائحة الفم. قوله: أطيب عند ~~الله من ريح المسك اختلف في معناه فقال المازري: هو مجاز لأنها جرت العادة ~~بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريب الصائم من الله، فالمعنى أنه ~~أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك ~~إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وإنما جعل من باب المجاز لأن الله ~~تعالى منزه عن استطابة الروائح لأن ذلك من صفات الحيوان، والله يعلم ~~الأشياء على ما هي عليه. وقيل: المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ~~خلاف ما عندكم. وقيل: المراد أن الله يجازيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ~~ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكا، قاله القاضي عياض، ~~والمراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك، حكاه القاضي ~~عياض أيضا. وقال الداودي من المغاربة: المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من ~~المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الذكر، ورجحه النووي، وقد ~~اختلف هل ذلك في الدنيا أو في الآخرة؟ فقال بالأول ابن الصلاح، وبالثاني ~~ابن عبد السلام. واحتج بان الصلاح بما أخرجه ابن حبان بلفظ: فم الصائم حين ~~يخلف من الطعام وكذا أخرجه أحمد، وبما أخرجه أيضا الحسن بن سفيان في مسنده، ~~والبيهقي في الشعب من حديث جابر بلفظ: فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند ~~الله من ريح المسك. قال المنذري: إسناده مقارب، واحتج ابن الصلاح أيضا بأن ~~ما قاله هو ما ذهب إليه الجمهور. واحتج ابن عبد السلام على ما قاله بما في ~~مسلم وأحمد والنسائي: أطيب عند الله يوم القيامة. وأخرج أحمد هذه الزيادة ~~من وجه آخر، ويترتب على هذا الخلاف القول بكراهة السواك للصائم، وقد تقدم ~~البحث عنه PageV04P286 # في موضعه. قوله: للصائم فرحتان إذا أفطر الخ، قال القرطبي: معناه فرح ~~بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق إلى ~~الفهم. وقيل: إن فرحه لفطره إنما ms1751 هو من حيث إنه تمام صومه وخاتمة عبادته. ~~قال في الفتح: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل واحد ~~بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي، ~~ومنهم من يكون مستحيا وهو أن يكون لتمام العبادة، والمراد بالفرح إذا لقي ~~ربه أنه يفرح بما يحصل له من الجزاء والثواب. قوله: قول الزور والعمل به ~~زاد البخاري في رواية: والجهل. وأخرج الطبراني من حديث أنس: من لم يدع ~~الخنى والكذب. قال الحافظ: ورجاله ثقات، والمراد بالزور والكذب. قوله: فليس ~~لله حاجة الخ، قال ابن بطال: ليس معناه أنه يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما ~~معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، قال في الفتح: ولا مفهوم لذلك فإن ~~الله لا يحتاج إلى شئ، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة ~~موضع الإرادة. وقال ابن المنير في حاشيته على البخاري: # بل هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه ~~فلم يقم به: # لا حاجة لي في كذا. وقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن لا يثاب على ~~صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه، ~~واستدل بهذا الحديث، على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم وتعقب بأنها صغائر ~~تكفر باجتناب الكبائر. # باب الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر عن عمر قال: هششت يوما فقبلت وأنا ~~صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما ~~قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرأيت لو تمضمضت ~~بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ففيم ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصب الماء ~~على رأسه من الحر وهو صائم رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الأول ms1752 أخرجه أيضا النسائي وقال: إنه منكر. وقال أبو بكر البزار: ~~PageV04P287 # لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ~~والحاكم. # والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: هششت ~~بشينين معجمتين أن نشطت وارتحت، والهشاش في الأصل الارتياح والخفة والنشاط، ~~كذا في القاموس. قوله: أرأيت لو تمضمضت الخ، فيه إشارة إلى فقه بديع وهو أن ~~المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه، فكذلك القبلة لا تنقضه وهي ~~من دواعي الجماع وأوائله التي تكون مفتاحا له، والشرب يفسد الصوم كما يفسده ~~الجماع، فكما ثبت عند عمر أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام، كذلك أوائل ~~الجماع لا تفسده، وسيأتي الخلاف في التقبيل. قوله: يصب الماء على رأسه الخ، ~~فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله ~~وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ولم يفرقوا بين الأغسال الواجبة والمسنونة ~~والمباحة. وقالت الحنفية: # إنه يكره الاغتسال للصائم، واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق عن علي من ~~النهي عن دخول الصائم الحمام، وهو مع كونه أخص من محل النزاع في إسناده ضعف ~~كما قال الحافظ. واعلم أنه يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق ~~لحديث الامر بالمبالغة في ذلك إلا أن يكون صائما وقد تقدم. واختلف إذا دخل ~~من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ فقالت الحنفية والقاسمية ومالك ~~والشافعي في أحد قوليه والمزني أنه يفسد الصوم. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ~~والأوزاعي والناصر والامام يحيى وأصحاب الشافعي أنه لا يفسد الصوم كالناسي. ~~وقال زيد بن علي: يفسد الصوم بعد الثلاث المرات. وقال الصادق: يفسد إذا كان ~~التمضمض لغير قربة. وقال الحسن البصري والنخعي: إنه يفسد إن لم يكن ~~الفريضة. # باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه عن أم سلمة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها وهو صائم متفق عليه. وعن عائشة قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو ms1753 صائم ~~ولكنه كان أملككم لإربه رواه الجماعة إلا النسائي. وفي لفظ: كان يقبل في ~~رمضان وهو صائم رواه أحمد ومسلم. وعن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول ~~PageV04P288 # الله صلى الله عليه وآله وسلم أيقبل الصائم؟ فقال له: سل هذه لام سلمة ~~فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك، فقال: يا رسول ~~الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له: أما والله، إني ~~لأتقاكم لله وأخشاكم له. رواه مسلم. وفيه أن أفعاله حجة. وعن أبي هريرة: أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه ~~آخر فنهاه عنها، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب رواه أبو داود. # حديث أبي هريرة سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص، وفي ~~إسناده أبو العنبس الحرث بن عبيد سكتوا عنه، قال في التقريب: مقبول، وقد ~~أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس ولم يصرح برفعه، والبيهقي من حديث عائشة ~~مرفوعا، وأخرج نحوه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو. قوله: كان يقبلها فيه ~~دليل على أنه يجوز التقبيل للصائم ولا يفسد به الصوم. قال النووي: ولا خلاف ~~أنها لا تبطل الصوم إلا إن أنزل بها، ولكنه متعقب بأن ابن شبرمة أفتى ~~بإفطار من قبل. ونقله الطحاوي عن قوم ولم يسمهم، وقد قال بكراهة التقبيل ~~والمباشرة على الاطلاق قوم وهو المشهور عند المالكية. وروى ابن أبي شيبة ~~بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة. ونقل ابن المنذر ~~وغيره عن قوم تحريمهما، وأباح القبلة مطلقا قوم. قال في الفتح: وهو المنقول ~~صحيحا عن أبي هريرة قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة وبالغ بعض الظاهرية ~~فقال: إنها مستحبة، وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فأباحوها للشيخ دون الشاب، ~~تمسكا بحديث أبي هريرة المذكور في الباب، وما ورد في معناه، وبه قال ابن ~~عباس، أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما. وفرق آخرون بين من يملك نفسه ms1754 ومن ~~لا يملك. واستدلوا بحديث عائشة المذكور في الباب، وبه قال سفيان والشافعي، ~~ولكنه ليس إلا قولا لعائشة، نعم نهيه صلى الله عليه وآله وسلم للشاب وإذنه ~~للشيخ يدل على أنه لا يجوز التقبيل لمن خشي أن تغلبه الشهوة وظن أنه لا ~~يملك نفسه عند التقبيل، ولذلك ذهب قوم إلى تحريم التقبيل على من كان تتحرك ~~به شهوته، والشاب مظنة لذلك، ويعارض حديث أبي هريرة ما أخرجه النسائي عن ~~عائشة قالت: أهوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقبلني فقلت: إني صائمة، ~~فقال: وأنا صائم فقبلني وعائشة كانت شابة حينئذ إلا أن يكون حديث أبي هريرة ~~مختصا بالرجال، PageV04P289 # ولكنه بعيد، لأن الرجال والنساء سواء في هذا الحكم. ويمكن أن يقال: إن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم من حال عائشة أنها لا تتحرك شهوته ~~بالتقبيل. وقد أخرج ابن حبان في صحيحه أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا ~~يمسك شيئا من وجهها وهي صائمة، فدل على أنه كان يجنبها ذلك إذا صامت تنزيها ~~منه لها عن تحرك الشهوة لكونها ليست مثله. وقد دل حديث عمرو بن أبي سلمة ~~المذكور على جواز التقبيل للصائم من غير فرق بين الشاب وغيره. وحديث أبي ~~هريرة أخص منه فيبنى العام على الخاص. # (واحتج) من قال بتحريم التقبيل والمباشرة مطلقا بقوله تعالى: * (فالآن ~~باشروهن) * (البقرة: 187) قالوا: # فمنع من المباشرة في هذه الآية نهارا. وأجيب عن ذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارا، فدل على أن ~~المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها، وغاية ما في ~~الآية أن تكون عامة في كل مباشرة مخصصة بما وقع منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وما أذن به، والمراد بالمباشرة المذكورة في الحديث ما هو أعم من ~~التقبيل ما لم يبلغ إلى حد الجماع، فيكون قوله: كان يقبل ويباشر من ذكر ~~العام بعد الخاص، لأن المباشرة في الأصل التقاء البشرتين، ووقع الخلاف فيما ~~إذا ms1755 باشر الصائم أو قبل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: ~~يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الامذاء. وقال مالك وإسحاق: يقضي ~~في كل ذلك ويكفر إلا في الامذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن الانزال أقصى ما ~~يطلب في الجماع من الالتذاذ في كل ذلك. وتعقب بأن الاحكام علقت بالجماع ~~فقط، وروى ابن القاسم عن مالك أنه يجب القضاء على من باشر أو قبل فأنعظ ~~أنزل أو لم ينزل، أمذى أم لم يمذ، وأنكر غيره عن مالك. وروى عبد الرزاق عن ~~حذيفة أن من تأمل خلق امرأة وهو صائم بطل صومه، قال في الفتح: وإسناده ~~ضعيف. قال وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال وفيه نظر، ~~فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل وقوي ذلك وذهب إليه قوله: لإربه بفتح ~~الهمزة والراء وبالموحدة أي حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء أي عضوه. ~~قال في الفتح: والأول أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير ~~انتهى. (وفي الباب) عن عائشة عند أبي داود: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها ويمص لسانها قال الحافظ: ~~وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على أنه لم يبتلع ريقه الذي خالطه ريقها. ~~وعن رجل من الأنصار PageV04P290 # عند عبد الرزاق بإسناد صحيح: أنه قبل امرأته وهو صائم، فأمر امرأته فسألت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: إني أفعل ذلك، فقال زوجها: ~~ترخص الله لنبيه في أشياء، فرجعت فقال: أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم ~~وأخرجه مالك لكنه أرسله. # باب من أصبح جنبا وهو صائم عن عائشة أن رجلا قال: يا رسول الله تدركني ~~الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأنا ~~تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال: # لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ~~والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي رواه أحمد ومسلم ms1756 وأبو ~~داود. # وعن عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصبح جنبا من ~~جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان متفق عليه. وعن أم سلمة قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يصبح جنبا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا ~~يقضي أخرجاه. # هذه الأحاديث استدل بها من قال: إن من أصبح جنبا فصومه صحيح ولا قضاء ~~عليه، من غير فرق بين أن تكون الجنابة عن جماع أغيره وإليه ذهب الجمهور، ~~وجزم النووي بأنه استقر الاجماع على ذلك. وقال ابن دقيق العيد: إنه صار ذلك ~~إجماعا أو كالاجماع، وقد ثبت من حديث أبي هريرة ما يخالف أحاديث الباب، ~~فأخرج الشيخان عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أصبح جنبا فلا صوم ~~له وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين كما نقله الترمذي. ~~ورواه عبد الرزاق عن عروة بن الزبير، وحكاه ابن المنذر عن طاوس. # قال ابن بطال: وهو أحد قولي أبي هريرة. قال الحافظ: ولم يصح عنه لأن ابن ~~المنذر رواه عنه من طريق أبي المهزم وهو ضعيف. وحكى ابن المنذر أيضا عن ~~الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنه يتم صومه ثم يقضيه. وروى عبد ~~الرزاق عن عطاء مثل قولهما. قال في الفتح: ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن ~~صالح بن حيي إيجاب القضاء، والذي نقله عنه الطحاوي استحبابه. ونقل ابن ~~PageV04P291 # عبد البر عنه. وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع. ونقل ~~الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا ~~على أنه يجزئه. # وتعقبه الحافظ بما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه أفتى من ~~أصبح جنبا من احتلام أن يفطر. وفي رواية أخرى عنه عند النسائي أيضا: من ~~احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم. وأجاب ~~القائلون بأن من أصبح جنبا يفطر عن أحاديث الباب بأجوبة: منها أن ذلك من ~~خصائصه ms1757 صلى الله عليه وآله وسلم، ورده الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا ~~بدليل، وبأن حديث عائشة المذكور في أول الباب يقتضي عدم اختصاصه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بذلك. # وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الامر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى ~~الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز، فيحمل حديث عائشة على ~~بيان الجواز. وقد نقل النووي هذا الجمع عن أصحاب الشافعي، وتعقبه الحافظ ~~بأن الذي نقله البيهقي وغيره عن أصحاب الشافعي هو سلوك طريقة الترجيح. وعن ~~ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، وبالنسخ قال الخطابي. وقواه ابن دقيق العيد ~~بأن قوله تعالى: * (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) * (البقرة: 187) ~~يقتضي إباحة الوطئ في ليلة الصيام، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر، ~~فيلزم إباحة الجماع فيه، ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبا ولا يفسد صومه. ~~ويقوي ذلك أن قول الرجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر يدل على أن ذلك كان بعد نزول الآية، وهي إنما نزلت ~~عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، ويؤيد دعوى ~~النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك كما في رواية للبخاري أنه لما أخبر ~~بما قالت أم سلمة وعائشة فقال: # هما أعلم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي رواية ابن جريج: فرجع ~~أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، وكذا وقع عند النسائي أنه رجع، وكذا عند ~~ابن أبي شيبة. # وفي رواية للنسائي: أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس، ووقع نحو ~~ذلك في البخاري وقال: إنه حدثه بذلك الفضل. وفي رواية أنه قال: حدثني بذلك ~~أسامة. وأما ما أخرجه ابن عبد البر عن أبي هريرة أنه قال: كنت حدثتكم من ~~أصبح جنبا فقد أفطر وأن ذلك من كيس أبي هريرة فقال الحافظ: لا يصح ذلك عن ~~أبي هريرة لأنه من رواية PageV04P292 # عمر بن قيس وهو متروك. ومن حجج من سلك ms1758 طريق الترجيح ما قاله ابن عبد البر ~~أنه صح وتواتر حديث عائشة وأم سلمة، وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات ~~عنه أنه كان يفتي بذلك، وأيضا رواية اثنين مقدمة على رواية واحد، ولا سيما ~~وهما زوجتان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والزوجات أعلم بأحوال الأزواج، ~~وأيضا روايتهما موافقة للمنقول وهو ما تقدم من مدلول الآية، وللمعقول وهو ~~أن الغسل شئ وجب بالانزال، وليس في فعله شئ يحرم على الصائم، فإن الصائم قد ~~يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يفسد صومه بل يتمه إجماعا. قوله: ولا ~~يقضي عزاه المصنف إلى البخاري ومسلم ولم نجده في البخاري بل هو مما انفرد ~~به مسلم فينظر في ذلك. # باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ ~~قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: ~~فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ # قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: ثم جلس فأتي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرق فيه تمر قال: تصدق بهذا، قال: فهل على ~~أفقر منا فما بين لابتيها أهل البيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه وقال: اذهب فأطعمه أهلك رواه الجماعة. وفي ~~لفظ ابن ماجة قال: أعتق رقبة قال: لا أجدها، قال: صم شهرين متتابعين، قال: ~~لا أطيق، قال: أطعم ستين مسكينا وذكره وفيه دلالة قوية على الترتيب. ولابن ~~ماجة وأبي داود في رواية: وصم يوما مكانه وفي لفظ للدارقطني فيه: فقال: ~~هلكت وأهلكت، فقال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي وذكره. وظاهره هذا أنها ~~كانت مكرهة. # في الباب عن عائشة عند الشيخين ولفظ الدارقطني الذي ذكره المصنف، قال ~~الخطابي: إنه تفرد به معلى بن منصور عن ابن عيينة، وذكر البيهقي أن الحاكم ~~نظر في كتاب معلى بن منصور فلم يجد ms1759 هذه اللفظة يعني هلكت وأهلكت، وأخرجها ~~من رواية الأوزاعي، وذكر أنها أدخلت على بعض الرواة في حديثه، وأن أصحابه ~~PageV04P293 # لم يذكروها. قال الحافظ: وقد رواها الدارقطني من رواية سلامة بن روح عن ~~عقيل عن ابن شهاب. قوله: جاء رجل قال عبد الغني في المبهمات: إن اسمه سلمان ~~أو سلمة بن صخر البياضي. ويؤيده ما وقع عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن صخر ~~أنه ظاهر من امرأته، وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن سعيد بن المسيب أنه ~~سلمان بن صخر. قوله: هلكت استدل به على أنه كان عامدا لأن الهلاك مجاز عن ~~العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع مجازا، فلا يكون في ~~الحديث حجة على وجوب الكفارة على الناسي وبه قال الجمهور. وقال أحمد وبعض ~~المالكية: إنها تجب على الناسي، واستدلوا بتركه صلى الله عليه وآله وسلم ~~للاستفصال وهو ينزل منزلة العموم. قال في الفتح، والجواب أنه قد تبين حاله ~~بقوله: هلكت واحترقت وأيضا وقوع النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية ~~البعد. قوله: وقعت على امرأتي في رواية: أن رجلا أفطر في رمضان وبهذا ~~استدلت المالكية على وجوب الكفارة على من أفطر في رمضان بجماع أو غيره، ~~والجمهور حملوا المطلق على المقيد وقالوا: لا كفارة إلا في الجماع. قوله: ~~رقبة استدلت الحنفية بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة، وأجيب ~~عن ذلك بأنه يحمل المطلق على المقيد في كفارة القتل وبه قال الجمهور، ~~والخلاف في المسألة مبسوط في الأصول. قوله: ستين مسكينا قال ابن دقيق ~~العيد: أضاف الاطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين، فلا يكون ذلك موجودا في ~~حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلا، وبه قال الجمهور. وقالت الحنفية: ~~أنه لو أطعم الجميع مسكينا واحدا في ستين يوما كفي، ويدل على قولهم قوله: # فأطعمه أهلك وفي ذلك دليل على أن الكفارة تجب بالجماع، خلافا لمن شذ ~~فقال: # لا تجب مستندا إلا أنها لو كانت واجبة لما سقطت بالاعسار وتعقب بمنع ~~السقوط كما ms1760 سيأتي، وفيه أيضا دليل على أنه يجزئ التكفير بكل واحدة من ~~الثلاث الخصال، وروي عن مالك أنه لا يجزئ إلا الاطعام والحديث يرد عليه، ~~وظاهر الحديث أنه لا يجزئ التكفير بغير هذه الثلاث. وروي عن سعيد بن المسيب ~~أنه يجزئ إهداء البدنة كما في الموطأ عنه مرسلا. وقد روى سعيد بن منصور عن ~~سعيد بن المسيب أنه كذب من نقل عنه ذلك. وظاهر الحديث أيضا أن الكفارة ~~بالخصال الثلاث على الترتيب، قال ابن العربي: لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نقله من أمر بعد PageV04P294 # عدمه إلى أمر آخر، وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة ~~الترتيب في السؤال عن ذلك فقال: إن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على ~~التخيير وقرره ابن المنير. قال البيضاوي: إن ترتيب الثاني على الأول ~~والثالث على الثاني بالفاء يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان، ~~وجواب السؤال فتنزل منزلة الشرط، وإلى القول بالترتيب ذهب الجمهور. وقد وقع ~~في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر ومعهم ~~الزيادة، وجمع المهلب والقرطبي بين الروايات بتعدد الواقعة. قال الحافظ: ~~وهو بعيد لأن القصة واحدة والمخرج متحد، والأصل عد التعدد، وجمع بعضهم بحمل ~~الترتيب على الأولوية والتخيير على الجواز وعكسه بعضهم. # قوله: فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضم الهمزة للأكثر على البناء ~~للمجهول، والرجل الآتي لم يسم. ووقع في رواية للبخاري: فجاء رجل من الأنصار ~~وفي أخرى للدارقطني: رجل من ثقيف. قوله: بعرق فيه تمر بفتح المهملة والراء ~~بعدها قاف، وفي رواية القابسي بإسكان الراء وقد أنكر ذلك عليه، والصواب ~~الفتح كما قال عياض. # وقال الحافظ: الاسكان ليس بمنكر وهو الزنبيل والزنبيل هو المكتل، قال في ~~الصحاح: # المكتل يشبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعا، ووقع عند الطبراني في الأوسط أنه ~~أتى بمكتل فيه عشرون صاعا فقال: تصدق بهذا، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، ~~ووقع مثل ذلك عند ابن خزيمة من حديث عائشة، وفي مسلم عنها فجاءه ms1761 عرقان ~~فيهما طعام. قال في الفتح: ووجهه أن التمر كان في عرق لكنه كان في عرقين في ~~حال التحميل على الدابة ليكون أسهل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ ~~أحدهما في الآخر، فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال عرق أراد ما آل ~~إليه، وقد ورد في تقدير الاطعام حديث علي عند الدارقطني بلفظ: يطعم ستين ~~مسكينا لكل مسكين مد وفيه: فأتى بخمسة عشر صاعا فقال: أطعمه ستين مسكينا. ~~وكذا عند الدارقطني من حديث أبي هريرة. قال الحافظ: من قال عشرون أراد أصل ~~ما كان عليه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما يقع به الكفارة. قوله: تصدق ~~بهذا استدل به وبما قبله من قال: إن الكفارة تجب على الرجل فقط، وبه قال ~~الأوزاعي وهو الأصح من قولي الشافعي. وقال الجمهور: تجب على المرأة على ~~اختلاف بينهم في الحرة والأمة، والمطاوعة والمكرهة، وهل هي عليها أو على ~~الرجل؟ واستدل الشافعي بسكوته عن PageV04P295 # إعلام المرأة في وقت الحاجة وتأخير البيان عنها لا يجوز، ورد بأنها لم ~~تعترف ولم تسأل فلا حاجة، ولا سيما مع احتمال أن تكون مكرهة، كما يرشد إلى ~~ذلك قوله في رواية الدارقطني: هلكت وأهلكت. قوله: فهل على أفقر منا هذا يدل ~~على أنه فهم من الامر له بالتصدق أن يكون المتصدق عليه فقيرا. قوله: فما ~~بين لابتيها بالتخفيف تثنية لابة وهي الحرة، والحرة الأرض التي فيها حجارة ~~سود، يقال: لابة ولوبة ونوبة بالنون، حكاهن الجوهري وجماعة من أهل اللغة، ~~والضمير عائد إلى المدينة أي ما بين حرتي المدينة. قوله: فضحك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قيل: سبب ضحكه ما شاهده من حال الرجل حيث جاء خائفا ~~على نفسه راغبا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما ~~أعطيه في الكفارة. وقيل: ضحك من بيان الرجل في مقاطع كلامه وحسن بيانه ~~وتوسله إلى مقصوده. وظاهر هذا أنه وقع منه ضحك يزيد على التبسم، فيحمل ما ~~ورد في صفته صلى الله عليه ms1762 وآله وسلم أن ضحكه كان التبسم على غالب أحواله. ~~قوله: فأطعمه أهلك استدل به على سقوط الكفارة بالاعسار لما تقرر من أنها لا ~~تصرف في النفس والعيال، ولم يبين له صلى الله عليه وآله وسلم استقرارها في ~~ذمته إلى حين يساره وهو أحد قولي الشافعي، وجزم به عيسى بن دينار من ~~المالكية، وقال الجمهور: لا تسقط بالاعسار، قالوا: وليس في الخبر ما يدل ~~على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدل على استقرارها عليه، قالوا أيضا: ~~والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة، وقيل: المراد بالأهل ~~المذكورين من لا تلزمه نفقتهم، وبه قال بعض الشافعية ورد بما وقع من ~~التصريح في رواية بالعيال، وفي أخرى من الاذن له بالاكل، وقيل: لما كان ~~عاجزا عن نفقة أهله جاز له أن يفرق الكفارة فيهم. وقيل غير ذلك، وقد طول ~~الكلام عليه في الفتح. # قوله: وصم يوما مكانه يعني مكان اليوم الذي جامع فيه، قال الحافظ: وقد ~~ورد الامر بالقضاء في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن ~~الزهري، وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري وحديث ~~إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة. وحديث الليث عن ~~الزهري في الصحيحين بدونها، ووقعت الزيادة أيضا في مرسل سعيد بن المسيب، ~~ونافع بن جبير، والحسن، ومحمد بن كعب. وبمجموع هذه الطرق الأربع يعرف أن ~~PageV04P296 # لهذه الزيادة أصلا، وقد حكي عن الشافعي أنه لا يجب عليه القضاء، واستدل ~~له بأنه لم يقع التصريح في الصحيحين بالقضاء، ويجاب بأن عدم الذكر له في ~~الصحيحين لا يستلزم العدم، وقد ثبت عند غيرهما كما تقدم. وظاهر إطلاق اليوم ~~عدم اشتراط الفورية. # باب كراهة الوصال عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ~~الوصال فقالوا: # إنك تفعله، فقال: إني لست كأحدكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني. وعن أبي ~~هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إياكم والوصال، فقيل: إنك ~~تواصل، ms1763 قال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فأكلفوا من العمل ما تطيقون. # وعن عائشة قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصال رحمة لهم ~~فقالوا: # إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني متفق عليهن. # وعن أبي سعيد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تواصل ~~فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله، ~~قال: # لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني رواه البخاري وأبو ~~داود. # وفي الباب عن أنس عند الشيخين. وعن بشير بن الخصاصية عند أحمد بلفظ: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الوصال وقال: إنما يفعل ذلك ~~النصارى وأخرجه أيضا الطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، قال في الفتح: ~~إسناده صحيح. وعن أبي ذر عند الطبراني في الأوسط. وعن رجل من الصحابة عند ~~أبي داود وغيره، قال في الفتح: وإسناده صحيح بلفظ: نهى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما وقد تقدم. قوله: يطعمني ربي ~~ويسقيني قال في الفتح: اختلف في معناه فقيل: هو على حقيقته وأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، ~~وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وبأن قوله أظل ~~يدل على وقوع ذلك في النهار، وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ أبيت دون ~~أظل، وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى من حمل ~~PageV04P297 # لفظ أظل على المجاز وعلى التنزل، فلا يضر شئ من ذلك، لأن ما يؤتى به ~~الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا يجري عليه أحكام ~~المكلفين. وقال الزين بن المنير: هو محمول على أن أكله وشربه في تلك الحال ~~كحالة النائم الذي يحصل له الشبع والري بالاكل والشرب، ويستمر له ذلك حتى ~~يستيقظ، فلا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله، ولا ينقص من أجره. وقال ~~الجمهور: ms1764 هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوة ~~الآكل الشارب، وهذا هو الظاهر. قوله: إياكم والوصال وقع في رواية لأحمد ~~مرتين. وفي رواية لمالك ثلاث مرات وإسنادها صحيح. قوله: فأكلفوا بسكون ~~الكاف وبضم اللام أي احملوا من المشقة في ذلك ما تطيقون. وحكى عياض عن ~~بعضهم أنه قال: هو بهمزة قطع ولا يصح لغة. قوله: رحمة لهم استدل به من قال: ~~إن الوصال مكروه غير محرم، وذهب الأكثر إلى تحريم الوصال. وعن الشافعية ~~وجهان: التحريم والكراهة. (وأحاديث) الباب تدل على ما ذهب إليه الجمهور ~~وأجابوا بأن قوله رحمة لا يمنع التحريم، فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم. ~~ومن أدلة القائلين بعدم التحريم ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم يوما ثم يوما، ثم ~~رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، هكذا ~~في البخاري وغيره، وأجاب الجمهور عن ذلك بأن مواصلته صلى الله عليه وآله ~~وسلم بهم بعد نهيه لهم فلم يكن تقريرا بل تقريعا وتنكيلا، واحتمل ذلك منهم ~~لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، ~~وكان ذلك أدعى إلى قبولهم، لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير ~~فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك. ومن الأدلة على ~~أن الوصال غير محرم حديث الرجل من الصحابة الذي قدمنا ذكره، فإنه صرح بأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحرم الوصال. ومنها ما رواه البزار ~~والطبراني من حديث سمرة قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصال ~~وليس بالعزيمة ومنها إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فإن ذلك يدل على ~~أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم كما قال الحافظ، وقد ذهب إلى جوازه ~~مع عدم المشقة عبد الله بن الزبير، وروى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه ~~كان يواصل خمسة عشر يوما، وذهب PageV04P298 # إليه ms1765 من الصحابة أخت أبي سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم، ~~وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبو الجوزاء كما ~~في الفتح وهو الظاهر، فلا أقل من أن تكون هذه الأدلة التي ذكروها صارفة ~~للنهي عن الوصال عن حقيقته، وذهبت الهادوية إلى كراهة الوصال مع عدم النية ~~وحرمته مع النية. وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من ~~المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور في الباب. ~~ومثله ما أخرجه الطبراني من حديث جابر: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يواصل من سحر إلى سحر وأخرجه أحمد ~~وعبد الرزاق من حديث علي، فإن كان اسم الوصال إنما يصدق على إمساك جميع ~~الليل فلا معارضة بين الأحاديث، وإن كان يصدق على أعم من ذلك فيبنى العام ~~على الخاص، ويكون المحرم ما زاد على الامساك إلى ذلك الوقت. # باب آداب الافطار والسحور عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم. وعن ~~سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يزال الناس بخير ما ~~عجلوا الفطر متفق عليهما. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: يقول الله عز وجل: إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا رواه أحمد والترمذي. # حديث أبي هريرة قال الترمذي: حديث حسن غريب. وفي الباب عن عائشة عند ~~الترمذي وصححه: أنها سئلت عن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أحدهما يعجل الافطار ويعجل الصلاة؟ والآخر يؤخر الافطار ويؤثر الصلاة ~~فقالت: # أيهما يعجل الافطار ويعجل الصلاة؟ فقيل لها: عبد الله بن مسعود، قالت: ~~هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والآخر أبو موسى. وعن أبي ~~هريرة حديث آخر عند أبي داود والنسائي وابن ماجة بلفظ قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود ms1766 ~~والنصارى يؤخرون. وعن سهل بن سعد حديث آخر عند ابن حبان والحاكم بلفظ: لا ~~تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها PageV04P299 # النجوم. وعن أبي ذر عند أحمد وسيأتي. وعن ابن عباس وأنس أشار إليهما ~~الترمذي. قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الافطار وتأخير السحور صحاح ~~متواترة. وأخرج عبد الرزاق وغيره بإسناد قال الحافظ: صحيح عن عمرو بن ميمون ~~الأودي، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسرع الناس إفطارا ~~وأبطأهم سحورا. قوله: إذا أقبل الليل زاد البخاري في رواية: من ههنا وأشار ~~بإصبعيه قبل الشرق والمراد وجود الظلمة. قوله: # وأدبر النهار زاد البخاري في رواية: من ههنا يعني من جهة المغرب. قوله: ~~وغابت الشمس في رواية للبخاري: وغربت الشمس، ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور، ~~وهي وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد ~~يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ~~ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار فمن ثم قيد بغروب الشمس. قوله: فقد أفطر ~~الصائم أي دخل في وقت الفطر، كما يقال: أنجد إذا أقام بنجد، وأتهم إذا أقام ~~بتهامة، ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطرا في الحكم لكون الليل ليس ظرفا ~~للصيام الشرعي، وقال ابن خزيمة: هو لفظ خبر ومعناه الامر أي فليفطر، ويرجح ~~الأول ما وقع في رواية عند البخاري فقد حل الافطار. قوله: ما عجلوا الفطر ~~زاد أبو ذر في حديثه: وأخروا السحور أخرجه أحمد وسيأتي. وما ظرفية أي مدة ~~فعلهم ذلك امتثالا للسنة ووقوفا عند حدها. قال المهلب: والحكمة في ذلك أن ~~لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أوفق بالصائم وأقوى له على العبادة ~~انتهى. وأيضا في تأخيره تشبه باليهود فإنهم يفطرون عند ظهور النجوم، وقد ~~كان الشارع يأمر بمخالفتهم في أفعالهم وأقوالهم، واتفق العلماء على أن محل ~~ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل. وقد صرح الحديث ~~القدسي بأن معجل الافطار أحب عباد الله ms1767 إليه، فلا يرغب عن الاتصاف بهذه ~~الصفة إلا من كان حظه من الدين قليلا كما تفعله الرافضة، ولا يجب تعجيل ~~الافطار لما تقدم في الباب الأول من أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالمواصلة إلى السحر كما في حديث أبي سعيد. # وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفطر على رطبات قبل ~~أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي. وعن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن PageV04P300 # لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور رواه الخمسة إلا النسائي. وعن معاذ بن ~~زهرة: أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أفطر قال: اللهم ~~لك صمت وعلى رزقك أفطرت رواه أبو داود. # حديث أنس حسنه الترمذي، وقال أبو بكر البزار: لا يعلم رواه عن ثابت عن ~~أنس إلا جعفر بن سليمان. وقال أيضا: رواه النشيطي فأنكروا عليه وضعف حديثه، ~~وقال ابن عدي: تفرد به جعفر عن ثابت. والحديث مشهور بعبد الرزاق، تابعه ~~عمار بن هارون وسعيد بن سليمان النشيطي. قال الحافظ: وأخرج أبو يعلى عن ~~إبراهيم بن الحجاج عن عبد الواحد بن ثابت عن ثابت عن أنس قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شئ لم تصبه ~~النار و عبد الواحد قال البخاري: منكر الحديث. وروى الطبراني في الأوسط من ~~طريق يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا كان صائما لم يصل حتى يأتيه برطب وماء فيأكل ويشرب، وإذا لم يكن رطب لم ~~يصل حتى يأتيه بتمر وماء وقال: تفرد به مسكين بن عبد الرحمن عن يحيى بن ~~أيوب وعنه زكريا بن عمر. وأخرج أيضا الترمذي والحاكم وصححه عن أنس مرفوعا: ~~من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد ms1768 التمر فليفطر على الماء فإنه طهور. ~~وحديث سليمان بن عامر أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه، وصححه أبو حاتم ~~الرازي، وروى ابن عدي عن عمران بن حصين بمعناه وإسناده ضعيف، وحديث معاذ ~~مرسل لأنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد رواه الطبراني في ~~الكبير، والدار قطني من حديث ابن عباس بسند ضعيف، ورواه أبو داود والنسائي ~~والدارقطني والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر وزاد: ذهب الظمأ وابتلت العروق ~~وأثبت الاجر إن شاء الله قال الدارقطني: إسناده حسن. وعند الطبراني عن أنس ~~قال: # كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أفطر قال: بسم الله اللهم لك صمت ~~وعلى رزقك أفطرت وإسناده ضعيف لأن فيه داود بن الزبرقان وهو متروك. ولابن ~~ماجة عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: إن للصائم دعوة لا ترد وكان ابن عمر إذا ~~أفطر يقول: # اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ أن تغفر لي ذنوبي. وحديثا أنس ~~وسليمان يدلان على مشروعية الافطار بالتمر، فإن عدم فبالماء، ولكن حديث ~~PageV04P301 # أنس فيه دليل عن أن الرطب من التمر أولى من اليابس فيقدم عليه إن وجد، ~~وإنما شرع الافطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، ~~وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة. وقيل: لأن الحلو يوافق ~~الايمان ويرق القلب، وإذا كانت العلة كونه حلوا والحلو له ذلك التأثير ~~فيلحق به الحلويات كلها، أما ما كان أشد منه في الحلاوة فبفحوى الخطاب، وما ~~كان مساويا له فبلحنه. وحديث معاذ بن زهرة فيه دليل على أنه يشرع للصائم أن ~~يدعو عند إفطاره بما اشتمل عليه من الدعاء، وكذلك سائر ما ذكرناه في الباب. ~~قوله: حسا حسوات أي شرب شربات، والحسوة المرة الواحدة. # وعن أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: لا تزال أمتي ~~بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر رواه أحمد. وعن أنس: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: تسحروا فإن في السحور بركة رواه ms1769 الجماعة إلا أبا داود. ~~وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن فصلا ما ~~بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر رواه الجماعة إلا البخاري وابن ~~ماجة. # حديث أبي ذر في إسناده سليمان بن أبي عثمان، قال أبو حاتم: مجهول. وفي ~~الباب عن أبي ليلى الأنصاري عند النسائي وأبي عوانة في صحيحه بنحو حديث ~~أنس. # وعن ابن مسعود عند النسائي والبزار بنحوه أيضا. وعن أبي هريرة عند ~~النسائي بنحوه أيضا. وعن قرة بن إياس المزني عند البزار نحوه أيضا. وعن ابن ~~عباس عند ابن ماجة والحاكم بلفظ: استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، ~~وبقيلولة النهار على قيام الليل وله شاهد في علل ابن أبي حاتم عنه، وتشهد ~~له رواية لابن داسة في سنن أبي داود وأخرجه ابن حبان بلفظ: نعم سحور المؤمن ~~التمر. وعن ابن عمر عند ابن حبان بلفظ: إن الله وملائكته يصلون على ~~المتسحرين. وفي رواية له عنه: تسحروا ولو بجرعة من ماء. وعن زيد ثابت عند ~~الشيخين أنه: كان بين تسحره صلى الله عليه وآله وسلم ودخوله في الصلاة قدر ~~ما يقرأ الرجل خمسين آية. وعن أنس عند البخاري بنحوه. وعن أبي سعيد عند ~~أحمد بلفظ: السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجزع أحدكم جرعة من ماء فإن الله ~~وملائكته يصلون على المتسحرين. ولسعيد بن PageV04P302 # منصور من طريق أخرى: تسحروا ولو بلقمة. قوله: ما أخروا السحور أي مدة ~~تأخيرهم. (وفيه دليل) على مشروعية تأخير السحور، وقد تقدم قول ابن عبد ~~البر: إن أحاديث تأخير السحور صحاح متواترة. قوله: فإن في السحور بركة بفتح ~~السين وضمها قال في الفتح: لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضم ~~لأنه مصدر أو البركة كونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه، ~~فيناسب الفتح لأنه اسم لما يتسحر به. (وفيه دليل) على مشروعية التسحر، وقد ~~نقل ابن المنذر الاجماع على ندبية السحور انتهى. وليس بواجب لما ثبت عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعن أصحابه ms1770 أنهم واصلوا، ومن مقويات مشروعية ~~السحور ما فيه من المخالفة لأهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون كما صرح بذلك حديث ~~عمرو بن العاص، وأقل ما يحصل به التسحر ما يتناوله المؤمن من مأكول أو ~~مشروب ولو جرعة من ماء كما تقدم في الأحاديث. # أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء باب الفطر والصوم في السفر عن عائشة: ~~أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أصوم في ~~السفر؟ وكان كثير الصيام فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر رواه الجماعة. وعن ~~أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان ~~في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعبد الله بن رواحة وعن جابر قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل ~~عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر. وعن ~~أنس قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعب الصائم ~~على المفطر ولا المفطر على الصائم. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان PageV04P303 # سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ~~ويصومون، حتى إذا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا، وإنما ~~يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالآخر فالآخر متفق على هذه ~~الأحاديث، إلا أن مسلما له معنى حديث ابن عباس من غير ذكر عشرة آلاف ولا ~~تاريخ الخروج. وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله أجد مني قوة ~~على الصوم في السفر فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها ~~فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم والنسائي وهو قوي ms1771 الدلالة ~~على فضيلة الفطر. وعن أبي سعيد وجابر قالا: سافرنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض رواه ~~مسلم. وعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~مكة ونحن صيام قال: # فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنكم قد دنوتم من ~~عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا ~~منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا فكانت عزمة ~~فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في السفر رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # قوله: أأصوم قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون ~~فيه حجة على من منع صوم رمضان في السفر. قال الحافظ: هو كما قال بالنسبة ~~إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية لمسلم أنه أجابه بقوله: هي رخصة من الله ~~فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وهذا يشعر بأنه سأل عن ~~صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب. وأصرح من ذلك ما ~~أخرجه أبو داود والحاكم عنه أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه ~~أسافر عليه وأكريه ربما صادفني هذ الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجد لي ~~أن أصوم أهون علي من أن أؤخره فيكون دينا، فقال: أي ذلك شئت. وفي هذا ~~الحديث دلالة على استواء الصوم والافطار في السفر. قوله: في شهر رمضان هذا ~~لفظ مسلم. وفي البخاري: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض ~~أسفاره وبرواية مسلم يتم المراد من الاستدلال ويتوجه بها الرد على ابن حزم ~~حيث زعم أن PageV04P304 # حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعا، وقد ~~قيل: إن هذا السفر هو غزوة الفتح وهو وهم لأن أبا الدرداء ذكر ابن عبد الله ms1772 ~~بن رواحة كان صائما في هذا السفر، وهو استشهد بموته قبل غزوة الفتح بلا ~~خلاف، وإن كانتا جميعا في سنة واحدة. وأيضا الذين صاموا في غزوة الفتح ~~جماعة من الصحابة، ولم يستثن أبو الدرداء في هذه الرواية مع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا عبد الله بن رواحة. # (وفي هذا الحديث) دليل على أنه لا يكره الصوم لمن قوي عليه. قوله: في ~~السفر في رواية للبخاري وابن خزيمة أنها غزوة الفتح. قوله: ورجلا قد ظلل ~~عليه زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل وعزا ذلك إلى مبهمات الخطيب، ولم يقل ذلك ~~في هذه القصة، وإنما قاله في قصة الذي نذر أن يصوم ويقوم في الشمس، وكان ~~ذلك يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب. قال الحافظ: لم نقف ~~على اسم هذا الرجل. قوله: ليس من البر الخ، قد أشار البخاري إلى أن السبب ~~في قوله صلى الله عليه وآله وسلم هذه المقالة هو ما ذكر من المشقة التي ~~حصلت للرجل الذي ظلل عليه. وفي ذلك دليل على أن الصيام في السفر لمن كان ~~يشق عليه ليس بفضيلة. # (وقد اختلف السلف) في هذه المسألة أعني صوم رمضان في السفر فقالت طائفة: # لا يجزئ الصوم عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، ~~وهو قول بعض الظاهرية، وحكاه في البحر عن أبي هريرة وداود والامامية. قال ~~في الفتح: # وحكي عن عمر وابن عمرو وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم انتهى. # واحتجوا بقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر) * (البقرة: 184) قالوا: لأن ظاهر قوله فعدة أي فالواجب عليه عدة، ~~وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة. واحتجوا أيضا بما في حديث ابن عباس ~~المذكور في الباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفطر في السفر وكان ذلك ~~آخر الامرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر، فالآخر من فعله، فزعموا أن ~~صومه صلى الله عليه وآله وسلم في السفر منسوخ، وأجاب الجمهور عن ذلك ms1773 بأن ~~هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري كما جزم بذلك البخاري في الجهاد، وكذلك ~~وقعت عند مسلم مدرجة، وبأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام بعد هذه ~~القصة كما في حديث أبي سعيد المذكور في آخر الباب بلفظ: ثم لقد رأيتنا نصوم ~~مع رسول PageV04P305 # الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك في السفر واحتجوا أيضا بما أخرجه ~~مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج عام الفتح في رمضان ~~فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر ~~الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة. ~~وفي رواية له: أن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا ~~بقدح من ماء بعد العصر الحديث، وسيأتي. وأجاب عنه الجمهور بأنه إنما نسبهم ~~إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا. واحتجوا أيضا بما في حديث جابر ~~المذكور في الباب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس من البر الصوم في ~~السفر وأجاب عنه الجمهور بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال ذلك في حق ~~من شق عليه الصوم كما سبق بيانه، ولا شك أن الافطار مع المشقة الزائدة أفضل ~~وفيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن قيل: إن السياق ~~والقرائن تدل على التخصيص. قال ابن دقيق العيد: وينبغي أن يتنبه للفرق بين ~~دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم، وبين ~~مجرد ورود العام على سبب، فإن بين المقامين فرقا واضحا، ومن أجراهما مجرى ~~واحد لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية ~~السرقة في قصة رداء صفوان. وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم ~~فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في حديث الباب، وأيضا نفي البر لا ~~يستلزم عدم صحة الصوم، وقد قال الشافعي: يحتمل أن يكون المراد ليس من البر ~~المفروض الذي من خالفه أثم. وقال الطحاوي: المراد ms1774 بالبر هنا البر الكامل ~~الذي هو أعلى المراتب، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون ~~برا، لأن الافطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو، ~~وقال الشافعي: # نفي البر المذكور في الحديث محمول على من أبى قبول الرخصة. وقد روى ~~الحديث النسائي بلفظ: ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله ~~التي رخص لكم فاقبلوا. قال ابن القطان: إسنادها حسن متصل يعني الزيادة، ~~ورواها الشافعي، ورجح ابن خزيمة الأول، واحتجوا أيضا بما أخرجه ابن ماجة عن ~~عبد الرحمن بن عوف مرفوعا: # الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة وهو ~~ضعيف، ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعا، قال الحافظ: والمحفوظ ~~عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا، كذا أخرجه النسائي وابن المنذر، ورجح وقفه ابن ~~أبي حاتم والبيهقي PageV04P306 # والدارقطني، ومع وقفه فهو منقطع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى ~~تقدير صحته فهو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أو لمن الصوم كحالة ~~المشقة جمعا بين الأدلة، واحتجوا أيضا بما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي، ~~وحسنه عن أنس بن مالك الكعبي بلفظ: إن الله قد وضع عن المسافر الصوم وشطر ~~الصلاة. ويجاب عنه بأنه مختلف فيه كما قال ابن أبي حاتم، وعلى تسليم صحته ~~فالوضع لا يستلزم عدم صحة الصوم في السفر وهو محل النزاع، وذهب الجمهور ~~منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق به، ~~وبه قالت العترة وروي عن أنس وعثمان بن أبي العاص. وقال الأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق: أن الفطر أفضل عملا بالرخصة. وروي عن ابن عباس وابن عمر، وقال عمر ~~بن عبد العزيز واختاره ابن المنذر أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذ ~~ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وقال آخرون: هو مخير مطلقا، ~~والأولى أن يقال: من كان يشق عليه الصوم ويضره، وكذلك من كان معرضا عن قبول ~~الرخصة فالفطر أفضل. ms1775 أما الطرف الأول فلما قدمنا من الأدلة في حجج القائلين ~~بالمنع من الصوم. وأما الطرف الثاني فلحديث: إن الله يحب أن تؤتى رخصه وقد ~~تقدم. ولحديث: من رغب عن سنتي فليس مني. وكذلك يكون الصيام أفضل في حق من ~~خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر. وقد روى الطبراني عن ابن ~~عمر أنه قال: إذا سافرت فلا تصم فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصيام ~~ادفعوا للصائم وقاموا بأمرك وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب ~~أجرك. وأخرج نحوه أيضا من طريق أبي ذر، ومثل ذلك ما أخرجه البخاري في ~~الجهاد عن أنس مرفوعا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمفطرين لما ~~خدموا الصائمين: ذهب المفطرون اليوم بالاجر. وما كان من الصيام خاليا عن ~~هذه الأمور فهو أفضل من الافطار. ومن أحب الوقوف على حقيقة المسألة فليراجع ~~قبول البشرى في تيسير اليسرى للعلامة محمد بن إبراهيم. قوله: الكديد بفتح ~~الكاف وكسر الدال المهملة. قوله: وقديد بضم القاف مصغرا وبين الكديد ومكة ~~مرحلتان. # قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والكل في قضية واحدة وكلها متقاربة، والجميع من عمل عسفان. ~~قوله: أجد مني قوة ظاهره أن الصوم لا يشق عليه ويفوت به حق. وفي رواية ~~لمسلم: إني رجل PageV04P307 # أسرد الصوم وقد جعل المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث قوي الدلالة على ~~فضيلة الفطر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن ~~يصوم فلا جناح فأثبت للاخذ بالرخصة الحسن وهو أرفع من رفع الجناح. وأجاب ~~الجمهور بأن هذا فيمن يخاف ضررا أو يجد مشقة كما هو صريح في الأحاديث، وقد ~~أسلفنا تحقيق ذلك. قوله: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فيه دليل ~~على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى، لأنه ربما وصل ~~إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الافطار ms1776 ~~أولى ولم يتحتم، وأما إذا كان لقاء العدو متحققا فالافطار عزيمة، لأن ~~الصائم يضعف عن منازلة الاقران، لا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان، ~~ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة ~~المجاهدين من المسلمين. (فائدة) المسافة التي يباح الافطار فيها هي المسافة ~~التي يباح القصر فيها، والخلاف هنا كالخلاف هناك، وقد قدمنا تحقيق ذلك في ~~باب القصر فليرجع إليه. # باب من شرع في الصوم ثم أفطر فيومه ذلك عن جابر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس ~~معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت، ~~فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وصام ~~بعضهم، فبلغه أن ناسا صاموا فقال: أولئك العصاة رواه مسلم والنسائي ~~والترمذي وصححه. وعن أبي سعيد، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على بغلة له فقال: اشربوا أيها الناس، قال: فأبوا، قال: إني ~~لست مثلكم إني أيسركم إني راكب فأبوا، فثنى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وما كان يرى أن يشرب. وعن ابن عباس قال: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى مر ~~بغدير في الطريق وذلك في نحر الظهيرة قال: فعطش الناس فجعلوا يمدون أعناقهم ~~وتتوق PageV04P308 # أنفسهم إليه، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدح فيه ماء ~~فأمسكه على يده حتى رآه الناس ثم شر ب فشرب الناس رواهما أحمد. # حديث ابن عباس أخرج نحوه البخاري في المغازي من طريق خالد الحذاء عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان والناس ~~صائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من ms1777 لبن أو ماء فوضعه على ~~راحلته ثم نظر الناس وسيأتي. وزاد في رواية أخرى من طريق طاوس عن ابن عباس: # ثم دعا بماء فشرب نهارا. وأخرجه من طريق أبي الأسود عن عكرمة أوضح من ~~سياق خالد ولفظه: فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح ~~من لبن فأمسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته ثم شرب فأفطر فناوله رجلا ~~إلى جنبه فشرب والأحاديث في هذا المعنى يشهد بعضها لبعض. قوله: كراع الغميم ~~هو بضم الكاف، والغميم بفتح الغين المعجمة وهو اسم واد أمام عسفان، وهو من ~~أموال أعالي المدينة. (وفيه دليل) على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى ~~الصيام من الليل وهو قول الجمهور. قال في الفتح: وهذا كله فيما لو نوى ~~الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل ~~له أن يفطر في ذلك النهار؟ # منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني وهذا هو الحق، ~~ولحديث جابر المذكور في الباب لما تقدم من أن كراع الغميم من أموال أعالي ~~المدينة لحديث ابن عباس الذي سيأتي في الباب الذي بعد هذا أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أفطر حين استوى على راحلته. وهذا الحديث أيضا يرد ما روي عن ~~بعض السلف أن من استهل رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر. ~~وقد روي عن علي عليه السلام نحو ذلك بإسناد ضعيف، والجمهور على الجواز وهو ~~الحق. واستدل المانع من الافطار بقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه) * (البقرة: 185). قوله: فشرب الخ، فيه دليل على أن فضيلة الفطر لا ~~تختص بمن أجهده الصوم أو خشي العجب والرياء، أو ظن به الرغبة عن الرخصة، بل ~~يلتحق بذلك من يقتدي به ليتابعه من وقع له شئ من هذه الأمور الثلاثة، ويكون ~~الفطر في تلك الحال في حقه أفضل لفضيلة البيان، ويدل على هذا قوله في حديث ~~أبي سعيد: وما كان يريد أن يشرب. قوله: أولئك ms1778 العصاة استدل به من قال: بأن ~~الفطر في السفر متحتم، ومن قال: بأنه أفضل، وقد تقدم الجواب عن ذلك. قوله: ~~PageV04P309 # في يوم صائف فيه أن الافطار عند اشتداد الحر كما يكون في أيام الصيف أفضل ~~لأنه مظنة المشقة، وأنه يشرع لمن مع المسافرين من إمام أو عالم أن يفطر ~~ليقتدي به الناس، وإن لم يكن محتاجا إلى الافطار لما تقدم. قوله: إني أيسرك ~~إني راكب يعني إني أيسركم مشقة، ثم بين ذلك بقوله: إني راكب. قوله: فنحر ~~الظهيرة أي في أول الظهيرة، قال في القاموس: نحر النهار والشهر أوله الجمع ~~نحور انتهى. قوله: # تتوق أنفسهم أي تشتاق، قال في القاموس: تاق إليه توقا وتوقا وتياقة ~~وتوقانا اشتاق انتهى. قوله: فأمسكه على يده في رواية للبخاري: فرفعه إلى ~~يده قال الحافظ: وهذه الرواية مشكلة، لأن الرفع إنما يكون باليد، وأجاب ~~الكرماني بأن المعنى يحتمل أن يكون رفعه إلى أقصى طول يده، أي انتهى الرفع ~~إلى أقصى غايتها، وفي رواية لأبي داود: فرفعه إلى فيه. قوله: حتى رآه الناس ~~في رواية للبخاري: ليراه. # وفي رواية للمستملي: ليريه بضم أوله وكسر الراء وفتح التحتانية والناس ~~بالنصب على المفعولية. # باب من سافر في أثناء يوم هل يفطر فيه ومتى يفطر وعن ابن عباس قال: خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان إلى حنين والناس مختلفون فصائم ~~ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته أو ~~راحته ثم نظر الناس المفطرون للصوام أفطروا رواه البخاري. # هذا أحد ألفاظ حديث ابن عباس، وقد ورد بألفاظ مختلفة في البخاري وغيره ~~وقد تقدم ذكر بعضها، وذكره المصنف ههنا للاستدلال به على أنه يجوز للمسافر ~~الافطار عند ابتداء السفر لقوله فيه: فلما استوى على راحلته الخ، وقال ~~الشافعي: من أصبح في حضر مسافرا فليس له أن يفطر إلا أن يثبت حديث النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه أفطر يوم الكديد انتهى. (والحديث المذكور) قد ~~ثبت كما تقدم، ولكنها لا ms1779 تقوم به الحجة على إفطار من أصبح في حضر مسافرا، ~~لأن بين الكديد والمدينة ثمانية أيام، بل هو حجة على أنه يجوز لمن صام ~~أياما في سفره أن يفطر، وقد ترجم عليه باب إذا صام PageV04P310 # أياما من رمضان ثم سافر، والذي تقوم به الحجة على جواز إفطار من أصبح في ~~حضر مسافرا هو حديث الباب، وكذلك حديث جابر المتقدم في الباب الأول كما ~~تقدم تحقيق ذلك قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق الحديث: قال شيخنا عبد ~~الرزاق بن عبد القادر: # صوابه خيبر أو مكة، لأنه قصدهما في هذا الشهر، فأما حنين فكانت بعد الفتح ~~بأربعين ليلة انتهى. والفتح كان لعشر بقين من رمضان، وقيل: لتسع عشرة ليلة ~~خلت منه. قال في الفتح وهو الذي اتفق عليه أهل السير: وكانت خروجه صلى الله ~~عليه وآله وسلم من المدينة في عاشر شهر رمضان، فإذا كانت حنين بعده بأربعين ~~ليلة لم يستقم أن يكون السفر إليها في رمضان. # وعن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت ~~له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ # فقال: سنة، ثم ركب رواه الترمذي. وعن عبيد بن جبر قال: ركبت مع أبي بصرة ~~الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع ثم قرب غداءه ثم قال: اقترب ~~فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الأول ذكره الحافظ وسكت عنه وفي إسناده عبد بن جعفر والد علي بن ~~المديني وهو ضعيف. والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في ~~التلخيص ورجال إسناده ثقات. وأخرج البيهقي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو ~~بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه. قوله: من الفسطاط هو اسم ~~علم لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص. (والحديثان) يدلان على أنه ~~يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر ms1780 منه. قال ابن ~~العربي في العارضة: هذا صحيح ولم يقل به إلا أحمد أما علماؤنا فمنعوا منه، ~~لكن اختلفوا إذا أكل هل عليه كفارة؟ فقال مالك: لا، وقال أشهب: هو متأول، ~~وقال غيرهما: يكفر، ونحب أن يكفر لصحة الحديث ولقول أحمد: عذر يبيح الافطار ~~فطريانه على الصوم يبيح الفطر كالمرض، وفرق بأن المرض لا يمكن دفعه بخلاف ~~السفر. قال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة ~~السفر، ثم ذكر أن قوله من السنة بد من أن يرجع إلى التوقيف، والخلاف في ذلك ~~معروف في PageV04P311 # الأصول. والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقد صرح هذان الصحابيان بأن الافطار للمسافر قبل مجاوزة ~~البيوت من السنة. # باب جواز الفطر للمسافر إذا دخل بلدا ولم يجمع إقامة عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ ~~الكديد الماء الذي بين قديد وعسفان فلم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر رواه ~~البخاري. ووجه الحجة منه أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، هكذا جاء في ~~حديث متفق عليه. # الكديد وقديد قد تقدم ضبطهما وتفسيرهما. والحديث يدل على أن المسافر إذا ~~أقام ببلد مترددا جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة، كما يجوز له أن يقصر، ~~وقد عرفناك في باب قصر الصلاة أمن حط رحله في بلد وأقام به يتم صلاته لان ~~مشقة السفر قد زالت عنه، ولا يقصر إلا إلى مقدار المدة التي قصر فيها صلى ~~الله عليه وآله وسلم مع إقامته، ولا شك أن قصره صلى الله عليه وآله وسلم في ~~تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل منعت من ~~مجاوزتها، لأن القصر للمقيم لم يشرعه الشارع فلا يثبت له إلا بدليل، وقد دل ~~الدليل على أنه يقصر في مثل المدة التي أقام فيها صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقد تقدم الخلاف في مقدارها فيقتصر على ذلك. وهكذا ms1781 يقال في الافطار: الأصل ~~في المقيم أن لا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه له، ~~وقد دل الدليل على أن من كان مقيما ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة ~~التي أفطره صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على ~~اختلاف الروايات فيقتصر على ذلك، ولا يجوز الزيادة عليه إلا بدليل. (فإن ~~قيل) الاعتبار بإطلاق اسم المسافر على المقيم المتردد وقد أطلقه عليه صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: إنا قوم سفر، كما تقدم في القصر لا بالمشقة ~~ولعدم انضباطها، قلنا: قد تقدم الجواب عن ذلك في القصر فليرجع إليه. ~~PageV04P312 # باب ما جاء في المريض والشيخ والشيخة والحامل والمرضع عن أنس بن مالك ~~الكعبي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله عز وجل وضع عن ~~المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم رواه الخمسة. وفي لفظ ~~بعضهم: وعن الحامل والمرضع. # الحديث حسنه الترمذي وقال: ولا يعرف لابن مالك هذا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم غير هذا الحديث الواحد انتهى. وقال ابن أبي حاتم في علله: ~~سألت أبي عنه يعني الحديث فقال: اختلف فيه، والصحيح عن أنس بن مالك القشيري ~~انتهى. # قال المنذري: ومن يسمى بأنس بن مالك من رواة الحديث خمسة: صحابيان هذا ~~وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وأنس بن مالك والد الامام مالك بن أنس روي عنه حديث في إسناده نظر. والرابع ~~شيخ حمصي حدث. والخامس كوفي حدث عن حماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهما ~~انتهى. # وينبغي أن يكون أنس بن مالك القشيري الذي ذكره ابن أبي حاتم سادسا إن لم ~~يكن هو الكعبي. (والحديث) يدل على أن المسافر لا صوم عليه، وقد تقدم البحث ~~عن ذلك، وأنه يصلي قصرا، وقد تقدم تحقيقه، وأنه يجوز للحبلى والمرضع ~~الافطار، وقد ذهب إلى ذلك العترة والفقهاء إذا خافت المرضعة على الرضيع ~~والحامل على الجنين، وقالوا: # إنها ms1782 تفطر حتما، قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز. وقال الترمذي: العمل ~~على هذا عند أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ~~ويطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعضهم: ويفطران ~~ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق ~~انتهى. وقد قال بعدم وجوب الكفارة مع القضاء الأوزاعي والزهري والشافعي في ~~أحد أقواله. وقال مالك والشافعي في أحد أقواله: أنها تلزم المرضع لا الحامل ~~إذ هي كالمريض. # وعن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية * (وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين) * (البقرة: 184) كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى أنزلت الآية ~~التي بعدها فنسختها رواه الجماعة إلا أحمد. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~PageV04P313 # عن معاذ بن جبل بنحو حديث سلمة وفيه: ثم أنزل الله: * (فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه) * (البقرة: 185) فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص ~~فيه للمريض والمسافر، وثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام مختصر ~~لأحمد وأبي داود. وعن عطاء: # سمع ابن عباس يقرأ: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * (البقرة: ~~184) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا ~~يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا رواه البخاري. وعن عكرمة: أن ~~ابن عباس قال: أثبتت للحبلى والمرضع رواه أبو داود. # حديث معاذ قد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا. قوله: الآية التي بعدها هي ~~الآية المذكورة في حديث معا الذي بعده. قوله: فنسختها قد روي عن ابن عمر ~~كما روي عن سلمة من النسخ، ذكر ذلك البخاري عنه معلقا وموصولا. وقد أخرج ~~أبو نعيم في المستخرج والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم ~~المدينة ولا عهد لهم بالصيام فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل ~~رمضان فاستكثروا ذلك وشق عليهم فكان من يطعم مسكينا كل يوم ترك الصيام ممن ~~يطيقه رخص لهم في ذلك ثم نسخه قوله تعالى: * (وأن تصوموا خير لكم) * ~~(البقرة: 184) فأمروا بالصيام. وهذا الحديث أخرجه أيضا ms1783 أبو داود من طريق ~~شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولا، وقد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا، وإذا ~~تقرر أن الافطار والاطعام كان رخصة ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتما واجبا، ~~فكيف يصح الاستدلال على ذلك بقوله: * (وأن تصوموا خير لكم) * (البقرة: 184) ~~والخيرية لا تدل على الوجوب لدلالة قوله: خير لكم على المشاركة في أصل ~~الخير. وأجاب عن ذلك الكرماني جوابا متكلفا حاصله: أن المراد أن الصوم خير ~~من التطوع بالفدية، والتطوع بها كان سنة والخير من السنة لا يكون واجبا، أي ~~لا يكون شئ خيرا من السنة إلا الواجب، كذا قال، ولا يخفى بعده وتكلفه، ~~فالأولى ما روي عن سلمة بن الأكوع وابن عمر أن الناسخ قوله تعالى: * (فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه) * (البقرة: 185) وإلى النسخ في حق غير الكبير ممن ~~يطيق الصيام ذهب الجمهور قالوا: وحكم الاطعام باق في حق من لم يطق الصيام، ~~وقال جماعة من السلف منهم مالك وأبو ثور وداود: أن جميع الاطعام منسوخ، ~~وليس على الكبير إذا لم يطق الطعام، وقال قتادة: كانت الرخصة لكبير يقدر ~~على الصوم ثم نسخ فيه وبقي فيمن لا يطيق، وقال ابن عباس: إنها محكمة لكنها ~~مخصوصة بالشيخ الكبير كما وقع في الباب عنه. وقال زيد بن PageV04P314 # أسلم والزهري ومالك: هي محكمة نزلت في المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضي حتى ~~يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعده، ويطعم عن كل يوم مدا من حنطة، ~~فإن اتصل مرضه برمضان الثاني فليس عليه إطعام بل عليه القضاء فقط. وقال ~~الحسن البصري وغيره: الضمير في يطيقونه عائد على الاطعام لا على الصوم، ثم ~~نسخ بعد ذلك. # قوله: سمع ابن عباس يقرأ: * (وعلى الذين يطيقونه) * هكذا في هذا الكتاب ~~وهو لا يناسب قوله آخر الكلام هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان ~~أن يصوما، إلا أن يكون مراد ابن عباس أن ذلك من مجاز الحذف كما روي عن بعض ~~العلماء، والأصل: وعلى الذين لا يطيقونه، وقد روي عن ابن عباس أنه كان ms1784 ~~يقرأ: وعلى الذين يطوقونه أي يكلفونه ولا يطيقونه وهو المناسب لآخر الكلام. ~~وقد روي عن ابن عباس أنه قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم كل يوم ~~مسكينا ولا قضاء عليه، رواه الدارقطني والحاكم وصححاه، وفيه مع ما في الباب ~~عنه، وعن معاذ دليل على أنه يجوز للشيخ الكبير العاجز عن الصوم أن يفطر ~~ويكفر، وقد اختلف في قدر إطعام المسكين فقيل: نصف صاع عن كل يوم من أي قوت، ~~وبه قال أبو طالب وأبو العباس وغيرهما من الهادوية، وقيل: صاع من غير البر ~~ونصف صاع منه، وبه قال أبو حنيفة والمؤيد بالله. وقيل: مد من بر أو نصف صاع ~~من غيره، وبه قال الشافعي وغيره، وليس في المرفوع ما يدل على التقدير. ~~قوله: أثبتت للحبلى والمرضع لفظ أبي داود: أن ابن عباس قال في قوله: * ~~(وعلى الذين يطيقونه) * (البقرة: 184) قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة ~~الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى ~~والمرضع إذا خافتا يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، وأخرجه البزار كذلك ~~وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لام ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا ~~يطيقه، فعليك الفداء ولا قضاء عليك، وصحح الدارقطني إسناده. # باب قضاء رمضان متتابعا ومتفرقا وتأخيره إلى شعبان عن ابن عمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع رواه ~~الدارقطني. قال البخاري: قال ابن PageV04P315 # عباس: لا بأس أن يفرق لقول الله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * (البقرة: ~~184 185). وعن عائشة قالت: نزلت * (فعدة من أيام أخر متتابعات) * فسقطت ~~متتابعات رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح. # حديث ابن عمر في إسناده سفيان بن بشر وقد تفرد بوصله، قال الدارقطني: # ورواه عطاء عن عبيد بن عمير مرسلا، قال الحافظ: وفي إسناده ضعف أيضا. وقد ~~صحح الحديث ابن الجوزي وقال: ما علمنا أحدا طعن في سفيان بن بشر، ورواه ~~الدارقطني أيضا من حديث عبد الله بن عمرو في إسناده الواقدي وابن لهيعة، ms1785 ~~ورواه من حديث محمد بن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان فقال: ذاك إليك أرأيت لو كان على أحدكم ~~دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ والله أحق أن يعفو وقال: هذا ~~إسناد حسن لكنه مرسل، وقد روي موصولا ولا يثبت. (وفي الباب) عن أبي عبيدة ~~ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة ورافع بن خديج أخرجها البيهقي، وهذه الطرق ~~وإن كانت كل واحدة منها لا تخلو عن مقال فبعضها يقوي بعضا، فتصلح للاحتجاج ~~بها على جواز التفريق وهو قول الجمهور، وحكاه في البحر عن علي عليه السلام ~~وأبي هريرة وأنس ومعاذ، ونقل ابن المنذر عن عائشة وجوب التتابع، قال في ~~الفتح: وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه ~~قال: يقضيه تباعا، وحكاه في البحر عن النخعي والناصر وأحد قولي الشافعي، ~~وتمسكوا بالقراءة المذكورة أعني قوله * (متتابعات) * قال في الموطأ: هي ~~قراءة أبي بن كعب، وأجيب عن ذلك بما تقدم عن عائشة أنها سقطت، على أنه قد ~~اختلف في الاحتجاج بقراءة الآحاد كما تقرر في الأصول، وإذا سلم أنها لم ~~تسقط فهي منزلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة أخبار الآحاد، وقد عارضها ~~ما في الباب من الأحاديث. وقال القاسم بن إبراهيم: إن فرق أساء وأجزأ. وحكي ~~في البحر عن داود أن القاضي يطابق وقت الفوات من أول الشهر وآخره ووسطه، ~~ومما احتج به للتتابع ما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه لكنه قال ~~البيهقي: لا يصح. وفي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي وهو مختلف فيه. ~~قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، روى حديثا منكرا. قال ~~PageV04P316 # عبد الحق يعني هذا، وتعقبه ابن القطان بأنه لم ينص عليه فلعله غيره، قال: ~~ولم يأت من ضعفه بحجة والحديث حسن. قال الحافظ: قد صرح ابن أبي حاتم عن ~~أبيه ms1786 بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن. قوله: قال ابن عباس وصله ~~عبد الرزاق وأخرجه الدارقطني عنه من وجه آخر. # وعن عائشة قالت: كان يكون علي صوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في ~~شعبان وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه الجماعة، ويروى ~~بإسناد ضعيف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رجل مرض في ~~رمضان فأفطر ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر فقال: يصوم الذي أدركه ثم ~~يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم كل يوم مسكينا رواه الدارقطني عن أبي هريرة ~~من قوله وقال: إسناد صحيح موقوف. وروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا ~~وإسناده ضعيف، قال الترمذي: والصحيح أنه عن ابن عمر موقوف. وعن ابن عباس ~~قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، ~~وإن نذر قضى عنه وليه رواه أبو داود. # حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني وفي إسناده عمر بن موسى بن وجيه وهو ضعيف ~~جدا، والراوي عنه إبراهيم بن نافع وهو أيضا ضعيف وروي عنه موقوفا وصححه ~~الدارقطني كما ذكر المصنف وغيره، وحديث ابن عمر أخرجه الترمذي عن قتيبة عن ~~عبثر بن القاسم عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوعا وقال: غريب لا ~~نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر، قال: وأشعث ~~هو ابن سوار، ومحمد هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قال الحافظ: # ورواه ابن ماجة من هذا الوجه، ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن ~~عبد الرحمن. وهو وهم منه أو من شيخه. وقال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن ~~عمر، وتابعه البيهقي على ذلك. وأثر ابن عباس صححه الحافظ، وأخرجه الدارقطني ~~وسعيد بن منصور والبيهقي وعبد الرزاق موصولا وعلقه البخاري. قال عبد الحق ~~في أحكامه: لا ms1787 يصح في الاطعام شئ يعني مرفوعا، وكذا قال في الفتح. قوله: ~~فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان استدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع ~~PageV04P317 # بشئ من الصيام، ولا في عشر ذي الحجة، ولا عاشوراء، ولا غير ذلك، وهذا ~~الاستدلال إنما يتم بعد تسليم أنها كان ترى أنه لا يجوز صيام التطوع لمن ~~عليه دين من رمضان ومن أين لقائله ذلك. قوله: وذلك لمكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم هذا لفظ مسلم. وفي لفظ للبخاري: الشغل بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وفي رواية للترمذي وابن خزيمة: أنها قالت: ما قضيت شيئا ~~مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. (وفي الحديث) دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا، سواء كان لعذر ~~أو لغير عذر، لأن الزيادة أعني قوله، وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد جزم بأنها مدرجة جماعة من الحفاظ كما في الفتح، ولكن الظاهر ~~اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، لا سيما مع توفر دواعي ~~أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية ، فيكون ذلك أعني جواز التأخير مقيدا ~~بالعذر المسوغ لذلك. قوله: ويطعم كل يوم مسكينا استدل به وبما ورد في معناه ~~من قال بأنها تلزم الفدية من لم يصم ما فات عليه في رمضان حتى حال عليه ~~رمضان آخر وهم الجمهور. وروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس ~~وأبو هريرة. وقال الطحاوي عن يحيى بن أكتم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا ~~أعلم لهم مخالفا. وقال النخعي وأبو حنيفة وأصحابه: إنها لا تجب الفدية ~~لقوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * (البقرة: 184 و 185) ولم يذكرها، ~~وأجيب بأنها قد ذكرت في الحديث كما تقدم، ويدل على ثبوتها قوله تعالى: * ~~(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) * (البقرة: 185) قال في البحر: ونسخ ~~التخيير لا ينسخ وجوبها على من أفطر مطلقا إلا ما خصه الاجماع، وقال أبو ~~العباس: إن ms1788 ترك الأداء لغير عذر وجبت وإلا فلا. وحكي في البحر عن الشافعي ~~أنه إن ترك القضاء حتى حال لغير عذر لزمه وإلا فلا، وأجيب عن هذين القولين ~~بأن الحديث لم يفرق، وقد بينا أنه لم يثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم شئ، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل ~~على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام ~~التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل ههنا، فالظاهر عدم ~~الوجوب. (وقد اختلف القائلون) بوجوب الفدية هل يسقط القضاء بها أم لا؟ # فذهب الأكثر منهم إلى أنه لا يسقط. وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة وسعيد ~~بن PageV04P318 # المسيب: أنه يسقط، والخلاف في مقدار الفدية ههنا كالخلاف في مقدارها في ~~حق الشيخ العاجز عن الصوم، وقد تقدم بيانه. قوله: إذا مرض الرجل في رمضان ~~الخ، استدل به على وجوب الاطعام من تركة من مات في رمضان بعد أن فات عليه ~~بعضه وفيه خلاف، والظاهر عدم الوجوب لأن قول الصحابة لا حجة فيه، ووقع ~~التردد فيمن مات آخر شعبان، وقد رجح في البحر عدم الوجوب لأن الأصل ~~البراءة. # قوله: وإن نذر قضى عنه وليه سيأتي البحث عن هذا قريبا. # باب صوم النذر عن الميت عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ~~ماتت وعليها صوم نذر فأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته ~~أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك أخرجاه. وفي رواية: أن ~~امرأة ركبت البحر فنذرت أن الله نجاها أن تصوم شهرا فأنجاها الله فلم تصم ~~حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ~~ذلك فقال: صومي عنها أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود. وعن عائشة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه متفق ~~عليه. وعن بريدة قال: # بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms1789 إذا أتته امرأة ~~فقالت: # إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت فقال: وجب أجرك وردها عليك الميراث، ~~قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، ~~قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها رواه أحمد ومسلم وأبو داود ~~والترمذي وصححه. # ولمسلم في رواية صوم شهرين. # قوله: إن امرأة هي من جهينة كما في البخاري. قوله: وعليها صوم نذر في ~~رواية للبخاري: وعليها صوم شهر. وفي أخرى له: أنه أتى رجل فسأل. وفي رواية ~~له أيضا: وعليها خمسة عشر يوما. وفي رواية له أيضا: وعليه صوم شهرين ~~متتابعين قال في الفتح: وقد ادعى بعضهم أن هذا اضطراب من الرواة، والذي ~~يظهر تعدد الواقعة، وأما الاختلاف في كون السائل رجلا أو امرأة، والمسؤول ~~عنه أختا أو أما، فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث. قوله: أرأيت الخ، ~~فيه مشروعية القياس PageV04P319 # وضرب الأمثال ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع، وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه ~~تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه، وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه ~~على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى ~~لاذعانه، وسيأتي مثل هذا في الحج إن شاء الله تعالى. قوله: فجاءت قرابة ~~لهذه الرواية مطلقة، فينبغي أن تحمل على الرواية المقيدة بذكر البنت. قوله: ~~من مات وعليه صيام هذه الصيغة عامة لكل مكلف. وقوله: صام عنه وليه خبر ~~بمعنى الامر تقديره فليصم. (وفيه دليل) على أنه يصوم الولي عن الميت إذا ~~مات وعليه صوم أي صوم كان، وبه قال أصحاب الحديث، وجماعة من محدثي ~~الشافعية، وأبو ثور، ونقل البيهقي عن الشافعي أنه علق القول به على صحة ~~الحديث وقد صح، وبه قال الصادق والناصر والمؤيد بالله والأوزاعي وأحمد بن ~~حنبل والشافعي في أحد قوليه، قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا ~~أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها، والجمهور على أن صوم الولي عن الميت ~~ليس بواجب، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا ms1790 الاجماع على ذلك، وتعقب بأن ~~بعض أهل الظاهر يقول بوجوبه، وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد إلى ~~أنه لا يصام عن الميت مطلقا، وبه قال زيد بن علي والهادي والقاسم. وقال ~~الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: أنه لا يصام عنه إلا النذر، وتمسك المانعون ~~مطلقا بما روي عن ابن عباس أنه قال: لا يصل أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن ~~أحد، أخرجه النسائي بإسناد صحيح من قوله. وروى مثله عبد الرزاق عن ابن عمر ~~من قوله. وبما أخرجه عبد الرزاق عن عائشة أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم ~~وأطعموا عنهم قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على ~~أن العمل على خلاف ما روياه. قال في الفتح: وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن ~~الآثار عن عائشة وابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع من الصيام إلا ~~الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدا انتهى، وهذا بناء من صاحب الفتح على أن ~~لفظ حديث ابن عباس باللفظ الذي ذكراه هنالك وهو أنه قال: كان لا يصوم أحد ~~عن أحد، ولكنه ذكره في التلخيص باللفظ الذي ذكرناه سابقا، والحق أن ~~الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما رآه، والكلام في هذا مبسوط في الأصول، ~~والذي روي مرفوعا صريح في الرد على المانعين، وقد اعتذروا بأن المراد ~~بقوله: صام عنه وليه أي فعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو PageV04P320 # الاطعام وهذا عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة، ومن ~~جملة أعذارهم أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك وهو عذر أبرد من الأول، ومن ~~أعذارهم أن الحديث مضطرب، وهذا إن تم لهم في حديث ابن عباس لم يتم في حديث ~~عائشة فإنه لا اضطراب فيه بلا ريب. (وتمسك القائلون) بأنه يجوز في النذر ~~دون غيره بأن حديث عائشة مطلق وحديث ابن عباس مقيد فيحمل عليه، ويكون ~~المراد بالصيام صيام النذر، قال في الفتح: وليس بينهما تعارض حتى يجمع ~~بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة ms1791 يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة ~~فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا ~~العموم حيث قال في آخره: فدين الله أحق أن يقضى انتهى، وإنما قال إن حديث ~~ابن عباس صورة مستقلة يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام، فلا يصلح ~~لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول. قوله: صام عنه ولى لفظ البزار: # فليصم عنه وليه إن شاء قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن. قال في الفتح: # اختلف المجيزون في المراد بقوله وليه فقيل كل قريب. وقيل: الوارث خاصة. ~~وقيل: # عصبته، والأول أرجح، والثاني قريب. ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن ~~نذر أمها قال: واختلفوا هل يختص ذلك بالولي لأن الأصل عدم النيابة في ~~العبادة البدنية، ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت ~~إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد ويبقى الباقي على الأصل، وهذا هو ~~الراجح. وقيل: لا يختص بالولي فلو أمر أجنبيا بأن يصوم عنه أجزأ، وقيل يصح ~~استقلال الأجنبي بذلك، وذكر الولي لكونه الغالب. وظاهر صنيع البخاري اختيار ~~هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري وقواه بتشبيهه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذلك بالدين، والدين لا يختص بالقريب انتهى. وظاهر الأحاديث أنه يصوم ~~عنه وليه وإن لم يوص بذلك، وأن من صدق عليه اسم الولي لغة أو شرعا أو عرفا ~~صام عنه، ولا يصوم عنه من ليس بولي، ومجرد التمثيل بالدين لا يدل على أن ~~حكم الصوم كحكمه في جميع الأمور. قوله: وردها عليك الميراث فيه دليل على ~~أنه يجوز لمن ملك قريبا له عينا من الأعيان ثم مات القريب بعد ذلك وورثه أن ~~يتملك تلك العين، وقد سبق الكلام على هذا في كتاب الزكاة. قوله: قال حجي ~~عنها فيه دليل على أنه يجوز PageV04P321 # للابن أن يحج عن أمه أو أبيه وإن لم يوص، وسيأتي الكلام على ذلك في الحج ~~إن شاء الله تعالى. # أبواب صوم التطوع باب صوم ست ms1792 من شوال عن أبي أيوب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر ~~رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، ورواه أحمد من حديث جابر. وعن ثوبان عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من صام رمضان وستة أيام بعد ~~الفطر كان تمام السنة * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (الانعام: 16) ~~رواه ابن ماجة. # حديث ثوبان أخرجه أيضا النسائي وأحمد والدارمي والبزار. وفي الباب عن ~~جابر عند أحمد وعبد بن حميد والبزار، وهو الذي أشار إليه المصنف، وفي ~~إسناده عمرو بن جابر وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد. وعن أبي هريرة عند ~~البزار وأبي نعيم والطبراني. وعن ابن عباس عند الطبراني في الأوسط. وعن ~~البراء بن عازب عند الدارقطني. (وقد استدل) بأحاديث الباب على استحباب صوم ~~ستة أيام من شوال، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وبه قالت العترة، ~~وقال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها، واستدلا على ذلك بأنه ربما ظن وجوبها ~~وهو باطل لا يليق بعاقل، فضلا عن عالم نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة ~~الصريحة، وأيضا يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به. ~~واستدل مالك على الكراهة بما قال في الموطأ من أنه ما رأى أحدا من أهل ~~العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلا ~~ترد به السنة. قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الست ~~متوالية عقب يوم الفطر، قال: فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى آخره ~~حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه اتبعه ستا من شوال. قال قال العلماء: ~~وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لان PageV04P322 # الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في ~~حديث مرفوع في كتاب النسائي. قوله: ستا من شوال على صيغة المؤنث، ولو قال: ~~ستة بالهاء لكان صحيحا، لأن المعدود المميز إذا كان غير مذكور لفظا جاز ~~تذكير مميزه ms1793 وتأنيثه، يقال: صمنا ستا وستة، وخمسا وخمسة، وإنما يلزم إثبات ~~الهاء مع المذكر إذا كان مذكور لفظا، وحذفها مع المؤنث إذا كان كذلك، وهذه ~~قاعدة مسلوكة صرح بها أهل اللغة وأئمة الاعراب. قوله: بعد الفطر أي بعد ~~اليوم الذي يفطر فيه وهو يوم عيد الافطار، فيحمل المطلق على المقيد، ويكون ~~المراد بالست ثاني الفطر إلى آخر سابعه، ولكنه يبقى النظر في البعدية ~~المذكورة هل يلزم أن تكون متصلة بيوم الفطر بلا فصل؟ أو يجوز إطلاقها على ~~كل يوم من أيام شوال لكونها بعد يوم الفطر؟ وهكذا يقال في قوله: ثم أتبعه ~~ستا لأن الاتباع يحتمل أن يكون بلا فاصل بين التابع والمتبوع إلا بما لا ~~يصلح للصوم وهو يوم الفطر، ويحتمل أن يجوز إطلاقه مع الفاصل وإن كثر مهما ~~كان التابع في شوال. # باب صوم عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج عن حفصة قالت: أربع لم ~~يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، ~~وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة رواه أحمد والنسائي. وعن أبي ~~قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ~~ماضية رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن أبي هريرة قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات رواه أحمد وابن ماجة. ~~وعن أم الفضل: # أنهم شكوا في صوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة فأرسلت إليه ~~بلبن فشرب وهو يخطب الناس بعرفة متفق عليه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا ~~أهل الاسلام وهي أيام أكل وشرب رواه الخمسة الا ابن ماجة وصححه الترمذي ~~حديث حفصة أخرجه أيام أكل وشرب رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي أبو ~~داود ولكنه لم يسمها بل قال: عن بعض أزواج PageV04P323 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولفظه: ms1794 قالت كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم ~~عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، وأول اثنين من الشهر والخميس. وقد اختلف ~~فيه على هنيدة بن خالد فرواه عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وروي عنه عن حفصة. وروي عنه عن أم سلمة. وقد تقدم في كتاب ~~العيدين أحاديث تدل على فضيلة العمل في عشر ذي الحجة على العموم والصوم ~~مندرج تحتها. وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها قالت: ما رأيت ت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم صائما في العشر قط. وفي رواية: لم يصم العشر قط ~~فقال العلماء: المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أن عدم ~~رؤيتها له صائما لا يستلزم العدم، على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على ~~مشروعية صومها كما في حديث الباب، فلا يقدح في ذلك عدم الفعل. وحديث أبي ~~قتادة روي من طريق جماعة من الصحابة منهم زيد بن أرقم وسهل بن سعد وقتادة ~~بن النعمان وابن عمر عند الطبراني، ومن حديث عائشة عند أحمد. (وفي الباب) ~~عن أنس وغيره، وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والحاكم ~~والبيهقي، وصححه ابن خزيمة والحاكم وفي إسناده مهدي الهجري وهو مجهول. ~~ورواه العقيلي في الضعفاء من طريقه وقال: لا يتابع عليه. قال: وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا ~~يصح عنه النهي عن صيامه. وحديث أم الفضل أخرج نحوه الشيخان من حديث ميمونة، ~~وأخرجه النسائي والترمذي وابن حبان من حديث ابن عمر بلفظ: حججت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يصم، ومع أبي بكر كذلك، ومع عثمان فلم ~~يصم، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه. وأخرجه النسائي من حديث ابن ~~عباس وحديث عقبة في معناه أحاديث يأتي ذكره بعضها في باب النهي عن صوم ~~العيدين وأيام التشريق. قوله: صيام عاشوراء سيأتي البحث عنه، وكذلك يأتي ~~الكلام ms1795 على قوله: وثلاثة أيام من كل شهر. قوله: والعشر فيه دليل على ~~استحباب صوم عشر ذي الحجة، وعلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم ~~يوم عرفة، ورواية أبي داود التي قدمنا بلفظ تسع ذي الحجة. قوله: صوم يوم ~~عرفة يكفر سنتين الخ، في بعض ألفاظ الحديث: احتسب على الله أن يكفر السنة ~~التي قبله والسنة التي بعده. وقد استشكل تكفيره السنة الآتية لأن التكفير ~~التغطية ولا تكون إلا لشئ قد وقع، وأجيب بأن المراد يكفره بعد وقوعه، أو ~~المراد أنه يلطف به، فلا يأتي بذنب فيها PageV04P324 # بسبب صيامه ذلك اليوم. وقد قيد ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم بالصغائر. ~~قال النووي فإن لم تكن صغائر كفر من الكبائر، وإن لم تكن كبائر كان زيادة ~~في رفع الدرجات. # (والحديث) يدل على استحباب صوم يوم عرفة، وكذلك الأحاديث الواردة في ~~معناه التي قدمنا الإشارة إليها، وإلى ذلك ذهب عمر وعائشة وابن الزبير ~~وأسامة بن زيد وعثمان بن أبي العاص والعترة، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن ~~عثمان، وقال قتادة: إنه لا بأس به إذ لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في ~~المعرفة عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية. وحكي ~~في الفتح عن الجمهور أنه يستحب إفطاره حتى قال عطاء: # من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم. وقال يحيى بن سعيد ~~الأنصاري: أنه يجب فطر يوم عرفة للحاج. (واعلم) أن ظاهر حديث أبي قتادة ~~المذكور في الباب أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقا. وظاهر حديث عقبة بن عامر ~~المذكور في الباب أيضا أنه يكره صومه مطلقا لجعله قريبا في الذكر ليوم ~~النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد وأنها أيام أكل وشرب. وظاهر ~~حديث أبي هريرة أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا ~~اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجا. (والحكمة) في ذلك أنه ربما ~~كان مؤديا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك والقيام بأعمال الحج. ms1796 ~~وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه ويؤيده حديث أبي ~~قتادة. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أفطر فيه لموافقته يوم ~~الجمعة، وقد نهى عن إفراده بالصوم كما سيأتي، ويرد هذا حديث أبي هريرة ~~المصرح بالنهي عن صومه مطلقا. قوله: فشرب وهو يخطب فيه دليل على جواز الأكل ~~والشرب في المحافل من غير كراهة. وفي رواية للبخاري من حديث ميمونة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم شربه والناس ينظرون إليه. # قوله: عيدنا أهل الاسلام فيه دليل على أن يوم عرفة وبقية أيام التشريق ~~التي بعد يوم النحر أيام عيد. # باب صوم المحرم وتأكيد عاشوراء قد سبق أنه صلى الله عليه وآله وسلم: سئل ~~أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ PageV04P325 # قال: شهر الله المحرم. وعن ابن عباس: وسئل عن صوم عاشوراء فقال: ما علمت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صام يوما يطلب فضله على الأيام إلا ~~هذا اليوم، ولا شهرا إلا هذا الشهر يعني رمضان. وعن عائشة: قالت: كان يوم ~~عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان قال: ~~من شاء صامه ومن شاء تركه. وعن سلمة بن الأكوع قال: أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية ~~يومه، ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء. وعن علقمة أن الأشعث بن ~~قيس دخل على عبد الله وهو يطعم يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ~~اليوم يوم عاشوراء فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ~~ترك، فإن كنت مفطرا فأطعم. # وعن ابن عمر أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن يوم ms1797 عاشوراء من أيام الله فمن ~~شاء صامه، وكان ابن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صيامه. وعن أبي موسى قال: ~~كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذ عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: صوموه أنتم. وعن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح نجى الله فيه ~~موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال: أنا أحق بموسى منكم فصامه ~~وأمر بصيامه. وعن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن ~~شاء صام ومن شاء فليفطر متفق على هذه الأحاديث كلها، وأكثرها يدل على أن ~~صومه وجب ثم نسخ، ويقال لم يجب بحال بدليل خبر معاوية، وإنما نسخ تأكيد ~~استحبابه. # قوله: قد سبق أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل الخ، هذا الحديث ذكره ~~المصنف رحمه الله تعالى في باب ما جاء في قيام الليل من أبواب صلاة التطوع ~~وهو للجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة. (وفيه دليل) على أن أفضل صيام ~~التطوع صوم شهر المحرم، ولا يعارضه حديث أنس عند الترمذي قال: سئل رسول ~~الله صلى PageV04P326 # الله عليه وآله وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان ~~لأن في إسناده صدقة بن موسى وليس بالقوي. ومما يدل على فضيلة الصيام في ~~المحرم ما أخرجه الترمذي عن علي عليه السلام وحسنه: أنه سمع رجلا يسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قاعد فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني ~~أن أصوم بعد شهر رمضان فقال: إن كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه ~~شهر الله فيه يوم تاب فيه على قوم ويتوب فيه على قوم. وقد استشكل قوم إكثار ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صوم شعبان دون المحرم مع كون الصيام فيه ~~أفضل من غيره، وأجيب عن ذلك بجوابين: # الأول أنه صلى ms1798 الله عليه وآله وسلم إنما علم فضل المحرم في آخر حياته. ~~والثاني لعله كان يعرض له فيه سفر أو مرض أو غيرهما. قوله: عن صوم عاشوراء ~~قال في الفتح: # هو بالمد على المشهور وحكى فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه ~~لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك ابن دحية بأن ابن الاعرابي حكى أنه سمع في ~~كلامهم خابوراء كذا في الفتح. وبحديث عائشة المذكور في الباب: أن الجاهلية ~~كانوا يصومونه ولكن صومهم له لا يستلزم أن يكون مسمى عندهم بذلك الاسم. # قال في الفتح أيضا. واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم ~~العاشر، قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في ~~الأصل صفة الليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم ~~مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم ~~لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية فامتنعوا عن الموصوف فحذفوا ~~الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقي ~~أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء وسار وراء وذالولاء من الضار والسار ~~والذال. قال الزين بن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من ~~شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع فعلى ~~الأول اليوم مضاف الليلة الماضية، وعلى الثاني هو ضاف لليلة الآتية، وقيل: ~~إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ~~ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين. وروى مسلم ~~من حديث الحكم بن الأعرج: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت: ~~أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع ~~صائما، فقلت: أهكذا PageV04P327 # كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم؟ قال: نعم. وهذا ظاهره أن يوم ~~عاشوراء هو التاسع، انتهى كلام الفتح. وقد تأول قول ابن عباس هذا الزين بن ~~المنير بأن معناه أنه ينوي الصيام في الليلة المتعقبة للتاسع، ms1799 وقواه الحافظ ~~بحديث ابن عباس الآتي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان المقبل إن ~~شاء الله صمنا التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي. قال: فإنه ظاهر في ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ~~ذلك. وأقول: الأولى أن يقال: إن ابن عباس أرشد السائل له إلى اليوم الذي ~~يصام فيه وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر ~~لأن ذلك مما لا يسأل عنه، ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عبا س لما فهم ~~من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه أجاب عليه بأنه التاسع. ~~وقوله: نعم بعد قول السائل: أهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم؟ ~~بمعنى نعم هكذا كان يصوم لو بقي لأنه قد أخبرنا بذلك، ولا بد من هذا لأنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم مات قبل صوم التاسع، وتأويل ابن المنير في غاية ~~البعد لأن قوله: وأصبح يوم التاسع صائما لا يحتمله، وسيأتي لكلام ابن عباس ~~تأويل آخر. قوله: ما علمت الخ، هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام ~~للصيام بعد رمضان، ولكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه، فليس فيه ما يرد علم ~~غيره، وقد تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان على الاطلاق صوم المحرم، وتقدم في ~~الباب الذي قبل هذا أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين، وصوم يوم عاشوراء يكفر ~~سنة، وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. قوله: فلما قدم ~~المدينة صامه فيه تعيين الوقت الذي وقع فيه الامر بصيام عاشوراء وهو أول ~~قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الامر بذلك ~~في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع ~~الامر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الامر في صومه إلى المتطوع. ~~قوله: من شاء صامه ومن شاء تركه هذا يرد على من قال ببقاء فرضية صوم ~~عاشوراء كما ms1800 نقله القاضي عياض عن بعض السلف، ونقل ابن عبد البر الاجماع على ~~أنه ليس الآن بفرض، والاجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده ~~بالصوم، ثم انعقد الاجماع بعده على الاستحباب. قوله: وعن سلمة بن الأكوع قد ~~تقدم شرح هذا الحديث في باب الصبي يصوم إذا أطاق. قوله: إن أهل الجاهلية ~~PageV04P328 # كانوا يصومون الخ، في حديث عائشة أنها كانت تصومه قريش. قال في الفتح: ~~وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف كانوا يعظمونه بكسوة ~~الكعبة وغير ذلك. قال الحافظ: ثم رأيت في المجلس الثالث من مجالس الباغندي ~~الكبير عن عكرمة أنه سأل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في ~~صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك انتهى. قوله: فرأى اليهود تصوم ~~عاشوراء في رواية لمسلم: فوجد اليهود صياما وقد استشكل ظاهر هذا الخبر ~~لاقتضائه أنه صلى الله عليه وآله وسلم حين قدومه المدينة وجد اليهود صياما ~~يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول. وأجيب بأن المراد أن أول ~~علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة أو يكون في الكلام حذف، ~~وتقديره قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء ~~فوجد اليهود فيه صياما، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم ~~عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم ~~فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة. قوله: # فصامه وأمر بصيامه قد استشكل رجوعه صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليهود ~~في ذلك. وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم، أو تواتر عنده ~~الخبر بذلك، أو أخبره من أسلم منهم كابن سلام، ثم قال: ليس في الخبر أنه ~~ابتدأ الامر بصيامه، بل في حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، ~~فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم، ولا مخالفة بينه ~~وبين حديث عائشة أن أهل الجاهلية كانوا يصومون كما تقدم، إذ لا مانع من ~~توارد الفريقين على ms1801 صيامه مع اختلاف السبب في ذلك. قال القرطبي: وعلى كل ~~حال فلم يصمه اقتداء بهم فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي ~~يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه. قوله: # ولم يكتب عليكم صيامه الخ، هذا كله من كلام النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كما بينه النسائي. واستدل به على أنه لم يكن فرضا قط كما قال المصنف، ~~قال الحافظ: # ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد، ولم يكتب عليكم صيامه على الدوام كصيام ~~رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، ويؤيد ذلك أن ~~معاوية إنما صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سنة الفتح، والذين شهدوا ~~أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أول العام الثاني، ~~ويؤخذ من مجموع PageV04P329 # الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الامر بصومه، ثم تأكيد الامر بذلك، ثم ~~زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالامساك، ثم زيادته ~~بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال. ومقول ابن مسعود الثابت في مسلم لما ~~فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على ~~أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكيد استحبابه والباقي مطلق ~~الاستحباب فلا يخفى ضعفه بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار ~~الاهتمام به حتى في عام وفاته صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: لئن بقيت ~~لأصومن التاسع كما سيأتي، ولترغيبه فيه وإخباره بأنه يكفر سنة فأي تأكيد ~~أبلغ من هذا؟ # وعن ابن عباس قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، ~~فقال: فإذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت ~~العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه مسلم وأبو ~~داود. وفي لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لئن بقيت إلى قابل ~~لأصومن التاسع يعني يوم عاشوراء ms1802 رواه أحمد ومسلم. وفي رواية: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله ~~يوما وبعده يوما رواه أحمد. # رواية أحمد هذه ضعيفة منكرة من طريق داود بن علي عن أبيه عن جده، رواها ~~عنه ابن أبي ليلى. قوله: تعظمه اليهود والنصارى استشكل هذا بأن التعليل ~~بنجاة موسى وغرق فرعون مما يدل على اختصاص ذلك بموسى واليهود. وأجيب ~~باحتمال أن يكون سبب تعظيم النصارى أن عيسى كان يصومه، وهو مما لم ينسخ من ~~شريعة موسى، لأن كثيرا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى: * (ولأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم) * (آل عمران: 50) وأكثر الاحكام إنما يتلقاها النصارى ~~من التوراة. وقد أخرج أحمد عن ابن عباس أن السفينة استوت على الجودي فيه ~~فصامه نوح، وموسى شكر الله تعالى، وكان ذكر موسى دون غيره لمشاركته له في ~~الفرح باعتبار نجاتهما وغرق أعدائهما. قوله: صمنا اليوم التاسع يحتمل أن ~~المراد أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطا له، وإما ~~مخالفة لليهود والنصارى، ويحتمل أن المراد أنه يقتصر على صومه، ولكنه ليس ~~في اللفظ ما يدل PageV04P330 # على ذلك، ويؤيد الاحتمال الأول قوله في آخر الحديث: صوموا قبله يوما ~~وبعده يوما فإنه صريح في مشروعية ضم اليومين إلى يوم عاشوراء. وقد أخرج ~~الحديث المذكور بمثل اللفظ الذي رواه أحمد البيهقي وذكره في التلخيص وسكت ~~عنه، وقال بعض أهل العلم: إن قوله صمنا التاسع يحتمل أنه أراد نقل العاشر ~~إلى التاسع، وأنه أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفي قبل ذلك كان ~~الاحتياط صوم اليومين انتهى. # والظاهر أن الأحوط صوم ثلاثة أيام التاسع والعاشر والحادي عشر، فيكون صوم ~~عاشوراء على ثلاث مراتب: الأولى صوم العاشر وحده. والثانية صوم التاسع معه. # والثالثة صوم الحادي عشر معهما، وقد ذكر معنى هذا الكلام صاحب الفتح. ~~قوله: # يعني يوم عاشوراء قد تقدم تأويل كلام ابن عباس بأن يوم عاشوراء هو اليوم ~~التاسع، وتأوله النووي بأنه مأخوذ من إظماء الإبل، ms1803 فإن العرب تسمي اليوم ~~الخامس من أيامه رابعا، وكذا باقي الأيام، وعلى هذه النسبة فيكون التاسع ~~عاشرا، قال: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أن عاشوراء هو اليوم ~~العاشر من المحرم ممن قال بذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وأحمد ~~وإسحاق وخلائق، قال: وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من ~~الاظماء فبعيد، انتهى. # باب ما جاء في صوم شعبان والأشهر الحرم عن أم سلمة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصل رمضان رواه ~~الخمسة. ولفظ ابن ماجة: كان يصوم شهري شعبان ورمضان. وعن عائشة قالت: لم ~~يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله. ~~وفي لفظ: ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان، كان يصومه إلا قليلا بل ~~كان يصومه كله. # وفي لفظ: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استكمل صيام شهر قط ~~إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان متفق على ذلك ~~كله. # حديث أم سلمة حسنه الترمذي. قوله: شهرا تاما إلا شعبان وكذا قول عائشة: ~~فإنه كان يصومه كله. وقولها: بل كان يصومه كله، ظاهره يخالف قول عائشة: كان ~~PageV04P331 # يصومه إلا قليلا. وقد جمع بين هذه الروايات بأن المراد بالكل والتمام ~~الأكثر. # وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام ~~أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد ~~تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كان ابن المبارك جمع بين الحديثين ~~بذلك، وحاصله أن رواية الكل والتمام مفسرة برواية الأكثر ومخصصة بها، وأن ~~المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي قال: لأن ~~لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز، فتفسيره بالبعض مناف له، قال: ~~فيحتمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه ~~واجب كله كرمضان، وقيل: المراد بقولها ms1804 كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن ~~آخره أخر، ومن أثنائه طورا، فلا يخلي شيئا منه من صيام، ولا يخص بعضا منه ~~بصيام دون بعض. وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة ~~والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها إنه كان يصومه كله متأخر عن قولها ~~إنه كان يصوم أكثره، وأنها أخبرت عن أول الأمر ثم أخبرت عن آخره، ويؤيد ~~الأول قولها: ولا صام شهرا كاملا قط منذ قدم المدينة غير رمضان أخرجه مسلم ~~والنسائي. (واختلف) في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وآله وسلم من صوم ~~شعبان فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره ~~فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، ويؤيده ما أخرجه الطبراني ~~في الأوسط عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم ~~ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان ~~ولكن في إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، ~~ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: شعبان لتعظيم رمضان. ولكن إسناده ضعيف ~~لأن فيه صدقة ابن موسى وليس بالقوي. (وقيل الحكمة) في ذلك أن نساءه كن ~~يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم معهن. وقيل: الحكمة أنه يتعقبه ~~رمضان وصومه مفترض فكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره، ~~لما يفوته من التطوع الذي يعتاده بسبب صوم رمضان، والأولى أن الحكمة في ذلك ~~غفلة الناس عنه لما أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن PageV04P332 # خزيمة من حديث أسامة قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من ~~الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو ~~شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ونحوه ms1805 ~~من حديث عائشة عند أبي يعلى، ولا تعارض بين ما روى عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم من صوم كل شعبان أو أكثره ووصله برمضان، وبين أحاديث النهي عن تقدم ~~رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، ~~فإن الجمع بينها ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام ~~يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهي عن التقدم بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إلا أن يكون شيئا يصومه أحدكم. # (فائدة) ظاهر قوله في حديث أسامة: إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ~~ورمضان أنه يستحب صوم رجب، لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم ~~شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجبا به. ويحتمل أن المراد غفلتهم عن تعظيم ~~شعبان بصومه، كما يعظمون رجبا بنحر النحائر فيه، فإنه كان يعظم بذلك عند ~~الجاهلية وينحرون فيه العتيرة كما ثبت في الحديث، والظاهر الأول لأن المراد ~~بالناس الصحابة، فإن الشارع قد كان إذ ذاك محى آثار الجاهلية، ولكن غايته ~~التقرير لهم على صومه وهو لا يفيد زيادة على الجواز. وقد ورد ما يدل على ~~مشروعية صومه على العموم والخصوص، أما العموم فالأحاديث الواردة في الترغيب ~~في صوم الأشهر الحرم وهو منها بالاجماع. وكذلك الأحاديث الوارد في مشروعية ~~مطلق الصوم. # وأما على الخصوص فما أخرجه الطبراني عن سعيد بن أبي راشد مرفوعا بلفظ: # من صام يوما من رجب فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه ~~أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام ~~منه عشرة لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه ومن صام منه خمسة عشر يوما نادى مناد ~~من السماء قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله. ثم ساق ~~حديثا طويلا في فضله. وأخرج الخطيب عن أبي ذر: من صام يوما من رجب عدل صيام ~~شهر. # وذكر نحو حديث سعيد بن أبي راشد. وأخرج نحوه أبو نعيم وابن ms1806 عساكر من حديث ~~ابن عمر مرفوعا. وأخرج أيضا نحوه البيهقي في شعب الايمان عن أنس مرفوعا. ~~وأخرج PageV04P333 # الخلال عن أبي سعيد مرفوعا: رجب من شهور الحرام وأيامه مكتوبة على أبواب ~~السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوما وجدد صومه بتقوى الله نطق الباب ~~ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفر ~~له وقيل: خدعتك نفسك وأخرج أبو الفتح بن أبي الفوارس في أماليه عن الحسن ~~مرسلا أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان ~~شهر أمتي. وحكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: لم يرد في ~~استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروى فيه واهية لا ~~يفرح بها عالم، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه أن عمر كان يضرب أكف الناس في ~~رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول: # كلوا فإنما هو شهر كان تعظمه الجاهلية. وأخرج أيضا من حديث زيد بن أسلم ~~قال: # سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم رجب فقال: أين أنتم عن ~~شعبان وأخرج عن ابن عمر ما يدل على أنه كان يكره صوم رجب، ولا يخفاك أن ~~الخصوصات إذا لم تنتهض للدلالة على استحباب صومه انتهضت العمومات، ولم يرد ~~ما يدل على الكراهة حتى يكون مخصصا لها. وأما حديث ابن عباس عند ابن ماجة ~~بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن صيام رجب ففيه ضعيفان: زيد ~~بن عبد الحميد، وداود بن عطاء. # وعن رجل من باهلة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: # يا رسول الله أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول، فقال: فما لي أرى جسمك ~~ناحلا؟ قال: # يا رسول الله ما أكلت طعاما بالنهار ما أكلته إلا بالليل، قال: من أمرك ~~أن تعذب نفسك؟ # قلت: يا رسول الله، إني أقوى، قال: صم شهر الصبر ويوما بعده، قلت: إني ~~أقوى، قال: صم شهر الصبر ويومين بعده، قلت: إنا أقوى، ms1807 قال: صم شهر الصبر ~~وثلاثة أيام بعده وصم أشهر الحرم رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهذا لفظه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي، وقد اختلف في اسم الرجل الذي من باهلة فقال ~~البغوي أبو القاسم في معجم الصحابة: أن اسمه عبد الله بن الحرث وقال: سكن ~~البصرة وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا ولم يسمه، وذكر في ~~موضع آخر هذا الحديث، وكذلك قال ابن قانع في معجم الصحابة: أن اسمه عبد ~~الله بن الحرث، والراوي عنه مجيبة الباهلية بضم الميم وكسر الجيم وسكون ~~الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيث، ففي رواية أبي داود ~~عن أبيها أو عمها يعني هذا الرجل، PageV04P334 # وهكذا قال أبو القاسم البغوي أنها قالت: حدثني أبي أو عمي. وفي رواية ~~النسائي: # مجيبة الباهلية عن عمه، وقد ضعف هذ الحديث بعضهم لهذا الاختلاف. قال ~~المنذري وهو متوجه: وفيه نظر لأن مثل هذا الاختلاف لا ينبغي أن يعد قادحا ~~في الحديث. قوله: # صم شهر الصبر يعني شهر رمضان. قوله: ويوما بعده إلى قوله: وثلاثة أيام ~~بعده فيه دليل على استحباب صوم يوم أو يومين أو ثلاثة بعد شهر رمضان، وقد ~~تقدم أنه يستحب صيام ستة أيام فلا منافاة لأن الزيادة مقبولة. قوله: وصم ~~أشهر الحرم هي شهر القعدة والحجة ومحرم ورجب. (وفيه دليل) على مشروعية ~~صومها، أما شهر محرم ورجب فقد قدمنا ما ورد فيهما على الخصوص، وكذلك العشر ~~الأول من شهر ذي الحجة، وأما شهر القعدة وبقية شهر الحجة فلهذا العموم، ~~ولكنه ينبغي أن لا يستكمل صوم شهر منها ولا يصوم جميعها، ويدل على ذلك ما ~~عند أبي داود من هذا الحديث بلفظ: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، ~~صم من الحرم واترك. # باب الحث على صوم الاثنين والخميس عن عائشة قالت: إن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يتحرى صيام الاثنين والخميس رواه الخمسة إلا أبا داود، لكنه ~~له من رواية أسامة بن زيد. وعن أبي هريرة: أن النبي ms1808 صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم رواه ~~أحمد والترمذي. ولابن ماجة معناه. ولأحمد والنسائي هذا المعنى من حديث ~~أسامة بن زيد. وعن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم ~~يوم الاثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود. حديث عائشة أخرجه أيضا ابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالراوي عنها ~~وهو ربيعة الجرشي وأنه مجهول، قال الحافظ: وأخطأ في ذلك فهو صحابي، قال ~~الترمذي حديث عائشة هذا حسن صحيح، وحديث أسامة أخرجه أيضا النسائي وفي ~~إسناده PageV04P335 # رجل مجهول، ولكنه صحح الحديث ابن خزيمة، وحديث أبي هريرة قال الترمذي: # حديث غريب، وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وحديث أبي قتادة أخرجه من ~~ذكر المصنف. (وفي الباب) عن حفصة عند أبي داود. (وأحاديث) الباب تدل على ~~استحباب صوم يوم الاثنين والخميس لأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال. # قوله: فقال ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه الولادة والانزال إنما كانا ~~في يوم الاثنين كما جاء في الأحاديث. # باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم عن محمد بن عباد بن جعفر ~~قال: سألت جابرا أنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ ~~قال: نعم متفق عليه. وللبخاري في رواية: أن يفرد بصوم. # وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصوموا ~~يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم رواه الجماعة إلا النسائي، ولمسلم ~~ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام ~~من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ولأحمد: يوم الجمعة يوم عيد ~~فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده. وعن جويرية: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة ~~فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غدا، قالت: لا، قال: فأفطري ms1809 رواه ~~أحمد والبخاري وأبو داود، وهو دليل على أن التطوع لا يلزم بالشروع. وعن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تصوموا يوم الجمعة وحده. ~~وعن جنادة الأزدي قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم ~~جمعة في سبعة من الأزد، إناثا منهم وهو يتغذى فقال: هلموا إلى الغداء، ~~فقلنا: يا رسول الله إنا صيام، فقال: أصمتم أمس؟ قلنا: # لا، قال: أفتصومون غدا؟ قلنا: لا، قال: فأفطروا، فأكلنا معه، فلما خرج ~~وجلس على المنبر دعا بإناء من ماء فشرب وهو على المنبر والناس ينظرون يريهم ~~أنه لا يصوم يوم الجمعة رواهما أحمد. # حديث ابن عباس هو مثل حديث أبي هريرة المتقدم وفي إسناده الحسين بن عبد ~~الله بن عبيد الله، وثقه ابن معين وضعفه الأئمة. وحديث جنادة الأزدي هو ~~PageV04P336 # مثل حديث جويرية، وأخرجه أيضا الحاكم، وأخرجه أيضا النسائي بإسناد رجاله ~~رجال الصحيح إلا حذيفة البارقي وهو مقبول. قوله: قال نعم زاد مسلم وأحمد ~~وغيرهما قال: نعم ورب هذا البيت. وفي رواية النسائي: ورب الكعبة ووهم صاحب ~~العمدة فعزاها إلى مسلم. قوله: أن يفرد بصوم فيه دليل على أن النهي المطلق ~~في الرواية الأولى مقيد بالافراد لا إذا لم يفرد الجمعة بالصوم كما يأتي في ~~بقية الروايات. قوله: # إلا وقبله يوم أو بعده يوم أي إلا أن تصوموا قبله يوما أو تصوموا بعده ~~يوما، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي فقال: إلا أن تصوموا قبله أو بعده. وفي ~~رواية لمسلم: # إلا أن تصوموا قبله يوما أو بعده يوما وهذه الروايات تقيد مطلق النهي ~~أيضا. # قوله: ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي فيه دليل على عدم ~~جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالي. قال النووي في شرح ~~مسلم: وهذا متفق على كراهته، قال: واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة ~~المبتدعة التي تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة ~~من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة. ms1810 وقد صنف جماعة من ~~الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها ~~وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر والله أعلم انتهى. واستدل بأحاديث ~~الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، وقد حكاه ابن المنذر وابن حزم عن ~~علي عليه السلام وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر. قال ابن حزم: ولا نعلم لهم ~~مخالفا في الصحابة. ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض ~~الشافعية. وقال ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، كما ثبت عن صوم ~~يوم العيد، وهذا يشعر بأنه يرى تحريمه. وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين ~~العيد والجمعة بأن الاجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو ~~بعده، وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه. وقال مالك وأبو حنيفة: لا ~~يكره واستدلا بحديث ابن مسعود الآتي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قل ~~ما كان يفطر يوم الجمعة قال في الفتح: وليس فيه حجة لأنه يحتمل أنه كان لا ~~يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده ~~بالصوم جمعا بين الخبرين، قال: ومنهم من عده من الخصائص وليس بجيد لأنها لا ~~تثبت بالاحتمال انتهى. ويمكن أن يقال: # بل دعوى اختصاص صومه به صلى الله عليه وآله وسلم جيدة لما تقرر في الأصول ~~من أن PageV04P337 # فعله صلى الله عليه وآله وسلم لما نهى عنه نهيا يشمله يكون مخصصا له وحده ~~من العموم، ونهيا يختص بالأمة لا يكون فعله معارضا له إذا لم يقم دليل يدل ~~على التأسي به في ذلك الفعل لخصوصه لا مجرد أدلة التأسي العامة، فإنها ~~مخصصة بالنهي للأمة لأنه أخص منها مطلقا. ومن غرائب المقام ما احتج له بعض ~~المالكية على عدم كراهة صوم يوم الجمعة فقال: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا ~~يكره وحده، وهذا قياس فاسد الاعتبار، لأنه منصور في مقابلة النصوص الصحيحة، ~~وأغرب من ذلك قول مالك في الموطأ: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن ms1811 ~~يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعضهم يصومه وأراه ~~كان يتحراه، قال النووي والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي ~~عن صوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه. قال الداودي من ~~أصحاب مالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. (وقد اختلف) في ~~سبب كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح منها لكونه ~~عيدا، ويدل على ذلك رواية أحمد المذكورة في الباب، واستشكل التعليل بذلك ~~بوقوع الاذن من الشارع بصومه مع غيره، وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه ~~بالعيد لا يستلزم الاستواء من كل وجه، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة ~~التحري بالصوم. ومنها لئلا يضعف عن العبادة ورجحه النووي. قال في الفتح: ~~وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب النووي بأنه يحصل ~~بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل به يوم صومه من فتور أو تقصير. ~~قال الحافظ: وفيه نظر، فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال ~~الجبر، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم ~~قبله أو بعده، كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك، وأيضا فكأن النهي ~~يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق منه القوة، ويمكن الجواب عن هذا بأن ~~المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه. ~~ومنها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت، قال في ~~الفتح: وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام وخوف اعتقاد وجوبه. قال في ~~الفتح أيضا: وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس. ومنها خشية أن يفرض عليهم كما ~~خشي صلى الله عليه وآله وسلم من قيام الليل ذلك قاله المهلب. قال في الفتح: ~~وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان السبب ذلك لجاز صومه بعده صلى ~~الله عليه وآله وسلم لارتفاع الخشية. ومنها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم ~~صومه ms1812 ونحن مأمورون بمخالفتهم، PageV04P338 # قال في الفتح: وهو ضعيف. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب الأول لما تقدم ~~من حديث أبي هريرة وقد أخرجه الحاكم أيضا، ولما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد ~~حسن عن علي عليه السلام قال: من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ~~ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر. # وعن عبد الله بن بسر عن أخته واسمها الصماء: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد ~~أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه رواه الخمسة إلا النسائي. وعن ابن ~~مسعود: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة رواه الخمسة ~~إلا أبا داود، ويحمل هذا على أنه كان يصومه مع غيره. الحديث الأول أخرجه ~~أيضا ابن حبان والحاكم والطبراني والبيهقي وصححه ابن السكن. قال أبو داود ~~في السنن قال مالك: هذا الحديث كذب، وقد أعل بالاضطراب كما قال النسائي ~~لأنه روي كما ذكر المصنف. وروي عن عبد الله بن بسر وليس فيه عن أخته كما ~~وقع لابن حبان، قال الحافظ: وهذه ليست بعلة قادحة فإنه أيضا صحابي، وقيل ~~عنه عن أبيه بسر. # وقيل عنه عن أخته الصماء عن عائشة. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عند عبد ~~الله عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطة، قال: ولكن هذا لتلون في الحديث ~~الواحد بالاسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهن الرواية وينبئ عقلة ضبطه، إلا ~~أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا ~~على قلة ضبطه، وليس الامر هنا كذا، بل اختلف فيه أيضا على الراوي عبد الله ~~بن بسر. # وقد ادعى أبو داود أن هذا الحديث منسوخ، قال في التلخيص: ولا يتبين وجه ~~النسخ فيه، ثم قال: يمكن أن يكون أخذه من كون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر ثم في آخر الامر، قال: ~~خالفوهم والنهي عن يوم ms1813 السبت يوافق الحالة الأولى، وصيامه إياه يوافق ~~الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ والله أعلم انتهى. وقد أخرج النسائي ~~والبيهقي وابن حبان والحاكم عن كريب: أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أكثر لها صياما فقالت: يوم السبت والأحد فرجعت إليهم، ~~فكأنهم أنكروا ذلك فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت: صدق، وكان يقول: ~~إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم وصحح الحاكم إسناده، ~~PageV04P339 # وصححه أيضا ابن خزيمة. وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر ~~الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس وسيأتي. وقد جمع صاحب البدر المنير بين ~~هذه الأحاديث فقال: النهي متوجه إلى الافراد والصوم باعتبار انضمام ما قبله ~~أو بعده إليه، ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لمن صام ~~الجمعة أن يصوم السبت بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ. والحديث ~~الثاني حسنه الترمذي. # وقال ابن عبد البر: هو صحيح ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث السابقة، وأنه ~~محمول على أنه كان يصله بيوم الخميس. وروى بسنده إلى أبي هريرة أنه قال: من ~~صام الجمعة كتب له عشرة أيام من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا وروى ~~ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مفطرا يوم الجمعة قط وقد تقدم الكلام على صوم يوم الجمعة. قوله: أو لحاء ~~شجرة اللحاء: # بكسر اللام بعدها حاء مهملة قشر الشجر. # باب صوم أيام البيض وصوم ثلاثة أيام من كل شهر وإن كانت سواها عن أبي ذر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ~~ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة رواه أحمد والنسائي والترمذي. ~~وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاث من ms1814 كل شهر ~~ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن ~~عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد ~~والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس رواه الترمذي وقال: ~~حديث حسن. وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صام ~~من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر، فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: * ~~(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (الانعام: 160) اليوم بعشرة رواه ابن ~~ماجة والترمذي. # حديث أبي ذر الأول أخرجه أيضا ابن حبان وصححه. ولفظه عند النسائي ~~PageV04P340 # والترمذي قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نصوم من الشهر ~~ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وأخرجه أيضا النسائي ~~وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة. ورواه النسائي من حديث جرير مرفوعا، ~~قال الحافظ: # وإسناده صحيح. ورواه ابن أبي حاتم في العلل عن جرير موقوفا، وصحح عن أبي ~~زرعة وقفه. # وأخرجه أبو داود والنسائي من طريق ابن ملحان القيسي عن أبيه. وأخرجه ~~البزار من طريق ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر. وحديث عائشة روي موقوفا ~~قال في الفتح: وهو أشبه. وحديث أبي ذر الآخر حسنه الترمذي. (وفي الباب) عن ~~ابن مسعود عند أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر وعن حفصة عند أبي داود والنسائي: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين ~~والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى. وعن عائشة غير حديث الباب عند مسلم ~~قالت: كان صلى الله عليه وآله وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من ~~أي الشهر صام. # وعن أبي هريرة غير حديثه الأول عند الشيخين بلفظ: أوصاني خليلي بصيام ~~ثلاثة أيام. وعن ابن عباس عند النسائي بلفظ: كان صلى الله عليه وآله وسلم ~~لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر ms1815 وسيأتي. وعن قرة بن إياس المزني وأبي ~~عقرب وعثمان بن أبي العاص أشار إلى ذلك الترمذي. قوله: فصم ثلاث عشرة الخ، ~~فيه دليل على استحباب صوم أيام البيض وهي الثلاثة المعينة في الحديث، وقد ~~وقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاث المذكورة في وسط ~~الشهر كما حكاه النووي، واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالث ~~عشر ورابع عشر وخامس عشر. وقيل: هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. ~~وحديث أبي ذر المذكور في الباب وما ذكرنا من الأحاديث الواردة في معناه يرد ~~ذلك. قوله: ثلاث من كل شهر الخ، اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة الأيام ~~المستحبة من كل شهر، ففسرها عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر وغيرهم من ~~الصحابة. وجماعة من التابعين وأصحاب الشافعي بأيام البيض. ويشكل على هذا ~~قول عائشة المتقدم: لا يبالي من أي الشهر صام. وأجيب عن ذلك بأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لعله كان يعرض له ما يشغله من مراعاة ذلك، أو كان يفعل ~~ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، PageV04P341 # والذي أمر به قد أخبر به أمته ووصاهم به وعينه لهم، فيحمل مطلق الثلاث ~~على الثلاث المقيدة بالأيام المعينة، واختار النخعي وآخرون أنها آخر الشهر، ~~واختار الحسن البصري وجماعة أنها من أوله، واختارت عائشة وآخرون صيام السبت ~~والأحد والاثنين من عدة شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي ~~بعده، للحديث المذكور في الباب عنها. وقال البيهقي: كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام كما في ~~حديث عائشة، قال: فكل من رآه فعل نوعا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت. ~~وقال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان ~~أحب. # وفي حديث رفعه ابن عمر: أول اثنين في الشهر وخميسان بعده. وروي عن مالك ~~أنه يكره تعيين الثلاث. قال في الفتح وفي كلام غير واحد من العلماء: أن ~~استحباب صيام ms1816 أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر انتهى. ~~وهذا هو الحق لأن حمل المطلق على المقيد ههنا متعذر، وكذلك استحباب السبت ~~والأحد والاثنين من شهر، والثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر غير استحباب ~~ثلاثة أيام من كل شهر، وقد حكى الحافظ في الفتح في تعيين الثلاثة الأيام ~~المطلقة عشرة أقوال وقد ذكرنا أكثرها، والحق أنها تبقى على إطلاقها فيكون ~~الصائم مخيرا وفي أي وقت صامها فقد فعل المشروع لكن لا يفعلها في أيام ~~البيض. (فالحاصل) من أحاديث الباب استحباب صيام تسعة أيام من كل شهر: ثلاثة ~~مطلقة، وأيام البيض والسبت والأحد والاثنين في شهر والثلاثاء والأربعاء ~~والخميس في شهر. قوله: فذلك صيام الدهر وذلك لأن الحسنة بعشرة أمثالها، ~~فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله فيكون كمن صام الدهر. # باب صيام يوم وفطر يوم وكراهة صوم الدهر عن عبد الله بن عمرو: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: صم في كل شهر ثلاثة أيام، قلت: إني أقوى ~~من ذلك، فلم يزل يرفعني حتى قال: صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو ~~صوم أخي داود عليه السلام. وعن عبد الله بن عمرو PageV04P342 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا صام من صام الأبد متفق ~~عليهما. # وعن أبي قتادة قال: قيل يا رسول الله كيف بمن صام الدهر؟ قال: # لا صام ولا أفطر، أو لم يصم ولم يفطر رواه الجماعة إلا البخاري وابن ~~ماجة. وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من صام الدهر ~~ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه رواه أحمد. ويحمل هذا على من صام الأيام ~~المنهي عنها. # حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وابن أبي شيبة. ~~ولفظ ابن حبان: ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين. وأخرجه أيضا البزار ~~والطبراني، قال في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح. (وفي الباب) عن عبد ~~الله بن الشخير عند أحمد وابن حبان بلفظ: من ms1817 صام الأبد فلا صام ولا أفطر ~~وعن عمران بن حصين أشار إليه الترمذي. قوله: فإنه أفضل الصيام مقتضاه أن ~~الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة، وسيأتي البحث عن ذلك قوله: لا صام من صام ~~الأبد استدل بذلك على كراهية صوم الدهر. قال ابن التين: استدل على الكراهة ~~من وجوه نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الزيادة وأمره بأن يصوم ويفطر. ~~وقوله: # لا أفضل من ذلك ودعاؤه على من صام الأبد. وقيل معنى قوله: لا صام النفي ~~أي ما صام كقوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى) * (القيامة: 31) ويدل على ذلك ~~ما عند مسلم من حديث أبي قتادة بلفظ: ما صام وما أفطر. وما عند الترمذي ~~بلفظ: لم يصم ولم يفطر قال في الفتح: أي لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم ~~يفطر لأنه أمسك. وإلى كراهة صوم الدهر مطلقا ذهب إسحاق وأهل الظاهر وهي ~~رواية عن أحمد. وقال ابن حزم: # يحرم ويدل للتحريم حديث أبي موسى المذكور في الباب لما فيه من الوعيد ~~الشديد. # (وذهب الجمهور) كما في الفتح إلى استحبا ب صومه، وأجابوا عن حديث ابن ~~عمرو وحديث أبي قتادة بأنه محمول على من كان يدخل على نفسه مشقة أو يفوت ~~حقا، قالوا: # ولذلك لم ينه صلى الله عليه وآله وسلم حمزة بن عمرو الأسلمي وقد قال له: ~~يا رسول الله إني أسرد الصوم، ويجاب عن هذا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم ~~الدهر، بل المراد أنه كان كثير الصوم، كما وقع ذلك في رواية الجماعة ~~المتقدمة في باب الفطر والصوم في السفر. ويؤيد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد ~~من حديث أسامة: أن النبي صلى الله PageV04P343 # عليه وآله وسلم كان يسرد الصوم مع ما ثبت أنه لم يصم شهرا كاملا إلا ~~رمضان. # وأجابوا عن حديث أبي موسى بحمله على من صامه جميعا ولم يفطر في الأيام ~~المنهي عنها كالعيدين وأيام التشريق، وهذا هو اختيار ابن المنذر وطائفة. ~~وأجيب عنه بأن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا صام ولا ms1818 أفطر لمن ~~سأله عن صوم الدهر أن معناه أنه لا أجر له ولا إثم عليه، ومن صام الأيام ~~المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه أثم بصومها بالاجماع. وحكى الأثرم عن مسدد ~~أنه قال معنى حديث أبي موسى ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها، وحكى مثله ابن ~~خزيمة عن المزني ورجحه الغزالي. والملجئ إلى هذا التأويل أن من ازداد الله ~~عملا صالحا ازداد عنده رفعة وكرامة. قال في الفتح: وتعقب بأن ليس كل عمل ~~صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا، بل رب عمل صالح إذا ازداد ~~منه ازداد بعدا، كالصلاة في الأوقات المكروهة انتهى. وأيضا لو كان المراد ~~ما ذكروه لقال: ضيقت عليه، واستدلوا على الاستحباب بما وقع في بعض طرق حديث ~~عبد الله بن عمرو بلفظ: فإن الحسنة بعشرة أمثالها وذلك مثل صيام الدهر. # وبما تقدم في حديث: من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر. # وبما تقدم في صيام أيام البيض أنه مثل صوم الدهر. قالوا: والمشبه به أفضل ~~من المشبه، فكان صيام الدهر أفضل من هذه المشبهات، فيكون مستحبا وهو ~~المطلوب. قال الحافظ: وتعقب بأن التشبيه في الامر المقدر لا يقتضي جواز ~~المشبه به فضلا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية ~~صيام ثلاثمائة وستين يوما. ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع ~~السنة، فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه، واختلف المجوزون ~~لصيام الدهر هل هو الأفضل أو صيام يوم وإفطار يوم؟ فذهب جماعة منهم إلى أن ~~صوم الدهر أفضل، واستدلوا على ذلك بأنه أكثر عملا فيكون أكثر أجرا، وتعقبه ~~ابن دقيق العيد بأن زيادة الاجر بزيادة العمل ههنا معارضة باقتضاء العادة ~~التقصير في حقوق أخرى، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع، وقد حكم بأن صوم ~~يوم وإفطار يوم أفضل الصيام، هذا معنى كلامه، ومما يرشد إلى أن صوم الدهر ~~من جملة الصيام المفضل عليه صوم يوم وإفطار يوم، أن ابن عمرو طلب أن يصوم ~~زيادة على ms1819 ذلك المقدار، فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أفضل ~~الصيام. PageV04P344 # باب تطوع المسافر والغازي بالصوم وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر رواه النسائي. وعن ~~أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صام يوما في سبيل ~~الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا رواه الجماعة إلا أبا داود. # الحديث الأول في إسناده يعقوب بن عبد الله القمي وجعفر بن أبي المغيرة ~~القمي وفيهما مقال. وفيه دليل على استحباب صيام أيام البيض في السفر، ويلحق ~~بها صوم سائر التطوعات المرغب فيها. والحديث الثاني يدل على استحباب صوم ~~المجاهد، لأن المراد بقوله في سبيل الله الجهاد. قال النووي: وهو محمول على ~~من لا يتضرر به ولا يفوت به حقا، ولا يختل قتاله ولا غيره من مهمات غزوه. ~~ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها مسيرة سبعين سنة. # باب في أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع عن أبي جحيفة قال: آخى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى ~~أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: # أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما ~~فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب ~~أبو الدرداء يقوم قال: نم فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر ~~الليل قال سلمان: قم الآن فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك ~~عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدق سلمان رواه ~~البخاري والترمذي وصححه. # قوله: متبذلة بفتح المثناة الفوقية والموحدة بعدها وتشديد الذال المعجمة ~~المكسورة، أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون الذال وهي المهنة وزنا ~~ومعنى، والمراد أنها تاركة للبس ثياب ms1820 الزينة. وفي رواية للكشميهني: متبذلة ~~بتقديم PageV04P345 # الموحدة وتخفيف الذال المعجمة والمعنى واحد. قوله: ليست له حاجة في ~~الدنيا زاد ابن خزيمة: يصوم النهار ويقوم الليل. قوله: فقال كل القائل أبو ~~الدرداء على ظاهر هذه الرواية وهي لفظ الترمذي، ولفظ البخاري: فقال: كل، ~~قال: فإني صائم فيكون القائل سلمان. قوله: فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل في ~~رواية للبزار: فقال: أقسمت عليك لتفطرن. وكذا رواه ابن خزيمة والدارقطني ~~والطبراني وابن حبان. قوله: فلما كان من آخر الليل في رواية ابن خزيمة: ~~فلما كان عند السحر. وعند الترمذي: فلما كان عند الصبح وللدارقطني: فلما ~~كان في وجه الصبح. قوله: ولأهلك عليك حقا زاد الترمذي وابن خزيمة: ولضيفك ~~عليك حقا. وزاد الدارقطني: فصم وأفطر وصل ونم وائت أهلك. قوله: صدق سلمان ~~فيه دليل على مشروعية النصح للمسلم وتنبيه من غفل، وفضل قيام آخر الليل، ~~وثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة وجواز النهي عن المستحبات إذا خشي ~~أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة، وكراهة الحمل على ~~النفس في العبادة، وجواز الفطر من صوم التطوع، وسيأتي الكلام عليه. # وعن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها فدعا بشراب ~~فشرب ثم ناولها فشربت فقالت: يا رسول الله أما أني كنت صائمة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن ~~شاء أفطر رواه أحمد والترمذي. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم شرب شرابا فناولها لتشرب فقالت: إني صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك، ~~فقال: يعني إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت ~~فاقضي وإن شئت فلا تقضي رواه أحمد وأبو داود بمعناه. وعن عائشة قالت: أهدي ~~لحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقلنا: # يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية واشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا ms1821 عليكما صوما مكانه يوما آخر رواه أبو داود وهذا ~~أمر ندب بدليل قوله لا عليكما. # حديث أم هانئ أخرجه أيضا الدارقطني والطبراني والبيهقي وفي إسناده سماك، ~~وقد اختلف عليه فيه، وقال النسائي: سماك ليس يعتمد عليه إذا انفرد، وقال ~~البيهقي: في إسناده PageV04P346 # مقال، وكذلك قال الترمذي وفي إسناده أيضا هارون ابن أم هانئ، قال ابن ~~القطان: لا يعرف، وفي إسناده أيضا يزيد بن أبي زياد الهاشمي قال ابن عدي: ~~يكتب حديثه، وقال الذهبي: # صدوق ردئ الحفظ، وقد غلط سماك في هذا الحديث فقال في بعض الروايات: إن ~~ذلك كان يوم الفتح وهي عند النسائي والطبراني، ويوم الفتح كان في رمضان، ~~فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاء أو تطوعا. وحديث عائشة أخرجه أيضا النسائي ~~وفي إسناده زميل. قال النسائي: ليس بالمشهور، وقال البخاري: لا يعرف لزميل ~~سماع من عروة ولا ليزيد، يعني يزيد بن الهاد سماع من زميل، ولا تقوم به ~~الحجة. وقال الخطابي: إسناده ضعيف وزميل مجهول. وأخرج الحديث الترمذي بلفظ: ~~اقضيا يوما آخر مكانه وقال: رواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا يعني مرفوعا. ورواه مالك بن أنس ومعمر ~~وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة ~~مرسلا، ولم يذكروا فيه عروة وهذا أصح، لأنه روي عن ابن جريج قال: سألت ~~الزهري قلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئا، ~~ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عائشة عن ~~هذا الحديث فذكره ثم أسنده كذلك. وقال النسائي: هذا خطأ. وقال ابن عيينة في ~~روايته: سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال: لا. وقال الخلال: اتفق الثقات ~~على إرساله، وتوارد الحفاظ على الحكم بضعفه، وضعفه أحمد والبخاري والنسائي ~~بجهالة زميل. (وفي الباب) عن عائشة غير الحديث المذكور في الباب: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها ذات يوم فقال: ms1822 هل عندكم من شئ؟ فقدمت له ~~حيسا فقال: لقد أصبحت صائما فأكل منه. وقد تقدم في باب وجوب النية، وزاد ~~النسائي: # فأكل وقال: أصوم يوما مكانه. قال النسائي: هي خطأ يعني الزيادة، ونسب ~~الدارقطني الوهم فيها إلى محمد بن عمر الباهلي، ولكن رواها النسائي من غير ~~طريقه. وكذا الشافعي. (وفي الباب) أيضا عن أبي سعيد عند البيهقي بإسناد قال ~~الحافظ: حسن، قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم طعاما فلما وضع قال ~~رجل: أنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعاك أخوك وتكلف ~~لك أفطر فصم مكانه إن شئت. (والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على أنه يجوز ~~لمن صام PageV04P347 # تطوعا أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين. ويدل ~~على أنه يستحب للمتطوع القضاء لذلك اليوم. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور من أهل ~~العلم. وحكى الترمذي عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم ~~رأوا عليه القضاء إذا أفطر، قال: وهو قول مالك بن أنس. واستدلوا بحديث ~~عائشة المذكور. # وبحديث أبي سعيد في الباب وأجيب عن ذلك بما في حديث أم هانئ من التخيير، ~~فيجمع بينه وبين حديث عائشة وأبي سعيد بحمل القضاء على الندب، ويدل على ~~جواز الافطار وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة المتقدم، لأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قرر ذلك، ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه، وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قال ابن المنير: ليس في تحريم الاكل في صوم ~~النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * ~~(محمد: 33) إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان، وقال ابن عبد البر: ~~من احتج في هذا بقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) فهو جاهل ~~بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه ~~قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تبطلوا ~~أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي ms1823 عن إبطال ما لم يفرض ~~الله عليه ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الافطار إلا بما ~~يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك انتهى. ولا يخفى أن الآية ~~عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، والصواب ~~ما قال ابن المنير. قوله: لا عليكما فيه دليل على أنه يجوز لمن كان صائما ~~عن قضاء أن يفطر ولا إثم عليه لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل هل ~~الصوم قضاء أو تطوع؟ ويؤيد ذلك قوله في حديث أم هانئ: إن كان قضاء من رمضان ~~فأقضي يوما مكانه. قوله: يعني هذه اللفظة ليست في متن الحديث. # باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو ~~يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصمه PageV04P348 # رواه الجماعة. وعن معاوية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول على المنبر قبل شهر رمضان: الصيام يوم كذا وكذا ونحن متقدمون فمن شاء ~~فليتقدم تأخر رواه ابن ماجة. ويحمل هذا على التقدم بأكثر من يومين. وعن ~~عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر ~~هذا الشهر شيئا؟ قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # فإذا أفطرت رمضان فصم يومين مكانه متفق عليه. وفي رواية لهم: من سرر ~~شعبان ويحمل هذا على أن الرجل كانت له عادة بصيام سرر الشهر أو قد نذره. # حديث معاوية في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى بني ~~أمية وفيه مقال، والهيثم بن حميد وفيه أيضا مقال. قوله: لا يتقدمن أحدكم ~~الخ، قال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط ~~لرمضان قال الترمذي: لما أخرج هذا الحديث العمل على هذا عند أهل العلم ~~كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان بمعنى رمضان انتهى. ms1824 وإنما اقتصر ~~على يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك. وقد قطع كثير من الشافعية بأن ~~ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان، واستدلوا بحديث العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا أخرجه ~~أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره. وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم ~~بيوم أو يومين لحديث الباب، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقال ~~جمهور العلماء: # يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد في النهي ~~عنه. # وقد قال أحمد وابن معين: إنه منكر. وقد استدل البيهقي على ضعفه بحديث ~~الباب، وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث أنس مرفوعا: أفضل الصيام بعد ~~رمضان شعبان لكن إسناده ضعيف كما تقدم، واستظهر أيضا بحديث عمران بن حصين ~~المذكور في الباب لقوله فيه: من سرر شعبان والسرر بفتح السين المهملة ويجوز ~~كسرها وضمها، ويقال أيضا سرار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء الفتح وهو من ~~الاستسرار، قال أبو عبيدة والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت ~~بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين، ~~ونقل PageV04P349 # أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله. ونقل الخطابي عن ~~الأوزاعي كالجمهور، وقيل: السرر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضا ورجحه ~~بعضهم. # ووجهه بأن السرر جمع سرة وسرة الشئ وسطه. ويؤيده الندب إلى صيام البيض ~~وهي وسط، وإن لم يرد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاص بآخر شعبان ~~لمن صامه لأجل رمضان. ورجحه النووي بأن مسلما أفرد الرواية التي فيها سرة ~~هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحث على صيام ~~البيض وهي وسط الشهر كما تقدم. # وقد قال الخطابي: إن بعض أهل العلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن سؤاله عن ذلك سؤال زجر وإنكار، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم ~~أو يومين، وتعقب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضائه، وأجاب الخطابي ms1825 باحتمال ~~أن يكون الرجل أوجبها على نفسه فلذلك أمره بالوفاء، وأن يقضي ذلك في شوال، ~~وقال آخرون: فيه دليل على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو ~~لمن يقصد به التحري لأجل رمضان، وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، ~~وهو خلاف ظاهر حديث النهي، لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. وقال ~~القرطبي: الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك، ~~وحمل الامر على من له عادة وهذا هو الظاهر، وقد استثنى من له عادة في حديث ~~النهي بقوله: إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما فليصمه فلا يجوز صوم النفل ~~المطلق الذي لم تجر بها عادة، وكذلك يحمل حديث معاوية المذكور في الباب بعد ~~ثبوته على من كان معتادا للصوم في ذلك الوقت. وأما قول المصنف: أنه يحمل ~~على التقدم بأكثر من يومين فغير ظاهر، لأن حديث العلاء بن عبد الرحمن ~~المتقدم يدل على المنع من صوم النصف الآخر من شعبان، وقد جمع الطحاوي بين ~~حديث النهي. وحديث العلاء بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث ~~الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. قال في الفتح: وهو جمع حسن. (وقد ~~اختلف) في الحكمة في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، فقيل: # هي التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط وفيه نظر، لأن مقتضى ~~الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أيام جاز. وقيل: الحكمة خشية ~~اختلاط النفل بالفرض وفيه نظر، لأنه يجوز لمن له عادة كما تقدم. وقيل: لأن ~~الحكم معلق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. ~~قال في الفتح: # وهذا هو المعتمد ولا يرد عليه صوم من اعتاد ذلك لأنه قد أذن له فيه وليس ~~PageV04P350 # من الاستقبال في شئ، ويلحق به القضاء والنذر لوجوبهما، قال بعض العلماء: ~~يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما، فلا يبطل ~~القطعي بالظني. # وفي حديث أبي هريرة بيان لمعنى ms1826 قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث ~~الماضي: # صوموا لرؤيته فإن اللام فيه للتأقيت لا للتعليل. قال ابن دقيق العيد: ومع ~~كونها محمولة على التأقيت فلا بد من ارتكاب مجاز، لأن وقت الرؤية وهي الليل ~~لا يكون محل الصوم، وتعقبه الفاكهي بأن المراد بقوله: صوموا انووا الصيام ~~والليل كله طرف للنية. قال الحافظ: فوقع في المجاز الذي فر منه، لأن الناوي ~~ليس صائما حقيقة، بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع ~~الفجر. # باب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق عن أبي سعيد عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر متفق ~~عليه. وفي لفظ لأحمد والبخاري: # لا صوم في يومين. ولمسلم: لا يصح الصيام في يومين وفي الباب عن عمر بن ~~الخطاب وأبي هريرة وابن عمر بنحو حديث الباب، وهي في صحيح البخاري ومسلم، ~~وتفرد به مسلم من حديث عائشة. قال النووي في شرح صحيح مسلم: وقد أجمع ~~العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر أو تطوع ~~أو كفارة أو غير ذلك، ولو نذر صومهما متعمدا لعينهما. # قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما. وقال أبو حنيفة: ~~ينعقد ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك ~~انتهى. وبمثل قول أبي حنيفة قال المؤيد بالله والامام يحيى. وقال زيد بن ~~علي والهادوية: يصح النذر بصيامهما، ويصوم في غيرهما، ولا يصح صومه فيهما، ~~وهذا إذا نذر صومهما بعينهما كما تقدم. وأما إذا نذر صوم يوم الاثنين مثلا ~~فوافق يوم العيد فقال النووي: لا يجوز له صوم العيد بالاجماع، قال: وهل ~~يلزمه القضاء؟ فيه خلا ف للعلماء، وفيه للشافعي قولان: أصحهما لا يجب قضاؤه ~~لأن لفظه لم يتناول القضاء، وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار ~~عند الأصوليين، انتهى. والحكمة) في النهي عن صوم العيدين أن فيه ~~PageV04P351 # إعراضا عن ضيافة الله تعالى لعباده كما صرح بذلك أهل الأصول. ms1827 # وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه وأوس ابن ~~الحدثان أيام التشريق فناديا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام ~~أكل وشرب رواه أحمد ومسلم. وعن سعد بن أبي وقاص قال: أمرني النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشراب ولا صوم فيها يعني ~~أيام التشريق رواه أحمد. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ~~صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق رواه ~~الدارقطني. وعن عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا ~~لمن لم يجد الهدي رواه البخاري. وله عنهما أنهما قالا: الصيام لمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى. # حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه أيضا البزار، قال في مجمع الزوائد: ورجالهما ~~يعني أحمد والبزار رجال الصحيح. وحديث أنس في إسناده محمد بن خالد الطحان ~~وهو ضعيف. (وفي الباب) عن عبد الله بن حذافة السهمي عند الدارقطني بلفظ: # لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال يعني أيام منى، وفي ~~إسناده الواقدي. وعن أبي هريرة عند الدارقطني وفي إسناده سعد بن سلام وهو ~~قريب من الواقدي وفيه أن المنادي بديل بن ورقاء. وأخرجه أيضا ابن ماجة من ~~وجه آخر وابن حبان. وعن ابن عباس عند الطبراني بنحو حديث عبد الله بن حذافة ~~وفيه: والبعال وقاع النساء، وفي إسناده إسماعيل بن أبي حبيب وهو ضعيف. وعن ~~عمر بن خلدة عن أبيه عند أبي يعلى، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن ~~راهويه بنحوه وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. وعن ابن مسعود بن ~~الحكم عن أمه عند النسائي: أنها رأت وهي بمنى في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم راكبا يصيح يقول: يا أيها الناس إنها أيام أكل وشرب ونساء ~~وبعال وذكر الله، قالت فقلت: ms1828 من هذا؟ فقالوا: علي بن أبي طالب. وأخرجه ~~البيهقي من هذا الوجه لكن قال: إن جدته حدثته. وأخرجه ابن يونس في تاريخ ~~مصر من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قال يزيد: فسألت ~~عنها فقيل: إنها جدته. وعن نبيشة الهذلي عند مسلم في صحيحه بلفظ: أيام ~~التشريق PageV04P352 # أيام أكل وشراب. وأخرجه ابن حبان عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجه النسائي عن ~~بشر بن سحيم بنحوه. وعن عقبة بن عامر عند أصحاب السنن، وابن حبان والحاكم ~~والبزار بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيام التشريق أيام ~~أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد. وعن عمرو بن العاص عند أبي داود: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها. # (وقد استدل) بهذه الأحاديث على تحريم صوم أيام التشريق، وفي ذلك خلاف بين ~~الصحابة فمن بعدهم. قال في الفتح: وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن ~~العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا. وعن علي عليه السلا وعبد الله ~~بن عمرو بن العاص المنع مطلقا وهو المشهور عن الشافعي. وعن ابن عمر وعائشة ~~وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدى، وهو قول مالك ~~والشافعي في القديم. وعن الأوزاعي وغيره أيضا يصومها المحصر والقارن انتهى. ~~واستدل القائلون بالمنع مطلقا بأحاديث الباب التي لم تقيد بالجواز للمتمتع، ~~واستدل القائلون بالجواز للمتمتع بحديث عائشة وابن عمر المذكور في الباب، ~~وهذه الصيغة لها حكم الرفع، وقد أخرجه الدارقطني والطحاوي بلفظ: رخص رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام ~~التشريق وفي إسناده يحيى بن سلام وليس بالقوي، ولكنه يؤيد ذلك عموم الآية، ~~قالوا: وحمل المطلق على المقيد واجب، وكذلك بناء العام على الخاص، وهذا ~~أقوى المذاهب. وأما القائل بالجواز مطلقا فأحاديث الباب جميعها ترد عليه. ~~قال في الفتح: وقد اختلف في كونها يعني أيام التشريق يومين أو ثلاثة، قال: ~~وسميت أيام التشريق لأن ms1829 لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر في الشمس. وقيل: ~~لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل: لان صلاة العيد تقع عند شروق ~~الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة انتهى. # وحديث أنس المذكور في الباب يدل على أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر. ~~PageV04P353 # كتاب الاعتكاف عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل. وعن ابن عمر قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان ~~متفق عليهما. ولمسلم قال نافع: وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعن أنس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما، فلما كان في ~~العام المقبل اعتكف عشرين رواه أحمد والترمذي وصححه. ولأحمد وأبي داود وابن ~~ماجة هذا المعنى من رواية أبي بن كعب. # هذه الأحاديث فيها دليل على مشروعية الاعتكاف وهو متفق عليه كما قال ~~النووي وغيره. قال مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم ~~للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد ~~من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. ومن كلام مالك ~~هذا أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي. # وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال في مواظبة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما يدل على تأكيده. وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من ~~العلماء خلافا أنه مسنون، وتعقب الحافظ في الفتح قول مالك: إنه لم يعتكف من ~~السلف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن وقال: لعله أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكي ~~عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف. (واعلم) أنه لا خلا ف في عدم وجوب ~~الاعتكاف إلا إذا نذر به. # قوله: يعتكف الاعتكاف في اللغة هو الحبس واللزوم والمكث والاستقامة ms1830 ~~والاستدارة. قال العجاج: # فهن يعكفن به إذا حجا * عكف النبيط يلعبون الفنزجا والنبيط: قوم من ~~العجم. والفنزج بالفاء والنون والزاي والجيم لعبة للعجم يأخذ كل واحد منهم ~~بيد صاحبه ويستديرون راقصين. وقوله: حجا أي أقام بالمكان، PageV04P354 # وفي الشرع: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة. قوله: # العشر الأواخر من رمضان فيه دليل على استحباب مداومة الاعتكاف في العشر ~~الأواخر من رمضان لتخصيصه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الوقت بالمداومة على ~~اعتكافه. قوله: اعتكف عشرين فيه دليل على أن من اعتاد اعتكاف أيام ثم لم ~~يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاؤها، وسيأتي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم اعتكف لما لم يعتكف العشر الأواخر من رمضان العشر الأواخر من شوال. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن ~~يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، وأنه أمر بخباء فضرب لما أراد الاعتكاف في ~~العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمرت غيرها من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخبائها فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية فقال: البر يردن؟ فأمر بخبائه فقوض، ~~وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأواخر من شوال رواه ~~الجماعة إلا الترمذي لكن له منه: كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل ~~معتكفه. # قوله: صلى الفجر ثم دخل معتكفه استدل به على أن أول وقت الاعتكاف من أول ~~النهار، وبه قال الأوزاعي والليث، والثوري. وقال الأئمة الأربعة وطائفة: ~~يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما ~~يخلو بنفسه في المكان الذي أعده للاعتكاف بعد صلاة الصبح. # قوله: بخباء بخاء معجمة ثم باء موحدة. قوله: وأمرت غيرها الخ، هذا يقتضي ~~تعميم الأزواج وليس كذلك، وقد فسر قوله من أزواج النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعائشة وحفصة وزينب فقط، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية للبخاري بلفظ: ~~أربع قباب. ms1831 # وفي رواية للنسائي: فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية قال: لمن هذه؟ ~~قالوا: لعائشة وحفصة وزينب الحديث. والرابع خباؤه صلى الله عليه وآله وسلم. ~~قوله: البر بهمزة استفهام ممدودة وبغير مد وبنصب الراء. قوله: يردن بضم ~~أوله وكسر الراء وسكون الدال ثم نون النسوة. وفي رواية للبخاري، انزعوها ~~فلا أراها. قوله: فقوض بضم القاف PageV04P355 # وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة أي نقض. قوله: وترك الاعتكاف كان ~~الحامل له صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك خشية أن يكون الحامل للزوجات ~~المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة حرصا على القرب منه خاصة فيخرج ~~الاعتكاف عن موضوعه، أو الحامل له على ذلك أن يكون باعتبار اجتماع النسوة ~~عنده يصير كالجالس في بيته، وربما يشغله ذلك عن التخلي لما قصد من العبادة ~~فيفوت مقصوده بالاعتكاف. قوله: # في العشر الأواخر من شوال في رواية في البخاري: حتى اعتكف في العشر الأول ~~من شوال ويجمع بينه وبين الرواية الأولى بأن المراد بقوله في العشر الأواخر ~~من شوال انتهاء اعتكافه. قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير ~~صوم، لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام، وسيأتي الكلام عليه. وقال غيره ~~في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضي، قال ~~المصنف رحمه الله تعالى: وفيه أن النذر لا يلزم بمجرد النية، وأن السنن ~~تقضي، وأن للمعتكف أن يلزم من المسجد مكانا بعينه، وأن من التزم اعتكاف ~~أيام معينة لم يلزمه أول ليلة لها انتهى. (واستدل) به أيضا على جواز الخروج ~~من العبادة بعد الدخول فيها، وأجيب عن ذلك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف وإنما هم به، ثم عرض له المانع المذكور ~~فتركه، فيكون دليلا على جواز ترك العبادة إذا لم يحصل إلا مجرد النية كما ~~قال المصنف. # وعن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اعتكف طرح ~~له فراشه أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة رواه ms1832 ابن ماجة. # الحديث رجال إسناده في سنن ابن ماجة ثقات. وقد ذكره الحافظ في الفتح عن ~~نافع أن ابن عمر كان إذا اعتكف الخ، ولم يذكر أنه مرفوع. وفي صحيح مسلم عن ~~نافع أنه قال: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يعتكف فيه من المسجد. (وفيه دليل) على جواز طرح الفراش ~~ووضع السرير للمعتكف في المسجد، وعلى جواز الوقوف في مكان معين من المسجد ~~في الاعتكاف فيكون مخصصا للنهي عن إيطان المكان في المسجد يعني ملازمته، ~~وقد تقدم الحديث في الصلاة. وعن عائشة أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه، وكان ~~لا يدخل البيت إلا PageV04P356 # لحاجة الانسان إذا كان معتكفا. وعنها أيضا قالت: إن كنت لأدخل البيت ~~للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة. وعن صفية بنت حيي قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم ~~قمت لانقلب فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد متفق عليهن. # قوله: ترجل الترجيل بالجيم المشط والدهن، فيه دليل على أنه يجوز للمعتكف ~~التنظيف والطيب والغسل والحلق والتزيين إلحاقا بالترجيل. والجمهور على أنه ~~لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد، وعن مالك يكره الصنائع والحرف حتى طلب ~~العلم، وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحا في ~~صحة الاعتكاف. # قوله: إلا لحاجة الانسان فسرها الزهري بالبول والغائط: وقد وقع الاجماع ~~على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ويلحق ~~بالبول والغائط القئ والفصد والحجامة لمن احتاج إلى ذلك، وسيأتي الكلام على ~~الخروج للحاجات ولغيرها. قوله: فما أسأل عنه سيأتي الكلام على الخروج ~~لزيارة المريض. # قوله: ثم قمت لانقلب أي ترجع إلى بيتها. قوله: ليقلبني بفتح أوله وسكون ~~القاف أي يردها إلى منزلها. (وفيه دليل) على جواز خروج المعتكف من مسجد ~~اعتكافه ms1833 لتشييع الزائر قوله: في دار أسامة بن زيد أي التي صارت له بعد ذلك، ~~لأن أسامة إذ ذاك ليس له دار مستقلة بحيث يسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حوالي أبواب المسجد. # وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر بالمريض وهو ~~معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه رواه أبو داود. # وعن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ~~ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف ~~إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع رواه أبو داود. # الحديث الأول في إسناده ليث بن أبي سليم وفيه مقال. قال الحافظ: والصحيح ~~عن عائشة من فعلها، أخرجه مسلم وغيره وقال: صح ذلك عن علي عليه السلام. # والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي وليس فيه قالت السنة. وأخرجه أيضا من ~~حديث مالك وليس فيه ذلك. قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول ~~PageV04P357 # فيه قالت السنة. وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها لا ~~يخرج وما عداه ممن دونها انتهى. وكذلك رجح ذلك البيهقي، ذكره ابن كثير في ~~الارشاد. # وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المدني يقال له عباد. قد أخرج له ~~مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم. ~~(والحديثان) استدل بهما على أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لعيادة ~~المريض ولا لما يماثلها من القرب، كتشييع الجنازة وصلاة الجمعة. قال في ~~الفتح: وروينا عن علي عليه السلام والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف ~~جنازة أو عاد مريضا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن ~~المنذر في الجمعة. وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئا من ذلك في ~~ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد انتهى. وعند ~~الهادوية أنه يجوز الخروج لتلك الأمور ونحوها ولكن في وسط النهار، قياسا ~~على الحاجة المذكورة ms1834 في حديث عائشة المتقدم، وهو فاسد الاعتبار لأنه في ~~مقابلة النص. قوله: ولا يمس امرأة ولا يباشرها المراد بالمباشرة هنا الجماع ~~بقرينة ذكر المس قبلها. وقد نقل ابن المنذر الاجماع على ذلك، ويؤيده ما روى ~~الطبراني وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية يعني قوله تعالى: * (ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) أنهم كانوا إذا اعتكفوا ~~فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت. قوله: ولا يخرج لحاجة ~~إلا لما لا بد منه فيه دليل على المنع من الخروج لكل حاجة، من غير فرق بين ~~ما كان مباحا أو قربة أو غيرهما، إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة ~~وما حكمها. قوله: ولا اعتكاف إلا بصوم فيه دليل على أنه لا يصح الاعتكاف ~~إلا بصوم وأنه شرط، حكاه في البحر عن العترة جميعا وابن عباس وابن عمر ~~ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة، وحكي في البحر أيضا عن ابن مسعود ~~والحسن البصري والشافعي وأحمد وإسحاق أنه ليس بشرط، قالوا: يصح اعتكاف ساعة ~~واحدة ولحظة واحدة، واستدلوا بما تقدم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~اعتكف العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم الفطر. وبحديث عمر الآتي. ~~وأجابوا عن حديث عائشة المذكور في الباب بما تقدم من الكلام عليه، وهذا هو ~~الحق لا كما قال ابن القيم: أن الراجح الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط ~~في الاعتكاف. وقد روي عن علي وابن مسعود أنه ليس على المعتكف صوم إلا أن ~~يوجبه على نفسه، ويدل على ذلك PageV04P358 # حديث ابن عباس الآتي، ويؤيد قول من قال بجواز الاعتكاف ساعة أو لحظة ~~حديث: من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة رواه العقيلي في الضعفاء من ~~حديث عائشة وأنس. قال في البدر المنير: هذا حديث غريب لا أعرفه بعد البحث ~~الشديد عنه. وقال الحافظ: هو منكر ولكنه أخرجه الطبراني في الأوسط، قال ~~الحافظ: لم أر في إسناده ضعفا إلا أن فيه وجادة وفي المتن نكارة شديدة، ~~وذهبت العترة وأبو حنيفة ms1835 إلى أن أقل مدة الاعتكاف يوم. قوله: ولا اعتكاف ~~إلا في مسجد جامع فيه دليل على أن المسجد شرط للاعتكاف. قال في الفتح: ~~واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة ~~المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها ~~وهو المكان المعد للصلاة. وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه، ~~وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة ~~وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب ~~منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد، انتهى كلام ~~الفتح. وسيأتي قول من قال: إنه يختص بالمساجد الثلاثة. # وعن ابن عمر أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كنت نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوف بنذرك متفق عليه. وزاد ~~البخاري: فاعتكف ليلة. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه رواه الدارقطني وقال: ~~رفعه أبو بكر السوسي وغيره لا يرفعه. # الحديث الثاني رجح الدارقطني، والبيهقي وقفه، وأخرجه الحاكم مرفوعا وقال: # صحيح الاسناد. قوله: أن عمر سأل لم يذكر مكان السؤال. وفي رواية للبخاري: ~~أن ذلك كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين، ويستفاد منه الرد على من زعم أن ~~اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل، لأن غزوة حنين متأخرة عن ~~ذلك. قوله: نذرت فالجاهلية زاد مسلم: فلما أسلمت سألت، وفي ذلك رد على من ~~زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة، وأنه إنما نذر في الاسلام، وأصرح ~~من ذلك ما أخرج الدارقطني بلفظ: نذر أن يعتكف في الشرك. قوله: أن أعتكف ~~ليلة استدل به على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس بوقت صوم، وقد ~~أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يفي بنذره على الصفة التي أوجبها، وتعقب ~~بأن في رواية لمسلم: يوما بدل ليلة، وقد جمع ابن ms1836 حبان PageV04P359 # وغيره بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق ~~يوما أراد بليلته. وقد ورد الامر بالصوم في رواية أبي داود والنسائي بلفظ: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: اعتكف وصم أخرجه أبو داود ~~والنسائي من طريق عبد الله بن بديل ولكنه ضعيف، وقد ذكر ابن عدي والدارقطني ~~أنه تفرد بذلك عن عمرو بن قال في الفتح: ورواية من روى يوما شاذة، وقد وقع ~~في رواية سليمان بن بلال عند البخاري فاعتكف ليلة فدل على أنه لم يزد على ~~نذره شيئا، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حد معين. قوله: ليس ~~على المعتكف صيام استدل به القائلون بأنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف، وقد ~~تقدم ذكرهم. # وقد استدل بعض القائلين بأن الصوم شرط في الاعتكاف بقوله تعالى: * (ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: ~~187) قال: فذكر الاعتكاف عقب الصوم، وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على ~~تلازمهما، وإلا لزم أن لا صوم إلا باعتكاف ولا قائل به، وفي حديث عمر ~~المذكور في الباب رد على من قال: إن أقل الاعتكاف عشرة أيام، وفيه أيضا ~~دليل على أن النذر من الكافر لا يسقط عنه بالاسلام، وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى الكلام على ذلك. # وعن حذيفة: أنه قال لابن مسعود: لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: في مسجد جماعة ~~رواه سعيد في سننه. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتكف معه ~~بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطشت تحتها من الدم رواه ~~البخاري. وفي رواية: اعتكف معه امرأة من أزواجه وكانت ترى الدم والصفرة ~~والطشت تحتها وهي تصلي رواه أحمد والبخاري وأبو داود. # الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه، واقتصر على ~~المراجعة التي فيه بين حذيفة وابن مسعود ولفظه: أن حذيفة جاء إلى عبد ms1837 الله ~~فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد، قال عبد ~~الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت فهذا يد على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أن عبد الله يخالفه، ويجوز الاعتكاف ~~في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما خالفه، ~~وأيضا الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه، وقد استشهد بعضهم ~~لحديث حذيفة بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعا بلفظ: PageV04P360 # لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد ~~الأقصى وهو متفق عليه، ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة، لأن أفضلية ~~المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف. # وقد حكي في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة ولم يذكر ~~هذا الحديث، وحكي عن عطاء أنه يختص بمسجد مكة، وعن ابن المسيب بمسجد ~~المدينة. وقوله: أو قال في مسجد جماعة قيل: فيه دليل لمذهب أبي حنيفة وأحمد ~~المتقدم. قوله: بعض نسائه قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من كانت مستحاضة قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها ~~من نسائه أي من النساء المتعلقات به وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب، ولكنه ~~يرد عليه ما وقع في البخاري في كتاب الاعتكاف بلفظ امرأة مستحاضة من ~~أزواجه، ووقع في رواية سعيد بن منصور عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي ~~مستحاضة، وهذه الرواية تفيد تعيينها. وقد حكى ابن عبد البر أن بنات جحش ~~الثلاث كن مستحاضات: زينب، وحمنة، وأم حبيبة، ويدل على ذلك ما وقع عند أبي ~~داود عن عائشة أنها قالت: استحيضت زينب بنت جحش. وقد عد مغلطاي في ~~المستحاضات سودة بنت زمعة، وقد روى ذلك أبو داود تعليقا، وذكر البيهقي أن ~~ابن خزيمة أخرجه موصولا، فهذه ثلاث مستحاضات من أزواج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قوله: # من الدم أي لأجل الدم. (والحديث) ms1838 يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد ~~وصحة اعتكافها وصلاتها، وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث، ويلحق بها ~~دائم الحدث، ومن به جرح يسيل، وقد تقدم البحث عن ذلك. # باب الاجتهاد في العشر الأواخر، وفضل قيام ليلة القدر وما يدعى به فيها ~~وأي ليلة هي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا دخل العشر ~~الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر متفق عليه. ولأحمد ومسلم: كان ~~يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها. PageV04P361 # قوله: أحيا الليل فيه استعارة الاحياء للاستيقاظ أي سهره فأحياه بالطاعة، ~~وأحيا نفسه بسهره فيه لأن النوم أخو الموت. (والحديث) فيه دليل على مشروعية ~~الحرص على مداومة القيام في العشر الأواخر من رمضان وإحيائها بالعبادة، ~~واعتزال النساء، وأمر الأهل بالاستكثار من الطاعة فيها. قوله: وأيقظ أهله ~~أي للصلاة، وفي الترمذي عن أم سلمة: لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه. قوله: وشد ~~المئزر أي اعتزل النساء كما رواه عبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي شيبة عن ~~أبي بكر بن عياش، وحكي في الفتح عن الخطابي أنه يحتمل أن يراد به الجد في ~~العبادة، كما يقال: شددت لهذا الامر مئزري أي شمرت له، ويحتمل أن يراد ~~التشمير والاعتزال معا، ويحتمل أن يراد حقيقته، والمجاز كمن يقول: طويل ~~النجاد لطويل القامة وهو طويل النجاد حقيقة، يعني شد مئزره حقيقة، واعتزل ~~النساء وشمر للعبادة يعني فيكون كناية وهو يجوز فيها إرادة اللازم ~~والملزوم. وقد وقع في رواية: شد مئزره واعتزل النساء فالعطف بالواو يقوي ~~الاحتمال الأول كما قال الحافظ. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قام ليلة القدر ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه الجماعة إلا ابن ماجة. # وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما ~~أقول فيها؟ قال قولي: اللهم إنك عفو ms1839 تحب العفو فاعف عني رواه الترمذي ~~وصححه، وأحمد وابن ماجة وقالا فيه: أرأيت إن وافقت ليلة القدر. الحديث ~~الأول قد تقدم مع شرحه في باب صلاة التراويح، وأورده المصنف ههنا للاستدلال ~~به على مشروعية قيام ليلة القدر. والحديث الثاني صححه الترمذي كما ذكر ~~المصنف، وفيه دليل على إمكان معرفة ليلة القدر وبقائها، وسيأتي الكلام على ~~ذلك. قوله: # ليلة القدر اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل: هو ~~التعظيم لقوله تعالى: * (وما قدروا الله حق قدره) * (الانعام: 91) والمعنى ~~أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من نزول الملائكة، أو لما ~~ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر، ~~وقيل: القدر هنا التضييق لقوله تعالى: * (ومن قدر عليه رزقه) * (الطلاق: 7) ~~ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها. وقيل: القدر هنا بمعنى ~~القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء. والمعنى PageV04P362 # أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: * (فيها يفرق كل أمر حكيم) * ~~(الدخان: 4) وبه صدر النووي كلامه فقال قال العلماء: سمعت ليلة القدر لما ~~يكتب فيها الملائكة من الاقدار لقوله تعالى: * (فيها يفرق) * (الدخان: 4) ~~الآية. ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة ~~وقتادة وغيرهم. قال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع ~~في القدر الذي يؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك، وإنما أريد ~~به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة، لتحصيل ما يلقي ~~إليهم فيها مقدارا بمقدار. قوله: إنك عفو بفتح العين وضم الفاء وتشديد ~~الواو صيغة مبالغة. وفيه دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه ~~الكلمات. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان متحريها ~~فليتحرها ليلة سبع وعشرين، أو قال: تحروها ليلة سبع وعشرين يعني ليلة القدر ~~رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن ابن عباس: أن رجلا أتى نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: يا نبي الله إني ms1840 شيخ كبير عليل يشق علي القيام، فأمرني ~~بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر فقال: عليك بالسابعة رواه أحمد. ~~وعن معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة القدر ~~قال: ليلة سبع وعشرين رواه أبو داود. وعن زر بن حبيش قال: سمعت أبي بن كعب ~~يقول: وقيل له إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، ~~فقال أبي: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني، ووالله ~~إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بقيامها هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها ~~بيضاء لا شعاع لها رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا الطبراني في الكبير، قال في مجمع الزوائد: # ورجال أحمد رجال الصحيح. وقد أخرج نحوه عبد الرزاق عن ابن عمر مرفوعا، ~~والمراد بالسابعة إما السبع بقين أو لسبع مضين بعد العشرين. وحديث معاوية ~~سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح. (وفي الباب) عن جابر ~~بن سمرة عند الطبراني في الأوسط بنحو حديث ابن عمر. وعن ابن مسعود عند ~~الطبراني قال: # سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ليلة القدر فقال: أيكم يذكر ~~ليلة الصهبا؟ PageV04P363 # قلت أنا وذلك ليلة سبع وعشرين. ورواه ابن أبي شيبة عن عمرو وحذيفة وناس ~~من الصحابة. وروى عبد الرزاق عن ابن عباس قال: دعا عمر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر ~~الأواخر، قال ابن عباس فقلت لعمر: إني لأعلم أو أظن أي ليلة هي، قال عمر: ~~أي ليلة هي؟ فقلت: # سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال: من أين علمت ذلك؟ ~~فقلت: خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، ~~والانسان خلق من سبع، ويأكل من سبع ويسجد على سبع، والطواف والجمار ms1841 وأشياء ~~ذكرها، فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له. وقد أخرج نحو هذه القصة ~~الحاكم، وإلى أن ليلة القدر ليلة السابع والعشرين، ذهب جماعة من أهل العلم، ~~وقد حكاه صاحب الحلية من الشافعية عن أكثر العلماء، وقد اختلف العلماء فيها ~~على أقوال كثيرة ذكر منها في فتح الباري ما لم يذكره غيره، وسنذكر ذلك على ~~طريق الاختصار فنقول القول (الأول) أنها رفعت حكاه المتولي عن الروافض ~~والفاكهاني عن الحنفية. (الثاني) أنها خاصة بسنة واحدة وقعت في زمنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم حكاه الفاكهاني (الثالث أنها خاصة بهذه الأمة جزم به ~~جماعة من المالكية، ونقله صاحب العمدة عن الجمهور من الشافعية، واعترض ~~بحديث أبي ذر عند النسائي قال قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ~~ماتوا رفعت؟ فقال: هي باقية واحتجوا بما ذكره مالك في الموطأ بلاغا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تقال أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية ~~فأعطاه الله ليلة القدر. قال الحافظ: وهذا محتمل للتأويل فلا يدفع التصريح ~~في حديث أبي ذر. (والرابع) أنها ممكنة في جميع السنة وهو المشهور عن ~~الحنفية، وحكي عن جماعة من السلف، وهو مردود بكثير من أحاديث الباب المصرحة ~~باختصاصها برمضان. (الخامس) أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه. وروي ~~عن ابن عمر وأبي حنيفة، وبه قال ابن المنذر وبعض الشافعية ورجحه السبكي. ~~(السادس) أنها في ليلة معينة مبهمة قاله النسفي في منظومته. (السابع) أنها ~~أول ليلة من رمضان، حكي عن أبي رزين العقيلي الصحابي. وروى ابن أبي عاصم من ~~حديث أنس قال: ليلة القدر أول ليلة من رمضان، قال ابن أبي عاصم: لا نعلم ~~أحدا قال ذلك غيره. # (الثامن) أنها ليلة النصف من رمضان، حكاه ابن الملقن في شرح العمدة. ~~(التاسع) أنها ليلة النصف من شعبان، حكاه القرطبي في المفهم، وكذا نقله ~~السروجي PageV04P364 # عن صاحب الطراز. (العاشر) أنها ليلة سبع عشرة من رمضان، ودليله ما رواه ~~ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال: ms1842 بلا شك ولا امتراء أنها ~~ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن. وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود. # (الحادي عشر) أنها مبهمة في العشر الوسط، حكاه النووي وعزاه الطبري إلى ~~عثمان بن أبي العاص والحسن البصري وقال به بعض الشافعية. (الثاني عشر) أنها ~~ليلة ثمان عشرة، ذكره ابن الجوزي في مشكله. (الثالث عشر) ليلة تسع عشرة، ~~رواه عبد الرزاق عن علي عليه السلام، وعزاه الطبري إلى زيد بن ثابت، ووصله ~~الطحاوي عن ابن مسعود. (الرابع عشر) أول ليلة من العشرة الآخرة، وإليه مال ~~الشافعي وجزم به جماعة من أصحابه. # (الخامس عشر) مثل الذي قبله إن كالشهر تاما، وإن كان ناقصا فليلة إحدى ~~وعشرين، وهكذا في جميع العشر، وبه جزم ابن حزم ودليله حديث أبي سعيد وعبد ~~الله بن أنيس وأبي بكرة وسيأتي. (الساد س عشر) ليلة اثنين وعشرين، ودليله ~~ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن أنيس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن ليلة القدر وذلك صبيحة إحدى وعشرين فقال: كم الليلة؟ قلت: ~~ليلة اثنين وعشرين، فقال: هي الليلة أو القابلة. (السابع عشر) ليلة ثلاث ~~وعشرين، ودليله حديث عبد الله بن أنيس الآتي، وقد ذهب إلى هذا جماعة من ~~الصحابة والتابعين. (الثامن عشر) أنها ليلة الرابع والعشرين، ودليله ما ~~رواه الطيالسي عن أبي سعيد مرفوعا: ليلة القدر ليلة أربع وعشرين وما رواه ~~أحمد من حديث بلال بنحوه وفيه ابن لهيعة، وروي ذلك عن ابن مسعود والشعبي ~~والحسن وقتادة. (التاسع عشر) ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن الجوزي في المشكل ~~عن أبي بكرة. (العشرون) ليلة ست وعشرين، قال الحافظ: وهو قول لم أره صريحا ~~إلا أن عياضا قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخيرة إلا وقد قيل فيها ~~أنها ليلة القدر. (الحادي والعشرون) ليلة سابع وعشرين، وقد تقدم دليله ومن ~~قال به. (الثاني والعشرون) ليلة الثامن والعشرين، وهذا لم يذكر صاحب الفتح، ~~ولكن ظاهر قول عياض المتقدم أنه قد قيل إنها ليلة القدر، وقد أسقط ms1843 في الفتح ~~القول الثاني والعشرين وذكر الثالث والعشرين بعد الحادي والعشرين، فلعله ~~سقط عليه حكاية هذا القول، وقد ثبت في بعض النسخ. (الثالث والعشرون) أنها ~~ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربي. (الرابع والعشرون) أنها ليلة الثلاثين، ~~حكاه عياض ورواه محمد بن نصر عن PageV04P365 # معاوية وأحمد عن أبي هريرة. (الخامس والعشرون) أنها في أوتار العشر ~~الأخيرة، ودليله حديث عائشة الآتي في آخر الباب، وكذلك حديث ابن عمر، قال ~~في الفتح: وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو ثور المزني وابن خزيمة وجماعة ~~من علماء المذاهب انتهى. # (القول السادس والعشرون) مثله بزيادة الليلة الأخيرة، ويدل عليه حديث أبي ~~بكرة الآتي، وقد أخرج أحمد من حديث عبادة بن الصامت ما يدل على ذلك. ~~(السابع والعشرون) تنتقل في العشر الأواخر كلها، قاله أبو قلابة ونص عليه ~~مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه، ويدل عليه حديث ~~أبي سعيد الآتي. # (الثامن والعشرون) مثله إلا أن بعض ليالي العشر أرجى من بعض، قال ~~الشافعي: # أرجاها ليلة إحدى وعشرين. (التاسع والعشرون) مثل السابع والعشرين إلا أن ~~أرجاها ليلة ثلاث وعشرين ولم يذكر في الفتح قائله. (الثلاثون) كذلك إلا أن ~~أرجاها ليلة سبع وعشرين ولم يحك صاحب الفتح من قاله. (الحادي والثلاثون) ~~أنها تنتقل في جميع السبع الأواخر، ويدل عليه حديث ابن عمر الآتي، وقد ~~اختلف أهل هذا القول هل المراد السبع من آخر الشهر أو آخر سبعة تعد من ~~الشهر؟ قال في الفتح: # ويخرج من ذلك القول. (الثاني والثلاثون) القول (الثالث والثلاثون) أنها ~~تنتقل في النصف الأخير، ذكره صاحب المحيط عن أبي يوسف ومحمد، وحكاه إمام ~~الحرمين عن صاحب التقريب. (الرابع والثلاثون) ليلة ست عشرة أو سبع عشرة، ~~رواه الحرث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزبير. (الخامس والثلاثون) ~~ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين، رواه سعيد بن منصور من حديث أنس ~~بإسناد ضعيف. (السادس والثلاثون) أول ليلة من رمضان أو آخر ليلة منه، رواه ~~ابن أبي عاصم من حديث أنس ms1844 بإسناد ضعيف. (السابع والثلاثون) ليلة تاسع عشرة ~~أو إحدى عشرة أو ثلاث وعشرين، رواه أبو داود من حديث ابن مسعود بإسناد فيه ~~مقال، وعبد الرزاق من حديث علي بسند منقطع، وسعيد بن منصور من حديث عائشة ~~بسند منقطع أيضا. # (الثامن والثلاثون) أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين ~~أو آخر ليلة، رواه ابن مردويه في تفسيره عن أنس بإسناد ضعيف. (التاسع ~~والثلاثون) ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، ودليله حديث ابن عباس الآتي، ~~ولأحمد نحوه من حديث النعمان بن بشير. (القول الأربعون) ليلة إحدى وعشرين ~~أو ثلاث وعشرين أو خمس PageV04P366 # وعشرين، ويدل عليه حديث ابن عباس الآتي، وأخرج البخاري نحوه من حديث ~~عبادة بن الصامت. (الحادي والأربعون أنها منحصرة في السبع الأواخر، ويدل ~~عليه حديث ابن عمر الآتي، وفي الفرق بينه وبين القول الحادي والثلاثين ~~خفاء. # (الثاني والأربعون) ليلة اثنين وعشرين أو ثلاث وعشرين، ويدل عليه حديث ~~عبد الله بن أنيس عند أحمد. (الثالث والأربعون) أنها في أشفاع العشر الوسط ~~والعشر الأواخر. قال الحافظ: قرأته بخط مغلطاي. (الرابع والأربعون) أنها ~~ليلة الثالثة من العشر الأواخر أو الخامسة منه، رواه أحمد من حديث معاذ، ~~قال في الفتح: # والفرق بينه وبين ما تقدم أن الثالثة تحتمل ليلة ثلاث وعشرين، وتحتمل ~~ليلة سبع وعشرين. (الخامس والأربعون) أنها في سبع أو ثمان من أول النصف ~~الثاني، رواه الطحاوي من حديث عبد الله بن أنيس. هذا جملة ما ذكره الحافظ ~~في الفتح أوردناه مختصرا مع زوائد مفيدة. ومما ينبغي أن يعد قولا خارجا عن ~~هذه الأقوال قول الهادوية أنها في تسع عشرة، وفي الافراد بعد العشرين من ~~رمضان، واستدلوا على أنها في الافراد بعد العشرين بما استدل به أهل القول ~~الخامس والعشرين على أنها قد تكون في ليلة تسع عشرة بما أخرجه الطبراني من ~~حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: التمسوا ليلة القدر ~~في سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو ms1845 سبع وعشرين أو ~~تسع وعشرين. قال الهيثمي بعد أن ساقه في مجمع الزوائد: فيه أبو الهزم وهو ~~ضعيف، فيكون هذا القول هو السادس والأربعين. وينبغي أن يجعل ما اشتمل عليه ~~هذا الحديث القوي السابع والأربعين، وأما كونها مبهمة في جمع السنة فلا ~~ينبغي أن يجعل قولا خارجا عن هذه الأقوال لأنه عين القول الرابع منها، ~~وأرجح هذه الأقوال هو القول الخامس والعشرون، أعني أنها في أوتار العشر ~~الأواخر، قال الحافظ: وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. قوله: وأمارتها ~~أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. قد ورد لليلة القدر ~~علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أتمضي منها طلوع الشمس على هذه الصفة. وروى ~~ابن خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعا: ليلة القدر طلقة لا حارة ولا باردة، ~~تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة ولأحمد من حديث عبادة: لا حر فيها ولا برد، ~~وإنها ساكنة صاحية وقمرها ساطع. وفي علامتها أحاديث: منها عن جابر ~~PageV04P367 # بن سمرة عند ابن أبي شيبة، وعن جابر بن عبد الله عند ابن خزيمة، وعن أبي ~~هريرة عنده، وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة وعن غيرهم. # وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتكف العشر الأول من ~~رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير، فأخذ الحصير ~~بيده فنحاها في ناحية القبة ثم اطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه فقال: إني ~~اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت ~~فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف ~~الناس معه قال: وإني أريتها ليلة وتر، وإني أسجد في صبيحتها في طين وماء، ~~فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد ~~فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيها ~~الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى عشر من العشر الأواخر متفق عليه، لكن لم ~~يذكر في البخاري اعتكاف العشر الأول. # قوله: العشر ms1846 الأوسط هكذا في أكثر الروايات، والمراد به العشر الليالي، ~~وكان القياس أن يوصف بلفظ التأنيث لأن مرجعها مؤنث، لكن وصف بالمذكر على ~~إرادة الوقت أو الزمان والتقدير الثلث كأنه قال: الليالي العشر التي هي ~~الثلث الأوسط من الشهر، ووقع في الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع ~~وسط، ويروى بفتح السين مثل كبر وكبر، ورواه الباجي في الموطأ بإسكانها على ~~أنه جمع واسط كبازل وبزل، وهذا يوافق رواية الأوسط. قوله: في قبة تركية أي ~~قبة صغيرة من لبود. قوله: فأصبح من ليلة إحدى وعشرين في رواية للبخاري: # فخرج في صبيحة عشرين وظاهرها يخالف رواية الباب وقد قيل: إن المراد بقوله ~~فأصبح من ليلة إحدى وعشرين أي من الصبح الذي قبلها وهو تعسف، وقد وقع في ~~البخاري ما هو أوضح من ذلك بلفظ: فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ~~ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه. قوله: وروثة أنفه بالثاء المثلثة وهي ~~طرفه، ويقال لها أيضا أرنبة الانف كما جاء في رواية أخرى. # (والحديث) فيه دليل على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ~~وقد تقدم بسط الكلام في ذلك. PageV04P368 # وعن عبد الله بن أنيس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني أسجد صبيحتها في ماء وطين، قال: ~~فمطرنا في ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه رواه أحمد ومسلم وزاد: وكان ~~عبد الله بن أنيس يقول ثلاث وعشرين. # وفي لباب عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعا عند إسحاق في مسنده قال: ~~قلت: يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها فمرني بليلة القدر، فقال: انزل ~~ليلة ثلاث وعشرين. وعن ابن عمر مرفوعا: من كان متحريها فليتحرها ليلة ~~سابعة. # قال: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب. وعن ابن جريج عن عبيد ~~الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ms1847 ثلاث وعشرين. وروي ~~عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع سعيد بن المسيب يقول: استقام كلام ~~القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين. وروى نحو ذلك من طريق إبراهيم عن الأسود ~~عن عائشة. ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين كذا في الفتح، ~~وقد استدل بحديث الباب من قال إنها ليلة ثلاث وعشرين كما تقدم. قوله: يقول ~~ثلاث وعشرين هكذا في معظم النسخ من صحيح مسلم، وفي بعضها ثلاث وعشرون، قال ~~النووي: وهذا ظاهر، والأول جائز على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف ويبقى ~~المضاف إليه مجرورا أي ليلة ثلاث وعشرين. # وعن أبي بكرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # التمسوها في تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين، أو ثلاث بقين، أو آخر ~~ليلة، قال: # وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان صلاته في سائر السنة، فإذا دخل ~~العشر اجتهد رواه أحمد والترمذي وصححه. # وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند أحمد، والحديث يدل على أن ليلة القدر ~~ترجى مصادفتها لتسع ليال بقين من الشهر أو سبع أو خمس أو ثلاث أو آخر ليلة ~~وهو أحد الأقوال المتقدمة. قال الترمذي في جامعه: وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، ~~وخمس PageV04P369 # وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان، قال: قال ~~الشافعي: # كان هذا عندي والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجيب على ~~نحو ما يسأل عنه، يقال له: نلتمسها في ليلة كذا؟ فيقول: التمسوها في ليلة ~~كذا، قال الشافعي: # وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين انتهى. # وعن أبي نضرة عن أبي سعيد في حديث له: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~خرج على الناس فقال: يا أيها الناس إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني ~~خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فنسيتها فالتمسوها في ~~العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة ms1848 والخامسة والسابعة، قال قلت: ~~يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا، فقال: أجل نحن أحق بذاك منكم، قال قلت: ~~ما التاسعة والخامسة والسابعة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ~~اثنان وعشرون فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا ~~مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة رواه أحمد ومسلم. # قوله: يحتقان بالحاء المهملة بعدها مثناة فوقية ثم قاف مشددة، ومعناه ~~يطلب كل واحد منهما حقه ويدعي أنه المحق، وفيه أن المخاصمة والمنازعة ~~مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية. قوله: فإذا مضت واحدة وعشرون فالتي ~~تليها اثنان وعشرون هكذا في بعض نسخ مسلم، وفي أكثرها ثنتين وعشرين بالياء. ~~قال النووي: وهي أصوب، والنصب بفعل محذوف تقديره أعني ثنتين وعشرين انتهى، ~~وجعل النصب على الاختصاص أصوب من الرفع بتقدير مبتدأ لأجل قوله بعد ذلك فهي ~~التاسعة لأنه يصير تقدير الكلام، فالتي تليها هي اثنان وعشرون فهي التاسعة، ~~ولا يخفى أنها عبارة نابية، بخلاف النصب على الاختصاص فإنه يصير التقدير، ~~فالتي تليها أعني ثنتين وعشرين فهي التاسعة فإنها عبارة خالية عن ذلك. ~~(والحديث) يدل على أن ليلة القدر يرجى وجودها في تلك الثلاث الليالي. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: التمسوها في العشر ~~الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى ~~رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # هي في العشر في سبع يمضين، أو في تسع يبقين يعني ليلة القدر رواه ~~البخاري. PageV04P370 # قوله: في تاسعة تبقى يعني ليلة اثنين وعشرين. قوله: في خامسة تبقى يعني ~~ليلة ست وعشرين. قوله: في سبع يمضين أو تسع يبقين هكذا رواية المصنف رحمه ~~الله بتقديم السين في الأولى والتاء في الثانية. قال في الفتح الأكثر ~~بتقديم السين في الثاني، وتأخيرها في الأول، وبلفظ المضي في الأول والبقاء ~~في الثاني، وللكشميهني بلفظ المضي فيهما. وفي رواية الإسماعيلي: بتقديم ~~السين في الموضعين انتهى. والمراد في سبع ليال تمضي ms1849 من العشر الأواخر أو في ~~تسع ليال تبقى منها، فتكون في ليلة سبع وعشرين أو ليلة اثنين وعشرين، وقد ~~تقدم الخلاف في ذلك. # وعن ابن عمر: أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوروا ~~ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أرى رؤياكم، قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريا فليتحرها في ~~السبع الأواخر أخرجاه. ولمسلم قال: أري رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها ~~في الوتر منها. وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان رواه مسلم والبخاري. وقال: ~~في الوتر من العشر الأواخر. # قوله: أوروا ليلة القدر أوروا بضم أوله على البناء للمجهول، أي قيل لهم ~~في المنام: إنها في السبع الأواخر. قال في الفتح: والظاهر أن المراد به ~~أواخر الشهر، وقيل: # المراد به السبع التي أولها ليلة الثاني والعشرين، وآخرها ليلة الثامن ~~والعشرين، فعلى الأول لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث وعشرين، وعلى ~~الثاني تدخل الثانية فقط، ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين. ويدل على الأول ~~ما في البخاري في كتاب التعبير من صحيحه: أن ناسا أوروا ليلة القدر في ~~السبع الأواخر، وأن ناسا رأوا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: التمسوها في السبع الأواخر وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~نظر إلى المتفق عليه من الروايتين فأمر به. وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن ~~الزهري بلفظ: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها ~~ورواه أحمد من حديث علي مرفوعا: إن غلبتم فلا تغلبوا في التسع PageV04P371 # البواقي. قوله: أرى بفتحتين أي أعلم. قوله: رؤياكم قال عياض: كذا جاء ~~بإفراد الرؤيا، والمراد مرائيكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة ms1850 وإنما أراد الجنس. ~~قال ابن التين: كذا روي بتوحيد الرؤيا وهو جائز لأنها مصدر. قوله: تواطأت ~~بالهمزة أي توافقت وزنا ومعنى. وقال ابن التين بغير همزة والصواب بالهمز، ~~وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطئ صاحبه. (وفي الحديث) دلالة على عظم قدر ~~الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا ~~يخالف القواعد الشرعية، هكذا في الفتح. قوله: تحروا ليلة القدر في رواية ~~للبخاري: # التمسوا وفي حديث عائشة دليل على أن ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر، ~~وقد تقدم أنه القول الراجح. ( فائدة) قال الطبري في إخفاء ليلة القدر دليل ~~على كذب من زعم أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السنة، ~~إذ لو كان حقا لم يخف على كل من قال ليالي السنة فضلا عن ليالي رمضان، ~~وتعقبه ابن المنير بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك، بل يجوز أن ~~يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده، فيختص بها قوم دون قوم، ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة، قال: ومع ~~ذلك فلا يعتقد أن ليلة القدر لا ينالها إلا من رأى الخوارق بل فضل الله ~~تعالى واسع ورب قائم تلك الليلة لم يحصل منها الا على العبادة من غير رؤية ~~خارق وآخر رأى الخوارق من غير عبادة والذي حصل على العبادة أفضل والعبرة ~~إنما هي بالاستقامة بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة وقيل إن ~~المطلع على ليلة القدر يرى كل شئ ساجدا وقيل يرى الأنوار ساطعة في كل مكان ~~حتى في المواضع المظلمة وقيل يسمع سلاما أو خطابا من الملائكة وقيل من ~~علاماتها استجابة دعاء من وفق لها. # تم والله الحمد الجزء الرابع من نيل الأوطار شرح منتقى الاخبار من أحاديث ~~سيد الأخيار للعلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني ويليه الجزء الخامس إن ~~شاء الله تعالى مفتتحا: (كتاب المناسك) ونسأل الله الذي أعاننا على ما مضى ~~ان يوفقنا على اتمام ms1851 ما بقي فإنه خير مسؤول. PageV04P372 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الاخبار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفي سنة 1255 ه‍ الجزء الخامس - 1973 دار الجليل بيروت - ~~لبنان ص پ - 8747 PageV05P001 # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المناسك باب وجوب الحج والعمرة وثوابهما عن ~~أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: # يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول ~~الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو قلت ~~نعم لوجبت ولما استطعتم رواه أحمد ومسلم والنسائي. فيه دليل على أن الامر ~~لا يقتضي التكرار. وعن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي ~~كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم ~~تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع رواه أحمد والنسائي ~~بمعناه. # الحديث الأول تمامه ثم قال: ذروني ما تركتكم وفي لفظ ولو وجبت ما قمتم ~~بها والحديث الثاني أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال: ~~صحيح على شرطهما وفي الباب عن أنس عند ابن ماجة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: كتب عليكم الحج، فقيل: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: ~~لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا به عذبتم قال ~~الحافظ: ورجاله ثقات. وعن علي عليه السلام عند الترمذي والحاكم وسنده ~~منقطع. قوله: باب وجوب الحج والعمرة الحج بفتح الحاء هو المصدر، وبالفتح ~~والكسر هو الاسم منه وأصله القصد، ويطلق على العمل أيضا، وعلى الاتيان مرة ~~بعد أخرى، وأصل العمرة الزيارة. # وقال الخليل: الحج كثرة القصد إلى معظم. ووجوب الحج معلوم بالضرورة ~~الدينية. # واختلف في العمرة فقيل واجبة، وقيل مستحبة، وللشافعي قولان ms1852 أصحهما ~~وجوبها، وسيأتي تفصيل ذلك قريبا. والأحاديث المذكورة في الباب تدل ~~PageV05P002 # على أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة وهو مجمع عليه كما قال النووي والحافظ ~~وغيرهما. # وكذلك العمرة عند من قال بوجوبها لا تجب إلا مرة، إلا أن ينذر بالحج أو ~~العمرة وجب الوفاء بالنذر بشرطه. وقد اختلف هل الحج على الفور أو التراخي؟ ~~وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. واختلف أيضا في وقت ابتداء افتراض ~~الحج فقيل: # قبل الهجرة، قال في الفتح: وهو شاذ. وقيل: بعدها. ثم اختلف في سنته، ~~فالجمهور على أنها سنة ست لأنه نزل فيها قوله تعالى: * (وأتموا الحج ~~والعمرة لله) * (سورة البقرة، الآية: 196) قال في الفتح: وهذا ينبني على أن ~~المراد بالاتمام ابتداء الفرض، ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي ~~بلفظ: وأقيموا أخرجه الطبراني بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالاتمام ~~الاكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصة ضمام ~~ذكر الامر بالحج، وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس، وهذا يدل إن ثبت ~~على تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها، وقيل: سنة تسع حكاه النووي في ~~الروضة، والماوردي في الأحكام السلطانية، ورجح صاحب الهدى أن افتراض الحج ~~كان في سنة تسع أو عشر، واستدل على ذلك بأدلة فلتؤخذ منه. قوله: لو قلتها ~~لوجبت استدل به على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفوض في شرع الاحكام. ~~وفي ذلك خلاف مبسوط في الأصول. # وعن أبي رزين العقيلي: أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ~~أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، فقال: حج عن الحديث يدل ~~على جواز حج الولد عن أبيك واعتمر رواه الخمسة وصححه الترمذي الحديث يدل ~~على جواز حج الولد عن أبيه العاجز عن المشي، وسيأتي الكلام عليه في باب ~~وجوب الحج على المعضوب. وذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب ~~للاستدلال به على وجوب الحج والعمرة. قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب ~~العمرة حديثا ms1853 أجود من هذا ولا أصح منه انتهى. وقد جزم بوجوب العمرة جماعة ~~من أهل الحديث وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وبه قال إسحاق والثوري ~~والمزني والناصر، والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة وهو قول ~~الحنفية وزيد بن علي والهادوية، ولا خلاف في المشروعية. وقد روي في الجامع ~~الكافي القول بوجوب العمرة عن علي وابن عباس وابن عمر وعائشة وزين العابدين ~~وطاوس والحسن البصري وابن PageV05P003 # سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء. واستدل القائلون بعدم الوجوب بما ~~أخرجه الترمذي وصححه وأحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن جابر: ~~أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ~~أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك وفي رواية: أولى ~~لك. وأجيب عن الحديث بأن في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وتصحيح ~~الترمذي له فيه نظر، لأن الأكثر على تضعيف الحجاج واتفقوا على أنه مدلس. ~~قال النووي: ينبغي أن لا يغتر بالترمذي في تصحيحه، فقد اتفق الحفاظ على ~~تضعيفه انتهى. على أن تصحيح الترمذي له إنما ثبت في رواية الكروخي فقط، وقد ~~نبه صاحب الامام على أنه لم يرد قوله على حسن في جميع الروايات عنه إلا في ~~رواية الكروخي، وقد قال ابن حزم: إنه مكذوب باطل وهو إفراط، لأن الحجاج وإن ~~كان ضعيفا فليس متهما بالوضع، وقد رواه البيهقي من حديث سعيد بن عقير عن ~~يحيى بن أيوب عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر بنحوه. ورواه ابن جريج عن ~~ابن المنكدر عن جابر، ورواه ابن عدي من طريق أبي عصمة عن ابن المنكدر عن ~~أبي صالح، وأبو عصمة قد كذبوه. وفي الباب عن أبي هريرة عند الدارقطني وابن ~~حزم والبيهقي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الحج جهاد ~~والعمرة تطوع وإسناده ضعيف كما قال الحافظ. وعن طلحة عند ابن ماجة بإسناد ~~ضعيف. وعن ابن عباس عند البيهقي، قال الحافظ: ولا يصح من ذلك شئ، وبهذا ms1854 ~~تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور، ويؤيده ما عند ~~الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا: # من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة ~~واستدل القائلون بوجوب العمرة بما أخرجه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت ~~بلفظ: الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت وأجيب عنه بأن في إسناده ~~إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وفي الحديث أيضا انقطاع. ورواه البيهقي ~~موقوفا على زيد. قال الحافظ: وإسناده أصح وصححه الحاكم. ورواه ابن عدي عن ~~جابر وفي إسناده ابن لهيعة. وفي الباب عن عمر في سؤال جبريل وفيه وأن تحج ~~وتعتمر أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وغيرهم وعن عائشة عند أحمد ~~وابن ماجة قالت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال ~~PageV05P004 # فيه: الحج والعمرة وسيأتي. والحق عدم وجوب العمرة، لأن البراءة الأصلية ~~لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع ~~اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب. ويؤيد ذلك اقتصاره صلى ~~الله عليه وآله وسلم على الحج في حديث بني الاسلام على خمس، واقتصار الله ~~جل جلاله على الحج في قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (سورة آل ~~عمران، الآية: 97) وقد استدل على الوجوب بحديث عمر الآتي قريبا، وسيأتي ~~الجواب عنه. وأما قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (سورة البقرة، ~~الآية: 196) فلفظ التمام مشعر بأنه إنما يجب بعد الاحرام، لا قبله. ويدل ~~على ذلك ما أخرجه الشيخان وأهل السنن وأحمد والشافعي وابن أبي شيبة عن يعلى ~~بن أمية قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالجعرانة عليه ~~جبة وعليها خلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله تعالى على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآية. فهذا السبب في نزول الآية، والسائل ~~قد كان أحرم وإنما سأل كيف يصنع؟ # وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ ms1855 # قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة رواه أحمد وابن ماجة ~~واسناده صحيح الحديث فيه دليل على أن الجهاد غير واجب على النساء، وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك، وفيه إشارة إلى وجوب العمرة وقد تقدم ~~البحث عن ذلك. # وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الأعمال ~~أفضل؟ قال: إيمان بالله وبرسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل ~~الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: # ثم حج مبرور متفق عليه. وهو حجة لمن فضل نفل الحج على نفل الصدقة. # وعن عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جاء رجل فقال: يا محمد ما الاسلام؟ قال: الاسلام أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، ~~وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان وذكر باقي الحديث ~~وأنه قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم رواه الدارقطني وقال: هذا إسناد ~~ثابت صحيح. ورواه أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين. وعن أبي ~~هريرة: أن رسول PageV05P005 # الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، ~~والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة رواه الجماعة إلا أبا داود. # قوله: إيمان بالله الخ، فيه دليل على أن الايمان بالله وبرسوله أفضل من ~~الجهاد، والجهاد أفضل من الحج المبرور. وقد اختلفت الأحاديث المشتملة على ~~بيان فاضل الأعمال من مفضولها، وتارة تجعل الأفضل الجهاد، وتارة الايمان، ~~وتارة الصلاة، وتارة غير ذلك، وأحق ما قيل في الجمع بينها أن بيان الفضيلة ~~يختلف باختلاف المخاطب، فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال وقوة على ~~مقارعة الابطال قيل له أفضل الأعمال الجهاد، وإذا كان كثير المال قيل له ~~أفضل الأعمال الصدقة، ثم كذلك يكون الاختلاف على حسب اختلاف المخاطبين. ~~قوله: مبرور قال ابن خالويه: المبرور المقبول وقال غيره: الذي لا يخالطه شئ ~~من الاثم ورجحه النووي وقيل ms1856 غير ذلك. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في ~~تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موقعا لما طلب ~~من المكلف على الوجه الأكمل. ولأحمد والحاكم من حديث جابر: قالوا يا رسول ~~الله ما بر الحج؟ # قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام قال في الفتح: وفي إسناده ضعف، ولو ثبت ~~كان هو المتعين دون غيره. قوله: ما الاسلام إلى قوله: وتحج البيت قد تقدم ~~الكلام على هذه الكلمات في أوائل كتاب الصلاة. قوله: وتعتمر فيه متمسك لمن ~~قال بوجوب العمرة، ولكنه لا يكون مجرد اقتران العمرة بهذه الأمور الواجبة ~~دليلا على الوجوب لما تقرر في الأصول من ضعف دلالة الاقتران، لا سيما وقد ~~عارضها ما سلف من الأدلة القاضية بعدم الوجوب فإن قيل: إن وقوع العمرة في ~~جواب من سأل عن الاسلام يدل على الوجوب فيقال: ليس كل أمر من الاسلام ~~واجبا، والدليل على ذلك حديث شعب الاسلام والايمان فإنه اشتمل على أمور ~~ليست بواجبة بالاجماع. قوله: كفارة لما بينهما أشار ابن عبد البر إلى أن ~~المراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى أن ~~المراد تعميم ذلك ثم بالغ في الانكار عليه، وقد تقدم البحث عن مثل هذا في ~~مواضع من هذا الشرح، وقد استشكل بعضهم كون العمرة كفارة، مع أن اجتناب ~~الكبائر يكفر الصغائر فماذا تكفر العمرة؟ وأجيب بأن تكفير العمرة مقيد ~~بزمنها، وتكفير الاجتناب PageV05P006 # للكبائر عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية. وقد جعل البخاري ~~هذا الحديث المذكور من جملة أدلة وجوب العمرة وفضلها وهو لا يصلح للاستدلال ~~به على الوجوب، وقد قيل: إنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث المذكور، ~~وهو ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعا: تابعوا بين الحج ~~والعمرة فإن متابعة بينهما تنفي الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد، ~~وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة فإن ظاهرة التسوية بين أصل الحج ~~والعمرة ولكن الحق ما أسلفناه لأن هذا استدلال بمجرد الاقتران وقد ms1857 تقدم ما ~~فيه، وأما الامر بالمتابعة فهو مصروف عن معناه الحقيقي بما سلف (وفي ~~الحديث) دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافا لقول من قال: يكره ~~أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية، ولمن قال: يكره أكثر من مرة في ~~الشهر من غيرهم، واستدل للمالكية بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يفعلها إلا من سنة إلى سنة وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب ~~لا ينحصر في أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يترك الشئ وهو يستحب ~~فعله لدفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى العمرة بلفظه فثبت الاستحباب من غير ~~تقييد، واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسا بالحج، إلا ما ~~نقل عن الحنفية أنها تكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وعن ~~الهادي أنها تكره في أيام التشريق فقط، وعن الهادوية أنها تكره في أشهر ~~الحج لغير المتمتع والقارن إذ يشتغل بها عن الحج، ويجاب بأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم اعتمر في عمره ثلاث عمر مفردة كلها في أشهر الحج، وسيأتي ~~لهذا مزيد بيان في باب جواز العمرة في جميع السنة. # باب وجوب الحج على الفور عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له رواه ~~أحمد. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض ~~المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة رواه أحمد وابن ماجة وسيأتي قوله عليه ~~السلام: من كسر أو PageV05P007 # عرج فقد حل وعليه الحج من قابل. وعن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: # لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم ~~يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين رواه سعيد في سننه. # حديث ابن عباس الآخر في إسناده إسماعيل ms1858 بن خليفة العبسي أبو إسرائيل، وهو ~~صدوق ضعيف الحفظ. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه يخالف فيه الثقات، وحديث من ~~كسر أو عرج يأتي إن شاء الله تعالى في باب الفوات والاحصار، وأثر عمر أخرجه ~~أيضا البيهقي (وفي الباب) عن أبي أمامة مرفوعا عند سعيد بن منصور في سننه، ~~وأحمد وأبي يعلى والبيهقي بلفظ: من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ~~ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ولفظ ~~أحمد من كان ذا يسار فمات ولم يحج ثم ذكره كما سلف، وفي إسناده ليث بن أبي ~~سليم وهو ضعيف، وشريك وهو سيئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري فأرسله، رواه ~~أحمد عن ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا رواه ابن أبي ~~شيبة مرسلا، وله طريق أخرى عن علي مرفوعا عند الترمذي بلفظ: من ملك زادا ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ~~وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: # * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (سورة آل عمران، ~~الآية: 97) قال الترمذي: غريب في إسناده مقال، والحرث يضعف، وهلال بن عبد ~~الله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول. وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وقد روي ~~عن علي موقوفا ولم يرو مرفوعا من طريق أحسن من هذا. وقال المنذري: طريق أبي ~~أمامة على ما فيها أصلح من هذه، وقد روي من طريق ثالثة عن أبي هريرة رفعه ~~عند ابن عدي بلفظ: من مات ولم يحج حجة الاسلام في غير وجع حابس أو حاجة ~~ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين شاء إما يهوديا أو نصرانيا وهذه ~~الطرق يقوي بعضها بعضا، وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذا الحديث ~~من الموضوعات، فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنا لغيره، وهو ~~محتج به عند الجمهور، ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني: لا يصح في ~~الباب شئ، لأن نفي ms1859 الصحة لا يستلزم نفي الحسن، وقد شد من عضد هذا الحديث ~~الموقوف الأحاديث المذكورة في الباب. قال الحافظ: # وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا ومحمله ~~على PageV05P008 # من استحل الترك، ويتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع انتهى. وقد استدل ~~المصنف بما ذكره في الباب على أن الحج واجب على الفور. ووجه الدلالة من ~~حديث ابن عباس الأول والثاني ظاهرة، ووجهها من حديث: من كسر أو عرج. قوله: # وعليه الحج من قابل ولو كان على التراخي لم يعين العام القابل، ووجهها من ~~أثر عمر و من الأحاديث التي ذكرناها ظاهر، وإلى القول بالفور ذهب مالك وأبو ~~حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي، ومن أهل البيت: زيد بن علي والهادي ~~والمؤيد بالله والناصر. وقال الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد. ومن أهل ~~البيت: القاسم بن إبراهيم وأبو طالب أنه على التراخي، واحتجوا بأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم حج سنة عشر، وفرض الحج كان سنة ست أو خمس، وأجيب بأنه ~~قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج، ومن جملة الأقوال أنه فرض في سنة عشر ~~فلا تأخير، ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة فتراخيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون ~~بالبيت عراة، فلما طهر الله البيت الحرام منهم حج صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فتراخيه لعذر ومحل النزاع التراخي مع عدمه. # باب وجوب الحج على المعضوب إذا أمكنته الاستنابة، وعن الميت إذا كان قد ~~وجب عليه عن ابن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته ~~فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال: فحجي ~~عنه رواه الجماعة. وعن علي عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي كبير وقد أفند وأدركته فريضة الله ~~في الحج ولا يستطيع أداءها فيجزي أن أؤديها عنه؟ فقال رسول الله ms1860 صلى الله ~~عليه وآله وسلم: نعم رواه أحمد والترمذي وصححه. وعن عبد الله بن الزبير ~~قال: # جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أبي ~~أدركه PageV05P009 # الاسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه؟ # قال: أنت أكبر ولده؟ قال نعم، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه ~~أكان يجزي ذلك عنه؟ قال نعم، قال: فاحجج عنه رواه أحمد والنسائي بمعناه. # حديث علي أخرجه أيضا البيهقي، وحديث ابن الزبير قال الحافظ: إن إسناده ~~صالح. قوله: إن فريضة الله أدركت أبي قد اختلف هل المسؤول عنه رجل أو امرأة ~~كما وقع الاختلاف في الروايات في السائل؟ ففي بعض الروايات أنه امرأة، وفي ~~بعضها أنه رجل، وقد بسط ذلك في الفتح. قوله شيخا قال الطيبي: هو حال ~~والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة. قوله: قال فحجي عنه في ~~رواية للبخاري قال: نعم. قوله: وقد أفند بهمزة مفتوحة ثم فاء ساكنة بعدها ~~نون مفتوحة ثم دال مهملة، قال في القاموس: الفند بالتحريك الخرف وإنكار ~~العقل بهرم أو مرض والخطأ في القول والرأي والكذب كالافناد، ولا تقل عجوز ~~مفندة لأنها لم تكن ذات رأي بدا، وفنده تفنيدا أكذبه وعجزه وخطأ رأيه ~~كأفنده انتهى. قوله: أنت أكبر ولده فيه دليل على أن المشروع أن يتولى الحج ~~عن الأب العاجز أكبر أولاده. # قوله: أرأيت الخ فيه مشروعية القياس وضرب المثل، ليكون أوضح وأوقع في نفس ~~السامع، وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق ~~عليه، وفيه أنه يستحب التنبيه على وجه الدليل لمصلحة (وأحاديث) الباب تدل ~~على أنه يجوز الحج من الولد عن والده إذا كان غير قادر على الحج، وقد ادعى ~~بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية، كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز ~~إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر وتعقب بأن الأصل عدم الخصوص. وأما ما رواه ~~عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين ms1861 مرسلين في هذا الحديث فزاد: حجي ~~عنه وليس لاحد بعده، فلا حجة في ذلك لضعف إسنادهما مع الارسال، والظاهر عدم ~~اختصاص جواز ذلك بالابن، وقد ادعى جماعة من أهل العلم أنه خاص به. قال في ~~الفتح: ولا يخفى أنه جمود وقال القرطبي: # رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف للقرآن فيرجح ظاهر القرآن، ولا شك ~~في ترجحه من جهة تواتره انتهى. ولكنه يقال: هو عموم مخصوص بأحاديث الباب، ~~ولا تعارض بين عام وخاص، وهذه الأحاديث ترد على محمد بن الحسن حيث قال: # إن الحج يقع عن المباشر، وللمحجوج عنه أجر النفقة، وقد اختلفوا فيما إذا ~~عوفي المعضوب PageV05P010 # فقال الجمهور: لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسا عنه. وقال أحمد ~~وإسحاق: لا تلزمه الإعادة لئلا تفضي إلى إيجاب حجتين، وأجيب بأن العبرة ~~بالانتهاء، وقد انكشف أن الحجة الأولى غير مجزئة. # وعن ابن عباس: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي ~~عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ~~رواه البخاري والنسائي بمعناه. وفي رواية لأحمد والبخاري بنحو ذلك وفيها ~~قال: جاء رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج وهو يدل على صحة الحج عن الميت من ~~الوارث وغيره حيث لم يستفصله أوارث هو أم لا؟ وشبهه بالدين. وعن ابن عباس ~~قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: إن أبي مات وعليه حجة ~~الاسلام أفأحج عنه؟ قال أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه أقضيته عنه؟ قال: ~~نعم، قال فاحجج عن أبيك رواه الدارقطني. # حديث ابن عباس الآخر أخرجه النسائي والشافعي وابن ماجة. قوله: إن أمي ~~نذرت الخ، قيل: إن هذا الحديث مضطرب لأنه قد روي أن هذه المرأة قالت: إن ~~أمي ماتت وعليها صوم شهر كما تقدم في الصيام، وأجيب بأنه محمول على أن ~~المرأة سألت عن كل من الصوم والحج، ms1862 ويؤيد ذلك ما عند مسلم عن بريدة: أن ~~امرأة قالت: إن أمي وفيه يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ ~~قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها. قوله: قال ~~نعم فيه دليل على صحة النذر بالحج ممن لم يحج، فإذا حج أجز عن حجة الاسلام ~~عند الجمهور وعليه الحج عن النذر، وقيل يجزئ عن النذر ثم يحج عن حجة ~~الاسلام وقيل: يجزئ عنهما. وفيه دليل أيضا على إجزاء الحج عن الميت من ~~الولد، وكذلك من غيره، ويدل على ذلك قوله: اقضوا الله فالله أحق بالوفاء. ~~وروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه لا يحج أحد عن أحد، ~~ونحوه عن مالك والليث. وعن مالك إن أوصى بذلك فليحج عنه وإلا فلا. قوله: ~~أكنت قاضيته فيه دليل على أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج ~~عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، وقد أجمعوا على أن دين الآدمي من ~~رأس المال فكذلك ما شبه به في القضاء، ويلحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من ~~نذر أو كفارة أو زكاة أو غير ذلك. قوله: PageV05P011 # فالله أحق بالوفاء فيه دليل على أن حق الله مقدم على حق الآدمي، وهو أحد ~~أقوال الشافعي، وقيل: بالعكس، وقيل: سواء. قوله: جاء رجل فقال إن أختي الخ، ~~لا منافاة بين هذه الرواية والأولى، لأنه يحتمل أن تكون القصة متعددة وأن ~~تكون متحدة، ولكن النذر وقع من الأخت والام، فسأل الأخ عن نذر أخته والبنت ~~عن نذر الام (وقد استدل) المصنف بهذه الرواية على صحة الحج من غير الوارث ~~لعدم استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم للأخ هل هو وارث أو لا؟ وترك ~~الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما تقرر في ~~الأصول (واستدل) بأحاديث الباب على أنه يصح ممن لم يحج أن يحج نيابة عن ~~غيره لعدم استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله ms1863 عن ذلك، وبه قال ~~الكوفيون، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بحديث ابن عباس ~~الآتي في باب من حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه وسيأتي الكلام فيه. قوله: ~~إن أبي مات وعليه حجة الاسلام الخ فيه دليل على أنه يجوز للابن أن يحج عن ~~أبيه حجة الاسلام بعد موته وإن لم يقع منه وصية ولا نذر، ويدل على الجواز ~~من غير الولد حديث الذي سمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لبيك عن ~~شبرمة وسيأتي. # باب اعتبار الزاد والراحلة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قوله عز وجل: * (من استطاع إليه سبيلا) * (سورة آل عمران، الآية: 97) قال ~~قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة رواه الدارقطني. # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الزاد والراحلة ~~يعني قوله: * (من استطاع إليه سبيلا) * رواه ابن ماجة. # الحديث الأول أخرجه أيضا الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي كلهم من ~~طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعا، قال البيهقي: الصواب عن ~~قتادة عن الحسن مرسلا. قال الحافظ: وسنده صحيح إلى الحسن، ولا أرى الموصول ~~إلا وهما، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضا، إلا ~~أن الراوي عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني وهو منكر ~~PageV05P012 # الحديث كما قال أبو حاتم ولكنه قد وثقة أحمد. والحديث الثاني أخرجه أيضا ~~الدارقطني، قال الحافظ: وسنده ضعيف. ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس (وفي ~~الباب) عن ابن عمر عند الشافعي والترمذي وحسنه، وابن ماجة والدار قطني وفي ~~إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي بخاء معجمة مضمومة ثم واو ثم زاي معجمة، وقد ~~قال فيه أحمد والنسائي متروك الحديث. وعن جابر وعلي بن أبي طالب وابن مسعود ~~وعائشة وعبد الله بن عمر، وعند الدارقطني من طرق قال الحافظ: كلها ضعيفة. ~~وقد قال عبد الحق: إن طرق الحديث كلها ضعيفة. وقال أبو ms1864 بكر بن المنذر: لا ~~يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة، ولا ~~يخفى أهذه الطرق يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها، وبذلك استدل من قال: ~~إن الاستطاعة المذكورة في القرآن هي الزاد والراحلة. وقد حكي في البحر عن ~~الأكثر أن الزاد شرط وجوب، وهو أن يجد ما يكفيه ويكفي من يعول حتى يرجع. ~~وحكي أيضا عن ابن عباس وابن عمر والثوري والهادوية وأكثر الفقهاء أن ~~الراحلة شرط وجوب. # وقال ابن الزبير وعطاء وعكرمة ومالك: إن الاستطاعة الصحة لا غير. وقال ~~مالك والناصر والمرتضى وهو مروي عن القاسم: أن من قدر على المشي لزمه إن لم ~~يجد راحلة لقوله تعالى * (يأتوك رجالا) * (سورة الحج، الآية: 27) قال مالك: ~~ومن عادته السؤال لزمه وإن لم تجد الزاد وفي كتب الفقه تفاصيل في قدر ~~الاستطاعة ليس هذا محل بسطها، والذي دل عليه الدليل هو اعتبار الزاد ~~والراحلة. # باب ركوب البحر للحج إلا أن يغلب على ظنه الهلاك عن عبد الله بن عمرو: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرا ~~أو غازيا في سبيل الله عز وجل، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا رواه ~~أبو داود وسعيد بن منصور في سننهما. وعن أبي عمران الجوني قال: # حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغزونا نحو فارس فقال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من بات فوق بيت ليس له إجار فوقع ~~فمات فقد برئت منه الذمة، ومن ركب البحر عند ارتجاجه فمات برئت منه الذمة ~~رواه أحمد. # الحديث الأول أخرجه أيضا البيهقي، قال أبو داود رواته مجهولون، وقال ~~الخطابي: PageV05P013 # ضعفوا إسناده وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح ورواه البزار من حديث ~~نافع عن ابن عمر مرفوعا وفي إسناده ليث بن أبي سليم. والحديث الثاني في ~~إسناده زهير بن عبد الله، قال الذهبي: هو مجهول لا يعرف، وأخرج هذا الحديث ~~أبو داود عن عبد الله ابن علي يعني شيبان ms1865 قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من بات على ظهر بيت ليس له حجار فقد برئت منه الذمة وبوب عليه ~~باب النوم على سطح غير محجر وسكت عنه هو والمنذري. قوله: ليس له إجار ~~الإجار بهمزة مكسورة بعدها جيم مشددة وآخره راء مهملة هو ما يرد الساقط من ~~البناء من حائط على السطح أو نحوه، ورواية أبي داود ليس له حجار كما تقدم، ~~قال المنذري: هكذا وقع في روايتنا حجار براء مهملة بعد الألف، ويدل عليه ~~تبويب أبي داود على هذا الحديث كما تقدم فإنه قال: على سطح غير محجر، ~~والحجار جمع حجر بكسر الحاء أي ليس عليه شئ يستره يمنعه من السقوط، ويقال: ~~احتجرت الأرض إذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك، أو يكون من الحجر ~~وهي حظيرة الإبل وحجرة الدار، وهو راجع إلى المنع أيضا، ورواه الخطابي ~~بالياء حجي، وذكر أنه يروى بكسر الحاء وفتحها، قال غيره: فمن كسر شبهه ~~بالحجى الذي هو العقل لأن الستر يمنع من الفساد، ومن فتحه قال الحجى مقصور ~~الطرف والناحية وجمعه أحجاء، قال المنذري: وقد روي أيضا أحجاب بالباء. # قوله: عند ارتجاجه الارتجاج الاضطراب (والحديث) الأول يدل على عدم جواز ~~ركوب البحر لكل أحد إلا للحاج والمعتمر والغازي، ويعارضه حديث أبي هريرة ~~المتقدم في أول هذا الكتاب، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على ~~الصيادين لما قالوا له: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء وروي ~~الطبراني في الأوسط من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة قال: كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يتجرون في البحر، وفي سماع الحسن من سمرة ~~مقال معروف، وغاية ما في ذلك أن يكون ركوب البحر للصيد والتجارة مما خصص به ~~عموم مفهوم حديث الباب على فرض صلاحيته للاحتجاج (والحديث الثاني) يدل على ~~عدم جواز المبيت على السطوح التي ليس لها حائط. وعلى عدم جواز ركوب البحر ~~في أوقات اضطرابه. PageV05P014 # باب النهي عن سفر المرأة للحج ms1866 وغيره إلا بمحرم عن ابن عباس: أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يقول: # لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ~~فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا ~~وكذا، قال: # فانطلق فحج مع امرأتك. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم متفق عليهما. وعن أبي سعيد أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين أو ليلتين ~~إلا ومعها زوجها أو ذو محرم متفق عليه. وفي لفظ قال: لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها ~~أو زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو محرم منها رواه الجماعة إلا البخاري ~~والنسائي. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل ~~لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها متفق عليه. في رواية ~~مسيرة يوم وفي رواية مسيرة ليلة. وفي رواية: # لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم رواهن أحمد ومسلم وفي ~~رواية لأبي داود بريدا. # قوله: لا يخلون رجل بامرأة الخ فيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع كما ~~قال في الفتح، وتجوز الخلوة مع وجود المحرم، واختلفوا هل يقوم غير المحرم ~~مقامه في هذا كالنسوة الثقات؟ فقيل: يجوز لضعف التهمة، وقيل: لا يجوز بل لا ~~بد من المحرم وهو ظاهر الحديث. قوله: لا تسافر المرأة أطلق السفر ههنا ~~وقيده في الأحاديث المذكورة بعده. قال في الفتح: وقد عمل أكثر العلماء في ~~هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات. قال النووي: ليس المراد من التحديد ~~ظاهره بل كل ما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع ~~التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. # وقال ابن التين الاختلاف في مواطن بحسب السائلين. وقال المنذري: يحتمل أن ~~يقال إن اليوم ms1867 المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، يعني فمن أطلق ~~يوما أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها، قال: ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا ~~لأوائل الاعداد، PageV05P015 # فاليوم أول العدد، والاثنان أول التكثير، والثلاث أول الجمع، ويحتمل أن ~~يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد من ذلك، وأقله ~~الرواية التي فيها ذكر البريد كما في رواية أبي هريرة المذكورة في الباب، ~~وقد أخرجها الحاكم والبيهقي. # وقد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني ما يدل على اعتبار المحرم فيما ~~دون البريد ولفظه: لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذي محرم. ~~وهذا هو الظاهر أعني الاخذ بأقل ما ورد، لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، ~~والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث، واليوم والليلة واليومين ~~والليلتين لا ينافيه، لان الأقل موجود في ضمن الأكثر، وغاية الامر أن النهي ~~عن الأكثر يدل بمفهومه، على أن ما دونه غير منهي عنه، والنهي عن الأقل ~~منطوق وهو أرجح من المفهوم وقالت الحنفية: إن المنع مقيد بالثلاث لأنه ~~متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن. ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة ~~لكل سفر، فينبغي الاخذ بها وطرح ما سواها فإنه مشكوك فيه، والأولى أن يقال: ~~إن الرواية المطلقة مقيدة بأقل ما ورد وهي رواية الثلاثة الأميال إن صحت ~~وإلا فرواية البريد. وقال سفيان: يعتبر المحرم في المسافة البعيدة لا ~~القريبة. وقال أحمد: لا يجب الحج على المرأة إذا لم تجد محرما. وإلى كون ~~المحرم شرطا في الحج ذهبت العترة وأبو حنيفة والنخعي وإسحاق والشافعي في ~~أحد قوليه على خلاف بينهم هل هو شرط أداء أو شرط وجوب؟ وقال مالك، وهو مروي ~~عن أحمد: أنه لا يعتبر المحرم في سفر الفريضة، وروي عن الشافعي، وجعلوه ~~مخصوصا من عموم الأحاديث بالاجماع. ومن جملة سفر الفريضة سفر الحج، وأجيب ~~بأن المجمع عليه إنما هو سفر الضرورة فلا يقاس عليه سفر الاختيار، كذا قال ~~صاحب المغني. وأيضا قد وقع عند الدارقطني بلفظ: تحجن امرأة إلا ms1868 ومعها زوج ~~وصححه أبو عوانة. وفي رواية للدارقطني أيضا عن أبي أمامة مرفوعا: لا تسافر ~~المرأة سفر ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها زوجها فكيف يخص سفر الحج من بقية ~~الاسفار؟ وقد قيل: # إن اعتبار المحرم إنما هو في حق من كانت شابة لا في حق العجوز لأنها لا ~~تشتهي وقيل: # لا فرق لأن لكل ساقط لاقطا، وهو مراعاة للامر النادر. وقد احتج أيضا من ~~لم يعتبر المحرم في سفر الحج بما في البخاري من حديث عدي بن حاتم مرفوعا ~~بلفظ: يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها وتعقب بأنه ~~يدل PageV05P016 # على وجود ذلك لا على جوازه، وأجيب عن هذا بأنه خبر في سياق المدح ورفع ~~منار الاسلام فيحمل على الجواز، والأولى حمله على ما قال المتعقب جمعا بينه ~~وبين أحاديث الباب. قوله: إلا مع ذي محرم يعني فيحل لها السفر. قال في ~~الفتح: وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح ~~لحرمتها، فخرج بالتأبيد زوج الأخت والعمة، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة ~~وبنتها وبحرمتها الملاعنة. واستثنى أحمد الأب الكافر فقال: لا يكون محرما ~~لبنته المسلمة لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها، ومقتضاه إلحاق سائر ~~القرابة الكفار بالأب لوجود العلة. وروي عن البعض أن العبد كالمحرم وقد روى ~~سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعا: سفر المرأة مع عبدها ضيعة قال ~~الحافظ: لكن في إسناده ضعف، قال: وينبغي لمن قال بذلك أن يقيده بما إذا ~~كانا في قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا لهذا الحديث. قوله: فحج مع ~~امرأتك فيه دليل على أن الزوج داخل في مسمى المحرم أو قائم مقامه. قال في ~~الفتح: وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع ~~امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعي، والمشهور أنه ~~لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة لزمتها لأنه من ~~سبيلها فصار في حقها كالمؤنة واستدل ms1869 به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج ~~الفرض، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج ~~على التراخي. وقد روى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا في امرأة لها زوج ولها ~~مال ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها، وأجيب عنه بأنه ~~محمول على حج التطوع جمعا بين الحديثين. ونقل ابن المنذر الاجماع على أن ~~للرجل منع زوجته عن الخروج في الاسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما إذا كان ~~واجبا، وقد استدل ابن حزم بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة السفر بغير زوج ~~ولا محرم لكونه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعب عليها ذلك السفر بعد أن ~~أخبره زوجها، وتعقب بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها ~~وترك الغزو الذي كتب فيه. قوله: # إلا ومعها أبوها الخ وقع في هذه الرواية بيان بعض المحارم. وقوله: أو ذو ~~محرم منها من عطف العام على الخاص (وأحاديث) الباب تدل على أنه لا يجب الحج ~~على المرأة إلا إذا كان لها محرم. قال ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق ~~بالعامين إذا تعارضا، فإن قوله تعالى: # * (ولله على الناس حج البيت) * (سورة آل عمران، الآية: 97) الآية عام في ~~الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على PageV05P017 # السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~تسافر المرأة إلا مع محرم عام في كل سفر فيدخل فيه الحج فمن أخرجه عنه خص ~~الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى ~~الترجيح من خارج انتهى. ويمكن أن يقال: إن أحاديث الباب لا تعارض الآية ~~لأنها تضمنت أن المحرم في حق المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التي ~~أطلقها القرآن، وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة المشروطة حتى تكون من ~~تعارض العمومين لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد بينت بالزاد والراحلة كما ~~تقدم. لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث الباب زيادة على ذلك البيان باعتبار ~~النساء غير ms1870 منافية فيتعين قبولها، على أن التصريح باشتراط المحرم في سفر ~~الحج لخصوصه كما في الرواية التي تقدمت مبطل لدعوى التعارض. # باب من حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي ~~أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ~~رواه أبو داود وابن ماجة. وقال: فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة والدار ~~قطني وفيه قال: هذه عنك وحج عن شبرمة. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه والبيهقي وقال: إسناده صحيح، وليس في ~~هذا الباب أصح منه، وقد روي موقوفا، والرفع زيادة يتعين قبولها إذا جاءت من ~~طريق ثقة وهي ههنا كذلك، لأن الذي رفعه عبدة بن سليمان، قال الحافظ: وهو ~~ثقة محتج به في الصحيحين، وقد تابعه على رفعه محمد بن بشر ومحمد بن عبيد ~~الله الأنصاري، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه، ورجح الطحاوي أنه ~~موقوف، وقال أحمد: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه. وقد أطال ~~الكلام صاحب التلخيص ومال إلى صحته. قوله: سمع رجلا زعم ابن باطيش أن اسم ~~الملبي نبيشة، قال الحافظ: وهو وهم منه فإنه اسم الملبي عنه فيما زعم الحسن ~~بن عمارة، وخالفه الناس فيه فقالوا: إنه شبرمة وقد قيل: إن الحسن بن عمارة ~~رجع عن ذلك، وقد بينه الدارقطني في السنن، وظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن لم ~~يحج عن نفسه أن يحج عن PageV05P018 # غيره، وسواء كان مستطيعا أو غير مستطيع، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة وهو ينزل منزلة العموم، ~~وإلى ذلك ذهب الشافعي والناصر وقال الثوري والهادي والقاسم: إنه يجزئ حج من ~~لم يحج عن نفسه ما لم يتضيق عليه، واستدل لهم في البحر بقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # هذه عن نبيشة وحج عن نفسك فكأنهم ms1871 جمعوا بين هذا وبين حديث الباب بحمل ~~حديث الباب على من كان مستطيعا ولكن الحديث الذي استدل لهم به صاحب البحر ~~لا أدري من رواه، ولم أقف عليه في شئ من كتب الحديث المعتمدة، فينبغي ~~الاعتماد على حديث الباب، ومن زعم أن في السنة ما يعارضه فليطلب منه ~~التصحيح لمدعاه. # وقد روى الدارقطني حديث نبيشة موافقا لحديث شبرمة لا مخالفا له كما زعم ~~صاحب البحر، وتقدم قول من قال: # إن اسم شبرمة نبيشة. # باب صحة حج الصبي والعبد من غير إيجاب له عليهما عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لقي ركبا بالروحاء فقال: من القوم قالوا: ~~المسلمون، فقالوا من أنت؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرفعت ~~إليه امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود والنسائي. وعن السائب بن يزيد قال: حج أبي مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين رواه أحمد والبخاري والترمذي ~~وصححه. وعن جابر قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معنا ~~النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم رواه أحمد وابن ماجة. وعن ~~محمد بن كعب القرظي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل ~~مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه فإن أعتق فعليه الحج ذكره أحمد بن حنبل في ~~رواية ابنه عبد الله هكذا مرسلا. # حديث جابر أخرجه أيضا ابن أبي شيبة وفي إسناده أشعث بن سوار وهو ضعيف، ~~ورواه الترمذي من هذا الوجه بلفظ آخر قال: كنا إذا حججنا مع رسول الله صلى ~~الله PageV05P019 # عليه وآله وسلم فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان قال ابن القطان: ~~ولفظ ابن أبي شيبة أشبه بالصواب، فإن المرأة لا يلبي عنها غيرها، أجمع على ~~ذلك أهل العلم. وأخرج الترمذي أيضا من حديث جابر نحو حديث ابن عباس ~~واستغربه، ms1872 وحديث محمد بن كعب أخرجه أيضا أبو داود في المراسيل وفيه راو ~~مبهم. وفي الباب عن ابن عباس عند البخاري: أنه بعثه صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الثقل بفتح المثلثة والقاف ويجوز إسكانها أي الأمتعة، ووجه الدلالة ~~منه أن ابن عباس كان دون البلوغ (استدل) بأحاديث الباب من قال: إنه يصح حج ~~الصبي، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، ~~إلا أنه إذا حج كان له تطوعا عند الجمهور وقال أبو حنيفة: # لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شئ من محظورات الاحرام، وإنما يحج به على جهة ~~التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الاسلام لظاهر ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم في جواب قولها: ألهذا حج؟ وإلى مثل ما ~~ذهب إليه أبو حنيفة ذهبت الهادوية. # وقال الطحاوي: لا حجة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم نعم على أنه يجزئه ~~عن حجة الاسلام، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له قال: لأن ابن عباس ~~راوي الحديث قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم ساقه ~~بإسناد صحيح وقد أخرج هذا الحديث مرفوعا الحاكم وقال: على شرطهما، والبيهقي ~~وابن حزم وصححه. وقال ابن خزيمة: الصحيح موقوف وأخرجه كذلك. قال البيهقي: ~~تفرد برفعه محمد بن المنهال ورواه الثوري عن شعبة موقوفا، ولكنه قد تابع ~~محمد بن المنهال على رفعه الحرث بن شريح، أخرجه كذلك الإسماعيلي والخطيب. ~~ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: # احفظوا عني ولا تقولوا. قال ابن عباس: فذكره وهو ظاهر في الرفع. وقد أخرج ~~ابن عدي من حديث جابر بلفظ: لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى. ومثل هذا ~~حديث محمد بن كعب المذكور في الباب، فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح ~~حج الصبي ولا يجزئه عن حجة الاسلام إذا بلغ وهذا هو الحق، فيتعين المصير ~~إليه جمعا بين الأدلة. قال القاضي عياض: ms1873 أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ ~~عن فريضة الاسلام إلا فرقة شذت فقالت يجزئه لقوله نعم. وظاهره استقامة كون ~~حج الصبي حجا مطلقا. # والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاط الواجب، ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه، ~~ولعل مستندهم حديث ابن عباس يعني المتقدم فقال: وقد ذهبت طائفة من أهل ~~البدع PageV05P020 # إلى منع الصغير من الحج، قال النووي: وهو مردود لا يلتفت إليه لفعل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإجماع الأمة على خلافه انتهى. وقد احتج ~~أصحاب الشافعي بحديث ابن عباس الذي ذكره المصنف رحمه الله على أن الام تحرم ~~عن الصبي، وقال ابن الصباغ: ليس في الحديث دلالة على ذلك. # أبواب مواقيت الاحرام وصفته وأحكامه باب المواقيت المكانية وجواز التقدم ~~عليها عن ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل ~~المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل ~~اليمن يلملم، قال: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج ~~والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها. وعن ~~ابن عمر: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يهل أهل المدينة من ذي ~~الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن، قال ابن عمر: ~~وذكر لي ولم أسمع ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ومهل أهل ~~اليمن من يلملم متفق عليهما زاد أحمد في رواية وقاس الناس ذات عرق بقرن. # قوله: وقت المراد بالتوقيت هنا التحديد، ويحتمل أن يريد به تعليق الاحرام ~~بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر. وقال القاضي عياض: وقت أي ~~حدد. قال الحافظ: وأصل التوقيت أن يجعل للشئ وقت يختص به وهو بيان مقدار ~~المدة، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا. قال ابن الأثير: التأقيت أن ~~يجعل للشئ وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقت الشئ بالتشديد ~~يؤقته، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته ثم اتسع فيه، فقيل ms1874 للموضع ميقات. ~~وقال ابن دقيق العيد: إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل ~~للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقد يكون وقت بمعنى ~~أوجب، ومنه قوله تعالى: * إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * ~~(سورة النساء، الآية: 103). قوله: لأهل المدينة ذا الحليفة بالحاء المهملة ~~والفاء مصغرا، قال في الفتح: # مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم، وقال غيره: ~~بينهما PageV05P021 # عشر مراحل. قال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال: ~~بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وفيها ~~بئر يقال لها بئر على انتهى. قوله: الجحفة بضم الجيم وسكون المهملة، قال في ~~الفتح: # وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست. وفي قول النووي في شرح ~~المهذب ثلاث مراحل نظر، وقال في القاموس: هي على اثنين وثمانين ميلا من مكة ~~وبها غدير خم كما قال صاحب النهاية. قوله: قرن المنازل بفتح القاف وسكون ~~الراء بعدها نون، وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطه صاحب القاموس وحكى ~~النووي الاتفاق على تخطئته، وقيل: إنه بالسكون الجبل وبالفتح الطريق، حكاه ~~عياض عن القابسي قال في الفتح: والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق ~~مرحلتان. قوله: يلملم بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ~~ثم ميم قال في القاموس: ميقات أهل اليمن على مرحلتين من مكة. وقال في الفتح ~~كذلك وزاد: بينهما ثلاثون ميلا. قوله: فهن أي المواقيت المذكورة وهي ضمير ~~جماعة المؤنث وأصله لما يعقل، وقد يستعمل فيما لا يعقل لكن فيما دون ~~العشرة، كذا في الفتح. قوله: لهن أي للجماعات المذكورة، ويدل عليه ما وقع ~~في رواية في الصحيحين بلفظ: هن لهم أو لأهلهن على حذف المضاف كما وقع في ~~البخاري بلفظ: هن لاهلن. قوله: ولمن أتى عليهن أي على المواقيت من غير أهل ~~البلاد المذكورة، فإذا أراد الشامي الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة ~~لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ms1875 ميقاته الأصلي، فإن أخر ~~أساء ولزمه دم عند الجمهور، وادعى النووي الاجماع على ذلك، وتعقب بأن ~~المالكية يقولون: يجوز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قالت الحنفية وأبو ~~ثور وابن المنذر من الشافعية، وهكذا ما كان من البلدان خارجا عن البلدان ~~المذكورة، فإن ميقات أهلها الميقات الذي يأتون عليه. قوله: فمن كان دونهن ~~أي بين الميقات ومكة. قوله: فمهله من أهله أي فميقاته من محل أهله وفي ~~رواية للبخاري: فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ أي من حيث أنشأ الاحرام إذا ~~سافر من مكانه إلى مكة، قال في الفتح: وهذا متفق عليه إلا ما روي عن مجاهد ~~أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة، ويدخل في ذلك من سافر غير قاصد للنسك فجاوز ~~الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك فإنه يحرم من حيث تجدد PageV05P022 # له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات. قوله: يهلون منها الاهلال ~~أصله رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الاحرام، ثم أطلق ~~على نفس الاحرام اتساعا، والمراد بقوله يهلون منها أي من مكة، ولا يحتاجون ~~إلى الخروج إلى الميقات للاحرام منه وهذا في الحج، وأما في العمرة فيجب ~~الخروج إلى أدنى الحل كما سيأتي، قال المحب الطبري: # لا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة، واختلف في القارن فذهب الجمهور إلى ~~أن حكمه حكم الحاج في الاهلال من مكة. وقال ابن الماجشون: يتعين عليه ~~الخروج إلى أدنى الحل. # قوله: وقاس الناس ذات عرق بقرن سيأتي الكلام عليه. # وعن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حد لأهل نجد قرنا وأنه ~~جور عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرنا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من ~~طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق رواه البخاري. وروي عن عائشة: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق رواه أبو داود والنسائي. # وعن أبي الزبير: أنه سمع جابرا ms1876 سئل عن المهل فقال: سمعت أحسبه رفع إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق ~~الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل ~~اليمن من يعلم رواه مسلم. وكذلك أحمد وابن ماجة ورفعاه من غير شك. # حديث عائشة سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال في التلخيص: هو من رواية ~~القاسم عنها تفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عنه والمعافى ثقة. وحديث ~~جابر أخرجه مسلم على الشك في رفعه كما قال المصنف، وأخرجه أبو عوانة في ~~مستخرجه كذلك، وجزم برفعه أحمد وابن ماجة كما ذكر المصنف، ولكن في إسناد ~~أحمد بن لهيعة وهو ضعيف، وفي إسناد ابن ماجة إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ~~غير محتج به (وفي الباب) عن الحرث بن عمرو السهمي عند أبي داود، وعن أنس ~~عند الطحاوي، وعن ابن عباس عند ابن عبد البر، وعن عبد الله بن عمرو عند ~~أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا، وبها يرد ~~على ابن خزيمة حيث قال في ذات عرق أخبار يثبت منها شئ عند أهل الحديث، وعلى ~~ابن المنذر حيث يقول: لم نجد في ذات عرق حديثا يثبت، قال في الفتح: لعل من ~~قال إنه غير PageV05P023 # منصوص لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث، باعتبار أن كل طريق منها لا يخلو عن ~~مقال. # قال: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى، وممن قال بأنه غير منصوص، وإنما أجمع ~~عليه الناس طاوس، وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند، والنووي في شرح ~~مسلم، وكذا وقع في المدونة لمالك. وممن قال بأنه منصوص عليه الحنفية ~~والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في الشرح الصغير، والنووي في شرح ~~المهذب، وقد أعله بعضهم بأن العراق لم تكن فتحت حينئذ. قال ابن عبد البر: ~~هي غفلة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل ~~الفتوح لكونه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق، وبهذا ~~أجاب ms1877 الماوردي وآخرون، وقد ورد ما يعارض أحاديث الباب، فأخرج أبو داود ~~والترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت لأهل المشرق ~~العقيق وحسنه الترمذي ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد، قال النووي: ضعيف ~~باتفاق المحدثين. قال الحافظ في نقل الاتفاق نظر يعرف من ترجمته انتهى. ~~ويزيد المذكور أخرج حديثه أهل السنن الأربع ومسلم مقرونا بآخر، قال شعبة: ~~لا أبالي إذا كتبت عن يزيد أن لا أكتب عن أحد وهو من كبار الشيعة وعلمائها، ~~ووصفه في الميزان بسوء الحفظ، وقد جمع بين هذا الحديث وبين ما قبله بأوجه. ~~منها: أن ذات عرق ميقات الوجوب والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات ~~عرق. ومنها: أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات ~~لأهل البصرة، ووقع ذلك في حديث أنس عند الطبراني وإسناده ضعيف. # ومنها: أن ذات عرق كانت أولا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، ~~فعلى هذا فذات عرق والعقيق شئ واحد، حكى هذه الأوجه صاحب الفتح. قوله: # لما فتح هذان المصران بالبناء للمجهول. وفي رواية للكشميهني لما فتح هذين ~~المصرين بالبناء للمعلوم، والمصران تثنية مصر، والمراد بهما البصرة ~~والكوفة. قوله: # إنه جور بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء أي ميل، والجو الميل عن القصد، ~~ومنه قوله تعالى: * (ومنها جائر) * (سورة النحل، الآية: 9). قوله: فانظروا ~~حذوها أي اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير ميل ~~فاجعلوه ميقاتا، وظاهره أن عمر حد لهم ذات عرق باجتهاد. ولهذا قال المصنف ~~رحمه الله: والنص بتوقيت ذات عرق ليس PageV05P024 # في القوة كغيره، فإن ثبت فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر على وفقه فإنه كان ~~موفقا للصواب انتهى. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر أربع عمر في ذي القعدة ~~إلا التي اعتمر مع حجته، عمرته من الحديبية ومن العام المقبل، ومن الجعرانة ~~حيث قسم غنائم حنين، وعمرته مع حجته. وعن عائشة قالت: نزل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم المحصب ms1878 فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: اخرج بأختك ~~من الحرم فتهل بعمرة ثم لتطف بالبيت فإني أنتظركما ههنا، قالت: فخرجنا ~~فأهللت ثم طفت بالبيت وبالصفا والمروة فجئنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو في منزله في جوف الليل فقال: هل فرغت؟ قلت نعم، فأذن في أصحابه ~~بالرحيل، فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح ثم خرج إلى المدينة متفق ~~عليهما. وعن أم سلمة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ~~أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أحمد وأبو ~~داود بنحوه، وابن ماجة وذكر فيه العمرة دون الحجة. # حديث أم سلمة في إسناده علي بن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، قال أبو حاتم ~~الرازي، شيخ من شيوخ المدينة ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ~~ابن كثير في حديث أم سلمة هذا اضطراب. قوله: أربع عمر ثبت مثل هذا من حديث ~~عائشة وابن عمر عند البخاري وغيره وأخرج البخاري من حديث البراء أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم اعتمر مرتين، والجمع بينه وبين أحاديثهم بأن البراء لم ~~يعد عمرته التي مع حجته، لأن حديثه مقيد بكون ذلك في ذي القعدة، والتي في ~~حجته كانت في ذي الحجة، وكأنه أيضا لم يعد التي صد عنها وإن كانت وقعت في ~~ذي القعدة، أو عدها ولم يعد الجعرانة لخفائها عليه كما خفيت على غيره (وفي ~~الباب) عن أبي هريرة عند عبد الرزاق قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثلاث عمر في ذي القعدة وعن عائشة عند سعيد بن منصور: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم اعتمر ثلاث عمر مرتين في ذي القعدة وعمر في شوال قال ~~في الفتح: وإسناده قوي، وقولها في شوال مغاير لقول غيرها. ويجمع بينهما بأن ~~ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما رواه ابن ماجة بإسناد صحيح ~~عن عائشة بلفظ: لم يعتمر صلى الله عليه وآله وسلم إلا ms1879 في ذي القعدة وفي ~~البخاري عن عائشة: أنها لما سمعت ابن عمر يقول: اعتمر PageV05P025 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع عمر إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله ~~أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط وروى ~~الدارقطني عن عائشة أنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت الحديث. وقد قدمنا الكلام عليه في ~~قصر الصلاة. قال ابن القيم في الهدى: ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في رمضان قط وقال: لا خلاف أن عمره صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسا، ولو كان قد اعتمر في ~~رمضان لكانت ستا، إلا أن يقال بعضهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضهن في ذي ~~القعدة، وهذا لم يقع وإنما الواقع اعتماره في ذي القعدة كما قال أنس وابن ~~عباس وعائشة. قوله: من الجعرانة قال في القاموس: # الجعرانة وقد تكسر العين وتشدد الراء. وقال الشافعي: # التشديد خطأ موضع بين مكة والطائف سمي بريطة بنت سعد وكانت تلقب ~~بالجعرانة انتهى. قوله: المحصب هو على ما في القاموس الشعب الذي مخرجه إلى ~~الأبطح وموضع رمي الجمار بمنى. قوله: اخرج بأختك من الحرم لفظ البخاري: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم وقد ~~وقع الخلاف هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ قال الطحاوي: ذهب قوم إلى ~~أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا ~~ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج، وخالفهم آخرون فقالوا: ميقات العمرة ~~الحل، وإنما أمر عائشة بالاحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل إلى مكة. ثم ~~روي عن عائشة في حديثها أنها قالت: فكان أدنانا من الحرم التنعيم فاعتمرت ~~منه، قال: فثبت بذلك أن التنعيم وغيره سواء في ذلك. # وقال صاحب الهدى: ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله ms1880 وسلم اعتمر مدة ~~إقامته بمكة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلا إلى مكة، ولم يعتمر ~~قط خارجا من مكة إلى الحل ثم يدخل إلى مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا ~~ثبت عند أحد من الصحابة فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها. قال في الفتح: ~~وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته انتهى. ولكنه إنما يدل على ~~المشروعية إذا لم يكن أمره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأجل تطييب قلبها ~~كما قيل. قوله: من المسجد الأقصى فيه دليل على جواز تقديم الاحرام على ~~الميقات، ويؤيد ذلك ما أخرجه الشافعي في الام عن عمر والحاكم في ~~PageV05P026 # المستدرك بإسناد قوي عن علي عليه السلام أنهما قالا: إتمام الحج والعمرة ~~في قوله تعالى: # * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (سورة البقرة، الآية: 196) بأن تحرم لهما ~~من دويرة أهلك بل قد ثبت ذلك مرفوعا من حديث أبي هريرة. قال في الدر ~~المنثور: وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قوله تعالى * (وأتموا الحج والعمرة لله) * قال: إن من تمام الحج أن ~~تحرم من دويرة أهلك. وأما قول صاحب المنار: إنه لو كان أفضل لما تركه جميع ~~الصحابة، فكلام علي غير قانون الاستدلال، وقد حكي في التلخيص أنه فسره ابن ~~عيينة، فيما حكاه عنه أحمد بأن ينشئ لهما سفرا من أهله، ولكن لا يناسب لفظ ~~الاهلال الواقع في حديث الباب، ولفظ الاحرام الواقع في حديث أبي هريرة وفي ~~تفسير علي وعمر، وقد قدمنا في بحث حكم العمرة تفسيرا آخر للآية. # باب دخول مكة بغير إحرام لعذر عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام رواه مسلم والنسائي. وعن ~~مالك عن ابن شهاب عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة عام ~~الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار ~~الكعبة فقال: اقتلوه، قال مالك: ولم يكن ms1881 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يومئذ محرما رواه أحمد والبخاري. # قوله: عمامة سوداء فيه جواز لبس السواد، وإن كان البياض أفضل منه لما سلف ~~في اللباس في الجنائز. قوله: وعلى رأسه المغفر زاد أبو عبيد القاسم بن سلام ~~في روايته من حديد: وكذا رواه عشرة من أصحاب مالك خارج الموطأ. قال القاضي ~~عياض: وجه الجمع بينه وبين قوله: وعلى رأسه عمامة سوداء أن أول دخوله كان ~~وعلى رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بدليل قوله في بعض ~~الروايات: فخطب الناس وعليه عمامة سوداء. قوله: فقال ابن خطل الخ إنما قتله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان ارتد عن الاسلام وقتل مسلما كان يخدمه ~~وكان يهجو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسبه وكان له قينتان تغنيان ~~بهجاء المسلمين. واسم ابن خطل عبد العزى، وقال محمد بن إسحاق: اسمه عبد ~~الله، وقال ابن الكلبي: اسمه غالب وخطل PageV05P027 # بخاء معجمة وطاء مهملة مفتوحتين (والحديثان يدلان) على جواز دخول مكة ~~للحرب بغير إحرام، وقد اعترض عليه بأن القتال في مكة خاص بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~فإن ترخص أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها فقولوا: إن ~~الله تعالى أذن لرسوله ولم يأذن لكم فدل على عدم جواز قياس غيره عليه، ~~ويجاب بأن غاية ما في هذا الحديث اختصاص القتال به صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وأما جواز المجاوزة فلا، وأمته أسوته في أفعاله، وقد اختلف في جواز ~~المجاوزة لغير عذر، فمنعه الجمهور وقالوا: لا يجوز إلا بإحرام، من غير فرق ~~بين من دخل لاحد النسكين أو لغيرهما، ومن فعل أثم ولزمه دم. وروي عن ابن ~~عمر والناصر وهو الأخير من قولي الشافعي واحد قولي أبي العباس: إنه لا يجب ~~الاحرام إلا على من دخل لأحد النسكين لا على من أراد مجرد الدخول. # (استدل الأولون) بقوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (سورة ms1882 المائدة، ~~الآية: 2) وأجيب بأنه تعالى قدم تحريم الصيد عليهم وهم محرمون في قوله ~~تعالى * (إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم) * (سورة المائدة، ~~الآية: 1) وقد علم أنه لا إحرام إلا عن أحد النسكين، ثم أخبرهم بإباحة ~~الصيد لهم إذا حلوا، فليس في الآية ما يدل على المطلوب، واستدلوا ثانيا ~~بحديث ابن عباس عند البيهقي بلفظ لا يدخل أحد مكة إلا محرما قال الحافظ: ~~وإسناده جيد ورواه ابن عدي مرفوعا من وجهين ضعيفين. وأخرجه ابن أبي شيبة ~~عنه بلفظ: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا الحطابين والعمالين وأصحاب ~~منافعها وفي إسناده طلحة ابن عمرو وفيه ضعف. وروى الشافعي عنه أيضا أنه كان ~~يرد من جاوز الميقات غير محرم. وقد اعتذر بعض المتأخرين عن حديث ابن عباس ~~هذا بأنه موقوف على ابن عباس من تلك الطريق التي ذكرها البيهقي ولا حجة ~~فيما عداها، ثم عارض ما ظنه موقوفا بما أخرجه مالك في الموطأ أن ابن عمر ~~جاوز الميقات غير محرم، فإن صح ما ادعاه من الوقف فليس في إيجاب الاحرام ~~على من أراد المجاوزة لغير النسكين دليل، وقد كان المسلمون في عصره صلى ~~الله عليه وآله وسلم يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم ~~بإحرام كقصة الحجاج به علاط، وكذلك قصة أبي قتادة لما عقر حمار الوحش داخل ~~الميقات وهو حلال، وقد كان أرسله لغرض قبل الحج فجاوز الميقات لا بنية الحج ~~ولا العمرة فقرره صلى الله عليه وآله وسلم، لا سيما مع ما يقضي بعدم الوجوب ~~من استصحاب البراءة الأصلية إلى أن يقوم دليل ينقل عنها. PageV05P028 # باب ما جاء في أشهر الحج وكراهة الاحرام به قبلها عن ابن عباس قال: من ~~السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج أخرجه البخاري، وله عن ابن عمر ~~قال: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وللدارقطني مثله عن ابن ~~مسعود وابن عباس وابن الزبير. وروي عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن ~~يؤذن ms1883 يوم الحج بمنى لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم ~~الحج الأكبر يوم النحر رواه البخاري. # وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف يوم النحر بين ~~الجمرات في الحجة التي حج فقال: أي يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر، قال: هذا ~~يوم الحج الأكبر رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة. # قوله: عن ابن عباس علقه البخاري ووصله ابن خزيمة والحاكم والدارقطني من ~~طريق الحكم عن مقسم عنه بلفظ: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج فإن من سنة ~~الحج أيحرم بالحج في أشهره ورواه ابن خزيمة من وجه آخر عنه بلفظ: # لا يصلح أن يحرم بالحج أحد إلا في أشهر الحج. قوله: وعن ابن عمر علقه ~~البخاري ووصله الطبري والدار قطني من طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه. ~~قوله: ويوم الحج الأكبر يوم النحر إنما سمي بذلك لأن تمام أعمال الحج يكون ~~فيه، أو إشارة بالأكبر إلى الأصغر أعني العمرة. (وقد استدل) المصنف بهذه ~~الآثار على كراهة الاحرام بالحج قبل أشهر الحج، وقد روي مثل ذلك عن عثمان ~~وقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين أنه لا يصح ~~الاحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي. وقد تقرر في الأصول أن قول ~~الصحابي ليس بحجة وليس في الباب إلا أقوال صحابة، إلا أن يصح ما ذكرنا عن ~~ابن عباس من قوله: فإن من سنة الحج الخ، فإن هذه الصيغة لها حكم الرفع، وقد ~~قدمنا في آخر باب المواقيت ما يدل على استحباب الاحرام من دويرة الأهل، ~~وظاهره عدم الفرق بين من يفارق دويرة أهله قبل دخول أشهر الحج أو بعد ~~دخولها، إلا أنه يقوي المنع من الاحرام قبل أشهر الحج أن الله سبحانه ضرب ~~لأعمال الحج أشهرا معلومة، والاحرام عمل من أعمال الحج، PageV05P029 # فمن ادعى أنه يصح قبلها فعليه الدليل (وقد أجمع العلماء) على أن المراد ~~بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي بكمالها أو شهران وبعض ~~الثالث؟ ms1884 فذهب إلى الأول مالك وهو قول للشافعي، وذهب غيرهما من العلماء إلى ~~الثاني ثم اختلفوا، فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال ~~من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ فقال أحمد وأبو حنيفة: نعم وقال ~~الشافعي: في المشهور المصحح عنه لا وقال بعض أتباعه تسع من ذي الحجة، ولا ~~يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ، ويرد على من أخرج يوم النحر من ~~أشهر الحج قوله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم النحر: # هذا يوم الحج الأكبر كما في حديث ابن عمر المذكور في الباب. # باب جواز العمرة في جميع السنة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: عمرة في رمضان تعدل حجة رواه الجماعة إلا الترمذي لكنه له من ~~حديث أم معقل. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر أربعا ~~إحداهن في رجب رواه الترمذي وصححه. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال رواه أبو داود. وعن ~~علي رضي الله عنه: قال: في كل شهر عمرة رواه الشافعي. # حديث أم معقل أخرجه أيضا النسائي من طريق معمر عن الزهري عن أبي بكر بن ~~عبد الرحمن عن امرأة من بني أسد يقال لها أم معقل قالت: أردت الحج فاعتل ~~بعيري، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اعتمري في شهر رمضان ~~فإن عمرة في رمضان تعدل حجة وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك عن سمي عن أبي ~~بكر بن عبد الرحمن قال: جاءت امرأة فذكره مرسلا ورواه النسائي أيضا من طريق ~~عمارة بن عمير وغيره عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي معقل. # ورواه أبو داود من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن ~~رسول مروان عن أم معقل، ويجمع بين الروايتين بتعدد الواقعة. وأما حديث ابن ~~عباس فقد قدمنا في باب المواقيت ما يخالفه. وحديث ms1885 عائشة سكت عنه أبو داود ~~PageV05P030 # ورجال إسناده رجال الصحيح. وحديث علي أخرجه البيهقي من طريق الشافعي ~~بإسناد صحيح. قوله: تعدل حجة فيه دليل على أن العمرة في رمضان تعدل حجة في ~~الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للاجماع، على أن الاعتمار لا ~~يجزئ عن حج الفرض. ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى هذا الحديث ~~نظير ما جاء: أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وقال ابن العربي: حديث ~~العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج ~~بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي فيه: إن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف ~~الوقت، كما يزيد بحضور القلب وخلوص المقصد. قوله: اعتمر أربعا قد تقدم ~~الكلام في عدد عمره صلى الله عليه وآله وسلم والاختلاف في ذلك، وقد وقع ~~خلاف هل الأفضل العمرة في رمضان لهذا الحديث أو في أشهر الحج لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يعتمر إلا فيها؟ فقيل: إن العمرة في رمضان لغير ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل، وأما في حقه فما صنعه فهو أفضل، لأنه ~~فعله للرد على أهل الجاهلية الذين كانوا يمنعون من الاعتمار في أشهر الحج ~~(وأحاديث الباب) وما ورد في معناها مما تقدم تدل على مشروعية العمرة في ~~أشهر الحج، وإليه ذهب الجمهور، وذهبت الهادوية إلى أن العمرة في أشهر الحج ~~مكروهة، وعللوا ذلك بأنها تشغل عن الحج في وقته، وهذا من الغرائب التي ~~يتعجب الناظر منها، فإن الشارع صلى الله عليه وآله وسلم إنما جعل عمره كلها ~~في أشهر الحج لابطال ما كانت عليه الجاهلية من منع الاعتمار فيها كما عرفت، ~~فما الذي سوغ مخالفة هذه الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة وألجأ إلى ~~مخالفة الشارع وموافقة ما كانت عليها الجاهلية؟ ومجرد كونها تشغل عن أعمال ~~الحج لا يصلح مانعا، ولا يحسن نصبه في مقابلة الأدلة الصحيحة. وكيف يجعل ~~مانعا وقد اشتغل بها المصطفى في أيام الحج وأمر غيره بالاشتغال بها فيها، ~~ثم أي ms1886 شغل لمن لم يرد الحج أو أراده وقدم مكة من أول شوال، لا جرم من لم ~~يشتغل بعلم السنة المطهرة حق الاشتغال يقع في مثل هذه المضايق التي هي السم ~~القتال والداء العضال. وحكي في البحر عن الهادي أنها تكره في أيام التشريق، ~~قال أبو يوسف: ويوم النحر، قال أبو حنيفة: ويوم عرفة. PageV05P031 # باب ما يصنع من أراد الاحرام من الغسل والتطيب ونزع المخيط وغيره عن ابن ~~عباس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن النفساء والحائض ~~تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير أن لا تطوف بالبيت رواه أبو داود ~~والترمذي. وعن عائشة قالت: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ~~إحرامه بأطيب ما أجد وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك ~~أخرجاهما. # حديث ابن عباس في إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحراني كنيته أبو عون. قال ~~المنذري: وقد ضعفه غير واحد. وقال في التقريب: صدوق سيئ الحفظ خلط بآخره ~~ورمي بالارجاء (وقد استدل) المصنف بهذا الحديث على أنه يشرع للمحرم ~~الاغتسال عند ابتداء الاحرام وهو محتمل لامكان أن يكون الغسل لأجل قذر ~~الحيض، ولكن في الباب أحاديث تدل على مشروعية الغسل للاحرام، وقد تقدمت في ~~أبواب الغسل فليرجع إليها. قوله: عند إحرامه أي في وقت إحرامه، وللنسائي ~~حين أراد أن يحرم. وفي البخاري: لاحرامه ولحله. قوله: وبيص بالموحدة ~~المكسورة وبعدها تحتية ساكنة وآخره صاد مهملة وهو البريق. وقال الإسماعيلي: ~~إن الوبيص زيادة على البريق، وإن المراد به التلألؤ، وإنه يدل على وجود عين ~~قاتمة لا الريح (واستدل بالحديث) على استحباب التطيب عند إرادة الاحرام ولو ~~بقيت رائحته عند الاحرام، وعلى أنه لا يضر بقاء رائحته ولونه، وإنما المحرم ~~ابتداؤه بعد الاحرام قال في الفتح: وهو قول الجمهور وذهب ابن عمر ومالك ~~ومحمد بن الحسن والزهري وبعض أصحاب الشافعي، ومن أهل البيت الهادي والقاسم ~~والناصر والمؤيد ms1887 بالله وأبو طالب إلى أنه لا يجوز التطيب عند الاحرام، ~~واختلفوا هل هو محرم أو مكروه؟ وهل تلزم الفدية أولا؟ واستدلوا على عدم ~~الجواز بأدلة منها ما وقع عند البخاري وغيره بلفظ: ثم طاف على نسائه ثم ~~أصبح محرما والطوف الجماع ومن لازمه الغسل بعده، فهذا يدل على PageV05P032 # أنه صلى الله عليه وآله وسلم اغتسل بعد أن تطيب. وأجيب عن هذا بما في ~~البخاري أيضا بلفظ: ثم أصبح محرما ينضح طيبا وهو ظاهر في أن نضح الطيب ~~وظهور رائحته كان في حال إحرامه، ودعوى بعضهم أن فيه تقديما وتأخيرا، ~~والتقدير طاف على نسائه ينضح طيبا ثم أصبح محرما خلاف الظاهر، ويرده قول ~~عائشة المذكور: # ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك. وفي رواية لها: ثم أراه في ~~رأسه ولحيته بعد ذلك. وفي رواية للنسائي وابن حبان: رأيت الطيب في مفرقه ~~بعد ثلاث وهو محرم. وفي رواية متفق عليها: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في ~~مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أيام ولمسلم: وبيص المسك ~~وسيأتي ذلك في باب منع المحرم من ابتداء الطيب، ومن أدلتهم نهيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الثوب الذي مسه الورس والزعفران كما سيأتي في أبواب ما ~~يتجنبه المحرم وأجيب بأن تحريم الطيب على من قد صار محرما مجمع عليه، ~~والنزاع إنما هو في التطيب عند إرادة الاحرام واستمرار أثره لا ابتدائه. ~~ومنها أمره صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي بنزع المنطقة وغسلها عن ~~الخلوق، وهو متفق عليه ويجاب عنه بمثل الجواب عن الذي قبله، ولا يخفى أن ~~غاية هذين الحديثين تحريم لبس ما مسه الطيب. ومحل النزاع تطييب البدن، ~~ولكنه سيأتي في باب ما يصنع من أحرم في قميص أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~لمن سأله بأنه يغسل الخلوق عن بدنه، وسيأتي الجواب عنه. # وقد أجاب عن حديث الباب المهلب وأبو الحسن بن القصار وأبو الفرج بن ~~المالكية بأن ذلك من خصائصه، ويرده ما أخرجه أبو داود وابن ms1888 أبي شيبة عن ~~عائشة قالت: # كنا ننضح وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم ثم نحرم فنعرق ويسيل على ~~وجوهنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينهانا وهو صريح في ~~بقاء عين الطيب وفي عدم اختصاصه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وسيأتي ~~الحديث في باب منع المحرم من ابتداء الطيب. قال في الفتح: ولا يقال إن ذلك ~~خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن النساء والرجال سواء في تحريم استعمال ~~الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: # كان ذلك طيبا لا رائحة له لما وقع في رواية عن عائشة: بطيب لا يشبه طيبكم ~~قال بعض رواته: يعني لا بقاء له أخرجه النسائي. ويرده ما تقدم في الذي ~~قبله. وأيضا المراد بقولها: لا يشبه طيبكم أي أطيب منه، كما يدل على ذلك ما ~~عند مسلم عنها بلفظ: PageV05P033 # بطيب فيه مسك وفي أخرى له عنها: كأني أنظر إلى وبيص المسك وأوضح من ذلك ~~قولها في حديث الباب بأطيب ما نجد، ولهم جوابات أخر غير ناهضة فتركها أولى. ~~والحق أن المحرم من الطيب على المحرم هو ما تطيب به ابتداء بعد إحرامه لا ~~ما فعله عند إرادة الاحرام وبقي أثره لونا وريحا، ولا يصح أن يقال: لا يجوز ~~استدامة الطيب قياسا على عدم جواز استدامة اللباس، لأن استدامة اللبس لبس، ~~بخلاف استدامة الطيب فليست بطيب سلمنا استواءهما، فهذا قياس في مقابلة النص ~~وهو فاسد الاعتبار. # وعن ابن عمر في حديث له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين ~~وليقطعهما أسفل من الكعبين رواه أحمد. # هذا الحديث ذكره صاحب المهذب عن ابن عمر. قال الحافظ: كأنه أخذه من كلام ~~ابن المنذر فإنه ذكره كذلك بغير إسناد، وقد بيض له المنذري والنووي في ~~الكلام على المهذب ووهم من عزاه إلى الترمذي، وقد عزاه المصنف إلى أحمد. ~~قال في مجمع الزوائد: أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن وهو ببعض ~~ألفاظه للجماعة ms1889 كلهم كما سيأتي في باب ما يتجنبه المحرم من اللباس وهو أيضا ~~متفق على بعض ما فيه من حديث ابن عباس (وفيه دليل) على أنه يجوز للمحرم لبس ~~الإزار والرداء والنعلين. # وفي البخاري من حديث ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شئ ~~من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرات التي تردع على الجلد. قوله: ~~وليقطعهما أسفل من الكعبين الكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق ~~والقدم وهذا هو المعروف عند أهل اللغة واستدل به على اشتراط القطع خلافا ~~للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع واستدل على ذلك بحديث ابن ~~عباس الآتي في باب ما يتجنبه المحرم من اللباس بلفظ ومن لم يجد نعلين ~~فليلبس خفين ويجاب عنه بأن حمل المطلق على المقيد لازم وهو من جملة ~~القائلين به وأجاب الحنابلة بجوابات أخر لعله يأتي ذكر بعضها عند ذكر حديث ~~ابن عباس. # وعن ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول PageV05P034 # الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة متفق عليه. وفي لفظ: ما أهل ~~إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره أخرجاه. وللبخاري: أن ابن عمر كان إذا ~~أراد الخروج إلى مكة أدهن بدهن ليس له رائحة طيب، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة ~~فيصلي ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا على حبل البيداء أهل رواه أبو داود. ~~وعن جابر: أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذي الحليفة حين ~~استوت به راحلته رواه البخاري. وقال: رواه أنس وابن عباس. وعن سعيد بن جبير ~~قال: قلت لابن عباس: # عجبا ms1890 لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إهلاله، فقال: ~~إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه ~~أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا ~~عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل فأدرك ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، ~~وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل ~~فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهل ~~فأدرك ذاك أقوام فقالوا: إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~علا على شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ~~راحلته، وأهل حين علا على شرف البيداء رواه أحمد وأبو داود. ولبقية الخمسة ~~منه مختصرا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل في دبر الصلاة. # حديث أنس الذي عزاه المصنف إلى أبي داود أخرجه أيضا النسائي، وسكت عند ~~أبو داود والمنذري، ورجال إسناده رجال الصحيح إلا أشعث بن عبد الملك ~~الحمراني وهو ثقة وحديث ابن عباس الذي رواه عنه سعيد بن جبير في إسناده ~~خصيف بن عبد الرحمن الحراني وهو ضعيف، ومحمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث. ~~وقد أخرجه الحاكم من طريق آخر عن عطاء عن ابن عباس، وأخرج أيضا ما أخرجه ~~الخمسة من حديثه مختصرا. قوله: بيداؤكم البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة ~~لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره، وكان ابن عمر إذا قيل ~~PageV05P035 # له الاحرام من البيداء أنكر ذلك، وقال: البيداء الذي تكذبون فيها على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني بقولكم: إنه أهل منها، وإنما أهل ~~من مسجد ذي الحليفة، وهو يشير إلى قول ابن عباس عند البخاري: أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ركب راحلته حتى استوت على البيداء أهل. وإلى حديث أنس ~~المذكور في الباب، ms1891 والتكذيب المذكور المراد به الاخبار عن الشئ على خلاف ~~الواقع وإن لم يقع على وجه العمد. # قوله: ادهن بدهن ليست له رائحة طيبة فيه جواز الادهان بالأدهان التي ليست ~~لها رائحة طيبة، وقد ثبت من حديث ابن عباس عند البخاري: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أدهن ولم ينه عن الدهن. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على ~~أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والشيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه رأسه ~~ولحيته، وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه، وفرقوا بين الطيب ~~والزيت في هذا، فقياس كون المحرم ممنوعا من استعماله الطيب في رأسه أن يباح ~~له استعمال الزيت في رأسه وقد تقدم الكلام في الطيب. قوله: على حبل البيداء ~~بالحاء المهملة هو الرمل المستطيل وهو المراد بقوله في الرواية الأخرى: على ~~شرف البيداء والشرف المكان العالي. قوله: فمن هناك اختلفوا الخ، هذا الحديث ~~يزول به الاشكال، ويجمع بين الروايات المختلفة بما فيه، فيكون شروعه صلى ~~الله عليه وآله وسلم في الاهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة في ~~مجلسه قبل أن يركب، فنقل عنه من سمعه يهل هنالك أنه أهل بذلك المكان ثم أهل ~~لما استقلت به راحلته، فظن من سمع إهلاله عند ذلك أنه شرع فيه في ذلك الوقت ~~لأنه لم يسمع إهلاله بالمسجد فقال: إنما أهل حين استقلت به راحلته ثم روى ~~كذلك من سمعه يهل على شرف البيداء. وهذا يدل على أن الأفضل لمن كان ميقاته ~~ذا الحليفة أن يهل في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرر الاهلال عند أن ~~يركب على راحلته، وعند أن يمر بشرف البيداء. قال في الفتح: # وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل. # باب الاشتراط في الاحرام عن ابن عباس: أن ضباعة بنت الزبير قالت: يا رسول ~~الله إني امرأة PageV05P036 # ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أهل؟ فقال: أهلي واشترطي أن محلي حيث ~~حبستني قال: فأدركت رواه الجماعة إلا البخاري. وللنسائي في ms1892 رواية وقال: فإن ~~لك على ربك ما استثنيت. وعن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج، قالت: والله ما أجدني ~~إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت ~~المقداد بن الأسود متفق عليه. وعن عكرمة عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ~~قالت: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحرمي وقولي: إن محلي حيث ~~تحبسني، فإن حبست أو مرضت فقد حللت من ذلك بشرطك على ربك عز وجل رواه أحمد. # حديث عكرمة أخرجه أيضا ابن خزيمة (وفي الباب) عن أنس عند البيهقي، وعن ~~جابر عنده، وعن ابن مسعود وأم سليم عنده أيضا، وعن أم سلمة عند أحمد ~~والطبراني في الكبير وفي إسناده ابن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث وبقية رجاله ~~رجال الصحيح، وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير وفيه علي بن عاصم وهو ~~ضعيف، قال العقيلي: روي عن ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جياد انتهى. ~~وقد غلط الأصيلي غلطا فاحشا فقال: إنه لا يثبت في الاشتراط حديث وكأنه ذهل ~~عما في الصحيحين. وقال الشافعي: # لو ثبت حديث عائشة في الاستثناء لم أعده إلى غيره، لأنه لا يحل عندي خلاف ~~ما ثبت عن رسول الله. قال البيهقي: فقد ثبت هذا الحديث من أوجه. قوله: ~~ضباعة بضم المعجمة بعدها موحدة، قال الشافعي: كنيتها أم حكيم وهي بنت عم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبوها الزبير ابن عبد المطلب بن هاشم، ووهم ~~الغزالي فقال: الأسلمية، وتعقبه النووي وقال: صوابه الهاشمية. قوله: محلي ~~بفتح الميم وكسر المهملة أي مكان إحلالي (وأحاديث الباب) تدل على أن من ~~اشترط هذا الاشتراط ثم عرض له ما يحبسه عن الحج جاز له التحلل، وأنه لا ~~يجوز التحلل مع عدم الاشتراط، وبه قال جماعة من الصحابة منهم علي وابن ~~مسعود وعمر وجماعة من التابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وهو المصحح ~~للشافعي كما قال النووي. وقال أبو ms1893 حنيفة ومالك وبعض التابعين وإليه ذهب ~~الهادي: أنه لا يصح الاشتراط وهو مروي عن ابن عمر. قال البيهقي: لو بلغ ابن ~~عمر حديث ضباعة لقال به ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه انتهى. ~~PageV05P037 # وقد اعتذروا عن هذه الأحاديث بأنها قصة عين، وأنها مخصوصة بضباعة، وهو ~~يتنزل على الخلاف المشهور في الأصول في خطابه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لواحد هل يكون غيره فيه مثله أم لا؟ وادعى بعضهم أن الاشتراط منسوخ، روي ~~ذلك عن ابن عباس لكن بإسناد فيه الحسن بن عمارة وهو متروك، وادعى بعض أنه ~~لم يثبت، وقد تقدم الجواب عليه. # باب التخيير بين التمتع والافراد والقران وبيان أفضلها عن عائشة قالت: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من أراد منكم أن يهل بحج ~~وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، ~~قالت: وأهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحج، وأهل به ناس معه، ~~وأهل معه ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة متفق ~~عليه. وعن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ففعلناها ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها ~~حتى مات متفق عليه. ولأحمد ومسلم: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى يعني ~~متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لم تنزل آية ~~تفسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها حتى مات. وعن عبد الله بن شقيق: أن عليا ~~كان يأمر بالمتعة وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان كلمة فقال علي: لقد علمت ~~أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عثمان: أجل ولكنا ~~كنا خائفين رواه أحمد ومسلم. وعن ابن عباس قال: أهل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعمرة وأهل أصحابه بالحج، فلم يحل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم رواه ms1894 أحمد ومسلم. وفي رواية قال: # تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك وأول ~~من نهى عنها معاوية رواه أحمد والترمذي. # الرواية الأخرى حسنها الترمذي. قوله: فقال من أراد منكم أن يهل الخ، فيه ~~الاذن منه صلى الله عليه وآله وسلم بالحج إفراد وقرانا وتمتعا. والافراد ~~PageV05P038 # هو الاهلال بالحج وحده، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، ولا ~~خلاف في جوازه والقران هو الاهلال بالحج والعمرة معا، وهو أيضا متفق على ~~جوازه، أو الاهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه، ~~والتمتع هو الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة، والاهلال بالحج ~~في تلك السنة، ويطلق التمتع في عرف السلف على القران. قال ابن عبد البر: ~~ومن التمتع أيضا القران، ومن التمتع أيضا فسخ الحج إلى العمرة انتهى. وقد ~~حكى النووي في شرح مسلم الاجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما ورد من ~~النهي عن التمتع من بعض الصحابة. قوله: وأهل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالحج احتج به من قال: كان حجه صلى الله عليه وآله وسلم مفردا، وأجيب ~~بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة (واعلم) أنه قد ~~اختلف في حجه صلى الله عليه وآله وسلم هل كان قرانا أو تمتعا أو إفرادا؟ ~~وقد اختلفت الأحاديث في ذلك، فروي أنه حج قرانا من جهة جماعة من الصحابة ~~منهم ابن عمر عند الشيخين، وعنه عند مسلم، وعائشة عندهما أيضا، وعنها عند ~~أبي داود، وعنها عند مالك في الموطأ، وجابر عند الترمذي، وابن عباس عند أبي ~~داود، وعمر بن الخطاب عند البخاري وسيأتي، والبراء بن عازب عند أبي داود ~~وسيأتي، وعلي عند النسائي، وعنه عند الشيخين وسيأتي، وعمران بن حصين عند ~~مسلم، وأبو قتادة عند الدارقطني. قال ابن القيم: وله طرق صحيحة. وسراقة بن ~~مالك عند أحمد وسيأتي ورجال إسناده ثقات، وأبو طلحة الأنصاري عند أحمد وابن ~~ماجة وفي إسناده الحجاج بن ms1895 أرطاة، والهرماس بن زياد الباهلي عند أحمد أيضا، ~~وابن أبي أوفى عند البزار بإسناد صحيح، وأبو سعيد عند البزار، وجابر بن عبد ~~الله عند أحمد وفيه الحجاج بن أرطاة وأم سلمة عنده أيضا، وحفصة عند ~~الشيخين، وسعد بن أبي وقاص عند النسائي والترمذي وصححه، وأنس عند الشيخين ~~وسيأتي. وأما حجه تمتعا فروي عن عائشة وابن عمر عند الشيخين وسيأتي، وعلي ~~وعثمان عند مسلم وأحمد كما في الباب، وابن عباس عند أحمد والترمذي كما في ~~الباب أيضا، وسعد بن أبي وقاص كما سيأتي. وأما حجه إفرادا فروي عن عائشة ~~كما في حديث الباب، وعنها عند البخاري كما سيأتي، وعن ابن عمر عند أحمد ~~ومسلم كما سيأتي أيضا، وابن عباس عند مسلم، وجابر عند ابن ماجة وعنه عند ~~مسلم (وقد اختلفت) الأنظار واضطربت PageV05P039 # الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات ~~كالخطابي فقال: إن كلا أضاف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أمر به ~~اتساعا، ثم رجح أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفرد الحج، وكذا قال عياض وزاد ~~فقال: وأما إحرامه فقد تظافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردا، وأما رواية ~~من روى التمتع فمعناه أنه أمر به لأنه صرح بقوله: ولولا أن معي الهدي ~~لأحللت فصح أنه لم يتحلل. وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر ~~أحواله، لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي، وقيل قل عمرة في ~~حجة. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديما ابن المنذر، ~~وبينه ابن حزم في حجة الوداع بيانا شافيا، ومهده المحب الطبري تمهيدا بالغا ~~يطول ذكره، ومحصله أن كل من روى عنه الافراد حمل على ما أهل به في أول ~~الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه ~~القران أراد ما استقر عليه الامر، وجمع شيخ الاسلام ابن تيمية جمعا حسنا ~~فقال ما حاصله: إن التمتع عند الصحابة يتناول القران، فتحمل عليه رواية من ~~روى ms1896 أنه حج تمتعا، وكل من روى الافراد قد روى أنه حج صلى الله عليه وآله ~~وسلم تمتعا وقرانا، فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ ~~منها وأتى بالعمرة. ومن أهل العلم من صار إلى التعارض فرجح نوعا، وأجاب عن ~~الأحاديث القاضية بما يخالفه وهي جوابات طويلة أكثرها متعسفة، وأورد كل ~~منهم لما اختاره مرجحات أقواها وأولاها مرجحات القران فإنه لا يقاومها شئ ~~من مرجحات غيره. منها: # أن أحاديثه مشتملة على زيادة على من روى الافراد وغيره، والزيادة مقبولة ~~إذا خرجت من مخرج صحيح، فكيف إذا ثبتت من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة. # ومنها: أن من روى الافراد والتمتع اختلف عليه في ذلك، لأنهم جميعا روى ~~عنهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم حج قرانا. ومنها: أن روايات القران لا ~~تحتمل التأويل، بخلاف روايات الافراد والتمتع فإنها تحتمله كما تقدم. ~~ومنها: أن رواة القران أكثر كما تقدم. ومنها: أن فيهم من أخبر عن سماعة ~~لفظا صريحا، وفيهم من أخبر عن إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بأنه فعل ~~ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه بذلك. ومنها: # أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا ~~الهدي PageV05P040 # ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. وقد ذكر صاحب الهدى مرجحات غير هذه، ولكنها ~~مرجحات باعتبار أفضلية القران على التمتع والافراد، لا باعتبار أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم حج قرانا، وهو بحث آخر قد اختلفت فيه المذاهب اختلافا ~~كثيرا، فذهب جمع من الصحابة والتابعين وأبو حنيفة وإسحاق، ورجحه جماعة من ~~الشافعية منهم النووي والمزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي وتقي الدين ~~السبكي إلى أن القران أفضل. وذهب جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كمالك ~~وأحمد والباقر والصادق والناصر وأحمد بن عيسى وإسماعيل بن جعفر الصادق ~~وأخيه موسى والامامية إلى أن التمتع أفضل. وذهب جماعة من الصحابة وجماعة ~~ممن بعدهم وجماعة من الشافعية وغيرهم، ومن أهل البيت الهادي والقاسم ~~والامام يحيى وغيرهم من متأخريهم إلى ms1897 أن الافراد أفضل. وحكى القاضي عياض عن ~~بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة في الفضل سواء، قال في الفتح: وهو مقتضى ~~تصرف ابن خزيمة في صحيحه. وقال أبو يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء ~~وهما أفضل من الافراد. وعن أحمد من ساق الهدي فالقران أفضل له ليوافق فعل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ~~ما تمناه وأمر به أصحابه، زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلد ~~سفره فالافراد أفضل له، قال: وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث ~~الصحيحة، ولكن المشهور عن أحمد أن التمتع أفضل مطلقا، وقد احتج القائلون ~~بأن القران أفضل بحجج منها: أن الله اختاره لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم. ~~ومنها: أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة يقتضي أنها قد صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل ~~بينها وبينه، ولا يكون ذلك إلا مع القران. ومنها: أن النسك الذي اشتمل على ~~سوق الهدي أفضل، واستدل من قال بأن التمتع أفضل بما اتفق عليه من حديث جابر ~~وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة قالوا: ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يتمنى إلا الأفضل، واستمراره في القران إنما كان لاضطرار السوق ~~إليه وهذا هو الحق، فإنه لا يظن أن نسكا أفضل من نسك اختاره صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأفضل الخلق وخير القرون، وأما ما قيل من إنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم إنما قال كذلك تطييبا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته ففاسد، ~~لان PageV05P041 # المقام مقام تشريع للعبادة، وهو لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يخبر بما يدل على أن ما فعلوه من التمتع أفضل مما استمر عليه من القران ~~والامر على خلاف ذلك، وهل هذا إلا تغرير يتعالى عنه مقام النبوة؟ وبالجملة ~~لم يوجد في شئ من ms1898 الأحاديث ما يدل على أن بعض الأنواع أفضل من بعض غير هذا ~~الحديث فالتمسك به متعين، ولا ينبغي أن يلتفت إلى غيره من المرجحات فإنها ~~في مقابلته ضائعة (واحتج) من قال بأن الافراد أفضل أن الخلفاء الراشدين رضي ~~الله عنها أفردوا الحج وواظبوا على إفراده، فلو لم يكن أفضل لم يواظبوا ~~عليه، وبأن الافراد لا يجب فيه دم. قال النووي بالاجماع وذلك لكماله، ويجب ~~الدم في التمتع والقران وهو دم جبران لفوات الميقات وغيره، فكان ما لا ~~يحتاج إلى جبران أفضل. ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الافراد من غير ~~كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع وبعضهم القران، ويجاب عن هذا كله ~~بأن الافراد لو كان أفضل لفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو تمنى فعله ~~بعد أن صار ممنوعا بالسوق والكل ممنوع، والسند ما سلف من أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم حج قرانا وأظهر أنه كان يود أن يكون حجه تمتعا، وهذان البحثان ~~أعني تعيين ما حجه صلى الله عليه وآله وسلم من الأنواع وبيان ما هو الأفضل ~~منها من المضايق ومواطن البسط وفيما حررناه مع كونه في غاية الايجاز ما ~~يغني اللبيب. # وعن حفصة أم المؤمنين قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما شأن ~~الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟ قال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى ~~أحل من الحج رواه الجماعة إلا الترمذي. وعن غنيم بن قيس المازني قال: سألت ~~سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعروش ~~يعني بيوت مكة يعني معاوية رواه أحمد ومسلم. وعن الزهري عن سالم عن أبيه ~~قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى ~~الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى ms1899 فساق الهدي، ومنهم ~~من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة قال للناس: من ~~كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم ~~أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر PageV05P042 # وليحل ثم ليهل بالحج، وليهد فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج، ~~وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم ~~مكة فاستلم الركن أول شئ، ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعة أطواف، ~~ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا ~~فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يتحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه ~~ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شئ حرم منه، وفعل مثل ~~ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهدى فساق الهدي. وعن عروة عن ~~عائشة مثل حديث سالم عن أبيه. متفق عليه. # قوله: ولم تحل في رواية للبخاري: ولم تحلل بلامين وهو إظهار شاذ وفيه لغة ~~معروفة. قوله: لبدت بتشديد الموحدة أي شعر رأسي، وهو أن يجعل فيه شئ ملتصق ~~ويؤخذ منه استحباب ذلك للمحرم. قوله: فلا أحل من الحج يعني حتى يبلغ الهدي ~~محله. واستدل به على أن من اعتمر فساق هديا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر ~~هديه يوم النحر. قوله: بالعروش جمع عرش يقال لمكة وبيوتها كما في القاموس. ~~قوله: تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، قال المهلب: معناه أمر ~~بذلك لأنه كان ينكر على أنس قوله إنه قرن، ويقول: إنه كان مفردا. # قوله: فأهل بالعمرة قال المهلب معناه: أمرهم بالتمتع وهو أن يهلوا ~~بالعمرة أولا ويقدموها قبل الحج قال: ولا بد من هذا التأويل لدفع التناقض ~~عن ابن عمر. وقال ابن المنير: # إن حمل قوله تمتع على معنى أمر من أبعد التأويلات. والاستشهاد عليه بقوله ~~رجم، وإنما أمر بالرجم من أوهن ms1900 الاستشهادات لأن الرجم وظيفة الامام، والذي ~~يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه، وأما أعمال الحج من إفراد وقران وتمتع فإنه ~~وظيفة كل أحد عن نفسه، ثم أورد تأويلا آخر وهو أن الراوي عهد أن الناس لا ~~يفعلون إلا كفعله لا سيما مع قوله: خذوا عني مناسككم فلما تحقق أن الناس ~~تمتعوا ظن أنه صلى الله عليه وآله وسلم تمتع فأطلق ذلك. قال الحافظ: ولا ~~يتعين هذا أيضا، بل يحتمل أن يكون معنى قوله تمتع محمولا على مدلوله اللغوي ~~وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيره. قال النووي: إن ~~هذا هو المتعين. قوله: بالعمرة إلى الحج، قال المهلب أيضا: أي أدخل العمرة ~~على الحج. قوله: # فإنه لا يحل من شئ حرم عليه تقدم بيانه. قوله: وليقصر قال النووي: معناه ~~أنه ليفعل PageV05P043 # الطواف والسعي والتقصير يصير حلالا، وهذا دليل على أن الحلق والتقصير نسك ~~وهو الصحيح، وقيل: استباحة محظور. قال: وإنما أمره بالتقصير دون الحلق مع ~~أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج. قوله: وليحل هو أمر معناه الخبر ~~أي قد صار حلالا، فله فعل كل ما كان محظورا عليه في الاحرام، ويحتمل أن ~~يكون أمرا على الإباحة لفعل ما كان عليه حراما قبل الاحرام. قوله: ثم يهل ~~بالحج أي يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بثم الدالة على التراخي، فلم ~~يرد أنه يهل بالحج عقب إحلاله من العمرة. قوله: وليهد أي هدي التمتع. قوله: ~~فمن لم يحل الخ أي لم يجد الهدي بذلك المكان، أو لم يجد ثمنه، أو كان يجد ~~هديا ولكن يمتنع صاحبه من بيعه، أو يبيعه بغلاء فينتقل إلى الصوم كما هو نص ~~القرآن، والمراد بقوله تعالى: * (في الحج) * (سورة البقرة، الآية: 197) أي ~~بعد الاحرام به. قال النووي: هذا هو الأفضل. وإن صامها قبل الاهلال بالحج ~~أجزأه على الصحيح. وأما قبل التحلل من العمرة فلا على الصحيح. وجوزه الثوري ~~وأهل الرأي. قوله: ثم خب سيأتي الكلام عليه في الطواف، ويأتي الكلام أيضا ~~على صلاة ms1901 الركعتين والسعي بين الصفا والمروة ونحر الهدي والإفاضة وسوق ~~الهدي (وقد استدل) بالأحاديث المذكورة على أن حجه صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان تمتعا، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الباب. قوله: من أهدى فساق ~~الهدي الموصول فاعل قوله فعل أي فعل من أهدى فساق الهدي مثل ما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأغرب الكرماني فشرحه، على أن فاعل فعل هو ~~ابن عمر راوي الخبر، وفصل في رواية أبي الوقت بين قوله فعل وبين قوله من ~~أهدى بلفظ باب، قال في الفتح: وهذا خطأ شنيع، وقال أبو الوليد: أمرنا أبو ~~ذر أن نضرب على هذه الترجمة يعني قوله من أهدى وساق الهدي، وذلك لظنه بأنها ~~ترجمة من البخاري فحكم عليها بالوهم. # وعن القاسم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفرد الحج رواه ~~الجماعة إلا البخاري. وعن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالحج مفردا رواه أحمد ومسلم. ولمسلم: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أهل بالحج مفردا. وعن بكر المزني عن أنس قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعا يقول: لبيك ~~PageV05P044 # عمرة وحجا متفق عليه. وعن أنس أيضا قال: خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نجعلها عمرة وقال: لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي وقرنت بين الحج والعمرة ~~رواه أحمد. وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي ~~المبارك وقل عمرة في حجة رواه أحمد والبخاري وابن ماجة وأبو داود. وفي ~~رواية للبخاري: وقل عمرة وحجة. # قوله: أفرد الحج قد تقدم أن رواية الافراد غير منافية لرواية القران، لان ~~من روى القران ناقل للزيادة، وغاية الامر أن يجمع بأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أهل ms1902 أولا بالحج مفردا ثم أضاف إليه العمرة وأما قول ابن عمر: أهللنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحج مفردا فليس فيه ما ينافي قول ~~من قال: إن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان قرانا أو تمتعا، لأنه أخبر عن ~~إهلالهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يخبر عن إهلاله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قوله: يقول لبيك عمرة وحجا هو من أدلة القائلين بأن ~~حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان قرانا، وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين ~~منهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن الطويل ~~وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وعبد ~~العزيز بن صهيب وسليمان ويحيى بن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب بن سليم ~~وأبو قدامة عاصم بن حسين وسويد بن حجر الباهلي. قوله: خرجنا نصرخ بالحج فيه ~~حجة للجمهور والقائلين إنه يستحب رفع الصوت بالتلبية، وقد أخرج مالك في ~~الموطأ وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم من طريق خلاف بن ~~السائب عن أبيه مرفوعا جاءني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي يرفعون أصواتهم ~~بالاهلال وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يرفع الصوت بالتلبية إلا عند ~~المسجد الحرام ومسجد منى. قوله: لو استقبلت الخ هو متفق على مثل معناه من ~~حديث جابر، وبه استدل من قال: بأن التمتع أفضل أنواع الحج، وقد تقدم البحث ~~عن ذلك قوله: أتاني الليلة آت هو جبريل كما في الفتح. قوله: فقال صل في هذا ~~الوادي المبارك هو وادي العقيق، وهو بقرب العقيق بينه وبين المدينة أربعة ~~أميال وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة أن PageV05P045 # تبعا لما انحدر في مكان عند رجوعه من المدينة قال: هذا عقيق الأرض فسمي ~~العقيق. قوله: # وقل عمرة في حجة برفع عمرة في أكثر الروايات، وبنصبها في بعضها بإضمار ~~فعل أي جعلتها عمرة، وهو دليل على أن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~قرانا، وأبعد ms1903 من قال: إن معناه أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه. وظاهر ~~حديث عمر هذا أن حجه صلى الله عليه وآله وسلم القران كان بأمر من الله فكيف ~~يقول صلى الله عليه وآله وسلم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها ~~عمرة، فينظر في هذا، فإن أجيب بأنه إنما قال ذلك تطييبا لخواطر أصحابه فقد ~~تقدم أنه تغرير لا يليق نسبة مثله إلى الشارع. # وعن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة وأن ~~يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة وقال: ما كنت لأدع ~~سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقول أحد رواه البخاري والنسائي. # وعن الصبي بن معبد قال: كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بالحج والعمرة، ~~قال: فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما، فقالا لهذا أضل ~~من بعير أهله فكأنما حمل علي بكلمتيهما جبل، فقدمت على عمر بن الخطاب ~~فأخبرته فأقبل عليهما فلامهما، وأقبل علي فقال: هديت لسنة نبيك محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم رواه أحمد وابن ماجة والنسائي. # الحديث أخرج نحوه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، ورجال إسناده رجال ~~الصحيح. قوله: وأن يجمع بينهما يحتمل أن تكون الواو عاطفة، فيكون نهي عن ~~التمتع والقران معا، ويحتمل أن يكون عطفا تفسيريا، وهو على ما تقدم أن ~~السلف كانوا يطلقون على القران تمتعا، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانا ~~أو إيقاعا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرة على الحج، وقد زاد مسلم أن ~~عثمان قال لعلي: دعنا عنك، فقال علي: إني لا أستطيع أن أدعك، وقد تقدم في ~~أول الباب أن عثمان قال: أجل ولكنا كنا خائفين. قوله: عن الصبي هو بضم ~~الصاد المهملة وفتح الموحدة بعدها تحتية، قال في التقريب: صبي بالتصغير ~~وابن معبد التغلبي بالمثناة والمعجمة وكسر اللام ثقة مخضرم نزل الكوفة من ~~الثانية. قوله: زيد بن صوحان بضم الصاد المهملة بعدها واو ساكنة ثم معجمة ~~مخففة. قوله: فكأنما حمل علي بكلمتيهما ms1904 جبل يعني أنه ثقل عليه ما سمعه ~~منهما من ذلك اللفظ الغليظ. قوله: هديت لسنة نبيك هو من أدلة القائلين ~~بتفضيل القران، ولا يخفى أنه لا يصلح للاستدلال به على الأفضلية لأنه ~~PageV05P046 # لا خلاف أن الثلاثة الأنواع ثابتة من سنته صلى الله عليه وآله وسلم إما ~~بالقول أو بالفعل، ومجرد نسبة بعضها إلى السنة لا يدل على أنه أفضل من غيره ~~مع كونها مشتركة في ذلك. # وعن سراقة بن مالك قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: دخلت ~~العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قال: وقرن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في حجة الوداع رواه أحمد. وعن البراء بن عازب قال: لما قدم علي من ~~اليمن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: وجدت فاطمة قد لبست ~~ثيابا صبيغا وقد نضحت البيت بنضوح فقالت ما لك إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد أمر أصحابه فحلوا قال قلت لها: إني أهللت بإهلال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~لي: كيف صنعت؟ قال قلت: أهللت بإهلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~قال: فإني قد سقت الهدي وقرنت، قال فقال لي: انحر من البدن سبعا وستين أو ~~ستا وستين وانسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين، وأمسك لي من كل ~~بدنة منها بضعة رواه أبو داود. # حديث سراقة في إسناده داود بن يزيد الأودي وهو ضعيف. وقد أخرج نحوه أحمد ~~ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس. وسيأتي في باب فسخ الحج وحديث ~~البراء أخرجه أيضا النسائي، وفي إسناده يونس بن إسحاق السبيعي، وقد احتج به ~~مسلم، وأخرج له جماعة. وقال الإمام أحمد: حديثه فيه زيادة على حديث الناس ~~وقال البيهقي: كذا في هذه الرواية وقرنت وليس ذلك في حديث جابر حين وصف ~~قدوم علي إهلاله. وحديث جابر أصح سندا وأحسن سياقة، ومع حديث جابر حديث ~~أنس، يريد أن حديث أنس ذكر ms1905 فيه قدوم علي وذكر إهلاله وليس فيه قرنت وهو في ~~الصحيحين. قوله: دخلت العمرة في الحج قد تقدم أنه يدل على أفضلية القران ~~لمصير العمرة جزءا من الحج أو كالجزء. قوله: صبيغا فعيل هنا بمعنى مفعول أي ~~مصبوغات. قوله: وقد نضحت بفتح النون والضاد المعجمة والحاء المهملة. قوله: ~~بنضوح بفتح النون وضم الضاد المعجمة بعد الواو حاء مهملة وهي ضرب من الطيب. ~~قوله: فقالت ههنا كلام محذوف تقديره: فأنكر عليها صبغ ثيابها ونضح بيتها ~~بالطيب فقالت: الخ. قوله: قد أمر أصحابه فحلوا في رواية مسلم: # فوجد فاطمة ممن حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها قالت: ~~أمرني أبي PageV05P047 # بهذا. قوله: أو ستا وستين هكذا في سنن أبي داود، وكان جملة الهدي الذي ~~قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مائة ~~كما في صحيح مسلم. وفي لفظ لمسلم: فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ~~ما غبر قال النووي والقرطبي، ونقله القاضي عن جميع الرواة، أن هذا هو ~~الصواب لا ما وقع في رواية أبي داود. قوله: بضعة بفتح الباء الموحدة وهي ~~القطعة من اللحم. وفي صحيح مسلم: ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر ~~وطبخت فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها واستدل بحديث سراقة والبراء من ~~قال: إن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان قرانا، وقد تقدم الكلام على ذلك، ~~واستدل بحديث علي على صحة الاحرام معلقا، وعلى جواز الاشتراك في الهدي، ~~وسيأتي الكلام على ذلك. # باب إدخال الحج على العمرة عن نافع قال: أراد ابن عمر الحج عام حجة ~~الحرورية في عهد ابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال فنخاف أن ~~يصدوك، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذن أصنع كما صنع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا ~~كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم ms1906 أني قد جمعت ~~حجة مع عمرتي، وأهدى هديا مقلدا اشتراه بقديد وانطلق حتى قدم مكة فطاف ~~بالبيت وبالصفا ولم يزد على ذلك، ولم يحلل من شئ حرم منه حتى يوم النحر، ~~فحلق ونحر ورأي أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ثم قال: هكذا صنع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم متفق عليه. # قوله: حجة الحرورية هم الخوارج ولكنهم حجوا في السنة التي مات فيها يزيد ~~بن معاوية سنة أربع وستين وذلك قبل أن يتسمى ابن الزبير بالخلافة، ونزل ~~الحجاج بابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين وذلك في آخر أيام ابن الزبير، فإما ~~أن يحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج وأتباعه حرورية لجامع ما بينهم من ~~الخروج على أئمة الحق، وإما أن يحمل على تعدد القصة وأن الحرورية حجت سنة ~~أخرى، ولكنه يؤيد الأول ما في بعض طرق البخاري من طريق الليث عن نافع ~~PageV05P048 # بلفظ حين نزل الحجاج بابن الزبير، وكذا لمسلم من رواية يحيى القطان. ~~قوله: كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رواية للبخاري: كما ~~صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: أشهدكم أني قد أوجبت ~~عمرة يعني من أجل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أهل بعمرة عام ~~الحديبية. قال النووي معناه: إن صددت عن البيت وأحصرت تحللت من العمرة كما ~~تحلل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العمرة. وقال عياض: يحتمل أن المراد ~~أنه أوجب عمرة كما أوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أنه أراد ~~الامرين من الايجاب والاحلال. قال الحافظ: وهذا هو الأظهر. قوله: ما شأن ~~الحج والعمرة إلا واحد يعني فيما يتعلق بالاحصار والاحلال. قوله: ولم يزد ~~على ذلك هذا يقتضي أنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة وهو مشكل، ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه (وفي الحديث) فوائد منها: ما بوب له ~~المصنف من جواز إدخال الحج على العمرة وإليه ذهب الجمهور، لكن بشرط أن يكون ~~الادخال قبل الشروع ms1907 في طواف العمرة، وقيل: إن كان قبل مضي أربعة أشواط صح ~~وهو قول الحنفية، وقيل: ولو بعد تمام الطواف وهو قول المالكية ونقل ابن عبد ~~البر أن أبا ثور شذ فمنع إدخال الحج على العمرة قياسا على منع إدخال العمرة ~~على الحج. ومنها: أن القارن يقتصر على طواف واحد. ومنها: أن القارن يهدي، ~~وشذ ابن حزم فقال: لا هدي على القارن. ومنها: جواز الخروج إلى النسك في ~~الطريق المظنون خوفه إذا رجى السلامة قاله ابن عبد البر. ومنها أن الصحابة ~~كانوا يستعملون القياس ويحتجون به. # وعن جابر أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا مكة ~~طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يحل منا من لم يكن معه هدي، قال فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا ~~النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ~~ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: # شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى ~~الحج الآن، فقال إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج، ~~ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال: قد ~~حللت PageV05P049 # من حجتك وعمرتك جميعا، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف ~~بالبيت حين حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ~~ليلة الحصبة متفق عليه. # قوله: بحج مفرد استدل به من قال: إن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~مفردا وليس فيه ما يدل على ذلك، لأن غاية ما فيه أنهم أفردوا الحج مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفرد ~~الحج، ولو سلم أنه ms1908 يدل على ذلك فهو مؤول بما سلف. قوله: عركت بفتح العين ~~المهملة والراء أي حاضت، يقال: عركت تعرك عروكا كقعدت تقعد قعودا. قوله: حل ~~ماذا بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام وحذف التنوين للإضافة وما استفهامية، ~~أي الحل من أي شئ ذا، وهذا السؤال من جهة من جوز أنه حل من بعض الأشياء دون ~~بعض. قوله: الحل كله أي الحل الذي لا يبقى معه شئ من ممنوعات الاحرام بعد ~~التحلل المأمور به. # قوله: ثم أهللنا يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة. قوله: أمر ~~كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي الخ، هذا الغسل قيل هو الغسل للاحرام، ~~ويحتمل أن يكون الغسل من الحيض. قوله: حتى إذا طهرت بفتح الهاء وضمها ~~والفتح أفصح. # قوله: من حجتك وعمرتك هذا تصريح بأن عمرتها لم تبطل ولم تخرج منها، وأن ~~ما وقع في بعض الروايات من قوله: ارفضي عمرتك، وفي بعضها: دعي عمرتك متأول. # قال النووي: إن قوله حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: ~~قد حللت من حجتك وعمرتك، يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة. إحداها: أن عائشة ~~كانت قارنة ولم تبطل عمرتها وأن الرفض المذكور متأول. الثانية: أن القارن ~~يكفيه طواف واحد وهو مذهب الشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة وطائفة: يلزمه ~~طوافان وسعيان. # الثالثة: أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح. وموضع ~~الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج ~~غير الطواف بالبيت ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقفا على تقدم ~~الطواف عليه لما أخرته قال: واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت ~~وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضا، لثلاث ~~خلون من ذي الحجة سنة إحدى عشرة، ذكره أبو محمد بن حزم في كتابه حجة ~~الوداع. قوله: PageV05P050 # فاذهب بها يا عبد الرحمن الخ قد تقدم شرح هذا في أول كتاب الحج. والحديث ~~ساقه المصنف رحمه الله ههنا للاستدلال ms1909 به على جواز إدخال الحج على العمرة، ~~وقد تقدم ما فيه من الخلاف والاشتراط، وللحديث فوائد يأتي ذكرها في ~~مواضعها. # باب من أحرم مطلقا أو قال: أحرمت بما أحرم به فلان عن أنس قال: قدم علي ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بما أهللت يا علي؟ فقال: أهللت ~~بإهلال كإهلال النبي قال: لولا أن معي الهدي لأحللت متفق عليه. # ورواه النسائي من حديث جابر وقال: فقال لعلي: بما أهللت؟ قال قلت: اللهم ~~إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعن أبي موسى قال: ~~قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال: بما ~~أهللت؟ قال قلت: أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ~~سقت من هدي؟ قلت لا، قال: فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من ~~قومي فمشطتني وغسلت رأسي متفق عليه. وفي لفظ قال: كيف قلت حين أحرمت؟ قال ~~قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكره أخرجاه. # قوله في حديث علي: لولا أن معي الهدي لأحللت قال البخاري: زاد محمد بن ~~بكر عن ابن جريج: قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بما أهللت يا علي؟ ~~قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فاهد وامكث حراما كما ~~أنت. قوله: # ثم أتيت امرأة من قومي في رواية للبخاري: امرأة من قيس، والمتبادر من هذا ~~الاطلاق أنها من قيس عيلان وليس بينهم وبين الأشعري نسبة. وفي رواية: من ~~نساء بني قيس. قال الحافظ: فظهر لي من ذلك أن المراد بقيس أبوه قيس بن سليم ~~والد أبو موسى الأشعري، وأن المرأة زوج بعض إخوته، فقد كان لأبي موسى من ~~الاخوة أبورهم وأبو بردة، قيل: ومحمد (والحديثان) يدلان على جواز الاحرام ~~كإحرام شخص يعرفه من أراد ذلك، وأما مطلق الاحرام على الابهام فهو جائز، ثم ~~يصرفه المحرم إلى ما شاء لكونه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن ذلك، ms1910 ~~وإلى ذلك ذهب الجمهور. وعن المالكية: لا يصح الاحرام على الابهام وهو قول ~~الكوفيين قال PageV05P051 # ابن المنير: وكأنه مذهب البخاري لأنه أشار في صحيحه عند الترجمة لهذين ~~الحديثين إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن، وأما الآن فقد استقرت الاحكام وعرفت ~~مراتب الاحرام فلا يصح ذلك، وهذا الخلاف يرجع إلى قاعدة أصولية وهي: هل ~~يكون خطابه صلى الله عليه وآله وسلم لواحد أو لجماعة مخصوصة في حكم الخطاب ~~العام للأمة أو لا؟ فمن ذهب إلى الأول جعل حديث علي وأبي موسى شرعا عاما ~~ولم يقبل دعوى الخصوصية إلا بدليل، ومن ذهب إلى الثاني قال: إن هذا الحكم ~~مختص بهما والظاهر الأول. # باب التلبية وصفتها وأحكامها عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: اللهم ~~لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك. وكان ~~عبد الله يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل ~~متفق عليه. وعن جابر قال: # أهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر ~~قال: # والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا رواه أحمد وأبو داود ومسلم بمعناه. وعن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في تلبيته: لبيك إله الحق لبيك ~~رواه أحمد وابن ماجة والنسائي. # حديث أبي هريرة صححه ابن حبان والحاكم. قوله: فقال لبيك قال في الفتح: هو ~~لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وقال يونس: هو اسم مفرد وألفه إنما انقلبت ~~ياء لاتصالها بالضمير كلدى وعلى، ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر وعن الفراء ~~هو منصوب على المصدر وأصله لبا لك فثنى على التأكيد أي إلبابا بعد الباب، ~~وهذه التثنية ليست حقيقة بل هي للتكثير والمبالغة، ومعنا إجابة بعد إجابة ~~أو إجابة لازمة، وقيل: معناه غير ذلك. قال ابن عبد البر: ms1911 قال جماعة من أهل ~~العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج، وهذا قد ~~أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن PageV05P052 # أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة ~~في غير واحد. قال الحافظ: والأسانيد إليهم قوية، وهذا مما ليس للاجتهاد فيه ~~مسرح فيكون له حكم الرفع. قوله: إن الحمد بكسر الهمزة على الاستئناف ~~وبفتحها على التعليل، قال في الفتح: والكسر أجود عند الجمهور، قال ثعلب: ~~لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال معناه لبيك لهذا ~~السبب الخاص، ومثله قال ابن دقيق العيد. وقال ابن عبد البر: معناهما واحد، ~~وتعقب ونقل الزمخشري أن الشافعي اختار الفتح، وأبا حنيفة اختار الكسر. ~~قوله: والنعمة لك المشهور فيه النصب، ويجوز الرفع على الابتداء ويكون الخبر ~~محذوفا، قاله ابن الأنباري، وكذلك الملك المشهور فيه النصب ويجوز الرفع. ~~قوله: وكان عبد الله الخ أخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: ~~كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع وزاد: # لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك ذا النعماء والفضل الحسن قال الطحاوي: بعد أن ~~أخرجه من حديث عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو ابن معد يكرب: أجمع ~~المسلمون جميعا على ذلك، غير أن قوما قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر ~~لله تعالى ما أحب وهو قول محمد والثوري والأوزاعي، واحتجوا بما في الباب من ~~حديث أبي هريرة وجابر وبالآثار المذكورة، وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي ~~أن يزاد على ما علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس، وبجواز ~~الزيادة قال الجمهور. وحكى ابن عبد البر عن مالك الكراهة وهو أحد قولي ~~الشافعي، وقد اختلف في حكم التلبية فقال الشافعي وأحمد: إنها سنة. وقال ابن ~~أبي هريرة: واجبة، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي ~~حنيفة، واختلف هؤلاء في وجوب الدم لتركها. وقال ابن شاس من المالكية، وصاحب ~~الهداية من الحنفية: أنها واجبة يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج ms1912 كالتوجه على ~~الطريق. # وحكى ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية، ~~والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر أنها ركن في الاحرام لا ينعقد بدونها. ~~وأخرج ابن سعد عن عطاء بإسناد صحيح أنها فرض، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر ~~وطاوس وعكرمة. # وعن السائب بن خلاد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال والتلبية ~~رواه الخمسة PageV05P053 # وصححه الترمذي. وفي رواية: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: # كن عجاجا ثجاجا. والعج التلبية، والثج نحر البدن رواه أحمد. وعن خزيمة بن ~~ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله ~~عز وجل رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار رواه الشافعي والدارقطني. ~~وعن القاسم بن محمد قال: كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه الدارقطني. وعن الفضل بن العباس قال: ~~كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جمع إلى منى فلم يزل يلبي ~~حتى رمى جمرة العقبة رواه الجماعة. وعن عطاء عن ابن عباس قال: يرفع الحديث ~~أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر رواه الترمذي وصححه. ~~وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يلبي المعتمر حتى ~~يستلم الحجر رواه أبو داود. # حديث السائب بن خلاد أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي عنه، وابن حبان ~~والحاكم والبيهقي وصححوه، وأخرج نحوه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا، وأحمد من ~~حديث ابن عباس. وأخرج ابن أبي شيبة عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: كان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفعون أصواتهم حتى تبح أصواتهم وأخرج ~~الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي بكر الصديق أفضل الحج العج والثج ~~واستغربه الترمذي، وحكى الدارقطني الاختلاف فيه، وأشار الترمذي إلى نحوه من ~~حديث جابر. ووصله أبو القاسم في الترغيب والترهيب ms1913 وراويه متروك وهو إسحاق ~~بن أبي فروة. وروى ابن المقري في مسند أبي حنيفة عن ابن مسعود نحوه. وأخرجه ~~أبو يعلى. وحديث خزيمة في إسناده صالح بن محمد بن أبي زائدة وهو مدني ضعيف، ~~وفيه أيضا إبراهيم بن أبي يحيى، ولكنه قد تابعه عليه عبد الله بن عبيد الله ~~الأموي، أخرجه البيهقي والدارقطني. وحديث ابن عباس الأول في إسناده محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى وفيه مقال. وحديثه الثاني قال المنذري: أخرجه ~~الترمذي وقال: صحيح وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد تكلم ~~فيه جماعة من الأئمة، انتهى كلام المنذري. وليس في الترمذي إلا الحديث ~~الأول الذي عزاه إليه المصنف، وهو الذي بعده حديث واحد، ولكنه لما اختلف ~~لفظهما PageV05P054 # جعلهما المصنف حديثين. قوله: أن آمر أصحابي الخ، استدل به على استحباب ~~رفع الصوت للرجل بالتلبية بحيث لا يضر نفسه، وبه قال ابن رسلان. وخرج بقوله ~~أصحابي النساء، فإن المرأة لا تجهر بها بل تقتصر على إسماع نفسها. قال ~~الروياني: فإن رفعت صوتها لم يحرم لأنه ليس بعورة على المصحح بل يكون ~~مكروها، وكذا قال أبو الطيب وابن الرفعة، وذهب داود إلى أن رفع الصوت واجب ~~وهو ظاهر قوله: فأمرني أن آمر أصحابي، لا سيما وأفعال الحج وأقواله بيان ~~لمجمل واجب هو قول الله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (سورة آل ~~عمران: 97) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: خذوا عني مناسككم. قوله: حتى ~~رمى جمرة العقبة فيه دليل على أن التلبية تستمر إلى رمي العقبة، وإليه ذهب ~~الجمهور وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم وهو مذهب ابن عمر، ~~لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة. وقالت طائفة: يقطعها إذا راح ~~إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد ~~بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة وهو قول ~~الأوزاعي والليث. وعن الحسن البصري مثله لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة، ~~واختلف الأولون ms1914 هل يقط التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟ فذهب ~~جمهورهم إلى الأول، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ~~ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن ~~الفضل قال: أفضت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عرفات فلم يزل يلبي ~~حتى رمى جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة قال ابن ~~خزيمة: هذا حديث صحيح مفسرا لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد حتى ~~رمى جمرة العقبة أي أتم رميها انتهى. والامر كما قال ابن خزيمة: فإن هذه ~~زيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد، وقبولها متفق عليه كما ~~تقرر في الأصول. قوله: حتى يستلم الحجر ظاهره أنه يلبي في حال دخوله المسجد ~~وبعد رؤية البيت وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام، ويستثني منه الأوقات ~~التي فيها دعاء مخصوص، وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث من ترك التلبية عند ~~الشروع في الاستلام أبو حنيفة والشافعي في الجديد، وقال في القديم: يلبي ~~ولكنه يخفض صوته وهو قول ابن عباس وأحمد. PageV05P055 # باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة عن جابر قال: أهللنا بالحج مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، ~~فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا فقال: يا أيها الناس أحلوا فلولا الهدي معي ~~فعلت كما فعلتم، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال، ~~حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج متفق عليه. وفي ~~رواية: # أهللنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحج خالصا لا يخالطه شئ ~~فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة فطفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن نحل وقال: لولا هديي لحللت، ثم قام سراقة بن ~~مالك فقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بلى ms1915 ~~هي للأبد رواه البخاري وأبو داود ولمسلم معناه. وعن أبي سعيد قال: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة ~~أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى ~~منى أهللنا بالحج رواه أحمد ومسلم. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا ~~محرمين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان معه هد فليقم على ~~إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل، فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير ~~هدي فلم يحلل رواه مسلم وابن ماجة. ولمسلم في رواية: قدمنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مهلين بالحج. # قوله: وجعلنا مكة بظهر أي جعلناها وراء أظهرنا، وذلك عند إرادتهم الذهاب ~~إلى منى. قوله: لا يخالطه شئ يعني من العمرة ولا القران ولا غيرهما. قوله: ~~من ذي الحجة بكسر الحاء على الأفصح. قوله: أرأيت متعتنا هذه أي أخبرني عن ~~فسخنا الحج إلى عمرتنا هذه التي تمتعنا فيها بالجماع والطيب واللبس. قوله: ~~لعامنا هذا أي مخصوصة به لا تجوز في غيره أم للأبد أي جميع الأعصار (وقد ~~استدل) بهذه الأحاديث وبما يأتي بعدها مما ذكره المصنف من قال: إنه يجوز ~~فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد وبه قال أحمد وطائفة من أهل الظاهر، وقال مالك ~~وأبو حنيفة والشافعي. قال النووي وجمهور العلماء من السلف والخلف: إن فسخ ~~الحج إلى العمرة هو PageV05P056 # مختص بالصحابة في تلك السنة لا يجوز بعدها، قالوا: وإنما أمروا به في تلك ~~السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، ~~واستدلوا بحديث أبي ذر وحديث الحرث بن بلال عن أبيه وسيأتيان ويأتي الجواب ~~عنهما، قالوا: ومعنى قوله للأبد جواز الاعتمار في أشهر الحج أو القران فهما ~~جائزان إلى يوم القيامة، وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السنة، وقد ~~عارض المجوزون للفسخ ما احتج به المانعون بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر من ~~الصحابة قد ذكر المصنف في ms1916 هذا الباب منها أحاديث عشرة منهم وهم: جابر ~~وسراقة بن مالك وأبو سعيد وأسماء وعائشة وابن عباس وأنس وابن عمر والربيع ~~بن سبرة والبراء، وأربعة لم يذكر أحاديثهم وهم: حفصة وعلي وفاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو موسى. قال في الهدى: وروى ذلك عن هؤلاء ~~الصحابة طوائف من كبار النابغين حتى صار منقولا عنهم نقلا يرفع الشك ويوجب ~~اليقين، ولا يمكن أحد أن ينكره أو يقول لم يقع وهو مذهب أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. ومذهب حبر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه، ومذهب ~~أبي موسى الأشعري، ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل وأهل الحديث ~~معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظاهر ~~انتهى. واعلم أن هذه الأحاديث قاضية بجواز الفسخ. وقول أبي ذر: لا يصلح ~~للاحتجاج به على أنها مختصة بتلك السنة وبذلك الركب، وغاية ما فيه أنه قول ~~صحابي فيما هو مسرح للاجتهاد، فلا يكون حجة على أحد على فرض أنه لم يعارضه ~~غيره، فيكف إذا عارضه رأي غيره من الصحابة كان عباس؟ فإنه أخرج عنه مسلم ~~أنه كان يقول: لا يطوف بالبيت حاج إلا حل وأخرج عبد الرزاق أنه قال: من جاء ~~مهلا بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أم أبى، فقيل له: إن ~~الناس ينكرون ذلك عليك، فقال: هي سنة نبيهم وإن رغموا وكأبي موسى فإنه كان ~~يفتي بجواز الفسخ في خلافة عمر كما في صحيح البخاري، على أن قول أبي ذر ~~معارض بصريح السنة كما تقدم في جوابه صلى الله عليه وآله وسلم لسراقة بقوله ~~للأبد لما سأله عن متعتهم تلك بخصوصها مشيرا إليها بقوله: متعتنا هذه، فليس ~~في المقام متمسك بيد المانعين يعتد به ويصلح لنصبه في مقابلة هذه السنة ~~المتواترة. وأما حديث الحرث بن بلال عن أبيه فسيأتي أنه غير صالح للتمسك به ~~على فرض انفراده، فكيف إذا وقع معارضا لأحاديث أربعة عشر صحابيا كلها ~~صحيحة؟ # وقد أبعد ms1917 من قال إنها منسوخة، لأن دعوى النسخ تحتاج إلى نصوص صحيحة ~~متأخرة PageV05P057 # عن هذه النصوص، وأما مجرد الدعوى فأمر لا يعجز عنه أحد وأما ما رواه ~~البزار عن عمر أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحل لنا ~~المتعة ثم حرمها علينا فقال ابن القيم: إن هذا الحديث لا سند له ولا متن، ~~أما سنده فمما لا تقوم به حجة عند أهل الحديث، وأما متنه فإن المراد ~~بالمتعة فيه متعة النساء. ثم استدل على أن المراد ذلك بإجماع الأمة على أن ~~متعة الحج غير محرمة، وبقول عمر: لو حججت لتمتعت كما ذكره الأثرم في سننه. ~~وبقول عمر لما سئل هل نهى عن متعة الحج؟ فقال: لا، أبعد كتاب الله؟ أخرجه ~~عنه عبد الرزاق. وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: بل للأبد فإنه قطع لتوهم ~~ورود النسخ عليها (واستدل) على النسخ بما أخرجه أبو داود: أن رجلا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل ~~الحج وهو من رواية سعيد بن المسيب عن الرجل المذكور وهو لم يسمع من عمر. ~~وقال أبو سليمان الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته، وجوز ذلك إجماع أهل العلم ولم يذكر فيه ~~خلافا انتهى. إذا تقرر لك هذا علمت أن هذه السنة عامة لجميع الأمة، وسيأتي ~~في آخر هذا الباب بقية متمسكات الطائفتين. وقد اختلف هل الفسخ على جهة ~~الوجوب أو الجواز؟ فمال بعض إلى أنه واجب. قال ابن القيم في الهدى بعد أن ~~ذكر حديث البراء الآتي وغضبه صلى الله عليه وآله وسلم لما لم يفعلوا ما ~~أمرهم به من الفسخ: ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا ~~علينا فسخه إلى عمرة تفاديا من غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~واتباعا لامره، ms1918 فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صح حرف واحد ~~يعارضه، ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن ~~سأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لا بد، فما ندري ما يقدم على ~~هذه الأحاديث وهذا الامر المؤكد الذي غضب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على من خالفه انتهى. والظاهر أن الوجوب رأي ابن عباس لقوله فيما تقدم: ~~أن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أم أبى. # وعن الأسود عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا ~~نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت وأمر النبي صلى الله عليه وآله ~~PageV05P058 # وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل فحل من لم يكن ساق ونساؤه لم يسقن ~~فأحللن، قالت عائشة: فحضت فلم أطف بالبيت وذكرت قصتها متفق عليه. وعن ابن ~~عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ~~ويجعلون المحرم صفر ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت ~~العمرة لمن اعتمر فقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه صبيحة رابعة ~~مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: # يا رسول الله أي الحل؟ قال حل كله متفق عليه. وعنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي ~~فليحلل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود والنسائي. وعنه أيضا: أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل ~~المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ~~وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوا ~~إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا ~~النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي ~~محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج وإذا ms1919 فرغنا من المناسك جئنا طفنا ~~بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال تعالى: * (فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) * ~~(سورة البقرة، الآية: 196) إلى أمصاركم رواه البخاري. # قوله: ولا نرى إلا أنه الحج في لفظ لمسلم: ولا نذكر إلا الحج، وظاهر هذا ~~أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا محرمين بالحج، وقد تقدم قولها: فمنا من ~~أهل بعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة، ومنا من أهل بالحج فيحتمل أنها ذكرت ~~ما كانوا يعتادونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج فخرجوا لا يعرفون إلا ~~الحج، ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه الاحرام وجوز لهم ~~الاعتمار في أشهر الحج. قوله: # ونساؤه لم يسقن أي الهدي. قوله: وذكرت قصتها وهي كما في البخاري وغيره: # فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع ~~أنا بحجة؟ # قال: وما طفت ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا، قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم ~~فأهلي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا، فقالت صفية: ما أراني إلا حابستهم، قال: ~~عقرا حلقا أوما طفت يوم النحر؟ قالت قلت: بلى، قال: لا بأس انفري، قالت ~~عائشة: فلقيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة ~~عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها. قوله: PageV05P059 # من أفجر الفجور هذا من أباطيلهم المستندة إلى غير أصل كسائر أخواتها. ~~قوله: ويجعلون المحرم صفر قال في الفتح: كذا هو في جميع الأصول من ~~الصحيحين. قال النووي: # كان ينبغي أن يكتب بالألف، ولكن على تقدير حذفها لا بد من قراءته منصوبا ~~لأنه مصروف بلا خلاف، يعني والمشهور في اللغة الربعية كتابة المنصوب بغير ~~الألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يصرف فيقرأ بالألف، وسبقه عياض ~~إلى نفي الخلاف فيه، لكن في المحكم كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل: لا يمنع ~~الصرف حتى يجتمع علتان فما هما؟ قال: المعرفة والساعة، وفسره المظفري بأن ~~مراده ms1920 بالساعة الزمان، والأزمنة ساعات، والساعات مؤنثة انتهى. وإنما جعلوا ~~المحرم صفرا لما كانوا عليه من النسئ في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرم ~~صفرا ويحلونه ويؤخرون تحريم المحرم لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، ~~فيضيق عليهم فيها ما يعتادون من المقاتلة والغارة والنهب، فضللهم الله عز ~~وجل في ذلك فقال: * (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا) * سورة ~~التوبة، الآية: 37). # قوله: إذا برأ الدبر بفتح الدال المهملة والموحدة أي ما كان يحصل بظهور ~~الإبل من الحمل عليها ومشقة السفر، فإنه كان يبرأ عند انصرافهم من الحج. ~~قوله: وعفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر ~~المذكور، وهذه الألفاظ تقرأ ساكنة الراء لإرادة السجع، ووجه تعليق جواز ~~الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحج أنهم لما جعلوا المحرم صفرا ~~وكانوا لا يستقرون ببلادهم في الغالب ويبرأ دبر إبلهم إلا عند انسلاخه ~~ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار شهر المحرم ~~الذي هو في الأصل صفر والعمرة عندهم في غير أشهر الحج. قوله: قال حل كله أي ~~الحل الذي يجوز معه كل محظورات الاحرام حتى الوطئ للنساء. قوله: هذه عمرة ~~استمتعنا بها هذا من متمسكات من قال: إن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~تمتعا، وتأوله من ذهب إلى خلافه بأنه أراد به من تمتع من أصحابه، كما يقول ~~الرجل الرئيس في قومه: فعلنا كذا وهو لم يباشر ذلك، وقد تقدم الكلام على ~~حجه صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم ~~القيامة قيل: معناه سقط فعلها بالدخول في الحج وهو على قول من لا يرى ~~العمرة واجبة، وأما من يرى أنها واجبة فقال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: # فيه تفسير أن أحدهما معناه دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذا جمع ~~بينهما بالقران، PageV05P060 # والثاني معناه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج. قال الترمذي: هكذا قال ~~الشافعي وأحمد وإسحاق، وهذه الأحاديث من أدلة القائلين بالفسخ وقد تقدم ms1921 ~~البحث في ذلك. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بات بذي الحليفة حتى أصبح ثم ~~أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى كان يوم ~~التروية أهلوا بالحج، قال: ونحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبع بدنات ~~بيده قياما وذبح بالمدية كبشين أملحين رواه أحمد والبخاري وأبو داود. # وعن ابن عمر قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وأصحابه ~~مهلين بالحج فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شاء أن يجعلها ~~عمرة إلا من كان معه الهدي، قالوا: يا رسول الله أيروح أحدنا إلى منى وذكره ~~يقطر منيا؟ قال: نعم وسطعت المجامر رواه أحمد. # حديث ابن عمر هذا قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح، وهو في ~~الصحيح باختصار، وهو من أحاديث الفسخ التي قال ابن القيم كلها صحاح، وهو ~~أحد الأحاديث التي قال أحمد بن حنبل: إن عنده في الفسخ أحد عشر حديثا ~~صحاحا. # قوله: بات بذي الحليفة حتى أصبح فيه استحباب المبيت بميقات الاحرام. ~~قوله: # وأهل الناس بهما فيه استحباب أن تكون تلبية الناس بعد تلبية كبير القوم ~~ولفظ أبي داود: # ثم أهل الناس بهما. قوله: فحلوا أي أمر من فسخ الحج إلى العمرة ممن كان ~~معه أن يحل من عمرته. قوله: يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة كما ~~تقدم. # قوله: قياما فيه استحباب نحر الإبل قائمة. قوله: وذبح بالمدية كبشين فيه ~~مشروعية الأضحية وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ويأتي إن شاء الله ~~تعالى تفسير الأملح. قوله: وذكره يقطر منيا فيه إشارة إلى قرب العهد بوطئ ~~النساء، وفيه دليل على جواز استعمال الكلام في المبالغة. قوله: وسطعت ~~المجامر في رواية لابن أبي شيبة عن أسماء بنت أبي بكر ما لفظه: جئنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجاجا فجعلناها عمرة فحللنا الاحلال كله ~~حتى سطعت المجامر بين . # الرجال والنساء والمراد أنهم تبخروا، والبخور نوع من أنواع الطيب. ~~PageV05P061 # وعن ms1922 الربيع بن سبرة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى إذا كان بعسفان، قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله اقض ~~لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في ~~حجكم عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من ~~كان معه هدي رواه أبو داود. وعن البراء بن عازب قال: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأصحابه قال: فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: ~~اجعلوا حجكم عمرة، قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج كيف ~~نجعلها عمرة؟ قال: # انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردوا عليه القول فغضب، ثم انطلق حتى دخل ~~على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ قال: ~~وما لي لا أغضب وأنا آمر بالامر فلا أتبع رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود ورجاله رجال الصحيح والمنذري، والحديث ~~الثاني أخرجه أيضا أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح كما قال في مجمع الزوائد، ~~وهو من الأحاديث في الفسخ التي صححها أحمد وابن القيم. قوله: بعسفان قرية ~~بين مكة والمدينة على نحو مرحلتين من مكة، قال في الموطأ: بين مكة وعسفان ~~أربع برد. # قوله: اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم أي أعلمنا علم قوم كأنما وجدوا ~~الآن وفي رواية لأبي داود: كأنما وفدوا اليوم، أي كأنما وردوا عليك الآن. ~~قوله: إلا من كان معه هدي يعني فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله. قوله: ~~فغضب استدل به من قال بوجوب الفسخ، لأن الامر لو كان أمر ندب لكان المأمور ~~مخيرا بين فعله وتركه، ولما كان يغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عند مخالفته لأنه لا يغضب إلا لانتهاك حرمة من حرمات الدين لا لمجرد مخالفة ~~ما أرشد إليه على جهة الندب، ولا سيما وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحج كيف ~~نجعلها عمرة؟ فقال لهم: انظروا ما ms1923 آمركم به فافعلوا فإن ظاهر هذا أن ذلك ~~أمر حتم، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان أمره ذلك لبيان الأفضل ~~أو لقصد الترخيص لهم بين لهم بعد هذه المراجعة أن ما أمرتكم به هو الأفضل، ~~أو قال لهم: # إني أردت الترخيص لكم والتخفيف عنكم. # وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحرث بن بلال عن أبيه: قال قلت: # يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة رواه ~~الخمسة إلا الترمذي PageV05P062 # وهو بلال بن الحرث المزني. وعن سليم بن الأسود أن أبا ذر كان يقول فيمن ~~حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم رواه أبو داود. ولمسلم والنسائي وابن ماجة عن إبراهيم ~~التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم خاصة قال أحمد بن حنبل: # حديث بلال بن الحرث عندي ليس يثبت ولا أقول به، ولا يعرف هذا الرجل يعني ~~الحرث بن بلال، وقال: أرأيت لو عرف الحرث بن بلال إلا أن أحد عشر رجلا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرون ما يرون من الفسخ أين يقع الحرث ~~بن بلال منهم؟ وقال في رواية أبي داود: ليس يصح حديث في أن الفسخ كالهم ~~خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر وشطرا من خلافه عمر. ~~قلت: ويشهد لما قاله قوله في حديث جابر: بل هي للأبد وحديث أبي ذر موقوف، ~~وقد خالفه أبو موسى وابن عباس وغيرهما. # أما حديث بلال بن الحرث فقيه ما نقله المصنف عن أحمد. وقال المنذري: إن ~~الحرث يشبه المجهول. وقال الحافظ: الحرث بن بلال من ثقات التابعين. وقال ~~ابن القيم: نحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحرث هذا لا يصح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو غلط عليه. قال: ثم كيف يكون هذا ثابتا عن ms1924 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس يفتي بخلافه ويناظر عليه طول عمره ~~بمشهد من الخاص والعام؟ وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون ~~ولا يقول له رجل واحد منهم هذا كان مختصا بنا ليس لغيرنا انتهى. وقد روي عن ~~عثمان مثل قول أبي ذر في اختصاص ذلك بالصحابة، ولكنهما جميعا مخالفان ~~للمروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ذلك للأبد بمحض الرأي، وقد حمل ~~ما قالاه على محامل. أحدها: أنهما أرادا اختصاص وجوب ذلك بالصحابة وهو قول ~~ابن تيمية حفيد المصنف لا مجرد الجواز والاستحباب فهو للأمة إلى يوم ~~القيامة. # وثانيها: أنه ليس لأحد بعد الصحابة أن يبتدئ حجا قارنا أو مفردا بلا هدي ~~يحتاج معه إلى الفسخ، ولكن فرض عليه أن يفعل ما أمر به النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو التمتع لمن لم يسق الهدي، والقران لمن ساقه، وليس لأحد بعدهم ~~أن يحرم بحجة مفردة ثم يفسخها ويجعلها متعة وإنما ذلك خاص بالصحابة، وهذان ~~المحملان يعارضان PageV05P063 # ما حمل المانعون كلامهما عليه من أن المراد أن الجواز مختص بالصحابة إذا ~~لم يكن الثاني منهما مرادا لهم وهما راجحان عليه، وأقل الأحوال أن يكونا ~~مساويين له، فتسقط معارضة الأحاديث الصحيحة به. وأما ما في صحيح مسلم عن ~~أبي ذر من أن المتعة في الحج كانت لهم خاصة فيرده إجماع المسلمين على ~~جوازها إلى يوم القيامة، فإن أراد بذلك متعة الفسخ ففيه تلك الاحتمالات. ~~ومن جملة ما احتج به المانعون من الفسخ أن مثل ما قاله عثمان وأبو ذر لا ~~يقال بالرأي، ويجاب بأن هذا من مواطن الاجتهاد، ومما للرأي فيه مدخل، على ~~أنه قد ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أنه قال: تمتعنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ونزل القرآن فقال رجل برأيه ما شاء فهذا تصريح من ~~عمران أن المنع من التمتع بالعمرة إلى الحج من بعض الصحابة إنما هو من محض ~~الرأي، فكما أن المنع من ms1925 التمتع على العموم من قبيل الرأي، كذلك دعوى ~~اختصاص التمتع الخاص أعني به الفسخ بجماعة مخصوصة (ومن جملة) ما تمسك به ~~المانعون من الفسخ حديث عائشة المتقدم حيث قالت: # خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع فمنا من أهل ~~بعمرة ومنا من أهل بحج حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # من أحرم بعمرة ولم يهد فليحل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر ~~هدية، ومن أهل بحج فليتم حجه وهذا لفظ مسلم، وظاهر أنه لم يأمر من حج مفردا ~~بالفسخ بل أمره بإتمام حجه. وأجيب عن ذلك بأن هذا الحديث غلط فيه عبد الملك ~~بن شعيب وأبوه شعيب أو جده الليث أو شيخه عقيل، فإن الحديث رواه مالك ومعمر ~~والناس عن الزهري عنها، وبينوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من لم ~~يكن معه هدي إذا طاف وسعى أن يحل، وقد خالف عبد الملك جماعة من الحفاظ ~~فرووه على خلاف ما رواه، قال في الهدى بعد أن ساق الروايات المخالفة لرواية ~~عبد الملك: فإن كان محفوظا يعني حديث عبد الملك فيتعين أن يكون قبل الامر ~~بالاحلال وجعله عمرة، ويكون هذا أمرا زائدا قد طرأ على الامر بالاتمام كما ~~طرأ على التخيير بين الافراد والتمتع والقران، ويتعين هذا ولا بد وإذا كان ~~هذا ناسخا للامر بالفسخ، والامر بالفسخ ناسخا للاذن في الافراد فهذا محال ~~قطعا، فإنه بعد أن أمرهم بالحل لم يأمرهم بنقيضه والبقاء على الاحرام الأول ~~وهذا باطل قطعا، فيتعين إن كان محفوظا أن يكون قبل الامر PageV05P064 # لهم بالفسخ لا يجوز غير هذا البتة انتهى (ومن متمسكاتهم) ما في لفظ لمسلم ~~من حديث عائشة أنها قالت: فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع ~~بين الحج والعمرة فلم يحل حتى كان يوم النحر وأجيب بأن هذا من حديث أبي ~~الأسود عن عروة عنها وقد أنكره عليه الحفاظ. قال أحمد بن حنبل بعد أن ساقه: ms1926 ~~إيش في هذا الحديث من العجب؟ هذا خطأ، فقلت له: الزهري عن عروة عن عائشة ~~بخلافه؟ # قال: نعم وهشام بن عروة وقد أنكره ابن حزم، وأنكر حديث يحيى بن عبد ~~الرحمن بن حاطب عن عائشة بنحوه عند مسلم وقال: لا خفاء في نكرة حديث أبي ~~الأسود ووهنه وبطلانه، والعجب كيف جاز على من رواه؟ قال: وأسلم الوجوه ~~للحديثين المذكورين عن عائشة أن تخرج روايتهما، على أن المراد بقولها: إن ~~الذين أهلوا بحج أو بحج وعمرة لم يحلوا أنها عنت بذلك من كان معه الهدي، ~~لأن الزهري قد خالفهما وهو أحفظ منهما، وكذلك خالفهما غيره ممن له مزيد ~~اخصاص بعائشة، ثم إن حديثيهما موقوفان غير مسندين، لأنهما إنما ذكرا عنها ~~فعل من فعل ما ذكرت، دون أن تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم ~~أن لا يحلوا، ولا حجة في أحد دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو صح ما ~~ذكراه، وقد صح أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لا هدي معه بالفسخ ~~فتمادى المأمورون بذلك ولم يحلوا لكانوا عصاة لله، وقد أعاذهم الله من ذلك ~~وبرأهم منه، قال: فثبت يقينا أن حديث أبي الأسود ويحيى إنما عنى فيه من كان ~~معه هدي، وهكذا جاءت الأحاديث الصحاح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر من ~~معه الهدي بأن يجمع حجا مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. (ومن ~~جملة) ما تمسك به المانعون من الفسخ أنه إذا اختلف الصحابة ومن بعدهم في ~~جواز الفسخ الاحتياط يقتضي المنع منه صيانة للعبادة، وأجيب بأن الاحتياط ~~إنما يشرع إذا لم تتبين السنة، فإذا ثبت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما ~~خالفها، فإن الاحتياط نوعان احتياط للخروج من خلاف العلماء، واحتياط للخروج ~~من خلاف السنة، ولا يخفى رجحان الثاني على الأول. قال في الهدى: وأيضا فإن ~~الاحتياط ممتنع، فإن للناس في الفسخ ثلاثة أقوال على ثلاثة أنواع. أحدها: ~~أنه محرم. الثاني: أنه واجب وهو قول جماعة من السلف والخلف. ms1927 الثالث: أنه ~~مستحب، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف من حرمه أولى بالاحتياط من الخروج من ~~خلاف من أوجبه، وإذا تعذر الاحتياط PageV05P065 # بالخروج من الخلاف تعين الاحتياط بالخروج من خلاف السنة انتهى ومن ~~متمسكاتهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم بالفسخ ليبين لهم جواز ~~العمرة في أشهر الحج لمخالفته الجاهلية، وأجيب بأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد اعتمر قبل ذلك ثلاث عمر في أشهر الحج كما سلف، وبأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قد بين لهم جواز الاعتمار عند الميقات فقال: من شاء أن ~~يهل بعمرة فليفعل الحديث في الصحيحين، فقد علموا جوازها بهذا القول قبل ~~الامر بالفسخ، ولو سلم أن الامر بالفسخ لتلك العلة لكان أفضل لأجلها فيحصل ~~المطلوب، لأن ما فعله صلى الله عليه وآله وسلم في المناسك لمخالفة أهل ~~الشرك مشروع إلى يوم القيامة، ولا سيما وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أن عمرة الفسخ للأبد كما تقدم. وقد أطا ابن القيم في الهدى الكلام على ~~الفسخ، ورجح وجوبه وبين بطلان ما احتج به المانعون منه، فمن أحب الوقوف على ~~جميع ذيول هذه المسألة فليراجعه، وإذا كان الموقع في مثل هذا المضيق هو ~~إفراد الحج فالحازم المتحري لدينا الواقف عند مشتبهات الشريعة ينبغي له أن ~~يجعل حجه من الابتداء تمتعا أو قرانا، فرارا مما هو مظنة البأس إلى ما لا ~~بأس به، فإن وقع في ذلك فالسنة أحق بالاتباع. وإذا جاء نهر الله بطل نهر ~~معقل. # أبواب ما يتجنبه المحرم وما يباح له باب ما يجتنبه من اللباس عن ابن عمر ~~قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يلبس المحرم؟ # قال: لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ~~ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى ~~يكونا أسفل من الكعبين رواه الجماعة. وفي رواية لأحمد قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: على هذا المنبر وذكر ms1928 معناه وفي رواية للدار ~~قطني: أن رجلا نادى في المسجد: ماذا يترك المحرم من الثياب؟. # قوله: ما يلبس المحرم قال لا يلبس الخ، قال النووي: قال العلماء: هذا ~~الجواب من بديع PageV05P066 # الكلام، لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير ~~منحصر فقال: # لا يلبس كذا، أي ويلبس ما سواه. قال البيضاوي: سئل عما يلبس فأجاب بما ~~ليس يلبس، ليدل بالالزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب ~~لأنه أخصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس، لأنه الحكم ~~العارض في الاحرام المحتاج إلى بيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم ~~بالاستصحاب، وكان اللائق السؤال عما لا يلبس. # وقال غيره: هذا شبه الأسلوب الحكيم ويقرب منه قوله تعالى: * (يسألونك ~~ماذا ينفقون قل ما أنفقتم) * (سورة البقرة، الآية: 215) الخ، فعدل عن جنس ~~المنفق وهو المسؤول عنه إلى جنس المنفق عليه لأنه الأهم. قال ابن دقيق ~~العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود كيف كان ولو ~~بتغيير أو زيادة، ولا يشترط المطابقة انتهى. وهذا كله مبني على الرواية ~~التي فيها السؤال عن اللبس، وأما على رواية الدارقطني المذكورة فليس من ~~الأسلوب الحكيم، وقد رواها كذلك أبو عوانة. قال في الفتح: وهي شاذة. وأخرجه ~~أحمد وأبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما بلفظ. أن رجلا قال: يا رسول الله ما ~~يجتنب المحرم من الثياب؟ وأخرجه أيضا أحمد بلفظ: ما يترك وقد أجمعوا على أن ~~هذا مختص بالرجل فلا يلحق به المرأة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة ~~لبس جميع ذلك، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو ~~الورس، وسيأتي الكلام على ذلك. وقوله: لا يلبس بالرفع على الخبر الذي في ~~معنى النهي، وروي بالجزم على النهي. قال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر ~~في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وقد نبه بالقميص على كل مخيط، وبالعمائم ~~والبرانس على غيره، وبالخفاف على كل ساتر. # قوله: ولا ms1929 ثوبا مسه ورس ولا زعفران الورس بفتح الواو وسكون الراء بعدها ~~مهملة نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به. قال ابن العربي: ليس الورس من الطيب ~~ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملايمة الشم، فيؤخذ منه تحريم ~~أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب، وظاهر قوله: ~~مسه تحريم ما صبغ كله أو بعضه، ولكنه لا بد عند الجمهور من أن يكون للمصبوغ ~~رائحة، فإن ذهبت جاز لبسه خلافا لمالك. قوله: إلا أن لا يجد النعلين في لفظ ~~للبخاري زيادة حسنة بها يرتبط ذكر النعلين بما قبلهما وهي وليحرم أحدكم في ~~إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين PageV05P067 # وفيه دليل على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول ~~الجمهور. وعن بعض الشافعية جوازه، والمراد بالوجدان القدرة على التحصيل. ~~قوله: فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل ~~الساق والقدم، وقد تقدم الخلاف في ذلك. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من ~~لبسهما إذا لم يجد النعلين، وعن الحنفية تجب وتعقب بأنها لو كانت واجبة ~~لبينها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه وقت الحاجة، وتأخير البيان عنه ~~لا يجوز. واستدل به على أن القطع شرط لجواز لبس الخفين، خلافا للمشهور عن ~~أحمد فإنه أجاز لبسهما من غير قطع لاطلاق حديث ابن عباس الآتي، وأجاب عنه ~~الجمهور بأن حمل المطلق على المقيد واجب وهو من القائلين به، وقد تقدم ~~التنبيه على هذا في باب ما يصنع من أراد الاحرام، ويأتي تمام الكلام عليه ~~في شرح حديث ابن عباس. # وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تنتقب المرأة ~~المحرمة ولا تلبس القفازين رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه. # وفي رواية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى النساء في ~~الاحرام عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب رواه أحمد ~~وأبو داود وزاد: ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا ms1930 أو خزا أو ~~حليا أو سراويل أو قميصا. # الزيادة التي ذكرها أبو داود أخرجها أيضا الحاكم والبيهقي. قوله: لا ~~تنتقب المرأة نقل البيهقي عن الحاكم عن أبي علي الحافظ أن قوله: لا تنتقب ~~من قول ابن عمر أدرج في الخبر، وقال صاحب الامام: هذا يحتاج إلى دليل، وقد ~~حكى ابن المنذر الخلاف هل هو من قول ابن عمر أو من حديثه؟ وقد رواه مالك في ~~الموطأ عن نافع عن ابن عمر موقوفا، وله طرق في البخاري موصولة ومعلقة، ~~والانتقاب لبس غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما. وقال ~~في الفتح: النقاب الخمار الذي يشد على الانف أو تحت المحاجر. قوله: ولا ~~تلبس القفازين بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي ما تلبس المرأة في ~~يديها فيغطي أصابعها وكفها عند معاناة الشئ كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف ~~للرجل. قوله: وما مس الورس الخ تقدم الكلام عليه في شرح الحديث الذي قبله. ~~قوله: ولتلبس بعد ذلك ما أحبت الخ، ظاهره جواز لبس ما عدا ما اشتمل عليه ~~الحديث من غير فرق بين المخيط وغيره، PageV05P068 # والمصبوغ وغيره، وقد خالف مالك في المعصفر فقال بكراهته، ومنع منه أبو ~~حنيفة ومحمد وشبهاه بالمورس والمزعفر والحديث يرد ذلك واختلف العلماء أيضا ~~في لبس النقاب، فمنعه الجمهور وأجازته الحنفية، وهو رواية عند الشافعية ~~والمالكية، وهو مردود بنص الحديث. قال في الفتح: ولم يختلفوا في منعها من ~~ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين. قوله: أو حليا بفتح الحاء ~~وإسكان اللام وبضم الحاء مع كسر اللام وتشديد الياء لغتان قرئ بهما في ~~السبع، وهو ما تتحلى به المرأة من جلجل وسوار وتتزين به من ذهب أو فضة أو ~~غير ذلك. # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لم يجد نعلين ~~فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل رواه أحمد ومسلم. وعن ابن ~~عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد ~~إزارا فليلبس سراويل، ومن ms1931 لم يجد نعلين فليلبس خفين متفق عليه. وفي رواية ~~عن عمر وبن دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو يخطب يقول: من لم يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها، ~~ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما، قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا ~~رواه أحمد، وهذا بظاهره ناسخ لحديث ابن عمر بقطع الخفين لأنه قال بعرفات في ~~وقت الحاجة، وحديث ابن عمر كان بالمدينة كما سبق في رواية أحمد والدارقطني. # قوله: فليلبس خفين تمسك بهذا الاطلاق أحمد، فأجاز للمحرم لبس الخف ~~والسراويل للذي لا يجد النعلين. الإزار على حالهما، واشترط الجمهور قطع ~~الخف وفتق السراويل، ويلزمه الفدية عندهم إذا لبس شيئا منهما على حاله ~~لقوله في حديث ابن عمر المتقدم: فليقطعهما فيحمل المطلق على المقيد ويلحق ~~بالنظير. قال ابن قدامة: الأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجا من ~~الخلاف. قال في الفتح: # والأصح عند الشافعية والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، ~~واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمام الحرمين وطائفة. وعن أبي حنيفة منع ~~السراويل للمحرم مطلقا ومثله عن مالك (والحديثان) المذكوران في الباب يردان ~~عليهما، ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون على حاله لو فتقه ~~لكان إزارا، لأنه في تلك الحال يكون واجدا للإزار كما قال الحافظ وقد أجاب ~~الحنابلة على الحديث PageV05P069 # الذي احتج به الجمهور على وجوب القطع بأجوبة: منها دعوى النسخ كما ذكر ~~المصنف، لأن حديث ابن عمر كان بالمدينة قبل الاحرام، وحديث ابن عباس كان ~~بعرفات، كما حكى ذلك الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري. وأجاب الشافعي في ~~الام عن هذا فقال: # كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون ~~عزبت عنه أو شك فيها أو قالها، فلم ينقلها عنه بعض رواته انتهى. وسلك بعضهم ~~طريقة الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزي: حديث ابن عمر اختلف في وقفه ~~ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، ورد بأنه لم يختلف ms1932 على ابن عمر في ~~رفع الامر بالقطع إلا في رواية شاذة، وعورض بأنه اختلف في حديث ابن عباس، ~~فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا. قال ~~الحافظ: ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس، ~~لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه ابن عمر ~~غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعا ~~لا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي: إنه شيخ مصري لا يعرف كذا ~~قال، وهو شيخ معروف موصوف بالفقه عند الأئمة. واستدل بعضهم بقياس الخف على ~~السراويل في ترك القطع، ورد بأنه مصادم للنص فهو فاسد الاعتبار واحتج بعضهم ~~بقول عطاء: إن القطع فساد والله لا يحب الفساد، ورد بأن الفساد إنما يكون ~~فيما نهى عنه الشارع لا فيما أذن فيه بل أوجبه. وقال ابن الجوزي: يحمل ~~الامر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط عملا بالحديثين ولا يخفى أنه ~~متكلف، والحق أنه لا تعارض بين مطلق ومقيد، لامكان الجمع بينهما بحمل ~~المطلق على المقيد، والجمع ما أمكن هو الواجب فلا يصار إلى الترجيح، ولو ~~جاز المصير إلى الترجيح لأمكن ترجيح المطلق بأنه ثابت من حديث ابن عباس ~~وجابر كما في الباب، ورواية اثنين أرجح من رواية واحد. # وعن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، ~~فإذا جاوزونا كشفناه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن سالم: أن عبد الله ~~يعني ابن عمر كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته حديث صفية بنت أبي ~~عبيد PageV05P070 # أن عائشة حدثتها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد رخص للنساء ~~في الخفين فترك ذلك رواه أبو داود. # الحديث الأول أخرجه ابن خزيمة وقال في القلب من يزيد بن أبي زياد، ولكن ~~ورد من ms1933 وجه آخر، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ~~وهي جدتها نحوه وصححه الحاكم. قال المنذري: قد اختار جماعة العمل بظاهر هذا ~~الحديث. وذكر الخطابي أن الشافعي علق القول فيه يعني على صحته، ويزيد بن ~~أبي زياد المذكور قد أخرج له مسلم في الخلاصة عن الذهبي أنه صدوق، وقد أعل ~~الحديث أيضا بأنه من رواية مجاهد عن عائشة وقد ذكر يحيى بن سعيد القطان ~~وابن معين أنه لم يسمع منها. وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل. ~~وقد احتج البخاري ومسلم في صحيحيهما بأحاديث من رواية مجاهد عن عائشة. # والحديث الثاني في إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال مشهور قد قدمنا ذكره ~~في أول هذا الشرح ولكنه لم يعنعن. قوله: فإذا حاذوا بنا في نسخ المصنف ~~هكذا: فإذا حاذوا بنا. ولفظ أبي داود: فإذا جازوا بنا بالزاي مكان الذال ~~وفي التلخيص وغيره: فإذا حاذونا. قوله: جلبابها أي ملحفتها. قوله: من رأسها ~~تمسك به أحمد فقال: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق رأسها (واستدل) بهذا ~~الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا ~~منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها، لأن المرأة تحتاج إلى ستر ~~وجهها، فلم يحرم عليها ستره مطلقا كالعورة، لكن إذا سدلت يكون الثوب ~~متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم. ~~وظاهر الحديث خلافه، لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو ~~كان التجافي شرطا لبينه صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: كان يقطع الخفين ~~للمرأة لعموم حديث ابن عمر المتقدم، فإن ظاهره شمول الرجل والمرأة لولا هذا ~~الحديث والاجماع المتقدم. قوله: فترك ذلك يعني رجع عن فتواه، وفيه دليل على ~~أنه يجوز للمرأة أن تلبس الخفين بغير قطع. PageV05P071 # باب ما يصنع من أحرم في قميص عن يعلى بن أمية: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم جاءه رجل متضمخ بطيب فقال: يا رسول الله كيف ms1934 ترى في رجل أحرم في ~~جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه ساعة فجاءه الوحي ثم سري عنه فقال: أين ~~الذي سألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فجئ به فقال: أما الطيب الذي بك ~~فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في العمرة كل ما تصنع في ~~حجك متفق عليه. وفي رواية لهم: وهو متضمخ بالخلوق وفي رواية لأبي داود: ~~فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اخلع جبتك فخلعها من رأسه. # قوله: جاءه رجل ذكر ابن فتحون عن تفسير الطرطوشي أن اسمه عطاء بن منية ~~فيكون أخا يعلى بن منية لأنه يقال له يعلى بن منية بضم الميم وسكون النون ~~وفتح التحتية وهي أمه وقيل جدته. وقال ابن الملقن: يجوز أن يكون هذا الرجل ~~عمرو بن سواد، وذكر الطحاوي أن الرجل هو يعلى بن أمية الراوي. قوله: ثم سري ~~عنه بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف عنه. قوله: الذي بك هو أعم ~~من أن بثوبه أو ببدنه، ولكن ظاهر قوله: وأما الجبة الخ أنه أراد الطيب ~~الكائن في البدن. قوله: ثم اصنع في العمرة كل ما تصنع في حجك فيه دليل على ~~أنهم كانوا يعرفون أعمال الحج. قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية ~~يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الاحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك ~~في العمرة، فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن مجراهما واحد. وقال ~~ابن المنير: # قوله واصنع معناه اترك، لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه ~~فائدة حسنة وهي أن الترك فعل، وأما قول ابن بطال: أراد الأدعية وغيرها مما ~~يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر، لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال، فإن في ~~الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده. قال النووي كما قال ابن ~~بطال وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج. # وقال الباجي: المأمور به غير نزع الثوب وغسل الخلوق لأنه صرح له بهما فلم ~~يبق إلا الفدية كذا قال. ولا وجه لهذا الحصر لأنه قد ms1935 ثبت عند مسلم والنسائي ~~في هذا PageV05P072 # الحديث بلفظ: ما كنت صانعا في حجك؟ فقال: أنزع عني هذه الثياب وأغسل عني ~~هذا الخلوق، فقال: ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك. قال الإسماعيلي: ~~ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب وإنما فيه أن الرجل كان متضمخا. # وقوله: اغسل الطيب الذي بك يوضح أن الطيب لم يكن على ثوبه وإنما كان على ~~بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الاحرام (واستدل) ~~بحديث الباب على منع استدامة الطيب بعد الاحرام، للامر بغسل أثره من الثوب ~~والبدن وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور عنه بأن قصة يعلى كانت ~~بالجعرانة وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بيدها عند إحرامهما، وكان ذلك في حجة الوداع وهي ~~سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالامر الآخر فالآخر، وبأن المأمور بغسله في ~~قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الامر فيه ما خالطه من ~~الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقا محرما وغير محرم. وقد أجاب ~~المصنف بهذا كما سيأتي وقد تقدم الكلام على ما يجوز من الطيب للمحرم وما لا ~~يجوز في باب ما يصنع من أراد الاحرام (وقد استدل) بهذا الحديث على أن ~~المحرم ينزع ما عليه من المخيط من قميص أو غيره، ولا يلزمه عند الجمهور ~~تمزيقه ولا شقه. وقال النخعي والشعبي: لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير ~~مغطيا لرأسه أخرجه ابن أبي شيبة عنهما وعن علي نحوه، وكذا عن الحسن وأبي ~~قلابة. ورواية أبي داود المذكورة في الباب ترد عليهم (واستدل) بالحديث أيضا ~~على أن من أصاب طيبا في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا ~~كفارة عليه، ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: وظاهره أن اللبس جهلا لا ~~يوجب الفدية، وقد احتج من منع من استدامة الطيب، وإنما وجهه أنه أمره بغسله ~~لكراهة التزعفر ms1936 للرجل لا لكونه محرما متطيبا انتهى. وقال مالك إن طال ذلك ~~عليه لزمه دم، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية يجب مطلقا. PageV05P073 # باب تظلل المحرم من الحر أو غيره والنهي عن تغطية الرأس عن أم الحصين ~~قالت: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة ~~وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والآخر رافع ~~ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة وفي رواية: حججنا مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على ~~راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يظله من الشمس رواهما أحمد ومسلم. وعن ابن ~~عباس: أن رجلا أو قصته راحلته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه ~~فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. # قوله: يستره من الحر وكذا قوله: يظله من الشمس فيه جواز تظليل المحرم على ~~رأسه بثوب وغيره من محمل وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور وقال مالك وأحمد: لا ~~يجوز. # (والحديث) يرد عليهما وأجاب عنه بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد ~~يدوم، فهو كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده، فإن فعل لزمته الفدية عند ~~مالك وأحمد، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز. وقد احتج لمالك ~~وأحمد على منع التظلل بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنه أبصر ~~رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال: أضح لمن أحرمت له ~~وبما أخرجه البيهقي أيضا بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعا ما من محرم يضحى للشمس ~~حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه. قوله أضح بالضاد المعجمة ~~وكذا يضحى والمراد أبرز للضحى، قال الله تعالى: * (وأنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحي) * (سورة ms1937 طه، الآية: 119) ويجاب بأن قول ابن عمر لا حجة فيه، وبأن ~~حديث جابر مع كونه ضعيفا لا يدل على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب ~~الكشف، لأن غاية ما فيه أنه أفضل، على أنه يبعد منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يفعل المفضول ويدع الأفضل في مقام التبليغ. قوله: اغسلوه بماء ~~PageV05P074 # وسدر قد تقدم الكلام على هذا في كتاب الجنائز، وساقه المصنف ههنا ~~للاستدلال به على أنه لا يجوز للمحرم تغطية رأسه ووجهه لأن التعليل بقوله: ~~فإنه يبعث ملبيا يدل على أن العلة الاحرام. قال النووي: أما تخمير الرأس في ~~حق المحرم الحي فمجمع على تحريمه. وأما وجهه فقال مالك وأبو حنيفة: هو ~~كرأسه. وقال الشافعي والجمهور: # لا إحرام في وجهه وله تغطيته، وإنما يجب كشف الوجه في حق المرأة، والحديث ~~حجة عليهم، وهكذا الكلام في المحرم الميت لا يجوز تغطية رأسه عند الشافعي ~~وأحمد وإسحاق وموافقيهم، وكذلك لا يجوز أن يلبس المخيط لظاهر قوله: فإنه ~~يبعث ملبيا وخالف في ذلك مالك والأوزاعي وأبو حنيفة فقالوا: يجوز تغطية ~~رأسه وإلباسه المخيط، والحديث يرد عليهم. وأما تغطية وجه من مات محرما ~~فيجوز عند من قال بتحريم تغطية رأسه، وتأولوا هذا الحديث، على أن النهي عن ~~تغطية وجهه ليس لكونه وجها إنما ذلك صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم ~~يؤمن أن يغطوا رأسه، وهذا تأويل لا يلجئ إليه ملجئ، والكلام على بقية أطراف ~~الحديث قد تقدم في الجنائز. # باب المحرم يتقلد بالسيف للحاجة عن البراء قال: اعتمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم لا ~~يدخل مكة سلاحا إلا في القراب. # وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج معتمرا، فحال ~~كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن ~~يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا ولا يقيم إلا ما أحبوا، ~~فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان ms1938 صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثة ~~أيام أمروه أن يخرج فخرج رواهما أحمد والبخاري، وهو دليل على أن لله محصر ~~نحر هديه حيث أحصر. # قوله: إلا في القراب بكسر القاف هو وعاء يجعل فيه راكب البعير سيفه ~~مغمدا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته ويعلقه في الرحل، وإنما وقعت المقاضاة ~~بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم على أن يكون سلاح النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومن معه في القرابات لوجهين ذكرهما أهل العلم. الأول: أن لا يظهر ~~منه حال دخوله PageV05P075 # دخول المغالبين القاهرين لهم. والثاني: أنها إذا عرضت فتنة أو غيرها يكون ~~في الاستعداد للقتال بالسلاح صعوبة، قاله أبو إسحاق السبيعي (وفي الحديثين) ~~دليل على جواز حمل السلاح بمكة للعذر والضرورة، لكن بشرط أن يكون في القراب ~~كما فعله صلى الله عليه وآله وسلم، فيخصص بهذين الحديثين عموم حديث جابر ~~عند مسلم، قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة ~~السلاح فيكون هذا النهي فيما عدا من حمله للحاجة والضرورة، وإلى هذا ذهب ~~الجماهير من أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت حاجة ~~جاز، قال: وهذا مذهب الشافعي ومالك وعطاء، قال: وكرهه الحسن البصري تمسكا ~~بهذا الحديث يعني حديث النهي، قال: وشذ عكرمة فقال: إذا احتاج إليه حمله ~~وعليه الفدية، ولعله أراد إذا كان محرما ولبس المغفر أو الدرع ونحوهما فلا ~~يكون مخالفا للجماعة انتهى. والحق ما ذهب إليه الجمهور لأن فيه الجمع بين ~~الأحاديث، وهكذا يخصص بحديثي الباب عموم قول ابن عمر المتقدم في كتاب ~~العيد: وأدخلت السلاح الحرم، فيكون مراده لم يكن السلاح يدخل الحرم لغير ~~حاجة إلا للحاجة، فإنه قد دخل صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة كما في ~~دخوله يوم الفتح هو وأصحابه، ودخوله صلى الله عليه وآله وسلم للعمرة كما في ~~حديثي الباب اللذين أحدهما من رواية ابن عمر. # باب منع المحرم من ابتداء الطيب دون استدامته في حديث ابن عمر: ولا ثوب ~~مسه ms1939 ورس ولا زعفران وقال في المحر الذي مات: لا تحنطوه. وعن عائشة قالت: ~~كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~أيام وهو محرم متفق عليه. ولمسلم والنسائي وأبي داود: كأني أنظر إلى وبيص ~~المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم. وعن عائشة ~~قالت: كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا ~~بالسك المطيب عند الاحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا ينهانا رواه أبو داود. وعن سعيد بن جبير عن ابن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ادهن بزيت غير مقتت PageV05P076 # وهو محرم رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا ~~من فرقد السبخي عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد وقد روى ~~عنه الناس. # حديث ابن عمر تقدم في باب ما يجتنبه المحرم من اللباس. وقوله: لا تحنطوه ~~تقدم في باب تطييب بدن الميت من كتاب الجنائز. وحديث عائشة الثاني سكت عنه ~~أبو داود والمنذري وإسناده رواته ثقات إلا الحسين بن الجنيد شيخ أبي داود، ~~وقد قال النسائي: لا بأس به. وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الامر فيما ~~يروي. # وحديث ابن عمر في إسناده المقال الذي أشار إليه الترمذي ومن عدا فرقدا ~~فيهم ثقات. قوله: كأني أنظر إلى وبيص الطيب قد تقدم الكلام على هذا تفسيرا ~~وحكما في باب ما يصنع من أراد الاحرام، وجزمنا هنالك بأن الحق أنه يحرم على ~~المحرم ابتداء الطيب لا استمراره. قوله: فنضمد بفتح الضاد المعجمة وتشديد ~~الميم المكسورة أي نلطخ. قوله: بالسك بضم السين المهملة وتشديد الكاف وهو ~~نوع من الطيب معروف. قوله: فإذا عرقت بكسر الراء. قوله: ولا ينهانا سكوته ~~صلى الله عليه وآله وسلم يدل على الجواز لأنه لا يسكت على باطل. قوله: غير ~~مقتت قال في القاموس: زيت مقتت طبخ فيه الرياحين أو ms1940 خلط بأدهان طيبة، وفيه ~~دليل على جواز الادهان بالزيت الذي لم يخلط بشئ من الطيب. وقد قال ابن ~~المنذر: أنه أجمع العلماء على أنه يجوز للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن ~~والشيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته، قال: وأجمعوا على ~~أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه، وفرقوا بين الطيب والزيت في هذا، وقد ~~تقدم مثل هذا النقل عن ابن المنذر، والكلام على هذا الباب قد مر فلا نعيده. ~~باب النهي عن أخذ الشعر إلا لعذر وبيان فديته عن كعب بن عجرة قال: كان بي ~~أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقمل يتناثر ~~على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى أتجد شاة؟ قلت: لا، ~~فنزلت الآية * (ففدية من صيام أو صدقة أو PageV05P077 # نسك) * (سورة البقرة، الآية: 196) قال: هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة ~~مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين متفق عليه. وفي رواية: أتى على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زمن الحديبية فقال: كأن هوام رأسك ~~تؤذيك؟ فقلت: أجل، قال: فاحلقه واذبح شاة أو صم ثلاثة أيام أو تصدق بثلاثة ~~آصع من تمر بين ستة مساكين رواه أحمد ومسلم وأبو داود. ولأبي داود في ~~رواية: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: احلق رأسك وصم ~~ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو أنسك شاة، فحلقت رأسي ثم ~~نسكت. # قوله: ما كنت أرى أن الجهد بضم الهمزة أي أظن، والجهد بالفتح المشقة، قال ~~النووي: والضم لغة في المشقة أيضا، وكذا حكاه القاضي عياض عن ابن دريد، ~~وقال صاحب المغني: بالضم الطاقة، وبالفتح الكلفة فيتعين الفتح هنا. قوله: ~~قد بلغ منك ما أرى بفتح الهمزة من الرؤية. قوله: نصف صاع في رواية عن شعبة: ~~نصف صاع طعام، وفي أخرى عن أبي ليلى: نصف صاع من زبيب. وفي رواية أيضا عن ~~شعبة: # نصف صاع حنطة. قال ms1941 ابن حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات، لأنها قصة ~~واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد. قال في الفتح: المحفوظ عن شعبة أنه قال ~~في الحديث: نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه في كونه تمرا أو حنطة لعله من ~~تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم. وقد أخرجه أبو داود ~~وفي إسنادها محمد بن إسحاق، وهو حجة في المغازي لا في الاحكام إذا خالف، ~~والمحفوظ رواية التمر، وقد وقع الجزم بما عند مسلم وغيره من طريق أبي قلابة ~~كما وقع في الباب حيث قال: أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين، ولم ~~يختلف على أبي قلابة، وكذا أخرجه الطبراني من طريق الشعبي عن كعب، وأحمد من ~~طريق سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني، ومن طريق شعبة وداود عن الشعبي عن ~~كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمر وعند الطبراني، وعرف بذلك قوة قول من ~~قال: # لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف ~~صاع. قوله: # هوام رأسك الهوام بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الأحناش والمراد ~~بها ما يلازم جسد الانسان غالبا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد وقع في كثير من ~~الروايات أنها القمل. قوله: فرقا الفرق ثلاثة آصع كما وقع عند الطبراني من ~~طريق يحيى بن آدم عن PageV05P078 # ابن عيينة فقال فيه: قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع، وفيه إشعار بأن تفسير ~~الفرق مدرج، لكنه مقتضى الروايات الأخر كما في رواية سليمان بن قرم عن ابن ~~الأصبهاني عند أحمد بلفظ: لكل مسكين نصف صاع وفي رواية يحيى بن جعد عند ~~أحمد أيضا: أو أطعم ستة مساكين مدين. قوله: أو أنسك شاة لا خلاف بين ~~العلماء أن النسك المذكور في الآية هو شاة، لكنه يعكر عليه ما أخرجه أبو ~~داود عن كعب: أنه أصابه أذى فحلق رأسه فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يهدي بقرة وفي رواية للطبراني: فأمره النبي صلى الله ms1942 عليه وآله وسلم أن ~~يفتدي فافتدى ببقرة وكذا لعبد بن حميد وسعيد بن منصور. قال الحافظ: وقد ~~عارض هذه الروايات ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك ~~إنما هو شاة وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي هريرة: أن كعبا ذبح ~~شاة لأذى كان أصابه وهذا أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية ~~نافع عن سليمان بن يسار قال: أخذ كعب بأرفع الكفارات ولم يخالف النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيما أمر به من ذبح الشاة بل وافق وزاد: وتعقبه الحافظ ~~بأن الحديث الدال على الزيادة لم يثبت. # باب ما جاء في الحجامة وغسل الرأس للمحرم عن عبد الله بن بحينة قال: ~~احتجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم بلحي جمل من طريق مكة فوسط ~~رأسه متفق عليه. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو ~~محرم متفق عليه. # وللبخاري: احتجم في رأسه وهو محرم من وجع كان به بماء يقال له لحي الجمل. # وعن عبد الله بن حنين أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، ~~فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: ~~فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر ~~بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك ابن ~~عباس يسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغتسل وهو محرم؟ ~~قال: فوضع أبو أيوب يده PageV05P079 # على الثوب فطأطأه حتى بدا إلي رأسه، ثم قال لانسان يصب عليه الماء: أصبب، ~~فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر فقال: هكذا رأيته صلى ~~الله عليه وآله وسلم يفعل رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: وهو محرم زاد في رواية للبخاري بعد قوله محرم لفظ صائم. قوله: بلحي ~~جمل بفتح اللام وحكي كسرها وسكون المهملة وفتح الجيم والميم موضع بطريق ~~مكة، كما وقع ms1943 مبينا في الرواية الثانية، وذكر البكري في معجمه أنه الموضع ~~الذي يقال له بئر جمل. وقال غيره: هو عقبة الجحفة على سبعة أميال من ~~السقيا، ووهم من ظن المراد به لحى الجمل الحيوان المعروف وأنه كان آلة ~~الحجم، وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع. # قوله: في وسط بفتح المهملة أي متوسطة وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى ~~القرنين، قال الليث: كانت هذه الحجامة في فاس الرأس. قال النووي: إذا أراد ~~المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام، وإن لم تتضمنه جازت ~~عند الجمهور، وكرهها مالك. وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرا، فإن ~~كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. ~~وقال الداودي: # إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق، واستدل بهذا الحديث على ~~جواز الفصد، وربط الجرح والدمل، وقطع العرق، وقلع الضرس، وغير ذلك من وجوه ~~التداوي، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهى المحرم عنه من تناول الطيب وقطع ~~الشعر ولا فدية عليه في شئ من ذلك. قوله: بالأبواء أي وهما نازلان بها. وفي ~~رواية: # بالعرج بفتح أوله وإسكان ثانيه قرية جامعة قريبة من الأبواء. قوله: بين ~~القرنين أي قرني البئر. قوله: أرسلني إليك ابن عباس الخ، قال ابن عبد البر: ~~الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أخذه عن أبي أيوب أو عن غيره، ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب: يسألك ~~كيف كان يغسل رأسه ولم يقل: هل كان يغسل رأسه أو لا؟ على حسب ما وقع فيه ~~اختلاف المسور وابن عباس. قوله: فطأطأه أي أزاله عن رأسه. وفي رواية ~~للبخاري: # جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه. قوله: لانسان قال الحافظ: لم أقف على ~~اسمه. قوله: فقال هكذا رأيته صلى الله عليه وآله وسلم يفعل زاد في رواية ~~للبخاري: فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا ms1944 ~~أي PageV05P080 # لا أجادلك (والحديث) يدل على جواز الاغتسال للمحرم وتغطية الرأس باليد ~~حاله. # قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا ~~فيما عدا ذلك وروى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو ~~محرم إلا من الاحتلام وروي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء. ~~وللحديث فوائد ليس هذا موضوع ذكرها. # باب ما جاء في نكاح المحرم وحكم وطئه عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: # لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب رواه الجماعة إلا البخاري وليس للترمذي ~~فيه: # ولا يخطب. وعن ابن عمر: أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل وهو خارج ~~من مكة فأراد أن يعتمر أو يحج فقال: لا تتزوجها وأنت محرم نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عنه رواه أحمد. وعن أبي غطفان عن أبيه عن عمر: # أنه فرق بينهما يعني رجلا تزوج وهو محرم رواه مالك في الموطأ والدارقطني. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ~~رواه الجماعة. وللبخاري: تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميمونة وهو ~~محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف. وعن يزيد بن الأصم عن ميمونة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها حلالا وبنى بها حلالا وماتت بسرف فدفناها ~~في الظلة التي بنى بها فيها رواه أحمد والترمذي ورواه مسلم وابن ماجة. ~~ولفظهما: # تزوجها وهو حلال قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس وأبو داود ولفظه قالت: # تزوجني ونحن حلالان بسرف. وعن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم تزوج ميمونة حلا وبنى بها حلالا وكنت الرسول بينهما رواه أحمد ~~والترمذي، ورواية صاحب القصة والسفير فيها أولى لأنه أخبر وأعرف بها. وروى ~~أبو داود أن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في قوله: تزوج ميمونة وهو ~~محرم. # حديث ابن عمر في إسناده أيوب بن عتبة وهو ms1945 ضعيف وقد وثق، وحديث أبي رافع ~~قال الترمذي: حديث حسن ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر ~~PageV05P081 # الوراق عن ربيعة، قال: وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو حلال رواه مالك مرسلا. # وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وفي إسناده رجل ~~مجهول. قوله: لا ينكح المحرم ولا ينكح الأول بفتح الياء وكسر الكاف أي لا ~~يتزوج لنفسه، والثاني بضم الياء وكسر الكاف أي لا يزوج امرأة بولاية ولا ~~وكالة في مدة الاحرام. قال العسكري: ومن فتح الكاف من الثاني فقد صحف. # قوله: ولا يخطب أي لا يخطب المرأة وهو طلب زواجها. وقيل: لا يكون خطيبا ~~في النكاح بين يدي العقد، والظاهر الأول. قوله: تزوج ميمونة وهو محرم أجيب ~~عن هذا بأنه مخالف لرواية أكثر الصحابة، ولم يروه كذلك إلا ابن عباس كما ~~قال عياض، ولكنه متعقب بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه كما صرح ~~بذلك في الفتح، وأجيب ثانيا بأنه تزوجها في أرض الحرم وهو حلال، فأطلق ابن ~~عباس على من في الحرم أنه محرم وهو بعيد، وأجيب ثالثا بالمعارضة برواية ~~ميمونة نفسها وهي صاحبة القصة، وكذلك برواية أبي رافع وهو السفير، وهما ~~أخبر بذلك كما قال المصنف وغيره، ولكنه يعارض هذا المرجح أن ابن عباس ~~روايته مثبتة وهي أولى من النافية، ويجاب بأن رواية ميمونة وأبي رافع أيضا ~~مثبتة لوقوع عقد النكاح والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حلال، وأجيب رابعا ~~بأن غاية حديث ابن عباس أنه حكاية فعل، وهي لا تعارض صريح القول أعني النهي ~~عن أن ينكح المحرم أو ينكح، ولكن هذا إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ~~ممكن ههنا على فرض أن رواية ابن عباس أرجح من رواية غيره، وذلك بأن يجعل ~~فعله صلى الله عليه وآله وسلم مخصصا له من عموم ذلك القول، كما تقرر في ~~الأصول إذا فرض تأخر ms1946 الفعل عن القول، فإن فرض تقدمه ففيه الخلاف المشهور في ~~الأصول في جواز تخصيص العام المتأخر بالخاص المتقدم كما هو المذهب الحق، أو ~~جعل العام المتأخر ناسخا كما ذهب إليه البعض. إذا تقرر هذا فالحق أنه يحرم ~~أن يتزوج المحرم أو يزوج غيره كما ذهب إليه الجمهور وقال عطاء وعكرمة وأهل ~~الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطئ، وتعقب ~~بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. وظاهر النهي عدم الفرق بين من ~~يزوج غيره بالولاية الخاصة أو العامة كالسلطان والقاضي. وقال بعض الشافعية ~~والامام يحيى: إنه يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة، وهو تخصيص لعموم ~~النص بلا PageV05P082 # مخصص. قوله: بسرف بفتح المهملة وكسر الراء موضع معروف. قوله: في الظلة ~~بضم الظاء وتشديد اللام كل ما أظل من الشمس. قوله: التي بنى فيها أي التي ~~زفت إليه فيها. قوله: وهم ابن عباس هذا هو أحد الأجوبة التي أجاب بها ~~الجمهور عن حديث ابن عباس. # وعن عمر وعلي وأبي هريرة أنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج ~~فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما ثم عليهما حج قابل والهدي، قال ~~علي: فإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. وعن ابن عباس أنه ~~سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنة والجميع ~~لمالك في الموطأ. # أثر عمر وعلي وأبي هريرة هو في الموطأ كما قال المصنف، ولكنه ذكره بلاغا ~~عنهم، وأسنده البيهقي من حديث عطاء عن عمر وفيه إرسال، ورواه سعيد بن منصور ~~عن مجاهد عن عمر وهو منقطع. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا عنه وعن علي وهو ~~منقطع أيضا بيد الحكم وبينه. وأثر ابن عباس رواه البيهقي من طريق أبي بشر ~~عن رجل من بني عبد الدار عنه، وفيه أن أبا بشر قال: لقيت سعيد بن جبير ~~فذكرت ذلك له فقال: هكذا كان ابن عباس يقول (وفي الباب) عن ابن عمر عند ~~أحمد أنه سئل عن ms1947 رجل وامرأة حاجين وقع عليها قبل الإفاضة فقال: ليحجا ~~قابلا. وعن ابن عمرو بن العاص عند الدارقطني والحاكم والبيهقي نحو قول ابن ~~عمر، وقد روي نحو پ هذه الآثار مرفوعا عند أبي داود في المراسيل من طريق ~~يزيد بن نعيم أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسألا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: # اقضيا نسكا واهديا هديا قال الحافظ: رجاله ثقات مع إرساله. ورواه ابن وهب ~~في موطئه من طريق سعيد بن المسيب مرسلا. وأثر على المذكور في الباب في ~~التفرق، أخرج نحوه البيهقي عن ابن عباس موقوفا وروى ابن وهب في موطئه عن ~~سعيد بن المسيب مرفوعا مرسلا نحوه وفيه ابن لهيعة، وهو عند أبي داود في ~~المراسيل بسند معضل. # قوله: حتى يقضيا حجهما استدل به من قال إنه يجب المضي في فاسد الحج وهم ~~الأكثر، وقال داود: لا يجب كالصلاة. قوله: ثم عليهما حج قابل استدل به من ~~قال: إنه يجب قضاء الحج الذي فسد وهم الجمهور. قوله: والهدي تمسك به من ~~قال: PageV05P083 # إن كفارة الوطئ شاة لأنها أقل ما يصدق عليه الهدي، وهو مروي عن أبي حنيفة ~~والناصر، ويدل على ما قالاه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: واهديا هديا كما ~~في مرسل أبي داود المذكور. وذهب الجمهور إلى أنها تجب بدنة على الزوج وبدنة ~~على الزوجة، وتجب بدنة الزوجة على الزوج إذا كانت مكرهة لا مطاوعة. وقال ~~أبو حنيفة ومحمد: على الزوج مطلقا. وقال الشافعي في أحد قوليه عليهما هدي ~~واحد لظاهر الحبر والأثر. وقال الامام يحيى: بدنة المرأة عليها إذ لم يفصل ~~الدليل. قوله: تفرقا حتى يقضيا حجهما. فيه دليل على مشروعية التفرق، وقد ~~حكي ذلك في البحر عن علي وابن عباس وعثمان والعترة وأكثر الفقهاء، واختلفوا ~~هل واجب أم لا؟ فذهب أكثر العترة وعطاء ومالك والشافعي في أحد قوليه إلى ~~الوجوب. وذهب الامام يحيى والشافعي في أحد قوليه إلى الندب. وقال أبو ~~حنيفة: لا يجب ولا يندب (واعلم) أنه ليس في ms1948 الباب من المرفوع ما تقوم به ~~الحجة والموقوف ليس بحجة، فمن لم يقبل المرسل ولا رأى حجية أقوال الصحابة ~~فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري. # باب تحريم قتل الصيد وضمانه بنظيره قال الله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل ~~من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) * (سورة المائدة، الآية: 95) الآية. # وعن جابر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الضبع يصيبه ~~المحرم كبشا وجعله من الصيد رواه أبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه أيضا بقية أهل السنن وابن حبان وأحمد والحاكم في المستدرك، ~~قال الترمذي: سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق، وقد أعل بالوقف، ~~وقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه عن جابر عن عمر وقال: لا ~~أراه إلا رفعه ورواه الشافعي موقوفا وصحح وقفه من هذا الوجه الدارقطني، ~~ورواه من وجه آخر هو والحاكم مرفوعا (وفي الباب) عن ابن عباس عند الدارقطني ~~والبيهقي، قال البيهقي: روي موقوفا عن ابن عباس، والآية الكريمة أصل أصيل ~~في وجوب الجزاء على من قتل صيدا وهو محرم، ويكون الجزاء مماثلا للمقتول، ~~ويرجع فذلك إلى حكم عدلين كما PageV05P084 # ذهب إليه مالك وهو ظاهر الآية، وقيل: إنه لا يرجع إلى حكم العدلين إلا ~~فيما لا مثل له، وأما فيما له مثل فيرجع فيه إلى ما حكم بالسلف، وإلا يحكم ~~فيه السلف رجع إلى ما حكم به عدلان، واختلفوا في أي شئ تعتبر المماثلة فقيل ~~في الشكل أو الفعل، وقيل في القيمة والحديث يدل على أن الضبع صيد وأن فيه ~~كبشا. # وعن محمد بن سيرين: أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجريت أنا ~~وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيا ونحن محرما فماذا ترى؟ ~~فقال عمر لرجل بجنبه: تعال حتى نحكم أنا وأنت، قال: فحكما عليه بعنز، فولى ~~الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا ~~فحكم معه، فسمع عمر ms1949 قول الرجل فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: ~~لا، فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك ~~تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا ثم قال: إن الله عز وجل يقول في كتابه * ~~(يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) * (سورة المائدة، الآية: 95) وهذا ~~عبد الرحمن بن عوف رواه مالك في الموطأ. وعن جابر: # أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي ~~اليربوع بجفرة رواه مالك في الموطأ. وعن الأجلح بن عبد الله عن أبي الزبير ~~عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: في الضبع إذا أصابه المحرم ~~كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، قال: والجفرة التي ~~قد ارتعت رواه الدارقطني، قال ابن معين: الأجلح ثقة، وقال ابن عدي: صدوق، ~~وقال أبو حاتم: # لا يحتج بحديثه. # الأثر الأول رواه مالك في الموطأ عن عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين، ~~و عبد الملك بن قريب هو الأصمعي وهو ثقة. والأثر الثاني لم يذكر مالك في ~~الموطأ قوله عن جابر، بل رواه عن أبي الزبير أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع ~~الخ. # وأخرجه أيضا الشافعي بسند صحيح عن عمر. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قضى في ~~الأرنب بعناق. وروى عنه الشافعي من طريق الضحاك أنه قضى في الأرنب بشا. ~~وأخرج البيهقي عن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفرة. ورواه الشافعي عنه ~~من طريق مجاهد وروى أبو يعلى عن عمر وقال: لا أراه إلا رفعه أنه حكم في ~~الضبع بشاة، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الظبي كبش. وأخرج ابن ~~أبي شيبة PageV05P085 # عن عمر أنه قضى في الأرنب ببقرة. وروى إبراهيم الحربي في الغريب عن ابن ~~عباس أنه قضى في اليربوع بحمل والحمل ولد الضأن الذكر. وحديث جابر أخرجه ~~أيضا البيهقي وأبو يعلى وقالا عن جابر عن عمر رفعه، وأما الدارقطني فرواه ~~من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر ms1950 يرفعه، وكذلك الحاكم. ورواه ~~الشافعي عن مالك عن أبي الزبير موقوفا على جابر، وصحح وقفه الدارقطني من ~~هذا الوجه كما سلف في أول الباب. قوله: فحكما عليه بعنز قد وافقهما على ذلك ~~علي وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وابن الزبير، وكذلك وافقوا عمر ~~في إيجاب عناق في الأرنب، وجفرة في اليربوع، كما حكى ذلك المهدي في البحر ~~عنهم، وهو موافق لما في حديث جابر المرفوع المذكور في الباب إلا في الظبي ~~فإنه أوجب فيه شاة، ولكنها قد تطلق الشاة على المعز. قال في القاموس: الشاة ~~الواحدة من الغنم للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن والمعز والظباء والبقر ~~والنعام وحمر الوحش انتهى. # قوله: جفرة الجفرة بفتح الجيم هي الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة ~~أشهر وفصلت عن أمها، والعنز بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي الأنثى من ~~المعز، الجمع أعنز وعنوز وعناز. # باب منع المحرم من أكل لحم الصيد إلا إذا لم يصد لأجله ولا أعان عليه عن ~~الصعب بن جثامة: أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمارا ~~وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم ~~نرده عليك إلا إنا حرم متفق عليه. ولأحمد ومسلم لحم حمار وحش. وعن زيد بن ~~أرقم: وقال له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حرام، فقال: أهدي له عضو من لحم صيد فرده ~~وقال: إنا لا نأكله إنا حرم رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # قوله: حمارا وحشيا هكذا رواية مالك، ولم تختلف عنه الرواة في ذلك، وتابعه ~~PageV05P086 # على ذلك عامة الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة فقال: لحم حمار وحش ~~كما وقع في الرواية الأخيرة وبين الحميدي أنه كان يقول حمار وحش، ثم صار ~~يقول: لحم حمار وحش، فدل على اضطرابه فيه. قال في الفتح: وقد توبع على قوله ~~لحم حمار وحش من أوجه فيها مقال ثم ms1951 ساقها، ولكنه يقوي ما رواه ابن عيينة ~~حديث ابن عباس المذكور في الباب، وقد أخرج مسلم من وجه آخر عن ابن عباس أن ~~الذي أهداه الصعب بن جثامة لحم حمار، وأخرجه مسلم أيضا من طريق حبيب بن أبي ~~ثابت عن سعيد فقال تارة: حمار وحش، وتارة شق حمار. قوله: بالأبواء بفتح ~~الهمزة وسكون الموحدة، وبالمد جبل من أعمال الفرع بضم الفاء والراء بعدها ~~مهملة قيل: سمي بالأبواء لوبائه، وقيل: لأن السيول تتبوءه أي تحله. # قوله: أو بودان شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال آخره نون موضع ~~بقرب الجحفة. قوله: فرده اتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه كما قال ~~الحافظ، إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن ~~أمية: # أن الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عجز حمار وحش وهو بالجحفة ~~فأكل منه وأكل القوم قال البيهقي: إن كان هذا محفوظا حمل على أنه رد الحي ~~وقبل اللحم. قال الحافظ: وفي هذا الجمع نظر، فإن الطرق كلها محفوظة، فلعله ~~رده حيا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك وقبله أخرى حيث لم يصد ~~لأجله، وقد قال الشافعي في الام: إن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس ~~للمحرم أن يذبح حمار وحش حتى، وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون قد ~~علم أنه صيد له انتهى. ويحتمل أن يكون القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية ~~في وقت آخر وهو وقتر جوعه صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة. قال ~~القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقدمه له، فمن قال: أهدي حمارا أراد بتمامه ~~مذبوحا لا حيا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ويحتمل أن يكون من قال حمارا أطلق وأراد بعضه مجازا، ويحتمل أنه ~~أهداه له حيا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا ms1952 أنه إنما رده عليه ~~لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، ~~والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات. قوله: إنا لم نرده عليك قال ~~في الفتح: قال القاضي عياض: ضبطناه في الروايات بفتح الدال، وأبى ذلك ~~المحققون من أهل العربية وقالوا: PageV05P087 # الصواب أنه بضم الدال، لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي ~~توجبها ضمة الهاء بعدها، قال: وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب في الفصيح، نعم ~~تعقبوه عليه بأنه ضعيف، وأجازوا فيه الكسر وهو أضعف الأوجه، وهي لغة حكاها ~~الأخفش عن بني عقيل، وإذا وليه ضمير المؤنث نحو ردها فالفتح لازم اتفاقا، ~~كذا قال النووي. # ووقع في رواية الكشميهني: لم نردده بفك الادغام وضم الأولى وسكون الثانية ~~ولا إشكال فيه. قوله: إلا أنا حرم زاد النسائي: لا نأكل الصيد وفي حديث ابن ~~عباس: إنا لا نأكله إنا حرم وقد استدل بهذا من قال بتحريم الاكل من لحم ~~الصيد على المحرم مطلقا، لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرما، فدل على ~~أنه سبب الامتناع خاصة، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري ~~وإسحاق والهادوية، واستدلوا أيضا بعموم قوله تعالى: * (وحرم عليكم صيد ~~البر) * (سورة المائدة، الآية: 96) ولكنه يعارض ذلك حديث طلحة وحديث البهزي ~~وحديث أبي قتادة، وستأتي هذه الأحاديث. # وقال الكوفيون وطائفة من السلف: إنه يجوز للمحرم أكل لحم الصيد مطلقا ~~وتمسكوا بالأحاديث التي ستأتي، وكلا المذهبين يستلزم اطراح بعض الأحاديث ~~الصحيحة بلا موجب، والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بين الأحاديث ~~المختلفة فقالوا: # أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه المحرم، ~~وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، قالوا: والسبب ~~بالاقتصار على الاحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا ~~صيد له إلا إذا كان محرما، فاقتصر عن تبيين الشرط الأصلي وسكت عما عداه فلم ~~يدل على نفيه، ويؤيد هذا الجمع حديث جابر الآتي. # وعن علي: أن النبي صلى الله عليه ms1953 وآله وسلم أتي ببيض النعام فقال: إنا ~~قوم حرم أطعموه أهل الحل رواه أحمد. وعن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله ~~التيمي وهو ابن أخي طلحة قال: كنا مع طلحة ونحن حرم فأهدي لنا طير وطلحة ~~راقد، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ طلحة وفق ما أكله ~~وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. # حديث علي أخرجه أيضا البزار وفي إسناده علي بن زيد وفيه كلام، وقد ~~PageV05P088 # وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح، وهو حديث طويل هذا طرف منه. قوله: أطعموه ~~أهل الحل لا بد من تقييد هذا الاطلاق بما سلف من اعتبار القصد بأن ذلك ~~للمحرم، فيحمل هذا على أنه أخذ البيض قاصدا بأن ذلك لأجل المحرمين جمعا بين ~~الأدلة. وكذلك لا بد من تقييد حديث طلحة بأن لا يكون من أهدى لهم الطير ~~صاده لأجلهم، وقد اختلف فيما يلزم المحرم إذا أصاب بيضة نعام، فقال أبو ~~حنيفة وأصحابه والشافعي: أنه يجب فيها القيمة. وقال مالك في رواية عنه: ~~قيمة عشر بدنة. وقال الشافعي في رواية عنه: قيمة عشر النعامة. وقال الهادي: ~~يجب فيها صوم يوم واستدل من قال بأن الواجب القيمة بما أخرجه عبد الرزاق ~~والدارقطني والبيهقي من حديث كعب بن عجرة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قضى في بيض نعامة أصابه محرم بقيمته وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى ~~وشيخه حسين بن عبد الله وهما ضعيفان. وأخرجه ابن ماجة والدارقطني من حديث ~~أبي المهزم وهو أضعف منهما. واستدل الهادي بما أخرجه الشافعي وأبو داود ~~والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم ~~في بيض النعام في كل بيضة صيام يوم قال عبد الحق: # لا يسند من وجه صحيح، وفي إسناد أبي داود رجل لم يسم، وأخرج نحوه ~~الدارقطني من حديث أبي هريرة وهو من طريق ابن جريج عن أبي الزناد، ولم يسمع ~~منه كما قال أبو حاتم والدارقطني. قوله: ms1954 ابن عبد الله التيمي كذا في نسخ ~~المنتقى، والصواب ابن عبيد الله مصغرا. قوله: وفق من أكله أي صوبه كذا في ~~شرح مسلم، ويحتمل أن يكون معناه دعا له بالتوفيق. # وعن عمير بن سلمة الضمري عن رجل من بهز: أنه خرج مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يريد مكة حتى إذا كانوا في بعض وادي الروحاء وجد الناس حمار ~~وحش عقيرا فذكروه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أقروه حتى يأتي ~~صاحبه، فأتى البهزي وكان صاحبه فقال: يا رسول الله شأنكم هذا الحمار، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر فقسمه في الرفاق وهم محرمون، ~~قال: ثم مررنا حتى إذا كنا بالأثاية إذا نحن بظبي حاقف في ظل فيه سهم فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا أن يقف عنده حتى يخبر الناس عنه ~~رواه أحمد والنسائي ومالك في الموطأ. PageV05P089 # الحديث صححه ابن خزيمة وغيره كما قال في الفتح. # قوله: أقروه أي اتركوه. قوله: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أبا بكر الخ ينبغي أن يقيد هذا الاطلاق بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~علم أن البهزي لم يصده لأجلهم بقرينة حال أو مقال للجمع بين الأدلة كما ~~تقدم. قوله: في الرفاق جمع رفقة. قوله: بالأثاية بضم الهمزة وكسرها بعدها ~~ثاء مثلثة وبعد الألف تحتية موضع بين الحرمين فيه مسجد نبوي أو بئر دون ~~العرج، قال في القاموس: هو بضم الهمزة ويثلث. قوله: حاقف قال في القاموس: ~~الحاقف الرابض في حقف من الرمل أو يكون منطويا كالحقف، وقد انحنى وتثنى في ~~نومه وهو بين الحقوف انتهى. قوله: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الخ إنما لم يأذن لمن معه بأكله لامرين. أحدهما: أنه حي وهو لا يجوز للمحرم ~~ذبح الصيد الحي. الثاني: أن صاحبه الذي رماه قد صار أحق به فلا يجوز أكله ~~إلا بإذن، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم في حمار البهزي: أقروه حتى ms1955 ~~يأتي صاحبه وفيه دليل على أنه يشرع للرئيس إذا رأى صيدا لا يقدر على حفظ ~~نفسه للهرب إما لضعفه فيه أو لجناية أصابته أن يأمر من يحفظه من أصحابه. # وعن أبي قتادة قال: كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمامنا، ~~والقوم محرمون وأنا غير محر عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول ~~أخصف نعلي فلم يؤذنوني وأحبوا لوأني أبصرته، فالتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس ~~فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، ~~قالوا: والله لا نعينك عليه فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار ~~فعقرته ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم أنهم شكوا في أكلهم إياه ~~وهم حرم فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فسألناه عن ذلك فقال: هل معكم منه شئ؟ فقلت: نعم فناولته العضد فأكلها وهو ~~محرم متفق عليه. ولفظه للبخاري ولهم في رواية: هو حلال فكلوه ولمسلم: هل ~~أشار إليه إنسان أو أمره بشئ؟ قالوا: لا، قال: فكلوه وللبخاري قال: منكم ~~أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من ~~لحمها. # قوله: أما منا بفتح الهمزة. قوله: عام الحديبية هذا هو الصواب، ووقع في ~~PageV05P090 # رواية للبخاري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج حاجا وهو غلط كما ~~قال الإسماعيلي، فإن القصة كانت في العمرة. وقال الحافظ: لا غلط في ذلك بل ~~هو من المجاز الشائع، وأيضا فالحج في الأصل القصد للبيت فكأنه قال: خرج ~~قاصدا للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر. قوله: والله لا نعينك زاد ~~أبو عوانة: إنا محرمون، وفيه دليل على أنهم قد كانوا علموا أنه يحرم على ~~المحرم الإعانة على قتل الصيد. # قوله: وخبأت وفي رواية للبخاري: فحملنا ما بقي من لحم الأتان. قوله: ~~فكلوه صيغة الامر هنا للإباحة لا للوجوب، لأنها وقعت جوابا عن ms1956 سؤالهم عن ~~الجواز لا عن الوجوب فوقعت على مقتضى السؤال. قوله: قال منكم أحد الخ، في ~~رواية للبخاري قال: # أمنكم بزيادة الهمزة، ولفظ مسلم: هل منكم أحد أمره. فيه دليل على أن مجرد ~~الامر من المحرم للصائد بأن يحمل على الصيد، والإشارة منه مما يوجب عدم ~~الحل لمشاركته للصائد. # قوله: أن يحمل عليها أو أشار إليها الضمير راجع إلى الأتان لأنه لا يطلق ~~إلا على الأنثى وهي مذكورة في رواية البخاري ولفظه: فرأينا حمر وحش فحمل ~~عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فنزلنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا أنأكل لحم ~~صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال منكم أحد أمره الخ، ~~والروايات متفقة على إفراد الحمار بالرؤية، وأفادت هذه الرواية أن الحمار ~~من جملة حمر، وأن المقتول كان أتانا، أي أنثى لقوله: فعقر منها أتانا. # (والحديث) فيه فوائد منها: أنه يحل للمحرم لحم ما يصيده الحلال إذا لم ~~يكن صاده لأجله ولم يقع منه إعانة له وقد تقدم الخلاف في ذلك. ومنها: أن ~~مجرد محبة المحرم أن يقع من الحلال الصيد فيأكل منه غير قادحة في إحرامه ~~ولا في حل الاكل منه. ومنها: أن عقر الصيد ذكاته، وسيأتي الكلام عليه إن ~~شاء الله تعالى ومنها: # جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرب منه. # وعن أبي قتادة قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زمن ~~الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم، فرأت حمارا فحملت عليه فاصطدته، فذكرت ~~شأنه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكرت أني لم أكن أحرمت، وأني ~~إنما اصطدته لك، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه فأكلوا ولم ~~يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له رواه أحمد وابن ماجة بإسناد جيد. قال ~~أبو بكر النيسابوري: PageV05P091 # قوله: أني اصطدته لك وأنه لم يأكل منه لا أعلم أحدا قاله في هذا الحديث ~~غير معمر. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي وابن خزيمة، وقد قال بمثل مقالة ~~النيسابوري التي ذكرها المصنف ms1957 ابن خزيمة والدار قطني والجوزقي. قال ابن ~~خزيمة: # إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أكل ~~من لحم ذلك الحمار من قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله فلما علم ~~امتنع وفيه نظر، لأنه لو كان حراما عليه صلى الله عليه وآله وسلم ما أقره ~~الله تعالى على الاكل حتى يعلمه أبو قتادة بأنه صاد لأجله، ويحتمل أن يكون ~~ذلك لبيان الجواز، وأن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من ~~أجله، وأما إذا أتى بلحم لا يدري ألحم صيد أم لا؟ وهل صيد لأجله أم لا؟ ~~فحله على أصل الإباحة فلا يكون حراما عليه عند الاكل، ولكنه يبعد هذما تقدم ~~من أنه لم يبق إلا العضد. وقال البيهقي: هذه الزيادة غريبة يعني قوله إني ~~اصطدته لك، قال: والذي في الصحيحين أنه أكل منه. # وقال النووي في شرح المهذب: يحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة ~~قصتان، قال ابن حزم: لا يشك أحد بأن أبا قتادة لم يصد الحمار إلا لنفسه ~~ولأصحابه وهم محرمون فلم يمنعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكله، ~~وكأنه يقول: بأنه يحل صيد الحلال للمحرم مطلقا وهو أحد الأقوال السابقة. ~~وقال ابن عبد البر: كان اصطياد أبي قتادة الحمر لنفسه لا لأصحابه، وكان ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجه أبا قتادة على طريق البحر مخافة ~~العدو، فلذلك لم يكن محرما عند اجتماعه بأصحابه لأن مخرجهم لم يكن واحدا. ~~قال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز ~~لأبي قتادة مجاوزة الميقات بلا إحرام ولا يدرون ما وجهه؟ حتى رأيته مفسرا ~~في حديث عياض عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأحرمنا فلما كان مكان كذا وكذا إذا نحن بأبي قتادة كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعثه في شئ قد سماه، فذكر حديث الحمار الوحشي انتهى. ~~والحديث من جملة ms1958 أدلة الجمهور القائلين بأنه يحرم صيد الحلال على المحرم ~~إذا صاده لأجله، ويحل له إذا لم يصده لأجله، ولهذا لما أخبر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأنه صاده لأجله لم يأكل منه وأمر أصحابه بالاكل. ~~PageV05P092 # وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: صيد البر لكم حلال ~~وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم رواه الخمسة إلا ابن ماجة. وقال ~~الشافعي: # هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. # الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وهو ~~من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن مولاه ~~المطلب عن جابر، وعمرو مختلف فيه مع كونه من رجال الصحيحين، ومولاه قال ~~الترمذي: # لا يعرف له سماعا من جابر. وقال في موضع آخر: قال محمد لا أعرف له سماعا ~~من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وقد رواه الشافعي عن عمرو عن رجل من الأنصار عن جابر. ورواه ~~الطبراني عن عمرو عن المطلب عن أبي موسى وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي ~~وهو متروك. # ورواه الخطيب عن مالك عن نافع عن ابن عمر وفي إسناده عثمان بن خالد ~~المخزومي وهو ضعيف جدا. هذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو ~~يصيده غيره له، وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال ~~لنفسه ويطعمه المحرم، ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة كحديث الصعب وطلحة وأبي ~~قتادة، ومخصص لعموم الآية المتقدمة. # باب صيد الحرم وشجره عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرام يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر ~~صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف، فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لا بد لهم ~~منه فإنه للقيون والبيوت، فقال: # إلا الإذخر وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكة ~~قال: لا ينفر صيدها، ms1959 ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، فقال ~~العباس: إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إلا الإذخر متفق عليهما. وفي لفظ لهم: لا يعضد شجرها بدل ~~قوله: لا يختلى شوكها. # قوله: لا يعضد شوكه بضم أوله وسكون المهملة وفتح الضاد المعجمة ~~PageV05P093 # أي لا يقطع. وفي رواية للبخاري: ولا يعضد بها شجرة قال القرطبي: خص ~~الفقهاء الشجر المنهي عن بما ينبته الله تعالى من غير صنيع آدمي، فأما ما ~~ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه فالجمهور على الجواز. وقال الشافعي في الجميع ~~الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول فقال ~~مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ ~~بقيمته هدي. وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة. قال ابن ~~العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك ~~من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا ~~كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع ~~الشوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور لنهيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن ذلك كما في حديثي الباب، والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد ~~الاعتبار، وهو أيضا قياس غير صحيح لقيام الفارق، فإن الفواسق المذكورة تقصد ~~بالأذى بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من ~~الأغصان وانقطع من الشجر من غير صنيع الآدمي ولا بما يسقط من الورق، نص ~~عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا انتهى. قوله: ولا يختلى خلاه الخلا بالخاء ~~المعجمة مقصور، وذكر ابن التين أنه وقع في رواية القابسي بالمد وهو الرطب ~~من النبات واختلاؤه قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من ~~الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبري، وتخصيص التحريم بالرطب ~~إشارة إلى جواز رعي اليابس وجواز اختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية لان ~~اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء ms1960 الإذخر إشارة إلى ~~تحريم اليابس، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة: ولا يحتش حشيشها، ~~قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم ~~فلا بأس برعيه واختلائه. قوله: ولا ينفر صيده بضم أوله وتشديد الفاء ~~المفتوحة، قيل: هو كناية عن الاصطياد، وقيل: على ظاهره. قال النووي: يحرم ~~التنفير وهو الازعاج عن موضعه، فإن نفره عصى تلف أو لا، وإن تلف في نفاره ~~قبل سكونه ضمن وإلا فلا. # قال: قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الاتلاف بالأولى. ~~قوله: ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف وكذلك قوله في الحديث الثاني: ولا تحل ~~ساقطتها إلا المنشد يأتي الكلام على هذا في اللقط إن شاء الله تعالى. قوله: ~~إلا الإذخر PageV05P094 # بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة أيضا. قال في الفتح: ~~نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح، له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل ~~والحزن، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسددون به الخلل بين ~~اللبنات في القبور. ويجوز في قوله: إلا الإذخر الرفع على البدل مما قبله ~~والنصب على الاستثناء، واستدل به على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وعلى جواز الفصل بين المستثني والمستثنى منه، والكلام في ذلك معروف ~~في الأصول، واستدل به أيضا على جواز النسخ قبل الفعل وهو ليس بواضح كما قال ~~الحافظ. قوله: # فإنه للقيون جمع قين وهو الحداد. قوله: لقبورنا وبيوتنا قد سلف بيان ~~الانتفاع به في القبور والبيوت. # وعن عطاء: أن غلاما من قريش قتل حمامة من حمام مكة فأمر ابن عباس أن يفدي ~~عنه بشاة رواه الشافعي. # الأثر أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبيهقي من طرق. وفي الباب عن جماعة من ~~الصحابة منهم علي عند الشافعي، وابن عمر عند ابن أبي شيبة، وعن عمر وعثمان ~~عند الشافعي وابن أبي شيبة، فهؤلاء قضى كل واحد منهم بشاة في الحمامة، وقد ~~روي مثل ذلك عن جماعة من التابعين كعاصم بن عمر رواه عنه ms1961 الشافعي والبيهقي، ~~وسعيد بن المسيب رواه عنه البيهقي، وعن نافع بن عبد الحرث رواه عنه الشافعي ~~وروي عن مالك أنه قال: في حمام الحرم الجزاء، وفي حمام الحل القيمة. # باب ما يقتل من الدواب في الحرم والاحرام عن عائشة قالت: أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب والحدأة ~~والعقرب والفأرة والكلب العقور متفق عليه. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: ~~الغراب والحدأة أو العقرب والفأرة والكلب العقور رواه الجماعة إلا الترمذي ~~وفي لفظ: خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والاحرام: # الفأرة والعقرب والغراب والحديا والكلب العقور رواه أحمد ومسلم والنسائي. ~~PageV05P095 # وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر محرما بقتل حية ~~بمنى رواه مسلم. وعن ابن عمر: وسئل ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ ~~فقال: # حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب ~~العقور والفأرة والعقرب والحدأة والغراب والحية رواه مسلم. وعن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خمس كلهن فاسقه يقتلهن المحرم ويقتلن ~~في الحرم: الفأرة والعقرب والحية والكلب العقور والغراب رواه أحمد. # حديث ابن عباس أورده في التلخيص وسكت عنه، وأخرجه أيضا البزار والطبراني ~~في الكبير والأوسط وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس. قوله: ~~خمس ذكر الخمس يفيد بمفهومه نفي هذا الحكم عن غيرها وليس بحجة ولكنه عند ~~الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيمكن أن يكون قاله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أولا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس تشترك معها في ذلك الحكم، فقد ورد زيادة ~~الحية وهي سادسة كما في حديث ابن عمر، وحديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس ~~المذكورة في الباب، وزاد أبو داود من حديث أبي سعيد: السبع العادي وزاد ابن ~~خزيمة وابن المنذر من حديث أبي هريرة: # الذئب والنمر فصارت ms1962 تسعا، قال في الفتح: لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ~~ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، قال: ووقع ذكر الذئب في ~~حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود من طريق سعيد بن ~~المسيب قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: يقتل المحرم الحية والذئب ورجاله ~~ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن وبرة بن عمر: أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بقتل الذئب للمحرم. وحجاج ضعيف وقد خولف وروي موقوفا ~~كما أخرجه ابن أبي شيبة. قوله: خمس فواسق قال النووي: هو بإضافة خمس لا ~~تنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثاني. قال النووي: ~~تسميته هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق ~~لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذ أخرجت عن قشرها، فوصفت بذلك لخروجها عن ~~حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله أو حل أكله أو خروجها بالايذاء ~~والافساد. قوله: في الحل والحرم ورد في لفظ عند مسلم أمر، وعند أبي عوانة: ~~ليقتل المحرم، وظاهر الامر الوجوب ويحتمل الندب والإباحة وقد روى البزار من ~~حديث أبي رافع: أن النبي صلى PageV05P096 # الله عليه وآله وسلم أمر بقتل العقرب والفأرة والحية والحدأة وهذا الامر ~~ورد بعد نهي المحرم عن القتل، وفي الامر الوارد بعد النهي خلاف معروف في ~~الأصول هل يفيد الوجوب أو لا؟ وفي لفظ لمسلم إذن. وفي لفظ لأبي داود: قتلهن ~~حلال للمحرم. # قوله: الغراب هذا الاطلاق مقيد بما عند مسلم من حديث عائشة بلفظ الأبقع ~~وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، ولا عذر لمن قال: يحمل المطلق على المقيد ~~من هذا، وقد اعتذر ابن بطال وابن عبد البر عن قبول هذه الزيادة بأنها لم ~~تصح لأنها من رواية قتادة وهو مدلس، وتعقب ذلك الحافظ بأن شعبة لا يروي عن ~~شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذه الزيادة من رواية شعبة، بل صرح ~~النسائي بسماع قتادة، واعتذر ابن قدامة عن ms1963 هذه الزيادة بأن الروايات ~~المطلقة أصح وهو اعتذار فاسد، لأن الترجيح فرع التعارض، ولا تعارض بين مطلق ~~ومقيد، ولا بين مزيد وزيادة غير منافية. قال في الفتح: وقد اتفق العلماء ~~على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع وأفتوا ~~بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملحقا بالأبقع انتهى. قال ابن المنذر: ~~أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الاحرام إلا عطاء. قال الخطابي: ~~لم يتابع أحد عطاء على هذا. قوله: والحدأة بكسر الحاء المهملة وفتح الدال ~~بعدها همزة بغير مد على وزن عنبة، وحكى صاحب الحكم فيه المد. # قوله: والعقرب قال الفتح: هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة ~~وعقرباء وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم. قال ابن ~~المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. قوله: والفأرة بهمزة ساكنة ~~ويجوز فيها التسهيل، قال في الفتح: ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم ~~إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ~~عنه ابن المنذر وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. قوله: ~~والكلب العقور اختلف في المراد بالكلب العقور، فروى سعيد بن منصور عن أبي ~~هريرة بإسناد حسن كما قال الحافظ أنه الأسد، وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأي ~~كلب أعقر من الحية. وقال زفر: المراد به هنا الذئب خاصة، وقال في الموطأ: ~~كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو ~~عقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: ~~والمراد به هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب (احتج ~~الجمهور) بقوله تعالى * (وما علمتم من الجوارح) * (سورة المائدة، الآية: 4) ~~مكلبين فاشتقها PageV05P097 # من اسم الكلب. وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم سلط عليه كلبا من ~~كلابك فقتله الأسد أخرجه الحاكم بإسناد حسن وغاية ما في ذلك جواز الاطلاق ~~لا أن اسم الكلب هنا متناول لكل ما ms1964 يجوز إطلاقه عليه وهو محل النزاع. (فإن ~~قيل): اللام في بالكلب تفيد العموم قلنا: بعد تسليم ذلك لا يتم إلا إذا كان ~~إطلاق الكلب على كل واحد منها حقيقة وهو ممنوع، والسند أنه لا يتبادر عند ~~إطلاق لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف، والتبادر علامة الحقيقة، وعدمه علامة ~~المجاز، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز، نعم إلحاق ما عقر من السباع ~~بالكلب العقور بجامع العقر صحيح، وأما أنه داخل تحت لفظ الكلب فلا. # قوله: من الدواب بتشديد الباء الموحدة جمع دابة وهي ما دب من الحيوان من ~~غير فرق بين الطير وغيره، ومن أخرج الطير من الدواب فهذا الحديث من جملة ما ~~يرد به عليه. قوله: # والحديا بضم أوله وتشديد الياء التحتانية مقصورا وهي لغة حجازية، قال ~~قاسم بن ثابت: # الوجه الهمزة وكأنه سهل ثم أدغم. قوله: والحية قال نافع: لما قيل له ~~فالحية قال: لا يختلف فيها، وفي رواية: ومن يشك فيها، وتعقبه ابن عبد البر ~~بما أخرجه ابن أبي شيبة عن الحكم وحماد أنهما قالا: لا يقتل المحرم الحية ~~ولا العقرب، والأحاديث ترد عليهما، وعند المالكية خلاف في قتل صغار الحيات ~~والعقارب التي لا تؤذي. # باب تفضيل مكة على سائر البلاد عن عبد الله بن عدي بن الحمراء: أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: والله ~~إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ~~رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لمكة: ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي ~~أخرجوني منك ما سكنت غيرك رواه الترمذي وصححه. # قوله بالحزورة بفتح الحاء المهملة والزاي وفتح الواو المشددة بعدها راء ~~ثم هاء هي الرابية الصغيرة. وفي القاموس: الحزورة كقسورة الناقة المقتلة ~~المذللة والرابية الصغيرة انتهى. قوله: إنك لخير أرض الله فيه دليل على أن ~~مكة خير أرض الله على الاطلاق وأحبها إلى رسول ms1965 الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وبذلك PageV05P098 # استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. قال القاضي عياض: إن موضع قبره صلى ~~الله عليه وآله وسلم أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ~~واختلفوا في أفضلها ما عدا موضع قبره صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أهل ~~مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حبيب المالكيان: إن مكة أفضل وإليه مال ~~الجمهور، وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل، ~~واستدل الأولون بحديث عبد الله بن عدي المذكور في الباب. وقد أخرجه أيضا ~~ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف، فلا ~~ينبغي العدول عنه، وقد ادعى القاضي عياض الاتفاق على استثناء البقعة التي ~~قبر فيها صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أنها أفضل البقاع، قيل: لأنه قد روي ~~أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق، كما روى ذلك ابن ~~عبد البر في تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفا ويجاب عن هذا بأن أفضلية ~~البقعة التي خلق منها صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان بطريق الاستنباط ~~ونصبه في مقابلة النص الصريح الصحيح غير لائق، على أنه معارض بما رواه ~~الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي منه خلق صلى الله عليه وآله وسلم ~~من تراب الكعبة، فالبقعة التي خلق منها من بقاع مكة، وهذا لا يقصر عن ~~الصلاحية لمعارضة ذلك الموقوف، لا سيما وفي إسناده عطاء الخراساني، نعم إن ~~صح الاتفاق الذي حكاه عياض كان هو الحجة عند من يرى أن الاجماع حجة (وقد ~~استدل) القائلون بأفضلية المدينة بأدلة منها حديث: ما بين قبري ومنبري روضة ~~من رياض الجنة كما في البخاري وغيره، مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها وهذا أيضا مع كونه لا ينتهض ~~لمعارضة ذلك الحديث المصرح بالأفضلية هو أخص من الدعوى، لأن غاية ما فيه أن ~~ذلك الموضع بخصوصه من المدينة فاضل ms1966 وأنه غير محل النزاع. وقد أجاب ابن حزم ~~عن هذا الحديث بأن قوله: إنها من الجنة مجاز، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما ~~وصف الله الجنة: * (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) * (سورة طه، الآية: 118) ~~وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، كما يقال في اليوم الطيب: هذا ~~من أيام الجنة، وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم: الجنة تحت ظلال السيوف ~~قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة (فإن ~~قيل) إن ما قرب منها أفضل مما بعد، لزمهم أن يقولوا: PageV05P099 # إن الجحفة أفضل من مكة ولا قائل به، ومن جملة أدلة القائلين بأفضلية مكة ~~على المدينة حديث ابن الزبير عند أحمد وعبد بن حميد وابن زنجويه وابن خزيمة ~~والطحاوي والطبراني والبيهقي وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة وقد روي ~~من طريق خمسة عشر من الصحابة. ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن أفضلية المسجد ~~لأفضلية المحل الذي هو فيه (ومن جملة) ما استدلوا به حديث: اللهم إنهم ~~أخرجوني من أحب البلاد إلي فأسكني في أحب البلاد إليك أخرجه الحاكم في ~~المستدرك، ويجاب بأن النزاع في الأفضل لا فيما هو أحب، والمحبة لا تستلزم ~~الأفضلية، والاستنباط لا يقاوم النص (واعلم) أن الاشتغال ببيان الفاضل من ~~هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن والنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والكل من فضول الكلام التي لا تتعلق به فائدة غير الجدال ~~والخصام، وقد أفضى النزاع في ذلك وأشباهه إلى فتن وتلفيق حجج واهية، ~~كاستدلال المهلب على أفضلية المدينة بأنها هي التي أدخلت مكة وغيرها من ~~القرى في الاسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها وبأنها تنفي الخبث كما ثبت ~~في الحديث الصحيح وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة، الذين فتحوا مكة معظمهم ~~من أهل مكة، ms1967 فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، ~~وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: ~~* (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) * والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من ~~المدينة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود ~~وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق، فدل على أن ~~المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على ~~أنها فضيلة لا أنها فاضلة. # باب حرم المدينة وتحريم صيده وشجره عن علي عليه السلام قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: PageV05P100 # المدينة حرم ما بين عير إلى ثور مختصر من حديث متفق عليه. وفي حديث علي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة: لا يختلى خلاها، ولا ينفر ~~صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها ~~السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره رواه أحمد ~~وأبو داود. # وعن عباد بن تميم عن عمه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن ~~إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة متفق ~~عليه. وعن أبي هريرة قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين ~~لابتي المدينة وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى متفق عليه. وعن أبي ~~هريرة في المدينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرم شجرها ~~أن يخبط أو يعضد رواه أحمد. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشرف على المدينة فقال: اللهم ~~إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم ~~وصاعهم متفق عليه. وللبخاري عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها ~~حدثا فعليه ms1968 لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولمسلم عن عاصم الأحول قال: ~~سألت أنسا أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة؟ قال: نعم هي ~~حرام، ولا يختلى خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين. وعن أبي سعيد: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني حرمت المدينة حرام ما بين ~~مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح، ولا يخبط فيها شجر إلا ~~لعلف. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن إبراهيم ~~حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها ~~رواهما مسلم. وعن جابر: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في المدينة: حرام ما بين حرتيها ~~وحماها كلها لا يقطع شجره إلا أن يعلف منها رواه أحمد. # حديث علي الثاني رجاله رجال الصحيح وأصله في الصحيحين. وحديث جابر الآخر ~~في إسناده ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام معروف. قوله: ما بين عير إلى ثور ~~أما عير فهو بفتح العين المهملة وإسكان التحتية. وأما ثور فهو بفتح المثلثة ~~وسكون الواو بعدها راء، ومن الرواة من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه ~~بياضا لأنهم اعتقدوا PageV05P101 # أن ذكره هنا خطأ. قال المازري: قال بعض العلماء: ثور هنا وهم من الراوي ~~وإنما ثور بمكة، قال: والصحيح إلى أحد، قال القاضي: كذا قال أبو عبيد، أصل ~~الحديث من عير إلى أحد انتهى. # قال النووي: وكذا قال أبو بكر الحازمي الحافظ وغيره من الأئمة أن أصله من ~~عير إلى أحد، قال قلت: ويحتمل أن ثورا كان اسما لجبل هناك، أما أحد وأما ~~غيره فخفي اسمه. وقال مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور. قال عياض: ~~لا معنى لانكار عير بالمدينة فإنه معروف، وكذا قال جماعة من أهل اللغة. قال ~~ابن قدامة: يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عير وثور لا أنهما بعينهما ~~في المدينة، أو سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجبلين اللذين بطرفي ms1969 ~~المدينة عيرا وثورا ارتجالا، وسبقه إلى الأول أبو عبيد على ما حكاه ابن ~~الأثير عنه. وقال المحب الطبري في الاحكام: قد أخبرني الثقة العالم أبو ~~محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير ~~يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك ~~الأرض وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ~~ذلك، قال: فعلمنا أن ذكر ثور المذكور في الحديث الصحيح صحيح، وأن عدم علم ~~أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، وهذه فائدة جليلة انتهى. وقد ~~ذكر مثل هذا الكلام في القاموس وقال أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة ~~في مختصره لاخبار المدينة أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم ان خلف أحد ~~من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورا، قال: وقد تحققته ~~بالمشاهدة. قوله: لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها قد تقدم ~~تفسير هذه الألفاظ والكلام عليها في باب صيد الحرم وشجره. قوله: إلا لمن ~~أشاد بها أي رفع صوته بتعريفها أبدا لا سنة كما في غيرها، ولعله يأتي في ~~اللقطة بسط الكلام على لقطة مكة والمدينة وغيرهما. قوله: ولا يصلح لرجل أن ~~يحمل فيها السلاح لقتال قال ابن رسلان: # هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت ~~حاجة جاز. # قوله: ولا يصلح أن يقطع فيها شجرة استدل بهذا وبما في الأحاديث المذكورة ~~في الباب من تحريم شجرها وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره الشافعي ومالك ~~وأحمد والهادي وجمهور أهل العلم، على أن للمدينة حرما كحرم مكة يحرم صيده ~~وشجره. قال الشافعي ومالك: # فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى. ~~وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض ~~المالكية وهو ظاهر قوله: كما PageV05P102 # حرم إبراهيم مكة. وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والناصر إلى أن حرم ms1970 المدينة ~~ليس بحرم على الحقيقة، ولا تثبت له الاحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر ~~(والأحاديث) ترد عليهم، واستدلوا بحديث يا أبا عمير ما فعل النغير وأجيب ~~عنه بأن ذلك كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل. قوله: إلا أن يعلف ~~رجل بعيره فيه دليل على جواز أخذ الأشجار للعلف لا لغيره فإنه لا يحل كما ~~سلف. قوله: ما بين لابتي المدينة قال أهل اللغة: # اللابتان الحرتان واحدتهما لابة بتخفيف الموحدة وهي الحرة، والحرة ~~الحجارة السود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما. قوله: اثني عشر ~~ميلا الخ، لفظ مسلم عن أبي هريرة قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما بين لابتي المدينة، قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ~~ما ذعرتها وجعل اثنى عشر ليلا حول المدينة حمى انتهى. والضمير في قوله جعل ~~راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما يدل على ذلك اللفظ الذي ذكره ~~المصنف، ويدل عليه أيضا ما عند أبي داود من حديث عدي بن زيد الجذامي قال: ~~حمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا، ~~فهذا مثل ما في الصحيحين، لأن البريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال ~~(وهذان الحديثان) فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة. قوله: أن يخبط أو يعضد ~~الخبط: ضرب الشجر ليسقط ورقه. والعضد: # القطع كما تقدم. زاد أبو داود في هذا الحديث: إلا ما يساق به الجمل. ~~قوله: ما بين جبليها قد ادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب، لأنه وقع ~~التحديد في بعض الروايات بالحرتين، وفي بعضها باللابتين، وفي بعضها ~~بالجبلين، وفي بعضها بعير وثور كما تقدم، وفي بعضها بالمأزمين كما سيأتي. ~~قال في الفتح: وتعقب بأن الجمع بينهما واضح، وبمثل هذا لا ترد الأحاديث ~~الصحيحة، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح، ولا شك أن ما بين لابتيها أرجح ~~لتوارد الرواة عليها، ورواية جبليها لا تنافيها، فيكون عند كل لابة جبل أو ~~لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من ms1971 جهة الشرق والغرب، وتسمية ~~الجبلين في رواية أخرى لا تضر، والمأزم قد يطلق على الجبل نفسه كما سيأتي. # قوله: اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم قال عياض: البركة هنا بمعنى النماء ~~والزيادة. # وقال النووي: الظاهر أن المراد البركة في نفس الكيل من المدينة بحيث يكفي ~~المد فيها من لا يكفيه في غيرها. قوله: من كذا إلى كذا جاء هكذا مبهما في ~~روايات البخاري، PageV05P103 # فقيل: إن البخاري أبهمه عمدا لما وقع عند أنه وهم ووقع عند مسلم إلى ثور، ~~فالمراد بهذا المبهم من عير إلى ثور، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: من ~~أحدث فيها حدثا أي عمل بخلاف السنة كمن ابتدع بها بدعة. زاد مسلم وأبو داود ~~في هذا الحديث: أو آوى محدثا. قوله: فعليه لعنة الله الخ، أي اللعنة ~~المستقرة من الله على الكفار، وأضيف إلى الله على سبيل التخصيص، والمراد ~~بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الابعاد عن رحمة الله. وقيل: المراد ~~باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر، وليس هو كلعن الكافر ~~واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر. قوله: # ما بين مأزميها قال النووي: المأزم بهمزة بعد الميم وكسر الزاي وهو ~~الجبل، وقيل: # المضيق بين جبلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه ما بين جبليها ~~انتهى. قوله: # ألا يهراق فيها دم فيه دليل على تحريم إراقة الدماء بالمدينة لغير ضرورة. ~~قوله: إلا لعلف هو بإسكان اللام مصدر وعلفت، وأما العلف بفتح اللام وهو اسم ~~الحشيش والتبن والشعير ونحوها، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف لا خبط ~~الأغصان وقطعها فإنه حرام. # قوله: عضاهها العضاه بالقصر وكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة كل ~~شجر فيه شوك وحداتها عضاهة وعضهة. قوله: وحماها كلها فيه دليل على أن حكم ~~حمى المدينة حكمها في تحريم صيده وشجره، وقد تقدم بيان مقدار الحمى أنه من ~~كل ناحية من نواحي المدينة بريد. # وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إني أحرم ms1972 ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها. وعن عامر بن ~~سعد: أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه، ~~فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من ~~غلامهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبى أن يرد عليهم رواهما أحمد ومسلم. وعن سليمان بن أبي عبد الله ~~قال: # رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فسلبه ثيابه فجاء مواليه فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حرم هذا الحرم وقال: من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم ~~سلبه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ولكن إن شئتم PageV05P104 # أعطيكم ثمنه أعطيتكم رواه أحمد وأبو داود وقال فيه: من أخذ أحدا يصيد فيه ~~فليسلبه ثيابه. # الحديث الأول وقد تقدم الكلام عليه. والحد الثالث أخرجه أيضا الحاكم ~~وصححه وفي إسناده سليمان بن أبي عبد الله المذكور قال أبو حاتم: ليس بمشهور ~~ولكن يعتبر بحديثه. قال الذهبي: تابعي وثق، وقد وهم البزار فقال: لا يعلم ~~روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا سعد، ولاعنه إلا ~~عامر، وهذا يرد عليه. وقد أخرجه أيضا أبو داود عن مولى لسعد عنه، ووهم أيضا ~~الحاكم فقال في حديث سعد: إن الشيخين لم يخرجاه وهو في مسلم كما عرفت. ~~قوله: فسلبه أي أخذ ما عليه من الثياب. قوله: # نفلنيه أي أعطانيه، قال في القاموس: نفله النفل ونفله وأنفله أعطاه إياه، ~~وقال أيضا. والنفل محركة الغنيمة والهبة. قوله: طعمة بضم الطاء وكسرها، ~~ومعنى الطعمة الاكلة، وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته. قوله: فليسلبه ثيابه ~~هذا ظاهر في أنها تؤخذ ثيابه جميعها. وقال الماوردي: يبقى له ما يستر ~~عورته، وصححه النووي، واختاره جماعة من أصحاب الشافعي. وبقصه سعد هذه احتج ~~من قال: إن من ms1973 صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه وهو قول ~~الشافعي في القديم. قال النووي: # وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة انتهى. وقد حكى ابن قدامة ~~عن أحمد في إحدى الروايتين القول به، قال: وروي ذلك عن ابن أبي ذئب وابن ~~المنذر انتهى. وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد ~~الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم. (وقد اختلف) في السلب فقيل: إنه لمن ~~سلبه. وقيل: # لمساكين المدينة. وقيل: لبيت المال، وظاهر الأدلة أنه للسالب وأنه طعمة ~~لكل من وجد فيه أحدا يصيد أو يأخذ من شجره. # باب ما جاء في صيدوج عن محمد بن عبد الله بن شيبان عن أبيه عن عروة بن ~~الزبير عن الزبير: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن صيد و ج وعضاهه حرم محرم لله ~~عز وجل رواه أحمد وأبو داود البخاري في تاريخه. ولفظه: إن صيد و ج حرام قال ~~البخاري: ولا يتابع عليه. PageV05P105 # الحديث سكت عنه أبو داود وحسنه المنذري، وسكت عنه عبد الحق أيضا، وتعقب ~~بما نقل عن البخاري أنه لم يصح، وكذا قال الأزدي، وذكر الذهبي أن الشافعي ~~صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه. وقال ابن حبان: محمد بن عبد الله المذكور ~~كان يخطئ، ومقتضاه تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره، فإن كان أخطأ فيه فهو ~~ضعيف، وقال العقيلي: لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف، وقال النووي في ~~شرح المهذب: # إسناده ضعيف، قال: وقال البخاري: لا يصح. وذكر الحلال في العلل أن أحمد ~~ضعفه. # قوله: ابن شيبان هكذا في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب، والصواب ابن إنسان ~~كما في سنن أبي داود وتاريخ البخاري، وكذا قال ابن حبان والذهبي والخزرجي ~~في الخلاصة. قال الذهبي في ترجمة محمد بن عبد الله بن شيبان هذا صوابه ابن ~~إنسان. # وقال في ترجمة عبد الله بن إنسان: له حديث في صيدوج، قال: ولم يرو عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms1974 إلا هذا الحديث. قوله: و ج بفتح الواو ~~وتشديد الجيم قال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة، وقال أصحابنا: ~~هو واد بالطائف. وقيل كل الطائف انتهى. وقال الحازمي في المؤتلف والمختلف ~~في الأماكن: و ج اسم لحصون الطائف، وقيل لواحد منها. وإنما اشتبه و ج بوح ~~بالحاء المهملة وهي ناحية نعمان. # قوله: وعضاهه بكسر العين كمسلف. قال الجوهري: العضاه كل شجر يعظم وله ~~شوك. قوله: حرم بفتح الحاء والراء الحرام كقولهم: زمن وزمان. قوله: محرم ~~لله تعالى تأكيد للحرمة (والحديث) يدل على تحريم صيد و ج وشجره. وقد ذهب ~~إلى كراهته الشافعي والامام يحيى، قال الشافعي في الاملاء: أكره صيد و ج ~~قال في البحر بعد أن ذكر هذا الحديث: إن صح فالقياس التحريم لكن منع منه ~~الاجماع انتهى. وفي دعوى الاجماع نظر، فإنه قد جزم جمهور أصحاب الشافعي ~~بالتحريم وقالوا: إن مراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم. قال ابن رسلان ~~في شرح السنن بعد أن ذكر قول الشافعي في الاملاء: وللأصحاب فيه طريقان ~~أصحهما وهو الذي أورده الجمهور القطع بتحريمه، قالوا: ومراد الشافعي ~~بالكراهة كراهة التحريم، ثم قال: وفيه طريقان أصحهما وهو قول الجمهور يعني ~~من أصحاب الشافعي أنه يأثم، فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شئ، لأن ~~الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد به الشرع، ولم يرد في هذا شئ. والطريق ~~الثاني حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها، PageV05P106 # وفي وجوب الضمان فيه خلاف انتهى. وقد قدمنا الخلاف في ضمان صيد المدينة ~~وشجرها. قال الخطابي: ولست أعلم لتحريمه معنى، إلا أن يكون ذلك على سبيل ~~الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن ذلك التحريم إنما كان في وقت ~~معلوم إلى مدة محصورة ثم نسخ. قال أبو داود في السنن: وكان ذلك يعني تحريم ~~و ج قبل نزوله صلى الله عليه وآله وسلم الطائف وحصاره ثقيفا انتهى والظاهر ~~من الحديث تأبيد التحريم، ومن دعى النسخ فعليه الدليل لأن الأصل عدمه، وأما ~~ضمان صيده وشجره على حد ضمان صيد ms1975 الحرم الملكي فموقوف على ورود دليل يدل ~~على ذلك، لأن الأصل براءة الذمة، ولا ملازمة بين التحريم والضمان. # أبواب دخول مكة وما يتعلق به باب من أين يدخل إليهم عن ابن عمر قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي ~~بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى رواه الجماعة إلا الترمذي. وعن ~~عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج ~~من أسفلها وفي رواية: دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة متفق عليهما. ~~وروى الثاني أبو داود وزاد: ودخل في العمرة من كدى. # قوله: من الثنية العليا الثنية كل عقبة في طريق أو جبل فإنها تسمى ثنية، ~~وهذه الثنية المعروفة بالثنية العليا هي التي ينزل منها إلى باب المعلى ~~مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت ~~صعبة المرتقى، فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ~~ثم سهلها كلها سلطان مصر الملك المؤيد. قوله: # من الثنية السفلى هي عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان ~~وعليها باب بني في القرن السابع. قوله: من كداء بفتح الكاف والمد، قال أبو ~~عبيدة: # لا تصرف وهي الثنية العليا المتقدم ذكرها. قوله: ودخل في العمرة من كدى ~~بضم الكاف والقصر وهي الثنية السفلى المتقدم ذكرها. قال عياض والقرطبي ~~وغيرهما: PageV05P107 # اختلف في ضبط كداء وكدا، فالأكثر على أن العلياء بالفتح والمد، والسفلى ~~بالقصر والضم، وقيل بالعكس. قال النووي: وهو غلط. قالوا: واختلف في المعنى ~~الذي لأجله خالف صلى الله عليه وآله وسلم بين طريقيه فقيل ليتبرك به، ~~وذكروا شيئا مما تقدم في العيد، وقد تقدم بسطه هنالك، وبعضه لا يتأتى ~~اعتباره هنا. وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه ~~من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه. وقيل: # لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها. وقيل: لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~خرج منها مختفيا ms1976 في الهجرة فأراد أن يدخلها ظافرا غالبا. وقيل: لأن من جاء ~~من تلك الجهة كان مستقبلا للبيت، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم ~~الفتح فاستمر على ذلك. # باب رفع اليدين إذا رأى البيت وما يقال عند ذلك عن جابر: وسئل عن الرجل ~~يرى البيت يرفع يديه فقال: قد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلم يكن يفعله رواه أبو داود والنسائي والترمذي. وعن ابن جريج قال: حدثت عن ~~مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ترفع الأيدي في ~~الصلاة وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع، وعند ~~الجمرتين، وعلى الميت. وعن ابن جريج: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ~~ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمر تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ~~رواهما الشافعي في مسنده. # حديث جابر قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث شعبة. وذكر الخطابي أن سفيان ~~الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ضعفوا حديث جابر هذا ~~لأن في إسناده مهاجرين عكرمة المكي وهو مجهول عندهم. وحديث ابن عباس أخرجه ~~أيضا البيهقي من حديث سفيان الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول به مرسلا، ~~وأبو سعيد هذا هو المصلوب وهو كذاب. ورواه الأزرقي في تاريخ مكة من حديث ~~مكحول أيضا بزيادة مهابة، وبرا في الموضعين وكذا ذكره الغزالي في الوسيط، ~~وتعقبه الرافعي بأن البر لا يتصور من البيت، وأجاب النووي بأن معناه أكثر ~~بر زائريه، ورواه سعيد بن منصور في السنن، PageV05P108 # له من طريق برد بن سنان: سمعت ابن قسامة يقول: إذا رأيت البيت فقل: اللهم ~~زد فذكره مثله. ورواه الطبراني في مسند حذيفة بن أسيد مرفوعا وفي إسناده ~~عاصم الكوري وهو كذاب، وحديث ابن جريج هو معضل فيما بين ابن جريج والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وفي إسناده سعيد بن سالم القداح وفيه مقال. قال ~~الشافعي بعد ms1977 أن أورده: # ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شئ فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقي: ~~فكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه (والحاصل) أنه ليس في الباب ما يدل على ~~مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل وأما ~~الدعاء عند رؤية البيت فقد رويت فهي أخبار وآثار منها ما في الباب. ومنها ~~ما أخرجه ابن المغلس أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام ~~ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام. # ورواه سعيد بن منصور في السنن عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر ~~عمر. # ورواه الحاكم عن عمر أيضا وكذلك رواه البيهقي عنه. # باب طواف القدوم والرمل والاضطباع فيه عن ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا، وكان ~~يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة وفي رواية: رمل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا وفي رواية: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم ~~فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة متفق عليهن. # قوله: الطواف الأول فيه دليل على أن الرمل إنما يشرع في طواف القدوم لأنه ~~الطواف الأول. قال أصحاب الشافعي: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج ~~أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل. قال النووي: بلا خلاف، ~~ولا يشرع أيضا في كل طوافات الحج بل إنما يشرع في واحد منها، وفيه قولان ~~مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعي، ويتصور ذلك في طواف القدوم وفي ~~طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع. والقول الثاني أنه لا يشرع إلا في ~~طواف القدوم، وسواء أراد السعي بعده أم لا، ويشرع في طواف العمرة إذ ليس ~~فيها إلا PageV05P109 # طواف واحد. قوله: خب ثلاثا ومشى أربعا الخبب بفتح المعجمة والموحدة بعدها ~~موحدة أخرى هو إسراع المشي ms1978 مع تقارب الخطأ وهو كالرمل. وفيه دليل على ~~مشروعية الرمل في الطواف الأول وهو الذي عليه الجمهور قالوا هو سنة. وقال ~~ابن عباس: ليس هو بسنة من شاء رمل ومن شاء لم يرمل (وفيه أيضا) دليل على أن ~~السنة أن يرمل في الثلاثة الأول ويمشي على عادته في الأربعة الباقية. قوله: ~~وكان يسعى الخ سيأتي الكلام على السعي. قوله: من الحجر إلى الحجر فيه دليل ~~على أنه يرمل في ثلاثة أشواط كاملة، قال في الفتح: ولا يشرع تدارك الرمل، ~~فلو تركه في الثلاثة لم يقضه في الأربعة لأن هيئتها السكينة ولا تتغير، ~~وكذا قالت الهادوية، قال: ويختص بالرجال فلا رمل على النساء، ويختص بطواف ~~يتعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماشي وراكب، ولا دم بتركه ~~عند الجمهور، واختلف في ذلك المالكية، وقد روي عن مالك أن عليه دما ولا ~~دليل على ذلك (واعلم) أنه قد اختلف في وجوب طواف القدوم، فذهبت العترة ~~ومالك وأبو ثور وبعض أصحاب الشافعي، إلى أنه فرض لقوله تعالى: * (وليطوفوا ~~بالبيت العتيق) * (سورة الحج، الآية: 29) ولفعله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقوله: خذوا عني مناسككم وقال أبو حنيفة: إنه سنة وقال الشافعي: هو كتحية ~~المسجد، قالا: لأنه ليس فيه إلا فعله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يدل ~~على الوجوب، وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال شارح البحر: إنها لا ~~تدل على طواف القدوم لأنها في طواف الزيارة إجماعا، والحق الوجوب لأن فعله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى: * (ولله على الناس ~~حج البيت) * وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # خذوا عني مناسككم. وقوله: حجوا كما رأيتموني أحج وهذا الدليل يستلزم وجوب ~~كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجه إلا ما خصه دليل، فمن ~~ادعى عدم وجوب شئ من أفعاله في الحج فعليه الدليل على ذلك وهذه كلية فعليك ~~بملاحظتها في جميع الأبحاث التي ستمر بك. # وعن يعلى بن أمية: أن النبي صلى ms1979 الله عليه وآله وسلم طاف مضطبعا وعليه ~~برد رواه ابن ماجة والترمذي وصححه وأبو داود وقال: ببرد له أخضر وأحمد ~~ولفظه: لما قدم مكة طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي. وعن ابن عباس: ~~PageV05P110 # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اعتمروا من جعرانة فرملوا ~~بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى رواه أحمد ~~وأبو داود. # حديث يعلى بن أمية صححه الترمذي كما ذكره المصنف وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري وحديث ابن عباس أخرج نحوه الطبراني، وسكت عنه أيضا أبو داود ~~والمنذري والحافظ في التلخيص ورجاله رجال الصحيح، وقد صحح حديث الاضطباع ~~النووي في شرح مسلم. قوله: مضطبعا هو افتعال من الضبع بإسكان الباء الموحدة ~~وهو العضد، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر، ~~ويكون منكبه الأيمن مكشوفا، كذا في شرح مسلم للنووي، وشرح البخاري للحافظ، ~~وهذه الهيئة هي المذكورة في حديث ابن عباس المذكور، والحكمة في فعله أنه ~~يعين على إسراع المشي، وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور سوى مالك قاله ابن ~~المنذر، قال أصحاب الشافعي: وإنما يستحب الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل. ~~قوله: # ببرد له حضرمي لفظ أبي داود: ببرد أخضر. قوله: تحت آباطهم قال ابن رسلان: ~~المراد أن يجعله تحت عاتقه الأيمن. قوله: ثم قذفوها أي طرحوا طرفيها. # قوله: على عواتقهم العاتق المنكب. # وعن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فقال ~~المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركعتين، ولم ~~يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم متفق عليه. وعن ~~ابن عباس قال: رمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجته وفي عمره ~~كلها وأبو بكر وعمر والخلفاء رواه أحمد. وعن عمر قال: فيما الرملان الآن ~~والكشف عن المناكب وقد أطى الله الاسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ms1980 ندع ~~شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرمل ~~في السبع الذي أفاض فيه رواه أبو داود وابن ماجة. # حديث ابن عباس الثاني أخرجه أحمد من طريق أبي معاوية عن ابن جريج عن عطاء ~~عنه، وذكره في التلخيص وسكت عنه. وأثر عمر أخرجه أيضا البزار والحاكم ~~والبيهقي، PageV05P111 # وأصله في البخاري بلفظ: ما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد ~~أهلكهم الله تعالى، ثم قال: شئ صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ~~نحب أن نتركه، وعزاه البيهقي إليه ومراده أصله. وحديث ابن عباس الثالث ~~أخرجه أيضا النسائي والحاكم. # قوله: يقدم بفتح الدال، وأما بضم الدال فمعناه يتقدم. قوله: وهنتهم ~~بتخفيف الهاء وقد يستعمل رباعيا. قال الفراء: يقال وهنه الله وأوهنه، ومعنى ~~وهنتهم أضعفتهم. # قوله: حمى يثرب هو اسم المدينة في الجاهلية، وسميت في الاسلام المدينة ~~وطيبة وطابة. قوله: الأشواط بفتح الهمزة وسكون المعجمة جمع شوط وهو الجري ~~مرة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة، وهذا دليل على جواز ~~تسمية الطواف شوطا. وقال مجاهد والشعبي: إنه يكره تسميته شوطا والحديث يرد ~~عليهما. # قوله: إلا الابقاء بكسر الهمزة وبالموحدة والقاف الرفق والشفقة وهو ~~بالرفع على أنه فاعل لم يمنعه ويجوز النصب (وفي الحديث) جواز إظهار القوة ~~بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء ~~المذموم، وفيه جواز المعاريض بالفعل كما تجوز بالقول. قال في الفتح: وربما ~~كانت بالفعل أولى. قوله: وفي عمره كلها فيه دليل على مشروعية الرمل في طواف ~~العمرة. قوله: فيما الرملان بإثبات ألف ما الاستفهامية وهي لغة والأكثر ~~يحذفونها، والرملان مصدر رمل. # قوله: والكشف عن المناكب هو الاضطباع. قوله: أطى أصله وطى فأبدلت الواو ~~همزة كما في وقت واقت ومعناه مهد وثبت. قوله: ومع ذلك لا ندع شيئا كنا ~~نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms1981 زاد الإسماعيلي في آخره: ~~ثم رمل (وحاصله) أن عمر كان قد هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد ~~انقضى، فهم أن يتركه لفقد سببه ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن يكون له حكمة ما ~~اطلع عليها، فرأى أن الاتباع أولى، ويؤيد مشروعية الرمل على الاطلاق ما ثبت ~~في حديث ابن عباس أنهم رملوا في حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقد نفى الله في ذلك الوقت الكفر وأهله عن مكة. والرمل في حجة ~~الوداع ثابت أيضا من حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره. PageV05P112 # باب ما جاء في استلام الحجر الأسود وتقبيله وما يقال حينئذ عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يأتي هذا الحجر يوم القيامة ~~له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق رواه أحمد وابن ~~ماجة والترمذي. وعن عمر: أنه كان يقبل الحجر ويقول: # إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقبلك ما قبلتك رواه الجماعة. وعن ابن عمر وسئل عن استلام ~~الحجر فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستلمه ويقبله رواه ~~البخاري. # وعن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده وقال ما تركته ~~منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله متفق عليه. # حديث ابن عباس صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس ~~عند الحاكم. قوله: لا تضر ولا تنفع أخرج الحاكم من حديث أبي سعيد أن عمر ~~لما قال هذا قال له علي بن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله تعالى ~~لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، وقد سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد ~~لمن استلمه بالتوحيد وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدا، ولكنه يشد ~~عضده حديث ابن ms1982 عباس المتقدم. قال الطبري: إنما قال عمر ذلك لأن الناس كانوا ~~حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب ~~تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد أن يعلم الناس أن ~~استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا لأن الحجر يضر ~~وينفع بذاته كما كانت الجاهلية تعبد الأوثان. قوله: ولولا أني رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ فيه استحباب تقبيل الحجر الأسود، وإليه ~~ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وسائر العلماء. وحكى ابن المنذر عن عمر ~~بن الخطاب وابن عباس وطاوس والشافعي وأحمد أنه يستحب بعد تقبيل الحجر ~~السجود عليه بالجبهة، وبه قال الجمهور وروي عن مالك أنه بدعة، واعترف ~~القاضي عياض بشذوذ مالك في ذلك. وقد PageV05P113 # أخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس موقوفا: أنه كان يقبل الحجر الأسود ~~ويسجد عليه ورواه الحاكم والبيهقي من حديثه مرفوعا. ورواه أبو داود ~~الطيالسي والدارمي وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو علي بن السكن والبيهقي ~~من حديث جعفر بن عبد الله الحميدي. وقيل المخزومي بإسناد متصل بابن عباس ~~أنه رأى عمر يقبله ويسجد عليه ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فعل هذا، وهذا لفظ الحاكم. قال الحافظ: قال العقيلي: في حديثه هذا ~~يعني جعفر بن عبد الله وهم واضطراب. قوله: يستلمه ويقبله فيه دليل على أنه ~~يستحب الجمع بين استلام الحجر وتقبيله، والاستلام المسح باليد، والتقبيل ~~لها كما في حديث ابن عمر الآخر والتقبيل يكون بالفم فقط. # وعن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع على ~~بعير يستلم الركن بمحجن متفق عليه. وفي لفظ: طاف رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشئ في يده وكبر رواه ~~أحمد والبخاري. وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن رواه ms1983 مسلم ~~وأبو داود وابن ماجة. وعن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: # يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة ~~فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر رواه أحمد. # حديث عمر في إسناده راو لم يسم. قوله: بمحجن بكسر الميم وسكون المهملة ~~وفتح الجيم وبعدها نون هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سمي ~~الحجون، والاستلام افتعال من السلام بالفتح أي التحية قاله الأزهري. وقيل ~~من السلام بالكسر أي الحجارة، والمعنى: أنه يومي بعصاه إلى الركن حتى ~~يصيبه. قوله: وكبر فيه دليل على استحباب التكبير حال استلام الركن. قوله: ~~ويقبل المحجن في رواية ابن عمر المتقدمة أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده ~~وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله. ولسعيد ~~بن منصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرا إذا ~~استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل وابن عباس، قال: وابن عباس أحسبه قال ~~كثيرا، قال في الفتح: ولهذا قال الجمهور: إن السنة أن يستلم الركن ويقبل ~~يده، فإن لم يستطع أن يستلمه PageV05P114 # بيده استلمه بشئ في يده وقبل ذلك الشئ، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى ~~بذلك. وعن مالك في رواية لا يقبل يده، وبه قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، ~~وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، وقد استنبط بعضهم ~~من مشروعية تقبيل الحجر وكذلك تقبيل المحجن جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم ~~من آدمي وغيره، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وتقبيل قبره فلم ير به بأسا، واستبعد بعض أصحابه صحة ~~ذلك. ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل ~~المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين، كذا في الفتح. قوله: قال له: يا عمر ~~إنك رجل قوي الخ فيه دليل على أنه لا يجوز لمن كان له فضل قوة أن ms1984 يضايق ~~الناس إذا اجتمعوا على الحجر لما يتسبب عن ذلك من أذية الضعفاء والاضرار ~~بهم، ولكنه يستلمه خاليا إن تمكن، وإلا اكتفى بالإشارة والتهليل والتكبير ~~مستقبلا له. وقد روى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال: # لا يؤذي ولا يؤذى. # باب استلام الركن اليماني مع الركن الأسود دون الآخرين عن ابن عمر: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن مسح الركن اليماني والركن الأسود ~~يحط الخطايا حطا رواه أحمد والنسائي. وعن ابن عمر قال: لم أر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يمس من الأركان إلا اليمانيين رواه الجماعة إلا ~~الترمذي، لكن له معناه من رواية ابن عباس. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان لا يدع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل طوافه رواه ~~أحمد وأبو داود. # وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل الركن ~~اليماني ويضع خده عليه رواه الدارقطني. وعن ابن عباس قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله رواه البخاري في تاريخه. # حديث ابن عمر الأول في إسناده عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط، ~~وحديثه الثالث في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وفيه مقال. قال يحيى إن ~~سليم الطائفي: كان يرى الارجاء. وقال يحيى القطان: هو ثقة لا يترك لرأي ~~أخطأ فيه. PageV05P115 # وقال ابن المبارك: كان يتكلم ودموعه تسيل، ووثقه ابن معين وأبو حاتم. ~~وقال ابن عدي: في أحاديثه ما يتابع عليه. وحديث ابن عباس الذي فيه أنه كان ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه رواه أبو يعلى ~~وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف. قوله: إلا اليمانيين بتخفيف ~~الياء على المشهور لأن الألف عوض عن ياء النسبة، فلو شددت كان جمعا بين ~~العوض والمعوض، وجوزه سيبويه، وإنما اقتصر صلى الله عليه وآله وسلم على ~~استلام اليمانيين لما ثبت في الصحيحين من قول ابن عمر: ms1985 إنهما على قواعد ~~إبراهيم دون الشاميين، ولهذا كان ابن الزبير بعد عمارته للكعبة على قواعد ~~إبراهيم يستلم الأركان كلها كما روى ذلك عنه الأزرقي في كتاب مكة، فعلى هذا ~~يكون للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان: كونه الحجر الأسود، وكونه ~~على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين أعني الشاميين شئ ~~منهما، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان ~~على رأي الجمهور. وروى ابن المنذر وغيره استلام الأركان جميعا عن جابر وأنس ~~والحسن والحسين من الصحابة، وعن سويد بن غفلة من التابعين. وقد أخرج ~~البخاري ومسلم أن عبيد بن جريج قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا ~~من أصحابك يصنعها فذكر منها: ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، وفيه ~~دليل على أن الذين رآهم عبيد كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين ~~اليمانيين. قوله: # ويضع خده عليه فيه مشروعية وضع الخد على الركن اليماني وتقبيله، وقد ذهب ~~إلى استحباب تقبيل الركن اليماني بعض أهل العلم كما قال صاحب الفتح تمسكا ~~بما ذكره المصنف من حديث ابن عباس عند البخاري في التاريخ والدارقطني، ولكن ~~الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يستلمه فقط، نعم ليس في اقتصار ابن عمر على التسليم ما ينفي ~~التقبيل، فإن صح ما روي عن ابن عباس تعين العمل به. # باب الطائف يجعل البيت عن يساره ويخرج في طوافه عن الحجر عن جابر: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمقدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على ~~يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا رواه مسلم والنسائي. PageV05P116 # وعن عائشة قالت: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحجر أمن البيت ~~هو؟ # قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم ~~النفقة، قالت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ~~ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر ms1986 قلوبهم ~~أن أدخل الحجر في البيت وأن ألصق بابه الأرض متفق عليه. وفي رواية قالت: ~~كنت أحب أن أدخل البيت أصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بيدي فأدخلني الحجر فقال لي: صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو ~~قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت رواه ~~الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي. وفيه إثبات التنفل في الكعبة. # قوله: أتى الحجر فاستلمه الخ فيه دليل على أنه يستحب أن يكون ابتداء ~~الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه، وحكي في البحر عن الشافعي والامام ~~يحيى أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض. قوله: ثم مشى على يمينه استدل ~~به على مشروعية مشي الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلا للبيت على ~~يساره. وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرطا لصحة الطواف الأكثر، قالوا: فلو ~~عكس لم يجزه. قال في البحر: # ولا خلاف إلا عن محمد بن داود الأصفهاني وأنكر عليه وهموا بقتله انتهى. ~~ولا يخفاك أن الحكم على بعض أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم في الحج ~~بالوجوب لأنها بيان لمجمل واجب، وعلى بعضها بعدمه تحكم محض لفقد دليل يدل ~~على الفرق بينها. قوله: # أمن البيت هو؟ قال: نعم هذا ظاهر بأن الحجر كله من البيت، ويدل على ذلك ~~أيضا قوله في الرواية الثانية: فإنما هو قطعة من البيت وبذلك كان يفتي ابن ~~عباس، فأخرج عبد الرزاق أنه قال: لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير ~~لأدخلت الحجر كله في البيت، ولكن ما ورد من الروايات القاضية بأنه كله من ~~البيت مقيد بروايات صحيحة منها عند مسلم من حديث عائشة بلفظ: حتى أزيد فيه ~~من الحجر وله من وجه آخر عنها مرفوعا بلفظ: فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي ~~فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع وله أيضا عنها مرفوعا ~~بلفظ: وزدت فيها من الحجر سبعة أذرع وفي رواية للبخاري عن عروة: أن ذلك ~~مقدار ستة أذرع ms1987 ولسفيان بن عيينة PageV05P117 # في جامعه أن ابن الزبير زاد ستة أذرع، وله أيضا عنه أنه زاد ستة أذرع ~~وشبرا، وهذا ذكره الشافعي في عدد من لقيهم من أهل العلم من قريش كما أخرجه ~~البيهقي في المعرفة عنه. وقد اجتمع من الروايات ما يدل على أن الزيادة فوق ~~ستة أذرع ودون سبعة. وأما ما رواه مسلم عن عطاء عن عائشة مرفوعا بلفظ: لكنت ~~أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع فقال في الفتح: هي شاذة والروايات السابقة ~~أرجح لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ. قال الحافظ: ثم ظهر لي لرواية ~~عطاء وجه وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر فتجتمع مع ~~الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشئ، ولهذا وقع عند ~~الفاكهي من حديث أبي عمرو بن عدي بن الحمراء: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال لعائشة في هذه القصة: # ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع فيحمل هذا على إلغاء الكسر، ورواية ~~عطاء على جبره، وتحصيل الجمع بين الروايات كلها بذلك. قوله: إن قومك أي ~~قريشا. قوله: # قصرت بهم النفقة بتشديد الصاد أي النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك، كما ~~جزم به الأزرقي وغيره، وتوضيحه ما ذكره ابن إسحاق في السيرة عن أبي وهب ~~المخزومي أنه قال لقريش: لا تدخلوا فيه كسبكم إلا طيبا، ولا تدخلوا فيه مهر ~~بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. قوله: ليدخلوا من شاؤوا زاد ~~مسلم: فكان الرجل إذا أراد أن يدخلها يدعونه ليرتقي حتى إذا كاد أن يدخل ~~دفعوه فسقط. قوله: # حديث عهد في لفظ للبخاري: حديث عهدهم بتنوين حديث. قوله: بالجاهلية في ~~رواية للبخاري: بجاهلية، وفي أخرى له: بكفر. ولأبي عوانة: بشرك. قوله: ~~فأخاف أن تنكر قلوبهم في رواية للبخاري: تنفر ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم ~~أن النفرة التي خشيها صلى الله عليه وآله وسلم أن ينسبوه إلى الفخر دونهم، ~~وجواب لولا محذوف، وقد رواه مسلم بلفظ: فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل ms1988 ~~الحجر ورواه الإسماعيلي بلفظ: لنظرت فأدخلت وفيه دليل على أنه يجوز للعالم ~~ترك التعريف ببعض أمور الشريعة إذا خشي نفرة قلوب العامة عن ذلك. ~~PageV05P118 # باب الطهارة والسترة للطواف في حديث أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # لا يطوف بالبيت عريان. وعن عائشة: أن أول شئ بدأ به النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت متفق عليهما. وعن عائشة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف رواه ~~أحمد وهو دليل على جواز السعي مع الحدث. وعن عائشة أنها قالت: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمست، ~~فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أبكي فقال: ما لك لعلك ~~نفست فقالت: # نعم، قال: هذا شئ كتبه الله عز وجل على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج ~~غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري متفق عليه. ولمسلم في رواية: فاقضي ما ~~يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي. # حديث عائشة الثاني أخرجه باللفظ المذكور ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من ~~حديث ابن عمر، وأخرج نحوه الطبراني عنه بإسناد فيه متروك، وقد تقدم نحوه من ~~حديث ابن عباس في باب ما يصنع من أراد الاحرام. قوله: لا يطوف بالبيت عريان ~~فيه دليل على أنه يجب ستر العورة في حال الطواف. وقد اختلف هل الستر شرط ~~لصحة الطواف أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهبت الحنفية والهادوية إلى ~~أنه ليس بشرط، فمن طاف عريانا عند الحنفية أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه ~~دم. وذكر ابن إسحاق في سبب طواف الجاهلية كذلك أن قريشا ابتدعت قبل الفيل ~~أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ~~ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانا، فإن خالف فطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ~~ثم لم ينتفع بها، ms1989 فجاء الاسلام بهدم ذلك. قوله: توضأ ثم طاف لما كان هذا ~~الفعل بيانا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: خذوا عني مناسككم صلح ~~للاستدلال به على الوجوب، والخلاف في كون الطهارة شرطا أو غير شرط كالخلاف ~~في الستر. قوله: تقضي المناسك كلها أي نفعل المناسك كلها، وفيه دليل ~~PageV05P119 # على أن الحائض تسعى. ويؤيده قوله في حديث عائشة المذكور في الباب: افعلي ~~ما يفعل الحاج الخ، ولكنه قد زاد ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر الذي أشرنا ~~إليه بعد قوله: إلا الطواف ما لفظه: وبين الصفا والمروة، وكذلك زاد هذه ~~الزيادة الطبراني من حديثه. وقد قال الحافظ: إن إسناد ابن أبي شيبة صحيح. ~~وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهارة غير واجبة ولا شرط فالسعي، ولم يحك ابن ~~المنذر القول بالوجوب إلا عن الحسن البصري. قال في الفتح: وقد حكى المجد بن ~~تيمية من الحنابلة يعني المصنف رواية عندهم مثله. قوله: نفست بفتح النون ~~وكسر الفاء الحيض، وبضم النون وفتحها الولادة، والطمث الحيض أيضا. قوله: ~~حتى تطهري بفتح التاء والطاء المهملة وتشديد الهاء أيضا وهو على حذف أحد ~~التاءين وأصله تتطهري، والمراد بالطهارة الغسل كما وقع في رواية مسلم ~~المذكور في الباب. # (والحديث) ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل، والنهي ~~يقتضي الفساد المرادف للبطلان، فيكون طواف الحائض باطلا وهو قول الجمهور، ~~وذهب جمع من الكوفيين، إلى أن الطهارة غير شرط، وروي عن عطاء: إذا طافت ~~المرأة ثلاثة أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها. # باب ذكر الله في الطواف عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر: * (ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) * رواه أحمد وأبو داود وقال: ~~بين الركنين وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وكل به ~~يعني الركن اليماني سبعون ملكا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في ~~الدنيا والآخرة، * (ربنا آتنا في الدنيا ms1990 حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار) * قالوا آمين. وعن أبي هريرة: # أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من طاف بالبيت سبعا ولا ~~يتكلم إلا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله، محيت عنه عشر سيئات، وكتب له عشر حسنات، ورفع له بها عشر ~~درجات رواهما ابن PageV05P120 # ماجة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما جعل ~~الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه: إنما جعل رمي الجمار والسعي بين ~~الصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى. # حديث عبد الله بن السائب أخرجه أيضا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم. # وحديث أبي هريرة الأول في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، وفي إسناده ~~أيضا هشام ابن عمار وهو ثقة تغير بآخره. والحديث قد ذكره الحافظ في ~~التلخيص. # وحديثه الثاني ساقه ابن ماجة هو وحديثه الأول المذكور هنا بإسناد واحد، ~~وفيه إسماعيل بن عياش وهشام بن عمار، وقد ذكره في التلخيص أيضا وقال: ~~إسناده ضعيف. وحديث عائشة سكت عنه أبو داود، وذكر المنذري أن الترمذي قال: ~~إنه حديث حسن صحيح. وفي الباب (عن ابن عباس) عند ابن ماجة والحاكم: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو بهذا الدعاء بيد الركنين: اللهم ~~قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه وأخلف علي كل غائبة لي بخير. وعن أبي هريرة ~~عند البزار غير ما ذكره المصنف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وعن ~~عبد الله بن السائب حديث آخر عند ابن عساكر من طريق ابن ناجية بسند له ~~ضعيف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ابتداء طوافه: بسم ~~الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة ~~نبيك محمد قال الحافظ: لم أجده هكذا. # وقد ذكره صاحب المهذب ms1991 من حديث جابر، وقد بيض له المنذري والنووي، ورواه ~~الشافعي عن ابن أبي نجيح. قال: أخبرت أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا؟ قال قولوا: بسم الله ~~والله أكبر إيمانا بالله وتصديقا لما جاء به محمد قال في التلخيص: وهو في ~~الام عن سعيد بن سالم عن ابن جريج. (وفي الباب) أيضا عن ابن عمر من حديثه: ~~كان إذا استلم الحجر قال بسم الله والله أكبر وسنده صحيح. وروى العقيلي ~~أيضا من حديثه: كان إذا أراد أن يستلم يقول: اللهم إيمانا بك وتصديقا ~~بكتابك واتباعا لسنة نبيك، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~يستلمه PageV05P121 # رواه الواقدي في المغازي مرفوعا. وعن علي عند البيهقي والطبراني من طريق ~~الحرث الأعور: أنه كان إذا مر بالحجر الأسود فرأى عليه زحاما استقبله وكبر ~~ثم قال: اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك وعن عمر عند ~~أحمد وقد تقدم في باب ما جاء في استلام الحجر (وأحاديث الباب) تدل على ~~مشروعية الدعاء بما اشتملت عليه في الطواف، وقد حكي في البحر عن الأكثر أنه ~~لا دم على من ترك مسنونا. وعن الحسن البصري والثوري وابن الماجشون أنه ~~يلزم. # باب الطواف راكبا لعذر عن أم سلمة: أنها قدمت وهي مريضة فذكرت ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة رواه الجماعة ~~إلا الترمذي. وعن جابر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبيت ~~وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه ~~الناس وليشرف ويسألوه فإن الناس غشوه رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # وعن عائشة قالت: طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع على ~~بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف عنه الناس رواه مسلم. وعن ابن عباس: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته ~~كلما أتى على الركن استلم ms1992 الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف ~~بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا ~~وكذبوا، قلت وما قولك: صدقوا وكذبوا، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، ~~قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يضرب الناس بين يديه، فلما ~~كثروا عليه ركب، والمشي والسعي أفضل رواه أحمد ومسلم. # حديث ابن عباس الأول في إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به، وقال ~~البيهقي في حديث يزيد بن أبي زياد لفظة لم يوافق عليها. وهي قوله: وهو ~~يشتكي وقد PageV05P122 # أنكره الشافعي وقال: لا أعلمه اشتكى في تلك الحجة. قوله: طوفي من وراء ~~الناس هذا يقتضي منع طواف الراكب في المطاف. قال في الفتح: لا دليل في ~~طوافه صلى الله عليه وآله وسلم راكبا على جواز الطواف راكبا بغير عذر، ~~وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها. قال: ~~والذي يترجح المنع، لأن طوافه صلى الله عليه وآله وسلم وكذا أم سلمة كان ~~قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز ~~بعد التحويط، بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي. قوله: ~~لأن يراه الناس الخ، فيه بيان العلة التي لأجلها طاف صلى الله عليه وآله ~~وسلم راكبا، وكذلك قول عائشة كراهية أن يصرف الناس عنه. # وفي رواية لمسلم: كراهية أن يضرب بالباء الموحدة. قال النووي: وكلاهما ~~صحيح. وكذلك قول ابن عباس وهو يشتكي، وقد ترجم عليه البخاري فقال باب ~~المريض: يطوف راكبا، وكأنه أشار إلى هذا الحديث. وكذلك قول ابن عباس في ~~حديثه الآخر: فلما كثروا عليه، فإن هذه الألفاظ كلها مصرحة بأن طوافه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان لعذر، فلا يلحق به من لا عذر له. وقد ms1993 استدل أصحاب ~~مالك وأحمد بطوافه صلى الله عليه وآله وسلم راكبا على طهارة بول ما يؤكل ~~لحمه وروثه قالوا: لأنه لا يؤمن ذلك من البعير ولو كان نجسا لما عرض المسجد ~~له، ويرد ذلك بوجوه: أما أولا فلأنه لم يكن إذ ذاك قد حوط المسجد كما تقدم. ~~وأما ثانيا، فلأنه ليس من لازم الطواف على البعير أن يبول. وأما ثالثا ~~فلأنه يطهر منه المسجد، كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقر إدخال الصبيان ~~الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم. وأما رابعا فلأنه يحتمل أن تكون ~~راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له. قوله: # صدقوا وكذبوا الخ، لفظ أبي داود: قال صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا ~~وكذبوا؟ # قال: صدقوا قد طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصفا والمروة ~~على بعير، وكذبوا ليست بسنة. وحديث ابن عباس هذا يدل على جواز الطواف بين ~~الصفا والمروة للراكب لعذر. قال ابن رسلان في شرح السنن بعد أن ذكر حديث ~~ابن عباس هذا ما لفظه: وهذا الذي قاله ابن عباس مجمع عليه انتهى. يعني نفي ~~كون الطواف بصفة الركوب سنة، بل الطواف من الماشي أفضل. PageV05P123 # باب ركعتي الطواف والقراءة فيهما واستلام الركن بعدهما رواهما ابن عمر ~~وابن عباس وقد سبق. وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) * (سورة ~~البقرة، الآية: 125) فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب و * (قل يا أيها ~~الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) * ثم عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج إلى ~~الصفا رواه أحمد ومسلم والنسائي وهذا لفظه. # وقيل للزهري إن عطاء يقول: تجزي المكتوبة من ركعتي الطواف؟ فقال: السنة ~~أفضل لم يطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسبوعا إلا صلى ركعتين أخرجه ~~البخاري. # حديث ابن عمر الذي أشار إليه المصنف تقدم في باب استلام الركن اليماني، ~~وكذلك تقدم في باب ما جاء في استلام الحجر وحديث ابن عباس المشار إليه تقدم ~~في ms1994 مواضع منها باب استلام الحجر، وكذلك باب استلام الركن اليماني وفي باب ~~الطواف راكبا. # قوله: واتخذوا في الروايات بكسر الخاء على الامر وهي إحدى القراءتين، ~~والأخرى بالفتح على الحبر والامر دال على الوجوب. قال في الفتح: لكن انعقد ~~الاجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة فدل على عدم التخصيص، وهذا ~~بناء على أن المراد بمقام إبراهيم الذي فيه أثر قدميه وهو موجود الآن. وقال ~~مجاهد: # المراد بمقام إبراهيم الحرم كله والأول أصح. قوله: فقرأ فاتحة الكتاب الخ ~~فيه استحباب القراءة بهاتين السورتين مع فاتحة الكتاب واستلام الركن بعد ~~الفراغ. # وقد اختلف في وجوب هاتين الركعتين، فذهب أبو حنيفة وهو مروي عن الشافعي ~~في أحد قوليه إلى أنهما واجبتان، وبه قال الهادي والقاسم، واستدلوا بالآية ~~المذكورة، وأجيب عن ذلك بأن الامر فيها إنما هو باتخاذ المصلى لا بالصلاة، ~~وقد قال الحسن البصري وغيره: إن قوله مصلى أي قبلة، وقال مجاهد: أي مدعي ~~يدعي عنده. قال الحافظ: ولا يصح حمله عن مكان الصلاة لأنه لا يصلي فيه بل ~~عنده. قال: ويترجح قول الحسن بأنه جار على المعنى الشرعي، واستدلوا ثانيا ~~بالأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى ركعتين بعد ~~فراغه من الطواف ولازم ذلك، من جملتها PageV05P124 # ما ذكره المصنف في الباب قالوا: وهي بيان مجمل واجب، فيكون ما اشتملت ~~عليه واجبا. # وقال مالك والشافعي في أحد قوليه والناصر أنهما سنة، لما تقدم في الصلاة ~~من حديث ضمام بن ثعلبة لما قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أخبره ~~بالصلوات الخمس هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، وقد أسلفنا في الصلاة ~~الجواب عن هذا الدليل. قوله: إلا صلى ركعتين استدل به من قال: إنها لا تجزئ ~~المكتوبة عن ركعتي الطواف، وتعقب بأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صلى ~~ركعتين أعم من أن يكون ذلك نفلا أو فرضا لأن الصبح ركعتان. # باب السعي بين الصفا والمروة عن حبيبة بنت أبي تجراة. قالت رأيت ms1995 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو ~~وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي تدور به إزاره وهو يقول: ~~اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي. # وعن صفية بنت شيبة: أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بين الصفا والمروة يقول: كتب عليكم السعي فاسعوا رواهما أحمد. # الحديث الأول أخرجه الشافعي أيضا وغيره من حديث صفية بنت شيبة عن حبيبة، ~~فلعل المرأة المبهمة في حديث صفية هي حبيبة وفي إسناده عبد الله بن المؤمل ~~وهو ضعيف، وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس. # قال في الفتح: وإذا انضمت إلى الأولى قويت، قال: واختلف على صفية بنت ~~شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد ~~وقع عند الدارقطني عنها: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار فلا يضره الاختلاف. ~~وحديث صفية بنت شيبة قال في مجمع الزوائد: في إسناده موسى بن عبيدة وهو ~~ضعيف، والعمدة في الوجوب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: خذوا عني مناسككم. ~~قوله: تجراه قال في الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ~~ثم هاء PageV05P125 # وهي إحدى نساء بني عبد الدار. قوله: تدور به إزاره في لفظ آخر: وإن مئزره ~~ليدور من شدة السعي والضمير في قوله به يرجع إلى الركبتين أي تدور إزاره ~~بركبتيه. قوله: فإن الله كتب عليكم السعي استدل به من قال: بأن السعي فرض ~~وهم الجمهور، وعند الحنفية أنه واجب يجبر بالدم، وحكاه في البحر عن العترة، ~~وبقال الثوري في الناسي خلاف العامد، وبه قال عطاء، وعنه أنه سنة لا يجب ~~بتركه شئ، وبه قال أنس فيما نقله عنه ابن المنذر، واختلف عن أحمد كهذه ~~الأقوال الثلاثة. وقد أغرب الطحاوي فقال: قد أجمع العلماء على أنه لو حج ~~ولم يطف بالصفا والمروة أن حجه قد تم وعليه دم، والذي حكاه صاحب الفتح ~~وغيره عن الجمهور أنه ركن لا ms1996 يجبر بالدم ولا يتم الحج بدونه، وأغرب ابن ~~العربي فحكى أن السعي ركن في العمرة بالاجماع وإنما الخلاف في الحج، وأغرب ~~أيضا المهدي في البحر فحكى الاجماع على الوجوب. قال ابن المنذر: إن ثبت ~~يعني حديث حبيبة فهو حجة في الوجوب. قال في الفتح: العمدة في الوجوب قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: خذوا عني مناسككم قلت: وأظهر من هذا في الدلالة ~~على الوجوب حديث مسلم: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا ~~والمروة. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من طوافه أتى ~~الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء ~~أن يدعو رواه مسلم وأبو داود. وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم طاف وسعى رمل ثلاثا ومشى أربعا ثم قرأ: * (واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى) * (سورة البقرة، الآية: 125) فصلى سجدتين وجعل المقام بينه وبين ~~الكعبة، ثم استلم الركن ثم خرج فقال: # إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدؤوا بما بدأ الله به رواه النسائي. ~~وفي حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دنا من الصفا قرأ: * ~~(إن الصفا والمروة من شعائر الله) * (سورة البقرة، الآية: 158) أبدأ بما ~~بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد ~~الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب ~~وحده، ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت ~~قدماه PageV05P126 # في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما ~~فعل على الصفا رواه مسلم وكذلك أحمد والنسائي بمعناه. # قوله: فعلا عليه استدل به من قال: بأن صعود الصفا واجب وهو أبو حفص بن ~~الوكيل من أصحاب الشافعي، وخالفه غيره من الشافعية وغيرهم ms1997 فقالوا: هو سنة، ~~وقد تقدم أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم بيان لمجمل واجب. قوله: فجعل ~~يحمد الله ويدعو ما شاء فيه استحباب الحمد والدعاء على الصفا. قوله: طاف ~~وسعى رمل ثلاثا فيه دليل على أنه يستحب أن يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في ~~الباقي. قوله: واتخذوا الآية قد تقدم أن الروايات بكسر الخاء وهي إحدى ~~القراءتين. قوله: إن الصفا والمروة من شعائر الله قال الجوهري: الشعائر ~~أعمال الحج وكل ما جعل علما لطاعة الله. قوله: فابدؤوا بما بدأ الله به ~~بصيغة الامر في رواية النسائي وصححه ابن حزم والنووي في شرح مسلم وله طرق ~~عند الدارقطني، ورواه مسلم بلفظ: أبدأ بصيغة الخبر كما في الرواية المذكورة ~~في الباب. ورواه أحمد ومالك وابن الجارود وأبو داود والترمذي وابن ماجة ~~وابن حبان والنسائي أيضا نبدأ بالنون. قال أبو الفتح القشيري: مخرج الحديث ~~عندهم واحد، وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية نبدأ ~~بالنون التي للجمع، قال الحافظ: وهم أحفظ من الباقين. # وقد ذهب الجمهور إلى أن البداءة بالصفا والختم بالمروة شرط. وقال عطاء: ~~يجزى الجاهل العكس، وذهب الأكثر إلى أن من الصفا إلى المروة شوط، ومنها ~~إليه شوط آخر. # وقال الصيرفي وابن خيران وابن جرير: بل من الصفا إلى الصفا شوط، ويدل على ~~الأول ما في حديث جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم فرع من آخر سعيه ~~بالمروة. قوله: لما دنا من الصفا قرأ الخ فيه دليل على أنها تستحب قراءة ~~هذه الآية عند الدنو من الصفا، وأنه يستحب صعود الصفا واستقبال القبلة ~~والتوحيد والتكبير والتهليل وتكرير الدعاء والذكر بين ذلك ثلا ث مرات. وقال ~~جماعة من أصحاب الشافعي: يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين فقط. قال النووي: ~~والصواب الأول. قوله: وهزم الأحزاب وحده معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ~~ولا سبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة وقيل ms1998 ~~سنة خمس. قوله: حتى انصبت قدماه في بطن PageV05P127 # الوادي هكذا في جميع نسخ مسلم كما نقله القاضي، قال: وفيه إسقاط لفظة لا ~~بد منها وهي: حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، فسقطت لفظة رمل ولا بد ~~منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميدي في الجمع ~~بين الصحيحين. # وفي الموطأ: حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه وهو بمعنى ~~رمل، قال النووي: وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم: حتى إذا انصبت قدماه في ~~بطن الوادي سعى، كما وقع في الموطأ وغيره (وفي هذا الحديث) استحباب السعي ~~في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. ~~وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب ~~فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته ~~الفضيلة. وبه قال الشافعي ومن وافقه وقال مالك فيمن ترك السعي الشديد في ~~موضعه: تجب عليه الإعادة. وله رواية أخرى موافقة لقول الشافعي. قوله: إذا ~~صعدنا بكسر العين. قوله: # ففعل على المروة كما فعل على الصفا فيه دليل على أنه يستحب عليها ما ~~يستحب على الصفا من الذكر والدعاء والصعود. # باب النهي عن التحلل بعد السعي إلا للمتمتع إذا لم يسق هديا وبيان متى ~~يتوجه المتمتع إلى منى ومتى يحرم بالحج عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من ~~أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحج، فأما من ~~أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج ~~أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر. # وعن جابر: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم ساق البدن معه، ~~وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا ~~والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان ms1999 يوم التروية فأهلوا بالحج ~~واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سميناه الحج؟ ~~فقال: افعلوا ما أمرتكم ولكن لا يحل PageV05P128 # مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ففعلوا متفق عليهما، وهو دليل على جواز ~~الفسخ، وعلى وجوب السعي وأخذ الشعر للتحلل في العمرة. وعن جابر قال: أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، ~~فأهللنا من الأبطح رواه مسلم. # قوله: وأهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تقدم استدلال من استدل ~~بهذا، على أن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان إفرادا وتقدم الجواب عن ذلك. ~~قوله: # فأحلوا حين طافوا بالبيت فيه دليل المذهب الجمهور أن المعتمر لا يحل حتى ~~يطوف ويسعى، قال ابن بطال: لا أعلم خلافا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا ~~يحل حتى يطوف ويسعى إلا ما شذ به ابن عباس فقال: يحل من العمرة بالطواف ~~ووافقه ابن راهويه، ونقل القاضي عياض عن بعض أهل العلم أن بعض الناس ذهب ~~إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل ما ~~حرم على المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج، ~~وهذا من شذوذ المذاهب وغريبها وغفل القطب الحلبي فقال فيمن استلم الركن في ~~ابتداء الطواف وأحل حينئذ: أنه لا يحصل له التحلل بالاجماع. قوله: أحلوا من ~~إحرامكم أي اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي. قوله: وقصروا ~~أمرهم بالتقصير لأنهم يهلون بعد قليل بالحج فأخر الحلق له، لأن بين دخولهم ~~وبين يوم التروية أربعة أيام فقط. # قوله: متعة أي اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة تحللوا منها ~~فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة أنها متعة مجازا والعلاقة بينهما ظاهرة. ~~وفي رواية لمسلم: فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة ونحوه في رواية ~~الباقر عن جابر وفي الحديث الطويل عند مسلم. قوله: قال افعلوا ما أمرتكم ~~فيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه وآله ms2000 وسلم من لطفه بأصحابه وحلمه عنهم. ~~قوله: لا يحل مني حرام بكسر الحاء من يحل والمعنى: لا يحل مني ما حرم علي. ~~ووقع في مسلم: لا يحل مني حرام بالنصب على المفعولية، وعلى هذا فيقرأ يحل ~~بضم أوله والفاعل محذوف تقديره لا يحل طول المكث، أو نحو ذلك مني شيئا ~~حراما حتى يبلغ الهدي محله أي إذا نحرته يوم منى، واستدل به على أن من ~~اعتمر فساق هديا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومثله ما في ~~البخاري من حديث عائشة بلفظ: من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل PageV05P129 # حتى ينحر وتأول ذلك المالكية والشافعية، على أن معناه: ومن أحرم بعمرة ~~فأهدى فأهل بالحج فلا يحل حتى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه من التعسف. قوله: ~~أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فيه دليل على أن من حل من إحرامه يحرم بالحج ~~إذا توجه إلى منى. # وعن معاوية قال: قصرت من رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المروة ~~بمشقص متفق عليه. ولفظ أحمد: أخذت من أطراف شعر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في أيام العشر بمشقص وهو محرم. # قوله: قصرت أي أخذت من شعر رأسه، وهو يشعر بأن ذلك كان في نسك إما في حج ~~أو عمرة، وقد ثبت أنه حلق في حجته فتعين أن يكون في عمرة، ولا سيما وقد روى ~~مسلم أن ذلك كان في المروة، وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية أو ~~الجعرانة، ولكن قوله في الرواية الأخرى في أيام العشر يدل على أن ذلك كان ~~في حجة الوداع لأنه لم يحج غيرها وفيه نظر، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله، كما تقدم في الأحاديث الثابتة في الصحيحين ~~وغيرها، وقد بالغ النووي في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع ~~فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في عمرة الجعرانة، لأن النبي ms2001 صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ~~كان قارنا وثبت أنه حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصح حمل ~~تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة ~~سنة سبع، لأن معاوية لم يكن حينئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان على ~~الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان متمتعا، لأن هذا غلط فاحش، فقد تظافرت الأحاديث في ~~مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيل له: ما شأن الناس حلوا من ~~العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى ~~أنحر قال الحافظ متعقبا لقوله لا يصح حمله على عمرة القضاء ما لفظه: قلت ~~يمكن الجمع بينهما بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من ~~إظهاره إلا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة معاوية ~~تصريحا بأنه أسلم بين الحديبية والقضية، وأنه كان يخفي إسلامه خوفا من ~~أبويه، ولا يعارضه قول سعد المتقدم فعلناها يعني العمرة، وهذا يعني معاوية ~~PageV05P130 # كافر بالعروش لأنه أخبر بما استصحبه من حاله، ولم يطلع على إسلامه لكونه ~~كان يخفيه ولا ينافيه أيضا ما رواه الحاكم في الإكليل أن الذي حلق رأس ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند ~~عبد بني بياضة، لأنه يمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولا وكان الحلاق ~~غائبا في بعض حاجاته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ~~ففعل، ولا يعكر على كون ذلك في عمرة الجعرانة إلا رواية أحمد المذكورة في ~~الباب أن ذلك كان في أيام العشر، إلا أنها كما قال ابن القيم معلولة أو وهم ~~من معاوية، وقد قال قيس بن سعد راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه: والناس ~~ينكرون هذا على معاوية. قال ابن القيم: وصدق قيس فنحن نحلف ms2002 بالله أن هذا ما ~~كان في العشر قط. وقال في الفتح: إنها شاذة، قال: وأظن بعض رواتها حدث بها ~~بالمعنى فوقع له ذلك انتهى. وأيضا قد ترك ابن الجوزي في جامع المسانيد ~~رواية أحمد هذه، وقد ذكر أنه لم يترك فيه من مسند أحمد إلا ما لم يصح وقال ~~بعضهم : يحتمل أن يكون في قول معاوية: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حذف تقديره: قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وتعقب بأنه يرد ذلك قوله في رواية أحمد قصرت عن رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عند المروة. وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون معاوية قصر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقية شعر لم يكن الحلاق استوفاه يوم ~~النحر، وتعقبه صاحب الهدي بأن الحالق لا يبقى شعرا يقصر منه، ولا سيما وقد ~~قسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعره بين أصحابه الشعرة والشعرتين، وقد ~~وافق النووي على ترجيح كون ذلك في عمرة الجعرانة، المحب الطبري وابن القيم، ~~قال الحافظ: وفيه نظر لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة، ويجاب عنه بأن الجمع ~~ممكن كما سلف. قوله: بمشقص بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف وآخره صاد ~~مهملة قال القزاز: هو نصل عريض يرمى به الوحش، وقال صاحب المحكم: هو الطويل ~~من النصال وليس بعريض، وكذا قال أبو عبيد. # وعن ابن عمر: أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى من يوم التروية، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر بمنى رواه أحمد. وعن ابن ~~عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر يوم التروية والفجر ~~يوم عرفة بمنى رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ولأحمد في رواية: قال النبي ~~صلى الله عليه وآله PageV05P131 # وسلم بمنى خمس صلوات. وعن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنسا فقلت: ~~أخبرني بشئ عقلته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أين صلى الظهر ms2003 يوم ~~التروية؟ # قال: بمنى، قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح ثم قال: افعل ~~كما يفعل أمراؤك متفق عليه. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا في الموطأ لكن موقوفا على ابن عمر، وحديث ابن ~~عباس أخرجه أيضا الترمذي والحاكم. وأخرج ابن خزيمة والحاكم عن ابن الزبير ~~قال: من سنة الحج أن يصلي الامام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى ~~عرفة. # قوله: من يوم التروية بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف ~~التحتانية، وإنما سمي بذلك لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه ويتروون من الماء، ~~لأن تلك الأماكن لم يكن فيها إذ ذاك آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدا ~~واستغنوا عن حمل الماء. قوله: # يوم النفر بفتح النون وسكون الفاء. والأبطح البطحاء التي بين مكة ومنى ~~وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصب والمعرس. وحدها ما ~~بين الجبلين إلى المقبرة. قوله: افعل كما يفعل أمراؤك لما بين له المكان ~~الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشي عليه أن يحرص على ذلك، ~~فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فأمره بأن يفعل كما يفعل ~~أمراؤه، إذ كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين، فأشار ~~إلى أن الذي يفعلونه جائز وأن الاتباع أفضل. # (وأحاديث الباب) تدل على أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى ~~وهو قول الجمهور. وروى الثوري في جامعة عن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن ~~الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة، وقد تقدم عنه أن السنة أن يصليها بمنى ~~فلعله صلى بمكة للضرورة أو لبيان الجواز. وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس ~~قال: إذا زاغت الشمس فليرح إلى منى، قال ابن المنذر أيضا بعد أن ذكر حديث ~~ابن الزبير السابق: # قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على ~~من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا، ثم روي عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم ~~التروية ms2004 حتى دخل الليل وذهب ثلثه، قال أيضا: والخروج إلى منى في كل وقت ~~مباح، إلا أن الحسن وعطاء قالا: لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم ~~التروية بيوم أو يومين، وكرهه مالك وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي ~~إلا إن أدركه PageV05P132 # وقت الجمعة، فعليه أن يصليها قبل أن يخرج، وفي الحديث الآخر أيضا متابعة ~~أولي الامر والاحتراز عن مخالفة الجماعة. # وفي حديث جابر قال: لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، ~~وركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له ~~بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تشك قريش أنه واقف عند ~~المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا ~~زاغت الشمس أمر بالقصوا فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن ~~دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ~~مختصر من مسلم. # قوله: لما كان يوم التروية الخ، قد تقدم الكلام على هذا. قوله: وركب الخ، ~~قال النووي: فيه بيان سنن. أحدها: أن الركوب في تلك المواضع أفضل من المشي، ~~كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين أن ~~الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف أن المشي أفضل. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك وهي مكة ومنى ~~ومزدلفة وعرفات والتردد بينها. السنة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات ~~الخمس. السنة الثالثة: أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي ~~الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالاجماع ~~انتهى. قوله: ثم مكث قليلا الخ فيه دليل على أن السنة أن لا يخرجوا من منى ~~حتى تطلع الشمس ms2005 وهذا متفق عليه. قوله: وأمر بقبة فيه استحباب النزول بنمرة ~~إذا ذهبوا من منى، لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس وبعد ~~صلاتي الظهر والعصر جميعا، فإذا زالت الشمس سار بهم الامام إلى مسجد ~~إبراهيم وخطب بهم خطبتين خفيفتين وتخفف الثانية جدا، فإذا فرغ منهما صلى ~~بهم الظهر والعصر جامعا، فإذا فرغوا من الصلاة ساروا إلى الموقف. قوله: ~~بنمرة بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم، وهي موضع بجنب عرفات وليست ~~من عرفات. قوله: ولا تشك قريش الخ يعني أن قريشا كانت تقف في الجاهلية ~~بالمشعر الحرام PageV05P133 # وهو جبل بالمزدلفة يقال له قزح فظنوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~سيوافقهم. # قوله: فأجاز أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات. قوله: أمر ~~بالقصوا بفتح القاف والقصر ويجوز المد قال ابن الاعرابي: القصوا التي قطع ~~أذنها والجدع أكبر منه. وقال أبو عبيد: القصوا المقطوعة الأذن عرضا وهو اسم ~~لناقته صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فرحلت بتخفيف الحاء المهملة أي جعل ~~عليها الرحل. قوله: بطن الوادي هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء بعدها ~~نون. قوله: فخطب الخ فيه استحباب الخطبة للامام بالحجيج يوم عرفة في هذا ~~الموضع وهو سنة باتفاق جماهير العلماء وخالف في ذلك المالكية. قوله: إن ~~دماءكم الخ قد تقدم شرح هذا في باب استحباب الخطبة يوم النحر من أبواب ~~العيد. # باب المسير من منى إلى عرفة والوقوف بها وأحكامه عن محمد بن أبي بكر بن ~~عوف قال: سألت أنسا ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية كيف كنتم ~~تصنعون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: كان يلبي الملبي فلا ينكر ~~عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه متفق عليه. وعن ابن عمر قال: غدا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من منى حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى ~~أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند ~~صلاة الظهر ms2006 راح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مهجرا فجمع بين الظهر ~~والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة رواه أحمد وأبو داود. ~~وعن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني ~~جئت من جبلي طيئ، أكللت راحتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت ~~عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شهد صلاتنا ~~هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه ~~وقضى تفثه رواه الخمسة وصححه الترمذي وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت ~~للوقوف. # حديث ابن عمر في إسناده محمد بن إسحاق وفيه كلام معروف قد تقدم، ولكنه قد ~~PageV05P134 # صرح هنا بالتحديث، وبقية رجال إسناده ثقات، وحديث عروة بن مضرس أخرجه ~~أيضا ابن حبان والحاكم والدارقطني، وصححه الحاكم والدارقطني والقاضي أبو ~~بكر بن العربي على شرطهما. قوله: ونحن غاديان أي ذاهبان غدوة. قوله: كيف ~~كنتم تصنعون أي من الذكر. وفي رواية لمسلم: ما يقول في التلبية في هذا ~~اليوم. قوله: فلا ينكر عليه بضم أوله على البناء للمجهول. وفي رواية ~~للبخاري: لا يعيب أحدنا على صاحبه، والحديث يدل على التخيير بين التكبير ~~والتلبية لتقريره صلى الله عليه وآله وسلم لهم على ذلك. قوله غدا بالغين ~~المعجمة أي سار غدوة. قوله: حين صلى الصبح ظاهره أنه توجه من منى حين صلى ~~الصبح بها، ولكن قد تقدم في حديث جابر المذكور في الباب الذي قبل هذا أنه ~~كان بعد طلوع الشمس. قوله: وهي منزل الإمام الخ، قال ابن الحاج المالكي: ~~وهذا الموضع يقال له الأراك، قال الماوردي: يستحب أن ينزل بنمرة حيث نزل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على ~~يمين الذاهب إلى عرفات. قوله راح أي بعد زوال الشمس. ms2007 قوله: مهجرا بتشديد ~~الجيم المكسورة، قال الجوهري: التهجير والتهجر السير في الهاجرة، والهاجرة ~~نصف النهار عند اشتداد الحر، والتوجه وقت الهاجرة في ذلك اليوم سنة لما ~~يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم، وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في صحيحه ~~فقال باب التهجير بالرواح يوم عرفة أي من نمرة. قوله: فجمع بين الظهر ~~والعصر قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الامام يجمع بين الظهر ~~والعصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الامام، وذكر أصحاب الشافعي أنه لا يجوز ~~الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخا إلحاقا له بالقصر، قال: وليس ~~بصحيح فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع فجمع معه من حضره من المكيين ~~وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر فقال: # أتموا فإنا سفر، ولو حرم الجمع لبينه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة، قال: ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة ~~والمزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره. قوله: ثم خطب الناس فيه ~~دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم خطب بعد الصلاة. قوله: ابن مضرس بضم ~~الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة ثم سين مهملة. قوله: ابن ~~لام هو بوزن جام. # قوله: من جبلي طيئ هما جبل سلمى وجبل أجا، قاله المنذري. وطيئ ~~PageV05P135 # بفتح الطاء وتشديد الياء بعدها همزة. قوله: أكللت أي أعييت. قوله: من جبل ~~بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة أحد جبال الرمل وهو ما اجتمع فاستطال ~~وارتفع، قاله الجوهري. قوله: صلاتنا هذه يعني صلاة الفجر. قوله: ليلا أو ~~نهارا فقد تم حجه تمسك بهذا أحمد بن حنبل فقال: وقت الوقوف لا يختص بما بعد ~~الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد، لأن لفظ ~~الليل والنهار مطلقان. وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد ~~الزوال بدليل أنه صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا ~~إلا بعد الزوال، ولم ينقل ms2008 عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل ~~مقيدا لذلك المطلق ولا يخفى ما فيه. # قوله: وقضى تفثه قيل: المراد به أنه أتى بما عليه من المناسك، والمشهور ~~أن التفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف ~~الإبط وغيره من خصال الفطرة، ويدخل في ضمن ذلك نحر البدن وقضاء جميع ~~المناسك لأنه لا يقضي النفث إلا بعد ذلك، وأصل التفث الوسخ والقذر. # وعن عبد الرحمن بن يعمر: أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو واقف بعرفة فسألوه فأمر مناديا ينادي الحج عرفة: من جاء ~~ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وأردف رجلا ينادي بهن رواه الخمسة. # وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نحرت ههنا ومنى ~~كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا وجمع ~~كلها موقف رواه أحمد ومسلم وأبو داود. ولابن ماجة وأحمد أيضا نحوه وفيه: ~~وكل فجاج مكة طريق ومنحر. # حديث عبد الرحمن بن يعمر أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والدارقطني ~~والبيهقي. قوله: فسألوه أي قالوا: كيف حج من لم يدرك يوم عرفة كما بوب عليه ~~البخاري. قوله: الحج عرفة أي الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة، قال ~~الترمذي: # قال سفيان الثوري: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم أن من لم يقف بعرفات قبل الفجر ~~فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر ويجعلها عمرة وعليه ~~الحج من قابل، PageV05P136 # وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما. قوله: من جاء ليلة جمع أي ليلة المبيت ~~بالمزدلفة، وظاهره أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة ولو في لحظة لطيفة ~~في هذا الوقت، وبه قال الجمهور. وحكى النووي قولا إنه لا يكفي الوقوف ليلا، ~~ومن ms2009 اقتصر عليه فقد فاته الحج، والأحاديث الصحيحة ترده. قوله: أيام منى ~~مرفوع على الابتداء، وخبره قوله ثلاثة أيام وهي: الأيام المعدودات، وأيام ~~التشريق، وأيام رمي الجمار، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر وليس يوم النحر ~~منها لاجماع الناس، على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم ~~النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء في ثانيه. # قوله: فمن تعجل في يومين أي من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني منها ~~فلا إثم عليه في تعجيله، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام ~~التشريق إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخيره. وقيل المعنى: ومن تأخر ~~عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير ههنا وقع ~~بين الفاضل والأفضل لأن المتأخر أفضل فإن قيل: إنما يخاف الاثم المتعجل فما ~~بال المتأخر الذي أتى بالأفضل ألحق به؟ فالجواب أن المراد من عمل بالرخصة ~~وتعجل فلا إثم عليه في العمل بالرخصة، ومن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه ~~في ترك الرخصة، وذهب بعضهم إلى أن المراد وضع الاثم عن المتعجل دون ~~المتأخر، ولكن ذكرا معا والمراد أحدهما. قوله: ينادي بهن أي بهذه الكلمات. ~~قوله: نحرت ههنا ومنى كلها منحر يعني كل بقعة منها يصح النحر فيها وهو متفق ~~عليه، لكن الأفضل النحر في المكان الذي نحر فيه صلى الله عليه وآله وسلم، ~~كذا قال الشافعي. ومنحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو عند الجمرة ~~الأولى التي تلي مسجد منى، كذا قال ابن التين. وحد منى من وادي محسر إلى ~~العقبة. قوله: في رحالكم المراد بالرحال المنازل، قال أهل اللغة: رحل الرجل ~~منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر. قوله: ووقفت ههنا يعني عند ~~الصخرات، وعرفة كلها موقف يصح الوقوف فيها (وقد أجمع العلماء) على أن من ~~وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه ولها أربعة حدود. حد إلى جادة طريق ~~المشرق. والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء ms2010 أرضها. والثالث إلى البساتين ~~التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. والرابع وادي عرنة بضم العين ~~وبالنون وليست هي ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم. قوله: وجمع كلها موقف ~~PageV05P137 # وجمع بإسكان الميم هي المزدلفة كما تقدم، وفيه دليل على أنها كلها موقف. ~~كما أن عرفات كلها موقف. قوله: وكل فجاج مكة طريق الفجاج بكسر الفاء جمع فج ~~وهو الطريق الواسعة، والمراد أنها طريق من سائر الجهات والأقطار التي ~~يقصدها الناس للزيارة والآتيان إليها من كل طريق واسع وهذا متفق عليه، ولكن ~~الأفضل الدخول إليها من الثنية العليا التي دخل منها النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كما تقدم، وهذه الزيادة رواها أبو داود كما رواها أحمد وابن ~~ماجة. # وعن أسامة بن زيد قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفات ~~فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو ~~رافع يده الأخرى رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ~~أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شئ قدير رواه أحمد ~~والترمذي ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير الدعاء دعاء ~~يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. # حديث أسامة إسناده في سنن النسائي هكذا: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن ~~هشيم، حدثنا عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة فذكره، وهؤلاء كلهم رجال ~~الصحيح، وعبد الملك هو ابن عبد العزيز المعروف بابن جريج. وحديث عمرو بن ~~شعيب في إسناده حماد ابن أبي حميد وهو ضعيف (وفي الباب) عن ابن عمر بنحوه ~~عند العقيلي في الضعفاء، وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف، وقال البخاري: ~~منكر الحديث. وعن علي عليه السلام عند الطبراني في المناسك بنحوه وفي ~~إسناده ms2011 قيس بن الربيع، وأخرجه البيهقي عنه بزيادة: اللهم اجعل في قلبي نورا ~~وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وفي إسناده موسى بن عبيدة ~~الربذي وهو ضعيف، وتفرد به عن أخيه عبد الله عن علي عليه السلام، قال ~~البيهقي: ولم يدرك عبد الله عليا. وعن طلحة بن عبد الله بن كريز بفتح الكاف ~~وآخره زاي عند مالك في الموطأ مرسلا، ورواه البيهقي عن مالك موصولا وضعفه، ~~وكذا ابن عبد البر في التمهيد. قوله: فرفع يديه فيه دليل على أن عرفة من ~~المواطن التي يشرع فيها PageV05P138 # رفع اليدين عند الدعاء، فيخصص به عموم حديث أنس المتقدم في صلاة ~~الاستسقاء. # قوله: وهو رافع يده الأخرى فيه دليل على أن رفع إحدى اليدين عند الدعاء ~~إذا منع من رفع الأخرى عذر لا بأس به. قوله: دعاء يوم عرفة رجح المزي جر ~~دعاء ليكون قوله: لا إله إلا الله خبرا لخير الدعاء ولخير ما قلت أنا ~~والنبيون. # ويؤيده ما وقع في الموطأ من حديث طلحة بلفظ: أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ~~ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وما وقع عند العقيلي من حديث ~~ابن عمر بلفظ: # أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله (وأحاديث) ~~الباب تدل على مشروعية الاستكثار من هذا الدعاء يوم عرفة، وأنه خير ما يقال ~~في ذلك اليوم. # وعن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر جاء إلى الحجاج بن يوسف يوم ~~عرفة حين زالت الشمس وأنا معه فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، فقال: هذه ~~الساعة؟ قال: نعم، قال سالم: فقلت للحجاج: إن كنت تريد تصيب السنة فاقصر ~~الخطبة وعجل الصلاة، فقال عبد الله بن عمر صدق رواه البخاري والنسائي. # وعن جابر قال: راح النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الموقف بعرفة، فخطب ~~الناس الخطبة الأولى ثم أذن بلال ثم أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الاذان، ms2012 ثم أقام بلال فصلى الظهر، ~~ثم أقام فصلى العصر رواه الشافعي. # حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي وقال: تفرد به إبراهيم بن أبي يحيى. وفي ~~حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم ما يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~خطب ثم أذن بلال ليس فيه ذكر أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخطبة ~~الثانية وهو أصح، ويترجح بأمر معقول هو أن المؤذن قد أمر بالانصات للخطبة ~~فكيف يؤذن ولا يستمع الخطبة؟ قال المحب الطبري: وذكر الملافي سيرته أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من خطبته أذن بلال وسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فلما فرغ بلال من الاذان تكلم بكلمات ثم أناخ ~~راحلته وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعي، إذ لا يفوت به سماع ~~الخطبة من المؤذن. # قوله: فاقصر الخطبة الخ، قال ابن عبد البر: هذا الحديث يدخل عندهم في ~~المسند، لأن المراد بالسنة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~أطلقت ما لم تضف PageV05P139 # إلى صاحبها كسنة العمرين انتهى. والكلام على ذلك مستوفى في الأصول. وقد ~~تقدم حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يروح عند ~~صلاة الظهر وقدمنا أن ظاهره يخالف حديث جابر الطويل عند مسلم أن توجهه صلى ~~الله عليه وآله وسلم من نمرة كان حين زاغت الشمس، والمصنف رحمه الله تعالى ~~اختصر هذه القصة الواقعة بين ابن عمر والحجاج، وهي في البخاري أطول من هذا ~~المقدار وكذلك في سنن النسائي. # باب الدفع إلى مزدلفة ثم منها إلى منى وما يتعلق بذلك عن أسامة بن زيد: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أفاض من عرفات كان يسير العنق، ~~فإذا وجد فجوة نص متفق عليه. وعن الفضل بن عباس وكان رديف النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في عشية عرفة ~~وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم السكينة وهو كاف ناقته ms2013 حتى دخل محسرا وهو ~~من منى وقال: عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة رواه أحمد ومسلم. وفي ~~حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب ~~والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ~~فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصوا حتى أتى المشعر ~~الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى ~~أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك ~~الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند ~~الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن ~~الوادي ثم انصرف إلى المنحر رواه مسلم. # قوله: العنق بفتح المهملة والنون وهو السير الذي بين الابطاء والاسراع. # وفي المشارق أنه سير سهل في سرعة. وقال القزاز: هو سير سريع. وفي ~~القاموس: هو الخطو الفسيح وانتصب العنق على المصدر المؤكد للفظ الفعل. ~~قوله: فجوة بفتح الفاء وسكون الجيم المكان المتسع. قوله: نص بفتح النون ~~وتشديد المهملة أي PageV05P140 # أسرع، قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى ~~مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة، لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء ~~بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن ~~الاسراع عند عدم الزحام. قوله: وهو كاف ناقته الخ، هذا محمول على حال ~~الزحام دون غيره بدليل حديث أسامة المتقدم. # وكذلك يحمل حديث ابن عباس عن أسامة عند أبي داود وغيره: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أردفه حين أفاض من عرفة وقال: أيها الناس عليكم ~~بالسكينة إن البر ليس بالايجاف، قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى ~~جمعا وقد حمله على مثل ما ذكر ابن خزيمة. قوله: الخذف بخاء معجمة مفتوحة ~~وذال معجمة ساكنة ثم فاء. قال العلماء: حصى الخذف كقدر حبة الباقلا. قوله: ~~فصلى بها المغرب والعشاء استدل به على جمع ms2014 التأخير بمزدلفة. قال في الفتح: ~~وهو إجماع لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر انتهى. وقد قدمنا الجواب عن ~~هذا. قوله: ولم يسبح بينهما أي لم يتنفل، وقد نقل ابن المنذر الاجماع على ~~ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة قال: # لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل ~~بينهما لم يصح أنه جمع انتهى. ويشكل على ذلك ما في البخاري عن ابن مسعود ~~أنه صلى بعد المغرب ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى ثم صلى العشاء. قوله: ~~القصوا قد تقدم ضبطها. قوله: فاستقبل القبلة الخ، فيه استحباب استقبال ~~القبلة بالمشعر الحرام والدعاء والتكبير والتهليل والتوحيد والوقوف به إلى ~~الاسفار والدفع منه قبل طلوع الشمس، وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد ~~وقتادة والزهري والنووي إلى أن من لم يقف بالمشعر فقد ضيع نسكا وعليه دم، ~~وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي عن عطاء والأوزاعي أنه لا ~~دم عليه، وإنما هو منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به. وذهب ابن بنت ~~الشافعي وابن خزيمة إلى أن الوقوف به ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن ~~المنذر إلى ترجيحه، وروي عن علقمة والنخعي، واحتج الطحاوي بأن الله عز وجل ~~لم يذكر الوقوف وإنما قال: * (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * (سورة ~~البقرة، الآية: 198) وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، ~~فإذا كان الذكر المذكور في القرآن ليس من تمام الحج فالموطن الذي يكون فيه ~~الذكر أحرى أن لا يكون فرضا. قوله: حتى أسفر جدا بكسر الجيم PageV05P141 # أي أسفارا بليغا، وهذا يرد على ما ذهب إليه مالك من أن الدفع قبل ~~الاسفار. قوله: # محسر الخ بكسر السين المهملة قبلها حاء مهملة وليس هو من مزدلفة ولا منى ~~بل هو مسيل بينهما، وقيل: إنه من منى، وفيه دليل على أنه يستحب لمن بلغ ~~وادي محسر إن كان راكبا أن يحرك دابته، وإن كان ماشيا أسرع في مشيه. قوله: ~~فرماها الخ، سيأتي ms2015 الكلام على الرمي. # وعن عمر قال: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون: ~~أشرق ثبير، فخالفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس ~~رواه الجماعة إلا مسلما، لكن في رواية أحمد وابن ماجة: أشرق ثبير كيما ~~نغير. # قوله: لا يفيضون بضم أوله أي من المزدلفة. قوله: أشرق بفتح الهمزة فعل ~~أمر من الاشراق أي أدخل في الشروق، وظن بعضهم أنه ثلاثي فضبطه بكسر الهمزة ~~من شرق وليس بواضح، والمعنى: لتطلع عليك الشمس. قوله: ثبير بفتح المثلثة ~~وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها راء مهملة، وهو جبل معروف بمكة وهو أعظم ~~جبالها. قوله: فأفاض قبل طلوع الشمس الإفاضة الدفعة كما قال الأصمعي. ولفظ ~~أبي داود: فدفع قبل طلوع الشمس. قوله: كيما نغير قال الطبري: # معناه كيما ندفع وهو من قولهم: أغار الفرس إذا أسرع (والحديث) فيه ~~مشروعية الدفع من الموقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس عند الاسفار، وقد نقل ~~الطبري الاجماع، على أن من لم يقف فيها حتى طلعت الشمس فاته الوقوف. قال ~~ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذا الحديث وما ~~ورد في معناه، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الاسفار وهو مردود بالنصوص. # وعن عائشة: قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة، فاستأذنت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن تفيض من جمع بليل فأذن لها متفق عليه. وعن ابن عباس ~~قال: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة ~~أهله رواه الجماعة. # وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن لضعفة الناس من ~~المزدلفة بليل رواه أحمد. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوضع ~~في واد محسر وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الحذف رواه الخمسة وصححه الترمذي. ~~PageV05P142 # قوله: ثبطة بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة أي بطيئة الحركة ~~لعظم جسمها. قوله: في ضعفة أهله الضعفة بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة ~~جمع ضعيف وهم النساء والصبيان والخدم. قوله: ms2016 أوضع أي أسرع السير بإبله، ~~يقال: وضع البعير وأوضعه راكبه أي أسرع به السير. قوله: بمثل حصى الخذف ~~تقدم ضبطه وتفسيره وحديث عائشة وابن عباس وابن عمر فيها دليل على جواز ~~الإفاضة قبل طلوع الشمس، وفي بقية جزء من الليل لمن كان من الضعفة. وحديث ~~جابر يدل على أنه يشرع الاسراع بالمشي في وادي محسر. قال الأزرقي: وهو ~~خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا، وإنما شرع الاسراع فيه لأن العرب كانوا ~~يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع مخالفتهم. وحكى الرافعي وجها ~~ضعيف أنه لا يستحب الاسراع للماشي. # باب رمي جمرة العقبة يوم النحر وأحكامه عن جابر قال: رمى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذ زالت الشمس أخرجه ~~الجماعة. وعن جابر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرمي الجمرة ~~على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج ~~بعد حجتي هذه رواه أحمد ومسلم والنسائي. # وعن ابن مسعود: أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن ~~يمينه ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة متفق عليه. # ولمسلم في رواية جمرة العقبة. وفي رواية لأحمد: أنه انتهى إلى جمرة ~~العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة وقال: ~~اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا، ثم قال: ههنا كان يقوم الذي أنزلت ~~عليه سورة البقرة. # قوله: الجمرة يعني جمرة العقبة. قوله: يوم النحر ضحى لا خلاف أن هذا ~~الوقت هو الأحسن لرميها، واختلف فيمن رماها قبل الفجر فقال الشافعي: يجوز ~~تقديمه من نصف الليل، وبه قال عطاء وطاوس والشعبي، وقالت الحنفية وأحمد ~~وإسحاق والجمهور: أنه لا يرمى جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، ومن رمى قبل ~~طلوع الشمس PageV05P143 # وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعاد وحكى المهدي في البحر عن ~~العترة والشافعي أن وقت الرمي من ضحى يوم النحر، واستدل القائلون بأن وقت ~~الرمي من وقت ms2017 الضحى بحديث الباب وبحديث ابن عباس الآتي، قالوا: وإذا كان من ~~رخص له النبي صلى الله عليه وآله وسلم منعه أن يرمي قبل طلوع الشمس فمن لم ~~يرخص له أولى. (واحتج المجوزون) للرمي قبل الفجر بحديث أسماء الآتي، ولكنه ~~مختص بالنساء كما سيأتي، ولا حاجة إلى الجمع بينه وبين حديث ابن عباس، بحمل ~~حديث ابن عباس على الندب كما ذكره صاحب الفتح. قال ابن المنذر: السنة أن لا ~~يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز ~~الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها حينئذ فلا إعادة ~~عليه، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه انتهى. والأدلة تدل على أن وقت الرمي ~~من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من ~~الضعفة جاز قبل ذلك، ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعا، وسيأتي بقية ~~الكلام على هذا. (واعلم) أنه قد قيل: إن الرمي واجب بالاجماع كما حكي ذلك ~~في البحر، واقتصر صاحب الفتح على حكاية الوجوب عن الجمهور وقال: # إنه عند المالكية سنة، وحكي عنهم أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج ~~بتركه. وحكي ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمي إنما شرع حفظا للتكبير، فإن ~~تركه وكبر أجزأه، والحق أنه واجب لما قدمنا من أن أفعاله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيان لمجمل واجب وهو قوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت) * ~~(سورة آل عمران، الآية: 97) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # خذوا عني مناسككم. قوله: على راحلته استدل به على أن رمي الراكب لجمرة ~~العقبة أفضل من رمي الراجل، وبه قالت الشافعية والحنفية والناصر والامام ~~يحيى. وقال: # الهادي والقاسم: إن رمي الراجل أفضل، وأجابوا عن الحديث بأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان راكبا لعذر الازدحام. قوله: لتأخذوا بكسر اللام، قال ~~النووي: # هي لام الامر ومعناه خذوا مناسككم، قال: وهكذا وقع في رواية غير مسلم، ~~وتقدير الحديث أن هذه الأمور التي ms2018 أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال ~~والهيئات هي أمور الحج وصفته، والمعنى: اقبلوها واحفظوها واعملوا بها ~~وعلموها الناس. قال النووي وغيره: هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو ~~نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة: صلوا كما رأيتموني أصلي قال ~~القرطبي: ويلزم من هذين الأصلين أن PageV05P144 # الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب إلا ما خرج بدليل، كما ذهب إليه أهل ~~الظاهر وحكي عن الشافعي انتهى. وقد قدمنا في الصلاة أن مرجع واجباتها إلى ~~حديث المسئ فلا يجب غير ما اشتمل عليه إلا بدليل يخصه، وقدمنا أن أفعال ~~الحج وأقواله الظاهر فيها الوجوب إلا ما خرج بدليل كما قالت الظاهرية وهو ~~الحق. قال القرطبي: روايتنا لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة والنون التي هي ~~مع الألف ضمير، أي يقول لنا: خذوا مناسككم فيكون قوله لنا صلة للقول، قال: ~~هو الأفصح. وقد روي: لتأخذوا مناسككم بكسر اللام للامر وبالتاء المثناة من ~~فوق وهي لغة شاذة قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى ~~* (فبذلك فليفرحوا) * (سورة يونس، الآية: 58) انتهى والأولى أن يقال: إنها ~~قليلة لا شاذة، لورودها في كتاب الله تعالى وفي كلام نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وفي كلام فصحاء العرب، وقد قرأ بها عثمان بن عفان وأبي وأنس ~~والحسن وأبو رجاء وابن هرمز وابن سيرين وأبو جعفر المدني والسلمي وقتادة ~~والجحدري وهلال بن يساف والأعمش وعمرو بن فائد العباس بن الفضل الأنصاري. ~~قال صاحب اللوامح: وقد جاء عن يعقوب كذلك قال ابن عطية: وقرأ بها ابن ~~القعقاع وابن عامر وهي قراءة جماعة من المسلمين كثيرة، وما نقله ابن عطية ~~عن ابن عامر هو خلاف قراءته المشهورة. قوله لعلي: لا أحج بعد حجتي هذه فيه ~~إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا ~~سميت حجة الوداع. قوله: إلى الجمرة الكبرى هي جمرة العقبة. قوله: # فجعل البيت عن يساره فيه أنه يستحب لمن وقف عند الجمرة أن يجعل مكة عن ms2019 ~~يساره. # قوله: ومنى عن يمينه فيه أنه يستحب أن يجعل منى على جهة يمينه ويستقبل ~~الجمرة بوجهه. قوله: ورمى بسبع فيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع ~~حصيات، وهو يرد قول ابن عمر: ما أبالي رميت الجمرة بست أو بسبع، وسيأتي في ~~باب المبيت بمنى متمسك لقوله. وروي عن مجاهد أنه لا شئ على من رمى بست. وعن ~~طاوس يتصدق بشئ وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك ~~يجبره بدم. وعن الشافعية في ترك حصاة مد، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة ~~فأكثر دم. وعن الحنفية: أن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا ~~فدم. قوله: سورة البقرة خصها بالذكر لأن معظم أحكام الحج فيها. قوله: يكبر ~~مع كل حصاة فيه استحباب التكبير مع كل حصاة، وقد استدل بهذا على اشتراط رمي ~~الجمرات بواحدة بعد واحدة PageV05P145 # من الحصى لأن التكبير مع كل حصاة يدل على ذلك. وروي عن عطاء أنه يجزئ ~~ويكبر لكل حصاة تكبيرة. وقال الأصم: يجزئ مطلقا. وقال الحسن البصري: يجزئ ~~الجاهل فقط. وقال الناصر والحنفية والشافعية: يجزئ عن واحدة مطلقا. وقالت ~~الهادوية : لا يجزئ بل يستأنف. قوله: وقال اللهم الخ فيه استحباب هذا ~~الدعاء مع التكبير. # قال في الفتح: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شئ عليه انتهى. # وعن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أغيلمة بني ~~عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبيني لا ترموا ~~حتى تطلع الشمس رواه الخمسة وصححه الترمذي ولفظه: قدم ضعفة أهله وقال: # لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. وعن عائشة قالت: أرسل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، ~~وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني عندها ~~رواه أبو داود. وعن عبد الله مولى أسماء عن أسماء: أنها نزلت ليلة جمع عند ~~المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم ms2020 قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، ~~فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت: يا ~~بني هل غاب القمر؟ قلت: # نعم، قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح ~~في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن للظعن متفق عليه. وعن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا ~~الجمرة مع الفجر رواه أحمد. # حديث ابن عباس الأول أخرجه أيضا الطحاوي وابن حبان وصححه، وحسنه الحافظ ~~في الفتح وله طرق. وحديث عائشة أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي ورجاله رجال ~~الصحيح. وحديث ابن عباس الثاني أخرجه أيضا النسائي والطحاوي ولفظه: بعثني ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر وهو في ~~الصحيحين بلفظ: كنت فيمن قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ضعفة ~~أهله من مزدلفة إلى منى. قوله: أغيلمة منصوب على الاختصاص أو على الندب، ~~قال في النهاية: تصغير أغلمة بسكون الغين وكسر اللام جمع غلام وهو جائز في ~~القياس، ولم PageV05P146 # يرد في جمع الغلام أغلمة، وإنما ورد غلمة بكسر الغين، والمراد بالأغيلمة ~~الصبيان ولذلك صغرهم. قوله: على حمرات بضم الحاء المهملة والميم جمع لحمر، ~~وحمر جمع لحمار. قوله: فجعل يلطح بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها ~~حاء مهملة. قال الجوهري: اللطح الضرب اللين على الظهر ببطن الكف انتهى. ~~وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم. قوله: أبيني بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة ~~وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسب المشددة، كذا قال ابن ~~رسلان في شرح السنن. وقال في النهاية: الا بيني بوزن الأعيمي تصغير الابنا ~~بوزن الأعمى وهو جمع ابن. قوله: حتى تطلع الشمس استدل بهذا من قال: إن وقت ~~رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس، وقد تقدم الكلام على ذلك. وأما وقت رمي ms2021 ~~غيرها فسيأتي في باب المبيت بمنى. قوله: قبل الفجر هذا مختص بالنساء كما ~~أسلفنا، فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهن من هذا الوقت لورود ~~الأدلة القاضية بخلاف ذلك كما تقدم، ولكنه يجوز لمن بعث معهن من الضعفة ~~كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن كما في حديث أسماء وحديث ابن عباس ~~الآخر. قوله: فأفاضت أي ذهبت لطواف الإفاضة ثم رجعت إلى منى. قوله: يعني هو ~~من تفسير أبي داود. # قوله: عندها يعني عند أم سلمة أي في نوبتها من القسم. قوله: فارتحلوا في ~~رواية مسلم: # فارحل بي. قوله: يا هنتاه بفتح الهاء والنون وقد تسكن النون بعدها مثناة ~~فوقية وآخرها هاء ساكنة، هذا اللفظ كناية عن شئ لا تذكره باسمه وهو بمعنى ~~يا هذه. قوله: ما أرانا بضم الهمزة بمعنى الظن، وفي رواية مسلم: لقد غلسنا ~~بالجزم، وفي رواية الموطأ: لقد جئنا بغلس وفي رواية أبي داود: إنا رمينا ~~الجمرة بليل وغلسنا. قوله: أذن للظعن بضم الظاء المعجمة جمع ظعينة وهي ~~المرأة في الهودج ثم أطلق على المرأة مطلقا. (وفي هذا الحديث) دليل على أنه ~~يجوز للنساء الرمي لجمرة العقبة في النصف الأخير من الليل، وقد تقدم الخلاف ~~في ذلك، واستدل به على إسقاط المرور بالمشعر عن الظعينة ولا دلالة فيه على ~~ذلك، لأن غاية ما فيه السكوت عن المرور بالمشعر، وقد ثبت في البخاري وغيره ~~عن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة ~~بليل، ثم يقدمون منى لصلاة الفجر ويرمون. قوله: مع الفجر فيه دليل على أنه ~~يجوز للنساء ومن معهن من الضعفة الرمي وقت الفجر كما تقدم. PageV05P147 # باب النحر والحلاق والتقصير وما يباح عندهما عن أنس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم ~~قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ms2022 الله عليه ~~وآله وسلم: اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: اللهم ~~اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، ~~قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين متفق عليه. # قوله: إلى جانبه الأيمن فيه استحباب البداءة في حلق الرأس بالشق الأيمن ~~من رأس المحلوق وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر لأنه ~~على يمين الحالق والحديث يرد عليه. والظاهر أن هذا الخلاف يأتي في قص ~~الشارب. # قوله: ثم جعل يعطيه الناس فيه مشروعية التبرك بشعر أهل الفضل ونحوه، وفيه ~~دليل على طهارة شعر الآدمي وبه قال الجمهور. وقد تقدم الكلام على ذلك في ~~أبواب الطهارة. # قوله: اللهم اغفر للمحلقين لفظ أبي داود: ارحم كذا في رواية البخاري، ~~وفيه دليل على الترحم على الحي وعدم اختصاصه بالميت. قوله: وللمقصرين هو ~~عطف على محذوف تقديره قل وللمقصرين ويسمى عطف التلقين (والحديث) يدل على أن ~~الحلق أفضل من التقصير لتكريره صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء للمحلقين ~~وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم له ذلك، وظاهر ~~صيغة المحلقين أنه يشرع حلق جميع الرأس لأنه الذي تقتضيه الصيغة إذ لا يقال ~~لمن حلق بعض رأسه أنه حلقه إلا مجازا، وقد قال بوجوب حلق الجميع أحمد ~~ومالك، واستحبه الكوفيون والشافعي، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا في مقداره، ~~فمن الحنفية الربع، إلا أن أبا يوسف قال النصف، وعن الشافعي أقل ما يجب حلق ~~ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، وهكذا الخلاف في التقصير (وقد ~~اختلف) أهل العلم في الحلق هل هو نسك أو تحليل محظور؟ # فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني عطاء وأبو يوسف، ورواية عن أحمد ~~وبعض المالكية، PageV05P148 # والشافعي في رواية عنه ضعيفة، وخرجه أبو طالب للهادي والقاسم وقد اختلف ~~أيضا في الوقت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا القول ~~فقيل: إنه كان يوم الحديبية، وقيل: في حجة الوداع، وقد دلت على الأول ~~أحاديث، وعلى الثاني أحاديث أخر، وقيل: ms2023 إنه كان في الموضعين أشار إلى ذلك ~~النووي، وبه قال ابن دقيق العيد. # قال الحافظ: وهو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين وهذا هو ~~الراجح، لأن الروايات القاضية بأن ذلك كان في الحديبية لا تنافي الروايات ~~القاضية بأن ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك العكس، فيتوجه العمل بها في ~~جميعها والجزم بما دلت عليه، وقد أطال صاحب الفتح الكلام في تعيين وقت هذا ~~القول، فمن أحب الإحاطة بجميع ذيول هذا البحث فليرجع إليه. # وعن ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبد رأسه ~~وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يحللن، قلن: ما لك أنت لم تحل؟ قال: إني ~~قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل من حجتي وأحلق رأسي رواه أحمد، وهو ~~دليل على وجوب الحلق. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير رواه ~~أبو داود والدارقطني. # حديث ابن عمر هو في البخاري عنه عن حفصة ولكن ليس فيه: وأحلق رأسي وحديث ~~ابن عباس أخرجه أيضا الطبراني، وقد قوى إسناده البخاري في التاريخ وأبو ~~حاتم في العلل، وحسنه الحافظ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق فأصاب ~~(وقد استدل) بحديث ابن عمر، على أنه يتعين الحلق على من لبد رأسه، وبه قال ~~الجمهور كما نقله ابن بطال وقالت الحنفية: لا يتعين بل إن شاء قصر قال في ~~الفتح: وهذا قول الشافعي في الجديد، قال: وليس للأول دليل صريح انتهى. ولا ~~يخفى أن الحديث الذي ذكره المصنف دليل صريح، ويؤيده أن الحلق معلوم من حاله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حجه كما في صحيح البخاري عن ابن عمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حلق في حجته. قوله: ليس على النساء الحلق الخ، فيه ~~دليل على أن المشروع في حقهن التقصير، وقد حكى الحافظ الاجماع على ذلك. قال ~~جمهور الشافعية: فإن حلقت أجزأها. قال القاضي أبو ms2024 الطيب والقاضي حسين: لا ~~يجوز وقد أخرج الترمذي من حديث علي عليه السلام: نهى أن تحلق المرأة رأسها. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رميتم ~~الجمرة فقد PageV05P149 # حل لكم كل شئ إلا النساء، فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيب ذلك أم لا؟ ~~رواه أحمد. وعن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك متفق عليه. ~~وللنسائي: طيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحرمه حين أحرم، ولحله ~~بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الحسن ~~العرني عنه، قال في البدر المنير: إسناده حسن كما قاله المنذري، إلا أن ~~يحيى بن معين وغيره قالوا: يقال إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس (وفي ~~الباب) عن عائشة غير حديث الباب عند أحمد وأبي داود والدارقطني والبيهقي ~~مرفوعا بلفظ: إذا رميتم لجمرة فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء ~~وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وعن أم سلمة عند أبي داود والحاكم ~~والبيهقي بنحوه وفي إسناده محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث. قوله: فقد حل ~~لكم كل شئ إلا النساء استدلت به العترة والحنفية والشافعية على أنه يحل ~~بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الاحرام إلا الوطئ للنساء فإنه لا ~~يحل به بالاجماع، قال مالك: والطيب. وروي نحوه عن عمر وابن عمر وغيرهما. ~~وقال الليث: إلا النساء والصيد، وأحاديث الباب ترد عليهم (وقد استدل) ~~المانعون من الطيب بعد الرمي بما أخرجه الحاكم عن ابن الزبير أنه قال: إذا ~~رمى الجمرة الكبرى حل له كل شئ حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت، ~~وقال: إن ذلك من سنة الحج. وبما أخرجه النسائي عن ابن عمر أنه ms2025 قال: إذا رمى ~~وحلق حل له كل شئ إلا النساء والطيب. ولا يخفى أن هذين الأثرين لا يصلحان ~~لمعارضة أحاديث الباب، وعلى فرض أن الأول منهما مرفوع فهو أيضا لا يعتد به ~~بجنب الأحاديث المذكورة، ولا سيما وهي مثبتة لحل الطيب. قوله: أفطيب ذلك أم ~~لا؟ هذا استفهام تقرير، لأن السامع لا بد أن يقول نعم، وقد ثبت أن المسك ~~أطيب الطيب كما سلف. قوله: قبل أن يحرم قد تقدم الكلام على هذا مبسوطا. ~~قوله: ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت أي لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف ~~طواف الإفاضة، وذلك بعد أن رمى جمرة العقبة كما وقع في الرواية الأخرى. ~~PageV05P150 # باب الإفاضة من منى للطواف يوم النحر عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى متفق عليه. وفي حديث ~~جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب ~~فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر مختصر من مسلم. # قوله: أفاض أي طاف بالبيت، وفيه دليل على أنه يستحب فعل طواف الإفاضة يوم ~~النحر أول النهار. قال النووي وقد أجمع العلماء أن هذا الطواف وهو طواف ~~الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله ~~النحر يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق، فإن أخره عنه وفعله في أيام ~~التشريق أجزأ ولا دم عليه بالاجماع، فإن أخره إلى بعد أيام التشريق وأتى به ~~بعدها أجزأه ولا شئ عليه عند الجمهور. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا تطاول لزم ~~معه دم انتهى. وكذا حكى الاجماع على فرضية طواف الزيارة وأنه لا يجبره الدم ~~وأن وقته من يوم النحر الإمام المهدي في البحر، وطواف الإفاضة وهو المأمور ~~به في قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (سورة الحج، الآية: 29) ~~وهو الذي يقال له طواف الزيارة. قوله: فصلى الظهر بمنى وقوله في الحديث ~~الآخر: فصلى بمكة الظهر ظاهر هذا التنافي، وقد جمع الناس وروي بأنه ms2026 صلى ~~الله عليه وآله وسلم أفاض قبل الزوال وطاف وصلى الظهر بمكة في أول النهار، ~~ثم رجع إلى منى وصلى بها الظهر مرة أخرى إماما بأصحابه، كما صلى بهم في بطن ~~نخل مرتين: مرة بطائفة ومرة بأخرى، فروى ابن عمر صلاته بمنى، وجابر صلاته ~~بمكة، وهما صادقان. وذكر ابن المنذر نحوه، ويمكن الجمع بأن يقال: إنه صلى ~~بمكة ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنفلا لامره صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى. # باب ما جاء في تقديم النحر والحلق والرمي والإفاضة بعضها على بعض عن عبد ~~الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه ~~PageV05P151 # رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي، ~~قال: ارم ولا حرج، وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا ~~حرج، وأتى آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج ~~وفي رواية عنه: أنه شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم النحر فقام ~~إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا ~~قبل كذا حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: افعل ولا حرج لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شئ إلا قال: ~~افعل ولا حرج متفق عليهما. ولمسلم في رواية: # فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور ~~قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: افعلوا ولا ~~حرج. # وعن علي عليه السلام قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر، ~~قال: انحر ولا حرج، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق، ~~قال: احلق أو قصر ولا حرج رواه أحمد. وفي لفظ قال: إني أفضت قبل ms2027 أن أحلق، ~~قال: احلق أو قصر ولا حرج قال: وجاء آخر فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل ~~أن أرمي، قال: ارم ولا حرج رواه الترمذي وصححه. وعن ابن عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير ~~فقال: لا حرج متفق عليه. وفي رواية: سأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: ~~اذبح ولا حرج، وقال: # رميت بعدما أمسيت، فقال: افعل ولا حرج رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة ~~والنسائي. وفي رواية قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: زرت قبل ~~أن أرمي، قال: لا حرج، قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج، قال: ذبحت قبل ~~أن أرمي قال: لا حرج رواه البخاري. # قوله: في يوم النحر في رواية للبخاري: إن ذلك كان في حجة الوداع، وفي ~~أخرى له يخطب يوم النحر كما في الباب، وفي أخرى له أيضا على راحلته. قال ~~القاضي عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد، على أن معنى خطب ~~أنه علم الناس لا أنها خطبة من خطب الحج المشروعة. قال: ويحتمل أن يكون ذلك ~~في موطنين: أحدهما على راحلته عند الجمرة ولم يقل في هذا خطب. والثاني يوم ~~النحر بعد صلاة الظهر وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلم الامام ~~فيها الناس ما بقي PageV05P152 # عليهم من مناسكهم، وصوب النووي هذا الاحتمال الثاني، فإن قيل: لا منافاة ~~بين هذا الذي صوبه وبين ما قبله، فإنه ليس في شئ من طرق الأحاديث بيان ~~الوقت الذي خطب فيه الناس، فيجاب بأن في رواية حديث ابن عباس التي ذكرها ~~المصنف رميت بعد ما أمسيت، وهي تدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال، لأن ~~المساء إنما يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحجاج أن ~~يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك. ~~(والحاصل) أنه قد اجتمع من الروايات أن ذلك كان في حجة الوداع يوم ms2028 النحر ~~بعد الزوال عند الجمرة، والرجل المذكور في هذه الأحاديث، قال الحافظ في ~~الفتح: لم نقف بعد البحث الشديد على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة. # قوله: حلقت قبل أن أرمي في هذه الرواية قدم السؤال عن الحلق قبل الرمي، ~~وفي الرواية الثانية قدم السؤال عن الحلق قبل النحر، وكذلك في حديث علي ~~عليه السلام، وفي الرواية الأخرى منه قدم الإفاضة قبل الحلق، وفي الرواية ~~الثالثة منه قدم الذبح قبل الرمي، وفي رواية ابن عباس قدم الحلق قبل الذبح، ~~وفي الرواية الأخرى منه قدم الزيارة قبل الرمي (والأحاديث) المذكورة في ~~الباب تدل على جواز تقديم بعض الأمور المذكورة فيها على بعض وهي الرمي ~~والحلق والتقصير والنحر وطواف الإفاضة وهو إجماع كما قال ابن قدامة في ~~المغني. قال في الفتح: إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع قال ~~القرطبي: روي عن ابن عباس ولم يثبت عنه أن من قدم شيئا على شئ فعليه دم. ~~وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وتعقبه الحافظ ~~بأن نسبة ذلك إلى النخعي، وأصحاب الرأي فيها نظر قال: # إنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع، وإنما أوجبوا الدم لأن العلماء ~~قد أجمعوا على أنها مترتبة، أولها رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ~~ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، ولم يخالف في ذلك أحد، إلا أن ابن ~~جهم المالكي استثنى القارن فقال: لا يحلق حتى يطوف، ورد عليه النووي ~~بالاجماع، فالمراد بإيجابهم الدم على من قدم شيئا على شئ يعنون من الأشياء ~~المذكورة في هذا الترتيب المجمع عليه بأن فعل ما يخالفه. وقد روي إيجاب ~~الدم عن الهادي والقاسم. وذهب جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الحديث إلى ~~الجواز وعدم وجوب الدم قالوا: لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ولا حرج ~~يقتضي رفع الاثم والفدية معا، لأن المراد بنفي الحرج نفي PageV05P153 # الضيق، وإيجاب أحدهما فيه ضيق، وأيضا لو كان الدم واجبا لبينه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ms2029 لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وبهذا يندفع ما ~~قاله الطحاوي من أن الرخصة مختصة بمن كان جاهلا أو ناسيا لا من كان عامدا ~~فعليه الفدية. قال الطبري: # لم يسقط النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو ~~لم يجزئ لامره بالإعادة لأن الجهل والنسيان لا يضيعان غير إثم الحكم الذي ~~يلزمه في الحج كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه ناسيا أو جاهلا ~~لكن يجب عليه الإعادة. قال: والعجب ممن يحمل قوله ولا حرج على نفي الاثم ~~فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبا يجب بتركه دم ~~فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض من تعميم الشارع الجميع ~~بنفي الحرج انتهى. وذهب بعضهم إلى تخصيص الرخصة بالناسي والجاهل دون ~~العامد، واستدل على ذلك بقوله في حديث ابن عمرو: # فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر ينسى أو يجهل الخ. وبقوله في رواية للشيخين ~~من حديثه: أن رجلا قال له صلى الله عليه وآله وسلم لم أشعر فنحرت قبل أن ~~أرمي، فقال: ارم ولا حرج وذهب أحمد إلى التخصيص المذكور، كما حكى ذلك عنه ~~الأثرم، وقد قوى ذلك ابن دقيق العيد فقال ما قاله أحمد قوي من جهة أن ~~الدليل دل على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحج بقوله: ~~خذوا عني مناسككم وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد ~~قرنت بقول السائل: لم أشعر، فيختص هذا الحكم بهذه الحالة، وتبقى صورة العمد ~~على أصل وجوب الاتباع في الحج، وأيضا الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون ~~معتبرا لم يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق ~~به الحكم، فلا يجوز اطراحه بإلحاق العمد به إذ لا يساويه. وأما التمسك بقول ~~الراوي: فما سئل عن شئ الخ لاشعاره بأن الترتيب مطلقا غير مراعى، فجوابه أن ~~هذا الاخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال ms2030 عنه وهو مطلق بالنسبة إلى حال ~~السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد، ~~كذا في الفتح. ولا يخفاك أن السؤال له صلى الله عليه وآله وسلم وقع من ~~جماعة كما في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: # كان الاعراب يسألونه، ولفظ حديثه عند أبي داود قال: خرجت مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله سعيت ~~قبل أن PageV05P154 # أطوف أو قدمت شيئا، فكان يقول: لا حرج لا حرج ويدل على تعدد السائل قول ~~ابن عمرو في حديثه المذكور في الباب: وأتاه آخر فقال إني أفضت الخ. وقول ~~علي عليه السلام في حديثه المذكور: وأتاه آخر كذلك. قوله: وجاء آخر وتعليق ~~سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال إنه يختص الحكم ~~بحالة عدم الشعور، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها، ولهذا يعلم أن ~~التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير ~~مفيد للمطلوب، نعم إخبار ابن عمرو عن أعم العام وهو قوله: فما سئل يومئذ عن ~~شئ مخصص بإخباره مرة أخرى عن أخص منه مطلقا وهو قوله: فما سمعته يومئذ يسأل ~~عن أمر مما ينسي المرء أو يجهل، ولكن عند من جوز التخصيص بمثل هذا المفهوم. ~~قوله: رميت بعدما أمسيت فيه دليل على أن من رمى بعد دخول وقت المساء وهو ~~الزوال صح رميه ولا حرج عليه في ذلك. # باب استحباب الخطبة يوم النحر عن الهرماس بن زياد قال: رأيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يخطب على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى رواه أحمد ~~وأبو داود. وعن أبي أمامة قال: سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بمنى يوم النحر رواه أبو داود. وعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ~~ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى ms2031 بلغ الجمار فوضع أصبعيه ~~السبابتين ثم قال: بحصى الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد ~~وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك رواه أبو داود ~~والنسائي بمعناه. وعن أبي بكرة قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا ~~أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟ ~~قلنا: # الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا ~~الحجة؟ قلنا بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا ~~أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة، قلنا بلى، قال: فإن دماءكم ~~وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، PageV05P155 # في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم ~~اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا ~~يضرب بعضكم رقاب بعض رواه أحمد والبخاري. # الأحاديث المذكورة في هذا الباب قد قدمها المصنف رحمه الله تعالى في كتاب ~~العيدين بألفاظها المذكورة ههنا من دون زيادة ولا نقصان، ولم تجر له عادة ~~بمثل هذا، وقد شرحناها هنالك، وذكرنا ما في الباب من الأحاديث التي لم ~~يذكرها وسنذكرها ههنا، فوائد لم نتعرض لذكرها هنالك تتعلق بألفاظ هذه ~~الأحاديث. فقوله: العضباء هي مقطوعة الأذن. قال الأصمعي: كل قطع في الاذن ~~جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء. وقال أبو عبيد: أن العضباء التي قطع نصف ~~أذنها فما فوق، وقال الخليل: هي مشقوقة الأذن، قال الحربي: الحديث يدل على ~~أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الاذن فقد جعل اسمها هذا. قوله: يوم ~~الأضحى بمنى وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر فعلها ليعلم الناس بها ~~المبيت والرمي في أيام التشريق وغير ذلك مما بين أيديهم. قوله: ففتحت بفتح ~~الفاء الثانية وكسر الفوقية بعدها أي اتسع سمع أسماعنا وقوي من قولهم ~~قارورة فتح بضم الفاء والتاء ms2032 أي واسعة الرأس، قال الكسائي: # ليس لها صمام ولا غلاف، وهكذا صارت أسماعهم لما سمعوا صوت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وهذا من بركات صوته إذا سمعه المؤمن قوي سمعه واتسع مسلكه ~~حتى صار يسمع الصوت من الأماكن البعيدة ويسمع الأصوات الخفية. قوله: # ونحن في منازلنا فيه دليل على أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة، بل وقفوا في ~~رحالهم وهم يسمعونها، ولعل هذا كان فيمن له عذر منعه عن الحضور لاستماعها ~~وهو اللائق بحال الصحابة رضي الله عنهم. قوله: فطفق يعلمهم هذا انتقال من ~~التكلم إلى الغيبة وهو أسلوب من أساليب البلاغة مستحسن. قوله: حتى بلغ ~~الجمار يعني المكان الذي ترمى فيه الجمار، والجمار هي الحصى الصغار التي ~~يرمى بها الجمرات. # قوله: فوضع أصبعيه السبابتين زاد في نسخة لأبي داود في أذنيه، وإنما فعل ~~ذلك ليكون أجمع لصوته في إسماع خطبته، ولهذا كان بلال يضع أصبعيه في صماخ ~~أذنيه في الاذان، وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير وتقديره: فوضع أصبعيه ~~السبابتين في أذنيه حتى بلغ الجمار. قوله: ثم قال يحتمل أن يكون المراد ~~بالقول القول النفسي كما قال تعالى: # * (ويقولون في أنفسهم) * (سورة المجادلة، الآية: 8) ويكون المراد به هنا ~~النية للرمي. قال أبو حبان: وتراكيب القول PageV05P156 # الست تدل على معنى الخفة والسرعة، فلهذا عبر هنا بالقول. قوله: بحصى ~~الخذف قد قدمنا في كتاب العيدين أنه بالخاء والذال المعجمتين. قال الأزهري: ~~حصى الخذف صغار مثل النوى يرمى بها بين إصبعين. قال الشافعي: حصى الخذف ~~أصغر من الأنملة طولا وعرضا، ومنهم من قال بقدر الباقلا. وقال النووي: بقدر ~~النواة، وكل هذه المقادير متقاربة لأن الخذف بالمعجمتين لا يكون إلا ~~بالصغير. قوله: في مقدم المسجد أي مسجد الخيف الذي بمنى، ولعل المراد ~~بالمقدم الجهة. قوله: ثم نزل الناس برفع الناس على أنه فاعل، وفي نسخة من ~~سنن أبي داود: ثم نزل الناس بتشديد الزاي ونصب الناس، وقد قدمنا شرح حديث ~~أبي بكرة في كتاب العيدين مستكملا. # باب اكتفاء القارن لنسكيه بطواف واحد وسعي ms2033 واحد عن ابن عمر: قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف ~~واحد رواه أحمد وابن ماجة. وفي لفظ: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد ~~وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعا رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن ~~غريب، وفيه دليل على وجوب السعي ووقوف التحلل عليه. وعن عروة عن عائشة ~~قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع فأهللنا ~~بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان معه هدي فليهل ~~بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت وأنا حائض ولم أطف ~~بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إليه فقال: # انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت فلما قضينا ~~الحج أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال: هذه مكان ~~عمرتك، قالت: # فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم ~~طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ~~فإنما طافوا طوافا واحدا متفق عليه. وعن طاوس عن عائشة: أنها أهلت بالعمرة ~~فقدمت ولم تطف بالبيت حين حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك ~~فأبت، فبعث بها مع PageV05P157 # عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج رواه أحمد ومسلم. وعن مجاهد عن ~~عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك رواه مسلم وفيه تنبيه ~~على وجوب السعي. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا سعيد بن منصور مرفوعا بلفظ: من جمع بين الحج ~~والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ ~~فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب والليث وموسى بن ~~عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما ms2034 في الباب من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه ~~قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قال في الفتح: وهو تعليل مردود، فالداوردي صدوق، وليس ما رواه مخالفا لما ~~رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عن نافع على الوجهين. وفي الباب عن ~~جابر عند مسلم وأبي داود بلفظ: لم يطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا ~~أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا وأخرج عبد الرزاق عن طاوس بإسناد ~~صحيح أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحجته ~~وعمرته إلا طوافا واحدا. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته ~~طوافا واحدا بعد أن قال: إنه سيفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وأخرج عنه من وجه آخر أنه رأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه ~~الأول يعني الذي طاف يوم النحر للإفاضة وقال: كذلك فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (وبهذه الأدلة) تمسك من قال: إنه يكفي القارن لحجته وعمرته ~~طواف واحد وسعي واحد وهو مالك والشافعي وإسحاق وداود، وهو محكي عن ابن عمر ~~وجابر وعائشة، كذا قال النووي، وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه والهادي ~~والناصر، قال النووي: وهو محكي عن علي بن أبي طالب عليه السلام وابن مسعود ~~والشعبي والنخعي أنه يلزم القارن طوافان وسعيان، وأجابوا عن أحاديث الباب ~~بأجوبة متعسفة منها ما سلف عن الطحاوي على حديث ابن عمر. ومنها جوابه عن ~~حديث عائشة بأنها أرادت بقولها جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع ~~قران وهذا مما يتعجب منه، فإن حديث عائشة مصرح بفصل من تمتع ممن قرن وما ~~يفعله كل واحد منهما كما في حديث الباب المذكور فإنها قالت: فطاف الذين ~~كانوا أهلوا بالعمرة، ثم قالت: وأما PageV05P158 # الذين جمعوا الخ، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما أخرجه عبد الرزاق ~~والدارقطني وغيرهما ms2035 عن علي عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما ~~طوافين وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال الحافظ: وطرقه ضعيفة وكذا روى نحوه من حديث ابن مسعود بإسناد ~~ضعيف، ومن حديث ابن عمر بإسناد فيه الحسن ابن عمارة وهو متروك. قال ابن ~~حزم: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من الصحابة في ~~ذلك شئ أصلا، وتعقبه في الفتح بأنه قد روى الطحاوي وغيره مرفوعا عن علي ~~وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها انتهى. فينبغي أن يصار إلى الجمع كما ~~قال البيهقي إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيحمل على طواف القدوم وطواف ~~الإفاضة. وأما السعي مرتين فلم يثبت انتهى. على أنه يضعف ما روي عن علي ~~عليه السلام ما في الفتح من أنه قد روى آل بيته عنه مثل الجماعة، قال جعفر ~~بن محمد الصادق عن أبيه: # أنه كان يحفظ عن علي للقارن طوافا واحدا خلاف ما لقول أهل العراق، ومما ~~يضعف ما روي عنه من تكرار الطواف أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن ~~أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمنع من ابتداء الاهلال بالحج بأن يدخل عليه ~~عمرة، وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، والذين احتجوا بحديثه لا يقولون ~~بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن كان الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل ~~بما دلت عليه وإلا فلا حجة فيها. ويضعف أيضا ما روي عن ابن عمر من تكرار ~~الطواف أنه قد ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف ~~واحد، وقد احتج أبو ثور على الاكتفاء بطواف واحد للقارن بحجة نظرية فقال: ~~قد أجزنا جميعا للحج والعمرة معا سفرا واحدا وإحراما واحدا وتلبية واحدة، ~~فكذلك يجزى عنهما طواف واحد وسعي واحد، حكى هذا عنه ابن المنذر، ومن جملة ~~ما يحتج به على أنه يكفي لهما طواف واحد حديث: دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة وهو صحيح وقد تقدم. ms2036 وذلك لأنها بعد دخولها فيه لا تحتاج إلى عمل ~~آخر غير عمله، والسنة الصحيحة الصريحة أحق بالاتباع فلا يلتفت إلى ما ~~خالفها. # قوله: وامتشطي فيه دليل على أنه لا يكره الامتشاط للمحرم. وقيل: إنه ~~مكروه. # قال النووي: وقد تأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن ~~كان برأسها أذى فأباح لها الامتشاط، كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى. ~~وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط بل تسريح الشعر ~~بالأصابع عند الغسل PageV05P159 # للاحرام بالحج، لا سيما إن كانت لبدت رأسها كما هو السنة وكما فعله النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ~~ويلزم من هذا نقضه. قوله: يسعك الخ المراد بالوسع هنا الاجزاء كما في ~~الرواية الأخرى. # باب المبيت بمنى ليالي منى ورمي الجمار في أيامها عن عائشة قالت: أفاض ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى ~~منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع ~~حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع ~~ويرمي الثالثة لا يقف عندها رواه أحمد وأبو داود. # وعن ابن عباس قال: استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له متفق عليه، ولهم مثله من حديث ~~ابن عمر. وعن ابن عباس قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمار ~~حين زالت الشمس رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. وعن ابن عمر قال: كنا نتحين ~~فإذا زالت الشمس رمينا رواه البخاري وأبو داود. وعن ابن عمر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا رواه ~~الترمذي وصححه. وفي لفظ عنه: أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبا وسائر ~~ذلك ماشيا، ويخبرهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك رواه ~~أحمد. # حديث عائشة أخرجه أيضا ms2037 ابن حبان والحاكم. وحديث ابن عباس الثاني حسنه ~~الترمذي، وأخرج نحوه مسلم في صحيحه من حديث جابر، ويؤيده حديث ابن عمر ~~المذكور في الباب عند البخاري، وحديث ابن عمر الثاني باللفظ الآخر، أخرج ~~نحوه أبو داود عنه بلفظ: أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم ~~النحر ماشيا ذاهبا وراجعا، ويخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يفعل ذلك وقد أخرج الترمذي نحوه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بلفظ: أنه كان يمشي إلى الجمار. قوله: # فمكث بها ليالي أيام التشريق هذا من جملة ما استدل به الجمهور، على أن ~~المبيت بمنى واجب، وأنه من جملة مناسك الحج، ومن أدلتهم على ذلك حديث ابن ~~عباس PageV05P160 # المذكور في إذنه صلى الله عليه وآله وسلم للعباس. ومنها ما أخرجه أحمد ~~وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم عن عاصم بن عدي: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى وسيأتي. والتعبير بالرخصة ~~يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الاذن وقع للعلة المذكورة وإذا لم توجد، أو ما ~~في معناها لم يحصل، وقد اختلف في وجوب الدم لتركه فقيل يجب عن كل ليلة دم، ~~روي عن ذلك المالكية. وقيل: صدقة بدرهم وقيل: إطعام، وعن الثلاث دم، هكذا ~~روي عن الشافعي وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه وعن الحنفية لا شئ عليه. ~~قوله: يكبر مع كل حصاة حكى الماوردي عن الشافعي أن صفته: الله أكبر الله ~~أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. قوله: ~~ويقف عند الأولى الخ، فيه استحباب الوقوف عند الجمرة الأولى والثانية وهي ~~الوسطى، والتضرع عندها، وترك القيام عند الثالثة وهي جمرة العقبة. قوله: ~~استأذن العباس الخ قيل: إن جواز ترك المبيت يختص بالعباس ، وقيل: يدخل معه ~~بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية وهو جمود يرده حديث عاصم بن عدي ~~الآتي. وقيل: يجوز الترك لكل من له عذر يشابه الاعذار التي رخص لأهلها ms2038 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول الجمهور، وقيل: يختص بأهل السقاية ~~ورعاة الإبل، وبه قال أحمد واختاره ابن المنذر. قوله: حين زالت الشمس وكذا ~~قوله في حديث عائشة: إذا زالت الشمس وقوله في حديث ابن عمر: فإذا زالت ~~الشمس رمينا هذه الروايات تدل على أنه لا يجزى رمي الجمار في غير يوم ~~الأضحى قبل زوال الشمس بل وقته بعد زوالها كما في البخاري وغيره من حديث ~~جابر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم رمى يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد ~~الزوال. # وإلى هذا ذهب الجمهور، وخالف في ذلك عطاء وطاوس فقالا: يجوز الرمي قبل ~~الزوال مطلقا، ورخص الحنفية في الرمي يوم النفر قبل الزوال وقال إسحاق: إن ~~رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزيه، والأحاديث المذكورة ترد ~~على الجميع. قوله: # نتحين نتفعل من الحين وهو الزمان أي نراقب الوقت المطلوب. قوله: مشى ~~إليها أجمعوا على أن إتيان الجمار ماشيا وراكبا جائز، لكن اختلفوا في ~~الأفضل، وقد تقدم الخلاف في ذلك في رمي جمرة العقبة وفي غيرها. قال ~~الجمهور: المستحب المشي، وذهب البعض إلى استحباب الركوب يوم النحر والمشي ~~في غيره، والذي ثبت عنه صلى الله PageV05P161 # عليه وآله وسلم الركوب لرمي جمرة العقبة يوم النحر والمشي بعد ذلك مطلقا. # وعن سالم عن ابن عمر: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل ~~حصاة، ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي ~~الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ~~ويقوم طويلا، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ~~ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله رواه أحمد ~~والبخاري. # وعن عاصم بن عدي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص لرعاة الإبل ~~في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغد ~~ليومين، ثم يرمون يوم النفر رواه الخمسة وصححه ms2039 الترمذي. وفي رواية: رخص ~~للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما رواه أبو داود والنسائي. وعن سعد بن مالك ~~قال: # رجعنا في الحجة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعضنا يقول: رميت بسبع ~~حصيات وبعضنا يقول رميت بست حصيات، ولم يعب بعضهم على بعض رواه أحمد ~~والنسائي. # حديث عاصم بن عدي أخرجه أيضا مالك والشافعي وابن حبان والحاكم، وفي الباب ~~عن ابن عمرو بن العاص عند الدارقطني بإسناد ضعيف ولفظه: رخص رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم للرعاء أن يرموا بالليل وأية ساعة شاؤوا من النهار وعن ~~ابن عمر عند البزار والحاكم والبيهقي بإسناد حسن. وحديث سعد بن مالك سياقه ~~في سنن النسائي هكذا: أخبرني يحيى بن موسى البلخي، حدثنا سفيان بن عيينة عن ~~ابن أبي نجيح، قال مجاهد قال سعد فذكره ورجاله رجال الصحيح. وقد أخرج نحوه ~~النسائي من حديث ابن عباس، وأخرج أبو داود عن ابن عباس أنه سئل عن أمر ~~الجمار فقال: ما أدري رماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بست أو ~~بسبع. قوله: الجمرة الدنيا بضم الدال وبكسرها أي القريبة إلى جهة مسجد ~~الخيف وهي أولى الجمرات التي ترمى ثاني يوم النحر. قوله: فيسهل بضم التحتية ~~وسكون المهملة أي يقصد السهل من الأرض وهو المكان المستوي الذي لا ارتفاع ~~فيه. قوله: ويرفع يديه فيه استحباب رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة، وروي ~~عن مالك أنه مكروه، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أنكر رفع اليدين في ~~الدعاء عند الجمرة إلا ما حكي عن مالك. قوله: ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات ~~الشمال أي يمشي إلى جهة الشمال وفي رواية للبخاري: ثم ينحدر PageV05P162 # ذات الشمال مما يلي الوادي. قوله: ويقوم طويلا فيه مشروعية القيام عند ~~الجمرتين وتركه عند جمرة العقبة، ومشروعية الدعاء عندهما قال ابن قدامة: لا ~~نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفا إلا ما روي عن مالك من ترك رفع ~~اليدين عند الدعاء. قوله: ويدعو يوما أي يجوز لهم أن يرموا ms2040 اليوم الأول من ~~أيام التشريق ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها ويدعو يوم النفر الأول، ثم ~~يأتوا في اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رمي اليوم ~~الثالث، وفيه تفسير ثان وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ~~ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما فاتهم، ثم يرمون ~~عن ذلك اليوم كما تقدم وكلاهما جائز، وإنما رخص للرعاء لأن عليهم رعي الإبل ~~وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمي ~~والمبيت، فيجوز لهم ترك المبيت للعذر والرمي على الصفة المذكورة، وقد تقدم ~~الخلاف في إلحاق بقية المعذورين بهم في أول الباب. قوله: ولم يعب بعضهم على ~~بعض استدل به من قال: إنه يجوز الاقتصار على أقل من سبع حصيات، وقد تقدم ~~ذكر القائلين بذلك في باب رمي جمرة العقبة، ولكن هذا الحديث لا يكون دليلا ~~بمجرد ترك إنكار الصحابة على بعضهم بعضا إلا أن يثبت أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم اطلع على شئ من ذلك وقرره. # باب الخطبة أوسط أيام التشريق عن سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله ~~أعلم. قال: أليس أوسط أيام التشريق؟ # رواه أبو داود. وقال: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي أنه خطب أوسط أيام ~~التشريق. # وعن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي خطب بمنى رواه أبو داود. وعن أبي ~~نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام ~~التشريق PageV05P163 # فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي ~~على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا ~~بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: ms2041 بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد. # حديث سراء بنت نبهان سكت عنه أبو داود والمنذري وقال في مجمع الزوائد: ~~رجاله ثقات: # وحديث الرجلين من بني بكر سكت عنه أيضا أبو داود والمنذري والحافظ في ~~التلخيص ورجاله رجال الصحيح. وحديث أبي نضرة قال في مجمع الزوائد: رجاله ~~رجال الصحيح. # قوله: سراء بفتح السين المهملة وتشديد الراء والمد وقيل القصر بنت نبهان ~~الغنوية صحابية لها حديث واحد قاله صاحب التقريب. قوله: يوم الرؤوس بضم ~~الراء والهمزة بعدها وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، سمي بذلك لأنهم ~~كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي. # قوله: أي يوم هذا سأل عنه وهو عالم به لتكون الخطبة أوقع في قلوبهم ~~وأثبت. # قوله: الله ورسوله أعلم هذا من حسن الأدب في الجواب للأكابر والاعتراف ~~بالجهل، ولعلهم قالوا ذلك لأنهم ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه كما وقع في حديث ~~أبي بكرة المتقدم. قوله: عم أبي حرة بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، واسم ~~أبي حرة حنيفة وقيل حكيم. والرقاشي بفتح الراء وتخفيف القاف وبعد الألف شين ~~معجمة. # قوله: أوسط أيام التشريق هو اليوم الثاني من أيام التشريق. قوله: ألا إن ~~ربكم واحد الخ، هذه مقدمة لنفي فضل البعض على البعض بالحسب والنسب كما كان ~~في زمن الجاهلية، لأنه إذا كان الرب واحدا وأبو الكل واحدا لم يبق لدعوى ~~الفضل بغير التقوى موجب وفي هذا الحديث حصر الفضل في التقوى ونفيه عن ~~غيرها، وأنه لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بها، ولكنه قد ~~ثبت في الصحيح أن الناس معادن كمعادن الذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الاسلام إذا فقهوا، فقيه إثبات الخيار في الجاهلية ولا تقوى هناك، وجعلهم ~~الخيار في الاسلام بشرط الفقه في الدين، وليس مجرد الفقه في الدين سببا ~~لكونهم خيارا في الاسلام، وإلا لما كان لاعتبار كونهم خيارا في الجاهلية ~~معنى، ولكان كل فقيه في الدين من الخيار وإن لم يكن من الخيار في الجاهلية، ~~وليس أيضا سبب كونهم خيارا ms2042 في الاسلام مجرد التقوى، وإلا لما كان لذكر ~~كونهم خيارا في الجاهلية معنى، ولكان كل متق من الخيار من غير نظر إلى كونه ~~من خيار الجاهلية، فلا شك PageV05P164 # أن هذا الحديث يدل على أن لشرافة الأنساب وكرم النجار مدخلا في كون أهلها ~~خيارا، وخيار القوم أفاضلهم، وإن لم يكن لذلك مدخل باعتبار أمر الدين ~~والجزاء الأخروي، فينبغي أن يحمل حديث الباب على الفضل الأخروي. (وأحاديث ~~الباب) تدل على مشروعية الخطبة في أوسط أيام التشريق، وقد قدمنا في كتاب ~~العيدين أنها من الخطب المستحبة في الحج، وبينا هنالك كم يستحب من الخطب في ~~الحج. باب نزول المحصب إذا نفر من منى عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى ~~البيت فطاف به رواه البخاري. وعن ابن عمر: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~بالبطحاء ثم هجع هجعة ثم دخل مكة، وكان ابن عمر يفعله رواه أحمد وأبو داود ~~والبخاري بمعناه. وعن الزهري عن سالم: أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ~~ينزلون الأبطح قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك ~~وقالت: إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان منزلا أسمح ~~لخروجه رواه مسلم. # وعن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. وعن ابن عباس قال: التحصيب ~~ليس بشئ إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متفق عليهما. # قوله: بالمحصب بمهملتين وموحدة على وزن محمد، وهو اسم لمكان متسع بين ~~جبلين، وهو إلى منى أقرب من مكة، سمي بذلك لكثرة ما به من الحصى من جر ~~السيول، ويسمى بالأبطح وخيف بني كنانة. قوله: ثم هجع هجعة أي اضطجع ونام ~~يسيرا. # قوله: أسمح لخروجه أي أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي البطئ والمقتدر، ~~ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر، ورحيلهم ms2043 بأجمعهم إلى المدينة. قوله: ليس ~~التحصيب بشئ أي من المناسك التي يلزم فعلها. وقد نقل ابن المنذر الخلاف في ~~استحباب نزول المحصب مع الاتفاق أنه ليس من المناسك، وقد روى أحمد عن عائشة ~~أنها قالت: PageV05P165 # والله ما نزلها يعني الحصبة إلا من أجلي وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن ~~أبي رافع قال: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنزل الأبطح ~~حين خرج من منى ولكن جئت فضربت قبته فجاء فنزل انتهى. ولا شك أن النزول ~~مستحب لتقريره صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وفعله، وقد فعله الخلفاء ~~بعده كما رواه مسلم عن ابن عمر، ومما يدل على استحباب التحصيب ما أخرجه ~~البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أسامة بن زيد: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريشا على الكفر يعني المحصب، وذلك ~~أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يؤوهم ولا ~~يبايعوهم، قال الزهري: # والخيف الوادي. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى نحن ~~نازلون غدا فذكر نحوه وحكى النووي عن القاضي عياض أنه مستحب عند جميع ~~العلماء، قال في الفتح: # والحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا ~~يلزم بتركه شئ، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا الالزام بذلك، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل كما دل عليه حديث أنس وابن عمر. # باب ما جاء في دخول الكعبة والتبرك بها عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إلي وهو ~~حزين، فقلت له فقال: إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن ms2044 ~~أكون أتعبت أمتي من بعدي رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وعن أسامة ~~بن زيد قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيت فجلس فحمد ~~الله وأثنى عليه وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره ~~عليه وخده ويديه ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج فأقبل ~~على القبلة وهو على الباب فقال: هذه القبلة هذه القبلة مرتين أو ثلاثة رواه ~~أحمد والنسائي. وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: PageV05P166 # لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة انطلقت فوافقته قد خرج من ~~الكعبة وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم ~~على البيت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسطهم رواه أحمد وأبو داود. ~~وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم البيت في عمرته؟ قال: لا متفق عليه. # حديث عائشة أخرجه أيضا وصححه ابن خزيمة والحاكم. وحديث أسامة رجاله رجال ~~الصحيح، وأصله في صحيح مسلم بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل ~~في البيت ولكنه كبر في نواحيه وحديث عبد الرحمن بن صفوان في إسناده يزيد بن ~~أبي زياد ولا يحتج بحديثه وقد ذكر الدارقطني أن يزيد بن أبي زياد تفرد به ~~عن مجاهد، ولكنه ذكر الذهبي أنه صدوق من ذوي الحفظ، وذكر في الخلاصة أنه ~~كان من الأئمة الكبار، وقد تقدم الكلام فيه في غير موضع. قوله: ووددت أني ~~لم أكن فعلت فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل الكعبة في ~~غير عام الفتح لان عائشة لم تكن معه فيه إنما كانت معه في غيره. وقد جزم ~~جمع من أهل العلم أنه لم يدخل إلا في عام الفتح وهذا الحديث يرد عليهم، وقد ~~تقرر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل البيت في عمرته كما في حديث ~~ابن أبي أوفى المذكور ms2045 في الباب، فتعين أن يكون دخله في حجته وبذلك جزم ~~البيهقي. وقد أجاب البعض عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح وهو بعيد جدا. ~~وفيه أيضا دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج وهو مذهب الجمهور. ~~وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخولها من المناسك، وقد ذهب جماعة من أهل ~~العلم إلى أن دخولها مستحب، ويدل على ذلك ما أخرج ابن خزيمة والبيهقي من ~~حديث ابن عباس: من دخل البيت دخل في جنة وخرج مغفورا له وفي إسناده عبد ~~الله بن المؤمل وهو ضعيف، ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدا بدخوله، ويدل على ~~الاستحباب أيضا حديث أسامة وعبد الرحمن بن صفوان المذكوران في الباب. قوله: ~~وخده ويديه فيه استحباب وضع الخد والصدر على البيت وهو ما بين الركن والباب ~~ويقال له الملتزم، كما روى الطبراني عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الملتزم ~~ما بين الركن والباب. وأخرجه البيهقي في شعب الايمان من PageV05P167 # طريق أبي الزبير عن ابن عباس مرفوعا ورواه عبد الرزاق بإسناد يصح عنه. ~~موقوفا وسمي بذلك لأن الناس يلتزمونه. قوله: ثم فعل ذلك بالأركان كلها فيه ~~دليل على مشروعية وضع الصدر والخد على جميع الأركان مع التهليل والتكبير ~~والدعاء. # قوله: من الباب إلى الحطيم هذا تفسير للمكان الذي استلموه من البيت، ~~والحطيم هو ما بين الركن والباب كما ذكره محب الدين الطبري وغيره. وقال ~~مالك في المدونة الحطيم ما بين الباب إلى المقام، وقال ابن حبيب، هو ما بين ~~الحجر الأسود إلى الباب إلى المقام، وقيل: هو الشاذروان، وقيل: هو الحجر ~~الأسود كما يشعر به سياق الحديث، وسمي حطيما لأن الناس كانوا يحطمون هنالك ~~بالايمان، ويستجاب فيه الدعاء للمظلوم على الظالم، وقل من حلف هنالك كاذبا ~~إلا عجلت له العقوبة. وفي كتب الحنفية أن الحطيم هو الموضع الذي فيه ~~الميزاب. قوله: # وسطهم قال الجوهري: تقول جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، ms2046 وجلست وسط ~~الدار بالفتح لأنه اسم، قال: وكل وسط يصلح فيه بين فهو وسط بالاسكان، وإن ~~لم يصلح يبين فهو وسط بالفتح، قال الأزهري: كل ما بين بعضه من بعض كوسط ~~الصف والقلادة والسبحة وحلقة الناس فهو بالاسكان، وما كان منضما لا يبين ~~بعضه من بعض كالساحة والدار والراحبة فهو وسط بالفتح. قال: وقد أجازوا في ~~المفتوح الاسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح. قوله: أدخل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم البيت في عمرته بهمزة الاستفهام، قال النووي: قال العلماء ~~سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه ~~ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها، يعني كما ثبت في ~~حديث ابن عباس عند البخاري وغيره، ويحتمل أن يكون دخوله البيت لم يقع في ~~الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكة فوق ثلاث. # باب ما جاء في ماء زمزم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ماء زمزم لما شرب له رواه أحمد وابن ماجة. وعن عائشة أنها كانت تحمل ~~من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحمله رواه ~~الترمذي وقال: حديث حسن غريب. PageV05P168 # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء إلى السقاية ~~فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني، فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون ~~أيديهم فيه، قال: اسقني فشرب ثم أتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها فقال: ~~اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: # لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل يعني على عاتقه وأشار إلى عاتقه رواه ~~البخاري. وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن آية ~~ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم رواه ابن ماجة. وعن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ماء ms2047 زمزم لما شرب له، إن ~~شربته تستشفي به شفاك الله وإن شربته يشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع ~~ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل وسقيا إسماعيل رواه الدارقطني. # حديث جابر أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبيهقي والدارقطني والحاكم، وصححه ~~المنذري والدمياطي وحسنه الحافظ وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، وقد تفرد ~~به كما قال البيهقي وهو ضعيف، وأعله ابن القطان به، وقد رواه البيهقي من ~~طريق أخرى عن جابر وفيها سويد بن سعيد وهو ضعيف جدا، وإن كان مسلم قد أخرج ~~له فإنما أخرج له في المتابعات. # قال الحافظ: وأيضا فكان أخذه عنه قبل أن يعمى ويفسد حديثه، وكذلك أمر ~~أحمد بن حنبل ابنه بالأخذ عنه كان قبل عماه، ولما عمي صار يلقن فيتلقن وقال ~~يحيى بن معين: # لو كان لي فرس ورمح لغزوت سويدا من شدة ما كان يذكر له عنه من المناكير، ~~وأخرجه الطبراني من طريق ثالثة. وحديث عائشة أخرجه البيهقي والحاكم وصححه. ~~وحديث ابن عباس الأول أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم من طريق ابن أبي مليكة ~~قال: # جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟ قال: شربت من ماء زمزم، قال ابن ~~عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا ابن عباس؟ قال: إذا شربت ~~منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا وتضلع منها فإذا فرغت ~~فأحمد الله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: آية بيننا وبين ~~المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم وحديثه الثاني أخرجه أيضا الحاكم، وزاد ~~الدارقطني على ما ذكره المصنف: وإن شربته مستعيذا أعاذك الله، قال: فكان ~~ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا واسعا ~~وشفاء من كل داء وهذا الحديث PageV05P169 # هو من طريق محمد بن سعيد الجارودي عن سفيان ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد عن ابن عباس، قال في التلخيص: والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة، ~~فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة كالحميدي وابن أبي عمر وغيرهما ms2048 عن ابن عيينة ~~عن ابن أبي نجيح عن مجاهد من قول ابن عباس، ومما يقوي الرفع ما أخرجه ~~الدينوري في المجالسة قال: كنا عند ابن عيينة فجاء رجل فقال: يا أبا محمد ~~الحديث الذي حدثتنا به عن ماء زمزم صحيح؟ قال: نعم، قال: فإني شربته الآن ~~لتحدثني مائة حديث، قال: اجلس فحدثه مائة حديث. (وفي الباب) عن أبي ذر ~~مرفوعا عند أبي داود الطيالسي في مسنده قال: # زمزم مباركة، إنها طعام طعم، وشفاء سقم، وهو بهذا اللفظ في صحيح مسلم. ~~وعن جابر غير حديث الباب عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرب ~~منه. # قوله: ماء زمزم لما شرب له فيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر ~~شربه لأجله، سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة، لأن ما في قوله لما شرب له ~~من صيغ العموم. قوله: كان يحمله فيه دليل على أنه لا بأس بحمل ماء زمزم إلى ~~المواطن الخارجة عن مكة. قوله: لولا أن تغلبوا وذلك بأن يظن الناس أن النزع ~~سنة، فينزع كل رجل لنفسه فيغلب أهل السقاية عليها، وفي هذا الحديث استحباب ~~الشرب من ماء زمزم، وما قيل من أن الشرب جبلي فلا يدل على الاستحباب، إذ لا ~~تأسي في الجبلي مدفوع بأن القصد إلى ذلك المحل، والامر بالنزع وإعطاء أسامة ~~الفضلة ليشربها من غير أن يستدعي الماء كما في صحيح مسلم، مما يدل على أن ~~الشرب للفضيلة لا للحاجة. قوله: لا يتضلعون أي لا يروون من ماء زمزم، قال ~~في القاموس: وتضلع امتلأ شبعا أو ريا حتى بلغ الماء أضلاعه انتهى. قوله: ~~هزمة بالزاي أي حفرة جبريل لأنه ضربها برجله فنبع الماء، قال في القاموس: ~~هزمه يهزمه غمزه بيده فصارت فيه حفرة، ثم قال: والهزائم البئار الكبيرة ~~الغزر الماء. قوله: وسقيا إسماعيل أي أظهره الله ليسقي به إسماعيل في أول ~~الأمر. # باب طواف الوداع عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال ~~رسول PageV05P170 # الله صلى الله عليه ms2049 وآله وسلم: لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. وفي رواية: أمر الناس أن يكون آخر ~~عهدهم بالبيت ، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه. وعن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا ~~كانت قد طافت في الإفاضة رواه أحمد. وعن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي ~~بعدما أفاضت قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~أحابستنا هي؟ قلت: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد ~~الإفاضة، قال: # فلتنفر إذن متفق عليه. # قوله: لا ينفر أحد الخ، فيه دليل على وجوب طواف الوداع. قال النووي: وهو ~~قول أكثر العلماء ويلزم بتركه دم. وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا ~~شئ في تركه. قال الحافظ: والذي رأيته لابن المنذر في الأوسط أنه واجب للامر ~~به إلا أنه لا يجب بتركه شئ انتهى. وقد اجتمع في طواف الوداع أمره صلى الله ~~عليه وآله وسلم به ونهيه عن تركه وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك ~~أن ذلك يفيد الوجوب. قوله: # أمر الناس بالبناء على ما لم يسم فاعله. وكذا قوله: خفف. قوله: إذا كانت ~~قد طافت طواف الإفاضة قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على ~~الحائض التي أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ~~ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع، فكأنهم أوجبوه ~~عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، قال: وقد ~~ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة. ~~وروى ابن أبي شيبة عن طريق القاسم بن محمد كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت ~~قبل أن تحيض فقد فرغت إلا عمر. وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي ~~عن عمر أنه قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. وفي رواية كذلك: حدثني ms2050 رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. واستدل الطحاوي بحديث عائشة على نسخ حديث عمر في ~~حق الحائض. وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود الطيالسي أنها ~~قالت: حضت بعدما طفت بالبيت فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~أنفر، وحاضت صفية فقالت لها عائشة: حبستنا فأمرها النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن تنفر. ورواه سعيد بن منصور في كتاب PageV05P171 # المناسك وإسحاق في مسنده والطحاوي وأصله في البخاري، ويؤيد ذلك ما أخرجه ~~النسائي والترمذي وصححه الحاكم عن ابن عمر قال: من حج فليكن آخر عهده ~~بالبيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فلتنفر ~~إذن أي فلا حبس علينا حينئذ لأنها قد أفاضت فلا مانع من التوجه، والذي يجب ~~عليها قد فعلته، وفي رواية للبخاري: فلا بأس انفري. وفي رواية له: أخرجي. ~~وفي رواية: فلتنفر، ومعانيها متقاربة، والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة ~~المدينة. واستدل بقوله: أحابستنا على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل ~~لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة، وتعقب باحتمال أن يكون صلى الله عليه ~~وآله وسلم أراد بتأخير الرحيل إكرام صفية كما احتبس بالناس على عقد عائشة. ~~وأما ما أخرجه البزار من حديث جابر والثقفي في فوائده من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: أميران وليسا بأميرين من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو ~~يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ~~ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم، ففي إسناد كل واحد منها ضعيف شديد الضعف كما ~~قال الحافظ. # باب ما يقول إذا قدم من حج أو غيره عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث ~~تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شئ قدير، آيبون ms2051 تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ~~ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده متفق عليه. # قوله: شرف هو المكان العالي كما في القاموس وغيره، وفي رواية لمسلم: كان ~~إذا أوفى على ثنية أو فدفد كبر. قوله: آيبون أي راجعون، وهو وما بعده إخبار ~~لمبتدأ مقدر أي نحن آيبون الخ. قوله: صدق الله وعده أي في إظهار الدين وكون ~~العاقبة للمتقين وغير ذلك مما وعد به سبحانه، إن الله لا يخلف الميعاد. ~~قوله: # وهزم الأحزاب وحده أي من غير قتال من الآدميين، والمراد به بالأحزاب ~~الذين PageV05P172 # اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ~~تقدم، فأرسل الله عليهم ريحا وجنودا وهذا هو المشهور أن المراد بالأحزاب ~~أحزاب يوم الخندق قال القاضي عياض: ويحتمل أن المراد أحزاب الكفر في جميع ~~الأيام والمواطن. # والحديث فيه استحباب التكبير والتهليل والدعاء المذكور عند كل شرف من ~~الأرض يعلوه الراجع إلى وطنه من حج أو عمرة أو غزو. # باب الفوات والاحصار عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى، قال: ~~فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق رواه الخمسة. وفي رواية لأبي ~~داود وابن ماجة: من عرج أو كسر أو مرض فذكر معناه. وفي رواية ذكرها أحمد في ~~رواية المروزي: من حبس بكسر أو مرض. وعن ابن عمر أنه كان يقول: أليس حسبكم ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت ~~وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شئ حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم ~~يجد هديا رواه البخاري والنسائي. وعن عمر بن الخطاب: # أنه أمر أبا أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهبار بن ~~الأسود حين فاتهما الحج فأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم ~~يحجا عاما قابلا ويهديا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ms2052 وسبعة إذا ~~رجع إلى أهله. وعن سليمان بن يسار: أن ابن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق ~~مكة وهو محرم بالحج، فسأل عن الماء الذي كان عليه فوجد عبد الله بن عمر ~~وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، وكلهم أمره أن ~~يتداوى بما لا بد منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه أن يحج ~~قابلا ويهدي. وعن ابن عمر أنه قال: من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى ~~يطوف بالبيت وهذه الثلاثة لمالك في الموطأ. وعن ابن عباس قال: لا حصر إلا ~~حصر العدو رواه الشافعي في مسنده. PageV05P173 # حديث الحجاج بن عمر وسكت عنه أبو داود والمنذري وحسنه الترمذي. وأخرجه ~~أيضا ابن خزيمة والحاكم والبيهقي. وأثر عمر بن الخطاب أخرجه أيضا البيهقي، ~~وأخرج عن عمر أنه أمر من فاته الحج أن يهل بعمرة وعليه الحج من قابل، وأخرج ~~أيضا عن زيد بن ثابت مثله. وأخرج نحوه عن عمر من طريق أخرى. والأثر الذي ~~رواه سليمان بن يسار رواه مالك عن يحيى بن سعيد عنه، ولكن سليمان بن يسار ~~لم يدرك القصة. وأثر ابن عمر رواه مالك في الموطأ من طريق ابن شهاب عن سالم ~~عنه. وأثر ابن عباس صحح الحافظ إسناده. قوله: من كسر بضم الكاف وكسر السين. ~~قوله: أو عرج بفتح المهملة والراء أي أصابه شئ في رجله وليس بخلقة، فإذا ~~كان خلقة قيل عرج بكسر الراء. قوله: فقد حل تمسك بظاهر هذا أبو ثور وداود ~~فقالا: إنه يحل في مكانه بنفس الكسر والعرج، وأجمع بقية العلماء على أنه ~~يحل من كسر أو عرج ولكن اختلفوا فيما به يحل، وعلام يحمل هذا الحديث؟ فقال ~~أصحاب الشافعي: إنه يحمل على ما إذا شرط التحلل به، فإذا وجد الشرط صار ~~حلالا ولا يلزم الدم، وقال مالك وغيره: يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره، ~~ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحل بالنية والذبح والحلق، وسيأتي الكلام على ~~ذلك. قوله: أو مرض الاحصار لا ms2053 يختص بالاعذار المذكورة، بل كل عذر حكمه ~~حكمها كإعواز النفقة والضلال في الطريق وبقاء السفينة في البحر، وبهذا قال ~~كثير من الصحابة. قال النخعي والكوفيون: الحصر بالكسر والمرض والخوف. وقال ~~آخرون منهم مالك والشافعي وأحمد: لا حصر إلا بالعدو، وتمسكوا بقول ابن عباس ~~المذكور في الباب. # وحكى ابن جرير قولا إنه لا حصر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والسبب في هذا الاختلاف أنهم اختلفوا في تفسير الاحصار، فالمشهور عن أكثر ~~أهل اللغة منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيد وأبو عبيدة وابن السكيت ~~وثعلب وابن قتيبة وغيرهم أن الاحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو ~~الحصر. وقال بعضهم: # إن أحصر وحصر بمعنى واحد. قوله: سنة نبيكم قال عياض: ضبطناه سنة بالنصب ~~على الاختصاص وعلى إضمار فعل أي تمسكوا وشبهه، وخبر حسبكم طاف بالبيت ويصح ~~الرفع، على أن سنة خبر حسبكم أو الفاعل وحسبكم بمعنى الفعل ويكون ما بعدهما ~~تفسيرا للسنة. وقال السهيلي: من نصب سنة فهو بإضمار الامر كأنه PageV05P174 # قال: الزموا سنة نبيكم. قوله: طاف بالبيت أي إذا أمكنه ذلك، ووقع في ~~رواية عبد الرزاق: إن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل طاف. قوله: حتى ~~يحج عاما قابلا استدل به على وجوب الحج من القابل على من أحصر، وسيأتي ~~الخلاف فيه. قوله: فيهدي فيه دليل على وجوب الهدي على المحصر، ولكن الاحصار ~~الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما وقع في العمرة، فقاس ~~العلماء الحج على ذلك، وهو من الالحاق بنفي الفارق، وإلى وجوب الهدي ذهب ~~الجمهور وهو ظاهر الأحاديث الثابتة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعل ~~ذلك في الحديبية، ويدل عليه قوله تعالى: * (فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدي) * (سورة البقرة، الآية: 196) وذكر الشافعي أنه لا خلاف في ذلك في ~~تفسير الآية، وخالف في ذلك مالك فقال: إنه لا يجب الهدي على المحصر، وعول ~~على قياس الاحصار على الخروج من الصوم للعذر والتمسك بمثل هذا القياس في ~~مقابل ما يخالفه ms2054 من القرآن والسنة من الغرائب التي يتعجب من وقوع مثلها من ~~أكابر العلماء. قوله: ابن حزابة بضم الحاء المهملة وبعدها زاي ثم بعد الألف ~~موحدة. قوله: فسأل على الماء هكذا في بعض نسخ هذا الكتاب، وفي بعضها عن ~~الماء، وفي نسخة صحيحة من الموطأ على الماء ونسخ بعن. قوله: فوجد هذه ~~اللفظة ثابتة في نسخه من هذا الكتاب وهي ثابتة في الموطأ. وقد استدل ~~بالآثار المذكورة في الباب على وجوب الهدي، وأن الاحصار لا يكون إلا بالخوف ~~من العدو، وقد تقدم البحث عن ذلك وعلى وجوب القضاء وسيأتي. # باب تحلل المحصر من العمرة بالنحر ثم الحلق حيث أحصر من حل أو حرم وأنه ~~لا قضاء عليه عن المسور ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم ~~احلقوا رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وللبخاري عن المسور: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. وعن PageV05P175 # المسور ومروان قالا: قلد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الهدي وأشعره ~~بذي الحليفة، وأحرم منها بالعمرة، وحلق بالحديبية في عمرته، وأمر أصحابه ~~بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك رواه أحمد. وعن ابن ~~عباس قال: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عدو أو غير ذلك ~~فإنه يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن ~~يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله أخرجه البخاري. # وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه، لأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل ~~شئ قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكروا أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا ولا يعودوا له والحديبية خارج ~~الحرم كل هذا كلام البخاري ms2055 في صحيحه. # قوله: فانحروا ثم احلقوا فيه دليل على أن المحصر يقدم النحر على الحلق، ~~ولا يعارض هذا ما وقع في رواية للبخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حلق وجامع نساءه ونحر هديه لأن العطف بالواو إنما هو لمطلق الجمع ولا يدل ~~على الترتيب، فإن قدم الحلق على النحر فروى ابن أبي شيبة عن علقمة أن عليه ~~دما، وعن ابن عباس مثله، والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل. قوله: إنما ~~البدل الخ، بفتح الباء الموحدة والمهملة أي القضاء لما أحصر فيه من حج أو ~~عمرة، وهذا قول الجمهور كما في الفتح وقال في البحر: إن على المحصر القضاء ~~إجماعا في الفرض العترة وأبو حنيفة وأصحابه وكذا في النفل انتهى. وعن أحمد ~~روايتان، واحتج الموجبون للقضاء بحديث الحجاج بن عمرو السالف وهو نص في محل ~~النزاع، وبحديث ابن عمر المتقدم لقوله فيه حتى يحج عاما قابلا فيهدي بعد ~~قوله: حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبما تقدم من الآثار. ~~وقال الذين لم يوجبوا القضاء: # لم يذكر الله تعالى القضاء ولو كان واجبا لذكره وهذا ضعيف لأن عدم الذكر ~~لا يستلزم العدم، قالوا ثانيا: قول ابن عباس يدل على عدم الوجوب، ويجاب بأن ~~قول الصحابي ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا عارض المرفوع؟ قالوا ثالثا: لم ~~يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحدا ممن أحصر معه في الحديبية بأن ~~يقضي ولو لزمهم PageV05P176 # القضاء لأمرهم، قال الشافعي: إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة ~~التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين قريش، لا على أنه أوجب ~~عليهم قضاء تلك العمرة، وهذا هو الدليل الذي ينبغي التعويل عليه، ولكنه ~~يعارضه ما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر ~~وغيرهما قالوا: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن يعتمروا فلم ~~يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج جماعة معه معتمرين ممن لم يشهد ~~الحديبية فكانت عدتهم ألفين، قال في ms2056 الفتح : ويمكن الجمع بين هذا إن صح ~~وبين الذي قبله بأن الامر كان على طريق الاستحباب، لأن الشافعي جازم بأن ~~جماعة تخلفوا لغير عذر. وقد روى الواقدي أيضا من حديث ابن عمر قال: لم تكن ~~هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في ~~الشهر الذي صدهم المشركون فيه، انتهى. ويمكن أن يقال: إن ترك أمره صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا ينتهض لمعارضة ما تقدم مما يدل على وجوب القضاء، لأن ترك ~~الامر ربما كان لعلمهم بوجوب القضاء على من أحصر بدليل آخر كحديث الحجاج بن ~~عمرو لأن حكم الحج والعمرة واحد، بقي ههنا شئ هو أن قوله: وعليه الحج من ~~قابل، وقوله: وعليه حجة أخرى، يمكن أن يكون المراد به تأدية الحج المفروض ~~أو ما كان يريد أداءه في عام الاحصار، لا أنه القضاء المصطلح عليه لأنه لم ~~يسبق ما يوجبه، بل غاية ما هناك أنه منعه عن تأدية ما أراد فعله مانع فعليه ~~فعله، ولا يسقط بمجرد عروض المانع، وتعيين العام القابل يدل على أن ذلك على ~~الفور. قوله: بالتلذذ بمعجمتين وهو الجماع. قوله: فأما من حبسه عدو هكذا في ~~نسخ هذا الكتاب عدو بفتح العين المهملة وضم الدال المهملة أيضا والواو، وهي ~~رواية أبي ذر في صحيح البخاري، ورواه الأكثر بضم العين وسكون الذال المعجمة ~~والراء مكان الواو. قوله: نحره قد وقع الخلاف بين الصحابة فمن بعدهم في محل ~~نحر الهدي للمحصر فقال الجمهور: يذبح الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو ~~الحرم وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم، وبه قال جماعة من أهل البيت ~~منهم الهادي، وفصل آخرون كما قال ابن عباس، قال في الفتح: وهو المعتمد، ~~قال: وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم هل نحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الحديبية في الحل أو في PageV05P177 # الحرم؟ وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن ~~إسحاق، وقال غيره من أهل المغازي: إنما ms2057 نحر في الحل. # (فائدة): لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى في كتابه هذا زيارة قبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الموطن الذي يحسن ذكرها فيه كتاب الجنائز، ~~ولكنها لما كانت تفعل في سفر الحج في الغالب ذكرها جماعة من أهل العلم في ~~كتاب الحج فأحببنا ذكرها ههنا تكميلا للفائدة. (وقد اختلفت) فيها أقوال أهل ~~العلم، فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى ~~أنها واجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات. وذهب ابن تيمية ~~الحنبلي حفيد المصنف المعروف بشيخ الاسلام إلى أنها غير مشروعة، وتبعه على ~~ذلك بعض الحنابلة، وروي ذلك عن مالك والجويني والقاضي عياض كما سيأتي. ~~(احتج القائلون) بأنها مندوبة بقوله تعالى * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول) * (سورة النساء، الآية: 64) ~~الآية، ووجه الاستدلال بها أنه صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره بعد ~~موته كما في حديث: الأنبياء أحياء في قبورهم وقد صححه البيهقي وألف في ذلك ~~جزءا، قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا: ~~إن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حي بعد وفاته، انتهى. ويؤيد ذلك ما ثبت ~~أن الشهداء أحياء يرزقون في قبورهم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، ~~وإذا ثبت أنه حي في قبره كان المجئ إليه بعد الموت كالمجئ إليه قبله، ولكنه ~~قد ورد أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم فوق ثلاث، وروي فوق أربعين، فإن صح ~~ذلك قدح في الاستدلال بالآية، ويعارض القول بدوام حياتهم في قبورهم ما ~~سيأتي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم ترد إليه روحه عند التسليم عليه، نعم ~~حديث: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي الذي سيأتي إن شاء الله ~~تعالى إن صح فهو الحجة في المقام، واستدلوا ثانيا بقوله تعالى: * (ومن يخرج ~~من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) * (سورة النساء، الآية: 100) الآية، ~~والهجرة إليه في حياته الوصول إلى حضرته، كذلك الوصول بعد موته، ولكنه لا ~~يخفى أن الوصول ms2058 إلى حضرته في حياته فيه فوائد لا توجد في الوصول إلى حضرته ~~بعد موته، منها: النظر إلى ذاته الشريفة، وتعلم أحكام الشريعة منه، والجهاد ~~بين يديه وغير ذلك. واستدلوا ثالثا بالأحاديث الواردة في ذلك منها: ~~الأحاديث الواردة في مشروعية زيارة القبور على PageV05P178 # العموم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم داخل في ذلك دخولا أوليا، وقد ~~تقدم ذكرها في الجنائز. وكذلك الأحاديث الثابتة من فعله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في زيارتها. ومنها: # أحاديث خاصة بزيارة قبره الشريف، أخرج الدارقطني عن رجل من آل حاطب عن ~~حاطب قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في ~~حياتي وفي إسناده الرجل المجهول. وعن ابن عمر عند الدارقطني أيضا قال: قال ~~فذكر نحوه، ورواه أبو يعلى في مسنده وابن عدي في كامله وفي إسناده حفص بن ~~أبي داود وهو ضعيف الحديث، وقال أحمد فيه: إنه صالح. وعن عائشة عند ~~الطبراني في الأوسط عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، قال الحافظ: ~~وفي طريقه من لا يعرف. وعن ابن عباس عند العقيلي مثله، وفي إسناده فضالة بن ~~سعد المازني وهو ضعيف. وعن ابن عمر حديث آخر عند الدارقطني بلفظ: من زار ~~قبري وجبت له شفاعتي وفي إسناده موسى بن هلال العبدي. قال أبو حاتم: مجهول ~~أي العدالة. ورواه ابن خزيمة في صحيحه من طريقه وقال: إن صح الخبر فإن في ~~القلب من إسناده شيئا، وأخرجه أيضا البيهقي، وقال العقيلي: لا يصح حديث ~~موسى ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا الباب شئ، وقال أحمد: لا بأس به، ~~وأيضا قد تابعه عليه مسلمة بن سالم كما رواه الطبراني من طريقه، وموسى بن ~~هلال المذكور رواه عن عبيد الله بن عمر عن نافع وهو ثقة من رجال الصحيح، ~~وجزم الضياء المقدسي والبيهقي وابن عدي وابن عساكر بأن موسى رواه عن عبد ~~الله بن عمر المكبر وهو ضعيف، ولكنه قد وثقه ابن عدي، وقال ابن معين: لا ~~بأس به، وروى له ms2059 مسلم مقرونا بآخر. وقد صحح هذا الحديث ابن السكن وعبد الحق ~~وتقي الدين السبكي. وعن ابن عمر عند ابن عدي والدارقطني وابن حبان في ترجمة ~~النعمان بلفظ: من حج ولم يزرني فقد جفاني وفي إسناده النعمان بن شبل وهو ~~ضعيف جدا ووثقه عمر ان بن موسى. وقال الدارقطني: الطعن في هذا الحديث على ~~ابن النعمان لا عليه، ورواه أيضا البزار وفي إسناده إبراهيم الغفاري وهو ~~ضعيف. ورواه البيهقي عن عمر قال: وإسناده مجهول. # وعن أنس عند ابن أبي الدنيا بلفظ: من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا ~~وشهيدا يوم القيامة وفي إسناده سليمان بن زيد الكعبي، ضعفه ابن حبان ~~والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. وعن عمر عند أبي داود الطيالسي ~~بنحوه وفي إسناده مجهول. وعن عبد الله بن مسعود عن أبي الفتح الأزدي بلفظ: ~~من حج حجة الاسلام وزار قبري وغزا PageV05P179 # غزوة وصلى في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه وعن أبي هريرة ~~بنحو حديث حاطب المتقدم. وعن ابن عباس عند العقيلي بنحوه. وعنه في مسند ~~الفردوس بلفظ: من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان وعن ~~علي بن أبي طالب عليه السلام عند ابن عساكر: من زار قبر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان في جواره وفي إسناده عبد الملك بن هارون بن عنبرة وفيه ~~مقال. قال الحافظ: وأصح ما ورد في ذلك ما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ~~مرفوعا: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ~~وبهذا الحديث صدر البيهقي الباب، ولكن ليس فيه ما يدل على اعتبار كون ~~المسلم عليه على قبره بل ظاهره أعم من ذلك. وقال الحافظ أيضا: أكثر متون ~~هذه الأحاديث موضوعة، وقد رويت زيارته صلى الله عليه وآله وسلم عن جماعة من ~~الصحابة منهم بلال عند ابن عساكر بسند جيد، وابن عمر عند مالك في الموطأ، ~~وأبو أيوب عند أحمد وأنس، ذكره عياض في الشفاء، ms2060 وعمر عند البزار، وعلي عليه ~~السلام عند الدارقطني وغير هؤلاء، ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل ~~لذلك إلا عن بلال، لأنه روى عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~بداريا يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني؟ روى ذلك ابن ~~عساكر. واستدل القائلون بالوجوب بحديث: من حج ولم يزرني فقد جفاني وقد ~~تقدم، قالوا: والجفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم محرم، فتجب الزيارة ~~لئلا يقع في المحرم، وأجاب عن ذلك الجمهور بأن الجفاء يقال على ترك المندوب ~~كما في ترك البر والصلة، وعلى غلظ الطبع كما في حديث: # من بدا فقد جفا وأيضا الحديث على انفراده مما لا تقوم به الحجة لما سلف، ~~واحتج من قال بأنها غير مشروعة بحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ~~وهو في الصحيح وقد تقدم وحديث: لا تتخذوا قبري عيدا رواه عبد الرزاق. قال ~~النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في شد الرحل لغير الثلاثة كالذهاب إلى ~~قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى ~~حرمته، وأشار عياض إلى اختياره والصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره، ~~قالوا: والمراد أن الفضيلة الثابتة إنما هي شد الرحل إلى هذه الثلاثة خاصة ~~انتهى. وقد أجاب الجمهور عن حديث شد الرحل بأن القصر فيه إضافي باعتبار ~~المساجد لا حقيقي، قالوا: والدليل على ذلك أنه قد ثبت بإسناد حسن في بعض ~~PageV05P180 # ألفاظ الحديث: لا ينبغي للمطي أن يشد رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة ~~غير مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى فالزيارة وغيرها خارجة عن ~~النهي، وأجابوا ثانيا بالاجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب ~~الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة للوقوف، وإلى منى للمناسك التي فيها، وإلى ~~مزدلفة، وإلى الجهاد والهجرة من دار الكفر، وعلى استحبابه لطلب العلم، ~~وأجابوا عن حديث: لا تتخذوا قبري عيدا بأنه يدل على الحث على كثرة الزيارة ~~لا على منعها، وأنه لا يهمل حتى لا ms2061 يزار إلا في بعض الأوقات كالعيدين، ~~ويؤيده قوله: لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة فيها، كذا قال ~~الحافظ المنذري: وقال السبكي: معناه أنه لا تتخذوا لها وقتا مخصوصا لا تكون ~~الزيارة إلا فيه، أو لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة ~~والاجتماع للهو وغيره كما يفعل في الأعياد، بل لا يؤتى إلا الزيارة والدعاء ~~والسلام والصلاة ثم ينصرف عنه. وأجيب عما روي عن مالك من القول بكراهة ~~زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إنما قال بكراهة زيارة قبره صلى ~~الله عليه وآله وسلم قطعا للذريعة، وقيل: إنما كره إطلاق لفظ الزيارة لأن ~~الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها، وزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم ~~من السنن الواجبة، كذا قال عبد الحق، واحتج أيضا من قال بالمشروعية بأنه لم ~~يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار واختلاف ~~المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل ~~الأعمال، ولم ينقل أن أحدا أنكر ذلك عليهم فكان إجماعا. PageV05P181 # أبواب الهدايا والضحايا باب في اشعار البدن وتقليد الهدي كله عن ابن ~~عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ~~ناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ركب ~~راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج رواه أحمد ومسلم وأبو داود ~~والنسائي. وعن المسور بن مخرمة ومروان قالا: خرج النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة ~~قلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة رواه أحمد ~~والبخاري وأبو داود. وعن عائشة قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت، فما حرم عليه شئ ~~كان له حلا متفق عليه. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهدى ~~مرة إلى البيت غنما فقلدها رواه ms2062 الجماعة. # قوله: فأشعرها الاشعار هو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ~~ذلك علامة على كونها هديا، ويكون ذلك في صفحة سنامها الأيمن، وقد ذهب إلى ~~مشروعيته الجمهور من السلف والخلف. وروى الطحاوي عن أبي حنيفة كراهته ~~والأحاديث ترد عليه، وقد خالف الناس في ذلك حتى خالفه صاحباه أبو يوسف ~~ومحمد، واحتج على الكراهة بأنه من المثلة. وأجاب الخطابي بمنع كونه منها ~~PageV05P183 # بل هو باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان فيصير علامة، وغير ذلك من الوسم، ~~وكالختان والحجامة انتهى. على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من ~~الأحاديث مخصصا له من عموم النهي عنها. وقد روى الترمذي عن النخعي أنه قال ~~بكراهة الاشعار، وبهذا يتعقب على الخطابي وابن حزم في جزمهما بأنه لم يقل ~~بالكراهة أحد غير أبي حنيفة. قوله: وقلدها نعلين فيه دليل على مشروعية ~~تقليد الهدي، وبه قال الجمهور، قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي ~~التقليد للغنم، زاد غيره: وكأنه لم يبلغهم الحديث انتهى. واحتجوا على عدم ~~المشروعية بأنها تضعف عن التقليد وهي حجة أو هي من بيوت العنكبوت، فإن مجرد ~~تعليق القلادة مما لا يضعف به الهدي، وأيضا إن فرض ضعفها عن بعض القلائد ~~قلدت بما لا يضعفها، وأيضا قد وردت السنة بالاشعار وهو لا يترك لكونه مظنة ~~للضعف، فكيف يترك ما ليس بمظنة لذلك مع ورود السنة به (قيل الحكمة) في ~~تقليد الهدي النعل أن فيه إشارة إلى السفر والجد فيه. وقال ابن المنير: ~~الحكمة فيه أن العرب تعد النعل مركوبة لكونها تقي صاحبها وتحمل عنه وعر ~~الطريق، فكأن الذي أهدى خرج عن مركوبه لله تعالى حيوانا وغيره، كما خرج حين ~~أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استحب تقليد نعلين لا واحدة وقد اشترط الثوري ذلك، ~~وقال غيره: تجزئ الواحدة، وقال آخرون: لا تتعين النعل بل كل ما قام مقامها ~~أجزأ. قوله: فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زاد البخاري ~~في رواية: من عهن كان عندي. وفيه ms2063 رد على من كره القلائد من الأوبار واختار ~~أن تكون من نبات الأرض وهو منقول عن ربيعة ومالك، وقد ترجم البخاري على هذا ~~الحديث باب القلائد عن العهن وهو الصوف. قوله: ثم بعث بها إلى البيت المهدى ~~له حالان: إما أن يقصد النسك ويسوق الهدي معه فيكون التقليد والاشعار عند ~~الاحرام، وإما أن يبعث بها ويقيم فيكونان عند البعث بها من المكان الذي هو ~~مقيم به كما في هذا الحديث، ولا يحرم عليه بعد البعث بها ما يحرم على ~~المحرم لقولها: فما حرم عليه شئ كان له حلا. قوله: غنما فقلدها فيه دليل ~~على جواز أن يكون الهدي من الغنم، وهو يرد على الحنفية ومن وافقهم أن الهدي ~~لا يجزئ من الغنم، ويرد على مالك ومن وافقه حيث قال: إن الغنم لا تقلد. ~~PageV05P184 # باب النهي عن ابدال الهدي المعين عن ابن عمر قال: أهدى عمر نجيبا فأعطي ~~بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول ~~الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها وأشتري بثمنها ~~بدنا، قال: لا انحرها إياها رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما. قوله: نجيبا النجيب ~~والنجيبة الناقة والجمع نجائب. وفي النهاية: النجيب الفاضل من كحيوان، ~~والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع الهدي لإبدال مثله أو أفضل، ثم قال وقد ~~تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفردا ومجموعا وهو القوي منها الخفيف ~~السريع انتهى. وقد جوزت الهادوية ذلك، وأجاب صاحب البحر عن حديث الباب بأنه ~~حكاية فعل لا يعلم وجهها، فيحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى نجيبه ~~أفضل، ولا يخفى أن رد السنن الفعلية بمثل هذا يستلزم رد أكثر أفعاله، ~~ويستلزم رد ما لا يعلم وجهه من أقواله، فيفضي ذلك إلى رد أكثر السنة، وذلك ~~باطل مخالف للآيات القرآنية القاضية باتباع الرسول والتأسي به والاخذ بما ~~أتى به، لأنها لم تفرق بين ما علم وجهه وما جهل، ms2064 فمن ادعى اعتبار العلم ~~فعليه الدليل على أن هذه المقالة قد صارت عصى يتوكأ بها من رام صيانة مذهبه ~~إذا خالف الثابت من فعله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان له وجه أوضح من ~~الشمس، ثم إنهم يحتجون بأفعاله إذ وافقت المذهب، ولا يقيدون الاحتجاج بمثل ~~هذا القيد، وما أكثر هذا الصنع في تصرفاتهم لمن تتبع، فليأخذ المنصف من ذلك ~~حذره، فإن المعذرة الباردة في طرح سنة صحيحة مما لا ينفق عند الله، ولا ~~سيما إذا كان لقصد عن محض الرأي. # وأما الاحتجاج على الجواز بإشراكه صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه ~~السلام في هديه وتصرفه عن العمرة إلى الاحصار فخارج عن محل النزاع، لأن ذلك ~~تصرف لا يخرج العين عن كونها هديا، ولا يبطل به الحق الذي قد تعلق بها ~~للمصرف، وأيضا صحة الاحتجاج بالاشراك متوقفة على معرفة أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ساق جميع الهدي الذي أشرك عليا فيه عن نفسه وهو ممنوع، والسند ~~أنه لم يقلد ويشعر PageV05P185 # من ذلك الهدي الذي وقع فيه الاشراك إلا ناقة واحدة، وأيضا ثبت أنه كان ~~يسوق عن أهله جميعا وعلي عليه السلام منهم، نعم إن صح ما ادعاه صاحب ضوء ~~النهار من الاجماع على جواز إبدال الأدون بأفضل كان حجة عند من يرى حجية ~~الاجماع على جواز مجرد الابدال بالأفضل، ولكنه ينبغي أن يبحث عن صحة ذلك، ~~فإن الشافعي وبعض الحنفية قد احتجوا بالحديث على المنع من مطلق التصرف ولو ~~كان للابدال بأفضل كما حكاه صاحب البحر، وأما دعوى أن الواحدة النجيبة أظهر ~~في تعظيم الشعائر من غيرها وإن كان كثيرا فممنوع والسند ظاهر. # باب أن البدنة من الإبل والبقر عن سبع شياه وبالعكس عن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل فقال: إن علي بدنة وأنا موسر ولا ~~أجدها فأشتريها، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن ~~رواه أحمد وابن ماجة. وعن جابر: قال: أمرنا رسول الله صلى الله ms2065 عليه وآله ~~وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة متفق عليه. وفي لفظ قال ~~لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اشتركوا في الإبل والبقر كل سبعة ~~في بدنة رواه البرقاني على شرط الصحيحين. # وفي رواية قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحج ~~والعمرة كل سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك في البقر ما يشترك في ~~الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن رواه مسلم. وعن حذيفة قال: شرك رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة رواه ~~أحمد. وعن ابن عباس قال: # كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة ~~عن سبعة والبعير عن عشرة رواه الخمسة إلا أبا داود. # حديث ابن عباس الأول سياق إسناده في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا محمد بن ~~معمر، حدثنا محمد بن بكر البرساني قال: أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس فذكره، ورجاله رجال الصحيح، ولكن عطاء لم يسمع من ~~ابن عباس، ويشهد لصحته ما في صحيح مسلم من حديث جابر. قال: نحرنا مع رسول ~~الله صلى PageV05P186 # الله عليه وآله وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وهو ~~يشهد أيضا لحديث حذيفة المذكور، وقد أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه. ~~وقال في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجاله ثقات. وحديث ابن عباس الثاني حسنه ~~الترمذي، ويشهد له ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير. قوله: سبع شياه وكذا قوله: كل ~~سبعة منا في بدنة استدل به من قال عدل البدنة سبع شياه وهو قول الجمهور، ~~وادعى الطحاوي وابن رشد أنه إجماع، ويجاب عنهما بأن الخلاف في ذلك مشهور، ~~حكاه الترمذي في سننه عن إسحاق بن راهويه. وكذا في الفتح وقال: هو إحدى ~~الروايتين عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب ابن خزيمة ms2066 واحتج له في صحيحه ~~وقواه، واحتج له ابن حزم بحديث رافع المتقدم، وحكاه في البحر عن العترة ~~وزفر واحتجوا بحديث ابن عباس الثاني المذكور في الباب، ويجاب عنه بأنه خارج ~~عن محل النزاع لأنه في الأضحية، فإن قالوا: يقاس الهدي عليها. قلنا: هو ~~قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصوص، واحتجوا أيضا بحديث رافع ويجاب عنه ~~أيضا بمثل هذا الجواب، لأن ذلك التعديل كان في القسمة وهي غير محل النزاع، ~~ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط أمره صلى الله عليه وآله وسلم لمن لم يجد ~~البدنة أن يشتري سبعا فقط، ولو كانت تعدل عشرا لامره بإخراج عشر، لأن تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وظاهر أحاديث الباب جواز الاشتراك في الهدي ~~وهو قول الجمهور، من غير فرق بين أن يكون المشتركون مفترضين أو متطوعين، أو ~~بعضهم مفترضا وبعضهم متنفلا أو مريدا للحم. وقال أبو حنيفة: يشترط في ~~الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين. ومثله عن زفر بزيادة أن تكون أسبابهم ~~واحدة. وعن الهادوية: بشرط أن يكونوا مفترضين. وعن داود وبعض المالكية: ~~يجوز في هدي التطوع دون الواجب. وعن مالك: لا يجوز مطلقا. # وروي عن ابن عمر نحو ذلك ولكنه روى عنه أحمد ما يدل على الرجوع. قوله: # ما هي إلا من البدن يعني البقرة، فيه دليل على أنه يطلق على البقر أنها ~~من البدن. وفي النهاية: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل ~~أشبه. وفي القاموس: والبدنة محركة من الإبل والبقر. وفي الفتح: أن أصل ~~البدن من الإبل وألحقت بها البقر شرعا. وحكي في البحر عن الهادي والشافعي ~~والمؤيد بالله أن البدنة تختص بالإبل. وعن أبي حنيفة وأصحابه والناصر أنها ~~تطلق على البقر وعن PageV05P187 # بعض أصحاب الشافعي أنها تطلق على الشاة، قال: ولا وجه له. وحكي فيه أيضا ~~أن البقرة عن سبعة والشاة عن واحد إجماعا. قوله: والبعير عن عشرة فيه دليل ~~على أن البدنة تجزئ في الأضحية عن عشرة، وسيأتي الكلام على ذلك. # باب ركوب الهدي عن أنس قال: رأى ms2067 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا ~~يسوق البدنة فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، ~~قال: اركبها ثلاثا متفق عليه. ولهم من حديث أبي هريرة نحوه. وعن أنس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يسوق بدنة قد أجهده المشي قال: ~~اركبها فقال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن كانت بدنة رواه أحمد والنسائي. ~~وعن جابر: أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا رواه أحمد ومسلم ~~وأبو داود والنسائي. وعن علي عليه السلام: # أنه سئل يركب الرجل هديه فقال: لا بأس به، قد كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يمر بالرجال يمشون فيأمرهم بركوب هديه، قال: لا تتبعون شيئا أفضل ~~من سنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد. # حديث أنس الثاني أخرجه أيضا الجوزقي من طريق حميد عن ثابت عن أنس، وأبو ~~يعلى من طريق الحسن عن أنس وزاد حافيا، وهو عند النسائي من طريق شعبة عن ~~قتادة عن أنس، وضعف هذه الطرق الحافظ في الفتح. # وحديث علي عليه السلام، قال في الفتح أيضا: إسناده صالح. وقال في مجمع ~~الزوائد: # في إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وثقه ابن حبان وضعفه جماعة. ~~وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه المصنف لفظه لفظ حديث أنس، ولكنه زاد في ~~آخره: اركبها ويلك. # قوله: رأى رجلا قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث. قوله: يسوق ~~بدنة في رواية لمسلم مقلدة، وكذا في رواية للبخاري، وله أيضا من طريق أبي ~~هريرة: # فلقد رأيته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنعل في عنقها. ~~قوله: إنها بدنة أراد أنها بدنة مهداة إلى البيت الحرام، ولو كان مراده ~~الاخبار عن كونها PageV05P188 # بدنة لم يكن الجواب مفيدا، لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ~~ظن أنه خفي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كونها هديا فقال: ms2068 إنها بدنة، ~~قال في الفتح: # والحق أنه لم يخفى ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكونها كانت ~~مقلدة، ولهذا قال لما زاد في مراجعته: ويلك وأحاديث الباب تدل على جواز ~~ركوب الهدي من غير فرق بين ما كان منه واجبا أو تطوعا لتركه صلى الله عليه ~~وآله وسلم للاستفصال، وبه قال عروة ابن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد ~~وإسحاق، وبه قال أهل الظاهر، وجزم به النووي وجماعة من أصحاب الشافعي ~~كالقفال والماوردي، وحكى ابن عبد البر عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وأكثر ~~الفقهاء كراهة ركوبه بغير حاجة، وحكاه الترمذي أيضا عن أحمد وإسحاق ~~والشافعي، وقيد الجواز بعض الحنفية بالاضطرار، ونقله ابن أبي شيبة عن ~~الشعبي، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه يركب إذا اضطر ركوبا غير فادح، ~~وحكى ابن العربي عن مالك أنه يركب للضرورة فإذا استراح نزل يعني إذا انتهت ~~ضرورته، والدليل على اعتبار الضرورة ما في حديث جابر المذكور في الباب من ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها ونقل ابن ~~العربي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ركوب الهدي مطلقا، وكذا نقله المهدي في ~~البحر عنه، ولكن نقل عنه الطحاوي الجواز مع الحاجة ويضمن ما نقص منها ~~بالركوب، والطحاوي أقعد بمعرفة مذهب إمامه، وقد وافق أبا حنيفة الشافعي على ~~ضمان النقص في الهدي الواجب. ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر وجوب ~~الركوب تمسكا بظاهر الامر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة ~~والسائبة، ورده بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كانوا كثيرا ولم يأمر أحدا منهم بذلك انتهى. وتعقبه الحافظ بحديث علي ~~عليه السلام المذكور في الباب قال: وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد ~~صحيح رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يأمر بالهدية إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها أو يركبها غير ~~منهكها واختلف من أجاز الركوب هل يجوز ms2069 أن يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك ~~وأجازه الجمهور، وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضا على التفصيل ~~المتقدم. ونقل عياض الاجماع على أنه لا يؤجرها، واختلفوا أيضا في اللبن إذا ~~احتلب منه شيئا، فعند العترة والشافعية والحنفية يتصدق به، فإن أكله تصدق ~~بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه فإن شرب لم يغرم. PageV05P189 # باب الهدي يعطب قبل المحل عن أبي قبيصة ذؤيب بن حلحلة قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب منها شئ فخشيت عليها ~~موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا ~~أحد من أهل رفقتك رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. وعن ناجية الخزاعي وكان صاحب ~~بدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قلت: كيف أصنع بما عطب من ~~البدن؟ قال: انحره واغمس نعله في دمه واضرب صفحته وخل بين الناس وبينه ~~فليأكلوه رواه الخمسة إلا النسائي. وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن صاحب هدي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من ~~الهدي؟ فقال: كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل ~~بين الناس وبينها يأكلوها رواه مالك في الموطأ عنه. # حديث ناجية قال الترمذي: حسن صحيح، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم في ~~هدي التطوع إذا عطب لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته، ويخلي بينه وبين ~~الناس يأكلونه وقد أجزأ عنه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: إن أكل ~~منه شيئا غرم بقدر ما أكل منه انتهى. قوله: ثم اغمس نعلها الخ إنما يفعل ~~ذلك لأجل أن يعلم من مر به أنه هدي فيأكله. قوله: من أهل رفقتك قال النووي: ~~وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا: أحدهما أنهم الذين يخالطون المهدى في ~~الأدب وغيره دون باقي القافلة. والثاني وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص ~~الشافعي وجمهور أصحابه أن المراد بالرفقة جميع القافلة، لأن السبب ms2070 الذي ~~منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة فإن قيل: ~~إذا لم تجوزوا لأهل القافلة أكله وقلتم بتركه في البرية كان طعمه للسباع ~~وهذا إضاعة مال. قلنا: ليس فيه إضاعة بل العادة الغالبة أن سكان البوادي ~~يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر ~~قافلة، والرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان. قوله: وخل بين الناس ~~وبينه هذا مقيد بمن عدا المالك والرفقة كما في الحديث الأول. قوله: إن صاحب ~~هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ناجية الخزاعي المذكور سابقا، ~~وظاهر. PageV05P190 # أحاديث الباب أن الهدي إذا عطب جاز نحره، والتخلية بينه وبين الناس ~~يأكلونه غير الرفقة قطعا للذريعة، وهي أن يتوصل بعضهم إلى نحره قبل أوانه، ~~والظاهر عدم الفرق بين هدي التطوع والفرض، وخصصه من تقدم بهدي التطوع، ولعل ~~الوجه في ذلك أن الهدي الذي هو السبب هو هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الذي بعث به وهو هدي تطوع قال النووي: ولا يجوز للأغنياء الاكل منه مطلقا ~~لأن الهدي مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم انتهى. وقد اختلفت الروايات في ~~مقدار البدن التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي رواية من ~~حديث ابن عباس عند مسلم: أنها ست عشرة بدنة. وفي رواية أخرى: أنها ثماني ~~عشرة، ويمكن الجمع بتعدد القصة، أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على ~~الزيادة إن كانت القصة واحدة. # باب الاكل من دم التمتع والقران والتطوع في صفة حديث جابر حج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، قال: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة ~~بيده، ثم أعطى عليا عليه السلام فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل ~~بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها رواه أحمد ~~ومسلم. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حج ثلاث حجج: حجتين قبل ~~أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر ومعها عمرة، فساق ثلاثا ms2071 وثلاثين بدنة، وجاء علي ~~عليه السلام من اليمن ببقيتها فيها جمل لأبي لهب في أنفه برة من فضة فنحرها ~~وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كل بدنة ببضعة فطبخت وشرب من ~~مرقها رواه الترمذي وابن ماجة. وقال فيه: جمل لأبي جهل. وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخمس بقين من ذي ~~القعدة ولا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل، قالت: ~~فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن أزواجه متفق عليه. وهو دليل على الاكل من دم القران لأن ~~عائشة كانت قارنة. PageV05P191 # حديث جابر الثاني رواه الترمذي من طريق عبد الله بن أبي زياد الكوفي عن ~~زيد بن حبان عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وقال: هذا حديث ~~غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حبان، ورأيت عبد الله بن ~~عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد قال: # وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا. وقال: ~~إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسل، ثم قال: حدثنا إسحاق بن ~~منصور، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: قلت لأنس: كم حج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: حجة واحدة واعتمر أربع عمر ثم قال: ~~هذا حديث حسن صحيح، وحبان بن هلال هو أبو حبيب البصري وثقه يحيى بن سعيد ~~القطان. قوله: فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده في مسند أحمد وسنن أبي داود: أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم نحر ثلاثين بيده وأمر عليا فنحر سائرها ms2072 وقد قدمنا ~~الترجيح بين الروايتين. قوله: وأشركه ظاهره أنه أشركه في نفس الهدي: قال ~~القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن شريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه، قال ~~والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحر البدن التي جاءت معه من ~~المدينة وكانت ثلاثا وستين كما جاء في رواية الترمذي، وأعطى عليا عليه ~~السلام البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. قوله: ببضعة بفتح ~~الباء لا غير وهي القطعة من اللحم. قوله: برة بضم الباء وفتح الراء مخففة ~~وهي حلقة تجعل في أنف البعير. قوله: # ولا نرى إلا الحج بضم النون أي نظن. قوله: بلحم بقر قد استدل بهذه ~~الأحاديث على أنه يجوز الاكل للمهدي من الهدي الذي يسوقه، قال النووي: ~~وأجمع العلماء على أن الاكل من هدي التطوع وأضحيته سنة انتهى والظاهر أن ~~يجوز الاكل من الهدي من غير فرق بين ما كان منه تطوعا وما كان فرضا لعموم ~~قوله تعالى: * (فكلوا منها) * (سورة البقرة، الآية: 58) ولم يفصل، والتمسك ~~بالقياس على الزكاة في عدم جواز الأكل من الهدي الواجب لا ينتهض لتخصيص هذا ~~العموم، لأن شرع الزكاة لمواساة الفقراء، فصرفها إلى المالك إخراج لها عن ~~موضوعها، وليس شرع الدماء كذلك، لأنها إما لجبر نقص أو لمجرد التبرع، فلا ~~قياس مع الفارق فلا تخصيص. قوله: لأن عائشة كانت قارنة قد اختلف فيما أحرمت ~~به عائشة أولا، PageV05P192 # فقيل: إنها عمرة مفردة لما ثبت عنها في الصحيح أنها قالت: فكنت ممن أهل ~~بعمرة. وقيل : إنها أحرمت بالحج أولا وكانت مفردة لما ثبت عنها في الصحيح: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا نرى إلا أنه الحج وثبت عنها ~~في حديث آخر: لبينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحج وقد أطال ~~ابن القيم الكلام على هذا وبين الراجح من القولين، ودليل من قال: إنها كانت ~~قارنة الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: يسعك ~~طوافك لحجك وعمرتك وإلى هذا ذهب الجمهور، ms2073 وذهب الكوفيون إلى أنها كانت غير ~~قارنة لما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: ~~وأهلي بالحج ودعي العمرة وأجاب الجمهور بأنها لم ترفض العمرة لما في صحيح ~~مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها بعد أن أمرها أن ~~تهل بالحج ففعلت ووقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا ~~والمروة وكذلك قوله: يسعك طوافك لحجك وعمرتك وقد قدمنا تأويل قوله: دعي ~~العمرة، وقد استدل بقول عائشة المذكور: نحر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن أزواجه أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة وقد ثبت في رواية: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نحر عن أزواجه بقرة أخرجها النسائي وأبو داود ~~وغيرهما، وكذا في صحيح مسلم، والظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته يومئذ وهن ~~تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تعارض به الأحاديث الصريحة ~~الصحيحة السالفة المجمع على مدلولها. # باب أن من بعث بهدي لم يحرم عليه شئ بذلك عن عائشة قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب ~~شيئا مما يجتنب المحرم رواه الجماعة. وفي رواية: أن زياد بن أبي سفيان كتب ~~إلى عائشة: أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على ~~الحاج حتى ينحر هديه، فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد ~~هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ثم قلدها بيده، ثم بعث ~~PageV05P193 # بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شئ أحله ~~الله له حتى نحر الهدي أخرجاه. # قوله: إن زياد بن أبي سفيان وقع التحديث بهذا في زمن بني أمية، وأما ~~بعدهم فما كان يقال له إلا زياد ابن أبيه، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال ~~له زياد بن عبيد، وكانت أمه سمية مولاة الحرث بن كلدة الثقفي وهي تحت عبيد ms2074 ~~المذكور، فولدت زيادا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في أيام معاوية ~~شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادا ولده فاستلحقه معاوية بذلك وخالف ~~الحديث الصحيح: إن الولد للفراش وللعاهر الحجر وذلك لغرض دنيوي، وقد أنكر ~~هذه الواقعة على معاوية من أنكرها حتى قيلت فيها الاشعار منها قول القائل: ~~ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف * ~~وترضى أن يقال أبوك زاني وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي ~~سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فإنما هو تقية، وذكر أهل ~~الأمهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم مع كونهم لم يألفوها إلا بعد انقراض ~~عصر بني أمية محافظة منهم على الألفاظ التي وقعت من الرواة في ذلك الزمان ~~كما هو دأبهم. وقد وقع في صحيح مسلم بن زياد مكان زياد وهو وهم نبه عليه ~~الغساني ومن تبعه والصواب زياد. وكذا قال النووي وجميع من تكلم على صحيح ~~مسلم. قوله: بيدي فيه دفع التجوز بأن يظن أن الفتل وقع بإذنها لو قالت: ~~فتلت فقط. قوله: مع أبي بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة يعني أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه، واستفيد من ذلك أن وقت البعث كان في سنة تسع عام حجة ~~أبي بكر بالناس (وقد استدل) بالحديثين، على أنه لا يحرم على من بعث بهدي شئ ~~من الأمور التي تحل له وبه قال الجمهور. قال ابن عبد البر: خالف ابن عباس ~~في هذا جميع الفقهاء، وتعقب بأنه قد قال بمقالته جماعة من الصحابة كابن ~~عمر، رواه عنه ابن أبي شيبة وابن المنذر وقيس بن سعد، رواه عنه سعيد بن ~~منصور وابن المنذر أيضا، وعلي عليه السلام وعمر رضي الله عنه رواه عنهما ~~ابن أبي شيبة وابن المنذر أيضا. ومن غير الصحابة النخعي وعطاء وابن سيرين ~~وآخرون كما قال ابن المنذر. ونقل الخطابي عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس ~~وهو خطأ PageV05P194 # عنهم كما قال الحافظ، وإلى مثل ms2075 قول ابن عباس ذهبت الهادوية، وليس في قول ~~ابن عباس ولا قول غيره من الصحابة حجة، ولا سيما إذا عارض الثابت عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم، نعم احتجوا بما أخرجه أحمد والطحاوي والبزار من حديث ~~جابر قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد قميصه من جيبه ~~حتى أخرجه من رجليه وقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم ~~وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي قال في ~~الفتح: وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده، ويجاب عنه بأنه قال في مجمع الزوائد ~~بعد أن ذكره رجال أحمد ثقات. وذكره من طريق أخرى وقال: رواه أحمد ورجاله ~~رجال الصحيح، وإنما قال هكذا لأن أحمد رواه عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ~~ابني جابر يحدثان عن أبيهما فذكره. وعبد الرحمن وثقه النسائي وقواه أبو ~~حاتم. وقال البخاري: فيه نظر، وبهذا يرد على المقبلي حيث قال: إن هذا ~~الحديث أخرجه ابن النجار وغالب أحاديثه الضعف، والظاهر أنه لا أصل لهذا ~~الحديث انتهى. وقد أخرج النسائي من حديث جابر أنهم كانوا إذا كانوا حاضرين ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة بعث الهدي، فمن شاء أحرم ~~ومن شاء ترك، هكذا في جامع الأصول، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث. # باب الحث على الأضحية عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة دم، ~~وأنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وأن الدم ليقع من الله ~~عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا رواه ابن ماجة والترمذي ~~وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن زيد بن أرقم قال: قلت أو قالوا: يا رسول الله ~~ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: ما لنا منها؟ قال: بكل ~~شعرة حسنة، قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة رواه أحمد وابن ~~ماجة. وعن ms2076 أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من وجد ~~سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا رواه أحمد وابن ماجة. وعن ابن PageV05P195 # عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنفقت الورق في شئ ~~أفضل من نحيرة في يوم عيد رواه الدارقطني. # حديث عائشة رواه الترمذي عن أبي عمر ومسلم بن عمر والحذاء المديني عن عبد ~~الله بن نافع الصائغ عن ابن المثنى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. وقال بعد ~~أن ذكر أن هذا الحديث حسن غريب: أنه لا يعرف من حديث هشام بن عروة إلا من ~~هذا الوجه. وحديث زيد بن أرقم أخرجه أيضا الترمذي فقال: ويروى عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال في الأضحية لصاحبها بكل شعرة حسنة، ويروى ~~بقرونها انتهى. وحديث أبي هريرة صححه الحاكم، قال الحافظ في بلوغ المرام: ~~لكن رجح الأئمة غيره وقفه. وقال في الفتح: رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ~~ووقفه والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره. (وفي الباب) عن أبي سعيد ~~عند الحاكم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: ~~قومي إلى ضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة منها يغفر لك ما سلف من ذنوبك وفي ~~إسناده عطية. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أنه حديث منكر وعن عمران ~~بن حصين عند الحاكم أيضا مثل حديث أبي سعيد وفي إسناده أبو حمزة الثمالي ~~وهو ضعيف جدا. وعن علي رضي الله عنه عند الحاكم أيضا والبيهقي مثله وفي ~~إسناده عمرو بن خالد الواسطي وهو متروك. وعن علي رضي الله عنه أيضا من طريق ~~أبي داود النخعي عن عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده عند الطبراني بلفظ: من ~~ضحى طيبة بها نفسه محتسبا بأضحيته كانت له حجابا من النار وأبو داود النخعي ~~كذاب، قال أحمد: كان يضع الحديث. قوله: ما هذه الأضاحي هي جمع أضحية، قال ~~الجوهري: قال الأصمعي فيها أربع لغات: أضحية وإضحية بضم ms2077 الهمزة وكسرها ~~وجمعها أضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، واللغة الثالثة ضحية وجمعها أضاحي، ~~والرابعة أضحاة بفتح الهمزة والجمع أضحى كأرطاة وأرطى وبها سمي يوم الأضحى. ~~قال القاضي: وقيل سميت بذلك لأنها تفعل في الضحى وهو ارتفاع النهار. قال ~~النووي: وفي الأضحى لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم. قوله: فلا ~~يقربن مصلانا هذا الحديث من جملة ما استدل به القائلون بوجوب الضحية وسيأتي ~~الكلام على ذلك. (وأحاديث الباب) تدل على مشروعية الضحية، ولا خلاف في ذلك ~~كما في البحر، وأنها أحب الأعمال إلى الله PageV05P196 # يوم النحر، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها، ويقع دمها ~~بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض وأنها سنة إبراهيم لقوله تعالى: * ~~(وفديناه بذبح عظيم) * (سورة الصافات، الآية: 107) وأن للمضحي بكل شعرة من ~~شعرات أضحيته حسنة، وأنه يكره لمن كان ذا سعة تركها، وأن الدراهم لم تنفق ~~في عمل صالح أفضل من الأضحية، ولكن إذا وقعت لقصد التسنن وتجردت عن المقاصد ~~الفاسدة وكانت على الوجه المطابق للحكمة في شرعها، وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى. # باب ما احتج به في عدم وجوبها بتضحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن أمته عن جابر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عيد ~~الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا ~~عني وعمن لم يضح من أمتي رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن علي بن الحسين ~~عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ضحى اشترى ~~كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في ~~مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك ~~بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد ~~وآل محمد فيطعمهما جميعا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما فمكثنا سنين ليس ~~لرجل من بني هاشم يضحي، قد كفاه الله المؤنة برسول الله صلى الله عليه ms2078 وآله ~~وسلم والغرم رواه أحمد. # الحديث الأول قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقال المطلب بن ~~عبد الله بن حنطب: يقال إنه لم يسمع من جابر. وقال أبو حاتم الرازي: يشبه ~~أن يكون أدركه. والحديث الثاني سكت عنه الحافظ في التلخيص. وأخرجه أيضا ~~الطبراني في الكبير والبزار، قال في مجمع الزوائد: وإسناد أحمد والبزار ~~حسن. وأخرج نحوه أحمد أيضا وابن ماجة والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة، ~~وسيأتي في باب التضحية بالخصي. قوله: PageV05P197 # أملحين الأملح هو الأبيض الخالص، قاله ابن الاعرابي. وقال الأصمعي هو ~~الأبيض المشوب بشئ من السواد. وقال أبو حاتم: هو الذي يخالط بياضه حمرة ~~وقيل: هو الأسود الذي يعلوه حمرة. وقال الكسائي: هو الذي فيه بياض وسواد ~~والبياض أكثر وقال الخطابي: # هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود. قوله: أقرنين قال النووي: أي لكل ~~واحد منهما قرنان حسنان، وفيه دليل على استحباب التضحية بالأملح الأقرن. ~~قال النووي: # وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم وهو الذي لم يخلق الله له قرنين، ~~وأما المكسور فسيأتي الكلام فيه. (والحديثان) يدلان على أنه يجوز للرجل أن ~~يضحي عنه وعن أتباعه وأهله ويشركهم معه في الثواب، وبه قال الجمهور، وكرهه ~~الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، والحديثان يردان عليهم. وقد أخرج مسلم من حديث ~~أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: اللهم تقبل من محمد وآل ~~محمد وعن أمة محمد وسيأتي في باب الذبح بالمصلى. وأخرج أيضا ابن ماجة ~~والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب أن الرجل كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل ~~بيته في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيأتي في باب الاجتزاء ~~بالشاة. وقد تمسك بحديثي الباب وما ورد في معناهما من قال: # إن الأضحية غير واجبة بل سنة وهم الجمهور. قال النووي: وممن قال بهذا أبو ~~بكر وعمر وبلال وأبو مسعود البدري وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ~~ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وابن المنذر وداود وغيرهم ~~انتهى. وحكاه في ms2079 البحر أيضا عمن ذكر من الصحابة وعن ابن مسعود وابن عباس. ~~وحكاه أيضا عن العترة والشافعي وأبي يوسف ومحمد. وقال ربيعة والأوزاعي وأبو ~~حنيفة والليث وبعض المالكية أنها واجبة على الموسر، وحكاه في البحر عن ~~مالك. وقال النخعي: واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى. # وقال محمد بن الحسن: واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة ~~أنه قال: إنما توجبها على مقيم يملك نصابا، كذا قال النووي. قال ابن حزم: ~~لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور. ولا ~~خلاف في كونها من شرائع الدين. # (ووجه) دلالة الحديثين وما في معناهما على عدم الوجوب أن الظاهر أن ~~تضحيته صلى الله عليه وآله وسلم عن أمته وعن أهله تجزئ كمن لم يضح، سواء ~~كان متمكنا من الأضحية أو غير متمكن، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حديث: على ~~أهل كل بيت أضحية وسيأتي في باب ما جاء في الفرع والعتيرة ما يدل على ~~وجوبها على أهل كل PageV05P198 # بيت يجدونها فيكون قرينة، على أن تضحية رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن غير الواجدين من أمته، ولو سلم الظهور المدعى فلا دلالة له على عدم ~~الوجوب، لان محل النزاع من لم يضح عن نفسه ولا ضحى عنه غيره، فلا يكون عدم ~~وجوبها على من كان في عصره من الأمة مستلزما لعدم وجوبها على من كان في غير ~~عصره منهم. # (فإن قيل): هذا يستلزم أن تجزئ الشاة الواحدة عن جميع الأمة قلنا: هذه ~~مسألة أخرى خارجة عن محل النزاع سيأتي بيانها. ومن أدلة القائلين بعدم ~~الوجوب ما أخرجه أحمد عن ابن عباس مرفوعا: أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا ~~بها، وأمرت بالأضحى ولم تكتب عليكم وأخرجه أيضا البزار وابن عدي والحاكم ~~عنه بلفظ: ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى وأخرجه ~~أيضا أبو يعلى عنه بلفظ: كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ~~ولم تؤمروا بها ويجاب عنه بأن في إسناد أحمد ms2080 وأبي يعلى جابر الجعفي وهو ~~ضعيف جدا، وفي إسناد البزار وابن عدي والحاكم ابن جناب الكلبي. وقد صرح ~~الحافظ بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه. وقد أخرجه الدارقطني بلفظ: ثلاث هن ~~علي فريضة وهن لكم تطوع: الوتر وركعتا الفجر وركعتا الضحى وأخرجه البزار ~~بلفظ: أمرت بركعتي الفجر والوتر وليس عليكم. ورواه الدارقطني أيضا وابن ~~شاهين في ناسخه عن أنس مرفوعا: أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم على وفي ~~إسناده عبد الله بن محرر وهو متروك، واستدلوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن ~~أبي بكر وعمر لأنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة. ~~وكذلك أخرج عن ابن عباس وبلال وأبي مسعود وابن عمر ولا حجة في شئ من ذلك. # واستدل من قال بالوجوب بقول الله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * (سورة ~~الكوثر، الآية: 2) والامر للوجوب، وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له ~~لا للأصنام، فالامر متوجه إلى ذلك لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام، ولا ~~شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر، على أنه قد روي أن المراد بالنحر ~~وضع اليدين حال الصلاة على الصدر كما سلف في الصلاة، واستدلوا أيضا بحديث: ~~من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا وقد تقدم. # ووجه الاستدلال به أنه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضح ~~دل على أنه قد ترك واجبا، فكأنه لا فائدة في التقرب مع ترك هذا الواجب. قال ~~في PageV05P199 # الفتح: وليس صريحا في الايجاب. واستدلوا أيضا بحديث مخنف بن سليم أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال بعرفات: يا أيها الناس على أهل كل بيت أضحية في كل ~~عام وعتيرة أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه، وسيأتي ما عليه ~~من الكلام. وأجيب عنه بأنه منسوخ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا فرع ~~ولا عتيرة ولا يخفى أن نسخ العتيرة على فرض صحته لا يستلزم نسخ الأضحية. ~~واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان ذبح قبل أن يصلي ~~فليذبح ms2081 مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله وهو متفق ~~عليه من حديث جندب بن سفيان البجلي. وبما روي من حديث جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من كان ذبح قبل الصلاة فليعد وسيأتي هو وحديث ~~جندب في باب بيان وقت الذبح، والامر ظاهر في الوجوب، ولم يأت من قال بعدم ~~الوجوب بما يصلح للصرف كما عرفت، نعم حديث أم سلمة الآتي قريبا ربما كان ~~صالحا للصرف لقوله: وأراد أحدكم أن يضحي لأن التفويض إلى الإرادة يشعر بعدم ~~الوجوب. # باب ما يجتنبه في العشر من أراد التضحية عن أم سلمة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي ~~فليمسك عن شعره وأظفاره رواه الجماعة إلا البخاري. ولفظ أبي داود وهو لمسلم ~~والنسائي أيضا: من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من ~~شعره وأظفاره حتى يضحي. # قوله: ذبح بكسر الذال أي حيوان يريد ذبحه فهو فعل بمعنى مفعول كحمل بمعنى ~~محمول، ومنه قوله تعالى: * (وفديناه بذبح عظيم) * (سورة الصافات، الآية ~~107) الحديث استدل به على مشروعية ترك أخذ الشعر والأظفار بعد دخول عشر ذي ~~الحجة لمن أراد أن يضحي (وقد اختلف العلماء) في ذلك فذهب سعيد بن المسيب ~~وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شئ من ~~شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية. وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه ~~كراهة تنزيه وليس بحرام. وحكى الإمام المهدي في البحر عن الامام يحيى ~~والهادوية والشافعي أن ترك PageV05P200 # الحلق والتقصير لمن أراد التضحية مستحب. وقال أبو حنيفة: لا يكره والحديث ~~يرد عليه. وقال مالك في رواية: لا يكره، وفي رواية يكره، وفي رواية: يحرم ~~في التطوع دون الواجب. واحتج من قال بالتحريم بحديث الباب لأن النهي ظاهر ~~في ذلك، واحتج الشافعي بحديث عائشة المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يبعث بهديه ولا يحرم عليه شئ أحله ms2082 الله له حتى ينحر هديه فجعل هذا ~~الحديث مقتضيا لحمل حديث الباب على كراهة التنزيه، ولا يخفى أن حديث الباب ~~أخص منه مطلقا، فيبنى العام على الخاص، ويكون الظاهر مع من قال بالتحريم، ~~ولكن على من أراد التضحية. قال أصحاب الشافعي: والمراد بالنهي عن أخذ الظفر ~~والشعر النهي عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره، والمنع من إزالة الشعر ~~بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك من شعور بدنه. قال ~~إبراهيم المروزي وغيره من أصحاب الشافعي: حكم أجزاء البدن كلها حكم الشعر ~~والظفر، ودليله ما ثبت في رواية لمسلم: فلا يمسن من شعره وبشره شيئا ~~والحكمة في النهي أن يبقى كامل الاجزاء للعتق من النار، وقيل: للتشبه ~~بالمحرم، حكى هذين الوجهين النووي، وحكي عن أصحاب الشافعي أن الوجه الثاني ~~غلط لأنه لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه ~~المحرم. # باب السن الذي يجزئ في الأضحية وما لا يجزئ عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا ~~جذعة من الضأن رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن البراء بن عازب قال: ~~ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: شاتك شاة لحم، فقال: يا رسول الله إن عندي داجنا جذعة من المعز، ~~قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك، ثم قال: من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ~~ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين متفق عليه. # قوله: إلا مسنة قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شئ من الإبل والبقر ~~PageV05P201 # والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع ولا يجزئ إلا إذا عسر ~~على المضحي وجود المسنة. وقد قال ابن عمر والزهري: إنه لا يجزئ الجذع من ~~الضأن ولا من غيره مطلقا. قال النووي: ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ سواء ~~وجد غيره أم لا، وحملوا هذا ms2083 الحديث على الاستحباب والأفضل وتقديره: يستحب ~~لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة ~~الضأن وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة على أنه ليس على ظاهره، لأن ~~الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري ~~يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فيتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من ~~الاستحباب، كذا قال النووي: # ولا يخفى أن قوله: لا تذبحوا نهى عن التضحية بما عدا المسنة مما دونها، ~~وذبح الجذعة مقيد بتعسر المسنة فلا يجزئ مع عدمه، ولا بد من مقتض للتأويل ~~المذكور. # وحديث أبي هريرة وما بعده من الأحاديث المذكورة في هذا الباب تصلح لجعلها ~~قرينة مقتضية للتأويل فيتعين المصير إليه لذلك. قوله: جذعة من الضأن الجذع ~~من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الأشهر عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم من ~~غيرهم. وقيل: ما له ستة أشهر. وقيل: سبعة. وقيل: ثمانية. وقيل: # عشرة. وقيل: إن كان متولدا بين شاتين فستة أشهر، وإن كان بين هرمين ~~فثمانية. قوله: شاتك شاة لحم أي ليست أضحية ولا ثواب فيها بل هو لحم لك ~~تنتفع به. قوله: إن عندي داجنا الخ، الداجن ما يعلف في البيت من الغنم ~~والمعز وفي رواية لمسلم: إن عندي جذعا وفيه دليل على أن جذعة المعز لا تجزئ ~~في الأضحية. قال النووي: وهذا متفق عليه. قوله: من ذبح قبل الصلاة يأتي شرح ~~هذا إن شاء الله في باب بيان وقت الذبح. # وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: نعم أو ~~نعمت الأضحية الجذع من الضأن ورواه أحمد والترمذي. وعن أم بلال بنت هلال عن ~~أبيها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يجوز الجذع من الضأن ~~ضحية رواه أحمد وابن ماجة. وعن مجاشع بن سليم: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يقول: إن الجذع يوفي مما توفي منه الثنية رواه أبو داود وابن ~~ماجة. وعن عقبة بن ms2084 عامر قال: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV05P202 # بالجذع من الضأن رواه النسائي. وعن عقبة بن عامر قال: قسم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقلت يا رسول الله ~~أصابني جذع، فقال: ضح به متفق عليه وفي رواية للجماعة إلا أبا داود: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقي ~~عتود فذكره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ضح به أنت قلت: والعتود من ~~ولد المعز ما رعي وقوي وأتى عليه حول. # حديث أبي هريرة رواه الترمذي من طريق يوسف بن عيسى عن وكيع عن عثمان بن ~~واقد عن كدام بن عبد الرحمن عن أبي كباش قال: جلبت غنما جذعانا إلى المدينة ~~فكسدت علي، فلقيت أبا هريرة فسألته فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الحديث. وقال: غريب وقد روي موقوفا وذكره الحافظ في التلخيص ولم ~~يزد على هذا، ويشهد له حديث عبادة بن الصامت عند أبي داود وابن ماجة ~~والحاكم والبيهقي مرفوعا بلفظ: خير الضحية الكبش الأقرن وأخرجه أيضا ~~الترمذي وزاد: وخير الكفن الحلة وأخرجه بنحو اللفظ الأول أيضا ابن ماجة ~~والبيهقي من حديث أبي أمامة وفي إسناده عفير ابن معدان وهو ضعيف. # قال الترمذي (وفي الباب) عن أم بلال بنت هلال عن أبيها وجابر وعقبة بن ~~عامر ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهى. وحديث أم بلال ~~أخرجه أيضا ابن جرير الطبري والبيهقي وأشار إليه الترمذي كما سلف ورجال ~~إسناده كلهم بعضهم ثقة وبعضهم صدوق وبعضهم مقبول. وحديث مجاشع بن سليم في ~~إسناده عاصم ابن كليب، قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد. وقال الإمام ~~أحمد: لا بأس به وقال أبو حاتم الرازي: # صالح، وأخرج له مسلم. وحديث عقبة الأول أخرجه أيضا ابن وهب، وذكره الحافظ ~~في التلخيص وسكت عنه ورجال إسناده ثقات. قوله: نعمت الأضحية الجذع من الضأن ~~فيه دليل على أن التضحية بالضأن ms2085 أفضل، وبه قال مالك وعلل ذلك بأنها أطيب ~~لحما. وذهب الجمهور إلى أن أفضل الأنواع للمنفرد البدنة، ثم البقرة، ثم ~~الضأن، ثم المعز، واحتجوا بأن البدنة تجزئ عن سبعة أو عشرة على الخلاف، ~~والبقرة تجزئ عن سبعة. وأما الشاة فلا تجزئ إلا عن واحد بالاتفاق، وما كان ~~يجزئ عن الجماعة إذا ضحى به الواحد كان أفضل مما يجزئ عن الواحد ~~PageV05P203 # فقط، هكذا حكى النووي الاتفاق على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد. وحكى ~~المهدي في البحر عن الهادي والقاسم أنها تجزئ عن ثلاثة، واحتج لهما بتضحيته ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالشاة عن محمد وآل محمد، وأورد عليه أنه يلزم أن ~~تجزئ عن أكثر من ثلاثة، وأجاب بأنه منع من ذلك الاجماع. وحكى الترمذي في ~~سننه عن بعض أهل العلم أنها تجزئ الشاة عن أهل البيت وقال: وهو قول أحمد ~~وإسحاق. # واختلف أصحاب مالك فيما بعد الغنم فقيل: الإبل أفضل، وقيل: البقر وهو ~~الأشهر عندهم. قوله: يوفي الخ، أي يجزئ كما تجزئ الثنية. قوله: عتود بفتح ~~المهملة وضم الفوقية وسكون الواو، وقد فسره أهل اللغة بما فسره به المصنف ~~كما نقله النووي عنهم. قال الجوهري: وخيره ما بلغ سنة، وجمعه أعتدة وعتدان ~~بإدغام التاء في الدال. قال البيهقي وغيره من أصحاب الشافعي وغيرهم: كانت ~~هذه رخصة لعقبة بن عامر، كما كان مثلها رخصة لأبي بردة بن نيار في الحديث ~~المتقدم، ثم روي ذلك بإسناد صحيح عن عقبة قال: أعطاني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود منها فقال: ضح بها ~~أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك قال: وعلى هذا يحمل أيضا ما رويناه عن زيد بن ~~خالد قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه غنما فأعطاني ~~عتودا جذعا فقال: ضح به، فقلت: إنه جذع من المعز أضحي به؟ قال: نعم، ضح به ~~فضحيت به وقد أخرج هذا الحديث أيضا أبو داود بإسناد حسن وليس فيه من المعز، ~~والتأويل ms2086 الذي قاله البيهقي وغيره متعين، وإلى المنع من التضحية بالجذع من ~~المعز ذهب الجمهور. وعن عطاء والأوزاعي تجوز مطلقا وهو وجه لبعض الشافعية ~~حكاه الرافعي. وقال النووي: هو شاذ أو غلط، وأغرب عياض فحكى الاجماع على ~~عدم الاجزاء. (وأحاديث) الباب تدل على أنها تجوز التضحية بالجذع من الضأن ~~كما ذهب إليه الجمهور، فيرد بها على ابن عمر والزهري حيث قالا: إنه لا ~~يجزئ، وقد تقدم الكلام في ذلك. # باب ما لا يضحى به لعيبه وما يكره ويستحب عن علي عليه السلام قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV05P204 # أن يضحى بأعضب القرن والاذن، قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: ~~العضب النصف فأكثر من ذلك رواه الخمسة وصححه الترمذي، لكن ابن ماجة لم يذكر ~~قول قتادة إلى آخره. وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين ~~مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسير التي لا تنقى رواه الخمسة وصححه ~~الترمذي. وروى يزيد ذو مصر قال: أتيت عتبة بن عبد السلمي فقلت: يا أبا ~~الوليد إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئا يعجبني غير ثرماء فما تقول؟ ~~قال: ألا جئتني أضحي بها؟ قال: سبحان الله تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال: نعم ~~إنك تشك ولا أشك، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المصفرة ~~والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى ~~يبدو صماخها، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله، والبخقاء التي تبخق ~~عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا، والكسراء التي لا تنقى ~~رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه، ويزيد ذو مصر بكسر الميم وبالصاد ~~المهملة الساكنة. # حديث علي عليه السلام صححه الترمذي كما ذكر المصنف، وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري. وحديث البراء أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ~~النووي. وادعى الحاكم في كتاب الضحايا أن مسلما أخرجه وأنه مما أخذ عليه، ~~لأنه من رواية سليمان بن ms2087 عبد الرحمن عند عبيد بن فيروز، وقد اختلف الناقلون ~~عنه فيه انتهى. وهذا خطأ منه، فإن مسلما لم يخرجه في صحيحه، وقد ذكره على ~~الصواب في أواخر كتاب الحج فقال: صحيح ولم يخرجاه وحديث عتبة بن عبد السلمي ~~أخرجه أيضا الحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري. قوله: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يضحى بأعضب القرن الخ، فيه دليل على أنها لا تجزئ ~~التضحية بأعضب القرن والاذن وهو ما ذهب نصف قرنه أو أذنه. وذهب أبو حنيفة ~~والشافعي والجمهور إلى أنها تجزئ التضحية بمكسور القرن مطلقا، وكرهه مالك ~~إذا كان يدمي وجعله عيبا. وقال في البحر: إن أعضب القرن المنهي عنه هو الذي ~~كسر قرنه أو عضب من أصله حتى يرى الدماغ لا دون ذلك فيكره فقط، ولا يعتبر ~~الثلث فيه بخلاف الاذن. وفي القاموس: أن العضباء الشاة المكسورة القرن ~~الداخل، فالظاهر PageV05P205 # أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقدارا ~~يسيرا بحيث لا يقال لها عضباء لأجله، أو يكون دون النصف إن صح أن التقدير ~~بالنصف المروي عن سعيد بن المسيب لغوي أو شرعي، ولا يلزم تقييد هذا الحديث ~~بما في حديث عتبة من النهي عن المستأصلة وهي ذاهبة القرن من أصله، لأن ~~المستأصلة عضباء وزيادة، وكذلك لا تجزئ التضحية بأعضب الاذن وهو ما صدق ~~عليه اسم العضب لغة أو شرعا، ولكن تفسير المصفرة المذكورة في حديث عتبة ~~بالتي تستأصل أذنها كما ذكره المصنف ومثله، ذكر صاحب النهاية يدل على أن ~~عضب الاذن المانع من الاجزاء هو ذلك لا دونه، وهذا بعد ثبوت اتحاد مدلول ~~عضباء الاذن والمصفرة والظاهر أنهما مختلفان، فلا تجزئ عضباء الاذن وهي ~~ذاهبة نصف الاذن أو مشقوقتها، أو التي جاوز القطع ربعها على حسب الخلاف ~~فيها بين أهل اللغة، ولا المصفرة وهي ذاهبة جميع الاذن لأنها عضباء وزيادة، ~~وقد قيل: إن المصفرة هي المهزولة، حكى ذلك صاحب النهاية واقتصر عليه صاحب ~~التلخيص. ووجه التفسير الأول أن صماخها ms2088 صار صفرا من الاذن. ووجه الثاني ~~أنها صارت صفرا من السمن أي خالية منه. قوله: أربع لا تجوز الخ، فيه دليل ~~على أن متبينة العور والعرج والمرض لا يجوز التضحية بها إلا ما كان من ذلك ~~يسيرا غير بين، وكذلك الكثير التي لا تنقي بضم التاء الفوقية وإسكان النون ~~وكسر القاف أي التي لا نقي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ. وفي ~~رواية الترمذي والنسائي: والعجفاء بدل الكسير. قال النووي: وأجمعوا على أن ~~العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء وهي المرض والعجف والعور والعرج ~~البينات لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى ~~وقطع الرجل وشبهه انتهى. قوله: عن المصفرة بضم الميم وإسكان الصاد المهملة ~~وفتح الفاء وقد تقدم تفسيرها. قوله: والبخقاء بفتح الموحدة وسكون الخاء ~~المعجمة بعدها قاف قال في النهاية: البخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة. ~~وفي القاموس: البخق محركة أقبح العور وأكثره غمصا، أو أن لا يلتقي شفر عينه ~~على حدقته بخق كفرح وكنصر، والعين البخقاء والباخقة والبخيق والبخيقة ~~العوراء، ورجل بخيق كأمير وباخق العين ومبخوقها أبخق وبخق عينه كمنع عورها، ~~وأبخقها فقأها والعين ندرت انتهى. قوله: والمشيعة قال في القاموس: ~~PageV05P206 # ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المشيعة في الأضاحي بالفتح أي ~~التي تحتاج إلى من يشيعها أي يتبعها الغنم لضعفها، وبالكسر وهي التي تشيع ~~الغنم أي تتبعها لعجفها انتهى. (وهذه الأحاديث) تدل على أنه لا يجزئ في ~~الأضحية ما كان فيه أحد العيوب المذكورة، ومن ادعى أنه يجزئ مطلقا أو يجزئ ~~مع الكراهة احتاج إلى إقامة دليل يصرف النهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم ~~المستلزم لعدم الاجزاء، ولا سيما بعد التصريح في حديث البراء بعدم الجواز. # وعن أبي سعيد قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، قال: ~~فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ضح به رواه أحمد. وهو دليل على ~~أن العيب الحادث بعد التعيين لا يضر. وعن علي عليه السلام قال: ms2089 أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستشرف العين والاذن، وأن لا نضحي بمقابلة ~~ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء. رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعن أبي أمامة ~~بن سهل قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون أخرجه ~~البخاري. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: دم عفراء أحب إلى ~~الله من دم سوداوين رواه أحمد والعفراء التي بياضها ليس بناصع. وعن أبي ~~سعيد قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبش أقرن فحيل يأكل في ~~سواد ويمشي في سواد وينظر في سواد رواه أحمد وصححه الترمذي. # حديث أبي سعيد الأول أخرجه أيضا ابن ماجة والبيهقي وفي إسناده جابر ~~الجعفي وهو ضعيف جدا، وفيه أيضا محمد بن قرظة بفتح القاف والراء، قال في ~~التلخيص: غير معروف، وقال في التقريب: مجهول، وقد قيل: إنه وثقه ابن حبان، ~~ويقال: # إنه لم يسمع من أبي سعيد. قال البيهقي: ورواه حماد بن سلمة عن الحجاج بن ~~أرطاة عن عطية عن أبي سعيد: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~شاة قطع ذنبها يضحي بها قال: ضح بها والحجاج ضعيف. وحديث علي عليه السلام ~~أخرجه أيضا البزار وابن حبان والحاكم والبيهقي وأعله الدارقطني. وحديث أبي ~~هريرة أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي، ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن ~~عباس بلفظ: دم الشاة البيضاء عند الله أزكى من دم السوداوين وفيه حمزة ~~النصيبي قد اتهم بوضع الحديث. ورواه الطبراني أيضا وأبو نعيم من حديث كبيرة ~~بنت PageV05P207 # سفيان نحو الأول. ورواه البيهقي موقوفا على أبي هريرة، ونقل عن البخاري ~~أن رفعه لا يصح. وحديث أبي سعيد الثاني صححه ابن حبان أيضا وهو على شرط ~~مسلم قاله صاحب الاقتراح وأخرج مسلم من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فأتى به ~~ليضحي به فقال: يا عائشة هلمي المدية ثم قال: اشحذيها بحجر ففعلت ثم ms2090 أخذها ~~وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه الحديث. قوله: فقال ضح به فيه دليل على أن ذهاب ~~الألية ليس عيبا في الضحية، من غير فرق بين أن يكون ذلك بعد التعيين أو ~~قبله، كما يدل على ذلك رواية البيهقي التي ذكرناها. وقالت الهادوية والامام ~~يحيى: إن ذهاب الألية عيب، وتمسكوا بالقياس على ذهاب الاذن والقرن وهو فاسد ~~الاعتبار. قوله: أن نستشرف العين والاذن أي نشرف عليهما ونتأملهما كي لا ~~يقع فيهما نقص وعيب. وقيل: إن ذلك مأخوذ من الشرف بضم الشين وهو خيار المال ~~أي أمرنا أن نتخيرهما. وقال الشافعي معناه: أن نضحي بواسع العينين طويل ~~الاذنين. # قوله: بمقابلة بفتح الموحدة، قال في القاموس: هي شاة قطعت أنها من قدام ~~وتركت معلقة، ومثله في النهاية إلا أنه لم يقيد بقدام. قوله: ولا مدابرة ~~بفتح الموحدة أيضا هي التي قطعت أنها من جانب. وفي القاموس ما لفظه: وهو ~~مقابل ومدابر محض من أبويه، وأصله من الاقبالة والادبارة وهو شق في الاذن ~~ثم يفتل ذلك، فإن أقبل به فهو إقبالة، وإن أدبر به فإدبارة، والجلدة ~~المعلقة من الاذن هي الاقبالة والادبارة كأنها زنمة، والشاة مدابرة ~~ومقابلة، وقد دابرها وقابلها انتهى. قوله: ولا شرقاء هي مشقوقة الأذن طولا ~~كما في القاموس. قوله: ولا خرقاء قال في النهاية: الخرقاء التي في أذنها ~~خرق مستدير. قوله: كنا نسمن الخ، فيه استحباب تسمين الأضحية، لأن الظاهر ~~اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. وحكى القاضي عياض عن بعض ~~أصحاب مالك كراهة ذلك لئلا يتشبه باليهود، قال النووي: وهذا قول باطل. ~~قوله: دم عفراء الخ، فيه استحباب التضحية بالأعفر من الانعام، وأنه أحب إلى ~~الله من أسودين، والعفراء على ما في القاموس البيضاء، قال أيضا: والأعفر من ~~الظباء ما يعلو بياضه حمرة وأقرانه بيض، والأبيض ليس بالشديد البياض، ~~انتهى. وحكي في البحر عن الامام يحيى أنه قال: # الأفضل الأبيض ثم الأعفر ثم الأملح والأشعر الأطيب إجماعا لقوله تعالى: * ~~(ومن PageV05P208 # يعظم شعائر الله) * (سورة الحج، الآية: 32) وما ms2091 غلا لنفاسته أفضل مما رخص ~~انتهى. قوله: بكبش أقرن قد تقدم الكلام على ذلك. قوله: فحيل فيه أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ضحى بالفحيل كما ضحى بالخصي. قوله: يأكل في سواد ~~الخ معناه أن فمه أسود وقوائمه وحول عينيه، وفيه دليل على أنها تستحب ~~التضحية بما كان على هذه الصفة. # باب التضحية بالخصي عن أبي رافع قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بكبشين أملحين موجوأين خصيين. وعن عائشة قالت: ضحى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بكبشين سمينين عظيمين أملحين أقرنين موجوأين رواهما أحمد. ~~وعن أبي سلمة عن عائشة وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين ~~موجوأين، فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح ~~الآخر عن محمد وآل محمد رواه ابن ماجة. # حديث أبي رافع أخرجه أيضا الحاكم، قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن. # وحديث عائشة أخرجه أيضا ابن ماجة والبيهقي والحاكم من حديثها. وحديث أبي ~~هريرة ومدار طرقه كلها على عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال، وفي إسناد ~~حديث أبي هريرة وعائشة عيسى بن عبد الرحمن بن فروة وهو ضعيف (وفي الباب) عن ~~جابر عند الحاكم من طريق ابن عقيل وله شاهد من حديث جابر أيضا من طريق أخرى ~~عند أبي داود والبيهقي، وعن أبي الدرداء عند أحمد والطبراني. قوله: أملحين ~~قد تقدم تفسير الأملح والأقرن والموجوء منزوع الأنثيين كما ذكره الجوهري ~~وغيره وقيل: # هو المشقوق عرق الأنثيين والخصيتان بحالهما. قوله: سمينين فيه استحباب ~~التضحية بالسمين (واستدل) بأحاديث الباب على استحباب التضحية بالأقرن ~~الأملح، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك، وتقدم حديث: دم عفراء أحب عند ~~الله من دم سوداوين وتقدم أن الأملح خالص البياض أو المشوب بحمرة، والأعفر ~~كذلك، وتقدم أن مسلوب القرن تجوز التضحية به (واستدل) بأحاديث الباب على ~~استحباب التضحية بالموجوء، وبه PageV05P209 # قالت الهادوية: والظاهر أنه لا مقتضى للاستحباب ms2092 لأنه قد ثبت عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم التضحية بالفحيل كما مر في حديث أبي سعيد، فيكون الكل سواء. ~~واستدل بحديث أبي هريرة على أنها تجزئ الشاة عن العدد الكثير، وسيأتي ~~الخلاف في ذلك. # باب الاجتزاء بالشاة لأهل البيت الواحد عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا ~~أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم؟ قال: كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضحي بالشاة ~~عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى رواه ابن ~~ماجة والترمذي وصححه. وعن الشعبي عن أبي سريحة قال: حملني أهلي على الجفاء ~~بعد ما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يبخلنا ~~جيراننا رواه ابن ماجة. # الحديث الأول أخرجه أيضا مالك في الموطأ. وأخرجه الترمذي من طريق يحيى بن ~~موسى عن أبي بكر الحنفي عن الضحاك بن عثمان عن عمارة بن عبد الله قال: سمعت ~~عطاء بن يسار يقول: سألت أبا أيوب فذكره وقال: هذا حديث حسن صحيح، وعمارة ~~بن عبد الله هو مديني، وقد رواه عنه مالك بن أنس، والعمل على هذا عند بعض ~~أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجا بحديث: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ضحى بكبش فقال: هذا عمن لم يضح من أمتي وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ ~~الشاة إلا عن نفس واحدة وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم ~~انتهى. # وحديث أبي سريحة إسناده في سنن ابن ماجة إسناد صحيح. قوله: يضحي بالشاة ~~عنه وعن أهل بيته فيه دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت، لأن الصحابة ~~كانوا يفعلون ذلك في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، والظاهر اطلاعه فلا ~~ينكر عليهم، ويدل على ذلك أيضا حديث: على كل أهل بيت في كل عام أضحية ~~وسيأتي في باب ما جاء في الفرع والعتيرة، وبه قال من تقدم ذكره. وقال ~~الهادي والقاسم: # تجزئ الشاة عن ms2093 ثلاثة، وقيل: تجزئ عن واحد فقط، وبه قال من سلف. وقد زعم ~~النووي أنه متفق عليه وهو غلط، وقد وافقه على دعوى الاجماع ابن رشد، وكذلك ~~PageV05P210 # زعم المهدي في البحر أنه لا قائل بأن الشاة تجزئ عن أكثر من ثلاثة وهو ~~أيضا غلط، والحق أنها تجزئ عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس أو أكثر كما ~~قضت بذلك السنة، ولعل متمسك من قال: إنها تجزئ عن واحد فقط القياس على ~~الهدي وهو فاسد الاعتبار، وأما من قال: إنها تجزئ عن ثلاثة فقط فقد استدل ~~لهم صاحب البحر بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: عن محمد وآل محمد ثم قال: ~~ولا قائل بأكثر من الثلاثة فاقتصر عليهم انتهى. # ولا يخفاك أن الحديث حجة عليه لا له، وأن نفي القائل بأكثر من الثلاثة ~~ممنوع والسند ما سلف، وقد اختلف في البدنة فقالت الشافعية والحنفية ~~والجمهور: إنها تجزئ عن سبعة. # وقالت العترة وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة: إنها تجزئ عن عشرة وهذا هو ~~الحق هنا لحديث ابن عباس المتقدم في باب أن البدنة من الإبل والبقر عن سبع ~~شياه، والأول هو الحق في الهدي للأحاديث المتقدمة هنالك. وأما البقرة فتجزئ ~~عن سبعة فقط اتفاقا في الهدي والأضحية. قوله: فصار كما ترى في نسخة من هذا ~~الكتاب: # فصاروا كما ترى، ولفظ الترمذي: فصارت كما ترى. # باب الذبح بالمصلى والتسمية والتكبير على الذبح والمباشرة له عن نافع عن ~~ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان يذبح وينحر بالمصلى ~~رواه البخاري والنسائي وابن ماجة وأبو داود. وعن عائشة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد وينظر في سواد، ~~فأتي به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها على حجر ~~ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من ~~محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # وعن أنس ms2094 قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين ~~أقرنين فرأيته واضعا قدميه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده رواه ~~الجماعة. وعن جابر قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عيد ~~بكبشين فقال حين وجههما: * (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين) * (سورة الأنعام، الآية: 79) * (إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) * (سورة ~~الأنعام، الآية: 162 - 163) اللهم منك ولك عن محمد وأمته رواه ابن ماجة. ~~PageV05P211 # حديث جابر أخرجه أيضا أبو داود والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه ~~مقال تقدم، وفي إسناده أيضا أبو عياش، قال في التلخيص: لا يعرف. قوله: كان ~~يذبح وينحر بالمصلى فيه استحباب أن يكون الذبح والنحر بالمصلى وهو الجبانة. ~~والحكمة في ذلك أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون من لحم الأضحية. قوله: ~~يطأ في سواد الخ أي بطنه وقوائمه وما حول عينيه سود كما تقدم. قوله: هلمي ~~المدية أي هاتيها، والمدية بضم الميم وكسرها وفتحها وهي السكين. قوله: ~~اشحذيها بالشين المعجمة والحاء المهملة المفتوحة وبالذال المعجمة أي ~~حدديها، وفيه استحباب إحسان الذبح وكراهة التعذيب، كأن يذبح بما في حده ~~ضعف. قوله: وأخذ الكبش الخ، هذا الكلام فيه تقديم وتأخير وتقديره فأضجعه ثم ~~أخذ في ذبحه قائلا: بسم الله الخ، مضحيا به، وفيه استحباب إضجاع الغنم في ~~الذبح، وأنها لا تذبح قائمة ولا باركة بل مضجعة لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت ~~الأحاديث وأجمع عليه المسلمون كما قال النووي، واتفق العلماء على أن ~~إضجاعها يكون على جانبها الأيسر، حكى ذلك النووي أيضا لأنه أسهل على الذابح ~~في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار. وفيه استحباب قول المضحي: بسم ~~الله، وكذلك تستحب التسمية في سائر الذبائح وهو مجمع عليه، ولكن وقع الخلاف ~~في وجوبها. قوله: ويكبر فيه دليل على استحباب التكبير مع التسمية فيقول: ~~بسم الله والله أكبر. والصفحة جانب العنق، وإنما فعل ذلك ليكون أثبت له ~~وأمكن لئلا تضطرب ms2095 الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه. قال ~~النووي: وهذا أصح من الحديث الذي جاء بالنهي عن ذلك. قوله: فذبحهما بيده ~~فيه استحباب تولي الانسان ذبح أضحيته بنفسه، فإن استناب قال النووي: جاز ~~بلا خلاف، وإن استناب كتابيا كره كراهة تنزيه وأجزأه وقعت التضحية عن ~~الموكل، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا مالكا في إحدى الروايتين عنه ~~فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيا وامرأة حائضا، لكن يكره توكيل الصبي، ~~وفي كراهة توكيل الحائض وجهان انتهى. ومذهب الهادوية اشتراط أن يكون الذابح ~~مسلما، فلا تحل عندهم ذبيحة الكافر، ولا يجوز توكيله بالذبح. قوله: فقال ~~حين وجههما وجهت الخ فيه استحباب تلاوة هذه الآية عند توجيه الذبيحة للذبح، ~~وقد تقدم ذكرها في دعاء الاستفتاح في الصلاة. PageV05P212 # باب نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى قال الله تعالى: * (فاذكروا اسم ~~الله عليها صواف) * (سورة الحج، الآية: 36) قال البخاري: قال ابن عباس: ~~صواف قياما. وعن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: ~~ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم متفق عليه. وعن عبد ~~الرحمن بن سابط: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا ينحرون ~~البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها رواه أبو داود وهو مرسل. # حديث عبد الرحمن بن سابط هو في سنن أبي داود من حديث جابر بن عبد الله ~~فلا إرسال، وهكذا ذكره الحافظ في الفتح من حديث جابر وعزاه إلى أبي داود، ~~وقد سكت عنه هو والمنذري، ورجاله رجال الصحيح، وتفسير ابن عباس الذي ذكره ~~البخاري معلقا قد وصله سعيد بن منصور وعبد بن حميد. قوله: صواف بالتشديد ~~جمع صافة أي مصطفة في قيامها، ووقع في مستدرك الحاكم من وجه آخر عن ابن ~~عباس في قوله صواف صوافن أي قياما على ثلاث قوائم معقولة وهي قراءة ابن ~~مسعود، والصوافن جمع صافنة وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. ~~قوله: ابعثها أي أثرها، يقال: بعثت الناقة أي أثرتها. ms2096 وقوله: قياما مصدر ~~بمعنى قائمة، ووقع في رواية الإسماعيلي: انحرها قائمة. قوله: مقيدة أي ~~معقولة الرجل قائمة على ما بقي من قوائمها كما في الحديث الآخر. قوله: سنة ~~محمد بنصب سنة بعامل مضمر كالاختصاص أو التقدير متبعا سنة محمد، ويجوز ~~الرفع، وفي رواية الحربي: فإنه سنة محمد، وفي هذا الحديث والذي بعده ~~استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة. وعن الحنفية يستوي نحرها قائمة ~~وباركة في الفضيلة. وفي الباب عن أنس عند البخاري: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم نحر بيده سبع بدن قياما. # باب بيان وقت الذبح عن جندب بن سفيان البجلي أنه صلى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم أضحى قال: فانصرف فإذا هو باللحم وذبائح الأضحى ~~تعرف، فعرف PageV05P213 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها ذبحت قبل أن يصلي، فقال: من كان ~~ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم ~~الله متفق عليه. وعن جابر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان نحر قبله أن يعيد ~~بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ~~ومسلم. وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النحر: من كان ~~ذبح قبل الصلاة فليعد متفق عليه. وللبخاري: من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح ~~لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين. # وفي الباب عن البراء عند الجماعة كلهم بلفظ: من ذبح قبل الصلاة فإنما هو ~~لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شئ وقد تقدم بنحو هذا اللفظ. قوله: من ذبح ~~قبل أن يصلي في مسلم: قبل أن يصلي أو نصلي الأولى بالياء التحتية والثانية ~~بالنون وهو شك من الراوي. ورواية النون موافقة لقوله في أول الحديث: أنها ~~ذبحت قبل ms2097 أن يصلي فإن المراد صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وموافقة ~~أيضا لقوله في آخر الحديث: ومن لم يكن ذبح حتى صلينا وهذا يدل على أن وقت ~~الأضحية بعد صلاة الامام لا بعد صلاة غيره، فيكون المراد بقوله في حديث ~~أنس: من كان ذبح قبل الصلاة الصلاة المعهودة وهي صلاة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وصلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة، ويؤيد هذا ما أخرجه ~~الطحاوي من حديث جابر وصححه ابن حبان: أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة وظاهر قوله في حديث ~~جابر: فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نحر الخ، أن ~~الاعتبار بنحر الامام، وأنه لا يدخل وقت التضحية إلا بعد نحره، ومن فعل قبل ~~ذلك أعادكما هو صريح الحديث، ويجمع بين الحديثين بأن وقت النحر يكون لمجموع ~~صلاة الامام ونحره. وقد ذهب إلى هذا مالك فقال: لا يجوز ذبحها قبل صلاة ~~الامام وخطبته وذبحه. وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الامام ويجوز بعدها قبل ~~ذبح الامام، وسواء عنده أهل القرى والأمصار، ونحوه عن الحسن والأوزاعي ~~وإسحاق. وقال الثوري PageV05P214 # يجوز بعد صلاة الامام قبل خطبته وفي أثنائها. وقال الشافعي وداود وآخرون: ~~إن وقت التضحية من طلوع الشمس، فإذا طلعت ومضى قدر صلاة العيد وخطبته أجزأ ~~الذبح بعد ذلك سواء صلى الامام أم لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان ~~من أهل القرى والبوادي أو من أهل الأمصار أو من المسافرين. وقال أبو حنيفة: ~~يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر، ولا يدخل في حق أهل ~~الأمصار حتى يصلي الامام ويخطب، فإذا ذبح قبل ذلك لم يجزه. وقالت الهادوية: ~~إن وقتها يدخل بعد صلاة المضحي، سواء صلى الامام أم لا، فإذا لم يصل المضحي ~~وكانت الصلاة واجبة عليه كان وقتها من الزوال، وإن كانت الصلاة غير واجبة ~~عليه لعذر من الاعذار، أو كان ممن لا تلزمه صلاة ms2098 العيد فوقتها من فجر ~~النحر، ولا يخفى أن مذهب مالك هو الموافق لأحاديث الباب، وبقية هذه المذاهب ~~بعضها مردود بجميع أحاديث الباب وبعضها يرد عليه بعضها. قال ابن المنذر: ~~وأجمعوا على أنها لا تجوز التضحية قبل طلوع الفجر، وأما إذا لم يكن ثم إمام ~~فالظاهر أنه يعتبر لكل مضح بصلاته. وقال ربيعة فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل ~~طلوع الشمس لا تجزئه وبعد طلوعها تجزئه، أما آخر وقت التضحية فسيأتي بيانه. ~~وقد تأول أحاديث الباب من لم يعتبر صلاة الامام وذبحه بأن المراد بها الزجر ~~عن التعجيل الذي يؤدي إلى فعلها قبل وقتها، وبأنه لم يكن في عصره صلى الله ~~عليه وآله وسلم من يصلي قبل صلاته، فالتعليق بصلاته في هذه الأحاديث ليس ~~المراد به إلا التعليق بصلاة المضحي نفسه، لكنها لما كانت تقع صلاتهم مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير متقدمة ولا متأخرة وقع التعليق بصلاته ~~صلى الله عليه وآله وسلم، بخلاف العصر الذي بعد عصره، فإنها تصلى صلاة ~~العيد في المصر الواحد جماعات متعددة ولا يخفى بعد هذا، فإنه لم يثبت أن ~~أهل المدينة ومن حولهم كانوا لا يصلون العيد إلا مع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولا يصلح للتمسك لمن جوز الذبح من طلوع الشمس أو من طلوع الفجر ~~ما ورد من أن يوم النحر يوم ذبح لأنه كالعام وأحاديث الباب خاصة فيبنى ~~العام على الخاص. قوله: فليذبح باسم الله الجار والمجرور متعلق بمحذوف أي ~~قائلا: باسم الله. # وعن سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: كل أيام التشريق ذبح رواه أحمد وهو للدارقطني من حديث سليمان ~~PageV05P215 # بن موسى عن عمرو بن دينار. وعن نافع بن جبير، عن جبير، عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نحوه. # حديث جبير بن مطعم أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وذكر الاختلاف في ~~إسناده. ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وفي إسناده معاوية بن يحيى الصدفي ~~وهو ms2099 ضعيف. وذكره ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد وذكر عن أبيه أنه موضوع. # قال ابن القيم في الهدى: إن حديث جبير بن مطعم منقطع لا يثبت وصله، ويجاب ~~عنه بأن ابن حبان وصله وذكره في صحيحه كما سلف. (وقد استدل) الحديث على أن ~~أيام التشريق كلها أيام ذبح وهو يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقد تقدم ~~الخلاف فيها في كتاب العيدين، وكذلك روي في الهدى عن علي عليه السلام أنه ~~قال: أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، وكذا حكاه النووي عنه في شرح ~~مسلم، وحكاه أيضا عن جبير بن مطعم وابن عباس وعطاء والحسن البصري وعمر بن ~~عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام ومكحول والشافعي وداود ~~الظاهري، وحكاه صاحب الهدى عن عطاء والأوزاعي وابن المنذر ثم قال: وروي من ~~وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~كل منى منحر وكل أيام التشريق ذبح وروي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع ~~ومن حديث أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد ~~عند أهل المدينة ثقة مأمون انتهى. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: إن وقت ~~الذبح يوم النحر ويومان بعده. قال النووي: وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وعلي عليه السلام وابن عمر وأنس، وحكى ابن القيم عن أحمد أنه قال: ~~هو قول غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه الأثرم ~~عن ابن عباس، وكذا حكاه عنه في البحر، وإليه ذهبت الهادوية والناصر. وقال ~~ابن سيرين: إن وقته يوم النحر خاصة. وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد: إن ~~وقته يوم النحر فقط لأهل الأمصار، وأيام التشريق لأهل القرى. وحكى القاضي ~~عياض عن بعض العلماء أن وقته في جميع ذي الحجة، فهذه خمسة مذاهب أرجحها ~~المذهب الأول للأحاديث المذكورة في الباب وهي يقوي بعضه بعضا. وقد أجاب عن ~~ذلك صاحب البحر بجواب في غاية السقوط ms2100 فقال قلنا: لم يعمل به يعني حديث جبير ~~أحد من الصحابة، وقد عرفت أنه قول جماعة من الصحابة، على أن مجرد ترك ~~الصحابة من غير تصريح منهم بعدم الجواز PageV05P216 # لا يعد قادحا، وأشف ما جاء به من منع من الذبح في اليوم الرابع الحديث ~~الآتي في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، قالوا: فيه دليل على أن ~~أيام الذبح ثلاثة فقط، لأنه لا يجوز الذبح في وقت لا يجوز فيه الاكل، ونسخ ~~تحريم الاكل لا يستلزم نسخ وقت الذبح. # وقد أجاب عنه ابن القيم بأنه لا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط، لأن ~~الحديث دليل على نهي الذابح أن يؤخر شيئا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه، فلو ~~أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار ما بينه وما بين ثلاثة أيام، ~~وسيأتي بقية الكلام على الحديث. (ووقع الخلاف) في جواز التضحية في ليالي ~~أيام الذبح. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والجمهور: أنه ~~يجوز مع كراهة وقال مالك في المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: أنه ~~لا يجزئ بل يكون شاة لحم، ولا يخفى أن القول بعدم الاجزاء وبالكراهة يحتاج ~~إلى دليل، ومجرد ذكر الأيام في حديث الباب وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم ~~اللقب لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي، والعكس مشهور متداول ~~بين أهل اللغة لا يكاد يتبادر غيره عند الاطلاق وأما ما أخرجه الطبراني عن ~~ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الذبح ليلا ففي إسناده سليمان ~~بن سلمة الخبايري وهو متروك. # وذكره عبد الحق من حديث عطاء بن يسار مرسلا وفيه مبشر بن عبيد وهو أيضا ~~متروك وفي البيهقي عن الحسن: نهى عن جذاذ الليل وحصاده والأضحى بالليل، وهو ~~وإن كانت الصيغة مقتضية للرفع مرسل. # باب الاكل والاطعام من الأضحية وجواز ادخار لحمها ونسخ النهي عنه عن ~~عائشة قالت: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: ms2101 ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي، فلما كان بعد ~~ذلك قالوا: # يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون فيها الودك، ~~فقال: وما ذاك؟ # قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل ~~الدافة ، فكلوا وادخروا وتصدقوا متفق عليه. وعن جابر قال: كنا لا نأكل من ~~لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: كلوا وتزودوا متفق عليه. وفي لفظ: كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى PageV05P217 # المدينة أخرجاه. وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل ~~لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا رواه مسلم ~~والنسائي. وعن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شئ، فلما كان في العام ~~المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: # كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها ~~متفق عليه. وعن ثوبان قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أضحيته ~~ثم قال: يا ثوبان أصلح لي لحم هذه، فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة رواه ~~أحمد ومسلم. وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا ~~أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، فشكوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن لهم عيالا وحشما وخدما، فقال: كلوا وأطعموا ~~واحبسوا وادخروا رواه مسلم. وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة ليتسع ذوو الطول على من ~~لا طول له، فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا رواه أحمد ومسلم والترمذي ~~وصححه. # وفي الباب عن نبيشة الهذلي عند أحمد وأبي داود وزاد بعد قوله: وادخروا ~~وائتجروا أي اطلبوا الاجر بالصدقة. قوله: دف بفتح ms2102 الدال المهملة وتشديد ~~الفاء أي جاء، قال أهل اللغة: الدافة بتشديد الفاء قوم يسيرون جميعا سيرا ~~خفيفا، ودافة الاعراب من يريد منهم المصر، والمراد هنا من ورد من ضعفاء ~~الاعراب للمواساة. قوله: حضرة بفتح الحاء وضمها وكسرها والضاد ساكنة فيها ~~كلها وحكى فتحها وهو ضعيف، وإنما تفتح إذا حذفت الهاء، يقال: يحضر فلان كذا ~~قال النووي. قوله: ويجعلون بفتح الياء وسكون الجيم مع كسر الميم وضمها، ~~ويقال بضم الياء من كسر الميم، يقال: جملت الدهن أجمله بكسر الميم وأجمله ~~بضمها جملا وأجملته أجمله إجمالا أي أذبته. قوله: بعد ثلاث قال القاضي ~~عياض: يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبح الأضحية وإن ذبحت بعد يوم ~~النحر، ويحتمل أن يكون من يوم النحر وإن تأخر الذبح عنه. قال: وهذا أظهر. # ورجح ابن القيم الأول، وهذا الخلاف لا يتعلق به فائدة عند من قال بالنسخ ~~إلا باعتبار ما سلف من الاحتجاج بذلك، على أن يوم الرابع ليس من أيام ~~الذبح. قوله: إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا الخ، هذا وما بعده تصريح ~~PageV05P218 # بالنسخ لتحريم أكل لحوم الأضاحي بعد الثلاث وادخارها، وإليه ذهب الجماهير ~~من علماء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وحكى النووي عن علي عليه ~~السلام وابن عمر أنهما قالا: يحرم الامساك للحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن حكم ~~التحريم باق، وحكاه الحازمي في الاعتبار عن علي عليه السلام أيضا والزبير ~~وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، ولعلهم لم يعلموا بالناسخ، ومن علم ~~حجة علي من لم يعلم، وقد أجمع على جواز الأكل والادخار بعد الثلاث من بعد ~~عصر المخالفين في ذلك، ولا أعلم أحدا بعدهم ذهب إلى ما ذهبوا إليه. قوله: ~~كلوا استدل بهذا الامر ونحوه من الأوامر المذكورة في الباب من قال بوجوب ~~الاكل من الأضحية، وقد حكاه النووي عن بعض السلف وأبي الطيب بن سلمة من ~~أصحاب الشافعي، ويؤيده قوله تعالى: * (فكلوا منها) * (سورة الحج، الآية: ~~28) وحمل الجمهور هذه الأوامر على الندب والإباحة لورودها بعد الحظر ms2103 وهو ~~عند جماعة للإباحة. وحكى النووي عن الجمهور أنه للوجوب، والكلام في ذلك ~~مبسوط في الأصول. قوله: وأطعموا وفي حديث عائشة: وتصدقوا فيه دليل على وجوب ~~التصدق من الأضحية، وبه قالت الشافعية إذا كانت أضحية تطوع، قالوا : ~~والواجب ما يقع عليه اسم الاطعام والصدقة، ويستحب أن يكون بمعظمها، قالوا: ~~وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وفي قول لهم: يأكل ~~النصف ويتصدق بالنصف، ولهم وجه أنه لا يجب التصدق بشئ وقال القاسم بن ~~إبراهيم : إنه يتصدق بالبعض غير مقدر قال في البحر: وفي جواز أكلها جميعها ~~وجهان عن الامام يحيى أصحهما لا يجوز، إذ يبطل به القربة وهي المقصود، ~~وقيل: والقربة تعلقت بإهراق الدم، فإن فعل لم يضمن شيئا عند الجميع إذ لا ~~دليل قلت: # وفي كلام الامام يحيى نظر مع القول بأنها سنة انتهى. قوله: فأردت أن ~~تعينوا فيها بالعين المهملة من الإعانة هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: أن ~~يفشو فيهم بالفاء والشين المعجمة، أي يشيع لحم الأضاحي في الناس وينتفع به ~~المحتاجون. قال القاضي عياض في شرح مسلم: الذي في مسلم أشبه وقال في ~~المشارق: كلاهما صحيح . والذي في البخاري أوجه. والجهد هنا بفتح الجيم وهو ~~المشقة والفاقة. قوله: أصلح لي لحم هذه الخ فيه تصريح بجواز ادخار لحم ~~الأضحية فوق ثلاث، وجواز التزود منه، وأن التزود منه في الاسفار لا يقدح في ~~التوكل ولا يخرج المتزود عنه، وأن الأضحية PageV05P219 # مشروعه للمسافر كما تشرع للمقيم وبه قال الجمهور. وقال النخعي وأبو ~~حنيفة: # لا ضحية على المسافر قال النووي: وروي هذا عن علي رضي الله عنه. وقال ~~مالك وجماعة: لا تشرع للمسافر بمنى ومكة، والحديث يرد عليهم. قوله: حشما ~~قال أهل اللغة: الحشم بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة هم اللائذون ~~بالانسان يخدمونه ويقومون بأموره. وقال الجوهري: هم خدم الرجل ومن يغضب له، ~~سموا بذلك لأنهم يغضبون له، والحشمة الغضب ويطلق على الاستحياء، ومنه ~~قولهم: فلان لا تحتشم أي لا يستحي، ويقال: حشمته وأحشمته إذا أغضبته وإذا ~~أخجلته ms2104 فاستحى لخجله قال النووي: وكأن الحشم أعم من الخدم، فلهذا جمع ~~بينهما في هذا الحديث وهو من باب ذكر الخاص بعد العام. وفي القاموس: الحشمة ~~بالكسر الحياء والانقباض، احتشم منه وعنه، وحشمه وأحشمه أخجله، وأن يجلس ~~إليك الرجل فتؤذيه وتسمعه ما يكره، ويضم حشمه يحشمه ويحشمه وأحشمه، وكفرح ~~غضب، وكسمعه أعضبه كأحشمه وحشمه. وحشمة الرجل وحشمة محركتين وإحشامه خاصته ~~الذي يغضبون له من أهل وعبيد أو جبيره، والحشم محركة للواحد والجمع وهو ~~العيال والقرابة أيضا انتهى. قوله: فكلوا ما بدا لكم فيه دليل على عدم ~~تقدير الاكل بمقدار، وأن للرجل أن يأكل من أضحيته ما شاء وإن كثر ما لم ~~يستغرق بقرينة قوله: وأطعموا. # باب الصدقة بالجلود والجلال والنهي عن بيعها عن علي بن أبي طالب عليه ~~السلام قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقوم على بدنه وأن ~~أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجازر منها شيئا وقال: نحن ~~نعطيه من عندنا متفق عليه. وعن أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام فقال: إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا لحوم ~~الأضاحي فوق ثلاثة أيام لسعيكم وإني أحله لكم، فكلوا ما شئتم، ولا تبيعوا ~~لحوم الهدي والأضاحي، وكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن ~~أطعمتم من لحومها شيئا فكلوا أنى شئتم رواه أحمد. # حديث قتادة ذكره صاحب الفتح ولم يتعقبه مع جري عادته بتعقب ما فيه ضعف. # وقال في مجمع الزوائد إنه مرسل صحيح الاسناد انتهى. قوله: أن أقوم على ~~بدنه أي PageV05P220 # عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك أي على مصالحها ~~في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك. ولم يقع في هذه الرواية عدد البدن. ووقع ~~في رواية أخرى للبخاري وغيره أنها مائة بدنة، وقد تقدم ما روي من أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم نحر ثلاثين بدنة كل في رواية أبي داود، أو ثلاثا وستين ~~كما في رواية مسلم وهي الأصح. قوله: ms2105 وأجلتها جمع جلال بضم الجيم وتخفيف ~~اللام وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه، ويجمع أيضا على جلال بكسر ~~الجيم. قوله: وأن لا أعطي الجازر منها شيئا فيه دليل على أنه لا يعطي ~~الجازر شيئا البتة وليس ذلك المراد، بل المراد أنه لا يعطى لأجل الجزارة لا ~~لغير ذلك. وقد بين النسائي ذلك في روايته من طريق شعيب بن إسحاق عن ابن ~~جريج قال ابن خزيمة: والمراد أنه يقسمها كلها على المساكين إلا ما أمره به ~~من أن يأخذ من كل بدنة بضعة كما في حديث جابر الطويل عند مسلم (والحديث) ~~يدل على أنه لا يجوز إعطاء الجازر من لحم الهدي الذي نحره على وجه الأجرة ~~قال القرطبي: # ولم يرخص في إعطاء الجازر منها لأجل أجرته إلا الحسن البصري وعبد الله بن ~~عبيد بن عمير انتهى. وقد روي عن ابن خزيمة والبغوي أنه يجوز إعطاؤه منها ~~إذا كان فقيرا بعد توفير أجرته من غيرها. وقال غيرهما: إن القياس ذلك لولا ~~إطلاق الشارع المنع، وظاهره عدم جواز الصدقة والهدية كما لا تجوز الأجرة، ~~وذلك لأنها قد تقع مسامحة من الجازر في الأجرة لأجل ما يعطاه من اللحم على ~~وجه الصدقة أو الهدية، وقد استدل به على منع بيع الجلد والجلال. قال ~~القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفهما على اللحم ~~وإعطائهما حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع، فكذلك الجلود والجلال. ~~وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ~~ثمنه مصرف الأضحية. قوله: ما شئتم فيه إطلاق المقدار الذي يأكله المضحي من ~~أضحيته وتفويضه إلى مشيئته. قوله: # ولا تبيعوا لحوم الأضاحي فيه دليل على منع بيع لحوم الأضاحي وظاهره ~~التحريم، وقد بين الشارع وجوه الانتفاع في الأضحية من الاكل والتصدق ~~والادخار والائتجار. قوله: واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها فيه رد على ~~الأوزاعي ومن معه، وفيه أيضا الاذن بالانتفاع بها بغير البيع. وقد روي عن ~~محمد بن الحسن أن له أن يشتري ms2106 بمسكها غربالا أو غيرها من آلة البيت لا شيئا ~~من المأكول. وقال الثوري: PageV05P221 # لا يبيعه ولكن يجعله سقاء وشنا في البيت وهو ظاهر الحديث. قوله: وإن ~~أطعمتم الخ، فيه دليل على أنه يجوز لمن أطعمه غيره من لحم الأضحية أن يأكل ~~كيف شاء وإن كان غنيا. # باب من أذن في انتهاب أضحيته عن عبد الله بن قرط أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر، وقرب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس بدنات أو ست ينحرهن فطفقن يزدلفن ~~إليه أيتهن يبدأ بها، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفهمها فسألت بعض ~~من يليني ما قال؟ قالوا: قال: من شاء اقتطع رواه أحمد وأبو داود، وقد احتج ~~به من رخص في نثار العروس ونحوه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن حبان في صحيحه، وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري. # قوله: ابن قرط بضم القاف وآخره طاء مهملة. قوله: يوم النحر هو يوم الحج ~~الأكبر على الصحيح عند الشافعية ومالك وأحمد لما في البخاري: أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات وقال: هذا يوم الحج الأكبر وفي ~~الحديث دلالة على أنه أفضل أيام السنة، ولكنه يعارضه حديث خير يوم طلعت فيه ~~الشمس يوم الجمعة وقد تقدم في أبواب الجمعة وتقدم الجمع، ويعارضه أيضا ما ~~أخرجه ابن حبان في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا ~~فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فلم ير يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة ~~وقد ذهبت الشافعية إلى أنه أفضل من يوم النحر، ولا يخفى أن حديث الباب ليس ~~فيه إلا أن يوم النحر أعظم وكونه أعظم وإن كان مستلزما لكونه أفضل، لكنه ~~ليس كالتصريح بالأفضلية كما في حديث جابر، إذ لا شك أن الدلالة المطابقية ~~أقوى من الالتزامية، فإن أمكن ms2107 الجمع بحمل أعظمية يوم النحر على غير ~~الأفضلية فذاك وإلا يمكن، فدلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوى من ~~دلالة حديث عبد الله بن قرط على أفضلية يوم النحر. قوله: يوم القر بفتح ~~القاف وتشديد الراء وهو اليوم الذي يلي يوم النحر، سمي بذلك لأن الناس ~~يقرون فيه بمنى وقد فرغوا من طواف الإفاضة PageV05P222 # والنحر فاستراحوا، ومعنى قروا استقروا، ويسمى يوم النفر الأول ويوم ~~الأكارع. # قوله: يزدلفن أي يفترين، وأصل الدال تاء ثم أبدلت منه، ومنه المزدلفة ~~لاقترابها إلى عرفات. ومنه قوله تعالى: * (وأزلفت الجنة للمتقين) * وفي هذه ~~معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث تسارع إليه الدواب ~~التي لا تعقل لإراقة دمها تبركا به، فيالله العجب من هذا النوع الانساني، ~~كيف يكون هذا النوع البهيمي أهدى من أكثره وأعرف تقرب إليه هذه العجم ~~لازهاق أرواحها، وفري أوداجها، وتتنافس في ذلك وتتسابق إليه، ومع كونها لا ~~ترجو جنة ولا تخاف نارا، أو يبعد ذلك الناطق العاقل عنه مع كونه ينال ~~بالقرب النعيم الاجل والعاجل، ولا يصيبه ضرر في نفس ولا مال، حتى قال ~~القائل مظهرا لندة حرصه على قتل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ابن محمد؟ ~~لا نجوت إن نجا وأرق الآخر دمه وكسر ثنيته، فانظر إلى هذا التفاوت الذي ~~يضحك منه إبليس، ولامر ما كان الكافر شر الدواب عند الله. قوله: فلما وجبت ~~جنوبها أي سقطت إلى الأرض جنوبها والوجوب السقوط. قوله: من شاء اقتطع أي من ~~شاء أن يقتطع منها فليقتطع. هذا محل الحجة على جواز انتهاب الهدي والأضحية، ~~واستدل به على جواز انتهاب نثار العروس كما ذكره المصنف. ومن جملة من استدل ~~به البغوي ووجه الدلالة قياس انتهاب النثار على انتهاب الأضحية، وقد رويت ~~في النثار وانتهابه أحاديث لا يصح منها شئ وليس هذا محل ذكرها، وقد ذهب أهل ~~العلم إلى كراهة انتهاب النثار، وروي ذلك عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي ~~وعكرمة، وتمسكوا بما ورد في النهي وهو يعم كل ما صدق ms2108 عليه انتهاب ولا يخرج ~~منه إلا ما خص بمخصص صالح. # كتاب العقيقة وسنة الولادة عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه ~~الأذى رواه الجماعة إلا مسلما. وعن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه ~~رواه الخمسة وصححه الترمذي. PageV05P223 # وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عن الغلام شاتان ~~مكافئتان وعن الجارية شاة رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي لفظ: أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نعق عن الجارية شاة وعن الغلام شاتين رواه ~~أحمد وابن ماجة. وعن أم كرز الكعبية أنها سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن العقيقة فقال: نعم عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة، ولا ~~يضركم ذكرانا كن أو إناثا رواه أحمد والترمذي وصححه. # حديث سمرة أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححه عبد الحق وهو من رواية الحسن ~~عن سمرة والحسن مدلس، لكنه روى البخاري في صحيحه من طريق الحسن أنه سمع ~~حديث العقيقة من سمرة قال الحافظ: كأنه عنى هذا، وقد تقدم قول من قال: إنه ~~لم يسمع منه غيره. وحديث عائشة أخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي، وحديث أم كرز ~~أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم والدارقطني. قال في التلخيص: وله طرق ~~عند الأربعة والبيهقي. قوله: مع الغلام عقيقة العقيقة الذبيحة التي تذبح ~~للمولود، والعق في الأصل الشق والقطع. وسبب تسميتها بذلك أنه يشق حلقها ~~بالذبح، وقد يطلق اسم العقيقة على شعر المولود، وجعله الزمخشري الأصل، ~~والشاة مشتقة منه. قوله: فأهريقوا عنه دما تمسك بهذا وببقية الأحاديث ~~القائلون بأنها واجبة وهم الظاهرية والحسن البصري، وذهب الجمهور من العترة ~~وغيرهم إلى أنها سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل: ~~إنها عنده تطوع (احتج الجمهور) بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب أن ~~ينسك عن ولده، ms2109 فليفعل وسيأتي وذلك يقضي عدم الوجوب لتفويضه إلى الاختيار، ~~فيكون قرينة صارفة للأوامر ونحوها عن الوجوب إلى الندب، وبهذا الحديث احتج ~~أبو حنيفة على عدم الوجوب والسنية، ولكنه لا يخفى أنه لا منافاة بين ~~التفويض إلى الاختيار وبين كون الفعل الذي وقع فيه التفويض سنة. وذهب محمد ~~بن الحسن إلى أن العقيقة كانت في الجاهلية وصدر الاسلام فنسخت بالأضحية ~~وتمسك بما سيأتي ويأتي الجواب عنه. وحكى صاحب البحر عن أبي حنيفة أن ~~العقيقة جاهلية محاها الاسلام، وهذا أن صح عنه حمل على أنها لم تبلغه ~~الأحاديث الواردة في ذلك. قوله: وأميطوا عنه الأذى المراد احلقوا عنه شعر ~~رأسه كما في الحديث الذي بعده. ووقع عند أبي داود عن ابن سيرين أنه قال: إن ~~PageV05P224 # لم يكن الأذى حلق الرأس وإلا فلا أدري ما هو. وأخرج الطحاوي عنه أيضا ~~قال: لم أجد من يخبرني عن تفسير الأذى، وقد جزم الأصمعي بأنه حلق الرأس. # وأخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن الحسن كذلك. ووقع في الحديث عائشة عند ~~الحاكم بلفظ: وأمر أن يماط عن رؤوسها الأذى قال في الفتح: ولكن لا يتعين ~~ذلك في حلق الرأس، فالأولى حمل الأذى على ما هو أهم من حلق الرأس، ويؤيد ~~ذلك أن في بعض حديث عمرو بن شعيب ويماط عنه أقذاره، رواه أبو الشيخ قوله: ~~كل غلام رهينة بعقيقته قال الخطابي: اختلف الناس في معنى هذا، فذهب أحمد بن ~~حنبل إلى معناه أنه إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه لم يشفع لأبويه، وقيل: ~~المعنى أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه لزومها للمولود بلزوم الرهن ~~للمرهون في يد المرتهن. وقيل: إنه مرهون بالعقيقة بمعنى أنه لا يسمى ولا ~~يحلق شعره إلا بعد ذبحها، وبه صرح صاحب المشارق والنهاية. قوله: يذبح عنه ~~يوم سابعه بضم الياء من قوله يذبح وبناء الفعل للمجهول، وفيه دليل على أنه ~~يصح أن يتولى ذلك الأجنبي، كما يصح أن يتولاه القريب عن قريبه والشخص عن ~~نفسه، وفيه أيضا دليل على أن وقت ms2110 العقيقة سابع الولادة، وأنها تفوت بعده، ~~وتسقط إن مات قبله، وبذلك قال مالك. وحكى عنه ابن وهب أنه قال: إن فات ~~السابع الأول فالثاني ونقل الترمذي عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح ~~العقيقة في السابع، فإن لم يمكن ففي الرابع عشر، فإن لم يمكن فيوم أحد ~~وعشرين، وتعقبه الحافظ بأنه لم ينقل ذلك صريحا إلا عن عبد الله البوشنجي، ~~ونقله صالح بن أحمد عن أبيه. ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: العقيقة تذبح لسبع ~~ولأربع عشرة ولإحدى وعشرين وعند الحنابلة في اعتبار الأسابيع بعد ذلك ~~روايات. وعند الشافعية أن ذكر السابع للاختيار لا للتعين. ونقل الرافعي أنه ~~يدخل وقتها بالولادة. وقال الشافعي: إن معناه أنها لا تؤخر عن السابع ~~اختيارا، فإن تأخرت إلى البلوغ سقطت عمن كان يريد أن يعق عنه، لكن إن أراد ~~هو أن يعق عن نفسه فعل. ونقل صاحب البحر عن الامام يحيى أنها لا تجزئ قبل ~~السابع ولا بعده إجماعا، ودعوى الاجماع مجازفة لما عرفت من الخلاف المذكور. ~~قوله: ويسمي فيه في رواية: يدمي، وقال أبو داود: إنها وهم من همام. وقال ~~ابن عبد البر: هذا الذي تفرد PageV05P225 # به همام إن كان حفظه فهو منسوخ. وقد سئل قتادة عن معنى قوله يدمي فقال: ~~إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ ~~الصبي حتى يسيل عن رأسه مثل الخيط ثم يعلق ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. وقد كره ~~الجمهور التدمية، واستدلوا عن ذلك بما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عائشة ~~قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا بطنه بدم العقيقة، فإذا ~~حلقوا رأس المولود وضعوها على رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~اجعلوا مكان الدم خلوقا زاد أبو الشيخ: ونهى أن يمس رأس المولود بدم وأخرج ~~ابن ماجة عن يزيد بن عبد الله المزني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms2111 ~~قال: يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم وهذا مرسل لأن يزيد لا صحبة له، وقد ~~وصله البزار من هذه الطريق وقال عن أبيه، ومع هذا فقد قيل إنه عن أبيه ~~مرسل. وسيأتي حديث بريدة الأسلمي. ونقل ابن حزم عن ابن عمر وعطاء استحباب ~~التدمية، وحكاه في البحر عن الحسن البصري وقتادة. # وفي قوله: ويسمي دليل على استحباب التسمية في اليوم السابع، وحمل ذلك ~~بعضهم على التسمية عند الذبح، واستدل لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ~~همام عن قتادة قال: يسمي على المولود كما يسمي على الأضحية: بسم الله عقيقة ~~فلان ومن طريق سعيد عن قتادة نحوه وزاد: اللهم منك ولك عقيقة فلان بسم الله ~~والله أكبر ولا يخفى بعده لأن قوله: ويسمي فيه مشعر بأن المراد تسمية ~~المولود في ذلك اليوم، ولو كان المراد ما ذكره ذلك البعض لقال: ويسمي ~~عليها. قوله: مكافئتان قال النووي: # بكسر الفاء بعدها همزة، هكذا صوابه عند أهل اللغة، والمحدثون يقولونه ~~بفتح الفاء، قال أبو داود في سننه: أي مستويتان أو متقاربتان، وكذا قال ~~أحمد: قال الخطابي: # والمراد التكافؤ في السن، فلا تكون إحداهما مسنة والأخرى غير مسنة. وقيل ~~معناه: أن يذبح أحداهما مقابلة للأخرى وفي هذا الحديث وحديث أم كرز المذكور ~~بعده، وكذلك حديث بريدة وابن عباس وأبي رافع، وسيأتي دليل على أن المشروع ~~في العقيقة شاتان عن الذكر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود والامام ~~يحيى وحكاه للمذهب. وحكاه في الفتح عن الجمهور. وقال مالك: إنها شاة عن ~~الذكر والأنثى، قال في البحر: وهو المذهب. واستدل على ذلك بحديث بريدة ~~الآتي بلفظ: # كنا نذبح شاة الخ، وبحديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق ~~عن الحسن PageV05P226 # والحسين عليهما السلام كبشا كبشا ويجاب عن ذلك بأن أحاديث الشاتين مشتملة ~~على الزيادة، فهي من هذه الحيثية أولى بالقبول. وأما حديث ابن عباس فسيأتي ~~أيضا في رواية منه أنه عق عن كل واحد بكبشين، وأيضا القول أرجح من الفعل. ms2112 ~~وقيل: إن في اقتصاره صلى الله عليه وآله وسلم على شاة دليلا على أن الشاتين ~~مستحبة فقط وليست بمتعينة، والشاة جائزة غير مستحبة. وقيل: إنه لم يتيسر ~~إلا شاة، وأما الأنثى فالمشروع في العقيقة عنها واحدة إجماعا كما في البحر. ~~قوله: ولا يضركم ذكرانا أو إناثا فيه دليل على أنه لا فرق بين ذكور الغنم ~~وإناثها. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق وكأنه كره الاسم، فقالوا يا رسول الله ~~إنما نسألك عن أحدنا يولد له، قال: من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن ~~الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ~~بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق رواه الترمذي وقال: حديث ~~حسن غريب. وعن بريدة الأسلمي قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح ~~شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالاسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ~~ونلطخه بزعفران رواه أبو داود. وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا رواه أبو داود والنسائي وقال: ~~بكبشين كبشين. # حديث عمرو بن شعيب الأول سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي في إسناده عمرو ~~ابن شعيب وفيه مقال: يعني في روايته عن أبيه عن جده، وقد سلف بيان ذلك. # وحديثه الثاني أخرجه الحاكم. وحديث بريدة أخرجه أيضا أحمد والنسائي، قال ~~في التخليص: وإسناده صحيح انتهى. وفيه نظر، لأن في إسناده علي بن الحسين بن ~~واقد وفي مقال. وقد أخرج نحو حديث بريدة هذا ابن حبان وصححه، وابن السكن ~~وصححه من حديث عائشة والطبراني في الصغير من حديث أنس، والبيهقي من حديث ~~فاطمة، والترمذي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والبيهقي من ~~حديث علي عليه السلام، وحديث ابن عباس صححه ms2113 عبد الحق وابن دقيق العيد، ~~وأخرج PageV05P227 # نحوه ابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عائشة بزيادة يوم السابع وسماهما ~~وأمر أن يمط عن رؤوسهما الأذى. قوله: وكأنه كره الاسم وذلك لأن العقيقة ~~التي هي الذبيحة، والعقوق للأمهات مشتقان من العق الذي هو الشق والقطع، ~~فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا أحب العقوق بعد سؤاله عن العقيقة للإشارة إلى كراهة اسم العقيقة لما ~~كانت هي والعقوق يرجعان إلى أصل واحد، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم : ~~من أحب منكم أن ينسك إرشادا منه إلى مشروعية تحويل العقيقة إلى النسيكة، ~~وما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: مع الغلام عقيقة وكل غلام ~~مرتهن بعقيقته، ورهينة بعقيقته فمن البيان للمخاطبين بما يعرفونه، لأن ذلك ~~اللفظ هو المتعارف عند العرب، ويمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~تكلم بذلك لبيان الجواز، وهو لا ينافي الكراهة التي أشعر بها قوله: لا أحب ~~العقوق. قوله: من أحب منكم قد قدمنا أن التفويض إلى المحبة يقتضي رفع ~~الوجوب وصرف ما أشعر به إلى الندب. قوله: مكافأتان قد تقدم ضبطه وتفسيره. ~~قوله: أمر بتسمية المولود الخ فيه مشروعية التسمية في اليوم السابع، والرد ~~على من حمل التسمية في حديث سمرة السابق على التسمية عند الذبح، وفيه أيضا ~~مشروعية وضع الأذى عنه وذبح العقيقة في ذلك اليوم. قوله: فلما جاء الله ~~بالاسلام الخ، فيه دليل على أن تلطيخ رأس المولود بالدم من عمل الجاهلية ~~وأنه منسوخ كما تقدم، وأصرح منه في الدلالة على النسخ حديث عائشة عند ابن ~~حبان وابن السكن وصححاه كما تقدم بلفظ: فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يجعلوا مكان الدم خلوقا. قوله: ونلطخه بزعفران فيه دليل على ~~استحباب تلطيخ رأس الصبي بالزعفران أو غيره من الخلوق كما في حديث عائشة ~~المذكور. قوله: عق عن الحسن والحسين فيه دليل على أن تصح العقيقة من غير ~~الأب مع وجوده وعدم امتناعه، وهو يرد ما ذهبت إليه الحنابلة من أنه يتعين ms2114 ~~الأب أن يموت أو يمتنع. # وروي عن الشافعي أن العقيقة تلزم من تلزمه النفقة، ويجوز أن يعق الانسان ~~عن نفسه إن صح ما أخرجه البيهقي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عق عن نفسه بعد البعثة ولكنه قال: إنه منكر وفي عبد الله بن محرر بمهملات ~~وهو ضعيف جدا كما قال الحافظ. وقال عبد الرزاق: إنما تكلموا فيه لأجل هذا ~~الحديث. قال البيهقي: وروي من وجه آخر عن قتادة عن أنس وليس بشئ. وأخرجه ~~PageV05P228 # أبو الشيخ من وجه آخر عن أنس، وأخرجه أيضا ابن أيمن في مصنفه، والخلال من ~~طريق عبد الله بن المثنى عن ثمامة ابن عبد الله عن أنس عن أبيه به. وقال ~~النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل. وأخرجه أيضا الطبري والضياء من طريق ~~فيها ضعف، وقد احتج بحديث أنس هذا من أنها تجوز العقيقة عن الكبير، وقد ~~حكاه ابن رشد عن بعض أهل العلم. # وعن أبي رافع أن حسن بن علي رضي الله عنهما لما ولد أرادت أمه فاطمة رضي ~~الله عنها أن تعق عنه بكبشين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا تعقي عنه ولكن احلقي شعر رأسه فتصدقي بوزنه من الورق، ثم ولد حسين رضي ~~الله عنه فصنعت مثل ذلك رواه أحمد. وعن أبي رافع قال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة بالصلاة رواه أحمد ~~وكذلك أبو داود والترمذي وصححه وقالا: الحسن. وعن أنس: أن أم سليم ولدت ~~غلاما قال: فقال لي أبو طلحة: احفظه حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأتاه به وأرسلت معه بتمرات فأخذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فمضغها ثم أخذها من فيه فجعلها في الصبي وحنكه به وسماه عبد الله. وعن سهل ~~بن سعد قال: أبي بالمنذر بن أسيد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~ولد فوضعه على فخذه وأبو أسيد جالس فلهى النبي صلى الله عليه وآله ms2115 وسلم بشئ ~~بين يديه فأمر أسيد بابنه فاحتمل من فخذه فاستفاق النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: أين الصبي؟ فقال: أبو أسيد قلبناه يا رسول الله، قال: ما اسمه؟ ~~قال: فلان، قال: ولكن اسمه المنذر فسماه يومئذ المنذر متفق عليهما. # حديث أبي رافع الأول أخرجه أيضا البيهقي وفيه إسناده ابن عقيل وفيه مقال. ~~وقال البيهقي: إنه تفرد به، ويشهد له ما أخرجه مالك وأبو داود في المراسيل، ~~والبيهقي من حديث جعفر بن محمد، زاد البيهقي عن أبيه عن جده: أن فاطمة رضي ~~الله عنها وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم رضي الله عنهم فتصدقت ~~بوزنه فضة وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن ~~أبي بكر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: عق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن شاة وقال: يا فاطمة احلقي رأسه ~~PageV05P229 # وتصدقي بزنة شعره فضة فوزناه فكان ورنة درهما أو بعض درهم وروى الحاكم من ~~حديث علي رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة ~~فقال: زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة، وأعطي القابلة رجل العقيقة ورواه ~~أبو داود في سننه من طريق حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا. ~~وحديث أبي رافع الثاني أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي، ورواه أبو نعيم ~~والطبراني من حديثه بلفظ: أذن في أذن الحسن والحسين رضي الله عنهما ومداره ~~على عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث. وأخرج ابن ~~السني من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: من ولد له مولودا ~~فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان وأم الصبيان هي ~~التابعة من الجن، هكذا أورد الحديث في التخليص ولم يتكلم عليه. # قوله: لا تعقي عنه قيل: يحمل هذا على أنه قد كان صلى الله عليه وآله وسلم ~~عق عنه، وهذا متعين لما قدمنا في رواية ms2116 الترمذي والحاكم عن علي عليه ~~السلام. قوله: من الورق قال في بعض التخليص: الروايات كلها متفقة على ~~التصدق بالفضة، وليس في شئ منها ذكر الذهب وقال الرافعي: إنه يتصدق بوزن ~~شعره ذهبا وإن لم يفعل ففضة. وقال المهدي في البحر: إنه يتصدق بوزن شعره ~~ذهبا أو فضة، ويدل على ذلك ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: ~~سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ~~ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعر رأسه ذهبا أو فضة ~~وفي إسناده رواد بن الجراح وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات وفي لفظه ما ينكر وهو ~~ثقب الاذن والتلطيخ بدم العقيقة. قوله: أذن في الحسين عليه السلام الخ، فيه ~~استحباب التأذين في أذن الصبي عند ولادته وحكي في البحر استحباب ذلك عن ~~الحسن البصري، واحتج على الإقامة في اليسرى بفعل عمر بن عبد العزيز قال: ~~وهو توقيف، وقد روى ذلك ابن المنذر عنه أنه كان إذا ولد له ولد أذن في أذنه ~~اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، قال الحافظ: لم أره عنه مسندا انتهى. وقد ~~قدمنا نحو هذا مرفوعا قوله: فمضغها أي لاكها في فيه. قوله: وحنكه بفتح ~~المهملة بعدها نون مشددة، والتحنيك أن يمضغ المحنك التمر أو نحوه حتى يصير ~~مائعا بحيث يبتلع ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه ليدخل شئ منها جوفه، قال ~~النووي: اتفق العلماء على أسباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر ~~في معناه أو قريب منه من الحلوى قال: ويستحب أن يكون من الصالحين، وممن ~~يبرك به رجلا كان PageV05P230 # أو امرأة، فإن لم يكن حاضرا عند المولود حمل إليه (وفيه استحباب) التسمية ~~بعبد الله قال النووي وإبراهيم وسائر الأنبياء الصالحين قال في البحر: وعبد ~~الرحمن واستحباب تفويض التسمية إلى أهل الصلاح. قوله: أسيد بفتح الهمزة على ~~المشهور، وحكى عياض عن أحمد الضم، وكذا عن عبد الرزاق ووكيع. قوله: فلهى ~~روي بفتح الهاء وكسرها مع الياء والأولى لغة طيئ ms2117 والثانية لغة الأكثرين ~~ومعناه اشتغل بذلك الشئ، قاله أهل الغريب والشراح. قوله: فاستفاق أي فرغ من ~~ذلك الاشتغال. قوله: قلبناه أي رددناه وصرفناه وفي الحديث استحباب التسمية ~~بالمنذر. # (فائدة) قد وقع الخلاف في أبحاث تتعلق بالعقيقة، الأول: هل يجزئ منها غير ~~الغنم أم لا؟ فقيل: لا يجزئ، وقد نقله ابن المنذر عن حفصة بنت عبد الرحمن ~~بن أبي بكر رضي الله عنه. وقال البوشنجي: لا نص للشافعي في ذلك وعندي لا ~~يجزئ غيرها انتهى. ولعل وجه ذلك ذكرها في الأحاديث دون غيرها، ولا يخفى أن ~~مجرد ذكرها لا ينفي إجزاء غيرها، واختلف قول مالك في الاجزاء، وأما الأفضل ~~عنده فالكبش مثل الأضحية كما تقدم، والجمهور على إجزاء البقر والغنم. ويدل ~~عليه ما عند الطبراني وأبي الشيخ من حديث أنس مرفوعا بلفظ: يعق عنه من ~~الإبل والبقر والغنم ونص أحمد على أنها تشترط بدنة أو بقرة كاملة. وذكر ~~الرافعي أنه يجوز اشتراك سبعة في الإبل والبقر كما في الأضحية، ولعل من جوز ~~اشتراك عشرة هناك يجوز هنا. الثاني: هل يشترط فيها ما يشترط في الأضحية؟ ~~وفيه وجهان للشافعية. وقد استدل بإطلاق الشاتين على عدم الاشتراط وهو الحق، ~~لكن لا لهذا الاطلاق بل لعدم ورود ما يدل ههنا على تلك الشروط والعيوب ~~المذكورة في الأضحية وهي أحكام شرعية لا تثبت بدون دليل. وقال المهدي في ~~البحر مسألة الامام يحيى: ويجزئ عنها ما يجزئ أضحية بدنة أو بقرة أو شاة ~~وسنها وصفتها والجامع التقرب بإراقة الدم انتهى. ولا يخفى أنه يلزم على ~~مقتضى هذا القياس أن تثبت أحكام الأضحية في كل دم متقرب به، ودماء الولائم ~~كلها مندوبة المستدل بذلك القياس، والمندوب متقرب به، فيلزم أن يعتبر فيها ~~أحكام الأضحية، بل روي عن الشافعي في أحد قوليه إن وليمة العرس واجبة. وذهب ~~أهل الظاهر إلى وجوب كثير من الولائم، ولا أعرف قائلا يقول بأنه يشترط في ~~ذبائح شئ من هذه الولائم ما يشترط في الأضحية، فقد استلزم هذا PageV05P231 # القياس ما لم يقل به ms2118 أحد، وما استلزم الباطل باطل الثالث. في مبدأ وقت ~~ذبح العقيقة. # وقد اختلف أصحاب مالك في ذلك فقيل: وقتها وقت الضحايا، وقد تقدم الخلاف ~~فيه هل هو من بعد الفجور، أو من طلوع الشمس، أو من وقت الضحى أو غير ذلك؟ # وقيل: إنها تجزئ في الليل. وقيل: لا على حسب الخلاف السابق في الأضحية. ~~وقيل: # يجزئ في كل وقت وهو الظاهر لما عرفت من عدم الدليل على أنه يعتبر فيها ما ~~يعتبر في الأضحية . باب ما جاء في الفرع والعتيرة ونسخهما عن مخنف بن سليم ~~قال: كنا وقوفا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفات فسمعته يقول: يا ~~أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة؟ هي ~~التي تسمونها الرجبية رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. # وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن ~~كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها ونطعم من جاءنا، فقال له: لا بأس بذلك. # وعن الحرث بن عمرو أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة ~~الوداع قال: فقال رجل: يا رسول الله الفرائع والعتائر، فقال: من شاء فرع، ~~ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر، ومن شاء لم يعتر، في الغنم أضحية رواهما ~~أحمد والنسائي. وعن نبيشة الهذلي قال: قال رجل: يا رسول الله إنا كنا نعتر ~~عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟ # قال: اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله عز وجل وأطعموا قال: فقال: ~~رجل آخر: # يا رسول الله إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: في كل سائمة من الغنم فرع تغدوه غنمك حتى ~~إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه على ابن السبيل فإن ذلك هو خير رواه الخمسة ~~إلا الترمذي. # حديث مخنف أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وفي إسناده أبو رملة واسمه عامر. ~~قال الخطابي: هو مجهول، والحديث ضعيف المخرج. وقال أبو ms2119 بكر المعافري: حديث ~~مخنف بن سليم ضعيف لا يحتج به. وحديث أبي رزين العقيلي أخرجه أيضا البيهقي ~~وأبو داود وصححه ابن حبان بلفظ: أنه قال: يا رسول الله إنا كنا نذبح في ~~الجاهلية PageV05P232 # ذبائح في رجب فنأكل منها ونطعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لا بأس بذلك وحديث الحرث بن عمرو أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححاه. وحديث ~~نبيشة صححه ابن المنذر، وقال النووي: أسانيده صحيحة. (وفي الباب) عن عائشة ~~عند أبي داود والحاكم والبيهقي قال النووي بإسناد صحيح قال: أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدة وفي رواية من كل ~~خمسين شاة شاة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود قال: سئل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الفرع فقال: الفرع حق وأن تتركوه حتى ~~يكون بكرا أو ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله ~~من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك يعني أن ذبحه يذهب ~~لبن الناقة ويفجعها. # قوله: في كل عام أضحية هذا من جملة الأدلة التي تمسك بها من قال بوجوب ~~الأضحية وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: وعتيرة بفتح العين المهملة وكسر ~~الفوقية وسكون التحتية بعدها راء وهي ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول ~~من رجب ويسمونها الرجبية كما وقع في الحديث المذكور. قال النووي: اتفق ~~العلماء على تفسير العتيرة بهذا. قوله: الفرائع جمع فرع بفتح الفاء والراء ~~ثم عين مهملة، ويقال فيه الفرعة بالهاء هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه ~~ولا يملكونه رجاء البركة في الام وكثرة نسلها، هكذا فسره أكثر أهل اللغة ~~وجماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأصحابه، وقيل: هو أول النتاج للإبل، ~~وهكذا جاء تفسيره في البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي وقالوا: كانوا ~~يذبحونه لآلهتهم، فالقول الأول باعتبار أول نتاج الدابة على انفرادها ~~والثاني باعتبار نتاج الجميع وإن لم يكن أول ما تنتجه أمه. وقيل: هو أول ~~النتاج ms2120 لمن بلغت إبله مائة يذبحونه. قال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل إذا ~~بلغت إبله مائة قدم بكرا فنحره لصنمه ويسمونه فرعا. قوله: حتى إذا استحمل ~~في رواية لأبي داود عن نصر بن علي: استحمل للحجيج أي إذا قدر الفرع على أن ~~يحمله من أراد الحج تصدقت بلحمه على ابن السبيل (وأحاديث الباب يدل بعضها ~~على وجوب العتيرة والفرع، وهو حديث مخنف، وحديث نبيشة، وحديث عائشة، وحديث ~~عمرو بن شعيب. وبعضها يدل على مجرد الجواز من غير وجوب وهو حديث الحرث بن ~~عمرو وأبي رزين، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية ~~PageV05P233 # للوجوب إلى الندب (وقد اختلف) في الجمع بين الأحاديث المذكورة والأحاديث ~~الآتية القاضية بالمنع من الفرع والعتيرة فقيل: إنه يجمع بينها بحمل هذه ~~الأحاديث على الندب، وحمل الأحاديث الآتية على عدم الوجوب، ذكر ذلك جماعة ~~منهم الشافعي والبيهقي وغيرهما، فيكون المراد بقوله: لا فرع ولا عتيرة أي ~~لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة، وهذا لا بد منه مع عدم العلم بالتاريخ، لأن ~~المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز كما تقرر في موضعه. وقد ذهب ~~جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الأحاديث منسوخة بالأحاديث الآتية، وادعى ~~القاضي عياض أن جماهير العلماء على ذلك، ولكنه لا يجوز الجزم به إلا بعد ~~ثبوت أنها متأخرة ولم يثبت. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لا فرع ولا عتيرة، والفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه، والعتيرة في ~~رجب متفق عليه. وفي لفظ: لا عتيرة في الاسلام ولا فرع رواه أحمد. # وفي لفظ: أنه نهى عن الفرع والعتيرة رواه أحمد والنسائي. وعن ابن عمر رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا فرع ولا عتيرة رواه ~~أحمد. # حديث ابن عمر رضي الله عنه متنه متن حديث أبي هريرة المتفق عليه فهو شاهد ~~لصحته ولم يذكره في مجمع الزوائد، بل ذكر حديث ابن عمر الآخر: أن النبي صلى ms2121 ~~الله عليه وآله وسلم قال: في العتيرة هي حق وفي بعض نسخ المتن رواه ابن ~~ماجة مكان قوله رواه أحمد. قوله: لا فرع ولا عتيرة قد تقرر أن النكرة ~~الواقعة في سياق النفي تعم فيشعر ذلك بنفي كل فرع وكل عتيرة والخبر محذوف، ~~وقد تقرر في الا صول أن المقتضي لا عموم له فيقدر واحد وهو ألصقها بالمقام، ~~وقد تقدم أن المحذوف هو لفظ واجب وواجبة، ولكن إنما حسن المصير إلى أن ~~المحذوف هو ذلك الحرص على الجمع بين الأحاديث، ولولا ذلك لكان المناسب ~~تقدير ثابت في الاسلام أو مشروع أو حلال، كما يرشد إلى ذلك التصريح بالنهي ~~في الرواية الأخرى. # (وقد استدل) بحديثي الباب من قال: بأن الفرع والعتيرة منسوخان وهم من ~~تقدم ذكره. وقد عرفت أن النسخ لا يتم إلا بعد معرفة تأخر تاريخ ما قيل إنه ~~ناسخ، فأعدل الأقوال الجمع بين الأحاديث بما سلف، ولا يعكر على ذلك رواية ~~النهي، لان PageV05P234 # معنى النهي الحقيقي وإن كان هو التحريم، لكن إذا وجدت قرينة أخرجته عن ~~ذلك، ويمكن أن يجعل النهي موجها إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم فيكون على ~~حقيقته، ويكون غير متناول لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك مما فيه وجه ~~قربة. وقد قيل: إن المراد بالنفي المذكور نفي مساواتهما للأضحية في الثواب ~~أو تأكد الاستحباب، وقد استدل الشافعي بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: اذبحوا لله في أي شهر كان كما تقدم في حديث نبيشة على مشروعية ~~الذبح في كل شهر إن أمكن، قال في سنن حرملة: أنها إن تيسرت كل شهر كان ~~حسنا. # وإلى هنا انتهى النصف الأول من نيل الأوطار شرح منتقى الاخبار بمعونة ~~العزيز الغفار، وصلى الله وسلم على نبيه المختار وآله الأخيار. بك اللهم ~~أستعين على نيل الأوطار ، من أسرار منتقى الا خبار، متوسلا إليك بنبيك ~~المختار قال المصنف رحمه الله تعالى. # كتاب البيوع أبواب ما يجوز بيعه وما لا يجوز باب ما جاء في بيع النجاسة ~~وآلة ms2122 المعصية وما لا نفع فيه عن جابر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا ~~رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى به السفن، ويدهن بها الجلود، ~~ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك. قاتل الله اليهود إن الله ~~لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه رواه الجماعة. وعن ابن عباس: أن ~~النبي صلى PageV05P235 # الله عليه وآله وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها ~~وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه رواه أحمد ~~وأبو داود، وهو حجة في تحريم بيع الدهن النجس. # حديث ابن عباس في التنفير عنها، وأما تحريم بيعها على أهل الذمة فمبني ~~على الخلاف في خطاب الكافر بالفروع. قوله: والميتة بفتح الميم وهي ما زالت ~~عنها الحياة لا بذكاة شرعية. ونقل ابن المنذر أيضا الاجماع على تحريم بيع ~~الميتة، والظاهر أنه تحرم بيعها بجميع أجزائها، قيل: ويستثنى من ذلك السمك ~~والجراد وما لا تحله الحياة. # قوله: والخنزير فيه دليل على تحريم بيعه بجميع أجزائه وقد حكى صاحب الفتح ~~الاجماع على ذلك. وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية ~~الترخيص PageV05P236 # في القليل من شعره، والعلة في تحريم بيعه وبيع الميتة هي النجاسة عند ~~جمهور العلماء، فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عن مالك طهارة ~~الخنزير. قوله: # والأصنام جمع صنم قال الجوهري الوثن، وقال غيره: الوثن ما له جثة، والصنم ~~ما كان مصورا، فبينهما على هذا عموم وخصوص من وجه ومادة اجتماعهما إذا كان ~~الوثن مصورا، والعلة في تحريم بيعها عدم المنفعة المباحة، فإن كان ينتفع ~~بها بعد الكسر جاز بيعها عند البعض ومنعه الأكثر. قوله: أرأيت شحوم الميتة ~~الخ، أي فهل بيعها لما ذكر من المنافع فإنها مقتضية لصحة البيع، كذا في ~~الفتح. قوله: ويستصبح بها الناس الاستصباح استفعال من المصباح وهو السراج ms2123 ~~الذي يشتعل منه الضوء. قوله: لا هو حرام الأكثر على أن الضمير راجع إلى ~~البيع، وجعله بعض العلماء راجعا إلى الانتفاع فقال: يحرم الانتفاع بها وهو ~~قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة بشئ إلا ما خصه دليل كالجلد ~~المدبوغ، والظاهر أن مرجع الضمير البيع لأنه المذكور صريحا والكلام فيه. ~~ويؤيد ذلك قوله في آخر الحديث: فباعوها وتحريم الانتفاع يؤخذ من دليل آخر ~~كحديث: لا تنتفعوا من الميتة بشئ وقد تقدم، والمعنى : لا تظنوا أن هذه ~~المنافع مقتضية لجواز الميتة فإن بيعها حرام. قوله: جملوه بفتح الجيم ~~والميم أي أذابوه، يقال: جمله إذا أذابه والجميل الشحم المذاب. وفي رواية ~~للبخاري: جملوها ثم باعوها وحديث ابن عباس فيه دليل على إبطال الحبل ~~والوسائل إلى المحرم، وأن كل ما حرمه الله على العباد فبيعه حرام لتحريم ~~ثمنه، فلا يخرج من هذه الكلية إلا ما خصه دليل، والتنصيص على تحريم بيع ~~الميتة في حديث الباب مخصص لعموم مفهوم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما ~~حرم من الميتة أكلها وقد تقدم. وقوله: لعن الله اليهود زاد في سنن أبي ~~داود: ثلاثا. # وعن أبي جحيفة أنه اشترى حجاما فأمر فكسرت محاجمه وقال: إن PageV05P237 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن ~~الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله، ولعن المصورين متفق عليه. وعن أبي ~~مسعود عقبة بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ثمن ~~الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن رواه الجماعة. وعن ابن عباس قال: # نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثمن الكلب وقال: إن جاء يطلب ثمن ~~الكلب فاملأ كفه ترابا رواه أحمد وأبو داود. وعن جابر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجاله ~~ثقات، لأن أبا داود رواه من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي وهو من رجال ~~الجماعة ms2124 عن عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو كذلك عن قيس بن حبتر بفتح الحاء ~~المهملة وإسكان الموحدة وفتح الفوقية، وهو من ثقات التابعين كما قال ابن ~~حبان. وحديث جابر هو في مسلم بلفظ: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال: ~~زجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وقد أخرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ثمن ~~الهر وقال الترمذي: غريب وقال النسائي: هذا حديث منكر وفي إسناده عمر بن ~~زيد الصنعاني. قال ابن حبان: # يتفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به. وقال الخطابي: ~~قد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث وزعم أنه غير ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وقال ابن عبد البر: حديث بيع السنور لا يثبت رفعه. ~~وقال النووي: # الحديث صحيح رواه مسلم وغيره انتهى. وليخرجه مسلم من طريق عمر بن زيد ~~المذكور، بل رواه من حديث معقل بن عبد الله الجزري عن أبي الزبير قال: سألت ~~جابرا وقد أخرج الحديث أيضا أبو داود والترمذي من طريق أخرى ليس فيها عمر ~~بن زيد الصنعاني باللفظ الذي ذكره المصنف ولكن في إسناده اضطراب كما قال ~~الترمذي. قوله: حرم ثمن الدم اختلف في المراد به فقيل أجره الحجامة، فيكون ~~دليلا لمن قال بأنها غير حلال، وسيأتي الكلام على ذلك في باب ما جاء في كسب ~~الحجام من أبواب الإجارة. وقيل: المراد به ثمن الدم نفسه فيدل على تحريم ~~بيعه وهو حرام إجماعا كما في الفتح. قوله: وثمن الكلب فيه دليل على تحريم ~~بيع PageV05P238 # الكلب وظاهره عدم الفرق بين المعلم وغيره، سواء كان مما يجوز اقتناؤه أو ~~مما لا يجوز، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: يجوز وقال عطاء والنخعي: ~~يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد قال ~~في الفتح: ورجال ms2125 إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته، وأخرج نحوه الترمذي من ~~حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف، فينبغي حمل المطلق على ~~المقيد، ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به. ~~وقد اختلفوا أيضا هل تجب القيمة على متلفه؟ فمن قال بتحريم بيعه قال بعد ~~الوجوب ومن قال بجوازه قال بالوجوب. # ومن فصل في البيع فصل في لزوم القيمة وروي عن مالك أنه لا يجوز بيعه وتجب ~~القيمة. # وروي عنه أن بيعه مكروه فقط. قوله: وكسب البغي في الرواية الثانية: ومهر ~~البغي والمراد ما تأخذه الزانية على الزنا وهو مجمع على تحريمه، والبغي ~~بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية. وأصل البغي الطلب غير أنه ~~أكثر ما يستعمل في الفساد، واستدل به على أن الأمة إذا أكرهت على الزنا فلا ~~مهر لها، وفي وجه للشافعية يجب للسيد الحكم. قوله: ولعن الواشمة والمستوشمة ~~سيأتي الكلام على هذا في باب ما يكرهه من تزين النساء من كتاب الوليمة إن ~~شاء الله. قوله: وآكل الربا وموكله يأتي إن شاء الله الكلام على هذا في باب ~~التشديد في الربا من أبواب الربا. قوله: ولعن المصورين فيه أن التصوير من ~~أشد المحرمات، لأن اللعن لا يكون إلا على ما هو كذلك، وقد تقدم ما يحرم من ~~التصوير وما لا يحرم في أبواب اللباس. قوله: وحلوان الكاهن الحلوان ~~PageV05P239 # بضم الحاء المهملة مصدر حلوته إذا أعطيته. قال في الفتح: وأصله من ~~الحلاوة شبه بالشئ: الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلا بلا كلفة ولا مشقة، ~~والحلوان أيضا الرشوة، والحلوان أيضا ما يأخذه الرجل من مهر ابنته لنفسه. ~~والكاهن قال الخطابي: هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن ~~الكوائن. قال في الفتح: حلوان الكاهن حرام بالاجماع لما فيه من أخذ العوض ~~على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه ~~العرافون من استطلاع الغيب. قوله: فاملأ كفه ترابا كناية عن منعه من الثمن ~~كما يقال للطالب الخائب ms2126 لم يحصل في كفه غير التراب. # وقيل: المراد التراب خاصة حملا للحديث على ظاهره، وهذا جمود لا ينبغي ~~التعويل عليه. ومثله حمل من حمل حديث: احثوا التراب في وجوه المداحين على ~~معناه الحقيقي. قوله: والسنور بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة وسكون ~~الواو بعدها راء وهو الهر، وفيه دليل على تحريم بيع الهر، وبه قال أبو ~~هريرة ومجاهد وجابر وابن زيد، حكى ذلك عنهم ابن المنذر، وحكاه المنذري أيضا ~~عن طاوس، وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وأجابوا عن هذا الحديث. بما تقدم من ~~تضعيفه وقد عرفت دفع ذلك. # وقيل: إنه يحمل النهي على كراهة التنزيه، وأن بيعه ليس من مكارم الأخلاق ~~ولا من المروءات ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي بلا مقتض. # باب النهي عن بيع فضل الماء عن إياس بن عبد: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نهى عن بيع فضل الماء رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي. وعن ~~جابر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله رواه أحمد وابن ماجة. # حديث إياس قال القشيري: هو على شرط الشيخين، وحديث جابر هو في صحيح ~~PageV05P240 # مسلم ولفظه لفظ حديث إياس، وكذا أخرجه النسائي (والحديثان) يدلان على ~~تحريم بيع فضل الماء وهو الفاضل عن كفاية صاحبه، والظاهر أنه لا فرق بين ~~الماء الكائن في أرض مباحة أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشرب أو لغيره، ~~وسواء كان لحاجة الماشية أو الزرع، وسواء كان في فلاة أو في غيرها. وقال ~~القرطبي: ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الفاضل الذي يشرب فإنه ~~السابق إلى الفهم. وقال النووي: حاكيا عن أصحاب الشافعي: أنه يجب بذل الماء ~~في الفلاة بشروط، أحدها: # أن لا يكون ماء آخر يستغنى به. الثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية لا ~~لسقي الزرع. الثالث: أن لا يكون مالكه محتاجا إليه. ويؤيد ما ذكرنا من ~~دلالة الحديثين على المنع من بيع الماء على العموم حديث أبي هريرة عند ~~الشيخين مرفوعا بلفظ: # لا يمنع فضل ms2127 الماء ليمنع به فضل الكلأ وذكره صاحب جامع الأصول بلفظ: # لا يباع فضل الماء وهو لفظ مسلم، وسيأتي هذا الحديث وما معناه في باب ~~النهي عن منع فضل الماء من كتاب إحياء الموات، ويؤيد المنع من البيع أيضا ~~أحاديث: الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار وستأتي في باب: الناس ~~شركاء في ثلاث من كتاب إحياء الموات أيضا. وقد حمل الماء المذكور في حديثي ~~الباب على ماء الفحل، وهو مع كونه خلاف الظاهر مردود بما في حديث جابر الذي ~~أشار إليه المصنف فإنه في صحيح مسلم بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن بيع فضل الماء وعن منع ضراب الفحل وقد خصص من عموم حديثي ~~المنع من البيع للماء ما كان منه محرزا في الآنية فإنه يجوز بيعه قياسا على ~~جواز بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب لحديث الذي أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالاحتطاب ليستغني به عن المسألة، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد ~~تقدم في الزكاة، وهذا القياس بعد تسليم صحته إنما يصح على مذهب من جوز ~~التخصيص بالقياس، والخلاف في ذلك معروف في الأصول، ولكنه يشكل على النهي عن ~~بيع الماء على الاطلاق ما ثبت في الحديث الصحيح من أن عثمان اشترى نصف بئر ~~رومة من اليهودي وسبلها للمسلمين بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: من يشتري بئر رومة فيوسع بها على المسلمين وله الجنة وكان اليهودي ~~يبيع ماءها الحديث، فإنه كما يدل على جواز بيع البئر نفسها، وكذلك العين ~~بالقياس عليها يدل على جواز بيع الماء لتقريره PageV05P241 # صلى الله عليه وآله وسلم لليهودي على البيع، ويجاب بأن هذا كان في صدر ~~الاسلام، وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية والنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صالحهم في مبادئ الامر على ما كانوا عليه، ثم استقرت الاحكام وشرع ~~لامته تحريم بيع الماء، فلا يعارضه ذلك التقرير، وأيضا الماء هنا دخل لبيع ~~البئر ولا نزاع في جواز ذلك. ms2128 # باب النهي عن ثمن عسب الفحل عن ابن عمر قال: نهى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن ثمن عسب الفحل رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود. عن ~~جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع ضراب الفحل رواه مسلم ~~والنسائي. وعن أنس: أن رجلا من كلاب سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~عسب الفحل فنهاه فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في ~~الكرامة رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. # في الباب عن أنس غير حديث الباب عند الشافعي، وعن علي عليه السلام عند ~~الحاكم في علوم الحديث وابن حبان والبزار، وعن البراء عند الطبراني، وعن ~~ابن عباس عنده أيضا. قوله: عسب الفحل بفتح العين المهملة وإسكان السين ~~المهملة أيضا وفي آخره موحدة، ويقال له العسيب أيضا، والفحل الذكر من كل ~~حيوان فرسا كان جملا أو تيسا أو غير ذلك. وقد روى النسائي من حديث أبي ~~هريرة نهى عن عسيب التيس، واختلف فيه فقيل: هو ماء الفحل، وقيل: أجرة ~~الجماع، ويؤيد الأول حديث جابر المذكور في الباب (وأحاديث الباب) تدل على ~~أن بيع ماء الفحل وإجارته حرام، لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على ~~تسليمه، وإليه ذهب الجمهور، وفي وجه للشافعية والحنابلة، وبه قال الحسن ~~وابن سيرين وهو مروي عن مالك أنها تجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة، ~~وأحاديث الباب ترد عليهم لأنها صادقة على الإجارة. قال صاحب الأفعال: أعسب ~~الرجل عسبا اكترى منه فحلا ينزيه، ولا يصح القياس على تلقيح النخل، لأن ماء ~~الفحل صاحبه عاجز عن تسليمه بخلاف التلقيح، PageV05P242 # قال في الفتح: وأما عارية ذلك فلا خلاف في جوازه. قوله: فرخص له في ~~الكرامة فيه دليل أن المعير إذا أهدي إليه المستعير هدية بغير شرط حلت له، ~~وقد ورد الترغيب في إطراق الفحل. أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي كبشة ~~مرفوعا: من أطرق فرسا فأعقب كان له كأجر سبعين فرسا. # باب النهي عن بيوع الغرر عن ms2129 أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه الجماعة إلا البخاري. وعن ابن مسعود: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ~~رواه أحمد. وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع ~~حبل الحبلة رواه أحمد ومسلم والترمذي. وفي رواية: نهى عن بيع حبل الحبلة، ~~وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت رواه أبو داود. ~~وفي لفظ: كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل ~~الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن ذلك متفق عليه. وفي لفظ: كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل ~~الحبلة، فنهاهم صلى الله عليه وآله وسلم عنه رواه البخاري. # حديث ابن مسعود في إسناده يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عن ابن ~~مسعود، قال البيهقي: فيه إرسال بين المسيب وعبد الله والصحيح وقفه. وقال ~~الدارقطني في العلل: # اختلف فيه والموقوف أصح، وكذلك قال الخطيب وابن الجوزي. وقد روى أبو بكر ~~بن أبي عاصم عن عمران بن حصين حديثا مرفوعا وفيه النهي عن بيع السمك في ~~الماء فهو شاهد لهذا. قوله: نهى عن بيع الحصاة اختلف في تفسيره فقيل: هو أن ~~يقول: # بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمي الحصاة أو من هذه ~~الأرض ما انتهت إليه في الرمي وقيل: هو أن يشرط الخيار إلى أن يرمي الحصاة. ~~وقيل: هو أن يجعل نفس الرمي بيعا. ويؤيده ما أخرجه البزار من طريق حفص بن ~~عاصم عنه أنه قال يعني إذا قذف الحصاة فقد وجب البيع. قوله: وعن بيع الغرر ~~بفتح المعجمة وبراءين مهملتين PageV05P243 # وقد ثبت النهي عنه في أحاديث، منها: المذكور في الباب. ومنها: عن ابن عمر ~~عند أحمد وابن حبان. ومنها: عن ابن عباس عند ابن ماجة. ومنها: عن سهل بن ~~سعد عند ms2130 الطبراني ومن جملة بيع الغرر بيع السمك في الماء كما في حديث ابن ~~مسعود، ومن جملته بيع الطير في الهواء وهو مجمع على ذلك، والمعدوم والمجهول ~~والآبق وكل ما دخل فيه الغرر بوجه من الوجوه قال النووي: النهي عن بيع ~~الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر ~~أمران: أحدهما ما يدخل في البيع تبعا بحيث لو أفرد لم يصح بيعه. والثاني ما ~~يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه أو تعيينه. # ومن جملة ما يدخل تحت هذين الامرين بيع أساس البناء واللبن في ضرع الدابة ~~والحمل في بطنها والقطن المحشو في الجبة. قوله: حبل الحبلة الحبل بفتح ~~الحاء المهملة والباء، وغلط عياض من سكن الباء وهو مصدر حبلت تحبل، والحبلة ~~بفتحهما أيضا جمع حابل مثل ظلمة وظالم، وكتبة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة، ~~وقيل: هو مصدر سمي به الحيوان، والأحاديث المذكورة في الباب تقضي ببطلان ~~البيع لأن النهي يستلزم ذلك كما تقرر في الأصول. واختلف في تفسير حبل ~~الحبلة، فمنهم من فسره بما وقع في الرواية من تفسير ابن عمر كما جزم به ابن ~~عبد البر. وقال الإسماعيلي والخطيب: هو من كلام نافع ولا منافاة بين ~~الروايتين، ومن جملة الذاهبين إلى هذا التفسير مالك والشافعي وغيرهما وهو ~~أن يبيع لحم الجزور بثمن مؤجل إلى أن يلد ولد الناقة، وقيل: إلى أن يحمل ~~ولد الناقة، ولا يشترط وضع الحمل، وبه جزم أبو إسحاق في التنبيه وتمسك ~~بالتفسيرين المذكورين في الباب فإنه ليس فيهما ذكر أن يلد الولد، ولكنه وقع ~~في رواية متفق عليها بلفظ: كان الرجل يبتاع إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج ~~التي في بطنها، وهو صريح في اعتبار أن يلد الولد ومشتمل على زيادة فيرجح. ~~وقال أحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي والترمذي وأكثر أهل اللغة منهم أبو ~~عبيدة وأبو عبيد: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال، فتكون علة النهي على ~~القول الأول جهلة الاجل، وعلى القول الثاني بيع الغرر لكونه معدوما ms2131 ومجهولا ~~وغير مقدور على تسليمه، ويرجح الأول قوله في حديث الباب: لحوم الجزور وكذلك ~~قوله: يبتاعون الجزور قال ابن التين: محصل الخلاف هو المراد البيع إلى أجل ~~أو بيع الجنين، وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الام أم ولادة ولدها؟ ~~وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين PageV05P244 # الأول أو جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال كذا في الفتح. قوله: أن تنتج ~~بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه والفاعل الناقة، قال في الفتح: وهذا الفعل ~~وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول. قوله: الجزور بفتح ~~الجيم وضم الزاي وهو البعير ذكرا كان أو أنثى. # وعن شهر بن حوشب عن أبي سعيد قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~شراء ما في بطون الانعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء ~~العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض وعن ~~ضربة الغائص رواه أحمد وابن ماجة، وللترمذي منه شراء المغانم وقال: غريب. ~~وعن ابن عباس قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع المغانم حتى ~~تقسم رواه النسائي. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله، ~~رواه أحمد وأبو داود. # وعن ابن عباس قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يباع ثمر حتى ~~يطعم، أو صوف على ظهر، أو لبن في ضرع أو سمن في لبن رواه الدارقطني. # حديث أبي سعيد أخرجه أيضا البزار والدارقطني، وقد ضعف الحافظ إسناده وشهر ~~ابن حوشب فيه مقال تقدم وقد حسن الترمذي ما أخرجه منه، ويشهد لأكثر الأطراف ~~التي اشتمل عليها أحاديث أخر منها أحاديث النهي عن بيع الغرور، وما ورد في ~~النهي عن بيع الملاقيح والمضامين، وما ورد في حبل الحبلة على أحد ~~التفسيرين، وحديث أبي هريرة في إسناد أبي داود رجل مجهول، وحديث ابن عباس ~~الآخر أخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده عمر بن فروخ، قال البيهقي: تفرد به ~~ليس بالقوي انتهى ولكنه قد وثقه ابن ms2132 معين وغيره. وقد رواه عن وكيع مرسلا ~~أبو داود في المراسيل، وابن أبي شيبة في مصنفه قال: ووفقه غيره على ابن ~~عباس وهو المحفوظ. وأخرجه أيضا أبو داود من طريق أبي إسحاق عن عكرمة، ~~والشافعي من وجه آخر عن ابن عباس، والطبراني في الأوسط من طريق عمر المذكور ~~وقال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بهذا الاسناد. وفي ~~الباب عن عمران بن حصين مرفوعا عند أبي بكر بن أبي عاصم بلفظ: # نهى عن بيع ما في ضروع الماشية قبل أن تحلب، وعن الجنين في بطون الانعام ~~وعن بيع السمك في الماء، وعن المضامين، والملاقيح وحبل الحبلة، وعن بيع ~~الغرر. قوله: # عن شراء ما في بطون الانعام فيه دليل على أنه لا يصح شراء الحمل وهو مجمع ~~PageV05P245 # عليه، والعلة الغرر وعدم القدرة على التسليم. قوله: وعن بيع ما في ضروعها ~~هو أيضا مجمع على عدم صحة بيعه قبل انفصاله لما فيه من الغرر والجهالة، إلا ~~أن يبيعه منه كيلا نحو أن يقول: بعت منك صاعا من حليب بقرتي، فإن الحديث ~~يدل على جوازه لارتفاع الغرر والجهالة. قوله: وعن شراء العبد الآبق فيه ~~دليل على أنه لا يصح بيعه، وقد ذهب إلى ذلك الهادي والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه والمؤيد بالله وأبو طالب: إنه يصح موقوفا على التسليم، ~~واستدلوا بعموم قوله تعالى: # * (وأحل الله البيع) * (سورة البقرة، الآية: 275) وهو من التمسك بالعام ~~في مقابلة ما هو أخص منه مطلقا وعلة النهي عدم القدرة على التسليم إن كانت ~~عين العبد الآبق معلومة، وإلا فجموع الجهالة والغرر وعدم القدرة على ~~التسليم. قوله: وشراء المغانم مقتضى النهي عدم صحة بيعها قبل القسمة لأنه ~~لا ملك على ما هو الأظهر من قول الشافعي وغيره لأحد من الغانمين قبلها، ~~فيكون ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. قوله: وعن شراء الصدقات فيه دليل ~~على أنه لا يجوز للمتصدق عليه بيع الصدقة قبل قبضها لأنه لا يملكها إلا به، ~~وقد خصص من هذا العموم المصدق ms2133 فقيل: يجوز له بيع الصدقات قبل قبضها وهو غير ~~مقبول إلا بدليل يخص هذا العموم، وجعل التخلية إليه بمنزلة القبض دعوى ~~مجردة، وعلى التسليم قيامها مقام القبض، فلا فرق بينه وبين غيره. قوله: وعن ~~ضربة الغائص المراد بذلك أن يقول من يعتاد الغوص في البحر لغيره: ما أخرجته ~~في هذه الغوصة فهو لك بكذا من الثمن، فإن هذا لا يصح لما فيه من الغرر ~~والجهالة. # قوله: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يباع ثمر حتى يطعم سيأتي ~~الكلام على هذا باب النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه. قوله: أو صوف على ~~ظهر فيه دليل على عدم صحة بيع الصوف ما دام على ظهر الحيوان، وإلى ذلك ذهب ~~العترة والفقهاء، والعلة الجهالة والتأدية إلى الشجار في موضع القطع. قوله: ~~أو سمن في لبن يعني لما فيه من الجهالة والغرر. # وعن أبي سعيد قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الملامسة ~~والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ~~ولا يقلبه، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر بثوبه ~~ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض متفق عليه. وعن أنس قال: نهى النبي ~~صلى الله PageV05P246 # عليه وآله وسلم عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة والملامسة والمزابنة ~~رواه البخاري. # قوله: عن الملامسة والمنابذة هما مفسران بما ذكر في الحديث ذكر البخاري ~~ذلك في اللباس عن الزهري، وقد فسرا بأن الملامسة أن يمس الثوب ولا ينظر ~~إليه، والمنابذة أن يطرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه وينظر ~~إليه وهو كالتفسير الأول. قال في الفتح: # ولأبي عوانة عن يونس أن يتابع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون ~~عنها أو يتنابذ القوم السلع كذلك فهذا من أبواب القمار وفي رواية لابن ماجة ~~من طريق سفيان عن الزهري: المنابذة أن يقول: ألق إلي ما معك وألقي إليك ما ~~معي والنسائي من حديث أبي هريرة الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أيبيعك ثوب ~~بثوبك ولا ms2134 ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسا. والمنابذة أن ~~يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك فيشتري كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كم ~~مع الآخر. وروى أحمد عن معمر أنه فسر المنابذة بأن يقول: إذا نبذت هذا ~~الثوب لقد وجب البيع. والملامسة أن يلمس بيده ولا ينشره ولا يقلبه إذا مسه ~~وجب البيع. ولمسلم عن أبي هريرة: الملامسة أن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه ~~بغير تأمل. والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد ~~منهما إلى ثوب صاحبه. قال الحافظ: وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة ~~أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنها مفاعلة، فتستدعي وجود الفعل من ~~الجانبين. قال: واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور هو أوجه ~~للشافعية، أصحها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام فيقول له ~~صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا ~~رأيته، وهذا موافق للتفسير الذي في الأحاديث. الثاني: أن يجعلا نفس اللمس ~~بيعا بغير صيغته زائدة. # الثالث: أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس والبيع على التأويلات ~~كلها باطل. # ثم قال: واختلفوا في المنابذة على ثلاثة أقوال وهو ثلاثة أوجه للشافعية، ~~أصحها أن يجعلا نفس النبذ بيعا كما تقدم في الملامسة وهو الموافق للتفسير ~~المذكور في الأحاديث والثاني: أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة. والثالث: أن ~~يجعلا النبذ قاطعا للخيار، هكذا في الفتح. والعلة في النهي عن الملامسة ~~والمنابذة لغرور الجهالة وإبطال خيار المجلس وحديث أنس يأتي الكلام على ما ~~اشتمل عليه من المحاقلة والمزابنة في باب النهي PageV05P247 # عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وأما المخاضرة المذكورة فيه فهي بالخاء ~~والضاد المعجمتين وهي بيع الثمر خضراء قبل بدو صلاحها، وسيأتي الخلاف في ~~ذلك. # باب النهي عن الاستثناء في البيع إلا أن يكون معلوما عن جابر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا إلا أن تعلم ~~رواه النسائي والترمذي وصححه. ms2135 # الحديث أخرجه مسلم بلفظ: نهى عن الثنيا وأخرجه أيضا بزيادة: إلا أن تعلم ~~النسائي وابن حبان في صحيحه، وغلط ابن الجوزي فزعم أن هذا الحديث متفق عليه ~~وليس الامر كذلك، فإن البخاري لم يذكر في كتابه الثنيا، وهو يدل على تحريم ~~المحاقلة والمزابنة، وسيأتي الكلام عليهما، والثنيا بضم المثلثة وسكون ~~النون المراد بها الاستثناء في البيع، نحو أن يبيع الرجل شيئا ويستثني ~~بعضه، فإن كان الذي استثناه معلوما نحو أن يستثني واحدة من الأشجار أو ~~منزلا من المنازل أو موضوعا معلوما من الأرض صح بالاتفاق، وإن كان مجهولا ~~نحو أن يستثني شيئا غير معلوم لم يصح البيع، وقد قيل: # إنه يجوز أن يستثني مجهول العين إذا ضرب لاختياره مدة معلومة لأنه بذلك ~~صار كالمعلوم، وبه قالت الهادوية. وقال الشافعي: لا يصح لما في الجهالة حال ~~البيع من الغرر وهو الظاهر لدخول هذه الصورة تحت عموم الحديث، وإخراجها ~~يحتاج إلى دليل ومجرد كون مدة الاختيار معلومة، وإن صار به على بصيرة في ~~التعيين بعد ذلك لكنه لم يصر به على بصيرة حال العقد وهو المعتبر (والحكمة) ~~في النهي عن استثناء المجهول ما يتضمنه من الغرر مع الجهالة. # باب بيعتين في بيعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا رواه أبو داود. وفي لفظ: ~~نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعتين في بيعة رواه أحمد والنسائي ~~والترمذي وصححه. وعن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: ~~نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV05P248 # عن صفقتين في صفقة، قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا، ~~وهو بنقد بكذا وكذا رواه أحمد. # حديث أبي هريرة باللفظ الأول في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم ~~فيه غير و أحد، قال المنذري: والمشهور عنه من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد ~~الله الأنصاري أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ms2136 بيعتين في بيعة انتهى، ~~وهو باللفظ الثاني عند من ذكره المصنف، وأخرجه أيضا الشافعي ومالك في ~~بلاغاته، وحديث ابن مسعود أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وقال في مجمع ~~الزوائد: رجال أحمد ثقات وأخرجه أيضا البزار والطبراني في الكبير والأوسط، ~~وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني وابن عبد البر. # قوله: من باع بيعتين فسره سماك بما رواه المصنف عن أحمد عنه، وقد وافقه ~~على مثل ذلك الشافعي فقال: بأن يقول بعتك بألف نقدا أو ألفين إلى سنة فخذ ~~أيهما شئت أنت وشئت أنا ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على ~~أنه قبل على الابهام، أما لو قال: قبلت بألف نقدا أو بألفين بالنسيئة صح ~~ذلك. وقد فسر ذلك الشافعي بتفسير آخر فقال هو أن يقول: بعتك ذا العبد بألف ~~على أن تبيعني دارك بكذا، أي إذا وجب لك عندي وجب لي عندك، وهذا يصلح ~~تفسيرا للرواية الأخرى من حديث أبي هريرة لا للأولى، فإن قوله: فله أوكسهما ~~يدل على أنه باع الشئ الواحد بيعتين بيعة بأقل وبيعة بأكثر. وقيل في تفسير ~~ذلك: هو أن يسلفه دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الاجل وطالب بالحنطة ~~قال: بعني القفيز الذي لك علي إلى شهرين بقفيزين فصار ذلك بيعتين في بيعة، ~~لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول، كذا في ~~شرح السنن لابن رسلان. قوله: فله أوكسهما أي أنقصهما قال الخطابي: لا أعلم ~~أحدا قال بظاهر الحديث، وصحح البيع بأوكس الثمنين إلا ما حكي عن الأوزاعي ~~وهو مذهب فاسد انتهى. ولا يخفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث، لأن الحكم له ~~بالأوكس يستلزم صحة البيع به. قوله: الربا يعني أو يكون قد دخل هو وصاحبه ~~في الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس بل أخذ الأكثر، وذلك ظاهر في التفسير ~~الذي ذكره ابن رسلان. وأما في التفسير الذي ذكره أحمد عن سماك وذكره ~~الشافعي ففيه متمسك لمن قال: يحر بيع الشئ بأكثر من سعر ms2137 يومه لأجل النساء، ~~وقد ذهب إلى ذلك PageV05P249 # زين العابدين علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والامام ~~يحيى. # وقالت الشافعية والحنفية وزيد بن علي والمؤيد بالله والجمهور: إنه يجوز ~~لعموم الأدلة القاضية بجوازه وهو الظاهر، لأن ذلك المتمسك هو الرواية ~~الأولى من حديث أبي هريرة، وقد عرفت ما في راويها من المقال، ومع ذلك ~~فالمشهور عنه اللفظ الذي رواه غيره وهو النهي عن بيعتين في بيعة ولا حجة ~~فيه على المطلوب، ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي صالحة ~~للاحتجاج لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان ~~قادحا في الاستدلال بها على المتنازع فيه، على أن غاية ما فيها الدلالة على ~~المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة وهي أن يقول: نقدا بكذا ونسيئة ~~بكذا، إلا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط وكان أكثر من سعر يومه، مع ~~أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك ~~فالدليل أخص من الدعوى، وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة وسميناها شفاء ~~الغلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الاجل، وحققناها تحقيقا لم نسبق إليه، ~~والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشئ الواحد ~~بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل في صورة بيع هذا على أن يبيع منه ذاك، ~~ولزوم الربا في صورة القفيز الحنطة. قوله: أو صفقتين في صفقة أي بيعتين في ~~بيعة. # باب النهي عن بيع العربون عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع العربان رواه أحمد والنسائي وأبو داود وهو ~~لمالك في الموطأ. # الحديث منقطع لأنه من رواية مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ولم يدركه ~~فبينهما راو لم يسم، وسماه ابن ماجة فقال عن مالك عن عبد الله بن عامر ~~الأسلمي، وعبد الله لا يحتج بحديثه وفي إسناد ابن ماجة هذا أيضا حبيب كاتب ~~الامام مالك وهو ضعيف لا يحتج ms2138 به. وقد قيل: إن الرجل الذي لم يسم هو ابن ~~لهيعة ذكر ذلك ابن عدي وهو أيضا ضعيف. ورواه الدارقطني. والخطيب عن مالك عن ~~عمرو بن الحرث عن عمرو بن شعيب وفي إسنادهما الهيثم بن اليمان وقد ضعفه ~~الأزدي، وقال PageV05P250 # أبو حاتم: صدوق ورواه البيهقي موصولا من غير طريق مالك وأخرج عبد الرزاق ~~في مصنفه عن زيد بن أسلم: إنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~العربان في البيع فأصله وهو مرسل، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ~~ضعيف. قوله: العربان بضم العين المهملة وإسكان الراء ثم موحدة مخففة، ويقال ~~فيه عربون بضم العين والياء، ويقال بالهمزة مكان العين. قال أبو داود: قال ~~مالك وذلك فيما نرى والله أعلم أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة ثم ~~يقول: أعطيك دينارا على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك انتهى. ~~وبمثل ذلك فسره عبد الرزاق عن زيد بن أسلم، والمراد أنه إذا لم يختر السلعة ~~أو اكترى الدابة كان الدينار أو نحوه للمالك بغير شئ، وإن اختارهما أعطاه ~~بقية القيمة أو الكراء وحديث) الباب يدل على على تحريم البيع مع العربان، ~~وبه قال الجمهور، وخالف في ذلك أحمد فأجازه، وروي نحوه عن عمر وابنه. ويدل ~~على ذلك حديث زيد بن أسلم المتقدم وفيه المقال المذكور، والأولى ما ذهب ~~إليه الجمهور لأن حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرق يقوي بعضها بعضا، ولأنه ~~يتضمن الحظر وهو أرجح من الإباحة كما تقرر في الأصول. والعلة في النهي عنه ~~اشتماله على شرطين فاسدين. أحدهما: شرط كون ما دفعه إليه يكون مجانا إن ~~اختار ترك السلعة. والثاني: شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا ~~بالبيع. # باب تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرا وكل بيع أعان على معصية عن أنس قال: ~~لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، ~~وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليها، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، ~~والمشتري لها، والمشتراة له رواه ms2139 الترمذي وابن ماجة. وعن ابن عمر قال: # لعنت الخمرة على عشرة وجوه، لعنت الخمرة بعينها، وشاربها، وساقيها، ~~وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ~~ثمنها رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود بنحوه، لكنه لم يذكر: وآكل ولم يقل ~~عشرة. # الحديث الأول قال الحافظ في التلخيص: ورواته ثقات، والحديث الثاني في ~~إسناده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أمير الأندلس، قال يحيى: لا أعرفه، ~~وقال قوم: PageV05P251 # هو معروف وصححه ابن السكن (وفي الباب) عن أبي هريرة عند أبي داود، وعن ~~ابن عباس عند ابن حبان، وعن ابن مسعود عند الحاكم، وعن بريدة عند الطبراني ~~في الأوسط من طريق محمد بن أحمد بن أبي خيثمة بلفظ: من حبس العنب أيام ~~القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على ~~بصيرة حسنه الحافظ في بلوغ المرام. وأخرجه البيهقي بزيادة: أو ممن يتخذه ~~خمرا وقد استدل المصنف رحمه الله بحديثي الباب على تحريم بيع العصير ممن ~~يتخذه خمرا، وتحريم كل بيع أعان على معصية قياسا على ذلك، وليس في حديثي ~~الباب تعرض لتحريم بيع العنب ونحوه ممن يتخذه خمرا، لأن المراد بلعن بائعها ~~وآكل ثمنها بائع الخمر وآكل ثمن الخمر، وكذلك بقية الضمائر المذكورة هي ~~للخمر ولو مجازا، كما في عاصرها ومعتصرها فإنه يؤول المعصور إلى الخمر، ~~والذي يدل على مراد المصنف حديث بريدة الذي ذكرناه لترتيب الوعيد الشديد ~~على من باع العنب إلى من يتخذه خمرا، ولكان قوله: حبس وقوله: أو ممن يعلم ~~أن يتخذه خمرا يدلان على اعتبار القصد والتعمد للبيع إلى من يتخذه خمرا، ~~ولا خلاف في التحريم مع ذلك، وأما مع عدمه فذهب جماعة من أهل العلم إلى ~~جواز منهم الهادوية مع الكراهة ما لم يعلم أنه يتخذه لذلك، ولكن الظاهر أن ~~البيع من اليهودي والنصراني لا يجوز لأنه مظنه لجعل العنب خمرا، ويؤيد ~~المنع مع من البيع مع ظن استعمال المبيع في معصية ما أخرجه الترمذي وقال: ~~غريب من حديث أبي أمامة ms2140 أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة ~~فيهن وثمنهن حرام. # باب النهي عن بيع ما لا يملكه ليمضي فيشتريه ويسلمه عن حكيم بن حزام قال: ~~قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ثم ~~أبتاعه من السوق فقال: لا تبع ما ليس عندك رواه الخمسة. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد روي ~~من غير وجه عن حكيم انتهى. وفي بعض طرقه عبد الله بن عصمة زعم عبد ~~PageV05P252 # الحق أنه ضعيف جدا، ولم يتعقبه ابن القطان بل نقل عن ابن حزم أنه مجهول. # قال الحافظ: وهو جرح مردود، فقد روى عنه ذلك ثلاثة كما في التلخيص وقد ~~احتج به النسائي (وفي الباب) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود ~~والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ~~ليس عندك. قوله: ما ليس عندك أي ما ليس في ملكك وقدرتك، والظاهر أنه يصدق ~~على العبد المغصوب الذي لا يقدر على انتزاعه ممن هو في يده، وعلى الآبق ~~الذي لا يعرف مكانه، والطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه، ويدل على ذلك ~~معنى عند لغة قال الرضى: إنها تستعمل في الحاضر القريب وما هو في حوزتك وإن ~~كان بعيدا انتهى. فيخرج عن هذا ما كان غائبا خارجا عن الملك أو داخلا فيه ~~خارجا عن الحوزة، وظاهره أنه يقال لما كان حاضرا وإن كان خارجا عن الملك. ~~فمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تبع ما ليس عندك أي ما ليس حاضرا ~~عندك ولا غائبا في ملكك وتحت حوزتك. قال البغوي: النهي في هذا الحديث عن ~~بيوع الأعيان التي لا يملكها أما بيع شئ موصوف في ذمته فيجوز فيه السلم ~~بشروطه، فلو ms2141 باع شيئا موصوفا في ذمته عام الوجود عند المحل المشروط في ~~البيع جاز، وإن لم يكن المبيع موجودا في ملكه حالة العقد كالسلم، قال: وفي ~~معنى بيع ما ليس عنده في الفساد بيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه إلى ~~محله، فإن اعتاد الطائر أن يعود ليلا لم يصح أيضا عند الأكثر إلا النحل فإن ~~الأصح فيه الصحة، كما قاله النووي في زيادات الروضة، وظاهر النهي تحريم ما ~~لم يكن في ملك الانسان ولا داخلا تحت مقدرته، وقد استثني من ذلك السلم، ~~فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم، وكذلك إذا كان المبيع في ذمة المشتري ~~إذ هو كالحاضر المقبوض. # باب من باع سلعة من رجل ثم من آخر عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما، وأيما رجل باع بيعا من ~~رجلين فهو للأول منهما رواه PageV05P253 # الخمسة، إلا أن ابن ماجة لم يذكر فيه فصل النكاح، وهو يدل بعمومه على ~~فساد بيع البائع المبيع وإن كان في مدة الخيار. # الحديث هو من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه خلاف قد تقدم، وقد حسنه ~~الترمذي وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم. قال الحافظ: وصحته متوقفة على ~~ثبوت سماع الحسن من سمرة ورجاله ثقات، ورواه الشافعي وأحمد والنسائي من ~~طريق قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر، قال الترمذي: الحسن عن سمرة في هذا ~~أصح. # قوله: فهي للأول منهما فيه دليل على أن المرأة إذا عقد لها وليان لزوجين ~~كانت لمن عقد له أول الوليين من الزوجين وبه قال الجمهور، وسواء كان قد دخل ~~بها الثاني أم لا، وخالف في ذلك مالك وطاوس والزهري. وروي عن عمر فقالوا: ~~إنها تكون للثاني إذا كان قد دخل بها لأن الدخول أقوى، والخلاف في تفاصيل ~~هذه المسألة بين المفرعين طويل. # قوله: وأيما رجل باع الخ فيه دليل على أن من باع شيئا من رجل ثم باعه من ~~آخر لم يكن للبيع للآخر حكم بل هو ms2142 باطل لأنه باع غير ما يملك، إذ قد صار في ~~ملك المشتري الأول، ولا فرق بين أن يكون البيع الثاني وقع في مدة الخيار ~~انقراضها، لأن البيع قد خرج عن مكة بمجرد البيع. # باب النهي عن بيع الدين بالدين وجوازه بالعين ممن هو عليه عن ابن عمر: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ رواه الدارقطني. ~~وعن ابن عمر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: أني أبيع الإبل ~~بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، ~~فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شئ رواه الخمسة. وفي ~~لفظ بعضهم: أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق وآخذ مكانها ~~الدنانير وفيه دليل على جواز التصرف في الثمن قبل قبضه وإن كان في مدة ~~الخيار، وعلى أن خيار الشرط لا يدخل الصرف. # الحديث الأول صححه الحاكم على شرط مسلم، وتعقب بأنه تفرد به موسى بن ~~عبيدة الربذي كما قال الدارقطني وابن عدي. وقد قال فيه أحمد: لا تحل ~~الرواية عنه عندي، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره وقال: ليس في هذا أيضا حديث ~~يصح، ولكن PageV05P254 # إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. وقال الشافعي: أهل الحديث ~~يوهنون هذا الحديث اه. ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع كالئ بكالئ دين بدين ولكن في إسناده ~~موسى المذكور فلا يصح شاهدا، والحديث الثاني صححه الحاكم وأخرجه ابن حبان ~~والبيهقي، وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث سماك بن حرب، وذكر ~~أنه روي عن ابن عمر موقوفا، وأخرجه النسائي موقوفا عليه أيضا. قال البيهقي: ~~والحديث تفرد برفعه سماك بن حرب، وقال شعبة رفعه لنا سماك وأنا أفرقه. ~~قوله: الكالئ بالكالئ هو مهموز، قال الحاكم عن أبي الوليد حسان: هو بيع ~~النسيئة بالنسيئة، كذا نقله أبو عبيد في الغريب، وكذا نقله الدارقطني عن ~~أهل اللغة وروى البيهقي عن نافع ms2143 قال: هو بيع الدين بالدين. وفيه دليل على ~~عدم جواز بيع الدين بالدين. وهو إجماع كما حكاه أحمد في كلامه السابق وكذا ~~لا يجوز بيع كل معدوم بمعدوم. قوله: بالبقيع قال الحافظ: بالباء الموحدة ~~كما وقعت عند البيهقي في بقيع الغرقد. قال النووي: ولم يكن إذ ذاك قد كثرت ~~فيه القبور. # وقال ابن باطيش: لم أر من ضبطه والظاهر أنه بالنون، حكي ذلك عنه في ~~التلخيص وابن رسلان في شرح السنن. قوله: لا بأس الخ فيه دليل على جواز ~~الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغيره، وظاهره أنهما غير حاضرين جميعا بل ~~الحاضر أحدهما وهو غير اللازم، فيدل على أن ما في الذمة كالحاضر. قوله: ما ~~لم تفترقا وبينكما شئ فيه دليل على أن جواز الاستبدال مقيد بالتقابض في ~~المجلس، لأن الذهب والفضة مالان ربويان فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا ~~بشرط وقوع التقابض في المجلس، وهو محكي عن عمر وابنه عبد الله رضي الله ~~عنهما، والحسن والحكم وطاوس والزهري ومالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري ~~والأوزاعي وأحمد وغيرهم وروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب وهو ~~أحد قولي الشافعي أنه مكروه أي الاستبدال المذكور والحديث يرد عليهم واختلف ~~الأولون فمنهم من قال: يشترط أن يكون بسعر يومها كما وقع في الحديث وهو ~~مذهب أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: إنه يجوز بسعر يومها وأغلى وأرخص، وهو ~~خلاف ما في الحديث من قوله: بسعر يومها وهو أخص من حديث: إذا اختلفت هذه ~~الأصناف فبيعوا كيف إذا كان يدا بيد فيبنى العام على الخاص. PageV05P255 # باب نهي المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه رواه أحمد ~~ومسلم. وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشترى ~~الطعام ثم يباع حتى يستوفى رواه أحمد ومسلم. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من اشترى طعاما فلا يبعه حتى ms2144 يكتاله. وعن حكيم بن حزام قال: ~~قلت يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: إذا ~~اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه رواه أحمد. # وعن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تباع السلع ~~حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم رواه أبو داود والدارقطني. وعن ابن ~~عمر قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ~~ماجة، وفي لفظ في الصحيحين: حتى يحولوه للجماعة إلا الترمذي: من ابتاع ~~طعاما فلا يبعه حتى يقبضه. ولأحمد: من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه ~~حتى يقبضه ولأبي داود والنسائي: نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى ~~يستوفيه. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ابتاع طعاما فلا ~~يبعه حتى يستوفيه، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شئ إلا مثله رواه الجماعة إلا ~~الترمذي. # وفي لفظ في الصحيحين: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله. # حديث حكيم بن حزام أخرجه أيضا الطبراني في الكبير وفي إسناده العلاء بن ~~خالد الواسطي، وثقه ابن حبان وضعفه موسى بن إسماعيل، وقد أخرج النسائي ~~بعضه، وهو طرف من حديثه المتقدم في باب النهي عن بيع ما لا يملكه. وحديث ~~زيد بن ثابت أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وابن حبان وصححه أيضا. قوله: إذا ~~ابتعت طعاما وكذا قوله في الحديث الثاني: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الخ، وكذا قوله: من اشترى طعاما وكذلك بقية ما فيه التصريح بمطلق ~~الطعام في حديث الباب، في جميعها دليل على أنه لا يجوز لمن اشترى طعاما. ~~PageV05P256 # أن يبيعه حتى يقبضه، من غير فرق بين الجزاف وغيره، وإلى هذا ذهب الجمهور ~~وروي عن عثمان البتي أنه يجوز بيع كل شئ قبل قبضه والأحاديث ترد عليه فإن ~~النهي يقتضي التحريم بحقيقته، ويدل على الفساد المرادف للبطلان كما تقرر في ms2145 ~~الأصول، وحكي في الفتح عن مالك في المشهور عنه الفرق بين الجزاف وغيره، ~~فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتجوا بأن الجزاف ~~يرى فيكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وقد روى ~~أحمد من حديث ابن عمر مرفوعا: # من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه ورواه أبو داود والنسائي ~~بلفظ: نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه كما ذكر المصنف. # وللدارقطني من حديث جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع ~~الطعام حتى يجزي فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري ونحوه للبزار من ~~حديث أبي هريرة قال في الفتح بإسناد حسن، قالوا: وفي ذلك دليل على أن القبض ~~إنما يكون شرطا في المكيل والموزون دون الجزاف، واستدل الجمهور بإطلاق ~~أحاديث الباب وبنص حديث ابن عمر، فإنه صرح فيه بأنهم كانوا يبتاعون جزافا ~~الحديث. ويدل لما قالوا حديث حكيم بن حزام المذكور لأنه يعم كل مبيع، ويجاب ~~عن حديث ابن عمر وجابر اللذين احتج بهما مالك ومن معه بأن التنصيص على كون ~~الطعام المنهي عن بيعه مكيلا أو موزونا لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في غيره، ~~نعم لو لم يوجد في الباب إلا أحاديث التي فيها إطلاق لفظ الطعام لأمكن أن ~~يقال: إنه يحمل المطلق على المقيد بالكيل والوزن، وأما بعد التصريح بالنهي ~~عن بيع الجزاف قبل قبضه كما في حديث ابن عمر فيحتم المصير إلى أن حكم ~~الطعام متحد من غير فرق بين الجزاف وغيره ورجح صاحب ضوء النهار أن هذا ~~الحكم أعني تحريم بيع الشئ قبل قبضه مختص بالجزاف دون المكيل والموزون ~~وسائر المبيعات من غير الطعام وحكي هذا عن مالك ويجاب عنه بما تقدم من ~~إطلاق الطعام والتصريح بما هو أعم منه كما في حديث حكيم، والتنصيص على ~~تحريم بيع المكيل من الطعام والموزون كما في حديث ابن عمر وجابر، وما حكاه ~~عن مالك خلاف ما حكاه عنه غيره فإن صاحب الفتح حكى عنه ms2146 ما تقدم وهو مقابل ~~لما حكاه عنه. وكذلك روي عن مالك ما يخالف ذلك ابن دقيق العيد وابن القيم ~~وابن PageV05P257 # رشد في بداية المجتهد وغيرهم، وقد سبق صاحب ضوء النهار إلى هذا المذهب ~~ابن المنذر، ولكنه لم يخصص بعض الطعام دون بعض بل سوى بين الجزاف وغيره، ~~ونفي اعتبار القبض عن غير الطعام وقد حكى ابن القيم في بدائع الفوائد عن ~~أصحاب مالك كقول ابن المنذر: ويكفي في رد هذا المذهب حديث حكيم فإنه يشمل ~~بعمومه غير الطعام، وحديث زيد بن ثابت فإنه مصرح بالنهي في السلع، وقد ~~استدل من خصص هذا الحكم بالطعام بما في البخاري من حديث ابن عمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم اشترى من عمر بكرا كان ابنه راكبا عليه وهبه لابنه ~~قبل قبضه ويجاب عن هذا بأنه خارج عن محل النزاع، لأن البيع معاوضة بعوض، ~~وكذلك الهبة إذا كانت بعوض، وهذه الهبة الواقعة من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ليست على عوض، وغاية ما في الحديث جواز التصرف في المبيع قبل ~~قبضه بالهبة بغير عوض، ولا يصح الالحاق للبيع وسائر التصرفات بذلك، لأنه مع ~~كونه فاسد الاعتبار قياس مع الفارق، وأيضا قد تقرر في الأصول أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا أمر الأمة أو نهاها أمرا أو نهيا خاصا بها ثم فعل ~~ما يخالف ذلك ولم يقم دليل يدل على التأسي في ذلك الفعل بخصوصه كان مختصا ~~به، لأن هذا الامر أو النهي الخاصين بالأمة في مسألة مخصوصة هما أخص من ~~أدلة التأسي العامة مطلقا فيبنى العام على الخاص وذهب بعض المتأخرين إلى ~~تخصيص التصرف الذي نهى عنه قبل القبض بالبيع دون غيره. قال: فلا يحل البيع ~~ويحل غيره من التصرفات، وأراد بذلك الجمع بين أحاديث الباب وحديث شرائه صلى ~~الله عليه وآله وسلم للبكر، ولكنه يعكر عليه أن ذلك يستلزم إلحاق جميع ~~التصرفات التي بعوض وبغير بعوض بالهبة بغير عوض وهو إلحاق مع الفارق، وأيضا ~~إلحاقها بالهبة المذكورة دون ms2147 البيع الذي وردت بمنعه الأحاديث تحكم، والأولى ~~الجمع بإلحاق التصرفات بعوض بالبيع، فيكون فعلها قبل القبض غير جائز، ~~وإلحاق التصرفات التي لا عوض فيها بالهبة المذكورة وهذا هو الراجح، ولا ~~يشكل عليه ما قدمنا من أن ذلك الفعل مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~لأن ذلك إنما هو على طريق التنزل مع ذلك القائل بعد فرض أن فعله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يخالف ما دلت عليه أحاديث الباب، وقد عرفت أنه لا مخالفة ~~فلا اختصاص، ويشهد لما ذهبنا إليه إجماعهم على صحة الوقف والعتق قبل القبض، ~~ويشهد له أيضا PageV05P258 # ما علل به النهي فإنه أخرج البخاري عن طاوس قال: قلت: لابن عباس: كيف ~~ذاك؟ # قال: دراهم بدراهم والطعام مرجئا، استفهمه عن سبب النهي فأجابه بأنه إذا ~~باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم، ~~ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاوس: ألا تراهم ~~يبتاعون بالذهب والطعام مرجأ؟ وذلك لأنه إذا اشترى طعاما بمائة دينار ~~ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين ~~مثلا فكأنه اشترى بذهبه ذهبا أكثر منه، ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق ~~على ما كان من التصرفات بغير عوض، وهذا التعليل أجود ما علل به النهي، لأن ~~الصحابة أعرف بمقاصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن المنع من ~~كل تصرف قبل القبض من غير فرق بين ما كان بعوض وما لا عوض فيه لا دليل عليه ~~إلا الالحاق لسائر التصرفات بالبيع، وقد عرفت بطلان إلحاق ما لا عوض فيه ~~بما فيه عوض، ومجرد صدق اسم التصرف على جميع لا يجعله مسوغا للقياس عارف ~~بعلم الأصول. قوله: حتى يحوزها التجار إلى رحالهم فيه دليل على أنه لا يكفي ~~مجرد القبض، بل لا بد من تحويله إلى المنزل الذي يسكن فيه المشتري أو يضع ~~فيه بضاعته، وكذلك يدل على هذا قوله في الرواية الأخرى: حتى يحولوه ms2148 وكذلك ~~ما وقع في بعض طرق مسلم عن ابن عمر بلفظ: كنا نبتاع الطعام فبعث علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه ~~فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه وقد قال صاحب الفتح: إنه لا يعتبر الايواء ~~إلى الرحال لأن الامر به خرج مخرج الغالب، ولا يخفى أن هذه دعوى تحتاج إلى ~~برهان لأنه مخالفة لما هو الظاهر، ولا عذر لمن قال إنه يحمل المطلق على ~~المقيد من المصير إلى ما دلت عليه هذه الروايات: قوله: جزافا بتثليث الجيم ~~والكسر أفصح من غيره. وهو ما لم يعلم قدره على التفصيل. قال ابن قدامة: ~~يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا فإذا جهل البائع والمشتري قدرها. ~~قوله: ولا أحسب كل شئ إلا مثله استعمل ابن عباس القياس، ولعله لم يبلغه ~~النص المقتضي لكون سائر الأشياء كالطعام كما سلف. قوله: # حتى يكتاله قيل: المراد بالاكتيال القبض والاستيفاء كما في سائر ~~الروايات، ولكنه لما كان الأغلب في الطعام ذلك صرح بلفظ الكيل وهو خلاف ~~الظاهر كما عرفت، والظاهر أن من اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فلا يكون إلا ~~بالكيل PageV05P259 # أو الوزن، فإن قبضه جزافا كان فاسدا، وبهذا قال الجمهور، كما حكاه الحافظ ~~عنهم في الفتح ويدل عليه حديث اختلاف الصاعين. # باب النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان عن جابر قال: نهى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع ~~وصاع المشتري رواه ابن ماجة والدارقطني. # وعن عثمان قال: كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود يقال لهم بنو قينقاع ~~وأبيعه بربح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عثمان إذا ~~ابتعت فاكتل وإذا بعت فكل رواه أحمد والبخاري منه بغير إسناد كلام النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده ابن أبي ليلى، قال البيهقي: وقد ~~روي من وجه آخر (وفي الباب) عن أبي هريرة عند البزار ms2149 بإسناد حسن. وعن أنس ~~وابن عباس عند ابن عدي بإسنادين ضعيفين جدا كما قال الحافظ. وحديث عثمان ~~أخرجه عبد الرزاق، ورواه الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن الحسن عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. قال البيهقي: روي موصولا من أوجه إذا ضم ~~بعضها إلى بعض قوي. وقال في مجمع الزوائد: إسناده حسن، واستدل بهذه ~~الأحاديث على أن من اشترى شيئا مكايلة وقبضه ثم باعه إلى غيره لم يجز ~~تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا، وإليه ذهب الجمهور كما ~~حكاه في الفتح عنهم. قال وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا وقيل: إن ~~باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز الأول، والظاهر ما ذهب ~~إليه الجمهور من غير فرق بين بيع وبيع للأحاديث المذكورة في الباب التي ~~تفيد بمجموعها ثبوت الحجة، وهذا إنما هو إذا كان الشراء مكايلة، وأما إذا ~~كان جزافا فلا يعتبر الكيل المذكور عند أن يبيعه المشتري. # باب ما جاء في التفريق بين ذوي المحارم عن أبي أيوب قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: من PageV05P260 # فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة رواه أحمد ~~والترمذي. # وعن علي عليه السلام قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك له فقال: أدركهما ~~فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا رواه أحمد. وفي رواية: وهب لي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم غلامين أخوين فبعت أحدهما فقال لي: يا علي ما فعل ~~غلامك؟ فأخبرته فقال: رده رده رواه الترمذي وابن ماجة. وعن أبي موسى قال: ~~لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ ~~وأخيه رواه ابن ماجة والدارقطني. وعن علي عليه السلام أنه فرق بين جارية ~~وولدها فنهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ورد البيع رواه أبو ~~داود والدارقطني. # حديث أبي أيوب أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم وصححه وحسنه ms2150 الترمذي وفي ~~إسناده حي بن عبد الله المعافري وهو مختلف فيه، وله طريق أخرى عند البيهقي ~~وفيها انقطاع لأنها من رواية العلاء بن كثير الإسكندراني عن أبي أيوب ولم ~~يدركه. وله طريق أخرى عند الدارمي. وحديث أبي موسى إسناده لا بأس به، فإن ~~محمد بن عمر بن الهياج صدوق وطليق بن عمران مقبول. وحديث علي الأول رجال ~~إسناده ثقات كما قال الحافظ، وقد صححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان ~~والحاكم والطبراني وابن القطان، وحديثه الثاني هو من رواية ميمون بن أبي ~~شبيب عنه، وقد أعله أبو داود بالانقطاع بينهما، وأخرجه الحاكم وصحح إسناده ~~ورجحه البيهقي لشواهده. (وفي الباب) عن أنس عند ابن عدي بلفظ: لا يولهن ~~والد عن ولده وفي إسناده مبشر بن عبيد وهو ضعيف ورواه من طريق أخرى فيها ~~إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطاة، وقد تفرد به إسماعيل وهو ضعيف في غير ~~الشاميين. وعن أبي سعيد عند الطبراني بلفظ: لا توله والدة بولدها وأخرجه ~~البيهقي بإسناد ضعيف عن الزهري مرسلا (والأحاديث) المذكورة في الباب فيها ~~دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد وبين الأخوين، أما بين الوالدة ~~وولدها فقد حكي في البحر عن الامام يحيى أنه إجماع حتى يستغني الولد بنفسه، ~~وقد اختلف في انعقاد البيع فذهب الشافعي إلى أنه لا ينعقد. وقال أبو حنيفة ~~وهو قول للشافعي : إنه ينعقد. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يحرم التفريق ~~بين الأب والابن، PageV05P261 # وأجاب عليه صاحب البحر بأنه مقيس على الام، ولا يخفى أن حديث أبي موسى ~~المذكور في الباب يشمل الأب، فالتعويل عليه إن صح أولى من التعويل على ~~القياس، وأما بقية القرابة فذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه يحرم التفريق ~~بينهم قياسا، وقال الامام يحيى والشافعي: لا يحرم والذي يدل عليه النص هو ~~تحريم التفريق بين الاخوة، وأما بين ما عداهم من الأرحام فإلحاقه بالقياس ~~فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمفارقة مشقة، كما تحصل بالمفارقة بين الولد ~~والوالد، وبين الأخ وأخيه، فلا إلحاق لوجود ms2151 الفارق، فينبغي الوقوف على ما ~~تناوله النص، وظاهر الأحاديث أنه يحرم التفريق، سواء كان بالبيع أو بغيره ~~مما فيه مشقة تساوي التفريق بالبيع، إلا التفريق الذي لا اختيار فيه للمفرق ~~كالقسمة، والظاهر أيضا أنه لا يجوز التفريق بين من ذكر لا قبل البلوغ ولا ~~بعده، وسيأتي بيان ما استدل به على جوازه بعد البلوغ. # وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع أبي بكر أمره علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فغزونا فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا ~~فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من قتلنا، ~~ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في ~~إثرهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، ~~قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ~~ومعها ابنة لها من أحسن العرب وأجمله، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ~~ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، فلقيني النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله ~~لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، فسكت وتركني، حتى إذا كان من الغد لقيني في ~~السوق فقال: يا سلمة هب المرأة لله أبوك فقلت: هي لك يا رسول الله، قال: ~~فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم بتلك المرأة ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # قوله: فعرسنا التعريس النزول آخر الليل للاستراحة. قوله: شننا الغارة شن ~~الغارة هو إتيان العدو من جهات متفرقة. قال في القاموس: شن الغارة عليهم ~~صبها من كل وجه كأشنها. قوله: عنق أي جماعة من الناس قال في القاموس: العنق ~~بالضم وبضمتين. وكأمير وصرد الجيد ويؤنث الجمع أعناق والجماعة من الناس ~~والرؤساء. PageV05P262 # قوله: قشع من أدم أي نطع. قال في القاموس: القشع بالفتح الفر والخلق، ثم ~~قال: # ويثلث، والنطع أو قطعة من نطع. قوله: ms2152 فلم أكشف لها ثوبا كناية عن عدم ~~الجماع، وقد استدل بهذا الحديث على جواز التفريق وبوب عليه أبو داود بذلك، ~~لأن الظاهر أن البنت قد كانت بلغت، قال المصنف رحمه الله: وهو حجة في جواب ~~التفريق بعد البلوغ، وجواز تقديم القبول بصيغة الطلب على الايجاب في الهبة ~~ونحوها، وفيه أن ما ملكه المسلمون من الرقيق يجوز رده إلى الكفار في الفداء ~~اه. وقد حكي في الغيث الاجماع على جواز التفريق بعد البلوغ، فإن صح فهو ~~المستند لا هذا الحديث، لأن كون بلوغها هو الظاهر غير مسلم إلا أن يقال: ~~إنه حمل الحديث على ذلك للجمع بين الأدلة. وقد روي عن المنصور بالله ~~والناصر في أحد قوليه: إن حد تحريم التفريق إلى سبع، وقد استدل على جواز ~~التفريق بين البالغين بما أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت ~~بلفظ: لا تفرق بين الام وولدها قيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض ~~الجارية، وهذا نص على المطلوب صريح لولا أن في إسناده عبد الله بن عمرو ~~الواقفي وهو ضعيف، وقد رماه علي بن المديني بالكذب، ولم يروه عن سعيد بن ~~عبد العزيز غيره، وقد استشهد له الدارقطني بحديث سلمة المذكور، ولا شك أن ~~مجموع ما ذكر من الاجماع وحديث سلمة، وهذا الحديث منتهض للاستدلال به على ~~التفرقة بين الكبير والصغير. # باب النهي أن يبيع حاضر لباد عن ابن عمر قال: نهى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يبيع حاضر لباد رواه البخاري والنسائي. وعن جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم ~~من بعض رواه الجماعة إلا البخاري. وعن أنس قال: نهينا أن يبيع حاضر لباد، ~~وإن كان أخاه لأبيه وأمه متفق عليه. ولأبي داود والنسائي: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أباه وأخاه. وعن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تلقوا الركبان، ولا ~~يبع ms2153 حاضر لباد، فقيل لابن عباس: ما قوله PageV05P263 # لا يبع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: حاضر لباد الحاضر ساكن الحضر، والبادي ساكن البادية. قال في ~~القاموس: # الحضر والحاضرة والحضارة وتفتح خلاف البادية، والحضارة الإقامة في الحضر، ~~ثم قال: والحاضر خلاف البادي. وقال: البدو والبادية والبادات والبداوة خلاف ~~الحضر، وتبدى أقام بها، وتبادى تشبه بأهلها، والنسبة بداوي وبدوي وبدا ~~القوم خرجوا إلى البادية انتهى. قوله: دعوا الناس الخ في مسند أحمد من طريق ~~عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه حدثني أبي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح الرجل فلينصح له رواه ~~البيهقي من حديث جابر مثله. قوله: لا تلقوا الركبان سيأتي الكلام عليه. ~~قوله: # سمسارا بسينين مهملتين، قال في الفتح: وهو في الأصل القيم بالامر ~~والحافظ، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره. (وأحاديث الباب) تدل على ~~أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي من غير فرق بين أن يكون البادي قريبا له ~~أو أجنبيا، وسواء كان في زمن الغلاء أو لا، وسواء كان يحتاج إليه أهل البلد ~~أم لا، وسواء باعه له على التدريج أم دفعة واحدة. وقالت الحنفية: إنه يختص ~~المنع من ذلك بزمن الغلاء وبما يحتاج إليه أهل المصر، وقالت الشافعية ~~والحنابلة: إن الممنوع إنما هو أن يجئ البلد بسامة يريد بيعها بسعر الوقت ~~في الحال فيأتيه الحاضر فيقول: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من ~~هذا السعر، قال في الفتح: فجعلوا الحكم منوطا بالبادي ومن شاركه في معناه، ~~قالوا: وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فألحق به من شاركه في عدم ~~معرفة السعر من الحاضرين، وجعلت المالكية البداوة قيدا. وعن مالك: لا يلتحق ~~بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه، فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع ~~والأسواق فليسوا داخلين في ذلك. وحكى ابن المنذر عن الجمهور أن النهي ~~للتحريم إذا كان البائع ms2154 عالما والمبتاع مما تعم الحاجة إليه ولم يعرضه ~~البدوي على الحضري، ولا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص ~~بمجرد الاستنباط وقد ذكر ابن دقيق العيد فيه تفصيلا حاصله: أنه يجوز ~~التخصيص به حيث يظهر المعنى لا حيث يكون خفيا، فاتباع اللفظ أولى، ولكنه لا ~~يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقا، فالبقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، ~~فيكون بيع الحاضر للبادي محرما PageV05P264 # على العموم، وسواء كان بأجرة أم لا وروي عن البخاري أنه حمل النهي على ~~البيع بأجرة لا بغير أجرة فإنه من باب النصيحة. وروي عن عطاء ومجاهد وأبي ~~حنيفة أنه يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقا وتمسكوا بأحاديث النصيحة. وروي مثل ~~ذلك عن الهادي وقالوا: إن أحاديث الباب منسوخة، واستظهروا على الجواز ~~بالقياس على توكيل البادي للحاضر فإنه جائز، ويجاب عن تمسكهم بأحاديث ~~النصيحة بأنها عامة مخصصة بأحاديث الباب (فأن قيل) إن أحاديث النصيحة ~~وأحاديث الباب بينها عموم وخصوص من وجه لأن بيع الحاضر للبادي قد يكون على ~~غير وجه النصيحة، فيحتاج حينئذ إلى الترجيح من خارج، كما هو شأن الترجيح ~~بين العمومين المتعارضين، فيقال: المراد بيع الحاضر للبادي الذي جعلناه أخص ~~مطلقا هو البيع الشرعي بيع المسلم للمسلم الذي بينه الشارع للأمة، وليس بيع ~~الغش والخدع داخلا في مسمى هذا البيع الشرعي، كما أنه لا يدخل فيه بيع ~~الربا وغيره مما لا يحل شرعا، فلا يكون البيع باعتبار ما ليس بيعا شرعيا ~~أعم من وجه حتى يحتاج إلى طلب مرجح بين العمومين، لأن ذلك ليس هو البيع ~~الشرعي، ويجاب عن دعوى النسخ بأنها إنما تصح عند العلم بتأخر الناسخ ولم ~~ينقل ذلك. وعن القياس بأنه فاسد الاعتبار لمصادمته النص على أن أحاديث ~~الباب أخص من الأدلة القاضية بجواز التوكيل مطلقا فيبنى العام على الخاص ~~(واعلم) أنه كما لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي كذلك لا يجوز أن يشتري له، ~~وبه قال ابن سيرين والنخعي. وعن مالك روايتان، ويدل لذلك ما أخرجه أبو داود ~~عن أنس بن ms2155 مالك أنه قال: كان يقال لا بيع حاضر لباد وهي كلمة جامعة لا يبيع ~~له شيئا ولا يبتاع له شيئا، ولكن في إسناده أبو هلال محمد بن سليم الراسبي ~~وقد تكلم فيه غير واحد. وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن ابن سيرين قال: لقيت ~~أنس بن مالك فقلت: لا يبع حاضر لباد، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ ~~قال: نعم، قال محمد: صدق أنها كلمة جامعة، ويقوي ذلك العلة التي نبه عليها ~~صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإن ذلك ~~يحصل بشراء من لا خبرة له بالأثمان كما يحصل ببيعه، وعلى فرض عدم ورود نص ~~يقضي بالشراء حكمه حكم البيع فقد تقرر أن لفظ البيع يطلق على الشراء، وأنه ~~مشترك بينهما، كما أن لفظ الشراء يطلق على البيع لكونه مشتركا بينهما، ~~PageV05P265 # والخلاف في جواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه معروف في الأصول، ~~والحق الجواز إن لم يتناقضا. # باب النهي عن النجش عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى ~~أن يبيع حاضر لباد، وأن يتناجشوا. وعن ابن عمر قال: نهى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن النجش. # متفق عليهما. # قوله: النجش بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، قال في الفتح: وهو في ~~اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكان ليصاد، يقال: نجشت الصيد أنجشه بالضم ~~نجشا، وفي الشرع الزيادة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في ~~الاثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع، ~~كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك. وقال ابن ~~قتيبة: النجش الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد ناجش لأنه يختل الصيد ويحتال ~~له. قال الشافعي: النجش أن تحضر السلعة تباع فيعطى بها الشئ وهو لا يريد ~~شراءها ليقتدي به السوام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا ~~سومه. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في ~~البيع إذا وقع ms2156 على ذلك. ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك ~~البيع إذا وقع على ذلك، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور ~~عند الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعته، والمشهور عند المالكية في ~~مثل ذلك ثبوت الخيار وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة، والأصح عندهم صحة ~~البيع مع الاثم وهو قول الحنفية والهادوية، وقد اتفق أكثر العلماء على ~~تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقيد ابن عبد البر وابن حزم وابن العربي ~~التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، ووافقهم على ذلك بعض ~~المتأخرين من الشافعية، وهو تقييد للنص بغير مقتض للتقييد، وقد ورد ما يدل ~~على جواز لعن الناجش، فأخرج الطبراني عن ابن أبي أوفى مرفوعا الناجش آكل ~~ربا خائن ملعون وأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور موقوفا مقتصرين على ~~قوله: آكل الربا خائن. PageV05P266 # باب النهي عن تلقي الركبان عن ابن مسعود قال: نهى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن تلقي البيوع متفق عليه. وعن أبي هريرة قال نهى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها ~~بالخيار إذا ورد السوق رواه الجماعة إلا البخاري، وفيه دليل على صحة البيع. # في الباب عن ابن عمر عند الشيخين وعن ابن عباس عندهما أيضا قوله: نهى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلقي البيوع فيه دليل على أن التلقي ~~محرم، وقد اختلف في هذا النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ فقيل: يقتضي الفساد، ~~وقيل: لا وهو الظاهر، لأن النهي ههنا لأمر خارج وهو لا يقتضيه كما تقرر في ~~الأصول، وقد قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية وبعض الحنابلة وقال ~~غيرهم بعدم الفساد لما سلف. ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فصاحب السلعة ~~فيها بالخيار فإنه يدل على انعقاد البيع ولو كان فاسدا لم ينعقد، وقد ذهب ~~إلى الاخذ بظاهر الحديث الجمهور فقالوا: لا يجوز تلقي الركبان، واختلفوا هل ~~هو محرم أو مكروه فقط؟ # وحكى ms2157 ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه أجاز التلقي، وتعقبه الحافظ بأن الذي ~~في كتب الحنفية أنه يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلبس ~~السعر على الواردين اه‍. والتنصيص على الركبان في بعض الروايات خرج مخرج ~~الغالب في أن من يجلب الطعام يكون في الغالب راكبا، وحكم الجالب الماشي حكم ~~الراكب، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة المذكور فإن فيه النهي عن تلقي الجلب ~~من غير فرق. وكذلك حديث ابن مسعود المذكور، فإن فيه النهي عن تلقي البيوع. # قوله: الجلب بفتح اللام مصدر بمعنى اسم المفعول المجلوب، يقال: جلب الشئ ~~جاء به من بلد إلى بلد للتجارة. قوله: بالخيار اختلفوا هل يثبت له الخيار ~~مطلقا أو بشرط أن يقع له في البيع عين؟ ذهبت الحنابلة إلى الأول وهو الأصح ~~عند الشافعية وهو الظاهر، وظاهره أن النهي لأجل صنعة البائع وإزالة الضرر ~~عنه وصيانته ممن يخدعه. قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا ~~على نفع رب السلعة، وإلى PageV05P267 # ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي، قال: والحديث حجة للشافعي لأنه أثبت الخيار ~~للبائع لا لأهل السوق اه‍. وقد احتج مالك ومن معه بما وقع في رواية من ~~النهي عن تلقي السلع حتى تهبط الأسواق، وهذا لا يكون دليلا لمدعاهم، لأنه ~~يمكن أن يكون ذلك رعاية لمنفعة البائع، لأنها إذا هبطت الأسواق عرف مقدار ~~السعر فلا يخدع، ولا مانع من أن يقال: العلة في النهي مراعاة نفع البائع ~~ونفع أهل السوق. واعلم أنه لا يجوز تلقيهم للبيع منهم، كما لا يجوز للشراء ~~منهم، لأن العلة التي هي مراعاة نفع الجالب أو أهل السوق أو الجميع حاصلة ~~في ذلك، ويدل على ذلك ما في رواية للبخاري بلفظ: لا يبع فإنه يتناول البيع ~~لهم والبيع منهم، وظاهر النهي المذكور في الباب عدم الفرق بين أن يبتدئ ~~المتلقي الجالب بطلب الشراء أو البيع أو العكس، وشرط بعض الشافعية في النهي ~~أن يكون المتلقي هو الطالب، وبعضهم اشترط أن يكون المتلقي قاصدا لذلك، فلو ms2158 ~~خرج للسلام على الجالب أو للفرجة أو لحاجة أخرى فوجدهم فبايعهم لم يتناوله ~~النهي، ومن نظر إلى المعنى لم يفرق وهو الأصح عند الشافعي، وشرط الجويني في ~~النهي أن يكذب المتلقي في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل. وشرط ~~المتولي من أصحاب الشافعي أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول، وشرط ~~أبو إسحاق الشيرازي أن يخبرهم بكساد ما معهم، والكل من هذه الشروط لا دليل ~~عليه، والظاهر من النهي أيضا أنه يتناول المسافة القصيرة والطويلة وهو ظاهر ~~إطلاق الشافعية. وقال بعض المالكية: ميل. وقال بعضهم أيضا: فرسخان. وقال ~~بعضهم: يومان. وقال بعضهم: # مسافة قصر، وبه قال الثوري. وأما ابتداء التلقي فقيل: الخروج من السوق ~~وإن كان في البلد، وقيل: الخروج من البلد وهو قول الشافعية، وبالأول قال ~~أحمد وإسحاق والليث والمالكية. # باب النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه وسومه إلا في المزايدة عن ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا ~~يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له رواه أحمد. وللنسائي: لا بيع أحدكم على ~~بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر وفيه بيان أنه أراد بالبيع الشراء. وعن أبي ~~هريرة: أن النبي PageV05P268 # صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على ~~سومه. وفي لفظ: لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه متفق ~~عليه. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم باع قدحا وحلسا فيمن يزيد ~~رواه أحمد والترمذي. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا باللفظ الأول مسلم، وأخرجه أيضا البخاري في ~~النكاح بلفظ: نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب وأخرج نحو الرواية الثانية من ~~حديثه ابن خزيمة وابن الجارود والدارقطني وزادوا: إلا الغنائم والمواريث ~~وحديث أنس أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وحسنه الترمذي وقال: لا نعرفه إلا ~~من حديث الأخضر بن ms2159 عجلان عن أبي بكر الحنفي عنه، وأعله ابن القطان بجهل حال ~~أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه. ولفظ الحديث عند ~~أبي داود وأحمد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نادى على قدح وحلس لبعض ~~أصحابه، فقال رجل: هما علي بدرهم، ثم قال آخر: هما علي بدرهمين. وفيه: إن ~~المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة وقد تقدم. (وفي الباب) عن أبي هريرة عند ~~الشيخين، وعن عقبة بن عامر عند مسلم. قوله: لا يبيع الأكثر بإثبات الياء ~~على أن لا نافية، ويحتمل أن تكون ناهية وأشبعت الكسرة كقراءة من قرأ: * ~~(إنه من يتقي ويصبر) * (سورة يوسف، الآية: 90) وهكذا ثبتت الياء في بقية ~~ألفاظ الباب. قوله: إلا أن يأذن له يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين، ~~ويحتمل أن يختص بالأخير، والخلاف في ذلك وبيان الراجح مستوفى في الأصول، ~~ويدل على الثاني في خصوص هذا المقام رواية البخاري التي ذكرناها. قوله: لا ~~يخطب الرجل الخ سيأتي الكلام على الخطبة في النكاح إن شاء الله. قوله: ولا ~~يسوم صورته أن يأخذ شيئا ليشتريه فيقول المالك: رده لأبيعك خيرا منه بثمنه، ~~أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر، وإنما يمنع من ذلك بعد استقرار ~~الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك تصريحا فقال في الفتح: لا خلاف ~~في التحريم، وإن كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية. وقال ابن حزم: إن لفظ ~~الحديث لا يدل على اشتراط الركون، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع ~~التحريم في السوم، لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم ~~اتفاقا، كما حكاه في الفتح عن ابن عبد البر PageV05P269 # فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك. وأما صورة البيع على ~~البيع والشراء على الشراء فهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ ~~لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لاشتري منك بأزيد، قال في الفتح: وهذا ~~مجمع عليه. وقد اشترط بعض الشافعية في التحريم أن لا يكون ms2160 المشتري مغبونا ~~غبنا فاحشا، وإلا جاز البيع على البيع والسوم على السوم لحديث: الدين ~~النصيحة وأجيب عن ذلك بأن النصيحة لا تنحصر في البيع على البيع والسوم على ~~السوم، لأنه يمكن أن يعرفه أن قيمتها كذا فيجمع بذلك بين المصلحتين، كذا في ~~الفتح. وقد عرفت أن أحاديث النصيحة أعم مطلقا من الأحاديث القاضية بتحريم ~~أنواع من البيع فيبنى العام على الخاص، واختلفوا في صحة البيع المذكور، ~~فذهب الجمهور إلى صحته مع الاثم. وذهبت الحنابلة والمالكية إلى فساده في ~~إحدى الروايتين عنهم، وبه جزم ابن حزم. والخلاف يرجع إلى ما تقرر في الأصول ~~من أن النهي المقتضي للفساد هو النهي عن الشئ لذاته ولوصف ملازم لا لخارج. ~~قوله: وحلسا بكسر الحاء المهملة وسكون اللام كساء رقيق يكون تحت برذعة ~~البعير، قاله الجوهري. والحلس البساط أيضا، ومنه حديث : كن حلس بينك حتى ~~يأتيك يد خاطئة أو ميتة قاضية كذا في النهاية. قوله: # فيمن يزيد فيه دليل على جواز بيع المزايدة وهو البيع على الصفة التي ~~فعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سلف. وحكى البخاري عن عطاء أنه ~~قال: أدركت الناس لا يرون بأسا في بيع المغانم فيمن يزيد، ووصله ابن أبي ~~شيبة عن عطاء ومجاهد. وروى هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من ~~يزيد، وكذلك كانت تباع الأخماس. وقال الترمذي عقب حديث أنس المذكور: والعمل ~~على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأسا ببيع من يزيد في الغنائم ~~والمواريث. قال ابن العربي: لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن ~~الباب واحد والمعنى مشترك اه. ولعلهم جعلوا تلك الزيادة التي زادها ابن ~~خزيمة وابن الجارود والدارقطني قيدا لحديث أنس المذكور، ولكن لم ينقل أن ~~الرجل الذي باع عنه صلى الله عليه وآله وسلم القدح والحلس كانا معه من ~~ميراث أو غنيمة، فالظاهر الجواز مطلقا، إما لذلك وإما لالحاق غيرهما بهما، ~~ويكون ذكرهما خارجا مخرج الغالب، لأنهما الغالب على ما كانوا يعتادون البيع ~~فيه مزايدة، وممن قال ms2161 باختصاص الجواز بهما الأوزاعي PageV05P270 # وإسحاق. وروي عن النخعي أنه كره بيع المزايدة، واحتج بحديث جابر الثابت ~~في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في مدبر: من يشتريه مني؟ ~~فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم واعترضه الإسماعيلي فقال: ليس في ~~قصة المدبر بيع المزايدة، فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنا ثم يعطي ~~به غيره زيادة عليه، نعم يمكن الاستدلال له بما أخرجه البزار من حديث سفيان ~~بن وهب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن بيع المزايدة ولكن ~~في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. # باب البيع بغير إشهاد عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وكان من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المشي وأبطأ الاعرابي، فطفق رجال يعترضون الاعرابي فيساومونه بالفرس لا ~~يشعرون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتاعه، فنادى الاعرابي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: إن كنت مبتاعا هذه الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سمع نداء الاعرابي: أو ليس قد ابتعته ~~منك؟ قال الاعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # بلى قد ابتعته، فطفق الاعرابي يقول: هلم شهيدا، قال خزيمة: أنا أشهد أنك ~~قد ابتعته، فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خزيمة فقال: بم تشهد؟ ~~فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين رواه أحمد ~~والنسائي وأبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده عند أبي داود ثقات. ~~وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك. قوله: ابتاع فرسا قيل: هذا الفرس هو ~~المرتجز المذكور في أفراس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سمي بذلك ~~لحسن صهيله، كأنه بصهيله ينشد رجز الشعر الذي هو أطيبه وكان أبيض. وقيل: هو ~~الطرف بكسر الطاء، وقيل: هو النجيب. قوله: في أعرابي ms2162 قيل هو سواء بن الحرث. ~~وقال الذهبي: هو سواء بن قيس المحاربي. قوله: فاستتبعه السين للطلب أي أمره ~~أن يتبعه إلى مكانه كاستخدامه إذا أمره أن يخدمه، وفيه شراء السلعة وإن لم ~~يكن الثمن حاضرا، PageV05P271 # وجواز تأجيل البائع بالثمن إلى أن يأتي إلى منزله. قوله: فطفق بكسر الفاء ~~على اللغة المشهورة، وبفتحها على اللغة القليلة. قوله: بالفرس الباء زائدة ~~في المفعول لان المساومة تتعدى بنفسها، تقول: سمت الشئ. قوله: لا يشعرون ~~الخ، أي لم يقع من الصحابة السوم المنهي عنه بعد استقرار البيع، والنهي ~~إنما يتعلق بمن علم لأن العلم شرط التكليف. قوله: لا والله ما بعتك قيل: ~~إنما أنكر هذا الصحابي البيع وحلف على ذلك، لأن بعض المنافقين كان حاضرا، ~~فأمره بذلك وأعلمه أن البيع لم يقع صحيحا وأنه لا إثم عليه في الحلف على ~~أنه ما باعه، فاعتقد صحة كلامه لأنه لم يظهر له نفاقه، ولو علمه لما اغتر ~~به، وهذا وإن كان هو اللائق بحال من كان صحابيا، ولكن لا مانع من أن يقع ~~مثل ذلك من الذين لم يدخل حب الايمان في قلوبهم، وغير مستنكر أن يوجد في ~~ذلك الزمان من يؤثر العاجلة، فإنه قد كان بهذه المثابة جماعة منهم كما قال ~~تعالى: * (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) * (سورة آل عمران، ~~الآية: 152) والله يغفر لنا ولهم. قوله: هلم هلم بضم اللام وبناء الآخر على ~~الفتح لأنه اسم فعل، وشهيدا منصوب به، وهو فعيل بمعنى فاعل أي هلم شاهدا، ~~زاد النسائي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد ابتعته منك، فطفق ~~الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأعرابي وهما يتراجعان، ~~وطفق الاعرابي يقول: هلم شاهدا أني قد بعتكه. قوله: بم تشهد أي بأي شئ تشهد ~~على ذلك ولم تك حاضرا عند وقوعه. وفي رواية للطبراني: بم تشهد ولم تكن ~~حاضرا؟. (والحديث) استدل به المصنف على جواز البيع بغير إشهاد. قال ~~الشافعي: لو كان الاشهاد حتما لم يتبايع رسول الله صلى الله ms2163 عليه وآله وسلم ~~يعني الاعرابي من غير حضور شهادة، ومراده أن الامر في قوله تعالى: * ~~(وأشهدوا إذا تبايعتم) * (سورة البقرة، الآية: 282) ليس على الوجوب بل هو ~~على الندب، لأن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرينة صارفة للامر من ~~الوجوب إلى الندب. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: * (فإن أمن بعضكم ~~بعضا) * (سورة البقرة، الآية: 283) وقيل: محكمة والامر على الوجوب، قال ذلك ~~أبو موسى الأشعري وابن عمرو الضحاك وابن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وعطاء ~~والشعبي والنخعي وداود بن علي وابنه أبو بكر والطبري، قال الضحاك: هي عزيمة ~~من الله ولو على باقة بقل قال الطبري: # لا يحل لمسلم إذا باع أو اشترى أن يترك الاشهاد وإلا كان مخالفا لكتاب ~~الله. قال ابن العربي: وقول العلماء كافة أنه على الندب وهو الظاهر، وقد ~~ترجم أبو داود على PageV05P272 # هذا الحديث باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به. ~~وبه يقول شريح. وفي البخاري: أن مروان قضى بشهادة ابن عمر وحده، وأجاب عنه ~~الجمهور بأن شهادة ابن عمر كانت على جهة الاخبار، ويجاب أيضا عن شهادة ~~خزيمة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعلها بمثابة شهادة رجلين، فلا ~~يصح الاستدلال بها على قبول شهادة الواحد. وذكر ابن التين أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لخزيمة لما جعل شهادته بشهادتين: لا تعد أي تشهد على ما ~~لم تشاهده. وقد أجيب عن ذلك الاستدلال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إنما حكم على الاعرابي بعلمه، وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد. وقد ~~تمسك بهذا الحديث جماعة من أهل البدع، فاستحلوا الشهادة لمن كان معروفا ~~بالصدق على كل شئ ادعاه وهو تمسك باطل، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بمنزلة لا يجوز أن يحكم لغيره بمقاربتها فضلا عن مساواتها حتى يصح الالحاق. # أبواب بيع الأصول والثمار باب من باع نخلا مؤبرا عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من ابتاع ms2164 نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للذي باعها ~~إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط ~~المبتاع رواه ابن ماجة. وعن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قضى أن ثمرة النخل لمن أبرها إلا أن يشترط المبتاع، وقضى أن مال ~~المملوك لمن باعه إلا أن يشترط المبتاع رواه ابن ماجة وعبد الله بن أحمد في ~~المسند. # حديث عبادة في إسناده انقطاع، لأنه من رواية إسحاق بن يحيى بن الوليد بن ~~عبادة بن الصامت عن عبادة ولم يدركه. قوله: نخلا اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع ~~نخيل. قوله: بعد أن يؤبر التأبير التشقيق والتلقيح، ومعناه شق طلع النخلة ~~الأنثى ليذر فيها شئ من طلع النخلة الذكر. وفيه دليل على أن من باع نخلا ~~PageV05P273 # وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع، ~~ويدل بمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة تدخل في البيع وتكون للمشتري، ~~وبذلك قال جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعي وأبو حنيفة فقالا: تكون للبائع ~~قبل التأبير وبعده. # وقال ابن أبي ليلى: تكون للمشتري مطلقا، وكلا الاطلاقين مخالف لحديثي ~~الباب الصحيحين، وهذا إذا لم يقع شرط من المشتري بأنه اشترى الثمرة ولا من ~~البائع بأنه استثنى لنفسه الثمرة، فإن وقع ذلك كانت الثمرة للشارط من غير ~~فرق بين أن تكون مؤبرة أو غير مؤبرة. قال في الفتح: لا يشترط في التأبير أن ~~يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به. قوله: ~~إلا أن يشترط المبتاع أي المشتري بقرينة الإشارة إلى البائع بقوله: من باع ~~وظاهره أنه يجوز له أن يشترط بعضها أو كلها. وقال ابن القاسم: لا يجوز ~~اشتراط بعضها، ووقع الخلاف فيما إذا باع نخلا بعضه قد أبر وبعضه لم يؤبر ~~فقال الشافعي: الجميع للبائع. وقال أحمد: الذي قد أبر للبائع والذي لم يؤبر ~~للمشتري وهو الصواب. قوله: ومن ابتاع عبدا الخ فيه دليل على أن العبد إذا ~~ملكه سيده مالا ملكه، وبه ms2165 قال مالك والشافعي في القديم. وقال في الجديد ~~وأبو حنيفة والهادوية: أن العبد لا يملك شيئا أصلا. والظاهر الأول، لأن ~~نسبة المال إلى المملوك تقتضي أنه يملك، وتأويله بأن المراد أن يكون شئ في ~~يد العبد من مال سيده وأضيف إلى العبد للاختصاص والانتفاع لا للملك، كما ~~يقال: الجل للفرس خلاف الظاهر. واستدل بالحديثين على أن مال العبد لا يدخل ~~في البيع حتى الحلقة التي في أذنه، والخاتم الذي في أصبعه، والنعل التي في ~~رجله، والثياب التي على بدنه. # (وقد اختلف) في الثياب على ثلاثة أقوال: الأول أنه لا يدخل شئ منها وهو ~~الذي نسبه الماوردي إلى جميع الفقهاء وصححه النووي، قال الماوردي: لكن ~~العادة جارية بالعفو عنها فيما بين التجار. الثاني: أنها تدخل في مطلق ~~البيع للعادة، وبه قال أبو حنيفة، وكذلك قالت الهادوية في ثياب البذلة. ~~الثالث: يدخل قدر ما يستر العورة، والمذهب الأول هو الأولى، والتخصيص ~~بالعادة مذهب مرجوح. قوله: إن مال المملوك فيه التسوية بين العبد والأمة. ~~(واعلم) أن ظاهر حديثي الباب يخالف الأحاديث التي ستأتي في النهي عن بيع ~~الثمرة قبل صلاحها، لأنه يقضي بجواز بيع الثمرة قبل التأبير وبعده، قال في ~~الفتح: والجمع بين حديث التأبير وحديث النهي عن بيع الثمرة PageV05P274 # قبل بدو الصلاح سهل، وهو أن الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل، وحديث ~~النهي مستقلة، وهذا واضح جدا. اه‍. # باب النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه عن ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع ~~رواه الجماعة إلا الترمذي. وفي لفظ: نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع ~~السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وعن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتبايعوا الثمار حتى ~~يبدو صلاحها رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود، ~~وعن بيع ms2166 الحب حتى يشتد رواه الخمسة إلا النسائي. وعن أنس: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: وما تزهي؟ قال: ~~تحمر، وقال: إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك أخرجاه. # حديث أنس الأول أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححه. قوله: يبدو بغير همزة ~~أي يظهر، والثمار بالمثلثة جمع ثمرة بالتحريك وهي أعم من الرطب وغيره. # قوله: صلاحها أي حمرتها وصفرتها. وفي رواية لمسلم: ما صلاحه؟ قال: تذهب ~~عاهته. # (واختلف السلف) هل يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في ~~بستان من البلد مثلا جاز بيع جميع البساتين، أو لا بد من بدو الصلاح في كل ~~بستان على حدة، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة ~~على حدة على أقوال. والأول: قول الليث وهو قول المالكية بشرط أن يكون ~~متلاحقا. # والثاني: قول أحمد. والثالث: قول الشافعية. والرابع: رواية عن أحمد. ~~قوله: نهى البائع والمبتاع أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما ~~المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل. قوله: تزهو يقال: زها ~~النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته ، وأزهى يزهي إذا احمر أو اصفر، هكذا في الفتح. ~~وقال الخطابي: إنه لا يقال في النخل تزهو إنما يقال تزهي لا غير، وهذه ~~الرواية ترد عليه. قوله: عن بيع السنبل حتى PageV05P275 # يبيض بضم السين وسكون النون وضم الباء الموحدة سنابل الزرع. قال النووي: ~~معناه يشتد حبه وذلك بدو صلاحه. قوله: ويأمن العاهة هي الآفة تصيبه فيفسد، ~~لأنه إذا أصيب بها كان أخذ ثمنه من أكل أموال الناس بالباطل. وقد أخرج أبو ~~داود عن أبي هريرة مرفوعا: إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد وفي ~~رواية: رفعت العاهة عن الثمار النجم هو الثريا، وطلوعها صباحا يقع في أول ~~فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار. وأخرج ~~أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة: سألت ابن عمر ms2167 عن بيع الثمار ~~فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الثمار حتى تذهب ~~العاهة، قلت: ومتى ذلك؟ قال: حتى تطلع الثريا. قوله: حتى يسود زاد مالك في ~~الموطأ: فإنه إذا اسود ينجو من العاهة والآفة واشتداد الحب قوته وصلابته. ~~قوله: إذا منع الله الثمرة الخ، صرح الدارقطني بأن هذا مدرج من قول أنس ~~وقال رفعه خطأ، ولكنه قد ثبت مرفوعا من حديث جابر عند مسلم بلفظ: إن بعت من ~~أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك ~~بغير حق، وسيأتي، وفيه دليل على وضع الجوائح، لأن معناه: أن الثمر إذا تلف ~~كان الثمن المدفوع بلا عوض فكيف يأكله البائع بغير عوض؟ وسيأتي الكلام على ~~وضع الجوائح. (والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على أنه لا يجوز بيع الثمر ~~قبل بدو صلاحها. وقد اختلف في ذلك على أقوال، الأول: أنه باطل مطلقا وهو ~~قول ابن أبي ليلى والثوري، وهو ظاهر كلام الهادي والقاسم، قال في الفتح: # ووهم من نقل الاجماع فيه. الثاني: أنه إذا شرط القطع لم تبطل وإلا بطل ~~وهو قول الشافعي وأحمد ورواية عن مالك، ونسبه الحافظ إلى الجمهور، وحكاه في ~~البحر عن المؤيد بالله. الثالث: أنه يصح إن لم يشترط التبقية وهو قول أكثر ~~الحنفية، قالوا: # والنهي محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلا. وقد حكى صاحب البحر ~~الاجماع على عدم جواز بيع الثمر قبل خروجه. وحكي أيضا الاتفاق على عدم جواز ~~بيعه قبل صلاحه بشرط البقاء. وحكي أيضا عن الامام يحيى أنه خص جواز البيع ~~بشرط القطع الاجماع. وحكي عنه أيضا أنه يصح البيع بشرط القطع إجماعا، ولا ~~يخفى ما في دعوى بعض هذه الاجماعات من المجازفة. وحكي في البحر أيضا عن زيد ~~بن علي والمؤيد PageV05P276 # بالله والامام يحيى وأبي حنيفة والشافعي أنه يصح بيع الثمر قبل الصلاح ~~تمسكا بعموم قوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (سورة البقرة، الآية: 275) ~~قال أبو حنيفة: ويؤمر بالقطع، والمشهور من مذهب ms2168 الشافعي هو ما قدمنا، فأما ~~البيع بعد الصلاح فيصح مع شرط القطع إجماعا، ويفسد مع شرط البقاء إجماعا إن ~~جهلت المدة، كذا في البحر. قال الامام يحيى: فإن علمت صح عند القاسمية إذ ~~لا غرر. وقال المؤيد بالله: لا يصح للنهي عن بيع وشرط. (واعلم) أن ظاهر ~~أحاديث الباب وغيرها المنع من بيع الثمر قبل الصلاح، وأن وقوعه في تلك ~~الحالة باطل كما هو مقتضى النهي، ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع ~~قبل الصلاح فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الاجماع ~~على ذلك لا صحة لها لما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقا، ~~وقد عول المجوزون مع شرط القطع في الجواز على علل مستنبطة فجعلوها مقيدة ~~للنهي، وذلك مما لا يفيد من ليسمح بمفارقة النصوص لمجرد خيالات عارضة وشبه ~~واهية تنهار بأيسر تشكيك، فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقا، ~~وظاهر النصوص أيضا أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح، سواء شرط البقاء أم لم ~~يشرط، لأن الشارع قد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح، وما بعد الغاية ~~مخالف لما قبلها، ومن ادعى أن شرط البقاء مفسد فعليه الدليل، ولا ينفعه في ~~المقام ما ورد من النهي عن بيع وشرط، لأنه يلزمه في تجويزه للبيع قبل ~~الصلاح مع شرط القطع وهو بيع وشرط، وأيضا ليس كل شرط في البيع منهيا عنه، ~~فإن اشترط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهره إلى المدينة قد صححه الشارع ~~كما سيأتي، وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده، وتقدم أيضا جواز البيع مع ~~الشرط في النخل والعبد لقوله: إلا أن يشترط المبتاع، وأما دعوى الاجماع على ~~الفساد بشرط البقاء كما سلف فدعوى فاسدة، فإنه قد حكى صاحب الفتح عن ~~الجمهور أنه يجوز البيع بعد الصلاح بشرط البقاء، ولم يحك الخلاف في ذلك إلا ~~عن أبي حنيفة، وأما بيع الزرع أخضر وهو الذي يقال له القصيل فقال ابن رسلان ~~في شرح السنن: اتفق العلماء المشهورون على ms2169 جواز بيع القصيل بشرط القطع، ~~وخالف سفيان الثوري وابن أبي ليلى فقالا: لا يصح بيعه بشرط القطع، وقد اتفق ~~الكل على أنه لا يصح بيع القصيل من غير شرط القطع، وخالفه ابن حزم الظاهري ~~فأجاز بيعه بغير شرط تمسكا بأن النهي إنما ورد عن السنبل، قال: PageV05P277 # ولم يأت في منع بيع الزرع مذ نبت إلى أن يسنبل نص أصلا. وروي عن أبي ~~إسحاق الشيباني قال: سألت عكرمة عن بيع القصيل فقال: لا بأس، فقلت: إنه ~~يسنبل فكرهه اه. # كلام ابن رسلان. (والحاصل) أن الذي في الأحاديث النهي عن بيع الحب حتى ~~يشتد، وعن بيع السنبل حتى يبيض، فما كان من الزرع قد سنبل أو ظهر فيه الحب ~~كان بيعه قبل اشتداد حبه غير جائز، وأما قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل فإن ~~صدق على بيعه حينئذ أنه مخاضرة كما قال البعض أنها بيع الزرع قبل أن يشتد ~~لم يصح بيعه لورود النهي عن المخاضرة، كما تقدم في باب النهي عن بيوع ~~الغرر، لأن التفسير المذكور صادق على الزرع الأخضر قبل أن يظهر فيه الحب ~~والسنابل وهو الذي يقال له القصيل، ولكن الذي في القاموس أن المخاضرة بيع ~~الثمار قبل بدو صلاحها، وكذا في كثير من شروح الحديث، فلا يتناول الزرع لان ~~الثمار حمل الشجر كما في القاموس، وسيأتي في تفسير المحاقلة عند البعض ما ~~يرشد إلى أنها بيع الزرع قبل أن تغلظ سوقه، فإن صح ذلك فذاك، وإلا كان ~~الظاهر ما قاله ابن حزم من جواز بيع القصيل مطلقا. # وعن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة ~~والمزابنة والمعاومة والمخابرة وفي لفظ بدل المعاومة: وعن بيع السنين. وعن ~~جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. ~~وفي رواية: حتى يطيب. وفي رواية: حتى يطعم. وعن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء ~~عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة ~~والمخابرة، وأن يشتري النخل ms2170 حتى يشقه، والاشقاه أن يحمر أو يصفر أو يؤكل ~~منه شئ، والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة أن يباع ~~النخل بأوساق من الثمر، والمخابرة الثلث والربع وأشباه ذلك، قال زيد: قلت ~~لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: ~~نعم. متفق على جميع ذلك إلا الأخير فإنه ليس لأحمد. # قوله: المحاقلة قد اختلفت في تفسيرها، فمنهم من فسرها بما في الحديث ~~فقال: # هي بيع الحقل بكيل من الطعام معلوم، وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في ~~سنبله، والحقل الحرث وموضع الزرع. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل ~~أن تغلظ سوقه، وأخرج الشافعي في المختصر عن جابر أن المحاقلة أن يبيع الرجل ~~الرجل الزرع بمائة فرق PageV05P278 # من الحنطة. قال الشافعي: وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن ~~يكون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يكون من رواية من رواه. وفي ~~النسائي عن رافع بن خديج والطبراني عن سهل بن سعد أن المحاقلة مأخوذة من ~~الحقل جمع حقلة. قال الجوهري: وهي الساحات جمع ساحة. وفي القاموس: الحقل ~~قراح طيب يزرع فيه كالحقلة، ومنه لا ينبت البقلة إلا الحقلة. والزرع قد ~~تشعب ورقه وظهر وكثر، أو إذا استجمع خروج نباته أو ما دام أخضر وقد أحقل في ~~الكل، والمحاقل المزارع، والمحاقلة بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في ~~سنبله بالحنطة أو المزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر أو اكتراء الأرض ~~بالحنطة اه. وقال مالك: المحاقلة أن تكرى الأرض ببعض ما ينبت منها وهي ~~المخابرة، ولكنه يبعد هذا عطف المخابرة عليها في الأحاديث. # قوله: والمزابنة بالزاي والموحدة والنون. قال في الفتح: هي مفاعلة من ~~الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب الزبون ~~لشدة الدفع فيها. وقيل: للبيع المخصوص مزابنة كأن كل واحد من المتبايعين ~~يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع ~~البيع لفسخه، وأراد الآخر ms2171 دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع اه‍. وقد فسرت ~~بما في الحديث أعني بيع النخل بأوساق من التمر وفسرت بهذا، وبيع العنب ~~بالزبيب كما في الصحيحين، وهذا أصل المزابنة. وألحق الشافعي بذلك كل بيع ~~مجهول أو معلوم من جنس يجري الربا في نقده، وبذلك قال الجمهور. ووقع في ~~البخاري عن ابن عمر أن المزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد فلي وإن نقص ~~فعلي. وفي مسلم عن نافع: المزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب ~~بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا، وكذا في البخاري. وقال مالك: إنها ~~بيع كل شئ من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشئ مسمى من ~~الكيل وغيره، سواء كان يجري فيه الربا أم لا. قال ابن عبد البر: نظر مالك ~~إلى معنى المزابنة لغة وهي المدافعة. قال في الفتح: وفسر بعضهم المزابنة ~~بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه وهو خطأ، قال: والذي تدل عليه الأحاديث في ~~تفسيرها أولى. وقيل: إن المزابنة المزارعة. وفي القاموس: الزبن بيع كل ثمر ~~على شجرة بتمر كيلا. قال: والمزابنة بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر. وعن ~~مالك: كل جزاف لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه، أو بيع مجهول بمجهول من ~~جنسه، أو هي بيع المغابنة في PageV05P279 # الجنس الذي لا يجوز فيه الغين اه. قوله: والمعاومة هي بيع الشجر أعواما ~~كثيرة، وهي مشتقة من العام كالمشاهرة من الشهر. وقيل: هي اكتراء الأرض ~~سنين، وكذلك بيع السنين هو أن يبيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد، ~~وذلك لأنه بيع غرر لكونه بيع ما لم يوجد. وذكر الرافعي وغيره لذلك تفسيرا ~~آخر وهو أن يقول: بعتك هذا سنة على أنه إذا انقضت السنة فلا يبيع بيننا ~~وأرد أنا الثمن وترد أنت المبيع. قوله: # والمخابرة سيأتي تفسيرها والكلام عليها في كتاب المساقاة والمزارعة قوله: ~~حتى يطيب هذه الرواية وما بعدها من قوله حتى يطعم ينبغي أن يقيد بهما سائر ~~الروايات المذكورة. قوله: حتى يشقه بضم أوله ms2172 ثم شين معجمة ثم قاف. وفي ~~رواية للبخاري: # يشقح وهي الأصل والهاء بدل من الحاء، وإشقاح النخل احمراره واصفراره كما ~~في الحديث، والاسم الشقحة بضم الشين المعجمة وسكون القاف بعدها مهملة. (وقد ~~استدل) أحاديث الباب ونحوها على تحريم المحاقلة والمزابنة وما شاركهما في ~~العلة قياسا، وهي إما مظنة الربا لعدم علم التساوي أو الغرر، وعلى تحريم ~~بيع السنين، وعلى تحريم بيع الثمر قبل صلاحه، وقد تقدم الكلام عليه. وقد ~~وقع الاتفاق على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وعلى تحريم بيع ~~الحنطة في سنابلها بالحنطة منسلة، وعلى تحريم بيع العنب بالزبيب، ولا فرق ~~عند جمهور أهل العلم بين الرطب والعنب على الشجر، وبين ما كان مقطوعا ~~منهما، وجوز أبو حنيفة بيع الرطب المقطوع بخرصه من اليابس. # باب الثمرة المشتراة يلحقها جائحة عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وضع الجوائح رواه أحمد والنسائي وأبو داود. وفي لفظ لمسلم: أمر بوضع ~~الجوائح. وفي لفظ قال: # إن بعت من أخيك ثمرا فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ ~~مال أخيك بغير حق رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. # وفي الباب عن عائشة عند البيهقي بنحوه وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال ~~وهو ضعيف، ولكنه في الصحيحين عنها مختصر وعن أنس، وقد تقدم في باب بيع ~~الثمرة قبل بدو صلاحها. قوله: الجوائح جمع جائحة وهي الآفة التي ~~PageV05P280 # تصيب الثمار فتهلكها، يقال: جاحهم الدهر واجتاحهم بتقديم الجيم على الحاء ~~فيهما إذا أصابهم بمكروه عظيم، ولا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة، ~~وكذلك كل ما كان آفة سماوية، وأما ما كان من الآدميين كالسرقة ففيه خلاف، ~~منهم من لم يره جائحة لقوله في الحديث السابق عن أنس: إذا منع الله الثمرة. # ومنهم من قال: إنه جائحة تشبيها بالآفة السماوية. وقد اختلف أهل العلم في ~~وضع الجوائح إذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها وسلمها البائع للمشتري ~~بالتخلية ثم تلفت بالجائحة قبل أوان الجذاذ فقال الشافعي وأبو حنيفة وغيره ms2173 ~~من الكوفيين والليث: لا يرجع المشتري على البائع بشئ، قالوا: وإنما ورد وضع ~~الجوائح فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، فيحمل مطلق ~~الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس المتقدم. واستدل الطحاوي ~~على ذلك بحديث أبي سعيد: أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # تصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ~~ذلك. # أخرجه مسلم وأصحاب السنن. قال: فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار ~~بالعاهات ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثمن ممن باعها منه دل ~~على أن وضع الجوائح ليس على عمومه. وقال الشافعي في القديم: هي من ضمان ~~البائع، فيرجع المشتري عليه بما دفعه من الثمن، وبه قال أحمد وأبو عبيد ~~القاسم بن سلام وغيرهم، قال القرطبي: وفي الأحاديث دليل واضح على وجوب ~~إسقاط ما اجتيح من الثمرة عن المشتري، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لم ~~يثبت مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه من قول أنس، بل الصحيح ~~رفع ذلك من حديث جابر وأنس. وقال مالك: # إن أذهبت الجائحة دون الثلث لم يجب الوضع، وإن كان الثلث فأكثر وجب لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: الثلث والثلث كثير قال أبو داود: لم يصح في الثلث ~~شئ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو رأي أهل المدينة. والراجح الوضع ~~مطلقا من غير فرق بين القليل والكثير، وبين البيع قبل بدو الصلاح وبعده، ~~وما احتج به الأولون من حديث أنس المتقدم يجاب عنه بأن التنصيص على الوضع ~~مع البيع قبل الصلاح لا ينافي الوضع مع البيع بعده ولا يصلح مثله لتخصيص ما ~~دل على وضع الجوائح ولا لتقييده. وأما ما احتج به الطحاوي فغير صالح ~~للاستدلال به على محل النزاع، PageV05P281 # لأنه لا تصريح فيه بأن ذهاب ثمرة ذلك الرجل كان بعاهات سماوية، وأيضا عدم ~~نقل تضمين بائع الثمرة لا ms2174 يصلح للاستدلال به لأنه قد نقل ما يشعر بالتضمين ~~على العموم ، فلا ينافيه عدم النقل في قضية خاصة، وسيأتي أحاديث أبي سعيد ~~في كتاب التفليس، ويأتي في شرحه بقية الكلام على الوضع. # أبواب الشروط في البيع باب اشتراط منفعة المبيع وما في معناها عن جابر ~~أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: ولحقني النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فدعا لي وضربه فسار سيرا لم يسر مثله، فقال: بعنيه، ~~فقلت: لا، ثم قال: بعنيه فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي متفق عليه. # وفي لفظ لأحمد والبخاري: وشرطت ظهره إلى المدينة. # قوله: أعيا الإعياء التعب والعجز عن السير. قوله: بعنيه زاد في رواية ~~متفق عليها بوقية وفي أخرى: بخمس أواق. وفي أخرى أيضا بأوقيتين ودرهم أو ~~درهمين، وفي بعضها بأربعة دنانير. وفي بعضها بثمانمائة. وفي بعضها بعشرين ~~دينارا. وقد جمع بين هذه الروايات بما لا يخلو عن تكلف. واستدل بهذا على ~~جواز طلب البيع من المالك قبل عرض المبيع للبيع. قوله: حملانه بضم الحاء ~~المهملة والمراد الحمل عليه، وتمام الحديث في الصحيحين: فلما بلغت أتيته ~~بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت فأرسل في أثري فقال: أتراني ماكستك لا آخذ جملك ~~خذ جملك ودراهمك فهو لك وللحديث ألفاظ فيها اختلاف كثير وفي بعضها طول، وهو ~~يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب، وبه قال الجمهور، وجوزه مالك إذا ~~كانت مسافة السفر قريبة وحدها بثلاثة أيام. وقال الشافعي وأبو حنيفة ~~وآخرون: لا يجوز ذلك سواء قلت المسافة أو كثرت، واحتجوا بحديث النهي عن بيع ~~وشرط، وحديث النهي عن الثنيا، وأجابوا عن حديث الباب بأنه قصة عين تدخلها ~~الاحتمالات، ويجاب بأن حديث النهي عن بيع وشرط مع ما فيه من المقال هو أعم ~~من حديث الباب مطلقا فيبنى العام على PageV05P282 # الخاص. وأما حديث النهي عن الثنيا فقد تقدم تقييده بقوله: إلا أن يعلم. ~~وللحديث فوائد مبسوطة في مطولات شروح الحديث. # باب النهي عن جمع شرطين من ذلك عن عبد الله بن ms2175 عمر رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ~~ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك. رواه الخمسة إلا ابن ماجة فإن له منه: ~~ربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عندك قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # الحديث صححه أيضا ابن خزيمة والحاكم، وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا بلفظ: ~~لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع. وهو عند هؤلاء كلهم من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده، ووجد في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب عن عبد الله بن ~~عمر بدون واو والصواب إثباتها. وأخرجه ابن حزم في المحلى والخطابي في ~~المعالم والطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده بلفظ: نهي عن بيع وشرط وقد استغربه النووي وابن أبي ~~الفوارس. قوله: لا يحل سلف وبيع قال البغوي: المراد بالسلف هنا القرض. قال ~~أحمد: هو أن يقرضه قرضا ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه وهو فاسد، لأنه ~~إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن، وقد يكون السلف بمعنى السلم، وذلك مثل ~~أن يقول: أبيعك عبدي هذا بألف على أن تسلفني مائة في كذا وكذا، أو يسلم ~~إليه في شئ ويقول: إن لم يتهيأ المسلم فيه عندك فهو بيع لك، وفي كتب جماعة ~~من أهل البيت عليهم السلام أن السلف والبيع صورته أن يريد الشخص أن يشتري ~~السلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء، وعنده أن ذلك لا يجوز فيحتال فيستقرضه ~~الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة، والأولى تفسير الحديث بما تقتضيه ~~الحقيقة الشرعية أو اللغوية أو العرفية أو المجاز عند تعذر الحمل على ~~الحقيقة لا بما هو معروف في بعض المذاهب غير معروف في غيره، وقد عرفت ~~الكلام في جواز بيع الشئ بأكثر من سعر يومه لأجل النساء. قوله: ولا شرطان ~~في بيع قال البغوي: هو أن يقول: بعتك هذا العبد بألف PageV05P283 # نقدا أو بألفين نسيئة، ms2176 فهذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود فيه ~~باختلافهما، ولا فرق بين شرطين وشروط، وهذا التفسير مروي عن زيد بن علي ~~وأبي حنيفة، وقيل معناه أن يقول: بعتك ثوبي بكذا وعلى قصارته وخياطته فهذا ~~فاسد عند أكثر العلماء، وقال أحمد: إنه صحيح، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل ~~العلم فقال: # إن شرط في البيع شرطا واحدا صح، وإن شرط شرطين أو أكثر لم يصح، فيصح مثلا ~~أن يقول: بعتك ثوبي على أن أخيطه، ولا يصح أن يقول: على أن أقصره وأخيطه. ~~ومذهب الأكثر عدم الفرق بين الشرط والشرطين، واتفقوا على عدم صحة ما فيه ~~شرطان. قوله: ولا ربح ما لم يضمن يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها، ~~مثل أن يشتري متاعا ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع، فهذا البيع باطل ~~وربحه لا يجوز، لأن المبيع في ضمان البائع الأول، وليس في ضمان المشتري منه ~~لعدم القبض. قوله: ولا بيع ما ليس عندك قد قدمنا الكلام عليه في باب النهي ~~عن بيع ما لا يملكه. # باب من اشترى عبدا بشرط أن يعتقه عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة ~~للعتق فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه، ولم يذكر البخاري ~~لفظة أعتقيها. # قوله: بريرة هي بفتح الباء الموحدة وبراءين بينهما تحتية بوزن فعيلة ~~مشتقة من البربر وهو ثمر الأراك، وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة أي ~~مبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة أي بارة وكانت لناس من الأنصار كما وقع عند ~~أبي نعيم، وقيل لناس من بني هلال قاله ابن عبد البر. وقد ذكر المصنف رحمه ~~الله ههنا هذا الطرف من الحديث للاستدلال به على جواز البيع بشرط العتق، ~~وسيأتي الحديث بكماله قريبا. # قال النووي: قال العلماء: الشرط في البيع أقسام. أحدها: يقتضيه إطلاق ~~العقد كشرط تسليمه. الثاني: شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقا. ~~الثالث: اشتراط العتق في العبد وهو جائز عند الجمهور ms2177 لهذا الحديث. الرابع: ~~ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل. ~~PageV05P284 # باب أن من شرط الولاء أو شرطا فاسدا لغا وصح العقد عن عائشة قالت: دخلت ~~علي بريرة وهي مكاتبة فقالت: اشتريني فأعتقيني، قلت: نعم، قالت: لا يبيعوني ~~حتى يشترطوا ولائي، قلت: لا حاجة لي فيك، فسمع بذلك النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أو بلغه فقال: ما شأن بريرة؟ فذكرت عائشة ما قالت فقال: اشتريها ~~فأعتقيها ويشترطوا ما شاؤوا، قالت: فاشتريتها فأعتقتها، واشترط أهلها ~~ولاءها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا ~~مائة شرط. # رواه البخاري. ولمسلم معناه. وللبخاري في لفظ آخر: خذيها واشترطي لهم ~~الولاء فإنما الولاء لمن أعتق. وعن ابن عمر أن عائشة أرادت أن تشتري جارية ~~تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكر ت ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: لا يمنعك ذلك فإن الولاء لمن أعتق رواه البخاري ~~والنسائي وأبو داود، وكذلك مسلم لكن قال فيه عن عائشة جعله من مسندها. وعن ~~أبي هريرة قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها، فأبى أهلها إلا أن يكون ~~الولاء لهم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا يمنعك ~~ذلك فإن الولاء لمن أعتق رواه مسلم. # قوله: اشتريها في ذلك دليل على جواز بيع المكاتب إذا رضي ولو لم يعجز ~~نفسه، وبه قال أحمد وربيعة والأوزاعي والليث وأبو ثور ومالك والشافعي في ~~أحد قوليه، واختاره ابن جرير وابن المنذر وغيرهما على تفاصيل لهم في ذلك ~~كذا في الفتح، وإلى مثل ذلك ذهب الهادي وأتباعه. وقال أبو حنيفة والشافعي ~~في أصح القولين عنه وبعض المالكية أنه لا يجوز بيعه مطلقا، ويروى عن ابن ~~مسعود، وأجابوا عن حديث الباب بأن بريرة عجزت نفسها بدليل استعانتها لعائشة ~~كما في كثير من الروايات، ويجاب بأنه ليس في استعانتها لعائشة ما يستلزم ~~العجز. قوله: ويشترطوا ما شاؤوا فيه دليل على أن شرط البائع للعبد ms2178 أن يكون ~~الولاء له لا يصح بل الولاء لمن أعتق بإجماع المسلمين. قوله: وإن اشترطوا ~~مائة شرط قال النووي: أي لو شرطوا مائة مرة توكيدا فالشرط باطل، وإنما حمل ~~ذلك على التوكيد، لأن الدليل قد دل على بطلان PageV05P285 # جميع الشروط التي ليست في كتاب الله فلا حاجة إلى تقييدها قوله: واشترطي ~~لهم الولاء بالمائة، فإنها لو زاد عليها كان الحكم كذلك قوله واشترطي لهم ~~الولاء استشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وآله وسلم فاسد في البيع، ~~واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابي في ~~المعالم بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك، وعن الشافعي في الام الإشارة ~~إلى تضعيف هذه الرواية التي فيها الاذن بالاشتراط لكونه انفرد بها هشام بن ~~عروة دون أصحاب أبيه، وأشار غيره إلى أنه روي بالمعنى الذي وقع له وليس كما ~~ظن، وأثبت الرواية آخرون وقالوا: هشام ثقة حافظ، والحديث متفق على صحته فلا ~~وجه لرده، ثم اختلفوا في توجيه ذلك فقال الطحاوي: إن اللام في قوله: لهم ~~بمعنى على كقوله تعالى: * (وإن أسأتم فلها) * (سورة الإسراء، الآية: 7) وقد ~~أسند هذا البيهقي في المعرفة عن الشافعي، وجزم به الخطابي عنه وهو مشهور عن ~~المزني. وقال النووي: # إن هذا تأويل ضعيف، وكذلك قال ابن دقيق العيد، وقال آخرون: الامر في ~~قوله: # اشترطي للإباحة أي اشترطي لهم أولا فإن ذلك لا ينفعهم، ويقوي هذا قوله: # ويشترطوا ما شاؤوا وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كان أعلم ~~الناس أن اشتراط الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما ~~أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه أطلق الامر مريدا به التهديد ~~كقوله تعالى: * (اعملوا ما شئتم) * (سورة فصلت، الآية: 40) فكأنه قال: ~~اشترطي لهم الولاء فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم، ويؤيد هذا ما قاله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعد ذلك: ما بال رجال يشترطون شروطا الخ، فوبخهم بهذا القول ~~مشيرا إلى أنه قد تقدم منه بيان، ms2179 إبطاله، إذ لو لم يتقدم منه ذلك لبدأ ~~ببيان الحكم لا بالتوبيخ بعدم المقتضى له، إذ هم يتمسكون بالبراءة الأصلية، ~~وقال الشافعي: إنه أذن في ذلك لقصد أن يعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ~~ويرتدع به غيرهم، وكان ذلك من باب الأدب، وقيل معنى اشترطي اتركي مخالفتهم ~~فيما يشترطونه ولا تظهري، نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لتنجيز العتق لتشوف ~~الشرع إليه. وقال النووي: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه ~~القصة، وأن سببه المبالغة في الزجر عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو ~~كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه ~~من منع العمرة في أشهر الحج، ويستفاد منه ارتكاب أخف المفسدتين إذا استلزم ~~إزالة أشدهما، وتعقب بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن ~~دقيق العيد PageV05P286 # بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل. وقال ابن الجوزي ليس في الحديث أن اشتراط ~~الولاء والعتق كان مقارنا للعقد، فيحمل على أنه كان سابقا للعقد، فيكون ~~الامر بقوله: # اشترطي مجرد وعدو لا يجب الوفاء به، وتعقب باستبعاد أن يأمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم شخصا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد. وقال ابن ~~حزم: كان الحكم ثابتا لجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الامر ~~باشتراطه في الوقت الذي كان ذلك جائزا فيه، ثم نسخ بخطبته صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو بعيد قوله: # فإنما الولاء لمن أعتق فيه إثبات الولاء للمعتوه نفيه عما عداه كما ~~تقتضيه، إنما الحصرية، واستدل بذلك على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل ~~أو وقع بينه وبين رجل محالفة ولا للملتقط، وسيأتي الكلام على بقية هذا ~~الحديث في كتاب العتق إن شاء الله تعالى. # باب شرط السلامة من الغبن عن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه يخدع في البيوع فقال: من بايعت فقل لا خلابة متفق عليه. ~~وعن أنس أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله ms2180 عليه وآله وسلم كان يبتاع وكان ~~في عقدته يعني في عقله ضعف، فأتى أهله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فدعاه ونهاه ~~فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع، فقال: إن كنت غير تارك للبيع فقل ~~ها وها ولا خلابة رواه الخمسة وصححه الترمذي. وفيه صحة الحجر على السفيه ~~لأنهم سألوه إياه وطلبوه منه وأقرهم عليه، ولو لم يكن معروفا عندهم لما ~~طلبوه ولا أنكر عليهم. وعن ابن عمر أن منقذا سفع في رأسه في الجاهلية ~~مأمومة فخبلت لسانه، فكان إذا بايع يخدع في البيع، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: بايع وقل لا خلابة، ثم أنت بالخيار ثلاثا، قال ابن ~~عمر: فسمعته يبايع ويقول: لا خذابة لا خذابة رواه الحميدي في مسنده فقال: ~~حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر فذكره. وعن محمد بن يحيى ~~بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمر، وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت ~~PageV05P287 # لسانه وكان لا يدع على ذلك التجارة فكان لا يزال يغبن، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فقال: إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة، ثم ~~أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها ~~على صاحبها رواه البخاري في تاريخه وابن ماجة والدارقطني. # حديث أنس أخرجه أيضا الحاكم. وحديث ابن عمر الثاني أخرجه أيضا البخاري في ~~تاريخه والحاكم في مستدركه وفي إسناده محمد بن إسحاق (وفي الباب) عن عمر بن ~~الخطاب عند الشافعي وابن الجارود والحاكم والدارقطني وفيه أن الرجل اسمه ~~حبان بن منقذ، أخرجه أيضا عنه الدارقطني والطبراني في الأوسط، وقيل: # إن القصة لمنقذ والد حبان كما في حديث الباب. قال النووي: وهو الصحيح وبه ~~جزم عبد الحق، وجزم ابن الطلاع بأنه حبان بن منقذ، وتردد الخطيب في ~~المبهمات وابن الجوزي في التنقيح، قال ابن الصلاح: وأما ms2181 رواية الاشتراط ~~فمنكرة لا أصل لها. قوله: # لا خلابة بكسر المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة، قال العلماء: لقنه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا القول ليتلفظ به عند البيع فيطلع به ~~صاحبه، على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة ويرى له ~~ما يرى لنفسه، والمراد أنه إذا ظهر غبن رد الثمن واسترد المبيع، واختلف ~~العلماء في هذا الشرط هل كان خاصا بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا ~~شرط؟ فعند أحمد ومالك في رواية عنه والمنصور بالله والامام يحيى أنه يثبت ~~الرد لكل من شرط هذا الشرط، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع، ~~وقيده بعضهم بكون الغبن فاحشا وهو ثلث القيمة عنده، قالوا: بجامع الخدع ~~الذي لأجله أثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الرجل الخيار، وأجيب ~~بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي ~~كان في عقله كما في حديث أنس المذكور، فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك ~~بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كان إذا غبن يشهد رجل من الصحابة ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعله بالخيار ثلاثا فيرجع في ذلك، ~~وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل ~~مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ~~ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور وهو الحق، واستدل بهذه القصة على ~~ثبوت الخيار لمن قال PageV05P288 # لا خلابة، سواء غبن أم لا، وسواء وجد غشا أو عيبا أم لا، ويؤيده حديث ابن ~~عمر الآخر، والظاهر أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجدت خلابة لا إذا لم توجد، ~~لأن السبب الذي ثبت الخيار لأجله هو وجود ما نفاه منها، فإذا لم يوجد فلا ~~خيار، واستدل بذلك أيضا على جواز الحجر للسفه كما أشار إليه المصنف وغيره ~~وهو استدلال صحيح، لكن بشرط أن يطلب ذلك ms2182 من الامام أو الحاكم قرابة من كان ~~في تصرفه سفه كما في حديث أنس. قوله: في عقدته العقدة العقل كما يشعر بذلك ~~التفسير المذكور في الحديث، وفي التلخيص: العقدة الرأي، وقيل: هي العقدة في ~~اللسان كما يشعر بذلك ما في رواية ابن عمر أنها خبلت لسانه، وكذلك قوله: ~~فكسرت لسانه وعدم إفصاحه بلفظ الخلابة حتى كان يقول لا خذابة بإبدال اللام ~~ذالا معجمة. وفي رواية لمسلم أنه كان يقول: لا خنابة بإبدال اللام نونا، ~~ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: * (واحلل عقدة من لساني) * (سورة طه، الآية: ~~27) ولم يذكر في القاموس إلا عقدة اللسان. قوله: سفع بالسين المهملة ثم ~~الفاء ثم العين المهملة أي ضرب، والمأمومة التي بلغت أم الرأس وهي الدماغ ~~أو الجلدة الرقيقة التي عليه. قوله: ثم أنت بالخيار ثلاثا استدل به على أن ~~مدة هذا الخيار ثلاثة أيام من دون زيادة، قال في الفتح: لأنه حكم ورد على ~~خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل الخيار في المصراة ~~ثلاثة أيام واعتبار الثلاث في غير موضع وأغرب بعض المالكية فقال: إنما قصره ~~على ثلاث لأن معظم بيعه كان في الرقيق وهذا يحتاج إلى دليل، ولا يكفي فيه ~~مجرد الاحتمال انتهى. # قوله: وعن محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء المهملة وهو غير صاحب الصحيح ~~المعروف بابن حبان بكسر الحاء. # باب إثبات خيار المجلس عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا ~~بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما. وعن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، وربما ~~قال: أو يكون بيع PageV05P289 # الخيار. وفي لفظ: إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ~~وكان جميعا، أو يخبر أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك ~~فقد وجب البيع، وإن تفرقا ms2183 بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب ~~البيع متفق على ذلك كله. وفي لفظ: كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا ~~بيع الخيار متفق عليه أيضا. وفي لفظ: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على ~~صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. وفي لفظ: إذا تبايع المتبايعان بالبيع ~~فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا ~~كان بيعهما عن خيار فقد وجب، قال نافع: وكان ابن عمر رحمه الله إذا بايع ~~رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنية ثم رجع أخرجاهما. # قوله: البيعان بتشديد التحتانية يعني البائع والمشتري، والبيع هو البائع ~~أطلق على المشتري على سبيل التغليب، أو لأن كل واحد من اللفظين يطلق على ~~الآخر كما سلف. قوله: بالخيار بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار أو ~~التخيير، وهو طلب خير الامرين من إمضاء البيع أو فسخه، والمراد بالخيار هنا ~~خيار المجلس. قوله: # ما لم يفترقا قد اختلف هل المعتبر التفرق بالأبدان أو بالأقوال، فابن عمر ~~حمله على التفرق بالأبدان كما في الرواية المذكورة عنه في الباب، وكذلك ~~حمله أبو برزة الأسلمي حكى ذلك عنه أبو داود قال صاحب الفتح: ولا يعلم لهما ~~مخالف من الصحابة، قال أيضا: ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة أنه يقال: افترقا ~~بالكلام، وتفرقا بالأبدان، ورده ابن العربي بقوله: * (وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب) * (سورة البينة، الآية: 4) فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لأنه ~~بالاعتقاد، وأجيب بأنه من لازمه في الغالب، لأن من خالف آخر في عقيدته كان ~~مستدعيا لمفارقته إياه ببدنه، ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق حمل كلام ~~الفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعا ~~انتهى. ويؤيد حمل التفرق على تفرق الأبدان ما رواه البيهقي من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: حتى يتفرقا من مكانهما وروايات حديث الباب بعضها ~~بلفظ التفرق وبعضها بلفظ الافتراق كما عرفت، فإذا كانت حقيقة كل واحد منهما ~~مخالفة لحقيقة الآخر ms2184 كما سلف فينبغي أن يحمل أحدهما على المجاز توسعا، وقد ~~دل الدليل على إرادة حقيقة التفرق بالأبدان، فيحمل ما دل على PageV05P290 # التفرق بالأقوال على معناه المجازي، ومن الأدلة الدالة على إرادة التفرق ~~بالأبدان قوله في حديث ابن عمر المذكور: ما لم يتفرقا وكانا جميعا وكذلك ~~قوله: وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع، ~~فإن فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن. قال الخطابي: وعلى هذا وجدنا أمر ~~الناس في عرف اللغة وظاهر الكلام، فإذا قيل: تفرق الناس كان المفهوم منه ~~التميز بالأبدان، قال: ولو كان المراد تفرق الأقوال كما يقول أهل الرأي ~~لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه، وذلك أن العلم محيط بأن المشتري ما لم ~~يوجد منه قبول المبيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره في ملكه ثابت قبل أن ~~يعقد البيع، وهذا من العلم العام الذي استقر بيانه، قال: وثبت أن المتابعين ~~هما المتعاقدان، والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين، ولا يقع ~~حقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم كقولهم: زان وسارق، وإذا كان كذلك فقد صح أن ~~المتبايعين هما المتعاقدان، وليس بعد العقد تفرق إلا التميز بالأبدان ~~انتهى. فتقرر أن المراد بالتفرق المذكور في الباب تفرق الأبدان، وبهذا تمسك ~~من أثبت خيار المجلس وهم جماعة من الصحابة منهم على صلوات الله عليه، وأبو ~~برزة الأسلمي وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين شريح ~~والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة، نقل ذلك عنهم البخاري. ونقل ابن ~~المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل ~~المدينة. وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم، وبالغ ابن حزم ~~فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين إلا النخعي وحده ورواية مكذوبة عن ~~شريح، والصحيح عنه القول به ومن أهل البيت بالباقر والصادق وزين العابدين ~~وأحمد بن عيسى والناصر والامام يحيى، نقل ذلك عنهم صاحب البحر. وحكاه أيضا ~~عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وذهبت المالكية إلا ابن حبيب والحنفية ~~كلهم ms2185 وإبراهيم النخعي إلى أنها إذا وجبت الصفقة فلا خيار، وحكاه صاحب البحر ~~عن الثوري والليث والامامية وزيد بن علي والقاسمية والعنبري. قال ابن حزم: ~~لا نعلم لهم سلفا إلا إبراهيم وحده، وهذا الخلاف إنما هو بعد التفرق ~~بالأقوال، وأما قبله فالخيار ثابت إجماعا كما في البحر. ولأهل القول الآخر ~~أجوبة عن الأحاديث القاضية بثبوت خيار المجلس، فمنهم من رده لكونه معارضا ~~لما هو أقوى منه نحو قوله تعالى: * (وأشهدوا إذا تبايعتم) * (سورة البقرة، ~~الآية: 282) قالوا: ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مفيدة لأن الاشهاد ~~PageV05P291 # إن وقع قبل التفرق لم يطابق الامر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلا. # وقوله تعالى: * (تجارة عن تراض) * (سورة النساء، الآية: 29) فإنها تدل ~~على أنه بمجرد الرضا يتم البيع. وقوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (سورة ~~المائدة، الآية: 1) لأن الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به ، ومن ~~ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: المسلمون على شروطهم والخيار بعد العقد ~~يفسد الشرط. ومنه حديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إلى ~~اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيا في رفع ~~العقد، لا يخفى أن هذه الأدلة على فرض شمولها لمحل النزاع أعم مطلقا، فيبنى ~~العام على الخاص، والمصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع غير جائز كما تقرر في ~~موضعه ومن أهل القول الثاني من أجاب عن أحاديث خيار المجلس بأنها منسوخة ~~بهذه الأدلة. قال في الفتح: ولا حجة في شئ من ذلك لأن النسخ لا يثبت ~~بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع ~~هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف انتهى. وأجاب بعضهم بأن ~~إثبات خيار المجلس مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده وهو ~~قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص. وأجاب بعضهم: بأن التفرق بالأبدان محمول ~~على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم، ويجاب عنه بأنه خلاف الظاهر، فلا ~~يصار إليه إلا لدليل، وهكذا يجاب عن قول من قال: إنه محمول ms2186 على الاحتياط ~~للخروج من الخلاف، وقيل: إنه يحمل التفرق المذكور في الباب على التفرق في ~~الأقوال، كما في عقد النكاح والإجارة. قال في الفتح: وتعقب بأنه قياس مع ~~ظهور الفارق، لأن البيع ينقل منه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر. ~~وقيل: المراد بالمتبايعين المتساومان، قال في الفتح: ورد بأنه مجاز، فالحمل ~~على الحقيقة أوما يقرب منها أولى. وقد احتج الطحاوي على ذلك بآيات وأحاديث ~~استعمل فيها المجاز، وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع ~~استعماله في كل موضع. قال البيضاوي: ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين: ~~لحمله التفرق على الأقوال، وحمله للمتبايعين على المتساومين، وأيضا فكلام ~~الشارع يصان عن الحمل عليه لأنه يصير تقديره: أن المتساومين إن شاءا عقد ~~البيع وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل حاصل لأن كل أحد يعرف ذلك. ولأهل القول ~~الآخر أجوبة غير هذه، فمنها ما سيأتي في آخر الباب، ومنها PageV05P292 # غيره، وقد بسطها صاحب الفتح وأجاب عن كل واحد منها، وقد ذكرنا هنا ما كان ~~تحتاج منها إلى الجواب وتركنا ما كان ساقطا، فمن أحب الاستيفاء فليرجع إلى ~~المطولات، وقد اختلف القائلون بأن المراد بالتفرق تفرق الأبدان هل له حد ~~ينتهي إليه أم لا؟ # والمشهور الراجح من مذاهب العلماء على ما ذكره الحافظ أن ذلك موكول إلى ~~العرف، فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا قوله: فإن صدقا وبينا ~~أي صدق البائع في إخبار المشتري وبين العيب إن كان في السلعة وصدق المشتري ~~في قدر الثمن وبين العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان ~~بمعنى واحد، وذكر أحدهما تأكيدا للآخر. قوله: محقت بركة بيعهما يحتمل أن ~~يكون على ظاهره، وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته وإن ~~كان مأجورا والكاذب مأزورا، ويحتمل أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس ~~بالعيب دون الآخر، ورجحه ابن أبي حمزة. قوله: أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ~~وربما قال: أو يكون بيع الخيار، قد اختلف العلماء ms2187 في المراد بقوله إلا بيع ~~الخيار، فقال الجمهور: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد ~~أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار ~~التفرق، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير، وقيل: هو استثناء من ~~انقطاع الخيار بالتفرق، والمراد بقوله: أو يخير أحدهما الآخر أي فيشترط ~~الخيا مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة، حكاه ~~ابن عبد البر عن أبي ثور ورجح الأول بأنه أقل في الاضمار، ولا يخفى أن قوله ~~في هذا الحديث: فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع معين ~~للاحتمال الأول، وكذلك قوله في الرواية الأخرى: فإذا كان بيعهما عن خيار ~~فقد وجب، وفي رواية للنسائي: إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع ~~عن خيار وجب البيع، وقيل: هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى: أو ~~خير أحدهما الآخر فيختار عدم ثبوت خيار المجلس فينتفي الخيار، قال الفتح: ~~وهذا أضعف هذه الاحتمالات، وقيل: المراد بذلك أنهما بالخيار ما لم يتفرقا ~~إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد ~~التفرق. قال في الفتح: وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده ما وقع في ~~رواية للبخاري بلفظ: إلا بيع الخيار أو يقول لصاحبه: اختر إن حملت، أو على ~~التقسيم لا على الشك. قوله: أو يخير بإسكان الراء عطفا على قوله: ما لم ~~يتفرقا ويحتمل PageV05P293 # نصب الراء على أن، أو بمعنى إلا أن كما قيل إنها كذلك في قوله أحدهما ~~لصاحبه اختر. قوله: قال نافع: وكان ابن عمر هو موصول بإسناد الحديث، ورواه ~~مسلم من طريق ابن جريج عن نافع وهو ظاهر في أن ابن عمر كان يذهب إلى أن ~~التفرق المذكور بالأبدان كما تقدم. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن ~~يفارقه خشية أن يستقبله ms2188 رواه الخمسة إلا ابن ماجة. ورواه الدارقطني. # وفي لفظ: حتى يتفرقا من مكانهما. وعن ابن عمرو قال: بعت من أمير المؤمنين ~~عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من ~~بيته خشية أن يرادني البيع وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ~~رواه البخاري. وفيه دليل على أن الرؤية حالة العقد لا تشترط بل تكفي الصفة ~~أو الرؤية المتقدمة. # حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا البيهقي وحسنه الترمذي، وفي الباب عن أبي ~~بزرة عند أبي داود وابن ماجة بإسناد رجاله ثقات: أن رجلا باع فرسا بغلام ثم ~~أقاما بقية يومهما وليلتهما يعني البائع والمشتري، فلما أصبح من الغد حضر ~~الرحيل فقام الرجل إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل ~~أن يدفعه إليه فقال: بيني وبينك أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فأتيا أبا برزة فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: البيعان ~~بالخيار ما لم يفترقا زاد في رواية أنه قال: ما أراكما افترقتما وفي الباب ~~أيضا عن سمرة عند النسائي ، وعن ابن عباس عند ابن حبان والحاكم والبيهقي، ~~وعن جابر عند البزار والحاكم وصححه. قوله: صفقة خيار بالرفع على إن كان ~~تامة وصفقة فاعلها، والتقدير: إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار، والنصب على ~~إن كان ناقصة واسمها مضمر وصفقة خبر، والتقدير: إلا أن تكون الصفقة صفقة ~~خيار، والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع أو ~~فسخه فاختار أحدهما تم البيع وإن لم يتفرقا كما تقدم: خشية أن يستقيله ~~بالنصب على أنه مفعول له، واستدل بهذا PageV05P294 # القائلون بعدم ثبوت خيار المجلس وقد تقدم ذكرهم، قالوا: لأن في هذا ~~الحديث دليلا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة، وأجيب بأن ~~الحديث حجة عليهم لا لهم، ومعناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن ~~يختار فسخ البيع، ms2189 فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع، وعلى هذا ~~حمله الترمذي وغيره من العلماء قالوا: ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له ~~خيار بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة ~~لأنها لا تختص بمجلس العقد، وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية ~~التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها ~~على الفسخ، وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمرء وحسن معاشرة ~~المسلم لا أن اختيار الفسخ حرام. قوله: رجعت على عقبي الخ، قيل: لعله لم ~~يبلغ ابن عمر حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب، ويمكن أن يقال إنه بلغه، ~~ولكنه عرف أنه لا يدل على التحريم كما تقدم. والمراد بقوله بالوادي وادي ~~القرى. # قوله: أن يرادني بتشديد الدال وأصله يراددني أي يطلب مني استرداده. قوله: # وكانت السنة الخ، يعني أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان وأنه فعل ~~يجب البيع ولا يبقى لعثمان خيار في فسخه. # أبواب الربا قال الزمخشري في الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما ~~كتبت الصلاة والزكاة، وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. وقال في الفتح: ~~الربا مقصور وحكي مده وهو شاذ، وهو من ربا يربو فيكتب بالألف، ولكن وقع في ~~خط المصاحف بالواو اه. قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز ~~تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو، فعلموهم الخط على صورة لغتهم، ~~قال: وكذا قرأه أبو سماك العدوي بالواو، وقرأه حمزة والكسائي بالإمالة بسبب ~~كسرة الراء، وقرأه الباقون بالتفخيم لفتحة الباء، قال: # ويجوز كتبه بالألف والواو والياء اه. وتثنيته ربوان، وأجاز الكوفيون ~~كتابة تثنيته بالياء بسبب الكسر في أوله وغلطهم البصريون. قال في الفتح: ~~وأصل الزيادة إما في نفس الشئ كقوله تعالى: * (اهتزت وربت) * (سورة الحج، ~~الآية: 5) وإما في مقابلة كدرهم بدرهمين فقيل: هو PageV05P295 # حقيقة فيهما. وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني زاد ابن سريج: إنه في ~~الثاني حقيقة شرعية، ويطلق الربا على كل مبيع محرم ms2190 اه. ولا خلاف بين ~~المسلمين في تحريم الربا وإن اختلفوا في تفاصيله. # باب التشديد فيه عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن آكل ~~الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه رواه الخمسة وصححه الترمذي، غير أن لفظ ~~النسائي: # آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة. وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: درهم ربا يأكله الرجل وهو ~~يعلم أشد من ست وثلاثين زنية رواه أحمد. # حديث ابن مسعود أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه، وأخرجه مسلم من حديث ~~جابر بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن آكل الربا وموكله ~~وشاهديه هم سواء. وفي الباب عن علي عليه السلام عند النسائي، وعن أبي جحفة ~~تقدم في أول البيع وحديث عبد الله بن حنظلة، وأخرجه أيضا الطبراني في ~~الأوسط والكبير، قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد له ~~حديث البراء عند ابن جرير بلفظ: الربا اثنان وستون بابا أدناها مثل إتيان ~~الرجل أمه وحديث أبي هريرة عند البيهقي بلفظ الربا سبعون بابا أدناها الذي ~~يقع على أمه. وأخرجه عنه جرير نحوه وكذلك أخرج عنه نحوه ابن أبي الدنيا، ~~وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم وصححه بلفظ: الربا ثلاثة وسبعون بابا ~~أيسرها مثل أن ينكح أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم. قوله: آكل الربا ~~بمد الهمزة ومؤكله بسكون الهمزة بعد الميم، ويجوز إبدالها واوا، أي ولعن ~~مطعمه غيره، وسمي آخذ المال آكلا ودافعه مؤكلا، لأن المقصود منه الاكل وهو ~~أعظم منافعه، وسببه إتلاف أكثر الأشياء. # قوله: وشاهديه رواية أبي داود بالافراد، والبيهقي وشاهديه أو شاهده. ~~قوله: # وكاتبه فيه دليل على تحريم كتابة الربا إذا علم ذلك، وكذلك الشاهد لا ~~يحرم عليه PageV05P296 # الشهادة إلا مع العلم، فأما من كتب أو شهد غير عالم فلا يدخل في الوعيد ~~(ومن جملة) ما يدل على تحريم كتابة الربا ms2191 وشهادته وتحليل الشهادة والكتابة ~~في غيره قوله تعالى: * (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * (سورة ~~البقرة، الآية: 282) وقوله تعالى: * (وأشهدوا إذا تبايعتم) * (سورة البقرة، ~~الآية: 282) فأمر بالكتابة والاشهاد فيما أحله، وفهم منه تحريمهما فيما ~~حرمه. قوله: أشد من ست وثلاثين الخ، يدل على أن معصية الربا من أشد ~~المعاصي، لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة ~~والشناعة بمقدار العدد المذكور بل أشد منها لا شك أنها قد تجاوزت الحد في ~~القبح، وأقبح منها استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم، ولهذا جعلها الشارع ~~أربى الربا، وبعد الرجل يتكلم بالكلمة التي لا يجد لها لذة ولا تزيد في ~~ماله ولا جاهه، فيكون إثمه عند الله أشد من إثم من زنى ستا وثلاثين زنية، ~~هذا ما لا يصنعه بنفسه عاقل، نسأل الله تعالى السلامة آمين آمين. # باب ما يجري فيه الربا عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على ~~بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا ~~تبيعوا منهما غائبا بناجز متفق عليه. # وفي لفظ: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، ~~والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد ~~أربى الآخذ والمعطى فيه سواء رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء رواه أحمد ~~ومسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الذهب بالذهب ~~وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: التمر ~~بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا ~~بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه رواه مسلم. وعن ~~فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms2192 قال: لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب إلا وزنا بوزن رواه مسلم والنسائي وأبو داود. PageV05P297 # قوله: الذهب بالذهب يدخل في الذهب جميع أنواعه من مضروب ومنقوش، وجيد ~~وردئ، وصحيح ومكسر، وحلي وتبر، وخالص ومغشوش. وقد نقل النووي وغيره الاجماع ~~على ذلك. قوله: إلا مثلا بمثل هو مصدر في موضع الحال، أي الذهب يباع بالذهب ~~موزونا بموزون، أو مصدر مؤكد أي يوزن وزنا بوزن. وقد جمع بين المثل والوزن ~~في رواية مسلم المذكورة. قوله: ولا تشفوا بضم أوله وكسر الشين المعجمة ~~وتشديد الفاء رباعي من أشف، والشف بالكسر الزيادة ويطلق على النقص والمراد ~~هنا لا تفضلوا. قوله: بناجز بالنون والجيم والزاي أي لا تبيعوا مؤجلا بحال. ~~ويحتمل أن يراد بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقا، مؤجلا كان ~~أو حالا، والناجز الحاضر. قوله: والفضة بالفضة يدخل في ذلك جميع أنواع ~~الفضة كما سلف في الذهب. قوله: والبر بالبر بضم الباء وهو الحنطة والشعير ~~بفتح أوله ويجوز الكسر وهو معروف، وفيه رد على من قال: إن الحنطة والشعير ~~صنف واحد، وهو مالك والليث والأوزاعي، وتمسكوا بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: الطعام بالطعام كما سيأتي، ويأتي الكلام على ذلك. قوله: # فمن زاد الخ، فيه التصريح بتحريم ربا الفضل وهو مذهب الجمهور للأحاديث ~~الكثيرة في الباب وغيرها فإنها قاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض ~~متفاضلا. وروي عن ابن عمر أنه يجوز ربا الفضل ثم رجع عن ذلك. وكذلك روي عن ~~ابن عباس واختلف في رجوعه فروى الحاكم أنه رجع عن ذلك لما ذكر له أبو سعيد ~~حديثه الذي في الباب واستغفر الله وكان ينهي عنه أشد النهي. وروي مثل ~~قولهما عن أسامة بن زيد وابن الزبير وزيد بن أرقم وسعيد بن المسيب وعروة بن ~~الزبير، واستدلوا على جواز ربا الفضل بحديث أسامة عند الشيخين وغيرهما ~~بلفظ: إنما الربا في النسيئة زاد مسلم في رواية عن ابن عباس: لا ربا فيما ~~كان يدا بيد وأخرج الشيخان والنسائي عن أبي المنهال قال: سألت زيد بن ms2193 أرقم ~~والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~بيع الذهب بالورق دينا وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف ~~فقال: إلا يدا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس، فأخبرت أبا سعيد فقال أو قال ~~ذلك إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه وله من وجه آخر عن أبي نضرة: سألت ابن عمر ~~وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا، وأني لقاعد عند أبي سعيد فسألته عن ~~الصرف فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فذكر الحديث قال: فحدثني ~~PageV05P298 # أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه فكرهه. قال في الفتح: واتفق العلماء ~~على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد. فقيل: إن ~~حديث أسامة منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: المعنى في قوله: لا ~~ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول ~~العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي ~~الأكمل لا نفي الأصل، وأيضا نفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو ~~بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة ~~على الربا الأكبر اه. ويمكن الجمع أيضا بأن يقال: مفهوم حديث أسامة عام ~~لأنه يدل على نفي ربا الفضل عن كل شئ، سواء كان من الأجناس المذكورة في ~~أحاديث الباب أم لا، فهو أعم منها مطلقا، فيخصص هذا المفهوم بمنطوقها. وأما ~~ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يدا بيد كما تقدم فليس ذلك ~~مرويا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا ~~الفضل منطوقه، ولو كان مرفوعا لما رجع ابن عباس واستغفر لما حدثه أبو سعيد ~~بذلك كما تقدم وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن ~~الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما ~~يدل على ms2194 تحريم ربا الفضل وقال: حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما لم أحفظ وروى عنه الحازمي أيضا أنه قال: كان ذلك برأيي، وهذا أبو ~~سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتركت رأيي إلى ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن ~~عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب لأنها أخص منه مطلقا. وأيضا ~~الأحاديث القاضية بتحريم ربا الفضل ثابتة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين ~~وغيرهما. # قال الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان ~~وأبي هريرة وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وفضالة بن عبيد وأبي بكرة ~~وابن عمر وأبي الدرداء وبلال اه. وقد ذكر المصنف بعض ذلك في كتابه هذا، ~~وأخرج الحافظ في التلخيص بعضها، فلو فرض معارضة حديث أسامة لها من جميع ~~الوجوه وعدم إمكان الجمع أو الترجيح بما سلف لكان الثابت عن الجماعة أرجح ~~من الثابت عن الواحد. قوله: ولا الورق بالورق بفتح الواو وكسر الراء ~~وبإسكانها على PageV05P299 # المشهور ويجوز فتحهما، كذا في الفتح وهو الفضة، وقيل: بكسر الواو ~~المضروبة وبفتحها المال. والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة. ~~قوله: إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء الجمع بين هذه الألفاظ لقصد ~~التأكيد أو للمبالغة. قوله: # إلا ما اختلفت ألوانه المراد أنهما اختلفا في اللون اختلافا يصير به كل ~~واحد منهما جنسا غير جنس مقابله، فمعناه معنى ما سيأتي من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم وسنذكر إن شاء الله ما يستفاد ~~منه. # وعن أبي بكرة قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الفضة بالفضة، ~~والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ~~ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا أخرجاه، وفيه دليل على جواز الذهب بالفضة ~~مجازفة. # وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الذهب ms2195 ~~بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ~~ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء متفق عليه. وعن عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الذهب بالذهب، والفضة ~~بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا ~~بمثل سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد رواه أحمد ومسلم وللنسائي وابن ماجة وأبي داود نحوه وفي آخره: ~~وأمرنا أن نبيع البر بالشعير، والشعير بالبر، يدا بيد كيف شئنا وهو صريح في ~~كون البر والشعير جنسين. وعن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل، وكان طعامنا يومئذ ~~الشعير رواه أحمد ومسلم. وعن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل ~~فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به رواه الدارقطني. # حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع ~~بن صبيح، وثقه أبو زرعة وغيره وضعفه جماعة. وقد أخرج هذا الحديث البزار ~~أيضا، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث. قوله: كيف ~~شئنا هذا الاطلاق مقيد بما في حديث عبادة من قوله: إذا كان يدا بيد فلا ~~PageV05P300 # يد في بيع بعض الربويات ببعض من التقابض ولا سيما في الصرف، وهو بيع ~~الدراهم بالذهب وعكسه فإنه متفق على اشتراطه. وظاهر هذا الاطلاق والتفويض ~~إلى المشيئة أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربوية ~~إذا بيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات غير صفة القبض، ويدخل في ~~ذلك بيع الجزاف وغيره. قوله: إلا هاء وهاء بالمد فيهما وفتح الهمزة، وقيل: ~~بالكسر، وقيل: بالسكون، وحكي القصر بغير همز، وخطأها الخطابي، ورد عليه ~~النووي وقال: # هي صحيحة لكن قليلة والمعنى: خذ وهات، وحكي بزيادة كاف مكسورة، ويقال هاء ms2196 ~~بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ. وقال ابن الأثير: هاء هاء هو أن ~~يقول كل واحد من البيعين هاء فيعطيه ما في يده، وقيل معناهما خذ وأعط، قال: ~~وغير الخطابي يجيز فيه السكون. وقال ابن مالك: هاء اسم فعل بمعنى خذ. وقال ~~الخليل: هاء كلمة تستعمل عند المناولة، والمقصود من قوله هاء وهاء أن يقول ~~كل واحد من المتعاقدين لصاحبه هاء فيتقابضان في المجلس، قال: فالتقدير لا ~~تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولا بين المتعاقدين هاء وهاء. قوله: فإذا اختلفت ~~هذه الأصناف الخ ظاهر هذا أنه لا يجوز بيع جنس ربوي بجنس آخر إلا مع القبض، ~~ولا يجوز مؤجلا ولو اختلفا في الجنس والتقدير كالحنطة والشعير بالذهب ~~والفضة، وقيل: يجوز مع الاختلاف المذكور، وإنما يشترط التقابض في الشيئين ~~المختلفين جنسا المتفقين تقديرا كالفضة بالذهب والبر بالشعير، إذ لا يعقل ~~التفاضل والاستواء إلا فيما كان كذلك، ويجاب بأن مثل هذا لا يصلح لتخصيص ~~النصوص وتقييدها، وكون التفاضل والاستواء لا يعقل في المختلفين جنسا ~~وتقديرا ممنوع، والسند أن التفاضل معقول لو كان الطعام يوزن أو النقود تكال ~~ولو في بعض الأزمان والبلدان، ثم إنه قد يبلغ ثمن الطعام إلى مقدار من ~~الدراهم كثير عند شدة الغلاء، بحيث يعقل أن يقال: الطعام أكثر من الدراهم ~~وما المانع من ذلك؟ وأما الاستدلال على جواز ذلك بحديث عائشة عند البخاري ~~ومسلم وغيرهما قالت: اشترى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يهودي ~~طعاما بنسيئة وأعطاه درعا له رهنا فلا يخفى أن غاية ما فيه أن يكون مخصصا ~~للنص المذكور لصورة الرهن، فيجوز في هذه الصورة لا في غيرها لعدم صحة إلحاق ~~ما لا عوض فيه عن الثمن بما فيه عوض عنه وهو الرهن، نعم إن صح الاجماع الذي ~~حكاه المغربي في شرح بلوغ المرام فإنه قال: وأجمع العلماء على PageV05P301 # جواز بيع الربوي بربوي، لا يشاركه في العلة متفاضلا أو مؤجلا، كبيع الذهب ~~بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل اه. كان ذلك هو الدليل ms2197 على ~~الجواز عند من كان يرى حجية الاجماع، وأما إذا كان الربوي يشارك مقابله في ~~العلة فإن كان بيع الذهب بالفضة أو العكس فقد تقدم أنه يشترط التقابض ~~إجماعا إن كان في غير ذلك من الأجناس، كبيع البر بالشعير أو بالتمر أو ~~العكس، فظاهر الحديث عدم الجواز، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه وابن علية: لا يشترط والحديث يرد عليه. وقد تمسك مالك بقوله: إلا ~~يدا بيد وبقوله الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، على أنه يشترط القبض في ~~الصرف عند الايجاب بالكلام، ولا يجوز التراخي ولو كان في المجلس. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: أن المعتبر التقابض في المجلس وإن تراخى عن ~~الايجاب، والظاهر الأول، ولكنه أخرج عبد الرزاق وأحمد وابن ماجة عن ابن ~~عمر: أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اشتر الذهب بالفضة فإذا ~~أخذت واحدا منهما فلا تفارق صاحبك وبينكما لبس فيمكن أن يقال: إن هذه ~~الرواية تدل على اعتبار المجلس. قوله: أن يبيع البر بالشعير الخ فيه كما ~~قال المصنف: تصريح بأن البر والشعير جنسان وهو مذهب الجمهور، وحكي عن مالك ~~والليث والأوزاعي كما تقدم أنهما جنس واحد، وبه قال معظم علماء المدينة، ~~وهو محكي عن عمر وسعد وغيرهما من السلف، وتمسكوا بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: الطعام بالطعام كما في حديث معمر بن عبد الله المذكور، ويجاب عنه بما ~~في آخر الحديث من قوله: وكان طعامنا يومئذ الشعير فإنه في حكم التقييد لهذا ~~المطلق، وأيضا التصريح بجواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كما في حديث عبادة، ~~وكذلك عطف أحدهما على الآخر كما في غيره من أحاديث الباب مما لا يبقى معه ~~ارتياب في أنهما جنسان (واعلم) أنه قد اختلف هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة ~~في الأحاديث غيرها فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء مع الاتفاق ~~في الجنس، وتحريم النساء فقط مع الاختلاف في الجنس والاتفاق في العلة؟ ~~فقالت الظاهرية: إنه لا يلحق بها غيرها في ذلك. وذهب من عداهم من ms2198 العلماء ~~إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة، ثم اختلفوا في العلة ما هي؟ # فقال الشافعي: هي الاتفاق في الجنس والطعم فيما عدا النقدين، وأما هما ~~فلا يلحق بهما غيرهما من الموزونات، واستدل على اعتبار الطعم بقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: الطعام بالطعام PageV05P302 # وقال مالك في النقدين كقول الشافعي: وفي غيرهما العلة الجنس والتقدير ~~والاقتيات. # وقال ربيعة: بل اتفاق الجنس ووجوب الزكاة. وقالت العترة جميعا: بل العلة ~~في جميعها اتفاق الجنس، والتقدير بالكيل والوزن، واستدلوا على ذلك بذكره ~~صلى الله عليه وآله وسلم للكيل والوزن في أحاديث الباب. ويدل على ذلك أيضا ~~حديث أنس المذكور، فإنه حكم فيه على كل موزون مع اتحاد نوعه وعلى كل مكيل ~~كذلك، بأنه مثل بمثل، فأشعر بأن الاتفاق في أحدهما مع اتحاد النوع موجب ~~لتحريم التفاضل بعموم النص لا بالقياس، وبه يرد على الظاهرية لأنهم إنما ~~منعوا من الالحاق لنفيهم للقياس. ومما يؤيد ذلك ما سيأتي في حديث أبي سعيد ~~وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الميزان مثل ما قال في ~~المكيل، على ما سيبينه المصنف إن شاء الله تعالى، وإلى مثل ما ذهبت إليه ~~العترة ذهب أبو حنيفة وأصحابه، كما حكى ذلك عنه المهدي في البحر، وحكى عنه ~~أنه يقول: العلة في الذهب الوزن، وفي الأربعة الباقية كونها مطعونة موزونة ~~أو مكيلة (والحاصل) أنه قد وقع الاتفاق بين من عدا الظاهرية بأن جزء العلة ~~الاتفاق في الجنس، واختلفوا في تعيين الجزء الآخر على تلك الأقوال، ولم ~~يعتبر أحد منهم العدد جزءا من العلة مع اعتبار الشارع له، كما في رواية من ~~حديث أبي سعيد: ولا درهمين بدرهم وفي حديث عثمان عند مسلم لا تبيعوا ~~الدينار بالدينارين. # وعن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعمل ~~رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ ~~الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع ~~بالدراهم، ms2199 ثم ابتع بالدراهم جنيبا. وقال في الميزان مثل ذلك رواه البخاري. # الحديث أخرجه أيضا مسلم. قوله: رجلا صرح أبو عوانة والدارقطني أن اسمه ~~سواد بن غزية بمعجمة فزاي فياء مشددة كعطية. قوله: جنيب بفتح الجيم وكسر ~~النون وسكون التحتية وآخره موحدة، اختلف في تفسيره فقيل: هو الطيب، وقيل: # الصلب. وقيل: ما أخرج منه حشفه ورديئه، وقيل: ما لا يختلط بغيره. وقال في ~~القاموس : أن الجنيب تمر جيد. قوله: بع الجمع بفتح الجيم وسكون الميم قال ~~في الفتح: هو التمر المختلط بغيره. وقال في القاموس: هو الدقل أو صنف من ~~التمر (والحديث) يدل على أنه لا يجوز PageV05P303 # بيع ردئ الجنس بجيده متفاضلا، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم ~~فيه، وأما سكوت الرواة عن فسخ البيع المذكور فلا يدل على عدم الوقوع إما ~~ذهولا وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم. وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: هذا هو الربا فرده، كما نبه على ذلك في الفتح. ~~وقد استدل أيضا بهذا الحديث على جواز بيع العينة لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمره أن يشتري بثمن الجمع جنيبا، ويمكن أن يكون بائع الجنيب منه ~~هو الذي اشترى منه الجمع، فيكون قد عادت إليه الدراهم التي هي عين ماله، ~~لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بأن يشتري الجنيب من غير من ~~باع منه الجمع، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم. قال في الفتح: وتعقب ~~بأنه مطلق والمطلق لا يشمل، فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به في غيرها، ~~فلا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن باع منه تلك السلعة بعينها ~~انتهى. وسيأتي الكلام على بيع العينة. قوله: وقال في الميزان مثل ذلك أي ~~مثل ما قال في المكيل من أنه لا يجوز بيع بعض الجنس منه ببعضه متفاضلا، وإن ~~اختلفا في الجودة والرداءة، بل يباع رديئه بالدراهم ثم يشترى بهذا الجيد، ~~والمراد بالميزان هنا الموزون. # قال المصنف رحمه الله: ms2200 وهو حجة في جريان الربا في الموزونات كلها لأن ~~قوله في الميزان أي في الموزون وإلا فنفس الميزان ليست من أموال الربا ~~انتهى. # باب في أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل عن جابر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل ~~المسمى من التمر رواه مسلم والنسائي، وهو يدل بمفهومه على أنه لو باعها ~~بجنس غير التمر لجاز. # قوله: الصبرة قال في القاموس: والصبرة بالضم ما جمع من الطعام بلا كيل ~~ووزن انتهى. قوله: لا يعلم كيلها صفة كاشفة للصبرة لأنه لا يقال لها صبرة ~~إلا إذا كانت مجهولة الكيل (والحديث) فيه دليل على أنه لا يجوز أن يباع جنس ~~بجنسه وأحدهما مجهول المقدار، لأن العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس شرط ~~لا يجوز البيع بدونه، ولا شك أن الجهل بكلا البدلين أو بأحدهما فقط مظنة ~~للزيادة والنقصان، PageV05P304 # وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، وتجنب هذه المظنة إنما يكون بكيل المكيل ~~ووزن الموزون من كل واحد من البدلين. # باب من باع ذهبا وغيره بذهب عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت قلادة يوم خيبر ~~باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ~~دينارا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا يباع حتى يفصل ~~رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه. وفي لفظ: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أتى بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة ~~دنانير، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا حتى تميز بينه وبينه، ~~فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا حتى تميز ~~بينهما، قال: فرده حتى ميز بينهما رواه أبو داود. # الحديث قال في التلخيص: له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا في ~~بعضها قلادة فيها خرز وذهب. وفي بعضها ذهب وجوهر. وفي بعضها خرز وذهب. وفي ~~بعضها خرز معلقة بذهب. وفي بعضها باثني عشر دينارا. وفي بعضها ms2201 بتسعة ~~دنانير. وفي أخرى بسبعة دنانير. وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت ~~بيوعا شهدها فضالة. قال الحافظ: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا ~~يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ~~ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب ~~الحكم بالاضطراب، وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات، ~~فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، فيكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة ~~انتهى. وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود. ~~قوله: ففصلتها بتشديد الصاد. # (الحديث) استدل به على أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ~~ذلك الغير ويميز عنه ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره، ومثله الفضة مع غيرها ~~بفضة، وكذلك سائر الأجناس الربوية لاتحادها في العلة وهي تحريم بيع الجنس ~~بجنسه متفاضلا. ومما يرشد إلى استواء الأجناس الربوية في هذا ما تقدم من ~~النهي PageV05P305 # عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر. وكذلك نهيه عن بيع التمر ~~بالرطب خرصا لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق، وكذلك في مثل مسألة ~~القلادة يتعذر الوقوف على التساوي من دون فصل، ولا يكفي مجرد الفصل، بل لا ~~بد من معرفة مقدار المفصول والمقابل له من جنسه. وإلى العمل بظاهر الحديث ~~ذهب عمر بن الخطاب وجماعة من السلف والشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحكم ~~المالكي. # وقالت الحنفية والثوري والحسن بن صالح والعترة أنه يجوز إذا كان الذهب ~~المنفرد أكثر من الذي في القلادة ونحوها لا مثله ولا دونه. وقال مالك: يجوز ~~إذا كان الذهب تابعا لغيره بأن يكون الثلث فما دون. وقال حماد بن أبي ~~سليمان: إنه يجوز بيع الذهب مع غيره بالذهب مطلقا، سواء كان المنفصل مثل ~~المتصل أو أقل أو أكثر، واعتذرت الحنفية ومن قال بقولهم عن الحديث بأن ~~الذهب كان أكثر من المنفصل، واستدلوا بقوله: ففصلتها فوجدت فيها أكثر من ~~اثني عشر دينارا، والثمن إما سبعة أو ms2202 تسعة، وأكثر ما روي أنه اثنا عشر. ~~وأجيب عن ذلك بما تقدم عن البيهقي من أن القصة التي شهدها فضالة كانت ~~متعددة، فلا يصح التمسك بما وقع في بعضها وإهدار البعض الآخر، وأجيب أيضا ~~بأن العلة هي عدم الفصل، وظاهر ذلك عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر ~~والغنيمة وغيرها، وبهذا يجاب عن الخطابي حيث قال: إن سبب النهي كون تلك ~~القلادة كانت من الغنائم مخافة أن يقع المسلمون في بيعها، وقد أجاب الطحاوي ~~عن الحديث بأنه مضطرب. قال السبكي: وليس ذلك باضطراب قادح، ولا ترد ~~الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك انتهى. وقد عرفت مما تقدم أنه لا اضطراب في محل ~~الحجة، والاضطراب في غيره لا يقدح فيه، وبهذا يجاب أيضا على ما قاله مالك. ~~وأما ما ذهب إليه حماد بن أبي سليمان فمردود بالحديث على جميع التقادير، ~~ولعله يعتذر عنه بمثل ما قال الخطابي أو لم يبلغه. قوله: حتى تميز بضم تاء ~~المخاطب في أوله وتشديد الياء المسكورة بعد الميم. قوله: إنما أردت الحجارة ~~يعني الخرز الذي في القلادة ولم أرد الذهب. PageV05P306 # باب مرد الكيل والوزن عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة رواه أبو داود والنسائي. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه أيضا البزار، وصححه ابن حبان ~~والدار قطني. وفي رواية لأبي داود عن ابن عباس مكان ابن عمر. قوله: المكيال ~~مكيال أهل المدينة الخ، فيه دليل على أنه يرجع عند الاختلاف في الكيل إلى ~~مكيال المدينة، وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة. أما مقدار ميزان مكة ~~فقال ابن حزم: بحثت غاية البحث عن كل من وثقت بتمييزه فوجدت كلا يقول: إن ~~دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من ~~الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون حبة وستة ~~أعشار حبة وعشر عشر حبة، فالرطل مائة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم ~~المذكور، وأما مكيال المدينة فقد قدمنا تحقيقه في الفطرة. ووقع ms2203 في رواية ~~لأبي داود من طريق الوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي قال: وزن ~~المدينة ومكيال مكة، والرواية المذكورة في الباب من طريق سفيان الثوري عن ~~حنظلة عن طاوس عن ابن عمر وهي أصح. وأما الرواية التي ذكرها أبو داود عن ~~ابن عباس فرواها أيضا للدارقطني من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن ~~حنظلة عن طاوس عن ابن عباس، ورواه من طريق أبي نعيم عن الثوري عن حنظلة عن ~~سالم بدل طاوس عن ابن عباس، قال الدارقطني: أخطأ أبو أحمد فيه. # باب النهي عن بيع كل رطب من حب أو تمر بيابسه عن ابن عمر قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان ~~نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه ~~بكيل طعام، نهى عن ذلك كله متفق عليه. ولمسلم في رواية وعن كل تمر بخرصه. # وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عن ~~PageV05P307 # اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، ~~فنهى عن ذلك رواه الخمسة وصححه الترمذي. # حديث سعد أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه، وصححه أيضا ابن ~~المديني، وأخرجه الدارقطني والبيهقي، وقد أعله جماعة منهم الطحاوي والطبري ~~وابن حزم وعبد الحق بأن في إسناده زيدا أبا عياش وهو مجهول. قال في ~~التلخيص: والجواب أن الدارقطني قال: إنه ثقة ثبت. وقال المنذري: وقد روى ~~عنه ثقات، واعتمده مالك مع شدة نقده. وقال الحاكم: لا أعلم أحدا طعن فيه. ~~قوله: عن المزابنة قد تقدم ضبطها في باب النهي عن بيع التمر قبل بدو صلاحه. ~~قوله: ثمر حائطه بالمثلثة وفتح الميم، قال في الفتح: والمراد به الرطب ~~خاصة. قوله: بتمر كيلا بالمثناة من فوق وسكون الميم والمراد بالكرم العنب، ~~قال في الفتح: وهذا أصل المزابنة، وألحق الجمهور بذلك كل بيع بمجهول أو ~~بمعلوم من جنس يجري ms2204 فيه الربا. قال: فأما من قال: # أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا مثلا فما زاد فلي وما نقص فعلي فهو من ~~القمار وليس من المزابنة، وتعقبه الحافظ بأنه قد ثبت في البخاري عن ابن عمر ~~تفسير المزابنة ببيع التمر بكيل إن زاد فلي وإن نقص فعلي قال: فثبت أن من ~~صور المزابنة هذه الصورة من القمار، ولا يلزم من كونها قمارا أن لا تسمى ~~مزابنة. قال: ومن صور المزابنة بيع الزرع بالحنطة بما أخرجه مسلم في تفسير ~~المزابنة عن نافع بلفظ: المزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب ~~بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا. وقد أخرج هذا الحديث البخاري كما ~~ذكره المصنف ههنا ولم ينفرد به مسلم، وقد قدمنا مثل هذا في باب النهي عن ~~بيع التمر قبل بدو صلاحه، وقدمنا أيضا ما فسر به مالك المزابنة. # قوله: أينقص الاستفهام ههنا ليس المراد به حقيقته أعني طلب الفهم، لأنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان عالما بأنه ينقص إذا يبس، بل المراد تنبيه ~~السامع بأن هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي، ومن المشعرات ~~بذلك الفاء في قوله: فنهى عن ذلك، ويستفاد من هذا عدم جواز بيع الرطب ~~بالرطب لان نقص كل واحد منهما لا يحصل العلم بأنه مثل نقص الآخر، وما كان ~~كذلك فهو مظنة للربا. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وجمهور أصحابه وعبد الملك بن ~~الماجشون وأبو حفص العكبري من الحنابلة، وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد في ~~المشهور عنه PageV05P308 # والمزني والروياني من أصحاب الشافعي إلى أنه يجوز. قال ابن المنذر: إن ~~العلماء اتفقوا على جواز ذلك إلا الشافعي، ويدل على عدم الجواز أن ~~الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري روى حديث ابن عمر بلفظ: نهى صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن بيع الثمرة بالثمرة وذلك يشمل بيع الرطب بالرطب. # باب الرخصة في بيع العرايا عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا ms2205 أصحاب ~~العرايا فإنه قد أذن لهم رواه أحمد والبخاري والترمذي وزاد فيه: وعن بيع ~~العنب بالزبيب وعن كل ثمر بخرصه. # وعن سهل بن أبي حثمة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع ~~الثمر بالتمر، ورخص في العرايا أن يشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبا متفق ~~عليه. # وفي لفظ: عن بيع الثمر بالتمر وقال ذلك الربا تلك المزابنة، إلا أنه رخص ~~في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها ~~رطبا متفق عليه. وعن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: الوسق والوسقين ~~والثلاثة والأربعة رواه أحمد. وعن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا رواه أحمد والبخاري. وفي ~~لفظ: رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا متفق عليه. ~~وفي لفظ آخر: رخص في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك ~~أخرجاه. # وفي لفظ: بالتمر وبالرطب رواه أبو داود. # حديث جابر أخرجه أيضا الشافعي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. # وفي الباب عن أبي هريرة عند الشيخين: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق. قوله: # بيع الثمر بالتمر الأول بالمثلثة وفتح الميم والثاني بالمثناة الفوقية ~~وسكون الميم، والمراد بالأول ثمر النخلة، وقد صرح بذلك مسلم في رواية فقال: ~~ثمر النخلة وليس PageV05P309 # المراد الثمر من غير النخل لأنه يجوز بيعه بالتمر بالمثناة والسكون. ~~قوله: إلا أصحاب العرايا جمع عرية، قال في الفتح: وهي في الأصل عطية ثمر ~~النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا ثمر له، كما ~~يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة، ويقال: ~~عريت النخلة بفتح العين وكسر الراء تعرى إذا أفردت عن حكم أخواتها بأن ~~أعطاها المالك فقيرا، قال مالك: # العرية أن ms2206 يعري الرجل الرجل النخلة أي يهبها له أو يهب له ثمرها ثم يتأذى ~~بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس، هكذا ~~علقه البخاري عن مالك، ووصله ابن عبد البر من رواية ابن وهب. وروى الطحاوي ~~عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غير فيكره صاحب النخل الكثير دخول ~~الآخر عليه فيقول: أنا أعطيك بخرص نخلة تمرا فيرخص له في ذلك، فشرط العرية ~~عند مالك أن يكون لأجل التضرر من المالك بدخول غيره إلى حائطه، أو لدفع ~~الضرر عن الآخر لقيام صاحب النخل بما يحتاج إليه. وقال الشافعي في الام ~~وحكاه عنه البيهقي: أن العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة بخرصه من التمر ~~بشرط التقابض في الحال، واشترط مالك أن يكون التمر مؤجلا. وقال ابن إسحاق ~~في حديثه عن ابن عمر عند أبي داود والبخاري تعليقا: أن يعري الرجل الرجل أي ~~يهب له في ماله النخلة والنخلتين فيشق عليه أن يقوم عليها فيبيعها بمثل ~~خرصها. وأخرج الإمام أحمد عن سفيان بن حسين أن العريا نخل كانت توهب ~~للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرخص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من ~~التمر. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات ~~لطعام أهله رطبا بخرصها تمرا. # قال القرطبي: كأن الشافعي اعتمد في تفسير العرية على قول يحيى بن سعيد. ~~وأخرج أبو داود عن عبد ربه بن سعيد الأنصاري وهو أخو يحيى المذكور أنه قال: ~~العرية الرجل يعري الرجل النخلة، أو الرجل يستثني من ماله النخلة يأكلها ~~رطبا فيبيعها تمرا، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع قال: سمعنا في ~~تفسير العرية أنها النخلة يعريها الرجل للرجل ويشتريها في بستان الرجل. ~~وقال في القاموس: وأعراه النخلة وهبة ثمرة عامها، والعرية النخلة المعراة ~~والتي أكل ما عليها. وقال الجوهري: # هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا بأن يجعل له ثمرها عاما من ~~عراه إذا PageV05P310 # قصده. قال في الفتح: صور العرية كثيرة. منها: أن يقول رجل ms2207 لصاحب النخل: # يعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر فيخرصها ويبيعها ويقبض منه ~~التمر ويسلم له النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. ومنها: أن يهب صاحب الحائط ~~لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ~~ويشتري رطبها بقدر خرصه بتمر معجل. ومنها: أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له ~~بانتظار صيرورة الرطب تمرا، ولا يجب أكلها رطبا لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ~~ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلا. ومنها: أن يبيع ~~الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو ~~لعياله، وهي التي عفى له عن خرصها في الصدقة وسميت عرايا لأنها أعريت عن أن ~~تخرص في الصدقة، فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر ~~قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، ومما يطلق عليه ~~اسم العرية أن يعري رجلا ثمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة ~~محضة. ومنها: # أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في ~~الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما، وجميع هذه الصور صحيحة ~~عند الشافعي والجمهور، وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية. ~~وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع، وأراد به رخص لهم أن ~~يأكلوا الرطب ولا يشترونه لتجارة ولا ادخار، ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها ~~وقصر العرية على الهبة، وهي أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله ولا يسلم ~~ذلك ثم يبدو له أن يرتجع تلك الهبة، فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما ~~وهبه له من الرطب بخرصه تمرا، وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع الثمر ~~بالتمر، وتعقب بالتصريح باستثناء العرايا في الأحاديث. قال ابن المنذر: ~~الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد من رواية ~~جماعة من الصحابة. قال: # ونظير ذلك الاذن في السلم مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ms2208 تبع ما ~~ليس عندك قال: ولو كان المراد الهبة لما استثنيت العرية من البيع، ولأنه ~~عبر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا في شئ ممنوع، والمنع إنما كان في البيع ~~لا الهبة وبأنها قيدت بخمسة أوسق، والهبة لا تتقيد. وقد احتج أصحاب أبي ~~حنيفة لمذهبه بأشياء تدل PageV05P311 # على أن العرية العطية، ولا حجة في شئ منه، لأنه لا يلزم من كون أصل ~~العرية العطية أن لا تطلق شرعا على صور أخرى. وقالت الهادوية وهو وجه في ~~مذهب الشافعي: أن رخصة العرايا مختصة بالمحاويج الذين لا يجدون رطبا، فيجوز ~~لهم أن يشتروا منه بخرصه تمرا، واستدلوا بما أخرجه الشافعي في مختلف الحديث ~~عن زيد بن ثابت أنه سمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبا ويأكلون مع الناس ~~وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، ~~ويجاب عن دعوى اختصاص العرايا بهذه الصورة، أما أولا فبالقدح في هذا الحديث ~~فإنه أنكره محمد بن داود الظاهري على الشافعي، وقال ابن حزم: لم يذكر ~~الشافعي له إسنادا فبطل. وأما ثانيا فعلى تسليم صحته لا منافاة بينه وبين ~~الأحاديث الدالة على أن العرية أعم من الصورة التي اشتمل عليها. (والحاصل) ~~أن كل صورة من صور العرايا ورد بها حديث صحيح أو ثبتت عن أهل الشرع أو أهل ~~اللغة فهي جائزة لدخولها تحت مطلق الاذن، والتنصيص في بعض الأحاديث على بعض ~~الصور لا ينافي ما ثبت في غيره. قوله: بخرصه بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن ~~التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربي بالكسر وأنكر الفتح، وجوزهما النووي ~~وقال: # الفتح أشهر قال: ومعناه بقدر ما فيه إذا صار تمرا، فمن فتح قال: هو اسم ~~الفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشئ المخروص قال في الفتح: والخرص هو التخمين ~~والحدس. # قوله: يقول الوسق والوسقين الخ، استدل بهذا من قال: إنه لا يجوز في بيع ~~العرايا إلا دون خمسة أوسق وهم ms2209 الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، قالوا: لأن ~~الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز ويلقي ما ~~وقع فيه الشك، ولكن مقتضى الاستدلال بهذا الحديث أن لا يجوز مجاوزة الأربعة ~~الأوسق، مع أنهم يجوزونها إلى دون الخمسة بمقدار يسير. والذي يدل على ما ~~ذهبوا إليه حديث أبي هريرة الذي ذكرناه لقوله فيه: فيما دون خمسة أوسق أو ~~في خمسة أوسق، فيلقي الشك وهو الخمسة، ويعمل بالمتيقن وهو ما دونها، وقد ~~حكى هذا القول صاحب البحر عن أبي حنيفة ومالك والقاسم وأبي العباس، وقد ~~عرفت ما سلف من تحقيق مذهب أبي حنيفة في العرايا. # وحكي في الفتح أن الراجح عند المالكية الجواز في الخمسة عملا برواية ~~الشك، PageV05P312 # واحتج لهم بقول سهل بن أبي حثمة: إن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة. # قال في الفتح: ولا حجة فيه لأنه موقوف. وحكى الماوردي عن ابن المنذر أنه ~~ذهب إلى تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، وتعقبه الحافظ بأن ذلك لم يوجد في شئ ~~من كتب ابن المنذر. وقد حكى هذا المذهب ابن عبد البر عن قوم وهو ذهاب إلى ~~ما فيه حديث جابر من الاقتصار على الأربعة، وقد ترجم عليه ابن حبان ~~الاحتياط لا يزيد على أربعة أوسق. قال الحافظ: وهذا الذي قاله يتعين المصير ~~إليه، وأما جعله حدا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح اه. وذلك لأن دون الخمسة ~~المذكورة في حديث أبي هريرة يقضي بجواز الزيادة على الأربعة، إلا أن يجعل ~~الدون مجملا مبينا بالأربعة كان واضحا، ولكنه لا يخفى أنه لا إجمال في ~~قوله: دون خمسة أوسق لأنها تتناول ما صدق عليه الدون لغة، وما كان كذلك لا ~~يقال له مجمل، ومفهوم العدد في الأربعة لا يعارض المنطوق الدال على جواز ~~الزيادة عليها. قوله: ولم يرخص في غير ذلك فيه دليل على أنه لا يجوز شراء ~~الرطب على رؤوس النخل بغير التمر والرطب. وفيه أيضا دليل على جواز الرطب ~~المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص على الأرض، وهو رأي بعض الشافعية ms2210 ~~منهم ابن خيران. وقيل: لا يجوز وهو رأي الإصطخري منهم وصححه جماعة، وقيل: ~~إن كانا نوعا واحدا لم يجز إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز وهو رأي ~~أبي إسحاق وصححه ابن أبي عصرون. وهذا كله فيما إذا كان أحدهما على النخل ~~والآخر على الأرض، وأما في غير ذلك فقد قدمنا الكلام عليه في الباب الذي ~~قبل هذا. # باب بيع اللحم بالحيوان وعن سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان رواه مالك في الموطأ. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي مرسلا من حديث سعيد وأبو داود في المراسيل، ~~ووصله الدارقطني في الغريب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه، ~~وصوب الرواية المرسلة المذكورة، وتبعه ابن عبد البر، وله شاهد من حديث ابن ~~عمر PageV05P313 # عند البزار وفي إسناده ثابت بن زهير وهو ضعيف. وأخرجه أيضا من رواية أبي ~~أمية بن يعلى عن نافع أيضا وأبو أمية ضعيف. وله شاهد أقوى منه من رواية ~~الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة، وقد اختلف في صحة سماعه ~~منه. # وروى الشافعي عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر فجاء رجل بعناق ~~فقال: أعطوني منها، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. وفي إسناده إبراهيم بن أبي ~~يحيى وهو ضعيف ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه فيدل على عدم ~~جواز بيع اللحم بالحيوان، وإلى ذلك ذهبت العترة والشافعي إذا كان الحيوان ~~مأكولا، وإن كان غير مأكول جاز عند العترة ومالك وأحمد والشافعي في أحد ~~قوليه لاختلاف الجنس. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز لعموم النهي. ~~وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقا واستدل على ذلك بعموم قوله تعالى * (وأحل الله ~~البيع) * (سورة البقرة، الآية: 275) وقال محمد بن الحسن الشيباني: إن غلب ~~اللحم جاز ليقابل الزائد منه الجلد. # باب جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون عن جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم اشترى عبدا بعبدين رواه الخمسة وصححه الترمذي. ms2211 ولمسلم ~~معناه. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤوس ~~من دحية الكلبي رواه أحمد ومسلم وابن ماجة. # قوله: ولمسلم معناه ولفظه عن جابر قال: جاء عبد فبايع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم على الهجرة ولم يشعر أنه عبد فجاء سيده يريده فقال له النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعنيه، واشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا ~~بعد حتى يسأله أعبد هو؟ وفي الحديثين دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان ~~متفاضلا إذا كان يدا بيد، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بيع ~~الحيوان بالحيوان نسيئة وسيأتي وقصة صفية أشار إليها البخاري في البيع ~~وذكرها في غزوة خيبر. # وعن عبد الله بن عمرو قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~أبعث جيشا على إبل كانت عندي، قال: فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل وبقيت ~~PageV05P314 # بقية من الناس، قال: فقلت: يا رسول الله الإبل قد نفدت وقد بقيت بقية من ~~الناس لا ظهر لهم، فقال لي: ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى ~~محلها حتى تنفذ هذا البعث، قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من ~~إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذت ذلك البعث، فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد وأبو داود والدارقطني بمعناه. وعن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه باع جملا يدعى عصيفيرا بعشرين بعيرا إلى ~~أجل رواه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده. وعن الحسن عن سمرة قال: نهى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة رواه الخمسة ~~وصححه الترمذي. وروى عبد الله بن أحمد مثله من رواية جابر بن سمرة. # حديث ابن عمرو في إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف، وقوى الحافظ في ~~الفتح إسناده، وقال الخطابي: في إسناده مقال، ولعله يعني من أجل محمد بن ~~إسحاق، ولكن قد رواه البيهقي في سننه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه ms2212 عن جده. ~~وأثر علي عليه السلام هو من طريق الحسن بن محمد بن علي عن علي عليه السلام ~~وفيه انقطاع بين الحسن وعلي. وقد روي عنه ما يعارض هذا، فأخرج عبد الرزاق ~~من طريق ابن المسيب عنه أنه كره بعيرا ببعيرين نسيئة. وروى ابن أبي شيبة ~~عنه نحوه، وحديث سمرة صححه ابن الجارود ورجاله ثقات كما قال في الفتح إلا ~~أنه اختلف في سماع الحسن من سمرة. وقال الشافعي: هو غير ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وحديث جابر بن سمرة عزاه صاحب الفتح إلى زيادات ~~المسند لعبد الله بن أحمد كما فعل المصنف وسكت عنه. (وفي الباب) عن ابن ~~عباس عند البزار والطحاوي وابن حبان والدارقطني بنحو حديث سمرة، قال في ~~الفتح: ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فرجح البخاري وغير واحد ~~إرساله انتهى. قال البخاري: حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة من ~~طريق عكرمة عن ابن عباس رواه الثقات عن ابن عباس موقوفا. وعن عكرمة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. (وفي الباب) أيضا عن ابن عمر عند ~~الطحاوي والطبراني، وعنه أيضا عند مالك في الموطأ والشافعي أنه اشترى راحلة ~~بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة. وذكره البخاري تعليقا. وعنه أيضا عند ~~عبد الرزاق وابن أبي شيبة PageV05P315 # أنه سئل عن بعير ببعيرين فكرهه. وروى البخاري تعليقا عن ابن عباس ووصله ~~الشافعي أنه قال: قد يكون البعير خيرا من البعيرين. وروى البخاري تعليقا ~~أيضا عن رافع بن خديج ووصله عبد الرزاق أنه اشترى بعيرا ببعيرين فأعطاه ~~أحدهما وقال: # آتيك بالآخر غدا. وروى البخاري أيضا ومالك وابن أبي شيبة عن ابن المسيب ~~أنه قال: لا ربا في الحيوان. وروى البخاري أيضا وعبد الرزاق عن ابن سيرين ~~أنه قال: لا بأس ببعيرين. قوله: حتى نفدت الإبل بفتح النون وكسر الفاء وفتح ~~الدال المهملة وآخره تاء التأنيث. قوله: بقلائص قال ابن رسلان: جمع قلوص ~~وهي الناقة الشابة. قوله: حتى نفذت ذلك البعث بفتح النون وتشديد الفاء ms2213 ~~بعدها دال معجمة ثم تاء المتكلم أي حتى تجهز ذلك الجيش وذهب إلى مقصده، ~~والأحاديث والآثار المذكورة في الباب متعارضة كما ترى، فذهب الجمهور إلى ~~جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلا مطلقا، وشرط مالك أن يختلف الجنس، ~~ومنع من ذلك مطلقا مع النسيئة أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين ~~والهادوية، وتمسك الأولون بحديث ابن عمرو وما ورد في معناه من الآثار، ~~وأجابوا عن حديث سمرة بما فيه من المقال. وقال الشافعي: المراد به النسيئة ~~من الطرفين لأن اللفظ يحتمل ذلك، كما يحتمل النسيئة من طرف، وإذ كانت ~~النسيئة من الطرفين فهي من بيع الكالئ بالكالئ وهو لا يصح عند الجميع، ~~واحتج المانعون بحديث سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس وما في معناها من ~~الآثار، وأجابوا عن حديث ابن عمرو بأنه منسوخ، ولا يخفى أن النسخ لا يثبت ~~إلا بعد تقرر تأخر الناسخ ولم ينقل ذلك، فلم يبق ههنا إلا الطلب لطريق ~~الجمع إن أمكن ذلك أو المصير إلى التعارض. # قيل: وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي، ولكنه متوقف على صحة إطلاق ~~النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في لغة العرب أو في اصطلاح ~~الشرع فذاك، وإلا فلا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن ~~مقال لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة: سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس، ~~وبعضها يقوي بعضا، فهي أرجح من حديث واحد غير خال عن المقال وهو حديث عبد ~~الله بن عمرو، ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة فإن ذلك ~~مرجح آخر. وأيضا قد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، ~~وهذا أيضا مرجح ثالث. PageV05P316 # وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة ~~كما عرفت. # باب أن من باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل مما باعها عن ابن إسحاق ~~السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم ~~فقالت: يا ms2214 أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، ~~وإني ابتعته منه بستمائة نقدا، فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما ~~شريت، إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بطل إلا أن يتوب ~~رواه الدارقطني. # الحديث في إسناده الغالية بنت أيفع، وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح، وقرر ~~كلامه ابن كثير في إرشاده، وفيه دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمن ~~نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدا قبل قبض الثمن الأول، أما ~~إذا كان المقصود التحيل لاخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أيام فلا شك ~~أن ذلك من الربا المحرم الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة، وسيأتي ~~الخلاف في بيع العينة في الباب الذي بعد هذا. والصورة المذكورة هي صورة بيع ~~العينة، وليس في حديث الباب ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن هذا البيع، ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص ~~من الشارع، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل ~~هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة الآتي، ولا ينبغي أن يظن بها ~~أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم، لأن مخالفة ~~الصحابي لرأي صحابي آخر لا يكون من الموجبات للاحباط. PageV05P317 # باب ما جاء في بيع العينة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر ~~وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا ~~دينهم رواه أحمد وأبو داود. ولفظه: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ~~ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى ~~دينكم. # الحديث أخرجه أيضا الطبراني وابن القطان وصححه. قال الحافظ في بلوغ ~~المرام: ms2215 ورجاله ثقات. وقال في التلخيص: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ~~ابن القطان معلول، لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا لأن ~~الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء ~~الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر انتهى. ~~وإنما قال هكذا لأن الحديث رواه أحمد والطبراني من طريق أبي بكر بن عياش عن ~~الأعمش عن عطاء عن ابن عمر، ورواه أحمد وأبو داود من طريق عطاء الخراساني ~~عن نافع عن ابن عمر. وقال المنذري في مختصر السنن ما لفظه: # في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج ~~بحديثه، وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال انتهى. قال الذهبي في الميزان: ~~إن هذا الحديث من مناكيره، وقد ورد النهي عن العينة من طرق عقد لها البيهقي ~~في سننه بابا ساق فيه جميع ما ورد في ذلك وذكر علله. وقال: روي حديث العينة ~~من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: ~~وروي عن ابن عمر موقوفا أنه كره ذلك. قال ابن كثير: وروي من وجه ضعيف أيضا ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، ويعضده حديث عائشة يعني المتقدم في ~~الباب الذي قبل هذا، وهذه الطرق يشد بعضها بعضا. قوله: بالعينة بكسر العين ~~المهملة ثم ياء تحتية ساكنة ثم نون. قال الجوهري: العينة بالكسر السلف. ~~وقال في القاموس: # وعين أخذ بالعينة بالكسر أي السلف أو أعطى بها، قال: والتاجر باع سلعته ~~بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن انتهى. قال الرافعي: وبيع ~~العينة هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه ~~قبل قبض الثمن PageV05P318 # بثمن نفد أقل من ذلك القدر انتهى. قال ابن رسلان في شرح السنن: وسميت هذا ~~المبايعة عينة لحصول النقد لصاحب العينة، لأن العين هو المال الحاضر، ~~والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من ms2216 فوره ليصل به إلى ~~مقصوده اه. # وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد والهادوية، وجوز ~~ذلك الشافعي وأصحابه، مستدلين على الجواز بما وقع من ألفاظ البيع التي لا ~~يراد بها حصول مضمونه، وطرحوا الأحاديث المذكورة في الباب، واستدل ابن ~~القيم على عدم جواز العينة بما روي عن الأوزاعي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: # يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع قال: وهذا الحديث وإن كان ~~مرسلا فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما يشهد له وهي ~~الأحاديث الدالة على تحريم العينة، فإنه من المعلوم أن العينة عند من ~~يستعملها إنما يسميها بيعا، وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ~~ثم غير اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه ~~البتة، وإنما هو حيلة ومكر وخديعة لله تعالى فمن أسهل الحيل على من أراد ~~فعله أن يعطيه مثلا ألفا إلا درهما باسم القرض ويبيعه خرقة تساوي درهما ~~بخمسمائة درهم. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما الأعمال بالنيات أصل ~~في إبطال الحيل، فإن من أراد أن يعامله معاملة يعطيه فيها ألفا بألف ~~وخمسمائة إنما نوى بالاقراض تحصيل الربح الزائد الذي أظهر أنه ثمن الثوب، ~~فهو في الحقيقة أعطاه ألفا حالة بألف وخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض ~~وصورة البيع محللا لهذا الحرم، ومعلوم أن هذا لا يرفع التحريم، ولا يرفع ~~المفسدة التي حرم الربا لأجلها، بل يزيدها قوة وتأكيدا من وجوه عديدة، منها ~~أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج من جهة السلطان والحكام إقداما لا ~~يفعله المربي لأنه واثق بصورة العقد الذي تحيل به. هذا معنى كلام ابن ~~القيم. قوله: واتبعوا أذناب البقر المراد الاشتغال بالحرث. وفي الرواية ~~الأخرى: وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وقد حمل هذا على الاشتغال بالزرع ~~في زمن يتعين فيه الجهاد. قوله: وتركوا الجهاد أي المتعين فعله. وقد روى ~~الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا ~~عظيما من ms2217 الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة ~~بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين PageV05P319 # على صف الروم حتى دخل بينهم، فصاح المسلمون وقالوا: سبحان الله يلقي بيده ~~إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم لتأولون هذا التأويل ~~وإنما نزلت هذه الآية لما أعز الله الاسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض ~~سرا: أن أموالنا قد ضاعت، وأن الله قد أعز الاسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا ~~في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله على نبيه ما يرد علينا فقال: * ~~(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (سورة البقرة، الآية: 195) فكانت ~~التهلكة الأموال وإصلاحها وترك الغزو. قوله: ذلا بضم الذال المعجمة وكسرها ~~أي صغارا ومسكنة. ومن أنواع الخراج الذي يسلمونه كل سنة لملاك الأرض، وسبب ~~هذا الذل والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز ~~الاسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم، ~~فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي ~~أعز مكان. قوله: حتى ترجعوا إلى دينكم فيه زجر بليغ، لأنه نزل الوقوع في ~~هذه الأمور منزلة الخروج من الدين، وبذلك تمسك من قال بتحريم العينة. # وقيل: إن دلالة الحديث على التحريم غير واضحة، لأنه قرن العينة بالأخذ ~~بأذناب البقر والاشتغال بالزرع وذلك غير محرم، وتوعد عليه بالذل وهو لا يدل ~~على التحريم، ولكنه لا يخفى ما في دلالة الاقتران من الضعف، ولا نسلم أن ~~التوعد بالذل لا يدل على التحريم، لأن طلب أسباب العزة الدينية وتجنب أسباب ~~الذلة المنافية للدين واجبان على كل مؤمن، وقد توعد على ذلك بإنزال البلاء ~~وهو لا يكون إلا لذنب شديد، وجعل الفاعل لذلك بمنزلة الخارج من الدين ~~المرتد على عقبه، وصرحت عائشة بأنه من المحبطات للجهاد مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كما في الحديث السالف وذلك إنما هو شأن الكبائر. # باب ما جاء في الشبهات عن النعمان ms2218 بن بشير أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما يشتبه ~~عليه من الاثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أو ~~شك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن ~~يواقعه متفق عليه. PageV05P320 # قوله: الحلال بين الخ، فيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو تقسيم ~~صحيح، لأن الشئ إما أن ينص الشارع على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على ~~تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما. فالأول: الحلال البين. ~~والثاني: الحرام البين. والثالث: المشتبه لخفائه فلا يدري أحلال هو أم ~~حرام؟ وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه، لأنه إن كان في نفس الامر حراما ~~فقد برئ من التبعة، وإن كان حلالا فقد استحق الاجر على الترك لهذا القصد، ~~لأن الأصل مختلف فيه حظرا وإباحة. وهذا التقسيم قد وافق قول من قال ممن ~~سيأتي: أن المباح والمكروه من المشبهات، ولكنه يشكل عليه المندوب، فإنه لا ~~يدخل في قسم الحلال البين على ما زعمه صاحب هذا التقسيم، والمراد بكون كل ~~واحد من القسمين الأولين بينا أنه مما لا يحتاج إلى بيان، أو مما يشترك في ~~معرفته كل أحد وقد يردان جميعا أي ما يدل على ا لحل والحرمة، فإن علم ~~المتأخر منهما فذاك، وإلا كان ما ورد فيه من القسم الثالث. # قوله: أمور مشتبهة أي شبهت بغيرها مما لم يتبين فحكمه على التعيين، زاد ~~في رواية للبخاري: لا يعلمها كثير من الناس أي لا يعلم حكمها، وجاء واضحا ~~في رواية للترمذي ولفظه: لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من ~~الحرام؟ ومفهوم قوله كثير أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم ~~المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر ترجيح ~~أحد الدليلين. قوله: # والمعاصي حمى الله في رواية للبخاري وغيره: ألا إن حمى الله تعالى في ms2219 ~~أرضه محارمه والمراد بالمحارم والمعاصي فعل المنهي المحرم أو ترك المأمور ~~الواجب، والحمى المحمي أطلق المصدر على اسم المفعول. وفي اختصاص التمثيل ~~بالحمى نكتة، وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مخصبة ~~يتوعدون من رعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك ~~يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شئ منه فبعده أسلم له، وغير ~~الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن يقع فيه بعض مواشيه ~~بغير اختياره، وربما أجدب المكان الذي هو فيه، ويقع الخصب في الحمى فلا ~~يملك نفسه أن يقع فيه، فالله سبحانه هو الملك حقا وحماه محارمه (وقد اختلف) ~~في حكم الشبهات فقيل التحريم وهو مردود، PageV05P321 # وقيل الكراهة. وقيل الوقف وهو كالخلاف فيما قبل الشرع واختلف العلماء ~~أيضا في تفسير الشبهات. فمنهم من قال: إنها ما تعارضت فيه الأدلة. ومنهم من ~~قال: إنها ما اختلف فيه العلماء وهو منتزع من التفسير الأول. ومنهم من قال: ~~إن المراد بها قسم المكروه لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك، ومنهم من قال: ~~هي المباح. ونقل ابن المنير عن بعض مشايخه أنه كان يقول: المكروه عقبة بين ~~العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه ~~وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. ويؤيد هذا ما وقع في رواية ~~لابن حبان من الزيادة بلفظ: اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من ~~فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه قال في الفتح بعد أن ذكر التفاسير للمشتبهات ~~التي قدمناها ما لفظه: والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول، قال: ولا يبعد أن ~~يكون كل من الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى ~~عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه، ~~ومن دونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن ~~المستكثر من المكروه ms2220 تصير فيه جراءة على ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله ~~اعتياده لارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم، أو يكون ذلك ~~لسر فيه وهو أن من تعاطي ما نهى عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع ~~في الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: فمن ~~ترك ما يشتبه عليه من الاثم الخ. # (واعلم أن العلماء) قد عظموا أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها ~~الاحكام كما نقل عن أبي داود وغيره وقد جمعها من قال: # عمدة الدين عندنا كلمات * مسندات من قول خير البرية اترك الشبهات وازهد ~~ودع ما * ليس يعنيك واعملن بنيه والإشارة بقوله أزهد إلى حديث: أزهد فيما ~~في أيدي الناس أخرجه ابن ماجة وحسن إسناده الحافظ، وصححه الحاكم عن سهل بن ~~سعد مرفوعا بلفظ: # أزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس. وله شاهد ~~عند أبي نعيم من حديث أنس ورجاله ثقات. والمشهور عن أبي داود عد حديث: ما ~~نهيتكم عنه فاجتنبوه مكان حديث: أزهد المذكور. وعد حديث الباب بعضهم ثالث ~~ثلاثة وحذف الثاني، وأشار ابن العربي أنه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع ~~الأحكام، PageV05P322 # قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره وعلى تعلق جميع ~~الأعمال بالقلب فمن هناك يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه. وقد ادعى أبو عمر ~~الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ~~النعمان بن بشير، فإن أراد من وجه صحيح فمسلم، وإن أراد على الاطلاق ~~فمردود، فإنه في الأوسط للطبراني من حديث ابن عمر وعمار، وفي الكبير له من ~~حديث ابن عباس، وفي الترغيب للأصبهاني من حديث واثلة، وفي أسانيدها مقال ~~كما قال الحافظ. # وعن عطية السعدي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يبلغ العبد ~~أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس رواه الترمذي. # وعن أنس قال: إن كان النبي صلى الله ms2221 عليه وآله وسلم ليصيب التمرة فيقول: # لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم ~~فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه، وإن سقاه شرابا من شرابه ~~فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه رواه أحمد. وعن أنس بن مالك قال: إذا دخلت ~~على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه ذكره البخاري في صحيحه. # حديث عطية السعدي حسنه الترمذي، وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن ~~أبي الدرداء نحوه ولفظه: تمام التقوى أن يتقي الله حتى يترك ما يرى أنه ~~حلال خشية أن يكون حراما. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط ~~وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي ضعفه الجمهور وقد وثق. قال في مجمع ~~الزوائد: وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. هذه الأحاديث ذكرها المصنف رحمه ~~الله للإشارة إلى ما فيه شبهة كحديث أنس، وإلى ما لا شبهة فيه كحديث أبي ~~هريرة، وقد ذكر البخاري في تفسير الشبهات حديث عقبة بن الحرث في الرضاع ~~لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # كيف وقد قيل وحديث عائشة في قصة ابن وليدة زمعة لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: واحتجبي منه يا سودة فإن الظاهر أن الامر بالمفارقة في الحديث الأول ~~والاحتجاب في الثاني لأجل الاحتياط وتوقي الشبهات، وفي ذلك نزاع يأتي بيانه ~~إن شاء الله تعالى. قال الخطابي: ما شككت فيه فالورع اجتنابه وهو على ثلاثة ~~أقسام: واجب ومستحب ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزم ارتكاب المحرم. ~~والمندوب PageV05P323 # اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام. والمكروه اجتناب الرخص المشروعة اه. # وقد أرشد الشارع إلى اجتناب ما لا يتيقن المرء حله بقوله: دع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما. (وفي الباب) عن أنس عند أحمد. وعن ابن عمر ~~عند الطبراني، وعن أبي هريرة وواثلة بن الأسقع. ومن ms2222 قول ابن عمر وابن مسعود ~~وغيرهما. # وروى البخاري وأحمد وأبو نعيم عن حسان بن أبي سنان البصري أحد العباد في ~~زمن التابعين أنه قال: إذا شككت في شئ فاتركه. ولأبي نعيم من وجه آخر: أنه ~~اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال يونس: ما عالجت شيئا أشد علي من ~~الورع، فقال حسان: ما عالجت شيئا أهون علي منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركت ~~ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت. # قال الغزالي: الورع أقسام، ورع الصديقين وهو ترك ما لم يكن عليه بينة ~~واضحة. وورع المتقين وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام. ~~وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك ~~الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين. قال: ووراء ذلك ورع الشهود ~~وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي أعم من أن يكون ذلك المتروك حراما أم لا اه. ~~وقد أشار البخاري إلى أن الوساوس ونحوها ليست من المشبهات. فقال: باب من لم ~~ير الوساوس ونحوها من المشبهات. # قال في الفتح: هذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع. # أبواب أحكام العيوب باب وجوب تبيين العيب عن عقبة بن عامر قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه له ~~رواه ابن ماجة. # وعن واثلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحل لأحد أن ~~يبيع شيئا إلا بين ما فيه، ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه رواه أحمد. وعن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر برجل يبيع طعاما فأدخل يده ~~فيه فإذا هو مبلول فقال: من غشنا فليس منا رواه الجماعة إلا البخاري ~~والنسائي. PageV05P324 # وعن العداء بن خالد بن هوذة قال: كتب لي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول ms2223 الله اشترى ~~منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم رواه ابن ~~ماجة والترمذي. # حديث عقبة أخرجه أيضا أحمد والدارقطني والحاكم والطبراني من حديث أبي ~~شماسة عنه، ومداره على يحيى بن أيوب، وتابعه ابن لهيعة، قال في الفتح: ~~وإسناده حسن، وحديث واثلة أخرجه أيضا ابن ماجة والحاكم في المستدرك وفي ~~إسناد أحمد أبو جعفر الرازي وأبو سباع، والأول مختلف فيه، والثاني قيل إنه ~~مجهول. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا الحاكم وفيه قصة وادعى أن مسلما لم ~~يخرجها فلم يصب. وقد أخرج نحوه أحمد والدارمي من حديث ابن عمر وابن ماجة من ~~حديث أبي الحمراء والطبراني، وابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود، وأحمد ~~من حديث أبي بردة بن نيار، والحاكم من حديث عمير بن سعيد عن عمه. وحديث ~~العداء أخرجه أيضا النسائي وابن الجارود وعلقه البخاري. قوله: لا يحل لمسلم ~~الخ، وكذلك قوله: لا يحل لأحد الخ، فيهما دليل على تحريم كتم العيب ووجوب ~~تبيينه للمشتري. قوله: فليس منا لفظ مسلم: فليس مني قال النووي: كذا في ~~الأصول ومعناه: ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي، كما ~~يقول الرجل لولده: إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا في نظائره مثل قوله: من ~~حمل علينا السلاح فليس منا وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول: ~~بئس مثل القول، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر اه. ~~وهو يدل على تحريم الغش وهو مجمع على ذلك . قوله: العداء بفتح العين ~~المهملة وتشديد الدال المهملة أيضا وآخره همزة بوزن الفعال، وهوذة هو ابن ~~ربيعة بن عمرو بن عامر أبو صعصعة، والعداء صحابي قليل الحديث أسلم بعد ~~حنين. قوله: لا داء قال المطرزي: المراد به الباطن سواء ظهر منه شئ أم لا ~~كوجع الكبد والسعال. وقال ابن المنير: لا داء أي يكتمه البائع، وإلا فلو ~~كان بالعبد داء وبينه البائع كان من بيع المسلم للمسلم (ومحصله) أنه لم يرد ~~بقوله ms2224 : لا داء نفي الداء مطلقا، بل نفي داء مخصوص وهو ما لم يطلع عليه. ~~قوله: ولا غائلة قيل: المراد بها إلا باق. وقال ابن بطال: هو من قولهم ~~اغتالني فلان إذا احتال بحيلة سلب بها مالي. قوله: ولا خبثة بكسر المعجمة ~~وبضمها وسكون الموحدة وبعدها PageV05P325 # مثلثة قيل: المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق. وقال صاحب العين هي الدنية. ~~وقيل: المراد الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب، وقيل: الداء ما كان في ~~الخلق بفتح الخاء، والخبثة ما كان في الخلق بضمها، والغائلة سكوت البائع عن ~~بيان ما يعلم من مكروه في المبيع، قاله ابن العربي. # باب أن الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب عن عائشة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قضى أن الخراج بالضمان رواه الخمسة. وفي رواية: أن رجلا ~~ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغلة بالضمان رواه أحمد وأبو داود ~~وابن ماجة. وفيه حجة لمن يرى تلف العبد المشتري قبل القبض من المشتري. # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وأبو داود الطيالسي، وصححه الترمذي وابن حبان ~~وابن الجارود والحاكم وابن القطان. (ومن جملة) من صححه ابن خزيمة كما حكي ~~ذلك عنه في بلوغ المرام وحكي عنه في التلخيص أنه قال: لا يصح، وضعفه ~~البخاري. ولهذا الحديث في سنن أبي داود ثلاث طرق: اثنتان رجالهما رجال ~~الصحيح، والثالثة قال أبو داود: إسنادها ليس بذاك، ولعل سبب ذلك أن فيه ~~مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي، وقد وثقه يحيى بن معين وتابعه عمر بن علي ~~المقدمي وهو متفق على الاحتجاج به. قوله: إن الخراج بالضمان الخراج هو ~~الدخل والمنفعة، أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي ~~عليه أي بسببه فالباء للسببية، فإذا اشترى الرجل أرضا فاستغلها أو دابة ~~فركبها أو عبدا فاستخدمه ثم وجد به عيبا قديما فله الرد، ويستحق الغلة في ~~مقابلة الضمان للمبيع الذي كان عليه. وظاهر الحديث عدم الفرق بين الفوائد ~~الأصلية والفرعية، ms2225 وإلى ذلك ذهب الشافعي، وفصل مالك فقال: يستحق المشتري ~~الصوف والشعر دون الولد، وفرق أهل الرأي والهادوية بين الفوائد الفرعية ~~والأصلية فقالوا: يستحق المشتري الفرعية كالكراء دون الأصلية كالولد ~~والثمر، وهذا الخلاف إنما هو مع انفصال الفوائد عن المبيع، وأما إذا كانت ~~متصلة وقت الرد وجب ردها بالاجماع، PageV05P326 # قيل: إن هذا الحكم مختص بمن له ملك في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري ~~الذي هو سبب وورد الحديث، وإلى ذلك مال الجمهور. وقالت الحنفية: إن الغاصب ~~كالمشتري قياسا ولا يخفى ما في هذا القياس، لأن الملك فارق يمنع الالحاق، ~~والأولى أن يقال: # إن الغاصب داخل تحت عموم اللفظ، ولا عبرة بخصوص السبب كما تقرر في ~~الأصول. # قوله: فاستغله بالغين المعجمة وتشديد اللام أي أخذ غلته. # باب ما جاء في المصراة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر متفق عليه. وللبخاري ~~وأبي داود: من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي ~~حلبتها صاع من تمر، وهو دليل على أن الصاع من التمر في مقابلة اللبن وأنه ~~أخذ قسطا من الثمن. # وفي رواية: إذا ما اشترى أحدكم لقحة مصراة أو شاة مصراة فهو بخير النظرين ~~بعد أن يحلبها، أما هي وإلا فليردها وصاعا من تمر رواه مسلم، وهو دليل على ~~أنه يمسك بغير أرش. وفي رواية: من اشترى مصراة فهو منها بالخيار ثلاثة ~~أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ومعها صاعا من تمر لا سمراء رواه الجماعة ~~إلا البخاري. # وعن أبي عثمان النهدي قال: قال عبد الله: من اشترى محفلة فردها فليردها ~~معها صاعا رواه البخاري والبرقاني على شرطه وزاد: من تمر. # قوله: لا تصروا بضم أوله وفتح الصاد المهملة وضم الراء المشددة من صريت ~~اللبن في الضرع إذا جمعته، وظن بعضهم أنه من صررت، فقيده بفتح أوله وضم ~~ثانيه. قال في ms2226 الفتح: والأول أصح، قال: لأنه لو كان من صررت لقيل مصرورة أو ~~مصررة لا مصراة، على أنه قد سمع الامر أن في كلام العرب، ثم استدل على ذلك ~~بشاهدين عربيين، ثم قال: وضبطه بعضهم بضم أوله وفتح ثانيه بغير واو على ~~البناء للمجهول والمشهور الأول اه. قال الشافعي: التصرية هي ربط أخلاف ~~الشاة أو الناقة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري أن ذلك ~~عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة PageV05P327 # لبنها وأصل التصرية حبس الماء، يقال منه صريت الماء إذا حبسته، قال أبو ~~عبيدة وأكثر أهل اللغة: التصرية حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع، وإنما اقتصر ~~على ذكر الإبل والغنم دون البقر لأن غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم ~~والحكم واحد خلافا لداود. قوله: فمن ابتاعها بعد ذلك أي اشتراها بعد ~~التصرية. قوله: بعد أن يحلبها ظاهره أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، ~~والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور ولو لم يحلب، ~~لكن لما كانت التصرية لا يعرف غالبها إلا بعد الحلب جعل قيدا في ثبوت ~~الخيار. # قوله: إن رضيها أمسكها استدل بهذا على صحة بيع المصراة مع ثبوت الخيار. ~~قوله: # وصاعا من تمر الواو عاطفة على الضمير في ردها، ولكنه يعكر عليه أن الصاع ~~مدفوع ابتداء لأمر داود، ويمكن أن يقال: إنه مجاز عن فعل يشمل الامرين نحو ~~سلمها أو ادفعها كما في قول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا * أي ناولتها، ~~ويمكن أن يقدر قبل آخر يناسب المعطوف أي ردها، وسلم أو اعط صاعا من تمر، ~~كما قيل: إن التقدير في قول الشاعر المذكور: وسقيتها ماء باردا وقيل: يجوز ~~أن تكون الواو بمعنى مع، ولكنه يعكر عليه قول جمهور النحاة أن شرط المفعول ~~معه أن يكون فاعلا في المعنى نحو: # جئت أنا وزيدا. وقمت أنا وزيدا. نعم جعله مفعولا معه صحيح عند من قال ~~بجواز مصاحبته للمفعول به وهم القليل. وقد استدل بالتنصيص على الصاع من ~~التمر، على أنه لا ms2227 يجوز رد اللبن ولو كان باقيا على صفته لم يتغير، ولا ~~يلزم البائع قبوله لذهاب طراوته واختلاطه بما تجدد عند المشتري. قوله: لقحة ~~هي الناقة الحلوب أو التي نتجت. قوله: ثلاثة أيام فيه دليل على امتداد ~~الخيار هذا المقدار، فتقيد بهذه الرواية الروايات القاضية بأن الخيار بعد ~~الحلب على الفور كما في قوله: بعد أن يحلبها وإلى هذا ذهب الشافعي والهادي ~~والناصر، وذهب بعض الشافعية إلى أن الخيار على الفور، وحملوا رواية الثلاث ~~على ما إذا لم يعلم أنها مصراة قبل الثلاث، قالوا: # وإنما وقع التنصيص عليها لأن الغالب أنه لا يعلم بالتصرية فيما دونها. ~~واختلفوا في ابتداء الثلاث فقيل: من وقت بيان التصرية وإليه ذهبت الحنابلة، ~~وقيل: من حين العقد وبه قال الشافعي: وقيل: من وقت التفرق. قال في الفتح: ~~ويلزم عليه أن يكون الفور أوسع من الثلاث في بعض الصور وهو ما إذا تأخر ~~ظهور التصريح إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أن تحسب المدة قبل التمكن من ~~الفسخ، وأن يفوت المقصود من التوسيع بالمدة اه. PageV05P328 # قوله: من تمر لا سمراء لفظ مسلم وأبي داود: من طعام لا سمراء وينبغي أن ~~تحمل الطعام على التمر المذكور في هذه الرواية وفي غيرها من الروايات، ثم ~~لما كان المتبادر من لفظ الطعام القمح نفاه بقوله: لا سمراء، ويشكل على هذا ~~الجمع ما في رواية للبزار بلفظ: صاع من بر لا سمراء وأجيب عن ذلك بأنه ~~يحتمل أن يكون على وجه الرواية بالمعنى، لما ظن الراوي أن الطعام مساو ~~للبر، عبر عنه بالبر لأن المتبادر من الطعام البر كما سلف في الفطرة، ويشكل ~~على ذلك الجمع أيضا ما في مسند أحمد بإسناد صحيح كما قال الحافظ عن رجل من ~~الصحابة بلفظ: صاعا من طعام أو صاعا من تمر فإن التخيير يقتضي المغايرة، ~~وأجاب عنه في الفتح باحتمال أن يكون شكا من الراوي، والاحتمال قادح في ~~الاستدلال، فينبغي الرجوع إلى الروايات التي لم تختلف. ويشكل أيضا ما أخرجه ~~أبو داود من حديث ابن ms2228 عمر بلفظ: ردها ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا ~~وأجاب عن ذلك الحافظ بأن إسناد الحديث ضعيف، قال: # وقال ابن قدامة: إنه متروك الظاهر بالاتفاق. قوله: محفلة بضم الميم وفتح ~~الحاء المهملة والفاء المشددة من التحفيل وهو التجمع، قال: أبو عبيدة: سميت ~~بذلك لكون اللبن يكثر في ضرعها وكل شئ كثرته فقد حفلته. تقول: ضرع حافل أي ~~عظيم، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل. وقد أخذ بظاهر الحديث ~~الجمهور، قال في الفتح: وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهما في ~~الصحابة. وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين ~~أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا كان أو كثيرا، ولا بين أن يكون التمر قوت ~~تلك البلد أم لا، وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون، أما ~~الحنفية فقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد الصاع من التمر، وخالفهم ~~زفر فقال بقول الجمهور، إلا أنه قال: مخير بين صاع من التمر أو نصف صاع من ~~بر. وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا: لا يتعين ~~صاع التمر بل قيمته. وفي رواية عن مالك وبعض الشافعية كذلك، ولكن قالوا: ~~يتعين قوت البلد قياسا على زكاة الفطر. وحكى البغوي أنه لا خلاف في مذهب ~~الشافعية أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى، وأثبت ابن كج ~~الخلاف في ذلك. وحكى الماوردي وجهين فيما إذا عجز عن التمر هل يلزمه قيمته ~~ببلده أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟ وبالثاني قالت الحنابلة، ~~PageV05P329 # اه كلام الفتح. والهادوية يقولون: إن الواجب رد اللبن إن كان باقيا وإن ~~كان تالفا فمثله، وإن لم يوجد المثل فالقيمة. وقد اعتذر الحنفية عن حديث ~~المصراة بأعذار بسطها صاحب فتح الباري وسنشير إلى ما ذكره باختصار، ونزيد ~~عليه ما لا يخلو عن فائدة العذر الأول الطعن في الحديث بكون راويه أبا ~~هريرة، قالوا: ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، ms2229 فلا يؤخذ بما ~~يرويه إذا كان مخالفا للقياس الجلي، وبطلان هذا العذر أوضح من أن يشتغل ~~ببيان وجهه، فإن أبا هريرة رضي الله عنه من أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يكن أحفظهم على الاطلاق وأوسعهم ~~رواية لاختصاصه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بالحفظ كما ثبت ~~في الصحيحين وغيرهما في قصة بسطه لردائه بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ومن كان بهذه المنزلة لا ينكر عليه تفرده بشئ من الأحكام ~~الشرعية. وقد اعتذر رضي الله عنه عن تفرده بكثير مما لا يشاركه فيه غيره ~~بما ثبت عنه في الصحيح من قوله: إن أصحابي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق ~~بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأشهد إذا غابوا ~~وأحفظ إذا نسوا. وأيضا لو سلم ما ادعوه من أنه ليس كغيره في الفقه لم يكن ~~ذلك قادحا في الذي يتفرد به، لأن كثيرا من الشريعة بل أكثرها وارد من غير ~~طريق المشهورين بالفقه من الصحابة، فطرح حديث أبي هريرة يستلزم طرح شطر ~~الدين، على أن أبا هريرة لم ينفرد برواية هذا الحكم عن رسول الله بل رواه ~~معه ابن عمر، كما أخرج ذلك من حديثه أبو داود والطبراني وأنس، كما أخرج ذلك ~~من حديثه أبو يعلى وعمرو بن عوف المزني، كما أخرج ذلك عنه البيهقي ورجل من ~~الصحابة لم يسم، كما أخرجه أحمد بإسناد صحيح وابن مسعود، كما أخرجه ~~الإسماعيلي وإن كان قد خالفه الأكثر ورووه موقوفا عليه كما فعله البخاري ~~وغيره وتبعهم المصنف، ولكن مخالفة ابن مسعود للقياس الجلي مشعرة بثبوت حديث ~~أبي هريرة. قال ابن عبد البر: ونعم ما قال إن هذا الحديث مجمع على صحته ~~وثبوته من جهة النقل، واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها. العذر ~~الثاني من أعذار الحنفية الاضطراب في متن الحديث قالوا: لذكر التمر فيه ~~تارة والقمح أخرى واللبن أخرى، واعتبار الصاع تارة، والمثل ms2230 أو المثلين ~~أخرى، وأجيب بأن الطرق PageV05P330 # الصحيحة لا اختلاف فيها، والضعيف لا يعل به الصحيح. العذر الثالث: أنه ~~معارض لعموم قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * (سورة ~~النحل، الآية: 126) وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، ولو سلم ~~دخوله تحت العموم فالصاع مثل لأنه عوض المتلف وجعله مخصوصا بالتمر دفعا ~~للشجار، ولو سلم عدم صدق المثل عليه فعموم الآية مخصص بهذا الحديث، إما على ~~مذهب الجمهور فظاهر، وإما على مذهب غيرهم فلأنه مشهور وهو صالح لتخصيص ~~العمومات القرآنية. العذر الرابع: أن الحديث منسوخ، وأجيب بأن النسخ لا ~~يثبت بمجرد الاحتمال، ولو كفى ذلك لرد من شاء ما شاء، واختلفوا في تعيين ~~الناسخ فقال بعضهم: هو حديث ابن عمر عند ابن ماجة في النهي عن بيع الدين ~~بالدين، وذلك لأن لبن المصراة قد صار دينا في ذمة المشتري، فإذا ألزم بصاع ~~من تمر صار دينا بدين، كذا قال الطحاوي وتعقب بأن الحديث ضعيف باتفاق ~~المحدثين، ولو سلمت صلاحيته فكون ما نحن فيه من بيع الدين بالدين ممنوع، ~~لأنه يرد الصاع مع المصراة حاضرا لا نسيئة، من غير فرق بين أن يكون اللبن ~~موجودا أو غير موجود، ولو سلم أنه من بيع الدين بالدين فحديث الباب مخصص ~~لعموم ذلك النهي لأنه أخص منه مطلقا. وقال بعضهم: إن ناسخه حديث الخراج ~~بالضمان وقد تقدم، وذلك لأن اللبن فضلة من فضلات الشاة، ولو تلفت لكانت من ~~ضمان المشتري فتكون فضلاتها له. وأجيب بأن المغروم هو ما كان فيها قبل ~~البيع لا الحادث، وأيضا حديث الخراج بالضمان بعد تسليم شموله لمحل النزاع ~~عام مخصوص بحديث الباب فكيف يكون ناسخا؟ وأيضا لم ينقل تأخره، والنسخ لا ~~يتم بدون ذلك، ثم لو سلمنا مع عدم العلم بالتاريخ جواز المصير إلى التعارض ~~وعدم لزوم بناء العام على الخاص لكان حديث الباب أرجح لكونه في الصحيحين ~~وغيرهما، ولتأيده بما ورد في معناه عن غير واحد من الصحابة. وقال بعضهم: ~~ناسخه الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، ms2231 هكذا قال عيسى بن أبان، ~~وتعقبه الطحاوي بأن التصرية إنما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب ~~لكانت العقوبة له، والعقوبة في حديث المصراة للمشتري فافترقا، وأيضا عموم ~~الأحاديث القاضية بمنع العقوبة بالمال على فرض ثبوتها مخصوصة بحديث ~~المصراة، وقد قدمنا البحث في التأديب بالمال مبسوطا في كتاب الزكاة. وقال ~~بعضهم: ناسخه حديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا PageV05P331 # وقد تقدم، وبذلك أجاب محمد ابن شجاع. ووجه الدلالة أن الفرقة قاطعة ~~للخيار من غير فرق بين المصراة وغيرها. وأجيب بأن الحنفية لا يثبتون خيار ~~المجلس كما سلف فكيف يحتجون بالحديث المثبت له؟ وأيضا بعد تسليم صحة ~~احتجاجهم به هو مخصص بحديث الباب. وأيضا قد أثبتوا خيار العيب بعد التفرق ~~وما هو جوابهم فهو جوابنا. العذر الخامس: أن الخبر من الآحاد وهي لا تفيد ~~إلا الظن وهو لا يعمل به إذا خالف قياس الأصول، وقد تقرر أن المثلى يضمن ~~بمثله، والقيمي بقيمته من أحد النقدين، فكيف يضمن بالتمر على الخصوص؟ وأجيب ~~بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو إذا كان مخالفا للأصول لا لقياس الأصول، ~~والأصول الكتاب والسنة والاجماع والقياس، والأولان هما الأصل، والآخران ~~مردودان إليهما، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ولو سلم أن الآحادي يتوقف فيه على ~~الوجه الذي زعموا فلا أقل لهذا الحديث الصحيح من صلاحيته تخصيص ذلك القياس ~~المدعي. وقد أجيب عن هذا العذر بأجوبة غير ما ذكر ولكن أمثلها ما ذكرناه. ~~ومن جملة ما خالف فيه هذا الحديث القياس عندهم أن الأصول تقتضي أن يكون ~~الضمان بقدر التالف وهو مختلف، وقد قدر ههنا بمقدار معين وهو الصاع، وأجيب ~~بمنع التعميم في جميع المضمونات، فإن الموضحة أرشها مقدر مع اختلافها ~~بالكبر والصغر، وكذلك كثير من الجنايات. والغرة مقدرة في الجنين مع ~~اختلافه. # (والحكمة) في تقدير الضمان ههنا بمقدار واحد لقطع التشاجر لما كان قد ~~اختلط اللبن الحادث بعد العقد باللبن الموجود قبله فلا يعرف مقداره حتى ~~يسلم المشتري نظيره. (والحكمة) في التقدير بالتمر أنه أقرب الأشياء إلى ~~اللبن لأنه ms2232 كان قوتهم إذ ذاك كالتمر. (ومن جملة) ما خالف به الحديث القياس ~~عندهم أنه جعل الخيار فيه ثلاثا مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث، وكذلك ~~خيار الرؤية والمجلس، وأجيب بأنه حكم المصراة تفرد بأصله عن مماثله، فلا ~~يستغرب أن ينفرد بوصف يخالف غيره، وذلك لأن هذه المدة هي التي يتبين بها ~~لبن الغرر، بخلاف خيار الرؤية والعيب والمجلس فلا يحتاج إلى مدة. (ومن ~~جملة) ما خالف به القياس عندهم أنه يلزم من الاخذ به الجمع بين العوض ~~والمعوض، فيما إذا كان قيمة الشاة صاعا من تمر فإنها ترجع إليه مع الصاع ~~الذي هو مقدار ثمنها، PageV05P332 # وأجيب بأن التمر عوض اللبن لا عوض الشاة فلا يلزم ما ذكر. (ومن جملة) ما ~~خالف به القياس عندهم أنه إذا استرد مع الشاة صاعا وكان ثمن الشاة صاعا كان ~~قد باع شاة وصاعا بصاع فيلزم الربا، وأجيب بأن الربا إنما يعتبر في العقود ~~لا في الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل ~~القبض، ولو تقابلا في هذا العقد بعينه جاز التفرق قبل القبض. (ومن جملة) ~~المخالفة أنه يلزم من الاخذ به ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن ~~موجودا، وأجيب بأنه تعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث وتعذر تمييزه، فأشبه ~~الآبق بعد الغصب فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر رده. ومنها أنه يلزم ~~من الاخذ به إثبات الرد بغير عيب ولا شرط، وأجيب بأن أسباب الرد لا تنحصر ~~في الامرين المذكورين، بل له أسباب كثيرة منها الرد بالتدليس، وقد أثبت به ~~الشارع الرد في الركبان إذا تلقفوا كما سلف، ولا يخفى على منصف أن هذه ~~القواعد التي جعلوا هذا الحديث مخالفا لها لو سلم أنها قد قامت عليها ~~الأدلة لم يقصرا الحديث عن الصلاحية لتخصيصها، فيالله العجب من قوم يبلغون ~~في المحاماة عن مذاهب أسلافهم وإيثارها على السنة المطهرة الصريحة الصحيحة ~~إلى هذا الحد الذي يسر به إبليس، وينفق في حصول مثل هذه القضية التي قل ~~طمعه ms2233 في مثلها، لا سيما من علماء الاسلام النفس والنفيس، وهكذا فلتكن ثمرات ~~التمذهبات وتقليد الرجال في مسائل الحرام والحلال. العذر السادس: أن الحديث ~~محمول على صورة مخصوصة وهي إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب مثلا خمسة أرطال ~~وشرط فيها الخيار فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار صح ~~العقد، وإن لم يتفقا بطل ووجب رد الصاع من التمر لأنه كان قيمة اللبن ~~يومئذ، وأجيب بأن الحديث معلق بالتصرية، وما ذكروه يقتضي تعليقه بفساد ~~الشرط، سواء وجدت تصرية أم لا فهو تأويل متعسف. وأيضا لو سلم أن ما ذكروه ~~من جملة صور الحديث فالقصر على صورة معينة هي فرد من أفراد الدليل لا بد من ~~إقامة دليل عليه. قال في الفتح: واختلف القائلون بالحديث في أشياء. منها: ~~لو كان عالما بالتصرية هل يثبت له الخيار؟ فيه وجه للشافعية. قال: ومنها لو ~~صار لبن المصراة عادة واستمر على كثرته هل له الرد فيه وجه لهم أيضا خلافا ~~للحنابلة في المسألتين. ومنها: لو تصرت بنفسها أو صراها المالك لنفسه ثم ~~بدا له فباعها فهل يثبت ذلك الحكم؟ فيه خلاف، فمن نظر PageV05P333 # إلى المعنى أثبته لأن العيب يثبت الخيار ولا يشترط فيه تدليس، ومن نظر ~~إلى أن حكم التصرية خارج عن القياس خصه بمورده وهو حالة العمد فإن النهي ~~إنما يتناولها فقط. ومنها: لو كان الضرع مملوءا لحما فظنه المشتري لبنا ~~فاشتراها على ذلك ثم ظهر له أنه لحم هل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان حكاهما ~~بعض المالكية. ومنها: لو اشترى غير مصراة ثم اطلع على عيب بها بعد حلبها ~~فقد نص الشافعي على جواز الرد مجانا لأنه قليل غير معتني بجمعه. وقيل: يرد ~~بدل اللبن كالمصراة. وقال البغوي: يرد صاعا من تمر انتهى. والظاهر عدم ثبوت ~~الخيار مع علم المشتري بالتصرية لانتفاء الغرر الذي هو السبب للخيار. وأما ~~كون سبب الغرر حاصلا من جهة البائع فيمكن أن يكون معتبرا، لأن حكمه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بثبوت الخيار بعد النهي عن ms2234 التصرية مشعر بذلك، وأيضا ~~المصراة المذكورة في الحديث اسم مفعول، وهو يدل على أن التصرية وقعت عليها ~~من جهة الغير، لأن اسم المفعول هو لمن وقع عليه فعل الفاعل، ويمكن أن لا ~~يكون معتبرا، لأن تصري الدابة من غير قصد، وكون ضرعها ممتلئا لحما يحصل به ~~من الغرر ما يحصل بالتصرية عن قصد فينظر. قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل ~~في النهي عن الغش، وأصل في ثبوت الخيار لمن دلس عليه بعيب. وأصل في أنه لا ~~يفسد أصل البيع. وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام. وأصل في تحريم التصرية ~~وثبوت الخيار بها. # باب النهي عن التسعير عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعرت، فقال: إن الله هو القابض ~~الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد ~~بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الدارمي والبزار وأبو يعلى، قال الحافظ: وإسناده على ~~شرط مسلم، وصححه أيضا ابن حبان. (وفي الباب) عن أبي هريرة عند أحمد وأبي ~~داود قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل ادعو الله، ثم جاء آخر ~~فقال: يا رسول الله سعر، فقال: PageV05P334 # بل الله يخفض ويرفع قال الحافظ: وإسناده حسن. وعن أبي سعيد عند ابن ماجة ~~والبزار والطبراني نحو حديث أنس ورجاله رجال الصحيح وحسنه الحافظ. وعن علي ~~عليه السلام عند البزار نحوه. وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير. وعن ~~أبي جحيفة عنده في الكبير. قوله: لو سعرت التسعير هو أن يأمر السلطان أو ~~نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم ~~إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة. قوله: المسعر فيه ~~دليل على أن المسعر من أسماء الله تعالى وأنها لا تنحصر في التسعة والتسعين ~~المعروفة. وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على ms2235 تحريم التسعير وأنه ~~مظلمة. ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والامام ~~مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى ~~من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين ~~الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضي به ~~مناف لقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) * (سورة النساء، الآية: ~~29) وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وروي عن مالك أنه يجوز للامام التسعير، ~~وأحاديث الباب ترد عليه. وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة ~~الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور. وفي وجه للشافعية ~~جواز التسعير في حالة الغلاء وهو مردود. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما ~~كان قوتا للآدمي ولغيره من الحيوانات، وبين ما كان من غير ذلك من الأدامات ~~وسائر الأمتعة، وجوز جماعة من متأخري أثمة الزيدية جواز التسعير فيما عدا ~~قوت الآدمي والبهيمة كما حكى ذلك منهم صاحب الغيث. وقال شارح الأثمار: إن ~~التسعير في غير القوتين لعله اتفاق والتخصيص يحتاج إلى دليل، والمناسب ~~الملغى لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة، بل لا يجوز العمل به على فرض عدم ~~وجود دليل كما تقرر في الأصول. # باب ما جاء في الاحتكار عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحتكر إلا خاطئ، وكان سعيد يحتكر ~~الزيت رواه أحمد PageV05P335 # ومسلم وأبو داود. وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله ~~أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو ~~خاطئ رواهما أحمد. وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس رواه ابن ms2236 ماجة. # حديث معمر أخرجه أيضا الترمذي وغيره. وحديث معقل أخرجه الطبراني في ~~الكبير والأوسط وفي إسناده زيد بن مرة أبو المعلى. قال في مجمع الزوائد: ~~ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله رجال الصحيح. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا ~~الحاكم وزاد: وقد برئت منه ذمة الله، وفي إسناد حديث أبي هريرة أبو معشر ~~وهو ضعيف وقد وثق. وحديث عمر في إسناده الهيثم بن رافع، قال أبو داود: روى ~~حديثا منكرا. قال الذهبي: هو الذي خرجه ابن ماجة يعني هذا وفي إسناده أيضا ~~أبو يحيى المكي وهو مجهول، ولبقية أحاديث الباب شواهد. منها: حديث ابن عمر ~~عند ابن ماجة والحاكم وإسحاق بن راهويه والدارمي وأبي يعلى والعقيلي في ~~الضعفاء بلفظ: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون وضعف الحافظ إسناده. ومنها: ~~حديث آخر عند ابن عمر أيضا عند أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبي ~~يعلى بلفظ: # من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه زاد الحاكم: # وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله وفي إسناده ~~أصبغ بن زيد وكثير بن مرة، والأول مختلف فيه، والثاني قال ابن حزم: إنه ~~مجهول، وقال غيره: معروف، ووثقه ابن سعد وروى عنه جماعة واحتج به النسائي. # قال الحافظ: ووهم ابن الجوزي فأخرج هذا الحديث في الموضوعات. وحكى ابن ~~أبي حاتم عن أبيه أنه منكر، ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها ~~للاستدلال على عدم جواز الاحتكار لو فرض عدم ثبوت شئ منها في الصحيح، فكيف ~~وحديث معمر المذكور في صحيح مسلم والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف في إفادة ~~عدم الجواز، لأن الخاطئ المذنب العاصي، وهو اسم فاعل من خطئ بكسر العين ~~وهمز اللام، خطأ بفتح العين وبكسر الفاء وسكون العين إذا أثم في فعله، قاله ~~PageV05P336 # أبو عبيدة وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد. ~~قوله: # بعظم بضم العين المهملة وسكون الظاء المعجمة أي بمكان عظيم من النار. ~~قوله: # حكرة بضم الحاء المهملة وسكون الكاف وهي ms2237 حبس السلع عن البيع. وظاهر ~~أحاديث الباب أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين ~~غيره، والتصريح بلفظ: الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات ~~المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الافراد التي يطلق عليها المطلق، ~~وذلك لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب وهو غير معمول به ~~عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول، وذهبت ~~الشافعية إلى أن المحرم إنما هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها ولا مقدار ~~الكفاية منها، وإلى ذلك ذهبت الهادوية. قال ابن رسلان في شرح السنن: ولا ~~خلاف في أن ما يدخره الانسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك ~~جائز لا بأس به انتهى. # ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي كل واحدة ~~من زوجاته مائة وسق من خيبر. قال ابن رسلان في شرح السنن: وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره. قال أبو ~~داود: قيل لسعيد يعني ابن المسيب: فإنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر، وكذا ~~في صحيح مسلم. قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا ~~الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة ~~وآخرون. ويدل على اعتبار الحاجة وقصد إغلاء السعر على المسلمين قوله في ~~حديث معقل: من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم وقوله في حديث أبي ~~هريرة: يريد أن يغلي بها على المسلمين قال أبو داود: سألت أحمد ما الحكرة؟ ~~قال: ما فيه عيش الناس أي حياتهم وقوتهم. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ~~يعني أحمد بن حنبل يسأل عن أي شئ الاحتكار؟ فقال: إذا كان من قوت الناس فهو ~~الذي يكره، وهذا قول ابن عمر. وقال الأوزاعي: المحتكر من يعترض السوق أي ~~ينصب نفسه للتردد إلى الأسواق ليشتري منها الطعام الذي يحتاجون إليه ~~ليحتكره. # قال ms2238 السبكي: الذي ينبغي أن يقال في ذلك أنه إن منع غيره من الشراء وحصل ~~به ضيق حرم، وإن كانت الأسعار رخيصة وكان القدر الذي يشتريه لا حاجة بالناس ~~إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى. قال ~~القاضي حسين PageV05P337 # والروياني: وربما يكون هذا حسنة لأنه ينفع به الناس، وقطع المحاملي في ~~المقنع باستحبابه، قال أصحاب الشافعي: الأولى بيع الفاضل عن الكفاية، قال ~~السبكي: أما إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت ~~حاجتهم إليه فينبغي أن لا يكره بل يستحب. (والحاصل) أن العلة إذا كانت هي ~~الاضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضربهم، ويستوي في ذلك ~~القوت وغيره لأنهم يتضررون بالجميع. قال الغزالي في الاحياء: ما ليس بقوت ~~ولا معين عليه فلا يتعدى النهي إليه وإن كان مطعوما، وما يعين على القوت ~~كاللحم والفواكه، وما يسد مسد شئ من القوت في بعض الأحوال وإن كان لا يمكن ~~المداومة عليه فهو في محل النظر، فمن العلماء من طرد التحريم في السمن ~~والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجرى مجراه. وقال السبكي: إذا كان في وقت ~~قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار فينبغي أن يقضي ~~بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهة. # وقال القاضي حسين: إذا كان الناس يحتاجون الثياب ونحوها لشدة البرد أو ~~لستر العورة فيكره لمن عنده ذلك إمساكه. قال السبكي: إن أراد كراهة تحريم ~~فظاهر، وإن أراد كراهة تنزيه فبعيد. وحكى أبو داود عن قتادة أنه قال: ليس ~~في التمر حكرة. # وحكي أيضا عن سفيان أنه سئل عن كبس ألقت فقال: كانوا يكرهون الحكرة، ~~والكبس بفتح الكاف وإسكان الموحدة، وألقت بفتح القاف وتشديد التاء الفوقية ~~وهو اليابس من القضب. قال الطيبي: إن التقييد بالأربعين اليوم غير مراد به ~~التحديد انتهى. ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد. # باب النهي عن كسر سكة المسلمين إلا من بأس عن عبد الله بن عمرو المازني ms2239 ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنكسر سكة المسلمين الجائزة ~~بينهم إلا من بأس رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وزاد: نهى أن تكسر الدراهم فتجعل فضة، ~~وتكسر الدنانير فتجعل ذهبا وضعفه ابن حبان، ولعل وجه الضعف كونه في ~~PageV05P338 # إسناده محمد بن فضاء بفتح الفاء والضاد المعجمة الأزدي الحمصي البصري ~~المعبر للرؤيا، قال المنذري: لا يحتج بحديثه. قوله: سكة بكسر السين المهملة ~~أي الدراهم المضروبة على السكة الحديد المنقوشة التي تطبع عليها الدراهم ~~والدنانير. قوله: الجائزة يعني النافقة في معاملتهم. قوله: إلا من بأس كأن ~~تكون زيوفا، وفي معنى كسر الدارهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة ~~الامام، لا سيما إذا كان التعامل بذلك جاريا بين المسلمين كثيرا. (والحكمة) ~~في النهي ما في الكسر من الضرر بإضاعة المال لما يحصل من النقصان في ~~الدراهم ونحوها إذا كسرت وأبطلت المعاملة بها. قال ابن رسلان: لو أبطل ~~السلطان المعاملة بالدراهم التي ضربها السلطان الذي قبله وأخرج غيرها جاز ~~كسر تلك الدراهم التي أبطلت وسبكها لاخراج الفضة التي فيها، وقد يحصل في ~~سبكها وكسرها ربح كثير لفاعله انتهى. ولا يخفى أن الشارع لم يأذن في الكسر ~~إلا إذا كان بها بأس، ومجرد الابدال لنفع البعض ربما أفضى إلى الضرر ~~بالكثير من الناس، فالجزم بالجواز من غير تقييد بانتفاء الضرر لا ينبغي. ~~قال أبو العباس بن سريج: إنهم كانوا يقرضون أطراف الدراهم والدنانير ~~بالمقراض ويخرجونهما عن السعر الذي يأخذونهما به، ويجمعون من تلك القراضة ~~شيئا كثيرا بالسبك، كما هو معهود في المملكة الشامية وغيرها، وهذه الفعلة ~~هي التي نهى الله عنها قوم شعيب بقوله: # * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) * (سورة الأعراف، الآية: 185) فقالوا: ~~أتنهانا أن نفعل في أموالنا يعني الدراهم والدنانير ما نشاء من القرض، ولم ~~ينتهوا عن ذلك فأخذتهم الصيحة. # (فائدة) قال في البحر مسألة: الامام يحيى لو باع بنقد ثم حرم السلطان ~~التعامل به قبل قبضه فوجهان: يلزم ذلك النقد إذ عقد عليه. الثاني ms2240 يلزم ~~قيمته إذ صار لكساده كالعرض انتهى. قال في المنار: وكذلك لو صار كذلك يعني ~~النقد لعارض آخر، وكثير ما وقع هذا في زمننا لفساد الضربة لاهمال الولاة ~~النظر في المصالح، والأظهر أن اللازم القيمة لما ذكره المصنف انتهى. # باب ما جاء في اختلاف المتبايعين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول ~~صاحب السلعة أو يترادان رواه أحمد PageV05P339 # وأبو داود والنسائي وزاد فيه ابن ماجة: والبيع قائم بعينه وكذلك أحمد في ~~رواية: والسلعة كما هي وللدارقطني عن أبي وائل عن عبد الله قال: إذا اختلف ~~البيعان والبيع مستهلك فالقول قول البائع ورفع الحديث إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. ولأحمد والنسائي عن أبي عبيدة: وأتاه رجلان تبايعا سلعة ~~فقال هذا: # أخذت بكذا وكذا، وقال هذا: بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة أتى عبد الله ~~في مثل هذا فقال: حضرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذا فأمر ~~بالبائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك. # الحديث روي عن عبد الله بن مسعود من طرق بألفاظ ذكر المصنف رحمه الله ~~بعضها. وقد أخرجه أيضا الشافعي من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ~~إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن ~~مسعود، وقد اختلف فيه على إسماعيل بن أمية ثم على ابن جريج. وقد اختلف في ~~صحة سماع أبي عبيدة من أبيه. ورواه من طريق أبي عبيدة أحمد والنسائي ~~والدارقطني، وقد صححه الحاكم وابن السكن. ورواه أيضا الشافعي من طريق سفيان ~~بن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود، وفيه أيضا انقطاع، لان ~~عونا لم يدرك ابن مسعود. ورواه الدارقطني من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده، وفيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. ~~ورواه أبو داود من ms2241 طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث ابن قيس عن ~~أبيه عن جده عن ابن مسعود. وأخرجه أيضا من طريق محمد بن أبي ليلى عن القاسم ~~بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن ابن مسعود، ومحمد بن أبي ~~ليلى لا يحتج به، وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه. ورواه ابن ماجة والترمذي من ~~طريق عون بن عبد الله أيضا عن ابن مسعود وقد سبق أنه منقطع. قال البيهقي: ~~وأصح إسناد روي في هذا الباب رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن ~~محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده، ورواه أيضا الدارقطني من طريق ~~القاسم بن عبد الرحمن، قال الحافظ: ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن اختلف ~~في سماعه من أبيه. ورواية التراد رواها أيضا مالك بلاغا، والترمذي وابن ~~ماجة بإسناد منقطع. # ورواه أيضا الطبراني بلفظ: البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا. قال ~~الحافظ: رواته ثقات، PageV05P340 # لكن اختلف في عبد الرحمن بن صالح يعني الراوي له عن فضيل بن عياض عن ~~منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: وما أظنه حفظه، فقد جزم ~~الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول. ورواه أيضا ~~النسائي والبيهقي والحاكم من طريق عبد الرحمن بن قيس بالاسناد الذي رواه ~~عنه أبو داود كما سلف، وصححه من هذا الوجه الحاكم وحسنه البيهقي، ورواه عبد ~~الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده بلفظ: ~~إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا. ورواه من هذا ~~الوجه الطبراني والدارمي. وقد انفرد بقوله: والسلعة قائمة محمد بن أبي ليلى ~~ولا يحتج به كما عرفت لسوء حفظه. قال الخطابي: إن هذه اللفظة يعني والسلعة ~~قائمة لا تصح من طريق النقل مع احتمال أن يكون ذكرها من التغليب، لان أكثر ~~ما يعرض النزاع حال قيام السلعة كقوله تعالى: * (في حجوركم) * (سورة ~~النساء، الآية: 23) ولم يفرق أكثر الفقهاء في ms2242 البيوع الفاسدة بين القائم ~~والتالف انتهى. وأبو وائل الراوي لقوله: والبيع مستهلك كما في حديث الباب ~~هو عبد الله بن بحير شيخ عبد الرزاق الصنعاني القاص وثقه ابن معين، وقال ~~ابن حبان: يروي العجائب التي كأنها معمولة لا يحتج به، وليس هذا المذكور ~~عبد الله بن بحير بن ريشان فإنه ثقة، وعلى هذا فلا يقبل ما تفرد به أبو ~~وائل المذكور. وأما قوله فيه تحالفا فقال الحافظ: لم يقع عند أحد منهم ~~وإنما عندهم، والقول قول البائع أو يترادان البيع انتهى. قال ابن عبد البر: ~~إن هذا الحديث منقطع، إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة تلقوه بالقبول وبنوا ~~عليه كثيرا من فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وتابعه عبد الحق وأعله هو ~~وابن القطان بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه وجده. وقال الخطابي: هذا حديث قد ~~اصطلح الفقهاء على قبوله، وذلك يدل على أن له أصلا وإن كان في إسناده مقال، ~~كما اصطلحوا على قبول لا وصية لوارث وإسناده فيه ما فيه انتهى. قوله: ~~البيعان أي البائع والمشتري كما تقدم في الخيار، ولم يذكر الامر الذي فيه ~~الاختلاف، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام على ما تقرر في ~~علم المعاني، فيعم الاختلاف في المبيع والثمن وفي كل أمر فرجع إليهما، وفي ~~سائر الشروط المعتبرة، والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات كما ~~وقع في الباب لا ينافي هذا العموم المستفاد من الحذف. قوله: صاحب السلعة هو ~~البائع كما وقع التصريح به في سائر الروايات، فلا وجه لما روي عن البعض أن ~~رب السلعة في الحال هو المشتري. وقد استدل بالحديث من قال: إن القول قول ~~البائع إذا وقع PageV05P341 # الاختلاف بينه وبين المشتري في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد ولكن مع ~~يمينه، كما وقع في الرواية الآخرة، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما على ~~التراد، فإن تراضيا على ذلك جاز بلا خلاف، فلا يكون لهما خلاص عن النزاع ~~إلا التفاسخ أو حلف البائع، والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه لما ms2243 ~~عرفت من عدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، ~~والتراد مع التلف ممكن بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثلى وقيمة القيمي ~~إذا تقرر لك ما يدل عليه هذا الحديث من كون القول قول البائع من غير فرق، ~~فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل به في جميع صور الاختلاف أحد فيما أعلم، بل ~~اختلفوا في ذلك اختلافا طويلا على حسب ما هو مبسوط في الفروع، ووقع الاتفاق ~~في بعض الصور والاختلاف في بعض، وسبب الاختلاف في ذلك ما سيأتي من قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه لأنه يدل ~~بعمومه على أن اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعي من غير فرق بين ~~أن يكون أحدهما بائعا والآخر مشتريا أو لا. وحديث الباب يدل على أن القول ~~قول البائع مع يمينه، والبينة على المشتري، من غير فرق بين أن يكون البائع ~~مدعيا أو مدعى عليه، فبين الحديثين عموم وخصوص من وجه فيتعارضان باعتبار ~~مادة الاتفاق وهي حيث يكون البائع مدعيا، فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى ~~الأمور الخارجية، وحديث أن اليمين على المدعى عليه عزاه المصنف في كتاب ~~الأقضية إلى أحمد ومسلم، وهو أيضا في صحيح البخاري في الرهن، وفي باب ~~اليمين على المدعى عليه، وفي تفسير آل عمران. وأخرجه الطبراني بلفظ: البينة ~~على المدعي واليمين على المدعى عليه. وأخرجه الإسماعيلي بلفظ ولكن البينة ~~على الطالب واليمين على المطلوب وأخرجه البيهقي بلفظ: لو يعطى الناس ~~بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على ~~من أنكر وهذه الألفاظ كلها في حديث ابن عباس ممن رام الترجيح بين الحديثين ~~لم يصعب عليه ذلك بعد هذا البيان، ومن أمكنه الجمع بوجه مقبول فهو المتعين. # كتاب السلم عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ~~وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ~~ووزن معلوم إلى أجل معلوم PageV05P342 # رواه الجماعة، وهو حجة في ms2244 السلم في منقطع الجنس حالة العقد. # قوله: كتاب السلم هو بفتح السين المهملة واللام كالسلف، وزنا ومعنى، وحكي ~~في الفتح عن الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. ~~وقيل: السلف تقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس فالسلف أعم. قال في ~~الفتح: والسلم شرعا بيع موصوف في الذمة وزيد في الحد ببدل يعطى عاجلا وفيه ~~نظر، لأنه ليس داخلا في حقيقته. قال: واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما ~~حكي عن ابن المسيب، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما ~~يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر جوز ~~للحاجة أم لا اه. قوله يسلفون بضم أوله. قوله: السنة والسنتين في رواية ~~للبخاري: عامين أو ثلاثة والسنة بالنصب على الظرفية أو على المصدر، وكذلك ~~لفظ سنتين وعامين. قوله: في كيل معلوم احترز بالكيل عن السلم في الأعيان ~~وبقوله معلوم عن المجهول من المكيل والموزون، وقد كانوا في المدينة حين قدم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلمون في ثمار نخيل بأعيانها فنهاهم عن ذلك ~~لما فيه من الغرر، إذ قد تصاب تلك النخيل بعاهة فلا تثمر شيئا، قال الحافظ: ~~واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف ~~المكاييل إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه عند ~~الاطلاق. قوله: إلى أجل معلوم فيه دليل على اعتبار الاجل في السلم، وإليه ~~ذهب الجمهور وقالوا: لا يجوز السلم حالا، وقالت الشافعية: يجوز، قالوا: ~~لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فجوازه حالا أولى، وليس ذكر الاجل في الحديث ~~لأجل الاشتراط، بل معناه: إن كان لأجل فليكن معلوما وتعقب بالكتابة فإن ~~التأجيل شرط فيها. وأجيب بالفرق لأن الاجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد ~~غالبا ، واستدل الجمهور على اعتبار التأجيل بما أخرجه الشافعي والحاكم ~~وصححه عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في ~~كتابه وأذن فيه ثم قرأ ms2245 * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه) * (سورة البقرة، الآية: 282) ويجاب بأن هذا يدل على جواز ~~السلم إلى أجل، ولا يدل على أنه لا يجوز إلا مؤجلا. # وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال: لا تسلف إلى العطاء ولا ~~إلى الحصاد واضرب أجلا ويجاب بأن هذا ليس بحجة لأنه موقوف عليه. وكذلك يجاب ~~PageV05P343 # عن قول أبي سعيد الذي علقه البخاري ووصله عبد الرزاق بلفظ: السلم بما ~~يقوم به السعر ربا، ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل وقد اختلف الجمهور في ~~مقدار الاجل فقال أبو حنيفة: لا فرق بين الاجل القريب والبعيد، وقال أصحاب ~~مالك: لا بد من أجل تتغير فيه الأسواق وأقله عندهم ثلاثة أيام، وكذا عند ~~الهادوية، وعند ابن القاسم خمسة عشر يوما، وأجاز مالك السلم إلى العطاء ~~والحصاد ومقدم الحاج، ووافقه أبو ثور، واختار ابن خزيمة تأقيته إلى الميسرة ~~واحتج بحديث عائشة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى يهودي: ابعث إلي ثورين إلى ~~الميسرة وأخرجه النسائي وطعن ابن المنذر في صحته، وليس في ذلك دليل على ~~المطلوب، لأن التنصيص على نوع من أنواع الاجل لا ينفي غيره. وقال المنصور ~~بالله: أقله أربعون يوما، وقال الناصر: أقله ساعة، والحق ما ذهبت إليه ~~الشافعية من عدم اعتبار الاجل لعدم ورود دليل يدل عليه، فلا يلزم التعبد ~~بحكم بدون دليل. وأما ما يقال من أنه يلزم مع عدم الاجل أن يكون بيعا ~~للمعدوم ولم يرخص فيه إلا في السلم، ولا فارق بينه وبين البيع إلا الاجل، ~~فيجاب عنه بأن الصيغة فارقة وذلك كاف. # (واعلم) أن للسلم شروطا غير ما اشتمل عليه الحديث مبسوطة في كتب الفقه، ~~ولا حاجة لنا في التعرض لما لا دليل عليه، إلا أنه وقع الاجماع على اشتراط ~~معرفة صفة الشئ المسلم فيه على وجه يتميز بتلك المعرفة عن غيره. # وعن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى قالا: كنا نصيب المغانم مع ~~رسول الله ms2246 صلى الله عليه وآله وسلم وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام ~~فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى، قيل: أكان لهم زرع أو لم ~~يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك رواه أحمد والبخاري. وفي رواية: كنا نسلف ~~على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير ~~والزيت والتمر وما نراه عندهم رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن أبي سعيد قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى ~~غيره رواه أبو داود وابن ماجة. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من أسلف شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه وفي لفظ: من ~~أسلف في شئ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله رواهما الدارقطني. واللفظ ~~الأول دليل امتناع الرهن والضمين فيه، والثاني بمنع الإقالة في البعض. ~~PageV05P344 # حديث أبي سعيد في إسناده عطية بن سعد العوفي، قال المنذري: لا يحتج ~~بحديثه. # قوله: ابن أبزى بالموحدة والزاي على وزن أعلى وهو الخزاعي أحد صغار ~~الصحابة ولأبيه أبزى صحبة. قوله: أنباط جمع نبيط وهم قوم معروفون كانوا ~~ينزلون بالبطائح من العراقين قاله الجوهري، وأصلهم قوم من العرب دخلوا في ~~العجم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم النبط بفتحتين، والنبيط ~~بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بإنباط ~~الماء أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة، وقيل: هم نصارى الشام وهم عرب ~~دخلوا في الروم ونزلوا بوادي الشام، ويدل على هذا قوله: من أنباط الشام. ~~وقيل: هم طائفتان: طائفة اختلطت بالعجم ونزلوا البطائح، وطائفة اختلطت ~~بالروم ونزلوا الشام. قوله: فنسلفهم بضم النون وإسكان السين المهملة وتخفيف ~~اللام من الأسلاف، وقد تشدد اللام مع فتح السين من التسليف. قوله: ما كنا ~~نسألهم عن ذلك فيه دليل على أنه لا يشترط في المسلم فيه أن يكون عند المسلم ~~إليه، وذلك مستفاد من تقريره صلى الله عليه وآله وسلم لهم مع ترك ~~الاستفصال. قال ابن ms2247 رسلان: وأما المعدوم عند المسلم إليه وهو موجود عند ~~غيره فلا خلاف في جوازه. قوله: وما نراه عندهم لفظ أبي داود: إلى قوم ما هو ~~عندهم أي ليس عندهم أصل من أصول الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقد اختلف ~~العلماء في جواز السلم فيما ليس بموجود في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت ~~حلول الأجل ، فذهب إلى جوازه الجمهور قالوا: ولا يضر انقطاعه قبل الحلول. ~~وقال أبو حنيفة: # لا يصح فيما ينقطع قبله، بل لا بد أن يكون موجودا من العقد إلى المحل، ~~ووافقه الثوري والأوزاعي، فلو أسلم في شئ فانقطع في محله لم ينفسخ عند ~~الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ. واستدل أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه أبو ~~داود عن ابن عمر: # أن رجلا أسلف رجلا في نخل فلم يخرج تلك السنة شيئا فاختصما إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: بم تستحل ماله؟ أردد عليه ماله، ثم قال: لا ~~تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه وهذا نص في التمر وغيره قياس عليه، ولو صح ~~هذا الحديث لكان المصير إليه أولى لأنه صريح في الدلالة على المطلوب، بخلاف ~~حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فليس فيه إلا مظنة التقرير ~~منه صلى الله PageV05P345 # عليه وآله وسلم مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم، ولكن حديث ~~ابن عمر هذا في إسناده رجل مجهول، فإن أبا داود رواه عن محمد بن كثير عن ~~سفيان عن أبي إسحاق عن رجل نجراني عن ابن عمر، ومثل هذا لا تقوم به حجة. # (قال القائلون) بالجواز: ولو صح هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان أو على ~~السلم الحال عند من يقول به أو على ما قرب أجله، قالوا: ومما يدل على ~~الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، ومن ~~المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط الوجود لم يصح السلم في ~~الرطب إلى هذه المدة، وهذا أولى ما يتمسك به في الجواز. قوله: فلا يصرفه ms2248 ~~إلى غيره الظاهر أن الضمير راجع إلى المسلم فيه لا إلى ثمنه الذي هو رأس ~~المال، والمعنى: أنه لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشئ قبل قبضه، ولا يجوز ~~بيعه قبل القبض، أي لا يصرفه إلى شئ غير عقد السلم. وقيل: # الضمير راجع إلى رأس مال السلم. وعلى ذلك حمله ابن رسلان في شرح السنن ~~وغيره، أي ليس له صرف رأس المال في عوض آخر كأن يجعله ثمنا لشئ آخر، فلا ~~يجوز له ذلك حتى يقبضه، وإلى ذلك ذهب مالك وأبو حنيفة والهادي والمؤيد ~~بالله. وقال الشافعي وزفر: يجوز ذلك لأنه عوض عن مستقر في الذمة فجاز كما ~~لو كان قرضا، ولأنه مال عاد إليه بفسخ العقد على فرض تعذر المسلم فيه فجاز ~~أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع إذا فسخ العقد. قوله: فلا يشرط على صاحبه ~~غير قضائه فيه دليل على أنه لا يجوز شئ من الشروط في عقد السلم غير القضاء، ~~واستدل به المصنف على امتناع الرهن. وقد روي عن سعيد بن جبير أن الرهن في ~~السلم هو الربا المضمون. وقد روي نحو ذلك عن ابن عمر والأوزاعي والحسن وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد، ورخص فيه الباقون، واستدلوا بما في الصحيح من حديث ~~عائشة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى طعاما من يهودي نسيئة ورهنه درعا ~~من حديد. وقد ترجم عليه البخاري باب الرهن في السلم، وترجم عليه أيضا في ~~كتاب السلم باب الكفيل في السلم، واعترض عليه الإسماعيلي: بأنه ليس في ~~الحديث ما ترجم به، ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به ~~فجاز أخذ الكفيل به، والخلاف في الكفيل كالخلاف في الرهن. قوله: فلا يأخذ ~~إلا ما أسلف فيه PageV05P346 # الخ، فيه دليل لمن قال: إنه لا يجوز صرف رأس المال إلى شئ آخر، وقد تقدم ~~الخلاف في ذلك. # كتاب القرض باب فضيلته عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان ms2249 كصدقتها مرة رواه ابن ماجة. # الحديث في إسناده سليمان بن بشير وهو متروك، قال الدارقطني: والصواب أنه ~~موقوف على ابن مسعود، وفي الباب عن أنس عند ابن ماجة مرفوعا: الصدقة بعشرة ~~أمثالها والقرض بثمانية عشر وفي إسناده خالد بن يزيد بن عبد الرحمن الشامي، ~~قال النسائي: ليس بثقة. وعن أبي هريرة عند مسلم مرفوعا: من نفس عن أخيه ~~كربة من كرب الدنيا نفس الله بها عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر ~~على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان في ~~عون أخيه. وفي فضيلة القرض أحاديث، وعمومات الأدلة القرآنية والحديثية ~~القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته شاملة له، ~~ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته. قال ابن رسلان: ولا خلاف في جواز سؤاله ~~عند الحاجة ولا نقص على طالبه، ولو كان فيه شئ من ذلك لما استسلف النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، قال في البحر: # وموقعه أعظم من الصدقة إذ لا يفترض إلا محتاج اه. ويدل على هذا الحديث ~~أنس المذكور، وفي حديث الباب دليل على أن قرض الشئ مرتين يقوم مقام التصدق ~~به مرة. # باب استقراض الحيوان والقضاء من الجنس فيه وفي غيره عن أبي هريرة قال: ~~استقرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنا فأعطى سنا خيرا من سنه وقال: ~~خياركم أحاسنكم قضاء رواه أحمد والترمذي وصححه. وعن أبي رافع قال: استلف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكرا فجاءته إبل PageV05P347 # الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره، فقلت: إني لم أجد في الإبل إلا جملا ~~خيارا رباعيا فقال: أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء رواه الجماعة ~~إلا البخاري. # وعن أبي سعيد قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتقاضاه ~~دينا كان عليه فأرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا ~~حتى يأتينا تمر فنقضيك مختصر لابن ماجة. # حديث أبي هريرة هو في الصحيحين بلفظ: كان ms2250 لرجل على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم حق فأغلظ له، فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق ~~مقالا، فقال لهم: اشتروا له سنا فأعطوه إياه، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا ~~هو خير من سنه، قال: فاشتروه وأعطوه إياه فإن من خيركم أو أخيركم أحسنكم ~~قضاء وسيأتي وفي الباب عن العرباض بن سارية عند النسائي والبزار قال: بعث ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكرا وأتيته أتقاضاه فقلت: أقض ثمن بكري، ~~فقال: لا أقضيك إلا نجيبة، فدعاني فأحسن قضائي، ثم جاء أعرابي فقال: أقض ~~بكري فقضاه بعيرا وحديث أبي سعيد في إسناده عند ابن ماجة ابن أبي عبيدة عن ~~أبيه وهما ثقتان وبقية إسناده ثقات. قوله: أحاسنكم قضاء جمع أحسن. ورواية ~~الصحيحين: أحسنكم كما سلف وهو الفصيح. ووقع في رواية لأبي داود محاسنكم ~~بالميم كمطلع ومطالع. # وقوله: بكرا بفتح الباء الموحدة وهو الفتى من الإبل. قال الخطابي: هو من ~~الإبل بمنزلة الغلام من الذكور، والقلوص بمنزلة الجارية من الإناث. قوله ~~رباعيا بفتح الراء وتخفيف الموحدة وهو الذي استكمل ست سنين ودخل في السابعة ~~(وفي الحديثين) دليل على جواز الزيادة على مقدار القرض من المستقرض، وسيأتي ~~الكلام على ذلك قال الخطابي وفي حديث أبي رافع من الفقه جواز تقديم الصدقة ~~قبل محلها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل له الصدقة، فلا يجوز ~~أن يقضي من إبل الصدقة شيئا كان استسلفه لنفسه، فدل على أنه استسلفه لأهل ~~الصدقة من أرباب المال، وهذا استدلال الشافعي (وقد اختلف) العلماء في جواز ~~تقديم الصدقة عن محل وقتها، فأجازه الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وابن حنبل ~~وابن راهويه. # وقال الشافعي، يجوز أن يعجل الصدقة سنة واحدة، وقال الشافعي: لا يجوز أن ~~يخرجها قبل حلول الحول، وكرهه سفيان الثوري، وقد تقدم في الزكاة ذكر ما يدل ~~على PageV05P348 # الجواز. (وفي الحديثين) أيضا جواز قرض الحيوان وهو مذهب الجمهور، ومنع ~~ذلك الكوفيون والهادوية قالوا: لأنه نوع من البيع مخصوص، وقد نهى صلى الله ~~عليه ms2251 وآله وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان كما سلف. ويجاب بأن الأحاديث ~~متعارضة في المنع من بيع الحيوان بالحيوان، والجواز وعلى تسليم أن المنع هو ~~الراجح، فحديث أبي هريرة وأبي رافع والعرباض بن سارية مخصصة لعموم النهي. ~~(وأما الاستدلال) على المنع بأن الحيوان مما يعظم فيه التفاوت فممنوع، وقد ~~استثنى مالك والشافعي وجماعة من العلماء قرض الولائد فقالوا: لا يجوز لأنه ~~يؤدي إلى عارية الفرج، وأجاز ذلك مطلقا داود والطبري والمزني ومحمد بن داود ~~وبعض الخراسانيين، وأجازه بعض المالكية بشرط أن يرد غير ما استقرضه وأجازه ~~بعض أصحاب الشافعي وبعض المالكية فيمن يحرم وطؤه على المستقرض. وقد حكى ~~إمام الحرمين عن السلف والغزالي عن الصحابة النهي عن قرض الولائد. وقال ابن ~~حزم: ما نعلم في هذا أصلا من كتاب ولا من رواية صحيحة ولا سقيمة، ولا من ~~قول صاحب إجماع ولا قياس أهو حديث أبي سعيد المذكور فيه دليل على أنه يجوز ~~لمن عليه دين أن يقضيه بدين آخر، ولا خلاف في جواز ذلك فيما أعلم. # باب جواز الزيادة عند الوفاء والنهي عنها قبله عن أبي هريرة قال: كان ~~لرجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: ~~أعطوه فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال أعطوه، فقال: أوفيتني ~~أوفاك الله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن خيركم أحسنكم قضاء. وعن ~~جابر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لي عليه دين فقضاني ~~وزادني متفق عليهما. وعن أنس وسئل الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه ~~فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى ~~إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه ~~قبل ذلك رواه ابن ماجة. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ~~أقرض فلا يأخذ هدية رواه البخاري في تاريخه. وعن أبي بردة بن أبي موسى قال: ~~قدمت المدينة فلقيت عبد الله ms2252 PageV05P349 # بن سلام فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدي ~~إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا رواه البخاري في ~~صحيحه. حديث أنس في إسناده يحيى بن أبي إسحاق الهنائي وهو مجهول، وفي ~~إسناده أيضا عتبة بن حميد الضبي وقد ضعفه أحمد، والراوي عنه إسماعيل بن ~~عياش وهو ضعيف. # قوله: سن أي جمل له سن معين. وفي حديث أبي هريرة دليل على جواز المطالبة ~~بالدين إذا حل أجله، وفيه أيضا دليل على حسن خلق النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وتواضعه وإنصافه. وقد وقع في بعض ألفاظ الصحيح: أن الرجل أغلظ على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق ~~مقالا كما تقدم. # وفيه دليل على جواز قرض الحيوان، وقد تقدم الخلاف في ذلك. وفيه جواز رد ~~ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في النقد، وبه قال ~~الجمهور. # وعن المالكية إن كانت الزيادة بالعدد لم يجز، وإن كانت بالوصف جازت، ويرد ~~عليهم حديث جابر المذكور في الباب، فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم زاده، والظاهر أن الزيادة كانت في العدد، وقد ثبت في رواية للبخاري أن ~~الزيادة كانت قيراطا، وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقا، ~~ولا يلزم من جواز الزيادة في القضاء على مقدار الدين جواز الهدية ونحوها ~~قبل القضاء لأنها بمنزلة الرشوة فلا تحل، كما يدل على ذلك حديثا أنس ~~المذكور ان في الباب، وأثر عبد الله بن سلام (والحاصل) أن الهدية والعارية ~~ونحوهما إذا كانت لأجل التنقيص في أجل الدين، أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو ~~لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه فذلك محرم لأنه نوع من الربا ~~أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين ~~فلا بأس، وإن لم يكن ذلك لغرض أصلا فالظاهر المنع لاطلاق النهي عن ذلك، ~~وأما ms2253 الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط ولا إضمار فالظاهر ~~الجواز، من غير فرق بين الزيادة في الصفة والمقدار والقليل والكثير، لحديث ~~أبي هريرة وأبي رافع والعرباض وجابر، بل هو مستحب. قال المحاملي وغيره من ~~الشافعية: # يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ للحديث الصحيح في ذلك يعني قوله: إن ~~خيركم أحسنكم قضاء. ومما يدل على عدم حل القرض الذي يجر إلى المقرض نفعا ما ~~أخرجه PageV05P350 # البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ: كل قرض جر منفعة فهو ~~وجه من وجوه الربا ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد ~~الله ابن سلام وابن عباس موقوفا عليهم. ورواه الحرث بن أبي أسامة من حديث ~~علي عليه السلام بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قرض جر منفعة ~~وفي رواية: # كل قرض جر منفعة فهو ربا وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك، قال عمر ابن ~~زيد في المغني: لم يصح فيه شئ، ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح ~~ولا خبرة لهما بهذا الفن، وأما إذا قضى المقترض المقرض دون حقه وحلله من ~~البقية كان ذلك جائزا، وقد استدل البخاري على جواز ذلك بحديث جابر في دين ~~أبيه وفيه: فسألتهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي وفي رواية للبخاري ~~أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل له غريمه في ذلك قال ابن بطال: ~~لا يجوز أن يقضي دون الحق بغير محاللة، ولو حلله من جميع الدين جاز عند ~~العلماء، فكذلك إذا حلله من بعضه اه. قوله: # أو حمل قت بفتح القاف وتشديد التاء المثناة وهو الجاف من النبات المعروف ~~بالفصفصة بكسر الفاءين وإهمال الصادين، فما دام رطبا فهو الفصفصة، فإذا جف ~~فهو ألقت، والفصفصة هي القضب المعروف، وسمي بذلك لأنه يجز ويقطع، وألقت ~~كلمة فارسية عربت، فإذا قطعت الفصفصة كبست وضم بعضها على بعض إلى أن تجف ~~وتباع لعلف الدواب كما في بلاد مصر ونواحيها. # كتاب الرهن عن أنس قال: ms2254 رهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم درعا عند ~~يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ~~ماجة. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى طعاما من يهودي ~~إلى أجل ورهنه درعا من حديد. وفي لفظ: توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين ~~صاعا من شعير أخرجاهما. ولأحمد والنسائي وابن ماجة مثله من حديث ابن عباس، ~~وفيه من الفقه جواز الرهن في الحضر ومعاملة أهل الذمة. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا الترمذي وصححه. وقال صاحب الاقتراح: هو ~~PageV05P351 # شرط البخاري. قوله: رهن الرهن بفتح أوله وسكون الهاء في اللغة الاحتباس ~~من قولهم: رهن الشئ إذا دام وثبت، ومنه * (كل نفس بما كسبت رهينة) * (سورة ~~المدثر، الآية: 38) وفي الشرع جعل مال وثيقة على دين، ويطلق أيضا على العين ~~المرهونة تسمية للمفعول به باسم المصدر. وأما الرهن بضمتين فالجمع ويجمع ~~أيضا على رهان بكسر الراء ككتب وكتاب وقرئ بهما. قوله: عند يهودي هو أبو ~~الشحم كما بينه الشافعي والبيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رهن درعا له عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر ~~في شعير اه. وأبو الشحم بفتح المعجمة وسكون المهملة كنيته، وظفر بفتح الظاء ~~والفاء بطن من الأوس وكان حليفا لهم، وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة ~~وموحدة مكسورة اسم فاعل من الاباء وكأنه التبس عليه بآبي اللحم الصحابي. ~~قوله: بثلاثين صاعا من شعير في رواية الترمذي والنسائي من هذا الوجه ~~بعشرين، ولعله صلى الله عليه وآله وسلم رهنه أول الأمر في عشرين ثم استزاده ~~عشرة، فرواه الراوي تارة على ما كان الرهن عليه أولا، وتارة على ما كان ~~عليه آخرا. وقال في الفتح: لعله كان دون الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وألغى ~~الجبر أخرى. ووقع لابن حبان عن أنس أن قيمة الطعام كانت دينارا، وزاد أحمد ~~في رواية: فما وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يفكها به حتى مات. ~~(والأحاديث) المذكورة فيها دليل ms2255 على مشروعية الرهن وهو مجمع على جوازه، ~~وفيها أيضا دليل على صحة الرهن في الحضر وهو قول الجمهور، والتقييد بالسفر ~~في الآية خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له لدلالة الأحاديث على مشروعيته في ~~الحضر، وأيضا السفر مظنة فقد الكاتب، فلا يحتاج إلى الرهن غالبا إلا فيه. ~~وخالف مجاهد والضحاك فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه ~~قال داود وأهل الظاهر، والأحاديث ترد عليهم وقال ابن حزم: إن شرط المرتهن ~~الرهن في الحضر لم يكن له ذلك وإن تبرع به الراهن جاز، وحمل أحاديث الباب ~~على ذلك، وفيها أيضا دليل على جواز معاملة الكفار، فيما لم يتحقق تحريم ~~العين المتعامل فيها، وجواز رهن السلاح عند أهل ا لذمة لا عند أهل الحرب ~~بالاتفاق، وجواز الشراء بالثمن المؤجل، وقد تقدم تحقيق ذلك. قال العلماء: ~~والحكمة في عدوله صلى الله عليه وآله وسلم عن معاملة مياسير الصحابة إلى ~~PageV05P352 # معاملة اليهود إما بيان الجواز أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل ~~عن حاجتهم، أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمنا أو عوضا فلم يرد التضييق عليهم. # وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: الظهر ~~يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى ~~الذي يركب ويشرب النفقة رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي. وفي لفظ: إذا ~~كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب ~~نفقته رواه أحمد. # الحديث له ألفاظ منها ما ذكر المصنف. ومنها بلفظ: الرهن مركوب ومحلوب ~~رواه الدارقطني والحاكم وصححه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~مرفوعا. قال الحاكم: لم يخرجاه لأن سفيان وغيره وقفوه على الأعمش، وقد ذكر ~~الدارقطني الاختلاف فيه على الأعمش وغيره ورجح الموقوف، وبه جزم الترمذي. # وقال ابن أبي حاتم: قال أبي رفعه يعني أبا معاوية مرة ثم ترك الرفع بعد، ~~ورجح البيهقي أيضا الوقف. قوله: الظهر أي ظهر الدابة. قوله: يركب بضم أوله ~~على ms2256 البناء للمجهول لجميع الرواة كما قال الحافظ، وكذلك يشرب وهو خبر في ~~معنى الامر كقوله تعالى: * (والوالدات يرضعن) * (سورة البقرة، الآية: 233) ~~وقد قيل: إن فاعل الركوب والشرب لم يتعين فيكون الحديث مجملا، وأجيب بأنه ~~لا إجمال، بل المراد المرتهن بقرينة أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة لأجل ~~كونه مالكا، والمراد هنا الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن، ~~كما وقع التصريح بذلك في الرواية الأخرى. ويؤيده ما وقع عند حماد بن سلمة ~~في جامعه بلفظ: إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل ~~من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا ففيه دليل على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع ~~بالرهن إذا قام بما يحتاج إليه ولو لم يأذن المالك، وبه قال أحمد وإسحاق ~~والليث والحسن وغيرهم. # وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من ~~الرهن بشئ، بل الفوائد للراهن والمؤن عليه، قالوا: والحديث ورد على خلاف ~~القياس من وجهين: # أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. والثاني تضمينه ذلك ~~بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده ~~أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن ~~عمر عند البخاري وغيره PageV05P353 # بلفظ: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث ~~الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول، فلا تر إلا بمعارض أرجح ~~منها بعد تعذر الجمع. وعن حديث ابن عمر بأنه عام، وحديث الباب خاص، فيبنى ~~العام على الخاص، والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقضي بتأخر الناسخ على وجه ~~يتعذر معه الجمع لا بمجرد الاحتمال مع الامكان. وقال الأوزاعي والليث وأبو ~~ثور: إنه يتعين حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الانفاق على المرهون ~~فيباح حينئذ للمرتهن، وأجود ما يحتج به للجمهور حديث أبي هريرة الآتي ~~وستعرف الكلام عليه. قوله: الدر بفتح الدال المهملة وتشديد الراء مصدر ~~بمعنى الدارة أي لبن الدابة ذات الضرع. وقيل: هو ههنا من إضافة الشئ ms2257 إلى ~~نفسه كقوله تعالى: * (حب الحصيد) * (سورة ق، الآية: 9). وعن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له ~~غنمه وعليه غرمه رواه الشافعي والدارقطني وقال: # هذا إسناد حسن متصل. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه، وأخرجه أيضا ابن ~~ماجة من طريق أخرى، وصحح أبو داود والبزار والدارقطني وابن القطان إرساله ~~عن سعيد ابن المسيب بدون ذكر أبي هريرة. قال في التلخيص: وله طرق في ~~الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة. وقال في بلوغ المرام: إن رجاله ثقات إلا أن ~~المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله اه. وساقه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ ~~قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب الأنطاكي وغيره من أهل ~~الثقة، حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، حدثنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي ذئب ~~عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يغلق الرهن الرهن لمن رهنه له ~~غنمه وعليه غرمه قال ابن حزم هذا: إسناد حسن، وتعقبه الحافظ بأن قوله نصر ~~بن عاصم تصحيف وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي وله أحاديث منكرة. ~~وقد رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر المذكور، وصحح هذه الطريق عبد ~~الحق، وصحح أيضا وصله ابن عبد البر وقال: هذه اللفظة يعني له غنمه وعليه ~~غرمه اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما، ~~ووقفها غيرهم. وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده وبين أن هذه اللفظة من ~~PageV05P354 # قول سعيد بن المسيب. وقال أبو داود في المراسيل. قوله له غنمه وعليه غرمه ~~من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهري. قوله: لا يغلق الرهن يحتمل أن ~~تكون لا نافية، ويحتمل أن تكون ناهية. قال في القاموس: غلق الرهن كفرح ~~استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتكه في الوقت المشروط اه. وقال الأزهري: ~~الغلق في ms2258 الرهن ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه عند ~~مرتهنه. وروى عبد الرزاق عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال الرجل: إن ~~لم آتك بما لك فالرهن لك ، قال: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق ~~هذا، إنما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه. وقد روي أن المرتهن في ~~الجاهلية كان يتملك الرهن، إذ لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت ~~المضروب فأبطله الشارع. قوله: له غنمه وعليه غرمه فيه دليل المذهب الجمهور ~~المتقدم، لأن الشارع قد جعل الغنم والغرم للراهن، ولكنه قد اختلف في وصله ~~وإرساله ورفعه ووقفه، وذلك مما يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح ~~البخاري وغيره كما سلف. # كتاب الحوالة والضمان باب وجوب قبول الحوالة على الملئ عن أبي هريرة قال: ~~مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع رواه الجماعة. وفي لفظ ~~لأحمد: ومن أحيل على ملئ فليحتل وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: مطل الغني ظلم وإذا أحلت على ملئ فاتبعه رواه ابن ماجة. # حديث ابن عمر إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا إسماعيل بن توبة، حدثنا ~~هشيم عن يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر فذكره. وإسماعيل بن توبة قال ابن ~~أبي حاتم: صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه أيضا الترمذي وأحمد. # قوله: الحوالة هي بفتح الحاء المهملة وقد تكسر، قال في الفتح: مشتقة من ~~التحويل أو من الحول، يقال: حال عن العهد إذا انتقل عنه حولا، وهي عند ~~الفقهاء نقل دين من PageV05P355 # ذمة إلى ذمة، واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص فيه فاستثنى من النهي عن ~~بيع الدين بالدين أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقبل، ويشترط في ~~صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض. ~~ويشترط أيضا تماثل النقدين في الصفات وأن يكون في شئ معلوم، ومنهم من خصها ~~بالنقدين ومنعها في الطعام لأنها بيع ms2259 طعام قبل أن يستوفى اه. قوله: مطل ~~الغني من إضافة المصدر إلى الفاعل عند الجمهور، والمعنى: أنه يحرم على ~~الغني القادر أن يمطل صاحب الدين بخلاف العاجز، وقيل: هو من إضافة المصدر ~~إلى المفعول أي يجب على المستدين أن يوفي صاحب الدين ولو كان المستحق للدين ~~غنيا، فإن مطله ظلم فكيف إذا كان فقيرا فإنه يكون ظلما بالأولى، ولا يخفى ~~بعد هذا كما قال الحافظ، والمطل في الأصل المد، وقال الأزهري: المدافعة. ~~قال في الفتح: والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر. قوله: وإذا أتبع ~~بإسكان التاء المثناة الفوقية على البناء للمجهول. قال النووي: هذا هو ~~المشهور في الرواية واللغة. وقال القرطبي: أما أتبع فبضم الهمزة وسكون ~~التاء مبنيا لما لم يسم فاعله عند الجميع، وأما فليتبع فالأكثر على ~~التخفيف، وقيده بعضهم بالتشديد، والأول أجود، وتعقب الحافظ ما ادعاه من ~~الاتفاق بقول الخطابي: إن أكثر المحدثين يقولونه يعني أتبع بتشديد التاء ~~والصواب التخفيف، والمعنى: إذا أحيل فليحتل كما وقع في الرواية الأخرى. ~~قوله: على ملئ قيل: هو بالهمز وقيل بغير همز، ويدل على ذلك قول الكرماني ~~الملي كالغني لفظا ومعنى. وقال الخطابي: إنه في الأصل بالهمز ومن رواه ~~بتركها فقد سهله. قوله: فاتبعه قال في الفتح: # هذا بتشديد التاء بلا خلاف (والحديثان) يدلان على أنه يجب على من أحيل ~~بحقه على ملئ أن يحتال، وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر وأكثر الحنابلة وأبو ثور ~~وابن جرير، وحمله الجمهور على الاستحباب. قال الحافظ: ووهم من نقل فيه ~~الاجماع. # (وقد اختلف) هل المطل مع الغني كبيرة أم لا؟ وقد ذهب الجمهور إلى أنه ~~موجب للفسق، واختلفوا هل يفسق بمرة أو يشترط التكرار؟ وهل يعتبر الطلب من ~~المستحق أم لا؟ قال في الفتح: وهل يتصف بالمطل من ليس القدر الذي عليه ~~حاضرا عنده لكنه قادر على تحصيله بالتكسب مثلا؟ أطلق أكثر الشافعية عدم ~~الوجوب، وصرح بعضهم بالوجوب مطلقا، وفصل آخرون بين أن يكون PageV05P356 # أصل الدين وجب بسبب يعصى به فيجب وإلا فلا اه. ms2260 والظاهر الأول لان القادر ~~على التكسب ليس بملئ، والوجوب إنما هو عليه فقط، لأن تعليق الحكم بالوصف ~~مشعر بالعلية. # باب ضمان دين الميت المفلس عن سلمة بن الأكوع قال: كنا عند النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأتي بجنازة فقالوا: يا رسول الله صل عليها، قال: هل ~~ترك شيئا؟ قالوا: لا، فقال هل عليه دين؟ # قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صل عليه يا ~~رسول الله وعلي دينه فصلى عليه رواه أحمد والبخاري والنسائي. وروى الخمسة ~~إلا أبا داود. # هذه القصة من حديث أبي قتادة وصححه الترمذي وقال فيه النسائي وابن ماجة: # فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به وهذا صريح في أن الانشاء لا يحتمل الاخبار ~~بما مضى. وعن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يصلي على رجل ~~مات عليه دين، فأتي بميت فسأل عليه دين؟ قالوا نعم ديناران، قال: صلوا على ~~صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه، فلما فتح الله ~~على رسوله قال: # أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته ~~رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # حديث أبي قتادة أخرجه أيضا ابن حبان، وحديث جابر أخرجه أيضا ابن حبان ~~والدارقطني والحاكم، وفي الباب عن أبي سعيد عند الدارقطني والبيهقي ~~بأسانيد، قال الحافظ: ضعيفة بلفظ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في جنازة فلما وضعت قال صلى الله عليه وآله وسلم: هل على صاحبكم من دين؟ ~~قالوا: نعم درهمان، قال: صلوا على صاحبكم، فقال علي عليه السلام: يا رسول ~~الله هما علي وأنا لهما ضامن، فقام يصلي، ثم أقبل على علي عليه السلام ~~فقال: جزاك الله عن الاسلام خيرا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك، ما من مسلم ~~فك رهان أخيه إلا فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعضهم: هذا لعلي رضي ~~الله عنه خاصة أم للمسلمين عامة؟ # فقال: بل للمسلمين عامة وعن أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما ms2261 أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال في خطبته: PageV05P357 # من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا أو دينا فكله إلي ودينه علي وعن ~~سلمان عند الطبراني بنحو حديث أبي هريرة وزاد: وعلى الولاة من بعدي من بيت ~~مال المسلمين وفي إسناده عبد الله بن سعيد الأنصاري متروك ومتهم. # وعن أبي أمامة عند ابن حبان في ثقاته. قوله: ثلاثة دنانير في الرواية ~~الأخرى: # ديناران وفي رواية لابن ماجة وأحمد وابن حبان من حديث أبي قتادة: سبعة ~~عشر درهما وفي رواية لابن حبان من حديثه: ثمانية عشر وهذان دون دينارين، ~~وفي رواية لابن حبان أيضا من حديثه ديناران، وفي رواية له أيضا من حديث أبي ~~أمامة نحو ذلك. وفي مختصر المازني من حديث أبي سعيد الخدري أن الدين كان ~~درهمين، ويجمع بين رواية الدينارين والثلاثة بأن الدين كان دينارين وشطرا، ~~فمن قال ثلاثة جبر الكسر، ومن قال ديناران ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثة فوفى ~~قبل موته دينارا وبقي عليه ديناران، فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل، ومن قال ~~ديناران فباعتبار ما بقي من الدين، والأول أليق، كذا في الفتح، ولا يخفى ما ~~في ذلك من التعسف، والأولى الجمع بين الروايات كلها بتعدد القصة (وأحاديث ~~الباب) تدل على أنها تصح الضمانة عن الميت ويلزم الضمين ما ضمن به، سواء ~~كان الميت غنيا أو فقيرا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وأجاز مالك للضامن الرجوع ~~على مال الميت إذا كان له مال، وقال أبو حنيفة: لا تصح الضمانة إلا بشرط أن ~~يترك الميت وفاء دينه وإلا لم يصح. # والحكمة في ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة على من عليه دين ~~تحريض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة لئلا تفوتهم ~~صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال في الفتح: وهل كانت صلاته صلى ~~الله عليه وآله وسلم على من دين محرمة عليه أو جائزة؟ وجهان. قال النووي: ~~الصواب الجزم بجوازها مع وجود الضامن كما في حديث مسلم. وحكى القرطبي أنه ms2262 ~~ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينا غير جائز، وأما من استدان لأمر ~~هو جائز فما كان يمتنع وفيه نظر، لأن في حديث أبي هريرة ما يدل على التعميم ~~حيث قال في رواية للبخاري: من توفي وعليه دين ولو كان الحال مختلفا لبينه ~~صلى الله عليه وآله وسلم، نعم جاء في حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما امتنع من الصلاة على من عليه دين جاءه جبريل عليه ~~السلام فقال: إنما الظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف، ~~PageV05P358 # فأما المتعفف وذو العيال فأنا ضامن له أؤدي عنه، فصلى عليه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد ذلك وقال: من ترك ضياعا، الحديث. قال الحافظ: وهو ~~ضعيف. وقال الحازمي بعد أن أخرجه: لا بأس به في المبايعات، وليس فيه أن ~~التفصيل المذكور كان مستمرا وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك، وأنه السبب في قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # من ترك دينا فعلي وفي صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على من عليه دين بعد ~~أن فتح الله عليه إشعار بأنه كان يقضيه من مال المصالح. وقيل: بل كان يقضيه ~~من خالص ملكه، وهل كان القضاء واجبا عليه أم لا؟ فيه وجهان، قال ابن بطال: ~~وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين فإن لم يفعل ~~فالاثم عليه، إن كان حق الميت في بيت المال يفي بقدر ما عليه وإلا فبقسطه. ~~قوله: فعلي قال ابن بطال: هذا ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين، وقد ~~حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك. # باب في أن المضمون عنه إنما يبرأ بأداء الضامن لا بمجرد ضمانه عن جابر ~~قال: توفي رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم أتينا به النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقلنا: تصلي عليه؟ فخطى خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران ~~فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد أوفى ms2263 الله حق الغريم وبرئ منه الميت قال ~~نعم فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم ما فعل الديناران إنما مات أمس، قال: ~~فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~الآن بردت عليه جلده رواه أحمد، وإنما أراد بقوله والميت منهما برئ دخوله ~~في الضمان متبرعا لا ينوي به رجوعا بحال. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والدارقطني، وصححه ابن حبان ~~والحاكم. قوله: أتينا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم زاد الحاكم: ~~ووضعناه حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل عليه السلام. قوله: فانصرف لفظ ~~البخاري في حديث أبي هريرة: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا على ~~صاحبكم وتقدم نحوه في حديث سلمة. قوله: ألآن بردت عليه فيه دليل على أن ~~خلوص الميت من ورطة الدين وبراءة ذمته على الحقيقة ورفع العذاب عنه إنما ~~يكون بالقضاء PageV05P359 # عنه لا بمجرد التحمل بالدين بلفظ الضمانة، ولهذا سارع النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى سؤال أبي قتادة في اليوم الثاني عن القضاء، وفيه دليل على ~~أنه يستحب للامام أن يحض من تحمل حمالة عن ميت على الاسراع بالقضاء. وكذلك ~~يستحب لسائر المسلمين لأنه من المعاونة على الخير، وفيه أيضا دليل على صحة ~~التبرع بالضمانة عن الميت، وقد تقدم الكلام على ذلك. # باب في أن ضمان درك المبيع على البائع إذا خرج مستحقا عن الحسن عن سمرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من وجد عين ماله عند رجل فهو ~~أحق به ويتبع البيع من باعه رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي لفظ: إذا ~~سرق من الرجل متاع أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به ويرجع ~~المشتري على البائع بالثمن رواه أحمد وابن ماجة. # سماع الحسن من سمرة فيه خلاف قد ذكرناه، وبقية الاسناد رجاله ثقات، لان ~~أبا داود رواه عن عمرو بن عوف الواسطي الحافظ شيخ البخاري عن هشيم عن موسى ~~بن السائب، وثقه أحمد عن قتادة عن الحسن. ms2264 قوله: من وجد عين ماله يعني ~~المغصوب أو المسروق عند رجل أو امرأة فهو أحق به من كل أحد إذا ثبت أنه ~~ملكه بالبينة أو صدقه من في يده العين، ثم إن كانت العين بحوزه فله مع أخذ ~~العين المطالبة بمنفعتها مدة بقائه في يده، سواء انتفع بها من كانت في يده ~~أم لا، وإذا كانت العين قد نقصت بغير استعمال كتعثث الثوب وعمى العبد، ~~وسقوط يده بآفة، فقيل: # يجب أخذ الأرش مع أجرته سليما لما قبل النقص وناقصا لما بعده، وكذلك لو ~~كان النقص بالاستعمال. قوله: البيع بتشديد التحتية مكسورة وهو المشتري، أي ~~يرجع على من باع تلك العين منه، ولا يرجع عند الهادوية إلا إذا كان تسليم ~~المبيع إلى مستحقه بإذن البائع، أو بحكم الحاكم بالبينة أو بعلمه، لا إذا ~~كان الحكم مستندا إلى إقرار المشتري أو نكوله فلا يرجع على البائع، ثم إن ~~كان المشتري علم بأن تلك العين مغصوبة فيتوجه عليه من المطالبة كل ما يتوجه ~~إليه على الغاصب من الاجر والأرش، وإن جهل لغصب ونحوه كانت يده عليها يد ~~أمانة كالوديعة، وقيل: يد ضمانة، PageV05P360 # ولكن يرجع بما غرم على البائع. قوله: بالثمن يعني الذي دفعه إلى البائع. # كتاب التفليس باب ملازمة الملئ وإطلاق المعسر عن عمر بن الشريد عن أبيه ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته رواه الخمسة إلا الترمذي. قال أحمد قال ~~وكيع: # عرضه شكايته وعقوبته حبسه. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وابن حبان وصححه وعلقه البخاري، قال ~~الطبراني في الأوسط: لا يروى عن الشريد إلا بهذا الاسناد تفرد به بن أبي ~~دليلة، قال في الفتح: وإسناده حسن. قوله: التفليس هو مصدر فلسته أي نسبته ~~إلى الافلاس، والمفلس شرعا من يزيد دينه على موجوده سمي مفلسا لأنه صار ذا ~~فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى ~~الأموال وهي الفلوس، أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشئ ms2265 التافه ~~كالفلوس، لأنهم ما كانوا يتعاملون بها في الأشياء الخطيرة، أو أنه صار إلى ~~حالة لا يملك فيها فلسا، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب. قوله: لي الواجد ~~اللي بالفتح وتشديد الياء المطل، والواجد بالجيم الغني من الوجد بالضم ~~بمعنى القدرة. قوله: يحل بضم أوله أي يجوز وصفه بكونه ظالما. وروى البخاري ~~والبيهقي عن سفيان مثل التفسير الذي رواه المصنف عن أحمد عن وكيع. واستدل ~~بالحديث على جواز حبس من عليه الدين حتى يقضيه إذا كان قادرا على القضاء ~~تأديبا له وتشديدا عليه، لا إذا لم يكن قادرا لقوله: الواجد فإنه يدل على ~~أن المعسر لا يحل عرضه ولا عقوبته، وإلى جواز الحبس للواجد ذهبت الحنفية ~~وزيد بن علي. وقال الجمهور: يبيع عليه الحاكم لما سيأتي من حديث معاذ، وأما ~~غير الواجد فقال الجمهور: لا يحبس، لكن قال أبو حنيفة: يلازمه من له الدين. ~~وقال شريح: يحبس والظاهر قول الجمهور، ويؤيده قوله تعالى: * (فنظرة إلى ~~ميسرة) * (سورة البقرة، الآية: 280) وقد PageV05P361 # اختلف هل يفسق الماطل أم لا؟ واختلف أيضا في تقدير ما يفسق به، والكلام ~~في ذلك مبسوط في كتب الفقه. # وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ~~ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لغرمائه: خذوا ما ~~وجدتم وليس لكم إلا ذلك رواه الجماعة إلا البخاري. # قوله: في ثمار ابتاعها هذا يدل على أن الثمار إذا أصيبت مضمونة على ~~المشتري، وقد تقدم في باب وضع الجوائح ما يدل على أنه يجب على البائع أن ~~يضع عن المشتري لقدر ما أصابته الجائحة، وقد جمع بينهما بأن وضع الجوائح ~~محمول على الاستحباب. وقيل: # إنه خاص بما بيع من الثمار قبل بدو صلاحه. وقيل: إنه يؤول حديث أبي سعيد ~~هذا بأن التصدق على الغريم من باب الاستحباب، وكذلك قضاؤه دين غرمائه من ~~باب التعرض لمكارم الأخلاق، وليس التصدق ms2266 على جهة العزم ولا القضاء للغرماء ~~على جهة الحتم، وهذا هو الظاهر. ويدل عليه قوله في حديث وضع الجوائح: لا ~~يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك فإنه صريح في وجوب الوضع لا في ~~استحبابه. # وكذلك قوله في هذا الحديث: وليس لكم إلا ذلك فإنه يدل على أن الدين غير ~~لازم، ولو كان لازما لما سقط الدين بمجرد الاعسار، بل كان اللازم الانتظار ~~إلى ميسرة، وقد قدمنا في باب وضع الجوائح عدم صلاحية حديث أبي سعيد هذا ~~للاستدلال به على عدم وضع الجوائح لوجهين ذكرناهما هنالك. وقد استدل ~~بالحديث على أن المفلس إذا كان من المال دون ما عليه من الدين كان الواجب ~~عليه لغرمائه تسليم المال، ولا يجب عليه لهم شئ غير ذلك، وظاهره أن الزيادة ~~ساقطة عنه، ولو أيسر بعد ذلك لم يطالب بها. # باب من وجد سلعة باعها من رجل عنده وقد أفلس عن الحسن عن سمرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به رواه ~~أحمد. وعن أبي هريرة عن النبي PageV05P362 # صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو إنسان ~~قد أفلس فهو أحق به من غيره رواه الجماعة. وفي لفظ قال في الرجل الذي يعدم: ~~إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه رواه مسلم والنسائي. ~~وفي لفظ: أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئا فهو ~~له رواه أحمد. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض ~~الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري ~~فصاحب المتاع أسوة الغرماء رواه مالك في الموطأ وأبو داود وهو مرسل. وقد ~~أسنده أبو داود من وجه ضعيف. # حديث سمرة أخرجه أيضا أبو داود قال في الفتح: وإسناده ms2267 حسن وهو من رواية ~~الحسن البصري عنه، وفي سماعه منه خلاف معروف قد قدمنا الكلام فيه، ولكنه ~~يشهد لصحته حديث أبي هريرة المذكور بعده، ويشهد لصحته أيضا ما أخرجه ~~الشافعي وأبو داود ابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة أنه قال في مفلس ~~أتوه به: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أفلس أو ~~مات فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به وفي إسناده أبو المعتمر. قال أبو ~~داود والطحاوي وابن المنذر: هو مجهول، ولم يذكر له ابن أبي حاتم إلا راويا ~~واحدا، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو للدارقطني والبيهقي من طريق أبي داود ~~الطيالسي عن ابن أبي ذئب. # وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هو مرسل كما ذكره المصنف لأن أبا بكر تابعي ~~لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ووصله أبو داود من طريق أخرى فقال ~~عن أبي بكر المذكور عن أبي هريرة وهي ضعيفة كما قال المصنف، وذلك لأن فيها ~~إسماعيل بن عياش وهو ضعيف إذا روى عن غير أهل الشام، ولكنه ههنا روي عن ~~الحرث الزبيدي وهو شامي، قال الحافظ: وقد اختلف على إسماعيل فأخرجه ابن ~~الجارود من وجه عنه عن موسى بن عقبة عن الزهري موصولا. وقال الشافعي: حديث ~~أبي المعتمر أولى من هذا وهذا منقطع. وقال البيهقي: لا يصح وصله ووصله عبد ~~الرزاق في مصنفه. وذكر ابن حزم أن عراك بن مالك رواه أيضا عن أبي هريرة في ~~غرائب مالك. وفي التمهيد: أن بعض أصحاب مالك وصله. قال أبو داود: والمرسل ~~PageV05P363 # أصح وقد روى المرسل الشيخان بلفظ: من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو ~~إنسان قد أفلس فهو أحق من غيره ووصله ابن حبان والدارقطني وغيرهما من طريق ~~الثوري عن أبي بكر عن أبي هريرة بنحو لفظ الشيخين. قوله: بعينه فيه دليل ~~على أن شرط الاستحقاق أن يكون المال باقيا بعينه لم يتغير ولم يتبدل، فإن ~~تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلا أو في صفة من ms2268 صفاتها فهي أسوة للغرماء، ~~ويؤيد ذلك قوله في الرواية الثانية ولم يفرقه. وذهب الشافعي والهادوية إلى ~~أن البائع أولى بالعين بعد التغير والنقص. قوله: فهو أحق به أي من غيره ~~كائنا من كان وارثا وغريما، وبهذا قال الجمهور، وخالفت الحنفية في ذلك ~~فقالوا: لا يكون البائع أحق بالعين المبيعة التي في يد المفلس وتأولوا ~~الحديث بأنه خير واحد مخالف للأصول، لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ~~ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه، وحملوا الحديث على صورة، ~~وهي ماذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة؟ وتعقب بأنه لو كان كذلك لم ~~يقيد بالإفلاس ولا جعل أحق بها لما تقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضا ~~يرد ما ذهبوا إليه قوله في حديث أبي بكر: # أيما رجل باع متاعا فإن فيه التصريح بالبيع وهو نص في محل النزاع، وقد ~~أخرجه أيضا سفيان في جامعه وابن حبان وابن خزيمة عن أبي بكر عن أبي هريرة ~~بلفظ: إذا ابتاع رجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها وفي لفظ لابن حبان: إذا ~~أفلس الرجل فوجد البائع سلعته وفي لفظ مسلم والنسائي: أنه لصاحبه الذي باعه ~~كما ذكره المصنف. وعند عبد الرزاق بلفظ: من باع سلعته من رجل قال الحافظ: ~~بهذا أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر يعني من ~~العارية والوديعة بالأولى، والاعتذار بأن الحديث خبر واحد مردود بأنه مشهور ~~من غير وجه، من ذلك ما تقدم عن سمرة وأبي هريرة وأبي بكر بن عبد الرحمن، ~~ومن ذلك ما أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح عن ابن عمر مرفوعا بنحو أحاديث ~~الباب، وقد قضى به عثمان كما رواه البخاري والبيهقي عنه، حتى قال ابن ~~المنذر: لا نعرف لعثمان مخالفا في الصحابة، والاعتذار بأنه مخالف للأصول ~~اعتذار فاسد، لما عرفناك من أن السنة الصحيحة هي من جملة الأصول، فلا يترك ~~العمل بها إلا لما هو أنهض منها، ولم يرد في المقام ما هو كذلك، وعلى تسليم ~~أنه ورد ما يدل ms2269 على أن السلعة تصير بالبيع ملكا للمشتري فما ورد في الباب ~~أخص مطلقا فيبنى العام على الخاص، PageV05P364 # وحمل بعض الحنفية الحديث على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة ~~وتعقب بقوله في حديث سمرة عند مفلس. وبقوله في حديث أبي هريرة عند رجل. وفي ~~لفظ لابن حبان: ثم أفلس وهي عنده وللبيهقي: إذا أفلس الرجل وعنده متاع وقال ~~جماعة: إن هذا الحكم أعني كون البائع أولى بالسلعة التي بقيت في يد المفلس ~~مختص بالبيع دون القرض. وذهب الشافعي وآخرون إلى أن المقرض أولى من غيره، ~~واحتج الأولون بالروايات المتقدمة المصرحة بالبيع قالوا: فتحمل الروايات ~~المطلقة عليها، ولكنه لا يخفى أن التصريح بالبيع لا يصلح لتقييد الروايات ~~المطلقة، لأنه إنما يدل على أن غير البيع بخلافه بمفهوم اللقب، وما كان ~~كذلك لا يصح للتقييد إلا على قول أبي ثور كما تقرر في الأصول. وربما يقال: ~~إن المصرح به هنا هو الوصف فلا يكون من مفهوم اللقب. قوله: ولم يكن اقتضى ~~من ماله شيئا فيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المشتري إذا كان قد قضى ~~بعض الثمن لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه من المبيع بل يكون ~~أسوة الغرماء. وقال الشافعي والهادوية: إن البائع أولى به والحديث يرد ~~عليهم. قوله: وإن مات المشتري الخ، فيه دليل على أن المشتري إذا مات ~~والسلعة التي لم يسلم المشتري ثمنها باقية لا يكون البائع أولى بها بل يكون ~~أسوة الغرماء، وإلى ذلك ذهب مالك وأحمد. وقال الشافعي: البائع أولى بها، ~~واحتج بقوله في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه: من مات أفلس أو مات الخ، ورجحه ~~الشافعي على المرسل المذكور في الباب قال: ويحتمل أن يكون آخره من رأي أبي ~~بكر بن عبد الرحمن لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين ~~رووه عن أبي هريرة غيره لم يذكروا ذلك، بل صرح بعضهم عن أبي هريرة بالتسوية ~~بين الافلاس والموت كما ذكرنا، قال في الفتح: فتعين المصير إليه ms2270 لأنها ~~زيادة مقبولة من ثقة، قال: وجزم ابن العربي بأن الزيادة التي في مرسل مالك ~~من قول الراوي، وجمع الشافعي أيضا بين الحديثين بحمل مرسل أبي بكر على ما ~~إذا مات مليئا، وحمل حديث أبي هريرة على ما إذا مات مفلسا، وقد استدل بقوله ~~في حديث أبي هريرة: # أو مات على أن صاحب السلعة أولى بها، ولو أراد الورثة أن يعطوه ثمنها لم ~~يكن لهم ذلك ولا يلزمه القبول، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: يلزمه ~~القبول، وقالت الهادوية: إن الميت إذا خلف الوفاء لم يكن البائع أولى ~~بالسلعة وهو PageV05P365 # خلاف الظاهر، لأن الحديث يدل على أن الموت من موجبات استحقاق البائع ~~للسلعة، ويؤيد ذلك عطفه على الافلاس. واستدل بأحاديث الباب على حلول الدين ~~المؤجل بالإفلاس. قال في الفتح: من حيث إن صاحب الدين أدرك متاعه بعينه ~~فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أنها تجوز له المطالبة بالمؤجل وهو قول ~~الجمهور، لكن الراجح عند الشافعية أن المؤجل لا يحل بذلك لأن الاجل حق ~~مقصود له فلا يفوت وهو قول الهادوية. واستدل أيضا بأحاديث الباب، على أن ~~لصاحب المتاع أن يأخذه من غير حكم حاكم، قال في الفتح: وهو الأصح من قول ~~العلماء، وقيل: # يتوقف على الحكم. # باب الحجر على المدين وبيع ماله في قضاء دينه عن كعب بن مالك: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه رواه ~~الدارقطني. وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا وكان لا ~~يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى غرق ماله في الدين، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم ماله ~~حتى قام معاذ بغير شئ رواه سعيد في سننه هكذا مرسلا. # حديث كعب أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححه، ومرسل عبد الرحمن بن كعب ~~أخرجه أيضا أبو ms2271 داود وعبد الرزاق، قال عبد الحق: المرسل أصح. وقال ابن ~~الطلاع في الاحكام: هو حديث ثابت، وقد أخرج الحديث الطبراني، ويشهد له ما ~~عند مسلم وغيره من حديث أبي سعيد قال: أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقد تقدم. وقد استدل بحجره صلى الله عليه وآله وسلم على ~~معاذ، على أنه يجوز الحجر على كل مديون، وعلى أنه يجوز للحاكم بيع مال ~~المديون لقضاء دينه، من غير فرق بين من كان ماله مستغرقا بالدين ومن لم يكن ~~ماله كذلك، وقد حكى صاحب البحر هذا عن العترة والشافعي ومالك وأبي يوسف ~~ومحمد، وقيدوا الجواز بطلب أهل الدين للحجر PageV05P366 # من الحاكم. وروي عن الشافعي أنه يجوز قبل الطلب للمصلحة، وحكي في البحر ~~أيضا عن زيد بن علي والناصر وأبي حنيفة أنه لا يجوز الحجر على المديون ولا ~~بيع ماله بل يحبسه الحاكم حتى يقضي، واستدل لهم بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا يحل مال امرئ مسلم الحديث وهو مخصص بحديث معاذ المذكور. وأما ما ~~ادعاه إمام الحرمين حاكيا لذلك عن العلماء وتبعه الغزالي أن حجر معاذ لم ~~يكن من جهة استدعاء غرمائه بل الأشبه أنه جرى باستدعائه فقال الحافظ: إنه ~~خلاف ما صح من الروايات المشهورة، ففي المراسيل لأبي داود التصريح بأن ~~الغرماء التمسوا ذلك. قال: وأما ما رواه الدارقطني أن معاذا أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلا حجة فيه أن ذلك لالتماس ~~الحجر، وإنما فيه طلب معاذ الرفق منهم، وبهذا تجتمع الروايات انتهى. وقد ~~روي الحجر على المديون وإعطاء الغرماء ماله من فعل عمر كما في الموطأ ~~والدارقطني وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق، ولم ينقل أنه أنكر ذلك ~~عليه أحد من الصحابة. # باب الحجر على المبذر عن عروة بن الزبير قال: ابتاع عبد الله بن جعفر ~~بيعا فقال علي رضي الله عنه: لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر ~~الزبير فقال: أنا شريكك في بيعتك، فأتى عثمان ms2272 رضي الله عنهما قال: تعال ~~احجر على هذا فقال الزبير: أنا شريكه فقال عثمان: احجر على رجل شريكه ~~الزبير رواه الشافعي في مسنده. # هذه القصة رواها الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي عن هشام ~~ابن عروة عن أبيه وأخرجها أيضا البيهقي. وقال يقال: إن أبا يوسف تفرد به ~~وليس كذلك، ثم أخرجها من طريق الزهري المدني القاضي عن هشام نحوه. ورواها ~~أبو عبيدة في كتاب الأموال عن عفان بن مسلم عن حماد بن زيد عن هشام بن حسان ~~عن ابن سيرين قال: قال عثمان لعلي عليه السلام: ألا تأخذ على يد ابن أخيك ~~يعني عبد الله بن جعفر وتحجر عليه؟ اشترى سبخة بستين ألف درهم ما يسرني ~~أنها لي ببغلي وقد ساق القصة البيهقي فقال: اشترى عبد الله بن جعفر أرضا ~~سبخة فبلغ PageV05P367 # ذلك عليا عليه السلام فعزم على أن يسأل عثمان الحجر عليه، فجاء عبد الله ~~بن جعفر إلى الزبير فذكر ذلك له فقال الزبير: أنا شريكك، فلما سأل علي ~~عثمان الحجر على عبد الله بن جعفر قال: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟. وفي ~~رواية للبيهقي: أن الثمن ستمائة ألف. وقال الرافعي: الثمن ثلاثون ألفا. قال ~~الحافظ: لعله من غلط النساخ والصواب بستين يعني ألفا، انتهى. وروى القصة ~~ابن حزم فقال: بستين ألفا. وقد استدل بهذه الواقعة من أجاز الحجر على من ~~كان سيئ التصرف، وبه قال علي عليه السلام وعثمان وعبد الله بن الزبير وعبد ~~الله بن جعفر وشريح وعطاء والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد، هكذا في البحر. ~~قال في الفتح: والجمهور على جواز الحجر على الكبير. وخالف أبو حنيفة وبعض ~~الظاهرية، ووافق أبو يوسف ومحمد، وقال الطحاوي: ولم أر عن أحد من الصحابة ~~منع الحجر على الكبير ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم وابن سيرين، ثم حكى ~~صاحب البحر عن العترة أنه لا يجوز مطلقا وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز أن يسلم ~~إليه ماله بعد خمس وعشرين سنة، ولهم أن يجيبوا عن ms2273 هذه القصة بأنها وقعت عن ~~بعض من الصحابة، والحجة إنما هو إجماعهم، والأصل جواز التصرف لكل مالك من ~~غير فرق بين أنواع التصرفات، فلا يمنع منها إلا ما قام الدليل على منعه، ~~ولكن الظاهر أن الحجر على من كان في تصرفه سفه كان أمرا معروفا عند الصحابة ~~مألوفا بينهم، ولو كان غير جائز لا نكره بعض من اطلع على هذه القصة، ولكان ~~الجواب من عثمان رضي الله عنه عن علي عليه السلام بأن هذا غير جائز، وكذلك ~~الزبير وعبد الله بن جعفر لو كان مثل هذا الامر غير جائز لكان لهما عن تلك ~~الشركة مندوحة، والعجب من ذهاب العترة إلى عدم الجواز مطلقا، وهذا إمامهم ~~وسيدهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه يقول بالجواز مع كون أكثرهم يجعل ~~قوله حجة متبعة تجب المصير إليها وتصلح لمعارضة المرفوع، وأما اعتذار صاحب ~~البحر عن ذلك بأن عليا عليه السلام لم يفعل ذلك ففي غاية من السقوط، فإن ~~الحجر لو كان غير جائز لما ذهب إلى عثمان وسأل منه ذلك، وأما اعتذاره أيضا ~~بأن ذلك اجتهاد فمخالف لما تمشى عليه في كثير من الأبحاث من الجزم، وبأن ~~قول علي حجة من غير فرق، بين ما كان للاجتهاد فيه مسرح وما ليس كذلك، على ~~أن ما لا مجال للاجتهاد فيه لا فرق فيه بين قول علي عليه السلام وغيره من ~~الصحابة أن له حكم الرفع، وإنما محل النزاع بين أهل البيت عليهم السلام ~~وغيرهم PageV05P368 # فيما كان من مواطن الاجتهاد، وكثيرا ما ترى جماعة من الزيدية في مؤلفاتهم ~~يجزمون بحجية قول علي عليه السلام إن وافق ما يذهبون إليه، ويعتذرون عنه إن ~~خالف بأنه اجتهاد لا حجة فيه، كما يقع منهم ومن غيرهم إذا وافق قول أحد من ~~الصحابة ما يذهبون إليه فإنهم يقولون لا مخالف له من الصحابة فكان إجماعا، ~~ويقولون إن خالف ما يذهبون إليه قول صحابي لا حجة فيه، وهكذا يحتجون ~~بأفعاله صلى الله عليه وآله وسلم إن كانت موافقة للمذهب، ويعتذرون ms2274 عنها إن ~~خالفت بأنها غير معلومة الوجه الذي لأجله وقعت فلا تصلح للحجة، فليكن هذا ~~منك على ذكر، فإنه من المزالق التي يتبين عندها الانصاف والاعتساف. وقد ~~قدمنا التنبيه على مثل هذا وكررناه لما فيه من التحذير عن الاغترار بذلك ~~ومن الأدلة الدالة على جواز الحجر على من كان بعد البلوغ سيئ التصرف قول ~~الله تعالى: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) * (سورة النساء، الآية: 5) قال ~~في الكشاف: السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ولا ~~يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء، وأضاف الأموال ~~إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * ~~(سورة النساء، الآية: 29)، * (فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) * ~~(سورة النساء، الآية: 25) والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى. ~~قوله: * (وارزقوهم فيها واكسوهم) * (سورة النساء، الآية: 5) ثم قال في ~~تفسير قوله تعالى: * (وارزقوهم فيها) * واجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا ~~فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها ~~الانفاق وقيل: هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو ~~أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده انتهى. وقد عرفت ~~بهذا عدم اختصاص السفهاء المذكورين بالصبيان كما قال في البحر فإنه تخصيص ~~لما تدل عليه الصيغة بلا مخصص. ومما يؤيد ذلك نهيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن الاسراف بالماء ولو على نهر جار. ومن المؤيدات عدم إنكاره صلى الله عليه ~~وآله وسلم على قرابة حبان لما سألوه أن يحجر عليه إن صح ثبوت ذلك، وقد تقدم ~~الحديث بجميع طرقه في البيع، وقد استدل على جواز الحجر على السفيه أيضا ~~برده صلى الله عليه وآله وسلم صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه، كما أخرجه ~~أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي سعيد، ~~وأخرجه الدارقطني من حديث جابر. وبما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من ~~حديث جابر أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه ms2275 وآله وسلم رد البيضة على من ~~تصدق PageV05P369 # بها ولا مال له غيرها وبرده صلى الله عليه وآله وسلم عتق من أعتق عبدا له ~~عن دبر ولا مال له غيره، كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه باب من رد ~~أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الامام (ومن جملة) ما استدل ~~على الجواز قول ابن عباس وقد سئل متى ينقضي يتم اليتيم؟ فقال: لعمري أن ~~الرجل لتنبت لحيته وأنه لضعيف الاخذ لنفسه ضعيف العطاء، فإذا أخذ لنفسه من ~~صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم، حكاه في الفتح. والحكمة في الحجر على ~~السفيه أن حفظ الأموال حكمة لأنها مخلوقة للانتفاع بها بلا تبذير، ولهذا ~~قال تعالى: * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) * (سورة الإسراء، الآية: ~~27) قال في البحر: (فصل) والسفه المقتضي للحجر عند من أثبته هو صرف المال ~~في الفسق أو فيما لا مصلحة فيه، ولا غرض ديني ولا دنيوي كشراء ما يساوي ~~درهما بمائة لا صرفه في أكل طيب ولبس نفيس وفاخر المشموم لقوله تعالى: * ~~(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) * (سورة الأعراف، الآية: 32) ~~الآية، وكذا لو أنفقه في القرب انتهى. # باب علامات البلوغ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل ~~رواه أبو داود. # وعن ابن عمر قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد وأنا ~~ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة ~~فأجازني رواه الجماعة. وعن عطية قال: عرضنا على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله وكنت ممن لم ينبت ~~فخلى سبيلي رواه الخمسة وصححه الترمذي. وفي لفظ: فمن كان محتلما أو أنبت ~~عانته قتل ومن لا ترك رواه أحمد والنسائي. وعن سمرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: اقتلوا شيوخ ms2276 المشركين واستحيوا شرخهم، والشرخ الغلمان ~~الذين لم ينبتوا رواه الترمذي وصححه. # حديث علي عليه السلام في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري منسوب إلى ~~الجار بالجيم والراء المهملة، بلدة على الساحل بالقرب من مدينة الرسول صلى ~~الله PageV05P370 # عليه وآله وسلم. قال البخاري: يتكلمون فيه. وقال ابن حبان: يجب التنكب ~~عما انفرد به من الروايات. وقال العقيلي: لا يتابع يحيى المذكور على هذا ~~الحديث. وفي الخلاصة: # أنه وثقه العجلي وابن عدي. قال المنذري: وقد روي هذا الحديث من رواية ~~جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شئ يثبت. وقد أعل هذا الحديث أيضا ~~عبد الحق وابن القطان وغيرهما، وحسنه النووي متمسكا بسكوت أبي داود عليه، ~~ورواه الطبراني في الصغير بسند آخر عن علي عليه السلام. ورواه أبو داود ~~الطيالسي في مسنده، وأخرج نحو الطبراني في الكبير عن حنظلة بن حذيفة عن جده ~~وإسناده لا بأس به. وأخرج نحوه أيضا ابن عدي عن جابر، وحديث ابن عمر زاد ~~فيه البيهقي وابن حبان في صحيحه بعد قوله: لم يجزني ولم يرني بلغت وبعد ~~قوله: فأجازني ورآني بلغت وقد صحح هذه الزيادة أيضا ابن خزيمة. وحديث عطية ~~القرظي صححه أيضا ابن حبان والحاكم وقال: على شرط الصحيحين. قال الحافظ: # وهو كما قال إلا أنهما لم يخرجا لعطية وماله إلا هذا الحديث الواحد. وقد ~~أخرج نحو حديث عطية الشيخان من حديث أبي سعيد بلفظ: فكان يكشف عن مؤتزر ~~المراهقين فمن أنبت منهم قتل ومن لم ينبت جعل في الذراري وأخرج البزار من ~~حديث سعد بن أبي وقاص: حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه ~~المواسي. وأخرج الطبراني من حديث أسلم بن بحير الأنصاري قال: جعلني النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على أسارى قريظة، فكنت أنظر في فرج الغلام فإن ~~رأيته قد أنبت ضربت عنقه، وإن لم أره قد أنبت جعلته في مغانم المسلمين قال ~~الطبراني: لا يروى عن أسلم إلا بهذا الاسناد. قال الحافظ: وهو ضعيف. وحديث ~~سمرة ms2277 أخرجه أيضا أبو داود وهو من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه مقال ~~قد تقدم. (وفي الباب) عن أنس عند البيهقي بلفظ: إذا استكمل المولود خمس ~~عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود قال في التلخيص: وسنده ~~ضعيف. وعن عائشة عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم ~~بلفظ: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن ~~المجنون حتى يفيق. وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وأحمد والدارقطني والحاكم ~~وابن حبان وابن خزيمة عن علي عليه السلام من طرق، وفيه قصة جرت له مع عمر ~~علقها البخاري، فمن الطرق عن أبي ظبيان عنه بالحديث والقصة PageV05P371 # ومنها عن أبي ظبيان عن ابن عباس وهي من رواية جرير بن حازم عن الأعمش عنه ~~وذكره الحاكم عن شعبة عن الأعمش كذلك لكنه وقفه. وقال البيهقي تفرد برفعه ~~جرير بن حازم. قال الدارقطني في العلل: وتفرد به عن جرير عبد الله بن وهب، ~~وخالفه ابن فضيل ووكيع فروياه عن الأعمش موقوفا، وكذا قال أبو حصين عن أبي ~~ظبيان، وخالفهم عمار بن رزيق فرواه عن الأعمش ولم يذكر فيه ابن عباس، وكذا ~~قال عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي وعمر رضي الله عنهما مرفوعا. قال ~~الحافظ: # وقول وكيع وابن فضيل أشبه بالصواب. وقال النسائي: حديث أبي حصين أشبه ~~بالصواب. ورواه أيضا أبو داود من حديث أبي الضحى عن علي عليه السلام ~~بالحديث دون القصة وأبو الضحى. قال أبو زرعة: حديثه عن علي مرسل. ورواه ابن ~~ماجة من حديث القاسم بن يزيد عن علي. قال أبو زرعة: وهو مرسل أيضا. ورواه ~~الترمذي من حديث الحسن البصري، قال أبو زرعة أيضا: وهو مرسل لم يسمع الحسن ~~من علي شيئا. وروى الطبراني عن أبي إدريس الخولاني قال: أخبرني غير واحد من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثوبان ومالك بن شداد وغيرهما فذكر ~~نحوه وفي إسناده برد بن سنان وهو مختلف فيه. قال الحافظ: ms2278 وفي إسناده مقال ~~في اتصاله. ورواه الطبراني أيضا من طريق مجاهد عن ابن عباس وإسناده ضعيف ~~كما قال الحافظ. قوله: لا يتم بعد احتلام استدل به على أن الاحتلام من ~~علامات البلوغ. وتعقب بأنه بيان لغاية مدة اليتم، وارتفاع اليتم لا يستلزم ~~البلوغ الذي هو مناط التكليف، لأن اليتم يرتفع عند إدراك الصبي لمصالح ~~دنياه، والتكليف إنما يكون عند إدراكه لمصالح آخرته، والأولى الاستدلال بما ~~وقع في رواية لأحمد وأبي داود والحاكم من حديث علي عليه السلام بلفظ: وعن ~~الصبي حتى يحتلم. ويؤيد ذلك قوله في حديث عطية: فمن كان محتلما وقد حكى ~~صاحب البحر الاجماع، على أن الاحتلام مع الانزال من علامات البلوغ في ~~الذكر، ولم يجعله المنصور بالله علامة في الأنثى. قوله: ولا صمات الخ، ~~الصمات السكوت، قال في القاموس: وما ذقت صماتا كسحاب شيئا ولا صمت يوم إلى ~~الليل أي لا يصمت يوم تام انتهى. # قوله: فلم يجزني. وقوله: فأجازني المراد بالإجازة الاذن بالخروج للقتال، ~~من أجازه إذا أمضاه وأذن له، لا من الجائزة التي هي العطية كما فهمه صاحب ~~ضوء النهار، وقد استدل بحديث ابن عمر هذا من قال: إن مضى خمس عشرة سنة من ~~الولادة يكون بلوغا في الذكر PageV05P372 # والأنثى، وإليه ذهب الجمهور، وتعقب ذلك الطحاوي وابن القصار وغيرهما بأنه ~~لا دلالة في الحديث على البلوغ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعرض ~~لسنه، وأن فرض خطور ذلك ببال ابن عمر، ويرد هذا التعقب ما ذكرنا من الزيادة ~~في الحديث أعني قوله: ولم يرني بلغت. وقوله: ورآني بلغت والظاهر أن ابن عمر ~~لا يقول هذا بمجرد الظن من دون أن يصدر منه صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل ~~على ذلك. وقال أبو حنيفة: بل مضى ثمان عشرة سنة للذكر وسبع عشرة للأنثى. ~~قوله: فكان من أنبت الخ. # استدل به من قال: إن الانبات من علامات البلوغ، وإليه ذهبت الهادوية ~~وقيدوا ذلك بأن يكون الانبات بعد التسع، وتعقب بأن قتل من أنبت ليس لأجل ms2279 ~~التكليف بل لرفع ضرره لكونه مظنة للضرر كقتل الحية ونحوها، ورد هذا التعقب ~~بأن القتل لمن كان كذلك ليس إلا لأجل الكفر لا لدفع الضرر لحديث: أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وطلب الايمان وإزالة المانع منه ~~فرع التكليف، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يغزو إلى ~~البلاد البعيدة كتبوك، ويأمر بغزو أهل الأقطار النائية، مع كون الضرر ممن ~~كان كذلك مأمونا، وكون قتال الكفار لكفرهم هو مذهب طائفة من أهل العلم، ~~وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر، والقول بهذه المقالة هو منشأ ~~ذلك التعقب، ومن القائلين بهذا شيخ الاسلام ابن تيمية حفيد المصنف وله في ~~ذلك رسالة. قوله: # شرخهم بفتح الشين المعجمة وسكون الراء المهملة بعدها خاء معجمة. قال في ~~القاموس: هو أول الشباب انتهى. وقيل: هم الغلمان الذين لم يبلغوا، وحمله ~~المصنف على من لم ينبت من الغلمان، ولا بد من ذلك للجمع بين الأحاديث، وإن ~~كان أول الشباب يطلق على من كان في أول الانبات، والمراد بالانبات المذكور ~~في الحديث هو إنبات الشعر الأسود المتجعد في العانة لا إنبات مطلق الشعر ~~فإنه موجود في الأطفال. # باب ما يحل لولي اليتيم من ماله بشرط العمل والحاجة عن عائشة رضي الله ~~عنها في قوله تعالى: * (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف) * (سورة النساء، الآية: 6) أنها أنزلت في ولي اليتيم إذا كان ~~فقيرا أنه يأكل PageV05P373 # منه مكان قيامه عليه بالمعروف. وفي لفظ: أنزلت في والي اليتيم الذي عليه ~~ويصلح ما له إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف أخرجاهما. وعن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني فقير ليس ~~لي شئ ولي يتيم، فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل رواه ~~الخمسة إلا الترمذي. وللأثرم في سننه عن ابن عمر: أنه كان يزكي مال اليتيم ~~ويستقرض منه ويدفعه مضاربة. # حديث عمرو بن شعيب ms2280 سكت عنه أبو داود، وأشار المنذري إلى أن في إسناده ~~عمرو ابن شعيب، وفي سماع أبيه من جده مقال قد تقدم التنبيه عليه. وقال في ~~الفتح: إسناده قوي، والآية المذكورة تدل على جواز أكل ولي اليتيم ماله ~~بالمعروف إذا كان فقيرا، ووجوب الاستعفاف إذا كان غنيا، وهذا إن كان المراد ~~بالغني والفقير في الآية ولي اليتيم على ما هو المشهور. وقيل: المعنى في ~~الآية اليتيم، أي إن كان غنيا فلا يسرف في الانفاق عليه، وإن كان فقيرا ~~فليطعمه من ماله بالمعروف، فلا يكون على هذا في الآية دلالة على الاكل من ~~مال اليتيم أصلا، وهذا التفسير رواه ابن التين عن ربيعة، ولكن المتعين ~~المصير إلى الأول لقول عائشة المذكور. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، ~~فروي عن عائشة أنه يجوز للولي أن يأخذ من مال اليتيم قدر عمالته، وبه قال ~~عكرمة والحسن وغيرهم، وقيل: لا يأكل منه، إلا عند الحاجة، ثم اختلفوا فقال ~~عبيدة بن عمرو وسعيد بن جبير ومجاهد: إذا أكل ثم أيسر قضى، وقيل: لا يجيب ~~القضاء، وقيل: إن كان ذهبا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئا إلا على سبيل ~~القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس، ~~وبه قال الشعبي وأبو العالية وغيرهما، أخرج جميع ذلك ابن جرير في تفسيره ~~وقال: هو بوجوب القضاء مطلقا وانتصر له، وقال الشافعي: يأخذ أقل الأمرين من ~~أجرته ونفقته، ولا يجب الرد على الصحيح عنده، والظاهر من الآية والحديث ~~جواز الأكل مع الفقر بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تبذير ولا تأثل، والاذن ~~بالاكل يدل على إطلاقه على عدم وجوب الرد عند التمكن، ومن ادعى الوجوب ~~فعليه الدليل. قوله: غير مسرف ولا مبادر هذا مثل قوله تعالى: * (ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا) * (سورة النساء، الآية: 6) أي مسرفين ومبادرين كبر ~~الأيتام أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم يفرطون PageV05P374 # في إنفاقها ويقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من ~~أيدينا. ولفظ أبي داود غير ms2281 مسرف ولا مبذر. قوله: ولا متأثل قال في القاموس: ~~أثل ما له تأثيلا زكاه وأصله وملكه عظمه والأهل كساهم أفضل كسوة وأحسن ~~إليهم، والرجل كثر ماله انتهى. والمراد هنا أنه لا يدخر من مال اليتيم ~~لنفسه ما يزيد على قدر ما يأكله. قال في الفتح: المتأثل بمثناة ثم مثلثة ~~مشددة بينهما همزة هو المتخذ، والتأثيل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم ~~واثلة كل شئ أصله. قوله: أنه كان يزكي مال اليتيم الخ، فيه أن ولي اليتيم ~~يزكي ماله ويعامله بالقرض والمضاربة وما شابه ذلك. # باب مخالطة الولي اليتيم في الطعام والشراب عن ابن عباس قال: لما نزلت * ~~(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * (سورة الأنعام، الآية: 152) ~~عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن، فذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنزلت: * (وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح) * (سورة البقرة، الآية: 220) قال: فخالطوهم رواه أحمد والنسائي ~~وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وفي إسناده عطاء بن السائب وقد تفرد ~~بوصله وفيه مقال. وقد أخرج له البخاري مقرونا. وقال أيوب: ثقة، وتكلم فيه ~~غير واحد. وقال الإمام أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح، ومن سمع منه حديثا ~~لم يكن بشئ، ووافقه على ذلك يحيى بن معين، وهذا الحديث من رواية جرير بن ~~عبد الحميد عنه وهو ممن سمع منه حديثا. ورواه النسائي من وجه آخر عن عطاء ~~موصولا وزاد فيه: وأحل لهم خلطهم. ورواه عبد بن حميد عن قتادة مرسلا. ورواه ~~الثوري في تفسيره عن سعيد بن جبير مرسلا أيضا. قال في الفتح: وهذا هو ~~المحفوظ مع إرساله. # وروى عبد بن حميد من طريق السدي عمن حدثه عن ابن عباس قال: المخالطة أن ~~تشرب من لبنه ويشرب من لبنك، وتأكل من قصعته ويأكل من قصعتك، والله يعلم ~~المفسد من المصلح، من يتعمد أكل مال اليتيم ومن يتجنبه. وقال أبو عبيد: ~~المراد بالمخالطة أن يكون اليتيم بين عيال الوالي عليه فيشق عليه إفراز ms2282 ~~طعامه فيأخذ من مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيخلطه بنفقة ~~عياله، ولما كان ذلك قد تقع PageV05P375 # فيه الزيادة والنقصان خشوا منه فوسع الله لهم، وقد ورد التنفير عن أكل ~~أموال اليتامى والتشديد فيه قال الله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) * (سورة النساء، ~~الآية: 10) وثبت في الصحيح أن أكل مال اليتيم أحد السبع الموبقات، فالواجب ~~على من ابتلى بيتيم أن يقف على الحد الذي أباحه له الشارع في الاكل من ماله ~~ومخالطته، لأن الزيادة عليه ظلم يصلى به فاعله سعيرا ويكون من الموبقين ~~نسأل الله السلامة. # كتاب الصلح وأحكام الجوار باب جواز الصلح على المعلوم والمجهول والتحليل ~~منهما عن أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إنكم تختصمون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ~~مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما اقطع من النار يأتي ~~بها أسطاما في عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي ~~لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما إذا قلتما فاذهبا ~~فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه رواه أحمد ~~وأبو داود. وفي رواية لأبي داود: إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي ~~فيه. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وسكت عنه داود والمنذري. وفي إسناده أسامة بن ~~زيد بن أسلم المدني مولى عمر، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وأصل ~~PageV05P376 # هذا الحديث في الصحيحين، وسيأتي في باب إن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا لا ~~باطنا من كتاب الأقضية. قوله: إنكم تختصمون إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعني في الاحكام. قوله: وإنما أنا بشر البشر يطلق على الواحد كما ms2283 ~~في الحديث، وعلى الجمع نحو قوله تعالى: * (نذيرا للبشر) * (سورة المدثر، ~~الآية: 36) والمراد إنما أنا مشارك لغيري في البشرية، وإن كان صلى الله ~~عليه وآله وسلم زائدا عليهم بما أعطاه الله تعالى من المعجزات الظاهرة ~~والاطلاع على بعض الغيوب، والحصر ههنا مجازي أي باعتبار علم الباطن. # وقد حققه علماء المعاني وأشرنا إلى طرف من تحقيقه في كتاب الصلاة. قوله: ~~ألحن أي أفطن وأعرف، ويجوز أن يكون معناه أفصح تعبيرا عنها وأظهر احتجاجا، ~~فربما جاء بعبارة تخيل إلى السامع أنه محق وهو في الحقيقة مبطل، والأظهر أن ~~يكون معناه أبلغ كما في رواية في الصحيحين أي أحسن إيرادا للكلام، وأصل ~~اللحن الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح ~~النطق، ويقال: # لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره، لأنه بالتورية ميل ~~كلامه عن الواضح المفهوم. قوله: وإنما أقضي الخ، فيه دليل على أن الحاكم ~~إنما يحكم بظاهر ما يسمع من الألفاظ مع جواز كون الباطن خلافه، ولم يتعبد ~~بالبحث عن البواطن باستعمال الأشياء التي تفضي في بعض الأحوال إلى ذلك ~~كأنواع السياسة والمداهاة. # قوله: فلا يأخذه فيه أن حكم الحاكم لا يحل به الحرام كما زعم بعض أهل ~~العلم. # قوله: قطعة بكسر القاف أي طائفة. قوله: أسطاما بضم الهمزة وسكون السين ~~المهملة. قال في القاموس: السطام بالكسر المسعار لحديدة مفطوحة تحرك بها ~~النار ثم قال: والاسطام المسعار اه. والمراد هنا الحديدة التي تسعر بها ~~النار أي يأتي يوم القيامة حاملا لها مع أثقاله. قوله: حقي لأخي فيه دليل ~~على صحة هبة المجهول، وهبة المدعي قبل ثبوته، وهبة الشريك لشريكه. قوله: ~~أما إذا قلتما لفظ أبي داود: أما إذ فعلتما ما فعلتماه فاقتسما قال في شرح ~~السنن: أما بتخفيف الميم يحتمل أن يكون بمعنى حقا وإذ للتعليل. قوله: ~~فاقتسما فيه دليل على أن الهبة إنما تملك بالقبول لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمرهما بالاقتسام بعد أن وهب كل واحد نصيبه من الآخر. ms2284 قوله: # ثم توخيا بفتح الواو والخاء المعجمة. قال في النهاية: أي اقصدا الحق فيما ~~تصنعان من القسمة، يقال: توخيت الشئ أتوخاه توخيا إذا قصدت إليه وتعمدت ~~فعله. قوله: ثم استهما أي ليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة ~~PageV05P377 # ليتميز سهم كل واحد منكما عن الآخر. وفيه الامر بالقرعة عند المساواة أو ~~المشاحة. وقد وردت القرعة في كتاب الله في موضعين. أحدهما قوله تعالى: * ~~(إذ يلقون أقلامهم) * (سورة آل عمران، الآية: 44) والثاني قوله تعالى: * ~~(فساهم فكان من المدحضين) * ( سورة الصافات، الآية: 141) وجاءت في خمسة ~~أحاديث من السنة: الأول هذا الحديث. الثاني: حديث أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه. الثالث: أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أقرع في سنة مملوكين. الرابع: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لو يعلم ~~الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه. الخامس: حديث الزبير: أن ~~صفية جاءت بثوبين لتكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلا فقلنا: لحمزة ثوب ~~وللأنصاري ثوب، فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما ثم كفنا ~~كل واحد في الثوب الذي خرج له. والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~اطلع على هذا وقرره لأنه كان حاضرا هنالك، ويبعد أن يخفى عليه مثل ذلك في ~~حق حمزة، وقد كانت الصحابة تعتمد القرعة في كثير من الأمور كما روي أنه ~~تشاح الناس يوم القادسية في الآذان فأقرع بينهم سعد. قوله: ثم ليحلل الخ، ~~أي ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته، وفيه ~~دليل على أنه يصح الابراء من المجهول، لأن الذي في ذمة كل واحد ههنا غير ~~معلوم، وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن مجهول، ولكن لا بد مع ذلك من ~~التحليل. وحكي في البحر عن الناصر والشافعي أنه لا يصح الصلح بمعلوم عن ~~مجهول. قوله: برأيي هذا مما استدل به أهل الأصول على جواز العمل بالقياس ~~وأنه حجة، وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ المعروف. # وعن عمرو ms2285 بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الصلح جائز بين ~~المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حرما رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي ~~وزاد: المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرما قال الترمذي: # هذا حديث حسن صحيح. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو ~~بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا. قال فيه الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان ~~الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة ~~موضوعة وتركه أحمد. # وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه، قال الذهبي: أما الترمذي فروى من حديثه ~~الصلح PageV05P378 # جائز بين المسلمين وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن ~~كثير في إرشاده: قد نوقش أبو عيسى يعني الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما ~~شاكله اه. واعتذر له الحافظ فقال: وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وذلك لأنه رواه ~~أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة، قال ~~الحاكم: على شرطهما وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي. وأخرجه أيضا الحاكم من ~~حديث أنس. وأخرجه أيضا من حديث عائشة وكذلك الدارقطني. # وأخرجه أحمد من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. # وأخرجه ابن أبي شيبة عن عطاء مرسلا. وأخرجه البيهقي موقوفا على عمر كتبه ~~إلى أبي موسى. وقد صرح الحافظ بأن إسناد حديث أنس وإسناد حديث عائشة ~~واهيان، وضعف ابن حزم حديث أبي هريرة وكذلك ضعفه عبد الحق. وقد روي من طريق ~~عبد الله بن الحسين المصيصي وهو ثقة، وكثير بن زيد المذكور قال أبو زرعة: # صدوق، ووثقه ابن معين، والوليد بن رباح صدوق أيضا. ولا يخفى أن الأحاديث ~~المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت ~~عليه حسنا. قوله: الصلح جائز ظاهر هذه العبارة العموم، فيشمل كل صلح إلا ما ~~استثني، ومن ادعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع ms2286 في الحديث فعليه ~~الدليل. وإلى العموم ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والجمهور. وحكي في البحر عن ~~العترة والشافعي وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن إنكار، وقد استدل لهم ~~بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. ~~وبقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (سورة البقرة، ~~الآية: 188) ويجاب بأن الرضا بالصلح مشعر بطيبة النفس، فلا يكون أكل المال ~~به من أكل أموال الناس بالباطل. PageV05P379 # واحتج لهم في البحر بأن الصلح معاوضة فلا يصح مع الانكار كالبيع. وأجيب ~~بأنه لا معنى للإنكار في البيع لعدم ثبوت حق لأحدهما على الآخر يتعلق به ~~الانكار قبل صدور البيع فلا يصح القياس. قوله: بين المسلمين هذا خرج مخرج ~~الغالب، لان الصلح جائز بين الكفار وبين المسلم والكافر. ووجه التخصيص أن ~~المخاطب بالأحكام في الغالب هم المسلمون لأنهم هم المنقادون لها. قوله: إلا ~~صلحا بالنصب على الاستثناء. وفي رواية لأبي داود والترمذي بالرفع. والصلح ~~الذي يحرم الحلال كمصالحة الزوجة للزوج على أن لا يطلقها، أو لا يتزوج ~~عليها، أو لا يبيت عند ضرتها، والذي يحلل الحرام كأن يصالحه على وطئ أمة لا ~~يحل له وطؤها، أو أكل مال لا يحل له أكله، أو نحو ذلك. قوله: المسلمون على ~~شروطهم أي ثابتون عليها لا يرجعون عنها. قال المنذري: وهذا في الشروط ~~الجائزة دون الفاسدة، ويدل على هذا قوله: إلا شرطا حرم حلالا الخ، ويؤيده ~~ما ثبت في حديث بريرة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: كل شرط ليس في كتاب ~~الله فهو باطل. وحديث: # من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والشرط الذي يحل الحرام، كأن يشرط ~~نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين، والذي يحرم الحلال كأن يشرط عليه ~~أن لا يطأ أمته أو زوجته أو نحو ذلك. # وعن جابر أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين فاشتد الغرماء PageV05P380 # في حقوقهم قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألهم أن يقبلوا ~~ثمرة حائطي ms2287 ويحللوا أبي فأبوا، فلم يعطهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حائطي وقال: # سنغدوا عليك، فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل وداعا في ثمرها بالبركة ~~فجددتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها، وفي لفظ: أن أباه توفي وترك عليه ~~ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يشفع له إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكلم اليهودي ليأخذ ثمرة نخله بالذي له فأبى، فدخل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم النخل فمشى فيها ثم قال لجابر: جد له فأوف له الذي له، ~~فجده بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأوفاه ثلاثين وسقا ~~وفضلت سبعة عشر وسقا رواهما البخاري. # قوله: فجددتها بالجيم ودالين مهملتين، والجداد صرام النحل. والحديث فيه ~~دليل على جواز المصالحة بالمجهول عن المعلوم، وذلك لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سأل الغريم أن يأخذ ثمر الحائط وهو مجهول القدر في الأوساق التي ~~له وهي معلومة، ولكنه ادعى في البحر الاجماع على عدم الجواز فقال ما لفظه ~~مسألة: ويصح بمعلوم عن معلوم إجماعا، ولا يصح بمجهول إجماعا ولو عن معلوم، ~~كأن يصالح بشئ عن شئ، أو عن ألف بما يكسبه هذا العام اه. فينبغي أن ينظر في ~~صحة هذا الاجماع فإن الحديث مصرح بالجواز. وقال المهلب: لا يجوز عند أحد من ~~العلماء أن يأخذ من له دين تمر تمرا مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر، ~~وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الاخذ ذلك ورضي اه. # وهكذا قال الدمياطي، وتعقبهما ابن المنير فقال: بيع المعلوم بالمجهول ~~مزابنة، فإن كان تمرا نحوه فمزابنة وربا، لكن اغتفر ذلك في الوفاء وتبعه ~~الحافظ على ذلك فقال: إنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداء، ~~لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في المعاوضة عند ~~الوفاء، قال: وذلك بين في حديث الباب انتهى. ms2288 # والحاصل أن هذا الحديث مخصص للعمومات المتقدمة في البيع القاضية بوجوب ~~معرفة مقدار كل واحد من البدلين المتساويين جنسا وتقديرا، فيجوز القضاء مع ~~الجهالة إذا وقع الرضا، ويؤيد هذا حديث أم سلمة السالف، فإنها وقعت فيه ~~المصالحة PageV05P381 # بمعلوم عن مجهول. والمواريث الدارسة تطلق على الأجناس الربوية وغيرها، ~~فهو يقضي بعمومه أنها تجوز المصالحة مع جهالة أحد العوضين وإن كان المصالح ~~به والمصالح عنه ربوين، ولكن لا بد من وقوع التحليل كما هو مصرح به في ~~الحديثين، وقد استدل المقبلي في الأبحاث بهذا الحديث على جواز صرف الفضة ~~بالفضة مع التصريح بتطييب الزائد، وأنه لا يلزم من ذلك إبطال المقصد الشرعي ~~في الربا لان كل حيلة توصل بها إلى السلامة من الاثم فهي جائزة، وأنما ~~المحرم الحيلة التي توصل بها إلى إبطال مقصد شرعي، قال: فعلى هذا يجوز ~~الصرف للقروش بالمحلقة وهما ضربتان كبيرة وصغيرة، ونحو ذلك مما دعت الضرورة ~~إليه. قال: ولنحو ذلك رخص في بيع العرية، وإلا فكان يمكن بيع التمر ~~بالدراهم ثم شراء رطب بالدراهم، أما لو كان الغرض طلب التجارة والأرباح ~~كالصيارفة فلا يجوز إلى آخر كلامه. وصرح أيضا بأنه لا حاجة في الصرف إلى ~~تكلف شراء سلعة ثم بيعها كما في حديث تمر الجمع والجنيب السالف، قال: لأن ~~ذلك يلحق بالممتنع للضرورة إليه في أكثر الأحوال وغالبها ففيه غاية المشقة، ~~وأنت خبير بأن الحديث ورد على خلاف ما تقتضيه الأصول، فلا يجوز أن يجاوز به ~~مورده وهو صورة القضاء فلا يصح القياس، وهذا على فرض عدم صحة الاجماع على ~~خلاف ما يقتضيه الحديث، فإن صح فالعمل به في تلك الصورة المخصوصة لا يجوز، ~~فكيف يصح إلحاق غيرها بها؟ وأيضا خبر القلادة السالف مشعر بعدم جواز بيع ~~الفضة بالفضة وإن وقعت المراضاة والمباراة، فهذا القياس الذي عول عليه فاسد ~~الاعتبار، فإن قال: إن صرف الدراهم بالقروش يحتاج إليه كل أحد وتدعو ~~الضرورة إليه بخلاف بيع الفضة التي ليست بمضروبة بمثلها فنقول: هذا تخصيص ~~بمجرد الحاجة والمشقة، ومثل ms2289 ذلك لا ينتهض لتخصيص النصوص، ولا سيما مع إمكان ~~التخلص عن تلك الورطة بأن يشتري بأحد البدلين عينا ويبيعها بالنقد الآخر، ~~كما أرشد إليه الشارع في قضية تمر الجمع والجنيب، فإن بهذه الوسيلة تنتقي ~~الضرورة الحاملة على ارتكاب ما لا يحل، ولو كان مجرد حصول المشقة مجوزا ~~لمخالفة الدليل ومسوغا للمحرم، لكان في ذلك معذرة لمن لا رغبة له في القيام ~~بالواجبات، لان كثيرا منها مصحوب بالمشقة كالحج والجهاد ونحوهما. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~PageV05P382 # كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شئ فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون ~~دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له ~~حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه رواه البخاري وكذلك أحمد والترمذي ~~وصححه وقالا فيه: مظلمة من مال أو عرض. قوله: مظلمة بكسر اللام على ~~المشهور، وحكى ابن قتيبة وابن التين والجوهري فتحها، وأنكره ابن القوطية، ~~وحكى القزاز الضم. قوله: أو شئ هو من عطف العام على الخاص، فيدخل فيه المال ~~بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها. قوله: # قبل أن لا يكون دينار ولا درهم أي يوم القيامة كما ثبت في رواية ~~الإسماعيلي. # قوله: أخذ من سيئات صاحبه أي صاحب المظلمة فحمل عليه أي على الظالم. وفي ~~رواية مالك: فطرحت عليه وقد أخرج هذا الحديث مسلم من وجه آخر وهو أوضح ~~سياقا من هذا. ولفظه: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام ~~وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيعطي هذا من حسناته ~~وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت ~~عليه وطرح في النار. ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى) * (سورة فاطر، الآية: 18) لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه، ولم ~~يعاقب بغير جناية منه بل بجنايته، فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه ~~عدل الله تعالى في عباده. ms2290 (وفي الحديث) دليل على صحة الابراء من المجهول لا ~~طلاقه. وزعم ابن بطال أن في هذا الحديث دليلا على اشتراط التعيين، لا قوله ~~مظلمة يقتضي أن تكون معلومة القدر مشارا إليها. قال الحافظ: ولا يخفى ما ~~فيه. قال ابن المنير: إنما وقع في الحديث التقدير حيث يقتص المظلوم من ~~الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه وهذا متفق عليه، والخلاف إنما هو فيما إذا ~~أسقط المظلوم حقه في الدنيا هل يشترط أن يعرف قدره أم لا؟ وقد أطلق ذلك في ~~الحديث. نعم قام الاجماع على صحة التحليل من المعين المعلوم، فإن كانت ~~العين موجودة صحت هبتها دون الابراء منها. وفي الحديث أيضا دليل على أن من ~~حلل خصمه من مظلمة لا رجوع له في ذلك، أما المعلوم فلا خلاف فيه، وأما ~~المجهول فعند من يجيزه، قال في الفتح: وهو فيما مضى باتفاق، وأما فيما ~~سيأتي ففيه الخلاف. PageV05P383 # باب الصلح عن دم العمد بأكثر من الدية وأقل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل متعمدا دفع إلى أولياء ~~المقتول، فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة وثلاثون ~~جذعة وأربعون خلفة وذلك عقل العمد، وما صالحوا عليه فهو لهم وذلك تشديد ~~العقل رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. # الحديث حسنه الترمذي، في إسناد أحمد: علي بن زيد بن جدعان وفيه مقال عن ~~يعقوب السدوسي، ويقال فيه عقبة بن أوس عن ابن عمرو، وروى البيهقي بإسناده ~~إلى ابن خزيمة قال: حضرت مجلس المزني يوما وسأله سائل من العراقيين عن شبه ~~العمد فقال السائل: إن الله وصف القتل في كتابه صنفين عمدا وخطأ، فلم قلتم ~~إنه على ثلاثة أصناف؟ فاحتج المزني بحديث ابن عمرو، فقال له يناظره: أتحتج ~~بعلي بن زيد بن جدعان؟ # فسكت المزني، فقلت لناظره: قد روي هذا الحديث عن غير علي بن زيد، فقال: ~~من رواه غيره؟ فقلت: أيوب السختياني وجابر الحذاء، قال لي: فمن عقبة بن ~~أوس؟ قلت: ms2291 رجل من أهل البصرة روى عنه ابن سيرين على جلالته، فقال للمزني: ~~أنت تناظر أم هذا؟ # فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر لأنه أعلم به مني اه. فدل كلام ابن خزيمة ~~هذا على أن علي بن زيد قد توبع. وأيضا الترمذي رواه عن أحمد بن سعيد ~~الدارمي عن حبان بن هلال عن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن ~~شعيب. قوله: خلفة أي حاملة. ووقع في رواية: أربعون خلفة في بطونها أولادها، ~~واستشكل ذلك لان الخلفة هي التي في بطنها ولدها، وأجيب بأن هذا تفسير لا ~~تقييد، وقيل: تأكيد وإيضاح، وقيل: غير ذلك، والحديث يأتي الكلام على ما ~~اشتمل عليه في أبواب الديات، وإنما ساقه المصنف ههنا للاستدلال بقوله فيه: ~~وما صالحوا عليه فهو لهم فإنه يدل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من ~~الدية. # باب ما جاء في وضع الخشب في جدار الجار وإن كره عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يمنع جار جاره أن PageV05P384 # يغرز خشبه في جداره، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين والله ~~لأرمين بها بين أكتافكم رواه الجماعة إلا النسائي. وعن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبه ~~في حائط جاره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع. وعن عكرمة بن ~~سلمة بن ربيعة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما أن لا يغرز خشبا في ~~جداره، فلقيا مجمع بن يزيد الأنصاري ورجالا كثيرا فقالوا: نشهد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبا في ~~جداره، فقال الحالف: أي أخي قد علمت أنك مقضي لك علي وقد حلفت فاجعل ~~أسطوانا دون جداري. ففعل الآخر فغرز في الأسطوان خشبه رواهما أحمد وابن ~~ماجة. # أما حديث ابن عباس فأخرجه أيضا ابن ماجة والبيهقي والطبراني وعبد الرزاق، ~~قال ابن كثير: أما حديث لا ضرر ولا ضرار ms2292 فرواه ابن ماجة عن عبادة بن ~~الصامت. وروي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وهو حديث مشهور اه. # وهو أيضا عند ابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد، ~~وعند البيهقي أيضا من حديث عبادة. وعند الطبراني في الكبير وأبي نعيم من ~~حديث ثعلبة بن مالك القرظي، وما فيه من جعل الطريق سبعة أذرع ثابت في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة كما سيأتي. وأما حديث مجمع فأخرجه أيضا ابن ~~ماجة والبيهقي وسكت عنه الحافظ في التلخيص. وعكرمة بن سلمة بن ربيعة ~~المذكور مجهول. قوله: # لا يمنع بالجزم على النهي. وفي رواية لأحمد: لا يمنعن. وفي لفظ للبخاري ~~بالرفع على الخبرية وهي في معنى النهي. قوله: خشبه قال القاضي عياض: رويناه ~~في مسلم وغيره من الأصول بصيغة الجمع والافراد ثم قال: وقال عبد الغني بن ~~سعيد: كل الناس تقوله بالجمع إلا الطحاوي فإنه قال عن روح بن الفرج: سألت ~~أبا زيد والحرث بن بكير ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا: كلهم خشبة ~~بالتنوين، ورواية مجمع تشهد لمن رواه بلفظ الجمع، ويؤيدها أيضا ما رواه ~~البيهقي من طريق شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: إذا سأل أحدكم ~~جاره أن يدعم جذوعه على حائطه فلا يمنعه قال القرطبي: وإنما اعتنى هؤلاء ~~الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف، لان أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار ~~المسامحة به، بخلاف الأخشاب الكثيرة. PageV05P385 # (والأحاديث) تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب في ~~جداره، ويجبره الحاكم إذا امتنع، وبه قال أحمد وإسحاق وابن حبيب من ~~المالكية والشافعي في القديم وأهل الحديث. وقالت الحنفية والهادوية ومالك ~~والشافعي في أحد قوليه والجمهور أنه يشترط إذن المالك، ولا يجبر صاحب ~~الجدار إذا امتنع، وحملوا النهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأدلة القاضية ~~بأنه: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. وتعقب بأن هذا الحديث أخص ~~من تلك الأدلة مطلقا فيبنى العام على الخاص. قال البيهقي: لم نجد في السنن ms2293 ~~الصحية ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وحمل بعضهم ~~الحديث على ما إذا تقدم استئذان الجار كما وقع في رواية لأبي داود بلفظ: ~~إذا استأذن أحدكم أخاه. وفي رواية لأحمد: من سأله جاره وكذا في رواية لابن ~~حبان، فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار المنع لا إذا لم يتقدم. # قوله: في جداره الظاهر عود الضمير إلى المالك أي في جدار نفسه، وقيل: ~~الضمير يعود على الجار الذي يريد الغرز، أي لا يمنعه من وضع خشبه على جدار ~~نفسه، وإن تضرر به من جهة منع الضوء مثلا. ووقع لأبي عوانة من طريق زياد بن ~~سعد عن الزهري أنه يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به جاره، والظاهر ~~الأول، ويؤيده قوله في حديث ابن عباس: في حائط جاره. وكذلك قوله في الحديث ~~الآخر: # فاجعل أسطوانا دون جداري قيل: وهذا الحكم مشروط عند القائلين بأنه يجب ~~ذلك على الجار بحاجة من يريد الغرز إليه وعدم تضرر المالك، فإن تضرر لم ~~يقدم حاجة جاره على حاجته، ولكنه لا يخفى أن إطلاق الأحاديث قاض بعدم ~~اعتبار عدم تضرر المالك، ولكنه يجب على من يريد الغرز أن يتوقى الضرر بما ~~أمكن، فإن لم يمكن إلا بإضرار وجب على الغارز إصلاحه، وذلك كما يقع عند فتح ~~الجدار لغرز الجذوع، وأما اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز فأمر لا بد منه. ~~قوله: ما لي أراكم عنها معرضين أي عن هذه المقالة التي جاءت بها السنة أو ~~عن هذه الوصية أو الموعظة. قوله: # والله لأرمين بين أكتافكم بالتاء الفوقية أي لأقر عنكم بها كما يضرب ~~الانسان بالشئ بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. قال القاضي عياض وابن عبد البر: ~~وقد رواه بعض رواة الموطأ أكنافكم بالنون، والكنف الجانب ونونه مفتوحة، ~~والمعنى: لأصرخن بها بين جماعتكم ولا أكتمها أبدا. وقال الخطابي معناه: إن ~~لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به PageV05P386 # راضين لأجعلنها أي الخشبة على رقابكم كارهين أراد بذلك المبالغة. وفي ~~تعليق القاضي حسين أن أبا هريرة قال ms2294 ذلك حين كان متوليا بمكة أو المدينة، ~~وكأنه قاله لما رآهم توقفوا عن قبول هذا الحكم، كما وقع في رواية لأبي داود ~~أنهم نكسوا رؤوسهم لما سمعوا ذلك. قوله: لا ضرر ولا ضرار هذا فيه دليل على ~~تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره، فلا يجوز في صورة ~~من الصور إلا بدليل يخص به هذا العموم، فعليك بمطالبة من جوز المضارة في ~~بعض الصور بالدليل، فإن جاء به قبلته، وإلا ضربت بهذا الحديث وجهه، فإنه ~~قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات. وقد ورد الوعيد لمن ضار غيره، ~~فأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث أبي صرمة بكسر الصاد ~~المهملة مالك بن قيس الأنصاري وهو ممن شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، قال ~~ابن عبد البر: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ضار أضر ~~الله به، ومن شاق شاق الله عليه واختلفوا في الفرق بين الضر والضرار فقيل: ~~إن الضر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين فصاعدا. وقيل: الضرار أن تضره من ~~غير أن تنتفع، والضر أن تضره وتنتفع أنت به. وقيل: الضرار الجزاء على الضر، ~~والضر الابتداء، وقيل: هما بمعنى قوله: وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره ~~فيه دليل على جواز وضع الخشبة في جدار الجار، وإذا جاز الغرز جاز الوضع ~~بالأولى لأنه أخف منه. قوله: # فاجعلوه سبعة أذرع هذا محمول على الطريق التي هي مجرى عامة المسلمين ~~بأحمالهم ومواشيهم، فإذا تشاجر من له أرض يتصل بها مع من له فيها حتى جعل ~~عرضها سبعة أذرع بالذراع المتعارف في ذلك البلد بخلاف بنيات الطريق، فإن ~~الرجل إذا جعل في بعض أرضه طريقا مسبلة للمارين كان تقديرها إلى خيرته ~~والأفضل توسيعها، وليس هذه الصورة مراد الحديث، لأن المفروض أن هذه لا ~~مدافعة فيها ولا اختلاف، وسيأتي تمام الكلام على الطريق في الباب الذي بعد ~~هذا. قوله: أعتق أحدهما أي حلف بالعتق. # باب في الطريق إذا اختلفوا فيه كم تجعل ms2295 عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إذا اختلفتم في PageV05P387 # الطريق فاجعلوه سبعة أذرع رواه الجماعة إلا النسائي. وفي لفظ لأحمد: إذا ~~اختلفوا في الطريق رفع من بينهم سبعة أذرع. وعن عبادة بن الصامت: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الرحبة تكون في الطريق ثم يريد أهلها ~~البنيان فيها، فقضى أن يترك للطريق سبعة أذرع، وكانت تلك الطريق تسمى ~~الميتاء. # رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه. # حديث عبادة أخرجه أيضا الطبراني بلفظ: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الطريق الميتاء الحديث والراوي له عن عبادة إسحاق بن يحيى ولم ~~يدركه، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بلفظ: # إذا اختلفتم في الطريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرع وما أخرجه ابن عدي من ~~حديث أنس بلفظ: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق الميتاء ~~التي تؤتى من كل مكان فذكر الحديث. قال في الفتح: وفي كل من الأسانيد ~~الثلاثة مقال اه. ولكنه يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها كما لا يخفى. ~~قوله: إذا اختلفتم في لفظ للبخاري: إذا تشاجروا. وللإسماعيلي: إذا اختلف ~~الناس في الطريق وزاد المستملي بعد ذكر الطريق فقال: الميتاء قال الحافظ: ~~ولم يتابع عليه وليست محفوظة في حديث أبي هريرة، وإنما ذكرها البخاري في ~~الترجمة مشيرا إلى الأحاديث التي ذكرناها كما جرت بذلك قاعدته. قوله: سبعة ~~أذرع قال في الفتح: الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع الآدمي فيعتبر ذلك ~~بالمعتدل. وقيل: المراد ذراع البنيان المتعارف، ولكن هذا المقدار إنما هو ~~في الطريق التي هي مجرى عامة المسلمين للجمال وسائر المواشي كما أسلفنا، لا ~~الطريق المشروعة بين الأملاك والطرق التي يمر بها بنو آدم فقط، ويدل على ~~ذلك التقييد بالميتاء كما في الأحاديث المذكورة، والميتاء بميم مكسورة ~~وتحتانية ساكنة وبعدها فوقانية ومد بوزن مفعال من الاتيان والميم زائدة. ~~قال أبو عمر والشيباني: الميتاء أعظم الطرق وهي ms2296 التي يكثر مرور الناس فيها. ~~وقال غيره: هي الطرق الواسعة، وقيل: # العامرة. وحكي في البحر عن الهادي أنه إذا التبس عرض الطريق بين الأملاك ~~أو كان حوليها أرض موات بقي لما تجتازه العماريات اثنا عشر ذراعا ولدونه ~~سبعة، وفي المنسدة PageV05P388 # مثل أعرض باب فيها انتهى. وبهذا التفصيل قالت الهادوية. (والحكمة) في ~~ورود الشرع بتقدير الطريق سبعة أذرع هي أن تسلكها الأحمال والأثقال دخولا ~~وخروجا، وتسع ما لا بد منه كما يطرح عند الأبواب. قوله: الرحبة بفتح الحاء ~~المهملة وتسكن على ما في القاموس وهي المكان بناحية ومتسعه، ومن الوادي ~~مسيل مائه من جانبيه. والمراد هنا المكان بجانب الطريق كما في الحديث. # باب إخراج ميازيب المطر إلى الشارع عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ~~ميزاب على طريق عمر فلبس ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان، فلما ~~وافى الميزاب صب ماء بدم الفرخين فأمر عمر بقلعه ثم رجع فطرح ثيابه ولبس ~~ثيابا غير ثيابه ثم جاء فصلى بالناس، فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع ~~الذي وضعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمر للعباس: وأنا أعزم عليك ~~لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ففعل ذلك العباس. # الحديث لم يذكر المصنف من خرجه كما في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب، وفي ~~نسخة أنه أخرجه أحمد، وهو في مسند أحمد بلفظ: كان للعباس ميزاب على طريق ~~عمر فلبس ثيابه يوم الجمعة فأصابه منه ماء بدم فأتاه العباس فقال: والله ~~إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أعزم عليك ~~لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عنه فقال: هو خطأ. ورواه ~~البيهقي من أوجه أخر ضعيفة أو منقطعة ولفظ أحدهما: والله ما وضعه حيث كان ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده. وأورده الحاكم في ms2297 المستدرك ~~وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. قال الحاكم: ولم يحتج ~~الشيخان بعبد الرحمن، ورواه أبو داود في المراسيل من حديث أبي هارون المدني ~~قال: كان في دار العباس ميزاب فذكره. (والحديث) فيه دليل على جواز إخراج ~~الميازيب إلى الطرق، لكن بشرط أن لا تكون محدثة تضر بالمسلمين، فإن كانت ~~كذلك منعت لأحاديث المنع من الضرار. قال في البحر مسألة PageV05P389 # العترة: ويمنع في الطريق الغرس والبناء والحفر ومرور أحمال الشوك ووضع ~~الحطب والذبح فيها وطرح القمامة والرماد وقشر الموز، وإحداث السواحل ~~والميازيب، وربط الكلاب الضارية لما فيها من الأذى اه. ثم حكي في البحر ~~أيضا عن أبي حنيفة والهادوية أنها لا تضيق قرار السكك النافذة ولا هواؤها ~~بشئ وإن اتسعت إذا الهواء تابع للقرار في كونه حقا كتبعية هواء الملك ~~لقراره. وعن الشافعي والمؤيد بالله في أحد قوليه إنما حق المار في القرار ~~لا الهواء فيجوز الروشن والساباط حيث لا ضرر وكذلك الميزاب. قال المؤيد ~~بالله: ويجوز تضييق النافذة المسبلة بما لا ضرر فيه لمصلحة عامة بإذن ~~الامام. وكذلك يجوز تضييق هوائها بالأولى، وإلى مثل ما ذهب إليه المؤيد ~~ذهبت الهادوية وقالوا: يجوز أيضا التضييق لمصلحة خاصة في الطرق المشروعة ~~بين الأملاك. # كتاب الشركة والمضاربة عن أبي هريرة رفعه قال: إن الله يقول: أنا ثالث ~~الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما رواه أبو داود. # الحديث صححه الحاكم وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان، وقد ذكره ~~ابن حبان في الثقات، وأعله أيضا ابن القطان بالارسال فلم يذكر فيه أبا ~~هريرة وقال: إنه الصواب، ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان. وسكت ~~أبو داود والمنذري عن هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهاني في ~~الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام. قوله: كتاب الشركة بكسر الشين وسكون ~~الراء، وحكى ابن باطيش فتح الشين وكسر الراء، وذكر صاحب الفتح فيها أربع ~~لغات: فتح الشين وكسر الراء وكسر الشين وسكون الراء، وقد تحذف ms2298 الهاء وقد ~~يفتح أوله مع ذلك. قوله: # والمضاربة هي مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر والمشي والعامل مضارب ~~بكسر الراء. قال الرافعي: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل، لأن العامل يختص ~~بالضرب في الأرض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التي تكون من واحد ~~مثل عاقبت اللص. قوله: أنا ثالث الشريكين المراد أن الله جل جلاله يضع ~~البركة PageV05P390 # للشريكين في مالهما مع عدم الخيانة، وبمدهما بالرعاية والمعونة، ويتولى ~~الحفظ لما لهما. # قوله: خرجت من بينهما أي نزعت البركة من المال، زاد رزين: وجاء الشيطان. # ورواية الدارقطني: فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما يعني البركة . وعن ~~السائب بن أبي السائب أنه قال: للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: # كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك لا تداريني ولا تماريني رواه أبو ~~داود وابن ماجة ولفظه: كنت شريكي ونعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري. # الحديث أخرجه أيضا النسائي والحاكم وصححه. وفي لفظ لأبي داود وابن ماجة: ~~أن السائب المخزومي كان شريك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة ~~فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي لا تداري ولا تماري. وفي لفظ: أن ~~السائب قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعلوا يثنون علي ~~ويذكرونني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أعلمكم به، فقلت: ~~صدقت بأبي أنت وأمي، كنت شريكي فنعم الشريك لا تداري ولا تماري. ورواه أبو ~~نعيم في المعرفة والطبراني في الكبير من طريق قيس بن السائب. وروي أيضا عن ~~عبد الله بن السائب. قال أبو حاتم في العلل: وعبد الله ليس بالقوي. وقد ~~اختلف هل كان الشريك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم السائب المذكور أو ابنه ~~عبد الله. واختلف أيضا في إسلام السائب وصحبته. قال ابن عبد البر: هو من ~~المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه، وعاش إلى زمن معاوية. وروى ابن هشام عن ~~ابن عباس أنه ممن هاجر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه يوم ~~الجعرانة من غنائم حنين. وقال ms2299 ابن إسحاق: إنه قتل يوم بدر كافرا، وقيل: إن ~~اسمه السائب بن يزيد وهو وهم، ويقال السائب بن نميلة. # قوله: لا تداري ولا تماري أي لا تمانعني ولا تحاورني. (وفي الحديث) بيان ~~ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسن المعاملة والرفق قبل ~~النبوة وبعدها، وفيه جواز السكوت من الممدوح عند سماع من يمدحه بالحق. # وعن أبي المنهال: أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين فاشتريا ~~فضة بنقد ونسيئة، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهما أن ما كان ~~بنقد فأخبزوه وما كان بنسيئة فردوه رواه أحمد والبخاري بمعناه. # لفظ البخاري: ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فردوه والحديث استدل ~~PageV05P391 # به على جواز تفريق الصفقة فيصح الصحيح منها ويبطل ما لا يصح، وتعقب ~~باحتمال أن يكونا عقدا عقدين مختلفين، ويؤيده ما في البخاري في باب الهجرة ~~إلى المدينة عن أبي المنهال المذكور فذكر هذا الحديث. وفيه: قدم النبي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ونحن نتبايع هذا البيع فقال: ما كان ~~يدا بيد فليس به بأس، وما كان نسيئة فلا يصلح. فمعنى قوله: ما كان يدا بيد ~~فخذوه أي ما وقع لكم فيه التقابض في المجلس فهو صحيح فامضوه، وما لم يقع ~~لكم فيه التقابض فليس بصحيح فاتركوه، ولا يلزم من ذلك أن يكونا جميعا في ~~عقد واحد، واستدل بهذا الحديث أيضا على جواز الشركة في الدراهم والدنانير ~~وهو إجماع كما قال ابن بطال، لكن لا بد أن يكون نقد كل واحد منهما مثل نقد ~~صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا جميعا، إلا أن يقيم كل واحد ~~منهما الآخر مقام نفسه. وقد حكى أيضا ابن بطال أن هذا الشرط مجمع عليه، ~~واختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ~~ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري. واختلفوا أيضا هل تصح الشركة ~~في غير النقدين؟ فذهب الجمهور إلى الصحة في كل ما يتملك، وقيل: # يختص بالنقد ms2300 المضروب، والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلي وحديث اشتراك ~~الصحابة في أزوادهم في غزوة الساحل كما في حديث جابر عند البخاري وغيره يرد ~~على من قال باختصاص الشركة بالنقد، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قررهم على ذلك. وكذلك حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري وغيره أنهم جمعوا ~~أزوادهم ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم فيها بالبركة. ويرد على ~~الشافعية حديث أبي عبيدة الآتي، وحديث رويفع. والحاصل أن الأصل ا لجواز في ~~جميع أنواع الأموال، فمن ادعى الاختصاص بنوع واحد أو بأنواع مخصوصة ونفي ~~جواز ما عداها فعليه الدليل، وهكذا الأصل جواز جميع أنواع الشرك المفصلة في ~~كتب الفقه، فلا نقبل دعوى الاختصاص بالبعض إلا بدليل. # وعن أبي عبيدة عن عبد الله قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ~~قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ رواه أبو داود والنسائي وابن ~~ماجة. وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات. وعن رويفع بن ثابت قال: إن ~~كان أحدنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV05P392 # ليأخذ نضو أخيه على أنه له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ~~ليطير له النصل والريش وللآخر القدح رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الأول منقطع، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود. # والحديث الثاني في إسناده أبو داود شيبان بن أمية القتباني وهو مجهول ~~وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه النسائي من غير طريق هذا المجهول بإسناد رجاله ~~كلهم ثقات. قوله: النضو هو المهزول من الإبل. والنصل جديدة السهم. والريش ~~هو الذي يكون على السهم. والقدح بكسر القاف السهم قبل أن يراش وينصل. # (استدل) بحديث أبي عبيدة على جواز شركة الأبدان كما ذكره المصنف، وهي أن ~~يشترك العاملان فيما يعملانه فيوكل كل واحد منهما صاحبه أن يتقبل ويعمل عنه ~~في قدر معلوم مما استؤجر عليه ويعينان الصنعة، وقد ذهب إلى صحتها مالك بشرط ~~اتحاد الصنعة، وإلى صحتها ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه. وقال ms2301 الشافعي: ~~شركة الأبدان كلها باطلة، لأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص ~~بفوائده، وهذا كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة ليكون الدر والنسل ~~بينهما فلا يصح. وأجابت الشافعية عن هذا الحديث بأن غنائم بدر كانت لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يدفعها لمن يشاء، وهذا الحديث حجة على أبي ~~حنيفة وغيره ممن قال إن الوكالة في المباحات لا تصح. والحديث الثاني يدل ~~على جواز دفع أحد الرجلين إلى الآخر راحلته في الجهاد على أن تكون الغنيمة ~~بينهما، والاحتجاج بهذين الحديثين إنما هو على فرض أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم اطلع وقرر، وعلى فرض عدم الاطلاع والتقرير لا حجة في أفعال ~~الصحابة وأقوالهم إلا أن يصح إجماعهم على أمر. # وعن حكيم بن حزام صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يشترط ~~على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ~~ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت ~~مالي رواه الدارقطني. # الأثر أخرجه أيضا البيهقي، وقوى الحافظ إسناده، وفي تجويز المضاربة آثار ~~عن جماعة من الصحابة منها عن علي عليه السلام عند عبد الرزاق أنه قال في ~~المضاربة الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه. وعن ابن مسعود عند ~~الشافعي في كتاب اختلاف العراقيين أنه أعطى زيد بن جليدة مالا مقارضة، ~~وأخرجه عنه أيضا البيهقي. وعن ابن PageV05P393 # عباس عن أبيه العباس أنه كان إذا دفع مالا مضاربة فذكر قصة وفيها: أنه ~~رفع الشرط إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجازه، أخرجه البيهقي بإسناد ~~ضعيف والطبراني وقال: تفرد به محمد بن عقبة عن يونس بن أرقم عن أبي ~~الجارود. وعن جابر عند البيهقي أنه سئل عن ذلك فقال: لا بأس به. وفي إسناده ~~ابن لهيعة. وعن عمر عند الشافعي في كتاب اختلاف العراقيين أنه أعطى مال ~~يتيم مضاربة وأخرجه أيضا البيهقي وابن أبي شيبة. وعن عبد الله ms2302 وعبيد الله ~~ابني عمر: أنهما لقيا أبا موسى الأشعري بالبصرة منصرفهما من غزوة نهاوند ~~فتسلفا منه مالا وابتاعا منه متاعا وقدما به المدينة فباعاه وربحا فيه، ~~وأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله، فقالا: لو كان تلف كان ضمانه علينا ~~فكيف لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فقال: ~~قد جعلته قراضا وأخذ منهما نصف الربح. أخرجه مالك في الموطأ والشافعي ~~والدارقطني. قال الحافظ: إسناده صحيح. قال الطحاوي: يحتمل أن يكون عمر ~~شاطرهما فيه كما شاطر عماله أموالهم. وقال البيهقي: تأول الترمذي هذه القصة ~~بأنه سألهما لبره الواجب عليهما أن يجعلاه كله للمسلمين فلم يجيباه، فلما ~~طلب النصف أجاباه عن طيب أنفسهما. وعن عثمان عند البيهقي أن عثمان أعطى ~~مالا مضاربة، فهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من ~~غير نكير، فكان ذلك إجماعا منهم على الجواز، وليس فيها شئ مرفوع إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه ابن ماجة من حديث صهيب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، ~~والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع لكن في إسناده نصر بن ~~القاسم عن عبد الرحمن بن داود وهما مجهولان. وقد بوب أبو داود في سننه ~~للمضاربة، وذكر حديث عروة البارقي الذي سيأتي، ولا دلالة فيه على جوازها ~~لأن القصة المذكورة فيه ليست من باب المضاربة كما ستعرف ذلك قريبا. قال ابن ~~حزم في مراتب الاجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة حاشا ~~القراض، فما وجدنا له أصلا فيهما البتة ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي يقطع ~~به أنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعلم به وأقره، ولولا ذلك ~~لما جاز انتهى. وقال في البحر: # إنها كانت قبل الاسلام فأقرها انتهى. وأحكام المضاربة مبسوطة في كتب ~~الفقه فلا نشتغل بالتطويل بها، لأن موضوع هذا الشرح الكلام على ما يتعلق ~~بالحديث. قوله: أن لا تجعل مالي في كبد ms2303 رطبة أي لا تشتري به الحيوانات، ~~وإنما نهاه عن ذلك لأن ما كان له روح عرضة للهلاك بطرو الموت عليه. ~~PageV05P394 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء السادس - 1973 دار الجيل بيروت - لبنان ~~ص. ب 8737 PageV06P001 # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الوكالة باب ما يجوز التوكيل فيه من العقود ~~وإيفاء الحقوق وإخراج الزكوات وإقامة الحدود وغير ذلك قال أبو رافع: استسلف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكرا فجاءت إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل ~~بكره. وقال ابن أبي أوفى أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة مال أبي ~~فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى. # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر ~~به كاملا موفرا طيبة به نفسه حتى يدفعه إلي الذي أمر له به أحد المتصدقين. # وقال: واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. وقال علي عليه ~~السلام: أمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أقوم على بدنة وأقسم ~~جلودها وجلالها. وقال أبو هريرة: وكلني النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حفظ زكاة رمضان وأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقبة بن عامر غنما ~~يقسمها بين أصحابه. # هذه الأحاديث لم يذكر المصنف في هذا الموضع من خرجها. وحديث أبي رافع قد ~~تقدم في باب استقراض الحيوان من كتاب القرض، وأورده ههنا للاستدلال به على ~~جواز التوكيل في قضاء القرض. وحديث ابن أبي أوفى تقدم في باب تفرقة الزكاة ~~في بلدها من كتاب الزكاة، وذكره المصنف ههنا للاستدلال به على جواز توكيل ~~صاحب الصدقة من يوصلها إلى الامام. وحديث الخازن ذكره المصنف في ~~PageV06P002 # باب العاملين على الصدقة من كتاب الزكاة، وسيذكر الأحاديث الواردة في ~~تصرف المرأة في مال زوجها، والعبد في مال سيده، والخازن في مال من جعله ~~خازنا، في آخر كتاب الهبة والعطية. ms2304 وذكر حديث الخازن ههنا للاستدلال به على ~~جواز التوكيل في الصدقة لقوله فيه: الذي يعطي ما أمر به كاملا. وقوله اغد ~~يا أنيس سيأتي في كتاب الحدود وفيه دليل على أنه يجوز للامام توكيل من يقيم ~~الحد على من وجب عليه. وحديث علي عليه السلام تقدم في باب الصدقة بالجلود ~~من أبواب الضحايا والهدايا، وفيه دليل على جواز توكيل صاحب الهدي لرجل أن ~~يقسم جلودها وجلالها. وحديث أبي هريرة هو في صحيح البخاري وغيره، وقد أورده ~~في كتاب الوكالة وبوب عليه باب إذا وكل رجل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه ~~الموكل فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، وذكر فيه مجئ السارق إلى أبي ~~هريرة وأنه شكا إليه الحاجة فتركه يأخذ، فكأنه أسلفه إلى أجل وهو وقت إخراج ~~زكاة الفطر. وحديث عقبة ابن عامر تقدم في باب السن الذي يجزئ في الأضحية ~~وفيه دليل على جواز التوكيل في قسمة الضحايا. (وهذه الأحاديث) تدل على صحة ~~الوكالة وهي بفتح الواو وقد تكسر التفويض والحفظ، تقول: وكلت فلانا إذا ~~استحفظته، ووكلت الامر إليه بالتخفيف إذا فوضته إليه، وهي في الشرع إقامة ~~الشخص غيره مقام نفسه مطلقا أو مقيدا، وقد استدل على جواز الوكالة من ~~القرآن بقوله تعالى: * (فابعثوا أحدكم بورقكم) * (سورة الكهف، الآية: 19). ~~وقوله تعالى: * (اجعلني على خزائن الأرض) * (سورة يوسف، الآية: 55) وقد دل ~~على جوازها أحاديث كثيرة منها ما ذكره المصنف في هذا الكتاب، وقد أورد ~~البخاري في كتاب الوكالة ستة وعشرين حديثا، ستة معلقة والباقية موصولة. وقد ~~حكى صاحب البحر الاجماع على كونها مشروعة، وفي كونها نيابة أو ولاية وجهان: ~~فقيل نيابة لتحريم المخالفة، وقيل ولاية لجواز المخالفة إلى الأصلح كالبيع ~~بمعجل وقد أمر بمؤجل. # وعن سليمان بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا رافع ~~مولاه رجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث وهو بالمدينة قبل أن يخرج ~~رواه مالك في الموطأ. وهو دليل على أن تزوجه بها سبق إحرامه وأنه خفي على ~~ابن عباس. ms2305 # وعن جابر قال: أردت الخروج إلى خيبر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إذا PageV06P003 # أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته ~~رواه أبو داود والدارقطني. وعن يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا، فقال له: ~~العارية مؤداة يا رسول الله؟ قال: # نعم رواه أحمد وأبو داود وقال فيه: قلت يا رسول الله عارية مضمونة أو ~~عارية مؤداة؟ قال: بل مؤداة. # الحديث الأول أخرجه أيضا الشافعي وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان، وقد ~~أعله ابن عبد البر بالانقطاع بين سليمان بن يسار وأبي رافع لأنه لم يسمع ~~منه، وتعقب بأنه قد وقع التصريح بسماعه في تاريخ ابن أبي خيثمة في حديث ~~نزول الأبطح، ورجح ابن القطان اتصاله، ورجح أن مولد سليمان سنة سبع وعشرين، ~~ووفاة أبي رافع سنة ست وثلاثين، فيكون سنة عند موت أبي رافع ثمان سنين، وقد ~~تقدم الكلام على زواجه صلى الله عليه وآله وسلم بميمونة، واختلاف الأحاديث ~~في ذلك في كتاب الحج في باب ما جاء في نكاح المحرم، وفيه دليل على جواز ~~التوكيل في عقد النكاح من الزوج، والحديث الثاني علق البخاري طرفا منه في ~~الخمس، وحسن الحافظ في التلخيص إسناده، ولكنه من حديث محمد بن إسحاق قوله: ~~فإن ابتغى منك آية أي علامة. قوله: ترقوته بفتح المثناة من فوق وضم القاف ~~وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين. (وفي ~~الحديث) دليل على صحة الوكالة، وأن الامام له أن يوكل ويقيم عاملا على ~~الصدقة في قبضها، وفي دفعها إلى مستحقها، وإلى من يرسله إليه بإمارة. وفيه ~~أيضا دليل على جواز العمل بالأمارة أي العلامة، وقبول قول الرسول إذا عرف ~~المرسل إليه صدقه، وهل يجب الدفع إليه؟ قيل: لا يجب لأن الدفع إليه غير ~~مبرئ لاحتمال أن ينكر الموكل أو المرسل إليه، وبه قال الهادي وأتباعه. ~~وقيل: يجب مع التصديق بأمارة أو نحوها، ms2306 لكن له الامتناع من الدفع إليه حتى ~~يشهد عليه بالقبض، وبه قال أبو حنيفة ومحمد. # (وفي الحديث) أيضا دليل على استحباب اتخاذ علامة بين الوكيل وموكله لا ~~يطلع عليها غيرهما ليعتمد الوكيل عليها في الدفع لأنها أسهل من الكتابة، ~~فقد لا يكون أحدهما ممن يحسنها ولان الخط يشتبه. والحديث الثالث أخرجه أيضا ~~النسائي وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص. وقال ابن حزم: إنه ~~أحسن ما ورد في هذا الباب، وقد ورد في معناه أحاديث يأتي ذكرها في العارية ~~عند الكلام PageV06P004 # على حديث صفوان إن شاء الله، وفيه دليل على جواز التوكيل من المستعير ~~لقبض العارية. قوله: العارية مؤداة سيأتي الكلام على هذا في العارية إن شاء ~~الله تعالى. # باب من وكل في شراء شئ فاشترى بالثمن أكثر منه وتصرف في الزيادة عن عروة ~~بن أبي الجعد البارقي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه دينارا ~~ليشتري به له شاة فاشترى له به شاتين فباع أحدهما بدينار وجاءه بدينار وشاة ~~فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه رواه أحمد ~~والبخاري وأبو داود. وعن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعثه ليشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فأربح فيها ~~دينارا، فاشترى أخرى مكانها فجاء بالأصحية والدينار إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: ضح بالشاة وتصدق بالدينار رواه الترمذي وقال: لا ~~نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم. ولأبي ~~داود نحوه من حديث أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم. # الحديث الأول أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة والدارقطني. وفي إسناد من عدا ~~البخاري سعيد بن زيد أخو حماد وهو مختلف فيه عن أبي لبيد لمازة بن زبار. ~~وقد قيل إنه مجهول، لكنه قال الحافظ: إنه وثقه ابن سعد. وقال حرب: سمعت ~~أحمد يثني عليه. وقال في التقريب: إنه ناصبي جلد. قال المنذري والنووي: ~~إسناده صحيح ms2307 لمجيئه من وجهين، وقد رواه البخاري من طريق ابن عيينة عن شبيب ~~بن غرقد: سمعت الحي يحدثون عن عروة، ورواه الشافعي عن ابن عيينة وقال: إن ~~صح قلت به. ونقل المزني عنه أنه ليس بثابت عنده، قال البيهقي إنما ضعفه لأن ~~الحي غير معروفين، وقال في موضع آخر: هو مرسل لأن شبيب بن غرقد لم يسمعه من ~~عروة وإنما سمعه من الحي، وقال الرافعي: هو مرسل، قال الحافظ: الصواب أنه ~~متصل في إسناده مبهم. والحديث الثاني منقطع في الطريق الأولى لعدم سماع ~~حبيب من حكيم، وفي الطريق الثانية في إسناده مجهول، قال الخطابي: إن ~~الخبرين معا غير متصلين لأن في أحدهما وهو خبر حكيم رجلا مجهولا لا يدري من ~~هو، وفي خبر عروة أن الحي PageV06P005 # حدثوه، وما كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة. وقال البيهقي: ضعف ~~حديث حكيم من أجل هذا الشيخ. (وفي الحديثين) دليل على أنه يجوز للوكيل إذا ~~قال له المالك: # اشتري بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة، لأن ~~مقصود الموكل قد حصل وزاد الوكيل خيرا، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم ~~فباعها بدرهمين، أو بأن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم، وهو الصحيح عند ~~الشافعية، كما نقله النووي في زيادات الروضة. قوله: فباع أحدها بدينار فيه ~~دليل على صحة بيع الفضولي، وبه قال مالك أحمد في إحدى الروايتين عنه، ~~والشافعي في القديم، وقواه النووي في الروضة، وهو مروي عن جماعة من السلف ~~منهم علي عليه السلام وابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وإليه ذهبت الهادوية، ~~وقال الشافعي في الجديد وأصحابه والناصر: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف ~~باطلان للحديث المتقدم في البيع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ~~تبع ما ليس عندك. وأجابوا عن حديثي الباب بما فيهما من المقال، وعلى تقدير ~~الصحة فيمكن أنه كان وكيلا بالبيع بقرينة فهمها منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وقال أبو حنيفة: إنه يكون البيع الموقوف صحيحا دون الشراء، والوجه ms2308 أن ~~الاخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه بخلاف الادخال، ويجاب بأن الادخال ~~للمبيع في الملك يستلزم الاخراج من الملك للثمن، وروي عن مالك العكس من قول ~~أبي حنيفة، فإن صح فهو قوي لأن فيه جمعا بين الأحاديث. # قوله: فاشترى أخرى مكانها فيه دليل على أن الأضحية لا تصير أضحية بمجرد ~~الشراء، وأنه يجوز البيع لابدال مثل أو أفضل. قوله: وتصدق بالدينار جعل ~~جماعة من أهل العلم هذا أصلا فقالوا: من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف ~~له مستحقا فإنه يتصدق به. ووجه الشبهة ههنا أنه لم يأذن لعروة في بيع ~~الأضحية، ويحتمل أن يتصدق به لأنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية ~~فكره أكل ثمنها. # باب من وكل في التصدق بماله فدفعه إلى ولد الموكل عن معن بن يزيد قال: ~~كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها ~~فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت بها، PageV06P006 # فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ~~يا معن ما أخذت رواه أحمد والبخاري. # قوله: عند رجل قال في الفتح لم أقف على اسمه. قوله: فأتيته بها أي أتيت ~~أبي بالدنانير المذكورة. قوله: والله ما إياك أردت يعني لو أردت أنك تأخذها ~~لأعطيتك إياها من غير توكيل، وكأنه كان يرى أن الصدقة على الولد لا تجزئ أو ~~تجزئ، ولكن الصدقة على الأجنبي أفضل. قوله لك ما نويت أي أنك نويت أن تتصدق ~~بها على من يحتاج إليها وابنك محتاج فقد وقعت موقعها، وإن كان لم يخطر ~~ببالك أنه يأخذها ولابنك ما أخذ لأنه أخذ محتاجا إليها، واستدل بالحديث على ~~جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته، قال في الفتح: ~~ولا حجة فيه لأنها واقعة حال، فاحتمل أن يكون معن كان مستقلا لا يلزم أباه ~~نفقته، والمراد بهذه الصدقة صدقة التطوع لا صدقة الفرض، فإنه قد وقع ~~الاجماع على أنها لا تجزئ ms2309 في الولد كما تقدم في الزكاة. وفي الحديث جواز ~~التوكيل في صرف الصدقة، ولهذا الحكم ذكر المصنف هذا الحديث ههنا. # كتاب المساقاة والمزارعة عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع رواه الجماعة. وعنه أيضا: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ظهر على خيبر سألته اليهود أن يقرهم بها ~~على أن يكفوه عملها ولهم نصف الثمرة فقال لهم: نقركم بها على ذلك ما شئنا ~~متفق عليه. وهو حجة في أنها عقد جائز. وللبخاري: أعطى يهود خيبر أن يعملوها ~~ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها ولمسلم وأبي داود والنسائي: دفع إلى يهود ~~خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم شطر ثمرها قلت: وظاهر هذا أن البذر منهم، وأن تسمية نصيب العامل ~~تغني عن تسمية نصيب رب المال ويكون الباقي له. وعن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عمل يهود خيبر على أن نخرجهم متى شئنا رواه أحمد ~~والبخاري بمعناه. PageV06P007 # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع خيبر أرضها ونخلها ~~مقاسمة على النصف رواه أحمد وابن ماجة. وعن أبي هريرة قال قالت الأنصار ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخل، قال: لا، ~~فقالوا: # تكفونا العمل ونشرككم في الثمرة، فقالوا: سمعنا وأطعنا رواه البخاري. # وعن طاوس: أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا ~~رواه ابن ماجة. قال البخاري: وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: ما ~~بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي عليه السلام ~~وسعد بن مالك وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل ~~علي وآل عمر. قال: وعامل عمر الناس على أن جاء عمر بالبذر من ms2310 عنده فله ~~الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. # حديث ابن عباس رواه ابن ماجة من طريق إسماعيل بن توبة وهو صدوق، وبقية ~~رجاله رجال الصحيح. وحديث معاذ رجال إسناده رجال الصحيح، ولكن طاوس لم يسمع ~~من معاذ وفيه نكارة، لأن معاذا مات في خلافة عمر ولم يدرك أيام عثمان. ~~قوله: كتاب المساقاة والمزارعة، المساقاة: ما كان في النخل والكرم وجميع ~~الشجر الذي يثمر بجزء معلوم من الثمرة للأجير وإليه ذهب الجمهور، وخصها ~~الشافعي في قوله الجديد بالنخل والكرم، وخصها داود بالنخل، وقال مالك: تجوز ~~في الزرع والشجر ولا تجوز في البقول عند الجمع. وروي عن ابن دينار أنه ~~أجازها فيها. (والحاصل) أن مقال إنها واردة على خلاف القياس قصرها على مورد ~~النص. # ومن قال إنها واردة على القياس الحق بالمنصوص غيره. والمزارعة: مفاعلة من ~~الزراعة قاله المطرزي. وقال صاحب الاقليد من الزرع. والمخابرة مشتقة من ~~الخبير على وزن العليم وهو الأكار بهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة وهو ~~الزراع والفلاح الحراث، وإلى هذا الاشتقاق ذهب أبو عبيد والأكثرون من أهل ~~اللغة والفقهاء. وقال آخرون: هي مشتقة من الخبار بفتح الخاء المعجمة وتخفيف ~~الباء الموحدة وهي الأرض الرخوة، وقيل: من الخبر بضم الخاء وهو النصيب من ~~سمك أو لحم وقال ابن الاعرابي: # هي مشتقة من خيبر لأن أول هذه المعاملة فيها. وفسر أصحاب الشافعي ~~المخابرة بأنها PageV06P008 # العمل على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل. # وقيل: إن المساقاة والمزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وإلى ذلك يشير كلام ~~الشافعي فإنه قال في الام في باب المزارعة: # وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يزرعها المدفوع إليه فما خرج ~~منها من شئ فله جزء من الاجزاء فهذه المحاقلة والمخابرة والمزارعة التي ~~ينهي عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اه. وإلى نحو ذلك يشير كلام ~~البخاري وهو وجه للشافعية. وقال في القاموس: المزارعة المعاملة على الأرض ~~ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها. وقال: المخابرة أن يزرع على ~~النصف ms2311 ونحوه اه. قوله: بشطر ما يخرج فيه جواز المزارعة بالجزء المعلوم من ~~نصف أو ربع أو ثمن أو نحوها، والشطر هنا بمعنى النصف، وقد يأتي بمعنى النحو ~~والقصد. ومنه قوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (سورة البقرة، ~~الآية: 149) أي نحوه. قوله نقركم بها على ذلك ما شئنا المراد أنا نمكنكم من ~~المقام إلى أن نشاء إخراجكم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان عازما على ~~إخراجهم من جزيرة العرب كما أمر بذلك عند موته. واستدل به على جواز ~~المساقاة مدة مجهولة، وبه قال أهل الظاهر، وخالفهم الجمهور وتأولوا الحديث ~~بأن المراد مدة العهد، وأن لنا إخراجكم بعد انقضائها ولا يخفى بعده. وقيل: ~~إن ذلك كان في أول الأمر خاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا يحتاج ~~إلى دليل. قوله: ما بالمدينة أهل بيت هجرة الخ، هذا الأثر أورده البخاري ~~ووصله عبد الرزاق. قوله: وزارع علي عليه السلام الخ، أما أثر علي عليه ~~السلام فوصله ابن أبي شيبة، وأما أثر ابن مسعود وسعد بن مالك فوصلهما ابن ~~أبي شيبة، وأما أثر عمر بن عبد العزيز فوصله ابن أبي شيبة أيضا. وأما أثر ~~القاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر فوصله عبد الرزاق. وأما أثر عروة وهو ابن ~~الزبير فوصله ابن أبي شيبة. وأما أثر آل أبي بكر وآل علي وآل عمر فوصله ابن ~~أبي شيبة أيضا وعبد الرزاق. وأما أثر عمر في معاملة الناس فوصله ابن أبي ~~شيبة أيضا والبيهقي، وقد ساق البخاري في صحيحه عن السلف غير هذه الآثار، ~~ولعله أراد بذكرها الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم الخلاف في الجواز ~~خصوصا أهل المدينة، وقد تمسك بالأحاديث المذكورة في الباب جماعة من السلف. ~~قال الحازمي: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود ~~وعمار بن ياسر وسعيد بن PageV06P009 # المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب ~~الزهري، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن فقالوا: ms2312 تجوز ~~المزارعة والمساقاة بجزء من التمر أو الزرع، قالوا: ويجوز العقد على ~~المزارعة والمساقاة مجتمعين، فتساقيه على النخل وتزارعه على الأرض كما جرى ~~في خيبر، ويجوز العقد على كل واحدة منهما منفردة، وأجابوا عن الأحاديث ~~القاضية بالنهي عن المزارعة بأنها محمولة على التنزيه، وقيل: إنها محمولة ~~على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة. # وقال طاوس وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقا، لا بجزء من التمر ~~والطعام، ولا بذهب ولا بفضة، ولا بغير ذلك، وذهب إليه ابن حزم وقواه واحتج ~~له بالأحاديث المطلقة في ذلك وستأتي وقال الشافعي وأبو حنيفة وعترة ~~وكثيرون: إنه يجوز كراء الأرض بكل ما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات من ~~الذهب والفضة والعروض، وبالطعام سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره ~~لا بجزء من الخارج منها، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز ~~كراء الأرض بالذهب والفضة، ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه، ~~وتمسكوا بما سيأتي من النهي عن المزارعة بجزء من الخارج، وأجابوا عن أحاديث ~~الباب بأن خيبر فتحت عنوة فكان أهلها عبيدا له صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فما أخذه من الخارج منها فهو له. وما تركه فهو له. وروى الحازمي هذا المذهب ~~عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ورافع بن خديج وأسيد بن حضير وأبي ~~هريرة ونافع، قال: وإليه ذهب مالك والشافعي، ومن الكوفيين أبو حنيفة اه. ~~وقال مالك: إنه يجوز كراء الأرض بغير الطعام والثمر لا بهما، لئلا يصير من ~~بيع الطعام بالطعام، وحمل النهي على ذلك، هكذا حكى عنه صاحب الفتح. قال ابن ~~المنذر: ينبغي أن يحمل ما قاله مالك على ما إذا كان المكري به من الطعام ~~جزءا مما يخرج منها، فأما إذا اكتراها بطعام معلوم في ذمة المكتري، أو ~~بطعام حاضر يقضيه المالك فلا مانع من الجواز. وقال أحمد بن حنبل: يجوز ~~إجارة الأرض بجزء من الخارج منها إذا كان البذر من رب الأرض، حكى ذلك عنه ms2313 ~~الحازمي، واعلم أنه قد وقع لجماعة لا سيما من المتأخرين اختباط في نقل ~~المذاهب في هذه المسألة، حتى أفضى ذلك إلى أن بعضهم يروي عن العالم الواحد ~~الامرين المتناقضين، وبعضهم يروي قولا لعالم، وآخر يروي عنه نقيضه ولا جرم، ~~فالمسألة باعتبار اختلاف المذاهب فيها وتعيين راجحها من مرجوحها من ~~المعضلات، وقد جمعت فيها رسالة مستقلة PageV06P010 # وسيأتي تحقيق ما هو الحق وتفصيل بعض المذاهب والإشارة إلى حجة كل طائفة ~~ودفعها. # باب فساد العقد إذا شرط أحدهما لنفسه التبن أو بقعة بعينها ونحوه عن رافع ~~بن خديج قال: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم ~~هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك فأما الورق فلم ينهنا ~~أخرجاه. وفي لفظ: كنا أكثر أهل الأرض مزدرعا، كذا نكري الأرض بالناحية منها ~~تسمى لسيد الأرض، قال: فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ~~ذلك فنهينا، فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ رواه البخاري. وفي لفظ: قال ~~إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما على ~~الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويسلم ~~هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه، فأما شئ معلوم ~~مضمون فلا بأس به رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية عن رافع: قال: ~~حدثني عماي أنهما كانا يكريان الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بما ينبت على الأربعاء وبشئ يستثنيه صاحب الأرض، قال: فنهى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن ذلك رواه أحمد والبخاري والنسائي. وفي رواية عن ~~رافع: أن الناس كانوا يكرون المزارع في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالماذيانات وما يسقي الربيع وشئ من التبن، فكره رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كري المزارع بهذا ونهى عنها رواه أحمد. # قوله: حقلا أي أهل مزارعة. قال في القاموس: المحاقل المزارع، والمحاقلة ~~بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه ms2314 في سنبلة بالحنطة أو المزارعة بالثلث ~~والربع أو أقل أو أكثر، أو إكراء الأرض بالحنطة اه. قوله: فنهانا عن ذلك أي ~~عن كري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فيصلح التمسك بهذا المذهب من قال: ~~إن النهي عنه إنما هو هذا النوع ونحوه من المزارعة. وقد حكي في الفتح عن ~~الجمهور أن النهي محمول على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة لا عن إكرائها ~~مطلقا حتى بالذهب PageV06P011 # والفضة، قال: ثم اختلف الجمهور في جواز إكرائها بجزء مما يخرج منها، فمن ~~قال بالجواز حمل أحاديث النهي على التنزيه، قال: ومن لم يجز إجارتها بجزء ~~مما يخرج قال النهي عن كرائها محمول على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية ~~منها، أو شرط ما ينبت على النهر لصاحب الأرض لما في كل ذلك من الغرر ~~والجهالة اه. قوله: فأما الورق فلم ينهنا لا منافاة بين هذه الرواية وبين ~~الرواية والثانية، أعني قوله: فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ، لأن عدم ~~النهي عن الورق لا يستلزم وجوده ولا وجود المعاملة به، وفي رواية عن رافع ~~عند البخاري أنه قال: ليس بها بأس بالدينار والدرهم. قال في الفتح: يحتمل ~~أن يكون رافع قال ذلك باجتهاده، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على ~~جوازه، أو علم أن النهي عن كري الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشئ ~~مجهول ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكري بالذهب والفضة، ويرجح كونه ~~مرفوعا بما أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عنه قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة رجل ~~له أرض، ورجل منح أرضا، ورجل اكترى أرضا بذهب أو فضة لكن بين النسائي من ~~وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة، وأن بقيته مدرج من ~~كلام سعيد بن المسيب. # وقد أخرج أبو داود والنسائي ما هو أظهر في الدلالة على الرفع من هذا وهو ~~حديث سعد بن أبي وقاص الآتي. قوله: بما على الماذيانات بذال ms2315 معجمة مكسورة ~~ثم مثناة تحتية ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم مثناة فوقية هذا هو المشهور. وحكى ~~القاضي عياض عن بعض الرواة فتح الذال في غير صحيح مسلم وهي ما ينبت على ~~حافة النهر ومسايل الماء، وليست عربية لكنها سوادية، وهي في الأصل مسايل ~~المياه، فتسمية النابت عليها باسمها، كما وقع في بعض الروايات. بلفظ ~~يؤاجرون على الماذيانات مجاز مرسل، والعلاقة المجاورة أو الحالية والمحلية. ~~قوله: وأقبال الجداول بفتح الهمزة وسكون القاف وتخفيف الموحدة أي أوائل. ~~والجداول السواقي جمع جدول وهو النهر الصغير. قوله: وأشياء من الزرع يعني ~~مجهول المقدار، ويدل على ذلك قوله في آخر الحديث فأما شئ معلوم مضمون فلا ~~بأس به. قوله: فيهلك بكسر اللام أي فربما يهلك. قوله: زجر عنه على البناء ~~للمجهول أي نهى عنه، وذلك لما فيه من الغرر المؤدي إلى التشاجر وأكل أموال ~~الناس بالباطل. قوله: على الأربعاء جمع ربيع وهو النهر الصغير كنبي ~~وأنبياء، ويجمع PageV06P012 # أيضا على ربعان كصبي وصبيان. قوله: يستثنيه من الاستثناء، كأنه يشير إلى ~~استثناء الثلث والربع، كذا قال في الفتح، واستدل على أن هذا هو المراد ~~برواية أخرى ذكرها البخاري، ولكنه ينافي هذا التفسير قوله في الرواية ~~الأولى: فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به وهذا الحديث يدل على تحريم ~~المزارعة على ما يفضي إلى الغرر والجهالة ويوجب المشاجرة، وعليه تحمل ~~الأحاديث الواردة في النهي عن المخابرة كما هو شأن حمل المطلق على المقيد، ~~ولا يصح حملها على المخابرة التي فعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~خيبر لما ثبت من أنه صلى الله عليه وآله وسلم استمر عليها إلى موته، واستمر ~~على مثل ذلك جماعة من الصحابة، ويؤيد هذا تصريح رافع في هذا الحديث بجواز ~~المزارعة على شئ معلوم مضمون، ولا يشكل على جواز المزارعة بجزء معلوم حديث ~~أسيد بن ظهير الآتي، فإن النهي فيه ليس بمتوجه إلى المزارعة بالنصف والثلث ~~والربع فقط، بل إلى ذلك مع اشتراط ثلاث جداول والقصارة وما يسقي الربيع، ~~ولا ms2316 شك أن مجموع ذلك غير المخابرة التي أجازها صلى الله عليه وآله وسلم ~~وفعلها في خيبر، نعم حديث رافع عند أبي داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: من ~~كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا يكارها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى. ~~وكذلك حديثه أيضا عند أبي داود بإسناد فيه بكر بن عامر البجلي الكوفي وهو ~~متكلم فيه: # قال: إنه زرع أرضا فمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسقيها، ~~فسأله: لمن الزرع ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي، ولي الشطر ولبني ~~فلان الشطر، فقال: أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك. ومثله حديث زيد ~~بن ثابت عند أبي داود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع. فيها ~~دليل على المنع من المخابرة بجزء معلوم، ومثل هذه الأحاديث حديث أسيد الآتي ~~على فرض أنه نهى عن المزارعة بجزء معلوم، وعدم تقييده بما فيه من كلام أسيد ~~كما سيأتي، ولكنه لا سبيل إلى جعلها ناسخة لما فعله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في خيبر لموته وهو مستمر على ذلك وتقريره لجماعة من الصحابة عليه، ولا ~~سبيل إلى جعل هذه الأحاديث المشتملة على النهي منسوخة بفعله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتقريره لصدور النهي عنه في أثناء مدة معاملته، ورجوع جماعة من ~~الصحابة إلى رواية من روى النهي، والجمع ما أمكن هو الواجب، وقد ~~PageV06P013 # أمكن هنا بحمل النهي على معناه المجازي وهو الكراهة، ولا يشكل على هذا ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أربيتما في حديث رافع المذكور، وذلك بأن ~~يقال: قد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه المعاملة بأنها ربا والربا ~~حرام بالاجماع، فلا يمكن الجمع بالكراهة لأنا نقول: الحديث لا ينتهض ~~للاحتجاج به للمقال الذي فيه، ولا سيما مع معارضته للأحاديث الصحيحة ~~الثابتة من طرق متعددة الواردة بجواز المعاملة بجزء معلوم، وكيف يصح أن ~~يكون ذلك ربا وقد مات رسول الله ms2317 صلى الله عليه وآله وسلم عليه ومات عليه ~~جماعة من أجلاء الصحابة، بل يبعد أن يعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المعاملة المكروهة ويموت عليها، ولكنه ألجأنا إلى القول بذلك الجمع بين ~~الأحاديث، وهذا ما نرجحه في المسألة، ولا يصح الاعتذار عن الأحاديث القاضية ~~بالجواز بأنها مختصة به صلى الله عليه وآله وسلم لما تقرر من أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا نهى عن شئ نهيا مختصا بالأمة وفعل ما يخالفه كان ذلك ~~الفعل مختصا به. لأنا نقول: أولا النهي غير مختص بالأمة. وثانيا أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم قرر جماعة من الصحابة على مثل معاملته في خيبر إلى عند ~~موته. وثالثا: أنه قد استمر على ذلك بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم ~~جماعة من أجلاء الصحابة، ويبعد كل البعد أن يخفى عليهم مثل هذا، ومن أوضح ~~ما استدل به على كراهة المزارعة بجزء معلوم حديث ابن عباس الآتي. # وعن أسيد بن ظهير قال: كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أو افتقر إليها ~~أعطاها بالنصف والثلث والربع، ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما يسقي الربيع، ~~وكان يعمل فيها عملا شديدا ويصيب منها منفعة، فأتانا رافع بن خديج فقال: # نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمر كان لكم نافعا، وطاعة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم خير لكم، نهاكم عن الحقل رواه أحمد وابن ~~ماجة. والقصارة بقية الحب في السنبل بعدما يداس. # الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي بدون كلام أسيد بن ظهير، ورجال ~~إسناد الحديث رجال الصحيح. قوله: والقصارة قال في القاموس: والقصارة بالضم ~~والقصرى بالكسر والقصر والقصرة محركتين، والقصرى كبشرى ما يبقى في المنخل ~~بعد الانتخال، أو ما يخرج من ألقت بعد الدوسة الأولى والقشرة العليا من ~~الحبة اه. قوله: عن PageV06P014 # الحقل بفتح الحاء المهملة وإسكان القاف أصله كما قال الجوهري الحقل الزرع ~~إذا تشعب ورقه قبل أن تغلظ سوقه، فالحقل القراح الطيب يعني من الأرض ~~الصالحة للزراعة، والمحاقل. مواضع الزراعة، كما أن ms2318 المزارع مواضعها. وقد ~~بين البخاري المحاقل التي نهى عنها صلى الله عليه وآله وسلم من رواية رافع ~~قال فيه: ما تصنعون بمحاقلكم؟ # قالوا: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من الثمر والشعير، قال: لا تفعلوا. ~~(والحديث) يدل على عدم جواز مطلق المزارعة، ولكنه ينبغي أن يقيد بما في ~~أوله من كلام أسيد من ضم الاشتراط المقتضي للفساد، وعلى فرض عدم تقييده ~~بذلك فيحمل على كراهة التنزيه لما أسلفنا. # وعن جابر قال: كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فنصيب من القصرى ومن كذا، ومن كذا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # من كان له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها رواه أحمد ومسلم. # والقصرى القصارة. # قوله: والقصرى قد سبق ضبطه وتفسيره. قوله: فليزرعها بفتح التحتية والراء ~~أي بنفسه. قوله: أو ليحرثها بضم التحتية وكسر الراء أي يجعلها مزرعة لأخيه ~~بلا عوض، وذلك بأن يعيره إياها، ويشهد لهذا المعنى الرواية الآتية بلفظ: # لأن يمنح أحدكم أخاه أي يجعلها منحة له والمنحة العارية، وفيه دليل على ~~المنع من مؤاجرة الأرض مطلقا لقوله: وإلا فليدعها ولكن ينبغي أن يحمل هذا ~~المطلق على المقيد بما سلف في حديث رافع، أو يكون الامر للندب فقط لما ~~أسلفنا ولما سيأتي، وقد كره بعض العلماء تعطيل الأرض عن الزراعة لأن فيه ~~تضييع المال، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن إضاعة المال، وقدم في هذا ~~الحديث زراعة الأرض من المالك بنفسه لما في ذلك من الفضيلة، فإن الاشتغال ~~بالعمل فيها والاستغناء عن الناس بما يحصل من القرب العظيمة مع ما في ذلك ~~من الاشتغال عن الناس والتنزه عن مخالطتهم التي هي لا سيما في مثل هذا ~~الزمان سم قاتل، وشغل عن الرب جل جلاله شاغل، إذا لم يكن في الاقبال على ~~الزراعة تثبط عن شئ من الأمور الواجبة كالجهاد، وقد أورد البخاري في صحيحه ~~حديثا في فضل الزرع والغرس وترجم عليه باب فضل الزرع والغرس، ورواه مسلم من ~~حديث أنس. PageV06P015 # وعن ms2319 سعد بن أبي وقاص أن أصحاب المزارع في زمن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي وما سعد بالماء مما حول ~~النبت، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختصموا في بعض ذلك بذلك ~~فنهاهم أن يكروا بذلك وقال: اكروا بالذهب والفضة رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي، وما ورد من النهي المطلق عن المخابرة والمزارعة يحمل على ما فيه ~~مفسدة كما بينته هذه الأحاديث، أو يحمل على اجتنابها ندبا واستحبابا فقد ~~جاء ما يدل على ذلك. فروى عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة ~~فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها، فقال: إن أعلمهم ~~يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عنها وقال: ~~لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما رواه أحمد ~~والبخاري وابن ماجة وأبو داود. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يحرم المزارعة ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض رواه الترمذي وصححه. ~~وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليحرثها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه أخرجاه. وبالاجماع تجوز ~~الإجارة ولا تجب الإعارة فعلم أنه أراد الندب. # حديث سعد سكت عنه أبو داود والمنذري. قال في الفتح: ورجاله ثقات، إلا أن ~~محمد بن عكرمة المخزومي لم يرو عنه إلا إبراهيم بن سعد. قوله: # وما سعد. بفتح السين وكسر العين المهملتين قيل معناه بما جاء من الماء ~~سيحا لا يحتاج إلى ساقية، وقيل معناه ما جاء من الماء من غير طلب. وقال ~~الأزهري: والسعيد النهر مأخوذ من هذا، وسواعد النهر التي تنصب إليه مأخوذة ~~من هذا، وفي رواية: ما صعد بالصاد بدل السين أي ما ارتفع من النبت بالماء ~~دون ما سفل منه. قوله: بالذهب والفضة فيه رد على طاوس حيث كره إجارة الأرض ~~بالذهب والفضة، كما روى عنه مسلم ms2320 والنسائي عن طريق حماد بن زيد عن عمرو بن ~~دينار، قال: كان طاوس يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالثلث ~~والربع بأسا، فقال له مجاهد: اذهب إلى ابن رافع بن خديج فاسمع حديثه عن ~~أبيه، فقال: لو أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنه لم ~~أفعله، ولكن حدثني من هو أعلم منه ابن عباس فذكر الحديث الذي ذكره المصنف. ~~وللنسائي أيضا PageV06P016 # من طريق عبد الكريم عن مجاهد قال: أخذت بيد طاوس فأدخلته إلى ابن رافع ~~ابن خديج فحدثه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن كراء ~~الأرض فأبى طاوس وقال: سمعت ابن عباس لا يرى بذلك بأسا وهذه الرواية عن ~~طاوس تدل على أنه كان لا يمنع من كراء الأرض مطلقا، وقد حكى صاحب الفتح عنه ~~أنه يمنع مطلقا كما قدمنا. واستدل بهذا الحديث من جوز كراء الأرض بالذهب ~~والفضة وقد تقدم ذكرهم، وألحقوا بهما غيرهما من الأشياء المعلومة لأنهم ~~رأوا أن محل النهي فيما لم يكن معلوما ولا مضمونا، وفي هذا الحديث أيضا رد ~~على من منع من كراء الأرض مطلقا كما تقدم. قوله: وما ورد من النهي الخ، مثل ~~حديث جابر عند أبي داود بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله وحديث زيد بن ثابت عن ~~أبي داود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المخابرة وقد ~~تقدم. ومثل حديث جابر أيضا عند مسلم وأبي داود وابن ماجة بلفظ: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة الحديث. ~~ومثل حديث ثابت بن الضحاك عند مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن المزارعة. وحديث رافع عن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نهى عن كراء الأرض وأصله في الصحيحين، ونحو هذه الأحاديث الواردة ~~بالنهي على الاطلاق، وقد ذكر المصنف في هذا الباب طرفا ms2321 منها وأوردنا بعضا ~~من ذلك فيما سلف، وكلام المصنف هذا كلام حسن، ولا بد من المصير إليه للجمع ~~بين الأحاديث المختلفة وهو الذي رجحناه فيما سلف. قوله: # لم ينه عنها هذا لا ينافي رواية من روى النهي عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، لان المثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم ولكن قوله: ~~لأن يمنح أحدكم أخاه خير له الخ، يصلح جعله قرينة لصرف النهي عن التحريم ~~إلى الكراهة كما سلف. وقوله: يمنح بفتح التحتية وسكون الميم وفتح النون ~~بعدها حاء مهملة ويجوز كسر النون، والمراد بجعلها منيحة أي عطية وعارية كما ~~تقدم، وهكذا يدل على أن النهي ليس على حقيقته ما في الرواية الثانية عن ابن ~~عباس من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحرم المزارعة ولكن أمر أن يرفق ~~بعضهم ببعض. قوله: فليزرعها أو ليحرثها قد تقدم الكلام على هذا. قوله: ~~فليمسك أرضه قد قدمنا أن بعض PageV06P017 # العلماء كره تعطيل الأرض عن الزراعة لما ورد من النهي عن إضاعة المال، ~~وهذه الرواية والتي سلفت في حديث جابر يدلان على جواز ترك الأرض بغير ~~زراعة، وقد جمع بين الرواية القاضية بالنهي عن ذلك وبين ما هنا يحمل النهي ~~عن الإضاعة على إضاعة عين المال أو المنفعة التي لا يخلفها منفعة، والأرض ~~إذا تركت بغير زرع لم تتعطل منفعتها، فإنها قد تنبت من الحطب والحشيش وسائر ~~الكلأ ما ينفع في الرعي وغيره، وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك فقد يكون التأخير ~~للزرع عن الأرض إصلاحا لها، فتخلف في السنة التي تليها ما لعله فات في سنة ~~الترك، وهذا كله إن حمل النهي على عمومه، فأما لو حمل على ما كان مألوفا ~~لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها ولا سيما إذا كان غير معلوم فلا يستلزم ~~ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة بل يكريها بالذهب أو الفضة كما تقرر ~~ذلك. قوله: وبالاجماع تجوز الإجارة الخ استدل المصنف رحمه الله بهذا على ما ~~ذكره من الندب، ms2322 لأن العارية إذا لم تكن واجبة بالاجماع من غير فرق بين ~~المزارعة وغيرها لم يجب على الانسان أن يزرع أرضه بنفسه أو يعيرها أو ~~يعطلها، بل يجوز له أمر رابع وهو الإجارة لأنها جائزة بالاجماع، والعارية ~~لا تجب بالاجماع فلا تجب عليه، وإذا انتفى الوجوب بقي الندب. # أبواب الإجارة باب ما يجوز الاستئجار عليه من النفع المباح عن عائشة في ~~حديث الهجرة قالت: واستأجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر رجلا من ~~بني الديل هاديا خريتا، والخريت الماهر بالهداية وهو على دين كفار قريش ~~وأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما ~~براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا رواه أحمد والبخاري. # قوله واستأجر الواو ثابتة في نفس الحديث الطويل لأن هذه القصة معطوفة على ~~قصة قبلها وقد ساقها البخاري مستوفاة الهجرة. قوله: الديل PageV06P018 # بالكسر للدال حي من عبد القيس، ذكره صاحب القاموس في مادة دول، وذكر في ~~مادة دأل أنه يطلق على قبائل، وأنه يأتي بفتح الدال وبضمها وكعنب. قوله: # خريتا بكسر المعجمة وتشديد الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة فوقانية. # وقوله: الماهر بالهداية مدرج من قول الزهري. قوله: وأمناه بفتح الهمزة ~~وكسر الميم المخففة ضد الخيانة. قوله: غار ثور هو الغار المذكور في ~~التنزيل، وثور جبل بمكة وليس هو الجبل الذي في المدينة المذكور في الحديث ~~الصحيح أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، وقد سبق الاختلاف فيه في كتاب ~~الحج. (والحديث) فيه دليل على جواز استئجار المسلم للكافر على هداية الطريق ~~إذا أمن إليه، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الإجارة، وترجم عليه باب ~~استئجار المشركين عند الضرورة، وإذا لم يوجد أهل الاسلام فكأنه أراد الجمع ~~بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا لا أستعين بمشرك أخرجه ~~مسلم وأصحاب السنن. قال ابن بطال: # الفقهاء يجيزون استئجارهم يعني المشركين عند الضرورة وغيرها لما في ذلك ~~من الذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من ~~الاذلال ms2323 اه. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما بعث الله نبيا ~~إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل ~~مكة رواه أحمد والبخاري وابن ماجة. وقال سويد بن سعيد: يعني كل شاة بقيراط. ~~وقال إبراهيم الحربي: قراريط اسم موضع. # قوله على قراريط في رواية ابن ماجة كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط وكذا ~~رواه الإسماعيلي، وقد صوب ابن الجوزي وابن ناصر التفسير الذي ذكره إبراهيم ~~الحربي، لكن رجح تفسير سويد بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له ~~قراريط. # وقد روى النسائي من حديث نصر بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون ~~قال: # افتخر أهل الإبل والغنم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بعث ~~موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي ~~بجياد وزعم بعضهم أن في هذه الرواية ردا لتأويل سويد بن سعيد لأنه ما كان ~~يرعى بالأجرة لأهله فيتعين أنه أراد المكان، فعبر تارة بجياد وتارة ~~بقراريط، وتعقب بأنه لا مانع PageV06P019 # من الجمع، وأنه كان يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة، وهم المراد ~~بقوله: أهل مكة. ويؤيد تفسير سويد قوله على قراريط فإن المجئ بعلى يدل على ~~ما قاله، ولا ينافي ذلك جعلها بمعنى الباء التي للسببية وأما جعلها بمعنى ~~الباء التي للظرفية فبعيد. قال العلماء: # الحكمة في الهام رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما ~~سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم، لأن في مخالطتها ما يحصل الحلم والشفقة، ~~لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفريقها في الرعي ونقلها من مسرح إلى ~~مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها ~~مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا ~~اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد ~~لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام به من أول وهلة لما ~~يحصل لهم من التدرج ms2324 بذلك، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولان ~~تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لامكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها. ~~(وفي الحديث) دليل على جواز الإجارة على رعي الغنم ويلحق بها في الجواز ~~غيرها من الحيوانات. # وعن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر، فأتينا به مكة ~~فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم ~~رجل يزن بالاجر فقال له: زن وأرجح رواه الخمسة وصححه الترمذي، وفيه دليل ~~على أن من وكل رجلا في إعطاء شئ لآخر ولم يقدر جاز، ويحمل على ما يتعارفه ~~الناس في مثله، ويشهد لذلك حديث جابر في بيعه جمله: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: يا بلال اقضه وزده، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا رواه ~~البخاري ومسلم. وعن رافع بن رفاعة قال: نهانا النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن كسب الأمة إلا ما عملت بيديها وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل ~~والنفش رواه أحمد وأبو داود. # حديث سويد بن قيس سكت عنه أبي داود والمنذري، وأخرج نحوه أبو داود ~~والنسائي وابن ماجة عن أبي صفوان بن عمير، وقد تقدم في كتاب اللباس. وحديث ~~رافع ابن رفاعة إسناده ثقات، ولكنه قال أبو القاسم الدمشقي الحافظ في ~~الاشراق عقب هذا الحديث: رافع هذا غير معروف، وقال غيره: هو مجهول، وقد ~~أخرجه أبو داود PageV06P020 # وغيره من حديث أبي هريرة لكن بدون قوله: إلا ما عملت بيديها الخ. قوله: ~~ومخرمة بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء وهو حليف بني عبد شمس. قوله: ~~بزا بفتح الباء الموحدة بعدها زاي مشددة وهو الثياب وهجر، بفتح الهاء ~~والجيم، وهي مدينة قرب البحرين بينها وبينها عشرة مراحل. قوله: سراويل معرب ~~جاء على لفظ الجمع وهو واحد أشبه ما لا ينصرف. قوله: بالاجر أي بالأجرة، ~~وفيه دليل على جواز الاستئجار على الوزن، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر الوزان أن يزن ثمن السروايل. قال أصحاب الشافعي: وأجرة وزان الثمن ms2325 ~~على المشتري، كما أن أجرة وزان السلعة إذا احتيج إليه على البائع. قوله: ~~وأرجح بفتح الهمزة وكسر الجيم أي أعطه راجحا، وفيه وفي حديث جابر الذي بعده ~~دليل على استحباب ترجيح المشتري في وزن الثمن، ويقاس عليه ترجيح البائع في ~~وزن المبيع أو كيله، وفيهما أيضا دليل على جواز هبة المشاع، وذلك لأن مقدار ~~الرجحان هبة منه للبائع وهو غير متميز من الثمن، وفيهما أيضا جواز التوكيل ~~من الهبة المجهولة، ويحمل على ما يتعارفه الناس كما قال المصنف، وقد ذكر ~~ههنا طرفا من حديث جابر، وقد تقدم طرف منه في البيع. قوله: عن كسب الأمة ~~الكسب في الأصل مصدر، تقول: كسبت المال أكسبه كسبا، والمراد به ههنا ~~المكسوب. وفي الموطأ عن عثمان أنه خطب فقال: لا تكلفوا الأمة غير ذات ~~الصنعة فإنكم متى ما كلفتموها ذلك كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب ~~فإنه إذا لم يجد سرق. وفي حديث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن كسب ~~الأمة مخافة أن تبغي وقد كانت الجاهلية تجعل عليهن ضرائب فيوقعهن ذلك في ~~الزنى وربما أكرهوهن عليه، فلما جاء الاسلام نهى عن ذلك ونزل قول الله ~~تعالى: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) * (سورة النور، الآية: 33) ~~الآية. قوله: وقال هكذا بأصابعه يعني الثلاث، والخبز بفتح الخاء وسكون ~~الباء بعدها زاي يعني عجن العجين وخبزه، والغزل غزل الصوف والقطن والكتان ~~والشعر، وقد روى الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن ~~الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور وفي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي، قال ~~الدارقطني: كذاب. وأخرج الطبراني أيضا عن هند بنت المهلب بن أبي صفرة وهي ~~امرأة الحجاج بن يوسف أن زياد بن عبد الله القرشي دخل عليها وبيدها ~~PageV06P021 # مغزل تغزل به فقال لها: تغزلين وأنت امرأة أمير فقالت: سمعت أمي تحدث عن ~~جدي قال: سمعت رسول الله عليه وآله وسلم يقول: أطولكن طاقة أعظمكن أجرا ~~والمراد بالطاقة طاقة الغزل من الكتان أو ms2326 القطن، وفي إسناده يزيد بن مروان ~~الخلال، قال ابن معين: كذاب. قوله: والنفش بفتح النون وسكون الفاء بعدها ~~شين معجمة والمراد نفش الصوف والشعر وندف القطن والصوف ونحو ذلك. وفي ~~رواية: النقش بالقاف وهو التطريز. # باب ما جاء في كسب الحجام عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نهى عن كسب الحجام ومهر البغي وثمن الكلب رواه أحمد. وعن رافع بن خديج ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، ~~وثمن الكلب خبيث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه النسائي ولفظه: شر ~~المكاسب ثمن الكلب وكسب الحجام ومهر البغي. وعن محيصة بن مسعود أنه كان له ~~غلام حجام فزجره النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كسبه فقال: ألا أطعمه ~~أيتاما لي؟ قال: لا، قال: أفلا أتصدق به، قال: لا، فرخص له أن يعلفه ناضحة ~~رواه أحمد. وفي لفظ: أنه استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إجارة ~~الحجام فنهاه عنها، ولم يزل يسأله فيها حتى قال: اعلفه ناضحك أو أطعمه ~~رقيقك رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. # حديث أبي هريرة قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه أيضا ~~الطبراني في الأوسط، وأخرجه أيضا الحازمي في الناسخ والمنسوخ بلفظ: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من السحت مهر البغي وأجرة الحجام ويشهد ~~له ما أخرجه الحازمي أيضا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب الحجام وحديث رافع أخرجه أيضا مسلم. # وحديث محيصة أخرجه أيضا مالك وابن ماجة، قال في الفتح: ورجاله ثقات. ~~وأخرج نحوه أحمد في مسنده من حديث جابر ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم PageV06P022 # سئل عن كسب الحجام فقال: أطعمه ناضحك. وقال في مجمع الزوائد: أنه أخرج ~~حديث محيصة المذكور أهل السنن الثلاث باختصار والطبراني في الأوسط، قال في ~~مجمع الزوائد أيضا: ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال في حديث جابر ms2327 الذي ذكرناه ~~أن رجاله رجال الصحيح. قوله: البغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد الياء ~~فعيل بمعنى فاعلة أو مفعولة وهي الزانية. ومنه قوله تعالى: * (ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء) * (سورة النور، الآية: 33) أي على الزنا، وأصل البغي ~~الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في طلب الفساد والزنا، والمراد ما تكتسبه ~~الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، وقد قدمنا في أول كتاب البيع أنه مجمع ~~على تحريم مهر البغي. قوله: ثمن الكلب قد تقدم الكلام عليه في أول البيع، ~~وقد استدل بأحاديث الباب من قال بتحريم كسب الحجام وهو بعض أصحاب الحديث ~~كما في البحر، لأن النهي حقيقة في التحريم والخبيث حرام، ويؤيد هذا تسمية ~~ذلك سحتا كما في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه. وذهب الجمهور من العترة ~~وغيرهم إلى أنه حلال واحتجوا بحديث أنس وابن عباس الآتيين، وحملوا النهي ~~على التنزيه لأن في كسب الحجام دناءة والله يحب معالي الأمور، ولان الحجامة ~~من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم للإعانة له عند الاحتياج إليها، ~~ويؤيد هذا إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله عن الجرة الحجامة أن يطعم ~~منها ناضحة ورقيقه، ولو كانت حراما لما جاز الانتفاع بها بحال. ومن أهل هذا ~~القوم من زعم أن النهي منسوخ وجنح إلى ذلك الطحاوي، وقد عرفت أن صحة النسخ ~~متوقفة على العلم بتأخر الناسخ وعدم إمكان الجمع بوجه، والأول غير ممكن ~~هنا، والثاني ممكن بحمل النهي على كراهة التنزيه بقرينة إذنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالانتفاع بها في بعض المنافع، وبإعطائه صلى الله عليه وآله وسلم ~~الاجر لمن حجمه ولو كان حراما لما مكنه منه، ويمكن أن يحمل النهي عن كسب ~~الحجام على ما يكتسبه من بيع الدم، فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، ولا ~~يبعد أن يشتروه للاكل فيكون ثمنه حراما، ولكن الجمع بهذا الوجه بعيد، ~~فيتعين المصير إلى الجمع بالوجه الأول، ويبقى الاشكال في صحة إطلاق اسم ~~الخبث والسحت على المكروه تنزيها. قال في القاموس: الخبيث ضد الطيب، وقال: # السحت ms2328 بالضم وبضمتين الحرام أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار انتهى ~~وهذا يدل على جواز إطلاق اسم الخبث والسحت على المكاسب الدنية وإن لم تكن ~~PageV06P023 # محرمة والحجامة كذلك فيزول الاشكال. وجمع ابن العربي بين الأحاديث بأن ~~محل الجواز إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ومحل الزجر على ما إذا كانت على ~~عمل مجهول. وحكى صاحب الفتح عن أحمد وجماعة الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا ~~للحر الاحتراف بالحجامة وقالوا: يحرم عليه الانفاق على نفسه منها، ويجوز له ~~الانفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقا، وعمدتهم حديث ~~محيصة لأنه أذن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلف منه ناضحة. والناضح اسم ~~للبعير والبقرة التي ينضح عليها من البئر أو النهر، ورواية الموطأ: وأطعمه ~~نضاحك، بضم النون وتشديد الضاد جمع ناضح. قال ابن حبيب: النضاح الذين يسقون ~~النخيل، واحده ناضح من الغلمان ومن الإبل، وإنما يفترقون في الجمع، فجمع ~~الإبل نواضح والغلمان نضاح. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم حجمه أبو طيبة وأعطاه ~~صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه متفق عليه. وفي لفظ: دعا غلاما منا ~~حجمه فأعطاه أجره صاعا أو صاعين وكلم مواليه أن يخففوا عنه من ضريبته رواه ~~أحمد والبخاري. وعن ابن عباس قال: احتجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأعطى الحجام أجره ولو كان سحتا لم يعطه رواه أحمد والبخاري ومسلم. # ولفظه: حجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد لبني بياضة فأعطاه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أجره وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته، ولو كان سحتا ~~لم يعطه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قوله: أبو طيبة بفتح الطاء المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة واسمه ~~نافع. قوله: وأعطاه صاعين من طعام في الرواية الأخرى: صاعا أو صاعين. # وفي رواية أبي داود: فأمر له بصاع من تمر وفي رواية لمسلم: فأمر له بصاع ~~أو مد أو مدين على الشك. قوله: وكلم مواليه في رواية أبي داود: فأمر أهله ~~والمراد ms2329 بمواليه ساداته، وجمع لكونه كان مملوكا لجماعة، كما يدل على ذلك ~~رواية مسلم: حجم النبي عبد لبني بياضة. قوله: فخففوا عنه في الكلام حذف، ~~والتقدير كلم مواليه أن يخففوا فخففوا عنه كما في الرواية الأخرى. ولفظ أبي ~~داود: # فأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه وفيه جواز الشفاعة للعبد إلى مواليه في ~~تخفيف الخراج عنه. قوله: ولو كان سحتا قد تقدم ضبطه وتفسير معناه في ~~PageV06P024 # شرح الأحاديث التي قبل هذا. وفي رواية للبخاري: ولو علم كراهة لم يعطه ~~يعني كراهة تحريم. وفي رواية له أيضا: ولو كان حراما لم يعطه وذلك ظاهر في ~~الجواز. قوله: من ضريبته الضريبة تطلق على أمور منها غلة العبد كما في ~~القاموس وهي بفتح المعجمة فعيلة بمعنى مفعولة وجمعها ضرائب. ويقال لها خراج ~~وغلة وأجر. (والحديثان) يدلان على أن أجرة الحجامة حلال، وقد قدمنا الخلاف ~~في ذلك وما هو الحق. # باب ما جاء في الأجرة على القرب عن عبد الرحمن بن شبل عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا ~~تأكلوا به، ولا تستكثروا به رواه أحمد. # وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اقرؤوا القرآن ~~واسألوا الله به فإن من بعدكم قوما يقرؤون القرآن يسألون به الناس رواه ~~أحمد والترمذي. وعن أبي بن كعب قال: علمت رجلا القرآن فأهدى لي قوسا، فذكرت ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أخذتها أخذت قوسا من نار ~~فرددتها رواه ابن ماجة. ولأبي داود وابن ماجة نحو ذلك من حديث عبادة بن ~~الصامت: # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعثمان بن أبي العاص: لا تتخذ مؤذنا ~~يأخذ على أذانه أجرا. # أما حديث عبد الرحمن بن شبل فقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات. # وأخرجه أيضا البزار ويشهد له أحاديث. منها: حديث عمران بن حصين وأبي بن ~~كعب المذكوران في الباب. ومنها حديث جابر عند أبي داود قال: خرج علينا رسول ~~الله ms2330 صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الاعرابي والعجمي ~~فقال اقرؤوا فكل حسن، وسيجئ أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا ~~يتأجلونه ومنها: حديث سهل بن سعد عن أبي داود أيضا وفيه: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: اقرؤه قبل أن يقرأه قوم يقيمونه كما يقام السهم يتعجل ~~أجره ولا يتأجله. وأما حديث عمران بن حصين فقال الترمذي بعد إخراجه: هذا ~~حديث حسن ليس إسناده بذاك. وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أيضا البيهقي ~~والروياني في مسنده قال البيهقي وابن PageV06P025 # عبد البر: هو منقطع يعني بين عطية الكلاعي وأبي بن كعب. وكذلك قال المزي. # وتعقبهم الحافظ بأن عطية ولد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وأعله ابن القطان بالجهل بحال عبد الرحمن بن سلم الراوي عن عطية وله طرق عن ~~أبي: قال ابن القطان: لا يثبت منها شئ، قال الحافظ: وفيما قال نظر، وذكر ~~المزي في الأطراف له طرقا. منها: أن الذي أقرأه أبي هو الطفيل بن عمرو ~~ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن الطفيل بن عمرو الدوسي قال: ~~أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت إليه قوسا فغدا إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقد تقلدها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تقلدها من ~~جهنم، قلت: يا رسول الله إنا ربما حضر طعامهم فأكلنا، فقال: أما ما عمل لك ~~فإنما تأكله بخلاقك، وأما ما عمل لغيرك فحضرته فأكلت منه فلا بأس. وما ~~أخرجه الأثرم في سننه عن أبي قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد ~~احتبس في بيته أقرئه القرآن فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في ~~نفسي شئ فذكرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن كان ذلك الطعام ~~طعامه وطعم أهله فكل منه، وإن كان بحقك فلا تأكله وأما حديث عبادة الذي ~~أشار إليه المصنف فلفظه: قال علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى ~~إلي رجل منهم قوس فقلت: ليست بمال وأرمي ms2331 عليها في سبيل الله عز وجل لآتين ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله ~~إنه رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي ~~عليها في سبيل الله، فقال: إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها وفي ~~إسناده المغيرة بن زياد أبو هاشم الموصلي، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين ~~وتكلم فيه جماعة. وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث حدث بأحاديث مناكير، وكل ~~حديث رفعه هو منكر. وقال أبو زرعة: الرازي لا يحتج بحديثه، ولكنه قد روي عن ~~عبادة من طريق أخرى عند أبي داود بلفظ: فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ # فقال: جمرة بين كتفيك، تقلدتها، أو تعلقتها. وفي هذه الطريق بقية بن ~~الوليد، وقد تكلم فيه جماعة ووثقه الجمهور إذا روي عن الثقات. وقد أورد ~~الحافظ حديث عبادة هكذا في كتاب النفقات من التلخيص وتكلم عليه فليراجع. ~~(وفي الباب) عن معاذ عند الحاكم والبزار بنحو حديث أبي، وعن أبي الدرداء ~~عند الدارمي بإسناد PageV06P026 # على شرط مسلم بنحوه أيضا. وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد تقدم الكلام ~~عليه في الاذان. وقد استدل بأحاديث الباب من قال: إنها لا تحل الأجرة على ~~تعليم القرآن وهو أحمد بن حنبل وأصحابه وأبو حنيفة والهادوية، وبه قال عطاء ~~والضحاك بن قيس والزهري وإسحاق وعبد الله بن شقيق، وظاهره عدم الفرق بين ~~أخذها على تعليم من كان صغيرا أو كبيرا، وقالت الهادوية: إنما يحرم أخذها ~~على تعليم الكبير لأجل وجوب تعليمه القدر الواجب وهو غير متعين، ولا يحرم ~~على تعليم الصغير لعدم الوجوب عليه، وذهب الجمهور إلى أنها تحل الأجرة على ~~تعليم القرآن، وأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة. منها: أن حديث أبي وعبادة ~~قضيتان في عين، فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم أنهما فعلا ~~ذلك خالصا لله فكره أخذ العوض عنه. وأما من علم القرآن على أنه لله وأن ~~يأخذ من المتعلم ما دفعه إليه بغير سؤال ولا استشراف ms2332 نفس فلا بأس به. وأما ~~حديث عمران بن حصين فليس فيه إلا تحريم السؤال بالقرآن وهو غير اتخاذ الاجر ~~على تعليمه وأما حديث عبد الرحمن بن شبل فهو أخص من محل النزاع، لأن المنع ~~من التأكل بالقرآن لا يستلزم المنع من قبول ما دفعه المتعلم بطيبة من نفسه. ~~وأما حديث عثمان بن أبي العاص فالقياس للتعليم عليه فاسد الاعتبار لما ~~سيأتي، هذا غاية ما يمكن أن يجاب به عن أحاديث الباب، ولكنه لا يخفى أن ~~ملاحظة مجموع ما تقضى به يفيد ظن عدم الجواز وينتهض للاستدلال به على ~~المطلوب، وإن كان في كل طريق من طرق هذه الأحاديث مقال فبعضها يقوي بعضا، ~~ويؤيد ذلك أن الواجبات إنما تفعل لوجوبها، والمحرمات إنما تترك لتحريمها، ~~فمن أخذ على شئ من ذلك أجرا فهو من الآكلين لأموال الغير بالباطل لأن ~~الاخلاص شرط، ومن أخذ الأجرة غير مخلص، والتبليغ للأحكام الشرعية واجب على ~~كل فرد من الافراد قبل قيام غيره به. ومن جملة ما أجاب به المجوزون دعوى ~~النسخ بأحاديث ابن عباس الآتي وسيأتي الجواب عن ذلك، واستدلوا على الجواز ~~أيضا بما أخرجه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما ~~طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا ~~إزاري هذه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن أعطيتها إزارك جلست لا ~~إزار لك فالتمس شيئا، فقال: PageV06P027 # ما أجد شيئا، فقال: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل معك من القرآن شئ؟ فقال: نعم سورة ~~كذا وسورة كذا يسميها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد زوجتكها بما ~~معك من القرآن. # وفي رواية: قد ملكتكها بما معك من القرآن. ولمسلم: زوجتكها ms2333 تعلمها من ~~القرآن وفي رواية لأبي داود: علمها عشرين آية وهي امرأتك. ولأحمد: أنكحتكها ~~على ما معك من القرآن. وقد أجاب المانعون من الجواز عن هذا الحديث بأجوبة ~~منها أنه زوجها به بغير صداق إكراما له لحفظه ذلك المقدار من القرآن ولم ~~يجعل التعليم صداقا، وهذا مردود برواية مسلم وأبي داود المذكورة. ومنها: أن ~~هذا مختص بتلك المرأة وذلك الرجل ولا يجوز لغيرهما، ويدل على ذلك ما أخرجه ~~سعيد بن منصور عن أبي النعمان الأزدي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوج ~~امرأة على سورة من القرآن ثم قال: لا يكون لأحد بعدك مهرا. ومنها: أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يسم لها مهرا ولم يعطها صداقا وأوصى لها بذلك عند ~~موته، ويؤيده ما أخرجه أبو داود من حديث عقبة بن عامر: أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم زوج رجلا امرأة ولم يفرض لها مهرا ولم يعطها شيئا فأوصى لها عند ~~موته بسهمه من خيبر فباعته بمائة ألف. ومنها: أنها قضية فعل لا ظاهر لها. ~~ومن جملة ما احتجوا به على الجواز حديث عمر بن الخطاب المتقدم في الزكاة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ما أتاك من هذا المال من غير ~~مسألة ولا إشراف نفس فخذه الحديث، ويجاب عنه بأنه عموم مخصص بأحاديث الباب. # وعن ابن عباس: أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مروا بماء ~~فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ فإن ~~في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على ~~شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله أجرا ~~حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله رواه ~~البخاري. وعن أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ms2334 ~~وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن ~~يضيفوهم، فلدغ سيد PageV06P028 # ذلك الحي فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شئ، فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط ~~الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم بعض شئ فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن ~~سيدنا لدغ وسعينا له بكل شئ لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شئ؟ قال بعضهم: ~~إني والله لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم ~~حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من غنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ~~الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: ~~فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا ~~تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ~~الذي يأمرنا، فقدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له ذلك ~~فقال: # وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: اقتسموا واضربوا لي معكم سهما، وضحك النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رواه الجماعة إلا النسائي، وهذا لفظ البخاري وهو ~~أتم. قوله: فيهم لديغ اللديغ بالدال المهملة والغين المعجمة هو اللسيع وزنا ~~ومعنى، واللدغ اللسع، وأما اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة فهو ~~الاحراق الخفيف، واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب ~~أو غيرهما وأكثر ما يستعمل في العقرب، وقد صرح الأعمش في روايته بالعقرب. ~~قوله: أو سليم هو اللديغ أيضا. قوله: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ~~استدل به الجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأجيب عن ذلك بأن ~~المراد بالاجر هنا الثواب، ويرد بأن سياق القصة يأبى ذلك، وادعى بعضهم نسخة ~~بالأحاديث السابقة، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال، وبأن الأحاديث ~~القاضية بالمنع وقائع أعيان محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي ~~الباب، وبأنها مما لا تقوم به الحجة فلا تقوى على معارضة ما في الصحيح، وقد ~~عرفت مما سلف أنها تنتهض ms2335 للاحتجاج بها على المطلوب، والجمع ممكن إما بحمل ~~الاجر المذكور ههنا على الثواب كما سلف وفيه ما تقدم، أو المراد أخذ الأجرة ~~على الرقية فقط كما يشعر به السياق، فيكون مخصصا للأحاديث القاضية بالمنع، ~~أو يحمل الاجر هنا على عمومه، فيشمل الاجر على الرقية والتلاوة والتعليم، ~~ويخص أخذها على التعليم بالأحاديث المتقدمة ويجوز ما عداه، وهذا أظهر وجوه ~~الجمع فينبغي المصير إليه. قوله: فاستضافوهم أي PageV06P029 # طلبوا منهم الضيافة. وفي رواية للترمذي أنهم ثلاثون رجلا. قوله: فلم ~~يضيفوهم بالتشديد للأكثر وبكسر الضاد المعجمة مخففا. قوله: فسعوا له بكل شئ ~~أي مما جرت العادة أن يتداوى به من اللدغة. قوله: إني والله لأرقي ضبطه ~~صاحب الفتح بكسر القاف، والرقية كلام يستشفى به من كل عارض. قال في ~~القاموس: # والرقية بالضم العوذة، والجمع رقى ورقاه رقيا ورقيا ورقيه نفث في عوذته. ~~قوله: # جعلا بضم الجيم وسكون المهملة ما يعطي على عمل. قوله: على قطيع قال ابن ~~التين: هو الطائفة من الغنم، وتعقب بأن القطيع هو الشئ المنقطع من غنم كان ~~أو من غيرها: قال بعضهم: الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين. وفي ~~رواية للبخاري: # إنا نعطيكم ثلاثين شاة وهو مناسب لعدد الرهط المذكور سابقا، فكأنهم جعلوا ~~لكل رجل شاة. قوله: يتفل بضم الفاء وكسرها وهو نفخ معه قليل بزاق وقد سبق ~~تحقيقه في الصلاة. قال ابن أبي جمرة: محل النفل في الرقية يكون بعد القراءة ~~لتحصل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق. قوله: ويقرأ الحمد ~~لله رب العالمين في رواية أنه قرأها سبع مرات. وفي أخرى: ثلاث مرات ~~والزيادة أرجح. # قوله: نشط بضم النون وكسر المعجمة من الثلاثي كذا لجميع الرواة. قال ~~الخطابي وهو لغة والمشهور نشط إذا عقد وأنشط إذا حل، وأصله الأنشوطة بضم ~~الهمزة والمعجمة بينهما نون ساكنة وهي الحبل، والعقال بكسر المهملة بعدها ~~قاف وهو الحبل الذي يشد به ذراع البهيمة. قوله: وما به قلبة بفتح القاف ~~واللام أي علة، وسميت العلة قبلة لأن الذي تصيبه يقلب من ms2336 جنب إلى جنب ليعلم ~~موضع الداء، قاله ابن الاعرابي. ومنه قول الشاعر: وقد برئت فما بالصدر من ~~قلبه وحكي عن ابن الاعرابي أن القلبة داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير ~~فيؤلمه قلبه من يومه. # قوله: فقال الذي رقى بفتح القاف. قوله: وما يدريك أنها رقية؟ قال الداودي ~~معناه: وما أدراك؟ وقد روي كذلك ولعله هو المحفوظ لأن ابن عيينة قال: إذا ~~قال وما يدريك؟ فلم يعلم، وإذا قال: وما أدراك؟ فقد علم، وتعقبه ابن التين ~~بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلا فلا فرق بينهما في ~~اللغة في نفي الدراية، وهي كلمة تقال عند التعجب من الشئ، وتستعمل في تعظيم ~~الشئ أيضا وهو لائق هنا كما قال الحافظ. وفي رواية بعد قوله: وما يدريك ~~أنها رقية؟ قلت: ألقي في روعي. وللدارقطني: PageV06P030 # قلت: يا رسول الله شئ ألقي في روعي وذلك ظاهر في أنه لم يكن عنده علم ~~متقدم بمشروعية الرقي بالفاتحة. قوله: ثم قال قد أصبتم يحتمل أن يكون صوب ~~فعلهم في الرقية، ويحتمل أن يكون ذلك في توقفهم عن التصرف في الجعل حتى ~~استأذنوه، ويحتمل ما هو أعم من ذلك. قوله: واضربوا لي معكم سهما أي اجعلوا ~~منه نصيبا، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد المبالغة في تأنيسهم كما ~~وقع في قصة الحمار الوحشي وغير ذلك. (وفي الحديث) دليل على جواز الرقية ~~بكتاب الله تعالى، ويلتحق به ما كان في بالذكر والدعاء المأثور، وكذا غير ~~المأثور مما لا يخالف ما في المأثور. وأما الرقي بغير ذلك فليس في الأحاديث ~~ما يثبته ولا ما ينفيه إلا ما سيأتي في حديث خارجة. وفي حديث أبي سعيد ~~مشروعية الضيافة على أهل البوادي والنزول على مياه العرب وطلب ما عندهم على ~~سبيل القرى أو الشراء، وفيه مقابلة من امتنع من المكرمة بنظير صنعه، وفيه ~~الاشتراك في العطية، وجواز طلب الهدية ممن يعلم رغبته في ذلك وإجابته إليه. # وعن خارجة بن الصلت عن عمه أنه أتى النبي صلى الله ms2337 عليه وآله وسلم ثم ~~أقبل راجعا من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد فقال أهله: ~~إنا قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شئ تداويه؟ قال: فرقيته ~~بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل يوم مرتين فبرأ فأعطوني مائتي شاة، فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال: خذها فلعمري من أكل برقية ~~باطل فقد أكلت برقية حق رواه أحمد وأبو داود. وقد صح أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم زوج امرأة رجلا على أن يعلمها سورا من القرآن ومن ذهب إلى ~~الرخصة لهذه الأحاديث حمل حديث أبي وعبادة على أن التعليم كان قد تعين ~~عليهما، وحمل فيما سواهما من الأمر والنهي على الندب والكراهة. # حديث خارجة أخرجه أيضا النسائي، وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ~~رجال الصحيح إلا خارجة المذكور وقد وثقه ابن حبان. وأخرجه أيضا ابن حبان ~~والحاكم وصححاه. وحديث تزويج المرأة قد ذكرناه في أول الباب. # قوله: عن عمه هو علاقة بن صحار بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملة التميمي ~~الصحابي، وقال خليفة: هو عبد الله بن عثير بكسر العين المهملة وسكون ~~المثلثة بعدها PageV06P031 # مثناة تحتية مفتوحة ثم راء مهملة. وقيل: اسمه علاثة، ويقال سحار بالسين، ~~والأول أكثره. قوله: ثلاثة أيام لفظ أبي داود: ثلاثة أيام غدوة وعشية كلما ~~ختمها جمع بزاقه ثم تفل. قوله: فلعمري أقسم بحياة نفسه كما أقسم الله ~~بحياته، والعمر والعمر بفتح العين وضمها واحد، إلا أنهم خصوا القسم ~~بالمفتوح لايثار الأخف، وذلك لان الحلف كثير الدور على ألسنتهم ولذلك حذفوا ~~الخبر، وتقديره لعمرك مما أقسم، كما حذفوا الفعل في قولك بالله. قوله: ~~برقية باطل أي برقية كلام باطل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~والرقى الباطلة المذمومة هي التي كلامها كفر، أو التي لا يعرف معناها ~~كالطلاسم المجهولة المعنى. قوله: على أن يعلمها سورا من القرآن قد تقدم ~~الجواب عن الاستدلال بهذا الحديث وتحقيق ما هو الحق، والأحاديث المذكورة في ~~هذا الباب تدل على أنه يجوز للانسان ms2338 أن يسترقي، ويحمل الحديث الوارد في ~~الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يرقون ولا يسترقون على بيان ~~الأفضلية، واستحباب التوكل والاذن لبيان الجواز، ويمكن أن يجمع بحمل ~~الأحاديث الدالة على ترك الرقية على قوم كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها ~~بطبعها كما كانت الجاهلية يزعمون في أشياء كثيرة. # باب النهي أن يكون النفع والاجر مجهولا وجواز استئجار الأجير بطعامه ~~وكسوته عن أبي سعيد قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن استئجار ~~الأجير حتى يبين له أجره، وعن النجش واللمس وإلقاء الحجر رواه أحمد. وعن ~~أبي سعيد أيضا قال: نهى عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان رواه الدارقطني، وفسر ~~قوم قفيز الطحان بطحن الطعام بجزء منه مطحونا لما فيه من استحقاق طحن قدر ~~الأجرة لكل واحد منهما على الآخر وذلك متناقض. وقيل: لا بأس بذلك مع العلم ~~بقدره وإنما المنهي عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز منها وإن شرط حبا ~~لان ما عداه مجهول فهو كبيعها إلا قفيزا منها. وعن عتبة بن الندر فقال: كنا ~~عند PageV06P032 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ طس حتى بلغ قصة موسى عليه السلام ~~فقال: إن موسى أجر نفسه ثمان سنين على عفة فرجه وطعام بطنه رواه أحمد وابن ~~ماجة. # حديث أبي سعيد الأول قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن ~~إبراهيم النخعي لم يسمع من أبي سعيد فيما أحسب اه. وأخرجه أيضا البيهقي ~~وعبد الرزاق وإسحاق في مسنده، وأبو داود في المراسيل، والنسائي في الزراعة ~~غير مرفوع، ولفظ بعضهم: من استأجر أجيرا فليسم له أجرته وحديثه الثاني ~~أخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده هشام أبو كليب قال ابن القطان: لا يعرف. ~~وكذا قال الذهبي وزاد: وحديثه منكر. وقال مغلطاي. هو ثقة، وأورده ابن حبان ~~في الثقات. وحديث عتبة بن الندر بضم النون وتشديد المهملة في إسناده مسلمة ~~بن علي الحسني وهو متروك، وقيل اسمه مسلم والأول أصح. قوله: حتى يبين له ~~أجره فيه دليل لمن قال: إنه يجب ms2339 تعيين قدر الأجرة وهم العترة والشافعي وأبو ~~يوسف ومحمد، وقال مالك وأحمد بن حنبل وابن شبرمة: لا يجب للعرف واستحسان ~~المسلمين. قال في البحر: قلنا لا نسلم بل الاجماع على خلافه اه. ويؤيد ~~القول الأول القياس على ثمن المبيع. قوله: # وعن النجش إلى آخر الحديث قد تقدم الكلام على ذلك في البيع، وإلقاء الحجر ~~هو بيع الحصاة الذي تقدم تفسيره، وإذا أخذ النهي عن النجش على عمومه صح ~~الاستدلال به على عدم جواز الاستئجار عليه، ولكنه يبعد ذلك عطف اللمس ~~وإلقاء الحجر عليه. قوله: نهى عن عسب الفحل قد سبق ضبطه وتفسيره في البيع ~~والمراد به الكراهة كما قال الجوهري، يقال: عسبت الرجل أي أعطيته الكراء، ~~وقيل: ماء الفحل نفسه لقول زهير: # ولولا عسبه لتركتموه * وشر منيحة فحل معار وقد ذهبت الشافعية والحنفية ~~والعترة إلى أنه لا يجوز تأجير الفحل للضراب. وقال مالك وابن أبي هريرة: ~~يصح كالإعارة وهو قياس فاسد الاعتبار. قوله: وعن قفيز الطحان حكى الحافظ في ~~التلخيص عن ابن المبارك أحد رواة الحديث بأن صورته أن يقال للطحان: اطحن ~~بكذا وكذا وزيادة قفيز من نفس الطحين، وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة ~~والشافعي ومالك والليث والناصر، على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة ~~PageV06P033 # بعض المعمول بعد العمل. وقالت الهادوية والامام يحيى والمزني: إنه يصح ~~بمقدار منه معلوم، وأجابوا عن الحديث بأن مقدار القفيز مجهول، أو أنه كان ~~الاستئجار على طحن صبرة بقفيز منها بعد طحنها وهو فاسد عندهم. قوله: وطعام ~~بطنه فيه متمسك لمن قال بجواز الاستئجار بالنفقة ومثلها الكسوة وهو أبو ~~حنيفة والامام يحيى. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد والهادوية والمنصور ~~بالله: لا يصح للجهالة. # باب الاستئجار على العمل مياومة أو مشاهرة أو معاومة أو معاددة عن علي ~~رضي الله عنه قال: جعت مرة جوعا شديدا فخرجت لطلب العمل في عوالي المدينة ~~فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بلة. فقاطعتها كل ذنوب على ~~تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداي، ثم أتيتها فعدت ms2340 لي ست عشرة تمرة، ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فأكل معي منها رواه أحمد. وعن ~~أنس: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شئ، فكانت ~~الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم نصف ثمار ~~أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤنة أخرجاه. قال البخاري: وقال ابن عمر: ~~أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ولم يذكر أن أبا بكر ~~وعمر جددا الإجارة بعد ما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # حديث علي عليه السلام جود الحافظ إسناده، وأخرجه ابن ماجة بسند صححه ابن ~~السكن. وأخرج البيهقي وابن ماجة من حديث ابن عباس بلفظ: أن عليا عليه ~~السلام أجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة، وعندهما أن عدد التمر سبعة ~~عشر وفي إسناده حنش راويه عن عكرمة وهو ضعيف. قوله: ذنوبا هو الدلو مطلقا، ~~أو التي فيها ماء، أو الممتلئة، أو التي هي غير ممتلئة، أفاد معنى ذلك في ~~القاموس. وقد قدمنا تحقيقه في أول هذا الشرح. قوله: مجلت بكسر الجيم أي ~~غلظت وتنفطت، وبفتح الجيم غلظت فقط. قال في القاموس: مجلت يده كنصر وفرح ~~مجلا ومجولا. نفطت من العمل فمرنت كأمجلت، وقد أمجلها العمل أو المجل ~~PageV06P034 # أن يكون بين الجلد واللحم ماء، أو المجلة جلدة رقيقة يجتمع فيها ماء من ~~أثر العمل. # وحديث علي عليه السلام فيه بيان ما كانت الصحابة عليه من الحاجة وشدة ~~الفاقة والصبر على الجوع، وبذل الأنفس وإتعابها في تحصيل القوام من العيش ~~للتعفف عن السؤال وتحمل المتن، وإن تأجير النفس لا يعد دناءة، وإن كان ~~المستأجر غير شريف أو كافرا، والأجير من أشراف الناس وعظمائهم. وأورده ~~المصنف للاستدلال به على جواز الإجارة معاددة يعني أن يفعل الأجير عددا ~~معلوما من العمل بعدد معلوم من الأجرة وإن لم يبين في الابتداء مقدار جميع ~~العمل والأجرة. وحديث أنس فيه دليل ms2341 على جواز إجارة الأرض بنصف الثمرة ~~الخارجة منها في كل عام، وكذلك حديث ابن عمر، وقد تقدم بسط الكلام على ~~إجارة الأرض وما يصح منها وما لا يصح في المزارعة. # باب ما يذكر في عقد الإجارة بلفظ البيع عن سعيد بن ميناء عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها ~~أخاه ولا تبيعوها، قيل لسعيد: ما لا تبيعوها يعني الكراء؟ قال: نعم رواه ~~أحمد ومسلم. # قد تقدم الكلام على ما اشتمل عليه الحديث في المزارعة، وأعاده المصنف ~~ههنا للاستدلال به على صحة إطلاق لفظ البيع على الإجارة وهو مجاز من باب ~~إطلاق الحكم على الشئ، وهو لما هو من الأشياء التابعة له كإطلاق البيع هنا ~~على الأرض وهو لمنفعتها. # باب الأجير على عمل متى يستحق الأجرة وحكم سراية عمله عن أبي هريرة: قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يقول الله عز وجل ثلاثة أنا خصمهم ~~يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ~~ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه PageV06P035 # أجره رواه أحمد والبخاري. وعن أبي هريرة في حديث له عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه يغفر لامته في آخر ليلة من رمضان، قيل: يا رسول الله ~~أهي ليلة القدر؟ قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله رواه ~~أحمد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. # حديث أبي هريرة الثاني أخرجه أيضا البزار وفي إسناده هشام بن زياد أبو ~~المقدام وهو ضعيف. وحديث عمرو بن شعيب قال أبو داود بعد إخراجه: هذا لم ~~يروه إلا الوليد بن مسلم لا يدري هو صحيح أم لا؟ وأخرجه النسائي مسندا ~~ومنقطعا. # (وفي الباب) عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني بعض ms2342 الوفد ~~الذين قدموا على أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيما ~~طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت فهو ضامن أخرجه أبو داود ~~وفي إسناده مجهول لا يعلم هل له صحبة أم لا؟ قوله: ثلاثة أنا خصمهم قال ابن ~~التين: # هو سبحانه وتعالى خصم لجميع الظالمين، إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء ~~بالتصريح والخصم يطلق على الواحد والاثنين وعلى أكثر من ذلك. وقال الهروي: ~~الواحد بكسر أوله، قال الفراء: الأول قول الفصحاء، ويجوز في الاثنين خصمان ~~وفي الثلاثة خصوم قوله: ومن كنت خصمه خصمته هذه الزيادة ليست في صحيح ~~البخاري، ولكنه أخرجها أحمد وابن حبان وابن خزيمة والإسماعيلي. قوله: أعطى ~~بي ثم غدر المفعول محذوف، والتقدير: أعطى يمينه بي أي عاهد وحلف بالله ثم ~~لم يف. قوله: باع حرا وأكل ثمنه خص الاكل لأنه أعظم مقصود. وفي رواية لأبي ~~داود: ورجل اعتبد محرره وهو أعم من الأول في الفعل وأخص منه في المفعول. ~~قال الخطابي: اعتباد الحر يقع بأمرين: أن يعتقه ثم يكتم ذلك أو يجحده. ~~والثاني أن يستخدمه كرها بعد العتق، والأول أشدهما قال في الفتح: والأول ~~أشد لأن فيه مع كتم الفعل أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع وأكل الثمن، ~~فمن ثم كان الوعيد عليه أشد. قال المهلب: وإنما كان إثمه شديدا لأن ~~المسلمين أكفاء بالحرية، فمن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له ~~وألزمه الذي أنقذه الله منه. وقال ابن الجوزي الحر عبد الله فيمن جنى عليه ~~فخصمه سيده. قال ابن المنذر: PageV06P036 # لم يختلفوا في أن من باع حرا أنه لا قطع عليه، يعني إذا لم يسرقه من حرز ~~مثله، إلا ما يروى عن علي عليه السلام أنه تقطع يد من باع حرا، قال: وكان ~~في جواز بيع الحر خلاف قديم، ثم ارتفع فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~من أقر على نفسه بأنه عبد فهو عبد. وروى ابن أبي شيبة من طريق قتادة ms2343 أن ~~رجلا باع نفسه فقضى عمر بأنه عبد وجعل ثمنه في سبيل الله. ومن طريق زرارة ~~بن أوفى أحد التابعين أنه باع حرا في دين ونقل ابن حزم أن الحر كان يباع في ~~الدين حتى نزلت: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (سورة البقرة، ~~الآية: 280) ونقل عن الشافعي مثل ذلك ولا يثبت أكثر أصحابه. وقد استقر ~~الاجماع على المنع. قوله: ولم يوفه أجره هو في معنى من باع حرا وأكل ثمنه ~~لأنه استوفى منفعته بغير عوض فكأنه أكلها، ولأنه استخدمه بغير أجرة فكأنه ~~استعبده. قوله: إنما يوفى أجره إذا قضى عمله فيه دليل على أن الأجرة تستحق ~~بالعمل، وأما الملك فعند العترة وأبي حنيفة وأصحابه إنما تملك بالعقد ~~فتتبعها أحكام الملك. وعند الشافعي وأصحابه أنها تستحق بالعقد وهذا في ~~الصحيحة، وأما الفاسدة فقال في البحر: لا تجب بالعقد إجماعا وتجب ~~بالاستيفاء إجماعا. قوله: فهو ضامن فيه دليل على أن متعاطي الطب يضمن ما ~~حصل من الجناية بسبب علاجه، وأما من علم منه أنه طبيب فلا ضمان عليه وهو من ~~يعرف العلة ودواءها، وله مشايخ في هذه الصناعة شهدوا له بالحذف فيها ~~وأجازوا له المباشرة. # كتاب الوديعة والعارية عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: لا ضمان على مؤتمن رواه الدارقطني. # الحديث قال الحافظ: في إسناده ضعف. وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عنه ~~بلفظ: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان ~~وقال: # إنما نروي هذا عن شريح غير مرفوع. قال الحافظ: وفي إسناده ضعيفان. قوله: # الوديعة هي في اللغة مأخوذة من السكون، يقال: ودع الشئ يدع إذا سكن ~~فكأنها ساكنة عند المودع. وقيل: مأخوذة من الدعة وهي خفض العيش لأنها غير ~~مبتذلة بالانتفاع. وفي الشرع: العين التي يضعها مالكها عند آخر ليحفظها وهي ~~PageV06P037 # مشروعة إجماعا. والعارية بتشديد الياء قال في النهاية: كأنها منسوبة إلى ~~العار لان طلبها عار ويجمع على عواري مشددا. وفي الشرع إباحة منافع ms2344 العين ~~بغير عوض وهي أيضا مشروعة إجماعا. قوله: لا ضمان على مؤتمن فيه دليل على ~~أنه لا ضمان على من كان أمينا على عين من الأعيان كالوديع والمستعير، أما ~~الوديع فلا يضمن قيل: # إجماعا إلا لجناية منه على العين. وقد حكى في البحر الاجماع على ذلك، ~~وتأول ما حكي عن الحسن البصري أن الوديع لا يضمن إلا بشرط الضمان، بأن ذلك ~~محمول على ضمان التفريط لا الجناية المتعمدة، والوجه في تضمينه الجناية أنه ~~صار بها خائنا، والخائن ضامن لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ولا على ~~المستودع غير المغل ضمان والمغل هو الخائن، وهكذا يضمن الوديع إذا وقع منه ~~تعد في حفظ العين لأنه نوع من الخيانة، وأما العارية فذهبت العترة والحنفية ~~والمالكية إلى أنها غير مضمونة على المستعير إذا لم يحصل منه تعد. وقال ابن ~~عباس وأبو هريرة وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وعزاه صاحب الفتح إلى ~~الجمهور: أنها إذا تلفت في يد المستعير ضمنها إلا فيما إذا كان ذلك على ~~الوجه المأذون فيه. وعن حسن البصري والنخعي والأوزاعي وشريح والحنفية أنها ~~غير مضمونة. وإن شرط الضمان. وعند العترة وقتادة والعنبري أنه إذا شرط ~~الضمان كانت مضمونة. وحكي في البحر عن مالك والبتي أن غير الحيوان مضمون أو ~~الحيوان غير مضمون. واستدل من قال إنه لا ضمان على غير المعتدي بما تقدم من ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس على المستعير غير المغل ضمان. وبقوله: ~~لا ضمان على مؤتمن وبما أخرجه ابن ماجة عن ابن عمرو بلفظ: من أودع وديعة ~~فلا ضمان عليه وفي إسناده المثنى بن الصباح وهو متروك، وتابعه ابن لهيعة ~~فيما ذكره البيهقي. وبما أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان من ~~حديث أبي أمامة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في حجة الوداع: ~~العارية مؤداة والزعيم غارم وتعقب بأن التصريح بضمان الزعيم لا يدل على عدم ~~ضمان المستعير. واستدل من قال بالضمان بحديث سمرة الآتي وبقوله تعالى: * ~~(إن الله يأمركم أن ms2345 تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * (سورة النساء، الآية: 58) ~~ولا يخفى أن الامر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت. واستدل من ~~فرق بين الحيوان وغيره بحديث صفوان الآتي، ولا يخفى أن دلالته على أن غير ~~الحيوان مضمون لا يستفاد منها PageV06P038 # أن حكم الحيوان بخلافه. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه أبو داود والترمذي ~~وقال: حديث حسن. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه في إسناده طلق بن غنام عن شريك، واستشهد ~~له الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس، وفي إسناده أيوب بن سويد مختلف فيه وقد ~~تفرد به كما قال الطبراني، وقد استنكر حديث الباب أبو حاتم الرازي. وأخرجه ~~أيضا البيهقي ومالك. (وفي الباب) عن أبي بن كعب عند ابن الجوزي في العلل ~~المتناهية. وفي إسناده من لا يعرف. وأخرجه أيضا الدارقطني. وعن أبي أمامة ~~عند البيهقي والطبراني بسند ضعيف. وعن أنس عند الدارقطني والطبراني ~~والبيهقي وأبي نعيم. وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبي داود والبيهقي وفي ~~إسناده مجهول آخر غير الصحابي، لأن يوسف بن ماهك رواه عن فلان عن آخر وقد ~~صححه ابن السكن. وعن الحسن مرسلا عند البيهقي. قال الشافعي: هذا الحديث ليس ~~بثابت. وقال ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا ~~أعرفه من وجه يصح، ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين ~~من الأئمة المعتبرين لبعضها، وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث ~~منتهضا للاحتجاج. قوله: ولا تخن من خانك فيه دليل على أنه لا يجوز مكافأة ~~الخائن بمثل فعله فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ~~* (سورة الشورى، الآية: 40). وقوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به) * (سورة البقرة، الآية: 194). وقوله تعالى: * (ومن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (سورة النحل، الآية: 126). والحاصل أن ~~الأدلة القاضية بتحريم مال الآدمي ودمه وعرضه عمومها مخصص بهذه الثلاث ~~الآيات. وحديث الباب ms2346 مخصص لهذه الآيات، فيحرم من مال الآدمي وعرضه ودمه ما ~~لم يكن على طريق المجازاة فإنها حلال إلا الخيانة لأنها لا تحل، ولكن ~~الخيانة إنما تكون في الأمانة كما يشعر بذلك كلام القاموس، فلا يصح ~~الاستدلال بهذا الحديث، على أنه لا يجوز لمن تعذر عليه استيفاء حقه حبس حق ~~خصمه على العموم كما فعله صاحب البحر وغيره، إنما يصح الاستدلال به، على ~~أنه لا يجوز للانسان إذا تعذر عليه استيفاء حقه أن يحبس عنده وديعة لخصمه ~~أو عارية، مع أن الخيانة إنما تكون على جهة الخديعة والخفية وليس محل ~~النزاع من ذلك، ومما يؤيد الجواز إذنه صلى الله عليه وآله وسلم PageV06P039 # لامرأة أبي سفيان أن تأخذ لها ولولدها من مال زوجها ما يكفيها كما في ~~الحديث الصحيح. وقد اختلف في مسألة الحبس المذكورة، فذهب الهادي إلى أنه لا ~~يجوز مطلقا لا من الجنس ولا من غيره. قال المؤيد بالله: إن قول الهادي ~~مسبوق بالاجماع. # وقال الشافعي والمنصور بالله: يجوز من الجنس وغيره. وقال أبو حنيفة ~~والمؤيد بالله: # يجوز من الجنس فقط. وقال الامام يحيى: يجوز من الجنس ثم من الجنس من غيره ~~لتعذره دينا. قال في البحر بعد حكاية الخلاف قلت: الأقرب اشتراط الحاكم حيث ~~يمكن للخبر يعني حديث الباب، فإن تعذر جاز الحبس وغيره لئلا تضيع الحقوق ~~ولظواهر الآي. # وعن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: على اليد ما ~~أخذت حتى تؤديه رواه الخمسة إلا النسائي، زاد أبو داود والترمذي: قال قتادة ~~ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه يعني العارية. # الحديث صححه الحاكم، وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور قد تقدم، وفيه ~~دليل على أنه يجب على الانسان رد ما أخذته يده من مال غيره بإعارة أو إجارة ~~أو غيرهما حتى يرده إلى مالكه، وبه استدل من قال: بأن الوديع والمستعير ~~ضامنان، وقد تقدم الخلاف في ذلك، وهو صالح للاحتجاج به على التضمين، لان ~~المأخوذ إذا كان على اليد الآخذة ms2347 حتى ترده فالمراد أنه في ضمانها كما يشعر ~~لفظ على من غير فرق بين مأخوذ ومأخوذ. وقال المقبلي في المنار: يحتجون بهذا ~~الحديث في مواضع على التضمين ولا أراه صريحا، لأن اليد الأمينة أيضا عليها ~~ما أخذت حتى ترد وإلا فليست بأمينة. ومستخبر عن سر ليلى تركته * بعمياء من ~~ليلى بغير يقين يقولون خبرنا فأنت أمينها * وما أنا إن خبرتهم بأمين إنما ~~كلامنا هل يضمنها لو تلفت بغير جناية وليس الفرق بين المضمون وغير المضمون ~~إلا هذا؟ وأما الحفظ فمشترك وهو الذي تفيده على فعلي هذا لم ينس الحسن كما ~~زعم قتادة حين قال: هو أمينك لا ضمان عليه بعد رواية الحديث اه. ولا يخفى ~~عليك ما في هذا الكلام من قلة الجدوى وعدم الفائدة، وبيان ذلك أن قوله: لأن ~~اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى ترد وإلا فليست بأمينة، يقتضي الملازمة بين ~~عدم الرد وعدم الأمانة فكيف تلف الوديعة والعارية بأي وجه من الوجوه قبل ~~الرد مقتضيا لخروج الأمين PageV06P040 # عن كونه أمينا وهو ممنوع، فإن المقتضي لذلك إنما هو التلف بخيانة أو ~~جناية، ولا نزاع في أن ذلك موجب للضمان، إنما النزاع في تلف لا يصير به ~~الأمين خارجا عن كونه أمينا كالتلف بأمر لا يطاق دفعه، أو بسبب سهو أو ~~نسيان، أو بآفة سماوية ، أو سرقة أو ضياع بلا تفريط، فإنه يوجد التلف في ~~هذه الأمور مع بقاء الأمانة. # وظاهر الحديث يقتضي الضمان وقد عارضه ما أسلفنا. وقال في ضوء النهار: إن ~~الحديث إنما يدل على وجوب تأدية غير التالف، والضمان عبارة عن غرامة التالف ~~اه. ولا يخفى أن قوله في الحديث: على اليد ما أخذت من المقتضي الذي يتوقف ~~فهم المراد منه على مقدر وهو إما الضمان أو الحفظ أو التأدية، فيكون معنى ~~الحديث على اليد ضمان ما أخذت، أو حفظ ما أخذت، أو تأدية ما أخذت، ولا يصح ~~ههنا تقدير التأدية لأنه قد جعل قوله حتى تؤديه غاية لها، والشئ لا يكون ~~غاية لنفسه. وأما الضمان ms2348 والحفظ فكل واحد منهما صالح للتقدير، ولا يقدران ~~معا لما تقرر من أن المقتضي لا عموم له، فمن قدر الضمان أوجبه على الوديع ~~والمستعير، ومن قدر الحفظ أوجبه عليهما، ولم يوجب الضمان إذا وقع التلف مع ~~الحفظ المعتبر، وبهذا تعرف أن قوله إنما يدل الحديث على وجوب التأدية لغير ~~التالف ليس على ما ينبغي، وأما مخالفة رأي الحسن لروايته فقد تقرر في ~~الأصول أن العمل بالرواية لا بالرأي. # وعن صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعار منه يوم حنين ~~أدرعا فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة، قال: فضاع بعضها فعرض ~~عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم في ~~الاسلام أرغب رواه أحمد وابن داود. وعن أنس بن مالك قال: كان فزع بالمدينة ~~فاستعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرسا من أبي طلحة يقال له المندوب ~~فركبه، فلما رجع قال: # ما رأينا من شئ وإن وجدناه لبحرا متفق عليه. # حديث صفوان أخرجه أيضا النسائي والحاكم، وأورد له شاهدا من حديث ابن عباس ~~ولفظه: بل عارية مؤداة وفي رواية لأبي داود: أن الأدراع كانت ما بين ~~الثلاثين إلى الأربعين ورواه البيهقي عن أمية بن صفوان مرسلا وبين أن ~~الأدراع كانت ثمانين. رواه الحاكم من حديث جابر وذكر أنها مائة درع. وأعل ~~ابن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث. قال ابن حزم: أحسن ما فيها حديث يعلى ~~PageV06P041 # بن أمية، وقد تقدم في كتاب الوكالة. قوله: أغصبا معمول لفعل مقدر هو ~~مدخول الهمزة، أي: أتأخذها غصبا لا تردها علي؟ فأجاب صلى الله عليه وآله ~~وسلم بقوله: بل عارية مضمونة فمن استدل بهذا الحديث على أن العارية مضمونة ~~جعل لفظ مضمونة صفة كاشفة لحقيقة العارية أي أن شأن العارية الضمان. ومن ~~قال: إن العارية غير مضمونة جعل لفظ مضمونة صفة مخصصة، أي أستعيرها منك ~~عارية متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان. قوله: فعرض عليه أن ~~يضمنها فيه دليل على أن ms2349 الضياع من أسباب الضمان لا على أن مطلق الضياع ~~تفريط، وأنه يوجب الضمان على كل حال، لاحتمال أن يكون تلف ذلك البعض وقع ~~فيه تفريط. # قوله: فزع أي خوف من عدو، وأبو طلحة المذكور هو زيد بن سهل زوج أم أنس. # قوله: يقال له المندوب قيل: سمي بذلك من الندب وهو الرهن عند السباق. ~~وقيل: # لندب كان في جسمه وهو أثر الجرح. قوله: وإن وجدناه لبحرا قال الخطابي: إن ~~هي النافية، واللام بمعنى ألا، أي ما وجدناه إلا بحرا. وقال ابن التين: هذا ~~مذهب الكوفيين، وعند البصريين أن إن مخففة من الثقيلة واللام زائدة، قال ~~الأصمعي: يقال للفرس بحر إذا كان واسع الجري أو لأن جريه لا ينفد كما لا ~~ينفد البحر، ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري بلفظ: فكان بعد ذلك لا يجارى. # وعن ابن مسعود قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عارية الدلو والقدر رواه أبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود وحسنه المنذري. وروي عن ابن مسعود وابن عباس ~~أنهما فسرا قوله تعالى: * (ويمنعون الماعون) * (سورة الماعون، الآية: 7) ~~أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم من الفاس والدلو والحبل والقدر ~~وما أشبه ذلك. وعن عائشة: الماعون الماء والنار والملح، وقيل: الماعون ~~الزكاة، قال الشاعر: # قوم على الاسلام لما يمنعوا * ماعونهم ويضيعوا التهليلا قال في الكشاف: ~~وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحا ~~في المروءة في غير حال الضرورة. وأخرج أبو داود والنسائي عن بهيسة بضم ~~الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء التحتية بعدها سين مهملة الفزارية عن أبيها ~~قالت: استأذن أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل بينه وبين قميصه فجعل ~~PageV06P042 # يقبله ويلتزم ثم قال: يا رسول الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: ~~الماء، قال: يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح، قال: يا ~~نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: إن تفعل الخير خير لك ms2350 وسيأتي حديث ~~بهيسة هذا في باب إقطاع المعادن من كتاب إحياء الموات. وروى ابن أبي حاتم ~~عن قرة بن دعموص النميري: أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال: لا تمنعون الماعون قالوا: ~~يا رسول الله وما الماعون؟ قال: في الحجر والحديد وفي الماء، قالوا: فأي ~~الحديد؟ قال: # قدوركم النحاس وحديد الفاس الذين تمتهنون به، قالوا: وما الحجر؟ قال ~~قدوركم الحجارة وهذا حديث غريب. وروي عن عكرمة: أن رأس الماعون زكاة المال ~~وأدناه المنخل والدلو والإبرة. وروى ابن أبي حاتم أن الماعون العواري، وأصل ~~الماعون من المعن وهو الشئ القليل فسميت الزكاة ماعونا لأنها قليل من كثير، ~~وكذلك الصدقة وغيرها، وهذه التفاسير ترجع كلها إلى شئ واحد وهو المعاونة ~~بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب: الماعون المعروف. وفي الحديث: كل ~~معروف صدقة. # وعن عائشة: أنها قالت وعليها درع قطري ثمن خمسة دراهم كان لي منهن درع ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما كانت امرأة تقين بالمدينة ~~إلا أرسلت إلي تستعيره رواه أحمد والبخاري. # قوله: درع الدرع قميص المرأة وهو مذكر. قال الجوهري: ودرع الحديد مؤنثة، ~~وحكى أبو عبيدة أنه أيضا يذكر ويؤنث. قوله: قطري بكسر القاف وسكون المهملة ~~بعدها راء، وفي رواية المستملي والسرخسي: بضم القاف وسكون المهملة وآخره ~~نون، والقطري نسبة إلى القطر وهي ثياب من غليظ القطن وغيره. وقيل: من القطن ~~خاصة تعرف بالقطرية فيها حمرة، قال الأزهري: الثياب القطرية منسوبة إلى قطر ~~قرية من البحرين فكسروا القاف للنسبة وخففوا. قوله: ثمن خمسة دراهم بنصب ~~ثمن بتقدير فعل، وخمسة بالخفض على الإضافة أو برفع ثمن، وخمسة على حذف ~~الضمير والتقدير ثمنه خمسة. وروي بضم أوله وتشديد الميم على لفظ الماضي ~~ونصب خمسة على نزع الخافض أي قوم بخمسة دراهم. قوله: تقين بالقاف ~~والتحتانية المشددة أي تزين، من قان الشئ قيانة أي أصلحه، والقينة يقال ~~للماشطة وللمغنية. وحكى ابن التين أنه روي تفنن ms2351 بالفاء أي تعرض وتجلى على ~~زوجها. قال في الفتح: ولم يضبط PageV06P043 # ما بعد الفاء، قال: ورأيته بخط بعض الحفاظ بمثناة فوقانية. قال ابن ~~الجوزي: أرادت عائشة أنهم كانوا أولا في حال ضيق، فكان الشئ المحتقر عندهم ~~إذ ذاك عظيم القدر، وفي الحديث أن عارية الثياب للعرس أمر معمول به مرغب ~~فيه، وأنه لا يعد من التشبع. # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من صاحب إبل ولا بقر ~~ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف ~~بظلفها وتنطحه ذات القرن، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن، قلنا: يا ~~رسول الله وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على ~~الماء وحمل عليها في سبيل الله رواه أحمد ومسلم. # الحديث قد سبق شرح بعض ألفاظه في أول كتاب الزكاة. قوله: إطراق فحلها أي ~~عارية الفحل لمن أراد أن يستعيره من مالكه ليطرق به على ماشيته. # قوله: وإعارة دلوها أي من حقوق الماشية أن يعير صاحبها الدلو الذي يسقيها ~~به إذا طلبه منه من يحتاج إليه. قوله: ومنحتها بالنون والمهملة، والمنحة في ~~الأصل العطية، قال أبو عبيدة: المنحة عند العرب على وجهين: أحدهما أن يعطي ~~الرجل صاحبه فيكون له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها ~~زمنا ثم يردها، والمراد بها هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد ~~لصاحبها. قال القزاز قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أعرف. ~~قوله: وحلبها على الماء بالحاء المهملة في جميع الروايات، وأشار الداودي ~~إلى أنه روي بالجيم وقال: أراد أنها تساق إلى موضع سقيها، وتعقب بأنه لو ~~كان كذلك لقال: وحلبها إلى الماء لا على الماء، وإنما المراد حلبها هناك ~~لنفع من يحضر من المساكين. قوله: حمل عليها الخ، أي من حقها أن يبذلها ~~المالك لمن أراد أن يستعيرها لينتفع بها في الغزو. # كتاب إحياء الموات عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ms2352 ~~أحيا أرضا ميتة فهي له رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي لفظ: من أحاط حائطا ~~على أرض فهي له رواه أحمد وأبو داود. ولأحمد مثله من رواية سمرة. وعن سعيد ~~بن زيد قال: قال رسول الله صلى PageV06P044 # الله عليه وآله وسلم: من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها رواه أحمد والبخاري. وعن ~~أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته فقال: من ~~سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادون يتخاطون ~~رواه أبو داود. # حديث جابر أخرجه بنحوه النسائي وابن حبان. وحديث سمرة أخرجه أيضا أبو ~~داود والطبراني والبيهقي وصححه ابن الجارود، وهو من رواية الحسن عنه، وفي ~~سماعه منه خلاف ولفظه: من أحاط حائطا على أرض فهي له. وحديث سعيد أخرجه ~~أيضا النسائي وحسنه الترمذي وأعله بالارسال فقال: وروي مرسلا، ورجح ~~الدارقطني إرساله أيضا. وقد اختلف مع ترجيح الارسال من هو الصحابي الذي روي ~~من طريقه فقيل: جابر، وقيل: عائشة، وقيل: عبد الله بن عمر، ورجح الحافظ ~~الأول. # وقد اختلف فيه على هشام بن عروة اختلافا كثيرا. ورواه أبو داود الطيالسي ~~من حديث عائشة وفي إسناده زمعة وهو ضعيف ورواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن ~~راهويه في مسنديهما من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن ~~جده وعلقه البخاري، وحديث أسمر بن مضرس صححه الضياء في المختارة. وقال ~~البغوي: لا أعلم بهذا الاسناد غير هذا الحديث. قوله: من أحيا أرضا ميتة ~~الأرض الميتة هي التي لم تعمر، شبهت عمارتها بالحياة وتعطيلها بالموت، ~~والاحياء أن يعمد شخص إلى أرض لم يتقدم ملك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو ~~الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه كما يدل عليه أحاديث الباب، وبه ~~قال الجمهور وظاهر الأحاديث المذكورة أنه يجوز الاحياء سواء ms2353 كان بإذن ~~الامام أو بغير إذنه. وقال أبو حنيفة: لا بد من إذن الإمام. # وعن مالك: يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب مما لأهل القرية إليه حاجة من ~~مرعى ونحوه، وبمثله قالت الهادوية. قوله: من أحاط حائطا فيه أن التحويط على ~~الأرض من جملة ما يستحق به ملكها والمقدار المعتبر ما يسمى حائطا في اللغة. # قوله: وليس لعرق ظالم حق قال في الفتح: رواية الأكثر بتنوين العرق ~~والظالم نعت له وهو راجع إلى صاحب العرق، أي ليس لذي عرق ظالم، أو إلى ~~العرق أي ليس لعرق ذي ظالم. ويروى بالإضافة، ويكون الظالم صاحب العرق، ~~ويكون المراد PageV06P045 # بالعرق الأرض، وبالأول جزم مالك والشافعي والأزهري وابن فارس وغيرهم، ~~وبالغ الخطابي فغلط رواية الإضافة. وقال ربيعة: العرق الظالم يكون ظاهرا أو ~~يكون باطنا، فالباطن يكون ما احتفره الرجل من الآبار، واستخرجه من المعادن، ~~و الظاهر ما بناه أو غرسه. وقال غيره: العرق الظالم من غرس أو زرع أو بنى ~~أو حفر في أرض غيره بغير حق ولا شبهة. قوله: من عمر أرضا بفتح العين ~~وبتخفيف الميم، ووقع في البخاري من أعمر بزيادة الهمزة في أوله وخطئ ~~راويها. وقال ابن بطال: يمكن أن يكون اعتمر فسقطت التاء من النسخة، وقال ~~غيره وقد سمع فيه الرباعي يقال: أعمر الله بك منزلك. ووقع في رواية أبي ذر ~~من أعمر بضم الهمزة أي أعمره غيره. قال الحافظ: # وكأن المراد بالغير الامام. قوله: يتعادون يتخاطون المعاداة الاسراع ~~بالسير، والمراد بقوله يتخاطون يعملون على الأرض علامات بالخطوط، وهي تسمى ~~الخطط واحدتها خطة بكسر الخاء، وأصل الفعل يتخاططون فأدغمت الطاء في الطاء، ~~والتقييد بالمسلم في حديث أسمر يشعر بأن المراد بقوله في حديث عائشة: ليست ~~لأحد أي من المسلمين، فلا حكم لتقدم الكافر، أما إذا كان حربيا فظاهر، وأما ~~الذمي ففيه خلاف معروف. # باب النهي عن منع فضل الماء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلاء متفق عليه. ولمسلم: ms2354 لا ~~يباع فضل الماء ليباع به الكلأ. وللبخاري: لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به ~~فضل الكلأ. وعن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمنع ~~نقع البئر رواه أحمد وابن ماجة. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: من منع فضل مائه أو فضل كلأه منعه الله عز ~~وجل فضله يوم القيامة رواه أحمد. وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قضى بين أهل المدينة في النخل أن لا يمنع نقع بئر، ~~وقضى بين أهل البادية أن لا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ رواه عبد الله بن ~~أحمد في المسند. # حديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الخزاعي وهو ثقة، وقد ضعفه ~~بعضهم، لكن حديث أبي هريرة يشهد لصحة الأحاديث المذكورة بعده، ومما ~~PageV06P046 # يشهد لصحتها حديث جابر عند مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن بيع فضل الماء. وحديث إياس بن عبد عند أهل السنن بنحوه وصححه ~~الترمذي. وقال أبو الفتح القشيري: هو على شرطهما، ولكن حديث عمرو بن شعيب ~~في إسناده ليث بن أبي سليم، وقد رواه الطبراني في الصغير من حديث الأعمش عن ~~عمرو بن شعيب، ورواه في الكبير من حديث وائلة بلفظ آخر وإسناده ضعيف، وحديث ~~عائشة رواه ابن ماجة من طريق عبد الله بن إسماعيل وهو ابن أبي خالد الكوفي، ~~قال أبو حاتم: مجهول، وكذا قال في التقريب. # قوله: فضل الماء المراد به ما زاد عن الحاجة، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد من ~~حديث أبي هريرة بلفظ: ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه قال في الفتح: ~~وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة. وكذلك في ~~الموات إذا كان لقصد التملك، والصحيح عند الشافعية ونص عليه في القديم ~~وحرملة أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق ~~لا التملك، فإن الحافر لا يملك ms2355 ماءها، بل يكون أحق به إلى أن يرتحل. وفي ~~الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه ~~وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية، وخص المالكية هذا الحكم بالموات، ~~وقالوا في البئر التي لا تملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأما الماء المحرز ~~في الاناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح اه. قال في البحر: ~~والماء على أضرب. حق إجماعا كالأنهار غير المستخرجة والسيول. وملك إجماعا ~~كماء يحرز في الجرار ونحوها. ومختلف فيه كماء الآبار والعيون والقنا ~~المحتفرة في الملك اه. والقنا هي بفتح القاف الكظامة التي تحت الأرض، ~~وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك. قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الحق ~~أحق بمائة حتى يروى. قال الحافظ: وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن ~~الماء يملك، فكأن الذين يذهبون إلى أنه يملك وهم الجمهور هم الذين لا خلاف ~~عندهم في ذلك، وقد استدل بتوجه النهي إلى الفضل على جواز بيع الماء الذي لا ~~فضل فيه، وقد تقدم الكلام على ذلك في البيع. قوله: ليمنع به الكلأ بفتح ~~الكاف واللام بعدها همزة مقصورة وهو النبات رطبه ويابسه، والمعنى: أن يكون ~~حول البئر كلا ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا ~~مكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم ~~منعهم من PageV06P047 # الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص ~~البذل بمن له ماشية، ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب، لأنه إذا ~~منعهم من الشرب امتنعوا من الرعي هناك، ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء ~~لأنفسهم لقلة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم والصحيح الأول، ويلتحق ~~بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعية، وبه قالت الحنفية الاختصاص ~~بالماشية، وفرق الشافعي فيما حكاه المزني عنه بين المواشي والزرع، بأن ~~الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع، وبهذا أجاب النووي ~~وغيره، واستدل لمالك بحديث جابر المتقدم لاطلاقه وعدم تقييده ms2356 وتعقب بأنه ~~يحمل على المقيد، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلا يرعى فلا منع من المنع ~~لانتقاء العلة. قال الخطابي: والنهي عند الجمهور للتنزيه، وهو محتاج إلى ~~دليل يصرف النهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم. قال في الفتح: وظاهر الحديث ~~وجوب بذله مجانا، وبه قال الجمهور، وقيل لصاحبه: طلب القيمة من المحتاج ~~إليه كما في طعم المضطر، وتعقب بأنه يلزم منه جواز البيع حالة امتناع ~~المحتاج من بذل القيمة ورد بمنع الملازمة، فيجوز أن يقال: يجب عليه البذل ~~وتثبت له القيمة في ذمة المبذول له، فيكون له أخذ القيمة منه متى أمكن، ~~ولكنه لا يخفى أن رواية لا يباع فضل الماء أو رواية النهي عن بيع فضل الماء ~~يدلان على تحريم البيع، ولو جاز له أخذ العوض لجاز له البيع. قوله: نقع ~~البئر أي الماء الفاضل فيها عن حاجة صاحبها. وفيه دليل على أنه لا يجوز منع ~~فضل الماء الكائن في البئر، كما لا يجوز منع فضل ماء النهر، وأنه لا فرق ~~بينهما، والنقع بفتح النون وسكون القاف بعدها عين مهملة. # باب الناس شركاء في ثلاث وشرب الأرض العليا قبل السفلى إذا قل الماء ~~واختلفوا فيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يمنع ~~الماء والنار والكلأ. رواه ابن ماجة. عن أبي خراش عن بعض أصحاب النبي ~~PageV06P048 # صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء والكلأ والنار رواه أحمد وأبو داود، ~~ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس وزاد فيه: وثمنه حرام. # حديث أبي هريرة قال الحافظ: إسناده صحيح، وحديث بعض الصحابة رواه أبو ~~نعيم في الصحابة في ترجمة أبي خراش ولم يذكر الرجل، وقد سئل أبو حاتم عنه ~~فقال: أبو خراش لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال الحافظ: وهو ~~كما قال، فقد سماه أبو داود في روايته حبان بن زيد وهو الشرعبي تابعي ~~معروف. قال الحافظ في بلوغ ms2357 المرام ورجاله ثقات. وحديث ابن عباس فيه عبد ~~الله بن خراش وهو متروك، وقد صححه ابن السكن. (وفي الباب) عن ابن عمر عند ~~الخطيب وزاد: والملح وفيه عبد الحكيم بن ميسرة. # ورواه الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمرو له عنده طريق أخرى. # وعن بهيسة عن أبيها عند أبي داود، وقد تقدم لفظه في شرح حديث ابن مسعود ~~من كتاب الوديعة والعارية، وسيأتي في باب اقطاع المعادن. وعن عائشة عند ابن ~~ماجة أنها قالت: يا رسول الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح والماء ~~والنار الحديث. وإسناده ضعيف كما قال الحافظ. وعن أنس عند الطبراني في ~~الصغير بلفظ: # خصلتان لا يحل منعهما الماء والنار قال أبو حاتم في العلل: هذا حديث ~~منكر. وعن عبد الله بن سرجس عند العقيلي في الضعفاء نحو حديث بهيسة. قوله: ~~الماء فيه دليل على أن الناس شركة في جميع أنواع الماء من غير فرق بين ~~المحرز وغيره، وقد تقدم في الباب الأول أن الماء المحرز في الجرار ونحوها ~~ملك إجماعا، ومن لازم الملك الاختصاص وعدم الاشتراك بين غير منحصرين كما ~~يقضي به الحديث، فإن صح هذا الاجماع كان مخصصا لأحاديث الباب. وأما ماء ~~الأنهار فقد تقدم أنه حق بالاجماع. # واختلف في ماء الآبار والعيون والكظائم، فعند الشافعية والحنفية وأبي ~~العباس وأبي طالب: أنه حق لا ملك واستدلوا بأحاديث الباب. وقال الامام يحيى ~~والمؤيد بالله في أحد قوليه وبعض أصحاب الشافعي: إنه ملك وقاسوه على الماء ~~المحرز في الجرار ونحوها، ورد بأنه بالسيول أشبه منه بماء الجرة ونحوها قال ~~في البحر فصل: ومن احتفر بئرا أو نهرا فهو أحق بمائه إجماعا وإن بعدت منه ~~أرضه وتوسط غيرها اه. واختلف في ماء البرك فقيل: حق، وقيل: ملك. قوله: ~~والنار قيل: المراد بها الشجر الذي يحطبه الناس، PageV06P049 # وقيل: المراد بها الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها. وقيل: المراد بها ~~الحجارة التي توري النار إذا كانت في موات الأرض، وإذا كان المراد بها ~~الضوء فلا خلاف ms2358 أنه لا يختص به صاحبه، وكذلك إذا كان المراد بها الحجارة ~~المذكورة، وإن كان المراد بها الشجر فالخلاف فيه كالخلاف في الحطب وسيأتي. ~~قوله: والكلأ فقد تقدم تفسيره في الباب الذي قبل هذا وهو أعم من الخلا ~~والحشيش، لأن الخلا مختص بالرطب من النبات، والحشيش مختص باليابس، والكلأ ~~يعمهما، قيل: المراد بالكلأ هنا هو الذي يكون في المواضع المباحة كالأودية ~~والجبال والأراضي التي لا مالك لها. وأما ما كان قد أحرز بعد قطعه فلا شركة ~~فيه بالاجماع كما قيل. وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ففيه خلاف، ~~فقيل: مباح مطلقا وإليه ذهبت الهادوية، وقيل: تابع للأرض فيكون حكمه حكمها، ~~وإليه ذهب المؤيد بالله. (واعلم) أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها، فتدل على ~~الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقا، ولا يخرج شئ من ذلك إلا بدليل يخص به ~~عمومها إلا بما هو أعم منها مطلقا، كالأحاديث القاضية بأنه لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا بطيبة من نفسه لأنها مع كونها إنما تصلح للاحتجاج بها بعد ثبوت ~~الملك وثبوته في الأمور الثلاثة محل النزاع. # وعن عبادة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في شرب النخل من السبيل ~~أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى ~~الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء رواه ابن ماجة ~~وعبد الله بن أحمد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قضى في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى ~~على الأسفل رواه أبو داود وابن ماجة. # حديث عبادة أخرجه أيضا البيهقي والطبراني وفيه انقطاع، وحديث عمرو بن ~~شعيب في إسناده عبد الرحمن بن الحرث المخزومي المدني تكلم فيه الإمام أحمد، ~~وقال الحافظ في الفتح: إن إسناد هذا الحديث حسن ورواه الحاكم في المستدرك ~~من حديث عائشة: أنه قضى صلى الله عليه وآله وسلم في سيل مهزور أن الأعلى ~~يرسل إلى الأسفل ويحبس قدر الكعبين، وأعله الدارقطني بالوقف ms2359 وصححه الحاكم، ~~ورواه ابن ماجة وأبو داود من حديث ثعلبة بن أبي مالك، ورواه عبد الرزاق في ~~مصنفه عن أبي PageV06P050 # حاتم القرظي عن أبيه عن جده أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان ~~له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مهزور ~~السيل الذي يقسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~الماء إلى الكعبين لا يحبس إلا على الأسفل. قوله: مهزور بفتح الميم وسكون ~~الهاء بعدها زاي مضمومة ثم واو ساكنة ثم راء وهو وادي بني قريظة بالحجاز. ~~قال البكري في المعجم: هو واد من أودية المدينة. وقيل: موضع سوق المدينة، ~~وكان قد تصدق به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين، فأقطعه ~~عثمان الحرث بن الحكم أخا مروان، وأقطع مروان فدك. وقال ابن الأثير ~~والمنذري: أما مهزور بتقديم الراء على الزاي فموضع سوق المدينة. (وأحاديث ~~الباب) تدل على أن الأعلى تستحق أرضه الشرب بالسيل والغيل وماء البئر قبل ~~الأرض التي تحتها، وإن الأعلى يمسك الماء حتى يبلغ إلى الكعبين أي كعبي رجل ~~الانسان الكائنين عند مفصل الساق والقدم ثم يرسله بعد ذلك. وقال في البحر: ~~إن الماء إذا كان قليلا فحده أن يعم أرض الأعلى إلى الكعبين في النخيل وإلى ~~الشراك في الزرع لقضائه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك في خبر عبادة يعني ~~المذكور في الباب، قال: وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم للزبير: اسق ~~أرضك حتى يبلغ الجدر فقيل: عقوبة لخصمه، وقيل: # بل هو المستحق، وكان أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتفضل، فإن كانت ~~الأرض بعضها مطمئن فلا يبلغ في بعضها الكعبين إلا وهو في المطمئن إلى ~~الركبتين قدم المطمئن إلى الكعبين ثم حبسه وسقى باقيها. وقال أبو طالب: ~~العبرة بالكفاية للأعلى اه، وهو المختار عند الهادوية. قال ابن التين: ~~الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، ~~قال: وأما الزرع فإلى الشراك، وقال ms2360 الطبري: # الأراضي مختلفة فيمسك لكل أرض ما يكفيها، وسيأتي بقية الكلام على هذه ~~المسألة في شرح حديث الزبير إن شاء الله تعالى، وقد أورده المصنف رحمه الله ~~في باب النهي عن الحكم في حال الغضب من كتاب الأقضية. PageV06P051 # باب الحمى لدواب بيت المال عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حمى النقيع للخيل خيل المسلمين رواه أحمد. والنقيع بالنون موضع معروف. وعن ~~الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمى النقيع وقال: لا حمى ~~إلا لله ولرسوله رواه أحمد وأبو داود، وللبخاري منه: لا حمى إلا لله ~~ولرسوله وقال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمى النقيع، وأن عمر ~~حمى شرف والربذة. وعن أسلم مولى عمر أن عمر استعمل مولى له يدعى هنيا على ~~الحمى فقال: يا هني أضمم جناحك على المسلمين واتق دعوة المظلوم فإن دعوة ~~المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة وإياي، ونعم ابن عوف ونعم ~~ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، ورب الصريمة ورب ~~الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه يقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم ~~أنا لا أبالك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وأيم الله إنهم ~~ليرون إني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها ~~في الاسلام والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما ~~حميت عليهم من بلادهم شيئا رواه البخاري. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا ابن حبان، وحديث الصعب أخرجه أيضا الحاكم. قال ~~البيهقي: إن قوله حمى النقيع من قول الزهري، وروى الحديث النسائي فذكر ~~الموصول فقط أعني قوله: لا حمى إلا لله ولرسوله ويؤيد ما قاله البيهقي أن ~~أبا داود أخرجه من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري فذكره، وقال في آخره: ~~قال ابن شهاب: # وبلغني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمى النقيع، وقد وهم الحاكم ~~فزعم أن حديث لا حمى إلا لله متفق عليه وهو من إفراد البخاري، ms2361 وتبع الحاكم ~~في وهمه أبو الفتح القشيري في الالمام وابن الرفعة في المطلب. وأثر عمر ~~أخرجه أيضا الشافعي عن الدراوردي عن زيد بن أسلم عن أبيه مثله. وأخرجه عبد ~~الرزاق عن معمر عن الزهري مرسلا. قوله: حمى النقيع أصل الحمى عند العرب أن ~~الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مخصبا استعوى كلبا على مكان عال، فإلى حيث ~~انتهى صوته حماه PageV06P052 # من كل جانب فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو ~~المكان المحمي، وهو خلاف المباح ومعناه أن يمنع من الاحياء في ذلك الموات ~~ليتوفر فيه الكلأ، وترعاه مواشي مخصوصة ويمنع غيرها، والنقيع هو بالنون كما ~~ذكر المصنف، وحكى الخطابي أن بعضهم صحفه فقال بالموحدة وهو على عشرين فرسخا ~~من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال، ذكر ذلك ابن وهب في موطئه، وأصل ~~النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء، وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث غير ~~نقيع الخضمات الذي جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة على المشهور كما قال ~~الحافظ. وقال ابن الجوزي: بعضهم قال: إنهما واحد، قال: والأول أصح. قوله: ~~لا حمى إلا لله ولرسوله قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين: # أحدهما ليس لأحد أن يحمي المسلمين إلا ما حماه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والآخر معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. فعلى الأول: # ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الخليفة خاصة. قال في الفتح: وأخذ ~~أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألة قولين والراجح عندهم الثاني، والأول ~~أقرب إلى ظاهر اللفظ اه. ومن أصحاب الشافعي من الحق بالخليفة ولاة ~~الأقاليم. قال الحافظ: ومحل الجواز مطلقا أن لا يضر بكافة المسلمين اه. ~~وظاهر قوله في الحديث الأول للخيل خيل المسلمين أنه لا يجوز للامام على فرض ~~إلحاقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحمي لنفسه، وإلى ذلك ذهب مالك ms2362 ~~والشافعية والحنفية والهادوية، قالوا: # بل يحمي لخيل المسلمين وسائر أنعامهم، ولا سيما أنعام من ضعف منهم عن ~~الانتجاع كما فعله عمر في الأثر المذكور. وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث ~~القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز الاحياء معارضة، ومنشأ ~~هذا الظن عدم الفرق بينهما وهو فاسد، فإن الحمى أخص من الاحياء مطلقا. قال ~~ابن الجوزي: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهي عنه ما يحمى من الموات ~~الكثيرة العشب لنفسه خاصة كفعل الجاهلية، والاحياء المباح ما لا منفعة ~~للمسلمين فيه شاملة فافترقا، قال: وإنما تعد أرض الحمى مواتا لكونها لم ~~يتقدم فيها ملك لأحد، لكنها تشبه العامرة لما فيها من المنفعة العامة. ~~قوله: وأن عمر حمى شرف لفظ البخاري الشرف بالتعريف، قال في الفتح: والشرف ~~بفتح المعجمة والراء بعدها فاء في المشهور. وذكر عياض أنه عند PageV06P053 # البخاري بفتح المهملة وكسر الراء. وقال في موطأ ابن وهب: بفتح المهملة ~~والراء، قال: وكذا رواه بعض رواة البخاري أو أصلحه وهو الصواب. وأما شرف ~~فهو موضع بقرب مكة ولا يدخله الألف واللام. قوله: والربذة بفتح الراء ~~والموحدة بعدها ذال معجمة موضع معروف بين مكة والمدينة. وروى ابن أبي شيبة ~~بإسناد صحيح أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة. قوله: هنيا بضم الهاء وفتح ~~النون وتشديد التحتية. قوله: الصريمة تصغير صرمة وهي ما بين العشرين إلى ~~الثلاثين من الإبل، أو من العشر إلى الأربعين منها. # باب ما جاء في اقطاع المعادن عن ابن عباس قال: أقطع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث ~~يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم رواه أحمد وأبو داود، وروياه أيضا من ~~حديث عمرو بن عوف المزني. وعن أبيض بن حمال أنه وفد إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم استقطعه الملح فقطع له، فلما أن ولى قال رجل: أتدري ما ~~اقتطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد، قال: فانتزعه منه، قال: وسأله عما يحمى ~~من الأراك فقال: ما لم تنله ms2363 خفاف الإبل رواه الترمذي وأبو داود. وفي رواية ~~له: أخفاف الإبل قال محمد بن الحسن المخزومي: يعني أن الإبل تأكل منتهى ~~رؤوسها ويحمى ما فوقه. وعن بهيسة قالت: # استأذن أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يدنو منه ويلتزمه ثم قال: ~~يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء، قال: يا نبي الله ما ~~الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: # الملح، قال: يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير ~~خير لك رواه أحمد وأبو داود. # حديث ابن عباس في إسناده أبو أويس عبد الله بن عبد الله، أخرج له مسلم في ~~الشواهد وضعفه غير واحد. قال أبو عمر: هو غريب من حديث ابن عباس، ليس يرويه ~~عن أبي أويس غير ثور. وحديث عمرو بن عوف الذي أشار إليه المصنف في إسناده ~~ابن ابنه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وقد تقدم أنه لا ~~يحتج PageV06P054 # بحديثه. وحديث أبيض بن حمال أخرجه أيضا ابن ماجة والنسائي، وحسنه ~~الترمذي، وصححه ابن حبان، وضعفه ابن القطان، ولعل وجه التضعيف كونه في ~~إسناده السبائي المازني، قال ابن عدي: أحاديثه مظلمة منكرة. وحديث بهيسة ~~أعله عبد الحق والقطان بأنها لا تعرف، وتعقب بأنه ذكرها ابن حبان وغيره في ~~الصحابة، ولحديثه شواهد فقد تقدمت في كتاب الوديعة والعارية عند الكلام على ~~حديث ابن مسعود في الماعون. قوله: القبيلة منسوبة إلى قبل بفتح القاف ~~والموحدة وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام. وفي رواية ~~لأبي داود: # معادن القبيلة وهي من ناحية الفرع، وقد تقدم مثل هذا التفسير في باب ما ~~جاء في الزرع والمعدن من كتاب الزكاة، لأن حديث إقطاع بلال تقدم هنالك بلفظ ~~غير ما هنا. وقال في القاموس: والقبل محركة نشر من الأرض يستقبلك، أو رأس ~~كل أكمة أو جبل أو مجتمع رمل والمحجة الواضحة اه. قوله: جلسيها بفتح الجيم ~~وسكون اللام وكسر السين المهملة بعدها ياء ms2364 النسب، والجلس كل مرتفع من الأرض ~~ويطلق على أرض نجد كما في القاموس. قوله: وغوريها بفتح الغين المعجمة وسكون ~~الواو وكسر الراء نسبة إلى غور، قال في القاموس: إن الغور يطلق على ما بين ~~ذات عرق إلى البحر، وكل ما انحدر مغربا عن تهامة، وموضع منخفض بين القدس ~~وحوران مسيرة ثلاثة أيام في عرض فرسخين، وموضع في ديار بني سليم، وماء لبني ~~العدوية اه. والمراد ههنا المواضع المرتفعة والمنخفضة من معادن القبيلة. ~~قوله: من قدس بضم القاف وسكون الدال المهملة بعدها سين مهملة وهو جبل عظيم ~~بنجد كما في القاموس. وقيل: الموضع المرتفع الذي يصلح للزرع كما في ~~النهاية. قوله: العد بكسر العين المهملة وتشديد الدال المهملة أيضا، قال في ~~القاموس: الماء الذي له مادة لا تنقطع كماء العين اه. وجمعه اعداد، وقيل: ~~العد ما يجمع ويعد، ورده الأزهري ورجع الأول. (وأحاديث الباب) تدل على أنه ~~يجوز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمن بعده من الأئمة إقطاع المعادن، ~~والمراد بالاقطاع جعل بعض الأراضي الموات مختصة ببعض الاشخاص، سواء كان ذلك ~~معدنا أو أرضا لما سيأتي، فيصير ذلك البعض أولى به من غيره، ولكن بشرط أن ~~يكون من الموات التي لا يختص بها أحد، وهذا أمر متفق عليه. وقال في الفتح: ~~حكى عياض أن الاقطاع تسويغ الامام PageV06P055 # من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك، وأكثر ما يستعمل في الأرض وهو أن ~~يخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له ~~غلته مدة. قال السبكي: والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا اقطاعا، ولم أر ~~أحدا من أصحابنا ذكره، وتخريجه على طريق فقهي مشكل، قال: والذي يظهر أنه ~~يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر ولكنه لا يملك الرقبة بذلك، وبهذا ~~جزم الطبري، وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الامام بعض الجند بغلة ~~أرضه إذا كان مستحقا لذلك، هكذا في الفتح. وحكى صاحب الفتح أيضا عن ابن ~~التين أنه إنما يسمى اقطاعا إذا كان ms2365 من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفئ، ~~ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد، قال: وقد يكون الاقطاع تمليكا وغير تمليك، ~~وعلى الثاني يحمل اقطاعه صلى الله عليه وآله وسلم الدور بالمدينة. قال ~~الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه الشافعي مرسلا، ووصله الطبري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم المدينة أقطع الدور يعني أنزل المهاجرين في دور ~~الأنصار برضاهم. قوله: قال محمد بن الحسن الخ، ذكر الخطاب وجها آخر فقال: ~~إنما يحمى من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة، فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا ~~أرسلت في الراعي اه. وحديث بهيسة يدل على أنه لا يحل منع الماء والملح، وقد ~~تقدم في الكلام في الماء، وأما الملح فظاهر الحديث عدم الفرق بين ما كان في ~~معدنه أو قد انفصل عنه، ولا فرق بين جميع أنواعه الصالحة للانتفاع بها. # باب إقطاع الأراضي عن أسماء بنت أبي بكر في حديث ذكرته قالت: كنت أنقل ~~النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~رأسي وهو مني على ثلثي فرسخ متفق عليه. وهو حجة في سفر المرأة اليسير بغير ~~محرم. # وعن ابن عمر قال: أقطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزبير حضر فرسه ~~وأجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه فقال: اقطعوه حيث بلغ السوط رواه أحمد ~~وأبو داود. وعن عمرو بن حريث قال: خط لي رسول الله صلى الله عليه ~~PageV06P056 # وآله وسلم دارا بالمدينة بقوس وقال: أزيدك رواه أبو داود. وعن وائل بن ~~حجر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطعه أرضا بحضرموت وبعث معاوية ~~ليقطعها إياه رواه الترمذي وصححه. وعن عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف ~~قال: أقطعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمر بن الخطاب أرض كذا ~~وكذا، فذهب الزبير إلى آل عمر فاشترى نصيبه منهم، فأتى عثمان بن عفان فقال: ~~إن عبد الرحمن بن عوف زعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطعه وعمر بن ms2366 ~~الخطاب أرض كذا وكذا وإني اشتريت نصيب آل عمر، فقال عثمان: عبد الرحمن حائز ~~الشهادة له وعليه رواه أحمد. وعن أنس قال: دعا النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم الأنصار ليقطع لهم البحرين فقالوا: يا رسول الله إن فعلت فاكتب ~~لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال: # إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني رواه أحمد والبخاري. # حديث ابن عمر في إسناده عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ~~وفيه مقال وهو أخو عبيد الله بن عمر العمري. وحديث عمرو بن حريث سكت عنه ~~أبو داود والمنذري وحسن إسناده الحافظ. ولفظ أبي داود: أزيدك أزيدك مرتين. ~~وحديث وائل بن حجر أخرجه أيضا أبو داود والبيهقي وابن حبان والطبراني. ~~وحديث عروة ابن الزبير لم أجده لغير أحمد، ولم أجده في باب الاقطاع من مجمع ~~الزوائد، مع أنه يذكر كل حديث لأحمد خارج عن الأمهات الست. قوله: من أرض ~~الزبير الخ، يمكن أن تكون هذه الأرض هي المذكورة في حديث ابن عمر المذكور ~~بعده. وفي البخاري في آخر كتاب الخمس من حديث أسماء: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير وفي سنن أبي داود عن ~~أسماء: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقطع الزبير نخلا. قوله: حضر ~~فرسه بضم الحاء المهملة وإسكان الضاد المعجمة وهو العدو. قوله: وبعث معاوية ~~أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: ليقطع لهم البحرين قال الخطابي: ~~يحتمل أنه أراد الموات منها ليتملكوه بالاحياء، ويحتمل أنه أراد العامر ~~منها لكن في حقه من الخمس، لأنه كان ترك أرضها فلم يقسمها، وتعقب بأنها ~~فتحت صلحا وضربت على أهلها الجزية، فيحتمل أن يكون المراد أنه أراد أن ~~يخصهم بتناول جزيتها، وبه جزم إسماعيل القاضي. ووجهه PageV06P057 # ابن بطال بأن أرض الصلح لا تقسم فلا تملك. قال في الفتح: والذي يظهر لي ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد ms2367 أن يخص الأنصار بما يحصل من البحرين، أما ~~الناجز يوم عرض ذلك عليهم فهو الجزية لأنهم كانوا صالحوا عليها، وأما بعد ~~لك إذا وقعت الفتوح فخراج الأرض أيضا، وقد وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذلك في عدة أراض بعد فتحها وقبل فتحها. منها إقطاعه تميما الداري بيت ~~إبراهيم، فلما فتحت في عهد عمر نجز ذلك لتميم، واستمر في أيدي ذريته من ~~ابنته رقية وبيدهم كتاب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وقصته ~~مشهورة ذكرها ابن سعد وأبو عبيد في كتاب الأموال وغيرهما. قوله: فلم يكن ~~عنده ذلك يعني بسبب قلة الفتوح، وأغرب ابن بطال فقال معناه: أنه لم يرد فعل ~~ذلك لأنه اقطع المهاجرين أرض بني النضير. قوله: # أثرة بفتح الهمزة والمثلثة على المشهور، وأشار صلى الله عليه وآله وسلم ~~بذلك إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريش على الأنصار بالأموال والتفضيل ~~بالعطاء وغير ذلك فهو من أعلام نبوته، وفيه ما كانت فيه الأنصار من الايثار ~~على أنفسهم كما وصفهم بذلك فقال: * (يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ~~* (سورة الحشر، الآية: 9) وأحاديث الباب فيها دليل، على أنه يجوز للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة إقطاع الأراضي وتخصيص بعض دون بعض ~~بذلك إذا كان فيه مصلحة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الاقطاع ~~غير أحاديث هذا الباب والباب الذي قبله. منها: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أقطع صخر بن أبي العيلة البجلي الأحمسي ماء لبني سليم لما هربوا عن ~~الاسلام وتركوا ذلك الماء ثم رده إليهم في قصة طويلة مذكورة في سنن أبي ~~داود. ومنها ما أخرجه أبو داود عن سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نزل في موضع المسجد تحت دومة فأقام ثلاثا ثم خرج إلى تبوك ~~وإن جهينة لحقوه بالرحبة فقال لهم من أهل ذي المروة فقالوا بنو رفاعة من ~~جهينة فقال قد أقطعتها لبني رفاعة، فاقتسموها فمنهم من ms2368 باع ومنهم من أمسك ~~فعمل ومنها عند أبي داود عن قيلة بنت مخرمة قالت: قدمنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وتقدم صاحبي يعني حريث بن حسان وافد بكر وائل فبايعه ~~على الاسلام عليه وعلى قومه ثم قال: يا رسول الله أكتب بيننا وبين بني تميم ~~بالدهناء أن لا يجاوزها إلينا منهم أحد إلا مسافر أو مجاور، فقال: أكتب له ~~يا غلام بالدهناء، فلما رأيته قد أمر PageV06P058 # له بها شخص بي وهي وطني وداري فقلت: يا رسول الله إنه لم يسألك السوية من ~~الأرض إذ سألك إنما هذه الدهناء عندك مقيد الجمل ومرعى الغنم ونساء بني ~~تميم وأبناؤها وراء ذلك فقال: أمسك يا غلام صدقت المسكينة، المسلم أخو ~~المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان يعني الشيطان. وأخرجه ~~أيضا الترمذي مختصرا. ومنها ما أخرجه البيهقي والطبراني أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما قدم المدينة أقطع الدور وأقطع ابن مسعود فيمن أقطع ~~وإسناده قوي. # باب الجلوس في الطرقات المتسعة للبيع وغيره عن أبي سعيد عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ~~ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق ~~حقها، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد ~~السلام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر متفق عليه. وعن الزبير بن العوام ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لأن يحمل أحدكم حبلا فيحتطب ثم يجئ ~~فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فينفقه على نفسه خير له من أن يسأل ~~الناس أعطوه أو منعوه رواه أحمد. # حديث الزبير أخرجه البخاري أيضا بنحو ما هنا، وقد اتفق الشيخان على مثل ~~معناه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين، ~~والمسألة من أبواب الزكاة. قوله: إياكم والجلوس بالنصب مع التذكير. قوله: ~~ما لنا من مجالسنا بد فيه دليل على أن التحذير للإرشاد لا للوجوب، ms2369 إذ لو ~~كان للوجوب لم يراجعوه كما قال القاضي عياض، وفيه متمسك لمن يقول: إن سد ~~الذرائع بطريق الأولى لا على الحتم، لأنه نهى أولا عن الجلوس حسما للمادة، ~~فلما قالوا: ما لنا من مجالسنا بد، ذكر لهم المقاصد الأصلية للمنع، فعرف أن ~~النهي الأول للارشاد إلى الأصلح، ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب ~~المصلحة لندبه أولا إلى ترك الجلوس مع ما فيه من الاجر لمن عمل بحق الطريق ~~وذلك أن الاحتياط في طلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة. قال الحافظ: ~~ويحتمل أنهم رجوا وقوع النسخ تخفيفا PageV06P059 # لما شكوا من شدة الحاجة إلى ذلك، يعني فلا يكون قولهم المذكور دليلا على ~~أن التحذير الذي في قوة الامر للارشاد، قال: ويؤيده أن في مرسل يحيى بن ~~يعمر وظن القوم أنها عزيمة. قوله: إذا أبيتم إلا المجلس في رواية للبخاري: ~~فإذا أتيتم إلى المجلس. قوله: غض البصر الخ، زاد أبو داود في حديث أبي ~~هريرة: # وإرشاد السبيل وتشميت العاطس إذا حمد. وزاد الطبراني من حديث عمر: وإغاثة ~~الملهوف. وزاد البزار من حديث ابن عباس: وأعينوا على الحمولة. وزاد ~~الطبراني من حديث سهل بن حنيف: وذكر الله كثيرا وزاد الطبراني أيضا من حديث ~~وحشي بن عرب: واهدوا الأغبياء وأعينوا المظلوم وجاء في حديث أبي طلحة من ~~الزيادة: وحسن الكلام وقد نظم الحافظ هذه الآداب فقال: # جمعت آداب من رام الجلوس على * الطريق من قول خير الخلق إنسانا افش ~~السلام وأحسن في الكلام * وشمت عاطسا وسلاما رد إحسانا في الحمل عاون ~~ومظلوما أعن وأغث * لهفان واهد سبيلا واهد حيرانا بالعرف مروانه عن نكر وكف ~~أذى * وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا والعلة في التحذير من الجلوس على الطرق ما ~~فيه من التعرض للفتنة بالنظر إلى من يحرم النظر إليه، وللحقوق لله ~~وللمسلمين التي لا تلزم غير الجالس في ذلك المحل وقد أشار في حديث الباب ~~بغض النظر إلى السلامة من التعرض للفتنة بمن يمر من النساء وغيرهن، وبكف ~~الأذى إلى السلامة من ms2370 الاحتقار والغيبة، وبرد السلام إلى إكرام المار، ~~وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى استعمال جميع ما يشرع وترك جميع ما ~~لا يشرع. وعلى هذا النمط بقية الآداب التي أشرنا إليها، ولكل منها شاهد ~~صحيح أو حسن. وقد استوفى ذلك الحافظ في الفتح في كتاب الاستئذان. # وحديث الزبير قد سبق شرح ما اشتمل عليه في كتاب الزكاة، وذكره المصنف ~~ههنا لقوله فيه: فيضعه في السوق فيبيعه، فإن فيه دليلا على جواز الجلو س في ~~السوق للبيع، ولا تخلو غالب الأسواق من كثرة الطرق فيه. PageV06P060 # باب من وجد دابة قد سيبها أهلها رغبة عنها عن عبيد الله بن حميد بن عبد ~~الرحمن الحميري عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من وجد ~~دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له. قال ~~عبيد الله: فقلت له: عمن هذا؟ فقال: عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم رواه أبو داود والدارقطني. وعن الشعبي يرفع الحديث إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل فهي ~~لمن أحياها رواه أبو داود. # الحديث الأول في إسناده عبيد الله بن حميد وقد وثق. وحكى ابن أبي حاتم عن ~~يحيى بن معين أنه سئل عنه فقال: لا أعرفه يعني لا أعرف تحقيق أمره، وأما ~~جهالة الصحابة الذين أبهمهم الشعبي فغير قادحة في الحديث، لأن مجهولهم ~~مقبول على ما هو الحق، وقد حققنا ذلك في رسالة مستقلة. والشعبي قد لقي ~~جماعة من الصحابة، حكى الذهبي أنه سمع من ثمانية وأربعين من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحكى منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي أنه ~~قال: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: ~~علي وطلحة والزبير في الجنة، والحديث الثاني مع إرساله فيه عبيد الله بن ~~حميد المذكور. قوله: فسيبوها وكذلك قوله: من ترك دابة يؤخذ من الاطلاق أنه ~~يجوز لمالك الدابة التسييب في الصحراء إذا ms2371 عجز عن القيام بها، وقد ذهبت ~~العترة والشافعي وأصحابه إلى أنه يجب على مالك الدابة أن يعلفها أو يبيعها ~~أو يسيبها في مرتع فإن تمرد أجبر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بل يؤمر ~~استصلاحا لا حتما كالشجر، وأجيب بأن ذات الروح تفارق الشجر. والأولى إذا ~~كانت الدابة مما يؤكل لحمه أن يذبحها مالكها ويطعمها المحتاجين. قال ابن ~~رسلان: وأما الدابة التي عجزت عن الاستعمال لزمن ونحوه فلا يجوز لصاحبها ~~تسييبها بل يجب عليه نفقتها. قوله: فأحياها يعني بسقيها وعلفها وخدمتها وهو ~~من باب المجاز كقوله تعالى: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * ~~(سورة المائدة، الآية: 32). قوله: فهي له أخذ بظاهره أحمد والليث والحسن ~~وإسحاق فقالوا: من ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها PageV06P061 # وسقاها وخدمها إلى أن قويت على المشي والحمل وعلى الركوب ملكها، إلا أن ~~يكون مالكها تركها لا لرغبة عنها بل ليرجع إليها أو ضلت عنه. وإلى مثل ذلك ~~ذهبت الهادوية. # وقال مالك: هي لمالكها الأول ويغرم ما أنفق عليها الآخذ. وقال الشافعي ~~وغيره: # إن ملك صاحبها لم يزل عنها بالعجز وسبيلها سبيل اللقطة، فإذا جاء ربها ~~وجب على واجدها ردها عليه ولا يضمن ما أنفق عليها لأنه لا يأذن فيه. قوله: ~~بمهلكة بضم الميم وفتح اللام اسم لمكان الاهلاك وهي قراءة الجمهور في قوله ~~تعالى: * (ما شهدنا مهلك أهله) * (سورة النحل، الآية: 49) وقرأ حفص بفتح ~~الميم وكسر اللام. # كتاب الغصب والضمانات باب النهي عن جده وهزله عن السائب بن يزيد عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه ~~جادا ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا بطيب نفسه رواه الدارقطني. وعمومه حجة في الساحة الغصب يبنى ~~عليها، والعين تتغير صفتها أنها لا تملك. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ~~حدثنا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms2372 أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما رواه أبو ~~داود. # حديث السائب حسنه الترمذي، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ذئب ~~اه. وقد سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه أيضا البيهقي وقال: إسناده حسن، ~~وحديث أنس في إسناده الحارث بن محمد الفهري وهو مجهول، وله طريق أخرى عند ~~الدارقطني أيضا عن حميد عن أنس وفي إسنادها داود بن الزبرقان وهو متروك. ~~ورواه أحمد والدارقطني من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه وفي إسناده ~~PageV06P062 # علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس من طريق ~~عكرمة، وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس أيضا من طريق مقسم وفي إسناده ~~العرزمي وهو ضعيف، ورواه البيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحيهما من حديث ~~أبي حميد الساعدي بلفظ: لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه ~~قال البيهقي: وحديث أبي حميد أصح ما في الباب، وحديث ابن أبي ليلى سكت عنه ~~أبو داود والمنذري وإسناده لا بأس به. قوله: متاع أخيه المتاع على ما في ~~القاموس المنفعة والسلعة وما تمتعت به من الحوائج، الجمع أ متعة. قوله: ولا ~~لاعبا فيه دليل على عدم جواز أخذ متاع الانسان على جهة المزح والهزل. قوله: # لا يحل مال امرئ مسلم الخ، هذا أمر مصرح به في القرآن الكريم، قال الله ~~تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (سورة المائدة، الآية: ~~188)، ولا شك أن من أكل مال مسلم بغير طيبة نفسه آكل له بالباطل ومصرح به ~~في عدة أحاديث. منها حديث: إنما أموالكم ودماؤكم عليكم حرام وقد تقدم. ~~ومجمع عليه عند كافة المسلمين، ومتوافق على معناه العقل والشرع، وقد خصص ~~هذا العموم بأشياء منها أخذ الزكاة كرها والشفعة وإطعام المضطر والقريب ~~والمعسر والزوجة وقضاء الدين وكثير من الحقوق المالية. قوله: # لا يحل لمسلم أن ms2373 يروع مسلما فيه دليل على أنه لا يجوز ترويع المسلم ولو ~~بما صورته صورة المزح. # باب إثبات غصب العقار عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ~~ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين متفق عليه. وعن سعيد بن زيد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه ~~يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين متفق عليه. وفي لفظ لأحمد من سرق. وعن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من اقتطع شبرا من الأرض بغير ~~حقه طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين رواه أحمد. وعن ابن عمر قال: قال ~~PageV06P063 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف ~~به يوم القيامة إلى سبع أرضين رواه أحمد والبخاري. # حديث أبي هريرة هو في صحيح مسلم. وفي الباب عن يعلى بن مرة عند أبي حبان ~~في صحيحه، وابن أبي شيبة في مسنده وأبي يعلى. وعن المسور بن مخرمة عند ~~العقيلي في تاريخ الضعفاء. وعن شداد بن أوس عن الطبراني في الكبير وعن سعد ~~بن أبي وقاص عند الترمذي. وعن أبي مالك الأشعري عند ابن أبي شيبة بإسناد ~~حسن. وعن الحكم بن الحرث السلمي عن الطبراني وأبي يعلى. وعن أبي شريح ~~الخزاعي عند الطبراني أيضا. وعن ابن مسعود عنده أيضا وأحمد. وعن ابن عباس ~~عند الطبراني أيضا. قوله: من ظلم شبرا وفي رواية للبخاري: قيد شبر بكسر ~~القاف وسكون التحتانية أي قدر شبر، وكأنه ذكر الشبر إشارة إلى استواء ~~القليل والكثير في الوعيد، كذا في الفتح. قوله: يطوقه بضم أوله على البناء ~~للمجهول. قال: من سبع أرضين بفتح الراء ويجوز إسكانها. قال الخطابي: له ~~وجهان. أحدهما: أن معناه أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، ~~ويكون كالطوق في عنقه لا أنه طوق حقيقة. الثاني: # أن معناه أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، أي فتكون كل أرض في ms2374 تلك الحالة ~~طوقا في عنقه اه. ويؤيد الوجه الثاني حديث ابن عمر المذكور، وقليل معناه ~~كالأول ، لكن بعد أن ينقل جميعه يجعل كله في عنقه ويعظم قدر عنقه حتى يسع ~~ذلك، كما ورد في غلظ جلد الكافر ونحو ذلك. ويؤيده حديث يعلى بن مرة المشار ~~إليه سابقا بلفظ: أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ ~~آخر مبلغ سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس. وحديث الحكم ~~السلمي المشار إليه أيضا قال الحافظ: وإسناده حسن ولفظه: من أخذ من طريق ~~المسلمين شبرا جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين. قال في الفتح: ويحتمل ~~أن يكون المراد بقوله يطوقه يكلف أن يجعله طوقا ولا يستطيع ذلك فيعذب به ~~كما جاء في حق: من كذب في منامه كلف أن يعقد شعيرة. ويحتمل أن يكون التطويق ~~تطويق الاثم، والمراد به أن الظلم المذكور لازم له في عنقه لزوم الاثم. ~~ومنه قوله تعالى: # * (ألزمناه طائره في عنقه) * (سورة الإسراء، الآية: 13) ويحتمل أن تتنوع ~~هذه الصفات لصاحب هذه المعصية أو تنقسم بين من تلبس بها، فيكون بعضهم معذبا ~~ببعض، وبعضهم بالبعض الآخر بحسب PageV06P064 # قوة المفسدة وضعفها، هذا جملة ما ذكر من الوجوه في تفسير الحديث. قوله: ~~من اقتطع فيه استعارة شبه من أخذ ملك غيره ووصله إلى ملك نفسه بمن اقتطع ~~قطعة من شئ يجري فيه القطع الحقيقي. وأحاديث الباب تدل على تغليظ عقوبة ~~الظلم والغصب وإن ذلك من الكبائر، وتدل على أن تخوم الأرض تملك، فيكون ~~للمالك منع من رام أن يحفر تحتها حفيرة. قال في الفتح: إن الحديث يدل على ~~أن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض، وله أن يمنع من حفر تحتها سربا ~~أو بئرا بغير رضاه، وأن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ~~وأبنية ومعادن وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن ~~يجاوره. وفيه أن الأرضين السبع متراكمة لم يفتق بعضها من ms2375 بعض، لأنها لو ~~فتقت لاكتفى في حق هذا الغاصب بتطويق التي غصبها لانفصالها عما تحتها، أشار ~~إلى ذلك الداودي وفيه أن الأرضين السبع أطباق كالسماوات وهو ظاهر قوله ~~تعالى: * (ومن الأرض مثلهن) * (سورة الطلاق، الآية: 12) خلافا لمن قال: إن ~~المراد بقوله: سبع أرضين سبعة أقاليم لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرا ~~من إقليم آخر قاله ابن التين، وهو والذي قبله مبني على أن العقوبة متعلقة ~~بما كان سببها، وإلا فمع قطع النظر عن ذلك لا تلازم بين ما ذكروها اه. # وعن الأشعث بن قيس أن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في أرض باليمن فقال الحضرمي: يا رسول الله أرضي ~~اغتصبها هذا وأبوه، فقال الكندي: يا رسول الله أرضي ورثتها من أبي، فقال ~~الحضرمي: يا رسول الله استحلفه أنه ما يعلم أنها أرضي وأرض والدي اغتصبها ~~أبوه فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا ~~يقتطع عبد أو رجل بيمينه مالا إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم، فقال ~~الكندي: هي أرضه وأرض والده رواه أحمد. # الحديث رواه أيضا الطبراني في الأوسط وفي إسناده محمد بن سلام المسبحي له ~~غرائب وبقية رجاله رجال الصحيح. وللأشعث أيضا حديث آخر أخرجه الطبراني في ~~الكبير والأوسط وإسناده ضعيف، وقصة الحضرمي والكندي سيأتي ذكرها في باب ~~استحلاف المنكر من كتاب الأقضية من حديث وائل بن حجر عند مسلم في صحيحه ~~والترمذي وصححه بنحو ما هنا، ولعله يأتي الكلام عليه هنالك إن شاء الله. ~~قال في التلخيص: والحضرمي هو وائل بن حجر، والكندي هو امرؤ القيس بن عابس ~~واسمه ربيعة اه، وفيه نظر، فإنه سيأتي عن وائل بن حجر في PageV06P065 # كتاب الأقضية بلفظ: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الخ، وهذا يشعر بأن الحضرمي غير وائل، وأيضا قال في البدر ~~المنير: اسم الحضرمي ربيعة بن عبدان، وكذا جاء مبينا في إحدى روايتي ms2376 صحيح ~~مسلم ، وعبدان بكسر المهملة وبعدها موحدة. (والحديث) فيه دليل على أنها إذا ~~طلبت يمين العلم وجبت، وعلى أنه يستحب للقاضي أن يعظ من رام الحلف. قوله: ~~إنه لا يقتطع عبد الخ، لفظ الصحيحين من حديث الأشعث: من حلف على يمين يقتطع ~~بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان وسيأتي في كتاب ~~الأقضية. # باب تملك زرع الغاصب بنفقته وقلع غرسه عن رافع بن خديج: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع ~~شئ وله نفقته رواه الخمسة إلا النسائي. # وقال البخاري: هو حديث حسن. وعن عروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من أحيا أرضا فهي له، وليس لعرق ظالم حق، قال: ولقد ~~أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر ~~صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وأنها لتضرب أصولها ~~بالفؤوس وإنها لنخل عم رواه أبو داود والدارقطني. # حديث رافع ضعفه الخطابي، ونقل عن البخاري تضعيفه، وهو خلاف ما نقله ~~الترمذي عن البخاري من تحسينه. وضعفه أيضا البيهقي وهو من طريق عطاء بن أبي ~~رباح عن رافع، قال أبو زرعة: لم يسمع عطاء من رافع، وكان موسى بن هارون ~~يضعف هذا الحديث ويقول: لم يروه غير شريك، ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، ~~ولكن قد تابعه قيس بن الربيع وهو سيئ الحفظ. وقد أخرج هذا الحديث أيضا ~~البيهقي والطبراني وابن أبي شيبة والطيالسي وابن ماجة وأبو يعلى. وحكى ابن ~~المنذر عن أحمد بن حنبل أنه قال: إن أبا إسحاق زاد في هذا الحديث زرع بغير ~~إذنهم وليس غيره يذكر هذا الحرف. وحديث عروة سكت عنه أبو داود والمنذري ~~وحسن الحافظ PageV06P066 # في بلوغ المرام إسناده. وفي رواية لأبي داود: فقال رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه ms2377 وآله وسلم وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري، فأنا رأيت الرجل ~~يضرب في أصول النخل. وأول حديث عروة هذا قد تقدم في أول كتاب الاحياء من ~~حديث سعيد بن زيد. وأخرج أبو داود من حديث جعفر بن محمد بن علي عن أبيه ~~الباقر عن سمرة بن جندب: أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار ~~قال: # ومع الرجل أهله، قال: وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الرجل ويشق ~~عليه، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ~~ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه ~~أن يناقله فأبى، قال: فهبه لي ولك كذا وكذا أمرا رغبه فيه. فأبى فقال: أنت ~~مضار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأنصاري: اذهب فاقلع نخله ~~وفي سماع الباقر من سمرة بن جندب نظر، فقد نقل من مولده ووفاة سمرة ما ~~يتعذر معه سماعه. قوله: فليس له من الزرع شئ فيه دليل على أن من غصب أرضا ~~وزرعها كان الزرع للمالك للأرض، وللغاصب ما غرمه في الزرع يسلمه له مالك ~~الأرض، قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد ~~وإسحاق. قال ابن رسلان: وقد استدل به كما قال الترمذي أحمد، على أن من زرع ~~بذرا في أرض غيره واسترجعها صاحبها فلا يخلو، إما أن يسترجعها مالكها ~~ويأخذها بعد حصاد الزرع أو يسترجعها والزرع قائم قبل أن يحصد، فإن أخذها ~~مستحقها بعد حصاد الزرع فإن الزرع لغاصب الأرض لا يعلم فيها خلافا، وذلك ~~لأنه نماء ما له وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص الأرض وتسوية ~~حفرها، وإن أخذ الأرض صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها لم يملك إجبار ~~الغاصب على قلعه، وخير المالك بين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له أو ~~يترك الزرع للغاصب، وبهذا قال أبو عبيد. وقال الشافعي وأكثر الفقهاء: إن ~~صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على قلعه، ms2378 واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ليس لعرق ظالم حق ويكون الزرع لمالك البذر عندهم على كل حال وعليه ~~كراء الأرض. ومن جملة ما استدل به الأولون ما أخرجه أحمد وأبو داود ~~والطبراني وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى زرعا في أرض ظهير ~~فأعجبه فقال: ما أحسن زرع ظهير، فقالوا: إنه ليس لظهير ولكنه لفلان، قال: ~~فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته فدل PageV06P067 # على أن الزرع تابع للأرض، ولا يخفى أن حديث رافع بن خديج أخص من قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ليس لعرق ظالم حق مطلقا فيبنى العام على الخاص، وهذا ~~على فرض أن قوله: ليس لعرق ظالم حق يدل على أن الزرع لرب البذر فيكون ~~الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن الزرع لصاحب الأرض إذا استرجع ~~أرضه والزرع فيها، وأما إذا استرجعها بعد حصاد الزرع فظاهر الحديث أنه أيضا ~~لرب الأرض، ولكنه إذا صح الاجماع على أنه للغاصب كان مخصصا لهذه الصورة. # وقد روي عن مالك وأكثر علماء المدينة مثل ما قاله الأولون. وفي البحر: أن ~~مالكا والقاسم يقولان: الزرع لرب الأرض، واحتج لما ذهب إليه الجمهور من أن ~~الزرع للغاصب بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: الزرع للزارع وإن كان غاصبا ~~ولم أقف على هذا الحديث فينظر فيه. وقال ابن رسلان: إن حديث: ليس لعرق ظالم ~~حق ورد في الغرس الذي له عرق مستطيل في الأرض، وحديث رافع ورد في الزرع، ~~فيجمع بين الحديثين ويعمل بكل واحد منهما في موضعه، ولكن ما ذكرناه من ~~الجمع أرجح ، لأن بناء العام على الخاص أولى من المصير إلى قصر العام على ~~السبب من غير ضرورة، والمراد بقوله: وله نفقته ما أنفقه الغاصب على الزرع ~~من المؤنة من الحرث والسقي وقيمة البذر وغير ذلك. وقيل: المراد بالنفقة ~~قيمة الزرع فتقدر قيمته ويسلمها المالك والظاهر الأول. قوله: وليس لعرق ~~ظالم حق قد تقدم ضبطه وتفسيره في أول كتاب الاحياء. قوله: وأمر صاحب النخل ~~الخ، فيه ms2379 دليل على أنه يجوز الحكم على من غرس في أرض غيره غروسا بغير إذنه ~~بقطعها. قال ابن رشد في النهاية: # أجمع العلماء على أن من غرس نخلا أو ثمرا وبالجملة نباتا في غير أرضه أنه ~~يؤمر بالقلع، ثم قال: إلا ما روي عن مالك في المشهور أن من زرع فله زرعه ~~وكان على الزارع كراء الأرض. وقد روي عنه ما يشبه قول الجمهور ثم قال: وفرق ~~قوم بين الزرع والثمار إلى آخر كلامه. قوله: عم بضم المهملة وتشديد الميم ~~جمع عميمة وهي الطويلة. وفي القاموس ما يدل على أنه يجوز فتح أوله لأنه قال ~~بعد تفسيره بالنخل الطويل ويضم. PageV06P068 # باب ما جاء فيمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها عن عاصم بن كليب أن رجلا ~~من الأنصار أخبره قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رجع ~~استقبله داعي امرأة فجاء وجئ بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر ~~آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال: أجد ~~لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، فقالت المرأة، يا رسول الله إني أرسلت إلى ~~البقيع يشتري لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها ~~إلي بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أطعميه الأسارى رواه أحمد وأبو داود والدارقطني. ~~وفي لفظ له: # ثم قال: إني لأجد لحم شاة ذبحت بغير إذن أهلها فقالت: يا رسول الله أخي ~~وأنا من أعز الناس عليه، ولو كان خيرا منها لم يغير علي، وعلي أن أرضيه ~~بأفضل منها، فأبى أن يأكل منها، وأمر بالطعام للأسارى. # الحديث في إسناده عاصم بن كليب، قال علي بن المديني: لا يحتج به إذا ~~انفرد. وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: صالح. وقد أخرج ~~له مسلم. وأما جهالة الرجل الصحابي فغير قادحة لما قررناه غير مرة من أن ~~مجهول الصحابة مقبول، لان ms2380 عموم الأدلة القاضية بأنهم خير الخليقة من جميع ~~الوجوه أقل أحوالها أن تثبت لهم بها هذه المزية أعني قبول مجاهيلهم ~~لاندراجهم تحت عمومها. ومن تولى الله ورسوله تعديله فالواجب حمله على ~~العدالة حتى ينكشف خلافها ولا انكشاف في المجهول. قوله: يلوك قال في ~~القاموس: اللوك أهون المضغ أو مضغ صلب. قوله: # لقمة بضم اللام وسكون القاف ويجوز فتح اللام. قال في القاموس: اللقمة ~~وتفتح ما يهيأ للفم. قوله: فلم يوجد بضم أوله وسكون الواو وكسر الجيم أي لم ~~يعطني ما طلبته، وفي القاموس: أوجده أغناه وفلانا مطلوبه أظفره به. ~~(والحديث) فيه دليل على مشروعية إجابة الداعي وإن كان امرأة والمدعو رجلا ~~أجنبيا إذا لم يعارض ذلك مفسدة مساوية أو راجحة، وفيه معجزة لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ظاهرة لعدم إساغته لذلك اللحم، وإخباره بما هو الواقع ~~من أخذها بغير إذن أهلها، PageV06P069 # وفيه تجنب ما كان من المأكولات حراما أو مشتبها وعدم الاتكال على تجويز ~~إذن مالكه بعد أكله. وفيه أيضا أنه يجوز صرف ما كان كذلك إلى من يأكله ~~كالأسارى ومن كان على صفتهم. وقد أورد المصنف هذا الحديث للاستدلال به على ~~حكم من غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها كما وقع في الترجمة، وقد اختلف ~~العلماء في ذلك، فحكي في البحر عن القاسمية وأبي حنيفة أن المالك مخير بين ~~طلب القيمة وبين أخذ العين كما هي وعدم لزوم الأرش، لأن الغاصب لم يستهلك ~~ما ينفرد بالتقويم. وحكي عن المؤيد بالله والناصر والشافعي ومالك أنه يأخذ ~~العين مع الأرش كما لو قطع الاذن ونحوها ، وعن محمد أنه يخير بين القيمة أو ~~العين مع الأرش. # باب ما جاء في ضمان المتلف بجنسه عن أنس قال: أهدت بعض أزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إليه طعاما في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ~~ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: طعام بطعام وإناء بإناء رواه ~~الترمذي وصححه، وهو بمعناه لسائر الجماعة إلا مسلما. وعن عائشة أنها قالت: ms2381 ~~ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~طعام فما ملكت نفسي أن كسرته فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: إناء ~~كإناء، وطعام كطعام، رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # الحديث الأول لفظه في البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام ~~فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا ودفع القصعة ~~الصحيحة للرسول وحبس المكسورة هذا أحد ألفاظ البخاري، وله ألفاظ أخر وليس ~~فيه تسمية الضاربة وهي عائشة كما وقع في رواية الترمذي كما ذكرها المصنف. ~~والحديث الثاني في إسناده أفلت بن خليفة أبو حسان. ويقال فليت العامري، قال ~~الإمام أحمد: # ما أرى به بأسا. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وقال الخطابي في إسناد ~~الحديث مقال. # وقال في الفتح: إن إسناده حسن. قوله: بعض أزواج النبي هي زينب بنت جحش ~~كما رواه ابن حزم في المحلى عن أنس، ووقع قريب من ذلك لعائشة مع أم سلمة ~~كما روى PageV06P070 # النسائي عنها أنها أتت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطعام في صحفة ~~فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة الحديث. والرواية ~~المذكورة في الباب عن عائشة تشعر بأنه قد وقع لها مثل ذلك مع صفية. وقد روى ~~الدارقطني عن أنس من طريق عمران بن خالد نحو ذلك، قال عمران: أكثر ظني أنها ~~حفصة يعني التي كسرت عائشة صحفتها، قال في الفتح: ولم يصب عمران في ظنه ~~أنها حفصة بل هي أم سلمة ثم قال: نعم وقعت القصة لحفصة أيضا، وذلك فيما ~~رواه ابن أبي شيبة وابن ماجة من طريق رجل من بني سوأة غير مسمى عن عائشة ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه فصنعت له طعاما ~~وصنعت له حفصة طعاما فسبقتني فقلت للجارية: انطلقي فاكفئ قصعتها، فأكفأتها ~~فانكسرت وانتشر الطعام فجمعه على النطع فأكلوه ثم بعث بقصعتي إلى ms2382 حفصة ~~فقال: # خذوا ظرفا مكان ظرفكم وبقية رجاله ثقات. قال الحافظ: وتحرر من ذلك أن ~~المراد بمن أبهم في حديث الباب هي زينب لمجئ الحديث من مخرجه وهو حميد عن ~~أنس، وما عدا ذلك فقصص أخرى لا تليق بمن تحقق أن يقول في مثل هذا، قيل: ~~المرسلة فلانة، وقيل: فلانة من غير تحرير. قوله: إناء بإناء فيه دليل على ~~أن القيمي يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل، ويؤيده ما في ~~رواية البخاري المتقدمة بلفظ: ودفع القصعة الصحيحة للرسول وبه احتج الشافعي ~~والكوفيون، وقال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقا، وفي رواية عنه كالمذهب ~~الأول. وفي رواية عنه أخرى: ما صنعه الآدمي فالمثل وأما الحيوان فالقيمة ~~وعنه أيضا ما كان مكيلا أو موزونا فالقيمة وإلا فالمثل قال في الفتح: وهو ~~المشهور عندهم، وقد ذهب إلى ما قاله مالك من ضمان القيمي بقيمته مطلقا ~~جماعة من أهل العلم منهم الهادوية، ولا خلاف في أن المثلي يضمن بمثله، ~~وأجاب القائلون بالقول الثاني عن حديث الباب وما في معناه بما حكاه البيهقي ~~من أن القصعتين كانتا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي زوجتيه. فعاقب ~~الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها ولم ~~يكن هناك تضمين، وتعقب بما وقع في رواية لابن أبي حاتم بلفظ: # من كسر شيئا فهو له وعليه مثله وبهذا يرد على من زعم أنها واقعة عين لا ~~عموم فيها، ومن جملة ما أجابوا به عن حديث الباب وما في معناه بأنه يحتمل ~~أن يكون في ذلك الزمان كانت العقوبة فيه بالمال، فعاقب الكاسرة بإعطاء ~~قصعتها للأخرى، وتعقب بأن التصريح بقوله: إناء بإناء يبعد ذلك. قوله: طعام ~~بطعام قيل: إن الحكم بذلك من باب PageV06P071 # المعونة والاصلاح دون بت الحكم بوجوب المثل فيه لأنه ليس له مثل معلوم. ~~قال الحافظ: وفي طرق الحديث يدل على أن الطعامين كانا مختلفين. قوله: فما ~~ملكت نفسي أن كسرته. لفظ أبي داود: فأخذني أفكل بفتح الهمزة وإسكان الفاء ms2383 ~~وفتح الكاف ثم لام وزنه أفعل، والمعنى: أخذتني رعدة الأفكل وهي الرعدة من ~~برد أو خوف، والمراد هنا أنها لما رأت حسن الطعام غارت وأخذتها مثل الرعدة. # باب جناية البهيمة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: العجماء جرحها ~~جبار. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الرجل جبار رواه ~~أبو داود. # وعن حرام بن محيصة: أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فقضى ~~نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ~~ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها رواه أبو أحمد وأبو داود وابن ~~ماجة. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ~~وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأت بيد أو رجل ~~فهو ضامن رواه الدارقطني، وهذا عند بعضهم، فيما إذا وقفها في طريق ضيق أو ~~حيث تضر المار. # حديث العجماء جرحها جبار، أخرجه الجماعة من حديث أبي هريرة، وقد تقدم في ~~باب ما جاء في الركاز والمعدن من كتاب الزكاة. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا ~~النسائي. وقال الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين، وخالفه الحفاظ عن ~~الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج وعقيل وليث بن سعد ~~وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا: العجماء والبئر جبار، والمعدن جبار، ~~ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. وقال الخطابي: قد تكلم الناس في هذا الحديث، ~~وقيل: إنه غير محفوظ، وسفيان بن حسين، معروف بسوء الحفظ. وقد روى آدم بن ~~أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: الرجل جبار قال الدارقطني: تفرد به آدم بن أبي إياس عن شعبة، ~~وسفيان بن حسين المذكور قد استشهد به البخاري وأخرج له مسلم في المقدمة ولم ~~يحتج به واحد منهما وتكلم فيه غير واحد. وحديث حرام بن محيصة أخرجه أيضا ~~مالك في الموطأ، PageV06P072 # والشافعي والنسائي والدارقطني ms2384 وابن حبان، وصححه الحاكم والبيهقي قال ~~الشافعي: # أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله. قال الحافظ: ومداره على الزهري، ~~واختلف عليه فقيل: عن الزهري عن ابن محيصة. ورواه معن بن عيسى عن مالك فزاد ~~فيه عن جده محيصة ورواه معمر عن الزهري عن حرام عن أبيه ولم يتابع عليه. ~~ورواه الأوزاعي وإسماعيل بن أمية وعبد الله بن عيسى كلهم عن الزهري عن حرام ~~عن البراء، قال عبد الحق: وحرام لم يسمع من البراء وسبقه إلى ذلك ابن حزم، ~~ورواه النسائي من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ~~البراء، ورواه ابن عيينة عن الزهري عن حرام وسعيد بن المسيب أن البراء. ~~ورواه ابن جريج عن الزهري، أخبرني أبو أسامة بن سهل أن ناقة البراء. ورواه ~~ابن أبي ذئب عن الزهري قال: بلغني أن ناقة البراء. وحديث النعمان قال في ~~الجامع الكبير: رواه البيهقي وضعفه. قوله: جبار بضم الجيم أي هدر، قال في ~~القاموس: # هو الهدر والباطل، وظاهره أن جناية البهائم غير مضمونة، ولكن المراد، إذا ~~فعلت ذلك بنفسها ولم تكن عقورا ولا فرط مالكها في حفظها حيث يجب عليه الحفظ ~~وذلك في الليل كما يدل عليه حديث حرام ابن محيصة، وكذلك في أسواق المسلمين ~~وطرقهم ومجامعهم كما يدل عليه حديث النعمان بن بشير. قوله: الرجل بكسر ~~الراء وسكون الجيم يعني أنه لا ضمان فيما جنته الدابة برجلها، ولكن بشرط أن ~~لا يكون ذلك بسبب من مالكها كتوقيفها في الأسواق والطرق والمجامع وطردها في ~~تلك الأمكنة كما يدل على ذلك حديث النعمان، وبشرط أن لا يكون ذلك في ~~الأوقات التي يجب على المالك حفظها فيها كالليل، وهذا الحديث وإن كان فيه ~~المقال المتقدم ولكنه يشهد له ما في الحديث المتفق عليه من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # جرحها جبار فإن عمومه يقتضي عدم الفرق بين جنايتها برجلها أو بغيرها، ~~والكلام في ذلك مبسوط في الكتب الفقهية. قوله: ضامن على أهلها أي مضمون على ~~أهلها. وفي حديث ms2385 البراء: وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل ~~الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. وقد استدل بذلك من قال: إنه لا يضمن مالك ~~البهيمة ما جنته بالنهار ويضمن ما جنته بالليل، وهو مالك والشافعي ~~والهادوية. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ضمان على أهل الماشية مطلقا، ~~واحتجوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: جرحها جبار ولا شك أنه عموم مخصوص ~~بحديث PageV06P073 # حرام بن محيصة والنعمان بن بشير. قال الطحاوي: إلا أن تحقيق مذهب أبي ~~حنيفة أنه لا ضمان إذا أرسلها مع حافظ، وأما إذا أرسلها من دون حافظ ضمن ~~انتهى. # ولا دليل على هذا التفصيل. وذهب الليث وبعض المالكية إلى أنه يضمن مالكها ~~ما جنته ليلا أو نهارا وهو إهدار للدليل العام والخاص. وروي عن عمر أنه لا ~~يضمن ما أتلفته مما لا يقدر على حفظه ويضمن ما أمكنه حفظه، وهو أيضا تفصيل ~~لا دليل عليه، ولا يشكل على المذهب الأول قول الله تعالى: * (إذ نفشت فيه ~~غنم القوم) * (سورة الأنبياء، الآية: 78) في قصة داود وسليمان، على القول ~~بأن شرع من قبلنا يلزمنا لأن النفش إنما يكون بالليل، كما جزم بذلك الشعبي ~~وشريح ومسروق ، روى ذلك البيهقي عنهم. # باب دفع الصائل وإن أدى إلى قتله وأن المصول عليه يقتل شهيدا عن أبي ~~هريرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، ~~قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: قاتله، قال: # أرأيت إن قتلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته، قال: هو في النار ~~رواه مسلم وأحمد وفي لفظه: يا رسول الله أرأيت إن عدا على مالي، قال: أنشد ~~الله، قال: فإن أبوا علي، قال: أنشد الله، قال: فإن أبوا علي، قال: قاتل ~~فإن قتلت ففي الجنة، وإن قتلت ففي النار فيه من الفقه أنه يدفع بالأسهل ~~فالأسهل. وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ~~قتل دون ماله فهو شهيد متفق عليه. وفي ms2386 لفظ: # من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد رواه أبو داود والنسائي ~~والترمذي وصححه. # وعن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من قتل ~~دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ~~ومن قتل دون أهله فهو شهيد رواه أبو داود والترمذي وصححه. # حديث سعيد بن زيد أخرجه أيضا بقية أهل السنن وابن حبان والحاكم، وقد أخرج ~~أحمد والنسائي وأبو داود والبيهقي وابن حبان من حديث أبي هريرة من رواية ~~قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عنه بلفظ: ولا قصاص ولا دية. وفي ~~رواية البيهقي من حديث PageV06P074 # ابن عمر: ما كان عليك فيه شئ وقد تعقب الحافظ في صلاة الخوف من التلخيص ~~من زعم أن حديث ابن عمرو بن العاص متفق عليه وقال: إنه من أفراد البخاري، ~~وفي هذا التعقب نظر، فإن الحديث في صحيح مسلم وفيه قصة، وقد اعترف الحافظ ~~في الفتح في كتاب المظالم والغصب بأن مسلما أخرج هذا الحديث من طريق ابن ~~عمرو وذكر القصة. وأحاديث) الباب فيها دليل على أنها تجوز مقاتلة من أراد ~~أخذ مال إنسان، من غير فرق بين القليل والكثير إذا كان الاخذ بغير حق وهو ~~مذهب الجمهور، كما حكاه النووي والحافظ في الفتح. وقال بعض العلماء: إن ~~المقاتلة واجبة. وقال بعض المالكية: لا تجوز إذا طلب الشئ الخفيف، ولعل ~~متمسك من قال بالوجوب ما في حديث أبي هريرة من الامر بالمقاتلة والنهي عن ~~تسليم المال إلى من رام غصبه، وأما القاتل بعدم الجواز في الشئ الخفيف ~~فعموم أحاديث الباب يرد عليه، ولكنه ينبغي تقديم الأخف فالأخف، فلا يعدل ~~المدافع إلى القتل مع إمكان الدفع بدونه، ويدل على ذلك أمره صلى الله عليه ~~وآله وسلم بإنشاد الله قبل المقاتلة وكما تدل الأحاديث المذكورة عن جواز ~~المقاتلة لمن أراد أخذ المال، تدل على جواز المقاتلة لمن أراد إراقة الدم ~~والفتنة في الدين والأهل. وحكى ابن المنذر ms2387 عن الشافعي أنه قال: من أريد ~~ماله أو نفسه أو حريمه فله المقاتلة وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة. قال ~~ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما ~~بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء ~~السلطان للآثار الواردة بالامر بالصبر على جوره وترك القيام عليه انتهى. ~~ويدل على عدم لزوم القود والدية في قتل من كان على الصفة المذكورة ما ذكرنا ~~من حديث أبي هريرة وحمل الأوزاعي أحاديث الباب على الحالة التي للناس فيها ~~إمام، وأما حالة الفرقة والاختلاف فليستسلم المبغى على نفسه أو ماله ولا ~~يقاتل أحدا، قال في الفتح: ويرد عليه حديث أبي هريرة عند مسلم يعني حديث ~~الباب، وأحاديث الباب مصرحة بأن المقتول دون ماله ونفسه وأهله ودينه شهيد، ~~ومقاتله إذا قتل في النار لأن الأول محق والثاني مبطل. قوله: دون ماله قال ~~القرطبي: دون في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت وتستعمل للخلفية على المجاز، ~~ووجهه PageV06P075 # أن الذي يقاتل عن ماله غالبا إنما يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل عليه اه. ~~ولكنه يشكل على هذا قوله في حديث سعيد بن زيد: دون دينه دون دمه. # باب في أن الدفع لا يلزم المصول عليه ولا يلزم الغير مع القدرة عن عبد ~~الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما يمنع أحدكم ~~إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار والمقتول في ~~الجنة رواه أحمد. وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال ~~في الفتنة: كسروا فيها قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، ~~فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم رواه الخمسة إلا النسائي. وعن ~~سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنها ستكون فتنة، ~~القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، ~~قال: أرأيت إن دخل على ms2388 بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال: كن كابن آدم رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي. # وعن سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أذل عنده مؤمن ~~فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم ~~القيامة رواه أحمد. # حديث ابن عمر أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه، وأخرج نحوه أبو داود من ~~حديثه بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من مشى إلى رجل ~~من أمتي ليقتله فليقل هكذا أي فليمد رقبته فالقاتل في النار والمقتول في ~~الجنة. وحديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان وصححه القشيري في الاقتراح على ~~شرط الشيخين، وقال الترمذي: حسن غريب اه، وفي إسناده عبد الرحمن بن ثروان ~~تكلم فيه بعضهم ووثقه يحيى بن معين واحتج به البخاري. وحديث سعد بن أبي ~~وقاص حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجال ~~إسناده ثقات إلا حسين بن عبد الرحمن الأشجعي، وقد وثقه ابن حبان. وحديث سهل ~~بن حنيف أخرجه أيضا الطبراني وفي إسناده ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات، يشهد ~~لصحته حديث البراء بن عازب عند البخاري وغيره وفيه: الامر بسبع والنهي عن ~~سبع، ومن السبع المأمور بها نصر المظلوم، PageV06P076 # وحديث أبي موسى عند البخاري وغيره بلفظ: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا. # وحديث: انصر أخاك ظالما أو مظلوما أخرجه البخاري وغيره. (وفي الباب) عن ~~أبي بكرة بنحو حديث سعد عند أبي داود وعن أبي هريرة بنحوه أيضا عند البخاري ~~ومسلم. وعند ابن مسعود بنحوه عند أبي داود. وعن خريم بن فاتك بنحوه أيضا ~~عند أبي داود. وعن أبي ذر عند أبي داود والترمذي بلفظ: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا ذر، قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا ~~رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك ~~بمن أنت منه، قلت: يا رسول الله أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ ms2389 قال: شاركت ~~القوم إذا، قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قلت: فإن دخل على بيتي، قال: ~~فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه. وعن ~~المقداد بن الأسود عند أبي داود قال: أيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول ثلاثا: # إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها. معنى قوله: فواها ~~التلهيف. # وعن أبي بكرة غير الحديث الأول عند الشيخين وأبي داود والنسائي قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا تواجه المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قال: يا رسول الله هذا القاتل فما بال ~~المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه. وعن خالد بن عرفطة عند أحمد والحاكم ~~والطبراني وابن نافع بلفظ: ستكون بعدي فتنة واختلاف، فإن استطعت أن تكون ~~عبد الله المقتول لا القاتل فافعل. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ~~ضعيف، وقد أخرجه الطبراني من حديث حذيفة ومن حديث خباب. وعن أبي واقد وخرشة ~~أشار إلى ذلك الترمذي. قوله: كسروا فيها قسيكم قيل: المراد الكسر حقيقة ~~ليسد على نفسه باب هذا القتال، وقيل: هو مجاز والمراد ترك القتال. ويؤيد ~~الأول: واضربوا بسيوفكم الحجارة قال النووي: والأول أصح. قوله: القاعد فيها ~~خير من القائم الخ، معناه بيان عظم خطر الفتنة والحث على تجنبها والهرب ~~منها، ومن التسبب في شئ من أسبابها، فإن شرها وفتنها يكون على حسب التعلق ~~بها. قوله: كن كابن آدم يعني الذي قال لأخيه لما أراد قتله: * (لئن بسطت ~~إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) * (سورة المائدة، الآية: ~~28) كما حكى الله ذلك في كتابه. (والأحاديث) المذكورة في الباب تدل على ~~مشروعية ترك PageV06P077 # المقاتلة وعدم وجوب المدافعة عن النفس والمال، وقد اختلف العلماء في ذلك ~~فقالت طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله، ~~ولا تجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة ~~الصحابي وغيره. وقال ابن عمر وعمران ms2390 بن الحصين وغيرهما: لا يدخل فيها لكن ~~إن قصد دفع عن نفسه. قال النووي: فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في ~~جميع فتن المسلمين. قال القرطبي: اختلف السلف في ذلك، فذهب سعد بن أبي وقاص ~~و عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة، ~~فمنهم من قال: يجب عليه أن يلزم بيته، وقالت طائفة: يجب عليه التحول عن بلد ~~الفتنة أصلا. ومنهم من قال: يترك المقاتلة حتى لو أراد قتله لم يدفعه عن ~~نفسه. ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور إن قتل أو ~~قتل، وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وكذا ~~قال النووي وزاد: إنه مذهب عامة علماء الاسلام، واستدلوا بقوله تعالى: * ~~(فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * (سورة الحجرات، الآية: 9) قال ~~النووي: وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على ~~طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما، قال: ولو كان كما قال الأولون لظهر ~~الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون اه. وقال بعضهم بالتفصيل: وهو أنه إذا ~~كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال ممنوع يومئذ وتنزل الأحاديث ~~على هذا وهو قول الأوزاعي كما تقدم. # وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ~~ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الامر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال ~~فيها، فذهب البعض إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وإن النهي مخصوص ~~بمن خوطب بذلك، وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث يحصل التحقق أن ~~المقاتلة إنما هي في طلب الملك، وقد أتى هذا في حديث ابن مسعود، فأخرجه أبو ~~داود عنه أنه قال له وابصة بن معبد: ومتى ذلك يا ابن مسعود؟ فقال: # تلك أيام الهرج وهو حيث لا يأمن الرجل جليسه. ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور ~~قول الله تعالى: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * ~~(سورة ms2391 البقرة، الآية: 4 19) وقوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * ~~(سورة النور، الآية: 33) ونحو ذلك من الآيات والأحاديث، وتؤيده أيضا الآيات ~~والأحاديث الواردة في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيأتي للمقام ~~زيادة تحقيق في باب ما جاء في توبة القاتل من كتاب القصاص. وحديث سهل بن ~~حنيف وما PageV06P078 # ورد في معناه يدل على أنه يجب نصر المظلوم ودفع من أراد إذلاله بوجه من ~~الوجوه، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا، وهو مندرج تحت أدلة النهي عن المنكر. # باب ما جاء في كسر أواني الخمر عن أنس عن أبي طلحة أنه قال: يا رسول الله ~~إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري، فقال: أهرق الخمرة واكسر الدنان رواه ~~الترمذي والدارقطني. # وعن ابن عمر قال: أمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن آتيه بمدية وهي ~~الشفرة فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: اغد علي بها ففعلت ~~فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ ~~المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر الذين كانوا ~~معه أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق ~~خمر إلا شققته ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته رواه أحمد. وعن ~~عبد الله بن أبي الهذيل قال: كان عبد الله يحلف بالله أن التي أمر بها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حرمت الخمر أن تكسر دنانه وأن تكفأ لمن ~~التمر والزبيب رواه الدارقطني. # حديث أنس عن أبي طلحة رجال إسناد ه ثقات وأصله في صحيح مسلم. # وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أنس قال الترمذي: وهو أصح. # وحديث ابن عمر أشار إليه الترمذي وذكره الحافظ في الفتح وعزاه إلى أحمد ~~كما فعل المصنف ولم يتكلم عليه، وقال في مجمع الزوائد: إنه رواه أحمد ~~بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة وقد ~~وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ms2392 وبقية رجاله ثقات. وحديث عبد الله ~~رواه الدارقطني من طريق شيخه العباس بن العباس بن المغيرة الجوهري بإسناده ~~رجاله ثقات، وقد أشار إليه الترمذي أيضا. (وفي الباب) عن جابر وعائشة وأبي ~~سعيد (وأحاديث الباب) تدل على جواز إهراق الخمر وكسر دنانها وشق أزقاقها ~~وإن كان مالكها غير مكلف، وقد ترجم البخاري في صحيحه لهذا فقال باب: هل ~~تكسر الدنان التي فيها خمر وتخرق الزقاق؟ قال في الفتح: لم يثبت الحكم لأن ~~المعتمد فيه التفصيل، فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها فإذا غسلت طهرت ~~وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز، ثم ذكر PageV06P079 # أنه أشار البخاري بالترجمة إلى حديث أبي طلحة وابن عمر وقال: إن الحديثين ~~إن ثبتا فإنما أمر بكسر الدنان وشق الزقاق عقوبة لأصحابها، وإلا فالانتفاع ~~بها بعد تطهيرها ممكن، كما دل عليه حديث سلمة المذكور في البخاري وغيره في ~~غسل القدور التي طبخت فيها الخمر وإذنه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك بعد ~~أمره بكسرها، قال ابن الجوزي: أراد التغليظ عليهم في طبخهم ما نهى عن أكله، ~~فلما رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأواني، وفيه رد على من زعم أن دنان الخمر ~~لا سبيل إلى تطهيرها لما يداخلها من الخمر، فإن الذي دخل القدور من الماء ~~الذي طبخت به الخمر نظيره، وقد أذن صلى الله عليه وآله وسلم في غسلها فدل ~~على إمكان تطهيرها. # كتاب الشفعة عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالشفعة في ~~كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة رواه أحمد والبخاري. ~~وفي لفظ: إنما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشفعة الحديث. رواه أحمد ~~والبخاري وأبو داود وابن ماجة. وفي لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة رواه الترمذي وصححه. وعن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة ~~فيها رواه أبو داود وابن ماجة بمعناه. وعن ms2393 جابر: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة، أو حائط لا يحل له أن يبيع ~~حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به ~~رواه مسلم والنسائي وأبو داود. # حديث أبي هريرة رجال إسناده ثقات. قوله: قضى بالشفعة قال في الفتح: # الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من الشفع ~~وهو الزوج، وقيل: من الزيادة. وقيل: من الإعانة. وفي الشرع انتقال حصة شريك ~~إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى، ولم يختلف العلماء في ~~مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها اه. قوله: في كل ما لم ~~يقسم PageV06P080 # ظاهر هذا العموم ثبوت الشفعة في جميع الأشياء، وأنه لا فرق بين الحيوان ~~والجماد والمنقول وغيره. وقد ذهب إلى ذلك العترة ومالك وأبو حنيفة وأصحابه، ~~وسيأتي تفصيل الخلاف في ذلك. قوله: فإذا وقعت الحدود أي حصلت قسمة الحدود ~~في المبيع واتضحت بالقسمة مواضعها. قوله: وصرفت بضم الصاد وتخفيف الراء ~~المكسورة، وقيل: بتشديدها أي بينت مصارفها وكأنه من التصريف والتصرف. قال ~~ابن مالك: معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصرف بكسر المهملة وهو الخالص من ~~كل شئ سمي بذلك لأنه صرف عنه الخلط، فعلى هذا صرف مخفف الراء، وعلى الأول ~~أي التصريف والتصرف مشدد. قوله: فلا شفعة استدل به من قال: # إن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة لا بالجوار، وقد حكى في البحر هذا القول ~~عن علي وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز ~~وربيعة ومالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن ~~والامامية، وحكى في البحر أيضا عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن ~~أبي ليلى وابن سيرين ثبوت الشفعة بالجوار، وأجابوا عن حديث جابر بما قاله ~~أبو حاتم أن قوله: إذا وقعت الحدود الخ مدرج من قوله، ورد ذلك بأن الأصل أن ~~كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت ms2394 الادراج بدليل، وورود ذلك في حديث ~~غيره مشعر بعدم الادراج كما في حديث أبي هريرة المذكور في الباب، واستدل في ~~ضوء النهار على الادراج بعدم إخراج مسلم لتلك الزيادة، ويجاب عنه بأنه قد ~~يقتصر بعض الأئمة على ذكر بعض الحديث والحكم للزيادة لا سيما وقد أخرجها ~~مثل البخاري، على أن معنى هذه الزيادة التي ادعى أهل القول الثاني إدراجها ~~هو معنى قوله: في كل ما لم يقسم، ولا تفاوت إلا بكون دلالة أحدهما على هذا ~~المعنى بالمنطوق والآخر بالمفهوم. (احتج) أهل القول الثاني بالأحاديث ~~الواردة في إثبات الشفعة بالجوار كحديث سمرة والشريد بن سويد وأبي رافع ~~وجابر وستأتي. وأما الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة لمطلق الشريك كما في ~~حديث جابر المذكور في قوله في كل شركة وكما في حديث عبادة بن الصامت الآتي ~~فلا تصلح للاحتجاج بها على ثبوت الشفعة المجار، إذ لا شركة بعد القسمة، وقد ~~أجاب أهل القول الأول عن الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة المجار بأن المراد ~~بها الجار الأخص وهو الشريك المخالط لأن كل شئ قارب شيئا PageV06P081 # يقال له جار، كما قيل لامرأة الرجل جارة لما بينهما من المخالطة، وبهذا ~~يندفع ما قيل: إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا. قال ابن ~~المنير: ظاهر حديث أبي رافع الآتي أنه كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا ~~شقصا شائعا من منزل سعد، ويدل على ذلك ما ذكره عمر بن شبة أن سعدا كان اتخذ ~~دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد ~~منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه، ثم ساق الحديث الآتي، فاقتضى كلامه أن ~~سعدا كان جارا لأبي رافع قبل أن يشتري منه، داره لا شريكا ، كذا قال ~~الحافظ. وقال أيضا: إنه ذكر بعض الحنفية أنه يلزم الشافعية القائلين بحمل ~~اللفظ على حقيقته، ومجازه أن يقولوا بشفعة الجار لأن الجار حقيقة في ~~المجاور مجاز في الشريك. وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة ~~هنا على المجاز، فاعتبر الجمع بين حديثي ms2395 جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح ~~في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا لأنه يقتضي ~~أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجوار ~~قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الشرب، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار ~~على من ليس بمجاور، وأجيب بأن المفضل عليه مقدر أي الجار أحق من المشتري ~~الذي لا جوار له. قال في القاموس: الجار المجاور والذي أجرته من أن يظلم، ~~والمجير والمستجير والشريك في التجارة وزوج المرأة وما قرب من المنازل ~~والمقاسم والحليف والناصر اه. (والحاصل) أن الجار المذكور في الأحاديث ~~الآتية إن كان يطلق على الشريك في الشئ والمجاور له بغير شركة كانت مقتضية ~~بعمومها لثبوت الشفعة لهما جمعا، وحديث جابر وأبي هريرة المذكوران يدلان ~~على عدم ثبوت الشفعة للجار الذي لا شركة له، فيخصصان عموم أحاديث الجار، ~~ولكنه يشكل على هذا حديث الشريد بن سويد، فإن قوله: ليس لأحد فيها شرك ولا ~~قسم إلا الجوار مشعر بثبوت الشفعة لمجرد الجوار، وكذلك حديث سمرة لقوله ~~فيه: # جار الدار أحق بالدار فإن ظاهره أن الجوار المذكور جوار لا شركة فيه، ~~ويجاب بأن هذين الحديثين لا يصلحان لمعارضة ما في الصحيح، على أنه يمكن ~~الجمع بما في حديث جابر الآتي بلفظ: إذا كان طريقهما واحدا فإنه يدل على أن ~~الجوار لا يكون مقتضيا للشفعة إلا مع اتحاد الطريق لا بمجرده ولا عذر لمن ~~قال بحمل المطلق على المقيد من هذا إن قال بصحة هذا الحديث، وقد قال بهذا ~~أعني PageV06P082 # ثبوت الشفعة للجار مع اتحاد الطريق بعض الشافعية، ويؤيده أن شرعية الشفعة ~~إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشئ المملوك ~~أو في طريقه، ولا ضرر على جار لم يشارك في أصل ولا طريق إلا نادرا، واعتبار ~~هذا النادر يستلزم ثبوت الشفعة للجار مع عدم الملاصقة، لأن حصول الضرر له ~~قد يقع في نادر الحالات، كحجب الشمس والاطلاع على العورات ونحوهما من ~~الروائح الكريهة ms2396 التي يتأذى بها، ورفع الأصوات، وسماع بعض المنكرات، ولا ~~قائل بثبوت الشفعة لمن كان كذلك، والضرر النادر غير معتبر، لأن الشارع علق ~~الاحكام بالأمور الغالبة، فعلى فرض أن الجار لغة لا يطلق إلا على من كان ~~ملاصقا غير مشارك ينبغي تقييد الجوار باتحاد الطريق، ومقتضاه أن لا تثبت ~~الشفعة بمجرد الجوار وهو الحق، وقد زعم صاحب المنار أن الأحاديث تقتضي ثبوت ~~الشفعة للجار والشريك ولا منافاة بينها. ووجه حديث جابر بتوجيه بارد ~~والصواب ما حررناه. قوله: في كل شركة في مسلم وسنن أبي داود: في كل شرك وهو ~~بكسر الشين المعجمة وإسكان الراء من أشركته في البيع إذا جعلته لك شريكا، ~~ثم خفف المصدر بكسر الأول وسكون الثاني فيقال: شرك وشركة، كما يقال: كلم ~~وكلمة. قوله: ربعة بفتح الراء وسكون الموحدة تأنيث ربع وهو المنزل الذي ~~يرتبعون فيه في الربيع، ثم سمي به الدار والمسكن. قوله: لا يحل له أن يبيع ~~الخ، ظاهره أنه يجب على الشريك إذا أراد البيع أن يؤذن شريكه، وقد حكى مثل ~~ذلك القرطبي عن بعض مشايخه، وقال في شرح الارشاد: الحديث يقتضي أنه يحرم ~~البيع قبل العرض على الشريك. قال ابن الرفعة: # ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا ولا محيد عنه، وقد قال الشافعي: إذا صح ~~الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. وقال الزركشي: إنه صرح به الفارقي. قال ~~الأذرعي: # إنه الذي يقتضيه نص الشافعي، وحمله الجمهور من الشافعية وغيرهم على الندب ~~وكراهة ترك الاعلام، قالوا: لأنه يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، وهذا ~~إنما يتم إذا كان اسم الحلال مختصا بما كان مباحا أو مندوبا أو واجبا وهو ~~ممنوع، فإن المكروه من أقسام الحلال كما تقرر في الأصول. قوله: فإن باعه ~~ولم يؤذنه فهو أحق به فيه دليل على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه ~~بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن ~~يأخذه بالشفعة فقال مالك والشافعي PageV06P083 # وأبو حنيفة والهادوية وابن أبي ليلى والبتي وجمهور أهل العلم: ms2397 أن له أن ~~يأخذه بالشفعة، ولا يكون مجرد الاذن مبطلا لها. وقال الثوري والحكم وأبو ~~عبيد وطائفة من أهل الحديث: ليس له أن يأخذه بالشفعة بعد وقوع الاذن منه ~~بالبيع، وعن أحمد روايتان كالمذهبين، ودليل الآخرين مفهوم الشرط فإنه يقتضي ~~عدم ثبوت الشفعة مع الايذان من البائع. ودليل الأولين الأحاديث الواردة في ~~شفعة الشريك والجار من غير تقييد، وهي منطوقات لا يقاومها ذلك المفهوم، ~~ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات عند من عمل بمفهوم ~~الشرط من أهل العلم، والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وقد أمكن ~~ههنا بحمل المطلق على المقيد. # وعن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالشفعة بين ~~الشركاء في الأرضين والدور رواه عبد الله بن أحمد في المسند، ويحتج بعمومه ~~من أثبتها للشريك فيما تضره القسمة. وعن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: جار الدار أحق بالدار من غيره رواه أحمد وأبو داود والترمذي ~~وصححه. وعن الشريد بن سويد قال: قلت يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك ~~ولا قسم إلا الجوار، فقال: الجار أحق بسقبه ما كان رواه أحمد والنسائي وابن ~~ماجة. ولابن ماجة مختصرا: الشريك أحق بسقبه ما كان. # حديث عبادة أخرجه أيضا الطبراني في الكبير وهو من رواية إسحاق عن عبادة ~~ولم يدركه، وتشهد لصحته الأحاديث الواردة في ثبوت الشفعة فيما هو أعم من ~~الأرض والدار، كحديث جابر المتقدم، وكحديث ابن عباس عند البيهقي مرفوعا ~~بلفظ: الشفعة في كل شئ ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالارسال. وأخرج الطحاوي له ~~شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته كما قال الحافظ، ويشهد لحديث ~~عبادة أيضا الأحاديث الواردة بثبوت الشفعة في خصوص الأرض، كحديث شريد بن ~~سويد المذكور في خصوص الدار، كحديث سمرة المذكور أيضا، وهكذا تشهد له ~~الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار على العموم، وحديث سمرة أخرجه أيضا ~~البيهقي والطبراني والضياء، وفي سماع الحسن عن سمرة مقال معروف قد تقدم ~~التنبيه عليه، ولكنه ms2398 أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه ~~والطحاوي وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والضياء عن أنس، وأخرجه ابن سعد عن ~~الشريد بن PageV06P084 # سويد بلفظ حديث سمرة المذكور، وحديث الشريد بن سويد أخرجه أيضا عبد ~~الرزاق والطيالسي والدارقطني والبيهقي، قال في المعالم: إن حديث الجار أحق ~~بسقبه لم يروه أحد غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وتكلم ~~شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث قال: وقد تكلم الناس في إسناد هذا ~~الحديث واضطراب الرواة فيه، فقال بعضهم عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، ~~وقال بعضهم عن أبيه عن أبي رافع، وأرسله بعضهم، والأحاديث التي جاءت في ~~نقيضه أسانيدها جياد ليس في شئ منها اضطراب. قوله: جار الدار أحق قال في ~~شرح السنة: هذه اللفظة تستعمل فيمن لا يكون غيره أحق منه، والشريك بهذه ~~الصفة أحق من غيره وليس غيره أحق منه، وقد استدل بهذا القائلون بثبوت ~~الشفعة للجار، وأجاب المانعون بأنه محمول على تعهده بالاحسان والبر بسبب ~~قرب داره، كذا قال الشافعي ولا يخفى بعده، ولكنه ينبغي أن يقيد بما سيأتي ~~من اتحاد الطريق، ومقتضاه عدم ثبوت الشفعة بمجرد الجوار. قوله: أحق بسقبه ~~بفتح السين المهملة والقاف وبعدها باء موحدة، ويقال: بالصاد المهملة بدل ~~السين المهملة، ويجوز فتح القاف وإسكانها وهو القرب والمجاورة. وقد استدل ~~بهذا الحديث القائلون بثبوت شفعة الجار، وأجاب المانعون بما سلف، قال ~~البغوي: ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، ~~ويحتمل أن يكون أحق بالبر والمعونة اه. ولا يخفى بعد هذا الحمل لا سيما بعد ~~قوله: ليس لأحد فيها شرك والأولى الجواب بحمل هذا المطلق على المقيد الآتي ~~من حديث جابر. (لا يقال) أن نفي الشرك فيها يدل على اتحاد الطريق فلا يصح ~~تقييده بحديث جابر الآتي لأنا نقول: إنما نفي الشرك عن الأرض لا عن طريقها، ~~ولو سلم عدم صحة التقييد باتحاد الطريق فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار مخصصة ~~بما سلف، ولو فرض ms2399 عدم صحة التخصيص للتصريح بنفي الشركة فهي مع ما فيها من ~~المقال لا تنتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار الذي ليس ~~بمشاركة ما تقدم. # وعن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور ابن مخرمة ~~ثم جاء أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا سعد ابتع مني ~~بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعها، فقال المسور: والله لتبتاعنها، ~~فقال سعد: والله ما أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: ~~لقد أعطيت بها خمسمائة PageV06P085 # دينار، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الجار ~~أحق بسقبه ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاها ~~إياه رواه البخاري. # قوله: ابتع بيتي بلفظ التثنية أي البيتين الكائنين في دارك. قوله: فقال ~~المسور في رواية: أن أبا رافع سأل المسور أن يساعده على ذلك. قوله: منجمة ~~أو مقطعة شك من الراوي، والمراد مؤجلة على أقساط معلومة. قوله: أربعة آلاف ~~في رواية للبخاري في كتاب ترك الحيل من صحيحه أربع مائة مثقال، وهو يدل على ~~أن المثقال إذ ذاك كان بعشرة دراهم، والحديث فيه مشروعية العرض على الشريك، ~~وقد تقدم الكلام على ذلك، وفيه أيضا ثبوت الشفعة بالجوار وقد سلف بيانه. ~~قال المصنف رحمه الله: ومعنى الخبر والله أعلم أنما هو الحث على عرض المبيع ~~قبل البيع على الجار وتقديمه على غيره من الزبون كما فهمه الراوي فإنه أعرف ~~بما سمع اه. الزبن: الدفع، ويطلق على بيع المزابنة وقد تقدم، وعلى بيع ~~المجهول بالمجهول من جنسه، وعلى بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه ~~الغبن، أفاد معنى ذلك في القاموس. # وعن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان ~~طريقهما واحدا رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث حسنه الترمذي قال: ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير ms2400 عبد الملك بن ~~أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا ~~الحديث، وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث اه. وقال الشافعي: نخاف أن ~~لا يكون محفوظا. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: # لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به، ويروي عن جابر خلاف ~~هذا اه. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعبد الملك هذا ثقة مأمون ولكن قد ~~أنكر عليه هذا الحديث، قال شعبة: سها فيه عبد الملك، فإن روي حديثا مثله ~~طرحت حديثه، ثم ترك شعبة التحديث عنه. وقال أحمد: هذا الحديث منكر. وقال ~~ابن معين: لم يروه غير عبد الملك وقد أنكروه عليه. قلت: ويقوي ضعفه رواية ~~جابر الصحيحة المشهورة PageV06P086 # المذكورة في أول الباب اه. ولا يخفى أنه لم يكن في شئ من كلام هؤلاء ~~الحفاظ ما يقدح بمثله، وقد احتج مسلم في صحيحه بحديث عبد الملك بن أبي ~~سليمان وأخرج له أحاديث واستشهد به البخاري ولم يخرجا له هذا الحديث. قوله: ~~ينتظر بها مبني للمفعول، قال ابن رسلان: يحتمل انتظار الصبي بالشفعة حتى ~~يبلغ وقد أخرج الطبراني في الصغير والأوسط عن جابر أيضا قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: الصبي على شفعته حتى يدرك، فإذا أدرك فإن شاء أخذ ~~وإن شاء ترك في إسناده عبد الله بن بزيع. قوله: وإن كان غائبا فيه دليل على ~~أن شفعة الغائب لا تبطل وإن تراخى، وظاهره أنه لا يجب عليه السير متى بلغه ~~للطلب أو البعث برسول كما قال مالك، وعند الهادوية أنه يجب عليه ذلك إذا ~~كان مسافة غيبته ثلاثة أيام فما دونها، وإن كانت المسافة فوق ذلك لم يجب. # قوله: إذا كان طريقهما واحدا فيه دليل على أن الجوار بمجرده لا تثبت به ~~الشفعة، بل لا بد معه من اتحاد الطريق، ويؤيد هذا الاعتبار قوله في حديث ~~جابر وأبي هريرة المتقدمين، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وقد ms2401 ~~أسلفنا الكلام على الشفعة بمجرد الجوار. # (فائدة): من الأحاديث الواردة في الشفعة حديث ابن عمر عند ابن ماجة ~~والبزار بلفظ: لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل عقال وفي إسناده محمد ~~بن عبد الرحمن بن البيلماني وله مناكير كثيرة. وقال الحافظ: إن إسناده ضعيف ~~جدا، وضعفه ابن عدي، وقال ابن حبان: لا أصل له. وقال أبو زرعة: منكر. وقال ~~البيهقي: ليس بثابت. # وروى هذا الحديث ابن حزم عن ابن عمر أيضا بلفظ: الشفعة كحل العقال فإن ~~قيدها مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه وذكره عبد الحق في الاحكام عنه، ~~وتعقبه ابن القطان بأنه لم يروه في المحلى ولعله في غير المحلى. وأخرج عبد ~~الرزاق من قول شريح: إنما الشفعة لمن واثبها وذكره قاسم بن ثابت في دلائله، ~~ورواه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي بلا إسناد بلفظ: الشفعة لمن ~~واثبها أي بادر إليها، ويروي الشفعة كنشط عقال. # كتاب اللقطة عن جابر قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~العصا PageV06P087 # والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به رواه أحمد وأبو داود. وعن ~~أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بتمرة في الطريق فقال: لولا أني ~~أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها أخرجاه. وفيه إباحة المحقرات في الحال. # حديث جابر في إسناده المغيرة بن زياد، قال المنذري: تكلم فيه غير واحد. ~~وفي التقريب: صدوق له أوهام. وفي الخلاصة: وثقه وكيع وابن معين وابن عدي ~~وغيرهم. # وقال أبو حاتم: شيخ لا يحتج به. قوله: اللقطة بضم اللام وفتح القاف على ~~المشهور لا يعرف المحدثون غيره كما قال الأزهري، وقال عياض: لا يجوز غيره. ~~وقال الخليل : هي بسكون القاف، وأما بالفتح فهو كثير الالتقاط، قال ~~الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل ~~اللغة والحديث الفتح. وقال الزمخشري في الفائق: بفتح القاف والعامة تسكنها. ~~قال في الفتح: وفيها لغتان أيضا: # لقاطة بضم اللام ولقطة بفتحهما. قوله: وأشباهه يعني كل شئ يسير. قوله: ms2402 ~~ينتفع به فيه دليل على جواز الانتفاع بما يوجد في الطرقات من المحقرات ولا ~~يحتاج إلى تعريف، وقيل: إنه يجب التعريف بها ثلاثة أيام لما أخرجه أحمد ~~والطبراني والبيهقي والجوزجاني، واللفظ لأحمد من حديث يعلى بن مرة مرفوعا ~~من التقط لقطة يسيرة حبلا أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام، فإن ~~كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام زاد الطبراني: فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق ~~بها وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى وقد صرح جماعة بضعفه، ولكنه قد ~~أخرج له ابن خزيمة متابعة وروى عنه جماعات، وزعم ابن حزم أنه مجهول، وزعم ~~هو وابن القطان أن يعلى وحكيمة التي روت هذا الحديث عن يعلى مجهولان. قال ~~الحافظ: وهو عجب منهما لأن يعلى صحابي معروف الصحبة، قال ابن رسلان: ينبغي ~~أن يكون هذا الحديث معمولا به لأن رجال إسناده ثقات، وليس فيه معارضة ~~للأحاديث ا لصحيحة بتعريف سنة، لأن التعريف سنة هو الأصل المحكوم به عزيمة، ~~وتعريف الثلاث رخصة تيسيرا للملتقط، لأن الملتقط اليسير يشق عليه التعريف ~~سنة مشقة عظيمة بحيث يؤدي إلى أن أحدا لا يلتقط اليسير، والرخصة لا تعارض ~~العزيمة بل لا تكون إلا مع بقاء حكم الأصل كما هو مقرر في الأصول، ويؤيد ~~تعريف الثلاث ما رواه عبد الرزاق عن أبي سعيد: أن عليا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بدينار وجده في السوق فقال النبي صلى الله عليه ~~PageV06P088 # وآله وسلم: عرفه ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعرفه فقال: كله اه. وينبغي ~~أيضا أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث ~~المذكور، فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثا حملا ~~للمطلق على المقيد، وهذا إذا لم يكن ذلك الشئ الحقير مأكولا، فإن كان ~~مأكولا جاز أكله، ولم يجب التعريف به أصلا كالتمرة ونحوها لحديث أنس ~~المذكور، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين أنه لم يمنعه من أكل ~~التمرة إلا خشية أن تكون من الصدقة، ولولا ms2403 ذلك لاكلها. وقد روى ابن أبي ~~شيبة عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنها وجدت تمرة فأكلتها ~~وقالت لا يحب الله الفساد. قال في الفتح: يعني أنها لو تركتها فلم تأخذه ~~فتأكل لفسدت. قال: وجواز الاكل هو المجزوم به عن الأكثر اه. ويكن أن يقال: ~~إنه يقيد حديث التمرة بحديث التعريف ثلاثا كما قيد به حديث الانتفاع، ~~ولكنها لم تجر للمسلمين عادة بمثل ذلك، وأيضا الظاهر من قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأكلتها أي في الحال، ويبعد كل البعد أن يريد صلى الله عليه وآله ~~وسلم لأكلتها بعد التعريف بها ثلاثا، وقد اختلف أهل العلم في مقدار التعريف ~~بالحقير، فحكي في البحر عن زيد بن علي والناصر والقاسمية والشافعي أنه يعرف ~~به سنة كالكثير، وحكي عن المؤيد بالله والامام يحيى وأصحاب أبي حنيفة أنه ~~يعرف به ثلاثة أيام. (واحتج) الأولون بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: عرفها ~~سنة قالوا: ولم يفصل، واحتج الآخرون بحديث يعلى بن مرة وحديث علي وجعلوهما ~~مخصصين لعموم حديث التعريف سنة وهو الصواب لما سلف، قال الإمام المهدي: قلت ~~الأقوى تخصيصه بما مر للحرج اه. يعني تخصيص حديث السنة بحديث التعريف ~~ثلاثا. # وعن عياض بن حمار قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من وجد ~~لقطة فليشهد ذوي عدل أو ليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو ~~أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء رواه أحمد وابن ~~ماجة. وعن زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يأوي ~~الضالة إلا ضال ما لم يعرفها رواه أحمد ومسلم. وعن زيد بن خالد قال سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اللقطة الذهب والورق فقال: اعرف ~~وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن ~~جاء طالبها يوما من PageV06P089 # الدهر فأدها إليه. وسأله عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها دعها فإن معها ~~حذاءها وسقاءها ms2404 ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. وسأله عن الشاة ~~فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب متفق عليه. ولم يقل فيه أحمد ~~الذهب أو الورق، وهو صريح في التقاط الغنم. وفي رواية: فإن جاء صاحبها فعرف ~~عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك رواه مسلم. وهو دليل على ~~دخوله في ملكه وإن لم يقصده. وعن أبي بن كعب في حديث اللقطة أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكائها ~~فأعطها إياه وإلا فاستمتع بها مختصر من حديث أحمد ومسلم والترمذي. وهو دليل ~~وجوب الدفع بالصفة. # حديث عياض بن حمار أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن حبان ولفظه: # ثم لا يكتم ولا يغيب، فإن جاء صاحبها فهو أحق بها وإلا فهو مال الله ~~يؤتيه من يشاء وفي لفظ للبيهقي: ثم لا يكتم وليعرف ورواه الطبراني وله طرق. ~~(وفي الباب) عن مالك بن عمير عن أبيه أخرجه أبو موسى المديني في الذيل. ~~قوله: فليشهد ظاهر الامر على وجوب الاشهاد وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال ~~أبو حنيفة. وفي كيفية الاشهاد قولان: أحدهما يشهد أنه وجد لقطة ولا يعلم ~~بالعفاص ولا غيره لئلا يتوصل بذلك الكاذب إلى أخذها. والثاني: يشهد على ~~صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوارث، وأشار بعض الشافعية إلى ~~التوسط بين الوجهين فقال: # لا يستوعب الصفات ولكن يذكر بعضها، قال النووي: وهو الأصح والثاني من ~~قولي الشافعي أنه لا يجب الاشهاد، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما قالوا: وإنما ~~يستحب احتياطا لأن النبي صلى الله وعليه وآله وسلم لم يأمر به في حديث زيد ~~بن خالد ولو كان واجبا لبينه. قوله: عفاصها بكسر العين المهملة وتخفيف ~~الفاء وبعد الألف صاد مهملة وهو الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدا كان أو ~~غيره، وقيل له العفاص أخذا من العفص وهو الثني لأن الوعاء يثنى على ما فيه. ~~وقد وقع في زوائد المسند لعبد الله بن أحمد في حديث أبي: ms2405 وخرقتها بدل ~~عفاصها، والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي يدخل فم ~~القارورة من جلدا وغيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة، فحيث يذكر العفاص ~~مع الوعاء فالمراد الثاني وحيث يذكر العفاص مع PageV06P090 # الوكاء فالمراد به الأول، كذا في الفتح. والوكاء بكسر الواو والمد الخيط ~~الذي يشد به الوعاء التي تكون فيه النفقة، يقال: أوكيته إيكاء فهو موكأ، ~~ومن قال: الوكا بالقصر فهو وهم. # قوله: فلا يكتم أي لا يجوز كتم اللقطة إذا جاء لها صاحبها وذكر من ~~أوصافها ما يغلب الظن بصدقه. قوله: يؤتيه من يشاء استدل به من قال: إن ~~الملتقط يملك اللقطة بعد أن يعرف بها حولا وهو أبو حنيفة لكن بشرط أن يكون ~~فقيرا، وبه قالت الهادوية واستدلوا على اشتراط الفقر بقوله في هذا الحديث: ~~فهو مال الله، قالوا: وما يضاف إلى الله إنما يتملكه من يستحق الصدقة، وذهب ~~الجمهور إلى أنه يجوز له أن يصرفها في نفسه بعد التعريف، سواء كان غنيا أو ~~فقيرا، لاطلاق الأدلة الشاملة للغني والفقير كقوله: فاستمتع بها وفي لفظ: ~~فهي كسبيل مالك. وفي لفظ: فاستنفقها وفي لفظ: فهي لك وأجابوا عن دعوى أن ~~الإضافة تدل على الصرف إلى الفقير بأن ذلك لا دليل عليه، فإن الأشياء كلها ~~تضاف إلى الله، قال الله تعالى: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) *. # قوله: لا يأوي الضالة الخ، في نسخة: يؤوي وهو مضارع آوى بالمد، والمراد ~~بالضال من ليس بمهتد، لأن حق الضالة أن يعرف بها، فإذا أخذها من دون تعريف ~~كان ضالا، وسيأتي بقية الكلام على هذا في آخر الباب. قوله: اعرف عفاصها ~~ووكاءها الغرض من هذه المعرفة معرفة الآلات التي تحفظ فيها اللقطة، ويلتحق ~~بما ذكر حفظ الجنس والصفة والقدر وهو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، ~~والزرع فيما يزرع، وقد اختلفت الروايات ففي بعضها: معرفة العفاص والوكاء ~~قبل التعريف كما في الرواية المذكورة في الباب. وفي بعضها التعريف مقدم على ~~معرفة ذلك كما في رواية للبخاري بلفظ: عرفها سنة ms2406 ثم عرف عفاصها قال النووي: # يجمع بين الروايتين بأن يكون مأمورا بالمعرفة في حالتين، فيعرف العلامات ~~وقت الالتقاط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ثم يعرفها مرة أخرى بعد ~~تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها ليعلم قدرها وصفتها إذا جاء صاحبها بعد ~~ذلك فردها إليه. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون ثم في الروايتين بمعنى الواو ~~فلا تقتضي ترتيبا فلا تقتضي تخالفا يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج ~~واحدا والقصة واحدة، وإنما يحسن الجمع بما تقدم لو كان المخرج مختلفا أو ~~تعددت القصة، وليس الغرض إلا أن يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما ~~يسبق. قال: واختلف العلماء في هذه المعرفة PageV06P091 # على قولين: أظهرهما الوجوب لظاهر الامر، وقيل: يستحب. وقال بعضهم: يجب ~~عند الالتقاط ويستحب بعده. قوله: ثم عرفها بتشديد الراء وكسرها أي اذكرها ~~للناس. قال في الفتح: قال العلماء محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والأسواق ~~ونحو ذلك يقول: من ضاعت له نفقة ونحو ذلك من العبارات ولا يذكر شيئا من ~~الصفات. # قوله: سنة الظاهر أن تكون متوالية، ولكن على وجه لا يكون على جهة ~~الاستيعاب، فلا يلزمه التعريف بالليل ولا استيعاب الأيام، بل على المعتاد ~~فيعرف في الابتداء كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم في كل يوم مرة، ثم في ~~كل أسبوع مرة، ثم في كل شهر مرة، ولا يشترط أن يعرفها بنفسه، بل يجوز له ~~توكيل غيره، ويعرفها في مكان وجودها وفي غيره، كذا قال العلماء، وظاهرة ~~أيضا وجوب التعريف لأن الامر يقتضي الوجوب، ولا سيما وقد سمى صلى الله عليه ~~وآله وسلم من لم يعرفها ضالا كما تقدم، وفي وجوب المبادرة إلى التعريف خلاف ~~مبناه هل الامر يقتضي الفور أم لا؟ # وظاهرة أيضا أنه لا يجب التعريف بعد السنة، وبه قال الجمهور، وادعى في ~~البحر الاجماع على ذلك. ووقع في رواية من حديث أبي عند البخاري وغيره بلفظ: ~~وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: عرفها ~~حولا فعرفتها فلم أجد ms2407 من يعرفها، ثم أتيته ثانيا فقال عرفها حولا فلم أجد، ~~ثم أتيته ثالثا فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا ~~فاستمتع بها فاستمتعت، فلقيته يعد بمكة فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا ~~واحدا هكذا في البخاري وذكر البخاري الحديث في موضع آخر من صحيحه فزاد: ثم ~~أتيته الرابعة فقال: أعرف وعاءها الخ، قال في الفتح: القائل فلقيته بعد ~~بمكة هو شعبة، والذي قال لا أدري هو شيخه سلمة بن كهيل وهو الراوي لهذا ~~الحديث عن سويد عن أبي بن كعب، قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها ~~عاما واحدا. وقد بين أبو داود الطيالسي في مسنده القائل فلقيته والقائل لا ~~أدري، فقال في آخر الحديث: قال شعبة فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: # لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا. وبهذا يتبين بطلان ما قاله ابن بطال ~~أن الذي شك هو أبي بن كعب، والقائل هو سويد بن غفلة، وقد رواه عن شعبة عن ~~سلمة بن كهيل بغير شك جماعة وفيه ثلاثة أحوال إلا حماد بن سلمة فإن في ~~حديثة عامين أو ثلاثة، وجمع بعضهم بين حديث أبي هذا وحديث زيد بن خالد ~~المذكورة فيه سنة فقط بأن حديث أبي محمول على PageV06P092 # مزيد من الروع عن التصرف في اللقطة والمبالغة في التعفف عنها. وحديث زيد ~~على ما لا بد منه. # وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأن الزيادة في حديث أبي غلط. قال ابن الجوزي: ~~والذي يظهر لي أن سلمه أخطأ فيها ثم ثبت واستمر على عام واحد، ولا يؤخذ إلا ~~بما لم يشك فيه لا بما يشك فيه راويه. وقال أيضا: يحتمل أن يكون صلى الله ~~عليه وآله وسلم عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر ثانيا ~~بإعادة التعريف كما قال للمسئ صلاته: ارجع فصل فإنك لم تصل قال الحافظ: ولا ~~يخفى بعد هذا على مثل أبي مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم قال المنذري: ~~لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ms2408 ثلاثة أعوام إلا شريح عن عمر، ~~وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء، وحكى ابن منذر عن عمر أربعة أقوال ~~يعرف بها ثلاثة أحوال: عاما واحدا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام. وزاد ابن حزم ~~عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر، قال في الفتح: ويحمل ذلك على عظم اللقطة ~~وحقارتها. قوله: فإن لم تعرف فاستنفقها الخ، قال يحيى بن سعيد الأنصاري: لا ~~أدري هذا في حديث أم هو شئ من عند يزيد مولى المنبعث يعني الراوي عن زيد بن ~~خالد، كما حكى ذلك البخاري عن يحيى. قال في الفتح: شك يحيى بن سعد هل قوله: ~~ولتكن وديعة عنده مرفوع أم لا وهو القدر المشار إليه بهذا دون ما قبله في ~~أكثر الروايات وخلوها. عن ذكر الوديعة، وقد جزم يحيى بن سعيد برفعه مرة ~~أخرى كما في صحيح مسلم بلفظ: فاستنفقها ولتكن وديعة عندك وكذلك جزم برفعها ~~خالدين مخلد عن سليمان عن ربيعة عند مسلم، وقد أشار البخاري إلى رجحان ~~رفعها، فترجم باب إذا جاء صاحب اللقطة ردها عليه لأنها وديعة عنده، والمراد ~~بكونها وديعة أنه يجب ردها، فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب رد بدلها بعد ~~الاستنفاق، لا أنها وديعة حقيقة يجب أن تبقي عينها، لان المأذون في ~~استنفاقه لا تبقى عينه كذا قال ابن دقيق العيد قال: ويحتمل أن تكون الواو ~~في قوله ولتكن وديعة بمعنى أو أي إما أن تستنفقها وتغرم بدلها، وإما أن ~~تتركها عندك على سبيل الوديعة حتى يجئ صاحبها فتعطيها إياه، ويستفاد من ~~تسميتها وديعة أنها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها، قال في الفتح: وهو اختيار ~~البخاري تبعا لجماعة من السلف. قوله: فإن معها حذاءها وسقاءها الحذاء بكسر ~~المهملة بعدها ذال معجمة مع المد أي خفها، والمراد بالسقاء جوفها وقيل ~~عنقها، وأشار بذلك إلى PageV06P093 # استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش، وتناول ~~المأكول بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط. قوله: لك أو لأخيك أو ~~للذئب فيه إشارة إلى جواز ms2409 أخذها كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال معرضة ~~للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك. قال الحافظ: والمراد به ما هو ~~أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر. والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من ~~السباع، وفيها حث على أخذها، لأنه إذا علم أنها لم تؤخذ بقيت للذئب كان ذلك ~~أدعى له إلى أخذها، وفيه رد على ما روي عن أحمد في رواية أن الشاة لا ~~تلتقط، وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ ولا تلزمه غرامة ولو جاء ~~صاحبها، واحتج على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى بين الذئب ~~والملتقط، والذئب لا غرامه عليه فكذلك الملتقط؟ # وأجيب بأن اللام ليست للتمليك لأن الذئب لا يملك، وقد أجمعوا أنه لو جاء ~~صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط كان له أخذها، فدل على أنها باقية على ملك ~~صاحبها، ولا فرق بين قوله في اللقطة شأنك بها أو أخذها، وبين قوله: هي لك ~~أو لأخيك أو للذئب، بل الأول أشبه بالتمليك لأنه لم يشرك معه ذئبا ولا ~~غيره. قوله: فإن جاء أحد يخبرك الخ، فيه دليل على أنه يجوز للملتقط أن يرد ~~اللقطة إلى من وصفها بالعلامات المذكورة من دون إقامة البينة، وبه قال ~~المؤيد بالله والامام يحيى وبعض أصحاب الشافعي وأبو بكر الرازي الحنفي ~~قالوا: لأنه يجوز العمل بالظن لاعتماده في أكثر الشريعة، إذ لا تفيد البينة ~~إلا الظن، وبه قال مالك وأحمد، وحكي في البحر عن القاسمية والحنفية ~~والشافعية أن اللقطة لا ترد للواصف وإن ظن الملتقط صدقه إذ هو مدع فلا ~~تقبل. وحكي في الفتح عن أبي حنيفة والشافعي أنه يجوز له الرد إلى الواصف إن ~~وقع في نفسه صدقه، ولا يجبر على ذلك إلا ببينة. قال الخطابي: إن صحت هذه ~~اللفظة يعني قوله: فإن جاء صاحبها يخبرك الخ لم يجز مخالفتها وهي فائدة ~~قوله: اعرف عفاصها إلى آخره، وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا بالبينة، ~~قال: # ويتأولون قوله: اعرف عفاصها على أنه أمره ms2410 بذلك لئلا تختلط بماله أو لتكون ~~الدعوى فيها معلومة، وذكر غيره من فوائد ذلك أيضا أن يعرف صدق المدعي من ~~كذبه، وأن فيها تنبيها على حفظ المال وغيره وهو الوعاء، لأن العادة جرت ~~بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على ~~حفظ النفقة من باب الأولى. PageV06P094 # قال الحافظ: قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير إليها اه. وهذا هو الحق. ~~فترد اللقطة لمن وصفها بالصفات التي اعتبرها الشارع، وأما إذا ذكر صاحب ~~اللقطة يعض الأوصاف دون بعض كأن يذكر العفاص دون الوكاء أو العفاص دون ~~العدد فقد اختلف في ذلك فقيل: لا شئ له إلا بمعرفة جميع الأوصاف المذكورة، ~~وقيل: تدفع إليه إذا جاء ببعضها، وظاهره الحديث الأول. # وظاهره أيضا أن مجرد الوصف يكفي ولا يحتاج إلى اليمين، وهذا إذا كانت ~~اللقطة لها عفاص ووكاء وعدد، فإن كان لها البعض من ذلك فالظاهر أنه يكفي ~~ذكره، وإن لم يكن لها شئ من ذلك فلا بد من ذكر أوصاف مختصة بها تقوم مقام ~~وصفها بالأمور التي اعتبرها الشارع. قوله: وإلا فاستمتع بها الامر فيه ~~للإباحة. وكذا في قوله: # فاستنفقها وقد اختلف العلماء فيما إذا تصرف الملتقط في اللقطة بعد ~~تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا؟ فذهب الجمهور إلى وجوب الرد ~~إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي ~~صاحب الشافعي ، ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن ~~وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة، ومن أدلة قول الجمهور ما تقدم ~~بلفظ: ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها الخ، وكذلك قوله: فإن جاء صاحبها ~~فلا تكتم فهو أحق بها الخ، وفي رواية للبخاري من حديث زيد بن خالد: فاعرف ~~عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه أي بدلها، لأن العين لا ~~تبقى بعد أكلها وفي رواية لأبي داود : فإن جاء باغيها فأدها إليه وإلا ~~فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه ms2411 فأمر بأدائها إليه ~~قبل الاذن في أكلها وبعده. وفي رواية لأبي داود أيضا: فإن جاء صاحبها ~~دفعتها إليه وإلا عرفت وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك فإن جاء صاحبها ~~فادفعها إليه والمراد بقوله: اقبضها في مالك اجعلها من جملة ما لك وهو ~~بالقاف وكسر الباء من الاقباض. قال ابن رشد اتفق فقهاء الأمصار مالك ~~والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي أن له أن يتصرف فيها، ثم قال مالك ~~والشافعي: له أن يتملكها، وقال أبو حنيفة: ليس له إلا أن يتصدق بها. وروي ~~مثل قوله عن علي وابن عباس وجماعة من التابعين. وقال الأوزاعي: إن كان مالا ~~كثيرا جعله في بيت المال، وروي مثل قول مالك والشافعي عن عمر وابن مسعود ~~وابن عمر، وكلهم متفق على أنه إن أكلها ضمنها لصاحبها إلا أهل الظاهر اه. ~~قال في البحر مسألة: ولا يضمن الملتقط إجماعا إلا لتفريط أو جناية إذ هو ~~أمين، حيث لم يؤخذ لغرض نفسه، فإن جنى أو فرط فالأكثر يضمن، PageV06P095 # وداود والكرابيسي لا يضمن لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فإن جاء صاحبها ~~الخبر ولم يذكر وجوب البدل. قلنا: أمر عليا عليه السلام بغرامة الدينار في ~~الخبر المشهور، وخبركم محمول على من أيس من معرفة صاحبها اه. وحديث علي ~~الذي أشار إليه أخرجه أبو داود عن بلال بن يحيى العبسي عنه أنه التقط ~~دينارا فاشترى به دقيقا فعرفه صاحب الدقيق فرد عليه الدينار فأخذه علي فقطع ~~منه قيراطين فاشترى به لحما قال المنذري في سماع بلال بن يحيى من على نظر. ~~وقال الحافظ: إسناده حسن ورواه أيضا أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن علي ~~بن أبي طالب وجد دينارا فأتى به فاطمة فسألت عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: هو رزق الله، فأكل منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأكل علي وفاطمة، فلما كان بعد ذلك أتته امرأة تنشد الدينار فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يا علي أد الدينار وفي إسناده رجل ms2412 مجهول. وأخرجه ~~أبو داود أيضا من وجه آخر عن أبي سعيد وذكره مطولا وفي إسناده موسى بن ~~يعقوب الزمعي وثقه ابن معين. وقال ابن عدي: لا بأس به. # وقال النسائي ليس بقوي. وروى هذا الحديث الشافعي عن الدراوردي عن شريك بن ~~أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد وزاد: أنه أمره أن يعرفه. # ورواه عبد الرزاق من هذا الوجه وزاد: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام، ~~وفي إسناده هذه الزيادة أبو بكر بن أبي سبرة وهو ضعيف جدا، وقد أعل البيهقي ~~هذه الروايات لاضطرابها ولمعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف، قال: # ويحتمل أن يكون إثما أباح له الاكل قبل التعريف للاضطرار. وعن عبد الرحمن ~~بن عثمان قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لقطة الحاج. رواه ~~أحمد ومسلم، وقد سبق قوله: في بلد مكة ولا تحل لقطتها إلا لمعرف، واحتج ~~بهما من قال: # لا تملك لقطة الحرم بحال بل تعرف أبد. الحديث الثاني قد سبق في باب صيد ~~الحرم وشجرة من كتاب الحاج. قوله: نهى عن لقطة الحاج هذا النهي تأوله ~~الجمهور بأن المراد به النهي عن التقاط ذلك للملك، وأما للانشاد بها فلا ~~بأس، ويدل على ذلك قوله في الحديث الاخر: ولا تحل لقطتها إلا لمعرف. وفي ~~لفظ آخر ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. قوله: إلا لمعرف قد استشكل تخصيص لقطة ~~الحاج يمثل هذا، مع أن التعريف لا بد منه في كل لقطة من غير فرق بين لقطة ~~الحاج وغيره، وأجيب عن هذا الاشكال بأن المعنى أن لقطة الحاج لا تحل إلا ~~لمن يريد التعريف فقط من PageV06P096 # دون تملك، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا. وقد ذهب الجمهور إلى ~~أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة. قال في الفتح: وإنما اختصت ~~بذلك عندهم لامكان ايصالها إلى أربابها، لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن ~~كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها في كل ~~عام سهل التوصل ms2413 إلى معرفة صاحبها، قال ابن بطال: وقال أكثر المالكية وبعض ~~الشافعية: هي كغيرها من البلاد ، وإنما تختص مكة بمبالغة في التعريف، لأن ~~الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في ~~التعريف، واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء لأنه نفى الحل واستثنى ~~المنشد، فدل على أن الحل ثابت للمنشد، لأن الاستثناء من نفي اثبات. قال: ~~ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والسياق يقتضي تخصيصها. # قال الحافظ: والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، ~~والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها، لتفرق ~~الخلق في الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة ~~ولا يعرفها، فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها. وقال ~~إسحاق بن راهويه: معنى قوله في الحديث: إلا لمنشد أي من سمع ناشدا يقول من ~~رأى كذا فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يرفعها ليردها على صاحبها، وهو أضيق ~~من قول الجمهور، لأنه قيده بحالة للمعرف دون حالة، ويرد عليه قوله: إلا ~~لمعرف، والحديث يفسر بعضه بعضا. وقد حكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة ~~وأصحابه وأحد قولي الشافعي أنه لا فرق بين لقطة الحرم وغيره، واحتج لهم بأن ~~الأدلة لم تفصل. # وعن منذر بن جرير قال: كنت مع أبي جرير بالبوازيج في السواد فراحت البقر ~~فرأى بقرة أنكرها فقال، ما هذه البقرة؟ قالوا: بقرة لحقت بالبقر، فأمر بها ~~فطردت حتى توارت ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يأوي ~~الضالة إلا ضال رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ولمالك في الموطأ عن ابن ~~شهاب قال: # كانت ضوال الإبل في زمن عمر بن الخطاب إبلا مؤبلة تتناتج لا يمسكها أحد، ~~حتى إذا كان عثمان أمر بمعرفتها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها. # حديث منذر أخرجه أيضا النسائي وأبو يعلى والطبراني في الكبير، والضياء في ~~المختارة، ويشهد له ما في صحيح مسلم حديث زيد بن خالد بلفظ: ms2414 لا يأوي الضالة ~~إلا ضال PageV06P097 # وقد تقدم. قوله عن منذر بن جرير يعني ابن عبد الله البجلي. وقد أخرج ~~لمنذر مسلم في الزكاة والعلم من صحيحه. قوله: بالبوازيج بفتح الباء الموحدة ~~وبعد الألف زاي معجمة بعدها تحتية ثم جيم، كذا ضبطه البكري في معجم البلدان ~~ثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، قال: ولا أعلم هذا الاسم ورد ~~إلا في هذا الحديث، وصوابه عندي الموازج بالميم وهو المحفوظ، قال: والموازج ~~من ديار هذيل وهي متصلة بنواحي المدينة. وقال ابن السمعاني: بوازيج بالباء ~~الموحدة وبعد الألف زاي بلدة قديمة فوق بغداد خرج منها جماعة من العلماء ~~قديما وحديثا. وقال المنذري: # بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبد الله وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج ~~الملك التي بين تكريت وإربل. قوله: لا يأوي الضالة الخ، قد تقدم ضبطه ~~وتفسيره، والمراد بالضالة هنا ما يحمي نفسه من الإبل والبقر ويقدر على ~~الابعاد في طلب المرعى والماء بخلاف الغنم، فالحيوان الممتنع من صغار ~~السباع لا يجوز التقاطه، سواء كان لكبر جثته كالإبل والخيل والبقر، أو يمنع ~~نفسه بطيرانه كالطيور المملوكة، أو بنابه كالفهود، ولا يجوز لغير الامام ~~ونائبه أخذها، ويمكن أن يقيد مطلق هذا الحديث بما تقدم في حديث زيد بن خالد ~~لقوله فيه: ما لم يعرفها، ويكون وصف الذي يأوي الضالة بالضلال مقيدا بعدم ~~التعريف، وأما التقاط الإبل ونحوها فقد استفيد المنع منه من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ما لك ولها دعها. قوله: مؤبلة كمعظمة أي كثيرة متخذة ~~للقنية. وفي هذا الأثر جواز التقاط الإبل للامام وجواز بيعها، وإذا جاء ~~مالكها دفع إليه الامام ثمنها. # كتاب الهبة والهدية باب افتقارها إلى القبول و القبض وأنه على ما يتعارفه ~~الناس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو دعيت إلى ~~كراع أو ذراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت رواه البخاري. # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أهدي إلي ms2415 كراع ~~لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت رواه أحمد والترمذي وصححه. PageV06P098 # في الباب عن أم حكيم الخزاعية عند الطبراني قالت: قلت يا رسول الله تكره ~~رد اللطف؟ # قال: ما أقبحه لو أهدي إلي كراع لقبلت قال في القاموس: اللطف بالتحريك ~~اليسير من الطعام. قوله: كتاب الهبة بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة قال ~~في الفتح: تطلق بمعنى الأعم على أنواع الابراء وهو هبة الدين ممن هو عليه، ~~والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية وهي ما يلزم به ~~المرهون له عوضه، ومن خصها بالحياة أخرج الوصية، وهي تكون أيضا بالأنواع ~~الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يصدق له بدل، وعليه ينطبق ~~قول من عرف الهبة بأنها تمليك بل عوض اه. قوله: والهدية بفتح الهاء وكسر ~~الدال المهملة بعدها ياء مشددة ثم تاء تأنيث، قال في القاموس: الهدية ~~كالغنيمة ما أتحف به. قوله: إلي كراع هو ما دون الكعب من الدابة. وقيل: هو ~~اسم مكان. قال الحافظ: ولا يثبت، ويرده حديث أنس وحديث أم حكيم المذكوران، ~~وخص الكراع والذراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير، لأن الذراع كانت أحب ~~إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له، وفي المثل: أعط العبد كراعا يطلب ~~ذراعا، هكذا في الفتح، والظاهر أن مراده صلى الله عليه وآله وسلم الحض على ~~إجابة الدعوة، ولو كانت إلى شئ حقير كالكراع والذراع، وعلى قبول الهدية ولو ~~كانت شيئا حقيرا من كراع أو ذراع، وليس المراد الجمع بين حقير وخطير، فإن ~~الذراع لا يعد على الانفراد خطيرا، ولم تجر عادة بالدعوة إليه ولا بإهدائه، ~~فالكلام من باب الجمع بين حقيرين، وكون أحدهما أحقر من الآخر لا يقدح في ~~ذلك، ومحبته صلى الله عليه وآله وسلم للذراع لا تستلزم أن تكون في نفسها ~~خطيرة ولا سيما في خصوص هذا المقام، ولو كان ذلك مرادا له صلى الله عليه ~~وآله وسلم لقابل الكراع الذي هو أحقر ما يهدى ويدعى إليه بأخطر ما يهدى ~~ويدعى إليه كالشاة وما فوقها، ولا ms2416 شك أن مراده صلى الله عليه وآله وسلم ~~الترغيب في إجابة الدعوة وقبول الهدية وإن كانت إلى أمر حقير وفي شئ يسير. ~~وقد ترجم البخاري لهذا الحديث فقال باب القليل من الهدية، وفي الحديثين ~~المذكورين دليل على اعتبار القبول لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لقبلت ~~وسيأتي الخلاف في ذلك. # وعن خالد بن عدي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من جاءه من أخيه ~~معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقة الله ~~إليه رواه أحمد. وعن عبد الله بن بسر قال: كانت أختي ربما تبعثني بالشئ إلى ~~PageV06P099 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطرفه إياه فيقبله مني وفي لفظ: كانت ~~تبعثني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهدية فيقبلها رواهما أحمد، ~~وهو دليل على قبول الهدية برسالة الصبي، لأن عبد الله بن بسر كان كذلك مدة ~~حياة رسول صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى ~~النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة، فإن ردت علي فهي لك، قالت: ~~وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وردت عليه هديته، فأعطى كل ~~امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة رواه أحمد. # حديث خالد بن عدي قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين من كتاب ~~الزكاة، وأعاده المصنف ههنا للاستدلال به على أن الهدية تفتقر إلى القبول ~~لقوله فيه: فليقبله. وحديث عبد الله بن بسر أخرجه أيضا الطبراني في الكبير، ~~قال في مجمع الزوائد: ورجالهما يعني أحمد والطبراني رجال الصحيح، وله حديث ~~آخر أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده الحكم بن الوليد، ذكره ابن عدي في ~~الكامل، وذكر له هذا الحديث وقال: لا أعرف هذا عن عبد الله بن بسر إلا عن ~~الحكم هكذا، هذا ms2417 معنى كلامه. قال في مجمع الزوائد: وبقية رجاله ثقات. وحديث ~~أم كلثوم أخرجه أيضا الطبراني وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وثقه ابن ~~معين وغيره وضعفه جماعة. وفي إسناده أيضا أم موسى بنت عقبة، قال في مجمع ~~الزوائد لا أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح. قوله في حديث خالد: فليقبله ~~فيه الامر بقبول الهدية والهبة ونحوهما من الأخ في الدين لأخيه والنهي عن ~~الرد، لما في ذلك من جلب الوحشة وتنافر الخواطر، فإن التهادي من الأسباب ~~المؤثرة للمحبة لما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي وابن طاهر في ~~مسند الشهاب من حديث محمد بن بكير عن ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن ~~أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم: تهادوا تحابوا قال الحافظ: وإسناده ~~حسن، وقد اختلف فيه على ضمام فقيل عنه عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمر ~~أورده ابن طاهر، ورواه في مسند الشهاب من حديث عائشة بلفظ: تهادوا تزدادوا ~~حبا وفي إسناده محمد بن سليمان، قال ابن طاهر: لا أعرفه، وأورده أيضا من ~~وجه آخر عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية وقال: إسناده غريب وليس بحجة. وروى ~~مالك في الموطأ عن عطاء PageV06P100 # الخراساني رفعه: تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء وفي ~~الأوسط للطبراني من حديث عائشة تهادوا تحابوا وهاجروا تورثوا أولادكم مجدا، ~~وأقيلوا الكرام عثراتهم قال الحافظ: وفي إسناده نظر وأخرج في الشهاب عن ~~عائشة: تهادوا فإن الهدية تذهب الضغائن ومداره عن محمد بن عبد النور عن أبي ~~يوسف الأعشى عن هشام عن أبيه عنها، والراوي له عن محمد هو أحمد بن الحسن ~~المقري، قال الدارقطني: ليس بثقة، وقال ابن طاهر: لا أصل له عن هشام، ورواه ~~ابن حبان في الضعفاء من طريق بكر بن بكار عن عائذ بن شريح عن أنس بلفظ: ~~تهادوا فإن الهدية قلت أو كثرت تذهب السخيمة وضعفه بعائذ، قال ابن طاهر: ~~تفرد به عائذ، وقد رواه عنه جماعة، قال: ورواه كوثر بن حكيم عن مكحول عن ~~النبي صلى ms2418 الله عليه وآله وسلم مرسلا. # وكوثر متروك، وروى الترمذي عن حديث أبي هريرة: تهادوا فإن الهدية تذهب ~~وحر الصدر وفي إسناده أبو معشر المدني تفرد به وهو ضعيف ورواه ابن طاهر في ~~أحاديث الشهاب من طريق عصمة بن مالك بلفظ: الهدية تذهب بالسمع والبصر. ~~ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب ~~الغل رواه محمد بن غيزغة وقال: لا يجوز الاحتجاج به وقال فيه البخاري: منكر ~~الحديث. وروى أبو موسى المديني في الذيل في ترجمة زعبل بالزاي والعين ~~المهملة والباء الموحدة يرفعه: # تزاوروا وتهادوا فإن الزيارة تثبت الوداد والهدية تذهب السخيمة قال ~~الحافظ: # وهو مرسل، وليس لزعبل صحبة. قوله: فإنما هو رزق ساقه الله إليه فيه دليل ~~على أن الأشياء الواصلة إلى العباد على أيدي بعضهم هي من الأرزاق الإلهية ~~لمن وصلت إليه وإنما جعلها الله جارية على أيدي العباد لإثابة من جعلها على ~~يده، فالمحمود على جميع ما كان من هذا القبيل هو الله تعالى. قوله: تطرفه ~~إياه بالطاء المهملة والراء بعدها فاء. قال في القاموس: الطرفة بالضم الاسم ~~من الطريف والطارف والمطرف للمال المستحدث. قال: والغريب من الثمر وغيره. ~~قوله: فيقبلها فيه دليل على اعتبار القبول، ولأجل ذلك ذكره المصنف، وكذلك ~~حديث أم كلثوم فيه دليل أيضا على اعتبار القبول، لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما قبض الهدية التي بعث بها إلى النجاشي بعد رجوعها دل على ذلك ~~على أن الهدية لا تملك بمجرد الاهداء بل لا بد من القبول، ولو كانت تملك ~~بمجرد ذلك لما قبضها صلى الله عليه وآله وسلم لأنها قد صارت ملكا ~~PageV06P101 # للنجاشي عند بعثه صلى الله عليه وآله وسلم بها، فإذا مات بعد ذلك وقبل ~~وصولها إليه صارت لورثته، وإلى اعتبار القبول في الهبة ذهب الشافعي ومالك ~~والناصر والهادوية والمؤيد بالله في أحد قوليه، وذهب بعض الحنفية والمؤيد ~~بالله في أحد قوليه إلى أن الايجاب كاف، وقد تمسك بحديث أم كلثوم أحمد ~~وإسحاق فقالا في ms2419 الهدية التي مات من أهديت إليه قبل وصولها: إن كان حاملها ~~رسول المهدى رجعت إليه، وإن كان حاملها رسول المهدى إليه فهي لورثته، وذهب ~~الجمهور إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المهدى إليه إلا بأن يقبضها هو أو ~~وكيله. وقال الحسن: أيهما مات فهي لورثه المهدى له إذا قبضها الرسول. قال ~~ابن بطال: وقول مالك كقول الحسن. وروى البخاري عن أبي عبيدة تفصيلا بين أن ~~تكون الهدية قد انفصلت أم لا مصيرا منه إلى أن قبض الرسول يقوم مقام قبض ~~المهدى إليه. وحديث أم كلثوم هذا أخرجه أيضا الطبراني والحاكم، وحسن صاحب ~~الفتح إسناده. قوله: ولا أرى النجاشي إلا قد مات قد سبق في صلاة الجنازة ما ~~يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلم أصحابه بموت النجاشي على ~~جهة الجزم وصلى هو وهم عليه، وتقدم أنه رفع له نعشه حتى شاهده، وكل ذلك ~~يخالف ما وقع من تظننه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الرواية. # وعن أنس قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين فقال: ~~انثروه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ ~~جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي وعقيلا، قال: خذ، ~~فحثى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إلي، قال: لا، ~~قال: ارفعه أنت علي، قال: لا، فنثر منه، ثم ذهب يقله فلم يرفعه قال: مر ~~بعضهم برفعه علي قال: لا، قال ارفعه أنت علي، قال: لا، فنثر منه، ثم احتمله ~~على كاهله ثم انطلق، فما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتبعه بصره حتى ~~خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثم منها ~~درهم رواه البخاري، وهو دليل على جواز التفضيل في ذوي القربى وغيرهم، وترك ~~تخميس الفئ، وأنه متى كان في الغنيمة ذو رحم لبعض الغانمين لم يعتق عليه. ~~وعن عائشة: أن أبا بكر الصديق كان ms2420 نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، ~~فلما حضرته الوفاة قال: يا بنية إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا ولو كنت ~~جددته واحترثته كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه على كتاب الله ~~PageV06P102 # رواه مالك في الموطأ. حديث عائشة رواه مالك من طريق ابن شهاب عن عروة عن ~~عائشة. وروى البيهقي من طريق ابن وهب عن مالك وغيره عن ابن شهاب. وعن حنظلة ~~بن أبي سفيان عن القاسم بن محمد نحوه. قوله: بمال من البحرين روى ابن أبي ~~شيبة من طريق حميد بن هلال. مرسلا أنه كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء ~~بن الحضرمي من خراج البحرين قال: وهو أول خراج حمل إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وروى البخاري في المغازي من حديث عمرو بن عوف أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا ~~عبيدة بن الجراح إليهم فقدم أبو عبيدة بمال فسمعت الأنصار بقدومه الحديث، ~~فيستفاد منه تعيين الآتي بالمال، لكن في كتاب الردة للواقدي أن رسول العلاء ~~ابن الحضرمي بالمال هو العلاء بن حارثة الثقفي فلعله كان رفيق أبي عبيدة. ~~وأما حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: لو قد جاء مال ~~البحرين أعطيتك. وفيه: فلم يقدم مال البحرين حتى مات النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الحديث فهو صحيح، والمراد به أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه كان مال خراج أو جزية فكان يقدم في كل ~~سنة. قوله: انثروه أي صبوه. قوله: وفاديت عقيلا أي ابن أبي طالب، وكان أسر ~~مع عمه العباس في غزوة بدر، ويقال: إنه أسر معهما الحرث بن نوفل بن الحرث ~~بن عبد المطلب، وأن العباس افتداه أيضا، وقد ذكر ابن إسحاق كيفية ذلك. ~~قوله: فحثى بمهملة ثم مثلثة مفتوحة، والضمير في ثوبه يعود على العباس. ~~قوله: يقله بضم أوله من الاقلال وهو الرفع والحمل. قوله: مر ms2421 بعضهم بضم ~~الميم وسكون الراء، وفي رواية: أؤمر بالهمز. قوله: يرفع بالجزم لأنه جواب ~~الامر، ويجوز الرفع أي فهو يرفعه والكاهل بين الكتفين. قوله: يتبعه بضم ~~أوله من الاتباع. قوله: وثم منها درهم بفتح المثلثة أي هناك، وفي هذا ~~الحديث بيان كرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التفاته إلى المال قل ~~أو كثر، وأن الامام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيها، وأنه يجوز ~~للامام أن يضع في المسجد ما يشترك فيه المسلمون من صدقة ونحوها. واستدل به ~~ابن بطال على جواز إعطاء بعض الأصناف من الزكاة، قال الحافظ ولا دلالة لأن ~~المال لم يكن من الزكاة وعلى تقدير كونه منها فالعباس ليس من أهل الزكاة. ~~فإن قيل: # إنما أعطاه من سهم الغارمين كما أشار إليه الكرماني فقد تعقب، ولكن الحق ~~أن المال المذكور كان من PageV06P103 # الخراج أو الجزية وهما من مال المصالح انتهى. قوله: لم يعتق عليه يريد أن ~~العباس وعقيلا قد كان غنمهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون وهما ~~رحمان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولعلي رضي الله ولم يعتقا، وسيأتي ما ~~يدل على أن هذا مراد المصنف رحمه الله في كتاب العتق في باب ما جاء فيمن ~~ملك ذا رحم محرم، ولا يظهر لذكر هذا الحديث في هذا الموضع وجه مناسبة، فإن ~~المصنف ترجم لافتقار الهبة إلى القبول والقبض، وأنه على ما يتعارفه الناس، ~~فإن أراد أن قبض العباس قام مقام القبول فغير ظاهر، لأن تقدم سؤاله يقوم ~~مقامه، على أن المال المذكور في الحديث لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى يكون الدفع منه إلى العباس وإلى غيره من باب الهبة، بل هو من مال ~~الخراج أو الجزية كما عرفت، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما تولى ~~قسمته بين مصارفه. قوله: جاد عشرين وسقا بجيم وبعد الألف دال مهملة مشددة ~~أي أعطاها مالا يجد عشرين وسقا، والمراد أنه يحصل من ثمرته ذلك، والجد صرام ~~النخل، وهذا الأثر ms2422 يدل على أن الهبة إنما تملك بالقبض لقوله: لو كنت جددته ~~واحترثته كان لك وذلك لأن قبض الثمرة يكون بالجداد وقبض الأرض بالحرث. وقد ~~نقل ابن بطال اتفاق العلماء أن القبض في الهبة هو غاية القبول، قال الحافظ: ~~وغفل عن مذهب الشافعي، فإن الشافعية يشترطون القبول في الهبة دون الهدية. # باب ما جاء في قبول هدايا الكفار والاهداء لهم عن علي رضي الله عنه قال: ~~أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبل منه، وأهدى له قيصر ~~فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها رواه أحمد والترمذي. وفي حديث عن بلال ~~المؤذن قال: انطلقت حتى أتيته يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا ~~أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت فقال لي: أبشر فقد جاءك الله ~~بقضائك، قال: ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى، فقال: إن لك ~~رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاما أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن واقض ~~دينك ففعلت مختصر لأبي داود. # حديث علي أخرجه أيضا البزار، وأورده في التلخيص ولم يتكلم عليه، ولم ~~PageV06P104 # يذكره صاحب مجمع الزوائد في باب هدايا الكفار، وقد حسنه الترمذي وفي ~~إسناده نوير بن أبي فاختة وهو ضعيف. وحديث بلال سكت عنه أبو داود والمنذري ~~ورجال إسناده ثقات، وهو حديث طويل أورده أبو داود في باب الامام يقبل هدايا ~~المشركين من كتاب الخراج وفيه: أن بلالا كان يتولى نفقة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنسان مسلما ~~عاريا يأمر بلالا أن يستقرض له البرد حتى لزمته ديون فقضاها عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالأربع الركائب وما عليها. (وفي الباب) عن عبد ~~الرحمن بن علقمة الثقفي عند النسائي قال: لما قدم وفد ثقيف قدموا معهم ~~بهدية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهدية أم صدقة فإن كانت هدية ~~فإنما يبتغي بها وجه رسول الله (ص) وقضاء الحاجة وإن كانت صدقة فإنما يبتغي ~~بها وجه الله، قالوا الإبل هدية ms2423 فقبلها منهم وعن أنس عند الشيخين: أن أكيدر ~~دومة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبة سندس. ولأبي داود: أن ~~ملك الروم: أهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستقة سندس فلبسها ~~الحديث. والمستقة بضم الفوقانية وفتحها الفروة الطويلة الكمين وجمعها ~~مساتق. وعن أنس أيضا عن أبي داود: أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا فقبلها. وعن علي أيضا ~~عند الشيخين: أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثوب حرير فأعطاه عليا فقال: شققه خمرا بين الفواطم. وعن أبي حميد الساعدي ~~عند البخاري قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبوك وأهدى ~~ابن العلماء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بردا وكتب له ببحرهم وجاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب أيلة بكتاب وأهدى إليه بغلة بيضاء. ~~الحديث. وفي مسلم: أهدى فروة الجذامي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بغلة بيضاء ركبها يوم حنين. وعن بريدة عند إبراهيم الحربي وابن خزيمة ~~وابن أبي عاصم: أن أمير القبط أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جاريتين وبغلة، فكان يركب البغلة بالمدينة، وأخذ إحدى الجاريتين لنفسه ~~فولدت له إبراهيم ووهب الأخرى لحسان، وفي كتاب الهدايا لإبراهيم الحربي: ~~أهدى يوحنا ابن رؤبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغلته البيضاء. وعن ~~أنس أيضا PageV06P105 # عند البخاري وغيره: أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشاة ~~مسمومة فأكل منها الحديث. والأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز قبول ~~الهدية من الكافر، ويعارضها حديث عياض بن حمار الآتي، وسيأتي الجمع بينها ~~وبينه. # وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة في عهد قريش وهي مشركة، ~~فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصلها قال: نعم متفق عليه، زاد ~~البخاري، قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها: * (لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في ms2424 الدين) * (سورة الممتحنة، الآية: 8) ومعنى راغبة أي طامعة ~~تسألني شيئا. وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: # قدمت قتيلة ابنة عبد العزى بن سعد على ابنتها أسماء بهدايا ضباب وأقط ~~وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها فسألت عائشة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى: * (لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين) * إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها ~~بيتها. # رواه أحمد. # حديث عامر بن عبد الله بن الزبير ذكره المصنف هكذا مرسلا ولم يقل عن ~~أبيه، وقد أخرجه ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن ~~الزبير. وأخرجه أيضا الطبراني كأحمد وفي إسنادهما مصعب بن ثابت ضعفه أحمد ~~وغيره ووثقه ابن حبان. قوله: أتتني أمي في رواية للبخاري في الأدب مع ~~ابنها، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحرث بن مدرك بن عبيد بن عمر بن ~~محروم. قوله: راغبة اختلف في تفسيره فقيل: ما ذكره المصنف من أنها راغبة في ~~شئ تأخذه من بنتها وهي على شركها، وقيل: راغبة في الاسلام، وتعقب بأن ~~الرغبة لو كانت في الاسلام لم يحتج إلى الاستئذان. وقيل معناه رغب عن ديني، ~~وقيل: راغبة في القرب مني ومجاورتي، ووقع في رواية لأبي داود راغمة بالميم ~~أي كارهة للاسلام ولم تقدم مهاجرة. قوله: قال: نعم فيه دليل على جواز ~~الهدية للقريب الكافر، والآية المذكورة تدل على جواز الهدية للكافر مطلقا ~~من القريب وغيره، ولا منافاة ما بين ذلك وما بين قوله تعالى: * (لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) * (سورة ~~المجادلة، الآية: 22) الآية فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، والآية ~~المذكورة خاصة بمن لم يقاتل، وأيضا البر والصلة والاحسان لا تستلزم التحاب ~~PageV06P106 # والتواد المنهي عنه، ومن الأدلة القاضية بالجواز قوله تعالى: * (وإن ~~جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا) * (سورة لقمان، الآية: 15) ومنها أيضا ms2425 حديث ابن عمر عند البخاري ~~وغيره: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسا عمر حلة فأرسل بها إلى أخ له ~~من أهل مكة قبل أن يسلم. قوله: قال ابن عيينة الخ، لا ينافي هذا ما رواه ~~ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين جانبا ~~للمسلمين وأحسن أخلاقا من سائر الكفار، لأن السبب خاص واللفظ عام فيتناول ~~كل من كان في معنى والدة أسماء كذا قال الحافظ ولا يخفى ما فيه لأن محل ~~الخلاف تعيين سبب النزول وعموم اللفظ لا يرفعه، وقيل: إن هذه الآية منسوخة ~~بالامر بقتل المشركين حيث وجدوا. قوله: قتيلة بضم القاف وفتح الفوقية وسكون ~~التحتية مصغرا، ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قيلة بفتح القاف وسكون ~~التحتية، وضبطه ابن مأكولا بسكون الفوقية. قوله: ضباب وأقط في رواية غير ~~أحمد : زبيب وسمن وقرظ ووقع في نسخة من هذا الكتاب قرظ مكان أقط. قوله: # فأمرها أن تقبل هديتها الخ فيه دليل على جواز قبول هدية المشرك كما دلت ~~على ذلك الأحاديث السالفة وعلى جواز إنزاله منازل المسلمين. # وعن عياض بن حمار أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هدية أو ناقة، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أسلمت؟ قال: لا، قال: إني نهيت عن زبد ~~المشركين رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. # الحديث صححه أيضا ابن خزيمة. وفي الباب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند ~~موسى بن عقبة في المغازي: أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشرك فأهدى له فقال: إني لا أقبل ~~هدية مشرك الحديث، قال في الفتح: رجاله ثقات إلا أنه مرسل وقد وصله بعضهم ~~ولا يصح. # قوله: زبد المشركين بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال. قال في الفتح: # هو الرفد انتهى، يقال: زبده يزبده بالكسر، وأما بزبده بالضم فهو إطعام ~~الزبد، قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخا، لأنه صلى الله ms2426 عليه ~~وآله وسلم قد قبل هدية غير واحد من المشركين، وقيل: إنما ردها ليغيظه ~~فيحمله ذلك على الاسلام. # وقيل: ردها لأن للهدية موضعا من القلب، ولا يجوز أن يميل إليه بقلبه ~~فردها قطعا لسبب الميل، وليس ذلك مناقضا لقبول هدية النجاشي وأكيدر دومة ~~والمقوقس PageV06P107 # لأنهم أهل كتاب كذا في النهاية. وجمع الطبري بين الأحاديث فقال: الامتناع ~~فيما أهدى له خاصة، والقبول فيما أهدى للمسلمين وفيه نظر، لأن من جمله أدلة ~~الجواز السابقة ما وقعت الهدية فيه له صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وجمع ~~غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق ~~من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الاسلام، قال الحافظ: وهذا أقوى من الذي ~~قبله، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الامراء ويجوز له خاصة. وقال بعضهم: أن ~~أحاديث الجواز منسوخة بحديث الباب عكس ما تقدم عن الخطابي، ولا يخفى أن ~~النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال، وكذا الاختصاص وقد أورد البخاري في صحيحه ~~حديثا استنبط منه جواز قبول هدية الوثني، ذكره في باب قبول الهدية من ~~المشركين من كتاب الهبة والهدية. قال الحافظ في الفتح: وفيه فساد قول من ~~حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي، وذلك لأن الواهب المذكور في ذلك ~~الحديث وثني. # باب الثواب على الهدية والهبة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي. ~~وعن ابن عباس: أن أعرابيا وهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هبة فأثابه ~~عليها، قال: أرضيت؟ قال: لا، فزاده، قال: أرضيت؟ قال: لا، فزاده، قال: ~~أرضيت؟ قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي رواه أحمد. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه. وقال في مجمع الزوائد: # رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ~~بنحوه، وطوله الترمذي ورواه من وجه آخر وبين أن الثواب كان ms2427 ست بكرات، وكذا ~~رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم. قوله: ويثيب عليها أي يعطي المهدي بدلها، ~~والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية، ولفظ ابن أبي شبية: ~~ويثيب ما هو خير منها، وقد أعل حديث عائشة المذكور بالارسال، قال البخاري: ~~لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة، وفيه إشارة إلى أن عيسى بن ~~يونس تفرد بوصله عن هشام، وقال PageV06P108 # الترمذي والبزار: لا نعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس وقال أبو داود تفرد ~~بوصله عيسى بن يونس وهو عند الناس مرسل انتهى. وقد استدل بعض المالكية بهذا ~~الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي وكان ممن مثله يطلب ~~الثواب كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى. ووجه الدلالة منه ~~مواظبته صلى الله عليه وآله وسلم . ومن حيث المعنى: أن الذي أهدى قصد أن ~~يعطي أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في ~~القديم والهادوية، ويجاب بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب ولو وقعت ~~المواهبة كما تقرر في الأصول، وذهبت الحنفية والشافعية في الجديد أن الهبة ~~للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع مجهول، ولان موضع الهبة التبرع. قوله: إلا ~~من قرشي الخ، لفظ أبي داود: وأيم الله لا أقبل هدية بعد يومي هذا من أحد ~~إلا أن يكون مهاجريا أو قرشيا أو أنصاريا أو روسيا أو ثقفيا وسبب همه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل ~~من فزارة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناقة من إبله فعوضه منها بعض ~~العوض فتسخطه فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر: إن ~~رجالا من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه عنها بقدر ما عندي فيظل بسخط علي ~~الحديث، وقد كان بعض أهل العلم والفضل يمتنع هو وأصحابه من قبول الهدية من ~~أحد أصلا لا من صديق ولا من قريب ولا غيرهما، وذلك لفساد النيات في هذا ~~الزمن، حكى ms2428 ذلك ابن رسلان. # باب التعديل بين الأولاد في العطية والنهي أن يرجع أحد في عطيته إلا ~~الوالد عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعدلوا ~~بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم اعدلوا بين أبنائكم رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي. # وعن جابر قال: قالت امرأة بشير: نحل ابني غلاما وأشهد لي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ابنة ~~فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال: له أخوة؟ قال: نعم، قال: فكلهم ~~أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: PageV06P109 # لا، قال: فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق رواه أحمد ومسلم وأبو ~~داود ورواه أبو داود من حديث النعمان بن بشير وقال فيه لا تشهدني على جور ~~أن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم. وعن النعمان بن بشير أن أباه أتى به ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: ~~لا، فقال: فارجعه متفق عليه ولفظ مسلم قال: تصدق علي أبي ببعض ماله فقالت ~~أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فانطلق أبي إليه يشهده على صدقتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، فقال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. فرجع ~~أبي في تلك الصدقة وللبخاري مثله لكن ذكره بلفظ العطية لا بلفظ الصدقة. # حديث النعمان بن بشير الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات ~~إلا المفضل بن المهلب بن أبي صفرة وهو صدوق. (وفي الباب) عن ابن عباس عند ~~الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور بلفظ: سووا بين أولادكم في العطية، ولو ~~كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء وفي إسناده سعيد بن يوسف وهو ضعيف. وذكر ابن ~~عدي في الكامل أنه لم ير له أنكر من هذا، وقد حسن ms2429 الحافظ في الفتح إسناده. ~~قوله: اعدلوا بين أولادكم تمسك به من أوجب التسوية بين الأولاد في العطية، ~~وبه صرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد وإسحاق وبعض المالكية، قال في ~~الفتح: # والمشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد تصح ويجب أن يرجع، وعنه يجوز ~~التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته أو دينه أو نحو ذلك دون ~~الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الاضرار، وذهب ~~الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضا صح وكره وحملوا الامر على ~~الندب، وكذلك حملوا النهي الثابت في رواية لمسلم بلفظ: أيسرك أن يكونوا لك ~~في البر سواء؟ قال: # بلى، قال: فلا إذن على التنزيه، وأجابوا عن حديث النعمان بأجوبة عشرة ~~ذكرها في فتح الباري، وسنوردها ههنا مختصرة مع زيادات مفيدة فقال أحدهما: ~~أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، حكاه ابن عبد البر وتعقبه بأن ~~كثيرا من طرق الحديث مصرحة بالبعضية كما في حديث الباب أن الموهوب كان ~~غلاما، وكما في لفظ مسلم المذكور قال: PageV06P110 # تصدق علي أبي ببعض ماله الجواب الثاني: أن العطية المذكورة لم تنجز وإنما ~~جاء بشير يستشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك فأشار عليه بأن لا ~~يفعل فترك، حكاه الطبري. ويجاب عنه بأن أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالارتجاع يشعر بالتنجيز، وكذلك قول عمرة: لا أرضى حتى تشهد الخ. الجواب ~~الثالث: أن النعمان كان كبيرا ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرجوع ذكره ~~الطحاوي. قال الحافظ: وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث خصوصا. قوله: أرجعه ~~فإنه يدل على تقدم وقوع القبض، والذي تظافرت عليه الروايات أنه كان صغيرا ~~وكان أبوه قابضا له لصغره، فأمره برد العطية المذكورة بعدما كانت في حكم ~~المقبوض. الرابع: أن قوله أرجعه دليل الصحة، ولو لم تصح الهبة لم يصح ~~الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهب لولده، وإن كان ~~الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك فلذلك أمره به. ms2430 # قال في الفتح: وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله أرجعه أي ~~لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. الخامس: أن قوله: # أشهد على هذا غيري إذن بالاشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه ~~الامام وكأنه قال: لا أشهد لأن الامام ليس من شأنه أن يشهد وإنما من شأنه ~~أن يحكم، حكاه الطحاوي وارتضاه ابن القصار وتعقب بأنه لا يلزم من كون ~~الامام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا ~~تعينت عليه، والاذن المذكور مراد به التوبيخ لما تدل عليه بقية ألفاظ ~~الحديث. قال ا لحافظ: وبذلك صرح الجمهور في هذا الموضع. وقال ابن حبان: ~~قوله أشهد صيغة أمر والمراد به نفي الجواز وهي كقوله لعائشة: اشترطي لهم ~~الولاء اه ويؤيد هذا تسميته صلى الله عليه وآله وسلم لذلك جورا كما في ~~الرواية المذكورة في الباب. السادس: التمسك بقوله: ألا سويت بينهم؟ على أن ~~المراد بالامر الاستحباب وبالنهي التنزيه، قال الحافظ: وهذا جيد لولا ورود ~~تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة ولا سيما رواية سوي بينهم. السابع: # قالوا المحفوظ في حديث النعمان: قاربوا بين أولادكم لا سووا، وتعقب بأنكم ~~لا توجبون المقاربة كما لا توجبون التسوية. الثامن: في التشبيه الواقع ~~بينهم في التسوية بينهم بالتسوية منهم في البر قرينة تدل على أن الامر ~~للندب، ورد بأن إطلاق الجور على عدم التسوية والنهي عن التفضيل يدلان على ~~الوجوب، فلا تصلح تلك القرينة لصرفهما PageV06P111 # وإن صلحت لصرف الامر. التاسع: ما تقدم عن أبي بكر من نحلته لعائشة. وقوله ~~لها: فلو كنت احترثته كما تقدم في أول كتاب الهبة، وكذلك ما رواه الطحاوي ~~عن عمر أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده، ولو كان التفضيل غير جائز لما ~~وقع من الخليفتين. قال في الفتح: وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها ~~كانوا راضين، ويجاب بمثل ذلك عن قصة عاصم اه. على أنه لا حجة في فعلهما لا ~~سيما ms2431 إذا عارض المرفوع. العاشر: أن الاجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله ~~لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله لتمليك الغير جاز له أن ~~يخرج بعض أولاده بالتمليك لبعضهم، ذكره ابن عبد البر. قال الحافظ: ولا يخفى ~~ضعفه لأنه قياس مع وجود النص اه. فالحق أن التسوية واجبة وأن التفضيل محرم، ~~واختلف الموجبون في كيفية التسوية فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض ~~الشافعية والمالكية: العدل أن يعطى الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأن ذلك ~~حظه من المال لو مات عنه الواهب، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، ~~وظاهر الامر بالتسوية معهم، ويؤيده حديث ابن عباس المتقدم. قوله: وعن ~~النعمان بن بشير أن أباه الخ، قد روي هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من ~~التابعين منهم عروة بن الزبير عند مسلم، والنسائي وأبي داود وأبو الضحى عند ~~النسائي، وابن حبان وأحمد والطحاوي والمفضل بن المهلب عند أحمد، وأبي داود ~~والنسائي وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد، وعون بن عبد الله عند أبي ~~عوانة، والشعبي عند الشيخين، وأبي داود وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان ~~وغيرهم، وقد رواه النسائي من مسند بشير والد النعمان فشذ بذلك. قوله: نحلت ~~ابني هذا بفتح النون والحاء المهملة أي أعطيت، والنحلة بكسر النون وسكون ~~المهملة العطية بغير عوض. قوله: غلاما في رواية لابن حبان والطبراني عن ~~الشعبي أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام وإني سميته ~~النعمان، وأنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، وإنها ~~قالت: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه قوله: لا أشهد ~~على جور وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ~~ولادة النعمان وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كبر النعمان وكانت ~~العطية عبدا، قال في الفتح: وهو جمع لا بأس به إلا أنه يعكر ms2432 PageV06P112 # عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال ~~له في الأولى: # لا أشهد على جور، وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم، وقال غيره: ~~يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من ~~الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد، لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ~~ثمن العبد. قال الحافظ: ثم ظهر وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا ~~يحتاج إلى جوابه، وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئا ~~يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطيبا بخاطرها، ثم بدا له فارتجعها لأنه لم ~~يقبضها منه غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن ~~يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا ~~فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تريد بذلك تثبيت ~~العطية، وأن تؤمن رجوعه فيها، ويكون مجيئه للاشهاد إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مرة واحدة وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم ~~يحفظ غيره، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة وبعضها أخرى، فسمع كل ما ~~رواه فاقتصر عليه اه. ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلف، وقد وقع في ~~رواية عند ابن حبان عن النعمان قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ~~زاد مسلم والنسائي من هذا الوجه: فالتوى بها سنة أي مطلها، وفي رواية لابن ~~حبان أيضا: بعد حولين، ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئا، فجبر الكسر ~~تارة وألغاه أخرى. وفي رواية له قال: فأخذ بيدي وأنا غلام ولمسلم انطلق بي ~~أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجمع بينهما بأنه أخذ ~~بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه. قوله: ms2433 فقال أرجعه لفظ ~~مسلم: أردده وله أيضا والنسائي: فرجع فرد عطيته ولمسلم أيضا: فرد تلك ~~الصدقة زاد في رواية لابن حبان: لا تشهدني على جور ومثله لمسلم، وقد تقدم ~~لابن حبان أيضا والطبراني مثل ذلك، وذكر هذا اللفظ البخاري تعليقا في ~~الشهادات. وفي رواية لابن حبان من طريق أخرى: لا تشهدني إذن فإني لا أشهد ~~على جور وله في طر يق أخرى أيضا: فإني لا أشهد على جور أشهد على هذا غيري ~~وله وللنسائي من طريق أخرى: فأشهد على هذا غيري ولعبد الرزاق عن طاوس ~~مرسلا: لا أشهد إلا على الحق لا أشهد بهذه. وللنسائي: فكره PageV06P113 # أن يشهد له. وفي رواية لمسلم: اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن ~~يعدلوا بينكم في البر ولأحمد: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: ~~بلى، قال: فلا إذن ولأبي داود: إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما لك ~~عليهم من الحق أن يبروك وللنسائي: ألا سويت بينهم؟ وله ولابن حبان: سوي ~~بينهم وقال الحافظ: # واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد. قوله: أفعلت ~~هذا بولدك كلهم؟ قال مسلم: أما معمر ويونس فقالا: أكل بنيك. وأما الليث ~~وابن عيينة فقالا: أكل ولدك، قال الحافظ: ولا منافاة بينهما لأن لفظ الولد ~~يشمل الذكور والإناث، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكورا فظاهر، وإن كانوا ~~إناثا وذكورا فعلى سبيل التغليب. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: العائد في هبته ~~كالعائد يعود في قيئه متفق عليه، وزاد أحمد والبخاري: ليس لنا مثل السوء ~~ولأحمد في رواية قال قتادة: ولا أعلم القئ إلا حراما. وعن طاوس أن ابن عمر ~~وابن عباس رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل للرجل أن ~~يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الرجل يعطي العطية ~~ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في قيئه رواه الخمسة ~~وصححه الترمذي. # حديث طاوس ms2434 أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه. قوله: العائد في هبته ~~الخ، استدل بالحديث على تحريم الرجوع في الهبة لأن القئ حرام فالمشبه به ~~مثله، ووقع في رواية أخرى للبخاري وغيره كالكلب يرجع في قيئه وهي تدل على ~~عدم التحريم لأن الكلب غير متعبد فالقئ ليس حراما عليه، وهكذا قوله في حديث ~~طاوس المذكور كمثل الكلب الخ، وتعقب بأن ذلك للمبالغة في الزجر كقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيمن لعب بالنردشير: فكأنما غمس يده في لحم خنزير ~~وأيضا الرواية الدالة على التحريم غير منافية للرواية الدالة على الكراهة ~~على تسليم دلالتها على الكراهة فقط، لأن الدال على التحريم قد دل على ~~الكراهة وزيادة، وقد قدمنا في باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به من كتاب ~~الزكاة عن القرطبي أن التحريم هو الظاهر من سياق الحديث، وقدمنا أيضا أن ~~الأكثر حملوه على التنفير خاصة لكون القئ مما يستقذر، PageV06P114 # ويؤيد القول بالتحريم. قوله: ليس لنا مثل السوء وكذلك قوله: لا يحل للرجل ~~قال في الفتح: # وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء إلا ~~هبة الوالد لولده وستأتي. وذهب الحنيفة والهادوية إلى حل الرجوع في الهبة ~~دون الصدقة إلا إذا حصل مانع من الرجوع كالهبة لذي رحم ونحو ذلك مما هو ~~مذكور في كتب الفقه من الموانع. قال الطحاوي: إن قوله لا يحل لا يستلزم ~~التحريم، قال: وهو كقوله: لا تحل الصدقة لغني وإنما معناه لا يحل له من حيث ~~يحل لغيره من ذوي الحاجة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة، قال الطبري: يخص ~~من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب ومن كان والدا والموهوب له ولده ~~والهبة لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الاخبار باستثناء كل ~~ذلك، وأما ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير، ونحو من يصل رحمه فلا رجوع، قال: ~~ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة، قال في الفتح: اتفقوا ~~على أنه لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض ms2435 اه. وقد أخرج مالك عن عمر أنه ~~قال: من وهب هبة يرجو ثوابها فهي ترد على صاحبها ما لم يثب منها ورواه ~~البيهقي عن ابن عمر مرفوعا وصححه الحاكم، قال الحافظ: والمحفوظ من رواية ~~ابن عمر عن عمر، ورواه عبد الله بن موسى مرفوعا قيل: وهو وهم. قال الحافظ: ~~صححه الحاكم وابن حزم، ورواه ابن حزم أيضا عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: ~~الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها. وأخرجه أيضا ابن ماجة والدارقطني ورواه ~~الحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا بلفظ: إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم ~~يرجع. ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس قال الحافظ: # وسنده ضعيف. قال ابن الجوزي: أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وسمرة ضعيفة وليس ~~منها ما يصح. وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس مرفوعا: من وهب هبة فهو ~~أحق بها حتى يثاب عليها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقئ ويأكل منه فإن صحت ~~هذه الأحاديث كانت مخصصة لعموم حديث الباب، فيجوز الرجوع في الهبة قبل ~~الإثابة عليها. # ومفهوم حديث سمرة يدل على جواز الرجوع في الهبة لغير ذي الرحم. قوله: إلا ~~الوالد فيما يعطي ولده استدل به على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه، وإليه ~~ذهب الجمهور وقال أحمد: لا يحل للواهب أن يرجع في هبته مطلقا، وحكاه في ~~البحر عن أبي حنيفة والناصر والمؤيد بالله تخريجا له. وحكي في الفتح عن ~~الكوفيين أنه لا يجوز للأب الرجوع إذا كان الابن الموهوب له صغيرا أو كبيرا ~~وقبضها، وهذا التفصيل لا دليل عليه، واحتج المانعون PageV06P115 # مطلقا بحديث ابن عباس المذكور في الباب، ويرد عليهم الحديث المذكور بعده ~~المقترن بمخصصه. ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور الأحاديث الآتية في الباب الذي ~~بعد هذا المصرحة بأن الولد وما ملك لأبيه، فليس رجوعه في الحقيقة رجوعا، ~~وعلى تقدير كونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك. واختلف في ~~الام هل حكمها حكم الأب في الرجوع أم لا؟ فذهب أكثر الفقهاء إلى الأول كما ~~قال ms2436 صاحب الفتح، واحتجوا بأن لفظ الوالد يشملها. وحكى في البحر عن الاحكام ~~والمؤيد بالله وأبي طالب والامام يحيى أنه لا يجوز لها الرجوع، إذ رجوع ~~الأب مخالف للقياس فلا يقاس عليه، والمالكية فرقوا بين الأب والام فقالوا ~~للام: أن ترجع إذا كان الأب حيا دون ما إذا مات، وقيدوا رجوع الأب بما إذا ~~كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينا أو ينكح وبذلك قال إسحاق، والحق أنه ~~يجوز للأب الرجوع في هبته لولده مطلقا، كذلك الام إن صح أن لفظ الوالد ~~يشملها لغة أو شرعا لأنه خاص، وحديث المنع من الرجوع عام فيبنى العام على ~~الخاص. قال في المصباح: الوالد الأب وجمعه بالواو والنون، والوالدة الام ~~وجمعها بالألف والتاء، والوالدان الأب والام للتغليب اه. وحديث سمرة ~~المتقدم بلفظ: إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لن يرجع مخصص بحديث الباب، لأن ~~الرحم على فرض شموله للابن أعم من هذا الحديث مطلقا، وقد قيل: إن الرحم غلب ~~على غير الولد فهو حقيقة عرفية لغوية فيما عداه، فإن صح ذلك فلا تعارض. # باب ما جاء في أخذ الوالد من مال ولده عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم ~~رواه الخمسة. وفي لفظ: ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم هنيئا رواه ~~أحمد. وعن جابر أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي مالا وولدا، وإن أبي يريد ~~أن يجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لأبيك رواه ابن ماجة. وعن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أبي ~~يريد أن يجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ~~وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا رواه PageV06P116 # أحمد وأبو داود وقال فيه: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: إن لي مالا وولدا وإن والدي الحديث. # حديث عائشة أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه ms2437 والحاكم، ولفظ أحمد أخرجه أيضا ~~الحاكم وصححه أبو حاتم وأبو زرعة وأعله ابن القطان بأنه عن عمارة عن عمته ~~وتارة عن أمه وكلتاهما لا يعرفان. وزعم الحاكم في موضع من مستدركه بعد أن ~~أخرجه من طريق حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ: # أموالهم لكم إذا احتجتم إليها أن الشيخين أخرجاه باللفظ الأول الذي فيه ~~الامر بالاكل من أموال الأولاد ووهم في ذلك فإنهما لم يخرجاه. وقال أبو ~~داود زيادة: # إذا احتجتم إليها منكرة ونقل عن ابن المبارك عن سفيان قال: حدثني به حماد ~~ووهم فيه. وحديث جابر قال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال المنذري: رجاله ~~ثقات. وقال الدارقطني: تفرد به عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وطريق أخرى عن ~~الطبراني في الصغير والبيهقي في الدلائل فيها قصة مطولة. وحديث عمرو بن ~~شعيب أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن الجارود. (وفي الباب) عن سمرة عند البزار، ~~وعن عمر عند البزار أيضا. وعن ابن مسعود عند الطبراني. وعن ابن عمر عند أبي ~~يعلى، وبمجموع هذه الطرق ينتهض للاحتجاج، فيدل على أن الرجل مشارك لولده في ~~ماله فيجوز له الاكل منه، سواء أذن الولد أو لم يأذن، ويجوز له أيضا أن ~~يتصرف به كما يتصرف بماله ما لم يكن ذلك على وجه السرف والسفه، وقد حكي في ~~البحر الاجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين. قوله: ~~يريد أن يجتاح بالجيم بعدها فوقية وبعد الألف حاء مهملة وهو الاستئصال ~~كالاجاحة ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال. كذا في القاموس. قوله: أنت ~~ومالك لأبيك قال ابن رسلان: اللام للإباحة لا للتمليك، فإن مال الولد له ~~وزكاته عليه وهو موروث عنه. # باب العمرى والرقبى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~العمرى ميراث لأهلها، أو قال: جائزة متفق عليه. وعن زيد بن ثابت قال: قال ~~رسول الله PageV06P117 # صلى الله عليه وآله وسلم: من أعمر عمري فهي لمعمره محياه ومماته، لا ~~ترقبوا من أرقب شيئا فهو سبيل ms2438 الميراث رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي ~~لفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرقبى للذي أرقبها رواه أحمد ~~النسائي. وفي لفظ: جعل الرقبى جائزة رواه النسائي. وفي لفظ: جعل الرقبى ~~للوارث رواه أحمد. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: العمرى جائزة ~~لمن أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها رواه أحمد والنسائي. وعن ابن عمر ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر ~~شيئا وأرقبه فهو له حياته ومماته رواه أحمد والنسائي. وعن جابر قال: قضى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعمرى لمن وهبت له متفق عليه. وفي ~~لفظ: قال أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فمن أعمر عمري فهي للذي أعمر ~~حيا وميتا ولعقبه رواه أحمد ومسلم. وفي رواية قال: العمرى جائزة لأهلها، ~~والرقبى جائزة لأهلها رواه الخمسة. وفي رواية: من أعمر رجلا عمري له ولعقبه ~~فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر وعقبه رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ~~ماجة. وفي رواية قال: أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ~~ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث رواه أبو داود ~~والنسائي والترمذي وصححه. وفي لفظ عن جابر: إنما العمرى التي أجازها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: # هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي ~~رواية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالعمرى أن يهب الرجل للرجل ~~ولعقبه الهبة، ويستثني إن حدث بك حدث ولعقبك فهي إلي وإلى عقبي إنها لمن ~~أعطيها ولعقبه رواه النسائي. وعن جابر أيضا: أن رجلا من الأنصار أعطى أمه ~~حديقة من نخيل حياتها فماتت، فجاء إخوته فقالوا: نحن فيه شرع سواء، قال: ~~فأبى، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقسمها بينهم ميراثا ~~رواه أحمد. # حديث زيد بن ثابت أخرجه أيضا ابن ماجة وابن حبان ms2439 وحديث ابن عباس قال ~~الحافظ في الفتح: إسناده صحيح. وحديث ابن عمر هو من طريق ابن جريج عن عطاء ~~عن حبيب بن أبي ثابت عنه، وقد اختلف في سماع حبيب من ابن عمر، فصرح به ~~PageV06P118 # النسائي ورجال إسناده ثقات. وحديث جابر الآخر أخرجه أبو داود وسكت عنه هو ~~والمنذري. وقال ابن رسلان في شرح السنن ما لفظه: هذا الحديث رواه أحمد ~~ورجاله رجال الصحيح اه. ويشهد لصحته أحاديث الباب المصرحة بأن المعمر ~~والمرقب يكون أولى بالعين في حياته وورثته من بعده. (وفي الباب) عن سمرة ~~عند أحمد وأبي داود والترمذي وهو من سماع الحسن عنه وفيه مقال كما تقدم. ~~قوله: # العمرى بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر. قال في الفتح: وحكي ضم ~~الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون وهي مأخوذة من العمر وهو ~~الحياة، سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول ~~له: أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك، فقيل لها عمري لذلك. ~~والرقبى بوزن العمرى مأخوذة من المراقبة، لأن كلا منهما يرقب الآخر متى ~~يموت لترجع إليه، وكذا ورثته يقومون مقامه، هذا أصلها لغة. قال في الفتح: ~~ذهب الجمهور إلى أن العمرة إذا وقعت كانت ملكا للآخر ولا ترجع إلى الأول ~~إلا إذا صرح باشتراط ذلك، وإلى أنها صحيحة جائزة، وحكى الطبري عن بعض الناس ~~والماوردي عن داود طائفة وصاحب البحر عن قوم من الفقهاء أنها غير مشروعة، ~~ثم اختلف القائلون بصحتها إلى ما يتوجه التمليك، فالجمهور أنه يتوجه إلى ~~الرقبة كسائر الهبات حتى لكان المعمر عبدا فأعتقه الموهوب له نفذ بخلاف ~~الواهب، وقيل: يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة، وهو قول مالك والشافعي في ~~القديم، وهل يسلك بها مسلك العارية أو الوقف؟ روايتان عند المالكية، وعند ~~الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرقبى إلى المنفعة، ~~وعنهم أنها باطلة، وقد حصل من مجموع الروايات ثلاثة أحوال: الأول أن يقول: # أعمرتكها ويطلق، فهذا تصريح بأنها للموهوب له وحكمها حكم المؤبدة ms2440 لا ترجع ~~إلى الواهب، وبذلك قالت الهادوية والحنفية والناصر ومالك، لأن المطلقة ~~عندهم حكمها حكم المؤبدة وهو أحد قولي الشافعي والجمهور، وله قول آخر أنها ~~تكون عارية ترجع بعد الموت إلى المالك، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأن المطلقة للمعمر ولورثته من بعده كما في أحاديث الباب. الحال ~~الثاني أن يقول: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي، فهذه عارية مؤقتة ترجع إلى ~~المعير عند موت المعمر، وبه قال أكثر العلماء ورجحه جماعة من الشافعية، ~~والأصح عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنه شرط فاسد فيلغى، ~~واحتجوا بحديث جابر الأخير فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم على ~~الأنصاري الذي PageV06P119 # أعطى أمه الحديقة حياتها أن لا ترجع إليه بل تكون لورثتها. ويؤيد هذا ~~الحديث الرواية التي قبله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في العمرى ~~مع الاستثناء بأنها لمن أعطيها، ويعارض ذلك ما في حديث جابر أيضا المذكور ~~في الباب بلفظ: فأما إذا قلت هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها ولكنه قال ~~معمر: كان الزهري يفتي به ولم يذكر التعليل، وبين من طريق ابن أبي ذئب عن ~~الزهري أن التعليل من قول أبي سلمة. قال الحافظ: وقد أوضحته في كتاب ~~المدرج. (والحاصل) أن الروايات المطلقة في أحاديث الباب تدل على أن العمرى ~~والرقبى تكون للمعمر والمرقب ولعقبه، سواء كانت مقيدة بمدة العمر أو مطلقة ~~أو مؤبدة، ويؤيد ذلك الروايتان المتقدمتان في دليل من قال: إن المقيدة بمدة ~~الحياة لها حكم المؤبدة، وهذه الرواية القاضية بالفرق بين التقييد بمدة ~~الحياة وبين الاطلاق والتأبيد معلولة بالادراج، فلا تنتهض لتقييد المطلقات ~~ولا لمعارضة ما يخالفها. الحال الثالث أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك، أو ~~يأتي بلفظ يشعر بالتأبيد فهذه حكمها حكم الهبة عند الجمهور، وروي عن مالك ~~أنه يكون حكمها حكم الوقف إذا انقرض المعمر وعقبه رجعت إلى الواهب، وأحاديث ~~الباب القاضية بأنها ملك للموهوب له ولعقبه ترد عليه. قوله: فهي ms2441 لمعمره بضم ~~الميم الأولى وفتح الثانية اسم مفعول من أعمر. قوله: محياه ومماته بفتح ~~الميمين أي مدة حياته وبعد موته. قوله: لا تعمروا الخ. قال القرطبي: لا يصح ~~حمل هذا النهي على التحريم لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز. وقيل: إن النهي ~~يتوجه إلى اللفظ الجاهلي لأن الجاهلية كانت تستعملها كما تقدم. وقيل: النهي ~~يتوجه إلى الحكم ولا ينافي الصحة وفيه نظر، لأن معنى النهي حقيقة التحريم ~~المستلزم للفساد المرادف للبطلان، إلا أن يحمل على الكراهة بقرينة قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # العمرى جائزة. قوله: فمن أعمر بضم الهمزة وكذا قوله أو أرقبه. قوله: ~~ولعقبه بكسر القاف وسكونها للتخفيف، والمراد ورثته الذين يأتون بعده. قوله: ~~حديقة هي البستان يكون عليه الحائط فعيلة بمعنى مفعولة، لأن الحائط أحدق ~~بها أي أحاط، ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط. ~~قوله: شرع بفتح الشين المعجمة والراء أي سواء. ذكر معنى ذلك في القاموس. ~~PageV06P120 # باب ما جاء في تصرف المرأة في مالها ومال زوجها عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أنفقت المرأة من طعام ~~زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن ~~مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا رواه الجماعة. وعن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن ~~غير أمره فله نصف أجره متفق عليه. ورواه أبو داود. وروي أيضا عن أبي هريرة ~~موقوفا: في المرأة تصدق من بيت زوجها؟ قال: # لا، إلا من قوتها والاجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا ~~بإذنه. # وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: يا رسول الله ليس لي شئ إلا ما أدخل ~~علي الزبير فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ فقال: ارضخي ما استطعت ولا ~~توعي فيوعي الله عليك متفق عليه. وفي لفظ عنها: أنها سألت النبي صلى الله ~~عليه ms2442 وآله وسلم أن الزبير رجل شديد ويأتيني المسكين فأتصدق عليه من بيته ~~بغير إذنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارضخي فلا توعي فيوعي ~~الله عليك رواه أحمد. # أثر أبي هريرة الموقوف عليه سكت عنه أبو داود والمنذري وإسناده لا بأس ~~به. ومحمد بن سوار قد وثقه ابن حبان وقال يغرب. (وفي الباب) عن أبي أمامة ~~عن الترمذي وحسنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تنفق ~~المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه، قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذلك ~~أفضل أموالنا. # قوله: إذا أنفقت المرأة الخ، قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذ تصدقت ~~المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه لكن في الشئ اليسير الذي لا يؤبه له ~~ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق ~~الاجمال وهو اختيار البخاري، وأما التقييد بغير الافساد فمتفق عليه. ومنهم ~~من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في ~~مصالحه، وليس ذلك بأن ينفقوا على الغرباء بغير إذن. ومنهم من فرق بين ~~المرأة فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر PageV06P121 # في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ~~فيشترط الاذن فيه. قال الحافظ وهو متعقب: بأن المرأة إن استوفت حقها فتصدقت ~~منه فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت. قوله: ~~وللخازن في رواية للبخاري من حديث أبي موسى التقييد بكون الخازن مسلما ~~فأخرج الكافر لكونه لا نية له وبكونه أمينا، فأخرج الخائن لأنه مأزور وتكون ~~نفسه بذلك طيبة لئلا تعدم النية فيفقد الاجر وهي قيود لا بد منها. قوله: ~~مثل ذلك ظاهره يقتضي تساويهم في الاجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول ~~الاجر في الجملة وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن قوله في حديث أبي هريرة: # فله نصف أجره يشعر بالتساوي. قوله: لا ينقص بعضهم الخ، المراد عدم ~~المساهمة والمزاحمة في الاجر، ويحتمل ms2443 أن يراد مساواة بعضهم بعضا. قوله: عن ~~غير أمره ظاهر هذه الرواية أنه يجوز للمرأة أن تنفق من بيت زوجها بغير إذنه ~~ويكون لها أوله نصف أجره على اختلاف النسختين كما سيأتي، وكذلك ظاهر رواية ~~أحمد المذكور في حديث أسماء، ولكن ليس فيها تعرض لمقدار الاجر، ويمكن أن ~~يقال: يحمل المطلق على المقيد، ولا يعارض ذلك قول أبي هريرة المذكور في ~~الباب، لأن أقوال الصحابة ليست بحجة ولا سيما إذا عارضت المرفوع، وإنما ~~يعارضه حديث أبي أمامة الذي ذكرناه، فإن ظاهره نهي المرأة عن الانفاق من ~~مال الزوج إلا بإذن، والنهي حقيقة في التحريم، والمحرم لا يستحق فاعله عليه ~~ثوابا، ويمكن أن يقال: إن النهي للكراهة فقط، والقرينة الصارفة إلى ذلك ~~حديث أبي هريرة وحديث أسماء، وكراهة التنزيه لا تنافي الجواز ولا تستلزم ~~عدم استحقاق الثواب. قال في الفتح: # والأولى أن يحمل يعني حديث أبي هريرة على ما إذا أنفقت من الذي يخصها إذا ~~تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه وكونه بغير ~~أمره، ويحتمل أن يكون أذن لها بطريق الاجمال لكن انتفى ما كان بطريق ~~التفصيل، قال: ولا بد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلا فحيث كان من ~~ماله بغير إذنه لا إجمالا ولا تفصيلا فهي مأزورة بذلك لا مأجورة، وقد ورد ~~فيه حديث ابن عمر عند الطيالسي وغيره اه. قوله: فله نصف أجره هكذا في رواية ~~للبخاري. وفي رواية أخرى: فلها نصف أجره وعلى النسخة الأولى يكون للرجل ~~الذي تصدقت امرأته من كسبه بغير إذنه نصف أجره PageV06P122 # على تقدير وقوع الاذن منه لها، وعلى النسخة الثانية يكون للمرأة المتصدقة ~~بغير إذن زوجها نصف أجرها على تقدير إذنه لها. قال في الفتح: أو المعنى ~~بالنصف أن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فلكل منهما أجر كامل ~~وهما اثنان فكأنهما نصفان. قوله: أن أرضخ بالضاد والخاء المعجمتين قال في ~~القاموس: رضخ له أعطاه عطاء غير كثير. قوله: ولا توعي فيوعي الله عليك ms2444 ~~بالنصب لكونه جواب النهي، والمعنى: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة ~~فتجازي بمثل ذلك. # وعن سعد قال: لما بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء قالت امرأة ~~جليلة كأنها من نساء مضر: يا نبي الله إناء كل على آبائنا وأولادنا؟ قال ~~أبو داود: # وأرى فيه وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكلنه وتهدينه ~~رواه أبو داود. وقال: الرطب الخبز والبقل والرطب. وعن جابر قال: شهدت العيد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ~~ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ ~~الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: تصدقن فإن أكثركن ~~حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ ~~قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير، قالت: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين ~~في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن متفق عليه. # حديث سعد سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد ~~بن سوار، وقد وثقه ابن حبان وقال: يغرب. قوله: قال الرطب بفتح الراء وسكون ~~الطاء المهملة، والرطب المذكور آخرا بضم الراء وفتح الطاء. قال في القاموس: ~~الرطب ضد اليابس، ثم قال: وبضمة وبضمتين الرعي الأخضر من البقل والشجر، ~~قال: وثمر رطيب مرطب وأرطب النخل حان أوان رطبه. (وفي الحديث) دليل على أنه ~~يجوز للمرأة أن تأكل من مال ابنها وأبيها وزوجها بغير إذنهم وتهادي، ولكن ~~ذلك مختص بالأمور المأكولة التي لا تدخر، فلا يجوز لها أن تهادي بالثياب ~~والدراهم والدنانير والحبوب وغير ذلك. وقوله: إنا كل بكسر الهمزة وتشديد ~~النون، وكل بفتح الكاف وتشديد اللام خبر إن، أي نحن عيال عليهم ليس لنا من ~~الأموال ما ننتفع به. قوله: فقامت امرأة قال الحافظ: لم أقف على تسمية هذه ~~PageV06P123 # المرأة إلا أنه يختلج في خاطري أنها أسماء بنت يزيد بن السكن التي تعرف ~~بخطيبة النساء، فإنها روت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقي ms2445 والطبراني ~~وغيرهما بلفظ: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى النساء وأنا معهن ~~فقال: # يا معشر النساء إنكن أكثر حطب جهنم، فناديت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وكنت عليه جريئة: ولم يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته فإن ~~القصة واحدة. قوله: من سطة النساء أي من خيارهن، والسفعاء التي في خدها ~~غبرة وسواد. والعشير المراد به ههنا الزوج. (والحديث) فيه فوائد منها ما ~~ذكره المصنف ههنا لأجله وهو جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن ~~زوجها أو على مقدار معين من مالها كالثلث. ووجه الدلالة من القصة ترك ~~الاستفصال عن ذلك كله. قال القرطبي: ولا يقال في هذا أن أزواجهن كانوا ~~حضورا لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك، فإن من ~~ثبت له حق فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك، ~~وسيأتي الخلاف في ذلك قريبا. ومنها أن الصدقة من دوافع العذاب لأنه أمرهن ~~بالصدقة ثم علل بأنهن أكثر أهل النار لما يقع منهن من كفران النعم وغير ~~ذلك. ومنها بذل النصيحة والاغلاظ بها لمن احتيج إلى ذلك في حقه. ومنها جواز ~~طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج. ومنها مشروعية ~~وعظ النساء وتعليمهن أحكام الاسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، وحثهن على ~~الصدقة وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أمنت الفتنة ~~والمفسدة. # وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يجوز ~~لامرأة عطية إلا بإذن زوجها رواه أحمد والنسائي وأبو داود. وفي لفظ: # لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها رواه الخمسة إلا ~~الترمذي. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد أخرجه البيهقي والحاكم في ~~المستدرك وفي إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديثه من قسم الحسن، ~~وقد صحح له الترمذي أحاديث، ms2446 ومن دون عمرو بن شعيب هم رجال الصحيح عند أبي ~~داود. # (وفي الباب) عن خيرة امرأة كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV06P124 # نحوه. قوله: أمر أي عطية من العطايا، ولعله عدل عن العطية إلى الامر لما ~~بين لفظ المرأة، والامر من الجناس الذي هو نوع من أنواع البلاغة. وقد استدل ~~بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي عطية من مالها بغير إذن زوجها ~~ولو كانت رشيدة، وقد اختلف في ذلك فقال الليث: لا يجوز لها ذلك مطلقا لا في ~~الثلث ولا فيما دونه إلا في الشئ التافه. وقال طاوس ومالك: إنه يجوز لها أن ~~تعطي مالها بغير إذنه في الثلث لا فيما فوقه فلا يجوز إلا بإذنه، وذهب ~~الجمهور إلى أنه يجوز لها مطلقا من غير إذن من الزوج إذا لم تكن سفيهة فإن ~~كانت سفيهة لم يجز. قال في الفتح: وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة ~~انتهى. وقد استدل البخاري في صحيحه على جواز ذلك بأحاديث ذكرها في باب هبة ~~المرأة لغير زوجها من كتاب الهبة، ومن جملة أدلة الجمهور حديث جابر المذكور ~~قبل هذا، وحملوا حديث الباب على ما إذا كانت سفيهة غير رشيدة، وحمل مالك ~~أدلة الجمهور على الشئ اليسير وجعل حده الثلث فما دونه، ومن جملة أدلة ~~الجمهور الأحاديث المتقدمة في أول الباب القاضية بأنه يجوز لها التصدق من ~~مال زوجها بغير إذنه، وإذا جاز لها ذلك في ماله بغير إذنه فبالأولى الجواز ~~في مالها، والأولى أن يقال: يتعين الاخذ بعموم حديث عبد الله بن عمرو، وما ~~ورد من الواقعات المخالفة له تكون مقصورة على مواردها أو مخصصة لمثل من ~~وقعت له من هذا العموم، وأما مجرد الاحتمالات فليست مما تقوم به الحجة. # باب ما جاء في تبرع العبد عن عمير مولى آبي اللحم قال: كنت مملوكا فسألت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتصدق من مالي مولاي بشئ؟ قال: نعم والاجر ~~بينكما رواه مسلم. وعنه قال: أمرني مولاي أن ms2447 أقدر لحما، فجاءني مسكين ~~فأطعمته منه فضربني، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له ذلك ~~فدعاه فقال: لم ضربته؟ فقال: يعطي طعامي من غير أن آمره، فقال: الاجر ~~بينكما رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن سلمان الفارسي قال: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بطعام وأنا مملوك فقلت: هذه صدقة، فأمر أصحابه فأكلوا ~~ولم يأكل، ثم أتيته بطعام فقلت: هذه هدية أهديتها PageV06P125 # لك أكرمك بها فإني رأيتك لا تأكل الصدقة، فأمر أصحابه فأكلوا وأكل معهم ~~رواه أحمد. وعن سلمان قال: كنت استأذنت مولاي في ذلك فطيب لي فاحتطبت حطبا ~~فبعته فاشتريت ذلك الطعام رواه أحمد. # حديث سلمان الأول في إسناده ابن إسحاق وبقية رجاله رجال الصحيح، وحديث ~~سلمان الثاني في إسناده أبو مرة سلمة بن معاوية. قال في مجمع الزوائد: # ولم أجد من ترجمه انتهى. ويشهد لصحة معناه ما في صحيح البخاري من حديث ~~عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى بطعام يسأل: ~~أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا، وإن قيل هدية ضرب به فأكل ~~معهم والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قوله: قال نعم والاجر بينكما فيه دليل ~~على أنه يجوز للعبد أن يتصدق من مال مولاه، وأنه يكون شريكا للمولى في ~~الاجر، وقد بوب البخاري في صحيحه لذلك فقال: باب من أمر خادمه بالصدقة ولم ~~يناول بنفسه. # وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أحد المتصدقين، ثم ~~أورد حديث عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أنفقت ~~المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره. ~~بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض. قال ابن رشيد: نبه يعني ~~البخاري بالترجمة على أن هذا الحديث مفسر لها، لأن كلا من الخازن والخادم ~~والمرأة أمين ليس له أن يتصرف إلا بإذن المالك نصا أو عرفا، إجمالا أو ~~تفصيلا انتهى. ولكن الرواية الأخرى من الحديث مشعرة بأن ms2448 يكتب للعبد أجر ~~الصدقة وإن كان بغير إذن سيده، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم بأن ~~الاجر بينهما بعد أن قال له سيد العبد أنه يعطي طعامه من غير أمره. قوله: # أن أقدر لحما. بفتح الهمزة وسكون القاف وكسر الدال المهملة أي اجعله في ~~القدر، والقدير والقادر ما يطبخ في القدر، ويطلق أيضا على القسمة، قال في ~~القاموس: قدر الرزق قسمه، وقال أيضا: قدرته أقدره قدارة هيأت ووقت وآبي ~~اللحم المذكور هو بالمد بزنة فاعل من الآباء، وقد قدمنا في هذا الشرح ~~التنبيه على ذلك، وإنما أعدناه ههنا لكثرة التباسه. PageV06P126 # كتاب الوقف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا مات ~~الانسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ~~ولد صالح يدعو له رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وعن ابن عمر أن عمر ~~أصاب أرضا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبت ~~أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست ~~أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في ~~الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن ~~يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول وفي لفظ: غير متأثل مالا رآه الجماعة. ~~وفي حديث عمرو بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكل ~~صديقا له غير متأثل. # قال: وكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر، ويهدي لناس من أهل مكة كان ينزل ~~عليهم أخرجه البخاري. وفيه من الفقه أن من وقف شيئا على صنف من الناس وولده ~~منهم دخل فيه. وعن عثمان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة ~~PageV06P127 # وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل فيها ~~دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي رواه ~~النسائي ms2449 والترمذي. وقال حديث حسن وفيه جواز انتفاع الواقف بوقفه العام. # حديث عثمان أخرجه البخاري أيضا تعليقا. قوله: إلا من ثلاثة أشياء فيه ~~دليل على أن ثواب هذه الثلاثة لا ينقطع بالموت، قال العلماء: معنى الحديث ~~أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء ~~الثلاثة لكونه كاسبها، فإن الولد من كسبه، وكذا ما يخلفه من العلم كالتصنيف ~~والتعليم، وكذا الصدقة الجارية وهي الوقف، وفيه الارشاد إلى فضيلة الصدقة ~~الجارية، والعلم الذي يبقى بعد موت صاحبه، والزوج الذي هو سبب حدوث ~~الأولاد، وهذا الحديث قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما ورد مورده في باب وصول ~~ثواب القراءة المهداة إلى الموتى من كتاب الجنائز. # قوله: أرضا بخيبر هي المسماة بثمغ كما في رواية للبخاري وأحمد، وثمغ بفتح ~~المثلثة والميم، وقيل: بسكون الميم وبعدها غين معجمة. قوله: أنفس منه ~~النفيس الجيد، قال الداودي: سمي نفيسا لأنه يأخذ بالنفس. قوله: وتصدقت بها ~~أي بمنفعتها، وفي رواية للبخاري: # حبس أصلها وسبل ثمرتها. وفي أخرى له: تصدق بثمره وحبس أصله. قوله: ولا ~~يورث زاد الدارقطني: حبيس ما دامت السماوات والأرض. في رواية للبيهقي: تصدق ~~بثمره وحبس أصله لا يباع ولا يورث. قال الحافظ: وهذا ظاهر أن الشرط من كلام ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهر ~~أنه من كلام عمر. وفي البخاري بلفظ: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره. وفي البخاري أيضا في ~~المزارعة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: تصدق بأصله لا يباع ولا ~~يوهب ولكن ينفق ثمره فتصدق به. فهذا صريح أن الشرط من كلام النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولا منافاة، لأنه يمكن الجمع بأن عمر شرط ذلك الشرط بعد أن ~~أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم به، فمن الرواة من رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ومنهم من وقفه على عمر لوقوعه منه امتثالا ms2450 للامر ~~الواقع منه صلى الله عليه وآله وسلم به. قوله: وذوي القربى قال في الفتح: ~~يحتمل أن يكون المراد بهم من ذكر في الخمس، ويحتمل أن يكون المراد ~~PageV06P128 # بهم قربى الواقف وبهذا جزم القرطبي. قوله: والضيف هو من نزل بقوم يريد ~~القرى. قوله: أن يأكل منها بالمعروف قيل: المعروف هنا هو ما ذكر في ولي ~~اليتيم، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب ما يحل لولي اليتيم من كتاب ~~التفليس. قال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو ~~اشترط الواقف أن العامل لا يأكل لاستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف القدر ~~الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ ~~منه بقدر عمله، والأول أولى كذا في الفتح. قوله: غير متمول أي غير متخذ ~~منها مالا أي ملكا. قال الحافظ: والمراد أنه لا يمتلك شيئا من رقابها. # قوله: غير متأثل بمثناة ثم مثلثة بينهما همزة وهو اتخاذ أصل المال حتى ~~كأنه عنده قديم، وأثلة كل شئ أصله. قوله: قال في صدقة عمر أي في روايته لها ~~عن ابن عمر كما جزم بذلك المزي في الأطراف، ورواه الإسماعيلي من طريق ابن ~~أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر. # قوله: وكان ابن عمر هو موصول الاسناد كما في رواية الإسماعيلي. قوله: ~~لناس بين الإسماعيلي أنهم آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص، وإنما ~~كان ابن عمر يهدي منه أخذا بالشرط المذكور وهو ويؤكل صديقا له، ويحتمل أن ~~يكون إنما أطعمهم من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف، فكان يؤخره ~~ليهدي لأصحابه منه. قال في الفتح: وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف، وقد ~~روى أحمد عن ابن عمر قال: أول صدقة أي موقوفة كانت في الاسلام صدقة عمر ~~ورواه عمر بن شبة عن عمر وبن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الاسلام ~~فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله صلى الله ms2451 عليه ~~وآله وسلم وفي إسناده الواقدي. وفي مغازي الواقدي: أن أول صدقة موقوفة كانت ~~في الاسلام أراضي مخيريق بالمعجمة مصغرا التي أوصى بها إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فوقفها. وقد ذهب إلى جواز الوقف ولزومه جمهور العلماء. قال ~~الترمذي: لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف ~~الأرضين، وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس، وقال أبو حنيفة: # لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلا زفر. وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه ~~قال: لو بلغ أبا حنيفة لقال به. واحتج الطحاوي لأبي حنيفة بأن قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حبس أصلها لا يستلزم التأبيد بل يحتمل أن يكون أراد ~~مدة PageV06P129 # اختياره، قال في الفتح: ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يفهم من قوله وقفت ~~وحبست إلا التأبيد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على ~~الرواية التي فيها حبيس ما دامت السماوات والأرض. قال القرطبي: راد الوقف ~~مخالف للاجماع فلا يلتفت إليه انتهى. ومما يؤيد هنا ما ذهب إليه الجمهور ~~حديث: أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله وهو متفق عليه، وقد ~~تقدم في الزكاة، ومن ذلك حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب فإن قوله: ~~صدقة جارية يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان الوقف ~~صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع. ومن ذلك قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا يباع ولا يوهب ولا يورث كما تقدم، فإن هذا منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بيان لماهية التحبيس التي أمر بها عمر، وذلك يستلزم لزوم ~~الوقف وعدم جواز نقضه وإلا لما كان تحبيسا والمفروض أنه تحبيس، ومن ذلك ~~حديث أبي قتادة عند النسائي وابن ماجة وابن حبان مرفوعا: خير ما يخلفه ~~الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به ~~من بعده. والجري يستلزم عند جواز النقض من الغير، ومن ذلك وقف أبي طلحة ~~الآتي. وقول رسول ms2452 الله صلى الله عليه وآله وسلم له: أرى أن تجعلها في ~~الأقربين. وما روي من حديث أنس عند الجماعة أن حسان باع نصيبه منه، فمع كون ~~فعله ليس بحجة روي أنه أنكر عليه، ومن ذلك وقف جماعة من الصحابة منهم علي ~~وأبو بكر والزبير، وسعيد وعمرو بن العاص، وحكيم بن حزام وأنس وزيد بن ثابت، ~~روى ذلك كله البيهقي، ومنه أيضا وقف عثمان لبئر رومة كما في حديث الباب. ~~(واحتج) لأبي حنيفة ومن معه بما أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لما نزلت آية الفرائض: لا حبس بعد ~~سورة النساء ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بمثله، ويجاب أيضا ~~بأن المراد بالحبس المذكور توقيف المال عن وارثه وعدم إطلاقه إلى يده، وقد ~~أشار إلى مثل ذلك في النهاية. وقال في البحر: أراد حبس الجاهلية للسائبة ~~والوصيلة والحام سلمنا، فليس في آية الميراث منع الوقف لافتراقهما انتهى. ~~وأيضا لو فرض أن المراد بحديث ابن عباس الحبس الشامل للوقف لكونه نكرة في ~~سياق النفي لكان مخصصا بالأحاديث المذكورة في الباب، واحتج لهم أيضا على ~~عدم لزوم حكم الوقف بما رواه الطحاوي PageV06P130 # وابن عبد البر عن الزهري أن عمر قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لرددتها وهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه، وأن ~~الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكره أن ~~يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره، ويجاب عنه بأنه لا حجة في أقوال ~~الصحابة وأفعالهم إلا إذا وقع الاجماع منهم ولم يقع ههنا، وأيضا هذا الأثر ~~منقطع لأن الزهري لم يدرك عمر، فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز ~~نقضها بعد فعلها لا للواقف ولا لغيره. # وقد حكي في البحر عن محمد وابن أبي ليلى أن الوقف لا ينفذ إلا بعد القبض، ~~وإلا فللواقف الرجوع لأنه صدقة ومن شرطها القبض، ويجاب بأنه ms2453 بعد التحبيس قد ~~تعذر الرجوع وإلحاقه بالصدقة إلحاق مع الفارق. قوله: من يشتري بئر رومة بضم ~~الراء وسكون الواو. وفي رواية للبغوي في الصحابة من طريق بشر بن بشير ~~الأسلمي عن أبيه أنها كانت للرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع ~~منها القربة بمد، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تبيعنيها بعين في ~~الجنة؟ فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ~~فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم، قال: قد جعلتها للمسلمين. وللنسائي ~~من طريق الأحنف عن عثمان قال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك وزاد أيضا ~~في رواية من هذه الطريق: أن عثمان قال ذلك وهو محصور، وصدقه جماعة منهم علي ~~بن أبي طالب عليه السلام وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. قوله: فيجعل فيها ~~دلوه مع دلاء المسلمين فيه دليل على أنه يجوز للواقف أن يجعل لنفسه نصيبا ~~من الوقف، ويؤيده جعل عمر لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، وظاهره عدم ~~الفرق بين أن يكون هو الناظر أو غيره. قال في الفتح: # ويستنبط منه صحة الوقف عن النفس وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في ~~الأرجح عنه، وقال به ابن شعبان من المالكية وجمهورهم على المنع إلا إذا ~~استثنى لنفسه شيئا يسيرا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته. ومن الشافعية ~~ابن سريج وطائفة، وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ البخاري جزءا ~~ضخما، واستدل له بقصة عمر هذه وبقصة راكب البدنة، وبحديث أنس في أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. ووجه الاستدلال به أنه ~~أخرجها من ملكه PageV06P131 # بالعتق وردها إليه بالشرط اه. وقد حكي في البحر جواز الوقف على النفس عن ~~العترة وابن شبرمة والزبيري وابن الصباغ، وعن الشافعي ومحمد والناصر أنه لا ~~يصح الوقف على النفس، قالوا: لأنه تمليك، فلا يصح أن يتملكه لنفسه ms2454 من نفسه ~~كالبيع والهبة، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: سبل الثمرة وتسبيل الثمرة ~~تمليكها للغير. وقال في الفتح وتعقب بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعه ~~تمليكه لنفسه إنما هو لعدم الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة لأن استحقاقه ~~إياه ملكا غير استحقاقه إياه وقفا اه. ويؤيد صحة الوقف على النفس حديث ~~الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندي دينار، فقال: تصدق به ~~على نفسك أخرجه أبو داود والنسائي، وأيضا المقصود من الوقف تحصيل القربة ~~وهي حاصلة بالصرف إلى النفس. # باب وقف المشاع والمنقول عن ابن عمر قال: قال عمر للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إن المائة السهم التي لي بخيبر لم أصب مالا قط أعجب إلي منها قد ~~أردت أن أتصدق بها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أحبس أصلها وسبل ~~ثمرتها رواه النسائي وابن ماجة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا فإن شبعه ~~وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات رواه أحمد والبخاري. وعن ابن عباس ~~قال: # أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحج فقالت امرأة لزوجها: أحجني ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ما عندي ما أحجك عليه، قالت: ~~أحجني على جملك فلان، قال: ذلك حبيس في سبيل الله، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسأله فقال: أما أنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله رواه ~~أبو داود. # وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق خالد: قد احتبس ~~أدراعه وأعتاده في سبيل الله. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا الشافعي ورجال إسناده ثقات، وهو متفق عليه من ~~حديث أبي هريرة كما تقدم، وله طرق عند الشيخين. وحديث ابن عباس PageV06P132 # أخرجه أيضا ابن خزيمة في صحيحه، وأخرجه أيضا البخاري والنسائي مختصرا، ~~وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات، وقد تقدم نحوه من حديث أم ~~معقل الأسدية ms2455 في باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل من كتاب الزكاة. # وحديث تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده ثم تقدم أيضا في باب ما جاء في تعجيل ~~الزكاة من كتاب الزكاة. قوله: إن المائة السهم الخ، استدل المصنف بهذا ~~الحديث على صحة وقف المشاع، وقد حكي صحة ذلك في البحر عن الهادي والقاسم ~~والناصر والشافعي وأبي يوسف ومالك، واحتج لهم بأن عمر وقف مائة سهم بخيبر ~~ولم تكن مقسومة. وحكي في البحر أيضا عن الامام يحيى ومحمد أنه لا يصح وقف ~~المشاع لأن من شرطه التعيين. # وحكي أيضا عن المؤيد بالله أنه يصح فيما قسمته مهايأة لا في غيره لتأديته ~~إلى منع القسمة أو بيع الوقف. وعن أبي طالب يصح فيما قسمته إفراز كالأرض ~~المستوية وإلا فلا. وأوضح ما احتج به من منع من وقف المشاع أن كل جزء من ~~المشترك محكوم عليه بالمملوكية للشريكين، فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن ~~يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين، مثل صحة البيع بالنسبة إلى كونه مملوكا، ~~وعدم الصحة بالنسبة إلى كونه موقوفا، فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها، ويتصف ~~بذلك الجملة. # وأجاب صاحب المنار عن هذا بأنه نظير العتق المشاع، وقد صح ذلك هناك كحديث ~~الستة الأعبد كما صح هنا، وإذا صح من جهة الشارع بطل هذا الاستدلال. وقد ~~استدل البخاري على صحة وقف المشاع بحديث أنس في قصة بناء المسجد وأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثامنوني حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا ~~إلى الله عز وجل وهذا ظاهر في جواز وقف المشاع، ولو كان غير جائز لأنكر ~~عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولهم هذا وبين لهم الحكم. وحكى ابن ~~المنير عن مالك أنه لا يجوز وقف المشاع إذا كان الواقف واحدا لأنه يدخل ~~الضرر على شريكه. قوله: من احتبس فرسا الخ، فيه دليل على أنه يجوز وقف ~~الحيوان، وإليه ذهب العترة والشافعي والجمهور. # وقال أبو حنيفة: لا يصح لعدم دوامه. وقال محمد: يصح في الخيل فقط إذ هي ~~معروضة للتلف. ms2456 وحديث الباب يرد عليهما. ويؤيد الصحة حديث عمر بن الخطاب ~~المتقدم في باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به من كتاب الزكاة فإن فيه: ~~أن عمر حمل على فرس في سبيل الله واطلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ذلك وقرره ونهاه PageV06P133 # عن شرائه برخص وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الوقف باب وقف الدواب ~~والكراع والعروض والصامت، ومن أدلة الصحة حديث ابن عباس المذكور، وحديث ~~تحبيس خالد، يدل على جواز وقف المنقولات، وقد تقدم الكلام عليه. # باب من وقف أو تصدق على أقربائه أو وصى لهم من يدخل فيه عن أنس أن أبا ~~طلحة قال: يا رسول الله إن الله يقول: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون) * وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند ~~الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال: بخ بخ ذلك مال رابح مرتين ~~وقد سمعت أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، ~~فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه. وفي رواية: لما نزلت هذه ~~الآية: * (لن تنالوا البر) * قال أبو طلحة: يا رسول الله أرى ربنا يسألنا ~~من أموالنا، فأشهدك أني جعلت أرضي بيرحاء لله فقال: اجعلها في قرابتك، قال: ~~فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب رواه أحمد ومسلم. وللبخاري معناه وقال ~~فيه: اجعلها لفقراء قرابتك قال محمد بن عبد الله الأنصاري: أبو طلحة زيد بن ~~سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن ~~النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام وهو الأب ~~الثالث، وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن ~~النجار، فعمرو يجمع حسانا وأبا طلحة وأبيا، وبين أبي وأبي طلحة ستة آباء. ~~وعن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشا، ms2457 فاجتمعوا فعم وخص فقال: يا بني ~~كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من ~~النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا ~~أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب ~~أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم ~~من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها متفق عليه ولفظ لمسلم. # قوله: بيرحاء بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء وبالمهملة والمد، ~~وجاء في ضبطه أوجه كثيرة جمعها ابن الأثير في النهاية فقال: ويروى بفتح ~~الباء PageV06P134 # وكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات. وفي رواية ~~حماد بن سلمة بريحا بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية وهي عند ~~مسلم، ورجح هذه صاحب الفائق وقال: هي وزن فعيلة من البراح وهي الأرض ~~الظاهرة المنكشفة، وعند أبي داود بأريحا وهي بإشباع الموحدة والباقي مثله، ~~ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فإن أريحا من الأرض المقدسة. قال ~~الباجي: أفصحها بفتح الباء الموحدة وسكون الياء وفتح الراء مقصورا، وكذا ~~جزم به الصغاني. وقال الباجي أيضا: أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذر يفتحون ~~الراء في كل حال، قال الصوري: وكذا الباء الموحدة. قوله: بخ بخ كلاهما بفتح ~~الموحدة وسكون المعجمة وقد ينون مع التثقيل أو التخفيف بالكسر وبالرفع ~~لغات. قال في الفتح: وإذا كررت فالاختيار أن تنون الأولى وتسكن الثانية وقد ~~يسكنان جميعا، كما قال الشاعر: # بخ بخ لوالد وللمولود ومعناهما تفخيم الامر والاعجاب به. قوله: رابح شك ~~القعنبي هل هو بالتحتانية أو بالموحدة؟ ورواه البخاري عنه بالشك. قوله: في ~~الأقربين اختلف العلماء في الأقارب فقال أبو حنيفة: القرابة كل ذي رحم محرم ~~من قبل الأب أو الام، ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الام. وقال أبو يوسف ~~ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أم من غير تفصيل، زاد زفر: ~~ويقدم من قرب وهو رواية ms2458 عن أبي حنيفة، وأقل من يدفع له ثلاثة، وعند محمد ~~اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم، إلا إن شرط ذلك. ~~وقالت الشافعية: القريب من اجتمع في النسب، سواء قرب أم بعد، مسلما كان أو ~~كافرا، غنيا أو فقيرا، ذكرا أو أنثى، وارثا أو غير وارث، محرما أو غير ~~محرم، واختلفوا في الأصول والفروع على وجهين وقالوا: # إن وجد جمع محصورون أكثر من ثلاثة استوعبوا. وقيل: يقتصر على ثلاثة، وإن ~~كانوا غير محصورين فنقل الطحاوي الاتفاق على البطلان. قال الحافظ: وفيه ~~نظر، لأن عند الشافعية وجها بالجواز ويصرف منهم لثلاثة ولا يجب التسوية. ~~وقال أحمد في القرابة كالشافعي إلا أنه أخرج الكافر، وفي رواية عنه: ~~القرابة كل من جمعه، والموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه. وقال مالك: ~~يختص بالعصبة سواء كان يرثه أو لا، ويبدأ بفقرائهم حتى يغنوا، ثم يعطي ~~الأغنياء، هكذا في الفتح. وحكي في البحر عن مالك أن ذلك يختص بالوارث، وعند ~~الهادوية: أن القرابة والأقارب لمن PageV06P135 # ولده جدا أبوي الواقف، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل ~~سهم ذوي القربى لبني هاشم جد أبيه عبد الله، وهذا ظاهر في جد الأب، وأما جد ~~الام فلا، بل هو يدل على خلاف المدعي من هذه الحيثية، إذ لم يصرف النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى من ينسب إلى جد أمه، وأجاب صاحب شرح الأنمار أن ~~خروج من ينتسب إلى جد الام هنا مخصص من عموم الآية، والعموم يصح تخصيصه، ~~فلا يلزم إذا خص ههنا أن يخرجوا حيث لم يخص. وقد استدل أيضا على خروج من ~~ينتسب إلى جد الام بأنهم ليسوا بقرابة، لأن القرابة العشيرة والعصبة، وليس ~~من كان من قبل الام بعصبة ولا عشيرة وإن كانوا أرحاما وأصهارا، ولهذا قال ~~في البحر: وقرابتي وأقاربي أو ذوو أرحامي لمن ولده جد أبيه ما تناسلوا ~~لصرفه صلى الله عليه وآله وسلم سهم ذوي القربى في الهاشميين والمطلبيين، ~~وعلل إعطاء المطلبيين بعدم الفرقة لا ms2459 القرب وهو الظاهر، كما وقع منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم التصريح بذلك لما سأله بعض بني عبد شمس عن تخصيص ~~المطلبيين بالعطاء دونهم فقال: إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام. ولو ~~كان الصرف إليهم لقرابتي فقط لكان حكمهم وحكم بني عبد شمس واحدا، لأنهم ~~متحدون في القرب إليه صلى الله عليه وآله وسلم. قوله أفعل بضم اللام على ~~أنه قول أبي طلحة. قوله: فقسمها أبو طلحة فيه تعيين أحد الاحتمالين في لفظ ~~أفعل، فإنه احتمل أن يكون فاعله أبو طلحة كما تقدم، واحتمل أن يكون صيغة ~~أمر، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية. # وذكر ابن عبد البر أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبي عن مالك فقال في ~~روايته: # فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أقاربه وبني عمه، أي في ~~أقارب أبي طلحة وبني عمه. قال ابن عبد البر: إضافة القسم إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإن كان شائعا في لسان العرب على معنى أنه الآمر به ~~لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال: فقسمها أبو طلحة. ~~قوله: في أقاربه وبني عمه في الرواية الثانية فجعلها في حسان بن ثابت وأبي ~~بن كعب، وقد تمسك به من قال: # أقل من يعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان وفيه نظر، لأنه وقع ~~في رواية للبخاري فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه وكان منهم حسان وأبي بن كعب، ~~فدل ذلك على أنه أعطى غيرهما معهما، وفي مرسل أبي بكر بن حزم: فرده على ~~PageV06P136 # أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وأخيه أو ابن أخيه شداد بن أوس ونبيط ~~بن جابر فتقاوموه فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم. قوله: ابن حرام ~~بالمهملتين. قوله: ابن زيد مناة هو بالإضافة. قوله: وبين أبي وأبي طلحة ستة ~~آباء قال في الفتح: هو ملبس مشكل. وشرع الدمياطي في بيانه: ويغني عن ذلك ما ~~وقع في رواية المستملي حيث قال عقب ذلك: وأبي بن كعب هو ms2460 ابن قيس بن عبيد بن ~~زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار فعمرو بن مالك يجمع حسانا وأبا ~~طلحة وأبيا اه. وفي قصة أبي طلحة هذه فوائد منها أن الوقف لا يحتاج في ~~انعقاده إلى قبول الموقوف عليه. (واستدل) به الجمهور، على أن من أوصى أن ~~يفرق ثلث ماله حيث أرى الله الوصي أنها تصح وصيته ويفرقه الوصي في سبيل ~~الخير، ولا يأكل منه شيئا، ولا يعطي منه وارثا للميت، وخالف في ذلك أبو ~~ثور. وفيه جواز التصدق من الحي في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله، لأنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به. وقال لسعد ~~بن أبي وقاص في مرضه: # الثلث كثير. وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم. وفيه جواز إضافة حب ~~المال إلى الرجل الفاضل العالم ولا نقص عليه في ذلك. وقد أخبر الله تعالى ~~عن الانسان أنه لحب الخير لشديد، والخير هنا المال اتفاقا كما قال صاحب ~~الفتح. وفيه التمسك بالعموم، لأن أبا طلحة فهم من قوله تعالى: * (لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون) * (سورة آل عمران، الآية: 92) تناول ذلك لجميع ~~أفراده، فلم يقف حتى يرد عليه البيان عن شئ بعينه، بل بادر إلى إنفاق ما ~~يحبه، فأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. وفيه جواز تولي ~~المتصدق لقسم صدقته. وفيه جواز أخذ الغني من صدقة التطوع إذا حصلت له بغير ~~مسألة، واستدل به على مشروعية الحبس والوقف. قال الحافظ: ولا حجة فيه ~~لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة صدقة تمليك، قال: وهو ظاهر سياق الماجشون عن ~~إسحاق يعني في رواية البخاري وفيه: أنه لا يجب الاستيعاب لأن بني حرام الذي ~~اجتمع فيه أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيرا. قوله: فعم وخص أي جاء ~~بالعام أولا فنادى بني كعب، ثم خص بعض البطون فنادى بني مرة بن كعب وهم بطن ~~من بني كعب ثم كذلك. وفيه دليل على أن جميع من ناداهم ms2461 رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يطلق عليهم لفظ الأقربين، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم PageV06P137 # فعل ذلك ممتثلا لقوله تعالى: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * (سورة الشعراء، ~~الآية: 214) واستدل به أيضا على دخول النساء في الأقارب لعموم اللفظ ولذكره ~~صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة. وفي رواية للبخاري من حديث أبي هريرة هذا ~~أيضا: أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر عمته صفية. واستدل به أيضا على دخول ~~الفروع وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلما. قال في الفتح: ويحتمل ~~أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمة للعشيرة، والمراد بعشيرته قومه وهم قريش. ~~وقد روى ابن مردويه من حديث عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذكر قريشا فقال: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * يعني قومه، وعلى هذا فيكون قد ~~أمر بإنذار قومه، فلا يختص بالأقرب منهم دون الأبعد، فلا حجة فيه في مسألة ~~الوقف، لأن صورتها ما إذا وقف على قرابته أو على أقرب الناس إليه مثلا، ~~والآية تتعلق بإنذار العشيرة. وقال ابن المنير: لعله كان هناك قرينة فهم ~~بها صلى الله عليه وآله وسلم تعميم الانذار ولذلك عمهم اه. ويحتمل أن يكون ~~أولا خص أتباعا لظاهر القرابة، ثم عم لما عنده من الدليل على التعميم لكونه ~~أرسل إلى الناس كافة. قوله: سأبلها ببلالها بكسر الباء قال في القاموس: بل ~~رحمه بلا وبلالا بالكسر وصلها وكقطام اسم لصلة الرحم اه. # باب أن الوقف على الولد يدخل فيه ولد الولد بالقرينة لا بالاطلاق عن أنس ~~قال: بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهي تبكي وقالت: قالت لي حفصة أنت ابنة يهودي، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، فبم ~~تفتخر عليك؟ ثم قال: اتق الله يا حفصة رواه أحمد والترمذي وصححه. وعن أبي ~~بكرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صعد المنبر فقال: إن ابني هذا سيد ms2462 ~~يصلح الله على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين يعني الحسن بن علي رواه ~~أحمد والبخاري والترمذي. وفي حديث عن أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال لعلي: وأما أنت يا علي فختني وأبو ولدي رواه أحمد. وعن أسامة ~~بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وحسن وحسين على PageV06P138 # وركيه: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما، فأحبهما وأحب من ~~يحبهما رواه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب. وقال البراء: عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب وهو في حديث متفق ~~عليه. وعن زيد بن أرقم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار رواه أحمد ~~والبخاري. # وفي لفظ: اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذراريهم رواه الترمذي ~~وصححه. # حديث أنس أخرجه أيضا النسائي. وحديث أسامة بن زيد الأول قد ورد في معنى ~~المقصود منه أحاديث: منها عن عمر بن الخطاب رفعه عند الطبراني بلفظ: كل ولد ~~أم فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم. وعن ابن ~~عباس عند الخطيب بنحوه. وعن جابر عند الطبراني في الكبير بنحوه أيضا قال ~~السخاوي في رسالته الموسومة بالاسعاف بالجواب على مسألة الاشراف بعد أن ساق ~~حديث جابر بلفظ: أن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وأن الله جعل ذريتي في ~~صلب علي بن أبي طالب ما لفظه: وقد كنت سئلت عن هذا الحديث وبسطت الكلام ~~عليه وبينت أنه صالح للحجة وبالله التوفيق اه. وفي الميزان في حرف العين ~~منه في ترجمة عبد الرحمن بن محمد الحاسب ما لفظه: لا يدري من ذا وخبره ~~مكذب. وروى الخطيب من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد عن أبيه عن ~~خزيمة بن حازم: حدثني المنصور يعني الدوانيقي، حدثني أبي عن أبيه علي عن ~~جده قال: كنت أنا وأبي العباس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ ms2463 ~~دخل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لله أشد حبا لهذا مني إن الله ~~جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي في صلب علي اه. وذكر في الميزان أيضا ~~في ترجمة عثمان بن أبي شيبة أحاديث عنه من جملتها حديث: لكل بني أب عصبة ~~ينتمون إليه إلا ولد فاطمة أنا عصبتهم ثم حكي عن العقيلي بعد أن ساق هذا ~~الحديث وغيره أنه قال: عبد الله بن أحمد بن حنبل أنكر أبي هذه الأحاديث ~~أنكرها جدا وقال: هذه موضوعة مع أحاديث من هذا النحو. قال الذهبي بعد ذلك ~~قلت: عثمان بن أبي شيبة لا يحتاج إلى متابع ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث ~~لسعة ما روي وقد يغلط. وقد اعتمده الشيخان في PageV06P139 # صحيحهما اه. وحديث أسامة الآخر أخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث البراء ~~بدون قوله هذان ابناي ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر حسنا ~~وحسينا فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما وأخرجه أيضا الشيخان من حديثه بلفظ: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن على عاتقه يقول: اللهم ~~إني أحبه فأحبه. قوله: إنك لابنة نبي إنما قال لها ذلك لأنها من ذرية هارون ~~وعمها موسى، وبنو قريظة من ذرية هارون فسمى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم هارون أبا لها، وبينها وبينه آباء متعددون، وكذلك جعل الحسن ابنا له ~~وهو ابن ابنته، وكذلك الحسين كما في سائر الأحاديث، ووصف نفسه بأنه ابن عبد ~~المطلب وهو جده، وجعل لأبناء الأنصار وأبنائهم حكم الأنصار، وذلك كله يدل ~~على أن حكم أولاد الأولاد حكم الأولاد، فمن وقف على أولاده دخل في ذلك ~~أولاد الأولاد ما تناسلوا وكذلك أولاد البنات. وفي ذلك خلاف، ومما يؤيد ~~القول بدخول أولاد البنات ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ~~والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ابن أخت القوم منهم. وللأحاديث المذكورة في الباب فوائد خارجة عن مقصود ~~المصنف من ذكرها في ms2464 هذا الباب، والتعرض لذلك يستدعي بسطا طويلا فلنقتصر على ~~بيان المطلوب منها ههنا. # باب ما يصنع بفاضل مال الكعبة عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا ~~المسجد فقال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها ~~صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ ~~قلت: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يقتدى بهما رواه أحمد والبخاري. ~~وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لولا أن ~~قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ~~ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر. PageV06P140 # قوله: جلست إلى شيبة هو ابن عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد ~~الله بن عبد الدار بن قصي العبدري الحجبي بفتح المهملة والجيم ثم موحدة ~~نسبة الحجابة الكعبة. قوله: فيها أي في الكعبة، والمراد بالصفراء الذهب ~~وبالبيضاء الفضة. # قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز ~~الذي بها وهو ما كان يهدي إليها فيدخر ما يزيد على الحاجة، وأما الحلي ~~فمحبسة عليها كالقناديل فلا يجوز صرفها في غيرها. وقال ابن الجوزي: كانوا ~~في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيما لها فيجتمع فيها. قوله: هما ~~المرآن تثنية مرء بفتح الميم ويجوز ضمها والراء ساكنة على كل حال بعدها ~~همزة أي الرجلان. قوله: يقتدى بهما في رواية للبخاري: أقتدي بهما قال ابن ~~بطال: أراد عمر ذلك لكثرة إنفاقه في منافع المسلمين، ثم لما ذكر أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعرض له أمسك، وإنما ترك ذلك لأن ما جعل في ~~الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم ~~للاسلام وترهيب للعدو. قال في الفتح: أما التعليل الأول فليس بظاهر من ~~الحديث، بل يحتمل أن يكون تركه صلى الله عليه وآله وسلم لذلك رعاية لقلوب ~~قريش، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ثم ms2465 أيد هذا الاحتمال بحديث ~~عائشة المذكور في الباب ثم قال: فهذا هو التعليل المعتمد اه. والمصير إلى ~~هذا الاحتمال لا بد منه لنصه صلى الله عليه وآله وسلم عليه، فلا يلتفت إلى ~~الاحتمالات المخالفة له، وعلى هذا فإنفاقه جائز، كما جاز لابن الزبير بناء ~~البيت على قواعد إبراهيم لزوال السبب الذي لأجله ترك بناءه صلى الله عليه ~~وآله وسلم. واستدل التقي السبكي بحديث أبي وائل هذا على جواز تحلية الكعبة ~~بالذهب والفضة وتعليق قناديلهما فيها وفي مسجد المدينة فقال: هذا الحديث ~~عمدة في مال الكعبة وهو ما يهدي إليها أو ينذر لها. قال: وأما قول الشافعي ~~لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة ولا تعليق قناديلهما فيها، ثم حكي ~~وجهين في ذلك أحدهما الجواز تعظيما كما في المصحف والآخر المنع إذ لم يقل ~~أحد من السلف به فهذا مشكل، لأن للكعبة من التعظيم ما ليس لبقية المساجد ~~بدليل تجويز سترهما بالحرير والديباج، وفي جوز ستر المساجد بذلك خلاف، ثم ~~تمسك للجواز بما وقع في أيام الوليد بن عبد الملك من تذهيبه سقوف المسجد ~~النبوي قال: ولم ينكر ذلك عمر بن عبد العزيز ولا أزاله في خلافته، ثم استدل ~~للجواز بأن تحريم استعمال الذهب والفضة PageV06P141 # إنما هو فيما يتعلق بالأواني المعدة للاكل والشرب ونحوهما، قال: وليس في ~~تحلية المساجد بالقناديل الذهب شئ من ذلك، ويجاب عنه بأن حديث أبي وائل لا ~~يصلح للاستدلال به على جواز تحلية الكعبة وتعليق القناديل من الذهب والفضة ~~كما زعم، لأنه إن أراد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك ~~وقرره فقد عرفت الحامل له صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وإن أراد وقوع ~~الاجماع من الصحابة أو ممن بعدهم عليه فممنوع، وإن أراد غير ذلك فما هو. ~~وأما القياس على ستر الكعبة بالحرير والديباج فقد تعقب بأن تجويز ذلك قام ~~الاجماع عليه، وأما التحلية بالذهب والفضة فلم ينقل عن فعل من يقتدي به كما ~~قال في الفتح، وفعل الوليد وترك عمر بن ms2466 عبد العزيز لا حجة فيهما، نعم القول ~~بالتحريم يحتاج إلى دليل، ولا سيما مع ما قدمنا من اختصاص تحريم استعمال ~~آنية الذهب والفضة بالاكل والشرب ولكن لا أقل من الكراهة، فإن وضع الأموال ~~التي ينتفع بها أهل الحاجات في المواضع التي لا ينفع الوضع فيها آجلا ولا ~~عاجلا مما لا يشك في كراهته. كتاب الوصايا باب الحث على الوصية والنهي عن ~~الحيف فيها وفضيلة التنجيز حال الحياة عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شئ يريد أن يوصي فيه ~~إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه رواه الجماعة واحتج به من يعمل بالخط إذا عرف. # قوله كتاب الوصايا قال في الفتح: الوصايا جمع وصية كالهدايا، وتطلق على ~~فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى ~~المصدر وهو الايصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم. وهي في الشرع عهد خاص ~~مضاف إلى ما بعد الموت، قال الأزهري: الوصية من وصيت الشئ بالتخفيف أصيه ~~إذا وصلته، وسميت وصية لأن الميت PageV06P142 # يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصية بالتشديد، ووصاة ~~بالتخفيف بغير همز، وتطلق شرعا أيضا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث ~~على المأمورات. # قوله: ما حق ما نافية بمعنى ليس والخبر ما بعد إلا. وروى الشافعي عن ~~سفيان بلفظ: ما حق امرئ يؤمن بالوصية الحديث أي يؤمن بأنها حق، كما حكاه ~~ابن عبد البر عن ابن عيينة، ورواه ابن عبد البر والطحاوي بلفظ: لا يحل ~~لامرئ مسلم له مال وقال الشافعي: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم ~~إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وكذا قال الخطابي. قوله: مسلم قال في ~~الفتح: هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع ~~المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الاسلام عن تارك ذلك، ووصية ~~الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الاجماع. قوله: يبيت صفة ~~لمسلم كما جزم ms2467 به الطيبي. قوله: ليلتين في رواية للبيهقي وأبي عوانة: ليلة ~~أو ليلتين. ولمسلم والنسائي: ثلاث ليال. قال الحافظ: وكأن ذكر الليلتين ~~والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا ~~القدر ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا ~~للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة، وفي ~~إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير وكأن الثلاث غاية التأخير، ولذلك قال ابن ~~عمر: لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك إلا ~~ووصيتي عندي قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة ~~المبالغة: أي لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث ~~فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. قال العلماء: لا يندب أن يكتب جميع الأشياء ~~المحقرة ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء به عن قرب. # (وقد استدل) بهذا الحديث مع قوله تعالى: * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت) * (سورة البقرة، الآية: 180) الآية على وجوب الوصية، وبه قال جماعة ~~من السلف منهم عطاء والزهري وأبو مجلز وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه ~~البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود وأبو عوانة الأسفراييني ~~وابن جرير. قال في الفتح وآخرون وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة وليست ~~بواجبة، ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الاجماع وهي مجازفة لما ~~عرفت. وأجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة كما في البخاري عن ابن عباس ~~قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من PageV06P143 # ذلك ما أحب فجعل لكل واحد من للأبوين السدس. وأجاب القائلون بالوجوب بأن ~~الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما من لا يرث فليس في ~~الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه. وأجاب من قال بعدم ~~الوجوب عن الحديث بأن قوله: ما حق الخ للحزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه ~~الموت وهو على غير وصية. وقيل: الحق لغة الشئ الثابت، ويطلق شرعا ms2468 على ما ~~ينبت به الحكم وهو أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا، وقد يطلق على المباح ~~قليلا، قاله القرطبي. وأيضا تفويض الامر إلى إرادة الموصي يدل على عدم ~~الوجوب، ولكنه يبقى الاشكال في الرواية المتقدمة بلفظ: لا يحل لامرئ مسلم ~~وقد قيل: إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز ~~بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، وقد اختلف القائلون ~~بالوجوب فقال أكثرهم: تجب الوصية في الجملة، وقال طاوس وقتادة وجابر بن زيد ~~في آخرين: تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة. وقال أبو ثور: وجوب الوصية في ~~الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به ~~كالوديعة والدين ونحوهما، قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: له شئ يريد أن ~~يوصي فيه. قال في الفتح: وحاصله يرجع إلى قول الجمهور أن الوصية غير واجبة ~~بعينها وإنما الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت ~~بتنجيز أو وصية، ومحل وجوب الوصية إنما هو إذا كان عاجزا عن تنجيزه ولم ~~يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته، فأما إذا كان قادرا أو علم بها غيره ~~فلا وجوب، قال: وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة، وقد تكون ~~مندوبة فيمن رجا منها كثرة الاجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن استوى ~~الأمران فيه، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس: الاضرار ~~في الوصية من الكبائر رواه سعيد بن منصور موقوفا بإسناد صحيح، ورواه ~~النسائي مرفوعا ورجاله ثقات. وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في ~~البخاري وغيره عن عائشة: أنها أنكرت أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أوصى وقالت: متى أوصى وقد مات بين سحري ونحري؟ وكذلك ما ثبت أيضا في ~~البخاري عن ابن أبي أوفى أنه قال: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يوص. وأخرج أحمد وابن ماجة قال الحافظ بسند قوي عن ابن عباس في أثناء ms2469 حديث ~~فيه أمر النبي PageV06P144 # صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يصلي في الناس قال في آخره: مات رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يوص. قالوا: ولو كانت الوصية واجبة لما ~~تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأجيب بأن المراد بنفي الوصية ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم ففي الوصية بالخلافة لا مطلقا، بدليل أنه قد ~~ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم الوصية بعدة أمور كأمره صلى الله عليه ~~وآله وسلم في مرضه لعائشة بإنفاق الذهبية كما ثبت من حديثها عند أحمد وابن ~~سعد وابن خزيمة. وفي المغازي لابن إسحاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~قال: لم يوص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند موته إلا بثلاث لكل من ~~الداريين والرهاويين والأشعريين بجاد مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في ~~جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: وأوصى ~~بثلاث أن يجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. الحديث. وأخرج أحمد والنسائي ~~وابن سعد عن أنس: كانت غاية وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم. وله شاهد من حديث علي عند أبي داود ~~وابن ماجة. ومن حديث أم سلمة عند النسائي بسند جيد، والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة أورد منها صاحب الفتح في كتاب الوصايا شطرا صالحا وقد جمعت في ذلك ~~رسالة مستقلة. واستدلوا أيضا على توجيه نفي من نفي الوصية مطلقا إلى ~~الخلافة بما في البخاري عن عمر: قال: مات رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولن يستخلف. وبما أخرجه البيهقي عن علي: أنه لما ظهر يوم الجمل قال: ~~يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعهد إلينا في هذه ~~الامارة شيئا الحديث. قال القرطبي: كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بالخلافة لعلي، فرد ذلك جماعة من ~~الصحابة وكذا من بعدهم، ms2470 فمن ذلك ما استدلت به عائشة يعني الحديث المتقدم. ~~ومن ذلك أن عليا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره لأحد ~~من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء ينتقصون عليا من حيث قصدوا تعظيمه لأنهم ~~نسبوه مع شجاعته العظمى وصلابته إلى المداهنة والتقييد والاعراض عن طلب حقه ~~مع قدرته على ذلك اه. ولا يخفى أن نفي عائشة للوصية حال الموت لا يستلزم ~~نفيها في جميع الأوقات، فإذا أقام البرهان الصحيح من يدعي الوصاية في شئ ~~معين قبل. قوله: مكتوبة عند رأسه استدل بهذا على PageV06P145 # جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، وخص محمد بن ~~نصر من الشافعية ذلك بالوصية لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الاحكام. قال ~~الحافظ: # وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ~~ومعنى قوله: وصيته مكتوبة عنده أي بشرطها. وقال المحب الطبري: إضمار ~~الاشهاد فيه بعد، وأجيب بأنهم استدلوا على اشتراط الاشهاد بأمر خارج كقوله ~~تعالى: * (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية) * (سورة البقرة، ~~الآية: 180) فإنه يدل على اعتبار الاشهاد في الوصية. وقال القرطبي: # ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق ~~عليها ولو لم تكن مكتوبة اه. وقد استوفينا الأدلة على جواز العمل بالخط في ~~الاعتراضات التي كتبناها على رسالة الجلال في الهلال فليراجع ذلك فإنه ~~مفيد. # وعن أبي هريرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل أو أعظم ~~أجرا؟ قال: أما وأبيك لتفتأن أن تصدق وأنت شحيح صحيح تخشى الفقر وتأمل ~~البقاء ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان ~~لفلان رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: أي الصدقة أفضل أو أعظم في رواية للبخاري أفضل، وفي أخرى له أعظم. ~~قوله: لتفتأن بفتح اللام وضم الفوقية وسكون الفاء وبعدها فوقية أيضا ثم ~~همزة مفتوحة ثم نون مشددة وهو من الفتيا. وفي نسخة: لتنبأن بضم التاء وفتح ~~النون بعدها باء موحدة ثم همزة مفتوحة ms2471 ثم نون مشددة من النبأ. قوله: أن ~~تصدق بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين وأصله أن تتصدق والتشديد على ~~الادغام. قوله: شحيح قال صاحب المنتهى: الشح بخل مع حرص. وقال صاحب المحكم: ~~الشح مثلث الشين والضم أولى وقال صاحب الجامع: كأن الفتح في المصدر والضم ~~في الاسم، قال الخطابي فيه: أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأن ~~سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، فلذلك شرط صحة البدن في الشح ~~بالمال لأنه في الحالتين يجد للمال وقعا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر ~~معه الفقر. قال ابن بطال وغيره: لما كان الشح غالبا في الصحة فالسماح فيه ~~بالصدقة أصدق في النية وأعظم للاجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأي مصير ~~المال لغيره قوله: وتأمل بضم الميم أي تطمع. قوله: # ولا تمهل بالاسكان على أنه نهي، وبالرفع على أنه نفي، ويجوز النصب. قوله: ~~حتى إذا PageV06P146 # بلغت الحلقوم أي قاربت بلوغه، إذ لو بلغته حقيقة لم يصح شئ من تصرفاته، ~~والحلقوم مجرى النفس. قاله أبو عبيدة. قوله: قلت لفلان كذا الخ، قال في ~~الفتح: # الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال. وقال الخطابي: فلان الأول ~~والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث، لأنه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه. ~~وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يوصى له، وإنما أدخل كان في ~~الثالث إشارة إلى تقدير القدر له بذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأول ~~للوارث، والثاني الموروث، والثالث الموصى له. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ~~بعضها وصية وبعضها إقرارا. (والحديث يدل) على أن تنجيز وفاء الدين والتصدق ~~في حال الصحة أفضل منه حال المرض، لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال ~~غالبا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال ~~كما قال تعالى: * (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) * (سورة البقرة، ~~الآية: 268) وفي معنى الحديث قوله تعالى: * (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت) * (سورة المائدة، الآية: 106) الآية. وفي ms2472 معناه أيضا ما ~~أخرج الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعا. قال: مثل ~~الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع. وأخرج أبو داود وصححه ~~ابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعا لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم ~~خير له من أن يتصدق عند موته بمائة. # وعن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الرجل ~~ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية ~~فيجب لهما النار ثم قرأ أبو هريرة: من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ~~وصية من الله، إلى قوله: وذلك الفوز العظيم رواه أبو داود والترمذي. ولأحمد ~~وابن ماجة معناه وقالا فيه: سبعين سنة. # الحديث حسنه الترمذي وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تكلم فيه غير واحد من ~~الأئمة. ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ولفظ أحمد وابن ماجة الذي أشار ~~إليه المصنف: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في ~~وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وأن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين ~~سنة فيعدل في وصيته فيدخل الجنة وفيه وعيد شديد وزجر بليغ وتهديد، لان ~~PageV06P147 # مجرد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النار بعد العبادة الطويلة في ~~السنين المتعددة بلا شك أنها من أشد الذنوب التي لا يقع في مضيقها إلا من ~~سبقت له الشقاوة، وقراءة أبي هريرة للآية لتأييد معنى الحديث وتقويته، لأن ~~الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم الضرار، فتكون الوصية المشتملة ~~على الضرار مخالفة لما شرعه الله تعالى، وما كان كذلك فهو معصية. وقد تقدم ~~قريبا عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا بإسناد صحيح أن وصية الضرار من الكبائر. ~~وذلك مما يؤيد معنى الحديث، فما أحق وصية الضرار بالابطال من غير فرق بين ~~الثلث وما دونه وما فوقه، وقد جمعت في ذلك رسالة مشتملة على فوائد لا ~~يستغنى عنها. # باب ما جاء في كراهة مجاوزة ms2473 الثلث والايصاء للوارث عن ابن عباس قال: لو ~~أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: الثلث والثلث كثير متفق عليه. وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: جاءني ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعودني من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول ~~الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي ~~أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: # فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس رواه الجماعة. وفي رواية أكثرهم: جاءني يعودني ~~في حجة الوداع وفي لفظ: عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضي ~~فقال: أوصيت؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: فما ~~تركت لولدك؟ # قلت: هم أغنياء، قال: أوص بالعشر، فما زال يقول وأقول حتى قال: أوص ~~بالثلث والثلث كثير وكبير رواه النسائي وأحمد بمعناه إلا أنه قال: قلت: نعم ~~جعلت مالي كله في الفقراء والمساكين وابن السبيل هو دليل على نسخ وجوب ~~الوصية للأقربين. وعن أبي الدرداء: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم ~~زيادة في PageV06P148 # أعمالكم رواه الدارقطني. حديث أبي الدرداء أخرجه أيضا أحمد، وأخرجه أيضا ~~البيهقي وابن ماجة والبزار من حديث أبي هريرة بلفظ: إن الله تصدق عليكم عند ~~موتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم قال الحافظ: وإسناده ضعيف. وأخرجه ~~أيضا الدارقطني والبيهقي من حديث أبي أمامة بلفظ: إن الله تصدق عليكم بثلث ~~أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعل لكم زكاة في أموالكم وفي إسناده ~~إسماعيل بن عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ضعيفان. ورواه العقيلي في الضعفاء ~~عن أبي بكر الصديق وفي إسناده حفص بن عمرو بن ميمون وهو متروك. وعن خالد بن ~~عبد الله ms2474 السلمي عند ابن عاصم وابن السكن وابن قانع وأبي نعيم والطبراني ~~وهو مختلف في صحبته، رواه عنه ابنه الحرث وهو مجهول. وقد ذكر الحافظ في ~~التلخيص حديث أبي الدرداء ولم يتكلم عليه. قوله: غضوا بمعجمتين أي نقصوا ~~ولو للتمني، فلا تحتاج إلى جواب أو شرطية والجواب محذوف. ووقع التصريح ~~بالجواب في رواية ابن أبي عمر في مسنده عن سفيان بلفظ: كان أحب إلي وأخرجه ~~الإسماعيلي من طريقه ومن طريق أحمد بن عبدة عن سفيان. وأخرجه من طريق ~~العباس بن الوليد عن سفيان بلفظ: كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. قوله: # إلى الربع زاده أحمد في الوصية، وكذا ذكر هذه الزيادة الحميدي قوله: فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو كالتعليل لما اختاره من النقصان عن ~~الثلث، وكأنه أخذ ذلك من وصفه صلى الله عليه وآله وسلم للثلث بالكثرة. ~~قوله: # والثلث كثير في رواية مسلم: كثير أو كبير بالشك هل هو بالموحدة أو ~~المثلثة؟ والمراد أنه كثير بالنسبة إلى ما دونه، وفيه دليل على جواز الوصية ~~بالثلث، وعلى أن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه. قال الحافظ: وهو ما ~~يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كبير ~~أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل، قال الشافعي: وهذا أولى معانيه ~~يعني أن الكثرة أمر نسبي، وعلى الأول عول ابن عباس كما تقدم، والمعروف من ~~مذهب الشافعي استحباب النقص عن الثلث. وفي شرح مسلم للنووي إن كان الورثة ~~فقراء استحب أن ينقص منه، وإن كانوا أغنياء فلا، وقد استدل بذلك على أنها ~~لا تجوز الوصية بأزيد من الثلث. قال في الفتح: واستقر الاجماع على منع ~~الوصية بأزيد من الثلث، لكن PageV06P149 # اختلف فيمن ليس له وارث خاص، فذهب الجمهور، إلى منعه من الزيادة على ~~الثلث، وجوز له الزيادة الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية وهو قول علي ~~وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية، فقيدتها السنة لمن له وارث ~~فبقي ms2475 من لا وارث له على الاطلاق. وحكاه في البحر عن العترة. قوله: قال ~~الثلث والثلث كثير أو كبير يعني بالمثلثة أو الموحدة وهو شك من الراوي. قال ~~الحافظ: والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، قال: الثلث بالنصب على ~~الاغراء أو بفعل مضمر نحو عين الثلث، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو ~~مبتدأ خبره محذوف. قوله: # إنك أن تذر بفتح أن على التعليل وبكسرها على الشرطية، قال النووي: هما ~~صحيحان، وقال القرطبي: لا معنى للشرط ههنا لأنه يصير لا جواب له ويبقى خير ~~لا رافع له. وقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكره ابن ~~الخشاب وقال: لا يجوز الكسر لأنه لا جواب له لخلو لفظ خير عن الفاء وغيرها ~~مما اشترط في الجواب، وتعقب بأنه لا مانع من تقديرها كما قال ابن مالك. ~~قوله: ورثتك قال ابن المنير: إنما عبر له صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ ~~الورثة ولم يقل بنتك مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث ~~حينئذ لم يتحقق، لأن سعدا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض وبقائها ~~بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله فأجابه صلى الله عليه وآله ~~وسلم بكلام كلي مطابق لكل حالة وهو قوله: ورثتك ولم يخص بنتا من غيرها. ~~وقال الفاكهي شارح العمدة: إنما عبر صلى الله عليه وآله وسلم بالورثة لأنه ~~اطلع على أن سعدا سيعيش ويحصل له أولاد غير البنت المذكورة فإنه ولد له بعد ~~ذلك أربعة بنين اه. وهم: عامر ومصعب ومحمد وعمر، وزاد بعضهم: إبراهيم ويحيى ~~وإسحاق، وزاد ابن سعد: عبد الله وعبد الرحمن وعمر أو عمران وصالحا وعثمان ~~وإسحاق، الأصغر وعمرا الأصغر وعميرا مصغرا، وذكر له من البنات اثنتي عشرة ~~بنتا. قال الحافظ ما معناه: أنه قد كان لسعد وقت الوصية ورثة غير ابنته وهم ~~أولاد أخيه عتبة بن أبي وقاص منهم هاشم بن عتبة وقد كان موجودا إذ ذاك. ~~قوله: عالة أي فقراء وهو جمع عائل ms2476 وهو الفقير، والفعل منه عال يعيل إذا ~~افتقر. قوله: يتكففون الناس أي يسألونهم بأكفهم. يقال: تكفف الناس واستكف ~~إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل كفافا من طعام ~~PageV06P150 # . قال ابن عبد البر: وفي هذا الحديث تقييد مطلق القرآن بالسنة لأنه ~~سبحانه قال: * (من بعد وصية يوصي بها أو دين) * (سورة النساء، الآية: 12) ~~فأطلق وقيدت السنة الوصية بالثلث. قال في الفتنة: وفيه أن خطاب الشارع ~~للواحد يعم من كان بصفته من المكلفين لاطباق العلماء على الاحتجاج بحديث ~~سعد هذا وإن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الافراد، ولقد أبعد من قال إن ~~ذلك يختص بسعد ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثا ضعيفا أو كان ما يخلفه ~~قليلا. وفي حديث أبي الدرداء وما ورد في معناه دليل على أن الاذن لنا ~~بالتصرف في ثلث أموالنا في أواخر أعمارنا من الألطاف الإلهية بنا والتكثير ~~لأعمالنا الصالحة، وهو من الأدلة الدالة على اشتراط القربة في الوصية وعن ~~عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب على ناقته وأنا تحت ~~جرانها وهي تقصع بجرتها وإن لغامها يسيل بين كتفي فسمعته يقول: إن الله قد ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه الخمسة إلا أبا داود وصححه الترمذي. ~~وعن أبي أمامة قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله قد ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه الخمسة إلا النسائي. وعن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ~~رواهما الدارقطني. # حديث عمرو بن خارجة أخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي. وحديث أبي أمامة حسنه ~~الترمذي والحافظ وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد قوي حديثه إذا روى عن ~~الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري، وهذا من ms2477 روايته عن الشاميين، ~~لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث. وحديث ~~ابن عباس حسنه في التلخيص، وقال في الفتح رجاله ثقات لكنه معلول، فقد قيل: ~~إن عطاء الذي رواه عن ابن عباس هو الخراساني وهو لم يسمع من ابن عباس. ~~وأخرج نحوه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا. قال ~~الحافظ: إلا أنه في تفسير وأخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون ~~في حكم المرفوع. وأخرجه أيضا أبو داود في المراسيل عن مرسل عطاء ~~PageV06P151 # الخراساني، ووصله يونس بن راشد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال الحافظ: # والمعروف المرسل. وحديث عمرو بن شعيب قال في التلخيص: إسناده واه (وفي ~~الباب) عن أنس عند ابن ماجة. وعن جابر عند الدارقطني وصوب إرساله وعن علي ~~عنده أيضا وإسناده ضعيف وهو عند ابن أبي شيبة. وعن مجاهد مرسلا عند ~~الشافعي. قال في الفتح: ولا يخلو إسناد كل منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي ~~أن للحديث أصلا، بل جنح الشافعي في الام إلى أن هذا المتن متواتر فقال: ~~وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا ~~يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عام الفتح: لا وصية لوارث ~~ويأثرونه عمن حفظوه فيه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة فهو ~~أقوى من نقل واحد، وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواترا قال: ~~وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة، ~~قال الحافظ: لكن الحجة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرح به الشافعي ~~وغيره قال: والمراد بعدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم، لأن الأكثر على أنها ~~موقوفة على إجازة الورثة. وقيل: إنها لا تصح الوصية لوارث أصلا وهو الظاهر، ~~لأن النفي إما أن يتوجه إلى الذات والمراد لا وصية شرعية، وإما إلى ما هو ~~أقرب إلى الذات وهو الصحة، ولا يصح ms2478 أن يتوجه ههنا إلى الكمال الذي هو أبعد ~~المجازين. وحديث ابن عباس المذكور وإن دل على صحة الوصية لبعض الورثة مع ~~رضا البعض الآخر فهو لا يدل على أن النفي غير متوجه إلى الصحة بل هو متوجه ~~إليها، وإذا رضي الوارث كانت صحيحة كما هو شأن بناء العام على الخاص، وهكذا ~~حديث عمرو بن شعيب. وحكى صاحب البحر عن الهادي والناصر وأبي طالب وأبي ~~العباس أنها تجوز الوصية للوارث، واستدلوا بقوله تعالى: * (كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) * (سورة البقرة، ~~الآية: 180) قالوا: ونسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز، وأجاب الجمهور عن ~~ذلك بأن الجواز أيضا منسوخ، كما صرح بذلك حديث ابن عباس المذكور في الباب. ~~وقد اختلف في تعيين ناسخ آية الوصية للوالدين والأقربين فقيل: آية الفرائض، ~~وقيل: الأحاديث المذكورة في الباب، وقيل: دل الاجماع على ذلك وان لم يتعين ~~دليله هكذا في الفتح. وقد قيل: إن الآية مخصوصة لأن الأقربين أعم من أن ~~يكونوا وارثين أم لا، فكانت PageV06P152 # الوصية واجبة لجميعهم، وخص منها الوارث بآية الفرائض وبأحاديث الباب، ~~وبقي حق من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله، قاله طاوس وغيره. قوله: ~~وأنا تحت جرانها بكسر الجيم، قال في القاموس، جران البعير بالكسر مقدم عنقه ~~من مذبحه إلى منحره. قوله: وهي تقصع بجرتها الجرة بكسر الجيم وتشديد الراء. ~~قال في القاموس: الجرة بالكسر هيئة الجر وما يفيض به البعير فيأكله ثانية ~~وقد اجتر وأجر، واللقمة يتعلل بها البعير إلى وقت علفه، والقصع البلع. قال ~~في القاموس: قصع كمنع ابتلع جرع الماء والناقة بجرتها ردتها إلى جوفها أو ~~مضغتها، أو هو بعد الدسع وقبل المضغ، أو هو أن تملأ بها فاها أو شدة المضغ ~~اه. قوله: وإن لغامها بضم اللام بعدها غين معجمة وبعد الألف ميم هو اللعاب. ~~قال في القاموس: لغم الجمل كمنع رمى بلعابه لزبده. قال: والملاغم ما حول ~~الفم. قوله: إلا أن يشاء الورثة في ذلك رد على المزني وداود ms2479 والسبكي حيث ~~قالوا: إنها لا تصح الوصية بما زاد على الثلث ولو أجاز الورثة، واحتجوا ~~بالأحاديث الآتية في الباب الذي بعد هذا، ولكن في هذا الحديث، وحديث عمرو ~~بن شعيب المذكور بعده زيادة يتعين القول بها. قال الحافظ: إن صحت هذه ~~الزيادة فهي حجة واضحة، واحتجوا من جهة المعنى بأن المنع إنما كان في الأصل ~~لحق الورثة، فإذا أجازوه لم يمتنع، واختلفوا بعد ذلك في وقت الإجازة، ~~فالجمهور على أنهم إن أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع متى شاؤوا وإن ~~أجازوا بعد نفذ. وفصل المالكية في الحياة بين مرض الموت وغيره فألحقوا مرض ~~الموت بما بعده، واستثنى بعضهم ما إذا كان المجيز في عائلة الموصي وخشي من ~~امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش فإن لمثل هذا الرجوع. وقال الزهري ~~وربيعة: ليس لهم الرجوع مطلقا، واتفقوا على اعتبار كون الموصى له وارثا يوم ~~الموت حتى لو أوصى لأخيه الوارث، حيث لا يكون للموصي ابن ثم ولد له ابن قبل ~~موته صحت الوصية للأخ المذكور، ولو أوصى لأخيه وله ابن فمات الابن قبل موت ~~الموصي فهي وصية لوارث. PageV06P153 # باب في أن تبرعات المريض من الثلث عن أبي زيد الأنصاري: أن رجلا أعتق ستة ~~أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأقرع بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأعتق اثنين وأرق أربعة رواه أحمد وأبو داود بمعناه وقال فيه: لو ~~شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين. وعن عمران بن حصين: أن رجلا ~~أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ~~وقال له قولا شديدا رواه الجماعة إلا البخاري. وفي لفظ: أن رجلا أعتق عند ~~موته ستة رجلة له فجاء ورثته من الاعراب فأخبروا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بما صنع قال أو فعل ذلك لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه، ~~فأقرع بينهم ms2480 فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة رواه أحمد واحتج بعمومه من سوى ~~بين متقدم العطايا ومتأخرها، لأنه لم يستفصل هل أعتقهم بكلمة أو بكلمات. # حديث أبي زيد أخرجه أيضا النسائي، وسكت عنه أبو داود والمنذري، ورجال ~~إسناده رجال الصحيح. قوله: أعتق ستة أعبد عند موته قال القرطبي: ظاهره أنه ~~نجز عتقهم في مرضه. قوله: فأقرع بينهم هذا نص في اعتبار القرعة شرعا، وهو ~~حجة لمالك والشافعي وأحمد والجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: القرعة من ~~القمار وحكم الجاهلية، ويعتق من كل واحد من العبيد ثلثه، ويستسعي في باقيه ~~ولا يقرع بينهم، وبمثل ذلك قالت الهادوية. قوله: فأعتق اثنين وأرق أربعة في ~~هذا أيضا حجة على أبي حنيفة ومن معه حيث يقولون: يعتقون جميعا. قال ابن عبد ~~البر: في هذا القول ضروب من الخطأ والاضطراب. قال ابن رسلان وفيه ضرر كثير، ~~لأن الورثة لا يحصل لهم شئ في الحال أصلا، وقد لا يحصل من السعاية شئ، أو ~~يحصل في الشهر خمسة دراهم أو أقل، وفيه ضرر على العبيد لالزامهم السعاية من ~~غير اختيارهم. قوله: لو شهدته قبل أن يدفن الخ، هذا تفسير للقول الشديد ~~الذي أبهم في الرواية الأخرى، وفيه تغليظ شديد وذم متبالغ، وذلك لأن الله ~~سبحانه لم يأذن للمريض بالتصرف إلا في الثلث، فإذا PageV06P154 # تصرف في أكثر منه كان مخالفا لحكم الله تعالى ومشابها لمن وهب غير ماله. ~~قوله: # فجزأهم بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان مشهورتان أي قسمهم، وظاهره أنه اعتبر ~~عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد. قال ابن ~~رسلان: # فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة مخافة أن يكون ثلثهم في ~~العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة. قوله: # رجلة بفتح الراء وسكون الجيم جمع رجل. قوله: ما صلينا عليه هذا أيضا من ~~تفسير القول الشديد المبهم في الرواية المتقدمة. (والحديثان) يدلان على أن ~~تصرفات المريض إنما تنفذ من الثلث ولو كانت منجزة في الحال ولم تضف إلى بعد ~~الموت، وقد قدمنا حكاية ms2481 الاجماع على المنع من الوصية بأزيد من الثلث لمن ~~كان له وارث، والتنجيز حال المرض المخوف حكمه حكم الوصية. واختلفوا هل ~~يعتبر ثلث التركة حال الوصية أو حال الموت؟ وهما وجهان للشافعية أصحهما ~~الثاني، وبه قال أبو حنيفة وأحمد والهادوية، وهو قول علي رضي الله عنه ~~وجماعة من التابعين. وقال بالأول مالك وأكثر العراقيين والنخعي وعمر بن عبد ~~العزيز، وتمسكوا بأن الوصية عقد والعقود تعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن ~~يتصدق بثلث ماله اعتبر ذلك حال النذر اتفاقا، وأجيب بأن الوصية ليست عقدا ~~من كل وجه، ولذلك لا يعتبر فيها الفورية ولا القبول، وبالفرق بين النذر ~~والوصية بأنها يصح الرجوع فيها والنذر يلزم، وثمرة هذا الخلا ف تظهر فيما ~~لو حدث له مال بعد الوصية، واختلفوا أيضا هل يحسب الثلث من جميع المال أو ~~يتقيد بما علمه الموصي دون ما خفي عليه، أو تجدد له ولم يعلم به؟ وبالأول ~~قال الجمهور، وبالثاني قال مالك. وحجة الجمهور أنه يشترط أن يستحضر مقدار ~~المال حال الوصية اتفاقا ولو كان عالما بجنسه، فلو كان العلم به شرطا لما ~~جاز ذلك. # باب وصية الحربي إذا أسلم ورثته هل يجب تنفيذها عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده: أن العاص بن وائل أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام ~~خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية فقال: يا رسول ~~الله إن أبي أوصى بعتق مائة رقبة وإن هشاما أعتق PageV06P155 # عنه خمسين رقبة وبقيت خمسون رقبة أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك رواه أبو ~~داود. # الحديث سكت عنه أبو داود، وأشار المنذري إلى الاختلاف في حديث عمرو بن ~~شعيب، وقد قدمنا غير مرة أن حديثه عن أبيه عن جده من قسم الحسن. وقد صحح له ~~الترمذي بهذا الاسناد عدة أحاديث، والحديث يدل على أن الكافر إذا أوصى ~~بقربة من القرب لم يلحقه ذلك ms2482 لأن الكفر مانع، وهكذا لا يلحقه ما فعله ~~قرابته المسلمون من القرب كالصدقة والحج والعتق من غير وصية منه، ولا فرق ~~بين أن يكون الفاعل لذلك ولدا أو غيره، وليس في هذا الحديث ما يدل على عدم ~~صحة وصية الكافر، إذ لا ملازمة بين عدم قبول ما أوصى به من القرب وعدم صحة ~~الوصية مطلقا، نعم فيه دليل أنه لا يجب على قريب الكافر من المسلمين تنفيذ ~~وصيته بالقرب. قال في البحر مسألة: ولا تصح يعني الوصية من كافر في معصية ~~كالسلاح لأهل الحرب. وبناء البيع في خطط المسلمين. وتصح بالمباح إذ لا مانع ~~اه. # باب الايصاء بما يدخله النيابة من خلافة وعتاقة ومحاكمة في نسب وغيره عن ~~ابن عمر قال: حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا: جزاك الله خيرا، فقال ~~راغب وراهب، قالوا: استخلف، فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا، لوددت أن حظي ~~منها الكفاف لا علي ولا لي فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا ~~بكر، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم غير مستخلف متفق عليه. وعن عائشة: أن عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص ~~اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ابن أمة زمعة فقال سعد: يا ~~رسول الله أوصاني أخي إذا قدمت أن أنظر ابن أمة زمعة PageV06P156 # فأقبضه فإنه ابني، وقال ابن زمعة: أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي. ~~فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن ~~زمعة الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة رواه البخاري. وعن الشريد بن سويد ~~الثقفي: أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن ذلك فقال عندي جارية سوداء، فقال: ائت بها، فدعا بها ~~فجاءت فقال لها: من ربك؟ قالت: الله قال: ms2483 من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال ~~أعتقها فإنها مؤمنة رواه أحمد والنسائي. # حديث الشريد رواه النسائي من طريق موسى بن سعيد وهو صدوق لا بأس به وبقية ~~رجاله ثقات، وقد أخرجه أيضا أبو داود وابن حبان. قوله: فقد استخلف من هو ~~خير مني استدل بهذا المصنف على جواز الوصية بالخلافة، وقد ذهبت الأشعرية ~~والمعتزلة إلى أن طريقها العقد والاختيار في جميع الأزمان، وذهبت العترة ~~إلى أن طريقها الدعوة، وللكلام في هذا محل آخر. قوله: أنه حين ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم غير مستخلف يعني أنه سيقتدي برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في ترك الاستخلاف ويدع الاقتداء بأبي بكر، وإن كان ~~الكل عنده جائزا، ولكن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الترك أولى من الاقتداء بأبي بكر في الفعل. قوله: وعن عائشة أن عبد بن زمعة ~~سيأتي الكلام على هذا الحديث في باب أن الولد للفراش إن شاء الله لأن ~~المصنف رحمه الله سيذكره هنالك وهو الموضع الذي يليق به، وإنما ذكره ههنا ~~للاستدلال به، على جواز الايصاء بالنيابة في دعوى النسب والمحاكمة. ووجه ~~ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على سعد بن أبي وقاص دعواه ~~بوصاية أخيه في ذلك، ولو كانت النيابة بالوصية في مثله غير جائزة لأنكر ~~عليه. قوله: وعن الشريد بن سويد الخ، استدل به المصنف على جواز النيابة في ~~العتق بالوصية، ووجهه أنه أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الوصية ~~ولم يبين له أن مثل ذلك لا يجوز، ولو كان غير جائز لبينه، لما تقرر من عدم ~~جواز تأخر البيان عن وقت الحاجة. قوله: فقال لها من ربك؟ الخ، قد اكتفى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعرفة الله والرسول في كون تلك الرقبة ~~مؤمنة، وقد ثبت مثل ذلك في عدة أحاديث. منها حديث معاوية بن الحكم السلمي ~~عند مسلم وغيره. ومنها عن رجل من الأنصار عند أحمد. ومنها عن أبي ~~PageV06P157 # هريرة ms2484 عند أبي داود. وعن حاطب عند أبي أحمد الغسال في كتاب السنة. وعن ~~ابن عباس عند الطبراني وغير ذلك. # باب وصية من لا يعيش مثله عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن ~~حنيف قال: كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: ~~حملناها أمرا هي له مطيقة وما فيها كثير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما ~~الأرض ما لا تطيق، قال قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل ~~العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه رابعة حتى أصيب، ~~قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر ~~بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم وكبر، وربما قرأ سورة ~~يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن ~~كبر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات ~~طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا ~~مات منهم تسعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن ~~العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي ~~عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا ~~صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة ~~خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء ~~فقال: # غلام المغيرة، فقال: الصنع؟ قال: نعم، قاتله الله لقد أمرت به معروفا، ~~الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بين رجل يدعي الاسلام، قد كنت أنت وأبوك ~~تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال: إن شئت ~~فعلت أي إن شئت قتلنا، قال: # كذبت بعد ما ms2485 تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم، فاحتمل إلى بيته ~~فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول: أخاف عليه، ~~فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ~~ميت فدخلنا عليه وجاء الناس PageV06P158 # يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من ~~صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدم في الاسلام ما قد علمت ثم ~~وليت فعدلت ثم شهادة، فقال: وددت ذلك كفافا لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا ~~إزاره يمس الأرض فقال: ردوا علي الغلام، قال يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه ~~أبقى لثوبك وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين، فحسبوه ~~فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من ~~أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا ~~تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ ~~عليكم عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا ~~وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها ~~فوجدها قاعدة تبكي، فقال يقرأ عمر بن الخطاب عليكم السلام ويستأذن أن يدفن ~~مع صاحبيه، فقالت، كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي، فلما أقبل ~~قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما ~~لديك؟ # قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله ما كان شئ أهم إلي ~~من ذلك، فإذا قبضت فاحملوني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي ~~فأدخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة ~~والنساء تسير تتبعها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن ~~الرجال فولجت داخلا، لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا: أوص يا أمير ~~المؤمنين استخلف، فقال: ما أجد أحق بهذا الامر ms2486 من هؤلاء النفر أو الرهط ~~الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم وهو عنهم راض، فسمى ~~عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال: # يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الامر شئ كهيئة التعزية له فإن أصابت ~~الإمرة سعدا فهو ذلك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ~~ولا خيانة، وقال: # أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم ~~حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم، أن ~~يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فهم ردء ~~الاسلام وجباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، ~~وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الاسلام أن يؤخذ من حواشي ~~أموالهم ويرد في فقرائهم، PageV06P159 # وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ~~ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن ~~عمر فقال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل فوضع هنالك مع ~~صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم ~~إلى ثلاثة منكم فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت ~~أمري إلى عثمان، وقال سعد، قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد ~~الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الامر فتجعله إليه والله عليه والاسلام ~~لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي ~~والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهم فقال: لك من ~~قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقدم في الاسلام ما قد علمت ~~فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا ~~بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه ~~وبايعه علي وولج أهل الدار فبايعوه رواه البخاري وقد تمسك به من رأى للوصي ~~والوكيل ms2487 أن يوكلا. # قوله: عن عمرو بن ميمون هو الأودي، وهذا الحديث بطوله رواه عن عمرو بن ~~ميمون جماعة. قوله: قبل أن يصاب بأيام أي أربعة كما بين فيما بعد. قوله: # بالمدينة أي بعد أن صدر من الحج. قوله: أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق ~~الأرض المشار إليها هي أرض السواد، وكان عمر بعثهما يضربان عليها الخراج ~~وعلى أهلها الجزية كما بين ذلك أبو عبيد في كتاب الأموال من رواية عمرو بن ~~ميمون المذكور، والمراد بقوله: انظرا أي في التحميل أو هو كناية عن الحذر ~~لأنه يستلزم النظر. قوله: قال حملناها أمرا هي له مطيقة في رواية ابن أبي ~~شيبة عن محمد بن فضيل عن حصين بهذا الاسناد فقال حذيفة: لو شئت لأضعفت أرضي ~~أي جعلت خراجها ضعفين. # وقال عثمان بن حنيف: لقد حملت أرضي أمرا هي له مطيقة. وفي رواية له: أن ~~عمر قال لعثمان بن حنيف: لئن زدت على كل رأس درهمين وعلى كل جريب درهما ~~وقفيزا من طعام لأطاقوا ذلك؟ قال: نعم. قوله: إني لقائم أي في الصف ننتظر ~~صلاة الصبح. قوله: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه في رواية أخرى: فعرض له ~~أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فناجى عمر غير بعيد ثم طعنه ثلاث طعنات، ~~فرأيت عمر قائلا بيده هكذا يقول: دونكم الكلب فقد قتلني PageV06P160 # واسم أبي لؤلؤة فيروز وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري قال: كان عمر ~~لا يأذن لسبي قد احتلم دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على ~~الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول: إن عنده ~~أعمالا تنفع الناس، إنه حداد نقاش نجار، فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر ~~مائة، فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له عمر: ما خراجك بكثير في جنب ما ~~تعمل، فانصرف ساخطا، فلبث عمر ليالي فمر به العبد فقال له: ألم أحدث أنك ~~تقول: لو أشاء لصنعت رحا تطحن بالريح، فالتفت إليه عابسا فقال له: لاصنعن ~~لك رحا يتحدث ms2488 الناس بها، فأقبل عمر على من معه فقال: توعدني العبد، فلبث ~~ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا ~~المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة وكان عمر يفعل ذلك، ~~فلما دنا منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت ~~الصفاق وهي التي قتلته. قوله: حتى طعن ثلاثة عشر رجلا في رواية ابن إسحاق: ~~اثني عشر رجلا معه وهو ثالث عشر. # وزاد ابن إسحاق من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون: وعلى عمر إزار ~~أصفر قد رفعه على صدره، فلما طعن قال: وكان أمر الله قدرا مقدورا. قوله: ~~مات منهم تسعة أي وعاش الباقون. قال الحافظ: وقفت من أسمائهم على كليب بن ~~البكير الليثي. قوله: فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا. وقع في ~~ذيل الاستيعاب لابن فتحون من طريق سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا أبي، ~~حدثني من سمع حصين بن عبد الرحمن في هذه القصة قال: فلما رأى ذلك رجل من ~~المهاجرين يقال له خطاب التميمي اليربوعي فذكر الحديث. وروى ابن سعد بإسناد ~~ضعيف منقطع قال: فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش منهم عبد الله بن عوف وهاشم بن ~~عتبة الزهريان ورجل من بني تميم وطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت ~~عليه. قال الحافظ: فإن ثبت هذا حمل على أن الكل اشتركوا في ذلك. قوله: ~~فقدمه أي للصلاة بالناس. قوله: فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة في رواية ~~ابن إسحاق: # بأقصر سورتين في القرآن: * (إنا أعطيناك الكوثر) * (سورة الكوثر، الآية: ~~1) و * (إذا جاء نصر الله والفتح) * (سورة النصر، الآية: 1) زاد في رواية ~~ابن شهاب: ثم غلب على عمر النزف فغشي عليه فاحتملته في رهط حتى أدخلته ~~بيته، فلم يزل في غشيته حتى أسفر فنظر في وجوهنا فقال: أصلى الناس؟ فقلت: ~~نعم، قال: PageV06P161 # لا إسلام لمن ترك الصلاة ثم توضأ وصلى. وفي رواية ابن سعد من طريق ابن ~~عمر قال فتوضأ ms2489 وصلى الصبح، فقرأ في الأولى * (والعصر) * وفي الثانية * (قل ~~يا أيها الكافرون) * قال: وتساند إلى وجرحه يثعب دما إني لا أضع أصبعي ~~الوسطى فما تسد الفتق. قوله: # فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني في رواية ابن إسحاق فقال ~~عمر: # يا عبد الله بن عباس أخرج فناد في الناس عن ملا منكم كان هذا، فقالوا: ~~معاذ الله ما علمنا ولا اطلعنا. وزاد مبارك بن فضالة: فظن عمر أن له ذنبا ~~إلى الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس وكان يحبه ويدنيه فقال: أحب أن تعلم عن ~~ملا من الناس كان هذا، فخرج لا يمر بملا من الناس إلا وهم يبكون، فكأنما ~~فقدوا أبكار أولادهم، قال ابن عباس: # فرأيت البشر في وجهه. قوله: الصنع بفتح المهملة والنون، وفي رواية ابن ~~فضيل عن حصين عند ابن أبي شيبة وابن سعد الصناع بتخفيف النون، قال أهل ~~اللغة: رجل صنع اليد واللسان وامرأة صناع. وحكى أبو زيد: الصناع والصنع ~~يقعان معا على الرجل والمرأة. قوله: لم يجعل ميتتي بكسر الميم وسكون ~~التحتانية بعدها مثناة فوقية أي قتلني. وفي رواية الكشميهني: منيتي بفتح ~~الميم وكسر النون وتشديد التحتانية. # قوله: رجل يدعي الاسلام في رواية ابن شهاب فقال: الحمد لله الذي لم يجعل ~~قاتلي يحاجني عند الله لسجدة سجدها له قط. وفي رواية مبارك بن فضالة: ~~يحاجني يقول لا إله إلا الله. وفي حديث جابر فقال عمر: لا تعجلوا على الذي ~~قتلني، فقيل: إنه قد قتل نفسه، فاسترجع عمر، فقيل له: إنه أبو لؤلؤة، فقال: ~~الله أكبر. قوله: قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. في ~~رواية ابن سعد فقال عمر: هذا من عمل أصحابك كنت أريد أن لا يدخلها علج من ~~السبي فغلبتموني. وروى عمر بن شبة من طريق ابن سيرين قال: بلغني أن العباس ~~قال لعمر لما قال: لا تدخلوا علينا من السبي إلا الوصيف، أن عمل أهل ~~المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج. قوله: إن شئت فعلت الخ، قال ابن ms2490 ~~التين: إنما قال له ذلك لعلمه بأن عمر لا يأمره بقتلهم. قوله: كذبت الخ، هو ~~على ما ألف من شدة عمر في الدين، لأنه فهم من ابن عباس أن مراده إن شئت ~~قتلناهم فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون: كذبت في موضع أخطأت، ولعل ابن ~~عباس إنما أراد قتل من لم يسلم منهم. # قوله: فأتي بنبيذ فشربه زاد في حديث أبي رافع: لينظر ما قدر جرحه. قوله: ~~فخرج PageV06P162 # من جرحه هذه رواية الكشميهني وهي الصواب، ورواية غيره: فخرج من جوفه وفي ~~رواية أبي رافع: فخرج النبيذ فلم يدر أنبيذ هو أم دم. وفي رواية أيضا فقال: ~~لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، فقال: إن يكن اقتل بأسا فقد قتلت، والمراد ~~بالنبيذ المذكور تمرات نبذن في ماء أي نقعت فيه كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب ~~الماء، وسيأتي الكلام عليه. # قوله: وجاء رجل شاب في رواية للبخاري في الجنائز: وولج عليه شاب من ~~الأنصار، وفي إنكار عمر على الشاب المذكور استرسال إزاره مع ما هو فيه من ~~مكابدة الموت أعظم دليل على صلابته في الدين ومراعاته لمصالح المسلمين. ~~قوله: # وقدم بفتح القاف وكسرها، فالأول بمعنى الفصل، والثاني بمعنى السبق. قوله: ~~ثم شهادة بالرفع عطفا على ما قد علمت لأنه مبتدأ وخبره لك المتقدم، ويجوز ~~عطفه على صحبة فيكون مجرورا، ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق لمحذوف، وفي ~~رواية جرير: ثم الشهادة بعد هذا كله. قوله: لا علي ولا لي أي سواء بسواء. # قوله: أنقى لثوب بالنون ثم القاف للأكثر، وبالموحدة بدل النون للكشميهني. # قوله: فحبسوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه في حديث جابر ثم قال: يا عبد ~~الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع ~~من رباع آل عمر بثلاثين ألفا فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن ~~بن عوف فقال: أنفقتها في حجج حججتها، وفي نوائب كانت تنوبني، وعرف بهذا جهة ~~دين عمر. ووقع في أخبار المدينة لمحمد بن الحسن بن زبالة أن دين ms2491 عمر كان ~~ستة وعشرين ألفا، وبه جزم عياض، قال الحافظ: والأول هم المعتمد. قوله: فإن ~~وفى له مال آل عمر كأنه يريد نفسه، ومثله يقع في كلامهم كثيرا، ويحتمل أن ~~يريد رهطه. قوله: وإلا فسل في بني عدي بن كعب هو البطن الذي هو منهم وقريش ~~قبيلته. قوله: لا تعدهم بسكون العين أي لا تتجاوزهم، وقد أنكر نافع مولى ~~ابن عمر أن يكون على عمر دين، فروى عمر بن شبة في كتاب المدينة بإسناد صحيح ~~أن نافعا قال: من أين يكون على عمر دين وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ~~ألف اه. # قال في الفتح: وهذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين، فقد يكون الشخص ~~كثير المال ولا يستلزم نفي الدين عنه، فلعل نافعا أنكر أن يكون دينه لم ~~يقض. قوله: # فإني لست اليوم للمؤمنين أمير قال ابن التين: إنما قال ذلك عندما أيقن ~~بالموت، PageV06P163 # أشار بذلك إلى عائشة حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين، وأشار ابن التين ~~أيضا إلى أنه أراد أن تعلم أن سؤاله لها بطريق الطلب لا بطريق الامر. قوله: ~~ولأوثرنه استدل بذلك على أنها كانت تملك البيت وفيه نظر، بل الواقع أنها ~~كانت تملك منفعته بالسكنى فيه والاسكان ولا يورث عنها، وحكم أزواج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كالمعتدات لأنهن لا يتزوجن بعده صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قوله: # ارفعوني أي من الأرض، كأنه كان مضطجعا فأمرهم أن يقعدوه. قوله: فأسنده ~~رجل إليه قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه ويحتمل أنه ابن عباس. قوله: # فإن أذنت لي فأدخلوني ذكر ابن سعد عن معن بن عيسى عن مالك أن عمر كان ~~يخشى أن تكون أذنت في حياته حياء منه وأن ترجع عن ذلك بعد موته، فأراد أن ~~لا يكرهها على ذلك. قوله: فولجت عليه أي دخلت على عمر، في رواية الكشميهني ~~فبكت. وفي رواية غيره: فمكثت. وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن المقدام بن معد ~~يكرب أنها قالت: يا صاحب رسول ms2492 الله، يا صهير رسول الله، يا أمير المؤمنين، ~~فقال عمر: لا صبر لي على ما أسمع، أحرج عليك بما لي من الحق عليك أن ~~تندبيني بعد مجلسك هذا فأما عيناك فلن أملكهما. قوله: فولجت داخلا لهم أي ~~مدخلا كان في الدار. قوله: أوص يا أمير المؤمنين استخلف في البخاري في كتاب ~~الأحكام منه أن الذي قال ذلك هو عبد الله بن عمر. قوله: من هؤلاء النفر أو ~~الرهط شك من الراوي. قوله: فسمى عليلا الخ، قد استشكل اقتصاره على هؤلاء ~~الستة من العشرة المبشرين بالجنة، وأجيب بأنه أحدهم وكذلك أبو بكر، ومنهم ~~أبو عبيدة وقد مات قبله، وأما سعيد بن زيد فلما كان ابن ابن عم عمر لم يسمه ~~فيهم مبالغة في التبري من الامر، وصرح المدائني بأسانيده أن عمر عد سعيد بن ~~زيد فيمن توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض إلا أنه استثناه ~~من أهل الشورى لقرابته منه، وقال: لا أرب لي في أموركم فارغب فيها لأحد من ~~أهلي. قوله: يشهدكم عبد الله بن عمر الخ، في رواية للطبري: فقال له رجل: # استخلف عبد الله بن عمر، قال: والله ما أردت الله بهذه. وأخرج نحوه ابن ~~سعد بإسناد صحيح من مرسل النخعي ولفظه: فقال عمر: قاتلك الله، والله ما ~~أردت الله بهذا أستخلف من لم يحسن أن يطلق امرأته. قوله: كهيئة التعزية له ~~أي PageV06P164 # لابن عمر، لأنه لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة أراد جبر خاطره بأن ~~جعله من أهل المشاورة. وزعم الكرماني أن هذا من كلام الراوي لا من كلام ~~عمر. قوله: # الامرة بكسر الهمزة، وللكشميهني: الامارة، زاد المدائني: وما أظن أن يلي ~~هذا الامر إلا علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ~~فستختلف عليه الناس. قوله: بالمهاجرين الأولين هم من صلى للقبلتين. وقيل: ~~من شهد بيعة الرضوان. قوله: الذين تبوؤا أي سكنوا المدينة قبل الهجرة، ~~وادعى بعضهم أن الايمان المذكور هنا من أسماء المدينة وهو بعيد. قال ms2493 ~~الحافظ: والراجح أنه ضمن تبوؤا هنا معنى لزموا، أو عامل نصبه محذوف تقديره: ~~واعتقدوا أن الايمان لشدة ثبوته في قلوبهم، كأنه أحاط بهم فكأنهم نزلوه. ~~قوله: فهم ردء الاسلام أي عون الاسلام الذي يدفع عنه، وغيظ العدو أي يغيظون ~~العدو بكثرتهم وقوتهم. # قوله: إلا فضلهم أي إلا ما فضل عنهم. قوله: من حواشي أموالهم أي ما ليس ~~يختار، والمراد بذمة الله أهل الذمة، والمراد بالقتال من ورائهم أي إذا ~~قصدهم عدو. قوله: فانطلقنا في رواية الكشميهني: فانقلبنا أي رجعنا. قوله: ~~فوضع هنالك مع صاحبيه قد اختلف في صفة القبور الثلاثة المكرمة، فالأكثر على ~~أن قبر أبي بكر وراء قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر عمر وراء قبر ~~أبي بكر، وقيل: إن قبره صلى الله عليه وآله وسلم تقدم إلى القبلة، وقبر أبي ~~بكر حذاء منكبيه، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر. وقيل: قبر أبي بكر عند رجلي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر. وقيل غير ~~ذلك. قوله: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم أي في الاختيار ليقل الاختلاف، كذا ~~قال ابن التين، وصرح ابن المدائني في روايته بخلاف ذلك. قوله: والله عليه ~~والاسلام بالرفع فيهما والخبر محذوف، أي عليه رقيب أو نحو ذلك. قوله: ~~أفضلهم في نفسه أي في معتقده، زاد المدائني في رواية فقال عثمان: أنا أول ~~من رضي، وقال علي: أعطني موثقا لنؤثرن الحق ولا تخصن ذا رحم، فقال: نعم. ~~قوله: فأسكت بضم الهمزة وكسر الكاف، كأن مسكتا أسكتهما، ويجوز فتح الهمزة ~~والكاف أو هو بمعنى سكت، والمراد بالشيخين علي وعثمان. # قوله: فأخذ بيد أحدهما هو علي، والمراد بالآخر في قوله ثم خلا بالآخر هو ~~عثمان، كما يدل على ذلك سياق الكلام. قوله: والقدم بكسر القاف وفتحها كما ~~PageV06P165 # تقدم، زاد المدائني: أن عبد الرحمن قال لعلي: أرأيت لو صرف هذا الامر عنك ~~فلم تحضر من كنت ترى أحق بها من هؤلاء الرهط؟ قال: عثمان، ثم قال لعثمان ~~كذلك فقال: علي ms2494 وزاد أيضا: أن سعدا أشار على عبد الرحمن بعثمان، وأنه دار ~~تلك الليالي كلها على الصحابة، ومن وافى المدينة من أشراف الناس لا يخلو ~~برجل منهم إلا أمره بعثمان، وفي هذا الأثر دليل على أنه يجوز جعل أمر ~~الخلافة شورى بين جماعة من أهل الفضل والعلم والصلاح، كما يجوز الاستخلاف ~~وعقد أهل الحل والعقد. # قال النووي وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها ~~بعقد أهل الحل والعقد لانسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل ~~الخلافة شورى بين عدد محصور أو غيره، وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وعلى ~~أن وجوبه بالشرع لا بالعقل، وخالف بعضهم كالأصم وبعض الخوارج فقالوا: لا ~~يجب نصب الخليفة، وخالفه بعض المعتزلة فقالوا: يجب بالعقل لا بالشرع وهما ~~باطلان، وللكلام موضع غير هذا. # باب أن ولي الميت يقضي دينه إذا علم صحته عن سعد الأطول: أن أخاه مات ~~وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال: # فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أخاك ~~محتبس بدينه فاقض عنه، فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما ~~امرأة وليس لها بينة، فأعطها فإنها محقة رواه أحمد وابن ماجة. # الحديث إسناده في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ~~حدثنا عفان قال: # حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرني عبد الملك أبو جعفر عن أبي نضرة عن سعد ~~الأطول فذكره، وعبد الملك هو أبو جعفر ولا يعرف اسم أبيه. وقيل: # إنه ابن أبي نضرة، وقد وثقه ابن حبان، ومن عداه من رجال الاسناد فهم رجال ~~الصحيح. # وأخرجه أيضا ابن سعد وعبد بن حميد وابن قانع والباوردي والطبراني في ~~الكبير والضياء في المختارة، وهو في مسند أحمد بهذا الاسناد فإنه قال: ~~حدثنا عفان فذكره، وفيه دليل على تقديم إخراج الدين على ما يحتاج إليه من ~~نفقة أولاد الميت ونحوها، ولا أعلم في ذلك PageV06P166 # خلافا، وهكذا يقدم الدين على الوصية. قال في الفتح: ولم يختلف العلماء في ms2495 ~~أن الدين يقدم على الوصية إلا في صورة واحدة، وهي ما لو أوصى لشخص بألف ~~مثلا وصدقه الوارث وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينا يستغرق ~~موجوده وصدقه الوارث، ففي وجه للشافعية أنها تقدم الوصية على الدين في هذه ~~الصورة الخاصة، وأما تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى: * (من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين) * (سورة النساء، الآية: 12) فقد قيل في ذلك إن الآية ليس ~~فيها صيغة ترتيب، بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين وإنفاذ ~~الوصية، وأتى بأو للإباحة وهي كقولك: جالس زيدا أو عمرا، أي لك مجالسة كل ~~واحد منهما اجتمعا أو افترقا. وإنما قدمت لمعنى اقتضى الاهتمام بتقديمها، ~~واختلف في تعيين ذلك المعنى، وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ~~ستة أمور، أحدها: # الخفة والثقل كربيعة ومضر، فمضر أشرف من ربيعة، لكن لفظ ربيعة لما كان ~~أخف قدم في الذكر وهذا يرجع إلى اللفظ. ثانيها: بحسب الزمان كعاد وثمود. ~~ثالثها: # بحسب الطبع كثلاث ورباع. رابعها: بحسب الرتبة كالصلاة والزكاة، لأن ~~الصلاة حق البدن والزكاة حق المال، فالبدن مقدم على المال. خامسها: تقديم ~~السبب على المسبب كقوله تعالى: * (عزيز حكيم) * (سورة البقرة، الآية: 209). ~~وقال بعض السلف: عز فلما عز حكم. سادسها: بالشرف والفضل كقوله تعالى: * (من ~~النبيين والصديقين) * (سورة النساء، الآية: 69) وإذا تقرر ذلك فقد ذكر ~~السهيلي أن تقديم الوصية في الذكر على الدين، لأن الوصية إنما تقع على سبيل ~~البر والصلة، بخلاف الدين فإنه إنما يقع غالبا بعد الميت بنوع تفريط، فوقعت ~~البداءة بالوصية لكونها أفضل. وقال غيره: قدمت الوصية لأنها شئ يؤخذ بغير ~~عوض، والدين يؤخذ بعوض، فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين، ~~وكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن بإخراجه فقدمت ~~الوصية لذلك، وأيضا فهي حظ فقير ومسكين غالبا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة، ~~وله مقال كما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن لصاحب الدين ~~مقالا. وأيضا فالوصية ms2496 ينشئها الموصي من قبل نفسه، فقدمت تحريضا على العمل ~~بها بخلاف الدين. قال الزين بن المنير: تقديم الوصية في الذكر على الدين لا ~~يقتضي تقديمها في المعنى لأنهما معا قد ذكرا في سياق البعدية، لكن الميراث ~~يلي الوصية ولا يلي الدين في اللفظ، بل هو بعد بعده، فيلزم أن الدين يقدم ~~في الأداء باعتبار القبلية فيقدم الدين على الوصية، PageV06P167 # وباعتبار البعدية فتقدم الوصية على الدين اه. وقد أخرج أحمد والترمذي ~~وغيرهما من طريق الحرث الأعور عن علي عليه سلام الله ورضوانه قال: قضى محمد ~~أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين والحديث وإن كان ~~إسناده ضعيفا لكنه معتضد بالاتفاق الذي سلف قال الترمذي: إن العمل عليه عند ~~أهل العلم. # قوله: قد أديت عنه فيه دليل على أنه يجوز للوصي أن يستقل بنفسه في قضاء ~~ديون الميت، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر عليه ذلك. قال في ~~البحر مسألة: وللوصي استيفاء ديون الميت وإيفاؤها إجماعا لنيابته عنه اه. ~~قوله: فإنها محقة لعله صلى الله عليه وآله وسلم حكم بعلمه أو بوحي. # كتاب الفرائض عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم وهو ينسى، وهو أول شئ ينزع من أمتي ~~رواه ابن ماجة والدارقطني. وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، أو سنة ~~قائمة، أو فريضة عادلة رواه أبو داود وابن ماجة. وعن الأحوص عن ابن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعلموا القرآن وعلموه الناس، ~~وتعلموا الفرائض وعلموها، فإني امرؤ مقبوض والعلم مرفوع، ويوشك أن يختلف ~~اثنان في الفريضة والمسألة فلا يجدان أحدا يخبرهما ذكره أحمد بن حنبل في ~~رواية ابنه عبد الله. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أرحم أمتي بأمتي أبا بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، ms2497 ~~وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله عز وجل أبي، ~~وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن ~~الجراح رواه أحمد وابن ماجة والترمذي والنسائي. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الحاكم ومداره على حفص بن عمر بن أبي العطاف ~~وهو متروك، وحديث عبد الله بن عمرو في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ~~PageV06P168 # الإفريقي وقد تكلم فيه غير واحد، وفيه أيضا عبد الرحمن بن رافع التنوخي ~~قاضي إفريقية، وقد غمزه البخاري وابن أبي حاتم. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا ~~النسائي والحاكم والدارمي والدارقطني من رواية عوف عن سليمان بن جابر عنه، ~~وفيه انقطاع بين عوف وسليمان، ورواه النضر بن شميل وشريك وغيرهما متصلا. ~~وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط وفي إسناده محمد بن عقبة السدوسي، وثقه ابن ~~حبان وضعفه أبو حاتم، وفيه أيضا سعيد بن أبي بن كعب وقد ذكره ابن حبان في ~~الثقات، وأخرجه أيضا أبو يعلى والبزار وفي إسنادهما من لا يعرف. وأخرج نحوه ~~الطبراني في الأوسط عن أبي بكر والترمذي عن أبي هريرة. وحديث أنس صححه ~~الترمذي والحاكم وابن حبان وقد أعل بالارسال، وسماع أبي قلابة من أنس صحيح ~~إلا أنه قيل: لم يسمع منه هذا. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف على أبي قلابة ~~في العلل، ورجح هو والبيهقي والخطيب في المدرج أن الموصول منه ذكر أبي ~~عبيدة والباقي مرسل. ورجح ابن المواق وغيره رواية الموصول، وله طريق أخرى ~~عن أنس أخرجها الترمذي. (وفي الباب) عن جابر عند الطبراني في الصغير بإسناد ~~ضعيف. # وعن أبي سعيد عن العقيلي في الضعفاء. وعن ابن عمر عند ابن عدي وفي إسناده ~~كوثر وهو متروك. قوله: الفرائض جمع فريضة كحدائق جمع حديقة وهي مأخوذة من ~~الفرض وهو القطع، يقال: فرضت لفلان كذا أي قطعت له شيئا من المال، وقيل: # هي من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ~~ولا يزول، كذا قال الخطابي. وقيل: الثاني خاص بفرائض الله ms2498 تعالى، وهي ما ~~ألزم به عباده لمناسبة اللزوم لما كان الوتر يلزم محله. قوله: فإنه نصف ~~العلم قال ابن الصلاح: لفظ النصف ههنا عبارة عن القسم الواحد وإن لم ~~يتساويا. وقال ابن عيينة: إنما قيل له نصف العلم لأنه يبتلى به الناس كلهم، ~~وفيه الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها والتحريض على حفظها، لأنها لما كانت ~~تنسى وكانت أول ما ينزع من العلم كان الاعتناء بحفظها أهم ومعرفتها لذلك ~~أقوم. قوله: وما سوى ذلك فضل فيه دليل على أن العلم النافع الذي ينبغي ~~تعلمه وتعليمه هو الثلاثة المذكورة، وما عداها ففضل لا تمس إليه حاجة. ~~قوله: فلا يجدان أحدا يخبرهما فيه الترغيب في طلب العلم، خصوصا علم الفرائض ~~لما سلف من أنه ينسى وأول ما ينزع. قوله: وعن PageV06P169 # أنس الخ، فيه دليل على فضيلة كل واحد من الصحابة المذكورين، وأن زيد بن ~~ثابت أعلمهم بالفرائض، فيكون الرجوع إليه عند الاختلاف فيها أولى من الرجوع ~~إلى غيره، ويكون قوله فيها مقدما على أقوال سائر الصحابة، ولهذا اعتمده ~~الشافعي في الفرائض. # باب البداءة بذوي الفروض وإعطاء العصبة ما بقي عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ~~متفق عليه. # قوله: ألحقوا الفرائض بأهلها الفرائض الأنصباء المقدرة وأهلها المستحقون ~~لها بالنص. قوله: فما بقي أي ما فضل بعد إعطاء ذوي الفروض المقدرة فروضهم. # وقوله: لأولى أفعل تفضيل من الولي بمعنى القرب، أي لأقرب رجل من الميت. ~~قال الخطابي: المعنى أقرب رجل من العصبة. وقال ابن بطال: المراد أن الرجال ~~من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من ~~هو أبعد، فإن استووا اشتركوا. وقال ابن التين: المراد به العم مع العمة، ~~وابن الأخ مع بنت الأخ، وابن العم مع بنت العم، فإن الذكور يرثون دون ~~الإناث، وخرج من ذلك الأخ مع الأخت لأبوين أو لأب فإنهم يشتركون بنص قوله ~~تعالى: * (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ms2499 فللذكر مثل حظ الأنثيين) * (سورة ~~النساء، الآية: 176) وكذلك الاخوة لام فإنهم يشتركون هم والأخوات لام لقوله ~~تعالى: * (فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث) * (سورة النساء، الآية: 12). قوله: رجل ذكر هكذا في جميع الروايات، ~~ووقع عند صاحب النهاية والغزالي وغيرهما من أهل الفقه فلأولى عصبة ذكر، ~~واعترض ذلك ابن الجوزي والمنذري بأن لفظة العصبة ليست محفوظة. وقال ابن ~~الصلاح: فيها بعد عن الصحة من حيث اللغة فضلا عن الرواية، لأن العصبة في ~~اللغة اسم للجمع لا للواحد، وتعقب ذلك الحافظ فقال: إن العصبة اسم جنس يقع ~~على الواحد فأكثر، ووصف الرجل بأنه ذكر زيادة في البيان. وقال ابن التين: ~~إنه للتوكيد. وتعقبه القرطبي بأن العرب تعتبر حصول فائدة في التأكيد ولا ~~فائدة هنا، ويؤيد ذلك ما PageV06P170 # صرح به أئمة المعاني من أن التأكيد لا بد له من فائدة، وهي إما دفع توهم ~~التجوز أو السهو أو عدم الشمول. وقيل: إن الرجل قد يطلق على مجرد النجدة ~~والقوة في الامر فيحتاج إلى ذكر ذكر. وقيل: قد يراد برجل بمعنى الشخص فيعم ~~الذكر والأنثى وقال ابن العربي: # فائدته هي أن الإحاطة بالميراث جميعه إنما تكون للذكر لا للأنثى، وأما ~~البنت المفردة فأخذها للمال جميعه بسببين. الفرد والرد. وقيل: احترز به عن ~~الخنثى. وقيل: إنه قد يطلق الرجل على الأنثى تغليبا كما في حديث: من وجد ~~متاعه عند رجل وحديث: أيما رجل ترك مالا وقال السهيلي: إن ذكر صفة لقوله ~~أولى لقوله رجل، وأطال الكلام في تقوية ذلك وتضعيف ما عداه، وتبعه ~~الكرماني، وقيل: غير ذلك. (والحديث) يدل على أن الباقي بعد استيفاء أهل ~~الفروض المقدرة لفروضهم يكون لأقرب العصبات من الرجال، ولا يشاركه من هو ~~أبعد منه، وقد حكى النووي الاجماع على ذلك، وقد استدل به ابن عباس ومن ~~وافقه على أن الميت إذا ترك بنتا وأختا وأخا يكون للبنت النصف والباقي للأخ ~~ولا شئ للأخت. # وعن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول ms2500 الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع ~~قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا ~~ينكحان إلا بمال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين ~~وأمهما الثمن وما بقي فهو لك رواه الخمسة إلا النسائي. # الحديث حسنه الترمذي، وأخرجه أيضا الحاكم وفي إسناده عبد الله بن محمد بن ~~عقيل بن أبي طالب الهاشمي، ولا يعرف إلا من حديثه كما قال الترمذي وقد ~~اختلف الأئمة فيه. قال الترمذي: هو صدوق سمعت محمدا يقول: كان أحمد وإسحاق ~~والحميدي يحتجون بحديثه. وروى هذا الحديث أبو داود بلفظ: فقالت: يا رسول ~~الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد قال أبو داود: أخطأ فيه بشر، ~~وهما بنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة. قوله: ولا ينكحان ~~إلا بمال يعني أن الأزواج لا يرغبون في نكاحهن إلا إذا كان معهن مال وكان ~~ذلك معروفا في العرب. # قوله: فنزلت آية الميراث أي قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين) * (سورة النساء، الآية: 11) ~~الآية. (الحديث) فيه دليل على أن للبنتين PageV06P171 # الثلثين، وإليه ذهب الأكثر. وقال ابن عباس: بل للثلاث فصاعدا لقوله ~~تعالى: * (فوق اثنتين) * (سورة النساء، الآية: 11) وحديث الباب نص في محل ~~النزاع ويؤيده أن الله سبحانه جعل للأختين الثلثين والبنتان أقرب إلى الميت ~~منهما. # وعن زيد بن ثابت: أنه سئل عن زوج وأخت لأبوين، فأعطى الزوج النصف والأخت ~~النصف وقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بذلك رواه أحمد. ~~وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من مؤمن إلا أنا ~~أولى به في الدنيا والآخرة، واقرؤوا إن شئتم: * (النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم) * (سورة الأحزاب، الآية: 6) فأيما مؤمن مات وترك مالا ms2501 فليرثه عصبته ~~من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه متفق عليه. # الحديث الأول في إسناده أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط وبقية رجاله رجال ~~الصحيح. وفيه دليل على أن الزوج يستحق النصف والأخت النصف من مال الميت ~~الذي لم يترك غيرهما، وذلك مصرح به في القرآن الكريم، أما الزوج فقال الله ~~تعالى: # * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) * (سورة النساء، الآية: 12) الآية. وأما ~~الأخت فقال الله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ~~ترك) * (سورة النساء، الآية: 106). قوله: فليرثه عصبته في لفظ للبخاري: ~~فلورثته. وفي رواية لمسلم: فهو لورثته. وفي لفظ له: فإلى العصبة. # قوله: ومن ترك دينا أو ضياعا الضياع بفتح المعجمة بعدها تحتانية قال ~~الخطابي: # هو وصف لمن خلفه الميت بلفظ المصدر أي ترك ذوي ضياع أي لا شئ لهم. قوله: # فليأتني في لفظ آخر: فعلي وإلي. وقد اختلف هل كان رسول الله يقضي دين ~~المديونين من مال المصالح أو من خالص مال نفسه؟ وقد تقدم في كتاب الحوالة ~~حديث جابر بلفظ: فلما فتح على رسوله. وفي لفظ: فلما فتح الله عليه وفي ذلك ~~إشعار بأنه كان يقضي من مال المصالح، واختلفوا هل كان القضاء واجبا عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟ وقد تقدم بقية الكلام على الحديث في كتاب ~~الحوالة. # باب سقوط ولد الأب بالاخوة من الأبوين عن علي رضي الله عنه قال: إنكم ~~تقرؤون هذه الآية: * (من بعد وصية PageV06P172 # يوصى بها أو دين) * (سورة النساء، الآية: 12) وإن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الام يتوارثون دون ~~بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه رواه أحمد والترمذي ~~وابن ماجة. وللبخاري منه تعليقا: قضى بالدين قبل الوصية. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وفي إسناده الحرث الأعور وهو ضعيف، وقد قال ~~الترمذي: إنه لا يعرفه إلا من حديثه لكن العمل عليه وكان عالما بالفرائض. ~~وقد قال النسائي: لا بأس ms2502 به. قوله: قضى بالدين قبل الوصية قد تقدم الكلام ~~على هذا في آخر كتاب الوصايا. قوله: وأن أعيان بني الام الأعيان من الاخوة ~~هم الاخوة من أب وأم. قال في القاموس في مادة عين: وواحد الأعيان للإخوة من ~~أب وأم، وهذه الاخوة تسمى المعاينة انتهى. قوله: دون بني العلات هم أولاد ~~الأمهات المتفرقة من أب واحد. قال في القاموس: والعلة الضرة، وبنو العلات ~~بنو أمهات شتى من رجل انتهى. ويقال للاخوة لام فقط أخياف بالخاء المعجمة ~~والياء التحتية وبعد الألف فاء. (والحديث) يدل على أنه تقدم الاخوة لأب وأم ~~على الاخوة لأب، ولا أعلم في ذلك خلافا. # باب الأخوات مع البنات عصبة عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنه ~~وابنة ابن وأخت فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود، فسئل ابن ~~مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي ~~فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للبنت النصف ولابنة الابن ~~السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي. وزاد ~~أحمد والبخاري: فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ~~ما دام هذا الحبر فيكم. # وعن الأسود أن معاذ بن جبل ورث أخت وابنة، جعل لكل واحدة منهما النصف وهو ~~باليمن ونبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ حي رواه أبو داود والبخاري ~~بمعناه. PageV06P173 # قوله: هزيل قال النووي: هو بالزاي إجماعا انتهى. ووقع في كلام كثير من ~~الفقهاء هذيل بالذال المعجمة، قال الحافظ: وهو تحريف. قوله: سئل أبو موسى ~~هذا لفظ البخاري، ولفظ غيره: جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن أبي ~~ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم، فقالا: للابنة النصف، ~~وللأخت لأب وأم النصف، ولم يورثا ابنة الابن شيئا. وبقية الحديث كلفظ ~~البخاري، وفيه دليل على أن الأخت مع البنت عصبة تأخذ الباقي بعد فرضها إن ~~لم يكن معها ابنة ابن كما في حديث معاذ، وتأخذ الباقي بعد ms2503 فرضها وفرض بنت ~~الابن كما في حديث هزيل، وهذا مجمع عليه. وقد رجع أبو موسى إلى ما رواه ابن ~~مسعود، وكانت هذه الواقعة في أيام عثمان، لأن أبا موسى كان وقت السؤال ~~أميرا على الكوفة، وسلمان بن ربيعة قاضيا بها، وإمارة أبي موسى على الكوفة ~~كانت في ولاية عثمان. قال ابن بطال: يؤخذ من هذه القصة أن للعالم أن يجتهد ~~إذا ظن أن لا نص في المسألة ولا يترك الجواب إلى أن يبحث عن ذلك، وأن الحجة ~~عند التنازع هي السنة فيجب الرجوع إليها، قال: ولا خلاف بين الفقهاء فيما ~~رواه ابن مسعود. قال ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى وسلمان بن ~~ربيعة الباهلي. وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل سلمان أيضا رجع عن ذلك كأبي ~~موسى انتهى. وقد اختلف في صحبة سلمان المذكور. قوله: لقد ضللت إذا أي إذا ~~وقعت مني المتابعة لهما وترك ما وردت به السنة. قوله: هذا الحبر بفتح ~~المهملة وبكسرها أيضا وسكون الموحدة ورجح الجوهري الكسر للمهملة، وإنما سمي ~~حبرا لتحبيره الكلام وتحسينه، قاله أبو عبيد الهروي. وقيل: سمي باسم الحبر ~~الذي يكتب به. قال في الفتح: وهو بالفتح في رواية جميع المحدثين، وأنكر أبو ~~الهيثم الكسر، وقال الراغب: يسمى العالم حبرا لما يبقى من أثر علومه. ~~وقوله: # ونبي الله يومئذ حي فيه إشارة إلى أن معاذا لا يقضي بمثل هذا القضاء في ~~حياته صلى الله عليه وآله وسلم إلا لدليل يعرفه، ولو لم يكن لديه دليل لم ~~يعجل بالقضية. PageV06P174 # باب ما جاء في ميراث الجدة والجد عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى ~~أبي بكر فسألته ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شئ، وما علمت لك في سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس ~~فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها ~~السدس، فقال: هل معك غيرك؟ # فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ms2504 ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه ~~لها أبو بكر. قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها فقال: # ما لك في كتاب الله شئ ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، ~~وأيكما خلت به فهو لها. رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وعن عبادة ~~بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى للجدتين من الميراث ~~بالسدس بينهما رواه عبد الله بن أحمد في المسند. وعن بريدة: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم رواه أبو داود. # وعن عبد الرحمن بن يزيد: قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثلاث جدات السدس: ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الام رواه الدارقطني ~~هكذا مرسلا. وعن القاسم بن محمد قال: جاءت الجدتان إلى أبي بكر الصديق ~~فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الام فقال له رجل من الأنصار: # أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث فجعل السدس بينهما رواه ~~مالك في الموطأ. # حديث قبيصة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم، قال الحافظ: وإسناده صحيح لثقة ~~رجاله إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح سماعه من الصديق، ولا يمكن ~~شهوده القصة، قاله ابن عبد البر. وقد اختلف في مولده والصحيح أنه ولد عام ~~الفتح فيبعد شهوده القصة، وقد أعله عبد الحق تبعا لابن حزم بالانقطاع. # وقال الدارقطني في العلل بعد أن ذكر الاختلاف فيه على الزهري: يشبه أن ~~يكون الصواب قول مالك ومن تابعه. وحديث عبادة بن الصامت أخرجه أيضا أبو ~~القاسم بن منده في مستخرجه، والطبراني في الكبير بإسناد منقطع، لأن إسحاق ~~PageV06P175 # بن يحيى لم يسمع من عبادة. وحديث بريدة أخرجه أيضا النسائي وفي إسناده ~~عبد الله العتكي وهو مختلف فيه، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن الجارود ~~وقواه ابن عدي. وحديث عبد الرحمن بن يزيد هو مرسل كما ذكر المصنف، ورواه ~~أبو داود في المراسيل بسند آخر عن إبراهيم النخعي. ورواه الدارقطني ms2505 ~~والبيهقي من مرسل الحسن أيضا. وأخرج نحوه الدارقطني من طريق أبي الزناد عن ~~خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يورث ثلاث جدات إذا استوين، ثنتان من ~~قبل الأب وواحدة من قبل الام. ورواه البيهقي من طرق عن زيد بن ثابت. وروى ~~الدارقطني من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب عن زيد بلفظ حديث عبد الرحمن ~~المذكور، وحديث القاسم بن محمد رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم وهو ~~منقطع، لأن القاسم لم يدرك جده أبا بكر. ورواه الدارقطني من طريق ابن ~~عيينة، وفي الباب عن معقل بن يسار عند أبي القاسم بن منده، وقد ذكر القاضي ~~حسين أن الجدة التي جاءت إلى الصديق أم الام، وأن التي جاءت إلى عمر أم ~~الأب. وفي رواية ابن ماجة ما يدل له، والأحاديث المذكورة في الباب تدل على ~~أن فرض الجدة الواحدة السدس، وكذلك فرض الجدتين والثلاث، وقد نقل محمد بن ~~نصر من أصحاب الشافعي اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك حكى ذلك عنه ~~البيهقي. قال في البحر مسألة: فرضهن يعني الجدات السدس وإن كثرن إذا ~~استوين، وتستوي أم الام وأم الأب لا فضل بينهما، فإن اختلفن سقط الأبعد ~~بالأقرب، ولا يسقطهن إلا الأمهات، والأب يسقط الجدات من جهته، والام من ~~الطرفين، وكل جدة أدرجت أبا بين أمين، وأما بين أبوين فهي ساقطة. مثال ~~الأول: أم أبي الام فبينها وبين الميت أب. ومثال الثاني: أم أبي أم الأب ~~انتهى. ولأهل الفرائض في الجدات كلام طويل ومسائل متعددة، فمن أحب الوقوف ~~على تحقيق ذلك فليرجع إلى كتب الفن. # وعن عمران بن حصين: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال إن ~~ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ قال: لك السدس فلما أدبر دعاه قال: لك سدس ~~آخر، فلما أدبر دعاه فقال: إن السدس الآخر طعمة رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي وصححه. # وعن الحسن: أن عمر سأل عن فريضة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الجد، فقام ms2506 معقل بن يسار المزني فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، قال: PageV06P176 # ماذا؟ قال: السدس، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت فما تغني إذا ~~رواه أحمد. # حديث عمران بن حصين هو من رواية الحسن البصري عنه، وقد قال علي بن ~~المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما: أنه لم يسمع منه. وحديث معقل بن يسار ~~أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجة ولكنه منقطع، لأن الحسن البصري لم ~~يدرك السماع من عمر فإنه ولد في سنة إحدى وعشرين وقتل عمر في سنة ثلاث ~~وعشرين. وقيل: سنة أربع وعشرين. وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يصح للحسن ~~سماع من معقل بن يسار وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الحسن عن ~~معقل. وحديث عمران يدل على أن الجد يستحق ما فرض له رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، قال قتادة: لا ندري مع أي شئ ورثه، قال: وأقل ما يرثه الجد ~~السدس. قيل: وصورة هذه المسألة أنه ترك الميت بنتين وهذا السائل فللبنتين ~~الثلثان والباقي ثلث، دفع صلى الله عليه وآله وسلم منه إلى الجد سدسا ~~بالفرض لكونه جدا، ولم يدفع إليه السدس الآخر الذي يستحقه بالتعصيب، لئلا ~~يظن أن فرضه الثلث وتركه حتى ولى أي ذهب فدعاه وقال: لك سدس آخر، ثم أخبره ~~أن هذا السدس طعمة أي زائد على السهم المفروض، وما زاد على المفروض فليس ~~بلازم كالفرض. # (وقد اختلف) الصحابة في الجد اختلافا طويلا، ففي البخاري تعليقا يروى عن ~~علي وعمر وزيد بن ثابت وابن مسعود في الجد قضايا مختلفة. وقد ذكر البيهقي ~~في ذلك آثارا كثيرة. وروى الخطابي في الغريب بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين ~~قال: سألت عبيدة عن الجد فقال: ما يصنع بالجد فقد حفظت فيه عن عمر مائة ~~قضية يخالف بعضها بعضا، ثم أنكر الخطابي هذا إنكارا شديدا، وسبقه إلى ذلك ~~ابن قتيبة. # قال الحافظ: هو محمول على المبالغة كما حكى ذلك البزار، وجعله ابن عباس ~~كالأب كما رواه ms2507 البيهقي عنه وعن غيره. وروي أيضا من طريق الشعبي قال: كان ~~من رأي أبي بكر وعمر أن الجد أولى من الأخ وكان عمر يكره الكلام فيه. وروى ~~البيهقي أيضا على أنه شبه الجد بالبحر والنهر الكبير، والأب بالخليج ~~المأخوذ منه، والميت وإخوته كالساقيتين الممتدتين من الخليج، والساقية إلى ~~الساقية أقرب منها إلى البحر، ألا ترى إذا سدت إحداهما أخذت الأخرى ماءها ~~ولم يرجع إلى البحر، وشبهه زيد بن ثابت الأنصاري بساق الشجرة وأصلها، والأب ~~كغصن منها، والاخوة PageV06P177 # كغصنين تفرعا من ذلك الغصن، وأحد الغصنين إلى الآخر أقرب منه إلى أصل ~~الشجرة. ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتص المقطوع ولا ~~يرجع إلى الساق هكذا؟ رواه البيهقي. ورواه الحاكم بغير هذا السياق. وأخرجه ~~ابن حزم في الاحكام من طريق إسماعيل القاضي عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبي ~~الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه فذكر قصة زيد بن ثابت قال ~~في البحر مسألة: # علي وابن مسعود وزيد بن ثابت والأكثر: ولا يسقط الاخوة الجد بل يقاسمهم ~~بخلاف الأب وإن اختلفوا في كيفية المقاسمة. أبو بكر وعائشة وابن الزبير ~~ومعاذ والحسن البصري وبشر بن غياث: بل يسقط الاخوة كالأب إذ سماه الله أبا ~~فقال: # * (ملة أبيكم إبراهيم) * (سورة الحج، الآية: 78) لنا قوله تعالى في الأب: ~~* (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) * (سورة النساء، الآية: 176) وهذا عام لا ~~يخرج منه إلا ما خصه دليل، ولولا الاجماع لما سقط مع الأب لهذه الآية، وأن ~~الاخوة كالبنين بديل تعصيبهم أخواتهم فوجب أن لا يسقط مع الجد، وأما تسميته ~~الجد أبا فمجاز فلا يلزمنا. قال فرع: اختلف في كيفية المقاسمة، فقال علي ~~وابن أبي ليلى والحسن بن زياد والامامية: يقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة عن ~~السدس، فإن نقصته رد إلى السدس. وعن علي أنه يقاسم إلى التسع روته ~~الامامية، قلنا: روايتنا أشهر إذ راويها زيد بن علي عن أبيه عن جده. وقال ~~ابن مسعود وزيد بن ms2508 علي والشافعي وأبو يوسف ومحمد والناصر ومالك: بل يقاسمهم ~~إلى الثلث، فإن نقصته المقاسمة عنه رد إليه، ثم استدل لهم بحديث عمران بن ~~حصين المذكور. وقال الناصر: # أن الجد يقاسم الاخوة أبدا. وقد روى ابن حزم عن قوم من السلف أن الاخوة ~~يسقطون الجد، وقد قيل: إن المثل الذي ذكره علي والمثل الذي ذكره ابن مسعود ~~يستلزمان أن يكون الاخوة أولى من الأب ولا قائل به، وللأب مزايا منها النص ~~على ميراثه في القرآن وتعصيبه لأخته. وأجيب عن الأولى بأن الجد مثله فيها ~~لأنه أب وهو منصوص على ميراثه في القرآن، ورد بأن ذلك مجاز لا حقيقة. وأجيب ~~بأن الأصل في الاطلاق الحقيقة. وأيضا للجد مزايا: منها أنه يرث مع الأولاد. ~~ومنها أنه يسقط الاخوة لام اتفاقا. PageV06P178 # باب ما جاء في ذوي الأرحام والمولى من أسفل ومن أسلم على يد رجل وغير ذلك ~~عن المقدام بن معد يكرب: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ترك ~~مالا فلورثته وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرث، والخال وارث من لا ~~وارث له يعقل عنه ويرثه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي أمامة بن ~~سهل: أن رجلا رمى رجلا بسهم فقتله وليس له وارث إلا خال، فكتب في ذلك أبو ~~عبيدة بن الجراح إلى عمر، فكتب عمر إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له رواه أحمد وابن ~~ماجة، وللترمذي منه المرفوع وقال: حديث حسن. # حديث المقدام أخرجه أيضا النسائي والحاكم وابن حيان وصححاه، وحسنه أبو ~~زرعة الرازي، وأعله البيهقي بالاضطراب، ونقل عن يحيى بن معين أنه كان يقول: ~~ليس فيه حديث قوي. وحديث عمر ذكره في التلخيص ولم يتكلم عليه وقد حسنه ~~الترمذي كما ذكره المصنف، ورواه عن بندار عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن ~~عبد الرحمن بن الحرث عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي أمامة بن ms2509 سهل ~~بن حنيف قال: كتب عمر بن الخطاب فذكره في الباب عن عائشة عند الترمذي ~~والنسائي والدارقطني من رواية طاوس عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: الخال وارث من لا وارث له قال الترمذي: حسن غريب، وأعله النسائي ~~بالاضطراب، ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه. قال الترمذي: وقد أرسله بعضهم ~~ولم يذكر فيه عائشة. وقال البزار: أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل، ~~وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة، والعقيلي وابن عساكر عن أبي ~~الدرداء، وابن النجار عن أبي هريرة، كلها مرفوعة. وقد استدل بحديثي الباب ~~وما في معناهما على أن الخال من جملة الورثة. # قال الترمذي: واختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فورث بعضهم ~~الخال والخالة والعمة، وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي ~~PageV06P179 # الأرحام، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال اه. وقد ~~حكى صاحب البحر القول بتوريث ذوي الأرحام عن علي وابن مسعود وأبي الدرداء ~~والشعبي ومسروق ومحمد ابن الحنفية والنخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي ~~نعيم ويحيى بن آدم والقاسم بن سلام والعترة وأبي حنيفة وإسحاق والحسن بن ~~زياد، قالوا: إذا لم يكن معهم أحد من العصبة وذوي السهام، وإلى ذلك ذهب ~~فقهاء العراق والكوفة والبصرة وغيرهم. وحكي في البحر أيضا عن زيد بن ثابت ~~والزهري ومكحول والقاسم بن إبراهيم والامام يحيى ومالك والشافعي أنه لا ~~ميراث لهم. وبه قال فقهاء الحجاز، احتج الأولون بالأحاديث المتقدمة وبحديث ~~عائشة الآتي، وبعموم قوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * ~~(سورة الأنفال، الآية: 75) وقوله تعالى: * (للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) * (سورة النساء، ~~الآية: 7) ولفظ الرجال والنساء والأقربين يشملهم والدليل على مدعي التخصيص. ~~وأجاب الآخرون عن ذلك فقالوا: عمومات الكتاب محتملة وبعضها منسوخ، ~~والأحاديث فيها ما تقدم من المقال، ويجاب عن ذلك بأن دعوى الاحتمال إن كان ~~لأجل العموم فليس ذلك مما يقدح في الدليل والاستلزام إبطال الاستدلال بكل ms2510 ~~دليل عام وهو باطل، وإن كانت لأمر آخر فما هو. وأما الاعتذار عن أحاديث ~~الباب بما فيها من المقال فقد عرفت من صححها من الأئمة ومن حسنها، ولا شك ~~في انتهاض مجموعها للاستدلال إن لم ينتهض الافراد. (ومن جملة) ما استدلوا ~~به على إبطال ميراث ذوي الأرحام حديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~قال: سألت الله عز وجل عن ميراث العمة والخالة فسارني أن لا ميراث لهما ~~أخرجه أبو داود في المراسيل، والدارقطني من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم ~~عن عطاء بن يسار مرسلا. وأخرجه النسائي من مرسل زيد بن أسلم، ويجاب بأن ~~المرسل لا تقوم به الحجة قالوا: وصله الحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد ~~والطبراني، ويجاب بأن إسناد الحاكم ضعيف، وإسناد الطبراني فيه محمد بن ~~الحرث المخزومي. # قالوا: وصله أيضا الطبراني من حديث أبي هريرة. ويجاب بأنه ضعفه بمسعدة بن ~~اليسع الباهلي، قالوا: وصله الحاكم أيضا من حديث ابن عمر وصححه. ويجاب بأن ~~في إسناده عبد الله بن جعفر المديني وهو ضعيف، قالوا: روى له الحاكم شاهدا ~~من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن الحرث بن عبد مرفوعا. ويجاب ~~PageV06P180 # بأن في إسناده سليمان بن داود الشاذكوني وهو متروك، قالوا: أخرجه ~~الدارقطني من وجه آخر عن شريك. ويجاب بأنه مرسل، وكل هذه الطرق لا تقوم بها ~~حجة، وعلى فرض صلاحيتها للاحتجاج فهي واردة في الخالة والعمة فغايتها أنه ~~لا ميراث لهما، وذلك لا يستلزم إبطال ميراث ذوي الأرحام، على أنه قد قيل: ~~إن المراد بقوله لا ميراث لهما أي مقدور ومما يؤيد ثبوت ميراث ذوي الأرحام ~~ما سيأتي في باب ميراث ابن الملاعنة من جعله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ميراثه لورثتها من بعدها وهم أرحام له لا غير، ومن المؤيدات لميراث ذوي ~~الأرحام ما أخرجه أبو داود من حديث أبي موسى أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ابن أخت القوم منهم وأخرجه النسائي من حديث أنس بلفظ: من أنفسهم قال ms2511 ~~المنذري في مختصر السنن: وقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ابن أخت القوم منهم مختصرا ومطولا، ومن الأجوبة ~~المتعسفة قول ابن العربي: أن المراد بالخال السلطان، وأما ما يقال من أن ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الخال وار ث من لا وارث له يدل على أنه غير ~~وارث، فيجاب عنه بأن المراد من لا وارث له سواء، ونظير هذا التركيب كثير في ~~كلام العرب، على أن محل النزاع هو إثبات الميراث له، وقد أثبته له صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو المطلوب. # وعن ابن عباس: أن رجلا مات على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولم يترك وارثا إلا عبدا هو أعتقه فأعطاه ميراثه. وعن قبيصة عن تميم الداري ~~قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما السنة في الرجل من أهل ~~الشرك يسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته وهو ~~مرسل قبيصة لم يلق تميما الداري. وعن عائشة: أن مولى للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم خر من عذق نخلة فأتي به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل ~~له من نسيب أو رحم؟ قالوا: لا، قال: أعطوا ميراثه بعض أهل قريته رواهن ~~الخمسة إلا النسائي. # وعن بريدة قال: توفي رجل من الأزد فلم يدع وارثا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ادفعوه إلى أكبر خزاعة رواه أحمد وأبو داود. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أصحابه وكانوا ~~PageV06P181 # يتوارثون بذلك حتى نزلت: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله) * (سورة الأنفال، الآية: 75) فتوارثوا بالنسب رواه الدارقطني. # حديث ابن عباس الأول حسنه الترمذي وهو من رواية عوسجة عن ابن عباس. قال ~~البخاري: عوسجة مولى ابن عباس الهاشمي روى عنه ابن دينار ولم يصح. وقال أبو ~~حاتم: ليس بالمشهور. وقال النسائي: عوسجة ليس بالمشهور ولا نعلم أحدا يروي ~~عنه غير عمرو. وقال أبو زرعة الرازي: ms2512 ثقة. وحديث تميم قال الترمذي: لا ~~نعرفه إلا من حديث عبد الله بن موهب ويقال ابن وهب عن تميم الداري، وقد ~~أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب وتميم الداري قبيصة بن ذؤيب وهو عندي ليس ~~بمتصل اه. وقال الشافعي في هذا الحديث: ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن ~~عمر عن ابن وهب عن تميم الداري، وابن وهب ليس بالمعروف عندنا ولا نعلمه لقي ~~تميما. ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك من قبل أنه مجهول ولا أعلمه متصلا. ~~وقال الخطابي: ضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا وقال: # عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والاتقان. وقال البخاري في الصحيح: ~~واختلفوا في صحة هذا الخبر. وقال أبو مسهر: عبد العزيز بن عمر بن عبد ~~العزيز ضعيف الحديث ، وقد احتج بعبد العزيز المذكور البخاري في صحيحه وأخرج ~~له وهو مسلم وقال يحيى بن معين: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ثقة. وقال ~~ابن عمار: ثقة ليس بين الناس فيه اختلاف. وحديث عائشة حسنه الترمذي، وقال ~~عزا المنذري في مختصر السنن حديث عائشة هذا والحديثين اللذين قبله إلى ~~النسائي فينظر في قول المصنف : رواهن الخمسة إلا النسائي. وحديث بريدة ~~أخرجه أيضا النسائي مسندا ومرسلا، وقال جبريل بن أحمر: ليس بالقوي والحديث ~~منكر اه. وقال الموصلي: فيه نظر. # وقال أبو زرعة الرازي: شيخ. وقال يحيى بن معين: كوفي ثقة. ولفظ أبي داود ~~عن بريدة قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: إن عندي ميراث ~~رجل من الأزد ولست أجد أزديا أدفعه إليه، قال: فاذهب فالتمس أزديا، فالتمس ~~أزديا حولا قال: # فأتاه بعد الحول فقال: يا رسول الله لم أجد أزديا أدفعه إليه، قال: ~~فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه فلما ولى قال: علي بالرجل فلما ~~جاء قال: انظر أكبر خزاعة فادفعه إليه وفي لفظ آخر قال: مات رجل من خزاعة ~~فأتي النبي صلى الله عليه وآله PageV06P182 # وسلم بميراثه فقال: التمسوا له وارثا أو ذا رحم، ms2513 فلم يجدوا له وارثا، ~~فقال: انظروا أكبر رجل من خزاعة وحديث ابن عباس الثاني أخرجه أيضا أبو داود ~~بلفظ: # كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما من الآخر، فنسخ ذلك ~~الأنفال فقال * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * وفي إسناده علي بن ~~الحسين بن واقد وفيه مقال. وأخرج نحوه ابن سعد عن عروة بن الزبير وفيه: # فصارت المواريث بعد للأرحام والقرابة، وانقطعت تلك المواريث بالمؤاخاة ~~ذكره الأسيوطي في أسباب النزول، ومعناه في الدر المنثور. قوله: فأعطاه ~~ميراثه قيل: # إن ذلك من باب الصرف لا من باب التوريث. قوله: هو أولى الناس بمحياه ~~ومماته فيه دليل على أن من أسلم على يد رجل من المسلمين ومات ولا وارث له ~~غيره كان له ميراثه. وقال الناصر والشافعي ومالك والأوزاعي: لا وارث له، بل ~~يصرف الميراث إلى بيت المال دونه. وقالت الحنفية والقاسمية وزيد بن علي ~~وإسحاق أنه يرث، إلا أن الحنفية والمؤيد بالله يشترطون في إرثه المحالفة. ~~قوله: هل له من نسيب أو رحم فيه دليل على توريث ذوي الأرحام، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك. # قوله: أعطوا ميراثه بعض أهل قريته فيه دليل على جواز صرف ميراث من لا ~~وارث له معلوم إلى واحد من أهل بلده، وظاهر قوله: ادفعوه إلى أكبر خزاعة أن ~~ذلك من باب التوريث، لأن الرجل إذا كان يجتمع هو وقبيلته في جد معلوم ولم ~~يعلم له وارث منهم على التعيين فأكبرهم سنا أقربهم إليه نسبا، لأن كبر السن ~~مظنة لعلو الدرجة. # قوله: وكانوا يتوارثون بذلك قال في البحر: أراد بالآية أن العصبات وذوي ~~السهام أولى بالميراث من الحلفاء والمدعين. قال أبو عبيد: نسخت ميراثهما. ~~وقوله تعالى: * (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) * (سورة الأحزاب، ~~الآية: 6) أي إلى حلفائكم. وقال جابر بن زيد ومقاتل بن محمد وعطاء: بل إلى ~~قرابتهم المشركين فأجازوا الوصية لهم للآية. قال المهدي: وهو ظاهر البطلان ~~لقوله تعالى: * (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) * (سورة الممتحنة، الآية: ~~1) فكيف سماهم أولياء المؤمنين اه. PageV06P183 # باب ميراث ms2514 ابن الملاعنة والزانية منهما وميراثهم منهم وانقطاعهم من الأب ~~في حديث المتلاعنين الذي يرويه سهل بن سعد قال: وكانت حاملا وكان ابنها ~~ينسب إلى أمه، فجرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله أخرجاه. وعن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا مساعاة في الاسلام، ~~من ساعى في الجاهلية فقد ألحقته بعصبته، ومن ادعى ولدا من غير رشدة فلا يرث ~~ولا يورث رواه أحمد وأبو داود. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا ~~يرث ولا يورث رواه الترمذي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لامه ولورثتها من بعدها ~~رواه أبو داود. # حديث ابن عباس في إسناده رجل مجهول في سنن أبي داود. وأخرج أبو داود أيضا ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قضى أن كل مستلحق ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة وذلك فيما استلحق ~~في أول الاسلام، وفي إسناده محمد بن راشد المكحولي الشامي وفيه مقال، ووثقه ~~أحمد وابن معين والنسائي، وقال دحيم: يذكر بالقدر. وحديث عمرو بن شعيب ~~الأول في إسناده أبو محمد عيسى بن موسى القرشي الدمشقي، قال البيهقي: ليس ~~بمشهور وحديث عمرو بن شعيب الثاني في إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف. ~~قال الترمذي: # وروى يونس هذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه. وروى مالك عن الزهري عن أبي ~~سلمة وسعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. # (وفي الباب) عن واثلة بن الأسقع عن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ~~ولقيطها وولدها PageV06P184 # الذي ms2515 لاعنت عنه قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب ~~اه. وفي إسناده عمر بن رويبة التغلبي قال البخاري: فيه نظر، وسئل عنه أبو ~~حاتم الرازي فقال: صالح الحديث، قيل: تقوم به الحجة، فقال: لا ولكن صالح ~~وقال الخطابي: هذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل. وقال البيهقي: لم يثبت ~~البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته اه. وقد صححه الحاكم وأحاديث ~~الباب تدل على أنه لا يرث ابن الملاعنة من الملاعن له ولا من قرابته شيئا، ~~وكذلك لا يرثون منه. وكذلك ولد الزنا وهو مجمع على ذلك، ويكون ميراثه لامه ~~ولقرابتها، كما يدل على ذلك حديث عمرو بن شعيب المذكور وتكون عصبته عصبة ~~أمه. وقد روي نحو ذلك عن علي وابن عباس، فيكون للام سهمها ثم لعصبتها على ~~الترتيب، وهذا حيث لم يكن غير الام وقرابتها من ابن للميت أو زوجة، فإن كان ~~له ابن أو زوجة أعطى كل واحد ما يستحقه كما في سائر المواريث. قوله: لا ~~مساعاة في الاسلام المساعاة الزنا وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون ~~الحرائر، لأنهن كن يسعين لمواليهن فيكتسبن لضرائب كانت عليهن، يقال: ساعت ~~الأمة إذ فجرت، وساعاها فلان إذ فجر بها، كذا في النهاية. # باب ميراث الحمل عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إذا استهل المولود ورث رواه أبو داود. وعن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد ~~الله والمسور بن مخرمة قالا: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرث ~~الصبي حتى يستهل ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله. # حديث أبي هريرة في إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف، وقد روي عن ابن ~~حبان تصحيح الحديث. وحديث جابر أخرجه أيضا الترمذي والنسائي وابن ماجة ~~والبيهقي بلفظ: إذا استهل السقط صلي عليه وورث وفي إسناده إسماعيل بن مسلم ~~وهو ضعيف، قال الترمذي: وروي مرفوعا والموقوف أصح وبه جزم النسائي، وقال ~~الدارقطني في العلل: لا يصح رفعه. ms2516 قوله: إذا استهل قال ابن الأثير: استهل ~~PageV06P185 # المولود إذا بكى عند ولادته، وهو كناية عن ولادته حيا وإن لم يستهل بل ~~وجدت منه أمارة تدل على حياته، وقد تقدم الكلام على الاستهلال في كتاب ~~الجنائز. # (والحديثان) يدلان على أن المولود إذا وقع منه الاستهلال أو ما يقوم ~~مقامه ثم مات ورثه قرابته وورث هو منهم وذلك مما لا خلاف فيه، وقد اختلف في ~~الامر الذي تعلم به حياة المولود، فأهل الفرائض قالوا بالصوت أو الحركة وهو ~~قول الكرخي، وروي عن علي وزفر والشافعي. وروي عن ابن عباس وجابر بن عبد ~~الله وشريح النخعي ومالك وأهل المدينة أنه لا يرث ما لم يستهل صارخا. وفي ~~شرح الإبانة: الاستهلال عند الهادي والفريقين الحركة أو الصوت، وعند الناصر ~~ومالك ورواية عن أبي حنيفة وأبي طالب الصوت فقط، ويكفي عند الهادوية خبر ~~عدلة بالاستهلال، وعند مالك والهادي لا بد من عدلتين، وعند الشافعي أربع. # باب الميراث بالولاء صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~الولاء لمن أعتق وللبخاري في رواية: الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة. ~~وعن قتادة عن سلمى بنت حمزة: أن مولاها مات وترك ابنته فورث النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ابنته النصف، وورث يعلى النصف وكان ابن سلمى رواه أحمد. وعن ~~جابر بن زيد عن ابن عباس: أن مولى لحمزة توفي وترك ابنته وابنة حمزة، فأعطى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته النصف وابنة حمزة النصف رواه ~~الدارقطني. # واحتج أحمد بهذا الخبر في رواية أبي طالب وذهب إليه، وكذلك روي عن ~~إبراهيم النخعي ويحيى بن آدم وإسحاق بن راهويه أن المولى كان لحمزة. وقد ~~روي أنه كان لبنت حمزة، فروى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن ~~عبد الله بن شداد عن بنت حمزة وهي أخت ابن شداد لامه: قالت: مات مولاي وترك ~~ابنته فقسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماله بيني وبين ابنته، فجعل ~~لي النصف ولها النصف رواه ابن ms2517 ماجة. وابن أبي ليلى فيه ضعف، فإن صح هذا لم ~~يقدح في الرواية الأولى، فإن PageV06P186 # من المحتمل تعدد الواقعة ومن المحتمل أنه أضاف مولى الوالد إلى الولد ~~بناء على القول بانتقاله إليه أو توريثه به. # الحديث الذي أشار إليه المصنف بقوله: صح عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد تقدم في باب من اشترى عبدا بشرط أن يعتقه من كتاب البيع، وتقدم ~~أيضا في باب من شرط الولاء أو شرطا فاسدا من كتاب البيع أيضا، وسيأتي أيضا ~~في باب المكاتب. وحديث قتادة ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وقال في ~~مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات، إلا أن قتادة لم يسمح من سلمى بنت حمزة، ~~قال: وأخرجه بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح. وحديث جابر بن زيد ذكره أيضا ~~في التلخيص وسكت عنه. وحديث محمد بن عبد الرحمن رواه النسائي من حديث ابنة ~~حمزة أيضا، وفي إسناده ابن أبي ليلى المذكور وهو القاضي وهو ضعيف كما قال ~~المصنف، وأعل الحديث النسائي بالارسال، وصحح هو والدارقطني الطريق المرسلة، ~~وأخرجه أيضا الحاكم وصرح بأن اسمها أمامة، وهو يخالف ما في حديث أحمد ~~المذكور في الباب من التصريح بأن اسمها سلمى. وفي مصنف ابن أبي شيبة أنها ~~فاطمة، قال البيهقي: # اتفق الرواة على أن ابنة حمزة هي المعتقة وقال: إن قول إبراهيم النخعي ~~إنه مولى حمزة غلط، والأولى الجمع بين الروايتين بمثل ما ذكره المصنف رحمه ~~الله. وحديث ابنة حمزة فيه على فرض أنها هي المعتقة دليل على أن المولى ~~الأسفل إذا مات وترك أحدا من ذوي سهامه ومعتقا كان لذوي السهام من قرابته ~~مقدار ميراثهم المفروض والباقي للمعتق، ولا فرق بين أن يكون ذكرا أو أنثى، ~~ويؤيد ذلك عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الولاء لمن أعتق، والولاء ~~لمن أعطى الورق وولي النعمة وقد وقع الخلاف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقه، ~~فروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وزيد بن علي والناصر أن مولى ~~العتاق لا يرث إلا بعد ذوي ms2518 أرحام الميت، وذهب غيرهم إلى أنه يقدم على ذوي ~~أرحام الميت، ويأخذ الباقي بعد ذوي السهام ويسقط مع العصبات، والرواية ~~المذكورة عن قتادة تدل على أن العتيق إذا مات وترك ذوي سهامه وعصبة مولاه ~~كان لذوي السهام فرضهم والباقي لعصبة المولى. ورواية ابن عبا س المذكورة ~~تدل على أن العتيق إذا مات وترك ذوي سهامه وذوي سهام مولاه كان لذوي سهامه ~~نصيبهم والباقي لذوي سهام مولاه والذي جزم PageV06P187 # به جماعة من أهل الفرائض أن ذوي سهام الميت يسقطون ذوي سهام المعتق، ويدل ~~على ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ~~ترث النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن أو أعتقه من أعتقن. وأخرج البيهقي ~~عن علي وعمر وزيد بن ثابت أنهم كانوا لا يورثون النساء من الولاء إلا ولاء ~~من أعتقن. # باب النهي عن بيع الولاء وهبته وما جاء في السائبة عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أنه نهى عن بيع الولاء وهبته رواه الجماعة. وعن ~~علي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ~~لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا متفق عليه. وليس لمسلم فيه ~~بغير إذن مواليه، لكن له مثله بهذه الزيادة من حديث أبي هريرة. وعن هزيل بن ~~شرحبيل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني أعتقت عبدا لي وجعلته سائبة ~~فمات وترك مالا ولم يدع وارثا، فقال عبد الله: إن أهل الاسلام لا يسيبون، ~~وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون، وأنت ولي نعمته ولك ميراثه، وإن تأثمت ~~وتحرجت في شئ فنحن نقبله ونجعله في بيت المال رواه البرقاني على شرط ~~الصحيح. وللبخاري منه: أن أهل الاسلام لا يسيبون وأن أهل الجاهلية كانوا ~~يسيبون. # في الباب عن عبد الله بن عمر عند الحاكم وابن حبان وصححه، ms2519 والبيهقي وأعله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الولاء لحمة كلحمة النسب لا ~~يباع ولا يوهب. قوله: نهى عن بيع الولاء وعن هبته فيه دليل على أنه لا يصح ~~بيع الولاء ولا هبته لأنه أمر معنوي كالنسب فلا يتأتى انتقاله. قال ابن ~~بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب وحكم الولاء حكمه لحديث: ~~الولاء لحمة كلحمة النسب وحكي في البحر عن مالك أنه يجوز بيع الولاء. وقال ~~ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذلك عن عروة، وجاء عن ~~ميمونة جواز هبته، قال الحافظ: # قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق عنه أنه كان يقول: ~~PageV06P188 # أيبيع أحدكم نسبه؟ ومن طريق على الولاء شعبة من النسب. ومن طريق جابر: ~~أنه أنكر بيع الولاء وهبته. ومن طريق ابن عمر وابن عباس: أنهما كانا ينكران ~~ذلك وسنده صحيح، ويغني عن ذلك كله حديث ابن عمر المذكور في الكتاب، وحديثه ~~الثاني الذي ذكرناه فإنه حديث صحيح، وقد جمع أبو نعيم طرقه فرواه عن نحو من ~~خمسين رجلا من أصحاب عبد الله بن دينار عنه. ورواه أبو جعفر الطبري في ~~تهذيبه، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم أيضا من حديث عبد الله بن أبي ~~أوفى، فلا وجه لما قاله البيهقي من أنه يروى بأسانيد كلها ضعيفة. قوله: ~~صرفا ولا عدلا الصرف التوبة، وقيل: النافلة. والعدل الفدية، وقيل: الفريضة. ~~(والحديث) يدل على أنه يحرم على المولى أن يوالي غير مواليه لأن اللعن لمن ~~فعل ذلك من الأدلة القاضية بأنه من الذنوب الشديدة. قوله: وجعلته سائبة قال ~~في القاموس: السائبة المهملة والعبد يعتق على أن لا ولاء له انتهى. وقد كان ~~أهل الجاهلية يفعلون ذلك ثم هدمه الاسلام. # باب الولاء هل يورث أو يورث به عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: تزوج ~~رياب بن حذيفة بن سعيد ابن سهم أم وائل بنت معمر الجمحية، فولدت له ثلاثة ~~فتوفيت أمهم، فورثها بنوها رباعها وولاء مواليها، ms2520 فخرج بهم عمرو بن العاص ~~معه إلى الشام فماتوا في طاعون عمواس فورثهم عمرو وكان عصبتهم، فلما رجع ~~عمرو وجاء بنو معمر بن حبيب يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر بن الخطاب ~~فقال: أقضي بينكم بما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما ~~أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان ، فقضى لنا به، وكتب لنا كتابا فيه ~~شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت رواه ابن ماجة وأبو داود بمعناه. ~~ولأحمد وسطه من قوله: فلما رجع عمرو وجاء بنو معمر، إلى قوله: فقضى لنا به ~~قال أحمد في رواية ابنه صالح: حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان هكذا يرويه عمرو بن شعيب. وقد ~~روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود: أنهم PageV06P189 # قالوا: الولاء للكبر فهذا الذي نذهب إليه، وهو قول أكثر الناس فيما ~~بلغنا. # الحديث أخرجه أيضا النسائي مسندا ومرسلا، وصححه ابن المديني وابن عبد ~~البر، وزاد أبو داود بعد قوله وزيد بن ثابت: ورجل آخر، فلما استخلف عبد ~~الملك اختصموا إلى هشام بن إسماعيل أو إلى إسماعيل بن هشام فرفعهم إلى عبد ~~الملك فقال: هذا من القضاء الذي ما كنت أراه، قال: فقضى لنا بكتاب عمر بن ~~الخطاب فنحن فيه إلى الساعة. وأثر عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود أخرجه ~~أيضا عبد الرزاق والبيهقي وسعيد بن منصور. قوله: رياب بكسر الراء المهملة ~~وبعدها ياء مثناة تحتية وبعد الألف باء موحدة، وذكره صاحب القاموس في مادة ~~المهموز. # قوله: عمواس هي قرية بين الرملة وبيت المقدس. قوله: أنهم قالوا الولاء ~~للكبر الخ، أراد أحمد بن حنبل أن مذهب الجمهور يقتضي أن ولاء عتقاء أم وائل ~~بنت معمر يكون لأخوتها دون بنيها كما هو مذهب الجمهور، ذكر معنى ذلك في ~~نهاية المجتهد. وحديث عمر وفعله يقتضي تقديم البنين ثم رده إلى الاخوة ~~بعدهم، وهو مذهب شريح وجماعة وحجتهم ظاهر خبر عمر لأن البنين عصبتها، ms2521 ولما ~~كان عمرو بن العاص ليس بعصبة لها رد الولاء إلى إخوتها لأنهم عصبتها، وفي ~~ذلك دلالة على أن الولاء لا يورث، وإلا لكان عمرو أحق به منهم. قال في ~~البحر مسألة: الأكثر ولا يورث يعني الولاء. # بل تختص العصبات للخبر العترة والفريقان، ولا يعصب فيه ذكر أنثى فيختص به ~~ذكور أولاد المعتق وإخوته، إذ قد ثبت أن الأعمام لا يعصبون لضعفهم والولاء ~~ضعيف، فلم يقع فيه تعصيب بحال شريح وطاوس بل يورث ويعصبون لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: كلحمة النسب قلت: مخصص بالقياس. وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # لا يورث انتهى، ومراده بالقياس القياس على عدم تعصيب الأعمام لأخواتهم. ~~ومعنى كون الولاء للكبر أنها لا تجري فيه قواعد الميراث، وإنما يختص بإرثه ~~الكبر من أولاد المعتق أو غيرهم، فإذا خلف رجل ولدين وقد كان أعتق عبدا ~~فمات أحد الولدين وخلف ولدا ثم مات العتيق اختص بولائه ابن المعتق دون ابن ~~ابنه، وكذلك لو أعتق رجل عبدا ثم مات وترك أخوين ثم مات أحدهما وترك ابنا ~~ثم مات المعتق فميراثه لأخي المعتق دون ابن أخيه. ووجه الاستدلال بما روي ~~عن هؤلاء الصحابة بأنهم لا يخالفون التوريث إلا توقيفا. PageV06P190 # باب ميراث المعتق بعضه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه، ويورث ~~بقدر ما عتق منه رواه النسائي، وكذلك أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن ~~ولفظهما: إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه والدارقطني ~~مثلهما وزاد: وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه وقال أحمد في رواية محمد بن ~~الحكم: إذا كان العبد نصفه حرا ونصفه عبدا ورث بقدر الحرية، كذلك روي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # الحديث رجال إسناده ثقات كما قال الحافظ في الفتح، لكنه اختلف في إرساله ~~ووصله، وقد اختلف في حكم المكاتب إذا أدى بعض مال الكتابة، فذهب أبو طالب ~~والمؤيد بالله إلى أنه ms2522 إذا سلم شيئا من مال الكتابة صار لقدره حكم الحرية ~~فيما يتبعض من الاحكام حيا وميتا، كالوصية والميراث والحد والأرش، وفيما لا ~~يتبعض كالقود والرجم والوطئ بالملك له حكم العبد. وقال أبو حنيفة والشافعي: ~~إنه لا يثبت له شئ من أحكام الأحرار، بل حكمه حكم العبد حتى يستكمل الحرية، ~~وحكاه الحافظ في الفتح عن الجمهور. وحكي في البحر عن عمر وابن عباس وزيد بن ~~ثابت وعائشة وأم سلمة والحسن البصري وسعيد بن المسيب والزهري والثوري ~~والعترة وأبي حنيفة والشافعي ومالك أن المكاتب لا يعتق حتى يوفي ولو سلم ~~الأكثر، واحتجوا بما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من طرق عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: المكاتب قن ما بقي عليه درهم ورواه النسائي ~~وابن حبان من وجه آخر من حديثه بلفظ: ومن كان مكاتبا على مائة درهم فقضاها ~~إلا أوقية فهو عبد. وروي عن علي أن المكاتب إذا أدى الشطر عتق ويطالب ~~بالباقي. # وروي عنه أيضا أنه يعتق منه بقدر ما أدى. وعن ابن مسعود: لو كاتبه على ~~مائتين وقيمته مائة فأدى المائة عتق. وعن عطاء: إذا أدى ثلاثة أرباع كتابته ~~عتق. وعن شريح: إذا أدى ثلثا عتق وما بقي أداه في الحرية. وحديث الباب يدل ~~على ما قاله PageV06P191 # المؤيد بالله وأبو طالب، ويؤيده ما أخرجه النسائي عن عكرمة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية ~~عبد. قال البيهقي: قال أبو عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا ~~الحديث قال: روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي، قال البيهقي: ~~فاختلف عن عكرمة فيه وروي عنه مرسلا. ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن ~~إبراهيم عن أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا، وجعله ~~إسماعيل من قول عكرمة، وروي موقوفا عن علي أخرجه البيهقي من طرق مرفوعا. ~~وفي المسألة مذهب آخر وهو أن المكاتب يعتق بنفس الكتابة، ورجح هذا المذهب ms2523 ~~بأن حكم الكتابة حكم البيع، لأن المكاتب اشترى نفسه من السيد، ورجح مذهب ~~الجمهور بأنه أحوط، لان ملك السيد لا يزول إلا بعد تسليم ما قد رضي به من ~~المال، وإذا لم يمكن الجمع بين الحديثين المذكورين فالحديث الذي تمسك به ~~الجمهور أرجح من حديث الباب، وسيأتي حديث عمرو بن شعيب في باب المكاتب من ~~كتاب العتق. # باب امتناع الإرث باختلاف الدين وحكم من أسلم على ميراث قبل أن يقسم عن ~~أسامة بن زيد: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يرث المسلم الكافر ~~ولا الكافر المسلم رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي. وفي رواية: # قال: يا رسول الله أتنزل غدا في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من ~~رباع أو دور؟ وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرث جعفر ولا علي شيئا ~~لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين أخرجاه. وعن عبد الله بن عمرو: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يتوارث أهل ملتين شتى رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة. وللترمذي مثله من حديث جابر. وعن جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته ~~رواه الدارقطني، ورواه من طريق آخر موقوفا على جابر وقال: موقوف ~~PageV06P192 # وهو محفوظ. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الاسلام فإنه على ~~ما قسم الاسلام رواه أبو داود وابن ماجة. # حديث أسامة بن زيد هو باللفظ الأول في مسلم لا كما زعم المصنف، قال ~~الحافظ: # وأغرب ابن تيمية في المنتقى فادعى أن مسلما لم يخرجه وكذا ابن الأثير في ~~الجامع ادعى أن النسائي لم يخرجه اه. وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضا ~~الدارقطني وابن السكن، وسند أبي داود فيه إلى عمرو بن شعيب صحيح. وحديث ~~جابر الأول استغربه الترمذي وفي إسناده ابن أبي ليلى ولفظه: لا يتوارث ms2524 أهل ~~ملتين وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه أيضا أبو يعلى ~~والضياء في المختار ة (وفي الباب) عن ابن عمر عن ابن حبان بنحو حديث عمرو ~~بن شعيب. وعن أبي هريرة عند البزار بلفظ: لا ترث ملة من ملة وفيه عمر بن ~~راشد تفرد به وهو لين الحديث، وأحاديث الباب تدل على أنه لا يرث المسلم من ~~الكافر ولا الكافر من المسلم. قال في البحر إجماعا: واختلف في ميراث المرتد ~~فقيل يكون للمسلمين، قال في البحر: قيل إجماعا إذ هي كموته الأكثر: ولا يرث ~~المسلم من الذمي معاذ ومعاوية والناصر والامامية بل يرث لنا. # لا توارث بين أهل ملتين قالوا: قال صلى الله عليه وآله وسلم: الاسلام ~~يعلو ولا يعلى قلنا: # نقول بموجبه، والإرث ممنوع بما رويناه، قالوا: قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: نرثهم ولا يرثونا قلنا: لعله أراد المرتدين جمعا بين الاخبار، ثم قال ~~مسألة الهادي وأبو يوسف ومحمد: ويرث المرتد ورثته المسلمون الشافعي: لا بل ~~لبيت المال. أبو حنيفة: ما كسبه قبل الردة فلورثته المسلمين وبعدها لبيت ~~المال. لنا: قتل علي عليه السلام المستورد العجلي حين ارتد وجعل ميراثه ~~لورثته المسلمين ولم يفصل. قالوا: لا يرث المسلم الكافر. قلنا: # مخصوص بعمل علي. قالوا: غنم أموال أهل الردة. قلنا: كان لهم منعة فصاروا ~~حربيين اه. # كلام البحر. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: الاسلام يعلو هو حديث أخرجه ~~أبو داود الحاكم وصححه. وأما قوله: نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، فليس من قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما زعم في البحر، بل هو من قول معاوية كما ~~روى ذلك ابن أبي شيبة، وقد قال بقول معاوية ومن معه عبد الله بن مغفل ~~ومسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي، ولكنه اجتهاد مصادم لعموم قوله ~~صلى الله PageV06P193 # عليه وآله وسلم: لا يرث المسلم الكافر وما في معناه. ومصادم أيضا لنص ~~حديث جابر المذكور في الباب، ولتقريره صلى الله عليه وآله وسلم لما فعله ~~عقيل. # (والحاصل) أن ms2525 أحاديث الباب قاضية بأن لا يرث المسلم من الكافر، من غير ~~فرق بين أن يكون حربيا أو ذميا أو مرتدا، فلا يقبل التخصيص إلا بدليل. ~~وظاهر قوله: # لا يتوارث أهل ملتين أنه أهل ملة كفرية من أهل ملة كفرية أخرى، وبه قال ~~الأوزاعي ومالك وأحمد والهادوية، وحمله الجمهور على أن المراد بإحدى ~~الملتين الاسلام وبالأخرى الكفر، ولا يخفى بعد ذلك. وفي ميراث المرتد أقوال ~~أخر غير ما سلف والظاهر ما قدمنا. # باب أن القاتل لا يرث، وأن دية المقتول لجميع ورثته مع زوجة وغيرها عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ~~يرث القاتل شيئا رواه أبو داود. وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ليس لقاتل ميراث رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجة. وعن ~~سعيد بن المسيب: أن عمر قال: الدية للعاقلة لا ترث المرأة من دية زوجها حتى ~~أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلي ~~أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها رواه أحمد وأبو داود والترمذي ~~وصححه. ورواه مالك من رواية ابن شهاب عن عمر وزاد: قال ابن شهاب: وكان ~~قتلهم أشيم خطأ. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم. رواه الخمسة ~~إلا الترمذي. وعن قرة بن دعموص قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنا وعمي، فقلت: يا رسول الله عند هذا دية أبي فمره يعطنيها وكان قتل في ~~الجاهلية، فقال: أعطه دية أبيه، فقلت: هل لأمي فيها حق؟ قال: نعم، وكانت ~~ديته مائة من الإبل رواه البخاري في تاريخه. # حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا النسائي وأعله الدارقطني، وقواه ابن عبد ~~البر. وحديث عمر أخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق والبيهقي وهو منقطع، ~~PageV06P194 # قال البيهقي: ورواه محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن ms2526 شعيب عن ~~أبيه عن جده مرفوعا، قال الحافظ: وكذا أخرجه النسائي من وجه آخر عن عمر ~~وقال: # إنه خطأ. وأخرجه ابن ماجة والدارقطني من وجه آخر عن عمر أيضا. (وفي ~~الباب) عن ابن عباس عن الدارقطني بلفظ: لا يرث القاتل شيئا وفي إسناده كثير ~~بن مسلم وهو ضعيف. وعن ابن عباس أيضا حديث آخر عن البيهقي بلفظ: من قتل ~~قتيلا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره وفي لفظ: وإن كان والده أو ~~ولده. وفي إسناده عمرو بن برق. وهو ضعيف وعن أبي هريرة عند الترمذي وابن ~~ماجة بلفظ: القاتل لا يرث وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة تركه ~~أحمد وغيره، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى وقال: إسحاق متروك. وعن عمر بن ~~شيبة بن أبي كثير الأشجعي عند الطبراني في قصة وأنه قتل امرأته خطأ فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أعقلها ولا ترثها وعن عدي الجذامي نحوه أخرجه ~~الخطابي. وحديث سعيد بن المسيب أخرجه أيضا النسائي، وقال الترمذي : حسن ~~صحيح. زاد أبو داود بعد قوله: من دية زوجها فرجع عمرو في رواية: وكان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم استعمله على الاعراب. وحديث عمرو بن شعيب هو حديث ~~طويل ساقه أبو داود بطوله في باب ديات الأعضاء وفي إسناده محمد بن راشد ~~الدمشقي المكحولي وقد اختلف فيه، فتكلم فيه غير واحد ووثقه غير واحد. وحديث ~~قرة بن دعموص يشهد له حديث الضحاك المذكور. وحديث عمرو بن شعيب. قوله: # لا يرث القاتل شيئا استدل به من قال: بأن القاتل لا يرث سواء كان القتل ~~عمدا أو خطأ، وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر أهل العلم، ~~قالوا: ولا يرث من المال ولا من الدية. وقال مالك والنخعي والهادوية: إن ~~قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية، ولا يخفى أن التخصيص لا يقبل إلا ~~بدليل. وحديث عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي نص في محل النزع، فإن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ms2527 # ولا ترثها. وكذلك حديث عدي الجذامي الذي أشرنا إليه ولفظه في سنن ~~البيهقي: # أن عديا كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما فماتت فلما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أتاه فذكر له ذلك فقال له: أعقلها ولا ترثها وأخرج ~~البيهقي أيضا : أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ~~ميراثها فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى علي رضي الله عنه فقال له: ~~حقك من ميراثها الحجر PageV06P195 # أو غرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئا وأخرج أيضا عن جابر بن زيد أنه ~~قال: أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث له منهما وأيما ~~امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها منهما وقال: قضى بذلك ~~عمر بن الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين. وقد ساق البيهقي في ~~الباب آثارا عن عمر وابن عباس وغيرهما تفيد كلها أنه لا ميراث للقاتل ~~مطلقا. قوله: أشيم بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الياء المثناة من ~~تحت. قوله: من دية زوجها فيه دليل على أن الزوجة ترث من دية زوجها كما ترث ~~من ماله وكذلك يدل على ذلك حديث عمرو بن شعيب المذكور لعموم قوله فيه: بين ~~ورثة القتيل والزوجة من جملتهم. وكذلك قوله في حديث قرة المذكور: هل لأمي ~~فيها حق؟ قال: نعم. # باب في أن الأنبياء لا يورثون عن أبي بكر الصديق: عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة. وعن عمر: أنه قال لعثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم ~~السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ~~ما تركنا صدقة؟ قالوا: نعم. وعن عائشة: # أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان ~~إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن فقالت عائشة: أليس قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # لا نورث ما تركناه ms2528 صدقة؟. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة ~~عاملي فهو صدقة متفق عليه. وفي لفظ لأحمد: لا يقتسم ورثتي دينارا ولا ~~درهما. وعن أبي هريرة: أن فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر: من يرثك إذا ~~مت؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن النبي لا يورث، ولكن ~~أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعول، وأنفق على من كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفق رواه أحمد والترمذي وصححه. ~~PageV06P196 # قوله: لا نورث بالنون وهو الذي توارد عليه أهل الحديث في القديم، والحديث ~~كما قال الحافظ في الفتح: وما تركنا في موضع الرفع بالابتداء، و: صدقة ~~خبره. # وقد زعم بعض الرافضة لا نورث بالياء التحتانية وصدقة بالنصب على الحال، ~~وما تركناه في محل رفع على النيابة، والتقدير: لا يورث الذي تركناه حال ~~كونه صدقة، وهذا خلاف ما جاءت به الرواية ونقله الحفاظ، وما ذلك بأول تحريف ~~من أهل تلك النحلة، ويوضح بطلانه ما في حديث أبي هريرة المذكور في الباب ~~بلفظ: # فهو صدقة. وقوله: لا تقتسم ورثتي دينارا. وقوله: أن النبي لا يورث ومما ~~ينادي على بطلانه أيضا أن أبا بكر احتج بهذا الكلام على فاطمة رضي الله ~~عنهما فيما التمسته منه من الذي خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الأراضي، وهما من أفصح الفصحاء وأعلمهم بمدلولات الألفاظ، فلو كان اللفظ ~~كما تقرؤه الروافض لم يكن فيما احتج به أبو بكر حجة ولا كان جوابه مطابقا ~~لسؤالها. قوله: أنشدكم الله أي أسألكم رافعا نشدتي أي صوتي، وقد قدمنا ~~الكلام على هذا التركيب ومعناه. قوله: # ومؤنة عاملي اختلف في المراد به فقيل هو الخليفة بعده. قال الحافظ: وهذا ~~هو المعتمد. وقيل: يريد بذلك العامل على النخل، وبه جزم الطبري وابن بطال، ms2529 ~~وأبعد من قال: المراد بعامله حافر قبره. وقال ابن دحية في الخصائص: المراد ~~بعامله خادمه. وقيل: # العامل على الصدقة. وقيل: العامل فيها كالأجير، ونبه بقوله دينارا ~~بالأدنى على الأعلى، وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب أن الأنبياء لا ~~يورثون، وأن جميع ما تركوه من الأموال صدقة، ولا يعارض ذلك قوله تعالى: * ~~(وورث سليمان داود) * (سورة النمل، الآية: 16) فإن المراد بالوراثة ~~المذكورة وراثة العلم لا المال، كما صرح بذلك جماعة من أئمة التفسير. وقد ~~استشكل ما وقع في الباب عن عمر أنه قال لعثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد ~~وعلي والعباس: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ~~ما تركناه صدقة؟ فقالوا: نعم. ووجه الاستشكال أن أصل القصة صريح في أن ~~العباس وعليا قد علما بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث فإن كانا ~~سمعاه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكر؟ وإن كانا ~~إنما سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف ~~يطلبانه بعد ذلك من عمر؟ وأجيب يحمل ذلك على أنهما اعتقدا أن عموم لا نورث ~~مخصوص ببعض ما يخلفه دون PageV06P197 # بعض، ولذلك نسب عمر إلى علي وعباس أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما، ~~كما وقع في صحيح البخاري وغيره. وأما مخاصمتهما بعد ذلك عند عمر فقال ~~إسماعيل القاضي فيما رواه الدارقطني من طريقه: لم يكن في الميراث إنما ~~تنازعا في ولاية الصدقة وفي صرفها كيف تصرف؟ كذا قال، لكن في رواية النسائي ~~وعمر بن شبة من طريق أبي البختري ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما ~~على سبيل الميراث، ولفظه في آخره: ثم جئتماني الآن تختصمان يقول هذا: أريد ~~نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما ~~إلا بذلك أي إلا بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية. وكذا وقع عند ~~النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوه. وفي السنن لأبي ms2530 داود ~~وغيره: أراد أن عمر يقسمها بينهما لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع ~~عمر من ذلك، وأراد أن لا يقع عليهما اسم القسمة، ولذلك أقسم على ذلك. وعلى ~~هذا اقتصر أكثر شراح الحديث واستحسنوه وفيه من النظر ما تقدم. وأعجب من ذلك ~~جزم ابن الجوزي ثم الشيخ محيي الدين بأن عليا وعباسا لم يطلبا من عمر إلا ~~ذلك، مع أن السياق في صحيح البخاري صريح في أنهما جاءا مرتين في طلب شئ ~~واحد، لكن العذر لابن الجوزي والنووي أنهما شرحا اللفظ الوارد في مسلم دون ~~اللفظ الوارد في البخاري. وأما ما ثبت في الصحيح من قولهما: جئتني يا عباس ~~تسألني نصيبك من ابن أخيك فإنما عبر بذلك لبيان قسمة الميراث كيف يقسم ~~بينهم لو كان هناك ميراث، لا أنه أراد الغض منهما بهذا الكلام وزاد الإمامي ~~عن ابن شهاب عن عمر بن شبة ما لفظه: فأصلحا أمركما وإلا لم يرجع والله ~~إليكما. قوله: ولكن أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعول ~~الخ، فيه دليل على أنه يتوجه على الخليفة القائم بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يعول من كان الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم يعوله، ~~وينفق على من كان الرسول ينفق عليه. PageV06P198 # كتاب العتق باب الحث عليه عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى ~~فرجه بفرجه متفق عليه. # وعن سالم بن أبي الجعد: عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيما امرئ مسلم أعتق ~~امرأ مسلما كان فكاكه من النار يجزى كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرئ مسلم ~~أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزى كل عضو منهما عضوا منه ~~رواه الترمذي وصححه. ولأحمد وأبي داود معناه من رواية كعب بن مرة أو مرة بن ~~كعب السلمي وزاد ms2531 فيه: وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من ~~النار يجزى بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها. # حديث كعب بن مرة أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وإسناده صحيح، وفي الباب ~~عن عمر بن عبسة عند أبي داود والترمذي. وعن أبي موسى عند أحمد والنسائي. ~~وعن عقبة بن عامر عند الحاكم. وعن واثلة عند الحاكم أيضا. وعن مالك بن ~~الحرث عنده أيضا. قوله: كتاب العتق بكسر العين المهملة وسكون الفوقية وهو ~~زوال الملك وثبوت الحرية. قال في الفتح: يقال عتق يعتق عتقا بكسر أوله ~~ويفتح وعتاقا وعتاقة. قال الأزهري: وهو مشتق من قولهم عتق الفرس إذا سبق، ~~وعتق الفرخ إذا طار، لأن الرقيق يخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. قوله: مسلمة ~~هذا مقيد لباقي الروايات المطلقة، فلا يستحق الثواب المذكور إلا من أعتق ~~رقبة مسلمة ووقع في حديث عمر بن عبسة: من أعتق رقبة مؤمنة وهو أخص من قيد ~~الاسلام، ولا خلاف أن معتق الرقبة الكافر مثاب على العتق ولكنه ليس كثواب ~~الرقبة المؤمنة. قوله: حتى فرجه بفرجه استشكله ابن العربي فقال: الفرج لا ~~يتعلق به ذنب يوجب النار إلا الزنا، فإن حمل على ما يتعاطاه من الصغائر ~~كالمفاخذة PageV06P199 # لم يشكل عتقه من النار بالعتق وإلا فالزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة. ~~قال: فيحتمل أن يكون المراد أن العتق يرجع عند الموازاة بحيث يكون مرجحا ~~لحسنات المعتق ترجيحا يوازي سيئة الزنا اه. قال الحافظ: ولا اختصاص لذلك ~~بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء كاليد في الغصب مثلا. قوله: أيما امرئ ~~مسلم فيه دليل على أن هذا الاجر مختص بمن كان من المعتقين مسلما فلا أجر ~~للكافر في عتقه إلا إذا انتهى أمره إلى الاسلام، فسيأتي قوله: فكاكه بفتح ~~الفاء وكسرها لغة أي كانتا خلاصة. # قوله: يجزى بضم الياء وفتح الزاي غير مهموز. (وأحاديث الباب) فيها دليل ~~على أن العتق من القرب لموجبة للسلامة من النار، وإن عتق الذكر أفضل من عتق ~~الأنثى، وقد ذهب البعض إلى تفضيل عتق الأنثى ms2532 على الذكر، واستدل على ذلك بأن ~~عتقها يستلزم حرية ولدها سواء تزوجها حر أو عبد، ومجرد هذه المناسبة لا ~~يصلح لمعارضة ما وقع التصريح به في الأحاديث من فكاك المعتق إما رجل أو ~~امرأتين، وأيضا عتق الأنثى ربما أفضى في الغالب إلى ضياعها لعدم قدرتها على ~~التكسب بخلاف الذكر. قال في الفتح: وفي قوله: أعتق الله بكل عضو عضوا منه ~~إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكون في الرقبة نقصان لتحصيل الاستيعاب، وأشار ~~الخطابي إلى أنه يغتفر البعض المجبور بمنفعته كالخصي مثلا، واستنكره النووي ~~وغيره وقال: لا يشك أن في عتق الخصي وكل ناقص فضيلة لكن الكامل أولى. # وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الايمان بالله ~~والجهاد في سبيل الله قال قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها ~~وأكثرها ثمنا. وعن ميمونة بنت الحرث: أنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كان يومها الذي كان يدور عليها فيه ~~قالت: أشعرت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني أعتقت وليدتي؟ قال: ~~أو فعلت؟ قالت: نعم، قال: أما أنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لاجرك متفق ~~عليهما، وفي الثاني دليل على جواز تبرع المرأة بدون إذن زوجها، وأن صلة ~~الرحم أفضل من العتق. وعن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أمورا ~~كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاق وصلة رحم هل لي فيها من أجر؟ قال: ~~أسلمت على ما سلف لك من خير متفق عليه. وقد احتج به على أن الحربي ينفذ ~~عتقه، ومتى نفذ فله ولاؤه بالخبر. PageV06P200 # قوله: الايمان بالله والجهاد قال النووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد ~~الايمان ولم يذكر الحج وذكر العتق، وفي حديث ابن مسعود بالصلاة ثم البر ثم ~~الجهاد، وفي حديث آخر ذكر السلامة من اليد واللسان. قال العلماء: اختلاف ~~الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين وذكر ما لا يعلمه السائل ~~والسامعون وترك ما علموه. قال ms2533 في الفتح: ويمكن أن يقال: إن لفظة من مرادة ~~كما يقال: فلان أعقل الناس والمراد من أعقلهم، ومنه حديث: خيركم خيركم ~~لأهله ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس اه. قوله: أنفسها عند أهلها ~~أي اغتباطهم بها أشد، فإن عتق مثل ذلك ما يقع غالبا إلا خالصا وهو كقوله ~~تعالى: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) * (سورة آل عمران، الآية: ~~92). قوله: # وأكثرها ثمنا في رواية للبخاري: أعلاها ثمنا بالعين المهملة وهي رواية ~~النسائي أيضا، وللكشميهني بالغين المعجمة وكذا النسفي. قال ابن قرقول: ~~معناهما متقارب ورواية مسلم كما هنا قال النووي: محله والله أعلم فيمن أراد ~~أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلا فأراد أن يشتري بها ~~رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل. قال: وهذا ~~بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل لأن المطلوب هنا فك الرقبة ~~وهناك طيب اللحم. قال الحافظ: # والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الاشخاص، فرب شخص واحد إذا عتق انتفع ~~بالعتق أضعاف ما يحصل من النفع لعتق أكثر عددا منه. ورب محتاج إلى كثرة ~~اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع به هو بطيب ~~اللحم، فالضابط أن مهما كان أكثر نفعا كان أفضل سواء قل أو كثر. واحتج به ~~لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت أعلى ثمنا من المسلمة أفضل، ~~وخالفه أصبغ وغيره وقالوا: المراد بقوله: أعلى ثمنا من المسلمين وقد تقدم ~~تقييده بذلك. قوله: أشعرت بفتح الشين المعجمة والعين المهملة وهو من ~~الشعور. قوله: وفي الثاني دليل على جواز تبرع المرأة الخ. قد قدمنا الكلام ~~على ذلك في باب ما جاء في تصرف المرأة في مالها ومال زوجها من كتاب الهبة. ~~قوله: أسلمت على ما سلف لك من خير فيه دليل على أن ما فعله الكافر حال كفره ~~من القرب يكتب له إذا أسلم، فيكون هذا الحديث مخصصا لحديث الاسلام يجب ما ~~قبله، وقد تقدم في أوائل كتاب الصلاة وجب ms2534 ذنوب الكافر في الاسلام أيضا ~~مشروط بأن يحسن في الاسلام، لما أخرجه مسلم PageV06P201 # في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال: يا رسول الله أنؤاخذ بما ~~عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الاسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ~~ومن أساء في الاسلام أوخذ بالأول والآخر. وحديث حكيم المذكور يدل على أنه ~~يصح العتق من الكافر في حال كفره، ويثاب عليه إذا أسلم بعد ذلك، وكذلك ~~الصدقة وصلة الرحم. # باب من أعتق عبدا وشرط عليه خدمة عن سفينة أبي عبد الرحمن قال: أعتقتني ~~أم سلمة وشرطت علي أن أخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما عاش رواه أحمد ~~وابن ماجة. وفي لفظ: كنت مملوكا لام سلمة فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عشت، فقلت: لو لم تشترطي علي ما ~~فارقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عشت، فأعتقتني واشترطت علي ~~رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وقال: لا بأس بإسناده، وأخرجه أيضا الحاكم وفي ~~إسناده سعيد بن جمهان أبو حفص الأسلمي، وثقه يحيى بن معين وأبو داود ~~السجستاني. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقد استدل ~~بهذا الحديث على صحة العتق المعلق على شرط. قال ابن رشد: ولم يختلفوا أن ~~العبد إذا أعتقه سيده على إن يخدمه سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته. قال ~~ابن رسلان: # وقد اختلفوا في هذا فكان ابن سيرين يثبت الشرط في مثل هذا، وسئل عنه أحمد ~~فقال: يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له، قيل له: يشتري بالدراهم؟ # قال: نعم اه. وقال الخطابي: هذا وعد عبر عنه باسم الشرط ولا يلزم الوفاء ~~به، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق، لأنه شرط لا يلاقي ~~ملكا، ومنافع الحر لا يملكها غيره إلا في إجارة أو ما في معناها. قال في ~~البحر مسألة: ومن قال أخدم أولادي في ضيعتهم عشر سنين فإذا مضت فأنت حر، ms2535 ~~عتق باستكمال ذلك إجماعا لحصول الشرط والوقت. قال قلت: ولو خدمهم في غير ~~تلك الضيعة، إذ القصد الخدمة لامكانها، وكذلك لو فرق السنين عليهم لم يضر، ~~قال الامام يحيى: وللسيد فيه قبل الوفاء كل تصرف إجماعا. قال في البحر: في ~~دعوى الاجماع نظر، قال الامام يحيى: وتلزمه الخدمة إجماعا إذ قد وهبها ~~السيد لهم، قال الهادي: ويعتق بمضي المدة. وإن لم يخدم PageV06P202 # إذ علق بمضيها حيث قال: فإذا مضت قال: وإذا مات الأولاد قبل الخدمة ومضى ~~السنين بطل العتق لبطلان شرطه، وقيل: إن كان لهم أولاد عتق بخدمتهم إذ ~~يعمهم اللفظ لا غيرهم من الورثة. # باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه رواه الجماعة ~~إلا البخاري. وعن الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # من ملك ذا رحم محرم فهو حر رواه الخمسة إلا النسائي. وفي لفظ لأحمد: # فهو عتيق ولأبي داود عن عمر بن الخطاب موقوفا مثل حديث سمرة. وروى أنس: ~~أن رجالا من الأنصار استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا ~~رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال: لا تدعوا منه درهما ~~رواه البخاري، وهو يدل على أنه إذا كان في الغنيمة ذو رحم لبعض الغانمين ~~ولم يتعين له لم يعتق عليه، لأن العباس ذو رحم محرم من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومن علي رضي الله عنه. # حديث سمرة قال أبو داود والترمذي: لم يروه إلا حماد بن سلمة عن قتادة عن ~~الحسن. ورواه شعبة عن قتادة عن الحسن مرسلا، وشعبة أحفظ من حماد، ولكن ~~الرفع من الثقة زيادة لولا ما في سماع الحسن بن سمرة من المقال. وقال علي ~~بن المديني: هو حديث منكر. وقال البخاري: لا يصح. وأثر عمر أخرجه أيضا ~~النسائي وهو من رواية قتادة عنه ولم يسمع منه، فإن ms2536 مولده بعد موت عمر بنيف ~~وثلاثين سنة (وفي الباب) عن ابن عمر مرفوعا عند النسائي والترمذي وابن ماجة ~~والحاكم قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ملك ذا رحم محرم فهو حر. # وهو من رواية ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عنه. قال النسائي: ~~حديث منكر ولا نعلم أحدا رواه عن سفيان غير ضمرة. # وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو خطأ عند أهل ~~الحديث. وقال البيهقي: إنه وهم فاحش. PageV06P203 # وقال الطبراني: وهم فيه ضمرة، والمحفوظ بهذا الاسناد حديث النهي عن بيع ~~الولاء وعن هبته. وقد رد الحاكم هذا وقال: إنه روي من طريق ضمرة الحديثين ~~بالاسناد الواحد، وضمرة هذا وثقه يحيى بن معين وغيره ولم يخرج له الشيخان، ~~وقد صحح حديثه هذا ابن حزم وعبد الحق وابن القطان. قوله: لا يجزي بفتح أوله ~~أي لا يكافئه بماله من الحقوق عليه إلا بأن يشتريه فيعتقه، وظاهره أنه لا ~~يعتق بمجرد الشراء بل لا بد من العتق، وبه قالت الظاهرية، وخالفهم غيرهم ~~فقالوا: إنه يعتق بنفس الشراء. قوله: ذا رحم بفتح الراء وكسر الحاء وأصله ~~موضع تكوين الولد ثم استعمل للقرابة، فيقع على كل من بينك وبينه نسب يوجب ~~تحريم النكاح. قوله: # محرم بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المخففة، ويقال: محرم ~~بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة. والمحرم من لا يحل نكاحه من ~~الأقارب كالأب والأخ والعم ومن في معناهم. قال ابن الأثير: الذي ذهب إليه ~~أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين إليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد أن ~~من ملك ذا رحم محرم عتق عليه ذكرا كان أو أنثى. وذهب الشافعي وغيره من ~~الأئمة والصحابة والتابعين إلى أنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات، ~~ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته. وذهب مالك إلى أنه يعتق عليه الولد والوالد ~~والاخوة ولا يعتق غيرهم. # قال البيهقي: وافقنا أبو حنيفة في بني الأعمام أنهم لا يعتقون بحق الملك، ~~واستدل الشافعي ومن وافقه ms2537 بأن غير الوالدين والأولاد قرابة لا يتعلق بها رد ~~الشهادة ولا تجب بها النفقة مع اختلاف الدين، فأشبه قرابة ابن العم وبأنه ~~لا يعصبه فلا يعتق عليه بالقرابة كابن العم، وبأنه لو استحق العتق عليه ~~بالقرابة لمنع من بيعه إذا اشتراه وهو مكاتب كالوالد والولد، ولا يخفى أن ~~نصب مثل هذه الأقيسة في مقابلة حديث سمرة. وحديث ابن عمر مما لا يلتفت إليه ~~منصف، والاعتذار عنهما بما فيهما من المقال المتقدم ساقط، لأنهما يتعاضدان ~~فيصلحان للاحتجاج. وحكي في الفتح عن داود الظاهري أنه لا يعتق أحد على أحد. ~~قوله: لابن أختنا بالمثناة من فوق، والمراد أنهم أخوال أبيه عبد المطلب، ~~فإن أم العباس هي نتيلة بالنون والفوقية مصغرا بنت جنان بالجيم والنون ~~وليست من الأنصار، وإنما أرادوا بذلك أن أم عبد المطلب منهم لأنها سلمى بنت ~~عمرو بن أحيحة بمهملتين مصغرا، وهي من PageV06P204 # بني النجار. ومثله ما وقع في حديث الهجرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~نزل على أخواله بني النجار، وأخواله حقيقة إنما هم بنو زهرة، وبنو النجار ~~هم أخوال جده عبد المطلب. ولقد استدل بحديث أنس هذا ما قاله: إنه لا يعتق ~~ذو رحم على رحمه، لقد ترجم عليه البخاري فقال: باب إذا أسر أخو الرجل أو ~~عمه هل يفادى؟ # قال في الفتح: قيل إنه أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد فيمن ملك ذا ~~رحم محرم. # باب أن من مثل بعبده عتق عليه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عبد الله بن عمرو أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية له فجدع ~~أنفه وجبه، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من فعل هذا بك؟ قال: ~~زنباع، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: ~~كان من أمره كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اذهب فأنت ~~حر، فقال: يا رسول الله فمولى من أنا؟ فقال: مولى الله ورسوله، فأوصى ms2538 به ~~المسلمين، فلما قبض جاء إلى أبي بكر فقال: وصية رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقال: نعم تجري عليك النفقة وعلى عيالك، فأجراها عليه حتى قبض، ~~فلما استخلف عمر جاءه فقال: وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ~~نعم أين تريد؟ قال: مصر، قال: # فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضا يأكلها رواه أحمد. وفي رواية أبي ~~حمزة الصيرفي: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: قال: جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم صارخا فقال له: ما لك؟ قال: سيدي رآني أقبل جارية ~~له فجب مذاكيري، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: علي بالرجل، فطلب فلم ~~يقدر عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذهب فأنت حر رواه أبو ~~داود وابن ماجة وزاد: قال: على من نصرتي يا رسول الله؟ قال تقول أرأيت إن ~~استرقني مولاي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: على كل مؤمن أو ~~مسلم وروي: أن رجلا أقعد أمة له في مقلى حار فأحرق عجزها فأعتقها عمر ~~وأوجعه ضربا حكاه أحمد في رواية ابن منصور قال وكذلك أقول. PageV06P205 # حديث عمرو بن شعيب سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: في إسناده عمرو بن ~~شعيب، وقد تقدم اختلاف الأئمة في حديثه وفي إسناده. الحجاج بن أرطأة وهو ~~ثقة لكنه مدلس وبقية رجال أحمد ثقات وأخرجه أيضا الطبراني. وأثر عمر أخرجه ~~مالك في الموطأ بلفظ: أن وليدة أتت عمر وقد ضربها سيدها بنار فأصابها ~~فأعتقها عليه. وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك وفي الباب عن ابن عمر عند ~~مسلم وأبي داود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه. وعن سويد بن مقرن عند مسلم وأبي ~~داود والترمذي قال: كنا بني مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: ms2539 # أعتقوها وفي رواية: أنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا خادم ~~لبني مقرن غيرها، قال: فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها. وعن ~~سمرة بن جندب وأبي هريرة ذكرهما ابن الأثير في الجامع وبيض لهما وكلاهما ~~بلفظ: من مثل بعبده عتق عليه. وعن أبي مسعود البدري عند مسلم وغيره وفيه: ~~كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت صوتا من خلفي، إلى أن قال: فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. وفيه: ~~قلت يا رسول الله هو حر لوجه الله فقال: لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك ~~النار. (والأحاديث) تدل على أن المثلة من أسباب العتق، وقد اختلف هل يقع ~~العتق بمجردها أم لا؟ فحكي في البحر عن علي والهادي والمؤيد بالله ~~والفريقين أنه لا يعتق بمجردها بل يؤمر السيد بالعتق فإن تمرد فالحاكم. ~~وقال مالك والليث وداود والأوزاعي: بل يعتق بمجردها. # وحكي في البحر أيضا عن الأكثر أن من مثل بعبد غيره لم يعتق. وعن الأوزاعي ~~أنه يعتق ويضمن القيمة للمالك. قال النووي في شرح مسلم عند الكلام على حديث ~~سويد بن مقرن المتقدم: أنه أجمع العلماء أن ذلك العتق ليس واجبا وإنما هو ~~مندوب رجاء الكفارة وإزالة إثم اللطم. وذكر من أدلتهم على عدم وجوب إذنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لهم بأن يستخدموها، ورد بأن إذنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لهم باستخدامها لا يدل على عدم الوجوب بل الامر قد أفاد الوجوب ~~والاذن بالاستخدام دل على كونه وجوبا متراخيا إلى وقت الاستغناء عنها، ولذا ~~أمرهم عند PageV06P206 # الاستغناء بالتخلية لها. ونقل النووي أيضا عن القاضي عياض أنه أجمع ~~العلماء على أنه لا يجب إعتاق بشئ مما يفعله المولى من مثل هذا الامر ~~الخفيف، يعني اللطم المذكور في حديث سويد بن مقرن. قال: واختلفوا فيما كثر ~~من ذلك، وشنع من ضرب مبرح لغير موجب أو تحريق بنار أو قطع عضو أو إفساده أو ~~نحو ذلك، فذهب مالك والأوزاعي ms2540 والليث إلى عتق العبد بذلك ويكون ولاؤه له ~~ويعاقبه السلطان على فعله. وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه اه. وبهذا ~~يتبين أن الاجماع الذي أطلقه النووي مقيد بمثل ما ذكره القاضي عياض. ~~(واعلم) أن ظاهر حديث ابن عمر الذي ذكرناه يقتضي أن اللطم والضرب يقتضيان ~~العتق من غير فرق بين القليل والكثير والمشروع وغيره، ولم يقل بذلك أحد من ~~العلماء، وقد دلت الأدلة على أنه يجوز للسيد أن يضرب عبده للتأديب، ولكن لا ~~يجاوز به عشرة أسواط، ومن ذلك حديث: # إذا ضرب أحدكم خادمه فليجتنب الوجه فأفاد أنه يباح ضربه في غيره، ومن ذلك ~~الاذن لسيد الأمة يحدها، فلا بد من تقييد مطلق الضرب الوارد في حديث ابن ~~عمر هذا بما ورد من الضرب المأذون به، فيكون الموجب للعتق هو ما عداه. # باب من أعتق شركا له في عبد عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد ~~عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما ~~عتق رواه الجماعة والدارقطني. وزاد: ورق ما بقي وفي رواية متفق عليها: من ~~أعتق عبدا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق ~~عليه في ماله إن كان موسرا وفي رواية: من أعتق عبدا بين اثنين فإن كان ~~موسرا قوم عليه ثم يعتق رواه أحمد والبخاري. وفي رواية: من أعتق شركا له في ~~مملوك وجب عليه أن يعتق كله إن كان له مال قدر ثمنه يقام قيمة عدل ويعطي ~~شركاءه حصصهم ويخلي سبيل المعتق رواه البخاري. وفي رواية: من أعتق نصيبا له ~~في مملوك أو شركا له في عبد وكان له من مال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو ~~عتيق رواه أحمد والبخاري. وفي رواية: من أعتق شركا له في عبد عتق ما بقي في ~~ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد رواه مسلم ms2541 وأبو داود. وعن ابن عمر: أنه ~~كان يفتي PageV06P207 # في العبد أو الأمة يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه منه يقول: قد وجب ~~عليه عتقه إذا كان للذي أعتق من المال ما يبلغ يقوم من ماله قيمة العدل ~~ويدفع إلى الشركاء أنصباءهم ويخلي سبيل المعتق يخبر بذلك ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رواه البخاري. وعن أبي المليح عن أبيه: أن رجلا من ~~قومنا أعتق شقصا له من مملوكه فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فجعل خلاصه عليه في ماله وقال: ليس لله عز وجل شريك رواه أحمد. وفي لفظ: هو ~~حر كله ليس لله شريك رواه أحمد، ولأبي داود معناه. وعن إسماعيل بن أمية عن ~~أبيه عن جده قال: # كان لهم غلام يقال له طهمان أو ذكوان فأعتق جده نصفه فجاء العبد إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تعتق ~~في عتقك وترق في رقك، قال: فكان يخدم سيده حتى مات رواه أحمد. وعن أبي ~~هريرة: # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أعتق شقيصا له من مملوكه ~~فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعي في ~~نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه رواه الجماعة إلا النسائي. # حديث أبي المليح أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة. وقال النسائي: # أرسله سعيد بن أبي عروبة وساقه عنه مرسلا. وقال هشام وسعيد: أثبت من همام ~~في قتادة وحديثهما أولى بالصواب، وأبو المليح اسمه عامر ويقال عمر ويقال ~~زيد، وهو ثقة محتج بحديثه في الصحيحين، وأبو أسامة بن عمير هذلي بصري له ~~صحبة، ولا يعلم أن أحدا روى عنه غير ابنه أبي المليح، وقوى الحافظ في الفتح ~~إسناد حديث أبي المليح، قال: وأخرجه أحمد بإسناد حسن من حديث سمرة أن رجلا ~~أعتق شقصا له في مملوك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو حر كله وليس ~~لله شريك. وحديث إسماعيل ms2542 بن أمية قال في مجمع الزوائد: هو مرسل ورجاله ~~ثقات. وأخرجه الطبراني ويشهد له ما في حديث ابن عمر المذكور بلفظ: وإلا فقد ~~عتق عليه ما عتق وما أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن ابن التلب ~~بالتاء الفوقانية عن أبيه: أن رجلا أعتق نصيبا له من مملوك فلم يضمنه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # وحديث أبي هريرة قال أبو داود ورواه روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة ~~لم يذكر السعاية اه. ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة ~~لم يذكرا PageV06P208 # فيه السعاية. ورواه يزيد بن زريع عن سعيد فذكر فيه السعاية. وقال ~~البخاري: # رواه سعيد عن قتادة فلم يذكر فيه السعاية. وقال الخطابي اضطرب سعيد بن ~~أبي عروبة في السعاية مرة يذكرها ومرة لا يذكرها، فدل على أنها ليست من متن ~~الحديث عنده، وإنما هي من كلام قتادة، وتفسيره على ما ذكر همام وبينه، قال: ~~ويدل على ذلك حديث ابن عمر يعني الذي فيه: وإلا فقد عتق عليه ما عتق. وقال ~~الترمذي: روى شعبة هذا الحديث عن قتادة ولم يذكر فيه السعاية. وقال ~~النسائي:: أثبت أصحاب قتادة شعبة وهمام على خلاف سعيد بن أبي عروبة وصوب ~~روايتهما قال: وقد بلغني أن هماما روى هذا الحديث عند قتادة فجعل قوله: وإن ~~لم يكن مال الخ من قول قتادة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: أحاديث همام عن ~~قتادة أصح من حديث غيره لأنه كتبه إملاء. قال أبو بكر النيسابوري: ما أحسن ~~ما رواه همام وضبطه فصل قول قتادة. وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا ~~السعاية أثبت ممن ذكرها. وقال أبو محمد الأصيلي وأبو الحسن بن القصار ~~وغيرهما: من أسقط السعاية أولى ممن ذكرها. وقال البيهقي: # قد اجتمع ههنا شعبة من فضل حفظه وعلمه بما سمع من قتادة وما لم يسمع، ~~وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابه وزيادة معرفته بما ليس من الحديث ~~على خلاف سعد بن أبي عروبة ومن تابعه ms2543 في إدراج السعاية في الحديث. وذكر أبو ~~بكر الخطيب أن أبا عبد الرحمن بن يزيد المقري قال: رواه همام وزاد فيه ذكر ~~الاستسعاء وجعله من قول قتادة وميزه من كلام النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. قال ابن العربي: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإنما هو من قول قتادة، وقد ضعف أحمد رواية سعيد بن ~~أبي عروبة، ولكنه قد تابع سعيدا على ذكر الاستسعاء جماعة كما ذكر ذلك ~~البخاري. ومنهم جرير بن حازم، ومنهم حجاج بن حجاج عن قتادة. ومنهم أحمد بن ~~حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج وفيها ذكر ~~السعاية. ورواه عن قتادة أيضا حجاج بن أرطاة كما رواه الطحاوي. ورواه أيضا ~~عن قتادة أبان كما في سنن أبي داود ورواه أيضا موسى بن خلف عن قتادة كما ~~ذكر ذلك الخطيب. # ورواه أيضا شعبة عن قتادة كما في صحيح مسلم والنسائي. وقد رجح رواية سعيد ~~للسعاية ورفعهما جماعة. منهم ابن دقيق العيد قالوا: لأن سعيد بن أبي عروبة ~~أعرف PageV06P209 # بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه، وإن كان همام وهشام أحفظ ~~منه، لكنه لم يناف ما روياه وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس ~~متحدا حتى يتوقف في زيادة سعيد، ولهذا صحح صاحبا الصحيحين كون الجميع ~~مرفوعا. # قال في الفتح: وأما ما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به ~~فمردود، لأنه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد ~~بن زريع، ووافقه عليه أربعة وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي ~~انفرد بالتفضيل، وهو الذي خالف الجميع في القدر والمتفق على رفعه، فإنه ~~جعله واقعة عين، وهم جعلوه حكما عاما، فدل على أنه لم يضبط كما ينبغي. ~~والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن ~~فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر: وإلا فقد عتق ms2544 منه ما ~~عتق بكون أيوب جعله من قول نافع وميزه كما صنع همام سواء فلم يجعلوه مدرجا ~~كما جعلوا حديث همام مدرجا، مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك وهمام لم ~~يوافقه أحد، وقد جزم بكون حديث نافع مدرجا محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر ~~أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقا لصاحبي الصحيح. قال ابن المواق: والانصاف ~~أن لا يوهم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس ~~بين تحديثه به مرة وفتياه أخرى منافاة. ويؤيده أن البيهقي أخرج عن قتادة ~~أنه أفتى به ومما يؤيد الرفع في حديث ابن عمر. أعني قوله: وإلا فقد عتق ~~عليه ما عتق أن الذي رفعه مالك وهو أحفظ لحديث نافع من أيوب، وقد تابعه ~~عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب كما قال البيهقي، ولا شك ~~أن الرفع زيادة معتبرة لا يليق إهمالها كما تقرر في الأصول وعلم الاصطلاح، ~~وما ذهب إليه بعض أهل الحديث من الاعلال لطريق الرفع بالوقف في طريق أخرى ~~لا ينبغي التعويل عليه وليس له مستند، ولا سيما بعد الاجماع على قبول ~~الزيادة التي لم تقع منافية مع تعدد مجالس السماع، فالواجب قبول الزيادتين ~~المذكورتين في حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة وظاهرهما التعارض والجمع ممكن ~~لا كما قال الإسماعيلي، وقد جمع البيهقي بين الحديثين بأن معناهما أن ~~المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على ~~حالها وهي الرق، ثم يستسعي العبد في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك ~~سيده PageV06P210 # ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب وهو الذي جزم به البخاري. قال ~~الحافظ: والذي يظهر أنه في ذلك باختياره لقوله: غير مشقوق عليه فلو كان على ~~ذلك سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له غاية ~~المشقة، وهي لا تلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنها غير واجبة فهذه ~~مثلها. قال البيهقي: لا يبقى بين الحديثين ms2545 بعد هذا الجمع معارضة أصلا، قال ~~الحافظ: وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم ~~يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح الذي ذكره المصنف، قال: ~~ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيا، أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق ~~بعضه، واستدل على ذلك بحديث ابن التلب الذي تقدم ثم قال: وهو محمول على ~~المعسر وإلا لتعارضا. وجمع بعضهم طرح بطريق أخرى فقال أبو عبد الملك: ~~المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في حصة الذي لم يعتق رقيقا فيسعى في ~~خدمته بقدر ما له فيه من الرق، قال: ومعنى قوله: غير مشقوق عليه أي من جهة ~~سيده المذكور، فلا يكلفه من الخدمة فوق حصة الرق، ويؤيد هذا حديث إسماعيل ~~بن أمية الذي ذكره المصنف، ولكنه يرد عليه ما وقع في رواية للنسائي وأبي ~~داود بلفظ: واستسعي في قيمته لصاحبه. واحتج من أبطال السعاية بحديث الرجل ~~الذي أعتق ستة مماليك عند موته فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقد تقدم في باب تبرعات ~~المريض من كتاب الوصايا. ووجه الدلالة منه أن الاستسعاء لو كان مشروعا لنجز ~~من كل واحد منهم عتق ثلثه، واستسعى في بقية قيمته لورثة الميت. وأجاب من ~~أثبت السعاية بأنها واقعة عين، فيحتمل أن تكون قبل مشروعية السعاية، ويحتمل ~~أن تكون السعاية مشروعة في غير هذه الصورة. وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد ~~رجاله ثقات: أن رجلا من بني عذرة أعتق مملوكا له عند موته وليس له مال غيره ~~فأعتق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلثه وأمره أن يسعى في الثلثين ~~واحتجوا أيضا بما أخرجه النسائي عن ابن عمر من حديث وفيه: وليس على العبد ~~شئ. وأجيب بأن ذلك مختص بصورة اليسار لقوله في هذا الحديث: وله وفاء ~~والسعاية إنما هي في صورة الاعسار. وقد ذهب إلى الاخذ بالسعاية إذا كان ~~المعتق معسرا أبو حنيفة وصاحباه الأوزاعي والثوري ms2546 وإسحاق وأحمد في رواية، ~~وإليه ذهبت الهادوية PageV06P211 # وآخرون، ثم اختلفوا فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال ويستسعي العبد في ~~تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال: ثم يرجع العبد على المعتق ~~الأول بما دفعه إلى الشريك. وقال أبو حنيفة: وحده يتخير بين السعاية وبين ~~عتق نصيبه ، وهذا يدل أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط، وعن ~~عطاء يتخير الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرق، وخالف الجميع زفر ~~فقال: يعتق كله وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسرا، وتبقى في ذمته ~~إن كان معسرا، وقد حكي في البحر عن الفريقين من الحنفية والشافعية مثل قول ~~زفر فينظر في صحة ذلك. وحكي أيضا عن الشافعي أنه يبقى نصيب شريك المعسر ~~رقيقا. وعن الناصر أنه يسعى العبد مطلقا. وعن أبي حنيفة يسعى عن المعسر ولا ~~يرجع عليه، والموسر يخير شريكه بين تضمينه أو السعاية أو إعتاق نصيبه كما ~~مر. وعن عثمان البتي أنه لا شئ على المعتق إلا أن تكون جارية تراد للوطئ، ~~فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. وعن ابن شبرمة أن القيمة في بيت ~~المال. وعن محمد بن إسحاق أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء. قوله: قيمة عدل ~~بفتح العين أي لا زيادة فيه ولا نقص. قوله: لا وكس بفتح الواو وسكون الكاف ~~بعدها سين مهملة أي لا نقص، والشطط بشين معجمة ثم طاء مهملة مكررة وهو ~~الجور بالزيادة على القيمة من قولهم: شطني فلان إذا شق عليك وظلمك حقك. ~~قوله: أو شركا له في مملوك الشرك بكسر الشين المعجمة وسكون الراء الحصة ~~والنصيب. قال ابن دقيق العيد: هو في الأصل مصدر. قوله: شقصا بكسر الشين ~~المعجمة وسكون القاف. وفي الرواية الثانية: شقيصا بفتح الشين وكسر القاف، ~~والشقص والشقيص مثل النصف والنصيف وهو القليل من كل شئ، وقيل: هو النصيب ~~قليلا كان أو كثيرا. # باب التدبير عن جابر أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي ~~صلى الله عليه وآله ms2547 وسلم فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله ~~بكذا وكذا فدفعه إليه متفق عليه. وفي لفظ: قال أعتق رجل من الأنصار غلاما ~~له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بثمانمائة درهم فأعطاه PageV06P212 # فقال: اقض دينك وأنفق على عيالك رواه النسائي. وعن محمد بن قيس بن الأحنف ~~عن أبيه عن جده: أنه أعتق غلاما له عن دبر وكاتبه فأدى بعضا وبقي بعض ومات ~~مولاه، فأتوا ابن مسعود فقال: ما أخذ فهو له وما بقي فلا شئ لكم رواه ~~البخاري في تاريخه. # حديث جابر أخرجه أيضا الأربعة وابن حبان والبيهقي من طرق كثيرة بألفاظ ~~متنوعة. وفي الباب عن ابن عمر مرفوعا عند البيهقي بلفظ: المدبر من الثلث ~~ورواه الشافعي والحافظ يقفونه على ابن عمر. ورواه الدارقطني مرفوعا بلفظ: ~~المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث وفي إسناده عبيدة بن حسان وهو ~~منكر الحديث. وقال الدارقطني في العلل: الأصح وقفه. وقال العقيلي: لا يعرف ~~إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث. وقال أبو زرعة: الموقوف أصح. وقال ابن ~~القطان: # المرفوع ضعيف. وقال البيهقي: الصحيح موقوف. وقد روي نحوه عن علي موقوفا ~~عليه. وعن أبي قلابة مرسلا: أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الثلث وروى الشافعي والحاكم عن عائشة أنها باعت ~~مدبرة سحرتها. قوله: أن رجلا في مسلم : إنه أبو مذكور الأنصاري والغلام ~~اسمه يعقوب. ولفظ أبي داود: أن رجلا يقال له أبو مذكور أعتق غلاما يقال له ~~يعقوب اه. وهو يعقوب القبطي كما في رواية مسلم وابن أبي شيبة. قوله: عن دبر ~~بضم الدال والموحدة وهو العتق في دبر الحياة، كأن يقول السيد لعبده: أنت حر ~~بعد موتي، أو إذا مت فأنت حر، وسمى السيد مدبرا بصيغة اسم الفاعل لأنه دبر ~~أمر دنياه باستخدامه ذلك المدبر واسترقاقه، ودبر أمر آخرته بإعتاقه وتحصيل ~~أجر العتق. قوله: فاشتراه نعيم بن عبد الله في ms2548 رواية للبخاري: نعيم بن ~~النحام بالنون والحاء المهملة المشددة وهو لقب والد نعيم، وقيل: إنه لقب ~~لنعيم وظاهر الرواية بخلاف ذلك. (والحديث) يدل على جواز بيع المدبر مطلقا ~~من غير تقييد بالفسق والضرورة، وإليه ذهب الشافعي وأهل الحديث ونقله ~~البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء. وحكى النووي عن الجمهور أنه لا يجوز ~~بيع المدبر مطلقا والحديث يرد عليهم. وروي عن الحنفية والمالكية أنه لا ~~يجوز بيع المدبر تدبيرا مطلقا لا المدبر تدبيرا مقيدا، نحو أن يقول: إن مت ~~من مرضي هذا ففلان حر، فإنه يجوز بيعه لأنه كالوصية فيجوز الرجوع فيه كما ~~يجوز الرجوع فيها. وقال أحمد: يمتنع بيع PageV06P213 # المدبرة دون المدبر. وقال الليث: يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه. ~~وقال ابن سيرين: لا يجوز بيعه إلا من نفسه. وقال مالك وأصحابه: لا يجوز ~~بيعه إلا إذا كان على السيد دين فيباع له. قال النووي: وهذا الحديث صريح أو ~~ظاهر في الرد عليهم، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما باعه لينفقه ~~سيده على نفسه، ولعله لم يقف على رواية النسائي التي ذكرها المصنف، نعم لا ~~وجه لقصر جواز البيع على حاجة قضاء الدين، بل يجوز البيع لها ولغيرها من ~~الحاجات، والرواية المذكورة قد تضمنت أن الرجل المذكور كان محتاجا للبيع ~~لما عليه من الدين ومن نفقة أولاده. وقد ذهب إلى جواز البيع لمطلق الحاجة ~~عطاء والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب، كما حكي ذلك عنهم في البحر، ~~وإليه مال ابن دقيق العيد فقال: من منع البيع مطلقا كان الحديث حجة عليه، ~~لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول ~~قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها، فلا يلزمه القول به في غير ذلك من ~~الصور، وأجاب من أجازه مطلقا بأن قوله في الحديث وكان محتاجا لا مدخل له في ~~الحكم، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليبين للسيد جواز البيع، ~~ولا يخفى أن في الحديث إيماء إلى المقتضى لجواز البيع ms2549 بقوله: فاحتاج ~~وبقوله: # اقض دينك وأنفق على عيالك. (لا يقال) الأصل جواز البيع والمنع منه يحتاج ~~إلى دليل، ولا يصلح لذلك حديث الباب، لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة، ~~ولا دليل على اعتبارها في غيره، بل مجرد ذلك الأصل كاف في الجواز لأنا ~~نقول: قد عارض ذلك الأصل إيقاع العتق المعلق، فصار الدليل بعده على مدعي ~~الجواز، ولم يرد الدليل إلا في صورة الحاجة، فيبقى ما عداها على أصل المنع. ~~وأما ما ذهب إليه الهادوية من جواز بيع المدبر للفسق كما يجوز للضرورة فليس ~~على ذلك دليل إلا ما تقدم عن عائشة من بيعها للمدبرة التي سحرتها، وهو مع ~~كونه أخص من الدعوى لا يصلح للاحتجاج به لما قررناه غير مرة من أن قول ~~الصحابي وفعله ليس بحجة. (واعلم) أنها قد اتفقت طرق هذا الحديث على أن ~~البيع وقع في حياة السيد إلا ما أخرجه الترمذي بلفظ: أن رجلا من الأنصار ~~دبر غلاما له فمات وكذلك رواه الأئمة أحمد وإسحاق وابن المديني والحميدي ~~وابن أبي شيبة عن ابن عيينة، ووجه البيهقي الرواية المذكورة بأن أصلها: أن ~~رجلا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حدث فمات PageV06P214 # فدعا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فباعه من نعيم كذلك رواه مطر ~~الوراق عن عمر. وقال البيهقي: فقوله: فمات من بقية الشرط، أي فمات من ذلك ~~الحدث، وليس إخبارا عن أن المدبر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله: إن ~~حدث به حدث فوقع الغلط بسبب ذلك اه. (وقد استدل) بحديث الباب وما في معناه ~~على مشروعية التدبير وذلك مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف هل ينفذ من رأس ~~المال أو من الثلث، فذهب الفريقان من الشافعية والحنفية ومالك والعترة وهو ~~مروي عن علي وعمر أنه ينفذ من الثلث، واستدلوا بما قدمنا من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: وهو حر من الثلث وذهب ابن مسعود والحسن البصري وابن المسيب ~~والنخعي وداود ومسروق إلى أنه ينفذ من رأس المال قياسا على ms2550 الهبة وسائر ~~الأشياء التي يخرجها الانسان من ماله في حال حياته، واعتذروا عن الحديث ~~الذي احتج به الأولون بما فيه من المقال المتقدم، ولكنه معتضد بالقياس على ~~الوصية، ولا شك أنه بالوصية أشبه منه بالهبة لما بينه وبين الوصية من ~~المشابهة التامة. قوله: ما أخذ فهو له وما بقي فلا شئ لكم استدل به القاضي ~~زيد والهادوية على أن الكتابة لا يبطل بها التدبير، ويعتق العبد عندهم ~~بالأسبق منهما. وقال المنصور بالله: لا تصح الكتابة بعد التدبير لأنها بيع ~~فلا تصح إلا حيث يصح البيع، ورد بأن ذلك تعجيل للعتق مشروط. # باب المكاتب عن عائشة: أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت في ~~كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك ~~كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت بريرة ذلك لأهلها فأبوا وقالوا إن شاءت ~~أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ابتاعي فأعتقي ~~فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في ~~كتاب الله تعالى، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله وإن شرطه مائة مرة شرط ~~الله أحق وأوثق متفق عليه. وفي رواية قالت: جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت ~~أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية الحديث متفق عليه. PageV06P215 # قوله: باب المكاتب بفتح الفوقانية من تقع له الكتابة، وبكسرها من تقع ~~منه. والكتابة بكسر الكاف وفتحها قال الراغب: اشتقاقها من كتب بمنى أوجب، ~~ومنه قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (سورة البقرة، الآية: 183) أو ~~بمعنى جمع وضم ومنه كتب الخط. قال الحافظ: # وعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام. وعلى الثاني تكون مأخوذة من ~~الخط لوجوده عند عقدها غالبا. قال الروياني: الكتابة إسلامية ولم تكن تعرف ~~في الجاهلية. وقال ابن التين: كانت الكتابة متعارفة قبل الاسلام فأقرها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال ابن خزيمة: وقد كانوا يكاتبون ms2551 في ~~الجاهلية بالمدينة. قوله: # أن بريرة قد تقدم ضبط هذا الاسم وبيان اشتقاقه في باب من اشترى عبدا بشرط ~~أن يعتقه من كتاب البيع، وقد تقدم أيضا طرف من شرح هذا الحديث في باب أن من ~~شرط الولاء أو شرط شرطا فاسدا من كتاب البيع أيضا. قوله: # فإن أحبوا الخ، ظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع ~~مال الكتابة ولم يقع ذلك، إذ لو وقع لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من ~~أعتقه غيرها. وقد رواه أبو أسامة بلفظ يزيل الاشكال فقال: إن أعدها لهم عدة ~~واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت وكذلك رواه وهيب عن هشام، فعرف بذلك أنها ~~أرادت أن تشتريها شراء صحيحا ثم تعتقها، إذ العتق فرع ثبوت الملك، ويؤيده ~~قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ابتاعي فأعتقي والمراد بالأهل هنا في ~~قول عائشة: ارجعي إلى أهلك السادة، والأهل في الأصل الآل، وفي الشرع من ~~تلزم نفقته. قوله: إن شاءت أن تحتسب هو من الحسبة بكسر الحاء المهملة. أي ~~تحتسب الاجر عند الله ولا يكون لها ولاء. قوله: فذكرت ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في رواية للبخاري: فسمع بذلك النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فسألني، وفي أخرى له: فسمع بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ~~بلغه. قوله: # ابتاعي فأعتقي هو كقوله في حديث ابن عمر: لا يمنعك ذلك. قوله: على تسع ~~أواق في رواية معلقة للبخاري: خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين ولكن ~~المشهور رواية التسع، وقد جزم الإسماعيلي بأن رواية الخمس غلط، ويمكن الجمع ~~بأن التسع أصل، والخمس كانت بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبي والمحب الطبري، ~~ويعكر عليه ما في تلك الرواية بلفظ: ولم تكن قضت من كتابتها شيئا. وأجيب ~~PageV06P216 # بأنها كانت حصلت الأربع الآواق قبل أن تستعين ثم جاءتها وقد بقي عليها ~~خمس. # وقال القرطبي: يجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجمها من ~~جملة التسع الآواق المذكورة، ويؤيده ما وقع ms2552 في رواية للبخاري ذكرها في ~~أبواب المساجد بلفظ: فقال أهلها إن شئت أعطيت ما يبقى وقد قدمنا بقية ~~الكلام على هذا الحديث في ذلك الباب من كتاب البيع فليرجع إليه، وله فوائد ~~أخر خارجة عن المقصود. قال ابن بطال: أكثر الناس من تخريج الوجوه في حديث ~~بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه. وقال النووي: صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير ~~تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق رواه الخمسة إلا ~~النسائي. وفي لفظ: المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم رواه أبو داود. ~~وعن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان لإحداكن مكاتب ~~وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي، ~~ويحمل الامر بالاحتجاب على الندب. وعن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية الحر وما بقي دية العبد رواه ~~الخمسة إلا ابن ماجة. وعن علي عليه السلام: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: يؤدي المكاتب بقدر ما أدى رواه أحمد. # حديث عمرو بن شعيب باللفظ الأول أخرجه أيضا الحاكم وصححه. وقال الترمذي: ~~غريب. قال الشافعي: لم أجد أحدا روى هذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلا عمرا، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته وعلى هذا فتيا المفتين. ~~وأخرجه باللفظ الثاني أيضا النسائي والحاكم وابن حبان، وحسن الحافظ إسناده ~~في بلوغ المرام وهو من رواية إسماعيل بن عياش وفيه مقال. وقال النسائي: هو ~~حديث منكر وهو عندي خطأ اه. وفي إسناده أيضا عطاء الخراساني عن عمرو بن ~~شعيب ولم يسمع عنه كما قال ابن حزم. وحديث أم سلمة قال الشافعي: لم أر أحدا ~~ممن رضيت من أهل العلم يثبت واحدا من هذين الحديثين. قال البيهقي: أراد هذا ~~وحديث ms2553 عمرو بن شعيب يعني الذي قبله اه. وهو من رواية الزهري عن نبهان مولى ~~أم PageV06P217 # سلمة عنها. وقد صرح معمر بسماع الزهري من نبهان. وقد أخرجه ابن خزيمة عن ~~نبهان من طريق أخرى. وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود والمنذري، وهو عند ~~النسائي مسند ومرسل، ورجال إسناده عند أبي داود ثقات. وحديث علي عليه ~~السلام أخرجه أيضا أبو داود لأنه قال في السنن بعد إخراجه لحديث ابن عباس ~~ما لفظه: ورواه يعني حديث ابن عباس وهيب عن أيوب عن عكرمة عن علي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وجعله إسماعيل بن علية من قول عكرمة، وأخرجه ~~البيهقي من طرق. قوله: فهو رقيق أي تجري عليه أحكام الرق، وفيه دليل على ~~جواز بيع المكاتب لأنه رق مملوك، وكل مملوك يجوز بيعه وهبته والوصية به وهو ~~القديم من مذهب الشافعي، وبه قال أحمد وابن المنذر، قال: بيعت بريرة بعلم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك، ففيه أبين بيان أن ~~بيعه جائز، قال: ولا أعلم خبرا يعارضه، قال: ولا أعلم دليلا على عجزها. ~~وقال الشافعي في الجديد ومالك وأصحاب الرأي: أنه لا يجوز بيعه، وبه قالت ~~العترة قالوا: لأنه قد أخرج عن ملكه بدليل تحريم الوطئ والاستخدام، وتأول ~~الشافعي حديث بريرة على أنها كانت قد عجزت وكان بيعها فسخا لكتابتها، وهذا ~~التأويل يحتاج إلى دليل. # قوله: فلتحتجب منه ظاهر الامر الوجوب إذا كان مع المكاتب من المال ما يفي ~~بما عليه من مال الكتابة، لأنه قد صار حرا وإن لم يكن قد سلمه إلى مولاته، ~~وقيل: # إنه محمول على الندب. قال الشافعي: يجوز أن يكون أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أم سلمة بالاحتجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي لتعظيم ~~أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون ذلك مختصا بهن، ثم قال: ومع هذا ~~فاحتجاب المرأة ممن يجوز له أن يراها واسع، وقد أمر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سودة ms2554 أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط، ~~وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح اه. والقرينة القاضية بحمل هذا الامر ~~على الندب حديث عمرو بن شعيب المذكور فإنه يقتضي أن حكم المكاتب قبل تسليم ~~جميع مال الكتابة حكم العبد، والعبد لا يجوز له النظر إلى سيدته، كما هو ~~مذهب أكثر السلف لقوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانهن) * (سورة النور، ~~الآية: 31) وذهب جماعة من أهل العلم منهم الهادوية إلى أنه لا يجوز للعبد ~~النظر إلى سيدته. ومن متمسكاتهم لذلك ما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ~~PageV06P218 # لا تغرنكم آية النور فالمراد بها الإماء. قال في البحر: وخصهن بالذكر ~~لتوهم مخالفتهن للحرائر في قوله تعالى: * (أو نسائهن) * (سورة النور، ~~الآية: 31) اه. وهو تمسك بحديث عمرو بن شعيب جمهور أهل العلم من الصحابة ~~وغيرهم فقالوا: حكم المكاتب قبل تسليم جميع مال الكتابة حكم العبد في جميع ~~الأحكام من الإرث والأرش والدية والحد وغير ذلك، وتمسك من قال بأنه يعتق من ~~المكاتب بقدر ما أدى من مال الكتابة، وتتبعض الاحكام التي يمكن تبعضها في ~~حقه بحديث ابن عباس وحديث علي المذكورين، وقد قدمنا في باب ميراث المعتق ~~بعضه من كتاب الفرائض أقوالا في المكاتب الذي قد أدى بعض مال كتابته. قوله: ~~يؤدي المكاتب بضم أوله وفتح الدال المهملة مبنيا للمجهول، أي يؤدي الجاني ~~عليه من ديته أو أرشه لما كان منه حرا بحساب دية الحر وأرشه، ولما كان منه ~~عبدا بحساب دية العبد وأرشه. # وعن موسى بن أنس: أن سيرين سأل أنس بن مالك المكاتبة وكان كثير المال ~~فأبى، فانطلق إلى عمر فقال كاتبه فأبى فضربه عمر بالدرة وتلا عمر: # * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * (سورة النور، الآية: 33) أخرجه ~~البخاري. وعن أبي سعيد المقبري قال: اشترتني امرأة من بني ليث بسوق ذي ~~المجاز بسبعمائة درهم ثم قدمت فكاتبتني على أربعين ألف درهم فأذهبت إليها ~~عامة المال ثم حملت ما بقي إليها فقلت: هذا مالك فاقبضيه، فقالت: لا والله ms2555 ~~حتى آخذه منك شهرا بشهر وسنة بسنة، فخرجت به إلى عمر بن الخطاب فذكرت ذلك ~~له فقال عمر: ارفعه إلى بيت المال، ثم بعث إليها: # هذا مالك في بيت المال وقد عتق أبو سعيد فإن شئت فخذي شهرا بشهر وسنة ~~بسنة، قال: فأرسلت فأخذته رواه الدارقطني. # حديث أبي سعيد المقبري هو من رواية ابنه سعيد بن أبي سعيد، وأخرجه أيضا ~~البيهقي وأورده صاحب التلخيص وسكت عنه. قوله: أن سيرين هو والد محمد بن ~~سيرين الفقيه المشهور وكنيته أبو عمرة وكان من سبي عين التمر، اشتراه أنس ~~في خلافة أبي بكر وروى عن عمر وغيره، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ~~وموسى بن أنس الراوي عنه لم يدرك وقت سؤال سيرين الكتابة من أنس. # وقد رواه عبد الرزاق والطبراني من وجه آخر متصل من طريق سعيد بن أبي ~~عروبة عن قتادة عن أنس قال: أرادني سيرين على المكاتبة فأبيت، فأتى عمر بن ~~PageV06P219 # الخطاب فذكر نحوه. وقد استدل بالآية المذكورة من قال بوجوب الكتابة، وقد ~~نقله ابن حزم عن مسروق والضحاك، وزاد القرطبي معهما عكرمة، وهو قول ~~للشافعي، وبه قالت الظاهرية، واختاره ابن جرير الطبري، وحكاه في البحر عن ~~عطاء وعمرو بن دينار. وقال إسحاق بن راهويه: إنها واجبة إذا طلبها العبد. ~~وذهبت العترة والشافعية والحنفية وجمهور العلماء إلى عدم الوجوب، وأجابوا ~~عن الآية بأجوبة منها ما قاله أبو سعيد الإصطخري أن القرينة الصارفة للامر ~~المذكور آخر الآية أعني قوله تعالى: * (إن علمتم فيهم خيرا) * (سورة النور، ~~الآية: 33) فإنه وكل الاجتهاد في ذلك إلى المولى، ومقتضاه أنه إذا رأى عدمه ~~لم يجبر عليه فدل على أنه غير واجب. وقال غيره: الكتابة عقد غرر فكان الأصل ~~أن لا تجوز، فلما وقع الاذن فيها كان أمرا بعد منع، والامر بعد المنع ~~للإباحة، ولا يرد على هذا كونها مستحبة لأن استحبابها ثبت بأدلة أخرى. # قال القرطبي: لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الامر ~~بالكتابة غير واجب، لأن قوله: خذ كسبي ms2556 وأعتقني يصير بمنزلة اعتقني بلا شئ ~~وذلك غير واجب اتفاقا. وأجاب عن الآية في البحر بأن القياس على المعاوضات ~~صرفها عن الظاهر كالتخصيص، ورد بأن القياس المذكور فاسد الاعتبار لأنه في ~~مقابلة النص، ويجاب بأن المراد بالقياس المذكور هو الأصل المعلوم من الأصول ~~المقررة، وهو صالح للصرف لا القياس الذي هو إلحاق أصل بفرع حتى يرد بما ~~ذكر، واستدل بفعل عمر المذكور في قصة أبي سعيد المقبري من لم يشترط التنجيم ~~في الكتابة وهم أبو حنيفة ومالك والناصر والمؤيد بالله. وذهب الشافعي ~~والهادي وأبو العباس وأبو طالب إلى اشتراط التأجيل والتنجيم، واستدلوا على ~~ذلك بأن الكتابة مشتقة من الضم، وهو ضم بعض النجوم إلى بعض، وأقل ما يحصل ~~به الضم نجمان، واحتجوا أيضا بما رواه ابن أبي شيبة عن علي بلفظ: إذا تتابع ~~على المكاتب نجمان فلم يؤد نجومه رد إلى الرق.. ولا يخفى أن مثل هذا لا ~~ينتهض للاحتجاج به على الاشتراط، أما أولا فلأنه قول صحابي، وأما ثانيا ~~فليس فيه ما يشعر بأن ذلك على جهة الحتم، والتأجيل في الأصل إنما جعل لأجل ~~الرفق بالعبد لا بالسيد، فإذا قدر العبد على التعجيل وتسليم المال دفعة ~~فكيف يمنع من ذلك. والحاصل أن التنجيم جائز بالاتفاق كما حكي ذلك في الفتح، ~~وأما كونه شرطا أو واجبا فلا مستند له. PageV06P220 # باب ما جاء في أم الولد عن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه رواه أحمد وابن ماجة. وفي ~~لفظ: أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه أو قال: من بعده رواه ~~أحمد. # وعن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: أعتقها ولدها رواه ابن ماجة والدارقطني. # الحديث الأول أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وله طرق وفي إسناده الحسين بن ~~عبد الله الهاشمي وهو ضعيف جدا، وقد رجح جماعة وقفه على عمر، وفي رواية ~~للدارقطني والبيهقي من حديث ms2557 ابن عباس أيضا أم الولد حرة وإن كان سقطا ~~وإسناده ضعيف. قال الحافظ: # والصحيح أنه من قول ابن عمر. والحديث الثاني في إسناده أيضا حسين بن عبد ~~الله الهاشمي وهو ضعيف جدا كما تقدم. قال البيهقي: وروي عن ابن عباس من ~~قوله قال: وله علة. ورواه مسروق عن عكرمة عن عمرو عن خصيف عن عكرمة عن ابن ~~عمر قال: فعاد الحديث إلى عمر، وله طرق أخرى، رواه البيهقي من حديث ابن ~~لهيعة عن عبيد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لام ~~إبراهيم أعتقك ولدك وهو معضل وقال ابن حزم: صح هذا بسند رواته ثقات عن ابن ~~عباس، ثم ذكره من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن مصعب عن عبيد الله بن عمر ~~عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس، وتعقبه ابن القطان بأن قوله عن ~~محمد بن مصعب خطأ وإنما هو عن محمد وهو ابن وضاح عن مصعب وهو ابن سعيد ~~المصيصي وفيه ضعف. # (والحديثان) يدلان على أن الأمة تصير حرة إذا ولدت من سيدها، وسيأتي ~~الكلام على ذلك قريبا والخلاف فيه. وأم الولد هي الأمة التي علقت من سيدها ~~بحمل ووضعته متخلقا وادعاه. # وعن أبي سعيد قال: جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله إنا نصيب سبيا ~~فنحب الأثمان فكيف ترى في العزل؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~وإنكم لتفعلون ذلكم لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم فإنها ليست نسمة كتب الله ~~عز وجل أن تخرج إلا وهي خارجة رواه أحمد والبخاري. PageV06P221 # الحديث فيه دليل على جواز العزل عن الإماء، وسيذكر المصنف حديث أبي سعيد ~~هذا في باب ما جاء في العزل من كتاب الوليمة والبناء، ويأتي شرحه إن شاء ~~الله تعالى هنالك، فإنه الموضع الأليق به، وفي مطلق العزل خلاف طويل، وكذلك ~~في خصوص العزل عن الحرة أو الأمة أو أم الولد، وسيأتي هنالك مبسوطا بمعونة ~~الله، ولعل مراد المصنف رحمه الله بإيراد الحديث الاستدلال بقوله: ms2558 فنحب ~~الأثمان على منع بيع أمهات الأولاد وهو محتمل. # وعن ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع أمهات ~~الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بها السيد ما دام حيا، ~~وإذا مات فهي حرة رواه الدارقطني، ورواه مالك في الموطأ والدارقطني من طريق ~~آخر عن ابن عمر عن عمر من قوله. وهو أصح. وعن أبي الزبير عن جابر: أنه سمعه ~~يقول: كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فينا ~~حي لا نرى بذلك بأسا رواه أحمد وابن ماجة. وعن عطاء عن جابر قال: بعنا ~~أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، فلما ~~كان عمر نهانا فانتهينا رواه أبو داود. قال بعض العلماء: إنما وجه هذا أن ~~يكون ذلك مباحا ثم نهى عنه، ولم يظهر النهي لمن باعها، ولا علم أبو بكر بمن ~~باع في زمانه لقصر مدته واشتغاله بأهم أمور الدين، ثم ظهر ذلك زمن عمر ~~فأظهر النهي والمنع، وهذا مثل حديث جابر أيضا في المتعة قال: كنا نستمتع ~~بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبي بكر حتى نهانا عنه عمر في شأن عمرو بن حريث رواه مسلم، وإنما ~~وجهه ما سبق لامتناع النسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعن ~~الخطاب بن صالح عن أمه قالت: حدثتني سلامة بنت معقل قالت: كنت للحباب بن ~~عمرو ولي منه غلام فقالت لي امرأته: الآن تباعين في دينه، فأتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: من صاحب تركة الحباب بن عمرو؟ ~~قالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو، فدعاه فقال: لا تبيعوها وأعتقوها، فإذا ~~سمعتم برقيق قد جاءني فأتوني أعوضكم، ففعلوا فاختلفوا فيما بينهم بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال قوم: أم الولد مملوكة لولا ذلك لم ~~يعوضكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ms2559 وقال بعضهم: هي حرة قد أعتقها ~~PageV06P222 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففي كان الاختلاف رواه أحمد في مسنده ~~قال الخطابي: # وليس إسناده بذلك. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا البيهقي مرفوعا وموقوفا وقال: الصحيح وقفه على ~~عمر، وكذا قال عبد الحق. وقال صاحب الالمام المعروف فيه الوقف والذي رفعه ~~ثقة، قيل: ولا يصح مسندا. وحديث جابر الأول أخرجه أيضا الشافعي والبيهقي. # وحديثه الثاني أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم. وحديث سلامة بنت معقل أخرجه ~~أيضا أبو داود وفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وفيه مقال. وذكر البيهقي ~~أنه أحسن شئ روي في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا ~~بعد أن ذكر أحاديث في أسانيدها مقال. (وفي الباب) عن أبي سعيد عند الحاكم ~~بنحو حديث جابر الآخر وإسناده ضعيف. قال البيهقي: وليس في شئ من الطرق أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك يعني بيع أمهات الأولاد وأقرهم ~~عليه. وقال الحافظ: أنه روى ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي سلمة عن ~~جابر ما يدل على ذلك يعني الاطلاع والتقرير. قوله: قال بعض العلماء قد روي ~~نحو هذا الكلام عن الخطابي فقال: يحتمل أن يكون بيع أمهات الأولاد كان ~~مباحا، ثم نهى عنه صلى الله عليه وآله وسلم في آخر حياته ولم يشتهر ذلك ~~فلما بلغ ذلك عمر نهاهم. # قوله: ومثل هذا حديث جابر سيأتي الكلام عليه في النكاح إن شاء الله ~~تعالى. قوله: # عن الخطاب بن صالح هو المدني مولى الأنصار معدود في الثقات، توفي سنة ~~ثلاث وأربعين ومائة، وسلامة بتخفيف اللام وهي امرأة من قيس عيلان، والحباب ~~بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة، وأبو اليسر بفتح التحتية والسين ~~المهملة اسمه كعب يعد في أهل المدينة وهو صحابي أنصاري بدري عقبي. وقد ~~استدل بحديثي ابن عباس المذكورين في الباب وحديث ابن عمر القائلون بأنه لا ~~يجوز بيع أمهات الأولاد وهم الجمهور، وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على ~~ذلك، ولا ms2560 يقدح في صحة هذه الحكاية ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير من ~~الجواز، لأنه قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة، كما حكى ذلك ابن رسلان في ~~شرح السنن. # وأخرج عبد الرزاق عن علي بإسناد صحيح أنه رجع عن رأيه الآخر إلى قول ~~جمهور الصحابة، وأخرج أيضا عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة ~~PageV06P223 # السلماني قال: سمعت عليا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن ~~لا يبعن ثم رأيت بعد أن يبعن، قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في ~~الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة وهذا الاسناد معدود في أصح ~~الأسانيد، ورواه البيهقي من طريق أيوب. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة وروى ابن ~~قدامة في الكافي أن عليا لم يرجع رجوعا صريحا إنما قال لعبيدة وشريح: اقضوا ~~كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف وهذا واضح في أنه لم يرجع عن اجتهاده، ~~وإنما أذن لهم أن يقضوا باجتهادهم الموافق لرأي من تقدم. قال ابن قدامة ~~أيضا: وقد روى صالح عن أحمد أنه قال: أكره بيعهن وقد باع علي بن أبي طالب. ~~قال أبو الخطاب: # فظاهر هذا أنه يصح مع الكراهة. وروى البيهقي من طرق منها عن الثوري عن ~~عبد الله بن دينار قال: جاء رجلان إلى ابن عمر فقال: من أين أقبلتما؟ قالا: ~~من قبل ابن الزبير. فأحل لنا أشياء كانت تحرم علينا، قال: ما أحل لكم؟ ~~قالا: أحل لنا بيع أمهات الأولاد، قال: أتعرفان أبا حفص عمر؟ فإنه نهى أن ~~تباع أو تورث يستمتع بها ما كان حيا، فإذا مات فهي حرة. ومن القائلين بجواز ~~البيع الناصر والباقر والصادق والامامية وبشر المريسي ومحمد بن المطهر ~~وولده والمزني وداود الظاهري وقتادة، ولكنه إنما يجوز عند الباقر والصادق ~~والامامية بشرط أن يكون بيعها في حياة سيدها، فإن مات ولها منه ولد باق ~~عتقت عندهم، وقد قيل: إن هذا مجمع عليه. وقد روي في جامع آل محمد عن القاسم ~~بن إبراهيم أن من أدرك من ms2561 أهله لم يكونوا يثبتون رواية بيع أمهات الأولاد، ~~وقد ادعى بعض المتأخرين الاجماع على تحريم بيع أم الولد مطلقا، وهو مجازفة ~~ظاهرة. وادعى بعض أهل العلم أن تحريم بيعهن قطعي وهو فاسد، لأن القطع ~~بالتحريم إن كان لأجل الأدلة القاضية بالتحريم ففيها ما عرفت من المقال ~~السالف، وإن كان لأجل الاجماع المدعي ففيه ما عرفت، وكيف يصح الاحتجاج بمثل ~~ذلك والخلاف ما زال منذ أيام الصحابة إلى الآن؟ وقد تمسك القائلون بالجواز ~~بحديثي جابر المذكورين وحديث سلامة، وقد عرفت أن حديثي جابر ليس فيهما ما ~~يدل على اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على البيع وتقريره كما تقدم ~~عن البيهقي. وأيضا قوله: فلا نرى بذلك بأسا الرواية فيه بالنون التي ~~للجماعة، ولو كانت بالياء التحتية لكان فيه دلالة على التقرير. وأما حديث ~~PageV06P224 # سلامة فدلالته على عدم الجواز، أظهر لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهاهم عن البيع وأمرهم بالاعتاق، وتعويضهم عنها ليس فيه دليل، على أنه كان ~~يجوز بيعها لاحتمال أنه عوضهم لما رأى من احتياجهم، وهذه المسألة طويلة ~~الذيل. وقد أفردها ابن كثير بمصنف مستقل. وحكي عن الشافعي فيها أربعة ~~أقوال، وذكر أن جملة ما فيها من الأقوال للعلماء ثمانية، ولا شك أن الحكم ~~بعتق أم الولد مستلزم لعدم جواز بيعها، فلو صحت الأحاديث القاضية بأنها ~~تصير حرة بالولادة لكانت دليلا على عدم جواز البيع. ولكن ما فيها ما سلف، ~~والأحوط اجتناب البيع، لأن أقل أحواله أن يكون من الأمور المشتبهة، ~~والمؤمنون وقافون عندها كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والله أعلم. # كتاب النكاح باب الحث عليه وكراهة تركه للقادر عليه عن ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا معشر ~~الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم ~~يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء رواه الجماعة. # وعن سعد بن أبي وقاص قال: رد رسول الله صلى الله عليه وآله ms2562 وسلم على ~~عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا. وعن أنس: أن نفرا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بعضهم: لا أتزوج، وقال بعضهم: أصلي ولا ~~أنام، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: # ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء ~~فمن رغب عن سنتي فليس مني متفق عليهما. وعن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن ~~عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه أكثرها نساء رواه أحمد ~~والبخاري. وعن قتادة عن الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن التبتل وقرأ قتادة: * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية) * (سورة الرعد، الآية: 38) رواه الترمذي وابن ماجة. PageV06P225 # حديث سمرة قال الترمذي: إنه حسن غريب. قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا ~~الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ويقال: كلا الحديثين صحيح انتهى. وفي سماع الحسن. من سمرة خلاف مشهور ~~وقد ذكرناه فيما تقدم. وحديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي أخرجه أيضا ~~النسائي (وفي الباب) عن ابن عمر عن الديلمي في مسند الفردوس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: حجوا تستغنوا، وسافروا تصحوا، وتناكحوا ~~تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم وفي إسناده محمد بن الحرث عن محمد بن عبد ~~الرحمن البيلماني وهما ضعيفان. ورواه البيهقي أيضا عن الشافعي أنه ذكره ~~بلاغا، وزاد في آخره حتى بالسقط. وعن أبي أمامة عن البيهقي بلفظ: تزوجوا ~~فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى وفي إسناده محمد بن ~~ثابت وهو ضعيف. # وعن حرملة بن النعمان عن الدارقطني في المؤتلف وابن قانع في الصحابة ~~بلفظ: # امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم ~~القيامة قال الحافظ: وإسناده ضعيف. وعن عائشة أيضا عند ابن ماجة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله ms2563 وسلم قال: النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، ~~وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه ~~بالصوم فإن الصوم له وجاء وفي إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيف. وعن عمرو بن ~~العاص عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا متاع وخير متاعها ~~المرأة الصالحة وعن أنس عند النسائي والطبراني بإسناد حسن عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب الاكتحال والادهان والتطيب ~~من كتاب الطهارة. وعن عائشة أيضا عند الحاكم وأبي داود في المراسيل بلفظ: # تزوجوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح ~~الدارقطني المرسل على الموصول. وعن أبي هريرة عند الترمذي والحاكم ~~والدارقطني وصححه بلفظ: ثلاثة حق على الله إعانتهم: المجاهد في سبيل الله، ~~والناكح يريد أن يستعفف، والمكاتب يريد الأداء. وعن أنس أيضا عند الحاكم ~~بلفظ: PageV06P226 # من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر ~~الثاني قال الحافظ: وسنده ضعيف. وعنه أيضا: من تزوج امرأة صالحة فقد أعطي ~~نصف العبادة وفي إسناده زيد العمي وهو ضعيف. وعن ابن عباس عند أبي داود ~~والحاكم بلفظ: ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر ~~إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته. وعن ثوبان عند ~~الترمذي نحوه ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا. وعن أبي نجيح عند البيهقي ~~والبغوي في معجم الصحابة بلفظ: من كان موسرا فلم ينكح فليس منا قال ~~البيهقي: هو مرسل، وكذا جزم به أبو داود والدولابي وغيرهما. وعن ابن عباس ~~عند ابن ماجة والحاكم: لم ير للمتحابين مثل التزويج. وعنه أيضا عند أحمد ~~وأبي داود والحاكم وصححه والطبراني: لا صرورة في الاسلام وهو من رواية عطاء ~~عن عكرمة. # عنه. قال ابن طاهر: هو ابن وراز وهو ضعيف. وفي رواية الطبراني: ابن أبي ~~الجوار وهو موثق، ms2564 هكذا في التلخيص أنه من رواية عطاء عن عكرمة ولا رواية ~~له، ولعله من رواية عمرو بن عطاء بن وراز وهو مجهول من السادسة، أو عمرو بن ~~عطاء بن أبي الجوار وهو مقبول من الخامسة، وكأنه سقط من التلخيص اسم عمرو. # والصرورة بفتح الصاد المهملة الذي لم يتزوج والذي لم يحج. وعن عياض بن ~~غنم عند الحاكم بلفظ: لا تزوجوا عاقرا ولا عجوزا فإني مكاثر بكم الأمم ~~وإسناده ضعيف. وفيه أيضا عن الصنابح بن الأعسر وسهل بن حنيف وحرملة بن ~~النعمان ومعاوية بن حيدة أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح. وفي الباب عن أنس ~~أيضا وعبد الله بن عمرو، ومعقل بن يسار، وأبي هريرة أيضا وجابر، وسيأتي ذلك ~~في الباب الذي بعد هذا. قوله: كتاب النكاح هو في اللغة: الضم والتداخل: وفي ~~الشرع: عقد بين الزوجين يحل به الوطئ، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطئ، ~~وهو الصحيح لقوله تعالى: * (فانكحوهن بإذن أهلهن) * (سورة النساء، الآية: ~~25) والوطئ لا يجوز بالاذن. # وقال أبو حنيفة: هو حقيقة في الوطئ مجاز في العقد لقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # تناكحوا تكاثروا. وقوله: لعن الله ناكح يده. وقال الامام يحيى وبعض أصحاب ~~أبي حنيفة أنه مشترك بينهما، وبه قال أبو القاسم الزجاجي. وقال الفارسي: ~~إنه إذا PageV06P227 # قيل نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد به العقد، وإذا قيل نكح زوجته فالمراد ~~به الوطئ، ويدل على القول الأول ما قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد كما ~~صرح بذلك الزمخشري في كشافه في أوائل سورة النور ولكنه منتقض لقوله تعالى: ~~* (حتى تنكح زوجا غيره) * (سورة البقرة، الآية: 230) وقال أبو الحسين بن ~~فارس: إن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: * (وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) * (سورة النساء، الآية: 6) فإن المراد به ~~الحلم. # قوله: يا معشر الشباب المعشر جماعة يشملهم وصف ما، والشباب جمع شاب، قال ~~الأزهري: لم يجمع فاعل على فعال غيره وأصله الحركة والنشاط وهو اسم لمن بلغ ~~إلى أن ms2565 يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية، حكى ذلك عنهم صاحب الفتح وقال ~~القرطبي في المفهم: يقال له حدث إلى ست عشرة سنة ثم شاب إلى اثنين وثلاثين ~~ثم كهل. قال الزمخشري: إن الشباب من لدن البلوغ إلى اثنين وثلاثين. وقال ~~ابن شاس المالكي في الجواهر: إلى أربعين. وقال النووي: الأصح المختار أن ~~الشباب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو ~~شيخ. وقال الروياني وطائفة: من جاوز الثلاثين سمي شيخا، زاد ابن قتيبة إلى ~~أن يبلغ الخمسين. # وقال أبو إسحاق الأسفراييني عن الأصحاب. المرجع في ذلك اللغة، وأما بياض ~~الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة، هكذا في الفتح. قوله: الباءة بالهمز وتاء ~~التأنيث ممدودا، وفيها لغة أخرى بغير همز ولا مد، وقد تهمز وتمد بلا هاء. ~~قال الخطابي: المراد بالباءة النكاح وأصله الموضع يتبوأه ويأوي إليه. وقال ~~النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى ~~واحد، أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم ~~الجماع لقدرته على مؤنة وهي مؤنة النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع ~~لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء. ~~والقول الثاني: أن المراد بالباءة مؤنة النكاح سميت باسم ما يلازمها ~~وتقديره: من استطاع منكم مؤون النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم، قالوا: ~~والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على ~~المؤن. وقال القاضي عياض لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد ~~بقوله: من استطاع الباءة، أي بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله: ~~ومن لم يستطع أي لم يقدر على التزويج، وقيل: الباءة بالمدة القدرة على مؤن ~~النكاح، وبالقصر PageV06P228 # الوطئ. قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يراد بالباءة ~~القدرة على الوطئ ومؤن التزويج، وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي من طريق ~~أبي عوانة بلفظ: من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج وفي رواية للنسائي: من ~~كان ذا طول فلينكح ومثله لابن ماجة ms2566 من حديث عائشة والبزار من حديث أنس. ~~قوله: أغض للبصر الخ، أي أشد غضا وأشد إحصانا له ومنعا من الوقوع في ~~الفاحشة. قوله: فعليه قيل هذا من إغراء الغائب، ولا تكاد العرب تغري إلا ~~الشاهد تقول: عليك زيدا، ولا تقول: عليه زيدا. قال الطيبي: وجوابه أنه لما ~~كان الضمير للغائب راجعا إلى لفظة من وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: يا ~~معشر الشباب. وبيان لقوله: منكم جاز قوله عليه لأنه بمنزلة الخطاب. وأجاب ~~القاضي عياض بأن الحديث ليس فيه إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين ~~خاطبهم أولا بقوله: من استطاع منكم وقد استحسنه القرطبي والحافظ والارشاد ~~إلى الصوم لما فيه من الجوع والامتناع عن مثيرات الشهوة ومستدعيات طغيانها. ~~قوله: وجاء بكسر الواو والمد وأصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه إذا غمزه، ~~ووجأه بالسيف إذا طعنه به، ووجأ أنثييه غمزهما حتى رضهما. وتسمية الصيام ~~وجاء استعارة والعلاقة المشابهة لأن الصوم لما كان مؤثرا في ضعف شهوة ~~النكاح شبه بالوجاء. وقد استدل بهذا الحديث على أن من لم يستطع الجماع ~~فالمطلوب منه ترك التزويج لارشاده صلى الله عليه وآله وسلم من كان كذلك إلى ~~ما ينافيه ويضعف داعيه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه مكروه في حقه. قوله: رد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عثمان بن مظعون التبتل هو في الأصل ~~الانقطاع، والمراد به هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى ~~العبادة، والمراد بقوله تعالى: * (وتبتل إليه تبتيلا) * (سورة المزمل، ~~الآية: 8) انقطع إليه انقطاعا، وفسره مجاهد بالاخلاص وهو لازم الانقطاع. ~~قوله: ولو أذن له لاختصينا الخصي هو شق الأنثيين وانتزاع البيضتين. قال ~~الطيبي: كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر ~~إلى قوله: لاختصينا الإرادة المبالغة، أي لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا ~~الامر إلى الاختصاء، ولم يرد به حقيقة الاختصاء لأنه حرام، وقيل: بل هو على ~~ظاهره وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء. وأصل حديث عثمان بن مظعون أنه قال: ~~يا ms2567 رسول الله إني رجل يشق علي العزوبة فأذن لي في الاختصاء PageV06P229 # قال: لا ولكن عليك بالصيام الحديث. وفي لفظ آخر: أنه قال: يا رسول الله ~~أتأذن لي في الاختصاء؟ قال إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة. ~~وأخرج ذلك من طريق عثمان بن مظعون الطبري. قوله: أن نفرا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الخ، أصل الحديث: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم؟ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم الحديث. ~~قوله: لكني أصوم وأفطر الخ، فيه دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في ~~الطاعات، لأن إتعاب النفس فيها والتشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع والدين ~~يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه، والشريعة المطهرة مبنية على التيسير ~~وعدم التنفير. قوله: فمن رغب عن سنتي فليس مني المراد بالسنة الطريقة. ~~والرغبة الاعراض. وأراد صلى الله عليه وآله وسلم أن التارك لهديه القويم ~~المائل إلى الرهبانية خارج عن الاتباع إلى الابتداع، وقد أسلفنا الكلام على ~~مثل هذه العبارة في مواطن من هذا الشرح. قوله: فإن خير هذه الأمة أكثرها ~~نساء وقيل: مراد ابن عباس بخير هذه الأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كما يدل على ذلك ما وقع عند الطبراني بلفظ: فإن خيرنا كان أكثرنا نساء وعلى ~~هذا فيكون التقييد بهذه الأمة لاخراج مثل سليمان فإنه كان أكثر نساء. وقيل: ~~أراد ابن عباس أن خير أمة محمد من كان أكثرها نساء من غيره ممن يساويه فيما ~~عدا ذلك من الفضائل. قال الحافظ: والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك ~~التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~غيره. قوله: نهى عن التبتل قد استدل بهذا ms2568 النهي. وبقوله في الحديث الأول: ~~فليتزوج وبقوله: فمن رغب عن سنتي وبسائر ما في أحاديث الباب من الأوامر ~~ونحوها من قال بوجوب النكاح. # قال في الفتح: وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام. التائق إليه ~~القادر على مؤنة الخائف على نفسه، فهذا يندب له النكاح عند الجميع، وزاد ~~الحنابلة في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الأسفراييني من الشافعية ~~وصرح به في صحيحه، ونقله المصعبي في شرح مختصر الجويني وجها، وهو قول داود ~~وأتباعه. انتهى. وبه PageV06P230 # قالت الهادوية مع الخشية على النفس من المعصية. قال ابن حزم: وفرض على كل ~~قادر على الوطئ إن وجد ما يتزوج به أو يتسرى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ~~ذلك فليكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف انتهى. والمشهور عن أحمد أنه ~~لا يجب على القادر التائق إلا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن ~~هبيرة. وقال الماوردي: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوب، وقد يجب عندنا في ~~حق من لا ينكف عن الزنا إلا به. وقال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر ~~على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب ~~التزويج عليه. # وحكى ابن دقيق العيد الوجوب على من خاف العنت عن المازري، وكذلك حكى عنه ~~التحريم على من يخل بالزوجة في الوطئ والانفاق مع عدم قدرته عليه. # والكراهة حيث لا يضر بالزوجة مع عدم التوقان إليه، وتزداد الكراهة إذا ~~كان ذلك يفضي إلى الاخلال بشئ من الطاعات التي يعتادها، والاستحباب فيما ~~إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة وإعفاف نفس وتحصين فرج ونحو ذلك، ~~والإباحة فيما إذ اتفقت الدواعي والموانع. وقد ذهبت الهادوية إلى مثل هذا ~~التفصيل. ومن العلماء من جزم بالاستحباب فيمن هذه صفته لما تقدم من الأدلة ~~المقتضية للترغيب في مطلق النكاح. قال القاضي عياض: هو مندوب في حق كل من ~~يرجى منه النسل ولو لم يكن له في الوطئ شهوة، وكذا في حق من له رغبة ms2569 في نوع ~~من الاستمتاع بالنساء غير الوطئ، فأما من لا نسل له ولا أرب له في النساء ~~ولا في الاستماع فهذا مباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت. # وقد يقال: إنه مندوب أيضا لعموم لا رهبانية في الاسلام قال الحافظ: لم ~~أره بهذا اللفظ لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند الطبراني أن الله أبدلنا ~~بالرهبانية الحنيفية السمحة. # باب صفة المرأة التي يستحب خطبتها عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول: تزوجوا الودود ~~الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم PageV06P231 # القيامة. وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: # انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة رواهما أحمد. وعن معقل ~~بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: # إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وأنها لا تلد فأتزوجها؟ قال: لا، ثم أتاه ~~الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم ~~رواه أبو داود والنسائي. # حديث أنس أخرجه أيضا ابن حبان وصححه، وذكره في مجمع الزوائد في موضعين ~~فقال في أحدهما: رواه أحمد والطبراني في الأوسط من طريق حفص بن عمر عن أنس، ~~وقد ذكره ابن أبي حاتم وروى عنه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال في ~~موضع آخر: وإسناده حسن. وحديث عبد الله بن عمرو أشار إليه الترمذي، وقال في ~~مجمع الزوائد: وفيه جرير بن عبد الله العامري وقد وثق وهو ضعيف. وحديث معقل ~~أخرجه أيضا ابن حبان وصححه الحاكم. (وفي الباب) أحاديث قد تقدمت الإشارة ~~إليها وقد تقدم تفسير التبتل. والولود كثيرة الولد، والودود المودودة لما ~~هي عليه من حسن الخلق والتودد إلى الزوج وهو فعول بمعنى مفعول. والمكاثرة ~~يوم القيامة إنما تكون بكثرة أمته صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه الأحاديث ~~وما في معناها تدل على مشروعية النكاح، ومشروعية أن تكون المنكوحة ولودا. ~~قال الحافظ في الفتح بعد أن ذكر ms2570 بعض أحاديث الباب ما لفظه: وهذه الأحاديث ~~وإن كان في الكثير منها ضعف فمجموعها يدل على أن لما يحصل به المقصود من ~~الترغيب في التزويج أصلا لكن في حق من يتأتى منه النسل انتهى. وقد تقدم ~~الكلام على أقسام النكاح. # وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا جابر تزوجت بكرا ~~أم ثيبا؟ قال: ثيبا، فقال: هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك رواه الجماعة . ~~وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: تنكح المرأة لأربع: # لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك رواه ~~الجماعة إلا الترمذي. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن ~~المرأة PageV06P232 # تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك رواه مسلم ~~والترمذي وصححه. # قوله: بكرا هي التي لم توطأ. والثيب: هي التي قد وطئت. قوله: تلاعبها ~~وتلاعبك. زاد البخاري في رواية له في النفقات: وتضاحكها وتضاحكك. وفي رواية ~~لأبي عبيد: تداعبها وتداعبك بالدال المهملة مكان اللام، وفيه دليل على ~~استحباب نكاح الأبكار إلا لمقتض لنكاح الثيب كما وقع لجابر فإنه قال للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له ذلك: هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع ~~بنات فتزوجت ثيبا كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فقال: بارك الله لك هكذا في ~~البخاري في النفقات. # وفي رواية له ذكرها في المغازي من صحيحه: كن لي تسع أخوات فكرهت أن أجمع ~~إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن قال: أصبت. قوله: # تنكح المرأة لأربع أي لأجل أربع. قوله: لحسبها بفتح الحاء والسين ~~المهملتين بعدهما باء موحدة أي شرفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء ~~وبالأقارب مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر ~~آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره. وقيل: المراد بالحسب ~~ههنا الأفعال الحسنة. وقيل: # المال وهو مردود بذكره قبله، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يستحب له أن ~~يتزوج نسيبة، إلا أن تعارض نسيبة غير دينة وغير نسيبة ms2571 دينة فتقدم ذات الدين ~~وهكذا في كل الصفات. وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم ~~من حديث بريدة رفعه: إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال فقال ~~الحافظ: يحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف ~~لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رفعه: الحسب المال والكرم ~~التقوى أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم. قوله: وجمالها يؤخذ منه ~~استحباب نكاح الجميلة، ويلحق بالجمال في الذات الجمال في الصفات. # قوله: فاظفر بذات الدين فيه دليل على أن اللائق بذي الدين والمروءة أن ~~يكون الدين مطمح نظره في كل شئ، لا سيما فيما تطول صحبته كالزوجة، وقد وقع ~~في حديث عبد الله بن عمرو عند ابن ماجة والبزار والبيهقي رفعه: لا تزوجوا ~~النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن ~~PageV06P233 # تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولامة سوداء ذات دين أفضل. ولهذا قيل: ~~إن معنى حديث الباب الاخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم بما يفعله الناس ~~في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر ~~أيها المسترشد بذات الدين. قوله: تربت يداك أي لصقت بالتراب وهي كناية عن ~~الفقر. قال الحافظ: وهو خبر بمعنى الدعاء لكن لا يراد به حقيقته، وبهذا جزم ~~صاحب العمدة، وزاد غيره: أن صدور ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حق مسلم لا يستجاب لشرطه ذلك على ربه. وحكى ابن العربي أن المعنى استغنت، ~~ورد بأن المعروف أترب إذا استغنى وترب إذا افتقر. وقيل معناه ضعف عقلك. # وقيل افتقرت من العلم. وقيل فيه شرط مقدر أي وقع لك ذلك إن لم تفعل ورجحه ~~ابن العربي. وقيل معنى تربت خابت. قال القرطبي: معنى الحديث أن هذه الخصال ~~الأربع هي التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها، فهو خبر عما في الوجود من ذلك ~~لا لأنه وقع الامر به، بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كل من ذلك، قال: ولا يظن ms2572 ~~من هذا الحديث أن هذه الأربع يؤخذ منها الكفاءة أي تنحصر فيها، فإن ذلك لم ~~يقل به أحد فيما علمت، وإن كانوا اختلفوا في الكفاءة ما هي، وسيأتي الكلام ~~على الكفاءة. # باب خطبة المجبرة إلى وليها والرشيدة إلى نفسها عن عراك عن عروة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: ~~إنما أنا أخوك، فقال: أنت أخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال رواه البخاري ~~هكذا مرسلا. وعن أم سلمة قالت: لما مات أبو سلمة أرسل إلي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت له: # إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فتدعو الله أن يغنيها عنها، ~~وأدعو الله أن يذهب بالغيرة مختصر من مسلم. # الحديث الأول فيه دليل على أن خطبة المرأة الصغيرة البكر تكون إلى وليها، ~~قال ابن بطال: وفيه أن النهي عن إنكاح البكر حتى تستأمر مخصوص بالبالغة ~~التي PageV06P234 # يتصور منها الاذن. وأما الصغيرة فلا إذن لها. وسيأتي الكلام على ذلك في ~~باب ما جاء في الاجبار والاستئمار. قوله: وأنا غيور هذه الصيغة يستوي فيها ~~المذكر والمؤنث فيقول كل واحد منهما: أنا غيور، والمراد بالغيرة التي وصفت ~~بها نفسها أنها تغار إذا تزوج زوجها امرأة أخرى، والنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد كان له زوجات قبلها. قال في القاموس: وأغار أهله تزوج عليها فغارت ~~انتهى. وفيه دليل على أن المرأة البالغة الثيبة تخطب إلى نفسها، وسيأتي ~~الكلام على هذا. # باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع ~~على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر رواه أحمد ومسلم. وعن أبي ~~هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ~~حتى ينكح أو يترك رواه البخاري والنسائي. وعن ابن عمر: أن رسول ms2573 الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: # لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب ~~رواه أحمد والبخاري والنسائي. # قوله: أن يبتاع على بيع أخيه قد تقدم الكلام على هذا في كتاب البيع. # قوله: ولا يخطب الخ، استدل بهذا الحديث على تحريم الخطبة على الخطبة ~~لقوله في أول الحديث: لا يحل. وكذلك استدل بالنهي المذكور في حديث أبي ~~هريرة وحديث ابن عمر. وفي لفظ للبخاري: نهي أن يبيع بعضكم على بيع بعض أو ~~يخطب. وفي لفظ لأحمد من حديث الحسن عن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم نهى أن يخطب الرجل على أخيه. وقد ذهب إلى هذا الجمهور وجزموا بأن ~~النهي للتحريم، كما حكى ذلك الحافظ في فتح الباري. وقال الخطابي: إن النهي ~~ههنا للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء. قال الحافظ: ~~ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم ~~للتحريم ولا يبطل العقد. # وحكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالاجماع ولكنهم اختلفوا في شروطه، ~~فقالت PageV06P235 # الشافعية والحنابلة: محل التحريم إذا صرحت المخطوبة بالإجابة أو وليها ~~الذي أذنت له، وبذلك قالت الهادوية، فلو وقع التصريح بالرد فلا تحريم، وليس ~~في الأحاديث ما يدل على اعتبار الإجابة. وأما ما احتج به من قول فاطمة بنت ~~قيس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن معاوية وأبا جهم خطباها، فلم ينكر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عليهما بل خطبها لأسامة، فليس فيه حجة ~~كما قال النووي لاحتمال أن يكونا خطباها معا، أو لم يعلم الثاني بخطبة ~~الأول، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار بأسامة ولم يخطب كما سيأتي. ~~وعلى تقدير أن يكون ذلك خطبة فلعله كان بعد ظهور رغبتها عنهما. وظاهر حديث ~~فاطمة الآتي قريبا: أن أسامة خطبها مع معاوية وأبي جهم قبل مجيئها إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن بعض المالكية: لا تمتنع الخطبة إلا بعد ~~التراضي على الصداق ولا دليل ms2574 على ذلك. وقال داود الظاهري: # إذا تزوجها الثاني فسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وللمالكية في ذلك قولان، ~~فقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده. قال في الفتح: وحجة الجمهور أن المنهي عنه ~~الخطبة وهي ليست شرطا في صحة النكاح، فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. ~~قوله: # لا يخطب الرجل على خطبة الرجل ظاهره أنه لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة ~~الفاسق ولا على خطبة الكافر، نحو أن يخطب ذمية، فلا يجوز لمن يجوز نكاحها ~~أن يخطبها، ولكنه يقيد هذا الاطلاق بقوله في حديث أبي هريرة: لا يخطب الرجل ~~على خطبة أخيه فإنه لا أخوة بين المسلم والكافر، وبقوله في حديث عقبة: ~~المؤمن أخو المؤمن الخ، فإنه يخرج بذلك الفاسق، وإلى المنع من الخطبة على ~~خطبة الكافر والفاسق ذهب الجمهور قالوا: والتعبير بالأخ خرج مخرج الغالب ~~فلا مفهوم له. وذهب الأوزاعي وجماعة من الشافعية إلى أنها تجوز الخطبة على ~~خطبة الكافر وهو الظاهر. قوله: حتى يترك وفي حديث عقبة: حتى يذر، في ذلك ~~دليل على أنه يجوز للآخر أن يخطب بعد أن يعم رغبة الأول عن النكاح. وأخرج ~~أبو الشيخ من حديث أبي هريرة مرفوعا: حتى ينكح أو يدع قال الحافظ: وإسناده ~~صحيح. PageV06P236 # باب التعريض في الخطبة في العدة عن فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثا ~~فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة، قالت: وقال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا حللت فآذنيني فأذنته، فخطبها ~~معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن ~~أسامة، فقالت بيدها هكذا أسامة أسامة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: طاعة الله وطاعة رسوله، قالت: فتزوجته فاغتبطت رواه الجماعة إلا ~~البخاري. وعن ابن عباس فيما عرضتم به من خطبة النساء يقول: إني أريد ~~التزويج ولوددت أنه يسر لي امرأة صالحة رواه البخاري. # وعن ms2575 سكينة بنت حنظلة قالت: استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من ~~مهلكة زوجي فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقرابتي من علي، وموضعي من العرب، قلت: غفر الله لك يا أبا جعفر إنك رجل ~~يؤخذ عنك وتخطبني في عدتي، فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومن علي، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: علمت أني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وخيرته من خلقه وموضعي من قومي، كانت تلك خطبته رواه ~~الدارقطني. # حديث سكينة رواه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عنها ~~وهي عمته وهو منقطع، لأن محمد بن علي هو الباقر، ولم يدرك النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قوله: لا سكنى ولا نفقة سيأتي الكلام على ذلك. قوله: # معاوية اختلف فيه فقيل هو ابن أبي سفيان وقيل غيره. وفي صحيح مسلم ~~التصريح بأنه هو. قوله: فرجل ضراب في رواية: لا يضع عصاه عن عاتقه وهو ~~كناية عن كثرة ضربه للنساء، كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب. # قوله: فاغتبطت الغبطة بكسر الغين المعجمة حسن الحال والمسرة كما في ~~القاموس. # قوله: يقول إني أريد التزويج هو تفسير التعريض المذكور في الآية. قال ~~PageV06P237 # الزمخشري التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به على شئ لم يذكره، وتعقب ~~بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز، وأجاب سعد الدين بأنه لم يقصد التعريف، ثم ~~حقق التعريض بأنه ذكر شئ مقصود بلفظ حقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على ~~شئ آخر لم يذكر في الكلام مثل أن يذكر المجئ للتسليم ومراده التقاضي، ~~فالسلام مقصود، والتقاضي عرض، أي أميل إليه الكلام عن عرض أي جانب، وامتاز ~~عن الكناية فلم يشتمل على جميع أقسامها. والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان، ~~فمثل: جئت لأسلم عليك كناية وتعريض. ومثل: طويل النجاد كناية لا تعريض، ~~ومثل: آذيتني فستعرف خطابا لغير المؤذي ms2576 تعريض بتهديد المؤذي لا كناية، وقد ~~قيل في تفسير التعريض المذكور في الآية أن يقول لها: إني فيك لراغب، ولا ~~يستلزم التصريح بالرغبة التصريح بالخطبة. ومن التعريض ما وقع في حديث فاطمة ~~بنت قيس عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: لا ~~تفوتينا بنفسك. # ومنه قول الباقر المذكور في الباب. ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لام سلمة كما في الحديث المذكور. قال في الفتح: واتفق العلماء على أن ~~المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق ~~البائن، وكذا من وقف نكاحها. وأما الرجعية فقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن ~~يعرض لها بالخطبة فيها، والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، ~~والتعريض مباح للأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه في البائن. واختلف فيمن ~~صرح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد إلا بعد انقضائها فقال مالك: يفارقها دخل ~~أو لم يدخل. وقال الشافعي: يصح العقد وإن ارتكب النهي بالتصريح المذكور ~~لاختلاف الجهة. وقال المهلب: علة المنع من التصريح في العدة أن ذلك ذريعة ~~إلى المواقعة في المدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلق، وتعقب ~~بأن هذه العلة تصلح أن تكون لمنع العقد لا لمجرد التصريح، إلا أن يقال: ~~التصريح ذريعة إلى العقد والعقد ذريعة إلى الوقاع، وقد وقع الاتفاق على أنه ~~إذا وقع العقد في العدة لزم التفريق بينهما. واختلفوا هل تحل له بعد ذلك؟ ~~فقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل نكاحها بعد، وقال الباقون: بل يحل له ~~إذا انقضت العدة أن يتزوجها إذا شاء. PageV06P238 # باب النظر إلى المخطوبة في حديث الواهبة المتفق عليه فصعد فيها النظر ~~وصوبه. وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما رواه الخمسة إلا أبا داود. وعن ~~أبي هريرة قال: خطب رجل امرأة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انظر ~~إليها فإن في أعين الأنصار شيئا رواه أحمد والنسائي. ms2577 وعن جابر قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى ~~منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل رواه أحمد وأبو داود. وعن موسى بن عبد ~~الله عن أبي حميد أو حميدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان، إنما ينظر إليها ~~لخطبة وإن كانت لا تعلم رواه أحمد. وعن محمد بن مسلمة قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا ألقى الله عز وجل في ~~قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها رواه أحمد وابن ماجة. # حديث الواهبة نفسها سيأتي في باب جعل تعليم القرآن صداقا، ويأتي الكلام ~~عليه هنا لك إن شاء الله. وحديث المغيرة أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان ~~وصححه. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم عنه ~~ولفظه: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج ~~امرأة من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنظرت إليها؟ # قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا. وحديث جابر ~~أخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق والبزار والحاكم وصححه. قال الحافظ: ورجاله ~~ثقات وفي إسناده محمد بن إسحاق، وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن ~~وقال: المعروف واقد بن عمرو. ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو، وكذا رواية ~~الشافعي وعبد الرزاق. # وحديث أبي حميدة أخرجه أيضا الطبراني والبزار وأورده الحافظ في التلخيص ~~وسكت عنه. وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح. وحديث محمد بن ~~مسلمة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه، وسكت عنه الحافظ في التلخيص. ~~PageV06P239 # (وفي الباب) عن أنس بن حبان والدارقطني والحاكم وأبي عوانة وصححوه وهو ~~مثل حديث المغيرة. وعنه أيضا عند أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعث أم سليم إلى امرأة فقال: انظري إلى عرقوبيها ~~وشمي معاطفها واستنكره أحمد، ms2578 والمشهور فيه من طريق عمارة عن ثابت عنه. ~~ورواه أبو داود في المراسيل عن موسى بن إسماعيل عن حماد مرسلا. قال: ورواه ~~محمد بن كثير الصنعاني عن حماد موصولا. وعن محمد ابن الحنفية عند عبد ~~الرزاق وسعيد بن منصور: أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم فذكر له صغرها ~~فقال: أبعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها ~~فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك. قوله: أن يؤدم بينكما أي تحصل ~~الموافقة والملائمة بينكما. قوله: فإن في أعين الأنصار شيئا قيل: عمش، ~~وقيل: صغر، قال في الفتح: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه فهو ~~المعتمد، وأحاديث الباب فيها دليل على أنه لا بأس بنظر الرجل إلى المرأة ~~التي يريد أن يتزوجها، والامر المذكور في حديث أبي هريرة وحديث المغيرة ~~وحديث جابر للإباحة بقرينة قوله في حديث أبي حميد: فلا جناح عليه، وفي حديث ~~محمد بن مسلمة: فلا بأس، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء وحكى القاضي عياض ~~كراهته وهو خطأ مخالف للأدلة المذكورة ولأقوال أهل العلم. وقد وقع الخلاف ~~في الموضع الذي يجوز النظر إليه من المخطوبة، فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى ~~الوجه والكفين فقط، وقال داود: يجوز النظر إلى جميع البدن، وقال الأوزاعي: ~~ينظر إلى مواضع اللحم، وظاهر الأحاديث أنه يجوز له النظر إليها سواء كان ~~ذلك بإذنها أم لا، وروي عن مالك اعتبار الاذن. # باب النهي عن الخلوة بالأجنبية والامر بغض النظر والعفو عن نظر الفجأة عن ~~جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان. ~~PageV06P240 # وعن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يخلون ~~رجل بامرأة لا تحل له فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم رواهما أحمد. وقد سبق ~~معناه لابن عباس في حديث متفق عليه. وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: ms2579 لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة ~~المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد. # وعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~نظر الفجأة فقال: اصرف بصرك رواهما أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. # وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا علي لا ~~تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي. وعن عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت ~~الحمو؟ قال: # الحمو الموت رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه. ومعنى الحمو يقال هو أخو ~~الزوج كأنه كره أن يخلو بها. # حديث جابر وعامر يشهد لهما حديث ابن عباس الذي أشار إليه المصنف، وقد ~~تقدم في باب النهي عن سفر المرأة للحج من كتاب الحج، وقد أشار الترمذي إلى ~~حديث عامر. وحديث بريدة قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك، ~~وأخرجه بهذا اللفظ من حديث علي البزار والطبراني في الأوسط، قال في مجمع ~~الزوائد: ورجال الطبراني ثقات، والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها كما حكى ~~ذلك الحافظ في الفتح. وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، ~~وحضوره يوقعهما في المعصية، وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة ~~لامتناع وقوع المعصية مع حضوره، واختلفوا هل يقوم غيره مقامه في ذلك ~~كالنسوة الثقات فقيل: # يجوز لضعف التهمة. وقيل: لا يجوز وهو ظاهر الحديث. وحديث أبي سعيد أخرج ~~نحوه أحمد والحاكم من حديث جابر، وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم من ~~حديث ابن عباس، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط من حديث أبي موسى، وأخرجه ~~أيضا البزار من حديث سمرة. قوله: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل الخ، فيه ~~دليل على أنه يحرم على الرجل نظر عورة الرجل، وعلى المرأة PageV06P241 # نظر عورة المرأة. وقد تقدم في كتاب الصلاة بيان العورة من ms2580 الرجل والعورة ~~من المرأة. والمراد هنا العورة المغلظة. قال في البحر فصل: يجب ستر العورة ~~المغلظة من غير من له الوطئ إجماعا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: احفظ ~~عورتك الخبر ونحوه انتهى. قوله: ولا يفضي الرجل الخ، فيه دليل على أنه يحرم ~~أن يضطجع الرجل مع الرجل أو المرأة مع المرأة في ثوب واحد من الافضاء ببعض ~~البدن، لان ذلك مظنة لوقوع المحرم من المباشرة أو مس العورة أو غير ذلك. ~~وحديث بريدة فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمل لا يوجب ~~إثم الناظر، لأن التكليف به خارج عن الاستطاعة، وإنما الممنوع منه النظر ~~الواقع على طريقة التعمد، أو ترك صرف البصر بعد نظر الفجأة، وقد استدل بذلك ~~من قال بتحريم النظر إلى الأجنبية، ولم يحكه في البحر إلا عن المؤيد بالله ~~وأبي طالب. وحكي في البحر أيضا عن الفقهاء والامام يحيى أنه يجوز ولو ~~لشهوة، وتعقبه صاحب المنار أن كتب الفقهاء ناطقة بالتحريم قال: ففي منهاج ~~النووي وهو عمدتهم: ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة أجنبية وكذا وجهها ~~وكفيها عند خوف فتنة، وكذا عند الامن على الصحيح، ثم قال في نظر الأجنبية ~~إلى الأجنبي كهو إليها. وفي المنتهى من كتب الحنابلة: ولشاهد ومعامل نظر ~~وجه مشهود عليها ومن تعامله وكفيها لحاجة، والحنفية لا يجيزون النظر إلى ~~الوجه والكفين مع الشهوة، ولفظ الكنز: ولا ينظر من اشتهى. قال الشارح ~~العيني في الشاهد: لا يجوز له وقت التحمل أن ينظر إليها لشهوة، هذا ما تعقب ~~به صاحب المنار قال في بهجة المحافل للعامري الشافعي في حوادث السنة ~~الخامسة ما لفظه. وفيها نزول الحجاب، وفيه مصالح جليلة وعوائد في الاسلام ~~جميلة، ولم يكن لأحد بعده النظر إلى أجنبية لشهوة أو لغير شهوة، وعفى عن ~~نظر الفجأة انتهى. وفي شرح السليقية للامام يحيى في شرح الحديث الرابع ~~والعشرين في شرح قوله: إياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى ويولد الغفلة ~~التصريح بتحريم النظر إلى النساء الأجانب لشهوة أو ms2581 لغير شهوة. # وقال ابن مظفر في البيان: إنه يحرم النظر إلى الأجنبية مع الشهوة اتفاقا. ~~وقال الامام عز الدين في جواب له: والصحيح المعمول عليه رواية شرح الأزهار ~~وهي رواية البحر أن الامام يحيى ومن معه يجوزون النظر ولو مع شهوة انتهى. ~~ومن جملة ما استدل به المانعون من النظر مطلقا قوله تعالى: * (قل للمؤمنين ~~يغضوا من PageV06P242 # أبصارهم) * (سورة النور، الآية: 30) وقوله تعالى: * (فاسألوهن من وراء ~~حجاب) * (سورة الأحزاب، الآية: 53) وأجيب بأن ذلك خاص بأزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأنه إنما شرع قطعا لذريعة وقوف أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في بيته، ولا يخفى أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب. (ومن جملة) ما استدلوا به حديث ابن عباس عند البخاري: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه وفيه قصة المرأة ~~الوضيئة الخثعمية فطفق الفضل ينظر إليها فأخذ النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها. وأجيب بأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إنما فعل ذلك لمخافة الفتنة لما أخرجه الترمذي وصححه من حديث علي ~~وفيه: # فقال العباس: لويت عنق ابن عمك، فقال: رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما ~~الفتنة. وقد استنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم ~~يأمرها بتغطية وجهها، فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل، ولو لم يكن ~~ما فهمه جائزا ما أقره عليه. # وهذا الحديث لا يصلح أيضا للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة ~~بزوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن قصة الفضل في حجة الوداع وآية ~~الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من الهجرة كما تقدم. وأما قوله ~~تعالى: * (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) * (سورة النور، الآية: 31) ~~فروى البيهقي عن ابن عباس أن المراد بما ظهر الوجه والكفان. # وروى البيهقي أيضا عن عائشة نحوه، وكذلك روى الطبراني عنها. وروى ~~الطبراني أيضا عن ابن عباس قال: هي ms2582 الكحل. وروى نحو ذلك عنه البيهقي. وقال ~~في الكشاف: # الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها ~~كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها ~~كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا ~~لهؤلاء المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الامر بالتصون ~~والتستر، لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير ~~هؤلاء وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والاذن، فنهى عن ~~إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إليها إذا لم يحل لملابستها تلك المواقع، ~~بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى ~~المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة، شاهدا على أن النساء ~~حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في PageV06P243 # الكشف عنها انتهى. (والحاصل) أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو ~~الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى ~~عن عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة، وهذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع، ~~وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثني. ~~قوله: الحمو الموت أي الخوف منه أكثر من غيره، كما أن الخوف من الموت أكثر ~~من الخوف من غيره. قال الترمذي: يقال هو أخو الزوج، وروى مسلم عن الليث أنه ~~قال: الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه. وقال ~~النووي: اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وأخيه وابن ~~أخيه وابن عمه ونحوهم، وأن الأختان أقارب زوجة الرجل، وأن الأصغر تقع على ~~النوعين انتهى. # باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين وأن عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو ~~منها غالبا عن خالد بن دريك عن عائشة: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: يا أسماء ~~إن المرأة إذا بلغت المحيض لم ms2583 يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار ~~إلى وجهه وكفيه رواه أبو داود وقال: هذا مرسل خالد بن دريك لم يسمع من ~~عائشة. وعن أنس: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال: وعلى ~~فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ ~~رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك ~~بأس إنما هو أبوك وغلامك رواه أبو داود، ويعضد ذلك قوله: إذا كان لإحداكن ~~مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه. # حديث عائشة في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن النصري. نزيل دمشق ~~مولى بني نصر وقد تكلم فيه غير واحد. وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني. ~~PageV06P244 # هذا الحديث وقال: لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير. وقال مرة فيه ~~عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة. وحديث أنس أخرجه أيضا البيهقي وابن ~~مردويه وفي إسناده أبو جميع سالم بن دينار الهجيمي البصري. قال ابن معين: ~~ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: بصري لين الحديث، والحديث الذي أشار إليه ~~المصنف وجعله عاضدا لحديث أنس قد تقدم في باب المكاتب من كتاب العتق. قوله: ~~دريك بضم الدال مصغرا وهو ثقة. وقيل بفتح الدال والضم أكثر. قوله: لم يصلح ~~بفتح الياء وضم اللام. قوله: إلا هذا وهذا فيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر ~~الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من ~~جماع أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط ~~الحاجة ، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن ~~سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء أنه ~~لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية، وقد تقدم ~~الخلاف في أصل المسألة. قوله: إذا قنعت بفتح النون المشددة سترت وغطت. ~~قوله: إنما هو أبوك وغلامك فيه ms2584 دليل على أنه يجوز للعبد النظر إلى سيدته ~~وأنه من محارمها يخلو بها ويسافر معها وينظر منها ما ينظر إليه محرمها، ~~وإلى ذلك ذهبت عائشة وسعيد بن المسيب والشافعي في أحد قوليه وأصحابه وهو ~~قول أكثر السلف. # وذهب الجمهور إلى أن المملوك كالأجنبي بدليل صحة تزوجها إياه بعد العتق، ~~وحمل الشيخ أبو حامد هذا الحديث على أن العبد كان صغيرا لاطلاق لفظ الغلام ~~ولأنها واقعة حال، واحتج أهل القول الأول أيضا بحديث الاحتجاب من المكاتب ~~الذي أشار إليه المصنف وبقوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (سورة ~~النساء، الآية: 3) وقد تقدم ما أجاب به سعيد بن المسيب من أن الآية خاصة ~~بالإماء كما رواه عنه ابن أبي شيبة. # باب في غير أولي الإربة عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان عندها وفي البيت PageV06P245 # مخنث فقال لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة يا عبد الله: إن فتح الله ~~عليكم الطائف فإني أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخلن هؤلاء عليكم متفق عليه. وعن عائشة ~~قالت: كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخنث قالت: وكانوا ~~يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما وهو ~~عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت ~~أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أرى هذا يعرف ما ههنا لا ~~يدخلن عليكم هذا فحجبوه رواه أحمد ومسلم وأبو داود وزاد في رواية له: ~~وأخرجه، وكان بالبيداء ويدخل كل جمعة يستطعم. وعن الأوزاعي في هذه القصة ~~فقيل: يا رسول الله إنه إذا يموت من الجوع، فأذن له أن يدخل في كل جمعة ~~مرتين فيسأل ثم يرجع رواه أبو داود. # قوله مخنث بفتح النون وكسرها والفتح المشهور، وهو الذي يلين في قوله، ~~ويتكسر في مشيته، ويتثنى فيها كالنساء، وقد يكون خلقه وقد يكون تصنعا من ~~الفسقة، ومن ms2585 كان ذلك فيه خلقة فالغالب من حاله أنه لا إرب له في النساء، ~~ولذلك كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعددن هذا المخنث من غير ~~أولي الإربة، وكن لا يحجبنه إلا إن ظهر منه ما ظهر من هذا الكلام، واختلف ~~في اسمه فقال القاضي: الأشهر أن اسمه هيت بكسر الهاء ثم تحتية ساكنة ثم ~~فوقية، وقيل: صوابه هنب بالنون والباء الموحدة قاله ابن درستويه وقال: إن ~~ما سواه تصحيف، وإنه الأحمق المعروف، وقيل: اسمه ماتع بالمثناة فوق مولى ~~فاختة المخزومية بنت عمرو بن عائد. قوله: تقبل بأربع وتدبر بثمان المراد ~~بالأربع هي العكن جمع عكنة وهي الطية التي تكون في البطن من كثرة السمن، ~~يقال: تعكن البطن إذا صار ذلك فيه، ولكل عكنة طرفان فإذا رآهن الرائي من ~~جهة البطن وجدهن أربعا، وإذا رآهن من جهة الظهر وجدهن ثمانيا. وقال ابن ~~حبيب عن مالك معناه: أن أعكانها يتعطف بعضها على بعض وهي في بطنها أربع ~~طرائق، وتبلغ أطرافها إلى خاصرتها وفي كل جانب أربع. قال الحافظ: وتفسير ~~مالك المذكور تبعه فيه الجمهور وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث ~~يكون لبطنها عكن، وذلك لا يكون إلا PageV06P246 # للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالبا في الرغبة فيمن تكون بتلك ~~الصفة، وقيل: الأربع هي الشعب التي هي اليدان والرجلان، والثمان الكتفان ~~والمثنتان والأليتان والساقان، ولا يخفى ضعف ذلك، لأن كل امرأة فيها ما ~~ذكر، فلا وجه لجعله من صفات المدح المقصودة في المقام. قوله: هؤلاء إشارة ~~إلى جميع المخنثين. # وروى البيهقي أنه كان المخنثون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثلاثة: # ماتع وهدم وهيت. قوله: " من غير أولي الإربة " الإربة والأرب الحاجة و ~~الشهوة، قيل: ويحتمل أنهم التابعون الذين يتبعون الرجل ليصيبوا من طعامه، ~~ولا حاجة لهم إلى النساء لكبر أو تخنيث أو عنة. قوله: أرى هذا الخ. بفتح ~~الهمزة والراء، قال القرطبي: هذا يدل على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف ~~شيئا من أحوال النساء ولا ms2586 يخطر له ببال، ويشبه أن التخنيث فيه خلقة وطبيعة ~~ولم يعرف منه إلا ذلك، ولهذا كانوا يعدونه من غير أولي الإربة. قوله: ~~وأخرجه لفظ البخاري: أخرجوهم من بيوتكم، قال: فأخرج فلانا وفلانا ورواه ~~البيهقي وزاد: وأخرج عمر مخنثا. وفي رواية: وأخرج أبو بكر آخر. قال ~~العلماء: وإخراج المخنث ونفيه كان لثلاثة معان، أحدهما: أنه كان يظن أنه من ~~غير أولي الإربة ثم لما وقع منه ذلك الكلام زال الظن. والثاني: وصفه النساء ~~ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال، وقد نهى أن يصف المرأة زوجها فكيف إذا ~~وصفها غيره من الرجال لسائرهم؟ الثالث: أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من ~~النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثير من النساء. قوله: فيسأل ~~ثم يرجع أي يسأل الناس شيئا ثم يرجع إلى البادية، والبيداء بالمد القفر، ~~وكل صحراء في بيداء كأنها تبيد سالكها أي تكاد تهلكه، وفي ذلك دليل على ~~جواز العقوبة بالاخراج من الوطن لما يخاف من الفساد والفسق، وجواز الاذن ~~بالدخول في بعض الأوقات للحاجة. # باب في نظر المرأة إلى الرجل عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه وذلك بعد أن أمر ~~بالحجاب، فقال رسول الله PageV06P247 # صلى الله عليه وآله وسلم: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا ~~يبصرنا ولا يعرفنا؟ # فقال: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ رواه أحمد وأبو داود والترمذي ~~وصححه. # وعن عائشة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسترني بردائه وأنا ~~أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه فاقدروا قدر ~~الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو متفق عليه. ولأحمد: أن الحبشة ~~كانوا يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم عيد قالت: ~~فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى ~~شبعت ثم انصرفت. # حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم ~~سلمة شيخ ms2587 الزهري وقد وثق. وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها ~~احتجبت من أعمى فقيل لها: إنه لا ينظر إليك قالت: لكني أنظر إليه. وقد ~~استدل بحديث أم سلمة هذا من قال: إنه يحرم على المرأة نظر الرجل، كما يحرم ~~على الرجل نظر المرأة، وهو أحد قولي الشافعي وأحمد والهادوية. قال النووي: ~~وهو الأصح، ولقوله تعالى: * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) * (سورة ~~النور، الآية: 31) ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى ~~النوع الآخر قياسا على الرجال، ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف ~~الفتنة، وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة وأقل عقلا، فتسارع إليها ~~الفتنة أكثر من الرجل، واحتج من قال بالجواز فيما عدا ما بين سرته وركبته ~~بحديث عائشة المذكور في الباب، ويجاب عنه بأنها كانت يومئذ غير مكلفة على ~~ما تقضي به العبارة المذكورة في الباب، ويؤيد هذا احتجابها من الأعمى كما ~~تقدم، وقد جزم النووي بأن عائشة كانت صغيرة دون البلوغ أو كان ذلك قبل ~~الحجاب، وتعقبه الحافظ بأن في بعض طرق الحديث أن ذلك كان بعد قدوم وفد ~~الحبشة وأن قدومهم كان سنة سبع. ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة. واحتجوا أيضا ~~بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمرها أن ~~تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال: إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده، ويجاب بأنه ~~يمكن ذلك مع غض البصر منها، ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر، ~~واحتجوا أيضا بالحديث الصحيح في مضي رسول الله عليه وآله وسلم إلى النساء ~~في يوم العيد عند الخطبة PageV06P248 # فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة وقد تقدم،، ويجاب أيضا بأن ذلك لا ~~يستلزم النظر منهن إليهما لامكان سماع الموعظة ودفع الصدقة مع غض البصر، ~~وقد أجمع أبو داود بين الأحاديث فجعل حديث أم سلمة مختصا بأزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وحديث فاطمة وما في معناه لجميع النساء. قال الحافظ ~~في التخليص قلت: وهذا جمع حسن، وبه جمع المنذري في ms2588 حواشيه واستحسنه شيخنا ~~انتهى. وجمع في الفتح بأن الامر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم لعله لكون ~~الأعمى مظنة أن ينكشف منه شئ ولا يشعر به، فلا يستلزم عدم جواز النظر ~~مطلقا. قال: ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد ~~والأسواق والاسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط ~~بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين وبهذا ~~احتج الغزالي. قوله: يلعبون في المسجد فيه دليل على جواز ذلك في المسجد، ~~وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ ~~بالقران والسنة، أما القران فقوله تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع ) * ~~(سورة النور، الآية: 36) وأما السنة فحديث: جنبوا مساجدكم صبيانكم ~~ومجانينكم. وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ~~ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ. # وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في ~~المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلا ف ما صرح به طرق هذا الحديث، كذا ~~قال في الفتح. وفي الحديث أيضا جواز النظر إلى اللهو المباح، وفيه حسن خلقه ~~مع أهله وكرم معاشرته. قوله: حتى شبعت فيه استعارة الشبع لقضاء الوطر من ~~النظر. # باب لا نكاح إلا بولي عن أبي موسى: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: لا نكاح إلا بولي. # وعن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ~~فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا ~~فالسلطان PageV06P249 # ولي من لا ولي له رواها الخمسة إلا النسائي. وروى الثاني أبو داود ~~الطيالسي ولفظه: لا نكاح إلا بولي، وأيما امرأة نكحت بغير إذن ولها فنكاحها ~~باطل باطل باطل، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له وعن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تزوج ms2589 المرأة المرأة، ~~ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها رواه ابن ماجة ~~والدارقطني. وعن عكرمة بن خالد قال: جمعت الطريق ركبا فجعلت امرأة منهن ثيب ~~أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها، فبلغ ذلك عمر فجلد الناكح والمنكح ورد ~~نكاحها رواه الشافعي والدارقطني. # وعن الشعبي قال: ما كان أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد ~~في النكاح بغير ولي من علي كان يضرب فيه رواه الدارقطني. # حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وذكر له الحاكم طرقا. ~~قال: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة ~~وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا وقد جمع طرقه الدمياطي ~~من المتأخرين، وقد اختلف في وصله وإرساله، فرواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق ~~مرسلا، ورواه إسرائيل عنه فأسنده وأبو إسحاق مشهور بالتدليس، وأسند الحاكم ~~من طريق علي بن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث ~~إسرائيل. وحديث عائشة أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم وحسنه ~~الترمذي، وقد أعل بالارسال وتكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال: ثم ~~لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره، وقد عد أبو القاسم بن منده عدة من رواه عن ~~ابن جريج فبلغوا عشرين رجلا، وذكر أن معمرا وعبيد الله بن زحر تابعا ابن ~~جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى، وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن ~~إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري. ~~قال: # ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن دارج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام ~~بن عروة عن أبيه عن عائشة. وقد أعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر ~~والحاكم وغيره الحكاية عن ابن جريج بإنكار الزهري، وعلى تقدير الصحة لا ~~يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه. وحديث أبي هريرة ~~أخرجه أيضا البيهقي، قال ابن كثير: الصحيح وقفه على أبي هريرة، ms2590 وقال ~~الحافظ: رجاله ثقات وفي PageV06P250 # لفظ للدارقطني: كنا نقول التي تزوج نفسها هي الزانية. قال الحافظ: فتبين ~~أن هذه الزيادة من قول أبي هريرة، وكذلك رواها البيهقي موقوفة في طريق ~~ورواها مرفوعة في أخرى. (وفي الباب) عن ابن عباس عند أحمد وابن ماجة ~~والطبراني بلفظ: لا نكاح إلا بولي وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ~~ومداره عليه، قال الحافظ: وغلط بعض الرواة فرواه عن ابن المبارك عن خالد ~~الحذاء عن عكرمة والصواب حجاج بدل خالد. وعن أبي بردة عند أبي داود ~~الطيالسي بلفظ حديث ابن عباس. وعن غيرهما كما تقدم في كلام الحاكم. قوله: ~~لا نكاح إلا بولي هذا النفي يتوجه إما إلى الذات الشرعية لأن الذات ~~الموجودة أعني صورة العقد بدون ولي ليست شرعية، أو يتوجه إلى الصحة التي هي ~~أقرب المجازين إلى الذات، فيكون النكاح بغير ولي باطلا، كما هو مصرح بذلك ~~في حديث عائشة المذكور، وكما يدل عليه حديث أبي هريرة المذكور، لأن النهي ~~يدل على الفساد المرادف للبطلان. وقد ذهب إلى هذا علي وعمر وابن عباس وابن ~~عمر وابن مسعود وأبو هريرة وعائشة والحسن البصري وابن المسيب وابن شبرمة ~~وابن أبي ليلى والعترة وأحمد وإسحاق والشافعي وجمهور أهل العلم فقالوا: لا ~~يصح العقد بدون ولي. قال ابن المنذر: إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ~~ذلك. وحكي في البحر عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر الولي مطلقا لحديث: الثيب ~~أحق بنفسها من وليها وسيأتي. وأجيب بأن المراد اعتبار الرضا منها جمعا بين ~~الاخبار، كذا في البحر. وعن أبي يوسف ومحمد: للولي الخيار في غير الكفء ~~وتلزمه الإجازة في الكفء. وعن مالك: يعتبر الولي في الرفيعة دون الوضيعة. ~~وأجيب عن ذلك بأن الأدلة لم تفصل، وعن الظاهرية أنه يعتبر في البكر فقط، ~~وأجيب عنه بمثل ما أجيب به عن الذي قبله. وقال أبو ثور: يجوز لها أن تزوج ~~نفسها بإذن وليها أخذا بمفهوم. قوله: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها. ~~ويجاب عن ذلك بحديث أبي ms2591 هريرة المذكور، والمراد بالولي هو الأقرب من العصبة ~~من النسب، ثم من السبب، ثم من عصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ~~ولاية، وهذا مذهب الجمهور. وروي عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء، ~~فإذا لم يكن ثم ولي أو كان موجودا وعضل انتقل الامر إلى السلطان لأنه ولي ~~من لا ولي له، كما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وفي إسناده الحجاج بن ~~أرطاة. PageV06P251 # باب ما جاء في الاجبار والاستئمار عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم تزوجها وهي بن ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا ~~متفق عليه. وفي رواية: # تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع سنين رواه أحمد ومسلم. # الحديث أورده المصنف للاستدلال به على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته ~~الصغيرة بغير استئذانها، ولعله أخذ ذلك من عدم ذكر الاستئذان، وكذلك صنع ~~البخاري، قال الحافظ: وليس بواضح الدلالة، بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود ~~الامر باستئذان البكر وهو الظاهر، فإن القصة وقعت بمكة قبل الهجرة. وفي ~~الحديث أيضا دليل على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته قبل البلوغ. قال المهلب: ~~أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها، ~~إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن ~~شبرمة مطلقا أن الأب لا يزوج ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزوج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، ~~ويقابله تجويز الحسن والنخعي للأب أن يجبر ابنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرا ~~كانت أو ثيبا. وفي الحديث أيضا دليل على أنه يجوز تزويج الصغيرة بالكبير، ~~وقد بوب لذلك البخاري وذكر حديث عائشة، وحكي في الفتح الاجماع على جواز ~~ذلك. قال: ولو كانت في المهد لكن لا يمكن منها حتى تصلح للوطئ. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الثيب أحق ~~بنفسها ms2592 من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها رواه الجماعة إلا ~~البخاري وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي: والبكر يستأمرها أبوها. ~~وفي رواية لأحمد والنسائي: # واليتيمة تستأذن في نفسها. وفي رواية لأبي داود والنسائي: ليس للولي مع ~~الثيب أمر، واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها. وعن خنساء بنت خدام الأنصارية: ~~أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرد نكاحها أخرجه الجماعة إلا مسلما. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا تنكح PageV06P252 # الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ ~~قال: أن تسكت رواه الجماعة. وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله تستأمر ~~النساء في أبضاعهن؟ # قال: نعم، قلت: إن البكر تستأمر فتستحي فتسكت، فقال: سكاتها إذنها. وفي ~~رواية قالت: قال رسول الله (ص): البكر تستأذن قلت: إن البكر تستأذن وتستحي، ~~قال: إذنها صماتها متفق عليهما. وعن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره رواه ~~أحمد. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تستأمر ~~اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها رواه الخمسة ~~إلا ابن ماجة. وعن ابن عباس: أن جارية بكرا أتت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارقطني. ورواه الدارقطني أيضا ~~عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا وذكر أنه أصح. وعن ابن ~~عمر قال: توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن ~~حارثة بن الأوقص، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما ~~خالاي، فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها، ودخل ~~المغيرة بن شعبة يعني إلى أمها فأرغبها في المال ms2593 فحطت إليه وحطت الجارية ~~إلى هوى أمها فأبتا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله ابنة أخي أوصى بها إلي فزوجتها ~~ابن عمتها فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة ولكنها امرأة وإنما حطت ~~إلى هوى أمها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هي يتيمة ولا ~~تنكح إلا بإذنها، قال: فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة ~~بن شعبة رواه أحمد والدارقطني، وهو دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصي ولا ~~غيره. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: آمروا النساء في ~~بناتهن رواه أحمد وأبو داود. # حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وأبو يعلى والدارقطني ~~والطبراني، قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح، وحديث أبي هريرة ~~أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي. وحديث ابن عباس أخرجه ~~PageV06P253 # أيضا ابن أبي شيبة. قال الحافظ: ورجاله ثقات وأعل بالارسال، وبتفرد جرير ~~بن حازم عن أيوب، وبتفرد حسين عن جرير وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن ~~الثوري عن أيوب موصولا، وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حباب عن ~~أيوب موصولا، وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصل على طريقة ~~الفقهاء، وعن الثاني بأن جريرا توبع عن أيوب كما ترى. وعن الثالث أن سليمان ~~بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير، وانفصل البيهقي عن ذلك بأنه محمول على ~~أنه زوجها من غير كف ء. وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت ~~عنه. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد ثقات. وحديثه الثاني فيه رجل مجهول. ~~(وفي الباب) عن جابر عند النسائي وعن عائشة غير ما ذكره المصنف عند النسائي ~~أيضا. قوله: يستأمرها أبوها، الاستئمار طلب الامر، والمعنى: لا يعقد عليها ~~حتى يطلب الامر منها. قوله: خنساء بنت خدام وهي بخاء معجمة ثم نون مهملة ~~على وزن حمراء، وأبوها بكسر الخاء المعجمة وتخفيف ms2594 المهملة كذا في الفتح. ~~قوله: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن عبر للثيب بالاستئمار ~~والبكر بالاستئذان، ويؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على ~~تأكيد المشاورة وجعل الامر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح ~~إذنها، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا، والبكر بخلاف ذلك، والاذن دائر بين ~~القول والسكوت بخلاف الامر فإنه صريح في القول، هكذا في الفتح ويعكر عليه ~~ما في رواية حديث ابن عباس من أن البكر يستأمرها أبوها، وأن اليتيمة تستأمر ~~وصمتها إقرارها. وفي حديث عائشة: # أن البكر تستأمر الخ، وكذلك في حديث أبي موسى وأبي هريرة. قوله: # فحطت إليه أي مالت إليه وأسرعت بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة ~~أيضا، وقد استدل بأحاديث الباب على اعتبار الرضا من المرأة التي يراد ~~تزويجها، وأنه لا بد من صريح الاذن من الثيب، ويكفي السكوت من البكر، ~~والمراد بالبكر التي أمر الشارع باستئذانها هي البالغة، إذ لا معنى ~~لاستئذان الصغيرة لأنها لا تدري ما الاذن. قال ابن المنذر: يستحب إعلام ~~البكر أن سكوتها إذن، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذن لم يبطل ~~العقد بذلك عند الجمهور وأبطله بعض المالكية. وقال ابن شعبان: منهم يقال ~~لها ذلك ثلاثا: إن رضيتي فاسكتي، PageV06P254 # وإن كرهتي فانطقي. ونقل ابن عبد البر عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل ~~إذنها وتفويضها لا يكون رضا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليها، ~~وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون ~~غيرهما، لأنها تستحي منهما أكثر من غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور ~~استعمال الحديث في جميع الأبكار، وظاهر أحاديث الباب أن البكر البالغة إذا ~~زوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة ~~والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وذهب مالك والشافعي والليث ~~وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان ويرد ~~عليهم ما في أحاديث الباب من قوله: والبكر يستأمرها أبوها. ويرد ms2595 عليهم أيضا ~~حديث عبد الله بن بريدة الذي سيأتي في باب ما جاء في الكفاءة، وأما ما ~~احتجوا به من مفهوم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الثيب أحق بنفسها من ~~وليها فدل على أن ولي البكر أحق بها منها، فيجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض ~~للتمسك به في مقابلة المنطوق، وقد أجابوا على دليل أهل القول الأول بما ~~قاله الشافعي من أن المؤامرة قد تكون على استطابة النفس، ويؤيده حديث ابن ~~عمر المذكور بلفظ: وآمروا النساء في بناتهن قال: ولا خلاف أنه ليس للام أمر ~~لكنه على معنى استطابة النفس. وقال البيهقي: زيادة ذكر الأب في حديث ابن ~~عباس غير محفوظة، قال الشافعي: زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر ~~والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن. قال الحافظ: هذا لا يدفع ~~زيادة الثقة الحافظ انتهى. وأجاب بعضهم: بأن المراد بالبكر المذكورة في ~~حديث ابن عباس اليتيمة لما وقع في الرواية الأخرى من حديثه، واليتيمة ~~تستأمر فيحمل المطلق على المقيد، وأجيب بأن اليتيمة هي البكر، وأيضا ~~الروايات الواردة بلفظ تستأمر وتستأذن بضم أوله هي تفيد مفاد. قوله: ~~يستأمرها أبوها وزيادة لأنه يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات، ~~ومما يؤيد ما ذهب إليه الأولون حديث ابن عباس المذكور: أن جارية بكرا الخ. ~~وأما الثيب فلا بد من رضاها من غير فرق بين أن يكون الذي زوجها هو الأب أو ~~غيره، وقد حكي في البحر الاجماع على اعتبار رضاها، وحكي أيضا الاجماع، على ~~أنه لا بد من تصريحها بالرضا بنطق أو ما في حكمه، والظاهر أن استئذان الثيب ~~والبكر شرط في صحة العقد لرده صلى الله عليه وآله وسلم لنكاح خنساء بنت ~~خدام كما في PageV06P255 # الحديث المذكور، وكذلك تخييره صلى الله عليه وآله وسلم للجارية كما في ~~حديث ابن عباس المذكور، وكذلك حديث ابن عمر المذكور أيضا، ويدل على ذلك ~~أيضا حديث أبي هريرة المذكور لما فيه من النهي. وظاهر قوله: الثيب أحق ~~بنفسها أنه لا فرق بين الصغيرة ms2596 والكبيرة، وبين من زالت بكارتها بوطئ حلال ~~أو حرام، وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال: هي كالبكر واحتج بأن علة الاكتفاء ~~بسكوت البكر هي الحياء وهو باق فيمن زالت بكارتها بزنا، لأن المسألة مفروضة ~~فيمن لم تتخذ الزنا ديدنا وعادة، وأجيب بأن الحديث نص على أن الحياء تعلق ~~بالبكر، وقابلها بالثيب فدل على أن حكمها مختلف، وهذه ثيب لغة وشرعا، وأما ~~بقاء حيائها كالبكر فممنوع. # باب الابن يزوج أمه عن أم سلمة: أنها لما بعث النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يخطبها قالت: ليس أحد من أوليائي شاهدا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك، فقالت لابنها: يا ~~عمر قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فزوجه رواه أحمد والنسائي. # الحديث قد أعل بأن عمر المذكور كان عند تزوجه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأمه صغيرا له من العمر سنتان لأنه ولد في الحبشة في السنة الثانية من ~~الهجرة، وتزوجه صلى الله عليه وآله وسلم بأمه كان في السنة الرابعة. قيل: ~~وأما رواية: قم يا غلام فزوج أمك فلا أصل لها. وقد استدل بهذا الحديث من ~~قال: بأن الولد من جملة الأولياء في النكاح وهم الجمهور. وقال الشافعي ~~ومحمد بن الحسن وروي عن الناصر أن ابن المرأة إذ لم يجمعها وإياه جد فلا ~~ولاية له، ورد بأن الابن يسمى عصبة اتفاقا بأنه داخل في عموم قوله تعالى: * ~~(وانكحوا الأيامى منكم) * (سورة النور، الآية: 32) لأنه خطاب للأقارب ~~وأقربهم الأبناء، وأجاب عن هذا الرد في ضوء النهار بأن ظاهر انكحوا صحة عقد ~~غير الأقارب، وإنما خصصهم الاجماع استنادا إلى العادة، والمعتاد إنما هو ~~غير الابن، كيف والابن متأخر عن التزويج في الغالب، والمطلق يقيد بالعادة ~~كما عرف في الأصول والعموم لا يشمل النادر، ولان نكاح العاقلة خاصة مفوض ~~إلى نظرها، وإنما الولي وكيل PageV06P256 # في الحقيقة، ولهذا لو لم يمتثل الولي أمرها بالعقد لكف ء لصح توكيلها ~~غيره، والوكالة لا تلزم ms2597 المعين، ودفع بأن هذا يستلزم أن لا يبقى للولي حق، ~~وأنه خلاف الاجماع والتحقيق أنه ليس إلى نظر المكلفة إلا الرضا، ويجاب عن ~~دعوى خروج الابن بالمنع إن أراد عدم الوقوع، وإن أراد الغلبة فلا يضرنا ولا ~~ينفعه، ومن جملة ما أجاب به القائلون بأنه لا ولاية للابن أن هذا الحديث لا ~~يصح الاحتجاج به، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يفتقر في نكاحه إلى ولي، ~~ومن جملة ما يستدل به على عدم ولاية الأب في النكاح قول أم سلمة: ليس أحد ~~من أوليائي شاهد مع كون ابنها حاضرا، ولم ينكر عليها صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذلك. # باب العضل عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي، فأتاني ابن عم لي ~~فأنكحتها إياه ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت ~~إلي أتاني يخطبها فقلت: لا والله لا أنكحكها أبدا. قال: ففي نزلت هذه ~~الآية: * (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) * ~~(سورة البقرة، الآية: 232) الآية. قال: فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه رواه ~~البخاري وأبو داود والترمذي وصححه ولم يذكر التكفير. وفيه في رواية ~~للبخاري: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه وهو حجة في ~~اعتبار الولي. # قوله: كانت لي أخت اسمها جميل بالضم مصغرا بنت يسار، ذكره الطبري وجزم به ~~ابن مأكولا، وقيل: اسمها ليلى حكاه السهيلي في مبهمات القرآن وتبعه ~~المنذري. # وقيل: فاطمة ذكره ابن إسحاق، ويحمل على التعدد بأن يكون لها اسمان ولقب ~~أو لقبان واسم. قوله: ففي نزلت هذه الآية هذا تصريح بنزول هذه الآية في هذه ~~القصة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها * ~~(وإذا طلقتم النساء) * لكن قوله فيها نفسها * (أن ينكحن أزواجهن) * ظاهر في ~~أن ذلك يتعلق بالأولياء. قوله: فكفرت عن يميني وأنكحتها في لفظ للبخاري ~~فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قوله: وكان رجلا لا بأس به. قال ابن التين: ~~أي كان ms2598 جيدا وقد غيرته PageV06P257 # العامة فكنوا به عمن لا خير فيه. (والحديث) يدل على أنه يشترط الولي في ~~النكاح، ولو لم يكن شرطا لكان رغوب الرجل في زوجته ورغوبها فيه كافيا، وبه ~~يرد القياس الذي احتج به أبو حنيفة على عدم الاشتراط فإنه احتج بالقياس على ~~البيع، لأن المرأة تستقل به بغير إذن وليها فكذلك النكاح، وحمل الأحاديث ~~الواردة في اشتراط الولي المتقدمة على الصغيرة وخص بهذا القياس عمومها، ~~ولكنه قياس فاشل الاعتبار لحديث معقل هذا، وانفصل بعضهم عن هذا الايراد ~~بالتزامهم اشتراط الولي، ولكن لا يمنع ذلك تزويجها نفسها، ويتوقف النفوذ ~~على إجازة الولي كما في البيع وهو مذهب الأوزاعي، وكذلك قال أبو ثور ولكنه ~~يشترط إذن الولي لها في تزويج نفسها، وتعقب بأن إذن الولي لا يصح إلا لمن ~~ينوب عنه، والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها، ولو أذن لها في إنكاح ~~نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح، وفي حديث معقل هذا دليل ~~على أن السلطان لا يزوج المرأة إلا بعد أن يأمر وليها بالرجوع عن العضل فإن ~~أجاب فذاك وإن أصر زوجها. # باب الشهادة في النكاح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة رواه الترمذي وذكر أنه لم ~~يرفعه غير عبد الأعلى، وانه قد وقفه مرة وان الوقف أصح وهذا لا يقدح لأن ~~عبد الأعلى ثقة فيقبل رفعه وزيادته، وقد يرفع الراوي الحديث وقد يقفه. وعن ~~عمران بن حصين: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدي عدل ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله. وعن عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن ~~تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له PageV06P258 # رواه الدارقطني. ولمالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي: أن عمر بن الخطاب ~~أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال: هذا ms2599 نكاح السر ولا أجيزه ولو ~~كنت تقدمت فيه لرجمت. # حديث ابن عباس قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ لا نعلم أحدا رفعه إلا ما ~~روي عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة مرفوعا. وروي عن عبد الأعلى عن سعيد ~~هذا الحديث موقوفا، والصحيح ما روي عن ابن عباس: لا نكاح إلا ببينة وهكذا ~~روى غير واحد عن سعيد بن أبي عروبة نحو هذا موقوفا. وحديث عمران بن حصين ~~أشار إليه الترمذي وأخرجه الدارقطني والبيهقي في العلل في حديث الحسن عنه ~~وفي إسناده عبد الله بن محرز وهو متروك. ورواه الشافعي من وجه اخر عن الحسن ~~مرسلا وقال: هذا وإن كان منقطعا فإن أكثر أهل العلم يقولون به: وحديث عائشة ~~أخرجه أيضا البيهقي من طريق محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي عن عيسى بن يونس ~~عن الزهري عن عروة عن عائشة كذلك، وقد توبع الرقي عن عيسى. ورواه سعيد بن ~~خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ويزيد بن سنان ونوح بن دراج وعبد الله ~~بن حكيم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كذلك، وقد ضعف ابن معين ذلك كله ~~وأقره البيهقي، وقد تقدم في باب لا نكاح إلا بولي طرف منه. (وفي الباب). عن ~~ابن عباس غير حديثه المذكور عند الشافعي والبيهقي من طريق ابن خيثم عن سعيد ~~بن جبير عنه موقوفا بلفظ: لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل. وقال البيهقي ~~بعد أن رواه من طريق أخرى عن أبي خيثم بسنده مرفوعا. بلفظ: لا نكاح إلا ~~بإذن ولي مرشد أو سلطان قال: # والمحفوظ الموقوف. ثم رواه من طريق الثوري عن أبي خيثم به، ومن طريق عدي ~~بن الفضل عن أبي خيثم زاده مرفوعا بلفظ: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن ~~نكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل وعدي بن الفضل ضعيف. وعن أبي هريرة ~~مرفوعا وموقوفا عند البيهقي بلفظ: لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين ~~وفي إسناده المغيرة بن موسى البصري قال البخاري: منكر الحديث. ms2600 # وعن عائشة غير حديث الباب عند الدارقطني بلفظ: لا بد في النكاح من أربعة: # الولي والزوج والشاهدين وفي إسناده أبو الخصيب نافع بن ميسرة مجهول. وروى ~~PageV06P259 # نحوه البيهقي في الخلافيات عن ابن عباس موقوفا وصححه، وابن أبي شيبة ~~بنحوه عنه أيضا. وعن أنس أشار إليه الترمذي وقد استدل بأحاديث الباب من جعل ~~الاشهاد شرطا، وقد حكي ذلك في البحر عن علي وعمر وابن عباس والعترة والشعبي ~~وابن المسيب والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. قال الترمذي: # والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: لا نكاح إلا بشهود لم يختلفوا في ذلك ~~من مضى منهم إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم، وإنما اختلف أهل العلم في ~~هذا إذا شهدوا واحدا بعد واحد، فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم: لا ~~يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح وقد روى بعض أهل ~~المدينة: إذا شهد واحد بعد واحد فإنه جائز إذا أعلنوا ذلك، وهو قول مالك بن ~~أنس وغيره. وقال بعض أهل العلم: يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح وهو قول ~~أحمد وإسحاق، انتهى كلام الترمذي. وحكي في البحر عن ابن عمر وابن الزبير ~~وعبد الرحمن بن مهدي وداود أنه لا يعتبر الاشهاد. وحكي أيضا عن مالك أنه ~~يكفي الاعلان بالنكاح، والحق ما ذهب إليه الأولون لأن أحاديث الباب يقوي ~~بعضها بعضا، والنفي في قوله لا نكاح يتوجه إلى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون ~~الاشهاد شرطا لأنه قد استلزم عدمه وعدم الصحة، وما كان كذلك فهو شرط. ~~واختلفوا في اعتبار العدالة في شهود النكاح، فذهبت القاسمية والشافعي إلى ~~أنها تعتبر. وذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى وأبو عبد الله الداعي وأبو ~~حنيفة أنها لا تعتبر، والحق القول الأول لتقييد الشهادة المعتبرة في حديث ~~عمران بن حصين وعائشة اللذين ذكرهما المصنف، وكذلك حديث ابن عباس الذي ~~ذكرناه بالعدالة. # باب ما جاء في الكفاءة في النكاح ms2601 عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت ~~فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ~~ليرفع بي خسيسته قال: فجعل الامر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن ~~أردت أن أعلم النساء أن ليس PageV06P260 # إلى الآباء من الامر شئ رواه ابن ماجة، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن ~~بريدة. عن عائشة وعن عمر قال: لا منعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء ~~رواه الدارقطني. وعن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ~~ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. # وعن عائشة: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان ممن شهد بدرا ~~مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن ~~عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الأنصار رواه البخاري والنسائي وأبو داود. # وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف ~~تحت بلال رواه الدارقطني. # حديث عبد الله بن بريدة أخرجه ابن ماجة بإسناد رجاله رجال الصحيح. فإنه ~~قال في سننه: حدثنا هناد بن السري، حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن عن ابن ~~بريدة عن أبيه وأخرجه النسائي من طريق زياد بن أيوب وهو ثقة عن علي بن غراب ~~وهو صدوق عن كهمس بهذا الاسناد، ويشهد له حديث ابن عباس في الجارية البكر ~~التي زوجها أبوها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك ~~تشهد له الأحاديث الواردة في استئمار النساء على العموم، كذلك حديث خنساء ~~بنت خدام، وقد تقدم جميع ذلك في باب ما جاء في الاجبار والاستئمار، وإنما ~~ذكر المصنف حديث بريدة ههنا لقولها فيه: ليرفع بي خسيسته فإن ذلك مشعر بأنه ~~غير ms2602 كفوء لها. # وحديث أبي حاتم المزني ذكر المصنف أن الترمذي حسنه ووافقه المناوي على ~~ثقل التحسين عن الترمذي، ثم نقل عن البخاري أنه لم يعده محفوظا، وعده أبو ~~داود في المراسيل، وأعله ابن القطان بالارسال وضعف راويه، وأبو حاتم المزني ~~له صحبة، ولا يعرف له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير هذا الحديث، ~~وقد أخرج الترمذي أيضا هذا الحديث من حديث أبي هريرة ولفظه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ~~إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض وقال: قد خولف عبد الحميد بن ~~سليمان في هذا PageV06P261 # الحديث. ورواه الليث بن سعد عن أبي عجلان عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، قال البخاري: وحديث الليث أشبه ولم يعد حديث عبد الحميد محفوظا. وفي ~~الباب عن أبي هريرة عند أبي داود: أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في اليافوخ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا بني بياضة أنكحوا ~~أبا هند وانكحوا إليه. وأخرجه أيضا الحاكم وحسنه الحافظ في التلخيص. وعن ~~علي عند الترمذي: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت، ~~والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا وعن ابن عمر عند الحاكم أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: العرب أكفاء بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحي ~~لحي، ورجل لرجل، إلا حائك أو حجام وفي إسناده رجل مجهول وهو الراوي له عن ~~ابن جريج. # وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال: هذا كذب لا أصل له، وقال ~~في موضع آخر: باطل. ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق أخرى عنه قال ~~الدارقطني في العلل: لا يصح انتهى. وفي إسناد ابن عبد البر عمران بن أبي ~~الفضل، قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. وقال ابن أبي حاتم: سألت ~~عنه أبي فقال : منكر، وقد حدث به هشام بن عبيد الله ms2603 الرازي فزاد فيه بعد: ~~أو حجام أو دباغ، قال: # فاجتمع به الدباغون وهموا به. وقال ابن عبد البر: هذا منكر موضوع. وذكره ~~في العلل المتناهية من طريقين إلى ابن عمر، في إحداهما: علي بن عروة وقد ~~رماه ابن حبان بالوضع. وفي الأخرى: محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك ~~والأولى في ابن عدي، والثانية في الدارقطني، وله طريق أخرى عن غير ابن عمر ~~رواهما البزار في مسنده من حديث معاذ بن جبل رفعه: العرب بعضها لبعض أكفاء ~~وفيه سليمان بن أبي الجون. قال ابن القطان: لا يعرف ثم هو من رواية خالد بن ~~معدان عن معاذ ولم يسمع منه، وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة: خياركم في ~~الجاهلية خياركم في الاسلام إذا فقهوا. # قوله: إلا من الأكفاء جمع كف ء بضم أوله وسكون الفاء بعدها همزة وهو ~~المثل والنظير. # قوله: من ترضون دينه وخلقه فيه دليل على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق، ~~وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك. ونقل عن عمر وابن مسعود، من ~~التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، ويدل عليه قوله تعالى: * ~~(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور. وقال أبو ~~حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضا PageV06P262 # والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كفؤا لقريش، كما ليس أحد من غير العرب ~~كفؤا للعرب وهو وجه للشافعية. قال في الفتح: والصحيح تقديم بني هاشم ~~والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض. وقال الثوري: إذا نكح ~~المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ~~ليس نكاح غير الأكفاء حراما فأرد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة ~~والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدا فله ~~فسخه، قال: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب من حديث، وأما ما أخرجه ~~البزار من حديث معاذ رفعه: العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء ~~بعض فإسناده ضعيف. # واحتج البيهقي بحديث: إن الله اصطفى بني كنانة من ms2604 بني إسماعيل الحديث وهو ~~صحيح أخرجه مسلم، لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، وقد ضم إليه بعضهم حديث ~~قدموا قريشا ولا تقدموها ونقل ابن المنذر عن البويطي أن الشافعي قال: ~~الكفاءة في الدين وهو كذلك في مختصر البويطي، قال الرافعي: وهو خلاف ~~المشهور، قال في الفتح: واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل ~~المسلمة لكافر، قال الخطابي: # إن الكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء: الدين والحرية ~~والنسب والصناعة، ومنهم من اعتبر السلامة من العيوب واعتبر بعضهم اليسار، ~~ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة ~~رفعه: أن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال وما أخرجه أحمد والترمذي ~~وصححه هو والحاكم من حديث سمرة رفعه: الحسب المال والكرم التقوى قال في ~~الفتح: يحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف ~~لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، أو إن من شأن أهل الدنيا رفعة من كان ~~كثير المال ولو كان وضيعا، وضعة من كان مقلا ولو كان رفيع النسب، كما هو ~~موجود مشاهد، فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة ~~بالمال لا على الثاني، وقد قدمنا الإشارة إلى شئ من هذا في باب صفة المرأة ~~التي تستحب خطبتها. قوله: تبنى سالما بفتح المثناة الفوقية والموحدة وتشديد ~~النون أي اتخذه ابنا، وسالم هو ابن معقل مولى أبي حذيفة ولم يكن مولاه ~~وإنما كان يلازمه، بل هو مولى امرأة من الأنصار كما وقع في حديث الباب، ~~وهذا حديث فيه دليل على أن الكفاءة تغتفر برضا PageV06P263 # الأعلى لا مع عدم الرضا، فقد خير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بريرة ~~لما لم يكن زوجها كفؤا لها بعد الحرية، وقد قدمنا الخلاف هل كان عبدا أو ~~حرا؟ والراجح أنه كان عبدا كما سيأتي في باب الخيار للأمة إذا عتقت تحت ~~عبد. قال الشافعي: أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة يعني هذا، ومن جملة ~~الأمور الموجبة برفعة المنصف ms2605 بها الصنائع العالية وأعلاها على الاطلاق ~~العلم لحديث: العلماء ورثة الأنبياء أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ~~حبان من حديث أبي الدرداء وبعثه الدارقطني في العلل. قال المنذري: وهو ~~مضطرب بالاسناد، وقد ذكره البخاري في صحيحه بغير إسناد، والقرآن شاهد صدق ~~على ما ذكرنا، فمن ذلك قوله تعالى: * (هل يستوي الذين الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون) * (سورة الزمر، الآية: 9) وقوله تعالى: * (يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * (سورة المجادلة، الآية: 11) قوله ~~تعالى: * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) * (سورة آل ~~عمران، الآية: 18) وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة منها حديث: ~~خياركم في الجاهلية وقد تقدم. # باب استحباب الخطبة للنكاح وما يدعى به للمتزوج عن ابن مسعود قال: علمنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة، ~~وذكر تشهد الصلاة قال: والتشهد في الحاجة أن الحمد لله نستعينه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: # ويقرأ ثلاث آيات ففسرها سفيان الثوري: * (واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون) * (سورة آل عمران، الآية: 102) * (اتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) * (سورة الأحزاب، الآية: 70) ~~* (اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) * (سورة النساء، الآية: 1) الآية، رواه ~~الترمذي وصححه. وعن إسماعيل بن إبراهيم عن رجل من بني سليم قال: خطبت إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن ~~يتشهد رواه أبو داود. وعن أبي هريرة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفأ إنسانا إذا تزوج قال: بارك ~~الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ~~الترمذي. PageV06P264 # وعن عقيل بن أبي طالب: أنه تزوج امرأة من بني جشم فقالوا: بالرفاء ~~والبنين، فقال: لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى ms2606 الله عليه ~~وآله وسلم: اللهم بارك لهم وبارك عليهم رواه النسائي وابن ماجة وأحمد ~~بمعناه. وفي رواية له: لا تقولوا ذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~نهانا عن ذلك، قولوا: # بارك الله فيك وبارك لك فيها. # حديث ابن مسعود أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي، وهو من ~~رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ولم يسمع منه. وقد رواه ~~الحاكم من طريق أخرى عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن ابن مسعود وليس ~~فيه الآيات. ورواه أيضا من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي ~~عبيدة أن عبد الله قال: فذكر نحوه. ورواه البيهقي من حديث واصل الأحدب عن ~~شقيق عن ابن مسعود بتمامه. وفي رواية للبيهقي: إذا أراد أحدكم أن يخطب ~~لحاجة من النكاح أو غيره فليقل: الحمد لله نحمده ونستعينه الخ، وروى المصنف ~~عن الترمذي أنه صحح حديث ابن مسعود، والذي رأيناه في نسخة صحيحة منه ~~التحسين فقط، وكذلك روى الحافظ عنه في بلوغ المرام، والمنذري في مختصر ~~السنن التحسين فقط، ولكنه قال الترمذي بعد أن ذكر أن الحديث حسن ما لفظه: ~~رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكلا الحديثين صحيح لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق ~~عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وحديث إسماعيل بن إبراهيم أخرجه أيضا البخاري في تاريخه الكبير وقال: ~~إسناده مجهول، ووقع عنده في رواية أمامة بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، ~~فكأنها نسبت في رواية أبي داود إلى جدها انتهى. وأما جهالة الصحابي المذكور ~~فغير قادحة كما قررنا في هذا الشرح غير مرة. وحديث أبي هريرة سكت عنه أبو ~~داود والمنذري، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان والحاكم. ~~وحديث عقيل أخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني وهو من رواية الحسن عن عقيل، قال ~~في الفتح: # ورجاله ثقات، ms2607 إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال. وفي الباب عن هبار ~~عند الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد نكاح رجل PageV06P265 # فقال: على الخير والبركة والألفة والطائر الميمون والسعة والرزق، بارك ~~الله لكم. قوله: أن الحمد لله جاء في رواية بحذف أن، وفي رواية للبيهقي ~~بحذف أن وإثباتها بالشك فقال: الحمد لله أو أن الحمد لله، وفي آخره قال ~~شعبة: قلت لأبي إسحاق هذه القصة في خطبة النكاح وفي غيرها؟ قال: في كل ~~حاجة. ولفظ ابن ماجة في أول هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أتي جوامع الخير وخواتيمه فعلمنا خطبة الصلاة وخطبة الحاجة فذكر خطبة ~~الصلاة ثم خطبة الحاجة. قوله: # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. زاد أبو داود في رواية: ومن يطع الله ورسوله ~~فقد فاز فوزا عظيما. وفي رواية أخرى بعد قوله: ورسوله أرسله بالحق بشيرا ~~ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا ~~يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا. وقد استدل بحديث ابن مسعود هذا على ~~مشروعية الخطبة عن عقد النكاح وعند كل حاجة. قال الترمذي في سننه: وقد قال ~~أهل العلم إن النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل ~~العلم انتهى. ويدل على الجواز حديث إسماعيل بن إبراهيم المذكور، فيكون على ~~هذا الخطبة في النكاح مندوبة. قوله: رفأ قال في الفتح: بفتح الراء وتشديد ~~الفاء مهموز معناه دعا له. وفي القاموس: رفأه ترفئة وترفيا قال له: بالرفاء ~~والبنين أي بالالتئام وجمع الشمل انتهى. وذلك لأن الترفئة في الأصل ~~الالتئام، يقال: رفأ الثوب لام خرقه وضم بعضه إلى بعض، وكانت هذه ترفئة ~~الجاهلية، ثم نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وأرشد إلى ما في ~~أحاديث الباب. # قوله: تزوج امرأة من بني جشم في جامع الأصول عن الحسن: أن عليا هو ~~المتزوج من بني جشم وعزاه إلى النسائي، واختلف في علة النهي عن الترفئة ~~التي كانت ms2608 تفعلها الجاهلية فقيل: لأنه لا حمد فيها ولا ثناء ولا ذكر لله. ~~وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بعض البنات لتخصيص البنين بالذكر، وإلا فهو ~~دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف فلا كراهة فيه. وقال ابن المنير: الذي يظهر ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية أنهم ~~كانوا يقولونه تفاؤلا لا دعاء، فيظهر أنه لو قيل بصورة دعاء لم يكره كأن ~~يقول: اللهم ألف بينهما وارزقهما بنين صالحين. PageV06P266 # باب ما جاء في الزوجين يوكلان واحدا في العقد عن عقبة بن عامر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال ~~للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها ولم ~~يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد ~~الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا وإني أشهدكم أني ~~أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمه فباعته بمائة ألف رواه أبو داود. # وقال عبد الرحمن بن عوف لام حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، ~~قال: فقد تزوجتك ذكره البخاري في صحيحه، وهو يدل على أن مذهب عبد الرحمن أن ~~من وكل في تزويج أو بيع شئ فله أن يبيع ويزوج لنفسه وأن يتولى ذلك بلفظ ~~واحد. # حديث عقبة بن عامر سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده عبد العزيز بن ~~يحيى صدوق يهم. وأثر عبد الرحمن ذكره البخاري معلقا، ووصله ابن سعد من طريق ~~ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد: أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن ~~عوف: أنه قد خطبني غير واحد فزوجني أيهم رأيت، قال: وتجعلين ذلك إلي؟ # فقالت: نعم، قال: قد تزوجتك قال ابن أبي ذئب: فجاز نكاحه. وقد ذكر ابن ~~سعد أم حكيم المذكورة في النساء اللواتي لم يدركن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ms2609 وروين عن أزواجه وهي بنت قارظ بن خالد بن عبيد حليف بني زهرة. وقد ~~استدل بحديث عقبة من قال: إنه يجوز أن يتولى طرفي العقد واحد، وهو مروي عن ~~الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبي حنيفة وأكثر أصحابه، والليث والهادوية ~~وأبي ثور، وحكي في البحر عن الناصر والشافعي وزفر أنه لا يجوز لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # كل نكاح لا يحضره أربعة وقد تقدم. وأجيب بأنه أراد أو من يقوم مقامهم. # قال في الفتح وعن مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من ~~نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجه ~~السلطان PageV06P267 # أو ولي آخر مثله أو أبعد منه، ووافقه زفر وداود، وحجتهم أن الولاية شرط ~~في العقد، فلا يكون الناكح منكحا كما لا يبيع من نفسه وروى البخاري عن ~~المغيرة تعليقا أنه خطب امرأة هو أولى الناس بها فأمر رجلا فزوجه، ووصل هذا ~~الأثر وكيع في مصنفه. وللبيهقي من طريقه عن الثوري عن عبد الملك بن عمير أن ~~المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة هو وليها فجعل أمرها إلى رجل المغيرة ~~أولى منه فزوجه. # وأخرجه عبد الرزاق عن الثوري وقال فيه: فأمر أبعد منه فزوجه. وأخرجه سعيد ~~بن منصور من طريق الشعبي ولفظه: أن المغيرة خطب بنت عمه عروة بن مسعود ~~فأرسل إلى عبد الله بن أبي عقيل فقال: زوجنيها، فقال: ما كنت لأفعل أنت ~~أمير البلد وابن عمها، فأرسل المغيرة إلى عثمان بن أبي العاص فزوجها منه. ~~والمغيرة هو ابن شعبة بن مسعود من ولد عوف بن ثقيف فهي بنت عمه، وعبد الله ~~بن أبي عقيل هو ابن عمها أيضا لأن جده هو مسعود المذكور. وأما عثمان بن أبي ~~العاص فهو وإن كان ثقفيا لكنه لا يجتمع معهم إلا في جدهم الأعلى ثقيف لأنهم ~~من ولد جشم بن ثقيف. وقد استدل محمد بن الحسن على الجواز بأن الله لما عاتب ~~الأولياء في تزويج من كانت من أهل المال والجمال ms2610 بدون صداقها، وعاتبهم على ~~ترك تزويج من كانت قليلة المال والجمال، دل على أن الولي يصح منه تزويجها ~~من نفسه، إذ لا يعاتب أحدا على ترك ما هو حرام عليه. # باب ما جاء في نكاح المتعة وبيان نسخه عن ابن مسعود قال: كنا نغزوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا ~~عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله: * (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) * (سورة المائدة، ~~الآية: 87) الآية متفق عليه. وعن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن متعة ~~النساء فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة أو ~~نحوه، فقال ابن عباس: نعم رواه البخاري. وعن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: ~~إنما كانت المتعة في أول الاسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له فيها معرفة ~~فيتزوج PageV06P268 # المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه ~~الآية: * (إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم) * (سورة المؤمنون، الآية: 6) ~~قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام رواه الترمذي. وعن علي رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر ~~الأهلية زمن خيبر. وفي رواية: # نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية متفق عليهما. وعن ~~سلمة بن الأكوع قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في متعة ~~النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها. وعن سبرة الجهني: أنه غزا مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في متعة النساء وذكر الحديث إلى أن قال: ~~فلم أخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي رواية: أنه كان ~~مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ms2611 أيها الناس إني كنت أذنت لكم في ~~الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده ~~منهن شئ فليخل سبيله ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئا رواهن أحمد ومسلم. وفي ~~لفظ عن سبرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة عام ~~الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها رواه مسلم. وفي وراية ~~عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع نهى عن نكاح ~~المتعة رواه أحمد وأبو داود. # حديث ابن عباس الذي رواه المصنف من طريق أبي جمرة ونسبه إلى البخاري قيل ~~ليس هو في البخاري. قال الحافظ في التلخيص: وأغرب المجد بن تيمية يعني ~~المصنف فذكره عن أبي جمرة الضبعي أنه سأل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيه ~~فقال لهم مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة، فقال: نعم، ~~رواه البخاري، وليس هذا في صحيح البخاري، بل استغربه ابن الأثير في جامع ~~الأصول فعزاه إلى رزين وحده، ثم قال الحافظ قلت: قد ذكره المزي في الأطراف ~~في ترجمة أبي جمرة عن ابن عباس وعزاه إلى البخاري باللفظ الذي ذكره ابن ~~تيمية سواء، ثم راجعته من الأصل فوجدته في باب النهي عن نكاح المتعة أخيرا، ~~ساقه بهذا الاسناد والمتن فاعلم بذلك. وحديث ابن عباس الثاني الذي رواه ~~المصنف من طريق محمد بن كعب في إسناده موسى بن عبيد الربذي وهو ضعيف. وقد ~~روى الرجوع PageV06P269 # عن ابن عباس جماعة منهم محمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع في كتابه الغرر ~~من الاخبار بسنده متصل بسعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ما تقول في ~~المتعة فقد أكثر الناس فيها حتى قال فيها الشاعر؟ قال: وما قال؟ قال: قال: # قد قلت للشيخ لما طال محبسه * يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس وهل ترى ~~رخصة الأطراف آنسة * تكون مثواك حتى مصدر الناس قال: وقد قال فيه الشاعر؟ ~~قلت: نعم، قال: فكرهها أو نهى ms2612 عنها. ورواه الخطابي أيضا بإسناده إلى سعيد ~~بن جبير قال: قلت لا بن عباس: قد سارت بفتياك الركبان وقالت فيها الشعراء، ~~قال: وما قالوا؟ فذكر البيتين، فقال: سبحان الله والله ما بهذا أفتيت، وما ~~هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر. وروى الرجوع أيضا البيهقي وأبو عوانة في ~~صحيحه. قال في الفتح: بعد أن ساق عن ابن عباس روايات الرجوع، وساق حديث سهل ~~بن سعد عند الترمذي بلفظ: إنما رخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة ثم نهى عنها بعد ذلك ما لفظه: فهذه أخبار ~~يقوي بعضها بعضها. وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال ~~السفر. ثم قال: # وأخرج البيهقي من حديث أبي ذر بإسناد حسن: إنما كانت المتعة لحربنا ~~وخوفنا. # وروى عبد الرزاق في مصنفه أن ابن عباس كان يراها حلالا ويقرأ: * (فما ~~استمتعتم به منهن) * (سورة النساء، الآية: 24) قال: وقال ابن عباس في حرف ~~أبي بن كعب إلى أجل مسمى قال: وكان يقول: # يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها عباده، ولولا نهي ~~عمر لما احتيج إلى الزنا أبدا. وذكر ابن عبد البر عن عمارة مولى الشريد ~~سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا نكاح ولا سفاح قلت: ~~فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى، قلت: وهل عليها حيضة؟ قال: نعم، ~~قلت: ويتوارثان؟ قال: لا. وقد روى ابن حزم في المحلى عن جماعة من الصحابة ~~غير ابن عباس فقال: وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جماعة من السلف منهم من الصحابة أسماء بنت أبي بكر، وجابر بن عبد ~~الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد وسلمة ~~ابنا أمية بن خلف. ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ومدة أبي بكر، ومدة عمر إلى قرب آخر خلافته، وروي عنه إنما أنكرها إذ ~~لم يشهد عليها عدلان ms2613 فقط وقال بها من التابعين: طاوس وعطاء وسعيد بن جبير ~~PageV06P270 # وسائر فقهاء مكة، انتهى كلامه. ثم ذكر الحافظ في التلخيص بعد أن نقل هذا ~~الكلام ابن حزم: من روى من المحدثين حل المتعة عن المذكورين. ثم قال: # ومن المشهورين بإباحتها ابن جريج فقيه مكة، ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه ~~الحاكم في علوم الحديث: يترك من قول أهل الحجاز خمس، فذكر منها متعة النساء ~~من قول أهل مكة، وإتيان النساء في أدبارهن من قول أهل المدينة، ومع ذلك فقد ~~روى أبو عوانة في صحيحه عن ابن جريج أنه قال لهم بالبصرة: اشهدوا أني قد ~~رجعت عنها، بعد أن حدثهم فيها ثمانية عشر حديثا أنه لا بأس بها. ومن حكى ~~القول بجواز المتعة عن ابن جريج الإمام المهدي في البحر، وحكاه عن الباقر ~~والصادق والامامية انتهى. وقال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ~~ولا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب ~~الله وسنة رسوله. وقال عياض: ثم وقع الاجماع من جميع العلماء على تحريمها ~~إلا الروافض، وأما ابن عبا س فروي عنه أنه أباحها، وروي عنه أنه رجع عن ~~ذلك. قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه ~~الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح وهو مذهب الشيعة، قال: ~~وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أبطل، سواء كان قبل الدخول أم بعده، إلا قول ~~زفر أنه جعلها كالشروط الفاسدة، ويرده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: فمن ~~كان عنده منهن شئ فليخل سبيله. وقال الخطابي: تحريم المتعة كالاجماع إلا عن ~~بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى علي فقد صح عن ~~علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي ~~الزنا بعينه. وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز ~~خطأ، فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببه ~~فقالوا: لو علق ms2614 على وقت لا بد من مجيئه وقع الطلاق الآن لأنه توقيت للحل ~~فيكون في معنى نكاح المتعة. قال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح ~~بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدة صح نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله، ~~واختلفوا هل يحد ناكح المتعة أو يعذر على قولين. وقال القرطبي: الروايات ~~كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف ~~على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ~~PageV06P271 # ابن عباس بإباحتها، ولكن قال ابن عبد البر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة ~~واليمن على إباحتها ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها. وقد ذكر الحافظ في ~~فتح الباري بعدما حكى عن ابن حزم كلامه السالف المتضمن لرواية جواز المتعة ~~عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم مناقشات فقال: وفي جميع ما أطلقه نظر، أما ~~ابن مسعود إلى آخر كلامه فليراجع. وقال الحازمي في الناسخ والمنسوخ بعد أن ~~ذكر حديث ابن مسعود المذكور في الباب ما لفظه: وهذا الحكم كان مباحا مشروعا ~~في صدر الاسلام، وإنما إباحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم للسبب الذي ~~ذكره ابن مسعود، وإنما ذلك يكون في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غير مرة، ثم ~~أباحه لهم في أوقات مختلفة، ثم حرمه عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأييد لا توقيت، فلم يبقى اليوم في ~~ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة. ~~ويروى أيضا عن ابن جرير جوازه انتهى. إذا تقرر لك معرفة من قال بإباحة ~~المتعة فدليلهم على الإباحة ما ثبت من إباحته صلى الله عليه وآله وسلم لها ~~في مواطن متعددة. منها في عمرة القضاء كما أخرجه عبد الرزاق عن الحسن ~~البصري وابن حبان في صحيحه من حديث سبرة. ومنها في خيبر كما في حديث ms2615 علي ~~المذكور في الباب. ومنها عام الفتح كما في حديث سبرة بن معبد المذكور أيضا. ~~ومنها يوم حنين رواه النسائي من حديث علي. قال الحافظ: ولعله تصحيف عن ~~خيبر، وذكره الدارقطني عن يحيى بن سعيد بلفظ حنين. ووقع في حديث سلمة ~~المذكور في الباب في عام أوطاس. قال السهيلي: هو موافق لرواية من روى عام ~~الفتح فإنهما كانا في عام واحد. ومنها في تبوك رواه الحازمي والبيهقي عن ~~جابر، لكنه لم يبحها لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هنالك، فإن لفظ ~~حديث جابر عند الحازمي: قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند الثنية مما يلي الشام جاءتنا نسوة تمتعنا ~~بهن يطفن برحالنا، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم فأخبرناه ~~فغضب وقام فينا خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ونهى عن المتعة، فتوادعنا ~~يومئذ ولم نعد ولا نعود فيها أبدا، فلهذا سميت ثنية الوداع. قال الحافظ: ~~وهذا إسناد ضعيف، لكن عند ابن حبان من حديث PageV06P272 # أبي هريرة ما يشهد له وأخرجه البيهقي أيضا، وأجيب بما قاله الحافظ في ~~الفتح أنه لا يصح من روايات الاذن بالمتعة شئ بغير علة إلا في غزوة الفتح ~~وذلك لأن الاذن في عمرة القضاء لا يصح لكونه من مراسيل الحسن ومراسيله ~~ضعيفة، لأنه كان يأخذ عن كل أحد، وعلى تقدير ثبوته فلعله أراد أيام خيبر ~~لأنهما كانا في سنة واحدة كما في الفتح وأوطاس لأنهما في غزوة واحدة، ويبعد ~~كل البعد أن يقع الاذن في غزوة أوطاس بعد أن يقع التصريح في أيام الفتح ~~قبلها فإنها حرمت إلى يوم القيامة، وأما في غزوة خيبر فطريق توجيه الحديث ~~وإن كانت صحيحة، ولكنه قد حكى الحميدي عن البيهقي أن سفيان كان يقول: إن ~~قوله في الحديث يوم خيبر يتعلق بالحمر الأهلية لا بالمتعة. وذكر السهيلي أن ~~ابن عيينة روى عن الزهري بلفظ: نهى عن أكل الحمر الأهلية عام خيبر وعن ~~المتعة بعد ذلك أو في ms2616 غير ذلك اليوم انتهى. وروى ابن عبد البر أن الحميدي ~~ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة ~~فكان في غير يوم خيبر، قال ابن عبد البر: وعلى هذا أكثر الناس. وقال أبو ~~عوانة في صحيحه: سمعت أهل العلم يقولون: # معنى حديث علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة فسكت ~~عنها وإنما نهى عنها يوم الفتح انتهى. قال في الفتح: والحامل لهؤلاء على ~~هذا ما ثبت من الرخصة فيما بعد زمن خيبر كما أشار إليه البيهقي، ولكنه يشكل ~~على كلام هؤلاء ما في البخاري في الذبائح من طريق مالك. بلفظ: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر ~~الأهلية. وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة. وأما في غزوة حنين فهو ~~تصحيف كما تقدم والأصل خيبر، وعلى فرض عدم ذلك التصحيف فيمكن أن يراد ما ~~وقع في غزوة أوطاس لكونها هي وحنين واحدة، وأما في غزوة تبوك فلم يقع منه ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذن بالاستمتاع كما تقدم، وإذا تقرر هذا فالاذن ~~الواقع منه صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة يوم الفتح منسوخ بالنهي عنها ~~المؤبد كما في حديث سبرة الجهني. # وهكذا لو فرض وقوع الاذن منه صلى الله عليه وآله وسلم بها في موطن من ~~المواطن قبل يوم الفتح كان نهيه عنها يوم الفتح ناسخا له. وأما رواية النهي ~~عنها في حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه بأن النهي ~~يوم الفتح PageV06P273 # أصح وأشهر، ويمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد إعادة النهي ~~ليشيع ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك، ولكنه يعكر على ما في حديث سبرة من ~~التحريم المؤبد ما أخرجه مسلم وغيره عن جابر قال: كنا نستمتع بالقبضة من ~~الدقيق والتمر الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر ~~وصدرا من خلافة عمر، حتى نهانا عنها عمر في شأن ms2617 حديث عمرو بن حريث، فإنه ~~يبعد كل البعد أن يجهل جمع من الصحابة النهي المؤبد الصادر عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم في جمع كثير من الناس ثم يستمرون على ذلك حياته صلى الله ~~عليه وآله وسلم وبعد موته حتى ينهاهم عنها عمر. وقد أجيب عن حديث جابر هذا ~~بأنهم فعلوا ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم يبلغه ~~النسخ حتى نهى عنها عمر، واعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل، وكذلك ~~يحمل فعل غيره من الصحابة، ولذا ساغ لعمر أن ينهى ولهم الموافقة. وهذا ~~الجواب وإن كان لا يخلو عن تعسف ولكنه أوجب المصير إليه حديث سبرة الصحيح ~~المصرح بالتحريم المؤبد، وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع، ~~وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد، ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في ~~حجيته، ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به، كيف والجمهور من الصحابة قد ~~حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا؟ حتى قال ابن عمر فيما أخرجه عنه ابن ~~ماجة بإسناد صحيح: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها، ~~والله لا أعلم أحدا تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. وقال أبو هريرة فيما ~~يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هدم المتعة الطلاق والعدة ~~والميراث أخرجه الدارقطني وحسنه الحافظ، ولا يمنع من كونه حسنا كون في ~~إسناده مؤمل بن إسماعيل، لأن الاختلاف فيه لا يخرج حديثه عن حد الحسن إذا ~~انضم إليه من الشواهد ما يقويه كما هو شأن الحسن لغيره، وأما ما يقال من أن ~~تحليل المتعة مجمع عليه والمجمع عليه قطعي، وتحريمها مختلف فيه والمختلف ~~فيه ظني، والظني لا ينسخ القطعي، فيجاب عنه أولا بمنع هذه الدعوى أعني كون ~~القطعي لا ينسخه الظني فما الدليل عليه؟ ومجرد كونها مذهب الجمهور غير مقنع ~~لمن قام في مقام المنع يسائل خصمه عن دليل العقل والسمع بإجماع المسلمين، ~~وثانيا بأن النسخ بذلك الظني ms2618 إنما هو لاستمرار الحل لا لنفس الحل ~~والاستمرار ظني لا قطعي. وأما PageV06P274 # قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: * (فما استمتعتم ~~به منهن) * إلى أجل مسمى فليست بقرآن عند مشترطي التواتر، ولا سنة لأجل ~~روايتها قرآنا، فيقول من قبيل التفسير للآية وليس ذلك بحجة. وأما عند من لم ~~يشترط التواتر فلا مانع من نسخ ظني القرآن بظني السنة كما تقرر في الأصول. # باب نكاح المحلل عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم المحلل والمحلل له رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، والخمسة إلا ~~النسائي من حديث علي مثله. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ~~قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له رواه ابن ماجة. # حديث ابن مسعود صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري، وله ~~طريق أخرى أخرجه عبد الرزاق، وطريق ثالثة أخرجها إسحاق في مسنده. # وحديث علي صححه ابن السكن وأعله الترمذي فقال: روي عن مجالد عن الشعبي عن ~~جابر وهو وهم انتهى. وفي إسناده مجالد وفيه ضعف. وحديث عقبة بن عامر أخرجه ~~أيضا الحاكم وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بالارسال. وحكى الترمذي عن البخاري ~~أنه استنكره. وقال أبو حاتم: ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره إنكارا شديدا، ~~وسياق إسناده في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ~~قال: حدثنا أبي قال: سمعت الليث بن سعد يقول: قال لي مشرح بن عاهان، قال ~~عقبة بن عامر فذكره. ويحيى بن عثمان ضعيف. ومشرح قد وثقه ابن معين. # (وفي الباب) عن ابن عباس عند ابن ماجة وفي إسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف. # وعن أبي هريرة عند أحمد وإسحاق والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم في العلل ~~والترمذي في العلل وحسنه البخاري، والأحاديث المذكورة تدل على تحريم ~~التحليل لأن اللعن إنما يكون على ذنب كبير. قال الحافظ في التلخيص: استدلوا ~~بهذا الحديث ms2619 على بطلان النكاح إذا اشترط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه، أو ~~شرط أنه يطلقها، PageV06P275 # أو نحو ذلك، وحملوا الحديث على ذلك، ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة ~~وغيرها، لكن روى الحاكم والطبراني في الأوسط عن عمر أنه جاء إليه رجل فسأله ~~عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل تحل ~~للأول؟ قال: لا إلا بنكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قال: وقال ابن حزم: ليس الحديث على عمومه في كل محلل، ~~إذ لو كان كذلك لدخل فيه كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض ~~المحللين، وهو من أحل حراما لغيره بلا حجة، فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ~~ذلك، لأنهم لم يختلفوا في أن الزوج إذا لم ينو تحليلها للأول ونوت هي أنها ~~لا تدخل في اللعن فدل على أن المعتبر الشرط انتهى. ومن المجوزين للتحليل ~~بلا شرط أبو ثور وبعض الحنفية المؤيد بالله والهادوية، وحملوا أحاديث ~~التحريم على ما إذا وقع الشرط أنه نكاح تحليل. قالوا: وقد روى عبد الرزاق ~~أن امرأة أرسلت إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب ~~أن يقيم معها ولا يطلقها وأوعده أن يعاقبه إن طلقها، فصحح نكاحه ولم يأمره ~~باستئنافه. وروى عبد الرزاق أيضا عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسا ~~بالتحليل إذا لم يعلم أحد الزوجين. قال ابن حزم: وهو قول سالم بن عبد الله ~~والقاسم بن محمد. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: وصح عن عطاء فيمن نكح ~~امرأة محللا ثم رغب فيها فأمسكها قال: لا بأس بذلك. وقال الشعبي: لا بأس ~~بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج. وقال الليث عن سعد: إن تزوجها ثم فارقها ~~فترجع إلى زوجها. وقال الشافعي وأبو ثور: المحلل الذي يفسد نكاحه هو من ~~تزوجها ليحلها ثم يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده صحيح ~~لا داخلة فيه، سواء شرط ms2620 عليه ذلك قبل العقد أو لم يشرط، نوى ذلك أو لم ~~ينوه. قال أبو ثور: وهو مأجور. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة مثل هذا سواء. وروي أيضا عن محمد وأبي يوسف عن أبي حنيفة أنه إذا نوى ~~الثاني المرأة التحليل للأول لم تحل له بذلك. وروى الحسن بن زياد عن زفر ~~وأبي حنيفة أنه إذا شرط عليه في نفس العقد أنه إنما تزوجها ليحلها للأول ~~فإنه نكاح صحيح ويبطل الشرط وله أن يقيم معها، فهذه ثلاث روايات عن أبي ~~حنيفة، قالوا: وقد قال الله تعالى: * (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره) * (سورة البقرة، الآية: 230) وهذا زوج PageV06P276 # قد عقد بمهر وولي ورضاها وخلوها عن الموانع الشرعية، وهو راغب في ردها ~~إلى زوجها الأول، فيدخل في حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا إلا نكاح رغبة وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر الله ~~تعالى بقوله: * (حتى تنكح زوجا غيره) * (سورة البقرة، الآية: 230) والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما شرط في عودها إلى الأول مجرد ذوق العسيلة ~~بينهما، فالعسيلة حلت له بالنص، وأما لعنه صلى الله عليه وآله وسلم للمحلل ~~فلا ريب أنه لم يرد كل محلل ومحلل له، وأن الولي محلل لما كان حراما قبل ~~العقد، والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع أمته محلل للمشتري ~~وطأها، فإن قلنا: العام إذا خصص صار مجملا فلا احتجاج بالحديث، وإن قلنا: ~~هو حجة فيما عدا محل التخصيص فذلك مشروط ببيان المراد منه، ولسنا ندري ~~المحل المراد من هذا النص أهو الذي نرى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه ~~في صلب العقد؟ أو الذي أحل ما حرمه الله تعالى ورسوله؟ ووجدنا كل من تزوج ~~مطلقة ثلاثا فإنه محلل، ولو لم يشترط التحليل أو لم ينوه، فإن الحل حصل ~~بوطئه وعقده، ومعلوم قطعا أنه لم يدخل في النص، فعلم أن النص إنما أراد به ~~من أحل الحرام بفعله أو ms2621 عقده، وكل مسلم لا يشك في أنه أهل للعنه، وأما من ~~قصد الاحسان إلى أخيه المسلم ورغب في جمع شمله بزوجته ولم شعثه وشعث أولاده ~~وعياله فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، فضلا عن أن يلحقهم لعنة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخفاك أن هذا كله بمعزل عن الصواب بل هو ~~من المجادلة بالباطل البحت، ودفعه لا يخفى على عارف. # باب نكاح الشغار عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس ~~بينهما صداق رواه الجماعة، لكن الترمذي لم يذكر تفسير الشغار، وأبو داود ~~جعله من كلام نافع، وهو كذلك في رواية متفق عليها. وعن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا شغار في الاسلام رواه مسلم. وعن أبي هريرة ~~قال: PageV06P277 # نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشغار، والشغار أن يقول ~~الرجل: # زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي رواه أحمد ومسلم. ~~وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد ~~الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته وقد كانا جعلاه صداقا، فكتب ~~معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن الحكم يأمر بالتفريق بينهما وقال في ~~كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه ~~أحمد وأبو داود. وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~لا جلب ولا جنب ولا شغار في الاسلام، ومن انتهب فليس منا رواه أحمد ~~والنسائي والترمذي وصححه. # حديث معاوية في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم اختلاف الأئمة في ~~الاحتجاج بحديثه. (وفي الباب) عن أنس عند أحمد والترمذي وصححه والنسائي. # وعن جابر عند مسلم، وأخرج البيهقي عن جابر أيضا: نهى عن الشغار، والشغار ~~أن تنكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه، وبضع هذه صداق هذه. وأخرج ms2622 ~~عبد الرازق عن أنس أيضا مرفوعا: لا شغار في الاسلام والشغار أن يزوج الرجل ~~الرجل أخته بأخته. وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي ريحانة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن المشاغرة والمشاغرة أن يقول: زوج هذا من هذه، وهذه ~~من هذا بلا مهر. وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب مرفوعا: لا شغار، قالوا: يا ~~رسول الله وما الشغار؟ قال: إنكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما قال ~~الحافظ: وإسناده وإن كان ضعيفا لكنه يستأنس به في هذا المقام. قوله: الشغار ~~بمعجمتين الأولى مكسورة. قوله: والشغار أن يزوج الخ، قال الشافعي: لا أدري ~~التفسير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن ~~مالك. # هكذا حكى عن الشافعي البيهقي في المعرفة، قال الخطيب: تفسير الشغار ليس ~~من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هو من قول مالك، وهكذا قال ~~غير الخطيب قال القرطبي: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن ~~كان مرفوعا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم ~~بالمقال وأقعد بالحال. وللشغار صورتان: # إحداهما المذكورة في الأحاديث وهي خلو بضع كل منهما من الصداق. والثانية ~~أن يشرط PageV06P278 # كل واحد من الوليين على الآخر أن يزوجه وليته، فمن العلماء من اعتبر ~~الأولى فقط فمنعها دون الثانية، وليس المقتضى للبطلان عندهم مجرد ترك ذكر ~~الصداق، لأن النكاح يصح بدون تسميته، بل المقتضى لذلك جعل البضع صداقا، ~~واختلفوا فيما إذا لم يصرح بذكر البضع فالأصح عندهم الصحة. قال القفال: ~~العلة في البطلان التعليق والتوفيق وكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ~~ينعقد لي نكاح ابنتك. وقال الخطابي: # كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة ويستثني عضوا منها، وهذا مما لا ~~خلاف في فساده. قال الحافظ: وتقرير ذلك أنه يزوج وليته ويستثني بضعها حيث ~~يجعله صداقا للأخرى. وقال المؤيد بالله، وأبو طالب: العلة كون البضع صار ~~ملكا للأخرى قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على ms2623 أن نكاح الشغار لا يجوز، ~~ولكن اختلفوا في صحته فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يفسخ قبل ~~الدخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وذهبت الحنفية إلى صحته ~~ووجوب المهر، وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث ورواية عن أحمد وإسحاق ~~وأبي ثور، هكذا في الفتح، قال: وهو قوي على مذهب الشافعي لاختلاف الجهة، ~~لكن قال الشافعي: النساء محرمات إلا ما أحل الله أو ملك يمين، فإذا ورد ~~النهي عن نكاح تأكد التحريم انتهى. وظاهر ما في الأحاديث من النهي والنفي ~~أن الشغار حرام باطل، وهو غير مختص بالبنات والأخوات. قال النووي: أجمعوا ~~على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك انتهى. ~~وتفسير الجلب والجنب قد تقدم في الزكاة. # باب الشروط في النكاح وما نهي عنه منها عن عقبة بن عامر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: # أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج رواه الجماعة. وعن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ~~أو يبيع على بيعه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها أو ~~إنائها فإنما رزقها على الله تعالى متفق عليه. وفي لفظ متفق عليه: نهى أن ~~PageV06P279 # تشترط المرأة طلاق أختها. وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى رواه أحمد. # قوله: أحق الشروط أن يوفى به في رواية للبخاري: أحق ما أوفيتم من الشروط ~~وفي أخرى له: أحق الشروط أن توفوا به. قوله: ما استحللتم به الفروج أي أحق ~~الشروط بالوفاء شروط النكاح، لأن أمره أحوط وبابه أضيق. قال الخطابي: ~~الشروط في النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقا وهو ما أمر الله ~~به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث. # ومنها ما لا يوفى به اتفاقا كسؤال المرأة طلاق أختها. ومنها ما اختلف ~~فيه، كاشتراط أن لا ms2624 يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من منزلها إلى ~~منزله. وعند الشافعية الشروط في النكاح على ضربين: منها ما يرجع إلى الصداق ~~فيجب الوفاء به، وما يكون خارجا عنه فيختلف الحكم فيه. قوله: نهى أن يخطب ~~الرجل على خطبة أخيه قد تقدم الكلام على هذا في أول كتاب النكاح. قوله: أو ~~يبيع على بيعه قد تقدم الكلام عليه في كتاب البيع. قوله: ولا تسأل المرأة ~~طلاق أختها ظاهر هذا التحريم وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ~~ذلك لريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، ويكون ذلك على ~~سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون ~~سؤالها ذلك تفويضا وللزوج رغبة في ذلك فيكون كالخلع من الأجنبي، إلى غير ~~ذلك من المقاصد المختلفة. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب ~~فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح، وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في ~~التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح وإنما فيه التغليظ على المرأة أن ~~تسأل طلاق الأخرى ولترض وما قسم الله لها، والتصريح بنفي الحل وقع في رواية ~~أحمد المذكورة في الباب، ووقع أيضا في رواية للبخاري. قوله: لتكتفئ بفتح ~~المثناة الأولى وسكون الكاف من كفأت الاناء إذا قلبته وأفرغت ما فيه. وفي ~~رواية للبخاري: لتستفرغ ما في صحفتها. وفي رواية له: لتكفأ وأخرجه أبو نعيم ~~في المستخرج بلفظ: لا يصلح لامرأة أن تشترط طلاق أختها لتكتفئ إناءها ~~وأخرجه الإسماعيلي وقال: لتكتفئ وكذا البيهقي وهو بفتح المثناة وسكون الكاف ~~وبالهمزة. وفي رواية للبخاري : لتكفئ بضم المثناة من أكفأته بمعنى أملته، ~~والمراد بقوله: ما في صحفتها ما يحصل PageV06P280 # لها من الزوج، وكذلك معنى أو إنائها. قوله: طلاق أختها قال الثوري: معنى ~~هذا الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجته وأن يتزوجها هي، ~~فيصير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بقوله ~~لتكتفئ ما في صحفتها، ms2625 والمراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب أو ~~الرضاع أو الدين . وحمل ابن عبد البر الأخت هنا على الضرة، ومن الشروط التي ~~هي من مقتضيات النكاح ومقاصده شرطها عليه العشرة بالمعروف والانفاق والكسوة ~~والسكنى، وأن لا يقصر في شئ من حقها من قسمة ونحوها، وشرطه عليها أن لا ~~تخرج إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه. وأما ~~الشروط التي تنافي مقتضى العقد كأن تشرط عليه أن لا يقسم لضرتها، أو لا ~~ينفق عليها، أو لا يتسرى أو يطلق من كانت تحته، فلا يجب الوفاء بشئ من ذلك ~~ويصح النكاح. وفي قول للشافعي يبطل النكاح. وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء ~~بالشروط مطلقا، وقد استشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على الشروط التي هي ~~من مقتضيات النكاح. وقال: تلك الأمور لا تؤثر الشروط في إيجادها وسياق ~~الحديث يقتضي الوفاء بها، والشروط التي هي من مقتضى العقد مستوية في وجوب ~~الوفاء بها. (واختلف) أهل العلم في اشتراط المرأة أن لا يخرجها زوجها من ~~بلدها. فحكى الترمذي عن أهل العلم من الصحابة قال: ومنهم عمر أنه يلزم، ~~قال: وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وروى ابن وهب بإسناد جيد ان رجلا تزوج ~~امرأة فشرط أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط وقال: ~~المرأة مع زوجها. قال أبو عبيد: تضادت الروايات عن عمر في هذا. وحكى ~~الترمذي عن علي أنه قال: سبق شرط الله شرطها. قال: وهو قول الثوري وبعض أهل ~~الكوفة. قال أبو عبيد وقد قال بقول عمر عمرو بن العاص، ومن التابعين طاوس ~~وأبو الشعثاء وهو قول الأوزاعي. وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي، حتى ~~لو كان صداق مثلها مائة مثلا فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها فله إخراجها ~~ولا يلزمه إلا المسمى. وقالت الحنفية: لها أن ترجع عليه بما نقصت له من ~~الصداق. وقال الشافعي: يصح النكاح ويلغو الشرط ويلزمه مهر المثل، وعنه يصح ~~وتستحق الكل، كذا في الفتح. قال أبو عبيد: والذي نأخذ به ms2626 أنا نأمره بالوفاء ~~بشرطه من غير أن نحكم عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت ~~PageV06P281 # عليه أن لا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط فكذلك هذا، ومما يقوي حمل ~~حديث عقبة على الندب حديث عائشة في قصة بريرة المتقدم بلفظ: كل شرط ليس في ~~كتاب الله فهو باطل وقد تقدم أيضا حديث: المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل ~~حراما أو حرم حلالا وأخرج الطبراني في الصغير بإسناد حسن عن جابر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت: إني شرطت ~~لزوجي أن لا أتزوج بعده، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن هذا لا ~~يصلح. # باب نكاح الزاني والزانية وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله رواه أحمد وأبو داود. وعن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق ~~عليه، قال: فاستأذن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أو ذكر له أمرها فقرأ ~~عليه نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: # * (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) * (سورة النور، الآية: 3) رواه ~~أحمد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان ~~يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقته، قال: فجئت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ قال: فسكت ~~عني فنزلت * (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) * فدعاني فقرأها علي ~~وقال: لا تنكحها رواه أبو داود والنسائي والترمذي. # حديث أبي هريرة قال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله ثقات. وحديث عبد الله ~~بن عمرو أخرجه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط. قال في مجمع الزوائد: ~~ورجال أحمد ثقات، وحديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي (وفي الباب) عن عمرو بن ~~الأحوص: أنه ms2627 شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله ~~وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: استوصوا في النساء خيرا فإنما هن عندكم عوان، ~~PageV06P282 # ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن ~~فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا أخرجه ابن ماجة والترمذي وصححه. وعن ابن عباس عند أبي داود والنسائي ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع ~~يد لامس، قال: غربها، قال أخاف أن تتبعها نفسي، قال: فاستمتع بها قال ~~المنذري: ورجال إسناده يحتج بهم في الصحيحين. وذكر الدارقطني أن الحسن بن ~~واقد تفرد به عن عمارة بن أبي حفصة، وأن الفضل بن موسى السيناني بكسر ~~المهملة ثم تحتية ثم نونين بينهما ألف تفرد به عن الحسن بن واقد، وأخرجه ~~النسائي من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس وبوب عليه في سننه ~~تزويج الزانية، وقال: هذا الحديث ليس بثابت، وذكر أن المرسل فيه أولى ~~بالصواب. وقال الإمام أحمد: لا تمنع يد لامس تعطي من ماله قلت فإن أبا عبيد ~~يقول من الفجور، قال: ليس عندنا إلا أنها تعطي من ماله، ولم يكن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليأمره بإمساكها وهي تفجر وسئل عنه ابن الاعرابي فقال: ~~من الفجور. وقال الخطابي: معناه الزانية وأنها مطاوعة لمن أرادها لا ترد ~~يده. وعن جابر عند البيهقي بنحو حديث ابن عباس. قوله: الزاني المجلود الخ، ~~هذا الوصف خرج مخرج الغالب باعتبار من ظهر منه الزنا، وفيه دليل على أنه لا ~~يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنا، وكذلك لا يحل للرجل ان يتزوج بمن ~~ظهر منها الزنا، ويدل على ذلك الآية المذكورة في الكتاب لأن في آخرها * ~~(وحرم ذلك على المؤمنين) * (سورة النور، الآية: 3) فإنه صريح في التحريم. ~~قال في نهاية المجتهد: اختلفوا في قوله تعالى: * (وحرم ذلك على المؤمنين) * ~~هل خرج مخرج الذم أو مخرج ms2628 التحريم؟ وهل الإشارة في قوله ذلك إلى الزنا أو ~~إلى النكاح؟ قال: وإنما صار الجمهور إلى حمل الآية على الذم لا على التحريم ~~لحديث ابن عباس الذي قدمناه. وقد حكي في البحر عن علي وابن عباس وابن عمر ~~وجابر وسعيد بن المسيب وعروة والزهري والعترة ومالك والشافعي وربيعة وأبي ~~ثور أنها لا تحرم المرأة على من زنى بها لقوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم) * (سورة النساء، الآية: 24) وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحرم ~~الحلال الحرام أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر. وحكي عن الحسن البصري أنه ~~يحرم على الرجل نكاح من زنى بها واستدل بالآية. وحكاه أيضا عن قتادة وأحمد ~~إلا إذا تابا لارتفاع سبب التحريم. PageV06P283 # وأجاب عنه في البحر بأنه أراد بالآية الزاني المشرك، واستدل على ذلك ~~بقوله تعالى: * (أو مشركة) * (سورة النور، الآية: 3) قال: وهي تحرم على ~~الفاسق المسلم بالاجماع. وأراد أيضا الزانية المشركة بدليل قوله: * (أو ~~مشرك) * (سورة النور، الآية: 3) هو يحرم على الفاسقة المسلمة بالاجماع. ولا ~~يخفى ما في هذا الجواب، لأن حاصله أن المراد المشرك الزاني والمشركة ~~الزانية، وهذا تأويل يفضي إلى تعطيل فائدة الآية، إذ منع النكاح مع الشرك ~~والزنا حاصل بغير هذه الآية، ويستلزم أيضا امتناع عطف المشرك والمشركة على ~~الزاني والزانية، إذ قد ألغى خصوصية الزنا، وأيضا قد تقرر في الأصول أن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ابن القيم: وأما نكاح الزانية ~~فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو زان أو مشرك، ~~فهو إما أن يلتزم حكمه تعالى ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يعتقده فهو ~~مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه فقال: * ~~(وحرم ذلك على المؤمنين) * (سورة النور، الآية: 3) وأما جعل الإشارة في ~~قوله: * (وحرم ذلك) * إلى الزنا فضعيف جدا، إذ يصير معنى الآية: الزاني لا ~~يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك. وهذا مما ~~ينبغي أن يصان عنه ms2629 القرآن، ولا يعارض ذلك حديث عمرو بن الأحوص وحديث ابن ~~عباس المذكوران، فإنهما في الاستمرار على نكاح الزوجة الزانية، والآية ~~وحديث أبي هريرة في ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت ~~وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية، وأما ما ذكر ه المقبلي في المنار ~~من أنه لا يصح أن يراد به بقوله: لا ترد يد لامس الزنا بل عدم نفورها عن ~~الريبة، فقصر للفظ المحتمل على أحد المحتملات بغير دليل، فالأولى أن ينزل ~~ترك استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم عن مراده بقوله: لا ترد يد لامس ~~منزلة العموم، ولا ريب أن العرب تكنى بمثل هذه العبارة عن عدم العفة عن ~~الزنا. وأيضا حديث عمرو بن الأحوص من أعظم الأدلة على جواز إمساك الزانية ~~لقول فيه: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن الخ، فتفسير حديث ~~لا ترد يد لامس بغير الزنا لا يأتي بفائدة باعتبار محل النزاع. وقد حكى ~~صاحب البحر عن الأكثر أن من زنت لم ينفسخ نكاحها. وحكي أيضا عن المؤيد ~~بالله أنه يجب تطليقها ما لم تتب. قوله: أن مرثد بفتح الميم وسكون الراء ~~وفتح المثلثة بعدها دال مهملة. والغنوي بفتح الغين المعجمة PageV06P284 # وبعدها نون مفتوحة نسبة إلى غني بفتح الغين وكسر النون وهو غني بن يعصر ~~ويقال أعصر بن سعد بن قيس عيلان. وعناق بفتح العين المهملة وبعدها نون وبعد ~~الألف قاف. قال المنذري: وللعلماء في الآية خمسة أقوال: أحدها أنها منسوخة ~~قاله سعيد بن المسيب وقال الشافعي في الآية: القول فيها كما قال سعيد أنها ~~منسوخة، وقال غيره: الناسخ * (وانكحوا الأيامى منكم) * (سورة النور، الآية: ~~32) فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وعلى هذا أكثر العلماء يقولون: من ~~زنا بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. # والثاني: أن النكاح ههنا الوطئ، والمراد أن الزاني لا يطاوعه على فعله ~~ويشاركه في مراده إلا زانية مثله أو مشركة لا تحرم الزنا. وتمام الفائدة في ~~قوله سبحانه * (وحرم ذلك على المؤمنين) * (سورة النور، الآية: ms2630 3) يعني ~~الذين امتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي. الثالث: أن الزاني المجلود لا ~~ينكح إلا زانية مجلودة أو مشركة وكذلك الزانية. الرابع: أن هذا كان في نسوة ~~كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا، واحتج بأن ~~الآية نزلت في ذلك. الخامس: أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف ~~والعفيف على الزانية انتهى. # باب النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها عن أبي هريرة قال: نهى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها رواه ~~الجماعة وفي رواية نهي أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. ~~رواه الجماعة إلا ابن ماجة والترمذي. ولأحمد والبخاري والترمذي من حديث ~~جابر مثل اللفظ الأول. وعن ابن عباس: أنه جمع بين امرأة رجل وابنته من ~~غيرها بعد طلقتين وخلع. وعن رجل من أهل مصر: كانت له صحبة يقال له جبلة أنه ~~جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها رواهما الدارقطني. # قال البخاري: وجمع عبد الله بن جعفر بين ابنة علي وامرأة علي. # حديث أبي هريرة قال ابن عبد البر: أكثر طرقه متواترة عنه، وزعم قوم أنه ~~تفرد به وليس كذلك. وقال البيهقي عن الشافعي: إن هذا الحديث لم يرو من وجه ~~يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة وروي من وجوه لا يثبتها أهل العلم ~~PageV06P285 # بالحديث. قال البيهقي: هو كما قد جاء من حديث علي وابن مسعود وابن عمر ~~وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأنس وأبي سعيد وعائشة، وليس فيها شئ على شرط ~~الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة. وأخرج البخاري رواية عاصم ~~عن الشعبي عن جابر، وبين الاختلاف على الشعبي فيه قال: والحفاظ يرون رواية ~~عاصم خطأ، والصواب رواية ابن عون وداود بن أبي هند انتهى. قال الحافظ: وهذا ~~الاختلاف لم يقدح عند البخاري، لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة، ~~وللحديث طريق أخرى عن جابر بشرط الصحيح أخرجها النسائي من طريق ابن جريج عن ~~أبي الزبير عن جابر. وقول ms2631 من نقل عنهم البيهقي تضعيف حديث جابر معارض ~~بتصحيح الترمذي وابن حبان وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاري له موصولا قوة. ~~قال ابن عبد البر: كان بعض أهل الحديث يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غير أبي ~~هريرة يعني من وجه يصح، وكأنه لم يصح حديث الشعبي عن جابر وصححه عن أبي ~~هريرة، والحديثان جميعا صحيحان. قال الحافظ: وأما من نقل البيهقي أنهم رووه ~~من الصحابة غير هذين فقد ذكر مثل هذا الترمذي بقوله: وفي الباب، لكن لم ~~يذكر ابن مسعود ولا ابن عباس ولا أنسا، وزاد بدلهم: أبا موسى وأبا أمامة ~~وسمرة، قال: ووقع لي أيضا من حديث أبي الدرداء، ومن حديث عتاب بن أسيد ومن ~~حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود. قال: # وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة ~~وأبي يعلى والبزار والطبراني وابن حبان وغيرهم، ولولا خشية التطويل ~~لأوردتها مفصلة. قال: لكن في لفظ حديث ابن عباس عند أبي داود أنه كره أن ~~يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. وفي رواية عند ابن حبان ~~نهى أن تزوج المرأة على العمة والخالة وقال: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن ~~أرحامكن انتهى. # وأخرج أبو داود في المراسيل عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة. وأخرجه أيضا ابن ~~أبي شيبة وأخرج الخلال من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن ~~أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن. # (وأحاديث الباب) تدل على تحريم الجمع بين من ذكر في حديث أبي هريرة لان ~~ذلك هو معنى النهي حقيقة، وقد حكاه الترمذي عن عامة أهل العلم وقال: لا ~~نعلم PageV06P286 # بينهم اختلافا في ذلك. وكذلك حكاه الشافعي عن جميع المفتين. وقال: لا ~~اختلاف بينهم في ذلك. وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم، ~~وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وهكذا ms2632 حكى الاجماع القرطبي واستثنى ~~الخوارج. قال: ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين، وهكذا نقل الاجماع ~~ابن عبد البر ولم يستثن. ونقله أيضا ابن حزم واستثنى عثمان البتي. ونقله ~~أيضا النووي واستثنى طائفة من الخوارج والشيعة. ونقله ابن دقيق العيد عن ~~جمهور العلماء ولم يعين المخالف، وحكاه صاحب البحر عن الأكثر وحكي الخلاف ~~عن البتي وبعض الخوارج والروافض، واحتجوا بقوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم) * (سورة النساء، الآية: 24) وحملوا النهي المذكور في الباب على ~~الكراهة فقط، وجعلوا القرينة ما في حديث ابن عباس من التعليل بلفظ: فإنكن ~~إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن وقد رواه ابن حبان هكذا بلفظ الخطاب للنساء. ~~وفي رواية ابن عدي بلفظ الخطاب للرجال. والمراد بذلك أنه إذا جمع الرجل ~~بينهما صارا من نسائه كأرحامه، فيقطع بينهما بما ينشأ بين الضرائر من ~~التشاحن، فنسب القطع إلى الرجل لأنه السبب، وأضيفت إليه الرحم لذلك. وحديث ~~ابن عباس هذا المصرح بالعلة في إسناده أبو حريز بالحاء المهملة ثم الزاي ~~اسمه عبد الله بن حسين وقد ضعفه جماعة، ولكنه قد علق له البخاري ووثقه ابن ~~معين وأبو زرعة، قال في التلخيص: فهو حسن الحديث ويقويه المرسل الذي ذكرنا ~~قالوا: ولا شك أن مجرد مخافة القطيعة لا يستلزم حرمة النكاح، وإلا لزم حرمة ~~الجمع بين بنات عمين وخالين لوجود علة النهي في ذلك، ولا سيما مع التصريح ~~بذلك كما في مرسل عيسى بن طلحة فإنه يعم جميع القرابات. وأجيب بأن قطيعة ~~الرحم من الكبائر بالاتفاق، فما كان مفضيا إليها من الأسباب يكون محرما، ~~وأما الالزام بتحريم الجمع بين سائر القرابات فيرده الاجماع على خلافه فهو ~~مخصص لعموم العلة أو لقياسها. وأما قوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ~~* فعموم مخصص بأحاديث الباب. قوله: وجمع عبد الله بن جعفر هذا وصله البغوي ~~في الجعديات، وسعيد بن منصور من وجه آخر، وبنت علي هي زينب، وامرأته هي ~~ليلى بنت مسعود النهتلية. وفي رواية سعيد بن منصور: أن بنت علي هي أم كلثوم ms2633 ~~بنت فاطمة، ولا تعارض بين الروايتين في زينب وأم كلثوم، لأنه تزوجهما عبد ~~الله بن جعفر واحدة بعد أخرى مع بقاء ليلى في عصمته، وقد وقع PageV06P287 # مبينا عند ابن سعد وحكى البخاري عن ابن سيرين أنه قال: لا بأس به يعني ~~الجمع بين زوجة الرجل وبنته من غيرها، ووصله سعيد بن منصور بسند صحيح، ~~والأثر عن الرجل الذي من أهل مصر أخرجه أيضا ابن أبي شيبة مطولا من طريق ~~أيوب عن عكرمة بن خالد أن عبد الله بن صفوان تزوج امرأة رجل من ثقيف وابنته ~~أي من غيرها. قال أيوب: فسئل عن ذلك ابن سيرين فلم ير به بأسا وقال: نبئت ~~أن رجلا كان بمصر اسمه جبلة جمع بين امرأة رجل وبنته من غيرها. وروى ~~البخاري عن الحسن البصري أنه كرهه مرة ثم قال: لا بأس به، ووصله الدارقطني، ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه كرهه. وعن سليمان بن يسار ومجاهد والشعبي ~~أنه قال: لا بأس به، واعتبرت الهادوية في الجمع المحرم أن يكون بين من لو ~~كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر من الطرفين، وزوجة الرجل وابنته من غيرها ~~التحريم إنما هو من طرف واحد، لأنا لو فرضنا البنت رجلا حرمت عليه امرأة ~~أبيه، بخلاف ما لو فرضنا امرأة الأب رجلا فإنه أجنبي عن البنت ضرورة فتحل ~~له. # وحكى البخاري عن الحسن بن الحسن بن علي أنه جمع بين ابنتي عم، قال: وكره ~~جابر بن زيد القطيعة وليس فيه تحريم لقوله * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * ~~(سورة النساء، الآية: 24) وحكى في الفتح عن أبي المنذر أنه قال: لا أعلم ~~أحدا أبطل هذا النكاح، قال: وكان يلزم من يقول بدخول القياس في مثل هذا أن ~~يحرمه. # باب العدد المباح للحر والعبد وما خص به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في ذلك عن قيس بن الحرث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: اختر منهن أربعا رواه أبو داود وابن ms2634 ~~ماجة. وعن عمر بن الخطاب قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد ~~الأمة حيضتين رواه الدارقطني. وعن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة. وفي ~~PageV06P288 # رواية: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدور على نسائه في الساعة ~~الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: وكان يطيقه؟ قال: كنا ~~نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رواهما أحمد والبخاري. # حديث قيس بن الحرث، وفي رواية الحرث بن قيس في إسناده محمد بن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. وقال أبو القاسم البغوي: ولا ~~أعلم للحرث بن قيس حديثا غير هذا. وقال أبو عمر النمري: ليس له إلا حديث ~~واحد ولم يأت من وجه صحيح. وفي معنى هذا الحديث حديث غيلان الثقفي لما أسلم ~~وتحته عشر نسوة، وسيأتي في باب من أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع ويأتي ~~الكلام عليه هنالك، وفي الباب عن نوفل بن معاوية عند الشافعي: أنه أسلم ~~وتحته خمس نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمسك أربعا وفارق ~~الأخرى. وفي إسناده رجل مجهول، لأن الشافعي قال: حدثنا بعض أصحابنا عن أبي ~~الزناد عن عبد المجيد بن سهل عن عوف بن الحرث عن نوفل بن معاوية قال: أسلمت ~~فذكره. وفي الباب أيضا عن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية عند البيهقي، وأثر ~~عمر يقويه ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة من طريق الحكم بن عتيبة أنه أجمع ~~الصحابة على أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين. وقال الشافعي بعد أن روى ذلك ~~عن علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أنه لا يعرف لهم من الصحابة مخالف. وأخرجه ~~ابن أبي شيبة عن جماهير التابعين عطاء والشعبي والحسن وغيرهم. قوله: اختر ~~منهن أربعا استدل به الجمهور على تحريم الزيادة على أربع. وذهبت الظاهرية ~~إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا، ولعل وجهه قوله تعالى: * (مثنى وثلاث ~~ورباع) ms2635 * (سورة النساء، الآية: 3) ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من العدل ~~تسع، وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة، وحكي أيضا عن القاسم ~~بن إبراهيم، وأنكر الامام يحيى الحكاية عنه، وحكاه صاحب البحر عن الظاهرية ~~وقوم مجاهيل، وأجابوا عن حديث قيس بن الحرث المذكور بما فيه من المقال ~~المتقدم، وأجابوا عن حديث غيلان الثقفي بما سيأتي فيه من المقال، وكذلك ~~أجابوا عن حديث نوفل بن معاوية بما قدمنا من كون إسناد فيه مجهول، قالوا: ~~ومثل هذا الأصل العظيم لا يكتفي فيه بمثل ذلك ولا سيما وقد ثبت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين تسع أو إحدى عشرة. وقد قال تعالى: * ~~(لقد كان لكم في رسول الله PageV06P289 # أسوة حسنة) * (سورة الأحزاب، الآية: 21) وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على ~~الأربع فهو محل النزاع ولم يقم عليه دليل. وأما قوله تعالى: * (مثنى وثلاث ~~ورباع) * (سورة النساء، الآية: 3) قالوا فيه للجمع لا للتخيير، وأيضا لفظ ~~مثنى معدول به عن اثنين اثنين، وهو يدل على تناول ما كان متصفا من الاعداد ~~بصفة الاثنينية، وإن كان في غاية الكثرة البالغة إلى ما فوق الألوف فإنك ~~تقول: جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين وهكذا ثلاث ورباع، وهذا معلوم في ~~لغة العرب لا يشك فيه أحد، فالآية المذكورة تدل بأصل الوضع على أنه يجوز ~~للانسان أن يتزوج من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، ~~وليس من شرط ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى من العدد إلا بعد مفارقته ~~للطائفة التي قبلها، فإنه لا شك أنه يصح لغة وعرفا أن يقول الرجل لألف رجل ~~عنده: جاءني هؤلاء اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة. فحينئذ ~~الآية تدل على إباحة الزواج بعدد من النساء كثير، سواء كانت الواو للجمع أو ~~للتخيير، لأن خطاب الجماعة بحكم من الاحكام بمنزلة الخطاب به لكل واحد ~~منهم، فكأن الله سبحانه وتعالى قال لكل فرد من الناس: انكح ما طاب لك من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع، ومع هذا فالبراءة ms2636 الأصلية مستصحبة وهي بمجردها ~~كافية في الحل حتى يوجد ناقل صحيح ينقل عنها. وقد يجاب بأن مجموع الأحاديث ~~المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره فتنتهض بمجموعها للاحتجاج، ~~وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال. ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج ~~الحرمة كما صرح به الخطابي، فلا يجوز الاقدام على شئ منها إلا بدليل، وأيضا ~~هذا الخلاف مسبوق بالاجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع كما صرح بذلك ~~في البحر. وقال في الفتح: اتفق العلماء على أن من خصائصه صلى الله عليه ~~وآله وسلم الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن. قوله: ينكح العبد امرأتين قد ~~تمسك بهذا من قال: إنه لا يجوز للعبد أن يتزوج فوق اثنتين وهو مروي عن علي ~~وزيد بن علي والناصر والحنفية والشافعية. ولا يخفى أن قول الصحابي لا يكون ~~حجة على من لم يقل بحجيته، نعم لو صح إجماع الصحابة على ذلك كما أسلفنا ~~لكان دليلا عند القائلين بحجية الاجماع. ولكنه قد روي عن أبي الدرداء ~~ومجاهد وربيعة وأبي ثور والقاسم بن محمد وسالم والقاسمية أنه يجوز له أن ~~ينكح أربعا كالحر، حكى ذلك عنهم صاحب البحر، فالأولى الجزم بدخوله تحت قوله ~~تعالى: * (فانكحوا PageV06P290 # ما طاب لكم من النساء) * (سورة النساء، الآية: 3) والحكم له وعليه بما ~~للأحرار وعليهم، إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة كما في المواضع المعروفة ~~بالتخالف بين حكميهما. قوله: ويطلق تطليقتين سيأتي الكلام على هذا في باب ~~ما جاء في طلاق العبد، وكذلك يأتي الكلام على عدة الأمة. # قوله: تسع نسوة هن عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وصفية ~~وجويرية وأم حبيبة وميمونة، هؤلاء الزوجات اللاتي مات عنهن، واختلف في ~~ريحانة هل كانت زوجة أو سرية؟ وهل ماتت في حياته أو بعده؟ ودخل أيضا بخديجة ~~ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وبزينب أم المساكين وماتت في حياته قبل أن يتزوج ~~صفية ومن بعدها. قال الحافظ في التلخيص: وأما حديث أنس أنه تزوج خمس عشرة ~~امرأة ودخل منهن ms2637 بإحدى عشرة ومات عن تسع فقد قواه الضياء في المختارة. قال: ~~وأما من عقد عليها ولم يدخل بها أو خطبها ولم يعقد عليها فضبطنا منهن نحوا ~~من ثلاثين امرأة، وقد حررت ذلك في كتابي في الصحابة. وقد ذكر الحافظ في ~~الفتح والتلخيص الحكمة في تكثير نسائه صلى الله عليه وآله وسلم فليراجع ~~ذلك. # باب العبد يتزوج بغير إذن سيده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي وقال: # حديث حسن. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه، وأخرجه أيضا ابن ماجة من ~~حديث ابن عمر. قال الترمذي: لا يصح إنما هو عن جابر. وأخرجه أيضا أبو داود ~~من حديث العمري عن نافع عن ابن عمر بلفظ: فنكاحه باطل وتعقبته بالتضعيف ~~وبتصويب وقفه. ورواه ابن ماجة من حديث ابن عمر وفي إسناده مندل بن علي وهو ~~ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وصوب الدارقطني وقفه علي بن عمر ~~وأخرجه أيضا عبد الرزاق عن ابن عمر موقوفا. وقد استدل بحديث جابر من قال: ~~إن نكاح العبد لا يصح إلا بإذن سيده، وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، ~~PageV06P291 # والعاهر الزاني والزنا باطل. وقال الامام يحيى: أراد أنه كالعاهر وليس ~~بزان حقيقة لاستناده إلى عقد، قال في البحر قلت: بل زان إن علم التحريم ~~فيحد ولا مهر. وقال داود: إن نكاح العبد بغير إذن مولاه صحيح لأن النكاح ~~عنده فرض عين، وفروض الأعيان لا تحتاج إلى إذن وهو قياس في مقابلة النص. ~~واختلفوا هل ينفذ بالإجازة من السيد أم لا؟ فذهبت العترة والحنفية إلى أن ~~عقد العبد بغير إذن مولاه موقوف ينفذ بالإجازة. وقال الناصر والشافعي: إنه ~~لا ينفذ بالإجازة بل هو باطل، والإجازة لا تلحق العقود الباطلة. وقال مالك: ~~إن العقد نافذ وللسيد نسخه، ورد بأنه لا وجه لنفوذه مع قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم باطل كما وقع في رواية من حديث جابر، قالت العترة ms2638 والشافعي: ولا ~~يحتاج في بطلانه إلى فسخ، وخالف في ذلك مالك. # باب الخيار للأمة إذا أعتقت تحت عبد عن القاسم عن عائشة: أن بريرة كانت ~~تحت عبد فلما أعتقتها قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اختاري ~~فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد وإن شئت أن تفارقيه رواه أحمد والدارقطني. ~~وعن القاسم عن عائشة: أن بريرة خيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان ~~زوجها عبدا رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. وعن عروة عن عائشة: أن بريرة ~~أعتقت وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان ~~حرا لم يخيرها رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن عروة عن ~~عائشة: أن بريرة أعتقت وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد فخيرها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقال: # إن قربك فلا خيار لك رواه أبو داود، وهو دليل على أن الخيار على التراخي ~~ما لم تطأ. وعن ابن عباس قال: كان زوج بريرة عبدا أسود يقال له مغيث عبدا ~~لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة رواه البخاري. وفي ~~لفظ: أن زوج بريرة كان عبدا أسود لبني مغيرة يوم أعتقت بريرة، والله لكأني ~~به في المدينة ونواحيها وأن دموعه لتسيل على لحيته يترضاها لتختاره فلم ~~تفعل رواه الترمذي وصححه، وهو صريح ببقاء عبوديته يوم العتق. وعن إبراهيم ~~عن الأسود PageV06P292 # عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حرا فلما أعتقت خيرها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فاختارت نفسها رواه الخمسة. قال البخاري: قول الأسود منقطع ~~ثم عائشة عمة القاسم وخالة عروة فروايتهما عنها أولى من رواية أجنبي يسمع ~~من وراء حجاب. # رواية أنه كان عبدا ثابتة أيضا من طريق ابن عمر عند الدارقطني والبيهقي ~~قال: كان زوج بريرة عبدا وفي إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف، ومن طريق صفية ~~بنت أبي عبيد عند النسائي والبيهقي بإسناد صحيح. وروى ابن سعد في الطبقات ~~عن عبد الوهاب عن داود ms2639 بن عطاء بن أبي هند عن عامر الشعبي: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال لبريرة لما عتقت: قد عتق بضعك معك فاختاري ووصل ~~هذا المرسل الدارقطني من طريق أبان بن صالح عن هشام عن أبيه عن عائشة، وهذه ~~الرواية مطلقة ليس فيها ذكر أنه كان عبدا أو حرا. وروى شعبة عن عبد الرحمن ~~أنه قال: # ما أدري أحر أم عبد؟ وهذا شك، وهو غير قادح في روايات الجزم، وكذلك ~~الرواية المطلقة تحمل على الروايات المقيدة. (والحاصل) أنه قد ثبت من طريق ~~ابن عباس وابن عمر وصفية بنت أبي عبيد أنه كان عبدا، ولم يرو عنهم ما يخالف ~~ذلك. وثبت عن عائشة من طريق القاسم وعروة أنه كان عبدا، ومن طريق الأسود ~~أنه كان حرا، ورواية اثنين أرجح من رواية واحد على فرض صحة الجمع، فكيف إذا ~~كانت رواية الواحد معلولة بالانقطاع كما قال البخاري. وروي عن البخاري أيضا ~~أنه قال: هي من قول الحكم، وقول ابن عباس أنه كان عبدا أصح. وقال البيهقي: ~~روينا عن القاسم ابن أخيها وعن عروة ومجاهد وعمرة كلهم عن عائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: إن شئت أن تثوي تحت العبد قال المنذري: ~~وروي عن الأسود أنه كان عبدا فاختلف عليه، مع أن بعضهم يقول: إن لفظ أنه ~~كان حرا من قول إبراهيم، وإذا تعارضت الرواية عن الأسود فتطرح ويرجع إلى ~~رواية الجماعة عن عائشة، على أنا لو فرضنا أن الروايات عن عائشة متعارضة ~~ليس لبعضها مرجح على بعض كان الرجوع إلى رواية غيرها بعد إطراح روايتها، ~~وقد روى غيرها أنه كان عبدا على طريق الجزم، فلم يبق حينئذ شك في رجحان ~~عبوديته. وقال أحمد بن حنبل: إنما يصح أنه كان حرا عن الأسود وحده، وما جاء ~~عن غيره فليس بذاك. وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدا ورواه علماء ~~المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئا وعملوا به فهو أصح. وقال PageV06P293 # الدارقطني: قال عمران بن جرير عن عكرمة ms2640 عن عائشة: كان حرا وهو وهم في ~~شيئين: في قوله كان حرا، وفي قوله عن عائشة، وإنما هو من رواية عكرمة عن ~~ابن عباس، ولم يختلف على ابن عباس أنه كان عبدا، وكذا جزم الترمذي عن ابن ~~عمر. # وقال ابن القيم في الهدى: إن حديث عائشة رواه ثلاثة: الأسود وعروة ~~والقاسم. فأما الأسود فلم يختلف عنه أنه كان حرا. وأما عروة فعنه روايتان ~~صحيحتان متعارضتان: # إحداهما أنه كان حرا، والثانية أنه كان عبدا. وأما عبد الرحمن بن القاسم ~~فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما أنه كان حرا، والثانية الشك انتهى. وقد عرفت ~~مما سلف ما يخالف هذا، وعلى فرض صحته فغاية الامر أن الروايات عن عائشة ~~متعارضة فيرجع إلى رواية غيرها، وقد عرفت أنها متفقة على الجزم بكونه عبدا. ~~وقد اختلف أهل العلم فيما إذا كان الزوج حرا هل يثبت للزوجة الخيار أم لا؟ ~~فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت، وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة، لأن ~~المرأة إذا صارت حرة وكان زوجها عبدا لم يكن كفؤا لها، ويؤيد هذا قول عائشة ~~في حديث الباب: ولو كان حرا لم يخيرها، ولكنه قد تعقب ذلك بأن هذه الزيادة ~~مدرجة من قول عروة، كما صرح بذلك النسائي في سننه، وبينه أيضا أبو داود في ~~رواية مالك، ولو سلم أنه من قولها فهو اجتهاد وليس بحجة. وذهبت العترة ~~والشعبي والنخعي والثوري والحنفية إلى أنه يثبت الخيار ولو كان الزوج حرا، ~~وتمسكوا أولا بتلك الرواية التي فيها أنه كان زوج بريرة حرا، وقد عرفت عدم ~~صلاحية ذلك للتمسك به، ومما يصلح للتمسك به ما وقع في بعض روايات حديث ~~بريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: ملكت نفسك فاختاري فإن ~~ظاهر هذا مشعر بأن السبب في التخيير هو ملكها لنفسها وذلك مما يستوي فيه ~~الحر والعبد. وقد أجيب عن ذلك بأنه يحتمل أن المراد من ذلك أنها استقلت ~~بأمر النظر في مصالحها من غير إجبار عليها من سيدها كما كانت من قبل يجبرها ms2641 ~~سيدها على الزوج. ومن جملة ما يصلح للاحتجاج به على عدم الفسخ إذا كان ~~الزوج حرا ما في سنن النسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها وفي إسناده ~~حسين بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهول وأخرج النسائي أيضا عن القاسم بن ~~محمد قال: كان لعائشة غلام وجارية قالت: فأردت أن أعتقهما، فذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله PageV06P294 # وسلم فقال: ابدئي بالغلام قبل الجارية. قالوا: ولم يكن التخيير ممتنعا ~~إذا كان الزوج حرا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة، فإذا بدأت به عتقت ~~تحت حر فلا يكون لها اختيار، وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن ~~وهو ضعيف. قال العقيلي: # لا يعرف إلا به قال ابن حزم: لا يصح هذا الحديث، ولو صح لم يكن فيه حجة ~~لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين، ولو كانا زوجين يحتمل أن تكون البداءة ~~بالرجل لفضل عتقه على الأنثى كما في الحديث الصحيح. قوله: وهي عند مغيث بضم ~~الميم وكسر المعجمة ثم تحتية ساكنة ثم مثلثة. ووقع عند العسكري بفتح ~~المهملة وتشديد التحتية وآخره باء موحدة، وجزم ابن مأكولا وغيره بالأول، ~~ووقع عند المستغفري في الصحابة أن اسمه مقسم. قال الحافظ: وما أظنه إلا ~~تصحيفا. قوله: إن قربك فلا خيار لك فيه دليل على أن خيار من عتقت على ~~التراخي، وأنه يبطل إذا مكنت الزوج من نفسها، وإلى ذلك ذهب مالك وأبو حنيفة ~~وأحمد والهادوية وهو قول للشافعي، وله قول آخر أنه على الفور. وفي رواية ~~عنه أنه إلى ثلاثة أيام. وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم. وقيل: من مجلسها، ~~وهذان القولان للحنفية، والقول الأول هو الظاهر لاطلاق التخيير لها إلى ~~غاية هي تمكينها من نفسها. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بلفظ: إذا عتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن تشأ فارقته، ~~وإن وطئها فلا خيار لها ولا ms2642 تستطيع فراقه. وفي رواية للدارقطني: إن وطئك ~~فلا خيار لك. # باب من أعتق أمة ثم تزوجها عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن ~~تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ~~وآمن بي فله أجران، وأيما رجل مملوك أدى حق مواليه وحق ربه فله أجران رواه ~~الجماعة إلا أبا داود فإنما له منه: من أعتق أمته ثم تزوجها كان له أجران. ~~ولأحمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أعتق الرجل أمته ~~ثم تزوجها بمهر جديد كان له أجران. PageV06P295 # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعتق صفية وتزوجها فقال له ~~ثابت: # ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها رواه الجماعة إلا الترمذي وأبا ~~داود. وفي لفظ: # أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها رواه البخاري. وفي لفظ: أعتق صفية ~~ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها رواه الدارقطني. وفي لفظ: أعتق صفية ثم تزوجها ~~وجعل عتقها صداقها رواه أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه. وفي ~~رواية: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصطفى صفية بنت حيي فاتخذها لنفسه ~~وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو يلحقها بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون ~~زوجته رواه أحمد، وهو دليل على أن من جرى عليه ملك المسلمين من السبي يجوز ~~رده إلى الكفار إذا كان على دينه. # حديث أبي موسى فيه دليل على مشروعية تعليم الإماء وإحسان تأديبهن ثم ~~إعتاقهن والتزوج بهن، وأن ذلك مما يستحق به فاعله أجرين، كما أن من آمن من ~~أهل الكتاب يستحق أجرين بإيمانه بالنبي الذي كان على دينه، وأجرا بإيمانه ~~بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك المملوك الذي يؤدي حق الله وحق ~~مواليه يستحق أجرين، وليس في هذا الحديث ما يدل على أنه يصح أن يجعل العتق ~~صداق المعتقة، ولكن الذي يدل على ذلك حديث أنس المذكور لقوله فيه: ما ~~أصدقها قال نفسها وكذلك سائر ms2643 الألفاظ المذكورة في بقية الروايات. وقد أخذ ~~بظاهر ذلك من القدماء سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وطاوس والزهري، ومن ~~فقهاء الأمصار الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق. وحكاه في البحر عن العترة ~~والأوزاعي والشافعي والحسن بن صالح فقالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل ~~عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر. وذهب من عدا هؤلاء إلى أنه لا يصح أن ~~يكون العتق مهرا، ولم يحك هذا القول في البحر إلا عن مالك وابن شبرمة. وحكي ~~في موضع آخر عن أبي حنيفة ومحمد أنها تستحق مهر المثل لأنها قد صارت حرة، ~~فلا يستباح وطؤها إلا بالمهر. وحكى بعضهم عدم صحة جعل العتق مهرا عن ~~الجمهور، وأجابوا عن ظاهر الحديث بأجوبة ذكرها في فتح الباري. منها: أنه ~~أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها، ~~ولكنه لا يخفى أن ظاهر الروايات أنه جعل المهر نفس العتق PageV06P296 # لا قيمة المعتقة. ومنها: أنه جعل نفس العتق مهرا ولكنه من خصائصه، ويجاب ~~عنه بأن دعوى الاختصاص تفتقر إلى دليل. ومنها أن معنى قوله أعتقها وتزوجها ~~أنه أعتقها ثم تزوجها ولم يعلم أنه ساق لها صداقا فقال: أصدقها نفسها أي لم ~~يصدقها شيئا فيما أعلم، ولم ينف نفس الصداق، ويجاب بأنه يبعد أن يأتي ~~الصحابي الجليل بمثل هذه العبارة في مقام التبليغ ويكون مريدا لما ذكرتم، ~~فإن هذا لو صح لكان من باب الألغاز و التعمية، وقد أيدوا هذا التأويل ~~البعيد بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة بنت زريبة عن أمها: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها ~~سبية من بني قريظة والنضير. قال الحافظ: وهذا لا يقوم به حجة لضعف إسناده. # ويعارضه ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقني ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل عتقي صداقي قال الحافظ: وهذا موافق ~~لحديث أنس وفيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء على ما ظنه. ومنها: ~~أنه يحتمل ms2644 أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر فلزمها الوفاء بذلك، ~~ويكون خاصا به صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخفى أن هذا تعسف لا ملجئ ~~إليه. ومنها: # ما قاله ابن الصلاح من أن العتق حل محل المهر وليس بمهر، قال: وهذا ~~كقولهم: # الجوع زاد من لا زاد له وجعل هذا أقرب الوجوه إلى لفظ الحديث، وتبعه ~~النووي والحامل لمن خالف الحديث على هذه التأويل ظن مخالفته للقياس قالوا: # لأن العقد إما أن يقع قبل عتقها وهو محال لتناقض حكم الحرية والرق، أو ~~بعده وذلك غير لازم لها، وأجيب بأن العقد يكون بعد العتق، فإذا وقع منها ~~الامتناع لزمتها السعاية بقيمتها ولا محذور في ذلك، وبالجملة فالدليل قد ~~ورد بهذا، ومجرد الاستبعاد لا يصلح لابطال ما صح من الأدلة والأقيسة مطرحة ~~في مقابلة النصوص الصحيحة فليس بيد المانع برهان. ويؤيد الجواز ما أخرجه ~~الطحاوي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل عتق جويرية بنت ~~الحرث المصطلقية صداقها وأخرج نحوه أبو داود من طريق عائشة، وقد نسب القول ~~بالجواز ابن القيم في الهدى إلى علي بن أبي طالب وأنس بن مالك والحسن ~~البصري وأبي سلمة قال: وهو الصحيح الموافق للسنة وأقوال الصحابة والقياس، ~~وأطال البحث في المقام بما لا مزيد عليه فليراجع. PageV06P297 # باب ما يذكر في رد المنكوحة بالعيب عن جميل بن زيد قال: حدثني شيخ من ~~الأنصار ذكر أنه كانت له صحبة يقال له كعب بن زيد أو زيد بن كعب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها فوضع ~~ثوبه فقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ~~ثيابك، ولم يأخذ مما آتاها شيئا رواه أحمد ورواه سعيد في سننه. وقال عن زيد ~~بن كعب بن عجرة ولم يشك. وعن عمر أنه قال: أيما امرأة غر بها رجل بها جنون ~~أو جزام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على ms2645 من غره رواه ~~مالك في الموطأ والدارقطني. وفي لفظ: # قضى عمر في البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق بينهما والصداق ~~لها بمسيسه إياها وهو له على وليها رواه الدارقطني. # حديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب قد اختلف فيه، فقيل هكذا، وقيل: إنه من ~~حديث كعب بن عجرة، وقيل: من حديث ابن عمر، وقد أخرجه أيضا من حديث كعب بن ~~زيد أو زيد بن كعب بن عدي والبيهقي، ومن حديث كعب بن عجرة الحاكم في ~~المستدرك. ومن حديث ابن عمر أبو نعيم في الطب والبيهقي. وجميل بن زيد ~~المذكور هو ضعيف وقد اضطرب في هذا الحديث. وأثر عمر أخرجه أيضا سعيد بن ~~منصور عن هشيم عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عنه، ورواه الشافعي من طريق ~~مالك، وابن أبي شيبة عن أبي إدريس عن يحيى، قال الحافظ في بلوغ المرام: ~~ورجاله ثقات. # (وفي الباب) عن علي أخرجه سعيد بن منصور. قوله: امرأة من بني غفار قيل: ~~اسمها الغالية، وقيل: # أسماء بنت النعمان، قاله الحاكم يعني الجونية. وقال الحافظ: الحق أنها ~~غيرها. (وقد استدل) بحديثي الباب على أن البرص والجنون والجذام عيوب يفسخ ~~بها النكاح، ولكن حديث كعب ليس بصريح في الفسخ لأن قوله: خذي عليك ثيابك ~~وفي رواية: الحقي بأهلك يمكن أن يكون كناية طلاق. وقد ذهب جمهور أهل العلم ~~من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه يفسخ النكاح بالعيوب، وإن اختلفوا في تفاصيل ~~ذلك وفي تعيين العيوب التي يفسخ بها النكاح. وقد روي عن علي وعمر وابن عباس ~~PageV06P298 # أنها لا ترد النساء إلا بأربعة عيوب: الجنون والجذام والبرص والداء في ~~الفرج، وخالف الناصر في البرص فلم يجعله عيبا يرد به النكاح، والرجل يشارك ~~المرأة في الجنون والجذام والبرص، وتفسخه المرأة بالجب والعنة. وذهب بعض ~~الشافعية إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع، ورجحه ابن ~~القيم، واحتج له في الهدى بالقياس على البيع، وقال الزهري: يفسخ النكاح بكل ~~داء عضال. وقال أبو حنيفة وأبو ms2646 يوسف وهو قول للشافعي: أن الزوج لا يرد ~~الزوجة بشئ لأن الطلاق بيده، والزوجة لا ترده بشئ إلا الجب والعنة، وزاد ~~محمد الجذام والبرص، وزاد ت الهادوية على ما سلف الرق وعدم الكفاءة في ~~الرجل أو المرأة، والرتق والعقل والقرن في المرأة، والجب والخصاء والسل في ~~الرجل والكلام مبسوط على العيوب التي يثبت بها الرد والمقدار المعتبر منها ~~وتعدادها في الكتب الفقهية. # ومن أمعن النظر لم يجد في الباب ما يصلح للاستدلال به على الفسخ بالمعنى ~~المذكور عند الفقهاء. أما حديث كعب فلما أسلفنا من كونه غير صريح في محل ~~النزاع لذلك الاحتمال. # وأما أثر عمر فلما تقرر من أن قول الصحابي ليس بحجة، نعم حديث بريرة الذي ~~سلف دليل على ثبوت الفسخ للرق إذا عتق، وأما غير ذلك فيحتاج إلى دليل. # قوله: وصداق الرجل على من غره قد ذهب إلى هذا مالك وأصحاب الشافعي ~~والهادوية فقالوا: إنه يرجع الزوج بالمهر على من غرر عليه بمن أوهمه أن ~~المرأة لا عيب فيها، فانكشف أنها معيبة بأحد تلك العيوب، لكن بشرط أن يعلم ~~بذلك العيب لا إذا جهل. وذهب أبو حنيفة والشافعي أنه لا رجوع للزوج على أحد ~~لأنه قد لزمه المهر بالمسيس. وقال المؤيد بالله وأبو طالب: أنه يرجع الزوج ~~بالمهر على المرأة. # ولا يخفى أن قول عمر لا يصلح للاحتجاج به وتضمين الغير بلا دليل لا يحل، ~~فإن كان الفسخ بعد الوطئ فقد استوفى الزوج ما في مقابلة المهر فلا يرجع به ~~على أحد، وإن كان قبل الوطئ فالرجوع على المرأة أولى، لأنه لم يستوف منها ~~في مقابلة المهر ولا سيما على أصل الهادوية، لأن الفسخ بعيب من جهة الزوجة، ~~ولا شئ لها عندهم فيما كان كذلك. PageV06P299 # أبواب أنكحة الكفار باب ذكر أنكحة الكفار وإقرارهم عليها عن عروة: أن ~~عائشة أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح ~~الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح ~~آخر كان الرجل يقول ms2647 لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي ~~منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع ~~منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة ~~الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر يجتمع الرهط دون ~~العشرة فيدخلون على المرأة كلهم فيصيبونها فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن ~~تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ~~فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان في أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، فتسمي ~~من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل ونكاح رابع ~~يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا ~~ينصبن على أبوابهن الرايات وتكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت ~~إحداهن ووضعت جمعوا لها ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون ~~فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم رواه البخاري ~~وأبو داود. # قوله: أربعة أنحاء جمع نحو أي ضرب وزنا ومعنى، ويطلق النحو أيضا على ~~الجهة والنوع وعلى العلم المعروف اصطلاحا. قال الداودي وغيره: بقي عليها ~~أنحاء لم تذكرها الأول نكاح الخدن وهو قوله تعالى: * (ولا متخذات أخدان) * ~~(سورة النساء، الآية: 25) كانوا يقولون ما استتر فلا بأس به وما ظهر فهو ~~لوم. الثاني: نكاح المتعة قد تقدم. الثالث: نكاح البدل وقد أخرج الدارقطني ~~من حديث أبي هريرة: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزلي عن ~~امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، وإسناده ضعيف جدا. قال PageV06P300 # الحافظ: والأول لا يرد لأنها أرادت ذكر بيان نكاح من لا زوج لها، أو من ~~أذن لها زوجها في ذلك. والثاني يحتمل أن لا يرد لأن الممنوع منه كونه مقدرا ~~بوقت لا أن عدم الولي فيه شرط. وعدم ورود الثالث أظهر من الجميع انتهى. # قوله: وليته أو ms2648 ابنته التخيير للتنويع لا للشك. قوله: فيصدقها بضم أوله: ~~ثم ينكحها أي يعين صداقها ويسمي مقداره ثم يعقد عليها. قوله: من طمثها بفتح ~~الطاء المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة أي حيضها، وكأن السر في ذلك أن يسرع ~~علوقها منه. # قوله: فاستبضعي منه بموحدة بعدها ضاد معجمة أي اطلبي منه المباضعة وهو ~~الجماع. ووقع في رواية الدارقطني: استرضعي براء بدل الباء الموحدة، قال ~~محمد بن إسحاق الصغاني: الأول هو الصواب، والمعنى: اطلبي الجماع منه ~~لتحملي، والمباضعة المجامعة مشتقة من البضع وهو الفرح. قوله: في نجابة ~~الولد لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة أو الكرم أو ~~غير ذلك. قوله: فهو ابنك يا فلان هذا إذا كان الولد ذكرا، أو تقول: هي ~~ابنتك إذا كانت أنثى. قال في الفتح: لكن يحتمل أن لا يفعل ذلك إلا إذا كان ~~ذكرا لما عرف من كراهتهم في البنت، وقد كان منهم من يقتل ابنته التي يتحقق ~~أنها بنته فضلا عمن يكون بمثل هذه الصفة. قوله: علما بفتح اللام أي علامة. ~~وأخرج الفاكهي من طريق ابن أبي مليكة قال: تبرز عمر بأجياد فدعا بماء فأتته ~~أم مهزول وهي من البغايا التسع اللاتي كن في الجاهلية فقالت: هذا ماء ولكنه ~~في إناء لم يدبغ، فقال: هلم فإن الله جعل الماء طهورا. وروى الدارقطني أيضا ~~من طريق مجاهد قال في قوله تعالى: * (الزاني لا ينكح إلا زانية) * (سورة ~~النور، الآية: 3) هن بغايا كن في الجاهلية معلومات لهن رايات يعرفن بها. ~~ومن طريق عاصم بن المنذر عن عروة مثله وزاد: كرايات البيطار. وقد ساق هشام ~~بن الكلبي في كتاب المثالب أسامي صواحبات الرايات في الجاهلية، فسمى منهن ~~أكثر من عشرة نسوة مشهورات. قوله: # القافة بقاف ثم فاء جمع قائف وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار ~~الخفية. قوله: فالتاط به بالمثناة الفوقية بعدها طاء مهملة أي استلحقه. ~~وأصل اللوط بفتح اللام اللصوق. قوله: إلا نكاح الناس اليوم أي الذي بدأت ~~بذكره، وهو أن يخطب الرجل فتزوجه، وقد ms2649 احتج بهذا الحديث على اشتراط الولي، ~~وتعقب بأن عائشة وهي الراوية كانت تجيز النكاح بغير ولي، ويجاب بأن فعلها ~~ليس بحجة. PageV06P301 # باب من أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع عن الضحاك بن فيروز عن أبيه ~~قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~أطلق إحداهما رواه الخمسة إلا النسائي. وفي لفظ الترمذي: اختر أيهما شئت. ~~وعن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: # أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يختار منهن أربعا رواه أحمد وابن ماجة ~~والترمذي، وزاد أحمد في رواية: فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله ~~بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع بموتك ~~فقذفه في نفسك ولعلك لا تمكث إلا قليلا، وأيم الله لتراجعن نساءك ولترجعن ~~مالك أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك أن يرجم كما رجم قبر أبي رغال قوله: ~~لتراجعن نساءك دليل على أنه كان رجعيا، وهو يدل على أن الرجعية ترث وإن ~~انقضت عدتها في المرض، وإلا فنفس الطلاق الرجعي لا يقطع ليتخذ حيلة في ~~المرض. # حديث الضحاك أخرجه أيضا الشافعي، وصححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي، ~~وحسنه الترمذي، وأعله البخاري والعقيلي (وفي الباب) عن أم حبيبة عند ~~الشيخين: أنها عرضت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينكح أختها ~~فقال: لا تحل لي وحديث ابن عمر أخرجه أيضا الشافعي عن الثقة عن معمر من ~~الزهري بإسناده المذكور، وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه قال البزار: ~~جوده معمر بالبصرة وأفسده باليمن فأرسله. وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال: ~~هذا الحديث غير محفوظ. قال البخاري: وأما حديث الزهري عن سالم عن أبيه ~~فإنما هو أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو ~~لأرجمنك. وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن المرسل أصح. وحكى الحاكم عن مسلم أن ~~هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة قال: فإن ms2650 رواه عنه ثقة خارج البصرة ~~حكمنا له بالصحة. وقد أخذ ابن حبان والحاكم والبيهقي بظاهر الحكم فأخرجوه ~~من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل اليمامة عنه قال ~~الحافظ: ولا يفيد ذلك شيئا، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا PageV06P302 # منه بالبصرة، وعلى تقدير أنهم سمعوا منه بغيرها فحديثه الذي حدث به في ~~غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل ~~فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم كابن المديني ~~والبخاري وابن أبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. وحكى الأثرم عن أحمد أن هذا ~~الحديث ليس بصحيح والعمل عليه وأعله بتفرد معمر في وصله وتحريفه به في غير ~~بلده. وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. وقد أطال الدارقطني في العلل ~~تخريج طرقه. ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري مرسلا. ورواه عبد الرزاق عن ~~معمر كذلك. وقد وافق معمر على وصله. بحر كنيز السقاء عن الزهري ولكنه ضعيف، ~~وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك ويحيى ضعيف، وأما الزيادة التي رواها أحمد ~~عن عمر فأخرجها أيضا النسائي والدارقطني، قال الحافظ: # وإسناده ثقات، وهذا الموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته. (وفي ~~الباب) عن قيس بن الحرث أو الحرث بن قيس وقد تقدم في باب العدد المباح ~~للحر، تقدم الكلام في تحريم الزيادة على الأربع هنالك فليرجع إليه. وحديث ~~الضحاك استدل به على تحريم الجمع بين الأختين ولا أعرف في ذلك خلافا وهو نص ~~القرآن، قال الله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * (سورة ~~النساء، الآية: 23) فإذا أسلم كافر وعنده أختان أجبر على تطليق إحداهما، ~~وفي ترك استفصاله عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنه يحكم لعقود ~~الكفار بالصحة وإن لم توافق الاسلام، فإذا أسلموا أجرينا عليهم في الأنكحة ~~أحكام المسلمين. وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد وداود. وذهبت العترة ~~وأبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي والزهري وأحد قولي الشافعي إلى أنه ~~لا ms2651 يقر من أنكحة الكفار إلا ما وافق الاسلام فيقولون: # إذا أسلم الكافر وتحته أختان وجب عليه إرسال من تأخر عقدها، كذلك إذا كان ~~تحته أكثر من خمس أمسك من تقدم العقد عليها منهن، وأرسل من تأخر عقدها إذا ~~كانت خامسة أو نحو ذلك، وإذا وقع العقد على الأختين أو على أكثر من أربع ~~مرة واحدة بطل وأمسك من شاء من الأختين وأرسل من شاء، وأمسك أربعا من ~~الزوجات يختارهن ويرسل الباقيات، وا لظاهر ما قاله الأولون لتركه صلى الله ~~عليه وآله وسلم للاستفصال في حديث الضحاك وحديث غيلان، ولما في قوله: # اختر أيهما. وفي قوله: اختر أربعا من الاطلاق. قوله: قبر أبي رغال بكسر ~~PageV06P303 # الراء المهملة بعدها غين معجمة. قال في القاموس في فصل الراء من باب ~~اللام: وأبو رغال ككتاب في سنن أبي داود ودلائل النبوة وغيرهما عن ابن عمر: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا ~~بقبر فقال: هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم ~~يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن ~~فيه الحديث. وقول الجوهري: كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في ~~الطريق غير معتد به. وكذا قول ابن سيده: كان عبدا لشعيب وكان عشارا جائرا ~~انتهى. قوله: لتراجعن نساءك يمكن أن يكون المراد بهذه المراجعة المراجعة ~~اللغوية، أعني إرجاعهن إلى نكاحه وعدم الاعتداد بذلك الطلاق الواقع كما ذهب ~~إلى ذلك جماعة من أهل العلم فيمن طلق زوجته أو زوجاته مريدا لابطال ميراثهن ~~منه أنه لا يقع الطلاق ولا يصح، وقد جعل ذلك أئمة الأصول قسما من أقسام ~~المناسب، وجعلوا هذه الصورة مثالا له، والمصنف رحمه الله لما فهم أن الرجعة ~~هي الاصطلاحية أعني الواقعة بعد طلاق رجعي معتد به جعل ذلك الطلاق الواقع ~~منه رجعيا، ثم ذكر أن الرجعية ترث وإن انقضت عدتها فأردف الاشكال بإشكال. # باب الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر عن ابن ms2652 عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح ~~الأول لم يحدث شيئا رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: رد ابنته زينب على أبي ~~العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث صداقا رواه أحمد وأبو داود ~~وابن ماجة. وفي لفظ: رد ابنته زينب على أبي العاص وكان إسلامها قبل إسلامه ~~بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شهادة ولا صداقا رواه أحمد وأبو داود. ~~وكذلك الترمذي وقال فيه: لم يحدث نكاحا وقال: هذا حديث ليس بإسناده بأس. ~~وقد روي بإسناد ضعيف: # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رد ~~ابنته على أبي العاص بمهر جديد قال الترمذي: في إسناده مقال. وقال ~~PageV06P304 # أحمد: هذا حديث ضعيف. والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرهما على النكاح ~~الأول. وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ردها بالنكاح الأول. وعن ابن شهاب: أنه بلغه أن ~~ابنة الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب ~~زوجها صفوان بن أمية من الاسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمانا وشهد حنينا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بينهما حتى أسلم صفوان واستقرت عنده بذلك النكاح. ~~قال ابن شهاب: وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر مختصر من ~~الموطأ لمالك. وعن ابن شهاب: أن أم حكيم ابنة الحرث بن هشام أسلمت يوم ~~الفتح بمكة وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الاسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت ~~أم حكيم حتى قدمت على زوجها باليمن ودعته إلى الاسلام فأسلم وقدم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعه فثبتا على نكاحهما ذلك. قال ابن شهاب: ~~ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله وزوجها كافر مقيم بدار ~~الكفر إلا فرقت هجرتها بينها ms2653 وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن ~~تنقضي عدتها. وأنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في ~~عدتها رواه عنه مالك في الموطأ. # حديث ابن عباس صححه الحاكم، وقال الخطابي: هو أصح من حديث عمرو بن شعيب، ~~وكذا قال البخاري. قال ابن كثير في الارشاد: هو حديث جيد قوي، وهو من رواية ~~ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس انتهى. إلا أن حديث داود ~~بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخه، وقد ضعف أمرها علي بن المديني وغيره ~~من علماء الحديث وابن إسحاق فيه مقال معروف. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا ~~ابن ماجة وفي إسناده حجاج بن أرطاة وهو معروف بالتدليس، وأيضا لم يسمعه من ~~عمرو بن شعيب كما قال أبو عبيد، وإنما حمله عن العرزمي وهو ضعيف، وقد ضعف ~~هذا الحديث جماعة من أهل العلم قد تقدم ذكر بعضهم، وحديث ابن شهاب الأول هو ~~مرسل، وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات، وحديثه الثاني مرسل أيضا، وأخرجه ابن ~~سعد في الطبقات أيضا. (وفي الباب) عن ابن عباس عند البخاري قال: كان ~~المشركون PageV06P305 # على منزلتين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن المؤمنين، كانوا مشركي ~~أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان ~~إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها ~~النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. وروى البيهقي عن الشافعي عن ~~جماعة من أهل العلم من قريش وأهل المغازي وغيرهم عن عدد مثلهم: أن أبا ~~سفيان أسلم بمر الظهران وامرأته هند بنت عتبة كافرة بمكة ومكة يومئذ دار ~~حرب، وكذلك حكيم بن حزام، ثم أسلم المرأتان بعد ذلك، وأقر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم النكاح. # قوله: بعد سنتين وفي الرواية الثانية بست سنين ووقع في رواية بعد ثلاث ~~سنين وأشار في الفتح إلى الجمع فقال: المراد بالست ما بين هجرة زينب ms2654 ~~وإسلامه، وبالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: * (لا هن حل لهم) * ~~وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهرا. قال الترمذي في حديث ابن عباس أنه ~~لا يعرف وجهه قال الحافظ وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد ~~سنتين أو ثلا ث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة قال ولم يذهب أحد ~~إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت ~~عدتها وممن نقل الاجماع في ذلك ابن عبد البر وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر ~~قال بجوازه ورده بالاجماع المذكور وتعقب بثبوت الخلاف فيه قديما فقد أخرجه ~~ابن أبي شيبة عن علي وإبراهيم النخعي بطرق قوية وأفتى به حماد شيخ أبي ~~حنيفة. وأجاب الخطابي عن الاشكال بأن بقاء العدة تلك المدة ممكن وإن لم تجر ~~به عادة في الغالب ولا سيما إن كان المدة إنما هي سنتان وأشهر فإن الحيض قد ~~يبطئ عن ذات الأقراء لعارض وبمثل هذا أجاب البيهقي قال الحافظ وهو أولى ما ~~يعتمد في ذلك. وقال السهيلي في شرح السيرة إن حديث عمرو بن شعيب هو الذي ~~عليه العمل وإن كان حديث ابن عباس أصح إسنادا لكن لم يقل به أحد من الفقهاء ~~لأن الاسلام قد كان فرق بينهما قال الله تعالى: * (لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن) * (سورة الممتحنة، الآية: 10) ومن جمع بين الحديثين. قال: معنى ~~حديث ابن عباس ردها على النكاح الأول في الصداق والحباء، ولم يحدث زيادة ~~على ذلك من شرط ولا غيره انتهى. وقد أشار إلى مثل هذا الجمع ابن عبد البر، ~~وقيل: إن زينب لما أسلمت وبقي زوجها على الكفر PageV06P306 # لم يفرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ لم يكن قد نزل تحريم نكاح ~~المسلمة على الكافر، فلما نزل قوله تعالى: * (لا هن حل لهم) * (سورة ~~الممتحنة، الآية: 10) الآية أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته أن ~~تعتد، فوصل أبو العاص مسلما قبل انقضاء العدة، فقررها النبي ms2655 صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالنكاح الأول فيندفع الاشكال. قال ابن عبد البر: وحديث عمرو بن ~~شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد، والاخذ بالصريح أولى من ~~الاخذ بالمحتمل، ويؤيده مخالفة ابن عباس لما رواه كما حكى ذلك عنه البخاري. ~~قال الحافظ: وأحسن المسالك في تقرير الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه ~~الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص ~~ولا مانع من ذلك، وأغرب ابن حزم فقال: إن قوله ردها إليه بعد كذا مراده جمع ~~بينهما، وإلا فإسلام أبي العاص كان قبل الحديبية وذلك قبل أن ينزل تحريم ~~المسلمة على المشرك هكذا زعم. قال الحافظ: وهو مخالف لما أطبق عليه أهل ~~المغازي أن إسلامه كان بعد نزول آية التحريم. وقال ابن القيم في الهدى ما ~~محصله: # أن اعتبار العدة لم يعرف في شئ من الأحاديث، ولا كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا، ولو كان الاسلام بمجرده فرقة ~~لكانت طلقة بائنة ولا رجعة فيها، فلا يكون الزوج أحق بما إذا أسلم، وقد دل ~~حكمه صلى الله عليه وآله وسلم أن النكاح موقوف، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء ~~العدة فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته، ~~وإذا أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح، قال: ولا نعلم أحدا جدد ~~بعد الاسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد الامرين: إما افتراقهما ~~ونكاحها غيره، وإما بقاؤهما على النكاح الأول إذا أسلم الزوج، وأما تنجيز ~~الفرقة أو مراعاة العدة ولم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى ~~بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده، وهذا كلام في غاية الحسن والمتانة، ~~قال: وهذا اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم، وهو مذهب ~~الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم. قال ابن حزم: وهو قول عمر بن الخطاب ~~وجابر بن عبد الله وابن عباس ثم عد آخرين، وقد ms2656 ذهب إلى أن المرأة إذا أسلمت ~~قبل زوجها لم تخطب حتى تحيض وتطهر ابن عباس وعطاء وطاوس والثوري وفقهاء ~~الكوفة، ووافقهم أبو ثور، واختاره ابن المنذر، وإليه جنح PageV06P307 # البخاري، وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الاسلام في تلك ~~المدة فيمتنع إن كانا معا في دار الاسلام. وقد روي عن أحمد أن الفرقة تقع ~~بمجرد الاسلام من غير توقف على مضي العدة كسائر أسباب الفرقة من رضاع أو ~~خلع أو طلاق. وقال في البحر مسألة: إذا أسلم أحدهما دون الآخر انفسخ النكاح ~~إجماعا، ثم قال بعد ذلك مسألة: المذهب والشافعي ومالك وأبو يوسف والفرقة ~~بإسلام أحدهما فسخ لا طلاق، إذ العلة اختلاف الدين كالردة. وقال أبو العباس ~~وأبو حنيفة ومحمد: بل طلاق حيث أسلمت وأبى الزوج فصل إذ امتناعه كالطلاق، ~~قلنا: بل كالردة انتهى. قوله: وكان إسلامها الخ، المراد بإسلامها هنا ~~هجرتها وإلا فهي لم تزل مسلمة منذ بعثه الله تعالى كسائر بناته صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكانت هجرتها بعد بدر بقليل، وبدر في رمضان من السنة ~~الثانية، وتحريم المسلمات على الكفار في الحديبية سنة ست في ذي القعدة، ~~فيكون مكثها بعد ذلك نحوا من سنتين، هكذا قيل: وفيه بعض مخالفة لما تقدم. # باب المرأة تسبى وزوجها بدار الشرك عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم ~~وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله تعالى في ذلك: * ~~(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * (سورة النساء، الآية: 24) أي ~~فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن رواه مسلم والنسائي وأبو داود، وكذلك أحمد ~~وليس عنده الزيادة في آخره بعد الآية، والترمذي مختصرا ولفظه: أصبنا سبايا ~~يوم أوطاس لهن أزواج في قومهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فنزلت: * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * (سورة النساء، ms2657 ~~الآية: 24). وعن عرباض بن سارية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرم وطئ ~~السبايا حتى يضمن ما في بطونهن رواه أحمد والترمذي وهو عام في ذوات الأزواج ~~وغيرهن. # حديث العرباض رجال إسناده ثقات، وقد أخرج الترمذي نحوه من حديث رويفع بن ~~ثابت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يسقي ماءه PageV06P308 # ولد غيره وحسنه الترمذي. وأخرجه أيضا أبو داود وسيأتي في باب استبراء ~~الأمة: # إذا ملكت من كتاب العدة. ولأبي داود من حديث: لا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها. وسيأتي أيضا في ذلك ~~الباب من حديث أبي سعيد في سبي أوطاس بلفظ: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ~~حامل حتى تحيض حيضة وسيأتي أيضا هنالك من حديث أبي الدرداء المنع من وطئ ~~الحامل، والكلام على هذه الأحاديث سيأتي هنالك مستوفى إن شاء الله تعالى. # وإنما ذكر المصنف رحمه الله ما ذكره في هذا الباب للاستدلال به على أن ~~البغايا حلال من غير فرق بين ذوات الأزواج وغيرهن، وذلك مما لا خلاف فيه ~~فيما أعلم، ولكن بعد مضي العدة المعتبرة شرعا. قال الزمخشري في تفسير الآية ~~المذكورة: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * يريد ما ملكت أيمانكم من اللاتي سبين ~~ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين وإن كن محصنات، وفي معناه ~~قول الفرزدق: # وذات حليل أنكحتها رماحنا * حلال لمن يبني بها لم تطلق كتاب الصداق باب ~~جواز التزويج على القليل والكثير واستحباب القصد فيه عن عامر بن ربيعة: أن ~~امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه رواه أحمد وابن ماجة ~~والترمذي وصححه. وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو ~~أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يديه طعاما كانت له حلالا رواه أحمد وأبو ~~داود بمعناه. وعن أنس: أن النبي صلى ms2658 الله عليه وآله وسلم رأى على عبد ~~الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: ما هذا؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ~~ذهب، قال: بارك الله لك أولم ولو بشاة رواه الجماعة ولم يذكر فيه أبو داود: ~~بارك الله لك. # حديث عامر بن ربيعة قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن حكى تصحيح الترمذي ~~له أنه خولف في ذلك. وحديث جابر في إسناده موسى بن مسلم وهو ضعيف، هكذا في ~~مختصر PageV06P309 # الترمذي. وقال في التلخيص في إسناده مسلم بن رومان وهو ضعيف انتهى. قال ~~أبو داود: إن بعضهم رواه موقوفا، قال: ورواه أبو عاصم عن صالح بن رومان عن ~~أبي الزبير عن جابر قال: # كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام ~~على معنى المتعة. قال: ورواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر على معنى أبي ~~عاصم وهذا الذي ذكره أبو داود معلقا قد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن ~~جريج عن أبي الزبير قال: سمعت جابرا يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر ~~والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو بكر ~~البيهقي: وهذا وإن كان في نكاح المتعة، ونكاح المتعة منسوخا فإنما فسخ منه ~~شرط الاجل، فأما ما يجعلونه صداقا فإنه لم يرد فيه نسخ. قوله: وزن نواة من ~~ذهب في رواية للبخاري: نواة من ذهب ورجحها الداودي واستنكر رواية من روى ~~وزن نواة. قال الحافظ واستنكاره المنكر لأن الذين جزموا بذلك أئمة حفاظ. ~~قال عياض: لا وهم في الرواية لأنها إن كانت نواة تمر أو غيره أو كان للنواة ~~قدر معلوم صح أن يقال في كل ذلك وزن نواة، فقيل: المراد واحدة نوى التمر، ~~وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ~~ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارا لما يوزن به؟ وقيل: لفظ ~~النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي ms2659 ~~واختاره الأزهري، ونقله عياض عن أكثر العلماء، ويؤيده أن في رواية للبيهقي ~~وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم، وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم ، حكاه ~~ابن قتيبة وجزم به ابن فارس وجعله البيضاوي الظاهر. ووقع في رواية للبيهقي: # قومت ثلاثة دراهم وثلثا وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل ثلاثة ونصف ~~وقيل: ثلاثة وربع. وعن بعض المالكية: النواة عند أهل المدينة ربع دينار. ~~ووقع في رواية للطبراني قال أنس: حزرناها ربع دينار. وقال الشافعي: النواة ~~ربع النش، والنش نصف أوقية، والأوقية أربعون درهما فتكون خمسة دراهم. وكذا ~~قال أبو عبيد: أن عبد الرحمن دفع خمسة دراهم وهي تسمى نواة، كما تسمى ~~الأربعون أوقية، وبه جزم أبو عوانة وآخرون. (والأحاديث) المذكورة تدل على ~~أنه يجوز أن يكون المهر شيئا حقيرا كالنعلين والمد من الطعام ووزن نواة من ~~ذهب. قال القاضي عياض: الاجماع على أن مثل الشئ الذي لا يتمول ولا له قيمة ~~لا يكون صداقا ولا يحل به النكاح فإن PageV06P310 # ثبت نقله فقد خرق هذا الاجماع أبو محمد بن حزم فقال: يجوز بكل شئ ولو كان ~~حبة من شعير، ويؤيد ما ذهب إليه الكافة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~التمس ولو خاتما من حديد كما سيأتي، لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما ~~فوقه، ولا شك أن الخاتم من الحديد له قيمة وهو أعلى خطرا من النواة وحبة من ~~الشعير. وكذلك حكي في البحر الاجماع على أنه لا يصح تسمية ما لا قيمة له. ~~قال الحافظ: وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شئ، وذكر منها ~~حديث عامر بن ربيعة وحديث جابر المذكورين في الباب، وحديث أبي لبيبة مرفوعا ~~عند ابن أبي شيبة: من استحل بدرهم في النكاح فقد استحل. وحديث أبي سعيد عند ~~الدارقطني في أثناء حديث في المهر: ولو على سواك من أراك قال: وأقوى شئ في ~~ذلك حديث جابر عند مسلم: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ms2660 وسلم ثم ذكر كلام البيهقي الذي قدمناه. (وقد ~~اختلف) في أقل المهر، فحكي في البحر عن العترة جميعا وأبي حنيفة وأصحابه أن ~~أقله عشرة دراهم أو ما يوازيها، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني من حديث جابر ~~بلفظ: لا مهر أقل من عشرة دراهم وهذا لو صح لكان معارضا لما تقدم من ~~الأحاديث الدالة على أنه يصح أن يكون المهر دونها، ولكنه لم يصح فإن في ~~إسناده مبشر بن عبيد وحجاج بن أرطاة وهما ضعيفان، وقد اشتهر حجاج بالتدليس ~~ومبشر متروك كما قال الدارقطني وغيره. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ~~أحمد: # روى عنه بقية أحاديث كذب. وقد روى الحديث البيهقي من طرق منها عن علي ~~عليه السلام وفي إسناده داود الأودي، وهذا الاسم يطلق على اثنين: أحدهما ~~داود بن زيد وهو ضعيف بلا خلاف. والثاني داود بن عبد الله وقد وثقه أحمد، ~~واختلفت الرواية فيه عن يحيى بن معين. ومنها عن جابر قال البيهقي بعد ~~إخراجه: هو حديث ضعيف بمرة. وروي أيضا عن علي عليه السلام من طريق فيها أبو ~~خالد الواسطي، فهذه طرق ضعيفة لا تقوم بها حجة، وعلى فرض أنها يقوي بعضها ~~بعضا فهي لا تبلغ بذلك إلى حد الاعتبار، لا سيما وقد عارضها ما في الصحيحين ~~وغيرهما عن جماعة من الصحابة مثل حديث الخاتم الذي سيأتي، وحديث نواة ~~الذهب، وسائر الأحاديث التي قدمناها. # وحكي في البحر أيضا عن عمر وابن عباس والحسن البصري وابن المسيب وربيعة ~~والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق والشافعي أن أقله ما يصح ثمنا أو أجرة، ~~وهذا PageV06P311 # مذهب راجح، وقال سعيد بن جبير: أقله خمسون درهما، وقال النخعي: أربعون، ~~وقال ابن شبرمة: خمسة دراهم، وقال مالك: ربع دينار، وليس على هذه الأربعة ~~الأقوال دليل يدل على أن الأقل هو أحدها لا دونه، ومجرد موافقة مهر من ~~المهور الواقعة في عصر النبوة لواحد منها كحديث النواة من الذهب فإنه موافق ~~لقول ابن شبرمة ولقول مالك على حسب الاختلاف في تفسيرها، لا يدل على أنه ~~المقدر الذي لا يجزي ms2661 دونه إلا مع التصريح بأنه لا يجزي دون ذلك المقدار ولا ~~تصريح. فلاح من هذا التقرير أن كل ما له قيمة صح أن يكون مهرا، وسيأتي في ~~باب جعل تعليم القرآن صداقا زيادة تحقيق للمقام. # وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أعظم النكاح ~~بركة أيسره مؤنة رواه أحمد. وعن أبي هريرة قال: كان صداقنا إذ كان فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر أواقي رواه النسائي وأحمد وزاد: ~~وطبق بيديه وذلك أربعمائة. وعن أبي سلمة قال: سألت عائشة: # كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ~~اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية ~~فتلك خمسمائة درهم رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن أبي العجفاء ~~قال: سمعت عمر يقول: لا تغلوا صدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو ~~تقوى في الآخرة كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة من نساءه ولا أصدقت امرأة من ~~بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعن أبي هريرة ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني تزوجت امرأة من ~~الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل نظرت إليها؟ فإن في ~~عيون الأنصار شيئا، قال قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع ~~أواق، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: على أربع أواق كأنما تنحتون ~~الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب ~~منه، قال: فبعث بعثا إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم رواه مسلم. وعن عروة ~~عن أم حبيبة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهي بأرض ~~الحبشة، زوجها النجاشي وأمهرها PageV06P312 # أربعة آلاف وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة، ولم يبعث إليها ms2662 ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشئ، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم رواه ~~أحمد والنسائي. # حديث عائشة الأول أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط بلفظ: أخف النساء صداقا ~~أعظمهن بركة وفي إسناده الحرث بن شبل وهو ضعيف، وأخرجه أيضا الطبراني في ~~الكبير والأوسط بنحوه. وأخرج نحوه أبو داود والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير الصداق أيسره. وحديث أبي ~~هريرة رجال إسناده ثقات. وحديث أبي العجفاء صححه أيضا ابن حبان الحاكم. ~~وأبو العجفاء اسمه هرمز بن نسيب، قال يحيى بن معين: # بصري ثقة. وقال البخاري: في حديثه نظر. وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ~~ليس بالقائم. وحديث أم حبيبة أخرجه أيضا أبو داود بلفظ: أنه زوجها النجاشي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شرحبيل ابن حسنة وأخرج أبو داود أيضا عن ~~الزهري مرسلا: أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على صداق أربعة آلاف درهم وكتب بذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقيل: بمائتي دينار. قوله: أيسره مؤنة فيه دليل على ~~أفضلية النكاح مع قلة المهر، وأن الزواج بمهر قليل مندوب إليه، لأن المهر ~~إذا كان قليلا لم يستصعب النكاح من يريده، فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر ~~عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان ~~المهر كثيرا فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء الذين هم ~~الأكثر في الغالب غير مزوجين، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كما سلف في أول النكاح. قوله: وذلك أربعمائة أي درهم ~~لأن الأوقية كانت قديما عبارة عن أربعين درهما كما صرح به صاحب النهاية. ~~قوله: كان صداقه لأزواجه الخ، ظاهره أن زوجات النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كلهن كان صداقهن ذلك المقدار، وليس الامر كذلك ms2663 وإنما هو محمول على ~~الأكثر، فإن أم حبيبة أصدقها النجاشي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المقدار المتقدم. وقال ابن إسحاق عن PageV06P313 # أبي جعفر: أصدقها أربعمائة دينار، أخرجه ابن أبي شيبة من طريقه، وأخرج ~~الطبراني عن أنس أنه أصدقها مائتي دينار وإسناده ضعيف، وصفية كان عتقها ~~صداقها، وخديجة وجويرية لم يكونا كذلك كما قال الحافظ. قوله: ونش بفتح ~~النون بعدها شين معجمة وقع مرفوعا في هذا الكتاب، والصواب ونشا بالنصب مع ~~وجود لفظ كان كما في غير هذا الكتاب، أو الرفع مع عدمها كما في رواية أبي ~~داود . قوله: لا تغلوا صدق النساء الخ، ظاهر النهي التحريم. وقد أخرج عبد ~~الرزاق عن عمر أنه قال: لا تغالوا في مهر النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك ~~يا عمر إن الله تعالى يقول: # * (وآتيتم إحداهن قنطارا) * (سورة النساء، الآية: 20) كما في قراءة ابن ~~مسعود، فقال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. وأخرجه الزبير بن بكار بلفظ: ~~امرأة أصابت ورجل أخطأ. وأخرجه أبو يعلى مطولا، وقد وقع الاجماع على أن ~~المهر لا حد لأكثره بحيث تصير الزيادة على ذلك الحد باطلة للآية. وقد اختلف ~~في تفسير القنطار المذكور في الآية فقال أبو سعيد الخدري: هو ملء مسك ثور ~~ذهبا، وقال معاذ: ألف ومائتا أوقية ذهبا، وقيل: سبعون ألف مثقال، وقيل: ~~مائة رطل ذهبا. قوله: زوجها النجاشي فيه دليل على جواز التوكيل من الزوج ~~لمن يقبل عنه النكاح، وكانت أم حبيبة المذكورة مهاجرة بأرض الحبشة مع زوجها ~~عبد الله بن جحش فمات بتلك الأرض فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأم حبيبة هي بنت أبي سفيان، وقد تقدم اختلاف الروايات في مقدار ~~صداقها. # باب جعل تعليم القرآن صداقا عن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما ~~طويلا، فقام رجل فقال: # يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله ~~عليه ms2664 وآله وسلم: # هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا، فقال: ~~ما أجد شيئا، فقال: التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل معك من PageV06P314 # القرآن شئ؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا لسور يسميها، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: قد زوجتكها بما معك من القرآن متفق عليه. وفي رواية ~~متفق عليها: قد ملكتكها بما معك من القرآن وفي رواية متفق عليها: فصعد فيها ~~النظر وصوبه. وعن أبي النعمان الأزدي: قال: زوج رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم امرأة على سورة من القرآن ثم قال: لا يكون لأحد بعدك مهرا رواه ~~سعيد في سننه وهو مرسل. # حديث أبي النعمان مع إرساله قال في الفتح: فيه من لا يعرف. وفي الباب عن ~~أبي هريرة عند أبي داود والنسائي. وعن ابن مسعود عند الدارقطني. وعن ابن ~~عباس عند أبي الشيخ وأبي عمر بن حيويه في فوائده. وعن ضميرة جد حسين بن عبد ~~الله عند الطبراني. وعن أنس البخاري والترمذي. وعن أبي أمامة عند تمام في ~~فوائده. وعن جابر عند أبي الشيخ. قوله: جاءته امرأة قال الحافظ: هذه المرأة ~~لم أقف على اسمها، ووقع في الاحكام لابن الطلاع أنها خولة بنت حكيم أو أم ~~شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى: * (وامرأة مؤمنة أن ~~وهبت نفسها للنبي) * (سورة الأحزاب، الآية: 50) صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولكن هذه غيرها. قوله: وهبت نفسي هو على حذف مضاف أي أمر نفسي لأن رقبة ~~الحر لا تملك. قوله: فقام رجل الحافظ: لم أقف على اسمه، ووقع في رواية ~~الطبراني: فقام رجل أحسبه من الأنصار. قوله: ولو خاتما في رواية: ولو خاتم ~~بالرفع على تقدير حصل. ولو في قوله ولو خاتما تعليلية. قال عياض: ووهم من ~~زعم خلاف ذلك، ووقع في ms2665 رواية عند الحاكم والطبراني من حديث سهل: زوج رجلا ~~بخاتم من حديد فصه فضة قوله: هل معك من القرآن شئ؟ المراد بالمعية هنا ~~الحفظ عن ظهر قلبه. وقد وقع في رواية: أتقرؤهن على ظهر قلبك؟ بعد قوله: معي ~~سورة كذا ومعي سورة كذا وكذلك في رواية الثوري عند الإسماعيلي بلفظ: قال: ~~عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قوله: سورة كذا وسورة كذا وقع في رواية من حديث أبي ~~هريرة: سورة البقرة أو التي تليها كذا عند أبي داود والنسائي، ووقع في حديث ~~ابن مسعود: نعم سورة البقرة وسورة من المفصل وفي حديث ضميرة: زوج صلى الله ~~عليه وآله وسلم رجلا على سورة البقرة لم يكن عنده شئ وفي حديث أبي أمامة: ~~زوج صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من أصحابه PageV06P315 # امرأة على سورة من المفصل جعلها مهرا وأدخلها عليه وقال: علمها وفي حديث ~~أبي هريرة: فعلمها عشرين آية وهي امرأتك. وفي حديث ابن عباس: أزوجها منك ~~على أن تعلمها أربع أو خمس سور من كتاب الله وفي حديث ابن عباس وجابر هل ~~تقرأ من القران شيئا؟ قال: نعم إنا أعطيناك الكوثر، أصدقها إياها قال ~~الحافظ: ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن ~~القصص متعددة. (والحديث يدل) على جواز جعل المنفعة صداقا ولو كانت تعليم ~~القرآن. قال المازري: هذا ينبني على أن الباء للتعويض كقولك: بعتك ثوبي ~~بدينار قال: وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكرمه ~~لكونه حاملا للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الطحاوي والأبهري وغيرهما: بأن هذا خاص بذلك ~~الرجل لكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك ~~يجوز له إنكاحها من شاء بغير صداق، واحتجوا على هذا بمرسل أبي النعمان ~~المذكور لقوله فيه: لا يكون لأحد بعدك مهرا وأجيب عنه بما تقدم من إرساله ~~وجهالة بعض رجال إسناده. وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال: ms2666 ليس هذا لأحد ~~بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه، ولا حجة في أقوال التابعين. ~~قال عياض: يحتمل قوله: بما معك من القرآن وجهين: أظهرهما أن يعلمها ما معه ~~من القرآن أو مقدارا معينا منه ويكون ذلك صداقها، وقد جاء هذا التفسير عن ~~مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: فعلمها من القرآن وعين في حديث أبي ~~هريرة مقدار ما يعلمها وهو عشرون آية، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام أي ~~لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه بأن زوجه المرأة بلا مهر لأجل كونه حافظا ~~للقرآن أو لبعضه، ونظيره قصة أبي طلحة مع أم سليم وذلك فيما أخرجه النسائي ~~وصححه عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد ولكنك ~~كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره ~~فكان ذلك مهرها. وأخرج النسائي أيضا نحوه من طريق أخرى، ويؤيد الاحتمال ~~الأول ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سأل رجلا من أصحابه يا فلان هل تزوجت؟ قال: لا وليس PageV06P316 # عندي ما أتزوج به، قال: أليس معك قل هو الله أحد؟. وأجاب بعضهم عن الحديث ~~بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي ~~حفظه وسكت عن المهر، فيكون ثابتا في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، ويؤيده ~~ما في حديث ابن عباس حيث قال فيه: فإذا رزقك الله فعوضها قال في الفتح: ~~لكنه غير ثابت. وأجاب البعض باحتمال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجه ~~لأجل ما حفظه من القرآن وأصدق عنه، كما كفر عن الذي واقع امرأته في رمضان، ~~ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه ~~والتنويه بفضل أهله، وأجيب بما تقدم من التصريح بجعل التعليم عوضا. وقد ذهب ~~إلى جواز جعل المنفعة صداقا الشافعي وإسحاق والحسن بن صالح، وبه ms2667 قالت ~~العترة، وعند المالكية فيه خلاف، ومنعه الحنفية في الحر وأجازوه في العبد ~~إلا في الإجارة على تعليم القرآن فمنعوه مطلقا بناء على أصلهم في أن أخذ ~~الأجرة على تعليم القرآن لا يجوز، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وقد نقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة إلا ~~الحنفية. # وقال ابن العربي من العلماء: من قال زوجه على أن يعلمها من القرآن فكأنها ~~كانت إجارة، وهذا كرهه مالك ومنعه أبو حنيفة. وقال ابن القاسم: يفسخ قبل ~~الدخول ويثبت بعده، قال: والصحيح جوازه بالتعليم. وقال القرطبي: قوله علمها ~~نص في الامر بالتعليم، والسياق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، فلا يلتفت لقول ~~من قال: # إن ذلك كان إكراما للرجل، فإن الحديث مصرح بخلافه، وقولهم: إن الباء ~~بمعنى اللام ليس بصحيح لغة ولا مساقا (وفي الحديث) فوائد منها ثبوت ولاية ~~الامام على المرأة التي لا قريب لها، وقد أطال الكلام على ما يتعلق بالحديث ~~من الفوائد في الفتح وذكر أكثر من ثلاثين فائدة، فمن أحب الوقوف على ذلك ~~فليرجع إليه. # باب من تزوج ولم يسم صداقا عن علقمة قال: أتي عبد الله في امرأة تزوجها ~~رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقا ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه ~~فقال: أرى لها مثل مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة، فشهد معقل بن ~~سنان الأشجعي أن النبي صلى الله عليه PageV06P317 # وآله وسلم قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى رواه الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه أيضا ابن مهدي. وقال ~~ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده. وقال الشافعي: لا أحفظه من وجه يثبت ~~مثله، ولو ثبت حديث يروع لقلت به، وقد قيل: إن في راوي الحديث اضطرابا، ~~فروي مرة عن معقل بن سنان ومرة عن رجل من أشجع أو ناس من أشجع، وقيل غير ~~ذلك: # قال البيهقي: قد سمى فيه ابن سنان وهو صحابي مشهور، والاختلاف فيه لا ~~يضر، فإن جميع الروايات فيه صحيحة، ms2668 وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع ~~شهدوا بذلك. وقال ابن أبي حاتم: قال أبو زرعة: الذي قال معقل بن سنان أصح. ~~وروى الحاكم في المستدرك عن حرملة بن يحيى أنه قال: سمعت الشافعي يقول: إن ~~صح حديث بروع بنت واشق قلت به، قال الحاكم: قال شيخنا أبو عبيد الله: لو ~~حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس وقلت: قد صح الحديث فقل به، وللحديث شاهد ~~أخرجه أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم زوج امرأة رجلا فدخل بها ولم يفرض لها صداقها فحضرته الوفاة فقال: ~~أشهدكم أن سهمي بخيبر لها (والحديث) فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت ~~زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر، وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة. ~~وبه قال ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وإسحاق وأحمد. وعن ~~علي عليه السلام وابن عباس وابن عمر ومالك والأوزاعي والليث والهادي وأحمد ~~قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن القاسم إنها لا تستحق إلا الميراث فقط، ~~ولا تستحق مهرا ولا متعة، لان المتعة لم ترد إلا للمطلقة، والمهر عوض عن ~~الوطئ، ولم يقع من الزوج، وأجابوا عن حديث الباب بالاضطراب ورد بما سلف، ~~قالوا: روي عن علي أنه قال: لا نقبل قول أعرابي بوال على عقبيه فيما يخالف ~~كتاب الله وسنة نبيه، ورد بأن ذلك لم يثبت عنه من وجه صحيح، ولو سلم ثبوته ~~فلم ينفرد بالحديث معقل المذكور بل روي من طريق غيره، بل معه الجراح كما ~~وقع عند أبي داود والترمذي وناس من أشجع كما سلف، وأيضا الكتاب والسنة إنما ~~نفيا مهر المطلقة قبل المس، والفرض لا مهر من مات عنها زوجها، وأحكام الموت ~~غير أحكام الطلاق. وفي رواية عن القاسم أن لها المتعة. قوله: ولها الميراث ~~هو مجمع على ذلك كما في البحر، وإنما اتفق على أنها تستحقه لأنه يجب لها ~~بالعقد، إذ هو سببه PageV06P318 # لا الوطئ. قوله: بروع قال في القاموس: ms2669 كجدول ولا يكسر بنت واشق صحابية، ~~وفي المغني بفتح الباء عند أهل اللغة، وكسرها عند أهل الحديث. # باب تقدمة شئ من المهر قبل الدخول والرخصة في تركه عن ابن عباس: قال: لما ~~تزوج علي فاطمة قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أعطها شيئا، ~~قال: ما عندي شئ، قال: أين درعك الحطمية؟ رواه أبو داود والنسائي. # وفي رواية: أن عليا لما تزوج فاطمة أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى يعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله ليس لي شئ، فقال ~~له: أعطها درعك الحطمية، فأعطاها درعه ثم دخل بها رواه أبو داود، وهو دليل ~~على جواز الامتناع من تسليم المرأة ما لم تقبض مهرها. وعن عائشة قالت: ~~أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن ~~يعطيها شيئا رواه أبو داود وابن ماجة. # حديث ابن عباس صححه الحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري، والرواية الثانية ~~منه هي في سنن أبي داود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل عن ابن عباس كما في الرواية الأولى. ~~وحديث عائشة سكت عنه أبو داود والمنذري، إلا أن أبا داود قال: خيثمة لم ~~يسمع من عائشة انتهى. # وفي شريك مقال. وقال البيهقي: وصله شريك وأرسله غيره. (وقد استدل) بحديث ~~ابن عباس من قال: إنه يجوز الامتناع من تسليم المرأة حتى يسلم الزوج مهرها، ~~وكذلك للمرأة الامتناع حتى يسمي الزوج مهرها، وقد تعقب بأن المرأة إذا كانت ~~قد رضيت بالعقد بلا تسمية أو أجازته فقد نفذ وتعين به مهر المثل ولم يثبت ~~لها الامتناع، وإن لم تكن رضيت به بغير تسمية ولا إجازة فلا عقد رأسا، فضلا ~~عن الحكم بجواز الامتناع، وكذلك يجوز للمرأة أن تمتنع حتى يعين الزوج مهرها ~~ثم حتى يسلمه، قيل: وظاهر الحديث أن المهر لم يكن مسمى عند العقد، وتعقب ~~بأنه يحتمل أنه كان مسمى ms2670 عند العقد ووقع التأجيل به، ولكنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمره بتقديم شئ منه كرامة للمرأة وتأنيسا. وحديث عائشة المذكور ~~يدل على أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يسلم الزوج إلى المرأة مهرها قبل ~~الدخول، ولا أعرف في ذلك خلافا. قوله: الحطمية PageV06P319 # بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة أيضا منسوبة إلى الحطم، سميت بذلك ~~لأنها تحطم السيوف، وقيل: منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال له حطمة بن ~~محارب كانوا يعملون الدروع، كذا في النهاية. # باب حكم هدايا الزوج للمرأة وأوليائها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيما امرأة نكحت على صداق أو ~~حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن ~~أعطيه، وأحق ما يكرم عليه الرجل ابنته وأخته رواه الخمسة إلا الترمذي. # الحديث سكت عنه أبو داود، وأشار المنذري إلى أنه من رواية عمرو بن شعيب ~~وفيه مقال معروف قد تقدم بيانه في أوائل هذا الشرح، ومن دون عمرو بن شعيب ~~ثقات. وفيه دليل على أن المرأة تستحق جميع ما يذكر قبل العقد من صداق أو ~~حباء وهو العطاء أو عدة بوعد، ولو كان ذلك الشئ مذكورا لغيرها، وما يذكر ~~بعد عقد النكاح فهو لمن جعل له سواء كان وليا أو غير ولي أو المرأة نفسها. ~~وقد ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز والثوري وأبو عبيد ومالك والهادوية. ~~وقال أبو يوسف: # إن ذكر قبل العقد لغيرها استحقه. وقال الشافعي: إذا سمى لغيرها كانت ~~التسمية فاسدة وتستحق مهر المثل، وقد وهم صاحب الكافي فقال: إنه لم يقل ~~بالقول الأول إلا الهادي، وأن ذلك القول خلاف الاجماع، قال: والصحيح أن ما ~~شرطه الولي لنفسه سقط وعليه عامة السادة والفقهاء، وقد عرفت من قال بذلك ~~القول وإنه الظاهر من الحديث. قوله: وأحق ما يكرم عليه الخ، فيه دليل على ~~مشروعية صلة أقارب الزوجة وإكرامهم والاحسان إليهم وأن ذلك حلال لهم، وليس ms2671 ~~من قبيل الرسوم المحرمة إلا أن يمتنعوا من التزويج إلا به. PageV06P320 # كتاب الوليمة والبناء على النساء وعشرتهن باب استحباب الوليمة بالشاة ~~فأكثر وجوازها بدونها قال صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الرحمن: أولم ولو ~~بشاة. وعن أنس قال: ما أولم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شئ من نساءه ~~ما أولم على زينب أولم بشاة متفق عليه. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أولم على صفية بتمر وسويق رواه الخمسة إلا النسائي. وعن صفية بنت ~~شيبة أنها قالت: أولم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بعض نسائه بمدين ~~من شعير أخرجه البخاري هذا مرسلا. وعن أنس في قصة صفية: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم جعل وليمتها التمر والأقط والسمن رواه أحمد ومسلم. وفي ~~رواية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال ~~يبني بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته ما كان فيها من خبز ولا لحم، وما ~~كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط والسمن فقال ~~المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، فقالوا: إن حجبها فهي إحدى ~~أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه فلما ارتحل وطأها خلفه ~~ومد الحجاب متفق عليه. # حديث أولم ولو بشاة قد تقدم في أول كتاب الصداق. وحديث أنس الثاني أخرجه ~~أيضا ابن حبان. قوله: أولم قال الأزهري: الوليمة مشتقة من الولم وهو جمع ~~لأن الزوجين يجتمعان. وقال ابن الاعرابي: أصلها تمام الشئ واجتماعه، وتقع ~~على كل طعام يتخذ لسرور، وتستعمل في وليمة الأعراس بلا تقييد، وفي غيرها مع ~~التقييد، فيقال مثلا: وليمة مأدبة هكذا. قال بعض الفقهاء: وحكاه في الفتح ~~عن الشافعي وأصحابه، وحكى ابن عبد البر عن أهل اللغة وهو المنقول عن الخليل ~~وثعلب، وبه جزم الجوهري وابن الأثير أن الوليمة هي الطعام في العرس خاصة. ~~قال ابن رسلان: وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات ~~PageV06P321 # اللغة وأعلم بلسان العرب انتهى. ms2672 ويمكن أن يقال: الوليمة في اللغة وليمة ~~العرس فقط، وفي الشرع للولائم المشروعة. وقال في القاموس: الوليمة طعام ~~العرس أوكل طعام صنع لدعوة وغيرها وأولم صنعها. وقال صاحب المحكم: الوليمة ~~طعام العرس والاملاك، وسيأتي تفسير الولائم، وظاهر الامر الوجوب، وقد روى ~~القول به القرطبي عن مذهب مالك وقال: مشهور المذهب أنها مندوبة وروى ابن ~~التين الوجوب أيضا عن مذهب أحمد، لكن الذي في المغني أنها سنة، وكذلك حكى ~~الوجوب في البحر عن أحد قولي الشافعي، وحكاه ابن حزم عن أهل الظاهر، وقال ~~سليم الرازي: أنه ظاهر نص الام، ونقله أبو إسحاق الشيرازي عن النص، وحكاه ~~في الفتح أيضا عن بعض الشافعية، وبهذا يظهر ثبوت الخلاف في الوجوب لا كما ~~قال ابن بطال، ولا أعلم أحدا أوجبها، وكذا قال صاحب المغني ومن جملة ما ~~استدل به من أوجبها ما أخرجه الطبراني من حديث وحشي بن حرب رفعه: الوليمة ~~حق وفي مسلم: شر الطعام طعام الوليمة ثم قال: وهو حق. وفي رواية لأبي الشيخ ~~والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رفعه: الوليمة حق وسنة فمن دعي ~~إليها فلم يجب فقد عصى. # وأخرج أحمد من حديث بريدة قال: لما خطب علي فاطمة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إنه لا بد للعروس من وليمة، قال الحافظ وسنده لا بأس به ~~قال ابن بطال: قوله حق أي ليست بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيلة، وليس ~~المراد بالحق الوجوب، وأيضا هو الطعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة، ~~والامر محمول على الاستحباب، ولكونه أمر بشاة وهي غير واجبة اتفاقا. قال في ~~الفتح: وقد اختلف السلف في وقتها هل هو عند العقد أو عقبه؟ أو عند الدخول ~~أو عقبه؟ أو يوسع من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال. قال ~~النووي: اختلفوا فحكى القاضي عياض أن الأصح عند المالكية استحبابها بعد ~~الدخول، وعن جماعة منهم عند العقد. وعن ابن جندب: عند العقد وبعد الدخول. ~~قال السبكي: # والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه ms2673 وآله وسلم أنها بعد الدخول انتهى. ~~وفي حديث أنس عند البخاري وغيره التصريح بأنها بعد الدخول لقوله: أصبح ~~عروسا بزينب فدعا القوم. قوله: ولو بشاة لو هذه ليست الامتناعية وإنما هي ~~التي للتقليل. # (وفي الحديث) دليل على أن الشاة أقل ما يجزي في الوليمة عن الموسر، ولولا ~~ثبوت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان ~~يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما يجزي في الوليمة مطلقا، ولكن هذا ~~الامر من PageV06P322 # خطاب الواحد، وفي تناوله لغيره خلاف في الأصول معروف. قال القاضي عياض: # وأجمعوا على أنه لا حد لأكثر ما يؤلم به، وأما أقله فكذلك، ومهما تيسر ~~أجزأ، والمستحب أنها على قدر حال الزوج. قوله: ما أولم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم على شئ من نسائه الخ، هذا محمول على ما انتهى إليه علم أنس، أو ~~لما وقع من البركة في وليمتها، حيث أشبع المسلمين خبزا ولحما من الشاة ~~الواحدة، وإلا فالذي يظهر أنه أولم على ميمونة بنت الحرث التي تزوجها في ~~عمرة القضية بمكة، وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها، فامتنعوا أن يكون ما ~~أولم به عليها أكثر من شاة لوجود التوسعة عليه في تلك الحال، لأن ذلك كان ~~بعد فتح خيبر، وقد وسع الله على المسلمين في فتحها عليهم، هكذا في الفتح ~~وما ادعاه من الظهور ممنوع، لأن كونه دعا أهل مكة لا يستلزم أن تكون تلك ~~الوليمة بشاة أو بأكثر منها، بل غايته أن يكون فيها طعام كثير يكفي من ~~دعاهم، مع أنه يمكن أن يكون في تلك الحال الطعام الذي دعاهم إليه قليلا ~~ولكنه يكفي الجميع بتبريكه صلى الله عليه وآله وسلم عليه، فلا تدل كثرة ~~المدعوين على كثرة الطعام ولا سيما وهو في تلك الحال مسافر، فإن السفر مظنة ~~لعدم التوسعة في الوليمة الواقعة فيه، فيعارض هذا مظنة التوسعة لكون ~~الوليمة واقعة بعد فتح خيبر. قال ابن بطال: لم يقع من النبي صلى الله عليه ms2674 ~~وآله وسلم القصد إلى تفضيل بعض النساء على بعض بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو ~~وجد الشاة في كل منهن لا ولم بها لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ ~~فيما يتعلق بأمور الدنيا في التأنق، وقال غيره: يجوز أن يكون فعل ذلك لبيان ~~الجواز. # وقال الكرماني: لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها كان الشكر ~~لله على ما أنعم به عليه من تزوجه إياها بالوحي. وقال ابن المنير: يؤخذ من ~~تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعضهن دون بعض في الاتحاف ~~والالطاف. # قوله: وعن صفية بنت شيبة صفية هذه ليست بصحابية وحديثها مرسل، وقد رواه ~~البعض عنها عن عائشة، ورجح النسائي قول من لم يقل عن عائشة، ولكنه قد روى ~~البخاري عنها في كتاب الحج أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وقد ضعف ذلك المزي بأنه مروي من طريق أبان بن صالح، وكذلك صرح بتضعيفه ~~ابن عبد البر في التمهيد، ويجاب بأنه قد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ~~وغيرهم، حتى قال الذهبي في التهذيب: ما رأيت أحدا ضعف أبان بن صالح، ~~PageV06P323 # ومما يدل علي ثبوت صحبتها ما أخرجه أبو داود وابن ماجة من حديثها: قالت: ~~طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بعير يستلم الحجر بمحجن وأنا أنظر ~~إليه. قال المزي: # هذا يضعف قول من أنكر أن يكون لها رؤية فإن إسناده حسن، فيحتمل أن يكون ~~مراد من أطلق أنه مرسل يعني من مراسيل الصحابة، لأنها ما حضرت قصة زواج ~~المرأة المذكورة في الحديث، لأنها كانت بمكة طفلة أو لم تولد بعد، والتزوج ~~كان بالمدينة. # قوله: على بعض نسائه قال الحافظ: لم أقف على تعيين اسمها صريحا، وأقرب ما ~~يفسر به أم سلمة فقد أخرج ابن سعد عن شيخه الواقدي بسنده إلى أم سلمة قالت: ~~لما خطبني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر قصة تزويجه قالت: فأدخلني ~~بيت زينب بنت خزيمة فإذا جرة فيها شئ ms2675 من شعير فأخذته فطحنته ثم عصدته في ~~البرمة وأخذت شيئا من إهالة فأدمته، فكان ذلك طعام رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن سعد أيضا بإسناد صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحرث أن أم سلمة أخبرته فذكرت قصة خطبتها وتزويجها وقصة الشعير. قوله: ~~يبني بصفية أصله يبني خباء جديدا مع صفية أو بسببها، ثم استعمل البناء في ~~الدخول بالزوجة، يقال: # بنى الرجل بالمرأة أي دخل بها. (وفيه دليل) على أنها تؤثر المرأة الجديدة ~~ولو في السفر. قوله: التمر والأقط والسمن هذه الأمور الثلاثة إذا خلط بعضها ~~ببعض سميت حيسا. قوله: بالأنطاع جمع نطع بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء ~~وإسكانها أفصحهن كسر النون مع فتح الطاء، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف ~~وقد تسكن بعدها طاء مهملة وقد تقدم تفسيره في الفطرة، وفي هذه القصة دليل ~~على اختصاص الحجاب بالحرائر من زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم لجعل ~~الصحابة رضي الله عنهم الحجاب أمارة كونها حرة. # باب إجابة الداعي عن أبي هريرة قال: شر الطعام طعام الوليمة تدعى لها ~~الأغنياء وتترك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله متفق عليه. ~~وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: شر الطعام طعام ~~الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد ~~عصى الله ورسوله PageV06P324 # رواه مسلم. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أجيبوا ~~هذه الدعوة إذا دعيتم لها، وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ~~ويأتيها وهو صائم متفق عليه. وفي رواية: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ~~متفق عليه، ورواه أبو داود وزاد: فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما ~~فليدع. وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من دعي فلم يجب ~~فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا رواه أبو ~~داود. وفي لفظ: إذا دعا أحدكم أخاه فليجب رواه أحمد ms2676 ومسلم وأبو داود. وفي ~~لفظ: إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب. وفي لفظ: من دعي إلى عرس أو نحوه ~~فليجب رواهما مسلم وأبو داود. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وقال فيه: وهو صائم. وعن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان ~~صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي لفظ: # إذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم فليقل: إني صائم رواه الجماعة إلا ~~البخاري والنسائي. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ~~دعي أحدكم إلى الطعام فجاء مع الرسول فذلك له إذن رواه أحمد وأبو داود. # الرواية التي انفرد بها أبو داود بلفظ: ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا ~~الخ، في إسنادها أبان بن طارق البصري سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال: شيخ ~~مجهول. وقال أبو أحمد بن عدي: وأبان بن طارق لا يعرف إلا بهذا الحديث، وهذا ~~الحديث معروف به وليس له أنكر من هذا الحديث. وفي إسناده أيضا درست بن زياد ~~ولا يحتج بحديثه، ويقال: هو درست بن حمزة، وقيل: بل هما اثنان ضعيفان. ~~وحديث أبي هريرة الآخر رجال إسناده ثقات، لكنه قال أبو داود: يقال قتادة لم ~~يسمع من أبي رافع شيئا. قوله: شر الطعام طعام الوليمة إنما سماه شرا لما ~~ذكر عقبه، فكأنه قال: شر الطعام الذي شأنه كذا. وقال الطيبي: اللام في ~~الوليمة للعهد إذ كان من عادة الجاهلية أن يدعوا الأغنياء ويتركوا الفقراء. ~~قوله: يدعى الخ، استئناف وبيان لكونها شر الطعام، وقال البيضاوي: من مقدرة ~~كما يقال: شر الناس من أكل وحده PageV06P325 # أي من شرهم. قوله: تدعى الخ، الجملة في موضع الحال. ووقع في رواية ~~للطبراني من حديث ابن عباس: بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان ~~ويحبس عنه ms2677 الجيعان. قوله: فقد عصى الله ورسوله احتج بهذا من قال بوجوب ~~الإجابة إلى الوليمة لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب، وقد نقل ابن ~~عبد البر والقاضي عياض والنووي الاتفاق على وجوب الإجابة لوليمة العرس. قال ~~في الفتح: وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور ~~الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه مالك. وعن بعض الشافعية ~~والحنابلة أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، وعن بعض ~~الشافعية والحنابلة هي فرض كفاية. وحكي في البحر عن العترة والشافعي أن ~~الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها، ولم يحك الوجوب إلا عن أحد قولي ~~الشافعي، فانظركم التفاوت بين من حكى الاجماع على الوجوب وبين من لم يحكه ~~إلا عن قول لبعض العلماء، والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير ~~صارف لها عن الوجوب، ولجعل الذي لم يجب عاصيا، وهذا في وليمة النكاح في ~~غاية الظهور، وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة ~~شرعا كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة. (لا يقال) ينبغي حمل ~~مطلق الوليمة على الوليمة المقيدة بالعرس كما وقع في رواية حديث ابن عمر ~~المذكورة بلفظ: إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب. (لأنا نقول) ذلك غير ~~ناتج للتقييد لما وقع في الرواية المتعقبة لهذه الرواية بلفظ: من دعي إلى ~~عرس أو نحوه. وأيضا قوله: من لم يجب الدعوة فقد عصى الله يدل على وجوب ~~الإجابة إلى غير وليمة العرس. قال في الفتح: وأما الدعوة فهي أعم من ~~الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور وضمها قطرب في مثلثاته وغلطوه في ذلك ~~على ما قال النووي. وقال في الفتح أيضا في باب آخر: والذي يظهر أن اللام في ~~الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولا. قال: وقد تقدم أن الوليمة إذا ~~أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد انتهى. ويجاب ~~أولا بأن هذا مصادرة على المطلوب لأن الوليمة المطلقة هي محل النزاع. ~~وثانيا بأن في أحاديث الباب ما ms2678 يشعر بالإجابة إلى كل دعوة، ولا يمكن فيه ما ~~ادعاه في الدعوة، وذلك نحو ما في رواية ابن عمر بلفظ: من دعي فلم يجب فقد ~~عصى الله. وكذلك قوله: من دعي إلى عرس أو نحوه PageV06P326 # فليجب. وقد ذهب إلى وجوب الإجابة مطلقا بعض الشافعية، ونقله عبد البر عن ~~عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور ~~الصحابة والتابعين. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية ~~والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الاجماع، ~~وحكاه صاحب البحر عن العترة، ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون لما عرفت، قال ~~في الفتح بعد أن حكى وجوب الإجابة إلى وليمة العرس: إن شرط وجوبها أن يكون ~~الداعي مكلفا حرا رشيدا، وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يظهر قصد ~~التودد لشخص لرغبة فيه أو رهبة منه، وأن يكون الداعي مسلما على الأصح، وأن ~~يختص باليوم الأول على المشهور، وأن لا يسبق فمن سبق تعينت الإجابة له دون ~~الثاني، وأن لا يكون هناك ما يتأذى بحضوره من منكر أو غيره، وأن لا يكون له ~~عذر. وسيأتي البحث عن أدلة هذه الأمور إن شاء الله تعالى. قوله: دخل سارقا ~~وخرج مغيرا بضم الميم وكسر الغين المعجمة اسم فاعل من أغار يغير إذا نهب ~~مال غيره، فكأنه شبه دخوله على الطعام الذي لم يدع إليه بدخول السارق الذي ~~يدخل بغير إرادة المالك لأنه اختفى بين الداخلين، وشبه خروجه بخروج من نهب ~~قوما وخرج ظاهرا بعد ما أكل، بخلاف الدخول فإنه دخل مختفيا خوفا من أن ~~يمنع، وبعد الخروج قد قضى حاجته فلم يبق له حاجة إلى التستر. قوله: # فإن شاء طعم بفتح الطاء وكسر العين أي أكل. قوله: وإن شاء ترك فيه دليل ~~على أن نفس الاكل لا يجب على المدعي في عرس أو غيره وإنما الواجب الحضور، ~~وصحح النووي وجوب الاكل ورجحه أهل الظاهر، ولعل متمسكه ما في الرواية ~~الأخرى من قوله: وإن كان مفطرا فليطعم. قوله: ms2679 فإن كان صائما فليصل وقع في ~~رواية هشام بن حسان في آخره والصلاة الدعاء، ويؤيده ما وقع عند أبي داود من ~~طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع في آخر الحديث المرفوع: فإن ~~كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليدع وهو يرد قول بعض الشراح أنه محمول ~~على ظاهره، وأن المراد فليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها ويحصل لأهل المنزل ~~والحاضرين بركتها، ويرده أيضا حديث: لا صلاة بحضرة طعام. (وفي الحديث) دليل ~~على أنه يجب الحضور على الصائم ولا يجب عليه إلا كل، ولكن هذا بعد أن يقول ~~للداعي: إني صائم كما في الرواية الأخرى، فإن عذره من الحضور بذلك وإلا ~~حضر، وهل يستحب PageV06P327 # به أن يفطر إن كان صومه تطوعا؟ قال أكثر الشافعية وبعض الحنابلة: إن كان ~~يشق على صاحب الدعوة صومه فالأفضل الفطر وإلا فالصوم. وأطلق الروياني ~~استحباب الفطر، وهذا على رأي من يجوز الخروج من صوم النفل، وأما من يوجب ~~الاستمرار فيه بعد التلبس به فلا يجوزه. قوله: فذلك إذن له فيه دليل على ~~أنه لا يجب الاستئذان على المدعو إذا كان معه رسول الداعي، وأن كون الرسول ~~معه بمنزلة الاذن. # باب ما يصنع إذا اجتمع الداعيان عن حميد بن عبد الرحمن الحميري: عن رجل ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا اجتمع الداعيان فأجب ~~أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا، فإذا سبق أحدهما فأجب الذي ~~سبق رواه أحمد وأبو داود. # وعن عائشة: أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن لي جارين ~~فإلى أيهما أهدي؟ فقال: إلى أقربهما منك بابا ورواه أحمد والبخاري. # الحديث الأول في إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف بالدالاني ~~وقد وثقه أبو حاتم الرازي، وقال الإمام أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: ~~ليس به بأس. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: في حديثه ~~لين إلا أنه يكتب حديثه. وحكي عن شريك أنه قال: كان مرجئا. وقال في ms2680 ~~التلخيص: إن إسناد هذا الحديث ضعيف. ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من ~~رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبيه به، وقد جعل الحافظ حديث عائشة المذكور ~~شاهدا للحديث الأول، ووجه ذلك أن إيثار الأقرب بالهدية يدل على أنه أحق من ~~الأبعد في الاحسان إليه، فيكون أحق منه بإجابة دعوته مع اجتماعهما في وقت ~~واحد، فإن تقدم أحدهما كان أولى بالإجابة من الآخر، سواء كان السابق هو ~~الأقرب أو الأبعد، فالقرب وإن كان سببا للإيثار ولكنه لا يعتبر إلا مع عدم ~~السبق، فإن وجد السبق فلا اعتبار للقرب، فإن وقع الاستواء في قرب الدار ~~وبعدها مع الاجتماع في الدعوة فقال الامام يحيى: يقرع بينهما، وقد قيل: إن ~~من مرجحات الإجابة لأحد الداعيين كونه رحما أو من أهل العلم أو الورع أو ~~القرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV06P328 # باب إجابة من قال لصاحبه: ادع من لقيت، وحكم الإجابة في اليوم الثاني ~~والثالث عن أنس قال: تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل بأهله فصنعت ~~أم سليم حيسا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب به إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذهبت به فقال: ضعه، ثم قال: اذهب فادع لي فلانا وفلانا ومن ~~لقيت، فدعوت من سمى ومن لقيت متفق عليه ولفظه لمسلم. # قوله: حيسا بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها سين مهملة، وهو ما ~~يتخذ من الأقط والتمر والسمن، وقد جعل عوض الأقط الدقيق. قوله: في تور بفتح ~~الفوقية وسكون الواو وآخره راء مهملة وهو إناء من نحاس أو غيره. (والحديث) ~~فيه دليل على جواز الدعوة إلى الطعام على الصفة التي أمر بها صلى الله عليه ~~وآله وسلم من دون تعيين المدعو، وفيه جواز إرسال الصغير إلى من يريد المرسل ~~دعوته إلى طعامه، وقبول الهدية من المرأة الأجنبية، ومشروعية هدية الطعام، ~~وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قد روي أن ذلك ~~الطعام كفى جميع من حضر إليه وكانوا جمعا كثيرا ms2681 مع كونه شيئا يسيرا، كما ~~يدل على ذلك قوله: فجعلته في تور وكون الحامل له ذلك الصغير. # وعن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفي: عن رجل من ثقيف يقال إن ~~له معروفا وأثنى عليه، قال قتادة: إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ~~ما اسمه؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الوليمة أول يوم حق، ~~واليوم الثاني معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء رواه أحمد وأبو داود، ورواه ~~الترمذي من حديث ابن مسعود وابن ماجة من حديث أبي هريرة. # الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي والدارمي والبزار، وأخرجه البغوي في ~~معجم الصحابة فيمن اسمه زهير قال: ولا أعلم له غيره. وقال ابن عبد البر: في ~~إسناده نظر يقال إنه مرسل وليس له غيره. وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه ~~الكبير PageV06P329 # في ترجمة زهير بن عثمان وقال: لا يصح إسناده ولا يعرف له صحبة، ووهم ابن ~~قانع فذكره في الصحابة فيمن اسمه معروف، وذلك أنه وقع في السنن والمسند عن ~~رجل من ثقيف كان يقال له معروفا أي يثني عليه، وحديث ابن مسعود استغربه ~~الترمذي. وقال الدارقطني: تفرد به زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن ~~أبي عبد الرحمن السلمي عنه. قال الحافظ: وزياد مختلف في الاحتجاج به، ومع ~~ذلك فسماعه عن عطاء بعد الاختلاط وحديث أبي هريرة في إسناده عبد الملك بن ~~حسين النخعي الواسطي قال الحافظ: ضعيف. وفي الباب عن أنس عند البيهقي وفي ~~إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف. وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من ~~حديث الحسن عن أنس ورجحا رواية من أرسله عن الحسن. (وفي الباب) أيضا عن ~~وحشي بن حرب عند الطبراني بإسناد ضعيف. وعن ابن عباس عنده أيضا بإسناد ~~كذلك. (الحديث) فيه دليل على مشروعية الوليمة في اليوم الأول وهو من ~~متمسكات من قال بالوجوب كما سلف، وعدم كراهتها في اليوم الثاني لأنها ~~معروف، والمعروف ليس بمنكر ولا مكروه، وكراهتها في اليوم الثالث لأن الشئ ms2682 ~~إذا كان للسمعة والرياء لم يكن حلالا. قال النووي: إذا أولم ثلاثا فالإجابة ~~في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعا، ولا يكون استحبابها فيه ~~كاستحبابها في اليوم الأول انتهى. وذهب بعض العلماء إلى الوجوب في اليوم ~~الثاني، وبعضهم إلى الكراهة، وإلى كراهة الإجابة في اليوم الثالث ذهبت ~~الشافعية والحنابلة والهادوية. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين ~~قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعا أبي ~~بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أبي صائما فلما طعموا دعا أبي. وأخرجه ~~عبد الرزاق وقال فيه ثمانية أيام. وقد ذهب إلى استحباب الدعوة إلى سبعة ~~أيام المالكية، كما حكى ذلك القاضي عياض عنهم، وقد أشار البخاري إلى ترجيح ~~هذا المذهب فقال باب إجابة الوليمة والدعوة: # ومن أولم سبعة أيام ولم يؤقت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما ولا ~~يومين انتهى. # ولا يخفى أن أحاديث الباب يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها، على أن ~~الدعوة بعد اليومين مكروهة. PageV06P330 # باب من دعي فرأى منكرا فلينكره وإلا فليرجع قد سبق قوله: من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وعن علي ~~رضي الله عنه قال: صنعت طعاما فدعوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرأى في البيت تصاوير فرجع رواه ابن ماجة. وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر ~~وأن يأكل وهو منبطح رواه أبو داود. وعن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: # من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر، ~~ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومن كانت تؤمن ~~بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام رواه أحمد. ورواه الترمذي بمعناه من ~~رواية جابر وقال: # حديث حسن غريب. قال أحمد: وقد خرج أبو أيوب حين دعاه ابن عمر فرأى ms2683 البيت ~~قد ستر ودعا حذيفة فخرج، وإنما رأى شيئا من زي الأعاجم. قال البخاري: ورأي ~~ابن مسعود صورة في البيت فرجع. # الحديث الأول الذي أشار المصنف إليه قد سبق في باب خطبة العيد وأحكامها ~~من كتاب العيدين. وحديث علي أخرجه ابن ماجة بإسناد رجاله رجال الصحيح ~~وسياقه هكذا حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن ~~سعيد بن المسيب عن علي فذكره. وتشهد له أحاديث قد تقدمت في باب حكم ما فيه ~~صورة من الثياب من كتاب اللباس. وحديث ابن عمر أخرجه أيضا النسائي والحاكم ~~وهو من رواية جعفر بن برقان عن الزهري ولم يسمع منه، وقد أعل الحديث بذلك ~~أبو داود والنسائي وأبو حاتم، ولكنه قد روى أحمد والنسائي والترمذي والحاكم ~~عن جابر مرفوعا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار ~~عليها الخمر. وأخرجه أيضا الترمذي عن طريق ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ~~جابر. وهذا الحديث هو الذي أشار إليه المصنف وقد حسنه الترمذي، وقال ~~الحافظ: إسناده جيد. وأما الطريق الأخرى التي انفرد بها الترمذي ~~PageV06P331 # فإسنادها ضعيف. وأخرج نحوه البزار من حديث أبي سعيد والطبراني من حديث ~~ابن عباس وعمران بن حصين. وحديث عمر إسناده ضعيف كما قاله الحافظ في ~~التلخيص، وأثر أبي أيوب رواه البخاري في صحيحه معلقا بلفظ: ودعا ابن عمر ~~أبا أيوب فرأى في البيت سترا فقال: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى ~~عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاما فرجع وقد وصله أحمد في ~~كتاب الورع، ومسدد في مسنده، والطبراني، وأثر ابن مسعود قال الحافظ: كذا في ~~رواية المستملي والأصيلي والقابسي. وفي رواية الباقين أبو مسعود والأول ~~تصحيف فيما أظن، فإني لم أر الأثر المعلق إلا عن أبي مسعود وعقبة بن عمر، ~~وأخرجه البيهقي من طريق عدي بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود وسنده ~~صحيح، وخالد بن سعد هو مولى أبي مسعود الأنصاري، ولا أعرف له عن عبد ms2684 الله ~~بن مسعود رواية، ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبد الله بن مسعود أيضا لكن لم ~~أقف عليه. وأخرج أحمد في كتاب الزهد من طريق عبد الله بن عتبة قال: دخل ابن ~~عمر بيت رجل دعاه إلى عرس فإذا بيته قد ستر بالكرور فقال ابن عمر: يا فلان ~~متى تحولت الكعبة في بيتك؟ # فقال لنفر معه من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ليهتك كل رجل ما ~~يليه. # (وأحاديث) الباب وآثاره فيه دليل على أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون ~~فيها منكر مما نهى الله ورسوله عنه لما في ذلك من إظهار الرضا بها. قال في ~~الفتح: وحاصله إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس وإن لم ~~يقدر فليرجع، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع. قال: وقد فصل ~~العلماء في ذلك، فإن كان هناك له مما اختلف فيه فيجوز الحضور والأولى ~~الترك، وإن كان هناك حرام كشرب الخمر نظر، فإن كان المدعو ممن إذا حضر رفع ~~لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك ففيه للشافعية وجهان: أحدهما يحضر وينكر ~~بحسب قدرته وإن كان الأولى أن لا يحضر، قال البيهقي: # وهو ظاهر نص الشافعي وعليه جرى العراقيون من أصحابه، وقال صاحب الهداية ~~من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذ لم يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على ~~منعهم فليخرج لما فيه من شين الدين وفتح باب المعصية، وحكي عن أبي حنيفة ~~أنه قعد وهو محمول على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مقتدى به، قال: وهذا كله ~~بعد الحضور، فإن علم قبله لم يلزمه الإجابة. والوجه الثاني للشافعية تحريم ~~الحضور لأنه كالرضا PageV06P332 # بالمنكر، وصححه المروزي فإن لم يعلم حتى حضر فلينههم، فإن لم ينتهوا ~~فليخرج إلا إن خاف على نفسه من ذلك، وعلى ذلك جرى الحنابلة، وكذا اعتبر ~~المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وكذلك الهادوية. وحكى ابن ~~بطال وغيره عن مالك أن الرجل إذا كان من أهل الهيبة ms2685 لا ينبغي له أن يحضر ~~موضعا فيه لهو أصلا، ويؤيد منع الحضور حديث عمران بن حصين: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن إجابة طعام الفاسقين أخرجه الطبراني في الأوسط. ~~قوله: فلا يدخل الحمام الخ، قد تقدم الكلام على ذلك في باب ما جاء في دخول ~~الحمام من كتاب الغسل. # قوله: فرأى البيت قد ستر اختلف العلماء في حكم ستر البيوت والجدران، فجزم ~~جمهور الشافعية بالكراهة. وصرح الشيخ نصر الدين المقدسي منهم بالتحريم ~~واحتج بحديث عائشة عنه عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن ~~الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين وجذب الستر حتى هتكه. قال البيهقي: # هذه اللفظة تدل على كراهة ستر الجدر، وإن كان في بعض ألفاظ الحديث أن ~~المنع كان بسبب الصورة، وقال غيره: ليس في السياق ما يدل على التحريم، ~~وإنما فيه نفي الامر بذلك، ونفي الامر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن ~~يحتج بفعله صلى الله عليه وآله وسلم في هتكه. وقد جاء النهي عن ستر الجذر ~~صريحا منها في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره: لا تستروا الجدر بالثياب ~~وفي إسناده ضعف وله شاهد مرسل عن علي بن الحسين أخرجه ابن وهب ثم البيهقي ~~من طريقه، وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفا أنه أنكر ستر البيت ~~وقال: أمحموم بيتكم؟ وتحولت الكعبة عندكم؟ ثم قال: لا أدخله حتى يهتك. ~~وأخرج الحاكم والبيهقي من حديث محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه ~~رأى بيتا مستورا فقعد وبكى وذكر حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيه: كيف بكم إذا سترتم بيوتكم الحديث وأصله في النسائي. # باب حجة من كره النثار والانتهاب منه عن زيد بن خالد: أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ينهى PageV06P333 # عن النهبة والخلسة رواه أحمد. وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المثلة والنهب وراه أحمد والبخاري. # وعن ms2686 أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من انتهب فليس منا رواه ~~أحمد والترمذي وصححه، وقد سبق من حديث عمران بن حصين مثله. # حديث زيد بن خالد قال في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد والطبراني في إسناده ~~رجل لم يسم. وحديث عمران قد تقدم، وتقدم في شرحه الكلام عليه وعلى النثار. ~~(والحاصل) أن أحاديث النهي عن النهبي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من طريق جماعة من الصحابة في الصحيح وغيره، وهي تقتضي تحريم كل ~~انتهاب، ومن جملة ذلك انتهاب النثار، ولم يأت ما يصلح لتخصيصه، ولو صح حديث ~~جابر الذي أورده الجويني وصححه وأورده الغزالي والقاضي حسين من الشافعية ~~لكان مخصصا لعموم النهي عن النهبي، ولكنه لم يثبت عنه أئمة الحديث ~~المعتبرين حتى قال الحافظ إنه لا يوجد ضعيفا فضلا عن صحيح، والجويني وإن ~~كان من أكابر العلماء فليس هو من علماء الحديث، وكذلك الغزالي والقاضي ~~حسين، وإنما هم من الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، كما يعرف ~~ذلك من له أنسة بعلم السنة واطلاع على مؤلفات هؤلاء. ولفظ حديث جابر عندهم: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حضر في أملاك فأتي بأطباق فيها جوز ولوز ~~فنثرت فقبضنا أيدينا فقال: ما لكم لا تأخذون؟ فقالوا: إنك نهيت عن النهبي، ~~فقال: # إنما نهيتكم عن نهبي العساكر خذوا على اسم الله فتجاذبناه. ولكنه قد روى ~~هذا الحديث البيهقي من حديث معاذ بن جبل بإسناد ضعيف منقطع. ورواه الطبراني ~~من حديث عائشة عن معاذ وفيه بشر بن إبراهيم المفلوج، قال ابن عدي: وهو عندي ~~ممن يضع الحديث، وساقه العقيلي من طريقه ثم قال: لا يثبت في الباب شئ، ~~وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، ورواه أيضا من حديث أنس وفي إسناده خالد ~~بن إسماعيل، قال ابن عدي: # يضع الحديث وقال غيره كذاب. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن ~~والشعبي إنهما كانا لا يريان به بأسا. وأخرج كراهيته عن ابن مسعود وإبراهيم ~~النخعي وعكرمة، قال في ms2687 البحر فصل: والنثار بضم النون وكسرها ما ينثر في ~~النكاح أو غيره. مسألة: الحسن البصري ثم القاسم وأبو حنيفة وأبو عبيد وابن ~~المنذر من أصحاب الشافعي وهو مباح، إذ ما نثره مالكه إلا إباحة له الامام ~~يحيى، ولا قول للهادي فيه ولا نصا ولا تخريجا. عطاء PageV06P334 # وعكرمة وابن أبي ليلى وابن شبرمة ثم الشافعي ومالك: بل يكره لمنافاته ~~المروءة والوقار. الصميري: يندب ويكره الانتهاب لذلك، قلت: الأقرب ندبهما ~~لخبر جابر انتهى . وقد تقدم في باب من أذن في انتهاب أضحيته من أبواب ~~الضحايا حديث جعله المصنف حجة لمن رخص في النثار. # باب ما جاء في إجابة دعوة الختان عن الحسن قال: دعي عثمان بن أبي العاص ~~إلى ختان فأبى أن يجيب، فقيل له فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ندعى له رواه أحمد. # الأثر هو في مسند أحمد بإسناد لا مطعن فيه إلا أن فيه ابن إسحاق وهو ثقة ~~ولكنه مدلس، وقد أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد أحمد، وأخرجه أيضا بإسناد ~~آخر فيه حمزة العطار، وثقه ابن أبي حاتم وضعفه غيره. وقد استدل به على عدم ~~مشروعية إجابة وليمة الختان لقوله: كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقد قدمنا أن مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ~~وجوب الإجابة إلى سائر الولائم، وهي على ما ذكره القاضي عياض والنووي ثمان: ~~الاعذار: بعين مهملة ودال معجمة للختان. والعقيقة: للولادة. والخرس: بضم ~~المعجمة وسكون الراء بعدها السين المهملة لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: ~~وهو طعام الولادة. والعقيقة: مختص بيوم السابع. # والنقيعة: لقدوم المسافر مشتقة من النفع وهو الغبار. والوكيرة: للمسكن ~~المتجدد مأخوذ من الوكر وهو المأوى. والمستقر. والوضيمة: بضاد معجمة لما ~~يتخذ عند المصيبة. والمأدبة: لما يتخذ بلا سبب ودالها مضمومة ويجوز فتحها ~~انتهى. وقد زيد وليمة الاملاك وهو التزوج. ووليمة الدخول وهو العرس، وقل من ~~غاير بينهما. ومن الولائم الاحذاق بكسر الهمزة وسكون المهملة وتخفيف الذال ms2688 ~~المعجمة وآخره قاف الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبي، ذكره ابن الصباغ في ~~الشامل، وقال ابن الرفعة: # هو الذي يصنع عند ختم القرآن. وذكر المحاملي في الولائم العتيرة بفتح ~~المهملة ثم مثناة مكسورة وهي شاة تذبح في أول رجب، وتعقب بأنها في معنى ~~الأضحية، فلا معنى PageV06P335 # لذكرها مع الولائم، قيل: ومن جملة الولائم تحفة الزائر. # باب الدف واللهو في النكاح عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح رواه ~~الخمسة إلا أبو داود. وعن عائشة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال رواه ابن ماجة. وعن عائشة: أنها ~~زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا ~~عائشة ما كان معكم من لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو رواه أحمد والبخاري. ~~وعن عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي حسن: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يكره نكاح السر حتى يضرب بدف ويقال: أتيناكم أتيناكم فحيونا ~~نحييكم رواه عبد الله بن أحمد في المسند. وعن ابن عباس قال: # أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: أهديتكم الفتاة؟ قالوا: نعم، قال: أرسلتم معها من يغني؟ قالت: ~~لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الأنصار قوم فيها غزل فلو ~~بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم رواه ابن ماجة. وعن ~~خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم غداة بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويرات يضربن بالدف يندبن من ~~قتل من آبائي يوم بدر حتى قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقولي هكذا فقولي كما كنت تقولين رواه ~~الجماعة إلا مسلما والنسائي. # حديث محمد بن حاطب حسنه الترمذي قال: ومحمد بن حاطب ms2689 قد رأى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو صغير وأخرجه الحاكم. وحديث عائشة في إسناده خالد ~~بن إلياس وهو متروك. وقد أخرجه أيضا الترمذي بلفظ: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه ~~بالدفوف قال الترمذي: هذا حديث غريب، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في ~~الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح PageV06P336 # هو ثقة انتهى. وقد روى الترمذي هذا الحديث من طريق الأول. وأخرجه أيضا ~~البيهقي وفي إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث. وحديث عمرو بن يحيى ~~سياقه في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا جعفر بن عون، ~~أخبرنا الأجلح عن أبي الزبير عن ابن عباس فذكره. # والأجلح وثقه ابن معين العجلي وضعفه النسائي وبقية رجال الاسناد رجال ~~الصحيح، يشهد له حديث ابن عباس المذكور. وحديث ابن عباس في إسناده الحسين ~~بن عبد الله بن ضميرة، قال في مجمع الزوائد: وهو متروك، وأخرجه أيضا ~~الطبراني وأبو الشيخ. # (وفي الباب) عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرضة بن كعب وأبي مسعود ~~الأنصاري في عرس: وإذا جوار يغنين فقلت: أي صاحبي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس، إن شئت فاستمع معنا وإن ~~شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس أخرجه النسائي والحاكم وصححه. ~~وأخرج الطبراني من حديث السائب بن يزيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~رخص في ذلك. قوله: الدف والصوت أي ضرب الدف ورفع الصوت. وفي ذلك دليل على ~~أنه يجوز في النكاح ضرب الأدفاف ورفع الأصوات بشئ من الكلام نحو: أتيناكم ~~أتيناكم ونحوه، لا بالأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال ~~والفجور ومعاقرة الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره، وكذلك ~~سائر الملاهي المحرمة. قال في البحر: # الأكثر وما يحرم من الملاهي في غير النكاح يحرم فيه لعموم النهي. النخعي ~~وغيره: يباح في النكاح لقوله: واضربوا عليه بالدفوف ms2690 فيقاس المزمار وغيره، ~~قال قلنا: هذا لا ينافي عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما نهيت عن ~~صوتين أحمقين الخبر ونحوه، فيحمل على ضربة غير ملهية. قال الامام يحيى: # دف الملاهي مدور جلده من رق أبيض ناعم في عرضه سلاسل يسمى الطار له صوت ~~يطرب لحلاوة نغمته، وهذا لا إشكال في تحريمه وتعلق النهي به. وأما دف العرب ~~فهو على شكل الغربال خلا أنه لا خروق فيه وطوله إلى أربعة أشبار، فهو الذي ~~أراده صلى الله عليه وآله وسلم لأنه المعهود حينئذ. وقد حكى أبو طالب عن ~~الهادي إنه محرم أيضا إذ هو آلة لهو. وحكى المؤيد بالله عن الهادي أنه يكره ~~فقط وهو الذي في الاحكام. وقال أبو العباس وأبو حنيفة وأصحابه: بل مباح ~~لقوله صلى PageV06P337 # الله عليه وآله وسلم: واضربوا عليه بالدفوف وهذا هو الظاهر للأحاديث ~~المذكورة في الباب، بل لا يبعد أن يكون ذلك مندوبا، ولان ذلك أقل ما يفيده ~~الامر في قوله: أعلنوا هذا النكاح الحديث ويؤيد ذلك ما في حديث المازني ~~المذكور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره نكاح السر حتى يضرب ~~الدف. قوله: ما كان معكم لهو قال في الفتح في رواية شريك فقال: فهل بعثتم ~~جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكم * ~~فحيانا وحياكم ولولا الذهب الأحمر * ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء * ~~ما سمنت عذاريكم قوله: بنى علي أي تزوج بي. قوله: كمجلسك بكسر اللام أي ~~مكانك، قال الكرماني: هو محمول على أن ذلك كان من وراء حجاب، أو كان قبل ~~نزول آية الحجاب، أو عند الامن من الفتنة. قال الحافظ: والذي صح لنا ~~بالأدلة القوية أن من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم جواز الخلوة ~~بالأجنبية والنظر إليها. قال الكرماني: ويجوز أن تكون الرواية كمجلسك بفتح ~~اللام. قوله: يندبن من الندبة بضم النون وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه، ~~قال المهلب: وفي هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، وفيه ~~إقبال الامام إلى ms2691 العرس وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح، وسيأتي ~~الكلام في الغناء وآلات الملاهي مبسوطا في أبواب السبق إن شاء الله تعالى. # باب الأوقات التي يستحب فيها البناء على النساء وما يقول إذا زفت إليه عن ~~عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شوال وبنى بي في ~~شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أحظى عنده مني، ~~وكانت عائشة تستحب أن يدخل نساؤها في شوال رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النبي صلى الله عليه وآله PageV06P338 # وسلم قال: إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادما أو دابة فليأخذ بناصيتها وليقل: ~~اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما ~~جبلتها عليه. رواه ابن ماجة وأبو داود بمعناه. # حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا النسائي وسكت عنه أبو داود، ورجال إسناده ~~إلى عمرو بن سعيد ثقات، وقد تقدم اختلاف الأئمة في حديث عمرو بن شعيب ولفظه ~~في سنن أبي داود: إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما فليقل: اللهم إني ~~أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه. # وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليكن مثل ذلك. وفي رواية: ثم ليأخذ ~~بناصيتهما يعني المرأة والخادم وليدع بالبركة. (استدل) المصنف بحديث عائشة ~~على استحباب البناء بالمرأة في شوال، وهو إنما يدل على ذلك إذا تبين أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد ذلك الوقت لخصوصية له لا توجد في غيره، ~~لا إذا كان وقوع ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم على طريق الاتفاق، وكونه ~~بعض أجزاء الزمان فإنه لا يدل على الاستحباب لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ~~وقد تزوج صلى الله عليه وآله وسلم بنسائه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق ~~ولم يتحر وقتا مخصوصا، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من ~~الأوقات التي تزوج فيها ms2692 النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحب البناء فيه ~~وهو غير مسلم. والحديث الثاني فيه استحباب الدعاء بما تضمنه الحديث عند ~~تزوج المرأة وملك الخادم والدابة وهو دعاء جامع، لأنه إذا لقي الانسان ~~الخير من زوجته أو خادمه أو دابته وجنب الشر من تلك الأمور كان في ذلك جلب ~~النفع واندفاع الضرر. قوله: إذا أفاد أحدكم قال في القاموس: أفدت المال ~~استفدته وأعطيته، انتهى والمراد هنا الأول. # باب ما يكره من تزين النساء به وما لا يكره عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ~~أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة ~~عريسا وأنه أصابها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله الواصلة والمستوصلة ~~متفق عليه، PageV06P339 # ومتفق على مثله من حديث عائشة. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. وعن ابن مسعود أنه قال: ~~لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق ~~الله تعالى، وقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # وعن معاوية أنه قال، وتناول قصة من شعر: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه ~~نساؤهم متفق عليهن. وعن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: أيما امرأة أدخلت في شعرها من شعر غيرها فإنما تدخله زورا رواه ~~أحمد. وفي لفظ: أيما امرأة زادت في شعرها شعرا ليس منه فإنه زور تزيد فيه ~~رواه النسائي ومعناه متفق عليه. وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ينهى عن النامصة والواشرة والواصلة والواشمة إلا من ~~داء. وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلعن القاشرة ~~المقشورة، والواشمة والموشومة، والواصلة والموصولة رواهما أحمد. والنامصة: ~~ناتفة الشعر من الوجه، والواشرة: التي تشر الأسنان حتى تكون لها أشر أي ~~تحدد ms2693 ورقة تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالحديثة السن، والواشمة: التي تغرز ~~في اليد بإبرة ظهر الكف والمعصم ثم تحشي بالكحل أو بالنؤر وهو دخان الشحم ~~حتى يخضر، والمنتمصة والمؤتشرة والمستوشمة اللاتي يفعل بهن ذلك بإذنهن. ~~وأما القاشرة والمقشورة فقال أبو عبيد: نراه أراد هذه الغمرة التي يعالج ~~بها النساء وجوههن حتى ينسحق أعلى الجلد ويبدو ما تحته من البشرة وهو شبيه ~~بما جاء في النامصة. # حديث عائشة الثاني قال في مجمع الزوائد: وفيه من لم أعرفه من النساء. ~~(وفي الباب) عن ابن عباس قال: لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمنتمصة ~~والواشمة والمشومة من غير داء أخرجه أبو داود. وعن جابر عند مسلم: زجر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم المرأة أن تصل شعرها بشئ وعن معقل بن يسار ~~عند أحمد الطبراني. وعن أبي أمامة عند الطبراني بإسناد صحيح. وعن ابن عباس ~~أيضا حديث آخر عند الطبراني. قوله: عريسا بضم العين وفتح الراء وتشديد ~~الياء المكسورة تصغير عروس، والعروس يقع على المرأة والرجل في وقت الدخول. ~~PageV06P340 # قوله: حصبة بفتح الخاء وإسكان الصاد المهملتين، ويقال أيضا بفتح الصاد ~~وكسرها ثلاث لغات حكاهن الجماعة والاسكان أشهر، وهي بثر تخرج في الجلد تقول ~~منه حصب جلده بكسر الصاد يحصب. قوله: فتمرق بالراء المهملة بمعنى تساقط. # هكذا حكى القاضي عياض في المشارق عن جمهور الرواة، وحكى عن جماعة من رواة ~~صحيح مسلم أنه بالزاي قال: وهذا وإن كان قريبا من معنى الأول ولكنه لا ~~يستعمل في الشعر في حال المرض. قوله: الواصلة هي التي تصل شعر امرأة بشعر ~~امرأة أخرى لتكثر به شعر المرأة. والمستوصلة هي التي تستدعي أن يفعل بها ~~ذلك، ويقال لها موصولة كما في الرواية الأخرى، والواشمة فاعلة الوشم وهو أن ~~يغرز في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع ~~بالكحل أو النؤر فيخضر ذلك الموضع، وهو مما تستحسنه الفساق والنؤر الذي ~~ذكره المصنف. قال المصنف: قال في القاموس: كصبور وهو دخان الشحم كما ذكر، ~~وقد يطلق ms2694 على أشياء أخر كما في القاموس. وقد يكون الوشم بدارات ونقوش، وقد ~~يكثر وقد يقلل، والوصل حرام لأن اللعن لا يكون على أمر غير محرم، قال ~~النووي وهذا هو الظاهر المختار، قال: وقد فصله أصحابنا فقالوا: # إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف، وسواء كان شعر رجل أو امرأة، ~~وسواء شعر المحرم والزوج وغيرهما بلا خلا ف لعموم الأدلة، ولأنه يحرم ~~الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر ~~أجزائه، وإن وصلته بشعر غير آدمي، فإن كان شعرا نجسا وهو شعر الميتة وشعر ~~ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته فهو حرام أيضا للحديث، ولأنه حمل نجاسة ~~في صلاتها وغيرها عمدا، وسواء في هذين النوعين المزوجة وغيرها من النساء ~~والرجال، وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فهو ~~حرام أيضا، وإن كان فثلاثة أوجه: أحدها لا يجوز لظاهر الأحاديث والثاني ~~يجوز وأصحها عندهم إن فعلته بإذن الزوج أو السيد جاز وإلا فهو حرام انتهى. ~~وقال القاضي عياض: اختلف العلماء في المسألة فقال مالك والطبري وكثيرون أو ~~الأكثرون: الوصل ممنوع بكل شئ، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، واحتجوا ~~بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها ~~شيئا. وقال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل بالشعر، ولا بأس بوصله بصوف ~~وخرق وغيرهما. وقال الإمام المهدي: إن وصل PageV06P341 # شعر النساء بشعر الغنم لا وجه لتحريمه، ويرده عموم حديث جابر المذكور ~~فإنه شامل للشعر والصوف والوبر وغيرها. وحكى النووي عن عائشة أنه يجوز ~~الوصل مطلقا قال: ولا يصح عنها بل الصحيح عنها كقول الجمهور. قال القاضي ~~عياض: فأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي ~~عنه لأنه ليس بوصل، ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين، ~~ويجاب بأن تخصيص عموم حديث جابر لا يكون إلا بدليل فما هو؟ وذهبت الهادوية ~~إلى جواز الوصل بشعر المحرم، ويجاب بأن ms2695 تحريم مطلق الوصل يستلزم تحريم ~~الوصل بشعر المحرم، وكذلك عموم حديث جابر وحديث معاوية، وقال الامام يحيى: ~~إنما يحرم على غير ذوات الأزواج، ويجاب عنه بحديث أسماء المذكور فإنه مصرح ~~بأن الوصل فيه للعروس ولم يجزه صلى الله عليه وآله وسلم، وأما الوشم فهو ~~حرام أيضا لما تقدم. قال أصحاب الشافعي: هذا الموضع الذي وشم يصير نجسا، ~~فإن أمكن إزالته بالعلاج وجب إزالته وإن لم يكن إلا بالجرح، فإن خافت منه ~~التلف أو فوات عضو أو منفعته أو شيئا فاحشا في عضو ظاهر لم تجب إزالته، ~~وإذا تابت لم يبق عليها إثم، وإن لم تخف شيئا من ذلك ونحوه لزمها إزالته ~~وتعصي بتأخيره وسواء في هذا كله الرجل والمرأة. # قوله: والمتنمصات بالتاء الفوقية ثم النون ثم الصاد المهملة جمع متنمصة ~~وهي التي تستدعي نتف الشعر من وجهها، ويروى بتقديم النون على التاء، قال ~~النووي: # والمشهور تأخيرها، والنامصة المزيلة له من نفسها أو من غيرها وهو حرام، ~~قال النووي وغيره: إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالتها بل ~~تستحب. وقال ابن جرير: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها. قوله: ~~والمنفلجات بالفاء والجيم جمع منفلجة وهي التي تبرد ما بين أسنانها الثنايا ~~والرباعيات وهو من الفلج بفتح الفاء واللام وهو الفرجة بين الثنايا ~~والرباعيات تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهارا للصغر وحسن الأسنان، ~~لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغائر، فإذا عجزت المرأة ~~كبرت سنها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر وتوهم كونها صغيرة. قال ~~النووي: ويقال له الوشر وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها. قوله: ~~قصة بضم القاف وتشديد الصاد المهملة وهو القطعة من الشعر من قصصت الشعر أي ~~قطعته. قال الأصمعي وغيره: وهو شعر مقدم الرأس PageV06P342 # المقبل على الجبهة، وقيل: شعر الناصية. قوله: عن مثل هذه أي عن التزين ~~بمثل هذه القصة من الشعر. قوله: إنما هلكت بنو إسرائيل الخ، هذا تهديد ~~شديد، لأن كون مثل هذا الذنب كان سببا ms2696 لهلاك مثل تلك الأمة يدل على أنه من ~~أشد الذنوب، قال القاضي عياض: قيل يحتمل أنه كان محرما عليهم فعوقبوا ~~باستعماله وهلكوا بسببه، وقيل: يحتمل أن ذلك الهلاك كان به وبغيره مما ~~ارتكبوه من المعاصي، فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا ، وفيه معاقبة العامة بظهور ~~المنكر انتهى. قوله: إلا من داء ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو فيما إذا ~~كان لقصد التحسين لا لداء وعلة فإنه ليس بمحرم، وظاهر قوله: المغيرات خلق ~~الله أنه لا يجوز تغيير شئ من الخلقة عن الصفة التي هي عليها. قال أبو جعفر ~~الطبري: في هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز تغيير شئ مما خلق الله المرأة ~~عليه بزيادة أو نقص التماسا للتحسين لزوج أو غيره، كما لو كان لها سن زائدة ~~أو عضو زائد فلا يجوز لها قطعه ولا نزعه لأنه من تغيير خلق الله، وهكذا لو ~~كان لها أسنان طوال فأرادت تقطيع أطرافها، وهكذا قال عياض وزاد: إلا أن ~~تكون هذه الزوائد مؤلمة وتتضرر بها فلا بأس بنزعها. # قيل: وهذا إنما هو في التغيير الذي يكون باقيا، فأما ما لا يكون باقيا ~~كالكحل ونحوه من الخضابات فقد أجازه مالك وغيره من العلماء. قوله: هذه ~~الغمرة بفتح الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء طلاء من الورس، وفي ~~القاموس في مادة الغمر، وبالضم الزعفران كالغمرة. # وعن عائشة قالت: كانت امرأة عثمان بن مظعون تخضب وتطيب فتركته، فدخلت علي ~~فقلت: أمشهد أم مغيب؟ فقالت: مشهد، قالت: عثمان لا يريد الدنيا ولا يريد ~~النساء، قالت عائشة: فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته ~~بذلك، فلقي عثمان فقال: يا عثمان تؤمن بما نؤمن به؟ قال نعم يا رسول الله، ~~قال: قال فأسوة مالك بنا. وعن كريمة بنت همام قالت: دخلت المسجد الحرام ~~فأخلوه لعائشة، فسألتها امرأة: ما تقولين يا أم المؤمنين في الحناء؟ فقالت: ~~كان حبيبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه لونه ويكره ريحه، وليس بمحرم ~~عليكن بين كل حيضتين أو عند كل حيضة ms2697 رواهما أحمد. وعن أنس قال: لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من ~~النساء بالرجال وفي رواية: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المخنثين ~~من الرجال والمترجلات PageV06P343 # من النساء: وقال أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلانة، وأخرج عمر فلانا رواهما أحمد والبخاري. # حديث عائشة الأول أخرجه أحمد من طرق مختلفة متعددة هذه المذكورة هنا ~~أحدها، قال في مجمع الزوائد: وأسانيد أحمد رجالها ثقات، وقد تقدم ما يشهد ~~له في أول كتاب النكاح. وحديثها الثاني أيضا تقدم ما يشهد له في كتاب ~~الطهارة. قوله: أمشهد أم مغيب أي أزوجك شاهد أم غائب، والمراد أن ترك ~~الخضاب والطيب إن كان لأجل غيبة الزوج فذاك، وإن كان لأمر آخر مع حضوره فما ~~هو؟ فأخبرتها أن زوجها لا حاجة له بالنساء فهي في حكم لا زوج لها، واستنكار ~~عائشة عليها ترك الخضاب والطيب يشعر بأن ذوات الأزواج يحسن منهن التزين ~~للأزواج بذلك، وكذلك قوله في الحديث الآخر: وليس بمحرم عليكن بين كل حيضتين ~~يدل على أنه لا بأس بالاختضاب بالحناء، وقد تقدم الكلام في الخضاب في ~~الطهارة. وقد ذكر في البحر أنه يستحب الخضاب للنساء. قوله: لعن الله ~~المتشبهين من الرجال الخ، فيه دليل على أنه يحرم على الرجال التشبه ~~بالنساء، وعلى النساء التشبه بالرجال في الكلام واللباس والمشي وغير ذلك، ~~والمرتجلات من النساء المتشبهات بالرجال، وقد تقدم الكلام على المخنثين ~~ضبطا وتفسيرا وذكر من أخرجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم. وقد أخرج ~~أبو داود من حديث أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع بالنون، فقيل: ~~يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: إني نهيت أن أقتل المصلين. وروى البيهقي أن ~~أبا بكر أخرج مخنثا وأخرج عمر واحدا. وأخرج الطبراني من ms2698 حديث واثلة بن ~~الأسقع: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخرج الخنيث. # باب التسمية والتستر عند الجماع عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما في ذلك ولد ولن يضر ذلك ~~الولد الشيطان أبدا رواه الجماعة إلا النسائي. وعن PageV06P344 # عتبة بن عبد السلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أتى ~~أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين رواه ابن ماجة. وعن ابن عمر: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إياكم والتعري فإن معكم من لا ~~يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم رواه ~~الترمذي وقال: # هذا حديث غريب. # زاد الترمذي بعد قوله: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحديث عتبة ~~في إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف وكذلك في إسناده الأحوص بن حكيم وهو أيضا ~~ضعيف، ولكنه قد تابع رشدين بن سعد عبد الأعلى بن عدي وهو ثقة، ويشهد لصحة ~~الحديثين حديث عتبة بن عبد السلمي وحديث ابن عمر، الأحاديث الواردة في ~~الامر بستر العورة والمبالغة في ذلك منها حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ~~قال: قلت: يا نبي الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا ~~من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ ~~قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يراها، قال قلت: إذا كان أحدنا خاليا؟ # قال: فالله أحق أن يستحيا من الناس هذا لفظ الترمذي وقال: حديث حسن. # ففي الحديث الامر بستر العورة في جميع الأحوال، والاذن بكشف ما لا بد منه ~~للزوجات والمملوكات حال الجماع، ولكنه ينبغي الاقتصار على كشف المقدار الذي ~~تدعو الضرورة إليه حال الجماع، ولا يحل التجرد كما في حديث عتبة المذكور. # قوله: إذا أتى أهله في رواية للبخاري: حين يأتي أهله. ms2699 وفي رواية ~~للإسماعيلي: # حين يجامع أهله وذلك ظاهر في أن القول يكون مع الفعل. وفي رواية لأبي ~~داود: إذا أراد أن يأتي أهله، وهي مفسرة لغيرها من الروايات، فيكون القول ~~قبل الشروع، ويحمل ما عدا هذه الرواية على المجاز كقوله تعالى: * (وإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله) * أي إذا أردت القراءة. قوله: جنبنا في رواية ~~للبخاري بالافراد. # قوله: فإن قدر بينهما في ذلك ولد في رواية للبخاري: فإن قضى الله بينهما ~~ولدا. # قوله: لن يضر ذلك الولد الشيطان في رواية لمسلم وأحمد: لم يسلط عليه ~~الشيطان ولفظ البخاري: لم يضره شيطان واللفظ الذي ذكره المصنف لأحمد، ~~واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على عدم الحمل على العموم في أنواع ~~الضرر على ما نقل القاضي عياض وإن كان ظاهرا في الحمل على عموم الأحوال من ~~صيغة النفي مع PageV06P345 # التأبيد، وكأن سبب ذلك الاتفاق ما ثبت في الصحيح أن كل بني آدم يطعن ~~الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني فإن هذا الطعن نوع من الضرر، ثم ~~اختلفوا فقيل المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة ~~العباد الذين قيل فيهم: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقيل: المراد لم يطعن ~~في بطنه وهو بعيد لمنابذته لظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من ~~تخصيص هذا وقيل: المراد لم يصرعه. قيل لم يضره في بدنه وقال ابن دقيق العبد ~~يحتمل أن لا يضره في دينه أيضا، ولكن يبعده انتفاء العصمة لاختصاصها ~~بالأنبياء وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز، ~~فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدا وإن لم يكن ذلك واجبا له. وقال ~~الداودي: معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته ~~منه عن المعصية. وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن ~~مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه. # باب ما جاء في العزل عن جابر قال: كنا ms2700 نعزل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم والقرآن ينزل متفق عليه. ولمسلم: كنا نعزل على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فبلغه ذلك فلم ينهنا. وعن جابر: أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في ~~النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ~~ما قدر لها رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب، ~~فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزلة فسألنا عن ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: عليكم أن لا تفعلوا فإن الله عز وجل قد ~~كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة متفق عليه. وعن أبي سعيد قال: قالت اليهود: ~~العزل المؤودة الصغرى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كذبت يهود إن ~~الله عز وجل لو أراد PageV06P346 # أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العزل أنت تخلقه أنت ترزقه ~~أقره قراره فإنما ذلك القدر رواه أحمد. وعن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لم تفعل ذلك؟ فقال له الرجل: أشفق على ولدها أو على ~~أولادها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كان ضارا ضر فارس ~~والروم رواه أحمد ومسلم. وعن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في أناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ~~فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم شيئا. ثم ~~سألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذلك الوأد الخفي ~~وهي * (وإذا المؤودة سئلت) * (سورة ms2701 التكوير، الآية: 8) رواه أحمد ومسلم. ~~وعن عمر بن الخطاب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعزل عن ~~الحرة إلا بإذنها رواه أحمد وابن ماجة وليس إسناده بذلك. # حديث أبي سعيد الثاني أخرجه أيضا الترمذي والنسائي. قال الحافظ: ورجاله ~~ثقات. وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار وفيه موسى بن وردان وهو ثقة وقد ~~ضعف وبقية رجاله ثقات. وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر وأبي هريرة، وجزم ~~الطحاوي بكونه منسوخا وعكسه ابن حزم. وحديث عمر بن الخطاب في إسناده ابن ~~لهيعة وفيه مقال معروف، ويشهد له ما أخرجه عبد الرازق والبيهقي عن ابن عباس ~~قال: نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يعزل عن ~~أمته. وروى البيهقي عن ابن عمر مثله. (ومن أحاديث) هذا الباب عن أنس عند ~~أحمد والبزار وابن حبان وصححه: أن رجلا سأل عن العزل فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج ~~الله منها ولدا وله شاهدان في الكبير للطبراني عن ابن عباس، وفي الأوسط له ~~عن ابن مسعود. قوله: كنا نعزل العزل النزع بعد الايلاج لينزل خارج الفرج. ~~قوله: والقرآن ينزل فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من ~~الاحكام لأنه لو كان ذلك الشئ حراما لم يقررا عليه، ولكن بشرط PageV06P347 # أن يعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ذهب الأكثر من أهل الأصول ~~على ما حكاه في الفتح إلى أن الصحابي إذا أضاف الحكم إلى زمن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان له حكم الرفع، قال: لا ن الظاهر أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن ~~الاحكام. قال وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك. وأخرج مسلم من حديث ~~جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبلغ ذلك ~~نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ms2702 فلم ينهنا. ووقع في حديث الباب المذكور ~~الاذن له بالعزل فقال: اعزل عنها إن شئت. قوله: ما عليكم أن لا تفعلوا وقع ~~في رواية في البخاري وغيره: لا عليكم أن لا تفعلوا قال ابن سيرين: هذا أقرب ~~إلى النهي وحكى ابن عون عن الحسن أنه قال: والله لكان هذا زجرا. قال ~~القرطبي: كأن هؤلاء فهموا من لا النهي عما سألوا عنه فكأنه قال: لا تعزلوا ~~وعليكم أن لا تفعلوا. ويكون قوله: # وعليكم إلى آخره تأكيدا للنهي، وتعقب بأن الأصل عدم هذا التقرير. وإنما ~~معناه ليس عليكم أن تتركوا وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره: معنى ~~لا عليكم أن لا تفعلوا أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن ~~عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن ~~الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا إلا أن يدعي أن لا زائدة فيقال الأصل عدم ~~ذلك (وقد اختلف) السلف في حكم العزل فحكي في الفتح عن ابن عبد البر أنه ~~قال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها لأن ~~الجماع من حقها ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه ~~عزل. قال الحافظ: ووافقه في نقل هذا الاجماع ابن هبيرة قال: وتعقب بأن ~~المعروف عند الشافعية أنه لا حق للمرأة في الجماع، وهو أيضا مذهب الهادوية، ~~فيجوز عندهم العزل عن الحرة بغير إذنها على مقتضى قولهم: إنه لا حق لها في ~~الوطئ، ولكنه وقع التصريح في كتب الهادوية بأنه لا يجوز العزل عن الحرة إلا ~~برضاها، ويدل على اعتبار الاذن من الحرة حديث عمر المذكور ولكن فيه ما سلف، ~~وأما الأمة فإن كانت زوجة فحكمها حكم الحرة، واختلفوا هل يعتبر الاذن منها ~~أو من سيدها وإن كانت سرية فقال في الفتح: يجوز بلا خلاف عندهم إلا في وجه ~~حكاه الروياني في المنع مطلقا كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة ~~فالراجح الجواز PageV06P348 # فيها مطلقا لأنها ليست ms2703 راسخة في الفراش، وقيل: حكمها حكم الأمة المزوجة. ~~قوله: # كذبت يهود فيه دليل على جواز العزل، ومثله ما أخرجه الترمذي وصححه عن ~~جابر قال: كانت لنا جوار وكنا نعزل فقالت اليهود إن تلك الموؤودة الصغرى، ~~فسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: كذبت اليهود لو أراد الله ~~خلقه لم يستطع رده. وأخرج نحوه النسائي من حديث أبي هريرة، ولكنه يعارض ذلك ~~ما في حديث جذامة المذكور من تصريحه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ذلك الوأد ~~الخفي، فمن العلماء من جمع بين هذا الحديث وما قبله، فحمل هذا على التنزيه، ~~وهذه طريقة البيهقي، ومنهم من ضعف حديث جذامة هذا لمعارضته لما هو أكثر منه ~~طرقا. # قال الحافظ وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم والحديث صحيح لا ريب فيه ~~والجمع ممكن، ومنهم من ادعى أنه منسوخ ورد بعدم معرفة التاريخ. وقال ~~الطحاوي: # يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الامر أولا من موافقة أهل ~~الكتاب فيما لم ينزل عليه ثم أعلمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا ~~يقولونه، وتعقبه ابن رشد وابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يحرم شيئا تبعا لليهود ثم يصرح بتكذيبهم فيه، ومنهم من رجح حديث جذامة ~~بثبوته في الصحيح، وضعف مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب، قال الحافظ: ~~ورد بأنه إنما يقدح في حديث لا فيما يقوي بعضه بعضا فإنه يعمل به وهو هنا ~~كذلك والجمع ممكن، ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها موافقة ~~لأصل الإباحة وحديثها يدل على المنع، قال: فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع ~~فعليه البيان، وتعقب بأن حديثها ليس بصريح في المنع، إذ لا يلزم من تسميته ~~وأدا خفيا على طريق التشبيه أن يكون حراما، وجمع ابن القيم فقال: الذي كذب ~~فيه صلى الله عليه وآله وسلم اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل ~~أصلا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل ~~إذا شاء الله ms2704 خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدا حقيقة، وإنما سماه وأدا ~~خفيا في حديث جذامة، لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل، فأجرى قصده لذلك ~~مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد ~~والفعل، والعزل يتعلق بالقصد فقط فلذلك وصفه بكونه خفيا، وهذا الجمع قوي، ~~وقد ضعف أيضا حديث جذامة أعني الزيادة التي في آخره PageV06P349 # بأنه تفرد بها سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود، ورواه مالك ويحيى بن أيوب ~~عن أبي الأسود فلم يذكراها وبمعارضتها لجميع أحاديث الباب، وقد حذف هذه ~~الزيادة أهل السنن الأربع، وقد احتج بحديث جذامة هذا من قال بالمنع من ~~العزل كابن حبان. قوله: أشفق على ولدها هذا أحد الأمور التي تحمل على ~~العزل، ومنها الفرار من كثرة العيال، والفرار من حصولهم من الأصل، ومنها ~~خشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقا، وكل ذلك لا يغني شيئا ~~لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار. قوله: أن أنهى عن الغيلة بكسر الغين ~~المعجمة بعدها تحتية ساكنة، ويقال لها الغيل بفتح الغين والياء، والغيال ~~بكسر الغين المعجمة، والمراد بها أن يجامع امرأته وهي مرضع. وقال ابن ~~السكيت: هي أن ترضع المرأة وهي حامل وذلك لما يحصل على الرضيع من الضرر ~~بالحبل حال إرضاعه، فكان ذلك سبب همه صلى الله عليه وآله وسلم بالنهي، ~~ولكنه لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الغيلة لا تضر فارس والروم ~~ترك النهي عنها. # باب نهي الزوجين عن التحدث بما يجري حال الوقاع عن أبي سعيد: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ~~الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها رواه أحمد ومسلم. وعن أبي ~~هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى فلما سلم أقبل عليهم ~~بوجهه فقال: مجالسكم هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ثم ~~يخرج فيحدث فيقول: # فعلت بأهلي كذا، وفعلت بأهلي كذا؟ فسكتوا، ms2705 فأقبل على النساء فقال: هل ~~منكن من تحدث؟ فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت ليراها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويسمع كلامها فقالت: إي والله إنهم يتحدثون وإنهن ~~ليتحدثن، فقال: هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان ~~وشيطانة لقي أحدهما صاحبة بالسكة فقضى حاجته منها والناس ينظرون إليه رواه ~~أحمد وأبو داود. ولأحمد نحوه من حديث أسماء بنت يزيد. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا النسائي والترمذي وحسنه وقال: إلا أن ~~PageV06P350 # الطفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث ولا نعرفه اسمه. وقال أبو الفضل محمد ~~بن طاهر: والطفاوي مجهول. وقد رواه أبو داود من طريقه فقال عن أبي نضرة ~~قال: # حدثني شيخ من طفاوة. قوله: إن شر الناس لفظ مسلم: أشر قال القاضي عياض: ~~وأهل النحو يقولون: لا يجوز وأشر وأخير، وإنما يقال: هو خير منه وشر منه، ~~وقال: # وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا وهي حجة في جواز الجميع. قوله: ~~كعاب على وزن سحاب وهي الجارية المكعب. (والحديثان) يدلان على تحريم إفشاء ~~أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع، وذلك لأن كون الفاعل لذلك من ~~أشر الناس، وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة فقضى حاجته منها والناس ينظرون ~~من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للاسرار الواقعة بينهما ~~الراجعة إلى الوطئ ومقدماته، فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من ~~الأشرار فضلا عن كونه من شرهم، وكذلك الجماع بمرأى من الناس لا شك في ~~تحريمه، وإنما خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي سعيد الرجل ~~فجعل الزجر المذكور خاصا به ولم يتعرض للمرأة، لأن وقوع ذلك الامر في ~~الغالب من الرجال، قيل: وهذا التحريم إنما هو في نشر أمور الاستمتاع، ووصف ~~التفاصيل الراجعة إلى الجماع، وإنشاء ما يجري من المرأة من قول أو فعل حالة ~~الوقاع، وأما مجرد ذكر نفس الجماع فإن لم يكن فيه فائدة ولا إليه حاجة ~~فمكروه لأنه خلاف المروءة، ومن ms2706 التكلم بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت فإن كان إليه حاجة أو ترتبت ~~عليه فائدة فلا كراهة في ذكره، وذلك نحو أن تنكر المرأة نكاح الزوج لها ~~وتدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك، كما روى أن الرجل الذي ادعت عليه ~~امرأته العنة قال: يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم. ولم ينكر عليه. ~~وما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إني لأفعله أنا وهذه وقال ~~لأبي طلحة: أعرستم الليلة ونحو ذلك كثير. # باب النهي عن إتيان المرأة في دبرها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ملعون PageV06P351 # من أتى امرأة في دبرها رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: لا ينظر الله إلى ~~رجل جامع امرأته في دبرها رواه أحمد وابن ماجة. وعن أبي هريرة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو ~~كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد ~~والترمذي وأبو داود وقال: # فقد برئ مما أنزل. وعن خزيمة بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها رواه أحمد وابن ماجة. وعن أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال لا ~~تأتوا النساء في أعجازهن، أو قال: في أدبارهن. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذي يأتي امرأته في دبرها: ~~هي اللوطية الصغرى رواهما أحمد. وعن علي بن طلق قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: لا تأتوا النساء في أستاههن فإن الله لا يستحي ~~من الحق رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. وعن ابن عباس قال: ms2707 قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر رواه الترمذي وقال: ~~حديث غريب. # حديث أبي هريرة الأول أخرجه أيضا بقية أهل السنن والبزار وفي إسناده ~~الحرث بن مخلد. قال البزار: ليس بمشهور. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، ~~وقد اختلف فيه على سهيل بن أبي صالح، فرواه عنه إسماعيل بن عياش عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر كما أخرجه الدارقطني وابن شاهين، ورواه عمر مولى عفرة عن ~~سهيل عن أبيه عن جابر كما أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، قال الحافظ في بلوغ ~~المرام: إن رجال حديث أبي هريرة هذا ثقات لكن أعل بالارسال. وحديث أبي ~~هريرة الثاني هو من رواية أبي تميمة عن أبي هريرة قال الترمذي: لا نعرفه ~~إلا من حديث أبي تميمة عن أبي هريرة. وقال البخاري: لا يعرف لأبي تميمة ~~سماع عن أبي هريرة. وقال البزار: # هذا حديث منكر. وفي الاسناد أيضا حكيم الأثرم. قال البزار: لا يحتج به ~~وما تفرد به فليس بشئ، ولأبي هريرة حديث ثالث نحو حديثه الأول أخرجه ~~النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وفي إسناده عن عبد الملك ~~بن محمد الصنعاني وقد تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وغيرهما ولأبي هريرة أيضا ~~حديث رابع أخرجه النسائي من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة ~~بلفظ: من أتى شيئا PageV06P352 # من الرجال والنساء في الادبار فقد كفر وفي إسناده بكر بن خنيس وليث بن ~~أبي سليم وهما ضعيفان. ولأبي هريرة أيضا حديث خامس رواه عبد الله بن عمر بن ~~أبان عن مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: ملعون ~~من أتى النساء في أدبارهن وفي إسناده مسلم بن خالد وهو ضعيف. وحديث خزيمة ~~بن ثابت أخرجه الشافعي أيضا بنحوه وفي إسناده عمر بن أحيحة وهو مجهول. ~~واختلف في إسناده اختلافا كثيرا. ورواه النسائي من طريق أخرى وفيها هرمي بن ~~عبد الله ms2708 ولا يعرف حاله. وأخرجه أيضا من طريق هرمي أحمد وابن حبان وحديث ~~الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات. ~~وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا النسائي وأعله، قال الحافظ: والمحفوظ عن عبد ~~الله بن عمرو من قوله كذا أخرجه عبد الرزاق وغيره، وحديث علي بن طلق قال ~~الترمذي بعد أن حسنه: سمعت محمدا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث الواحد من ~~حديث طلق بن علي السحيمي، وكأنه رأى أن هذا آخر من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والبزار ~~وقال: لا نعلمه يروي عن ابن عباس بإسناد حسن وكذا قال ابن عدي. ورواه ~~النسائي عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفا وهو أصح عندهم من المرفوع. ولابن ~~عباس حديث آخر من طريق أخرى موقوفة رواها عبد الرزاق أن رجلا سأل ابن عباس ~~عن إتيان المرأة في دبرها فقال: سألتني عن الكفر. وأخرجه النسائي بإسناد ~~قوي. وفي الباب عن جماعة من الصحابة منها ما سيأتي ومنها عن أبي بن كعب عند ~~الحسن بن عرفة بإسناد ضعيف. وعن ابن مسعود عند ابن عدي بإسناد واه وعن عقبة ~~بن عامر عند أحمد بإسناد فيه ابن لهيعة. وعن عمر عند النسائي والبزار ~~بإسناد فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف. (وقد استدل) بأحاديث الباب من قال: # إنه يحرم إتيان النساء في أدبارهن. وقد ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم. ~~وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في تحريمه ولا في تحليله شئ والقياس أنه حلال. وقد أخرجه عنه ابن ~~أبي حاتم في مناقب الشافعي. وأخرجه الحاكم في مناقب الشافعي عن الأصم عنه. ~~وكذلك رواه الطحاوي عن ابن عبد الحكم عن الشافعي. # وروى الحاكم عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الشافعي ms2709 أنه قال: سألني ~~محمد بن الحسن PageV06P353 # فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم، ~~وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك، قال علي: المناصفة، قلت: فبأي شئ حرمته؟ قال: ~~يقول الله عز وجل: * (فأتوهن من حيث أمركم الله) * (سورة البقرة، الآية: ~~222) وقال: * (فأتوا حرثكم أنى شئتم) * (سورة البقرة، الآية: 223) والحرث ~~لا يكون إلا في الفرج، قلت: أفيكون ذلك محرم لما سواه؟ قال: نعم، قلت: فما ~~تكون لو وطأها بين ساقيها أو في أعكانها أو تحت إبطيها، أو أخذت ذكره ~~بيدها، أو في ذلك حرث؟ قال: لا، قلت: فيحرم ذلك؟ قال: لا، قلت: فلم تحتج ~~بما لا حجة فيه؟ قال : فإن الله قال: * (والذين هم لفروجهم حافظون) * (سورة ~~المؤمنون، الآية: 5) الآية، قال: فقلت له: هذا مما يحجون به للجواز، إن ~~الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت له: أنت ~~تتحفظ من زوجتك وما ملكت يمينك انتهى. وقد أجيب عن هذا بأن الأصل تحريم. # المباشرة إلا ما أحل الله بالعقد، ولا يقاس عليه غيره لعدم المشابهة في ~~كونه مثلا محلا للزرع، وأما تحليل الاستمتاع فيما عدا الفرج فهو مأخوذ من ~~دليل آخر، ولكنه لا يخفى ورود ما أورده الشافعي على من استدل بالآية، وأما ~~دعوى أن الأصل تحريم المباشرة فهذا محتاج إلى دليل ولو سلم فقوله تعالى: * ~~(فأتوا حرثكم أنى شئتم) * رافع للتحريم المستفاد من ذلك الأصل، فيكون ~~الظاهر بعد هذه الآية الحل، ومن ادعى تحريم الاتيان في محل مخصوص طولب ~~بدليل يخصص عموم هذه الآية، ولا شك أن الأحاديث المذكورة في الباب القاضية ~~بتحريم إتيان النساء في أدبارهن يقوي بعضها بعضا، فتنتهض لتخصيص الدبر في ~~ذلك العموم، وأيضا الدبر في أصل اللغة اسم لخلاف الوجه ولا اختصاص له ~~بالمخرج كما قال تعالى: * (ومن يولهم يومئذ دبره) * (سورة الأنفال، الآية: ~~16) فلا يبعد حمل ما ورد من الادبار على الاستمتاع بين الأليتين. وأيضا قد ~~حرم الله الوطئ في الفرج لأجل الأذى، فما الظن بالحش الذي ms2710 هو موضوع الأذى ~~اللازم في زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل الذي هو العلة الغائية في ~~مشروعية النكاح، والذريعة القريبة جدا الحاملة على الانتقال من ذلك إلى ~~إدبار المرد. وقد ذكر ابن القيم لذلك مفاسد دينية ودنيوية فليراجع، وكفى ~~مناديا على خساسته أنه لا يرضى أحد أن ينسب إليه ولا إلى إمامه تجويز ذلك ~~إلا ما كان من الرافضة مع أنه مكروه عندهم، وأوجبوا للزوجة فيه عشرة دنانير ~~عوض النطفة، وهذه المسألة هي إحدى مسائلهم التي شذوا بها. وقد حكى الإمام ~~المهدي في البحر PageV06P354 # عن العترة جميعا وأكثر الفقهاء أنه حرام. قال الحاكم بعد أن حكى عن ~~الشافعي ما سلف لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، فأما الجديد فالمشهور ~~أنه حرمه. وقد روى الماوردي في الحاوي وأبو نصر بن الصباغ في الشامل ~~وغيرهما عن الربيع أنه قال كذب والله يعني ابن عبد الحكم، فقد نص الشافعي ~~على تحريمه في ستة كتب، وتعقبه الحافظ في التلخيص فقال: لا معنى لهذا ~~التكذيب فإن ابن عبد الحكم لم يتفرد بذلك، بل قد تابعه عليه عبد الرحمن بن ~~عبد الله أخوه عن الشافعي ثم قال: إنه لا خلاف في ثقة ابن عبد الحكم ~~وأمانته، وقد روي الجواز أيضا عن مالك، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: ~~أنه روى ذلك عنه أهل مصر وأهل المغرب ورواه عنه أيضا ابن رشد في كتاب ~~البيان والتحصيل، وأصحاب مالك العراقيون لم يثبتوا هذه الرواية ، وقد رجع ~~متأخرو أصحابه عن ذلك وأفتوا بتحريمه، وقد استدل للمجوزين بما رواه ~~الدارقطني عن ابن عمر أنه لما قرأ قوله تعالى: * (نساؤكم حرث لكم) * (سورة ~~البقرة، الآية: 223) فقال: ما تدري يا نافع فيما أنزلت هذه الآية؟ قال قلت: ~~لا، قال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك فأنزل ~~الله تعالى: * (نساؤكم حرث لكم) * قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في ~~قبلها؟ قال: لا إلا في دبرها. وروي نحو ذلك عنه الطبراني والحاكم وأبو ~~نعيم. وروى النسائي والطبراني ms2711 في طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر نحوه ولم ~~يذكر. قوله: لا إلا في دبرها. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه في تفسيره الطبري ~~والطحاوي من طرق عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا أصاب امرأته في دبرها فأنكر ~~الناس ذلك عليه فأنزل الله: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * ~~وسيأتي بقية الأسباب في نزول الآية. # وعن جابر أن يهود كانت تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها ثم حملت كان ولدها ~~أحول، قال: فنزلت: * (نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * (سورة ~~البقرة، الآية: 223). رواه الجماعة إلا النسائي، وزاد مسلم: إن شاء غير ~~مجبية غير أن ذلك في صمام واحد. وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قوله تعالى: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * يعني صماما ~~واحدا رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. وعنها أيضا قالت: لما قدم ~~المهاجرون المدينة على الأنصار تزوجوا من نسائهم، وكان المهاجرون يجبون ~~وكانت الأنصار لا تجبي، PageV06P355 # فأراد رجل امرأته من المهاجرين على ذلك، فأبت عليه حتى تسأل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: فأته، فاستحيت أن تسأله، فسألته أم سلمة فنزلت: * ~~(نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * وقال: لا إلا في صمام واحد رواه ~~أحمد. ولأبي داود هذا المعنى من رواية ابن عباس. وعن ابن عباس قال: جاء عمر ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما الذي ~~أهلكك قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه بشئ، قال: فأوحى الله إلى ~~رسوله هذه الآية : * (نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * أقبل وأدبر، ~~واتقوا الدبر والحيضة رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب. وعن جابر: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: استحيوا فإن الله لا يستحي من ~~الحق، لا يحل مأتاك النساء في حشوشهن رواه الدارقطني. # حديث أم سلمة الثاني أورده في التلخيص وسكت عنه، ويشهد له حديث ابن عباس ~~الذي أشار إليه المصنف، وهو من رواية ms2712 محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن ~~مجاهد عن ابن عباس وفيه: إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا ~~الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلا عليهم من العلم، وكانوا ~~يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على ~~حرث، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من ~~قريش يشرخون النساء شرخا منكرا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، ~~فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك ~~فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى ~~أمرها حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله عز وجل: * ~~(نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * يعني مقبلات ومدبرات ومستلقيات، ~~يعني بذلك موضع الولد. وحديث ابن عباس الثاني في قصة عمر لعله الحديث الذي ~~تقدمت الإشارة إليه من طريق عمر نفسه وقد سبق ما فيه. وحديث جابر الآخر قد ~~قدمنا في أول الباب الإشارة إليه، وإنه من اختلاف على سهيل بن أبي صالح، ~~وقد أخرجه ما تقدم ذكره. قوله: # مجبية بضم الميم وبعدها جيم مفتوحة ثم موحدة أي باركة، والتجبية الانكباب ~~على الوجه، وأخرج الإسماعيلي من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري ~~بلفظ: PageV06P356 # باركة مدبرة في فرجها من ورائها، وهذا يدل على أن المراد بقولهم: إذا ~~أتيت من دبرها يعني في قبلها، ولا شك أن ذلك هو المراد، ويزيد ذلك وضوحا ~~قوله عقب ذلك: ثم حملت، فإن الحمل لا يكون إلا من الوطئ في القبل. قوله: ~~غير أن ذلك في صمام واحد هذه الزيادة تشبه أن تكون من تفسير الزهري لخلوها ~~من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر مع كثرتهم كذا قيل وهو الظاهر، ولو ~~كانت مرفوعة لما صح قول البزار هو الوطئ في الدبر: لا أعلم في هذا الباب ~~حديثا صحيحا لا في الحصر ولا في الاطلاق. # وكذا روى ms2713 نحو ذلك الحاكم عن أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله ~~قبلهما البخاري، كذا قال الحافظ. والصمام بكسر الصاد المهملة وتخفيف الميم ~~وهو في الأصل سداد القارورة ثم سمي به المنفذ كفرج المرأة، وهذا أحد ~~الأسباب في نزول الآية، وقد ورد ما يدل على أن ذلك هو السبب من طرق عن ~~جماعة من الصحابة في بعضها التصريح بأنه لا يحل إلا في القبل، وفي أكثرها ~~الرد على اعتراض اليهود وهذا أحد الأقوال، والقول الثاني: أن سبب النزول ~~إتيان الزوجة في الدبر، وقد تقدم ذلك عن ابن عمر وأبي سعيد. والثالث: أنها ~~نزلت في الاذن بالعزل عن الزوجة، روي ذلك عن ابن عباس، أخرجه عنه جماعة ~~منهم ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم. وروي ذلك أيضا عن ابن عمر، أخرجه عن ابن أبي شيبة قال: ~~* (فأتوا حرثكم أنى شئتم) * إن شاء عزل، وإن شاء لم يعزل. وروي عن سعيد بن ~~المسيب، أخرجه عنه ابن أبي شيبة. القول الرابع: إن * (أنى شئتم) * بمعنى ~~إذا شئتم، روى ذلك عبد بن حميد عن محمد ابن الحنفية عليه السلام. # باب إحسان العشرة وبيان حق الزوجين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن المرأة كالضلع إن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها ~~استمتعت بها على عوج. وفي لفظ: استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، ~~وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، ~~فاستوصوا بالنساء متفق عليهما. وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي PageV06P357 # منها آخر رواه أحمد ومسلم. قوله: كالضلع بكسر الضاد وفتح اللام ويسكن ~~قليلا والأكثر الفتح وهو واحد الأضلاع، والفائدة في تشبيه المرأة بالضلع ~~التنبيه على أنها معوجة الأخلاق لا تستقيم أبدا، فمن حاول حملها على ~~الأخلاق المستقيمة أفسدها، ومن تركها على ما هي عليه من الاعوجاج انتفع ms2714 ~~بها، كما أن الضلع المعوج ينكسر عند إرادة جعله مستقيما وإزالة اعوجاجه، ~~فإذا تركه الانسان على ما هو عليه انتفع به، وأراد بقوله: وإن أعوج شئ في ~~الضلع أعلاه المبالغة في الاعوجاج، والتأكيد لمعنى الكسر بأن تعذر الإقامة ~~في الجهة العليا أمره أظهر. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك مثلا لا على المرأة ~~لأن أعلاها رأسها وفيه لسانها وهو الذي ينشأ منه الاعوجاج، قيل: # وأعوج ههنا من باب الصفة لا من باب التفضيل، لأن أفعل التفضيل لا يصاغ من ~~الألوان والعيوب، وأجيب بأن الظاهر ههنا أنه للتفضيل، وقد جاء ذلك على قلة ~~مع عدم الالتباس بالصفة، والضمير في قوله: فإن ذهبت تقيمه يرجع إلى الضلع ~~لا إلى أعلاه وهو يذكر ويؤنث، ولهذا قال في الرواية الأولى: تقيمها، وفي ~~هذه: تقيمه. # قوله: استوصوا بالنساء أي اقبلوا الوصية، والمعنى: أني أوصيكم بهن خيرا ~~فاقبلوا، أو بمعنى: ليوص بعضكم بعضا بهن. قوله: خلقت من ضلع أي من ضلع آدم ~~الذي خلقت منه حواء. قال الفقهاء: إنها خلقت من ضلع آدم، ويدل على ذلك ~~قوله: * (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) * (سورة النساء، الآية: 1) ~~وقد روي ذلك من حديث ابن عباس عند ابن إسحاق. وروي من حديث مجاهد مرسلا عند ~~ابن أبي حاتم. # قوله: لا يفرك بالفاء ساكنة بعدها راء وهو البغض، قال في القاموس: الفرك ~~بالكسر ويفتح البغضة عامة كالفروك والفركان أو خاص ببغضة الزوجين، فركها ~~وفركته كسمع فيهما وكنصر شاذ فركا وفروكا فهي فارك وفروك، ورجل مفرك كمعظم ~~تبغضه النساء، ومفركة ببغضها الرجال انتهى. (والحديث) الأول فيه الارشاد ~~إلى ملاطفة النساء والصبر على ما لا يستقيم من أخلاقهن، والتنبيه على أنهن ~~خلقن على تلك الصفة التي لا يفيد معها التأديب ولا ينجع عندها النصح، فلم ~~يبق إلا الصبر والمحاسنة وترك التأنيب والمخاشنة. (والحديث) الثاني فيه ~~الارشاد إلى حسن العشرة والنهي عن البغض للزوجة بمجرد كراهة خلق من ~~أخلاقها، فإنها لا تخلو مع ذلك عن أمر يرضاه منها، وإذا كانت مشتملة على ~~المحبوب ms2715 والمكروه PageV06P358 # فلا ينبغي ترجيح مقتضى الكراهة على مقتضى المحبة. قال النووي: ضبط بعضهم ~~قوله استمتعت بها على عوج بفتح العين وضبطه بعضهم بكسرها ولعل الفتح أكثر، ~~وضبطه ابن عساكر وآخرون بالكسر قال: وهو الأرجح، ثم ذكر كلام أهل اللغة في ~~تفسير معنى المكسور والمفتوح وهو معروف، وقد صرح صاحب المطالع بأن أهل ~~اللغة يقولون في الشخص المرئي عوج بالفتح، وفيما ليس بمرئي كالرأي، والكلام ~~عوج بالكسر، قال: وانفرد أبو عمرو الشيباني فقال: كلاهما بالكسر ومصدرهما ~~بالفتح وكسرها طلاقها. وقد حقق صاحب الكشاف الكلام في ذلك في تفسير قوله ~~تعالى: * (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) *. # وعن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في بيته وهن اللعب، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي متفق عليه. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم رواه أحمد والترمذي ~~وصححه. # وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خيركم خيركم ~~لأهله، وأنا خيركم لأهلي رواه الترمذي وصححه. # قوله بالبنات قال في القاموس: والبنات التماثيل الصغار يلعب بها انتهى. ~~قوله: # اللعب بضم اللام جمع لعبة، قال في القاموس: واللعبة بالضم التمثال، وما ~~يلعب به كالشطرنج ونحوه والأحمق يسخر به. قوله: ينقمعن قال في القاموس: ~~القمع دخل البيت مستخفيا. (وفي هذا الحديث) دليل على أنه يجوز تمكين الصغار ~~من اللعب بالتماثيل، وقد روي عن مالك أنه كره للرجل أن يشتري لبنته ذلك. ~~وقال القاضي عياض: إن اللعب بالبنات للبنات الصغار رخصة. وحكى النووي عن ~~بعض العلماء أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخة بالأحاديث الواردة في تحريم ~~التصوير ووجوب تغييره. قوله: فيسر بهن بضم حرف المضارعة وفتح السين المهملة ~~وكسر الراء المشددة بعدها موحدة والتسرب الدخول. قال في القاموس: وانسرب في ~~جحره وتسرب دخل، والمراد أن النبي صلى الله ms2716 عليه وآله وسلم يدخل البنات إلى ~~عائشة ليلعبن معها. قوله: أكمل المؤمنين الخ، فيه دليل على أن من ثبت له ~~مزية حسن PageV06P359 # الخلق كان من أهل الايمان الكامل، فإن كان أحسن الناس خلقا كان أكمل ~~الناس إيمانا، وإن خصلة يختلف حال الايمان باختلافها لخليقة بأن ترغب إليها ~~نفوس المؤمنين. قوله: وخياركم خياركم لنسائهم وكذلك قوله في الحديث الآخر: ~~خيركم خيركم لأهله في ذلك تنبيه على أعلى الناس رتبة في الخير وأحقهم ~~بالاتصاف به هو من كان خير الناس لأهله، فإن الأهل هم الأحقاء بالبشر وحسن ~~الخلق والاحسان وجلب النفع ودفع الضر، فإذا كان الرجل كذلك فهو خير الناس، ~~وإن كان على العكس من ذلك فهو في الجانب الآخر من الشر، وكثيرا ما يقع ~~الناس في هذه الورطة فترى الرجل إذا لقي أهله كان أسوأ الناس أخلاقا، ~~وأشحهم نفسا، وأقلهم خيرا، وإذا لقي غير الأهل من الأجانب لأنت عريكته ~~وانبسطت أخلاقه وجادت نفسه وكثر خيره، ولا شك أن من كان كذلك فهو محروم ~~التوفيق زائغ عن سواء الطريق نسأل الله السلامة. # وعن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أيما امرأة ماتت ~~وزوجها راض عنها دخلت الجنة رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب. # وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا دعا الرجل ~~امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح ~~متفق عليه. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو كنت ~~آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها رواه الترمذي وقال: ~~حديث حسن. # وعن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يصلح لبشر أن ~~يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم ~~حقه عليها ، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنحبس ~~بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه رواه أحمد. وعن ms2717 عائشة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى ~~جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها أن تفعل رواه أحمد وابن ~~ماجة. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: ما هذا يا معاذ؟ # قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فرددت في نفسي أن ~~أفعل ذلك لك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلا تفعلوا فإني لو ~~كنت آمرا أحدا أن يسجد PageV06P360 # لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي ~~المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ~~رواه أحمد وابن ماجة. # حديث أم سلمة: ذكر المصنف أن الترمذي قال فيه حديث حسن غريب، والذي وقفنا ~~عليه في نسخة صحيحة هذا حديث غريب، وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي، واللفظ ~~الذي ذكره المصنف هو في الترمذي بعد الحديث الذي قبل هذا وهو حديث طلق بن ~~علي قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا الرجل دعا زوجته لحاجته ~~فلتأته وإن كانت على التنور قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحديث أبي ~~هريرة الثاني ذكر المصنف أن الترمذي حسنه، والذي وجدناه في نسخة صحيحة ما ~~لفظه: قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث غريب من هذا الوجه من حديث محمد ~~بن عمرو وعن أبي سلمة عن أبي هريرة انتهى. وحديث أنس وعائشة وعبد الله بن ~~أبي أوفى أشار إليها الترمذي بأنه قال في جامعه بعد إخراج حديث أبي هريرة ~~المذكور ما لفظه: # (وفي الباب) عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك بن جعشم وعائشة وابن عباس و ~~عبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأسامة بن زيد وأنس وابن عمر انتهى. وقد ~~روى حديث أبي هريرة المذكور ms2718 البزار بإسناد فيه سليمان بن داود اليمامي وهو ~~ضعيف، وروى البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي سعيد مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها ~~أو أنتن منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه وأخرج مثل هذا اللفظ ~~البزار من حديث أبي هريرة وأخرج قصة معاذ المذكورة في الباب البزار بإسناد ~~رجاله رجال الصحيح وأخرجها أيضا البزار والطبراني بإسناد آخر وفيه النهاس ~~بن قهم وهو ضعيف. وأخرجها أيضا البزار والطبراني بإسناد آخر رجاله ثقات، ~~وقضية السجود ثابتة من حديث ابن عباس عند البزار، ومن حديث سراقة عند ~~الطبراني، ومن حديث عائشة عند أحمد وابن ماجة، ومن حديث عصمة عند الطبراني ~~وعن غير هؤلاء. # وحديث عائشة الذي ذكره المصنف ساقه ابن ماجة بإسناد فيه علي بن زيد بن ~~جدعان وفيه مقال، وبقية إسناده من رجال الصحيح. وحديث عبد الله بن أبي أوفى ~~ساقه ابن ماجة بإسناد صالح، فإن أزهر بن مروان والقاسم الشيباني صدوقان، ~~فهذه أحاديث PageV06P361 # في أنه لو صلح السجود لبشر لأمرت به الزوجة لزوجها، يشهد بعضها لبعض، ~~ويقوي بعضها بعضا. ويؤيد أحاديث الباب ما أخرجه أبو داود عن قيس بن سعد ~~قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت: رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فأنت يا رسول الله أحق ~~أن يسجد لك، قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قال قلت: لا، قال: فلا ~~تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما ~~جعل الله لهم عليهن من الحق وفي إسناده شريك بن عبد الله القاضي، وقد تكلم ~~فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في المتابعات. قوله: # دخلت الجنة فيه الترغيب العظيم إلى طاعة الزوج وطلب مرضاته وأنها موجبة ~~للجنة. # قوله: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه قال ms2719 ابن أبي جمرة الظاهر أن الفراش ~~كناية عن الجماع، ويقويه قوله: الولد للفراش أي لمن يطأ في الفراش، ~~والكناية عن الأشياء التي يستحيا منها كثيرة في القرآن والسنة، قال: وظاهر ~~الحديث اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلا لقوله: حتى تصبح وكأن السر ~~فيه تأكيد ذلك لا أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر ~~لأنه المظنة لذلك. قال في الفتح: وقد وقع في رواية يزيد بن كيسان عن أبي ~~حازم عند مسلم بلفظ: والذي نفسي بيده ما من رجل يدعوا امرأته إلى فراشه ~~فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها. ولابن خزيمة ~~وابن حبان من حديث جابر رفعه: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى ~~السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط ~~عليها زوجها حتى يرضى هذه الاطلاقات تتناول الليل والنهار. قوله: فأبت أن ~~تجئ فبات غضبان عليها المعصية منها تتحقق بسبب الغضب منه، بخلاف ما إذا لم ~~يغضب من ذلك فلا تكون المعصية متحققة، إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه ~~من ذلك وقد وقع في رواية للبخاري: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها وليس ~~لفظ المفاعلة على ظاهره بل المراد أنها هي التي هجرت، وقد يأتي لفظ ~~المفاعلة ويراد بها نفس الفعل، ولا يتجه عليها اللوم إلا إذا بدأت هي ~~بالهجرة فغضب هو لذلك، أو هجرها وهي ظالمة فلم تتنصل من ذنبها وهجرتها، أما ~~لو بدأ هو بهجرها ظالما لها فلا ووقع في رواية مسلم: إذا باتت المرأة ~~هاجرة. قوله: لعنتها الملائكة PageV06P362 # حتى تصبح في رواية للبخاري: حتى ترجع وهو كما قال الحافظ: أكثر فائدة، ~~قال: والأولى محمولة على الغالب كما تقدم وأخرج الطبراني والحاكم وصححه من ~~حديث ابن عمر مرفوعا: اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما عبد آبق، وامرأة عصت ~~زوجها حتى ترجع قال في الفتح حاكيا عن المهلب. (وفي الحديث) جواز لعن ~~العاصي المسلم إذا كان على وجه الارهاب عليه لئلا يواقع ms2720 الفعل، فإذا واقعه ~~فإنما يدعي له بالتوبة والهداية. قال الحافظ: ليس هذا التقييد مستفادا من ~~هذا الحديث بل من أدلة أخرى، قال: وقدر ارتضى بعض مشايخنا ما ذكره المهلب ~~من الاستدلال بهذا الحديث على جواز لعن العاصي المعين وفيه نظر. والحق أن ~~الذي منع اللعن أراد به المعنى اللغوي وهو الابعاد من الرحمة، وهذا لا يليق ~~أن يدعي به على المسلم، بل يطلب الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي ~~أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، قال: ولا يخفى أن محله إذا كان ~~بحيث يرتدع العاصي به وينزجر. وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة ~~تفعل ذلك ولا يلزم منه جوازه على الاطلاق. # (وفي الحديث) دليل على أن الملائكة تدعو على المغاضبة لزوجها الممتنعة من ~~إجابته إلى فراشه، وأما كونها تدعو على أهل المعاصي على الاطلاق كما قال في ~~الفتح، فإن كان من هذا الحديث فليس فيه إلا الدعاء على فاعل هذه المعصية ~~الخاصة، وإن كان من دليل آخر فذاك، وأما الاستدلال بهذا الحديث على أنهم ~~يدعون لأهل الطاعة كما فعل أيضا في الفتح ففاسد، فإنه لا يدل على ذلك بوجه ~~من وجوه الدلالة، وغايته أنه يدل بالمفهوم، على أن غير العاصية لا تلعنها ~~الملائكة، فمن أين أن المطيعة تدعو لها الملائكة؟ بل من أين أن كل صاحب ~~طاعة يدعون له؟ نعم قول الله تعالى: * (ويستغفرون الذين آمنوا) * يدل على ~~أنهم يدعون للمؤمنين بهذا الدعاء الخاص. وحكي في الفتح عن ابن أبي جمرة أنه ~~قال: وهل الملائكة التي تلعنها هم الحفظة أو غيرهم؟ يحتمل الامرين قال ~~الحافظ: يحتمل أن يكون بعض الملائكة موكلا بذلك، ويرشد إلى التعميم ما في ~~رواية لمسلم بلفظ: لعنتها الملائكة الذي في السماء فإن المراد به سكانها، ~~وإخبار الشارع بأن هذه المعصية يستحق فاعلها لعن ملائكة السماء يدل أعظم ~~دلالة على تأكد وجوب طاعة الزوج وتحريم عصيانه ومغاضبته. PageV06P363 # قوله: قرحة أي جرح. قوله: تنبجس بالجيم والسين المهملة. قال في القاموس: # بجس الماء والجرح يبجسه ms2721 شقه، قال: وبجسه تبجيسا فجره فانبجس وتبجس. # قوله: بالقيح قال في القاموس: القيح المدة لا تخالطها دم، قاح الجرح يقيح ~~كقاح يقوح. والصديد ماء الجرح الرقيق على ما في القاموس. قوله: نولها بفتح ~~النون وسكون الواو أي حظها وما يجب عليها أن تفعل، والنول العطاء في الأصل. # قوله: لأساقفتهم الأسقف من النصارى العالم الرئيس، والبطريق الرجل ~~العظيم. # وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلا لغير الله لم يكفر. # وعن عمرو بن الأحوص: أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: استوصوا بالنساء خيرا فإنما ~~هن عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، ~~فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا ~~تبغوا عليهن سبيلا، إن لكم من نسائكم حقا، ولنساؤكم عليكم حقا، فإما حقكم ~~على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا ~~وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن. رواه ابن ماجة والترمذي ~~وصححه، وهو دليل على أن شهادته عليها بالزنا لا تقبل لأنه شهد لنفسه بترك ~~حقه والجناية عليه. وعن معاوية القشيري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~سأله رجل: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا ~~اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت رواه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة. وعن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # أنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأخفهم في الله رواه ~~أحمد. وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل ~~للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه متفق عليه. وفي رواية لا تصوم امرأة ~~وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه رواه الخمسة إلا النسائي، وهو حجة ~~لمن يمنعها من صوم النذر وإن كان معينا إلا بإذنه. # حديث عمرو ms2722 بن الأحوص أخرجه أيضا بقية أهل السنن. وحديث معاوية القشيري ~~أخرجه النسائي، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه الحاكم PageV06P364 # وابن حبان. وحديث معاذ أخرج نحوه الطبراني في الصغير والأوسط عن ابن عمر ~~مرفوعا ولفظه: لا ترفع العصا عن أهلك وأخفهم في الله عز وجل قال في مجمع ~~الزوائد: وإسناده جيد. قوله: عوان جمع عانية والعاني الأسير. قوله: فإن ~~فعلن فاهجروهن الخ، في صحيح مسلم من حديث فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح. ~~وظاهر حديث الباب أنه لا يجوز الهجر في المضجع والضرب إلا إذا أتين بفاحشة ~~مبينة لا بسبب غير ذلك وقد ورد النهي عن ضرب النساء مطلقا، فأخرج أحمد وأبو ~~داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ~~ذباب بضم الذال المعجمة وبموحدتين مرفوعا بلفظ: لا تضربوا إماء الله، فجاء ~~عمر فقال: قد ذئر النساء على أزواجهن فأذن لهم فضربوهن، فأطاف بآل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم نساء كثيرة فقال: لقد أطاف بآل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم سبعون امرأة كلهن يشكين أزواجهن ولا تجدون أولئك ~~خياركم. ولفظ أبي داود: لقد طاف بآل محمد نساء كثيرة يشكون أزواجهن ليس ~~أولئك بخيارهم. وله شاهد من حديث ابن عباس في صحيح ابن حبان، وآخر مرسل من ~~حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عند البيهقي. وذئر النساء بفتح الذال المعجمة ~~وكسر الهمزة بعدها راء أي نشزن وقيل عصين. قال الشافعي: # يحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضربهن يعني قوله تعالى: * (واضربوهن) * ~~(سورة غافر، الآية: 7). ثم أذن بعد نزولها فيه، ومحل ذلك أن يضربها تأديبا ~~إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه ~~كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإبهام لا يعدل إلى الفعل لما في ~~وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا ~~كان في أمر يتعلق بمعصية الله وقد أخرج النسائي عن عائشة قالت: ما ضرب رسول ~~الله صلى الله ms2723 عليه وآله وسلم امرأة له ولا خادما قط، ولا ضرب بيده شيئا قط ~~إلا في سبيل الله أو تنتهك محارم الله فينتقم لله وفي الصحيحين: # لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم. وفي رواية من ~~آخر الليلة وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عمر بن الخطاب عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته. قوله: فلا ~~يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون هذا محمول على عدم ~~العلم برضا PageV06P365 # الزوج، أما لو علمت رضاه بذلك فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال ~~الضيفان موضعا معدا لهم فيجوز إدخالهم سواء كان حاضرا أو غائبا، فلا يفتقر ~~ذلك إلى الاذن من الزوج. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ولا يأذن ~~في بيته إلا بإذنه وهو يفيد بأن حديث الباب مقيد بعدم الاذن. قوله: ولا ~~تضربوا الوجه فيه دليل على وجوب اجتناب الوجه عند التأديب. قوله: ولا تقبح ~~أي لا تقول لامرأتك قبحها الله. قوله: ولا تهجر إلا في البيت المراد أنه ~~إذا رابه منها أمر فيهجرها في المضجع ولا يتحول عنها إلى دار أخرى أو ~~يحولها إليها، لكنه ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هجر ~~نساءه وخرج إلى مشربة له. قوله: ولا ترفع عنهم عصاك فيه أنه ينبغي لمن كان ~~له عيال أن يخوفهم ويحذرهم الوقوع فيما لا يليق ولا يكثر تأنيسهم ومداعبتهم ~~فيفضي ذلك إلى الاستخفاف به، ويكون سببا لتركهم للآداب المستحسنة وتخلقهم ~~بالأخلاق السيئة. قوله: لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد أي حاضر، ويلحق ~~بالزوج السيد بالنسبة إلى أمته التي يحل له وطؤها. ووقع في رواية للبخاري: ~~وبعلها حاضر وهي أفيد لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج ~~والسيد، فإن ثبت وإلا كان السيد ملحقا بالزوج للاشتراك في المعنى. قوله: ~~إلا بإذنه يعني في غير صيام أيام رمضان، وكذا سائر الصيامات الواجبة، ويدل ~~على اختصاص ms2724 ذلك بصوم التطوع. # قوله في حديث الباب: من غير رمضان. وما أخرجه عبد الرزاق من طريق الحسن ~~بن علي بلفظ: لا تصوم المرأة غير رمضان وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس ~~مرفوعا في أثناء حديث: ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه ~~فإن فعلت لم يقبل منها والحديث يدل على تحريم صوم التطوع على المرأة بدون ~~إذن زوجها الحاضر وهو قول الجمهور. وقال بعض أصحاب الشافعي يكره. قال ~~النووي: والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذنه صح وأثمت لاختلاف الجهة ~~وأمر القبول إلى الله. قال النووي أيضا: ويؤكد التحريم ثبوت الخبر بلفظ ~~النهي، ووروده بلفظ الخبر لا يمنع ذلك بل هو أبلغ لأنه يدل على تأكيد الامر ~~فيه فيكون على التحريم. قال: وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها ~~في كل وقت، وحقه واجب على الفور فلا تفوته بالتطوع وإذا أراد الاستمتاع بها ~~جاز ويفسد PageV06P366 # صومها، وظاهر التقييد بالشاهد أنه يجوز لها التطوع إذا كان الزوج غائبا، ~~فلو صامت وقد في أثناء الصيام قيل: فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي ~~معنى الغيبة أن يكون مريضا بحيث لا يستطيع الجماع. وحمل المهلب النهي ~~المذكور على التنزيه فقال: # هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إذنه لا يضره، ~~وليس له أن يبطل شيئا من طاعة الله إذا دخلت فيه بغير إذنه. قال الحافظ: ~~وهو خلاف ظاهر الحديث. # باب نهي المسافر أن يطرق أهله بقدومه ليلا عن أنس قال: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية. وعن ~~جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا أطال أحدكم الغيبة فلا ~~يطرق أهله ليلا. وعن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~غزوة فلما قدمنا ذهبنا لندخل فقال: أمهلوا حتى ندخل ليلا أي عشاء لكي تمتشط ~~الشعثة وتستحد المغيبة متفق عليهن. وعن جابر قال: نهى نبي الله صلى ms2725 الله ~~عليه وآله وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم رواه ~~مسلم. قوله: كان لا يطرق قال أهل اللغة: الطروق بالضم المجئ بالليل من سفر ~~أو غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال في النهار إلا ~~مجازا. وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق ~~لأن المارة تدفعها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا لأنه محتاج غالبا إلى ~~دق الباب. وقيل: أصل الطروق السكون ومنه أطرق رأسه، فلما كان الليل يسكن ~~فيه سمي الآتي فيه طارقا. قوله: إذا أطال أحدكم الغيبة فيه إشارة إلى أن ~~علة النهي إنما توجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فلما كان ~~الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا ويرجع ليلا لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل ~~الغيبة، قيد الشارع النهي عن الطروق بالغيبة الطويلة، والحكمة في النهي عن ~~الطروق أن المسافر ربما وجد أهله مع الطروق وعدم شعورهم بالقدوم على غير ~~أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، ~~وقد أشار إلى هذا في الحديث الذي بعده. وقد أخرج ابن خزيمة PageV06P367 # في صحيحه عن ابن عمر قال: قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة ~~فقال: لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون وأخرج ابن خزيمة ~~أيضا من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطرق ~~النساء ليلا، فطرق رجل مع امرأته. وأخرج نحوه من حديث ابن عباس وقال: رجلان ~~فكلاهما وجد مع امرأته رجلا. وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن جابر: أن عبد ~~الله بن رواحة أتى امرأة ليلا وعندها امرأة تمشطها فظنها رجلا فأشار إليه ~~بالسيف، فلما ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك نهى أن يطرق الرجل ~~أهله ليلا. قوله: حتى تدخل ليلا. ظاهره المعارضة بما تقدم من النهي عن ~~الطروق ليلا، وقد جمع بأن المراد بالليل ههنا أوله، وبالنهي الدخول في ~~أثنائه، فيكون أول الليل إلى وقت ms2726 العشاء مخصصا من عموم ذلك النهي، والأولى ~~في الجمع أن الاذن بالدخول ليلا لمن كان قد أعلم أهله بقدومه فاستعدوا له، ~~والنهي لمن لم يكن قد أعلمهم. قوله: الشعثة بفتح المعجمة وكسر العين ~~المهملة بعدها مثلثة وهي التي لم تدهن شعرها وتمشطه. قوله: وتستحد بحاء ~~مهملة أي تستعمل الحديدة وهي الموسى. والمغيبة بضم الميم وكسر المعجمة ~~بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة التي غاب عنها زوجها، والمراد إزالة الشعر ~~عنها، وعبر بالاستحداد لأن الغالب استعماله في إزالة الشعر، وليس فيه منع ~~من الإزالة بغير الموسى. قوله: يتخونهم أو يطلب عثراتهم هكذا بالشك، قال ~~سفيان: لا أدري هكذا في الحديث أم لا، يعني يتخونهم أو يطلب عثراتهم، ~~والتخون أن يظن وقوع الخيانة له من أهله وعثراتهم بفتح المهملة والمثلثة ~~جمع عثرة وهي الزلة، ووقع في حديث جابر عند أحمد والترمذي بلفظ: لا تلجوا ~~على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. # باب القسم للبكر والثيب الجديدتين عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام وقال: إنه ليس بك هوان على ~~أهلك، فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت PageV06P368 # لك سبعت لنسائي رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. ورواه الدارقطني ~~ولفظه: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها حين دخل بها: ليس بك على ~~أهلك هوان، إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك، وإن شئت سبعت لك وسبعت ~~لنسائي، قالت: تقيم معي ثلاثا خالصة. وعن أبي قلابة عن أنس قال: من السنة ~~إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم، وإذا تزوج الثيبة أقام ~~عندها ثلاثا ثم قسم، قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أخرجاه. وعن أنس قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاث ثم يعود إلى نسائه ~~رواه الدارقطني. وعن أنس قال: لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله ms2727 وسلم صفية ~~أقام عندها ثلاثة وكانت ثيبا رواه أحمد وأبو داود. # لفظ الدارقطني في حديث أم سلمة في إسناده الواقدي وهو ضعيف جدا، وحديث ~~أنس الآخر في الإقامة عند صفية أخرجه أيضا النسائي ورجال أبي داود رجال ~~الصحيح. قوله: سبعت لك في رواية لمسلم: وإن شئت ثلثت ثم درت قالت ثلث. وفي ~~رواية للحاكم أنها أخذت بثوبه مانعة له من الخروج من بيتها قال لها إن شئت ~~الحديث. وفي حديث أم سلمة دليل على أن الزوج إذا تعدى السبع للبكر والثلاث ~~للثيب بطل الايثار، ووجب قضاء سائر الزوجات مثل تلك المدة بالنص في الثيب ~~والقياس في البكر، ولكن إذا وقع من الزوج تعدي تلك المدة بإذن الزوجة. ~~ومعنى قوله: ليس بك على أهلك هوان أنه لا يلحقك هوان ولا يضيع من حقك، قال ~~القاضي عياض: المراد بأهلك هنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، أي إني ~~لا أفعل فعلا به هوانك. قوله: قال أبو قلابة الخ، قال ابن دقيق العيد: # قول أبي قلابة يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون ظن أنه سمعه عن أنس مرفوعا ~~لفظا فتحرز عنه تورعا. والثاني أن يكون رأى أن قول أنس من السنة في حكم ~~المرفوع، فلو عبر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده لصح لأنه في حكم المرفوع. ~~قال: والأول أقرب، لأن قوله من السنة يقتضي أن يكون مرفوعا بطريق اجتهادي ~~محتمل. وقوله إنه رفعه نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل ~~إلى ما هو نص في رفعه، وبهذا يندفع ما قاله بعضهم من عدم الفرق بين قوله من ~~السنة كذا وبين رفعه PageV06P369 # إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد روى هذا الحديث جماعة عن أنس ~~وقالوا فيه: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في البيهقي، ومستخرج ~~الإسماعيلي، وصحيح أبي عوانة، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والدارمي، ~~والدارقطني، وأحاديث الباب تدل على أن البكر تؤثر بسبع والثيب بثلاث، قيل: ~~وهذا في حق من كان له ms2728 زوجة قبل الجديدة. وقال ابن عبد البر حاكيا عن جمهور ~~العلماء: إن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، وسواء كان عنده زوجة أم لا، وحكى ~~النووي أنه يستحب إذا لم يكن عنده غيرها وإلا فيجب. قال في الفتح: وهذا ~~يوافق كلام الأصحاب، واختار النووي أن لا فرق، وإطلاق الشافعي يعضده، ويمكن ~~التمسك لقول من اشترط أن يكون عنده زوجة قبل الجديدة بقوله في حديث أنس ~~المذكور: إذا تزوج البكر على الثيب ويمكن الاستدلال لمن لم يشترط بقوله في ~~حديث أنس أيضا: للبكر سبع وللثيب ثلاث. قال الحافظ: لكن القاعدة أن المطلق ~~محمول على القيد، قال: وفيه يعني حديث أنس المذكور حجة على الكوفيين في ~~قولهم: إن البكر والثيب سواء في الثلاث، وعلى الأوزاعي في قوله للبكر ثلاث، ~~وللثيب يومان، وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدا ~~انتهى. وحكي في البحر عن أبي حنيفة وأصحابه والحكم وحماد أنها تؤثر البكر ~~والثيب بذلك المقدار تقديما، ويقضي البواقي مثله. وحكي في البحر أيضا عن ~~الحسن البصري وابن المسيب أنها تؤثر البكر بليلتين والثيب بليلة. قال في ~~الفتح تنبيه: يكره أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن الصلاة وسائر أعمال البر ~~قال: وعن ابن دقيق العيد أنه قال: أفرط بعض الفقهاء فجعل مقامه عندها عذرا ~~في إسقاط الجمعة وبالغ في التشنيع، وأجيب بأنه قياس قول من يقول بوجوب ~~المقام عندها وهو قول الشافعية. # ورواه ابن قاسم عن مالك، وعنه يستحب وهو وجه للشافعية، فعلى الأصح يتعارض ~~عنده الواجبان، فيقدم حق الآدمي فليس بشنيع وإن كان مرجوحا انتهى. ولا يخفى ~~أن مثل هذا لا يرد به على تشنيع ابن دقيق العيد لأنه شنع على القائل كائنا ~~من كان وهو قول شنيع كما ذكر، فكيف يجاب عنه بأن هذا قد قال به فلان وفلان؟ ~~اللهم إلا أن يكون ابن دقيق العيد موافقا في وجوب المقام بلا استثناء. ~~PageV06P370 # باب ما يجب فيه التعديل بين الزوجات وما لا يجب عن أنس قال: كان للنبي ~~صلى الله ms2729 عليه وآله وسلم تسع نسوة، وكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة ~~الأولى إلى تسع، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها رواه مسلم. وعن ~~عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من يوم إلا وهو يطوف ~~علينا جميعا، امرأة امرأة، فيدنو ويلمس من غير مسيس حتى يفضي إلى التي هو ~~يومها فيبيت عندها رواه أحمد وأبو داود بنحوه. وفي لفظ: كان إذا انصرف من ~~صلاة العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن متفق عليه. وعن أبي هريرة: عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على ~~الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو مائلا رواه الخمسة. # حديث عائشة أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححه ولفظ أبي داود في رواية: # كان لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان ما من يوم إلا ~~وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو ~~يومها فيبيت عندها وحديث أبي هريرة أخرجه الدارمي وابن حبان والحاكم قال: ~~وإسناده على شرط الشيخين، واستغربه الترمذي مع تصحيحه. وقال عبد الحق: هو ~~خبر ثابت، لكن علته أن هماما تفرد به، وأن هشاما رواه عن قتادة فقال: كان ~~يقال. وأخرج أبو نعيم عن أنس نحوه. قوله: إلى تسع فيه دليل على أن القسمة ~~كانت بين تسع، ولكن المشهور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم بين ~~ثمان من نسائه فقط، فكان يجعل لعائشة يومين يومها ويوم سودة الذي وهبته ~~لها، ولكل واحدة يوما، وفيه دليل على أنه لا يشترط في العدل بين الزوجات أن ~~يفترض لكل واحدة ليلة بحيث لا يجتمع فيها مع غيرها، بل يجوز مجالسة غير ~~صاحبة النوبة ومحادثتها، ولهذا كن يجتمعن كل ليلة في بيت صاحبة النوبة، ~~وكذلك يجوز للزوج دخول بيت غير صاحبة النوبة والدنو منها واللمس إلا ~~الجماع، كما في حديث عائشة المذكور. قوله: يميل لإحداهما فيه دليل ms2730 على ~~تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى إذا كان ذلك في أمر يملكه الزوج ~~كالقسمة والطعام والكسوة، ولا يجب على الزوج التسوية بين الزوجات فيما لا ~~يملكه كالمحبة ونحوها لحديث عائشة الآتي. وقد ذهب أكثر الأئمة إلى وجوب ~~القسمة بين الزوجات. وحكي في البحر عن قوم مجاهيل أنه يجوز لمن PageV06P371 # له زوجتان أن يقف مع إحداهما ليلة ومع أخرى ثلاثا، لأن له أن ينكح أربعا، ~~وله إيثار أيهما شاء بالليلتين. ومثله عن الناصر لكن حمله أصحابه على ~~الحكاية دون أن يكون مذهبه، ولا شك أن مثل هذا يعد من الميل الكلي والله ~~يقول: * (فلا تميلوا كل الميل) *. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم فيعدل ~~ويقول: # اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك رواه الخمسة إلا ~~أحمد. وعن عمر قال قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: # لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يريد عائشة فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم متفق عليه. وعن عائشة: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: ~~أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان في بيت ~~عائشة حتى مات عندها متفق عليه. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ~~معه متفق عليه. # حديث عائشة الأول أخرجه أيضا الدارمي وصححه ابن حبان والحاكم، ورجح ~~الترمذي إرساله فقال: رواية حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا أصح، ~~وكذا أعله النسائي والدارقطني. وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حماد بن ~~سلمة على وصله. قوله: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم فيعدل ~~استدل به من قال: إن القسم كان واجبا عليه، وذهب بعض المفسرين والاصطخري ~~والمهدي في البحر إلى ms2731 أنه لا يجب عليه واستدلوا بقوله تعالى: * (ترجي من ~~تشاء منهن) * (سورة النساء، الآية: 129) الآية، وذلك في خصائصه. قوله: فلا ~~تلومني فيما تملك ولا أملك قال الترمذي: يعني به الحب والمودة، كذلك فسره ~~أهل العلم. وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ~~* (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) * (سورة الأحزاب، الآية: 51) قال: ~~في الحب والجماع. وعند عبيدة بن عمر والمسلماني مثله. قوله: أن كانت جارتك ~~بالفتح للهمزة وبالكسر كما في الفتح، والمراد بالجارة ههنا الضرة أو هو على ~~حقيقته لأنها كانت مجاورة لها. قال في الفتح: والأولى أن يحمل اللفظ هنا ~~على معنييه PageV06P372 # لصلاحيته لكل منهما، والعرب تطلق على الضرة جارة لتجاورهما المعنوي ~~لكونهما عند شخص واحد وإن لم يكن حسيبا. قوله: أوضأ منك من الوضاءة ووقع في ~~رواية المعمر: أوسم من الوسامة والمراد أجمل كأن الجمال وسمة أي علامة. ~~قوله: # يريد يوم عائشة فيه دليل على أنه مجرد إرادة الزوج أن يكون عند بعض نساءه ~~في مرضه أو في غيره لا يكون محرما عليه بل يجوز له ذلك، ويجوز للزوجات ~~الاذن له بالوقوف مع واحدة منهن. قوله: إذا أراد أن يخرج سفرا مفهومه ~~اختصاص القرعة بحالة السفر وليس على عمومه، بل لتعين القرعة من يسافر بها، ~~ويجري القرعة أيضا فيما إذا أراد أن يقسم بين نسائه، فلا يبدأ بأيتهن شاء ~~بل يقرع بينهن، فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة إلا أن يرضين بتقديم من يختاره ~~جاز بلا قرعة. قوله: أقرع استدل بذلك على مشروعية القرعة في القسمة بين ~~الشركاء وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية المالكية عدم اعتبار القرعة. قال ~~القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنها من باب الخطر والقمار، وحكي ~~عن الحنفية إجازتها، انتهى. # باب المرأة تهب يومها لضرتها أو تصالح الزوج على إسقاطه عن عائشة: أن ~~سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم ~~لعائشة يومها ويوم سودة متفق عليه. وعن عائشة في قوله ms2732 تعالى: * (وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) * (سورة النساء، الآية: 129) قالت: هي ~~المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها تقول له: ~~أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسم لي فذلك ~~قوله تعالى: * (فلا جناح عليهما أن يصلح بينهما صلحا والصلح خير) * (سورة ~~النساء، الآية: 128) وفي رواية قالت: وهو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه ~~كبرا أو غيره فيريد فراقها فتقول: أمسكني وأقسم لي ما شئت، قالت: فلا بأس ~~إذا تراضيا متفق عليهما. وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان عند رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم تسع وكان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة، قال عطاء: التي ~~لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب رواه PageV06P373 # أحمد ومسلم، والتي ترك القسم لها يحتمل أن يكون عن صلح ورضا منها، ويحتمل ~~أنه كان مخصوصا بعدم وجوبه عليه لقوله تعالى: * (ترجي من تشاء منهن) * ~~(سورة الأحزاب، الآية: 51) الآية. # قوله: أن سودة قال في الفتح: هي زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ~~تزوجها وهي بمكة بعد موت خديجة ودخل عليها بها وهاجرت معه. ووقع لمسلم من ~~طريق شريك عن هشام في آخر حديث الباب قالت عائشة: وكانت امرأة تزوجها بعدي ~~ومعناه عقد عليها بعد أن عقد على عائشة. وأما الدخول بعائشة فكان بعد سودة ~~بالاتفاق، وقد نبه على ذلك ابن الجوزي. # قوله: وهبت يومها في لفظ للبخاري في الهبة يومها وليلتها وزاد في آخره: ~~تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولفظ أبي داود: ولقد ~~قالت سودت بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: يا رسول الله يومي لعائشة فقيل ذلك منها ففيها وأشباهها نزلت: * ~~(وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) * (سورة النساء، الآية: 128) الآية. # ورواه أيضا ابن سعد وسعيد بن منصور والترمذي وعبد الرزاق. قال الحافظ في ~~الفتح: فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت. قال: ms2733 وأخرج ابن ~~سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي برة مرسلا: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم طلقها فقعدت له على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في ~~الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة فأنشدك الذي أنزل عليك ~~الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟ قال: لا، قالت: فأنشدك لما راجعتني، ~~فراجعها، قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قوله: يومها ويوم سودة لا نزاع أنه يجوز إذا كان يوم ~~الواهبة. # واليا ليوم الموهوب لها بلا فصل أن يوالي الزوج بين اليومين للموهوب لها، ~~وأما إذا كان بينهما نوبة زوجة أخرى أو زوجات فقال العلماء: إنه لا يقدمه ~~من رتبته في القسم إلا برضا من بقي، وهل يجوز للموهوب لها أن تمتنع عن قبول ~~النوبة الموهوبة؟ # فإن كان قد قبل الزوج لم يجز لها الامتناع، وإن لم يكن قد قبل لم يكره ~~على ذلك، حكي ذلك في الفتح عن العلماء، قال: وإن وهبت يومها لزوجها ولم ~~تتعرض للضرة فهل له أن يخص واحدة إن كان عنده أكثر من اثنتين أو يوزعه بين ~~من بقي؟ قال: # وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت، لكن فيما PageV06P374 # يستقبل لا فيما مضى. قال في البحر: وللواهبة الرجوع متى شاءت فيقضيها ما ~~فوت بعد العلم برجوعها لا قبله. وحديث عائشة يدل على أنه يجوز للمرأة أن ~~تهب يومها لضرتها وهو مجمع عليه كما في البحر، والآية المذكورة تدل على أنه ~~يجوز للمرأة أن تصالح زوجها إذا خافت منه أن يطلقها بما تراضيا عليه من ~~إسقاط نفقة أو إسقاط قسمها أو هبة نوبتها أو غير ذلك مما يدخل تحت عموم ~~الآية. قوله: قال عطاء التي لا يقسم لها صفية. قد ذكر ابن القيم في أول ~~الهدى عند الكلام على هديه صلى الله عليه وآله وسلم في النكاح: والقسم أن ~~هذا غلط، وأن صفية إنما أسقطت نوبتها من القسمة مرة ms2734 واحدة وقالت: هل لك أن ~~تطيب نفسك عني وأجعل يومي لعائشة؟ أي ذلك اليوم بعينه في تلك المرة، هذا ~~معنى كلامه فليراجع فإنه لم يحضرني وقت الرقم. PageV06P375 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء السابع - 1973 دار الجيل بيروت - لبنان ~~ص، ب - 8747 PageV07P001 # بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الطلاق) (باب جوازه للحاجة وكراهته مع ~~عدمها و طاعة الوالد فيه) 1 (عن عمر بن الخطاب " أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم طلق حفصة ثم راجعها " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وهو لا ~~حمد من حديث عاصم ابن عمر * 2 وعن لقيط بن صبرة قال " قلت يا رسول الله ان ~~لي امرأة فذكر من بذائها قال طلقها قلت إن لها صحبة وولدا قال مرها أو قل ~~لها فان يكن فيها خير ستفعل ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك " رواه أحمد وأبو ~~داود * 3 وعن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيما امرأة ~~سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " رواه الخمسة ~~الا النسائي * 4 وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أبغض ~~الحلال إلى الله عز وجل الطلاق " رواه أبو داود وابن ماجة * 5 وعن ابن عمر ~~قال " كانت تحتي امرأة أحبها وكان أبى يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت فذكر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك " ~~رواه الخمسة الا النسائي وصححه الترمذي) حديث عمر بن الخطاب سكت عنه أبو ~~داود والمنذري وحديث لقيط أخرجه أيضا البيهقي ورجاله رجال الصحيح. وحديث ~~ثوبان حسنه الترمذي وذكر ان بعضهم لم يرفعه. وحديث ابن عمر الأول أخرجه ~~أيضا الحاكم وصححه ورواه أيضا أبو داود وفي اسناد أبي داود يحيى بن سليم ~~وفيه مقال والبيهقي مرسلا ليس فيه ابن عمر ورجح أبو حاتم ms2735 والدار قطني ~~والبيهقي المرسل وعي اسناده عبيد الله بن الوليد الوصافي PageV07P002 # وهو ضعيف ولكنه قد تابعه معرف بن واصل ورواه الدارقطني عن معاذ بلفظ " ما ~~خلق الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " قال الحافظ واسناد ضعيف ومنقطع. وأخرج ~~ابن ماجة وابن حبان من حديث أبي موسى مرفوعا " ما بال أحدكم يلعب بحدود ~~الله يقول قد طلقت قد راجعت " وحديث ابن عمر الثاني. قال الترمذي بعد ~~اخراجه هذا حديث حسن صحيح إنما نعرفه من حديث ابن أبي ذئب انتهي: من الطلاق ~~وهو الارسال والترك وفلان طلق اليد بالخير أي كثير البذل وفي الشرع حل عقدة ~~التزويج فقط وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغوي. قال امام الحرمين هو لفظ ~~جاهلي ورد الشرع بتقريره وطلقت المرأة بفتح الطاء وضم اللام وبفتحها أيضا ~~وهو أفصح وطلقت أيضا بضم أوله وكسر اللام الثقيلة فان خففت فهي خاص ~~بالولادة والمضارع فيهما بضم اللام والمصدر في الولادة طلقا ساكنة اللام ~~فهي طالق فيهما ثم الطلاق قد يكون حراما ومكروها وواجبا ومندوبا وحائزا أما ~~الأول ففيما إذا كان بدعيا وله صور. وأما الثاني ففيما إذا وقع بغير سبب مع ~~استقامة الحال. # وأما الثالث ففي صور منها الشقاق إذا رأى ذلك الحكمان. وأما الرابع ففيما ~~إذا كانت غير عفيفة. وأما الخامس فنفاه النووي وصوره غيره بما إذا كان لا ~~يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع فقد صرح ~~الامام ان الطلاق في هذه الصورة لا يكره انتهى. وفي حديث عمر هذا دليل علي ~~أن الطلاق يجوز للزوج من دون كراهة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ~~يفعل ما كان حائزا من غير كراهة ولا يعارض هذا حديث " أبغض الحلال إلى الله ~~" الخ لأن كونه أبغض الحلال لا يستلزم أن يكون مكروها كراهة أصولية. # قوله " طلقها فيه أنه يحسن طلاق من كانت بذية اللسان ويجوز امساكها ولا ~~يحل ضربها كضرب الأمة وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله " فحرام عليها رائحة ~~الجنة " فيه دليل ms2736 على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها محرم عليها تحريما ~~شديدا لأن من لم يرح رائحة الجنة غير داخل لها أبدا وكفى بذنب يبلغ بصاحبه ~~إلى ذلك المبلغ مناديا علي فظاعته وشدته: قوله " أبغض الحلال إلى الله " ~~الخ فيه دليل على أن ليس كل حلال محبوبا بل ينقسم إلى ما هو PageV07P003 # محبوب وإلى ما هو مبغوض: " طلق امرأتك " هذا دليل صريح يقتضى انه يجب على ~~الرجل إذا أمراه أبوه بطلاق زوجته أن يطلقها وإن كان يحبها فليس ذلك عذرا ~~له في الامساك ويلحق بالأب الام لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين ~~ان لها من الحق على الولد ما يزيد على حق الأب كما في حديث " من أبر يا ~~رسول الله فقال أمك ثم سأله فقال أمك ثم سأله فقال أمك وأباك " وحديث " ~~الجنة تحت أقدام الأمهات " وغير ذلك * (باب النهي عن الطلاق في الحيض وفي ~~الطهر بهد أن يجامعها ما لم يبن حملها) 1 (عن ابن عمر " انه طلق امرأته وهي ~~حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال مره فليراجعها ثم ~~ليطلقها طاهرا أو حاملا " رواه الجماعة الا البخاري * وفي رواية عنه " انه ~~طلق امرأة له وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فتغيظ ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ~~ثم تحيض فتطهر فان بدا له أن يطلقها فليطلقها أن يطلق لها النساء " رواه ~~الجماعة الا الترمذي فان له منه إلى الامر بالرجعة. ولمسلم والنسائي نحوه ~~وفي آخره قال ابن عمرو " قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا أيها النبي ~~إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن " وفي رواية متفق عليها " وكان عبد ~~الله طلق تطليقة فحسبت من طلاقها " وفي رواية " كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك ~~قال لأحدهم اما ان طلقت امرأتك مرة أو مرتين فان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمرني بهذا وان كنت ms2737 طلقت ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك ~~وعصيت الله عز وجل فيما أمرك به من طلاق امرأتك " رواه أحمد ومسلم والنسائي ~~* وفي رواية " انه طلق امرأته وهي حائص تطليقة فانطلق عمر فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر عبد الله ~~فليراجعها فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا ~~يمسها PageV07P004 # حتى يطلقها وان شاء ان يمسكها فليمسكها فإنها العدة التي أمر الله أن ~~يطلق لها النساء " رواه الدارقطني وفيه تنبيه على تحريم الوطئ والطلاق قبل ~~الغسل * 2 وعن عكرمة قال " قال ابن عباس الطلاق على أربعة أوجه وجهان حلال ~~ووجهان حرام فأما اللذان هما حلال فان يطلق الرجل امرأته طاهرا من غير جماع ~~أو يطلقها حاملا مستبينا حملها وأما اللذان هما حرام فان يطلقها حائضا أو ~~يطلقها عند الجماع لا يدرى اشتمل الرحم على ولد أم لا " رواه الدارقطني) * ~~قوله " طلق امرأته " اسمها آمنة بنت غفار كما حكاه جماعة منهم النووي وابن ~~باطش. وغفار بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وفي مسند أحمد ان اسمها ~~النوار. قوله " وهي حائض " في رواية " وهي في دمها حائض " وفي أخرى للبيهقي ~~" أنه طلقها في حيضها " قوله " فذكر ذلك عمر " قال ابن العربي سؤال عمر ~~محتمل لأن يكون ذلك لكونهم لم يروا قبلها مثلها فسأله ليعلم ويحتمل أن يكون ~~لما رأى في القرآن (فطلقوهن لعدتهن) ويحتمل أن يكون سمع من النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم النهى فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك. قوله " مره فليراجعها " ~~قال ابن دقيق العيد يتعلق بذلك مسألة أصولية وهي ان الامر بالامر بالشئ هل ~~هو أمر بذلك الشئ أو لا فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر مره ~~والمسألة معروفة في كتب الأصول والخلاف فيها مشهور. وقد ذكر الحافظ في ~~الفتح ان من مثل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالط فان القرينة واضحة في ~~أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورا بالتبليغ ولهذا وقع ms2738 في رواية أيوب عن ~~نافع فأمره أن يراجعها إلى آخر كلام صاحب الفتح * وظاهر الامر الوجوب فتكون ~~مراجعة من طلقها زوجها على تلك الصفة واجبة وقد ذهب إلي ذلك مالك وأحمد في ~~رواية والمشهور عنه وهو قول الجمهور الاستحباب فقط قال في الفتح واحتجوا ~~بان ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك لكن صحح صاحب الهداية من الحنفية ~~انها واجبة والحجة لمن قال بالوجوب ورود الامر بها ولان الطلاق لما كان ~~محرما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة واتفقوا على أنه لو طلق قبل ~~الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة الا ما نقل عن زفر وحكى ابن بطال وغيره ~~الاتفاق إذا انقضت العدة انه لا رجعة والاتفاق أيضا علي انه إذا طلقها في ~~PageV07P005 # طهر قد مسها فيه لم يؤمر بالمراجعة وتعقب الحافظ ذلك بثبوت الخلاف فيه ~~كما حكاه الحناطي من الشافعية وجها. قوله " ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " ~~ظاهره جواز الطلاق حال الطهر ولو كان هو الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها ~~وبه قال أبو حنيفة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد الوجهين عن الشافعية ~~وذهب أحمد في أحدي الروايتين عنه والشافعية في الوجه الآخر وأبو يوسف ومحمد ~~إلى المنع وحكاه صاحب البحر عن القاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وفيه نظر فان ~~الذي في كتب الحنفية هو ما ذكرناه من الجواز عن أبي حنيفة والمنع عن أبي ~~يوسف ومحمد واستدل القائلون بالجواز بظاهر الحديث وبان المنع إنما كان لا ~~جل الحيض فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز الطلاق في ذلك الطهر كما يجوز في ~~غيره من الأطهار واستدل المانعون بما في الرواية الثانية من حديث الباب ~~المذكور بلفظ " ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر " الخ وكذلك قوله في ~~الرواية الأخرى " مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت " الخ. قوله " فتغيظ " ~~قال ابن دقيق العيد تغيظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم اما لأن المعني ~~الذي يقتضى المنع كان ظاهرا فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك أو لأنه كان ~~مقتضى الحال مشاورة ms2739 النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك إذا عزم عليه. ~~قوله " ثم يمسكها " أي يستمر بها في عصمته حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. وفي ~~رواية للبخاري " ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخري فإذا طهرت فليطلقها ~~" قال الشافعي غير نافع إنما روى " حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها ثم ~~إن شاء أمسكها وان شاء طلق " رواه يونس ابن جبير وابن سيرين وسالم. قال ~~الحافظ وهو كما قال لكن رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع وقد نبه ~~علي ذلك أبو داود والزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما إذا كان حافظا (وقد ~~اختلف) في الحكمة في الامر بالامساك كذلك فقال الشافعي يحتمل أن يكون أراد ~~بذلك أي بما في رواية نافع أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر ~~تام ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها اما بحمل أو بحيض أو ليكون ~~تطليقها بعد عامه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع أو ليرغب في الحمل إذا ~~انكشفت حاملا فيمسكها لأجله. وقيل الحكمة في ذلك أن لا تصير الرجعة لغرض ~~الطلاق فإذا أمسكها زمانا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة PageV07P006 # الرجعة لأنه قد يطول مقامه معها فيجامعها فيذهب ما في نفسه فيمسكها. قوله ~~" قبل أن يمسها " استدل بذلك على أن الطلاق في طهر جامع فيه حرام وبه صرج ~~الجمهور وهل يجبر على الرجعة إذا طلقها في طهر وطئها فيه كما يجبر إذا ~~طلقها حائضا قال بذلك بعض المالكية والمشهور عندهم الاجبار إذا طلق في ~~الحيض لا إذا طلق في طهر وطئ فيه وقال داود يجبر إذا طلقها حائضا لا إذا ~~طلقها نفساء قال في الفتح واختلف الفقهاء في المراد بقوله طاهر أهل المراد ~~انقطاع الدم أو التطهر بالغسل علي قولين وهما روايتان عن أحمد والراجح ~~الثاني لما أخرجه النسائي بلفظ " مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت من ~~حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها وان شاء أن يمسكها فليمسكها " وهذا ~~مفسر لقوله (فإذا طهرت) فليحمل عليه وقد ms2740 تمسك بقوله أو حاملا من قال بان ~~طلاق الحامل سني وهم الجمهور. وروي عن أحمد أنه ليس بسني: قوله " فحسبت من ~~طلاقها " بضم الحاء المهملة من الحسبان. وفي لفظ للبخاري حسبت على بتطليقة ~~وأخرجه أبو نعيم كذلك وزاد يعنى حين طلق امرأته فسأل عمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقد تمسك بذلك من قال بان الطلاق البدعي يقع وهم الجمهور. ~~وذهب الباقر والصادق وابن حزم وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض إلى أنه ~~لا يقع. وحكاه ابن القربى وغيره عن ابن علية يعني إبراهيم ابن إسماعيل بن ~~علية وهو من فقهاء المعتزلة. قال ابن عبد البر لا يخالف في ذلك الا أهل ~~البدع والضلال. قال وروى مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ. وقد أجاب أبن حزم ~~عن قول ابن عمر المذكور بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه ولا حجة في أحد دون ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعقب بأنه مثل قول الصحابة أمرنا في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكذا فإنه في حكم المرفوع إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال الحافظ وعندي أنه لا ينبغي أن يجئ فيه الخلاف ~~الذي في قول الصحابي أمرنا بكذا فان ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم على ذلك ليس صريحا وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه فان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الآمر بالمراجعة وهو المرشد لابن عمر ~~فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك وإذا أخبر ابن عمر ان الذي وقع منه حسب ~~عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعيدا جدا مع PageV07P007 # احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك وكيف يتخيل ان ابن عمر يفعل في القصة ~~شيئا برأيه وهو ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تغيظ من صنعه حيث لم ~~يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة. واستدل الجمهور أيضا بما أخرجه ~~الدارقطني عن ابن عمر ان ms2741 النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هي واحدة. قال ~~في الفتح وهذا نص في محل النزاع يجب المصير إليه وقد أورده بعض العلماء على ~~ابن حزم فأجابه بان قوله هي واحدة لعله ليس من كلام النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال وقد أجاب ابن ~~القيم عن هذا الحديث بأنه لا يدرى أقاله يعني قوله هي واحدة ابن وهب من ~~عنده أم ابن أبي ذئب أم نافع فلا يجوز أن يضاف إلي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم مالا يتيقن أنه من كلامه ولا يخفي أن هذا التجويز لا يدفع الظاهر ~~المتبادر من الرفع و لو فتحنا باب دفع الأدلة بمثل هذا ما سلم لنا حديث ~~فالأولى في الجواب المعارضة لذلك بما سيأتي (ومن حجج) الجمهور ما أخرجه ~~الدارقطني أيضا " ان عمر قال يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة قال نعم " ~~ورجاله إلى شعبة ثقات كما قال الحافظ وشعبة رواه عن أنس بن سيرين عن ابن ~~عمر واحتج الجمهور أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم راجعها فان الرجعة ~~لا تكون الا بهد طلاق و أجاب ابن القيم عن ذلك بأن الرجعة قد وقعت في كلام ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاثة معان. أحدها بمعني النكاح قال ~~الله تعالى (فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) ولا خلاف بين أحد من ~~أهل العلم ان المطلق ههنا هو الزوج الثاني وان التراجع بينها وبين الزوج ~~الأول وذلك كابتداء النكاح. و ثانيها الرد الحسن إلى الحالة الأولى التي ~~كانت عليها أولا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي النعمان بن بشير لما ~~أنحل ابنه غلاما خصه به دون ولده " ارجعه " أي رده فهذا رد ما لم تصح فيه ~~الهبة الجائزة. والثالث الرجعة التي تكون بعد الطلاق ولا يخفى أن الاحتمال ~~يوجب سقوط الاستدلال ولكنه يؤيد حمل الرجعة هنا على الرجعة هنا على الرجعة ~~بعد إلي لاق ما أخرجه الدارقطني ms2742 عن ابن عمر " أن رجلا قال إني طلقت امرأتي ~~البتة وهي حائض فقال عصيت ربك وفارقت امرأتك قال فان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته قال إنه أمر ابن عمر أن ~~يراجعها بطلاق بقي له وأنت لم تبق ما ترتجع PageV07P008 # به امرأتك. قال الحافظ وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن ~~عمر على المعني اللغوي ولكنه لا يخفي ان هذا على فرض دلالته على ذلك لا ~~يصلح للاحتجاج به لأن مجرد فهم ابن عمر لا يكون حجة. وقد تقرر ان معنى ~~الرجعة لغة أعم من المعني الاصطلاحي ولم يثبت انه ثبت فيها حقيقة شرعية ~~يتعين المصير إليها. ومن حجج القائلين بعدم الوقوع أثر ابن عباس المذكور في ~~الباب ولا حجة لهم في ذلك لأنه قول صحابي ليس بمرفوع ومن جملة ما احتج به ~~القائلون بعدم وقوع الطلاق البدعي ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن ~~عمر بلفظ " طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض قال عبد الله فردها على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرها شيئا " قال الحافظ واسناد هذه ~~الزيادة علي شرط الصحيح وقد صرح ابن القيم وغيره بان هذا الحديث صحيح لأنه ~~رواه أبو داود عن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني أبو ~~الزبير " أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر كيف ترى في رجل ~~طلق امرأته حائضا فقال ابن عمر طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض. قال عبد الله فردها علي ولم ~~يرها شيئا " الحديث فهؤلاء رجال ثقات أئمة حفاظ وقد أخرجه أحمد عن روح ابن ~~عبادة عن ابن جريج فلم يتفرد به عبد الرزاق عن ابن جريج ولكنه قد أعل هذا ~~الحديث بمخالفة أبي ms2743 الزبير لسائر الحفاظ. قال أبو داود روى هذا الحديث عن ~~ابن عمر جماعة وأحاديثهم على خلاف ما قال أبو الزبير وقال ابن عبد البر ~~قوله ولم يرها شيئا منكر لم يقله غير أبى الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه ~~مثله فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه ولو صح فمعناه عندي والله أعلم ولم ~~يرها شيئا مستقيما لكونها لم تكن عن السنة. # وقال الخطابي قال أهل الحديث لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا وقد ~~يحتمل أن يكون معناه ولم يرها شيئا تحرم معه المراجعة أو لم يرها شيئا ~~جائزا في السنة ماضيا في الاختيار. وقد حكى البيهقي عن الشافعي نحو ذلك ~~ويجاب بأن أبا الزبير غير مدفوع في الحفظ والعدالة وإنما يخشى من تدليسه ~~فإذا قال سمعت أو حدثني زال ذلك وقد صرح هنا بالسماع وليس في الأحاديث ~~الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير حتى يصار إلى الترجيح ويقال قد نخالفه ~~الأكثر بل غاية ما هناك الامر بالمراجعة على (م 2 - ج 7 - نيل الأوطار) ~~PageV07P009 # فرض استلزامه لوقوع الطلاق وقد عرفت اندفاع ذلك على أنه لو سلم ذلك ~~الاستلزام لم يصلح لمعارضة النص الصريح أعني ولم يرها شيئا على أنه يؤيد ~~رواية أبى الزبير ما أخرجه سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك عن ابن ~~عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس ~~ذلك بشئ وقد روى ابن حزم في المحلى بسنده المتصل إلى ابن عمر من طريق عبد ~~الوهاب الثقفي عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال في الرجل ~~يطلق امرأته وهي حائض لا يعتد بذلك وهذا اسناد صحيح وروى ابن عبد البر عن ~~الشعبي أنه قال إذا طلق امرأته وهي حائض لم يعتد بها في قول ابن عمر. وقد ~~روي زيادة أبى الزبير الحميدي في الجمع بين الصحيحين وقد التزم أن لا يذكر ~~فيه الا ما كان صحيحا على شرطهما. وقال ابن ms2744 عبد البر في التمهيد انه تابع ~~أبا الزبير على ذلك أربعة عبد الله بن عمر ومحمد بن عبد العزيز ابن أبي ~~رواد ويحيي بن سليم وإبراهيم بن أبي حسنة ولا شك ان رواية عدم الاعتداد ~~بتلك الطلقة أرجح من رواية الاعتداد المتقدمة فإذا صرنا إلي الترجيح بناء ~~على تعذر الجمع فرواية عدم الاعتداد أرجح لما سلف ويمكن ان يجمع بما ذكره ~~ابن عبد البر ومن معه كما تقدم. قال في الفتح وهو متعين وهو أولي من تغليط ~~بعض الثقات وقد رجح ما ذهب إليه من قال بعدم الوعوع بمرجحات منها قوله ~~تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) والمطلق في حال ~~الحيض أو الطهر الذي وطئ فيه لم يطلق بتلك العدة التي أمر الله بتطليق ~~النساء لها كما صرح بذلك الحديث المذكور في الباب وقد تقرر في الأصول ان ~~الامر بالشئ نهى عن ضده والمنهي عنه نهيا لذاته أو لجزئه أو لو صفه اللازم ~~يقتضي الفساد والفاسد لا يثبت حكمه. ومنها قول الله تعالى (فامساك بمعروف ~~أو تسريح باحسان) ولا أقبح من التسريح الذي حرمه الله ومنها قوله تعالى ~~(الطلاق مرتان) ولم يرد الا المأذون فدل على أن ما عداه ليس بطلاق لما في ~~هذا التركيب من الصيغة الصالحة للحصر أعني تعريف المسند إليه باللام ~~الجنسية. ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد " وهو حديث صحيح شامل لكل مسألة مخالفة لما عليه أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومسألة النزاع من هذا القبيل فلن الله لم يشرع هذا ~~الطلاق ولا اذن فيه فليس من شرعه وأمره وممن ذهب إلي هذا المذهب أ؟؟ ني عدم ~~وقوع البدعي شيخ الاسلام ابن تيمية PageV07P010 # وتلميذه ابن القيم وأطال الكلام عليها في الهدى والحافظ محمد بن إبراهيم ~~الوزير وألف فيها رسالة طويلة في مقدار كراستين في القطع الكامل وقد جمت ~~فيها رسالة مختصرة مشتملة على الفوائد المذكورة في غيرها * (باب ما جاء في ms2745 ~~طلاق البتة وجمع الثلاث واختيار تفريقها) 1 (عن ركانة بن عبد الله " انه ~~طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله وسلم ~~بذلك فقال والله ما أردت الا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~والله ما أردت الا واحدة قال ركانة والله ما أردت الا واحدة فردها إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب ~~والثالثة في زمن عثمان " ورواه الشافعي وأبو داود والدار قطني. وقال قال ~~أبو داود هذا حديث حسن صحيح) * الحديث أخرجه أيضا الترمذي وصححه أيضا ابن ~~حبان والحاكم قال الترمذي لا يعرف الا من هذا الوجه وسألت محمدا عنه يعني ~~البخاري فقال فيه اضطراب انتهى وفي اسناده الزبير بن سعيد الهاشمي وقد ضعفه ~~غير واحد وقيل إنه متروك وذكر الترمذي عن البخاري انه يضطرب فيه تارة يقال ~~فيه ثلاثا وتارة قيل واحدة وأصحها انها طلقها البتة وان الثلاث ذكرت فيه ~~على المعني. قال ابن كثير لكن قد رواه أبو داود من وجه آخر وله طرق أخر فهو ~~حسن إن شاء الله. وقال ابن عبد البر في التمهيد تكلموا في هذا الحديث انتهى ~~وهو مع ضعفه مضطرب ومعارض أما الاضطراب فكما تقدم وقد أخرج أحمد انه طلق ~~ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها وروى ابن إسحاق عن ركانة انه " ~~قال يا رسول الله اني طلقتها ثلاثا قال قد علمت ارجعها ثم ثلا إذا طلقتم ~~النساء " الآية أخرجه أبو داود وأما معارضته فيما روي ابن عباس ان طلاق ~~الثلاث كان واحدة وسيأتي وهو أضح اسنادا وأوضح متنا. وروى النسائي عن محمود ~~بن لبيد قال أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ~~ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ~~حتى قام رجل فقال يا رسول الله PageV07P011 # الا أقتله " قال ابن كثير اسناده جيد. وقال الحافظ في بلوغ المرام رواته ~~موثقون (وفي الباب) ms2746 عن ابن عباس " قال طلق أبو ركانة أم ركانة فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم راجع امرأتك فقال إني طلقتها ثلاثا قال قد ~~علمت راجعها " أخرجه أبو داود ورواه أحمد والحاكم وهو معلول بابن اسحق فإنه ~~في سنده (والحديث) يدل على أن من طلق بلفظ البتة وأراد واحدة كانت واحدة ~~وان أراد ثلاثا كانت ثلاثا ورواية ابن عباس التي ذكرناها انه أعني ركانة ~~طلقها ثلاثا فأمره صلى الله عليه وآله وسلم بمراجعتها يدل على أن طلق ثلاثا ~~دفعة كانت في حكم الواحدة وسيأتي الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحق: قوله " ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم ما أردت الا واحدة " الخ فيه دليل على أنه لا ~~يقبل قول من طلق زوجته بلفظ البتة ثم زعم أنه أراد واحدة الا بيمين ومثل ~~هذا كل دعوى يدعيها الزوج راجعة إلي الطلاق إذا كان له فيها نفع * 2 (وعن ~~سهل بن سعد " قال لما لا عن أخو بني عجلان امرأته قال يا رسول الله ظلمتها ~~ان أمسكتها هي الطلاق وهي الطلاق وهي الطلاق " رواه أحمد * 3 وعن الحسن " ~~قال حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن ~~يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرءين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله تعالى إنك قد أخطأت السنة ~~والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قره وقال فأمرني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فراجعتها ثم قال إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك فقلت يا رسول ~~الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها قال لا كانت تبين منك ~~وتكون معصية " رواه الدارقطني) * حديث سهل بن سعد هو عند الجماعة الا ~~الترمذي بلفظ " فاما فرغا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ان أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فكانت سنة ms2747 المتلاعنين " وسيأتي في كتاب اللعان والغرض من ايراده ~~ههنا ان الثلاث إذا وقعت في موقف واحد وقعت كلها وبانت الزوجة وأجاب ~~القائلون بأنها لا تقع الا واحدة فقط عن ذلك بان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إنما سكت عن ذلك لان PageV07P012 # الملاعنة تبين بنفس اللعان فالطلاق الواقع من الزوج بعد ذلك لا محل له ~~فكأنه طلق أجنبية ولا يجب انكار مثل ذلك فلا يكون السكوت عنه تقريرا * ~~وحديث الحسن في اسناده عطاء الخراساني وهو مختلف فيه وقد وثقه الترمذي وقال ~~النسائي وأبو حاتم لا بأس به وكذبه سعيد بن المسيب وضعفه غير واحد. وقال ~~البخاري ليس فيمن روى عنه مالك من يستحق الترك غيره. وقال شعبة كان نسيا ~~وقال ابن حبان كان من خيار عباد الله غير أنه كان كثير الوهم سيئ الحفظ ~~يخطئ ولا يدرى فاما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به وأيضا الزيادة التي ~~هي محل الحجة أعني قوله " أرأيت لو طلقتها الخ مما تفرد به عطاء وخالف فيها ~~الحفاظ فإنهم شاركوه في أصل الحديث ولم يذكروا الزيادة وأيضا في اسنادها ~~شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف. وقد استدل القائلون بان الثلاث تقع بأحاديث ~~من جملتها هذا الحديث وأجاب عنه القائلون بأنها تقع واحده فقط بعدم صلاحيته ~~للاحتجاج لما سلف على أن لفظ الثلاث محتمل * 4 (وعن حماد بن زيد قال " قلت ~~لأيوب هل علمت أحد قال في أمرك بيدك انها ثلاث الا الحسن قال لا ثم قال ~~اللهم غفرا الا ما حدثني قتادة عن كثير مولي ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ثلاث قال أيوب فلقيت كثيرا ~~مولى ابن سمرة فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال نسي " رواه ~~أبو داود والترمذي وقال هذا حديث لا نعرفه الا من حديث سليمان بن حرب عن ~~حماد بن زيد * 5 وعن زرارة بن ربيعة عن أبيه عن عثمان " في أمرك بيدك ~~القضاء ما قضت " رواه البخاري ms2748 في تاريخه * 6 وعن علي " قال الخلية والبرية ~~والبتة والبائن والحرام ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " رواه ~~الدارقطني * 7 وعن ابن عمر " أنه قال في الخلية البرية ثلاثا ثلاثا " رواه ~~الشافعي * 8 وعن يونس بن يزيد قال " سألت ابن شهاب عن رجل جعل أمر امرأة ~~بيد أبيه قبل ان يدخل بها فقال أبوه هي طالق ثلاثا كيف السنة في ذلك فقال ~~أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مولى بنى عامر بن لؤي ان محمد بن أياس ~~بن بكير الليثي وكان أبوه شهد بدرا أخبره ان أبا هريرة قال بانت عنه فلا ~~تحل له حتى تنكح زوجا غيره وانه سأل ابن عباس عن ذلك فقال مثل قول أبي ~~هريرة وسأل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل قولهما " رواه PageV07P013 # أبو بكر البرقاني في كتابه المخرج على الصحيحين * 9 وعن مجاهد قال " كنت ~~عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت انه رادها ~~إليه ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس ~~وان الله قال (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك ~~مخرجا عصيت ربك فبانت منك امرأتك وان الله قال (يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) رواه أبو داود * 10 وعن مجاهد عن ابن عباس " ~~أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال عصيت ربك وفارقت امرأتك لم تتق الله ~~فيجعل لك مخرجا " * 11 وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس " ان رجلا طلق امرأته ~~ألفا قال يكفيك من ذلك ثلاث وتدع تسعمائة وسبعا وتسعين " * 12 وعن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس " انه سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم فقال أخطأ السنة ~~وحرمت عليه امرأته " رواهن الدارقطني. وهذا كله يدل على اجماعهم على صحة ~~وقوع الثلاث بالكلمة الواحدة. وقد روى طاوس عن ابن عباس قال " كان الطلاق ~~على عهد رسول الله صلى الله ms2749 عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر ~~طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب ان الناس قد استعجلوا في أمر كانت ~~لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم " رواه أحمد ومسلم. وفي رواية ~~عن طاوس " ان أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر واحدة قال قد كان ذلك ~~فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم " رواه مسلم. وفي ~~رواية " أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ~~جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبى بكر وصدرا من ~~إمارة عمر فاما رأي الناس قد تتايعوا فيها قال أجيزوهن عليهم " رواه أبو ~~داود) * حديث حماد بن زيد أخرجه أيضا النسائي. وحكى الترمذي عن البخاري أنه ~~قال إنما هو عن أبي هريرة موقوفا ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا. وقال ~~النسائي هذا حديث منكر وأما انكار الشيخ انه حدث بذلك فان PageV07P014 # كان على طرقة الحزم كما وقع في رواية أبى داود بلفظ قال أيوب فقدم علينا ~~كثير فسألته فقال ما حدثت بهذا قط فذكرته لقتادة فقال بلى ولكنه نسي انتهى. ~~فلا شك انه علة قادحة وان لم تكن على طريقة الحزم بل عدم معرفة ذلك الحديث ~~وعدم ذكر الجملة والتفصيل بدون تصريح بالانكار كما في الرواية المذكورة في ~~الباب فليس ذلك مما يعد قادحا في الحديث وقد بين هذا في علم اصطلاح الحديث ~~وقد استدل بهذا الحديث على أن من قال لامرأته أمرك بيدك كان ذلك ثلاثا وقد ~~اختلف في قول الرجل لزوجته أمرك بيدك وأمرك إليك هل هو صريح تمليك للطلاق ~~أو كناية فحكى في البحر عن الحنفية والشافعية ومالك انه صريح فلا يقبل قول ~~الزوج بعد ذلك أنه أراد التوكيل وذهب المؤيد بالله والهادوية إلى أنه كناية ~~تمليك فيقبل قول الزوج انه أراد التوكيل: قوله " قال الخلية " الخ ms2750 هذه ~~الألفاظ من ألفاظ الطلاق الصريح وأما كونها بمنزلة ايقاع ثلاث تطليقات فقد ~~تقدم في لفظ البتة ما يدل علي أنه بمنزلة الطلاق الثلاث الا أن يحلف الزوج ~~أنه ما أراد به الا واحدة فيمكن أن يكون علي رضي الله عنه الحق به بقية ~~الألفاظ المذكورة وأما لفظ الحرام فسيأتي الكلام عليه في باب من حرم زوجته ~~أو أمته من كتاب الظهار قوله " فطلقوهن في قبل عدتهن " هذا الأثر اسناده ~~صحيح كما قال صاحب الفتح وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس وذكر نحو ~~الآثار التي عزاها المصنف إلي الدارقطني وقد أخرج عبد الرزاق عن عمر أنه ~~رفع إليه رجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر أطلقت امرأتك قال لا إنما كنت ~~ألعب فعلاه عمر بالدرة وقال إنما يكفيك من ذلك ثلاث. وروى وكيع عن علي رضي ~~الله عنه وعثمان نحو ذلك وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن مسعود أنه قيل ~~له إن رجلا طلق امرأته البارحة مائة قال قلتها مرة واحدة قال نعم قال ~~تريدان تبين منك امرأتك قال نعم قال هو كما قلت وأتاه آخر فقال رجل طلق ~~امرأته عدد النجوم قال قلتها مرة واحدة قال نعم قال تريدان تبين منك امرأتك ~~قال نعم قال هو كما قلت والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله عنكم: قوله " ~~أناة " في الصحاح انه على وزن قناة وفى القاموس والأناة كقناة الحلم ~~والوقار: قوله " من هناتك " جمع هن كأخ وهو الشئ يقول هذا هنك أي شيئك هذا ~~معني ما في القاموس فكأن أبا الصهباء قال لابن PageV07P015 # عباس هات من الأشياء العلمية التي عندك: قوله " تتايع الناس " بتاء ين ~~فوقيتين بعد الألف مثناة تحتية بعدها عين مهملة وهو الوقوع في الشر من غير ~~تماسك ولا توقف واعلم أنه قد وقع الخلاف في الطلاق الثلاث إذا أوقعت في وقت ~~واحد هل يقع جميعها ويتبع الطلاق الطلاق أم لا فذهب جمهور التابعين وكثير ~~من الصحابة وأئمة المذاهب الأربعة وطائفة من أهل البيت منهم أمير ms2751 المؤمنين ~~علي رضي الله عنه والعاصر والامام يحيي حكى ذلك عنهم في البحر وحكاه أيضا ~~عن بهض الامامية إلى أن الطلاق يتبع الطلاق وذهبت طائفة من أهل العلم إلى ~~أن الطلاق لا يتبع الطلاق بل يقع واحدة فقط. وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي ~~موسى ورواية عن علي عليه السلام وابن عباس وطاوس وعطاء وجابر بن زبد ~~والهادي والقاسم والباقر الناصر وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسي بن عبد ~~الله ورواية عن زيد بن علي واليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية ~~وابن القيم وجماعة من المحققين وقر نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد ~~بن وضاح ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن ~~عبد السلام وغيرهما ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو ~~بن دينار وحكاه ابن مغيث أيضا في ذلك الكتاب عن علي رضي الله عنه وابن ~~مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير وذهب بعض التابعين. وروى عن ابن علية ~~وهشام بن الحكم وبه قال أبو عبيدة وبعض أهل الضاهر وسائر من يقول إن الطلاق ~~البدعي لا يقع لأن الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة منه وعدم وقوع البدعي ~~هو أيضا مذهب الباقر والصادق والناصر وذهب جماعة من أصحاب ابن عباس وإسحاق ~~بن راهويه ان المطلقة ان كانت مد خولة وقعت الثلاث وان لم تكن مدخولة ~~فواحدة (استدل القائلون) بأن الطلاق يتبع الطلاق بأدلة منها قوله تعالي ~~(الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) وظاهرها جواز ارسال الثلاث ~~أو الثنتين دفعة أو مفرقة ووقوعها قال الكرماني ان قوله " الطلاق مرتان " ~~يدل على جواز جمع الثنتين وإذا جاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث وتعقبه ~~الحافظ بأنه قياس مع الفارق لأن جمع الثنتين لا يستلزم البينونة الكبري ~~بخلاف الثلاث. وقال الكرماني ان التسريح باحسان عام يتناول ايقاع الثلاث ~~دفعة وقد قيل إن هذه الآية من أدلة عدم PageV07P016 # التتابع لأن ظاهرها ان الطلاق المشروع لا يكون بالثلاث ms2752 دفعة بل على ~~الترتيب المذكور وهذا أظهر واستدلوا أيضا بظواهر سائر الآيات القرآنية نحو ~~قوله (فان طلقها فلا تحل له من بهد حتى تنكح زوجا غيره) وقوله تعالي (وان ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) وقوله تعالى (ولا جناح عليكم ان طلقتم النساء ~~ما لم تمسوهن) وقوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف) ولم يفرق في هذه ~~الآيات بين ايقاع الواحدة والثنتين والثلاث وأجيب بأن هذه عمومات مخصصة ~~واطلاقات مقيدة بما ثبت من الأدلة الدالة على المنع من وقوع فوق الواحدة ~~واستدلوا أيضا تحديث سهل بن سعد المتقدم في قضية عويمر العجلاني وقد قدمنا ~~الجواب عن ذلك واستدلوا أيضا بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن يحيى بن ~~العلاء عن عبد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن ~~الصامت عن داود عن عبادة بن الصامت قال " طلق جدي امرأة له ألف تطليقة ~~فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ما أبقى الله جدك اما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبع ~~وتسعون فعدوان وظلم إن شاء الله عذبه وان شاء غفر له " وفي رواية " ان أباك ~~لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبع ~~وتسعون إثم في عنقه " وأجيب بأن يحيى بن العلاء ضعيف وعبيد الله بن الوليد ~~هالك وإبراهيم بن عبيد الله مجهول فأي حجة في رواية ضعيف عن هالك عن مجهول ~~ثم والد عبادة بن الصامت لم يدرك الاسلام فكيف بجده واستدلوا أيضا بما في ~~حديث ركانة السابق ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم استحلفه انه ما أراد ~~الا واحدة وذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعت ويجاب بأن أثبت ما روى في ~~قصة ركانة انه طلقها البتة لا ثلاثا وأيضا قد تقدم في رواية انه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لها ارجعها بعد أن قال له انه طلقها ثلاثا. وأيضا قد ~~تقدم فيه من المقال مالا ms2753 ينتهض معه للاستدلال (واستدل القائلون) بأنه لا ~~يقع من المتعدد الا واحدة بما وقع في حديث ابن عباس عن ركانة " أنه طلق ~~امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كيف طلقتها فقال ثلاثا في مجلس واحد فقال له صلى الله عليه ~~وسلم إنما تلك واحدة فارتجعها " أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه (م 3 - ج 7 نيل ~~الأوطار) PageV07P017 # وأجيب عن ذلك بأجوبة منها ان في اسناده محمد بن إسحاق ورد بأنهم قد ~~احتجوا في غير واحد من الاحكام بمثل هذا الاسناد ومنها معارضته لفتوى ابن ~~عباس المذكورة في الباب ورد بأن المعتبر روايته لا رأيه ومنها ان أبا داود ~~رجح ان ركانة إنما طلق امرأته البتة كما تقدم ويمكن أن يكون من روى ثلاثا ~~حمل البتة علي معني الثلاث وفيه مخالفة للظاهر والحديث نص في محل النزاع ~~(واستدلوا) أيضا بحديث ابن عباس المذكور في الباب ان الطلاق كان على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلي آخره وقد أجيب عنه بأجوبة منها ما ~~نقله المصنف رحمه الله في هذا الكتاب بعد اخراجه له ولفظه وقد اختلف الناس ~~في تأويل هذا الحديث فذهب بعض التابعين إلى ظاهره في حق من لم يدخل بها كما ~~دلت عليه رواية أبى داود وتأوله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق بأن يقول ~~أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإنه يلزمه واحدة إذا قصد التوكيد وثلاث إذا ~~قصد تكرير الايقاع فكان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغائب الفضيلة والاختيار ولم يظهر ~~فيهم خب ولا خداع وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد فاما رأى عمر في زمانه ~~أمور ظهرت وأحوالا تغيرت وفشا ايقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ~~ألزمهم الثلاث في صورة الكرير إذ صار الغالب عليهم قصدها وقد أشار إليه ~~بقوله أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. وقال أحمد بن ms2754 حنبل ~~كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما قال طاوس سعيد بن جبير ومجاهد ونافع عن ~~ابن عباس بخلافه وقال أبو داود في سننه صار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد ~~بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~ومحمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن أياس ان ابن عباس وأبا هريرة ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا فكلهم قال ~~لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره انتهى كلام المصنف. وقوله وتأويله بعضهم على ~~صورة تكرير لفظ الطلاق الخ هذا البعض الذي أشار إليه هو ابن سريج وقد ارتضى ~~هذا الجواب القرطبي وقال النووي انه نواه يصدق أصح الأجوبة ولا يخفي ان من ~~جاء بلفظ يحتمل التأكيد وادعى انه نواه يصدق في دعواه ولو في آخر الدهر ~~فكيف بزمن خير القرون ومن يليهم وان جاء بلفظ لا يحتمل التأكيد لم يصدق إذا ~~ادعى التأكيد من غير PageV07P018 # فرق بين عصر وعصر ويجاب عن كلام احمد المذكور بأن المخالفين لطاوس من ~~أصحاب ابن عباس إنما نقلوا عن ابن عباس رأيه وطاوس نقل عنه روايته فلا ~~مخالفة وأما ما قاله ابن المنذر من أنه لا يظن بابن عباس ان يحفظ عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ويفتى بخلافه فيجاب عنه بان الاحتمالات ~~المسوغة لترك الرواية والعدول إلى الرأي كثيرة منها النسيان ومنها قيام ~~دليل عند الراوي لم يبلغنا ونحن متعبدون بما بلغنا دون ما لم يبلغ. وبمثل ~~هذا يجاب عن كلام أبى داود المذكور (ومن الأجوبة) عن حديث ابن عباس المذكور ~~ما نقله البيهقي عن الشافعي أنه قال يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ~~ويجاب بان النسخ إن كان بدليل من كتاب أو سنة فما هو وإن كان بالاجماع فأين ~~هو على أنه يبعد أن يستمر الناس أيام أبي بكر وبعض أيام عمر علي أمر منسوخ ~~وإن كان الناسخ قول عمر المذكور ms2755 فحاشاه أن ينسخ سنة ثابتة بمحض رأيه وحاشا ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبوه إلى ذلك. ومن الأجوبة ~~دعوى الاضطراب كما زعمه القرطبي في الفهم وهو زعم فاسد لا وجه له. ومنها ما ~~قاله ابن العربي ان هذا حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على الاجماع ويقال ~~أين الاجماع الذي جعلته معارضا للسنة الصحيحة ومنها انه ليس في سياق حديث ~~ابن عباس ان ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه آله وسلم حتى يقرره والحجة ~~إنما هي في ذلك وتعقب بان قول الصحابة كنا نفعل كذا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في حكم المرفوع على ما هو الراجح وقد عملتم بمثل هذا ~~في كثير من المسائل الشرعية والحاصل ان القائلين بالتتابع قد استكثروا من ~~الأجوبة على حديث ابن عباس وكلها غير خارجة عن دائرة التعسف والحق أحق ~~بالاتباع فان كانت تلك المحاماة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقل من أن ~~تؤثر على السنة المطهرة وان كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من ~~رسول الله صلى الله عليه آله وسلم ثم أي مسلم من المسلمين يستحسن عقله ~~وعامه ترجيح قول صحابي على قول مصطفى (واحتج القائلون) بأنه لا يقع شئ لا ~~واحدة ولا أكثر منها بقوله تعالى: * (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * ~~(البقرة: 229) فشرط في وقوع الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها ~~الامساك، إذ من حق كل مخير بينهما أن يصح كل واحد منهما، وإذا لم يصح ~~الامساك PageV07P019 # إلا بعد المراجعة لم تصح الثالثة إلا بعدها لذلك، وإذا لزم في الثالثة ~~لزم في الثانية كذا قيل، وأجيب بمنع كون ذلك يدل على أنه لا يقع الطلاق إلا ~~بعد الرجعة، ومن الأدلة الدالة على عدم وقوع شئ الأدلة المتقدمة في الطلاق ~~البدعي، واستدلوا أيضا بحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا ~~الطلاق ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأجيب بتخصيص هذا ~~العموم بما ms2756 سبق في أدلة القولين الأولين من الحكم بوقوع الطلاق المثلث، ~~لأنا وإن منعنا وقوع المجموع لم نمنع من وقوع الفرد، والقائلون بالفرق بين ~~المدخولة وغيرها أعظم حجة لهم حديث ابن عباس فإن لفظه عند أبي داود: أما ~~علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة ~~الحديث. ووجهوا ذلك بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق، ~~فإذا قال ثلاثا لغا العدد لوقوعه بعد البينونة، ويجاب بأن التقييد بقبل ~~الدخول لا ينافي صدق الرواية الأخرى الصحيحة على المطلقة بعد الدخول، وغاية ~~ما في هذه الرواية أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد مدلول الرواية ~~الصحيحة المذكورة في الباب، وذلك لا يوجب الاختصاص بالبعض الذي وقع التنصيص ~~عليه، وأجاب القرطبي عن ذلك التوجيه بأن قوله: أنت طالق ثلاثا كلام متصل ~~غير منفصل فكيف يصح جعله كلمتين وتعطى كل كلمة حكما؟ هذا حاصل ما في هذه ~~المسألة من الكلام، وقد جمعت في ذلك رسالة مختصرة. # باب ما جاء في كلام الهازل والمكره والسكران بالطلاق وغيره 1 (عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ~~النكاح والطلاق والرجعة رواه الخمسة إلا النسائي، وقال الترمذي: حديث حسن ~~غريب.) الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وأخرجه الدارقطني وفي إسناده عبد ~~الرحمن بن حبيب بن أزدك وهو مختلف فيه، قال النسائي: منكر الحديث ووثقه ~~غيره، قال الحافظ: فهو على هذا حسن. (وفي الباب) عن فضالة بن عبيد عند ~~الطبراني بلفظ: ثلاث لا يجوز فيهن اللعب: الطلاق والنكاح والعتق وفي إسناده ~~ابن لهيعة. PageV07P020 # وعن عبادة بن الصامت عند الحرث بن أبي أسامة في مسنده رفعه بلفظ: لا يجوز ~~اللعب فيهن: الطلاق والنكاح والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن وإسناده منقطع. ~~وعن أبي ذر عند عبد الرزاق رفعه: من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق ~~وهو لاعب فعتقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز. وفي إسناده انقطاع ~~أيضا. # وعن علي موقوفا ms2757 عند عبد الرزاق أيضا. وعن عمر موقوفا عنده أيضا. ~~(والحديث) يدل على أن من تلفظ هازلا بلفظ نكاح أو طلاق أو رجعة أو عتاق كما ~~في الأحاديث التي ذكرناها وقع منه ذلك، أما في الطلاق فقد قال بذلك ~~الشافعية والحنفية وغيرهم ، وخالف في ذلك أحمد ومالك فقال: إنه يفتقر اللفظ ~~الصريح إلى النية، وبه قال جماعة من الأئمة منهم الصادق والباقر والناصر ~~واستدلوا بقوله تعالى: * (وإن عزموا الطلاق) * (البقرة: 227) فدلت على ~~اعتبار العزم، والهازل لا عزم منه. وأجاب صاحب البحر بالجمع بين الآية ~~والحديث فقال: يعتبر العزم في غير الصريح، لا في الصريح فلا يعتبر، ~~والاستدلال بالآية على تلك الدعوى غير صحيح من أصله فلا يحتاج إلى الجمع ~~فإنها نزلت في حق المولى. # 2 (وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا ~~طلاق ولا عتاق في إغلاق رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وفي حديث بريدة في ~~قصة ماعز أنه قال: يا رسول الله طهرني، قال: مم أطهرك؟ قال: من الزنا، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: ~~أشرب خمرا؟ # فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # أزنيت؟ قال: نعم فأمر به فرجم رواه مسلم والترمذي وصححه. وقال عثمان: ليس ~~لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عبا س: طلاق السكران والمستكره ليس ~~بجائز. # وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق فليس بشئ. وقال علي: كل الطلاق ~~جائز إلا طلاق المعتوه. ذكرهن البخاري في صحيحه. وعن قدامة بن إبراهيم: # أن رجلا على عهد عمر بن الخطاب تدلى يشتار عسلا فأقبلت امرأته فجلست على ~~الحبل فقالت: ليطلقها ثلاثا وإلا قطعت الحبل، فذكرها الله والاسلام فأبت ~~فطلقها ثلاثا، ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا ~~بطلاق رواه سعيد بن منصور وأبو عبيد القاسم بن سلام) * PageV07P021 # حديث عائشة أخرجه أيضا أبو يعلى والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم ms2758 وفي ~~إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي ورواه البيهقي ~~من طريق ليس هو فيها لكن لم يذكر عائشة، وزاد أبو داود وغيره: ولا عتاق. ~~قوله: # في إغلاق بكسر الهمزة وسكون الغين والمعجمة وآخره قاف فسره علماء الغريب ~~بالاكراه روى ذلك في التلخيص عن ابن قتيبة والخطابي وابن السيد وغيرهم. # وقيل الجنون واستبعده المطرزي، وقيل الغضب وقع ذلك في سنن أبي داود وفي ~~رواية ابن الاعرابي وكذا فسره أحمد، ورده ابن السيد فقال: لو كان كذلك لم ~~يقع على أحد طلاق لأن أحدا لا يطلق حتى يغضب. وقال أبو عبيدة: الاغلاق ~~التضييق وقد استدل بهذا الحديث من قال إنه لا يصح طلاق المكره. وبه قال ~~جماعة من أهل العلم، حكى ذلك في البحر عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر ~~والزبير والحسن البصري وعطاء ومجاهد وطاوس وشريح والأوزاعي والحسن بن صالح ~~والقاسمية والناصر والمؤيد بالله ومالك والشافعي. وحكي أيضا وقوع طلاق ~~المكره عن النخعي وابن المسيب والثوري وعمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة ~~وأصحابه، والظاهر ما ذهب إليه الأولون لما في الباب ويؤيد ذلك حديث: رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجة وابن حبان ~~والدارقطني والطبراني والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وحسنه النووي، ~~وقد أطال الكلام عليه الحافظ في باب شروط الصلاة من التلخيص فليراجع. واحتج ~~عطاء بقوله تعالى: * إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) * (النحل: 106) ~~وقال: الشرك أعظم من الطلاق أخرجه سعيد بن منصور عنه بإسناد صحيح. قوله: ~~أبه جنون لفظ البخاري: أبك جنون وهذا طرف من حديث يأتي إن شاء الله تعالى ~~في الحدود، وفيه دليل على أن الاقرار من المجنون لا يصح، وكذلك سائر ~~التصرفات والانشاءات ولا أحفظ في ذلك خلافا. # قوله: فقال أشرب خمرا فيه دليل أيضا على أن إقرار السكران لا يصح، وكان ~~المصنف رحمه الله تعالى قاس طلاق السكران على إقراره، وقد اختلف أهل العلم ~~في ذلك، فأخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة ms2759 عدم وقوع طلاق السكران عن أبي ~~الشعثاء وعطاء وطاوس وعكرمة والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز. قال في ~~الفتح: وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزني، واختاره الطحاوي واحتج بأنهم ~~PageV07P022 # أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع، قال: والسكران معتوه بسكره. وقال ~~بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم والزهري ~~والشعبي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة. وعن الشافعي قولان ~~المصحح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة. وقد حكي القول بالوقوع في البحر ~~عن علي وابن عباس وابن عمر ومجاهد والضحاك وسليمان بن يسار وزيد بن علي ~~والهادي والمؤيد بالله. وحكي القول بعدم الوقوع عن عثمان وجابر بن زيد ~~ورواية عن ابن عباس والناصر وأبي طالب والبتي وداود. (احتج) القائلون ~~بالوقوع بقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (النساء: 43) ~~ونهيهم حال السكر عن قربان الصلاة يقتضي عدم زوال التكليف، وكل مكلف يصح ~~منه الطلاق وغيره من العقود والانشاءات. وأجيب بأن النهي في الآية المذكورة ~~إنما هو عن أصل السكر الذي يلزم منه قربان الصلاة كذلك. وقيل: إنه نهى ~~للثمل الذي يعقل الخطاب. وأيضا قوله في آخر الآية: * (حتى تعلموا ما ~~تقولون) * (النساء: 43) دليل على أن السكران يقول ما لا يعلم، ومن كان كذلك ~~فكيف يكون مكلفا وهو غير فاهم؟ والفهم شرط التكليف كما تقرر في الأصول. ~~(احتجوا) ثانيا بأنه عاص بفعله فلا يزول عنه الخطاب بالسكر ولا الاثم لأنه ~~يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر. وأجاب الطحاوي ~~بأنها لا تختلف أحكام فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من ~~جهة غيره، إذ لا فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو ~~من قبل نفسه كمن كسر رجل نفسه فإنه يسقط عنه فرض القيام، وتعقب بأن القيام ~~انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا. وأجاب ابن المنذر عن الاحتجاج بقضاء ~~الصلوات بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة ولا يقع طلاقه لأنه غير مكلف حال ~~نومه بلا ms2760 نزاع، واحتجوا ثالثا بأن ربط الاحكام بأسبابها أصل من الأصول ~~المأنوسة في الشريعة، والتطليق سبب للطلاق، فينبغي ترتيبه عليه وربطه به ~~وعدم الاعتداد بالسكر كما في الجنايات. # وأجيب بالاستفسار عن السبب للطلاق هل هو إيقاع لفظه مطلقا؟ إن قلتم نعم ~~لزمكم أن يقع من المجنون والنائم والسكران الذي لم يعص بسكره إذا وقع من ~~أحدهم لفظ الطلاق، وإن قلتم أنه إيقاع اللفظ من العاقل الذي يفهم ما يقول ~~فالسكران غير عاقل ولا فاهم فلا يكون إيقاع لفظ الطلاق منه سببا. (واحتجوا) ~~رابعا بأن PageV07P023 # الصحابة رضي الله عنهم جعلوه كالصاحي ويجاب بأن ذلك محل خلاف بين ~~الصحابة، كما بينا ذلك في أول الكلام وكما ذكره المصنف عن عثمان وابن عباس، ~~فلا يكون قول بعضهم حجة علينا، كما لا يكون حجة على بعضهم بعضا، واحتجوا ~~خامسا بأن عدم وقوع الطلاق من السكران مخالف للمقاصد الشرعية، لأنه إذا فعل ~~حراما واحدا لزمه حكمه، فإذا تضاعف جرمه بالسكر وفعل المحرم الآخر سقط عنه ~~الحكم، مثلا لو أنه ارتد بغير سكر لزمه حكم الردة، فإذا جمع بين السكر ~~والردة لم يلزمه حكم الردة لأجل السكر، ويجاب بأنا لم نسقط عنه حكم المعصية ~~الواقعة منه حال السكر لنفس فعله للمحرم الآخر وهو السكر، فإن ذلك مما لا ~~يقول به عاقل، وإنما أسقطنا عنه حكم المعصية لعدم مناط التكليف وهو العقل، ~~وبيان ذلك أنه لو شرب الخمر ولم يزل عقله كان حكمه حكم الصاحي فلم يكن فعله ~~لمعصية الشرب هو المسقط. ومن الأدلة الدالة على عدم الوقوع ما في صحيح ~~البخاري وغيره أن حمزة سكر وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل ~~عليه هو وعلي: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ في قصة مشهورة، فتركه صلى الله عليه ~~وآله وسلم وخرج ولم يلزمه حكم تلك الكلمة، مع أنه لو قالها غير سكران لكان ~~كفرا كما قال ابن القيم. وأجيب بأن الخمر كانت إذ ذاك مباحة والخلاف إنما ~~هو بعد تحريمها. وحكى الحافظ في الفتن عن ابن ms2761 بطال أنه قال: الأصل في ~~السكران العقل، والسكر شئ طرأ على عقله فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو ~~محمول على الأصل حتى يثبت فقدان عقله انتهى. (والحاصل) أن السكران الذي لا ~~يعقل لا حكم لطلاقه لعدم المناط الذي تدور عليه الاحكام، وقد عين الشارع ~~عقوبته، فليس لنا أن نجاوزها برأينا ونقول يقع طلاقه عقوبة له فيجمع له بين ~~غرمين. (لا يقال) إن ألفاظ الطلاق ليست من الأحكام التكليفية بل من الأحكام ~~الوضعية، وأحكام الوضع لا يشترط فيها التكليف. لأنا نقول: الأحكام الوضعية ~~تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية ، وأيضا السبب الوضعي هو طلاق ~~العاقل لا مطلق الطلاق بالاتفاق، وإلا لزم وقوع طلاق المجنون. قوله: وقال ~~عثمان الخ، علقه البخاري ووصله ابن أبي شيبة. قوله: وقال ابن عباس الخ وصله ~~ابن أبي شيبة أيضا وسعيد بن منصور. وأثر على وصله البغوي في الجعديات وسعيد ~~بن منصور، وقد ساق البخاري في صحيحه آثارا عن جماعة من الصحابة والتابعين. ~~وأثر عمر بن الخطاب في قصة الرجل الذي تدلى ليشتار عسلا إسناده منقطع، لأن ~~الراوي له عن عمر عبد الملك بن قدامة بن محمد بن PageV07P024 # إبراهيم بن حاطب الجمحي عن أبيه قدامة، وقدامة لم يدرك عمر، وقد روي ما ~~يعارضها. # أخرج العقيلي من حديث صفوان بن عمران الطائي: أن امرأة أخذت المدية ~~ووضعتها على نحر زوجها وقالت: إن لم تطلقني نحرتك بهذه فطلقها، ثم استقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطلاق، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~قيلولة في الطلاق وقد تفرد به صفوان وحمله بعضهم على من نوى الطلاق. # (باب ما جاء في طلاق العبد) 1 (عن ابن عباس قال: أتي النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم رجل فقال: # يا رسول الله سيدي زوجني أمته وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال: فصعد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال: يا أيها الناس ما بال ~~أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما؟ إنما الطلاق لمن أخذ ms2762 بالساق ~~رواه ابن ماجة والدار قطني. وعن عمر بن معتب: أن أبا حسن مولى بني نوفل ~~أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا ~~هل يصلح له أن يخطبها؟ # قال: نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه الخمسة إلا ~~الترمذي. # وفي رواية: بقيت لك واحدة قضى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~رواه أبو داود. وقال ابن المبارك ومعمر: لقد تحمل أبو حسن هذا صخرة عظيمة. ~~وقال أحمد بن حنبل في رواية ابن منصور في عبد تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ~~ثم عتقا يتزوجها ويكون على واحدة على حديث عمر بن معتب. وقال في رواية أبي ~~طالب في هذه المسألة: يتزوجها ولا يبالي في العدة عتقا أو بعد العدة، قال: ~~وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سلمة وقتادة) * حديث ابن عباس ~~أخرجه أيضا الطبراني وابن عدي، وفي إسناد ابن ماجة ابن لهيعة، وكلام الأئمة ~~فيه معروف، وفي إسناد الطبراني يحيى الحماني وهو ضعيف، وفي إسناد ابن عدي ~~والدارقطني عصمة بن مالك كذا قيل. وفي التقريب: أنه صحابي وطرقه يقوي بعضها ~~بعضا. وقال ابن القيم: إن حديث ابن عباس وإن كان في إسناده ما فيه فالقرآن ~~يعضده وعليه عمل الناس، وأراد بقوله القرآن يعضده نحو (م 4 - ج 7 - نيل ~~الأوطار) PageV07P025 # قوله تعالى: * (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) * (الأحزاب: 49) وقوله ~~تعالى: * (إذا طلقتم النساء) (الطلاق: 1) الآية. وحديث عمر معتب أخرجه أيضا ~~النسائي وابن ماجة، وقد ذكر أبو الحسن المذكور بخير وصلاح، ووثقه أبو حاتم ~~وأبو زرعة الرازيان، غير أن الراوي عنه عمر بن معتب، وقد قال علي بن ~~المديني: إنه منكر الحديث، وسئل عنه أيضا فقال مجهول لم يرو عنه غير يحيى ~~بن أبي كثير. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الأمير أبو نصر: منكر الحديث. ~~وقال الذهبي: لا يعرف. ومعتب بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد المثناة ~~الفوقية وكسرها وبعدها باء موحدة. وقد استدل بحديث ابن عباس المذكور ms2763 من ~~قال: إن طلاق امرأة العبد لا يصح إلا منه لا من سيده. # وروي عن ابن عباس أنه يقع طلاق السيد على عبده، والحديث المروي من طريقه ~~حجة عليه، وابن لهيعة ليس بساقط الحديث فإنه إمام حافظ كبير ولهذا أورده ~~الذهبي في تذكرة الحفاظ. وقال أحمد بن حنبل: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في ~~كثرة حديثه وضبطه وإتقانه. وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب ~~طلابا للعلم. وقال يحيى بن القطان وجماعة: إنه ضعيف. وقال ابن معين: ليس ~~بذاك القوي. وهذا جرح مجمل لا يقبل عند بعض أئمة الجرح والتعديل. وقد قيل: ~~إن السبب في تضعيفه احتراق كتبه، وأنه بعد ذلك حدث من حفظه فخلط، وإن من ~~حدث عنه قبل احتراق كتبه كابن المبارك وغيره حديثهم عنه قوي وبعضهم يصححه ، ~~وهذا التفصيل هو الصواب. وقال الذهبي: إنها تؤدي أحاديثه في المتابعات ولا ~~يحتج به. وأما يحيى الحماني فقال في التذكرة: وثقه يحيى بن معين. وقال ابن ~~عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن حبان: يكذب جهارا ويسرق الأحاديث. ~~واستدل أيضا بحديث ابن عباس الثاني أيضا أن العبد يملك من الطلاق ثلاثا كما ~~يملك الحر. وقال الشافعي : إنه لا يملك من الطلاق إلا اثنتين حرة كانت ~~زوجته أو أمة. وقال أبو حنيفة والناصر : إنه لا يملك في الأمة إلا اثنتين ~~لا في الحرة فكالحر. واستدلوا بحديث ابن مسعود الطلاق بالرجال والعدة ~~بالنساء عند الدارقطني والبيهقي وأجيب بأنه موقوف. قالوا : أخرج الدارقطني ~~والبيهقي أيضا عن ابن عباس نحوه. وأجيب بأنه موقوف أيضا. وكذلك روى نحوه ~~أحمد من حديث علي وهو أيضا موقوف. قالوا: أخرج ابن ماجة والدار قطني ~~والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا: طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان ~~PageV07P026 # وأجيب بأن في إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان. وقال ~~الدارقطني والبيهقي: الصحيح أنه موقوف قالوا في السنن نحوه من حديث عائشة، ~~وأجيب بأن في إسناده مظاهر بن أسلم، قال الترمذي: حديث عائشة هذا حديث غريب ~~لا ms2764 نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم ~~غير هذا الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو قول سفيان الثوري والشافعي وإسحاق انتهى. (لا يقال) هذه ~~الطرق تقوى على تخصيص عموم الطلاق مرتان وغيرها من العمومات الشاملة للحر ~~والعبد. لأنا نقول: قد دل على أن ذلك العموم مراد غير مخرج منه العبد حديث ~~ابن عباس المذكور في الباب فهو معارض لما دل على أن طلاق العبد ثنتان * ~~(باب من علق الطلاق قبل النكاح) 1 (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا ~~عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك رواه أحمد والترمذي وقال: ~~حديث حسن، وهو أحسن شئ روي في هذا الباب وأبو داود وقال فيه: ولا وفاء نذر ~~إلا فيما يملك ولابن ماجة منه: لا طلاق فيما لا يملك. وعن مسور بن مخرمة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك ~~رواه ابن ماجة) * حديث عمرو بن شعيب أخرجه بقية أهل السنن والبزار والبيهقي ~~وقال: هو أصح شئ في هذا الباب وأشهر. وحديث المسور حسنه الحافظ في التلخيص ~~ولكنه اختلف فيه على الزهري فروى عنه عن عروة عن المسور، وروى عنه عن عروة ~~عن عائشة وفي الباب عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأبو ~~سعيد الخدري وعمران بن حصين وغيرهم، ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات. (وفي ~~الباب) أيضا عن جابر مرفوعا بلفظ: لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ~~ملك أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وقال: وأنا متعجب من الشيخين كيف ~~أهملاه؟ وقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة و عبد الله بن عباس ~~ومعاذ بن جبل وجابر PageV07P027 # انتهى. وحديث ابن عمر أخرجه أيضا ابن عدي ووثق إسناده ms2765 الحافظ، وقال ابن ~~صاعد: غريب لا أعرف له علة. وحديث عائشة قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه ~~: حديث منكر. وحديث ابن عباس في إسناده عند الحاكم من لا يعرف وله طريق ~~أخرى عند الدارقطني وفي إسناده ضعيف. وحديث معاذ أعل بالارسال وله طريق ~~أخرى عند الدارقطني وفيها انقطاع وفي إسناده أيضا يزيد بن عياض وهو متروك. # وحديث جابر صحح الدارقطني إرساله وأعله ابن معين وغيره، وفي الباب أيضا ~~عن علي عند البيهقي وغيره ومداره على جويبر وهو متروك. ورواه ابن الجوزي من ~~طريق أخرى عنه وفيها عبد الله بن زياد بن سمعان وهو متروك، وله طريق أخرى ~~في الطبراني. وقال ابن معين: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~طلاق قبل نكاح وأصح شئ فيه حديث ابن المنكدر عمن سمع طاوسا عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مرسلا. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: روي من وجوه ~~إلا أنها عند أهل العلم بالحديث معلول انتهى. ولا يخفى عليك أن مثل هذه ~~الروايات التي سقناها في الباب من طريق أولئك الجماعة من الصحابة مما لا ~~يشك منصف أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج وقد وقع الاجماع على أنه لا يقع ~~الطلاق الناجز على الأجنبية، وأما التعليق نحو أن يقول: إن تزوجت فلانة فهي ~~طالق، فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أنه لا يقع. وحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه والمؤيد بالله في أحد قوليه إنه يصح التعليق مطلقا وذهب مالك ~~في المشهور عنه وربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى إلى ~~التفصيل، وهو أنه إن جاء بحاصر نحو أن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني فلان ~~أو بلد كذا فهي طالق صح الطلاق ووقع، وإن عمم لم يقع شئ، وهذا التفصيل لا ~~وجه له إلا مجرد الاستحسان، كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة، والحق أنه ~~لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقا للأحاديث المذكورة في الباب، وكذلك العتق ~~قبل الملك والنذر بغير الملك * (باب الطلاق بالكنايات إذا ms2766 نواه بها وغير ~~ذلك) 1 (عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخترناه ~~PageV07P028 # فلم يعدها شيئا. رواه الجماعة. وفي رواية: قالت: لما أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ~~أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني ~~بفراقه، قالت ثم قال إن الله عز وجل قال لي: * (يا أيها النبي قل لأزواجك ~~إن كنتن تردن الحياة الدنيا ) * (الأحزاب: 28) الآية * (وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة) * (الأحزاب: 29) الآية، قالت فقلت: في هذا أستأمر ~~أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما فعلت رواه الجماعة إلا أبا داود) * قوله: ~~خيرنا في لفظ لمسلم: خير نساءه. قوله: فلم يعدها شيئا بتشديد الدال المهملة ~~وضم العين من العدد. وفي رواية: فلم يعدد بفك الادغام. وفي أخرى: فلم يعتد ~~" بسكون العين وفتح المثناة وتشديد الدال من الاعتداد. وفي رواية لمسلم: ~~فلم يعده طلاقا. وفي رواية للبخاري: أفكان طلاقا على طريقة الاستفهام ~~الانكاري؟ وفي رواية لأحمد: فهل كان طلاقا؟ وكذا للنسائي. وقد استدل بهذا ~~من قال: إنه لا يقع بالتخيير شئ إذا اختارت الزوج، وبه قال جمهور الصحابة ~~والتابعين وفقهاء الأمصار لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة ~~واحد رجعية أو بائنة؟ أو يقع ثلاثا؟ فحكى الترمذي عن علي عليه السلام أنها ~~إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية. وعن زيد بن ~~ثابت: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة. وعن عمرو بن ~~مسعود: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وعنهما رجعية، وإن اختارت زوجها فلا ~~شئ. ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان ~~اختيارها لزوجها طلاقا لاتحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، ~~واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق ~~زاذان ms2767 قال: كنا جلوسا عند علي عليه السلام فسئل عن الخيار فقال: سألني عنه ~~عمر فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، قال ليس كما قلت إن اختارت نفسها ~~فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت إن اختارت ~~زوجها فلا شئ، قال: فلم أجد بدا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت ~~أعرف. قال علي: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، قال: فذكر مثل ما حكاه عنه ~~الترمذي وأخرج ابن أبي شيبة من طريق علي نظير ما حكاه عنه زاذان من ~~اختياره، وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتج بعض أتباعه لكونها إذا اختارت ~~نفسها يقع PageV07P029 # ثلاثا بأن معنى الخيار بت أحد الامرين: إما الاخذ أو الترك، فلو قلنا: ~~إذا اختارت نفسها يكون طلقة رجعية لم يعمل بمقتضى اللفظ لأنها تكون بعد في ~~أسر الزوج وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما. وأخذ أبو حنيفة بقول عمر ~~وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها فواحدة بائنة. وقال الشافعي: التخيير ~~كناية، فإذا خير الزوج امرأته وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أن ~~تستمر في عصمته فاختارت نفسها وأرادت بذلك الطلاق طلقت فلو قالت لم أرد ~~باختيار نفسي الطلاق صدقت. وقال الخطابي يؤخذ من قول عائشة فاخترناه فلم ~~يكن ذلك طلاقا أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقا ووافقه القرطبي في ~~المفهم فقال في الحديث أن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار ~~يكون طلاقا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق قال وهو مقتبس من ~~مفهوم قول عائشة المذكور قال الحافظ لكن الظاهر من الآية أن ذلك بمجرده لا ~~يكون طلاقا بل لا بد من إنشاء الزوج الطلاق لأن فيها: * (فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن) أي بعد الاختيار ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم واختلفوا ~~في التخيير هل هو بمعنى التمليك أو بمعنى التوكيل وللشافعي فيه قولان ~~المصحح عند أصحابه أنه تمليك وهو قول المالكية بشرط المبادرة منها حتى لو ~~تراخت بمقدار ما ينقطع القبول عن ms2768 الايجاب ثم طلقت لم يقع وفي وجه لا يضر ~~التأخير ما دام المجلس وبه جزم ابن القاص وهو الذي رجحته المالكية والحنفية ~~والهادوية وهو قول الثوري والليث والأوزاعي وقال ابن المنذر الراجح أنه لا ~~يشترط فيه الفور بل متى طلقت نفذ وهو قول الحسن والزهري وبه قال أبو عبيدة ~~ومحمد بن نصر من الشافعية والطحاوي من الحنفية واحتجوا بما في حديث الباب ~~من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا ~~تعجلي حتى تستأمري أبويك وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير. قال ~~الحافظ: ويمكن أن يقال يشترط الفور إلا أن يقع التصريح من الزوج بالفسحة ~~لأمر يقتضي ذلك فيتراخى كما وقع في قصة عائشة ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ~~خيار كذلك * 2 (وعن عائشة: أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عذت بعظيم ~~الحقي بأهلك " PageV07P030 # رواه البخاري وابن ماجة والنسائي وقال: الكلابية بدل ابنة الجون، وقد ~~تمسك به من يرى لفظة الخيار والحقي بأهلك واحدة لا ثلاثا، لأن جمع الثلاث ~~يكره فالظاهر أنه عليه السلام لا يفعله. وفي حديث تخلف كعب بن مالك قال: ~~لما مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: ~~أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربنها، قال فقلت لامرأتي: ~~إلحقي بأهلك متفق عليه. ويذكر فيمن قال لزوجته أنت طالق هكذا وأشار ~~بأصابعه. ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني ثلاثين، ثم قال: وهكذا وهكذا وهكذا يعني تسعا ~~وعشرين، يقول مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين متفق عليه 5 ويذكر في مسألة من ~~قال لغير مدخول بها: أنت طالق وطالق أو طالق ثم طالق ما روى حذيفة قال: قال ~~رسول الله صلى ms2769 الله عليه وآله وسلم: لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ~~وقولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان رواه أحمد وأبو داود. ولابن ماجة معناه * ~~وعن قتيلة بنت صيفي قالت: أتى حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا قال: ~~سبحان الله وما ذاك؟ قال: تقولون: ما شاء الله وشئت قال: فأمهل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ثم قال: إنه قد قال: فمن قال ما شاء الله ~~فليفصل بينهما ثم شئت رواه أحمد * وعن عدي بن حاتم: أن رجلا خطب عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ~~غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص ~~الله ورسوله رواه أحمد ومسلم والنسائي. 8 ويذكر فيمن طلق بقلبه ما روى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله تجاوز لامتي ~~عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به متفق عليه) * حديث حذيفة ~~أخرجه أيضا النسائي وابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي، وقد الحازمي في ~~الاعتبار بإسناده وذكر فيه قصة وهي: أن رجلا من المسلمين رأى النوم أنه لقي ~~رجلا من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون قال تقولون: ما ~~شاء الله وشاء محمد، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV07P031 # فقال لهم: والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ~~وأخرج أيضا بإسناده إلى الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لامها أنه قال: رأيت ~~فيما يرى النائم كأني أتيت على رهط من اليهود فقلت: من أنتم؟ فقالوا نحن ~~اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله، قالوا: ~~وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم أتيت على رهط من ~~النصارى فقلت من أنتم؟ فقالوا: نحن النصارى، فقلت: إنكم ms2770 لأنتم القوم لولا ~~أنكم تقولون المسيح ابن الله، فقالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء ~~الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أخبر بها النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: هل أخبرت بها أحدا قال: نعم، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بعد فإن طفيلا رأى ~~رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وإنكم لتقولون الكلمة يمنعني الحياء منكم أن ~~أنهاكم عنها، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد. وأخرج أيضا بإسناده المتصل ~~بابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا حلف أحدكم فلا ~~يقول ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت. وأخرج أيضا بإسناده ~~إلى عائشة أنها قالت: قالت اليهود: نعم القوم قوم محمد لولا أنهم يقولون ما ~~شاء الله وشاء محمد، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقولوا ما شاء ~~الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده. قوله: إن ابنة الجون قيل هي ~~الكلابية واختلف في اسمها فقال ابن سعد: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان. ~~وروي عن الكلبي أنها عالية بنت ظبيان بن عمرو. وحكى ابن سعد أيضا أن اسمها ~~عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل بنت يزيد بن الجون. وأشار ابن سعد أيضا إلى ~~أنها واحدة اختلف في اسمها. قال الحافظ: والصحيح أن التي استعاذت منه هي ~~الجونية واسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وذكر ابن سعد أنها لم تستعذ ~~منه امرأة غيرها. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن التي تزوجها هي الجونية، ~~واختلفوا في سبب فراقه لها فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال ~~أنت فطلقها. وقيل: كان بها وضح وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك، ~~فقال: قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها. قال: وهذا باطل إنما قال له ~~هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه فقلن لها ~~إنه ms2771 يعجبه أن يقال له نعوذ بالله منك ففعلت فطلقها PageV07P032 # قال الحافظ: وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه ~~وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري. قوله: الحقي بأهلك بكسر الهمزة من ~~الحقي وفتح الحاء، وفيه دليل على أن من قال لامرأته إلحقي بأهلك وأراد ~~الطلاق طلقت فإن لم يرد الطلاق لم تطلق، كما وقع في حديث تخلف كعب المذكور، ~~فيكون هذا اللفظ من كنايات الطلاق، لأن الصريح لا يفتقر إلى النية على ما ~~ذهب إليه الشافعية والحنفية وأكثر العترة. وذهب الباقر والصادق والناصر ~~ومالك إلى أنه يفتقر إلى نية. وحديث ابن عمر في أخباره صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعدد الشهر قد تقدم فباب ما جاء في يوم الغيم والشك من كتاب الصيام، ~~وتقدم شرحه هنالك. وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على صحة العدد ~~بالإشارة بالأصابع واعتباره من دون تلفظ باللسان، فإذا قال الرجل لزوجته ~~أنت طالق هكذا وأشار بثلاث من أصابعه كان ذلك ثلاثا عند من يقول إن الطلاق ~~يتبع الطلاق وأورد حديث حذيفة وحديث قتيلة للاستدلال بهما على أن من قال ~~لزوجته التي لم يدخل بها أنت طالق وطالق كان كالطلقة الواحدة لأن المحل لا ~~يقبل غيرها فتكون الثانية لغوا، بخلاف ما لو قال أنت طالق ثم طالق وقعت ~~عليها الطلقة الأولى في الحال ووقعت عليها الثانية بعد أن تصير قابلة لها، ~~وذلك لأن الواو لمطلق الجمع فكأنه إذا جاء بها موقع لمجموع الطلاقين عليها ~~في حالة واحدة بخلاف ثم فإنها للترتيب مع تراخ فيصير الزوج في حكم الموقع ~~لطلاق بعده طلاق متراخ عنه. ولهذا قال الشافعي في سبب نهيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن قول الرجل ما شاء الله وشئت، وإذنه له بأن يقول ما شاء الله ~~ثم شاء فلان، أن المشيئة إرادة الله تعالى قال الله عز وجل: * (وما تشاؤون ~~إلا أن يشاء الله) * (الانسان: 30) قال فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون ~~خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن ms2772 يشاء الله، فيقال لرسوله ما شاء الله ثم ~~شئت، ولا يقال ما شاء الله وشئت انتهى. ولكنه يعارض هذا الاستنباط حديث عدي ~~بن حاتم الذي ذكره المصنف في الرجل الذي خطب بحضرته صلى الله عليه وآله ~~وسلم فإنه أنكر عليه الجمع بين الضميرين وأرشده إلى أن يقول: * (ومن يعص ~~الله ورسوله فدل على أن توسيط الواو بين الله ورسوله له حكم غير حكم قوله ~~ومن يعصهما، ولو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق. وقد ~~قدمنا الكلام على علة هذا النهي عند الكلام على حديث ابن مسعود في باب ~~اشتمال الخطبة على حمد الله من أبواب الجمعة (م 5 - ج 7 نيل الأوطار) ~~PageV07P033 # هذا ما ظهر في بيان وجه استدلال المصنف بحديثي المشيئة وحديث الخطبة، ~~ويمكن أن يكون مراد المصنف بإيراد الأحاديث المذكورة مجرد التنظير لا ~~الاستدلال، وقد قدمنا أن الطلاق المتعدد سواء كان بلفظ واحد أو ألفاظ، من ~~غير فرق بين أن يكون العطف بثم أو بالواو أو بغيرهما، يكون طلقة واحدة، ~~سواء كانت الزوجة مدخولة أو غير مدخولة. # وأورد حديث أبي هريرة للاستدلال به، على أن من طلق زوجته بقلبه ولم يلفظ ~~بلسانه لم يكن لذلك حكم الطلاق، لأن خطرات القلب مغفورة للعباد إذا كانت ~~فيما فيه ذنب فكذلك لا يلزم حكمها في الأمور المباحة، فلا يكون حكم خطور ~~الطلاق بالقلب أو إرادته حكم التلفظ به، وهكذا سائر الانشاءات، قال الترمذي ~~بعد إخراج هذا الحديث ما لفظه: والعمل على هذا عند أهل العلم أن الرجل إذا ~~حدث نفسه بالطلاق لم يكن شئ حتى يتكلم به انتهى. وحكي في البحر عن عكرمة ~~أنه يقع بمجرد النية * كتاب الخلع 1 (عن ابن عباس قال: جاءت امرأة ثابت بن ~~قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله ~~إني ما أعتب عليه فخلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الاسلام، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ms2773 فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة رواه البخاري ~~والنسائي. وعن ابن عباس: أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في ~~الاسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتردين عليه ~~حديقته؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ منها ~~حديقته ولا يزداد رواه ابن ماجة. وعن الربيع بنت معوذ: أن ثابت بن قيس بن ~~شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها ~~يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى ثابت فقال له: خذ الذي لها عليك وخل سبيلها، قال: نعم، ~~فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تتربص حيضة PageV07P034 # واحدة وتلحق بأهلها رواه النسائي. وعن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس ~~اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تعتد بحيضة رواه ~~أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن غريب. وعن الربيع بنت معوذ أنها اختلعت ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة رواه الترمذي. وقال: حديث الربيع الصحيح ~~أنها أمرت أن تعتد بحيضة. وعن أبي الزبير: أن ثابت بن قيس بن شماس كانت ~~عنده بنت عبد الله بن أبي ابن سلول وكان أصدقها حديقة، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم وزيادة. فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما الزيادة فلا ولكن حديقته، قالت: نعم، ~~فأخذها له وخلى سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه الدارقطني بإسناد صحيح وقال: سمعه أبو ~~الزبير من غير واحد) * حديث ابن عباس الثاني رواه ابن ms2774 ماجة من طريق أزهر بن ~~مروان وهو صدوق مستقيم الحديث وبقية إسناده من رجال الصحيح. # وقد أخرجه النسائي وأخرجه أيضا البيهقي. وحديث الربيع بنت معوذ الأول ~~إسناده في سنن النسائي، هكذا حدثنا أبو علي محمد بن يحيى المروزي، أخبرني ~~شاذان بن عثمان أخو عبدان، حدثني أبي، حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي ~~كثير، أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن الربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته أن ~~ثابت بن قيس الحديث. ومحمد بن يحيى ثقة، وشاذان هو عبد العزيز بن عثمان بن ~~جبلة وهو من رجال الصحيح هو وأبوه. وكذلك علي بن المبارك ويحيى بن أبي ~~كثير. وأما محمد بن عبد الرحمن فقد روى النسائي عن جماعة من التابعين اسمهم ~~محمد بن عبد الرحمن وكلهم ثقات. فالحديث على هذا صحيح، وقد أخرجه أيضا ~~الطبراني. وحديث ابن عباس الثالث قد ذكر أنه مرسل ورواه الترمذي مسندا. # وحديث الربيع الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة من طريق محمد بن إسحاق ~~قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ قالت ~~اختلعت من زوجي فذكرت قصة وفيها: أن عثمان أمرها أن تعتد حيضة قالت: وتبع ~~PageV07P035 # عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأة ثابت بن ~~قيس. # وحديث أبي الزبير أخرجه أيضا البيهقي وإسناده قوي مع كونه مرسلا. قوله ~~كتاب الخلع بضم الخاء المعجمة وسكون اللام هو في اللغة فراق الزوجة على مال ~~مأخوذ من خلع الثوب، لأن المرأة لباس الرجل معنى، وأجمع العلماء على ~~مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي فإنه قال: لا يحل للزوج أن ~~يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئا لقوله تعالى: * (فلا تأخذوا منه شيئا) ~~* (النساء: 20) وأورد عليه: * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * (البقرة: ~~229) فادعى نسخها بآية النساء، روى ذلك ابن أبي شيبة وتعقب بقوله تعالى: * ~~(فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه) * (النساء: 128) وبقوله فيهما: * (فلا ~~جناح عليهما أن يصالحا) * (النساء: 4) الآية. (وبأحاديث الباب) ms2775 وكأنها لم ~~تبلغه، وقد انعقد الاجماع بعده على اعتباره. وأن آية النساء مخصوصة بآية ~~البقرة وبآيتي النساء الآخرتين، وهو في الشرع فراق الرجل زوجته ببدل يحصل ~~له. قوله: امرأة ثابت بن قيس وقع في رواية ابن عباس والربيع أن اسمها ~~جميلة، ووقع في رواية لأبي الزبير أن اسمها زينب والرواية الأولى أصح ~~لاسنادها وثبوتها من طريقين، وبذلك جزم الدمياطي. وأما ما وقع في حديث ابن ~~عباس المذكور أنها بنت سلول، وفي حديث الربيع وأبي الزبير المذكورين أنها ~~بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، ووقع في رواية للبخاري أنها بنت أبي فقيل: ~~إنها أخت عبد الله كما صرح به ابن الأثير وتبعه النووي وجزما بأن قول من ~~قال إنها بنت عبد الله وهم، وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمتها، وأن ~~ثابتا خالع الثنتين واحدة بعد أخرى. قال الحافظ: ولا يخفى بعده ولا سيما مع ~~اتحاد المخرج وقد كثرت نسبة الشخص إلى جده إذا كان مشهورا، والأصل عدم ~~التعدد حتى يثبت صريحا. ووقع في حديث الربيع عند النسائي وابن ماجة أن ~~اسمها مريم وإسناده جيد. قال البيهقي: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ~~ويمكن أن يكون الخلع تعدد من ثابت انتهى. وروى مالك في الموطأ عن حبيبة بنت ~~سهل أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم خرج إلى صلاة الصبح فوجدها عند بابه فقال: من هذه؟ قالت: أنا حبيبة ~~بنت سهل، قال: ما شأنك؟ قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس، الحديث أخرجه أيضا ~~أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان من هذا الوجه. وأخرجه أبو داود من ~~حديث عائشة أن حبيبة PageV07P036 # بنت سهل كانت عند ثابت. وأخرج البزار من حديث ابن عمر نحوه. قال ابن عبد ~~البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر ~~المدنيون أنها حبيبة بنت سهيل، قال الحافظ: الذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا ~~لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين بخلاف ms2776 ما وقع من ~~الاختلاف في تسمية جميلة ونسبتها، فإن سياق قصتها متقارب، فأمكن رد ~~الاختلاف فيه إلى الوفاق انتهى. ووهم ابن الجوزي فقال: إنها سهلة بنت حبيب ~~وإنما هي حبيبة بنت سهل ولكنه انقلب عليه ذلك. قوله: إني ما أعتب عليه بضم ~~الفوقية ويجوز كسرها والعتب هو الخطاب بالادلال. قوله: في خلق بضم الخاء ~~المعجمة واللام ويجوز إسكانها أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان ~~دينه. قوله: ولكني أكره الكفر في الاسلام أي كفران العشير والتقصير فيما ~~يجب له بسبب شدة البغض له، ويمكن أن يكون مرادها أن شدة كراهتها له قد ~~تحملها على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه. ووقع في الرواية الثانية: لا ~~أطيقه بغضا وظاهر هذا مع قولها ما أعتب عليه في خلق ولا دين أنه لم يصنع ~~بها شيئا يقتضي الشكوى منه، ويعارضه ما وقع في حديث الربيع المذكور أنه ~~ضربها فكسر يده، وأجيب بأنها لم تشكه لذلك بل لسبب آخر وهو البغض أو قبح ~~الخلقة كما وقع عند ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعند ~~عبد الرزاق من حديث ابن عباس: # قوله: حديقته الحديقة البستان. قوله: اقبل الحديقة قال في الفتح: هو أمر ~~إرشاد وإصلاح لا إيجاب. ولم يذكر ما يدل على صرف الامر عن حقيقته، وفي ذلك ~~دليل على أنه يجوز للرجل أخذ العوض من المرأة إذا كرهت البقاء معه. وقال ~~أبو قلابة ومحمد بن سيرين: أنه لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على ~~بطنها رجلا روى ذلك عنهما ابن أبي شيبة واستدلا بقوله تعالى: * (ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) * ~~(البقرة: 229) مع قوله تعالى (الا أن يأتين بفاحشة مبينة) * (النساء: 19) ~~وتعقب بأن آية البقرة فسرت المراد بالفاحشة، وأحاديث الباب الصحيحة من أعظم ~~الأدلة على ذلك ولعلها لم تبلغهما، وحمل الحافظ كلامهما على ما إذا كانت ~~الكراهة من قبل الرجل فقط، ولا يخالف ذلك أحاديث الباب لأن ms2777 الكراهة فيها من ~~قبل المرأة، وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق PageV07P037 # من قبل المرأة كاف في جواز الخلع. واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع ~~الشقاق منهما جميعا وتمسك بظاهر الآية. وبذلك قال طاوس والشعبي وجماعة من ~~التابعين وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطبري بأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق ~~الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها فنسبت المخالفة إليهما لذلك، ويؤيد ~~عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلى الله عليه وآله وسلم يستفسر ثابتا عن ~~كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له. قوله: تتربص حيضة استدل بذلك من قال: ~~إن الخلع فسخ لا طلاق. وقد حكي ذلك في البحر عن ابن عباس وعكرمة والناصر في ~~أحد قوليه وأحمد بن حنبل وطاوس وإسحاق وأبي ثور، وأحد قولي الشافعي وابن ~~المنذر. # وحكاه غيره أيضا عن الصادق والباقر وداود والامام يحيى بن حمزة، وحكي في ~~البحر أيضا عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن علي ~~والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحد قولي الشافعي أنه طلاق ~~بائن. ووجه الاستدلال بحديث ابن عباس وحديث الربيع أن الخلع لو كان طلاقا ~~لم يقتصر صلى الله عليه وآله وسلم على الامر بحيضة، وأيضا لم يقع فيهما ~~الامر بالطلاق بل الامر بتخلية السبيل. قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: ~~إنه بحث عن رجال الحديثين معا فوجدهم ثقات، واحتجوا أيضا لكونه فسخا بقوله ~~تعالى: * (الطلاق مرتان) * (البقرة: 229) ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقوله ~~تعالى، * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * (البقرة: ~~229) قالوا: ولو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا ~~بعد زوج هو الطلاق الرابع. وبحديث حبيبة بنت سهل عند مالك في الموطأ أنها ~~قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لثابت: خذ منها فأخذ وجلست في أهلها ولم ~~يذكر فيه الطلاق. ولا زاد على الفرقة. وأيضا ms2778 لا يصح جعل الخلع طلاقا بائنا ~~ولا رجعيا. أما الأول فلأنه، خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة. وأما الثاني ~~فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة. (واحتج القائلون) بأنه ~~طلاق بما وقع في حديث ابن عباس المذكور من أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~لثابت بالطلاق. وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود ~~والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ وخل سبيلها وصاحب القصة أعرف بها. وأيضا ثبت ~~بلفظ الامر بتخلية السبيل PageV07P038 # من حديث الربيع وأبي الزبير كما ذكره المصنف. ومن حديث عائشة عند أبي ~~داود بلفظ وفارقها وثبت أيضا من حديث الربيع أيضا عند النسائي بلفظ وتلحق ~~بأهلها. ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد. وأيضا قد روي عن ابن عباس ~~هذا الحديث بدون ذكر الطلاق من طريقين كما في الباب. وأيضا ابن عباس من ~~جملة القائلين بأنه فسخ ويبعد منه أن يذهب إلى خلاف ما يرويه عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وقد حكي ذلك عن ابن عباس ابن عبد البر، ولكنه ادعى ~~شذوذ ذلك عنه قال: إذ لا يعرف أحد نقل عنه بأنه فسخ وليس بطلاق إلا طاوس. ~~قال في الفتح: وفيه نظر لأن طاوسا ثقة حافظ فقيه فلا يضر تفرده، وقد تلقى ~~العلماء ذلك بالقبول، ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة إلا وجزم أن ابن ~~عباس كان يراه فسخا انتهى. وقال الخطابي في معالم السنن: أنه احتج ابن عباس ~~على أنه ليس بطلاق بقول الله تعالى (الطلاق مرتان) * (البقرة: 229) انتهى. ~~وأما الاحتجاج بقول الله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * ~~(البقرة: 228) فيجاب عنه أولا بمنع اندراج الخلع تحت هذا العموم لما قررناه ~~من كونه ليس بطلاق. وثانيا بأنا لو سلمنا أنه طلاق لكان ذلك العموم مخصصا ~~بما ذكرنا من الأحاديث، فيكون بعد ذلك التسليم طلاقا عدته حيضة. واحتجوا ~~أيضا على كونه طلاقا بأنه قول أكثر أهل العلم كما حكى ذلك الترمذي فقال: ~~قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ms2779 وسلم وغيرهم أن عدة ~~المختلعة عدة المطلقة انتهى. # ويجاب بأن ذلك مما لا يكون حجة في مقام النزاع بالاجماع لما تقرر أن ~~الأدلة الشرعية. إما الكتاب أو السنة أو القياس أو الاجماع على خلاف في ~~الأخيرين. # وأيضا قد عارض حكاية الترمذي حكاية ابن القيم فإنه قال: لا يصح عن صحابي ~~أنه طلاق البتة. قال ابن القيم أيضا: والذي يدل على أنه ليس بطلاق أنه ~~تعالى رتب على الطلاق بعد الدخول ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع. أحدها: ~~أن الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد ~~استيفاء العدد إلا بعد دخول زوج وإصابة. الثالث: أن العدة ثلاثة قروء. وقد ~~ثبت بالنص والاجماع أنه لا رجعة في الخلع انتهى. قال الحافظ محمد بن ~~إبراهيم الوزير في بحث له: وقد استدل أصحابنا يعني الزيدية على أنه طلاق ~~بثلاثة أحاديث ثم ذكرها وأجاب عنها بوجوه حاصلها أنها مقطوعة الأسانيد، ~~وأنها معارضة بما هو أرجح، وإن أهل PageV07P039 # الصحاح لم يذكروها وإذا تكرر لك رجحان كونه فسخا. فاعلم أن القائلين به ~~لا يشترطون فيه أن يكون للسنة، فيجوز عندهم أن يكون في حال الحيض، ويقول ~~بوقوعه منهم من لم يقل بوقوع الطلاق البدعي، لأنه لا يعد من جملة الطلاق ~~الثلاث التي جعله الله للأزواج. والدليل على عدم الاشتراط عدم استفصاله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كما في أحاديث الباب وغيرها، ويمكن أن يقال إن ترك ~~الاستفصال لسبق العلم به. وقد اشترط في الخلع نشوز الزوجة الهادوية. وقال ~~داود والجمهور: ليس بشرط وهو الظاهر لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها، فلذلك ~~لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق قال العلامة محمد بن إبراهيم ~~الوزير: أن الامر المشترط فيه أن لا يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا ~~الخلع، وهو الظاهر من السياق في قوله تعالى: * (فإن خفتم أن لا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * (البقرة: 229). قوله: أما الزيادة ~~فلا استدل بذلك من قال: إن العوض من الزوجة ms2780 لا يكون إلا بمقدار ما دفع ~~إليها الزوج لا بأكثر منه، ويؤيد ذلك ما عند ابن ماجة والبيهقي من حديث ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يأخذ منها ولا يزداد. وفي ~~رواية عبد الوهاب عن سعيد قال أيوب: لا أحفظ فيه ولا يزداد. وفي رواية ~~الثوري: وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى، ذكر ذلك كله البيهقي، قال: ووصله ~~الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال أبو الشيخ: ~~هو غير محفوظ يعني الصواب إرساله، وبما ذكرناه يعتضد مرسل أبي الزبير، ولا ~~سيما وقد قال الدارقطني أنه سمعه أبو الزبير من غير واحد كما ذكره المصنف. ~~قال الحافظ: فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما ورد في معناه. ~~وأخرج عبد الرزاق عن علي أنه قال: لا يأخذ منها فوق ما أعطاه. وعن طاوس ~~وعطاء والزهري مثله وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق والهادوية. وعن ميمون ~~بن مهران: من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق بسند ~~صحيح عن سعيد بن المسيب. قال ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها ليدع لها شيئا. ~~وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يخالع المرأة بأكثر مما أعطاها. قال ~~مالك: لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق. وأخرج ~~ابن سعد عن الربيع قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام وكان زوجها، قالت: ~~فقلت له لك كل شئ وفارقني، قال: قد فعلت PageV07P040 # فأخذ والله كل فراشي، فجئت عثمان وهو محصور فقال: الشرط أملك خذ كل شئ ~~حتى عقاص رأسها. وفي البخاري عن عثمان أنه أجاز الخلع دون عقاص رأسها. # وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار ~~فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها: أتردين حديقته؟ ~~قالت وأزيده، فخلعها فردت عليه حديقته وزادته وهذا مع كون إسناده ضعيفا ليس ~~فيه حجة، لأنه ليس فيه أنه ms2781 قررها صلى الله عليه وآله وسلم على دفع الزيادة ~~بل أمرها برد الحديقة فقط، ويمكن أن يقال: إن سكوته بعد قولها وأزيده ~~تقرير. ويؤيد الجواز قوله تعالى: * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * ~~(البقرة: 229) فإنه عام للقليل والكثير، ولكنه لا يخفى أن الروايات ~~المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لهذا العموم ومرجحة على تلك الرواية ~~المتضمنة للتقرير لكثرة طرقها وكونها مقتضية للحصر، وهو أرجح من الإباحة ~~عند التعارض على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول. (وأحاديث الباب) قاضية ~~بأنه يجوز الخلع إذا كان ثم سبب يقتضيه، فيجمع بينها وبين الأحاديث القاضية ~~بالتحريم بحملها على ما إذا لم يكن ثم سبب يقتضيه. وقد أخرج أصحاب السنن ~~وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث ثوبان: أيما امرأة سألت زوجها الطلاق ~~فحرام عليها رائحة الجنة. وفي بعض طرقه من غير ما بأس وقد تقدم الحديث ~~وأخرج أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: المختلعات هن المنافقات وهو من ~~رواية الحسن عنه وفي سماعه منه نظر * (كتاب الرجعة والإباحة للزوج الأول) 1 ~~(عن ابن عباس في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) * الآية، وذلك أن الرجل كان إذا ~~طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك الطلاق مرتان الآية ~~رواه أبو داود والنسائي. وعن عروة عن عائشة قالت كان الناس والرجل يطلق ~~امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها ~~مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك PageV07P041 # فتبيني مني ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن ~~تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى ~~جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى نزل القرآن: * (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) قالت ~~عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق رواه ms2782 ~~الترمذي ورواه أيضا عن عروة مرسلا وذكر أنه أصح) * حديث ابن عباس في إسناده ~~علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال. وحديث عائشة المرفوع من طريق قتيبة عن ~~يعلى بن شبيب عن هشام بن عروة عن أبيه عنها والموقوف من طريق أبي كريب عن ~~عبد الله بن إدريس عن هشام بن عروة عن أبيه ولم يذكر فيه عائشة. قال ~~الترمذي: وهذا أصح من حديث يعلى بن شبيب. قوله تعالى: * (ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) فسره مجاهد بالحيض والحمل. وأخرج الطبري عن ~~طائفة أن المراد به الحيض. وعن ابن جرير الحمل والمقصود من الآية أن أمر ~~العدة لما دار على الحيض والطهر والاطلاع على ذلك يقع من جهة النساء غالبا ~~جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك. وقال إسماعيل القاضي: دلت الآية أن المرأة ~~المعتدة مؤتمنة على رحمها من الحمل والمحيض إلا أن تأتي من ذلك بما يعرف به ~~كذبها فيه، والمنسوخ من هذه الآية هو قوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن) ~~فإن ظاهره أن للرجل مراجعة المرأة مطلقا، سواء طلقها ثلاثا أو أكثر أو أقل، ~~فنسخ من ذلك مراجعة من طلقها زوجها ثلاثا فأكثر فإنه لا يحل له مراجعتها ~~بعد ذلك، وأما إذا طلقها واحدة رجعية أو اثنتين كذلك فهو أحق برجعتها. قال ~~في الفتح: وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو ~~تطليقتين فهو أحق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لم يراجع حتى انقضت ~~العدة فتصير أجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف. (واختلف السلف) فيما يكون ~~به الرجل مراجعا فقال الأوزاعي: إذا جامعها فقد راجعها. ومثله أيضا روي عن ~~بعض التابعين، وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة، وقال الكوفيون ~~كالأوزاعي وزادوا ولو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها لشهوة. وقال الشافعي: ~~لا تكون الرجعة إلا بالكلام وحجة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح، وإلى ذلك ~~ذهب الامام يحيى، والظاهر ما ذهب إليه الأولون لأن العدة مدة خيار، ~~والاختيار ms2783 يصح بالقول والفعل، وأيضا PageV07P042 # ظاهر قوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن) * وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مره فليراجعها أنها تجوز المراجعة بالفعل لأنه لم يخص قولا من فعل، ~~ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل. وقد حكي في البحر عن العترة ومالك أن ~~الرجعة بالوطئ ومقدماته محظورة وإن صحت، ثم قال قلت: إن لم ينوبه الرجعة ~~فنعم لعزمه على قبيح وإلا فلا لما مر. وقال أحمد بن حنبل: بل مباح لقوله ~~تعالى: * (إلا على أزواجهم) والرجعية زوجة بدليل صحة الايلاء انتهى. وحديث ~~عائشة فيه دليل على تحريم الضرار في الرجعة لأنه منهي عنه بعموم قوله ~~تعالى: * (ولا تضاروهن) والمنهي عنه فاسد فسادا يرادف البطلان، ويدل على ~~ذلك أيضا قوله تعالى: * (إن أرادوا إصلاحا) * (فكل رجعة لا يراد بها ~~الاصلاح ليست برجعة شرعية. وقد دل الحديثان المذكوران في الباب على أن ~~الرجل كان يملك من الطلاق لزوجته في صدر الاسلام الثلاث وما فوقها إلى ما ~~لا نهاية له، ثم نسخ الله الزيادة على الثلاث بالآية المذكورة. قوله: من ~~كان طلق أي لم يعتد من ذلك الوقت بما قد وقع منه من الطلاق، بل حكمه حكم من ~~لم يطلق أصلا فيملك ثلاثا كما يملكها من لم يقع منه شئ من الطلاق * وعن ~~عمران بن حصين: أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على ~~طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على ~~طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد رواه أبو داود وابن ماجة ولم يقل ولا تعد. # الأثر أخرجه أيضا البيهقي والطبراني وزاد: واستغفر الله قال الحافظ في ~~بلوغ المرام: وسنده صحيح، وقد استدل به من قال بوجوب الاشهاد على الرجعة، ~~وقد ذهب إلى عدم وجوب الاشهاد في الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والقاسمية ~~والشافعي في أحد قوليه. واستدل لهم في البحر بحديث ابن عمر السالف فإن فيه ~~أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: مره فليراجعها ولم يذكر الاشهاد، وقال ~~مالك والشافعي والناصر: إنه يجب الاشهاد في ms2784 الرجعة، واحتج في نهاية المجتهد ~~للقائلين بعدم الوجوب بالقياس على الأمور التي ينشئها الانسان لنفسه فإنه ~~لا يجب فيها الاشهاد. ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الاجماع على ~~عدم وجوب الاشهاد في PageV07P043 # الطلاق كما حكاه الموزعي في تيسير البيان، والرجعة قرينته فلا يجب فيها ~~كما لا يجب فيه، والاحتجاج بالأثر المذكور في الباب لا يصلح للاحتجاج لأنه ~~قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد، وما كان كذلك فليس بحجة لولا ما وقع ~~من قوله: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة. وأما قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم) * (الطلاق: 2) فهو وارد عقب قوله: * (فأمسكوهن بمعروف) * ~~(البقرة: 231) الآية، وقد عرفت الاجماع على عدم وجوب الاشهاد على الطلاق، ~~والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب. # وعن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن ~~الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا ~~حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك رواه الجماعة. لكن لأبي داود معناه من غير ~~تسمية الزوجين. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: العسيلة ~~هي الجماع رواه أحمد والنسائي. وعن ابن عمر قال: سئل نبي الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي ~~الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل تحل للأول؟ قال: لا حتى يذوق العسيلة ~~رواه أحمد والنسائي وقال قال لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر. # حديث عائشة الثاني أخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية، قال الهيثمي: فيه أبو ~~عبد الملك لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. وحديث ابن عمر هو من رواية ~~سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن رزين بن سليمان الأحمري عن ابن عمر. وروي ~~أيضا من طريق شعبة عن علقمة بن مرثد عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله ~~عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر. قال النسائي: والطريق الأولى ms2785 أولى بالصواب. ~~قال الحافظ: وإنما قال ذلك لأن الثوري أتقن وأحفظ من شعبة، وروايته أولى ~~بالصواب من وجهين: أحدهما أن شيخ علقمة هو رزين بن سليمان كما قال الثوري، ~~لا سالم بن رزين كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن شعبة كذلك منهم غيلان بن ~~جامع أحد الثقات. # ثانيهما: أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا لم ~~يخالفه سعيد ويقول بغيره كما سيأتي. (وفي الباب) عن عائشة غير حديث الباب ~~عند أبي داود بنحو حديث ابن عمر، وعن ابن عباس نحوه عند النسائي. وعن أبي ~~هريرة عند PageV07P044 # الطبراني وابن أبي شيبة بنحوه. وعن أنس عند الطبراني أيضا والبيهقي بنحوه ~~أيضا. وعن عائشة أيضا حديث آخر عند الطبراني بإسناد رجاله ثقات: أن عمرو بن ~~حزم طلق العميصاء فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، فسألت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: لا حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته. قوله: امرأة ~~رفاعة القرظي قيل: اسمها تميمة، وقيل: سهيمة، وقيل: أميمة. والقرظي بضم ~~القاف وفتح الراء والظاء المعجمة نسبة إلى بني قريظة. قوله: عبد الرحمن بن ~~الزبير بفتح الزاي من الزبير. قوله: هدبة الثوب بفتح الهاء وسكون المهملة ~~بعدها باء موحدة مفتوحة هي طرف الثوب الذي لم ينسج مأخوذ من هدب العين وهو ~~شعر الجفن هكذا في الفتح. وفي القاموس: الهدب بالضم وبضمتين شعر أشفار ~~العين وخمل الثوب واحدتهما بهاء، وكذا في مجمع البحار نقلا عن النووي أنها ~~بضم هاء وسكون دال. وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم ~~الانتشار، واستدل به على أن وطئ الزوج الثاني لا يكون محللا ارتجاع الزوج ~~الأول للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرا، فلو لم يكن كذلك أو كان عنينا أو ~~طفلا لم يكن على الأصح من قولي أهل العلم. قوله: حتى تذوقي عسيلته ويذوق ~~عسيلتك العسيلة مصغرة في الموضعين، واختلف في توجيهه فقيل هو تصغير العسل ~~لأن العسل مؤنث جزم بذلك القزاز. قال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهري: ~~يذكر ms2786 ويؤنث. وقيل: # لأن العرب إذا حقرت الشئ أدخلت فيه هاء التأنيث. وقيل: المراد قطعة من ~~العسل، والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل ذلك بأن ~~يقع تغييب الحشفة في الفرج، وقيل معنى العسيلة النطفة وهذا يوافق قول الحسن ~~البصري وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن الجماع وهو تغييب حشفة ~~الرجل في فرج المرأة. وحديث عائشة المذكور في الباب يدل على ذلك. وزاد ~~الحسن البصري: # حصول الانزال. قال ابن بطال: شذ الحسن في هذا وخالف سائر الفقهاء وقالوا: ~~يكفي ما يوجب الحد ويحصن الشخص ويوجب كمال الصداق ويفسد الحج والصوم. وقال ~~أبو عبيدة: العسيلة لذة الجماع والعرب تسمي كل شئ تستلذه عسلا. (وأحاديث) ~~الباب تدل على أنه لا بد فيمن طلقها زوجها ثلاثا ثم تزوجها زوج آخر من ~~الوطئ فلا تحل للأول إلا بعده. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط ~~الجماع لتحل PageV07P045 # للأول إلا سعيد بن المسيب، ثم ساق بسنده الصحيح عنه ما يدل على ذلك. قال ~~ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ~~ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن. وقد نقل أبو جعفر النحاس في ~~معاني القرآن وعبد الوهاب المالكي في شرح الرسالة عن سعيد بن جبير مثل قول ~~سعيد بن المسيب، وكذلك حكى ابن الجوزي عن داود أنه وافق في ذلك، قال ~~القرطبي: ويستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلق بأقل ما ينطلق ~~عليه الاسم خلافا لمن قال: لا بد من حصول جميعه، واستدل بإطلاق الذوق لهما ~~على اشتراط علم الزوجين به حتى لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم يكف ذلك ~~ولو أنزل هو. وبالغ ابن المنذر فنقله عن جميع الفقهاء. (واستدل) بأحاديث ~~الباب على جواز رجوعها إلى زوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، ويعقبه ~~الطلاق منه لكن شرط المالكية، ونقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ~~ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليلها للأول، وقال الأكثر: إن شرط ms2787 ~~ذلك في العقد فسد وإلا فلا، وقد قدمنا الكلام على التحليل، ومما يستدل ~~بأحاديث الباب عليه أنه لا حق للمرأة في الجماع، لأن هذه المرأة شكت أن ~~زوجها لا يطؤها، وأن ذكره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحها، وفي ذلك خلاف معروف. # كتاب الايلاء عن الشعبي عن مسروق عن عائشة: قالت آلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين الكفارة ~~رواه ابن ماجة والترمذي، وذكر أنه قد روي عن الشعبي مرسلا وأنه أصح. # وعن ابن عمر قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق ~~حتى يطلق يعني المولي أخرجه البخاري وقال: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي ~~الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقال أحمد بن حنبل في رواية أبي طالب: قال عمر وعثمان وعلي وابن عمر ~~PageV07P046 # يوقف المولي بعد الأربعة فإما أن يفئ وإما أن يطلق. وعن سليمان بن يسار ~~قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم ~~يقفون المولي رواه الشافعي والدارقطني. وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه ~~قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل ~~يولي قالوا: ليس عليه شئ حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق رواه ~~الدارقطني. # حديث الشعبي قال الحافظ في الفتح: رجاله موثقون، ولكنه رجح الترمذي ~~إرساله على وصله. وأثر عمر ذكره البخاري موصولا من طريق إسماعيل بن أبي ~~أويس عن أخيه أبي بكر بن عبد الحميد بن أبي أويس. وأثر عثمان وصله الشافعي ~~وابن بي شيبة وعبد الرزاق بلفظ: يوقف المولي فإما أن يفئ وإما أن يطلق وهو ~~من رواية طاوس عنه وفي سماعه منه نظر، لكن أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر ~~منقطع عنه أنه كان لا يرى الايلاء شيئا وإن مضت أربعة أشهر ms2788 حتى يوقف. وأخرج ~~عبد الرزاق والدارقطني عنه خلاف ذلك ولفظه: وقال عثمان إذا مضت أربعة أشهر ~~فهي تطليقة بائنة. وقد رجح أحمد رواية طاوس عنه وأثر علي وصله الشافعي وابن ~~أبي شيبة وسنده صحيح، وكذلك روى عنه مالك أنه إذا مضت الأربعة أشهر لم يقع ~~عليه طلاق حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفئ وهو منقطع لأنه من رواية ~~جعفر بن محمد عن أبيه عنه. وأخرج نحوه عنه سعيد بن منصور بإسناد صحيح. وأثر ~~أبي الدرداء وصله ابن أبي شيبة ولفظه: أن أبا الدرداء قال: يوقف في الايلاء ~~عند انقضاء الأربعة، فإما أن يطلق وإما أن يفئ، وإسناده صحيح. وأثر عائشة ~~وصله عبد الرزاق مثل قول أبي الدرداء وهو منقطع لأنه من رواية قتادة عنها، ~~ولكنه أخرج عنها سعيد بن منصور أنها كانت لا ترى الايلاء شيئا حتى يوقف ~~وإسناده صحيح. وأخرج الشافعي عنها نحوه بإسناد صحيح أيضا. وأما الآثار ~~الواردة عن اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجها ~~البخاري في التاريخ موصولة. وأثر سليمان بن يسار أخرجه أيضا إسماعيل القاضي ~~من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: الايلاء لا يكون طلاقا حتى يوقف ~~PageV07P047 # وأثر سهيل بن أبي صالح إسناده في سنن الدارقطني، هكذا أخبرنا أبو بكر ~~النيسابوري، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن ~~أيوب عن عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه فذكره، ويشهد له ما ~~تقدم. وأخرج إسماعيل القاضي عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركنا ~~الناس يقفون الايلاء إذا مضت الأربعة. (وفي الباب) من المرفوع عن أنس عند ~~البخاري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آلى من نسائه الحديث. وعن أم ~~سلمة عند البخاري بنحوه . وعن ابن عباس عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا. ms2789 # وعن جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم اعتزل نساءه شهرا. قوله: ~~آلى الايلاء في اللغة الحلف، وفي الشرع الحلف الواقع من الزوج أن لا يطأ ~~زوجته. # ومن أهل العلم من قال: الايلاء الحلف على ترك كلامها أو على أن يغيظها أو ~~يسوءها أو نحو ذلك. ونقل عن الزهري أنه لا يكون الايلاء إيلاء إلا أن يحلف ~~المرء بالله فيما يريد أن يضاربه امرأته من اعتزالها، فإذا لم يقصد الاضرار ~~لم يكن إيلاء. وروي عن علي وابن عباس والحسن وطائفة أنه لا إيلاء إلا في ~~غضب، فأما من حلف أن لا يطأها بسبب الخوف على الولد الذي يرضع منها من ~~الغيلة فلا يكون إيلاء. وروي عن القاسم بن محمد وسالم فيمن قال لامرأته: إن ~~كلمتك سنة فأنت طالق، قالا: إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت، وإن كلمها ~~قبل سنة فهي طالق. وروي عن يزيد بن الأصم أن ابن عباس قال له: ما فعلت ~~امرأتك فعهدي بها سيئة الخلق، فقال: لقد خرجت وما أكلمها، قال: # أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر فإن مضت فهي تطليقة. قوله: وحرم في ~~الصحيحين أن الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه هو ~~العسل وقيل تحريم مارية وسيأتي. وروى ابن مردويه من طريق عائشة ما يفيد ~~الجمع بين الروايتين، وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى: * (يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك) * (التحريم: 1) الآية. ومدة إيلائه صلى الله عليه ~~وآله وسلم من نسائه شهر كما ثبت في صحيح البخاري. واختلف في سبب الايلاء ~~فقيل سببه الحديث الذي أفشته حفصة كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ~~واختلف أيضا في ذلك الحديث الذي أفشته وقد وردت في بيانه روايات مختلفة. ~~وقد اختلف في مقدار مدة الايلاء فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدا ~~قالوا: فإن حلف على أنقص منها لم PageV07P048 # يكن موليا. وقال إسحاق: إن حلف أن لا يطأها يوما فصاعدا ثم لم يطأها حتى ~~مضت أربعة ms2790 أشهر فصاعدا كان إيلاء. وجاء عن بعض التابعين مثله. وحكي صاحب ~~البحر عن ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وقتادة والحسن البصري والنخعي ~~وحماد بن عيينة أنه ينعقد بدون أربعة أشهر، لأن القصد مضارة الزوجة وهي ~~حاصلة في دونها. (واحتج الأولون) بقوله تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم ~~تربص أربعة أشهر) * (البقرة: 226) وأجاب الآخرون عنها بأن المراد بها المدة ~~التي تضرب للمولى فإن فاء بعدها وإلا طلق حتما لا أنه لا يصح الايلاء بدون ~~هذه المدة. ويؤيد ما قالوه ما تقدم من إيلائه صلى الله عليه وآله وسلم من ~~نسائه شهرا، فإنه لو كان ما في القرآن بيانا لمقدار المدة التي لا يجوز ~~الايلاء دونها لم يقع منه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك. وأيضا الأصل أن من ~~حلف على شئ لزمه حكم اليمين فالحالف من وطء زوجته يوما أو يومين مول. وأخرج ~~عبد الرزاق عن عطاء أن الرجل إذا حلف أن لا يقرب امرأته سمى أجلا أو لم ~~يسمه، فإن مضت أربعة أشهر ألزم حكم الايلاء. # وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن البصري أنه إذا قال لامرأته: والله لا ~~أقربها الليلة فتركها أربعة أشهر من أجل يمينه تلك فهو إيلاء. وأخرج ~~الطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة ~~والسنتين فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس ~~بإيلاء. قوله: فإما أن يفئ الفئ الرجوع قاله أبو عبيدة وإبراهيم النخعي في ~~رواية الطبري عنه قال: الفئ الرجوع باللسان. ومثله عن أبي قلابة وعن سعيد ~~بن المسيب والحسن وعكرمة الفئ الرجوع بالقلب لمن به مانع عن الجماع وفي ~~غيره بالجماع. وحكي ذلك في البحر عن العترة والفريقين. وحكاه صاحب الفتح عن ~~أصحاب ابن مسعود. وعن ابن عباس الفئ الجماع. وحكي مثله عن مسروق وسعيد بن ~~جبير والشعبي. قال الطبري: اختلافهم في هذا من اختلافهم في تعريف الايلاء، ~~فمن خصه بترك الجماع قال : لا يفئ إلا بفعل الجماع. ومن قال الايلاء الحلف ~~على ms2791 ترك كلام المرأة أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في ~~الفئ الجماع بل رجوعه بفعل ما حلف أنه لا يفعله . قال في البحر فرع: ولفظ ~~الفئ ندمت على يميني ولو قدرت الآن لفعلت أو رجعت عن يميني ونحوه انتهى. ~~وقد ذهب الجمهور إلى أن الزوج لا يطالب بالفئ قبل PageV07P049 # مضي الأربعة الأشهر. وقال ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن أبي ليلى والثوري ~~وأبو حنيفة: إنه يطالب فيها لقراءة ابن مسعود: * (فإن فاؤوا فيهن) * قالوا: ~~وإذا جاز الفئ جاز الطلب إذ هو تابع ويجاب بمنع الملازمة وبنص: * (للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * (البقرة: 226) فإن الله سبحانه شرع ~~التربص هذه المدة فلا يجوز مطالبة الزوج قبلها، واختياره للفئ قبلها إبطال ~~لحقه من جهة نفسه فلا يبطل بإبطال غيره. وذهب الجمهور إلى أن الطلاق الواقع ~~من الزوج في الايلاء يكون رجعيا، وهكذا عند من قال: إن مضي المدة يكون ~~طلاقا وإن لم يطلق. وقد أخرج الطبري عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت أنها ~~إذا مضت أربعة أشهر ولم يف ء طلقت طلقة بائنة. وأخرج أيضا عن جماعة من ~~التابعين من الكوفيين وغيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن ~~وابن سيرين مثله. وأخرج أيضا من طريق سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد ~~الرحمن وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي أنها تطلق طلقة رجعية. وأخرج سعيد ~~بن منصور عن جابر بن زيد أنها تطلق بائنا. وروى إسماعيل القاضي في أحكام ~~القرآن بسند صحيح عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله. # كتاب الظهار عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم ~~يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب ~~في ليلتي شيئا فأتتايع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، ~~فبينا هي تخدمني من الليل إذ تكشف إلي منها شئ فوثبت عليها، فلما أصبحت ~~غدوت على ms2792 قومي فأخبرته خبري وقلت لهم: # انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بأمري، ~~فقالوا: والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت واصنع ما بدا ~~لك، فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته خبري فقال لي: ~~أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، PageV07P050 # فقال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ قلت: نعم ها أنا ذا فامض ~~في حكم الله عز وجل فأنا صابر لقال: أعتق رقبة، فضربت صفحة رقبتي بيدي ~~وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، ~~قال قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم؟ قال: فتصدق، قال ~~قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشا ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى ~~صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين ~~مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك، قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت ~~عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~السعة والبركة، وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي، قال: فدفعوها إلي رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي وقال: # حديث حسن. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وقد أعله عبد ~~الحق بالانقطاع، وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمة. وقد حكى ذلك الترمذ عن ~~البخاري وفي إسناده أيضا محمد بن إسحاق. قوله: ظاهرت من امرأتي الظهار بكسر ~~الظاء المعجمة اشتقاقه من الظهر، وهو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي . ~~قال في الفتح: وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبا ~~، ولذلك سمي المركوب ظهرا، فشبهت الزوجة بذلك لأنها مركوب للرجل. وقد ذهب ~~الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم كما ورد في القرآن. وفي حديث خولة التي ~~ظاهر منها أوس فلو قال: كظهر أختي مثلا لم يكن ظهارا، وكذا ms2793 لو قال: كظهر ~~أبي. # وفي رواية عن أحمد أنه ظهار وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في ~~البهيمة. # وحكي في البحر عن أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح ~~وزيد بن علي والناصر والامام يحيى والشافعي في أحد قوليه: إنه يقاس المحارم ~~على الام ولو من رضاع إذ العلة التحريم المؤبد. وعن ابن القاسم من أصحاب ~~الشافعي: # ولو من الرجال. وعن مالك وأحمد والبتي وغير المؤبد فيصح بالأجنبيات. قوله ~~: فرقا بفتح الفاء والراء. قوله: فأتتايع بتاءين فوقيتين وبعد الألف ياء ~~وهو الوقوع في الشر. قوله: فقال لي: أنت بذاك لعل هذا التكرير للمبالغة في ~~الزجر لا أنه شرط في إقرار المظاهر، ومن ههنا يلوح أن مجرد الفعل لا يصح ~~الاستدلال PageV07P051 # به على الشرطية كما سيأتي في الاقرار بالزنا. قوله: أعتق رقبة ظاهره عدم ~~اعتبار كونها مؤمنة، وبه قال عطاء والنخعي وزيد بن علي وأبو حنيفة وأبو ~~يوسف، وقال مالك والشافعي وأكثر العترة: لا يجوز ولا يجزي إعتاق الكافر، ~~لأن هذا مطلق مقيد بما فكفارة القتل من اشتراط الايمان. وأجيب بأن تقييد ~~حكم بما في حكم آخر مخالف له لا يصح، وتحقيق الحق في ذلك محرر في الأصول، ~~ولكنه يؤيد اعتبار الاسلام حديث معاوية بن الحكم السلمي: فإنه لما سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إعتاق جاريته عن الرقبة التي عليه قال ~~لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: من أنا؟ فقالت: رسول الله، قال: ~~فأعتقها فإنها مؤمنة ولم يستفصله عن الرقبة التي عليه، وترك الاستفصال في ~~مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وظاهر إطلاق الرقبة أنها تجزي ~~المعيبة. وقد حكاه في البحر عن أكثر العترة وداود، وحكي عن المرتضى ~~والفريقين ومالك أنها لا تجزي. قوله: فصم شهرين ظاهره أن حكم العبد حكم ~~الحر في ذلك. وقد نقل ابن بطال الاجماع على أن العبد إذا ظاهر لزمه وأن ~~كفارته بالصيام شهران كالحر، واختلفوا في الاطعام والعتق فقال الكوفيون ~~والشافعي والهادوية: لا يجزيه إلا الصيام فقط. ms2794 وقال ابن القاسم عن مالك: ~~إذا أطعم بإذن مولاه أجزأه، قال: وما ادعاه ابن بطال من الاجماع مردود، فقد ~~نقل الشيخ الموفق في المغني عن بعضهم أنه لا يصح ظهار العبد لأن الله تعالى ~~قال: * (فتحرير رقبة ) * (النساء: 92) والعبد لا يملك الرقاب، وتعقب بأن ~~تحرير الرقبة إنما هو على من يجدها فكان كالمعسر ففرضه الصيام. وأخرج عبد ~~الرزاق عن معمر عن قتادة عن إبراهيم أنه لو صام العبد شهرا أجزأ عنه. قوله: ~~وحشا لفظ أبي داود وحشين، قال في النهاية: يقال رجل وحش بالسكون إذا كان ~~جائعا لا طعام له وقد أوحش إذا جاع. قوله: بني زريق بتقديم الزاي على ~~الراء. قوله: ستين مسكينا فيه دليل على أنه يجزي من لم يجد رقبة ولم يقدر ~~على الصيام لعلة أن يطعم ستين مسكينا. وقد حكي صاحب البحر الاجماع على ذلك. # وحكي أيضا الاجماع على أن الكفارة في الظهار واجبة على الترتيب. وظاهر ~~الحديث أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا ولا يجزي إطعام دونهم. وإليه ذهب ~~الشافعي ومالك والهادوية. وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه والناصر: أنه ~~يجزي إطعام واحد ستين يوما. قوله: فأطعم عنك منها وسقا. في رواية: فأطعم ~~عرقا من تمر ستين مسكينا PageV07P052 # وسيأتي الاختلاف في العرق في حديث خولة. وقد أخذ بظاهر حديث الباب الثوري ~~وأبو حنيفة وأصحابه والهادوية والمؤيد بالله فقالوا: الواجب لكل مسكين صاع ~~من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر. وقال الشافعي وهو مروي عن ~~أبي حنيفة أيضا: أن الواجب لكل مسكين مد، وتمسكوا بالروايات التي فيها ذكر ~~العرق وتقديره بخمسة عشر صاعا وسيأتي، واختلفت الرواية عن مالك، وظاهر ~~الحديث أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أعانه بما يكفر به بعد أن أخبره أنه لا يجد رقبة ولا يتمكن من ~~إطعام ولا يطيق الصوم، وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه، وذهب قوم إلى ~~السقوط، وذهب آخرون إلى التفصيل ms2795 فقالوا: تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من ~~الكفارات. # وعن سلمة بن صخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المظاهر يواقع قبل ~~أن يكفر قال: كفارة واحدة رواه ابن ماجة والترمذي. وعن أبي سلمة عن سلمة بن ~~صخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا ~~فقال: أطعمه ستين مسكينا وذلك لكل مسكين مد رواه الدارقطني وللترمذي معناه. ~~وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ظاهر ~~من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها ~~قبل أن أكفر، فقال: ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء ~~القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله رواه الخمسة إلا أحمد وصححه ~~الترمذي، وهو حجة في تحريم الوطئ قبل التكفير بالاطعام وغيره. ورواه أيضا ~~النسائي عن عكرمة مرسلا وقال فيه: فاعتزلها حتى تقضي ما عليك وهو حجة في ~~ثبوت كفارة الظهار في الذمة. # حديث سلمة الأول حسنه الترمذي. وحديثه الثاني أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي ~~من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن سلمة بن ~~صخر البياضي الحديث. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا الحاكم وصححه، قال الحافظ: ~~ورجاله ثقات لكن أعله أبو حاتم والنسائي بالارسال. وقال ابن حزم: # رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله، وأخرج البزار شاهدا له من طريق خصيف ~~عن عطاء عن ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله إني ظاهرت من PageV07P053 # امرأتي فرأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر، فقال: كفر ولا تعد. ~~وقد بالغ أبو بكر بن العربي فقال: ليس في الظهار حديث صحيح قوله: قال كفارة ~~واحدة قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان ~~الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر ~~فعليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن مهدي. قوله: فلا تقربها حتى تفعل ما ms2796 ~~أمرك الله فيه دليل على أنه يحرم على الزوج الوطئ قبل التكفير وهو الاجماع، ~~وأن الكفارة واجبة عليه لا تسقط بالوطئ قبل إخراجها. وروى سعيد بن منصور عن ~~الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطأ قبل التكفير ثلاث كفارات. وذهب الزهري ~~وسعيد بن جبير وأبو يوسف إلى سقوط الكفارة بالوطئ. وروي عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص أنه يجب عليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي كما سلف. # وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة مطلقا، وهو مذهب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم كما تقدم. (واختلف) في مقدمات الوطئ هل تحرم مثل الوطئ إذا أراد أن ~~يفعل شيئا منها قبل التكفير أم لا؟ فذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى ~~أن المحرم هو الوطئ وحده لا المقدمات. وذهب الجمهور إلى أنها تحرم كما يحرم ~~الوطئ ، واستدلوا بقوله تعالى: * (من قبل أن يتماسا) * (المجادلة: 3) وهو ~~يصدق على الوطئ ومقدماته، وأجاب من قال بأن حكم المقدمات مخالف لحكم الوطئ ~~بأن المسيس كناية عن الجماع، وقد قدمنا الكلام على ذلك في أبواب الوضوء، ~~واعلم أنها تجب الكفارة بعد العود إجماعا لقوله تعالى: * (ثم يعودون لما ~~قالوا) * (المجادلة: 3) واختلفوا هل العلة في وجوبها العود أو الظهار؟ فذهب ~~إلى الأول ابن عباس وقتادة والحسن وأبو حنيفة وأصحابه والعترة . وذهب إلى ~~الثاني مجاهد والثوري. وقال الزهري وطاوس ومالك وأحمد بن حنبل وداود ~~والشافعي: بل العلة مجموعهما. وقال الامام يحيى: أن العود شرط كالاحصان مع ~~الزنا، واختلفوا في العود ما هو؟ فقال قتادة وسعيد بن جبير وأبو حنيفة ~~وأصحابه والعترة: أنه أراد المس لما حرم بالظهار، لأنه إذا أراد فقد دعا عن ~~عزم الترك إلى عزم الفعل سواء فعل أم لا، وقال الشافعي: بل هو إمساكها بعد ~~الظهار وقتا يسع الطلاق ولم يطلق، إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها وإمساكها ~~نقيضه. وقال مالك PageV07P054 # وأحمد: بل هو العزم على الوطئ فقط وإن لم يطأ. وقال الحسن البصري وطاوس ~~والزهري: بل هو الوطئ نفسه. وقال داود وشعبة: بل إعادة لفظ ms2797 الظهار. # عن خولة بنت مالك بن ثعلب قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت فجئت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وآله سلم ~~يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برح حتى نزل القرآن * (قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) * (المجادلة: 1) إلى الغرض فقال: يعتق ~~رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله إنه ~~شيخ كبير ما به من صيام، قال: # فليطعم ستين مسكينا، قالت: ما عنده من شئ يتصدق به، قال: فأتي ساعتئذ ~~بعرق من تمر قالت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي ~~فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك، والعرق ستون صاعا رواه ~~أبو داود. # ولأحمد معناه لكنه لم يذكر قدر العرق وقال فيه: فليطعم ستين مسكينا وسقا ~~من تمر. ولأبي داود في رواية أخرى: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا وقال: هذا ~~أصح. وله عن عطاء عن أوس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه خمسة عشر ~~صاعا من شعير إطعام ستين مسكينا وهذا مرسل. قال أبو داود: عطاء لم يدرك ~~أوسا . حديث خولة سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده محمد بن إسحاق، ~~وسيأتي تمام الكلام على الاسناد. وأخرج ابن ماجة والحاكم نحوه من حديث ~~عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شئ، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ~~ويخفى علي بعضه وهي تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ~~الحديث، وأصله في البخاري من هذا الوجه إلا أنه لم يسمها. وأخرج أيضا أبو ~~داود والحاكم عن عائشة من وجه آخر قالت: كانت جميلة امرأة أوس بن الصامت ~~وكان امرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته. وحديث أوس أعله أبو داود ~~بالارسال كما ذكر المصنف. قوله: خولة بنت مالك وقع في تفسير أبي حاتم خولة ~~بنت الصامت، قال الحافظ: وهو وهم والصواب زوج ابن الصامت، ورجح غير واحد ~~أنها ms2798 خولة بنت الصامت بن ثعلبة. وروى الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث ~~ابن عباس أن المرأة خولة بنت خويلد وفي إسناده أبو حمزة اليماني وهو ضعيف. ~~PageV07P055 # وقال يوسف بن عبد الله بن سلام: إنها خويلة، وروي أنها بنت دليح، كذا في ~~الكاشف. وفي رواية عائشة المتقدمة أنها جميلة. قوله: والعرق ستون صاعا هذه ~~الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة، قال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ~~ابن حبان. وفيها أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن، والمشهور عرفا أن العرق يسع ~~خمسة عشر صاعا كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه، والكلام ~~على ما يتعلق بحديث خولة من الفقه قد تقدم . باب من حرم زوجته أو أمته عن ~~ابن عباس قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة متفق عليه. وفي لفظ: أنه أتاه رجل ~~فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما، فقال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا: * ~~(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك عليك) * (التحريم: 1) أغلظ الكفارة ~~عتق رقبة رواه النسائي. # وعن ثابت عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له أمة ~~يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله عز وجل * (يا ~~أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * إلى آخر الآية، رواه النسائي. # الرواية الثانية من حديث ابن عباس أخرجها ابن مردويه من طريق سالم الأفطس ~~عن سعيد بن جبير عنه. وحديث أنس قال الحافظ: سنده صحيح وهو أصح طرق سبب ~~نزول الآية، وله شاهد مرسل عند الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي ~~المشهور قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم إبراهيم ولده في ~~بيت بعض نسائه فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حراما، ~~فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، ~~فنزلت * (يا أيها النبي لم تحرم ما ms2799 أحل الله لك) *. (وفي الباب) عن عائشة ~~عند الترمذي وابن ماجة بسند رجاله ثقات قالت: آلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وحرم فجعل الحرام حلالا، وجعل في اليمين كفارة وقد تقدم في كتاب ~~الايلاء. وعن ابن عباس غير حديث الباب عند البيهقي بسند صحيح عن يوسف بن ~~ماهك أن أعرابيا أتى PageV07P056 # ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي حراما، قال: ليست عليك بحرام، قال: أرأيت ~~قول الله تعالى: * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه) * (آل عمران: 93) الآية، فقال ابن عباس: إن إسرائيل كان به عرق ~~الإنسي فجعل على نفسه إن شفاه الله أن لا يأكل العروق من كل شئ وليست بحرام ~~يعني على هذه الأمة. (وقد اختلف) العلماء فيمن حرم على نفسه شيئا، فإن كان ~~الزوجة فقد اختلف فيه أيضا على أقوال بلغها القرطبي المفسر إلى ثمانية عشر ~~قولا. قال الحافظ: وزاد غيره عليها. وفي مذهب مالك فيها تفاصيل يطول ~~استيفاؤها. قال القرطبي قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف أنه لم يقع في ~~القرآن صريحا ولا في السنة نص ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة ~~فتجاذبها العلماء، فمن تمسك بالبراءة قال: لا يلزمه شئ، ومن قال: إنها يمين ~~أخذ بظاهر قوله تعالى: * (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) * (التحريم: 2) ~~بعد قوله: * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * (التحريم: 1) ومن ~~قال: تجب الكفارة وليست بيمين بناه على أن معناه معنى اليمين فوقعت الكفارة ~~على المعنى. ومن قال: يقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة، ~~وأقل ما تحرم به المرأة طلقة ما لم يرتجعها. ومن قال: بائنة فلاستمرار ~~التحريم بها ما لم يجدد العقد. ومن قال: ثلاثا حمل اللفظ على منتهى وجوهه. # ومن قال: ظهار نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق فانحصر الامر ~~عنده في الظهار انتهى. ومن المطولين للبحث في هذه المسألة الحافظ ابن القيم ~~فإنه تكلم عليها في الهدى كلاما طويلا وذكر ثلاثة عشر مذهبا ms2800 أصولا تفرعت ~~إلى عشرين مذهبا، وذكر في كتابه المعروف بإعلام الموقعين خمسة عشر مذهبا ~~وسنذكر ذلك على طريق الاختصار ونزيد عليه فوائد المذهب الأول: أن قول ~~القائل لامرأته: # أنت علي حرام لغو وباطل لا يترتب عليه شئ، وهو إحدى الروايتين عن ابن ~~عباس، وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي وداود وجميع ~~أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية، واختاره أصبغ بن ~~الفرج منهم واستدلوا بقوله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام) * (التحريم: 1) وبقوله تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك) * (النحل: 116) وسبب نزول هذه الآية ما تقدم وبالحديث الصحيح ~~وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وقد ~~تقدم في كتاب الصلاة. القول الثاني: أنها ثلاث تطليقات PageV07P057 # وهو قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن ~~البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وحكاه في البحر عن أبي هريرة، ~~واعترض ابن القيم الرواية عن زيد بن ثابت وابن عمر وقال: الثابت عنهما ما ~~رواه ابن حزم أنهما قالا: عليه كفارة يمين، ولم يصح عنهما خلاف ذلك. وروى ~~ابن حزم عن علي عليه السلام الوقف في ذلك. وعن الحسن أنه قال: إنه يمين ~~واحتج أهل هذا القول بأنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ~~ضرورة كونها حراما. الثالث : أنها بهذا القول حرام عليه قال ابن حزم وابن ~~القيم في أعلام الموقعين: صح عن أبي هريرة والحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن ~~زيد وقتادة قال: لم يذكر هؤلاء طلاقا بل أمروه باجتنابها فقط، قال: وصح ~~أيضا عن علي عليه السلام، فإما أن يكون عنه روايتان أو يكون أراد تحريم ~~الثلاث، وحجة هذا القول إن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعدد الطلاق ~~فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. الرابع: الوقف فيها ، قال ابن القيم: صح ذلك عن ~~علي عليه السلام وهو قول الشعبي، وحجة ms2801 هذا القول إن التحريم ليس بطلاق، ~~والزوج لا يملك تحريم الحلال إنما يملك السبب الذي تحرم به وهو الطلاق، ~~وهذا ليس بصريح في الطلاق ولا هو مما له عرف الشرع في تحريم الزوجة فاشتبه ~~الامر فيه. الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق وإن لم ينوه كان يمينا، وهو ~~قول طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن، وحكاه أيضا في الفتح عن النخعي ~~وإسحاق وابن مسعود وابن عمر، وحجة هذا القول إنه كناية في الطلاق، فإن نواه ~~كان طلاقا، وإن لم ينوه كان يمينا لقوله تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ~~ما أحل الله لك) * إلى قوله : * (تحلة أيمانكم) * (التحريم: 1 2). السادس: ~~أنه إن نوى الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينا فهو ~~يمين، وإن لم ينو شيئا فهو كذبة لا شئ فيها، قاله سفيان وحكاه النخعي عن ~~أصحابه، وحجة هذا القول إن اللفظ محتمل لما نواه من ذلك فتتبع نيته. ~~السابع: مثل هذا الا أنه إذا لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها وهو قول ~~الأوزاعي، وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: * (قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم) * فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينا، فإذا أطلق ولم ينو شيئا كان ~~يمينا. الثامن: مثل هذا أيضا إلا أنه إن لم ينو شيئا فواحدة بائنا إعمالا ~~للفظ التحريم، هكذا في أعلام الموقعين ولم يحكه عن أحد، وقد حكاه ابن حزم ~~عن إبراهيم النخعي. التاسع: أفيه كفارة ظهار، قال ابن القيم: صح عن ابن ~~عباس وأبي قلابة PageV07P058 # وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وعثمان البتي وهو إحدى الروايات عن أحمد، ~~وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهارا فالتصريح ~~منه بالتحريم أولى، قال ابن القيم: وهذا أقيس الأقوال، ويؤيده أن الله ~~تعالى لم يجعل للمكلف التحليل والتحريم وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له ~~مباشرة الأقوال والأفعال التي يترتب عليها التحريم، فإذا قال: أنت علي كظهر ~~أمي، أو أنت علي حرام، فقد قال المنكر من القول ms2802 والزور وكذب على الله ~~تعالى، فإنه لم يجعلها عليه كظهر أمه ولا جعلها عليه حراما، فقد أوجب بهذا ~~القول المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار. العاشر: # أنها تطليقة واحدة وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب وقول حماد بن أبي ~~سليمان شيخ أبي حنيفة، وحجة هذا القول إن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم ~~بالثلاث بل يصدق بأقله والواحدة متيقنة فحمل اللفظ عليها. الحادي عشر: أنه ~~ينوي ما أراد من ذلك في إرادة أهل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريما بغير طلاق ~~فيمين مكفرة. قال ابن القيم: وهو قول الشافعي، وحجة هذا القول إن اللفظ ~~صالح لذلك كله فلا يتعين واحدة منها إلا بالنية، وقد تقدم أن مذهب الشافعي ~~هو القول الخامس، وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري بل حكاه عنه ابن القيم ~~نفسه. الثاني عشر: أنه ينوي أيضا ما شاء من عدد الطلاق، إلا أنه إذا نوى ~~واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو شيئا فإيلاء، وإن نوى الكذب فليس بشئ، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه هكذا قال ابن القيم. وفي الفتح عن الحنفية أنه إذا ~~نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهو يمين ويصير مواليا. وفي ~~رواية عن أبي حنيفة أنه إذا نوى الكذب دين ولم يقبل في الحكم ولا يكون ~~مظاهرا عنده نواه أو لم ينوه، ولو صرح به فقال: أعني به الظهار لم يكن ~~مظاهرا، وحجة هذا القول احتمال اللفظ. الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر ~~اليمين على كل حال، قال ابن القيم: صح ذلك عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن ~~عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء وقتادة ~~والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن ~~جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور وخلق سواهم، وحجة هذا القول ظاهر القرآن، ~~فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الايمان عقب تحريم الحلال فلا بد أن يتناوله ~~يقينا. الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين بها ms2803 عتق رقبة، قال ابن القيم: ~~PageV07P059 # صح أيضا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين، وحجة ~~هذا القول إنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها. الخامس عشر: أنه طلاق ثم ~~أنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة فما فوقها، وإن كانت ~~مدخولا بها فهو ثلاث وإن نوى أقل منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك، ورواه ~~في نهاية المجتهد عن علي وزيد بن ثابت، وحجة هذا لقول إن اللفظ لما اقتضى ~~التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول ~~بها لا تحرم إلا بالثلاث. (واعلم) أنه قد رجح المذهب الأول من هذه المذاهب ~~جماعة من العلماء المتأخرين، وهذا المذهب هو الراجح عندي إذا أراد تحريم ~~العين، وأما إذا أراد به الطلاق فليس في الأدلة ما يدل على امتناع وقوعه ~~به. أما قوله تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام) * (النحل: 116) وكذلك قوله تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك) * فنحن نقول بموجب ذلك، فمن أراد تحريم عين زوجته لم تحرم، وأما ~~من أراد طلاقها بذلك اللفظ فليس في الأدلة ما يدل على اختصاص الطلاق بألفاظ ~~مخصوصة وعدم جوازه بما سواها وليس في قوله تعالى: * (فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد) * (البقرة: 230) ما يقضي بانحصار الفرقة في لفظ الطلاق، وقد ورد ~~الاذن بما عداه من ألفاظ الفرقة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لابنة ~~الجون: إلحقي بأهلك قال ابن القيم: وقد أوقع الصحابة الطلاق بأنت حرام، ~~وأمرك بيدك، واختاري، ووهبتك لأهلك، وأنت خلية وقد خلوت مني، وأنت برية وقد ~~أبرأتك ، وأنت مبرأة، وحبلك على غاربك، انتهى. وأيضا قال الله تعالى: * ~~(فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * (البقرة: 229) وظاهره أنه لو قال: سرحتك ~~لكفى في إفادة معنى الطلاق. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز التجوز ~~لعلاقة مع قرينة في جميع الألفاظ إلا ما خص، فما الدليل على امتناعه في باب ~~الطلاق؟ وأما إذا حرم ms2804 الرجل على نفسه شيئا غير زوجته كالطعام والشراب فظاهر ~~الأدلة أنه لا يحرم عليه شئ من ذلك، لأن الله لم يجعل إليه تحريما ولا ~~تحليلا فيكون التحريم الواقع منه لغوا، وقد ذهب إلى مثل هذا الشافعي، وروي ~~عن أحمد أن عليه كفارة يمين. PageV07P060 # كتاب اللعان عن نافع عن ابن عمر: أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ~~ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة رواه ~~الجماعة. وعن سعيد بن جبير: أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن ~~المتلاعنان أيفرق بينهما؟ # قال: سبحان الله نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان، قال: يا رسول ~~الله أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر ~~عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليت به، فأنزل ~~الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن ~~لهم شهداء) * (النور: 6) فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا ~~أهون من عذاب الآخرة، فقال: # لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب ~~الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ ~~بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما. ~~وعن ابن عمر قال: # فرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أخوي بني عجلان وقال: الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ثلاثا؟ متفق عليهما. وعن سهل بن ~~سعد: أن عويمر العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ~~رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف ms2805 يفعل؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت ~~بها، قال سهل : فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فلما فرغ قال عويمر: # كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين رواه ~~الجماعة إلا الترمذي. وفي رواية متفق عليها: فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: PageV07P061 # ذاكم التفريق بين كل متلاعنين. وفي لفظ لأحمد ومسلم: وكان فراقه إياها ~~سنة في المتلاعنين. # قوله: لاعن امرأته قال في الفتح: اللعان مأخوذ من اللعن لأن الملاعن يقول ~~في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، واختير لفظ اللعن دون ~~الغضب في التسمية لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ ~~به، وقيل: سمي لعانا لأن اللعن الطرد والابعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت ~~المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها ثم قال: وأجمعوا على أن اللعان ~~مشروع، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج، وظاهر ~~أحاديث الباب أن اللعان إنما يشرع بين الزوجين، وكذلك قوله تعالى: * ~~(والذين يرمون أزواجهم) * (النور: 6) الآية، فلو قال أجنبي لأجنبية: يا ~~زانية وجب عليه حد القذف. قوله: ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بينهما استدل به من قال: إن الفرقة بين المتلاعنين لا تقع بنفس اللعان حتى ~~يوقعها الحاكم، وأجاب من قال: إن الفرقة تقع بنفس اللعان أن ذلك بيان حكم ~~لا إيقاع فرقة، واحتجوا بما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم في رواية ~~بلفظ: لا سبيل لك عليها وتعقب بأن الذي وقع جواب لسؤال الرجل عن ماله الذي ~~أخذته منه. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ وهو نكرة في سياق النفي فيشمل ~~المال والبدن، ويقتضي نفي تسلطه عليها بوجه من الوجوه، ووقع في حديث لأبي ~~داود عن ابن عباس: وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى ms2806 من أجل أنهما يفترقان ~~بغير طلاق ولا متوفى عنها وهو ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان، ~~وسيأتي تمام الكلام في الفرقة في الباب الذي بعد هذا. قوله: وألحق الولد ~~بالمرأة قال الدارقطني: تفرد مالك بهذه الزيادة. وقال ابن عبد البر: ذكروا ~~أن مالكا تفرد بهذه اللفظة وقد جاءت من أوجه أخر، وقد جاءت في حديث سهل بن ~~سعد عند أبي داود بلفظ: فكان الولد ينسب إلى أمه. ومن رواية أخرى: وكان ~~الولد يدعى إلى أمه ومعنى قوله: ألحق الولد بأمه أي صيره لها وحدها ونفاه ~~عن الزوج فلا توارث بينهما، وأما الام فترث منه ما فرض الله لها. وقد وقع ~~في رواية من حديث سهل بن سعد بلفظ: وكان ابنها يدعى لامه ثم جرت السنة في ~~ميراثهما أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لهما. PageV07P062 # وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أبا وأما فترث جميع ماله إذا ليكن ~~له وارث آخر من ولده ونحوه، وهو قول ابن مسعود وواثلة وطائفة ورواية عن ~~أحمد، وروي أيضا عن ابن القاسم، وقيل: إن عصبة أمه تصير عصبة له وهو قول ~~علي وابن عمر وهو المشهور عن أحمد وبه قالت الهادوية، وقيل: ترثه أمه وأخته ~~منها بالفرض والرد وهو قول أبي عبيد ومحمد بن الحسن ورواية عن أحمد قال: ~~فإن لم يرثه ذو فرض بحال فعصبته عصبة أمه، واستدل بحديث ابن عمر المذكور ~~على مشروعية اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان وإن لم ~~يتعرض الرجل لذكره في اللعان. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه لو استلحقه لحقه، ~~وإنما يؤثر اللعان دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة. وقال الشافعي: إن ~~نفي الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان ~~لانتفائه، ولا إعادة على المرأة وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر بغير عذر ~~وحتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة، واستدل به أيضا على أنه لا ~~يشترط في نفي الولد التصريح بأنها ولدته ms2807 من زنا ولا بأنه استبرأها بحيضة، ~~وعن المالكية يشترط ذلك. قوله: أرأيت لو وجد أحدنا أي أخبرني عن حكم من وقع ~~له ذلك. قوله: على فاحشة اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلا وتحقق وجود ~~الفاحشة منهما فقتله هل يقتل به أم لا؟ فمنع الجمهور الاقدام وقالوا يقتص ~~منه إلا أن يأتي ببينة الزنا أو يعترف المقتول بذلك بشرط أن يكون محصنا ، ~~وقيل: بل يقتل به لأنه ليس له أن يقيم الحد بغير إذن الإمام، وقال بعض ~~السلف: # لا يقتل أصلا ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد وإسحاق ~~ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن ~~حبيب من المالكية لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن، وعند الهادوية أنه يجوز ~~للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل وأما بعده فيقاد به ~~إن كان بكرا. # قوله: ووعظه وذكره فيه دليل على أنه يشرع للامام موعظة المتلاعنين قبل ~~اللعان تحذيرا لهما منه وتخويفا لهما من الوقوع في المعصية. قوله: فبدأ ~~بالرجل فيه دليل على أنه يبدأ الامام في اللعان بالرجل، وقد حكى الإمام ~~المهدي في البحر الاجماع على أن السنة تقديم الزوج واختلف في الوجوب، فذهب ~~الشافعي ومن تبعه وأشهب من المالكية ورجحه ابن العربي إلى أنه واجب، وهو ~~قول المؤيد بالله وأبي طالب PageV07P063 # وأبي العباس والامام يحيى. وذهبت الحنفية ومالك وابن القاسم إلى أنه لو ~~وقع الابتداء بالمرأة صح واعتد به واحتجوا بأن الله تعالى عطف في القرآن ~~بالواو وهو لا يقتضي الترتيب. (واحتج الأولون) أيضا بأن اللعان يشرع لدفع ~~الحد عن الرجل، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم لهلال: البينة وإلا حد ~~في ظهرك وسيأتي، فلو بدأ بالمرأة لكان دفعا لأمر لم يثبت. قوله: بين أخوي ~~بني عجلان بفتح العين المهملة وسكون الجيم وهو ابن حارثة بن ضبيعة من بني ~~بكر بن عمرو، والمراد بقوله أخوي الرجل وامرأته، واسم الرجل عويمر كما في ~~الرواية المذكورة، واسم المرأة ms2808 خولة بنت عاصم بن عدي العجلاني قاله ابن ~~منده في كتاب الصحابة وأبو نعيم، وحكى القرطبي عن مقاتل بن سليمان أنها ~~خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم المذكور، والرجل الذي رمى ~~عويمر امرأته به هو شريك ابن سحماء ابن عم عويمر، وفي صحيح مسلم من حديث ~~أنس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء وكان أخا البراء بن مالك ~~لامه وسيأتي، وكان أول رجل لاعن في الاسلام. قال النووي في شرح مسلم: السبب ~~في نزول آية اللعان قصة عويمر العجلاني، واستدل على ذلك بقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم له: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا وقال الجمهور، السبب ~~قصة هلال بن أمية لما تقدم من أنه كان أول رجل لاعن في الاسلام. # وقد حكى أيضا الماوردي عن الأكثر من أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر. # وقال الخطيب والنووي وتبعهما الحافظ: يحتمل أن يكون هلال سأل أولا ثم سأل ~~عويمر فنزلت في شأنهما معا، وقال ابن الصباغ في الشامل: قصة هلال بن أمية ~~نزلت فيها الآية، وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعويمر: إن الله قد ~~أنزل فيك وفي صاحبتك فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع ~~الناس، واختلف في الوقت الذي وقع فيه اللعان، فجزم الطبري وأبو حاتم وابن ~~حبان أنه كان في شهر شعبان سنة تسع، وقيل كان في السنة التي توفي فيها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لما وقع في البخاري عن سهل بن سعد أنه شهد ~~قصة المتلاعنين وهو ابن خمس عشرة سنة، وقد ثبت عنه أنه قال: توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة ، وقيل: كانت القصة في سنة ~~عشر ووفاته صلى الله عليه وآله وسلم في سنة إحدى عشرة . قوله: فطلقها ~~ثلاثا. وفي رواية أنه قال: فهي الطلاق فهي الطلاق فهي الطلاق PageV07P064 # وقد استدل بذلك من قال: إن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على ms2809 تطليق الرجل ~~كما تقدم نقله عن عثمان البتي. وأجيب بما في حديث سهل نفسه من تفريقه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بينهما. وبما في حديث ابن عمر كما ذكر ذلك المصنف فإن ~~ظاهرهما أن الفرقة وقعت بتفريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما طلقها ~~عويمر لظنه أن اللعان لا يحرمها عليه فأراد تحريمها بالطلاق فقال هي طالق ~~ثلاثا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا سبيل لك عليها أي لا ملك ~~لك عليها فلا يقع طلاقك. قال الحافظ : وقد توهم أن قوله لا سبيل لك عليها ~~وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم عقب قول الملاعن هي طالق. وأنه موجود كذلك ~~في حديث سهل. وإنما وقع في حديث ابن عمر عقب قوله: الله يعلم أن أحدكما ~~كاذب لا سبيل لك عليها انتهى. وقد قدمنا في باب ما جاء في طلاق البتة ~~الجواب عن الاستدلال بهذا الحديث على أن الطلاق المتتابع يقع. قوله: فكانت ~~سنة المتلاعنين زاد أبو داود: عن القعنبي عن مالك فكانت تلك وهي إشارة إلى ~~الفرقة. وفي الرواية الأخرى المذكورة: ذا كم التفريق بين كل متلاعنين. وقال ~~مسلم: أن قوله وكان فراقه إياها سنة بين المتلاعنين مدرج، وكذا ذكر ~~الدارقطني في غريب مالك اختلاف الرواة على ابن شهاب ثم على مالك في تعيين ~~من قال: فكان فراقهما سنة هل هو من قول سهل أو من قول ابن شهاب؟ وذكر ذلك ~~الشافعي وأشار إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل. ويؤيد ذلك ~~ما وقع في رواية لأبي داود عن سهل قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ~~ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة وسيأتي قريبا. وفي نسخة ~~الصغاني: قال أبو عبد الله قوله ذلك تفريق بين المتلاعنين من قول الزهري ~~وليس من الحديث. # باب لا يجتمع المتلاعنان أبدا عن ابن عمر قال: قال ms2810 رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم للمتلاعنين: حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك ~~عليها، قال: يا رسول الله مالي، قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما ~~استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها متفق عليه، وهو ~~PageV07P065 # حجة في أن كل فرقة بعد الدخول لا تؤثر في إسقاط المهر. وعن سهل بن سعد في ~~خبر المتلاعنين قال: فطلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وكان ما صنع عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة، قال سهل: ~~حضرت هذا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين ~~أيفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا رواه أبو داود. وعن سهل بن سعد في قصة ~~المتلاعنين: ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وقال: لا ~~يجتمعان أبدا. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا. وعن علي قال: مضت السنة في ~~المتلاعنين أن لا يجتمعان أبدا. وعن علي وابن مسعود قالا: مضت السنة أن لا ~~يجتمع المتلاعنان رواهن الدارقطني. # حديث سهل بن سعد الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح. ~~وحديثه الثاني في إسناده عياض بن عبد الله، قال في التقريب: فيه لين ولكنه ~~قد أخرج له مسلم. وحديث ابن عباس أخرج نحوه أبو داود في قصة طويلة في ~~إسنادها عباد بن منصور وفيه مقال. وحديث علي وابن مسعود أخرجهما أيضا عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة. (وفي الباب) عن عمر نحو حديثهما أخرجه أيضا عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة. قوله: أحدكما كاذب قال عياض إنه قال هذا الكلام بعد ~~فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه عرض التوبة على المذنب بطريق الاجمال وأنه ~~يلزم من كذب التوبة من ذلك. وقال الداودي: قال ذلك قبل اللعان تحذيرا قوله: ~~لا لهما منه، قال الحافظ: والأول أظهر، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك سبيل لك ~~عليها فيه دليل على ms2811 أن المرأة تستحق ما صار إليها من المهر بما استحل الزوج ~~من فرجها، وقد تقدم أن هذه الصيغة تقتضي العموم لأنها نكرة في سياق النفي، ~~وأراد بقوله مالي الصداق الذي سلمه إليها يريد أن يرجع به عليها، فأجابه ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأنها قد استحقته بذلك السبب، وأوضح له استحقاقها ~~له بذلك التقسيم على فرض صدقه وعلى فرض كذبه، لأنه مع الصدق قد استوفى منها ~~ما يوجب استحقاقها له، وعلى فرض كذبه كذلك، مع كونه قد ظلمها برميها بما ~~رماها به، وهذا مجمع عليه في المدخولة. وأما في غيرها فذهب الجمهور إلى ~~أنها تستحق النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول، وقال حماد والحكم وأبو ~~الزناد إنها تستحقه جميعه. وقال PageV07P066 # الزهري ومالك: لا شئ لها. قوله: فطلقها قد تقدم الكلام عليه. قوله: لا ~~يجتمعان أبدا فيه دليل على تأبيد الفرقة، وإليه ذهب الجمهور. وروي عن أبي ~~حنيفة ومحمد أن اللعان لا يقتضي التحريم المؤبد لأنه طلاق زوجة مدخولة بغير ~~عوض لم ينو به التثليث فيكون كالرجعي. ولكن المروي عن أبي حنيفة أنها إنما ~~تحل له إذا أكذب نفسه لا إذا لم يكذب نفسه فإنه يوافق الجمهور كما ذكره ~~صاحب الهدى عنه. وعن محمد وسعيد بن المسيب: والأدلة الصحيحة الصريحة قاضية ~~بالتحريم المؤبد، وكذلك أقوال الصحابة وهو الذي يقتضيه حكم اللعان ولا ~~يقتضي سواه، فإن لعنة الله وغضبه قد حلت بأحدهما لا محالة، وقد وقع الخلاف ~~هل اللعان فسخ أو طلاق؟ فذهب الجمهور إلى أنه فسخ، وذهب أبو حنيفة ورواية ~~عن محمد إلى أنه طلاق. # باب إيجاب الحد بقذف الزوج وأن اللعان يسقطه عن ابن عباس: أن هلال بن ~~أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك ابن سحماء فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: البينة أو حد في ظهرك، فقال: يا رسول الله ~~إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال ms2812 هلال: والذي بعثك بالحق ~~إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: * ~~(والذين يرمون أزواجهم) * (النور: 6) فقرأ حتى بلغ: * (إن كان من الصادقين) ~~* فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهدا ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل ~~منكما تائب؟ # ثم قامت فشهدت فلما كان عند الخامسة وقفوها فقالوا: إنها موجبة، فتلكأت ~~ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ ~~الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء، فجاءت به كذلك فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن رواه ~~الجماعة إلا مسلما والنسائي. PageV07P067 # قوله: البينة أوحد في ظهرك فيه دليل على أن الزوج إذا قذف امرأته بالزنا ~~وعجز عن إقامة البينة وجب عليه حد القاذف، وإذا وقع اللعان سقط وهو قول ~~الجمهور. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن اللازم بقذف الزوج إنما هو اللعان ~~فقط ولا يلزمه الحد، والحديث وما في معناه حجة عليه. قوله: فنزل جبريل الخ ~~فيه التصريح بأن الآية نزلت في شأن هلال وقد تقدم الخلاف في ذلك. قوله: إن ~~الله يعلم الخ فيه مشروعية تقديم الوعظ للزوجين قبل اللعان كما يدل على ~~ذلك. قوله: ثم قامت فإن ترتيب القيام على ذلك مشعر بما ذكرنا، وقد تقدم ~~الإشارة إلى الخلاف. قوله: وقفوها أي أشاروا عليها بأن ترجع، وأمروها ~~بالوقف عن تمام اللعان حتى ينظروا في أمرها، فتلكأت وكادت أن تعترف ولكنها ~~لم ترض بفضيحة قومها، فاقتحمت وأقدمت على الامر المخوف الموجب للعذاب الآجل ~~مخافة من العار، لأنه يلزم قومها من إقرارها العار بزناها، ولم يردعها عن ~~ذلك العذاب العاجل وهو حد الزنا. وفي هذا دليل على أن مجرد التلكئ من أحد ~~الزوجين والتكلم بما يدل على صدق الآخر دلالة ظنية لا يعمل به، ms2813 بل المعتبر ~~هو التصريح من أحدهما بصدق الآخر، والاعتراف المحقق بالكذب إن كان الزوج، ~~أو الوقوع في المعصية إن كانت المرأة. قوله: انظروها فإن جاءت به الخ ، فيه ~~دليل على أن المرأة كانت حاملا وقت اللعان. وقد وقع في البخاري التصريح ~~بذلك، وسيأتي التصريح به أيضا في باب ما جاء في اللعان على الحمل. قوله: ~~أكحل العينين الأكحل الذي منابت أجفانه سود كأن فيها كحلا. قول: سابغ ~~الأليتين بالسين المهملة وبعد الألف باء موحدة ثم غين معجمة أي عظيمهما ~~قوله: خدلج الساقين بفتح الخاء والدال المهملة وتشديد اللام أي ممتلئ ~~الساقين والذراعين. قوله: فجاءت به كذلك في رواية للبخاري: فجاءت به على ~~الوجه المكروه. وفي أخرى له: فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وفي ذلك روايات أخرى ستأتي. قوله: لولا ما مضى من كتاب ~~الله في رواية للبخاري: من حكم الله والمراد أن اللعان يدفع الحد عن ~~المرأة، ولولا ذلك لأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها الحد من ~~أجل ذلك الشبه الظاهر بالذي رميت به، ويستفاد منه أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يحكم بالاجتهاد فيما ينزل عليه فيه وحي خاص، فإذا نزل الوحي ~~PageV07P068 # بالحكم في تلك المسألة قطع النظر وعمل بما نزل وأجرى الامر على الظاهر، ~~ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر. # باب من قذف زوجته برجل سماه عن أنس: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ~~ابن سحماء وكان أخا لبراء بن مالك لامه، وكان أول رجل لاعن في الاسلام قال: ~~فلاعنها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبصروها فإن جاءت به أبيض ~~سبطا قضئ العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعد أحمش الساقين ~~فهو لشريك ابن سحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعد أحمش الساقين رواه ~~أحمد ومسلم والنسائي. # وفي رواية: أن أول لعان كان في الاسلام أن هلال بن أمية قذف شريك ابن ~~السحماء بامرأته، فأتى النبي صلى الله ms2814 عليه وآله وسلم فأخبره بذلك فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك، يردد ذلك ~~عليه مرارا، فقال له هلال: # والله يا رسول الله إن الله عز وجل ليعلم أني لصادق، ولينزلن الله عليك ~~ما يبرئ ظهري من الحد، فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان: * (والذين ~~يرمون أزواجهم) * (النور: 6) إلى آخر الآية وذكر الحديث رواه النسائي. # الرواية الأخرى من هذا الحديث رجالها رجال الصحيح، ويشهد لصحتها حديث ابن ~~عباس المتقدم في الباب الذي قبل هذا، فإن سياقه وسياق هذا الحديث متقاربان. ~~قوله: وكان أول رجل لاعن في الاسلام قد تقدم الكلام على هذا. # قوله: سبطا بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها طاء مهملة وهو ~~المسترسل من الشعر وتام الخلق من الرجال. قوله: قضئ العينين بفتح القاف ~~وكسر الضاد المعجمة بعدها همزة على وزن حذر وهو فاسد العينين، والأكحل قد ~~تقدم الكلام عليه. والجعد بفتح الجيم وسكون المهملة بعدها دال مهملة أيضا. ~~قال في القاموس: # الجعد من الشعر خلاف السبط أو القصير منه. قوله: حمش الساقين بالحاء ~~المهملة ثم معجمة وهو لغة في أحمش. قال في القاموس: حمش الرجل حمشا وحمشا ~~صار دقيق الساقين فهو أحمش الساقين، وحمشهما بالفتح وسوق حماش وقد حمشت ~~PageV07P069 # الساق كضرب وكرم حموشة انتهى. قوله: إن أول لعان كان في الاسلام قد تقدم ~~الكلام على ذلك، وظاهر الحديث أن حد القذف يسقط باللعان ولو كان قذف الزوجة ~~برجل معين. # باب في أن اللعان يمين عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية وهو أحد ~~الثلاثة الذين خلفوا، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا، فذكر حديث ~~تلاعنهما إلى أن قال: ففرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، وقال: إن ~~جاءت به أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا ~~خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رميت به، فجاءت به أورق جعدا جماليا ~~خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ms2815 وسلم: لولا ~~الايمان لكان لي ولها شأن رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أورده أبو داود مطولا وفي إسناده عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير ~~واحد. وقد قيل إنه كان قدريا داعية. قوله: أصيهب تصغير الأصهب وهو من ~~الرجال الأشقر، ومن الإبل الذي يخالط بياضه حمرة. قوله: أريسح تصغير الأرسح ~~بالسين والحاء المهملتين، وروي بالصاد المهملة بدلا من السين، ويقال الأرصع ~~بالصاد والعين المهملتين، وهو خفيف لحم الفخذين والأليتين. وقد تقدم تفسير ~~حمش الساقين والجعد وخدلج الساقين وسابغ الأليتين. قوله: أورق هو الأسمر. ~~قوله: جماليا بضم الجيم وتشديد الميم هو العظيم الخلق كأنه الجمل. قوله: ~~لولا الايمان استدل به من قال إن اللعان يمين، وإليه ذهبت العترة والشافعي ~~والجمهور، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والامام يحيى والشافعي في قول إنه ~~شهادة. واحتجوا بقوله تعالى: * (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) * (النور: ~~6) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن عباس السابق في الباب ~~الأول: فجاء هلال فشهد ثم قامت فشهدت وقيل: إن اللعان شهادة فيه شائبة يمين ~~وقيل بالعكس. وقال بعض العلماء: ليس بيمين ولا شهادة، حكى هذه الثلاثة ~~المذاهب صاحب الفتح. وقال: الذي تحرر لي أنها من حيث الجزم بنفي ~~PageV07P070 # الكذب وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكتفي في ~~ذلك بالظن، بل لا بد من وجود علم كل منهما بالامرين علما يصح معه أن يشهد. # باب ما جاء في اللعان على الحمل والاعتراف به عن ابن عباس: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لاعن على الحمل رواه أحمد. وفي حديث سهل: وكانت ~~حاملا وان ابنها ينسب إلى أمه وقد ذكرناه. وفي حديث ابن عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لاعن بين هلال بن أمية وامرأته وفرق بينهما، وقضى أن ~~لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد. ~~قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب رواه أحمد وأبو داود. ~~وقد أسلفنا في ms2816 غير حديث أن تلاعنهما قبل الوضع. وعن قبيصة بن ذؤيب قال: قضى ~~عمر بن الخطاب في رجل أنكر ولد امرأته وهو في بطنها ثم اعترف به وهو في ~~بطنها حتى إذا ولد أنكره فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها ثم ~~ألحق به ولدها رواه الدارقطني. # حديث ابن عباس الأول هو بمعناه في الصحيحين من حديثه بلفظ: لاعن بين هلال ~~بن أمية وزوجته وكانت حاملا ونفى الحمل وحديث سهل هو في البخاري كما قدمنا ~~ولم يذكره المصنف فيما سلف صريحا. وحديث ابن عباس الثاني هو من حديثه ~~الطويل الذي ساقه أبو داود وفي إسناده عباد بن منصور كما تقدم، وأثر عمر ~~أخرجه أيضا البيهقي وحسن الحافظ إسناده. (وقد استدل بأحاديث) الباب من قال ~~إنه يصح اللعان قبل الوضع مطلقا ونفي الحمل. وقد حكاه في الهدى عن الجمهور ~~وهو الحق للأدلة المذكورة، وذهبت الهادوية وأبو يوسف ومحمد إلى أنه لا يصح ~~قبل الوضع مطلقا لاحتمال أن يكون الحمل ريحا. ورد بأن هذا احتمال بعيد، لان ~~للحمل قرائن قوية يظن معها وجوده ظنا قويا وذلك كاف في اللعان، كما جاز ~~العمل بها في إثبات عدة الحامل وترك قسمة الميراث، ولا يدفع الامر المظنون ~~بالاحتمال البعيد. وذهب أبو حنيفة والمزني وأبو طالب إلى أنه لا يصح اللعان ~~والنفي قبل الوضع إلا مع الشرط لعدم اليقين، ورد بأنه مشروط إن لم يلفظ به. ~~وأثر عمر المذكور PageV07P071 # استدل به من قال: إنه لا يصح نفي الولد بعد الاقرار به وهم العترة وأبو ~~حنيفة وأصحابه، ويؤيده أنه لو صح الرجوع بعده لصح عن كل إقرار فلا يتقرر حق ~~من الحقوق والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله . باب الملاعنة بعد الوضع ~~لقذف قبله وإن شهد الشبه لأحدهما عن ابن عباس أنه ذكر التلاعن عند رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف، ~~فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع أهله رجلا، فقال عاصم: ما ابتليت ~~بهذا إلا ms2817 لقولي فيه، فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ~~بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر، وكان ~~الذي ادعي عليه أنه وجد عند أهله خدلا آدم كثير اللحم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: اللهم بين، فوضعت شبيها بالذي ذكر زوجها أنه وجده ~~عندها، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، فقال رجل لابن ~~عباس في المجلس: أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو رجمت ~~أحدا بغير بينة رجمت هذه؟ فقال ابن عباس: لا تلك امرأة كانت تظهر في ~~الاسلام السوء متفق عليه. # قوله: فقال عاصم في ذلك قولا أي كلاما لا يليق به كالمبالغة في الغيرة ~~وعدم الرجوع إلى إرادة الله وقدرته. وقال الحافظ: إن المراد بالقول المذكور ~~هو ما وقع في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمر أن يسأل ~~عنه. قوله: # فأتاه رجل من قومه قال في الفتح: هو عويمر ولا يمكن تفسيره بهلال بن أمية ~~لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم. قوله: ما ابتليت بهذا إلا لقولي أي بسؤالي ~~عما لم يقع، فكأنه عرف أنه عوقب بذلك وإنما جعله ابتلاء، لأن امرأة عويمر ~~هي بنت عاصم المذكور واسمها خولة بنت عاصم كما ذكره ابن الكلبي، وذكر ابن ~~مردويه أنها بنت أخي عاصم. وروى ابن أبي حاتم في التفسير عن مقاتل بن حيان ~~أن الزوج وزوجته والرجل الذي رمى بها ثلاثتهم بنو عم عاصم. قوله: مصفرا بضم ~~أوله وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وتشديد الراء أي قوي الصفرة، وهذا لا ~~يخالف ما في حديث سهل PageV07P072 # أنه كان أحمر أو أشقر، لأن ذلك لونه الأصلي والصفرة عارضة، والمراد بقليل ~~اللحم نحيف الجسم والسبط قد تقدم تفسيره. قوله: خدلا بالخاء المعجمة والدال ~~المهملة قال في القاموس: الخدل الممتلئ، وساق خدلة بينة الخدل محركة ثم ~~قال: والخدلة المرأة الغليظة الساق وممتلئة الأعضاء لحما في رقة عظام ~~انتهى. وقال في ms2818 الفتح: خدلا بفتح المعجمة وتشديد اللام أي ممتلئ الساقين. ~~وقال أبو الحسن بن فارس: ممتلئ الأعضاء. وقال الطبري: لا يكون إلا مع غلظ ~~العظم مع اللحم. قوله: آدم بالمد أي لونه قريب من السواد. قوله: كثير اللحم ~~أي في جميع جسده. قال في الفتح: يحتمل أن يكون صفة شارحة لقوله خدلا بناء ~~على أن الخدل الممتلئ البدن. قوله: اللهم بين قال ابن العربي: ليس معنى هذا ~~الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط، بل معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا يمتنع ~~ولادها بموت الولد مثلا فلا يظهر البيان، والحكمة في البيان المذكور ردع من ~~شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب عليه من القبح. # قوله: فلاعن الخ، ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع المرأة وعلى ذلك بوب ~~المصنف، وقد تقدم في حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع. ورواية ابن ~~عباس هذه هي القصة التي في حديث سهل كما تقدم، فعلى هذا تكون الفاء في قوله ~~فلاعن لعطف لاعن على فأخبره بالذي وجد عليه امرأته ويكون ما بينهما ~~اعتراضا. # قوله: فقال رجل لابن عباس هو عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو ابن خالة ~~ابن عباس سماه أبو الزناد كما ذكره البخاري في الحدود. قوله: كانت تظهر في ~~الاسلام السوء أي كانت تلعن بالفاحشة، ولكنه لم يثبت ذلك عليها ببينة ولا ~~اعتراف. قال الداودي: # فيه جواز غيبة من يسلك مسالك السوء، وتعقب بأنه لم يسمها، فإن أراد إظهار ~~الغيبة على طريق الابهام فمسلم. # باب ما جاء في قذف الملاعنة وسقوط نفقتها عن ابن عباس في قصة الملاعنة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن لا قوت لها ولا سكنى من أجل أنهما ~~يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها رواه أحمد وأبو داود. وعن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله PageV07P073 # صلى الله عليه وآله وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ومن ~~رماها به جلد ثمانين، ومن دعاه ms2819 ولد زنا جلد ثمانين رواه أحمد. # حديث ابن عباس هو طرف من حديثه الطويل الذي ساقه أبو داود وفي إسناده ~~عباد بن منصور وفيه مقال كما تقدم. وحديث عمرو بن شعيب أشار إليه في ~~التلخيص ولم يتكلم عليه وقد قدمنا الاختلاف في حديثه. وقال في مجمع ~~الزوائد: في إسناده ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله قوله: أن لا قوت ولا ~~سكنى فيه دليل على أن المرأة المفسوخة باللعان ثقات لا تستحق في مدة العدة ~~نفقة ولا سكنى، لأن النفقة إنما تستحق في عدة الطلاق لا في عدة الفسخ وكذلك ~~السكنى ولا سيما إذا كان الفسخ بحكم كالملاعنة، ومن قال إن اللعان طلاق ~~كأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن محمد فلعله يقول بوجوب النفقة والسكنى ~~والحديث حجة عليه. قوله: أنه يرث أمه وترثه فيه دليل على أن قرابة الولد ~~المنفي قرابة أمه، وقد قدمنا الكلام على ذلك في أول كتاب اللعان. قوله: ومن ~~رماها به جلد ثمانين فيه دليل على أنه يجب الحد على من رمى المرأة التي ~~لاعنها زوجها بالرجل الذي اتهمها به، وكذلك يجب على من قال لولدها إنه ولد ~~زنا، وذلك لأنه لم يتبين صدق ما قاله الزوج، والأصل عدم الوقوع في المحرم، ~~ومجرد وقوع اللعان لا يخرجها عن العفاف والاعراض محمية عن الثلب ما لم يحصل ~~اليقين. # باب النهي أن يقذف زوجته لأنها ولدت ما يخالف لونهما عن أبي هريرة قال: ~~جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ولدت ~~امرأتي غلاما أسود وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل ~~فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا، قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون ~~نزعه عرق، قال: فهذا عسى أن يكون نزعه عرق، ولم يرخص له في الانتفاء منه ~~رواه الجماعة. ولأبي داود في رواية أن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكره. ms2820 # قوله: جاء رجل اسمه ضمضم بن قتادة. قوله: يعرض بأن ينفيه وجه التعريض ~~PageV07P074 # أنه قال غلام أسود أي وأنا أبيض فكيف يكون مني؟ وفيه دليل على أن التعريض ~~بالقذف لا يكون قذفا وإليه ذهب الجمهور. وعن المالكية يجب به الحد إذا ~~كانوا يفهمونها، وكذلك قالت الهادوية إلا أنهم اشترطوا أن يقر بأن قصده ~~القذف، وأجابوا عن حديث الباب بأنه لا حجة فيه، لأن الرجل لم يرد قذفا بل ~~جاء سائلا مستفتيا عن الحكم بما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل أذعن. ~~وقال المهلب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحد ~~في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة، وقال ابن المنير: الفرق بين الزوج ~~والأجنبي في التعريض أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة، والزوج يعذر بالنسبة ~~إلى صيانة النسب. قوله: من أورق هو الذي يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة ~~ورقاء. # قوله: فأنى ذلك بفتح النون الثقيلة أي من أين أتاها اللون الذي خالفها هل ~~هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟. قوله: نزعه عرق المراد ~~بالعرق الأصل من النسب تشبيها بعرق الشجرة، ومنه قولهم فلان عريق في ~~الأصالة أي أن أصله متناسب، وكذا معرق في الكرم، وهو ضرب مثل لتعريف السائل ~~وتوضيح البيان بتشبيه المجهول بالمعلوم وهو من قياس التشبيه كما قال ~~الخطابي. قال ابن العربي: # فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير، وتوقف فيه ابن دقيق العيد ~~فقال: # هو تشبيه في أمر وجودي، والنزاع إنما هو في التشبيه في الأحكام الشرعية ~~من طريق واحدة قوية (وفي الحديث) دليل على أنه لا يجوز للأب أن ينفي ولده ~~بمجرد كونه مخالفا له في اللون، وقد حكى القرطبي وابن رشد الاجماع على ذلك، ~~وتعقبهما الحافظ بأن الخلاف في ذلك ثابت عند الشافعية فقالوا: إن لم ينضم ~~إلى المخالفة في اللون قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على ~~لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح عندهم، وعند الحنابلة ms2821 يجوز ~~النفي مع القرينة مطلقا. # باب أن الولد للفراش دون الزاني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر رواه الجماعة إلا أبا ~~داود. وفي لفظ للبخاري: لصاحب PageV07P075 # الفراش. وعن عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي ~~وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول ~~الله ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى شبهه ~~فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قال: فلم ير سودة قط رواه الجماعة ~~إلا الترمذي. وفي رواية أبي داود ورواية للبخاري: هو أخوك يا عبد. وعن ابن ~~عمر: أن عمر قال: # ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعتزلونهن لا يأتيني وليدة يعترف سيدها أن ~~قد ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا رواه الشافعي. # حديث الولد للفراش مروي من طريق بضعة وعشرين نفسا من الصحابة كما أشار ~~إليه الحافظ قوله: الولد للفراش اختلف في معنى الفراش فذهب الأكثر إلى أنه ~~اسم للمرأة وقد يعتبر به عن حالة الافتراش، وقيل إنه اسم للزوج روي ذلك عن ~~أبي حنيفة. وأنشد ابن الاعرابي مستدلا على هذا المعنى قول جرير: # باتت تعانقه وبات فراشها. وفي القاموس: أن الفراش زوجة الرجل، قيل ومنه * ~~(فرش مرفوعة) * (الواقعة: 34) والجارية يفترشها الرجل انتهى. قوله: وللعاهر ~~الحجر العاهر الزاني يقال عهر أي زنى، قيل ويختص ذلك بالليل، قال في ~~القاموس: عهر المرأة كمنع عهرا ويكسر ويحرك، وعهارة بالفتح وعهورا وعهورة ~~وعاهرها عهارا أتاها ليلا للفجور أو نهارا انتهى. ومعنى له الحجر الخيبة أي ~~لا شئ له في الولد، والعرب تقول له الحجر وبفيه الترب يريدون ليس له إلا ~~الخيبة. وقيل المراد بالحجر أنه ms2822 يرجم بالحجارة، إذا زنى، ولكنه لا يرجم ~~بالحجارة كل زان بل المحصن فقط. وظاهر الحديث أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ~~ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطئ في النكاح الصحيح أو الفاسد، ~~وإلى ذلك ذهب الجمهور، وروي عن أبي حنيفة أنه يثبت بمجرد العقد، واستدل له ~~بأن مجرد المظنة كافية، ورد بمنع حصولها بمجرد العقد بل لا بد من إمكان ~~الوطئ، ولا شك أن اعتبار مجرد العقد في ثبوت الفراش جمود ظاهر، فإنه قد حكى ~~ابن القيم عن أبي حنيفة أنه يقول: بأن نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها ~~بل لو طلقها عقبه في المجلس تصير به الزوجة فراشا، وهذا يدل على أنه لا ~~يلاحظ PageV07P076 # المظنة أصلا، ويؤيد ذلك أنه روى عنه في الغيث أنه يقول بثبوت الفراش ~~ولحوق الولد، وإن علم أنه ما وطئ بأن يكون بينه وبين الزوجة مسافة طويلة لا ~~يمكن وصوله إليها في مقدار مدة الحمل، وذهب ابن تيمية إلى أنه لا بد من ~~معرفة الدخول المحقق، وذكر أنه أشار إليه أحمد، ورجحه ابن القيم وقال: وهل ~~يعد أهل اللغة والعرف المرأة فراشا قبل البناء بها؟ # وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع ~~بها بمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الامكان قد قطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة ~~فراشا إلا بدخول محقق انتهى. وأجيب بأن معرفة الوطئ المحقق متعسرة، ~~فاعتبارها يؤدي إلى بطلان كثير من الأنساب وهو يحتاط فيها، واعتبار مجرد ~~الامكان يناسب ذلك الاحتياط، ولابد في ثبوت نسب الولد أن تأتي المرأة به ~~بعد مضي أقل مدة الحمل من وقت إمكان الوطئ عند الجمهور، أو العقد عند أبي ~~حنيفة، أو معرفة الوطئ المحقق عند ابن تيمية، وهذا مجمع عليه، فلو ولدت قبل ~~مضيها حصل القطع بأن الولد من قبل فلا يلحق. وظاهر الحديث أيضا أن فراش ~~الأمة كفراش الحرة لأنه يدخل تحت عموم الفراش، وحديث عائشة المذكور نص في ~~ذلك، فإن النزاع بين عبد بن ms2823 زمعة وسعد بن أبي وقاص في ابن وليدة زمعة، وقد ~~ذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر في ثبوت فراش الأمة الدعوة، وروي عن أبي ~~حنفية والثوري وهو مذهب الهادوية أن الأمة لا يثبت فراشها إلا بدعوة الولد ~~ولا يكفي الاقرار بالوطئ، فإن لم يدعه كان ملكا له. وأجيب بأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ألحق ولد زمعة به ولم يستفصل هل ادعاه زمعة أم لا، بل ~~جعل العلة في الالحاق أنه صاحب الفراش، وأما قولهم إنه لم يلحقه بعبد بن ~~زمعة على أنه أخ له وإنما جعله مملوكا له كما في قوله: هو لك يا عبد بن ~~زمعة واللام للتمليك، ويؤيد ذلك ما في آخر الحديث من أمره صلى الله عليه ~~وآله وسلم لسودة بالاحتجاب منه، ولو كان أخا لها لم تؤمر بالاحتجاب منه وما ~~وقع في رواية احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك فقد أجيب عنه بأن اللام في قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو لك للاختصاص لا للتمليك، ويؤيد ذلك ما في ~~الرواية الأخرى المذكورة بلفظ: هو أخوك يا عبد، وبأن أمره لسودة بالاحتجاب ~~على سبيل الاحتياط والورع والصيانة لأمهات المؤمنين لما رآه من الشبه بعتبة ~~بن أبي وقاص كما في حديث كيف وقد قيل. قال ابن القيم بعد ذكر هذا ~~PageV07P077 # الجواب أو يكون مراعاة للشيئين وإعمالا للدليلين: فإن الفراش دليل لحوق ~~النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه، فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي، ~~وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة وهذا من أحسن ~~الاحكام وأبينها وأوضحها ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه انتهى. وأما ~~الرواية التي فيها: احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك فقد طعن البيهقي في إسنادها ~~وقال فيها جرير وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيها يوسف مولى آل ~~الزبير وهو غير معروف. قوله: اختصم سعد وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يذكر ما وقع فيه الاختصام، ولعل هذا اللفظ ms2824 أحد ~~الألفاظ التي روى بها هذا الحديث، وفي بقية الألفاظ في الصحيحين وغيرهما ~~التصريح بأن الاختصام وقع في غلام. قوله: وقال عبد بن زمعة الخ فيه دليل ~~على أنه يجوز لغير الأب أن يستلحق الولد مثل استلحاق عبد بن زمعة للأخ، ~~وكذلك للوصي الاستلحاق، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على سعد ~~الدعوى المذكورة، وقد أجمع العلماء على أن للأب أن يستلحق واختلفوا في ~~الجد. قوله: فرأى شبها بينا بعتبة سيأتي الكلام على العمل بالشبه والقافة ~~قريبا. قوله: يعترف سيدها أن قد ألم بها فيه تقوية لمذهب الجمهور من أنه لا ~~يشترط في فراش الأمة الدعوة بل يكفي مجرد ثبوت الفراش. # باب الشركاء يطؤون الأمة في طهر واحد عن زيد بن أرقم قال: أتي أمير ~~المؤمنين علي رضي الله عنه وهو باليمن في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر ~~واحد، فسأل اثنين فقال: أتقران لهذا بالولد؟ # قالا: لا، ثم سأل اثنين أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فجعل كلما سأل ~~اثنين أتقران لهذا بالولد قالا لا، فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي أصابته ~~القرعة وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك ~~حتى بدت نواجذه رواه الخمسة إلا الترمذي. ورواه النسائي وأبو داود موقوفا ~~على علي بإسناد أجود من إسناد المرفوع. وكذلك رواه الحميدي في مسنده وقال ~~فيه: فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه. PageV07P078 # الحديث في إسناده يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالأجلح. قال المنذري: # لا يحتج بحديثه. وقال في الخلاصة: وثقه يحيى بن معين والعجلي. وقال ابن ~~عدي: يعد في الشيعة مستقيم الحديث وضعفه النسائي. قال المنذري: ورواه بعضهم ~~مرسلا. وقال النسائي: هذا صواب. وقال الخطابي: وقد تكلم في إسناد حديث زيد ~~بن أرقم انتهى. وقد رواه أبو داود من طريقين: الأولى من طريق عبد الله بن ~~الخليل عن زيد بن أرقم عنه. والثانية من طريق عبد خير عن زيد عنه. قال ~~المنذري: أما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات غير أن الصواب فيه ms2825 الارسال ~~انتهى. وعلى هذا لم تخل كل واحدة من الطريقين من علة، فالأولى فيها الأجلح، ~~والثانية معلولة بالارسال ، والمراد بالارسال ههنا الوقف كما عبر عن ذلك ~~المصنف لا ما هو الشائع في الاصطلاح من أنه قول التابعي قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. والحديث يدل على أن الابن لا يلحق بأكثر من أب واحد ~~قاله الخطابي، وقال أيضا: وفيه إثبات القرعة في إلحاق الولد انتهى. وقد أخذ ~~بالقرعة مطلقا مالك والشافعي وأحمد والجمهور، حكى ذلك عنهم ابن رسلان في ~~كتا ب العتق من شرح سنن أبي داود، وقد ورد العمل بها في مواضع: # منها في إلحاق الولد، ومنها في الرجل الذي أعتق ستة أعبد فجزأهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم كما في حديث عمران ~~بن حصين عند مسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجة. ومنها في تعيين ~~المرأة من نسائه التي يريد أن يسافر بها كما في حديث عائشة عند البخاري ~~ومسلم. وهكذا ثبت اعتبار القرعة في الشئ الذي وقع فيه التداعي، إذا تساوت ~~البينتان، وفي قسمة المواريث مع الالتباس لأجل إفراز الحصص بها، وفي مواضع ~~أخر. # فمن العلماء من اعتبر القرعة في جميعها، ومنهم من اعتبرها في بعضها، وممن ~~قال بظاهر حديث الباب إسحاق بن راهويه وقال: هذه السنة في دعوى الولد حكى ~~ذلك عنه الخطابي وقال إنه كان الشافعي يقول به في القديم، وقيل لأحمد في ~~حديث زيد بن أرقم هذا فقال: حديث القافة أحب إلي وسيأتي قريبا ويأتي الكلام ~~على الجمع بينهما. وقد قال بعضهم: إن حديث القرعة منسوخ. وقال المقبلي في ~~الأبحاث: إن حديث الالحاق بالقرعة إنما يكون بعد انسداد الطرق الشرعية ~~انتهى. ومن المخالفين في اعتبار القرعة الحنفية وكذلك الهادوية وقالوا: إذا ~~وطئ الشركاء الأمة PageV07P079 # المشتركة في طهر واحد وجاءت بولد وادعوه جميعا ولا مرجح للالحاق بأحدهم ~~كان الولد ابنا لهم جميعا يرث كل واحد منهم ميراث ابن كامل، ومجموعهم أب ~~يرثونه ميراث أب واحد. # باب الحجة ms2826 في العمل بالقافة عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززا نظر ~~آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض ~~رواه الجماعة. وفي لفظ أبي داود وابن ماجة ورواية لمسلم والنسائي والترمذي: ~~ألم تري أن مجززا المدلجي رأى زيدا وأسامة قد غطيا رؤوسهما بقطيفة وبدت ~~أقدامهما فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض. وفي لفظ قالت: دخل قائف ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان ~~فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأعجبه وأخبر به عائشة متفق عليه. قال أبو داود: كان أسامة أسود وكان ~~زيد أبيض. # قوله: تبرق أسارير الأسارير جمع سرر أو سرارة بفتح أولهما ويضمان وهما في ~~الأصل خطوط الكف كما في القاموس، أطلق على ما يظهر على وجه من سره أمر من ~~الإضاءة والبريق. قوله: أن مجززا هو بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي ~~الأولى اسم فاعل من الجز لأنه جز نواصي قوم، هكذا قيده جماعة من الأئمة. ~~وذكر الدارقطني وعبد الغني عن ابن جريج أنه محرز بالحاء المهملة بعدها راء ~~ثم زاي على صيغة اسم الفاعل. قال الخطابي: في هذا الحديث دليل على ثبوت ~~العمل بالقافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد، وذلك لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده، وكان الناس قد ~~ارتابوا في زيد بن حارثة وابنه أسامة، وكان زيد أبيض وأسامة أسود كما وقع ~~في الرواية المذكورة، فتمارى الناس في ذلك وتكلموا بقول كان يسوء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فلما سمع قول المدلجي فرح به وسرى عنه، وقد أثبت ~~الحكم بالقافة عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء والأوزاعي ومالك والشافعي ~~وأحمد، وذهبت العترة والحنفية PageV07P080 # إلى أنه لا يعمل بقول القائف بل يحكم بالولد الذي ms2827 ادعاه اثنان لهما. ~~واحتج لهم صاحب البحر بحديث الولد للفراش وقد تقدم. ووجه الاستدلال به أن ~~تعريف المسند إليه واللام الداخلة على المسند للاختصاص يفيد أن الحصر، ~~ويجاب بأن حديث الباب بعد تسليم الحصر المدعي مخصص لعمومه فيثبت به النسب ~~في مثل الأمة المشتركة إذا وطئها المالكون لها. وروي عن الامام يحيى أن ~~حديث القافة منسوخ، ويجاب بأن الأصل عدم النسخ، ومجرد دعواه بلا برهان كما ~~لا ينفع المدعي لا يضر خصمه. وأما ما قيل من أن حديث مجزز لا حجة فيه لأنه ~~إنما يعرف القائف بزعمه أن هذا الشخص من ماء ذاك لا أنه طريق شرعي فلا يعرف ~~إلا بالشرع، فيجاب بأن في استبشاره صلى الله عليه وآله وسلم من التقرير ما ~~لا يخالف فيه مخالف، ولو كان مثل ذلك لا يجوز في الشرع لقال له إن ذلك لا ~~يجوز. (لا يقال) أن أسامة قد ثبت فراش أبيه شرعا، وإنما لما وقعت القالة ~~بسبب اختلاف اللون وكان قول المدلجي المذكور دافعا لها لاعتقادهم فيه ~~الإصابة وصدق المعرفة استبشر صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فلا يصح التعلق ~~بمثل هذا التقرير على إثبات أصل النسب . لأنا نقول: لو كانت القافة لا يجوز ~~العمل بها إلا في مثل هذه المنفعة مع مثل أولئك الذين قالوا مقالة السوء ~~لما قرره صلى الله عليه وآله وسلم على قوله: هذه الاقدام بعضها من بعض وهو ~~في قوله هذا ابن هذا، فإن ظاهره أنه تقرير للالحاق بالقافة مطلقا لا إلزام ~~للخصم بما يعتقده. ولا سيما والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقل عنه ~~إنكار كونها طريقا يثبت بها النسب حتى يكون تقريره لذلك من باب التقرير على ~~مضي كافر إلى كنيسة ونحوه مما عرف منه صلى الله عليه وآله وسلم إنكاره قبل ~~السكوت عنه، ومن الأدلة المقوية للعمل بالقافة حديث الملاعنة المتقدم حيث ~~أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأنها إن جاءت به على كذا فهو لفلان، وإن ~~جاءت به على كذا فهو لفلان، ms2828 فإن ذلك يدل على اعتبار المشابهة. لا يقال: لو ~~كان ذلك معتبرا لما لاعن بعد أن جاءت بالولد مشابها لأحد الرجال وتبين له ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حتى قال: لولا الايمان لكان لي ولها شأن. لأنا ~~نقول: إن النسب كان ثابتا بالفراش وهو أقوى ما يثبت به فلا تعارضه القافة ~~لأنها إنما تعتبر مع الاحتمال فقط، ولا سيما بعد وجود الايمان التي شرعها ~~الله تعالى بين المتلاعنين ولم يشرع في اللعان غيرها، ولهذا جعلها صلى الله ~~PageV07P081 # عليه وآله وسلم مانعة من العمل بالقافة، وفي ذلك إشعار بأنه يعمل بقول ~~القائف مع عدمها. ومن المؤيدات للعمل بالقافة ما تقدم من جوابه صلى الله ~~عليه وآله وسلم على أم سليم حيث قالت: أو تحتلم المرأة؟ فقال: فيم يكون ~~الشبه. وقال: إن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له الحديث ~~المتقدم. لا يقال: إن بيان سبب الشبه لا يدل على اعتباره في الالحاق. لأنا ~~نقول: إن إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك يستلزم أنه مناط شرعي وإلا ~~لما كان للاخبار فائدة يعتد بها، وأما عدم تمكينه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لمن ذكر له أن ولده أسود من اللعان كما تقدم فلمخالفته لما يقتضيه الفراش ~~الذي لا يعارضه العمل بالشبه إذا تقرر هذا، فاعلم أنه لا معارضة بين حديث ~~العمل بالقافة وحديث العمل بالقرعة الذي تقدم، لأن كل واحد منهما دل على أن ~~ما اشتمل عليه طريق شرعي فأيهما حصل وقع به الالحاق، فإن حصلا معا فمع ~~الاتفاق لا إشكال، ومع الاختلاف الظاهر أن الاعتبار بالأول منهما لأنه طريق ~~شرعي يثبت به الحكم ولا ينقضه طريق آخر يحصل بعده. قوله : دخل قائف قال في ~~القاموس: والقائف من يعرف الآثار الجمع قافة وقاف أثره تبعه كقفاه واقتفاه ~~انتهى. # باب حد القذف عن عائشة قالت: لما أنزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة ~~فضربوا حدهم رواه ms2829 الخمسة إلا النسائي. وعن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة ~~إلا أن يكون كما قال متفق عليه. وعن أبي الزناد أنه قال: جلد عمر بن عبد ~~العزيز عبدا في فرية ثمانين، قال أبو الزناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ~~ربيعة عن ذلك فقال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جر ما ~~رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين رواه مالك في الموطأ عنه. # حديث عائشة حسنه الترمذي وقال: لا يعرف إلا من حديث محمد بن إسحاق. قال ~~PageV07P082 # المنذري: وقد أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى انتهى. وقد عنعن ههنا، وقد ~~قدمنا أنه لا يحتج بعنعنته لتدليسه. وقد أشار إلى الحديث البخاري في صحيحه. # والأثر الذي رواه أبو الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أخرجه أيضا ~~البيهقي ورواه أيضا الثوري في جامعه. قوله: لما أنزل عذري أي براءتي مما ~~نسب إلي أهل الإفك. والمراد بالمنزل قوله تعالى: * (إن الذين جاؤوا بالإفك ~~عصبة) * إلى قوله: * (ورزق كريم) * (النور: 11) هكذا رواه ابن أبي حاتم ~~والحاكم من مرسل سعيد بن المسيب. وفي البخاري: # إلى قوله تعالى: * (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * وعن الزهري: إلى قوله ~~تعالى: * (والله غفور رحيم) *. قوله: أمر برجلين وامرأة الرجلان حسان بن ~~ثابت ومسطح والمرأة حمنة بنت جحش. وأخرج الحاكم في الإكليل أن من جملة من ~~حده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة الإفك عبد الله بن أبي رأس ~~المنافقين . (والحديث) يرد على الماوردي حيث قال: إن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يحد قذفة عائشة ولا مستند له إلا توهم أن الحد إنما يثبت ~~بالبينة أو الاقرار، وغفل عن النص القرآني المصرح بكذبهم وصحة الكذب تستلزم ~~ثبوت الحد. # (وقد أجمع العلماء) على ثبوت حد القذف، وأجمعوا أيضا على أن حده ثمانون ~~جلدة لنص القرآن الكريم بذلك. واختلفوا هل ينصف الحد للعبد أم لا؟ فذهب ms2830 ~~الأكثر إلى الأول. وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد ~~العزيز وابن حزم إلى أنه لا ينصف لعموم الآية. وأجاب الأولون بأن العبد ~~مخصص من ذلك العموم بالقياس على حد الزنا، ويؤيده فعل أكابر الصحابة رضي ~~الله عنهم. وقد تعقب القياس المذكور بأن حد الزنا إنما نصف في العبد لعدم ~~أهليته للعفة وحيلولة الملك بينه وبين التحصن بخلاف الحر، وبأن القذف حق ~~لآدمي وهو أغلظ، واعلم أنه لا فرق بين قاذف الرجل والمرأة في وجوب حد القذف ~~عليه. ولا يعرف في ذلك خلاف بين أهل العلم، وقد نازع الجلال في وجوبه على ~~قاذف الرجل، واستدل على عدم الوجوب بما تقدم عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~في اللعان أنه لم يحد هلال بن أمية لقذفه شريك ابن سحماء، ولم يحد أهل ~~الإفك إلا لعائشة فقط لا لصفوان بن المعطل، ولو كان يجب على قاذف الرجل لحد ~~أهل الإفك حدين. وقد أطال الكلام على ذلك في ضوء النهار، والبسط ههنا يقود ~~إلى تطويل يخرج عن المقصود. قوله: يقام عليه الحد PageV07P083 # يوم القيامة فيه دليل على أنه لا يحد من قذف عبده، لأن تعليق إيقاع الحد ~~عليه بيوم القيامة مشعر بذلك، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحد قاذف العبد ~~مطلقا. وحكى صاحب البحر عن داود أنه يحد. وأجاب عليه بأنه مخالف للاجماع. # وذهب الجمهور أيضا إلى أنه لا يحد قاذف أم الولد إلحاقا لها بالقن. وقال ~~مالك: يحد مطلقا. وقال محمد: يحد إن كان معها ولد، ولعل مالكا يجعل ~~المحصنات المذكورات في الآية هن العفائف لا الحرائر باب من أقر بالزنا ~~بامرأة لا يكون قاذفا لها عن نعيم بن هزال قال: كان ماعز بن مالك يتيما في ~~حجر أبي، فأصاب جارية من الحي فقال له أبي: ائت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، فأتاه فقال: يا رسول الله إني ~~زنيت فأقم علي كتاب الله، فأعرض عنه فعاد فقال: يا رسول الله إني ms2831 زنيت فأقم ~~علي كتاب الله، فأعرض عنه ثم أتاه الثالثة فقال: يا رسول الله إني زنيت ~~فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الرابعة فقال: # يا رسول الله إنني زنيت فأقم علي كتاب الله فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة، قال: ضاجعتها؟ قال: ~~نعم، قال: جامعتها؟ # قال: نعم، فأمر به أن يرجم، فخرج به إلى الحرة فلما رجم فوجد مس الحجارة ~~جزع فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه فنزع بوظيف بعير ~~فرماه به فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فقال: ~~هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه رواه أحمد وأبو داود. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وحسنه الحافظ، وفي صحبة نعيم بن هزال ~~خلاف. وروى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق قال: ذكرت لعاصم بن قتادة قصة ~~ماعز بن مالك فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال: حدثني ~~ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهلا تركتموه من شئتم من ~~رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولا أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله ~~فقلت: إن رجالا من أسلم يحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: ألا تركتموه؟ وما أعرف ~~الحديث، PageV07P084 # قال: يا ابن أخي أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل، إنا ~~لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا يا قوم ردوني إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم غير قاتلي فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما ~~رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرناه قال: فهلا تركتموه ~~وجئتموني به ليستثبت رسول الله منه؟ فأما لترك حد فلا، قال: فعرفت وجه ~~الحديث. وأخرجه النسائي ms2832 وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد اتفق الشيخان على ~~طرف من هذا الحديث، وسيأتي الكلام على حديث ماعز هذا في أبواب حد الزاني إن ~~شاء الله تعالى، وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على أنه لا يلزم من ~~أقر بالزنا حد القذف إذا قال: زنيت بفلانة، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم طلب منه تعيين من زنى بها فعينها ثم لم يحده للقذف، وإلى ذلك ذهبت ~~الشافعية والحنفية والهادوية، وقال مالك: يحد، والحديث يرد عليه، وسيأتي ~~تمام الكلام وتحقيق ما هو الحق في باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت من ~~أبواب الحدود. قوله: بوظيف بفتح الواو وكسر الظاء المعجمة ثم ياء تحتية ~~ساكنة بعدها فاء وهو دقيق الساق من الجمال والخيل، وفي النهاية خف الجمل هو ~~الوظيف، وسيأتي في باب ما يذكر في الرجوع عن الاقرار من حديث أبي هريرة ~~بلفظ: فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه به وضربه الناس حتى مات. # كتاب العدد باب أن عدة الحامل بوضع الحمل عن أم سلمة: أن امرأة من أسلم ~~يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن ~~بعكك فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين، ~~فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: انكحي رواه الجماعة إلا أبا داود PageV07P085 # وابن ماجة. وللجماعة إلا الترمذي معناه من رواية سبيعة وقالت فيه: ~~فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويد، إن بدا لي. وعن ابن ~~مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا ~~تجعلون عليها الرخصة؟ # أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن) * (الطلاق: 4). رواه البخاري والنسائي. وعن أبي بن كعب قال: قلت: يا ~~رسول الله * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * للمطلقة ثلاثا ~~وللمتوفى عنها؟ فقال: هي للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها رواه أحمد ~~والدارقطني. وعن الزبير بن العوام: ms2833 أنها كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة فقالت ~~له وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة، فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد ~~وضعت فقال: ما لها خدعتني خدعها الله؟ # ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: سبق الكتاب أجله اخطبها إلى ~~نفسها رواه ابن ماجة. # حديث أبي بن كعب أخرجه أيضا أبو يعلى والضياء في المختارة وابن مردويه. # قال في مجمع الزوائد في إسناده المثنى بن الصباح: وثقه ابن معين وضعفه ~~الجمهور انتهى. وأخرج نحوه عنه من وجه آخر ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والدارقطني. وحديث الزبير إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا محمد ~~بن عمر بن هياج، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن عمرو بن ميمون عن ~~أبيه عن الزبير فذكره، وكلهم من رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو ~~صدوق لا بأس به، وفيه انقطاع لأن ميمونا هو ابن مهران ولم يسمع من الزبير. ~~قوله: العدد جمع العدة قال في الفتح : العدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن ~~التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو بالأقراء أو الأشهر. ~~قوله: سبعية بضم السين المهملة تصغير سبع، وقد ذكرها ابن سعد في المهاجرات ~~وهي بنت أبي برزة الأسلمي. قوله: كانت تحت زوجها هو سعد بن خولة العامري من ~~بني عامر بن لؤي وقيل إنه من حلفائهم. قوله: فتوفي عنها نقل ابن عبد البر ~~الاتفاق أنه توفي في حجة الوداع، وقد قيل إنه قتل في ذلك الوقت وهي رواية ~~شاذة. قوله: أبو السنابل بمهملة ونون ثم موحدة جمع سنبل، وقد اختلف في اسمه ~~فقيل عمرو، وقيل عامر، وقيل حبة بمهملة ثم موحدة، وقيل أصرم، وقيل عبد ~~الله، وبعكك بموحدة فمهملة فكافين بوزن جعفر وهو ابن PageV07P086 # الحرث، وقيل ابن الحجاج من بني عبد الدار. قوله: فقال والله ما يصلح أن ~~تنكحي الخ. قال عياض: والحديث مبتور نقص منه قولها: فنفست بعد ليال فخطبت ~~الخ. قال الحافظ: وقد ثبت المحذوف في رواية ms2834 ابن ملحان عن يحيى بن بكير شيخ ~~البخاري ولفظه: فمكثت قريبا من عشرين ليلة ثم نفست. وقد وقع للبخاري اختصار ~~المتن في طريق بأخصر من هذه الطريق، ووقع له في تفسير سورة الطلاق مطولا ~~بلفظ: # أن سبيعة بنت الحرث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة ~~الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب ~~فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال: ما لي أراك ~~تجملت للخطاب؟ فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت ~~سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني ~~بالتزويج. وظاهر هذا يخالف ما في حديث الباب حيث قال: فمكثت قريبا من عشر ~~ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإن قولها: فلما قال لي ذلك ~~جمعت ثيابي حين أمسيت يدل على أنها توجهت إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في مساء ذلك اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال، ويمكن الجمع ~~بينهما بحمل قولها حين أمسيت على إرادة وقت توجهها، ولا يلزم منه أن يكون ~~ذلك اليوم الذي قال لها فيه ما قال. قوله: ثم نفست بضم النون وكسر الفاء أي ~~ولدت. # قوله: قريبا من عشر ليال وفي رواية لأحمد: فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت ~~وفي رواية للبخاري: فوضعت بعد موته بأربعين ليلة. وفي أخرى للنسائي: بعشرين ~~ليلة أو خمس عشرة. وفي رواية للترمذي والنسائي: فوضعت بعد وفاة زوجها ~~بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما. ولابن ماجة: ببضع وعشرين. وفي ذلك ~~روايات أخر مختلفة. قال في الفتح بعد أن ساقها: والجمع بين هذه الروايات ~~متعذر لاتحاد القصة، ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة، إذ محل ~~الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر وهنا كذلك، فأقل ما ms2835 قيل في هذه ~~الروايات نصف شهر، وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري عشر ليال، وفي ~~رواية للطبراني ثمان أو سبع فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت ~~النبي صلى الله PageV07P087 # عليه وآله وسلم لا في مدة بقية الحمل، وأكثر ما قيل فيه بالتصريح شهران ~~وبغيره دون أربعة أشهر. وقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف وأئمة الفتوى في ~~الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل. وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن علي بسند صحيح أنها تعتقد بآخر الأجلين. ~~ومعناه أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها، وإن ~~انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس وروي عنه أنه ~~رجع. وروي عن ابن أبي ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدتها ~~بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة ~~طرق أنه كان يوافق الجمهور حتى كان يقول: من شاء لاعنته على ذلك. وقد حكى ~~صاحب البحر عن الشعبي والقاسمية والمؤيد بالله والناصر موافقة علي على ~~اعتبار آخر الأجلين، وأما أبو السنابل فهو وإن كان في حديث الباب ما يدل ~~على أنه يذهب إلى اعتبار آخر الأجلين لكنه قد روى عنه الرجوع عن ذلك. وقد ~~نقل المازري وغيره عن سحنون من المالكية أنه يقول بقول علي، قال الحافظ: ~~وهو مردود لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الاجماع، والسبب الذي حمل القائلين ~~باعتبار آخر الأجلين الحرص على العمل بالآيتين أعني قوله تعالى: * (والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * (البقرة: ~~234) فإن ظاهر ذلك أنه عام في كل من مات عنها زوجها سواء كانت حاملا أو غير ~~حامل. وقوله تعالى: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (الطلاق: 4) ~~عام يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمعوا بين العمومين بقصر الآية الثانية ~~على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة والصغيرة قبلها، ولم يهملوا ~~ما تناولته من العموم فعملوا ms2836 بها وبالتي قبلها في حق المتوفى عنها. قال ~~القرطبي: هذا نظر حسن، فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، لكن ~~حديث سبيعة وسائر الأحاديث المذكورة في الباب نص بأنها تنقضي عدة المتوفى ~~عنها بوضع الحمل. وفي ذلك أحاديث أخر: منها ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كنت أنا ~~وابن عباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها ~~PageV07P088 # بأربعين ليلة، فقال ابن عبا س: تعتد آخر الأجلين، وقلت أنا: * (وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * قال ابن عباس: ذلك في الطلاق. وقال أبو ~~سلمة: أرأيت لو أن امرأة أخرت حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس: آخر ~~الأجلين، قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عباس ~~غلامة كريبا إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟ فذكرت أن سبيعة ~~الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه من حديث ~~أبي السنابل أن سبيعة وضعت بعد موت زوجها بثلاثة وعشرين يوما فقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: قد حل أجلها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من حديث ~~سبيعة نحوه. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد من حديث المسور ~~بن مخرمة نحو ذلك. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود أنه بلغه أن عليا يقول: ~~تعتد آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته، إن الآية التي في سورة النساء ~~القصرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا. وأخرج عبد بن حميد عنه أنها ~~نسخت ما في البقرة، وأخرج ابن مردويه عنه أنها نسخت سورة النساء الصغرى كل ~~عدة. وأخرج ابن مردويه عن ابن سعيد ms2837 الخدري قال: # نزلت سورة النساء بعد التي في البقرة بسبع سنين. (وهذه الأحاديث) والآثار ~~مصرحة بأن قوله تعالى: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (الطلاق: ~~4) عامة في جميع العدد، وأن عموم آية البقرة مخصص بها. (والحاصل) أن ~~الأحاديث الصحيحة الصريحة حجة لا يمكن التخلص عنها بوجه من الوجوه على فرض ~~عدم اتضاح الامر باعتبار ما في الكتاب العزيز، وأن الآيتين من باب تعارض ~~العمومين، مع أنه قد تقرر في الأصول أن الجموع المنكرة لا عموم فيها فلا ~~تكون آية البقرة عامة، لأن قوله: ويذرون أزواجا من ذلك القبيل فلا إشكال. ~~وحديث أبي بن كعب والزبير بن العوام يدلان على أنها تنقضي عدة المطلقة ~~بالوضع للحمل من الزوج وهو مجمع عليه، حكي ذلك في البحر لدخولها تحت عموم ~~قوله تعالى: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * وإنما تعتد بوضعه ~~حيث لحق وإلا فلا عند الشافعي والهادي، وقال أبو حنيفة: بل تعتد بوضعه ولو ~~كان من زنا لعموم الآية. PageV07P089 # باب الاعتداد بالأقراء وتفسيرها عن الأسود عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن ~~تعتد بثلاث حيض رواه ابن ماجة. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم خير بريرة فاختارت نفسها وأمرها أن تعتد عدة الحرة رواه أحمد ~~والدارقطني. وقد أسلفنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في المستحاضة: تجلس ~~أيام أقرائها. وروي عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: طلاق ~~الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان رواه الترمذي وأبو داود. وفي لفظ: طلاق العبد ~~اثنتان وقرء الأمة حيضتان رواه الدارقطني. وروي عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان رواه ابن ماجة ~~والدارقطني وإسناد الحديثين ضعيف، والصحيح عن ابن عمر قوله: عدة الحرة ثلاث ~~حيض وعدة الأمة حيضتان. # حديث عائشة الأول قال الحافظ في بلوغ المرام: رواته ثقات لكنه معلول. # وحديث ابن عباس أخرج أيضا الطبراني في الأوسط. قال في مجمع الزوائد: ~~ورجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد له ما أخرجه أحمد من ms2838 حديث بريرة بنحوه. ~~والحديث الذي أشار إليه المصنف في المستحاضة تقدم في أبواب الحيض وتقدم في ~~معناه أحاديث. وحديث عائشة الثاني أخرجه أيضا البيهقي قال أبو داود: هو ~~حديث مجهول، وقال الترمذي: حديث غريب ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر ~~بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث اه. وحديث ابن عمر ~~أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي وفي إسناده عمرو بن شبيب وعطية العوفي ~~وهما ضعيفان وصحح الدارقطني الموقوف. وقد ذكر المصنف هذه الأحاديث ~~للاستدلال بها، على أن عدة المطلقة ثلاثا أقراء وعلى أن الأقراء هي الحيض. ~~أما الأول فهو صريح قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * ~~(البقرة: 229) وإنما وقع الخلاف في الأقراء المذكورة في الآية هل هي ~~الأطهار أو الحيض؟ فظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: تعتد بثلاث حيض. ~~وقوله: تجلس أيام أقرائها. وقوله: وعدتها حيضتان أن الأقراء هي PageV07P090 # الحيض وقراءة الجمهور قروء بالهمز. وعن نافع بتشديد الواو بغير همز، قال ~~الأخفش: # أقرأت المرأة إذا صارت ذات حيض. وعن أبي عبيد أن القرء يكون بمعنى الطهر ~~وبمعنى الضم والجمع وجزم به ابن بطال. وفي القاموس: القرء ويضم الحيض ~~والطهر انتهى. وزعم كثير أن القرء مشترك بين الحيض والطهر، وقد أنكر صاحب ~~الكشاف إطلاقه على الطهر. وقال ابن القيم: إن لفظ القرء لم يستعمل في كلام ~~الشارع إلا للحيض، ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله في ~~الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل يتعين، فإنه قد قال ~~للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك وهو صلى الله عليه وآله وسلم المعبر عن ~~الله وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه ~~وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شئ من كلامه البتة ~~ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، ~~وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله عليها ms2839 ~~في كلامه، ويدل على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: * (ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) * (البقرة: 228) وهذا هو الحيض والحمل عند ~~عامة المفسرين، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي، وبهذا قال السلف ~~والخلف ولم يقل أحد أنه الطهر، وأيضا فقد قال سبحانه: * (واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) * (الطلاق: ~~4) فجعل كل شهر بإزاء حيضة، وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض، ~~وقد أطال الكلام ابن القيم وأطاب فليراجع. وحكي في البحر عن العترة أن ~~القرء بفتح القاف وضمها حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وعن بعض أصحاب ~~الشافعي عكس ذلك. وعن الأكثر أنه مشترك. وعن الأخفش الصغير أنه اسم لانقضاء ~~الحيض. ثم قال في البحر : ولا خلاف أن المراد بالآية أحدهما لا مجموعهما. ~~قال: فعن أمير المؤمنين علي وابن مسعود وأبي موسى والعترة والحسن البصري ~~والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه المراد به في الآية ~~الحيض. وعن ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة والصادق والباقر والامامية والزهري ~~وربيعة ومالك والشافعي وفقهاء المدينة. # ورواية عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه الأطهار ثم رجح القول ~~الأول واستدل له، وقد أخذ بظاهر حديث عائشة وابن عمر المذكورين في الباب ~~الشافعي PageV07P091 # فقال: لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين: حرة كانت زوجته أو أمة. وقال ~~الناصر وأبو حنيفة: إلا اثنتان في الأمة لا في الحرة فكالحر، وقالوا: كلهم ~~عدة الحرة منه ثلاثة قروء وعدة الامرة قرآن. وذهبت الهادوية وغيرهم أن ~~العبد يملك من الطلاق ما يملكه الحر، والعدة منه كالعدة من الحر مطلقا. ~~وتمسكوا بعموم الأدلة الواردة في ذلك فإنها شاملة للحر والعبد، ويجاب بأن ~~ما في البا ب مخصص لذلك العموم، ويؤيده ما أخرجه الدارقطني والبيهقي من ~~حديث ابن مسعود وابن عباس مرفوعا: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء والاعلال ~~بالوقف غير قادح لأن الرفع زيادة. وأيضا قد روى أحمد عن أمير المؤمنين علي ms2840 ~~رضي الله عنه نحو ذلك. # باب إحداد المعتدة عن أم سلمة: أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال: لا ~~تكتحل كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب ~~رمت ببعرة فلا حتى أربعة أشهر وعشر متفق عليه. وعن حميد بن نافع عن زينب ~~بنت أم سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت: دخلت على أم حبيبة ~~حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت ~~منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر: لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست ~~منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب: وسمعت أمي ~~أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا ~~رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا، مرتين أو ثلاثا كل PageV07P092 # ذلك يقول لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في ~~الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. قال حميد: فقلت لزينب وما ترمي ~~بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت ~~حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى ~~بدابة حمار أو شاة أو طير فتقتض به فقلما تقتض بشئ إلا مات، ثم تخرج فتعطي ms2841 ~~بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره أخرجاه. وعن أم سلمة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا ~~أخرجاه. واحتج به من لم يرد الاحداد على المطلقة. # قوله: أن امرأة هي عاتكة بنت نعيم بن عبد الله كما أخرجه ابن وهب عن أم ~~سلمة والطبراني أيضا. قوله: لا تكتحل فيه دليل على تحريم الاكتحال على ~~المرأة في أيام عدتها من موت زوجها سواء احتاجت إلى ذلك أم لا، وجاء في ~~حديث أم سلمة في الموطأ وغيره: اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار. ولفظ أبي ~~داود: # فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار. قال في الفتح: ووجه الجميع بينهما ~~أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع ~~أن الأولى تركه، فإذا فعلت مسحته بالنهار، وتأول بعضهم حديث الباب على أنه ~~لم يتحقق الخوف على عينها، وتعقب بأن في حديث الباب المذكور: فخشوا على ~~عينها. وفي رواية لابن منده: وقد خشيت على بصرها. وفي رواية لابن حزم: إني ~~أخشى أن تنفقئ عينها قال لا وإن انفقأت. قال الحافظ: وسنده صحيح ولهذا قال ~~مالك في رواية عنه بمنعه مطلقا، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب ~~فيه، وبه قالت الشافعية مقيدا بالليل. وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنه ~~كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر. ومنهم من تأول النهي على ~~كحل مخصوص وهو ما يقتضي التزين به، لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة ~~فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة. # وقال طائفة من العلماء: يجوز ذلك ولو كان فيه طيب وحملوا النهي على ~~التنزيه جمعا بين الأدلة. قوله: في شر أحلاسها المراد بالأحلاس الثياب وهي ~~بمهملتين جمع حلس بكسر ثم سكون وهو الثوب أو الكساء الرقيق يكون تحت ~~البرذعة. PageV07P093 # قوله: أو شر بيتها هو أضعف موضع فيه كالأمكنة المظلمة ونحوها والشك من ms2842 ~~الراوي. قوله: فمر كلب رمت ببعرة البعرة بفتح الباء الموحدة وسكون العين ~~المهملة ويجوز فتحها. وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك: ترمي ببعرة من ~~بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالا لها. وظاهر رواية ~~الباب أن رميها بالبعرة يتوقف على مرور الكلب سواء طال زمن انتظار مروره أم ~~قصر وبه جزم بعض الشراح. وقيل: ترمي بها من عرض من كلب أو غيره تري من ~~حضرها أن مقامها حولا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا أو غيره. واختلف في ~~المراد برمي البعرة فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة. وقيل : ~~إشارة إلى أن الفعل الذي فعلنه من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه ~~كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارا له وتعظيما لحق لزوجها. وقيل: ~~بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى مثل ذلك. قوله: حتى تمضي أربعة ~~أشهر وعشر قيل: الحكمة في ذلك أنها تكمل خلقة الولد وينفخ فيه الروح بعد ~~مضي مائة وعشرين يوما وهي زيادة على أربعة أشهر لنقصان الأهلة، فجبر الكسر ~~إلى العقد على طريق الاحتياط، وذكر العشر مؤنثا لإرادة الليالي، والمراد مع ~~أيامها عند الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. وعن الأوزاعي ~~وبعض السلف تنقضي بمضي الليال العشر بعد الأشهر وتحل في أول اليوم العاشر، ~~واستثنيت الحامل كما تقدم شرح حالها. ويعارض أحاديث الباب ما أخرجه أحمد ~~وابن حبان وصححه من حديث أسماء بنت عميس قالت: دخل علي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب فقال: لا تحدي بعد ~~يومك هذا وسيأتي. قال العراقي في شرح الترمذي: # ظاهره أنه لا يجب الاحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث، لأن أسماء ~~بنت عميس كانت زوج جعفر بالاتفاق وهي والدة أولاده. قال: بل ظاهر النهي أن ~~الاحداد لا يجوز. وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد ~~أجمعوا على خلافه. وأجاب الطحاوي بأنه منسوخ وأن الاحداد كان على ms2843 المعتدة ~~في بعض عدتها في وقت ثم وقع الامر بالاحداد أربعة أشهر وعشرا، واستدل على ~~النسخ بأحاديث الباب وليس فيها ما يدل على ذلك، وقيل: المراد بالاحداد ~~المقيد بالثلاث قدر زائد على الاحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها ~~على جعفر فنهاها PageV07P094 # عن ذلك بعد الثلاث، ويحتمل أنها كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها، ~~ويحتمل أنه أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد، وقد أعل ~~البيهقي الحديث بالانقطاع فقال: لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء ~~وتعقب بأنه قد صححه أحمد، وقد ورد معنى حديث أسماء من حديث ابن عمر بلفظ: ~~لا إحداد فوق ثلاث قال أحمد: هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه، ويحتمل ~~أن يكون هذا لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء. قوله: لا ~~يحل استدل بذلك على تحريم الاحداد على غير الزوج وهو ظاهر، وعلى وجوب ~~الاحداد على المرأة التي مات زوجها وتعقب بأن الاستثناء وقع بعد النفي، وهو ~~يدل على مجرد الجواز لا الوجوب، ورد بأن الوجوب استفيد من دليل آخر ~~كالاجماع، وتعقب بأن المنقول عن الحسن البصري أن الاحداد لا يجب كما أخرجه ~~عنه ابن أبي شيبة. وروي أيضا عن الشعبي أنه كان لا يعرف الاحداد، وقيل: إن ~~السياق دال على الوجوب. # قوله: لامرأة تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا: لا يجب الاحداد على الصغيرة، ~~وخالفهم الجمهور فأوجبوه عليها كالعدة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة بأنه ~~خرج مخرج الغالب، وظاهر الحديث عدم الفرق بين المدخولة وغيرها والحرة ~~والأمة. قوله: تؤمن بالله واليوم الآخر استدل به الحنفية وبعض المالكية على ~~عدم وجوب الاحداد على الذمية، وخالفهم الجمهور وأجابوا بأنه ذكر للمبالغة ~~في الزجر فلا مفهوم له. وقال النووي: التقييد بوصف الايمان لأن المتصف به ~~هو الذي ينقاد للشرع، ورجح ابن دقيق العيد الأول، وقد أجاب ابن القيم في ~~الهدى عن هذا التقييد بما فيه كفاية فراجعه. قوله: تحد بضم أوله وكسر ثانيه ~~من الرباعي، ويجوز بفتح أوله وضم ثانيه من الثلاثي، ms2844 قال أهل اللغة: أصل ~~الاحداد المنع ومنه تسمية البواب حدادا لمنعه الداخل، وتسمية العقوبة حدا ~~لأنها تردع عن المعصية. قال ابن درستويه: معنى الاحداد منع المعتدة نفسها ~~الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطاب خطبتها. وحكى الخطابي أنه يروى بالجيم ~~والحاء والحاء أشهر، وهو بالجيم مأخوذ من جددت الشئ إذا قطعته فكأن المرأة ~~انقطعت عن الزينة. قوله: على ميت استدل به من قال إنه لا إحداد على امرأة ~~المفقود لعدم تحقيق وفاته خلافا للمالكية، وظاهره أنه لا إحداد على ~~المطلقة، فأما الرجعية فإجماع، وأما البائنة فلا إحداد عليها عند الجمهور. ~~وقال أبو حنيفة PageV07P095 # وأبو عبيد وأبو ثور وبعض المالكية والشافعية وحكاه أيضا في البحر عن أمير ~~المؤمنين علي وزيد بن علي والمنصور بالله والثوري والحسن بن صالح أنه ~~يلزمها الاحداد، والحق الاقتصار على مورد النص عملا بالبراءة الأصلية فيما ~~عداه، فمن ادعى وجوب الاحداد على غير المتوفى عنها فعليه الدليل، وأما ~~المطلقة قبل الدخول فقال في الفتح إنه لا إحداد عليها اتفاقا. قوله: فوق ~~ثلاث فيه دليل على جواز الاحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما ~~دونها وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ~~ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية. # وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل من حديث عمرو بن شعيب أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ~~ثلاثة أيام، فلو صح لكان مخصصا للأب من هذا العموم لكنه مرسل، وأيضا عمرو ~~بن شعيب ليس من التابعين حتى يدخل حديثه في المرسل، وقال الحافظ: يحتمل أن ~~أبا داود لا يخص المرسل برواية التابعي. قوله: والله ما لي بالطيب من حاجة ~~إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها لكنها لم يسعها إلا امتثال الامر. ~~قوله: وقد اشتكت عينها قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان: ضم النون على ~~الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير ~~الفاعل، ويرجح الأول أنه ms2845 وقع في مسلم عيناها وعليها اقتصر النووي. قوله: ~~أفنكحلها بضم الحاء. قوله: حفشا بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها ~~معجمة فسره أبو داود في روايته من طريق مالك أنه البيت الصغير. قوله: فتقتض ~~به بفاء ثم مثناة من فوق ثم قاف ثم مثناة فوقية ثم ضاد معجمة فسره مالك ~~بأنها تمسح به جلدها، وفي النهاية فرجها، وأصل القض الكسر أي تكسر ما كانت ~~فيه وتخرج منه بما فعلت بالدابة. وفي رواية للنسائي: تقبص بعد القاف باء ~~موحدة ثم صاد مهملة، والقبص الاخذ بأطراف الأنامل. قال الأصبهاني وابن ~~الأثير: هو كناية عن الاسراع أي تذهب بسرعة إلى منزل أبويها لكثرة جفائها ~~بقبح منظرها أو لشدة شوقها إلى الأزواج لبعد عهدها. قال ابن قتيبة: سألت ~~الحجازيين عن الاقتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ~~ولا تزيل شعرا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تقتض أي تكسر ما كانت فيه ~~من العدة PageV07P096 # بطائر تمسح به قبلها فلا يكاد يعيش ما تقتض به. قال الحافظ: وهذا لا ~~يخالف تفسير مالك لكن أخص منه لأنه أطلق الجلد، فتبين أن المراد به جلد ~~القبل، والافتضاض بالفاء الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ حتى تصير ~~بيضاء نقية كالفضة. # باب ما تجتنب الحادة وما رخص لها فيه عن أم عطية قالت: كنا ننهى أن نحد ~~على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا ~~نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من ~~محيضها في نبذة من كست أظفار أخرجاه. وفي رواية: قالت: قال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها ~~لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت ~~نبذة من قسط أو أظفار متفق عليه. وقال فيه أحمد ومسلم: لا تحد على ميت فوق ~~ثلاث إلا المرأة فإنها تحد أربعة أشهر ms2846 وعشرا. وعن أم سلمة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ~~ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل رواه أحمد وأبو داود والنسائي. ~~وعن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين توفي أبو ~~سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال: # ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب قال: إنه ~~يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعينه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا ~~بالحناء فإنه خضاب ، قالت قلت: بأي شئ أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر ~~تغلفين به رأسك رواه أبو داود والنسائي. وعن جابر قال: طلقت خالتي ثلاثا ~~فخرجت تجد نخلا لها فلقيها رجل فنهاها، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذكرت ذلك له فقال: أخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرا رواه ~~أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي. وعن أسماء بنت عميس قالت: لما ~~أصيب جعفر أتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ~~ما شئت. وفي رواية قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم ~~الثالث من قتل جعفر فقال: PageV07P097 # لا تحدي بعد يومك هذا رواهما أحمد، وهو متأول على المبالغة في الاحداد ~~والجلوس للتعزية. # حديث أم سلمة الأول قال البيهقي روي موقوفا والمرفوع من رواية إبراهيم بن ~~طهمان وهو ثقة من رجال الصحيحين وقد ضعفه ابن حزم ولا يلتفت إلى ذلك، فإن ~~الدارقطني قد جزم بأن تضعيف من ضعفه إنما هو من قبل الارجاء. وقد قيل إنه ~~رجع عن ذلك. وحديثها الثاني أخرجه أيضا الشافعي وفي إسناده المغيرة بن ~~الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة، وقد أعله عبد ~~الحق والمنذري بجهالة حال المغيرة ومن فوقه، قال الحافظ: وأعل بما في ~~الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة سمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ms2847 ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد ~~اشتكت عينها الحديث وقد تقدم، وقد حسن إسناد حديثها المذكور في الباب ~~الحافظ في بلوغ المرام. وحديث أسماء بنت عميس أخرجه ابن حبان وصححه وقد ~~تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا. قوله: ننهى بضم أوله. قوله: ولا ~~نكتحل قد تقدم الكلام عليه. قوله: ولا نتطيب فيه تحريم الطيب على المعتدة ~~وهو كل ما يسمى طيبا ولا خلاف في ذلك، وقد استثنى صاحب البحر اللينوفر ~~والبنفسج والعرار وعلل ذلك بأنها ليست بطيب ثم قال: أما البنفسج ففيه نظر. ~~قوله: ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب بمهملتين مفتوحتين ثم ساكنة ثم ~~موحدة وهو بالإضافة برود اليمن يعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبا ~~فيخرج موشى لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ وإنما ينصبغ السدي دون اللحمة. ~~وقال السهيلي: إن العصب نبات لا ينبت إلا باليمن وهو غريب، وأغرب منه قول ~~الداودي أن المراد بالثوب العصب الخضرة وهي الحبرة. قال ابن المنذر أجمع ~~العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما ~~صبغ بسواد، فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس ~~الحزن. وقال الامام يحيى: لها لبس البياض والسواد والأكهب وما يلي صبغه ~~والخاتم والزقر والودع. وكره عروة العصب أيضا، وكره مالك غليظه، قال ~~النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقا والحديث حجة عليهم. قال النووي: # ورخص أصحابنا ما لا يتزين به ولو كان مصبوغا. واختلف في الحرير فالأصح ~~عند PageV07P098 # الشافعية منعه مطلقا مصبوغا أو غير مصبوغ لأنه من ثياب الزينة وهي ممنوعة ~~منها. # قال في البحر مسألة: ويحرم من اللباس المصبوغ للزينة ولو بالمغرة والحرير ~~وما في منزلته لحسن صنعته، والمطرز والمنقوش بالصبغ والحلي جميعا. قال في ~~الفتح: وفي التحلي بالذهب والفضة واللؤلؤ ونحوه وجهان: الأصح جوازه وفيه ~~نظر لأنه من الزينة، ويصدق عليه أيضا اسم الحلي المنهي عنه في حديث أم سلمة ms2848 ~~المذكور. قوله: في نبذة بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة وهي القطعة من ~~الشئ، وتطلق على الشئ اليسير. # قوله: من كست أظفار بضم الكاف وسكون المهملة وبعدها مثناة فوقية. وفي ~~رواية من قسط بقاف مضمومة كما في الرواية الأخرى المذكورة وهو بالإضافة إلى ~~أظفار. وفي الرواية الأخرى من قسط أو أظفار وهو أصوب، وخطأ القاضي عياض ~~رواية الإضافة. قال النووي: القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا ~~من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به ~~أثر الدم لا للتطيب. وقال البخاري: القسط والكست مثل الكافور والقافور ~~انتهى. وروي كسط بالطاء بإبدال الكاف من القاف. قال في النهاية: # وقد تبدل الكاف من القاف، وقد استدل بهذا على أنه يجوز للمرأة استعمال ما ~~فيه منفعة لها من جنس ما منعت منه. قوله: ولا الممشقة أي المصبوغة بالمشق ~~وهو المغرة. قوله: يشب الوجه بفتح أوله وضم الشين المعجمة أي يجمله. وظاهر ~~حديث أم سلمة هذا أنه يجوز للمرأة المعتدة عن موت أن تجعل على وجهها الصبر ~~بالليل وتنزعه بالنهار لأنه يحسن الوجه، فلا يجوز فعله في الوقت الذي تظهر ~~فيه الزينة وهو النهار، ويجوز فعله بالليل لأنها لا تظهر فيه. قوله: ولا ~~تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فيه دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تمتشط بشئ ~~من الطيب أو بما فيه زينة كالحناء ولكنها تمتشط بالسدر. قوله: تغلفين به ~~رأسك الغلاف في الأصل الغشاوة، وتغليف الرأس أن يجعل عليه من الطيب أو ~~السدر ما يشبه الغلاف. قال في القاموس: تغلف الرجل واغتلف حصل له غلاف. ~~قوله: تجد بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة أي تقطع نخلا لها، وظاهر ~~إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخروج لجد النخل يدل على أنه يجوز لها ~~الخروج لتلك الحاجة ولما يشابهها بالقياس. وقد بوب النووي لهذا الحديث ~~فقال: باب جواز خروج PageV07P099 # المعتدة البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك ولا يجوز لغير حاجة. ~~وقد ذهب إلى ذلك علي رضي ms2849 الله عنه وأبو حنيفة والقاسم والمنصوب الله، ويدل ~~على اعتبار الغرض الديني أو الدنيوي تعليله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ~~بالصدقة أو فعل الخير، ولا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: * (لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) * (الطلاق: 1) الآية، بل الحديث مخصص لذلك ~~العموم المشعور به من النهي، فلا يجوز الخروج إلا للحاجة لغرض من الأغراض. ~~وذهب الثوري والليث ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يجوز لها الخروج ~~في النهار مطلقا وتمسكوا بظاهر الحديث وليس فيه ما يدل على اعتبار الحاجة ~~وغايته اعتبار أن يكون الخروج لقربة من القرب كما يدل على ذلك آخر الحديث، ~~ومما يؤيد مطلق الجواز في النهار القياس على المتوفى عنها كما سيأتي. قوله: ~~تسلبي بفتح أوله وبعده سين مهملة مفتوحة وتشديد اللام أي البسي السلاب وهو ~~ثوب الاحداد، وقيل هو ثوب أسود تغطي به رأسها، وقد قدمنا الكلام على حديث ~~أسماء هذا وكيفية الجمع بينه وبين الأحاديث القاضية بوجوب الاحداد. # باب أين تعتد المتوفى عنها عن فريعة بنت مالك قالت: خرج زوجي في طلب ~~أعلاج له فأدركهم في طرف القدوم فقتلوه فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من ~~دور أهلي، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي ~~زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس ~~المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني، قال: # تحولي، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت فقال: ~~امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت ~~فيه أربعة أشهر وعشرا قالت: وأرسل إلي عثمان فأخبرته فأخذ به رواه الخمسة ~~وصححه الترمذي، ولم يذكر النسائي وابن ماجة إرسال عثمان. وعن عكرمة عن ابن ~~عباس في قوله تعالى : * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ~~متاعا إلى الحول غير إخراج) * (البقرة: 240) نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض ~~الله لها من الربع ms2850 والثمن، ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا ~~رواه النسائي وأبو داود. PageV07P100 # حديث فريعة أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي والطبراني وابن حبان ~~والحاكم وصححاه، وأعله ابن حزم وعبد الحق بجهالة حال زينب بنت كعب بن عجرة ~~الرواية له عن الفريعة، وأجيب بأن زينب المذكورة وثقها الترمذي وذكرها ابن ~~فتحون وغيره في الصحابة. وأما ما روي عن علي بن المديني بأنه لم يرو عنها ~~غير سعد بن إسحاق فمردود بما في مسند أحمد من رواية سليمان بن محمد بن كعب ~~بن عجرة عن عمته زينب في فضل الإمام علي رضي الله عنه، وقد أعل الحديث أيضا ~~بأن في إسناده سعد بن إسحاق، وتعقبه ابن القطان بأنه قد وثقه النسائي وابن ~~حبان انتهى. ووثقه أيضا يحيى بن معين والدارقطني، وقال أبو حاتم: صالح ~~الحديث، وروى عنه جماعة من أكابر الأئمة ولم يتكلم فيه بجرح، وغاية ما قاله ~~فيه ابن حزم وعبد الحق أنه غير مشهور وهذه دعوى باطلة، فإن من يروي عنه مثل ~~سفيان الثوري وحماد بن زيد ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد والدراوردي وابن ~~جريج والزهري مع كونه أكبر منه وغير هؤلاء الأئمة كيف يكون غير مشهور؟ ~~وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه ~~مقال، ولكنه قد رواه النسائي من غير طريقه. قوله: عن فريعة بضم الفاء وفتح ~~الراء وبعدها تحتية ساكنة ثم عين مهملة ويقال لها الفارعة وهي بنت مالك بن ~~سنان أخت أبي سعيد الخدري وشهدت بيعة الرضوان. وقد استدل بحديثها هذا على ~~أن المتوفى عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه ولا تخرج منه ~~إلى غيره. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقد أخرج ~~ذلك عبد الرزاق عن عمر وعثمان وابن عمر. وأخرجه أيضا سعيد بن منصور عن أكثر ~~أصحاب ابن مسعود والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعطاء. ~~وأخرجه حماد عن ابن سيرين، وإليه ms2851 ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم ~~والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد، قال ابن عبد البر: وقد قال بحديث الفريعة ~~جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر ولم يطعن فيه أحد ~~منهم. وقد روى جواز خروج المتوفى عنها للعذر عن جماعة منهم عمر أخرج عنه ~~ابن أبي شيبة أنه رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها. وأن زيد بن ~~ثابت رخص لها في بياض يومها. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان له ابنة ~~تعتد من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار PageV07P101 # فتحدث إليهم، فإذا كان بالليل أمرها أن ترجع إلى بيتها. وأخرج أيضا عن ~~ابن مسعود في نساء نعي إليهن أزواجهن وتشكين الوحشة فقال ابن مسعود: يجتمعن ~~بالنهار ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل. وأخرج سعيد بمنصور عن علي ~~رضي الله عنه أنه جوز للمسافرة الانتقال. وروى الحجاج بن منهال أن امرأة ~~سألت أم سلمة بأن أباها مريض وأنها في عدة وفاة فأذنت لها في وسط النهار. ~~وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلا: أن رجالا استشهدوا بأحد فقال ~~نساؤهم: يا رسول الله إنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا؟ فأذن لهن أن ~~يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها وحكي في ~~البحر عن علي رضي الله عنه وابن عباس وعائشة وجابر والقاسمية أنه يجوز لها ~~الخروج من موضع عدتها لقوله : * (يتربصن) * ولم يخص مكانا والبيان لا يؤخر ~~عن الحاجة. وعن زيد بن علي والشافعية والحنفية أنه لا يجوز، ثم قال فرع: ~~ولها الخروج نهارا ولا تبيت إلا في منزلها إجماعا انتهى. وحكاية الاجماع ~~راجعة إلى مبيتها في منزلها لا إلى الخروج نهارا فإنه محل الخلاف كما عرفت. ~~وحديث فريعة لم يأت من خالفه بما ينتهض لمعارضته فالتمسك به متعين، ولا حجة ~~في أقوال أفراد الصحابة، ومرسل مجاهد لا يصلح للاحتجاج به على فرض انفراده ~~عند من لم يقبل المراسيل مطلقا، وأما إذا عارضه مرفوع أصح منه كما في مسألة ~~النزاع فلا ms2852 يحل التمسك به بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وقد استدل بحديث ~~ابن عباس المذكور في الباب من قال: إن المتوفى عنها لا تستحق السكنى ~~والنفقة والكسوة، قال الشافعي: حفظت عمن أرضى به من أهل العلم أن نفقة ~~المتوفى عنها زوجا وكسوتها حولا منسوختان بآية الميراث، ولم أعلم مخالفا في ~~نسخ نفقة المتوفى عنها وكسوتها سنة أو أقل من سنة، ثم قال ما معناه: إنه ~~يحتمل أن يكون حكم السكنى حكمهما لكونها مذكورة معهما، ويحتمل أنها تجب لها ~~السكنى. # وقال الشافعي أيضا في كتاب العدد: الاختيار لورثة الميت أن يسكنوها، لأن ~~قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث فريعة: امكثي في بيتك وقد ذكرت ~~أنه لا بيت لزوجها يدل على وجوب سكناها في بيت زوجها إذا كان له بيت ~~بالطريق الأولى. وأجيب عن الاستدلال لا بحديث ابن عباس بأن نسخ بعض المدة ~~إنما يستلزم نسخ نفقة المنسوخ وكسوته وسكناه دون ما لم ينسخ وهو أربعة أشهر ~~وعشر. PageV07P102 # وأجيب عن الاستدلال بحديث فريعة بأنه مخالف للقياس لأنها قالت: وليس ~~المسكن له ولم يدع نفقة ولا مالا، فأمرها بالوقوف فيما لا يملكه زوجها، ~~وملك الغير لا يستحق غيره الوقوف فيه، فيكون ذلك قضية عين موقوفة. وقد حكي ~~في البحر القول بوجوب نفقة المتوفى عنها عن ابن عمر والهادي والقاسم ~~والناصر والحسن بن صالح، وعدم الوجوب عن الشافعية والحنفية ومالك والوجوب ~~للحامل لا الحائل عن مولانا علي رضي الله عنه وابن مسعود وأبي هريرة وشريح ~~وابن أبي ليلى. وحكي أيضا القول بوجوب السكنى عن ابن عمر وأم سلمة ومالك ~~والامام يحيى والشافعي، وعدمه عن مولانا علي رضي الله عنه وعمر وابن مسعود ~~وعثمان وعائشة وأبي حنيفة وأصحابه. وقد أخرج أحمد والنسائي من حديث فاطمة ~~بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما النفقة والسكنى ~~للمرأة، إذا كان لزوجها عليها الرجعة. وفي لفظ آخر: إنما النفقة والسكنى ~~للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن ms2853 له عليها رجعة فلا ~~نفقة ولا سكنى. وسيأتي هذا الحديث في باب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية، ~~وهو نص في محل النزاع، والقرآن والسنة إنما دلا على أنه يجب على المتوفى ~~عنها لزومها لبيتها وذلك تكليف لها. وحديث الفريعة إنما دل على هذا، فهو ~~واضح في أن السكنى والنفقة ليستا من تكليف الزوج، ويؤيد هذا أن الذي في ~~القرآن في سورة الطلاق هو إيجاب النفقة لذات الحمل لا غير، وفي البقرة ~~إيجابها للمطلقات. وقد خرج من عمومهن البائنة بحديث فاطمة بنت قيس إلا أن ~~تكون حاملا لذكر ذلك في حديثها كما سيأتي، وخرجت أيضا المطلقة قبل الدخول ~~بآية الأحزاب فخرجت المتوفى عنها من ذلك وكذلك لا سكنى لها لان قوله تعالى: ~~* (لا تخرجوهن من بيوتهن) * (الطلاق: 1) وقوله: * (أسكنوهن من حيث سكنتم) * ~~(الطلاق: 6) في الرجعيات لظاهر السياق، كما سيأتي تحقيق ذلك، إذا تقرر هذا ~~علمت أنه لم يكن في القرآن ما يدل على وجوب النفقة أو السكنى للمتوفى عنها ~~كما علمت أن السنة قاضية بعدم الوجوب. وأما حديث الفريعة وحديث ابن عباس ~~فقد استدل بهما من قال بعدم الوجوب، كما استدل بهما من قال بالوجوب، لما ~~فيهما من الاحتمال والمحتمل لا تقوم به الحجة، وقد أطال صاحب الهدي الكلام ~~في هذه المسألة، وحرر فيها المذاهب تحريرا نفيسا، فمن رام الوقوف على ~~تفاصيلها فليراجعه. PageV07P103 # باب ما جاء في نفقة المبتوتة وسكناها عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المطلقة ثلاثا قال: ليس لها سكنى ولا ~~نفقة رواه أحمد ومسلم. وفي رواية عنها قالت: طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة رواه الجماعة إلا ~~البخاري. وفي رواية عنها أيضا قالت: طلقني زوجي ثلاثا فأذن لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن أعتد في أهلي رواه مسلم. وعن عروة بن الزبير ~~أنه قال لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت ~~فقالت: بئسما صنعت، ms2854 فقال: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ فقالت: أما أنه لا خير ~~لها في ذلك متفق عليه. وفي رواية: أن عائشة عابت ذلك أشد العيب وقالت: إن ~~فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة. وعن فاطمة بنت قيس ~~قالت: قلت يا رسول الله زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت ~~رواه مسلم والنسائي. وعن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود بن يزيد ~~كفا من حصى فحصبه به وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله ~~وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت رواه مسلم. وعن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة قال: أرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة فسألها ~~فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وكان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بعض اليمن، فخرج معه ~~زوجها فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وأمر عياش بن أبي ربيعة والحرث بن ~~هشام أن ينفقا عليها فقالا: والله مالها نفقة إلا أن تكون حاملا، فأتت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا، ~~واستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت: أين أنتقل يا رسول الله؟ فقال: عند ~~ابن أم مكتوم وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هناك حتى مضت ~~عدتها فأنكحها النبي صلى الله عليه PageV07P104 # وآله وسلم أسامة، فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره ذلك فقال مروان: لم نسمع ~~هذا الحديث إلا من امرأة فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت ~~فاطمة حين بلغها ذلك: بيني وبينكم كتاب الله قال الله * (فطلقوهن لعدتهن ~~حتى قال لا ندري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (الطلاق: 6) فأي أمر يحدث ~~بعد الثلاث؟ رواه ms2855 أحمد وأبو داود والنسائي ومسلم بمعناه. # قوله: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم اسمها عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم، ~~فهي بنت أخي مروان بن الحكم، ونسبها عروة في هذه الرواية إلى جدها قوله: ~~بئسما صنعت في رواية للبخاري: بئسما صنع أي زوجها في تمكينها من ذلك أو ~~أبوها في موافقتها. قوله: أما إنه لا خير لها في ذلك كأنها تشير إلى أن سبب ~~الاذن في انتقال فاطمة ما في الرواية الثانية المذكورة من أنها كانت في ~~مكان وحش، أو إلى ما وقع في رواية لأبي داود إنما كان ذلك من سوء الخلق. ~~قوله: وحش بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة أي مكان لا أنيس به. (وقد ~~استدل) بأحاديث الباب من قال إن المطلقة بائنا لا تستحق على زوجها شيئا من ~~النفقة والسكنى، وقد ذهب إلى ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم، ~~وحكاه في البحر عن ابن عباس والحسن البصري وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى ~~والأوزاعي والامامية والقاسم، وذهب الجمهور كما حكى ذلك صاحب الفتح عنهم ~~إلى أنه لا نفقة لها ولها السكنى، واحتجوا لاثبات السكنى بقوله تعالى: * ~~(واسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * (الطلاق: 6) ولاسقاط النفقة بمفهوم ~~قوله تعالى: * (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) * (الطلاق: ~~6) فإن مفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر ~~فائدة. وذهب عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والثوري وأهل الكوفة من ~~الحنفية وغيرهم والناصر والامام يحيي إلى وجوب النفقة والسكنى، واستدلوا ~~بقوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن) * (الطلاق: 1) فإن آخر الآية ~~وهو النهي عن إخراجهن يدل على وجوب النفقة والسكنى، ويؤيده قوله تعالى: * ~~(أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * الآية. وذهب الهادي والمؤيد بالله وحكاه ~~في البحر عن أحمد بن حنبل إلى أنها تستحق النفقة دون السكنى، واستدلوا على ~~وجوب النفقة بقوله تعالى: * (وللمطلقات متاع بالمعروف) * (البقرة: 241) ~~الآية، وبقوله تعالى: * (لا ms2856 تضاروهن PageV07P105 # ) * (الطلاق: 6) وبأن الزوجة المطلقة بائنا محبوسة بسبب الزوج، واستدلوا ~~على عدم وجوب السكنى بقوله تعالى: * (اسكنوهن من حيث سكنتم) * فإنه أوجب أن ~~تكون حيث الزوج وذلك لا يكون في البائنة، وأرجح هذه الأقوال الأول لما في ~~الباب من النص الصحيح الصريح. وأما ما قيل من إنه مخالف للقرآن فوهم، فإن ~~الذي فهمه السلف من قوله تعالى: * (لا تخرجوهن من بيوتهن) * هو ما فهمته ~~فاطمة من كونه في الرجعية لقوله في آخر الآية: * (لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا) * لأن الامر الذي يرجى إحداثه هو الرجعة لا سواه، وهو الذي حكاه ~~الطبري عن قتادة والحسن والسدي والضحاك، ولم يحك عن أحد غيرهم خلافه. # قال في الفتح: وحكي غيره أن المراد بالامر ما يأتي من قبل الله تعالى من ~~نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر انتهى. ولو سلم العموم في الآية لكان ~~حديث فاطمة المذكور مخصصا له، وبذلك يظهر أن العمل به ليس يترك للكتاب ~~العزيز كما قال عمر فيما أخرجه عنه مسلما أخبر بقول فاطمة المذكور: لا نترك ~~كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيت. (فإن قلت) إن ~~قوله وسنة نبينا يدل على أنه قد حفظ في ذلك شيئا من السنة يخالف قول فاطمة ~~لما تقرر أن قول الصحابي من السنة كذا له حكم الرفع. قلت: صرح الأئمة بأنه ~~لم يثبت شئ من السنة يخالف قول فاطمة، وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لها السكنى والنفقة فقد ~~قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر، وقال الدارقطني: السنة بيد فاطمة ~~قطعا، وأيضا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر ~~بسنتين. قال العلامة ابن القيم: ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا ~~لقيناه أن هذا كذب على عمر، وكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وينبغي أن لا يحمل الانسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب على ms2857 معارضة السنن ~~النبوية الصريحة الصحيحة بالكذب البحث، فلو يكون هذا عند عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لخرست فاطمة وذووها ولم ينبزوا بكلمة ولا دعت فاطمة ~~إلى المناظرة انتهى. (فإن قلت) أن ذلك القول من عمر يتضمن الطعن على رواية ~~فاطمة لقوله: لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت قلت: هذا مطعن باطل ~~بإجماع المسلمين للقطع بأنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد خبر المرأة ~~لكونها امرأة، فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول عن PageV07P106 # امرأة واحدة من الصحابة، وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة، ~~ولم ينقل أيضا عن أحد من المسلمين أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان ناقله، ~~ولو كان ذلك مما يقدح به لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان مقدوحا ~~فيه، لان تجويز النسيان لا يسلم منه أحد، فيكون ذلك مفضيا إلى تعطيل السنن ~~بأسرها، مع كون فاطمة المذكورة من المشهورات بالحفظ، كما يدل على ذلك ~~حديثها الطويل في شأن الدجال، ولم تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا مرة واحدة يخطب به على المنبر فوعته جميعه، فكيف يظن بها أن تحفظ ~~مثل هذا وتنسى أمرا متعلقا بها مقترنا بفراق زوجها وخروجها من بيته؟ ~~واحتمال النسيان أمر مشترك بينها وبين من اعترض عليها، فإن عمر قد نسي تيمم ~~الجنب وذكره عمارة فلم يذكر ، ونسي قوله تعالى: * (وآتيتم إحداهن قنطارا) * ~~(النساء: 2) حتى ذكرته امرأة. ونسي: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (الزمر: 30) ~~حتى سمع أبا بكر يتلوها، وهكذا يقال في إنكار عائشة، وهكذا قول مروان: # سنأخذ بالعصمة، وهكذا إنكار الأسود بن يزيد على الشعبي لما سمعه يحدث ~~بذلك ولم يقل أحد منهم أن فاطمة كذبت في خبرها، وأما دعوى أن سبب خروجها ~~كان لفحش في لسانها كما قال مروان لما حدث بحديثها: إن كان بكم شر فحسبكم ~~ما بين هذين من الشر، يعني أن خروج فاطمة كان لشر في لسانها، فمع كون مروان ~~ليس من أهل الانتقاد ms2858 على أجلاء الصحابة والطعن فيهم، فقد أعاذ الله فاطمة ~~عن ذلك الفحش الذي رماها به، فإنها من خيرة نساء الصحابة فضلا وعلما ومن ~~المهاجرات الأولات، ولهذا ارتضاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحبه ~~وابن حبه أسامة، وممن لا يحملها رقة الدين على فحش اللسان الموجب لاخراجها ~~من دارها، ولو صح شئ من ذلك لكان أحق الناس بإنكار ذلك عليها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قوله: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا فيه دليل على ~~وجوب النفقة للمطلقة بائنا إذا كانت حاملا، ويدل بمفهومه على أنها لا تجب ~~لغيرها ممن كان على صفتها في البينونة، فلا يرد ما قيل إنه يدخل تحت هذا ~~المفهوم المطلقة الرجعية إذا لم تكن حاملا، ولو سلم الدخول لكان الاجماع ~~على وجوب نفقة الرجعية مطلقا مخصصا لعموم ذلك المفهوم. قوله: واستأذنته في ~~الانتقال فأذن لها فيه دليل على أنه يجوز للمطلقة بائنا الانتقال من المنزل ~~الذي وقع عليها الطلاق البائن وهي فيه، فيكون PageV07P107 # مخصصا لعموم قوله تعالى: * (ولا يخرجن) * (الطلاق: 1) كما خصص ذلك حديث ~~جابر المتقدم في باب ما تجتنب الحادة، ولا يعارض هذا حديد الفريعة المتقدم ~~لأنه في عدة الوفاة، وقد قدمنا الخلاف في جواز الخروج وعدمه للمطلقة بائنا ~~باب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية عن فاطمة بنت قيس قالت: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقلت: إن زوجي فلانا أرسل إلي بطلاق وإني سألت أهله ~~النفقة والسكنى فأبوا علي، قالوا: يا رسول الله إنه أرسل إليها بثلاث ~~تطليقات، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما النفقة ~~والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة رواه أحمد والنسائي. # وفي لفظ: إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، ~~فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى رواه أحمد. # الحديث تفرد برفعه مجالد بن سعيد وهو ضعيف، كما بينه الخطيب في المدرج، ~~وقد تابعه في رفعه بعض الرواة، قال في الفتح: ولكنه أضعف من مجالد، ms2859 وهو في ~~أكثر الروايات موقوف عليها، والرفع زيادة بتعين قبولها كما بيناه في غير ~~موضع، ورواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع عن درجة السقوط إلى درجة ~~الاعتبار. # (والحديث) يدل بمنطوقه على وجوب النفقة والسكنى على الزوج للمطلقة رجعيا ~~وهو مجمع عليه، ويدل بمفهومه على عدم وجوبهما لمن عداها إلا إذا كانت حاملا ~~لما تقدم في الباب الأول، وقد قدمنا تحقيق ذلك فلا نعيده. # باب استبراء الأمة إذا ملكت عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال في سبي أوطاس: # لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة رواه أحمد وأبو داود. # وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتى على امرأة مجح ~~على باب فسطاط فقال: لعله يريد أن يلم بها، فقالوا: نعم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه ~~وهو لا يحل له PageV07P108 # ؟، كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ رواه أحمد ومسلم وأبو داود، ورواه أبو ~~داود الطيالسي وقال: كيف يورثه وهو لا يحل له؟ وكيف يسترقه وهو لا يحل له؟ ~~والمجح هي الحامل المقرب. # حديث أبي سعيد أخرجه أيضا الحاكم وصححه وإسناده حسن، وهو عند الدارقطني ~~من حديث أبو عباس وأعل بالارسال. وعند الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد ~~ضعيف. وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حرم وطئ السبايا حتى يضعن ما في بطونهن وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة ~~من حديث علي بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن توطأ حامل حتى ~~تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة وفي إسناده ضعف وانقطاع. قوله: أوطاس هو واد ~~في ديار هوازن، قال القاضي عياض: وهو موضع الحرب بحنين وبه قال بعض أهل ~~السير. قال الحافظ: والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، وهو ظاهر كلام ~~ابن إسحاق في السيرة. قوله: مجح بضم الميم ثم جيم مكسورة ثم ms2860 حاء مهملة وهي ~~الحامل التي قد قاربت الولادة على ما فسره المصنف. (والحديثان) يدلان على ~~أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملا حتى تضع حملها. ~~والحديث الأول منهما يدل أيضا على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية ~~إذا كانت حائلا حتى تستبرأ بحيضة، وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعية ~~والحنفية والثوري والنخعي ومالك. وظاهر قوله: ولا غير حامل أنه يجب ~~الاستبراء للبكر، ويؤيده القياس على العدة فإنها تجب مع العلم ببراءة ~~الرحم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستبراء إنما يجب في حمن لم تعلم ~~براءة رحمها، وأما من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقها. وقروي عبد ~~الرزاق عن ابن عمر أنه قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وهو ~~في صحيح البخاري عنه وسيأتي، ويؤيد هذا حديث رويفع الآتي فإن قوله فيه فلا ~~ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض يرشد إلى ذلك. ويؤيده أيضا حديث علي الآتي ~~قريبا، فيكون هذا مخصصا لعموم قوله: ولا غير حامل أو مقيدا له. وقد روي ذلك ~~عن مالك. قال المازري من المالكية: القول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن ~~عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء، وكل من غلب على الظن أنها حامل أو شك ~~في حملها أو PageV07P109 # تردد فيه، فالاستبراء لازم فيها، وكل من غلب على الظن براءة رحمها لكنه ~~يجوز حصوله، فإن المذهب فيه على وجهين: في ثبوت الاستبراء وسقوطه، ومن ~~القائلين بأن الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم فحيث تعلم البراءة لا ~~يجب، وحيث لا يعلم ولا يظن يجب، أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن تيمية ~~وابن القيم، ورجحه جماعة من المتأخرين منهم الجلال والمقبلي والمغربي ~~والأمير وهو الحق لا العلة معقولة، فإذا لم توجد المئنة كالحمل ولا المظنة ~~كالمرأة المزوجة فلا وجه لايجاب الاستبراء والقول بأن الاستبراء تعبدي، ~~وأنه يجب في حق الصغيرة، وكذا في حق البكر، والآيسة ليس عليه دليل. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ms2861 صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقعن رجل ~~على امرأة وحملها لغيره رواه أحمد. وعن رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد ~~غيره رواه أحمد والترمذي وأبو داود وزاد: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها وفي لفظ: من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض رواه أحمد ومفهومه أن ~~البكر لا تستبرأ. # وقال ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ ~~بحيضة ولا تستبرأ العذراء، حكاه البخاري في صحيحه. وقد جاء في حديث عن علي ~~رضي الله عنه ما الظاهر حمله على مثل ذلك، فروى بريدة قال: بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليا إلى خالد يعني إلى اليمن ليقبض الخمس فاصطفى ~~علي منه سبية فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا وكنت أبغض عليا؟ ~~فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت له ذلك فقال يا بريدة ~~أتبغض عليا؟ فقلت: نعم، فقال: لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك رواه ~~أحمد والبخاري. وفي رواية قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا، وأحببت رجلا ~~من قريش لم أحببه إلا على بغضه عليا، قال: فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ~~فأصبنا سبايا قال: فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابعث إلينا ~~من يخمسه، قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي، قال: ~~فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: ألم تروا إلى ~~الوصيفة التي كانت في السبي؟ فإني قسمت وخمست فصارت في الخمس ثم صارت ~~PageV07P110 # في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم صارت في آل علي ووقعت بها. ~~قال: # فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ابعثني فبعثني ~~مصدقا، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق، ms2862 قال: فأمسك يدي والكتاب وقال: أتبغض ~~عليا؟ # قلت: نعم، قال: فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد ~~بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة، قال: فما كان من الناس أحد بعد ~~قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي من علي رواه أحمد وفيه بيان أن ~~بعض الشركاء يصح توكيله في قسمة مال الشركة، والمراد بآل علي رضي الله عنه ~~نفسه. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الطبراني وإسناده ضعيف كما تقدمت الإشارة إلى ~~ذلك. قال في مجمع الزوائد في إسناده بقية والحجاج به أرطأة وكلاهما مدلس ~~اه. ولكنه يشهد لصحته حديث رويفع المذكور بعده والأحاديث المذكورة قبله ~~وحديث رويفع أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء ~~المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه. واللفظ الآخر أخرجه أيضا الطحاوي. ~~(وفي الباب) عن ابن عباس عند الحاكم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى ~~يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم قال: لا تسق ماءك زرع غيرك وأصله في ~~النسائي. وعن رجل من الأنصار عند أبي داود قال: تزوجت امرأة بكرا في سترها ~~فدخلت عليها فإذا هي حبلى فذكر الحديث، قال: ففرق النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بينهما وقد استدل من قال بوجوب الاستبراء للمسبية إذا كانت حاملا أو ~~حائلا يجوز عليها الحمل فقط لا مع عدم التجويز كالبكر والصغيرة بحديث أبو ~~هريرة ورويفع المذكورين، وقد تقدم الكلام على ذلك، واستدل بالأثر المذكور ~~عن ابن عمر من قال بوجوب الاستبراء على واهب الأمة وبائعها، وقد حكي ذلك في ~~البحر عن الهادي والناصر والنخعي والثوري ومالك ولم يفرقوا بين أن يكون ~~البائع أو الواهب رجلا أو امرأة، وبين كون المبيعة بكرا أو ثيبا صغيرة أو ~~كبيرة. وقال الشافعي والمؤيد بالله وزيد بن علي والامام يحيى: لا يجب. وقال ~~أبو حنيفة: يستحب فقط. استدل القائلون بالوجوب بالقياس على عدة الزوجة ~~بجامع ملك الوطئ فلا يملكه غيره إلا بعد الاستبراء. وأجيب بالفرق بين الأصل ~~والفرع ms2863 بوجوه: أحدها أن العدة إنما تكون PageV07P111 # بعد الطلاق وهذا الاستبراء قبل البيع. ومنها: تنافي أحكام الملك والنكاح ~~وإلا لزم أن لا يصح الجمع بين الأختين في الملك قياسا على عدم صحة النكاح. ~~ومنها: أن العدة إنما تجب على المرأة لا على الزوج. ومنها: أن العدة إنما ~~تجب على الزوجة بعد الدخول أو الخلوة، ويجب الاستبراء عندهم في الأمة ~~مطلقا، فالحق أن مثل هذا القياس المبني على غير أساس لا يصلح لاثبات تكليف ~~شرعي على جميع الناس، وكما أن لا وجه للايجاب لا وجه للاستحباب لأن كل واحد ~~منهما حكم شرعي، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى ينقل عنها ناقل صحيح، وليس ~~في كلام ابن عمر المذكور ما يدل على أن الاستبراء على البائع ونحوه بل ~~ظاهره أنه على المشتري، ولو سلم فليس في كلامه حجة على أحد، واختلف في وجوب ~~الاستبراء على المشتري والمتهب ونحوهما، فذهب الجمهور إلى الوجوب، واحتجوا ~~بالقياس على المسبية بجامع تجدد الملك في الأصل والفرع. وذهب داود والبتي ~~إلى أنه لا يجب الاستبراء في غير السبي. أما داود فلأنه لا يقول بثبوت ~~الحكم الشرعي بمجرد القياس. وأما البتي فلأنه جعل تجدد الملك بالشراء ~~والهبة كابتداء النكاح، وهو لا يجب على من تزوج امرأة أن يستبرئها بعد ~~العقد، ورد بالفرق بين النكاح والملك، فإن النكاح لا يقتضي ملك الرقبة كذا ~~في البحر، ولا يخفى أن ملك الرقبة مما لا دخل له في محل النزاع فلا يقدح به ~~في القياس، واستدل في البحر للجمهور بقول علي رضي الله عند: من اشترى جارية ~~فلا يقربها حتى تستبرئ بحيضة قال: ولم يظهر خلافه، وقد عرفناك غير مرة أن ~~السكوت في المسائل الاجتهادية لا يدل على الموافقة لعدم وجوب الانكار فيها ~~على المخالف، والأولى التعويل في الاستدلال للموجبين على عموم حديث رويفع ~~وأبي هريرة، فإن ظاهرهما شامل للمسبية والمستبرأة ونحوهما، والتصريح في آخر ~~الحديث بقوله: فلا ينكحن ثيبا من السبايا ليس من باب التقييد للمطلق أو ~~التخصيص للعام بل من التنصيص على بعض ms2864 أفراد العام، ويمكن أن يقال إن قوله ~~في الحديث من السبايا مفهوم صفة، فلا يكون من التنصيص المذكور إلا عند من ~~لم يعمل به، وأوضح من ذلك حديث أبي سعيد المتقدم، فإن قوله: لا توطأ حامل ~~حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة يشمل المستبرأة ونحوها، وكون السبب في ~~ذلك سبايا أوطاس لا يدل على قصر اللفظ العام عليهن لما تقرر أن العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون PageV07P112 # ذلك عاما لكل من لم تجوز خلو رحمها لا من كان رحمها خاليا بيقين كالصغيرة ~~والبكر كما تقدم تحقيق ذلك، وظاهر حديث رويفع وما قبله أنه لا فرق بين ~~الحامل من زنا وغيرها، فيجب استبراء الأمة التي كانت قبل ثبوت الملك عليها ~~تزني إن كانت حاملا فبالوضع، وإن كانت غير حامل فبحيضة، ويؤيد هذا حديث ~~الرجل من الأنصار الذي ذكرناه في أول الباب. قوله: فاصطفى علي منه سبية ~~الخ، يمكن حمل هذا على أن السبية التي أصابها كانت بكرا أو صغيرة، أو كان ~~قد مضى عليها من بعد السبي مقدار مدة الاستبراء، لأنها قد دخلت في ملك ~~المسلمين من وقت السبي، والمصير إلى مثل هذا متعين للجمع بينه وبين ~~الأحاديث المذكورة في الباب، وظاهر هذا الحديث وسائر أحاديث الباب أنه لا ~~يشترط في جواز وطئ المسبية الاسلام، ولو كان شرطا لبينه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولم يبينه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك وقتها، ولا سيما ~~وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالاسلام يخفى عليهم مثل ~~هذا الحكم، وتجويز حصول الاسلام من جميع السبايا وهي في غاية الكثرة بعيد ~~جدا، فإن إسلام مثل عدد المسبيات في أوطاس دفعة واحدة من غير إكراه لا يقول ~~بأنه يصح تجويزه عاقل، ومن أعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على دينهن ما ثبت ~~من رده صلى الله عليه وآله وسلم لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن وسألوه ~~أن يرد إليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة فرد إليهم ms2865 السبي فقط. وقد ذهب إلى ~~جواز وطئ المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم طاوس وهو ~~الظاهر لما سلف. وفي الحديث الآخر منقبة ظاهرة لعلي رضي الله عنه، ومنقبة ~~لبريدة لمصير علي أحب الناس إليه، وقد صح أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه ~~إلا منافق كما في صحيح مسلم وغيره. # كتاب الرضاع باب عدد الرضعات المحرمة عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا تحرم المصة ولا PageV07P113 # المصتان رواه الجماعة إلا البخاري. وعن أم الفضل أن رجلا سأل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أتحرم المصة؟ فقال: لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة ~~والمصتان. # وفي رواية: قالت: دخل أعرابي على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~في بيتي فقال: يا نبي الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت ~~امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثي رضعة أو رضعتين، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان رواهما أحمد ومسلم. ~~وعن عبد الله بن الزبير: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تحرم من ~~الرضاعة المصة والمصتان رواه أحمد والنسائي والترمذي. # حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضا ابن حبان، وقال الترمذي: الصحيح عن ~~أهل الحديث من رواية ابن الزبير عن عائشة كما في الحديث الأول، وأعله ابن ~~جرير الطبري بالاضطراب، فإنه روى عن ابن الزبير عن أبيه، وجمع ابن حبان ~~بينهما بإمكان أن يكون ابن الزبير سمعه من كل منهم وفي الجمع بعد كما قال ~~الحافظ. ورواه النسائي من حديث أبي هريرة، وقال ابن عبد البر: لا يصح ~~مرفوعا. قوله: الرضعة هي المرة من الرضاع كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم ~~الصبي الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره لغير عارض كان ذلك رضعة. وفي ~~القاموس: رضع أمه كسمع وضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة ويكسران ورضعا ككتف ~~فهو راضع إلى أن قال: # امتص ثديها. ثم قال في مادة مصصته أنه بمعنى شربته شربا رفيقا. وفي ~~الضياء أن المصة الواحدة من ms2866 المص وهي أخذ اليسير من الشئ. قوله: الاملاجة ~~ولا الاملاجتان الاملاجة الا رضاعة الواحدة مثل المصة، وفي القاموس: ملج ~~الصبي أمه كنصر وسمع تناول ثديها بأدنى فمه، وامتلج اللبن امتصه، وأملجه ~~أرضعه، والمليج الرضيع انتهى. والأحاديث المذكورة تدل على أن الرضعة ~~الواحدة والرضعتين والمصة الواحدة والمصتين والاملاجة والاملاجتين لا يثبت ~~بها حكم الرضاع الموجب للتحريم. وتدل هذه الأحاديث بمفهومها على أن الثلاث ~~من الرضعات أو المصات تقتضي التحريم. وقد حكي صاحب البحر هذا المذهب عن زيد ~~بن ثابت وأبي ثور وابن المنذر انتهى. وحكاه في البدر التمام عن أبي عبيدة ~~وداود الظاهري وأحمد في رواية، ولكنه يعارض هذا المفهوم القاضي بأن ~~PageV07P114 # ما فوق الاثنتين يقتضي التحريم ما سيأتي من أن الرضاع المقتضي للتحريم هو ~~الخمس الرضعات، وسيأتي تحقيق ذلك وذكر من قال به، نعم هذه الأحاديث دافعة ~~لقول من قال: إن الرضاع المقتضي للتحريم هو الواصل إلى الجوف، ولا شك أن ~~المصة الواحدة تصل إلى الجوف فكيف ما فوقها؟ وسيأتي ذكر ما تمسكوا به. # وعن عائشة أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم ~~نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن فيما يقرأ ~~من القرآن رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي لفظ قالت وهي تذكر الذي يحرم ~~من الرضاعة نزل في القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل أيضا خمس معلومات رواه ~~مسلم. وفي لفظ قالت: أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس ~~رضعات إلى خمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ذلك رواه الترمذي. وفي لفظ: كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن ثم سقط لا ~~يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات رواه ابن ماجة. وعن عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمر امرأة أبي حذيفة فأرضعت سالما خمس رضعات، وكان ~~يدخل عليها بتلك الرضاعة رواه أحمد. وفي رواية: أن أبا حذيفة تبنى سالما ~~وهو مولى لامرأة من ms2867 الأنصار كما تبنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيدا، ~~وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث ميراثه حتى أنزل الله ~~عز وجل: * (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم ~~في الدين ومواليكم) * (الأحزاب: 5) فردوا إلى آبائهم معي فمن لم يعلم له أب ~~فمولى وأخ في الدين فجاءت سهلة فقالت يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا يأوي ~~معي ومع أبي حذيفة ويراني فضلى وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما قد علمت فقال: ~~أرضعيه خمس رضعات فكان بمنزلة ولده من الرضاعة رواه مالك في الموطأ وأحمد. # حديث عائشة في قصة سالم أخرج الرواية الأولى منه النسائي عن جعفر بن ~~ربيعة عن الزهري كتاب عن عروة عنها. ورواه الشافعي في الام عن مالك عن ~~الزهري عن عروة مرسلا. ورواه أيضا عبد الرزاق. وأخرج الرواية الثانية عنها ~~أبو داود. # وأخرجها أيضا البخاري في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن ~~عروة عنها إلى قوله: فجاءت سهلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فذكر ~~الحديث ولم يسق بقيته، وساقها البيهقي في سننه من هذا الوجه كرواية أبي ~~داود PageV07P115 # ، ورواها أيضا البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عنها وساق ~~منها إلى قوله: وقد أنزل الله فيه ما قد علمت. قوله: معلومات فيه إشارة إلى ~~أنه لا يثبت حكم الرضاع إلا بعد العلم بعدد الرضعات، وأنه لا يكفي الظن بل ~~يرجع معه ومع الشك إلى الأصل وهو العدم. قوله: وهن فيما يقرأ بضم الياء ~~وفيه إشارة إلى أنه تأخر إنزال الخمس الرضعات فتوفي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهن قرآن يقرأ. قوله: فضلى بضم الفاء والضاد المعجمة قال الخطابي: أي ~~مبتذلة في ثياب مهنتها انتهى. والفضل من الرجال والنساء الذي عليه ثوب واحد ~~بغير إزار. وقال ابن وهب: أي مكشوف الرأس. وقد استدل بأحاديث الباب من قال ~~إنه لا يقتضي التحريم من الرضاع إلا خمس رضعات معلومات وقد تقدم تحقيق ~~الرضعة. ms2868 وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس ~~وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه ~~وإسحاق وابن حزم وجماعة من أهل العلم. وقد روي هذا المذهب عن الإمام علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه. وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضي ~~التحريم وإن قل، وقد حكاه صاحب البحر عن الإمام علي رضي الله عنه وابن عباس ~~وابن عمر والثوري والعترة وأبي حنيفة وأصحابه ومالك وزيد بن أوس انتهى. ~~وروي أيضا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم وحماد ~~والأوزاعي. قال المغربي في البدر: وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا ~~على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم منه ما يفطر الصائم وهو رواية عن الإمام ~~أحمد انتهى. وحكى ابن القيم عن الليث أنه لا يحرم إلا خمس رضعات كما قدمنا ~~ذلك فينظر في المروي عنه من حكاية الاجماع فإنه يبعد كل البعد أن يحكي ~~العالم الاجماع في مسألة ويخالفها. وقد أجاب أهل القول الثاني عن أحاديث ~~الباب التي استدل بها أهل القول الأول بأجوبة: منها أنها متضمنة لكون الخمس ~~الرضعات قرآنا والقرآن شرطه التواتر ولم يتواتر محل النزاع. وأجيب بأن كون ~~التواتر شرطا ممنوع، والسند ما أسلفنا عن أئمة القراءات كالجزري وغيره في ~~باب الحجة في الصلاة بقراءة ابن مسعود وأبي من أبواب صفة الصلاة، فإنه نقل ~~هو وجماعة من أئمة القراءات الاجماع على ما يخالف هذه الدعوى، ولم يعارض ~~نقله ما يصلح لمعارضته كما بينا ذلك هنالك. # وأيضا اشتراط التواتر فيما نسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوع. وأيضا ~~انتفاء PageV07P116 # قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيته على فرض شرطية التواتر، لأن الحجة ثبت ~~بالظن ويجب عنده العمل، وقد عمل الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة منها ~~قراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقراءة أبي: وله أخ أو أخت من ~~أم. ووقع الاجماع على ذلك ولا مستند له غيرها. وأجابوا أيضا بأن ذلك لو كان ~~قرآنا لحفظ ms2869 لقوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * ~~(الحجر: 9) وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوع، بل قد حفظه الله برواية عائشة ~~له، وأيضا المعتبر حفظ الحكم، ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير ~~لكان سنة لكون الصحابي راويا له عنه صلى الله عليه وآله وسلم لوصفه له ~~بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجية لما تقرر في ~~الأصول من أن المروي آحاد إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل ~~به كما سلف. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * ~~(النساء: 23) وإطلاق الرضاع يشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثل ذلك حديث: ~~يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. ويجاب بأنه مطلق مقيد بما سلف، واحتجوا ~~بما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحرث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب الذي ~~سيأتي في باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع، فإن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يستفصل عن الكيفية ولا سأل عن العدد. ويجاب أيضا بأن أحاديث الباب ~~اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال فيتعين الاخذ ~~بها، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم للقدر الذي يثبت به التحريم . (فإن قلت) حديث: لا يحرم من الرضاع ~~إلا ما فتق الأمعاء يدل على عدم اعتبار الخمس لأن الفتق يحصل بدونها. قلت: ~~سيأتي الجواب عن ذلك في شر الحديث، فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار ~~الخمس. وأما حديث: لا تحرم الرضعة والرضعتان وكذلك سائر الأحاديث المتقدمة ~~في الباب الأول وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها، فمفهومها يقتضي أن ما ~~زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي ~~التحريم فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجة ~~بلفظ: لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس كما ذكره المصنف، وهذا مفهوم حصر وهو ~~أولى من مفهوم العدد. وأيضا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشري إلى ms2870 أن ~~الاخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر، والاخبار عن الخمس ~~PageV07P117 # الرضعات بلفظ يحرمن كذلك ولو سلم استواء المفهومين وعدم انتهاض أحدهما ~~كان المتوجه تساقطهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس لا على ما دونها إلا أن ~~يدل عليه دليل، ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قولت: لا ~~تحرم الرضعة والرضعتان والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بد من تقييد الخمس ~~الرضعات بكونها في زمن المجاعة لحديث عائشة الآتي في الباب الذي بعد هذا. ~~وأما حديث ابن مسعود عند أبي داود مرفوعا: لا رضاع إلا ما انتشر العظم ~~وأنبت اللحم فيجاب بأن الانبات والانشار إن كانا يحصلان بدون الخمس، ففي ~~حديث الخمس زيادة يجب قبولها والعمل بها وإن كانا لا يحصلان إلا بزيادة ~~عليها، فيكون حديث الخمس مقيدا بهذا الحديث لولا أنه من طريق أبي موسى ~~الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود. وقد قال أبو حاتم: # إن أبا موسى وأباه مجهولان. وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي حصين عن أبي ~~عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى فذكره بمعناه، وهذا على فرض أنه يفيد ~~ارتفاع الجهالة عن أبي موسى لا يفيد ارتفاعها عن أبيه، فلا ينتهض الحديث ~~لتقييد أحاديث الخمس بإنشار العظم وإنبات اللحم. وفي حديث عائشة المذكور في ~~قصة سالم دليل على أن إرضاع الكبير يقتضي التحريم وسيأتي تحقيق ذلك. # باب ما جاء في رضاعة الكبير عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة ~~لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، فقالت ~~عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة؟ وقالت: إن ~~امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي ~~حذيفة منه شئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرضعيه حتى يدخل ~~عليك رواه أحمد ومسلم. وفي رواية عن زينب عن أمها أم سلمة: أنها قالت: أبى ~~سائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ms2871 يدخلن عليهن أحدا بتلك ~~الرضاعة وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لسالم خاصة PageV07P118 # فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا. رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وابن ماجة. # هذا الحديث قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل وهي من ~~المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~ورواه من التابعين القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وحميد بن نافع. ورواه عن ~~هؤلاء الزهري وابن أبي مليكة وعبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري ~~وربيعة. ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ~~وشعبة ومالك وابن جريج وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال ~~وغيرهم، وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم. ثم رواه عنهم ~~الجم الغفير والعدد الكثير. وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة بلغت ~~طرقها نصاب التواتر، وقد استدل بذلك من قال: إن إرضاع الكبير يثبت به ~~التحريم وهو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما حكاه عنه ~~ابن حزم. وأما ابن عبد البر فانكار الرواية عنه في ذلك وقال لا يصح. وإليه ~~ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية، ~~وحكاه النووي عن داود الظاهري وإليه ذهب ابن حزم، ويؤيد ذلك الاطلاقات ~~القرآنية كقوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) * ~~(النساء: 23) وذهب الجمهور إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير، وأجابوا ~~عن قصة سالم بأنها خاصة به، كما وقع من أمهات المؤمنين لما قالت لهن عائشة ~~لذلك محتجة به. وأجيب بأن دعوى الاختصاص تحتاج إلى دليل، وقد اعترفن بصحة ~~الحجة التي جاءت بها عائشة ولا حجة في آبائهن لها، كما أنه لا حجة في ~~أقوالهن، ولهذا سكتت أم سلمة لما قالت لها عائشة: أما لك في رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة؟ ولو كانت هذه السنة مختصة بسالم ms2872 لبينها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية ~~بالجذع من المعز، واختصاص خزيمة بأن شهادته كشهادة رجلين. وأجيب أيضا بدعوى ~~نسخ قصة سالم المذكورة، واستدل على ذلك بأنها كانت في أول الهجرة عند نزول ~~قوله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) * (الأحزاب: 5) وقد ثبت اعتبار الصغر من ~~حديث ابن عباس ولم يقدم المدينة إلا قبل الفتح. ومن حديث أبي هريرة ولم ~~يسلم إلا في فتح خيبر. ورد ذلك بأنهما لم يصرحا بالسماع من النبي، وأيضا ~~حديث ابن عباس PageV07P119 # مما لا تثبت به الحجة كما سيجئ ولو كان النسخ صحيحا لما ترك التشبث به ~~أمهات المؤمنين. # ومن أجوبتهم أيضا حديث: لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام. ~~وحديث: # إنما الرضاعة من المجاعة وسيأتي الجواب عن ذلك، كما سيأتي الجواب عن حديث ~~لا رضاع إلا ما كان في الحولين وقد اختلفوا في تقدير المدة التي يقتضي ~~الرضاع فيها التحريم على أقوال. الأول: أنه لا يحرم منه إلا ما كان في ~~الحولين وقد حكاه في البحر عن عمر وابن عباس وابن مسعود والعترة والشافعي ~~وأبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح ومالك وزفر ومحمد اه. وروي أيضا عن أبي ~~هريرة وابن عمر وأحمد وأبي يوسف وسعيد بن المسيب والشعبي وابن شبرمة وإسحاق ~~وأبي عبيد وابن المنذر. القول الثاني: أن الرضاع المقتضي للتحريم ما كان ~~قبل الفطام وإليه ذهبت أم سلمة. وروي عن علي ولم يصح عنه. وروي عن ابن عباس ~~وبه قال الحسن والزهري والأوزاعي وعكرمة وقتادة. القول الثالث: أن الرضاع ~~في حال الصغر يقتضي التحريم ولم يحده القائل بحد. وروي ذلك عن أزواج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما خلا عائشة، وعن ابن عمر وسعيد بن المسيب. # القول الرابع: ثلاثون شهرا وهو رواية عن أبي حنيفة وزفر. القول الخامس: # في الحولين وما قاربهما روي ذلك عن مالك، وروي عنه أن الرضاع بعد الحولين ~~لا يحرم قليله ولا كثيره كما في الموطأ. القول السادس: ثلاث سنين وهو مروي ms2873 ~~عن جماعة من أهل الكوفة وعن الحسن بن صالح. القول السابع: سبع سنين روى ذلك ~~عن عمر بن عبد العزيز. القول الثامن: حولان واثنا عشر يوما روي عن ربيعة. ~~القول التاسع: # أن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي ~~لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الاسلام ~~ابن تيمية وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن ~~تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم: إنما الرضاع من المجاعة. ولا رضاع إلا ~~في الحولين. ولا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام ولا رضاع إلا ما ~~أنشر العظم وأنبت اللحم وهذه طريق متوسطة بين طريقة من استدل بهذه ~~الأحاديث، على أنه حكم لرضاع الكبير مطلقا، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع ~~الصغير مطلقا، لما يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسف كما ~~سيأتي بيانه. ويؤيد هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية ~~الحجاب، وهي مصرحة بعدم جواز ابداء الزينة PageV07P120 # لغير من في الآية، فلا يخص منها غير من استثناه الله تعالى إلا بدليل ~~كقضية سالم وما كان مماثلا لها في تلك العلة التي هي الحاجة إلى رفع ~~الحجاب، من غير أن يقيد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجا ~~ب، ولا بشخص من الاشخاص، ولا بمقدار من عمر الرضيع معلوم. وقد ثبت في حديث ~~سهلة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن سالما ذو لحية فقال: ~~أرضعيه. وينبغي أن يكون الرضاع خمس رضعات لما تقدم في الباب الأول. قوله: ~~الغلام الأيفع هو من راهق عشرين سنة على ما في القاموس. # وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحرم من ~~الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام رواه الترمذي وصححه. ~~وعن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا رضاع ms2874 إلا ما كان في الحولين رواه الدارقطني وقال: لم ~~يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ. وعن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام رواه أبو ~~داود الطيالسي في مسنده. # وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعندي رجل ~~فقال: من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة، قال: يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما ~~الرضاعة من المجاعة رواه الجماعة إلا الترمذي. # حديث أم سلمة أخرجه أيضا الحاكم وصححه وأعل بالانقطاع، لأنه من رواية ~~فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئا لصغر ~~سنها إذ ذاك. وحديث ابن عباس رواه أيضا سعيد بن منصور والبيهقي وابن عدي ~~وقال: # يعرف بالهيثم وغيره وكان يغلط، وصحح البيهقي وقفه، ورجح ابن عدي الموقوف. ~~وقال ابن كثير في الارشاد: رواه مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد عن ابن عباس ~~موقوفا وهو أصح، وكذا رواه غير ثور عن ابن عباس. وحديث جابر قدمناه في باب ~~علامات البلوغ من كتاب التفليس عند الكلام على حديث علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه بلفظ: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتم بعد ~~احتلام الحديث، أن المنذري قال: وقد روى هذا الحديث يعني حديث علي من رواية ~~جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شئ يثبت اه. وهو يشير برواية جابر ~~بن عبد الله إلى حديثه هذا. ولا يخفى أن حديث ابن عباس المذكور ههنا يشهد ~~له، وكذلك يشهد له حديث PageV07P121 # علي المتقدم هناك. قوله: إلا ما فتق الأمعاء أي سلك فيها، والفتق الشق، ~~والأمعاء جمع المعى بفتح الميم وكسرها. قوله: في الثدي أي في زمن الثدي وهو ~~لغة معروفة، فإن العرب تقول: مات فلان في الثدي أي في زمن الرضاع قبل ~~الفطام، كما وقع التصريح بذلك في آخر الحديث. قوله: انظرن من إخوانكن هو ~~أمر بالتأمل فيما وقع من ms2875 الرضاع، هل هو رضاع صحيح مستجمع للشروط المعتبرة؟ ~~قال المهلب: المعنى انظرن ما سبب هذه الاخوة؟ فإن حرمة الرضاع إنما هي في ~~الصغر حيث تسد الرضاعة المجاعة. # وقال أبو عبيد معناه أن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من ~~الرضاع هو الصبي لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع. قوله: فإنما الرضاعة من ~~المجاعة هو تعليل للباعث على إمعان النظر والتفكر بأن الرضاعة التي تثبت ~~بها الحرمة هي حيث يكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته، وأما من كان يأكل ~~ويشرب فرضاعه لا عن مجاعة لأن في الطعام والشراب ما يسد جوعته بخلاف الطفل ~~الذي لا يأكل الطعام. ومثل هذا المعنى حديث: لا رضاع إلا ما أنشر العظم ~~وأنبت اللحم فإن إنشار العظم وإنبات اللحم إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن، ~~وقد احتج بهذه الأحاديث من قال: إن رضاع الكبير لا يقتضي التحريم مطلقا وهم ~~الجمهور كما تقدم. وأجاب القائلون بأن رضاع الكبير يقتضي التحريم مطلقا، ~~وهم من تقدم ذكره عن هذه الأحاديث فقالوا: أما حديث لا يحرم من الرضاع إلا ~~ما فتق الأمعاء فأجابوا عنه: بأنه منقطع كما تقدم، ولا يخفى أن تصحيح ~~الترمذي والحاكم لهذا الحديث يدفع علة الانقطاع، فإنهما لا يصححان ما كان ~~منقطعا إلا وقد صح لهما اتصاله، لما تقرر في علم الاصطلاح أن المنقطع من ~~قسم الضعيف. وأجابوا عن حديث: لا رضاع إلا ما كان في الحولين بأنه موقوف ~~كما تقدم ولا حجة في الموقوف، وبما تقدم من اشتهار الهيثم بن جميل بالغلط ~~وهو المنفرد برفعه، ولا يخفى أن الرفع زيادة يجب المصير إليها على ما ذهب ~~إليه أئمة الأصول وبعض أئمة الحديث إذا كانت ثابتة من طريق ثقة والهيثم ثقة ~~كما قاله الدارقطني مع كونه مؤيدا بحديث جابر المذكور. وأجابوا عن حديث ~~فإنما الرضاعة من المجاعة بأن شرب الكبير يؤثر في دفع مجاعته قطعا، كما ~~يؤثر في دفع مجاعة الصغير أو قريبا منه. # وأورد عليهم أن الامر إذا كان كما ذكرتم من استواء الكبير ms2876 والصغير فما ~~الفائدة في الحديث؟ وتخلصوا عن ذلك بأن فائدته إبطال تعلق التحريم بالقطرة ~~من اللبن والمصة التي لا تغني من جوع، ولا يخفى ما في هذا من التعسف، ولا ~~ريب أن سد الجوعة PageV07P122 # باللبن الكائن في ضرع المرضعة إنما يكون لمن لم يجد طعاما ولا شرابا ~~غيره. وأما من كان يأكل ويشرب فهو لا تسد جوعته عند الحاجة بغير الطعام ~~والشراب، وكون الرضاع مما يمكن أن يسد به جوعة الكبير أمر خارج عن محل ~~النزاع، فإنه ليس النزاع فيمن يمكن أن تسد جوعته به إنما النزاع فيمن لا ~~تسد جوعته إلا به، وهكذا أجابوا عن الاحتجاج بحديث: لا رضاع إلا ما أنشر ~~العظم وأنبت اللحم فقالوا: # إنه يمكن أن يكون الرضاع كذلك في حق الكبير ما لم يبلغ أرذل العمر، ولا ~~يخفى ما فيه من التعسف، والحق ما قدمنا من أن قضية سالم مختص بمن حصل له ~~ضرورة بالحجاب لكثرة الملابسة، فتكون هذه الأحاديث مخصصة بذلك النوع، ~~فتجتمع حينئذ الأحاديث ويندفع التعسف من الجانبين. وقد احتج القائلون ~~باشتراط الصغر بقوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة) * (البقرة: 233) قالوا: وذلك بيان للمدة التي تثبت ~~فيها أحكام الرضاع، ويجاب بأن هذه الآية مخصصة بحديث قصة سالم الصحيح. # باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب عن ابن عباس: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أريد على ابنة حمزة فقال: # إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من ~~الرحم وفي لفظ من النسب متفق عليه. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة رواه الجماعة ولفظ ابن ماجة ~~من النسب. وعن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من ~~الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له رواه ms2877 الجماعة. وعن ~~الإمام علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب رواه أحمد والترمذي وصححه. # قوله: أريد بضم الهمزة والذي أراد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يتزوجها هو علي رضي الله عنه كما في صحيح مسلم، وقد اختلف في اسم ابنة حمزة ~~على PageV07P123 # أقوال: أمامة وسلمى وفاطمة وعائشة وأمة الله وعمارة ويعلى، وإنما كانت ~~ابنة أخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم رضع ~~من ثويبة وقد كانت أرضعت حمزة. قوله: أفلح بالفاء والحاء المهملة وهو مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل مولى أم سلمة، والقعيس بضم القاف ~~وبعين وسين مهملتين مصغرا. (وقد استدل) بأحاديث الباب على أنه يحرمن الرضاع ~~ما يحرم من النسب ، وذلك بالنظر إلى أقارب المرضع لأنهم أقارب للرضيع، وأما ~~أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المرضع. والمحرمات من الرضاع سبع: الام ~~والأخت بنص القرآن والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، لأن هؤلاء ~~الخمس يحرمن من النسب، وقد وقع الخلاف هل يحرم بالرضاع ما يحرم من الصهار؟ ~~وابن القيم قد حقق ذلك في الهدى بما فيه كفاية فليرجع إليه. وقد ذهب الأئمة ~~الأربعة إلى أنه يحرم نظير المصاهرة بالرضاع، فيحرم عليه أم امرأته من ~~الرضاعة وامرأة أبيه من الرضاعة، ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين ~~المرأة وعمتها وبنتها، وبين خالتها من الرضاعة، وقد نازعهم في ذلك ابن ~~تيمية كما حكاه صاحب الهدى. وحديث عائشة في دخول أفلح عليها فيه دليل على ~~ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة. وقد ذهب إلى هذا ~~جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وسائر العلماء، وقد وقع التصريح ~~بالمطلوب في رواية لا بداود بلفظ قالت عائشة: # دخل علي أفلح فاستترت منه فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ ~~قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فدخل ~~علي رسول ms2878 الله صلى الله عليه وآله وسلم فحدثته فقال: إنه عمك فليلج عليك. ~~وروي عن عائشة وابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وزينب بنت أم سلمة وسعيد ~~بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد وسالم وسليمان بن يسار ~~وعطاء بن يسار والشعبي والنخعي وأبي قلابة وإياس بن معاوية القاضي أنه لا ~~يثبت حكم الرضاع للزوج. حكى ذلك عنهم ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد ~~الرزاق وابن المنذر. # وروي أيضا هذا القول عن ابن سيرين وابن علية والظاهرية وابن بنت الشافعي. # وقد روي ما يدل على أنه قول جمهور الصحابة، فأخرج الشافعي عن زينب بنت ~~أبي سلمة أنها قالت: كان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط أرى أنه أبي وأن ولده ~~إخوتي لأن امرأته PageV07P124 # أسماء أرضعتني، فلما كان بعد الحرة أرسل إلى عبد الله بن الزبير يخطب ~~ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير وكان للكلبية فقلت: وهل تحل له؟ ~~فقال: إنه ليس لك بأخ إنما إخوتك من ولدت أسماء دون من ولد الزبير من ~~غيرها، قالت: فأرسلت فسألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: إن ~~الرضاع لا يحرم شيئا من قبل الرجل فأنكحتها إياه. وأجيب بأن الاجتهاد من ~~بعض الصحابة والتابعين لا يعارض النص ولا يصح دعوى الاجماع لسكوت الباقين. ~~لأنا نقول: نحن نمنع أولا أن هذه الواقعة بلغت كل المجتهدين منهم. وثانيا ~~أن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلا على الرضا. وأما عمل عائشة ~~بخلاف ما روت فالحجة روايتها لا رأيها، وقد تقرر في الأصول أن مخالفة ~~الصحابي لما رواه لا تقدح في الرواية، وقد صح عن علي القول بثبوت حكم ~~الرضاع للرجل، وثبت أيضا عن ابن عباس كما في البخاري. # باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع عن عقبة بن الحرث أنه تزوج أم يحيى بنت ~~أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأعرض عني قال: فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: وكيف وقد ~~زعمت أنها قد ms2879 أرضعتكما فنهاه عنها رواه أحمد والبخاري. وفي رواية: دعها عنك ~~رواه الجماعة إلا مسلما وابن ماجة. # في رواية للبخاري: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف وقد قيل ~~ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره. قوله: أم يحيى اسمها غنية بفتح الغين ~~المعجمة وكسر النون بعدها تحتية مشددة. وقيل: اسمها زينب، وإهاب بكسر ~~الهمزة وآخره باء موحدة، وقد استدل بالحديث على قبول شهادة المرضعة ووجوب ~~العمل بها وحدها، وهو مروي عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق ~~والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ولكنه قال: يجب العمل على الرجل ~~بشهادتها فيفارق زوجته ولا يجب الحكم على الحاكم. وروي ذلك عن مالك. وفي ~~رواية عنه أنه لا يقبل في الرضاع إلا شهادة امرأتين، وبه قال جماعة من ~~أصحابه. وقال جماعة منهم PageV07P125 # بالأول، وذهبت العترة والحنفية إلى أنه لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين ~~كسائر الأمور، ولا تكفي شهادة المرضعة وحدها، بل لا تقبل عند الهادوية لأن ~~فيها تقريرا لفعل المرضعة، ولا تقبل عندهم الشهادة إذا كانت كذلك مطلقا، ~~ولكنه حكي في البحر عن الهادوية والشافعية والحنفية أنه يجب العمل بالظن ~~الغالب في النكاح تحريما، ويجب على الزوج الطلاق إن لم تكمل الشهادة، ~~واستدل لهم على ذلك بهذا الحديث. وقال الامام يحيى: الخبر محمول على ~~الاستحباب، ولا يخفى أن النهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول فلا ~~يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة، والاستدلال على عدم قبول المرأة ~~المرضعة بقوله تعالى: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) * (البقرة: 282) لا ~~يفيد شيئا لأن الواجب بناء العام على الخاص، ولا شك أن الحديث أخص مطلقا. ~~وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب ضوء النهار من أنه مخالف للأصول فيجاب عنه ~~بالاستفسار عن الأصول، فإن أراد الأدلة القاضية باعتبار شهادة عدلين أو رجل ~~وامرأتين فلا مخالفة لأن هذا خاص وهي عامة، وإن أراد غيرها فما هو؟ وأما ما ~~رواه أبو عبيد عن علي وابن عباس والمغيرة أنهم امتنعوا من التفرقة بين ~~الزوجين بذلك، فقد تقرر ms2880 أن أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم ~~معارضتها لما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف إذا عارضت ما هو كذلك؟ ~~وأما ما قيل من أمره صلى الله عليه وآله وسلم من باب الاحتياط فلا يخفى ~~مخالفته لما هو الظاهر، ولا سيما بعد أن قرر السؤال أربع مرات كما في بعض ~~الروايات والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له في جميعها كيف؟ وقد قيل: ~~وفي بعضها دعها عنك كما في حديث الباب. وفي بعضها: لا خير لك فيها. مع أنه ~~لم يثبت في رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالطلاق، ولو كان ذلك ~~من باب الاحتياط لامره به. فالحق وجوب العمل بقول المرأة المرضعة حرة كانت ~~أو أما، حصل الظن بقولها أو لم يحصل، لما ثبت في رواية أن السائل قال: ~~وأظنها كاذب، فيكون هذا الحديث الصحيح هادما لتلك القاعدة المبنية على غير ~~أساس، أعني قولهم: إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصا ~~لعمومات الأدلة كما خصصها دليل كفاية العدلة في عورات النساء عند أكثر ~~المخالفين. PageV07P126 # باب ما يستحب أن تعطى المرضعة عند الفطام عن حجاج بن حجاج رجل من أسلم ~~قال قلت: يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: غرة عبد أو أمة رواه ~~الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي. # الحديث سكت عنه أبو داود. وقال المنذري: إنه الحجاج بن الحجاج بن مالك ~~الأسلمي سكن المدينة. وقيل: كان ينزل العرج ذكره أبو القاسم البغوي وقال: ~~ولا أعلم للحجاج بن مالك غير هذا الحديث. وقال أبو عمر النمري: له حديث ~~واحد. وقال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح، هكذا رواه يحيى بن سعيد ~~القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن ~~حجاج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورواه سفيان بن عيينة عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ms2881 ~~وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما رواه هؤلاء عن هشام بن عروة، وهشام ~~بن عروة يكنى أبا المنذر وقد أدرك جابر بن عبد الله وابن عمر وفاطمة بنت ~~المنذر بن الزبير بن العوام هي أم هشام بن عروة انتهى كلامه. وقد بوب أبو ~~داود على هذا الحديث باب في الرضخ عند الفصال، وبوب عليه الترمذي باب ما ~~يذهب مذمة الرضاع، وقد استدل بالحديث على استحباب العطية للمرضعة عند ~~الفطام وأن يكون عبدا أو أمة، والمراد بقوله: ما يذهب عني مذمة الرضاع أي ~~ما يذهب عني الحق الذي تعلق بي للمرضعة لأجل إحسانها لي بالرضاع، فإني إن ~~لم أكافئها على ذلك صرت مذموما عند الناس بسبب عدم المكافأة والله أعلم. ~~PageV07P127 # كتاب النفقات باب نفقة الزوجة وتقديمها على نفقة الأقارب عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على ~~مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك رواه ~~أحمد ومسلم. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: ابدأ ~~بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شئ فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شئ فلذي قرابتك، فإن ~~فضل عن ذي قرابتك شئ فهكذا وهكذا رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تصدقوا، قال رجل: ~~عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على ~~زوجتك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر، ~~قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر به رواه أحمد ~~والنسائي، ورواه أبو داود لكنه قدم الولد على الزوجة، واحتج به أبو عبيد في ~~تحديد الغني بخمسة دنانير ذهبا تقوية بحديث ابن مسعود في الخمسين درهما. # حديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا الشافعي وابن حبان والحاكم. # قال ابن حزم: اختلف يحيى القطان والثوري ms2882 فقدم يحيى الزوجة على الولد، ~~وقدم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر، بل ~~يكونان سواء، لأنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تكلم ~~تكلم ثلاثا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه مرة قدم الولد ومرة قدم الزوجة ~~فصارا سواء، ولكنه يمكن ترجيح تقدم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها في ~~حديث جابر المذكور في الباب، وهكذا قال الحافظ في التلخيص. وحديث أبي هريرة ~~الأول فيه دليل على أن الانفاق على أهل الرجل أفضل من الانفاق في سبيل ~~الله، ومن الانفاق في الرقاب، ومن التصدق على المساكين. وحديث جابر فيه ~~دليل على PageV07P128 # أنه لا يجب على الرجل أن يؤثر زوجته وسائر قرابته بما يحتاج إليه في نفقة ~~نفسه، ثم إذا فضل عن حاجة نفسه شئ فعليه إنفاقه على زوجته، وقد انعقد ~~الاجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فضل عن ذلك شئ فعلى ذوي قرابته، ثم ~~إذا فضل عن ذلك شئ فيستحب له التصدق بالفاضل، والمراد بقوله هكذا وهكذا أي ~~يمينا وشمالا كناية عن التصدق. واعلم أنه قد وقع الاجماع على أنه يجب على ~~الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين كما حكي ذلك في البحر واستدل له بقوله ~~تعالى: * (وبالوالدين إحسانا) * (البقرة: 83) ثم قال: ولو كانا كافرين ~~لقوله تعالى: * (وإن جاهداك) * (لقمان: 15) وأنت ومالك لأبيك ثم حكى بعد ~~حكاية الاجماع المتقدم عن العترة والفريقين أن الام المعسرة كالأب في وجوب ~~نفقتها. # (واستدل) بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أمك ثم أمك الخبر. وحكي عن مالك ~~الخلاف في ذلك لعدم الدليل. وأجاب عليه بأن هذا الخبر دليل، وعلى فرض عدم ~~الدليل فبالقياس على الأب، ثم قال: وكذا الخلاف في الجد أبي الأب. ثم حكي ~~عن عمرو بن أبي ليلى والحسن بن صالح والعترة وأحمد بن حنبل وأبي ثور أنها ~~تجب النفقة لكل معسر على كل موسر إذا كانت ملتهما واحدة وكانا يتوارثان، ~~واستدل لذلك بقوله تعالى : * (وعلى الوارث مثل ذلك) * (البقرة: 233) واللام ms2883 ~~للجنس. وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنها إنما تلزم للرحم المحرم فقط. وعن ~~الشافعي وأصحابه: لا تجب إلا للأصول والفصول فقط. وعن مالك: لا تجب إلا ~~للولد والوالد فقط. وقد أجيب عن الاستدلال بالآية المذكورة بمنع دلالتها ~~على المطلوب، ودعوى أن الإشارة بقوله ذلك إلى عدم المضارة وعلى التسليم ~~فالمراد وارث الأب بعد موته. والأولى أن يقال لفة الوارث فيه احتمالات: ~~أحدها أن يراد المولود له المذكور في صدر الآية وهو المولود وقد قال بهذا ~~قبيصة بن ذؤيب. الثاني: أن يراد وارث المولود وبه قال الجمهور من السلف ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور. الثالث: أن يراد به الباقي من الأبوين بعد الآخر ~~وبه قال سفيان وغيره، فحينئذ لفظ الوارث مجمل، لا يحمل حمله على أحد هذه ~~المعاني إلا بدليل، مع أنه لا يصح الاستدلال بالآية على وجوب نفقة كل معسر ~~على من يرثه من قرابته الموسرين، لأن الكلام في الآية في رزق الزوجات ~~وكسوتهن، ولكنه يدل على المطلوب عموم فلذي قرابتك. قوله: تصدق به على ولد ك ~~فيه دليل على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر، فإن كان الولد صغيرا فذلك ~~إجماع كما حكاه صاحب البحر، وإن كان كبيرا فقيل PageV07P129 # نفقته على الأب وحده دون الام، وقيل عليهما حسب الإرث، ويأتي بقية الكلام ~~على نفقة الأقارب في باب النفقة على الأقارب. قوله: تصدق به على خادمك فيه ~~دليل على وجوب نفقة الخادم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب نفقة الرقيق. ~~قوله: # بخمسة دنانير ذهبا قد قدمنا الكلام على هذا في الزكاة. # باب اعتبار حال الزوج في النفقة عن معاوية القشيري قال: أتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: # فقلت: ما تقول في نسائنا؟ قال: أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ~~ولا تضربوهن ولا تقبحوهن رواه أبو داود. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة والحاكم وابن حبان وصححاه، وعلق ~~البخاري طرفا منه، وصححه الدارقطني في العلل، وقد ساقه أبو داود في سننه من ~~ثلاث طرق في كل واحدة منها بهز ms2884 بن حكيم عن أبيه عن جده وهو معاوية القشيري ~~المذكور، قال المنذري: وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بهذه النسخة يعني نسخة ~~بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، فمنهم من احتج بها، ومنهم من أبى ذلك، وخرج ~~الترمذي منها شيئا وصححه. (وفي الحديث) دليل على أنه يجب على الزوج أن يطعم ~~امرأته مما يأكل ويكسوها مما يكتسي، وأنه لا يجوز له ضربها ولا تقبيحها، ~~وقد تقدم الحديث وشرحه في باب إحسان العشرة، وقد استدل المصنف بهذا الحديث ~~على أن العبرة بحال الزوج في النفقة، ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: * (لينفق ~~ذو سعة من سعته) * (الطلاق: 7) وإلى ذلك ذهبت العترة والشافعية وبعض ~~الحنفية، وذهب أكثر الحنفية ومالك إلى أن الاعتبار بحال الزوجة. واستدلوا ~~بقصة هند امرأة سفيان الآتية، وأجيب عن ذلك بأنه أمرها بالأخذ بالمعروف ولم ~~يطلق لها الاخذ على مقدار الحاجة. PageV07P130 # باب المرأة تنفق من مال الزوج بغير علمه إذا منعها الكفاية عن عائشة: أن ~~هندا قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح ~~وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف رواه الجماعة إلا الترمذي. # قوله: إن هندا هي بنت عتبة بن ربيعة، والرواية بالصرف، ووقع في رواية ~~للبخاري بالمنع، وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد ~~مناف. قوله: شحيح أي بخيل حريص وهو أعم من البخل، لأن البخل مختص بمنع ~~المال، والشح يعم منع كل شئ في جميع الأحوال كذا في الفتح. قوله: # خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف قال القرطبي: هذا أمر إباحة بدليل ما وقع في ~~رواية للبخاري بلفظ: لا حرج والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه ~~الكفاية، قال: وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظا فهي مقيدة معنى كأنه قال: ~~إن صح ما ذكرت. (والحديث) فيه دليل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها وهو ~~مجمع عليه كما سلف، وعلى وجوب نفقة الولد على الأب، ms2885 وأنه يجوز لمن وجبت له ~~النفقة شرعا على شخص أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم يقع منه الامتثال ~~وأصر على التمرد، وظاهره أنه لا فرق في وجوب نفقة الأولاد على أبيهم بين ~~الصغير والكبير لعدم الاستفصال وهو ينزل منزلة العموم، وأيضا قد كان في ~~أولادها في ذلك الوقت من هو مكلف كمعاوية رضي الله عنه فإنه أسلم عام الفتح ~~وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فعلى هذا يكون مكلفا من قبل هجرة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى المدينة، وسؤال هند كان في عام الفتح. وذهبت الشافعية ~~إلى اشتراط الصغر أو الزمانة، وحكاه ابن المنذر عن الجمهور والحديث يرد ~~عليهم، ولم يصب من أجاب عن الاستدلال بهذا الحديث على وجوب نفقة الأولاد ~~بأنه واقعة عين لا عموم لها، لأن خطاب الواحد كخطاب الجماعة كما تقرر في ~~الأصول. وفي رواية متفق عليها: ما يكفيك ويكفي وليدك وقد أجيب عن الحديث ~~أيضا بأنه من باب الفتيا لا من القضاء وهو فاسد لأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يفتي إلا بحق. واستدل بالحديث أيضا من قدر نفقة الزوجة بالكفاية، ~~وبه قال PageV07P131 # الجمهور وقال الشافعي: إنها تقدر بالامداد، فعلى الموسر كل يوم مدان، ~~والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد. وروي نحو ذلك عن مالك، والحديث حجة عليهم ~~كما اعترف بذلك النووي، وللحديث فوائد لا يتعلق غالبها بالمقام، وقد ~~استوفاها ففتح الباري ، واستوفى طرق الحديث واختلاف ألفاظه. # باب إثبات الفرقة للمرأة إذا تعذرت النفقة بإعسار ونحوه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى، ~~واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. فقيل: من أعول يا رسول ~~الله؟ قال: امرأتك ممن تعول تقول: أطعمني وإلا فارقني. جاريتك تقول: # أطعمني واستعملني. وولدك يقول: إلى من تتركني؟ رواه أحمد والدارقطني ~~بإسناد صحيح. # وأخرجه الشيخان في الصحيحين وأحمد من طريق آخر وجعلوا الزيادة المفسرة ~~فيه من قول أبي هريرة. وعن أبي هريرة: أن النبي ms2886 صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما رواه الدارقطني. # حديث أبي هريرة الأول حسن إسناده الحافظ، وهو من رواية عاصم عن أبي صالح ~~عن أبي هريرة، وفي حفظ عاصم مقال. ولفظ الحديث الذي أشا إليه المصنف في ~~البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ ~~بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني. ويقول العبد: أطعمني ~~واستعملني. # ويقول الابن: أطعمني وإلى من تدعني. قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال لا هذا من كيس أبي هريرة. وحديث ~~أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا البيهقي من طريق عاصم القاري عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة وأعله أبو حاتم. وفي الباب عن سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور ~~والشافعي وعبد الرزاق في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق بينهما. ~~قال أبو الزناد: قلت لسعيد: سنة؟ قال: سنة. # وهذا مرسل قوي. وعن عمر عند الشافعي وعبد الرزاق وابن المنذر أنه كتب إلى ~~PageV07P132 # أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: إما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ~~ويبعثوا نفقة ما حبسوا. قوله: ما كان عن ظهر غنى فيه دليل على أن صدقة من ~~كان غير محتاج لنفسه إلى ما تصدق به بل مستغنيا عنه أفضل من صدقة المحتاج ~~إلى ما تصدق به، ويعارضه حديث أبي هريرة عند أبي داود والحاكم يرفعه: أفضل ~~الصدقة جهد من مقل. وقد فسره في النهاية بقدر ما يحتمله حال قليل المال، ~~وحديث أبي هريرة أيضا عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له ~~والحاكم وقال على شرط مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال ~~كثير أخذ من عرضه ms2887 مائة ألف درهم فتصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ ~~أحدهما فتصدق بها فهذا تصدق بنصف ماله. الحديث، ويؤيد هذا المعنى قوله ~~تعالى: * (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) * (الحشر: 9) ويؤيد الأول ~~قوله تعالى: * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) * ~~(الاسراء: 29) ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدق بجميع ~~ماله أن يتصدق عن ظهر غنى، والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن يكون متصدقا بما ~~يبلغ إليه جهده وإن لم يكن مستغنيا عنه، ويمكن أن يكون المراد بالغنى غنى ~~النفس كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما: ليس الغنى عن كثرة العرض ~~ولكن الغنى غنى النفس. قوله: اليد العليا هي يد المتصدق واليد السفلى يد ~~المتصدق عليه هكذا في النهاية. وسيأتي في باب النفقة على الأقارب ما يدل ~~على هذا التفسير. قوله: وابدأ بمن تعول أي بمن تجب عليك نفقته. قال في ~~الفتح: يقال عال الرجل أهله إذا مانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت ~~وكسوة وفيه دليل على وجوب نفقة الأولاد مطلقا. وقد تقدم الخلاف في ذلك وعلى ~~وجوب نفقة الأرقاء وسيأتي. # قوله: تقول أطعمني وإلا فارقني استدل به وبحديث أبي هريرة الآخر على أن ~~الزوج إذا أعسر عن نفقة امرأته واختارت فراقه فرق بينهما. وإليه ذهب جمهور ~~العلماء كما حكاه في فتح الباري، وحكاه صاحب البحر عن الإمام علي رضي الله ~~عنه وعمر وأبي هريرة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وحماد وربيعة ومالك ~~وأحمد بن حنبل والشافعي والامام يحيى. وحكى صاحب الفتح عن الكوفيين أنه ~~يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج. وحكاه في البحر عن عطاء ~~والزهري والثوري والقاسمية PageV07P133 # وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي، ومن جملة ما احتج به الأولون قوله ~~تعالى: * (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) * (البقرة: 231) وأجا ب الآخرون عن ~~الأحاديث المذكورة بما سلف من إعلالها، وأما ما في الصحيحين فهو من قول أبي ~~هريرة كما وقع التصريح به منه حيث قال: إنه من كيسه ms2888 بكسر الكاف أي من ~~استنباطه من المرفوع، وقد وقع في رواية الأصيلي بفتح الكاف أي من فطنته. ~~وأما قول عمر فليس مما يحتج به. وأجابوا عن الآية بأن ابن عباس وجماعة من ~~التابعين قالوا: نزلت فيمن كان يطلق فإذا كادت العدة تنقضي راجع. ويجاب عن ~~ذلك بأن الأحاديث المذكورة يقوي بعضها بعضا، مع أنه لم يكن فيها قدح يوجب ~~الضعف فضلا عن السقوط، والآية المذكورة وإن كان سببها خاصا كما قيل ~~فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما استدلال الآخرين بقوله تعالى: ~~* (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها) * (الطلاق: 7) قالوا: وإذا أعسر ولم يجد سببا ~~يمكنه به تحصيل النفقة فلا تكليف عليه بدلالة الآية، فيجاب عنه بأنا لم ~~نكلفه النفقة حال إعساره، بل دفعنا الضرر عن امرأته وخلصناها من حباله ~~لتكتسب لنفسها أو يتزوجها رجل آخر، واحتجوا أيضا بما في صحيح مسلم من حديث ~~جابر: أنه دخل أبو بكر وعمر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجداه ~~حوله نساءه واجما ساكتا، وهن يسألنه النفقة فقام كل واحد منهما إلى ابنته ~~أبو بكر إلى عائشة وعمر إلى حفصة فوجآ أعناقهما فاعتزلهن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد ذلك شهرا فضربهما لابنتيهما في حضرته صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأجل مطالبتهما بالنفقة التي لا يجدها يدل على عدم التفرقة ~~لمجرد الاعسار عنها، قالوا: ولم يزل الصحابة فيهم الموسر والمعسر، ومعسروهم ~~أكثر. ويجاب عن الحديث المذكور بأن زجرهما عن المطالبة بما ليس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدل على عدم جواز الفسخ لأجل الاعسار، ولم ~~يرو أنهن طلبنه ولم يجبن إليه، كيف وقد خيرهن صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~ذلك فاخترنه، وليس محل النزاع جواز المطالبة للمعسر بما ليس عنده وعدمها، ~~بل محله هل يجوز الفسخ عند التعذر أم لا؟ وقد أجيب عن هذا الحديث بأن أزواج ~~النبي صلى الله ms2889 عليه وآله وسلم لم يعد من النفقة بالكلية، لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قد استعاذ من الفقر المدقع، ولعل ذلك إنما كان فيما ~~زاد على قوام البدن مما يعتاد الناس PageV07P134 # النزاع في مثله. وهكذا يجاب عن الاحتجاج بما كان عليه الصحابة من ضيق ~~العيش. وظاهر الأدلة أنه يثبت الفسخ للمرأة بمجرد عدم وجدان الزوج لنفقتها ~~بحيث يحصل عليها ضرر من ذلك. وقيل: إنه يؤجل الزوج مدة، فروي عن مالك أنه ~~يؤجل شهرا، وعن الشافعية ثلاثة أيام، ولها الفسخ في أول اليوم الرابع. وروي ~~عن حماد أن الزوج يؤجل سنة ثم يفسخ قياسا على العنين، وهل تحتاج المرأة إلى ~~الرفع إلى الحاكم؟ # روي عن المالكية في وجه لهم أنها ترافعه إلى الحاكم ليجبره على الانفاق ~~أو يطلق عنه. وفي وجه لهم آخر أنه ينفسخ النكاح بالاعسار، لكن بشرط أن يثبت ~~إعساره عند الحاكم والفسخ بعد ذلك إليها. وروي عن أحمد أنها إذا اختارت ~~الفسخ رافعته إلى الحكم، والخيار إليه بين أن يجبره على الفسخ أو الطلاق. ~~وروي عن عبد الله بن الحسن العنبري أن الزوج إذا أعسر عن النفقة حبسه ~~الحاكم حتى يجدها وهو في غاية الضعف، لأن تحصيل الرزق غير مقدور له إذا كان ~~ممن أعوزته المطالب وأكدت عليه جميع المكاسب، اللهم إلا أن يتقاعد عن طلب ~~أسباب الرزق والسعي له مع تمكنه من ذلك فلهذا القول وجه. وذهب ابن حزم إلى ~~أنه يجب على المرأة الموسرة إنفاق على زوجها المعسر ولا ترجع عليه إذا ~~أيسر. وذهب ابن القيم إلى التفصيل وهو أنها إذا تزوجت به عالمة بإعساره أو ~~كان حال الزواج موسرا ثم أعسر فلا فسخ لها. وإن كان هو الذي غرها عند ~~الزواج بأنه موسر ثم تبين لها إعساره كان لها الفسخ. # (واعلم) أنه لا فسخ لأجل الاعسار بالمهر على ما ذهب إليه الجمهور. وذهب ~~بعض الشافعية وهو مروي عن أحمد إلى أنه يثبت الفسخ لأجل ذلك والظاهر الأول ~~لعدم الدليل الدال على ذلك. وقد ثبت ms2890 عنه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~النساء عوان في يد الأزواج كما تقدم أي حكمهن حكم الاسراء، لأن العاني ~~الأسير، والأسير لا يملك لنفسه خلاصا من دون رضا الذي هو في أسره فهكذا ~~النساء، ويؤيد هذا حديث: الطلاق لمن أمسك بالساق فليس للزوجة تخليص نفسها ~~من تحت زوجها إلا إذا دل الدليل على جواز ذلك، كما في الاعسار عن النفقة ~~ووجود العيب المسوغ للفسخ، وهكذا إذا كانت المرأة تكره الزوج كراهة شديدة، ~~وقد قدمنا الخلاف في ذلك. PageV07P135 # باب النفقة على الأقارب ومن يقدم منهم عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا ~~رسول الله أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، ~~قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك متفق عليه. ولمسلم في رواية: ~~من أبر؟ قال: أمك. وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت: يا رسول الله ~~من أبر؟ قال: أمك، قال قلت: ثم من؟ قال: أمك. قال قلت: يا رسول الله ثم من؟ ~~قال: أمك. قال قلت: ثم من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب رواه أحمد وأبو ~~داود والترمذي. وعن طارق المحاربي قال: قدمت المدينة فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر، يخطب الناس وهو يقول: يد المعطي ~~العليا وأبدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك رواه ~~النسائي. # وعن كليب بن منفعة عن جده أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ~~ورحم موصولة رواه أبو داود. # حديث بهز بن حكيم أخرجه أيضا الحاكم وحسنه أبو داود. وحديث طارق المحاربي ~~أخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني وصححاه. وحديث كليب بن منفعة أورده الحافظ ~~في التلخيص وسكت عنه. وقد أخرجه البغوي وابن قانع والطبراني في الكبير ~~والبيهقي ورجال إسناد أبي داود لا بأس بهم. (وفي الباب) عن المقدام بن معد ~~يكرب عند البيهقي بإسناد حسن: سمعت ms2891 النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ~~إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بآبائكم ثم بالأقرب فالأقرب. وأخرج ~~البخاري في الأدب المفرد وأحمد وابن حبان والحاكم وصححاه بلفظ: إن الله ~~يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بالأقرب ~~فالأقرب وأخرج الحاكم من حديث أبي رمثة بلفظ: أمك أمك وأباك ثم أختك وأخاك ~~ثم أدناك أدناك. قوله: أمك فيه دليل على أن الام أحق بحسن الصحبة من الأب ~~وأولى منه بالبر، حيث لا يتسع مال الابن إلا لنفقة واحد منهما، وإليه ذهب ~~الجمهور، كما حكاه القاضي عياض فإنه قال: ذهب الجمهور إلى أن الام تفضل في ~~البر على PageV07P136 # الأب، وقيل إنهما سواء، وهو مروي عن مالك وبعض الشافعية. وقد حكى الحارث ~~المحاسبي الاجماع على تفضيل الام على الأب. قوله: ثم الأقرب فالأقرب فيه ~~دليل على وجوب نفقة الأقارب على الأقارب، سواء كانوا وارثين أم لا، وقد ~~قدمنا تفصيل الخلاف في ذلك، واستدل من اعتبر الميراث بقوله تعالى: * (وعلى ~~الوارث مثل ذلك) * البقرة: 233). قوله: يد المعطي العليا هو تفسير للحديث ~~المتقدم بلفظ: إليه العليا خير من اليد السفلى. قوله: وابدأ بمن تعول قد ~~تقدم تفسيره. قوله: ثم أدناك أدناك هو مثل قوله: ثم الأقرب فالأقرب. وفي ~~ذلك دليل على أن القريب الأقرب أحق بالبر والانفاق من القريب الأبعد، وإن ~~كانا جميعا فقيرين حيث لم يكن مال المنفق إلا مقدار ما يكفي أحدهما فقط بعد ~~كفايته. قوله: ومولاك الذي يلي ذاك قيل: أراد بالمولى هنا القريب، ولعل وجه ~~ذلك أنه جعله واليا للام والأب والأخت والأخ، ولا بد أن يكون الوالي لهم من ~~جنسهم في قرابة النسب. والظاهر أن المراد بالمولى هو المولى لغة وشرعا، ~~وجعله واليا لمن ذكر لا يستلزم أن يكون من جنسهم في القرابة، بل المراد أنه ~~يليهم في استحقاق النفقة حيث لم يوجد معهم من هو مقدم عليه، ولا يلزم من ~~قوله بعد ذلك ورحم موصولة أن تكون الرحامة موجودة فجميع المذكورين، بل يكفي ~~وجودها في ms2892 البعض كالأم والأب والأخت والأخ. # باب من أحق بكفالة الطفل عن البراء بن عازب: أن ابنة حمزة اختصم فيها علي ~~وجعفر وزيد، فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي. وقال جعفر: بنت عمي ~~وخالتها تحتي. وقال زيد : ابنة أخي. فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الام متفق عليه. ورواه أحمد أيضا من حديث ~~علي وفيه: والجارية عند خالتها فإن الخالة والدة. # حديث علي رضي الله عنه أخرجه أيضا أبو داود والحاكم والبيهقي بمعناه. ~~قوله: # وخالتها تحتي الخالة المذكورة هي أسماء بنت عميس. قوله: وقال زيد: ابنة ~~أخي إنما سمى حمزة أخاه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بينه وبينه. ~~PageV07P137 # قوله: الخالة بمنزلة الام فيه دليل على أن الخالة في الحضانة بمنزلة ~~الام، وقد ثبت بالاجماع أن الام أقدم الحواضن، فمقتضى التشبيه أن تكون ~~الخالة أقدم من غيرها من أمهات الام وأقدم من الأب والعمات. وذهبت الشافعية ~~والهادي إلى تقديم الأب على الخالة. وذهب الشافعي والهادوية إلى تقدم أم ~~الام وأم الأب على الخالة أيضا. وذهب الناصر والمؤيد بالله وأكثر أصحاب ~~الشافعي وهو رواية عن أبي حنيفة إلى أن الأخوات أقدم من الخالة. والأولى ~~تقديم الخالة بعد الام على سائر الحواضن لنص الحديث وفاء بحق التشبيه ~~المذكور وإلا كان لغوا. وقد قيل إن الأب أقدم من الخالة بالاجماع وفيه نظر، ~~فإن صاحب البحر قد حكى عن الإصطخري أن الخالة أولى منه، ولم يحك القول ~~بتقديم الأب عليها إلا عن الهادي والشافعي وأصحابه. وقد طعن ابن حزم في ~~حديث البراء المذكور بأن في إسناده إسرائيل وقد ضعفه علي بن المديني ورد ~~عليه بأنه قد وثقه سائر أهل الحديث، وتعجب أحمد من حفظه وقال ثقة. وقال أبو ~~حاتم: هو أتقن أصحاب أبي إسحاق، وكفى باتفاق الشيخين على إخراج هذا الحديث ~~دليلا. واستشكل كثير من الفقهاء وقوع القضاء منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لجعفر وقالوا: إن كان القضاء له فليس بمحرم لها، وهو ms2893 وعلي سواء في قرابتها، ~~وإن كان القضاء للخالة فهي مزوجة. وسيأتي أن زواج الام مسقط لحقها من ~~الحضانة فسقوط حق الخالة بالزواج أولى. وأجيب عن ذلك بأن القضاء للخالة ~~والزواج لا يسقط حقها من الحضانة مع رضا الزوج كما ذهب إليه أحمد والحسن ~~البصري والامام يحيى وابن حزم. وقيل: إن النكاح إنما يسقط حضانة الام وحدها ~~حيث كان المنازع لها الأب، ولا يسقط حق غيرها ولا حق الام حيث كان المنازع ~~لها غير الأب، وبهذا يجمع بين حديث الباب وحديث: أنت أحق به ما لم تنكحي ~~الآتي وإليه ذهب ابن جريج. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا ~~كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، ~~فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي رواه أحمد وأبو داود لكن في لفظه: وإن أباه ~~طلقني وزعم أنه ينتزعه مني. # الحديث أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححه، وهو من حديث عمرو بن ~~PageV07P138 # شعيب عن أبيه عن جده. قوله: وعاء بفتح الواو والمد وقد يضم وهو الظرف. # وقرأ السبعة: * (قبل وعاء أخيه) * (يوسف: 76) بالكسر. والحواء بكسر الحاء ~~والمد اسم لكل شئ يحوي غيره أي يجمعه. والسقاء بكسر السين أي يسقى منه ~~اللبن. ومراد الام بذلك أنها أحق به لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب. ~~قوله: أنت أحق به فيه دليل على أن الام أولى بالولد من الأب ما لم يحصل ~~مانع من ذلك كالنكاح لتقييده صلى الله عليه وآله وسلم للأحقية بقوله: ما لم ~~تنكحي وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر، فإن حصل منها النكاح بطلت ~~حضانتها، وبه قاما لك والشافعية والحنفية والعترة. وقد حكى ابن المنذر ~~الاجماع عليه. وروي عن عثمان أنها لا تبطل بالنكاح، وإليه ذهب الحسن البصري ~~وابن حزم واحتجوا بما روي أن أم سلمة تزوجت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وبقي ولدها في كفالتها، وبما تقدم في حديث ابنة حمزة. ويجاب عن الأول ms2894 بأن ~~مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يصح للاحتجاج به على محل النزاع لاحتمال أنه ~~لم يبق له قريب غيرها. وعن الثاني بأن ذلك في الخالة ولا يلزم في الام ~~مثله. وقد ذهب أبو حنيفة والهادوية إلى أن النكاح إذا كان بذي رحم محرم ~~للمحضون لم يبطل به حق حضانتها. وقال الشافعي: يبطل مطلقا لأن الدليل لم ~~يفصل وهو الظاهر، وحديث ابنة حمزة لا يصلح للتمسك به لأن جعفرا ليس بذي رحم ~~محرم لابنة حمزة. وأما دعوى دلالة القياس على ذلك كما زعمه صاحب البحر فغير ~~ظاهرة. وقد أجاب ابن حزم عن حديث الباب بأن في إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده ولم يسمع أبوه من جده وإنما هو صحيفة كما سبق تحقيقه، ورد بأن حديث ~~عمرو بن شعيب قبله الأئمة وعملوا به. (وقد استدل) لمن قال بأن النكاح إذا ~~كان بذي رحم للمحضون لم يبطل حق المرأة من الحضانة بما رواه عبد الرزاق عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنها جاءته امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالت: إن أبي أنكحني رجلا لا أريده وترك عم ولدي فأخذ مني ولدي، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباها ثم قال لها: اذهبي فانكحي عم ولدك ~~وهذا مع كونه مرسلا في إسناده رجل مجهول، ولم يقع التصريح فيه بأنه أرجح ~~الولد إليها عند أن زوجها بذي رحم له. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير غلاما بين ~~PageV07P139 # أبيه وأمه رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه. وفي رواية: أن امرأة جاءت ~~فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة ~~وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: استهما عليه، فقال ~~زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذا أبوك ~~وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به رواه أبو داود وكذلك ~~النسائي ولم يذكر ms2895 فقال استهما عليه ولأحمد معناه لكنه قال فيه: جاءت امرأة ~~قد طلقها زوجها ولم يذكر فيه قولها قد سقاني ونفعني. وعن عبد الحميد بن ~~جعفر الأنصاري عن جده: أن جدة أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن له صغير ~~لم يبلغ قال: فأجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأب ههنا والام ههنا ثم ~~خيره وقال : اللهم اهده فذهب إلى أبيه رواه أحمد والنسائي. وفي رواية عن ~~عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم وأبت ~~امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم ~~أو شبهه، وقال رافع: # ابنتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقعد ناحية وقال لها ~~اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال: ادعوها فمالت إلى أمها فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها رواه أحمد ~~وأبو داود وعبد الحميد، هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن ~~سنان الأنصاري. # حديث أبي هريرة رواه باللفظ الأول أيضا أبو داود، ورواه بنحو اللفظ ~~الثاني بقية أهل السنن وابن أبي شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وابن القطان. ~~وحديث عبد الحميد باللفظ الآخر أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة والدارقطني ~~وفي إسناده اختلاف كثير وألفاظ مختلفة، ورجح ابن القطان رواية عبد الحميد ~~بن جعفر، وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال ولكنه قد ~~صححه الحاكم. وذكر الدارقطني أن البنت المخيرة اسمها عميرة. وقال ابن ~~الجوزي: رواية من روى أنه كان غلاما أصح. وقال ابن القطان: لو صح رواية من ~~روى أنها بنت لاحتمل أنهما قصتان لاختلاف المخرجين. قوله: خير غلاما إلخ، ~~فيه دليل على أنه إذا تنازع الأب والام في ابن لهما كان الواجب هو تخييره ~~فمن اختاره ذهب به. وقد أخرج البيهقي PageV07P140 # عن عمر أنه خير غلاما بين أبيه وأمه. وأخرج أيضا عن علي أنه خير عمارة ~~الجذامي بين أمه وعمته وكان ابن ms2896 سبع أو ثمان سنين، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ~~وأصحابه وإسحاق بن راهويه وقال: أحب أن يكون مع الام إلى سبع سنين ثم يخير، ~~وقيل: إلى خمس. وذهب أحمد إلى أن الصغير إلى دون سبع سنين أمه أولى به، وإن ~~بلغ سبع سنين فالذكر فيه ثلاث روايات. يخير وهو المشهور عن أصحابه وإن لم ~~يختر أقرع بينهما. والثانية: أن الأب أحق به. والثالثة: أن الأب أحق بالذكر ~~والام بالأنثى إلى تسع ثم يكون الأب أحق بها. والظاهر من أحاديث الباب أن ~~التخيير في حق من بلغ من الأولاد إلى سن التمييز هو الواجب من غير فرق بين ~~الذكر والأنثى. وحكي في البحر عن مذهب الهادوية وأبي طالب وأبي حنيفة ~~وأصحابه ومالك أنه لا تخيير، بل متى استغنى بنفسه فالأب أولى بالذكر والام ~~بالأنثى. وعن مالك: الأنثى للام حتى تزوج وتدخل، والأب للذكر حتى يبلغ. وحد ~~الاستغناء عند أبي حنيفة وأصحابه وأبي العباس وأبي طالب أن يأكل ويشرب ~~ويلبس. وعند الشافعي والمؤيد بالله والامام يحيى هو بلوغ السبع. وتمسك ~~النافون للتخيير بحديث: أنت أحق به ما لم تنكحي ويجاب عنه بأن الجمع ممكن ~~وهو أن يقال: المراد بكونها أحق به فيما قبل السن التي يخير فيها لا فيما ~~بعدها بقرينة أحاديث الباب. قوله: # استهما عليه فيه دليل على أن القرعة طريق شرعية عند تساوي الامرين، وأنه ~~يجوز الرجوع إليها كما يجوز الرجوع إلى التخيير. وقد قيل: إنه يقدم التخيير ~~عليها، وليس في حديث أبي هريرة المذكور ما يدل على ذلك بل ربما دل على ~~عكسه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهما أولا بالاستهام ثم لما لم ~~يفعلا خير الولد. وقد قيل إن التخيير أولى لاتفاق ألفاظ الحديث عليه وعمل ~~الخلفاء الراشدين به. قوله: من يحاقني الحقاق والاحتقاق الخاصم والاختصام ~~كما في القاموس أي من يخاصمني في ولدي. قوله: فمالت إلى أمها فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اهدها استدل بذلك على جواز نقل الصبي إلى ~~من اختار ms2897 ثانيا، وقد نسبه صاحب البحر إلى القائلين بالتخيير واستدل بحديث ~~عبد الحميد المذكور على ثبوت الحضانة للام الكافرة لان التخيير دليل ثبوت ~~الحق، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم وأبو ثور. # وذهب الجمهور إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم، وأجابوا عن ~~الحديث بما PageV07P141 # تقدم من المقال وبما فيه من الاضطراب، ويجاب بأن الحديث صالح للاحتجاج ~~به، والاضطراب ممنوع باعتبار محل الحجة. وأما احتجاجهم بمثل قوله تعالى: * ~~(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) وبنحو حديث: ~~الاسلام يعلو فغير نافع لأنه عام وحديث الباب خاص. واعلم أنه ينبغي قبل ~~التخيير والاستهام ملاحظة ما فيه مصلحة للصبي، فإذا كان أحد الأبوين أصلح ~~للصبي من الآخر قدم عليه من غير قرعة ولا تخيير، هكذا قال ابن القيم واستدل ~~على ذلك بأدلة عامة نحو قوله تعالى : * (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا) * (التحريم: 6) وزعم أن قول من قال بتقديم التخيير أو القرعة ~~مقيد بهذا. وحكى عن شيخه ابن تيمية أنه قال: تنازع أبوان صبيا عند الحاكم ~~فخير الولد بينهما فاختار أباه فقالت أمه: سله لأي شئ يختاره؟ فسأله فقال: ~~أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني وأبي يتركني ألعب مع الصبيان ~~فقضى به للام، ورجح هذا ابن تيمية، واستدل له بنوع من أنواع المناسب. ولا ~~يخفى أن الأدلة المذكورة في خصوص الحضانة خالية عن مثل هذا الاعتبار مفوضة ~~حكم الأحقية إلى محض الاختيار، فمن جعل المناسب صالحا لتخصيص الأدلة أو ~~تقييدها فذاك، ومن أبي ووقف على مقتضاها كان في تمسكه بالنص وموافقته له ~~أسعد من غيره. # باب نفقة القيق والرفق بهم عن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل ~~أعطيت الرقيق قوتهم؟ # قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته رواه مسلم. وعن أبي هرير عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما ~~لا ms2898 يطيق رواه أحمد ومسلم. وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يعده ~~فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ~~فأعينوهم عليه متفق عليه. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين ~~أو أكلة أو أكلتين، فإنه PageV07P142 # ولي حره وعلاجه رواه الجماعة. وعن أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه الصلاة وما ملكت ~~أيمانكم رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. # حديث أنس أخرجه أيضا النسائي وابن سعد، وله عند النسائي أسانيد منها ما ~~رجاله رجال الصحيح وله شاهد من حديث علي عند أبي داود وابن ماجة زاد فيه: # والزكاة بعد الصلاة. (وأحاديث الباب) فيها دليل على وجوب نفقة المملوك ~~وكسوته وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر وغيره، وظاهر حديث عبد الله ~~بن عمرو وحديث أبي هريرة أنه لا يتعين على السيد إطعامه مما يأكل بل الواجب ~~الكفاية بالمعروف، وظاهر حديث أبي ذر أنه يجب على السيد إطعامه مما يأكل ~~وكسوته مما يلبس، وهو محمول على الندب والقرينة الصارفة إليه الاجماع على ~~أنه لا يجب على السيد ذلك، وذهب ت العترة والشافعي إلى أن الواجب الكفاية ~~بالمعروف كما وقع في رواية، فلا يجوز التقتير الخارج عن العادة، ولا يجب ~~بذل فوق المعتاد قدرا وجنسا وصفة. قوله ولا يكلف من العمل ما لا يطيق فيه ~~دليل على تحريم تكليف العبيد والإماء فوق ما يطيقونه من الأعمال وهذا مجمع ~~عليه. قوله: إذا أتى أحدكم خادمه بنصب أحدكم ورفع خادمه والخادم يطلق على ~~الذكر والأنثى وهو أعم من الحر والمملوك. قوله: فإن لم يجلسه أي لم يجلس ~~المخدوم الخادم. قوله: لقمة أو لقمتين بضم اللام وهي العين المأكولة من ~~الطعام وروي بفتح اللام والصواب الأول إذا ms2899 كان المراد العين وهو ما يلتقم. ~~والثاني إذا كان المراد الفعل وهكذا قوله: # أكلة أو أكلتين وهو شك من الراوي، وفي هذا دليل على أنه لا يجب إطعام ~~المملوك من جنس ما يأكله المالك، بل ينبغي أن يناوله منه ملء فمه للعلة ~~المذكورة آخرا وهي توليه لحره وعلاجه، ويدفع إليه ما يكفيه من أي طعام أحب ~~على حسب ما تقتضيه العادة لما سلف من الاجماع. وقد نقله ابن المنذر فقال: ~~الواجب عند جميع أهل العلم إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله ~~في تلك البلد، وكذلك الادام والكسوة، وللسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وإن ~~كان الأفضل المشاركة. وقال الشافعي بعد أن ذكر الحديث: هذا عندنا على ~~وجهين: الأول أن إجلاسه معه أفضل فإن لم يفعل فليس بواجب. الثاني أنه يكون ~~الخيار إلى السيد بين أن يجلسه أو يناله ويكون اختيارا غير حتم. قوله: كانت ~~عامة وصية رسول الله PageV07P143 # صلى الله عليه وآله وسلم فيه دليل على وقوع الوصية منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقد قدمنا الكلام على ذلك في كتاب الوصايا. قوله: يغرغر بغينين ~~معجمتين وراءين مهملتين مبني للمجهول. قوله: الصلاة وما ملكت أيمانكم أي ~~حافظوا على الصلاة وأحسنوا إلى المملوكين. # باب نفقة البهائم عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها ~~إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض وروى أبو هريرة مثله. وعن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد ~~عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من ~~العطش فقال الرجل: # لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفة ~~ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا ~~رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ms2900 كبد رطبة أجر متفق عليهن. ~~وعن سراقة بن مالك قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضالة ~~من الإبل تغشى حياضي قد لطتها للإبل هل لي من أجر في شأن ما أسقيها؟ قال: ~~نعم في كل ذات كبد حراء أجر رواه أحمد. # حديث سراقة أخرجه أيضا ابن ماجة وأبو يعلى والبغوي والطبراني في الكبير ~~والضياء في المختارة. قوله: عذبت امرأة قال الحافظ: لم أقف على اسمها، ووقع ~~في رواية أنها حميرية، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل كما في مسلم والجمع ~~ممكن، لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فيكون نسبتها إلى بني إسرائيل ~~لأنهم أهل دينها، وإلى حمير لأنهم قبيلتها. قوله: في هرة أي بسبب هرة، ~~والهرة أنثى السنور. # قوله: خشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها وبعدها معجمتان ~~بينهما ألف، والمراد هوام الأرض وحشراتها. قال النووي: وروي بالحاء المهملة ~~والمراد نبات الأرض، قال: وهو ضعيف أو غلط. وفي رواية من حشرات الأرض. وقد ~~استدل PageV07P144 # بهذا الحديث على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب بدون طعام ولا ~~شراب لأن ذلك من تعذيب خلف الله وقد نهى عنه الشارع. قال القاضي عياض: ~~يحتمل أن تكون عذبت في النار حقيقة أو بالحساب لأن من نوقش الحساب عذب، ولا ~~يخفى أن قوله فدخلت فيها النار يدل على الاحتمال الأول، وقد قيل: إن المرأة ~~كانت كافرة فدخلت النار بكفرها وزيد في عذابها لأجل الهرة. قال النووي: ~~والأظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية. قوله: يلهث قال في ~~القاموس: اللهثان العطشان وبالتحريك العطش كاللهث واللهاث، وقد لهث كسمع ~~وكغراب حر العطش وشدة الموت، قال: ولهث كمنع لهثا ولهاثا بالضم أخرج لسانه ~~عطشا أو تعبا أو إعياء كاللهث، واللهثة بالضم التعب والعطش انتهى. قوله: ~~الثرى هو التراب الندي كما في القاموس. # قوله: في كل كبد رطبة الرطب في الأصل ضد اليابس، وأريد به هنا الحياة لأن ~~الرطوبة في البدن تلازمها، وهي كذلك الحرارة في الأصل ضد البرودة، وأريد ms2901 ~~بها هنا الحياة لأن الحرارة تلازمها، وقد استدل بأحاديث الباب على وجوب ~~نفقة الحيوان على مالكه، وليس فيها ما يدل على الوجوب المدعي. أما حديث ابن ~~عمر وحديث أبي هريرة الأول الذي أشار إليه المصنف فليس فيهما إلا وجوب ~~إنفاق الحيوان المحبوس على حابسه وهو أخص من الدعوى، اللهم إلا أن يقال: إن ~~مالك الحيوان حابس له في ملكه، فيجب الانفاق على كل مالك لذلك ما دام حابسا ~~له لا إذا سيبه فلا وجوب عليه لقوله في الحديث: ولا هي تركتها تأكل من خشاش ~~الأرض كما وقع التصريح بذلك في كتب الفقه، ولكن لا يبرأ بالتسييب إلا إذا ~~كان في مكان معشب يتمكن الحيوان فيه من تناول ما يقوم بكفايته. وأما حديث ~~أبي هريرة الثاني فليس فيه إلا أن المحسن إلى الحيوان عند الحاجة إلى ~~الشراب ويلحق به الطعام مأجور، وليس النزاع في استحقاق الاجر بما ذكر إنما ~~النزاع في الوجوب، وكذلك حديث سراقة بن مالك ليس فيه إلا مجرد الاجر للفاعل ~~وهو يحصل بالمندوب، فلا يستفاد منه الوجوب، غاية الأمر أن الاحسان إلى ~~الحيوان المملوك أولى من الاحسان إلى غيره، لأن هذه الأحاديث مصرحة بأن ~~الاحسان إلى غير المملوك موجب للاجر، وفحوى الخطاب يدل على أن المملوك أولى ~~بالاحسان لكونه محبوسا عن منافع نفسه بمنافع مالكه، وأما أن المحسن إليه ~~أولى بالاجر من المحسن إلى غير المملوك PageV07P145 # فلا، فأولى ما يستدل به على وجوب إنفاق الحيوان المملوك حديث الهرة لأن ~~السبب في دخول تلك المرأة النار ليس مجرد ترك الانفاق بل مجموع الترك ~~والحبس، فإذا كان هذا الحكم ثابتا في مثل الهرة فثبوته في مثل الحيوانات ~~التملك أولى لأنها مملوكة محبوسة مشغولة بمصالح المالك. وقد ذهبت العترة ~~والشافعي وأصحابه إلى أن مالك البهيمة إذا تمرد عن علفها أو بيعها أو ~~تسييبها أجبر كما يجبر مالك العبد بجامع كون كل منهما مملوكا ذا كبد رطبة ~~مشغولا بمصالح مالكه محبوسا عن مصالح نفسه. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ~~مالك الدابة ms2902 يؤمر بأحد تلك الأمور استصلاحا لا حتما. # قالوا: إذ لا يثبت لها حق ولا خصومة ولا ينصب عنها فهي كالشجرة، وأجيب ~~بأنها ذات روح محترم فيجب حفظه كالآدمي. وأما الشجر فلا يجبر على إصلاحه ~~إجماعا لكونه ليس بذي روح فافترقا. والتخيير بين الأمور الثلاثة المذكورة ~~إنما هو في الحيوان الذي دمه محترم، وأما الحيوان الذي يحل أكله فيخير ~~المالك بين تلك الأمور الثلاثة أو الذبح. قوله: قد لطتها بضم اللام وبالطاء ~~المهملة وهو في الأصل اللزوم والستر وإلا لصاق كما حققه صاحب القاموس، ~~والمراد هنا إصلاح الحياض، يقال: لاط حوضه يليطه إذا أصلحه بالطين والمدر ~~ونحوهما، ومنه قيل: اللائط لمن يفعل الفاحشة. # كتاب الدماء باب إيجاب القصاص بالقتل العمد وأن مستحقه بالخيار بينه وبين ~~الدية عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحل دم ~~امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب ~~الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه الجماعة. وعن ~~عائشة: لا يحل دم امرئ مسلم إلا من ثلاثة: إلا من زنى بعدما أحصن، أو كفر ~~بعدما أسلم، أو قتل نفس فقتل بها رواه أحمد والنسائي ومسلم بمعناه. وفي ~~لفظ: لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: PageV07P146 # زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الاسلام فيحارب ~~الله عز وجل ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض رواه النسائي وهو حجة ~~في أنه لا يؤخذ مسلم بكافر. # حديث عائشة باللفظ الآخر أخرجه أيضا أبو داود والحاكم وصححه. قوله: # امرئ مسلم فيه دليل على أن الكافر يحل دمه لغير الثلاث المذكورة، لأن ~~التوصيف بالمسلم يشعر بأن الكافر يخالفه في ذلك، ولا يصح أن تكون المخالفة ~~إلى عدم حل دمه مطلقا. قوله: يشهد أن لا إله إلا الله الخ، هذا وصف كاشف ~~لأن المسلم لا يكون مسلما إلا إذا كان يشهد تلك الشهادة. قوله: إلا بإحدى ~~ثلاث مفهوم هذا يدل على أنه ms2903 لا يحل بغير هذه الثلاث، وسيأتي ما يدل على أنه ~~يحل بغيرها، فيكون عموم هذا المفهوم مخصصا بما ورد من الأدلة الدالة على ~~أنه يحل دم المسلم بغير الأمور المذكورة. قوله: # الثيب الزاني هذا مجمع عليه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. قوله: ~~والنفس بالنفس المراد به القصاص، وقد يستدل به من قال: إنه يقتل الحر ~~بالعبد، والرجل بالمرأة، والمسلم بالكافر، لما فيه من العموم، وسيأتي تحقيق ~~الخلاف وما هو الحق في هذه المواطن. قوله: والتارك لدينه ظاهره أن الردة من ~~موجبات قتل المرتد بأن نوع من أنواع الكفر كانت، والمراد بمفارقة الجماعة ~~مفارقة جماعة الاسلام، ولا يكون ذلك إلا بالكفر لا بالبغي والابتداع ~~ونحوهما، فإنه وإن كان في ذلك مخالفة للجماعة فليس فيه تر ك للدين، إذ ~~المراد الترك الكلي، ولا يكون إلا بالكفر لا مجرد ما يصدق عليه اسم الترك، ~~وإن كان لخصلة من خصال الدين للاجماع، على أنه لا يجوز قتل العاصي بتر ك أي ~~خصلة من خصال الاسلام، اللهم إلا أن يراد أنه يجوز قتل الباغي ونحوه دفعا ~~لا قصدا، ولكن ذلك ثابت في كل فرد من الافراد، فيجوز لكل فرد من أفراد ~~المسلمين أن يقتل من بغى عليه مريدا لقتله أو أخذ ماله، ولا يخفى أن هذا ~~غير مراد من حديث الباب بل المراد بالترك للدين والمفارقة للجماعة الكفر ~~فقط، كما يدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: أو كفر بعدما أسلم. وكذلك ~~قوله: أو رجل يخرج من الاسلام. قوله: يخرج من الاسلام هذا مستثنى من قوله ~~مسلم، باعتبار ما كان عليه لا باعتبار الحال الذي قتل فيه فإنه قد صار ~~كافرا فلا يصدق عليه أنه امرؤ مسلم. قوله: فيقتل أو يصلب أو ينفى هذه ~~الأفعال الثلاثة أوائلها PageV07P147 # مضمومة مبنية للمجهول، وفيه دليل على أنه يجوز أن يفعل بمن كفر وحارب أي ~~نوع من هذه الأنواع الثلاثة، ويمكن أن يراد بقوله: ورجل يخرج من الاسلام ~~المحارب، ووصفه بالخروج عن الاسلام لقصد المبالغة، ويدل على ms2904 إرادة هذا ~~المعنى تعقيب الخروج عن الاسلام بقوله: فيحارب الله ورسوله لما تقرر من أن ~~مجرد الكفر يوجب القتل وإن لم ينضم إليه المحاربة، ويدل على إرادة ذلك ~~المعنى أيضا ذكر حد المحارب عقب ذلك بقوله: فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض ~~فإن هذا هو الذي أمر الله به في حق المحاربين بقوله: * (إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) * (المائدة: 33). وعن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين: إما أن يفتدي وإما أن يقتل رواه الجماعة لكن لفظ الترمذي: # إما أن يعفو وإما أن يقتل. وعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: من أصيب بدم أو خبل والخبل الجراح فهو بالخيار ~~بين إحدى ثلاث إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو، فأراد رابعة فخذوا على ~~يديه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل ~~القصاص ولم يكن فيهم الدية فقال الله تعالى لهذه الأمة * (كتب عليكم القصاص ~~في القتلى الحر بالحر) * (البقرة: 178) الآية * (فمن عفي له من أخيه شئ) * ~~(البقرة: 179) قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف يتبع ~~الطالب بمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فيما كتب ~~على من كان قبلكم رواه البخاري والنسائي والدارقطني. # حديث أبي شريح الخزاعي في إسناده محمد بن إسحاق وقد أورده معنعنا وهو ~~معروف بالتدليس، فإذا عنعن ضعف حديثه كما تقدم تحقيقه غير مرة، وفي إسناده ~~أيضا سفيان بن أبي العرجاء السلمي، قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور. وقد ~~أخرج الحديث المذكور النسائي وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه ~~كما في حديثه المذكور، وأبو شريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون ~~التحتية وبعدها حاء مهملة اسمه خويلد بن عمرو، ويقال كعب بن عمرو، ويقال ms2905 ~~هانئ، ويقال عبد الرحمن بن عمرو، وقيل غير ذلك، PageV07P148 # والأول هو المشهور. قوله: بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل ظاهره ~~أن الخيار إلى الأهل الذين هم الوارثون للقتيل، سواء كانوا يرثونه بسبب أو ~~نسب، وهذا مذهب العترة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقال الزهري ومالك: ~~يختص بالعصبة إذ شرع لنفي العار كولاية النكاح فإن عفوا فالدية كالتركة. ~~وقال ابن سيرين: # يختص بالورثة من النسب إذ شرع للتشفي، والزوجية ترتفع بالموت فلا تشفي، ~~وأجيب بأنه شرع لحفظ الدماء * (ولكم في القصاص حياة) * (البقرة: 179) ظاهر ~~الحديث أن القصاص والدية واجبان على التخيير وإليه ذهب الهادوية والناصر ~~وأبو حامد والشافعي في قول له وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في ~~أحد قوليه والناصر والداعي والطبري أن الواجب بالقتل هو القصاص لا الدية ~~فليس للولي اختيارها لقوله تعالى : * (كتب عليكم القصاص في القتلى) * ~~(البقرة: 178) ولم يذكر الدية، ويجاب بأن عد الذكر في الآية لا يستلزم عدم ~~الذكر مطلقا، فإن الدية قد ذكرت في حديثي الباب وأيضا تقدير الآية، فمن ~~اقتص فالحر بالحر، ومن عفي له من أخيه شئ فالدية، ويدل على ذلك تفسير ابن ~~عباس المذكور. وظاهر الحديث أيضا أن الولي إذا عفا عن القصاص لم تسقط الدية ~~بل يجب على القاتل تسليمها. وروي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي في قول له ~~والمؤيد بالله في قول له أيضا: أنها تتبع القصاص في السقوط، ويؤيد عدم ~~السقوط قوله تعالى: * (فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان) * (البقرة: 178) وأجاب القائلون بالسقوط بأن المعروف والاحسان ~~التفضل لا الوجوب كما تقتضيه العبارة، لأن الوجوب يقتضي العقاب على الترك، ~~والمعروف والاحسان لا يقتضيان ذلك بدليل قوله تعالى: * (ذلك تخفيف من ربكم ~~ورحمة) * (البقرة: 178) ورد بأن التخفيف المذكور هو بالتخيير بين القصاص ~~والدية لهذه الأمة بعد أن كان الواجب على بني إسرائيل هو القصاص فقط ولم ~~يكن فيهم الدية، ولا شك أن التخيير بين أمرين أوسع وأخف من تعيين واحد ~~منهما كما في كلام ابن ms2906 عباس المذكور في الباب، ويدل على عدم سقوط الدية ~~بسقوط القصاص حديث أبي هريرة وأبي شريح المذكوران. وقد أخرج الترمذي وابن ~~ماجة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: من قتل متعمدا أسلم إلى ~~أولياء المقتول، فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل ثلاثين حقة ~~وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها. وفي الكشاف في تفسير ~~PageV07P149 # الآية المذكورة ما لفظه: * (فاتباع بالمعروف) * فليكن اتباع أو فالامر ~~اتباع، وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعا، يعني فليتبع الولي القاتل ~~بالمعروف بأن لا يعنف عليه وأن لا يطالبه إلا مطالبة جميلة، وليؤد إليه ~~القاتل بدل دم المقتول أداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه ذلك الحكم ~~المذكور من العفو والدية تخفيف من ربكم ورحمة، لأن أهل التوراة كتب عليهم ~~القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص ~~والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث: # القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيرا انتهى. والمراد بقوله في حديث ~~أبي شريح: فإن أراد رابعة فخذوا على يديه أي إذا أراد زيادة على القصاص أو ~~الدية أو العفو، ومن ذلك قوله تعالى: * (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ~~* (البقرة: 178). باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر والتشديد في قتل لا لذمي ~~وما جاء في الحر بالعبد عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم شئ من الوحي ~~ليس في القرآن؟ # فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في ~~القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك ~~الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود ~~والترمذي. وعن علي رضي الله عنه: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد ~~على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في ~~عهده رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وهو حجة في أخذ الحر بالعبد. وعن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده: ms2907 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن لا يقتل ~~مسلم بكافر رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده رواه أحمد وأبو ~~داود. # حديث علي الآخر أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وحديث عمرو بن شعيب سكت عنه أبو ~~داود والمنذري وصاحب التلخيص ورجاله رجال الصحيح إلى عمرو بن PageV07P150 # شعيب. (وفي الباب) عن ابن عمر عند ابن حبان في صحيحه وأشار إليه الترمذي ~~وحسنه. # وعن ابن عباس عند ابن ماجة. وروى الشافعي من حديث عطاء وطاوس ومجاهد ~~والحسن مرسلا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم الفتح: لا ~~يقتل مؤمن بكافر وروى البيهقي من حديث عمران بن حصين نحو ما في الباب، ~~وكذلك رواه البزار من حديثه . وروى أبو داود والنسائي والبيهقي من حديث ~~عائشة نحوه. وقال الحافظ في الفتح بعد أن ذكر حديث علي الآخر وحديث عمرو بن ~~شعيب وحديث عائشة وابن عباس: لان طرقها كلها ضعيفة إلا الطريق الأولى ~~والثانية فإن سند كل منهما حسن انتهى. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ~~عن سالم عن أبيه: أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يقتله ~~وغلظ عليه الدية. قال ابن حزم: هذا في غاية الصحة فلا يصح عن أحد من ~~الصحابة شئ غير هذا إلا ما رويناه عن عمر: أنه كتب في مثل ذلك أن يقاد به ~~ثم ألحقه كتابا فقال: لا تقتلوه ولكن اعتقلوه. قوله: هل عندكم الخطاب لعلي ~~ولكنه غلبه على غيره من أهل البيت لحضوره وغيبتهم أو للتعظيم. قال الحافظ: ~~وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن لأهل ~~البيت لا سيما علي اختصاصا بشئ من الوحي لم يطلع عليه غيرهم، وقد سأل عليا ~~عن هذه المسألة قيس بن عبادة والأشتر النخعي، قال: والظاهر أن المسؤول عنه ~~هنا ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الوحي الشامل للكتاب والسنة، ms2908 فإن الله ~~سبحانه سماها وحيا إذا فسر قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى) * (النجم: 3) ~~بما هو أعم من القرآن، ويدل على ذلك قوله: وما في هذه الصحيفة فإن المذكور ~~فيها ليس من القرآن بل من أحكام السنة. وقد أخرج أحمد والبيهقي أن عليا كان ~~يأمر بالامر فيقال قد فعلناه فيقول: صدق الله ورسوله فلا يلزم منه نفي ما ~~ينسب إلى علي من علم الجفر ونحوه، أو يقال: هو مندرج تحت قوله: إلا فهما ~~يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن فإنه ينسب إلى كثير ممن فتح الله عليه ~~بأنواع العلوم أنه يستنبط ذلك من القرآن. ومما يدل على اختصاص علي بشئ من ~~الاسرار دون غيره حديث المخدج المقتول من الخوارج يوم النهر وأن كما في ~~صحيح مسلم وسنن أبي داود فإنه قال يومئذ: التمسوا فيهم المخدج. يعني في ~~القتلى فلم يجدوه، فقام الإمام علي بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل بعضهم على ~~بعض فقال: # أخرجوهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر وقال: صدق الله وبلغ رسوله، فقام ~~PageV07P151 # إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو ~~لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أي والله الذي لا ~~إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف. والمخدج المذكور هو ذو الثدية، ~~وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعرات مثل ~~سبالة السنور. قوله: إلا فهما هكذا في رواية بالنصب على الاستثناء. وفي ~~رواية بالرفع على البدل، والفهم بمعنى المفهوم من لفظ القرآن أو معناه. ~~قوله: وما في هذه الصحيفة أي الورقة المكتوبة والعقل الدية، وسميت بذلك ~~لأنهم كانوا يعطون الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل. ~~وفي رواية الديات أي تفصيل أحكامها. قوله: وفكاك الأسير بكسر الفاء وفتحها ~~أي أحكام تخليص الأسير من يد العدو والترغيب فيه. قوله: # وأن لا يقتل مسلم بكافر دليل على أن المسلم لا يقاد بالكافر، أما الكافر ~~الحربي فذلك إجماع كما حكاه ms2909 صاحب البحر. وأما الذمي فذهب إليه الجمهور لصدق ~~اسم الكافر عليه. وذهب الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقتل ~~المسلم بالذمي، واستدلوا بقوله في حديث علي وعمرو بن شعيب: ولا ذو عهد في ~~عهده ووجهه أنه معطوف على قوله مؤمن فيكون التقدير: ولا ذو عهد في عهده ~~بكافر كما في المعطوف عليه، والمراد بالكافر المذكور في المعطوف هو الحربي ~~فقط بدليل جعله مقابلا للمعاهد، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدا مثله من ~~الذميين إجماعا، فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي كما قيد في ~~المعطوف، لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقا فيكون التقدير: لا ~~يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي، وهو يدل بمفهومه على ~~أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، ويجاب أولا بأن هذا مفهوم صفة، والخلاف في ~~العمل به مشهور بين أئمة الأصول، ومن جملة القائلين بعدم العمل به الحنفية ~~فكيف يصح احتجاجهم به ؟ وثانيا: بأن الجملة المعطوفة أعني قوله: ولا ذو عهد ~~في عهده لمجرد النهي عن قتل المعاهد فلا تقدير فيها أصلا، ورد بأن الحديث ~~مسوق لبيان القصاص لا للنهي عن القتل، فإن تحريم قتل المعاهد معلوم من ~~ضرورة أخلاق الجاهلية فضلا عن الاسلام، وأجيب عن هذا الرد بأن الأحكام ~~الشرعية إنما تعرف من كلام الشارع، وكون تحريم قتل المعاهد معلوما من أخلاق ~~الجاهلية لا يستلزم معلوميته في شريعة الاسلام، كيف والأحكام الشرعية جاءت ~~بخلاف القواعد الجاهلية، فلا بد من معرفة أن الشريعة الاسلامية PageV07P152 # قررته، ويؤيد ذلك أن السبب في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح ~~بقوله: # لا يقتل مسلم بكافر ما ذكره الشافعي في الام حيث قال: وخطبته يوم الفتح ~~كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد فخطب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالت: لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به. وقال: لا يقتل مؤمن بكافر ~~ولا ذو عهد في عهده فأشار بقوله: لا يقتل مسلم بكافر إلى تركه الاقتصاص من ~~الخزاعي بالمعاهد الذي ms2910 قتله. وبقوله: ولا ذو عهد في عهده إلى النهي عن ~~الاقدام على ما فعله القاتل المذكور، فيكون قوله: ولا ذو عهد في عهده كلاما ~~تاما لا يحتاج إلى تقدير، وسيما وقد تقرر أن التقدير خلاف الأصل، فلا يصار ~~إليه إلا لضرورة ولا ضرورة كما قررناه. ويجاب ثالثا بأن الصحيح المعلوم من ~~كلام المحققين من النحاة وهو الذي نص عليه الرضي أنه لا يلزم اشتراك ~~المعطوف والمعطوف عليه إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف، وهو هنا النهي ~~عن القتل مطلقا من غير نظر إلى كونه قصاصا أو غير قصاص، فلا يستلزم كون ~~إحدى الجملتين في القصاص أن تكون الأخرى مثلها حتى يثبت ذلك التقدير ~~المدعي، وأيضا تخصيص العموم بتقدير ما أضمر في المعطوف ممنوع لو سلمنا صحة ~~التقدير المتنازع فيه كما صرح بذلك صاحب المنهاج وغيره من أهل الأصول. (ومن ~~جملة) ما احتج به القائلون بأنه يقتل المسلم بالذمي عموم قوله تعالى: * ~~(النفس بالنفس) * (المائدة: 45) ويجاب بأنه مخصص بأحاديث الباب، ومن أدلتهم ~~ما أخرجه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قتل مسلما بمعاهد وقال: أنا أكرم من وفى بذمته وأجيب عنه ~~بأنه مرسل ولا تثبت بمثله حجة، وبأن ابن البيلماني المذكور ضعيف لا تقوم به ~~حجة إذا وصل الحديث فكيف إذا أرسله؟ كما قال الدارقطني. قال أبو عبيد ~~القاسم بن سلام: # هو حديث ليس بمسند، ولا يجعل مثله إماما تسفك به دماء المسلمين، وأما ما ~~وقع في رواية عمار بن مطر عن ابن البيلماني عن ابن عمر فقال البيهقي: هو ~~خطأ من وجهين: # أحدهما وصله بذكر ابن عمر. والآخر أنه رواه عن إبراهيم عن ربيعة، وإنما ~~رواه إبراهيم عن ابن المنكدر والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي فقد كان ~~يقلب الأسانيد ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته وسقط عن حد الاحتجاج ~~به. وروي عن البيهقي أنه قال: لم يسنده غير ابن أبي يحيى يعني إبراهيم ~~المذكور، وقد PageV07P153 # ذكرنا في ms2911 غير موضع من هذا الشرع أنه لا يحتج بمثله لكونه ضعيفا جدا، وقد ~~قال علي بن المديني: أن هذا الحديث إنما يدور على إبراهيم بن أبي يحيى، ~~وقيل: إن كلام ابن المديني هذا غير مسلم، فإن أبا داود قد أخرجه في ~~المراسيل وكذلك الطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن أبي البيلماني ~~فلم يكن دائرا على إبراهيم. ويجاب بأن ابن المديني إنما أراد أن الحديث ~~المسند بذكر ابن عمر يدور على إبراهيم بن أبي يحيى فقط، ولم يرد أن المسند ~~والمرسل يدوران عليه فلا استدراك. وقد أجاب الشافعي في الام عن حديث ابن ~~البيلماني المذكور بأنه كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية، فلو ~~ثبت لكان منسوخا لأن حديث: لا يقتل مسلم بكافر خطب به النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب، وقصة عمرو بن أمية متقدمة ~~على ذلك بزمان. واستدلوا بما أخرجه الطبراني: أن عليا أتى برجل من المسلمين ~~قتل رجلا من أهل الذمة فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال: إني ~~قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك، قال لا، ولكن قتل لا يرد على ~~أخي وعرضوا لي ورضيت، قال: أنت أعلم من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته ~~كديتنا، وهذا مع كونه قول صحابي ففي إسناده أبو الجنوب الأسدي وهو ضعيف ~~الحديث كما قال الدارقطني. وقد روى علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أنه لا يقتل مسلم بكافر كما في حديث الباب، والحجة إنما هي ~~في روايته. # وروي عن الشافعي في هذه القضية أنه قال: ما دلكم أن عليا يروي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ويقول بخلافه، واستدلوا أيضا بما رواه ~~البيهقي عن عمر في مسلم قتل معاهدا فقال: إن كانت طيرة في غضب فعلى القاتل ~~أربعة آلاف، وإن كان القاتل لصا عاديا فيقتل. ويجاب عن هذا أولا بأنه قول ~~صحابي ولا حجة فيه. وثانيا بأنه ms2912 لا دلالة فيه على محل النزاع لأنه رتب ~~القتل على كون القاتل لصا عاديا وذلك خارج عن محل النزاع، وأسقط القصاص عن ~~القاتل في غضب وذلك غير مسقط لو كان القصاص واجبا. وثالثا بأنه قال الشافعي ~~في القصص المروية عن عمر في القتل بالمعاهد أنه لا يعمل بحرف منها لأن ~~جميعها منقطعات أو ضعاف أو تجمع الانقطاع والضعف، وقد تمسك بما روي عن عمر ~~مما ذكرنا مالك والليث فقالا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة. قال: ~~والغيلة أن يضجعه فيذبحه، ولا متمسك لهما في ذلك لما PageV07P154 # عرفت، إذا تقرر هذا علم أن الحق ما ذهب إليه الجمهور. ويؤيده قوله تعالى: ~~* (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) ولو كان ~~للكافر أن يقتص من المسلم لكان في ذلك أعظم سبيل، وقد نفى الله تعالى أن ~~يكون له عليه السبيل نفيا مؤكدا. # وقوله تعالى: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) * (الحشر: 20). ~~ووجهه أن الفعل الواقع في سياق النفي يتضمن النكرة فهو في قوة لا استواء ~~فيعم كل أمر من الأمور إلا ما خص . ويؤيد ذلك أيضا قصة اليهودي الذي لطمه ~~المسلم لما قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر فلطمه المسلم، فإن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يثبت له الاقتصاص كما في الصحيح، وهو حجة على ~~الكوفيين لأنهم يثبتون القصاص باللطمة. ومن ذلك حديث: # الاسلام يعلو ولا يعلى عليه وهو وإن كان فيه مقال لكنه قد علقه البخاري ~~في صحيحه. قوله: المؤمنون تتكافأ دماؤهم أي تتساوى في القصاص والديات. ~~والكف ء النظير والمساوي ومنه الكفاءة في النكاح، والمراد أنه لا فرق بين ~~الشريف والوضيع في الدم، بخلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة وعدم ~~المساواة. قوله: وهم يد على من سواهم أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم ~~التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا. قوله: ويسعى بذمتهم أدناهم يعني أنه إذا أمن ~~المسلم حربيا كان أمانه أمانا من جميع المسلمين ولو كان ذلك المسلم امرأة ~~بشرط أن يكون مكلفا فيحرم ms2913 النكث من أحدهم بعد أمانه. # وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل ~~معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما رواه أحمد ~~والبخاري والنسائي وابن ماجة. وعن أبي هرير عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: إلا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة ~~الله ولا يرح رائحة الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا رواه ابن ~~ماجة والترمذي وصححه. # حديث أبي هريرة قال الترمذي بعد أن قال إنه حسن صحيح: إنه قد روي عن أبي ~~هريرة من غير وجه مرفوعا. قوله: معاهدا المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب ~~يدخل إلى دار الاسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل ~~الاسلام حتى يرجع إلى مأمنه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: * (وإن أحد ~~PageV07P155 # من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) * ~~(التوبة: 6). قوله: لم يرح رائحة الجنة بفتح الأول من يرح وأصله راح الشئ ~~أي وجد ريحه، ولم يرحه أي لم يجد ريحه، ورائحة الجنة نسيمها الطيب، وهذا ~~كناية عن عدم دخول من قتل معاهدا الجنة، لأنه إذا لم يشم نسيمها وهو يوجد ~~من مسيرة أربعين عاما لم يدخلها . قوله: فقد أخفر ذمة الله بالخاء والفاء ~~والراء أي نقض عهده وغدر. (والحديثان) اشتملا على تشديد الوعيد على قاتل ~~المعاهد لدلالتهما على تخليده في النار وعدم خروجه عنها وتحريم الجنة عليه، ~~مع أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم في قاتل المسلم هل يخلد فيها أم يخرج ~~عنها؟ فمن قال إنه يخلد تمسك بقوله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها) * (النساء: 93) الآية، ومن قال بعدم تخليده على الدوام ~~قال الخلود في اللغة اللبث الطويل ولا يدل على الدوام وسيأتي الكلام عليه. ~~وأما قاتل المعاهد فالحديثان مصرحان بأنه لا يجد رائحة الجنة وذلك مستلزم ~~لعدم دخولها أبدا، وهذان الحديثان وأمثالهما ينبغي أن يخصص بهما ms2914 عموم ~~الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة بعد ذلك. وقال في ~~الفتح: إن المراد بهذا النفي وإن كان عاما التخصيص بزمان ما لتعاضد الأدلة ~~العقلية والنقلية أن من مات مسلما وكان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامه ~~غير مخلد في النار ومآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك انتهى. وقد ثبت في ~~الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ: سبعين خريفا ومثله روى أحمد عن رجل من ~~الصحابة، وفي رواية للطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ: مائة عام. وفي أخرى ~~له عن أبي بكرة بلفظ: خمسمائة عام ومثله في الموطأ. # وفي رواية في مسند الفردوس من حديث جابر بلفظ: ألف عام. وقد جمع صاحب ~~الفتح بين هذه الأحاديث. # وعن الحسن عن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل ~~عبده قتلنا، ومن جدع عبده جدعناه رواه الخمسة. وقال الترمذي: حديث حسن ~~غريب. وفي رواية لأبي داود والنسائي: ومن خصى عبده خصيناه قال البخاري: قال ~~علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بحديثه: من قتل عبده قتلناه ~~وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل السيد بعبده، وتأولوا الخبر على أنه أراد ~~من كان عبده لئلا يتوهم تقدم الملك مانعا. وقد روى الدارقطني PageV07P156 # بإسناد عن إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: # أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفاه سنة ~~ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة وإسماعيل بن عياش ~~فيه ضعف، إلا أن أحمد قال: ما روي عن الشاميين صحيح، وما روي عن أهل الحجاز ~~فليس بصحيح ، وكذلك قول البخاري فيه. # حديث سمرة قال الحافظ في بلوغ المرام: أن الترمذي صححه والصواب ما قاله ~~المصنف هنا، فإنا لم نجد في نسخ من الترمذي إلا لفظ حسن غريب كما قال ~~المصنف. والزيادة التي ذكرها أبو داود والنسائي صححها الحاكم وفي إسناد ~~الحديث ضعف لأنه من رواية الحسن عن سمرة، ms2915 وفي سماعه منه خلاف طويل، فقال ~~يحيى بن معين: أنه لم يسمع منه شيئا، وقال علي بن المديني: # أن سماعه منه صحيح كما حكى ذلك المصنف عنه، وعن بعض أهل العلم أنه لم ~~يسمع منه إلا حديث العقيقة المتقدم فقط، وقد قدمنا الخلاف في سماعه وعدمه ~~بما هو أطول من هذا. وقد روى أبو داود عن قتادة بإسناد شعبة أن الحسن نسي ~~هذا الحديث فكان يقول: لا يقتل حر بعبد. (وحديث الباب) مروي من طريق قتادة ~~عنه. وحديث إسماعيل بن عياش رواه عن الأوزاعي، كما ذكره المصنف والأوزاعي ~~شامي دمشقي، وإسماعيل قوي في الشاميين لكن دونه محمد بن عبد العزيز الشامي ~~قال فيه أبو حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود وعنده غرائب. (وفي الباب) عن عمر ~~عند البيهقي وابن عدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يقاد ~~مملوك من مالك ولا ولد من والده وفي إسناده عمر بن عيسى الأسلمي وهو منكر ~~الحديث كما قال البخاري. وعن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي مرفوعا: # لا يقتل حر بعبد وفيه جويبر وغيره من المتروكين. وعن علي قال: من السنة ~~لا يقتل حر بعبد ذكره صاحب التلخيص وأخرجه البيهقي، وفي إسناده جابر الجعفي ~~وهو ضعيف. وأخرج البيهقي عن علي قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم برجل قتل عبده متعمدا فجلده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مائة ~~ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به وهو شاهد لحديث عمرو بن شعيب ~~المذكور في الباب. وأخرج البيهقي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو في قصة ~~زنباع لما جب عبده وجدع أنفه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~PageV07P157 # وسلم: من مثل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله، فأعتقه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقتص من سيده. وفي إسناده المثنى بن ~~الصباح وهو ضعيف لا يحتج به. وله طريق أخرى فيها الحجاج بن أرطأة وهو أيضا ~~ضعيف. وله أيضا ms2916 طريق ثالثة فيها سواد بن حمزة وليس بالقوي. وفي سنن أبي ~~داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل مستصرخ إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال حادثة لي يا رسول فقال: ويحك يا مالك فقال: # شر أبصر لسيده جارية فغار فجب مذاكيره، فقال رسول الله صل ء الله عليه ~~وآله وسلم: علي بالرجل فطلب فلم يقدر عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: اذهب فأنت حر، فقال: يا رسول الله على من نصرتي؟ قال: على كل ~~مؤمن أو قال على كل مسلم. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده: أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد. وأخرج البيهقي ~~عن أبي جعفر عن بكير أنه قال: مضت السنة بأن لا يقتل الحر المسلم بالعبد ~~وإن قتله عمدا. وكذلك أخرج عن الحسن وعطاء والزهري من قولهم. (وقد اختلف) ~~أهل العلم في قتل الحر بالعبد. وحكى صاحب البحر الاجماع على أنه لا يقتل ~~السيد بعبده إلا عن النخعي، وهكذا حكي الخلاف عن النخعي وبعض التابعين ~~الترمذي. وأما قتل الحر بعبد غيره فحكاه في البحر عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~وحكاه صاحب الكشاف عن سعيد بن المسيب، والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأبي ~~حنيفة وأصحابه. وحكى الترمذي عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وبعض أهل ~~العلم أنه لس بين الحر والعبد قصاص لا في النفس ولا فيما دون النفس. قال: ~~وهو قول أحمد وإسحاق. وحكاه صاحب الكشاف عن عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء ~~وعكرمة ومالك والشافعي. وحكاه في البحر عن علي وعمر وزيد بن ثابت وابن ~~الزبير والعترة جميعا والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل. وروى الترمذي في ~~المسألة مذهبا ثالثا فقال: وقال بعضهم إذا قتل عبده لا يقتل به، وإذا قتل ~~عبد غيره قتل به، وهو قول سفيان الثوري انتهى. (وقد احتج) المثبتون للقصاص ~~بين الحر والعبد بحديث سمرة المذكورة وهو نص في قتل السيد بعبده، ms2917 ويدل ~~بفحوى الخطاب على أن غير السيد يقتل بالعبد بالأولى. وأجاب عنه النافون ~~أولا بالمقال الذي تقدم PageV07P158 # فيه وثانيا بالأحاديث القاضية بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من ~~طرق متعددة يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج. وثالثا بأنه خارج مخرج ~~التحذير. # ورابعا بأنه منسوخ، ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. وخامسا بأن ~~النهي أرجح من غيره كما تقرر في الأصول. (والأحاديث) المذكورة في أنه لا ~~يقتل حر بعبد مشتملة عليه. وسادسا بأنه يفهم من دليل الخطاب في قوله تعالى: ~~* (الحر بالحر والعبد بالعبد) * (البقرة: 178) أنه لا يقتل الحر بالعبد، ~~ولا يخفى أن هذه الأجوبة يمكن مناقشة بعضها، وقد عكس دعوى النسخ المثبتون ~~فقالوا: إن الآية المذكورة منسوخة بقوله تعالى: * (النفس بالنفس) * ~~(المائدة: 45) واستدلوا أيضا بالحديث المتقدم في أول الباب عن علي: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم. ويجاب عن ~~الاحتجاج بالآية المذكورة أعني قوله: * (النفس بالنفس) * بأنها حكاية ~~لشريعة بني إسرائيل لقوله تعالى في أول الآية: * (وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس) * (المائدة: 45) بخلاف قوله تعالى : * (الحر بالحر والعبد ~~بالعبد) * (البقرة: 178) فإنها خطاب لامة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وشريعة من قبلنا إنما تلزمنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يخالفها، وقد ثبت ما ~~هو كذلك، على أنه قد اختلف في التعبد بشرع من قبلنا من الأصل كما ذلك معروف ~~في كتب الأصول، ثم إنا لو فرضنا أن الآيتين جميعا تشريع لهذه الأمة لكانت ~~آية البقرة مفسرة لما أبهم في آية المائدة، أو تكون آية المائدة مطلقة وآية ~~البقرة مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وقد أيد بعضهم عدم ثبوت القصاص ~~بأنه لا يقتص من الحر بأطراف العبد إجماعا فكذا النفس، وأيد آخر ثبوت ~~القصاص فقال: إن العتق يقارن المثلة فيكون جناية على حر في التحقيق حيث كان ~~الجاني سيده، ويجاب عن هذا بأنه إنما يتم على فرض بقاء المجني عليه بعد ~~الجناية زمنا يمكن فيه أن يتعقب الجناية العتق ثم يتعقبه الموت، لأنه ms2918 لا بد ~~من تأخر المعلول عن العلة في الذهن وإن تقارنا في الواقع، وعلى فرض أن ~~العبد يعتق بنفس المثلة لا بالمرافعة وهو محل خلاف. وقد أجاب صاحب المنحة ~~عن هذا لاشكال فقال: إنه يتم في صورة جدعه وخصيه لا في صورة قتله انتهى. ~~وهذا وهم لأن المراد بالمثلة في كلام المورد للتأييد هي المثلة بالعبد ~~الموجبة لعتقه بالضرب واللطم ونحوهما، لا المثلة المخصوصة التي سرى ذهن ~~صاحب المنحة إليها. وقد أور على المستدلين بقوله تعالى PageV07P159 # : * (الحر بالحر والعبد بالعبد) * (البقرة: 178) أنه يلزم على مقتضى ذلك ~~أن لا يقتل العبد بالحر، وأجيب بأن قتل العبد بالمجمع عليه فلا يلزم ~~التساوي بينهما في ذلك. وأورد أيضا بأنه يلزم أن لا يقتل الذكر بالأنثى ولا ~~الأنثى بالذكر، وسيأتي الجواب عن ذلك. # باب قتل الرجل بالمرأة والقتل بالمثقل وهل يمثل بالقاتل إذا مثل أم لا عن ~~أنس: أن يهوديا ر ض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا فلان أو ~~فلان حتى سمي اليهودي؟ فأومأت برأسها فجئ به فاعترف، فأمر به النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرض رأسه بحجرين رواه الجماعة. # قوله: رض رأس جارية في رواية لمسلم: فقتلها بحجر فجئ بها إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبها رمق. وفي رواية أخرى: قتل جارية من الأنصار على ~~حلي لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة فأمر به أن يرجم حتى يموت ~~فرجم حتى مات والحديث يدل على أنه يقتل الرجل بالمرأة وإليه ذهب الجمهور. ~~وحكى ابن المنذر الاجماع عليه إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء، ورواه ~~البخاري عن أهل العلم. وروي في البحر عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ~~وعكرمة وعطاء ومالك وأحد قولي الشافعي إنه لا يقتل الرجل بالمرأة وإنما تجب ~~الدية. وقد رواه أيضا عن الحسن البصري وأبو الوليد الباجي والخطابي. وحكي ~~هذا القول صاحب الكشاف عن الجماعة الذين حكاه صاحب البحر عنهم ولكنه قال: ~~وهو مذهب مالك والشافعي ولم يقل وهو ms2919 أحد قولي الشافعي كما قال صاحب البحر. ~~وقد أشار السعد في حاشيته على الكشاف إلى أن الرواية التي ذكرها الزمخشري ~~وهم محض، قال: ولا يوجد في كتب المذهبين يعني مذهب مالك والشافعي تردد في ~~قتل الذكر بالأنثى انتهى. وأخرج البيهقي عن أبي الزناد أنه قال: كان من ~~أدركته من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن ~~الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت ~~وعبيد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة من سواهم من نظرائهم أهل ~~فقه وفضل أن المرأة تقاد من الرجل عينا بعين وأذنا بأذن، وكل شئ ~~PageV07P160 # من الجراح على ذلك، وإن قتلها قتل بها. ورويناه عن الزهري وغيره. وعن ~~النخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز. قال البيهقي: وروينا عن الشعبي ~~وإبراهيم خلافه فيما دون النفس. واختلف الجمهور هل يتوفى ورثة الرجل من ~~ورثة المرأة أم لا؟ فذهب الهادي والقاسم والناصر وأبو العباس وأبو طالب إلى ~~أنهم يتوفون نصف دية الرجل. # وحكاه البيهقي عن عثمان البتي وحكاه أيضا السعد في حاشية الكشاف عن مالك. # وذهبت الشافعية والحنفية وزيد بن علي والمؤيد بالله والامام يحيى إلى أنه ~~يقتل الرجل بالمرأة ولا توفية. وقد احتج القائلون بثبوت القصاص بقوله ~~تعالى: * (النفس بالنفس) * (المائدة: 45) ويجاب عن ذلك بما قدمنا في الباب ~~الأول من أن هذه الآية حكاية عن بني إسرائيل كما يدل على ذلك قوله تعالى: * ~~(وكتبنا عليهم فيها) * (المائدة: 45) أي في التوراة. وقد صرح صاحب الكشاف ~~بأنها واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، فتكون هذه الآية مفسرة أو ~~مقيدة أو مخصصة بقوله تعالى: * (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) ~~* (البقرة: 178) وهذه الآية تدل على اعتبار الموافقة ذكورة وأنوثة وحرية ~~وقد أجاب السعد عن هذا في حاشيته على الكشاف بوجوه. الأول: أن القول ~~بالمفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للقيد فائدة، وههنا الفائدة أن ~~الآية إنما نزلت لذلك. والثاني: أنه لو اعتبر ذلك لزم ms2920 أن لا تقتل الأنثى ~~بالذكر نظرا إلى مفهوم بالأنثى، قال: وهذا يرد على ما ذكرنا أيضا ويدفع ~~بأنه يعلم بطريق الأولى. # والثالث: أنه لا عبرة بالمفهوم في مقابلة المنطوق الدال على قتل النفس ~~بالنفس كيفما كانت. (لا يقال) تلك حكاية عما في التوراة لا بيان للحكم في ~~شريعتنا. # لأنا نقول: شرائع من قبلنا لا سيما إذا ذكرت في كتابنا حجة، وكم مثلها في ~~أدلة أحكامنا حتى يظهر الناسخ، وما ذكر هنا يعني في البقرة يصلح مفسرا فلا ~~يجعل ناسخا. # وأما أن تلك يعني آية المائدة ليست ناسخة لهذه فلأنها مفسرة بها فلا تكون ~~هي منسوخة بها. ودليل آخر على عدم النسخ أتلك أعني النفس بالنفس حكاية لما ~~في التوراة، وهذه أعني الحر بالحر الخطاب لنا وحكم علينا فلا ترفعها تلك، ~~وإلى هذا أشار يعني الزمخشري بقوله: ولا تلك عطفا على مضمون قوله ويقولون ~~هي مفسرة، لكنهم يقولون إن المحكي في كتابنا من شريعة من قبلنا بمنزلة ~~المنصوص المقرر فيصلح ناسخا، وما ذكرنا من كونه مفسرا إنما يتم لو كان ~~قولنا النفس بالنفس PageV07P161 # مبهما ولا إبهام بل هو عام، والتنصيص على بعض الافراد لا يدفع العموم، ~~سيما والخصم يدعي تأخر العام حيث يجعله ناسخا، لكن يرد عليه أنه ليس فيه ~~رفع شئ من الحكم السابق بل إثبات زيادة حكم آخر، اللهم إلا أن يقال: إن في ~~قوله * (الحر بالحر ) * الآية دلالة على وجوب اعتبار المساواة في الحرية ~~والذكورة دون الرق والأنوثة ، انتهى كلام السعد. (والحاصل) أن الاستدلال ~~بالقرآن على قتل الحر بالعبد أو عدمه أو قتل الذكر بالأنثى أو عدمه لا يخلو ~~عن إشكال يفت في عضد الظن الحاصل بالاستدلال ، فالأولى التعويل على ما سلف ~~من الأحاديث القاضية بأنه لا يقتل الحر بالعبد، وعلى ما ورد من الأحاديث ~~والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى، منها حديث الباب وإن كان لا يخلو ~~عن إشكال لأن قتل الذكر الكافر بالأنثى المسلمة لا يستلزم قتل الذكر المسلم ~~بها لما بينهما من التفاوت، ولو لم ms2921 يكن إلا ما أسلفنا من الأدلة القاضية ~~بأنه لا يقتل المسلم بالكافر. ومنها ما أخرجه مالك والشافعي من حديث عمرو ~~ابن حزم: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن أن الذكر ~~يقتل بالأنثى وهو عندهما عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ~~أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن ~~حزم أن الذكر يقتل بالأنثى ووصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن ~~عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد ~~في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن لم يسمع منه كما قال الحافظ. ~~وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر ومن طريقه الدارقطني. ورواه أبو داود ~~والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلا. ورواه أبو داود في ~~المراسيل عن ابن شهاب قال: قرأت في كتا ب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم. ~~ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي موصولا مطولا من حديث الحكم بن ~~موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد ~~بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وفرقه الدارمي في مسنده عن الحكم مقطعا. ~~قال الحافظ: وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث فقال أبو داود في ~~المراسيل: قد أسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناد سليمان بن داود وهم ~~إنما هو سليمان بن أرقم. وقال في موضع PageV07P162 # آخر: لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله سليمان بن داود، وقد ~~حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأ في أصل يحيى بن حمزة سليمان بن أرقم، ~~وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي أنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة وأبو ~~الحسن الهروي وغيرهما. # وقال صالح ms2922 جزرة: حدثنا دحيم قال: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن ~~حزم فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: كتب عني هذه الحكاية مسلم بن ~~الحجاج. قال الحافظ أيضا: ويؤيد هذه الحكاية ما رواه النسائي عن الهيثم بن ~~مروان عن محمد بن بكار عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري وقال: # هذا أشبه بالصواب. وقال ابن حزم في المحلى: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا ~~تقوم بها حجة وسليمان بن داود متفق على تركه. وقال عبد الحق: سليمان بن ~~داود الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف ويقال إنه سليمان بن أرقم وتعقبه ~~ابن عدي فقال: هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود وقد جوده الحكم بن موسى. ~~وقال أبو زرعة: عرضت على أحمد فقال: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان ~~بن داود الخولاني ثقة وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو ~~الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي هو اليمامي، وقد أثنى على سليمان بن ~~داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ. ~~وحكى الحاكم عن أبي حاتم أنه سأل عن عمرو بن حزم فقال: سليمان بن داود ~~عندنا ممن لا بأس به، وقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم والبيهقي ونقل ~~عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا، وصححه أيضا من حيث الشهرة لا من حيث ~~الاسناد جماعة من الأئمة منهم الشافعي فإنه قال في رسالته: لم يقبلوا هذا ~~الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ~~ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم ~~يستغني بشهرته عن الاسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له ~~بالقبول والمعرفة. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن ~~سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون ~~أنه كتاب رسول ms2923 الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت ~~محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري. وقال يعقوب ابن أبي ~~سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن ~~PageV07P163 # حزم هذا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين يرجعون ~~إليه ويدعون رأيهم. قال الحاكم: قد شهر عمر بن عبد العزيز وإمام عصره ~~الزهري بالصحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما، وسيأتي لفظ هذا الحديث ~~في أبواب الديات، هذا غاية ما يمكن الاستدلال به للجمهور. ومما يقوي ما ~~ذهبوا إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: وهم يقتلون قاتلها وسيأتي في باب ~~أن الدم حق لجميع الورثة من الرجال والنساء. ووجهه ما فيه من العموم الشامل ~~للرجل والمرأة. ومما يقوي ما ذهبوا إليه أيضا أنا قد علمنا أن الحكمة في ~~شرعية القصاص هي حقن الدماء وحياة النفوس كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: * ~~(لكم في القصاص حياة) * (البقرة: 179) وترك الاقتصاص للأنثى من الذكر يفضي ~~إلى إتلاف نفوس الإناث لأمور كثيرة: منها كراهية توريثهن. ومنها مخافة ~~العار لا سيما عند ظهور أدنى شئ منهن لما بقي في القلوب من حمية الجاهلية ~~التي نشأ عنها الوأد. ومنها كونهن مستضعفات لا يخشى من رام القتل لهن أن ~~يناله من المدافعة ما يناله من الرجال، فلا شك ولا ريب أن الترخيص في ذلك ~~من أعظم الذرائع المفضية إلى هلاك نفوسهن، ولا سيما في مواطن الاعراب ~~المتصفين بغلظ القلوب وشدة الغيرة والأنفة اللاحقة بما كانت عليه الجاهلية. ~~(لا يقال) يلزم مثل هذا في الحر إذا قتل عبدا لأن الترخيص في القود يفضي ~~إلى مثل ذلك الامر. لأنا نقول: هذه المناسبة إنما تعتبر مع عدم معارضتها ~~لما هو مقدم عليها من الأدلة فلا يعمل بها في الاقتياد للعبد من الحر لما ~~سلف من الأدلة القاضية بالمنع، ويعمل بها في الاقتياد للأنثى من الذكر ~~لأنها لم تعارض ما هو كذلك بل جاءت مظاهرة للأدلة ms2924 القاضية بالثبوت. (وفي ~~حديث الباب) دليل على أنه يثبت القصاص في القتل بالمثقل وسيأتي بيان الخلاف ~~فيه. وفيه أيضا دليل على أنه يجوز القود بمثل ما قتل به المقتول وإليه ذهب ~~الجمهور، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به) * (النحل: 126) وقوله تعالى: * (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * ~~(البقرة: 194) وقوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * (الشورى: # 40) وما أخرجه البيهقي والبزار عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث ~~البراء وفيه: ومن حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه. قال البيهقي: في إسناده بعض ~~من يجهل وإنما قاله زياد في خطبته، وهذا إذا كان السبب الذي وقع القتل به ~~مما يجوز فعله لا إذا كان لا يجوز كمن PageV07P164 # قتل غيره بإيجاره الخمر أو اللواط به. وذهبت العترة والكوفيون ومنهم أبو ~~حنيفة وأصحابه إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف. واستدلوا بحديث النعمان ~~بن بشير عند ابن ماجة والبزار والطحاوي والطبراني والبيهقي بألفاظ مختلفة. ~~منها : لا قود إلا بالسيف وأخرجه ابن ماجة أيضا والبزار والبيهقي من حديث ~~أبي بكرة. # وأخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة. وأخرجه الدارقطني من حديث ~~علي. وأخرجه البيهقي والطبراني من حديث ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ~~الحسن مرسلا. وهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك حتى قال ~~أبو حاتم: حديث منكر. وقال عبد الحق وابن الجوزي: طرقه كلها ضعيفة. وقال ~~البيهقي: لم يثبت له إسناد. ويؤيد معنى هذا الحديث الذي يقوي بعض طرقه بعضا ~~حديث شداد بن أوس عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ~~ذبحتم فأحسنوا الذبحة وإحسان القتل يحصل بغير ضرب العنق بالسيف كما يحصل ~~به، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بضرب عنق من أراد قتله حتى صار ~~ذلك هو المعروف في أصحابه، فإذا رأوا رجلا يستحق القتل قال قائلهم: يا رسول ~~الله دعني أضرب عنقه، حتى قيل: إن القتل ms2925 بغير ضرب العنق بالسيف مثلة، وقد ~~ثبت النهي عنها كما سيأتي. وأما حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: يقتل القاتل ويصبر الصابر أخرجه البيهقي والدارقطني وصححه ابن ~~القطان. فالأشهر فيه رواية معمر عن إسماعيل بن أمية مرسلا. وقد قال ~~الدارقطني: الارسال فيه أكثر. وقال البيهقي: الموصول غير محفوظ. وأما حديث ~~أنس المذكور في الباب فقد أجيب عنه بأنه فعل لا ظاهر له، فلا يعارض ما ثبت ~~من الأقوال في الامر بإحسان القتلة والنهي عن المثلة وحصر القود في السيف. # وعن حمل بن مالك قال: كنت بين امرأتين فضربت أحداهما الأخرى بمسطح ~~فقتلتها وجنينها، فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جنينها بغرة وأن ~~تقتل بها رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة رواه النسائي. # وعن عمران بن حصين قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV07P165 # خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة رواه أحمد. وله مثله من رواية ~~سمرة. # الحديث الأول أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة والمغيرة بن شعبة ولكن ~~بدون زيادة قوله: وأن تقتل بها التي هي المقصود من ذكر الحديث ههنا، وقد ~~قال المنذري: إن هذه الزيادة لم تذكر في غير هذه الرواية. وحديث أنس رجال ~~إسناده ثقات فإن النسائي قال: أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الصمد، ~~حدثا هشام عن قتادة عن أنس فذكره. وحديث عمران بن حصين قال في مجمع ~~الزوائد: رواه الطبراني في الكبير وفيه من لم أعرفهم انتهى. وأحاديث النهي ~~عن المثلة أيضا أصلها في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، ~~وفي غيره من حديث ابن عباس، قال الترمذي: وفي الباب يعني في النهي عن ~~المثلة عن عبد الله بن مسعود وشداد بن أوس وسمرة والمغيرة ويعلى بن مرة ~~وأبي أيوب انتهى. قوله: بمسطح بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الطاء ~~المهملة أيضا بعدها ms2926 حاء مهملة. قال أبو داود: قال النضر بن شميل المسطح هو ~~الصولج انتهى. والصولج الذي يرقق به الخبز. وقال أبو عبيد: هو عود من أعواد ~~الخباء. وقد استدل المصنف رحمه الله بحديث حمل بن مالك المذكور على أنه ~~يثبت القصاص في القتل بالمثقل وإليه ذهب الجمهور، ومن أدلتهم أيضا حديث أنس ~~المذكور أول الباب. وحكي في البحر عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وأبي ~~حنيفة أنه لا قصاص بالمثقل، واحتجوا بما أخرجه البيهقي من حديث النعمان بن ~~بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل شئ خطأ إلا السيف ~~ولكل خطأ أرش. وفي لفظ: كل شئ سوى الحديدة خطأ ولكل خطأ أرش وهذا الحديث ~~يدور على جابر الجعفي وقيس بن الربيع ولا يحتج بهمم، وأيضا هذا الدليل أخص ~~من الدعوى، فإن أبا حنيفة يوجب القصاص بالمحدد ولو كان حجرا أو خشبا، ~~ويوجبه أيضا بالمنجنيق لكونه معروفا بقتل الناس وبالالقاء في النار، ~~فالراجح ما ذهب إليه الجمهور لأن المقصود بالقصاص صيانة الدماء من الاهدار، ~~والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إتلاف النفوس، فلو لم يجب به القصاص كان ~~ذلك ذريعة إلى إزهاق الأرواح، والأدلة الكلية القاضية بوجوب القصاص كتابا ~~وسنة. وردت مطلقة غير مقيدة بمحدد أو غيره، وهذا إذا كانت الجناية بشئ ~~PageV07P166 # يقصد به القتل في العادة وكان الجاني عامدا، لا لو كانت بمثل العصا ~~والسوط والبندقة ونحوها فلا قصاص فيها عند الجمهور وهي شبه العمد على ما ~~سيأتي تحقيقه، وسيأتي أيضا بقية الكلام على حديث حمل بن مالك في باب دية ~~الجنين من أبواب الديات. (وقد استدل) بالأحاديث المذكورة في النهي عن ~~المثلة القائلون بأنه لا يجوز الاقتصاص بغير السيف، وقد قدمنا الخلاف في ~~ذلك. قال الترمذي: وكره أهل العلم المثلة. # باب ما جاء في شبه العمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل ~~صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس ms2927 فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل ~~سلاح رواه أحمد وأبو داود. وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط أو العصا فيه ~~مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها رواه الخمسة إلا الترمذي. ~~ولهم من حديث عبد الله بن عمر مثله. # حديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه ~~غير واحد ووثقه غير واحد. والحديث الثاني أخرجه أيضا البخاري في التاريخ ~~وساق اختلاف الرواة فيه، وأخرجه الدارقطني في سننه وساق أيضا فيه الاختلاف ~~وقد صححه ابن حبان. وقال ابن القطان: هو صحيح ولا يضره الاختلاف. # وحديث عبد الله بن عمر الذي أشار إليه المصنف لفظه في سنن أبي داود قال: ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح على درجة البيت أو الكعبة ~~وذكر مثل الحديث الذي قبله، وذكر له طرقا في بعضها علي بن زيد بن جدعان ولا ~~يحتج بحديثه، وسيأتي في باب أجناس مال الدية حديث عقبة بن أوس عن رجل من ~~الصحابة وهو مثل حديث عبد الله بن عمرو الثاني. (وفي الباب) عن علي عند أبي ~~داود أنه قال في شبه العمد أثلاثا: ثلاث وثلاثون حقة. وثلاث وثلاثون جذعة. ~~وأربع وثلاثون PageV07P167 # ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة. وفي إسناده عاصم بن ضمرة وقد تكلم فيه ~~غير واحد. وعن علي أيضا عند أبي داود: قال في الخطأ أرباعا خمس وعشرون حقة، ~~وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض. وعن ~~عثمان بن عفان وزيد بن ثابت عند أبي داود قالا: في المغلظة أربعون جذعة ~~خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون. وفي الخطأ: ثلاثون حقة، وثلاثون ~~بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكورا، وعشرون بنات مخاض. وأخرج أبو داود عن ~~علقمة والأسود أنهما قالا: قال عبد الله في شبه العمد خمس وعشرون حقة، وخمس ~~وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات ms2928 مخاض. # (وقد استدل) بأحاديث الباب من قال: إن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، وخطأ ، ~~وشبه عمد. وإليه ذهب زيد بن علي والشافعية والحنفية والأوزاعي والثوري ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~فجعلوا في العمد القصاص. وفي الخطأ الدية التي سيأتي تفصيلها. وفي شبه ~~العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة كالعصا والسوط والإبرة كونه ~~قاصدا للقتل دية مغلظ وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. ~~وقال ابن أبي ليلى: # إن قتل بالحجر أو العصا فإن كرر ذلك فهو عمد وإلا فخطأ. وقال عطاء وطاوس: # شرط العمد أن يكون بسلاح. وقال الجصاص: القتل ينقسم إلى عمد وخطأ وشبه ~~العمد وجار مجرى الخطأ وهوما ليس إنهاء كفعل الصلحاء. قال الامام يحيى: ولا ~~ثمرة للخلاف إلا في شبه العمة. وقال مالك والليث والهادي والناصر والمؤيد ~~بالله وأبو طالب: إن القتل ضربان عمد وخطأ، فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب ~~أو من غير مكلف أو غير قاصد للمقتول أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة، ~~والعمد ما عداه والأول لا قود فيه. وقد حكى صاحب البحر الاجماع على ذلك ~~والثاني فيه القود. # ولا يخفى أن أحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها على إثبات قسم ثالث وهو شبه ~~العمد وإيجاب دية مغلظة على فاعله، وسيأتي تفصيل الديات وذكر أجناسها إن ~~شاء الله تعالى. PageV07P168 # باب من أمسك رجلا وقتله آخر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك رواه ~~الدارقطني. # وعن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر قال: ~~يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى موت رواه الشافعي. # حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني من طريق الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع ~~عن ابن عمر، ورواه معمر وغيره عن إسماعيل. قال الدارقطني: والارسال أكثر. ~~وأخرجه أيضا البيهقي ورجح المرسل وقال: إنه موصول غير ms2929 محفوظ. قال الحافظ في ~~بلوغ المرام: ورجاله ثقات وصححه ابن القطان. وقد روي أيضا عن إسماعيل عن ~~سعيد بن المسيب مرفوعا والصواب عن إسماعيل قال: قضى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الحديث. ورواه ابن المبارك عن معمر عن سفيان عن إسماعيل ~~يرفعه قال: اقتلوا القاتل وأصبروا الصابر يعني احبسوا الذي أمسك. # وأثر علي رضي الله عنه هو من طريق سفيان عن جابر عن عامر عنه. (والحديث) ~~فيه دليل على أن الممسك للمقتول حال قتل القاتل له لا يلزمه القود، ولا يعد ~~فعله مشاركة حتى يكون ذلك من باب قتل الجماعة بالواحد بل الواجب حبسه فقط. # وقد حكى صاحب البحر هذا القول عن العترة والفريقين يعني الشافعية ~~والحنفية. # (وقد استدل) لهم بالحديث والأثر المذكورين وبقوله تعالى: * (فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) وحكي في البحر ~~أيضا عن النخعي ومالك والليث أنه يقتل الممسك كالمباشر للقتل لأنهما ~~شريكان، إذ لولا الامساك لما حصل القتل. وأجيب بأن ذلك تسبيب مع مباشرة ولا ~~حكم له معها وألحق العمل بمقتضى الحديث المذكور، لأن إعلاله بالارسال غير ~~قادح على ما ذهب إليه أئمة الأصول وجماعة من أئمة الحديث وهو الراجح، لأن ~~الاسناد زيادة مقبولة يتحتم الاخذ بها، والحبس المذكور جعله الجمهور موكولا ~~إلى نظر الامام في طول المدة وقصرها، لأن الغرض تأديبه وليس بمقصود ~~استمراره إلى الموت، وقد أخذ بما PageV07P169 # روي عن علي رضي الله عنه من الحبس إلى الموت ربيعة. # باب القصاص في كسر السن عن أنس أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية فطلبوا ~~إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي ~~بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا ~~أنس كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه ms2930 ~~وآله وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره رواه البخاري ~~والخمسة إلا الترمذي. # قوله: الربيع بضم الراء وهي بنت النضر. قوله: فطلبوا إليها العفو أي طلب ~~أهل الجانية إلى المجني عليها العفو فأبى أهل المجني عليها. وفي رواية ~~للبخاري: فطلبوا إليهم العفو فأبوا أي إلى أهل المجني عليها. قوله: فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، فيه دليل على وجوب القصاص في السن، ~~وقد حكى صاحب البحر الاجماع على ذلك وهو نص القرآن، وظاهر الحديث وجوب ~~القصاص ولو كان ذلك كسرا لا قلعا، ولكن بشرط أن يعرف مقدار المكسور ويمكن ~~أخذ مثله من سن الكاسر فيكون الاقتصاص بأن تبرد سن الجاني إلى الحد الذاهب ~~من سن المجني عليه كما قال أحمد بن حنبل. # وقد حكى الاجماع على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه الهلاك. وحكي عن ~~الليث والشافعي والحنفية أنه لا قصاص في العظم الذي ليس بسن، لأن المماثلة ~~متعذرة لحيلولة اللحم والعصب والجلد. قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص ~~في عظم الرأس فيلحق به سائر العظام، وتعقب بأنه مخالف لحديث الباب فيكون ~~فاسد الاعتبار، وقد تأول من قال بعدم القصاص في العظم مطلقا إذا كسر هذا ~~الحديث بأن المراد بقوله كسرت ثنية جارية أي قلعتها وهو تعسف. قوله: لا ~~والذي بعثك بالحق الخ، قيل لم يرد بهذا القول رد حكم الشرع وإنما أراد ~~التعريض بطلب الشفاعة، وقيل: إنه وقع منه ذلك قبل علمه بوجوب القصاص إلا أن ~~يختار المجني عليه أو ورثته الدية أو العفو، PageV07P170 # وقيل غير ذلك، وجميع ما قيل لا يخلو من بعد، ولكنه يقربه ما وقع منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الثناء عليه بأنه ممن أبر الله قسمه، ولو كان مريدا ~~بيمينه رد ما حكم الله به لكان مستحقا لأوجع القول وأفظعه. قوله: كتاب الله ~~الأشهر فيه الرفع على أنه مبتدأ والقصاص خبره، ويجوز فيه النصب على ~~المصدرية لفعل محذوف كما في صبغة الله ووعد ms2931 الله، ويكون القصاص مرفوعا على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف، وأشار صلى الله عليه وآله وسلم بذلك إلى قوله تعالى: ~~* (والجروح قصاص) * (المائدة: 45) وقيل: إلى قوله تعالى: * (والسن بالسن) * ~~(المائدة: 45) وهو الظاهر. باب من عض يد رجل فانتزعها فسقطت ثنيته عن عمران ~~بن حصين: أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنيتاه فاختصموا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا ~~دية لك رواه الجماعة إلا أبا داود. وعن يعلى بن أمية قال: كان لي أجير ~~فقاتل إنسانا فعض أحدهما صاحبه فانتزع أصبعه فأندر ثنيته فسقط ت، فانطلق ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأهدر ثنيته وقال: أيدع يده في فيك ~~تقضمها كما يقضم الفحل؟ رواه الجماعة إلا الترمذي. # في رواية مسلم عن عمران بن حصين أنه قال: قاتل يعلى بن أمية رجلا فعض ~~أحدهما صاحبه ظاهره يخالف ما في حديث يعلى المذكور من قوله: كان لي أجير ~~فقاتل إنسانا وسيأتي الجمع. قوله: عض يد رجل في رواية لمسلم: عض ذراع رجل. ~~وفي رواية للبخاري: فعض أصبع صاحبه وقد جمع بتعدد القصة، وقيل: رواية ~~الذراع أرجح من رواية الإصبع لأنها من طريق جماعة كما حقق ذلك صاحب الفتح. # قوله: ثنيتاه هكذا في رواية البخاري عند الأكثر. وفي رواية للكشميهني: ~~ثناياه بصيغة الجمع. وفي رواية: بصيغة الافراد كما وقع في حديث يعلى، ويجمع ~~بين ذلك بأنه أريد بصيغة الافراد الجنس، وجعل صيغة الجمع مطابقة لصيغة ~~التثنية عند من يجيز إطلاق صيغة الجمع على المثنى، ولكنه وقع في رواية ~~للبخاري إحدى ثنيتيه وهي مصرحة PageV07P171 # بالافراد، والجمع بتعدد الواقعة بعيد. قوله: فاختصموا في رواية بصيغة ~~التثنية. # قوله: يعض أحدكم بفتح أوله وبفتح العين المهملة بعدها ضاد معجمة مشددة ~~لان أصله ع بكسر الضاد الأولى يع بفتحها ثم أدغمت ونقلت الحركة التي عليها ~~إلى ما قبلها، والمراد بالفحل الذكر من الإبل. قوله: فعض أحدهما صاحبه لم ~~يصرح بالفاعل، وقد ورد في بعض الروايات ms2932 أن رجلا من بني تميم قاتل رجلا فعض ~~يده، ويعلى هو من بني تميم ويدل على ذلك رواية مسلم المتقدمة، واستبعد ~~القرطبي وقوع مثل ذلك من مثل يعلى، وأجيب باحتمال أن يكون ذلك في أول ~~الاسلام. قال النووي: # إن الرواية الأولى من صحيح مسلم تدل على أن المعضوض يعلى. وفي الرواية ~~الثانية والثالثة منه أن المعضوض أجير يعلى، وقد رجح الحافظ أن المعضوض ~~أجير يعلى، قال: # ويحتمل أنهما قصتان وقعتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين، وقد تعقب الزين ~~العراقي في شرح الترمذي ما قاله النووي بأنه ليس في رواية مسلم ولا غيره من ~~الكتب الستة ولا غيرها ما يدل على أن يعلى هو المعضوض لا صريحا ولا إشارة، ~~قال: فيتعين أن يكون يعلى هو العاض انتهى. ولكنه يشكل على ذلك ما في حديث ~~يعلى المذكور في البا ب من أن المقاتلة وقعت بين أجيره وإنسان آخر فلا بد ~~من الجمع بتعدد القصة كما سلف. قوله: فأندر بالنون والدال المهملة والراء ~~أي أزال ثنيته. قوله: يقضمها (البقرة: 179) بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة ~~على الأفصح وهو الامساك بأطراف الأسنان. (والحديثان) يدلان على أن الجناية ~~إذا وقعت على المجني عليه بسبب منه كالقصة المذكورة وما شابهها فلا قصاص ~~ولا أرش، وإليه ذهب الجمهور ولكن بشرط أن لا يتمكن المعضوض مثلا من إطلاق ~~يده أو نحوها بما هو أيسر من ذلك، وأن يكون ذلك العض مما يتألم به المعضوض، ~~وظاهر الدليل عدم الاشتراط، وقد قيل: إنه من باب التقييد بالقواعد الكلية، ~~وفي وجه للشافعية أنه يهدر مطلقا. وروي عن مالك أنه يجب الضمان في مثل ذلك ~~وهو محجوج بالدليل الصحيح، وقد تأول أتباعه ذلك الدليل بتأويلات في غاية ~~السقوط وعارضوه بأقيسة باطلة. وما أحسن ما قال يحيى بن يعمر: لو بلغ مالكا ~~هذا الحديث لم يخالفه، وكذا قال ابن بطال. PageV07P172 # باب من اطلع من بيت قوم مغلق عليهم بغير إذنهم عن سهل بن سعد: أن رجلا ~~اطلع في حجر في باب رسول الله ms2933 صلى الله عليه وآله وسلم ومع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مدري يرجل به رأسه فقال له: لو أعلم أنك تنظر طعنت به ~~في عينك إنما جعل الاذن من أجل البصر. # وعن أنس: أن رجلا اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام ~~إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمشقص أو بمشاقص فكأني أنظر إليه يختل ~~الرجل ليطعنه. وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح ~~متفق عليهن. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من اطلع ~~في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه رواه أحمد. # وفي رواية: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية له ولا ~~قصاص رواه أحمد والنسائي. # اللفظ الآخر من حديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا ابن حبان وصححه. # قوله: مدري المدري بكسر الميم وسكون الدال المهملة عود يشبه أحد أسنان ~~المشط وقد يجعل من حديد. قوله: بمشقص بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح ~~القاف بعدها صاد. قال في القاموس: المشقص كمنبر نصل عريض أو سهم فيه ذلك ، ~~والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش. قوله: يختل بفتح الياء ~~التحتية وسكون الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة وهو الخدع والاختفاء على ~~ما في القاموس. قوله: ليطعنه بضم العين وقد تفتح. قوله: فخذفته الخذف ~~بالخاء المعجمة الرمي بالحصاة، وأما بالحاء المهملة فهو بالعصا لا بالحصا. ~~(وقد استدل) بأحاديث الباب من قال: إن من قصد النظر إلى مكان لا يجوز له ~~الدخول إليه بغير إذن جاز للمنظور إلى مكانه أن يفقأ عينه ولا قصاص عليه ~~ولا دية للتصريح بذلك في الحديث الآخر ولقوله: فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه ~~ومقتضى الحل أنه لا يضمن ولا يقتص منه ولقوله: ما كان عليك من جناح وإيجاب ~~القصاص أو PageV07P173 # الدية جناح، ولان قوله ms2934 صلى الله عليه وآله وسلم المذكور: لو أعلم أنك ~~تنظر طعنت به في عينك يدل على الجواز. وقد ذهب إلى مقتضى هذه الأحاديث ~~جماعة من العلماء منهم الشافعي. وخالفت المالكية هذه الأحاديث فقالت: إذا ~~فعل صاحب المكان بمن اطلع عليه ما أذن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وجب عليه القصاص أو الدين، وساعدهم على ذلك جماعة من العلماء، وغاية ما ~~عولوا عليه قولهم: إن المعاصي لا تدفع بمثلها، وهذا من الغرائب التي يتعجب ~~المنصف من الاقدام على التمسك بمثلها في مقابلة تلك الأحاديث الصحيحة، فإن ~~كل عالم يعلم أن ما أذن فيه الشارع ليس بمعصية، فكيف يجعل فق ء عين المطلع ~~من باب مقابلة المعاصي بمثلها؟ ومن جملة ما عولوا عليه قولهم: إن الحديث ~~وارد على سبيل التغليظ والارهاب ، ويجاب عنه بالمنع والسند أن ظاهر ما ~~بلغنا عنه صلى الله عليه وآله وسلم محمول على التشريع إلا لقرينة تدل على ~~إرادة المبالغة، وقد تخلص بعضهم عن الحديث بأنه مؤول بالاجماع على أن من ~~قصد النظر إلى عورة غيره لم يكن ذلك مبيحا لفق ء عينه ولا سقوط ضمانها، ~~ويجاب أولا بمنع الاجماع وقد نازع القرطبي في ثبوته وقال: إن الحديث يتناول ~~كل مطلع، قال: لأن الحديث المذكور إنما هو لمظنة الاطلاع على العورة ~~فبالأولى نظرها المحقق، ولو سلم الاجماع المذكور لم يكن معارضا لما ورد به ~~الدليل لأنه في أمر آخر فإن النظر إلى البيت ربما كان مفضيا إلى النظر إلى ~~الحر وسائر ما يقصد صاحب البيت ستره عن أعين الناس. وفرق بعض الفقهاء بين ~~من كان من الناظرين في الشارع وفي خالص ملك المنظور إليه، وبعضهم فرق بين ~~من رمى الناظر قبل الانذار وبعده، وظاهر أحاديث الباب عدم الفرق. (والحاصل) ~~أن لأهل العلم في هذه الأحاديث تفاصيل وشروطا واعتبارات يطول استيفاؤها ~~وغالبها مخالف لظاهر الحديث وعاطل عن دليل خارج عنه، وما كان هذا سبيله ~~فليس في الاشتغال ببسطه ورده كثير فائدة، وبعضها مأخوذ من فهم المعنى ~~المقصود ms2935 بالأحاديث المذكورة، ولا بد أن يكون ظاهر الإرادة واضح الاستفادة ~~وبعضها مأخوذ من القياس، وشرط تقييد الدليل به أن يكون صحيحا معتبرا على ~~سنن القواعد المعتبرة في الأصول. PageV07P174 # باب النهي عن الاقتصاص في الطرف قبل الاندمال عن جابر: أن رجلا جرح فأراد ~~أن يستقيد فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستقاد من الجارح حتى ~~يبرأ المجروح رواه الدارقطني. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا ~~طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه فقال: أقدني فأقاده، ثم جاء إليه فقال: ~~يا رسول الله عرجت، قال: قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك، ثم نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه رواه ~~أحمد والدارقطني. # حديث جابر أخرجه أيضا أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب عن عمرو ~~بن دينار عنه. وأخرجه أيضا عثمان بن أبي شيبة بهذا الاسناد. وقال أبو الحسن ~~الدارقطني: أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره فرووه عن ~~ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلا، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه وهو ~~المحفوظ يعني المرسل، وأخرجه أيضا البيهقي من حديث جابر مرسلا بإسناد آخر. ~~وقال: تفرد به عبد الله الأموي عن ابن جريج وعنه يعقوب بن حميد، وأخرجه ~~أيضا من وجه آخر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تقاس ~~الجراحات ثم يتأنى بها سنة ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت إليه وفي إسناده ابن ~~لهيعة، وكذا رواه جماعة من الضعفاء عن أبي الزبير من وجهين آخرين عن جابر ~~ولم يصح شئ من ذلك. وحديث عمرو بن شعيب. قال الحافظ في بلوغ المرام: وأعل ~~بالارسال، وقد تقدم الخلاف في سماع عمرو بن شعيب واتصال إسناده. وأخرجه ~~أيضا الشافعي والبيهقي من طريق عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة. (وقد استدل) ~~بالحديثين ms2936 المذكورين من قال: إنه يجب الانتظار إلى أن يبرأ الجرح ويندمل ثم ~~يقتص المجروح بعد ذلك، وإليه ذهبت العترة وأبو حنيفة ومالك، وذهب الشافعي ~~إلى أنه يندب فقط وتمسك بتمكينه صلى الله عليه وآله وسلم الرجل المطعون ~~بالقرن المذكور في حديث الباب من القصاص قبل PageV07P175 # البرء. واستدل صاحب البحر على الوجوب بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~اصبروا حتى يسفر الجرح. وأصله: أن رجلا طعن حسان بن ثابت فاجتمعت الأنصار ~~ليأخذ لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم القصاص فقال: انتظروا حتى يبرأ ~~صاحبكم ثم أقتص لكم فبرأ حسان ثم عفا. وهذا الحديث إن صح فحديث عمرو بن ~~شعيب قرينة لصرفه من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، كما أنه قرينة لصرف ~~النهي المذكور في حديث جابر إلى الكراهة. وأما ما قيل من أن ظهور مفسدة ~~التعجيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قرينة أن أمره الأنصار بالانتظار ~~للوجوب لأن دفع المفاسد واجب كما قال في ضوء النهار، فيجاب عنه بأنه محل ~~الحجة هو إذنه صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتصاص قبل الاندمال، وهو لا ~~يأذن إلا بما كان جائزا، وظهور المفسدة غير قادح في الجواز المذكور، وليس ~~ظهورها بكلي ولا أكثري حتى تكون معلومة عند الاقتصاص قبل الاندمال أو ~~مظنونة، فلا يجب ترك الاذن دفعا للمفسدة الناشئة منه نادرا، نعم قوله: ثم ~~نهى أن يقتص من جرح الخ، يدل على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال، لأن لفظ ثم ~~يقتضي الترتيب فيكون النهي الواقع بعدها ناسخا للاذن الواقع قبلها. # باب في أن الدم حق لجميع الورثة من الرجال والنساء عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن يعقل عن المرأة ~~عصبتها من كانوا، ولا يرثوا منها إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها ~~بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن عائشة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول ~~وإن كانت ms2937 امرأة رواه أبو داود والنسائي. وأراد بالمقتتلين أولياء المقتول ~~الطالبين القود، وينحجزوا أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كان امرأة. ~~وقوله: الأول فالأول أي الأقرب فالأقرب. # حديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد وثقه غير ~~واحد وتكلم فيه غير واحد، وهو حديث طويل هذا طرف منه، وقد بسطه أبو داود ~~PageV07P176 # في سننه. وحديث عائشة في إسناده حصن بن عبد الرحمن ويقال ابن محصن أبو ~~حذيفة الدمشقي. قال أبو حاتم الرازي: لا أعلم روى عنه غير الأوزاعي ولا ~~أعلم أحدا نسبه. قوله: أن يعقل العقل الدية، والمراد ههنا بقوله إن يعقل أن ~~يدفع عن المرأة ما لزمها من الدية عصبتها، والعصبة محركة الذين يرثون الرجل ~~عن كلالة من غير الوالد ولا ولد، فأما في الفرائض فكل من لم تكن له فريضة ~~مسماة فهو عصبة إن بقي بعد الفرض أحد، وقوم الرجل الذين يتعصبون له، كذا في ~~القاموس. قوله: # أن ينحجزوا بحاء مهملة ثم جيم ثم زاي وقد فسره أبو داود بما ذكره المصنف، ~~وقد استدل المصنف بالحديثين المذكورين على أن المستحق للدم جميع ورثة ~~القتيل من غير فرق بين الذكر والأنثى والسبب والنسب فيكون القصاص إليه ~~جميعا. # وإليه ذهبت العترة والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وذهب الزهري ومالك إلى ~~أن ذلك يختص بالعصبة قالا: لأنه مشروع لنفي العار كولاية النكاح، فإن وقع ~~العفو من العصبة فالدية عندهما كالتركة. وقال ابن سيرين: إنه يختص بدم ~~المقتول الورثة من النسب إذ هو مشروع للتشفي، والزوجية ترتفع بالموت، ورد ~~بأنه شرع لحفظ الدماء، واستدل لذلك في البحر بقوله تعالى: * (ولكم في ~~القصاص حياة) * (المائدة: 29) وبقول عمر حين عفت أخت المقتول عتق عن القتل ~~ولم يخالف، وسيأتي في باب ما تحمله العاقلة بيان كيفية العفو واختلاف ~~الأدلة في ثبوته إن شاء الله تعالى. # باب فضل العفو عن الاقتصاص والشفاعة في ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله ms2938 بها عزا رواه ~~أحمد ومسلم والترمذي وصححه. وعن أنس قال: # ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر فيه القصاص إلا أمر ~~فيه بالعفو رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من رجل يصاب بشئ في جسده فيتصدق به إلا ~~رفعه الله به درجة وحط به عنه خطيئة رواه ابن ماجة والترمذي. وعن عبد ~~الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاث والذي نفس محمد ~~بيده إن كنت لحالفا عليهن: لا PageV07P177 # ينقص مال من صدقة فتصدقوا. ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله عز ~~وجل إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح ~~الله عليه باب فقر رواه أحمد. # حديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري وإسناده لا بأس به. وحديث أبي ~~الدرداء هو من رواية أبي السفر عن أبي الدرداء، قال الترمذي: هذا حديث غريب ~~لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، ~~وأبو السفر اسمه سعيد بن أحمد ويقال ابن محمد الثوري، وحيث عبد الرحمن بن ~~عوف أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار وفي إسناده رجل لم يسم. وأخرجه البزار من ~~طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وقال: إن الرواية هذه أصح، ~~ويشهد لصحته ما ورد من الأحاديث في الترغيب في الصدقة والتنفير عن المسألة ~~وقد تقدمت، وأما فضل العفو المذكور فيه فهو مثل حديث أبي هريرة المذكور في ~~الباب، والترغيب في العفو ثابت بالأحاديث الصحيحة ونصوص القرآن الكريم، ولا ~~خلاف في مشروعية العفو في الجملة وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم ~~هل العفو عن ظالمه أو الترك؟ فمن رجح الأول قال: إن الله سبحانه لا يندب ~~عباده إلى العفو إلا ولهم فيه مصلحة راجحة على مصلحة الانتصاف من المظالم، ~~فالعافي له من الاجر بعفوه عن ظالمه فوق ما يستحقه من العوض ms2939 عن تلك المظلمة ~~من أخذ أجر أو وضع وزر لو لم يعف عن ظالمه. ومن رجح الثاني قال: إنا لا ~~نعلم هل عوض المظلمة أنفع للمظلوم أم أجر العفو؟ ومع التردد في ذلك ليس إلى ~~القطع بأولوية العفو طريق. ويجاب بأن غاية هذا عدم الجزم بأولوية العفو لا ~~الجزم بأولوية الترك الذي هو الدعوى ، ثم الدليل قائم على أولوية العفو، ~~لأن الترغيب في الشئ يستلزم راجحيته، ولا سيما إذا نص الشارع على أنه من ~~موجبات رفع الدرجات وحط الخطيئات وزيادة العز كما وقع في أحاديث الباب، ~~ونحن لا ننكر أن للمظلوم الذي لم يعف عن ظلامته عوضا عنها فيأخذ من حسنات ~~ظالمه أو يضع عليه من سيئاته، ولكنه لا يساوي الاجر الذي يستحقه العافي، ~~لأن الندب إلى العفو والارشاد إليه والترغيب فيه يستلزم ذلك، وإلا لزم أن ~~يكون ما هو بتلك الصفة مساويا أو مفضولا، فلا يكون للدعاء إليه فائدة على ~~فرض المساواة، أو يكون مضرا بالعافي على فرض أن PageV07P178 # العفو مفضول لأنه كان سببا في نقصان ما يستحق من عوض المظلمة، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله. # باب ثبوت القصاص بالاقرار عن وائل بن حجر قال: إني لقاعد مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله هذا قتل ~~أخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقتلته؟ فقال: إنه لو لم ~~يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلته، قال: # كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس ~~على قرنه فقتلته، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل لك من شئ ~~تؤديه عن نفسك؟ قال: مالي مال إلا كسائي وفأسي، قال: فترى قومك يشترونك، ~~قال: أنا أهون على قومي من ذاك، فرمى إليه بنسعته وقال: دونك صاحبك، قال: ~~فانطلق به الرجل فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن قتله ~~فهو مثله، فرجع فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله ms2940 فهو مثله وأخذته ~~بأمرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما تريد أن يبوء بإثمك ~~وإثم صاحبك؟ فقال: يا نبي الله لعله قال بلى، قال: فإن ذلك كذلك، فرمى ~~بنسعته وخلى سبيله رواه مسلم والنسائي. وفي رواية: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بحبشي فقال: إن هذا قتل أخي، قال: كيف قتلته؟ قال: ~~ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله، قال: هل لك مال تؤدي ديته؟ قال: لا، قال: ~~أفرأيت إن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته؟ قال: لا، قال: فمواليك يعطونك ~~ديته؟ قال: لا، قال للرجل: # خذه، فخرج به ليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنه إن ~~قتله كان مثله، فبلغ به الرجل حيث سمع قوله فقال: هو ذا فمر فيه ما شئت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرسله يبوء بإثم صاحبه وإثمه ~~فيكون من أصحاب النار رواه أبو داود. # هذه الرواية الآخرة سكت عنها أبو داود والمنذري وعزاها إلى مسلم ~~والنسائي، ولعله باعتبار اتفاقها في المعني هي والرواية الأولى. وفي رواية ~~أخرى من حديث وائل بن حجر أخرجها أبو داود والنسائي، قال: كنت عند النبي ~~صلى الله عليه PageV07P179 # وآله وسلم إذ جئ برجل قاتل في عنقه النسعة قال: فدعا ولي المقتول فقال: ~~أتعفو؟ # قال لا، قال: أفتأخذ الدية؟ قال لا، قال: أفتقتل؟ قال نعم، قال: اذهب به ~~فلما كان في الرابعة قال: أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه، ~~قال: فعفا عنه، قال : فأنا رأيته يجر النسعة. قوله: بنسعة بكسر النون وسكون ~~السين بعدها عين مهملة. قال في القاموس: النسع بالكسر سير ينسج عريضا على ~~هيئة أعنة البغال تشد به الرحال، والقطعة منه نسعة، وسمي نسعا لطوله، الجمع ~~نسع بالضم ونسع بالكسر كعنب وأنساع ونسوع. قوله: نحتطب من الاحتطاب. ووقع ~~في نسخة نختطب من الاختباط. قوله: إن قتله فهو مثله قد استشكل هذا بعد إذنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتصاص وإقرار القاتل بالقتل على ms2941 الصفة ~~المذكورة، والأولى حمل هذا المطلق على المقيد بأنه لم يرد قتله بذلك الفعل. ~~قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال ابن قتيبة في قوله إن قتله فهو مثله لم ~~يرد أنه مثله في المأثم، وكيف يريده والقصاص مباح؟ ولكن أحب له العفو فعرض ~~تعريضا أوهمه به أنه إن قتله كان مثله في الاثم ليعفو عنه، وكان مراده أنه ~~يقتل نفسا كما أن الأول قتل نفسا وإن كان الأول ظالما والآخر مقتصا. وقيل ~~معناه كان مثله في حكم البواء فصارا متساويين لا فضل للمقتص إذا استوفي على ~~المقتص منه. وقيل أراد ردعه عن قتله لأن القاتل ادعى أنه لم يقصد قتله، فلو ~~قتله الولي كان في وجوب القود عليه مثله لثبت منه قصد القتل، يدل عليه ما ~~روى أبو هريرة قال: قتل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدفع ~~القاتل إلى وليه فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردت قتله، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار فخلاه ~~الرجل وكان مكتوفا بنسعة فخرج يجر نسعته قال: فكان يسمى ذا النسعة رواه أبو ~~داود وابن ماجة والترمذي وصححه انتهى. وأخرج هذا الحديث أيضا النسائي وهو ~~مشتمل على زيادة وهي تقييد الاقرار بأنه لم يرد القتل بذلك الفعل فيتعين ~~قبولها، ويحمل المطلق على المقيد كما تقدم، فيكون عدم قصد القتل موجبا لكون ~~القتل خطأ، ولكنه يشكل على قول من قال إن عدم قصد القتل إنما يصير القتل من ~~جنس الخطأ إذا كان بما مثله لا يقتل في العادة لا إذا كان مثله يقتل في ~~العادة فإنه يكون عمدا وإن لم يقصد به القتل، وإلى هذا ذهبت الهادوية، ~~والحديث يرد عليهم. PageV07P180 # (لا يقال الحديث) مشكل من جهة أخرى وهي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أذن ~~لولي المجني عليه بالاقتصاص، ولو كان القتل خطأ لم يأذن له بذلك، إذ لا ~~قصاص في قتل الخطأ إجماعا كما حكاه صاحب البحر وهو صريح ms2942 القرآن والسنة. ~~لأنا نقول: لم يمنعه صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتصاص بمجرد تلك الدعوى ~~لاحتمال أن يكون المدعي كاذبا فيها، بل حكم على القاتل بما هو ظاهر الشرع، ~~ورهب ولي الدم عن القود بما ذكره معلقا لذلك على صدقه. قوله: أما تريد أن ~~يبوء بإثمك وإثم صاحبك أما كون القاتل يبوء بإثم المقتول فظاهر، وأما كونه ~~يبوء بإثم وليه فلأنه لما قتل قريبه وفرق بينه وبينه كان جانيا عليه جناية ~~شديدة لما جرت به عادة البشر من التألم لفقد القريب والتأسف على فراق ~~الحبيب ولا سيما إذا كان ذلك بقتله، ولا شك أن ذلك ذنب شديد ينضم إلى ذنب ~~القتل، فإذا عفا ولي الدم عن القاتل كانت ظلامته بقتل قريبه وإحراج صدره ~~باقية في عنق القاتل فينتصف منه يوم القيامة بوضع ما يساويها من ذنوبه عليه ~~فيبوء بإثمه. قوله: قال يا نبي الله لعله أي لعله أن لا يبوء بإثمي وإثم ~~صاحبي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم بلى يعني بلى يبوء بذلك. وأما قوله في ~~الرواية الأخرى بإثم صاحبه وإثمه فلا إشكال فيه، وهو مثل ما حكاه الله في ~~القرآن عن ابن آدم حيث قال: * (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) * (البقرة: ~~282) والمراد بالبواء الاحتمال. قال في القاموس: وبذنبه وبواء احتمله أو ~~اعترف به ودمه بدمه عدله وبفلان قتل به فقاومه انتهى. وقد استدل المصنف ~~رحمه الله بحديث وائل بن حجر على أنه يثبت القصاص على الجاني بإقراره وهو ~~مما لا أحفظ فيه خلافا إذا كان الاقرار صحيحا متجردا عن الموانع. # باب ثبوت القتل بشاهدين عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار بخيبر ~~مقتولا فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا ذلك له ~~فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ فقالوا: يا رسول الله لم يكن ثم ~~أحد من المسلمين، وإنما هم يهود قد يجترئون على أعظم من هذا، قال: فاختاروا ~~منهم خمسين فاستحلفوهم فوداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ms2943 عنده رواه ~~أبو داود. وعن عمرو بن شعيب عن PageV07P181 # أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته، ~~فقال: يا رسول الله ومن أين أصيب شاهدين؟ وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم، ~~قال: فتحلف خمسين قسامة، فقال: يا رسول الله فكيف أحلف على ما لم أعلم؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فاستحلف منهم خمسين قسامة، فقال: ~~يا رسول الله كيف نستحلفهم وهم اليهود؟ فقسم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها رواه النسائي. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح إلا الحسن بن ~~علي بن راشد وقد وثق. والحديث الثاني في إسناده عمرو بن شعيب وقد تقدم ~~الكلام عليه، والراوي عنه عبيد الله بن الأخنس وقد حسن الحافظ في الفتح ~~إسناد هذا الحديث، والكلام على ما اشتمل عليه الحديثان من أحكام القسامة ~~يأتي في بابها، وأوردهما المنصف ههنا للاستدلال بهما على أنه يثبت القتل ~~بشهادة شاهدين، ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه يقول باشتراط زيادة على ~~شهادة شاهدين في القصاص، ولكنه وقع الخلاف في قبول شهادة النساء في القصاص ~~كالمرأتين مع الرجل، فحكى صاحب البحر عن الأوزاعي والزهري أن القصاص ~~كالأموال فيكفي فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وظاهر اقتصاره على حكاية ~~ذلك عنهما فقط أن من عداهما يقول بخلافه، والمعروف من مذهب الهادوية أنها ~~لا تقبل في القصاص إلا شهادة رجلين أصلين لا فرعين، والمعروف في مذهب ~~الشافعية أنه يكفي في الشهادة على المال والعقود المالية شهادة رجلين أو ~~رجل وامرأتين، وفي عقوبة لله تعالى كحد الشرب وقطع الطريق أو لآدمي كالقصاص ~~رجلان. قال النووي في المنهاج ما لفظه: ولمال وعقد مالي كبيع وإقالة وحوالة ~~وضمان وحق مالي كخيار رجلان أو رجل وامرأتان ولغير ذلك من عقوبة لله تعالى ~~أو لآدمي وما يطلع عليه رجال غالبا كنكاح وطلاق ورجعة ms2944 وإسلام وردة وجرح ~~وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة رجلان انتهى. واستدل ~~الشارح المحلي للأول بقوله تعالى: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * (البقرة: 282) قال: وعموم الاشخاص مستلزم ~~لعموم الأحوال المخرج منه PageV07P182 # ما يشترط فيه الأربعة وما لا يكتفي فيه بالرجل والمرأتين. واستدل للثاني ~~بما رواه مالك عن الزهري قال: مضت السنة أنه لا يجوز شهادة النساء في ~~الحدود ولا في النكاح والطلاق وقال: وقيس على الثلاثة باقي المذكورات بجامع ~~أنها ليست بمال ولا يقصد منها مال، والقصد من الوكالة والوصاية الراجعتين ~~إلى المال الولاية والخلافة لا المال انتهى. وقد أخرج قول الزهري المذكور ~~ابن أبي شيبة بإسناد فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، مع كون الحديث مرسلا لا ~~تقوم بمثله الحجة، فلا يصلح لتخصيص عموم القرآن باعتبار ما دخل تحت نصه ~~فضلا عما لم يدخل تحته بل ألحق به بطريق القياس. وأما الحديثان المذكوران ~~في الباب فليس فيهما إلا مجرد التنصيص على شهادة الشاهدين في القصاص، وذلك ~~لا يدل على عدم قبول شهادة رجل وامرأتين، وغاية الامر أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم طلب ما هو الأصل الذي لا يجزي عنه غيره إلا مع عدمه، كما ~~يدل عليه قوله تعالى: * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * (آل عمران: ~~97) والأصل مع إمكانه متعين لا يجوز العدول إلى بدله مع وجوده، فذلك هو ~~النكتة في التنصيص في حديثي الباب على شهادة الشاهدين. قوله: إن ابن محيصة ~~بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتانية وتشديدها وفتح الصاد المهملة. ~~قوله: برمته بضم الراء وتشديد الميم وهي الحبل الذي يقاد به. قوله: فقسم ~~ديته عليهم هو مخالف لما في المتفق عليه الآتي وسيأتي الكلام على ذلك. # باب ما جاء في القسامة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية ms2945 رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. وعن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود ~~إلى خيبر وهو يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهي تشحط ~~في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة ~~وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذهب عبد الرحمن ~~يتكلم فقال: كبر كبر وهو أحدث PageV07P183 # القوم فسكت فتكلما قال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ فقالوا: وكيف ~~نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، فقالوا: كيف نأخذ ~~أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عنده رواه ~~الجماعة. # وفي رواية متفق عليها: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يقسم ~~خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته، فقالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف؟ ~~قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله قوم كفار وذكر ~~الحديث بنحوه، وهو حجة لمن قال: لا يقسمون على أكثر من واحد. وفي لفظ ~~لأحمد: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تسمون قاتلكم ثم تحلفون ~~عليه خمسين يمينا ثم تسلمه وفي رواية متفق عليها: فقال لهم: تأتون بالبينة ~~على من قتله؟ قالوا: ما لنا من بينة، قال: # فيحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة. # قوله: ما جاء في القسامة بفتح القاف وتخفيف السين المهملة وهي مصدر أقسم ~~والمراد بها الايمان، واشتقاق القسامة من القسم كاشتقاق الجماعة من الجمع. ~~وقد حكى إمام الحرمين أن القسامة عند الفقهاء اسم للايمان، وعند أهل اللغة ~~اسم للحالفين، وقد صرح بذلك في القاموس، وقال في الضياء: إنها الايمان. ~~وقال في المحكم: إنها في اللغة الجماعة ثم أطلقت على الايمان. قوله: أقر ~~القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية القسامة في الجاهلية قد أخرج البخاري ~~والنسائي صفتها عن ابن عباس أن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا ms2946 بني هاشم، ~~كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من بني قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في ~~إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال: أغثني بعقال أشد ~~به عروة جوالقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه فلما نزلوا ~~عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا فقال الذي استأجره: ما بال هذا البعير لم يعقل ~~من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ فحذفه بعصا كان فيه ~~أجله، فمر به رجل من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ # قال: ما أشهده وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ ~~قال: # نعم فإذا شهدت فناد يا قريش فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم فإن أجابوك ~~فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال ومات المستأجر، فلما قدم ~~PageV07P184 # الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام ~~عليه ووليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينا، ثم إن الرجل الذي ~~أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال يا قريش، قالوا هذه قريش قال: يا ~~آل بني هاشم قالوا هذه بنو هاشم. قال أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، ~~قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانا قتله في عقال، فأتاه أبو طالب ~~فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، ~~وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه ~~فأخبرهم فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم كانت قد ~~ولدت منه فقالت: يا أبا طالب أحب أن تجير ابني هذا برجل من الخمسين ولا ~~تصير يمينه حيث تصير الايمان، ففعل فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت ~~خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل فيصيب كل رجل منهم بعيران هذان ~~البعيران فاقبلهما مني ولا تصير يميني حيث تصير الايمان، فقبلهما وجاء ~~ثمانية ms2947 وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن ~~الثمانية والأربعون عين تطرف انتهى. وقد أخرج البيهقي من طريق سليمان بن ~~يسار عن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن القسامة كانت في ~~الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما ~~كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا ~~على اليهود. قوله: عن سهل بن أبي حثمة قال انطلق هكذا في كثير من روايات ~~البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: عن رجال من كبراء قومه. وفي أخرى له: عن ~~رجل من كبراء قومه. قوله: ومحيصة قد تقدم ضبطه في الباب الذي قبل هذا وهو ~~ابن عم عبد الله بن سهل. قوله: يتشحط في دمه بالشين المعجمة والحاء المهملة ~~المشددة بعدها طاء مهملة أيضا وهو الاضطراب في الدم. كما في القاموس. # قوله: وحويصة بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد الياء مصغرا وقد روي ~~التخفيف فيه وفي محيصة. قوله: كبر كبر أي دع من هو أكبر منك سنا يتكلم، ~~هكذا في رواية يحيى بن سعيد أن الذي تكلم هو عبد الرحمن بن سهل وكان ~~أصغرهم، وفي رواية: أن الذي تكلم هو محيصة وكان أصغر من حويصة. قوله: # أتحلفون وتستحقون صاحبكم فيه دليل على مشروعية القسامة، وإليه ذهب جمهور ~~PageV07P185 # الصحابة والتابعين والعلماء من الحجاز والكوفة والشام، حكى ذلك القاضي ~~عياض، ولم يختلف هؤلاء في الجملة إنما اختلفوا في التفاصيل على ما سيأتي ~~بيانه. وروى القاضي عياض عن جماعة من السلف منهم أبو قلابة وسالم بن عبد ~~الله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن ~~خالد وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه أن القسامة غير ثابتة لمخالفتها ~~لأصول الشريعة من وجوه. منها: أن البينة على المدعي واليمين على المنكر في ~~أصل الشرع. ومنها: أن اليمين لا يجوز إلا على ما علمه الانسان قطعا ~~بالمشاهدة الحسية أو ما يقوم مقامها، وأيضا لم يكن ms2948 في حديث الباب حكم ~~بالقسامة، وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية فتلطف لهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ليريهم كيف بطلانها. وإلى عدم ثبوت القسامة أيضا ذهب الناصر ~~كما حكاه عنه صاحب البحر. وأجيب بأن القسامة أصل من أصول الشريعة مستقل ~~لورود الدليل بها فتخصص بها الأدلة العامة وفيها حفظ للدماء وزجر للمعتدين، ~~ولا يطرح سنة خاصة لأجل سنة عامة، وعدم الحكم في حديث سهل بن أبي حثمة لا ~~يستلزم عدم الحكم مطلقا، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قد عرض على ~~المتخاصمين اليمين وقال: إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب كما في ~~رواية متفق عليها، وهو لا يعرض إلا ما كان شرعا، وأما دعوى أنه قال ذلك ~~للتلطف بهم وإنزالهم من حكم الجاهلية فباطلة، كيف وفي حديث أبي سلمة ~~المذكور في الباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما ~~كانت عليه في الجاهلية، وقد قدمنا صفة الواقعة التي وقعت لأبي طالب مع قاتل ~~الهاشمي. وقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد قال: وجد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قتيلا بين قريتين فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذرع ما بينهما فوجده أقرب إلى أحد الجانبين بشبر فألقى ديته عليهم قال ~~البيهقي: تفرد به أبو إسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما. وقال العقيلي: هذا ~~الحديث ليس له أصل. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن الشعبي أن ~~قتيلا وجد بين وادعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما ~~فوجدوه إلى وادعة أقرب فأحلفهم عمر خمسين يمينا كل رجل ما قتلته ولا علمت ~~قاتله ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا أيماننا دفعت عن ~~أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق. وأخرج نحوه ~~الدارقطني والبيهقي PageV07P186 # عن سعيد بن المسيب وفيه أن عمر قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قال البيهقي: رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms2949 ~~منكر، وفيه عمر بن صبيح أجمعوا على تركه. وقال الشافعي: ليس بتكذيب إنما ~~رواه الشعبي عن الحرث الأعور. وقال البيهقي: روي عن مجالد عن الشعبي عن ~~مسروق عن عمر. وروي عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحرث بن الأزمع لكن لم يسمعه ~~أبو إسحاق من الحرث. # وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن سليمان بن يسار وعراك بن ~~مالك أن رجلا من بني سعد بن ليث أجرى فرسا فوطئ على أصبع رجل من جهينة ~~فمات، فقال عمر للذين ادعى عليهم: أتحلفون خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا، ~~فقال للآخرين: احلفوا أنتم فأبوا، فقضى عمر بشطر الدية على السعديين. ~~وسيأتي حكمه صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود بالدية. قوله: فيدفع برمته ~~قد تقدم ضبط الرمة وتفسيرها في الباب الأول، وقد استدل بهذا من قال إنه يجب ~~القول بالقسامة، وإليه ذهب الزهري وربيعة وأبو الزناد ومالك والليث ~~والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ومعظم ~~الحجازيين، وحكاه مالك عن ابن الزبير، واختلف في ذلك على عمر بن عبد ~~العزيز. وحكي في البحر عن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومعاوية والمرتضى ~~والشافعي في أحد قوليه إنه لا يجب القود بالقسامة، وإليه ذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه وسائر الكوفيين وكثير من البصريين وبعض المدنيين والثوري والأوزاعي ~~والهادوية، بل الواجب عندهم جميعا اليمين، فيحلف خمسون رجلا من أهل القرية ~~خمسين يمينا ما قتلناه لا علمنا قاتله ولا يمين على المدعي، فإن حلفوا ~~لزمتهم الدية عند جمهورهم. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أن أبا بكر وعمر ~~والجماعة الأولى لم يكونوا يقتلون بالقسامة. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة والبيهقي عن عمر أن القسامة إنما توجب العقل ولا تشيط الدم. وقال عبد ~~الرزاق في مصنفه: قلت لعبيد الله بن عمر العمري أعلمت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: # فعمر؟ قال: لا، قلت: فلم تجترؤون عليها؟ فسكت. وقد استدل بقوله صلى ms2950 الله ~~عليه وآله وسلم: تقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته أحمد ومالك في ~~المشهور عنه أن القسامة إنما تكون على رجل واحد. وقال الجمهور: يشترط أن ~~تكون على معين سواء كان PageV07P187 # واحدا أو أكثر. واختلفوا هل يختص القتل بواحد من الجماعة المعينين أو ~~يقتل الكل؟ وقال أشهب: لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدا للقتل ويسجن ~~الباقون عاما ويضربون مائة مائة، قال الحافظ: وهو قول لم يسبق إليه. وقال ~~جماعة من أهل العلم: إن شرط القسامة أن تكون على غير معين، واستدلوا على ~~ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور، فإن الدعوى فيه وقعت على أهل خيبر من ~~غير تعيين. ويجاب عن هذا بأن غايته أن القسامة تصح على غير معين، وليس فيه ~~ما يدل على اشتراط كونها على غير معين، ولا سيما وقد ثبت أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قرر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقد قدمنا أن أول ~~قسامة كانت في الجاهلية قسامة أبي طالب وهي دعوى على معين كما تقدم. (فإن ~~قيل) إذا كانت على معين كان الواجب في العمد القود وفي الخطأ الدية فما وجه ~~إيجاب القسامة؟ فيقال: لما لم يكن على ذلك المعين بينة ولم يحصل منه مصادقة ~~كان ذلك مجرد لوث، فإن اللوث في الأصل هو ما يثمر صدق الدعوى وله صور ذكرها ~~صاحب البحر. منها وجود القتيل في بلد يسكنه محصورون فإن كان يدخله غيرهم ~~اشترط عداوة المستوطنين للقتيل كما في قصة أهل خيبر. ومنها وجوده في صحراء ~~وبالقرب منه رجل في يده سلاح مخضوب بالدم ولم يكن هناك غيره. ومنها وجوده ~~بين صفي القتال. ومنها وجوده ميتا بين مزدحمين في سوق أو نحوه. ومنها كون ~~الشهاد على القتل نساء أو صبيانا لا يقدر تواطؤهم على الكذب ، هذا معنى ~~كلام البحر. ومن صور اللوث أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان أو هو ~~قتلني أو نحو ذلك فإنها تثبت القسامة بذلك عند مالك والليث، وادعى مالك أن ms2951 ~~ذلك مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا، واعترض هذه الدعوى ابن العربي. وفي ~~الفتح أنه لم يقل بذلك غيرهما. ومنها إذا كان الشهود غير عدول أو كان ~~الشاهد واحدا فإنها تثبت القسامة عند مالك والليث، ولم يحك صاحب البحر ~~اشتراط اللوث إلا عن الشافعي. وحكي عن القاسمية والحنفية أنه لا يشترط، ورد ~~بأن عدم الاشتراط غفلت عن أن الاختصاص بموضع الجناية نوع من اللوث والقسامة ~~لا تثبت بدونه. # قوله: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم أي يخلصونكم عن الايمان بأن يحلفوا ~~فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شئ وخلصتم أنتم من الايمان. والجمع ~~بين هذه الرواية والرواية الأخرى التي فيها تقديم طلب البينة على اليمين ~~حيث PageV07P188 # قال: يأتون بالبينة على من قتله. قالوا: ما لنا بينة بأن يقال إن الرواية ~~الأخرى مشتملة على زيادة وهي طلب البينة أولا ثم اليمين ثانيا. ولا وجه لما ~~زعمه بعضهم من كون طلب البينة وهم في الرواية المذكورة، لأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين. قال ~~الحافظ: إن سلم أنه لم يسكن مع اليهود أحد من المسلمين في خيبر فقد ثبت في ~~نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن يكون طائفة ~~أخرى خرجوا لمثل ذلك، ثم قال: وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا، ~~وذكر حديث عمرو بن شعيب وحديث رافع بن خديج المتقدمين في الباب الأول. ~~قوله: أن يبطل دمه في رواية للبخاري: أن يطل دمه بضم أوله وفتح الطاء ~~وتشديد اللام أي يهدر. قوله: فوداه بمائة من إبل الصدقة في الرواية الأولى: ~~فعقله أي أعطى ديته. وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ~~عقله والعقل الدية كما تقدم. وقد زعم بعضهم أن قوله من إبل الصدقة غلط من ~~سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: فعقله النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من عنده، وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون النبي ms2952 صلى الله ~~عليه وآله وسلم اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله ~~من عنده أي من بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع ~~به مجانا، وحمله بعضهم على ظاهره. وقد حكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز ~~صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره. قال القاضي عياض: ~~وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعي عليهم في اليمين إلا الشافعي وأحمد ~~فقالا بقول الجمهور يبدأ بالمدعين. وردها إن أبوا على المدعي عليهم، وقال ~~بعكسه أهل الكوفة وكثير من أهل البصرة وبعض أهل المدينة. وقال الأوزاعي: ~~يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا من قتله، ~~فإن حلفوا برئوا، وإن نقصت قسامتهم عن عدد أو نكول حلف المدعون على رجل ~~واحد واستحقوا دمه، فإن نقصت قسامتهم عادت دية. وقال عثمان البتي: يبدأ ~~المدعي عليهم بالايمان فإن حلفوا فلا شئ عليهم. وقال الكوفيون: إذا حلفوا ~~وجبت عليهم الدية. قال في الفتح: واتفقوا كلهم على أنها لا تجب القسامة ~~بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها. واختلفوا ~~في تصوير الشبهة على سبعة أوجه ثم ذكرها وذكر الخلاف في كل واحدة منها وهي ~~ما أسلفناه في بيان صور اللوث. PageV07P189 # قال في الفتح بعد أن ذكر السابعة من تلك الصور وهي أن يوجد القتيل في ~~محلة أو قبيلة: أنه لا يوجب القسامة عند الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ~~وأتباعهم إلا هذه الصورة ولا يجب فيما سواها. وبهذا يتبين لك أن عدم اشتراط ~~اللوث مطلقا بعد الاتفاق على تفسيره بما سلف غير صحيح، ومن شروط القسامة ~~عند الجميع إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر. (والحاصل) أن أحكام القسامة ~~مضطربة غاية الاضطراب، والأدلة فيها واردة على أنحاء مختلفة، ومذاهب ~~العلماء في تفاصيلها متنوعة إلى أنواع ومتشعبة إلى شعب، فمن رام الإحاطة ~~بها فعليه بكتب الخلاف ومطولات شروح الحديث. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه ms2953 وآله وسلم ~~قال: البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة رواه ~~الدارقطني. # وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من الأنصار: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لليهود وبدأهم يحلف منكم خمسون ~~رجلا فأبوا، فقال للأنصار: استحقوا، فقالوا: أنحلف على الغيب يا رسول الله؟ ~~فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية على اليهود لأنه وجد بين ~~أظهرهم رواه أبو داود. # الحديث الأول أخرجه أيضا ابن عبد البر والبيهقي من حديث مسلم بن خالد عن ~~ابن جريج عن عمرو بن شعيب به. قال البخاري: إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن ~~شعيب، وقد روي عن عمرو مرسلا من طريق عبد الرزاق وهو أحفظ من مسلم بن خالد ~~وأوثق. # ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث عثمان بن محمد بن سالم عن ابن جريج عن ~~عطاء عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ الحديث المذكور. قال الحافظ في التلخيص: # وهو ضعيف. والحديث الثاني الراوي له عن أبي سلمة وسليمان وهو الزهري، قال ~~المنذري في مختصر السنن بعد ذكره قال بعضهم: وهذا ضعيف لا يلتفت إليه. # وقد قيل للامام الشافعي: ما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب يعني هذا؟ فقال: ~~مرسل والقتيل أنصاري. والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذ كان ~~كل ثقة وكل عندنا بنعمة الله ثقة. قال البيهقي: وأظنه أراد بحديث الزهري ما ~~روى عنه معمر عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار وذكر هذا ~~الحديث. وقد PageV07P190 # استدل بالحديث الأول، على أن أحكام القسامة مخالفة لما عليه سائر القضايا ~~من إيجاب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فيندفع به ما أورده ~~النافون للقسامة من مخالفتها لما عليه سائر الأحكام الشرعية، وقد تقدم ~~تفصيل ذلك. واستدل بالحديث الثاني من قال بإيجاب الدية على من وجد القتيل ~~بين أظهرهم، ويعارضه حديث عمرو بن شعيب المتقدم في الباب الأول فإن فيه أنه ~~أعانهم بنصف الدية، ويعارض الجميع ما في المتفق ms2954 عليه من حديث سهل بن أبي ~~حثمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقله من عنده فإن أمكن حمل ذلك على ~~قصص متعددة فلا إشكال، وإن لم يمكن وكان المخرج متحدا فالمصير إلى ما في ~~الصحيحين هو المتعين، ولا سيما مع ما في حديث أبي سلمة المذكور في الباب. ~~وحديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب الأول من الحكم بالدية بدون أيمان. ~~قوله: فقال للأنصار استحقوا فقال في القاموس: استحقه استوجبه اه. والمراد ~~ههنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأنصار بأن يستوجبوا الحق الذي ~~يدعونه على اليهود بأيمانهم، فأجابوا بأنهم لا يحلفون على الغيب. # باب هل يستوفى القصاص والحدود في الحرم أم لا عن أنس: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل ~~فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: # اقتلوه. وعن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله ~~والمسلمين، وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا ~~تحل لأحد بعدي. # وعن أبي شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ~~ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، ~~حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل ~~لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ~~ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها فقولوا له: إن الله قد ~~أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما PageV07P191 # أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ ~~الشاهد الغائب، فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال، قال: أنا أعلم بذلك ms2955 ~~منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. وعن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة: إن هذا ~~البلد حرام حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى ~~يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من ~~نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة متفق على أربعتهن. وعن عبد الله ~~بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أعدى الناس على الله عز ~~وجل من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية رواه أحمد، ~~وله من حديث أبي شريح الخزاعي نحوه. وقال ابن عمر: لو وجدت قاتل عمر في ~~الحرم ما هجته. وقال ابن عباس في الذي يصيب حدا ثم يلجأ إلى الحرم يقام ~~عليه الحد إذا خرج من الحرم، حكاهما أحمد في رواية الأثرم. # حديث عبد الله بن عمر أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه. وحديث أبي شريح ~~الآخر الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضا الدارقطني والطبراني والحاكم، ~~ورواه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة بمعناه. وروى البخاري في صحيحه عن ابن ~~عباس مرفوعا: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومتبع في الاسلام ~~سنة جاهلية ، ومطلب دم بغير حق ليهريق دمه. والملحد في الأصل هو المائل عن ~~الحق. وأخرج عمر بن شبة عن عطاء بن يزيد قال: قتل رجل بالمزدلفة يعني في ~~غزوة الفتح فذكر القصة وفيها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وما ~~أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة: # رجل قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحل في الجاهلية. قوله: عن ~~أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة الخ، قد تقدم هذا الحديث ~~وشرحه في باب دخول مكة من غير إحرام من أبواب الحج. قوله: أن الله حبس عن ~~مكة الفيل هو الحيوان المشهور. وأشار بحبسه عن ms2956 مكة إلى قضية الحبشة وهي ~~مشهورة ساقها ابن إسحاق مبسوطة. (وحاصل) ما ساقه أن أبرهة الحبشي لما غلب ~~على اليمن وكان نصرانيا بنى كنيسة وألزم الناس بالحج إليها، فعمد بعض العرب ~~فاستغفل الحجبة وتغوط وهرب ، فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة فتجهز في ~~جيش كثيف واستصحب معه فيلا عظيما، فلما قرب من مكة خرج إليه عبد المطلب ~~فأعظمه وكان جميل الهيئة فطلب منه PageV07P192 # أن يرد عليه إبلا نهبت فاستقصر همته وقال: لقد ظننت أنك لا تسألني إلا في ~~الامر الذي جئت فيه. فقال: إن لهذا البيت ربا سيحميه، فأعاد إليه إبله. ~~وتقدم أبرهة بجيوشه فقدموا الفيل فأرسل الله عليهم طيرا مع كل واحدة ثلاثة ~~أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره فألقتها عليهم فلم يبق منهم أحد إلا ~~أصيب. وأخرج ابن مردويه بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أصحاب ~~الفيل حتى نزلوا الصفاح وهو بكسر المهملة ثم فاء ثم مهملة موضع خارج مكة من ~~جهة طريق اليمن، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت الله لم يسلط عليه ~~أحدا، فقالوا: نرجع حتى نهدمه ، فكانوا لا يقدمون الفيل قبلهم إلا تأخر، ~~فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاه حجارة سودا فلما حاذتهم رمتهم فما بقي ~~منهم أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه. قال ~~ابن إسحاق: حدثني يغوث بن عتبة قال: حدثت أن أول ما وقعت الحصبة والجدري ~~بأرض العرب يومئذ. وعند الطبري بسند صحيح عن عكرمة أنها كانت طيرا خضرا ~~خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. ولابن أبي حاتم من طريق عبيد بن عمير ~~بسند قوي: بعث الله عليهم طيرا أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف. فذكر نحو ~~ما تقدم. قوله: لعمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق وكان أميرا على دمشق من ~~جهة عبد الملك بن مروان فقتله عبد الملك وقصته مشهورة. # قوله: ولا يعضد بها شجرة قد تقدم ضبطه وتفسيره في الحج. قوله: فإن أحد ~~ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه ms2957 وآله وسلم فيها أي استدل بقتاله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيها على أن القتال فيها لغيره مرخص فيه. قوله: إن ~~الحرم لا يعيذ عاصيا هذا من عمرو المذكور معارضة لحديث رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم برأيه وهو مصادم للنص ولا جرم فالمذكور من عتاة الأمة ~~النابين عن الحق. # قوله: ولا فارا بخربة بضم الخاء المعجمة ويجوز فتحها وسكون الراء بعدها ~~باء موحدة وهي في الأصل سرقة الإبل، وفي البخاري أنها الخيانة. وقال ~~الترمذي: قد روي بخزية بالزاي والياء التحتية أي بجريمة يستحي منها. قوله: ~~إن أعدى الناس في رواية: إن أعتى الناس وهما تفضيل أي الزائد في التعدي أو ~~العتو على غيره والعتو التكبر والتجبر. وقد أخرج البيهقي عن جعفر بن محمد ~~عن أبيه عن جده أنه قال: # وجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتاب أن أعدى الناس ~~PageV07P193 # على الله الحديث. وأخرج من حديث سليمان بلفظ: إن أعتى الناس على الله ~~وأخر أيضا حديث أبي شريح بلفظ: إن أعتى الناس على الله الحديث. قوله: # بذحول الجاهلية جمع ذحل بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة وهو ~~الثأر وطلب المكافأة والعداوة أيضا، والمراد هنا طلب من كان له دم في ~~الجاهلية بعد دخوله في الاسلام، والمراد أن هؤلاء الثلاثة أعتى أهل المعاصي ~~وأبغضهم إلى الله، وإلا فالشرك أبغض إليه من كل معصية كذا قال المهلب ~~وغيره. وقد استدل بحديث أنس المذكور، على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب ~~ولا يؤخر لأجله عن وقته كذا قال الخطابي، وقد ذهب إلى ذلك مالك والشافعي ~~وهو اختيار ابن المنذر، ويؤيد ذلك عموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود في ~~كل مكان وزمان. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم والحنفية ~~وسائر أهل العراق وأحمد ومن وافقه من أهل الحديث والعترة إلى أنه لا يحل ~~لأحد أن يسفك بالحرم دما ولا يقيم به حدا حتى يخرج عنه من لجأ إليه. ~~واستدلوا على ذلك بعموم حديث أبي هريرة وأبي شريح ms2958 وابن عباس وعبد الله بن ~~عمر وعموم قوله تعالى: * (ومن دخله كان آمنا) * (البقرة: 191) وهو الحكم ~~الثابت قبل الاسلام وبعده، فإن الجاهلية كان يرى أحدهم قاتل ابنه فلا يهيجه ~~وكذلك في الاسلام كما قاله ابن عمر في الأثر المذكور، وكما روى الإمام أحمد ~~عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. ~~وهكذا روي عن ابن عباس أنه قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هجته. وأما ~~الاستدلال بحديث أنس المذكور فوهم لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ~~بقتل ابن خطل في الساعة التي أحل الله له فيها القتال بمكة، وقد أخبرنا ~~بأنها لم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، وأخبرنا أن حرمتها قد عادت بعد تلك ~~الساعة كما كانت، وأما الاستدلال بعموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود ~~فيجاب أولا بمنع عمومها لكل مكان وكل زمان لعدم التصريح بهما، وعلى تسليم ~~العموم فهو مخصص بأحاديث الباب لأنها قاضية بمنع ذلك في مكان خاص وهي ~~متأخرة فإنها في حجة الوداع بعد شرعية الحدود، هذا إذا ارتكب ما يوجب حدا ~~أو قصاصا في خارج الحرم ثم لجأ إليه، وأما إذا ارتكب ما يوجب حدا أو قصاصا ~~في الحرم فذهب بعض العترة إلى أنه يخرج من الحرم ويقام عليه الحد. وروى ~~أحمد عن ابن عباس أنه قال: من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم. ~~ويؤيد ذلك قوله PageV07P194 # تعالى: * (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم) * (البقرة: 191) ويؤيده أيضا أن الجاني في الحرم هاتك لحرمته ~~بخلاف الملتجئ إليه، وأيضا لو ترك الحد والقصاص على من فعل ما يوجبه في ~~الحرم لعظم الفساد في الحرم . وظاهر أحاديث الباب المنع مطلقا من غير فرق ~~بين اللاجئ إلى الحرم والمرتكب لما يوجب حدا أو قصاصا في داخله، وبين قتل ~~النفس أو قطع العضو، والآية التي فيها الاذن بمقاتلة من قاتل عند المسجد ~~الحرام لا تدل إلا على جواز المدافعة لمن قاتل ms2959 حال المقاتلة، كما يدل على ~~ذلك التقييد بالشرط. وقد اختلف العلماء في كون هذه الآية منسوخة أو محكمة، ~~حتى قال أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ: إنها من أصعب ما في الناسخ ~~والمنسوخ، فمن قال بأنها محكمة مجاهد وطاوس وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال ~~في الحرم تمسكا بظاهر الآية وبأحاديث الباب. وقال في جامع البيان: إن هذا ~~قول الأكثر، ومن القائلين بالنسخ قتادة قال: والناسخ لهما قوله تعالى: * ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) * (البقرة: 193) أو قيل آية التوبة كما ذكره ~~النجري قال أبو جعفر وهذا قول أكثر أهل النظر وإن المشركين يقاتلون في ~~الحرم وغيره بالقرآن والسنة قال الله تعالى: * (قاتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم) * (التوبة: 5) وبراءة نزلت بعد البقرة بسنتين. وقال تعالى: * ~~(وقاتلوا المشركين كافة) * (التوبة: 39) وأما السنة فما روي أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم دخل وعلى رأسه المغفر فقتل ابن خطل وقد اختار صاحب تيسير ~~البيان القول الأول وقرره ورد دعوى النسخ. أما بآية براءة فلان قوله تعالى ~~في المائدة: * (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) * (المائدة: 2) ~~موافق لآية البقرة، والمائدة نزلت بعد براءة في قول أكثر أهل العلم ~~بالقرآن، ثم إن كلمة حيث تدل على المكان فهي عامة في أفراد الأمكنة، وآية ~~البقرة نص في النهي عن القتال في مكان مخصوص وهو المسجد الحرام، فتكون ~~مخصصة لآية براءة ويكون التقدير: * (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * إلا ~~أن يكونوا في المسجد الحرام فلا تقتلوهم حتى يقاتلوكم فيه. وأما قوله ~~تعالى: * (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة) * (البقرة: 193) فهو مطلق في الأمكنة ~~والأزمنة والأحوال، وآية البقرة مقيدة ببعض الأمكنة فيكون ذلك المطلق مقيدا ~~بها، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ، هذا معنى كلامه وهو طويل، ولكن في كون العام ~~المتأخر يخصص بالخاص المتقدم خلاف بين أهل الأصول والراجح التخصيص، وفي كون ~~عموم الاشخاص لا يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة خلاف أيضا معروف ~~بين أهل الأصول. PageV07P195 # باب ما جاء في توبة القاتل والتشديد في القتل عن ابن مسعود: عن النبي صلى ~~الله ms2960 عليه وآله وسلم قال: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ~~رواه الجماعة إلا أبا داود. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ~~لأنه كان أول من سن القتل متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل ~~مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله رواه أحمد وابن ماجة. وعن معاوية قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره ~~إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا رواه أحمد والنسائي. ~~ولأبي داود من حديث أبي الدرداء كذلك. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ~~ضعيف، وقد روي عن الزهري مرسلا، أخرجه البيهقي من طريق فرح بن فضالة عن ~~الضحاك عن الزهري يرفعه، وفرح ضعيف وقد قواه أحمد. وبالغ ابن الجوزي فذكر ~~الحديث في الموضوعات، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم فإنه قال في العلل إنه باطل ~~موضوع. وقد رواه أبو نعيم في الحلية من طريق حكيم بن نافع عن خلف بن حوشب ~~عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن المسيب سمعت عمر فذكره وقال: تفرد به حكيم عن ~~خلف. # ورواه الطبراني من حديث ابن عباس نحوه، وأورده ابن الجوزي من طريق أخرى ~~عن أبي سعيد الخدري بلفظ: يجئ القاتل يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من ~~رحمة الله وأعله بعطية ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال الحافظ: ومحمد لا ~~يستحق أن يحكم على أحاديثه بالوضع، فأما عطية فضعيف لكن حديثه يحسنه ~~الترمذي إذا توبع. وحديث معاوية جميع رجال إسناده ثقات، ويشهد له ما في هذا ~~الباب من الأحاديث القاضية بعدم المغفرة للقاتل. وحديث أبي الدرداء الذي ~~أشار إليه المصنف لفظه قال أبو الدرداء: # سمعت رسول الله صلى الله عليه ms2961 وآله وسلم يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره ~~PageV07P196 # إلا من ما ت مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا. وروى أبو داود أيضا عن ~~عبادة بن الصامت أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من ~~قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا قال الخطابي: ~~فاغتبط أي فقتله بغير سبب، وفسره يحيى بن يحيى الغساني بأنه الذي يقتل ~~صاحبه في الفتنة فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله من ذلك. وهذان الحديثان ~~سكت عنهما أبو داود والمنذري في مختصر السنن ورجال إسناد كل واحد منهما ~~موثقون. قوله: # أول ما يقضى بين الناس الخ، فيه دليل على عظم ذنب القتل لأن الابتداء ~~إنما يكون بالأهم وعائد الموصول محذوف والتقدير أول ما يقضي فيه، ويجوز أن ~~تكون مصدرية ويكون تقديره أول قضاء في الدماء، أو يكون المصدر بمعنى اسم ~~المفعول أي أول مقضى فيه الدماء. وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين ~~الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة بلفظ: أول ما يحاسب العبد عليه ~~صلاته وأجيب بأن الأول يتعلق بمعاملات العباد، والثاني بمعاملات الله. قال ~~الحافظ: على أن النسائي أخرجهما في حديث واحد أورده من طريق أبي وائل عن ~~ابن مسعود رفعه: أول ما يحاسب العبد به الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في ~~الدماء. وقد استدل بحديث ابن مسعود الأول المذكور، على أن القضاء يختص ~~بالناس ولا يكون بين البهائم وهو غلط، لأن مفاده حصر الأولية في القضاء بين ~~الناس، وليس فيه نفي القضاء بين البهائم مثلا بعد القضاء بين الناس. قوله: ~~على ابن آدم الأول هو قابيل عند الأكثر، وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في ~~تاريخه فقال: اسم المقتول قابيل اشتق من قبول قربانه، وقيل اسمه قابن بنون ~~بدل اللام بغير ياء، وقيل قبن مثله بغير ألف. وعن الحسن: لم يكن ابن آدم ~~المذكور وأخوه المقتول من صلب آدم وإنما كانا من بني إسرائيل أخرجه الطبري. ~~وعن مجاهد أنهما ms2962 كانا ولدي آدم لصلبه وهذا هو المشهور وهو الظاهر من حديث ~~الباب لقوله الأول أي أول من ولد لآدم، ويقال إنه لم يولد لآدم في الجنة ~~غيره وغير توأمته، ومن ثم فخر على أخيه هابيل فقال: نحن من أولاد الجنة ~~وأنتم من أولاد الأرض، ذكر ذلك ابن إسحاق في المبتدأ. قوله: كفل من دمها ~~بكسر الكاف وسكون الفاء وهو النصيب وأكثر ما يطلق على الاجر كقوله تعالى: * ~~(كفلين من رحمته) * (النساء: 85) ويطلق على الاسم كقوله تعالى: * (من يشفع ~~شفاعة سيئة يكون له كفل منها) * (الحديد: 28). قوله: PageV07P197 # لأنه أول من سن القتل فيه دليل على أن من سن شيئا كتب له أو عليه وهو أصل ~~في أن المعونة على ما لا يحل حرام. وقد أخرج مسلم من حديث جرير: من سن في ~~الاسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في ~~الاسلام سنة سيئة كان عليها وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وهو ~~محمول على من لم يتب من ذلك الذنب. قوله: بشطر كلمة قال الخطابي: # قال ابن عيينة مثل أن يقول أن من قوله اقتل، وفي هذا من الوعيد الشديد ما ~~لا يقادر قدره، فإذا كان شطرا الكلمة موجبا لكتب الأياس من الرحمة بين عيني ~~قائلها فكيف بمن أراق دم المسلم ظلما وعدوانا بغير حجة نيرة؟ وقد استدل ~~بهذا الحديث وبحديث معاوية وأبي الدرداء المذكورين بعده على أنها لا تقبل ~~التوبة من قاتل العمد، وسيأتي بيان ما هو الحق إن شاء الله. # وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا تواجه ~~المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، فقيل: هذا ~~القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه متفق عليه. وعن جندب ~~البجلي : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان ممن كان قبلكم رجل به ~~جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: ~~بادرني ms2963 عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة أخرجاه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ ~~بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في ~~يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه ~~فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. وعن المقداد بن الأسود أنه ~~قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي ~~بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله؟ أفأقتله يا رسول الله بعد ~~أن قالها؟ قال: لا تقتله، قال فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك ~~بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ~~وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال متفق عليهما. وعن جابر قال: لما ~~هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل ابن عمرو ~~وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها ~~PageV07P198 # براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة ~~ورآه مغطيا يديه فقال له: مصنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي لن نصلح ~~منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وليديه فأغفر رواه أحمد ومسلم. # قوله: فالقاتل والمقتول في النار قال في الفتح قال العلماء: معنى كونهما ~~في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم ~~أخرجهما من النار كسائر الموحدين وإن شاء عفا عنهما أصلا. وقيل: هو محمول ~~على من استحل ذلك، ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل ~~المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من ms2964 قوله القاتل والمقتول في النار ~~استمرار بقائهما فيها، واحتج به من لم ير القتال في الفتنة وهم كل من ترك ~~القتال مع علي في حروبه كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ~~وأبي بكرة وغيرهم وقالوا: يجب الكف حتى لو أراد قتله لم يدفعه عن نفسه، ~~ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة فإن أحد أراد قتله دفع عن نفسه انتهى. ~~ويدل على القول الآخر حديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم وقد تقدم في باب دفع ~~الصائل من كتاب الغصب وفيه: أرأيت إن قاتلني قال قاتله. ويدل على القول ~~الأول ما تقدم من الأحاديث في باب أن الدفع لا يلزم المصول عليه من ذلك ~~الكتاب. قال في الفتح: وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصرة الحق ~~وقتال الباغين، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال ~~أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق، قال: واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن ~~على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم ~~يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد، ~~بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين. قال الطبري: لو كان ~~الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف ~~لما أقيم حق ولا أبطل باطل، ولو وجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات ~~من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم ~~ويقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للامر بالأخذ على ~~أيدي السفهاء PageV07P199 # اه. وقد أخرج البزار زيادة في هذا الحديث تبين المراد وهي: إذا اقتتلتم ~~على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار. ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: لا تذهب ~~الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم ~~قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار قال ~~القرطبي: فبين ms2965 هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب دنيا أو اتباع ~~هوى فهو الذي أريد بقوله القاتل والمقتول في النار. قال الحافظ: ومن ثم كان ~~الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم ~~متأول مأجور إن شاء الله، بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا اه. ~~وهذا يتوقف على صحة نيات جميع المقتتلين في الجمل وصفين، وإرادة كل واحد ~~منهم الدين لا الدنيا، وصلاح أحوال الناس لا مجرد الملك، ومناقشة بعضهم ~~لبعض مع علم بعضهم بأنه المبطل وخصمه المحق، ويبعد ذلك كل البعد ولا سيما ~~في حق من عرف منهم الحديث الصحيح أنها تقتل عمارا الفئة الباغية، فإن ~~إصراره بعد ذلك على مقاتلة من كان معه عمار معاندة للحق وتماد في الباطل، ~~كما لا يخفى على منصف وليس هذا منا محبة لفتح باب المثالب على بعض الصحابة ~~فإنا كما علم الله من أشد الساعين في سد هذا الباب والمنفرين للخاص والعام ~~عن الدخول فيه، حتى كتبنا في ذلك رسائل وقعنا بسببها مع المتظهرين بالرفض ~~والمحبين له بدون تظهر في أمور يطول شرحها حتى رمينا تارة بالنصب وتارة ~~بالانحراف عن مذاهب أهل البيت، وتارة بالعداوة للشيعة، وجاءتنا الرسائل ~~المشتملة على العتاب من كثير من الأصحاب والسباب من جماعة من غير ذوي ~~الألباب. ومن رأى ما لأهل عصرنا من الجوابات على رسالتنا التي سميناها ~~(إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي)، وقف على بعض أخلاق القوم ~~وما جبلوا عليه من عداوة من سلك مسلك الانصاف وآثر نص الدليل على مذاهب ~~الأسلاف، وعداوة الصحابة الأخيار وعدم التقييد بمذاهب الآل الأطهار، فإنا ~~قد حكينا في تلك الرسالة إجماعهم على تعظيم الصحابة رضي الله عنهم، وعلى ~~ترك السب لأحد منهم من ثلاث عشرة طريقا، وأقمنا الحجة على من يزعم أنه من ~~أتباع أهل البيت ولا يتقيد بمذاهبهم في مثل هذا الامر الذي هو مزلة أقدام ~~المقصرين فلم يقابل ذلك بالقبول والله المستعان، وأقول: PageV07P200 # إني ms2966 بليت بأهل الجهل في زمن * قاموا به ورجال العلم قد قعدوا اه. ومما ~~يؤيد ما تقدم من التأويل للحديث المذكور ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة يرفعه: ~~من قاتل تحت راية عمية فغضب لغضبه أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل ~~فقتلة جاهلية وقد قدمنا ما هو أبسط من هذا الكلام في باب دفع الصائل، وباب ~~أن الدفع لا يلزم المصول عليه من كتاب الغصب فراجعه. قوله: # فقيل هذا القاتل فما بال المقتول القائل هو أبو بكرة كما وقع مبينا في ~~رواية مسلم، ومعنى ذلك أن هذا القاتل قد استحق النار بذنبه وهو الاقدام على ~~قتل صاحبه فما بال المقتول أي فما ذنبه؟. قوله: قال قد أراد قتل صاحبه في ~~لفظ للبخاري في كتاب الايمان أنه كان حريصا على قتل صاحبه. (وقد استدل) ~~بذلك من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل. وأجاب من لم يقل بذلك ~~أن في ذلك فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتل ~~والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال ~~والقتل، والمقتول يعذب على القتال فقط، فلم يقع التعذيب على العزم المجرد، ~~ويؤيد هذا حديث: أن الله تجاوز لامتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به ~~أو يعملوا. قال في الفتح: والحاصل أن المراتب ثلاث: الهم المجرد وهو يثاب ~~عليه ولا يؤاخذ به، واقتران الفعل بالهم أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة ~~به، والعز وهو أقوى من الهم وفيه النزاع. قوله: يتوجأ أي يضرب بها نفسه، ~~وحديث جندب البجلي وأبي هريرة يدلان على أن من قتل نفسه من المخلدين في ~~النار، فيكون عموم إخراج الموحدين مخصصا بمثل هذا وما ورد في معناه كما ~~حققنا ذلك مرارا. وظاهر حديث جابر المذكور يخالفهما، فإن الرجل الذي قطع ~~براجمه بالمشاقص ومات من ذلك أخبر بعد موته الرجل الذي رآه في المنام بأن ~~الله تعالى غفر له، ووقع منه صلى الله عليه وآله وسلم التقرير لذلك بل دعا ms2967 ~~له . ويمكن الجمع بأنه لم يرد قتل نفسه بقطع البراجم وإنما حمله الضجر وما ~~حل به من المرض على ذلك، بخلاف الرجل المذكور في حديث جندب فإنه قطع يده ~~مريدا لقتل نفسه، وعلى هذا فتكون الأحاديث الواردة في تخليد من قتل نفسه في ~~النار وتحريم الجنة عليه مقيدة بأن يكون مريدا للقتل. وقد أخرج الشيخان من ~~حديث أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرجل ~~ممن PageV07P201 # يدعي الاسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل قتالا شديدا ~~فأصابه جراح فقيل: يا رسول الله الذي قلت آنفا أنه من أهل النار قد قاتل ~~قتالا شديدا وقد مات، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إلى النار، فكاد بعض ~~المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل له إنه لم يمت ولكن به جراحة ~~شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فأخذ ذباب سيفه فتحامل عليه ~~فقتل نفسه فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الله أكبر ~~أشهد أني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالا فنادى في الناس أنه لا يدخل الجنة ~~إلا نفس مسلمة، وأن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. وأخرج أبو ~~داود من حديث جابر بن سمرة قال: # أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل قتل نفسه فقال: لا أصلي عليه. ~~قوله: أرأيت إن لقيت رجلا في رواية للبخاري: إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب ~~يدي فقطعها وظاهرها أن ذلك وقع والذي في نفس الامر بخلافه، وإنما سأل ~~المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع كما في حديث الباب. وفي لفظ للبخاري في ~~غزوة بدر بلفظ: # أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار الحديث. قوله: ثم لاذ مني بشجرة أي التجأ ~~إليها. وفي رواية للبخاري: ثم لاذ بشجرة. قوله: فقال أسلمت لله أي دخلت في ~~الاسلام. قوله: فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله قال الكرماني: القتل ~~ليس سببا لكون كل منهما بمنزلة الآخر، لكنه عند النحاة ms2968 مؤول بالاخبار أي هو ~~سبب لاخباري لك بذلك، وعند البيانيين المراد لازما. قوله: وأنت بمنزلته قبل ~~أن يقول كلمته قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن ~~يسلم، فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه ~~مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه به في الكفر كما ~~يقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة، (وحاصله) اتحاد المنزلتين مع ~~اختلاف المأخذ أي إنه مثلك في صون الدم وإنك مثله في الهدر. ونقل ابن التين ~~عن الداودي أن معناه أنك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا، وهذا من المعاريض ~~لأنه أراد الاغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه، وإنما أراد أن كلا منهما قاتل ~~ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه. ونقل ابن بطال عن المهلب أن معناه أنك ~~بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما فأنتما في حالة واحدة من ~~العصيان. وقيل المعنى أنت عنده حلال الدم PageV07P202 # قبل أن يسلم، كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك. وقيل معناه أنه مغفور له ~~بشهادة التوحيد كما أنك مغفور لك بشهادة بدر. ونقل ابن بطال عن ابن القصار ~~أن معنى قوله: وأنت بمنزلته أي في إباحة الدم، وإنما قصد بذلك ردعه وزجره ~~عن قتله، لان الكافر إذا قال أسلمت حرم قتله، وتعقب بأن الكافر مباح الدم، ~~والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم وإنما قتله ~~متأولا فلا يكون بمنزلته في إباحة الدم. وقال القاضي عياض: معناه أنه مثله ~~في مخالفة الحق وارتكاب الاثم، وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفرا والآخر ~~معصية، واستدل بهذا الحديث على صحة إسلام من قال: أسلمت لله ولم يزد على ~~ذلك. وقد ورد في بعض طرق الحديث أنه قال لا إله إلا الله كما في صحيح مسلم. ~~قوله: فاجتووا المدينة أي استوخموها. # قوله: فأخذ مشاقص جمع مشقص وقد تقدم تفسيره في باب من أطلع في بيت قوم ~~مغلق عليهم بغير إذنهم، وقد تقدم ms2969 أيضا في الحج. قوله: براجمه جمع برجمة بضم ~~الموحدة وسكون الراء وضم الجيم. قال في القاموس: وهي المفصل الظاهر أو ~~الباطن من الأصابع والإصبع الوسطى من كل طائر، أو هي مفاصل الأصابع كلها، ~~أو ظهور العصب من الأصابع، أو رؤوس السلاميات إذا قبضت كفك نشزت وارتفعت ~~اه. قوله: # فشخبت بفتح الشين والخاء المعجمتين والباء الموحدة أي انفجرت يداه دما. # قوله: لن نصلح منك ما أفسدت فيه دليل على أن من أفسد عضوا من أعضائه لم ~~يصلح يوم القيامة بل يبقى على الصفة التي هي عليها عقوبة له. # وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وحوله ~~عصابة من أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا ~~تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيدكم وأرجلكم ولا ~~تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب ~~به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى ~~الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك. وفي لفظ: فلا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق. # وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فيمن كان قبلكم رجل ~~قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: # إنه قد قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به ~~مائة، ثم سأل PageV07P203 # عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من ~~توبة؟ # فقال: نعم من يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ~~أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، ~~فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة ~~العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا فقبله الله، وقالت ملائكة ~~العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك ms2970 في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: ~~قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى ~~الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة متفق عليهما. وعن واثلة بن الأسقع ~~قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صاحب لنا أوجب يعني النار ~~بالقتل فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار رواه ~~أحمد وأبو داود. # حديث واثلة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم. قوله: وحوله عصابة ~~بفتح اللام على الظرفية. والعصابة بكسر العين الجماعة من العشرة إلى ~~الأربعين ولا واحد لها من لفظها وقد جمعت على عصائب وعصب. قوله: بايعوني ~~المبايعة هنا عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في ~~قوله تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ~~* (التوبة: 111). قوله: ولا تقتلوا أولادكم قال محمد بن إسماعيل التيمي ~~وغيره: خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد ~~ولأنه كان شائعا فيهم وهو وأد البنات أو قتل البنين قوله: ولا خشية ~~الاملاق، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم تأتوا ببهتان ~~البهتان الكذب الذي يبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء لأن معظم ~~الأفعال يقع بهما إذا كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي ولذا يسمون ~~الصنائع الأيادي، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال: هذا بما كسبت يداك. ~~ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم شاهد بعضا، كما يقول: ~~قلت كذا بين يدي فلان، قاله الخطابي وقد تعقب بذكر الأرجل، وأجاب الكرماني ~~بأن المراد الأيدي وذكر الأرجل للتأكيد. (ومحصله) أن ذكر الأرجل إن لم يكن ~~مقتضيا فليس بمانع، ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأرجل والأيدي القلب ~~لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء. وقال أبو محمد بن ~~أبي جمرة: يحتمل PageV07P204 # أن يكون قوله بين أيديكم أي في الحال. وقوله: وأرجلكم أي في المستقبل لأن ~~السعي من أفعال الأرجل، وقال غيره: أصل هذا كان في بيعة النساء ms2971 وكنى به كما ~~قال الهروي عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلقطه إلى زوجها، ثم لما ~~استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا. ~~قوله: ولا تعصوا في معروف هو ما عرف من الشارح حسنه نهيا وأمرا. قال ~~النووي: يحتمل أن يكون المراد ولا تعصوني ولا أحدا ولي الأمر عليكم في ~~المعروف، فيكون التقييد بالمعروف متعلقا بشئ بعده. وقال غير: نبه بذلك على ~~أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله فهي جديرة بالتوقي في ~~معصية الله. قوله: فمن وفى منكم أي ثبت على العهد ولفظ وفى بالتخفيف وفي ~~رواية بالتشديد وهما بمعنى. قوله: فأجره على الله هذا على سبيل التفخيم ~~لأنه لما ذكر المبالغة المقتضية لوجود العوض أثبت ذكر الاجر، وقد وقع ~~التصريح في رواية في الصحيحين بالعوض فقال بالجنة. قوله: # ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو أي العقاب كفارة له، قال النووي: # عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) * ~~(النساء: 48) فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة. قال ~~الحافظ: وهذا بناء على أن قوله من ذلك شيئا يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر. ~~وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك ~~المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه. ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي ~~الأشعث عن عبادة في هذا الحديث: # ومن أتى منكم حدا إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا، ويجاب بأن خطاب ~~المسلمين لا يمنع التحذير لهم من الاشراك. وأما كون القتل على الشرك لا ~~يسمى حدا، فإن أراد لغة أو شرعا فممنوع، وإن أراد عرفا فذلك غير نافع، ~~فالصواب ما قاله النووي. وقال الطيبي: الحق أن المراد بالشرك الشرك الأصغر ~~وهو الرياء، ويدل عليه تنكير شيئا أي شركا أياما كان. وتعقب بأن عرف الشارع ~~إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ ms2972 في ~~الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك وقال القاضي عياض: ذهب أكثر ~~العلماء إلى أن الحدود كفارات واستدلوا بالحديث. ومن العلماء من وقف لأجل ~~حديث أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن ~~ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي PageV07P205 # هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا أدري الحدود كفارة ~~لأهلها أم لا قال الحافظ: وهو صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه أحمد عن عبد ~~الرزاق عن معمر، وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن ~~يوسف رواه عن معمر فأرسله. وقد وصله الحاكم من طريق آدم بن أبي إياس عن ابن ~~أبي ذئب فقويت رواية معمر، قال القاضي عياض: لكن حديث عبادة أصح إسنادا، ~~ويمكن الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم ~~أعلمه بعد ذلك، وهذا جمع حسن، لولا أن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث ~~عبادة المذكور كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع ~~سنين عام خيبر فكيف يكون حديثه متقدما؟ ويمكن أن يجاب بأن أبا هريرة لم ~~يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه ~~من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قديما، ولم يسمع من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمع عبادة، ولا يخفى ما في هذا من ~~التعسف، على أنه يبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك، ورجح الحافظ أن حديث عبادة ~~المذكور لم يقع ليلة العقبة، وإنما وقع في ليلة العقبة ما ذكره ابن إسحاق ~~وغيره من أهل المغازي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن حضر من ~~الأنصار: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فبايعوه ms2973 ~~على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه. وقد ثبت في الصحيح من حديث عبادة ~~أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في ~~العسر واليسر والمنشط والمكره الحديث ساقه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه. ~~وأخرج أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة أنها جرت له قصة مع أبي هريرة ~~عند معاوية بالشام فقال: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة والنشاط والكسل، وعلى الامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة ~~لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب ~~فنمنعه مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، الحديث. قال ~~الحافظ: والذي يقوي أن هذه البيعة المذكورة في حديث PageV07P206 # عبادة وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهو قوله ~~تعالى: * (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) * (الممتحنة: 12) ~~ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل على ذلك ما عند ~~البخاري في كتاب الحدود في حديث عبادة هذا أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال ~~قرأ النساء. ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال: فتلا علينا آية النساء ~~قال: أن لا يشركن بالله شيئا وللطبراني من هذا الحديث: بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على ما بايع عليه النساء يوم الفتح. ولمسلم: أخذ ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أخذ على النساء فهذه أدلة ~~ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد صدور البيعة، بل ~~بعد فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة، وقد أطال الحافظ في الفتح ~~الكلام في كتاب الايمان على هذا فمن رام الاستكمال فليراجعه. (واعلم) أن ~~عبادة بن الصامت لم يتفرد برواية هذا المعنى، بل ms2974 روى ذلك علي بن أبي طالب ~~وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه: من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله ~~أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة وهو عند الطبراني بإسناد حسن ~~ولفظه: من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارة له وللطبراني عن ابن ~~عمر مرفوعا: ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك ~~الذنب قال ابن التين: يريد بقوله فعوقب به أي بالقطع في السرقة والجلد أو ~~الرجم في الزنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل ~~النفس فكنى عنه. وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا لحديث : * (ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق) * (الانعام: 151) ولكن قوله في حديث الباب: ~~فعوقب به هو أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيزا. قال ابن التين: وحكي عن ~~القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو إرداع لغيره. وأما في الآخرة ~~فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حق. قال الحافظ: بل وصل إليه حق وأي ~~حق، فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه ~~ابن حبان: # إن السيف محاء للخطايا. وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: إذا جاء القتل ~~محا كل شئ. # وللطبراني أيضا عن الحسن بن علي نحوه. وللبزار عن عائشة مرفوعا: لا يمر ~~القتل بذنب إلا محاه فلولا القتل ما كفرت ولو كان حد القتل إنما شرع ~~للارداع فقط PageV07P207 # لم يشرع العفو عن القاتل ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ~~ولو لم يتب المحدود. قال في الفتح: وهو قول الجمهور، وقيل لا بد من التوبة، ~~وبذلك جزم بعض التابعين وهو قول المعتزلة ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين ~~البغوي وطائفة يسيرة. قوله: فهو إلى الله قال المازري: فيه رد على الخوارج ~~الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات ~~بلا توبة، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا بأنه تحت المشيئة ms2975 ولم ~~يقل لا بد أن يعذبه. وقال الطيبي: فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار ~~على أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه. قوله: إن شاء عفا عنه ~~وإن شاء عاقبه يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب، وإلى ذلك ذهبت طائفة، وذهب ~~الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن من مكر الله ~~لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أم لا؟ وقيل: # يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب. قوله: انطلق إلى أرض كذا وكذا الخ. # قال العلماء في هذا استحباب مفارقة التائب للمواضع التي أصاب بها الذنوب ~~والأخدان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل ~~بهم صحبة أهل الخير والصلاح والمتعبدين الورعين. قوله: نصف الطريق هو ~~بتخفيف الصاد أي بلغ نصفها كذا قال النووي. قوله: فقال قيسوا ما بين ~~الأرضين هذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الامر عليهم ~~واختلافهم فيه أن يحكموا رجلا يمر بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك. ~~وقد استدل بهذا الحديث على قبول توبة القاتل عمدا. قال النووي: هذا مذهب ~~أهل العلم وإجماعهم ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض ~~السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتورية لا أنه يعتقد بطلان توبته، ~~وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا موضع ~~الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا ~~لنا بلا شك وهذا قد ورد شرعنا به وذلك قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس) * (الفرقان: 68 70) إلى قوله: * (إلا من ~~تاب) * (الفرقان: 70) الآية. وأما قوله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * (النساء: 93) فقال النووي في شرح مسلم: إن ~~الصواب في معناها أن جزاءه جهنم، فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره، وقد لا ~~يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمدا ms2976 مستحلا بغير حق ولا PageV07P208 # تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالاجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقدا ~~تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤها جهنم خالدا فيها، لكن تفضل الله ~~تعالى وأخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها، فلا يخلد هذا ولكن قد يعفى ~~عنه، ولا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم ~~يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار، قال: فهذا هو الصواب في معنى ~~الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك ~~الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه أي ~~يستحق أن يجازى بذلك، وقيل وردت الآية في رجل بعينه، وقيل المراد بالخلود ~~طول المدة لا الدوام، وقيل معناها هذا جزاؤه إن جازاه، وهذه الأقوال كلها ~~ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية ثم قال: فالصواب ما قدمناه اه ~~كلام النووي. وينبغي أن نتكلم أولا في معنى الخلود ثم نبين ثانيا الجمع بين ~~هذه الآية وبين ما خالفها فنقول: معنى الخلود الثبات الدائم، قال في الكشاف ~~عند الكلام على قوله تعالى: * (ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) * ~~(البقرة: 25) ما لفظه: والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع، ~~قال الله تعالى: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) * ~~(الأنبياء: 34) وقال امرؤ القيس. # ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي وهل ~~ينعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم لا يبيت على حال وقال في القاموس: وخلد ~~خلودا دام اه. وأما بيان الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول: لا نزاع أن ~~قوله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا) * (النساء: 93) من صيغ العموم الشاملة ~~للتائب وغير التائب بل للمسلم والكافر، والاستثناء المذكور في آية الفرقان ~~أعني قوله تعالى: * (إلا من تاب) * (الفرقان: 70) بعد قوله تعالى: * (ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ) * (الفرقان: 68) مختص بالتائبين ~~فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى: * (ومن يقتل ms2977 مؤمنا) * إما على ما هو المذهب ~~الحق من أنه ينبني العام على الخاص مطلقا تقدم أو تأخر، أو قارن فظاهر ، ~~وأما على مذهب من قال: إن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، فإذا سلمنا ~~تأخر قوله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا) * على آية الفرقان، فلا نسلم تأخرها ~~عن العمومات القاضية بأن القتل مع التوبة من جملة ما يغفره الله كقوله ~~تعالى: * (يا عبادي الذين أسرفوا على PageV07P209 # أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) * (الزمر: 53) ~~وقوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء) * ~~(النساء: 48) ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها ~~تاب الله عليه. وما أخرجه الترمذي وصححه من حديث صفوان بن عسال قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: باب من قبل المغرب يسير الراكب في عرضه ~~أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوح للتوبة ~~لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها. وأخرج الترمذي أيضا عن ابن عمر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم ~~يغرغر. وأخرج مسلم من حديث أبي موسى: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ونحو هذه الأحاديث مما يطول ~~تعداده. (لا يقال) إن هذه العمومات مخصصة بقوله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا) * (النساء: 93) الآية. لأنا نقول: الآية أعم من وجه وهو شمولها ~~للتائب وغيره وأخص من وجه وهو كونها في القاتل، وهذه العمومات أعم من وجه ~~وهو شمولها لمن كان ذنبه القتل ولمن كان ذنبه غير القتل، وأخص من وجه وهو ~~كونها في التائب، وإذا تعارض عمومان لم يبق إلا الرجوع إلى الترجيح، ولا شك ~~أن الأدلة القاضية بقبول ms2978 التوبة مطلقا أرجح لكثرتها، وهكذا أيضا يقال: إن ~~الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار وهي متواترة فالمعنى كما يعرف ~~ذلك من له إلمام بكتب الحديث تدل على خروج كل موحد سواء كان ذنبه القتل أو ~~غيره، والآية القاضية بخروج من قتل نفسا هي أعم من أن يكون القاتل موحدا أو ~~غير موحد فيتعارض عمومان وكلاهما ظني الدلالة، ولكن عموم آية القتل قد عورض ~~بما سمعته بخلاف أحاديث خروج الموحدين فإنها إنما عورضت بما هو أعم منها ~~مطلقا، كآيات الوعيد للعصاة الدالة على الخلود الشاملة للكافر والمسلم، ولا ~~حكم لهذه المعارضة أو بما هو أخص منها مطلقا، كالأحاديث القاضية بتخليد بعض ~~أهل المعاصي نحو من قتل نفسه وهو يبني العام على الخاص، وبما قررناه يلوح ~~لك انتهاض القول بقبول توبة القاتل إذا تاب، وعدم خلوده في النار إذا لم ~~يتب، ويتبين لك أيضا أنه لا حجة فيما احتج به ابن عباس من أن آية الفرقان ~~PageV07P210 # مكية منسوخة بقوله تعالى: * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) * (النساء: 93) ~~الآية كما أخرج ذلك عنه البخاري ومسلم وغيرهما، وكذلك لا حجة له فيهما، ~~أخرجه النسائي والترمذي عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: يجئ المقتول متعلقا بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه ~~تشخب دما يقول: يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرش. وفي رواية للنسائي: ~~فيقول أي رب سل هذا فيم قتلني لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز ~~وجل، وذلك لا يستلزم أخذ التائب بذلك الذنب ولا تخليده في النار على فرض ~~عدم التوبة، والتوبة النافعة ههنا هي الاعتراف بالقتل عند الوارث إن كان له ~~وارث، أو السلطان إن لم يكن له وارث ، والندم على ذلك الفعل، والعزم على ~~ترك العود إلى مثله لا مجرد الندم والعزم بدون اعتراف وتسليم للنفس، أو ~~الدية إن اختارها مستحقها، لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق ~~الله وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به. (فإن قلت) ms2979 فعلام تحمل حديث ~~أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب؟ # فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوبا بين ~~عينيه الأياس من الرحمة. والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله. قلت: ~~هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل، والدليل على هذا التأويل ما في ~~الباب من الأدلة القاضية بالقبول عموما وخصوصا، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث ~~الرجل القاتل للمائة الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وحديث ~~عبادة بن الصامت المذكور قبله، فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك التأويل، ~~ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حديث عبادة ومع كون الحديثين في ~~الصحيحين، بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية، وأيضا في حديث معاوية نفسه ما ~~يرشد إلى هذا التأويل، فإنه جعل الرجل القاتل عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت ~~كافرا، ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرا على ذنبه غير تائب منه من المخلدين ~~في النار، فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر، فيكون ذلك ~~القرين الذي هو القتل أولى بقبولها. وقد قال العلامة الزمخشري في الكشاف، ~~إن هذه الآية يعني قوله: * (ومن يقتل مؤمنا) * فيها من التهديد والايعاد ~~والابراق والارعاد أمر عظيم وخطب غليظ، قال: ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي ~~من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة. وعن سفيان، كان أهل العلم إذا ~~سألوا قالوا PageV07P211 # لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ ~~والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا، ثم ذكر ~~حديث: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم وهو عند النسائي من حديث ~~بريدة. وعند ابن ماجة من حديث البراء. وعند النسائي أيضا من حديث ابن عمر. ~~وأخرجه أيضا الترمذي. وأما حديث واثلة بن الأسقع الذي ذكره المصنف في الرجل ~~الذي أوجب على نفسه النار بالقتل فأمرهم صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~يعتقوا عنه، فهو من أدلة قبول توبة القاتل عمدا ولا بد ms2980 من حمله على التوبة، ~~فإذا تاب القاتل عمدا فإنه يشرع له التكفير لهذا الحديث، وهو دليل على ثبوت ~~الكفارة في قتل العمد كما ذهب إليه الشافعي وأصحابه. ومن أهل البيت القاسم ~~والهادي والمؤيد بالله والامام يحيى. وقد حكي في البحر عن الهادي عدم ~~الوجوب في العمد، ولكنه نص في الاحكام والمنتخب على الوجوب فيه، وهذا إذا ~~عفي عن القاتل أو رضي الوارث بالدية . وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه بل ~~القتل كفارته لحديث عبادة المذكور في الباب. ولما أخرجه أبو نعيم في ~~المعرفة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # القتل كفارة وهو من حديث خزيمة بن ثابت وفي إسناده ابن لهيعة، قال ~~الحافظ: # لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنا. ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن ~~بن علي موقوفا عليه. وأما الكفارة في قتل الخطأ فهي واجبة بالاجماع وهو نص ~~القرآن الكريم. # أبواب الديات باب دية النفس وأعضائها ومنافعها عن أبي بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى ~~أهل اليمن كتابا وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود ~~إلا أن يرضي أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وأن في ~~الانف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي ~~البيضتين PageV07P212 # الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل ~~الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي ~~المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من ~~الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل ~~بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار رواه النسائي. وقال: وقد روى هذا الحديث ~~يونس عن الزهري مرسلا. # الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي ~~موصولا. وأخرجه أيضا أبو داود في المراسيل، وقد صححه جماعة من أئمة ms2981 الحديث ~~منهم أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي، وقد قدمنا بسط الكلام عليه واختلاف ~~الحفاظ فيه في باب قتل الرجل بالمرأة. قوله: من اعتبط بعين مهملة فمثناة ~~فوقية فموحدة فطاء مهملة وهو القتل بغير سبب موجب، وأصله من اعتبط الناقة ~~إذا ذبحها من غير مرض ولا داء، فمن قتل مؤمنا كذلك وقامت عليه البينة ~~بالقتل وجب عليه القود إلا أن يرضى أولياء المقتول بالدية أو يقع منهم ~~العفو. قوله: وأن في النفس مائة من الإبل الاقتصار على هذا النوع من أنواع ~~الدية يدل على أنه الأصل في الوجوب كما ذهب إليه الشافعي، ومن أهل البيت ~~القاسم بن إبراهيم، قالا: وبقية الأصناف كانت مصالحة لا تقديرا شرعيا. وقال ~~أبو حنيفة وزفر والشافعي في قول له: بل هي من الإبل للنص، ومن النقدين ~~تقويما إذ هما قيم المتلفات وما سواهما صلح. وذهب جماعة من أهل العلم إلى ~~أن الدية من الإبل مائة، ومن البقر مائتان، ومن الغنم ألفان، ومن الذهب ألف ~~مثقال، واختلفوا في الفضة فذهب الهادي والمؤيد بالله إلى أنها عشرة آلاف ~~درهم، وذهب مالك والشافعي في قول له إلى أنها اثني عشر ألف درهم. قال زيد ~~بن علي والناصر: أو مائتا حلة الحلة إزار ورداء أو قميص وسراويل، وستأتي ~~أدلة هذه الأقوال في باب أجناس الدية، وسيأتي أيضا الخلاف في صفة الإبل ~~وتنوعها. قوله: وأن في الانف إذا أوعب جدعه الدية بضم الهمزة من أوعب على ~~البناء للمجهول أي قطع جميعه، (وفي هذا دليل) على أنه يجب في قطع الأنف ~~جميعه الدية، قال في البحر فصل: والأنف مركبة من قصبة ومارن وأرنبة وروثة ~~وفيها الدية إذا استؤصلت من أصل القصبة إجماعا، ثم قال فرع: قال الهادي: ~~PageV07P213 # وفي كل واحد من الأربع حكومة. وقال الناصر والفقهاء: بل في المارن الدية ~~وفي بعضه حصته. # وأجاب عن ذلك بأن المارن وحده لا يسمى أنفا وإنما الدية في الانف. وربما ~~رواه الشافعي عن طاوس أنه قال: عندنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله ms2982 ~~وسلم وفي الانف إذا قطع مارنه مائة من الإبل. وأخرج البيهقي من حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جدعت ~~ثندوة الانف بنصف العقل خمسون من الإبل وعدلها من الذهب والورق. قال في ~~النهاية: أراد بالثندوة هنا روثة الانف وهي طرفه ومقدمه اه. وإنما قال أراد ~~بالثندوة هنا لأنها في الأصل لحم الثدي أو أصله على ما في القاموس. وفي ~~القاموس أيضا أن المارن الانف أو طرفه أو ما لأن منه، وفيه أن الأرنبة طرف ~~الأنف، وفيه أيضا أن الروثة طرف الأرنبة . قال في البحر فرع: فإن قطع ~~الأرنبة وهي الغضروف الذي يجمع المنخرين ففيه الدية إذ هو زوج كالعينين، ~~وفي الوترة حكومة وهي الحاجزة بين المنخرين، وفي إحداهما نصف الدية، وفي ~~الحاجز حكومة، فإن قطع المارن والقصبة أو المارن والجلدة التي تحته لزمت ~~دية وحكومة اه. والوترة هي الوتيرة. قال في القاموس: وهي حجاب ما بين ~~المنخرين. قوله: وفي اللسان الدية فيه دليل على أن الواجب في اللسان إذا ~~قطع جميعه الدية. وقد حكى صاحب البحر الاجماع على ذلك قال: فإن جنى ما أبطل ~~كلامه فدية، فإن أبطل بعضه فحصته، ويعتبر بعدد الحروف، وقيل بعدد حروف ~~اللسان فقط، وهي ثمانية عشر حرفا لا بما عداها، واختلف في لسان الأخرس إذا ~~قطعت فذهب الأكثر إلى أنها يجب فيها حكومة فقط، وذهب النخعي إلى أنها يجب ~~فيها دية قوله: وفي الشفتين الدية إلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، وقيل: # إنه مجمع عليه، قال في البحر: وحدهما من تحت المنخرين إلى منتهى الشدقين ~~في عرض الوجه، ولا فضل لأحداهما على الأخرى عند أبي حنيفة والشافعي والناصر ~~والهادوية. وذهب زيد ابن ثابت إلى أن دية العليا ثلث والسفلى ثلثان ومثله ~~في المنتخب، قال في البحر: إذ منافع السفلى أكثر للجمال والامساك يعني ~~للطعام والشراب، وأجاب عنه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: وفي الشفتين ~~الدية ولم يفصل، ولا يخفى أن غاية ما في ms2983 هذا أنه يجب في المجموع دية، وليس ~~ظاهرا في أن لكل واحدة نصف دية حتى يكون ترك الفصل منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم مشعرا بذلك، ولا PageV07P214 # شك أن في السفلى نفعا زائدا على النفع الكائن في العليا ولو لم يكن إلا ~~الامساك للطعام والشراب على فرض الاستواء في الجمال. قوله: وفي البيضتين ~~الدية. وفي رواية: وفي الأنثيين الدية ومعناهما ومعنى البيضتين واحد كما في ~~الصحاح والضياء والقاموس. وذكر في الغيث أن الأنثيين هما الجلدتان ~~المحيطتان بالبيضتين، فينظر في أصل ذلك فإن كتب اللغة على خلافه، وقد قيل ~~إن وجوب الدية في البيضتين مجمع عليه، وذهب الجمهور إلى أن الواجب في كل ~~واحدة نصف الدية. وحكي في البحر عن علي عليه السلام أن في اليسرى ثلثي ~~الدية إذ النسل منها، وفي اليمنى ثلثها. # وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب. قوله: وفي الذكر الدية هذا مما لا يعرف ~~فيه خلاف بين أهل العلم، وظاهر الدليل عدم الفرق بين ذكر الشاب والشيخ ~~والصبي كما صرح به الشافعي والامام يحيى، وأما ذكر العنين والخصي فذهب ~~الجمهور إلى أن فيه حكومة، وذهب البعض إلى أن فيه الدية إذ لم يفصل الدليل. ~~قوله: وفي الصلب الدية قال في القاموس: الصلب بالضم وبالتحريك عظم من لدن ~~الكاهن إلى العجب اه. ولا أعرف خلافا في وجوب الدية فيه وقد قيل: إن المراد ~~بالصلب هنا هو ما في الجدول المنحدر من الدماغ لتفريق الرطوبة في الأعضاء ~~لا نفس المتن، بدليل ما رواه ابن المنذر عن علي عليه السلام أنه قال: في ~~الصلب الدية إذا منع من الجماع هكذا في ضوء النهار، والأولى حمل الصلب في ~~كلام الشارع على المعنى اللغوي وعلى فرض صلاحية قول علي لتقييد ما ثبت عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فليس من لازمه تفسير الصلب بغير المتن، بل غايته ~~أن يعتبر مع كسر المتن زيادة وهي الافضاء إلى منع الجماع لا مجرد الكسر مع ~~إمكان الجماع. قوله: وفي العينين الدية هذا مما لا ms2984 أعرف فيه خلافا بين أهل ~~العلم، وكذلك لا يعرف الخلاف بينهم في أن الواجب في كل عين نصف الدية وإنما ~~اختلفوا في عين الأعور، فحكي في البحر عن الأوزاعي والنخعي والعترة ~~والحنفية والشافعية أن الواجب فيها نصف دية إذ لم يفصل الدليل. وحكي أيضا ~~عن علي عليه السلام وعمر وابن عمر والزهري ومالك والليث وأحمد وإسحاق أن ~~الواجب فيها دية كاملة لعماه بذهابها. وأجاب عنه بأن الدليل لم يفصل وهو ~~الظاهر. ثم حكي أيضا عن العترة والشافعية والحنفية أنه يقتص من الأعور إذا ~~أذهب عين من له PageV07P215 # عينان، وخالف في ذلك أحمد بن حنبل والظاهر ما قاله الأولون. قوله: وفي ~~الرجل الواحدة نصف الدية هذا أيضا مما لا أعرف فيه خلافا، وهكذا لا خلاف في ~~أن في اليدين دية كاملة. قال في البحر: وحد موجب الدية مفصل الساق واليدان ~~كالرجلين بلا خلاف، والحد الموجب للدية من الكوع كما حكاه صاحب البحر عن ~~العترة وأبي حنيفة والشافعي، فإن قطعت اليد من المنكب أو الرجل من الركبة ~~ففي كل واحدة منهما نصف دية وحكومة عند أبي حنيفة ومحمد والقاسمية والمؤيد ~~بالله، وعند أبي يوسف والشافعي في قول له أنه يدخل الزائد على الكوع ومفصل ~~الساق في دية اليد والرجل فلا تجب حكومة لذلك. قوله: وفي المأمومة ثلث ~~الدية هي الجناية البالغة أم الدماغ وهو الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي ~~عليه كما حكاه صاحب القاموس، وإلى إيجاب ثلث الدية فقط في المأمومة ذهب علي ~~وعمر والعترة والحنفية والشافعية، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يجب مع ~~ثلث الدية حكومة لغشاوة الدماغ. وحكى ابن المنذر الاجماع على أنه يجب في ~~المأمومة ثلث الدية إلا عن مكحول فإنه قال يجب الثلث مع الخطأ والثلثان مع ~~العمد. قوله: # وفي الجائفة ثلث الدية قال في القاموس: الجائفة هي الطعنة التي تبلغ ~~الجوف أو تنفذه ثم فسر الجوف بالبطن. وقال في البحر: هي ما وصل جوف العضو ~~من ظهر أو صدر أو ورك أو عنق أو ساق أو ms2985 عضد مما له جوف وهكذا في الانتصار، ~~وفي الغيث أنها ما وصل الجوف وهو من ثغرة النحر إلى المثانة اه. وهذا هو ~~المعروف عند أهل العلم والمذكور في كتب اللغة. وإلى وجوب ثلث الدية في ~~الجائفة ذهب الجمهور وحكى في نهاية المجتهد الاجماع على ذلك. قوله: وفي ~~المنقلة خمسة عشر من الإبل في رواية: خمس عشرة قال في القاموس: هي الشجة ~~التي ينقل منها فراش العظام وهي قشور تكون على العظم دون اللحم، وفي ~~النهاية: أنها التي تخرج صغار العظام وتنتقل عن أماكنها، وقيل: التي تنقل ~~العظم أي تكسره، وقد حكى صاحب البحر القول بإيجاب خمس عشرة ناقة عن علي ~~وزيد بن ثابت والعترة والفريقين يعني الشافعية والحنفية. قوله: وفي كل أصبع ~~من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل هذا مذهب الأكثرين، وروي عن عمر أنه كان ~~يجعل في الخنصر ستا من الإبل، وفي البنصر تسعا، وفي الوسطى عشرا، وفي ~~السبابة اثنتي عشرة، PageV07P216 # وفي الابهام ثلاث عشرة. ثم روي عنه الرجوع عن ذلك. وروي عن مجاهد أنه قال ~~في الابهام خمس عشرة، وفي التي تليها عشر، وفي الوسطى عشر، وفي التي تليها ~~ثمان، وفي الخنصر سبع، وهو مردود بحديث الباب وبما سيأتي قريبا من حديث أبي ~~موسى وعمرو بن شعيب، وذهبت الشافعية والحنفية والقاسمية إلى أن في كل أنملة ~~ثلث دية الإصبع إلا أنملة الابهام ففيها النصف وقال مالك بل الثلث. قوله: ~~وفي السن خمس من الإبل ذهب إلى هذا جمهور العلماء. وظاهر الحديث عدم الفرق ~~بين الثنايا والأنياب والضروس لأنه يصدق على كل منها أنه سن. وروي عن علي ~~أنه يجب في الضرس عشر من الإبل، وروي عن عمرو ابن عباس أنه يجب في كل ثنية ~~خمسون دينارا، وفي الناجذ أربعون، وفي الناب ثلاثون، وفي كل ضرس خمسة ~~وعشرون. وروى مالك والشافعي عن عمر أن في كسر الضرس جملا، قال الشافعي: وبه ~~أقول لأني لا أعلم له مخالفا من الصحابة، وفي قول الشافعي في كل سن خمس من ~~الإبل ms2986 ما لم يزد على دية النفس وإلا كفت في جميعها دية. وأجاب عنه في البحر ~~بأنه خلاف الاجماع، ورد بأنه لا وجد للحكم بمخالفة الاجماع لاختلاف الناس ~~في دية الأسنان، وسيأتي قريبا ما يدل على أن جميع الأسنان مستوية. # قوله: وفي الموضحة خمس من الإبل هي التي تكشف العظم بلا هشم، وقد ذهب إلى ~~إيجاب الخمس في الموضحة الشافعية والحنفية والعترة وجماعة من الصحابة. # وروي عن مالك أن الموضحة إن كانت في الانف أو اللحى الأسفل فحكومة وإلا ~~فخمس من الإبل. وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه يجب في الموضحة عشر الدية وذلك ~~عشر من الإبل، وتقدير أرش الموضحة المذكورة في الحديث إنما هو في موضحة ~~الرأس والوجه لا موضحة ما عداهما من البدن فإنها على النصف من ذلك كما هو ~~المختار لمذهب الهادوية، وكذلك الهاشمة والمنقلة والدامية وسائر الجنايات. ~~وحكي في البحر عن الامام يحيى أن الموضحة والهاشمة والمنقلة إنما أرشها ~~المقدر في الرأس وفيها في غيره حكومة، وقيل بل في جميع البدن لحصول معناها ~~حيث وقعت. قال في البحر: وهو الأقرب للمذهب لكن ينسب من دية ذلك العضو ~~قياسا على الرأس، ففي الموضحة نصف عشر دية ما هي فيه اه. وحكي في البحر ~~أيضا في موضع آخر عن الامام يحيى والقاسمية وأحد قولي الشافعي أن في ~~الموضحة PageV07P217 # ونحوها في غير الرأس حكومة إذا لم يقدر الشرع أرشها إلا فيه، وحكى ~~الشافعي في قول له أن الحكم واحد، قال الامام يحيى: وهي غير بعيد إذ لم ~~يفصل الخبر اه. وهو يستفاد أيضا من العموم المستفاد من تحلية الموضحة ~~بالألف واللام. # وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر قالا في ~~الموضحة في الوجه والرأس سواء. وأخرج البيهقي أيضا عن سليمان بن يسار نحو ~~ذلك. قوله: وأن الرجل يقتل بالمرأة قد تقدم الكلام على هذا مبسوطا. # قوله: وعلى أهل الذهب ألف دينار فيه دليل لمن جعل الذهب من أنواع الدية ~~الشرعية كما سلف. # وعن ms2987 عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قضى في الانف إذا جدع كله بالعقل كاملا، وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل، وقضى ~~في العين نصف العقل، والرجل نصف العقل، واليد نصف العقل ، والمأمومة ثلث ~~العقل، والمنقلة خمسة عشر من الإبل رواه أحمد. ورواه أبو داود وابن ماجة ~~ولم يذكرا فيه العين ولا المنقلة. وعن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: هذه وهذه سواء يعني الخنصر والبنصر والإبهام رواه الجماعة ~~إلا مسلما. وفي رواية قال: دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل ~~لكل أصبع رواه الترمذي وصححه. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: الأسنان سواء الثنية والضرس سواء رواه أبو داود وابن ماجة. وعن ~~أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الأصابع بعشر عشر من ~~الإبل رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في كل أصبع عشر من الإبل، وفي كل ~~سن خمس من الإبل والأصابع سواء، والأسنان سواء رواه الخمسة إلا الترمذي. ~~وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في ~~المواضح خمس خمس من الإبل رواه الخمسة. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى ~~في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا ~~قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها رواه النسائي. ~~ولأبي داود PageV07P218 # منه قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية. وعن عمر بن الخطاب: # أنه قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات ذكره ~~أحمد بن حنبل في رواية أبي الحرث وابنه عبد الله. # حديث عمرو بن شعيب الأول في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد ~~تكلم فيه جماعة من أهل ms2988 العلم ووثقه جماعة. ولفظ أبي داود: قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الانف إذا جدع الدية كاملة، وإن جدعت ثندوته ~~فنصف العقل خمسون من الإبل أعدلها من الذهب أو الورق أو مائة بقرة أو ألف ~~شاة، وفي اليد إذا قطعت نصف العقل، وفي الرجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث ~~العقل ثلاث وثلاثون وثلث أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاة، ~~والجائفة مثل ذلك، وفي الأصابع في كل أصبع عشر من الإبل وهو حديث طويل. ~~وحديث ابن عباس الثاني أخرجه أيضا البزار وابن حبان ورجال إسناده رجال ~~الصحيح. وحديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان وابن ماجة وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري وإسناده لا بأس به. # وحديث عمرو بن شعيب الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري وصاحب التلخيص ~~ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات. وحديثه الثالث أخرجه أيضا ابن خزيمة ~~وابن الجارود وصححاه. وحديثه الرابع سكت عنه أبو داود والنسائي ورجال ~~إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات. وأثر عمر أخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن خالد ~~عن عوف سمعت شيخا في زمن الحاكم وهو ابن المهلب عم أبي قلابة قال: رمى رجل ~~رجلا بحجر في رأسه في زمن عمر فذهب سمعه وبصره وعقله وذكره فلم يقرب النساء ~~فقضى عمر فيه بأربع ديات وهو حي. وقد قدمنا الكلام المتعلق بفقه أكثر هذه ~~الأحاديث في شرح حديث عمرو بن حزم المذكور في أول الباب، ونتكلم الآن على ~~ما لم يذكر هنالك. قوله: فنصف العقل أي الدية. قوله: هذه وهذه سواء الخ هذا ~~نص صريح يرد القول بالتفاضل بين الأصابع، ولا أعرف مخالفا من أهل العلم لما ~~يقتضيه إلا ما روي عن عمر ومجاهد، وقد قدمنا أنه روي عن عمر الرجوع. قوله: ~~الأسنان سواء هذه جملة مستقلة لفظ الأسنان فيها مبتدأ ولفظ سواء خبره. ~~وقوله: الثنية مبتدأ والضرس مبتدأ آخر والخبر عنهما قوله سواء، وإنما ~~تعرضنا لمثل هذا مع وضوحه لأنه ربما ظن أن سواء الأولى بمعنى ms2989 PageV07P219 # غير، وأن الخبر عن الأسنان هو سواء الثانية، ويكون التقدير الأسنان غير ~~الثنية والضرس سواء، ولا شك أن هذا غير مراد، بل المراد الحكم على جميع ~~الأسنان التي يدخل تحتها الثنية والضرس بالاستواء والتنصيص على الثنية، ~~والضرس إنما هو لدفع توهم عدم دخولهما تحت الأسنان، ولهذا اقتصر في الرواية ~~الثانية على قوله الأسنان سواء، وبهذا يندفع قول من ذهب إلى تفضيل الثنية ~~والضرس من الصحابة وغيرهم، وقول من حكم في الأسنان بأحكام مختلفة كما سلف. ~~قوله: قضى في العين العوراء السادة لمكانها أي التي هي باقية لم يذهب إلا ~~نورها، والمراد بالطمس ذهاب جرمها، وإنما وجب فيه ثلث دية العين الصحيحة ~~لأنها كانت بعد ذهاب بصرها باقية الجمال فإذا قلعت أو فقئت ذهب ذلك. قوله: ~~وفي اليد الشلاء الخ ، هي التي لا نفع فيها وإنما وجب فيها ثلث دية الصحيحة ~~لذهاب الجمال أيضا. قوله: # وفي السن السوداء إلخ، نفع السن السوداء باق وإنما ذهب منها مجرد الجمال ~~فيكون على هذا التقدير ذهاب النفع كذهاب الجمال وبقاؤه فقط كبقائه واحد. ~~قال في البحر مسألة: وإذا اسود السن وضعف ففيه الدية لذهاب الجمال ~~والمنفعة، ولقول علي عليه السلام: إذا اسودت فقد تم عقلها أي ديتها فإن لم ~~تضعف فحكومة. وقال الناصر وزفر: وكذا لو اصفرت أو احمرت، وقيل لا شئ في ~~الاصفرار إذ أكثر الأسنان كذلك، قلنا: إذا لم يحصل بجناية اه. قوله: بأربع ~~ديات فيه دليل على أنه يجب في كل واحد من الأربعة المذكورة دية عند من يجعل ~~قول الصحابي حجة، وقد استدل بها صاحب البحر وزعم أنه لم ينكره أحد من ~~الصحابة فكان إجماعا. وقد قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: أنه وجد في حديث ~~معاذ في السمع الدية، قال: وقد رواه البيهقي من طريق قتادة عن ابن المسيب ~~عن علي رضي الله عنه. وقد زعم الرافعي أنه ثبت في حديث معاذ أن في البصر ~~الدية. قال الحافظ: لم أجده. # وروى البيهقي من حديث معاذ في العقل الدية وسنده ms2990 ضعيف. قال البيهقي: ~~وروينا عن عمر وعن زيد بن ثابت مثله. وقد زعم الرافعي أن ذلك في حديث عمرو ~~بن حزم وهو غلط. وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم بلفظ: مضت السنة في أشياء من ~~الانسان إلى أن قال: وفي اللسان الدية وفي الصوت إذا انقطع الدية. والحاصل ~~أنه قد ورد النص بإيجاب الدية في بعض الحواس الخمس الظاهرة كما عرفت، ويقاس ~~ما لم يرد PageV07P220 # فيه نص منها على ما ورد فيه، وقد قيل: إنها تجب الدية في ذهاب القول بغير ~~قطع اللسان بالقياس على السمع بجامع فوات القوة، والأولى التعويل على النص ~~المذكور في حديث زيد بن أسلم، وأما ذهاب النكاح فيمكن أن يستدل لايجاب ~~الدية فيه بالقياس على سلس البول، فإنه قد روى محمد بن منصور بإسناده عن ~~جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي أنه قضى بالدية لمن ضرب حتى سلس بوله، ~~والجامع ذهاب القوة، ولكن هذا على القول بحجية قول علي عليه السلام. قال في ~~البحر: وفي إبطال مني الرجل بحيث لا يقع منه حمل دية كاملة، إذ هو إبطال ~~منفعة كاملة كالشلل، ويخالف مني المرأة ولبنها ففيهما حكومة، إذ قد يطرأ ~~ويزول بخلافه من الرجل فيستمر وإذا انقطع لم يرجع اه. وهذا إذا كان ذهاب ~~النكاح بغير قطع الذكر أو الأنثيين، فإن كان بذلك دخلت ديته في دية ذلك ~~المقطوع، وهكذا ذهاب البصر إذا كان بغير قلع العينين أو فقأها، وإلا وجبت ~~الدية للعينين ولا شئ لذهابه وهكذا السمع لو ذهب بقطع الاذنين. # باب دية أهل الذمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: عقل الكافر نصف دية المسلم رواه أحمد والنسائي ~~والترمذي. وفي لفظ: قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود ~~والنصارى رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وفي رواية: كانت قيمة الدية على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ~~ودية أهل الكتاب يومئذ ms2991 النصف من دية المسلم، قال: وكان ذلك كذلك حتى استخلف ~~عمر فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف ~~دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل ~~الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال: وترك دية أهل الذمة لم ~~يرفعها فيما رفع من الدية رواه أبو داود. # وعن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ~~والمجوسي ثمانمائة رواه الشافعي والدارقطني. PageV07P221 # حديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي وصححه ابن الجارود. وأثر عمر أخرجه أيضا ~~البيهقي. وأخرج ابن حزم في الايصال من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن ~~أبي الخير عن عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: دية ~~المجوسي ثمانمائة درهم. وأخرجه أيضا الطحاوي وابن عدي والبيهقي وإسناده ~~ضعيف من أجل ابن لهيعة. وروى البيهقي عن ابن مسعود وعلي عليه السلام أنهما ~~كانا يقولان في دية المجوسي ثمانمائة درهم. وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج ~~البيهقي أيضا عن عقبة بن عامر نحوه وفيه أيضا ابن لهيعة. وروي نحو ذلك ابن ~~عدي والبيهقي والطحاوي عن عثمان وفيه ابن لهيعة. قوله: عقل الكافر نصف دية ~~المسلم أي دية الكافر نصف دية المسلم، فيه دليل على أن دية الكافر الذمي ~~نصف دية المسلم وإليه ذهب مالك، وذهب الشافعي والناصر إلى أن دية الكافر ~~أربعة آلاف درهم. والذي في منهاج النووي أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية ~~المسلم. ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم. قال شارحه المحلى: أنه قال ~~بالأول عمر وعثمان وبالثاني عمر وعثمان أيضا وابن مسعود. ثم قال النووي في ~~المنهاج وكذا وثنى له أمان يعني أن ديته دية مجوسي ثم قال: المذهب أن من لم ~~يبلغه الاسلام إن تمسك بدين لم يبدل فديته دية دينه وإلا فكمجوسي. وحكي في ~~البحر عن زيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه أن دية المجوسي كالذمي. ~~وعن الناصر والامام يحيى والشافعي ms2992 ومالك أنها ثمانمائة درهم. وذهب الثوري ~~والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه والقاسمية إلى أن دية الذمي كدية ~~المسلم. وروي عن أحمد إن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا وإلا فنصف دية، ~~احتج من قال إن ديته ثلث دية المسلم بفعل عمر المذكور من عدم رفع دية أهل ~~الذمة وأنها كانت في عصره أربعة آلاف درهم، ودية المسلم اثني عشر ألف درهم. ~~ويجاب عنه بأن فعل عمر ليس بحجة على فرض عدم معارضته لما ثبت عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فكيف وهو هنا معارض للثابت قولا وفعلا؟ وتمسكوا في جعل دية ~~المجوسي ثلثي عشر دية المسلم بفعل عمر المذكور في الباب، ويجاب عنه بما ~~تقدم، ويمكن الاحتجاج لهم بحديث عقبة بن عامر الذي ذكرناه فإنه موافق لفعل ~~عمر لأن ذلك المقدار هو ثلثا عشر الدية إذ هي اثنا عشر ألف درهم، وعشرها ~~اثنا ومائة، وثلثا عشرها ثمانمائة، ويجاب بأن إسناده ضعيف كما أسلفنا فلا ~~يقوم بمثله حجة. (لا يقال) إن الرواية PageV07P222 # الثانية من حديث الباب بلفظ: قضى أن عقل أهل الكتابين الخ مقيدة باليهود ~~والنصارى، والرواية الأولى منه مطلقة فيحمل المطلق على المقيد ويكون المراد ~~بالحديث دية اليهود والنصارى دون المجوس. لأنا نقول: لا نسلم صلاحية ~~الرواية الثانية للتقييد ولا للتخصيص، لأن ذلك من التنصيص على بعض أفراد ~~المطلق أو العام، وما كان كذلك فلا يكون مقيدا لغيره ولا مخصصا له، ويوضح ~~ذلك أن غاية ما في قوله عقل أهل الكتابين أن يكون من عداهم بخلافهم لمفهوم ~~اللقب وهو غير معمول به عند الجمهور وهو الحق، فلا يصلح لتخصيص قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: عقل الكافر نصف دية المسلم ولا لتقييده على فرض ~~الاطلاق، ولا سيما مخرج اللفظين واحد والراوي واحد، فإن ذلك يفيد أن أحدهما ~~من تصرف الراوي، واللازم الاخذ بما هو مشتمل على زيادة، فيكون المجوسي ~~داخلا، تحت ذلك العموم، وكذلك كل من له ذمة من الكفار، ولا يخرج عنه إلا من ~~لا ذمة ms2993 له ولا أمان ولا عهد من المسلمين لأنه مباح الدم، ولو فرض عدم دخول ~~المجوسي تحت ذلك اللفظ كان حكمه حكم اليهود والنصارى والجامع الذمة من ~~المسلمين للجميع. ويؤيد ذلك حديث: سنوا بهم سنة أهل الكتاب واحتج القائلون ~~بأن دية الذمي كدية المسلم بعموم قوله تعالى : * (وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله) * (النساء: 92) قالوا: وإطلاق الدية ~~يفيد أنها الدية المعهودة وهي دية المسلم، ويجاب عنه أولا بمنع كون المعهود ~~ههنا هو دية المسلم، لم لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين ~~المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين؟ وثانيا بأن هذا الاطلاق مقيد بحديث الباب. ~~واستدلوا ثانيا بما أخرجه الترمذي عن ابن عباس وقال: غريب أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ودي العامرين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وكان ~~لهما عهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يشعر به عمرو بدية المسلمين. ~~وبما أخرجه البيهقي عن الزهري أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل دية المسلم، وفي زمن أبي بكر وعمر ~~وعثمان، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال. ~~قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف وألغى ما كان جعل معاوية. وبما أخرجه ~~أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية ~~PageV07P223 # العامريين دية الحر المسلم وكان لهما عهد. وأخرج أيضا من وجه آخر: أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم جعل دية المعاهدين دية المسلم. وأخرج أيضا عن ابن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودي ذميا دية مسلم. ويجاب عن حديث ~~ابن عباس بأن في إسناده أبا سعيد البقال واسمه سعيد بن المرزبان ولا يحتج ~~بحديثه والراوي عنه أبو بكر بن عياش. وحديث الزهري مرسل ومراسيله قبيحة ~~لأنه حافظ كبير لا يرسل إلا لعلة. وحديث ابن عباس الآخر في إسناده أيضا أبو ~~سعيد البقال المذكور، وله طريق أخرى فيها ms2994 الحسن بن عمارة وهو متروك. وحديث ~~ابن عمر في إسناده أبو كرز وهو أيضا متروك. ومع هذه العلل فهذه الأحاديث ~~معارضة بحديث الباب، وهو أرجح منها من جهة صحته وكونه قولا وهذه فعلا ~~والقول أرجح من الفعل، ولو سلمنا صلاحيتها للاحتجاج وجعلناها مخصصة لعموم ~~حديث الباب كان غاية ما فيها إخراج المعاهد ولا ضير في ذلك، فإن بين الذمي ~~والمعاهد فرقا لان الذمي ذل ورضى بما حكم به عليه من الذلة بخلاف المعاهد ~~فلم يرض بما حكم عليه به منها، فوجب ضمان دمه وماله الضمان الأصلي الذي كان ~~بين أهل الكفر، وهو الدية الكاملة التي ورد الاسلام بتقريرها، ولكنه يعكر ~~على هذا ما وقع في رواية من حديث عمرو بن شعيب عند أبي داود بلفظ: دية ~~المعاهد نصف دية الحر وتخلص عن هذا بعض المتأخرين فقال: إن لفظ المعاهد ~~يطلق على الذمي، فيحمل ما وقع في حديث عمرو بن شعيب عليه ليحصل الجمع بين ~~الأحاديث، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف، والراجح العمل بالحديث الصحيح ~~وطرح ما يقابله مما لا أصل له في الصحة، وأما ما ذهب إليه أحمد من التفصيل ~~باعتبار العمد والخطأ فليس عليه دليل. # باب دية المرأة في النفس وما دونها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ ~~الثلث من ديته رواه النسائي والدارقطني. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنه ~~قال لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل PageV07P224 # ، قلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: فكم في ثلاث أصابع؟ قال: ~~ثلاثون من الإبل، قلت: فكم في أربع أصابع؟ قال: عشرون من الإبل، قلت: حين ~~عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم ~~متثبت أو جاهل متعلم، قال: هي السنة يا ابن أخي رواه مالك في الموطأ عنه. # حديث عمرو بن شعيب هو من رواية إسماعيل بن عياش ms2995 عن ابن جريج عنه. # وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة كما حكى ذلك عنه في بلوغ المرام. وحديث ~~سعيد بن المسيب أخرجه أيضا البيهقي، وعلى تسليم أن قوله من السنة يدل على ~~الرفع فهو مرسل. وقد قال الشافعي فيما أخرجه عنه البيهقي أن قول سعيد من ~~السنة يشبه أن يكون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن عامة من ~~أصحابه، ثم قال: وقد كنا نقول إنه على هذا المعنى ثم وقفت عنه وأسأل الله ~~خيرا لأنا قد نجد منهم من يقول السنة ثم لا نجد لقوله السنة نفاذا أنها عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقياس أولى بنا فيها. وروى صاحب التلخيص ~~عن الشافعي أنه قال: كان مالك يذكر أنه السنة وكنت أتابعه عليه وفي نفسي ~~منه شئ، ثم علمت أنه يريد أنه سنة أهل المدينة فرجعت عنه. (وفي الباب) عن ~~معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: دية المرأة نصف دية ~~الرجل قال البيهقي: إسناده لا يثبت مثله. وأخرج البيهقي عن علي عليه السلام ~~أنه قال: دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل وهو من رواية إبراهيم ~~النخعي عنه وفيه انقطاع. وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه. وأخرجه ~~أيضا من وجه آخر عنه. وعن عمر قوله: عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ ~~الثلث من ديته فيه دليل على أن أرش المرأة يساوي أرش الرجل في الجراحات ~~التي لا يبلغ أرشها إلى ثلث دية الرجل، وفيما بلغ أرشه إلى مقدار الثلث من ~~الجراحات يكون أرشها فيه كنصف أرش الرجل لحديث سعيد بن المسيب المذكور. ~~وإلى هذا ذهب الجمهور من أهل المدينة منهم مالك وأصحابه وهو مذهب سعيد بن ~~المسيب كما تقدم في رواية مالك عنه. ورواه أيضا عن عروة بن الزبير وهو مروي ~~عن عمر وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أحمد وإسحاق والشافعي في ~~قول، وصفة التقدير أن يكون على الصفة المذكورة في حديث ms2996 الباب عن سعيد بن ~~المسيب فإنه جعل أرش أصبعها عشرا، وأرش الإصبعين PageV07P225 # عشرين، وأر ش الثلاث ثلاثين، لأنها دون ثلث دية الرجل، فلما سأله السائل ~~عن أرش الأربع الأصابع جعلها عشرين من الإبل لأنها لما جاوزت ثلث دية ~~الرجل، وكان أرش الأصابع الأربع من الرجل أربعين من الإبل كان أرش الأربع ~~من المرأة عشرين، وهذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن المرأة حين عظم ~~جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، والسبب في ذلك أن سعيدا جعل التنصيف بعد ~~بلوغ الثلث من دية الرجل راجعا إلى جميع الأرش، ولو جعل التنصيف باعتبار ~~المقدار الزائد على الثلث لا باعتبار ما دونه فيكون مثلا في الإصبع الرابعة ~~من المرأة خمس من الإبل لأنها هي التي جاوزت الثلث، ولا يحكم بالتنصيف في ~~الثلاث الأصابع، فإذا قطع من المرأة أربع أصابع كان فيها خمس وثلاثون ناقة ~~لم يكن في ذلك إشكال، ولم يدل حديث عمرو بن شعيب المذكور إلا على أن أرشها ~~في الثلث فما دونه مثل أرش الرجل وليس في ذلك دليل، على أنها إذا حصلت ~~المجاوزة للثلث لزم تنصيف ما لم يجاوز الثلث من الجنايات على فرض وقوعها ~~متعددة كالأصابع والأسنان، وأما لو كانت جناية واحدة مجاوزة للثلث من دية ~~الرجل فيمكن أن يقال باستحقاق نصف أرش الرجل في الكل، فإن كان ما أفتى به ~~سعيد مفهوما من مثل حديث عمرو بن شعيب فغير مسلم، وإن كان حفظ ذلك التفصيل ~~من السنة التي أشار إليها فإن أراد سنة أهل المدينة كما تقدم عن الشافعي ~~فليس في ذلك حجة، وإن أراد السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~فنعم، ولكن مع الاحتمال لا ينتهض إطلاق تلك السنة للاحتجاج به، ولا سيما ~~بعد قول الشافعي أنه علم أن سعيدا أراد سنة أهل المدينة، ومع ذلك فالمرسل ~~لا تقوم به حجة، فالأولى أن يحكم في الجنايات المتعددة بمثل أرش الرجل في ~~الثلث فمدون، وبعد المجاوزة يحكم بتنصيف الزائد على الثلث فقط، لئلا يقتحم ~~الانسان ms2997 في مضيق مخالف للعدل والعقل والقياس بلا حجة نيرة. وحكى صاحب البحر ~~عن ابن مسعود وشريح أن أرش المرأة يساوي أرش الرجل حتى يبلغ أرشها خمسا من ~~الإبل ثم ينصف. قال في نهاية المجتهد: أن الأشهر عن ابن مسعود وعثمان وشريح ~~وجماعة أن دية جراحة المرأة إلا الموضحة فإنها على النصف. وحكى في البحر ~~أيضا عن زيد بن ثابت وسليمان بن يسار أنهما يستويان حتى يبلغ أرشها خمس ~~عشرة من الإبل. وعن الحسن البصري يستويان إلى PageV07P226 # النصف ثم ينصف، وهذه الأقوال لا دليل عليها. وذهب علي وابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة والليث والثوري والعترة والشافعية والحنفية كما حكى ذلك عنهم صاحب ~~البحر إلى أن أرش المرأة نصف أرش الرجل في القليل والكثير واستدلوا بحديث ~~معاذ الذي ذكرناه، وهو مع كونه لا يصلح للاحتجاج به لما سلف يمكن الجمع ~~بينه وبين حديث الباب، إما بحمله على الدية الكاملة كما هو ظاهر اللفظ. ~~وذلك مجمع عليه كما حكاه في البحر في موضعين. حكى في أحدهما بعد حكاية ~~الاجماع خلافا للأصم وابن علية أن ديتها مثل دية الرجل، ويمكن الجمع بوجه ~~آخر على فرض أن لفظ الدية يصدق على دية النفس وما دونها وهو أن يقال: هذا ~~العموم مخصوص بحديث عمرو بن شعيب المذكور فتكون ديتها كنصف دية الرجل فيما ~~جاوز الثلث فقط. # باب دية الجنين عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي ~~قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها. وفي رواية اقتتلت امرأتان من ~~هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى ~~بدية المرأة على عاتقها متفق عليهما. وفيه دليل على أن دية شبه العمد ~~تحملها العاقلة. وعن المغيرة ms2998 بن شعبة عن عمر: أنه استشارهم في إملاص المرأة ~~فقال المغيرة: قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه بالغرة عبد أو أمة ~~فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به متفق ~~عليه. # وعن المغيرة: أن امرأة ضربتها ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها وهي حبلى فأتي ~~فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية في ~~الجنين غرة، فقال عصبتها: أندي ما لا طعم ولا شرب ولا صاح ولا استهل مثل ~~ذلك يطل، فقال سجع مثل سجع الاعراب رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. ~~وكذلك الترمذي ولم PageV07P227 # يذكر اعتراض العصبة وجوابه. وعن ابن عباس في قصة حمل بن مالك قال: # فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا وماتت المرأة فقضى على العاقلة بالدية، ~~فقال عمها: إنها قد أسقطت يا نبي الله غلاما قد نبت شعره، فقال أبو ~~القاتلة: إنه كاذب إنه والله ما استهل ولا شرب فمثله يطل، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أسجع الجاهلية وكهانتها أد في الصبي غرة رواه أبو ~~داود والنسائي، وهو دليل على أن الأب من العاقلة. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححاه. # قوله: في جنين امرأة الجنين بفتح الجيم بعده نونان بينهما ياء تحتية ~~ساكنة بوزن عظيم، وهو حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن ~~خرج حيا فهو ولد أو ميتا فهو سقط. وقد يطلق عليه جنين. قال الباجي في شرح ~~رجال الموطأ: # الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد، سواء كان ذكرا أم أنثى ما لم ~~يستهل صارخا. # قوله: بغرة بضم الغين المعجمة وتشديد الراء وأصلها البياض في وجه الفرس، ~~قال الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا أعتق رقبة وقوله: عبد ~~أو أمة تفسير للغرة، وقد اختلف هل لفظ غرة مضاف إلى عبد أو منون؟ قال ~~الإسماعيلي: قرأه العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين. وحكى القاضي عياض ~~الاختلاف وقال: التنوين أوجه لأنه بيان للغرة ms2999 ما هي، وتوجيه الإضافة إلى ~~الشئ قد يضاف إلى نفسه لكنه قادر قال الباجي: يحتمل أن تكون أو شكا من ~~الراوي في تلك الواقعة المخصوصة. # ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر. قال في الفتح: قيل المرفوع من الحديث ~~قوله بغرة. وأما قوله: عبد أو أمة فشك من الراوي في المراد بها. وروي عن ~~أبي عمرو بن العلاء أنه قال: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، فلا يجزي عنده ~~في دية الجنين الرقبة السوداء، وذلك منه مراعاة لأصل الاشتقاق، وقد شذ ~~بذلك، فإن سائر أهل العلم يقولون بالجواز. وقال مالك: الحمران أولى من ~~السودان. قال في الفتح: وفي رواية ابن أبي عاصم ما له عبد ولا أمة قال عشر ~~من الإبل، قالوا: ما له شئ إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان فأعانه بها، وفي ~~حديثه عند الحرث بن أبي أسامة. وفي الجنين غرة عبد أو أمة أو عشر من الإبل ~~أو مائة شاة. ووقع في حديث أبي هريرة: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل وكذا وقع عند PageV07P228 # عبد الرزاق عن حمل بن النابغة: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالدية في المرأة وفي الجنين غرة عبد أو أمة أو فرس. وأشار البيهقي إلى أن ~~ذكر الفرس في المرفوع وهم، وإن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير ~~للغرة، وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ: فقضى ~~أن في الجنين غرة قال طاوس: الفرس غرة. وكذا أخرج الإسماعيلي عن عروة قال: ~~الفرس غرة، وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق الغرة من الآدمي. ونقل ابن ~~المنذر والخطابي عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير: الغرة عبد أو أمة أو فرس. ~~وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر فقالوا: يجزي كل ما وقع عليه اسم غرة. ~~وحكي في الفتح عن الجمهور أن أقل ما يجزي من العبد والأمة ما سلم من العيوب ms3000 ~~التي يثبت بها الرد في البيع لأن المعيب ليس من الخيار، واستنبط الشافعي من ~~ذلك أن يكون منتفعا به بشرط أن لا ينقص عن سبع سنين، لأن من لم يبلغها لا ~~يستقل غالبا بنفسه فيحتاج إلى التعهد بالتربية فلا يجبر المستحق على أخذه، ~~ووافقه على ذلك القاسمية وأخذ بعضهم من لفظ الغلام المذكور في رواية أن لا ~~يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين. وقال ابن دقيق العيد: إنه ~~يجزي ولو بلغ الستين وأكثر منها ما لم يصل إلى سن الهرم، ورجحه الحافظ، ~~وذهب الباقر والصادق والناصر في أحد قوليه إلى أن الغرة عشر الدية، وخالفهم ~~في ذلك الجمهور وقالوا: الغرة ما ذكر في الحديث. قال في الفتح: وتطلق الغرة ~~على الشئ النفيس آدميا كان أم غيره، ذكرا أم أنثى. وقيل: أطلق على الآدمي ~~غرة لأنه أشرف الحيوان، فإن محل الغرة الوجه وهو أشرف الأعضاء، قال في ~~الفتح: واشتقاقها من غرة الشئ أي خياره. وفي القاموس : والغرة بالضم العبد ~~والأمة. قوله: ثم أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت. # في الرواية الثانية: فقتلتها وما في بطنها. وفي رواية المغيرة المذكورة: ~~فقتلتها وهي حبلى. وفي حديث ابن عباس المذكور: فأسقطت غلاما قد نبت شعره ~~ميتا وماتت المرأة ويجمع بين هذه الروايات بأن موت المرأة تأخر عن موت ما ~~في بطنها فيكون قوله: فقتلتها وما في بطنها إخبارا بنفس القتل، وسائر ~~الروايات يدل على تأخر موت المرأة. قوله: في إملاص المرأة وقع تفسير ~~الإملاص في الاعتصام من البخاري هو أن تضرب المرأة في بطنها فتلقي جنينها، ~~وهذا التفسير أخص من قول أهل PageV07P229 # اللغة أن الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة أي قبل حين الولادة، هكذا ~~نقله أبو داود في السنن عن ابن عبيد، وهو كذلك في الغريب له. وقال الخليل: ~~أملصت الناقة إذا رمت ولدها. # وقال ابن القطاع: أملصت الحامل ألقت ولدها. ووقع في بعض الروايات ملاص ~~بغير ألف كأنه اسم فعل الولد فحذف وأقيم المضاف مقامه أو اسم لتلك ms3001 الولادة ~~كالخداج. وروى الإسماعيلي عن هشام أنه قال: الملاص الجنين. وقال صاحب ~~البارع: الإملاص الاسقاط. # قوله: فشهد محمد بن مسلمة زاد البخاري في رواية: فقال عمر: من يشهد معك؟ # فقام محمد بن مسلمة فشهد له. وفي رواية له: أعمر قال للمغيرة: لا تبرح ~~حتى تجئ بالمخرج مما قلت، قال: فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد معي ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به. قوله: فسطاط هو الخيمة. ~~قوله: فقضى فيها على عصبة القاتلة في حديث أبي هريرة المذكور: وقضى بدية ~~المرأة على عاقلتها. وفي حديث ابن عباس المذكور أيضا: فقضى على العاقلة ~~بالدية وظاهر هذه الروايات يخالف ما في الرواية الأولى من حديث أبي هريرة ~~حيث قال: ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة ويمكن الجمع بأن نسبة القضاء ~~إلى كونه على المرأة باعتبار أنها هي المحكوم عليها بالجناية في الأصل فلا ~~ينافي ذلك الحكم على عصبتها بالدية، والمراد بالعاقلة المذكورة هي العصبة ~~وهم من عدا الولد وذوي الأرحام. # ووقع في رواية عند البيهقي: فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها، فاختصموا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الدية على العصبة. وفي حديث أبي ~~هريرة المذكور : فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن ميراثها ~~لزوجها وبنيها وأن العقل على عصبتها. وسيأتي الكلام على العاقلة وضمانها ~~لدية الخطأ في باب العاقلة وما تحمله: (وقد استدل) المصنف بحديث أبي هريرة ~~المذكور على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة، وسيأتي تكميل الكلام عليه. ~~قوله: مثل ذلك يطل بضم أوله وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي يبطل ~~ويهدر، يقال طل القتل يطل فهو مطلول، وروي بالباء الموحدة وتخفيف اللام على ~~أنه فعل ماض من البطلان. قوله: فقال سجع مثل سجع الاعراب استدل بذلك على ذم ~~السجع في الكلام، ومحل الكراهة إذا كان ظاهر التكلف، وكذا لو كان منسجما، ~~لكنه في إبطال حق أو تحقيق باطل، فأما لو كان منسجما وهو حق أو في مباح فلا ~~كراهة، ms3002 بل ربما كان في بعضه ما يستحب مثل PageV07P230 # أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة، وعلى هذا يحمل ما جاء عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكذا عن غيره من السلف الصالح. قال الحافظ: والذي يظهر لي ~~أن الذي جاء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن عن قصد إلى ~~التسجيع وإنما جاء اتفاقا لعظم بلاغته، وأما من بعده فقد يكون ذلك وقد يكون ~~عن قصد وهو الغالب ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا. وفي قوله في حديث ابن عباس ~~المذكور: # أسجع الجاهلية وكهانتها دليل على أن المذموم من السجع إنما هو ما كان من ~~ذلك القبيل الذي يراد به إبطال شرع أو إثبات باطل أو كان متكلفا. وقد حكى ~~النووي عن العلماء أن المكروه منه إنما هو ما كان كذلك لا غيره. قوله: حمل ~~بن مالك بفتح الحاء المهملة والميم، وفي بعض الروايات حمل بن النابغة وهو ~~نسبة إلى جده وإلا فهو حمل بن مالك بن النابغة. قوله: فقال أبو القاتلة في ~~رواية لمسلم وأبي داود: فقال حمل بن النابغة وهو زوج القاتلة. وفي رواية ~~للبخاري: فقال ولي المرأة. وفي حديث أبي هريرة المذكور في الباب: فقال ~~عصبتها. وفي رواية للطبراني: # فقال أخوها العلاء بن مسروح. وفي رواية للبيهقي من حديث أسامة بن عمير: # فقال أبوها. ويجمع بين الروايات بأن كل واحد من أبيها وأخيها وزوجها. قال ~~ذلك لأنهم كلهم من عصبتها بخلاف المقتولة فإن في حديث أسامة بن عمير أن ~~المقتولة عامرية والقاتلة هذلية، فيبعد أن تكون عصبة إحدى المرأتين عصبة ~~للأخرى مع اختلاف القبيلة. (وقد استدل) بأحاديث الباب على أنه يجب في ~~الجنين على قاتله الغرة إن خرج ميتا. وقد حكي في البحر الاجماع على أن ~~المرأة إذا ضربت فخرج جنينها بعد موتها ففيها القود أو الدية. وأما الجنين ~~فذهبت العترة والشافعي إلى أن فيه الغرة وهو ظاهر أحاديث الباب. وذهب أبو ~~حنيفة ومالك إلى أنه لا يضمن. وأما إذا مات الجنين بقتل أمه ms3003 ولم ينفصل ~~فذهبت العترة والحنفية والشافعية إلى أنه لا شئ فيه. وقال الزهري: إن سكنت ~~حركته ففيه الغرة، ورد بأنه يجوز أن يكون غير آدمي فلا ضمان مع الشك. قال ~~في الفتح: وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية، ~~فلو انفصل حيا ثم مات وجب فيه القود أو الدية كاملة انتهى. فإن أخرج الجنين ~~رأسه ومات ولم يخرج الباقي فذهبت الحنفية والشافعية والهادوية إلى أن فيه ~~الغرة أيضا. وذهب مالك إلى أنه لا يجب فيه شئ. قال ابن دقيق العيد ويحتاج ~~من اشترط الانفصال إلى PageV07P231 # تأويل الرواية وحملها على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه، ~~وتعقب بما في حديث ابن عباس المذكور أنها أسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا ~~فإنه صريح في الانفصال، وبما في حديث أبي هريرة المذكور في الباب بلفظ: سقط ~~ميتا. وفي لفظ للبخاري: فطرحت جنينها قيل: وهذا الحكم مختص بولد الحرة لأن ~~القصة وردت في ذلك، وما وقع في الأحاديث بلفظ إملاص المرأة ونحوه فهو وإن ~~كان فيه عموم لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة. وقد ذهب الشافعي ~~والهادوية وغيرهم إلى أن في جنين الأمة عشر قيمة أمه، كما أن الواجب في ~~جنين الحرة عشر ديتها. # باب من قتل في المعترك من يظنه كافرا فبان مسلما من أهل دار الاسلام عن ~~محمود بن لبيد قال: اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة يوم أحد ولا ~~يعرفونه فقتلوه، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يديه فتصدق ~~حذيفة بديته على المسلمين رواه أحمد. وعن عروة بن الزبير قال: # كان أبو حذيفة اليمان شيخا كبيرا فرفع في الآطام مع النساء يوم أحد فخرج ~~يتعرض للشهادة فجاء من ناحية المشركين، فابتدره المسلمون فتوشقوه بأسيافهم ~~وحذيفة يقول: أبي أبي فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه، فقال حذيفة: ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بديته رواه الشافعي. # حديث محمود بن لبيد في ms3004 إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال ~~الصحيح، وأصل الحديثين في صحيح البخاري وغيره عن عروة عن عائشة قالت: لما ~~كان يوم أحد هزم المشركون فصاح إبليس: أي عباد الله أخراكم فرجعت أولاهم ~~فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله ~~أبي أبي، قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، قال حذيفة: غفر الله لكم، قال ~~عروة: # فما زالت في حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله. وقد أخرج أبو إسحاق ~~الفزاري في السيرة عن الأوزاعي عن الزهري قال: أخطأ المسلمون بأبي حذيفة ~~يوم أحد حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فبلغت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوداه من عنده. وأخرج أبو العباس السراج في ~~تاريخه من طريق عكرمة: أن والد حذيفة قتل يوم أحد قتله بعض المسلمين وهو ~~يظن أنه من المشركين، فوداه رسول PageV07P232 # الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في الفتح: ورجاله ثقات مع إرساله ~~انتهى. وهذان المرسلان يقويان مرسل عروة المذكور في الباب في دفع أصل ~~الدية، وإن كان حديث عروة يدل على أنه لم يحصل منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلا مجرد القضاء بالدية، ومرسل الزهري وعكرمة يدلان على أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم وداه من عنده. وحديث محمود بن لبيد المذكور يدل على أن حذيفة ~~تصدق بدية أبيه على المسلمين، ولا تعارض بينه وبين تلك المرسلات، لأن غاية ~~ما فيها أنه وقع القضاء منه صلى الله عليه وآله وسلم بالدية أو وقع منه ~~الدفع لها من بيت المال، وليس فيها أن حذيفة قبضها وصيرها من جملة ماله حتى ~~ينافي ذلك تصدقه بها عليهم. ويمكن الجمع أيضا بين تلك المرسلات بأنه وقع ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم القضاء بالدية ثم الدفع لها من بيت المال ثم ~~تعقب ذلك التصدق بها من حذيفة. (وقد استدل) المصنف رحمه الله تعالى بما ~~ذكره على الحكم فيمن قتله قاتل في المعركة وهو يظنه كافرا ثم ms3005 انكشف مسلما. # وقد ترجم البخاري على حديث عائشة الذي ذكرناه فقال: باب إذا مات من ~~الزحام. # وترجم عليه في باب آخر فقال: باب العفو في الخطأ بعد الموت. قال ابن ~~بطال: اختلف على عمر وعلي عليه السلام هل تجب الدية في بيت المال أو لا؟ ~~وبه قال إسحاق أي بالوجوب، وتوجيهه أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين ~~فوجبت ديته في بيت مال المسلمين. وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور ~~أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي رضي الله تعالى عنه من بيت مال ~~المسلمين. وقال الحسن البصري، إن ديته تجب على جميع من حضر، وإلى ذلك ذهبت ~~الهادوية. وقال الشافعي ومن وافقه: إنه يقال لولي المقتول: ادع على من شئت ~~واحلف فإن حلفت استحققت الدية وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت ~~المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب، ومنها قول مالك دمه هدر ~~وتوجيهه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. قوله: الآطام جمع ~~أطم وهو بناء مرتفع كالحصن. قوله: توشقوه بالشين المعجمة وبعدها قاف أي ~~قطعوه بأسيافهم، ومنه الوشيقة وهي اللحم يغلى ثم يقدد. PageV07P233 # باب ما جاء في مسألة الزبية والقتل بالسبب عن حنش بن المعتمر عن علي ~~رضوان الله عليه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن ~~فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل ~~فتعلق بآخر ثم تعلق الرجل بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد فانتدب ~~له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء ~~الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي رضوان الله عليه على تفئة ذلك ~~فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي؟ إني أقضي ~~بينكم قضاء إن رضيتم به فهو القضاء، وإلا حجر بعضكم على بعض حتى تأتوا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك ~~فلا ms3006 حق له، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف ~~الدية والدية كاملة، فللأول ربع الدية لأنه هلك من فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث ~~الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا، فأتوا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عند مقام إبراهيم فقصوا عليه القصة ~~فأجازه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد، ورواه بلفظ آخر نحو ~~هذا وفيه: وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا. وعن علي بن رباح اللخمي أن ~~أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب، وهو يقول : يا أيها الناس ~~لقيت منكر أهل * يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معا كلاهما تكسرا وذلك أن ~~أعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر، فوقع الأعمى على البصير فمات البصير، ~~فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى رواه الدارقطني. وفي الحديث: أن رجلا أتى ~~أهل أبيات فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات فأغرمهم عمر الدية حكاه أحمد في ~~رواية ابن منصور وقال: أقول به. # حديث حنش بن المعتمر أخرجه أيضا البيهقي والبزار قال: ولا نعلمه يروي إلا ~~عن علي، ولا نعلم له إلا هذه الطريقة وحنش ضعيف، وقد وثقه أبو داود، قال في ~~PageV07P234 # مجمع الزوائد، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأثر علي بن رياح أخرجه أيضا ~~البيهقي وهو من رواية موسى بن علي بن رباح عن أبيه. قال الحافظ: وفيه ~~انقطاع ولفظه: # فقضى عمر بعقل البصير الحافظ على الأعمى فذكر أن الأعمى كان ينشد ثم ذكر ~~الأبيات. قوله: زبية للأسد الزبية بضم الزاي وسكون الموحدة بعدها تحتية وهي ~~حفرة الأسد، وتطلق أيضا على الرابية بالراء. قال في القاموس: والزبية بالضم ~~الزابية لا يعلوها ماء ثم قال وحفرة للأسد انتهى. والمقصود هنا الحفرة التي ~~يحفرها الناس ليقع فيها الأسد فيقتلونه، ومن إطلاق الزبية على المحل ~~المرتفع قول عثمان بن عفان يخاطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيام حصره ~~في الدار: قد بلغ السيل الزبى ونالني ما حسبي به وكفى. قوله: على تفئة ذلك ms3007 ~~بالتاء الفوقية المفتوحة وكسر الفاء ثم همزة مفتوحة. قال في القاموس: تفئة ~~الشئ حينه وزمانه. (وقد استدل) بهذا القضاء الذي قضى به أمير المؤمنين ~~وقرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن دية المتجاذبين في البئر ~~تكون على الصفة المذكورة، فيؤخذ من قوم الجماعة الذين ازدحموا على البئر ~~وتدافعوا ذلك المقدار، ثم يقسم على تلك الصفة فيعطي الأول من المتردين ربع ~~الدية ويهدر من دمه ثلاثة أرباع لأنه هلك بفعل المزدحمين وبفعل نفسه وهو ~~جذبه لمن بجنبه، فكأن موته وقع بمجموع الازدحام ووقوع الثلاثة الأنفار ~~عليه، ونزل الازدحام منزلة سبب واحد من الأسباب التي كان بها موته، ووقوع ~~الثلاثة عليه منزلة ثلاثة أسباب، فهدر من ديته ثلاثة أرباع، واستحق الثاني ~~ثلث الدية لأنه هلك بمجموع الجذب المتسبب عن الازدحام ووقوع الاثنين عليه، ~~ونزل الازدحام منزلة سبب واحد ووقوع الاثنين عليه منزلة سببين فهدر من دمه ~~الثلثان لأن وقوع الاثنين عليه كان بسببه، واستحق الثالث نصف الدية لأنه ~~هلك بمجموع الجذب ممن تحته المتسبب عن الازدحام وبوقوع من فوقه عليه وهو ~~واحد وسقط نصف ديته ولزم نصفها، والرابع كان هلاكه بمجرد الجذب له فقط فكان ~~مستحقا للدية كاملة، ولم يجعل للجناية التي وقعت من الأسد عليهم حكم جناية ~~من تضمن جنايته حتى ينظر في مقدار ما شاركها من الوقوع الذي كان هلاك ~~الواقعين بمجموعهما، والمعروف في كتب الفقه أنه إذا تجاذب جماعة في بئر بأن ~~سقط الأول ثم جذب من بجنبه فوقع عليه ثم كذلك حتى صار الواقعون في ~~PageV07P235 # البئر مثلا أربعة فإنه يهدر من الأول سقوط الثاني عليه لأنه بسببه وهو ~~ربع الدية ويضمن الحافر ربع ديته والثالث والرابع نصفها، ويهدر من الثاني ~~سقوط الثالث عليه وحصته ثلث ديته ويضمن الأول ثلث ديته والثالث ثلثها ويهدر ~~من الثالث وقوع الرابع عليه وحصته نصف الدية ويضمن الباقي نصفها ويضمن ~~الثالث جميع دية الرابع، هذا إذا هلكوا بمجموع الوقوع في البئر وصدم بعضهم ~~لبعض، وأما إذا لم يتصادموا بل تجاذبوا ms3008 ووقع كل واحد منهم بجانب من البئر ~~غير جانب صاحبه فإنها تكون دية الأول على الحافر، ودية الثاني على الأول، ~~ودية الثالث على الثاني، ودية الرابع على الثالث. وأما إذا تصادموا في ~~البئر ولم يتجاذبوا فربع دية الأول على الحافر، وعلى الثلاثة ثلاثة أرباع، ~~ونصف دية الثاني على الثالث والنصف الآخر على الرابع ودية الثالث على ~~الرابع وبهدر الرابع، وهذا إذا كان الموت وقع بمجرد المصادمة مدون أن يكون ~~للهوى تأثير. وإلا كان على الحافر من الضمان بقدر ذلك، ويكون الضمان في ~~صورة التصادم والتجاذب على عاقلة الحافر. وفي أموال المتجاذبين المتصادمين ~~وفي صورة التجاذب فقط كذلك. وأما في صورة التصادم فقط فعلى عواقلهم فقط، ~~وأما إذا لم يكن تجاذب ولا تصادم فالديات كلها على عاقلة الحافر. (والحاصل) ~~أن من كان جانيا على غيره خطأ فما لزم بالجناية على عاقلته، ومن كان جانيا ~~عمدا فمن ماله، وتحمل قصة الأعمى المذكورة في الباب على أنه لم يقع على ~~البصير بجذبه له وإلا كان هدرا. قوله: فاستسقاهم فلم يسقوه الخ فيه دليل ~~على أن من منع من غيره ما يحتاج إليه من طعام أو شراب مع قدرته على ذلك ~~فمات ضمنه لأنه متسبب بذلك لموته وسد الرمق واجب. وقد ذهب بعض أهل العلم ~~إلى أنه إذا مات الشخص بسبب ومباشرة يكون الضمان على المباشر فقط. قال في ~~البحر مسألة: ومن سقط في بئر فجر آخر فماتا بالتصادم والهوي ضمن الحافر نصف ~~دية الأول فقط وهدر نصف إذا مات بسببين منه ومن الحافر. وقيل لا شئ على ~~الحافر إذ هو فاعل سبب والجذب مباشرة، وأما المجذوب فعلى الجاذب قولا واحدا ~~إذ هو المباشر انتهى. PageV07P236 # باب أجناس مال الدية وأسنان إبلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ~~ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور رواه ~~الخمسة إلا الترمذي. وعن الحجاج بن ms3009 أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك ~~الطائي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في دية ~~الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ~~ابن مخاض ذكرا رواه الخمسة، وقال ابن ماجة، في إسناده عن الحجاج: حدثنا زيد ~~بن جبير قال أبو حاتم الرازي: # الحجاج يدلس عن الضعفاء فإذا قال: حدثنا فلان فلا يرتاب به. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود وقال المنذري في إسناده عمرو بن شعيب وقد ~~تقدم الكلام عليه، ومن دون عمرو بن شعيب ثقات إلا محمد بن راشد المكحولي، ~~وقد وثقه أحمد وابن معين والنسائي وضعفه ابن حبان وأبو زرعة. قال الخطابي: ~~هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء. والحديث الثاني أخرجه أيضا ~~البزار والبيهقي والدارقطني وقال: عشرون بنو لبون مكان قوله عشرون ابن ~~مخاض. رواه كذلك من طريق أبي عبيدة عن أبيه يعني عبد الله بن مسعود موقوفا ~~وقال: هذا إسناد حسن. وضعف الأول من أوجه عديدة، وتعقبه البيهقي بأن ~~الدارقطني وهم فيه والجواد قد يعثر. قال: وقد رأيته في جامع سفيان الثوري ~~عن منصور عن إبراهيم عن عبد الله، وعن ابن إسحاق عن علقمة عن عبد الله، وعن ~~عبد الرحمن بن مهدي عن يزيد بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي ~~عبيدة عن عبد الله، وعند الجميع بنو مخاض. قال الحافظ: وقد رد يعني البيهقي ~~على نفسه بنفسه فقال: وقد رأيته في كتاب ابن خزيمة وهو إمام من رواية وكيع ~~عن سفيان فقال: بنو لبون كما قال الدارقطني فانتفى أن يكون الدارقطني عثر. ~~وقد تكلم الترمذي على حديث ابن مسعود المذكور فقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من ~~هذا الوجه. وقد روي عن عبد الله موقوفا. وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث ~~لا نعلمه روي عن عبد الله مرفوعا PageV07P237 # إلا بهذا الاسناد. وذكر الخطابي أن خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا ~~الحديث. # وعدل الشافعي عن القول ms3010 به لهذه العلة ولان فيه بني مخاض، ولا مدخل لبني ~~المخاض في شئ من أسنان الصدقات. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في قصة القسامة أنه ودي قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان ~~الصدقة ابن مخاض. # وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث وبسط ~~الكلام في ذلك. وقال: لا نعلمه رواه الأخفش بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل ~~مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير، ثم قال: لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن ~~جبير إلا حجاج بن أرطأة وهو رجل مشهور بالتدليس، وبأنه يحدث عمن لم يلقه ~~ولم يسمع منه. ثم ذكر أنه قد اختلف فيه على الحجاج بن أرطأة. وقال البيهقي: ~~خشف بن مالك مجهول. # وقال الموصلي: خشف بن مالك ليس بذاك وذكر له هذا الحديث. قال المنذري بعد ~~أن ذكر الخلاف فيه على الحجاج: والحجاج غير محتج به، وكذا قال البيهقي، ~~والصحيح أنه موقوف على عبد الله كما سلف. (وقد اختلف العلماء) في دية الخطأ ~~من الإبل بعد الاتفاق على أنها مائة، فذهب الحسن البصري والشعبي والهادي ~~والمؤيد بالله وأبو طالب إلى أنها تكون أرباعا: ربعا جذاعا، وربعا حقاقا، ~~وربعا بنات لبون، وربعا بنات مخاض. وقد قدمنا تفسير هذه الأسنان في كتاب ~~الزكاة. واستدلوا بحديث ذكره الأمير الحسين في الشفاء عن السائب بن يزيد عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: دية الانسان خمس وعشرون جذعة، وخمس ~~وعشرون حقة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض. وقد أخرجه أبو ~~داود موقوفا على علي رضي الله عنه من طريق عاصم بن ضمرة قال: في الخطأ ~~أرباعا فذكره. وأخرجه أيضا أبو داود عن ابن مسعود موقوفا من طريق علقمة ~~والأسود قالا: قال عبد الله: # في الخطأ شبه العمد خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات ~~لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض، ولم أجد هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في كتاب ms3011 حديثي فلينظر فيما ذكره صاحب الشفاء. وذهب ابن مسعود ~~والزهري وعكرمة والليث والثوري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار ومالك ~~والحنفي والشافعية إلى أن الدية تكون أخمسا: خمسا جذاعا، وخمسا حقاقا، ~~وخمسا بنات لبون، وخمسا بنات مخاض، وخمسا أبناء لبون. وحكى صاحب البحر عن ~~أبي حنيفة أن النوع الخامس PageV07P238 # يكون أبناء مخاض وهو موافق لحديث الباب عن ابن مسعود مرفوعا، والأول ~~موافق للموقوف عن ابن مسعود كما ذكرنا، وذهب عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ~~إلى أنها تكون ثلاثين جذعة وثلاثين حقة وعشرين ابن لبون وعشرين بنت مخاض، ~~وهذا الخلاف في دية الخطأ المحض، وأما في دية العمد وشبهه فقد تقدم طرف من ~~الخلاف في ذلك، وسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى. # وعن عطاء بن أبي رياح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى وفي ~~رواية عن عطاء عن جابر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل ~~الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من كان عقله ~~في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة رواه ~~الخمسة إلا الترمذي. # حديث عطاء رواه أبو داود مسندا بذكر جابر ومرسلا وهو من رواية محمد بن ~~إسحاق عنه وقد عنعن وهو ضعيف إذا عنعن لما اشتهر عنه من التدليس، فالمرسل ~~فيه علتان: الارسال وكونه من طريقه. والمسند أيضا فيه علتان: العلة الأولى ~~كونه في إسناده محمد ابن إسحاق المذكور، والعلة الثانية كونه قال فيه: ذكر ~~عطاء عن جابر بن عبد الله ولم يسم من حدثه عن عطاء فهي رواية عن مجهول. ~~وحديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم فيه ~~غير واحد ووثقه جماعة. وهذا الذي ذكره ا ms3012 لمصنف ههنا بعض من الحديث، وهو ~~حديث طويل ساقه بجميعه أبو داود في سننه، وقد استدل بحديثي الباب من قال: ~~إن الدية من الإبل مائة، ومن البقر مائتان، ومن الشاة ألفان، ومن الحلل ~~مائتان، كل حلة إزار ورداء وقميص وسراويل، وفيهما رد على من قال: إن الأصل ~~في الدية الإبل، وبقية الأصناف مصالحة لا تقدير شرعي، وقد قدمنا تفصيل ~~الخلاف في ذلك في أول أبواب الديات. # ويدل على أن الدية من الذهب ألف دينار ما تقدم في حديث عمرو بن حزم بلفظ: # على أهل الذهب ألف دينار ويدل على أنها من الفضة اثنا عشر ألف درهم ما ~~سيأتي قريبا، وهو ما أخرجه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلا من ~~PageV07P239 # بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته اثني عشر ألفا، قال ~~أبو داود: # رواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يذكر عن ابن عباس. وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا، وأرسله النسائي، ورواه ~~ابن ماجة مرفوعا، قال الترمذي: ولا نعلم أحدا يذكر في هذا الحديث عن ابن ~~عباس غير محمد بن مسلم انتهى. ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي. وقد أخرج له ~~البخاري في المتابعات ومسلم في الاستشهاد، ووثقه يحيى بن معين. وقال مرة: ~~إذا حدث من حفظه يخطئ، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس، وضعفه الإمام أحمد، ~~وقد أخرجه النسائي عن محمد بن ميمون عن ابن عيينة وقال فيه: سمعناه مرة ~~يقول عن ابن عباس. وأخرجه الدارقطني في سننه عن أبي محمد بن صاعد وقال فيه ~~عن ابن عباس. وقال الدارقطني : قال ابن ميمون وإنما قال لنا فيه عن ابن ~~عباس مرة واحدة، وأكثر ذلك كان يقول عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وذكره البيهقي من حديث الطائفي موصولا وقال: رواه أيضا سفيان عن عمرو ~~بن دينار موصولا، ومحمد بن ميمون المذكور هو أبو عبد الله المكي الخياط روى ~~عن ابن عيينة وغيره ms3013 قال النسائي: # صالح. وقال أبو حاتم الرازي: كان أميا مغفلا ذكر لي منه أنه روى عن أبي ~~سعيد مولى بني هاشم عن شعبة حديثا باطلا، وما يبعد أن يكون وضع للشيخ فإنه ~~كان أميا. وقال في الخلاصة: وثقه ابن حبان. ويعارض هذا الحديث ما أخرجه أبو ~~داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ~~ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف ~~عمر فقام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ~~ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى ~~أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم ~~يرفعها فيما رفع من الدية. ولا يخفى أن حديث ابن عباس فيه إثبات أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فرضها اثني عشر ألفا وهو مثبت فيقدم على النافي ~~كما تقرر في الأصول، وكثرة طرقه تشهد لصحته، والرفع زيادة إذا وقعت من طريق ~~ثقة تعين الاخذ بها. # وعن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه PageV07P240 # وآله وسلم: خطب رسول الله (ص) يوم فتح مكة فقال: ألا وإن قتيل خطأ العمد ~~بالسوط والعصا والحجر دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون من ثنية إلى ~~بازل عامها كلهن خلفة رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن عكرمة عن ابن عباس: أن ~~رجلا قتل فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته اثني عشر ألفا رواه ~~الخمسة إلا أحمد، وروى ذلك عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~مرسلا وهو أصح وأشهر. # الحديث الأول أخرجه أيضا البخاري في تاريخه الكبير وساق اختلاف الرواة ~~فيه، وأخرجه أيضا الدارقطني وساق أيضا الاختلاف، ويشهد له ما أخرجه أبو ~~داود عقبه من حديث ابن عمر بنحوه، وقد قدمنا ما يشهد لذلك ms3014 أيضا في باب ما ~~جاء في شبه العمد. والحديث الثاني قد تقدم الكلام عليه وعلى فقهه في شرح ~~الحديث الذي قبل حديث عقبة ابن أوس المذكور، وتقدم أيضا الخلاف في شبه ~~العمد، وأن القتل ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ في باب ما جاء في شبه العمد ~~مستوفى. قوله : خلفة بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام بعدها فاء وهي الحامل ~~وتجمع على خلفات وخلائف. وقد ذهب الشافعي إلى تغليظ الدية أيضا على من قتل ~~في الحرم أو قتل محرما أو في الأشهر الحرم قال: لأن الصحابة رضي الله عنهم ~~غلظوا في هذا لأحوال وإن اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد من ~~الصحابة فكان إجماعا. ومن جملة من ذهب إلى التغليظ من السلف على ما حكاه في ~~البحر عمر وعثمان وابن عباس والزهري وقتادة وداود وابن المسيب وعطاء وجابر ~~بن زيد ومجاهد وسليمان بن يسار والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقد ~~أخرج البيهقي من طريق مجاهد عن عمر أنه قضى فيمن قتل في الحرم أو في الشهر ~~الحرام أو وهو محرم بالدية وثلث الدية وهو منقطع وفي إسناده ليث بن أبي ~~سليم وهو ضعيف. قال البيهقي: وروي عن عكرمة عن عمر بن الخطاب ما يدل على ~~التغليظ في الشهر الحرام. وقال ابن المنذر: روينا عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال: من قتل في الحرم أو قتل محرما أو قتل في الشهر الحرام فعليه الدية ~~وثلث الدية. وروى الشافعي والبيهقي عن عمر أيضا من طريق ابن أبي نجيح عن ~~أبيه: أن رجلا أوطأ امرأة بمكة فقتلها فقضى فيها بثمانية آلاف درهم دية ~~وثلث. وروى البيهقي وابن حزم وعن ابن عباس من طريق نافع بن جبير عنه قال: ~~يزاد في دية المقتول في الأشهر الحرم أربعة آلاف، PageV07P241 # وفي دية المقتول في الحرم أربعة آلاف. وروى ابن حزم عنه: أن رجلا قتل في ~~البلد الحرام في الشهر الحرام فقال ابن عباس: ديته اثنا عشر ألفا، وللشهر ~~الحرام والبلد الحرام أربعة آلاف وذهبت العترة ms3015 وأبو حنيفة إلى عدم التغليظ ~~في جميع ما سلف إلا في شبه العمد فإن أبا حنيفة يغلظ فيه. # باب العاقلة وما تحمله صح عنه عليه السلام أنه قضى بدية المرأة المقتولة ~~ودية جنينها على عصبة القاتلة وروى جابر قال: كتب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على كل بطن عقولة ثم كتب: أنه لا يحل أن يتوالى مولى رجل مسلم ~~بغير إذنه رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن عبادة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قضى في الجنين المقتول بغرة عبد أو أمة قال: فورثها بعلها ~~وبنوها، قال: وكان من امرأتيه كلتيهما ولد فقال أبو القاتلة المقضى عليه: ~~يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل؟ فمثل ذلك بطل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا من الكهان رواه عبد الله بن ~~أحمد في المسند. وعن جابر: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل ~~واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية ~~المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة: ~~ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ميراثها لزوجها ~~وولدها رواه أبو داود، وهو حجة في أن ابن المرأة ليس من عاقلتها. # الحديث الأول الذي أشار إليه المصنف بقوله: صح عنه أنه قضى الخ قد تقدم ~~في باب دية الجنين. وحديث عبادة قد تقدم ما يشهد له في باب دية الجنين ~~أيضا. وحديث جابر أخرجه أيضا ابن ماجة وصححه النووي في الروضة وفي إسناده ~~مجالد، وهو ضعيف لا يحتج بما انفرد به ففي تصحيحه ما فيه. وقد تكلم جماعة ~~من الأئمة في مجالد بن سعيد وقد اختلفت الأحاديث، ففي بعضها ما يدل على أن ~~لكل واحدة من المرأتين المقتتلتين زوجا غير الأخرى كما في حديث جابر ~~المذكور في الباب، وكما في حديث أبي هريرة عند الشيخين بلفظ: أن امرأتين من ~~هذيل اقتتلتا ولكل PageV07P242 # واحدة منهما زوج فبرأ الزوج ms3016 والولد، ثم ماتت القاتلة فجعل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ميراثها لبنيها والعقل على العصبة. وفي بعض الأحاديث ما يدل ~~على أن المرأتين المقتتلتين زوجهما واحد كما في حديث الباب، وكما أخرجه ~~الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمر الهذلي عن أبيه قال: كان فينا ~~رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان إحداهما هذلية والأخرى عامرية، فضربت ~~الهذلية بطن العامرية. وأخرجه الحرث من طريق أبي المليح فأرسله لم يقل عن ~~أبيه ولفظه: أن حمل بن النابغة كان له امرأتان مليكة وامرأة منا يقال لها ~~أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة فضربت أم عفيف مليكة. وفي رواية لابن ~~عباس عند أبي داود: إحداهما مليكة والأخرى أم عطيف. قوله: باب العاقلة بكسر ~~القاف جمع عاقل وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر لأن الإبل ~~كانت تعقل بفناء ولي المقتول، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ~~ولو لم تكن إبلا، وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب وهم عصبته، وهم الذين ~~كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول، وتحميل العاقلة الدية ثابت بالسنة ~~وهو إجماع أهل العلم كما حكاه في الفتح، وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله ~~تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (الانعام: 164) فتكون الأحاديث ~~القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم الآية لما في ذلك من المصلحة، لأن ~~القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ لا ~~يؤمن ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، وعاقلة الرجل عشيرته فيبدأ ~~بفخذه الأدنى فإن عجزوا ضم إليهم الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبة ~~النسب ثم في بيت المال. وقال الناصر: إنها تجب على العصبة ثم السبب ثم على ~~أهل الديوان يعني جند السلطان. وقال أبو حنيفة: إنها تجب على أهل الديوان ~~ولا شئ على الورثة لأن عمر جعلها على أهل الديوان دون أهل الميراث ولم ينكر ~~هكذا في البحر، ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة للأحاديث الصحيحة. وقد حكي ~~عن الأصم ms3017 وابن علية وأكثر الخوارج أن دية الخطأ في مال القاتل ولا تلزم ~~العاقلة. وحكي عن علقمة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والبتي وأبي ثور أن الذي ~~يلزم العاقلة هو الخطأ المحض، وعمد الخطأ في مال القاتل. قوله: على كل بطن ~~عقولة بضم العين المهملة والقياس في مصدر عقل أن يأتي على العقل أو العقول ~~وإنما دخلت الهاء لإفادة المرة الواحدة. قوله: # لا يحل أن يتوالى مولى رجل الخ، فيه تحريم أن يتولى موالي الرجل مولى رجل ~~PageV07P243 # آخر، وليس المراد بقوله بغير إذنه أنه يجوز ذلك مع الاذن بل المراد ~~التأكيد كقوله تعالى: * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (آل عمران: ~~130). قوله: قضى في الجنين المقتول بغرة الخ، قد تقدم تفسير الجنين والغرة ~~وما يتعلق بهما في باب دية الجنين. قوله: وبرأ زوجها وولدها فيه دليل على ~~أن الزوج والولد ليسا من العاقلة، وإليه ذهب مالك والشافعي، وذهبت العترة ~~إلى أن الولد من جملة العاقلة وقد تقدم كلام في ذلك. # وعن عمران بن حصين: أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء فأتى ~~أهله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا نبي الله إنا أناس ~~فقراء فلم يجعل عليه شيئا رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفقهه أن ما تحمله ~~العاقلة يسقط عنهم بفقرهم ولا يرجع على القاتل. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجة وصحح الحافظ إسناده وهو عند أبي داود من ~~رواية أحمد بن حنبل عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي نضرة عن عمران ~~بن حصين وهذا إسناد صحيح. (وفي الحديث) دليل على أن الفقير لا يضمن أرش ما ~~جناه ولا يضمن عاقلته أيضا ذلك. قال البيهقي: إن كان المراد فيه الغلام ~~المملوك فإجماع أهل العلم على أن جناية العبد في رقبته، وقد حمله الخطابي ~~على أن الجاني كان حرا، وكانت الجناية خطأ، وكانت عاقلته فقرا، فلم يجعل ~~عليهم شيئا، إما لفقرهم وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة من العبد على ~~العبد على فرض أن الجاني ms3018 كان عبدا، وقد يكون الجاني غلاما حرا وكانت ~~الجناية عمدا فلم يجعل أرشها على عاقلته، وكان فقيرا فلم يجعل في الحال ~~عليه شيئا، أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء فلم يجعل عليهم شيئا لفقرهم، ~~ولا عليه لكون جنايته في حكم الخطأ، هذا معنى كلام الخطابي. وقد ذهب أكثر ~~العترة إلى أن جناية الخطأ تلزم العاقلة وإن كانوا فقراء، قالوا: # إذا شرعت لحقن دم الخاطئ نعم الوجوب، وقال الشافعي: لا تلزم الفقير، وقال ~~أبو حنيفة: # إذا كان له حرفة وعمل. وقد ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن عمد الصغير ~~تلزم الفقير في ماله وكذلك المجنون ولا يلزم العاقلة. وذهبت العترة وأبو ~~حنيفة والشافعي في أحد قوليه إلى أن عمد الصبي والمجنون على عاقلتهما، ~~واستدل لهم في البحر بما روي عن علي عليه السلام أنه قال: لا عمد للصبيان ~~والمجانين. قال: وهو توقيف أو اجتهاد اشتهر ولم ينكر، ولا بد من تأويل لفظ ~~الغلام بما سلف لما تقدم من الاجماع PageV07P244 # وسيأتي أيضا حديث أن العاقلة لا تعقل جناية العبد. # وعن عمرو بن الأحوص: أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يجني جان إلا على نفسه، ~~لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده رواه أحمد وابن ماجة والترمذي ~~وصححه. وعن الخشخاش العنبري قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعي ~~ابن لي فقال: ابنك هذا؟ فقلت: نعم، قال: لا يجني عليك ولا تجني عليه رواه ~~أحمد وابن ماجة. وعن أبي رمثة قال: خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرأيت برأسه ردع حناء وقال لأبي: هذا ابنك؟ قال: نعم، ~~قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه، وقرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (الانعام: 164) رواه أحمد وأبو ~~داود. وعن ابن مسعود قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يؤخذ ms3019 الرجل بجريرة أبيه ولا ~~بجريرة أخيه رواه النسائي. وعن رجل من بني يربوع قال: أتينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو يكلم الناس فقام إليه الناس فقالوا: يا رسول الله ~~هؤلاء بنو فلان الذين قتلوا فلانا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا تجني نفس على نفس رواه أحمد والنسائي. # حديث عمرو بن الأحوص أخرجه أيضا أبو داود كما روى ذلك عنه صاحب التلخيص ~~ورجال إسناده ثقات إلا سليمان بن عمرو بن الأحوص وهو مقبول. # وحديث الخشخاش أورده في التلخيص وسكت عنه، وله طرق رجال أسانيدها ثقات. # وروى نحوه الطبراني مرسلا بإسناد رجاله ثقات. وحديث أبي رمثة أخرجه أيضا ~~النسائي والترمذي وحسنه وصححه ابن خزيمة وابن الجارود والحاكم. قال الحافظ: # وأخرج نحوه أحمد والنسائي من رواية ثعلبة بن زهدم. وللنسائي وابن ماجة ~~وابن حبان من رواية طارق المحاربي. ولابن ماجة من رواية أسامة بن شريك ~~انتهى. # وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا البزار ورجاله رجال الصحيح. وحديث الرجل من ~~بني يربوع رجال أحمد رجال الصحيح. وأحاديث الباب يشهد بعضها لبعض ويقوي ~~بعضها بعضا، والثلاثة الأحاديث الأولة تدل على أنه لا يضمن الولد من جناية ~~أبيه شيئا، ولا يضمن الوالد من جناية ابنه شيئا، أما عدم ضمان الولد فهو ~~مخصوص PageV07P245 # من ضمان العاقلة بما سلف من حديث جابر. وأما الأب فقد استدل بهذه ~~الأحاديث على أنه لا يضمن جناية ابنه كما أن الابن لا يضمن جناية الأب، ~~وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في الابن والأب كما تقدم، وجعلا هذه الأحاديث ~~مخصصة لعموم الأحاديث القاضية بضمان العاقلة على العموم، فلا يكون الأب ~~والابن من العاقلة التي تضمن الجناية الواقعة على جهة الخطأ، وخالفتهما في ~~ذلك العترة كما سلف، ويمكن الاستدلال لهم بأن هذه الأحاديث قاضية بعدم ضمان ~~الابن لجناية الأب، والأب لجناية الابن، سواء كانت عمدا أو خطأ، فتكون ~~مخصصة بالأحاديث القاضية بضمان العاقلة، وهذا وإن سلم فلا يتم باعتبار ~~الابن لأنه قد خرج من عموم العاقلة بما تقدم ms3020 في حديث جابر: من أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها. ~~(والحاصل) أنه قد تعارض ههنا عمومان لأن الأحاديث القاضية بضمان العاقلة هي ~~أعم من الأب وغيره من الأقارب كما سلف، والأحاديث المذكورة هي أعم من جناية ~~العمد والخطأ، وقد قيل: إن ما تحمله العاقلة في جناية الخطأ والقسامة ليس ~~من تحمل عقوبة الجناية، وإنما هو من باب النصرة والمعاضدة فيما بين الأقارب ~~، فلا معارضة بين هذه الأحاديث وأحاديث ضمان العاقلة، وقد تقدم في باب دية ~~الجنين من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي ~~القاتلة: # أد في الصبي غرة وجعله المصنف دليلا على أن الأب من العاقلة كما سلف. ~~وأما حديث ابن مسعود وحديث الرجل الذي من بني يربوع فهما يدلان على أنه لا ~~يؤاخذ أحد بذنب أحد في عقوبة ولا ضمان، ولكنهما مخصصان بأحاديث ضمان ~~العاقلة المتقدمة لأنهما أعم مطلقا كما خصص بها عموم قوله تعالى: * (ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى) * (الانعام: 164) وقد قدمنا أن ضمان العاقلة لجناية ~~الخطأ مجمع عليه على ما حكاه صاحب الفتح، وقد حمل المصنف رحمه الله هذه ~~العمومات على جناية العمد كما سيأتي. قوله: # وعن الخشخاش بخاءين معجمتين مفتوحتين وشينين معجمتين الأولى ساكنة. # قوله: عن أبي رمثة بكسر الراء المهملة وبعدها ميم ساكنة وثاء مثلثة وتاء ~~تأنيث واسمه رفاعة بن يثربي بفتح التحتية بعدها مثلثة ساكنة ثم راء مكسورة ~~ثم باء موحدة ثم ياء النسبة وفي اسمه اختلاف كثير. قوله: ردع بفتح الراء ~~وسكون الدال المهملة بعدها عين مهملة وهو لطخ من زعفران أو دم أو حناء أو ~~طيب أو غير PageV07P246 # ذلك، وهو هنا من حناء كما وقع مبينا في الرواية. قوله: بجريرة أبيه بجيم ~~فراء تحتية فراء فهاء تأنيث، قال في القاموس: والجريرة الذنب والجناية. # وعن عمر قال: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة رواه ~~الدارقطني وحكى أحمد عن ابن عباس مثله. وقال الزهري: مضت السنة أن العاقلة ms3021 ~~لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاؤوا، رواه عنه مالك في الموطأ، وعلى ~~هذا وأمثاله تحمل العمومات المذكورة. # أثر عمر أخرجه أيضا البيهقي، قال الحافظ: وهو منقطع وفي إسناده عبد الملك ~~بن حسين وهو ضعيف، قال البيهقي: والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله. وأثر ~~ابن عباس أخرجه أيضا البيهقي ولفظه: لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا ~~اعترافا ولا ما جنى المملوك. وقول الزهري روى معناه البيهقي عن أبي الزناد ~~عن الفقهاء من أهل المدينة، وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند الدارقطني ~~والطبراني: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تجعلوا على ~~العاقلة من دية المعترف شيئا وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب. ~~وفيه أيضا الحرث بن نبهان وهو منكر الحديث. وقد تمسك بما في الباب من قال ~~إن العاقلة لا تعقل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف، وقد اختلف في ~~المجني عليه إذا كان عبدا فذهب الحكم وحماد والعترة وأبو حنيفة والشافعي في ~~أحد قوليه إلى أن العاقلة تحمل العبد كالحر. وذهب مالك والليث وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور إلى أنها لا تحمله، وقد أجيب عن قول عمر مع كونه مما لا يحتج به ~~لكون أقوال الصحابة لا تكون حجة إلا إذا أجمعوا أن المراد أن العاقلة لا ~~تعقل الجناية الواقعة من العبد على غيره، كما يدل على ذلك قول ابن عباس ~~الذي ذكرناه بلفظ: ولا ما جنى المملوك. (والحاصل) أنه لم يكن في الباب ما ~~ينبغي إثبات الأحكام الشرعية بمثله، فالمتوجه الرجوع إلى الأحاديث القاضية ~~بضمان العاقلة مطلقا لجناية الخطأ، ولا يخرج عن ذلك إلا ما كان عمدا، ~~وظاهره عدم الفرق بين كون الجناية الواقعة على جهة العمد من الرجل على غيره ~~أو على نفسه، وإليه ذهبت العترة والحنفية والشافعية، وذهب الأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق إلى أن جناية العمد على نفس الجناني مضمونة على عاقلته، واعلم أنه ~~قد وقع الاجماع على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة، ولكن اختلفوا في ms3022 ~~PageV07P247 # مقدار الاجل، فذهب الأكثر إلى أن الاجل ثلاث سنين. وقال ربيعة: إلى خمس. # وحكي في البحر عن بعض الناس بعد حكايته للاجماع السابق أنها تكون حالة إذ ~~لم يرو عنه صلى الله عليه وآله وسلم تأجيلها. قال في البحر قلنا: روي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. وقاله عمر وابن ~~عباس ولم ينكرا انتهى. # قال الشافعي في المختصر: لا أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. قال الرافعي: تكلم أصحابنا في ~~ورود الخبر بذلك فمنهم من قال ورد ونسبه إلى رواية علي عليه السلام، ومنهم ~~من قال ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدية على العاقلة، وأما ~~التأجيل فلم يرد به الخبر وأخذ ذلك من إجماع الصحابة. وقال ابن المنذر: ما ~~ذكره الشافعي لا نعرفه أصلا من كتاب ولا سنة، وقد سئل عن ذلك أحمد بن حنبل ~~فقال: لا نعرف فيه شيئا، فقيل: إن أبا عبد الله يعني الشافعي رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لعله سمعه من ذلك المدني فإنه كان حسن الظن ~~به يعني إبراهيم بن أبي يحيى وتعقبه ابن الرفعة بأن من عرف حجة على من لم ~~يعرف. وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ~~قال: من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين، وقد وافق الشافعي على نقل ~~الاجماع الترمذي في جامعه وابن المنذر فحكى كل واحد منهما الاجماع. وقد روى ~~التأجيل ثلاث سنين ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي عن عمر وهو منقطع ~~لأنه من رواية الشعبي عنه. ورواه عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن أبي وائل ~~قال: إن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين، وجعل نصف الدية في ~~سنتين، وما دون النصف في سنة. وروى البيهقي التأجيل المذكور عن أمير ~~المؤمنين علي رضوان الله تعالى عليه وهو منقطع وفي إسناده ابن ms3023 لهيعة. ~~PageV07P248 # كتاب الحدود باب ما جاء في رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه عن أبي ~~هر وزيد بن خالد أنهما قالا: أن رجلا من الاعراب أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله؟ ~~وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا ~~فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، ~~فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة ~~هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده ~~لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب ~~عام، واغد يا أنيس لرجل من أسلم إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: ~~فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجمت رواه ~~الجماعة. قال مالك: العسيف الأجير، ويحتج به من يثبت الزنا بالاقرار مرة ~~ومن يقتصر على الرجم. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى ~~فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه. وعن الشعبي: أن عليا رضي ~~الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها ~~بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواهما أحمد ~~والبخاري. وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ~~ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم رواه الجماعة إلا البخاري ~~والنسائي. وعن جابر بن عبد الله أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم رواه أبو داود. ~~وعن جابر بن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms3024 رجم ماعز بن مالك ~~ولم يذكر جلدا رواه أحمد. PageV07P249 # حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري. وقد قدمنا في أول ~~الكتاب أو ما سكتا عنه فهو صالح للاحتجاج به. وقد أخرجه أبو داود عنه من ~~طريقين ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضا النسائي. وحديث جابر بن سمرة ~~أخرجه أيضا البيهقي، وأورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه. # وقد أخرجه أيضا البزار قال في مجمع الزوائد: في إسناده صفوان بن المغلس ~~لم أعرفه وبقية إسناده ثقات. وحديثه أصله في الصحيح وسيأتي. قوله: كتاب ~~الحدود الحد لغة المنع ومنه سمي البواب حدادا، وسميت عقوبات المعاصي حدودا ~~لأنها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها في الغالب. ~~وأصل الحد الشئ الحاجز بين الشيئين، ويقال على ما ميز الشئ عن غيره، ومنه ~~حدود الدار والأرض، ويطلق الحد أيضا على نفس المعصية ومنه: * (تلك حدود ~~الله فلا تقربوها) * (البقرة: 187). وفي الشرع عقوبة مقدرة لأجل حق الله ~~فيخرج التعزير لعدم تقديره، والقصاص لأنه حق لآدمي. قوله: أنشدك الله بفتح ~~الهمزة وسكون النون وضم المعجمة أي أذكرك الله. قوله: إلا قضيت لي بكتاب ~~الله أي لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله ، فالفعل مؤول بالمصدر للضرورة أو ~~بتقدير حرف المصدر فيكون الاستثناء مفرغا. # والمراد بكتاب الله ما حكم به الله على عباده، سواء كان من القرآن أو على ~~لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: المراد به القرآن فقط. قوله: ~~وهو أفقه منه لعل الراوي عرف ذلك قبل الواقعة أو استدل بما وقع منه في هذه ~~القضية على أنه أفقه من صاحبه. قوله قال إن ابني هذا الخ، القائل هو الآخر ~~الذي وصفه الراوي بأنه أفقه كما يشعر بذلك السياق. وقال الكرماني: إن ~~القائل هو الأول، ويدل على ذلك ما وقع في كتاب الصلح من صحيح البخاري بلفظ: ~~فقال الاعرابي إن ابني بعد قوله في الحديث: جاء أعرابي قال الحافظ: ~~والمحفوظ ما في سائر الطرق. قوله : عسيفا على هذا بفتح العين ms3025 المهملة وكسر ~~السين المهملة أيضا وتحتية وفاء كالأجير وزنا ومعنى، وقد وقع تفسير ذلك في ~~صحيح البخاري مدرجا كما أشار إليه المصنف، ووقع في رواية للنسائي بلفظ: كان ~~ابني أجيرا لامرأته ويطلق العسيف على السائل والعبد والخادم. والعسف في أصل ~~اللغة الجور وسمي الأجير بذلك لان المستأجر يعسفه على العمل أي يجور عليه. ~~ومعنى قوله على هذا: عند هذا. قوله: وإني PageV07P250 # أخبرت على البناء للمجهول. قوله: جلد مائة بالإضافة في رواية الأكثرين، ~~وقرئ بتنوين جلد ونصب مائة. قال الحافظ: ولم يثبت رواية. قوله: والغنم رد ~~أي مردود. وقد استدل بذلك على عدم حل الأموال المأخوذة في الصلح مع عدم ~~طيبة النفس. قوله: وعلى ابنك جلد مائة حكمه صلى الله عليه وآله وسلم بالجلد ~~من دون سؤال عن الاحصان يشعر بأنه عالم بذلك من قبل. ووقع في رواية بلفظ: ~~وابني لم يحصن. قوله: يا أنيس بضم الهمزة بعدها نون ثم تحتية ثم سين مهملة ~~مصغرا. قال ابن عبد البر: هو ابن الضحاك الأسلمي، وقيل ابن مرشد. # وقال ابن السكن في كتاب الصحابة: لم أدر من هو ولا ذكر إلا في هذا ~~الحديث، وغلط بعضهم فقال: إنه أنس بن مالك وليس الامر كذلك فإن أنس بن مالك ~~أنصاري وهذا أسلمي كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب. قوله: فإن اعترفت ~~فارجمها فيه دليل لمن قال إنه يكفي الاقرار مرة واحدة، وسيأتي الخلاف في ~~ذلك وبيان ما هو الحق. وقد استشكل بعثه صلى الله عليه وآله وسلم إلى المرأة ~~مع أمره لمن أتى الفاحشة بالستر، وأجيب بأن بعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إليها لم يكن لأجل إثبات الحد عليها، بل لأنها لما قذفت بالزنا ~~بعث إليها لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنا فيسقط حد القذف. قوله: ~~فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجمت في رواية الأكثرين ~~فاعترفت فرجمها. وفي رواية مختصرة: فغدا عليها فرجمها. وفي رواية: وأما ~~امرأة هذا فترجم والرواية المذكورة في الباب أتم من ms3026 سائر الروايات لاشعارها ~~بأن أنيسا أعاد جوابها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بها ~~فرجمها. قال الحافظ: والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على ~~اعترافها، ولكنه لا بد من أن يقال إن أنيسا أعلم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومعه غيره ممن يصح أن يثبت بشهادة حد الزنا، لكنه اختصر ذلك في ~~الرواية، وإن كان قد استدل به البعض بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار ~~الزاني من غير أن يشهد عليه غيره، وأنيس قد فوض إليه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الحكم، وقد يجاب عنه بأنها واقعة عين، ويحتمل أن يكون أنيس قد ~~أشهد قبل رجمها. وقد حكى القاضي عياض عن الشافعي في قول له وأبي ثور أنه ~~يجوز للحاكم في الحدود أن يحكم بما أقربه الخصم عنده PageV07P251 # وأبى ذلك الجمهور. قوله: بنفي عام في هذا الحديث، وفي حديث أبي هريرة ~~المذكور قبله، وفي حديث عبادة بن الصامت المذكور بعده دليل على ثبوت ~~التغريب ووجوبه على من كان غير محصن. وقد ادعى محمد بن نصر في كتاب الاجماع ~~الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين. وقال ابن المنذر: أقسم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى. ~~ثم قال إن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله تعالى. وخطب عمر ~~بذلك على رؤوس المنابر ، وعمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان ~~إجماعا. وقد حكى القول بذلك صاحب البحر عن الخلفاء الأربعة وزيد بن علي ~~والصادق وابن أبي ليلى والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والامام يحيى ~~وأحد قولي الناصر. وحكي عن القاسمية وأبي حنيفة وحماد أن التغريب والحبس ~~غير واجبين، واستدل لهم بقوله: # إذ لم يذكرا في آية الجلد، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا زنت أمة ~~أحدكم فليجلدها الحديث وهذا الاستدلال من الغرائب، فإن عدم ذكر التغريب في ms3027 ~~آية الجلد لا يدل على مطلق العدم، وقد ذكر التغريب في الأحاديث الصحيحة ~~الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث من طريق جماعة من الصحابة، بعضها ذكره ~~المصنف في الباب، وبعضها لم يذكر، وليس بين هذا الذكر وبين عدمه في الآية ~~منافاة، وما أشبه هذا الاستدلال بما استدل به الخوارج على عدم ثبوت رجم ~~المحصن فقالوا لأنه ليذكر في كتاب الله، وأغرب من هذا استدلاله بعدم ذكر ~~التغريب في قوله: إذ زنت أمة أحدكم. (والحاصل) أن أحاديث التغريب قد جاوزت ~~حد الشهرة المعتبر عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن فليس ~~لهم معذرة عنها بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل، كحديث نقض الوضوء ~~بالقهقهة، وحديث جواز الوضوء بالنبيذ وهما زيادة على ما في القرآن، وليس ~~هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئا حتى تتجه دعوى ~~النسخ. # وقد أجاب صاحب البحر عن أحاديث التغريب بأنه عقوبة لا حد، ويجاب عن ذلك ~~بالقول بموجبه، فإن الحدود كلها عقوبات، والنزاع في ثبوته لا في مجرد ~~التسمية. # وأما الاستدلال بحديث سهل بن سعد عند أبي داود: أن رجلا من بكر بن ليث ~~أقر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه زنى بامرأة وكان بكرا فجلده النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مائة وسأله البينة على المرأة إذ كذبته فلم يأت ~~بشئ فجلده حد الفرية PageV07P252 # ثمانين جلدة قالوا: ولو كان التغريب واجبا لما أخل به النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم . فيجاب عنه باحتمال أن يكون ذلك قبل مشروعية التغريب، غاية ~~الأمر احتمال تقدمه وتأخره على أحاديث التغريب، والمتوجه عند ذلك المصير ~~إلى الزيادة التي لم تقع منافية للمزيد، ولا يصلح ذلك للصرف عن الوجوب إلا ~~على فرض تأخره ولم يعلم، وهكذا يقال في حديث: إذا زنت أمة أحدكم المتقدم، ~~وبه يندفع ما قاله الطحاوي من أنه ناسخ للتغريب معللا ذلك بأنه إذا سقط عن ~~الأمة سقط عن الحرة لأنها في معناها قال ويتأكد ذلك بأحاديث: لا تسافر ~~المرأة إلا ms3028 مع ذي محرم وقد تقدمت. قال: وإذا انتفى عن النساء انتفى عن ~~الرجال، قال: وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال به وهو مذهب ~~ضعيف انتهى. وغاية الامر أنا لو سلمنا تأخر حديث الأمة عن أحاديث التغريب ~~كان معظم ما يستفاد منه أن التغريب في حق الإماء ليس بواجب ولا يلزم ثبوت ~~مثل ذلك في حق غيرها أو يقال: إن حديث الأمة المذكور مخصص لعموم أحاديث ~~التغريب مطلقا على ما هو الحق من أنه يبني العام على الخاص تقدم أو تأخر أو ~~قارن، ولكن ذلك التخصيص باعتبار عدم الوجوب في الخاص لا باعتبار عدم الثبوت ~~مطلقا، فإن مجرد الترك لا يفيد مثل ذلك، وظاهر أحاديث التغريب أنه ثابت في ~~الذكر والأنثى، وإليه ذهب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي: لا تغريب عن ~~المرأة لأنها عورة وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وظاهرها ~~أيضا أنه لا فرق بين الحر والعبد، وإليه ذهب الثوري وداود والطبري والشافعي ~~في قول له والامام يحيى ويؤيده في قوله تعالى: * (فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب) * (النساء: 25). وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينصف في حق ~~الأمة والعبد قياسا على الحد وهو قياس صحيح. وفي قول للشافعي إنه لا ينصف ~~فيهما. # وذهب مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق والشافعي في قول له وهو مروي عن الحسن ~~إلى أنه لا تغريب للرق واستدلوا بحديث: إذا زنت أمة أحدكم المتقدم، وقد ~~تقدم الجواب عن ذلك، وسيأتي الحديث أيضا في باب السيد يقيم الحد على رقيقه. # وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب أن التغريب هو نفي الزاني عن محله سنة، ~~وإليه ذهب مالك والشافعي وغيرهما ممن تقدم ذكره. والتغريب يصدق بما يطلق ~~عليه اسم الغربة شرعا، فلا بد من إخراج الزاني عن المحل الذي لا يصدق عليه ~~اسم PageV07P253 # الغربة فيه، قيل: وأقله مسافة قصر. وحكي في البحر عن علي وزيد بن علي ~~والصادق والناصر في أحد قوليه أن التغريب هو حبس سنة، وأجاب عنه بأنه مخالف ~~لوضع التغريب، ms3029 وتعقبه صاحب ضوء النهار بأن مخالفة الوضع لا تنافي التجوز ~~وهما مشتركان في فقد الأنيس، قال: ومنه بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا وجعل ~~قرينة المجاز حديث النهي عن سفر المرأة مع غير محرم، ويجاب عن هذا التعقب ~~بأن الواجب حمل الأحكام الشرعية على ما هي حقيقة فيه في لسان الشارع، ولا ~~يعدل عن ذلك إلى المجاز إلا لملجئ ولا ملجئ هنا، فإن التغريب المذكور في ~~الأحاديث شرعا هو إخراج الزاني عن موضع إقامته بحيث يعد غريبا، والمحبوس في ~~وطنه لا يصدق عليه ذلك الاسم، وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة الذين هم ~~أعرف بمقاصد الشارع، فقد غرب عمر من المدينة إلى الشام، وغرب عثمان إلى ~~مصر، وغرب ابن عمر أمته إلى فدك. وأما النهي عن سفر المرأة فلا يصلح جعله ~~قرينة على أن المراد بالتغريب هو الحبس. أما أولا فلان النهي مقيد بعدم ~~المحرم. وأما ثانيا فلأنه عام مخصوص بأحاديث التغريب. وأما ثالثا فلان أمر ~~التغريب إلى الامام لا إلى المحدود، ونهى المرأة عن السفر إذا كانت مختارة ~~له، وأما مع الاكراه من الامام فلا نهي يتعلق بها. قوله: # جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله في هذا الحديث وكذلك في حديث ~~عبادة المذكور بعده، وحديث جابر بن عبد الله دليل على أنه يجمع للمحصن بين ~~الجلد والرجم. أما الرجم فهو مجمع عليه. وحكي في البحر عن الخوارج أنه غير ~~واجب، وكذلك حكاه عنهم أيضا ابن العربي، وحكاه أيضا عن بعض المعتزلة ~~كالنظام وأصحابه ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل. فإنه ~~قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها. وأيضا هو ثابت بنص القرآن لحديث عمر ~~عند الجماعة أنه قال: كان مما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ورجمنا بعده، ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم كما أخرجه أبو داود من حديث ~~ابن عباس. وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث ms3030 أبي أمامة بن سهل عن ~~خالته العجماء أن فيما أنزل الله من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة. وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ~~بن كعب بلفظ: كانت سورة الأحزاب توازي PageV07P254 # سورة البقرة وكان فيها آية الرجم الشيخ والشيخة الحديث. وأما الجلد فقد ~~ذهب إلى إيجابه على المحصن مع الرجم جماعة من العلماء منهم العترة وأحمد ~~وإسحاق وداود الظاهري وابن المنذر تمسكا بما سلف. وذهب مالك والحنفية ~~والشافعية وجمهور العلماء إلى أنه لا يجلد المحصن بل يرجم فقط وهو مروي عن ~~أحمد بن حنبل، وتمسكوا بحديث سمرة في أنه صلى الله عليه وآله وسلم ليجلد ~~ماعزا بل اقتصر على رجمه، قالوا: وهو متأخر عن أحاديث الجلد فيكون ناسخا ~~لحديث عبادة بن الصامت المذكور، ويجاب بمنع التأخر المدعي فلا يصلح ترك جلد ~~ماعز للنسخ لأنه فرع التأخر، ولم يثبت ما يدل على ذلك، ومع عدم ثبوت تأخره ~~لا يكون ذلك الترك مقتضيا لابطال الجلد الذي أثبته القرآن على كل من زنى، ~~ولا ريب أنه يصدق على المحصن أنه زان، فكيف إذا انضم إلى ذلك من السنة ما ~~هو صريح في الجمع بين الجلد والرجم للمحصن كحديث عبادة المذكور، ولا سيما ~~وهو صلى الله عليه وآله وسلم في مقام البيان والتعليم لأحكام الشرع على ~~العموم بعد أن أمر الناس في ذلك المقام بأخذ ذلك الحكم عنه فقال: خذوا عني ~~خذوا عني فلا يصلح الاحتجاج بعد نص الكتاب والسنة بسكوته صلى الله عليه ~~وآله وسلم في بعض المواطن أو عدم بيانه لذلك أو إهماله للامر به، وغاية ما ~~في حديث سمرة أنه لم يتعرض لذكر جلده صلى الله عليه وآله وسلم لماعز، ومجرد ~~هذا لا ينتهض لمعارضة ما هو في رتبته فكيف بما بينه وبينه ما بين السماء ~~والأرض. وقد تقرر أن المثبت أولى من النافي، ولا سيما كون المقام مما يجوز ~~فيه أن الراوي ترك ذكر الجلد لكونه معلوما من الكتاب والسنة، وكيف يليق ~~بعالم ms3031 أن يدعي نسخ الحكم الثابت كتابا وسنة بمجرد ترك الراوي لذلك الحكم في ~~قضية عين لا عموم لها، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~يقول بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم بعدة من السنين لما جمع لتلك المرأة ~~بين الرجم والجلد: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، فكيف يخفى ~~على مثله الناسخ وعلى من بحضرته من الصحابة الأكابر. (وبالجملة) أنا لو ~~فرضنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بترك جلد ماعز وصح لنا ذلك لكان على ~~فرض تقدمه منسوخا، وعلى فرض التباس المتقدم بالمتأخر مرجوحا، ويتعين تأويله ~~بما يحتمله من وجوه التأويل، وعلى فرض تأخره غاية ما فيه أنه يدل على أن ~~PageV07P255 # الجلد لمن استحق الرجم غير واجب لا غير جائز، ولكن أين الدليل على ~~التأخر؟ # قال ابن المنذر: عارض بعضهم الشافعي فقال: الجلد ثابت على البكر بكتاب ~~الله ، والرجم ثابت بسنة رسول الله كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة وعمل به أمير المؤمنين علي ووافقه ~~أبي، وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال ~~أن يكون ترك ذكره لوضوحه وكونه الأفضل انتهى. وقد استدل الجمهور أيضا بعدم ~~ذكر الجلد في رجم الغامدية وغيرها قالوا: وعدم ذكره يدل على عدم وقوعه، ~~وعدم وقوعه يدل على عدم وجوبه، ويجاب بمنع كون عدم الذكر يدل على عدم ~~الوقوع، لم لا يقال: إن عدم الذكر لقيام أدلة الكتاب والسنة القاضية بالجلد ~~وأيضا عدم الذكر لا يعارض صرائح الأدلة القاضية بالاثبات، وعدم العلم ليس ~~علما بالعدم، ومن علم حجة على من لم يعلم. # باب رجم المحصن من أهل الكتاب وأن الاسلام ليس بشرط في الاحصان عن ابن ~~عمر: أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل وامرأة منهم قد ~~زنيا فقال: ما تجدون في كتابكم؟ فقالوا: تسخم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم ~~إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاؤوا ms3032 بالتوراة ~~وجاؤوا بقارئ لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه فقيل له: ~~ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح فقال أو قالوا: يا محمد إن فيها الرجم ~~ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرجما، قال: فلقد رأيته يجنأ عليها يقيها الحجارة بنفسه وفي رواية أحمد: ~~بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا. # وعن جابر بن عبد الله قال: رجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من ~~أسلم ورجلا من اليهود وامرأة رواه أحمد ومسلم. وعن البراء بن عازب قال: مر ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا ~~تجدون حد PageV07P256 # الزنا في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله ~~الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ~~ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم ولكن كثر في أشرافنا، وكنا إذا ~~أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا ~~فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان ~~الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # اللهم إن أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: * ~~(يا أيها الرسولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا) *، إلى ~~قوله: * (إن أوتيتم هذا فخذوه) * (المائدة: 41) يقولون: ائتوا محمدا فإن ~~أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تبارك ~~وتعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون) * قال هي في الكفار كلها رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # قوله: تسخم بسين مهملة ثم خاء معجمة قال في القاموس: السخم محركة السواد ~~والأسخم الأسود ثم قال: وقد تسخم عليه، وسخم بصدره تسخيما أغضبه ووجهه ~~سوده. قوله: ويخزيان بالخاء والزاء المعجمتين أي يفضحان ويشهران. قال في ~~القاموس: خزي ms3033 كرضي خزيا بالكسر وقع في بلية وشهرة فذل بذلك، وأخزاه الله ~~فضحه. قوله: فإذا هي تلوح يعني آية الرجم. قوله: فلقد رأيته يجنأ بفتح أوله ~~وسكون الجيم وفتح النون بعدها همزة أي ينحني. قال في القاموس: جنأ عليه ~~كجعل وفرح جنوأ وجنأ أكب كأجنأ وجانأ وتجانأ وكفرح أشرف كاهله على صدره فهو ~~أجنأ، والمجنأ بالضم الترس لا حديد فيه انتهى. وفي هذه اللفظة روايات كثيرة ~~هذه أصحها على ما ذكره صاحب المشارق. قوله: رجلا من أسلم هو ماعز بن مالك ~~الأسلمي. قوله: وامرأة هي الجهنية ويقال لها الغامدية. # قوله: محمم بضم الميم الأولى وفتح الحاء المهملة وتشديد الميم الثانية ~~مفتوحة اسم مفعول أي مسود الوجه والتحميم التسويد. (وأحاديث الباب) تدل على ~~أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم. وقد حكى صاحب البحر ~~الاجماع على أنه يجلد الحربي. وأما الرجم فذهب الشافعي وأبو يوسف والقاسمية ~~إلى أنه يرجم المحصن من الكفار. وذهب أبو حنيفة ومحمد وزيد بن علي والناصر ~~PageV07P257 # والامام يحيى إلى أنه يجلد ولا يرجم. قال الامام يحيى: والذمي كالحربي في ~~الخلاف. # وقال مالك: لا حد عليه. وأما الحربي المستأمن فذهبت العترة والشافعي وأبو ~~يوسف إلى أنه يحد، وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا يحد، وقد بالغ ~~ابن عبد البر فنقل الاتفاق، على أن شرط الاحصان الموجب للرجم هو الاسلام، ~~وتعقب بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك، ومن جملة من قال بأن الاسلام شرط ~~ربيعة شيخ مالك وبعض الشافعية. (وأحاديث الباب) تدل على أنه يحد الذمي كما ~~يحد المسلم. والحربي والمستأمن يلحقان بالذم بجامع الكفر. وقد أجاب من ~~اشترط الاسلام عن أحاديث الباب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أمضى حكم ~~التوراة على أهلها ولم يحكم عليهم بحكم الاسلام، وقد كان ذلك عند مقدمة ~~المدينة، وكان إذ ذاك مأمورا باتباع حكم التوراة ثم نسخ ذلك الحكم بقوله ~~تعالى: * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) * (النساء: 15) ولا يخفى ما في ~~هذا الجواب من التعسف ونصب مثله ms3034 في مقابلة أحاديث الباب من الغرائب، وكونه ~~صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك عند مقدمة المدينة لا ينافي ثبوت الشرعية، ~~فإن هذا حكم شرعه الله لأهل الكتاب وقرره رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ولا طريق لنا إلى ثبوت الاحكام التي توافق أحكام الاسلام إلا بمثل ~~هذه الطريقة، ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولا سيما وهو مأمور بأن ~~يحكم بينهم بما أنزل الله ومنهي عن اتباع أهوائهم، كما صرح بذلك القرآن، ~~وقد أتوه صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرفهم ~~شرعهم، فحكم بينهم بشرعه ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه، ~~لا يجوز أن يقال إنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه ~~عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد بقوله: فإني أحكم ~~بينكم بالتوراة. كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة إلزامهم الحجة. وأما ~~الاحتجاج بقوله تعالى: * (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) * فغاية ما فيه ~~أن الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين وهو مخرج على الغالب كما ~~في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين، مع أن كثيرا منها يستوي فيه ~~الكافر والمسلم بالاجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء ~~الكفار خارجات عن ذلك الحكم، فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث ابن عمر ~~المذكور في الباب فإنه مصرح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رجم اليهودية مع ~~اليهودي، ومن غرائب التعصبات ما روي عن مالك PageV07P258 # أنه قال: إنما رجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهوديين لأن اليهود ~~يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه، وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا أقام الحد على من لا ذمة له فلان يقيمه على من له ذمة بالأولى، كذا قال ~~الطحاوي. وقال القرطبي معترضا على قول مالك: إن مجئ اليهود سائلين له صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوجب لهم عهدا كما لو دخلوا للتجارة فإنهم في أمان إلى ~~أن يردوا ms3035 إلى مأمنهم. وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أمر ~~برجمهما من دون استفصال عن الاحصان كان دليلا على أنه حكم بينهم بشرعهم ~~لأنه لا يرجم في شرعه إلا المحصن، وتعقب ذلك بأنه قد ثبت في طريق عند ~~الطبراني أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس وقد زنى رجل منهم بامرأة ~~بعد إحصانهما. وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: زنى رجل وامرأة من اليهود ~~وقد أحصنا وفي إسناده رجل من مزينة لم يسم. وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس: ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهودي ويهودية قد أحصنا وأخرج ~~البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث الزبيدي: أن اليهود أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا وقد أحصنا. وإسناده ضعيف، فهذا ~~يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد علم الاحصان بأخبارهم له لأنهم ~~جاؤوا إليه سائلين يطلبون رخصة فيبعد أن يكتموا عنه مثل ذلك. (ومن جملة) ما ~~تمسك به من قال إن الاسلام شرط حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا: من أشرك بالله ~~فليس بمحصن ورجح الدارقطني وغيره الوقف. وأخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده ~~على الوجهين، ومنهم من أول الاحصان في هذا الحديث بإحصان القذف. ولأحاديث ~~الباب فوائد ليس هذا موضع بسطها. # باب اعتبار تكرار الاقرار بالزنا أربعا عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني ~~زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات ~~دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل ~~أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: PageV07P259 # اذهبوا به فارجموه. قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: ~~كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة ~~فرجمناه متفق عليه. وهو دليل على أن الاحصان يثبت بالاقرار مرة، وأن الجواب ~~بنعم ms3036 إقرار. وعن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جئ به إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو رجل قصير أعضل ليس عليه رداء فشهد على نفسه ~~أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلعلك؟ قال: ~~لا والله إنه قد زنى الآخر فرجمه رواه مسلم وأبو داود. ولأحمد: أن ماعزا ~~جاء فأقر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع مرات فأمر برجمه. وعن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لماعز بن مالك: أحق ما بلغني ~~عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ # قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان، قال: نعم فشهد أربع شهادات فأمر به ~~فرجم رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وفي رواية قال: جاء ماعز ~~بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثم ~~جاء فاعترف بالزنا مرتين فقال: شهدت على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه ~~رواه أبو داود. # وعن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسا ~~فجاء ماعز بن مالك فاعترف عنده مرة فرده، ثم جاء فاعترف عنده الثانية فرده، ~~ثم جاء فاعترف عنده الثالثة فرده، فقلت له: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك، ~~قال: فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: ما نعلم إلا خيرا، قال: ~~فأمر برجمه. وعن بريدة قال: كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه وإنما رجمه ~~عند الرابعة رواهما أحمد. وعن بريدة أيضا قال: كنا أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد ~~اعترافهما أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمها بعد ~~الرابعة رواه أبو داود. # قصة ماعز قد رواها جماعة من الصحابة منهم من ذكره المصنف ومنهم جماعة لم ~~يذكرهم، وقد اتفق عليها الشيخان من حديث أبي هريرة ms3037 وابن عباس وجابر من دون ~~تسمية صاحب القصة، وقد أطال أبو داود في سننه واستوفى طرقها. وحديث أبي بكر ~~أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار والطبراني وفي أسانيدهم كلهم جابر الجعفي ~~PageV07P260 # وهو ضعيف. وحديث بريدة الآخر أخرج نحوه النسائي وفي إسناده بشير بن مهاجر ~~الكوفي الغنوي. وقد أخرج له مسلم ووثقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد: ~~منكر الحديث يجئ بالعجائب مرجئ متهم. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ~~ولكنه يشهد لهذا الحديث حديثه الأول الذي ذكره المصنف، وحديث أبي بكر الذي ~~قبله، وكذلك الرواية الأخرى من حديث ابن عباس التي عزاها المصنف إلى أبي ~~داود لأن قوله فيها: شهدت على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه يشعر بأن ~~ذلك هو العلة في ثبوت الرجم، وقد سكت أبو داود والمنذري عن هذه الرواية ~~ورجالها رجال الصحيح. قوله: أبك جنون وقع في رواية من حديث بريدة: فسأل أبه ~~جنون فأخبر بأنه ليس بمجنون. وفي لفظ: فأرسل إلى قومه فقالوا ما نعلم أنه ~~في العقل من صالحينا. وفي حديث أبي سعيد: ما نعلم به بأسا. ويجمع بين هذه ~~الروايات بأنه سأله أولا ثم سأل عنه احتياطا، وفيه دليل على أنه يجب على ~~الامام الاستفصال والبحث عن حقيقة الحال، ولا يعارض هذا عدم استفصاله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف المتقدمة، لأن عدم ذكر الاستفصال فيها ~~لا يدل على العدم لاحتمال أن يقتصر الراوي على نقل بعض الواقع. قوله: فهل ~~أحصنت بفتح الهمزة أي تزوجت، وقد روي في هذه القصة زيادات في الاستفصال. ~~منها في حديث ابن عباس عند البخاري والنسائي وأبي داود بلفظ: لعلك قبلت أو ~~غمزت أو نظرت والمعنى أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنا على مقدماته. وفي رواية ~~لهم من حديث ابن عباس أيضا: أفنكتها؟ قال: نعم وسيأتي ذلك في باب استفسار ~~المقر. وفي رواية لمسلم وأبي داود من حديث بريدة: أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال له: أشربت خمرا؟ قال: لا. وفيه: فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ms3038 ~~ريحا. قوله: اذهبوا به فارجموه فيه دليل على أنه لا يجب أن يكون الامام أول ~~من يرجم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب أن السنة بداءة الشاهد بالرجم ~~وبداءة الامام به. وفيه أيضا دليل على أنه لا يجب الحفر للمرجوم لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمرهم بذلك ، وسيأتي بيان ذلك في باب ما جاء ~~في الحفر للمرجوم. قوله: فلما أذلقته الحجارة بالذال المعجمة والقاف أي ~~بلغت منه الجهد. قوله: أعضل بالعين المهملة والضاد المعجمة أي ضخم عضلة ~~الساق. قوله: إنه قد زنى الاخر هو مقصور بوزن PageV07P261 # الكبد أي الأبعد. قوله: فأقر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع ~~مرات قد تطابقت الروايات التي ذكرها المصنف في هذا الباب على أن ماعزا أقر ~~أربع مرات. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم بلف: فاعترف ثلاث مرات ووقع عند ~~مسلم من طريق شعبة عن سماك قال: فرده مرتين، وفي أخرى مرتين أو ثلاثا، قال ~~شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير فقال: إنه رده أربع مرات، وقد جمع بين الروايات ~~بجعل رواية المرتين على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر، ويدل ~~على ذلك ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس قال: جاء ماعز إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين كما ~~في الرواية المذكورة في الباب، فلعله اقتصر الراوي على ما وقع منه في أحد ~~اليومين. وأما رواية الثلاث فلعله اقتصر الراوي فيها على المرات التي رده ~~فيها فإنه لم يرده في الرابعة بل استثبت وسأله عن عقله ثم أمر برجمه. قوله: ~~لو رجعا بعد اعترافهما أي رجعا إلى رحالهما ، ويحتمل أنه أراد الرجوع عن ~~الاقرار، ولكن الظاهر الأول لقوله أو قال لو لم يرجعا، فإن المراد به لم ~~يرجعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون معنى الحديث لو رجعا إلى ~~رحالهما ولم يرجعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم بعد كمال الاقرار لم ~~يرجمهما. وقد استدل ms3039 بأحاديث الباب القائلون بأنه يشرط في الاقرار بالزنا أن ~~يكون أربع مرات ، فإن نقص عنها لم يثبت الحد، وهم العترة وأبو حنيفة ~~وأصحابه وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وإسحاق والحسن بن صالح هكذا في البحر، ~~وفيه أيضا عن أبي بكر وعمر والحسن البصري ومالك وحماد وأبي ثور والبتي ~~والشافعي أنه يكفي وقوع الاقرار مرة واحدة. وروي ذلك عن داود، وأجابوا عن ~~أحاديث الباب بما سلف من الاضطراب ويرد عليهم بما تقدم، واستدلوا بحديث ~~العسيف المتقدم فإن فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأنيس: واغد يا ~~أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها وبما أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجة من حديث عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة. وسيأتي الحديث في باب تأخير ~~الرجم عن الحبلى. وكذلك حديث بريدة الذي سيأتي هنالك ، فإن فيه أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم رجمها قبل أن تقر أربعا. ولما أخرجه أبو داود والنسائي ~~من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه: أنه كان قاعدا يعمل في السوق PageV07P262 # فمرت امرأة تحمل صبيا فثار الناس معها وثرت فيمن ثار فانتهيت إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: من أبو هذا معك فسكتت، فقال شاب خذوها ~~أنا أبوه يا رسول الله فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض من ~~حوله يسألهم عنه فقالوا ما علمنا إلا خيرا، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أحصنت؟ قال نعم، فأمر به فرجم وعن جابر بن عبد الله عند أبي ~~داود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر عنده رجل أنه زنى بامرأة فأمر ~~به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم ~~وقد تقدم. ومن ذلك حديث الذي أقر بأنه زنى بامرأة وأنكرت، وسيأتي في باب من ~~أقر أنه زنى بامرأة فجحدت. ومن ذلك حديث الرجل الذي ادعت المرأة ms3040 أنه وقع ~~عليها فأمر برجمه، ثم قام آخر فاعترف أنه الفاعل، ففي رواية أنه رجمه، وفي ~~رواية أنه عفا عنه، وهو في سنن النسائي والترمذي. ومن ذلك حديث اليهوديين ~~فإنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كرر عليهما الاقرار، قالوا: ~~ولو كان تربيع الاقرار شرطا لما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ~~هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم. وأجاب الأولون عن ~~هذه الأدلة بأنها مطلقة قيدتها الأحاديث التي فيها أنه وقع الاقرار أربع ~~مرات، ورد بأن الاطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ، وجميع الأحاديث التي ذكر ~~فيها تربيع الاقرار أفعال ولا ظاهر لها، وغاية ما فيها جواز تأخير إقامة ~~الحد بعد وقوع الاقرار مرة إلى أن ينتهي إلى أربع، ثم لا يجوز التأخير بعد ~~ذلك، وظاهر السياقات مشعر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك ~~في قصة ماعز لقصد التثبت كما يشعر بذلك قوله له، أبك جنون ثم سؤاله بعد ذلك ~~لقومه، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الاقرار ~~مرة على من كان أمره ملتبسا في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر ونحو ~~ذلك، وأحاديث إقامة الحد بعد الاقرار مرة واحدة على من كان معروفا بصحة ~~العقل وسلامة إقراره عن المبطلات. وأما ما رواه بريدة من أن الصحابة كانوا ~~يتحدثون أنه لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه فليس ذلك مما ~~تقوم به الحجة، لأن الصحابي يكون فهمه حجة إذا عارض الدليل الصحيح. ومما ~~يؤيد ما ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قالت له الغامدية: # أتريد أن تردني كما رددت ماعزا؟ لم ينكر ذلك عليها كما سيأتي في باب ~~تأخير الرجم PageV07P263 # عن الحبلى، ولو كان تربيع الاقرار شرطا لقال لها إنما رددته لكونه لم يقر ~~أربعا ، وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة على أن تربيع الاقرار ليس بشرط ~~للتصريح فيها بأنها متأخرة عن قضية ماعز، وقد اكتفى فيها بدون أربع ms3041 مرات ~~كما سيأتي. # وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن عباس المذكور في الباب ~~شهدت على نفسك أربع شهادات فليس في هذا ما يدل على الشرطية أصلا، وغاية ما ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بأنه قد استحق الرجم لذلك، ~~وليس فيه ما ينفي الاستحقاق فيما دونه، ولا سيما وقد وقع منه الرجم بدون ~~حصول التربيع كما سلف. # وأما الاستدلال بالقياس على شهادة الزنا فإنه لما اعتبر فيه أربعة شهود ~~اعتبر في إقراره أن يكون أربع مرات ففي غاية الفساد. لأنه يلزم من ذلك أن ~~يعتبر في الاقرار بالأموال والحقوق أن يكون مرتين، لأن الشهادة في ذلك لا ~~بد أن تكون من رجلين، ولا يكفي فيها الرجل الواحد، واللازم باطل بإجماع ~~المسلمين فالملزوم مثله، وإذا قد تقرر لك عدم اشتراط الأربع عرفت عدم ~~اشتراط ما ذهبت إليه الحنفية والقاسمية من أن الأربع لا تكفي أن تكون في ~~مجلس واحد بل لا بد أن تكون في أربعة مجالس، لأن تعدد الأمكنة فرع تعدد ~~الاقرار الواقع فيها، وإذا لم يشترط الأصل تبعه الفرع في ذلك، وأيضا لو ~~فرضنا اشتراط كون الاقرار أربعا لم يستلزم كون مواضعه متعددة، إما عقلا ~~فظاهر لأن الاقرار أربع مرات وأكثر منها في موضع واحد من غير انتقال مما لا ~~يخالف في إمكانه عاقل. وإما شرعا فليس في الشرع ما يدل على أن الاقرار ~~الواقع بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم وقع من رجل في أربعة مواضع فضلا ~~عن وجود ما يدل على أن ذلك شرط، وأكثر الألفاظ في حديث ماعز بلفظ أنه أقر ~~أربع مرات، أو شهد على نفسه أربع شهادات، وأما الرد الواقع بعد كل مرة كما ~~في حديث أبي بكر المذكور فليس في ذلك أنه رد المقر من ذلك الموضع إلى موضع ~~آخر، ولو سلم فليس الغرض في ذلك الرد هو تعدد المجالس بل الاستثبات، كما ~~يدل على ذلك ما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من ms3042 الألفاظ الدالة على أن ~~ذلك الرد لأجله، ومما يؤيد ذلك حديث ابن عباس المذكور في الباب فإن فيه أنه ~~جاء اليوم الأول فأقر مرتين فطرده، ثم جاء اليوم الثاني فأقر مرتين فأمر ~~برجمه، وهكذا يجاب عن الاستدلال بما روى نعيم PageV07P264 # بن هزال أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعرض عن ماعز في المرة الأولى ~~والثانية والثالثة كما أخرجه أبو داود، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي من ~~حديث أبي هريرة، والاعراض لا يستلزم أن تكون المواضع التي أقر فيها المقر ~~أربعة بلا شك ولا ريب، ولو سلم أنه يستلزم ذلك بقرينة ما روي أنه جاءه من ~~جهة وجهه أولا، ثم من عن يمينه، ثم من عن شماله، ثم من ورائه، وسيأتي قريبا ~~أنه كان يقر كل مرة في جهة غير الجهة الأولى، فهذا ليس فيه أيضا أن الاعراض ~~لقصد تعدد الاقرار أو تعدد مجالسه، بل لقصد الاستثبات كما سلف لما سلف. # باب استفسار المقر بالزنا واعتبار تصريحه بما لا تردد فيه عن ابن عباس ~~قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: لعلك ~~قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا يا رسول الله، قال: أفنكتها؟ لا يكني. قال: # نعم، فعند ذلك أمر برجمه رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وعن أبي هريرة ~~قال: جاء الأسلمي إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فشهد على نفسه أنه ~~أصاب امرأة حراما أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل عليه في الخامسة فقال: ~~أنكتها؟ # قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، ~~قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته ~~حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم رواه ~~أبو داود والدارقطني. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا النسائي وفي إسناده ابن الهضهاض، ذكره البخاري ~~في تاريخه وحكى الخلاف فيه، وذكر له هذا الحديث وقال: حديثه في أهل الحجاز ~~ليس يعرف إلا ms3043 بهذا الواحد. قوله: أو غمزت بغين معجمة وزاي والمراد لعلك وقع ~~منك هذه المقدمات فتجوزت بإطلاق لفظ الزنا عليها. وفي رواية: هل ضاجعتها؟ ~~قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. قوله: ~~لا يكني بفتح أوله وسكون الكاف من الكناية أي أنه ذكر هذا اللفظ صريحا ولم ~~يكن عنه بلفظ آخر كالجماع. قوله: المرود بكسر الميم الميل. قوله: والرشاء ~~بكسر الراء قال في القاموس: والرشا ككساء الحبل، وفي هذا من المبالغة في ~~الاستثبات والاستفصال PageV07P265 # ما ليس بعده في تطلب بيان حقيقة الحال، فلم يكتف بإقرار المقر بالزنا، بل ~~استفهمه بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته ولم يسمع منه إلا في هذا ~~الموطن، ثم لم يكتف بذلك بل صوره تصويرا حسيا، ولا شك أن تصوير الشئ بأمر ~~محسوس أبلغ في الاستفصال من تسميته بأصرح أسمائه وأدلها عليه. وقد استدل ~~بهذين الحديثين على مشروعية الاستفصال للمقر بالزنا، وظاهر ذلك عدم الفرق ~~بين من يجهل الحكم ومن يعلمه، ومن كان منتهكا للحرم ومن لم يكن كذلك، لأن ~~ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في المقال. # وذهبت المالكية إلى أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرم. وقال أبو ثور: ~~لا يلقن إلا من كان جاهلا للحكم، وإذا قصر الامام في الاستفصال ثم انكشف ~~بعد التنفيذ وجود مسقط للحد فقيل يضمن الدية من ماله إن تعمد التقصير وإلا ~~فمن بيت المال. وقيل على عاقلة الامام قياسا على جناية الخطأ، قال في ضوء ~~النهار: والحق أنه إذا تعمد التقصير في البحث عن المسقط المجمع على إسقاطه ~~اقتص منه، وإلا فلا يضمن إلا الدية لما عرفت من كون الخلاف شبهة اه. وهذا ~~إنما يتم بعد تسليم أن استفصال المقر عن المسقطات المجمع عليها واجب على ~~الامام، وشرط في إقامة الحد يستلزم عدمه العدم، كما هو شأن سائر الشروط على ~~من عرف في الأصول والواجبات، والشروط لا تثبت ms3044 بمجرد فعله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وليس في المقام إلا ذلك وغايته الندب، وأما الاستدلال على الوجوب ~~بأن الامام حاكم والحاكم يجب عليه التثبت فيمكن مناقشته بمنع الصغرى، ~~والسند أن الحاكم هو من يفصل الخصومات بين العباد عن الترافع إليه، ولا ~~خصومة ههنا بل مجرد التنفيذ لما شرعه الله على من تعدى حدوده بشهادة لسانه ~~عليه بذلك، وكون المانع مجوزا لا يستلزم القدح في صحة الحكم الواقع بعد ~~كمال السبب وهو الاقرار بشروطه، وإلا لزم ذلك في الاقرار بالأموال والحقوق، ~~فيجب على الحاكم مثلا بعد أن يقر عنده رجل بأنه أخذ مال رجل أن يقول له: ~~لعلك أردت المجاز ولم يصدر منك الاخذ حقيقة لعلك كذا لعلك كذا، واللازم ~~باطل بالاجماع فالملزوم مثله، وبيان الملازمة أن وجود المانع مجوز في ~~الاقرار بالأموال والحقوق كما هو مجوز في الاقرار بالزنا، فتقرر لك بهذا أن ~~إيجاب الاستفصال على الامام في مثل الاقرار بالزنا وجعله شرطا، لإقامة الحد ~~بمجرد كونه حاكما غير منتهض، فالأولى التعويل على أحاديث الباب القاضية ~~بمطلق مشروعية PageV07P266 # الاستفصال في الاقرار بالزنا لا بالمشروعية المقيدة بالوجوب أو الشرطية. # باب أن من أقر بحد ولم يسمه لا يحد عن أنس قال: كنت عند النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فجاءه رجل فقال: # يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة فصلى ~~مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله، قال: ~~أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: # فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك أخرجاه. ولأحمد ومسلم من حديث أبي أمامة ~~نحوه. # لفظ حديث أبي أمامة الذي أشار إليه المصنف قال: بينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في المسجد ونحن معه إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت ~~حدا فأقمه علي فسكت عنه، ثم أعاد فسكت، وأقيمت الصلاة فلما ms3045 انصرف رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تبعه الرجل واتبعته أنظر ماذا يرد عليه، فقال له: ~~أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال بلى يا رسول ~~الله، قال: ثم شهدت الصلاة معنا؟ قال نعم يا رسول الله، قال: فإن الله ~~تعالى قد غفر لك حدك أو قال ذنبك. وفي الباب عن ابن مسعود عند مسلم ~~والترمذي وأبي داود والنسائي قال: إني عالجت امرأة من أقصى المدينة فأصبت ~~منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فأقم علي ما شئت، فقال عمر: لقد ستر الله ~~عليك لو سترت على نفسك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا، ~~فانطلق الرجل فأتبعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا فدعاه فتلا عليه * ~~(أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل) * (هود: 114) إلى آخر الآية فقال ~~رجل من القوم: أله خاصة أم للناس عامة؟ فقال: للناس كافة هذا لفظ أبي داود، ~~وهذا الرجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو وقيل غيره. قوله: إني أصبت حدا قال في ~~النهاية: أي أصبت ذنبا أوجب علي حدا أي عقوبة، قال النووي في شرح مسلم: هذا ~~الحديث معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعذير وهي هنا من الصغائر لأنها ~~كفرتها الصلاة، ولو أنها كانت موجبة لحد أو غيره لم تسقط بالصلاة، فقد أجمع ~~العلماء على أن المعاصي الموجب للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة، PageV07P267 # وحكى القاضي عياض عن بعضهم أن المراد الحد المعروف، قال: وإنما لم يحده ~~لأنه لم يفسر موجب الحد، ولم يستفسره النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيثارا ~~للستر، بل استحب تلقين الرجل صريحا انتهى. ومما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور ~~من أن المراد بالحد المطلق في الأحاديث هو غير الزنا ونحوه من الأمور التي ~~توجب الحد ما في حديث ابن مسعود الذي ذكرناه من قوله: فأصبت منها ما دون أن ~~أمسها، فإن هذا يفسر ما أبهم في حديث أنس وأبي أمامة هذا إذا كانت القصة ~~واحدة، وأما إذا كانت متعددة فلا ms3046 ينبغي تفسير ما أبهم في قصة بما فسر في ~~قصة أخرى، وتوجه العمل بالظاهر والحكم بأن الصلاة تكفر ما يصدق عليه أنه ~~يوجب الحد، ولا شك ولا ريب أن من أقر بحد من الحدود ولم يفسره لا يطالب ~~بالتفسير ولا يقام عليه الحد إن لم يقع منه ذلك لأحاديث الباب ولما سيأتي ~~من أنها تدرأ الحدود بالشبهات بعد ثبوتها وتعيينها، فبالأولى قبل التفسير ~~للقطع بأنها مختلفة المقادير، فلا يتمكن الامام من إقامتها مع الابهام، ~~ويؤيد ذلك ما سلف من استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم لماعز بعد أن صرح ~~بأنه زنى. # باب ما يذكر في الرجوع عن الاقرار عن أبي هريرة قال: جاء ماعز الأسلمي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه، ثم ~~جاءه من شقه الآخر فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الآخر فقال: ~~يا رسول الله إنه قد زنى، فأمر به في الرابعة، فأخرج إلى الحرة فرجم ~~بالحجارة، فلما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه به ~~وضربه الناس حتى مات فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه فر ~~حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~هلا تركتموه رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حسن. وعن جابر في قصة ماعز ~~قال: كنت فيمن رجم الرجل أنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا ~~يا قوم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن قومي قتلوني ~~وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير قاتلي، ~~فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأخبرناه قال: فهلا تركتموه وجئتموني PageV07P268 # به ليستثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه فأما ترك حد فلا رواه ~~أبو داود الحديث الأول قال الترمذي بعد أن قال إنه حديث حسن: وقد روي ms3047 من ~~غير وجه عن أبي هريرة انتهى. ورجال إسناده ثقات، فإن الترمذي رواه من حديث ~~عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة. والحديث ~~الثاني أخرجه أيضا النسائي وأشار إليه الترمذي وفي إسناده محمد بن إسحاق ~~وفيه خلاف قد تقدم الكلام عليه. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من ~~حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر طرفا منه. ولفظ أبي داود قال: ذكرت ~~لعاصم بن عمر بن قتادة قصة ماعز بن مالك فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام قال: حدثني ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # فلا تركتموه من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولا أعرف الحديث، ~~قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إن رجالا من أسلم يحدثون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين ~~أصابته: ألا تركتموه؟ وما أعرف الحديث، قال: يا ابن أخي أنا أعلم الناس ~~بهذا الحديث فذكره. وفي الباب عن نعيم بن هزال عن أبيه عند أبي داود وفيه: ~~فلما رجم وجد مس الحجارة فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه ~~فنزع له بوظيف بعير فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك ~~له فقال: هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه. قوله: فلما وجد مس ~~الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل الخ، ظاهر هذه الرواية ورواية ~~نعيم بن هزال أنه وقع منه الفرار حتى ضربه الرجل الذي معه لحي الجمل. وظاهر ~~قوله في حديث جابر المذكور صرخ يا قوم الخ أنه لم يفر. ووقع في حديث أبي ~~سعيد عند مسلم والنسائي وأبي داود واللفظ له قال: لما أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم برجم ماعز بن مالك خرجنا إلى البقيع فوالله ما أوثقناه ~~ولا حفرنا له ولكنه قام لنا، قال أبو كامل: ms3048 فرميناه بالعظام والمدر والخزف ~~فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة ~~حتى سكت فظاهر هذه الرواية أنه إنما فر لأجل ما في ذلك المحل الذي فر إليه ~~من الأحجار التي تقتل بلا تعذيب، بخلاف المحل الذي كان فيه فإنه لم يكن فيه ~~من الأحجار ما هو كذلك، ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن يقال إنه فر أولا ~~من المكان الأول لأجل عدم الحجارة فيه إلى الحرة فلما وصل إليها ونصب ~~PageV07P269 # نفسه ووجد مس الحجارة التي تفضي إلى الموت قال ذلك المقال وأمرهم أن ~~يردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما لم يفعلوا هرب فلقيه ~~الرجل الذي معه لحي الجمل فضربه به فوقع ثم رجموه حتى مات. قوله: هلا ~~تركتموه استدل به على أن يقبل من المقر الرجوع عن الاقرار ويسقط عنه الحد، ~~وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعية والحنفية والعترة وهو مروي عن مالك في قول له. ~~وذهب ابن أبي ليلى والبتي وأبو ثور ورواية عن مالك وقول للشافعي أنه لا ~~يقبل منه الرجوع عن الاقرار بعد كماله كغيره من الاقرارات. قال الأولون: ~~ويترك إذا هرب لعله يرجع. قال في البحر مسألة: وإذا هرب المرجوم بالبينة ~~اتبع الرجم حتى يموت لا بالاقرار لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في ماعز: ~~هلا خليتموه ولصحة الرجوع عن الاقرار ولا ضمان إذ لم يضمنهم صلى الله عليه ~~وآله وسلم لاحتمال كون هربه رجوعا أو غيره انتهى. وذهبت المالكية إلى أن ~~المرجوم لا يترك إذا هرب. وعن أشهب أن ذكر عذرا فقيل يترك وإلا فلا. ونقله ~~العتبي عن مالك، وحكى اللخمي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة. # قوله: ليستثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، هذا من قول جابر ~~يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال كذلك لأجل الاستثبات ~~والاستفصال، فإن وجد شبهة يسقط بها الحد أسقطه لأجلها، وإن لم يجد شبهة ~~كذلك أقام عليه الحد، وليس المراد أن النبي صلى الله ms3049 عليه وآله وسلم أمرهم ~~أن يدعوه، وأن هرب المحدود من الحد من جملة المسقطات ولهذا قال: فهلا ~~تركتموه وجئتموني به. # باب أن الحد لا يجب بالتهم وأنه يسقط الشبهات عن ابن عباس: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهاد: ~~هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها؟ قال: لا، تلك امرأة كانت قد أعلنت ~~في الاسلام متفق عليه. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في ~~منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها رواه ابن ماجة. واحتج به من لم يحد المرأة ~~بنكولها عن اللعان. PageV07P270 # حديث ابن عباس الثاني إسناده في سنن ابن ماجة، هكذا حدثنا العباس بن ~~الوليد الدمشقي قال حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد قال: حدثني الليث بن سعد عن ~~عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود عن عروة عن ابن عباس فذكره. والعباس ~~صدوق وزيد بن يحيى ثقة وبقية رجال الاسناد رجال الصحيح. وقد ورد بألفاظ ~~منها ما ذكره المصنف ومنها ألفاظ أخر، وفي بعضها أنها لما أتت بالولد على ~~النعت المكروه قال صلى الله عليه وآله وسلم: لولا الايمان لكان لي ولها شأن ~~أخرجه أحمد وأبو داود من حديثه. ولفظ البخاري: لولا ما مضى من كتاب الله ~~وقد تقدم في اللعان ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الولد الذي كان ~~في بطن المرأة وقت اللعان فإنه قال: إن أتت به على الصفة الفلانية فهو ~~لشريك ابن سحماء، وإن أتت به على الصفة الفلانية فهو لزوجها هلال بن أمية ~~قوله: فقال شداد بن الهاد في الفتح في كتاب اللعان أن السائل هو عبد الله ~~بن شداد بن الهاد وهو ابن خالة ابن عباس قال: سماه أبو الزناد عن القاسم بن ~~محمد في هذا الحديث كما في كتاب الحدود ms3050 من صحيح البخاري. قوله: كانت قد ~~أعلنت في الاسلام في لفظ للبخاري: كانت تظهر في الاسلام السوء أي كانت تعلن ~~بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا اعتراف كما تقدم في اللعان. ~~قال الداودي: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء وتعقب بأن ابن عباس لم ~~يسمها، فإن أراد إظهار العيب على العموم فمحتمل، وقد استدل المصنف رحمه ~~الله بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها ~~على أنه لا يجب الحد بالتهم، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز ~~الاضرار به وهو قبيح عقلا وشرعا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود ~~والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين، لأن مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة ~~للخطأ والغلط، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ادفعوا ~~الحدود ما وجدتم لها مدفعا رواه ابن ماجة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له ~~مخرج فخلوا سبيله فإن الامام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ~~رواه الترمذي وذكر أنه قد روي موقوفا وأن الوقف أصح. قال: وقد روي عن غير ~~واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل ذلك. PageV07P271 # حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه ابن ماجة بإسناد ضعيف لأنه من طريق ~~إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف. وحديث عائشة أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي ولكن ~~في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما قال الترمذي. وقال البخاري فيه ~~أنه منكر الحديث. # وقال النسائي: متروك انتهى. والصواب الموقوف كما في رواية وكيع. قال ~~البيهقي: رواية وكيع أقرب إلى الصواب. قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري ~~ورشدين ضعيف . (وفي البا ب) عن علي مرفوعا: ادرؤوا الحدود بالشبهات وفيه ~~المختار ابن نافع قال البخاري وهو منكر الحديث، قال: وأصح ما فيه ms3051 حديث ~~سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ادرؤوا الحدود ~~بالشبهات ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ ~~أيضا موقوفا، وروي منقطعا وموقوفا على عمر. ورواه ابن حزم في كتاب الاتصال ~~عن عمر موقوفا عليه. قال الحافظ: وإسناده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة من طريق ~~إبراهيم النخعي عن عمر بلفظ: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلي من أن ~~أقيمها بالشبهات وفي مسند أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس ~~مرفوعا بلفظ: ادرؤوا الحدود بالشبهات وما في الباب وإن كان فيه المقال ~~المعروف فقد شد من عضده ما ذكرناه، فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية ~~درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة، وقد أخرج البيهقي وعبد ~~الرزاق عن عمر أنه عذر رجلا زنى في الشام وادعى الجهل بتحريم الزنا، وكذا ~~روي عنه وعن عثمان أنهما عذرا جارية زنت وهي أعجمية وادعت أنها لم تعلم ~~التحريم. # وعن ابن عباس قال: قال لعمر بن الخطاب: كان فيما أنزل الله آية الرجم ~~فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في ~~كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب ~~الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان ~~الحبل أو الاعتراف رواه الجماعة إلا النسائي. # قوله: آية الرجم هي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وقد قدمنا ~~الكلام على ذلك في أول كتاب الحدود، وهذه المقالة وقعت من عمر لما صدر من ~~الحج وقدم المدينة. قوله: فأخشى إن طال بالناس زمان الخ، قد وقع ما خشيه ~~PageV07P272 # رضي الله عنه حتى أفضى ذلك إلى أن الخوارج وبعض المعتزلة أنكروا ثبوت ~~مشروعية الرجم كما سلف. وقد أخرج عبد الرزاق والطبراني عن ابن عباس أن عمر ~~قال: سيجئ أقوام يكذبون بالرجم. وفي رواية للنسائي: وإن ms3052 ناسا يقولون ما بال ~~الرجم فإن ما في كتاب الله تعالى الجلد وهذا من المواطن التي وافق حدس عمر ~~فيها الصواب، وقد وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بارتفاع طبقته في ذلك الشأن ~~كما قال: إن يكن في هذه الأمة محدثون فمنهم عمر قوله: إذا قامت البينة أي ~~شهادة أربعة شهود ذكور بالاجماع. قوله: أو كان الحبل بفتح المهملة والموحدة ~~وفي رواية الحمل، وقد استدل بذلك من قال: المرأة تحد إذا وجدت حاملا ولا ~~زوج لها ولا سيد ولم تذكر شبهة، وهو مروي عن عمر ومالك وأصحابه قالوا: إذا ~~حملت ولم يعلم لها زوج ولا عرفنا إكراهها لزمها الحد إلا أن تكون غريبة ~~وتدعي أنه من زوج أو سيد. وذهب الجمهور إلى أن مجرد الحبل لا يثبت به الحد ~~بل لا بد من الاعتراف أو البينة، واستدلوا بالأحاديث الواردة في درء الحدود ~~بالشبهات. (والحاصل) أن هذا من قول عمر، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الامر ~~العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس وكونه قال في مجمع من الصحابة ولم ينكر ~~عليه لا يستلزم أن يكون إجماعا كما بينا ذلك في غير موضع من هذا الشرح، لأن ~~الانكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف، ولا سيما والقائل بذلك عمر، ~~وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم، اللهم إلا أن يدعي أن قوله ~~إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف من تمام ما يرويه عن كتاب الله ~~تعالى، ولكنه خلاف الظاهر، لأن الذي كان في كتاب الله هو ما أسلفنا في أول ~~كتاب الحدود. وقد أجاب الطحاوي بتأويل ذلك، على أن المراد أن الحبل إذا كان ~~من زنا وجب فيه الرجم، ولا بد من ثبوت كونه من زنا، وتعقب بأنه يأبى ذلك ~~جعل الحبل مقابلا للبينة والاعتراف. قوله: أو الاعتراف قد تقدم الخلاف في ~~مقداره وما هو الحق. # باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت عن سهل بن سعد: أن رجلا جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms3053 فقال: إنه قد زنى PageV07P273 # بامرأة سماها، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المرأة فدعاها ~~فسألها عما قال فأنكرت فحده وتركها رواه أحمد وأبو داود. # الحديث في إسناده عبد السلام بن حفص أبو مصعب المدني، قال ابن معين: ثقة، ~~وقال أبو حاتم الرازي: ليس بمعروف. وفي الباب عن ابن عباس عند أبي داود ~~والنسائي: أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقر ~~أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرا، ثم سأله البينة على المرأة ~~فقالت: كذب يا رسول الله، فجلده حد الفرية ثمانين وفي إسناده القاسم بن ~~فياض الصنعاني تكلم فيه غير واحد، حتى قال ابن حبان: أنه بطل الاحتجاج به، ~~وقال النسائي: هذا حديث منكر، وقد استدل بحديث سهل بن سعد مالك والشافعي ~~فقالا: يحد من أقر بالزنا بامرأة معينة للزنا لا للقذف، وقال الأوزاعي وأبو ~~حنيفة: يحد للقذف فقط، قالا: لأن إنكارها شبهة ، وأجيب بأنه لا يبطل به ~~إقراره، وذهبت الهادوية ومحمد وروي عن الشافعي إلى أنه يحد للزنا والقذف، ~~واستدلوا بحديث ابن عباس الذي ذكرناه وهذا هو الظاهر لوجهين: # الأول أن غاية ما في حديث ث سهل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحد ~~ذلك الرجل للقذف، وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط، لاحتمال أن يكون ~~ذلك لعدم الطلب من المرأة أو لوجود مسقط، بخلاف حديث ابن عباس فإن فيه أنه ~~أقام الحد عليه. الوجه الثاني: أن ظاهر أدلة القذف العموم فلا يخرج من ذلك ~~إلا ما خرج بدليل، وقد صدق على من كان كذلك أنه قاذف، وقد تقدم طرف من ~~الكلام في باب من أقر بالزنا بامرأة لا يكون قاذفا من أبواب اللعان. # باب الحث على إقامة الحد إذا ثبت والنهي عن الشفاعة فيه عن أبي هريرة: عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من ~~أن يمطروا أربعين صباحا رواه ابن ماجة والنسائي وقال: ثلاثين، ms3054 وأحمد بالشك ~~فيهما. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حالت شفاعته ~~دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره رواه أحمد وأبو داود. ~~PageV07P274 # حديث أبي هريرة أخرج نحوه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس مرفوعا ~~بلفظ: وحد يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر أربعين صباحا قال في مجمع ~~الزوائد: وفي إسناده زريق بن السحب ولم أعرفه، وفي إسناد حديث أبي هريرة ~~المذكور في الباب عند ابن ماجة والنسائي جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله ~~البجلي وهو ضعيف منكر الحديث، وحديث ابن عمر أخرجه أيضا الحاكم وصححه، ~~وأخرجه ابن أبي شيبة عنه من وجه آخر صحيح موقوفا عليه، وأخرج نحوه الطبراني ~~في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا وقال فيه: فقد ضاد الله في ملكه. # وحديث أبي هريرة فيه الترغيب في إقامة الحدود وأن ذلك مما ينتفع به الناس ~~لما فيه من تنفيذ أحكام الله تعالى وعدم الرأفة بالعصاة وردعهم عن هتك حرم ~~المسلمين، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث عائشة في ~~الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب فقال: أيها الناس إنما هلك ~~الذين من قبلكم أنه كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف ~~أقاموا الحد عليه فإذا كان ترك الحدود والمداهنة فيها وإسقاطها عن الأكابر ~~من أسباب الهلاك كانت إقامتها على كل أحد من غير فرق بين شريف ووضيع من ~~أسباب الحياة، وتبين سر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: حد يعمل به في الأرض ~~خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا الحديث. وحديث ابن عمر المذكور ~~فيه دليل على تحريم الشفاعة في الحدود والترهيب لفاعلها بما هو غاية في ذلك ~~وهو وصفه بمضادة الله تعالى في أمره، وقد ثبت النهي عن ذلك في الصحيحين كما ~~في حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية لما شفع فيها أسامة بن زيد فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم له : أتشفع ms3055 في حد من حدود الله وفي لفظ: لا ~~أراك تشفع في حد من حدود الله وسيأتي في باب ما جاء في المختلس من كتاب ~~القطع، ولكنه ينبغي أن يقيد المنع من الشفاعة بما إذا كان بعد الرفع إلى ~~الامام لا إذا كان قبل ذلك، لما في حديث صفوان بن أمية عند أحمد والأربعة ~~وصححه الحاكم وابن الجارود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له لما ~~أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: هلا كان قبل أن تأتيني به وأخرجه ~~أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~رفعه: تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وأخرج الطبراني عن ~~PageV07P275 # عروة بن الزبير قال: لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل له حتى يبلغ الامام، ~~قال: إذا بل الامام فلعن الله الشافع والمشفع. وأخرج ابن أبي شيبة قال ~~الحافظ بسند حسن: أن الزبير وعمارا وابن عباس أخذوا سارقا فخلوا سبيله فقال ~~عكرمة فقلت: # بئس ما صنعتم حين خليتم سبيله، فقالوا: لا أم لك أما لو كنت أنت لسرك أن ~~يخلي سبيلك. وأخرج الدارقطني من حديث الزبير مرفوعا: اشفعوا ما لم يصل إلى ~~الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه. والموقوف أصح، وقد ادعى ~~ابن عبد البر الاجماع على أنه يجب على السلطان الإقامة إذا بلغه الحد، ~~وهكذا حكي الاجماع في البحر. وحكى الخطابي عن مالك أنه فرق بين من عرف ~~بأذية الناس وغيره فقال: لا يشفع في الأول مطلقا ، وفي الثاني تحسن الشفاعة ~~قبل الرفع لا بعده، والراجح عدم الفرق بين المحدودين، وعلى التفصيل المذكور ~~بين قبل الرفع وبعده تحمل الأحاديث الواردة في الترغيب في الستر على ~~المسلم، فيكون الستر هو الأفضل قبل الرفع إلى الامام. # باب أن السنة بداءة الشاهد بالرجم وبداءة الامام به إذا ثبت بالاقرار عن ~~عامر الشعبي قال: كان لشراحة زوج غائب بالشام وأنها حملت فجاء بها مولاها ~~إلى أمير المؤمنين علي بن أبي ms3056 طالب رضي الله عنه فقال: إن هذه زنت واعترفت ~~فجلدها يوم الخميس مائة ورجمها يوم الجمعة وحفر لها إلى السرة وأنا شاهد، ~~ثم قال: إن الرجم سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان شهد ~~على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد يشهد ثم يتبع شهادته حجره ولكنها أقرت ~~فأنا أول من رماها، فرماها بحجر ثم رمى الناس وأنا فيهم فكنت والله فيمن ~~قتلها رواه أحمد. # الحديث أخرجه أيضا النسائي والحاكم وأصله في صحيح البخاري ولكن بدون ذكر ~~الحفر وما بعده كما تقدم في أول كتاب الحدود من حديث الشعبي، وسيأتي الكلام ~~على الحفر قريبا، وأما كون الشاهد أول من يرمي الزانية المحصن حيث ثبت ذلك ~~بالشهادة فقد ذهب أبو حنيفة والهادوية إلى أن ذلك واجب عليهم، وأن الامام ~~يجبرهم على ذلك لما فيه من الزجر عن التساهل والترغيب في التثبيت، ~~PageV07P276 # وإذا كان ثبوت الزنا بالاقرار وجب أن يكون الامام أول من يرجم أو مأموره، ~~لما عند أبي داود في رواية من حديث أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم رجم امرأة وكان هو أول من رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال: ارموها ~~واتقوا الوجه ويجاب بأن مجرد هذا الفعل لا يدل على الوجوب. وأما حديث ~~العسيف المتقدم فلا يدل قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه: واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها على وجوب البداءة بذلك منه، بل غايته ~~الامر بنفس الرجم بالرجم الخاص الذي هو محل النزاع. وأما ما رواه المصنف في ~~الباب عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فإنما ينتهض للاحتجاج به على قول ~~من يقول بالحجية لا على من يخالف في ذلك والمقام مقام اجتهاد. ولهذا حكى ~~صاحب البحر عن العترة والشافعي أنه لا يلزم الامام حضور الرجم وهو الحق ~~لعدم دليل يدل على الوجوب، ولما تقدم في حديث ماعز أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر برجم ماعز ولم يخرج معهم والزنا منه ثبت بإقراره ms3057 كما سلف، وكذلك ~~لم يحضر في رجم الغامدية كما زعم البعض، قال في التلخيص: لم يقع في طرق ~~الحديثين أنه حضر، بل في بعض الطرق ما يدل على أنه لم يحضر، وقد جزم بذلك ~~الشافعي قال: وأما الغامدية ففي سنن أبي داود وغيره ما يدل على ذلك، وإذا ~~تقرر هذا تبين عدم الوجوب على الشهود ولا على الامام، وأما الاستحباب فقد ~~حكى ابن دقيق العيد أن الفقهاء استحبوا أن يبدأ الامام بالرجم إذا ثبت ~~الزنا بالاقرار وتبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة. # باب ما في الحفر للمرجوم عن أبي سعيد قال: لما أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا ~~له ولا أوثقناه ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخزف فاشتكى فخرج يشتد حتى ~~انتصب لنا في عرض الحرة فرميناه بجلاميد الجندل حتى سكت. وعن عبد الله بن ~~بريدة عن أبيه قال : جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني ~~وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم ترددني لعلك ترددني كما ~~رددت ماعزا؟ فوالله إني لحبلى، قال: PageV07P277 # إما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ~~ولدته، قال : اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده ~~كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى ~~رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل ~~خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضخ الدم على وجه خالد فسبها، فسمع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم سبه إياها فقال: مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده ~~لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ، ثم أمر به فصلي عليها ودفنت ~~رواهما أحمد ومسلم وأبو داود. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن ماعز بن ~~مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ms3058 ~~إني زنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان الغد أتاه فقال: يا رسول الله ~~إني زنيت. فرده الثانية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قومه ~~هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا؟ قالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من ~~صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا ~~بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم رواه مسلم ~~وأحمد وقال في آخره: فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحفر له حفرة فجعل ~~فيها إلى صدره ثم أمر الناس برجمه. وعن خالد بن اللجلاج: أن أباه أخبره ~~فذكر قصة رجل اعترف بالزنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أحصنت؟ قال: نعم، فأمر برجمه، فذهبنا فحفرنا له حتى أمكننا ورميناه ~~بالحجارة حتى هدأ رواه أحمد وأبو داود. # حديث خالد بن اللجلاج في إسناده محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف ~~فيه، وقد أخرجه أيضا النسائي ولأبيه صحبة، وهو بفتح اللام وسكون الجيم ~~وآخره جيم أيضا وهو عامري كنيته أبو العلاء عاش مائة وعشرين سنة. قوله: ~~والخزف بفتح الخاء المعجمة والزاي آخره فاء وهي أكسار الأواني المصنوعة من ~~المدر. قوله: # في عرض الحرة بضم العين المهملة وسكون الراء، والحرة بفتح الحاء المهملة ~~وتشديد الراء وهي أرض ذات أحجار سود، وقد سمي بذلك مواضع منها موضع وقعة ~~حنين، وموضع بتبوك، وبنقدة، وبين المدينة والعقيق، وقبلي المدينة، وببلاد ~~عبس، وببلاد فزارة، وببلاد بني القين، وبالدهناء، وبعالية الحجاز، وقرب ~~فيد، وبجبال طيئ، وبأرض بارق، وبنجد، وببني مرة، وقرب خيبر وهي حرة النار، ~~وبظاهر المدينة تحت وأقم PageV07P278 # وبها كانت وقعة الحرة أيام يزيد، وبالبريك في طريق اليمن، وحرة غلاس ولبن ~~ولفلف وشوران والحمارة وجفل وميطان ومعشر وليلى وعباد والرجلاء وقمأة، ~~مواضع بالمدينة كذا في القاموس. قوله: بجلاميد الجلاميد جمع جلمد وهو الصخر ~~كالجلمود، والجندل كجعفر ما يقله الرجل من الحجارة وبكسر الدال، وكعلبط ~~الموضع يجتمع فيه الحجارة، وأرض ms3059 جندلة كعلبط وقد تفتح كسرتها كذا في ~~القاموس. قوله: إما لا فاذهبي قال النووي في شرح مسلم: هو بكسر الهمزة من ~~إما وتشديد الميم وبالإمالة، ومعناه إذا أبيت أن تستري نفسك وتتوبي عن قولك ~~فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك انتهى. قوله: فنضخ بالخاء المعجمة ~~وبالمهملة. قوله: صاحب مكس بفتح الميم وسكون الكاف بعدها مهملة هو من يتولى ~~الضرائب التي تؤخذ من الناس بغير حق. قال في القاموس: مكس في البيع يمكس ~~إذا جبى مالا، والمكس النقص والظلم، ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في ~~الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة انتهى. ~~قوله: فصلي عليها قال القاضي عياض: هو بفتح الصاد واللام عند جمهور رواة ~~مسلم، ولكن في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود والطبراني فصلى بضم الصاد على ~~البناء للمجهول، ويؤيده ما وقع في رواية لأبي داود بلفظ: ثم أمرهم فصلوا ~~عليها ووقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم: أنه قال عمر للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أيصلى عليها؟ فقال: # لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم. قوله: إلا وفي العقل ~~بفتح الواو وكسر الفاء وتشديد الياء صفة مشبهة، وهذه الأحاديث المذكورة في ~~الباب قد قدمنا الكلام على فقهها، وإنما ساقها المصنف ههنا للاستدلال بها ~~على ما ترجم الباب به وهو الحفر للمرجوم. وقد اختلفت الروايات في ذلك، ~~فحديث أبي سعيد المذكور فيه أنهم لم يحفروا لماعز. وحديث عبد الله بن بريدة ~~فيه أنهم حفروا له إلى صدره ، وقد جمع بين الروايتين بأن المنفي حفيرة لا ~~يمكنه الوثوب منها والمثبت عكسه، أو أنهم لم يحفروا له أول الأمر ثم لما فر ~~فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، أو أنهم حفروا له ~~في أول الأمر ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفرة فتبعوه، وعلى فرض عدم ~~إمكان الجمع فالواجب تقديم رواية الاثبات على النفي، ولو فرضنا أن ذلك غير ~~مرجح توجه إسقاط الروايتين والرجوع إلى ms3060 غيرهما PageV07P279 # كحديث خالد بن اللجلاج فإن فيه التصريح بالحفر بدون تسمية المرجوم، وكذلك ~~حديثه أيضا في الحفر للغامدية، وقد ذهبت العترة إلى أنه يستحب الحفر إلى ~~سرة الرجل وثدي المرأة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يحفر للرجل، ~~وفي قول للشافعي أنه إذا حفر له فلا بأس، وبه قال الامام يحيى، وفي وجه ~~للشافعية أنه يخير الامام، وفي المرأة عندهم ثلاثة أوجه ثالثها يحفر إن ثبت ~~زناها بالبينة لا بالاقرار، والمروي عن أبي يوسف وأبي ثور أنه يحفر للرجل ~~والمرأة، والمشهور عن الأئمة الثلاثة أنه لا يحفر مطلقا، والظاهر مشروعية ~~الحفر لما قدمنا. # باب تأخير الرجم عن الحبلى حتى تضع وتأخير الجلد عن ذي المرض المرجو ~~زواله عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءته ~~امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: ويحك ارجعي ~~فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن ~~مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنا، قال: أنت؟ قالت: نعم، فقال ~~لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذن لا ~~نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي ~~رضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها رواه مسلم والدارقطني وقال: هذا حديث صحيح. ~~وعن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وليها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني، ~~ففعل فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر ~~بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال له عمر: نصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ ~~قال: # لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل ms3061 المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل ~~من أن جادت بنفسها لله؟ رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة، وهو دليل على ~~أن PageV07P280 # المحدود محترز تحفظ عورته من الكشف. وعن علي قال: إن أمة لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد ~~بنفاس، فخشيت أن أجلدها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: أحسنت أتركها حتى تماثل رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي ~~وصححه. # قوله: من غامد بغين معجمة ودال مهملة لقب رجل هو أبو قبيلة وهم بطن من ~~جهينة، ولهذا وقع في حديث عمران بن حصين المذكور امرأة من جهينة وهي هذه، ~~واسم غامد المذكور عمرو بن عبد الله ولقب غامدا لاصلاحه أمرا كان في قومه، ~~وهذه القصة قد رواها جماعة من الصحابة منهم بريدة وعمران بن حصين كما ذكره ~~المصنف في هذا الباب وفي الباب الأول. ومنهم أبو هريرة وأبو سعيد وجابر بن ~~عبد الله وجابر بن سمرة وابن عباس وأحاديثهم عند مسلم، وفي سياق الأحاديث ~~بعض اختلاف، ففي حديث بريدة المتقدم في الباب الأول أنها جاءت بنفسها إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال الحمل وعند الوضع وأخر رجمها إلى الفطام ~~فجاءت بعد ذلك ورجمت. وفي حديثه المذكور في هذا الباب أنه كفلها رجل من ~~الأنصار حتى وضعت ثم أتى فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا ~~نرجمها وندع ولدها صغيرا، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه فرجمت. وفي ~~حديث عمران بن حصين المذكور أنها لما أقرت دعا النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وليها وأمره بالاحسان إليها حتى تضع، ثم جاء بها عند الوضع فرجمت ولم ~~يمهلها إلى الفطام. ويمكن الجمع بأنها جاءت عند الولادة وجاء معها وليها ~~وتكلمت وتكلم، ولكنه يبقى الاشكال في رواية أنه رجمها عند الولادة ولم ~~يؤخرها، ورواية أنه أخرها إلى الفطام، وقد قيل: إنهما روايتان صحيحتان ~~والقصة واحدة، ورواية التأخير رواية صحيحة صريحة لا يمكن تأويلها، فيتعين ~~تأويل ms3062 الرواية القاضية بأنها رجعت عند الولادة بأن يقال فيها طي، وحذف ~~التقدير أن وليها جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الولادة ~~فأمر بتأخيرها إلى الفطام ثم أمر بها فرجمت، ولا يخفى أن هذا وإن تم ~~باعتبار حديث عمران المذكور في الباب فلا يتم باعتبار حديث بريدة المذكورة ~~فإن فيه أنه قام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله فرجمها. ويبعد ~~أن يقال PageV07P281 # إن هذا لا يدل على أنه قبل قوله وكفالته، بل أخرها إلى الفطام ثم أمر ~~برجمها بعد ذلك لأن السياق يأبى ذلك كل الاباء، وما أكثر ما يقع مثل هذا ~~الاختلاف بين الصحابة في القصة الواحدة التي مخرجها متحد بالاتفاق، ثم ~~ترتكب لأجل الجمع بين رواياتهم العظائم التي لا تخلو في الغالب من تعسفات ~~وتكلفات، كأن السهو والغلط والنسيان لا يجري عليهم، وما هم إلا كسائر الناس ~~في العوارض البشرية، فإن أمكننا الجمع بوجه سليم عن التعسفات فذاك، وإلا ~~توجه علينا المصير إلى الترجيح، وحمل الغلط أو النسيان على الرواية ~~المرجوحة إما من الصحابي أو ممن هو دونه من الرواة، وقد مر لنا في هذا ~~الشرح عدة مواطن من هذا القبيل مشينا فيها على ما مشى عليه الناس من الجمع ~~بوجوه ينفر عن قبولها كل طبع سليم، ويأبى الرضا بها كل عقل مستقيم. قوله: ~~أصبت حدا فأقمه علي هذا الاجمال قد وقع من المرأة تبيينه كما في سائر ~~الروايات، ولكنه وقع الاختصار في هذه الرواية كما يشعر بذلك قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عقب ذلك: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني وقد قدمنا أن مجرد ~~الاقرار بالحد من دون تعيين لا يجوز للامام أن يحد به. قوله: أحسن إليها ~~إنما أمره بذلك لأن سائر قرابتها ربما حملتهم الغيرة وحمية الجاهلية على أن ~~يفعلوا بها ما يؤذيها فأمره بالاحسان تحذيرا من ذلك قوله: فشدت في رواية: ~~فشكت ومعناهما واحد، والغرض من ذلك أن لا تنكشف عند وقوع الرجم عليها لما ~~جرت به العادة ms3063 من الاضطراب عند نزول الموت وعدم المبالاة بما يبدو من ~~الانسان، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المرأة ترجم قاعدة والرجل قائما لما في ~~ظهور عورة المرأة من الشناعة. وقد زعم النووي أنه اتفق العلماء على أن ~~المرأة ترجم قاعدة وليس في الأحاديث ما يدل على ذلك ولا شك أنه أقرب إلى ~~الستر، ولم يحك ذلك في البحر إلا عن أبي حنيفة والهادوية، وحكي عن ابن أبي ~~ليلى وأبي يوسف أنها تحد قائمة، وذهب مالك إلى أن الرجل يحد قاعدا. قوله: ~~ثم صلى عليها قد تقدم الخلاف في ذلك في كتاب الجنائز. قوله: لو قسمت بين ~~سبعين الخ في رواية بريدة المتقدمة في الباب الأول لو تابها صاحب مكس، ولا ~~مانع من أن يكون ذلك قد وقع جميعه منه صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه دليل ~~على أن الحدود لا تسقط بالتوبة، وإليه ذهب جماعة من العلماء منهم الحنفية ~~والهادي، وذهب جماعة منهم إلى PageV07P282 # سقوطها بها ومنهم الشافعي وقد استدل بقصة الغامدية، على أنه يجب تأخير ~~الحد على الحامل حتى تضع ثم حتى ترضع وتفطم، وعند الهادوية أنها لا تؤخر ~~إلى الفطام إلا إذا عدم مثلها للرضاع والحضانة، فإن وجد من يقوم بذلك لم ~~تؤخر وتمسكوا بحديث بريدة المذكورة. قوله: اتركها حتى تماثل بالمثلثة قال ~~في القاموس: تماثل العليل قارب البرء. وفي رواية لأبي داود: حتى ينقطع عنها ~~الدم وسيأتي في باب حد الرقيق بلفظ: إذا تعالت من نفاسها فاجلدها وفيه دليل ~~على أن المريض يمهل حتى يبرأ أو يقارب البرء. وقد حكي في البحر الاجماع على ~~أنه يمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد والمرض المرجو، فإن كان مأيوسا ~~فقال الهادي وأصحاب الشافعي: # أنه يضرب بعثكول إن احتمله. وقال الناصر والمؤيد بالله: لا يحد في مرضه ~~وإن كان مأيوسا. والظاهر الأول لحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف الآتي ~~قريبا. وأما المرجوم إذا كان مريضا أو نحوه فذهبت العترة والشافعية ~~والحنفية ومالك إلى أنه لا يمهل لمرض ولا لغيره إذ ms3064 القصد إتلافه. وقال ~~المروزي: يؤخر لشدة الحر أو البرد أو المرض سواء ثبت بإقراره أو بالبينة. ~~وقال الأسفراييني: يؤخر للمرض فقط. وفي الحر والبرد أوجه يرجم في الحال أو ~~حيث يثبت بالبينة لا بالاقرار أو العكس. # باب صفة سوط الجلد وكيف يجلد من به مرض لا يرجى برؤه عن زيد بن أسلم: أن ~~رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور فقال: فوق ~~هذا، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته. فقال: بين هذين، فأتي بسوط قد لأن وركب ~~به فأمر به فجلد رواه مالك في الموطأ عنه. وعن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن ~~سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يرع الحي إلا وهو ~~على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكان ذلك الرجل مسلما فقال: اضربوه حده، قالوا: يا رسول ~~الله إنه أضعف مما تحسب لو ضربناه مائة قتلناه، فقال: خذوا له عثكالا فيه ~~مائة PageV07P283 # شمراخ ثم اضربوه به ضربة واحدة، قال: ففعلوا رواه أحمد وابن ماجة، ولأبي ~~داود معناه من رواية أبي أمامة بن سهل عن بعض الصحابة من الأنصار وفيه: ولو ~~حملناه إليك فتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم. # حديث زيد بن أسلم هو مرسل، وله شاهد عند عبد الرزاق عن معمر بن يحيى بن ~~أبي كثير نحوه، وآخر عند ابن وهب من طريق كريب مولى ابن عباس، فهذه ~~المراسيل الثلاثة يشد بعضها بعضا. وحديث أبي أمامة أخرجه أيضا الشافعي ~~والبيهقي وقال: هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلا. ورواه الدارقطني عن ~~فليح عن أبي سالم عن سهل بن سعد وقال: وهم فليح والصواب عن أبي حازم عن أبي ~~أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه. ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة بن سهل عن ~~أبي سعيد الخدري وقال: إن ms3065 كانت الطرق كلها محفوظة فيكون أبو أمامة قد حمله ~~عن جماعة من الصحابة وأرسله أخرى. ورواه أبو داود من حديث الزهري عن أبي ~~أمامة عن رجل من الأنصار ولفظه: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلدة على ~~عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها فلما دخل عليه رجال قومه ~~يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فإني قد وقعت على جارية دخلت علي، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقالوا : ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به لو ~~حملناه إليك فتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه به ضربة واحدة. وأخرجه ~~النسائي من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه باللفظ الذي ذكره أبو ~~داود وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، قال المنذري: لا يحتج به وهو ~~كوفي. وقال في التقريب: صدوق يهم من السادسة. وقال الحافظ في بلوغ المرام: ~~إن إسناد هذا الحديث حسن ولكنه اختلف في وصله وإرساله. قوله: لم تقطع ثمرته ~~أي عذبته وهي طرفه. قوله: وركب به بضم الراء وكسر الكاف على صيغة المجهول ~~أي ركب به الراكب على الدابة وضربها به حتى لأن. قوله: رويجل تصغير رجل ~~للتحقير. قوله: مخدج بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة ~~بعدها جيم وهو السقيم الناقص الخلق. وفي رواية مقعد. قوله: يخبث بها بفتح ~~أوله وسكون الخاء المعجمة وضم الموحدة وآخره PageV07P284 # مثلثة أي يزني بها. قوله: عثكالا بكسر المهملة وسكون المثلثة قال في ~~القاموس: # كقرطاس العذق والشمراخ، ويقال عثكول وعثكولة بضم العين انتهى. وجاء في ~~رواية اثكال وفي أخرى اثكول وهما لغتان في العثكال، وهو الذي يكون فيه ~~البسر. والشمراخ بكسر الشين المعجمة وسكون الميم وآخره خاء معجمة وهو غصن ~~دقيق. وقال في القاموس: الشمراخ بالكسر العثكال عليه بسر أو عنب كالشمروخ ~~انتهى. والمراد ms3066 ههنا بالعثكال العنقود من النخل الذي يكون فيه أغصان كثيرة ~~وكل واحد من هذه الأغصان يسمى شمراخا. وحديث زيد بن أسلم فيه دليل على أنه ~~ينبغي أن يكون السوط الذي يجلد به الزاني متوسطا بين الجديد والعتيق وهكذا ~~إذا كان الجلد بعود ينبغي أن يكون متوسطا بين الكبير والصغير، فلا يكون من ~~الخشب التي تكسر العظم وتجرح اللحم، ولا من الأعواد الرقيقة التي لا تؤثر ~~في الألم، وينبغي أن يكون متوسطا بين الجديد والعتيق. وقال في البحر: وقدر ~~عرضه بأصبع وطوله بذراع. وحديث أبي أمامة فيه دليل على أن المريض إذا لم ~~يحتمل الجلد ضرب بعثكول أو ما يشابهه مما يحتمله، ويشترط أن تباشره جميع ~~الشماريخ. وقيل: يكفي الاعتماد، وهذا العمل من الحيل الجائزة شرعا، وقد جوز ~~الله مثله في قوله: * (وخذ بيدك ضغثا) * (ص: 44) الآية. # باب من وقع على ذات محرم أو عمل عمل قوم لوط أو أتى بهيمة عن البراء بن ~~عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ~~ماله رواه الخمسة ولم يذكر ابن ماجة والترمذي أخذ المال. # الحديث حسنه الترمذي، وأخرجه أبو داود عن البراء أيضا بلفظ: بينما أطوف ~~على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الاعراب يطيفون بي ~~لمنزلتي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ أتوا قبة فاستخرجوا منها رجلا ~~فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه. قال المنذري، وقد ~~اختلف في هذا اختلافا كثيرا، فروي عن البراء، وروي عنه عن عمه، وروي عنه ~~قال: مربي خالي PageV07P285 # أبو بردة بن نيار ومعه لواء وهذا لفظ الترمذي. وروي عنه عن خاله وسماه ~~هشيم في حديثه الحرث بن عمرو وهذا لفظ ابن ماجة. وروي عقال: مر بنا أناس ~~ينطلقون. وروي عنه إني لأطوف على إبل ضلت في تلك الاحياء في عهد النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ms3067 إذ جاءهم رهط معهم لواء، وهذا لفظ النسائي. وللحديث ~~أسانيد كثيرة منها ما رجاله رجال الصحيح. (والحديث) فيه دليل على أنه يجوز ~~للامام أن يأمر بقتل من خالف قطعيا من قطعيات الشريعة كهذه المسألة، فإن ~~الله تعالى يقول: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (النساء: 25) ~~ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وآله ~~وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات الكفر، والمرتد يقتل ~~للأدلة الآية. وفيه أيضا متمسك لقول مالك أنه يجوز التعزير بالقتل. وفيه ~~دليل أيضا على أنه يجوز أخذ مال من ارتكب معصية مستحلا لها بعد إراقة دمه، ~~وقد قدمنا في كتاب الزكاة الكلام على التأديب بالمال. # وعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه الخمسة إلا ~~النسائي. وعن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس: في البكر يوجد على اللوطية ~~يرجم رواه أبو داود. # الحديث الذي من طريق عكرمة أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي، وقال الحافظ: ~~رجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا. وقال الترمذي: وإنما يعرف هذا الحديث عن ~~ابن عبا س عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الوجه. وروى محمد بن ~~إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال: ملعون من عمل عمل قوم لوط ولم ~~يذكر القتل انتهى. وقال يحيى بن معين: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ثقة ~~ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~اقتلوا الفاعل والمفعول به. ويجاب عن ذلك بأنه قد احتج الشيخان به وروى عنه ~~مالك في الموطأ ، وقد استنكر النسائي هذا الحديث. والأثر المروي عن ابن ~~عباس من طريق سعيد بن جبير ومجاهد أخرجه أيضا النسائي والبيهقي. (وفي ~~الباب) عن أبي هريرة عند ابن ماجة والحاكم: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو ms3068 لم يحصنا وإسناده ضعيف. قال ~~ابن الطلاع في أحكامه: لم يثبت عن رسول الله PageV07P286 # صلى الله عليه وآله وسلم أنه رجم في اللواط ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه ~~أنه قال: # اقتلوا الفاعل والمفعول به رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة انتهى. قال ~~الحافظ: # وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن ~~سهيل عن أبيه عنه وعاصم متروك. وقد رواه ابن ماجة من طريقه بلفظ: فارجموا ~~الأعلى والأسفل وأخرج البيهقي من حديث أبي موسى أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما ~~زانيتان وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن كذبه أبو حاتم، وقال البيهقي: لا ~~أعرفه والحديث منكر بهذا الاسناد انتهى. ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء ~~والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو ~~مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه. وأخرج البيهقي عن علي ~~عليه السلام أنه رجم لوطيا، قال الشافعي: وبهذا نأخذ يرجم اللوطي محصنا كان ~~أو غير محصن. وأخرج البيهقي أيضا عن أبي بكر: أنه جمع الناس في حق رجل ينكح ~~كما ينكح النساء فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فكان ~~من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب عليه السلام قال: هذا ذنب لم تعص به ~~أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم نرى أن نحرقه بالنار، ~~فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن يحرقه بالنار، فكتب ~~أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. وفي إسناده إرسال. وروي ~~من وجه آخر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي في هذه القصة قال: يرجم ويحرق ~~بالنار. وأخرج البيهقي أيضا عن ابن عباس أنه سأل عن حد اللوطي فقال: ينظر ~~أعلى بناء في القربة فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة. وقد اختلف أهل ms3069 العلم ~~في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر ~~للأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله، فذهب من تقدم ذكره من الصحابة ~~إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا، وإليه ذهب ~~الشافعي والناصر والقاسم بن إبراهيم، واستدلوا بما ذكره المصنف وذكرناه في ~~هذا الباب وهو بمجموعه ينتهض للاحتجاج به، وقد اختلفوا في كيفية قتل ~~اللوطي، فروي عن علي أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية وإلى ذلك ذهب ~~أبو بكر كما تقدم عنه. وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط. وذهب ابن ~~عباس PageV07P287 # إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد. وقد حكى صاحب الشفاء إجماع الصحابة ~~على القتل. وقد حكى البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق أنه يرجم. ~~وحكى ذلك الترمذي عن مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن النخعي أنه قال: # لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم اللوطي. وقال المنذري: حرق ~~اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك. وذهب ~~سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي والثوري والأوزاعي ~~وأبو طالب والامام يحيى والشافعي في قول له إلى أن حد اللوطي حد الزاني ~~فيجلد البكر ويغرب ويرجم المحصن، وحكاه في البحر عن القاسم بن إبراهيم، ~~وروى عنه المؤيد بالله القتل مطلقا كما سلف، واحتجوا بأن التلوط نوع من ~~أنواع الزنا لأنه إيلاج فرج في فرج، فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت ~~عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر وقد تقدمت، ويؤيد ذلك حديث: ~~إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وقد تقدم. وعلى فرض عدم شمول الأدلة ~~المذكورة لهما فهما لاحقان بالزاني بالقياس . ويجاب عن ذلك بأن الأدلة ~~الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقا مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين ~~البكر والثيب على فرض شمولها للوطي، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم ~~الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول، وما أحق مرتكب هذه ~~الجريمة ومقارف هذه الرذيلة ms3070 الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة ~~للمعتبرين، ويعذب تعذيبا بكسر شهرة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة ~~قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلي من العقوبة بما يكون في الشدة ~~والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب ~~بكرهم وثيبهم. وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له والمرتضى والمؤيد بالله ~~إلى أنه يعزر اللوطي فقط، ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة ~~المذكورة في خصوص اللوطي والأدلة الواردة في الزاني على العموم. وأما ~~الاستدلال لهذا بحديث: لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في رد العقوبة ~~فمردود بأن ذلك إنما هو مع الالتباس والنزاع ليس هو في ذلك. # وعن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة رواه أحمد وأبو داود ~~PageV07P288 # والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو. وروى الترمذي ~~وأبو داود من حديث عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس أنه قال: من أتى بهيمة فلا ~~حد عليه وذكر أنه أصح. # الحديث الذي رواه عكرمة أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة، قال الترمذي: # هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد رواه سفيان الثوري عن عاصم عن أبي رزين ~~عن ابن عباس أنه قال: من أتى بهيمة فلا حد عليه حدثنا بذلك محمد بن بشار، ~~حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، وهذا أصح من الحديث الأول، والعمل ~~على هذا عند أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق انتهى. وقد روى هذا الحديث ابن ~~ماجة في سننه من حديث إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من وقع على ذات محرم ~~فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة وإبراهيم المذكور ms3071 قد ~~وثقه أحمد، وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه غير واحد من الحفاظ. # وأخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير عن ~~علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ~~مرفوعا. وذكر ابن عدي عن أبي يعلى أنه قال: بلغنا أن عبد الغفار رجع عنه، ~~وذكر ابن عدي أنهم كانوا لقنوه. وأخرج هذا الحديث البيهقي بلفظ: ملعون من ~~وقع على بهيمة وقال اقتلوه واقتلوها لا يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا ~~ومال البيهقي إلى تصحيحه. ورواه أيضا من طريق عباد بن منصور عن عكرمة. ~~ورواه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة وإبراهيم ~~ضعيف وإن كان الشافعي يقوي أمره، إذا عرفت هذا تبين لك أنه لم يتفرد برواية ~~الحديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة كما قال الترمذي، بل رواه عن عكرمة جماعة ~~كما بينا. وقد قال البيهقي: رويناه عن عكرمة من أوجه مع أن تفرد عمرو بن ~~أبي عمرو لا يقدح في الحديث فقد قدمنا أنه احتج به الشيخان ووثقه يحيى بن ~~معين. وقال البخاري: عمرو صدوق ولكنه روي عن عكرمة مناكير. والأثر الذي ~~رواه أبو رزين عن ابن عباس أخرجه أيضا النسائي، ولا حكم لرأي ابن عباس إذ ~~انفرد فكيف إذا عارض المروي PageV07P289 # عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طريقه. وقد اختلف أهل العلم ~~فيمن وقع على بهيمة، فأخرج البيهقي عن جابر بن زيد أنه قال: من أتى البهيمة ~~أقيم عليه الحد. # وأخرج أيضا عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: إن كان محصنا رجم ~~وروي أيضا عن الحسن البصري أنه قال: هو بمنزلة الزاني. قال الحاكم: أرى أن ~~يجلد ولا يبلغ به الحد، وهو مجمع على تحريم إتيان البهيمة كما حكى ذلك صاحب ~~البحر. وقد ذهب إلى أنه يوجب الحد كالزنا الشافعي في قول له، والهادوية ~~وأبو يوسف، وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في ms3072 قول له والمرتضى والمؤيد ~~بالله والناصر والامام يحيى إلى أنه يوجب التعزير فقط إذ ليس بزنا، ورد ~~بأنه فرج محرم شرعا مشتهى طبعا فأوجب الحد كالقبل. وذهب الشافعي في قول له ~~إلى أنه يقتل أخذا بحديث الباب. (وفي الحديث) دليل على أنها تقتل البهيمة، ~~والعلة في ذلك ما روى أبو داود والنسائي أنه قيل لابن عباس: ما شأن ~~البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه يكره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك ~~العمل. وقد تقدم أن العلة أن يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا. وقد ذهب إلى ~~تحريم لحم البهيمة المفعول بها وإلى أنها تذبح علي عليه السلام والشافعي في ~~قول له، وذهبت القاسمية والشافعي في قول له وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه ~~يكره أكلها تنزيها فقط. قال في البحر: إنها تذبح البهيمة ولو كانت غير ~~مأكولة لئلا تأتي بولد مشوه، كما روي أن راعيا أتى بهيمة فأتت بولد مشوه ~~انتهى. وأما حديث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذبح الحيوان ~~إلا لاكله فهو عموم مخصص لحديث الباب. # باب فيمن وطئ جارية امرأته عن النعمان بن بشير: أنه رفع إليه رجل غشي ~~جارية امرأته فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن كانت لم تحلها لك رجمتك رواه الخمسة. ~~وفي رواية عن النعمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الرجل ~~يأتي جارية PageV07P290 # امرأته قال: إن كانت أحلتها له جلدته مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته ~~رواه أبو داود والنسائي. # الحديث قال الترمذي في إسناده اضطراب، سمعت محمدا يعني البخاري يقول: # لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث إنما رواه عن خالد بن عرفطة، ~~وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضا إنما رواه عن خالد بن ~~عرفطة انتهى. والذي في السنن أن أبا بشر رواه عن خالد بن عرفطة عن حبيب، ~~ولكن الترمذي ms3073 رواه في سننه عن أبي بشر عن حبيب وخالد بن عرفطة، قال أبو ~~حاتم الرازي: هو مجهول. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال: أنا ~~أتقي هذا الحديث. وقال النسائي: أحاديث النعمان هذه مضطربة. وقال الخطابي: ~~هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه انتهى. وعرفطة بضم العين وسكون الراء ~~المهملتين وضم الفاء وبعدها طاء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث. (وفي الباب) عن ~~قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عند أبي داود والنسائي أرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي ~~حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها. قال ~~النسائي: لا تصح هذه الأحاديث. وقال البيهقي: قبيصة بن حريث غير معروف. ~~وروينا عن أبي داود أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رواه عن سلمة بن ~~المحبق شيخ لا يعرف، لا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث. وقال ~~البخاري في التاريخ: قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر. وقال ~~ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق. وقال الخطابي: هذا حديث منكر ~~وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله. وكان الحسن لا يبالي أن ~~يروى الحديث ممن سمع. وقال بعضهم: هذا كان قبل الحدود. وقد روى أبو داود ~~والنسائي وابن ماجة من طريق الحسن البصري عن سلمة بن المحبق نحو ذلك إلا ~~أنه قال: وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها. (وقد اختلف) في هذا ~~الحديث عن الحسن فقيل عنه عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق، وقيل عنه عن ~~سلمة من غير ذكر قبيصة، وقيل عن جون بن قتادة عن سلمة وجون بن قتادة قال ~~الإمام أحمد: لا يعرف، والمحبق بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء ~~موحدة مشددة مفتوحة ومن أهل اللغة من يكسرها. والمحبق لقب واسمه صخر بن ~~عبيد وسلمة ابنه له صحبة سكن البصرة كنيته أبو سنان كني بابنه سنان. وذكر ~~أبو ms3074 عبد الله بن منده أن لابنه PageV07P291 # سنان صحبة أيضا. وجون بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون، وقد اختلف أهل ~~العلم في الرجل يقع على جارية امرأته فقال الترمذي: روي عن غير واحد من ~~الصحابة منهم أمير المؤمنين علي وابن عمر أن عليه الرجم. وقال ابن مسعود: ~~ليس عليه حد ولكن يعزر. وذهب أحمد وإسحاق إلى ما رواه النعمان بن بشير ~~انتهى. وهذا هو الراجح، لأن الحديث وإن كان فيه المقال المتقدم فأقل أحوال ~~أن يكون شبهة يدرأ بها الحد. قال في البحر مسألة: لو أباحت الزوجة للزوج ~~وطئ أمتها أو وطئ امرأة يستحق دمها حد. وقال أبو حنيفة: لا إذ هما شبهة، ~~قلنا: لا نسلم انتهى. وهذا منع مجرد، فإن مثل حديث النعمان إذا لم يكن شبهة ~~فما الذي يكون شبهة ؟. قول: وإن كانت لم تحلها لك رجمتك زاد أبو داود: ~~فوجدوه أحلتها له فجلده مائة . باب حد زنا الرقيق خمسون جلدة عن أمير ~~المؤمنين علي رضي الله عنه قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى أمة سوداء زنت لأجلدها الحد قال: فوجدتها في دمها، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك فقال لي: إذا تعالت من نفاسها فاجلدها ~~خمسين رواه عبد الله بن أحمد في المسند. وعن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ~~المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد ~~الامارة خمسين خمسين في الزنا رواه مالك في الموطأ. # حديث أمير المؤمنين علي قد تقدم الكلام عليه في باب تأخير الرجم عن ~~الحبلى، وسيأتي أيضا في الباب الذي بعد هذا. وأثر عمر مؤيد لحديث الباب ~~لوقوع ذلك منه بمحضر جماعة من الصحابة. وروى ابن وهب عن ابن جريج عن عمرو ~~بن دينار أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تجلد ~~وليدتها إذا زنت خمسين. ويشهد لذلك عموم قوله تعالى: * (فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب) * (النساء: 25) ولا قائل بالفرق بين الأمة ms3075 والعبد كما ~~حكى ذلك صاحب البحر. وروي عن PageV07P292 # ابن عباس أنه قال: لا حد على مملوك حتى يتزوج تمسكا بقوله تعالى: * (فإذا ~~أحصن) * (المائدة: 38) فإنه تعالى علق حد الإماء بالاحصان، وأجاب عنه في ~~البحر بأن لفظ الاحصان محتمل لأنه بمعنى أسلمن وبلغن وتزوجن، قال: ولو سلم ~~فخلاف ابن عباس منقوض، والأولى الجواب بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الآتي ~~في الباب الذي بعد هذا، فإن فيه: أنه سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمة ~~إذا زنت ولم تحصن فقال: إن زنت فاجلدوها وهذا نص فمحل النزاع. وأخرج مسلم ~~وأبو داود والترمذي من حديث أبي عبد الرحمن السلمي: أن أمير المؤمنين عليا ~~رضي الله عنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن ~~منهم ومن لم يحصن. وقد وافق ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جرير، وذهب الجمهور ~~إلى خلاف ذلك. قوله: # إذا تعالت من نفاسها بالعين المهملة أي خرجت، وفيه دليل على أنه يمهل من ~~كان مريضا حتى يصح من مرضه، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب تأخير الرجم عن ~~الحبلى. # باب السيد يقيم الحد على رقيقه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم ~~إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل ~~من شعر متفق عليه. ورواه أحمد في رواية وأبو داود وذكرا فيه الرابعة الحد ~~والبيع. قال الخطابي: معنى لا يثرب لا يقتصر على التثريب. وعن أبي هريرة ~~وزيد بن خالد الجهني قالا: سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمة إذا ~~زنت ولم تحصن قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت ~~فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير، قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو ~~الرابعة؟ متفق عليه. وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: أن خادما للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أحدثت فأمرني النبي صلى الله ms3076 عليه وآله وسلم أن ~~أقيم عليها الحد فأتيتها فوجدتها لم تجف من دمها فأتيته فأخبرته فقال: إذا ~~جفت من دمها فأقم عليها الحد، أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم رواه أحمد ~~وأبو داود. PageV07P293 # حديث علي أخرجه مسلم في صحيحه والبيهقي والحاكم ووهم فاستدركه . قوله: ~~فتبين زناها الظاهر أن المراد تبينه بما يتبين في حق الحرة، وذلك إما ~~بشهادة أربعة أو بالاقرار على الخلاف المتقدم فيه، وقيل إن المراد بالتبين ~~أن يعلم السيد بذلك وإن لم يقع إقراره ولا قامت شهادة وإليه ذهب بعضهم، ~~وحكي في البحر الاجماع على أنه يعتبر شهادة أربعة في العبد كالحر والأمة ~~حكمها حكمه، وقد ذهب الأكثر إلى أن الشهادة تكون إلى الامام أو الحاكم، ~~وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها تكون عند السيد. قوله: ولا يثرب عليها ~~بمثناة تحتية مضمومة ومثلثة مفتوحة ثم راء مشددة مكسورة وبعدها موحدة وهو ~~التعنيف، وقد ثبت في رواية عند النسائي بلفظ: ولا يعنفها والمراد أن اللازم ~~لها شرعا هو الحد فقط، فلا يضم إليه سيدها ما ليس بواجب شرعا وهو التثريب، ~~وقيل: إن المراد نهي السيد عن أن يقتصر على التثريب دون الحد، وهو مخالف ~~لما يفهمه السياق، وفي ذلك كما قال ابن بطال دليل على أنه لا يعزر من أقيم ~~عليه الحد بالتعنيف واللوم، ولهذا لم يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم سب ~~أحدا ممن أقام عليه الحد بل نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك كما سيأتي ~~من حديث أبي هريرة في كتاب حد شارب الخمر. قوله: ثم إن زنت فيه دليل على ~~أنه لا يقام على الأمة الحد إلا إذا زنت بعد إقامة الحد عليها لا إذا تكرر ~~منها الزنا قبل إقامة الحد، كما يدل على ذلك لفظ ثم بعد ذكر الجلد. قوله: ~~فليبعها ظاهر هذا أنها لا تحد إذا زنت بعد أن جلدها في المرة الثانية، ولكن ~~الرواية التي ذكرها المصنف عن أبي هريرة وزيد بن خالد مصرحة بالجلد في ~~الثالثة، وكذلك الرواية ms3077 التي ذكرها عن أحمد وأبي داود أنهما ذكرا في ~~الرابعة الحد والبيع نص في محل النزاع، وبها يرد على النووي حيث قال: إنه ~~لما لم يحصل المقصود من الزجر عدل إلى الاخراج عن الملك دون الجلد مستدلا ~~على ذلك بقوله فليبعها، وكذا وافقه على ذلك ابن دقيق العيد وهو مردود، وأما ~~الحافظ في الفتح فقال: الأرجح أنه يجلدها قبل البيع ثم يبيعها، وصرح بأن ~~السكوت عن الجلد للعلم به، ولا يخفى أنه لم يسكت صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن ذلك كما سلف، وظاهر الامر بالبيع أنه واجب، وذهب الجمهور إلى أنه مستحب ~~فقط، وزعم بعض الشافعية أن الامر بالبيع PageV07P294 # منسوخ كما حكاه ابن الرفعة في المطلب ولا أعرف له ناسخا، فإن كان هو ~~النهي عن إضاعة المال كما زعم بعضهم فيجاب عنه أولا بأن الإضاعة إنما تكون ~~إذا لم يكن شئ في مقابل المبيع، والمأمور به ههنا هو البيع لا الإضاعة، ~~وذكر الحبل من الشعر للمبالغة، ولو سلم عدم إرادة المبالغة لما كان في ~~البيع بحبل من شعر إضاعة، وإلا لزم أن يكون بيع الشئ الكثير بالحقير إضاعة ~~وهو ممنوع. وقد ذهب داود وسائر أهل الظاهر إلى أن البيع واجب لأن ترك ~~مخالطة الفسقة ومفارقتهم واجبان، وبيع الكثير بالحقير جائز إذا كان البائع ~~عالما به بالاجماع. قال ابن بطال: حمل الفقهاء الامر بالبيع على الحض على ~~مباعدة من تكرر منه الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في ذلك من ~~الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، قال: وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له في ~~الأمة فلا يشتغل به انتهى. وظاهره أنه أجمع السلف على عدم وجوب البيع، فإن ~~صح ذلك كان هو القرينة الصارفة للامر عن الوجوب وإلا كان الحق ما قاله أهل ~~الظاهر. (وأحاديث الباب) فيها دليل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه، ~~وإلى ذلك ذهب جماعة من السلف والشافعي. وذهبت العترة إلى أن حد المماليك ~~إلى الامام إن كان ثم إمام وإلا كان إلى سيده. وذهب ms3078 مالك إلى أن الأمة إن ~~كانت مزوجة كان أمر حدها إلى الامام إلا أن يكون زوجها عبدا لسيدها فأمر ~~حدها إلى السيد. واستثنى مالك أيضا القطع في السرقة وهو وجه للشافعية، وفي ~~وجه لهم آخر يستثني حد الشرب. وروي عن الثوري والأوزاعي إنه لا يقيم السيد ~~إلا حد الزنا. وذهبت الحنفية إلى إنه لا يقيم الحدود على المماليك إلا ~~الامام مطلقا. وظاهر أحاديث الباب أنه يحد المملوك سيده من غير فرق بين أن ~~يكون الامام موجودا أو معدوما، وبين أن يكون السيد صالحا لإقامة الحد أم ~~لا. وقال ابن حزم: يقيمه السيد إلا إذا كان كافرا. وقد أخرج البيهقي عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة من ~~ولائدهم في مجالسهم إذا زنت. ورواه الشافعي عن ابن مسعود وأبي بردة. وأخرجه ~~أيضا البيهقي عن خارجة بن زيد عن أبيه. وأخرجه أيضا عن أبي الزناد عن أبيه ~~عن الفقهاء الذين ينتهي إلى أقوالهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: لا ~~ينبغي لأحد يقيم PageV07P295 # شيئا من الحدود دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده ~~وأمته. # وروى الشافعي عن ابن عمر: أنه قطع يد عبده وجلد عبدا له زنى وأخرج مالك ~~عن عائشة أنها قطعت يد عبد لها. وأخرج أيضا أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها ~~وأخرج عبد الرزاق والشافعي: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حدت جارية لها زنت. وتقدم في الباب الذي قبل هذا أنها جلدت وليدة لها ~~خمسين. وقد احتج من قال إنه لا يقيم الحدود مطلقا إلا الامام بما رواه ~~الطحاوي عن مسلم بن يسار أنه قال: كان رجل من الصحابة يقول الزكاة والحدود ~~والفئ والجمعة إلى السلطان. قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفا من الصحابة، ~~وتعقبه ابن حزم بأنه خالفه اثنا عشر صحابيا. وظاهر أحاديث الباب أن الأمة ~~والعبد يجلدان سواء كانا محصنين أم لا. وقد تقدم الخلاف في ذلك في البا ب ~~الذي ms3079 قبل هذا. وقد اختلف أهل العلم في المملوك إذا كان محصنا هل يرجم أم ~~لا؟ فذهب الأكثر إلى الثاني، وذهب الزهري وأبو ثور إلى الأول. (واحتج ~~الأولون) بأن الرجم لا يتنصف، واحتج الآخرون بعموم الأدلة. وأما المكاتب ~~فذهبت العترة إلى أنه لا رجم عليه ويجلد كالحر بقدر ما أدى وفي البقية ~~كالعبد، وذهبت الشافعية والحنفية إلى أنه يجلد كالعبد مطلقا لحديث: المكاتب ~~عبد ما بقي عليه درهم وقد تقدم، وتقدم الكلام على التقسيط في المكاتب في ~~باب الكتابة. # كتاب القطع في السرقة باب ما جاء في كم يقطع السارق عن ابن عمر: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم رواه الجماعة. وفي ~~لفظ بعضهم: قيمته ثلاثة دراهم. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع يد السارق ~~في ربع دينار فصاعدا رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وفي رواية: أن النبي ~~PageV07P296 # صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ~~رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. وفي رواية قال: تقطع يد السارق في ربع ~~دينار رواه البخاري والنسائي وأبو داود. وفي رواية قال: تقطع اليد في ربع ~~دينار فصاعدا رواه البخاري. وفي رواية قال: اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا ~~فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني ~~عشر درهما رواه أحمد. وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~لا تقطع يد السارق مما دون ثمن المجن قيل لعائشة: ما ثمن المجن قالت: ربع ~~الدينار رواه النسائي. # وعن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده، ~~قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما ~~يساوي دراهم متفق عليه. وليس لمسلم فيه زيادة قول الأعمش. # قوله: في مجن بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون ms3080 وهو الترس، ويقال له ~~مجنة بكسر الميم أيضا وجنان وجنانة بضمهما. قوله: فصاعدا هو منصوب على ~~الحالية أي فزائدا ويستعمل بالفاء وبثم لا بالواو. وفي رواية لمسلم: لن ~~تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فما فوقه. قوله: في ربع دينار هذه الرواية ~~موافقة لرواية الثلاثة الدراهم التي هي ثمن المجن كما في رواية النسائي ~~المذكورة في الباب أن ثمن المجن كان ربع دينار، وكما في رواية أحمد أنه كان ~~ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم. قال الشافعي: وربع الدينار موافق لرواية ~~ثلاثة دراهم، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~اثنا عشر درهما بدينار وكان كذلك بعده. # وقد تقدم: أن عمر فرض الدية على أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل ~~الذهب ألف دينار. وأخرج أبو المنذر أنه أتي عثمان بسارق سرق أترجة فقومت ~~بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع. وأخرج أيضا البيهقي من طريق ~~جعفر بن محمد عن أبيه أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه قطع في ربع دينار ~~وكانت قيمته درهمين ونصفا. وأخرج البيهقي أيضا من حديث جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: القطع في ربع دينار فصاعدا. وأخرج ~~أيضا من طريقه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قطع يد سارق في بيضة ~~من PageV07P297 # حديد ثمنها ربع دينار ورجاله ثقات ولكنه منقطع. وقد ذهب إلى ما تقتضيه ~~أحاديث الباب من ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار الجمهور من السلف ~~والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة، واختلفوا فيما يقوم به ما كان من غير الذهب ~~والفضة، فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع ~~الدينار إذا كان الصرف مختلفا. وقال الشافعي: الأصل في تقويم الأشياء هو ~~الذهب لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها حتى قال: إن الثلاثة الدراهم إذا لم ~~تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع انتهى. قال مالك: وكل واحد من الذهب ~~والفضة معتبر في نفسه ms3081 لا يقوم بالآخر. وذكر بعض البغداديين أنه ينظر في ~~تقويم العروض بما كان غالبا في نقود أهل البلد. وذهبت العترة وأبو حنيفة ~~وأصحابه وسائر فقهاء العراق إلى أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم ولا ~~قطع في أقل من ذلك. واحتجوا بما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث محمد بن ~~إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم عشرة دراهم. وأخرج نحو ذلك النسائي ~~عنه. وأخرج عنه أبو داود أن ثمنه كان دينارا أو عشرة دراهم. وأخرج البيهقي ~~عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة دراهم. # وأخرج النسائي عن عطاء مرسلا: أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن قال وثمنه عشرة ~~دراهم قالوا: وهذه الروايات في تقدير ثمن المجن أرجح من الروايات الأولى ~~وإن كانت أكثر وأصح ولكن هذه أحوط والحدود تدفع بالشبهات، فهذه الروايات ~~كأنها شبهة في العمل بما دونها. وروي نحو هذا عن ابن العربي قال: وإليه ذهب ~~سفيان مع جلالته، ويجاب بأن الروايات المروية عن ابن عباس وابن عمرو بن ~~العاص في إسنادها جميعا محمد بن إسحاق وقد عنعن ولا يحتج بمثله إذا جاء ~~بالحديث معنعنا، فلا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين عن ابن عمر وعائشة، وقد ~~تعسف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب ثم بين الاضطراب بما يفيد بطلان ~~قوله، وقد استوفى صاحب الفتح الرد عليه. وأيضا حديث ابن عمر حجة مستقلة، ~~ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم لمعارضة الروايات ~~الصحيحة لم يكن ذلك مفيدا للمطلوب أعني عدم ثبوت القطع فيما دون ذلك لما في ~~الباب من PageV07P298 # إثبات القطع في ربع الدينار وهو دون عشرة دراهم فيرجع إلى هذه الروايات، ~~ويتعين طرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن، وبهذا يلوح لك عدم صحة ~~الاستدلال بروايات العشرة الدراهم عن بعض الصحابة على ms3082 سقوط القطع فيما ~~دونها وجعلها شبهة والحدود تدرأ بالشبهات لما سلف، وقد أسلفنا عن جماعة من ~~الصحابة أنهم قطعوا في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم. المذهب الثالث: نقله ~~عياض عن النخعي أنه لا يجب القطع إلا في أربعة دنانير أو أربعين درهما وهذا ~~قول لا دليل عليه فيما أعلم. المذهب الرابع: حكاه ابن المنذر عن الحسن ~~البصري أنه يقطع في درهمين وحكاه في البحر عن زياد بن أبي زياد ولا دليل ~~على ذلك من المرفوع. # وقد أخرج ابن أبي شيبة عن أنس بسند قوي: أن أبا بكر قطع في شئ ما يساوي ~~درهمين. وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم. المذهب الخامس: أربعة دراهم نقله ~~ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد وكذلك حكاه عنهما في البحر ونقله عياض ~~عن بعض الصحابة وهو مردود بما سلف. المذهب السادس: ثلث دينار رواه ابن ~~المنذر عن الباقر. المذهب السابع: خمسة دراهم حكاه في البحر عن الناصر ~~والنخعي وروي عن ابن شبرمة وهو مروي عن ابن أبي ليلى والحسن البصري، ~~واستدلوا بما أخرجه ابن المنذر عن عمر أنه قال: لا تقطع الخمس إلا في خمس. ~~المذهب الثامن : دينار أو ما بلغ قيمته رواه ابن المنذر عن النخعي وحكاه ~~ابن حزم عن طائفة. # المذهب التاسع: ربع دينار من الذهب ومن غيره في القليل والكثير وإليه ذهب ~~ابن حزم ونقل نحوه ابن عبد البر، واستدل ابن حزم بأن التحديد في الذهب ~~منصوص ولم يوجد نص في غيره فيكون داخلا تحت عموم الآية، ويجاب عن ذلك ~~برواية النسائي المذكورة في الباب بلفظ: لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن ~~المجن. ويمكن أيضا الجواب عنه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اقطعوا في ~~ربع دينار ولا تقطعوا فيما دون ذلك كما في الباب لأنه يصدق على ما لم تبلغ ~~قيمته ربع دينارا أنه دونه، وإن كان من غير الذهب فإنه يفضل الجنس على جنس ~~آخر مغاير له باعتبار الزيادة في الثمن، وكذلك العرض على العرض باعتبار ~~اختلاف ثمنهما. ms3083 المذهب العاشر: أنه يثبت القطع في القليل والكثير حكاه في ~~البحر عن الحسن البصري وداود والخوارج واستدلوا بإطلاق قوله تعالى: * ~~(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (يوسف: 36) ويجاب بأن إطلاق الآية ~~PageV07P299 # مقيد بالأحاديث المذكورة في الباب. واستدلوا ثانيا بحديث أبي هريرة ~~المذكور في الباب فإن فيه: يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده. ~~وقد أجيب عن ذلك أن المراد تحقير شأن السارق وخسار ما ربحه، وأنه إذا جعل ~~السرق عادة له جرأه ذلك على سرقة ما فوق البيضة والحبل حتى يبلغ إلى ~~المقدار الذي تقطع به الأيدي، هكذا قال الخطابي وابن قتيبة وفيه تعسف، ~~ويمكن أن يقال المراد المبالغة في التنفير عن السرقة وجعل ما لا قطع فيه ~~بمنزلة ما فيه القطع كما في حديث: من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة وحديث: ~~تصدقي ولو بظلف محرق مع أن مفحص القطاة لا يكون مسجدا، والظلف المحرق لا ~~ثواب في التصدق به لعدم نفعه، ولكن مقام الترغيب في بناء المساجد والصدقة ~~اقتضى ذلك على أنه قد قيل إن المراد بالبيضة بيضة الحديد كما وقع في الباب ~~عن الأعمش ولا شك أن لها قيمة، وكذلك الحبل فإن في الحبال ما تزيد قيمته ~~على ثلاثة دراهم كحبال السفن ولكن مقام المبالغة لا يناسب ذلك، وقد تقدم أن ~~أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه قطع في بيضة حديد ثمنها ربع دينار. الحادي ~~عشر: أنه يثبت القطع في درهم فصاعدا لا دونه حكاه في البحر عن البتي وروي ~~عن ربيعة. هذه جملة المذاهب المذكورة في المسألة وقد جعلها في الفتح عشرين ~~مذهبا ولكن البقية على ما ذكرنا لا يصلح جعلها مذاهب مستقلة لرجوعها إلى ما ~~حكيناه. # باب اعتبار الحرز والقطع فيما يسرع إليه الفساد عن رافع بن خديج قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا قطع في ثمر ولا كثر رواه ~~الخمسة. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الثمر المعلق ms3084 فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ ~~خبنة فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه ~~شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع رواه النسائي وأبو ~~داود. وفي رواية قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الحريسة التي توجد في مراتعها قال: فيها ثمنها مرتين وضرب ~~نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن، ~~PageV07P300 # قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها، قال: من أخذ بفمه ~~ولم يتخذ خبنة فليس عليه شئ، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، وما ~~أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن رواه أحمد ~~والنسائي. ولابن ماجة معناه وزاد النسائي في آخره: وما لم يبلغ ثمن المجن ~~ففيه غرامه مثليه وجلدات نكال. وعن عمرة بنت عبد الرحمن: أن سارقا سرق ~~أترجة في زمن عثمان بن عفان فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت ثلاثة دراهم من ~~صرف اثني عشر بدينار فقطع عثمان يده رواه مالك في الموطأ. # حديث رافع بن خديج أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وصححه البيهقي وابن حبان ~~واختلف في وصله وإرساله. وقال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه ~~بالقبول. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا الحاكم وصححه وحسنه الترمذي، وأثر ~~عثمان أخرجه أيضا البيهقي وابن المنذر. (وفي الباب) عن أبي هريرة عند أحمد ~~وابن ماجة بنحو حديث رافع وفي إسناده سعد بن سعيد المقبري وهو ضعيف. # وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة حبل وهو ~~معضل. # قوله: ولا كثر بفتح الكاف والتاء المثلثة وهو الجمار. قال في القاموس: ~~والكثر ويحرك جمار النخل أو طلعها، قال أيضا: والجمار كرمان شحم النخلة. ~~قوله: خبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها ms3085 نون قال في القاموس: خبن ~~الثوب وغيره يخبنه خبنا وخبانا بالكسر عطفه وخاطه ليقصر، والطعام غيبه ~~وخبأه للشدة، والخبنة بالضم ما تحمله في حضنك انتهى. قوله: الجرين قال في ~~النهاية: هو موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة ويجمع على جرن بضمتين. ~~قال في القاموس: والجرن بالضم وكأمير ومنبر البيدر وأجرن التمر جمعه فيه ~~انتهى. قوله: عن الحريسة بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية ~~بعدها سين مهملة قيل: هي التي ترعى وعليها حرس فهي على هذا المحروسة نفسها. ~~وقيل: هي السيارة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها. وفي القاموس: ~~حرس كضرب سرق كاحترس وكسمع عاش طويلا والحريسة المسروقة الجمع حرائس وجدار ~~من حجارة يعمل للغنم انتهى. قوله: # فيها ثمنها مرتين فيه دليل على جواز التأديب بالمال، وقد تقدم الكلام على ~~ذلك PageV07P301 # في الزكاة. وقوله: وضرب نكال يجوز أن يكون بالتنوين للأول وبالإضافة، ~~وفيه جواز الجمع بين عقوبة المال والبدن. قوله: في أكمامها جمع كم بكسر ~~الكاف وهو وعاء الطلع، وقد استدل بحديث رافع على أنه لا قطع على من سرق ~~الثمر والكثر سواء كانا باقيين في منبتهما أو قد أخذا منه وجعلا في غيره، ~~وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة قال: ولا قطع في الطعام ولا فيما أصله مباح كالصيد ~~والحطب والحشيش، واستدل على ذلك أيضا بأن هذه الأمور غير مرغوب فيها ولا ~~يشح بها مالكها فلا حاجة إلى الزجر والحرز فيها ناقص. وذهبت الهادوية إلى ~~أنه لا قطع في الثمر والكثر والطبائخ والشواء والهرائس إذا لم تحرز، وأما ~~إذا أحرزت وجب فيها القطع وهو محكي عن الجمهور. وذهب الثوري إلى أن الشئ إن ~~كان يبقى يوما فقط كالهرائس والشواء لم يقطع سارقه وإلا قطع. وقال الشافعي: ~~إن حديث رافع خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها ~~فذلك لعدم الحرز، فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها. وقد حكى صاحب البحر عن ~~الأكثر أن شرط القطع الحرز. وعن أحمد وإسحاق وزفر والخوارج وهو مروي عن ms3086 ~~الظاهرية وطائفة من أهل الحديث أنه لا يشترط. ويدل على ذلك ما سيأتي في قطع ~~جاحد الوديعة وفي باب تفسير الحرز، ومما يستدل به على عدم القطع في الثمر ~~إذا كان غير محرز حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب فإن فيه: إن من أصاب ~~من الثمر المعلق بفيه ولم يتخذ خبنة فلا قطع عليه ولا ضمان إن كان من ذوي ~~الحاجة، وإن خرج بشئ منه كان عليه غرامة مثليه، ومن سرق منه بعد أن يحرز في ~~الجرين قطع إذا بلغ ثمن المجن فهذا يدل على أن الثمر إذا أحرز قطع سارقه، ~~ومما يدل على اعتبار الحرز أيضا رواية النسائي وأحمد المذكورة في الباب في ~~سارق الحريسة والثمار، وأما أثر عثمان المذكور في الباب أنه قطع في أترجة ~~فلا يعارض ما ورد في اعتبار الحرز، لأن غاية ما فيه أنه لم يقع تقييد ذلك ~~بالحرز فيمن حمله، على أن تلك الأترجة كانت قد أحرزت، وهكذا حديث رافع فإن ~~ظاهره أنه لا قطع في ثمر ولا كثر مطلقا، ولكنه مطلق مقيد بحديث عمرو بن ~~شعيب المذكور بعده. PageV07P302 # باب تفسير الحرز وأن المرجع فيه إلى العرف عن صفوان بن أمية قال: كنت ~~نائما في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بقطع فقلت: يا رسول الله أفي خميصة ثمن ~~ثلاثين درهما؟ أنا أهبها له أو أبيعها له، قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به؟ ~~رواه الخمسة إلا الترمذي. وفي رواية لأحمد والنسائي: فقطعه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قطع يد سارق سرق برنسا من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي. # حديث صفوان أخرجه مالك في الموطأ والشافعي والحاكم من طرق منها عن طاوس ~~عن ابن عباس قال البيهقي: وليس بصحيح. ومنها عن طاوس عن صفوان قال ابن عبد ~~البر: سماع طاوس عن صفوان ممكن لأنه ms3087 أدرك زمن عثمان. وروي عنه أنه قال: ~~أدركت سبعين صحابيا. ورواه مالك عن الزهري عن عبيد الله بن صفوان عن أبيه ~~وقد صححه ابن الجارود والحاكم، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال الحافظ: وسنده ضعيف. ورواه البزار والبيهقي عن طاوس مرسلا. ورواه ~~أيضا البيهقي عن الشافعي عن مالك أن صفوان بن أمية الحديث. # وأخرجه أيضا البيهقي من حديث حميد بن أخت صفوان عن صفوان. وحديث ابن عمر ~~أخرجه أيضا مسلم بمعناه. قوله: خميصة بخاء معجمة مفتوحة وميم مكسورة وتحتية ~~ساكنة ثم صاد. قال في القاموس: الخميصة كساء أسود مربع له علمان. قوله: # برنسا بضم الموحدة وسكون الراء وضم النون بعده مهملة، قال في القاموس: هو ~~قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أو جبة. وفي جامع الأصول وسنن ~~أبي داود وغيرهما بلفظ ترسا بالمثناة من فوق وسكون الراء بعدها مهملة وهو ~~معروف . قوله: صفة النساء بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء أي الموضع المختص ~~بهن من المسجد، وصفة المسجد موضع مظلل منه. وحديث صفوان يدل على أن العفو ~~بعد الرفع إلى الامام لا يسقط به الحد، وهو مجمع عليه كما قدمنا ذلك في باب ~~الحث على PageV07P303 # إقامة الحد إذا ثبت والنهي عن الشفاعة فيه. وروي عن أبي حنيفة أنه يسقط ~~القطع بالعفو مطلقا، والحديث يرد عليه بقوله: فهلا كان قبل أن تأتيني به ~~الاخبار له عما ذكره من البيع أو الهبة أنهما إنما يصحان قبل الرفع إلى ~~الامام لا بعده، وفيه دليل على أن القطع يسقط بالعفو قبل الرفع وهو مجمع ~~عليه. وقد استدل بحديثي الباب من قال بعدم اشتراط الحرز، وقد سبق ذكرهم في ~~الباب الذي قبل هذا، ويرد بأن المسجد حرز لما داخله من آلته وغيرها، وكذلك ~~الصفة المذكورة في حديث ابن عمر، ولا سيما بعد أن جعل صفوان خميصته تحت ~~رأسه كما ثبت في الروايات. وأما جعل المسجد حرزا لآلته فقط فخلاف الظاهر، ~~ولو سلم ذلك كان غايته تخصيص الحرز ms3088 بمثل المسجد ونحوه مما يستوي الناس فيه ~~لما في ترك القطع في ذلك من المفسدة. وأما التمسك بعموم آية السرقة فلا ~~ينتهض للاستدلال به لأنه عموم مخصوص بالأحاديث القاضية باعتبار الحرز، ومما ~~يؤيد اعتباره قول صاحب القاموس: السرقة والاستراق المجئ مستترا لاخذ مال ~~غيره من حرز، فهذا إمام من أئمة اللغة جعل الحرز جزءا من مفهوم السرقة، ~~وكذا قال ابن الخطيب في تيسير البيان. # باب ما جاء في المختلس والمنتهب والخائن وجاحد العارية عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع رواه ~~الخمسة وصححه الترمذي. # الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه، وفي رواية له عن ابن ~~جريج عن عمرو بن دينا وأبي الزبير عن جابر وليس فيه ذكر الخائن. # ورواه ابن الجوزي في العلل من طريق مكي بن إبراهيم عن ابن جريج وقال: # لم يذكر فيه الخائن غير مكي. قال الحافظ: قد رواه ابن حبان من غير طريقه ~~فأخرجه من حديث سفيان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: ليس على المختلس ولا على ~~الخائن قطع وقال ابن أبي حاتم في العلل: لم يسمعه ابن جريج من أبي الزبير ~~إنما سمعه من ياسين بن معاذ الزيات وهو ضعيف، وكذا قال أبو داود. قال ~~الحافظ أيضا: وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر، وأسنده ~~النسائي من PageV07P304 # حديث المغيرة، ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن جريج أخبرني أبو ~~الزبير، قال النسائي: ورواه عيسى بن يونس والفضل بن موسى وابن وهب ومخلد بن ~~يزيد وجماعة فلم يقل واحد منهم عن ابن جريج حدثني أبو الزبير ولا أحسبه ~~سمعه عنه، وقد أعله ابن القطان بعنعنة أبي الزبير عن جابر، وأجيب بأنه قد ~~أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وصرح بسماع أبي الزبير من جابر. (وفي الباب) عن ~~عبد الرحمن بن عوف عند ابن ماجة بإسناد صحيح بنحو حديث الباب. وعن أنس عند ~~ابن ماجة أيضا والطبراني في الأوسط. ms3089 وعن ابن عباس عند ابن الجوزي في العلل ~~وضعفه، وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، ولا سيما بعد تصحيح الترمذي وابن ~~حبان لحديث الباب، وياسين الزيات هو الكوفي وأصله يمامي، قال المنذري: لا ~~يحتج بحديثه. والمغيرة بن مسلم هو السراج خراساني كنيته أبو سلمة قال ابن ~~معين: صالح الحديث صدوق. وقال أبو داود الطيالسي: إنه كان صدوقا، وقد ذهب ~~إلى أنه لا يقطع المختلس والمنتهب والخائن العترة والشافعية والحنفية، وذهب ~~أحمد وإسحاق وزفر والخوارج إلى أنه يقطع وذلك لعدم اعتبارهم الحرز كما سلف، ~~والمراد بالخائن هو من يأخذ المال خفية ويظهر النصح للمالك. والمنتهب هو من ~~ينتهب المال على جهة القهر والغلبة. والمختلس الذي يسلب المال على طريقة ~~الخلسة. وقال في النهاية: هو من يأخذه سلفا ومكابرة. # وعن ابن عمر قال: كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بقطع يدها رواه أحمد والنسائي وأبو داود وقال: فأمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقطعت يدها قال أبو داود: ورواه ابن أبي نجيح عن ~~نافع عن صفية بنت عبيد قال فيه: فشهد عليها. وعن عائشة قالت: كانت امرأة ~~مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقطع ~~يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيها فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أسامة لا أراك تشفع في حد ~~من حدود الله عز وجل، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا فقال: ~~إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، فقطع يد ~~المخزومية رواه أحمد ومسلم والنسائي. وفي رواية قال: استعارت PageV07P305 # امرأة يعني حليا على ألسنة ناس يعرفون ولا تعرف هي فباعته فأخذت فأتي بها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بقطع يدها، وهي التي شفع فيها أسامة بن ~~زيد وقال فيها رسول الله صلى ms3090 الله عليه وآله وسلم ما قال رواه أبو داود ~~والنسائي . حديث ابن عمر أخرجه أيضا أبو عوانة في صحيحه من طريق أيوب عن ~~نافع عنه. # وأخرجه أيضا النسائي وأبو عوانة من وجه آخر عن عبد الله بن عمر العمري عن ~~نافع عنه أيضا بلفظ: استعارت حليا. قوله: كانت مخزومية اسمها فاطمة بنت ~~الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو هي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد ~~الصحابي. قوله: # تستعير المتاع وتجحده في رواية لعبد الرزاق بسند صحيح إلى أبي بكر بن عبد ~~الرحمن: أن امرأة جاءت فقالت إن فلانة تستعير حليا فأعارتها فمكثت لا تراها ~~فجاءت إلى التي استعارت لها تسألها فقالت: ما استعرتك شيئا، فرجعت إلى ~~الأخرى فأنكرت ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدعاها فسألها ~~فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا فقال: اذهبوا إلى بيتها تجدوه ~~تحت فراشها، فأتوه وأخذوه فأمر بها فقطعت. قوله: فأتى أهلها أسامة فكلموه ~~في رواية للبخاري: أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من ~~يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. وجاء في رواية أن المخزومية المذكورة عاذت ~~بأم سلمة. وأخرج الحاكم موصولا وأبو داود مرسلا أنها عاذت بزينب بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. واستشكل ذلك بأن زينب ماتت في شهر جمادى من ~~السنة السابعة من الهجرة، وقصة المخزومية في غزوة الفتح سنة ثمان. وقيل: ~~المراد زينب بنت أم سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتكون نسبتها ~~إليه مجازا. وجاء في رواية لعبد الرزاق أنها عاذت بعمرو بن أبي سلمة. ~~والجمع بين الروايات أنها عاذت بأم سلمة وابنيها فشفعوا لها إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فلم يشفعهم فطلب الجماعة من قريش من أسامة الشفاعة ظنا ~~منهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبل شفاعته لمحبته له. قوله: لا ~~أراك تشفع في حد من ms3091 حدود الله فيه دليل على تحريم الشفاعة في الحدود، وهو ~~مقيد بما إذا كان قد وقع الرفع إلى الامام لا قبل ذلك فإنه جائز. وقد ورد ~~في بعض طرق هذا الحديث من مرسل حبيب بن أبي ثابت: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال لأسامة لما تشفع: # لا تشفع في حد فإن الحدود إذا انتهت إلي فليست بمتروكة وقد قدمنا في باب ~~الحث PageV07P306 # على إقامة الحدود والنهي عن الشفاعة فيه ما فيه أكمل دلالة على الفرق بين ~~الشفاعة في الحد قبل الرفع وبعده. قوله: إنما هلك من كان قبلكم. في رواية: ~~إنما هلك بنو إسرائيل وظاهر الحصر العموم، وأنه لم يقع الهلاك لمن قبل هذه ~~الأمة أو لبني إسرائيل إلا بهذا لسبب. وقيل: المراد من هلك بسبب تضييع ~~الحدود، فيكون المراد بالعموم هذا لنوع الخاص. # وفي حديث عائشة عند أبي الشيخ أنهم عطلوا الحدود عن الأغنياء وأقاموها ~~على الضعفاء. # ومثله ما في حديث الباب أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه الخ. وفي ~~حديث ابن عباس أنهم كانوا يأخذون الدية من الشريف إذا قتل عمدا والقصاص من ~~الضعيف. # قوله: فقطع يد المخزومية فيه دليل على أنه يقطع جاحد العارية، وإليه ذهب ~~من لم يشترط في القطع أن يكون من حرز وهو أحمد وإسحاق وزفر والخوارج كما ~~سلف. # وبه قال أهل الظاهر وانتصر له ابن حزم. وذهب الجمهور إلى عدم وجوب القطع ~~لمن جحد العارية، واستدلوا على ذلك بأن القرآن والسنة أوجبا القطع على ~~السارق ، والجاحد للوديعة ليس بسارق، ورد بأن الجحد داخل في اسم السرقة ~~لأنه هو والسارق لا يمكن الاحتراز منهما بخلاف المختلس والمنتهب، كذا قال ~~ابن القيم. ويجاب عن ذلك بأن الخائن لا يمكن الاحتراز عنه لأنه آخذ المال ~~خفية مع إظهار النصح كما سلف، وقد دل الدليل على أنه لا يقطع، وأجاب ~~الجمهور عن أحاديث الباب المذكورة في المخزومية بأن الجحد للعارية وإن كان ~~مرويا فيها من طريق عائشة وجابر وابن عمر وغيرهم، لكنه ورد التصريح ms3092 في ~~الصحيحين وغيرهما بذكر السرقة. وفي رواية من حديث ابن مسعود: أنها سرقت ~~قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه ابن ماجة والحاكم ~~وصححه وأبو الشيخ وعلقه أبو داود والترمذي. # ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليا، قالوا: والجمع ممكن بأن ~~يكون الحلي في القطيفة، فتقرر أن المذكورة قد وقع منها السرق، فذكر جحد ~~العارية لا يدل على أن القطع كان له فقط، ويمكن أن يكون ذكر الجحد لقصد ~~التعريف بحالها وأنها كانت مشتهرة بذلك الوصف والقطع كان للسرقة، كذا قال ~~الخطابي وتبعه البيهقي والنووي وغيرهما، ويؤيد هذا ما في حديث الباب من ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم ~~الشريف الخ، فإن ذكر هذا عقب ذكر المرأة المذكورة يدل على أنه قد وقع منها ~~السرق، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن النبي صلى الله PageV07P307 # عليه وآله وسلم نزل ذلك الجحد منزلة السرق فيكون دليلا لمن قال: إنه يصدق ~~اسم السرق على جحد الوديعة، ولا يخفى أن الظاهر من أحاديث الباب أن القطع ~~كان لأجل ذلك الجحد، كما يشعر به قوله في حديث ابن عمر بعد وصف القصة: فأمر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقطع يدها. وكذلك بقية الألفاظ المذكورة، ~~ولا ينافي ذلك وصف المرأة في بعض الروايات بأنها سرقت، فإنه يصدق على جاحد ~~الوديعة بأنه سارق كما سلف، فالحق قطع جاحد الوديعة، ويكون ذلك مخصصا ~~للأدلة الدالة على اعتبار الحرز. ووجهه أن الحاجة ماسة بين الناس إلى ~~العارية، فلو علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شئ عليه لجر ذلك إلى سد ~~باب العارية وهو خلاف المشروع. # باب القطع بالاقرار وأنه لا يكتفى فيه بالمرة عن أبي أمية المخزومي: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بلص فاعترف اعترافا ولم يوجد معه ~~المتاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أخالك سرقت، قال: ~~بلى مرتين أو ثلاثا، قال: ms3093 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقطعوه ~~ثم جيئوا به، قال: فقطعوه ثم جاؤوا به، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: قل أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم تب عليه رواه أحمد وأبو داود ~~وكذلك النسائي ولم يقل فيه مرتين أو ثلاثا وابن ماجة، وذكر مرة ثانية فيه ~~قال: ما أخالك سرقت، قال: بلى. وعن القاسم بن عبد الرحمن عن أمير المؤمنين ~~علي رضي الله عنه قال: لا يقطع السارق حتى يشهد على نفسه مرتين حكاه أحمد ~~في رواية منها واحتج به. # حديث أبو أمية قال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله ثقات. وقال الخطابي: إن ~~في إسناده مقالا، قال: والحديث إذا رواه رجل مجهول لم يكن حجة ولم يجب ~~الحكم به، قال المنذري: وكأنه يشير إلى أن أبا المنذر مولى أبي ذر لم يرو ~~عنه إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من رواية حماد بن سلمة عنه، ويشهد ~~له ما سيأتي في الباب PageV07P308 # الذي بعد هذا، وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة. منها عن أبي الدرداء ~~أنه أتي بجارية سرقت فقال لها: أسرقت؟ قولي لا فقالت لا فخلى سبيلها. وعن ~~عطاء عند عبد الرزاق أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق فيقول: أسرقت؟ ~~قل لا. # وسمى أبا بكر وعمر. وأخرج أيضا عن عمر بن الخطاب أتى برجل فسأله أسرقت؟ # قل لا فقال لا فتركه. وعن أبي هريرة عند ابن أبي شيبة أن أبا هريرة أتي ~~بسارق فقال أسرقت؟ قل لا مرتين أو ثلاثا. وعن أبي مسعود الأنصاري في جامع ~~سفيان أن امرأ سرقت جملا فقال: أسرقت؟ قولي لا. قوله: ما أخالك سرقت بفتح ~~الهمزة وكسرها أي أما أظنك سرقت، وفي ذلك دليل على أنه يستحب تلقين ما يسقط ~~الحد. قوله: مرتين أو ثلاثا استدل به من قال: إن الاقرار بالسرقة مرة واحدة ~~لا يكفي بل لا بد من الاقرار ms3094 مرتين أو ثلاثا، وأقل ما يلزم به القطع مرتان، ~~وإلى ذلك ذهبت العترة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد بن حنبل وإسحاق وروي ~~عن أبي يوسف. وذهب مالك والشافعية والحنفية وهو مروي عن أبي يوسف إلى أنه ~~يكفي الاقرار مرة، ويجاب عن الاستدلال بحديث أبي أمية المذكور أنه لا يدل ~~على اشتراط الاقرار مرتين، وإنما يد على أنه يندب له تلقين المسقط للحد عنه ~~والمبالغة في الاستثبات، ومما يدل على أن هذا هو المراد أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا أخالك سرقت ثلاث مرات في رواية، ولا قائل بأنه يشترط ~~ثلاث مرات، ولو كان مجرد الفعل يدل على الشرطية لكان وقوع التكرار منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات يقتضي اشتراطها، وقد تقدم في حديث المجن ~~ورداء صفوان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع، ولم ينقل في ذلك تكرير ~~الاقرار. وأما الاحتجاج بما روي عن علي عليه السلام كما ذكره المصنف فهو ~~وإن كانت الصيغة مشعرة باشتراط الاقرار مرتين لكنه لا تقوم به الحجة إلا ~~عند من يرى حجية قوله كما ذهب إليه بعض الزيدية. قوله: قل أستغفر الله فيه ~~دليل على مشروعية أمر المحدود بالاستغفار والدعاء له بالتوبة بعد استغفاره ~~PageV07P309 # باب حسم يد السارق إذا قطعت واستحباب تعليقها في عنقه عن أبي هريرة: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسول ~~الله إن هذا قد سرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أخاله ~~سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ~~ائتوني به، فقطع فأتي به فقال: تب إلى الله، قال: قد تبت إلى الله ، فقال: ~~تاب الله عليك رواه الدارقطني. وعن عبد الرحمن بن محيريز قال: سألنا فضالة ~~بن عبيد عن تعليق اليد في عنق السارق أمن السنة؟ قال: أتي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه ms3095 رواه الخمسة ~~إلا أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف. # حديث أبي هريرة أخرجه موصولا أيضا الحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان. ~~وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان بدون ذكر ~~أبي هريرة، ورجح المرسل ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد. وحديث عبد ~~الرحمن بن محيريز قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي ~~المقدمي عن الحجاج بن أرطأة، وعبد الرحمن بن محيريز هو أخو عبد الله بن ~~محيريز شامي انتهى. وقال النسائي: الحجاج بن أرطأة ضعيف لا يحتج بحديثه. # قال المنذري: وهذا الذي قاله النسائي قاله غير واحد من الأئمة. قوله: ثم ~~احسموه ظاهره أن الحسم واجب والمراد به الكي بالنار أي يكوى محل القطع ~~لينقطع الدم، لأن منافذ الدم تنسد به لأنه ربما استرسل الدم فيؤدي إلى ~~التلف، وذكر في البحر أنه إذا كره السارق الحسم لم يحسم له وجعله مندوبا ~~فقط مع رضاه، وفي كل من الطرفين نظر، أما الأول فلان ترك الحسم إذا كان ~~مؤديا إلى التلف وجب علينا عدم الإجابة له إلى ما يؤدي إلى تلفه. وأما ~~الثاني فلان ظاهر الحديث الوجوب لكونه أمرا ولا صارف له عن معناه الحقيقي، ~~ولا سيما مع كونه يؤدي الترك إلى التلف فإنه يصير واجبا من جهة أخرى قال في ~~البحر: وثمن الدهن وأجرة القطع من بيت المال ثم من مال السارق، فإن اختار ~~أن يقطع نفسه فوجهان، قال الإمام يحيى: لا يمكن كالقصاص وسائر PageV07P310 # الحدود، وقيل: يمكن لحصول الزجر انتهى. قوله: فعلقت في عنقه فيه دليل على ~~مشروعية تعليق يد السارق في عنقه، لأن في ذلك من الزجر ما لا مزيد عليه، ~~فإن السارق ينظر إليها مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وما جر إليه ذلك ~~الامر من الخسار بمفارقة ذلك العضو النفيس، وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة ~~اليد على تلك الصورة من الانزجار ما تنقطع به وساوسه الرديئة. وأخرج ~~البيهقي: أن عليا رضي الله عنه قطع سارقا فمروا ms3096 به ويده معلقة في عنقه. # باب ما جاء في السارق يوهب السرقة بعد وجوب القطع والشفع فيه عن عبد الله ~~بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: تعافوا الحدود فيما ~~بينكم فما بلغني من حد فقد وجب رواه النسائي وأبو داود. وعن عائشة: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير بن العوام ~~لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ~~ليرسله فقال: لا حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير إذا بلغت به السلطان ~~فلعن الله الشافع والمشفع رواه مالك في الموطأ. وعن عائشة: أن قريشا أهمتهم ~~المرأة المخزومية التي سرقت قالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فكلم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام ~~فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم ~~الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن ~~فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها متفق عليه. # حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضا الحاكم وصححه وسكت عنه أبو داود، وهو ~~من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال في الفتح: وسنده إلى عمرو بن ~~شعيب صحيح، والواقع فيما وقفنا عليه من نسخ هذا الكتاب عبد الله بن عمر ~~بدون واو ولعله غلط من الناسخ. وحديث عائشة الأول أخرجه أيضا النسائي وابن ~~عدي والعقيلي وقال: له طرق وليس فيها شئ يثبت، وذكره ابن طاهر في تخريج ~~أحاديث PageV07P311 # الشهاب من رواية عبد الله بن هارون بن موسى الفروي عن القعنبي عن ابن أبي ~~ذئب عن الزهري عن أنس وقال: الاسناد باطل والحمل فيه على الفروي. ورواه ~~الشافعي وابن ms3097 حبان في صحيحه وابن عدي أيضا والبيهقي من حديث عائشة بلفظ ~~أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم ولم يذكر ما بعده. قال الشافعي: وسمعت من أهل ~~العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجاوز للرجل من ذوي الهيئات عثرته ما لم ~~يكن حدا. وقال عبد الحق: ذكره ابن عدي في باب واصل بن عبد الرحمن الرقاشي ~~ولم يذكر له علة، قال الحافظ: وواصل هو أبو حرة ضعيف. وفي إسناد ابن حبان ~~أبو بكر بن نافع وقد نص أبو زرعة على ضعفه في هذا الحديث. (وفي الباب) عن ~~ابن عمر رواه أبو الشيخ في كتاب الحدود بإسناد ضعيف. وعن ابن مسعود رفعه: ~~تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله يأخذ بيده عند عثراته ورواه الطبراني في ~~الأوسط بإسناد ضعيف. وأثر الزبير المذكور أخرجه أيضا الطبراني قال في ~~الفتح: وإسناده منقطع مع وقفه، وهو عند ابن أبي شيبة بسند حسن عن الزبير. ~~وفي حديث عبد الله بن عمرو دليل على مشروعية المعاناة في الحدود قبل الرفع ~~إلى الامام لا بعده، وقد تقدم الكلام على ذلك. # وحديث عائشة فيه دليل على أنه يشرع إقالة أرباب الهيئات إن وقعت منهم ~~الزلة نادرا، والهيئة صورة الشئ وشكله وحالته ومراده أهل الهيئات الحسنة، ~~والعثرات جمع عثرة والمراد بها الزلة كما وقع في الرواية المذكورة. قال ~~الشافعي: وروي الهيئات الذي يقالون عثراتهم الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل ~~أحدهم الزلة. وقال الماوردي في تفسير العثرات المذكورة وجهان: أحدهما ~~الصغائر. والثاني أول معصية زل فيها مطيع. والمراد بقوله إلا الحدود أي ~~فإنها لا تقال بل تقام على ذي الهيئة وغيره بعد الرفع إلى الامام، وأما ~~قبله فيستحب الستر مطلقا لما في حديث أبي هريرة عند الترمذي من حديث: ومن ~~ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة وأخرجه أيضا الحاكم ورواه ~~الترمذي من حديث ابن عمر ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث مسلمة بن ~~مخلد مرفوعا من ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة وروى ابن ~~ماجة عن ابن ms3098 عباس مرفوعا: من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم ~~القيامة. ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته. قوله: # فلعن الله الشافع والمشفع فيه التشديد في الشفاعة في الحدود بعد الرفع، ~~وقد تقدم PageV07P312 # الكلام على حديث المخزومية الذي ذكره المصنف . باب في حد القطع وغيره هل ~~يستوفى في دار الحرب أم لا؟ # عن بسر بن أرطأة: أنه وجد رجلا يسرق في الغزو فجلده ولم يقطع يده وقال: ~~نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القطع في الغزو رواه أحمد وأبو ~~داود والنسائي وللترمذي منه المرفوع. وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا ~~تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر رواه عبد ~~الله بن أحمد في مسند أبيه. # حديث بسر بن أرطأة سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: غريب ورجال إسناده ~~عند أبي داود ثقات إلى بسر. وفي إسناد الترمذي ابن لهيعة، وفي إسناد ~~النسائي بقية بن الوليد، واختلف في صحبة بسر المذكور، وهو بضم الباء ~~الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها راء قرشي عامري كنيته أبو عبد الرحمن، ~~فقيل له صحبة، وقيل لا صحبة له، وأن مولده بعد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين لا يحسن الثناء عليه. قال ~~المنذري: وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له. ونقل في الخلاصة عن ابن معين ~~أنه قال: # لا صحبة له وأنه رجل سوء ولي اليمن وله بها آثار قبيحة انتهى. ونقل عبد ~~الغني أن حديثه في الدعاء فيه التصريح بسماعه من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وقد غمزه الدارقطني، ولا يرتاب منصف أن الرجل ليس بأهل للرواية، وقد ~~فعل في الاسلام أفاعيل لا تصدر عمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، كما تضمنت ~~ذلك كتب التاريخ المعتبرة، فثبوت صحبته لا يرف القدح عنه على ما هو المذهب ~~الراجح، بل ms3099 هو إجماع لا يختلف فيه أهل العلم، كما حققنا ذلك في غير هذا ~~الموضع، وحققه العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في تنقيحه، ولكن إذا كان ~~المناط في قبول الرواية هو تحري الصدق وعدم الكذب فلا ملازمة بين القدح في ~~العدالة وعدم قبول الرواية، وهذا يتمشى على قول من قال: إن الكفر والفسق ~~مظنة تهمة لا من قال إنهما سلب أهلية على ما تقرر في الأصول. وحديث عبادة ~~بن الصامت أخرج أوله الطبراني في الأوسط PageV07P313 # والكبير، قال في مجمع الزوائد: وأسانيد أحمد وغيره ثقات، يشهد لصحته ~~عمومات الكتاب والسنة وإطلاقاتهما، لعدم الفرق فيها بين القريب والبعيد ~~والمقيم والمسافر، ولا معارضة بين الحديثين، لأن حديث بسر أخص مطلقا من ~~حديث عبادة فيبنى العام على الخاص، وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة ~~أعم مطلقا من الغزو المذكور في حديث بسر، لأن المسافر قد يكون غازيا وقد لا ~~يكون، وأيضا حديث بسر في حد السرقة وحديث عبادة في عموم الحد. وقوله: فجلده ~~فيه إجمال لعدم ذكر عدد الجلد، والظاهر أن أمر ذلك إلى الامام كسائر ~~التعزيرات. # كتاب حد شارب الخمر عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي برجل ~~قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر ~~استشار الناس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين متفق عليه. وعن ~~عقبة بن الحرث قال: جئ بالنعمان أو ابن النعمان شاربا فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من كان في البيت أن يضربوه فكنت فيمن ضربه فضربناه ~~بالنعال والجريد. وعن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي إمرة أبي بكر وصدرا من إمرة عمر، فنقوم ~~إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان صدرا من إمرة عمر فجلد فيها ms3100 ~~أربعين حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين رواهما أحمد والبخاري. وعن أبي ~~هريرة قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل قد شرب فقال: اضربوه، ~~فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصر ~~ف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان ~~رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وعن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان ~~أتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما ~~حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال PageV07P314 # عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم ~~يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد عليه فقال: ~~يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ~~ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ~~ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي رواه مسلم وفيه من الفقه أن للوكيل أن يوكل، ~~وأن الشهادتين على شيئين إذ آل معناهما إلى شئ واحد جمعنا جائزة كالشهادة ~~على البيع والاقرار به، أو على القتل والاقرار به. # قوله: قد شرب الخمر اعلم أن الخمر يطلق على عصير العنب المشتد إطلاقا ~~حقيقيا إجماعا، واختلفوا هل يطلق على غيره حقيقة أو مجازا؟ وعلى الثاني هل ~~مجاز لغة كما جزم به صاحب المحكم. قال صاحب الهداية من الحنفية: الخمر ~~عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل ~~العلم انتهى. أو من باب القياس على الخمر الحقيقية عند من يثبت التسمية ~~بالقياس. وقد صرح في الراغب أن الخمر عند البعض اسم لكل مسكر، وعند بعض ~~للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، ورجح أن كل شئ يستر ~~العقل يسمى خمرا، لأنها سميت بذلك لمخامرتها للعقل وسترها له، وكذا قال ~~جماعة من أهل اللغة منهم الجوهري وأبو نصر القشيري والدينوري وصاحب ms3101 ~~القاموس، ويؤيد ذلك أنها حرمت بالمدينة، وما كان شرابهم يومئذ إلا نبيذ ~~البسر والتمر، ويؤيده أيضا أن الخمر في الأصل الستر، ومنه خمار المرأة لأنه ~~يستر وجهها والتغطية، ومنه: خمروا آنيتكم أي غطوها، والمخالطة ومنه خامره ~~داء أي خالطه والادراك، ومنه اختمر العجين أي بلغ وقت إدراكه، قال ابن عبد ~~البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر، لأنها تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت ~~خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. ونقل عن ابن الاعرابي أنه قال: # سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها. قال ~~الخطابي: # زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب فيقال لهم: إن الصحابة ~~الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم ~~صحيحا لما أطلقوه انتهى. ويجاب بإمكان أن يكون ذلك الاطلاق الواقع منهم ~~شرعيا، لا لغويا وأما الاستدلال على اختصاص الخمر بعصير العنب بقوله تعالى: ~~* (إني أراني أعصر خمرا) * (يوسف: 36) ففاسد PageV07P315 # لأن الصيغة لا دليل فيها على الحصر المدعي، وذكر شئ بحكم لا ينفي ما ~~عداه. وقد روى ابن عبد البر عن أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث ~~كلهم أن كل مسكر خمر. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على ~~صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب ~~وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة ~~العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة، لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الامر ~~بالاجتناب تحريم كل ما يسكر ، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما ~~يتخذ من غيره، بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا ولم ~~يستفصلوا ولم يشكل عليهم شئ من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير ~~عصير العنب، وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم تردد ~~لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم وقد أخرج أحمد في مسنده ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ms3102 وآله وسلم قال: من الحنطة خمر ، ومن ~~الشعير خمر، ومن التمر خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر وروي أيضا أنه ~~خطب عمر على المنبر وقال: ألا إن الخمر قد حرمت وهي من خمسة: من العنب ~~والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وهو في الصحيحين ~~وغيرهما وهو من أهل اللغة. وتعقب بأن ذلك يمكن أن يكون إطلاقا للاسم الشرعي ~~لا اللغوي فيكون حقيقة شرعية قال ابن المنذر: القائل بأن الخمر من العنب ~~وغيره عمر وعلي وسعد وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة. ومن ~~غيرهم ابن المسيب والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث. وحكاه في البحر ~~عن الجماعة المذكورين من الصحابة إلا أبا موسى وعائشة، وعن المذكورين من ~~غيرهم إلا ابن المسيب وزاد: العترة ومالكا والأوزاعي وقال: إنه يكفر مستحل ~~خمر الشجرتين ويفسق مستحل ما عداهما ولا يكفر لهذا الخلاف. ثم قال فرع: ~~وتحريم سائر المسكرات بالسنة والقياس فقط، إذ لا يسمى خمرا إلا مجازا، وقيل ~~بهما وبالقرآن لتسميتها خمرا في حديث: أن من التمر خمرا الخبر. وقول أبي ~~موسى وابن عمر: الخمر ما خامر العقل قلنا مجاز انتهى. وقد ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما أحاديث منها ما هو بلفظ كل مسكر خمر كل مسكر حرام ومنها ما هو ~~بلفظ: كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومنها ما هو بلفظ: كل شراب أسكر فهو حرام ~~وهذا لا يفيد المطلوب وهو كونها PageV07P316 # حقيقة في غير عصير العنب أو مجازا، لأن هذه الأحاديث غاية ما يثبت بها أن ~~المسكر على عمومه يقال له خمر ويحكم بتحريمه، وهذه حقيقة شرعية لا لغوية. ~~وقد صرح الخطابي بمثل هذا وقال: إن مسمى الخمر كان مجهولا عند المخاطبين ~~حتى بينه الشارع بأنه ما أسكر، فصار ذلك كلفظ الصلاة والزكاة وغيرهما من ~~الحقائق الشرعية، وقد عرفت ما سلف عن أهل اللغة من الخلاف. قوله: فجلد ~~بجريدتين نحو أربعين الجريد سعف النخل، وفي ذلك دليل على مشروعية أن يكون ~~الجلد بالجريد وإليه ذهب بعض الشافعية، ms3103 وقد صرح القاضي أبو الطيب ومن تبعه ~~بأنه لا يجوز بالسوط، وصرح القاضي حسين بتعين السوط واحتج بأنه إجماع ~~الصحابة، وخالفه النووي في شرح مسلم فقال: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد ~~والنعال وأطراف الثياب ثم قال: # والأصح جوازه بالسوط. وحكى الحافظ عن بعض المتأخرين أنه يتعين السوط ~~للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. ~~وهذه الرواية مصرحة بأن الأربعين كانت بجريدتين. وفي رواية للنسائي: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضربه بالنعال نحوا من أربعين. وفي رواية ~~لأحمد والبيهقي: فأمر نحوا من عشرين رجلا فجلده كل واحد جلدتين بالجريد ~~والنعال. فيجمع بأن جملة الضربات كانت نحو أربعين إلا أن كل جلدة بجريدتين، ~~وهذا الجمع باعتبار مجرد الضرب بالجريد وهو مبين لما أجمل في الرواية ~~المذكورة في حديث أنس بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر ~~بالجريد والنعال. وكذلك ما في سائر الروايات المجملة، ولكن الجمع بين الضرب ~~بالجريد والنعال في روايات الباب يدل على أن الضرب بهما غير مقدر بحد، ~~لأنها إذا كانت الضربات بالجريد مقدرة بذلك المقدار فلم يأت ما يدل على ~~تقدير الضربات بالنعال إلا رواية النسائي المتقدمة فإنها مصرحة أن الضرب ~~كان بالنعال فقط نحوا من أربعين. وورد أيضا الضرب بالأردية كما في رواية ~~السائب بن يزيد المذكورة. وفي حديث علي المذكور في جلد الوليد تصريح بأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين، وهو يخالف ما سيأتي من حديثه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسن في ذلك سنة، ويمكن الجمع بأن المراد ~~بالسنة المذكورة في الحديث الآتي هي الطريقة المستمرة، وفعل الأربعين في ~~مرة واحدة لا يستلزم أن يكون ذلك سنة مع عدم الاستمرار كما في سائر ~~الروايات. وقيل: تحمل PageV07P317 # رواية الأربعين على التقريب دون التحديد. ويمكن الجمع أيضا بما سيأتي أنه ~~جلد الوليد بسوط له طرفان فكان الضرب باعتبار المجموع أربعين، وبالنظر إلى ~~الحاصل من كل واحد من الطرفين ثمانين، وقد ضعف الطحاوي ms3104 هذه الرواية التي ~~فيها التصريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين لعبد الله بن ~~فيروز، أو يجاب بأنه قد قوي الحديث البخاري كما روي ذلك الترمذي عنه. ووثق ~~عبد الله المذكور أبو زرعة والنسائي، وإخراج مسلم له دليل على أنه من ~~المقبولين. وقال ابن عبد البر: إن هذا الحديث أثبت شئ في هذا الباب. واستدل ~~الطحاوي على ضعف الحديث بقوله فيه وكل سنة الخ. قال: لأن عليا لا يرجح فعل ~~عمر على فعل النبي بناء منه، على أن قول علي وهذا أحب إلى إشارة إلى ~~الثمانين التي فعلها عمر، وليس الامر كذلك بل المشار إليه هو الجلد الواقع ~~بين يديه في تلك الحال وهو أربعون كما يشعر بذلك الظاهر ، ولكنه يشكل من ~~وجه آخر وهو أن الكل من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر لا يكون ~~سنة بل السنة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط. وقد قيل: إن المراد ~~أن ذلك جائز قد وقع لا محذور فيه، ويمكن أن يقال: إن إطلاق السنة على فعل ~~الخلفاء لا بأس به لما في حديث العرباض بسارية عند أهل السنن بلفظ: عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ الحديث، ويمكن أن ~~يقال: المراد بالسنة الطريقة المألوفة، وقد ألف الناس ذلك في زمن عمر، كما ~~ألفوا الأربعين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أبي بكر. قوله: ~~أخف الحدود ثمانين هكذا ثبت بالياء، قال ابن دقيق العيد: حذف عامل النصب ~~والتقدير اجعله ثمانين وقيل التقدير أجده ثمانية. وقيل: التقدير أرى أن ~~نجعله ثمانين. قوله: النعمان أو ابن النعمان هكذا في نسخ هذا الكتاب مكبرا، ~~وفي صحيح البخاري: النعيمان أو ابن النعيمان بالتصغير. قوله: وعن حضين بضم ~~الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة. قوله: لا تعينوا عليه الشيطان في ذلك ~~دليل على أنه لا يجوز الدعاء على من أقيم عليه الحد لما في ذلك من إعانة ~~الشيطان عليه، وقد تقدم في حديث جلد الأمة النهي ms3105 للسيد عن التثريب عليها، ~~وتقدم أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر السارق بالتوبة فلما تاب ~~قال: تاب الله عليك. وهكذا ينبغي أن يكون الامر في سائر المحدودين. قوله: ~~إنه لم يتقيأها حتى شربها فيه دليل على أنه يكفي في ثبوت حد الشرب شاهدان: ~~أحدهم PageV07P318 # يشهد على الشرب والآخر على القئ، ووجه الاستدلال بذلك أنه وقع بمجمع من ~~الصحابة ولم ينكر، وإليه ذهب مالك والناصر والقاسمية. وذهبت الشافعية ~~والحنفية إلى أنه لا يكفي ذلك للاحتمال لامكان أن يكون المتقيئ لها مكرها ~~على شربها أو نحو ذلك. قوله: ول حارها بحاء مهملة وبعد الألف راء مشددة قال ~~في القاموس: والحار من العمل شاقه وشديده اه. وقارها بالقاف وبعد الألف راء ~~مشددة أي ما لا مشقة فيه من الأعمال، والمراد ول الأعمال الشاقة من تولي ~~الأعمال التي لا مشقة فيها، استعار للمشقة الحر ولما لا مشقة فيه البرد. ~~قوله: جمعتا بضم الجيم وفتح الميم والعين لفظ تأكيد للشهادتين: كما يقال ~~جمع لتأكيد ما فوق الاثنتين، وفي بعض النسخ جميعا وهو الصواب. (والأحاديث) ~~المذكورة في البا ب فيها دليل على مشروعية حد الشرب، وقد ادعى القاضي عياض ~~الاجماع على ذلك. وقال في البحر مسألة: ولا ينقص حده عن الأربعين إجماعا. ~~وذكر أن الخلاف إنما هو في الزيادة على الأربعين. وحكى ابن المنذر والطبري ~~وغيرهما عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير، ~~واستدلوا بالأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعن الصحابة من ~~الضرب بالجريد والنعال والأردية، وبما أخرجه عبد الرزاق عن الزهري أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يفرض في الخمر حدا وإنما كان يأمر من حضره أن ~~يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم: ارفعوا. وأخرج أبو داود والنسائي ~~بسند قوي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوقت في الخمر ~~حدا وبما سيأتي في باب من وجد منه سكر أو ريح. وأجيب بأنه قد انعقد إجماع ~~الصحابة ms3106 على جلد الشارب، واختلافهم في العدد إنما هو بعد الاتفاق على ثبوت ~~مطلق الجلد، وسيأتي في الباب المشار إليه الجواب عن بعض ما تمسكوا به. وقد ~~ذهبت العترة ومالك والليث وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في قوله إلى أن حد ~~السكران ثمانون جلدة وذهب أحمد وداود وأبو ثور والشافعي في المشهور عنه إلى ~~أنه أربعون لأنها هي التي كانت في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أبي ~~بكر وفعلها علي في زمن عثمان كما سلف، واستدل الأولون بأن عمر جلد ثمانين ~~بعدما استشار الصحابة كما سلف، وبما سيأتي عن علي أنه أفتى بأنه يجلد ~~ثمانين، وبما في حديث أنس المذكور: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد ~~في الخمر نحو أربعين بجريدتين. (والحاصل) أن دعوى إجماع الصحابة غير مسلمة، ~~فإن اختلافهم في ذلك قبل إمارة عمر وبعدها وردت PageV07P319 # به الروايات الصحيحة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الاقتصار على مقدار معين، بل جلد تارة بالجرير، وتارة بالنعال، وتارة بهما ~~فقط، وتارة بهما مع الثياب، وتارة بالأيدي والنعال، والمنقول من المقادير ~~في ذلك إنما هو بطريق التخمين ولهذا قال أنس: نحو أربعين، والجزم المذكور ~~في رواية علي بالأربعين يعارضه ما سيأتي من أنه ليس في ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم سنة، فالأولى الاقتصار على ما ورد عن الشارع من ~~الأفعال وتكون جميعها جائزة، فأيها وقع فقد حصل به الجلد المشروع الذي ~~أرشدنا إليه صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل والقول كما في حديث: من شرب ~~الخمر فاجلدوه وسيأتي، فالجلد المأمور به هو الجلد الذي وقع منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومن الصحابة بين يديه، ولا دليل يقتضي تحتم مقدار معين لا ~~يجوز غيره. (لا يقال) الزيادة مقبولة فيتعين المصير إليها وهي رواية ~~الثمانين. # لأنا نقول: هي زيادة شاذة لم يذكرها إلا ابن دحية فإنه قال في كتاب وهج ~~الجمر في تحريم الخمر: صح عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أكتب في المصحف ms3107 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر ثمانين، وقد قال الحافظ في ~~التلخيص: أنه لم يسبق ابن دحية إلى تصحيحه. وحكى ابن الطلاع أن في مصنف عبد ~~الرزاق أنه صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر أربعين، وورد من طريق لا ~~تصح أنه جلد ثمانين انتهى. وهكذا ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن ~~أزهر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بجلد الشارب أربعين فإنه قال ابن أبي ~~حاتم في العلل: سأل أبي عنه فقال: لم يسمعه الزهري عن عبد الرحمن بل عن ~~عقيل بن خالد عنه، ولو صح لكان من جملة الأنواع التي يجوز فعلها، إلا أنه ~~هو المتعين لمعارضة غيره له، على أنه قد رواه الشافعي عن عبد الرحمن ~~المذكور بلفظ: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشارب فقال: اضربوه ~~فضربوه بالأيدي والنعال ومن ذلك حديث أبي سعيد عند الترمذي. وقال حسن: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين وسيأتي. ~~ومما يؤيد عدم ثبوت مقدار معين عنه صلى الله عليه وآله وسلم طلب عمر ~~للمشورة من الصحابة فأشاروا عليه بآرائهم، ولو كان قد ثبت تقديره عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما جهله جميع أكابر الصحابة. # وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما كنت PageV07P320 # لأقيم حدا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر فإنه لو ~~مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنه متفق عليه، ~~وهو لأبي داود وابن ماجة وقالا فيه: لم يسن فيه شيئا إنما قلناه نحن، قلت: ~~ومعنى لم يسنه يعني لم يقدره ويوقته بلفظه ونطقه. وعن أبي سعيد قال: جلد ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر بنعلين أربعين، فلما ~~كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا رواه أحمد. وعن عبيد الله بن عدي بن ~~الخيار أنه قال لعثمان: ms3108 قد أكثر الناس في الوليد، فقال: سنأخذ منه بالحق إن ~~شاء الله تعالى، ثم دعا أمير المؤمنين عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين ~~مختصرا من البخاري، وفي رواية له أربعين، ويتوجه الجمع بينهما بما رواه أبو ~~جعفر محمد بن علي: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جلد ~~الوليد بسوط له طرفان رواه الشافعي في مسنده. # وعن أبي سعيد قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل نشوان ~~فقال: إني لم أشرب خمرا إنما شربت زبيبا وتمرا في دباءة، قال: فأمر به فنهز ~~بالأيدي وخفق بالنعال، ونهى عن الدباء، ونهى عن الزبيب والتمر يعني أن ~~يخلطا رواه أحمد. وعن السائب بن يزيد: أن عمر خرج عليهم فقال: إني وجدت من ~~فلان ريح شراب فزعم أنه شرب الطلاء وأني سائل عما شرب، فإن كان مسكرا ~~جلدته، فجلده عمر الحد تاما رواه النسائي والدارقطني. وعن أمير المؤمنين ~~علي رضي الله عنه في شرب الخمر قال: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا ~~هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة رواه الدارقطني ومالك بمعناه. وعن ابن ~~شهاب أنه سئل عن حد العبد في الخمر فقال: بلغني أن عليه نصف حد الحر في ~~الخمر، وأن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر جلدوا عبيدهم نصف الحد في الخمر ~~رواه مالك في الموطأ. # حديث أبي سعيد الأول أخرجه الترمذي وحسنه قال: (وفي الباب) عن علي وعبد ~~الرحمن بن أزهر وأبي هريرة والسائب وابن عباس وعقبة بن الحرث انتهى. وأثر ~~أبي جعفر محمد بن علي فيه انقطاع. وحديث أبي سعيد الثاني أصله في صحيح ~~مسلم. # وأخرج الشيخان عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن ~~ينبذ التمر والزبيب جميعا، وأن ينبذ الرطب والبسر جميعا وأخرج نحوه مسلم عن ~~أبي هريرة وابن عمر وابن عباس واتفقا عليه من حديث أبي قتادة بلفظ: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجمع بين التمر والزهر والتمر ~~والزبيب، ولينبذ كل منهما ms3109 PageV07P321 # على حدة، والنهي عن الانتباذ في الدباء أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن الدباء ~~والحنتم والنقير والمقير وأخرج نحوه الشيخان من حديث ابن عباس في قصة وفد ~~عبد القيس. ولهما أيضا عن أنس: نهى عن الدباء والمزفت. وللبخاري عن ابن أبي ~~أوفى: نهى عن المزفت والحنتم والنقير. ولهما عن علي: في النهي عن الدباء ~~والمزفت. ولعائشة عند مسلم: نهى وفد عبد القيس أن ينتبذوا في الدباء ~~والنقير والمزفت والحنتم انتهى. والدباء هو القرع، والحنتم هو الجرار ~~الخضر، والنقير هو أصل الجذع ينقر ويتخذ منه الاناء، والمزفت هو المطلي ~~بالزفت، والمقير هو المطلي بالقار. وأثر عمر رواه النسائي من طريق الحرث بن ~~مسكين وهو ثقة عن ابن القاسم يعني عبد الرحمن صاحب مالك، وهو ثقة أيضا عن ~~مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن عمر، والسائب له صحبة. وأثر علي ~~الآخر أخرجه أيضا الشافعي وهو من طريق ثور بن زيد الديلي ولكنه منقطع لأن ~~ثورا لم يلحق عمر بلا خلاف، ووصله النسائي والحاكم فروياه عن ثور عن عكرمة ~~عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة ولم يذكر ابن ~~عباس، وقد أعل هذا بما تقدم في أول الباب أن عمر استشار الناس فقد عبد ~~الرحمن: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. قال في التلخيص: ولا يقال يحتمل أن ~~يكون علي وعبد الرحمن أشارا بذلك جميعا لما ثبت في صحيح مسلم عن علي في جلد ~~الوليد بن عقبة أنه جلده أربعين وقال: جلد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة. وهذا أحب إلي، فلو ~~كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر ولم يعمل، لكن يمكن أن يقال إنه ~~قال لعمر باجتهاد ثم تغير اجتهاده، ولهذا الأثر طرق منها ما تقدم ومنها ما ~~أخرجه الطبري والطحاوي والبيهقي، وفيه: أن رجلا من بني كلب يقال له ms3110 ابن ~~وبرة أخبره أن خالد بن الوليد بعثه إلى عمر وقال له: إن الناس قد انهمكوا ~~في الخمر واستخفوا العقوبة فقال عمر لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي فذكر مثل ~~ما تقدم وأخرج نحوه عبد الرزاق عن عكرمة. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد ~~الرحمن السلمي عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية ~~الكريمة فاستشار فيهم فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين وإلا ~~ضربت أعناقهم لأنهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ~~ثمانين. وأثر ابن شهاب فيه انقطاع PageV07P322 # لأنه لم يدرك عمر ولا عثمان. قوله: فإنه لو مات وديته في هذا الحديث دليل ~~على أنه إذا مات رجل بحد من الحدود لم يلزم الامام ونائبه الأرش ولا القصاص ~~إلا حد الشرب. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب الشافعي وأحمد بن حنبل ~~والهادي والقاسم والناصر وأبو يوسف ومحمد إلى أنه لا شئ فيمن مات بحد أو ~~قصاص مطلقا من غير فرق بين حد الشرب وغيره. وقد حكى النووي الاجماع على ذلك ~~وفيه نظر، فإنه قد قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى أنها تجب الدية على العاقلة ~~كما حكاه في البحر، وأجابا بأن عليا لم يرفع هذه المقالة إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بل أخرجها مخرج الاجتهاد، وكذلك يجاب عن رواية عبيد بن ~~عمير أن عليا وعمر قالا: من مات من حد أو قصاص فلا دية له الحق قتله. ورواه ~~بنحوه ابن المنذر عن أبي بكر واحتجا بأن اجتهاد بعض الصحابة لا يجوز به ~~إهدار دم امرئ مسلم مجمع على أنه لا يهدر. وقد أجيب عن هذا بأن الهدر ما ~~ذهب بلا مقابل له ودم المحدود مقابل للذنب، ورد بأن المقابل للذنب عقوبة لا ~~تفضي إلى القتل، وتعقب هذا الرد بأنه تسبب بالذنب إلى ما يفضي إلى القتل في ~~بعض الأحوال فلا ضمان. # وأما من مات بتعزير فذهب الجمهور إلى أنه يضمنه الامام، وذهبت الهادوية ~~إلى أنه لا شئ فيه كالحد. ms3111 وحكى النووي عن الجمهور من العلماء أنه لا ضمان ~~فيمن مات بتعزير لا على الامام ولا على عاقلته ولا في بيت المال. وحكي عن ~~الشافعي أنه يضمنه الامام ويكون على عاقلته. قوله: لم يسنه قد قدمنا الجمع ~~بين هذا وبين روايته السابقة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين. ~~قوله: فجلده ثمانين هذا يخالف ما تقدم في أول الباب أن عليا أمر بجلده ~~أربعين، وظاهر هذه الرواية أنه جلده بنفسه وأن جملة الجلد ثمانون، وقد جمع ~~المصنف بين الروايتين بما ذكره من رواية أبي جعفر، ولا بد من الجمع بمثل ~~ذلك، لأن حمل ذلك على تعدد الواقعة بعيد جدا، فإن المحدود في القصتين واحد ~~وهو الوليد بن عقبة وكان ذلك بين يدي عثمان في حضرة علي. قوله: نشوان بفتح ~~النون وسكون الشين قال في القاموس: # رجل نشوان ونشيان سكران بين النشوة انتهى. قوله: في دباءة بضم الدال ~~وتشديد الباء الموحدة واحدة الدباء وهي الآنية التي تتخذ منه. قوله: # نهز بضم النون وكسر الهاء بعدها زاي وهو الدفع باليد، قال في القاموس: # نهزه كمنعه ضربه ودفعه. قوله: ونهى عن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا، ~~PageV07P323 # فيه دليل على أنه لا يجوز الجمع بين الزبيب والتمر وجعلهما نبيذا، وسيأتي ~~الكلام على ذلك في كتا ب الأشربة إن شاء الله تعالى. قوله: فزعم أنه شرب ~~الطلاء هي الخمرة اللذيذة على ما في القاموس. قوله: إذا شرب سكر الخ، اعلم ~~أن معنى هذا الأثر لا يتم إلا بعد تسليم أن كل شارب خمر يهذي بما هو ~~افتراء، وأن كل مفتر يجلد ثمانين جلدة والكل ممنوع، فإن الهذيان إذا كان ~~ملازما للسكر فلا يلازمه الافتراء لأنه نوع خاص من أنواع ما يهذو به ~~الانسان، والجلد إنما يلزم من افترى افتراء خاصا وهو القذف لا كل مفتر، ~~وهذا مما لا خلاف فيه، فكيف صح مثل هذا القياس؟ فإن قال قائل: إنه من باب ~~الاخراج للكلام على الغالب فذلك أيضا ممنوع، فإن أنواع الهذيان بالنسبة إلى ms3112 ~~الافتراء وأنواع الافتراء بالنسبة إلى القذف هي الغالبة بلا ريب، وقد تقرر ~~في علم المعاني أن أصل إذا الجزم بوقوع الشرط، ومثل هذا الامر النادر مما ~~يبعد الجزم بوقوعه باعتبار كثرة الافراد المشاركة له في ذلك الاسم وغلبتها، ~~وللقياس شروط مدونة في الأصول لا تنطبق على مثل هذا الكلام، ولكن مثل أمير ~~المؤمنين رضي الله عنه ومن بحضرته من الصحابة الأكابر هم أصل الخبرة ~~بالأحكام الشرعية ومداركها. قوله: بلغني أن عليه نصف حد الحر قد ذهب إلى ~~التنصيف للعبد في حد الزنا والقذف والشرب الأكثر من أهل العلم، وذهب ابن ~~مسعود والليث والزهري وعمر بن عبد العزيز إلى أنه يستوي الحر والعبد في ذلك ~~لعموم الأدلة، ويجاب بأن القرآن مصرح في حد الزنا بالتنصيف قال الله تعالى: ~~* (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) * (النساء: 25) ويلحق بالإماء ~~العبيد، ويلحق بحد الزنا سائر الحدود، وهذا قياس صحيح لا يختلف في صحته من ~~أثبت العمل بالقياس. # باب ما ورد في قتل الشارب في الرابعة وبيان نسخه عن عبد الله بن عمرو ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن ~~عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه، قال عبد الله: # ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله رواه أحمد. وعن ~~معاوية: PageV07P324 # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا ~~شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم رواه الخمسة إلا النسائي، ~~قال الترمذي: إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن ~~إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه، قال: ثم أتي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله. وعن ~~الزهري عن قبيصة بن ذؤيب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من شرب ~~الخمر فاجلدوه، فإن ms3113 عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو ~~الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به ~~فجلده، ثم أتي به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة رواه أبو داود وذكره الترمذي ~~بمعناه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن سكر ~~فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه رواه الخمسة ~~إلا الترمذي، وزاد أحمد: قال الزهري فأتي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بسكران في الرابعة فخلى سبيله. # حديث ابن عمرو أخرجه أيضا الحرث بن أبي أسامة في مسنده من طريق الحسن ~~البصري، ورواه من طريقه ابن حزم، والحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو فهو ~~منقطع، وقد جزم بعدم سماعه منه ابن المديني وغيره، ووقع في نسخة من هذا ~~الكتاب عبد الله بن عمر بدون واو والصواب إثباتها. وحديث معاوية قال ~~البخاري: # هو أصح ما في هذا الباب، وأخرجه أيضا الشافعي والدارمي وابن المنذر وابن ~~حبان وصححه من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد ~~والمحفوظ أنه عن معاوية، وأخرجه أبو داود من رواية أبان العطار وفيه: فإن ~~شربوا يعني بعد الرابعة فاقتلوهم. ورواه أيضا أبو داود من حديث ابن عمر ~~قال: # وأحسبه قال في الخامسة، ثم إن شربها فاقتلوه قال: وكذا في حديث غطيف في ~~الخامسة. وحديث جابر أخرجه أيضا النسائي. وحديث قبيصة بن ذؤيب أخرجه أيضا ~~الشافعي وعبد الرزاق وعلقه الترمذي. وأخرجه أيضا الخطيب عن ابن إسحاق عن ~~الزهري عن قبيصة، قال سفيان بن عيينة: حدث الزهري بهذا وعنده منصور بن ~~المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث ~~PageV07P325 # وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة ولد عام الفتح، وقيل: إنه ولد أول سنة ~~من الهجرة، ولم يذكر له سماع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعده ~~الأئمة من التابعين وذكروا أنه سمع الصحابة، قال المنذري: وإذا ثبت أن ~~مولده ms3114 أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وقد قيل: إنه أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو غلام يدعو ~~له، وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه ~~الأمة وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة انتهى ورجال الحديث مع إرساله ثقات ~~وأعله الطحاوي بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال: بلغني عن ~~قبيصة ولم يذكر أنه سمع منه، وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال: أخبرني ~~الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويونس ~~أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي. وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر مثله. ~~وأما حديث أبي هرير فقد قدمنا من أخرجه ومن صححه. وفي الباب عن الشريد بن ~~أوس الثقفي عند أحمد والأربعة والدارمي والطبراني وصححه الحاكم. وعن شرحبيل ~~الكندي عند أحمد والطبراني وابن منده ورجاله ثقات. وعن أبي الرمداء براء ~~مهملة مفتوحة وميم ساكنة ودال مهملة وبالمد عند الطبراني وابن منده وفي ~~إسناده ابن لهيعة وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بضرب عنقه ~~وأنه ضرب عنقه. فإن ثبت هذا كان فيه رد على من يقول: إن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم يعمل به. (وقد اختلف العلماء) هل يقتل الشارب بعد ~~الرابعة أو لا؟ فذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه يقتل، ونصره ابن حزم واحتج له ~~ودفع دعوى الاجماع على عدم القتل وهذا هو ظاهر ما في الباب عن ابن عمرو. ~~وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الشارب وأن القتل منسوخ. قال الشافعي: والقتل ~~منسوخ بهذا الحديث وغيره يعني حديث قبيصة ابن ذؤيب، ثم ذكر أنه لا خلاف في ~~ذلك بين أهل العلم. وقال الخطابي: قد يرد الامر كالوعيد ولا يراد به الفعل ~~وإنما يقصد به الردع والتحذير، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا ~~ثم نسخ بحصول الاجماع من الأمة على أنه ms3115 لا يقتل انتهى. وحكى المنذري عن بعض ~~أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على أنه ~~لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة قالت: يقتل بعد حده أربع مرات للحديث ~~وهو عند الكافة منسوخ انتهى. وقال الترمذي: إنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين ~~أهل PageV07P326 # العلم في القديم والحديث. وذكر أيضا في آخر كتابه الجامع في العلل أن ~~جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث إذا سكر فاجلدوه ~~المذكور في الباب. وحديث الجمع بين الصلاتين. وقد احتج من أثبت القتل بأن ~~حديث معاوية المذكور متأخر عن الأحاديث القاضية بعدم القتل لأن إسلام ~~معاوية متأخر. # وأجيب عن ذلك بأن تأخر إسلام الراوي لا يستلزم تأخر المروي لجواز أن يروي ~~ذلك عن غيره من الصحابة المتقدم إسلامهم على إسلامه. وأيضا قد أخرج الخطيب ~~في المبهمات عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة أنه قال في حديثه السابق: ~~فأتى برجل من الأنصار يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن ~~القتل قد أخر. # وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن سهيل وفيه قال: فحدثت به ابن المنكدر فقال: ~~قد ترك ذلك. وقد أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بابن النعيمان ~~فجلده ثلاثا ، ثم أتى به الرابعة فجلده ولم يزده. وقصة النعيمان أو ابن ~~النعيمان كانت بعد الفتح لان عقبة بن الحرث حضرها، فهي إما بحنين وإما ~~بالمدينة، ومعاوية أسلم قبل الفتح أو في الفتح على الخلاف وحضور عقبة كان ~~بعد الفتح. # باب من وجد منه سكر أو ريح خمر ولم يعترف عن ابن عباس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يقت في الخمر حدا. وقال ابن عباس: شرب رجل فسكر ~~فلقي يميل في الفج فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما حاذى ~~بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فضحك وقال: أفعلها ولم يأمر فيه بشئ ms3116 رواه أحمد وأبو داود وقال: ~~هذا مما تفرد به أهل المدينة. وعن علقمة قال: كنت بحمص فقرأ ابن مسعود سورة ~~يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: # والله لقرأتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أحسنت، ~~فبينما هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ ~~فضربه الحد متفق عليه. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي وقوى الحافظ إسناده. قوله: لم يقت ~~PageV07P327 # من التوقيت أي لم يقدره بقدر ولا حده بحد. وقد استدل بهذا الحديث من قال: ~~إن حد السكر غير واجب وأنه غير مقدور وإنما هو تعزير فقط كما تقدم. وأجيب ~~عن هذا بأنه قد وقع الاجماع من الصحابة على وجوبه. وحديث ابن عباس المذكور ~~قد قيل إنه كان قبل أن يشرع الجلد ثم شرع الجلد، والأولى أن يقال: إن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما لم يقم على ذلك الرجل الحد لكونه لم يقر لديه ~~ولا قامت عليه بذلك الشهادة عنده، وعلى هذا بوب المصنف، فيكون في ذلك دليل ~~على أنه لا يجب على الامام أن يقيم الحد على شخص بمجرد إخبار الناس له أنه ~~فعل ما يوجبه ، ولا يلزمه البحث بعد ذلك لما قدمنا من مشروعية الستر ~~وأولوية ما يدرأ الحد على ما يوجبه، وأثر ابن مسعود المذكور فيه متمسك لمن ~~يجوز للامام والحاكم، ومن صلح أن يقيم الحدود إذا علم بذلك، وإن لم يقع من ~~فاعل ما يوجبها إقرار ولا قامت عليه البينة به. وقد خالف في أصل حكم الحاكم ~~بما علم مطلقا شريح والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق ~~والشافعي في قول له فقالوا: لا يجوز له أن يقضي بما علم مطلقا. وقال الناصر ~~والمؤيد بالله في قول له والشافعي في قول له أيضا: أنه يجوز للحاكم أن يحكم ~~بعلمه في كل شئ من غير فرق بين الحد وغيره. وذهبت العترة إلى أنه يحكم ~~بعلمه في الأموال دون الحدود إلا في حد القذف فإنه ms3117 يحكم فيه بعلمه، ويدل ~~على ذلك ما أخرجه البخاري تعليقا أن عمر قال لعبد الرحمن: لو رأيت رجلا على ~~حد فقال: # أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين قال أصبت، وصله البيهقي. ويؤيده حديث: ~~لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها في قصة الملاعنة وقد تقدم، فإن ذلك ~~يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم زناها. # باب ما جاء في قدر التعزير والحبس في التهم عن أبي بردة بن نيار أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى رواه الجماعة إلا ~~النسائي. # وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس ~~رجلا في تهمة ثم خلى عنه رواه الخمسة إلا ابن ماجة. PageV07P328 # حديث أبي بردة مع كونه متفقا عليه قد تكلم في إسناده ابن المنذر والأصيلي ~~من جهة الاختلاف فيه. وقال البيهقي: قد أقام عمرو بن الحرث إسناده فلا يضره ~~تقصير من قصر فيه. وقال الغزالي: صححه بعض الأئمة وتعقبه الرافعي في ~~التذنيب فقال: أراد بقوله بعض الأئمة صاحب التقريب، ولكن الحديث أظهر من أن ~~تضاف صحته إلى فرد من الأئمة فقد صححه البخاري ومسلم. وحديث بهز بن حكيم ~~حسنه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح الاسناد ثم أخرج له شاهدا من حديث أبي ~~هريرة وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس في تهمة يوما وليلة وقد ~~تقدم الاختلاف في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. قوله: # لا يجلد روي بفتح الياء في أوله وكسر اللام. وروي أيضا بضم الياء وفتح ~~اللام. وروي بصيغة النهي مجزوما، وبصيغة النفي مرفوعا. قوله: فوق عشرة ~~أسواط في رواية: فوق عشر ضربات. قوله: إلا في حد المراد به ما ورد عن ~~الشارع مقدرا بعدد مخصوص كحد الزنا والقذف ونحوهما. وقيل: المراد بالحد هنا ~~عقوبة المعصية مطلقا لا الأشياء المخصوصة. فإن ذلك التخصيص إنما هو من ~~اصطلاح الفقهاء. وعرف الشرع ms3118 إطلاق الحد على كل عقوبة لمعصية من المعاصي ~~كبيرة أو صغيرة. # ونسب ابن دقيق العيد هذه المقالة إلى بعض المعاصرين له، وإليها ذهب ابن ~~القيم وقال: المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه ~~الصغير، واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات ~~المخصوصة، ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف: أن أخف الحدود ثمانون، كما ~~تقدم في كتاب حد شارب الخمر. وقد ذهب إلى العمل بحديث الباب جماعة من أهل ~~العلم منهم الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية. وذهب أبو ~~حنيفة والشافعي وزيد بن علي والمؤيد بالله والامام يحيى إلى جواز الزيادة ~~على عشرة أسواط، ولكن لا يبلغ إلى أدنى الحدود. وذهب الهادي والقاسم ~~والناصر وأبو طالب إلى أنه يكون في كل موجب للتعزير دون حد جنسه. وإلى مثل ~~ذلك ذهب الأوزاعي وهو مروي عن محمد بن الحسن الشيباني. وقال أبو يوسف: # إنه ما يراه الحاكم بالغا ما بلغ. وقال مالك وابن أبي ليلى: أكثره خمسة ~~وسبعون، هكذا حكى ذلك صاحب البحر. والذي حكاه النووي عن مالك وأصحابه وأبي ~~ثور PageV07P329 # وأبي يوسف ومحمد أنه إلى رأي الامام بالغا ما بلغ. وقال الرافعي: الأظهر ~~أنها تجوز الزيادة على العشرة، وإنما المراعى النقصان عن الحد، قال: وأما ~~الحديث المذكور فمنسوخ على ما ذكره بعضهم، واحتج بعمل الصحابة بخلافه من ~~غير إنكار انتهى. # وقال البيهقي عن الصحابة آثار مختلفة في مقدار التعزير، وأحسن ما يصار ~~إليه في هذا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ذكر حديث أبي بردة ~~المذكور في الباب. قال الحافظ: فتبين بما نقله البيهقي عن الصحابة أن لا ~~اتفاق على عمل في ذلك، فكيف يدعي نسخ الحديث الثابت ويصار إلى ما يخالفه من ~~غير برهان؟ وسبق إلى دعوى عمل الصحابة بخلافه الأصيلي وجماعة وعمدتهم كون ~~عمر جلد في الخمر ثمانين، وأن الحد الأصلي أربعون والباقية ضربها تعزيرا، ~~لكن حديث علي السابق يدل على أن عمر إنما ضرب ثمانين ms3119 معتقدا أنه الحد، وأما ~~النسخ فلا يثبت إلا بدليل. # وذكر بعض المتأخرين أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، ~~كالسيد يضرب عبده، والزوج يضرب زوجته، والأب ولده، والحق العمل بما دل عليه ~~الحديث الصحيح المذكور في الباب، وليس لمن خالفه متمسك يصلح للمعارضة. وقد ~~نقل القرطبي عن الجمهور أنهم قالوا بما دل عليه. وخالفه النووي فنقل عن ~~الجمهور عدم القول به، ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فلا ينبغي ~~لمنصف التعويل على قول أحد عند قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر قوله: في تهمة بضم ~~التاء وسكون الهاء وقد تفتح في لغة وهي فعلة من الوهم والتاء بدل من الواو، ~~واتهمته إذا ظننت فيه ما نسب إليه، وفيه دليل على أن الحبس كما يكون حبس ~~عقوبة يكون حبس استظهار في غير حق، بل لينكشف به بعض ما وراءه، وقد بوب أبو ~~داود على هذا الحديث فقال: باب في الحبس في الدين وغيره وذكر معه حديث عمرو ~~بن الشريد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ولي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته وقد تقدم. وذكر أيضا حديث الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: ~~أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغريم لي فقال لي: ألزمه، ثم قال: يا ~~أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك؟. وأخرجه أيضا ابن ماجة. قال في البحر ~~مسألة: وندب اتخاذ سجن للتأديب واستيفاء الحقوق PageV07P330 # لفعل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وعمر وعثمان ولم ينكر، وكذلك الدرة ~~والسوط لفعل عمر وعثمان. (فرع) ويجب حبس من عليه الحق للايفاء إجماعا إن ~~طلب لحبسه صلى الله عليه وآله وسلم من أعتق شقصا في عبد حتى غرم لشريك ~~قيمته وكذلك التقييد انتهى. والحديث الذي ذكره أخرجه البيهقي وهو منقطع. # باب المحاربين وقطاع الطريق عن قتادة عن أنس: أن ناسا من عكل وعرينة ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وآله ms3120 وسلم وتكلموا بالاسلام فاستوخموا ~~المدينة، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذود وراع وأمرهم أن ~~يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة ~~كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستاقوا ~~الذود، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر ~~بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على ~~حالهم رواه الجماعة. وزاد البخاري: قال قتادة بلغنا أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة وفي رواية لأحمد ~~والبخاري وأبي داود قال قتادة: فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل ~~الحدود وللبخاري وأبو داود في هذا الحديث: فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع ~~أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ثم ألقوا في الحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا. ~~وفي رواية النسائي: فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبهم. # وعن سليمان التيمي عن أنس قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة رواه مسلم والنسائي والترمذي. وعن أبي ~~الزناد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه ~~وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك فأنزل: * (إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا) * (المائدة: 33) ~~الآية. رواه أبو داود والنسائي. وعن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا ~~وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، ~~وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم PageV07P331 # من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض رواه الشافعي ~~في مسنده. # حديث أبي الزناد مرسل، وقد سكت عنه أبو داود، ولم يذكر المنذري له علة ~~غير إرساله، ورجال هذا المرسل رجال الصحيح، وقد وصله أبو الزناد من طريق ~~عبد الله بن عبيد الله بن عمر عن عمر كما في سنن أبي داود في الحدود، ~~ويؤيده ما أخرجه أبو داود ms3121 والنسائي من حديث ابن عباس: أن ناسا أغاروا على ~~إبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وارتدوا عن الاسلام وقتلوا راعي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا فبعث في آثارهم فأخذوا فقطع ~~أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم قال: فنزلت فيهم آية المحاربة. وعند البخاري ~~وأبي داود عن أبي قلابة أنه قال في العرنيين: # فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله، وهو ~~يشير إلى أنهم سبب الآية. وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الآية ~~نزلت في العرنيين. # وأثر ابن عباس في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وهو ضعيف عن صالح ~~مولى التوأمة عن ابن عباس وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن سعيد العوفي عن ~~آبائه إلى ابن عباس في قوله: * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) * ~~(المائدة: 33) قال: إذا حارب فقتل فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته، ~~فإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب، وإن لم يقتل فعليه قطع اليد والرجل ~~من خلاف، وإذا حارب وأخاف السبيل فإنما عليه النفي ورواه أحمد بن حنبل في ~~تفسيره عن أبي معاوية عن عطية به نحوه. وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد حسن ~~عن ابن عباس أنه قال : * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض إلى غفور رحيم) * نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل ~~أن يقدروا عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه وفي إسناده علي ~~بن الحسن بن واقد وفيه مقال. # قوله: من عكل وعرينة في رواية للبخاري: من عكل أو عرينة بالشك. ورواية ~~الكتاب هي الصواب كما قال الحافظ. ويؤيدها ما رواه أبو عوانة والطبري من ~~طريق سعيد ابن بشير عن قتادة عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من ~~عكل. وزعم الداودي وابن التين أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان ~~متغايرتان، فعكل PageV07P332 # من عدنان وعرينة ms3122 من قحطان. وعكل بضم العين المهملة وإسكان الكاف قبيلة من ~~تيم الرباب، وعرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرا حي من قضاعة وحي ~~من بجيلة والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه ~~الطبري من وجه آخر عن أنس، ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة بإسناد ~~ساقط أنهم من بني فزارة وهو غلط، لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ~~ولا مع عرينة أصلا. وذكر ابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي ~~قرد وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، ~~وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما. قوله: فاستوخموا المدينة في رواية: ~~اجتووا المدينة قال ابن فارس: اجتويت المدينة إذا كرهت المقام فيها وإن كنت ~~في نعمة. وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة. ~~وقال القزاز : اجتووا أي لم يوافقهم طعامها. وقال ابن العربي: الجوى داء ~~يأخذ من الوباء، ورواية استوخموا بمعنى هذه الرواية. وللبخاري في الطب من ~~رواية ثابت عن أنس: أن ناسا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آونا وأطعمنا ~~فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة والظاهر أنهم قدموا سقاما فلما صحوا من ~~السقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال ~~الشديد والجهد من الجوع كما رواه أبو عوانة عن أنس أنه كان بهم هزال شديد، ~~وعنده من رواية أبي سعيد مصفرة ألوانهم، وأما الوخم الذي شكوا منه بعد أن ~~صحت أجسامهم فهو من حمى المدينة كما رواه أحمد عن أنس. وذكر البخاري في ~~الطب عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الله أن ينقلها إلى ~~الجحفة. قوله: فأمر لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذود وراع قد تقدم ~~تفسير الذود في الزكاة. وفي رواية للبخاري وغيره: فأمرهم بلقاح أي أمرهم أن ~~يلحقوا بها. وفي أخرى له: فأمر لهم بلقاح، واللقاح بكسر اللام وبعدها قاف ~~وآخره مهملة النوق ذوات الألبان واحدتها ms3123 لقحة بكسر اللام وإسكان القاف. ~~قوله: فليشربوا من أبوالها استدل به من قال بطهارة أبوال الإبل وقاس سائر ~~المأكولات عليها. وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل الكتاب. قوله: # بناحية الحرة هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة. قوله: وقتلوا راعي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسمه يسار بياء تحتانية ثم مهملة خفيفة كما ~~ذكره PageV07P333 # الطبراني وابن إسحاق في السيرة. وفي لفظ لمسلم: أنهم قتلوا أحد الراعيين ~~وجاء الآخر قد جزع فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. قال الحافظ: ولم ~~أقف على اسم الراعي الآتي بالخبر والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف ~~روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبعث ~~الطلب في آثارهم. ذكر ابن إسحاق عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث خيلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهري، وكرز بضم الكاف ~~وسكون الراء بعدها زاي، وفي رواية للنسائي: فبعث في طلبهم قافة أي جمع ~~قايف، ولمسلم أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلا وبعث معهم قائفا ~~يقتص آثارهم. وفي مغازي موسى بن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، وذكر ~~غيره أنه سعد بن زيد الأشهلي والأول أنصاري، ويمكن الجمع بأن كل واحد منهما ~~أمير قومه وكرز أمير الجميع. وفي رواية للطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد ~~الله البجلي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه في آثارهم وإسناده ~~ضعيف، والمعروف أن جريرا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة. قوله: فأمر بهم ~~فيه حذف تقديره فأدركوا فأخذوا فجئ بهم فأمر بهم. وفي رواية للبخاري: فلما ~~ارتفع النهار جئ بهم. قوله: فسمروا أعينهم بالسين المهملة وتشديد الميم. ~~وفي رواية للبخاري: وسمرت أعينهم. وفي رواية لمسلم: وسمل أعينهم بتخفيف ~~الميم واللام، قال الخطابي: السمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب، قال: # وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت، قال: والسمل فق ء ~~العين بأي شئ كان، قال أبو ذؤيب الهذلي : والعين ms3124 بعدهم كأن حداقها سملت * ~~بشوك فهي عورا تدمع وقد وقع التصريح بمعنى السمر في الرواية المذكورة في ~~الباب بلفظ: فأمر بمسامير الخ. قوله: وما حسمهم أي لم يكو ما قطع منهم ~~بالنار لينقطع الدم بل تركه ينزف. قوله: يستسقون فما سقوا في رواية ~~للبخاري: ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا وفي أخرى له: يعضون الحجارة وفي أخرى ~~له في الطب قال أنس: فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت. وفي ~~رواية لأبي عوانة من هذا الوجه: يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر ~~والشدة. قوله: وصلبهم حكي في الفتح عن الواقدي أنهم صلبوا، قال: والروايات ~~الصحيحة ترده لكن عند أبي PageV07P334 # عوانة عن أنس فصلب اثنين وقطع اثنين وسمل اثنين، وهذا يدل على أنهم ستة ~~فقط، وقد تقدم ما يدل على أنهم سبعة. وفي البخاري في الجهاد عن أنس: أن ~~رهطا من عكل ثمانية. قوله: لأنهم سملوا أعين الرعاة فيه دليل على أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك بهم اقتصاصا لما فعلوه بالرعاة، وإلى ~~ذلك مال جماعة منهم ابن الجوزي وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المثلة وقعت في ~~حقهم من جهات وليس في الحديث إلا السمل فيحتاج إلى ثبوت البقية. وقد نقل ~~أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ. قال ابن ~~شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل ~~مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ . ويجاب عن هذا ~~التعقب بحديث أبي الزناد المذكور، فإن معاتبة الله لرسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم تدل على أن ذلك الفعل غير جائز. ويؤيده ما أخرجه البخاري في ~~الجهاد في حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الاذن فيه. وقصة ~~العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الاذن ثم النهي عنه. ويؤيده أيضا ما ~~في الباب عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. وأصرح من الجميع ~~ما في الباب عن ms3125 قتادة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك نهى عن ~~المثلة وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي، ~~واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للاجماع على أن من وجب عليه القتل ~~فاستسقى لا يمنع. وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم انتهى. وتعقب بأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم اطلع على ذلك وسكت والسكوت كاف في ثبوت الحكم. وأجاب النووي بأن ~~المحارب المرتد لا حرمة له فسقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من معه ماء ~~لطهارته فقط لا يسقي المرتد ويتيمم بل يستعمله ولو مات المرتد عطشا. وقال ~~الخطابي: إنما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم ذلك لأنه أراد بهم ~~الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل ~~التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم. قوله: وعن ابن عباس في قطاع ~~الطريق أي الحكم فيهم هو المذكور. وقد حكي في البحر عن ابن عباس والمؤيد ~~بالله وأبي طالب والحنفية والشافعية أن الآية أعني قوله تعالى: * (إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) * (المائدة: 33) نزلت في قطاع الطريق ~~المحاربين. وعن ابن عمر والهادي أنها نزلت PageV07P335 # في العرنيين، ويدل على ذلك حديث أبي الزناد المذكور في الباب. وحكى ~~المؤيد بالله وأبو طالب عن قوم أنها نزلت في المشركين، ورد ذلك بالاجماع ~~على أنه لا يفعل بالمشركين كذلك، ويدفع هذا الرد بما أخرجه أبو داود ~~والنسائي عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين وقد دعا له النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعلم التأويل. وقد ذهب أكثر العترة والفقهاء إلى أن المحارب ~~هو من أخاف السبيل في غير المصر لاخذ المال، وسواء أخاف المسلمين أو ~~الذميين. قال الهادي وأبو حنيفة: إن قاطع الطريق في المصر أو القرية ليس ~~محاربا للحوق الغوث بل مختلسا أو منتهبا. وفي رواية عن مالك: إذا كانوا على ~~ثلاثة أميال من المصر ms3126 أو القرية فمحاربون لا دون ذلك إذ يلحقه الغوث. وفي ~~رواية أخرى عن مالك: لا فرق بين المصر وغيره لأن الآية لم تفصل. # وبه قال الأوزاعي وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد والشافعي والناصر والامام ~~يحيى، وإذا لم يكن قد أحدث المحارب غير الإخافة عزره الامام فقط. قال أبو ~~طالب وأصحاب الشافعي: ولا نفي مع التعزير، وأثبته المؤيد بالله، فإن وقع ~~منه القتل فقط فذهبت العترة والشافعي إلى أنه يقتل فقط. وعن أبي حنيفة: ليس ~~بمحارب إن قتل بمثقل، فإن قتل وأخذ المال فذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد والهادي والمؤيد بالله وأبو طالب إلى أنه يقتل ويصلب ولا قطع ~~لدخوله في القتل. وقال الناصر وأبو العباس: بل يخير الامام بين أن يصلب ~~ويقتل، أو يقتل ثم يصلب، أو يقطع ثم يقتل ، أو يقطع ويقتل ويصلب، لأن أو ~~للتخيير. وقال مالك: إذا شهروا السلاح وأخافوا لزمهم ما في الآية. وقال ~~الحسن البصري وابن المسيب ومجاهد: إذا أخافوا خير الامام بين أن يقتل فقط ~~أو يقتل ويصلب، أو يقطع الرجل واليد فقط، أو يحبس فقط لأجل التخيير. وقال ~~أبو الطيب بن سلمة من الشافعية وحصله صاحب الوافي للهادي: # أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا قطعوا للمال ثم قتلوا للقتل ثم طلبوا، للجمع ~~بين الاخذ والقتل. قال أبو حنيفة والهادوية: فإن قتل وجرح قتل فقط لدخول ~~الجرح في القتل. # وقال الشافعي: بل يجرح ثم يقتل إذ هما جنايتان، والنفي المذكور في الآية ~~هو طرد سنة عند الهادي والشافعي وأحمد والمؤيد بالله وأبي طالب. وقال ~~الناصر وأبو حنيفة وأصحابه: بل الحبس فقط إذ القصد دفع أذاه. وإذا كان ~~المحاربون جماعة واختلفت جناياتهم فذهبت العترة والشافعي إلى أنه يحد كل ~~واحد منهم بقدر جنايته. PageV07P336 # وقال أبو حنيفة: بل يستوون إذ المعين كالقاتل. واختلفوا هل يقدم الصلب ~~على القتل أو العكس؟ فذهب الشافعي والناصر والامام يحيى إلى أنه يقدم الصلب ~~على القتل، إذ المعنى يقتلون بالسيف أو بالصلب. وقال الهادي وأبو حنيفة وهو ~~مروي عن الشافعي ms3127 رحمه الله، أنه لا صلب قبل القتل لأنه مثله. وجعل الهادي ~~أو بمعنى الواو ولذلك قال بتقدم القتل على الصلب. وقال بعض أصحاب الشافعي: ~~يصلب قبل القتل ثلاثا ثم ينزل فيقتل. وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا: يصلب ~~حتى يموت جوعا وعطشا. # وقال أبو يوسف والكرخي: يصلب قبل القتل ويطعن في لبته وتحت ثديه الأيسر ~~ويخضخض حتى يموت. وروى الرازي عن أبي بكر الكرخي أنه لا معنى للصلب بعد ~~القتل. واختلفوا في مقدار الصلب فقال الهادي: حتى تنتثر عظامه. وقال ابن ~~أبي هريرة: # حتى يسيل صديده. وقال بعض أصحاب الشافعي: ثلاثا في البلاد الباردة، وفي ~~الحارة ينزل قبل الثلاث. وقال الناصر والشافعي: ينزل بعد الثلاث ثم يقتل إن ~~لم يمت ويغسل ويصلى عليه إن تاب. وقد رجح صاحب البحر أن الآية للتخيير ~~وتكون العقوبة بحسب الجنايات، وأن التقدير أن يقتلوا إذا قتلوا، ويصلبوا ~~بعد القتل إذا قتلوا وأخذوا المال، وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا ~~فقط، أو ينفوا من الأرض إذا أخافوا فقط، إذ محاربة الله ورسوله بالفساد في ~~الأرض متنوعة كذلك، وهو مثل تفسير ابن عباس المذكور في الباب. وقال صاحب ~~المنار: إن الآية تحتمل التخيير احتمالا مرجوحا. قال: والظاهر أن المراد ~~حصر أنواع عقوبة المحاربة مثل: * (إنما الصدقات للفقراء) * (التوبة: 60) ~~الآية. قال: وهو مثل ما قاله صاحب البحر يعني في كلامه الذي ذكرناه قبل ~~هذا. ورجح صاحب ضوء النهار اختصاص أحكام المحارب بالكافر لتتم فوائد وتندفع ~~مفاسد ثم ذكر ذلك، وهو كلام رصين لولا أنه قصر للعام على السبب المختلف في ~~كونه هو السبب، وللعلماء في تفصيل أحكام المحاربين أقوال منتشرة مبسوطة في ~~كتب الخلاف، وقد أوردنا منها في هذا الشرح طرفا مفيدا. PageV07P337 # باب قتال الخوارج وأهل البغي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سيخرج قوم في آخر ~~الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز ~~إيمانهم حناجرهم يمرقون من ms3128 الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما ~~لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة متفق عليه. وعن ~~زيد بن وهب: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع أمير المؤمنين علي الذين ~~ساروا إلى الخوارج فقال علي: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم ~~بشئ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ، يقرؤون القرآن ~~يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان ~~نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له ~~عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات بيض، قال: فتذهبون ~~إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله ~~إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في ~~سرح الناس، فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب ~~منزلا منزلا حتى قال: مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد ~~بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف ~~أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف ~~وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ ~~إلا رجلان، فقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: التمسوا فيهم المخدج ~~فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل ~~بعضهم على بعض قال: أخروهم فوجده مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ ~~رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين الله الذي لا ~~إله إلا هو أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال إي ~~والله الذي PageV07P338 # لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له ms3129 رواه أحمد ومسلم . قوله: ~~باب قتال الخوارج هم جمع خارجة أي طائفة سموا بذلك لخروجهم عن الدين ~~وابتداعهم أو خروجهم عن خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في ~~الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة ~~عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتلته أو مواطأته كذا قال، وهو ~~خلاف ما قاله أهل الأخبار فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم ~~عثمان بل كانوا ينكرون عليه شيئا ويتبرؤون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق ~~أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم القراء ~~لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم يتأولون القرآن على غير ~~المراد منه ويستبدون بآرائهم ويبالغون في الزهد والخشوع، فلما قتل عثمان ~~قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من ~~قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد ~~أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة ~~عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك فبلغ عليا فخرج إليهم فوقعت ~~بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير ~~بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان ~~بالاتفاق. ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان ~~علي أرسل إليه أن يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما، وأنها ~~تجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته ، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ~~والتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما ~~دخل فيه الناس وحاكمهم إلي أحكم فيهم بالحق، فلما طال الامر خرج علي في أهل ~~العراق طالبا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا لقتاله، ~~فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهم أشهرا، وكاد معاوية وأهل الشام أن ينكسروا ~~فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا: ندعوكم إلى كتاب الله ms3130 تعالى، وكان ذلك ~~بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية، فترك القتال جمع كثير ممن كان مع علي ~~خصوصا القراء بسبب ذلك تدينا. واحتجوا بقوله تعالى، * (ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم) * (آل عمران: 33) ~~الآية. فراسلوا PageV07P339 # أهل الشام في ذلك فقالوا: ابعثوا حكما منكم وحكما منا ويحضر معهما من لم ~~يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ~~ذلك الطائفة التي صارت خوارج وفارقوا عليا وهم ثمانية آلاف، وقيل كانوا ~~أكثر من عشرة آلاف، وقيل ستة آلاف، ونزلوا مكانا يقال له حروراء بفتح الحاء ~~المهملة وراءين مهملتين الأولى مضمومة، ومن ثم قيل لهم الحرورية، وكان ~~كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري، وشيث ~~بفتح الشين المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي، فأرسل إليهم علي ابن ~~عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي فأطاعوه ودخلوا معه ~~الكوفة ومعهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك ~~رجعوا معه، فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جانب المسجد: لا حكم ~~إلا لله، فقال : كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاث أن لا ~~نمنعكم من المساجد ولا من رزقكم من الفئ ولا نبدأكم بقتال ما لم تحدثوا ~~فسادا، وخرجوا شيئا بعد شئ إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم علي في الرجوع ~~فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم ~~راسلهم أيضا فأرادوا قتل رسوله، ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم ~~يكفر ويباح دمه وماله وأهله، واستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من ~~المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت واليا لعلي على بعض تلك ~~البلاد ومعه سريته وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فبلغ عليا ~~فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم في ~~النهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولا قتل ms3131 ممن معه إلا نحو العشرة، ~~فهذا ملخص أول أمرهم، ثم انضم إلى من بقي منهم ممن مال إلى رأيهم فكانوا ~~مختفين في خلافة علي حتى كان منهم ابن ملجم لعنه الله الذي قتل عليا رضي ~~الله عنه بعد أن دخل في صلاة الصبح. ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت ~~منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النخيلة وكانوا منقمعين في ~~إمارة زياد وابنه طول مدة ولاية معاوية وابنه يزيد لعنهم الله، وظفر زياد ~~وابنه بجماعة منهم فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق ~~وولي الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا PageV07P340 # بعض أهل الشام وثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام ثم مصر، ~~فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق وباليمامة منجدة بن عامر، ~~وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو ~~اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم ~~المحصن وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال ~~حيضها، وكفروا من ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرا وإن لم ~~يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن ~~أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا، وفتكوا في المنتسبين إلى الاسلام ~~بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة، ومنهم من يدعو ~~أولا ثم يفتك، ولم يزل البلاء بهم إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على ~~قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم ، ثم لم يزل منهم بقايا في طول ~~الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب، وقد صنف في ~~أخبارهم أبو مخنف بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه لوط ~~بن يحيى كتابا لخصه الطبري في تاريخه، وصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي ~~كتابا، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابا كبيرا، ~~وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه ms3132 الكامل لكن بغير أسانيد بخلاف ~~المذكورين من قبله، هذا خلاصة معتقد الخوارج. والسبب الذي لأجله خرجوا وهو ~~مجمع عليه عند علماء الاخبار وبه يتبين بطلان ما حكاه الرافعي في كلامه ~~السالف. وقد وردت بما ذكرنا من أصل حال الخوارج أخبار جياد، منها ما أخرجه ~~عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وأخرج نحوه الطبري عن يونس عن الزهري، وأخرج ~~نحو ذلك ابن أبي شيبة عن أبي رزين، قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج ~~صنفان أحدهم يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم ~~كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا. وقال ~~غيره: بل الصنف الأول متفرع عن الصنف الثاني، لأن الحامل لهم على تكفير ~~أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نجدة بن عامر ~~الحروري من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار ومن أدمن ~~PageV07P341 # على صغيرة فهو كمن ارتكب الكبيرة في التخليد في النار. وذكر أن منهم من ~~غلا في معتقدهم الفاسد فأنكر الصلوات الخمس وقال: الواجب صلاة بالغداة ~~وصلاة بالعشي. ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت. ومنهم من ~~أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ~~عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في المقالات: عدة ~~فرق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوأهم حالا الغلاة المذكورون، ~~وأقربهم إلى قول أهل الحق الأباضية، وقد بقيت منهم بقية بالمغرب. قال ~~الغزالي في الوسيط تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أن حكمهم حكم ~~أهل الردة. والثاني أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول. قال في الفتح: ~~وليس الذي قاله مطردا في كل خارجي فإنهم على قسمين: أحدهما من تقدم وذكره. ~~والثاني من خرج في طلب الملك لا للادعاء إلى معتقده. وهم على قسمين أيضا: ~~قسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء ~~أهل حق ومنهم ms3133 الحسين بن علي رضي الله عنه وأهل المدينة في وقعة الحرة، ~~والقراء الذين خرجوا على الحجاج. وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت لهم ~~فيه شبهة أو لا وهم البغاة، وسيأتي بيان حكمهم. قوله: في آخر الزمان ظاهر ~~هذا يخالف ما بعده من أحاديث الباب من خروجهم في خلافة علي. وأجاب ابن ~~التين بأن المراد زمان الصحابة، قال الحافظ: وفيه نظر لأن آخر زمان الصحابة ~~كان على رأس المائة وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة، ويمكن الجمع ~~بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة لما في حديث سفينة عند أهل السنن ~~وابن حبان في صحيحه مرفوعا: # الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا وكانت قصة الخوارج وقتلهم ~~بالنهروان في آخر خلافة علي سنة ثمان وثلاثين من الهجرة وبعد موت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بدون ثلاثين سنة. قوله: حداث الأسنان بحاء مهملة ثم ~~دال مهملة أيضا ثم بعد الألف مثلثة جمع حدث بفتحتين والحدث هو الصغير السن ~~هكذا في أكثر الروايات. وفي رواية السرخسي حداث بضم أوله وتشديد الدال. قال ~~في المطالع: # معناه شباب. وقال ابن التين: حداث جمع حديث مثل كرام جمع كريم وكبار جمع ~~كبير. والحديث الجديد من كل شئ ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار. قوله: ~~PageV07P342 # سفهاء الأحلام جمع حلم بكسر أوله والمراد به العقل والمعنى أن عقولهم ~~رديئة. # قال النووي: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة ~~التجارب وقوة العقل. قوله: يقولون من قول خير البرية قيل هو القرآن ويحتمل ~~أن يكون على ظاهره أي القول الحسن في الظاهر والباطن على خلافة كقولهم: لا ~~حكم إلا لله. قوله: لا يجاوز إيمانهم حناجرهم الحناجر بالحاء المهملة ~~والنون ثم الجيم جمع حنجرة بوزن قسورة وهي الحلقوم والبلعوم وكلمه يطلق على ~~مجرى النفس وهو طرف المرئ مما يلي الفم، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق لا ~~بالقلب وفي حديث زيد بن وهب المذكور: لا تجاوز صلاتهم تراقيهم فكأنه أطلق ~~الايمان على الصلاة. وفي رواية ms3134 أبي سعيد الآتية: يقرؤون القرآن لا يجاوز ~~تراقيهم. وفي رواية لمسلم: يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار ~~إلى حلقه. قوله: يمرقون من الدين في رواية للنسائي والطبري: # يمرقون من الاسلام وكذا في حديث زيد بن وهب المذكور يمرقون من الاسلام. ~~وفي رواية للنسائي يمرقون من الحق. وفيها رد على من فسر الدين هنا ~~بالطباعة. قوله: كما يمرق السهم من الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد ~~التحتانية أي الشئ الذي يرمى به. وقيل: المراد بالرمية الغزالة المرمية ~~مثلا. # قوله: فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ~~في رواية زيد بن وهب المذكورة: لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم الخ . قوله: ~~لنكلوا عن العمل أي تركوا الطاعات واكتفوا بثواب قتلهم. # قوله: وآية ذلك أي علامته كما وقع في رواية الطبري. قوله: على عضده مثل ~~حلمة الثدي عليه شعيرات بيض في حديث أبي سعيد الآتي: آيتهم رجل أسود إحدى ~~عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة وسيأتي تفسير ذلك. والشعيرات بالتصغير ~~جمع شعرة واسم ذي الثدية هذا نافع كما أخرجه أبو داود من طريق أبي مريم ~~قال: إن كان ذلك المخدج لمعنا في المسجد كان فقيرا وقد كسوته برنسا ورأيته ~~شهد طعام علي وكان يسمى نافعا ذا الثدية، وكان يده مثل ثدي المرأة على رأسه ~~حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعيرا ت مثل سبال السنور. وفي رواية لأبي الوضئ ~~بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة عند أبي داود: إحدى ثدييه PageV07P343 # مثل ثدي المرأة عليه شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع، وسيأتي عن ~~بعضهم أن اسم المخدج حرقوص. قوله: في سرح الناس بفتح السين المهملة وسكون ~~الراء بعدها حاء مهملة وهو المال السائم. قوله: فنزلني زيد بن وهب منزلا ~~منزلا بفتح النون من نزلني وتشديد الزاي أي حكى لي سيرهم منزلا منزلا. ~~قوله: فوحشوا برماحهم بالحاء المهملة والشين المعجمة أي رموها بعيدا قال في ~~القاموس: وحش بثوبه كوعد رمى به مخافة. قوله: وشجرهم الناس بفتح الشين ~~المعجمة والجيم والراء ms3135 قال في القاموس: اشتجروا تخالفوا كتشاجروا، ثم قال ~~وبالرمح طعنه، ثم قال: والشجر الامر المختلف اه. والرماح الشواجر المختلف ~~بعضها في بعض، والمراد هنا أن الناس اختلفوهم برماحهم وطعنوهم بها. # قوله: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان هذا يخالف ما قدمنا عن أهل ~~التاريخ أنه قتل من أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه نحو العشرة. ~~قوله: # المخدج بخاء معجمة وجيم وهو الناقص. قوله: فقال يا أمير المؤمنين الله ~~الذي لا إله إلا هو الخ، قال النووي: إنما استحلفه ليؤكد الامر عند ~~السامعين وليظهر معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن عليا ومن معه على ~~الحق. قال الحافظ: وليطمئن قلب المستحلف لإزالة توهم ما أشار إليه علي أن ~~الحرب خدعة، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئا منصوصا، وإلى ذلك يشير قول ~~عائشة لعبد الله بن شداد لما سألته ما قال علي؟ فقال سمعته يقول: صدق الله ~~ورسوله، قالت: يرحم الله عليا إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال: صدق الله ~~ورسوله، فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون، فمن هذا أراد عبيدة التثبت ~~في هذه القصة بخصوصها. # وعن أبي سعيد قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم قال: يا رسول الله إعدل، ~~فقال: ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: ~~يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم ~~صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون ~~من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ~~ينظر PageV07P344 # إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ، ~~ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود ~~إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ms3136 يخرجون على حين فرقة من ~~الناس. # قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر ~~بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الذي نعته. وعن أبي سعيد قال: بعث علي إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، ~~وعيينة بن بدر الفزاري ، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة ~~العامري ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ~~ويدعنا، قال: إنما أتألفهم، فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ ~~الجبين كث اللحية ملحوق فقال: اتق الله يا محمد، فقال: من يطع الله إذا ~~عصيت؟ أيأمنني على أهل الأرض فلا تأمنوني، فسأله رجل قتله أحسبه خالد بن ~~الوليد فمنعه، فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا أو في عقب هذا قوما يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون ~~أهل الاسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد متفق ~~عليهما. # وفيه دليل على أن من توجه عليه تعزير لحق الله جاز للامام تركه، وأن قوما ~~لو أظهروا رأي الخوارج لم يحل قتلهم بذلك، وإنما يحل إذا كثروا وامتنعوا ~~بالسلاح واستعرضوا الناس. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: تكون أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهما ~~بالحق وفي لفظ: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين ~~بالحق رواهما أحمد ومسلم. # قوله: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقسم بفتح ~~الأول من يقسم ولم يذكر المقسوم، وقد ذكره في الرواية الثانية من طريق عبد ~~الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد أن المقسوم ذهيبة بعثه علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه من اليمن فقسمه النبي ms3137 صلى الله عليه وآله وسلم بين الأربعة ~~المذكورين. قوله: # ذو الخويصرة بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء التحتية وكسر ~~الصاد المهملة بعدها راء واسمه حرقوص بن زهير التميمي، وقد ذكر حرقوصا في ~~PageV07P345 # الصحابة أبو جعفر الطبري، وذكر أن له في فتوح العراق أثرا، وإنه الذي ~~افتتح سوق الأهواز، ثم كان مع علي في حروبه، ثم صار مع الخوارج فقتل معهم، ~~وزعم بعضهم أنه ذو الثدية، ووقع نحو ذلك في رواية للطبري عن أبي مريم، قال ~~الحافظ: وليس كذلك. قوله: إعدل في الرواية الثانية المذكورة فقال: اتق الله ~~يا محمد، وفي حديث ابن عمرو عند البزار والحاكم فقال: يا محمد والله لئن ~~كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل، وفي لفظ آخر له: إعدل يا محمد. وفي ~~حديث أبي بكرة: والله يا محمد ما تعدل. وفي لفظ: ما أراك عدلت، ونحوه في ~~حديث أبي برزة. قوله: ويلك في لفظ للبخاري: ويحك وهي رواية الكشميهني، ~~والرواية الأولى رواية شعيب والأوزاعي. قوله: فمن يعدل إذا لم أعدل في ~~رواية للبخاري: من يطع الله إذا عصيته. ولمسلم: أو لست أحق أهل الأرض أن ~~أطيع الله. وفي حديث ابن عمر: وممن يلتمس العدل بعدي وفي رواية له: العدل ~~إذا لم يكن عندي فعند من يكون. وفي حديث أبي بكرة: فغضب حتى احمرت وجنتاه. ~~وفي حديث أبي برزة: فغضب غضبا شديدا وقال: والله لا تجدون بعدي رجلا هو ~~أعدل عليكم مني. قوله: فقال عمر: أتأذن لي فيه فأضرب عنقه في حديث أبي سعيد ~~الآخر المذكور فسأله رجل أحسبه خالد بن الوليد، وفي رواية لمسلم فقال خالد ~~بن الوليد بالجزم، ويجمع بينهما بأن كل واحد منهما سأله، ويؤيد ذلك ما وقع ~~في مسلم بلفظ: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: ~~لا. قوله: دعه في رواية للبخاري: لا. وفي أخرى: ما أنا بالذي أقتل أصحابي. ~~قوله: فإن له أصحابا ظاهر هذا إن ترك الامر بقتله بسبب أن له أصحابا على ms3138 ~~الصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التأليف كما فهمه ~~البخاري، فإنه بوب على هذا الحديث باب من ترك قتال الخوارج للتأليف ولئلا ~~ينفر الناس عنه، لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة من إظهار الاسلام، فلو ~~أذن في قتلهم لكان في ذلك تنفير عن دخول غيرهم في الاسلام. قوله: يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم في رواية بصيغة الافراد: ويحقر بفتح أوله أي يستقل. ~~قوله: # لا يجاوز تراقيهم بمثناة فوقية وقاف جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم ~~القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، والمعنى: أن قراءتهم لا ~~يرفعها الله PageV07P346 # ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم ~~إلا سرده. # وقال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على ألسنتهم لا يصل ~~إلى حلوقهم فضلا عن قلوبهم، لأن المطلوب تعلقه وتدبره بوقوعه في القلب. ~~قوله: # يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تقدم تفسيره في أول الباب. # قوله: ينظر إلى نصله أي نصل السهم وهو الحديدة المركبة فيه، والمراد أنه ~~ينظر إلى ذلك ليعرف هل أصاب أم أخطأ؟ فإنه إذا لم يره علق به شئ من الدم ~~ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله: قد سبق ~~الفرث والدم أي جاوزهما ولم يتعلق به منهما شئ بل خرجا بعده. قوله: ثم ينظر ~~إلى رصافه الرصاف اسم للعقب الذي يلوى فوق الرغظ من السهم يقال رصف السهم ~~شد على رغظه عقبه كذا في القاموس. قوله: ثم ينظر إلى نضيه بفتح النون وكسر ~~الضاد المعجمة وتشديد الياء قال في القاموس: هو سهم فسد من كثرة ما رمي به، ~~قال: والنضي كغني السهم بلا نصل ولا ريش. قوله: ثم ينظر إلى قذذه جمع قذة ~~بضم القاف وتشديد الذال المعجمة وهي ريش السهم، والمراد أن الرامي إذا أراد ~~أن يعرف هل أصاب أم لا ms3139 نظر إلى السهم والنصل هل بهما شئ من الدم؟ فإن لم ~~يجد قال: إن كنت أصبت فإن بالنضي أو الريش شيئا، فإذا نظر فلم يجد شيئا عرف ~~أنه لم يصب، وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخوارج أبان به ~~أنهم يخرجون من الاسلام لا يعلق بهم منه شئ، كما أنه لم يعلق بالسهم من ~~الدم والفرث شئ. قوله: أو مثل البضعة بفتح الموحدة وسكون المعجمة القطعة من ~~اللحم. قوله: تدردر بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة ~~وآخره راء وهو على حذف إحدى التاءين وأصله تتدردر ومعناه تتحرك وتذهب وتجئ، ~~وأصله حكاية صوت الماء في البطن الوادي إذا تدافع. قوله: يخرجون على حين ~~فرقة من الناس في كثير من الروايات حين فرقة بكسر الحاء المهملة وآخره نون، ~~ويؤيد هذه الرواية الرواية المذكورة في الباب عن أبي سعيد بلفظ: # عند فرقة من الناس. وفي رواية لأحمد وغيره: حين فترة من الناس بفتح الفاء ~~وسكون المثناة الفوقية، ووقع للكشميهني خير فرقة بفتح الحاء المعجمة وآخره ~~راء وفرقة بكسر الفاء والرواية الأولى هي المعتمدة. قوله: فأشهد أني سمعت ~~هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشهد أن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه PageV07P347 # قاتلهم. في رواية للبخاري: وأشهد أن عليا قتلهم نسب القتل إلى علي لكونه ~~كان القائم في ذلك. قوله: بذهيبة بضم الذال المعجمة وفتح الهاء تصغير ذهبة. ~~قوله : وعلقمة بن علاثة العامري بضم العين المهملة وبالمثلثة. قوله: صناديد ~~أهل نجد جمع صنديد وهو الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف على ما في ~~القاموس. قوله: # غائر العينين بالغين المعجمة والمراد أن عينيه منحدرتان عن الموضع ~~المعتاد، ووجنتيه مشرفتان أي مرتفعتان عن المكان المعتاد، وجبينه ناتئ أي ~~بارز. قوله: # محلوق أي رأسه جميعه محلوق، وقد ورد ما يدل على أن حلق الرؤوس من علامات ~~الخوارج كما فحديث أبي سعيد عند أبي داود والطبراني بلفظ: قيل يا رسول الله ~~ما سيماهم؟ قال: التحليق. وفي رواية ms3140 أخرى من حديثه بلفظ: فقام رجل فقال يا ~~نبي الله هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: يحلقون رؤوسهم. قوله: من ضئضئ ~~بضادين معجمتين مكسورتين بينهما همزة ساكنة وآخره همزة قال في القاموس: ~~الضئضئ كجرجر وجرجير، والضؤضؤ كهدهد وسرسور الأصل والمعدن أو كثرة النسل ~~وبركته انتهى. قوله: أولاهما بالحق فيه دليل على أن عليا ومن معه هم ~~المحقون، ومعاوية ومن معه هم المبطلون، وهذا أمر لا يمتري فيه منصف ولا ~~يأباه إلا مكابر متعسف، وكفى دليلا على ذلك هذا الحديث. وحديث: يقتل عمارا ~~الفئة الباغية وهو في الصحيح. وقد وردت في الخوارج أحاديث. منها ما أخرجه ~~الطبري عن أبي بكرة يرفعه : إن في أمتي أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز ~~تراقيهم فإذا لقيتموهم فأنيموهم أي اقتلوهم. # وأخرج الطبري وأبو يعلى أيضا من رواية مسروق قال: قالت لي عائشة: من قتل ~~المخدج؟ قلت علي، قالت: فأين؟ قلت: على نهر يقال لأسفله النهروان، قالت: ~~ائتني على هذا ببينة فأتيتها بخمسين نفسا فشهدوا أن عليا قتله بالنهروان. ~~وأخرج الطبراني في الأوسط من طريق عامر بن سعيد قال عمار لسعد: أما سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يخرج قوم من أمتي يمرقون من الدين ~~مروق السهم من الرمية يقتلهم علي بن أبي طالب؟ قال: أي والله. وأخرج يعقوب ~~بن سفيان من طريق عمران بن جدير عن أبي مجلز قال: كان أهل النهروان أربعة ~~آلاف فقتلهم المسلمون ولم يقتل من المسلمين سوى تسعة، فإن شئت فاذهب إلى ~~أبي برزة فسله، فإنه شهد ذلك. وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق حبيب ~~بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل فقلت: PageV07P348 # أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي فيم فارقوه وفيم استحل قتالهم؟ ~~قال: لما كان بصفين استحر القتل في أهل الشام فرفعوا المصاحف فذكر قصة ~~التحكيم، فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء فأرسل إليهم علي فرجعوا ثم ~~قالوا: نكون في ناحية فإن قبل القضية قاتلناه وإن نقضها قاتلنا معه، ثم ~~افترقت منهم فرقة يقتلون ms3141 الناس فحدث علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأمرهم. وأخرج أحمد والطبراني والحاكم من طريق عبد الله بن شداد أنه دخل ~~على عائشة مرجعه من العراق ليال قتل علي فقالت له عائشة: تحدثني عن أمر ~~هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، قال: إن عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمين ~~خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب ~~الكوفة وعتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله ومن اسم سماك الله ~~به، ثم حكمت الرجال في دين الله ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليا فجمع الناس ~~فدعا بمصحف عظيم فجعل يضربه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فقالوا: ~~ماذا تسأل إنما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: # كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة ورجل * (فإن خفتم شقاق ~~بينهما) * (النساء: 35 الآية، وأمة محمد أعظم من امرأة ورجل، ونقموا علي أن ~~كاتبت معاوية وقد كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهيل بن عمرو * ~~(ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (الأحزاب: 21) ثم بعث إليهم ابن ~~عباس فناظرهم فرجع منهم أربعة آلاف منهم عبد الله بن الكواء، فبعث علي إلى ~~الآخرين أن يرجعوا فأبوا فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا ~~تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا فإن فعلتم نبذت إليكم ~~الحرب، قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا ~~الدم الحرام الحديث. وأخرج النسائي في الخصائص صفة مناظرة ابن عباس لهم ~~بطولها. وفي الأوسط للطبراني عن جندب بن عبد الله البجلي قال: لما فارقت ~~الخوارج عليا خرج في طلبهم فانتهينا إلى عسكرهم فإذا له دوي كدوي النحل من ~~قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس يعني الذين كانوا معروفين بالزهد ~~والعبادة قال: فدخلني من ذلك شدة فنزلت عن فرسي وقمت أصلي وقلت: اللهم إن ~~كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعة فأذن لي فيه، فمر بي علي ms3142 فقال لما حاذاني: ~~نعوذ بالله من الشك يا جندب، فلما جئته أقبل رجل على برذون يقول: إن كان لك ~~بالقوم حاجة فإنهم قد قطعوا PageV07P349 # النهر، قال: ما قطعوه. ثم جاء آخر كذلك، ثم جاء آخر كذلك، قال لا ما ~~قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن من دونه عهد من الله ورسوله، قلت: الله أكبر ثم ~~ركبنا فسايرته فقال لي: سأبعث إليهم رجلا يقرأ المصحف يدعوهم إلى كتاب الله ~~وسنة نبيهم فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل، ولا يقتل منا عشرة ولا ~~ينجو منهم عشرة. قال: # فانتهينا إلى القوم فأرسل إليهم رجلا فرماه إنسان قأقبل علينا بوجهه ~~فقعد، وقال علي: دونكم القوم فما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة. وأخرج ~~يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن حميد بن هلال قال: حدثنا رجل من عبد القيس ~~قال: لحقت بأهل النهروان مع طائفة منهم أسيرا إذ أتينا على قرية بيننا نهر ~~فخرج رجل من القرية مروعا فقالوا له: لا روع عليك وقطعوا إليه النهر ~~فقالوا: أنت ابن خباب بن الأرت صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال ~~نعم، قالوا: فحدثنا عن أبيك فحدثهم بحديث تكون فتنة فإن استطعت أن تكون عبد ~~الله المقتول فكن فقدموه فضربوا عنقه ثم دعوا سريته وهي حبلى فبقروا عما في ~~بطنها. ولابن أبي شيبة من طريق أبي مجلز قال: قال علي لأصحابه: # لا تبدؤوهم بقتال حتى يحدثوا حدثا، قال: فمر بهم عبد الله بن خباب فذكر ~~قتلهم له ولجاريته وأنهم بقروا بطنها، وكانوا مروا على ساقية فأخذ واحد ~~منها تمرة فوضعها في فيه فقالوا له تمرة معاهد فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد ~~الله بن خباب: أنا أعظم حرمة من هذه التمرة فأخذوه فذبحوه، فبلغ عليا فأرسل ~~إليهم أفيدونا بقاتل عبد الله بن حباب، فقالوا: كلنا قتله، فأذن حينئذ في ~~قتالهم. وأخرج الطبري من طريق أبي مريم قال: أخبرني أخي أبو عبد الله أن ~~عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل يناشدهم، فلم تزل ms3143 ~~رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ ~~منهم كلهم. وقد روي عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما ~~يخالف ما أسلفنا في أول الباب، فأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: جاء ~~أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني ~~مررت بوادي كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه، فقال: اذهب إليه ~~فاقتله، قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: اذهب فاقتله فرآه يصلي على تلك الحالة ~~فرجع، فقال: يا علي اذهب إليه فاقتله فذهب علي فلم يره، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن هذا PageV07P350 # وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم ~~من الرمية يعودون فيه فاقتلوهم هم شر البرية. قال الحافظ بعد أن قال إن ~~إسناده جيد له شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات. قال: ويمكن ~~الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول، وكانت قصته هذه الثانية متراخية عن ~~الأولى، وأذن صلى الله عليه وآله وسلم في قتله بعد أن منع لزوال علة المنع ~~وهي التآلف، وكأنه استغنى عنه بعد انتشار الاسلام، كما نهى عن الصلاة على ~~من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الاسلام قبل ذلك، وكأن أبا ~~بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين، وحملا الامر هنا على قيد أن ~~يكون لا يصلي، فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي. (وفي ~~أحاديث) الباب دليل على مشروعية الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الامام ما ~~لم ينصب لذلك حربا أو يستعد له لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: فإذا خرجوا ~~فاقتلوهم. وقد حكى الطبري الاجماع على ذلك في حق من لا يكفر باعتقاده، وقد ~~اختلف أهل العلم في تكفير الخوارج، وقد صرح بالكفر القاضي أبو بكر بن ~~العربي ms3144 في شرح الترمذي فقال: الصحيح أنهم كفار لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: يمرقون من الدين ولقوله: لأقتلنهم قتل عاد. وفي لفظ: ثمود وكل منهما ~~إنما هلك بالكفر. ولقوله: هم شر الخلق ولا يوصف بذلك إلا الكفار. ولقوله: ~~إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر ~~والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم، وممن جنح إلى ذلك من ~~المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه: احتج من كفر الخوارج ~~وغلا الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في شهادته لهم بالجنة قال: وهو عندي احتجاج صحيح. # قال: واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة ~~المذكورة علما قطعيا وفيه نظر، لأنا نعلم تزكية من كفروه علما قطعيا إلى ~~حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم، ويؤيده حديث من قال لأخيه ~~يا كافر فقد باء بها أحدهما. وفي لفظ لمسلم: من رمى مسلما بالكفر أو قال يا ~~عدو الله إلا حاد عليه قال: وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ~~ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع وهو ~~PageV07P351 # نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم، ونحوه ممن لا تصريح فيه بالجحود بعد أن ~~فسروا الكفر بالجحود، فإن احتجوا بقيام الاجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: ~~وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من ~~كفروه علما قطعيا، ولا ينجيهم اعتقاد الاسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن ~~الحكم بكفرهم، كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك. قال الحافظ: وممن جنح إلى بعض ~~هذا لمحب الطبري في تهذيبه فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الرد على قول ~~من قال لا يخرج أحد من الاسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد ~~الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث: يقولون الحق ويقرؤون القرآن ~~ويمرقون من الاسلام ولا يتعلقون منه بشئ ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا ~~استحلال دماء ms3145 المسلمين وأموالهم إلا لخطأ منهم فيما تأولوه من آي والقرآن ~~على غير المراد منه، ويؤيد القول بالكفر ما تقدم من الامر بقتالهم وقتلهم، ~~مع ما ثبت من حديث ابن مسعود أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وفيه ~~التارك لدينه المفارق للجماعة كما تقدم. وقال القرطبي في المفهم: يؤيد ~~القول بتكفيرهم ما في الأحاديث من أنهم خرجوا من الاسلام ولم يتعلقوا منه ~~بشئ كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية ~~بشئ، وقد أشار إلى ذلك بقوله: # سبق الفرث والدم. وحكي في الفتح عن صاحب الشفاء أنه قال فيه وكذا انقطع ~~بكفر من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تفكير الصحابة، وحكاه صاحب ~~الروضة في كتاب الردة عنه وأقر، وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن ~~الخوارج فساق، وأن حكم الاسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم ~~على أركان الاسلام، وإنما فسقوا بتكفير المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، ~~وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر ~~والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة ~~من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما ~~داموا متمسكين بأصل الاسلام. وقال القاضي عياض: كادت هذه المسألة أن تكون ~~أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحق الامام أبا ~~المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في ~~الدين، قال: وقد توقف القاضي أبو بكر الباقلاني PageV07P352 # قال: ولم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر. وقال ~~الغزالي في كتاب التفرقة بين الايمان والزندقة: الذي ينبغي الاحتراز عن ~~التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد ~~خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد. ~~قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة ~~المسلمين. قال: وقد سئل علي عن أهل النهروان هل كفروا؟ ms3146 فقال: من الكفر ~~فروا. قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم ~~الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم. قال القرطبي في المفهم: والقول بتكفيرهم ~~أظهر في الحديث، قال: فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتغنم أموالهم ~~وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم ~~يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب، قال: وباب التكفير ~~باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا. # وعن مروان بن الحكم قال: صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر ولا ~~يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن رواه سعيد ~~بن منصور. وعن الزهري قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم متوافرون، فأجمعوا أن لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل ~~القرآن إلا ما وجد بعينه ذكره أحمد في رواية الأثرم واحتج به. # أثر مروان أخرج نحوه أيضا ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق عبد خير ~~عن علي بلفظ: نادى منادي علي يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على ~~جريحهم. وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال لابن مسعود: يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتي؟ قال: الله ~~ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتبع مدبرهم ولا ~~يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم وفي لفظ: ولا يذفف على جريحهم وزاد: ولا ~~يغنم فيئهم سكت عنه الحاكم. وقال ابن عدي: هذا الحديث غير محفوظ. وقال ~~البيهقي: ضعيف. قال الحافظ في بلوغ المرام وصححه الحاكم فوهم لأن في إسناده ~~كوثر بن حكيم وهو متروك، قال: وصح عن علي من طرق نحوه موقوفا أخرجه ابن أبي ~~شيبة والحاكم اه. وكوثر المذكور قد صرح بتركه البخاري. وأخرج البيهقي عن ~~أبي أمامة PageV07P353 # قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون ~~قتيلا. # وأخرج أيضا عن ms3147 أبي فاختة أن عليا أتى بأسير يوم صفين فقال: لا تقتلني ~~صبرا، فقال علي رضي الله عنه: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين ثم ~~خلى سبيله، ثم قال: أفيك خير تبايع. وأخرج أيضا أن عليا لم يقاتل أهل الجمل ~~حتى دعا الناس ثلاثا حتى إذا كان يوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين و عبد ~~الله بن جعفر فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح، فقال: ما جهلت من أمرهم شيئا، ~~ثم توضأ وصلى ركعتين حتى إذا فرغ رفع يديه ودعا ربه وقال لهم: إن ظفرتم على ~~القوم فلا تطلبوا مدبرا ولا تجيزوا على جريح، وانظروا إلى ما حضروا به ~~الحرب من آلة فاقبضوه وما سوى ذلك فهو لورثتهم. قال البيهقي: هذا منقطع ~~والصحيح أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا. وأخرج أيضا عن علي أنه كان لا ~~يأخذ سلبا. وأخرج أيضا عن عرفجة عن أبيه قال: لما قتل علي أهل النهروان جال ~~في عسكرهم فمن كان يعرف شيئا أخذه حتى بقيت قدر ثم رأيتها أخذت بعد. وأثر ~~الزهري أخرجه أيضا البيهقي بلفظ: هاجت الفتنة الأولى فأدركت يعني الفتنة ~~رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن شهد معه ~~بدرا، وبلغنا أنهم يرون أن هذا أمر الفتنة لا يقام فيها على رجل قاتل في ~~تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولا حد في سباء امرأة سبيت، ولا يرى عليها حد، ~~ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد، ويرى أن ~~ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد عدتها من زوجها الآخر، ويرى أن يرثها ~~زوجها الأول. قوله: ولا يذفف بالذال المعجمة المفتوحة بعده فاء مشددة ثم ~~فاء مخففة على صيغة البناء للمجهول وهو في معنى يجهز، قال في القاموس: ذف ~~على الجريح ذفا وذفافا ككتاب وذففا محركة أجهز والاسم الذفاف كسحاب، قال ~~أيضا في مادة جهاز وجهز على الجريح كمنع، وأجهز أثبت قتله وأسرعه وتمم ~~عليه، وموت مجهز وجهيز سريع انتهى. وفي ms3148 الأثر المذكور دليل على أنه لا يجوز ~~قتل من كان مدبرا من البغاة، وكذلك يدل على ذلك الحديث المرفوع الذي ذكرناه ~~وعلى أنه لا يجهز على جريحهم بل يترك على ما هو عليه، إلا إذا كان المدبر ~~أو الجريح ممن له فئة جاز قتله عند الهادوية وأبي حنيفة والمروزي من ~~الشافعية. وقال الشافعي: لا يجوز إذ القصد دفعهم في تلك الحال PageV07P354 # وقد وقع، وهو الظاهر من إطلاق النهي في الحديث، ولكنه يدل على جواز القتل ~~إذا كان للباغي المذكور فئة قوله تعالى: * (فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * (الحجرات: 90) والهارب والجريح ~~لم يحصل منهما ذلك. وأجيب بأن المراد بالفيئة إلى أمر الله ترك الصولة ~~والاستطالة. وقد حصل ذلك من الهارب والجريح الذي لا يقدر على القتال. وأما ~~ما روي عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال: لا تتبعوا موليا ليس ~~بمنحاز إلى فئة فقد أجيب عن الاستدلال بمفهومه على جواز قتل من له فئة ~~وأتباعه بأن إمامة علي قطعية وإمامة غيره ظنية ، فلا يكون الحكم متحدا، بل ~~المتوجه الوقوف على ظاهر النهي المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو وإن كان فيه المقال السابق، ولكنه يؤيده أن الأصل في دم المسلم تحريم ~~سفكه، والآية المذكورة فيها الاذن بالمقاتلة إلى حصول تلك الغاية، وربما ~~كان ذلك الهرب من مقدماتها إن لم يكن منها. قوله: ومن أغلق بابه فهو آمن ~~ومن ألقى السلاح فهو آمن استدل به على عدم جواز مقاتلة البغاة إذا كانوا في ~~بيوتهم أو طلبوا منا الأمان، لأنهم إذا أغلقوا على أنفسهم فليسوا ببغاة في ~~ذلك الوقت، واتصافهم بذلك الوصف شرط جواز مقاتلتهم كما في الآية. # وإذا طلبوا الأمان فقد فاؤوا إلى أمر الله تعالى، وهي الغاية التي أذن ~~الله بالقتال إلى حصولها وقد حصلت. قوله: فأجمعوا على أن لا يقاد أحد ظاهره ~~وقوع الاجماع منهم على عدم جواز الاقتصاص ممن وقع منه القتل لغيره ms3149 في ~~الفتنة، سواء كان باغيا أو مبغيا عليه. وقد ذهبت الشافعية والحنفية والامام ~~يحيى إلى أنهم لا يضمنون ما أتلفوا أي البغاة. وحكى أبو جعفر عن الهادوية ~~أنهم يضمنون. قوله: # لا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه فيه دليل على أنه لا يجوز ~~أخذ أموال البغاة إلا ما كان منها موجودا عند القتال. قال في البحر: ولا ~~يجوز سبيهم ولا اغتنام ما لم يجلبوا به إجماعا لبقائهم على الملة. وحكى عن ~~أكثر العترة أنه يجوز اغتنام ما أجلبوا به من مال وآلة حرب. وحكى عن النفس ~~الزكية والحنفية والشافعية أنه لا يغنم منهم شئ، ويدل على ذلك ما تقدم في ~~الحديث المرفوع بلفظ: # ولا يغنم منهم. واعلم أن قتال البغاة جائز إجماعا كما حكي ذلك في البحر، ~~ولا يبعد أن يكون واجبا لقوله تعالى: * (فقاتلوا التي تبغي) * وقد حكي في ~~البحر أيضا عن العترة PageV07P355 # جميعا أن جهادهم أفضل من جهاد الكفار إلى ديارهم، إذ فعلهم في دار ~~الاسلام كفعل الفاحشة في المسجد، قال في البحر أيضا: والبغي فسق إجماعا. # باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والكف عن إقامة السيف عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من رأى من أميره شيئا يكرهه ~~فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية. # وفي لفظ: من كره من أميره شيئا فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من ~~السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي ~~خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ ~~قال: # فوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ~~متفق عليهن. # قوله: فليصبر في رواية للبخاري: فليصبر عليه. قوله: من فارق الجماعة شبرا ~~بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة كناية عن معصية السلطان ومحاربته. # قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في ms3150 حل عقد البيعة التي حصلت ~~لذلك الأمير ولو بأدنى شئ فكني عنها بمقدار الشبر، لأن الاخذ في ذلك يؤول ~~إلى سفك الدماء بغير حق. قوله: فميتته جاهلية في رواية للبخاري: مات ميتة ~~جاهلية. وفي رواية له أخرى: فمات إلا مات ميتة جاهلية. وفي رواية لمسلم: ~~فميتته ميتة جاهلية وفي أخرى له من حديث ابن عمر: من خلع يدا من طاعة لقت ~~الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية وفي الرواية ~~الأخرى من حديث ابن عباس المذكور فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية. قال ~~الكرماني: الاستفهام هنا بمعنى الاستفهام الانكاري، أي ما فارق الجماعة أحد ~~إلا جرى له كذا أو حذف ما، فهي مقدرة أو إلا زائدة أو عاطفة على رأي ~~الكوفيين. والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم أن يكون حاله في الموت ~~كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك. ~~وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا. ويحتمل أن يكون التشبيه على ~~ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن PageV07P356 # لم يكن جاهليا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير فظاهره غير مراد. ~~ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه ما أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ~~وصححه من حديث الحرث بن الحرث الأشعري من حديث طويل وفيه: من فارق الجماعة ~~شبرا فكأنما خلع ربقة الاسلام من عنقه وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط ~~من حديث ابن عباس وفي سنده جليد بن دعلج وفيه مقال وقال: من رأسه يدل من ~~عنقه. قوله: فوا ببيعة الأول فالأول فيه دليل على أنه يجب على الرعية ~~الوفاء ببيعة الامام الأول ثم الأول، ولا يجوز لهم المبايعة للامام الآخر ~~قبل موت الأول. قوله: ثم أعطوهم حقهم أي ادفعوا إلى الامراء حقهم الذي لهم ~~المطالبة به وقبضه، سواء كان يختص بهم أو يعم، وذلك من الحقوق الواجبة في ~~المال كالزكاة، وفي الأنفس كالخروج إلى الجهاد، وظاهر الحديث العموم في ~~المخاطبين. # ونقل ابن التين عن الداودي ms3151 أنه خاص بالأنصار، وكأنه أخذه من كون المخاطب ~~بذلك الأنصار كما في حديث عبد الله بن زيد، ولا يلزم من مخاطبتهم بذلك أن ~~يختص بهم، فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين، ويختص ببعض المهاجرين دون ~~بعض، فالمستأثر من يلي الامر، ومن عداه هو الذي يستأثر عليه، ولما كان ~~الامر يختص بقريش ولاحظ للأنصار فيه خوطب الأنصار في بعض الأوقات وهو خطاب ~~للجميع بالنسبة إلى من لا يلي الامر. وقد ورد ما يدل على التعميم، ففي حديث ~~يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال: يا رسول الله إن كان علينا ~~أمراء يأخذونا بالحق ويمنعونا الحق الذي لنا أن نقاتلهم؟ قال لا، عليهم ما ~~حملوا وعليكم ما حملتم. وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا: سيكون أمراء ~~فتعرفون وتنكرون فمن كره برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وبايع، قالوا: أفلا ~~نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي. وفي مسند ~~الإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه ~~قال: أتاني جبريل فقال: # إن أمتك مفتتنة من بعد ك، فقلت: من أين؟ قال: من قبل أمرائهم وقرائهم ~~يمنع الامراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء الامراء ~~فيفتنون، قلت: فكيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي ~~لهم أخذوه وإن منعوه تركوه. PageV07P357 # وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، ~~وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال، قلنا : ~~يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ~~ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ~~ولا ينزعن يدا من طاعة. وعن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم ~~فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في ms3152 جثمان إنس، قال قلت: كيف أصنع يا رسول ~~الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. ~~وعن عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ~~أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ~~رواهن أحمد ومسلم. # وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع ~~الامر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان متفق عليه. وعن ~~أبي ذر: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا ذر كيف بك عند ولاة ~~يستأثرون عليك بهذا الفئ؟ والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ~~ألحقك، قال: أو لا أدلك على ما هو خير لك من ذلك تصبر حتى تلحقني؟ # رواه أحمد. # حديث أبي ذر في إسناده خالد بن وهبان، قال في التقريب: مجهول من الثالثة. # وقال في التهذيب: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم: مجهول. وفي ~~الباب أحاديث غير هذه بعضها تقدم في باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان ~~الجائر في كتاب الزكاة، وبعضها مذكور في غير هذا الكتاب من ذلك حديث ابن ~~عمر عند الحاكم بلفظ: من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه حتى ~~يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية وقد قدمنا ~~نحوه قريبا عن الحرث بن الحرث الأشعري، ورواه الحاكم من حديث معاوية أيضا، ~~والبزار من حديث ابن عباس، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: من خرج من ~~الطاعة وفارق PageV07P358 # الجماعة فميتته جاهلية وأخرج أيضا مسلم نحوه عن ابن عمر وفيه قصة. وأخرج ~~الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: من حمل علينا السلاح فليس منا ~~وأخرجاه أيضا من حديث ابن عمر. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسلمة بن ~~الأكوع. # وأخرج أحمد وأبو داود ms3153 والحاكم من حديث أبي ذر: من فارق الجماعة قدر شبر ~~فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه. وأخرج البخاري من حديث أنس: اسمعوا وأطيعوا ~~وإن استعمل عبد حبشي رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله تعالى . وأخرج ~~الشيخان من حديث أبي هريرة: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى ~~الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني. # وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر: على المرء المسلم السمع والطاعة ~~فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. ~~وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر: ألا أخبركم بخير أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم ~~الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين ~~تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. وأخرج الترمذي من حديث أبي بكرة: ~~من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله تعالى. والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة وهذا طرف منها. قوله: خيار أئمتكم الخ، فيه دليل على مشروعية محبة ~~الأئمة والدعاء لهم ، وأن من كان من الأئمة محبا للرعية ومحبوبا لديهم ~~وداعيا لهم ومدعو له منهم فهو من خيار الأئمة، ومن كان باغضا لرعيته مبغوضا ~~عندهم يسبهم ويسبونه فهو من شرارهم، وذلك لأنه إذا عدل فيهم وأحسن القول ~~لهم أطاعوه وانقادوا له وأثنوا عليه، فلما كان هو الذي يتسبب بالعدل وحسن ~~القول إلى المحبة والطاعة والثناء منهم كان من خيار الأئمة، ولما كان هو ~~الذي يتسبب أيضا بالجور والشتم للرعية إلى معصيتهم له وسوء القالة منهم فيه ~~كان من شرار الأئمة. قوله: لا ما أقاموا فيكم الصلاة فيه دليل على أنه لا ~~يجوز منابذة الأئمة بالسيف مهما كانوا مقيمين للصلاة، ويدل ذلك بمفهومه على ~~جواز المنابذة عند تركهم للصلاة. وحديث عبادة بن الصامت المذكور فيه دليل ~~على أنها لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر البواح وهو بموحدة فمهملة. ~~قال الخطابي: معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم، باح بالشئ يبوح ~~به بوحا وبواحا إذا ادعاه وأظهره، قال: ويجوز بوحا بسكون الواو، ويجوز ms3154 بضم ~~أوله ثم همزة ممدودة، قال: ومن رواه بالراء فهو PageV07P359 # قريب من هذا المعنى. وأصل البراح الأرض القفر التي لا أنيس فيها ولا ~~بناء، وقيل : البراح البيان، يقال: بر الخفاء إذا ظهر. قال النووي: هي في ~~معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء. قال الحافظ: ووقع عند ~~الطبراني كفرا صراحا بصاد مهملة مضمومة ثم راء، ووقع في رواية إلا أن تكون ~~معصية لله بواحا. وفي رواية لأحمد: # ما لم يأمرك بإثم بواحا. وفي رواية له وللطبراني عن عبادة: سيلي أموركم ~~من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى ~~الله وعند ابن أبي شيبة من حديث عبادة: سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا ~~تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة. قوله: فليكره ما يأتي من ~~معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة فيه دليل على أن من كره بقلبه ما يفعله ~~السلطان من المعاصي كفاه ذلك ولا يجب عليه زيادة عليه. وفي الصحيح: من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فبلسانه. ~~ويمكن حمل حديث الباب وما ورد في معناه على عدم القدرة على التغيير باليد ~~واللسان، ويمكن أن يجعل مختصا بالأمراء إذا فعلوا منكرا لما في الأحاديث ~~الصحيحة من تحريم معصيتهم ومنابذتهم، فكفى في الانكار عليهم مجرد الكراهة ~~بالقلب، لأن في إنكار المنكر عليهم باليد واللسان تظهرا بالعصيان، وربما ~~كان ذلك وسيلة إلى المنابذة بالسيف. # قوله: في جثمان إنس بضم الجيم وسكون المثلثة أي لهم قلوب كقلوب الشياطين ~~وأجسام كأجسام الإنس. قوله: وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع فيه دليل ~~على وجوب طاعة الامراء وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ ~~أموالهم، فيكون هذا مخصصا لعموم قوله تعالى: * (من اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194). وقوله: * (وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها) * (الشورى: 40). قوله: وعن عرفجة بفتح العين المهملة وسكون الراء ~~وفتح الفاء بعدها جيم هو ابن شريح بضم المعجمة وفتح الراء وسكون ms3155 التحتية ~~بعدها حاء، وقيل: ابن ضريح بضم الضاد المعجمة، وقيل: ذريح بفتح الذال ~~المعجمة وكسر الراء، وقيل: صريح بضم الصاد المهملة، وقيل: شراحيل ، وقيل: ~~سريج بضم السين المهملة وآخره جيم، ويقال له الأشجعي، ويقال الكندي، ويقال ~~الأسلمي. قوله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح العين، ~~ورسول فاعله. قوله: في منشطنا بفتح الميم والمعجمة وسكون النون التي بينهما ~~أي في حال PageV07P360 # نشاطنا وحال كراهتنا وعجزنا عن العمل بما نؤمر به. ونقل ابن التين عن ~~الداودي أن المراد الأشياء التي يكرهونها. قال ابن التين: والظاهر أنه أراد ~~في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق معنى منشطنا ويؤيده ما عند أحمد في ~~حديث عبادة بلفظ في النشاط والكسل. قوله: وأثرة علينا بفتح الهمزة ~~والمثلثة، والمراد أن طاعتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم ~~بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم. قوله: # وأن لا ننازع الامر أهله أي الملك والامارة. زاد أحمد في رواية: وإن رأيت ~~أن لك في الامر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليكم بغير ~~خروج عن الطاعة. قوله: إلا أن تروا كفرا بواحا قد تقدم ضبطه تفسيره. قوله: ~~عندكم فيه من الله برهان أي نص آية أو خبر صريح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه ~~أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل. قال النووي: المراد ~~بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا ~~تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الاسلام، ~~فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم اه. قال في الفتح: ~~وقال غيره إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية ~~إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما ~~عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ~~ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادرا. ونقل ابن ~~التين عن الداودي قال: ms3156 الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على ~~خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر. وعن بعضهم: # لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا ~~فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع، فإن أحدث جورا بعد أن كان ~~عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج ~~عليه. قال ابن بطال: إن حديث ابن عباس المذكور في أول الباب حجة في ترك ~~الخروج على السلطان ولو جار. قال في الفتح: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة ~~السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من ~~حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا وقع من السلطان الكفر ~~الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث ~~اه. وقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة ومنابذتهم السيف ومكافحتهم ~~بالقتال بعمومات من PageV07P361 # الكتاب والسنة في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك ولا ريب ~~أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها أخص من تلك العمومات ~~مطلقا وهي متواترة المعنى، كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة، ولكنه لا ~~ينبغي لمسلم أن يحط على من خرج من السلف الصالح من العترة وغيرهم على أئمة ~~الجور، فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول الله ~~من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم، ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ~~ومن وافقهم في الجمود على أحاديث الباب حتى حكموا بأن الحسين السبط رضي ~~الله عنه وأرضاه باغ على الخمير السكير الهاتك لحرم الشريعة المطهرة يزيد ~~بن معاوية لعنهم الله، فيالله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من ~~سماعها كل جلمود. # باب ما جاء في حد الساحر وذم السحر والكهانة عن جندب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: حد الساحر ضربه بالسيف رواه الترمذي والدارقطني ~~وضعف الترمذي إسناده وقال الصحيح ms3157 عن جندب موقوف. وعن بجالة بن عبدة قال: ~~كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس فأتى كتاب عمر قبل موته بشهر أن ~~اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس وانهوهم عن ~~الزمزمة، فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين الرجل وحريمه في كتاب الله ~~تعالى رواه أحمد وأبو داود. وللبخاري منه التفريق بين ذوي المحارم. وعن ~~محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت ~~رواه مالك في الموطأ عنه. وعن ابن شهاب: أنه سئل أعلى من سحر من أهل العهد ~~قتل قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صنع له ذلك فلم ~~يقتل من صنعه وكان من أهل الكتاب أخرجه البخاري. # حديث جندب في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي. قال الترمذي بعد ذكره ~~PageV07P362 # هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف ~~في الحديث من قبل حفظه، وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري قال وكيع: هو ثقة ~~ويروى عن الحسن أيضا والصحيح عن جندب موقوف. قال: والعمل على هذا عند بعض ~~أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم وهو قول مالك بن ~~أنس. وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ الكفر، ~~فإذا عمل عملا دون الكفر فلم نر عليه قتلا اه. وأخرج هذا الحديث الحاكم ~~والبيهقي. وأثر عمر أخرجه أيضا البيهقي وعبد الرزاق. وأثر حفصة أخرجه أيضا ~~عبد الرزاق. وقد استدل بحديث جندب من قال إنه يقتل الساحر. # قال النووي في شرح مسلم: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالاجماع، قال: ~~وقد يكون كفرا وقد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل ~~يقتضي الكفر كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، قال: ولا يقتل عندنا ~~يعني الساحر، فإن تاب قبلت توبته. ms3158 وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا ~~يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله، والمسألة مبنية على الخلاف في قبول ~~توبة الزنديق، لان الساحر عنده كافر كما ذكرنا وعندنا ليس بكافر، وعندنا ~~تقبل توبة المنافق والزنديق. قال القاضي عياض: وبقول مالك قال أحمد بن حنبل ~~وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، قال أصحابنا: إذا قتل الساحر ~~بسحره إنسانا أو اعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبا لزمه القصاص وإن مات ~~به، ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية ~~في ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت ت باعتراف الجاني، قال ~~أصحابنا: ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة وإنما يتصور باعتراف الساحر والله ~~أعلم اه كلام النووي. # وحكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أن السحر كفر. وحكي أيضا عن ~~العترة وأكثر الفقهاء أنه لا حقيقة له وتأثير لقوله تعالى: * (وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله) * (البقرة 102) وعن أبي جعفر الاستراباذي ~~والمغربي من الشافعية أن له حقيقة وتأثيرا، إذ قد يقتل السموم وقد يغير ~~العقل وقد يكون بالقول فيفرق بين المرء وزوجه لقوله تعالى: * (ومن شر ~~النفاثات في العقد) * (الفلق: 4) أراد الساحرات، فلولا تأثيره لما استعاذ ~~منه، وقد يحصل به إبدال الحقائق من الحيوانات قلنا سماه الله PageV07P363 # خيالا والخيال لا حقيقة له، فقال: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. قالوا: ~~روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحر حتى كان لا يدري ما يقول، ~~قلنا: # رواية ضعيفة اه كلام البحر. ويجاب عنه بأن الحديث صحيح كما سيأتي، ويأتي ~~أيضا أن مذهب جمهور العلماء أن للسحر تأثيرا وهو الحق كما يأتي بيانه ~~انتهى. # قوله: عن الزمزمة بزايين معجمتين مفتوحتين بينهما ميم ساكنة، قال في ~~القاموس: الزمزمة الصوت البعيد له دوي وتتابع صوت الرعد وهو أحسنه صوتا ~~وأثبته مطرا وتراطن العلوج على أكلهم وهم صموت لا يستعملون لسانا ولا شفة، ~~لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها فيفهم بعضها ms3159 عن بعض اه. قوله: # فلم يقتل من صنعه الخ، استدل به من قال: إنه لا يقتل الساحر، ويجاب عنه ~~بما سيأتي قريبا، وأيضا ليس في ذلك دليل لأن غايته جواز الترك لا عدم جواز ~~الفعل، فيمكن الجمع على فرض عد علم التاريخ بأن القتل للساحر جائز لا واجب. # وعن عائشة قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه ليخيل ~~إليه أنه فعل الشئ وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعا ثم ~~قال: أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته؟ قلت: وما ذاك يا ~~رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال ~~أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن ~~الأعصم اليهودي من بني زريق، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ~~ذكر، قال: فأين هو ؟ قال: في بئر ذروان، فذهب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة ~~فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا ~~رسول الله أفأخرجته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن ~~أثور على الناس منه شرا، فأمر بها فدفنت متفق عليه. وفي رواية لمسلم قالت ~~فقلت: يا رسول الله أفلا أخرجته؟ قال: لا. # قوله: حتى أنه ليخيل إليه الخ، قال الامام المازري: مذهب أهل السنة ~~وجمهور علماء الأمة إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء، ~~خلافا لمن أنكر ذلك وأنكر حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا ~~حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه ~~إشارة PageV07P364 # إلى أنه مما يكفر به، وأن يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله لا يمكن فيما ~~لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته، وأنه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا ~~كله يبطل ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق ms3160 محال، ولا يستنكر في العقل أن ~~الله سبحانه يخرق العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي ~~على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر، وإذا شاهد الانسان بعض الأجسام منها قاتلة ~~كالسموم، ومنها مسقمة كالأدوية الحادة، ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض، ~~لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى قتالة أو كلام مهلك أو مؤد إلى ~~التفرقة، قال: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر، فزعم أنه يحط ~~منصب النبوة ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، قال: وهذا الذي ~~ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل، لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته ~~فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه ~~باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلا ~~من أجلها وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس ~~بواطئ، وقد يتخيل الانسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا ~~حقيقة له، وقيل: إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة ما ~~تخيله فتكون اعتقاداته على السداد. قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا ~~الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه ~~واعتقاده، ويكون معنى قوله: حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، ويروى أنه ~~يخيل إليه أي يظهر له من نشاطه، ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن ~~أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك، وكل ما جاء في الروايات من أنه ~~يخيل إليه أنه فعل شيئا ولم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا بخلل ~~تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل ~~الضلالة انتهى. قال المازري: واختلف الناس في القدر الذي يقع به السحر ولهم ~~فيه اضطراب، فقال بعضهم: لا يزيد تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه ~~لأن الله تبارك وتعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده وتهويلا له، فلو ms3161 ~~وقع به أعظم منه لذكره، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال ~~المذكور، قال: ومذهب الأشعرية أنه يجوز أن يقع به أكثر من PageV07P365 # ذلك، قال: وهذا هو الصحيح عقلا، لأنه لا فاعل إلا الله تبارك وتعالى، وما ~~يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى، ولا تفترق الأفعال في ذلك، وليس ~~بعضها بأولى من بعض، ولو ورد الشرع بقصره على مرتبة لوجب المصير إليه، ولكن ~~لا يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأول، وذكر التفرقة ~~بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة، وإنما النظر في أنه ظاهر أم ~~لا، قال: فإن قيل: # إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر فبماذا يتميز عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم؟ فالجواب: أن العادة تنخرق على يد النبي والولي ~~والساحر، ولكن النبي يتحدى بها الخلق ويستعجزهم عن مثلها ويخبر عن الله ~~تعالى بخرق العادة له لتصديقه، فلو كان كاذبا لم تنخرق العادة على يديه، ~~والولي والساحر لا يتحديان الخلق ولا يستدلان على نبوة، ولو ادعيا شيئا من ~~ذلك لم تنخرق العادة لهما. وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين: أحدهما ~~وهو المشهور إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة ~~لا تظهر على فاسق فإنما تظهر على ولي، وبهذا جزم إمام الحرمين وأبو سعيد ~~المتولي وغيرهما. والثاني أن السحر قد يكون ناشئا بفعلها وبمزجها ومعاناة ~~وعلاج، والكرامة لا تفتقر إلى ذلك، وفي كثير من الأوقات يقع مثل ذلك من غير ~~أن يستدعيه أو يشعر به والله أعلم، هكذا في شرح مسلم للنووي. قوله: دعا ~~الله ودعا في رواية مسلم: دعا الله ثم دعا ثم دعا وفي ذلك دليل على استحباب ~~الدعاء عند حصول الامر المكروه وتكريره وحسن الالتجاء إلى الله سبحانه. ~~قوله: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب بالطاء المهملة وبموحدتين اسم مفعول. قال ~~ابن الأنباري: الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، وللسحر طب، وهو من ~~أعظم الأدواء، ورجل طبيب أي حاذق، ms3162 سمي طبيبا لحذقه وفطنته. قال النووي: ~~كنوا بالطب عن السحر كما كنوا بالسليم عن اللديغ. قوله: من بني زريق بتقديم ~~الزاي. قوله: في مشط ومشاطة المشط بضم الميم والشين، وبضم الميم وإسكان ~~الشين، وبكسر الميم وإسكان الشين، وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر، ~~والمشاطة بضم الميم وهي الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه ~~بالمشط، ووقع في رواية للبخاري: ومشاقة بالقاف وهي المشاطة، وقيل: مشاقة ~~الكتاب. قوله: وجف طلعة بالجيم والفاء وهو PageV07P366 # وعاء طلع النخل أي الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، ~~فلهذا قيده في الحديث. وفي رواية لمسلم: وجب طلعة بضم الجيم وبالباء ~~الموحدة. قال النووي: هو في أكثر نسخ بلادنا كذلك، والطلعة النخلة، وهو ~~بإضافة طلعة إلى ذكر. قوله: في بئر ذروان هكذا في معظم نسخ البخاري. وفي ~~جميع روايات مسلم: في بئر ذي أروان، قال النووي: وكلاهما صحيح مشهور، قال: ~~والذي في مسلم أجود وأصح، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب وهو قول الأصمعي وهي ~~بئر بالمدينة في بستان بني زريق. قوله: نقاعة الحناء بضم النون من نقاعة ~~وهو الماء الذي تنقع فيه الحناء والحناء ممدود. قوله: أفأخرجته في الرواية ~~الثانية: أفلا أخرجته. وفي رواية: أفلا أحرقته قال النووي: كلاهما صحيح ~~وذلك بأن يقال: طلبت منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرجه ثم يحرقه، وأخبر ~~أن الله قد عافاه، وأنه يخاف من إحراقه وإخراجه، وإشاعة هذا ضررا وشرا على ~~المسلمين كتذكر السحر أو فعله والحديث فيه، أو إيذاء فاعله، فيحمله ذلك أو ~~يحمل بعض أهله ومحبيه من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وآذاهم وانتصابهم ~~لمنابذة المسلمين بذلك، وهذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها وذلك ~~من أهم قواعد الاسلام، وبمثل هذا يجاب عن استدلال من استدل على عدم جواز ~~قتل الساحر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتل من سحره، فإن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا ترك إخراج ما سحر فيه من البئر لمخافة الفتنة ~~فبالأولى ms3163 تركه لقتل الساحر فإن الفتنة في ذلك أعظم وأشد. # وعن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاثة لا يدخلون ~~الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد وعن ~~كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم رواهما أحمد ومسلم صفية بنت ~~أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من أتى عرافا فسأله عن شئ لم يقبل الله له صلاة أربعين ~~ليلة رواه أحمد ومسلم. # قوله: لا يدخلون الجنة فيه دليل على أن بعض أهل التوحيد لا يدخلون الجنة ~~PageV07P367 # وهم من أقدم على معصية، صرح الشارع بأن فاعلها لا يدخل الجنة كهؤلاء ~~الثلاثة، ومن قتل نفسه، ومن قتل معاهدا، وغيرهم من العصاة الفاعلين لمعصية، ~~ورد النص بأنها مانعة من دخول الجنة، فيكون حديث أبي موسى المذكور وما ورد ~~في معناه مخصصا لعموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم ~~الجنة. # قوله: من أتى كاهنا قال القاضي عياض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب: # أحدها يكون للانسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه ما السمع من السماء، ~~وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. ~~الثاني: أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو ~~بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين ~~وأحالوهما ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده، لكنهم يصدقون ويكذبون، ~~والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام. الثالث: المنجمون وهذا الضرب يخلق ~~الله فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة ~~وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها، ~~وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك كالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة، ~~وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة، ms3164 وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم ~~وإتيانهم. قال الخطابي: # العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما. قال في ~~النهاية: الكاهن يشمل العراف والمنجم. قوله: فصدقه بما يقول زاد الطبراني ~~من رواية أنس: ومن أتاه غير مصدق له لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة ~~وظاهر هذا أن التصديق شرط في ثبوت كفر من أتى الكاهن والعراف. قوله: # فقد كفر ظاهره أنه الكفر الحقيقي، وقيل هو الكفر المجازي، وقيل من اعتقد ~~أن الكاهن والعراف يعرفان الغيب ويطلعان على الاسرار الإلهية كان كافرا ~~كفرا حقيقيا، كمن اعتقد تأثير الكواكب وإلا فلا. قوله: لم يقبل الله منه ~~صلاة أربعين ليلة قال النووي: معناه أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في ~~سقوط الفرض عنه ولا يحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذه الصلاة في الأرض ~~المغصوبة فإنها مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب فيها، كذا قاله جمهور ~~أصحابنا ، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات، إذا أتى بها على وجهها ~~الكامل ترتب PageV07P368 # عليها شيئان: سقوط الفرض عنه وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل ~~الأول دون الثاني، ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون ~~على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة فوجب تأويله والله ~~أعلم اه. # وعن عائشة قالت سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناس عن الكهانة ~~فقال: ليسوا بشئ، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانا بشئ فيكون حقا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني ~~فيقرها في أذن وليه يخلطون معها مائة كذبة متفق عليه. # وعن عائشة قالت: كان لأبي بكر غلام يأكل من خراجه فجاء يوما بشئ فأكل منه ~~أبو بكر فقال له الغلام: تدري مما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لانسان ~~في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي ~~أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شئ في بطنه أخرجه ms3165 البخاري. وعن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد رواه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة. # حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناد ثقات. قوله: # ليسوا بشئ معناه بطلان قولهم وإنه لا حقيقة له، قال النووي: وفيه جواز ~~إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلا انتهى، وذلك لأنه لعدم نفعه كالمعدوم ~~الذي لا وجود له. قوله: تلك الكلمة من الحق يخطفها بفتح الطاء المهملة على ~~المشهور وبه جاء القرآن، وفي لغة قليلة كسرها ومعناه استرقه وأخذه بسرعة. ~~قوله: فيقرها بفتح الياء التحتية وضم القاف وتشديد الراء، قال أهل اللغة: ~~والغريب القر ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه، تقول: قررته فيه ~~أقره قرا. قال الخطابي وغيره: # معناه أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن فتسمعها الشياطين. وفي رواية ~~للبخاري: يقرها في أذنه كما تقر القارورة. وفي رواية لمسلم: فيقرها في أذن ~~وليه قر الدجاجة بفتح القاف من قر، والدجاجة بالدال هي الحيوان المعروف أي ~~صوتها عند مجاوبتها لصواحبها، قال الخطابي: وفيه وجه آخر وهو أن تكون ~~PageV07P369 # الرواية قر الزجاجة بالزاي، يدل عليه رواية البخاري المتقدمة بلفظ كما ~~تقر القارورة ، فإن ذكر القارورة يدل على أن الزجاجة بالزاي. قال القاضي ~~عياض: أما مسلم فلم تختلف الرواية عنه أنها الدجاجة بالدال، لكن رواية ~~القارورة تصحح الزجاجة، قال القابسي: معناه يكون لما يلقيه إلى وليه حس كحس ~~القارورة عند تحريكها على اليد أو على صفا. قوله: يخلطون في رواية لمسلم: ~~يقرفون بالراء قال النووي: هذه اللفظة ضبطوها على وجهين: أحدهما بالراء، ~~والثاني بالذال، ووقع في رواية الأوزاعي وابن معقل بالراء باتفاق النسخ ~~ومعناه يخلطون فيه الكذب وهو بمعنى يقذفون، وفي رواية يونس: يرقون، قال ~~القاضي: ضبطناه عن شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، قال: ورواه ~~بعضهم بفتح الياء وإسكان الراء. قال في المشارق. قال بعضهم: صوابه بفتح ~~الياء وإسكان الراء وفتح القاف، وكذا ذكره ms3166 الخطابي قال: ومعناه يزيدون، ~~يقال: رقي فلان إلى الباطل بكسر القاف أي رفعه وأصله من الصعود أي يدعون ~~فيها فوق ما سمعوا، قال القاضي عياض: وقد تصح الرواية الأولى على تضعيف هذا ~~الفعل وتكثيره. قوله: فقاء كل شئ في بطنه فيه متمسك لتحريم ما أخذه الكهان ~~ممن يتكهنون له وإن دفع ذلك بطيبة من نفسه. قوله: من اقتبس أي تعلم، يقال: ~~قبست العلم واقتبسته إذا تعلمته، والقبس الشعلة من النار واقتباسها الاخذ ~~منها. قوله: اقتبس شعبة من السحر أي قطعة، فكما أن تعلم السحر والعمل به ~~حرام فكذا تعلم علم النجوم والكلام فيه حرام. قال ابن رسلان في شرح السنن: ~~والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من PageV07P370 # علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان ويزعمون أنهم ~~يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط ~~لعلم استأثر الله بعلمه، قال: وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة ~~القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهى عنه، ومن المنهي عنه التحدث ~~بمجئ المطر ووقوع الثلج وهبوب الرياح وتغير الأسعار. قوله: زاد ما زاد أي ~~زاد من علم النجوم كمثل ما زاد من السحر، والمراد أنه إذا ازداد من علم ~~النجوم فكأنه ازداد من علم السحر. وقد علم أن أصل علم السحر حرام والازدياد ~~منه أشد تحريما. فكذا الازدياد من علم التنجيم. # وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية ~~وقد جاء الله بالاسلام، فإن منا رجالا يأتون الكهان، قال : فلا تأتهم، قال: ~~ومنا رجال يطيرون، قال: ذلك بشئ يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم، قال قلت: ~~ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك رواه ~~أحمد ومسلم. # هذا الحديث هو طويل حذف المصنف رحمه الله ما لا تعلله بالمقام، وقد تقدم ~~في الصلاة طرف منه وفي العتق طرف آخر. قوله: فلا تأتهم فيه النهي عن إتيان ~~الكهان وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: يطيرون بفتح ms3167 التحتية في أوله وتشديد ~~الطاء المهملة وأصله يتطيرون أدغمت التاء الفوقية في الطاء، والتطير التشؤم ~~وأصله الشئ المكروه من قول أو فعل أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوائح ~~والبوارح فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في ~~سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم وتشاءموا، ~~فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله، ونهى ~~PageV07P371 # عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير ينفع ولا يضر. وقد أخرج أبو داود والترمذي ~~وصححه وابن ماجة من حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: الطيرة شرك ثلاث مرات وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل قال ~~الخطابي: قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذا ~~ويقول: هذا الحرف ليس قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه قول ابن ~~مسعود. وحكى الترمذي عن البخاري عن سليمان بن حرب نحو هذا، وأن الذي أنكره ~~هو: وما منا. قال المنذري: الصواب ما قاله البخاري وغيره أن قوله وما منا ~~الخ من كلام ابن مسعود. قال الحافظ أبو القاسم الأصبهاني والمنذري وغيرهما: ~~في الحديث إضمار أي وما منا إلا وقد وقع في قلبه شئ من ذلك يعني قلوب أمته. # وقيل معناه ما منا إلا من يعتريه التطير وتسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف ~~اختصارا واعتمادا على فهم السامع، وهذا هو معنى ما وقع في حديث الباب قال: ~~ذلك بشئ يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم. قال النووي في شرح مسلم: معناه أن ~~كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة، ولكن لا تلتفتوا إليه ولا ترجعوا عما ~~كنتم عزمتم عليه قبل هذا انتهى. وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا ~~يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضررا إذا عملوا بموجبه ~~فكأنهم أشركوه مع الله تعالى، ومعنى إذهابه بالتوكل أن ابن آدم إذا تطير ~~وعرض له خاطر من التطير أذهبه الله بالتوكل والتفويض إليه وعدم العمل بما ~~خطر من ذلك، ms3168 فمن توكل سلم ولم يؤاخذه الله بما عرض له من التطير. وأخرج ~~الشيخان وأبو داود من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: ما ~~بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ ~~قال: فمن أعدى الأول. قال معمر، قال الزهري: فحدثني رجل عن أبي هريرة أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يوردن ممرض على مصح، قال: ~~فراجعه الرجل فقال: أليس قد حدثتنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~لا عدوى ولا صفر ولا هامة، قال: لم أحدثكموه قال الزهري: قال أبو سلمة قد ~~حدث به وما سمعت أبا هريرة بشئ حدثنا قط غيره، هذا لفظ أبي داود. وقد أخرج ~~حديث لا عدوى إلخ مسلم وأبو داود من طريق العلاء بن عبد الرحمن PageV07P372 # عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه أيضا أبو داود من طريق أبي صالح عن أبي ~~هريرة. وأخرج مسلم من طريق جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا عدوى ولا طيرة ولا غول. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ~~وابن ماجة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا عدوى ولا طيرة ~~ويعجبني الفأل الصالح والفأل الصالح الكلمة الحسنة. وأخرج أبو داود عن رجل ~~عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع كلمة فأعجبته ~~فقال: أخذنا فالك من فيك وأخرج أبو داود عن عروة بن عامر القرشي قال: ذكرت ~~الطيرة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أحسنها الفال ولا ترد ~~مسلما فإن رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا ~~يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك قال أبو القاسم الدمشقي: ولا ~~صحبة لعروة القرشي تصح. # وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس، فعلى هذا يكون حديثه مرسلا. ~~وقال النووي ms3169 في شرح مسلم: وقد صح عن عروة بن عامر الصحابي رضي الله عنه ثم ~~ذكر الحديث وقال في آخره: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وأخرج أبو داود ~~والنسائي عن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يتطير من شئ، ~~وكان إذا بعث غلاما سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورئي بشر ذلك في ~~وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهة ذلك في وجهه، فإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن ~~أعجبه اسمها فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهة ذلك في ~~وجهه. وأخرج أبو داود عن سعد بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يقول: لا هامة ولا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شئ ففي الفرس ~~والمرأة والدار وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن ~~عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الشؤم في الدار والمرأة ~~والفرس. وفي رواية لمسلم: إنما الشؤم في ثلاث: المرأة والفرس والدار. وفي ~~رواية له: إن كان الشؤم في شئ ففي الفرس والمسكن والمرأة. وفي رواية له ~~أيضا: إن كان الشؤم في شئ ففي الربع والخادم والفرس وأخرج أبو داود وصححه ~~الحاكم عن أنس قال: قال رجل: # يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا كثير فيها أموالنا فتحولنا ~~إلى دار أخرى فقل فيها عددنا وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: PageV07P373 # ذروها ذميمة. وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: دار سكناها والعدد كثير والمال وافر ~~فقل العدد وذهب المال، فقال: دعوها فإنها ذميمة وله شاهد من حديث عبد الله ~~بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح. قال ~~النووي: اختلف العلماء في حديث الشؤم في ثلاث: فقال مالك رحمه الله: هو على ~~ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تبارك وتعالى سكناها سببا ms3170 للضرر أو الهلاك، ~~وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء ~~الله تعالى. وقال الخطابي: قال كثيرون هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي ~~الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، ~~أو فرس أو خادم، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة. وقال آخرون: ~~شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم. وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة ~~لسانها وتعرضها للريب. # وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها وقيل حرانها وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم سوء ~~خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه. وقيل: المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة. قال ~~القاضي عياض: قال بعض العلماء لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة ~~أقسام. أحدها ما لم يقع الضرر به ولا اطردت به عادة خاصة ولا عامة فهذا لا ~~يلتفت إليه وأنكر الشرع الالتفات إليه وهو الطيرة. والثاني: ما يقع عنده ~~الضرر عموما لا يخصه ونادرا لا يتكرر كالوباء فلا يقدم عليه ولا يخرج منه. ~~والثالث: يخص ولا يعم كالدار والفرس والمرأة فهذا يباح الفرار منه اه. ~~والراجح ما قاله مالك وهو الذي يدل عليه حديث أنس الذي ذكرنا، فيكون حديث ~~الشؤم مخصصا لعموم حديث لا طيرة، فهو في قوة لا طيرة إلا في هذه الثلاث، ~~وقد تقرر في الأصول أنه يبنى العام على الخاص مع جهل التاريخ، وادعى بعضهم ~~أنه إجماع والتاريخ في أحاديث الطيرة والشؤم مجهول. وما حكاه القاضي عياض ~~في كلامه السابق أن الوباء لا يخرج منه ولا يقدم عليه فلعله يتمسك بحديث ~~النهي عن الخروج من الأرض التي ظهر فيها الطاعون والنهي عن دخولها كما في ~~حديث أسامة بن زيد عند البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والترمذي قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ~~وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها. وقد PageV07P374 # أخرج أبو داود عن يحيى بن عبد الله بن بحير قال: أخبرني من سمع فروة بن ~~مسيك رضي الله عنه قال قلت: ms3171 يا رسول الله أرض عندنا يقال لها: أر ض أبين هي ~~أرض ريفنا وميرتنا وإنها وبئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: دعها عنك فإن من القرف التلف اه. والقرف بفتح القاف والراء ~~بعده فاء وهو ملابسة الداء ومقاربة الوباء ومداناة المرضى، وكل شئ قاربته ~~فقد فارقته، والتلف الهلاك، يعني من قارب متلفا يتلف إذا لم يكن هواء تلك ~~الأرض موافقا له فيتركها. قال ابن رسلان: وليس هذا من باب العدوي بل هو من ~~باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد ~~الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام، قال: واعلم أن في المنع من الدخول إلى ~~الأرض الوبئة حكما، أحدهما: تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها. الثاني: ~~الاخذ بالعافية التي هي مادة مصالح المعاش والمعاد. الثالث: أن لا يستنشقوا ~~الهواء الذي قد عفن وفسد فيكون سببا للتلف. الرابع: أن لا يجاور المرضى ~~الذين قد مرضوا بذلك فيحصل له بمجاورتهم من جنس أمراضهم والحديث يدل على ~~هذا اه. قال المنذري في مختصر السنن بعد أن ذكر حديث فروة المذكور ما لفظه: ~~في إسناده رجل مجهول. قال: # ورواه عبد الله بن معاذ الصنعاني عن معمر بن راشد عن يحيى بن عبد الله بن ~~بحير عن فروة وأسقط المجهول، وعبد الله بن معاذ وثقه يحيى بن معين وغيره ~~وكان عبد الرزاق يكذبه اه. ورجال إسناد هذا الحديث ثقات لأنه رواه أبو داود ~~عن مخلد بن خالد شيخ مسلم، وعباس العنبري شيخ البخاري تعليقا ومسلم قالا: # حدثنا عبد الرزاق عن معمر وهما من رجال الصحيحين عن يحيى بن عبد الله بن ~~بحير ذكره ابن حبان في الثقات، ومما ينبغي أن يجعل مخصصا لعموم حديث: # لا عدوى ولا طيرة ما أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجة في سننهما ~~من حديث الشريد بن سويد الثقفي قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنا قد بايعناك فارجع. وأخرج البخاري في ms3172 ~~صحيحه تعليقا من حديث سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا عدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر، وفر من ~~المجذوم كما تفر من الأسد. ومن ذلك حديث: لا يورد ممرض على مصح الذي ~~قدمناه. PageV07P375 # قال القاضي عياض: قد اختلف ت الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران. وعن جابر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أكل مع مجذوم وقال له: كل ثقة بالله تبارك وتعالى وتوكلا ~~عليه. وعن عائشة قالت: كان لنا مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ويشرب في ~~أقداحي وينام على فراشي. قال: وقد ذهب عمر وغيره من السلف إلى الاكل معه، ~~ورأوا أن الامر باجتنابه منسوخ، والصحيح الذي قاله الأكثرون ويتعين المصير ~~إليه أنه لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الامر باجتنابه والفرار ~~منه على الاستحباب والاحتياط، وأما الاكل معه ففعله لبيان الجواز والله ~~أعلم، كذا في شرح مسلم للنووي. والحديث الذي فيه أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أكل مع المجذوم أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة قال الترمذي: غريب ~~لا نعرفه إلا من حديث يوسف بن محمد عن المفضل بن فضالة، وهذا شيخ بصري ~~والمفضل بن فضالة شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر. وروى شعبة هذا الحديث عن ~~حبيب بن الشهيد عن أبي بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم وحديث شعبة أشبه عندي ~~وأصح. # قال الدارقطني: تفرد به مفضل بن فضالة البصري أخو مبارك عن حبيب بن حبيب ~~بن الشهيد عنه يعني عن ابن المنكدر. وقال ابن عدي الجرجاني لا أعلم يرويه ~~عن حبيب بن الشهيد غير مفضل بن فضالة وقالوا: تفرد بالرواية عنه يونس بن ~~محمد اه. والمفضل بن فضالة البصري كنيته أبو مالك قال يحيى بن معين: ليس ~~بذاك وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان ~~في الثقات. قال القاضي عياض: قال بعض العلماء في هذا ms3173 الحديث وما في معناه ~~يعني حديث الفرار من المجذوم دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ ~~النكاح إذا وجدت زوجها مجذوما أو حدث به جذام. قال النووي: واختلف أصحابنا ~~وأصحاب مالك في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ قال ~~القاضي قالوا ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس، قال: وكذلك اختلفوا في ~~أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعا منفردا خارجا عن الناس ~~ولا يمنعون من التصرف في منافعهم وعليه أكثر الناس أم لا يلزمهم التنحي؟ ~~قال: ولم يختلفوا في القليل منهم يعني في أنهم لا يمنعون، قال: ولا يمنعون ~~من صلاة الجمعة مع الناس ويمنعون من غيرها. قال PageV07P376 # ولو استضر أهل قرية فيهم جذمى بمخالطتهم في الماء، فإن قدروا على استنباط ~~ماء بلا ضرر أمروا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون أو أقاموا من يستقي لهم ~~وإلا فلا يمنعون. قال النووي في شرح مسلم في حديث: لا يورد ممرض على مصح ~~قال العلماء: الممرض صاحب الإبل المراض، والمصح صاحب الإبل الصحاح، فمعنى ~~الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح لأنه ~~ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة لا بطبعها، ~~فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوي ~~بطبعها فيكفروا الله أعلم انتهى. وأشار إلى نحو هذا الكلام ابن بطال. وقيل: ~~النهي ليس للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوها حكاه ابن رسلان في شرح ~~السنن. وقال ابن الصلاح: ووجه الجمع أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن ~~الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببا لأعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك ~~عن سببه كما في غيره من الأسباب. قال الحافظ ابن جحر في شرح النخبة: ~~والأولى في الجمع أن يقال إن نفيه صلى الله عليه وآله وسلم للعدوي باق على ~~عمومه، وقد صح قوله لا يعدي شئ شيئا. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن ~~عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الإبل الصحيحة ms3174 فيخالطها فتجرب حيث رد ~~عليه بقوله: فمن أعدى الأول يعني أن الله سبحانه ابتدأ ذلك في الثاني كما ~~ابتدأه في الأول. قال: وأما الامر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع ~~لئلا يتفق للشخص الذي يخالفه شئ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا ~~بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوي فيقع في ~~الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة انتهى. والمناسب للعمل الأصولي في هذه ~~الأحاديث المذكورة في الباب هو أن يبنى عموم لا عدوى ولا طيرة على الخاص، ~~وهو ما قدمنا من حديث الشؤم في ثلاث. وحديث: فر من المجذوم. وحديث: لا يورد ~~ممرض على مصح وما في معناها . وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في جواب ~~سؤال سميناه إتحاف المهرة بالكلام على حديث لا عدوى ولا طيرة. قوله: ومنا ~~رجال يخطون قال ابن عباس في PageV07P377 # تفسير هذا الخط: هو الخط الذي يخطه الحازي. والحازي بالحاء المهملة والزي ~~هو الحزاء وهو الذي ينظر في المغيبات بظنه، فيأتي صاحب الحاجة إلى الحازي ~~فيعطيه حلوانا فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ~~مثل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة في أربعة أسطر عجلا، ثم ~~يمحو منها على مهل خطين خطين، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط ~~واحد فهو علامة الخيبة، هكذا في شرح السنن لابن رسلان. قال: وهذا علم معروف ~~فيه للناس تصانيف كثيرة وهو معمول به إلى الآن ويستخرجون به الضمير. وقال ~~الحربي: # الخط في الحديث هو أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن ويقول: يكون كذا وكذا ~~وهو ضرب من الكهانة. قوله: كان نبي من الأنبياء يخط قيل: هو إدريس عليه ~~السلام، حكى مكي في تفسيره أن هذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى ~~في الرمل ثم يزجر. قوله: فمن وافق خطه فذاك بنصب الطاء على المفعولية، ~~والفاعل ضمير يعود إلى لفظ من. قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر عنه إذا كان ~~علما لنبوته، وقد انقطعت فنهينا ms3175 عن التعاطي لذلك، قال القاضي عياض: الأظهر ~~من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين تعلم الموافقة ~~والشرع منع من ادعاء علم الغيب جملة؟ وإنما معناه من وافق خطه فذاك الذي ~~تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله PageV07P378 # بعضهم اه. ولو قيل: إن قوله فذاك يدل على الجواز لكان جوازه مشروطا ~~بالموافقة، ولا طريق إليها متصلة بذلك النبي فلا يجوز التعاطي. # باب قتل من صرح بسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون من عرض عن الشعبي ~~عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذمتها رواه أبو داود. عن ابن عباس: # أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقع فيه ~~فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتشتمه فأخذ المعول فجعله في بطنها واتكأ عليها ~~فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فجمع الناس فقال: ~~أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى الناس ~~وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول ~~الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا ~~تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة ~~جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المعول فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا اشهدوا أن دمها هدر رواه أبو داود ~~والنسائي، واحتج به أحمد في رواية أبيه عبد الله. # وعن أنس قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: السام ~~عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه ms3176 وآله وسلم: أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك، قالوا: يا رسول ~~الله ألا نقتله؟ # قال: لا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم رواه أحمد والبخاري. وقد ~~سبق أن ذا الخويصرة قال: يا رسول الله إعدل، وأنه منع من قتله. # حديث الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سكت عنه أبو داود، وقال ~~المنذري: ذكر بعضهم أن الشعبي سمع من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقال ~~PageV07P379 # غيره: أنه رآه، ورجال إسناد الحديث رجال الصحيح. وحديث ابن عباس سكت عنه ~~أيضا أبو داود والمنذري. وقال الحافظ في بلوغ المرام: أن رواته ثقات. # والحديث الذي أشار إليه المصنف أعني قوله قال: يا رسول الله إعدل، قد ~~تقدم في باب قتال الخوارج. (وفي الباب) عن أبي برزة عند أبي داود والنسائي ~~قال: كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل فاشتد غضبه فقلت: أتأذن لي يا خليفة ~~رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: # ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لا أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ ~~قلت : نعم، قال: لا والله ما كان لبشر بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وفي حديث ابن عباس وحديث الشعبي دليل على أنه يقتل من شتم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم صريحا وجب قتله. ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في ~~كتاب الاجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما هو قذف صريح كفر ~~باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل، لأن حد قذفه القتل، وحد القذف ~~لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال: كفر بالسب فسقط القتل بالاسلام. وقال ~~الصيدلاني: يزول القتل ويجب حد القذف. قال الخطابي : لا أعلم خلافا في وجوب ~~قتله إذا كان مسلما. وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن ms3177 القاسم عن مالك: ~~يقتل من سبه صلى الله عليه وآله وسلم منهم إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل ~~بغير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق ~~اليهودي ونحوه. وروي عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة يستتاب منها. ~~وعن الكوفيين: إن كان ذميا عزر، وإن كان مسلما فهي ردة. وحكى عياض خلافا هل ~~كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف؟ ونقل عن بعض ~~المالكية أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك لأنهم ~~لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل: إنهم لما ~~لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السب ~~بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه، ولذلك قال في الرد عليهم: وعليكم أي ~~الموت نازل علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به، أشار إلى ذلك القاضي عياض، ~~وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة هو دعاء PageV07P380 # بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب، وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ~~ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده؟ محل تأمل. # واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث أنس المذكور في الباب وأيده بأن هذا الكلام ~~لو صدر من مسلم لكانت ردة، وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر ~~أشد، فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعقب بأن دماءهم لم ~~تحقن إلا بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فمن سبه منهم تعدى العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه إلا أن ~~يسلم، ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا ~~مسلما لم يقتلوا لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ، ومع ذلك لو قتل منهم ~~أحد مسلما قتل، فإن قيل: إنما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ولو ~~أسلم، ولو سب ثم أسلم لم يقتل قلنا الفرق بينهما ms3178 أن قتل المسلم يتعلق بحق ~~آدمي فلا يهدر وأما السب. فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه ~~الاسلام، والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف أو لكونهم ~~لم يعلنوا به أو لهما جميعا وهو أولى كما قال الحافظ. # [تم] قد تم بحمده تعالى وحسن توفيقه طبع الجزء السابع من (نيل الأوطار ~~شرح منتقى الاخبار من أحاديث سيد الأخيار للامام العلامة الشوكاني) وذلك ~~باهتمام إدارة الطباعة المنيرية لصاحبها ومديرها (محمد منير الدمشقي) ~~ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن وأوله (أبواب احكام الردة والاسلام) ~~ونسأل الله سبحانه وتعالى اتمامه وتيسير غيره من الكتب المعتمدة في الشريعة ~~المحمدية على صاحبها أفضل صلاة وأتم تحية. PageV07P381 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضى قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء الثامن - 1973 دار الجيل بيروت - لبنان ~~ص، پ - 8747 PageV08P001 # بسم الله الرحمن الرحيم أبواب أحكام الردة والاسلام (1) باب قتل المرتد ~~عن عكرمة قال: أتي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ~~ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من بدل دينه فاقتلوه رواه الجماعة إلا مسلما، وليس لابن ~~ماجة فيه سوى: من بدل دينه فاقتلوه. # وفي حديث لأبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: اذهب إلى ~~اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة وقال: انزل وإذا ~~رجل عنده موثق قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس ~~حتى يقتل قضاء الله ورسوله متفق عليه. وفي رواية لأحمد: قضى الله ورسوله أن ~~من رجع عن دينه فاقتلوه. ولأبي داود في هذه القصة: فأتي أبو موسى برجل قد ~~ارتد عن الاسلام فدعا عشرين ليلة أو قريبا منها ms3179 فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب ~~عنقه. # وعن محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من ~~قبل أبي موسى فسأله عن الناس فأخبره ثم قال: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم، ~~كفر رجل بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال ~~عمر: هلا حبستموه ثلاثا PageV08P002 # وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني ~~لم أحضر ولم أرض إذ بلغني رواه الشافعي. # أثر عمر أخرجه أيضا مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن ~~عبد القاري عن أبيه، قال الشافعي: من لا يتأنى المرتد زعموا أن هذا الأثر ~~عن عمر ليس بمتصل. ورواه البيهقي من حديث أنس قال: لما نزلنا على تستر فذكر ~~الحديث وفيه: فقدمت على عمر رضي الله عنه فقال: يا أنس ما فعل الستة الرهط ~~من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الاسلام فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير ~~المؤمنين قتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر، قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ ~~قال: نعم، قال: كنت أعرض عليهم الاسلام فإن أبوا أودعتهم السجن. (وفي ~~الباب) عن جابر: أن امرأة أم رومان وفي التلخيص: # أن الصواب أم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعرض ~~عليها الاسلام فإن تابت وإلا قتلت. أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريقين ~~وزاد في أحدهما : فأبت أن تسلم فقتلت قال الحافظ: وإسناداهما ضعيفان. وأخرج ~~البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة: أن امرأة ارتدت يوم أحد فأمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت. وأخرج أبو الشيخ في ~~كتاب الحدود عن جابر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم استتاب رجلا أربع مرات. ~~وفي إسناده العلاء بن هلال وهو متروك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. ~~ورواه البيهقي من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب عن الثوري عن رجل عن عبد ~~الله بن عبيد بن عمير مرسلا وسمي الرجل ms3180 نبهان. وأخرج الدارقطني والبيهقي: ~~أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب ~~فقتلها. قال الحافظ: وفي السير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل أم ~~قرفة يوم قريظة وهي غير تلك. وفي الدلائل عن أبي نعيم: أن زيد بن ثابت قتل ~~أم قرفة في سريته إلى بني فزارة. قوله بزنادقة بزاي ونون وقاف جمع زنديق ~~بكسر أوله وسكون ثانيه. قال أبو حاتم السجستاني وغيره: الزنديق فارسي معرب ~~أصله زنده كرد أي يقول بدوام الدهر، لأن زنده الحياة وكرد العمل، ويطلق على ~~من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب ليس في كلام العرب زنديق وإنما ~~يقال زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ~~ودهري بفتح الدال أي يقول بدوام الدهر، وإذا PageV08P003 # قالوها بالضم أرادوا كبر السن. وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية، وفسره ~~بعض الشراح بأنه الذي يدعي مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق ~~على كل مشرك. قال الحافظ: والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل أن أصل ~~الزندقة اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك الأول بفتح الدال المهملة وسكون ~~التحتية بعدها صاد مهملة، والثاني بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة، ~~والثالث بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف. (وحاصل) مقالتهم أن النور ~~والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر ~~فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب أن يسعى في ~~تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس، وكان بهرام جد كسرى تحيل على ~~ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنقبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم ~~بقايا اتبعوا مزدك المذكور وقام الاسلام. والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، ~~وأظهر جماعة منهم الاسلام خشية القتل فهذا أصل الزندقة. وأطلق جماعة من ~~الشافعية الزندقة على من يظهر الاسلام ويخفي الكفر مطلقا. وقال النووي في ~~الروضة: الزنديق الذي لا ينتحل دينا. وقد اختلف ms3181 الناس في الذين وقع لهم مع ~~أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما وقع وسيأتي. قوله: لنهي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله أي لنهيه عن القتل بالنار ~~بقوله: ولا تعذبوا بعذاب الله. وهذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة. وقد ~~أخرج البخاري من حديث أبي هريرة حديثا وفيه: وأن النار لا يعذب بها إلا ~~الله ذكره البخاري في الجهاد. وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود في قصة ~~بلفظ: وإنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار. # قوله: من بدل دينه فاقتلوه هذا ظاهره العموم في كل من وقع منه التبديل، ~~ولكنه عام يخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه ~~تجري عليه أحكام الظاهر، ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر ولكن مع ~~الاكراه هكذا في الفتح، قال فيه: واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد، وخصه ~~الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهي على ~~الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل ~~النساء لما رأى امرأة مقتولة: PageV08P004 # ما كانت هذه لتقاتل. ثم نهى عن قتل النساء. واحتجوا بأن من الشرطية لا ~~تعم المؤنث، وتعقب بأن ابن عباس راوي الخبر وقد قال بقتل المرتدة. وقتل أبو ~~بكر الصديق في خلافته امرأة ارتدت كما تقدم والصحابة متوافرون فلم ينكر ~~عليه أحد ذلك، واستدلوا أيضا بما وقع في حديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الاسلام فادعه فإن ~~عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الاسلام فادعها فإن عادت وإلا ~~فاضرب عنقها. قال الحافظ: وسنده حسن، وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير ~~إليه، ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب ~~الخمر والقذف، ومن صور الزنا رجم المحصن ms3182 حتى يموت، فإن ذلك مستثنى من النهي ~~عن قتل النساء فيستثنى قتل المرتدة مثله . (واستدل) بالحديث بعض الشافعية ~~على أنه يقتل من انتقل من ملة من ملل الكفر إلى ملة أخرى. وأجيب بأن الحديث ~~متروك الظاهر فيمن كان كافرا ثم أسلم اتفاقا مدخوله في عموم الخبر، فيكون ~~المراد من بدل دينه الذي هو دين الاسلام، لان الدين في الحقيقة هو دين ~~الاسلام، قال الله تعالى: * (إن الدين عند الله الاسلام) * (آل عمران: 19) ~~ويؤيده أن الكفر ملة واحدة، فإذا انتقل الكافر من ملة كفرية إلى أخرى مثلها ~~لم يخرج عن دين الكفر، ويؤيده أيضا قوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام ~~دينا فلن يقبل منه) * (آل عمران: 85). قد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على ~~ذلك، فأخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس رفعه: من خالف دينه دين ~~الاسلام فاضربوا عنقه واستدل بالحديث المذكور في الباب، على أنه يقتل ~~الزنديق من غير استتابة ، وتعقب بأنه وقع في بعض طرق الحديث أن أمير ~~المؤمنين عليا رضي الله عنه استتابهم كما في الفتح من طريق عبد الله بن ~~شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي إن هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنك ~~ربهم فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، ~~قال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن ~~أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، ~~فأبوا فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك ~~الكلام، فقال: أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك ~~لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فأمر علي PageV08P005 # أن يخد لهم أخدود بين باب المسجد والقصر وأمر بالحطب أن يطرح في الأخدود ~~ويضرم بالنار ثم قال لهم: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف ~~بهم حتى إذا احترقوا قال : إني إذا رأيت أمرا منكرا * أوقدت ناري ودعوت ~~قنبرا قال الحافظ: إن إسناد ms3183 هذا صحيح. وزعم أبو مظفر الأسفراييني في الملل ~~والنحل أن الذين أحرقهم علي رضي الله عنه طائفة من الروافض ادعوا فيه ~~الإلهية وهم السبئية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الاسلام ~~وابتدع هذه المقالة. # وأما ما رواه ابن أبي شيبة أنهم أناس كانوا يعبدون الأصنام في السر فسنده ~~منقطع ، فإن ثبت حمل على قصة أخرى. وقد ذهب الشافعي إلى أنه يستتاب الزنديق ~~كما يستتاب غيره. وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان: إحداهما لا يستتاب، والأخرى ~~إن تكرر منه لم تقبل توبته وهو قول الليث وإسحاق. وحكي عن أبي إسحاق ~~المروزي من أئمة الشافعية، قال الحافظ: ولا يثبت عنه بل قيل إنه تحريف من ~~إسحاق بن راهويه والأول هو المشهور عن المالكية. وحكي عن مالك أنه إن جاء ~~تائبا قبل وإلا فلا، وبه قال أبو يوسف، واختاره أبو إسحاق الأسفراييني وأبو ~~منصور البغدادي، وعن جماعة من الشافعية إن كان داعية لم يقبل وإلا قبل. ~~وحكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة والشافعي ومحمد أنها تقبل توبة الزنديق ~~لعموم أن ينتهوا. وعن مالك وأبي يوسف والجصاص لا تقبل إذ يعرف منهم التظهر ~~تقية بخلاف ما ينطقون به. قال المهدي: فيرتفع الخلاف حينئذ فيرجع إلى ~~القرائن لكن الأقرب العمل بالظاهر وإن التبس الباطن لقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لمن يستأذنه في قتل منافق: أليس يشهد أن لا إله إلا الله الخبر ~~ونحوه اه. قال في الفتح: واستدل من منع من قبول توبة الزنديق بقوله تعالى : ~~* (إلا الذين تابوا وأصلحوا) * (البقرة: 160) فقال الزنديق لا يطلع على ~~إصلاحه لأن الفساد إنما أتى مما أسره، فإذا أطلع عليه وأظهر الاقلاع عنه لم ~~يرد على ما كان عليه، ولقوله تعالى: * (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ~~ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم) * (النساء: 37) وأجيب بأن ~~المراد من مات منهم على ذلك كما فسره ابن عباس أخرجه عنه ابن أبي حاتم ~~وغيره. واستدل لمن قال بالقبول بقوله تعالى: * (اتخذوا أيمانهم ms3184 جنة) * ~~(المجادلة: 16) فدل على أن إظهار الايمان يحصن من القتل، قال الحافظ: وكلهم ~~أجمعوا على أن أحكام الدنيا PageV08P006 # على الظاهر والله يتولى السرائر، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأسامة: هلا شققت عن قلبه وقال للذي ساره في قتل رجل: أليس يصلي؟ قال نعم، ~~قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم. وقال صلى الله عليه وآله وسلم لخالد لما ~~استأذنه في قتل الذي أنكر القسمة: إني لم أومر بأن أنقب عن قلوب الناس. ~~وهذه الأحاديث في الصحيح والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قوله: ثم أتبعه ~~بهمزة ثم مثناة ساكنة. # قوله: معاذ بن جبل بالنصب أي بعثه بعده، ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، ~~ووقع في بعض النسخ وأتبعه بهمزة وصل وتشديد المثناة ومعاذ بالرف. قوله: # فلما قدم عليه في البخاري في كتاب المغازي: أن كلا منهما كان على عمل ~~مستقل، وأن كلا منهما كان إذا سار في أرضه بقرب من صاحبه أحدث به عهدا، وفي ~~أخرى له فجعلا يتزاوران. قوله: وسادة هي ما تجعل تحت رأس النائم كذا قال ~~النووي قال: وكان من عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة ~~في إكرامه. قوله: وإذا رجل عنده إلخ هي جملة حالية بين الامر والجواب، قال ~~الحافظ، ولم أقف على اسمه. قوله: قضاء الله خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب. ~~قوله: فضرب عنقه في رواية للطبراني: فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه ~~فيها، ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار. # قوله: هل من مغربة خبر بضم الميم وسكون الغين المعجمة وكسر الراء وفتحها ~~مع الإضافة فيهما معناه هل من خبر جديد من بلاد بعيدة؟ قال الرافعي: # شيوخ الموطأ فتحوا الغين وكسروا الراء وشددوها. قوله: هلا حبستموه إلخ، ~~وكذلك قوله في الحديث الأول: فدعاه عشرين ليلة إلخ، استدل بذلك من أوجب ~~الاستتابة للمرتد قبل قتله، وقد قدمنا في أول الباب ما في ذلك من الأدلة: ~~قال ابن بطال: اختلفوا في استتابة المرتد فقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل ms3185 وهو ~~قول الجمهور. # وقيل: يجب قتله في الحال، وإليه ذهب الحسن وطاوس، وبه قال أهل الظاهر، ~~ونقله ابن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير، وعليه يدل تصرف البخاري فإنه ~~استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة والتي فيها أن التوبة لا تنفع ~~وبعموم قوله: من بدل دينه فاقتلوه وبقصة معاذ المذكورة ولم يذكر غير ذلك. ~~قال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الاسلام حكم الحربي الذي ~~بلغته الدعوة فإنه PageV08P007 # يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الاسلام ~~لا عن بصيرة، فأما من خرج عن بصيرة فلا. ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم، لكن ~~إن جاء مبادرا بالتوبة خلي سبيله ووكل أمره إلى الله. وعن ابن عباس: إن كان ~~أصله مسلما لم يستتب وإلا استتيب، واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالاجماع ~~يعني السكوتي، لأن عمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام؟ ثم ذكر ~~الأثر المذكور في الباب ثم قال: ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا ~~من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من بدل دينه فاقتلوه أي إن لم يرجع، وقد ~~قال تعالى: * (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) * ~~(التوبة: 5). واختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرة أم لا بد من ~~ثلاث؟ وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ ونقل ابن بطال عن ~~أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه يستتاب شهرا، وعن النخعي يستتاب أبدا. # باب ما يصير به الكافر مسلما عن ابن مسعود قال: إن الله عز وجل ابتعث ~~نبيه لادخال رجل الجنة فدخل الكنيسة فإذا يهود وإذا يهودي يقرأ عليهم ~~التوراة، فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمسكوا وفي ~~ناحيتها رجل مريض، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما لكم أمسكتم؟ ~~فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ ~~التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وآله ms3186 وسلم وأمته فقال: ~~هذه صفتك وصفة أمتك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: لوا أخاكم رواه أحمد. وعن أبي صخر ~~العقيلي قال: حدثني رجل من الاعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا ~~الرجل ولأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم في ~~أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه ~~على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول PageV08P008 # الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك ~~هذا صفتي ومخرجي؟ فقال: برأسه هكذا أي لا، فقال ابنه: أي والله الذي أنزل ~~التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله، فقال: أقيموا اليهودي عن أخيكم ثم ولي دفنه وجننه والصلاة عليه ~~رواه أحمد. # وعن أنس: أن يهوديا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أشهد أنك ~~رسول الله ثم مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا على ~~صاحبكم رواه أحمد في رواية مهنا محتجا به. وعن ابن عمر قال: بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم خالد ابن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الاسلام ~~فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ~~ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى أصبح أمر خالد أن يقتل كل رجل منا ~~أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع ~~خالد مرتين رواه أحمد والبخاري، وهو دليل على أن الكناية مع النية كصريح ~~لفظ الاسلام. # حديث ابن مسعود أخرجه أيضا الطبراني قال في مجمع الزوائد في إسناده عطاء ~~بن السائب وقد اختلط. وحديث أبي صخر العقيلي ms3187 قال في مجمع الزوائد: # أبو صخر لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في المنفعة قلت: ~~اسمه عبد الله بن قدامة وهو مختلف في صحبته. وجزم البخاري ومسلم وابن حبان ~~وغيرهم بأن له صحبة، ثم ذكر ابن حجر في المنفعة الاضطراب في إسناده. وحديث ~~أنس قال في مجمع الزوائد: أخرجه أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح، ~~والأحاديث المذكورة في الباب بعضها يشهد لبعض، وقد ورد في معناها أحاديث. ~~منها ما أخرجه في الموطأ عن رجل من الأنصار أنه جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بجارية له فقال: يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ ~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ ~~قالت: نعم، قال: أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت: نعم، قال: أتؤمنين ~~بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: أعتقها. وأخرج أبو داود والنسائي من ~~حديث الشريد PageV08P009 # بن سويد الثقفي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لجارية: من ربك؟ ~~قالت: # الله، قال: فمن أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة وأخرج ~~مسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي من حديث معاوية بن الحكم السلمي: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لجارية أراد معاوية بن الحكم أن ~~يعتقها عن كفارة: # أين الله؟ فقالت في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: ~~أعتقها. وأخرج نحوه أبو داود من حديث أبي هريرة، ومثل ذلك أحاديث: أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله كما في الأمهات عن جماعة من ~~الصحابة. # قوله: ابتعث الله نبيه أي بعثه الله من بيته ليحصل بذلك إدخال رجل الجنة ~~وهو الرجل المريض في الكنيسة فإن دخوله صلى الله عليه وآله وسلم إليها كان ~~سبب إسلامه الذي صار سببا في دخوله الجنة. قوله: لوا أخاكم فيه الامر لمن ~~كان من المسلمين في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم بأن يلوا أمر ذلك الرجل ~~المريض لأنه قد صار ms3188 بسبب تكلمه بالشهادتين أخا لهم. قوله: وجنته الجنن ~~بالجيم ونونين القبر ذكره في النهاية. قوله: صبأنا صبأنا أي دخلنا في دين ~~الصابئة، وكان أهل الجاهلية يسمون من أسلم صابئا، وكأنهم قالوا: أسلمنا ~~أسلمنا، والصابئ في الأصل الخارج من دين إلى دين. قال في القاموس: صبأ كمنع ~~وكرم، صبأ وصبوأ خرج من دين إلى دين اه. قوله: مما صنع خالد تبرأ صلى الله ~~عليه وآله وسلم من صنع خالد ولم يتبرأ منه، وهكذا ينبغي أن يقال لمن فعل ما ~~يخالف الشرع ولا سيما إذا كان خطأ، وقد استدل المصنف بأحاديث الباب على أنه ~~يصير الكافر مسلما بالتكلم بالشهادتين، ولو كان ذلك على طريق الكناية بدون ~~تصريح كما وقع في الحديث الآخر. وقد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن الاسلام ~~مجموع خصال. أحدها: التلفظ بالشهادتين منها حديث ابن عمر عند مسلم وأبي ~~داود والترمذي والنسائي قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع عليه رجل شديد بياض ~~الثياب شديد سواد الشعر. وفيه فقال: يا محمد أخبرني عن الاسلام، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: الاسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن ~~PageV08P010 # استطعت إليه سبيلا ومنها ما أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي من حديث ~~أبي هريرة وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الاسلام أن تعبد ~~الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم ~~رمضان. ومنها ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم ~~رمضان. ومنها ما أخرجه الشيخان ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي من حديث ~~طلحة بن عبد الله: أنه جاء إلى رسول الله صلى الله ms3189 عليه وآله وسلم رجل ~~فسأله عن الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خمس صلوات في ~~اليوم والليلة وصيام رمضان وذكر له الزكاة. وأخرج النسائي عن بهز بن حكيم: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن آيات الاسلام فقال أن تقول: أسلمت ~~وجهي وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة. وأخرج النسائي عن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأخرج الشيخان وأبو داود ~~والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. وأخرج مسلم من حديث ~~جابر والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي موسى نحو ذلك. وأخرج ~~الشيخان من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا ~~بحق الاسلام وحسابهم على الله تعالى. وأخرج البخاري والترمذي وأبو داود ~~والنسائي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا شهدوا ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا ~~وصلوا صلاتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها. ولفظ البخاري: من شهد ~~أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، ~~له ما للمسلم وعليه ما على المسلم. فهذه الأحاديث ونحوها تدل على أن الرجل ~~لا يكون مسلما إلا إذا فعل جميع الأمور المذكورة PageV08P011 # فيها. والأحاديث الأولة تدل على أن الانسان يصير مسلما بمجرد النطق ~~بالشهادتين. قال الحافظ في الفتح عند الكلام على حديث: أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله في ms3190 باب قتل من أبى من قبول الفرائض من كتاب ~~استتابة المرتدين والمعاندين ما لفظه: وفيه منع قتل من قال: لا إله إلا ~~الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟ الراجح لا، ~~بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الاسلام حكم ~~بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: إلا بحق الاسلام. قال البغوي: ~~الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية ، فإذا قال: لا إله إلا ~~الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع الأحكام ويبرأ من كل دين خالف ~~الاسلام، وأما من كان مقرا بالوحدانية منكرا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه ~~حتى يقول: محمد رسول الله، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب ~~خاصة فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة ~~محرم فيحتاج إلى أن يرجع عن اعتقاده. قال الحافظ: ومقتضى قوله يجبر أنه إذا ~~لم يلتزم يجري عليه حكم المرتد، وبه صرح القفال واستدل بحديث الباب وادعى ~~أنه لم يرد في خبر من الاخبار: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، وهي غفلة عظيمة، فإن ذلك ثابت في الصحيحين في ~~كتاب الايمان منهما كما قدمنا الإشارة إلى ذلك انتهى. # باب صحة الاسلام مع الشرط الفاسد عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه ~~أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم على أن يصلي صلاتين فقبل منه رواه ~~أحمد. وفي لفظ آخر له: على أن لا يصلي إلا صلاة فقبل منه وعن وهب قال: سألت ~~جابرا عن شأن ثقيف إذا بايعت فقال: اشترطت على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بعد ذلك يقول: سيتصدقون ويجاهدون رواه أبو داود. وعن أنس: أن رسول الله صلى ~~الله PageV08P012 # عليه وآله وسلم قال لرجل: أسلم، قال: أجدني كارها، قال أسلم وإن كنت ms3191 ~~كارها رواه أحمد. # هذه الأحاديث فيها دليل على أنه يجوز مبايعة الكافر وقبول الاسلام منه ~~وإن شرط شرطا باطلا، وأنه يصح إسلام من كان كارها. وقد سكت أبو داود ~~والمنذري عن حديث وهب المذكور وهو وهب بن منبه وإسناده لا بأس به. # وأخرج أبو داود أيضا من حديث الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ~~ثقيف لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنزلهم المسجد ليكون ~~أرق لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا، ولا خير في ~~دين ليس فيه ركوع. قال المنذري: قد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان ~~بن أبي العاص، والمراد بالحشر جمعهم إلى الجهاد والنفير إليه. وبقوله: ~~يعشروا أخذ العشور من أموالهم صدقة. وبقوله: ولا يجبوا بفتح الجيم وضم ~~الباء الموحدة المشددة، وأصل التجبية أن يقوم الانسان مقام الراكع وأرادوا ~~أنهم لا يصلون. قال الخطابي: ويشبه أن يكون إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة ~~لأنهما لم يكونا بعد واجبتين في العاجل، لأن الصدقة إنما تجب بانقطاع ~~الحول، والجهاد إنما يجب بحضوره، وأما الصلاة فهي راتبة فلم يجز أن يشترطوا ~~تركها انتهى. ويعكر على ذلك حديث نصر بن عاصم المذكور في الباب فإن فيه أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل من الرجل أن يصلي صلاتين فقط أو صلاة ~~واحدة على اختلاف الروايتين، ويبقى الاشكال في قوله في الحديث الذي ذكرناه: ~~لا خير في دين ليس فيه ركوع فإن ظاهره يدل على أنه لا خير في إسلام من أسلم ~~بشرط أن لا يصلي، ويمكن أن يقال: إن نفي الخيرية لا يستلزم عدم جواز قبول ~~من أسلم بشرط أن لا يصلي، وعدم قبوله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الشرط ~~من ثقيف لا يستلزم عدم جواز القبول مطلقا. PageV08P013 # باب تبع الطفل لأبويه في الكفر ولمن أسلم منهما في الاسلام وصحة إسلام ~~المميز عن أبي ms3192 هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من ~~مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما ~~تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها الآية متفق عليه. وفي رواية: متفق عليها أيضا. قالوا: ~~يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا ~~عاملين. وعن ابن مسعود: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط قال: من ~~للصبية؟ # قال: النار رواه أبو داود والدارقطني في الافراد وقال فيه: النار لهم ~~ولأبيهم. # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من الناس مسلم ~~يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته ~~إياهم رواه البخاري وأحمد وقال فيه: ما من رجل مسلم وهو عام فيما إذا كانوا ~~من مسلمة أو كافرة. قال البخاري: فكان ابن عباس مع أنه من المستضعفين ولم ~~يكن مع أبيه على دين قومه. # حديث ابن مسعود سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات إلا علي بن ~~حسين الرقي وهو صدوق كما قال في التقريب. وأخرج نحوه البيهقي من طريق محمد ~~بن يحيى بن سهل بابي خيثمة عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما أقبل بالأسارى فكان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت فضرب عنق ~~عقبة بن أبي معيط صبرا فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: النار لهم ولأبيهم. # قوله: على الفطرة للفطرة معان: منها الخلقة، ومنها الدين. قال في ~~القاموس: والفطرة صدقة الفطر، والخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه ~~والدين انتهى. والمناسب ههنا هو المعنى الآخر أعني الدين أي كل مولود يولد ~~على الدين الحق، فإذا لزم غيره فذلك لأجل ما يعرض له بعد الولادة من ~~التغييرات من جهة أبويه أو سائر من PageV08P014 # يربيه. قول: جمعاء بفتح الجيم وسكون الميم بعدها ms3193 عين مهملة، قال في ~~القاموس: والجمعاء الناقة المهزولة، ومن البهائم التي لم يذهب من بدنها شئ ~~انتهى. والمراد ههنا المعنى الآخر. # لقوله: هل تحسون فيها من جدعاء. والجدع قطع الأنف أو الاذن أو اليد أو ~~الشفة كما في القاموس. قال: والجدعة محركة ما بقي بعد القطع انتهى. ~~والمعنى: أن البهائم كما أنها تولد سليمة من الجدع كاملة الخلقة، وإنما ~~يحدث لها نقصان الخلقة بعد الولادة بالجدع، ونحوه كذلك أولاد الكفار يولدون ~~على الدين الحق الكامل، وما يعرض لهم من التلبس بالأديان المخالفة له فإنما ~~هو حادث له بعد الولادة بسبب الأبوين ومن يقوم مقامهما. وحديث أبي هريرة ~~فيه دليل على أن أولاد الكفار يحكم لهم عند الولادة بالاسلام، وأنه إذا وجد ~~الصبي في دار الاسلام دون أبويه كان مسلما، لأنه إنما صار يهوديا أو ~~نصرانيا أو مجوسيا بسبب أبويه، فإذا عدما فهو باق على ما ولد عليه وهو ~~الاسلام. قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين فيه دليل على أن أحكام أولاد ~~الكفار عند الله إذا ماتوا صغارا غير متعينة، بل منوطة بعمله الذي كان ~~يعمله لو عاش. وفي حديث ابن مسعود المذكور دليل على أنهم من أهل النار ~~لقوله فيه: # النار لهم ولأبيهم ويشكل ذلك على مذهب العدلية لعدم وقوع موجب التعذيب ~~منهم. (والحاصل) أن مسألة أطفال الكفار باعتبار أمر الآخرة من المعارك ~~الشديدة لاختلاف الأحاديث فيها، ولها ذيول مطولة لا يتسع لهم المقام، وفي ~~الوقف عن الجزم بأحد الامرين سلامة من الوقوع في مضيق لم تدع إليه حاجة ولا ~~ألجأت إليه ضرورة، وأما باعتبار أحكام الدنيا فقد ثبت في صحيح البخاري في ~~باب أهل الدار من كتاب الجهاد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن ~~أولاد المشركين هل يقتلون مع آبائهم؟ فقال: هم منهم. قال في الفتح: أي في ~~الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل ~~المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطئ الذرية، فإذا أصيبوا ~~لاختلاطهم بهم جاز قتلهم ms3194 انتهى. وأخرج أبو داود: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان ويحمل ~~هذا على أنه لا يجوز قتلهم بطريق القصد. وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ~~ابن عمر قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة أتي بامرأة ~~مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل، ونهى عن قتل النساء PageV08P015 # والصبيان. وأخرج نحوه أبو داود في المراسيل من حديث عكرمة، وقد ذهب مالك ~~والأوزاعي إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترس أهل ~~الحرب بالنساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم. وذهب الشافعي والكوفيون ~~وغيرهم إلى الجمع بما تقدم وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها، ويؤيد ذلك ~~ما أخرجه أبو داود والنسائي وأبو حبان من حديث رباح بن الربيع التميمي قال: ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى ~~امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت. ~~وقد نقل ابن بطال وغيره الاتفاق على منع القصد إلى قتل النساء والولدان. ~~وأما حديث أنس المذكور في الباب فمحله كتاب الجنائز، وإنما ذكره المصنف ~~ههنا للاستدلال به على أن الولد يكون مسلما بإسلام أحد أبويه لما في قوله: ~~ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد فإنه يقتضي أن من كان له ذلك ~~المقدار من الأولاد دخل الجنة وإن كانوا من امرأة غير مسلمة، ونفعهم لأبيهم ~~في ذلك الامر إنما يصح بعد الحكم بإسلامهم لأجل إسلام أبيهم. # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل مولود يولد على ~~الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا ~~رواه أحمد. وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه عرض الاسلام على ابن ~~صياد صغيرا فروى ابن عمر: أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في رهط من أصحابه قبل ابن ms3195 صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان ~~عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ظهره بيده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لابن صياد: أتشهد أني رسول الله فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد ~~أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: آمنت بالله وبرسله وذكر الحديث ~~متفق عليه. وعن عروة قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين أخرجه البخاري ~~تاريخه. وأخرج أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قتل علي رضي الله عنه وهو ~~ابن ثمان وخمسين سنة، قلت: وهذا يبين إسلامه صغيرا لأنه أسلم في أوائل ~~PageV08P016 # المبعث. وروي عن ابن عباس قال: كان علي رضي الله عنه أول من أسلم من ~~الناس بعد خديجة رواه أحمد. وفي لفظ: أول من صلى علي رضي الله عنه رواه ~~الترمذي. وعن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن رجل من الأنصار قال: سمعت زيد بن ~~أرقم يقول: أول من أسلم علي رضي الله عنه، قال عمرو بن مرة: فذكرت ذلك ~~لإبراهيم النخعي قال: أول من أسلم أبو بكر الصديق رواه أحمد والترمذي ~~وصححه. وقد صح أن من مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى وفاته نحو ~~ثلاث وعشرين سنة، وأن عليا رضي الله عنه عاش بعده نحو ثلاثين سنة، فيكون قد ~~عمر بعد إسلامه فوق الخمسين وقد مات ولم يبلغ الستين، فعلم أنه أسلم صغيرا. # حديث جابر أصله في الصحيحين. وحديث ابن عمر الذي ذكره المصنف في شأن ابن ~~صياد لم يذكر من أخرجه، ولم تجر له عادة بذلك، وهو في الصحيحين وسنن أبي ~~داود والترمذي والموطأ. وفي بعض النسخ قال متفق عليه: ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادق وكاذب، فقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: خلط عليك الامر، ثم قال له ms3196 صلى الله عليه وآله وسلم: # إني قد خبأت لك خبيئا، فقال ابن صياد: هو الدخ، فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم : اخسأ فلن تعدو قدرك فقال عمر: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير ~~لك في قتله زاد الترمذي بعد قوله: خبأت لك خبيئا: وخبأ له يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين وحديث عروة مرسل، وكذلك حديث جعفر بن محمد عن أبيه. وحديث ابن ~~عباس قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث ~~شعبة عن أبي بلج إلا من حديث محمد بن حميد، وأبو بلج اسمه يحيى بن أبي ~~سليم. وقال بعض أهل العلم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأسلم علي وهو ~~غلام ابن ثمان سنين، وأول من أسلم من النساء خديجة انتهى. وحديث زيد بن ~~أرقم قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح انتهى. وفي إسناده ذلك ~~الرجل المجهول، ولم يقع التصريح بأنه من الصحابة حتى تغتفر جهالته كما ~~قررنا ذلك غير PageV08P017 # مرة، بل روايته بواسطة تدل على أنه ليس من الصحابة، فلا يكون حديثه حينئذ ~~صحيحا ولا حسنا. وأما قول إبراهيم النخعي فهو مرسل فلا يصلح لمعارضة ما ~~رواه زيد بن أرقم وابن عباس. وقد أخرج الترمذي أيضا عن أنس بن مالك قال: ~~بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين وصلى علي رضي الله عنه يوم ~~الثلاثاء قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسلم الأعور، ~~ومسلم الأعور ليس عندهم بذاك القوي. وقد روي هذا عن مسلم عن حية عن علي نحو ~~هذا اه. والأولى الجمع بين ما ورد مما يقتضي أن عليا أول الناس إسلاما، وأن ~~أبا بكر أولهم إسلاما، بأن يقال: علي كان أول من أسلم من الصبيان، وأبو بكر ~~أول من أسلم من الرجال، وخديجة أول من أسلم من النساء. قوله: حتى يعرب عنه ~~لسانه ms3197 فيه دليل على أنه لا يحكم للصبي ما دام غير مميز إلا بدين الاسلام، ~~فإذا أعرب عنه لسانه بعد تمييزه حكم عليه بالملة التي يختارها. قوله: قبل ~~ابن صياد بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهته. وابن صياد اسمه صاف وأصله من ~~اليهود. # وقد اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافا شديدا وأشكل أمره حتى قيل فيه ~~كل قول. وظاهر الحديث المذكور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مترددا ~~في كونه هو الدجال أم لا، ومما يدل على أنه هو الدجال ما أخرجه الشيخان ~~وأبو داود عن محمد بن المنكدر قال: كان جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن ~~صياد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ فقال: إني سمعت عمر بن الخطاب يحلف على ~~ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينكره. وقد أجيب عن التردد ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم بجوابين: الأول أنه تردد صلى الله عليه وآله ~~وسلم قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه. ~~والثاني: أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك وإن لم يكن في الخبر شك، ومما ~~يدل على أنه هو الدجال ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: ~~لقيت ابن صياد يوما ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين ~~الحمار، فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد متى طفت عينك؟ قال: لا ~~أدري والرحمن، قلت: كذبت وهي في رأسك، قال: فمسحها ونخر ثلاثا فزعم اليهودي ~~أني ضربت بيدي صدره وقلت: اخسأ فلم تعدو قدرك، فذكرت ذلك لحفصة فقالت ~~PageV08P018 # حفصة: اجتنب هذا الرجل فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها وأخرج ~~مسلم هذا الحديث بمعناه من وجه آخر عن ابن عمر ولفظه: لقيته مرتين فذكر ~~الأولى ثم قال: ثم لقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه فقلت: متى فعلت عينك ما ~~أرى؟ فقال: لا أدري، فقلت: لا تدري وهي في رأسك، قال: إن شاء الله ms3198 فعلها في ~~عصاك هذه ونخر كأشد نخير حمار سمعت، فزعم أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي ~~حتى تكسرت وأنا والله ما شعرت، قال: وجاء حتى دخل على حفصة فحدثها فقالت: ~~ما تريد إليه؟ ألم تسمع أنه قد قال صلى الله عليه وآله وسلم: أول ما يبعثه ~~على الناس غضب يغضبه. ثم قال ابن بطال: فإن قيل: هذا أيضا يدل على التردد ~~في أمره. فالجواب: أنه قد وقع الشك في أنه الدجال الذي يقتله عيسى بن مريم، ~~ولم يقع الشك في أنه أحد الدجالين الكذابين الذين أنذر بهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله: إن بين يدي الساعة دجالين كذابين وهو في الصحيحين، ~~وتعقبه الحافظ بأن الظاهر أن حفصة وابن عمر أرادا الدجال الأكبر، واللام في ~~القصة الواردة عنهما للعهد لا للجنس، وكذلك حلف عمر وجابر السابق على أن ~~ابن الصياد هو الدجال. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح أن ابن عمر كان يقول: ~~والله لا أشك أن المسيح الدجال هو ابن صياد. وأخرج مسلم عن أبي سعيد قال: ~~صحبني ابن صياد إلى مكة فقال: ماذا لقيت من الناس يزعمون أني الدجال، ألست ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنه لا يولد له؟ # قلت: بلى، قال: فإنه قد ولد لي، قال: أو لست سمعته يقول: لا يدخل المدينة ~~ولا مكة؟ # قلت: بلى، قال: فقد ولدت بالمدينة وأنا أريد مكة. وأخرج مسلم أيضا عن أبي ~~سعيد أنه قال له ابن صياد هذا: عذرت الناس ما لي وأنتم يا أصحاب رسول الله ~~ألم يقل نبي الله أن الدجال يهودي وقد أسلمت فذكر نحو الأول. وفي مسلم أيضا ~~عن أبي سعيد أنه قال له ابن صياد: لقد هممت أن آخذ حبلا فأعلقه بشجرة ثم ~~أختنق به مما يقول الناس، يا أبا سعيد من خفي عليه حديث رسول الله ما خفي ~~عليكم يا معشر الأنصار، ثم ذكر نحو ما تقدم وزاد: قال أبو سعيد حتى كدت ~~أعذره. وفي آخر كل ms3199 من الطرق أنه قال: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، ~~قال أبو سعيد: فقلت له تبا لك سائر اليوم. وأجاب البيهقي بأن سكوت ~~PageV08P019 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حلف عمر يحتمل أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان متوقفا في أمره ثم جاءه التثبت من الله تعالى بأنه غيره ~~على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد ~~وطريقه أصح وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال. وقد أخرج قصة ~~تميم مسلم من حديث فاطمة بنت قيس قال البيهقي: وفيها أن الدجال الأكبر الذي ~~يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين ~~الذين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروجهم وقد خرج أكثرهم، وكان ~~الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا قصة تميم وقد خطب بها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أن تميما أخبره أنه لقي هو وجماعة معه في دير ~~في جزيرة لعب بهم الموج شهرا حتى وصلوا إليها رجلا كأعظم إنسان رأوه قط ~~خلقا وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه بالحديد فقالوا له: ويلك ما أنت ~~فذكر الحديث وفيه أنه سألهم عن نبي الأميين هل بعث؟ وأنه قال: إن تطيعوه ~~فهو خير لكم، وفيه أنه قال: إني مخبركم عند أنا المسيح الدجال وإني أوشك أن ~~يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ~~ليلة غير مكة وطيبة. وفي بعض طرقه أنه شيخ قال الحافظ: # وسندها صحيح. وهذا الحديث ينافي ما استدل به على أن ابن صياد هو الدجال، ~~ولا يمكن الجمع أصلا، إذ لا يلتئم أن يكون من كان في الحياة النبوية شبه ~~المحتلم ويجتمع به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسأله أن يكون شيخا في ~~آخرها مسجونا في جزيرة من جزائر البحر موثوقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هل خرج ms3200 أم لا، فينبغي أن يحمل حلف عمر وجابر على ~~أنه وقع قبل علمهما بقصة تميم. قال ابن دقيق العيد في أوائل شرح الالمام ما ~~ملخصه: إذا أخبر شخص بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمر ليس فيه ~~حكم شرعي فهل يكون سكوته صلى الله عليه وآله وسلم دليلا على مطابقته ما في ~~الواقع كما وقع لعمر فحلفه على ابن صياد أنه الدجال كما فهمه جابر حتى صار ~~يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر أو لا يدل؟ فيه نظر، قال: والأقرب عندي أنه ~~لا يدل، لأن مأخذ المسألة ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك ~~يتوقف على تحقق البطلان ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة. قال الخطابي: اختلف ~~السلف في أمر ابن PageV08P020 # صياد بعد كبره، فروي أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما ~~أرادوا الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس وقيل لهم اشهدوا. وقال ~~النووي قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه، ولكن لا شك أنه دجال ~~من الدجاجلة، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوح إليه في ~~أمره بشئ، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، ~~فلذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يقطع في أمره بشئ انتهى. وقد أخرج ~~أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال عن ~~حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين ~~اليهود فرسخ فكنا نأتيها فنمتار منها، فأتينا يوما فإذا اليهود يزفنون، ~~فسألت صديقا لي منهم فقال: هذا ملكنا الذي نستفتح به العرب ، فدخلت فبت على ~~سطح فصليت الغداة فلما طلعت الشمس إذ الوهج من قبل العسكر فنظرت فإذا هو ~~ابن صياد فدخل المدينة فلم يعد حتى الساعة. قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق ~~هذه القصة: وعبد الرحمن بن حسان ما عرفته والباقون ثقات. وقد أخرج أبو داود ~~بسند صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم ms3201 الحرة وفتح أصبهان كان في خلافة ~~عمر، كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها. وقد أخرج الطبراني في الأوسط من حديث ~~فاطمة بنت قيس مرفوعا: أن الدجال يخرج من أصبهان. # وأخرجه أيضا من حديث عمران بن حصين، وأخرجه أيضا بسند صحيح كما قال ~~الحافظ من حديث أنس لكن عنده من يهودية أصبهان، قال أبو نعيم: وإنما سميت ~~يهودية أصبهان لأنها كانت تختص بسكنى اليهود. قال الحافظ في الفتح: وأقرب ~~ما يجمع بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه ~~هو الذي شاهده تميم موثقا، وأن ابن صياد هو سلطان تبدى في صورة الدجال في ~~تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجئ المدة التي ~~قدر الله تعالى خروجه فيها. وقصة تميم السابقة قد توهم بعضهم من عدم إخراج ~~البخاري لها أنها غريبة وهو وهم فاسد، وهي ثابتة عند أبي داود من حديث أبي ~~هريرة، وعند ابن ماجة عن فاطمة بنت قيس. وأخرجها أبو يعلى عن أبي هريرة من ~~وجه آخر. وأخرجها أبو داود بسند حسن من حديث جابر وغير ذلك، وفي هذا ~~المقدار كفاية. # وإنما تكلمنا على قصة ابن صياد مع كون المقام ليس مقام الكلام عليها، ~~لأنها PageV08P021 # من المشكلات المعضلات التي لا يزال أهل العلم يسألون عنها، فأردنا أن ~~نذكر ههنا ما فيه تحليل ذلك الاشكال وحسم مادة ذلك الاعضال. قوله: عند أطم ~~بضم الهمزة والطاء المهملة وهو البناء المرتفع قوله: أتشهد أني رسول الله ~~استدل به المصنف رحمه الله تعالى على صحة إسلام المميز كما ذكر ذلك في ~~ترجمة الباب، وكذلك يدل على ذلك بقية الأحاديث المذكورة في الباب في إسلام ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد اختلف في مقدار سنه عند الموت على ~~أقوال مذكورة في كتب التاريخ. # باب حكم أموال المرتدين وجناياتهم عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة من ~~أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم ~~المخزية، فقالوا: هذه ms3202 المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ قال: تنزع منكم ~~الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون ~~قتلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري ~~الله خليفة رسوله والمهاجرين والأنصار أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما ~~قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما ما ~~ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت أن نغنم ~~ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت تدون قتلانا ~~وتكون قتلاكم في النار فإن قتلانا قاتلت فقتلت على أمر الله أجورها على ~~الله ليس لها ديات، فتبايع القوم على ما قال عمر رواه البرقاني على شرط ~~البخاري. # هذا الأثر أخرج بعضه البخاري في صحيحه، وأخرج بقيته البرقاني في مستخرجه ~~بطوله كما ذكره المصنف، وأخرجه أيضا البيهقي من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن ~~حمزة. قوله: بزاخة بضم الباء الموحدة ثم زاي وبعد الألف خاء معجمة هو موضع ~~قيل بالبحرين وقيل ماء لبني أسد كذا في التلخيص. وفي القاموس: وبزاخة بالضم ~~موضع به وقعة أبي بكر رضي الله عنه انتهى. قوله: المجلية يحتمل أن يكون ~~PageV08P022 # بالخاء المعجمة أي المهلكة، قال في القاموس: خلا مكانه مات، وقال أيضا: ~~خلا المكان خلوا وخلاء وأخلى واستخلى فرغ، ومكان خلاء ما فيه أحد، وأخلاه ~~جعله أو وجده خاليا، وخلا وقع في موضع خال لا تزاحم فيه انتهى. ويحتمل أن ~~يكون بالجيم، قال في القاموس: جلا القوم عن الموضع ومنه جلوا وجلاء وأجلوا ~~تفرقوا أو جلا من الخوف وأجلى من الجدب انتهى. والمراد الحرب المفرقة ~~لأهلها لشدة وقعها وتأثيرها. وقال في الفتح: المجلية بضم الميم وسكون الجيم ~~بعدها لام مكسورة ثم تحتانية من الجلاء بفتح الجيم وتخفيف اللام مع المد، ~~ومعناه الخروج عن جميع المال. قوله: # والسلم المخزية بالخاء المعجمة والزاي أي المذلة، قال في القاموس: خزي ~~كرضي خزيا بالكسر، وخزي وقع في شهرة فذل بذلك كأخزوزي، ms3203 وأخزاه الله فضحه، ~~ومن كلامهم لمن أتى بمستهجن ماله أخزاه الله؟ قال: وخزي بالكسر خزى وخزاية ~~بالقصر استحيا انتهى قوله: الحلقة بفتح الحاء المهملة وسكون اللام بعدها ~~قاف قال في القاموس: الحلقة الدرع والخيل انتهى. وقال في النهاية: والحلقة ~~بسكون اللام السلاح عاما، وقيل: الدروع خاصة، والمراد بالكراع الخيل. قال ~~في القاموس: هو اسم لجميع الخيل، فعلى هذا يكون المراد بالحلقة الدروع أو ~~هي وسائر السلاح الذي يحارب به. قوله: يتبعون أذناب الإبل أي يمتهنون بخدمة ~~الإبل ورعيها والعمل بها لما في ذلك من الذلة والصغار. وقد استدل بالأثر ~~المذكور على أنه يجوز مصالحة الكفار المرتدين على أخذ أسلحتهم وخيلهم ورد ~~ما أصابوه من المسلمين. وقد اختلف هل يملك الكفار ما أخذوه على المسلمين؟ ~~فذهب الهادي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أنهم يملكون علينا ما استولوا ~~عليه قهرا، وإذا استولينا عليه فصاحبه أحق بعينه ما لم يقسم، فإن قسم لم ~~يستحقه إلا بدفع القيمة لمن صار في يده. وذهب أبو بكر الصديق وعمر وعبادة ~~بن الصامت وعكرمة والشافعي والمؤيد بالله إلى أنهم لا يملكون علينا، ولو ~~أدخلوه قهرا فصاحبه أحق به قبل القسمة وبعدها بلا شئ. # وأما ما أخذوه من أموال أهل الاسلام في دارهم قهرا كالعبد الآبق فذهب ~~الهادي والنفس الزكية وأبو حنيفة إلى أنهم لا يملكونه علينا إذ دار الحرب ~~دار إباحة فالملك فيها غير حقيقي. وذهب مالك والأوزاعي والزهري وعمرو بن ~~دينار وأبو يوسف ومحمد إلى أنهم يملكونه علينا وهو مروي عن أبي طالب، ولعله ~~يأتي تحقيق هذا البحث إن شاء الله تعالى. PageV08P023 # كتاب الجهاد والسير باب الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس عن ~~أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لغدوة أو روحة في سبيل الله ~~خير من الدنيا وما فيها متفق عليه. وعن أبي عبس الحارثي قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل ~~الله حرمه الله على النار رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي. ms3204 وعن أبي ~~أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: غدوة أو روحة في سبيل ~~الله خير مما طلعت عليه الشمس وغربت رواه أحمد ومسلم والنسائي. وللبخاري من ~~حديث أبي هريرة مثله. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة رواه أحمد والترمذي. ~~وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أبواب الجنة ~~تحت ظلال السيوف رواه أحمد ومسلم والترمذي. وعن ابن أبي أوفى: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الجنة تحت ظلال السيوف رواه أحمد ~~والبخاري. وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من ~~الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد أو الغدوة خير من ~~الدنيا وما عليها متفق عليه. # حديث أبي هريرة الآخر قال الترمذي: هو حديث حسن، ولفظه عن أبي هريرة قال: ~~مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشعب فيه عيينة من ماء ~~عذبة فأعجبته لطيبها فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل ~~حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى ~~PageV08P024 # الله عليه وآله وسلم فقال: لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من ~~صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ ~~اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة. قوله: ~~كتاب الجهاد قال في الفتح: # الجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة، يقال: جاهدت جهادا أي بلغت المشقة، ~~وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان ~~والفساق. # فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على ~~تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات ms3205 وما يزينه من ~~الشهوات. وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما ~~الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب. # ثم قال: واختلف في جهاد الكفار هل كان أولا فرض عين أو كفاية؟ ثم قال في ~~باب وجوب النفير: فيه قولان مشهوران للعلماء وهما في مذهب الشافعي. وقال ~~الماوردي : كان عينا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل ~~الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الاسلام. وقال السهيلي: كان عينا ~~على الأنصار دون غيرهم . ويؤيده مبايعتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليلة العقبة على أن يؤوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينصروه، فيخرج ~~من قولهما أنه كان عينا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في ~~حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق ~~المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء. وقيل: كان عينا في الغزوة ~~التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرها، والتحقيق أنه كان ~~عينا على من عينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقه وإن لم يخرج، وأما ~~بعده صلى الله عليه وآله وسلم فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو ~~الحاجة كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الامام، ويتأدى فرض الكفاية ~~بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حججهم أن الجزية تجب بدلا عنه، ولا ~~تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا فليكن بدلها كذلك. وقيل: # يجب كلما أمر وهو قوي. قال: والتحقيق أن جنس جهاد الكفار متعين على كل ~~مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه انتهى. وأول ما شرع ~~الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقا. قوله: لغدوة أو روحة الغدوة ~~بالفتح واللام للابتداء وهي المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت ~~كان من أول PageV08P025 # النهار إلى انتصافه. والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي ~~وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها. قوله: في سبيل الله أي ms3206 الجهاد. قوله: ~~خير من الدنيا وما فيها قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون ~~من باب تنزيل الغائب منزلة المحسوس تحقيقا له في النفس لكون الدنيا محسوسة ~~في النفس مستعظمة في الطباع ولذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن ~~جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة. والثاني: أن المراد أن هذا ~~القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها ~~لأنفقها في طاعة الله تعالى. ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب ~~الجهاد من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشا ~~فيهم عبد الله بن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لو أنفقت ما ~~في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم. (والحاصل) أن المراد تسهيل أمر الدنيا ~~وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أعظم ~~من جميع ما في الدنيا فكيف لمن حصل منها أعلى الدرجات؟ والنكتة في ذلك أن ~~سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا. قوله: من اغبرت ~~قدماه زاد أحمد من حديث أبي هريرة: ساعة من نهار وفيه دليل على عظم قدر ~~الجهاد في سبيل الله، فإن مجرد مس الغبار للقدم إذا كان من موجبات السلامة ~~من النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستفرغ وسعه. قوله: خير مما طلعت عليه ~~الشمس وغربت هذا هو المراد بقوله في الحديث الأول: خير من الدنيا وما فيها. ~~قوله: فواق ناقة هو قدر ما بين الحلبتين من الاستراحة. قوله : تحت ظلال ~~السيوف الظلال جمع ظل، وإذا تدانى الخصمان صار كل واحد منهما تحت ظل سيف ~~صاحبه لحرصه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال. قال ~~القرطبي: وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة ~~مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض ms3207 على الجهاد والاخبار بالثواب عليه ~~والحض على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاجتماع حين الزحف حتى تصير ~~السيوف تظل المتقاتلين. وقال ابن الجوزي: المراد أن الجنة تحصل بالجهاد. # قوله وموضع سوط أحدكم في رواية للبخاري: وقاب قوس أحدكم أي قدره. ~~PageV08P026 # وعن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قاتل في سبيل ~~الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو ~~نكب نكبة فإنها تجئ يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران وريحها ~~المسك رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه. وعن عثمان بن عفان قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم ~~فيما سواه من المنازل رواه أحمد والترمذي والنسائي. ولابن ماجة معناه. وعن ~~سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: رباط يوم ~~وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري ~~عليه رزقه وأمن الفتان رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن عثمان بن عفان قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: حرس ليلة في سبيل الله أفضل ~~من ألف ليلة بقيام ليلها وصيام نهارها رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: عينان لا تمسهما النار: عين بكت ~~من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله رواه الترمذي. # وقال: حديث حسن غريب. وعن أبي أيوب قال: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر ~~الأنصار لما نصر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأظهر الاسلام، قلنا: # هل نقيم في أموالنا ونصلحها؟ فأنزل الله تعالى: * (وأنفقوا في سبيل الله ~~ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (البقرة 195) فالالقاء بأيدينا إلى ~~التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد رواه أبو داود. وعن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جاهدوا المشركين بأموالكم ~~وأيديكم وألسنتكم رواه أحمد وأبو داود والنسائي. ms3208 # حديث معاذ أخرجه أيضا ابن ماجة وإسناد الترمذي وابن ماجة صحيح، وأما ~~إسناد أبي داود ففيه بقية بن الوليد وهو متكلم فيه ولفظه عند أبي داود: من ~~قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من ~~نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو ~~نكب نكبة فإنها تجئ يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ~~ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله عز وجل فإن عليه طابع الشهداء ~~وذكر المصنف PageV08P027 # رحمه الله أن الترمذي صحح حديث معاذ المذكور ولم نجد ذلك في جامعه وإنما ~~صحح حديث أبي هريرة بمعناه، ولكنه قد وافق المصنف على حكاية تصحيح الترمذي ~~لحديث معاذ جماعة منهم المنذري في مختصر السنن والحافظ في الفتح، وصححه ~~أيضا ابن حبان والحاكم. وحديث عثمان قال الترمذي بعد إخراجه إنه حديث حسن ~~صحيح غريب. وحديث سلمان الفارسي أخرجه أيضا الترمذي. وحديث عثمان الثاني ~~أشار إليه الترمذي. وحديث ابن عباس قال الترمذي بعد إخراجه: # حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق. وحديث أبي أيوب أخرجه ~~أيضا النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم، ولفظ ~~الحديث عند أبي داود عن أسلم بن عمران قال: غزونا من المدينة نريد ~~القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ~~ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا ~~الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فذكره. ~~وفي الترمذي فضالة بن عبيد بدل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وحديث أنس ~~سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح وصححه النسائي. ~~(والأحاديث) في فضل الجهاد كثيرة جدا لا يتسع لبسطها إلا مؤلف مستقل. قوله: ~~من جرح جرحا ظاهر هذا أنه لا يختص بالشهيد الذي يموت من تلك الجراحة بل هو ~~حاصل لكل من جرح. ويحتمل أن ms3209 يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه ~~قبل اندماله لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول، ولا ~~ينفي ذلك كونه له فضل في الجملة . قال في الفتح قال العلماء: الحكمة في ~~بعثه كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة الله. قوله: أو نكب ~~نكبة بضم النون من نكب وكسر الكاف، قال في القاموس: نكب عنه كنصر وفرح نكبا ~~ونكبا ونكوبا عدل كنكب وتنكب ونكبه تنكبا نحاه لازم متعد، وطريق منكوب على ~~غير قصد، ونكبه الطريق ونكب به عنه عدل، والنكب الطرح انتهى. وقال في ~~الفتح: النكبة أن يصيب العضو شئ فيدميه انتهى. # قوله: لونها الزعفران في حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: اللون لون ~~الدم والريح ريح المسك. قوله: رباط يوم في سبيل الله بكسر الراء وبعدها ~~موحدة ثم طاء مهملة قال في القاموس: المرابطة أن يربط كل من الفريقين ~~خيولهم في ثغرة وكل معد لصاحبه PageV08P028 # فسمي المقام في الثغر رباطا ومنه قوله تعالى: * (وصابروا ورابطوا) * (آل ~~عمران: 200) انتهى. قوله: أمن الفتان بفتح الفاء وتشديد التاء الفوقية وبعد ~~الألف نون قال في القاموس: الفتان اللص والشيطان كالفاتن والصانع، ~~والفتانان الدرهم والدينار، ومنكر ونكير. قال في النهاية، وبالفتح هو ~~الشيطان لأنه يفتن الناس عن الدين انتهى. والمراد ههنا الشيطان أو منكر ~~ونكير. قوله: حرس هو مصدر حرس والمراد هنا حراسة الجيش يتولاها واحد منهم ~~فيكون له ذلك الاجر لما في ذلك من العناية بشأن المجاهدين والتعب في مصالح ~~الدين، ولذلك قال في الحديث الآخر: عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية ~~الله وعين باتت تحرس في سبيل الله. قوله: فالالقاء بأيدينا إلى التهلكة أن ~~نقيم في أموالنا إلخ، هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية، لأنها متضمنة ~~للنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الالقاء بالنفس إلى التهلكة، ~~والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كانت تلك الصورة التي قال ~~الناس إنها من باب الالقاء لما ms3210 رأوا الرجل الذي حمل على العدو كما سلف من ~~صور الالقاء لغة أو شرعا فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية، ولا يمنع من ~~الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاص، وقد تقرر في الأصول رجحان قول من ~~قال: إن الاعتبار بعموم اللفظ، ولا حرج في اندراج التهلكة باعتبار الدين ~~وباعتبار الدنيا تحت قوله: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (البقرة: ~~195) ويكون ذلك من باب استعمال المشترك في جميع معانيه، وهو أرجح الأقوال ~~الستة المعروفة في الأصول في استعمال المشترك. وفي البخاري في التفسير، أن ~~التهلكة هي ترك النفقة في سبيل الله. وذكر صاحب الفتح هنالك أقوالا أخر ~~فليراجع. وقد أخرج الحاكم من حديث أنس: أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت إن ~~انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال: نعم فانغمس الرجل ~~في صف المشركين فقاتل حتى قتل. وفي الصحيحين عن جابر قال: قال رجل: أين أنا ~~يا رسول الله إن قتلت؟ قال: في الجنة، فألقى ثمرات كن بيده ثم قاتل حتى ~~قتل. وروى ابن إسحاق في المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى ~~الناس يوم بدر قال عوف بن الحرث: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال : ~~أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا فنزع درعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل. # قوله: جاهدوا المشركين إلخ، فيه دليل على وجوب المجاهدة للكفار بالأموال ~~والأيدي PageV08P029 # والألسن. وقد ثبت الامر القرآني بالجهاد بالأنفس والأموال في مواضع. ~~وظاهر الامر الوجوب، وقد تقدم الكلام على ذلك وسيأتي أيضا. # باب أن الجهاد فرض كفاية وأنه شرع مع كل بر وفاجر عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: * (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) * (التوبة: 39) و * (ما كان لأهل ~~المدينة إلى قوله يعملون) * (التوبة: 120 و 121) نسختها الآية التي تليها: ~~* (وما كان المؤمنون) * (التوبة: 122) رواه أبو داود. وعن عروة بن الجعد ~~البارقي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها ~~الخير الاجر والمغنم إلى يوم القيامة متفق ms3211 عليه. ولأحمد ومسلم والنسائي من ~~حديث جرير البجلي مثله، وفيه مستدل بعمومه على الاسهام لجميع أنواع الخيل، ~~وبمفهومه على عدم الاسهام لبقية الدواب. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ثلاث من أصل الايمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله ~~لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل، والجهاد ماض مذ بعثني الله إلى ~~أيقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والايمان بالأقدار ~~رواه أبو داود وحكاه أحمد في رواية ابنه عبد الله. # حديث ابن عباس سكت عنه أبو داوود المنذري وإسناده ثقات إلا علي بن الحسن ~~بن واقد وفيه مقال وهو صدوق، وبوب عليه أبو داود باب في نسخ نفير العامة ~~بالخاصة وحسنه الحافظ في الفتح. وأخرج أبو داود عن ابن عباس أنه سأله نجدة ~~بن نفيع عن هذه الآية * (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) * (التوبة: 122) ~~قال: فأمسك عنهم المطر وكان عذابهم. ونجدة بن نفيع الحنفي مجهول كما قاله ~~صاحب الخلاصة. وحديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده يزيد بن أبي ~~نشبة وهو مجهول. وأخرجه أيضا سعيد بن منصور وفيه ضعف وله شواهد. قوله: ~~نسختها الآية التي تليها: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * (التوبة: ~~122) قال الطبري: يجوز أن يكون * (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) * ~~(التوبة: 39) خاصا والمراد به من استنفره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فامتنع. قال الحافظ: والذي يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة، وقد وافق ابن ~~عباس على دعوى النسخ عكرمة والحسن البصري، كما روى ذلك الطبري عنهما، وزعم ~~بعضهم أن قوله تعالى: * (انفروا PageV08P030 # ثبات) * (النساء: 71) ناسخة لقوله تعالى: * (انفروا خفافا وثقالا) * ~~(التوبة: 41) وثبات جمع ثبة ومعناه جماعات متفرقة، ويؤيده قوله تعالى بعده: ~~* (أو انفروا جميعا) * (النساء: 71) قال الحافظ: والتحقيق أنه لا نسخ بل ~~المرجع في الآيتين يعني هذه وقوله تعالى: * (إلا تنفروا) * (التوبة: 39) مع ~~قوله: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * (التوبة: 122) إلى تعيين الامام ~~وإلى الحاجة. قوله: الخيل معقود إلخ، المراد بها المتخذة للغزو بأن ms3212 يقاتل ~~عليها أو ترتبط لأجل ذلك، وقد روى أحمد من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا : ~~الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدة في سبيل ~~الله وأنفق عليها احتساب كان شبعها وجوعها وريها وظمؤها وأرواثها وأبوالها ~~فلاحا في موازينه يوم القيامة. قوله: الاجر والمغنم بدل من قوله الخير، أو ~~هو خبر مبتدأ محذوف أي هو الاجر والمغنم، ووقع عند مسلم من رواية جرير: ~~فقالوا: لم ذاك يا رسول الله؟ # قال: الاجر والمغنم. قال الطيبي: يحتمل أن يكون الخير الذي فسر بالاجر ~~والمغنم استعارة لظهوره وملازمته، وخص الناصية لرفعة قدرها، فكأنه شبهه ~~لظهوره بشئ محسوس معقود على ما كان مرتفعا، فنسب الخير إلى لازم المشبه به، ~~وذكر الناصية تجريد للاستعارة، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على ~~الجبهة، قاله الخطابي وغيره. # قالوا: ويحتمل أن يكون كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس كما يقال: فلان ~~مبارك الناصية، ويبعده ما رواه مسلم من حديث جرير قال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يلوي ناصية فرسه بإصبعه ويقول فذكر الحديث، فيحتمل أن ~~تكون خصت بذلك لكونها المقدم منها إشارة إلى أن الفضل في الاقدام بها على ~~العدو دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الادبار. قوله: والجهاد ماض إلخ، ~~فيه دليل على أن الجهاد لا يزال ما دام الاسلام والمسلمون إلى ظهور الدجال. ~~وأخرج أبو داود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا من حديث أبي هريرة: الجهاد ماض مع ~~البر والفاجر ولا بأس بإسناده إلا أنه من رواية مكحول عن أبي هريرة ولم ~~يسمع منه. # وأخرج أبو داود من حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل ~~آخرهم المسيح الدجال. قوله: لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل فيه دليل على ~~أنه لا فرق في حصول فضيلة الجهاد بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو ~~الجائر. وقد استدل المصنف بما ذكره ms3213 في الباب على أن الجهاد فرض كفاية، وقد ~~تقدم الكلام على ذلك في PageV08P031 # أول الكتاب. وقد حكي في البحر عن العترة والشافعية والحنفية أنه فرض ~~كفاية، وعن ابن المسيب أنه فرض عين، وعن قوم فرض عين في زمن الصحابة. # باب ما جاء في إخلاص النية في الجهاد وأخذ الأجرة عليه والإعانة عن أبي ~~موسى قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ~~ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة ~~الله هي العليا فهو في سبيل الله رواه الجماعة. وعن عبد الله بن عمرو قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من غازية تغزو في سبيل ~~الله فيصيبون غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن ~~لم يصيبوا غنيمة ثم لهم أجرهم رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن أبي ~~أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: أرأيت رجلا ~~غزا يلتمس الاجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~شئ له، فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ~~شئ له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به ~~وجهه رواه أحمد والنسائي. # حديث أبي أمامة جود الحافظ إسناده في فتح الباري. وقد أخرج أبو موسى ~~المديني في الصحابة عن لاحق بن ضميرة الباهلي قال: وفدت على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسألته عن الرجل يلتمس الاجر والذكر فقال: لا شئ له وفي ~~إسناده ضعف. وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رجلا قال للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض ~~الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا أجر له، فأعاد ذلك مرة ~~أخرى ثم ثالثة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا أجر له. ms3214 قوله: ~~يقاتل شجاعة في رواية للبخاري: في الجهاد، والرجل يقاتل للذكر أي ليذكر بين ~~الناس ويشتهر بالشجاعة. قوله: ويقاتل رياء في رواية للبخاري: والرجل يقاتل ~~ليرى مكانه PageV08P032 # ومرجعه إلى الرياء والمراد بالمقاتلة لأجل الحمية أن يقاتل لمن يقاتل ~~لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب، ويحتمل أن تفسر الحمية بالقتال لدفع ~~المضرة، والقتال غضبا لجلب المنفعة. وفي رواية للبخاري: والرجل يقاتل ~~للمغنم. وفي أخرى له: والرجل يقاتل غضبا والحاصل من الروايات أن القتال يقع ~~بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب، وكل ~~منها يتناوله المدح والذم ولهذا لم يحصل الجواب بالاثبات ولا بالنفي. قوله: ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله المراد بكلمة الله ~~دعوة الله إلى الاسلام، ويحتمل أن يكون المراد به أنه لا يكون في سبيل الله ~~إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك ~~سببا من الأسباب المذكورة أخل به. وصرح الطبري بأنه لا يخل إذا حصل ضمنا لا ~~أصلا ومقصودا، وبه قال الجمهور كما حكاه صاحب الفتح، ولكنه يعكر على هذا ما ~~في حديث أبي أمامة المذكور من أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، ~~ويمكن أن يحمل على قصد الامرين معا على حد واحد فلا يخالف ما قاله الجمهور. ~~(فالحاصل) أنه إما أن يقصد الشيئين معا أو يقصد أحدهما فقط، أو يقصد أحدهما ~~ويحصل الآخر ضمنا، والمحذور أن يقصد غير الاعلاء، سواء حصل الاعلاء ضمنا أو ~~لم يحصل، ودونه أن يقصدهما معا، فإنه محذور على ما دل عليه حديث أبي أمامة، ~~والمطلوب أن يقصد الاعلاء فقط، سواء حصل غير الاعلاء ضمنا أو لم يحصل. قال ~~ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة ~~الله لم يضره ما ينضاف إليه، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه. ~~وأما حديث عبد الله بن عمرو المذكور فليس فيه ما يدل على جواز قصد ms3215 غير ~~الغزو في سبيل الله لأن الغنيمة إنما حصلت بعد أن كان الغزو في سبيل الله ~~ولم يكن مقصوده في الابتداء، ولهذا قال في أول الحديث: ما من غازية تغزو في ~~سبيل الله إلخ. قال في الفتح: والحاصل مما ذكر أن القتال منشؤه القوة ~~العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا ~~الأول. وقال ابن بطال: إنما عدل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن لفظ جواب ~~السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله فعدل النبي (ص) عن ذلك إلى لفظ ~~جامع، فأفاد رفع الالتباس وزيادة الافهام، وفيه بيان أن الأعمال إنما تحتسب ~~بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين يختص بمن ذكر. ~~PageV08P033 # وعن أبي هريرة: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه ~~فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكن ~~قاتلت أن يقال جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى يلقى في النار. ~~ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما ~~عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك ~~تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به ~~فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. # ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ~~قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق إلا أنفقت فيها لك، ~~قال: # كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في ~~النار رواه أحمد ومسلم. وعن أبي أيوب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: ستفتح عليكم الأمصار وستكونون جنودا مجندة يقطع عليكم بعوث ~~فيكره الرجل منكر البعث فيها فيتخلص من قومه ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه ~~عليهم يقول: من أكفيه بعث كذا؟ من ms3216 أكفيه بعث كذا؟ ألا وذلك الأجير إلى آخر ~~قطرة من دمه رواه أحمد وأبو داود. وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي رواه أبو ~~داود. وعن زيد بن خالد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من جهز ~~غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا متفق عليه. # حديث أبي أيوب سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده أبو سورة ابن أخي ~~أبي أيوب وفيه ضعف، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو سكتا عنه ورجال إسناده ~~ثقات. قوله: إن أول الناس إلخ، لفظ الترمذي: أول ما يدعى به يوم القيامة ~~رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله تعالى ~~للقارئ : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، قال: فما عملت ~~فيما علمت؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله تعالى: ~~كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، إنما أردت أن يقال فلان قارئ وقد قيل ذلك. ~~وذكر نحو ذلك في الذي قتل في سبيل الله والذي له مال كثير. قوله: نعمه بكسر ~~النون وفتح العين المهملة PageV08P034 # جمع نعمة بسكون العين، وهذا الحديث فيه دليل على أن فعل الطاعات العظيمة ~~مع سوء النية من أعظم الوبال على فاعله، فإن الذي أوجب سحبه في النار على ~~وجهه هو فعل تلك الطاعة المصحوبة بتلك النية الفاسدة، وكفى بهذا رادعا لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، اللهم إنا نسألك صلاح النية وخلوص ~~الطوية. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك ~~معي فيه غيري تركته وشركه وأخرج الترمذي عن كعب بن مالك قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من طلب العلم ليجاري به العلماء ويماري ~~به السفهاء ويصرف به ms3217 وجوه الناس إليه أدخله الله النار. وأخرج الترمذي أيضا ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعوذوا بالله من ~~جب الحزن، قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: واد في جهنم تتعوذ منه ~~جهنم كل يوم مائة مرة، قيل: يا رسول الله ومن يدخله، قال: القراء المراؤون ~~بأعمالهم. وأخرج الترمذي أيضا عن أبي هريرة وابن عمر قالا: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: يكون في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين ~~يلبسون للناس جلود الضأن ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول ~~الله تعالى: أبي تغترون أم علي تجترؤون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم ~~فتنة تذر الحليم فيهم حيران. وأخرج الشيخان عن أبي وائل قال: سمعت أسامة ~~يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى ~~في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فتجتمع إليه ~~أهل النار فيقولون يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول ~~بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. وأخر الحاكم من ~~حديث معاذ يرفعه قال: إن يسير الرياء شرك قال الحاكم: هذا حديث صحيح ~~الاسناد ولا يحفظ له علة. # وأخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث عائشة مرفوعا: الشرك في ~~هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وفي الباب عن أبي سعيد رواه أحمد. وعن أبي ~~موسى وأبي بكر وحذيفة ومعقل بن يسار رواها الهيثمي. وأخرج أحمد من حديث عبد ~~الله بن عمرو مرفوعا: من سمع بعلمه سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره. ~~قوله: بعوث جمع بعث وهو طائفة من الجيش يبعثون في الغزو كالسرية، ~~PageV08P035 # وفيه دليل على أنه يحرم على الرجل أن يمتنع من الخروج إلى الغزو مع قومه ~~ثم يذهب يعرض نفسه على غير قومه ممن طلبوا إلى الغزو ليكون عوضا عن أحده ~~بالأجرة، فإن من فعل ذلك كان خروجه للدنيا لا للدين، ولهذا قال صلى الله ~~عليه ms3218 وآله وسلم: فهو الأجير إلى آخر قطرة من دمه أي لا يكون في سبيل الله ~~من دمه شئ بل في سبيل ما أخذه من الأجرة. قوله: وللجاعل أجره وأجر الغازي ~~فيه دليل على أنه لا يستحق أجر الغزو من خرج بالأجرة بل يكون أجره للمستأجر ~~وهو الذي أعطاه الجعالة أي ما جعله له من الأجرة، ويكون ذلك أي أجر المجعول ~~له منضما إلى أجر الجاعل إذا كان غازيا، وإن لم يكن غازيا فله أجر الذي ~~دفعه من الأجرة وأجر المجعول له. قوله: من جهز غازيا أي هيأ له أسباب سفره ~~وما يحتاج إليه مما لا بد منه. قوله: فقد غزا قال ابن حبان: معناه أنه مثله ~~في الاجر وإن لم يغز حقيقة. ثم أخرج الحديث من وجه آخر بلفظ: كتب له مثل ~~أجره غير أنه لا ينقص من أجره شئ. وأخرج ابن ماجة وابن حبان أيضا من حديث ~~ابن عمر بلفظ: من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع. # وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعث بعثا وقال: ليخرج من كل رجلين رجل والاجر بينهما. وفي رواية له ثم ~~قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر ~~الخارج. ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهز نفسه وقام بكفاية من يخلفه بعده ~~كان له الاجر مرتين. وقال القرطبي: لفظة نصف يحتمل أن تكون مقحمة من بعض ~~الرواة، وقد احتج بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب ~~الفعل حصول أصل الاجر له بغير تضعيف، وأن التضعيف يختص بمن باشر العمل، ~~قال: ولا حجة له في هذا الحديث لوجهين: أحدهما أنه لا يتناول محل النزاع ~~لأن المطلوب إنما هو أن الدال على الخير مثلا هل له مثل أجر فاعله مع ~~التضعيف أو بغير تضعيف؟ والحديث المذكور إنما يقتضي المشاركة والمشاطرة ~~فافترقا. ثانيهما: ما تقدم من احتمال كون لفظة ms3219 نصف زائدة. قال الحافظ: لا ~~حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها ~~أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب ~~إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر، PageV08P036 # فلا تعارض بين الحديثين، وأما من وعد بمثل ثواب العمل وإن لم يعمله إذا ~~كان له فيه دلالة أو مشاركة أو نية صالحة فليس على إطلاقه في عدم التضعيف ~~لكل أحد، وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند، وكأن مستند القائل أن ~~العامل يباشر المشقة بنفسه بخلاف الدال ونحوه، لكن من جهز الغازي بماله ~~مثلا، وكذا من يخلفه فيمن ترك بعده يباشر شيئا من المشقة أيضا، فإن الغازي ~~لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو، ~~بخلاف من اقتصر على النية مثلا انتهى. قوله: ومن خلفه في أهله بخير بفتح ~~الخاء المعجمة واللام الخفيفة أي قام بحال من يتركه. # باب استئذان الأبوين في الجهاد عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ~~ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي، قال: الجهاد في سبيل الله، حدثني بهن ~~ولو استزدته لزادني متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: ~~نعم، قال: ففيهما فجاهد رواه البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه. ~~وفي رواية: أتى رجل فقال: يا رسول الله إني جئت أريد الجهاد معك ولقد أتيت ~~وأن والدي يبكيان، قال: فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما رواه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة. وعن أبي سعيد: أن رجلا هاجر إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من اليمن فقال: هل لك أحد باليمن؟ فقال: أبواي، فقال: أذنا لك؟ فقال: ~~لا، قال: ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما رواه أبو ~~داود. وعن معاوية بن جاهمة السلمي: ms3220 أن جاهمة أتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ ~~قال: نعم، فقال: ألزمها فإن الجنة عند رجليها رواه أحمد والنسائي. وهذا كله ~~إن لم يتعين عليه الجهاد، فإذا تعين فتركه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية ~~الله عز وجل. PageV08P037 # الرواية الثانية من حديث عبد الله بن عمرو أخرجها أيضا النسائي وابن ~~حبان. # وأخرجها أيضا مسلم وسعيد بمنصور من وجه آخر في نحو هذه القصة قال: # ارجع إلى والدتك فأحسن صحبتها. وحديث أبي سعيد صححه ابن حبان. وحديث ~~معاوية بن جاهمة أخرجه أيضا البيهقي من طريق ابن جريج عن محمد بن طلحة بن ~~ركانة عن معاوية، وقد اختلف في إسناده على محمد بن طلحة اختلافا كثيرا، ~~ورجال إسناد النسائي ثقات إلا محمد بن طلحة وهو صدوق يخطئ. قوله: أي العمل ~~أحب إلى الله في رواية للبخاري وغيره: أي العمل أفضل وظاهره أن الصلاة أحب ~~الأعمال وأفضلها. قال في الفتح: وحاصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث ~~ونحوه مما اختلف فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف ~~أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بما لهم فيه رغبة أو ~~بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك ~~الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في أول الاسلام أفضل الأعمال لأنه ~~الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تظافرت النصوص على أن ~~الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة الفقراء المضطرين تكون ~~الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق، أو ~~المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة. وقال ابن دقيق العيد: الأعمال ~~في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأريد بذلك الاحتراز عن الايمان لأنه من ~~أعمال القلوب، فلا تعارض بينه وبين حديث أبي هريرة: أفضل الأعمال إيمان ~~بالله الحديث. وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض ms3221 عين لأنه يتوقف ~~على إذن الوالدين، فيكون برهما مقدما عليه. # قوله: الصلاة على وقتها قال ابن بطال: فيه أن البدار إلى الصلاة في أول ~~الوقت أفضل من التراخي فيها، لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا ~~أقيمت لوقتها المستحب. قال الحافظ: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر. قال ~~ابن دقيق العبد: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولا ولا آخرا، وكان المقصود به ~~الاحتراز عما إذا وقعت قضاء، وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ أحب ~~يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. ~~وأجيب أن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال فإن وقعت ~~الصلاة PageV08P038 # في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا ~~وقعت خارجة عن وقتها من معذور كالنائم والناسي فإن إخراجهما لها عن وقتها ~~لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبا لكن إيقاعها ~~في الوقت أحب. وقد روى الحديث الدارقطني والحاكم والبيهقي بلفظ: # الصلاة في أول وقتها وهذا اللفظ مما تفرد به علي بن حفص وهو شيخ صدوق من ~~رجال مسلم. قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه. قال الحافظ: # ورواه الحسين المعمري في اليوم والليلة عن أبي موسى محمد بن المثنى عن ~~غندر عن شعبة كذلك. قال الدارقطني: تفرد به المعمري فقد رواه أصحاب أبي ~~موسى عنه بلفظ: على وقتها ثم أخرجه الدارقطني عن المحاملي عن أبي موسى ~~كرواية الجماعة، وكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمري وهم فيه ~~لأنه كان يحدث من حفظه، وقد أطلق النووي في شرح المهذب أن رواية في أول ~~وقتها ضعيفة، وتعقبه الحافظ بأن لها طريقا أخرى أخرجها ابن خزيمة في صحيحه ~~والحاكم وغيرهما من طريق عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن الوليد وتفرد ~~عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة، وكان من رواها كذلك ~~ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة على ms3222 لأنها تقتضي الاستعلاء ~~على جميع الوقت فتعين أوله، والظاهر أن على بمعنى اللام أي لوقتها. قال ~~القرطبي وغيره: أن اللام في لوقتها للاستقبال مثل: * (فطلقوهن لعدتهن) * ~~(الطلاق: 1) أي مستقبلات عدتهن، وقيل للابتداء كقوله: * (أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس) * (الاسراء: 78) وقيل بمعنى في أي في وقتها، وقيل إنها لإرادة ~~الاستعلاء على الوقت وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه. # قوله: ثم أي قيل الصواب أنه غير منون لأنه موقوف عليه في الكلام والسائل ~~ينتظر الجواب والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ فيوقف ~~عليه ثم يؤتى بما بعده. قال الفاكهاني: وحكى ابن الجوزي وابن الخشاب الجزم ~~بتنوينه لأنه معرب غير مضاف، وتعقب بأنه مضاف تقديرا والمضاف إليه محذوف ~~لفظا والتقدير: ثم أي العمل أحب فوقف عليه بلا تنوين. قوله: بر الوالدين ~~كذا للأكثر، وللمستملي، ثم بر الوالدين بزيادة ثم. وفي الحديث فضل تعظيم ~~الوالدين ، وأن أعمال البدن يفضل بعضها على بعض وفيه فوائد غير ذلك. قوله: ~~ففيهما فجاهد PageV08P039 # أي خصصهما بجهاد النفس في رضائهما. قال في الفتح: ويستفاد منه جواز ~~التعبير عن الشئ بضده إذا فهم المعنى، لأن صيغة الامر في قوله: فجاهد ~~ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما بهما، وليس ذلك مرادا قطعا، ~~وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو تعب البدن وبذل ~~المال، ويؤخذ منه أن كل شئ يتعب النفس يسمى جهادا اه. ولا يخفى أن كون ~~المفهوم من تلك الصيغة إيصال الضرر بالأبوين، إنما يصح قبل دخول لفظ في ~~عليها، وأما بعد دخولها كما هو الواقع في الحديث فليس ذلك المعنى هو ~~المفهوم منها، فإنه لا يقال جاهد في الكفار بمعنى جاهدهم له هو جاهده في ~~الله فالجهاد الذي يراد منه إيصال الضرر لمن وقعت المجاهدة له هو جاهده لا ~~جاهد فيه وله. وفي الحديث دليل على أن بر الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد. ~~قوله: فإن أذنا لك فجاهد فيه دليل على أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد ~~وبذلك قال الجمهور وجزموا بتحريم ms3223 الجهاد إذ منع منه الأبوان أو أحدهما، لأن ~~برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن، ويشهد له ما ~~أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر وقال: جاء رجل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فسأله عن أفضل الأعمال قال: الصلاة، قال: ثم مه؟ قال: ~~الجهاد، قال: فإن لي والدين، فقال: # آمرك بوالديك خيرا، فقال: والذي بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما، قال: فأنت ~~أعلم وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقا بين الحديثين، وهذا بشرط أن يكون ~~الأبوان مسلمين، وهل يلحق بهما الجد والجدة؟ الأصح عند الشافعية ذلك، ~~وظاهره عدم الفرق بين الأحرار والعبيد. قال في الفتح: واستدل بالحديث على ~~تحريم السفر بغير إذنهما لأن الجهاد إذا منع منه مع فضيلته، فالسفر المباح ~~أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقا إليه فلا منع، ~~وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. # باب لا يجاهد من عليه دين إلا برضا غريمه عن أبي قتادة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أنه قام PageV08P040 # فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والايمان بالله أفضل الأعمال، فقام ~~رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت فسبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر ~~محتسب مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف قلت؟ ~~قال: # أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ~~عليه السلام قال لي ذلك رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه. ولأحمد ~~والنسائي من حديث أبي هريرة مثله. وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين، فإن جبريل ~~عليه السلام قال لي ذلك رواه أحمد ومسلم. وعن أنس ms3224 قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: القتل في سبيل الله يكفر كل خطيئة، فقال جبريل: إلا ~~الدين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إلا الدين رواه الترمذي وقال: ~~حديث حسن غريب. # حديث أبي هريرة رجال إسناده في سنن النسائي ثقات، وقد أشار إليه الترمذي ~~فقال بعد إخراجه لحديث أبي قتادة: وفي الباب عن أنس ومحمد بن جحش وأبي ~~هريرة اه. قوله: أفضل الأعمال فيه دليل على أن الجهاد في سبيل الله ~~والايمان بالله أفضل من غيرهما من أعمال الخير، وهو يعارض في الظاهر ما ~~تقدم في الباب الأول ويتوجه الجمع بما سلف. قوله: نعم فيه دليل على أن ~~الجهاد بشرط أن يكون في سبيل الله مع الاحتساب وعدم الانهزام من مكفرات ~~جميع الذنوب والخطايا، فيكون الشهيد بالشهادة مستحقا للمغفرة العامة إلا ما ~~كان من الديون اللازمة للآدميين فإنها لا تغفر للشهيد ولا تسقط عنه بمجرد ~~الشهادة، وذلك لكونه حقا لآدمي، وسقوطه إنما يكون برضاه واختياره، ولهذا ~~امتنع صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة على من عليه دين كما تقدم في ~~الضمانة، ويلحق بالدين ما كان حقا لآدمي من دم أو عرض بجامع أن كل واحد حق ~~لآدمي يتوقف سقوطه على إسقاطه. قوله: فإن جبريل قال لي ذلك لعل الجواب منه ~~صلى الله عليه وآله وسلم بقوله نعم من غير استثناء كان بالاجتهاد، ثم لما ~~أخبره جبريل بما أخبر استعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السائل ~~سؤاله ثم أخبره بأن استثناء PageV08P041 # الدين ليس هو من جهته وإنما هو بأمر الله له بذلك. وقد استدل بأحاديث ~~الباب على أنه لا يجوز لمن عليه دين أن يخرج إلى الجهاد إلا بإذن من له ~~الدين لأنه حق لآدمي، والجهاد حق لله تعالى، وينبغي أن يلحق بذلك سائر حقوق ~~الآدميين كمتقدم لعدم الفرق بين حق وحق. ووجه الاستدلال بأحاديث الباب على ~~عدم جواز خروج المديون إلى الجهاد بغير إذن غريمه أن الدين يمنع من فائدة ~~الشهادة وهي المغفرة ms3225 العامة وذلك يبطل ثمرة الجهاد، وقد أشار صاحب البحر ~~إلى مثل ذلك فقال: ومن عليه دين حال لم يخرج إلا بإذن الغريم لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: نعم إلا الدين الخبر، فإذا منع الشهادة بطلت ثمرة ~~الجهاد اه. ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة بل هو ~~شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين، وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد، ~~فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدا منها؟ فالقول بأن ثمرة الشهادة مغفرة ~~جميع الذنوب ممنوع، كما أن القول بأن عدم غفران ذنب واحد يمنع من الشهادة ~~ويبطل ثمرة الجهاد ممنوع أيضا، وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن ~~الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج ~~إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببا ~~لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب ~~واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان، وهذا إذا كان الدين حالا، وأما إذا ~~كان مؤجلا ففي ذلك وجهان. قال الامام يحيى: أصحهما يعتبر الاذن أيضا إذ ~~الدين مانع للشهادة، وقيل لا كالخروج للتجارة. قال في البحر: ويصح الرجوع ~~عن الاذن قبل التحام القتال إذ الحق له لا بعده لما فيه من الوهن. # باب ما جاء في الاستعانة بالمشركين عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر منه ~~جرأة ونجدة، ففرح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رأوه، ~~فلما أدركه قال: جئت PageV08P042 # لأتبعك فأصيب معك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تؤمن ~~بالله ورسوله قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، قالت: ثم مضى حتى إذا ~~كان بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما قال أول مرة فقال لا، قال: ms3226 فارجع فلن استعين بمشرك، ~~قال: فرجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ ~~قال: نعم، فقال له: فانطلق رواه أحمد ومسلم. # وعن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يريد غزوا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحي أن ~~يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، فقال: أسلمتما؟ فقلنا: لا، فقال: إنا لا ~~نستعين بالمشركين على المشركين، فأسلمنا وشهدنا معه رواه أحمد. وعن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تستضيئوا بنار المشركين ~~ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيا رواه أحمد والنسائي. وعن ذي مخبر قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم ~~وهم عدوا من ورائكم رواه أحمد وأبو داود. وعن الزهري: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم رواه أبو ~~داود في مراسيله. # حديث خبيب بن عبد الرحمن أخرجه الشافعي والبيهقي، وأورده الحافظ في ~~التلخيص وسكت عنه، وقال في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد والطبراني ورجالهما ~~ثقات. وحديث أنس في إسناده عند النسائي أزهر بن راشد وهو ضعيف وبقية رجال ~~إسناده ثقات. وحديث ذي مخبر أخرجه أيضا ابن ماجة وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري ورجال إسناد أبي داود رجال الصحيح. وحديث الزهري أخرجه أيضا ~~الترمذي مرسلا والزهري مراسيله ضعيفة. ورواه الشافعي فقال: أخبرنا يوسف، ~~حدثنا حسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: استعان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فذكر مثله وقال: ولم يسهم لهم. قال البيهقي: لم أجده ~~إلا من طريق الحسن بن عمارة وهو ضعيف، والصحيح ما أخبرنا الحافظ أبو عبد ~~الله فساق بسنده إلى أبي حميد الساعدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنو ~~قينقاع رهط عبد الله بن سلام، قال: أو تسلموا؟ ms3227 قالوا: لا، فأمرهم أن يرجعوا ~~وقال: إنا لا نستعين PageV08P043 # بالمشركين فأسلموا. وحديث عائشة فيه دليل على أنها لا تجوز الاستعانة ~~بالكافر، وكذلك حديث خبيب بن عبد الرحمن، ويعارضهما في الظاهر حديث ذي مخبر ~~وحديث الزهري المذكوران، وقد جمع بأوجه: منها ما ذكره البيهقي عن نص ~~الشافعي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفرس الرغبة في الذين ردهم ~~فردهم رجاء أن يسلموا فصدق الله ظنه. وفيه نظر لأن قوله: لا أستعين بمشرك ~~نكرة في سياق النفي تفيد العموم. ومنها: أن الامر في ذلك إلى رأي الامام ~~وفيه النظر المذكور بعينه. ومنها: أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها ~~قال الحافظ في التلخيص: وهذا أقربها وعلي نص الشافعي، وإلى عدم جواز ~~الاستعانة بالمشركين ذهب جماعة من العلماء وهو مروي عن الشافعي، وحكى في ~~البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق ~~حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه، واستدلوا باستعانته صلى الله عليه وآله ~~وسلم بناس من اليهود كما تقدم، وباستعانته صلى الله عليه وآله وسلم بصفوان ~~بن أمية يوم حنين، وبإخباره صلى الله عليه وآله وسلم بأنها ستقع من ~~المسلمين مصالحة الروم ويغزون جميعا عدوا من وراء المسلمين. قال في البحر: ~~وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا لاستعانته صلى الله عليه وآله وسلم بابن ~~أبي وأصحابه، وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعا ، وعلى البغاة ~~عندنا لاستعانة علي عليه السلام بالأشعث انتهى. وقد روي عن الشافعي المنع ~~من الاستعانة بالكفار على المسلمين، لأن في ذلك جعل سبيل للكافر على المسلم ~~وقد قال تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: ~~141) وأجيب بأن السبيل هو اليد وهي للامام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض ~~أهل العلم ومنهم الهادوية أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث ~~مع الامام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين ~~استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين، كما كان عبد الله بن أبي ومن معه من ~~المنافقين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms3228 للقتال وهم كذلك، ومما ~~يدل على جواز الاستعانة بالمشركين أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة ~~لواء المشركين حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم: أن الله ليأزر هذا الدين ~~بالرجل الفاجر كما ثبت ذلك عند أهل السير PageV08P044 # ، وخرجت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قريش عام الفتح. ~~(والحاصل) أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركا مطلقا لما ~~في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنا لا نستعين بالمشركين من العموم. ~~وكذلك قوله: أنا لا أستعين بمشرك ولا يصلح مرسل الزهري لمعارضة ذلك لما ~~تقدم من أن مراسيل الزهري ضعيفة، والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ~~ويؤيد هذا قوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * ~~(النساء: 141) وقد أخرج الشيخان عن البراء قال: جاء رجل مقنع بالحديد فقال: ~~يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: عمل قليلا وأجر كثيرا وأما استعانته صلى الله ~~عليه وآله وسلم بابن أبي فليس ذلك إلا لاظهاره الاسلام، وأما مقاتلة قزمان ~~مع المسلمين فلم يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أذن له بذلك في ابتداء ~~الامر، وغاية ما فيه أنه يجوز للامام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين. ~~قوله: # بحرة الوبرة الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء والوبرة بفتح الواو ~~والباء الموحدة بعدها راء وبسكون الموحدة أيضا موضع على أربعة أميال من ~~المدينة. قوله: بالشجرة اسم موضع وكذلك البيداء. قوله: ولا تنقشوا على ~~خواتيمكم عربيا بفتح العين المهملة والراء وبعدها موحدة. قال في القاموس في ~~مادة عرب: ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيا أي لا تنقشوا محمد رسول الله كأنه ~~قال: نبيا عربيا يعني نفسه صلى الله عليه وآله وسلم انتهى. نهى صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن ينقشوا على خواتيمهم مثل ما كان ينقش على خاتمه وهو ms3229 محمد ~~رسول الله، لأنه كان علامة له في ذلك الوقت يختم به كتبه. # باب ما جاء في مشاورة الامام الجيش ونصحه لهم ورفقه بهم وأخذهم بما عليهم ~~عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، ~~فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: ~~إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر ~~لاخضناها، PageV08P045 # ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الناس فانطلقوا رواه أحمد ومسلم. وعن أبي هريرة ~~قال: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم رواه أحمد والشافعي. # قوله: حين بلغه إقبال أبي سفيان هذا الامر كافي غزوة بدر، وقد اقتصر ~~المصنف ههنا على أول الحديث لكونه محل الحاجة وتمامه: فانطلقوا حتى نزلوا ~~بدرا، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فكان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول ~~لهم: ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في ~~الناس، فإذا قال ذلك ضربوه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي، ~~فلما رأى ذلك انصرف فقال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم ~~وتتركونه إذا كذبكم، ثم قال: هذا مصرع فلان ويضع يده على الأرض ههنا وههنا ~~قال: فوالله ما ماط أحد منهم عن موضعه. قوله: أن نخيضها أي الخيل وهو ~~بالخاء المعجمة بعدها مثناة تحتية ثم ضاد معجمة، قال في القاموس: خاض الماء ~~يخوضه خوضا وخياضا دخله كخوضه واختاضه وبالفرس أورده كأخاضه انتهى. قوله: ~~برك بكسر الباء الموحدة وفتحها مع سكون الراء. والغماد بغين معجمة مثلثة ~~كما في القاموس وهو موضع في ساحل البحر بينه وبين جدة عشرة أميال وهو ~~البندر القديم. وحكى صاحب القاموس عن ابن عليم في الباهر أنه أقصى معمور ms3230 ~~الأرض. قوله: ما رأيت أحدا قط إلخ، فيه دليل على أنه يشرع للامام أن يستكثر ~~من استشارة أصحابه الموثوق بهم دينا وعقلا، وقد ذهبت الهادوية إلى وجوب ~~استشارة الامام لأهل الفضل ، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: * (وشاورهم في ~~الامر) * (آل عمران: 159) وقيل: إن الامر في الآية للندب إيناسا لهم ~~وتطييبا لخواطرهم، وأجيب بأن ذلك نوع من التعظيم وهو واجب، والاستدلال ~~بالآية على الوجوب إنما يتم بعد تسليم أنها غير خاصة برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، أو بعد تسليم أن الخطاب الخاص به يعم الأمة أو الأئمة، ~~وذلك مختلف فيه عند أهل الأصول. # وعن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما ~~من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله ~~PageV08P046 # عليه الجنة متفق عليه. وفي لفظ ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد ~~لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة رواه مسلم. وعن عائشة قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق ~~عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به رواه أحمد ~~ومسلم. وعن جابر قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ~~ويردف ويدعو لهم رواه أبو داود. وعن سهل بن معاذ عن أبيه قال: غزونا مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزوة كذا وكذا فضيق الناس الطريق فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم مناديا فنادى: من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا ~~جهاد له رواه أحمد وأبو داود. # حديث جابر سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح إلا الحسن ~~ابن شوكر، وقد قيل: إن البخاري روى له كما ذكره صاحب التقريب، وحديث سهل بن ~~معاذ في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال قد تقدم، وسهل بن معاذ ضعيف كما ~~قال المنذري. قوله: إلا حرم الله عليه الجنة ms3231 في رواية للبخاري: لم يجد ~~رائحة الجنة زاد الطبراني: وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما ~~وأصل هذا الحديث أن عبيد الله ابن زياد لما أفرط في سفك الدماء وكان معقل ~~بن يسار حينئذ مريضا مرضه الذي مات فيه، فأتى عبيد الله يعوده فقال له ~~معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. ~~وفي مسلم أنه لما حدثه بذلك قال: ألا كنت حدثتني قبل هذا اليوم؟ قال: لم ~~أكن لأحدثك قبل سبب ذلك، والمراد بهذا السبب هو ما كان يقع منه من سفك ~~الدماء، ووقع في رواية الإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه مسلم: لولا أني ميت ~~ما حدثتك، فكأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بعض شره عن ~~المسلمين. وأخرج الطبراني في الكبير عن الحسن قال: قدم علينا عبيد الله بن ~~زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفينا ~~عبد الله بن معقل المزني، فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع، ~~فقال له: # وما أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا ~~السفيه على رؤوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول ~~به على رؤوس الناس، ثم قام فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه، فأتاه عبيد ~~الله بن PageV08P047 # زياد يعوده فذكر نحو حديث الباب، فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين. # قوله: ما من أمير في رواية للبخاري: ما من وال يلي رعية من المسلمين. ~~قوله: ثم لا يجتهد في رواية أبي المليح: ثم لا يجد له بجيم ودال مشددة من ~~الجد بالكسر ضد الهزل. قوله: يلي قال ابن التين: يلي جاء على غير القياس، ~~لأن ماضيه ولي بالكسر فمستقبله يولي بالفتح وهو مثل ورث يرث، قال ابن بطال: ~~هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم ~~فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد ms3232 يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ~~ظلم أمة عظيمة؟ ومعنى حرم الله عليه الجنة أي أنفذ عليه الوعيد ولم يرض عنه ~~المظلومين. ونقل ابن التين عن الداودي نحوه قال: ويحتمل أن يكون هذا في حق ~~الكافر لأن المؤمن لا بد له من نصحه. قال الحافظ: وهو احتمال بعيد جدا ~~والتعليل مردود، والكافر أيضا قد يكون ناصحا فيما تولاه ولا يمنعه ذلك ~~الكفر انتهى. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن النصح من الكافر لا حكم له لعدم ~~كونه مثابا عليه، والأولى في الجواب أن يقال: # إن الواقع في الحديث نكرة في سياق النفي وهي تعم الكافر والمسلم فلا يقبل ~~التخصيص إلا بدليل. وقال بعضهم: يحمل على المستحل. قال الحافظ: والأولى أنه ~~محمول على غير المستحل وإنما أريد به الزجر والتغليظ. قال: وقد وقع في ~~رواية لمسلم بلفظ: لم يدخل معهم الجنة وهو يؤيد أن المراد أنه لا يدخل ~~الجنة في وقت دون وقت انتهى. ويجاب بأن الحمل على الزجر والتغليظ خلاف ~~الظاهر فلا يصار إليه إلا لدليل، ورواية مسلم لا تدل على أن عدم الدخول في ~~بعض الأوقات، لأن النفي فيها مطلق وغاية ما فيه أنه غير مؤكد كما في النفي ~~بلن. قال الطيبي: إن قوله وهو غاش قيد للفعل مقصود بالذكر يريد أن الله ~~تعالى إنما ولاه على عباده ليديم لهم النصيحة لا ليغشهم حتى يموت على ذلك، ~~فمن قلب القضية استحق أن يعاقب . قوله: فيزجي الضعيف بضم التحتية وسكون ~~الزاي بعدها جيم قال في القاموس: # زجاه ساقه ودفعه كزجاه وأزجاه. قوله: ويردف قال في القاموس: الردف بالكسر ~~الراكب خلف الراكب انتهى، والمراد أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يردف ~~خلفه من ليس له راحلة إذا كان يضعف عن المشي، وهذا من حسن خلقه الذي وصفه ~~الله تعالى به وذكر عظمه فقال: * (إنك لعلى خلق عظيم) * (القلم: 4) * ~~(بالمؤمنين رؤوف PageV08P048 # رحيم) * (التوبة: 128). قوله: فلا جهاد له فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق ~~الطريق التي يمر بها الناس، ونفى جهاد ms3233 من فعل ذلك على طريق المبالغة في ~~الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل التي ينزل فيها المجاهدون لما ~~في ذلك من الاضرار بهم. # باب لزوم طاعة الجيش لأميرهم ما لم يأمر بمعصية عن معاذ بن جبل عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله ~~وأطاع الامام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر ~~كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الامام وأفسد في الأرض فإنه لن ~~يرجع بالكفاف رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أطاعني فقد ~~أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص ~~الأمير فقد عصاني متفق عليه. وعن ابن عباس في قوله تعالى: * (أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء: 29) قال: نزلت في عبد الله بن ~~حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية رواه ~~أحمد والنسائي. وعن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ~~ويطيعوا، فعصوه في شئ فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارا ~~فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسمعوا ~~وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من النار فكانوا كذلك حتى سكن غضبه ~~وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا، وقال: لا طاعة في معصية الله إنما ~~الطاعة في المعروف متفق عليه. # حديث معاذ في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال، قال في التقريب: صدوق ~~كثير التدليس عن الضعفاء، وقد صرح بالتحديث في سند هذا الحديث عن بجير، ~~PageV08P049 # وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود. قال ms3234 المنذري في مختصر السنن: وأخرجه ~~البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. قوله: وأنفق الكريمة هي الفرس التي يغزى ~~عليها، قال في القاموس: والكريمان الحج والجهاد. ومنه: خير الناس مؤمن بين ~~كريمين، أو معناه بين فرسين يغزو عليهما، أو بعيرين يستقى عليهما اه. ~~ويحتمل أن يكون المراد إنفاق الخصلة الكريمة عند المنفق المحبوبة إليه من ~~غير تعيين. قوله: وياسر الشريك أي سامحه وعامله باليسر ولم يعاسره. قوله: ~~ونبهه بفتح النون وسكون الموحدة أي انتباهه في سبيل الله. قوله: لن يرجع ~~بالكفاف أي لم يرجع لا عليه ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها، بل يرجع ~~وقد لزمه الاثم، لأن الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرة انقلبت معاصي والعاصي ~~آثم. قوله: من أطاعني فقد أطاع الله إلخ، هذا الحديث فيه دليل على أن طاعة ~~من كان أميرا طاعة له صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعته طاعة لله، وعصيانه ~~عصيان له، وعصيانه عصيان لله، وقد قدمنا من الأدلة الدالة على وجوب طاعة ~~الأئمة والأمراء في باب الصبر على جور الأئمة من آخر كتاب الحدود ما فيه ~~كفاية فليرجع إليه. وقد نص القرآن على ذلك فقال: * (أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم) * (النساء: 29) وهي نازلة في طاعة الامراء كما في ~~رواية ابن عباس المذكورة في الباب. وقد قيل: إن أولي الأمر هم العلماء كما ~~وقع في الكشاف وغيره من كتب التفسير. قوله: رجلا من الأنصار روى أحمد وابن ~~ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد: أن الرجل ~~المذكور هو علقمة بن مجزز، وكذا ذكر ابن إسحاق. وقيل: إنه عبد الله بن ~~حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة، ويجمع بينهما بأن كل واحد ~~منهما كان أميرا على بعض من تلك السرية، ويدل على ذلك حديث أبي سعيد الذي ~~أشرنا إليه ولفظه: # بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم ~~حتى إذا انتهينا إلى رأس غزاتنا إذ كنا ببعض الطريق إذ بطائفة من ms3235 الجيش ~~وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر وكان فيه دعابة ~~الحديث. وقد بوب البخاري على هذا الحديث فقال: باب سرية عبد الله بن حذافة ~~السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي. قوله: أوقدوا نارا إلخ، قيل إنه لم يقصد ~~دخولهم النار حقيقة، وإنما أشار بذلك إلى أن طاعة الأمير واجبة، ومن ترك ~~الواجب دخل PageV08P050 # النار، فإذا شق عليكم دخول هذه النار فكيف بالنار الكبرى؟ وكان قصده أنه ~~لو رأى منهم الجد في ولوجها لمنعهم. قوله: لو دخلوها لم يخرجوا منها قال ~~الداودي : يريد تلك النار، لأنهم يموتون بتحريقها فلا يخرجون منها أحياء، ~~قال: وليس المراد بالنار نار جهنم ولا أنهم يخلدون فيها، لأنه قد ثبت في ~~حديث الشفاعة أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، قال: ~~وهذا من المعاريض التي فيها مندوحة يريد أنه سيق مساق الزجر والتخويف ليفهم ~~السامع أن من فعل ذلك خلد في النار، وليس ذلك مرادا وإنما أريد به الزجر ~~والتخويف، وقد ذكر له صاحب الفتح توجيهات في كتاب المغازي. قوله: لا طاعة ~~في معصية الله أي لا تجب بل تحرم على من كان قادرا على الامتناع. وفي حديث ~~معاذ عند أحمد: لا طاعة لمن لم يطع الله. وعند البزار في حديث عمران بن ~~حصين والحكم بن عمرو الغفاري: لا طاعة في معصية الله وسنده قوي. وفي حديث ~~عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني: لا طاعة لمن عصى الله ولفظ البخاري في ~~حديث الباب: فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة وهذا تقييد لما أطلق في ~~الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الامر على العموم، والقاضية بالصبر ~~على ما يقع من الأمير مما يكره والوعيد على مفارقة الجماعة، والمراد بقوله ~~: لا طاعة في معصية الله نفي الحقيقة الشرعية لا الوجودية. وقوله: إنما ~~الطاعة في المعروف فيه بيان ما يطاع فيه من كان من أولي الامر وهو الامر ~~المعروف لا ما كان منكرا، والمراد بالمعروف ما كان من الأمور المعروفة ms3236 في ~~الشرع لا المعروف في العقل أو العادة، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها ~~على ما تقرر في الأصول. # باب الدعوة قبل القتال عن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قوما قط إلا دعاهم رواه أحمد. وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية ~~أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا بسم ~~الله في سبيل PageV08P051 # الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلو ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا ~~تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، ~~فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، أدعهم إلى الاسلام فإن أجابوك فاقبل ~~منهم، وكف عنهم، ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم ~~أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن ~~يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري ~~على المسلمين، ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة شئ إلا أن يجاهدوا مع ~~المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن ~~أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ~~ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك ~~وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة ~~الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا ~~تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم ~~الله أم لا؟ رواه أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وصححه. وهو حجة في أن قبول ~~الجزية لا يختص بأهل الكتاب، وأن ليس كل مجتهد مصيبا، بل الحق عند الله ~~واحد، وفيه المنع من قتل الولدان ومن التمثيل. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا الحاكم من طريق عبد الله ms3237 بن أبي نجيح عن أبيه ~~عنه. قال في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد وأبو يعل والطبراني ورجاله رجال ~~الصحيح. وظاهر قوله إلا دعاهم يخالف حديث نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون. قوله: أو سرية هي ~~القطعة من الجيش تنفصل عنه ثم تعود إليه، وقيل: هي قطعة من الخيل زهاء ~~أربعمائة، كذا قال إبراهيم الحربي. وسميت سرية لأنها تسري ليلا على خفية. ~~قوله: ولا تغلوا بضم الغين أي لا تخونوا إذا غنمتم شيئا. قوله: ولا تغدروا ~~بكسر الدال وضمها وهو ضد الوفاء. قوله: وليدا هو الصبي. قوله: فادعهم وقع ~~في نسخ مسلم ثم أدعهم. قال عياض: الصواب إسقاط ثم، وقد أسقطها أبو عبيد في ~~كتابه وأبو داود في سننه وغيرهما، لأنه تفسير للخصال الثلاث. وقال المازري: ~~إن ثم دخلت لاستفتاح PageV08P052 # الكلام، وفي هذا دليل على أنه يشرع للامام إذا أرسل قومه إلى قتال الكفار ~~ونحوهم أن يوصيهم بتقوى الله وينهاهم عن المعاصي المتعلقة بالقتال كالغلول ~~والغدر والمثلة وقتل الصبيان، وفيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى ~~الاسلام قبل المقاتلة، وفي المسألة ثلاثة مذاهب. الأول: أنه يجب تقديم ~~الدعاء للكفار إلى الاسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم ~~تبلغه، وبه قال مالك والهادوية وغيرهم وظاهر الحديث معهم. والمذهب الثاني: ~~أنه لا يجب مطلقا وسيأتي في هذا الباب دليل من قال به. المذهب الثالث: أنه ~~يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب. قال ابن المنذر: ~~وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع ~~بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث، وقد زعم الإمام المهدي أن وجوب تقديم ~~دعوة من لم تبلغه الدعوة مجمع عليه، ويرد ذلك ما ذكرنا من المذاهب الثلاثة، ~~وقد حكاها كذلك المازري وأبو بكر بن العربي. قوله: ثم أدعهم إلى التحول فيه ~~ترغيب الكفار بعد إجابتهم وإسلامهم إلى الهجرة إلى ديار المسلمين ، لأن ~~الوقوف بالبادية ربما كان ms3238 سببا لعدم معرفة الشريعة لقلة من فيها من أهل ~~العلم . قوله: ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة شئ إلخ، ظاهر هذا أنه لا ~~يستحق من كان بالبادية ولم يهاجر نصيبا في الفئ والغنيمة إذا لم يجاهد، وبه ~~قال الشافعي وفرق بين مال الفئ والغنيمة وبين مال الزكاة وقال: إن للأعراب ~~حقا في الثاني دون الأول. وذهب مالك وأبو حنيفة والهادوية إلى عدم الفرق ~~بينهما، وأنه يجوز صرف كل واحد منهما في مصرف الآخر. وزعم أبو عبيد أن هذا ~~الحكم منسوخ وإنما كان في أوائل الاسلام، وأجيب بمنع دعوى النسخ. قوله: ~~فسلهم الجزية ظاهره عدم الفرق بين الكافر العجمي والعربي والكتابي وغير ~~الكتابي، وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي وجماعة من أهل العلم، وخالفهم ~~الشافعي فقال: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو ~~عجما، واستدل بقوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * ~~(التوبة: 29) بعد ذكر أهل الكتاب. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب وأما سائر المشركين فهم داخلون تحت عموم: # اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أن الجزية لا ~~تقبل من العربي غير الكتابي وتقبل من الكتابي ومن العجمي، ولعله يأتي لهذا ~~البحث PageV08P053 # مزيد بسط. قوله: ذمة الله الذمة عقد الصلح والمهادنة، وإنما نهى عن ذلك ~~لئلا ينقض الذمة من لا يعرف حقها، وينتهك حرمتها بعض من لا تمييز له من ~~الجيش فيكون ذلك أشد، لأن نقض ذمة الله ورسوله أشد من نقض ذمة أمير الجيش ~~أو ذمة جميع الجيش وإن كان نقض الكل محرما. قوله: أن تخفروا بضم التاء ~~الفوقية وبعدها خاء معجمة ثم فاء مكسورة وراء، يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت ~~عهده، وخفرته بمعنى أمنته وحميته. قوله: فلا تنزلهم على حكم الله الخ، هذا ~~النهي محمول على التنزيه والاحتياط، وكذلك الذي قبله والوجه ما سلف، ولهذا ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم: فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟. ~~وفيه دليل لمن قال: إن ms3239 الحق مع واحد، وأن ليس كل مجتهد مصيبا، والخلاف في ~~المسألة مشهور مبسوط في مواضعه، والحق أن كل مجتهد مصيب من الصواب لا من ~~الإصابة. وقد قيل: إن هذا الحديث لا ينتهض للاستدلال به على أن ليس كل ~~مجتهد مصيبا، لأن ذلك كان في زمن النبي، والأحكام الشرعية إذ ذاك لا تزال ~~تنزل وينسخ بعضها بعضا ويخصص بعضها ببعض، فلا يؤمن أن ينزل على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حكم خلاف الحكم الذي قد عرفه الناس. # وعن فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ # قال: نعم، فلما وليت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الاسلام رواه ~~أحمد. # وعن ابن عوف قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إلي ~~إنما كان ذلك في أول الاسلام، وقد أغار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبي ~~ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحرث، حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ~~ذلك الجيش متفق عليه. وهو دليل على استرقاق العرب. وعن سهل بن سعد أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر فقال: أين علي؟ فقيل: إنه يشتكي ~~عينيه، فأمر فدعا له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأن لم يكن به شئ فقال: ~~نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم إلى ~~الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهتدي بك رجل واحد خير لك من ~~حمر النعم متفق عليه. # وعن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رهطا من ~~PageV08P054 # الأنصار إلى أبي رافع فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلا فقتله وهو نائم ~~رواه أحمد والبخاري. # حديث فروة أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وقد أورده الحافظ في التلخيص ~~وسكت عنه. قوله: على بني المصطلق بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر ~~اللام بعدها قاف وهو بطن شهير من خزاعة. ms3240 والمصطلق أبوهم وهو المصطلق بن سعد ~~بن عمرو بن ربيعة، ويقال المصطلق لقبه واسمه جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال ~~المعجمة. قوله: وهم غارون بغين معجمة وتشديد الراء جمع غار بالتشديد أي ~~غافلون، والمراد بذلك الاخذ على غرة أي غفلة. قوله: وسبي ذراريهم فيه دليل ~~على جواز استرقاق العرب، لأن بني المصطلق عرب من خزاعة كما سلف، وسيأتي ~~الكلام على ذلك في باب جواز استرقاق العرب. قوله: فبصق في عينيه فبرأ مكانه ~~فيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه منقبة لعلي عليه ~~السلام الله ورحمته وبركاته، فإن هذه الغزوة هي التي قال فيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ~~فتطاول الناس لها فقال: ادعوا لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع ~~إليه الراية ففتح الله عليه هذا لفظ مسلم والترمذي. قوله: حتى يكونوا مثلنا ~~المراد من المثلية المذكورة أن يتصفوا بوصف الاسلام، وذلك يكون في تلك ~~الحال بالتكلم بالشهادتين، وليس المراد أنهم يكونون مثلهم في القيام بأمور ~~الاسلام كلها، فإن ذلك لا يمكن امتثاله حال المقاتلة. قوله: على رسلك بكسر ~~الراء وسكون السين أي أمشي إليهم على الرفق والتؤدة، قال في القاموس: الرسل ~~بالكسر الرفق والتؤدة. قوله: بساحتهم قال في القاموس: الساحة الناحية وفضاء ~~بين دور الحي الجمع ساح وسوح وساحات انتهى. قوله: فوالله لأن يهتدي بك رجل ~~الخ، فيه الترغيب في التسبب لهداية من كان على ضلالة، وأن ذلك خير للانسان ~~من أجل النعم الواصلة إليه في الدنيا. وفي حديث فروة وسهل بن سعد دليل على ~~وجو ب تقديم دعاء الكفار إلى الاسلام على الاطلاق، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ~~والصواب الجمع بين الأحاديث المختلفة بما سلف لحديث ابن عمر المذكور فإن ~~فيه التصريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم الدعوة لبني ~~المصطلق. قوله: إلى أبي رافع هو عبد الله بن أبي الحقيق، وهذا طرف من ~~الحديث PageV08P055 # أورده المصنف ههنا لأنه محل الحاجة ms3241 باعتبار ترجمة الباب لتضمنه وقوع ~~القتل لأبي رافع قبل تقديم الدعوة إليه، وعدم أمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~لمن بعثه لقتله بأن يقدم الدعوة له إلى الاسلام، والقصة مشهورة ساقها ~~البخاري بطولها في المغازي من صحيحه. قوله: رهطا من الأنصار هم عبد الله بن ~~عتيك وعبد الله بن عتبة، وعند ابن إسحاق: ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس ~~وأبو قتادة وخزاعي بن الأسود. قوله: # ابن عتيك بفتح المهملة وكسر المثناة وهو ابن قيس بن الأسود من بني سلمة ~~بكسر اللام، وكان سبب أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتله أنه كان يؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعين عليه كما في الصحيح. # باب ما يفعله الامام إذا أراد الغزو من كتمان حاله والتطلع على حال عدوه ~~عن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان إذا أراد غزوة ~~ورى بغيرها متفق عليه وهو لأبي داود وزاد: والحرب خدعة. # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحرب خدعة. وعن ~~أبي هريرة قال: سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحرب خدعة. وعن جابر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من يأتيني بخبر القوم يوم ~~الأحزاب؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: ~~أنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لكل نبي حواري وحواري الزبير ~~متفق عليهم. وعن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبسا ~~عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء فحدثه الحديث، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فتكلم فقال: إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرا فليركب ~~معنا، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرهم في علو المدينة، فقال: لا إلا من كان ~~ظهره حاضرا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى سبقوا ~~ركب المشركين إلى بدر رواه أحمد PageV08P056 # ومسلم. قوله: ورى أي ستر، ويستعمل في إظهار شئ مع إرادة غيره، ms3242 وأصله من ~~الورى بفتح الواو وسكون الراء هو ما يجعل وراء الانسان لأن من ورى بشئ كأنه ~~جعله وراءه. وقيل هو في الحرب أخذ العدو على غرة. وقيده السيرافي في شرح ~~كتاب سيبويه بالهمزة قال: وأصحاب الحديث لم يضبطوا فيه الهمزة فكأنهم ~~سهلوها. قوله: # خدعة بفتح الخاء المعجمة وضمها مع سكون الدال المهملة وبضم أوله وفتح ~~ثانيه قال النووي: اتفقوا على أن الأولى أفصح، وبذلك جزم أبو ذر الهروي ~~والقزاز. # والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي ورجح ثعلب الأولى وقال: بلغنا بها ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يستعمل هذه البنية كثيرا لوجازة لفظها ولكونها ~~تعطي معنى البنيتين الآخرتين، قال: ويعطي معناهما أيضا الامر باستعمال ~~الحيلة مهما أمكن ولو مرة، قال: # فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى. ومعنى خدعة بالاسكان أنها تخدع أهلها من ~~وصف الفاعل باسم المصدر أو من وصف المفعول، كما يقال: هذا الدرهم ضرب ~~الأمير أي مضروبه. وقال الخطابي: معناه أنها مرة واحدة أي إذا خدع مرة ~~واحدة لم تقل عثرته ، وقيل: الحكمة في الاتيان بالتاء للدلالة على الوحدة، ~~فإن الخداع إن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان ~~من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة، فلا ينبغي التهاون بهم ~~لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قل . وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة كهمزة ~~ولمزة. وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما قال: وهو جمع خادع أي أن أهلها ~~بهذه الصفة فكأنه قال: أهل الحرب خدعة. وحكى مكي ومحمد بن عبد الله الواحد ~~لغة خامسة كسر أوله مع الاسكان وأصله إظهار أمر وإضمار خلافه، وفيه التحريض ~~على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار، وإن من لم يتيقظ لم يأمن ~~أن ينعكس الامر عليه. قال النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب ~~كيف ما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. ms3243 قال ابن العربي: ~~الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك. وفي الحديث الإشارة إلى ~~استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة. # قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في ~~مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، ولحصول الظفر ~~مع المخادعة بغير PageV08P057 # خطر. قوله: بسبسا بضم الباء الموحدة الأولى وبعدها سين مهملة ساكنة ~~وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم سين مهملة وهو ابن عمرو ويقال ابن بشر. وفي سنن ~~أبي داود: بسبسة بزيادة تاء التأنيث، وقيل: فيه أيضا بسيسة بالباء الموحدة ~~مضمومة في أوله وفتح السين المهملة ثم ياء مثناة تحتية ساكنة. قوله: فقال ~~إن لنا طلبة بكسر اللام كما في القاموس. وفي النهاية: الطلبة الحاجة هذا ~~فيه إبهام للمقصود، وقد أورده المصنف للاستدلال به، على أن الامام يكتم ~~أمره كما وقع في الترجمة. # باب ترتيب السرايا والجيوش واتخاذ الرايات وألوانها عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا ~~أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وذكر أنه في أكثر الروايات عن ~~الزهري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا. وتمسك به من ذهب إلى أن ~~الجيش إذا كان اثني عشر ألفا لم يجز أن يفر من أمثاله وأضعافه وإن كثروا. # وعن ابن عباس قال: كانت راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوداء ولواؤه ~~أبيض رواه الترمذي وابن ماجة. وعن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم قال: ~~رأيت راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفراء رواه أبو داود. وعن جابر: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض رواه الخمسة إلا ~~أحمد. وعن الحرث بن حسان البكري قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على المنبر وبلال قائم بين يديه متقلد بالسيف وإذا ~~رايات سود، فسألت ما هذه ms3244 الرايات؟ # فقالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة رواه أحمد وابن ماجة. وفي لفظ: قدمت ~~المدينة فدخلت المسجد فإذا هو غاص بالناس وإذا رايات سود، وإذا بلال متقلد ~~بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: ما شأن الناس؟ ~~قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها رواه الترمذي. وعن البراء بن عازب: ~~أنه سئل عن راية رسول PageV08P058 # الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كانت؟ قال: كانت سوداء مربعة من نمرة ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # حديث ابن عباس الأول سكت عنه أبو داود، واقتصر المنذري في مختصر السنن ~~على نقل كلام الترمذي. وأخرجه أيضا الحاكم وقال: هذا إسناد صحيح على شرط ~~الشيخين وحديث ابن عباس الثاني أخرج نحوه أبو داود والنسائي. وفي إسناد ~~حديث الباب يزيد بن حيان أخو مقاتل بن حيان قال البخاري: عنده غلط كثير. # وأخرج البخاري هذا الحديث في تاريخه مقتصرا على الراية. وحديث سماك في ~~إسناده رجل مجهول وهو الذي روى عنه سماك، ومجهول آخر وهو الذي قال: رأيت ~~راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن جهالة الرجل الآخر غير قادحة إن ~~كان صحابيا لما قررنا غير مرة أن مجهول الصحابة مقبول، وليس في هذا الحديث ~~ما يدل على أنه صحابي، لأن يمكن أنه رأى راية رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد موته ولم تثبت رؤيته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وحديث جابر أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا ~~نعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، قال: وسألت محمدا يعني البخاري عن ~~هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك. وحديث الحرث بن ~~حسان رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن ~~الحرث بن حسان فذكره، وهؤلاء رجال الصحيح. # وهذا الحديث إنما أشار إليه الترمذي في كتاب الجهاد إشارة لأنه قال بعد ~~إخراج حديث البراء المذكور ما ms3245 لفظه: وفي الباب عن علي والحرث بن حسان وابن ~~عباس ولم يذكر اللفظ الذي ذكره المصنف ونسبه إليه، ولعله ذكره في موضع آخر ~~من جامعه. # وحديث البراء قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من ~~حديث ابن أبي زائدة انتهى. وفي إسناده أبو يعقوب الثقفي واسمه إسحاق بن ~~إبراهيم قال ابن عدي الجرجاني: روى عن الثقات ما لا يتابع عليه. وقال أيضا ~~: وأحاديثه غير محفوظة انتهى. وفي الباب عن سلمة في الصحيحين: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ~~ورسوله فأعطاها عليا. وعن يزيد بن جابر الغفري عند ابن السكن قال: عقد رسول ~~الله صلى الله PageV08P059 # عليه وآله وسلم رايات الأنصار وجعلهن صفرا وعن أنس عند النسائي أن ابن أم ~~مكتوم كانت معه راية سوداء في بعض مشاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~قال المنذري: وهو حديث حسن. وقال ابن القطان: صحيح. وعن أبي هريرة عند ابن ~~عد، وعن بريدة عند أبي يعلى. وعن أنس حديث آخر عند أبي يعلى رفعه: أن الله ~~أكرم أمتي بالألوية وإسناده ضعيف. وعن ابن عباس غير ما تقدم عند أبي الشيخ ~~بلفظ: كان مكتوبا على راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله وسنده ضعيف أيضا. قوله: خير الصحابة أربعة فيه دليل على أن ~~خير الصحابة أربعة أنفار، وظاهره أن ما دون الأربعة من الصحابة موجود فيها ~~أصل الخير من غير فرق بين السفر والحضر، ولكنه قد أخرج أهل السنن من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: الراكب شيطان والراكبان شيطانان ~~والثلاثة ركب وصحح الحاكم وابن خزيمة. وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أبي ~~هريرة وصححه. وظاهره أما دون الثلاثة عصاة لأن معنى قوله شيطان أي عاص. ~~وقال الطبري: هذا الزجر زجر أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة ~~والوحدة وليس بحرام، فالسائر وحده في فلاة وكذا البائت في بيت وحده ms3246 لا يأمن ~~من الاستيحاش، لا سيما إذا كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف، والحق أن الناس ~~يتباينون في ذلك، فيحتمل أن يكون الزجر عنه لحسم المادة فلا يتناول ما إذا ~~وقعت الحاجة لذلك. وقيل في تفسير قوله: الراكب شيطان أي سفره وحده يحمله ~~عليه الشيطان أو أشبه الشيطان في فعله. وقيل: إنما كره ذلك لأن الواحد لو ~~مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم ~~يجد الآخر من يعينه، بخلاف الثلاثة ففي الغالب تؤمن الوحشة والخشية. وفي ~~صحيح البخاري عن ابن عمر: لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب ~~بليل وحده. وقد ثبت في الصحيح أن الزبير انتدب وحده ليأتي النبي بخبر بني ~~قريظة. قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، فيجوز السفر ~~للمنفرد للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالافراد كإرسال الجاسوس ~~والطليعة، والكراهة لما عدا ذلك. ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة ~~عند الامن، وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة. وقد وقع في كتب المغازي ~~بعث جماعة منفردين منهم حذيفة ونعيم بن مسعود وعبد الله بن أنيس وخوات بن ~~جبير وعمرو PageV08P060 # بن أمية وسالم بن عمير وبسبسة وغيرهم، وعلى هذا فوجود أصل الخير في سائر ~~الاسفار غير سفر الحرب ونحوه إنما هو في الثلاثة دون الواحد والاثنين، ~~والأربعة خير من الثلاثة، كما يدل على ذلك حديث الباب. قوله: وخير الجيوش ~~أربعة آلاف ظاهر هذا أن هذا الجيش خير من غيره من الجيوش، سواء كان أقل منه ~~أو أكثر، ولكن الأكثر إذا بلغ إلى اثني عشر ألفا لم يغلب من قلة وليس بخير ~~من أربعة آلاف وإن كانت تغلب من قلة، كما يدل على ذلك مفهوم العدد. قوله: ~~راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوداء ولواؤه أبيض اللواء بكسر اللام ~~والمد وهو الراية ، ويسمى أيضا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش، ثم ~~صارت تحمل على رأسه ، كذا في الفتح. وقال أبو ms3247 بكر بن العربي: اللواء غير ~~الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوي عليه، والراية ما يعقد فيه ~~ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل: اللواء دون الراية، وقيل: اللواء العلم ~~الضخم، والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب ~~الحرب، وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم الألوية وأورد حديث جابر المتقدم، ~~ثم ترجم الرايات وأورد حديث البراء المتقدم أيضا. قوله: من نمرة هي ثوب ~~حبرة، قال في القاموس: النمرة بالضم النكتة من أي لون كان، والأنمر ما فيه ~~نمرة بيضاء وأخرى سوداء، ثم قال: والنمرة الحبرة وشملة فيها خطوط بيض وسود ~~أو بردة من صوف يلبسها الاعراب انتهى. # باب ما جاء في تشييع الغازي واستقباله عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لأن أشيع غازيا فأكفيه في رحله غدوة ~~أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها رواه أحمد وابن ماجة. وعن السائب بن ~~يزيد قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك خرج ~~الناس يتلقونه من ثنية الوداع قال السائب: فخرجت مع الناس وأنا غلام رواه ~~أبو داود والترمذي وصححه. وللبخاري نحوه. وعن ابن عباس قال: مشى معهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV08P061 # إلى بقيع الغرقد ثم وجههم ثم قال: انطلقوا على اسم الله، وقال: اللهم ~~أعنهم يعني النفر الذين وجههم إلى كعب بن الأشرف رواه أحمد. # حديث معاذ في إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وفي إسناده أيضا رجل ~~لم يسم، وقد أخرجه الطبراني. وحديث ابن عباس في إسناده ابن إسحاق وهو مدلس ~~وبقية إسناد رجاله رجال الصحيح. وقد أخرجه أيضا البزار والطبراني. وفي ~~الباب ما في الصحيحين: أن ابن الزبير وابن جعفر وابن عباس لقوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو قادم فحمل اثنين منهم وترك الثالث. # وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مكة استقبله أغيلمة لبني عبد ms3248 المطلب فحمل واحدا بين يديه وآخر خلفه. ~~وأخرج أحمد والنسائي عن عبد الله بن جعفر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حمله خلفه وحمل قتم بن عباس بين يديه. قوله: أشيع غازيا التشييع ~~الخروج مع المسافر لتوديعه، يقال : شيع فلانا خرج معه ليودعه ويبلغه منزله. ~~قوله: أحب إلي من الدنيا وما فيها قد تقدم الكلام على مثل هذه العبارة في ~~أول كتاب الجهاد. (وفي هذا الحديث) الترغيب في تشييع الغازي وإعانته على ~~بعض ما يحتاج إلى القيام بمؤنته، لأن الجهاد من أفضل العبادات، والمشاركة ~~في مقدماته من أفضل المشاركات. قوله: من ثنية الوداع. قال في القاموس: ~~الثنية العقبة أو طريقها أو الجبل أو الطريق فيه أو إليه انتهى. قال في ~~القاموس أيضا: وثنية الوداع بالمدينة سميت لأن من سافر إلى مكة كان يودع ثم ~~ويشيع إليها انتهى. قوله: بقيع الغرقد قد تقدم ضبطه وتفسيره، وفي الحديث ~~دليل على مشروعية تلقي الغازي إلى خارج البلد لما في الاتصال به من البركة ~~والتيمن بطلعته، فإنه في تلك الحال ممن حرمه الله على النار كما تقدم، ولما ~~في ذلك من التأنيس له والتطييب لخاطره والترغيب لمن كان قاعدا في الغزو. ~~قوله: وقال اللهم أعنهم فيه استحباب الدعاء للغزاة وطلب الإعانة من الله ~~لهم، فإن من كان ملحوظا بعين العناية الربانية ومحوطا بالإعانة الإلهية ظفر ~~بمراده. PageV08P062 # باب استصحاب النساء لمصلحة المرضى والجرحى والخدمة عن الربيع بنت معوذ ~~قالت: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسقي القوم ونخدمهم ~~ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة رواه أحمد والبخاري . وعن أم عطية ~~الأنصاري قالت: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع غزوات ~~أخلفهم في رحالهم وأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على الزمني رواه ~~أحمد ومسلم وابن ماجة. وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى رواه مسلم ~~والترمذي وصححه. وعن عائشة أنها قالت: يا رسول ms3249 الله نرى الجهاد أفضل العمل ~~أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور رواه أحمد والبخاري. # قوله: عن الربيع بالتشديد وأبوها معوذ بالتشديد للواو وبعدها ذال معجمة. # قوله: كنا نغزو الخ، جعلت الإعانة للغزاة غزوا، ويمكن أن يقال: إنهن ما ~~أتين لسقي الجرحى ونحو ذلك إلا وهن عازمات على المدافعة عن أنفسهن، وقد وقع ~~في صحيح مسلم عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت: اتخذته إن دنا ~~مني أحد من المشركين بقرت بطنه، ولهذا بوب البخاري باب غزو النساء وقتالهن. ~~قوله: وأداوي الجرحى فيه دليل على أنه يجوز للمرأة الأجنبية معالجة الرجل ~~الأجنبي للضرورة. قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، وإن دعت الضرورة ~~فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ما ماتت ~~ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء ~~حائل في قول بعضهم كالزهري وفي قول الأكثر تيمم. وقال الأوزاعي: # تدفن كما هي. قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وغسل الميت أن ~~الغسل عبادة والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات اه. وهكذا يكون حال ~~المرأة في رد القتلى والجرحى فلا تباشر بالمس مع إمكان ما هو دونه. وحديث ~~عائشة قد تقدم في أول كتاب الحج. قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن ~~الجهاد غير PageV08P063 # واجب على النساء، ولكن ليس في قوله أفضل الجهاد حج مبرور، وفي رواية ~~البخاري: جهاد كالحج، ما يدل على أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم ~~يكن واجبا لما فيه من مغايرة المطلوب منهم من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك ~~كان الحج أفضل لهن من الجهاد. # باب الأوقات التي يستحب فيها الخروج إلى الغزو والنهوض إلى القتال عن كعب ~~بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج في يوم الخميس في غزوة ~~تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس متفق عليه. وعن صخر الغامدي قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم بارك لامتي ms3250 في بكورها، قال: فكان ~~إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا وكان يبعث ~~تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله رواه الخمسة إلا النسائي. وعن ~~النعمان بن مقرن: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا لم يقاتل أول ~~النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر رواه أحمد وأبو ~~داود وصححه والبخاري وقال: انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات. وعن ابن ~~أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن ينهض إلى عدوه ~~عند زوال الشمس رواه أحمد. # حديث صخر حسنه الترمذي وقال: لا نعرف له غير هذا الحديث اه. وفي إسناده ~~عمارة بن حديد سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: مجهول، وسئل عنه أبو زرعة ~~الرازي فقال: لا يعرف. وقال أبو علي بن السكن: إنه مجهول لم يرو عنه غير ~~يعلى بن عطاء الطائفي، وذكر أنه روي من حديث مالك مرسلا. وقال النمري: هو ~~مجهول لم يرو عنه غير يعلى الطائفي. وقال أبو القاسم البغوي وابن عبد البر: ~~أنه ليس لصخر غير هذا الحديث. وذكر بعضهم أنه قد روى حديثا آخر وهو قوله : ~~لا تسبوا الأموات فتؤذوا الاحياء وقد تقدم في الجنائز. وأخرج حديث صخر بن ~~حبان، قال ابن طاهر في تخريج أحاديث الشهاب: هذا الحديث رواه جماعة من ~~الصحابة ولم يخرج شيئا منها في الصحيحين. وأقر بها إلى الصحة والشهرة ~~PageV08P064 # هذا الحديث. وذكره عبد القادر الرهاوي في أربعينيته من حديث علي ~~والعبادلة وابن مسعود وجابر وعمران بن حصين وأبي هريرة وعبد الله بن سلام ~~وسهل بن سعد وأبي رافع وعبادة بن وثيمة وأبي بكرة وبريدة بن الحصيب. وحديث ~~بريدة صححه ابن السكن ورواه ابن منده في مستخرجه عن واثلة بن الأسقع ونبيط ~~بن شريط. وزاد ابن الجوزي في العلل المتناهية عن أبي ذر وكعب بن مالك وأنس ~~والعريض بن عميرة وعائشة وقال: لا يثبت منها شئ وضعها كلها. وقد قال أبو ~~حاتم: لا أعلم ms3251 في: اللهم بارك لامتي في بكورها حديثا صحيحا. وحديث ابن أبي ~~أوفى المذكور في الباب أخرجه أيضا سعيد بن منصور والطبراني وضعف إسناده في ~~مجمع الزوائد. قوله: كان يحب أن يخرج يوم الخميس قال في الفتح: # لعل سببه ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: بورك لامتي في بكورها ~~يوم الخميس وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بنون وموحدة مصغرا ~~ابن شريط بفتح الشين المعجمة قال: وكونه صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب ~~الخروج يوم الخميس لا يستلزم المواظبة عليه لقيام مانع منه. وقد ثبت أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم خرج لحجة الوداع يوم السبت كما تقدم في الحج اه. ~~وقد أخرج حديث نبيط المذكور البزار من حديث ابن عباس وأنس. وفي حديث ابن ~~عباس عنبسة بن عبد الرحمن وهو كذاب. وفي حديث أنس عمرو بن مساور وهو ضعيف ~~وروي بلفظ: اللهم بارك لامتي في بكورها يوم سبتها ويوم خميسها. وسئل أبو ~~زرعة عن هذه الزيادة فقال: هي مفتعلة. وحديث صخر المذكور فيه مشروعية ~~التبكير من غير تقييد بيوم مخصوص، سواء كان ذلك في سفر جهاد أو حج أو تجارة ~~أو في الخروج إلى عمل من الأعمال ولو في الحضر. قوله: حتى تزول الشمس وتهب ~~الرياح وينزل النصر ظاهر هذا أن التأخير ليدخل وقت الصلاة لكونه مظنة ~~الإجابة وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك، ويدل على ~~ذلك ما أخرجه الترمذي من حديث النعمان بن مقرن من وجه آخر غير الوجه الذي ~~روي منه حديثه المذكور في الباب ولفظه قال: # غزوت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع ~~الشمس فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس فإذا زالت ~~قاتل، فإذا دخل PageV08P065 # وقت العصر أمسك حتى يصليها ثم يقاتل. وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ~~وتدعو المؤمنين لجيوشهم في صلاتهم قال في الفتح: لكن فيه انقطاع. # باب ترتيب الصفوف وجعل ms3252 سيما وشعار يعرف وكراهة رفع الصوت عن أبي أيوب ~~قال: صففنا يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف فنظر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: معي معي. وعن عمار بن ياسر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه رواهما أحمد. وعن ~~المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن بيتكم ~~العدو فقولوا: حم لا ينصرون رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن البراء بن ~~عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنكم ستلقون العدو غدا ~~فإن شعاركم حم لا ينصرون رواه أحمد. وعن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع أبي ~~بكر زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان شعارنا: أمت أمت رواه أحمد ~~وأبو داود. وعن الحسن عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يكرهون الصوت عند القتال. وعن أبي بردة عن أبيه عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بمثل ذلك، رواهما أبو داود. # حديث أبي أيوب قال في مجمع الزوائد: في إسناده ابن لهيعة وفيه ضعف، ~~والصحيح أن أبا أيوب لم يشهد بدرا اه. وحديث عمار قال في مجمع الزوائد: ~~إسناده منقطع، قال: وأخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وفي إسناده إسحاق بن ~~أبي إسحاق الشيباني ولم يضعفه أحد وبقية رجاله ثقات اه. وقد أخرج نحو حديث ~~أبي أيوب الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عوف والبزار من طريق عكرمة عن ابن ~~عباس عنه قال: عبانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عند البخاري من ~~حديث مروان والمسور في قصة الفتح وقصة أبي سفيان، قال: ثم مرت كتيبة لم ير ~~مثلها فقال: من هؤلاء؟ قيل له: الأنصار PageV08P066 # عليهم سعد بن عبادة ومعه الراية، وفيه: وجاءت كتيبة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ورايته مع الزبير الحديث بطوله، وهو شاهد لحديث عمار بن ياسر ~~المذكور. وأخرج البخاري وأبو داود من ms3253 حديث حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اصطففنا يوم بدر: إذا أكثبوكم ~~يعني إذا غشوكم فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم. وحديث المهلب ذكر الترمذي ~~أنه روي عن المهلب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا، وأخرجه الحاكم ~~موصولا وقال: صحيح، قال: والرجل الذي لم يسمه المهلب هو البراء. ورواه ~~النسائي من هذا الوجه بلفظ: حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وحديث البراء أخرجه أيضا النسائي والحاكم. # وحديث سلمة بن الأكوع أخرجه النسائي وابن ماجة وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري والحافظ في التلخيص. وأخرجه الحاكم من حديث عائشة: جعل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم شعار المهاجرين يوم بدر عبد الرحمن والخزرج عبد ~~الله الحديث . وأخرج أيضا عن ابن عباس رفعه: جعل الشعار للأزد يا مبرور يا ~~مبرور. وفي الباب عن سمرة بن جندب عند أبي داود قال: كان شعار المهاجرين ~~عبد الله وشعار الأنصار عبد الرحمن وهو من رواية الحسن عنه، وفي سماعه منه ~~خلاف قد مر غير مرة، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة ولا يحتج بحديثه. وحديث ~~قيس بن عباد وأبي بردة سكت عنهما أبو داود والمنذري ورجالهما رجال الصحيح. ~~قوله: صففنا يوم بدر الخ، فيه دليل على مشروعية الاصطفاف حال القتال لما في ~~ذلك من الترهيب على العدو والتقوية للجيش، ولكونه محبوبا لله تعالى، قال عز ~~وجل: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * ~~(الصف: 4). قوله: أن يقاتل تحت راية قومه إنما كان ذلك مشروعا لما يتكلفه ~~الانسان من إظهاره القوة والجلادة إذا كان بمرأى من قومه ومسمع ، بخلاف ما ~~إذا كان في غير قومه فإنه لا يفعل كفعله بين قومه لما جبلت عليه النفوس من ~~محبة ظهور المحاسن بين العشيرة وكراهة ظهور المساوئ بينهم، ولهذا أفرد صلى ~~الله عليه وآله وسلم كل قبيلة من القبائل التي غزت معه غزوة الفتح بأميرها ~~ورايتها كما يحكي ذلك كتب الحديث ms3254 والسير. قوله: حم لا ينصرون هذا اللفظ فيه ~~التفاؤل بعدم انتصار الخصم مع حصول الغرض بالشعار وهو العلامة في الحرب، ~~يقال: نادوا بشعارهم أو جعلوا لأنفسهم شعارا، والمراد أنهم جعلوا العلامة ~~بينهم لمعرفة بعضهم بعضا في ظلمة PageV08P067 # الليل هو التكلم عند أن يهجم عليهم العدو بهذا اللفظ. قوله: أمت أمت أمر ~~بالموت وفيه التفاؤل بموت الخصم. وفي لفظ: يا منصور أمت أمت وفي آخر: يا ~~منص وهو ترخيم منصور محذوف الراء والواو. قوله: يكرهون الصوت عند القتال ~~فيه دليل على أن رفع الصوت حال القتال وكثرة اللغط والصراخ مكروهة ولعل وجه ~~كراهتهم لذلك أن التصويت في ذلك الوقت ربما كان مشعرا بالفزع والفشل بخلاف ~~الصمت فإنه دليل الثبات ورباط الجأش. # باب استحباب الخيلاء في الحرب عن جابر بن عتيك أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله، وإن من ~~الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله ~~فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة، ~~والخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند ~~الصدقة، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في الفخر والبغي رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي. # الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده عبد الرحمن بن جابر بن عتيك ~~وهو مجهول، وقد صحح الحديث الحاكم. قوله: فالغيرة في الريبة نحو أن يغتار ~~الرجل على محارمه إذا رأى منهم فعلا محرما، فإن الغيرة في ذلك ونحوه مما ~~يحبه الله، وفي الحديث الصحيح: ما أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الزنا. ~~وأما الغيرة في غير الريبة فنحو أن يغتار الرجل على أمه أن ينكحها زوجها ~~وكذلك سائر محارمه، فإن هذا مما يبغضه الله تعالى، لأن ما أحله الله تعالى ~~فالواجب علينا الرضا به، فإن لم نرض به كان ذلك من إيثار حمية الجاهلية على ~~ما شرعه الله لنا. واختيال الرجل بنفسه عند القتال من ms3255 الخيلاء الذي يحبه ~~الله لما في ذلك من الترهيب لأعداء الله والتنشيط لأوليائه، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأبي دجانة لما رآه يختال عند القتال: إن هذه مشية ~~يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن. وكذلك الاختيال عند الصدقة فإنه ~~ربما PageV08P068 # كان من أسباب الاستكثار منها والرغوب فيها. وأما اختيال الرجل في الفخر ~~فنحو أن يذكر ما له من الحسب والنسب وكثرة المال والجاه والشجاعة والكرم ~~لمجرد الافتخار ثم يحصل منه الاختيال عند ذلك، فإن هذا الاختيال مما يبغضه ~~الله تعالى، لأن الافتخار في الأصل مذموم والاختيال مذموم، فينضم قبيح إلى ~~قبيح، وكذلك الاختيال في البغي نحو أن يذكر الرجل أنه قتل فلانا وأخذ ماله ~~ظلما، أو يصدر منه الاختيال حال البغي على مال الرجل أو نفسه، فإن هذا ~~يبغضه الله، لأن فيه انضمام قبيح إلى قبيح كما سلف. # باب الكف وقت الإغارة عمن عنده شعار الاسلام عن أنس قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح، فإذا سمع أذانا ~~أمسك وإذا لم يسمع أذانا أغار بعدما يصبح رواه أحمد والبخاري. وفي رواية: ~~كان يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الاذان، فإذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار، ~~وسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: خرجت من النار ~~رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. وعن عصام المزني قال: كالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا بعث السرية يقول: إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مناديا فلا ~~تقتلوا أحدا رواه الخمسة إلا النسائي. # حديث عصام قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن غريب وهو من رواية ابن ~~عصام عن أبيه قيل اسمه عبد الله. وقيل اسمه عبد الرحمن، قال في التقريب: # لا يعرف. قوله: وإذا لم يسمع أذانا أغار فيه دليل على جواز قتال من بلغته ~~الدعوة بغير دعوة، ويجمع بينه وبين متقدم في باب ms3256 الدعوة قبل القتال بأن ~~يقال: الدعوة مستحبة لا شرط، هكذا في الفتح. وقد قدمنا الخلاف في ذلك، وما ~~ذكره الإمام المهدي من أن وجوب تقديم الدعوة مجمع عليه والاعتراض عليه، وفي ~~هذا الحديث الذي بعده دليل على جواز الحكم بالدليل لكونه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كف عن القتال PageV08P069 # بمجرد سماع الاذان، وفيه الاخذ بالأحوط في أمر الدماء لأنه كف عنهم في ~~تلك الحال، مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة. قوله: على الفطرة فيه أن ~~التكبير من الأمور المختصة بأهل الاسلام، وأنه يصح الاستدلال به على إسلام ~~أهل قرية سمع منهم ذلك. # قوله: خرجت من النار هو نحو الأدلة القاضية بأن من قال: لا إله إلا الله ~~دخل الجنة، وهي مطلقة مقيدة بعدم المانع جمعا بين الأدلة، وللكلام على ذلك ~~موضع آخر. قوله: إذا رأيتم مسجدا فيه دليل على أن مجرد وجود المسجد في ~~البلد كاف في الاستدلال به على إسلام أهله وإن لم يسمع منهم الاذان، لأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر سراياه بالاكتفاء بأحد الامرين: ~~إما وجود مسجد، أو سماع الاذان. # باب جواز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق وإن أدى إلى قتل ذراريهم تبعا عن ~~الصعب بن جثامة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن أهل الدار من ~~المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم ثم قال: هم منهم رواه الجماعة ~~إلا النسائي. وزاد أبو داود: وقال الزهري: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن قتل النساء والصبيان. وعن ثور بن يزيد: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف أخرجه الترمذي هكذا مرسلا. # وعن سلمة بن الأكوع قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق وكان أمره علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد. # الزيادة التي زادها أبو داود عن الزهري أخرجها الإسماعيلي من طريق جعفر ~~الفريابي عن علي بن المديني عن سفيان بلفظ: وكان الزهري إذا حدث بهذا ~~الحديث قال: # وأخبرني ms3257 ابن كعب بن مالك عن عمه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان وأخرجه أيضا ابن ~~حبان مرسلا كأبي داود، قال في الفتح: وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث ~~الصعب. وحديث ثور بن يزيد أخرجه أيضا أبو داود في المراسيل من طريق مكحول ~~عنه. وأخرجه أيضا الواقدي PageV08P070 # في السيرة وزعم أن الذي أشار به سلمان الفارسي، وقد أنكر ذلك يحيى بن أبي ~~كثير وإنكاره ليس بقادح فإن من علم حجة على من لم يعلم. وحديث سلمة أخرجه ~~أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجة، وهو طرف من الحديث الذي تقدم في باب ~~ترتيب الصفوف. # قوله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل السائل هو الصعب بن ~~جثامة الراوي للحديث، كما يدل على ذلك ما في صحيح ابن حبان من طريق محمد بن ~~عمرو عن الزهري بسنده عن الصعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن أولاد المشركين أتقتلهم معهم؟ قال: نعم. قوله: عن أهل الدار أي ~~المنزل هكذا في البخاري وغيره. ووقع في بعض نسخ مسلم: سئل عن الذراري قال ~~عياض: الأول هو الصواب، ووجه النووي الثاني. قوله: هم منهم أي في الحكم في ~~تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم ~~يمكن الوصول إلى المشركين إلا بوطئ الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز ~~قتلهم، وسيأتي الخلاف في ذلك في الباب الذي بعد هذا، وقد تقدمت الإشارة ~~إليه. # قوله: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، استدل به من قال: ~~إنه لا يجوز قتلهم مطلقا. وسيأتي قوله: بيتنا هوازن البيات هو الغارة ~~بالليل. (وفي الحديث) دليل على أنه يجوز تبييت الكفار، قال الترمذي: وقد ~~رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل وأن يبيتوا، وكرهه بعضهم، قال أحمد ~~وإسحاق: لا بأس أن يبيت العدو ليلا. # باب الكف عن قصد النساء والصبيان والرهبان والشيخ الفاني بالقتل ms3258 عن ابن ~~عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النساء والصبيان رواه ~~الجماعة إلا النسائي. وعن رياح بن ربيع: أنه خرج مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رياح وأصحاب ~~PageV08P071 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، ~~فوقفوا ينظرون إليها يعني وهم يتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على راحلته فأفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: ما كانت هذه لتقاتل، فقال لأحدهم: الحق خالدا ~~فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا رواه أحمد وأبو داود. وعن أنس: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا ~~امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ~~رواه أبو داود . وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر ~~بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب ~~الصوامع. وعن ابن كعب بن مالك عن عمه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان. وعن الأسود ~~بن سريع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقتلوا الذرية في ~~الحرب، فقالوا: يا رسول الله أو ليس هم أولاد المشركين؟ قال: أو ليس خياركم ~~أولاد المشركين؟ رواهن أحمد. # حديث رياح بكسر الراء المهملة وبعدها تحتانية هكذا في الفتح. وقال ~~المنذري بالباء الموحدة، ويقال بالياء التحتانية، ورجح البخاري أنه ~~بالموحدة، أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي واختلف ~~فيه على المرقع ms3259 بن صيفي ، فقيل: عن جده رياح، وقيل: عن حنظلة بن الربيع، ~~وذكر البخاري وأبو حاتم أن الأول أصح. وحديث أنس في إسناده خالد بن الفزر ~~بكسر الفاء وسكون الزاي وبعدها راء مهملة، وحديث ابن عباس في إسناده ~~إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف ووثقه أحمد. وحديث ابن كعب بن ~~مالك أخرجه أيضا الإسماعيلي في مستخرجه، وأخرجه أبو داود وابن حبان من حديث ~~الزهري مرسلا كما تقدم، وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح. ~~وحديث الأسود بن سريع قال في مجمع الزوائد أيضا: ورجال أحمد رجال الصحيح. ~~(وفي الباب) عن علي عند PageV08P072 # البيهقي بنحو حديث ابن عباس المذكور. وعن جرير عند ابن أبي حاتم في ~~العلل. # وعن سمرة عند أحمد والترمذي وصححه بلفظ: اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا ~~شرخهم وأحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان، وإلى ذلك ~~ذهب مالك والأوزاعي، فلا يجوز ذلك عندهما بحال من الأحوال، حتى لو تترس أهل ~~الحرب بالنساء والصبيان، أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء ~~والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم. وذهب الشافعي والكوفيون إلى الجمع بين ~~الأحاديث المذكورة فقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها. وقال ابن حبيب من ~~المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل أو قصدت ~~إليه، ويدل على هذا ما رواه أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال ~~رجل: أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت ~~إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ووصله الطبراني في الكبير وفيه حجاج بن أرطأة. وأرسله ابن أبي شيبة عن ~~عبد الرحمن بن يحيى الأنصاري. # ونقل ابن بطال أنه اتفق الجميع على المنع من القصد إلى قتل النساء ~~والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفار، ولما ~~في استبقائهم جميعا من الانتفاع إما ms3260 بالرق أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى ~~به. قال في الفتح: وقد حكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ~~ظاهر حديث الصعب وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب. قوله: ولا عسيفا ~~بمهملتين وفاء كأجير وزنا ومعنى، وفيه دليل على أنه لا يجوز قتل من كان مع ~~القوم أجيرا ونحوه لأنه من المستضعفين. قوله: لا تقتلوا شيخا فانيا ظاهره ~~أنه لا يجوز قتل شيوخ المشركين، ويعارضه حديث: اقتلوا شيوخ المشركين الذي ~~ذكرناه. وقد جمع بين الحديثين بأن الشيخ المنهي عن قتله في الحديث الأول هو ~~الفاني الذي لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين، وقد وقع التصريح ~~بهذا الوصف بقوله شيخا فانيا. # والشيخ المأمور بقتله في الحديث الثاني هو من بقي فيه نفع للكفار ولو ~~بالرأي كما في دريد بن الصمة فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من ~~حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد ابن الصمة وقد كان نيف على ~~المائة PageV08P073 # وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب فقتله أبو عامر ولم ينكر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ذلك عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى والقصة ~~معروفة. قال أحمد بن حنبل في تعليل أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتل ~~الشيوخ: الشيخ لا يكاد يسلم والصغير أقرب إلى الاسلام. قوله: ولا تغلوا ~~سيأتي الكلام على تحريم الغلول والغدر والمثلة. قوله: # وضموا غنائمكم أي اجمعوها. قوله: ولا أصحاب الصوامع فيه دليل على أنه لا ~~يجوز قتل من كان متخليا للعبادة من الكفار كالرهبان لاعراضه عن ضر ~~المسلمين، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكنه معتضد بالقياس على ~~الصبيان والنساء بجامع عدم النفع والضرر وهو المناط، ولهذا لم ينكر صلى ~~الله عليه وآله وسلم على قاتل المرأة التي أرادت قتله، ويقاس على المنصوص ~~عليهم بذلك الجامع من كان مقعدا أو أعمى أو نحوهما ممن كان لا يرجى نفعه ~~ولا ضره على الدوام. # باب الكف عن المثلة والتحريق وقطع الشجر وهدم ms3261 العمران إلا لحاجة ومصلحة ~~عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية ~~فقال: سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا ~~تغدروا ولا تقتلوا وليدا رواه أحمد وابن ماجة. وعن أبي هريرة قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا ~~لرجلين فأحرقوهما بالنار، ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن ~~تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما ~~فاقتلوهما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وصححه. وعن يحيى بن سعيد: ~~أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان يزيد ~~أمير ربع من تلك الأرباع فقال: # إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطع ~~شجرا مثمرا، ولا تخرب عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله، ولا ~~تعقرن نخلا ولا تحرقه، ولا تغلل، ولا تخبن رواه مالك في الموطأ عنه. ~~PageV08P074 # حديث صفوان بن عسال قال ابن ماجة: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا أبو ~~أسامة قال: حدثني عطية بن الحرث بن روق الهمداني قال: حدثني أبو العريف عبد ~~الله بن خليفة عن صفوان فذكره، وعطية صدوق وعبد الله بن خليفة ثقة، وأخرجه ~~أيضا النسائي. وهذا الحديث هو مثل حديث ابن عباس المتقدم في الباب الأول، ~~وجميع ما اشتمل عليه قد تقدم أيضا في حديث بريدة المتقدم في باب الدعوة قبل ~~القتال. وأثر يحيى بن سعيد المذكور مرسل لأنه لم يدرك زمن أبي بكر. # ورواه البيهقي من حديث يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب. ورواه سيف في ~~الفتوح عن الحسن بن أبي الحسن مرسلا. قوله: ولا تمثلوا فيه دليل على تحريم ~~المثلة، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة قد سبق في هذا المشروح وشرحه بعض ~~منها. قوله: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، زاد الترمذي: أن ~~هذين الرجلين ms3262 من قريش. وفي رواية لأبي داود: إن وجدتم فلانا فأحرقوه بالنار ~~هكذا بالافراد. وروي في فوائد علي بن حرب عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح أن ~~اسمه هبار بن الأسود. ووقع في رواية ابن إسحاق: إن وجدتم هبار بن الأسود ~~والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فحرقوهما بالنار يعني زينب بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره ~~الصحابة ثم أطلقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة شرط عليه أن ~~يجهز إليه ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها ~~فأسقطت ومرضت من ذلك، والقصة مشهورة عن ابن إسحاق وغيره. وقال في روايته: ~~وكان نخسا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خرجت من مكة. ~~وقد أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن أبي ابن نجيح أن هبار بن الأسود ~~أصاب زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشئ في خدرها فأسقطت فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية فقال: إن وجدتموه فاجعلوه بين ~~حرمتي حطب ثم أشعلوا فيه النار، ثم قال: لا نستحي من الله لا ينبغي لأحد أن ~~يعذب بعذاب الله الحديث. # فكأن إفراد هبار بالذكر في الرواية السابقة لكونه كان الأصل في ذلك ~~والآخر كان تبعا له. وسمى ابن السكن في روايته من طريق ابن إسحاق الرجل ~~الآخر نافع بن عبد قيس، وبه جزم ابن هشام في رواية السيرة عنه. وحكى ~~السهيلي عن مسند البزار أنه خالد بن عبد قيس فلعله تصحف عليه وإنما هو نافع ~~كذلك هو في النسخ المعتمدة من مسند البزار، PageV08P075 # وكذلك أورده ابن السكن أولا من مسند البزار، وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي ~~شيبة في تاريخه من طريق ابن لهيعة كذلك، قال الحافظ: وقد أسلم هبار هذا، ~~ففي رواية ابن أبي نجيح المذكورة: فلم تصبه السرية وأصابه الاسلام فهاجر ~~فذكر قصة إسلامه، وله حديث عند الطبراني وآخر عند ابن ms3263 منده، وعاش إلى أيام ~~معاوية، وهو بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة، قال الحافظ أيضا: ولم أقف ~~لرفيقه على ذكر في الصحابة، فلعله مات قبل أن يسلم. قوله: وإن النار لا ~~يعذب بها إلا الله هو خبر بمعنى النهي، وقد اختلف السلف في التحريق، فكره ~~ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقا، سواء كان في سبب كفر أوفي حال مقاتلة أو ~~في قصاص، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما. قال المهلب: # ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق ~~فعل الصحابة، وقد سمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعين العرنيين بالحديد ~~كما تقدم، وقد أحرق أبو بكر بالنار في حضرة الصحابة. وحرق خالد بن الوليد ~~ناسا من أهل الردة، وكذلك حرق علي كما تقدم في كتاب الحدود. قوله: ولا ~~تعقرن بالعين المهملة والقاف والراء في كثير من النسخ، وفي نسخ: ولا تعزقن ~~بالعين المهملة والزاي المكسورة والقاف ونون التوكيد. قال في النهاية: هو ~~القطع، وظاهر النهي في حديث الباب التحريم وهو نسخ للامر المتقدم سواء كان ~~بوحي إليه أو اجتهاد، وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه. # وعن جرير بن عبد الله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ألا تريحني من ذي الخلصة؟ قال: فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا ~~أصحاب خيل، وكان ذو الخلصة بيتا في اليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب يعبد يقال ~~له كعبة اليمانية، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها ثم بعث رجلا من أحمس ~~يكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبشره بذلك، فلما أتاه ~~قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، ~~قال: فبرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خيل أخمس ورجالها خمس مرات ~~متفق عليه. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع نخل بني ~~النضير وحرق، ولها يقول حسان : وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة ~~مستطير ms3264 PageV08P076 # وفي ذلك نزلت: * (ما قطعتم من لينة أو تركتموها) * (الحشر: 5) الآية متفق ~~عليه، ولم يذكر أحمد الشعر. # وعن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قرية ~~يقال لها أبنى فقال: ائتها صباحا ثم حرق رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ~~وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر قال البخاري: هو لين. # حديث أسامة بن زيد سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده من ذكره المصنف. ~~وقال يحيى بن معين: هو ضعيف. وقال أحمد: يعتبر به. وقال العجلي: يكتب حديثه ~~وليس بالقوي. وقال في التقريب: ضعيف. قوله: ذي الخلصة بفتح المعجمة واللام ~~والمهملة وحكي بتسكين اللام، قال في القاموس: وذو الخلصة محركة وبضمتين بيت ~~كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم كان فيه صنم اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت ~~الخلصة انتهى. # وهي نبات له حب أحمر. قوله: من أحمس بالمهملتين على وزن أحمد، قال في ~~القاموس: الحمس الأمكنة الصلبة جمع أحمس وبه لقب قريش وكنانة وجديلة ومن ~~تابعهم في الجاهلية لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة لأن ~~حجرها أبيض إلى السواد، والحماسة الشجاعة، والأحمس الشجاع كالحميس كذا في ~~القاموس. وفي الفتح هم رهط ينسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، قال: وفي ~~العرب قبيلة أخرى يقال لها أحمس ليست مرادة هنا ينسبون إلى أحمس بن ضبيعة ~~بن ربيعة بن نزار. قوله: نصب بضم النون والصاد أي صنم. # قوله: كعبة اليمانية أي كعبة الجهة اليمانية. قوله: فبرك بفتح الموحدة ~~وتشديد الراء أي دعا لهم بالبركة. قوله: كأنها جمل أجرب بالجيم والموحدة ~~وهو كناية عن نزع زينتها وإذهاب بهجتها. وقال الحافظ: أحسب المراد أنها ~~صارت مثل الجمل المطلي بالقطران من جربه، أشار إلى أنها صارت سوداء لما وقع ~~فيها من التحريق. قوله : سراة بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سرى وهو ~~الرئيس. قوله: بني لؤي بضم اللام وفتح الهمزة وهو أحد أجداد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وبنوهم قريش، وأراد حسان تعيير مشركي قريش بما وقع في ms3265 ~~حلفائهم من بني النضير. قوله: # بالبويرة بالباء الموحدة تصغير بورة وهي الحفرة وهي هنا مكان معروف بين ~~الحديبية وتيماء وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضا ~~البويلة باللام بدل الراء. قوله: من لينة قال السهيلي في تخصيص اللينة ~~بالذكر إيماء إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدو هو ما لا يكون معدا ~~للاقتيات لأنهم PageV08P077 # كانوا يقتاتون العجوة والبرني دون اللينة، وكذا ترجم البخاري في التفسير ~~فقال: # ما قطعتم من لينة نخلة ما لم تكن برنية أو عجوة. وقيل: اللينة الدقل. وفي ~~معالم التنزيل: اللينة فعلة من اللون وتجمع على ألوان، وقيل: من اللين ~~ومعناه النخلة الكريمة وجمعها ليان. وقال في القاموس: إنها الدقل من النخل. ~~قوله: يقال لها أبنى بضم الهمزة والقصر ذكره في النهاية. وحكى أبو داود أن ~~أبا مسهر قيل له أبنى فقال: # نحن أعلم هي يبنا فلسطين، والأحاديث المذكورة فيها دليل على جواز التحريق ~~في بلاد العدو. قال في الفتح: ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في ~~بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه ~~أن لا يفعلوا شيئا من ذلك وقد تقدمت في أول الباب. وأجاب الطبري بأن النهي ~~محمول على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال، كما وقع في ~~نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو مما أجاب به في النهي عن قتل النساء ~~والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وقال غيره: إنما نهى أبو بكر عن ذلك، ~~لأنه قد علم أن تلك البلاد تفتح فأراد بقاءها على المسلمين انتهى. ولا يخفى ~~أن ما وقع من أبي بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما تقرر من عدم حجية قول الصحابي. # باب تحريم الفرار من الزحف إذا لم يزد العدو على ضعف المسلمين إلا ~~المتحيز إلى فئة وإن بعدت عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن ms3266 يا رسول الله؟ قال: الشرك ~~بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال ~~اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات متفق عليه. ~~وعن ابن عباس: لما نزلت * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * ~~(الأنفال: 65) فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت: * (الآن خفف ~~الله عنكم) * (الأنفال: 66) الآية فكتب أن لا تفر مائة من مائتين رواه ~~البخاري وأبو داود. PageV08P078 # وعن ابن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف ~~وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا نفوسنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، ~~فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: من الفرارون؟ فقلنا: نحن الفرارون، ~~قال: بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا ~~يده رواه أحمد وأبو داود. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه ~~إلا من حديث يزيد بن أبي زياد انتهى. ويزيد بن أبي زياد تكلم فيه غير واحد ~~من الأئمة. قوله: الموبقات أي المهلكات، قال في القاموس: وبق كوعد ووجل ~~وورث، وبوقا هلك كاستوبق، وكمجلس المهلك والموعد والمجلس وواد في جهنم وكل ~~شئ حال بين شيئين، وأوبقه حبسه وأهلكه اه. (وفي الحديث) دليل على أن هذه ~~السبع المذكورة من كبائر الذنوب، والمقصود من إيراد الحديث ههنا هو قوله ~~فيه: والتولي يوم الزحف فإن ذلك يدل على أن الفرار من الكبائر المحرمة، وقد ~~ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفرار من موجبات الفسق. قال في البحر ~~مسألة: ومهما حرمت الهزيمة فسق المنهزم لقوله تعالى: * (فقد باء بغضب من ~~الله) * (الأنفال: 16) وقوله: # الكبائر سبع إلا متحرفا لقتال وهو أن يرى القتال في غير موضعه أصلح وأنفع ~~فينتقل إليه. قال ابن عباس: وكانت هزيمة المسلمين في أوطاس انحرافا من ms3267 مكان ~~إلى مكان، أو متحيزا إلى فئة وإن بعدت إذ لم تفصل الآية، ولقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأهل غزوة مؤتة: أنا فئة كل مسلم الخبر ونحوه انتهى. ومن ~~ذلك قوله في حديث الباب: أنا فئتكم وفئة المسلمين والأصل في جواز ذلك قوله ~~تعالى: * (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ~~باء بغضب من الله) * (الأنفال: 16) وقد جوزت الهادوية الفرار إلى منعة من ~~جبل أو نحوه وإن بعدت، ولخشية استئصال المسلمين أو ضرر عام للاسلام، وأما ~~إذا ظنوا أنهم يغلبون إذا لم يفروا ففي جواز فرارهم وجهان: قال الامام يحيى ~~أصحهما أنه يجب الهرب لقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * ~~(البقرة: 195) ولا إذ قال له رجل: يا رسول الله أرأيت لو انغمست في ~~المشركين؟ PageV08P079 # وقد تقدم في أول الجهاد، وتقدم تفسير الآية. قوله: لما نزلت: * (إن يكن ~~منكم عشرون صابرون) * الخ، قال في البحر وكانت الهزيمة محرمة وإن كثر ~~الكفار لقوله تعالى : * (فلا تولوهم الادبار) * (الأنفال: 65) ثم خفف عنهم ~~بقوله: * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * (الأنفال: 65) فأوجب ~~على كل واحد مصابرة عشرة ثم خفف عنهم وأوجب على الواحد مصابرة اثنين بقوله: ~~* (الآن خفف الله عنكم) * (الأنفال: 66) الآية، واستقر الشرع على ذلك، ~~فحينئذ حرمت الهزيمة لقول ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ~~ثلاثة فلم يفر انتهى. قوله: فحاص الناس حيصة بالمهملات. قال ابن الأثير: ~~حصت عن الشئ حدث عنه وملت عن جهته هكذا قال الخطابي. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى: وقوله حاصوا أي حادوا حيدة ومنه قوله تعالى: * (ما لهم من محيص) * ~~(فصلت: 48) ويروى: جاضوا جيضة بالجيم والضاد المعجمتين وهو بمعنى حادوا ~~انتهى. قوله: ثم قلنا لو دخلنا المدينة الخ ، لفظ أبي داود: فقلنا ندخل ~~المدينة فنبيت فيها لنذهب ولا يرانا أحد فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ~~ذلك ذهبنا، فجلسنا لرسول ms3268 الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل صلاة الفجر فلما ~~خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال: لا أنتم العكارون، ~~فدنونا فقبلنا يده فقال: أنا فئة المسلمين. قوله: العكارون بفتح العين ~~المهملة وتشديد الكاف قيل: هم الذين يعطفون إلى الحرب، وقيل: إذا حاد ~~الانسان عن الحرب ثم عاد إليها، يقال: قد عكر وهو عاكر وعكار. قال في ~~القاموس: العكار الكرار العطاف ، واعتكروا اختلطوا في الحرب، والعكر رجع ~~بعضه على بعض فلم يقدر على عده انتهى. # باب من خشي الأسر فله أن يستأسر وله أن يقاتل حتى يقتل عن أبي هريرة قال: ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر رهطا عينا وأمر عليهم عاصم بن ~~ثابت الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذكروا ~~لبني لحيان فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام فاقتصوا أثرهم، فلما ~~رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم فقال لهم: أنزلوا وأعطوا ~~PageV08P080 # بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت ~~أمير السرية: # أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم خبر عنا نبيك، فرموهم ~~بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم ~~خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم ~~فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: # هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه ~~وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما ~~بمكة بعد وقعة بدر، وذكر قصة قتل خبيب إلى أن قال: استجاب الله لعاصم بن ~~ثابت يوم أصيب فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه خبرهم وما ~~أصيبوا مختصر لأحمد والبخاري وأبو داود. # تمام الحديث: فاشترى خبيبا بنو الحرث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل ~~يوم بدر الحارث، فمكث عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار موسى من ~~بعض بنات الحرث ليستحد بها فأعارته قالت: فغفلت عن صبي ms3269 لي فدرج إليه حتى ~~أتاه فوضع على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة حتى عرف ذلك مني وفي يده الموسى ~~فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى، وكانت تقول: ~~ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ~~ثمرة وإنه لموثق بالحديد، وما كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، فخرجوا به من ~~الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا ~~أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من صلى الركعتين عند القتل وقال: ~~اللهم احصهم عددا، وقال : ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في ~~الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام ~~إليه عقبة بن الحرث فقتله، وبعث قريش إلى عاصم ليأتوا بشئ من جسده بعد موته ~~وكان قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر ~~فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شئ هكذا في صحيح البخاري وسنن أبي داود. ~~قوله: عينا العين الجاسوس على ما في القاموس وغيره، وفيه مشروعية بعث ~~الأعيان. وقد أخرج مسلم وأبو داود من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث بسبسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان. قوله: بالهدأة بفتح ~~الهاء PageV08P081 # وسكون الدال المهملة بعدها همزة مفتوحة كذا للأكثر، وللكشميهني بفتح ~~الدال وتسهيل الهمزة. وعند ابن إسحاق الهدة بتشديد الدال بغير ألف، قال: ~~وهي على سبعة أميال من عسفان. قوله: لبني لحيان هم قبيلة معروفة اسم أبيهم ~~لحيان بكسر اللام وقيل بفتحها وسكون المهملة وهو ابن هذيل بن مدركة بن ~~إلياس بن مضر. قوله: # فنفروا لهم أي أمروا جماعة منهم أن ينفروا إلى الرهط المذكورين. قوله: ~~الفدفد بفاءين ودالين مهملتين الموضع الغليظ المرتفع. قال في مختصر ~~النهاية: هو المكان المرتفع. قوله: خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة ~~وسكون التحتية وآخره موحدة أيضا وهو ابن عدي من ms3270 الأنصار. قوله: دثنة بفتح ~~الدال المهملة وكسر المثلثة بعدها نون واسمه زيد. قوله: ورجل آخر هو عبد ~~الله بن طارق، وعالجوه: أي مارسوه والمراد أنهم خادعوه ليتبعهم فأبى. ~~والاستحداد: حلق العانة. والقطف: العنقود وهو اسم لكل ما تقطفه. والشلو: ~~العضو من الانسان. والممزع: بتشديد الزاي بعدها مهملة المفرق، والظلة: الشئ ~~المظل من فوق. والدبر: بتشديد الدال السكون الباء وبعدها راء مهملة جماعة ~~النحل. وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أنه يجوز لمن لم ~~يقدر على المدافعة ولا أمكنه الهرب أن يستأسر، وهكذا ترجم البخاري على هذا ~~الحديث باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر، أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا؟ ~~ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنكر ما ~~وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسر الكفار، ولا أنكر ما وقع من ~~السبعة المقتولين من الاصرار على الامتناع من الأسر، ولو كان ما وقع من ~~إحدى الطائفتين غير جائز لأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بعدم جوازه ~~وأنكره، فدل ترك الانكار على أنه يجوز لمن لا طاقة له بعدوه أن يمتنع من ~~الأسر وأن يستأسر. # باب الكذب في الحرب عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال محمد بن مسلمة: أتحب أن ~~أقتله يا رسول PageV08P082 # الله؟ نعم، قال: فأذن لي، فأقول قال: قد فعلت، قال: فأتا فقال: إن هذا ~~يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عنانا وسألنا الصدقة، قال وأيضا ~~والله قال: فإنا قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير أمره، قال: ~~فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله متفق عليه. وعن أم كلثوم بنت عقبة ~~قالت: لم أسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرخص في شئ من الكذب مما تقول ~~الناس إلا في الحرب والاصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة ~~زوجها رواه أحمد ومسلم وأبو داود. ms3271 # حديث جابر هو في بعض الروايات كما ساقه المصنف مختصرا، وفي بعضها أنه قال ~~له بعد قوله حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره: قد أردت أن تسلفني سلفا، قال ~~فما ترهنني ترهنني نساؤكم، قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال: ~~فترهنون أبناءكم، قال: # يسب ابن أحدنا فيقال رهن في وسق أو وسقين من تمر ولكن نرهنك اللامة يعني ~~السلاح، قال: نعم وواعده أن يأتيه بالحرث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر، ~~قال: # فجاؤوا فدعوه ليلا فنزل إليهم فقالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت ~~الدم، فقال: # إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم إذا دعي إلى طعنة ليلا ~~أجاب، قال محمد: إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم، ~~قال: فنزل وهو متوشح فقالوا: نجد منك ريح الطيب، فقال: نعم تحتي فلانة أعطر ~~نساء العرب، فقال محمد: أفتأذن لي أن أشم منك؟ قال: نعم فشم ثم قال: أتأذن ~~لي أن أعود؟ قال: نعم فاستمكن منه ثم قال: دونكم فقتلوه. أخرجه الشيخان ~~وأبو داود. وحديث أم كلثوم هو أيضا في صحيح البخاري في كتاب الصلح منه ~~ولكنه مختصر. وقد ورد في معنى حديث أم كلثوم أحاديث أخر منها حديث أسماء ~~بنت يزيد عند الترمذي قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ~~أيها الناس ما يحملكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب ~~كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل ~~كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما. والتتابع ~~التهافت في الامر. والفراش الطائر الذي يتواقع في ضوء السراج فيحترق. وأخرج ~~مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم الزرقي: أن رجلا قال: يا رسول الله أكذب ~~امرأتي؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا خير في الكذب، قال: فأعدها وأقول ~~لها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: # لا جناح عليك. وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم ms3272 وصححاه من حديث أنس ~~في PageV08P083 # قصة الحجاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ~~عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة، وأذن له النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين ~~وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات: # ثنتين في كتاب الله تعالى قوله: * (إني سقيم) * (الصافات: 89) وقوله: * ~~(بل فعله كبيرهم هذا) * ( الأنبياء: 63) وواحد في شأن سارة الحديث. قوله: ~~فأذن لي فأقول أي أقول ما لا يحل في جانبك. قوله: عنانا بفتح العين المهملة ~~وتشديد النون الأولى أي كلفنا بالأوامر والنواهي. وقوله: سألنا الصدقة أي ~~طلبها منا ليضعها مواضعها. وقوله: فنكره أن ندعه إلى آخره معناه نكره ~~فراقه. (والحديث) المذكور قد استدل به على جواز الكذب في الحرب، وكذلك بوب ~~عليه البخاري باب الكذب في الحرب. قال ابن المنير: الترجمة غير مطابقة لأن ~~الذي وقع بينهم في قتل كعب بن الأشرف يمكن أن يكون تعريضا، ثم ذكر أن الذي ~~وقع في حديث الباب ليس فيه شئ من الكذب، وأن معنى ما في الحديث هو ما ~~ذكرناه في تفسير ألفاظه وهو صدق. قال الحافظ: # والذي يظهر أنه لم يقع منهم فيما قالوه شئ من الكذب أصلا وجميع ما صد ~~منهم تلويح كما سبق، لكن ترجم يعني البخاري لقول محمد بن مسلمة أولا: ائذن ~~لي أن أقول، قال: قل، فإنه يدخل فيه الاذن في الكذب تصريحا وتلويحا. قوله: ~~إلا في الحرب الخ، قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الاصلاح ~~وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: إن الكذب المذموم إنما هو ~~فيما فيه مضرة وليس فيه مصلحة. # وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شئ مطلقا. وحملوا الكذب المراد هنا على ~~التورية والتعريض ms3273 كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس وهو يريد قوله: اللهم اغفر ~~للمسلمين، ويعد امرأته بعطية شئ ويريد إن قدر الله ذلك وأن يظهر من نفسه ~~قوة قلب، وبالأول جزم الخطابي، وبالثاني جزم المهلب والأصيلي وغيرهما. قال ~~النووي: الظاهر إباحة حقيقة لكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى. وقال ~~ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين ~~لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب ~~حلالا انتهى. ويقوي ذلك حديث الحجاج بن علاط المذكور، ولا يعارض ما ورد في ~~جواز الكذب في الأمور المذكورة ما أخرجه النسائي من طريق مصعب بن سعد عن ~~أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرح، وقول PageV08P084 # الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كف عن بيعته: هلا أومأت إلينا ~~بعينك ؟ قال: ما ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين. لأن طريق الجمع ~~بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة. وأما حالة ~~المبايعة فليست بحالة حرب كذا قيل، وتعقب بأن قصة الحجاج بن علاط أيضا لم ~~تكن في حال حرب. قال الحافظ: والجواب المستقيم أن يقال: المنع مطلقا من ~~خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا ~~لغيره، ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإن ~~المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره، كأن يريد أن يغزو جهة المشرق فيسأل عن ~~أمر في جهة المغرب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أن يريد جهة المغرب. ~~وأما أنه يصرح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلا. قال ابن بطال: سألت بعض ~~شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال: الكذب المباح في الحرب ما يكون في المعاريض ~~لا التصريح بالتأمين مثلا. وقال المهلب: لا يجوز الكذب الحقيقي في شئ من ~~الدين أصلا، قال: ومحال أن يأمر بالكذب من يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار، ويرده ما تقدم. قال الحافظ: واتفقوا على أن ms3274 المراد بالكذب ~~في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس ~~له أو لها، وكذا في الحزب في غير التأمين، واتفقوا على جواز الكذب عند ~~الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل هو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ~~ويحلف على ذلك ولا يأثم انتهى. وقال القاضي زكريا: وضابط ما يباح من الكذب ~~وما لا يباح أن الكلام وسيلة إلى المقصود ، فكل مقصود محمود إن أمكن التوصل ~~إليه بالصدق فالكذب فيه حرام، وإن لم يمكن إلا بالكذب فهو مباح إن كان ~~المقصود مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا انتهى. والحق أن الكذب حرام كله ~~بنصوص القرآن والسنة من غير فرق بين ما كان منه في مقصد محمود أو غير ~~محمود، ولا يستثنى منه إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في أحاديث ~~الباب، نعم إن صح ما قدمنا عن الطبراني في الأوسط كان من جملة المخصصات ~~لعموم الأدلة القاضية بالتحريم على العموم. PageV08P085 # باب ما جاء في المبارزة عن أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه قال: تقدم ~~عتبة بن ربيعة ومعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار ~~فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم إنا أردنا بني عمنا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن ~~الحرث، فأقبل حمزة إلى عتبة وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ~~ضربتان فأثخن كل واحد منا صاحبه ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن قيس بن عباد عن علي قال: أنا أول من يجثو للخصومة ~~بين يدي الرحمن يوم القيامة، قال قيس: فيهم نزلت هذه الآية: * (هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم) * (الحج: 19) قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر علي وحمزة ~~وعبيدة بن الحرث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. وفي ~~رواية: أن عليا قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم ms3275 بدر: * (هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم) * رواهما البخاري. وعن سلمة بن الأكوع: قال: بارز ~~عمي يوم خيبر مرحب اليهودي رواه أحمد في قصة طويلة ومعناه لمسلم. # حديث علي الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات. # وفي الباب عن أبي ذر عند الشيخين في ذكر المبارزة المذكورة مختصرا. # وأخرج ابن إسحاق في المغازي: أن عليا بارز يوم الخندق عمرو بن عبد ود ~~ووصله الحاكم من حديث أنس بنحوه. وأخرج ابن إسحاق أيضا في المغازي عن جابر ~~قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر قد جمع سلاحه وهو يرتجز فذكر الشعر، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: # أنا يا رسول الله فذكر الحديث والقصة، ورواه أحمد والحاكم وقال: صحيح ~~الاسناد، والذي في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع مطولا أنه بارز علي ~~وفيه فخرج مرحب وهو يقول: PageV08P086 # قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب فقال علي عليه السلام أنا ~~الذي سمتني أمي حيدره * كليث غابات كرية المنظره وضرب رأس مرحب فقتله. قال ~~الحافظ في التلخيص: إن الاخبار متواترة أن عليا هو الذي قتل مرحبا انتهى. ~~ورواية سلمة التي ذكرها المصنف في الباب تدل على أن الذي بارز مرحبا هو ~~عمه. ويمكن الجمع بأن يقال: إن محمد بن مسلمة وكذلك عم سلمة بن الأكوع ~~بارزاه أولا ولم يقتلاه، ثم بارزه علي آخرا فقتله ، ومما يرشد إلى ذلك ما ~~أخرجه الحاكم بسند فيه الواقدي أنه ضرب محمد بن مسلمة ساقي مرحب فقطعهما ~~ولم يجهز عليه فمر به علي فضرب عنقه وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سلبه محمد بن مسلمة. وروى الحاكم بسند منقطع فيه الواقدي أيضا أن أبا ~~دجانة قتله، وجزم ابن إسحاق في السيرة أن محمد بن مسلمة هو الذي قتله. قال ~~الحافظ في التلخيص في باب قسمة الفئ: والصحيح أن علي بن أبي طالب هو الذي ~~قتله كما ثبت في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع، ms3276 وفي مسند أحمد عن علي ~~انتهى. وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف أن عوفا ومعوذا ابني عفراء ~~خرجا يوم بدر إلى البراز فلم ينكر عليهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وروى ابن إسحاق في المغازي أن عبد الله بن رواحة خرج يوم بدر إلى البراز هو ~~ومعوذ وعوف ابنا عفراء قوله: فانتدب له شباب من الأنصار هم عبد الله بن ~~رواحة ومعوذ وذكر القصة وعوف ابنا عفراء كما بين ذلك ابن إسحاق في المغازي. ~~قوله: قم يا عبيدة بن الحرث قال ابن إسحاق: إن عبيدة بن الحارث وعتبة بن ~~ربيعة كانا أسن القوم، فبرز عبيدة لعتبة وحمزة لشيبة وعلي للوليد. وروى ~~موسى بن عقبة أنه برز حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وهو المناسب لحديث الباب ~~فقتل علي وحمزة من بارزاهما واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين فوقعت الضربة ~~في ركبة عبيدة فمات منها لما رجعوا بالصفراء، ومال حمزة وعلي إلى الذي بارز ~~عبيدة فأعاناه على قتله، وفي الأحاديث التي ذكرها المصنف وذكرناها دليل على ~~أنه تجوز المبارزة، وإلى ذلك ذهب الجمهور، والخلاف في ذلك للحسن البصري. ~~وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق إذن الأمير كما في هذه الرواية فإن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن للمذكورين. قوله: فأثخن كل واحد منا ~~صاحبه لفظ أبي داود: فأثخن كل واحد منهما صاحبه أي كل واحد من المذكورين ~~PageV08P087 # وهما عبيدة والوليد. ومعنى الرواية المذكورة في الباب أنه أثخن حمزة من ~~بارزه وهو عتبة، وأثخن علي من بارزه وهو شيبة ثم مالا إلى الوليد. قال في ~~القاموس: # أثخن في العدو بالغ في الجراحة فيهم، وفلانا أوهنه، وحتى إذا أثخنتموهم ~~أي غلبتموهم وكثر فيهم الجراح انتهى. قوله: ثم ملنا إلى الوليد فيه دليل ~~على أنه يجوز أن تعين كل طائفة من الطائفتين المتبارزتين بعضهم بعضا. # باب من أحب الإقامة بموضع النصر ثلاثا عن أنس عن أبي طلحة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ms3277 متفق ~~عليه. وفي لفظ لأحمد والترمذي: بعرصتهم. وفي رواية لأحمد: لما فرغ من أهل ~~بدر أقام بالعرصة ثلاثا. # قوله: أقام بالعرصة بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها صاد مهملة وهي ~~البقعة الواسعة بغير بناء من دار أو غيرها. (وفي الحديث دليل) على أنها ~~تشرع الإقامة بالمكان الذي ظهر به حزب الحق على حزب الباطل ثلاث ليال. قال ~~المهلب: حكمة الإقامة لإراحة الظهر والأنفس. وقال ابن الجوزي: إنما كان ذلك ~~لاظهار تأثير الغلبة وتنفيذ الاحكام وقلة الاحتفال بالعدو، وكأنه يقول: من ~~كانت فيه قوة منكم فليرجع إلينا. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد أن ~~تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله ~~تعالى وإظهار شعار المسلمين، وإذا كان ذلك في حكم الضيافة ناسب أن يقيم ~~عليها ثلاثا لأن الضيافة ثلاث، قال الحافظ: ولا يخفى أن محله إذا كان في ~~أمن من عدو طارق. # باب أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وأنها لم تكن لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم PageV08P088 # إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: ولا يحل لي ~~من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم رواه أبو داود والنسائي ~~بمعناه. # وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بهم في ~~غزوتهم إلى بعير من المقسم، فلما سلم قام إلى البعير من المقسم فتناول وبرة ~~بين أنملتيه فقال: إن هذا من غنائمكم وأنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا ~~الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر رواه ~~أحمد في المسند. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة هوازن: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال: يا أيها الناس إنه ليس ~~لي من هذا الفئ شئ ولا هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، ms3278 فأدوا الخيط ~~والمخيط رواه أحمد وأبو داود والنسائي ولم يذكر: وأدوا الخيط والمخيط. # حديث عمرو بن عبسة سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات. # وحديث عبادة بن الصامت أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وحسنه الحافظ في ~~الفتح. قال المنذري: وروي أيضا من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية ~~انتهى. وحديث عمرو بن شعيب قد قدمنا الكلام على الأسانيد المروية عنه عن ~~أبيه عن جده، وقد أخرج هذا الحديث مالك والشافعي، ووصله النسائي من وجه آخر ~~عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحسنه الحافظ في الفتح. قوله: # وبرة بفتح الواو والباء الموحدة بعدها راء قال في القاموس: الوبر محركة ~~صوف الإبل والأرانب ونحوها الجمع أوبار. قوله: والمخيط هو ما يخاط به ~~كالإبرة ونحوها، وفيه دليل على التشديد في أمر الغنيمة، وأنه لا يحل لأحد ~~أن يكتم منها شيئا وإن كان حقيرا، وسيأتي الكلام على ذلك في باب التشديد في ~~الغلول. (وأحاديث) الباب فيها دليل على أنه لا يأخذ الامام من الغنيمة إلا ~~الخمس ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخمس الذي يأخذه أيضا ليس هو له ~~وحده بل يجب عليه أن يرده على المسلمين على حسب ما فصله الله تعالى في ~~كتابه بقوله: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) * (الأنفال: 21) وروى الطبراني في ~~الأوسط وابن مردويه في التفسير من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا بعث سرية قسم وخمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ~~ثم قرأ PageV08P089 # : * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * الآية، فجعل سهم الله وسهم رسوله ~~واحدا، وسهم ذوي القربى هو والذي قبله في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى ~~وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم، ثم جعل الأربعة الأسهم ~~الباقية للفرس سهمان ولراكبه سهم وللراجل سهم. وروى أيضا أبو عبيد في ~~الأموال نحوه. (وفي أحاديث) الباب أيضا دليل على أنه لا يستحق الامام السهم ~~الذي يقال له الصفي. ms3279 واحتج من قال بأنه يستحق بما أخرجه أبو داود عن الشعبي ~~وابن سيرين وقتادة أنهم قالوا: # كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم يدعى الصفي ولا يقوم بمثل ~~هذا المرسل حجة. وأما اصطفاؤه صلى الله عليه وآله وسلم سيفه ذا الفقار من ~~غنائم بدر فقد قيل: إن الغنائم كانت له يومئذ خاصة، فنسخ الحكم بالتخميس، ~~كما حكى ذلك صاحب البحر عن الامام يحيى. وأما صفية بنت حيي بن أخطب فهي من ~~خيبر ولم يقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغانمين منها إلا البعض، ~~فكان حكمها حكم ذلك البعض الذي لم يقسم، على أنه قد روي أنها وقعت في سهم ~~دحية بن خليفة الكلبي فاشتراها منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعة ~~أرؤس. وقد ذهب إلى أن الامام يستحق الصفي العترة وخالفهم الفقهاء، وسيذكر ~~المصنف رحمه الله الأدلة القاضية باستحقاق الامام للصفي في باب مستقل ~~سيأتي. # باب أن السلب للقاتل وأنه غير مخموس وعن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ~~قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت إليه حتى ~~أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح ~~الموت ثم أدرك الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: ~~أمر الله، ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ~~ثم قال: مثل ذلك، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ # ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول ~~الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق: لاها الله ~~إذا لا PageV08P090 # يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل ms3280 عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صدق فأعطه إياه فأعطاني، قال: فبعت ~~الدرع فابتعت به مخرقا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الاسلام متفق ~~عليه. # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم حنين: من قتل رجلا فله ~~سلبه، فقتل أبو طلحة عشرين رجلا وأخذ أسلابهم رواه أحمد وأبو داود. # وفي لفظ: من تفرد بدم رجل فقتله فله سلبه، قال: فجاء أبو طلحة بسلب أحد ~~وعشرين رجلا رواه أحمد. وعن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد: # ما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى ~~رواه مسلم. وعن عوف وخالد أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخمس ~~السلب رواه أحمد وأبو داود. # حديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح، وتمامه: ~~ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ # قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج قصة أم سليم مسلم أيضا. وحديث ~~عوف وخالد أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يخمس السلب أخرجه أيضا ابن حبان ~~والطبراني، قال الحافظ بعد ذكره في التلخيص ما لفظه: وهو ثابت في صحيح مسلم ~~في حديث طويل فيه قصة لعوف بن مالك مع خالد بن الوليد اه. وفيه نظر، فإن ~~هذا اللفظ الذي هو محل الحجة لم يكن في صحيح مسلم، بل الذي فيه هو ما سيأتي ~~قريبا، وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره ~~مرارا. قوله: جولة بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط، وهذه ~~الجولة كانت قبل الهزيمة. قوله: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من ~~المسلمين قال الحافظ: لم أقف على أسميهما. قوله: على حبل عاتقه حبل العاتق ~~عصبه، والعاتق موضع الرداء من المنكب. قوله: ms3281 وجدت منها ريح الموت أي من ~~شدتها وأشعر ذلك بأن هذا المشرك كان شديد القوة جدا. # قوله: فأرسلني أي أطلقني. قوله: فلحقت عمر بن الخطاب الخ، في السياق حذف ~~تبينه الرواية الأخرى من حديثه في البخاري وغيره بلفظ: ثم قتلته وانهزم ~~PageV08P091 # المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب. قوله: أمر الله أي حكم الله ~~وما قضى به. قوله: فله سلبه السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة هو ما ~~يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور. وعن أحمد: لا تدخل الدابة. ~~وعن الشافعي: يختص بأداة الحرب. وقد ذهب الجمهور أيضا إلى أن القاتل يستحق ~~السلب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه أم لا. وذهبت ~~العترة والحنفية والمالكية إلى أنه لا يستحقه القاتل إلا أن شرط له الامام ~~ذلك. # وروي عن مالك أنه يخير الامام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه واختاره ~~القاضي إسماعيل. وعن إسحاق: إذا كثرت الأسلاب خمست. وعن مكحول والثوري: # يخمس مطلقا. وقد حكي عن الشافعي أيضا. وحكاه في البحر عن ابن عمر وابن ~~عباس والقاسمية. وحكي أيضا عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي والامام يحيى أنه ~~لا يخمس. وحكي أيضا عن علي مثل قول إسحاق. (واحتج) القائلون بتخميس السلب ~~بعموم قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه) * (الأنفال: ~~21) الآية، فإنه لم يستثن شيئا. واستدل من قال إنه لا خمس فيه بحديث عوف بن ~~مالك وخالد المذكور في الباب وجعلوه مخصصا لعموم الآية. قوله: فقال رجل من ~~القوم قال الواقدي: اسمه أسود من خزاعة. قال الحافظ وفيه نظر، لأن في ~~الرواية الصحيح أن الذي أخذ السلب قرشي. قوله: لاها الله قال الجوهري: ها ~~للتنبيه وقد يقسم بها، يقال: لاها الله ما فعلت كذا. قال ابن مالك: فيه ~~شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا ~~مع الله أي لم يسمع لاها الرحمن كما سمع لا والرحمن، قال: وفي النطق بها ~~أربعة أوجه، أحدها: ها ms3282 الله باللام بعد الهاء بغير إظهار شئ من الألفين. ~~ثانيها: مثله لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز كقولهم: التقت حلقتا البطان. ~~ثالثها: ثبوت الألفين بهمزة قطع. رابعها: # بحذف الألف وثبوت همزة القطع اه. قال الحافظ: والمشهور في الرواية من هذه ~~الأوجه الثالث ثم الأول. وقال أبو حاتم السجستاني: العرب تقول لا ها الله ~~ذا بالهمزة والقياس ترك الهمزة. وحكى ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع ~~الله قال: والمعنى يأبى الله، وقال غيره: إن ثبتت الرواية بالرفع فتكون ها ~~للتنبيه، والله مبتدأ ولا يعمد خبره ولا يخفى تكلفه. قال الحافظ: وقد نقل ~~الأئمة الاتفاق على PageV08P092 # الجر فلا يلتفت إلى غيره، قال: وأما إذا فثبت في جميع الروايات المعتمدة ~~والأصول المحققة من الصحيحين وغيرهما بكسر الألف ثم ذال معجمة منونة. وقال ~~الخطابي: # هكذا يروونه وإنما هو في كلامهم أي العرب لاها الله ذا والهاء فيه بمنزلة ~~الواو، والمعنى: لا والله يكون ذا. ونقل عياض في المشارق عن إسماعيل القاضي ~~أن المازني قال: قول الرواة لاها الله إذ خطأ، والصواب لاها الله ذا أي ذا ~~يميني وقسمي. وقال أبو زيد: ليس في كلامهم لاها الله إذا، وإنما هو لاها ~~الله ذا، وذا صلة في الكلام والمعنى: لا والله هذا ما أقسم به، ومنه أخذ ~~الجوهري فقال: قولهم لاها الله ذا معناه لا والله هذا، ففرقوا بين حرف ~~التنبيه والصلة والتقدير لا والله ما فعلت ذا، وتوارد كثير ممن تكلم على ~~هذا الحديث، على أن الذي وقع في الحديث بلفظ إذا خطأ، وإنما هو ذا تبعا ~~لأهل العربية ، ومن زعم أنه ورد في شئ من الروايات خلاف ذلك فلم يصب بل ~~يكون ذلك من إصلاح من قلد أهل العربية. وقد اختلف في كتابة إذا هذه هل تكتب ~~بألف أو بنون؟ وهذا الخلاف مبني على أنها اسم أو حرف، فمن قال هي اسم قال ~~الأصل فيمن قيل له سأجئ إليك فأجاب إذا أكرمك أي إذا جئتني أكرمك ثم حذف ~~جئتني وعوض عنه التنوين وأضمرت ms3283 أن فعلى هذا تكتب بالنون، ومن قال هي حرف ~~وهم الجمهور اختلف، فمنهم من قال هي بسيطة وهو الراجح، ومنهم من قال مركبة ~~من إذ وأن فعلى الأول تكتب بالألف وهو الراجح وبه وقع رسم المصاحف، وعلى ~~الثاني تكتب بنون واختلف في معناها فقال سيبويه معناها الجواب والجزاء، ~~وتبعه جماعة فقالوا هي حرف جواب يقتضي التعليل، وأفاد أبو علي الفارسي أنها ~~قد تتمحض للتعليل، وأكثر ما تجئ جواب لو وإن ظاهرا أو مقدارا قال في الفتح: # فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ إذا لاختل نظم الكلام لأنه يصير هكذا لا ~~والله إذا لا يعمد إلى أسد الخ، وكان حق السياق أن يقول إذا يعمد أي لو ~~أجابك إلى ما طلبت لعمد إلي أسد الخ، وقد ثبتت الرواية بلفظ لا يعمد الخ، ~~فمن ثم ادعى من ادعى أنها تغيير، ولكن قال ابن مالك: وقع في الرواية إذا ~~بألف وتنوين وليس ببعيد، وقال أبو البقاء: هو بعيد ولكن يمكن أن يوجه بأن ~~التقدير لا والله لا يعطي إذا ويكون لا يعمد الخ تأكيدا للنفي المذكور ~~وموضحا للسبب فيه، وقال الطيبي: ثبتت في الرواية لاها الله إذا فحمله بعض ~~النحويين على أنه من تغيير بعض الرواة، لأن العرب لا تستعمل لاها الله بدون ~~ذا، وإن سلم استعماله بدون ذا PageV08P093 # فليس هذا موضع إذا، لأنها حرف جزاء، ومقتضى الجزاء أن لا يذكر لا في قوله ~~لا يعمد، بل كانوا يقولون إذا يعمد إلى أسد الخ ليصح جوابا لطالب السلب. ~~قال : والحديث صحيح والمعنى صحيح وهو كقولك لمن قال لك افعل كذا فقلت له: # والله إذا لا أفعل، فالتقدير والله إذا لا يعمد إلى أسد، قال: ويحتمل أن ~~تكون إذا زائدة كما قال أبو البقاء إنها زائدة في قول الحماسي: إذا لقام ~~بنصري معشر خشن. # في جواب قوله: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي. قال: والعجب ممن يعتني بشرح ~~الحديث ويقدم نقل بعض الأدباء على أئمة الحديث وجها بذاته وينسبون إليهم ~~الغلط والتصحيف، ولا ms3284 أقول إن جهابذة المحدثين أعدل وأتقن في النقل، إذ ~~يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم، ~~وقد سبقه إلى مثل ذلك القرطبي في المفهم فإنه قال: وقع في رواية في مسلم ~~لاها الله ذا بغير ألف ولا تنوين وهو الذي جزم به من ذكرناه، يعني من قدم ~~النقل عنه من أئمة العربية، قال: والذي يظهر لي أن الرواية المشهورة صواب ~~وليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء ~~هي التي عوض بها عن واو القسم، وذلك أن العرب تقول في القسم: الله لأفعلن ~~بمد الهمزة وبقصرها، فكأنهم عوضوا عن الهمزة هاء فقالوا: ها الله لتقارب ~~مخرجهما، وكذلك قالوا: ها بالمد والقصر، وتحقيقه أن الذي مدمع الهاء كأنه ~~نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفا استثقالا لاجتماعهما كما يقول الله، ~~والذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة كما يقول الله. وأما إذا فهي بلا شك حرف ~~جواب وتعليل وهي مثل التي وقعت في قوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سئل عن ~~بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا جف، قالوا نعم، قال: فلا إذا قال ~~فلا والله إذا لكان مساويا لما وقع هنا وهو لاها الله إذا من كل وجه، لكنه ~~لم يحتج هنا إلى القسم فتركه، قال: فقد وضح تقرير الكلام ومناسبته ~~واستقامته معنى ووضعا من غير حاجة إلى تكلف بعيد يخرج عن البلاغة ولا سيما ~~من ارتكب أبعد وأفسد فجعل الهاء للتنبيه وذا للإشارة وفصل بينهما بالمقسم ~~به، قال: وليس هذا قياسا فيطرد، ولا فصيحا فيحمل عليه الكلام النبوي، ولا ~~مرويا برواية ثابتة ، قال: وما وجد للعذري وغيره في مسلم فإصلاح ممن اغتر ~~بما حكي عن أهل العربية والحق أحق أن يتبع. قال في الفتح: قال أبو جعفر ~~الغرناطي في حاشية نسخته PageV08P094 # من البخاري: استرسل جماعة من القدماء في هذا الاشكال إلى أن جعلوا المخلص ~~منه أن اتهموا الاثبات بالتصحيف فقالوا: والصواب لاها الله ذا باسم ~~الإشارة، قال: ويا ms3285 عجباه من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة ~~ويطلبون لها تأويلا. وجوابهم أن ها الله لا يستلزم اسم الإشارة كما قال ابن ~~مالك. وأما جعل لا يعمد جواب فأرضه فهو سبب الغلط وليس بصحيح ممن زعمه، ~~وإنما هو جواب شرط مقدر يدل عليه قوله صدق فارضه، فكأن أبا بكر فقال: إذا ~~صدق في أنه صاحب السلب إذ لا يعمد إلى السلب فيعطيك حقه، فالجزاء على هذا ~~صحيح لأن صدقه سبب أن لا يفعل ذلك، قال: وهذا لا تكلف فيه انتهى. قال ~~الحافظ في الفتح: # وهو توجيه حسن والذي قبله أقعد، ويؤيد ما رجحه من الاعتماد على ما ثبتت ~~به الرواية كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث، منها ما وقع في حديث ~~عائشة في قصة بريرة لما ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء قالت: فانتهرتها ~~فقلت: لاها الله إذا. ومنها ما وقع في حديث جليبيب: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها فقال: حتى أستأمر أمها، ~~قال: فنعم إذا قال: فذهب إلى امرأته فذكر لها ذلك فقالت لاها الله إذا وقد ~~منعناها فلانا الحديث، صححه ابن حبان من حديث أنس. # ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد قال مالك بن دينار للحسن: يا أبا سعيد أو ~~لبس مثل عباءتي هذه. قال: لا ها الله إذا لا ألبس مثل عباءتك هذه. # وغير ذلك من الأحاديث، والراجح أن إذا الواقعة في حديث الباب وما شابهه ~~حرف جواب وجزاء والتقدير لا والله حينئذ، ثم أراد بيان السبب في ذلك فقال: ~~لا يعمد إلى أسد الخ. قوله: لا يعمد الخ، معناه لا يقصد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة يقاتل عن دين الله ورسوله ~~فيأخذ حقه ويعطيك بغير طيبة من نفسه، هكذا ضبط للأكثر بالتحتانية في يعمد ~~وفي يعطيك وضبطه النووي بالنون فيهما. قوله: فيعطيك سلبه أي سلب قتيله ~~وأضافه إليه باعتبار أنه ملكه. قوله: فابتعت به ذكر الواقدي أن الذي ms3286 اشتراه ~~منه حاطب بن أبي بلتعة وأن الثمن كان سبع أواق. # قوله: مخرفا بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء أي بستانا سمي بذلك لأنه ~~يخترف منه التمر أي يجتني، وإما بكسر الميم فهو اسم الآلة التي يخترف بها. ~~قوله: في PageV08P095 # بني سلمة بكسر اللام وهم بطن من الأنصار من قوم أبي قتادة. قوله: تأثلته ~~بمثناة ثم مثلثة أي أصلته، وأثلة كل شئ أصله. قوله: من تفرد بدم رجل فيه ~~دليل على أنه لا يستحق السلب إلا من تفرد بقتل المسلوب، فإن شاركه في ذلك ~~غيره كان السلب لهما. قوله: لم يخمس السلب فيه دليل لمن قال: إنه لا يخمس ~~السلب، وقد تقدم الخلاف في ذلك. # وعن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنع ~~خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عوف بن مالك فأخبره بذلك فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ فقال: ~~استكثرته يا رسول الله، قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه ثم قال: ~~هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ # فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد، ~~هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا وغنما ~~فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه ~~لكم وكدره عليهم رواه أحمد ومسلم. وفي رواية قال: خرجت مع زيد بن حارثة في ~~غزوة موتة ورافقني مددي من أهل اليمن ومضينا، فلقينا جموع الروم وفيهم رجل ~~على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يفري في المسلمين ، ~~فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز ~~فرسه وسلاحه، فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ ~~السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه ms3287 ~~وآله وسلم قضى بالسلب للقاتل قال: بلى ولكن استكثرته، قلت: لتردنه إليه أو ~~لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأبى أن يرد عليه، قال ~~عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقصصت عليه قصة ~~المددي وما فعل خالد وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم رواه أحمد وأبو داود. ~~وفيه حجة لمن جعل السلب المستكثر إلى الامام وأن الدابة من السلب. وعن سلمة ~~بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هوازن، فبينا ~~نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء رجل على جمل ~~PageV08P096 # أحمر فأناخه ثم انتزع طلقا من جعبته فقيد به الجمل ثم تقدم فتغدى مع ~~القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة من الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى ~~جمله فأطلق قيده ثم أناخه فقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل فاتبعه رجل على ~~ناقة ورقاء، قال سلمة: فخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت ~~عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبتيه في ~~الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله ~~وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس معه فقال: من ~~قتل الرجل ؟ فقالوا: سلمة بن الأكوع، قال: له سلبه أجمع متفق عليه. # قوله: رجل من حمير هو المددي المذكور في الرواية الثانية. قوله: لا تعطه ~~يا خالد فيه دليل على أن للامام أن يعطي السلب غير القاتل لأمر يعرض فيه ~~مصلحة من تأديب أو غيره. قوله: هل أنتم تاركون لي أمرائي فيه الزجر عن ~~معارضة الامراء ومغاضبتهم والشماتة بهم لما تقدم من الأدلة الدالة على وجوب ~~طاعتهم في غير معصية الله. قوله: في غزوة موتة بضم الميم وسكون الواو بغير ~~همز لأكثر الرواة وبه جزم المبرد، ومنهم من همزها وبه جزم ثعلب والجوهري ~~وابن فارس. وحكى صاحب الواعي الوجهين. وأما الموتة التي وردت الاستعاذة ~~منها وفسرت بالجنون ms3288 فهي بغير همز. قوله: مددي بفتح الميم ودالين مهملتين ~~قال في النهاية: الامداد جمع مدد وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون ~~المسلمين في الجهاد، ومددي منسوب إليه اه. قوله: يفري بفتح أوله بعده فاء ~~ثم راء، والفري شدة النكاية فيهم، يقال: فلان يفري إذا كان يبالغ في الامر، ~~وأصل الفري القلع، قال في القاموس: وهو يفري الفري كغني يأتي بالعجب في ~~عمله اه. قوله : فعرقب فرسه أي قطع عرقوبها، قال في القاموس: عرقبه قطع ~~عرقوبه اه. قوله: # فبينا نحن نتضحى أي نأكل في وقت الضحى كما يقال نتغذى، ذكر معنى ذلك في ~~النهاية. قوله: من جعبته بالجيم والعين المهملة قال في النهاية: الجعبة ~~التي يجعل فيها النشاب والطلق بفتح اللام قيد من جلود. قوله: له سلبه أجمع ~~فيه دليل على أن القاتل يستحق جميع السلب وإن كان كثيرا، وعلى أن القاتل ~~يستحق السلب في كل حال حتى قال أبو ثور وابن المنذر: يستحقه ولو كان ~~المقتول منهزما. وقال أحمد: PageV08P097 # لا يستحقه إلا بالمبارزة. وعن الأوزاعي: إذا التقى الزحفان فلا سلب. وقد ~~اختلف إذا كان المقتول امرأة هل يستحق سلبها القاتل أم لا؟ فذهب أبو ثور ~~وابن المنذر إلى الأول، وقال الجمهور: شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة، ~~واتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له بأنه قتله، ~~والحجة في ذلك ما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من قتل قتيلا له ~~عليه بينة فله سلبه فمفهومه أنه إذا لم يكن له بينة لا تقبل. وعن الأوزاعي: ~~يقبل قوله بغير بينة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه أبا قتادة ~~بغير بينة وقد تقدم وفيه نظر، لأنه وقع في مغازي الواقدي أن أوس بن خولي ~~شهد لأبي قتادة، وعلى تقدير أن لا يصح فيحمل على أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم علم أنه القاتل بطريق من الطرق، وأبعد من قال من المالكية أن ~~المراد بالبينة هنا الذي أقر له أن السلب عنده ms3289 فهو شاهد، والشاهد الثاني ~~وجود المسلوب فإنه بمنزلة الشاهد على أنه قتله ولذلك جعل لوثا في باب ~~القسامة، وقيل: إنما استحقه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده وهذا ضعيف، لأن ~~الاقرار إنما يفيد إذا كان المال منسوبا لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره والمال ~~هنا لجميع الجيش. ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا يكفي فيها ~~شاهد واحد، وقد اختلف في المرأة والصبي هل يستحقان سلب من قتلاه؟ في ذلك ~~وجهان: قال الامام يحيى أصحهما يستحقان لعموم من قتل قتيلا فله سلبه. قال ~~في البحر: وإنما يستحق السلب حيث قتله والحرب قائمة، لا لو قتله نائما أو ~~فارا قبل مبارزته أو مشغولا بأكل، ولا لو رماه بسهم إذ هو في مقابلة ~~المخاطرة بالنفس ولا مخاطرة هنا، ولا لو قتل أسيرا أو عزيلا عن السلاح، ولا ~~لو قتل من لا سطوة له كالمقعد والزمن، فإن قطع يديه ورجليه استحق سلبه إذ ~~قد كفى شره، ولو جرحه رجل ثم قتله آخر فالسلب للآخر إذ لم يعط صلى الله ~~عليه وآله وسلم ابن مسعود سلب أبي جهل وقد جرحه بل قاتليه من الأنصار، قال: ~~فلو ضرب أحدهما يده والآخر رقبته فالسلب لضارب الرقبة إن لم تكن ضربة الآخر ~~قاتلة وإلا اشتركا انتهى. والمراد بالسلب هو ما أجلب به المقتول من ملبوس ~~ومركوب وسلاح لا ما كان باقيا في بيته، قال الامام يحيى: ولا المنطقة ~~والخاتم والسوار والجنيب من الخيل فليس بسلب. قال المهدي: بل المذهب أن كل ~~ما ظهر على القتيل أو معه PageV08P098 # فهو سلب، لا ما يخفى من جواهر أو دراهم أو نحوها، والظاهر من حديث الباب ~~المؤكد بلفظ أجمع أنه يقال لكل شئ وجد مع المقتول وقت القتل سلب، سواء كان ~~مما يظهر أو يخفى، واختلفوا هل يدخل الامام في العموم إذا قال: من قتل ~~قتيلا فله سلبه؟ فذهب أبو حنيفة والهادوية إلى الأول لعموم اللفظ، إلا ~~لقرينة مخصصة نحو أن يقول: من قتل منكم، وذهب الشافعي والمؤيد بالله في ms3290 قول ~~له إنه لا يدخل، ومرجع هذا إلى المسألة المعروفة في الأصول وهي: هل يدخل ~~المخاطب في خطاب نفسه أم لا؟ وفي ذلك خلاف معروف. # وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن ~~يميني فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين ~~أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال، قلت: نعم وما ~~حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل ~~منا، قال: فعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أنظرت إلى أبي ~~جهل يزول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: ~~فابتدراه بسيفهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل ~~مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه ~~لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء ~~متفق عليه. وعن ابن مسعود قال: نفلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم بدر سيف أبي جهل كان قتله رواه أبو داود، ولأحمد معناه، وإنما أدرك ابن ~~مسعود أبا جهل وبه رمق فأجهز عليه، روى معنى ذلك أبو داود وغيره. # حديث ابن مسعود هو من رواية ابنه أبي عبيدة عنه ولم يسمع منه كما تقدم ~~غير مرة. ولفظ مسند أحمد الذي أشار إليه المصنف عن أبي عبيدة عن أبيه عبد ~~الله بن مسعود أنه وجد أبا جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو صريع يذب الناس ~~عنه بسيف له فأخذه عبد الله بن مسعود فقتله به فنفله رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بسلبه. قوله: حديثة أسنانهما بالجر صفة لغلامين وأسنانهما ~~PageV08P099 # بالرفع. قوله: بين أضلع منهما من الضلاعة وهي القوة، قال في ms3291 النهاية: ~~معناه بين رجلين أقوى من اللذين كنت بينهما وأشد. ووقع في رواية الحموي بين ~~أصلح منهما بالصاد والحاء المهملتين. قوله: لا يفارق سوادي سواده السواد ~~بفتح السين المهملة وهو الشخص. قوله: حتى يموت الأعجل منا أي الأقرب أجلا، ~~وقيل إن لفظ الأعجل تصحيف وإنما هو الأعجر وهو الذي يقع في كلام العرب ~~كثيرا، قال في الفتح: والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه. قوله: فنظر ~~في السيفين قال المهلب: نظره صلى الله عليه وآله وسلم في السيفين واستلاله ~~لهما ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم ~~بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولا: هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ ~~لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك، وقد استشكل ما وقع منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم من القضاء بالسلب لأحدهما بعد حكمه بأن كلا منهما قتله حتى ~~استدل بذلك من قال إن إعطاء السلب مفوض إلى رأي الامام، وقرره الطحاوي ~~وغيره بأنه لو كان يجب للقاتل لكان السلب مستحقا بالقتل ولجعله بينهما ~~لاشتراكهما في قتله، فلما خص به أحدهما دل على أنه لا يستحق بالقتل وإنما ~~يستحق بتعيين الامام. # وأجاب الجمهور بأن في السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في الجرح ~~ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن. قال المهلب: وإنما قال كلاكما قتله وإن ~~كان أحدهما هو الذي أثخنه لتطييب نفس الآخر. وقال الإسماعيلي: أقول إن ~~الأنصاريين ضرباه فأثخناه فبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه ~~على تلك الحال إلا قدر ما يطفا، وقد دل قوله كلاكما قتله على أن كلا منهما ~~وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها، ولما لم يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل ~~الآخر غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت بجراحته حتى وقعت به ~~ضربة الثاني فاشتركا في القتل إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله ~~وهو مثبت، فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه. وقد أخرج الحاكم من ms3292 طريق ~~ابن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس، قال ابن إسحاق: وحدثني ~~عبد الله بن أبي بكر بحزم قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: # سمعتهم يقولون أبو جهل لا يخلص إليه فجعلته من شأني فعمدت نحوه فلما ~~أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح ~~PageV08P100 # يدي، قال: ثم عاش معاذ إلى وقت عثمان. قال: ومر بأبي جهل معوذ ابن عفراء ~~فضربه حتى أثبته وبه رمق ثم قاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بأبي ~~جهل لعنه الله فوجده بآخر رمق فذكر ما تقدم. قال في الفتح: فهذا الذي رواه ~~ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف ما في الصحيح من حديث عبد الرحمن ~~بن عوف فإنه رأى معاذا ومعوذا شدا عليه جميعا حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: ~~إن ابن عفراء هو معوذ بتشديد الواو، والذي في الصحيح معاذ، فيحتمل أن يكون ~~معاذ ابن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو كما في الصحيح وضربه بعد ذلك معوذ ~~حتى أثبته ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها، وإطلاق كونهما قتلاه ~~يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده وبه رمق، وهو محمول على أنهما ~~بلغا به بضربهما إياه بسيفيهما منزلة المقتول حتى لم يبق له إلا مثل حركة ~~المذبوح، وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فضرب عنقه. وأما ما وقع عند موسى ~~بن عقبة وكذا عند أبي الأسود عن عروة أن ابن مسعود وجد أبا جهل مصروعا بينه ~~وبين المعركة غير كثير متقنعا في الحديد واضعا سيفه على فخذه لا يتحرك منه ~~عضو فظن عبد الله أنه مثبت جراحا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل ~~فاستله ورفع بعضد أبي جهل عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه، فيحمل على أن ~~ذلك وقع له بعد أن خاطبه بما تقدم. قوله: والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ~~ومعاذ ابن عفراء وقع في البخاري في الخمس أنهما ابنا عفراء ms3293 فقيل: إن عفراء ~~أم معاذ واسم أبيه الحرث، وأما معاذ بن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء ~~وإنما أطلق عليه تغليبا، ويحتمل أن تكون أم معاذ أيضا تسمى عفراء، وأنه لما ~~كان لمعوذ أخ يسمى معاذا باسم الذي شركه في قتل أبي جهل ظنه الراوي أخاه. ~~قوله: نفلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر سيف أبي جهل يمكن ~~الجمع بأنه صلى الله عليه وآله وسلم نفل ابن مسعود سيفه الذي قتله به فقط، ~~وعلى ذلك يحمل قوله في رواية أحمد: فنفلني رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بسلبه جمعا بين الأحاديث. PageV08P101 # باب التسوية بين القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من ~~النفل كذا وكذا، قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوا بها، ~~فلما فتح الله عليهم قال المشيخة: كنا ردءا لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا ~~تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لنا، فأنزل الله عز وجل: * (يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول) * إلى قوله عز وجل: * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون) * (الأنفال: 1 5) يقول: # فكان ذلك خيرا لهم وكذلك هذا أيضا فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، ~~فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسواء رواه أبو داود. وعن ~~عبادة بن الصامت قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشهدت معه ~~بدرا فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في أثرهم يهزمون ~~ويقتلون، وأكبت طائفة على الغنائم يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل ~~وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها ~~فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا ~~نحن ms3294 نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لستم بأحق منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وخفنا أيصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت * (يسئلونك عن الأنفال ~~قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) * فقسمها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على فواق بين المسلمين. وفي لفظ مختصر: فينا أصحاب ~~بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا ~~فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقسمه فينا على بواء يقول على ~~السواء رواه أحمد. وعن سعد بن مالك قال قلت: يا رسول الله الرجل يكون حامية ~~القوم أيكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد وهل ترزقون ~~وتنصرون إلا بضعفائكم؟ رواه أحمد. وعن مصعب PageV08P102 # بن سعد قال: رأى سعد أن فضلا على من دونه فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: # هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟ رواه البخاري والنسائي. وعن أبي الدرداء ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ابغوني ضعفاءكم فإنكم ~~إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ~~وصححه. # حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود المنذري، وأخرجه أيضا الحاكم، وصححه أبو ~~الفتح في الاقتراح على شرط البخاري. وحديث عبادة قال في مجمع الزوائد: رجال ~~أحمد ثقات انتهى. وأخرجه أيضا الطبراني وأخرج نحوه الحاكم عنه. وحديث سعد ~~بن مالك في إسناده محمد بن راشد المكحولي قال في التقريب: صدوق يهم. وحديث ~~أبي الدرداء سكت عنه أبو داود، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح ~~الاسناد ولم يخرجاه، وللنسائي زيادة تبين المراد من الحديث ولفظها: قال نبي ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما نصر هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم ~~وصلاتهم وإخلاصهم. قوله: من النفل بفتح النون والفاء زيادة يزادها الغازي ~~على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصلاة وهو ما عدا الفرض. وقال في القاموس: ~~النفل محركة الغنيمة والهبة، والجمع أنفال ونفال اه. ms3295 قوله: ولزم المشيخة ~~بفتح الميم كما في شمس العلوم هو جمع شيخ، ويجمع أيضا على شيوخ وأشياخ ~~وشيخة وشيخان ومشايخ. قوله: ردءا بكسر الراء وسكون الدال بعده همزة هو ~~العون والمادة على ما في القاموس. والمراد بقوله: لفئتم أي رجعتم إلينا. ~~قوله: فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسواء فيه دليل على أنها ~~إذا انفردت منه قطعة فغنمت شيئا كانت الغنيمة للجميع. قال ابن عبد البر: لا ~~يختلف الفقهاء في ذلك، أي إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة انتهى. ~~وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الاسلام، فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى ~~بلاد العدو، بل قال ابن دقيق العيد: إن المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه ~~الامام ينفرد بما يغنمه، قال: وإنما قالوا هو بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا ~~قريبا منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا انتهى. قوله: فقسمها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على فواق أي قسمها بسرعة في قدر ما بين الحلبتين. ~~وقيل: المراد فضل في القسمة فجعل بعضهم أفوق من بعض على قدر عنايته. قوله: ~~على بواء بفتح PageV08P103 # الموحدة والواو بعدها همزة ممدودة وهو السواء كما فسره المصنف رحمه الله. ~~قوله: # حامية القوم بالحاء المهملة قال في القاموس: والحامية الرجل يحمي أصحابه ~~والجماعة أيضا حامية، وهو على حامية القوم أي آخر من يحميهم في مضيهم ~~انتهى. # قوله: رأى سعد أي ابن أبي وقاص وهو والد مصعب الراوي عنه. قال في الفتح: ~~وصورة هذا السياق مرسلة لأن مصعبا لم يدرك زمان هذا القول لكنه محمول على ~~أنه سمع ذلك من أبيه. وقد وقع التصريح عن مصعب بالرواية له عن أبيه عند ~~الإسماعيلي فأخرج من طريق معاذ بن هانئ حديث محمد بن طلحة فقال فيه: عن ~~مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر ~~المرفوع دون ما في أوله. وكذا أخرجه هو والنسائي من طريق مسعر عن طلحة بن ~~مصرف عن مصعب عن أبيه ولفظه: ms3296 أنه ظن أن له فضلا على من دونه الحديث. ورواه ~~عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعا أيضا لكنه اختصره ولفظه: # ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين أخرجه أبو نعيم في ترجمته في الحلية من ~~رواية عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن عمرو بن مرة وقال غريب من ~~حديث عمرو تفرد به عبد السلام، والمراد بقوله: رأى سعد أي ظن كما هو رواية ~~النسائي. قوله: على من دونه أي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كما هو مصرح به في رواية النسائي أيضا، وسبب ذلك ما له من الشجاعة والاقدام ~~في ذلك الموطن. قوله: هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم قال ابن بطال: تأويل ~~الحديث أن الضعفاء أشد إخلاصا في الدعاء وأكثر خشوعا في العبادة لخلاء ~~قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا. وقال المهلب: أراد صلى الله عليه وآله وسلم ~~بذلك حض سعد على التواضع ونفي الزهو على غيره وتر ك احتقار المسلم في كل ~~حالة. وقد روى عبد الرزاق من طريق مكحول في قصة سعد هذه زيادة مع إرسالها ~~فقال: قال سعد: يا رسول الله أرأيت رجلا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه ~~أيكون نصيبه كنصيب غيره؟ فذكر الحديث، وعلى هذا فالمراد بالفضل إرادة ~~الزيادة من الغنيمة، فأعلمه صلى الله عليه وآله وسلم أن سهام المقاتلة ~~سواء، فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه ~~وإخلاصه. قوله: # أبغوني ضعفاءكم أي اطلبوا لي ضعفاءكم، قال في القاموس: بغيته أبغيه بغاء ~~PageV08P104 # وبغى وبغية بضمهن، وبغية بالكسر طلبته كابتغيته وتبغيته واستبغيته، ~~والبغية ما ابتغى كالبغية، قال: وأبغاه الشئ طلبه له كبغاه إياه كرماه أو ~~أعانه على طلبه انتهى. # باب جواز تنفيل بعض الجيش لباسه وغنائمه أو تحمله مكروها دونهم عن سلمة ~~بن الأكوع وذكر قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري على سرح رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم واستنقاذه منه قال: فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: كان خير فرساننا ms3297 اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة ، ~~قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم الفارس وسهم الراجل ~~فجعلهما لي جميعا رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن سعد بن أبي وقاص قال: # جئت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر بسيف فقلت: يا رسول الله ~~إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا السيف ~~ليس لي ولا لك، فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يبل بلائي، فبينا أنا ~~إذ جاءني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أجب فظننت أنه نزل في شئ ~~بكلامي فجئت فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك سألتني هذا السيف ~~وليس هو لي ولا لك وإن الله قد جعله لي فهو لك ثم قرأ: * (يسئلونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول) * (الأنفال: 1) إلى آخر الآية، رواه أحمد ~~وأبو داود. # حديث سعد بن أبي وقاص عزاه المنذري في مختصر السنن إلى مسلم والترمذي ~~والنسائي، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الاسناد ولم يخرجاه. قوله: # عبد الرحمن الفزاري هو ابن عيينة بن حصن. وعن ابن إسحاق: أن رأس القوم ~~الذين أغاروا على السرح هو عيينة بن حصن. قوله: سرح بفتح السين المهملة ~~وسكون الراء بعدها حاء مهملة، قال في القاموس: السرح المال السائم، وسوم ~~المال كالسروح وأسامتها كالتسريح انتهى. ولفظ البخاري: كانت لقاح رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ترعى واللقاح بكسر اللام وتخفيف القاف ثم مهملة ~~ذوات الدر من الإبل، واحدتها لقحة بالكسر وبالفتح أيضا، واللقوح الحلوب، ~~وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة، قال: وكان فيهم ابن أبي ذر وامرأته ~~فأغار المشركون عليهم فقتلوا الرجل PageV08P105 # وأسروا المرأة، والقصة مبسوطة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: ~~واستنقاذه أي السرح منه، أي من عبد الرحمن المذكور. قوله: ثم أعطاني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، فيه دليل على أنه يجوز للامام أن ينفل ~~بعض الجيش ببعض الغنيمة إذا كان ms3298 له من العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره. ~~وقال عمرو بن شعيب: ذلك مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم دون من بعده، ~~وكره مالك أن يكون بشرط من أمير الجيش، كأن يحرض على القتال ويعد بأن ينفل ~~الربع أو الثلث قبل القسمة أو نحو ذلك، لأن القتال حينئذ يكون للدنيا فلا ~~يجوز، قال في الفتح: وفي هذا رد على من حكى الاجماع على مشروعيته، وقد ~~اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس، أو من خمس الخمس، أو مما ~~عدا الخمس؟ على أقوال. واختلفت الرواية عن الشافعي في ذلك فروي عنه أنه من ~~أصل الغنيمة، وروي عنه أنه من الخمس، وروي عنه أنه من خمس الخمس، والأصح ~~عند الشافعية أنه من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك وهو شاذ عندهم، ~~وسيأتي في البا ب الذي بعد هذا ما يرد هذا القول. وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ~~ثور وغيرهم: النفل من أصل الغنيمة، وإلى ذلك ذهبت الهادوية ، وقال مالك ~~وطائفة: لا نفل إلا من الخمس. قال الخطابي: أكثر ما روي من الاخبار يدل على ~~أن النفل من أصل الغنيمة. قال ابن عبد البر: إن أراد الامام تفضيل بعض ~~الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعة فأراد ~~أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على ~~الثلث، وسيأتي بيان الخلاف في المقدار الذي يجوز تنفيله. # باب تنفيل سرية الجيش عليه واشتراكهما في الغنائم عن حبيب بن مسلمة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل الثلث ~~بعد الخمس في رجعته رواه أحمد وأبو داود. # وعن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينفل في ~~البدأة الربع وفي الرجعة الثلث رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. وفي رواية: ~~كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث، ~~وكان يكره PageV08P106 # الأنفال ويقول: ms3299 ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم رواه أحمد. # حديث حبيب أخرجه أيضا ابن ماجة وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم، وقد ~~رواه أبو داود عنه من طرق ثلاث: منها عن مكحول بن عبد الله الشامي قال: كنت ~~عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت ~~عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويته فيما أرى، ~~ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت الشام ~~فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشئ، حتى لقيت ~~شيخا يقال له زياد بن جارية التميمي فقلت له: هل سمعت في النفل شيئا؟ # قال نعم سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة. قال المنذري: وأنكر بعضهم أن ~~يكون لحبيب هذا صحبة وأثبتها له غير واحد، وقد قال في حديثه: شهدت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكنيته أبو عبد الرحمن، فكان يسمى حبيبا الرومي ~~لكثرة مجاهدته الروم انتهى. وولاه عمر بن الخطاب أعمال الجزيرة وأذربيجان، ~~وكان فاضلا مجاب الدعوة، وهو بالحاء المهملة المفتوحة بموحدتين بينهما ~~مثناة تحتية. وحديث عبادة بن الصامت صححه أيضا ابن حبان. (وفي الباب) عن ~~معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا نفل إلا ~~بعد الخمس رواه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي. قوله: نفل الربع بعد الخمس ~~في بدأته الخ، قال الخطابي : البدأة ابتداء السفر للغزو، وإذا نهضت سرية من ~~جملة العسكر، فإذا أوقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع ~~ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا ~~فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث، لان نهوضهم بعد القفل أشق ~~لكون العدو على حذر وحزم انتهى. ورواية أحمد المذكورة في حديث عبادة تدل ~~على أن تنفيل الثلث لأجل ما لحق الجيش من الكلال ms3300 وعدم الرغبة في القتال، لا ~~لكون العدو قد أخذ حذره منهم. قوله: بعد الخمس فيه دليل على أنه يجب تخميس ~~الغنيمة قبل التنفيل، وكذلك حديث معن الذي ذكرناه. (وفي الحديثين) أيضا ~~دليل على أنه يصح أن يكون النفل زيادة على مقدار الخمس، وفيه رد على من قال ~~إنه لا يصح التنفيل إلا من الخمس أو خمس الخمس، PageV08P107 # وقد تقدم بيان القائل بذلك، وسيأتي تفصيل الخلاف في المقدار الذي يجوز ~~التنفيل إليه. # وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينفل بعض من يبعث من ~~السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك كله واجب. وعن ابن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية قبل نجد فخرجت فيها فبلغت ~~سهماننا اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيرا ~~بعيرا متفق عليهما. وفي رواية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~سرية قبل نجد فأصبنا نعما كثيرا، فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم ~~قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقسم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرا بعد الخمس، وما ~~حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب ~~عليه ما صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله رواه أبو داود. وعن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد ~~على من سواهم ، يرد مشدهم على مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم رواه أبو داود. ~~وقال أحمد في رواية أبي طالب: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: السرية ~~ترد على العسكر، والعسكر يرد على السرية. # حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا ابن ماجة وسكت عنه أبو داود والمنذري ، ~~وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مطولا. ورواه ابن ماجة ms3301 من حديث ~~معقل بن يسار مختصرا. ورواه الحاكم عن أبي هريرة مختصرا أيضا. ورواه أبو ~~داود والنسائي والحاكم من حديث علي وقد تقدم في أول كتاب الدماء. قوله: # والخمس في ذلك كله واجب فيه دليل على أنه يجب تخميس النفل، ويدل على ذلك ~~أيضا حديث حبيب بن مسلمة المتقدم فإن فيه: أنه صلى الله عليه وآله وسلم نفل ~~الربع بعد الخمس، ونفل الثلث بعد الخمس. وكذلك حديث معن الذي تقدم قريبا ~~بلفظ: # لا نفل إلا بعد الخمس. قوله: قبل نجد بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها. # قوله: فبلغت سهماننا أي أنصباؤنا، والمراد أنه بلغ نصيب كل واحد هذا ~~القدر، PageV08P108 # وتوهم بعضهم أن ذلك جميع الأنصباء. قال النووي: وهو غلط. قوله: اثني عشر ~~بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيرا بعيرا هكذا وقع في ~~رواية. وفي رواية أخرى للبخاري: اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا. وقد وقع ~~بيان هذا الشك في غيره من الروايات المذكور بعضها في الباب. وفي رواية لأبي ~~داود: فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا اثني عشر بعيرا، ونفل أهل السرية ~~بعيرا بعيرا، فكان سهامهم ثلاثة عشر بعيرا وأخرج ابن عبد البر من هذا الوجه ~~أن ذلك الجيش أربعة آلاف. قوله: ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الخ، فيه دليل على أن الذي نفلهم هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ~~وقع الخلاف بين الرواة في القسم والتنفيل هل كانا جميعا من أمير ذلك الجيش ~~أو من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحدهما من أحدهما؟ فهذه الرواية ~~صريحة أن الذي نفلهم هو النبي (ص). ورواية أبي داود المذكورة بعدها مصرحة ~~بأن الذي نفلهم هو الأمير ورواية ابن إسحاق مصرحة أن التنفيل كان من ~~الأمير، والقسم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وظاهر رواية مسلم من ~~طريق الليث عن نافع أن ذلك صدر من أمير الجيش، وأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان مقررا لذلك ومجيزا له، لأنه ms3302 قال فيه: ولم يغيره النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. ويمكن الجمع بأن المراد بالرواية التي صرح فيها بأن ~~المنفل هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه وقع منه التقرير. # قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فجازت نسبته إلى كل منهما. وفي هذا التنفيل دليل على أنه يصح أن يكون ~~التنفيل أكثر من خمس الخمس. قال ابن بطال: وحديث الباب يرد على هذا القول ~~معنى قول من قال: إن التنفيل يكون من خمس الخمس لأنهم نفلوا نصف السدس وهو ~~أكثر من خمس الخمس، وقد زاده ابن المنير إيضاحا فقال: لو فرضنا أنهم كانوا ~~مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير، ثم بين مقدار الخمس وخمسه، وأنه لا ~~يمكن أن يكون لكل إنسان منه بعير. قال ابن التين: قد انفصل من قال من ~~الشافعية بأن التنفيل من خمس الخمس بأوجه: منها أن الغنيمة لم تكن كلها ~~أبعرة بل كان فيها أصناف أخرى فيكون التنفيل وقع من بعض الأصناف دون بعض. ~~ثانيها: أن يكون نفلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها فضم هذا إلى هذا فلذلك ~~زادت العدة. ثالثها: أن يكون PageV08P109 # نفل بعض الجيش دون بعض، قال: وظاهر السياق يرد هذه الاحتمالات، قال: وقد ~~جاء أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيرا، فخرج منها الخمس وهو ~~ثلاثون وقسم عليهم البقية فحصل لكل واحد اثنا عشر، ثم نفلوا بعيرا بعيرا، ~~فعلى هذا يكون نفلوا ثلث الخمس، وقد قدمنا عن ابن عبد البر أنه قال: إن ~~أراد الامام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، ~~وإن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير ~~الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث انتهى. قال الحافظ في الفتح: وهذا الشرط ~~قال به الجمهور، وقال الشافعي: لا يتحدد بل هو راجع إلى ما يراه الامام من ~~المصلحة، ويدل له قوله تعالى: * (قل الأنفال لله والرسول) * (الأنفال: ms3303 1) ~~ففوض إليه أمرها انتهى. وقد حكى صاحب البحر هذا الذي قال به الشافعي عن أبي ~~حنيفة والهادي والمؤيد بالله. وحكي عن الأوزاعي أنه لا يجاوز الثلث. وعن ~~ابن عمر يكون بنصف السدس. قال الأوزاعي: ولا ينفل من أول الغنيمة ، ولا ~~ينفل ذهبا ولا فضة، وخالفه الجمهور، ولم يأت في الأحاديث الصحيحة ما يقضي ~~بالاقتصار على مقدار معين ولا على نوع معين، فالظاهر تفويض ذلك إلى رأي ~~الامام في جميع الأجناس. قوله: المسلمون تتكافأ دماؤهم هذا قد سبق شرحه في ~~كتاب الدماء إلى قوله: وهم يد على من سواهم وقد ذكره المصنف هنالك من حديث ~~علي. قوله: يرد مشدهم على مضعفهم أي يرد من كان له فضل قوة على من كان ~~ضعيفا، والمراد بالمتسري الذي يخرج في السرية، وقد تقدم الكلام على هذا. # باب بيان الصفي الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهمه مع ~~غيبته عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم ~~فقرأناها فإذا فيها: من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش إنكم إن شهدتم ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ~~وأديتم الخمس من PageV08P110 # المغنم وسهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان ~~الله ورسوله، فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رواه أبو داود والنسائي. وعن عامر الشعبي قال: كان للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا، وإن شاء أمة، وإن شاء فرسا ~~يختاره قبل الخمس. # وعن ابن عون قال: سألت محمدا عن سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والصفي قال: كان يضرب له سهم مع المسلمين وإن لم يشهد، والصفي يؤخذ له رأس ~~من الخمس قبل كل شئ رواهما أبو داود وهما مرسلان. وعن عائشة قالت: كانت ~~صفية من الصفي رواه أبو داود. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم تنفل ms3304 سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد رواه ~~أحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب. # حديث يزيد بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح، ~~قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله وسمي الرجل النمر بن تولب ~~الشاعر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقال: إنه ما مدح أحدا ~~ولا هجا أحدا، وكان جوادا لا يكاد يمسك شيئا، وأدرك الاسلام وهو كبير ~~انتهى. ويزيد ابن عبد الله المذكور وهو ابن الشخير. وحديث عامر الشعبي سكت ~~عنه أيضا أبو داود ورجاله ثقات وهو مرسل، وأخرجه أيضا النسائي. وحديث ابن ~~عون سكت أيضا عنه أبو داود ورجاله ثقات وهو مرسل كما قال المصنف، لأن ~~الشعبي وابن سيرين لم يدركا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجه أيضا ~~النسائي. وحديث عائشة سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح، ~~وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححه أيضا، ويشهد له ما أخرجه أبو داود من حديث ~~عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال: قدمنا خيبر فلما فتح الله الحصن ذكر ~~له جمال صفية بنت حيي وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغنا سد الصبهاء حلت فبنى بها ~~ويعارضه ما أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن صهيب ~~عن أنس بن مالك أيضا قال: صارت صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وما أخرجه أيضا مسلم وأبو داود من طريق ثابت البناني ~~PageV08P111 # عنه قال: وقع في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها ، قال حماد يعني ~~ابن زيد: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيي. وما أخرجه البخاري ~~ومسلم والنسائي عن أنس أيضا من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: جمع السبي ~~يعني بخيبر فجاء دحية فقال: يا ms3305 رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: اذهب ~~فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة. والنضير ما تصلح ~~إلا لك، قال: ادعوا بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~له: خذ جارية من السبي غيرها، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعتقها ~~وتزوجها. وبهذه الرواية يجمع بين الروايات المختلفة. وأما ما وقع من أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم اشتراها بسبعة أرؤس فلعل المراد أنه عوضه عنها ~~بذلك المقدار، وإطلاق الشراء على العوض على سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها ~~جارية أخرى من قرابتها فلم تطب نفسه فأعطاه زيادة على ذلك سبعة أرؤس من ~~جملة السبي. قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية ~~قبل القسمة والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع. وقد أشار الحافظ في الفتح ~~إلى مثل ما ذكرنا من الجمع، والحكمة في استرجاعها من دحية أنه لما قيل له ~~إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في ~~الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو ~~خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه ~~واختصاص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ~~ذلك من الرجوع في الهبة في شئ. # وحديث ابن عباس المذكور في الباب قال الترمذي بعد إخراجه وتحسينه: إنما ~~نعرفه من هذا الوجه من حديث أبي الزناد. وأخرجه ابن ماجة والحاكم وصححه. ~~قوله: ذا الفقار بفتح الفاء قال في القاموس: وذو الفقار بالفتح سيف العاص ~~بن منبه قتل يوم بدر كافرا فصار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم إلى ~~علي انتهى. قوله: وهو الذي رأى فيه الرؤيا أي رأى أن فيه فلولا فعبره بقتل ~~واحد من أهله فقتل حمزة بن عبد المطلب، والقضية ms3306 مشهورة والأحاديث المذكورة ~~تدل على أن للامام أن يختص PageV08P112 # من الغنيمة بشئ لا يشاركه فيه غيره وهو الذي يقال له الصفي، وقد قدمنا ~~الخلاف في ذلك في باب أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين. # باب من يرضخ له من الغنيمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم ~~يضرب لهن. وعنه أيضا: أنه كتب إلى نجدة الحروري سألت عن المرأة والعبد هل ~~كانا لهما سهم معلوم إذا حضر الناس؟ وأنه لم يكن لهما سهم معلوم إلا أن ~~يحذيا من غنائم القوم رواهما أحمد ومسلم. وعن ابن عباس قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يعطي المرأة والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش ~~رواه أحمد. وعن عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بي فقلدت سيفا فإذا أنا أجره فأخبر ~~أني مملوك فأمر لي بشئ من خرثى المتاع رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. # وعن حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه: أنها خرجت مع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم غزوة خيبر سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال: مع من خرجتن وبإذن من خرجتن؟ ~~فقلنا: يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء ~~للجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق، قال: قمن فانصرفن، حتى إذا فتح الله ~~عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال، قال: # فقلت لها: يا جدة وما كان ذلك؟ قالت: تمرا رواه أحمد وأبو داود. وعن ~~الزهري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه ~~رواه الترمذي وأبو داود في مراسيله. وعن الأوزاعي قال: أسهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم للصبيان بخيبر رواه الترمذي، ويحمل الاسهام فيه وفيما قبله ~~على الرضخ. # حديث ابن عباس الأول والثاني أخرجهما أيضا أبو داود والترمذي ms3307 وصححهما. # وحديث عمير أخرجه أيضا ابن ماجة والحاكم وصححه، وزاد الترمذي بعد قوله: # فأمر لي بشئ من خرثي المتاع ما لفظه: وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها ~~PageV08P113 # المجانين فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها. وحديث حشرج أخرجه أيضا النسائي ~~وسكت عنه أبو داود وفي إسناده رجل مجهول وهو حشرج قاله الحافظ في التلخيص. ~~وقال الخطابي: إسناده ضعيف لا تقوم به حجة. وحديث الزهري رواه الترمذي عن ~~قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عروة بن ثابت عن الزهري ~~قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب انتهى وهذا مرسل. # وحديث الأوزاعي رواه الترمذي عن علي بن خشرم قال: أخبرنا عيسى ابن يونس ~~عن الأوزاعي ولفظه: أسهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصبيان بخيبر، ~~وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب، وأسهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم للنساء بخيبر، وأخذ بذلك المسلمون بعده انتهى وهذا أيضا ~~مرسل. # قوله: إلى نجدة الحروري بفتح النون وسكون الجيم وبعدها دال مهملة وهو ابن ~~عامر الحنفي الخارجي وأصحابه يقال لهم النجدات محركة. والحروري نسبة إلى ~~حروراء وهي قرية بالكوفة. قوله: يحذين بالحاء المهملة والذال المعجمة أي ~~يعطين، قال في القاموس: الحذوة بالكسر العطية انتهى. قوله: آبي اللحم هو ~~اسم فاعل من أبى يأبى فهو آبي، قال أبو داود، قال أبو عبيد: كان حرم اللحم ~~على نفسه فسمي آبي اللحم. قوله: من خرثى المتاع بالخاء المعجمة المضمومة ~~وسكون الراء المهملة بعدها مثلثة وهو سقطه. قال في النهاية: هو أثاث البيت. ~~وقال في القاموس: # الخرثى بالضم أثاث البيت أو أراد المتاع والغنائم. قوله: وعن حشرج بفتح ~~الحاء المهملة وسكون الشين المعجمة وبعدها راء مهملة مفتوحة وجيم. قوله: عن ~~جدته هي أم زياد الأشجعية وليس لها سوى هذا الحديث. قوله: ونسقي السويق هو ~~شئ يعمل من الحنطة والشعير. (وقد اختلف) أهل العلم هل يسهم للنساء إذا ~~حضرن؟ فقال الترمذي: إنه لا يسهم لهن عند أكثر أهل العلم، قال: وهو قول ~~سفيان الثوري والشافعي. قال: ms3308 وقال بعضهم يسهم للمرأة والصبي وهو قول ~~الأوزاعي. وقال الخطابي: إن الأوزاعي قال يسهم لهن، قال: وأحسبه ذهب إلى ~~هذا الحديث يعني حديث حشرج بن زياد وإسناده ضعيف لا تقوم به حجة اه. وقد ~~حكي في البحر عن العترة والشافعية والحنفية أنه لا يسهم للنساء والصبيان ~~والذميين. # وعن مالك أنه قال: لا أعلم العبد يعطى شيئا. وعن الحسن بن صالح أنه يسهم ~~PageV08P114 # للعبد كالحر. وعن الزهري أنه يسهم الذمي لا للعبد. والنساء والصبيان ~~فيرضخ لهم. # وقال الترمذي بعد أن أخرج حديث عمير مولى آبي اللحم المذكور في الباب: # والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنه لا يسهم للمملوك ولكن يرضخ له بشئ ~~وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أيضا: إن العمل عند بعض أهل ~~العلم على أنه لا يسهم لأهل الذمة وإن قاتلوا مع المسلمين العدو، ورأي بعض ~~أهل العلم أنه يسهم لهم إذا شهدوا القتال مع المسلمين انتهى. والظاهر أنه ~~لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد والذميين، وما ورد من الأحاديث مما فيه ~~إشعار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله ~~على الرضخ وهو العطية القليلة جمعا بين الأحاديث، وقد صرح حديث ابن عباس ~~المذكور في أول الباب بما يرشد إلى هذا الجمع، فإنه نفى أن يكون للنساء ~~والعبيد سهم معلوم وأثبت الحذية ، وهكذا حديثه الآخر فإنه صرح بأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي المرأة والمملوك دون ما يصيب الجيش. ~~وهكذا حديث عمير المذكور فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رضخ له ~~بشئ من الأثاث ولم يسهم له، فيحمل ما وقع في حديث حشرج من أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أسهم للنساء بخيبر على مجرد العطية من الغنيمة، وهكذا ~~يحمل ما وقع في مرسل الزهري المذكور من الاسهام لقوم من اليهود، وما وقع في ~~مرسل الأوزاعي المذكور أيضا من الاسهام للصبيان، كما لمح إلى ذلك المصنف ~~رحمه الله تعالى. # باب الاسهام للفارس والراجل عن ms3309 ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه رواه أحمد وأبو ~~داود. وفي لفظ: أسهم للفرس سهمين وللرجل سهما متفق عليه. وفي لفظ: أسهم يوم ~~حنين للفارس ثلاثة أسهم: # للفرس سهمان وللرجل سهم رواه ابن ماجة. وعن المنذر بن الزبير عن أبيه: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى الزبير سهما وأمه سهما وفرسه سهمين ~~رواه أحمد. # وفي لفظ قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر للزبير ~~أربعة أسهم PageV08P115 # : سهم للزبير، وسهم لذي القربى لصفية أم الزبير، وسهمين للفرس رواه ~~النسائي. وعن أبي عمرة عن أبيه قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أربعة نفر ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين رواه ~~أحمد وأبو داود. واسم هذا الصحابي عمرو بن محصن. وعن أبي رهم قال: غزونا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا وأخي ومعنا فرسان فأعطانا ستة أسهم: ~~أربعة أسهم لفرسينا وسهمين لنا. وعن أبي كبشة الأنماري قال: لما فتح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة كان الزبير على المجنبة اليسرى، وكان ~~المقداد على المجنبة اليمنى، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مكة وهدأ الناس جاءا بفرسيهما فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ~~الغبار عنهما وقال: إني جعلت للفرس سهمين وللفارس سهما فمن نقصهما نقصه ~~الله رواهما الدارقطني. وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قسم لمائتي فرس بخيبر سهمين سهمين. وعن خالد الحذاء قال: لا يختلف فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم ~~رواهما الدارقطني. وعن مجمع بن جارية الأنصاري قال: قسمت خيبر على أهل ~~الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ثمانية عشر سهما، ~~وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل ~~سهما رواه أحمد وأبو داود، وذكر أن ms3310 حديث ابن عمر أصح، قال: وأتى الوهم في ~~حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس. # حديث ابن عمر له ألفاظ في الصحيحين وغيرهما غير ما ذكره المصنف وهو في ~~الصحيحين من حديثه. وحديث أنس وحديث عروة بن الجعد البارقي، وفي الباب عن ~~أبي هريرة عند الترمذي والنسائي. وعن عتبة بن عبد عند أبي داود. وعن جرير ~~عند مسلم وأبي داود. وعن جابر وأسماء بنت يزيد عند أحمد. وعن حذيفة عن أحمد ~~والبزار، وله طرق أخرى جمعها الدمياطي في كتاب الخيل. قال الحافظ: # وقد لخصته وزدت عليه في جزء لطيف. وحديث المنذر بن الزبير قال في مجمع ~~الزوائد: رجال أحمد ثقات، وقد أخرج نحوه النسائي من طريق يحيى بن عباد بن ~~عبد الله بن الزبير عن جده، وروى الشافعي من حديث مكحول: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أعطى الزبير خمسة أسهم لما حضر خيبر بفرسين وهو مرسل. ~~PageV08P116 # وقد روى الشافعي أيضا عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يعط الزبير إلا لفرس واحد، وقد حضر يوم خيبر بفرسين، وولد الرجل أعرف ~~بحديثه. # ولكنه روى الواقدي عن عبد الملك بن يحيى عن عيسى بن معمر قال: كان مع ~~الزبير يوم خيبر فرسان فأسهم له النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة أسهم، ~~وهذا المرسل يوافق مرسل مكحول لكن الشافعي كان يكذب الواقدي. وحديث أبي ~~عمرة في إسناده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله ~~بن مسعود وفيه مقال وقد استشهد به البخاري. ورواه أبو داود أيضا من طريق ~~أخرى عن رجل من آل أبي عمرة عن أبي عمرة وزاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم. ~~وحديث أبي رهم أخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني وفي إسناده إسحاق بن أبي فروة ~~وهو متروك. وحديث أبي كبشة أخرجه أيضا الطبراني وفي إسناده عبد الله بن بسر ~~الحبراني وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور، وبقية أحاديث الباب القاضية بأنه ~~يسهم للفرس ولصاحبه ثلاثة أسهم تشهد ms3311 لها الأحاديث الصحيحة التي ذكرها ~~المصنف وذكرناها. وأما حديث مجمع بن جارية فقال أبو داود: حديث أبي معاوية ~~أصح والعمل عليه ونعني به حديث ابن عمر المذكور في أول الباب، قال: وأرى ~~الوهم في حديث مجمع أنه قال ثلاثمائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس. وقال ~~الحافظ في الفتح: # إن في إسناده ضعفا، ولكنه يشهد له ما أخرجه الدارقطني من طريق أحمد بن ~~منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير كلاهما عن ~~عبيد الله بن عمر بلفظ: أسهم للفارس سهمين، قال الدارقطني عن شيخه أبي بكر ~~النيسابوري: وهم فيه الرمادي أو شيخه، وعلى فرض صحته فيمكن تأويله بأن ~~المراد أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سمه المختص به كما أشار إلى ذلك ~~الحافظ. قال: وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الاسناد فقال ~~للفرس . وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن ابن أبي شيبة قال: ~~فكأن الرمادي رواه بالمعنى. وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معا ~~بلفظ: أسهم للفرس، قال: وعلى هذا التأويل يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن ~~المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي أخرجه الدارقطني، وقد رواه علي بن ~~الحسن بن شقيق وهو أثبت من نعيم عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس. وقيل: إن ~~إطلاق PageV08P117 # الفرس على الفارس مجاز مشهور، ومنه قولهم: يا خيل الله اركبي كما ورد في ~~الحديث. # ولا بد من المصير إلى تأويل حديث مجمع وما ورد في معناه لمعارضته ~~للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما كما ~~تقدم. وقد تمسك أبو حنيفة وأكثر العترة بحديث مجمع المذكور وما ورد في ~~معناه فجعلوا للفارس وفرسه سهمين، وقد حكي ذلك عن علي وعمر وأبي موسى. وذهب ~~الجمهور إلى أنه يعطي الفرس سهمين والفارس سهما والراجل سهما. قال الحافظ ~~في الفتح: والثابت عن عمر وعلي كالجمهور. وحكي في البحر عن علي وعمر والحسن ~~البصري وابن سيرين وعمر بن عبد ms3312 العزيز وزيد بن علي والباقر والناصر والامام ~~يحيى ومالك والشافعي والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وأهل المدينة وأهل الشام ~~أنه يعطي الفارس وفرسه ثلاثة سهام واحتج لهم ببعض أحاديث الباب، ثم أجاب عن ~~ذلك فقال قلت: يحتمل أن الثالث في بعض الحالات تنفيل جمعا بين الاخبار ~~انتهى. ولا يخفى ما في هذا الاحتمال من التعسف، وقد أمكن الجمع بين أحاديث ~~الباب بما أسلفنا، وهو جمع نير دلت عليه الأدلة التي قدمناها، وقد تقرر في ~~الأصول أن التأويل في جانب المرجوح من الأدلة لا الراجح، والأدلة القاضية ~~بأن للفارس وفرسه سهمين مرجوحة لا يشك في ذلك من له أدنى إلمام بعلم السنة. ~~وقد نقل عن أبي حنيفة أنه احتج لما ذهب إليه بأنه يكره أن تفضل البهيمة على ~~المسلم، وهذه حجة ضعيفة وشبهة ساقطة، ونصبها في مقابلة السنة الصحيحة ~~المشهورة مما لا يليق بعالم. # وأيضا السهام في الحقيقة كلها للرجل لا للبهيمة. وأيضا قد فضلت الحنفية ~~الدابة على الانسان في بعض الأحكام فقالوا: لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من ~~عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم. ~~وقد استدل للجمهور في مقابلة هذه الشبهة بأن الفرس تحتاج إلى مؤنة لخدمتها ~~وعلفها، وبأنه يحصل بها من الغناء في الحرب ما لا يخفى. وقد اختلف فيمن حضر ~~الوقعة بفرسين فصاعدا هل يسهم لكل فرس أم لفرس واحدة؟ فروي عن سليمان بن ~~موسى أنه يسهم لكل فرس سهمان بالغا ما بلغت. قال القرطبي في المفهم: ولم ~~يقل أحد أنه يسهم لأكثر من فرسين إلا ما روي عن سليمان بن موسى. وحكي في ~~البحر عن الشافعية والحنفية والهادوية أن من حضر بفرسين أو أكثر أسهم ~~PageV08P118 # لواحد فقط. وعن زيد بن علي والصادق والناصر والأوزاعي وأحمد بن حنبل، ~~وحكاه في الفتح عن الليث وأبي يوسف وأحمد وإسحاق أنه يسهم لفرسين لا أكثر. ~~قال الحافظ في التلخيص: فيه أحاديث منقطعة أحدها عن الأوزاعي: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ms3313 وسلم كان يسهم للخيل ولا يسهم للرجل فوق فرسين وإن ~~كامعه عشرة أفراس رواه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش وهو معضل. # ورواه سعيد من طريق الزهري: أن عمر كتب إلى أبي عبيدة أنه يسهم للفرس ~~سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبه سهما فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق ~~الفرسين فهو جنائب. وروى الحسن عن بعض الصحابة قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا يقسم إلا لفرسين. وأخرج الدارقطني بإسناد ضعيف عن أبي ~~عمرة قال: أسهم لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفرسي أربعة ولي سهما ~~فأخذت خمسة وقد قدمنا اختلاف الرواية في حضور الزبير يوم خيبر بفرسين هل ~~أعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم سهم فرس واحدة أو سهم فرسين؟ والإسهام ~~للدواب خاص بالأفراس دون غيرها من الحيوانات. قال في البحر مسألة: ولا يسهم ~~لغير الخيل من البهائم إجماعا إذ لا إرهاب في غيرها، ويسهم للبرذون والمقرف ~~والهجين عند الأكثر ، وقال الأوزاعي: لا يسهم للبرذون. # باب الاسهام لمن غيبه الأمير في مصلحة عن ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قام يعني يوم بدر فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة ~~رسوله وأنا أبايع له، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسهم ولم ~~يضرب لأحد غاب غيره رواه أبو داود. وعن ابن عمر قال: لما تغيب عثمان عن بدر ~~فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت مريضة فقال له ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن لك أجر رجل وسهمه رواه أحمد والبخاري ~~والترمذي وصححه. PageV08P119 # حديث ابن عمر الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده موثقون. # قوله: وأنا أبايع له في رواية للبخاري: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: بيده اليمنى أي أشار بها وقال: هذه يد عثمان أي بدلها فضرب بها ~~على يده اليسرى فقال: هذه أي البيعة لعثمان أي عن عثمان. قوله: وكانت مريضة ~~أخرج الحاكم في ms3314 المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه ~~قال: خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عثمان وأسامة بن زيد على رقية في ~~مرضها لما خرج إلى بدر، فماتت رقية حين وصل زيد بن حارثة بالبشارة، وكان ~~عمر رقية لما ماتت عشرين سنة. قال ابن إسحاق: ويقال إن ابنها عبد الله بن ~~عثمان مات بعدها سنة أربع من الهجرة وله ست سنين. وقد استدل بقصة عثمان ~~المذكورة على أنه يسهم الامام لمن كان غائبا في حاجة له بعثه لقضائها، وأما ~~من كان غائبا عن القتال لا لحاجة الامام وجاء بعد الواقعة فذهب أكثر العترة ~~والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري والليث إلى أنه لا يسهم له، وذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه إلى أنه يسهم لمن حضر قبل إحرازها إلى دار الاسلام، وسيأتي ~~في باب ما جاء في المدد يلحق بعد تقضي الحرب ما استدل به أهل القول الأول ~~وأهل القول الثاني. # باب ما يذكر في الاسهام لتجار العسكر وأجرائهم عن خارجة بن زيد قال: رأيت ~~رجلا سأل أبي عن الرجل يغزو ويشتري ويبيع ويتجر في غزوه فقال له: إنا كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتبوك نشتري ونبيع وهو يرانا ولا ~~ينهانا رواه ابن ماجة. وعن يعلى بن منية قال: أذن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني وأجري ~~له سهمه، فوجدت رجلا فلما دنا الرحيل أتاني فقال: ما أدري ما السهمان وما ~~يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئا كان السهم أو لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما ~~حضرت غنيمة أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فذكرت أمره فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا ~~دنانيره التي سمى رواه أبو داود. وقد صح أن سلمة PageV08P120 # بن الأكوع كان أجيرا لطلحة حين أدركه عبد الرحمن بن عيينة لما أغار على ~~سرح رسول الله صلى الله ms3315 عليه وآله وسلم فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم سهم الفارس والراجل، وهذا المعنى لأحمد ومسلم في حديث طويل. ويحمل هذا ~~على أجير يقصد مع الخدمة الجهاد، والذي قبله على من لا يقصده أصلا جمعا ~~بينهما. # الحديث الأول في إسناده عند ابن ماجة سنيد بن داود المصيصي وهو ضعيف، ~~ويشهد له ما أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري عن عبيد الله بن سليمان: ~~أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدثه قال: لما فتحنا خيبر ~~أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي فجعل الناس يتبايعون غنائمهم، فجاء رجل ~~فقال: يا رسول الله لقد ربحت ربحا ما ربح اليوم مثله أحد من أهل هذا ~~الوادي، فقال: ويحك وما ربحت؟ قال: ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة ~~أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أنبئك بخير رجل ربح، ~~قال: وما هو يا رسول الله؟ # قال: ركعتين بعد الصلاة. فهذا الحديث وحديث خارجة المذكور فيهما دليل على ~~جواز التجارة في الغزو، وعلى أن الغازي مع ذلك يستحق نصيبه من المغنم، وله ~~الثواب الكامل بلا نقص، ولو كانت التجارة في الغزو موجبة لنقصان أجر الغازي ~~لبينه صلى الله عليه وآله وسلم، فلما لم يبين ذلك بل قرره دل على عدم ~~النقصان، ويؤيد ذلك جواز الاتجار في سفر الحج لما ثبت في الحديث الصحيح أنه ~~لما تحرج جماعة من التجار في سفر الحج أنزل الله تعالى: * (ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم) * (البقرة: 198). والحديث الثاني سكت عنه أيضا أبو ~~داود والمنذري، وأخرجه الحاكم وصححه، وأخرجه البخاري بنحوه وبوب عليه باب ~~الأجير، وقد اختلف العلماء في الاسهام للأجير إذا استؤجر للخدمة، فقال ~~الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يسهم له، وقال الأكثر: يسهم له واحتجوا بحديث ~~سلمة الذي أشار إليه المصنف وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسهم ~~له، وأما إذا استؤجر الأجير ليقاتل فقالت الحنفية والمالكية: لا سهم له، ~~وقال الأكثر: له سهمه. وقال أحمد: لو ms3316 استأجر الامام قوما على الغزو لم يسهم ~~لهم سوى الأجرة. وقال الشافعي: هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد، أما الحر ~~البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق ~~أجرة. وقال الثوري: لا يسهم للأجير إلا إن قاتل. وقال الحسن وابن سيرين: ~~PageV08P121 # يقسم للأجير من المغنم، هكذا رواه البخاري عنهما تعليقا، ووصله عبد ~~الرزاق عنهما بلفظ: يسهم للأجير، ووصله ابن أبي شيبة عنهما بلفظ: العبد ~~والأجير إذا شهدا القتال أعطوا من الغنيمة، والأولى المصير إلى الجمع الذي ~~ذكره المصنف رحمه الله، فمن كان من الاجراء قاصدا للقتال استحق الاسهام من ~~الغنيمة، ومن لم يقصد فلا يستحق إلا الأجرة المسماة. قوله: يعلى بن منية هو ~~يعلى بن أمية المشهور، ومنية أمه، وقد ينسب تارة إليها كما وقع في هذا ~~الحديث وقصة سلمة بن الأكوع في مقاتلته للقوم الذين أغاروا على سرح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم واستنقاذه للسرح وقتل بعض القوم وأخذ بعض ~~أموالهم قد تقدمت الإشارة إليها قريبا، وهي قصة مبسوطة في كتب الحديث ~~والسير فلا حاجة إلى إيرادها هنا بكمالها. # باب ما جاء في المدد يلحق بعد تقضي الحرب عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا ~~وأخوان لي أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال في بضعة، وإما قال في ~~ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، قال: فركبنا سفينة فألقتنا ~~سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال ~~جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثنا ههنا وأمرنا بالإقامة، ~~قال: فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا أو قال أعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن ~~فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه ~~قسم لهم معهم متفق عليه. وعن أبي هريرة أنه حدث سعيد ms3317 بن العاص: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من ~~المدينة قبل نجد، فقدم أبان بسعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بخيبر بعد أن فتحها وأن حزم خيلهم ليف، فقال أبان: أقسم لنا يا ~~رسول الله، قال أبو هريرة، فقلت: لا تقسم لهم يا رسول الله، قال أبان: أنت ~~بها يا وبر تحدر علينا من رأس ضال، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله PageV08P122 # عليه وآله وسلم رواه أبو داود وأخرجه البخاري تعليقا. # قوله: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظاهره أنه لم يبلغهم ~~شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد الهجرة بمدة طويلة، وهذا إذا ~~أراد بالمخرج البعثة، وإن أراد الهجرة فيحتمل أن يكون بلغتهم الدعوة ~~فأسلموا وأقاموا ببلادهم إلى أن عرفوا بالهجرة فعزموا عليها، وإنما تأخروا ~~هذه المدة لعدم بلوغ الخبر إليهم بذلك. وإما لعلمهم بما كان المسلمون فيه ~~من المحاربة مع الكفار فلما بلغتهم المهادنة أمنوا وطلبوا الوصول إليه. وقد ~~روى ابن منده من وجه آخر عن أبي بردة عن أبيه: خرجنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى جئنا إلى مكة أنا وأخوك وأبو عامر بن قيس وأبو رهم ~~ومحمد بن قيس وأبو بردة وخمسون من الأشعريين وستة من عك، ثم خرجنا في البحر ~~حتى أتينا المدينة وصححه ابن حبان من هذا الوجه، ويجمع بينه وبين ما في ~~الصحيح أنهم مروا بمكة في حال مجيئهم إلى المدينة، ويجوز أن يكونوا دخلوا ~~مكة لأن ذلك كان حال الهدنة. قوله: أنا وأخوان لي زاد البخاري: أنا أصغرهم ~~واسم أبي بردة عامر، وأبو رهم بضم الراء وسكون الهاء اسمه مجدي بفتح الميم ~~وسكون الجيم وكسر المهملة وتشديد التحتانية قاله ابن عبد البر، وجزم ابن ~~حبان في الصحابة بأن اسمه محمد. وذكر ابن قانع أن جماعة من الأشعريين ~~أخبروه وحققوا ms3318 وكتبوا خطوطهم أن اسم أبي رهم مجيلة بكسر الجيم بعدها ~~تحتانية خفيفة ثم لام ثم هاء. قوله: إما قال في بضعة الخ، قد بين في ~~الرواية المتقدمة أنهم كانوا خمسين من الأشعريين وهم قومه، فلعل الزائد على ~~ذلك هو أبو موسى وإخوته، فمن قال اثنين أراد من ذكرهما في حديث الباب وهما ~~أبو بردة وأبو رهم، ومن قال ثلاثة أو أكثر فعلى الخلاف في عدد من كان معه ~~من إخوته. وأخرج البلاذري بسند له عن ابن عباس أنهم كانوا أربعين، والجمع ~~بينه وبين ما قبله بالحمل على الأصول والاتباع. وقال ابن إسحاق: كانوا ستة ~~عشر رجلا وقيل أقل. قوله: فوافقنا جعفر بن أبي طالب أي بأرض الحبشة. وقد ~~سمى ابن إسحاق من قدم مع جعفر فسرد أسماءهم وهم ستة عشر رجلا. قوله: وما ~~قسم لأحد غاب عن فتح خيبر الخ، فيه دليل على أنه يجوز للامام أن يجتهد في ~~الغنيمة ويعطي بعض من حضر من المدد دون بعض. فإنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أعطى من قدم مع جعفر ولم PageV08P123 # يعط غيرهم. وقد استدل به أبو حنيفة على قوله المتقدم أنه يسهم للمدد. ~~وقال ابن التين: # يحتمل أن يكون أعطاهم برضا بقية الجيش، وبهذا جزم موسى بن عقبة في ~~مغازيه. # ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من الخمس. وبهذا جزم أبو عبيد في كتاب ~~الأموال. # ويحتمل أن يكون أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل القسمة وبعد ~~حوزها وهو أحد الأقوال للشافعي. وقد احتج أبو حنيفة بإسهامه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لعثمان يوم بدر كما تقدم في باب الاسهام لمن غيبه الأمير في ~~مصلحة. وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها أن ذلك خاص به وبمن كان مثله. ومنها أن ~~ذلك كان حيث كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول ~~قوله تعالى: * (يسألونك عن الأنفال) * (الأنفال: 1). ومنها أنه أعطاه من ~~الخمس على فرض أن يكون ذلك بعد فرض الخمس. ومنها التفرقة بين من كان في ~~حاجة تتعلق بمنفعة ms3319 الجيش أو بإذن الامام فيسهم له بخلاف غيره، وهذا مشهور ~~مذهب مالك. وقال ابن بطال: لم يقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غير ~~من شهد الواقعة إلا في خيبر فهي مستثناة من ذلك فلا تجعل أصلا يقاس عليه، ~~فإنه قسم لأصحاب السفينة لشدة حاجتهم، وكذلك أعطى الأنصار عوض ما كانوا ~~أعطوا المهاجرين عند قدومهم عليهم. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون استطاب ~~أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الأشعريين وغيرهم. ومما يؤيد أنه لا نصيب لمن ~~جاء بعد الفراغ من القتال ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح وابن أبي شيبة أن ~~عمر قال: الغنيمة لمن شهد الواقعة. وأخرجه الطبراني والبيهقي مرفوعا ~~وموقوفا وقال: الصحيح موقوف. وأخرجه ابن عدي من طريق أخرى عن علي موقوفا. ~~ورواه الشافعي من قول أبي بكر وفيه انقطاع. # قوله: وإن حزم بمهملة وزاي مضمومتين. وقوله: ليف بكسر اللام وسكون ~~التحتية بعدها فاء وهو معروف. قوله: يا وبر بفتح الواو وسكون الموحدة دابة ~~صغيرة كالسنور وحشية. ونقل أبو علي عن أبي حاتم أن بعض العر ب يسمي كل دابة ~~من حشرات الجبال وبرا. قال الخطابي: أراد أبان تحقير أبي هريرة، وأنه ليس ~~ومعنى قوله: في قدر من يشير بعطاء ولا بمنع وأنه قليل القدرة على القتال ~~وأنت بها أي وأنت بهذا المكان والمنزلة من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مع كونك لست من أهله ولا من قومه ولا من بلاده. ولفظ البخاري: وأنت ~~بهذا. قوله: تحدر بالحاء المهملة وتشديد الدال المهملة أيضا. وفي رواية ~~للبخاري تدلى وهو بمعناه. وفي رواية له PageV08P124 # أيضا تدأدأ بمهملتين بينهما همزة ساكنة قيل: أصله تدهدء فأبدلت الهاء ~~همزة، وقيل: # الدأدأة صوت الحجارة في المسيل. قوله: من رأس ضال فسر البخاري الضال ~~بالسدر كما في رواية المستملي، وكذا قال أهل اللغة إنه السدر البري. وفي ~~رواية للبخاري: # من رأس ضأن بالنون قيل: هو رأس الجبل، لأنه في الغالب موضع مرعى الغنم، ~~وقيل: هو جبل دوس وهم قوم أبي هريرة. # باب ما ms3320 جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم عن أنس قال: لما فتحت مكة قسم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم تلك الغنائم في قريش فقالت الأنصار: إن هذا لهو ~~العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فجمعهم فقال: ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا: هو الذي ~~بلغك وكانوا لا يكذبون، فقال: أما ترضون أن ترجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم ~~وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ فقالوا: بلى، فقال: لو سلك الناس واديا أو ~~شعبا وسلكت الأنصار واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار. # وفي رواية قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من ~~أموال هوازن فطفق يعطي رجالا المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله لرسول الله ~~يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فحدث بمقالتهم فجمعهم وقال: ~~إني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ~~وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ~~قالوا: يا رسول الله قد رضينا. وعن ابن مسعود قال: لما آثر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى ~~عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة قال ~~رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، فقلت: # والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته فأخبرته فقال: ~~فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر ~~من هذا فصبر متفق عليهن. # وعن عمرو بن تغلب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بمال أو ~~بسبي فقسمه فأعطى قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: إني أعطي قوما ~~أخاف ضلعهم PageV08P125 # وجزعهم، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم ~~عمرو بن تغلب، فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ms3321 صلى الله ~~عليه وآله وسلم حمر النعم رواه أحمد والبخاري، والظاهر أن إعطاءهم كان من ~~سهم المصالح من الخمس، ويحتمل أن يكون نفلا من أربعة أخماس الغنيمة عند من ~~يجيز التنفيل منها. # قوله: واديا أو شعبا الوادي هو المكان المنخفض، وقيل: الذي فيه ماء، ~~والمراد هنا بلدهم، والشعب بكسر الشين المعجمة اسم لما انفرج بين جبلين. ~~وقيل: الطريق في الجبل، وأراد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا وما بعده ~~التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن ~~الدنيا ومن هذا وصفه، فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله. قال الخطابي: لما ~~كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة ~~الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر سلك كل قوم منهم واديا وشعبا فأراد ~~أنه مع الأنصار. قال: ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب كما يقال: # فلان في واد وأنا في واد انتهى. وقد أثنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على الأنصار في هذه الواقعة ومدحهم، فمن جملة ما قاله لهم: لولا الهجرة ~~لكنت امرأ من الأنصار وقال: # الأنصار شعار والناس دثار كما في صحيح البخاري وغيره. قوله: حين أفاء ~~الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم منهم ~~يوم حنين. وأصل الفئ الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئا لأنه رجع ~~من جانب إلى جانب ، فكأن أموال الكفار سميت فيئا، لأنها كانت في الأصل ~~للمؤمنين، إذ الايمان هو الأصل والكفر طارئ، فإذا غلب الكفار على شئ من ~~المال فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنه رجع إليهم ما كان ~~لهم. قوله: فطفق يعطي رجالا هم المؤلفة قلوبهم، والمراد بهم ناس من قريش ~~أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل: كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن ~~أمية، وقد اختلف في المراد بالمؤلفة الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل: ~~كفار يعطون ترغيبا في الاسلام، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار يتألفونهم، ~~وقيل: مسلمون أول ما دخلوا في ms3322 الاسلام ليتمكن الاسلام من قلوبهم، والمراد ~~بالرجال الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ههنا هم جماعة قد ~~سرد أبو الفضل بن طاهر في المبهمات له أسماؤهم فقال: هم أبو سفيان بن حرب، ~~وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وأبو السنابل بن بعكك، ~~وصفوان PageV08P126 # بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وهؤلاء من قريش. وعيينة بن حصن الفزاري، ~~والأقرع بن حابس التميمي، وعمرو بن الأهتم التميمي، وعباس بن مرادس السلمي، ~~ومالك بن عوف النصري، والعلاء بن حارثة الثقفي. قال الحافظ في الفتح: وفي ~~ذكر الأخيرين نظر، وقيل: إنما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة. وذكر ~~الواقدي في المؤلفة معاوية ويزيد بن أبي سفيان وأسيد بن حارثة ومخرمة بن ~~نوفل وسعيد بن يربوع وقيس بن عدي وعمرو بن وهب وهشام بن عمرو، زاد ابن ~~إسحاق: النضر بن الحرث بن هشام وجبير بن مطعم، وممن ذكره أبو عمر: سفيان بن ~~عبد الأسد والسائب بن أبي السائب ومطيع بن الأسود وأبو جهم بن حذيفة، وذكر ~~ابن الجوزي فيهم: # زيد الخيل وعلقمة بن علاثة وحكيم بن طليق بن سفيان بن أمية وخالد بن قيس ~~السهمي وعمير بن مرداس، وذكر غيرهم فيهم قيس بن مخرمة وأحيحة بن أمية بن ~~خلف وأبي بن شريق وحرملة بن هوذة وخالد بن هوذة وعكرمة بن عامر العبدري ~~وشيبة بن عثمان وعمرو بن ورقة ولبيد بن ربيعة والمغيرة بن الحارث وهشام بن ~~الوليد المخزومي. قوله: أن يذهب الناس بالأموال في رواية للبخاري: بالشاة ~~والبعير. قوله: إلى رحالكم بالحاء المهملة أي بيوتكم. قوله: لما آثر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أناسا هم من تقدم ذكرهم. قوله: قال رجل في رواية ~~الأعمش: فقال رجل من الأنصار، وفي رواية الواقدي أن اسمه معتب بن قشير من ~~بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين، وفيه رد على مغلطاي حيث قال: لم أرد ~~أحدا قال إنه من الأنصار إلا ما وقع في رواية الأعمش وجزم بأنه حرقوص بن ~~زهير ms3323 السعدي المتقدم ذكره في باب ذكر الخوارج، وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ~~ذلك، فإن قصة حرقوص غير هذه كما تقدم قوله: ما أريد فيها وجه الله في رواية ~~البخاري: ما أراد بهذا. # قوله: رحم الله موسى الخ، فيه الاعراض عن الجاهل والصفح عن الأذى والتأسي ~~بمن مضى من النظراء. قوله: ضلعهم بفتح الضاد المعجمة واللام وهو الاعوجاج، ~~وفي أحاديث الباب دليل على أنه يجوز للامام أن يؤثر بالغنائم أو ببعضها من ~~كان مائلا من أتباعه إلى الدنيا تأليفا له واستجلابا لطاعته، وتقديمه على ~~من كان من أجناده قوي الايمان مؤثرا للآخرة على الدنيا. PageV08P127 # باب حكم أموال المسلمين إذا أخذها الكفار ثم أخذت منهم عن عمران بن ~~الحصين قال: أسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء ، فكانت المرأة في ~~الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من ~~الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى ~~العضباء فلم ترغ، قال: وهي ناقة منوقة. وفي رواية: مدربة فقعدت في عجزها ثم ~~زجرتها فانطلقت ونذروا بها فأعجزتهم، قال: ونذرت لله إن نجاها الله عليها ~~لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: إنها نذرت لله إن نجاها الله عليها ~~لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا ذلك فقال: سبحان ~~الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في ~~معصية ولا فيما لا يملك العبد رواه أحمد ومسلم. # وعن ابن عمر: أنه ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليهم المسلمون فرد عليه ~~في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبق عبد له فلحق بأرض الروم ~~وظهر عليهم المسلمون فرده خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة. وفي رواية: أن غلاما لابن عمر أبق ~~إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~ابن عمر ms3324 ولم يقسم رواه أبو داود. # قوله: العضباء بفتح العيل المهملة وسكون الضاد المعجمة بعدها موحدة وهي ~~ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فانفلتت بالنون والفاء أي ~~المرأة. # قوله: منوقة بالنون والقاف أي مذللة. قوله: مدربة بالدال المهملة والراء ~~المشددة المفتوحة بعدها موحدة وهي المؤدبة المعودة للركوب والتدريب، مأخوذ ~~من الدربة وهي المعرفة بالشئ. قوله: ونذروا بها بضم النون وكسر الذال ~~المعجمة أي علموا بها. وفي شرح النووي هو بفتح النون. قوله: لا وفاء لنذر ~~في معصية الله سيأتي الكلام على هذا في كتاب النذور إن شاء الله. قوله: ~~PageV08P128 # ذهب فرس له فأخذه في رواية الكشميهني: ذهبت فأخذها، والفرس اسم جنس يذكر ~~ويؤنث. قوله: في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا وقع في رواية ~~ابن نمير أن قصة الفرس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقصة العبد ~~بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخالفه يحيى القطان عن عبيد الله ~~العمري فجعلهما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في رواية للبخاري، ~~وكذا وقع في رواية موسى بن عقبة عن نافع وصرح بأن قصة الفرس كانت في زمن ~~أبي بكر. وقد وافق ابن نمير إسماعيل بن زكريا، أخرجه الإسماعيلي من طريقه ~~وأخرجه من طريق ابن المبارك عن عبيد الله فلم يعين الزمان لكن قال في ~~روايته: أنه افتدى الغلام بروميتين، وكأن هذا الاختلاف هو السبب في ترك ~~البخاري الجزم في الترجمة على هذا الحديث فإنه قال: # باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم أي هل يكون أحق به أو ~~يدخل في الغنيمة؟ ولكنه يمكن الاحتجاج بوقوع ذلك في زمن أبي بكر والصحابة ~~متوافرون من غير نكير منهم. وقد اختلف أهل العلم في ذلك فقال الشافعي ~~وجماعة: لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئا من المسلمين ولصاحبه أخذه قبل ~~القسمة وبعدها. وعن علي والزهري وعمرو بن دينار والحسن: لا يرد أصلا ويختص ~~به أهل المغانم. وقال عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك ms3325 وأحمد ~~وآخرون، وهي رواية عن الحسن أيضا، ونقلها ابن أبي الزناد عن أبيه عن ~~الفقهاء السبعة: إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة ~~فلا يأخذه إلا بالقيمة. واحتجوا بحديث عن ابن عباس مرفوع بهذا التفصيل ~~أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدا. وإلى هذا التفصيل ذهبت الهادوية، وعن ~~أبي حنيفة كقول مالك إلا في الآبق فقال هو والثوري، صاحبه أحق به مطلقا. # باب ما يجوز أخذه من نحو الطعام والعلف بغير قسمة عن ابن عمر قال: كنا ~~نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه رواه البخاري. وعن ابن عمر: ~~أن جيشا غنموا في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم طعاما وعسلا فلم يؤخذ ~~منهم الخمس رواه أبو داود. وعن عبد الله بن المغفل قال: PageV08P129 # أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا ~~شيئا، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متبسما رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن ابن أبي أوفى قال: أصبنا طعاما يوم خيبر ~~وكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينطلق. وعن القاسم مولى عبد ~~الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كنا نأكل ~~الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا مملوءة منه ~~رواهما أبو داود. # حديث ابن عمر الأول زاد فيه أبو داود: فلم يؤخذ منهم الخمس وصحح هذه ~~الزيادة ابن حبان. وحديث ابن عمر الثاني أخرجه أيضا ابن حبان وصححه البيهقي ~~ورجح الدارقطني وقفه. وحديث عبد الله بن المغفل أخرجه أيضا البخاري وزاد ~~فيه الطيالسي في مسنده بإسناد صحيح فقال: هو لك. وحديث ابن أبي أوفى أخرجه ~~الحاكم والبيهقي، قال ابن الصلاح في كلامه على الوسيط: هذا الحديث لم يذكر ~~في كتاب الأصول انتهى. # وقد صححه الحاكم وابن الجارود. وأخرجه أيضا الطبراني من حديثه بلفظ: لم ~~يخمس الطعام يوم خيبر. وحديث القاسم مولى عبد الرحمن سكت عنه أبو داود، ~~وقال ms3326 المنذري: # إنه تكلم في القاسم غير واحد انتهى. وفي إسناده أيضا ابن حرشف وهو مجهول. ~~قوله: # كنا نصيب في مغازينا الخ، زاد الإسماعيلي في رواية: والفواكه. وفي رواية ~~له بلفظ: كنا نصيب السمن والعسل في المغازي فنأكله. وفي رواية له من وجه ~~آخر: # أصبنا طعاما وأغناما يوم اليرموك فلم تقسم قال في الفتح: وهذا الموقوف لا ~~يغاير الأول لاختلاف السياق، وللأول حكم الرفع للتصريح بكونه في زمن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وأما يوم اليرموك فكان بعده فهو موقوف يوافق ~~المرفوع انتهى. ولا يخفى أنه ليس في روايات الحديث تصريح بأنه في زمن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما فيه أن إطلاق المغازي من الصحابي ظاهر في ~~أنها مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس ذلك من التصريح في شئ. ~~قوله: ولا نرفعه أي ولا نحمله على سبيل الادخار، ويحتمل أن يريد ولا نحمله ~~إلى متولي أمر الغنيمة، أو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ~~نستأذنه في أكله اكتفاء بما سبق منه من الاذن. قوله: عبد الله بن المغفل ~~بالمعجمة والفاء بوزن محمد. قوله: جرابا بكسر الجيم. قوله: فالتزمته في ~~رواية للبخاري: فنزوت بالنون والزاي أي وثبت مسرعا، وموضع الحجة من الحديث ~~عدم إنكار النبي صلى PageV08P130 # الله عليه وآله وسلم ولا سيما مع وقوع التبسم منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فإن ذلك يدل على الرضا، وقد قدمنا أن أبا داود الطيالسي زاد فيه ~~فقال: هو لك، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم عرف شدة حاجته إليه فسوغ له ~~الاستئثار به. وفي الحديث جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود وكانت ~~محرمة على اليهود وكرهها مالك، وروي عنه وعن أحمد تحريمها. قوله: الجزر ~~بفتح الجيم جمع جزور وهي الشاة التي تجزر أي تذبح كذا قيل. وفي غريب ~~الجامع: الجزر جمع جزور وهو الواحد من الإبل يقع على الذكر والأنثى. وفي ~~القاموس في مادة جزر ما لفظه: والشاة السمينة، ثم قال: # والجزور البعير أو خاض بالناقة ms3327 المجزورة ثم قال: وما يذبح من الشاة ~~انتهى. # وقد قيل: إن الجزر في الحديث بضم الجيم والزاي جمع جزور وهو ما تقدم ~~تفسيره. # (وأحاديث) الباب تدل على أنه يجوز أخذ الطعام، ويقاس عليه العلف للدواب ~~بغير قسمة، ولكنه يقتصر من ذلك على مقدار الكفاية كما في حديث ابن أبي ~~أوفى. وإلى ذلك ذهب الجمهور سواء أذن الامام أو لم يأذن. والعلة في ذلك أن ~~الطعام يقل في دار الحرب وكذلك العلف فأبيح للضرورة. والجمهور أيضا على ~~جواز الاخذ ولو لم تكن ضرورة، وقال الزهري: لا نأخذ شيئا من الطعام ولا ~~غيره إلا بإذن الامام. وقال سليمان بن موسى: يأخذ إلا إن نهية الامام. وقال ~~ابن المنذر: # قد وردت الأحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول، واتفق علماء الأمصار على ~~جواز أكل الطعام، وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه، وقال الشافعي ومالك: # يجوز ذبح الانعام للاكل كما يجوز أخذ الطعام، ولكن قيده الشافعي بالضرورة ~~إلى الاكل حيث لا طعام. # باب أن الغنم تقسم بخلاف الطعام والعلف عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد ~~وأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم ~~قال: إن النهبة ليست بأحل PageV08P131 # من الميتة، وإن الميتة ليست بأحل من النهبة رواه أبو داود. وعن معاذ قال: ~~غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر فأصبنا فيها غنما فقسم ~~فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائفة وجعل بقيتها في المغنم رواه ~~أبو داود. # الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده موثقون، ولكن لفظه ~~بالشك هكذا: إن النهبة ليست بأحل من الميتة، أو إن الميتة ليست بأحل من ~~النهبة قال: والشك من هناد وهو ابن السري. وأخرجه أيضا البيهقي. والحديث ~~الثاني سكت عنه أيضا أبو داود والمنذري وفي إسناده أبو عبد ms3328 العزيز شيخ من ~~الأردن وهو مجهول ولفظه عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة قنسرين مع ~~شرحبيل بن السمط فلما فتحها أصاب فيها غنما وبقرا، فقسم فينا طائفة منها ~~وجعل بقيتها في المغنم، فلقيت معاذ بن جبل فحدثته فقال معاذ: غزونا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديث. قوله: ثم جعل يرمل اللحم بالتراب أي ~~يضع التراب عليه. قال في القاموس: وأرمل الطعام جعل فيه الرمل والثوب لطخه ~~بالدم انتهى. والحديث الأول ليس فيه دليل على ما ترجم له المصنف من أن ~~الغنم تقسم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما منع من أكلها لأجل ~~النهبى كما وقع التصريح بذلك، لا لأجل كونها غنيمة مشتركة لا يجوز الانتفاع ~~بها قبل القسمة. نعم الحديث الثاني فيه دليل على أن الامام يقسم بين ~~المجاهدين من الغنم ونحوها من الانعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب ويترك ~~الباقي في جملة المغنم، وهذا مناسب لمذهب الجمهور المتقدم، فإنهم يصرحون ~~بأنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به، وكل طعام يعتاد أكله على العموم ~~من غير فرق بين أن يكون حيوانا أو غيره، وقد استدل على أن المنع من ذبح ~~الحيوانات المغنومة بغير إذن الإمام بما في الصحيح من حديث رافع بن خديج في ~~ذبحهم الإبل التي أصابوها لأجل الجوع وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بإكفاء القدور. قال المهلب: إنما أكفأ القدور ليعلم أن الغنيمة إنما ~~يستحقونها بعد القسمة، ويمكن أن يحمل ذلك على أنه وقع الذبح في غير الموضع ~~الذي وقع فيه القتال، وقد ثبت في هذا الحديث أن القصة وقعت في دار الاسلام ~~لقوله فيها بذي الحليفة. وقال القرطبي: المأمور بأكفائه إنما PageV08P132 # هو المرق عقوبة للذين تعجلوا، وأما نفس اللحم فلم يتلف بل يحمل على أنه ~~جمع، ورد إلى المغانم لأجل النهي عن إضاعة المال باب النهي عن الانتفاع بما ~~يغنمه الغانم قبل أن يقسم إلا حالة الحرب عن رويفع بن ثابت: أن رسول الله ~~صلى الله عليه ms3329 وآله وسلم قال يوم حنين: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن يبتاع مغنما حتى يقسم، ولا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا ~~أخلقه رده فيه، ولا أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن ابن مسعود قال: # انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيف له، فجعلت ~~أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فنذر سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته ثم ~~أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فنفلني بسلبه رواه أحمد. # الحديث الأول في إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف قد تقدم التنبيه ~~عليه غير مرة، وأخرجه أيضا الدارمي والطحاوي وابن حبان وحسن الحافظ في ~~الفتح إسناده. وقال في بلوغ المرام: رجاله ثقات لا بأس بهم. والحديث الثاني ~~أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه وهو من رواية أبي عبيدة عن أبيه ولم يسمع ~~منه. وقال في مجمع الزوائد: إن رجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي ~~كريمة وهو ثقة انتهى. وأخرج نحوه أبو داود ولفظه عن أبي عبيدة وهو ابن عبد ~~الله بن مسعود عن أبيه أنه قال: مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله فقلت: # يا عدو الله يا أبا جهل قد أخزى الله الآخر قال ولا أهابه عند ذلك، فقال ~~أبعد من رجل قتله قومه، فضربته بسيف غير طائل فلم يغن شيئا حتى سقط سيفه من ~~يده فضربته حتى برد وأخرج نحوه النسائي مختصرا. وقوله: أبعد من رجل الخ، ~~قال الخطابي في المعالم: هكذا رواه أبو داود وهو غلط وإنما هو أعمد بالميم ~~بعد العين كلمة للعرب معناها هل زاد على رجل قتله قومه يهون على نفسه ماحل ~~بها انتهى. والحديث الأول فيه دليل على أنه لا يحل لأحد من المجاهدين أن ~~يبيع شيئا من الغنيمة قبل قسمتها، لأن ذلك من الغلول، وقد وردت الأحاديث ~~الصحيحة النهي عنه، PageV08P133 # ولا يحل أيضا أن يأخذ ثوبا منها فيلبسه ms3330 حتى يخلقه ثم يرده، أو يركب دابة ~~منها حتى إذا أعجفها ردها، لما في ذلك من الاضرار بسائر الغانمين ~~والاستبداد بما لهم فيه نصيب بغير إذن منهم. قال في الفتح: وقد اتفقوا على ~~جواز ركوب دوابهم يعني أهل الحرب ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم حال الحرب، ~~ورد ذلك بعد انقضاء الحرب، وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام وعليه أن يرد كلما ~~فرغت حاجته، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا ~~يعرضه للهلاك، قال: وحجته حديث رويفع المذكور. ونقل عن أبي يوسف أنه حمله ~~على ما إذا كان الآخذ غير محتاج يتقي به دابته أو ثوبه، بخلاف من ليس له ~~ثوب ولا دابة. ووجه استدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث ابن مسعود على ما ~~ترجمه في الباب أنه وقع من ابن مسعود الضرب بسيف أبي جهل قبل أن يستأذن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ولم ينكره عليه، فدل على جواز ~~استعمال السلاح المغنوم ما دامت الحرب قائمة بغير إذن الإمام، وقد تقدم ~~الكلام على قوله: فنفلني بسلبه في باب أن السلب للقاتل. # باب ما يهدى للأمير والعامل أو يؤخذ من مباحات دار الحرب عن أبي حميد ~~الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # هدايا العمال غلول رواه أحمد. وعن أبي الجويرية قال: أصبت جرة حمراء فيها ~~دنانير في إمارة معاوية في أرض الروم، قال: وعلينا رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من بني سليم يقال له معن بن يزيد فأتيته بها فقسمها ~~بين المسلمين وأعطاني مثل ما أعطى رجلا منهم ثم قال: لولا أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك، قال: ثم ~~أخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت رواه أحمد وأبو داود. # الحديث الأول أخرجه أيضا الطبراني وفى إسناده إسماعيل بن عباس عن أهل ~~الحجاز وهو ضعيف في الحجازيين، ويشهد له ما أخرجه الشيخان وأبو داود من ~~حديث أبي حميد المذكور ms3331 قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا ~~على PageV08P134 # الأزد يقال له ابن اللتبية، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني ~~أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيقول: هذا لكم وهذا هدية ~~أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا الحديث. ~~والحديث الثاني في إسناده عاصم بن كليب قال علي ابن المديني: لا يحتج به ~~إذا انفرد، وقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه، وقال أبو حاتم الرازي: صالح، ~~وقال النسائي: ثقة واحتج به مسلم، وقد أخرجه الطحاوي وصححه من حديث معن بن ~~يزيد المذكور قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا نفل ~~إلا بعد الخمس. قوله: غلول بضم المعجمة واللام أي خيانة. قوله: وعن أبي ~~الجويرية اسمه حطان بن خفاف قال في الخلاصة: وثقه أحمد. قوله: لا نفل إلا ~~بعد الخمس قد تقدم الكلام على ذلك، وقد استدل المصنف بالحديث الأول على ~~أنها لا تحل الهدية للعمال، وقد تقدم في الزكاة في باب العاملين عليها حديث ~~بريدة عند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من استعملناه ~~على عمل فرزقنا رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول. وظاهره المنع من الزيادة ~~على المفروض للعامل، من غير فرق بين ما كان من الصدقات المأخوذة من أرباب ~~الأموال أو من أربابها على طريق الهدية أو الرشوة. والحديث الثاني بوب عليه ~~أبو داود باب النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم أي هل يجوز أم لا؟ واستدل ~~به المصنف على حكم ما يؤخذ من مباحات دار الحرب وأنها تكون بين الغانمين لا ~~يختص بها. # باب التشديد في الغلول وتحريق رحل الغال عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر ففتح الله عز وجل علينا فلم نغنم ~~ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع والطعام ms3332 والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي ومع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد له وهبه له رجل من جذام يسمى رفاعة ~~بن يزيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا: PageV08P135 # هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال: كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة ~~لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، قال: ففزع ~~الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: يا رسول الله أصبت هذا يوم خيبر، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: شراك من نار أو شراكان من نار ~~متفق عليه. وعن عمر قال: # لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقالوا: # فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو ~~عباءة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن الخطاب اذهب فناد ~~في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال: فخرجت فناديت أنه لا يدخل ~~الجنة إلا المؤمنون رواه أحمد ومسلم. # وعن عبد الله بن عمر قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل ~~يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو في النار، ~~فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها رواه أحمد والبخاري. # قوله: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا وقع في رواية ثور ~~بن يزيد، وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون أنه قال: وهم ثور في هذا ~~الحديث، لأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر ~~وإنما قدم بعد خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فتحت، قال أبو مسعود: ويؤيده ~~حديث عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله ms3333 وسلم ~~بخيبر بعدما افتتحوها قال: ولكن لا يشك أحد أن أبا هريرة حضر قسمة الغنائم، ~~والغرض من هذه القصة المذكورة غلول الشملة. قال الحافظ: وكأن محمد بن إسحاق ~~استشعر توهم ثور بن يزيد في هذه اللفظة فرواه عنه في المغازي بدونها، ~~وأخرجه ابن حبان والحاكم وابن منده من طريقه بلفظ: انصرفنا مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى وادي القرى. وروى البيهقي في الدلائل من وجه آخر ~~عن أبي هريرة قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر إلى ~~وادي القرى فلعل هذا أصل الحديث. وحديث قدوم أبي هريرة المدينة والنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بخيبر أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من ~~طريق PageV08P136 # خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة والنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة فذكر الحديث وفيه: ~~فزودنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتحها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم. قوله: غنمنا المتاع والطعام والثياب. ~~رواية البخاري: إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط وهذه المذكورة ~~رواية مسلم، ورواية الموطأ: إلا الأموال والثياب والمتاع. قوله: عبد له هو ~~مدعم كما وقع في رواية البخاري بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين ~~المهملة أيضا. قوله: رفاعة بن زيد قال الواقدي: كان رفاعة وفد على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر فأسلموا وعقد ~~له على قومه. قوله: من بنهي الضبيب بضم الضاد المعجمة ثم موحدتين بينهما ~~تحتية بصيغة التصغير. وفي رواية للبخاري: أحد بني الضباب بكسر الضاد ~~المعجمة وموحدتين بينهما ألف بصيغة جمع الضب وهم بطن من جذام. قوله: يحل ~~رحله رواية البخاري: فبينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، زاد البيهقي في الرواية المذكورة: وقد استقبلتنا يهود بالرمي ولم نكن ~~على تعبية. قوله: لتلتهب عليه نارا يحتمل أن يكون ذلك حقيقة بأن تصير ~~الشملة نفسها ms3334 نارا فيعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار، ~~وكذا القول في الشراك المذكور. قوله: فجاء رجل قال الحافظ لم أقف على اسمه. ~~قوله: بشراك أو شراكين الشراك بسكر المعجمة وتخفيف الراء سير النعل على ظهر ~~القدم. قوله: على ثقل بمثلثة وقاف مفتوحتين العيال وما ثقل حمله من ~~الأمتعة. قوله: يقال له كركرة اختلف في ضبطه فذكر عياض أنه يقال بفتح ~~الكافين وبكسرهما، وقال النووي: إنما اختلف في كافه الأولى وأما الثانية ~~فمكسورة اتفاقا، قال عياض: هو للأكثر بالفتح في رواية علي وبالكسر في رواية ~~ابن سلام. وعند الأصيلي بالكسر في الأول، وقال القابسي: لم يكن عند المروزي ~~فيه ضبط إلا أني أعلم أن الأول خلاف الثاني، قال الواقدي: إنه كان أسود ~~يمسك دابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند القتال. وروى أبو سعيد ~~النيسابوري في شرف المصطفى أنه كان نوبيا أهداه له هوذة بن علي الحنفي صاحب ~~اليمامة فأعتقه PageV08P137 # ، وذكر البلاذري أنه مات في الرق. قوله: هو في النار أي يعذب على معصيته ~~، أو المراد هو في النار إن لم يعف الله عنه. وظاهر الروايتين أن كركرة ~~المذكور مدعم الذي قبله، وكلام القاضي عياض يشعر بأن قصتهما متحدة. قال ~~الحافظ: # والذي يظهر من عدة أوجه تغايرهما، قال: نعم عند مسلم من حديث عمر، ثم ذكر ~~الحديث المذكور في الباب ثم قال: فهذا يمكن تفسيره بكركرة، بخلاف قصة مدعم ~~فإنها كانت بوادي القرى ومات بسهم وغل شملة، والذي أهدى كركرة هوذة، والذي ~~أهدى مدعم رفاعة فافترقا. (وأحاديث الباب) تدل على تحريم الغلول من غير فرق ~~بين القليل منه والكثير، ونقل النووي الاجماع على أنه من الكبائر، وقد صرح ~~القرآن والسنة بأن الغال يأتي يوم القيامة والشئ الذي غله معه، فقال الله ~~تعالى: * (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) * (آل عمران: 161) وثبت في ~~البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ~~ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس على ms3335 رقبته شاة الحديث، وظاهر قوله: ~~شراك من نار الخ أن من أعاد إلى الامام ما غله بعد القسمة لم يسقط عنه ~~الاثم، وقد قال الثوري والأوزاعي والليث ومالك يدفع إلى الامام خمسه ويتصدق ~~بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق ~~به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال : والواجب أن يدفع إلى ~~الامام كالأموال الضائعة انتهى. وأما قبل القسمة فقال ابن المنذر: أجمعوا ~~على أن للغال أن يعيد ما غل قبل القسمة. # وعن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء ~~رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبنا من ~~الغنيمة، فقال: # أسمعت بلالا نادى ثلاثا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجئ به؟ فاعتذر إليه ~~فقال: كن أنت تجئ به يوم القيامة فلن أقبله منك رواه أحمد وأبو داود. قال ~~البخاري: # قد روي في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغال ولم يأمر ~~بحرق متاعه. وعن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي ~~برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه ~~PageV08P138 # واضربوه، قال: فوجد في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه ~~رواه أحمد وأبو داود. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه رواه أبو داود، ~~وزاد فرواية ذكرها تعليقا: ومنعوه سهمه. # حديث عبد الله بن عمرو سكت عنه أبو داود والمنذري وأخرجه الحاكم وصححه. # وحديث صالح بن محمد أخرجه أيضا الترمذي والحاكم والبيهقي، قال الترمذي: # غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال: سألت محمدا عن ms3336 هذا الحديث فقال: ~~إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة الذي يقال له أبو واقد الليثي وهو منكر ~~الحديث، قال المنذري: وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من الأئمة، ~~وقد قيل: إنه تفرد به. وقال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول ~~وهو باطل ليس بشئ. # وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم ~~يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والمحفوظ أن سالما أمر بذلك وصحح أبو داود وقفه. ورواه من وجه آخر باللفظ ~~الذي ذكره المصنف وقال: هذا أصح. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا الحاكم ~~والبيهقي وفي إسناده زهير بن محمد وهو الخراساني نزيل مكة، وقال البيهقي: ~~يقال هو غيره وأنه مجهول، وقد رواه أبو داود أيضا من وجه آخر عن زهير ~~موقوفا قال في الفتح: وهو الراجح. قوله: ولم يأمر بحرق متاعه هذا لفظ رواية ~~الترمذي عن البخاري، ولفظ البخاري في الجهاد في باب القليل من الغلول، ولم ~~يذكر عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حرق متاعه، ~~يعني في حديثه الذي ساقه في ذلك الباب وهو الحديث الذي تقدم في أول هذا ~~الباب، ثم قال البخاري: وهذا أصح. قال في الفتح: أشار إلى تضعيف حديث عبد ~~الله بن عمر في الامر بحرق رحل الغال والإشارة بقوله هذا إلى الحديث الذي ~~ساقة. والحرق بفتح الحاء المهملة والراء وقد تسكن الراء كما في النهاية ~~مصدر حرق بفتح الحاء المهملة وكسر الراء، وقد ذهب إلى الاخذ بظاهر حديث ~~الاحراق أحمد في رواية وهو قول مكحول والأوزاعي، وعن الحسن: يحرق متاعه كله ~~إلا الحيوان والمصحف. وقال الطحاوي: لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت ~~العقوبة بالمال انتهى وقد قدمنا الكلام على العقوبة بالمال في كتاب الزكاة. ~~وفي حديث عبد الله بن عمر دليل على أنه لا يقبل الامام PageV08P139 # من الغال ما جاء به بعد وقوع القسمة ولو ms3337 كان يسيرا وقد تقدم الخلاف في ~~ذلك قريبا. قوله: ومنعوه سهمه فيه دليل على أنه يجوز للامام بعد عقوبة ~~الغال بتحريق متاعه أن يعاقبه عقوبة أخرى بمنعه سهمه من الغنيمة، وكذلك ~~يعاقبه عقوبة ثالثة بضربه كما وقع في الحديث المذكور. # باب المن والفداء في حق الأسارى عن أنس: أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حيال التنعيم عند صلاة الفجر ~~ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلما فأعتقهم فأنزل ~~الله عز وجل: * (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة) * (الفتح: ~~24) إلى آخر الآية رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وعن جبير بن مطعم: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي ~~حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له رواه أحمد والبخاري وأبو داود. ~~وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيلا قبل نجد ~~فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه ~~بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم ~~تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ # قال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن ~~كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى كان الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، إن تنعم ~~تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما ~~شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى ms3338 نخل ~~قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على الأرض أبغض إلي من وجهك، ~~فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، ~~فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، PageV08P140 # والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، ~~وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ فقال: لا ~~ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا والله لا تأتيكم من ~~يمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متفق ~~عليه. # قوله سلما بفتح السين المهملة واللام عن بعضهم وعن الأكثرين بسكون اللام ~~يعني مع كسر السين والأول أصوب، والسلم الأسير لأنه أسلم، والسلم الصلح كذا ~~في المشارق. قوله: لو كان المطعم الخ، إنما قال صلى الله عليه وآله وسلم ~~كذلك ، لأنها كانت للمطعم عنده يد، وهي أنه دخل صلى الله عليه وآله وسلم في ~~جواره لما رجع من الطائف فأراد أن يكافأه بها، والمطعم المذكور هو والد ~~جبير الراوي لهذا الحديث، والنتنى جمع نتن بالنون والتاء المثناة من فوق، ~~المراد بهم أسارى بدر، وصفهم بالنتن لما هم عليه من الشرك كما وصفوا ~~بالنجس. قوله: لتركتهم له يعني بغير فداء، وبين السبب في ذلك ابن شاهين ~~بنحو ما قدمنا. وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك الفاكهي ~~بإسناد حسن مرسل وفيه: أن المطعم أمر أولاده الأربعة فلبسوا السلاح وقام كل ~~واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشا فقالوا له: أنت الرجل لا تخفر ~~ذمتك، وقيل: إن اليد التي كانت له أنه كان من أشد من سعى في نقض الصحيفة ~~التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين ms3339 حصروهم في ~~الشعب. قوله: # بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيلا الخ، زعم سيف في كتاب الردة ~~له أن الذي أخذ ثمامة وأسره هو العباس بن عبد المطلب، قال في الفتح، وفيه ~~نظر، لأن العباس إنما قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمان ~~فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة ثم رجع إلى ~~بلاده، ثم منعهم أن يميروا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذلك، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة. قوله: من بني حنيفة هو ~~ابن لجيم بجيم ابن صهيب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة مشهورة ~~ينزلون اليمامة بين مكة واليمن. قوله: ثمامة بضم المثلثة، وأثال بضم الهمزة ~~وبمثلثة خفيفة وهو ابن النعمان PageV08P141 # بن مسيلمة الحنفي وهو من فضلاء الصحابة. قوله: ماذا عندك؟ أي: أي شئ ~~عندك؟ ويحتمل أن تكون ما استفهامية وذا موصولة وعندك صلة، أي ما الذي استقر ~~في ظنك أن أفعله بك؟ فأجاب بأنه ظن خيرا، فقال: عندي يا محمد خير أي، لأنك ~~لست ممن يظلم بل ممن يعفو ويحسن. قوله: تقتل ذا دم بمهملة وتخفيف الميم ~~للأكثر، وللكشميهني ذم بمعجمة بعدها ميم مشددة. قال النووي: معنى رواية ~~الأكثر إن تقتل تقتل ذا دم بمهملة أي صاحب دم لدمه موقع يستشفي قاتله بقتله ~~ويدرك ثأره لرياسته وعظمته، ويحتمل أن يكون المعنى عليه دم وهو مطلوب به ~~فلا لوم عليك في قتله، وأما الرواية بالمعجمة فمعناها ذا ذمة وثبت ذلك في ~~رواية أبي داود، وضعفها عياض بأنه ينقلب المعنى، لأنه إذا كان ذا ذمة يمتنع ~~قتله، وقال النووي: # يمكن تصحيحها بأن يحمل على الوجه الأول، والمراد بالذمة الحرمة في قومه. ~~وأوجه الجميع الثاني لأنه مشاكل لقوله بعد ذلك: وإن تنعم تنعم على شاكر ~~وجميع ذلك تفصيل لقوله: عندي خير، وفعل الشرط إذا كرر في الجزاء دل على ~~فخامة الامر. # قوله: قال عندي ما قلت لك ms3340 إن تنعم الخ، قدم في اليوم الأول القتل وفي ~~اليومين الآخرين الانعام وفي ذلك نكتة، وهي أنه قدم أول يوم أشق الامرين ~~عليه وأشفاهما لصدر خصومه وهو القتل، فلما لم يقع قدم الانعام استعطافا، ~~وكأنه رأى في اليوم الأول إمارات الغضب دون اليومين الآخرين. قوله: أطلقوا ~~ثمامة في رواية ابن إسحاق قال: قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك وزاد أيضا: ~~أنه لما كان في الأسر جمعوا ما كان في أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من طعام ولبن فلم يقع ذلك من ثمامة موقعه، فلما أسلم جاؤوا بالطعام فلم يصب ~~منه إلا قليلا فتعجبوا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الكافر يأكل ~~في سبعة أمعاء، وإن المسلم يأكل في معي واحد. قوله: فبشره أي بخير الدنيا ~~والآخرة، أو بشره بالجنة، أو بمحو ذنوبه وتبعاته السابقة. قوله: صبوت هذا ~~اللفظ كانوا يطلقونه على من أسلم وأصله يقال لمن دخل في دين الصابئة وهم ~~فرقة معروفة. قوله: ولا ولكن أسلمت الخ، كأنه قال لا ما خرجت من الدين لأن ~~عبادة الأوثان ليست دينا، فإذا تركتها أكون قد خرجت من دين بل استحدثت دين ~~الاسلام. وقوله: مع محمد أي وافقته على دينه فصرنا متصاحبين في الاسلام. ~~وفي رواية ابن هشام: ولكني تبعت خير الدين دين محمد. قوله: ولا والله ~~PageV08P142 # فيه حذف تقديره: والله لا أرجع إلى دينكم ولا أرفق بكم فأترك الميرة ~~تأتيكم من اليمامة قوله: حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~زاد ابن هشام: ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة ~~أن يخلي فيما بينهم وبين الحمل إليهم. وفي هذه القصة من الفوائد ربط الكافر ~~في المسجد، والمن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسئ، لأن ثمامة ~~أقسم أن بغضة القلب انقلبت حبا في ساعة واحدة لما أسداه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إليه من ms3341 العفو والمن بغير مقابل، وفيه الاغتسال عند ~~الاسلام، وأن الاحسان يزيل البغض ويثبت الحب، وأن الكافر إذا أراد عمل خير ~~ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير، وفيه الملاطفة لمن يرجى إسلامه ~~من الأسارى إن كان في ذلك مصلحة للاسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه ~~العدد الكثير من قومه، وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد ~~منهم، والتخيير بعد ذلك في قتله والابقاء عليه. # وعن ابن عباس قال: لما أسروا الأسارى يعني يوم بدر قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا ~~قوة على الكفار وعسى الله أن يهديهم للاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ # فقال: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب ~~أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان نسيبا لعمر فأضرب ~~عنقه، ومكن فلانا من فلان قرابته، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما ~~كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ~~قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، ~~وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة شجرة قريبة منه، وأنزل الله عز وجل: * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض، إلى قوله: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) * (الأنفال: 69) ~~فأحل الله الغنيمة لهم رواه أحمد ومسلم PageV08P143 # . وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل فداء أهل ~~الجاهلية يوم بدر أربعمائة ms3342 رواه أبو داود. وعن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة ~~في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة كانت ~~لها عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص قالت: فلما رآها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم رق لها رقة شديدة فقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ~~وتردوا لها الذي لها، قالوا: نعم رواه أحمد وأبو داود. # وعن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدى رجلين من ~~المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل رواه أحمد والترمذي وصححه ولم يقل ~~فيه من بني عقيل. وعن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم ~~فداء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد ~~الأنصار الكتابة، قال: فجاء يوما غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ~~ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل بدر والله لا تأتيه أبدا رواه أحمد. # حديث ابن عباس الثاني أخرجه أيضا النسائي والحاكم وسكت عنه أبو داود ~~والمنذري والحافظ في التلخيص ورجاله ثقات إلا أبا العنبس وهو مقبول. وحديث ~~عائشة أخرجه أيضا الحاكم وفي إسناده محمد بن إسحاق. وحديث عمران بن حصين ~~أخرجه أيضا مسلم مطولا كما سيأتي، وأخرجه ابن حبان مختصرا، وحديث ابن عباس ~~الثالث في إسناده علي بن عاصم وهو كثير الغلط والخطأ وقد وثقه أحمد. وفي ~~الباب عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عند الترمذي: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إن جبريل هبط فقال له: خيرهم يعني أصحابك في ~~أسارى بدر القتل أو الفداء على أن يقتل منهم قابل مثلهم قالوا: الفداء ~~ويقتل منا قال الترمذي. وفي الباب عن ابن مسعود وأنس وأبي برزة الأسلمي ~~وجبير بن مطعم قال هذا يعني حديث علي حديث حسن غريب من حديث الثوري لا ~~نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. ورواه أبو أسامة عن هشام عن ابن سيرين عن ~~عبيدة عن النبي صلى ms3343 الله عليه وآله وسلم نحوه. وروى ابن عون عن ابن سيرين ~~عن عبيدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه مرسلا. وأخرج أبو داود ~~والنسائي والحاكم من حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~استشار الناس في أسارى بدر فقال أبو بكر: نرى أن تعفو عنهم وتقبل منهم ~~الفداء وأخرج البخاري عن أنس: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم PageV08P144 # فقالوا: أتأذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه؟ فقال: لا تدعوا منه ~~درهما. وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: * (ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) * (الأنفال: 67) إن ذلك كان يوم ~~بدر والمسلمون في قلة، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى: * (فإما ~~منا بعد وإما فداء) * (محمد: 4) فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المؤمنين بالخيار فيهم إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا ~~فادوهم، وفي إسناده علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهو لم يسمع منه، لكنه ~~إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه كمجاهد وغيره، وقد اعتمده البخاري وأبو ~~حاتم وغيرهما في التفسير. وأخرج أبو داود عن ابن عباس من وجه آخر قال: ~~حدثني عمر بن الخطاب. قال: لما كان يوم بدر فأخذ يعني النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الفداء أنزل الله تعالى: * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض) * إلى قوله: * (عذاب أليم) * ثم أحل لهم الغنائم. قوله: لما ~~أسروا الأسارى قد ساق ابن إسحاق في المغازي تفصيل أمر فداء الأسارى فذكر ما ~~يشفي ويكفي. قوله: قاعدين يبكيان إنما وقع البكاء منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومن أبي بكر لما أنزل الله من المعاتبة، ولما وقع من عرض العذاب على ~~الذين أخذوا الفداء كما في الحديث المذكور. قوله: من بني عقيل بضم العين ~~المهملة كذا في المشارق. قوله: بذحل بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء ~~المهملة قال في مختصر النهاية: الذحل الوتر ms3344 وطلب المكافأة بجناية جنيت ~~عليه. وقال في القاموس: الذحل الثأر أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك، أو ~~عداوة أتت إليك، أو العداوة والحقد، الجمع أذحال وذحول. وقد استدل المصنف ~~بالأحاديث التي ذكرها على ما ترجم الباب به من المن والفداء في حق الأسارى، ~~ومذهب الجمهور أن الامر في الأسارى الكفرة من الرجال إلى الامام يفعل ما هو ~~الأحظ للاسلام والمسلمين. وقال الزهري ومجاهد وطائفة: لا يجوز أخذ الفداء ~~من أسرى الكفار أصلا. وعن الحسن وعطاء: لا تقتل الأسرى بل يتخير بني المن ~~والفداء. وعن مالك: # لا يجوز المن بغير فداء. وعن الحنفية: لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا ~~بغيره. قال الطحاوي: # وظاهر الآية يعني قوله تعالى: * (فإما منا بعد وإما فداء) * حجة للجمهور. ~~وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة المذكورة في أول الباب. وقال أبو بكر ~~الرازي: احتج PageV08P145 # أصحابنا لكراهة فداء المشركين بالمال بقوله تعالى: * (لولا كتاب من الله ~~سبق) * (الأنفال: 68) الآية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنه كان قبل حل الغنيمة ~~كما قدمنا عن ابن عباس. # والحاصل أن القرآن والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور، فإنه قد وقع منه ~~صلى الله عليه وآله وسلم المن وأخو الفداء كما في أحاديث الباب ووقع منه ~~القتل، فإنه قتل النضر بن الحرث وعقبة بن أبي معيط وغيرهما، ووقع منه فداء ~~رجلين من المسلمين برجل من المشركين كما في حديث عمران بن حصين، قال ~~الترمذي بعد أن ساق حديث عمران بن حصين المذكور: والعمل على هذا عند أكثر ~~أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم أن للامام أن يمن ~~على من شاء من الأسارى، ويقتل من شاء منهم، ويفدي من شاء، واختار بعض أهل ~~العلم القتل على الفداء، قال: قال الأوزاعي: بلغني أن هذه الآية منسوخة ~~يعني قوله: * (فإما منا بعد وإما فداء) * (محمد: 4) نسخها قوله: * ~~(واقتلوهم حيث ثقفتموهم) * (البقرة: 191) حدثنا بذلك هناد، أخبرنا ابن ~~المبارك عن الأوزاعي قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا أسر الأسير ms3345 يقتل ~~أو يفادي أحب إليك؟ قال: إن قدر أن يفادي فليس به بأس، وإن قتل فما أعلم به ~~بأسا، قال إسحاق بن إبراهيم: # الاثخان أحب إلي إلا أن يكون معروفا طمع به الكثير انتهى. وقد ذهب إلى ~~جواز فك الأسير من الكفار بالأسير من المسلمين جمهور أهل العلم، لحديث ~~عمران بن حصين المذكور. # باب أن الأسير إذا أسلم لم يزل ملك المسلمين عنه عن عمران بن حصين قال: ~~كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من بني ~~عقيل وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو في الوثاق فقال: يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ # فقال: بما أخذتني وأخذت سابقة الحاج يعني العضباء؟ فقال: أخذتك بجريرة ~~حلفائك ثقيف ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد يا محمد، فقال: ما شأنك؟ قال: ~~إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ثم انصرف عنه، ~~فناداه: يا محمد يا محمد، فأتاه PageV08P146 # فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال: هذه حاجتك ~~ففدي بعد بالرجلين رواه أحمد ومسلم. # قوله: لبني عقيل بضم العين المهملة كما تقدم. قوله: العضباء بفتح المهملة ~~وسكون الضاد المعجمة ثم باء موحدة، وقد تقدم الكلام في ضبطها في كتاب الحج. ~~قوله: بجريرة حلفائك الجريرة الجناية. قال في النهاية: ومعنى ذلك أن ثقيفا ~~لما نقضوا الموادعة التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~ينكر عليهم بنو عقيل صاروا مثلهم في نقض العهد. (وفي الحديث) دليل على ما ~~ترجم المصنف الباب به من أنه لا يزول ملك المسلمين عن الأسير بمجرد إسلامه، ~~لأن هذا الرجل أخبر بأنه مسلم وهو في الأسر، فلم يقبل منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولم يفكه من أسره، ولم يخرج بذلك عن ملك من أسره. وفيه أيضا دليل ~~على أن للامام أن يمتنع من ms3346 قبول إسلام من عرف منه أنه لم يرغب في الاسلام ~~وإنما دعته إلى ذلك الضرورة، ولا سيما إذا كان في عدم القبول مصلحة ~~للمسلمين، فإن هذا الرجل استنقذ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلين ~~مسلمين من أسر الكفار، ولو قبل منه الاسلام لم يحصل ذلك، ويمكن أن يقال: # إن معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل ~~الفلاح أي لو قلت كلمة الاسلام أو هذه الكلمة التي أخبرت بها عن الاسلام ~~قبل أن يقع عليك الأسر لكنت آمنا ولم يجر عليك ما جرى من الأسر وأخذ المال، ~~ولم يرد بذلك رد إسلامه بل قبله منه، ولكنه لم يحصل بإسلامه الفكاك من ~~الأسر وإرجاع ما أخذ من ماله، فلم يحصل له كل الفلاح، لأنه لم يعامل في تلك ~~الحال معاملة المسلمين، بل عومل معاملة الكفار، فبقي في وثاقه وتحت ملك من ~~أسره، وعلى هذا يكون في الحديث دليل على ما أراد المصنف، لأن الرجل صار ~~مسلما ولم يزل عنه ملك المسلمين. وأما على تقدير أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يقبل منه الاسلام من الأصل فلا يكون فيه دليل على ذلك بأن ~~الرجل باق على كفره. # (وفي الحديث) مشروعية إجابة الأسير إذا دعا وإن كرر ذلك مرات والقيام بما ~~يحتاج إليه من طعام وشراب. ومعنى قوله: هذه حاجتك أي حاضرة يؤتي إليك بها ~~الساعة. PageV08P147 # باب الأسير يدعي الاسلام قبل الأسد وله شاهد عن ابن مسعود قال: لما كان ~~يوم بدر وجئ بالأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ينفلتن ~~منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، قال عبد الله بن مسعود: فقلت: يا رسول الله ~~إلا سهيل ابن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الاسلام، قال: # فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع ~~علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # إلا ms3347 سهيل ابن بيضاء، قال: ونزل القرآن: * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) ~~* (الأنفال: 68) إلى آخر الآيات رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. # الحديث هو من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه وقد قدمنا ~~أنه لم يسمع منه. قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: هذا حديث حسن وأبو ~~عبيدة لم يسمع من أبيه. قوله: لا ينفلتن أي لا يخرج من الأسر أحد إلا بأحد ~~الامرين: إما الفداء أو القتل، وفيه متمسك لمن قال: إنه لا يجوز المن بغير ~~فداء وهو مالك كما سلف، ولكن غاية ما فيه أنه يدل بمفهوم الحصر على عدم ~~جواز ذلك، وقوله تعالى: * (فإما منا بعد وإما فداء) * (محمد: 4) يدل ~~بمنطوقه على الجواز، ويؤيده ما تقدم من منه صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ثمامة بن أثال، وعلى الثمانين الرجل الذين هبطوا عليه من جبال التنعيم كما ~~سلف، وعلى أهل مكة حيث قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. # قوله: ونزل القرآن * (ما كان لنبي) * الخ، لفظ الترمذي: ونزل القرآن بقول ~~عمر * (ما كان لنبي) * الخ. (والحديث) يدل على ما ترجم به المصنف الباب من ~~أنه يجوز فك الأسير من الأسر بغير فداء إذا ادعى الاسلام قبل الأسر ثم شهد ~~له بذلك شاهد، وكذلك إذا لم تقع منه دعوى وشهد له شاهد أنه كان قد أسلم قبل ~~الأسر كما وقع في حديث الباب فإنه لم يذكر فيه أن سهيل ابن بيضاء ادعى ~~الاسلام أولا ثم شهد له بعد ذلك ابن مسعود، بل ليس فيه إلا مجرد صدور ~~الشهادة من ابن مسعود بذكره للاسلام قبل الأسر. PageV08P148 # باب جواز استرقاق العرب عن أبي هريرة قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث ~~سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولها فيهم، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: هم أشد أمتي على الدجال، قال: وجاءت صدقاتهم ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذه صدقات قومنا، قال: وكان سبية منهم ~~عند عائشة ms3348 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أعتقيها فإنها من ولد ~~إسماعيل متفق عليه. وفي رواية: # ثلاث خصال سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني تميم لا ~~أزال أحبهم بعده، كان على عائشة محرر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أعتقي من هؤلاء، وجاءت صدقاتهم فقال: هذه صدقات قومي، قال: وهم أشد الناس ~~قتالا في الملاحم رواه مسلم. وعن مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد ~~إليهم أموالهم وسبيهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحب ~~الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد كنت ~~استأنيت بكم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتظرهم بضع عشرة ~~ليلة حين قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم ~~قال أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين وإني رأيت أن أرد إليهم ~~سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى ~~نعطيه إياه من أول ما يفئ الله علينا فليفعل، فقال الناس: # قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى ترفع إلينا ~~عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا، فهذا الذي بلغنا عن سبي ~~هوازن رواه أحمد PageV08P149 # والبخاري وأبو داود. وعن عائشة قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس ~~بن شماس أو ms3349 لابن عم له، فكاتبته عن نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة، فأتت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إني جويرية بنت ~~الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فجئتك ~~أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول ~~الله، قال: أقضي كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، ~~قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ~~جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني ~~المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها رواه أحمد واحتج به ~~في رواية محمد بن الحكم وقال: لا أذهب إلى قول عمر: # ليس على عربي ملك، قد سبى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العرب في غير ~~حديث، وأبو بكر وعلي حين سبى بني ناجية. # حديث عائشة في قصة بني المصطلق أخرجه أيضا الحاكم وأبو داود والبيهقي، ~~وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر كما تقدم في باب الدعوة قبل القتال. ~~قوله: # أحب بني تميم هم القبيلة الشهيرة ينسبون إلى تميم بن مر بضم الميم بلا ~~هاء ابن أد بضم أوله وتشديد الدال المهملة ابن طابخة بموحدة مكسورة ومعجمة ~~ابن إلياس بن مضر قوله: بعد ثلاث زاد أحمد من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي ~~هريرة: وما كان قوم من الاحياء أبغض إلي منهم فأحببتهم انتهى، وإنما كان ~~يبغضهم لما كان بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة. قوله: هم أشد أمتي ~~على الدجال في الرواية الثانية: وهم أشد الناس قتالا في الملاحم وهي أعم من ~~الرواية الأولى، ويمكن أن يحمل العام في ذلك على الخاص، فيكون المراد ~~بالملاحم أكثرها وهي قتال الدجال ليدخل غيره بطريق الأولى. قوله: هذه صدقات ~~قومي وأما نسبهم إليه لاجتماع نسبه بنسبهم في ms3350 إلياس بن مضر، قال: وكانت ~~سبية منهم أي من تميم وهي بوزن فعيلة مفتوح الأول من السبي أو السباء في ~~رواية الإسماعيلي نسمة بفتح النون والمهملة أي نفس. قوله: محرر بمهملات اسم ~~مفعول، وقد بين ذلك الطبراني أن الذي كان PageV08P150 # على عائشة نذر ولفظه: نذرت عائشة أن تعتق محررا من بني إسماعيل. وله في ~~الكبير: أن عائشة قالت: يا نبي الله إني نذرت عتيقا من ولد إسماعيل، فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # اصبري حتى يجئ فئ بني العنبر غدا، فجاء فئ بني العنبر فقال: خذي منهم ~~أربعة الحديث. # قوله: وقد كنت استأنيت بكم أي أخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم، وكان صلى ~~الله عليه وآله وسلم قد ترك السبي بغير قسمة وتوجه إلى الطائف فحاصرها ثم ~~رجع عنها إلى الجعرانة ثم قسم الغنائم هناك فجاءه وفد هوازن بعد ذلك فبين ~~لهم أنه انتظرهم. وقوله: بضع عشرة ليلة بيان لمدة الانتظار. قوله: قفل بفتح ~~القاف والفاء أي رجع. وذكر الواقدي أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتا ~~فيهم الزبرقان السعدي فقال: يا رسول الله إن في هذه الحظائر إلا أمهاتك ~~وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك فامنن علينا من الله عليك. قوله: أن يطيب بفتح ~~الطاء المهملة وتشديد الياء التحتانية أي يعطي ذلك على طيبة من نفسه من غير ~~عوض. قوله: على حظه أي يرد السبي بشرط أن يعطي عوضه. قوله: يفئ الله علينا ~~بضم أوله ثم فاء مكسورة وهمزة بعد التحتانية الساكنة أي يرجع إلينا من مال ~~الكفار من خراج أو غنيمة أو غير ذلك ولم يرد الفئ الاصطلاحي وحده. قوله: ~~عرفاؤكم بضم العين المهملة جمع عريف بوزن عظيم وهو القائم بأمر طائفة من ~~الناس من عرفت بالضم وبالفتح على القوم عرافة فأنا عارف وعريف وليت أمر ~~سياستهم وحفظ أمورهم، وسمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم. قوله: فأخبروه أنهم قد ~~طيبوا وأذنوا نسبة التطييب والاذن إلى الجميع حقيقة لكن سبب ذلك مختلف، ~~فالأغلب الأكثر منهم طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير ms3351 عوض، وبعضهم ~~رده بشرط التعويض، ومعنى طيبوا حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت ~~بذلك، يقال: طيبت نفسي بكذا إذا حملتها على السماح به من غير إكراه فطابت ~~بذلك، ويقال: طيبت نفس فلان إذا كلمته بما يوافقه. # وإنما قلنا إن بعضهم رده بشرط العوض، مع أن ظاهر الحديث يدل على أنه لم ~~يشترط العوض أحد منهم لما في رواية موسى بن عقبة بلفظ: فأعطى الناس ما ~~بأيديهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء. وفي رواية عمرو بن شعيب: فقال ~~المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالت ~~الأنصار كذلك، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: ~~أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس PageV08P151 # بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: من تمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فئ نصيبه، ~~فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم. قال ابن بطال: في الحديث مشروعية إقامة ~~العرفاء، لأن الامام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى ~~إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه. قال: # والأمر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التواكل فيه من بعضهم فربما وقع ~~التفريط، فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد إلا الانقياد بما أمر ~~به. وفيه أن الخبر الوارد في ذم العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء، لأنه محمول ~~إن ثبت على أن الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الانصاف ~~المفضي إلى الوقوع في المعصية. والحديث في ذم العرفاء أخرجه أبو داود من ~~طريق المقدام بن معد يكرب رفعه: العرافة حق ولا بد للناس من عريف والعرفاء ~~في النار ولأحمد وصححه ابن خزيمة من طريق عباد بن علي عن أبي حازم عن أبي ~~هريرة رفعه: ويل للأمراء ويل للعرفاء قال الطيبي: قوله والعرفاء في النار ~~ظاهر أقيم مقام ms3352 الضمير يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن ~~الوقوع في المحظور المفضي إلى العذاب فهو كقوله تعالى: * (إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا) * (النساء: 10). فينبغي ~~للعاقل أن يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار. قال الحافظ: ~~ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الامراء بما توعد به العرفاء، فدل ~~على أن المراد بذلك الإشارة إلى أن كل من يدخل في ذلك لا يسلم، فإن الكل ~~على خطر والاستثناء مقدر في الجميع. ومعنى العرافة حق أن أصل نصبهم حق، فإن ~~المصلحة مقتضية لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما لا يتعاطاه ~~بنفسه. ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي كما دل عليه حديث ~~الباب. قوله: بني المصطلق قد تقدم ضبطه وتفسيره في باب الدعوة قبل القتال. ~~قوله: وقعت جويرية بالجيم مصغرا بنت الحرث بن أبي ضرار بن الحرث بن مالك بن ~~المصطلق وكان أبوها سيد قومه وقد أسلم بعد ذلك. قوله: ملاحة بضم الميم ~~وتشديد اللام بعدها حاء مهملة أي مليحة، وقيل شديدة الملاحة وجمعه ملاح ~~وأملاح وملاحون بتخفيف اللام وملاحون بتشديدها، ذكر معنى ذلك في القاموس. ~~وقد استدل المصنف رحمه الله PageV08P152 # تعالى بأحاديث الباب على جواز استرقاق العرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، كما ~~حكاه الحافظ في كتاب العتق من فتح الباري. وحكي في البحر عن العترة وأبي ~~حنيفة أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الاسلام أو السيف واستدل لهم بقوله ~~تعالى: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) الآية، ~~قال: والمراد مشركوا العرب إجماعا إذ كان العهد لهم يومئذ دون العجم اه. ثم ~~قال في موضع آخر من البحر: فأما الاسترقاق فإن كان أعجميا أو كتابيا جاز ~~لقول ابن عباس في تفسير: * (فإما منا بعد وإما فداء) * (محمد: 4) خير الله ~~تعالى نبيه في الأسر بين القتلى والفداء والاسترقاق وإن كان عربيا غير ~~كتابي لم يجز الشافعي يجوز لنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كان ~~الاسترقاق ms3353 ثابتا على العرب الخبر اه. وهو يشير إلى حديث معاذ الذي أخرجه ~~الشافعي والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم حنين: لو كان ~~الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم إنما هو أسرى وفي إسناده الواقدي وهو ~~ضعيف جدا. ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من ~~الواقدي، ومثل هذا لا تقوم به حجة. وظاهر الآية عد الفرق بين العربي ~~والعجمي. وقد خصت الهادوية عدم جواز الاسترقاق بذكور العرب دون إناثهم، ومن ~~أدلتهم على عدم جواز استرقاق الذكور من العرب أنه لو ثبت الاسترقاق لهم ~~لوقع، ولم يرد في وقوعه شئ على كثرة أسر العرب في زمانه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فإن المكروه أيضا لا بد أن يقع ولو لبيان الجواز، ولا يجوز أن يخل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ حكم الله. قال في المنار مستدلا على ~~ما ذهب إليه الجمهور: وقد استفتحت الصحابة أرض الشام وهم عرب، وكذلك في ~~أطراف بلاد العرب المتصلة بالعجم، ولم يفتشوا العربي من العجمي، والكتابي ~~من الأمي، بل سووا بينهم، لم يرو عن أحد خلاف ذلك، ثم ذكر قول أحمد بن حنبل ~~الذي ذكره المصنف. (والحاصل) أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل ~~والمن والفداء والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور تختص ببعض الكفار ~~دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم في ~~مقام المنع. وقول علي وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور PageV08P153 # العرب حجة، وقد استرق بني ناجية ذكورهم وإناثهم وباعهم كما هو مشهور في ~~كتب السير والتواريخ، وبنو ناجية من قريش فكيف ساغت لهم مخالفته؟. # باب قتل الجاسوس إذا كان مستأمنا أو ذميا عن سلمة بن الأكوع قال: أتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عين وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ~~ثم انسل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اطلبوه فاقتلوه، فسبقتهم ~~إليه فقتلته فنفلني سلبه رواه أحمد والبخاري ms3354 وأبو داود. وعن فرات بن حيان: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتله وكان ذميا وكان عينا لأبي ~~سفيان وحليفا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم، فقال ~~رجل من الأنصار: # يا رسول الله إنه مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن منكم ~~رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان رواه أحمد وأبو داود وترجمه ~~بحكم الجاسوس الذمي. وعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال: انطلقوا حتى تأتوا ~~روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا ~~حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما ~~معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، ~~فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي ~~بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا حاطب ما هذا؟ ~~قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من ~~أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم ~~وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها ~~قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الاسلام، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله ~~دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن ~~يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم متفق عليه. ~~PageV08P154 # حديث فرات بن حيان في إسناده أبو همام الدلال محمد بن محبب ولا يحتج ~~بحديثه وهو يرويه عن سفيان الثوري ولكنه قد روى الحديث المذكور عن سفيان ~~بشر بن ms3355 السري البصري وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه. ~~ورواه عن الثوري أيضا عباد بن موسى الأزرق العباداني وكان ثقة. قوله: # أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عين في رواية لمسلم أن ذلك كان في ~~غزوة هوازن، وسمى الجاسوس عينا لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية ~~واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا. قوله: فنفلني في رواية البخاري ~~فنفله بالالتفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة. وسبب قتله أنه اطلع على عورة ~~المسلمين كما وقع عند مسلم من رواية عكرمة بلفظ: فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى ~~مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد. وفي رواية لأبي ~~نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس أدركوه فإنه عين. وفي ~~الحديث دليل على أنه يجوز قتل الجاسوس. قال النووي فيه قتل الجاسوس الحربي ~~الكافر وهو باتفاق. وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده ~~بذلك، وعند الشافعية خلاف. أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا. ~~وحديث فرات المذكور في الباب يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي. وذهبت ~~الهادوية إلى أنه يقتل جاسوس الكفار والبغاة إذا كان قد قتل أو حصل القتل ~~بسببه وكانت الحرب قائمة، وإذا اختل شئ من ذلك حبس فقط. قوله: وعن فرات بضم ~~الفاء وراء مهملة وبعد الألف تاء مثناة فوقية وهو عجلي سكن الكوفة وهاجر ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يزل يغزو معه إلى أن قبض فنزل ~~الكوفة. قوله: روضة خاخ بخاءين معجمتين منقوطتين من فوق. قوله: ظعينة ~~بالظاء المعجمة بعدها عين مهملة وهي المرأة. قوله: من عقاصها جمع عقيصة وهي ~~الضفيرة من شعر الرأس وتجمع أيضا على عقص. قوله: من حاطب بحاء مهملة، ~~وبلتعة بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح التاء المثناة من فوق بعدها عين ~~مهملة. قوله: أنه قد شهد بدرا ظاهر هذا أن العلة في ترك قتله كونه ممن شهد ~~بدرا، ولولا ذلك لكان مستحقا للقتل، ففيه متمسك لمن قال إنه يقتل ms3356 الجاسوس ~~ولو كان من المسلمين. وقد روى ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة ~~قال: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وآله PageV08P155 # وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم ثم أعطاه ~~امرأة من مزينة وذكر ابن إسحاق أن اسمها سارة. وذكر الواقدي أن اسمها كنود، ~~وفي رواية له أخرى سارة، وفي أخرى له أيضا أم سارة. وذكر الواقد أن حاطبا ~~جعل لها عشرة دنانير على ذلك وقيل دينارا واحدا. وقيل: إنها كانت مولاة ~~العباس. # قال السهيلي: كان حاطب حليفا لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد ~~العزى، واسم أبي بلتعة عمرو، وقيل: كان أيضا حليفا لقريش. وذكر يحيى بن ~~سلام في تفسيره أن لفظ الكتاب: أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده ~~لنصره الله وأنجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام. كذا حكاه السهيلي. وروى ~~الواقدي بسند له مرسل أن حاطبا كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية ~~وعكرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن في الناس بالغزو ولا ~~أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد. قوله: وما يدريك لعل الله ~~الخ، هذه بشارة عظيمة لأهل بدر رضوان الله عليهم لم نقع لغيرهم، والترجي ~~المذكور قد صرح العلماء بأنه في كلام الله وكلام رسوله للوقوع. وقد وقع عند ~~أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم ولفظه: أن الله ~~أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وعند أحمد بإسناد على ~~شرط مسلم من حديث جابر مرفوعا: # لن يدخل النار أحد شهد بدرا وقد استشكل قوله: اعملوا ما شئتم فإن ظاهره ~~أنه للإباحة وهو خلاف عقد الشرع. وأجيب بأنه إخبار عن الماضي أي كل عمل كان ~~لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ ~~الماضي ms3357 ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به ~~في قصة حاطب، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم خاطب به عمر منكرا عليه ما قال ~~في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما ~~سيأتي، وأورده بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، وقيل: إن صيغة الامر في قوله ~~اعملوا للتشريف والتكريم ، فالمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، ~~وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم ~~السالفة وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت أي كل ما ~~عملتموه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور PageV08P156 # وقيل: إن المراد أن ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورة، وقيل: هي بشارة بعدم ~~وقوع الذنوب منهم، وفيه نظر ظاهر لما وقع في البخاري وغيره في قصة قدامة بن ~~مظعون من شربه الخمر في أيام عمر وأن عمر حده، ويؤيد القول بأن المراد ~~بالحديث أن ذنوبهم إذا وقعت تكون مغفورة، ما ذكره البخاري في باب استتابة ~~المرتدين عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الكبير أنه قال لحبان بن عطية: # قد علمت الذي جرأ صاحبك على الدماء يعني عليا كرم الله وجهه. قال في ~~الفتح: # واتفقوا أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا ~~من إقامة الحدود وغيرها اه. # باب أن العبد الكافر إذا خرج إلينا مسلما فهو حر عن ابن عباس قال: أعتق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الطائف من خرج إليه من عبيد ~~المشركين رواه أحمد. وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يرد إلينا أبا بكرة وكان مملوكنا فأسلم قبلنا فقال: ~~لا هو طليق الله ثم طليق رسوله رواه أبو داود. وعن علي قال: خرج عبدان إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه ~~مواليهم فقالوا: والله يا محمد ما خرجوا إليك رغبة في دينك ms3358 وإنما خرجوا ~~هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله ~~عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم وقال: هم عتقاء الله عز وجل ~~رواه أبو داود. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن أبي شيبة، وأخرجه أيضا ابن سعد من وجه آخر ~~مرسلا، وقصة أبي بكرة في تدليه من حصن الطائف مذكورة في صحيح البخاري في ~~غزوة الطائف، وحديث على أخرجه أيضا الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ~~لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي، وقال أبو بكر البزار: لا ~~نعلمه يروي عن علي بن أبي طالب إلا من حديث ربعي. قوله: من عبيد المشركين ~~منهم أبو بكرة PageV08P157 # والمنبعث وكان عبدا لعثمان بن عامر بن معتب. ومنهم مرزوق زوج سمية والدة ~~زياد. والأزرق وكان لكلدة الثقفي. وورد أنه كان لعبيد الله بن ربيعة. ويحنس ~~وكان لابن مالك الثقفي وإبراهيم بن جارية وكان لخرشة الثقفي، ويقال: كان ~~معهم زياد ابن سمية، والصحيح أنه لم يخرج حينئذ لصغره. وقد روي أنهم ثلاثة ~~وعشرون عبدا من الطائف من جملتهم أبو بكرة كما ذكره البخاري في المغازي، ~~وفيه رد على من زعم أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره، وهو شئ قاله ~~موسى بن عقبة في مغازيه وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بين القولين أن أبا بكرة ~~نزل وحده أولا ثم نزل الباقون بعده وهو جمع حسن. قوله: أن يرد إلينا أبا ~~بكرة اسمه نفيع بن الحرث وكان مولى الحرث بن كلدة الثقفي فتدلى من حصن ~~الطائف ببكرة فكنى أبا بكرة لذلك، أخرج ذلك الطبراني بإسناد لا بأس به من ~~حديث أبي بكرة. قوله: # عبدان جمع عبد. وفي أحاديث الباب دليل على أن من هرب من عبيد الكفار إلى ~~المسلمين صار حرا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: هم عتقاء الله ولكن ينبغي ~~للامام أن ينجز ms3359 عتقهم كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم في عبيد الطائف ~~كما في حديث ابن عباس المذكور في الباب. # باب أن الحربي إذا أسلم قبل القدرة عليه أحرز أمواله قد سبق قوله عليه ~~السلام: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وعن صخر بن ~~عيلة: أن قوما من بني سليم فروا عن أرضهم حين جاء الاسلام فأخذتها فأسلموا ~~فخاصموني فيها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فردها عليهم وقال: إذا ~~أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله رواه أحمد وأبو داود بمعناه وقال فيه، ~~فقال: يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم. وعن أبي سعيد ~~الأعشم قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العبد إذا جاء فأسلم ~~ثم جاء مولاه فأسلم أنه حر، وإذا جاء المولى ثم جاء العبد بعدما أسلم مولاه ~~فهو أحق به رواه أحمد في رواية أبي طالب وقال: اذهب إليه، قلت: وهو مرسل. # الحديث الذي أشار إليه المصنف بقوله: قد سبق الخ تقدم في أول كتاب ~~PageV08P158 # الصلاة. وحديث صخر بن عيلة قال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله موثقون اه. ~~وعيلة بفتح العين المهملة وسكون التحتانية وهي أم صخر. وفي الباب عن أبي ~~هريرة عند أبي يعلى مرفوعا: من أسلم على شئ فهو له وضعفه ابن عدي بياسين ~~الزيات الراوي عن أبي هريرة، قال البيهقي: وإنما يروى عن ابن أبي مليكة وعن ~~عروة مرسلا، وفي الباب أيضا عن عروة مرسلا عند سعيد بن منصور برجال ثقات: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاصر بني قريظة فأسلم ثعلبة وأسيد بن ~~سعية فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار. وأخرج ابن إسحاق في ~~المغازي عن شيخ من بني قريظة أنه قال له: هل تدري كيف كان إسلام ثعلبة ~~وأسيد ونفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة والنضير كانوا فوق ذلك؟ أنه قدم ~~علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان فأقام عندنا، فوالله ما ~~رأينا رجلا قط لا يصلي ms3360 الخمس خيرا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بسنين وكان يقول: إنه يتوقع خروج نبي قد أظل زمانه فذكر ~~الحديث، فلما كانت الليلة التي افتتح فيها قريظة قال أولئك الفتية الثلاثة: ~~يا معشر يهود. والله إنه للرجل الذي كان ذكر لكم ابن الهيبان، قالوا: # ما هو إياه، قال: بلى والله إنه لهو، قال: فنزلوا وأسلموا وكانوا شبابا، ~~فخلوا أموالهم وأولادهم وأهليهم في الحصن عند المشركين، فلما فتح رد ذلك ~~عليهم. وأخرجه أيضا البيهقي. وأسيد المذكور بفتح الهمزة وكسر السين، وسعية ~~بفتح السين المهملة وإسكان العين المهملة أيضا وفتح التحتية. وقيل: بالنون ~~بدل الياء، قال النووي: وهو تصحيف من بعض الفقهاء، والهيبان بفتح الهاء ~~والياء المثناة من تحت والباء الموحدة كذا ضبطه المطرزي في المغرب. وفي ~~القاموس: الهيبان بالتشديد وقد يخفف صحابي أسلم. قوله: دماءهم وأموالهم ~~الظاهر أن الأموال تشمل المنقول وغير المنقول، فيكون المسلم طوعا أحق بجميع ~~أمواله، وقد صرح بدخول الأرض في حديث صخر المذكور في الباب لقوله فيه، ~~بأرضه وماله. وقد ذهب الجمهور إلى أن الحربي إذا أسلم طوعا كانت جميع ~~أمواله في ملكه، ولا فرق بين أن يكون إسلامه في دار الاسلام أو دار الكفر ~~على ظاهر الدليل. وقال بعض الحنفية: # إن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو ~~أحق بجميع ماله إلا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئا للمسلمين، وقد خالفهم أبو ~~يوسف في ذلك فوافق الجمهور، وذهبت الهادوية إلى مثل ما ذهب إليه بعض ~~الحنفية إذا PageV08P159 # كان إسلامه في دار الحرب، قالوا: وإن كان إسلامه في دار الاسلام كانت ~~أمواله جميعها فيئا من غير فرق بين المنقول وغيره إلا أطفاله فإنه لا يجوز ~~سبيهم، ويدل على ما ذهب إليه الجمهور أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقر ~~عقيلا على تصرفه فيما كان لأخويه علي وجعفر، وللنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الدور والرباع بالبيع وغيره، ولم يغير ذلك ولا انتزعها ممن هي في ~~يده ms3361 لما ظفر، فكان ذلك دليلا على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في ~~يده بطريق الأولى، وقد بوب البخاري على قصة عقيد هذه فقال: باب إذا أسلم ~~قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، قال القرطبي: يحتمل أن يكون ~~مراد البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من على أهل مكة بأموالهم ~~ودورهم قبل أن يسلموا، فتقرير من أسلم يكون بطريق الأولى . قوله: فأخذتها ~~الآخذ هو صخر المذكور. قوله: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~العبد الخ، فيه دليل على أن من أسلم من عبيد الكفار قبل إسلامهم صار حرا ~~بمجرد إسلامه، لما تقدم في الباب الأول أن العبيد الذين يفرون من دار الحرب ~~إلى دار الاسلام عتقاء الله، ومن أسلم بعد إسلام سيده كان مملوكا لسيده لأن ~~إسلام السيد قد أحرز ماله ودمه والعبد من جملة أمواله. (والحديث) المذكور ~~وإن كان مرسلا إلا أنه يدل على معناه الحديث المتفق عليه الذي أشار إليه ~~المصنف لقوله فيه: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فلو حكم بحرية ~~عبد الرجل المسلم إذا أسلم لكان بعض ماله خارجا عن العصمة، وهكذا يدل على ~~هذا المعنى حديث صخر المذكور ، وأحاديث الباب الأول تدل على ما دل عليه ~~حديث أبي سعيد المذكور من أن عبد الحربي إذا أسلم صار حرا بإسلامه، فقد دل ~~على جميع ما اشتمل عليه من التفصيل غيره من الأحاديث فلا يضر إرساله. # باب حكم الأرضين المغنومة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت ~~الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم رواه أحمد ومسلم. وعن أسلم ~~مولى عمر قال: قال عمر: أما والذي نفسي PageV08P160 # بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم من شئ ما فتحت علي قرية إلا ~~قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر، ولكن أتركها خزانة ~~لهم يقتسمونها ms3362 رواه البخاري. وفي لفظ قال: لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا ~~تفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم خيبر رواه أحمد. وعن بشير بن يسار عن رجال من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أدركهم يذكرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فجعل نصف ذلك ~~كله للمسلمين، فكان في ذلك النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم معها، وجعل النصف الآخر لمن ينزل به من الوفود والأمور ~~ونوائب الناس رواه أحمد وأبو داود. وعن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ~~قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر نصفين نصفا لنوائبه ~~وحوائجه ونصفا بين المسلمين، قسمها على ثمانية عشر سهما رواه أبو داود. وعن ~~سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح بعض خيبر عنوة ~~رواه أبو داود. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ~~ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، ~~شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه رواه أحمد ومسلم وأبو داود. # حديث بشير بن يسار سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه أيضا أبو داود عنه ~~من طريق أخرى أنه سمع نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: ~~فذكر هذا الحديث قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب. وأخرجه ~~أبو داود أيضا من طريق ثالثة عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا ~~واسطة بأطول من اللفظين المذكورين سابقا وهو مرسل، فإنه لم يدرك رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا أدرك فتح خيبر. وحديث بشير أيضا الذي ms3363 رواه من ~~طريق سهل سكت عنه أبو داود والمنذري. قوله: أيما قرية الخ، فيه التصريح بأن ~~الأرض المغنومة تكون للغانمين، قال الخطابي: فيه دليل على أن أرض العنوة ~~PageV08P161 # حكمها حكم سائر الأموال التي تغنم، وأن خمسها لأهل الخمس، وأربعة أخماسها ~~للغانمين. # قوله: ببانا بموحدتين مفتوحتين الثانية ثقيلة وبعد الألف نون كذا للأكثر. # قال أبو عبيد بعد أن أخرجه عن ابن مهدي: قال ابن مهدي يعني شيئا واحدا. # قال الخطابي: ولا أحسب هذه اللفظة عربية ولم أسمعها في غير هذا الحديث. ~~وقال الأزهري: بل هي لغة صحيحة لكنها غير فاشية هي لغة معد، وقد صححها صاحب ~~العين وقال: ضوعفت حروفه يقال: هم على بيان واحد. وقال الطبري: البيان ~~المعدم الذي لا شئ له، فالمعنى: لولا أني أتركهم فقراء معدمين لا شئ لهم أي ~~متساوين في الفقر. وقال أبو سعيد الضرير فيما تعقبه على أبي عبيد: صوابه ~~بيانا بالموحدة ثم تحتانية بدل الموحدة الثانية أي شيئا واحدا، فإنهم قالوا ~~لمن لا يعرف هو هيان بن بيان اه. وقد وقع من عمر ذكر هذه الكلمة في قصة ~~أخرى وهو أنه كان يفضل في القسمة فقال: لئن عشت لأجعلن للناس ببانا واحدا، ~~ذكره الجوهري وهو مما يؤيد تفسيره بالتسوية. قوله: يقتسمونها أي يقتسمون ~~خراجها. قوله: كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر فيه تصريح ~~بما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه عار ض ذلك عنده حسن النظر ~~لآخر المسلمين فيما يتعلق بالأرض خاصة فوقفها على المسلمين وضرب عليها ~~الخراج الذي يجمع مصلحتهم. وروى أبو عبيد في كتاب الأموال من طريق أبي ~~إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد فشاور في ذلك فقال ~~له علي رضي الله عنه: دعه يكون مادة للمسلمين فتركه. وأخرجه أيضا من طريق ~~عبد الله بن أبي قيس أن عمر أراد قسمة الأرض فقال له معاذ: إن قسمتها صار ~~الريع العظيم في أيدي القوم يبيدون فيصير إلى الرجل الواحد أو ms3364 المرأة، ~~ويأتي قوم يسدون من الاسلام مسدا ولا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم ~~وآخرهم، فاقتضى رأي عمر تأخير قسم الأرض وضرب الخراج عليها للغانمين ولمن ~~يجئ بعدهم. وقد اختلف في الأرض التي يفتتحها المسلمون عنوة. قال ابن ~~المنذر: ذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض ~~السواد، وأن الحكم في أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم خيبر، وتعقب بأنه مخالف لتعليل عمر بقوله: لولا أن أترك آخر الناس ~~الخ، لكن يمكن أن يقال معناه: لولا أن أترك آخر الناس ما استطبت أنفس ~~PageV08P162 # الغانمين. وأما قول عمر: كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر ~~فإنه يريد بعض خيبر لا جميعها، كذا قال الطحاوي وأشار بذلك إلى ما في حديث ~~بشير بن يسار المذكور في الباب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزل نصف ~~خيبر لنوائبه وما ينزل به وقسم النصف الباقي بين المسلمين والمراد بالذي ~~عزله ما افتتح صلحا، وبالذي قسمه ما افتتح عنوة. # وقد اختلف في الأرض التي أبقاها عمر بغير قسمة، فذهب الجمهور إلى أنه ~~وقفها لنوائب المسلمين وأجرى فيها الخراج ومنع بيعها. وقال بعض الكوفيين: ~~أبقاها ملكا لمن كان بها من الكفرة وضرب عليهم الخراج. قال في الفتح: وقد ~~اشتد نكير كثير من فقهاء أهل الحديث لهذه المقالة انتهى. وقد ذهب مالك إلى ~~أن الأرض المغنومة لا تقسم بل تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من ~~أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى ~~الامام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض. ~~وحكى هذا القول ابن القيم عن جمهور الصحابة ورجحه وقال: إنه الذي كان عليه ~~سيرة الخلفاء الراشدين. # قال: ونازع في ذلك بلال وأصحابه وطلبوا أن يقسم بينهم الأرض التي فتحوها، ~~فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحسبه فيئا يجري عليكم وعلى المسلمين، فقال ~~بلال وأصحابه: # اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم ms3365 اكفني بلالا وذويه، فما حال الحول ومنهم ~~عين تطرف ، ثم وافق سائر الصحابة عمر، قال: ولا يصح أن يقال إنه استطاب ~~نفوسهم ووقفها برضاهم فإنهم قد نازعوه فيها وهو يأبى عليهم، ثم قال: ووافق ~~عمر جمهور الأئمة وإن اختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب أحمد ~~وأكثر نصوصه على أن الامام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان ~~الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، ~~وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله، فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فعل الأقسام الثلاثة، فإنه قسم أرض قريظة والنضير وترك قسمة مكة، ~~وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. وفي رواية لأحمد: ~~أن الأرض تصير وقفا بنفس الظهور والاستيلاء من غير وقف من الامام وله رواية ~~ثالثة: إن الامام يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلى أن ~~يتركوا حقهم منها قال: وهو مذهب الشافعي بناء من الشافعي على أن آية ~~الأنفال وآية الحشر متواردتان، وأن الجميع يسمى فيئا وغنيمة، ولكنه يرد ~~PageV08P163 # عليه أن ظاهر سوق آية الحشر أن الفئ غير الغنيمة وأن له مصرفا عاما، ~~ولذلك قال عمر: إنها عمت الناس بقوله: * (والذين جاؤوا من بعدهم) * (الحشر: ~~10) ولا يتأتى حصة لمن جاء من بعدهم إلا إذا بقيت الأرض محبسة للمسلمين، إذ ~~لو استحقها المباشرون للقتال وقسمت بينهم توارثها ورثة أولئك، فكانت القرية ~~والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبي صغير، وذهبت الحنفية إلى أن الامام ~~مخير بين القسمة بين الغانمين ، وأن يقرها لأربابها على خراج أو ينتزعها ~~منهم ويقرها مع آخرين، وعند الهادوية الامام مخير بين وجوه أربعة معروفة في ~~كتبهم. قوله: افتتح بعض خيبر عنوة العنوة بفتح العين المهملة وسكون النون ~~القهر. قوله: وقفيزها القفيز مكيال ثمانية مكاكيك قوله منعت العراق مديها ~~المدى مائة واثنان وتسعون مدا وهو صاع أهل العراق. # قوله: ومنعت مصر أردبها بالراء والدال المهملتين بعدهما موحدة، قال في ~~القاموس : الإردب كقرشب مكيال ضخم ms3366 بمصر ويضم أربعة وعشرون صاعا انتهى. ~~قوله: # وعدتم من حيث بدأتم أي رجعتم إلى الكفر بعد الاسلام، وهذا الحديث من ~~أعلام النبوة لاخباره صلى الله عليه وآله وسلم بما سيكون من ملك المسلمين ~~هذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج ثم بطلان ذلك، إما بتغلبهم وهو أصح ~~التأويلين وفي البخاري ما يدل عليه، ولفظ المنع في الحديث يرشد إلى ذلك، ~~وإما بإسلامهم. ووجه استدلال المصنف بهذا الحديث على ما ترجم الباب به من ~~حكم الأرضين المغنومة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بأن الصحابة ~~يضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرره وحكاه لهم. # باب ما جاء في فتح مكة هو عنوة أو صلح؟ # عن أبي هريرة أنه ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فدخل مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة ~~الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في كتيبته، قال: وقد وبشت قريش أوباشها وقالوا: نقدم هؤلاء ~~فإن كان لهم شئ كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. قال أبو هريرة: ~~ففطن فقال لي: يا أبا هريرة قلت: لبيك يا رسول الله، PageV08P164 # قال: اهتف لي بالأنصار ولا يأتيني إلا أنصاري، فهتف بهم فجاؤوا فطافوا ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ثم ~~قال بيديه إحداهما على الأخرى: # احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا، قال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء أحد ~~منا أن يقتل منهم ما شاء إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، فجاء أبو ~~سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن، فأغلق الناس أبوابهم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس وهو آخذ بسية ms3367 القوس، ~~فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه فجعل يطعن به في عينه ويقول: ~~جاء الحق وزهق الباطل، ثم أتى الصفا فعلا حيث ينظر إلى البيت فرفع يده فجعل ~~يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعض: ~~أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي ~~وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى يقضى، فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال: يا معشر ~~الأنصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قالوا قلنا ~~ذلك يا رسول الله، قال: فما اسمي إذن، كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى ~~الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: # والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن برسول الله، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم رواه أحمد ومسلم. وعن ~~أم هانئ قالت: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح ~~فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا ~~أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا يا أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام يصلي ~~ثمان ركعات ملتحفا في ثوب واحد فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي ~~علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلا قد أجرته فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، قالت: وذلك ضحى ~~متفق عليه. # وفي لفظ لأحمد قالت: لما كان يوم فتح مكة أجرت رجلين من أحمائي فأدخلتهما ~~PageV08P165 # بيتا وأغلقت عليهما بابا فجاء ابن أمي علي فتفلت عليهما بالسيف وذكرت ~~حديث أمانهما. # قوله: على إحدى المجنبتين بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة قال ~~في القاموس: والمجنبة بفتح النون المقدمة، والمجنبتان بالكسر الميمنة ~~والميسرة انتهى. # فالمراد هنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم ms3368 بعث الزبير إما على الميسرة أو ~~الميمنة وخالدا على الأخرى. قوله: على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد ~~السين المهملة أيضا ثم راء جمع حاسر وهو من لا سلاح معه. قوله: في كتيبته ~~هي الجيش. # قوله: وبشت قريش أوباشها الأوباش بموحدة ومعجمة الأخلاط والسفلة كما في ~~القاموس، والمراد أن قريشا جمعت السفلة منها. قوله: اهتف لي بالأنصار أي ~~أصرخ بهم، قال في القاموس: هتفت الحمامة تهتف صاتت وبه هتافا بالضم صاح. ~~قوله: # ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى فيه استعارة القول للفعل، والمراد أنه ~~أشار بيديه إشارة تدل على الامر منه صلى الله عليه وآله وسلم بقتل من يعرض ~~لهم من أوباش قريش. وقوله: احصدوهم حصدا تفسير منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما دلت عليه الإشارة بالقول، هكذا وقع عند المصنف فيما رأيناه من النسخ ~~بدون لفظ أي المشعرة بأن ما بعدها تفسير للإشارة من الراوي ولفظ مسلم أي ~~احصدوهم حصدا. قوله: أبيدت خضراء قريش في رواية، أبيحت وخضراء قريش بالخاء ~~والضاد المعجمتين بعدهما راء قال في القاموس: والخضراء سواد القوم ومعظمهم. # قوله: لا قريش بعد اليوم يجوز في قريش الفتح لكنه يحتاج إلى تأويل أي لا ~~أحد من قريش، لأنه لا يفتح بعد لا إلا النكرة، والرفع أيضا على أنها بمعنى ~~ليس وهو شاذ حتى قيل: إنه لم يرد إلا في الشعر. قوله: بسية قوسه سية القوس ~~ما انعطف من الطرفين لأنهما مستويان وهي بكسر السين المهملة وفتح الياء ~~التحتية مخففة. قوله: على صنم إلى جنب البيت في رواية للبخاري: أن الأصنام ~~كانت ثلاثمائة وستين. قوله: يطعن بضم العين وبفتحها والأول أشهر. قوله: ~~ويقول جاء الحق زاد في حديث ابن عمر عند الفاكهي وصححه ابن حبان: فيسقط ~~الصنم ولا يمسه. وللفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس فلم يبق وثن استقبله ~~إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة في الأرض، وقد شد لهم إبليس أقدامها ~~بالرصاص، PageV08P166 # وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم لها إذلالا لها ولعابديها، ~~وإظهارا ms3369 لعدم نفعها، لأنها إذا عجزت عن أن تدفع عن نفسها فهي عن الدفع عن ~~غيرها أعجز. قوله: الضن بكسر الضاد المعجمة مشددة بعدها نون أي الشح والبخل ~~أن يشاركهم أحد في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: يصدقانكم ~~ويعذرانكم فيه جواز الجمع بين ضمير الله ورسوله، وكذلك وقع الجمع بينهما في ~~حديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية بلفظ: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم ~~الحمر الأهلية فلا بد من حمل النهي الواقع في حديث الخطيب الذي خطب بحضرته ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ~~غوى الحديث وقد تقدم على من اعتقد التسوية كما قدمنا ذلك في موضعه. قوله: ~~وعن أم هانئ قد تقدم الكلام على أطراف من هذا الحديث في صلاة الضحى. قوله: ~~زعم ابن أمي في رواية للبخاري في أول كتاب الصلاة: زعم ابن أبي والكل صحيح ~~فإنه شقيقها، وزعم هنا بمعنى ادعى. قوله: أنه قاتل رجلا فيه إطلاق اسم ~~الفاعل على من عزم على التلبس بالفعل. قوله: فلان ابن هبيرة بالنصب على ~~البدل أو الرفع على الحذف. وفي رواية أحمد المذكورة رجلين من أحمائي وقد ~~أخرجها الطبراني. قال أبو العباس بن سريج: هما جعدة ابن هبيرة ورجل آخر من ~~بني مخزوم، وكانا فيمن قاتل خالد بن الوليد ولم يقبلا الأمان فأجارتهما أم ~~هانئ وكانا من أحمائها. وقال ابن الجوزي: إن كان ابن هبيرة منهما فهو جعدة ~~انتهى. قال الحافظ: وجعدة معدود فيمن له رواية ولم يصح له صحبة، وقد ذكره ~~من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما فكيف يتهيأ لمن هذه ~~سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلا حتى يحتاج إلى الأمان؟ انتهى. ~~وهبيرة المذكور هو زوج أم هانئ، فلو كان الذي أمنته أم هانئ هو ابنها منه ~~لم يهم علي بقتله، لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها. وجوز ~~ابن عبد البر أن يكون ابنا لهبيرة من غيرها، مع نقله ms3370 عن أهل النسب أنهم لم ~~يذكروا لهبيرة ولدا من غير أم هانئ. وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن ~~اللذين أجارتهما أم هانئ هما الحرث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان. ~~وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا أنهما الحرث ابن هشام ~~وعبد الله بن أبي ربيعة. وحكى PageV08P167 # بعضهم أنهما الحرث بن هشام وهبيرة بن أبي وهب وليس بشئ، لأن هبيرة هرب ~~بعد فتح مكة إلى نجران، فلم يزل بها مشركا حتى مات، كذا جزم به ابن إسحاق ~~وغيره، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ. وقال الكرماني: قال الزبير بن ~~بكار: فلان ابن هبيرة هو الحرث بن هشام وقد تصرف في كلام الزبير، والواقع ~~عند الزبير في هذه القصة موضع فلان ابن هبيرة الحرث بن هشام. قال الحافظ: ~~والذي يظهر لي أن في رواية الحديث حرفا كان فيه فلان ابن عم ابن هبيرة فسقط ~~لفظ عم، أو كان فيه فلان قريب ابن هبيرة فتغير لفظ قريب إلى لفظ ابن، وكل ~~من الحرث ابن هشام وزهير بن أبي أمية وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه ~~ابن عم هبيرة وقريبه لكون الجميع من بني مخزوم. وقد تمسك بحديث أبي هريرة ~~وحديث أم هانئ من قال: إن مكة فتحت عنوة، ومحل الحجة من الأول أمره صلى ~~الله عليه وآله وسلم للأنصار بالقتل لأوباش قريش ووقع القتل منهم، ومحل ~~الحجة من الثاني ما وقع من علي من إرادة قتل من أجارته أم هانئ، ولو كانت ~~مكة مفتوحة صلحا لم يقع منه ذلك، وسيأتي ذكر الخلاف وما هو الحق في ذلك. # وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل ~~بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتوا مر ~~الظهران، فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms3371 فأخذوهم ~~وأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم أبو سفيان فلما سار قال ~~للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس ~~فجعلت القبائل تمر كتيبة بعد كتيبة على أبي سفيان حتى أقبلت كتيبة لم ير ~~مثلها قال: يا عباس من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة ومعه ~~الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل ~~الكعبة ، فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار، ثم جاءت كتيبة وهي أقل ~~الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وراية النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على أبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال: قال ~~كذا كذا وكذا، فقال: PageV08P168 # كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة، وأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تركز رايته بالحجون، قال عروة: ~~فأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا ~~أبا عبد الله ههنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تركز الراية؟ ~~قال: نعم، قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ خالد بن ~~الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من كدى رواه البخاري. # قوله: عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما سار الخ، هكذا أورده البخاري ~~مرسلا، قال في الفتح: ولم أره في شئ من الطرق موصولا عن عروة، ولكن آخر ~~الحديث موصول لقول عروة فيه فأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس ~~الخ. قوله: فبلغ ذلك قريشا يحتمل أن يكون ذلك بطريق الظن لا أن مبلغا بلغهم ~~حقيقة ذلك. قوله: # حتى أتوا مر الظهران بفتح الميم وتشديد الراء مكان معروف، والعامة تقوله ~~بسكون الراء وزيادة واو، والظهر ms3372 أن بفتح المعجمة وسكون الهاء بلفظ تثنية ~~ظهر. # قوله: فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذوهم الخ، ~~في رواية ابن إسحاق: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر ~~الظهران قال العباس: والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه ~~فيستأمنوه إنه لهلاك قريش: قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حتى جئت الأراك فقلت لعلي: أجد بعض الحطابة أو ذا حاجة يأتي مكة ~~فيخبرهم إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، قال: فعرفت صوته فقلت: يا ~~أبا حنظلة، قال: فعرف صوتي، فقال أبو الفضل قلت: نعم، قال: ما الحيلة؟ قلت: ~~فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأستأمنه لك، قال: فركب خلفه ورجع صاحباه وهذا مخالف لما في حديث الباب ~~أنهم أخذوهم. وفي رواية ابن عائذ: فدخل بديل وحكيم على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأسلما. قال في الفتح: فيحمل قوله: ورجع صاحباه أي بعد أن ~~أسلما، واستمر أبو سفيان عند العباس لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم له أن يحبسه حتى يرى العساكر، ويحتمل أن يكونا رجعا لما التقى العباس ~~بأبي سفيان فأخذهما العسكر أيضا. وفي مغازي موسى بن عقبة: فلقيهم العباس ~~فأجارهم وأدخلهم على رسول الله صلى الله PageV08P169 # عليه وآله وسلم فأسلم بديل وحكيم وتأخر أبو سفيان بإسلامه إلى الصبح. ~~ويجمع بين الروايات بأن الحرس أخذوهم فلما رأوا أبا سفيان مع العباس تركوه ~~معه. # قوله: احبس أبا سفيان في رواية موسى بن عقبة: أن العباس قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إني لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر فأحبسه حتى ~~يرى جنود الله ففعل، فقال أبو سفيان: أغدرا يا بني هاشم؟ قال له العباس: لا ~~ولكن لي إليك حاجة فتصبح فتنظر جنود الله وما أعد الله للمشركين، فحبسه ~~بالمضيق دون الأراك حتى أصبحوا. قوله: عند خطم الجبل في ms3373 رواية النسفي ~~والقابسي: # بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة وبالجيم والموحدة أي أنف الجبل وهي ~~رواية ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، وفي رواية الأكثر بفتح المهملة من ~~اللفظة الأولى وبالخاء المعجمة وسكون التحتانية من الثانية أي ازدحامها، ~~وإنما حبسه هناك لكونه كان مضيقا ليرى الجميع ولا تفوته رؤية أحد منهم. ~~قوله: كتيبة بوزن عظيمة وهي القطعة من الجيش من الكتب وهو الجمع. قوله: ~~ومعه الراية أي راية الأنصار، وكانت راية المهاجرين مع الزبير كما هو مذكور ~~في آخر الحديث. قوله: يوم الملحمة بالحاء المهملة أي يوم حرب لا يوجد منه ~~مخلص أو يوم القتل، يقال: لحم فلان فلانا إذا قتله. قوله: يوم الذمار بكسر ~~المعجمة وتخفيف الميم أي الهلاك، قال الخطابي: تمنى أبو سفيان أن يكون له ~~يد فيحمي قومه ويدفع عنهم. وقيل: المراد هذا يوم الغضب للحريم والأهل. ~~وقيل: المراد هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني فيه مكروه. ~~قوله: وهي أقل الكتائب أي أقلها عددا، لأن عدد المهاجرين كان أقل من عدد ~~غيرهم من القبائل. # وقال القاضي عياض: وقع للجميع بالقاف، ووقع في الجمع للحميدي أجل بالجيم. ~~قوله: # كذب سعد فيه إطلاق الكذب على الاخبار بغير ما سيقع، ولو قاله القائل بناء ~~على ظنه وقوة القرينة، والخلاف في ماهية الكذب معروف. قوله: يعظم الله فيه ~~الكعبة وهذا إشارة إلى ما وقع من إظهار الاسلام، وأذان بلال على ظهر ~~الكعبة، وإزالة الأصنام عنها، ومحو ما فيها من الصور وغير ذلك. قوله: ويوم ~~تكسى فيه الكعبة قيل: إن قريشا كانت تكسو الكعبة في رمضان فصادف ذلك اليوم، ~~أو المراد باليوم الزمان، أو أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنه هو الذي ~~يكسوها في ذلك العام. قوله: PageV08P170 # بالحجون بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة وهو مكان معروف بالقرب من مقبرة ~~مكة. # قوله: فأخبرني نافع بن جبير لم يدرك نافع يوم الفتح، ولعله سمع العباس ~~يقول للزبير ذلك في حجة اجتمعوا فيها بعد أيام النبوة فإن نافعا لا صحبة ~~له. ms3374 # قوله: قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ، القائل هو عروة ~~وهو من بقية الخبر المرسل، وليس فيه من المرفوع إلا ما صرح بسماعه من نافع، ~~وأما باقيه فيحتمل أن يكون عروة تلقاه عن أبيه أو عن العباس فإنه أدركه وهو ~~صغير، أو جمعه من نقل جماعة له بأسانيد مختلفة، قال الحافظ: وهو الراجح. ~~قوله: من كداء بالمد مع فتح الكاف والآخر بضم الكاف والقصر، والأول يسمى ~~المعلى والثاني الثنية السفلى، وهذا يخالف ما وقع في سائر الأحاديث في ~~البخاري وغيره أن خالدا دخل من أسفل مكة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~أعلاها، وأمر الزبير أن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالدا ~~في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم، وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته ~~عند أدنى البيوت، وتمام الحديث المذكور في الباب: فقتل من خيل خالد يومئذ ~~رجلان كما في صحيح البخاري، وكان على المصنف أن يذكر ذلك لأنه يدل على ما ~~ترجم الباب به. وفي مغازي موسى بن عقبة: أنه قتل من المشركين يومئذ نحو ~~عشرين رجلا قتلهم أصحاب خالد وذكر ابن سعد أن عدة من أصيب من الكفار أربعة ~~وعشرون رجلا. وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال: # خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن الله حرم مكة الحديث ~~فقيل له: # هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال: قم يا فلان فقل له فليرفع القتل، فأتاه ~~الرجل فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لك: اقتل من ~~قدرت عليه، فقتل سبعين، ثم اعتذر الرجل إليه فسكت قال: وقد كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمر الامراء أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه ~~كان أهدر دم نفر سماهم انتهى. # وعن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وسماهم رواه النسائي وأبو داود. # وعن أبي بن كعب ms3375 قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ومن ~~المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لئن كان لنا ~~يوم مثل هذا من المشركين لنربين عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا ~~يعرف: لا قريش PageV08P171 # بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمن الأسود ~~والأبيض إلا فلانا وفلانا ناس سماهم، فأنزل الله عز وجل: * (وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) * (النحل: 126) ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نصبر ولا نعاقب رواه عبد الله بن ~~أحمد في المسند، وقد سبق حديث أبي هريرة وأبي شريح إلا أن فيهما: وإنما ~~أحلت لي ساعة من نهار وأكثر هذه الأحاديث تدل على أن الفتح عنوة. وعن عائشة ~~قالت: قلنا: يا رسول الله ألا تبني بيتا بمنى يظلك؟ قال: لا منى مناخ لمن ~~سبق رواه الخمسة إلا النسائي. وقال الترمذي: حديث حسن. وعن علقمة بن نضلة ~~قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع ~~مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن رواه ابن ماجة. # حديث سعد أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه وتمامه: اقتلوهم وإن وجدتموهم ~~معلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل من بني غنم، ~~ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك ~~وهو معلق بأستار الكعبة، فاستبق سعيد بن الحرث وعمار بن ياسر فسبق سعيد ~~عمارا وكان أشب الرجلين فقتله الحديث بطوله من طريق عمر بن عثمان بن عبد ~~الرحمن بن سعيد المخزومي عن جده عن أبيه وفيه: فأما ابن خطل فقتله الزبير ~~بن العوام وجزم أبو نعيم في المعرفة بأن الذي قتله هو أبو برزة. وذكر ابن ~~هشام أن عبد الله بن خطل قتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي اشتركا في ~~دمه. # وذكر ابن حبيب أنه أمر بقتل هند بنت عتبة ms3376 وقريبة بالقاف والموحدة وسارة ~~فقتلتا وأسلمت هند. وذكر ابن إسحاق أن سارة أمنها النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد أن استؤمن لها، ومنهم الحويرث بن نقيد بنون وقاف مصغرا، وهبار بن ~~الأسود ، وفرتنا بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية ~~والنون. وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحرث بن طلاطل الخزاعي، وذكر الحاكم ~~ممن أهدر دمه كعب بن زهير ووحشي بن حرب وأرنب مولاة ابن خطل. وقد ذكر ~~الحافظ في الفتح جملة من لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم ~~فكانوا ثمانية رجال وست نسو، منهم من أسلم، ومنهم من قتل، ومنهم من هرب. ~~وحديث أبي أخرجه أيضا الترمذي PageV08P172 # وقال: حسن غريب من حديث أبي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة في ~~الفوائد ، وابن حبان والطبراني وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل. ~~وحديث أبي هريرة وأبي شريح تقدما في باب: هل يستوفي القصاص والحدود في ~~الحرم أم لا؟ من كتاب الدماء. وحديث عائشة سكت عنه أبو داود والمنذري، ~~وأخرجه الترمذي وابن ماجة عن أم مسيكية وذكر غيرهما أنها مكية. وحديث علقمة ~~بن نضلة رجال إسناده ثقات، فإن ابن ماجة قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ~~قال: حدثنا عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عثمان بن أبي ~~سليمان عن علقمة بن نضلة فذكره، وعمر بن سعيد وعثمان بن أبي سليمان ثقتان، ~~وأما أبو بكر وعيسى فمن رجال الصحيح. قوله: لنربين أي لنزيدن عليهم. # وفي حديث سعد وحديث أبي بن كعب دليل على أن مكة فتحت صلحا. وقد اختلف أهل ~~العلم في ذلك فذهب الأكثر إلى أنها فتحت عنوة، وعن الشافعي ورواية عن أحمد ~~أنها فتحت صلحا لما ذكر في حديث الباب من التأمين ولأنها لم تقسم، ولان ~~الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها، وحجة الأولين ~~ما وقع من التصريح بالامر بالقتال ووقعه من خالد بن الوليد وتصريحه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بأنها أحلت له ساعة من ms3377 نهار، ونهيه عن التأسي به في ~~ذلك، كما وقع جميع ذلك في الأحاديث المذكورة في الباب تصريحا وإشارة، ~~وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلد عنوة ~~ويمن على أهلها، وتترك لهم دورهم وغنائمهم، ولان قسمة الأرض المغنومة ليست ~~متفقا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة فمن بعدهم، وقد فتحت أكثر البلاد ~~عنوة فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان ومع وجود أكثر الصحابة، وقد زاد ت ~~مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدعي اختصاصها به دون بقية البلاد، وهي أنها دار ~~النسك ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرما سواء العاكف فيه والباد. ~~وأما قول النووي: احتج الشافعي بالأحاديث المشهورة بأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر، لأن الذي أشار إليه ~~إن كان مراده ما وقع من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن كما تقدم، وكذا من دخل المسجد كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا ~~يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال، والذي ورد في ~~الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشا لم يلتزموا ذلك، لأنهم استعدوا للحرب ~~PageV08P173 # كما تقدم في حديث أبي هريرة أن قريشا وبشت أوباشا، فإن كان مراده بالصلح ~~وقوع عقده فهذا لم ينفل كما قال الحافظ قال: ولا أظنه عنى إلا الاحتمال ~~الأول، أعني قوله: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وتمسك أيضا من قال: إنه ~~أمنهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصة الفتح فقال العباس لعلي: أجد بعض ~~الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة يخبرهم بما كان من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. ثم قال في ~~القصة بعد قصة أبي سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه ~~بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى ms3378 ~~المسجد وعند موسى بن عقبة في المغازي وهي أصح ما صنف في ذلك كما قال ~~الحافظ. وروي ذلك عن الجماعة ما نصه: # أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله كنت حقيقا أن تجعل عدتك ~~وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحما وأشد عداوة، فقال: إني لأرجو أن يجمعهما الله ~~لي فتح مكة وإعزاز الاسلام بها وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم. فقال أبو ~~سفيان وحكيم بن حزام: فادع الناس بالأمان أرأيت إن اعتزلت قريش وكفت أيديها ~~آمنون هم؟ قال: من كف يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثا نؤذن بذلك ~~فيهم، قال: فانطلقوا فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو ~~آمن، ودار أبي سفيان بأعلى مكة ودار حكيم بأسفلها. فلما توجها قال العباس : ~~يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرتد فرده حتى تريه جنود الله، قال: # افعل. فذكر القصة. وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانا منه لكل ~~من لم يقاتل من أهل مكة. ثم قال الشافعي كانت مكة مؤمنة ولم يكن فتحها عنوة ~~والأمان كالصلح، وأما الذين تعرضوا للقتال والذين استثنوا من الأمان وأمر ~~أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة. ويمكن ~~الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال، وبين ~~حديث عروة المتقدم المصرح بتأمينه صلى الله عليه وآله وسلم لهم. # وكذلك حديث سعد وحديث أبي بن كعب المذكوران بأن يكون التأمين علق على شرط ~~وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين ~~المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك وقاتلوا خالد بن الوليد ~~ومن PageV08P174 # معه حتى قاتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة، لأن العبرة بالأصول لا ~~بالاتباع، وبالأكثر لا بالأقل، كذا قال الحافظ في الفتح. ويجاب عنه بما ~~تقدم في أول الباب من حديث أبي هريرة أن قريشا وبشت أوباشا لها وقالوا: ~~نقدم هؤلاء الخ، فإنه يدل على أن غير الأوباش لم يرضوا ms3379 بالتأمين، بل وقع ~~التصريح في ذلك الحديث بأنهم قالوا: فإن كان للأوباش شئ كنا معهم، وإن ~~أصيبوا أعطينا الذي سألنا. ومما احتج به الشافعي ما وقع في سنن أبي داود ~~بإسناد حسن عن جابر أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئا؟ قال: لا. ويجاب بأن ~~عدم الغنيمة لا يستلزم عدم العنوة لجواز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من عليهم بالأموال كما من عليهم بالأنفس حيث قال: # اذهبوا فأنتم الطلقاء ومن أوضح الأدلة على أنها فتحت عنوة قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: وإنما أحلت لي ساعة من نهار فإن هذا تصريح بأنها أحلت له ~~في ذلك يسفك بها الدماء وأن حرمتها ذهبت فيه وعادت بعده، ولو كانت مفتوحة ~~صلحا لما كان لذلك معنى يعتد به. وقد وقع في مسند أحمد من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده: أن تلك الساعة استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر ~~واحتجت طائفة منهم الماوردي إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن ~~الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في الإكليل وفيه جمع بين الأدلة. قال ~~الحافظ في الفتح: والحق أن صورة فتحها كان عنوة، ومعاملة أهلها معاملة من ~~دخلت بأمان، ومنع قوم منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها وجواز بيع دورها ~~وإجارتها على أنها فتحت صلحا. وذكر المصنف رحمه الله لحديث عائشة وحديث ~~علقمة بن نضلة في أحاديث الباب يشعر بأنه من القائلين بالترتب، ولا وجه ~~لذلك لأن الامام مخير بين قسمة الأرض المغنومة بين الغانمين وبين إبقائها ~~وقفا على المسلمين ويلزم من ذلك منع بيع دورها وإجارتها. # وأيضا قد قال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال، لأن من مضى كانوا أن ~~غلبوا على الكفار لم يغنموا إلا الأموال وتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض ~~لهم عموما كما قال تعالى: * (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) * ~~(المائدة: 21) الآية. وقال تعالى: * (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ~~مشارق الأرض ومغاربها) * (الأعراف: 137) الآية. PageV08P175 # باب بقاء الهجرة من دار الحرب ms3380 إلى دار الاسلام وأن لا هجرة من دار أسلم ~~أهلها عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله رواه أبو داود. وعن جرير بن عبد الله: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس ~~بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمر ~~لهم بنصف العقل وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: ~~يا رسول الله ولم؟ قال: # لا تتراءى ناراهما رواه أبو داود والترمذي. وعن معاوية قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا ~~تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها رواه أحمد وأبو داود. وعن عبد الله ~~بن السعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تنقطع الهجرة ما ~~قوتل العدو رواه أحمد والنسائي. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا رواه ~~الجماعة الا ابن ماجة لكن له منه إذا استنفرتم فانفروا وروت عائشة مثله ~~متفق عليه. وعن عائشة وسئلت عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمن ~~يفر بدينه إلى ا ورسوله مخافة أن يفتن، فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام، ~~والمؤمن يعبد ربه حيث شاء رواه البخاري. وعن مجاشع بن مسعود: أنه جاء بأخيه ~~مجالد بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هذا مجالد جاء ~~يبايعك على الهجرة، فقال: لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الاسلام ~~والايمان والجهاد متفق عليه. # حديث سمرة قال الذهبي: إسناده مظلم لا نقوم بمثله حجة. وحديث جرير أخرجه ~~أيضا ابن ماجة ورجال إسناده ثقات، ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود ~~والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني أيضا ~~موصولا، PageV08P176 # وحديث معاوية أخرجه أيضا النسائي، قال الخطابي: إسناده فيه مقال. وحديث ms3381 ~~عبد الله السعدي أخرجه أيضا ابن ماجة وابن منده والطبراني والبغوي وابن ~~عساكر. قوله: فهو مثله فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم، ~~والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكن يشهد لصحته قوله تعالى: * (فلا ~~تقعدوا معهم إنكم إذا مثلهم) * (النساء: 140) وحديث بهز بن حكيم بن معاوية ~~بن حيدة عن أبيه عن جده مرفوعا: لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو ~~يفارق المشركين. قوله: # لا تتراءى ناراهما يعني لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد ~~منهما في مقابلة الأخرى على وجه لو كانت متمكنة من الابصار لأبصرت الأخرى ~~فإثبات الرؤية للنار مجاز. قوله: ما قوتل العدو فيه دليل على أن الهجرة ~~باقية ما بقيت المقاتلة للكفار. قوله: لا هجرة بعد الفتح أصل الهجرة هجر ~~الوطن، وأكثر ما تطلق على من رحل من البادية إلى القرية. قوله: ولكن جهاد ~~ونية قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، ~~والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى ~~المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب ~~نية صالحة، كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من ~~الفتن والنية في جميع ذلك. قوله: وإذا استنفرتم فانفروا قال النووي: يريد ~~أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، ~~وإذا أمركم الامام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا ~~إليه. قال الطيبي: إن قوله: ولكن جهاد الخ معطوف على محل مدخول لا هجرة أي ~~الهجرة من الوطن، إما للفرار من الكفار، أو إلى الجهاد، أو إلى غير ذلك ~~كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الاخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما، ~~بل إذا استنفرتم فانفروا. قال الحافظ: وليس الامر في انقطاع الهجرة من ~~الكفار على ما قال انتهى. وقد اختلف في الجمع بين أحاديث الباب فقال ~~الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضا في أول الاسلام على من أسلم لقلة المسلمين ~~بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما ms3382 فتح الله مكة دخل الناس في دين الله ~~أفواجا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام ~~به أو نزل به عدو انتهى. قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على ~~من أسلم ليسلم من أذى PageV08P177 # من يؤذيه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن ~~دينه وفيهم نزلت: * (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ~~قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ~~* (النساء: 97) الآية، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر ~~وقدر على الخروج منها. وقال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من ~~بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالاقامة فيها أفضل من الرحلة ~~عنها لما يترجى من دخول غيره في الاسلام، ولا يخفى ما في هذا الرأي من ~~المصادمة لأحاديث الباب القاضية بتحريم الإقامة في دار الكفر. وقال الخطابي ~~أيضا: إن الهجرة افترضت لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة ~~آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: * (والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) * (الأنفال: 72) فلما فتحت ~~مكة ودخل الناس في الاسلام من جميع القبائل انقطعت الهجرة الواجبة وبقي ~~الاستحباب. وقال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بطريق أخرى، فقوله: # لا هجرة بعد الفتح أي من مكة إلى المدينة. وقوله: لا تنقطع أي من دار ~~الكفر في حق من أسلم إلى دار الاسلام. قال: ويحتمل وجها آخر وهو أن قوله: ~~لا هجرة أي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان بنية عدم الرجوع إلى ~~الوطن المهاجر منه إلا بإذن. فقوله: لا تنقطع أي هجرة من هاجر على غير هذا ~~الوصف من الاعراب ونحوهم، وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي ~~بلفظ: # انقطعت الهجرة بعد الفتح ms3383 إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ~~تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار أي ما دام في الدنيا دار كفر فالهجرة واجبة ~~منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه، ومفهومه أنه لو قدر أن لا يبقى في ~~الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها. وأطلق ابن التين أن الهجرة ~~من مكة إلى المدينة كانت واجبة، وأن من أقام بمكة بعد هجرة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى المدينة بغير عذر كان كافرا. قال الحافظ: وهو إطلاق ~~مردود. وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الاسلام ~~وكانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستمرت بعده لمن خاف على ~~نفسه، PageV08P178 # والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى حيث كان. وقد حكي في البحر أن الهجرة عن ~~دار الكفر واجبة إجماعا حيث حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الامام ~~بقوته لسلطانه. وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهادوية إلى وجوب الهجرة عن دار ~~الفسق، قياسا على دار الكفر وهو قياس مع الفارق والحق عدم لأنها دار إسلام، ~~وإلحاق دار الاسلام بدار الكفر بمجرد وقوع المعاصي فيها على وجه الظهور ليس ~~بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية. وللفقهاء في تفاصيل الدور والاعذار ~~المسوغة لترك الهجرة مباحث ليس هذا محل بسطها. # أبواب الأمان والصلح والمهادنة باب تحريم الدم بالأمان وصحته من الواحد ~~عن أنس: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لكل غادر لواء يوم القيامة ~~يعرف به متفق عليه. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم ~~غدرا من أمير عامة رواه أحمد ومسلم. وعن علي رضي الله عنه: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم رواه أحمد. ~~وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن المرأة لتأخذ ~~للقوم يعني تجير على ms3384 المسلمين رواه الترمذي وقال: حسن غريب. # حديث علي تقدم في أول كتاب الدماء، وقد أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم، ~~وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~مرفوعا بلفظ: يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ~~ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ~~ابن عمر مطولا. ورواه ابن ماجة من حديث معقل بن يسار PageV08P179 # مختصرا بلفظ: المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ورواه الحاكم عن ~~أبي هريرة مختصرا بلفظ: المسلمون تتكافأ دماؤهم ورواه من حديث أيضا مسلم ~~بلفظ : إن ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين وهو أيضا متفق عليه من حديث علي من طريق أخرى بأطول من هذا. ~~وأخرجه البخاري من حديث أنس، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث أبي عبيدة بلفظ: ~~يجير على المسلمين بعضهم وفي إسناده حجاج بن أرطأة وهو ضعيف. وأخرجه أيضا ~~أحمد من حديث أبي أمامة بنحوه. وأخرجه أيضا الطيالسي في مسنده من حديث عمرو ~~بن العاص بلفظ: يجير على المسلمين أدناهم ورواه أحمد من حديث أبي هريرة، ~~وحديث أبي هريرة المذكور في الباب رواه الترمذي من طريق يحيى بن أكثم: ~~حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي ~~هريرة فذكره ثم قال: وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب انتهى. وقد ~~تقدم حديث أم هانئ قريبا. وأخرج أبو داود والنسائي عن عائشة قالت: إن كانت ~~المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز. قوله: يعرف به في رواية للبخاري: ينصب ~~وفي أخرى له: يرى. ولمسلم من حديث أبي سعيد عنه استه قال ابن المنير: كأنه ~~عومل بنقيض قصده، لأن عادة اللواء أن يكون على الرأس فنصبه عند السفل زيادة ~~في فضيحته، لأن الأعين غالبا تمتد إلى الألوية، فيكون ذلك سببا لامتدادها ~~للذي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحة. قوله: بقدر غدرته ms3385 قال في القاموس: ~~والغدرة بالضم والكسر ما أغدر من شئ. قال القرطبي: هذا خطاب منه للعرب بنحو ~~ما كانت تفعل، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ~~ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في ~~القيامة فيذمه أهل الموقف. وقد زاد مسلم في رواية له: يقال هذه غدرة فلان ~~قال في الفتح: وأما الوفاء فلم يرد فيه شئ ولا يبعد أن يقع كذلك. وقد ثبت ~~لواء الحمد لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم. وفي حديث أنس وحديث أبي سعيد ~~دليل على تحريم الغدر وغلظه لا سيما من صاحب الولاية العامة، لأن غدره ~~يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء. قال ~~القاضي عياض: المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الامام إذا غدر في عهوده ~~لرعيته أو لمقابلته أو للإمامة PageV08P180 # التي تقلدها والتزم القيام بها، فمن حاف فيها أو ترك الرفق فقد غدر ~~بعهده. وقيل: # المراد نهي الرعية عن الغدر بالامام، فلا تخرج عليه ولا تتعرض لمعصيته ~~لما يترتب على ذلك من الفتنة، قال: والصحيح الأول. قال الحافظ: ولا أدري ما ~~المانع من حمل الخبر على أعم من ذلك؟ وحكى في الفتح في موضع آخر أن الغدر ~~حرام بالاتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي. قوله: يسعى بها أدناهم أي ~~أقلهم، فدخل كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوى، ودخل في الأدنى المرأة والعبد ~~والصبي والمجنون، فأما المرأة فيدل على ذلك حديث أبي هريرة وحديث أم هانئ ~~المتقدم. # قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئا ذكره عبد ~~الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى ~~الامام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة. قال ابن المنذر: وفي ~~قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يسعى بذمتهم أدناهم دلالة على إغفال ~~هذا القائل. قال في الفتح: وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو ~~إلى ms3386 الامام إن أجازه جاز، وإن رده رد انتهى وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه ~~قاتل أو لم يقاتل. وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا. وقال ~~سحنون: إن أذن له سيده في القتال صح أمانه وإلا فلا. وأما الصبي فقال ابن ~~المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز، قال الحافظ: وكلام غيره ~~يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذا المميز الذي يعقل، والخلاف عن ~~المالكية والحنابلة، وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر، لكن قال ~~الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين فأمن أحدا فإن شاء الامام أمضاه وإلا ~~فليرده إلى مأمنه. وحكى ابن المنذر عن الثوري أنه استثنى من الرجال الأحرار ~~الأسير في أرض الحرب فقال: لا ينفذ أمانه وكذلك الأجير. # باب ثبوت الأمان للكافر إذا كان رسولا عن ابن مسعود قال: جاء ابن النواحة ~~وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهما: ~~أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: آمنت بالله ورسوله لو كنت قاتلا رسولا ~~PageV08P181 # لقتلتكما، قال عبد الله: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل رواه أحمد. وعن ~~نعيم بن مسعود الأشجعي قال: سمعت حين قرئ كتاب مسيلمة الكذاب قال للرسولين: # فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما رواه أحمد وأبو ~~داود. وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: بعثتني ~~قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رأيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقع في قلبي الاسلام فقلت: يا رسول الله لا أرجع إليهم، قال: إني ~~لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه ~~الآن فارجع رواه أحمد وأبو داود وقال: هذا كان في ذلك الزمان اليوم لا ~~يصلح. ومعناه والله أعلم أنه كان في المرة التي شرط ms3387 لهم فيها أن يرد من ~~جاءه منهم مسلما. # حديث ابن مسعود أخرجه أيضا الحاكم، وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي ~~مختصرا. # وحديث نعيم بن مسعود سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص. # وأخرج أبو نعيم في الصحابة: أن مسيلمة بعث إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثلاثة وتين وابن شغاف الحنفي وابن النواحة، فأما وتين فأسلم، وأما ~~الآخران فشهدا أنه رسول الله وأن مسيلمة من بعده، فقال: خذوهما فأخذا ~~فخرجوا بهما إلى البيت فحبسا، فقال رجل: هبهما لي يا رسول الله ففعل. وحديث ~~أبي رافع أخرجه أيضا النسائي وصححه ابن حبان. قوله: ابن النواحة بفتح النون ~~وتشديد الواو وبعد الألف مهملة. وفي سنن أبي داود من طريق حارثة بن مضرب: ~~أنه أتى عبد الله يعني ابن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حنة، ~~وأني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله ~~فجئ بهم فاستتابهم غير ابن النواحة، قال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة ~~بن كعب فضرب عنقه في السوق ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا ~~في السوق. قوله: وابن أثال بضم الهمزة وبعدها مثلثة. قوله: لا أخيس بالخاء ~~المعجمة والسين المهملة بينهما مثناة تحتية أي لا أنقض العهد، من خاس الشئ ~~في الوعاء إذا فسد. قوله: ولا أحبس بالحاء المهملة والموحدة. (والحديثان) ~~الأولان يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين PageV08P182 # من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الامام أو سائر المسلمين. ~~(والحديث) الثالث فيه دليل على أنه يجب الوفاء بالعهد للكفار كما يجب ~~للمسلمين، لأن الرسالة تقتضي جوابا يصل على يد الرسول فكان ذلك بمنزلة عقد ~~العهد. # باب ما يجوز من الشروط مع الكفار ومدة المهادنة وغير ذلك عن حذيفة بن ~~اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي الحسيل قال: ~~فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدا، ms3388 فقلنا: # ما نريده وما نريد إلا المدينة، قال: فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق ~~إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم رواه أحمد ~~ومسلم. وتمسك به من رأى يمين المكره منعقدة. وعن أنس: أن قريشا صالحوا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاشترطوا عليه أن من جاء منكم لا نرده ~~عليكم، ومن جاء رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: نعم ~~إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا ~~رواه أحمد ومسلم. # قوله: وأبي الحسيل بضم الحاء المهملة وفتح السين المهملة أيضا وسكون ~~الياء بلفظ التصغير وهو والد حذيفة، فيكون لفظ الحسيل عطف بيان. قوله: ~~فاشترطوا عليه أن من جاء منكم الخ، في لفظ البخاري الآتي بعد هذا: أن سهيلا ~~قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على ~~دينك إلا رددته إلينا. قوله: فقالوا: يا رسول الله الخ، سمى الواقدي جماعة ~~ممن قال ذلك منهم أسيد بن حضير وسعد بن عبادة. وذكر البخاري في المغازي أن ~~سهل بن حنيف كان ممن أنكر ذلك أيضا. وقال الحافظ في الفتح: وقائل ذلك يشبه ~~أن يكون هو عمر. ولابن عائذ من حديث ابن عباس نحوه، وسيأتي بعد هذا الحديث ~~بسط قصة الصلح، وقد أطال ابن إسحاق في القصة وزاد على ما عند غيره، وقد ~~استدل المصنف بالحديثين المذكورين على جواز مصالحة الكفار على ما وقع ~~فيهما، وسيأتي بسط الكلام في ذلك. PageV08P183 # وعن عروة بن الزبير عن المسور ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ~~قالا: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زمن الحديبية حتى إذا كان ببعض ~~الطريق قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في ~~خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم ~~بقترة فانطلق يركض نذيرا ms3389 لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ~~إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به ناقته فقال الناس: حل حل ~~فألحت، فقالوا: خلات القصواء خلات القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، قال: والذي ~~نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم ~~زجرها فوثبت قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل يتبرضه ~~الناس تبرضا فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما ~~زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء ~~الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا ~~أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا ~~معتمرين، وأن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ~~ويحلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ~~فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا ~~حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق ~~حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وقد سمعناه يقول قولا، ~~فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: # لا حاجة لنا إلى أن تخبرنا عنه بشئ، وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته ~~يقول، قال: # سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقام ~~عروة بن مسعود فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست ~~بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ ms3390 قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني ~~استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم PageV08P184 # بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد ~~اقبلوها وذروني آته، قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوا من قوله لبديل، فقال عروة ~~عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح ~~أصله قبلك؟ # وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها أو أني لأرى أشوابا من الناس خليقا ~~أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات إن نحن نفر عنه وندعه، ~~فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك ~~عندي ولم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب يده بنصل السيف وقال: أخر يدك عن لحية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: ~~المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما ~~في الجاهلية قتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أما الاسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شئ. ثم إن عروة جعل ~~يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعينه قال: فوالله ما تنخم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها ~~وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على ~~وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له، فرجع ~~عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر ~~وكسرى والنجاشي، والله إن ms3391 رأيت ملكا قط تعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ~~محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، ~~وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم ~~خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وأنه قد عرض عليكم ~~خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما ~~أشرف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله ~~الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي PageV08P185 # لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت ~~وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص ~~فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم هذا مكرز بن حفص وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، فبينا هو يكلمه جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني أيوب عن ~~عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد سهل الله ~~لكم من أمركم، قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات ~~اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكاتب فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: ~~أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، ~~فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، ms3392 ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، ~~اكتب محمد بن عبد الله، قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون ~~فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، قال سهيل: والله لا تتحدث العرب ~~أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أن لا ~~يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله ~~كيف يرد إلى المشركين من جاء مسلما ، فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن ~~سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خر من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر ~~المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذن لا ~~أصالحك على شئ أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فأجره لي، فقال: ~~ما أنا بمجيره لك، فقال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد ~~أجرناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى PageV08P186 # المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا ~~في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقلت: # ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ ~~قال: بلى، قلت: # فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، ~~قلت: # أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنك تأتيه ~~العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: بلى، قال: فإنك آتيه ومطوف ~~به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، ~~قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: # فلم نعطي الدنية في ديننا ms3393 إذن؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ~~ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا ~~أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، ~~قال: فإنك إذن آتيه ومطوف به، قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من ~~قضية الكتاب قال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم ~~احلقوا، فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم ~~أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله ~~أتحب ذلك أخرج ولا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقا فيحلقك، ~~فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ~~ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم ~~جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل: * (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ~~مهاجرات، حتى بلغ: بعصم الكوافر) * (الممتحنة: 10) فطلق عمر يومئذ امرأتين ~~كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن ~~أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير ~~رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، ~~فدفعه إلى الرجلين: فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون تمرا لهم ~~فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله ~~الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني ~~أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه به حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل ~~المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ~~ذعرا، PageV08P187 # فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني ~~لمقتول ، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك قد رددتني ms3394 ~~إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ويل أمه ~~مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى ~~سيف البحر قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخر من ~~قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما ~~يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، ~~فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تناشده الله والرحم لما ~~أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إليهم وأنزل الله عز وجل: * (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ ~~حمية الجاهلية) * (الفتح: 24 26) وكان حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي، ولم ~~يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت رواه أحمد ~~والبخاري. ورواه أحمد بلفظ آخر وفيه: وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم مشركها ومسلمها. وفيه: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله ~~وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس. وفيه: وإن بيننا ~~عيبة مكفوفة، وإنه لا إغلال ولا إسلال. وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه ~~من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش ~~وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحفي عقد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وفيه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله ~~جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. وفيه: فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل. وعن مروان والمسور ~~قالا: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه لا يأتيك أحد منا وإن كان ms3395 على دينك إلا رددته إلينا وخليت ~~بيننا وبينه، فكره المسلمون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل، ~~ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما. وجاء المؤمنات ~~مهاجرات PageV08P188 # وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله عز وجل فيهن: * (إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن إلى ولا هم يحلون ~~لهن) * (الممتحنة: 10) رواه البخاري. # وعن الزهري قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله: * (أن يردوا إلى المشركين ما ~~أنفقوا على من هاجر من أزواجهم) *، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم ~~الكوافر، أن عمر طلق امرأتين قريبة بنت أبي أمية وابنة جرول الخزاعي، فتزوج ~~قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما ~~أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله تعالى: * (وإن فاتكم شئ من أزواجكم ~~إلى الكفار فعاقبتم ) * (الممتحنة: 11) والعقاب ما يؤدي المسلمون إلى من ~~هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطي من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق ~~من صداق نساء الكفار اللائي هاجرن، وما يعلم أحد من المهاجرات ارتدت بعد ~~إيمانها أخرجه البخاري. قوله: # الأحابيش أي الجماعة المجتمعة من قبائل، والتحبش التجمع والجنب الامر، ~~يقال: # ما فعلت كذا في جنب حاجتي، وهو أيضا القطعة من الشئ تكون معظمه أو كثيرا ~~منه ، ومحروبين أي مسلوبين قد أصيبوا بحرب ومصيبة، ويروى موتورين والمعنى ~~واحد. # وقوله: العوذ المطافيل يعني النساء والصبيان، والعائذ الناقة القريب ~~عهدها بالولادة، والمطفل التي معها فصيلها وحل حل زجر للناقة، وألحت أي ~~لزمت مكانها، وخلأت أي حرنت. والثمد الماء القليل. والتبرض أخذه قليلا ~~قليلا، والبرض القليل، والأعداد جمع ms3396 عد وهو الماء الذي لا انقطاع لمادته. ~~وجاشت بالري أي فارت به. وعيبة نصحه أي موضع سره لأن الرجل إنما يضع في ~~عيبته حر متاعه. وجموا أي استراحوا، والسالفة صفحة العنق، والخطة الامر ~~والشأن. والأشواب الأخلاط من الناس مقلوب الأوباش. والضغطة بالضم الشدة ~~والتضييق. والرسف مشي المقيد. والغرز للرحل بمنزلة الركاب من السرج. وقوله: ~~حتى برد أي مات، ومسعر حرب أي موقد حرب، والمسعر والمسعار ما يحمى به النار ~~من خشب ونحوه. وسيف البحر: # ساحله. وامتعضوا منه كرهوا وشق عليهم. والعاتق الجارية حين تدرك. والعيبة ~~PageV08P189 # المكفوفة المشرجة، وكنى بذلك عن القلوب ونقائها من الغل والخداع. ~~والإغلال الخيانة. والاسلال من السلة وهي السرقة، وقد جمع هذا الحديث فوائد ~~كثيرة فنشير إلى بعضها إشارة تنبه من يتدبره على بقيتها. فيه أن ذا الحليفة ~~ميقات للعمرة كالحج، وأن تقليد الهدي سنة في نفل النسك وواجبه، وأن الاشعار ~~سنة وليس من المثلة المنهي عنها، وأن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون ~~أمامه نحو العدو، وأن الاستعانة بالمشرك الموثوق به في أمر الجهاد جائزة ~~للحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافرا، وكانت خزاعة مع كفرها عيبة نصحه، وفيه ~~استحباب مشورة الجيش إما لاستطابة نفوسهم أو استعلام مصلحة. وفيه جواز سبي ~~ذراري المشركين بانفرادهم قبل التعرض لرجالهم، وفي قول أبي بكر لعروة جواز ~~التصريح باسم العورة لحاجة ومصلحة، وأنه ليس بفحش منهي عنه، وفي قيام ~~المغيرة على رأسه بالسيف استحباب الفخر والخيلاء في الحرب لارهاب العدو، ~~وأنه ليس بداخل في ذمه لمن أحب أن يتمثل له الناس قياما وفيه أن مال المشرك ~~المعاهد لا يملك بغنيمة بل يرد عليه. وفيه بيان طهارة النخامة والماء ~~المستعمل. وفيه استحباب التفاؤل وأن المكروه الطيرة وهي التشاؤم. وفيه أن ~~المشهود عليه إذا عرف باسمه واسم أبيه أغنى عن ذكر الجد. وفيه أن مصالحة ~~العدو ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للحاجة والضرورة دفعا لمحذور ~~أعظم منه. وفيه أن من وعد أو حلف ليفعلن كذا ولم يسم وقتا فإنه على ms3397 ~~التراخي. وفيه أن الاحلال نسك على المحصر. وأن له نحر هديه بالحل، لأن ~~الموضع الذي نحروا فيه بالحديبية من الحل بدليل قوله تعالى: * (والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله) * (الفتح: 25). وفيه أن مطلق أمره عليه السلام على ~~الفور، وأن الأصل مشاركة أمته له في الاحكام. وفيه أن شرط الرد لا يتناول ~~من خرج مسلما إلى غير بلد الامام. وفيه أن النساء لا يجوز شرط ردهن للآية. ~~وقد اختلف في دخولهن في الصلح فقيل: لم يدخلن فيه لقوله: على أن لا يأتيك ~~منا رجل إلا رددته. وقيل: دخلن فيه لقوله في رواية أخرى: لا يأتيك منا أحد، ~~لكن نسخ ذلك أو بين فساده بالآية، وفيما ذكرناه تنبيه على غيره. # قوله: عن المسور ومروان هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة، لأنه لا ~~صحبة له، وأما المسور فهي بالنسبة إليه أيضا مرسلة، لأنه لم يحضر القصة، ~~وقد ثبت PageV08P190 # في رواية للبخاري في أول كتاب الشروط من صحيحه عن الزهري عن عروة أنه سمع ~~المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا ~~بعض هذا الحديث. وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه ~~القصة كعلي وعمر وعثمان والمغيرة وأم سلمة وسهل بن حنيف وغيرهم. # ووقع في بعض هذا الحديث شئ يدل على أنه عن عمر كما سيأتي التنبيه عليه في ~~مكانه. وقد روى أبو الأسود عن عروة هذه القصة فلم يذكر المسور ولا مروان ~~لكن أرسلها، وكذلك أخرجها ابن عائذ في المغازي، وأخرجها الحاكم في الإكليل ~~من طريق أبي الأسود أيضا عن عروة منقطعة. قوله: زمن الحديبية هي بئر سمي ~~المكان بها، وقيل: شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها. قال المحب الطبري: ~~الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم. ووقع عند ابن سعد : أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة زاد سفيان عن الزهري ~~في رواية ذكرها البخاري في المغازي، وكذا في رواية أحمد عن عبد الرزاق: في ~~بضع عشرة مائة، فلما ms3398 أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأحرم منها بعمرة وبعث عينا ~~له من خزاعة وروى عبد العزيز الآفاقي عن الزهري في هذا الحديث عند ابن أبي ~~شيبة: خرج صلى الله عليه وآله وسلم في ألف وثمانمائة وبعث عينا له من خزاعة ~~يدعى ناجية يأتيه بخبر قريش كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي ~~بعث معه الهدي كما جزم به ابن إسحاق وغيره. وأما الذي بعثه عينا لخبر قريش ~~فاسمه بسر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على ~~الصحيح. قوله: بالغميم بفتح المعجمة، وحكى عياض فيها التصغير، قال المحب ~~الطبري: # يظهر أن المراد كراع الغميم الذي وقع ذكره في الصيام وهو الذي بين مكة ~~والمدينة انتهى. وسياق الحديث ظاهر في أنه كان قريبا من الحديبية، فهو غير ~~كراع الغميم الذي بين مكة والمدينة، وأما الغميم هذا فقال ابن حبيب: هو ~~مكان بين رابغ والجحفة . وقد بين ابن سعد أن خالدا كان بهذا الموضع في ~~مائتي فارس فيهم عكرمة ابن أبي جهل، والطليعة مقدمة الجيش. قوله: بقترة ~~بفتح القاف والمثناة من فوق وهو الغبار الأسود، وفي نسخة من هذا الكتاب ~~بغبرة بالغين المعجمة وسكون الموحدة. قوله: # حتى إذا كان بالثنية في رواية ابن إسحاق: فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من يخرجنا على PageV08P191 # طريق غير طريقهم الذي هم بها؟ قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن ~~رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرا، فلما خرجوا منه ~~بعد أن شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة قال لهم: استغفروا الله ففعلوا فقال: ~~والذي نفسي بيده إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فامتنعوا. وهذه ~~الثنية هي ثنية المرار بكسر الميم وتخفيف الراء، وهي طريق في الجبل تشرف ~~على الحديبية، وزعم الداودي أنها الثنية التي أسفل مكة وهو وهم، وسعى ابن ~~سعد الذي سلك بهم حمزة بن عمرو الأسلمي. قوله: بركت به ناقته في رواية ~~للبخاري: راحلته. وحل بفتح الحاء المهملة وسكون ms3399 اللام كلمة تقال للناقة إذا ~~تركت السير. وقال الخطابي: إن قلت حل واحدة فبالسكون، وإن أعدتها نونت في ~~الأول وسكنت في الثانية، وحكى غيره السكون فيهما، والتنوين كنظيره في بخ ~~بخ، يقال: حلحلت فلانا إذا أزعجته عن موضعه. # قوله: فألحت بتشديد المهملة أو تمادت على عدم القيام وهو من الالحاح. ~~قوله: خلات الخلاء بالمعجمة وبالمد للإبل كالحران للخيل. وقال ابن قتيبة: ~~لا يكون الخلاء إلا للنوق خاصة. وقال ابن فارس: لا يقال للجمل خلا ولكن ~~الخ. والقصواء بفتح القاف بعدها مهملة، ومد اسم ناقة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قيل: كان طرف أذنها مقطوعا، والقصو القطع من طرف الاذن، ~~وكان القياس أن تكون بالقصر وقد وقع ذلك في بعض نسخ أبي ذر، وزعم الداودي ~~أنها كانت لا تسبق فقيل لها القصواء ، لأنها بلغت من السبق أقصاه. قوله: ~~وما ذاك لها بخلق أي بعادة قال ابن بطال وغيره في هذا الفصل: جواز الاستتار ~~عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبا لغرتهم وجواز التنكب عن الطريق ~~السهل إلى الوعر للمصلحة وجواز الحكم على الشئ بما عرف من عادته وإن جاز أن ~~يطرأ عليه غيره، وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها ~~ويرد على من نسبه إليها ومعذرة من نسبه ممن لا يعرف صورة الحال. قوله: ~~حبسها حابس الفيل زاد ابن إسحاق: عن مكة أي حبسها الله تعالى عن دخول مكة ~~كما حبس الفيل عن دخولها. وقصة الفيل مشهورة، ومناسبة ذكرها أن الصحابة لو ~~دخلوا مكة على تلك الصورة وصدهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى ~~سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في ~~علم الله تعالى في الموضعين أنه سيدخل في الاسلام PageV08P192 # خلق منهم، وسيخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون، وكان بمكة في الحديبية ~~جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق ~~الصحابة مكة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد كما أشار ms3400 إليه تعالى في ~~قوله: * (ولولا رجال مؤمنون) * (الفتح: 25) الآية، ووقع للمهلب استبعاد ~~جواز هذه الكلمة وهي حابس الفيل على الله تعالى فقال: المراد حبسها أمر ~~الله عز وجل، وتعقب بأنه يجوز إطلاقه في حق الله تعالى فيقال: حبسها الله ~~حابس الفيل، كذا أجاب ابن المنير وهو مبني على الصحيح من أن الأسماء ~~توقيفية، وقد توسط الغزالي وطائفة فقالوا: محل المنع ما لم يرد نص بما يشتق ~~منه، بشرط أن لا يكون ذلك الاسم المشتق مشعرا بنقص فيجوز تسميته بواقي ~~لقوله تعالى: * (ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته) * (غافر: 9) ولا يجوز ~~تسميته البناء، وإن ورد قوله تعالى: * (والسماء بنيناها بأيد) * (الذاريات: ~~47) قال في الفتح: وفي هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة وإن اختلفت ~~الجهة الخاصة، لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة ~~كانوا على حق محض، ولكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله تعالى منع الحرم ~~مطلقا، أما من أهل الباطل فواضح، وأما من أهل الحق فللمعنى الذي تقدم ذكره. ~~وقال الخطابي: معنى تعظيم حرمات الله في هذه القصة ترك القتال في الحرم ~~والجنوح إلى المسالمة والكف عن إرادة سفك الدماء. قوله: والذي نفسي بيده ~~قال ابن القيم: وقد حفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحلف في أكثر من ~~ثمانين موضعا. قوله: خطة بضم الخاء المعجمة أي خصلة يعظمون فيها حرمات الله ~~أي من ترك القتال في الحرم، وقيل: المراد بالحرمات حرم الحرم والشهر ~~والاحرام. قال الحافظ: وفي الثالث نظر لأنهم لو عظموا الاحرام ما صدوه. ~~ووقع في رواية لابن إسحاق: يسألونني فيها صلة الرحم وهي من جملة حرمات ~~الله. قوله: # إلا أعطيتهم إياها أي أجبتهم إليها، قال السهيلي: لم يقع في شئ من طرق ~~الحديث أنه قال إن شاء الله مع أنه مأمور بها في كل حالة. والجواب أنه كان ~~أمرا واجبا حتما فلا يحتاج فيه إلى الاستثناء كذا قال، وتعقب بأنه تعالى ~~قال في هذه القصة : * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) ms3401 * (الفتح: ~~27) فقال إن شاء الله مع تحقق وقوع ذلك تعليما وإرشادا، فالأولى أن يحمل ~~على أن الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت القصة قبل نزول الامر بذلك، ولا ~~قوله: ثم يعارضه كون الكهف مكية إذ لا مانع أن يتأخر نزول PageV08P193 # بعض السورة زجرها أي الناقة فوثبت أي قامت. قوله: على ثمد بفتح المثلثة ~~والميم أي حفيرة فيها ماء قليل، يقال: ماء مثمود أي قليل، فيكون لفظ قليل ~~بعد ذلك تأكيد الدفع توهم أن يراد لغة من يقول إن الثمد الماء الكثير، وقيل ~~الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف. قوله: يتبرضه الناس ~~بالموحدة وتشديد الراء وبعدها ضاد معجمة وهو الاخذ قليلا قليلا، وأصل البرض ~~بالفتح والسكون اليسير من العطاء، وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. ~~قوله: فلم يلبث لفظ البخاري: # فلم يلبثه بضم أوله وسكون اللام من الالباث. وقال ابن التين: بفتح اللام ~~وكسر الموحدة المثقلة أي لم يتركوه يلبث أي يقيم. قوله: وشكي بضم أوله على ~~البناء للمجهول. فانتزع سهما من كنانته أي أخرج سهما من جعبته. قوله: ثم ~~أمرهم أن يجعلوه فيه في رواية ابن إسحاق: أن ناجية بن جندب هو الذي نزل ~~بالسهم، وكذا رواه ابن سعد. قال ابن إسحاق: وزعم بعض أهل العلم أنه البراء ~~بن عازب. وروى الواقدي أنه خالد بن عبادة الغفاري، ويجمع بأنهم تعاونوا على ~~ذلك بالحفر وغيره. وفي البخاري في المغازي من حديث البراء في قصة الحديبية: ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا ثم صبه ~~فيها ثم قال: دعوها ساعة، ثم أنهم ارتووا بعد ذلك ويمكن الجمع بوقوع ~~الامرين جميعا. قوله: يجيش بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة أي يفور. ~~وقوله: بالري بكسر الراء ويجوز فتحها. وقوله: صدروا عنه أي رجعوا رواء بعد ~~ورودهم. قوله: بديل بموحدة مصغرا ابن ورقاء بالقاف والمد صحابي مشهور. ~~قوله: في نفر من قومه سمى الواقدي منهم عمرو بن سالم وخراش بن أمية. وفي ~~رواية ms3402 أبي الأسود عن عروة منهم خارجة بن كرز ويزيد بن أمية كذا في الفتح. ~~قوله: وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العيبة بفتح ~~المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة ما يوضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم ~~موضع النصح له والأمانة على سره، ونصح بضم النون وحكى ابن التين فتحها كأنه ~~شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. وقوله: # من أهل تهامة بكسر المثناة وهي مكة وما حولها وأصلها من التهم وهو شدة ~~الحرور كود الريح. قوله: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي إنما اقتصر على ~~هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما، وبقي من قريش ~~PageV08P194 # بنو سامة بن لؤي وبنو عوف ابن لؤي ولم يكن بمكة منهم أحد، وكذلك قريش ~~الظواهر الذين منهم بنو تميم بن غالب ومحارب بن فهر، قال هشام بن الكلبي: # بنو عامر بن لؤي وكعب بن لؤي هما الصريحان لا شك فيهما، بخلاف سامة وعوف ~~أي ففيهما الخلاف، قال: وهم قريش البطاح أي بخلاف قريش الظواهر. قوله: # نزلوا أعداد مياه الحديبية الاعداد بالفتح جمع عد بالكسر والتشديد وهو ~~الماء الذي لا انقطاع له. وغفل الداودي فقال: هو موضع بمكة، وقول بديل هذا ~~يشعر بأنه كان بالحديبية مياه كثيرة، وأن قريشا سبقوا إلى النزول عليها، ~~فلذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثمد المذكور. قوله: معهم العوذ المطافيل ~~العوذ بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، ~~والمطافيل الأمهات اللائي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات ~~الألبان من الإبل ليتزودوا ألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن ~~النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول ~~المقام وليكون أدعى إلى عدم الفرار. قال الحافظ: ويحتمل إرادة المعنى ~~الأعم. قال ابن فارس: كا أنثى إذا وضعت فهي إلى سبعة أيام عائذ والجمع عوذ، ~~كأنها سميت بذلك، لأنها تعوذ ولدها وتلتزم الشغل به. وقال السهيلي: سميت ~~بذلك وإن كان ms3403 الولد هو الذي يعوذ بها، لأنها تعطف عليه بالشفقة والحنو كما ~~قالوا: تجارة رابحة وإن كانت مربوحا فيها. ووقع عند ابن سعد معهم العوذ ~~المطافيل والنساء والصبيان. قوله: قد نهكتهم بفتح أوله وكسر الهاء أي أبلغت ~~فيهم حتى أضعفتهم، إما أضعفت قوتهم وإما أضعفت أموالهم. قوله: ماددتهم أي ~~جعلت بيني وبينهم مدة نترك الحرب بيننا وبينهم فيها، والمراد بالناس ~~المذكورين سائر كفار العرب وغيرهم. قوله: فإن أظهر فإن شاؤوا هو شرط بعد ~~شرط، والتقدير: # فإن ظهر على غيرهم كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاؤوا ~~أطاعوني وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جموا أي استراحوا وهو بفتح الجيم ~~وتشديد الميم المضمومة أي قووا. ووقع في رواية ابن إسحاق: وإن لم يفعلوا ~~قاتلوا وبهم قوة وإنما ردد الامر مع أنه جازم بأن الله سينصره ويظهره لوعد ~~الله تعالى له بذلك على طريق التنزل مع الخصم وفرض الامر كما زعم الخصم. ~~قال في الفتح: ولهذه النكتة حذف القسم الأول وهو التصريح بظهور غيره عليه، ~~لكن وقع PageV08P195 # التصريح به في رواية ابن إسحاق ولفظه: فإن أصابوني كان الذي أرادوا. ~~ولابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: فإن ظهر الناس علي فذلك الذي يبتغون، ~~فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة تأدبا. قوله: حتى تنفرد سالفتي السالفة ~~بالمهملة وكسر اللام بعدها فاء صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل، قال ~~الداودي: المراد الموت أي حتى أموت وأبقى منفردا في قبري. ويحتمل أن يكون ~~أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم. وقال ابن المنير: لعله صلى ~~الله عليه وآله وسلم نبه بالأدنى على الأعلى، أي أن لي من القوة بالله ~~والحول به ما يقتضي أني أقاتل عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع ~~وجود المسلمين وكثرتهم ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله تعالى. قوله: أو ~~لينفذن الله بضم أوله وكسر الفاء أي ليمضين الله أمره في نصر دينه. ولفظ ~~البخاري: ولينفذن الله أمره بدون شك. # قال الحافظ: وحسن الاتيان ms3404 بهذا الجزم بعد ذلك التردد للتنبيه على أنه لم ~~يورده إلا على سبيل الفرض. قوله: فقام عروة بن مسعود هو ابن معتب بضم أوله ~~وفتح المهملة وتشديد الفوقية المكسورة بعدها موحدة الثقفي. قوله: ألستم ~~بالوالد هكذا رواية الأكثر من رواة البخاري. ورواية أبي ذر: ألستم بالولد ~~وألست بالوالد والصواب الأول وهو الذي في رواية أحمد وابن إسحاق وغيرهما. ~~وزاد ابن إسحاق عن الزهري: أن أم عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف ~~فأراد بقوله، ألستم بالوالد أنكم حي قد ولدوني في الجملة لكون أمي منكم. ~~قوله: استنفرت أهل عكاظ بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وآخره معجم أي ~~دعوتهم إلى نصركم. # قوله: فلما بلحوا بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم مهملة مضمومة أي ~~امتنعوا، والتبلح التمنع من الإجابة، وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما ~~عليه. زاد ابن إسحاق فقالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. قوله: خطة رشد بضم ~~الخاء المعجمة وتشديد المهملة، والرشد بضم الراء وسكون المعجمة وبفتحهما أي ~~خصلة خير وصلاح وإنصاف. وقد بين ابن إسحاق في روايته أن سبب تقديم عروة ~~لهذا الكلام عند قريش ما رآه من ردهم العنيف على من يجئ من عند المسلمين. ~~قوله: آته بالمد والجزم وقالوا: ائته بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثم مثناة ~~من فوق مكسورة. # قوله: اجتاح بجيم ثم مهملة أي أهلك أهله بالكلية، وحذف الجزاء من قوله إن ~~تكن PageV08P196 # الأخرى تأدبا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتقدير: إن تكن الغلبة ~~لقريش لا آمنهم عليك مثلا. قوله: فإني والله لأرى وجوها إلى آخره كالتعليل ~~لهذا المحذوف. # قوله: أشوابا بتقديم المعجمة على الواو وكذا للأكثر، ووقع لأبي ذر عن ~~الكشميهني أوباشا بتقديم الواو، والأشواب الأخلاط من أنواع شتى. والأوباش ~~الأخلاط من السلفة، فالأوباش أخص من الأشواب كذا في الفتح. قوله: امصص ببظر ~~اللات بألف وصل ومهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الامر. وحكى ابن التين عن ~~رواية القابسي ضم الصاد الأولى وخطأها، والبظر بفتح الموحدة وسكون المعجمة ~~قطعة تبقى بعد الختان ms3405 في فرج المرأة، واللات اسم أحد الأصنام التي كانت ~~قريش وثقيف يعبدونها ، وكانت عادة العرب الشتم بذلك ولكن بلفظ الام، فأراد ~~أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبدها مقام أمه، وحمله على ذلك ~~ما أغضبه من نسبة المسلمين إلى الفرار، وفيه جواز النطق بما يستبشع من ~~الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك. قوله: لولا يد أي نعمة، ~~وقد بين عبد العزيز الآفاقي عن الزهري في هذا الحديث أن اليد المذكورة هي ~~أن عروة كان تحمل بدية فأعانه فيها أبو بكر بعون حسن. وفي رواية الواقدي ~~بعشر قلائص. قوله: بنعل السيف هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها. ~~قوله: أخر يدك فعل أمر من التأخير، زاد ابن إسحاق: قبل أن لا تصل إليك. ~~قوله: أي غدر بالمعجمة بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر. ~~قوله: ألست أسعى في غدرتك أي في دفع شر غدرتك. # وقد بسط القصة ابن إسحاق وابن الكلبي والواقدي بما حاصله: أنه خرج ~~المغيرة لزيارة المقوقس بمصر هو وثلاثة عشر نفرا من ثقيف من بني مالك فأحسن ~~إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق ~~شربوا الخمر فلما سكروا وناموا وثب المغيرة فقتلهم ولحق بالمدينة فأسلم، ~~فتهايج الفريقان بنو مالك والاحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة بن مسعود وهو عم ~~المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسا والقصة طويلة. قوله: وأما المال ~~فلست منه في شئ أي لا أتعرض له لكونه مأخوذا على طريقة الغدر، واستفيد من ~~ذلك أنها لا تحل أموال الكفار غدرا في حال الامن، لأن الرفقة يصطحبون على ~~الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلما كان أو كافرا، فإن أموال الكفار ~~إنما تحل بالمحاربة والمغالبة، ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV08P197 # ترك المال في يده لامكان أن يسلم قومه فيرد إليهم أموالهم. قوله: يرمق ~~بضم الميم وآخره قاف أي يلحظ. قوله: وما يحدون إليه النظر بضم أوله وكسر ~~المهملة أي يديمون. ms3406 # قوله: ووفدت على قيصر هو من عطف الخاص على العام، وخص قيصر ومن بعده ~~لكونهم أعظم ملوك ذلك الزمان. قوله: فقال رجل من بني كنانة في رواية ~~الآفاقي فقام الحليس بمهملتين مصغرا، وسمى ابن إسحاق والزبير بن بكار أباه ~~علقمة وهو من بني الحرث بن عبد مناة. قوله: فابعثوها له أي أثيروها دفعة ~~واحدة، في رواية ابن إسحاق: فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي ~~بقلائده قد حبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وعند الحاكم أنه صاح الحليس: هلكت قريش ورب الكعبة إن القوم إنما ~~أتوا عمارا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أجل يا أخا بني كنانة ~~فأعلمهم بذلك. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون خاطبه على بعد. قوله: مكرز بكسر ~~الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي هو من بني عامر بن لؤي. قوله: وهو ~~رجل فاجر في رواية ابن إسحاق غادر ورجحها الحافظ، ويؤيد ذلك ما في مغازي ~~الواقدي أنه قتل رجلا غدرا. وفيها أيضا أنه أراد أن يبيت المسلمين ~~بالحديبية فخرج في خمسين رجلا فأخذهم محمد بن مسلمة وهو على الحرس فانفلت ~~منهم مكرز، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى ذلك. # قوله: إذ جاء سهيل بن عمرو في رواية ابن إسحاق، فدعت قريش سهيل بن عمرو ~~فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه. قوله: فأخبرني أيوب عن عكرمة الخ، قال ~~الحافظ: هذا مرسل لم أقف على من وصله بذكر ابن عباس فيه، لكن له شاهد موصول ~~عنه عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة ابن الأكوع قال: بعثت قريش سهيل بن عمر ~~وحويطب بن عبد العزى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصالحوه فلما رأى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم سهيلا قال: لقد سهل لكم من أمركم. # وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب. قوله: فدعا النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الكاتب هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما بينه ms3407 إسحاق بن ~~راهويه في مسنده في هذا الوجه عن الزهري. وذكره البخاري أيضا في الصلح من ~~حديث البراء. وأخرج عمر بن شبة من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه أنه ~~قال: # الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة. قال الحافظ: ويجمع أن أصل كتاب الصلح ~~PageV08P198 # بخط علي رضي الله عنه كما هو في الصحيح. ونسخ محمد بن مسلمة لسهيل بن ~~عمرو مثله. قوله: هذا ما قاضى بوزن فاعل من قضيت الشئ فصلت الحكم فيه. ~~قوله: # ضغطة بضم الضاد وسكون الغين المعجمتين ثم طاء مهملة أي قهرا. وفي رواية ~~ابن إسحاق أنها دخلت علينا عنوة. قوله: فقال المسلمون الخ، قد تقدم بيان ~~القائل في أول الباب. قوله: أبو جندل بالجيم والنون بوزن جعفر وكان اسمه ~~العاصي فتركه لما أسلم وكان محبوسا بمكة ممنوعا من الهجرة وعذب بسبب ~~الاسلام، وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب ~~الجبال حتى هبط على المسلمين ففرح به المسلمون وتلقوه. قوله: يرسف بفتح ~~أوله وبضم المهملة بعدها فاء أي يمشي مشيا بطيئا بسبب القيد. قوله: إنا لم ~~نقض الكتاب أي لم نفرغ من كتابته. قوله: # فأجزه لي بالزاي بصيغة فعل الامر من الإجازة أي امض فعلي فيه فلا أرده ~~إليك وأستثنيه من القضية. ووقع عند الحميدي في الجمع بالراء، ورجح ابن ~~الجوزي الزاي، وفيه أن الاعتبار في العقود بالقول ولو تأخرت الكتابة ~~والاشهاد، ولأجل ذلك أمضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسهيل الامر في رد ~~ابنه إليه، وكان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تلطف معه لقوله: لم نقض ~~الكتاب بعد رجاء أن يجيبه. قوله: # قال مكرز بلى قد أجزناه هذه رواية الكشميهني ورواية الأكثر من رواة ~~البخاري بل بالاضراب، وقد استشكل ما وقع من مكرز من الإجازة، لأنه خلاف ما ~~وصفه صلى الله عليه وآله وسلم به من الفجور. وأجيب بأن الفجور حقيقة، ولا ~~يستلزم أن لا يقع منه شئ من البر نادرا، أو قال ذلك نفاقا وفي باطنه ms3408 خلافه، ~~ولم يذكر في هذا الحديث ما أجاب به سهيل على مكرز لما قال ذلك، وقد زعم بعض ~~الشراح أن سهيلا لم يجبه، لأن مكرزا لم يكن ممن جعل له أمر عقد الصلح بخلاف ~~سهيل، وتعقب بأن الواقدي روى أن مكرزا كان ممن جاء في الصلح مع سهيل، وكان ~~معهما حويطب بن عبد العزى، لكن ذكر في روايته ما يدل على أن إجازة مكرز لم ~~تكن في أن لا يرده إلى سهيل بل في تأمينه من التعذيب ونحو ذلك، وأن مكرزا ~~وحويطبا أخذا أبا جندل فأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه. وفي مغازي ابن عائذ ~~نحو ذلك كله ولفظه: # فقال مكرز بن حفص وكان ممن أقبل مع سهيل بن عمرو في التماس الصلح: أنا له ~~جار وأخذ بيده فأدخله فسطاطا. قال الحافظ: وهذا لو ثبت لكان أقوى من ~~PageV08P199 # الاحتمالات الأول، فإنه لم يجزه بأن يقره عند المسلمين، بل ليكف العذاب ~~عنه ليرجع إلى طواعية أبيه فما خرج بذلك عن الفجور، لكن يعكر عليه ما في ~~رواية الصحيح السابقة بلفظ: فقال مكرز قد أجزناه لك، يخاطب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بذلك. قوله: فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين الخ زاد ابن ~~إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا جندل اصبر واحتسب ~~فإنا لا نغدر، وأن الله جاعل لك فرجا ومخرجا. قال الخطابي: تأول العلماء ما ~~وقع في قصة أبي جندل على وجهين: # أحدهما أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن ~~يتكلم بالكفر مع إضمار الايمان إن لم تمكنه التورية، فلم يكن رده إليهم ~~إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. ~~والوجه الثاني : أنه إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى ~~الهلاك وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا. وأما ما يخاف عليه من ~~الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين. (واختلف ~~العلماء) هل يجوز الصلح ms3409 مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من ~~عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم على ما دلت عليه قصة أبي جندل ~~وأبي بصير، وقيل: لا، وأن الذي وقع في القصة منسوخ، وأن ناسخه حديث أنا برئ ~~من كل مسلم بين مشركين وقد تقدم وهو قول الحنفية. # وعند الشافعية يفصل بين العاقل وبين المجنون والصبي فلا يردان. وقال بعض ~~الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار ~~الحرب. قوله: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى زاد الواقدي من حديث أبي سعيد ~~قال: قال عمر: لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~مراجعة ما راجعته مثلها قط. قوله: فلم نعطي الدنية بفتح المهملة وكسر النون ~~وتشديد التحتية. قوله: أو ليس كنت حدثتنا الخ، في رواية ابن إسحاق: كان ~~الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. وعند الواقدي: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو ~~وأصحابه البيت فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم. قال في الفتح: ويستفاد من هذا ~~الفصل جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، وأن الكلام يحمل على عمومه ~~وإطلاقه حتى PageV08P200 # تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وأن من حلف على فعل شئ ولم يذكر مدة معينة ~~لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته. قوله: فأتيت أبا بكر الخ، لم يذكر عمر أنه ~~راجع أحدا في ذلك غير أبي بكر لما له عنده من الجلالة. وفي جواب أبي بكر ~~عليه بمثل ما أجاب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليل على سعة علمه ~~وجودة عرفانه بأحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فاستمسك ~~بغرزه بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها زاي، قال المصنف: هو للإبل ~~بمنزلة الركاب للفرس، والمراد التمسك بأمره وترك المخالطة له كالذي يمسك ~~بركاب الفارس ms3410 فلا يفارقه. قوله: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا القائل هو ~~الزهري كما في البخاري وهو منقطع، لأن الزهري لم يدرك عمر، قال بعض الشراح: ~~المراد بقوله أعمالا أي من الذهاب والمجئ والسؤال والجواب، ولم يكن ذلك شكا ~~من عمر بل طلبا لكشف ما خفي عليه وحثا على إذلال الكفار بما عرف من قوته في ~~نصرة الدين. قال في الفتح: وتفسير الأعمال بما ذكر مردود، بل المراد به ~~الأعمال الصالحة لتكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء. وقد ورد ~~عن عمر التصريح بمراده، ففي رواية ابن إسحاق وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق ~~وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به. وعند ~~الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا. ~~قال السهيلي: هذا الشك الذي حصل لعمر هو ما لا يستمر صاحبه عليه وإنما هو ~~من باب الوسوسة. قال الحافظ: والذي يظهر أنه توقف منه ليقف على الحكمة ~~وتنكشف عنه الشبهة، ونظيره قصته في الصلاة على عبد الله بن أبي وإن كان في ~~الأولى لم يطابق اجتهاده الحكم بخلاف الثانية وهي هذه القصة، وإنما عمل ~~الأعمال المذكورة لهذه، وإلا فجميع ما صدر منه كان معذورا فيه، بل هو فيه، ~~مأجور لأنه مجتهد فيه. قوله: فلما فرغ من قضية الكتاب زاد ابن إسحاق، فلما ~~فرغ من قضية الكتاب أشهد جماعة على الصلح رجال من المسلمين ورجال من ~~المشركين منهم علي وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن ~~مسلمة وعبد الله بن سهل بن عمرو ومكرز بن حفص وهو مشرك. قوله: فوالله ما ~~قام منهم أحد قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الامر بذلك للندب، أو ~~لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور، أو أن يخصصه بالاذن بدخولهم مكة ~~ذلك العام لاتمام نسكهم، PageV08P201 # وسوغ لهم ذلك، لأنه كان زمان وقوع النسخ. ويحتمل أن يكون أهمتهم صورة ~~الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم مع ms3411 ظهور قوتهم ~~واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو ~~أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الامر المطلق لا يقتضي الفور. قال الحافظ: ~~ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم. قوله: فذكر لها ما لقي من الناس فيه ~~دليل على فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول ~~المجرد، وليس فيه أن الفعل مطلقا أبلغ من القول، نعم فيه أن الاقتداء ~~بالافعال أكثر منه بالأقوال وهذا معلوم مشاهد. وفيه دليل على فضل أم سلمة ~~ووفور عقلها حتى قال إمام الحرمين: # لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة، وتعقب بإشارة بنت شعيب على ~~أبيها في أمر موسى. ونظير هذه القصة ما وقع في غزوة الفتح فإن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمرهم بالفطر في رمضان فلما استمروا على الامتناع ~~تناول القدح فشرب فلما رأوه يشرب شربوا. قوله: نحر بدنه زاد ابن إسحاق عن ~~ابن عباس أنها كانت سبعين بدنة كان فيها جمل لأبي جهل في رأسه برة من فضة ~~ليغيظ به المشركين، وكان غنمه منه في غزوة بدر. قوله: ودعا حالقه قال ابن ~~إسحاق: # بلغني أن الذي حلقه في ذلك اليوم هو خراش بمعجمتين ابن أمية بن الفضل ~~الخزاعي. # قوله: فجاءه أبو بصير بفتح الموحدة وكسر المهملة اسمه عتبة بضم المهملة ~~وسكون الفوقية ابن أسيد بفتح الهمزة وكسر المهملة ابن جارية بالجيم الثقفي ~~حليف بني زهرة، كذا قال ابن إسحاق وبهذا يعرف أن قوله في حديث الباب رجل من ~~قريش أي بالحلف، لأن بني زهرة من قريش. قوله: فأرسلوا في طلبه رجلين سماهما ~~ابن سعد في الطبقات خنيس بمعجمة ونون وآخره مهملة مصغرا ابن جابر ومولى له ~~يقال له كوير. وفي رواية للبخاري أن الأخنس بن شريق هو الذي أرسل في طلبه، ~~زاد ابن إسحاق: فكتب الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كتابا وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر ~~استأجراه اه. قال الحافظ: ms3412 والأخنس من ثقيف رهط أبي بصير، وأزهر من بني زهرة ~~حلفاء أبي بصير، فلكل منهما المطالبة برده، ويستفاد منه أن المطالبة بالرد ~~تختص بمن كان من عشيرة المطلوب بالأصالة أو الحلف، وقيل: إن اسم أحد ~~PageV08P202 # الرجلين مرثد بن حمران، زاد الواقدي: فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام. ~~قوله: # فقال أبو بصير لأحد الرجلين في رواية ابن إسحاق للعامري. وفي رواية ابن ~~سعد لخنيس بن جابر. قوله: فاستله الآخر أي صاحب السيف أخرجه من غمده. # قوله: حتى برد بفتح الموحدة والراء أي خمدت حواسه وهو كناية عن الموت، ~~لأن الميت تسكن حركته وأصل البرد السكون. قال الخطابي: وفي رواية ابن إسحاق ~~فعلاه حتى قتله. قوله: وفر الآخر في رواية ابن إسحاق: وخرج المولى يشتد أي ~~هربا. قوله: ذعرا بضم المعجمة وسكون المهملة أي خوفا. قوله: قتل صاحبي بضم ~~القاف، وفي هذا دليل على أنه يجوز للمسلم الذي يجئ من دار الحرب في زمن ~~الهدنة قتل من جاء في طلب رده إذا شرط لهم ذلك، لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم ينكر على أبي بصير قتله للعامري ولا أمر فيه بقود ولادية. ~~قوله: ويل أمه بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة وهي كلمة ذم ~~تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم لأن الويل الهلاك، ~~فهو كقولهم: لامه الويل ولا يقصدون، والويل يطلق على العذاب والحرب والزجر، ~~وقد تقدم شئ من ذلك في الحج في قوله للأعرابي: ويلك. وقال الفراء: أصله وي ~~فلان أي لفلان أي حزن له فكثر الاستعمال فألحقوا بها اللام فصارت كأنها ~~منها وأعربوها، وتبعه ابن مالك إلا أنه قال تبعا للخليل: أن وي كلمة تعجب ~~وهي من أسماء الأفعال واللام بعدها مكسورة ويجوز ضمها اتباعا للهمزة، وحذفت ~~الهمزة تخفيفا. # قوله: مسعر حرب بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة أيضا ~~وبالنصب على التمييز، وأصله من مسعر حرب أي يسعرها. قال الخطابي: يصفه ~~بالاقدام في الحر ب والتسعير لنارها. قوله: لو كان ms3413 له أحد أي يناصره ~~ويعاضده. قوله: سيف البحر بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها فاء أي ~~ساحله. قوله: عصابة أي جماعة وواحد لها من لفظها وهي تطلق على الأربعين فما ~~دونها. وفي رواية ابن إسحاق: # أنهم بلغوا نحو السبعين نفسا، وزعم السهيلي أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل. ~~قوله: ما يسمعون بعير بكسر المهملة أي بخبر عير وهي القافلة. قوله: فأرسل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم في رواية موسى بن عقبة عن الزهري: ~~فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بصير فقدم كتابه وأبو بصير ~~يموت فمات وكتاب رسول الله صلى PageV08P203 # الله عليه وسلم في يده فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا. وفي ~~الحديث دليل على أن من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية. وقد ~~وقع عند ابن إسحاق أن سهيل بن عمرو لما بلغه قتل العامري طالب بديته، لأنه ~~من رهطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك، لأنه وفى بما عليه ~~وأسلمه لرسولكم ولم يقتله بأمره، ولا على آل أبي بصير أيضا شئ، لأنه ليس ~~على دينهم. قوله: فأنزل الله تعالى : * (وهو الذي كف أيديهم عنكم) * ~~(الفتح: 24) ظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، والمشهور في سبب نزولها ما ~~أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع، ومن حديث أنس بن مالك، وأخرجه أحمد ~~والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل بإسناد صحيح أنها نزلت بسبب القوم الذين ~~أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة فظفروا بهم وعفا عنهم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية كما تقدم. وقيل في نزولها غير ذلك. قوله: ~~على وضع الحرب عشر سنين هذا هو المعتمد عليه كما ذكره ابن إسحاق في المغازي ~~وجزم به ابن سعد، وأخرجه الحاكم من حديث علي، ووقع في مغازي ابن عائذ في ~~حديث ابن عباس وغيره أنه كان سنتين، وكذا وقع عند موسى بن عقبة، ويجمع بأن ~~العشر السنين هي المدة التي وقع الصلح ms3414 عليها، والسنتين هي المدة التي انتهى ~~أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش. وأما ما وقع في كامل ابن عدي ~~ومستدرك الحاكم في الأوسط للطبراني من حديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع ~~سنين فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح. وقد اختلف العلماء في المدة ~~التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين فقيل: لا تجاوز عشر سنين على ما في ~~هذا الحديث وهو قول الجمهور، وقيل: تجوز الزيادة، وقيل: لا تجاوز أربع ~~سنين، وقيل: ثلاثا، وقيل: سنتين، والأول هو الراجح. قوله: عيبة مكفوفة أي ~~أمرا مطويا في صدور سليمة، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم من ~~أسباب الحرب وغيرها والمحافظة على العهد الذي وقع بينهم. قوله: وأنه لا ~~إغلال ولا إسلال أي لا سرقة ولا خيانة، يقال: أغل الرجل أي خان، أما في ~~الغنيمة فيقال: غل بغير ألف، والاسلال من السلة وهي السرقة، وقيل: من سل ~~السيوف، والاغلال من لبس الدروع ووهاه أبو عبيد، والمراد أن يأمن الناس ~~بعضهم من بعض في نفوسهم وأموالهم سرا وجهرا. قوله: وامتعضوا منه بعين مهملة ~~وضاد معجمة أي أنفوا وشق عليهم. قال PageV08P204 # الخليل: معض بكسر المهملة والضاد المعجمة من الشئ، وامتعض توجع منه. وقال ~~ابن القطاع: شق عليه وأنف منه. ووقع من الرواة اختلاف في ضبط هذه اللفظة ~~فالجمهور على ما هنا، والأصيلي والهمداني بظاء مشالة، وعند القابسي: امعظوا ~~بتشديد الميم، وعند النسفي: انغضوا بنون وغين معجمة وضاد معجمة غير مشالة. ~~قال عياض: وكلها تغييرات حتى وقع عند بعضهم انفضوا بفاء وتشديد، وبعضهم ~~أغيظوا من الغيظ. قوله: # وهي عاتق أي شابة. قوله: فامتحنوهن الآية أي اختبروهن فيما يتعلق ~~بالايمان باعتبار ما يرجع إلى ظاهر الحال دون الاطلاع على ما في القلوب ~~وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: * (الله أعلم بإيمانهن) * (الممتحنة: 10) وأخرج ~~الطبري عن ابن عباس قال: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله. وأخرج الطبري أيضا والبزار عن ابن عباس أيضا: كان يمتحنهن ms3415 ~~والله ما خرجن من بغض زوج، والله ما خرجن رغبة عن أرض إلى أرض، والله ما ~~خرجن التماس دنيا. قوله: قال عروة أخبرتني عائشة هو متصل كما في مواضع في ~~البخاري. قوله: لما أنزل الله أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا يعني قوله ~~تعالى: * (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) * (الممتحنة: 10). قوله: ~~قريبة بالقاف والموحدة مصغر في أكثر نسخ البخاري. وضبطها الدمياطي بفتح ~~القاف وتبعه الذهبي. وكذا الكشميهني، وفي القاموس بالتصغير وقد تفتح انتهى. ~~وهي بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي أخت أم سلمة ~~زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: فلما أبى الكفار أن يقروا الخ، ~~أي أبوا أن يعملوا بالحكم المذكور في الآية. وقد روى البخاري في النكاح عن ~~مجاهد في قوله تعالى: * (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) * قال: من ~~ذهب من أزواج المسلمين إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتهن وليمسكوهن. ومن ~~ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد فكذلك، هذا كله في صلح بين النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبين قريش. وروى البخاري أيضا عن الزهري في كتاب ~~الشروط قال: بلغنا أن الكفار لما أبوا أن يقروا بما أنفق المسلمون على ~~أزواجهم كما في الآية، وهو أن المرأة إذا جاءت من المشركين إلى المسلمين ~~مسلمة لم يردها المسلمون إلى زوجها المشرك بل يعطونه ما أنفق عليها من صداق ~~ونحوه، وكذا بعكسه. فامتثل المسلمون ذلك وأعطوهم، وأبى المشركون أن يمتثلوا ~~ذلك، فحبسوا من جاءت إليهم مشركة ولم PageV08P205 # يعطوا زوجها المسلم ما أنفق عليها فلهذا نزلت: * (وإن فاتكم شئ من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتهم) * (الممتحنة: 11) أي أصبتم من صدقات المشركات ~~عوض ما فات من صدقات المسلمات. قوله: وما يعلم أحد من المهاجرات الخ، هذا ~~النفي لا يرده ظاهر ما دلت عليه الآية والقصة، لأن مضمون القصة أن بعض ~~أزواج المسلمين ذهبت إلى زوجها الكافر فأبى أن يعطي زوجها المسلم ما أنفق ~~عليها، فعلى تقدير أن تكون مسلمة فالنفي مخصوص بالمهاجرات، ms3416 فيحتمل كون من ~~وقع منها ذلك من غير المهاجرات كالأعرابيات مثلا أو الحصر على عمومه، وتكون ~~نزلت في المرأة المشركة إذا كانت تحت مسلم مثلا فهربت منه إلى الكفار. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله تعالى: * (وإن فاتكم شئ من أزواجكم) * ~~قال: نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفي، ولم ترتد ~~امرأة من قريش غيرها، ثم أسلمت مع ثقيف حين أسلموا، فإن ثبت هذا استثنى من ~~الحصر المذكور في الحديث، أو يجمع بأنها لم تكن هاجرت فيما قبل ذلك. قوله: ~~الأحابيش لم يتقدم في الحديث ذكر هذا اللفظ، ولكنه مذكور في غيره في بعض ~~ألفاظ هذه القصة أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعث عينا من خزاعة فتلقاه ~~فقال: إن قريشا قد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أشيروا علي أترون أن أميل على ذراريهم؟ فإن ~~يأتونا كان الله قد قطع جنبا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، فأشار ~~إليه أبو بكر بترك ذلك فقال: امضوا بسم الله. # والأحابيش هم بنو الحرث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزاعة، ~~والقارة وهو ابن الهون بن خزيمة. # باب جواز مصالحة المشركين على المال وإن كان مجهولا عن ابن عمر قال: أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم ~~وغلبهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ~~ركابهم، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة وهي ~~السلاح ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا PageV08P206 # يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي ~~لحيي ابن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعم حيي واسمه سعية: ما فعل مسك حيي الذي جاء به ~~من النضير؟ # فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، ms3417 وقد ~~كان حيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعية إلى ~~الزبير فمسه بعذاب فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ههنا، فذهبوا فطافوا ~~فوجدوا المسك في الخربة، فقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابني أبي ~~الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن ~~يجليهم منها فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ~~ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون ~~عليها وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من ~~كل زرع وشئ ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عبد الله بن ~~رواحة يأتيهم في كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه فقال عبد الله: ~~تطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من ~~عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا ~~أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام، وعشرين ~~وسقا من شعير، فلما كان زمن عمر غشوا فألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا ~~يديه فقال عمر بن الخطاب: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، ~~فقسمها عمر بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط على ~~قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو ~~الشام يوما ثم يوما، ثم يوما. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل ~~الحديبية رواه البخاري وفيه من الفقه أن تبين عدم الوفاء ms3418 بالشرط المشروط ~~يفسد الصلح حتى في حق النساء والذرية، وأن قسمة الثمار خرصا من غير تقابض ~~جائزة، وأن عقد المزارعة والمساقاة من غير تقدير مدة جائز، وأن معاقبة ~~PageV08P207 # من يكتم مالا جائزة، وأن ما فتح عنوة يجوز قسمته بين الغانمين وغير ذلك ~~من الفوائد. # وعن رجل من جهينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعلكم ~~تقاتلون قوما فيظهرون عليكم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم ~~فتصالحونهم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه لا يصلح رواه أبو داود. # حديث الرجل الذي من جهينة أخرجه أيضا ابن ماجة وسكت عنه أبو داود، وفي ~~إسناده رجل مجهول، لأنه من رواية رجل من ثقيف عن رجل من جهينة. # ورواه أبو داود أيضا من طريق خالد بن معدان عن جبير بن نفير قال: انطلق ~~بنا إلى ذي مخبر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. ~~قوله: # على أن يجلوا منها قال في القاموس: جلا القوم عن الموضع ومنه جلوا أو ~~جلاء، وجلوا تفرقوا، أو جلا من الخوف، وأجلى من الجدب، ثم قال: والجالية ~~أهل الذمة، لأن عمر أجلاهم من جزيرة العرب انتهى. وقال الهروي: جلا القوم ~~عن مواطنهم وأجلى بمعنى واحد، والاسم الجلاء والاجلاء. قوله: الصفراء ~~والبيضاء والحلقة بفتح الحاء المهملة وسكون اللام وهي كما فسره المصنف رحمه ~~الله تعالى السلاح، وهذا فيه مصالحة المشركين بالمال المجهول. قوله: فغيبوا ~~مسكا بفتح الميم وسكون المهملة قال في القاموس: # المسك الجلد أو خاص بالسخلة الجمع مسوك وبهاء القطعة منه. قوله: لحيي بضم ~~الحاء تصغير حي. وأخطب بالخاء المعجمة. وسعية بفتح السين المهملة وسكون ~~العين المهملة أيضا بعدها تحتية. قوله: فمسه بعذاب فيه دليل على جواز تعذيب ~~من امتنع من تسليم شئ يلزمه تسليمه وأنكر وجوده إذا غلب في ظن الامام كذبه، ~~وذلك نوع من السياسة الشرعية. قوله: فقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ابني أبي الحقيق بمهملة وقافين مصغرا وهو رأس يهود خيبر، قال الحافظ: ولم ~~أقف على ms3419 اسمه إنما قتلهما لعدم وفائهم بما شرطه عليهم لقوله في أول الحديث: ~~فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. # قوله: ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في لفظ للبخاري: نقركم ~~على ذلك ما شئنا. وفي لفظ له آخر: نقركم ما أقركم الله والمراد ما قدر الله ~~أنا نترككم فيها إذا شئنا فأخرجناكم، تبين أن الله قد أخرجكم. قوله: ففدعوا ~~يديه الفدع بفتح الفاء والدال المهملة بعدها عين مهملة زوال المفصل، فدعت ~~يداه إذا أزيلتا من مفاصلهما. وقال الخليل: الفدع عوج في المفاصل وفي خلق ~~الانسان إذا زاغت القدم من أصلها من PageV08P208 # الكعب وطرف الساق فهو الفدع. قال الأصمعي: هو زيغ في الكف بينها وبين ~~الساعد، وفي الرجل بينها وبين الساق. ووقع في رواية ابن السكن شدع بالشين ~~المعجمة بدل الفاء، وجزم به الكرماني، قال الحافظ: وهو وهم، لأن الشدع ~~بالمعجمة كسر الشئ المجوف قاله الجوهري، ولم يقع ذلك لابن عمر في هذه ~~القصة، والذي في جميع الروايات بالفاء. وقال الخطابي: كان اليهود سحروا عبد ~~الله بن عمر فالتفت يداه ورجلاه، قال : ويحتمل أن يكونوا ضربوه، والواقع في ~~حديث الباب أنهم ألقوه من فوق بيت. # قوله: فقال رئيسهم لا تخرجن لعل في الكلام محذوفا، ووقع في رواية للبخاري ~~في الشروط بلفظ: وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع الخ، فيكون المحذوف من حديث ~~الباب هو هذا، أي لما أجمع عمر على إجلائهم قال رئيسهم. وظاهر هذا أن سبب ~~الاجلاء هو ما فعلوه بعبد الله بن عمر. قال في الفتح: وهذا لا يقتضي حصر ~~السبب في إجلاء عمر إياهم، وقد وقع لي فيه سببان آخران أحدهما رواه الزهري ~~عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما زال عمر حتى وجد الثبت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يجتمع بجزيرة العرب دينان، فقال: ~~من كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به أنفذه له وإلا فإني مجليكم فأجلاهم ~~أخرجه ابن أبي شيبة وغيره. ثانيهما: رواه ms3420 عمر بن شبة في أخبار المدينة من ~~طريق عثمان بن محمد الأخنسي قال: لما كثر العيال أي الخدم في أيدي المسلمين ~~وقووا على العمل في الأرض أجلاهم عمر ويحتمل أن يكون كل من هذه الأشياء جزء ~~علة في إخراجهم، والاجلاء الاخراج عن المال والوطن على وجه الازعاج ~~والكراهة اه. قوله: كيف بك إذا رقصت بك راحلتك أي ذهبت بك راقصة نحو الشام. ~~وفي لفظ للبخاري: تعدو بك قلوصك والقلوص بفتح القاف وبالصاد المهملة الناقة ~~الصابرة على السير، وقيل الشابة، وقيل أول ما تركب من إناث الإبل، وقيل ~~الطويلة القوائم، فأشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى إخراجهم من خيبر، فكان ~~ذلك من إخباره بالمغيبات. والمراد بقوله: رقصت أي أسرعت. قوله: نحو الشام ~~قد ثبت أن عمر أجلاهم إلى تيماء وأريحاء، وقد وهم المصنف رحمه الله في نسبة ~~جميع ما ذكره من ألفاظ هذا الحديث إلى البخاري، ولعله نقل لفظ الحميدي في ~~الجمع بين الصحيحين، والحميدي كأنه نقل السياق من مستخرج البرقاني كعادته، ~~فإن كثيرا من هذه الألفاظ ليس في صحيح البخاري، PageV08P209 # وإنما هي في مستخرج البرقاني من طريق حماد بن سلمة. وكذلك أخرج هذا ~~الحديث بلفظ البرقاني أبو يعلى في مسنده، والبغوي في فوائده، ولعل الحميدي ~~ذهل عن عز وهذا الحديث إلى البرقاني وعزاه إلى البخاري فتبعه المصنف في ~~ذلك، وقد نبه الإسماعيلي على أن حمادا كان يطوله تارة ويرويه تارة مختصرا، ~~وقد قدمنا الكلام على بعض فوائد هذا الحديث في المزارعة. قوله: فلا تصيبوا ~~منهم فوق ذلك فإنه لا يصلح فيه دليل على أنه لا يجوز للمسلمين بعد وقوع ~~الصلح بينهم وبين الكفار على شئ أن يطلبوا منهم زيادة عليه، فإن ذلك من ترك ~~الوفاء بالعهد ونقض العقد وهما محرمان بنص القرآن والسنة. # باب ما جاء فيمن سار نحو العدو في آخر مدة الصلح بغتة عن سليمان بن عامر ~~قال: كان معاوية يسير بأرض الروم وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم ~~فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ ms3421 على دابة يقول: # الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدنها حتى ينقضي أمدها ~~أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء، فبلغ ذلك معاوية فرجع، فإذا الشيخ عمرو بن ~~عبسة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي، وقال الترمذي بعد إخراجه: حسن صحيح. # قوله: وكان بينه وبينهم أمد الخ، لفظ أبي داود: كان بين معاوية وبين ~~الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على ~~فرس أو برذون. قوله: # وفاء لا غدر أي أن الله سبحانه وتعالى شرع لعباده الوفاء بالعقود والعهود ~~ولم يشرع لهم الغدر، فكان شرعه الوفاء لا الغدر. قوله: فلا يحلن عقدة ~~استعار عقدة الحبل لما يقع بين المسلمين من المعاهدة، ونهى عن حلها أي ~~نقضها وشدها أي تأكيدها بشئ لم يقع التصالح عليه، بل الواجب الوفاء بها على ~~الصفة التي كان وقوعها عليها بلا زيادة ولا نقصان. قوله: أو ينبذ إليهم ~~عهدهم على سواء النبذ في أصل اللغة الطرح، قال في القاموس: النبذ طرحك الشئ ~~أمامك أو وراءك أو عام انتهى. والمراد هنا PageV08P210 # إخبار المشركين بأن الذمة قد انقضت، وإيذانهم بالحرب إن لم يسلموا أو ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وفي الحديث دليل على ما ترجم به المصنف ~~الباب من أنه لا يجوز المسير إلى العدو في آخر مدة الصلح بغتة، بل الواجب ~~الانتظار حتى تنقضي المدة أو النبذ إليهم على سواء. # باب الكفار يحاصرون فينزلون على حكم رجل من المسلمين عن أبي سعيد: أن أهل ~~قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: قوموا إلى سيدكم أو خيركم، فقعد عند النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: ms3422 فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم ~~وتسبى ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك وفي لفظ: # قضيت بحكم الله عز وجل متفق عليه. # قوله: قوموا إلى سيدكم قد اختلف هل المخاطب بهذا الخطاب الأنصار خاصة أم ~~هم وغيرهم؟ وقد بين ذلك صاحب الفتح في كتاب الاستئذان. قوله: فإني أحكم في ~~رواية للبخاري فيهم، وفي رواية له أخرى فيه أي في هذا الامر. قوله: # بما حكم به الملك بكسر اللام، وفي رواية: لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله ~~الذي حكم به من فوق سبع سماوات. وفي حديث جابر عند ابن عائذ فقال: احكم ~~فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال: قد أمرك الله أن تحكم ~~فيهم. وفي رواية ابن إسحاق: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ~~والأرقعة بالقاف جمع وقيع وهو من أسماء السماء، قيل: سميت بذلك، لأنها رقعت ~~بالنجوم، وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام وفسره ~~بجبريل، لأنه الذي كان ينزل بالأحكام، قال السهيلي: من فوق سبع سماوات ~~معناه أن الحكم نزل من فوق، قال: ومثله قول زينب بنت جحش: زوجني الله من ~~نبيه من فوق سبع سماوات أي نزل تزويجها من فوق. قال: ولا يستحيل وصفه تعالى ~~بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من ~~التحديد الذي يفضي إلى التشبيه. وفي PageV08P211 # الحديث دليل على أنه يجوز نزول العدو على حكم رجل من المسلمين ويلزمهم ما ~~حكم به عليهم من قتل وأسر واسترقاق. وقد ذكر ابن إسحاق أن بني قريظة لما ~~نزلوا على حكم سعد حبسوا في دار بنت الحرث. وفي رواية أبي الأسود عن عروة ~~في دار أسامة بن زيد ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في البيتين. ووقع في حديث ~~جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جعلوا في بيتين. قال ابن إسحاق: فخندقوا ~~لهم خنادق فضربت أعناقهم فجرى الدم في الخندق، وقسم أموالهم ونساءهم ~~وأبناءهم على المسلمين وأسهم للخيل، فكان أول يوم وقعت فيه ms3423 السهمان لها. ~~وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال: أن سعد بن معاذ حكم أيضا أن تكون دورهم ~~للمهاجرين دون الأنصار فلامه الأنصار فقال: إني أحببت أن يستغنوا عن دوركم، ~~واختلف في عدتهم، فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمر بن عبد ~~البرقي ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة كانوا سبعمائة، قال ~~السهيلي: المكثر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى السبعمائة. وفي حديث ~~جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة ~~مقاتل، فيجمع بأن الباقين كانوا أتباعا، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل: إنهم ~~كانوا تسعمائة. # باب أخذ الجزية وعقد الذمة عن عمر أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد ~~عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس هجر ~~رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي. وفي رواية: أن عمر ذكر المجوس ~~فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب رواه ~~الشافعي، وهو دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب. وعن المغيرة بن شعبة أنه ~~قال لعامل كسرى: # أمرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو ~~تؤدوا الجزية رواه أحمد والبخاري. وعن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فجاءته ~~قريش وجاءه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشكوه إلى أبي طالب فقال: يا ابن ~~PageV08P212 # أخي ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي ~~إليهم بها العجم الجزية، قال: كلمة واحدة؟ قال: كلمة واحدة قولوا: لا إله ~~إلا الله، قالوا: إلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق، قال: فنزل فيهم القرآن: * (ص والقرآن ذي الذكر) * إلى قوله: * (إن ~~هذا إلا اختلاق) * رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. # حديث عمر وعبد الرحمن ورد بألفاظ من طرق منها ما ms3424 ذكره المصنف وقد أخرجه ~~الترمذي بلفظ: فجاءنا كتاب عمر انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية فإن عبد ~~الرحمن بن عوف أخبرني فذكره. وأخرج أبو داود من طريق ابن عباس قال: جاء رجل ~~من مجوس هجر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما خرج قلت له: ما قضاء ~~الله ورسوله فيكم؟ قال: شر الاسلام أو القتل وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل ~~منهم الجزية. قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت. ~~وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بسند صحيح عن حذيفة: لولا أني رأيت أصحابي ~~أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها. وفي الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن ~~عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب وهذا ~~منقطع ورجاله ثقات. ورواه الدارقطني وابن المنذر في الغرائب من طريق أبي ~~علي الحنفي عن مالك فزاد فيه عن جده أي جد جعفر بن محمد وهو أيضا منقطع، ~~لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر، فإن كان الضمير ~~في جده يعود إلى محمد بن علي فيكون متصلا، لأن جده الحسين بن علي صلوات ~~الله عليهم سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف، وله شاهد من حديث ~~مسلم بن العلاء بن الحضرمي أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ: سنوا بالمجوس ~~سنة أهل الكتاب قال ابن عبد البر: # هذا من الكلأ العام الذي أريد به الخاص، لأن المراد سنة أهل الكتاب في ~~أخذ الجزية فقط، واستدل بقوله: سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب، ~~لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي: كان المجوس أهل ~~كتاب يدرسونه وعلم يقرؤونه، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا ~~أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من ~~PageV08P213 # خالفه، فأسرى على كتابهم وعلى ما ms3425 في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شئ. ~~وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى: لما هزم ~~المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا فقال إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع ~~عليهم ولا من عبدة الأوثان فنجري عليها أحكامهم، فقال علي: بل هم أهل كتاب، ~~فذكر نحوه لكن قال: وقع على ابنته، وقال في آخره: فوضع الأخدود لمن خالفه، ~~فهذا حجة من قال كان لهم كتاب. وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع ~~لرفع حكمه. ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أن الاستثناء وقع ~~تبعا للأثر الوارد، لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم، بخلاف النكاح فإنه مما ~~يحتاط له. وقال ابن المنذر: ليس تحريم نكاحهم وذبائحهم متفقا عليه، ولكن ~~الأكثر من أهل العلم عليه، وحديث ابن عباس أخرجه النسائي أيضا وصححه ~~الترمذي والحاكم. قوله: # حتى تعبدوا الله وحده الخ، فيه الاخبار من المغيرة بأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية. زاد الطبراني: وإنا ~~والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء حتى نغلبكم على ما في أيديكم. قوله: وتؤدي ~~إليهم بها العجم الجزية فيه متمسك لمن قال: لا تؤخذ الجزية من الكتابي إذا ~~كان عربيا، قال في الفتح: فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب ~~بالاتفاق، وفرق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب. وحكى ~~الطحاوي عنهم أنها تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم، ولا ~~يقبل من مشركي العرب إلا الاسلام أو السيف. وعن مالك: تقبل من جميع الكفار ~~إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام. وحكى ابن القاسم عن مالك أنها ~~لا تقبل من قريش. وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس، لكن حكى ~~ابن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط. # ونقل أيضا الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبحائهم، وحكى ~~غيره عن أبي ثور حل ذلك. قال ابن ms3426 قدامة: وهذا خلاف إجماع من تقدمه. قال ~~الحافظ: # وفيه نظر، فقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة ~~المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذبحها. وروى ابن أبي شيبة عنه وعن عطاء ~~وطاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية. وقال ~~الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلتحق بهم المجوس في ذلك. ~~قال أبو عبيد: PageV08P214 # ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة. قال ~~العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في ~~الاسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الاسلام، واختلف في ~~السنة التي شرعت فيها فقيل في سنة ثمان، وقيل في سنة تسع. # عن عمر بن عبد العزيز: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل ~~اليمن: إن على كل إنسان منكم دينارا كل سنة أو قيمته من المعافر يعني أهل ~~الذمة منهم، رواه الشافعي في مسند وقد سبق هذا المعنى في كتاب الزكاة في ~~حديث لمعاذ. وعن عمرو بن عوف الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي ~~متفق عليه. وعن الزهري قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجزية ~~من أهل البحرين وكانوا مجوسا رواه أبو عبيد في الأموال. وعن أنس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا ~~به فحقن دمه وصالحه على الجزية رواه أبو داود. وهو دليل على أنها لا تختص ~~بالعجم لأن أكيدر دومة عربي من غسان. وعن ابن عباس قال: صالح رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والبقية في رجب ~~يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا ~~وثلاثين من كل صنف من أصناف ms3427 السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى ~~يردوها عليهم إن كان باليمن كيد ذات غدر، على أن لا يهدم لهم بيعة، ولا ~~يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا أخرجه ~~أبو داود. # حديث عمر بن عبد العزيز هو مرسل، ولكنه يشهد له ما أشار إليه المصنف من ~~حديث معاذ، وقد سبق في باب صدقة المواشي من كتاب الزكاة وفيه: ومن كل حالم ~~دينارا أو عدله معافر وقد قدمنا الكلام عليه هنالك. وحديث الزهري هو أيضا ~~مرسل، وقد تقدم ما يشهد له في أول الباب. وحديث أنس أخرجه أيضا البيهقي ~~وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات وفيه عنعنة محمد بن إسحاق. # وحديث ابن عباس هو من رواية السدي عنه قال المنذري: وفي سماع السدي من ~~PageV08P215 # عبد الله بن عباس نظر، وإنما قيل إنه رآه ورأي ابن عمر وسمع من أنس بن ~~مالك. # وكذا قال الحافظ: إن في سماع السدي منه نظرا لكن له شواهد، منها ما أخرجه ~~ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~أهل نجران وهم نصارى: إن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له. وأخرج أيضا عن ~~سالم قال: # أن أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفا، وكان عمر رضي الله عنه يخافهم أن ~~يميلوا على المسلمين فتحاسدوا بينهم فأتوا عمر فقالوا: أجلنا، قال: وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كتب لهم كتابا أن لا يجلوا فاغتنمها ~~عمر فأجلاهم، فندموا فأتوه فقالوا: # أقلنا فأبى أن يقيلهم، فلما قدم علي أتوه فقالوا: إنا نسألك بخط يمينك ~~وشفاعتك عند نبيك إلا ما أقلتنا، فأبى وقال: إن عمر كان رشيد الامر. قوله: ~~من المعافر بعين مهملة وفاء اسم قبيلة وبها سميت الثياب وإليها ينسب البز ~~المعافري. قوله: الأنصاري كذا في صحيح البخاري، والمعروف عند أهل المغازي ~~أنه من المهاجرين، وقد وقع أيضا في البخاري أنه حليف لبني عامر بن لؤي وهو ~~يشعر بكونه ms3428 من أهل مكة، قال في الفتح: ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصاري ~~بالمعنى الأعم، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس والخزرج نزل مكة وحالف بعض ~~أهلها، فبهذا الاعتبار يكون أنصاريا مهاجريا، قال: ثم ظهر لي أن لفظة ~~الأنصاري وهم وقد تفرد بها شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري عنه بدونها ~~في الصحيحين وغيرهما، وهو معدود في أهل بدر باتفاقهم، ووقع عند موسى بن ~~عقبة في المغازي أنه عمير بن عوف بالتصغير. قوله: إلى البحرين هي البلد ~~المشهور بالعراق وهو بين البصرة وهجر. وقوله: يأتي بجزيتها أي يأتي بجزية ~~أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقوية للحديث الذي تقدم، ومن ~~ثم ترجم عليه النسائي أخذ الجزية من المجوس. وذكر ابن سعد أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ~~ساوي عامل الفرس على البحرين يدعوه إلى الاسلام فأسلم وصالح مجوس تلك ~~البلاد على الجزية. قوله: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلخ، كان ~~ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة. قوله: إلى أكيدر بضم الهمزة تصغير ~~أكدر، قال في التلخيص: إن ثبت أن أكيدرا كان كنديا ففيه دليل على أن الجزية ~~لا تختص بالعجم من أهل الكتاب لأن أكيدرا كان عربيا اه. قوله: صالح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل نجران الخ، هذا PageV08P216 # المال الذي وقعت عليه المصالحة هو في الحقيقة جزية، ولكن ما كان مأخوذا ~~على هذه الصفة يختص بذوي الشوكة، فيؤخذ ذلك المقدار من أموالهم ولا يضربه ~~الامام على رؤوسهم. قوله: إن كان باليمن كيد ذات غدر إنما أنث الكيد هنا، ~~لأنه أراد به الحرب، ولفظ الجامع كيد إذا بغدر. وفي الارشاد: كيد أو غدر، ~~وهكذا لفظ أبي داود. قوله : ولا يخرج لهم قس بفتح القاف وتشديد المهملة ~~بعدها قال في القاموس: هو رئيس النصارى في العلم. قوله: أو يأكلوا الربا ~~زاد أبو داود: قال إسماعيل قد أكلوا الربا. # وعن ابن شهاب قال: أول ms3429 من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران وكانوا ~~نصارى رواه أبو عبيد في الأموال. وعن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة ~~فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم ~~من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: * (لا إكراه ~~في الدين) * (البقرة: 256) رواه أبو داود، وهو دليل على أن الوثني إذا تهود ~~يقر ويكون كغيره من أهل الكتاب. وعن ابن أبي نجيح قال: قلت لمجاهد: ما شأن ~~أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من ~~قبيل اليسار أخرجه البخاري. # حديث ابن شهاب مرسل. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي، وقد رواه أبو ~~داود من ثلاث طرق والنسائي من طريقين وجميع رجاله لا مطعن فيهم. # قوله: مقلاة بكسر الميم وسكون القاف قال في مختصر النهاية: هي المرأة ~~التي لا يعيش لها ولد. قوله: فأنزل الله عز وجل: * (لا إكراه في الدين) * ~~فيه دليل على أنه إذا اختار الوثني الدخول في اليهودية أو النصرانية جاز ~~تقريره على ذلك بشرط أن يلتزم بما وضعه المسلمون على أهل الذمة. قوله: ما ~~شأن أهل الشام الخ، أشار بهذا الأثر إلى جواز التفاوت في الجزية، وأقل ~~الجزية عند الجمهور دينار في كل سنة من كل حالم لحديث معاذ المتقدم وما ورد ~~في معناه، وظاهره المساواة بين الغني والفقير، وخصته الحنفية بالفقير، ~~قالوا: وأما المتوسل فعليه ديناران وعلى الغني أربعة، وهو موافق لأثر مجاهد ~~المذكور، وعند الشافعية أن للامام أن يماكس حتى يأخذها منهم، وبه قال أحمد. ~~وحكي في البحر عن الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبي حنيفة وأصحابه أنها ~~تكون من الفقير اثنتي عشرة قفلة، ومن الغني ثمانيا وأربعين، ومن المتوسط ~~أربعا وعشرين، وتمسكوا بما رواه أبو عبيد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن ~~مضرب PageV08P217 # عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية ~~وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر. قال في الفتح: وهذا على حساب ms3430 الدينار ~~باثني عشر. # وأخرجه البيهقي من طريق مرسلة بلفظ: أن عمر ضرب الجزية على الغني ثمانية ~~وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين، وعلى الفقير المكتسب اثني عشر ~~وأخرج البيهقي أيضا عن عمر: أنه وضع على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل ~~الورق ثمانية وأربعين. وأخرج أيضا عنه أنه قال: دينار الجزية اثنا عشر ~~درهما قال: # ويروى عنه بإسناد ثابت: عشرة دراهم قال: ووجهه التقويم باختلاف السعر. ~~وقال مالك: لا يزيد على الأربعين وينقص منها عمن لا يطيق. قال في الفتح: ~~وهذا يحتمل أن يكون جعله على حساب الدينار بعشرة، والقدر الذي لا بد منه ~~دينار. وحكي في البحر عن النفس الزكية وأبي حنيفة والشافعي في قول له: إنه ~~لا جزية على فقير، وهذا يخالف ما حكاه في الفتح عن الحنفية والشافعية كما ~~قدمنا، ولعل ما وقع من عمر وغيره من الصحابة من الزيادة على الدينار، لأنهم ~~لم يفهموا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدا محدودا، أو أن حديث معاذ ~~المتقدم واقعة عين لا عموم لها، وأن الجزية نوع من الصلح كما قدمنا. وقد ~~تقدم ما كان يأخذه صلى الله عليه وآله وسلم من أهل نجران. وحكي في البحر عن ~~الهادي أن الغني من يملك ألف دينار نقدا وبثلاثة آلاف دينار عروضا ويركب ~~الخيل ويتختم الذهب. وقال المؤيد بالله: إن الغني هو العرفي وقواه المهدي، ~~وقال المنصور بالله: بل الشرعي. قال في الفتح : (واختلف السلف) في أخذها من ~~الصبي فالجمهور قالوا: لا تؤخذ على مفهوم حديث معاذ، وكذا لا تؤخذ من شيخ ~~فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب ~~الصوامع في قول، والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخرا اه. وقد أخرج ~~البيهقي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد: أن لا ~~تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي وكان لا يضرب على النساء ~~والصبيان. ورواه من طريق أخرى بلفظ: ولا تضعوا ms3431 الجزية على النساء والصبيان. ~~ولكنه قد أخرج أبو عبيد في كتاب الأموال عن عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن ~~أبي الأسود عن عروة قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل ~~اليمن أنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا ينزعها PageV08P218 # وعليه الجزية على كل حال ذكرا أو أنثى، عبد أو أمة، دينار واف أو قيمته. ~~ورواه ابن زنجويه في الأموال عن النضر بن شميل عن عوف عن الحسن قال: كتب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره، قال الحافظ: وهذان مرسلان يقوي ~~أحدهما الآخر. وروى أبو عبيد أيضا في الأموال عن يحيى بن سعيد عن قتادة عن ~~شقيق العقيلي عن أبي عياض عن عمر قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة فإنهم أهل ~~خراج يؤدي بعضهم عن بعض. # وعن ابن عباس قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا تصلح قبلتان في أرض، وليس على مسلم جزية رواه أحمد وأبو داود، وقد ~~احتج به على سقوط الجزية بالاسلام، وعلى المنع من إحداث بيعة أو كنيسة. وعن ~~رجل من بني تغلب: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليس على ~~المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى رواه أحمد وأبو داود. وعن ~~أنس: أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشاة مسمومة ~~فأكل منها فجئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألها عن ذلك ~~فقالت: أردت أن أقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، قال فقالوا: ألا ~~نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رواه أحمد ومسلم، وهو دليل على أن العهد لا ينتقض بمثل هذا الفعل. # حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود ورجال إسناده موثقون، وقد تكلم في قابوس ~~ابن الحصين بن جندب ووثقه ابن معين. وقال المنذري: أخرجه الترمذي وذكر أنه ~~مرسل، ويشهد له ما تقدم أنه صلى الله عليه وآله وسلم ms3432 قال: المسلم والكافر ~~لا تتراءى ناراهما وأخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب قال ابن شهاب: ففحص عمر ~~عن ذلك حتى أتاه الثلج واليقين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا ~~فأجلى يهود خيبر. قال مالك: وقد أجلى عمر يهود نجران وفدك. ورواه مالك في ~~الموطأ أيضا عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: بلغني ~~أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال: قاتل ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض ~~العرب. ووصله PageV08P219 # صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، أخرجه إسحاق في ~~مسنده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب فذكره مرسلا ~~وزاد: فقال عمر: من كان منكم عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فليأت به وإلا فإني مجليكم. ورواه أحمد في مسنده موصولا عن عائشة ~~ولفظه قالت: آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يترك ~~بجزيرة العرب دينان. أخرجه من طريق ابن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن ~~الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها. وحديث الرجل الذي من بني ~~تغلب أخرجه البخاري في التاريخ وساق الاضطراب فيه. وقال: لا يتابع عليه. ~~قال المنذري: وقد فرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشور فيما أخرجت ~~الأرض في خمسة أوساق. # وقد أخرجه أبو داود أيضا من طريق أخرى من حديث حرب بن عبيد الله عن جده ~~أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما العشور ~~على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور ولم يتكلم أبو داود ولا ~~المنذري على إسناده. وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن حرب بن عبيد الله فقال: ~~الخراج مكان العشور. وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن رجل ms3433 من بكر بن وائل عن ~~خاله قال: قلت يا رسول الله أعشر قومي؟ قال: إنما العشور على اليهود ~~والنصارى. وقد سكت أبو داود والمنذري عنه وفي إسناده الرجل البكري وهو ~~مجهول وخاله أيضا مجهول ولكنه صحابي. قوله: لا تصلح قبلتان سيأتي الكلام ~~على ذلك في الباب الذي بعد هذا. قوله: وليس على مسلم جزية، لأنها إنما ضربت ~~على أهل الذمة ليكون بها حقن الدماء وحفظ الأموال، والمسلم بإسلامه قد صار ~~محترم الدم والمال. قوله: عشور هي جمع عشر وهو واحد من عشرة أي ليس عليهم ~~غير الزكاة من الضرائب والمكس ونحوهما. قال في القاموس: عشرهم يعشرهم عشرا ~~وعشورا أخذ عشر أموالهم انتهى. وقال الخطابي: يريد عشور التجارات دون عشور ~~الصدقات، قال: والذي يلزم اليهود والنصارى من العشور هو ما صولحوا عليه، ~~وإن لم يصالحوا عليه فلا شئ عليهم غير الجزية انتهى. ولعله يريد على مذهب ~~الشافعي. وأما عند الحنفية والزيدية فإنهم يقولون: يؤخذ من تجار أهل الذمة ~~نصف عشر ما يتجرون به إذا كان نصابا وكان ذلك الاتجار بأماننا، ويؤخذ من ~~تجار أهل الحرب مقدار ما يأخذون من تجارنا، فإن التبس المقدار وجب الاقتصار ~~PageV08P220 # على العشر. وقد أخرج البيهقي عن محمد بن سيرين أن أنس بن مالك قال له: ~~أبعثك على ما بعثت عليه عمر؟ فقال: لا أعمل لك عملا حتى تكتب لي عهد عمر ~~الذي كان عهد إليك، فكتب لي أن تأخذ لي من أموال المسلمين ربع العشر، ومن ~~أموال أهل الذمة إذا اختلفوا للتجارة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب ~~العشر. وأخرج سعيد بن منصور عن زياد بن حدير قال: استعملني عمر بن الخطاب ~~على العشور فأمرني أن آخذ من تجار أهل الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف ~~العشر، ومن تجار المسلمين رب العشر. وأخرج مالك عن ابن شهاب عن سالم عن ~~أبيه: كان عمر يأخذ من القبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر ~~الحمل إلى المدينة، ولا يؤخذ ذلك منهم إلا في السنة ms3434 مرة لظاهر اقترانه بربع ~~العشر الذي على المسلمين. وأما اشتراط النصاب والانتقال بأمان المسلمين كما ~~قاله جماعة من الزيدية فلم أقف في شئ من السنة أو أفعال أصحابه على ما يدل ~~عليه، وفعل عمر وإن لم يكن حجة لكنه قد عمل الناس به قاطبة فهو إجماع ~~سكوتي. ويمكن أن يقال: لا يسلم الاجماع على ذلك، والأصل تحريم أموال أهل ~~الذمة حتى يقوم دليل والحديث محتمل. وقد استنبط المصنف رحمه الله من حديث ~~ابن عباس المذكور في الباب المنع من إحداث بيعة أو كنيسة. وأخرج البيهقي من ~~طريق حزام بن معاوية قال: كتب إلينا عمر أبو الخيل ولا يرفع بين ظهرانيكم ~~الصليب ولا تجاوركم الخنازير. وفي إسناده ضعف. وأخرجه أيضا الحافظ الحراني. ~~وروى ابن عدي عن عمر مرفوعا: لا تبنى كنيسة في الاسلام ولا يجدد ما خرب ~~منها. وروى البيهقي عن ابن عباس: كل مصر مصره المسلمون لا تبنى فيه بيعة ~~ولا كنيسة، ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يباع فيه لحم خنزير. وفي إسناده حنش ~~وهو ضعيف. وروى أبو عبيد في كتاب الأموال عن نافع عن أسلم: أن عمر أمر في ~~أهل الذمة أن تجز نواصيهم، وأن يركبوا على الأكف عرضا، ولا يركبوا كما يركب ~~المسلمون وأن يوثقوا المناطق. قال أبو عبيد: يعني الزنانير. وروى البيهقي ~~عن عمر: أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة بخاتم الرصاص، ~~وأن تجز نواصيهم، وأن تشد المناطق. وحديث أنس المذكور في الباب استدل به ~~المنصف رحمه الله على أن إرادة القتل من الذمي لا ينتقض بها عهده، لأن ~~النبي صلى PageV08P221 # الله عليه وآله وسلم لم يقتلها بعد أن اعترفت بذلك، والقصة معروفة في كتب ~~السير والحديث والخلاف فيها مشهور. وقد جزم بعض أهل العلم بأنه يقتل من سب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الذمة، واستدل بأمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بقتل من كان يشتمه من كفار قريش كما سبق، وتعقبه ابن عبد ~~البر بأن كفار قريش المأمور ms3435 بقتلهم يوم الفتح كانوا حربيين. وأخرج عبد ~~الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرت أن أبا عبيدة بن الجراح وأبا هريرة قتلا ~~كتابيين أرادا امرأة على نفسها مسلمة. وروى البيهقي من طريق الشعبي عن سويد ~~بن غفلة قال: # كنا عند عمر وهو أمير المؤمنين بالشام فأتى نبطي مضروب مشجج يستعدي فغضب ~~عمر وقال لصهيب: أنظر من صاحب هذا؟ فذكر القصة فجئ به فإذا هو عوف بن مالك ~~فقال: رأيته يسوق بامرأة مسلمة فنخس الحمار ليصرعها فلم تصرع، ثم دفعها ~~فخرت عن الحمار فغشيها ففعلت به ما ترى، فقال عمر: والله ما على هذا ~~عاهدناكم، فأمر به فصلب، ثم قال: يا أيها الناس فوا بذمة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له. # باب منع أهل الذمة من سكنى الحجاز عن ابن عباس قال: اشتد برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا ~~المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة ~~متفق عليه، والشك من سليمان الأحول. وعن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع ~~فيها إلا مسلما رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. وعن عائشة قالت: آخر ما ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال: لا يترك بجزيرة العرب ~~دينان. وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب رواهما ~~أحمد. وعن ابن عمر: أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وذكر يهود ~~خيبر إلى أن قال: أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء رواه البخاري. PageV08P222 # حديث عائشة قد قدمنا أنه رواه أحمد في مسنده من طريق ابن إسحاق قال: # حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد اللبن عبد الله بن عتبة عنها. ~~وحديث أبي عبيدة أخرجه أيضا البيهقي وهو في مسند مسدد ms3436 وفي مسند الحميدي ~~أيضا. قوله: # من جزيرة العرب قال الأصمعي: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف ~~العراق طولا، ومن جدة وما والاها من أطراف الشام عرضا، وسميت جزيرة لإحاطة ~~البحار بها يعني بحر الهند وبحر فارس والحبشة. وأضيفت إلى العرب، لأنها ~~كانت بأيديهم قبل الاسلام وبها أوطانهم ومنازلهم. قال في القاموس: وجزيرة ~~العرب ما أحاط بها بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن ~~أبين إلى أطراف الشام طولا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضا انتهى. وظاهر حديث ~~ابن عباس أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهوديا أو نصرانيا ~~أو مجوسيا. ويؤيد هذا ما في حديث عائشة المذكور بلفظ: لا يترك بجزيرة العرب ~~دينان وكذلك حديث عمر وأبي عبيدة بن الجراح لتصريحهما بإخراج اليهود ~~والنصارى، وبهذا يعرف أن ما وقع في بعض ألفاظ الحديث من الاقتصار على الامر ~~بإخراج اليهود لا ينافي الامر العام، لما تقرر في الأصول أن التنصيص على ~~بعض أفراد العام لا يكون مخصصا للعام المصرح به في لفظ آخر وما نحن فيه من ~~ذلك. قوله: ونسيت الثالثة قيل هي تجهيز أسامة، وقيل يحتمل أنها قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا تتخذوا قبري وثنا. وفي الموطأ ما يشير إلى ذلك. ~~وظاهر الحديث أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل في جزيرة العرب. وحكى ~~الحافظ في الفتح في كتاب الجهاد عن الجمهور أن الذي يمنع منه المشركون من ~~جزيرة العرب هو الحجاز خاصة، قال: وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، ~~لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن ~~اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، قال: وعن الحنفية يجوز ~~مطلقا إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة. وقال الشافعي: لا ~~يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الامام لمصلحة المسلمين انتهى. قال ابن عبد ~~البر في الاستذكار ما لفظه: قال الشافعي جزيرة العرب التي أخرج عمر اليهود ~~والنصارى ms3437 منها مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، فأما اليمن فليس من جزيرة ~~العرب انتهى. قال في البحر مسألة: ولا يجوز إقرارهم في الحجاز، إذ أوصى صلى ~~الله عليه وآله وسلم بثلاثة PageV08P223 # أشياء: إخراجهم من جزيرة العرب الخبر ونحوه، والمراد بجزيرة العرب في هذه ~~الأخبار مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ووج والطائف وما ينسب إليهما، ~~وسمي الحجاز حجازا لحجزه بين نجد وتهامة، ثم حكى كلام الأصمعي السابق، ثم ~~حكى عن أبي عبيدة أنه قال: جزيرة العرب هي ما بين حفر أبي موسى وهو قريب من ~~البصرة إلى أقصى اليمن طولا، وما بين يبرين إلى السماوة عرضا، ثم قال لنا: ~~ما روى أبو عبيدة أن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أخرجوا ~~اليهود من جزيرة العرب الخبر. وأجلى عمر أهل الذمة من الحجاز، فلحق بعضهم ~~بالشام وبعضهم بالكوفة. وأجلى أبو بكر قوما فلحقوا بخيبر. # فاقتضى أن المراد الحجاز لا غير انتهى. ولا يخفى أنه لكان حديث أبي عبيدة ~~باللفظ الذي ذكره لم يدل على أن المراد بجزيرة العرب هو الحجاز فقط ولكنه ~~باللفظ الذي ذكره المصنف، فيكون دليلا لتخصيص جزيرة العرب بالحجاز وفيه ما ~~سيأتي. قال المهدي في الغيث ناقلا عن الشفاء للأمير الحسين: إنما قلنا ~~بجواز تقريرهم في غير الحجاز، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال: ~~أخرجوهم من جزيرة العرب ثم قال: أخرجوهم من الحجاز عرفنا أن مقصوده بجزيرة ~~العرب الحجاز فقط. # ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا برعاية أن المصلحة في إخراجهم منه ~~أقوى، فوجب مراعاة المصلحة إذا كانت في تقريرهم أقوى منها في إخراجهم ~~انتهى. وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة: منها أن حمل جزيرة العرب على ~~الحجاز وإن صح مجازا من إطلاق اسم الكل على البعض فهو معارض بالقلب وهو أن ~~يقال: # المراد بالحجاز جزيرة العرب، إما لانحجازها بالأبحار كانحجازها بالحرار ~~الخمس، وإما مجاز من إطلاق اسم الجزء على الكل، فترجيح أحد المجازين مفتقر ~~إلى دليل، ولا دليل إلا ما ادعاه من فهم ms3438 أحد المجازين. ومنها: أن في خبر ~~جزيرة العرب زيادة لم تغير حكم الخبر والزيادة كذلك مقبولة. ومنها: أن ~~استنباط كون علة التقرير في غير الحجاز هي المصلحة فرع ثبوت الحكم أعني ~~التقرير لما علم من أن المستنبطة إنما تؤخذ من حكم الأصل بعد ثبوته، ~~والدليل لم يدل إلا على نفي التقرير لا ثبوته لما تقدم في حديث: المسلم ~~والكافر لا تتراءى ناراهما. وحديث: لا يترك بجزيرة العرب دينان ونحوهما، ~~فهذا الاستنباط واقع في مقابلة النص المصرح فيه بأن العلة كراهة اجتماع ~~دينين، فلو PageV08P224 # فرضنا أنه لم يقع النص إلا على اخراجهم من الحجاز لكان المتعين إلحاق ~~بقية جزيرة العرب به هذه العلة، فكيف والنص الصحيح مصرح بالاخراج من جزيرة ~~العرب؟ # وأيضا هذا الحديث الذي فيه الامر بالاخراج من الحجاز فيه الامر بإخراج ~~أهل نجران كما وقع في حديث الباب، وليس نجران من الحجاز، فلو كان لفظ ~~الحجاز مخصصا للفظ جزيرة العرب على انفراده أو دالا على أن المراد بجزيرة ~~العرب الحجاز فقط، لكان في ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض وأنه باطل، ~~وأيضا غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز مفهومه ~~معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب، والمفهوم ~~لا يقوى على معارضة المنطوق فكيف يرجح عليه؟ (فإن قلت): فهل يخصص لفظ جزيرة ~~العرب المنزل منزلة العام لماله من الاجزاء بلفظ الحجاز عند من جوز التخصيص ~~بالمفهوم؟ قلت: هذا المفهوم من مفاهيم اللقب، وهو غير معمول به عند ~~المحققين من أئمة الأصول حتى قيل: إنه لم يقل به إلا الدقاق، وقد تقرر عند ~~فحول أهل الأصول أن ما كان من هذا القبيل يجعل من قبيل التنصيص على بعض ~~الافراد لا من قبيل التخصيص إلا عند أبي ثور. قوله: # أهل الحجاز قال في القاموس: والحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، ~~لأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسراة، أو لأنها احتجزت بالحرار ~~الخمس: حرة بني سليم، وواقم، وليلى، وشوران، والنار، انتهى. ms3439 # باب ما جاء في بداءتهم بالتحية وعيادتهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا ~~لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها متفق عليه. وعن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ~~متفق عليه. وفي رواية لأحمد: فقولوا عليكم بغير واو. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن اليهود إذا ~~سلم أحدهم إنما يقول: السام عليكم، فقل: عليك متفق عليه. وفي رواية لأحمد ~~ومسلم: وعليك بالواو. وعن عائشة قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى ~~الله PageV08P225 # عليه وآله وسلم فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم ~~السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مهلا يا ~~عائشة إن الله يحب الرفق في الامر كله، فقلت: يا رسول الله ألم تسمع ما ~~قالوا؟ فقال قد قلت: وعليكم متفق عليه. وفي لفظ: عليكم أخرجها. وعن عقبة بن ~~عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني راكب غدا اليهود فلا ~~تبدؤوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم رواه أحمد. # قوله: لا تبدؤوا اليهود الخ، فيه تحريم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام، ~~وقد حكاه النووي عن عامة السلف وأكثر العلماء. قال: وذهبت طائفة إلى جواز ~~ابتدائنا لهم بالسلام، روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز، وهو ~~وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماوردي لكنه قال يقول: السلام عليك، ولا يقول: ~~عليكم بالجمع ، واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث الواردة في إفشاء السلام، وهو ~~من ترجيح العمل بالعام على الخاص. وذلك مخالف لما تقرر عند جميع المحققين، ~~ولا شك أن هذا الحديث الوارد في النهي عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام ~~أخص منها مطلقا، والمصير إلى بناء العام على الخاص واجب. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم، وهو مصير إلى معنى النهي المجازي ~~بلا قرينة صارفة إليه. وحكى القاضي عياض عن جماعة ms3440 أنه يجوز ابتداؤهم به ~~للضرورة والحاجة وهو قول علقمة والنخعي. وروي عن الأوزاعي أنه قال: إن سلمت ~~فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. قوله: وإذا لقيتموهم في طريق ~~فاضطروهم إلى أضيقها أي ألجؤهم إلى المكان الضيق منها، وفيه دليل على أنه ~~لا يجوز للمسلم أن يترك للذمي صدر الطريق، وذلك نوع من إنزال الصغار بهم ~~والاذلال لهم. # قال النووي: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار، ونحوه ~~قوله: فقولوا وعليكم في الرواية الأخرى: فقولوا عليكم وفي الرواية الثالثة: ~~فقل عليك فيه دليل على أنه يرد على أهل الكتاب إذا وقع منهم الابتداء ~~بالسلام، ويكون الرد بإثبات الواو وبدونها، وبصيغة المفرد والجمع، وكذا يرد ~~عليهم لو قالوا السام بحذف اللام وهو عندهم الموت. قال النووي في شرح مسلم: ~~اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم: وعليكم ~~السلام، بل يقال: عليكم أو وعليكم PageV08P226 # ، فقد جاءت الأحاديث بإثبات الواو وحذفها وأكثر الروايات بإثباتها. قال: ~~وعلى هذا في معناه وجهان، أحدهما: أنه على ظاهره فقالوا: عليكم الموت، ~~فقال: وعليكم أيضا، أي نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت. والثاني: أن الواو ~~هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم. ~~وأما من حذف الواو فتقديره: # بل عليكم السلام. قال القاضي: اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي ~~حذف الواو فتقديره: بل عليكم السلام. وقال غيره بإثباتها. قال: وقال بعضهم ~~يقول: عليكم السلام بكسر السين أي الحجارة وهذا ضعيف. وقال الخطابي: عامة ~~المحدثين يروون هذا الحرف وعليكم بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو، ~~قال: وهذا هو الصواب، لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودا عليهم ~~خاصة، وإذا أثبت الواو اقتضى الشركة معهم فيما قالوه. قال النووي: والصواب ~~أن إثبات الواو جائز كما صحت به الروايات، وأن الواو أجود ولا مفسدة فيه، ~~لأن السام الموت وهو علينا وعليهم فلا ضرر في المجئ بالواو. وحكى النووي ~~بعد أن حكى الاجماع المتقدم عن طائفة ms3441 من العلماء أنه لا يرد على أهل الكتاب ~~السلام. قال: ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وحكى الماوردي عن بعض أصحاب ~~الشافعي أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ~~ورحمة الله. قال النووي: وهو ضعيف مخالف للأحاديث. قال: ويجوز الابتداء على ~~جمع فيهم مسلمون وكفار أو مسلم وكافر ويقصد المسلمين للحديث الثابت في ~~الصحيح: أنه صلى الله عليه وآله وسلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين ~~والمشركين. قوله: إن الله يحب الرفق في الامر كله هذا من عظيم خلقه صلى ~~الله عليه وآله وسلم وكمال حلمه، وفيه حث على الرفق والصبر والحلم وملاطفة ~~الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة، وفي الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن ~~سفه المبطلين إذا لم يترتب عليه مفسدة. قال الشافعي: الكيس العاقل هو الفطن ~~المتغافل. # وعن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له ~~أسلم ، فنظر إلى أبيه وهو عند فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقو: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار رواه ~~أحمد والبخاري PageV08P227 # وأبو داود. وفي رواية لأحمد: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض فذكر الحديث. # قوله: كان غلام يهودي زعم بعضهم أن اسمه عبد القدوس. وفي الحديث دليل على ~~جواز زيارة أهل الذمة إذا كان الزائر يرجو بذلك حصول مصلحة دينية كإسلام ~~المريض. قال المنذري: قيل يعاد المشرك ليدعي إلى الاسلام إذا رجى إجابته، ~~ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأما ~~إذا لم يطمع في الاسلام ولا يرجو إجابته فلا ينبغي عيادته. وهكذا قال ابن ~~بطال أنها إنما تشرع عيادة المشرك إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في الاسلام، ~~فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا. قال الحافظ: والذي يظهر ms3442 أن ذلك يختلف باختلاف ~~المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى. قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة، ~~والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة. وقد بوب البخاري ~~على هذا الحديث باب عيادة المشرك. # باب قسمة خمس الغنيمة ومصرف الفئ عن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر ~~وتركتنا، قال: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شئ واحد، قال جبير: ولم يقسم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا رواه أحمد ~~والبخاري والنسائي وابن ماجة. وفي رواية: # لما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم ذي القربى من خيبر بين ~~بني هاشم وبني المطلب جئت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء ~~بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله عز وجل منهم، أرأيت إخواننا ~~من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، قال: إنهم ~~لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد، ~~قال: ثم شبك بين أصابعه رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبرقاني وذكر أنه ~~على شرط مسلم. PageV08P228 # قوله: مشيت أنا وعثمان إنما اختص جبير وعثمان بذلك، لأن عثمان من بني عبد ~~شمس وجبير من بني نوفل، وعبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب هم بنو عبد مناف، ~~فهذا معنى قولهما : ونحن وهم منك بمنزلة واحدة أي في الانتساب إلى عبد ~~مناف. قوله: شئ واحد بالشين المعجمة المفتوحة والهمزة كذا للأكثر. وقال ~~عياض: هكذا في البخاري بغير خلاف. وفي رواية للكشميهني والمستملي بالمهملة ~~المكسورة وتشديد التحتانية وكذا كان يرويه يحيى بن معين. قال الخطابي: هو ~~أجود في المعنى. وحكاه عياض رواية خارج الصحيح وقال: الصواب رواية الكافة ~~لقوله فيه: وشبك بين أصابعه وهذا دليل على الاختلاط والامتزاج كالشئ الواحد ~~لا على التمثيل والتنظير. ووقع في رواية أبي زيد المروزي شئ أحد بغير واو ~~وبهمز الألف فقيل هما بمعنى. ms3443 وقيل: # الاحد الذي ينفرد بشئ لا يشاركه فيه غيره، والواحد أول العدد. وقيل: ~~الاحد المنفرد بالمعنى، والواحد المنفرد بالذات. وقيل: الاحد لنفي ما يذكر ~~معه من العدد، والواحد اسم لمفتاح العدد ومن جنسه. وقيل: لا يقال أحد إلا ~~لله تعالى، حكى ذلك جميعه عياض. قوله: ولم يقسم الخ، هذا أورده البخاري في ~~كتاب الخمس معلقا ووصله في المغازي عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس ~~بتمامه، وزاد أبو داود بهذا الاسناد: # وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير ~~أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عمر يعطيهم ~~منه وعثمان بعده. وهذه الزيادة مدرجة من كلام الزهري، والسبب الذي لأجله ~~أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني المطلب مع بني هاشم دون غيرهم ما ~~تقدم لهم من المعاضدة لبني هاشم والمناصرة، فمن ذلك أنه لما كتبت قريش ~~الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصروهم في الشعب دخل بنو المطلب مع بني هاشم ~~ولم يدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير. وفي هذا ~~الحديث دليل للشافعي ومن وافقه أن سهم ذوي القربى لبني هاشم والمطلب خاصة ~~دون بقية قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قريش. وعن عمر بن عبد ~~العزيز: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال زيد بن أرقم وطائفة من الكوفيين، وإليه ~~ذهب جميع أهل البيت. وهذا الحديث حجة لأهل القول الأول. وقد قيل: إن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنما أعطى بني المطلب لعلة الحاجة، ورد بأنه لو ~~كان الامر كذلك لم يخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV08P229 # قوما دون قوم، وأيضا الحديث مصرح بأنه إنما أعطاهم لكونهم هم وذرية هاشم ~~شئ واحد وبمنزلة واحدة، لكونهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام. (والحاصل) ~~أن الآية دلت على استحقاق قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي متحققة ~~في بني عبد شمس وبني نوفل. واختلفت الشافعية ms3444 في سبب إخراجهم فقيل: العلة ~~القرابة مع النصرة. فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس ~~وبنو نوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها. وقيل: سبب الاستحقاق القرابة. ووجد ~~في بني عبد شمس ونوفل مانع لكونهم انحازوا عبني هاشم وحاربوهم. وقيل: إن ~~القربى عام خصصته السنة. # وعن علي رضي الله عنه قال: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنا ~~من هذا الخمس في كتاب الله تعالى فاقسمه في حياتك كيلا ينازعني أحد بعدك ~~فافعل، قال: ففعل ذلك فقسمته حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~ولانيه أبو بكر حتى كانت آخر سنة من سني عمر فإنه أتاه مال كثير رواه أحمد ~~وأبو داود. وعن علي رضي الله عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وحياة أبي بكر وحياة عمر رواه أبو داود، وهو دليل على أن مصارف الخمس خمسة. ~~وعن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن الخمس لمن هو؟ فكتب ~~إليه ابن عباس: كتبت تسألني عن الخمس لمن هو فإنا نقول: هو لنا فأبى علينا ~~قومنا ذلك رواه أحمد ومسلم. وفي رواية: أن نجدة الحروري حين خرج في فتنة ~~ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن يراه؟ فقال: هو ~~لنا لقربي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم، قسمه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لهم، وقد كان عمر عرض علينا شيئا منه رأيناه دون حقنا ~~فرددناه إليه وأبينا أن نقبله، وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن ~~يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم وأبى أن يزيدهم على ذلك رواه أحمد ~~والنسائي. وعن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على ~~رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ms3445 ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فكان ينفق على أهله نفقة سنته. وفي لفظ: يحبس لأهله PageV08P230 # قوت سنتهم ويجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله متفق عليه. # حديث علي الأول في إسناده حسين بن ميمون الخندقي، قال أبو حاتم الرازي: ~~ليس بقوي الحديث يكتب حديثه. وقال علي بن المديني: ليس بمعروف. وذكر له ~~البخاري في تاريخه هذا الحديث قال: وهو حديث لا يتابع عليه. وزاد أبو داود ~~بعد قوله: فإنه أتاه مال كثير ما لفظه: فعزل حقنا ثم أرسل إلي فقلت بنا عنه ~~العام غنى وبالمسلمين إليه حاجة فاردده عليهم، ثم لم يدعني إليه أحد بعد ~~عمر، فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال: يا علي حرمتنا الغداة شيئا ~~لا يرد علينا أبدا وكان رجلا داهيا. وحديث علي الثاني في إسناده أبو جعفر ~~الرازي عيسى بن ماهان، وقيل: ابن عبد الله بن ماهان، وثقه علي بن المديني ~~وابن معين. ونقل عنهما خلاف ذلك، وتكلم فيه غير واحد. قال في التقريب: صدوق ~~سيئ الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار السابعة مات في إحدى وستين. وتمام الحديث ~~عند أبي داود فأتي بمال يعني عمر فدعاني فقلت: خذه، قال: خذه فأنتم أحق به، ~~قلت: قد استغنينا عنه فجعله في بيت المال. قوله: وعن يزيد بن هرمز بضم ~~الهاء وسكون الراء وضم الميم وبعدها زاي. قوله: أن نجدة بفتح النون وسكون ~~الجيم بعدها دال مهملة وقد تقدم ذكره. قوله: وكانت أموال بني النضير الخ، ~~قال في البخاري قال الزهري: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على ~~رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد، هكذا ذكره معلقا، ووصله عبد الرزاق في ~~مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا، وهو في حديث عن عروة: ثم كانت غزوة ~~بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت ~~منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~حتى نزلوا ms3446 على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا ~~الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم: * (سبح لله) * (الحديد: 1) إلى قوله : ~~* (لأول الحشر) * وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا ~~من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك ~~لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي. وحكى ابن التين عن الداودي أنه رجح ما قال ~~ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير كانت بعد بئر معونة مستدلا بقوله تعالى: * ~~(وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم) * (الأحزاب: 26) قال: وذلك ~~في قصة الأحزاب. قال في الفتح: وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت في شأن بني ~~قريظة فإنهم هم الذين ظاهروهم أي من الأحزاب، PageV08P231 # وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في ~~جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم فإنه كان من رؤوسهم حيي بن أخطب وهو الذي ~~حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف يصير ~~السابق لاحقا؟ انتهى. (والأحاديث) المذكورة في الباب فيها دليل على أن من ~~مصارف الخمس قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقدم الخلاف في ~~ذلك. وروى أبو داود في حديث أن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكان عمر يعطيهم منه وعثمان بعده، وقد استدل من قال: إن ~~الامام يقسم الخمس حيث شاء بما أخرجه أبو داود وغيره من ضباعة بنت الزبير ~~قالت: أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيا فذهبت أنا وأختي فاطمة ~~نسأله فقال: سبقتكما يتامى بدر. وفي الصحيح: أن فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم اشتكت ما تلقى من الرحا مما تطحن فبلغها أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أتي بسبي فأتته تسأله خادما فذكر الحديث وفيه: ألا ~~أدلكما على خير مما سألتما؟. فذكر ms3447 الذكر عند النوم. قال إسماعيل القاضي: ~~هذا الحديث يدل على أن للامام أن يقسم الخمس حيث يرى، لأن الأربعة الأخماس ~~استحقاق للغانمين، والذي يختص بالامام هو الخمس، وقد منع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ابنته وأعز الناس عليه من قرابته وصرفه إلى غيرهم. وقال ~~بنحو ذلك الطبري والطحاوي. قال الحافظ: في الاستدلال بذلك نظر، لأنه يحتمل ~~أن يكون ذلك من الفئ. # قوله: مما أفاء الله على رسوله قد تقدم الكلام في مصرف الفئ. # وعن عوف بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أتاه ~~الفئ قسمه في يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا رواه أبو داود، وذكره ~~أحمد في رواية أبي طالب وقال: حديث حسن. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ما أعطيكم ولا أمنعكم أنا قاسم أضع حيث أمرت رواه ~~البخاري، ويحتج به من لم ير الفئ ملكا له. وعن زيد بن أسلم: أن ابن عمر دخل ~~على معاوية فقال: حاجتك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: عطاء المحررين فإني رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول ما جاءه شئ بدأ بالمحررين رواه أبو ~~داود حديث عوف بن مالك سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده PageV08P232 # ثقات، وزاد ابن المصنف: فدعينا وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين ~~وكان لي أهل، ثم دعا بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا. وحديث زيد بن أسلم ~~سكت عنه أيضا أبو داود والمنذري، وفي إسناده هشام بن سعد وفيه مقال. قوله: ~~فأعطى الآهل أي من له أهل يعني زوجة. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يكون ~~العطاء على مقدار أتباع الرجل الذي يلزم نفقتهم من النساء وغيرهن، إذ غير ~~الزوجة مثلها في الاحتياج إلى المؤنة. قوله: ما أعطيكم الخ، فيه دليل على ~~التفويض، وأن النفع لا تأثير فيه لأحد سوى الله جل جلاله. والمراد بقوله: ~~أضع حيث أمرت إما الامر الالهامي أو الامر الذي طريقه الوحي. وقد استدل به ~~من ms3448 لم يجعل الفئ ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تقدم تفصيل ~~ذلك. قوله: عطاء المحررين جمع محرر وهو الذي صار حرا بعد أن كان عبدا، وفي ~~ذلك دليل على ثبوت نصيب لهم في الأموال التي تأتي إلى الأئمة، وأما نصيبهم ~~من الزكاة فقد تقدم الكلام فيه. وقد أخرج أبو داود من حديث عائشة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أتي بظبية فيها خرز فقسمها للحرة والأمة قالت ~~عائشة: كان أبي يقسم للحر والعبد. قوله: بدأ بالمحررين فيه استحباب البداءة ~~بهم وتقديمهم عند القسمة على غيرهم. # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو قد جاءني مال ~~البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلم يجئ حتى قبض النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر مناديا فنادى: من كان له عند ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دين أو عدة فليأتنا، فأتيته فقلت: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي كذا وكذا، فحثى لي حثية وقال: ~~عدها فإذا هي خمسمائة، فقال: # خذ مثليها متفق عليه. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن من سأل عن مواضع ~~الفئ فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب، فرآه المؤمنون عدلا موافقا لقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه، فرض الأعطية ~~وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض الله عليهم من الجزية، ولم يضرب فيها بخمس ~~ولا مغنم رواه أبو داود. # حديث عمر بن عبد العزيز فيه راو مجهول وأيضا فيه انقطاع، لأن عمر بن عبد ~~العزيز لم يدرك عمر بن الخطاب والمرفوع منه مرسل. وقد أخرج أبو داود من ~~طريق أبي ذر PageV08P233 # رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله ~~تعالى وضع الحق على لسان عمر يقول به أخرجه أيضا ابن ماجة وفي إسناده محمد ~~بن إسحاق وفيه مقال مشهور وقد تقدم. قوله: ms3449 مال البحرين هو من الجزية، وقد ~~قال ابن بطال: يحتمل أن يكون من الخمس أو من الفئ. وفي البخاري في باب ~~الجزية: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ~~يأتي بجزيتها أي بجزية أهلها وكان الغالب أنهم إذ ذاك مجوس. وقد ترجم ~~النسائي على هذا الحديث باب أخذ الجزية من المجوس. وذكر ابن سعد: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى ~~المنذر بن ساوي عامل الفرس على البحرين يدعوه إلى الاسلام فأسلم وصالح مجوس ~~تلك البلاد على الجزية. قوله: أمر أبو بكر مناديا ينادي قال الحافظ: لم أقف ~~على اسمه ويحتمل أن يكون بلالا. قوله: فحثى لي بالمهملة والمثلثة. قوله: ~~حثية الخ، في رواية للبخاري: فحثى لي ثلاثا وفي رواية له: # وجعل سفيان يحثو بكفيه وهذا يقتضي أن الحثية ما يؤخذ باليدين جميعا، ~~والذي قاله أهل اللغة أن الحثية ما تملأ الكف، والحفنة ما تملأ الكفين، ثم ~~ذكر أبو عبيد الهروي أن الحثية والحفنة بمعنى، والحثية من حثى يحثي، ويجوز ~~حثوة من حثا يحثو وهما لغتان. # قوله: قد جعل الله الحق على لسان عمر فيه منقبة ظاهرة لعمر. قوله: ولم ~~يضرب فيها بخمس فيه دليل على عدم وجوب الخمس في الجزية، وفي ذلك خلاف معروف ~~في الفقه. # وعن مالك بن أوس قال كان عمر يحلف على أيمان ثلاث: والله ما أحد أحق بهذا ~~المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، ووالله ما من المسلمين أحد إلا وله ~~في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، ~~وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالرجل وبلاؤه في الاسلام، ~~والرجل وقدمه في الاسلام، والرجل وغناؤه في الاسلام، والرجل وحاجته، ووالله ~~لئن بقيت لهم لأوتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه ~~رواه أحمد في مسنده. وعن عمر أنه قال يوم الجابية وهو يخطب الناس: إن الله ~~عز ms3450 وجل جعلني خازنا لهذا المال وقاسما له، ثم قال: بل الله قاسمه، وأنا ~~بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أشرفهم، ففرض لأزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله PageV08P234 # وسلم عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يعدل بيننا فعدل بينهن عمر، ثم قال: إني بادئ ~~بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلما وعدوانا، ثم أشرفهم ~~ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف، ولمن كان شهد بدرا من الأنصار أربعة آلاف ~~وفرض لمن شهد أحدا ثلاثة آلاف قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به في العطاء، ~~ومن أبطأ في الهجرة أبطئ به في العطاء، يلومن رجل إلا مناخ راحلته رواه ~~أحمد. # الأثر الأول أخرجه أيضا البيهقي، والأثر الآخر قال في مجمع الزوائد: رجال ~~أحمد ثقات، والأثران فيهما أن عمر كان يفاضل في العطاء على حسب البلاء في ~~الاسلام والقدم فيه والغناء والحاجة، ويفضل من شهد بدرا على غيره ممن لم ~~يشهد، وكذلك من شهد أحدا ، ومن تقدم في الهجرة. وقد أخرج الشافعي في الام ~~أن أبا بكر وعليا ذهبا إلى التسوية بين الناس في القسمة، وأن عمر كان يفضل. ~~وروى البزار والبيهقي من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قدم ~~على أبي بكر مال البحرين فقال: من كان له على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عدة فليأت، فذكر الحديث بطوله في تسويته بين الناس في القسمة، وفي ~~تفضيل عمر الناس على مراتبهم. وروى البيهقي من وجه آخر من طريق عيسى بن عبد ~~الله الهاشمي عن أبيه عن جده قال: أتت عليا امرأتان فذكر القصة وفيها: أني ~~نظرت في كتاب الله فلم أر فضلا لولد إسماعيل على ولد إسحاق. # وروى البيهقي عن عثمان أيضا أنه كان يفاضل بين الناس كما كان عمر يفاضل. ~~قوله: # وما أنا أحق به من أحد فيه دليل على أن الامام كسائر الناس لا فضل له على ~~غيره في تقديم ms3451 ولا توفير نصيب. قوله: إلا عبدا مملوكا فيه دليل على أنه لا ~~نصيب للعبد المملوك في المال المذكور، ولكن حديث عائشة المتقدم قريبا الذي ~~أخرجه أبو داود عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بظبية فيها ~~خرز فقسمها للحرة والأمة وقول عائشة: أن أبا بكر كان يقسم للحر والعبد. ولا ~~شك أن أقوال الصحابة لا تعارض المرفوع، فمنع العبيد اجتهاد من عمر، والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطى الأمة ولا فرق بينها وبين العبد، ولهذا ~~كان أبو بكر يعطي العبيد. قوله: ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى ~~وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه إشعار بأن التفضيل لم يقع ~~من عمر بمجرد الاجتهاد، وأنه فهم ذلك من الكتاب العزيز والسنة PageV08P235 # النبوية. قوله: وغناؤه بالغين المعجمة وهو في الأصل الكفاية، فالمراد أن ~~الرجل إذا كان له في القيام ببعض الأمور ما ليس لغيره كان مستحقا للتفضيل. ~~قوله: لئن بقيت لأوتين الراعي فيه مبالغة حسنة، لأن الراعي الساكن في جبل ~~منقطع عن الحي في مكان بعيد إذا نال نصيبه فبالأولى أن يناله القريب من ~~المتولي للقسمة، ومن كان معروفا من الناس ومخالطا لهم. قوله: يوم الجابية ~~بالجيم وبعد الألف موحدة وهي موضع بدمشق على ما في القاموس وغيره. قوله: ~~فإنا أخرجنا من ديارنا هو تعليل للبداءة بالمهاجرين الأولين، لأن في ذلك ~~مشقة عظيمة، ولهذا جعله الله قرينا لقتل الأنفس، وكذلك في بعد العهد ~~بالأوطان مشقة زائدة على مشقة من كان قريب العهد، والمهاجرون الأولون قد ~~أصيبوا بالمشقتين فكانوا أقدم من غيرهم، ولهذا قال في آخر الكلام: ومن أسرع ~~في الهجرة أسرع به في العطاء الخ. والمراد بقوله: فلا يلومن رجل إلا مناخ ~~راحلته البيان لمن تأخر في العطاء بأنه أتى من قبل نفسه حيث تأخر عن ~~المسارعة إلى الهجرة وأناخ راحلته ولم يهاجر عليها، ولكنه كنى بالمناخ عن ~~القعود عن السفر إلى الهجرة، والمناخ بضم الميم كما في القاموس. # وعن قيس بن أبي ms3452 حازم قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف خمسة آلاف. وقال ~~عمر: لأفضلنهم على من بعدهم. وعن نافع مولى ابن عمر: أن عمر كان فرض ~~للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل ~~له: هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أبوه، ~~يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه. وعن أسلم مولى عمر قال: خرجت مع عمر بن ~~الخطاب إلى السوق فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين هلك زوجي ~~وترك صبية صغارا، والله ما ينضجون كراعا ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن ~~تأكلهم الضبع، وأنا ابنة خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوقف معها عمر ولم يمض وقال: مرحبا ~~بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار فحمل عليه غرارتين ~~ملأهما طعاما وجعل بينهما نفقة وثيابا ثم ناولها خطامه فقال: اقتاديه فلن ~~يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها، ~~فقال: ثكلتك أمك فوالله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا ~~فافتتحاه فأصبحنا نستفئ سهمانهما فيه أخرجهن البخاري. وعن محمد PageV08P236 # بن علي: أن عمر لما دون الدواوين قال: بمن ترون أبدأ؟ قيل له: ابدأ ~~بالأقرب فالأقرب بك، قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم رواه الشافعي. # قوله: لأفضلنهم على من بعدهم فيه إشعار بمزية البدريين من الصحابة، وأنه ~~لا يلحق بهم من عداهم وإن هاجر ونصر لحديث: إن الله اطلع على أهل بدر فقال: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وقد تقدم هذا الحديث وشرحه. قوله: إنما هاجر ~~به أبوه فيه دليل على أن الهجرة التي يستحق بها كمال أجر الدين والدنيا وهي ~~التي تكون باختيار وقصد لا مجرد الانتقال من المكان إلى المكان، فإن ذلك ~~وإن كان هجرة في السورة والحقيقة لكن كمال الاجر يتوقف على ما قدمنا، ولهذا ~~جعل عمر هجرة ابنه عبد الله ms3453 كلا هجرة، وقال: إنما هاجر به أبوه، مع أنه قد ~~كان مميزا وقت الهجرة. قوله: ما ينضجون بضم أوله ثم نون ثم ضاد معجمة ثم ~~جيم، أي لم يبلغوا إلى سن من يقدر على الطبخ، ومع ذلك فليسوا بأهل أموال ~~يستغنون بغلتها، ولا أهل مواش يعيشون بما يحصل من ألبانها وأدهانها ~~وأصوافها. # قوله: الضبع بضم الباء وسكونها هي مؤنثة اسم لسبع كالذئب معروف، ولكن ليس ~~ذلك هو المراد هنا، إنما المراد السنة المجدبة، قال في القاموس: والضبع ~~كرجل السنة المجدبة. قوله: خفاف بكسر الخاء المعجمة وفاءين خفيفتين بينهما ~~ألف، وايماء بفتح الهمزة وكسرها والكسر أشهر وسكون الياء. قوله: فوقف معها ~~عمر أي لم يجاوز المكان الذي سألته وهو فيه، بل وقف حتى سمع منها، ثم انصرف ~~بعد ذلك لقضاء حاجتها. والمراد بالنسب القريب الذي يعرفه السامع بلا سرد ~~لكثير من الآباء، وذلك إنما يكون في الاشراف المشاهير. قوله: وجعل بينهما ~~نفقة أي دراهم، قال في القاموس: # النفقة ما تنفقه من الدراهم ونحوها. قوله: ثكلتك أمك قال في القاموس: ~~الثكل بالضم: # الموت والهلاك وفقدان الحبيب أو الولد ويحرك، وقد ثكله كفرح، فهو ثاكل ~~وثكلان ، وهي ثاكل وثكلانة قليلة، وثكول وأثكلت لزمها الثكل فهي مثكل من ~~مثاكيل انتهى. قوله: نستفئ قال في النهاية: أي نأخذها لأنفسنا ونقتسمها. ~~قوله: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ~~مشروعية البداءة بقرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتقديمهم على ~~غيرهم. PageV08P237 # أبواب السبق والرمي باب ما يجوز المسابقة عليه بعوض عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ~~رواه الخمسة ولم يذكر فيه ابن ماجة أو نصل. وعن ابن عمر قال: سابق رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الخيل فأرسلت التي ضمرت منها وأمدها ~~الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني ~~زريق رواه الجماعة. وفي الصحيحين عن موسى بن عقبة: ms3454 أن بين الحفياء إلى ثنية ~~الوداع ستة أميال أو سبعة وللبخاري قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع ~~خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الشافعي والحاكم من طرق، وصححه ابن القطان ~~وابن حبان وابن دقيق العيد، وحسنه الترمذي، وأعله الدارقطني بالوقف، ورواه ~~الطبراني وأبو الشيخ من حديث ابن عباس. قوله: لا سبق وهو بفتح السين والباء ~~الموحدة مفتوحة أيضا ما يجعل للسابق على سبقه من جعل، قاله الخطابي وابن ~~الصلاح. وحكى ابن دقيق العيد فيه الوجهين، وقيل: هو بفتح السين وسكون ~~الموحدة مصدر، وبفتحها الجعل وهو الثابت في كتب اللغة. وقوله: في خف كناية ~~عن الإبل والحافر عن الخيل. والنصل عن السهم أي ذي خف أو ذي حافر أو ذي ~~نصل، والنصل حديدة السهم، وفيه دليل على جواز السباق على جعل، فإن كان ~~الجعل من غير المتسابقين كالامام يجعله للسابق فهو جائز بلا خلاف، وإن كان ~~من أحد المتسابقين جاز ذلك عند الجمهور كما حكاه الحافظ في الفتح وكذا إذا ~~كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا ليخرج العقد عن صورة ~~القمار، وهو أن يخرج كل منهما سبقا، فمن غلب أخذ السبقين فإن هذا مما وقع ~~الاتفاق على منعه، كما حكاه الحافظ في الفتح. ومنهم من شرط في المحلل أن ~~يكون لا يتحقق السبق، وهكذا وقع الاتفاق على جواز المسابقة بغير عوض، لكن ~~قصرها مالك والشافعي على PageV08P238 # الخف والحافر والنصل، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء فكل شئ. وقد ~~حكي في البحر عن أبي حنيفة أن عقد المسابقة على مال باطل. وحكي عن مالك ~~أيضا أنه لا يجوز أن يكون العوض من غير الامام. وحكي أيضا عن مالك وابن ~~الصباغ وابن خيران أنه لا يصح بذل المال من جهتهما وإن دخل المحلل. وروي عن ~~أحمد بن حنبل أنه لا يجوز السبق على الفيلة. وروي عن الامام يحيى وأصحاب ~~الشافعي أنه يجوز على الاقدام مع العوض. ms3455 وذكر في البحر أن شروط صحة العقد ~~خمسة، الأول: كون العوض معلوما. الثاني: كون المسابقة معلومة الابتداء ~~والانتهاء. الثالث: كون السبق بسكون الموحدة معلوما يعني المقدار الذي يكون ~~من سبق به مستحقا للجعل. الرابع: تعيين المركوبين. الخامس: إمكان سبق كل ~~منهما فلو علم عجز أحدهما لم يصح إذا القصد الخبرة. قوله: # ضمرت لفظ البخاري: التي أضمرت والتي لم تضمر بسكون الضاد المعجمة، ~~والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل ~~بيتا وتغشى بالجلال حتى يحمى فتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها وقيت على ~~الجري، هكذا في الفتح، وذكر مثل معناه في النهاية، وزاد في الصحاح: وذلك في ~~أربعين يوما. قوله: الحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدهم تحتانية ثم ~~همزة ممدودة ويجوز القصر، وحكى الحازمي تقديم التحتانية على الفاء، وحكى ~~عياض ضم أوله وخطأه. قوله: ثنية الوداع هي قريب المدينة، سميت بذلك، لأن ~~المودعين يمشون مع حاج المدينة إليها. قوله: زريق بتقديم الزاي. (والحديث) ~~فيه مشروعية المسابقة وأنها ليست من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة ~~إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين ~~الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز ~~المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الاقدام، وكذا الرمي بالسهام ~~واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدرب على الجري، وفيه جواز تضمير الخيل، ~~وبه يندفع قول من قال: إنه لا يجوز لما فيه من مشقة سوقها، ولا يخفى اختصاص ~~ذلك بالخيل المعدة للغزو. وفيه مشروعية الاعلام بالابتداء والانتهاء عند ~~المسابقة. # عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبق بالخيل وراهن. وفي ~~لفظ: سبق بين الخيل وأعطى السابق رواهما أحمد. وعن ابن عمر: أن النبي صلى ~~PageV08P239 # الله عليه وآله وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية رواه أحمد وأبو ~~داود. وعن أنس: وقيل له: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم؟ أكان رسول الله صلى الله عليه ms3456 وآله وسلم يراهن؟ قال: نعم والله ~~لقد راهن على فرس يقال له سبحة فسبق الناس فبهش لذلك وأعجبه رواه أحمد. وعن ~~أنس قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقة تسمى العضباء وكانت ~~لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: ~~سبقت العضباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن حقا على الله أن ~~لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه رواه أحمد والبخاري. # حديث ابن عمر الأول أخرجه أيضا ابن أبي عاصم من حديث نافع عنه وقوي ~~إسناده الحافظ. وقال في مجمع الزوائد: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما ~~ثقات، ويشهد له ما أخرجه ابن حبان وابن أبي عاصم من حديث ابن عمر بلفظ: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا وفي إسناده ~~عاصم بن عمر وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه رأي ابن حبان فصحح حديثه تارة، وقال ~~في الضعفاء: لا يجوز الاحتجاج به. وقال في الثقات: # يخطئ ويخالف. وحديث ابن عمه الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري وصححه ابن ~~حبان. وحديث الأول قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات، وأخرجه أيضا ~~الدارمي والدارقطني والبيهقي من حديث أبي لبيد قال: أتينا أنس بن مالك، ~~وأخرج نحوه البيهقي من طريق سليمان بن حزم عن حماد بن زيد أو سعيد بن زيد ~~عن واصل مولى أبي عتبة قال: حدثني موسى بن عبيد قال: كنا في الحجر بعدما ~~صلينا الغداة، فلما أسفرنا إذا فينا عبد الله بن عمر فجعل يستقربنا رجلا ~~رجلا ويقول: # صليت يا فلان؟ حتى قال: أين صليت يا أبا عبيد؟ فقلت: ههنا، فقال: بخ بخ ~~ما يعلم صلاة أفضل عند الله من صلاة الصبح جماعة يوم الجمعة، فسألوه أكنتم ~~تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم لقد راهن على ~~فرس يقال لها سبحة فجاءت سابقة. قوله: سبق بفتح السين المهملة وتشديد ~~الموحدة بعدها قاف. # قوله: وفضل القرح بالقاف مضمومة وتشديد ms3457 الراء بعدها حاء مهملة جمع قارح ~~وهو ما كملت سنه كالبازل من الإبل. قوله: سبحة بفتح المهملة وسكون الموحدة ~~PageV08P240 # حاء مهملة هو من قولهم: فرس سباح إذا كأحسن مد اليدين في الجري. قوله: # فبهش بالباء الموحدة والشين المعجمة أي هش وفرح، كذا في التلخيص. قوله: # تسمى العضباء بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة ومد، وقد تقدم ~~ضبطها وتفسيرها غير مرة. قوله: وكانت لا تسبق زاد البخاري قال حميد: أو لا ~~تكاد تسبق؟ # شك منه وهو موصول بإسناد الحديث المذكور كما قال الحافظ. قوله: فجاء ~~أعرابي قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الاعرابي بعد التتبع الشديد. قوله: ~~على قعود بفتح القاف وهو ما استحق الركوب من الإبل. وقال الجوهري: هو البكر ~~حتى يركب، وأقل ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل في السادسة فيسمى جملا. # وقال الأزهري: لا يقال إلا للذكر، ولا يقال للأنثى قعودة وإنما يقال لها ~~قلوص. قال: # وقد حكى الكسائي في النوادر قعودة للقلوص وكلام الأكثر على غيره. وقال ~~الخليل: القعودة من الإبل ما يقتعده الراعي لحمل متاعه والهاء فيه ~~للمبالغة. قوله: أن لا يرفع شيئا الخ، في رواية موسى بن إسماعيل: أن لا ~~يرتفع وكذلك في رواية للبخاري، وفي رواية للنسائي: أن لا يرفع شئ نفسه في ~~الدنيا. وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها، وفيه التزهيد في ~~الدنيا للإشارة إلى أن كل شئ منها لا يرتفع إلا اتضع، وفيه حسن خلق النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتواضعه. # باب ما جاء في المحلل وآداب السبق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس، ومن ~~أدخل فرسا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار رواه أحمد وأبو داود وابن ~~ماجة. وعن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل الله فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته ~~أجر، وعلفه أجر. ms3458 وفرس يغالق فيه الرجل ويراهن فثمنه وزر، وعلفه وزر، وركوبه ~~وزر. وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء الله. وعن ابن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: # الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للانسان وفرس للشيطان. فأما فرس الرحمن ~~فالذي PageV08P241 # يرتبط في سبيل الله فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله. وأما فرس ~~الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه. وأما فرس الانسان فالفرس يرتبطه ~~الانسان يلتمس بطنها فهي ستر فقر رواهما أحمد ويحملان على المراهنة من ~~الطرفين. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الحاكم وصححه، والبيهقي وابن حزم وصححه. # وقال الطبراني في الصغير: تفرد به سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن ~~المسيب، وتفرد به عنه الوليد، وتفرد به عنه هشام بن خالد. ورواه أيضا أبو ~~داود عن محمود بن خالد عن الوليد لكنه أبدل قتادة بالزهري. ورواه أبو داود ~~وغيره ممن تقدم من طريق سفيان بن حسين عن الزهري، وسفيان ضعيف في الزهري، ~~وقد رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم. كذا قال أبو ~~داود وقال: هذا أصح عندنا. وقال أبو حاتم: أحسن أحواله أن يكون موقوفا على ~~سعيد بن المسيب. فقد رواه يحيى بن سعيد عنه، وهو كذلك في الموطأ عن سعيد من ~~قوله. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين فقال: هذا باطل وضرب على أبي ~~هريرة. وحكى أبو نعيم في الحلية أنه من حديث الوليد عن سعيد بن عبد العزيز. ~~قال الدارقطني: والصواب سعيد بن بشير كما عند الطبراني والحاكم. وحكى ~~الدارقطني في العلل أن عبيد بن شريك رواه عن هشام بن عمار عن الوليد عن ~~سعيد بن بشير عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة وهو وهم أيضا. فقد رواه ~~أصحاب هشام عنه عن الوليد عن سعيد عن الزهري. قال الحافظ: وقد رواه عبدان ~~عن هشام أخرجه ابن عدي مثل ما قال عبيد وقال: إنه غلط، قال: فتبين بهذا أن ~~الغلط فيه من هشام وذلك ms3459 أنه تغير حفظه. # وأما حديث الرجل من الأنصار وكذلك حديث ابن مسعود فقال في مجمع الزوائد: # إن حديث الرجل من الأنصار رجال أحمد فيه رجال الصحيح. وحديث ابن مسعود ~~قال أيضا: رجال أحمد ثقات، وقد تقدم ما يشهد لهما في أوائل كتاب الزكاة. # قوله: وهو لا يأمن أن يسبق استدل به من قال: إنه يشترط في المحلل أن لا ~~يكون متحقق السبق وإلا كان قمارا. وقيل: إن الغرض الذي شرع له السباق هو ~~معرفة الخيل السابق منها والمسبوق، فإذا كان السابق معلوما، فات الغرض الذي ~~شرع لأجله. قوله: الخيل ثلاثة الخ، قد سبق شرحه وشرح ما بعده في كتاب ~~الزكاة. وقوله : يغالق بالغين المعجمة والقاف من المغالقة. قال في القاموس: ~~المغالقة المراهنة فيكون PageV08P242 # قوله: ويراهن عطف بيان، وهو محمول على المراهنة المحرمة كما سبق تحقيقه. # قوله: وفرس للبطنة قال في القاموس: أبطن البعير شد بطانه كبطنه، فلعل ~~المراد هنا الفرس الذي يتخذ للركوب. وتقدم في كتاب الزكاة تقسيم الخيل إلى ~~ثلاثة أقسام: منها الخيل المعدة للجهاد وهي الاجر. ومنها الخيل المتخذة ~~أشرا وبطرا وهي الوزر. ومنها الخيل المتخذة تكرما وتجملا وهي الستر. فيمكن ~~أن يكون المراد بالفرس التي للبطنة المذكورة هنا هو المتخذ للتكرم والتجمل. ~~ويؤيد ذلك قوله في حديث ابن مسعود المذكور في الباب. وأما فرس الانسان ~~فالفرس الذي يرتبطه الانسان يلتمس بطنها. ويمكن أن يكون المراد ما يتخذ من ~~الأفراس للنتاج. قال في النهاية: رجل ارتبط فرسا ليستبطنها أي يطلب ما في ~~بطنها من النتاج. قوله: فالذي يقامر أو يراهن عليه قال في القاموس: قامره ~~مقامرة وقمارا فقمره كنصره وتقمره راهنه فغلبه، فيكون على هذا قوله: أو ~~يراهن عليه شكا من الراوي. قوله: ويحملان على المراهنة من الطرفين أي بأن ~~يكون الجعل المسابق من المسبوق من غير تعيين. # وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال: لا جلب ولا ~~جنب يوم الرهان رواه أبو داود. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ms3460 ~~وسلم قال: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الاسلام رواه أحمد. وروي عن علي رضي ~~الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا علي قد جعلت إليك هذه ~~السبقة بين الناس، فخرج علي فدعا سراقة بن مالك فقال: يا سراقة إني قد جعلت ~~إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك ~~فإذا أتيت الميطان، قال أبو عبد الرحمن: والميطان مرسلها من الغاية، فصف ~~الخيل ثم ناد: هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل؟ فإذا لم يجبك ~~أحد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة يسعد الله بسبقه من شاء من خلقه، وكان ~~علي يقعد عند منتهى الغاية ويخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط ~~طرفه بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين، ويقول إذا خرج أحد ~~الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذن أو عذار: فاجعلوا السبقة له فإن ~~شككتما فاجعلا سبقهما نصفين، فإذا قرنتم ثنتين فاجعلوا الغاية من غاية أصغر ~~الثنتين، ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الاسلام رواه الدارقطني. PageV08P243 # حديث عمران بن حصين قد تقدم في كتاب الزكاة وزيادة يوم الرهان انفرد بها ~~أبو داود. وحديث ابن عمر هو من طريق حميد عن الحسن عنه. وقد تقدم بيان ذلك ~~وبيان ما في الباب من الأحاديث في الزكاة. (وفي الباب) عن ابن عباس مرفوعا: # ليس منا من أجلب على الخيل يوم الرهان رواه أبو يعلى بإسناد صحيح. وعنه ~~أيضا حديث آخر بلفظ: لا جلب في الاسلام أخرجه الطبراني وفيه أبو شيبة وهو ~~ضعيف. # وعن أنس مرفوعا عند الطبراني بإسناد صحيح: لا شغار في الاسلام ولا جلب ~~ولا جنب وتقدم أيضا هنالك تفسير الجلب والجنب. والمراد بالجلب في الرهان أو ~~يأتي برجل يجلب على فرسه أي يصيح عليه حتى يسبق. والجنب أن يجنب فرسا إلى ~~فرسه حتى إذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب. وقال ابن الأثير: له تفسيران، ~~ثم ذكر معنى في الرهان ومعنى ms3461 في الزكاة كما سلف وتبعه المنذري في حاشيته. ~~والرهان المسابقة على الخيل كما في القاموس، والشغار بالشين والغين معجمتين ~~قد تقدم تفسيره في النكاح. وحديث علي أخرجه البيهقي بإسناد الدارقطني وقال: ~~هذا إسناد ضعيف. قوله: هذه السبقة بضم السين المهملة وسكون الموحدة بعدها ~~قاف هو الشئ الذي يجعله المتسابقان بينهما يأخذه من سبق منهما. قال في ~~القاموس: السبقة بالضم الخطر يوضع بين أهل السباق، الجمع أسباق. قوله: فإذا ~~أتيت الميطان بكسر الميم. قال في القاموس: والميطان بالكسر الغاية. # قوله: فصف الخيل هي خيل الحلبة. قال في القاموس: الحلبة بالفتح الدفعة من ~~الخيل في الرهان وخيل تجتمع للسباق من كل أوب. قال الجوهري: ترتيبها ~~المجلي، ثم المصلي، ثم المسلي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المرتاح، ثم ~~المؤمل، ثم الحظي، ثم اللطيم، ثم السكيت. قال في النهاية: وسمي المصلي، لأن ~~رأسه عند صلا السابق وهو ما عن يمين الذنب وشماله. قال القتيبي: والسكيت ~~مخفف ومشدد وهو بضم السين. قال في الكفاية: والمحفوظ المجلي والمصلي ~~والسكيت وباقي الأسماء محدثة انتهى. وقد تعرض بعض الشعراء لضبطها نظما في ~~أبيات منها شهدنا الرهان غداة الرهان * بمجمعه ضمها الموسم فجلى الأغر وصلى ~~الكميت * وسلى فلم يذمم الأدهم وجاء اللطيم لها تاليا * ومن كل ناحية يلطم ~~PageV08P244 # وغاب عني بقية النظم وضبطها بعضهم فقال: # سبق المجلي والمصلي بعده * ثم المسلي بعد والمرتاح ولعاطف ولحظيها ومؤمل ~~* ولطيمها وسكيتها إيضاح والعاشر المنعوت منها فسكل * فافهم هديت فما عليك ~~جناح وجمعها أيضا الإمام المهدي فقال: # مجل مصل مسل لها * ومرتاح عاطفها والحظي ومسحنفر ومؤملها * وبعد اللطيم ~~السكيت البطي قوله: ثم ناد الخ، فيه استحباب التأني قبل إرسال خيل الحلبة ~~وتنبيههم على إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه، وجعل علامة على الارسال من تكبير ~~أو غيره، وتأمير أمير يفعل ذلك. قوله: يسعد الله بسبقه الخ، فيه أن السباق ~~حلال، وقد تقدم البحث عن ذلك. قوله: ويخط خطا الخ، فيه مشروعية التحري في ~~تبيين الغاية التي جعل السباق إليها لما يلزم من عدم ذلك ms3462 من الاختلاف ~~والشقاق والافتقار. قوله: # بطرف أذنيه الخ، فيه دليل على أن السبق يحصل بمقدار يسير من الفرس كطرف ~~الاذنين أو طرف أذن واحدة. قوله: فإن شككتما إلخ، فيه جواز قسمة ما يراهن ~~عليه المتسابقون عند الشك في السابق. قوله: فإذا قرنتم ثنتين أي إذا جعل ~~الرهان بين فرسين من جانب وفرسين من الجانب الآخر فلا يحكم لأحد المتراهنين ~~بالسبق بمجرد سبق أكبر الفرسين إذا كانت إحداهما صغرى والأخرى كبرى بل ~~الاعتبار بالصغرى. # باب الحث على الرمي عن سلمة بن الأكوع قال: مر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على نفر من أسلم ينتضلون بالسوق فقال: ارموا يا بني إسماعيل فإن ~~أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين ~~بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: ~~كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: قوله: ينتضلون بالضاد المعجمة أي ارموا وأنا ~~معكم كلكم رواه أحمد والبخاري. PageV08P245 # قوله ينتضلون بالضاد المعجمة أي يترامون. والنضال الترامي للسبق، ونضل ~~فلان فلانا إذا غلبه. قال في القاموس: ناضله مناضلة ونضالا وتنضالا باراه ~~في الرمي، ونضلته سبقته فيه. قوله: وأنا مع بني فلان في حديث أبي هريرة عند ~~ابن حبان والبزار في مثل هذه القصة: وأنا مع ابن الأدرع اه. واسم ابن ~~الأدرع محجن. وعند الطبراني من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في هذا الحديث: ~~وأنا مع محجن بن الأدرع وقيل: اسمه سلمة حكاه ابن مندة. قال: والأدرع لقب ~~واسمه ذكوان. قوله: قالوا كيف نرمي وأنت معهم؟ ذكر ابن إسحاق في المغازي عن ~~سفيان بن فروة الأسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة قال: بينا محجن بن ~~الأدرع يناضل رجلا من أسلم يقال له نضلة فذكر الحديث وفيه: فقال نضلة وألقى ~~قوسه من يده: والله لا أرمي معه وأنت معه. قوله: وأنا معكم كلكم بكسر اللام ~~تأكيد للضمير. وفي رواية، وأنا مع جماعتكم. والمراد بالمعية معية القصد إلى ~~الخير. ويحتمل أن يكون قام مقام المحلل فيخرج ms3463 السبق من عنده أو لا يخرج وقد ~~خصه بعضهم بالامام. وفي رواية للطبراني أنهم قالوا: # من كنت معه فقد غلب. وكذا في رواية ابن إسحاق فهذه هي علة الامتناع. (وفي ~~الحديث) الندب إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها، وفيه أيضا ~~حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحسن خلقه معهم والتنويه ~~بفضيلة الرمي. # وعن عقبة بن عامر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ~~ألا إن القوة الرمي. وعنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من علم ~~الرمي ثم تركه فليس منا رواهما أحمد ومسلم. # قوله: ألا إن القوة الرمي قال القرطبي: إنما فسر القوة بالرمي، وإن كانت ~~القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل ~~مؤنة له، لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه اه. وكرر ذلك ~~للترغيب في تعلمه وإعداد آلاته. وفيه دليل على مشروعية الاشتغال بتعليم ~~آلات الجهاد والتمرن فيها والعناية في إعدادها ليتمرن بذلك على الجهاد ~~ويتدرب فيه ويروض أعضاءه. قوله: فليس منا قد تقدم الكلام على تأويل مثل هذه ~~العبارة PageV08P246 # في مواضع. وفي ذلك إشعار بأن من أدرك نوعا من أنواع القتال التي ينتفع ~~بها في الجهاد في سبيل الله ثم تساهل في ذلك حتى تركه كان آثما شديدا، لأن ~~ترك العناية بذلك يدل على ترك العناية بأمر الجهاد، وترك العناية بالجهاد ~~يدل على ترك العناية بالدين لكونه سنامه وبه قام. # وعنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله يدخل بالسهم الواحد ~~ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل ~~الله، والذي يرمي به في سبيل الله. وقال: ارموا واركبوا، فإن ترموا خير لكم ~~من أن تركبوا. وقال: كل شئ يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثا: رميه عن ~~قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن ms3464 من الحق رواه الخمسة. وعن علي ~~عليه السلام قال: كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوس عربية ~~فرأى رجلا بيده قوس فارسية فقال: ما هذه ألقها وعليك بهذه وأشباهها ورماح ~~القنا فإنهما يؤيد الله بهما في الدين ويمكن لكم في البلاد رواه ابن ماجة. ~~وعن عمرو بن عبسة قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من رمى بسهم في سبيل الله ~~فهو عدل محرر رواه الخمسة وصححه الترمذي. ولفظ أبي داود: من بلغ العدو بسهم ~~في سبيل الله فله درجة. وفي لفظ للنسائي: من رمى بسهم في سبيل الله بلغ ~~العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة. # الحديث الأول في إسناده خالد بن زيد أو ابن يزيد وفيه مقال وبقية رجاله ~~ثقات. وقد أخرجه الترمذي وابن ماجة من غير طريقه. وأخرجه أيضا ابن حبان، ~~وزاد أبو داود: ومن ترك الرمي بعدما علمه فإنها نعمة تركها. وحديث علي في ~~إسناده أشعث بن سعيد السمان أبو الربيع النضري وهو متروك. وقد ورد في ~~الترغيب في الرمي أحاديث كثيرة غير ما ذكره المصنف رحمه الله. منها ما ~~أخرجه صاحب مسند الفردوس من طريق ابن أبي الدنيا بإسناده عن مكحول عن أبي ~~هريرة رفعه: تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة وفي ~~إسناده ضعف وانقطاع. # وأخرج البيهقي من حديث جابر: وجبت محبتي على من سعى بين الغرضين. وأخرج ~~الطبراني عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مشى ~~بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة. وروى البيهقي من حديث أبي رافع: حق ~~الولد على PageV08P247 # الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي وإسناده ضعيف. قوله: يدخل ~~بالسهم الواحد الخ، فيه دليل على أن العمل في آلات الجهاد وإصلاحها ~~وإعدادها كالجهاد في استحقاق فاعله الجنة، ولكن بشرط أن يكون ذلك لمحض ~~التقرب إلى الله بإعانة المجاهدين، ولهذا قال: الذي يحتسب في صنعته الخير. ~~وأما من يصنع ذلك لما يعطاه من الأجرة فهو ms3465 من المشغولين بعمل الدنيا لا ~~بعمل الآخرة، نعم يثاب مع صلاح النية كمن يعمل بالأجرة التي يستغني بها عن ~~الناس أو يعول بها قرابته، ولهذا ثبت في الصحيح أن الرجل يؤجر حتى على ~~اللقمة يضعها في فم امرأته. قوله: والذي يجهز به في سبيل الله أي الذي يعطي ~~السهم مجاهدا يجاهد به في سبيل الله. قوله: فإن ترموا خير لكم الخ، فيه ~~تصريح بأن الرمي أفضل من الركوب، ولعل ذلك لشدة نكايته في العدو في كل موطن ~~يقوم فيه القتال وفي جميع الأوقات، بخلاف الخيل فإنها لا تقابل إلا في ~~المواطن التي يمكن فيها الجولان، دون المواضع التي فيها صعوبة لا تتمكن ~~الخيل من الجريان فيها، وكذلك المعاقل والحصون. قوله: كل شئ يلهو به ابن ~~آدم فهو باطل الخ، فيه أن ما صدق عليه مسمى اللهو داخل في حيز البطلان إلا ~~تلك الثلاثة الأمور فإنها وإن كانت في صورة اللهو فهي طاعات مقربة إلى الله ~~عز وجل مع الالتفات إلى ما يترتب على ذلك الفعل من النفع الديني. قوله: # ما هذه ألقها فيه دليل على كراهة القوس العجمية واستحباب ملازمة القوس ~~العربية للعلة التي ذكرها صلى الله عليه وآله وسلم من أن الله يؤيد بها ~~وبرماح القنا الدين ويمكن للمسلمين في البلاد، وقد كان ذلك، فإن الصحابة ~~رضي الله عنهم فتحوا أراضي العجم كالروم وفارس وغيرهما ومعظم سلاحهم تلك ~~السهام والرماح. قوله: # فهو عدل محرر أي محرر من رق العذاب الواقع على أعداء الدين أو عدل ثواب ~~محرر من الرق أي ثواب من أعتق عبدا. قوله: بلغ العدو أو لم يبلغ في هذا ~~دليل على أن الاجر يحصل لمن رمى بسهم في سبيل الله بمجرد الرمي، سواء أصاب ~~بذلك السهم أو لم يصب، وسواء بلغ إلى جيش العدو أو لم يبلغ، تفضلا من الله ~~جل جلاله على عباده لجلالة هذه القربة العظيمة الشأن التي هي لأصل الاسلام ~~أعظم أس وبنيان. PageV08P248 # باب النهي عن صبر البهائم وإخصائها والتحريش بينها ووسمها في ms3466 الوجه عن ~~ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن من اتخذ شيئا فيه الروح ~~غرضا. وعن أنس: أنه دخل دار الحكم بن أيوب فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها ~~فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تصبر البهائم متفق عليهما. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تتخذوا شيئا فيه ~~الروح غرضا رواه الجماعة إلا البخاري. وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن إخصاء الخيل والبهائم، ثم قال ابن عمر: فيها نماء ~~الخلق رواه أحمد. # وعن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التحريش بين ~~البهائم رواه أبو داود والترمذي. وعن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن ضرب الوجه وعن وسم الوجه رواه أحمد ومسلم والترمذي ~~وصححه. # وفي لفظ: مر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: لعن الله الذي وسمه رواه ~~أحمد ومسلم. وفي لفظ: مر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: أما بلغكم أني ~~لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها؟ ونهى عن ذلك رواه أبو ~~داود. وعن ابن عباس قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمارا ~~موسوم الوجه فأنكر ذلك قال: فوالله لا أسمه إلا في أقصى شئ من الوجه، وأمر ~~بحماره فكوي في جاعرتيه فهو أول من كوى الجاعرتين رواه مسلم. # حديث ابن عمر الثاني في إسناده عبد الله بن نافع وهو ضعيف. وأخرج البزار ~~بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ~~صبر الروح وعن إخصاء البهائم نهيا شديدا حديث ابن عباس الثاني في إسناده ~~أبو يحيى القتات وهو ضعيف. قوله: لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا الغرض ~~بفتح الغين المعجمة والراء وهو المنصوب للرمي، واللعن دليل على التحريم. # قوله: أن تصبر البهائم بضم أوله أي تحبس لترمى حتى تموت، وأصل الصبر ~~الحبس، ms3467 PageV08P249 # قال النووي: قال العلماء: صبر البهائم أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ~~ونحوه وهو معنى: # لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا، أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون ~~إليه كالغرض من الجلود وغيرها. وهذا النهي للتحريم، ويدل على ذلك ما ورد من ~~لعن من فعل ذلك كما في حديث ابن عمرو لأن الأصل في تعذيب الحيوان وإتلاف ~~نفسه وإضاعة المال التحريم. قوله: دجاجة بفتح الدال المهملة. وفي القاموس: # والدجاجة معروف للذكر والأنثى وتثلث، وهذه الرواية مفسرة لما وقع في صحيح ~~مسلم بلفظ: نصبوا طيرا. قوله: عن إخصاء الخيل الاخصاء سل الخصية، قال في ~~القاموس: وخصاه خصيا سل خصيته. وفيه دليل على تحريم خصي الحيوانات، وقول ~~ابن عمر فيها نماء الخلق أي زيادته إشارة إلى أن الخصي مما تنمو به ~~الحيوانات، ولكن ليس كل ما كان جالبا لنفع يكون حلالا، بل لا بد من عدم ~~المانع وإيلام الحيوان ههنا مانع لأنه إيلام لم يأذن به الشارع بل نهى عنه. ~~قوله: عن التحريش بين البهائم قال في القاموس: التحريش الاغراء بين القوم ~~أو الكلاب اه. فجعله مختصا ببعض الحيوانات. وظاهر الحديث أن الاغراء بين ما ~~عدا الكلاب من البهائم يقال له تحريش. ووجه النهي أنه إيلام للحيوانات ~~وإتعاب له بدون فائدة بل مجرد عبث. قوله: وعن وسم الوجه الوسم بفتح الواو ~~وسكون المهملة كذا قال القاضي عياض. قال النووي: وهو الصحيح المعروف في ~~الروايات وكتب الحديث. قال القاضي عياض: وبعضهم يقوله بالمهملة وبالمعجمة، ~~وبعضهم فرق فقال بالمهملة في الوجه وبالمعجمة في سائر الجسد. (وفيه دليل) ~~على تحريم وسم الحيوان في وجهه وهو معنى النهي حقيقة. ويؤيد ذلك اللعن ~~الوارد لمن فعل ذلك كما في الرواية المذكورة في حديث الباب فإنه لا يلعن ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلا من فعل محرما وكذلك ضرب الوجه. قال النووي: ~~وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل الحيوان المحترم من: الآدمي والحمير ~~والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها ، لكنه في الآدمي أشد، لأنه مجمع ~~المحاسن، مع ms3468 أنه لطيف يظهر فيه أثر الضرب، وربما شانه، وربما آذى بعض ~~الحواس. قال: وأما الوسم في الوجه فمنهي عنه بالاجماع للحديث ولما ذكرناه، ~~فأما الآدمي فوسمه حرام: لكرامته، ولأنه لا حاجة إليه ولا يجوز تعذيبه، ~~وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا يكره. وقال البغوي من أصحابنا ~~PageV08P250 # لا يجوز، فأشار إلى تحريمه وهو الأظهر: لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لعن فاعله واللعن يقتضي التحريم. وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي ~~فجائز بلا خلاف عندنا، لكن يستحب في نعم الزكاة والجزية ولا يستحب في غيرها ~~ولا ينهى عنه. قال أهل اللغة: الوسم أثر الكية، وقد وسمه يسمه وسما وسمة. ~~والميسم الشئ الذي يسم به وهو بكسر الميم وفتح السين وجمعه مياسيم ومواسم، ~~وأصله كله من السمة وهي العلامة، ومنه موسم الحج أي معلم يجمع الناس، وفلان ~~موسوم بالخير، وعليه سمة الخير أي علامته، وتوسمت فيه كذا أي رأيت فيه ~~علامته. قوله: في جاعرتيه بالجيم والعين المهملة بعدها راء مهملة. ~~والجاعرتان حرفا الورك المشرفان مما يلي الدبر. قال النووي: وأما القائل ~~فوالله لا أسمه إلا في أقصى شئ من الوجه فقد قال القاضي عياض: هو العباس بن ~~عبد المطلب كذا ذكره في سنن أبي داود، وكذا صرح به في رواية البخاري في ~~تاريخه. قال القاضي وهو في كتاب مسلم مستشكل يوهم أنه من قول النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. والصواب أنه من قول العباس كما ذكرناه. قال النووي: ~~ليس هو بظاهر فيه، بل ظاهره أنه من كلام ابن عباس، وحينئذ فيجوز أن تكون ~~القضية جرت للعباس ولابنه. قال النووي: يستحب أن يسم الغنم في آذانها ~~والإبل والبقر في أصول أفخاذها، لأنه موضع صلب فيقل الألم فيه ويخف شعره ~~فيظهر الوسم، وفائدة الوسم تمييز الحيوان بعضه من بعض. # ويستحب أن يكتب في ماشية الجزية جزية أو صغار، وفي ماشية الزكاة زكاة أو ~~صدقة. قال الشافعي وأصحابه: يستحب كون ميسم الغنم ألطف من ميسم البقر، ~~والبقر ألطف من ميسم الإبل. ms3469 وحكى الاستحباب النووي عن الصحابة كلهم وجماهير ~~العلماء بعدهم. ونقل ابن الصباغ وغيره إجماع الصحابة عليه. وقال أبو حنيفة: # هو مكروه، لأنه تعذيب ومثلة وقد نهي عن المثلة، وحجة الجمهور هذه ~~الأحاديث وغيرها. والجواب عن النهي عن المثلة والتعذيب أنه عام وحديث الوسم ~~خاص فوجب تقديمه كما تقرر في الأصول. PageV08P251 # باب ما يستحب ويكره من الخيل واختيار تكثير نسلها عن أبي قتادة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم المحجل ~~طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية رواه أحمد وابن ماجة ~~والترمذي وصححه. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~يمن الخيل في شقرها رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # وعن أبي وهب الجشمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عليكم ~~بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل رواه أحمد والنسائي ~~وأبو داود. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره ~~الشكال من الخيل، والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده ~~اليسرى، أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى رواه مسلم وأبو داود. وعن ابن ~~عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبدا مأمورا ما اختصنا ~~بشئ دون الناس إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن ~~لا ننزي حمارا على فرس رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. وعن علي عليه ~~السلام قال: أهديت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغلة فقلنا: يا رسول ~~الله لو أنزينا الحمر على خيلنا فجاءتنا بمثل هذه، فقال: إنما يفعل ذلك ~~الذين لا يعلمون رواه أحمد وأبو داود. وعن علي عليه السلام قال: قال لي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي أسبغ الوضوء وإن شق عليك، ولا تأكل ~~الصدقة، ولا تنز الحمر على الخيل، ولا تجالس أصحاب النجوم رواه عبد الله بن ~~أحمد في المسند. # حديث ms3470 أبي قتادة له طريقان عند الترمذي: إحداهما فيها ابن لهيعة عن يزيد ~~بن أبي حبيب. والثانية عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب وقال: هذا حديث ~~حسن غريب صحيح. وحديث ابن عباس الأول قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه ~~إلا من هذا الوجه من حديث شيبان. وحديث أبي وهب الجشمي سكت عند أبو داود ~~والمنذري وفي إسناده عقيل بن شبيب وقيل ابن سعيد قيل هو مجهول. وحديث أبي ~~هريرة أخرجه أيضا الترمذي وقال: حسن صحيح. وحديث PageV08P252 # ابن عباس الثاني. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه سفيان الثوري عن ~~أبي جهضم فقال: عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن ابن عباس. وسمعت محمدا ~~يقول: حديث الثوري غير محفوظ وهم فيه الثوري، والصحيح ما رواه إسماعيل بن ~~علية وعبد الوارث بن سعيد عن أبي جهضم عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن ~~ابن عباس. # وحديث علي الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناد أبي داود ثقات. ~~وقد أخرجه النسائي من طرق، وأخرجه ابن ماجة أيضا، وأشار إليه الترمذي فقال ~~(وفي الباب) عن علي وحديثه الآخر في إسناده القاسم بن عبد الرحمن وهو ضعيف، ~~وتشهد له أحاديث إسباغ الوضوء، وأحاديث تحريم الصدقة على الآل، وأحاديث ~~النهي عن إنزاء الحمر على الخيل. وأحاديث النهي عن إتيان المنجمين، فإن ~~المجالسة إتيان وزيادة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: من أتى كاهنا أو ~~منجما فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: الأدهم هو ~~شديد السواد ذكره في الضياء. قوله: الأقرح هو الذي في جبهته قرحة وهي بياض ~~يسير في وسطها. قوله: # الأرثم هو الذي شفته العليا بياض. قوله: طلق اليمين بضم الطاء واللام أي ~~غير محجلها وكذا في شمس العلوم. قوله: فكميت هو الذي لونه أحمر يخالطه سواد ~~ويقال للمذكر والأنثى، ولا يقال: أكمت ولا كمتاء، والجمع كمت، وقيل: إن ~~الكميت ما فيه حمرة مخالطة لسواد، وليست سوادا خالصا وحمرة خالصة. ms3471 ويقال: ~~الكميت أشد الخيل جلودا وأصلبها حوافر. قوله: على هذه الشية بكسر الشين ~~المعجمة وتخفيف المثناة التحتية. قال في النهاية: الشية كل لون يخالف معظم ~~لون الفرس وغيره وأصله من الوشي والهاء عوض عن الواو. يقال: وشيت الثوب ~~أشيه وشيا وشية والوشي النقش. أراد على هذه الصفة وهذا اللون من الخيل. ~~وهذا الحديث فيه دليل على أن أفضل الخيل الأدهم المتصف بتلك الصفات ثم ~~الكميت. قوله: يمن الخيل في شقرها اليمن البركة. والأشقر قال في القاموس: ~~هو من الدواب الأحمر في مغرة حمرة بحمر منها العرف والذنب اه. وقيل: الأشقر ~~من الخيل نحو الكميت، إلا أن الأشقر أحمر الذيل والناصية والعرف، والكميت ~~أسودها، والأدهم شديد السواد كذا في الضياء. قوله: بكل كميت أغر محجن في ~~رواية لأبي داود: عليكم بكل شقر أغر محجل أو كميت أغر محجل فذكر نحوه، ~~والأغر هو ما كان له غرة في PageV08P253 # جبهته بيضاء فوق الدرهم. قوله: يكره الشكال من الخيل هو أن يكون الفرس في ~~رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو يده اليمنى ورجله اليسرى كما في ~~الرواية المذكورة في الباب. وقيل: الشكال أن يكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة ~~مطلقة، أو الثلاث مطلقة وواحدة محجلة، ولا يكون الشكال إلا في رجل. وقال ~~أبو عبيد: وقد يكون الشكال ثلاث قوائم مطلقة وواحدة محجلة، قال: ولا تكون ~~المطلقة من المحجلة إلا الرجل. وقال ابن دريد: الشكال أن يكون محجلا من شق ~~واحد في رجله ويده، فإن كان مخالفا قيل شكال مخالف. قال القاضي عياض: قال ~~أبو عمر: الشكال بياض الرجل اليمنى واليد اليمنى. وقيل: بياض الرجل اليسرى ~~واليد اليسرى. وقيل: بياض اليدين. وقيل: # بياض الرجلين. وقيل: بياض الرجلين ويد واحدة. وقيل: بياض اليدين ورجل ~~واحدة. كذا في شرح مسلم. وفي شرح مسلم أيضا أنه إنما أسمى شكالا تشبيها ~~بالشكال الذي يشكل به الخيل فإنه يكون في ثلاثة قوائم غالبا. قال القاضي ~~قال العلماء: كره، لأنه على صورة المشكول. وقيل: يحتمل أن يكون قد جرب ذلك ~~الجنس ms3472 فلم تكن فيه نجابة. قال بعض العلماء: إذا كان مع ذلك أغر زالت ~~الكراهة لزوال شبهه للشكال. قوله: # وأن لا ننزي حمارا على فرس قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى فيه والله ~~أعلم أن الحمر إذا حملت على الخيل قل عددها وانقطع نماؤها وتعطلت منافعها، ~~والخيل يحتاج إليها للركوب والركض والطلب والجهاد وإحراز الغنائم، ولحمها ~~مأكول، وغير ذلك من المنافع، وليس للبغل شئ من هذه، فأحب أن يكثر نسلها ~~ليكثر الانتفاع بها، كذا في النهاية. # باب ما جاء في المسابقة على الاقدام والمصارعة واللعب بالحراب وغير ذلك ~~عن عائشة قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسبقته فلبثنا ~~حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني فقال: هذه بتيك رواه أحمد وأبو داود. ~~وعن سلمة بن الأكوع قال: بينا نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا ~~فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فقلت: أما تكرم ~~PageV08P254 # كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، قال قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: إن ~~شئت، قال: # فسبقته إلى المدينة مختصرا من أحمد ومسلم. وعن محمد بن علي بن ركانة: # أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم رواه أبو داود. وعن أبي هريرة قال: بينا الحبشة يلعبون عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعهم يا عمر متفق عليه. وللبخاري ~~في رواية في المسجد . وعن أنس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المدينة لعبت الحبشة لقدومه بحرابهم فرحا بذلك متفق عليه. وعن أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع ~~شيطانة رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وقال: يتبع شيطانا. # حديث عائشة أخرجه أيضا الشافعي والنسائي وابن ماجة وابن حبان ms3473 والبيهقي من ~~حديث هشام بن عروة عن أبيه عنها، واختلف فيه على هشا. فقيل: هكذا، وقيل: عن ~~رجل عن أبي سلمة عنها. وقيل: عن أبيه وعن أبي سلم عن عائشة. وحديث محمد بن ~~علي بن ركانة في إسناده أبو الحسن العسقلاني وهو مجهول. وأخرجه أيضا ~~الترمذي من حديث أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر محمد بن ركانة وقال: # غريب وليس إسناده بالقائم. وروى أبو داود في المراسيل عن سعيد بن جبير ~~قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبطحاء فأتى عليه يزيد بن ركانة ~~أو ركانة بن يزيد ومعه عير له فقال له: يا محمد هل لك أن تصارعني؟ فقال: ما ~~تسبقني، قال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه فأخذ الشاة فقال ركانة: هل لك في ~~العود ففعل ذلك مرارا، فقال: يا محمد ما وضع جنبي أحد إلى الأرض، وما أنت ~~بالذي تصرعني فأسلم ورد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه غنمه. قال ~~الحافظ: إسناده صحيح إلى سعيد بن جبير إلا أن سعيدا لم يدرك ركانة. قال ~~البيهقي: وروي موصولا. وفي كتاب السبق لأبي الشيخ من رواية عبيد الله بن ~~يزيد المصري عن حماد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مطولا. ~~ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث أبي أمامة مطولا وإسنادهما ضعيف. ~~روى عبد الرزاق عن معمر عن يزيد PageV08P255 # بن أبي زياد وأحسبه عن عبد الله بن الحرث قال: صارع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا فقال شاة بشاة، فصرعه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: عاودني في أخرى، فصرعه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: عاودني فصرعه صلى الله عليه وآله وسلم الثالثة، فقال أبو ~~ركانة: ماذا أقول لأهلي؟ # شاة أكلها الذئب وشاة نشزت فما أقول في الثالثة؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك فنغرمك خذ غنمك هكذا وقع فيه ~~أبو ركانة والصواب ركانة. وحديث ms3474 أبي هريرة الثاني في إسناده محمد بن عمرو ~~بن علقمة الليثي، استشهد به مسلم، ووثقه ابن معين ومحمد بن يحيى الذهلي ~~والنسائي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن معين مرة: ما زال ~~الناس يتقون حديثه. # وقال السعدي: ليس بالقوي، وغمزه الامام مالك. وقال ابن المديني: سألت ~~يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ ~~قلت: بل أشدد، قال: فليس هو ممن تريد. قوله: حتى إذا أرهقني اللحم أي كثر ~~لحمي، قال في القاموس: أرهقه طغيانا غشاه إياه، وقال: رهقه كفرح غشيه. (وفي ~~الحديثين) دليل على مشروعية المسابقة على الأرجل، وبين الرجال والنساء ~~والمحارم، وأن مثل ذلك لا ينافي الوقار والشرف والعلم والفضل وعلو السن، ~~فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتزوج عائشة إلا بعد الخمسين من عمره، لا ~~فرق بين الخلاء والملا لما في حديث سلمة. قوله: أن ركانة صارع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيه دليل على جواز المصارعة بين المسلم والكافر، وهكذا ~~بين المسلمين ولا سيما إذا كان مطلوبا لا طالبا، وكان يرجو حصول خصلة من ~~خصال الخير بذلك أو كسر سورة كبر متكبر أو وضع مترفع بإظهار الغلب له، وكما ~~روي من مصارعته صلى الله عليه وآله وسلم ركانة روي أنه تصارع هو وأبو جهل، ~~قال الحافظ عبد الغني: ما روي من مصارعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا ~~جهل لا أصل له، وحديث ركانة أمثل ما روي في مصارعة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قوله: يلعبون عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحرابهم فيه ~~جواز ذلك في المسجد كما في الرواية الثانية. وحكى ابن التين عن أبي الحسن ~~اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله ~~تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * (النور: 36) وأما السنة فحديث جنبوا ~~مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وتعقب بأن الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية ~~تصريح بما ادعاه ولا PageV08P256 # عرف التاريخ ms3475 فيثبت النسخ. وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج ~~المسجد وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به ~~في طرق هذا الحديث. واللعب بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان ~~على مواقع الحروب والاستعداد للعدو. قال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة ~~المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه، وفي الحديث ~~جواز النظر إلى اللهو المباح. قوله: ودخل عمر الخ. قال ابن التين: يحتمل أن ~~يكون عمر لم ير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعلم أنه رآهم أو ظن ~~أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم، وهذا أولى لقوله في الحديث: يلعبون عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون إنكاره لهذه شبيها لانكاره على ~~المغنيتين وكان من شدته في الدين ينكر خلاف الأولى، والجد في الجملة أولى ~~من اللعب المباح، وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان بصدد بيان ~~الجواز. قوله: فقال شيطان الخ، فيه دليل على كراهة اللعب بالحمام وأنه من ~~اللهو الذي لم يؤذن فيه، وقد قال بكراهته جمع من العلماء، ولا يبعد على فرض ~~انتهاض الحديث تحريمه، لأن تسمية فاعله شيطانا يدل على ذلك، وتسمية الحمامة ~~شيطانة إما لأنها سبب اتباع الرجل لها، أو أنها تفعل فعل الشيطان حيث يتولع ~~الانسان بمتابعتها واللعب بها لحسن صورتها وجودة نغمتها. # باب تحريم القمار واللعب بالنرد وما في معنى ذلك عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا ~~إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق متفق عليه. وعن بريدة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في ~~لحم خنزير ودمه رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن أبي موسى: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجة ومالك في الموطأ. ms3476 وعن أبي موسى: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله رواه أحمد. وعن ~~عبد الرحمن الخطمي قال: سمعت أبي يقول: سمعت PageV08P257 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم ~~فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي رواه أحمد. # حديث أبي موسى الأول رجال إسناده ثقات، وأخرجه أيضا الحاكم والدارقطني ~~والبيهقي. وحديث أبي موسى الثاني قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وفي ~~إسناده علي بن زيد وهو متروك. وحديث عبد الرحمن الخطمي قال أحمد: حدثنا ~~المكي بن إبراهيم، حدثنا الجعيد عن موسى بن عبد الرحمن فذكره. وأورده ~~الحافظ في التلخيص من كتاب الشهادات وسكت عنه. وقال في مجمع الزوائد: فيه ~~موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح قوله: فليقل ~~لا إله إلا الله في الامر لمن حلف باللات والعزى أن يتكلم بكلمة الشهادة ~~دليل على أنه قد كفر بذلك، وسيأتي تحقيق المسألة في كتاب الايمان إشاء ~~الله. قوله: # فليتصدق فيه دليل على المنع من المقامرة، لأن الصدقة المأمور بها كفارة ~~عن الذنب، قال في القاموس: وقامره مقامرة وقمارا فقمره كنصر وتقمره راهنه ~~فغلبه وهو التقامر اه. فالمراد بالقمار المذكور هنا الميسر ونحوه مما كانت ~~تفعله العرب، وهو المراد بقول الله تعالى: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) * (المائدة: 91)، وكل مالا يخلو ~~اللاعب فيه من غنم أو غرم فهو ميسر، وقد صرح القرآن بوجوب اجتنابه قال الله ~~تعالى: * (إنما الخمر والميسر) * (المائدة: 90) الآية، وقد صرحت بتحريمه ~~السنة كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا. قوله: من لعب بالنردشير قال ~~النووي: النردشير هو النرد عجمي معرب، وشير معناه حلو، وكذا في النهاية، ~~وقيل: هو خشبة قصيرة ذات فصوص يلعب بها. وقيل: إنما سمي بذلك الاسم، لأن ~~واضعه أردشير بن بابك من ملوك الفرس، قال النووي: وهذا الحديث حجة للشافعي ~~والجمهور في تحريم اللعب بالنرد. # وقال أبو إسحاق ms3477 المروزي: يكره ولا يحرم، قيل: وسبب تحريمه أن وضعه على ~~هيئة الفلك بصورة شمس وقمر وتأثيرات مختلفة تحدث عند اقترانات أوضاعه ليدل ~~بذلك على أن أقضية الأمور كلها مقدرة بقضاء الله ليس للكسب فيها مدخل، ~~ولهذا ينتظر اللاعب به ما يقضي له به، والتمثيل بقوله: فكأنما صبغ يده في ~~لحم خنزير الخ، فيه إشارة إلى التحريم لأن التلوث بالنجاسات من المحرمات. ~~وقوله: فقد عصى الله ورسوله تصريح بما يفيد التحريم. قوله: ملعب بالكعاب هي ~~فصوص النرد PageV08P258 # وقد كرهها عامة الصحابة، وروي أنه رخص فيها ابن مغفل وابن المسيب على غير ~~قمار. واختلف في الشطرنج قال النووي: مذهبنا أنه مكروه وليس بحرام وهو مروي ~~عن جماعة من التابعين. وقال مالك وأحمد: هو حرام، قال مالك: هو شر من النرد ~~وألهى. وروى ابن كثير في إرشاده أن أول ظهور الشطرنج في زمن الصحابة وضعه ~~رجل هندي يقال له صصة، قال: وروى البيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن ~~عليا قال في الشطرنج: هو من الميسر. قال ابن كثير: وهو منقطع جيد. # وروي عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد وعائشة أنهم ~~كرهوا ذلك. وروي عن ابن عمر أنه شر من النرد كما قال مالك. وحكي في ضوء ~~النهار عن ابن عباس وأبي هريرة وابن سيرين وهشام بن عروة بن الزبير وسعيد ~~بن المسيب وابن جبير أنهم أباحوه. وقد روي في تحريمه أحاديث أخرج الديلمي ~~من حديث واثلة مرفوعا: إن لله في كل يوم ثلاثمائة نظرة ولا ينظر فيها إلى ~~صاحب الشاه. وفي لفظ: يرحم بها عباده ليس لأهل الشاه فيها نصيب يعني ~~الشطرنج. وأخرج من حديث ابن عباس يرفعه: ألا إن أصحاب الشاه في النار الذين ~~يقولون قتلت والله شاهك. وأخرج الديلمي أيضا عن أنس يرفعه: ملعون من لعب ~~بالشطرنج وأخرج ابن حزم وعبدان: ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليهم ~~كالآكل لحم الخنزير من حديث جميع بن مسلم. وأخرج الديلمي عن علي مرفوعا: ~~يأتي على الناس زمان ms3478 يلعبون بها ولا يلعب بها إلا كل جبار والجبار في ~~النار. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي كرم الله وجهه ~~أنه قال: النرد والشطرنج من الميسر. وأخرج عنه عبد بن حميد أنه قال: ~~الشطرنج ميسر العجم وأخرج عنه ابن عساكر أنه قال: لا يسلم على أصحاب ~~النردشير والشطرنج قال ابن كثير والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شئ، ~~ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة. وأحسن ما روي فيه ما ~~تقدم عن علي كرم الله وجهه. وإذا كان بحيث لا يخلو أحد اللاعبين من غنم أو ~~غرم فهو من القمار، وعليه يحمل ما قاله على إنه من الميسر، والمجوزون له ~~قالوا إن فيه فائدة وهي معرفة تدبير الحروب ومعرفة المكايد فأشبه السبق ~~والرمي، قالوا: وإذا كان على عوض فهو كمال الرهان وقد تقدم حكمه، ولا نزاع ~~أنه نوع من اللهو الذي نهى الله عنه، ولا ريب أنه يلزمه إيغار الصدور ~~PageV08P259 # وتتأثر عنه العداوات، وتنشأ منه المخاصمات، فطالب النجاة لنفسه لا يشتغل ~~بما هذا شأنه، وأقل أحواله أن يكون من المشتبهات والمؤمنون وقافون عند ~~الشبهات. وفي الشفاء للأمير الحسين قبل آخر الكتاب بنحو ثلاث ورق عن علي ~~عليه السلام أنه أمر بتحريق رقعة الشطرنج وإقامة كل واحد ممن لعب بها ~~معقولا على فرد رجل إلى صلاة الظهر ثم ذكر غير ذلك. # باب ما جاء في آلة اللهو عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر أو ~~أبو مالك الأشعري سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليكونن من أمتي ~~قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف أخرجه البخاري. وفي لفظ: ليشربن ~~ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات ~~يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير رواه ابن ماجة. وقال عن ~~أبي مالك الأشعري ولم يشك: والمعازف الملاهي، قاله الجوهري وغيره. وعن ~~نافع: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته ms3479 عن ~~الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي حتى قلت: لا، فرفع يده ~~وعدل راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع ~~زمارة راع فصنع مثل هذا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن عبد الله بن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله حرم الخمر والميسر ~~والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: أن الله ~~حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنين رواه أحمد. # حديث أبي مالك الأشعري باللفظ الذي ساقه ابن ماجة هو من طريق ابن محيريز ~~عن ثابت بن السمط، وأخرجه أبو داود وصححه ابن حبان وله شواهد. # وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه، قال أبو علي وهو ~~اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: وهو حديث منكر. وحديثه الثاني سكت عنه الحافظ ~~في التلخيص أيضا وفي إسناده الوليد بن عبدة الراوي له عن ابن عمر، قال أبو ~~PageV08P260 # حاتم الرازي: هو مجهول. وقال ابن يونس في تاريخ المصريين: إنه روى عنه ~~يزيد بن أبي حبيب. وقال المنذري: إن الحديث معلول ولكنه يشهد له ما أخرجه ~~أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس بنحوه وسيأتي. وأخرجه ~~أحمد من حديث قيس بن سعد بن عبادة. قوله: يستحلون الحر ضبطه ابن ناصر ~~بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة وهو الفرج. قال في الفتح: وكذا هو ~~في معظم الروايات من صحيح البخاري، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره. وأغرب ابن ~~التين فقال: إنه عند البخاري بالمعجمتين. وقال ابن العربي: هو بالمعجمتين ~~تصحيف وإنما رويناه بالمهملتين وهو الفرج والمعنى يستحلون الزنا. قال ابن ~~التين: يريد ارتكاب الفرج لغير حله. وحكى عياض فيه تشديد الراء والتخفيف هو ~~الصواب. ويؤيد الرواية بالمهملتين ما أخرجه ابن المبارك في الزهد عن علي ~~مرفوعا بلفظ: يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير ووقع عند الداودي ~~بالمعجمتين ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ، لأن كثيرا من الصحابة لبسوه. وقال ms3480 ~~ابن الأثير: المشهور في روايات هذا الحديث بالاعجام وهو ضرب من الإبريسم. ~~وقال ابن العربي: الخز بالمعجمتين والتشديد مختلف فيه فالأقوى حله وليس فيه ~~وعيد ولا عقوبة بالاجماع، وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب اللباس. قوله: ~~والمعازف بالعين المهملة والزاي بعدها فاء جمع معزفة بفتح الزاي وهي آلات ~~الملاهي. ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف الغناء، والذي في صحاحه أنها ~~اللهو، وقيل: صوت الملاهي. وفي حواشي الدمياطي: المعازف الدفوف وغيرها مما ~~يضرب به، ويطلق على الغناء عزف، وعلى كل لعب عزف. قوله: زمارة قال في ~~القاموس: والزمارة كجبانة ما يزمر به كالمزمار. قوله: # فصنع مثل هذا فيه دليل على أن المشروع لمن سمع الزمارة أن يصنع كذلك، ~~واستشكل إذن ابن عمر لنافع بالسماع ويمكن أنه إذ ذاك لم يبلغ الحلم. وسيأتي ~~بيان وجه الاستدلال به والجواب عليه. قوله: والميسر هو القمار وقد تقدم. ~~قوله: والكوبة بضم الكاف وسكون الواو ثم باء موحدة قيل هي الطبل كما رواه ~~البيهقي من حديث ابن عباس وبين أن هذا التفسير من كلام علي بن بذيمة. قوله: ~~والغبيراء بضم الغين المعجمة قال في التلخيص: اختلف في تفسيرها فقيل ~~الطنبور، وقيل العود، وقيل البربط، وقيل مزر يصنع من الذرة أو من القمح ~~وبذلك فسره في النهاية. قوله: والمزر PageV08P261 # بكسر الميم وهو نبيذ الشعير. قوله: والقنين هو لعبة للروم يقامرون بها، ~~وقيل: هو الطنبور بالحبشية، كذا في مختصر النهاية. وقد استدل المصنف بهذه ~~الأحاديث على ما ترجم به الباب، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله حرم ~~الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام رواه أحمد والكوبة الطبل، قاله سفيان ~~عن علي بن بذيمة. وقال ابن الاعرابي: الكوبة النرد، وقيل: البربط والقنين ~~هو الطنبور بالحبشية والتقنين الضرب به قاله ابن الاعرابي. وعن عمران بن ~~حصين: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، ~~فقال رجل ms3481 من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القيان ~~والمعازف وشربت الخمور رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. وعن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا اتخذ الفئ دولا، والأمانة ~~معتما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، ~~وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، ~~وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القيان والمعازف، ~~وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء ~~وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع بعضه بعضا ~~رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب، ثم يصبحون ~~قردة وخنازير، وتبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسف من كان ~~قبلكم باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات رواه أحمد وفي ~~إسناده فرقد السبخي، قال أحمد: ليس بقوي، وقال ابن معين: هو ثقة. وقال ~~الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس. وعن عبيد الله بن زحر ~~عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات ~~يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية رواه أحمد، قال ~~البخاري: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن ~~أبو عبد الرحمن ثقة، وبهذا الاسناد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن ~~PageV08P262 # وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: * (ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله) * إلى آخر الآية رواه الترمذي. ولأحمد معناه ولم ~~يذكر نزول الآية فيه. # ورواه الحميدي في مسنده ولفظه: لا يحل ثمن المغنية ولا بيعها ولا شراؤها ~~ولا الاستماع ms3482 إليها. # حديث ابن عباس قد تقدم أنه أخرجه أيضا أبو داود وابن حبان والبيهقي. # وحديث عمران بن حصين قال الترمذي بعد إخراجه عن عباد بن يعقوب الكوفي: # حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن هلال بن يساف عن عمران ما ~~لفظه. # وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن عبد الرحمن بن ساباط عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مرسلا وهذا حديث غريب. وحديث أبي هريرة قال الترمذي بعد أن ~~أخرجه من طريق علي بن حجر: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن المسلم بن سعيد ~~عن رميح الجذامي عنه ما لفظه: وفي الباب عن علي وهذا حديث غريب لا نعرفه ~~إلا من هذا الوجه. وحديث علي هذا الذي أشار إليه هو ما أخرجه في سننه قبل ~~حديث أبي هريرة عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء وفيه: وشربت الخمور ولبس ~~الحرير واتخذت القيان والمعازف وقال بعد تعداد الخصال: هذا حديث غريب لا ~~نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد ~~الأنصاري غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث ~~وضعفه من قبل حفظه، وقد روى عنه وكيع وغير واحد من الأئمة انتهى. وحديث أبي ~~أمامة الأول والثاني قد تكلم المصنف عليهما. وحديثه الثالث قال الترمذي بعد ~~إخراجه: إنما يعرف مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن ~~يزيد وضعفه وهو شامي انتهى. وأخرجه أيضا ابن ماجة وسعيد بن منصور والواحدي ~~وعبيد الله ابن زحر، قال أبو مسهر: إنه صاحب كل معضلة. # وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشئ. وقال ابن المديني: منكر الحديث. ~~وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: روى موضوعات عن الاثبات، وإذا ~~روي عن علي بن يزيد أتى بالطامات. (وفي الباب) عن ابن مسعود عند ابن أبي ~~شيبة بإسناد صحيح ms3483 أنه قال في قوله: * (من الناس من يشتري لهو الحديث) * ~~قال: هو والله الغناء. وأخرجه الحاكم والبيهقي وصححاه. وأخرجه البيهقي أيضا ~~عن ابن عباس بلفظ هو الغناء PageV08P263 # وأشباهه. (وفي الباب) أيضا عن ابن مسعود عند أبي داود والبيهقي مرفوعا ~~بلفظ: الغناء ينبت النفاق في القلب وفيه شيخ لم يسم، ورواه البيهقي موقوفا، ~~وأخرجه ابن عدي من حديث أبي هريرة، وقال ابن طاهر: أصح الأسانيد في ذلك أنه ~~من قول إبراهيم. وأخرج أبو يعقوب محمد بن إسحاق النيسابوري من حديث أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قعد إلى قينة يسمع صب في أذنه ~~الآنك. وأخرج أيضا من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع ~~رجلا يتغنى من الليل فقال: لا صلاة له، لا صلاة له، لا صلاة له وأخرج أيضا ~~من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: استماع الملاهي ~~معصية، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها كفر وروى ابن غيلان عن علي أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: بعثت بكسر المزامير وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: كسب المغني والمغنية حرام وكذا رواه الطبراني من حديث عمر مرفوعا ثمن ~~القينة سحت وغناؤها حرام. وأخرج القاسم بن سلام عن علي: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن ضرب الدف والطبل وصوت الزمارة. (وفي البا ب) أحاديث ~~كثيرة. وقد وضع جماعة من أهل العلم في ذلك مصنفات، ولكنه ضعفها جميعا بعض ~~أهل العلم حتى قال ابن حزم: إنه لا يصح في الباب حديث أبدا وكل ما فيه ~~فموضوع. وزعم أن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري المذكور في أول البا ب ~~منقطع فيما بين البخاري وهشام، وقد وافقه على تضعيف أحاديث الباب من سيأتي ~~قريبا. قال الحافظ في الفتح: # وأخطأ في ذلك يعني في دعوى الانقطاع من وجوه والحديث صحيح معروف الاتصال ~~بشرط الصحيح والبخاري، قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر الحديث في موضع آخر ms3484 من ~~كتابه وأطال الكلام على ذلك بما يشفي. قوله: الكبارات جمع كبار قال في ~~القاموس في مادة ك ب ر: والطبل الجمع كبار وأكبار انتهى. والبربط العود قال ~~في القاموس: البربط كجعفر معرب بربط أي صدر الإوز لأنه يشبهه انتهى. وقد ~~اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها، فذهب الجمهور إلى التحريم ~~مستدلين بما سلف. وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من ~~الصوفية إلى الترخيص في السماع ولو مع العود واليراع. وقد حكى الأستاذ أبو ~~منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى ~~بالغناء بأسا ويصوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره، وكان ذلك في ~~زمن أمير PageV08P264 # المؤمنين علي رضي الله عنه. وحكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضا عن القاضي ~~شريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي. وقال إمام ~~الحرمين في النهاية وابن أبي الدم: نقل الاثبات من المؤرخين أن عبد الله بن ~~الزبير كان له جوار عوادات، وأن ابن عمر دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما ~~هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله إياه فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي، ~~قال ابن الزبير: يوزن به العقول. وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته في ~~السماع لسنده إلى ابن سيرين قال: أن رجلا قدم المدينة بجوار فنزل على عبد ~~الله بن عمر وفيهن جارية تضرب، فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئا، قال: ~~انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا، قال: من هو؟ قال: عبد الله بن جعفر ~~فعرضهن عليه فأمر جارية منهم فقال لها: خذي العود فأخذته فغنت فبايعه ثم ~~جاء إلى ابن عمر إلى آخر القصة. وروى صاحب العقد العلامة الأديب أبو عمر ~~الأندلسي أن عبد الله بن عمر دخل على أبي جعفر فوجد عنده جارية في حجرها ~~عود ثم قال لابن عمر: # هل ترى بذلك بأسا؟ قال: لا بأس بهذا. وحكى الماوردي عن معاوية وعمرو بن ~~العاص أنهما ms3485 سمعا العود عند ابن جعفر. وروى أبو الفرج الأصبهاني أن حسان بن ~~ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره. وذكر أبو العباس ~~المبرد نحو ذلك، والمزهر عند أهل اللغة العود. وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد ~~العزيز كان يسمع من جواريه قبل الخلافة. ونقل ابن السمعاني الترخيص عن ~~طاوس. # ونقله ابن قتيبة وصاحب الامتاع عن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد ~~الرحمن الزهري من التابعين. ونقله أبو يعلى الخليلي في الارشاد عن عبد ~~العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة. وحكى الروياني عن القفال أن مذهب ~~مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف. وحكى الأستاذ أبو منصور الفوراني عن ~~مالك جواز العود. # وذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب عن شعبة أنه سمع طنبورا في بيت ~~المنهال بن عمرو المحدث المشهور. وحكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في ~~السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود. قال ابن النحوي في ~~العمدة قال ابن طاهر: هو إجماع أهل المدينة. قال ابن طاهر: وإليه ذهبت ~~الظاهرية قاطبة. قال الأدفوي: لم يختلف النقلة في نسب الضرب إلى إبراهيم بن ~~سعد المتقدم الذكر، وهو ممن أخرج PageV08P265 # له الجماعة كلهم. وحكى الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية. وحكاه أبو ~~الفضل بن طاهر عن أبي إسحاق الشيرازي. وحكاه الأسنوي في المهمات عن ~~الروياني والماوردي. ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور. وحكاه ابن ~~الملقن في العمدة عن ابن طاهر. وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام. # وحكاه صاحب الامتاع عن أبي بكر بن العربي، وجزم بالإباحة الأدفوي، هؤلاء ~~جميعا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة، وأما مجرد الغناء من ~~غير آلة فقال الأدفوي في الامتاع: أن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل ~~الاتفاق على حله. ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه. ونقل التاج ~~الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه. ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضا ~~إجماع أهل المدينة عليه. وقال الماوردي: لم يزل أهل الحجاز ms3486 يرخصون فيه في ~~أفضل أيام السنة المأمور فيه بالعبادة والذكر. قال ابن النحوي في العمدة: ~~وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر كما ~~رواه ابن عبد البر وغيره. # وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي. وعبد الرحمن بن عوف كما ~~رواه ابن أبي شيبة. وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي. وسعد بن أبي ~~وقاص كما أخرجه ابن قتيبة. وأبو مسعود الأنصاري كما أخرجه البيهقي. وبلال ~~وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي أيضا. وحمزة كما في ~~الصحيح. وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر. والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم. ~~وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر. وعبد الله بن الزبير كما نقله ~~أبو طالب المكي. وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني. وعبد الله بن عمر كما ~~رواه الزبير بن بكار. وقرظة بن كعب كما رواه ابن قتيبة. وخوات بن جبير ~~ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني. والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب ~~المكي. وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي. وعائشة والربيع كما في صحيح ~~البخاري وغيره. وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عمرو بن حسان ~~وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي ~~عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن ~~إبراهيم الزهري. وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة وابن ~~عيينة وجمهور الشافعية، انتهى كلام ابن النحوي. واختلف هؤلاء المجوزون، ~~فمنهم PageV08P266 # من قال بكراهته، ومنهم من قال باستحبابه، قالوا: لكونه يرق القلب ويهيج ~~الأحزان والشوق إلى الله، قال المجوزون: إنه ليس في كتاب الله ولا في سنة ~~رسوله ولا في معقولهما من القياس، والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع ~~الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات، وأما المانعون من ذلك فاستدلوا ~~بأدلة: منها حديث أبي مالك أو أبي عامر المذكور في أول الباب. وأجاب ~~المجوزون بأجوبة، الأول ما قاله ابن حزم ms3487 وقد تقدم وتقدم جوابه. والثاني: أن ~~في إسناده صدقة بن خالد وقد حكى ابن الجنيد عن يحيى بن معين أنه ليس بشئ. ~~وروى المزي عن أحمد أنه ليس بمستقيم، ويجاب عنه بأنه من رجال الصحيح. ~~ثالثها: أن الحديث مطرب سندا ومتنا، أما الاسناد فللتردد من الراوي في اسم ~~الصحابي كما تقدم. وأما متنا فلان في بعض الألفاظ يستحلون وفي بعضها بدونه. ~~وعند أحمد وابن أبي شيبة بلفظ: ليشربن أناس من أمتي الخمر. وفي رواية الحر ~~بمهملتين، وفي أخرى بمعجمتين كما سلف. ويجاب عن دعوى الاضطراب في السند ~~بأنه قد رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك. ورواه أبو داود ~~من حديث أبي عامر وأبي مالك وهي رواية ابن داسة عن أبي داود. ورواية ابن ~~حبان أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين فتبين بذلك أنه من روايتهما ~~جميعا. وأما الاضطراب في المتن فيجاب بأن مثل ذلك غير قادح في الاستدلال، ~~لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى. والرابع: أن لفظة ~~المعازف التي هي محل الاستدلال ليست عند أبي داود، ويجاب بأنه قد ذكرها ~~غيره وثبتت في الصحيح والزيادة من العدل مقبولة. وأجاب المجوزون أيضا على ~~الحديث المذكور من حيث دلالته فقالوا: لا نسلم دلالته على التحريم، وأسندوا ~~هذا المنع بوجوه. أحدها أن لفظة يستحلون ليست نصا في التحريم، فقد ذكر أبو ~~بكر بن العربي لذلك معنيين، أحدهما: أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال. ~~الثاني: أن يكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور. ويجاب بأن ~~الوعيد على الاعتقاد يشعر بتحريم الملابسة بفحوى الخطاب. وأما دعوى التجوز ~~فالأصل الحقيقة ولا ملجئ إلى الخروج عنها. وثانيها أن المعازف مختلف في ~~مدلولها كما سلف. وإذا كان اللفظ محتملا لأن يكون للآلة ولغير الآلة لم ~~ينتهض للاستدلال، لأنه إما أن يكون مشتركا والراجح التوقف فيه، أو حقيقة ~~ومجازا، ولا يتعين المعنى PageV08P267 # الحقيقي، ويجاب بأنه يدل على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم، والظاهر ~~الحقيقة في الكل من ms3488 المعاني المنصوص عليها من أهل اللغة وليس من قبيل ~~المشترك، لان اللفظ لم يوضع لكل واحد على حدة بل وضع للجميع، على أنه ~~الراجح جواز استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضاد كما تقرر في ~~الأصول. وثالثها أنه يحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي ~~المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية بلفظ: ليشربن أناس من أمتي الخمر ~~تروح عليهم القيان وتغدو عليهم المعازف. ويجاب بأن الاقتران لا يدل على أن ~~المحرم هو الجمع فقط، وإلا لزم أن الزنا المصرح به في الحديث لا يحرم إلا ~~عند شرب الخمر واستعمال المعازف، واللازم باطل بالاجماع فالملزوم مثله. ~~وأيضا يلزم في مثل قوله تعالى: * (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض ~~على طعام المسكين) * (الحاقة: 34) أنه لا يحرم عدم الايمان بالله إلا عند ~~عدم الحض على طعام المسكين. فإن قيل: تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في ~~الالزام قد علم من دليل آخر. # فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضا كما سلف، على أنه لا ~~ملجئ إلى ذلك حتى يصار إليه. ورابعها أن يكون المراد يستحلون مجموع الأمور ~~المذكورة، فلا يدل على تحريم واحد منها على الانفراد، وقد تقرر أن النهي عن ~~الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها. ~~ويجاب عنه بما تقدم في الذي قبله. واستدلوا ثانيا بالأحاديث المذكورة في ~~الباب التي أوردها المصنف رحمه الله تعالى، وأجاب عنها المجوزون بما تقدم ~~من الكلام في أسانيدها، ويجاب بأنها تنتهض بمجموعها ولا سيما وقد حسن ~~بعضها، فأقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره، ولا سيما أحاديث النهي عن ~~بيع القينات المغنيات فإنها ثابتة من طرق كثيرة: منها ما تقدم، ومنها غيره ~~قد استوفيت ذلك في رسالة، وكذلك حديث: إن الغناء ينبت النفاق فإنه ثابت من ~~طرق قد تقدم بعضها وبعضها لم يذكر، منه عن ابن عباس عند ابن صصري في ~~أماليه، ومنه عن جابر عند البيهقي، ومنه عن أنس عند ms3489 الديلمي، وفي الباب عن ~~عائشة وأنس عند البزار والمقدسي وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي بلفظ: ~~صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة. وأخرج ~~ابن سعد في السنن عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين: # صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة وخمش وجه وشق جيب ~~ورنة شيطان. وأخرج الديلمي عن أبي أمامة مرفوعا: أن الله يبغض صوت ~~PageV08P268 # الخلخال كما يبغض الغناء والأحاديث في هذا كثيرة قد صنف في جمعها جماعة ~~من العلماء كابن حزم وابن طاهر وابن أبي الدنيا وابن حمدان الأربلي والذهبي ~~وغيرهم. # وقد أجاب المجوزون عنها بأنه قد ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية ~~والحنابلة والشافعية، وقد تقدم ما قاله ابن حزم، ووافقه على ذلك أبو بكر بن ~~العربي في كتابه الاحكام وقال: لم يصح في التحريم شئ، وكذلك قال الغزالي ~~وابن النحو في العمدة، وهكذا قال ابن طاهر إنه لم يصح منها حرف واحد، ~~والمراد ما هو مرفوع منها، وإلا فحديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: * ~~(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) * (لقمان: 6) قد تقدم ~~أنه صحيح، وقد ذكر هذا الاستثناء ابن حزم فقال: # إنهم لو أسندوا حديثا واحدا فهو إلى غير رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولا حجة في أحد دونه، كما روي عن ابن عباس وابن مسعود في تفسير قوله ~~تعالى: * (ومن الناس) * الآية، أنهما فسرا اللهو بالغناء، قال: ونص الآية ~~يبطل احتجاجهم لقوله تعالى : * (ليضل عن سبيل الله) * وهذه صفة من فعلها ~~كان كافرا، ولو أن شخصا اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوا ~~لكان كافرا، فهذا هو الذي ذم الله تعالى، وما ذم من اشترى لهو الحديث ليروح ~~به نفسه لا ليضل به عن سبيل الله انتهى. # قال الفاكهاني: لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثا صحيحا صريحا في ~~تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها لا ms3490 أدلة قطعية، واستدل ~~ابن رشد بقوله تعالى : * (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) * (القصص: 55) وأي ~~دليل في ذلك على تحريم الملاهي والغناء وللمفسرين فيها أربعة أقوال، الأول: ~~أنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا فكان اليهود يلقونهم بالسب والشتم ~~فيعرضون عنهم والثاني: أن اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيره اليهود ~~من التوراة وبدلوا من نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصفته أعرضوا عنه ~~وذكروا الحق. الثالث: أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه. ~~الرابع: # أنهم ناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهودا ولا نصارى وكانوا على دين الله، ~~كانوا ينتظرون بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما سمعوا به بمكة أتوه ~~فعرض عليهم القرآن فأسلموا، وكان الكفار من قريش يقولون لهم: أف لكم اتبعتم ~~غلاما كرهه قومه وهم أعلم به منكم، وهذا الأخير قاله ابن العربي في أحكامه، ~~وليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية؟ انتهى. ويجاب بأن الاعتبار بعموم ~~اللفظ PageV08P269 # لا بخصوص السبب واللغو عام، وهو في اللغة الباطل من الكلام الذي لا فائدة ~~فيه، والآية خارجا مخرج المدح لمن فعل ذلك، وليس فيها دلالة على الوجوب، ~~ومن جملة ما استدلوا به حديث: كل لهو يلهو به المؤمن هو باطل إلا ثلاثة: # ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه. قال الغزالي قلنا: قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فهو باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم ~~الفائدة انتهى. وهو جواب صحيح، لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح، على أن ~~التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم كما ~~ثبت في الصحيح خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وأجاب المجوزون عن حديث ابن عمر ~~المتقدم في زمارة الراعي بما تقدم من أنه حديث منكر، وأيضا لو كان سماعه ~~حراما لما أباحه صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر، ولا ابن عمر لنافع، ~~ولنهى عنه وأمر بكسر الآلة، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وأما ~~سده ms3491 صلى الله عليه وآله وسلم لسمعه فيحتمل أنه تجنبه كما كان يتجنب كثيرا ~~من المباحات، كما تجنب أن يبيت في بيته درهم أو دينار وأمثال ذلك. لا يقال: ~~يحتمل أن تركه صلى الله عليه وآله وسلم للانكار على الراعي إنما كان لعدم ~~القدرة على التغيير. لأنا نقول: # ابن عمر إنما صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالمدينة بعد ظهور ~~الاسلام وقوته، فترك الانكار فيه دليل على عدم التحريم، وقد استدل المجوزون ~~بأدلة منها قوله تعالى: * (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) * ~~(الأعراف: 157) ووجه التمسك أن الطيبات جمع محلى باللام فيشمل كل طيب، ~~والطيب يطلق بإزاء المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن ~~القرائن، ويطلق بإزاء الطاهر والحلال، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من ~~أفراد العام فتدخل أفراد المعاني الثلاثة كلها، ولو قصرنا العام على بعض ~~أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر. وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل ~~الاحكام أن المراد في الآية بالطيبات المستلذات، ومن جملة ما استدل به ~~المجوزون ما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، وسيأتي الكلام عليه. ومن جملة ما ~~استدل به المجوزون أنا لو حكمنا بتحريم اللهو لكونه لهوا لكان جميع ما في ~~الدنيا محرما، لأنه لهو لقوله تعالى: * (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) * ~~(محمد: 36) ويجاب بأنه لا حكم على جميع ما يصدق عليه مسمى اللهو لكونه ~~لهوا، بل الحكم بتحريم لهو خاص وهو لهو الحديث المنصوص عليه في القرآن، ~~لكنه لما علل في الآية بعلة الاضلال عن سبيل الله لم ينتهض للاستدلال به ~~على المطلوب، وإذا تقرر جميع ما حررناه من حجج PageV08P270 # الفريقين فلا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم ~~يخرج عن دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما صرح به الحديث ~~الصحيح، ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه، ولا سيما إذا كان مشتملا على ذكر القدود والخدود والجمال والدلال ~~والهجر والوصال ومعاقرة العقار ms3492 وخلع العذار والوقار، فإن سامع ما كان كذلك ~~لا يخلو عن بلية، وإن كان من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، ~~وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه ~~مكبول، نسأل الله السداد والثبات، ومن أراد الاستيفاء للبحث في هذه المسألة ~~فعليه بالرسالة التي سميتها: إبطال دعوى الاجماع على تحريم مطلق السماع. # باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه عن بريدة قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء ~~فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك ~~بالدف وأتغنى، قال لها: إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو ~~بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر ~~فألقت الدف تحت أستها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر ~~وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا ~~عمر ألقت الدف رواه أحمد والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي، وفي الباب عن عبد الله بن عمر وعند ~~أبي داود. وعن عائشة عند الفاكهاني في تاريخ مكة بسند صحيح، وقد استدل ~~المصنف بحديث الباب على جواز ما دل عليه الحديث عند القدوم من الغيبة، ~~والقائلون بالتحريم يخصون مثل ذلك من عموم الأدلة الدالة على المنع، وأما ~~المجوزون فيستدلون به على مطلق الجواز لما سلف، وقد دلت الأدلة على أنه لا ~~نذر في معصية الله، فالاذن منه صلى الله عليه وآله وسلم لهذه المرأة بالضرب ~~يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن، وفي بعض PageV08P271 # ألفاظ الحديث أنه قال لها: أوفي بنذرك. ومن جملة مواطن التخصيص للهو في ~~العرسات، وقد تقدمت الأحاديث في ذلك في كتا ب الوليمة ms3493 من كتاب النكاح. ومن ~~مواطن التخصيص أيضا في الأعياد لما في الصحيحين من حديث عائشة قالت: دخل ~~علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيانني بما تقاولت به ~~الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: مزامير الشيطان في بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في يوم عيد، فقال: يا أبا بكر لكل ~~قوم عيد وهذا عيدنا. وروى المبرد والبيهقي في المعرفة عن عمر أنه إذا كان ~~داخلا في بيته ترنم بالبيت والبيتين. ورواه المعافى النهرواني في كتاب ~~الجليس والأنيس، وابن منده في المعرفة في ترجمة أسلم الحادي. وأخرج النسائي ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن رواحة: حرك بالقوم فاندفع ~~يرتجز. # كتاب الأطعمة والصيد والذبائح باب في أن الأصل في الأعيان والأشياء ~~الإباحة إلى أن يرد منع أو إلزام عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ ~~لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم متفق عليهما. وعن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله ~~في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم رواه ~~ابن ماجة والترمذي. # وعن علي عليه السلام قال: لما نزلت: * (ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا PageV08P272 # ) * (المائدة: 101) قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، فقالوا: يا ~~رسول الله في كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت. # فأنزل الله: * (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم) * (المائدة: 101) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. # حديث سلمان قيل: إنه ms3494 لم يوجد في سنن الترمذي، ويدل على ذلك أنه روى صاحب ~~جامع الأصول شطرا منه من قوله: الحلال ما أحل الله الخ، ولم ينسبه إلى ~~الترمذي بل بيض له، ولكنه قد عزاه الحافظ في الفتح في باب ما يكره من كثرة ~~السؤال إلى الترمذي كما فعله المصنف. والحديث أورده الترمذي في كتاب اللباس ~~وبوب له باب ما جاء في لباس الفراء. وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك. # وقد ساقه ابن ماجة بإسناد فيه سيف بن هارون البرجمي وهو ضعيف متروك. ~~وحديث علي أخرجه أيضا الحاكم وهو منقطع كما قال الحافظ. وصورة إسناده في ~~الترمذي قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا منصور بن زاذان عن علي بن عبد ~~الأعلى عن أبيه عن أبي البختري عن علي فذكره، قال أبو عيسى الترمذي: # حديث علي حديث غريب، واسم أبي البختري سعيد بن أبي عمران وهو سعيد ابن ~~فيروز انتهى. وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وقد تقدما في أول كتاب ~~الحج. (وفي الباب) أحاديث ساقها البخاري في باب ما يكره من كثرة السؤال، ~~وأخرج البزار وقال: سنده صالح، والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء رفعه ~~بلفظ: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو ~~عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلا: * (وما كان ~~ربك نسيا) * (مريم: 64). وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه: أن الله ~~فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد خدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير ~~نسيان فلا تبحثوا عنها. وأخرج مسلم من حديث أنس وأصله في البخاري قال: كنا ~~نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شئ الحديث. وفي ~~البخاري من حديث ابن عمر: فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل ~~وعابها. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: لما نزلت: * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء) * الآية، كنا قد اتقينا أن نسأله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الحديث. والراجح ms3495 في تفسير الآية أنها نزل في النهي عن كثرة المسائل عما كان ~~وعما لم يكن، وقد أنكر ذلك جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر بن ~~العربي فقال: اعتقد قوم من PageV08P273 # الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك، ~~لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست ~~كذلك، قال الحافظ: وهو كما قال، إلا أن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول ~~الوحي، ويؤيده حديث سعد المذكور في أول الباب لأنه قد أمن من وقوع التحريم ~~لأجل المسألة، ولكن ليس الظاهر ما قاله ابن العربي من الاختصاص، لأن ~~المساءة مجوزة في السؤال عن كل أمر لم يقع، وأما ما ثبت في الأحاديث من ~~وقوع المسائل من الصحابة فيحتمل أن ذلك قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي في ~~الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، كبيان ما أجمل أو نحو ذلك ~~مما وقعت عنه المسائل، وقد وردت عن الصحابة آثار كثيرة في المنع من ذلك ~~ساقها الدارمي في أوائل مسنده. منها عن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن ~~الشئ يقول: هل كان هذا؟ فإن قيل: لا، قال: # دعوه حتى يكون. قال في الفتح: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه ~~نص على قسمين، أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها ~~فهذا مطلوب لا مكروه، بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين. ~~ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفرق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر ~~في الشرع مع وجود وصف الجمع أو بالعكس بأن يجمع بين مفترقين لوصف طردي ~~مثلا، فهذا الذي ذمه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: هلك ~~المتنطعون أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله ~~الاكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الاجماع، ~~وهي نادرة الوقوع جدا، فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها ms3496 أولى، ولا سيما ~~إن لزم من ذلك المقال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشد من ذلك في كثرة ~~السؤال البحث عن أمور مغيبة، ورد الشرع بالايمان بها مع ترك كيفيتها. ~~ومنها: ما لا يكون له شاهد في عالم الحس، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن ~~الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل، والكثير ~~منه لم يثبت فيه شئ، فيجب الايمان به من غير بحث، وأشد من ذلك ما يوقع كثرة ~~البحث عنه في الشك والحيرة، كما صح من حديث أبي هريرة رفعه عند البخاري ~~وغيره: لا يزال الناس يتساءلون هذا: الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال ~~الحافظ: فمن سد باب المسائل حتى فاته كثير من الاحكام التي PageV08P274 # يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها ~~ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة ~~والمغالبة فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف، ومن أمعن البحث عن ~~معاني كتاب الله تعالى، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وعن الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الاحكام ما ~~يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك مقتصرا على ~~ما يصلح للحجة فيها، فإنه الذي يحمد وينفع وينتفع به، وعلى ذلك يحمل عمل ~~فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم، حتى حدثت الطائفة الثانية فعارضتها ~~الطائفة الأولى، فكثر بينهم المراء والجدال وتولدت البغضاء، وهم من أهل دين ~~واحد، والوسط هو المعتدل من كل شئ، وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الحديث المذكور في الباب: فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم فإن الاختلاف يجر إلى عدم الانقياد، وهذا كله من ~~حيث تقسيم المشتغلين بالعلم، وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنة والتشاغل ~~به فقد وقع الكلام في أيهما أولى يعني هل العلم أو العمل؟ والانصاف أن ~~يقال: كل ما ms3497 زاد على ما هو في حق المكلف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: من ~~وجد من نفسه قوة على الفهم والتحرير فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، ~~وتشاغله بالعبادة لما فيه من النفع المتعدي، ومن وجد من نفسه قصورا فإقباله ~~على العبادة أولى به لعسر اجتماع الامرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن ~~يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم وترك العبادة فإنه ~~الأمران لعدم حصول الأول له وإعراضه عن الثاني انتهى. قوله: إن أعظم ~~المسلمين إلخ، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: إن أعظم الناس جرما قال الطيبي: ~~فيه من المبالغة أنه جعله عظيما، ثم فسره بقوله جرما ليدل على أنه نفسه ~~جرم، قال: وقوله في المسلمين أي في حقهم. قوله: فحرم بضم الحاء المهملة ~~وتشديد الراء قال ابن بطال عن المهلب: ظاهر الحديث يتمسك به القدرية في أن ~~الله يفعل شيئا من أجل شئ وليس كذلك بل هو على كل شئ قدير، فهو فاعل السبب ~~والمسبب، ولكن الحديث محمول على التحذير مما ذكر، فعظم جرم من فعل ذلك ~~لكثرة الكارهين لفعله. وقال غيره: أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل وإنما ~~ينكرون وجوبه، فلا يمتنع أن يكون الشئ الفلاني تتعلق به الحرمة إن سئل عنه، ~~PageV08P275 # فقد سبق القضاء بذلك، إلا أن السؤال علة للتحريم. وقال ابن التين قيل: ~~الجرم اللاحق به إلحاق المسلمين المضرة لسؤاله، وهي منعهم التصرف فيما كان ~~حلالا قبل مسألته. # وقال القاضي عياض: المراد بالجرم هنا الحدث على المسلمين لا الذي هو ~~بمعنى الاثم المعاقب عليه، لأن السؤال كان مباحا ولهذا قال: سلوني. وتعقبه ~~النووي فقال: هذا الجواب ضعيف أو باطل، والصواب الذي قاله الخطابي والتيمي ~~وغيرهما أن المراد بالجرم الاثم والذنب، وحملوه على من سأل تكلفا وتعنتا ~~فيما لا حاجة له به إليه، وسبب تخصيصه ثبوت الامر بالسؤال عما يحتاج إليه ~~لقوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر) * (النحل: 34) فمن سأل عن نازلة وقعت ~~له لضرورته إليها فهو معذور فلا إثم عليه ولا عتب، فكل ms3498 من الامر بالسؤال ~~والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى. قال: ويؤخذ منه أن من عمل شيئا أضربه ~~غيره كان آثما. وأورد الكرماني على الحديث سؤالا فقال: السؤال ليس بجريمة، ~~ولئن كان فليس بكبيرة، ولئن كان فليس بأكبر الكبائر. # وأجاب أن السؤال عن الشئ بحيث يصير سببا لتحريم شئ مباح هو أعظم الجرم، ~~لأنه صار سببا لتضييق الامر على جميع المكلفين، فالقتل مثلا كبيرة ولكن ~~مضرته راجعة إلى المقتول وحده أو إلى من هو منه بسبيل، بخلاف صورة المسألة ~~فضررها عام للجميع انتهى. وقد روي ما يدل على أنه قد وقع في زمنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم من المسائل ما كان سببا لتحريم الحلال. أخرج البزار عن سعد ~~بن أبي وقاص قال: كان الناس يتساءلون عن الشئ من الامر فيسألون النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو حلال فلا يزالون يسألونه عن الشئ حتى يحرم عليهم. ~~قوله: ذروني في رواية البخاري دعوني ومعناهما واحد. قوله: ما تركتكم أي مدة ~~تركي إياكم بغير أمر بشئ ولا نهى عن شئ. قال ابن فرج: معناه لا تكثروا من ~~الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظاهره ولو كانت صالحة لغيره، ~~كما أن قوله: حجوا وإن كان صالحا للتكرار فينبغي أن يكتفي بما يصدق عليه ~~اللفظ وهو المرة، فإن الأصل عدم الزيادة، ولا يكثر التعنت عن ذلك فإنه قد ~~يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل في البقرة. قوله: واختلافهم يجوز فيه ~~الرفع والجر. # قوله: فإذا نهيتكم هذا النهي عام في جميع المناهي، ويستثنى من ذلك ما ~~يكره المكلف على فعله، وإليه ذهب الجمهور، وخالف قوم فتمسكوا بالعموم ~~فقالوا: الاكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها. قوله: وإذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم أي PageV08P276 # اجعلوه قدر استطاعتكم، قال النووي: هذا من جوامع الكلم وقواعد الاسلام، ~~ويدخل فيه كثير من الاحكام كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي ~~بالمقدور، وكذا الوضوء، وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة ~~الفطر لمن لم ms3499 يقدر على الكل، والامساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في ~~أثناء النهار ، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها، واستدل به على أن ~~من أمر بشئ فعجز عن بعضه ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك ~~استدل المزني على أن ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثم كان الصحيح أن ~~القضاء بأمر جديد، واستدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشارع بالمنهيات فوق ~~اعتنائه بالمأمورات، لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في ~~الترك، وقيد في المأمورات بالاستطاعة، وهذا منقول عن الإمام أحمد. (فإن ~~قيل): إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ~~فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين كذا قيل. قال الحافظ: والذي يظهر أن ~~التقييد في الامر بالاستطاعة لا يدل على المدعي من الاعتبار بل هو من جهة ~~الكف، إذ كل واحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلا فلا يتصور عدم ~~الاستطاعة من الكف، بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل فإن العجز عن ~~تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الامر بحسب الاستطاعة دون النهي. قال ابن فرج ~~في شرح الأربعين: إن الامر بالاجتناب على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه كأكل ~~الميتة عند الضرورة وشرب الخمر عند الاكراه، والأصل في ذلك جواز التلفظ ~~بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالايمان كما نطق به القرآن. قال الحافظ: ~~والتحقيق أن المكلف في كل ذلك ليس منهيا في تلك الحال. وقال الماوردي: إن ~~الكف عن المعاصي ترك وهو سهل، وعمل الطاعة فعل وهو شاق، فلذلك لم يبح ~~ارتكاب المعصية ولو مع العذر، لأنه ترك والترك لا يعجز المعذور عنه، وادعى ~~بعضهم أن قوله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * (التغابن: 16) يتناول ~~امتثال المأمور واجتناب المنهي وقد قيد بالاستطاعة فاستويا، وحينئذ تكون ~~الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الامر دون النهي أن العجز يكثر ~~تصوره في الامر، بخلاف النهي فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار وهو ~~قوله تعالى: * (إلا ms3500 ما اضطررتم إليه) * (الانعام: 119) وهو مضطر، ولا يرد ~~الاكراه لأنه مندرج في الاضطرار، وزعم بعضهم أن قوله تعالى: * (فاتقوا الله ~~ما استطعتم) * (التغابن: 16) نسخ بقوله تعالى: * (اتقوا الله PageV08P277 # حق تقاته) * (آل عمران: 102) قال الحافظ: والصحيح أنه لا نسخ، بل المراد ~~بحق تقاته امتثال أمره واجتناب نهيه مع القدرة لا مع العجز. قوله: الفراء ~~بفتح الفاء مهموز حمار الوحش كذا في مختصر النهاية، ولكن تبويب الترمذي ~~الذي ذكرناه سابقا يدل على أن الفراء بكسر الفاء جمع فرو. قوله: الحلال ما ~~أحل الله في كتابه الخ، المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدل على حصر ~~التحليل والتحريم على الكتاب العزيز هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام ~~ولو بطريق العموم أو الإشارة أو باعتبار الأغلب لحديث: إني أوتيت القرآن ~~ومثله معه وهو حديث صحيح. قوله: وعن علي إلخ، قد تقدم الكلام على ما اشتمل ~~عليه حديث علي في أول كتاب الحج. # باب ما يباح من الحيوان الإنسي عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحو الخيل متفق عليه وهو ~~للنسائي وأبي داود. وفي لفظ: # أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم ~~الحمر رواه الترمذي. وصححه. وفي لفظ: سافرنا يعني مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فكنا نأكل لحوم الخيل ونشرب ألبانها رواه الدارقطني. وعن ~~أسماء بنت أبي بكر قالت: ذبحنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه متفق عليه. ولفظ أحمد: ذبحنا فرسا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فأكلناه نحن وأهل بيته. وعن أبي موسى قال: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل لحم دجاج متفق عليه. # قوله: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية فيه دليل على تحريمها، وسيأتي ~~الكلام على ذلك. قوله: وأذن في لحوم الخيل استدل به القائلون بحل أكلها، ~~قال الطحاوي: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، ms3501 وخالفه صاحباه وغيرهما ~~واحتجوا بالاخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما ~~كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله صلى ~~PageV08P278 # الله عليه وآله وسلم أولى أن نقول بها مما يوجبه النظر، ولا سيما وقد ~~أخبر جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي ~~منعهم فيه من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكمهما. قال الحافظ: وقد نقل ~~الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند ~~صحيح على شرط الشيخين عن عطاء أنه قال لابن جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ~~ابن جريج: قلت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: نعم. وأما ~~ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ~~بسندين ضعيفين، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا عن ابن عباس أنه استدل لحل ~~الحمر الأهلية بقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي) * (الانعام: 145) ~~الآية، وذلك يقوي أنه من القائلين بالحل. وأخرج الدارقطني عنه بسند قوي ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأمر ~~بلحوم الخيل قال في الفتح: وصح القول بالكراهة عن الحكم ابن عتيبة ومالك ~~وبعض الحنفية، وعن بعض المالكية والحنفية التحريم، قال الفاكهاني: # المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم، وقد ~~صحح صاحب المحيط والهداية والذخيرة عن أبي حنيفة التحريم وإليه ذهبت العترة ~~كما حكاه في البحر، ولكنه حكى الحل عن زيد بن علي، واستدل القائلون ~~بالتحريم بما رواه الطحاوي وابن حزم من طريق عكرم بن عمار عن يحيى بن أبي ~~كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~لحوم الحمر والخيل والبغال قال الطحاوي: أهل الحديث يضعفون عكرمة بن عمار، ~~قال الحافظ: لا سيما في يحيى بن أبي كثير، فإن عكرمة وإن كان مختلفا في ~~توثيقه قد أخرج ms3502 له مسلم، لكن إنما أخرج له من غير روايته عن يحيى بن أبي ~~كثير، وقال يحيى بن سعيد القطان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة. وقال ~~البخاري: حديثه عن يحيى مضطرب. وقال النسائي: ليس به بأس إلا في يحيى. وقال ~~أحمد: حديثه من غير إياس بن سلمة مضطرب. وعلى تقدير صحة هذه الطريق فقد ~~اختلف على عكرمة فيها، فإن الحديث عند أحمد والترمذي من طريقه ليس فيه ~~للخيل ذكر، وعلى تقدير أن يكون الذي زاده حفظه فالروايات المتنوعة عن جابر ~~المفصلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكم أظهر اتصالا وأتقن رجالا وأكثر ~~عددا، ومن أدلتهم ما رواه في السنن من حديث خالد ابن الوليد: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل. وتعقب PageV08P279 # بأنه شاذ منكر، لأن في سياقه أنه شهد خيبر وهو خطأ، فإنه لم يسلم إلا ~~بعدها على الصحيح. # وقد روي الحديث من طريق أخرى عن خالد وفيها مجهول، ولا يقال إن جابرا ~~أيضا لم يشهد خيبر كما أعل الحديث بذلك بعض الحنفية. لأنا نقول: ذلك ليس ~~بعلة مع عدم التصريح بحضوره، فغايته أن يكون من مراسيل الصحابة. وأما ~~الرواية الثانية عنه المذكورة في الباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أطعمهم لحوم الخيل، وفي الأخرى أنهم سافروا مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فليس في ذلك تصريح بأنه كان في خيبر فيمكن أن يكون في غيرها، ولو ~~فرضنا ثبوت حديث خالد وسلامته عن العلل لم ينتهض لمعارضة حديث جابر وأسماء ~~المتفق عليهما، مع أنه قد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون ~~والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون. ومن جملة ما استدل به ~~القائلون بالتحريم قوله تعالى: * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) ~~* (النحل: 8) وقد تمسك بها أكثر القائلين بالتحريم وقرروا ذلك بأن اللام ~~للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، ~~فإباحة أكلها تقتضي خلاف الظاهر من الآية، وقرره أيضا بأن ms3503 العطف يشعر ~~بالاشتراك في الحكم، وبأن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في ~~الاكل لكان الامتنان به أعظم، وأجيب إجمالا بأن الآية مكية اتفاقا، والاذن ~~كان بعد الهجرة، وأيضا ليست نصا في منع الاكل، والحديث صريح في الحل، وأجيب ~~أيضا تفصيلا بأنا لو سلمنا أن اللام للعلة لم نسلم إفادته الحصر في الركوب ~~والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غير هما وفي غير الاكل اتفاقا، ونظير ذلك ~~حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: إنا لم نخلق لهذا ~~إنما خلقنا للحرث، فإنه مع كونه أصرح في الحصر لكونه بإنما مع اللام لا ~~يستدل به على تحريم أكلها، وإنما المراد الأغلب من المنافع، وهو الركوب في ~~الخيل والتزين بها والحرث في البقر، وأيضا يلزم المستدل بالآية أنه لا يجوز ~~حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به. وأما الاستدلال بالعطف ~~فغايته دلالة اقتران وهي من الضعف بمكان. وأما الاستدلال بالامتنان فهو ~~باعتبار غالب المنافع. قوله : ذبحنا فرسا لفظ البخاري: نحرنا فرسا وقد جمع ~~بين الروايتين بحمل النحر على الذبح مجازا وقد وقع ذلك مرتين. قوله: يأكل ~~لحم دجاج هو اسم جنس مثلث الدال، ذكره المنذري وابن مالك وغيرهما، ولم يحك ~~النووي أن ذلك مثلث، وقيل: إن الضم ضعيف، قال PageV08P280 # الجوهري: دخلتها التاء للوحدة مثل الحمامة. وقال إبراهيم الحربي: إن ~~الدجاجة بالكسر اسم للذكران دون الإناث والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث ~~دون الذكران والواحدة دجاجة بالفتح أيضا. وفي القاموس: والدجاجة معروف ~~للذكر والأنثى وتثلث اه. وقد تقدم نقله. وفي الحديث قصة وهو أن رجلا امتنع ~~من أكل الدجاج وحلف على ذلك فأفتاه أبو موسى بأنه يكفر عن يمينه ويأكل، وقص ~~له الحديث. # باب النهي عن الحمر الإنسية عن أبي ثعلبة الخشني قال: حرم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لحوم الحمر الأهلية متفق عليه، وزاد أحمد: ولحم كل ذي ~~ناب من السباع. وعن البراء بن عازب قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوم خيبر ms3504 عن لحوم الحمر الإنسية نضيجا ونيا. وعن ابن عمر قال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية متفق ~~عليهما. وعن ابن أبي أوفى قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم ~~الحمر رواه أحمد والبخاري. وعن زاهر الأسلمي وكان ممن يشهد الشجرة قال: إني ~~لا وقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى مناد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم نهاكم عن لحوم الحمر. وعن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: ~~يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحمر الأهلية، قال: ~~قد كان يقول ذلك الحكم ابن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر ~~ابن عباس وقرأ : * (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) * (الانعام: 145) ~~رواهما البخاري. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرم يوم ~~خيبر كل ذي ناب من السباع والمجثمة والحمار الإنسي رواه أحمد والترمذي ~~وصححه. وعن ابن أبي أوفى قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر ~~وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن اكفؤوا القدور لا تأكلوا من لحوم الحمر ~~شيئا، فقال ناس: # إنما نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تخمس، وقال ~~آخرون: نهى عنها البتة متفق عليه. وقد ثبت النهي من رواية علي وأنس وقد ~~ذكرا. # قوله: الإنسية قال في الفتح: بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الإنس، ~~PageV08P281 # ويقال فيه أنسية بفتحتين، وزعم ابن الأثير أن في كلام أبي موسى المديني ~~ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون، وقد صرح الجوهري أن الإنس بفتحتين ضد ~~الوحشة، ولم يقع في شئ من روايات الحديث بضم ثم سكون مع احتمال جوازه، نعم ~~زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون، فقال ابن الأثير: إن أراد من ~~جهة الرواية وإلا فهو ثابت في اللغة، والمراد بالإنسية الأهلية كما وقع ms3505 في ~~سائر الروايات، ويؤخذ من التقييد بها جواز أكل الحمر الوحشية، ولعله يأتي ~~البحث عنها إن شاء الله. قوله: إذ نادى مناد وقع عند مسلم أن الذي نادى ~~بذلك أبو طلحة، ووقع عند مسلم أيضا أن بلالا نادى بذلك. وعند النسائي أن ~~المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف، ولعل عبد الرحمن نادى أولا بالنهي مطلقا، ~~ثم نادى أبو طلحة وبلال بزيادة على ذلك وهو قوله: فإنها رجس. # قوله: وقرأ قل لا أجد الآية، هذا الاستدلال إنما يتم في الأشياء التي لم ~~يرد النص بتحريمها، وأما الحمر الإنسية فقد تواترت النصوص على ذلك، ~~والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس وأيضا الآية مكية. ~~وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر. رواه ابن ماجة والطبراني وإسناده ضعيف. وفي ~~البخاري في المغازي أن ابن عباس تردد هل كان النهي لمعنى خاص أو للتأبيد؟ ~~وعن بعضهم إنما نهى عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها كانت تأكل ~~العذرة. وفي حديث ابن أبي أوفى المذكور في الباب فقال ناس: إنما نهى عنها، ~~لأنها لم تخمس. قال الحافظ: وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس أو ~~كانت جلالة أو غيرهما حديث أنس حيث جاء فيه: فإنها رجس وكذلك الامر بغسل ~~الاناء في حديث سلمة اه. والحديثان متفق عليهما، وقد تقدما في أول الكتاب ~~في باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح من كتاب الطهارة. قال ~~القرطبي: ظاهره أن الضمير في أنها رجس عائد على الحمر، لأنها المتحدث عنها ~~المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم النجس. # فيستفاد منه تحريم أكلها لعينها لا لمعنى خارج. وقال ابن دقيق العيد: ~~الامر بإكفاء القدور ظاهر أنه بسبب تحريم لحم الحمر. قال الحافظ: وقد وردت ~~علل أخر إن صح رفع شئ منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يعلل الحكم ~~بأكثر من علة. وحديث أبي ثعلبة صريح في التحريم ms3506 فلا معدل عنه. وأما التعليل ~~بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بالخيل، فإن في حديث جابر ~~النهي عن الحمر والاذن في الخيل مقرونان، فلو كانت العلة لأجل PageV08P282 # الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزتها وشدة حاجتهم إليها. ~~قال النووي: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ~~ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا إلا عن ابن عباس وعند مالك ثلاث ~~روايات ثالثها الكراهة. وقد أخرج أبو داود عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا ~~سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقلت: إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة، قال: ~~أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية بفتح الجيم والواو ~~وتشديد اللام جمع جالة مثل سوام جمع سامة بتشديد الميم، وهوام جمع هامة ~~يعني الجلالة وهي التي تأكل العذرة. (والحديث) لا تقوم به حجة، قال الحافظ: ~~إسناده ضعيف والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة فلا اعتماد عليه. وقال ~~المنذري: اختلف في إسناده كثيرا، وقال البيهقي: إسناده مضطرب. # قال ابن عبد البر: روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحريم الحمر ~~الأهلية علي عليه السلام وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر والبراء ~~وعبد الله بن أبي أوفى وأنس وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح وحسان. وحديث غالب ~~بن أبجر لا يعرج على مثله مع ما يعارضه، ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم رخص لهم في مجاعتهم، وبين علة تحريمها المطلق بكونها تأكل ~~العذرات. وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصر المحاربية: أن رجلا ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحمر الأهلية فقال: أليس ترعى ~~الكلأ وتأكل الشجر؟ قال: نعم، قال: فأصب من لحومها. وأخرجه ابن أبي شيبة من ~~طريق رجل من بني مرة قال: سألت فذكر نحوه، فقال الحافظ: في السندين مقال، ~~ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم. قال ms3507 الطحاوي: لولا تواتر الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي ~~حلها، لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير، ~~وقد أجمع على حل الوحشي فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي. قال في الفتح: ~~وما ادعاه من الاجماع مردود، فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره ~~من الحيوان الوحشي كالهر. قوله: كل ذي ناب من السباع سيأتي الكلام فيه. ~~قوله: المجثمة بضم الميم وفتح الجيم وتشديد المثلثة على صيغة اسم المفعول، ~~وهي كل حيوان ينصب ويقتل، إلا أنها قد كثرت في الطير والأرنب وما يجثم في ~~الأرض أي يلزمها، والجثم في الأصل PageV08P283 # لزوم المكان أو الوقوع على الصدر أو التلبد بالأرض كما في القاموس، ~~فالتجثيم نوع من المثلة. # باب تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير عن أبي ثعلبة الخشني: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام ~~رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود. وعن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير رواه ~~الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن جابر قال: حرم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعني يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير رواه أحمد والترمذي. وعن عرباض بن سارية: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم يوم خيبر كل ذي مخلب من الطير ولحوم ~~الحمر الأهلية والخلسة والمجثمة رواه أحمد والترمذي وقال نهى بدل لفظ ~~التحريم، وزاد في رواية: قال أبو عاصم المجثمة أن ينصب الطير فيرمى. ~~والخلسة الذئب أو السبع يدركه الرجل فيأخذ منه يعني الفريسة فتموت في يده ~~قبل أن يذكيها. # حديث جابر أصله في الصحيحين كما سلف، وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس به كما ~~قاله الحافظ في الفتح، وكذلك حديث العرباض بن ms3508 سارية لا بأس بإسناده. قوله: ~~كل ذي ناب الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب، قال ابن سينا: لا ~~يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معا، وذو الناب من السباع كالأسد والذئب ~~والنمر والفيل والقرد، وكل ما له ناب يتقوى به ويصطاد، فقال في النهاية: ~~وهو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والنمر والذئب ونحوها. وقال في ~~القاموس: والسبع بضم الباء وفتحها المفترس من الحيوان اه. ووقع الخلاف في ~~جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل ~~والضبع واليربوع والسنور. وقال الشافعي: يحرم من السباع ما يعدو على الناس ~~كالأسد والنمر والذئب. وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده، لأنهما لا يعدوان. ~~قوله: # وكل ذي مخلب المخلب بكسر الميم وفتح اللام قال أهل اللغة: المخلب للطير ~~والسباع بمنزلة الظفر PageV08P284 # للانسان. وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من ~~الطير، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وحكى ابن عبد الحكم وابن وهب عن مالك مثل قول ~~الجمهور. وقال ابن العربي: المشهور عنه الكراهة. قال ابن رسلان: ومشهور ~~مذهبه على إباحة ذلك، وكذا قال القرطبي. وقال ابن عبد البر: اختلف فيه عن ~~ابن عباس وعائشة، وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف وهو قول الشعبي وسعيد بن ~~جبير يعني عدم التحريم واحتجوا بقوله تعالى : * (قل لا أجد في ما أوحي إلي) ~~* (الانعام: 145) الآية، وأجيب بأنها مكية، وحديث التحريم بعد الهجرة، ~~وأيضا هي عامة والأحاديث خاصة، وقد تقدم الجواب عن الاحتجاج بالآية مفصلا. ~~وعن بعضهم: أن آية الانعام خاصة ببهيمة الانعام، لأنه تقدم قبلها حكاية عن ~~الجاهلية أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت ~~الآية: * (قل لا أجد) * أي من المذكورات، ويجاب عن هذا أن الاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. # قوله: ولحوم البغال فيه دليل على تحريمه وبه قال الأكثر، وخالف في ذلك ~~الحسن البصري كما حكاه عنه في البحر. قوله: والخلسة بضم الخاء وسكون اللام ~~بعدها سين مهملة وهي ما وقع التفسير فيه ms3509 في المتن. قوله: والمجثمة قد تقدم ~~ضبطها وتفسيرها. # باب ما جاء في الهر والقنفذ عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي. وعن عيسى بن ~~نميلة الفزاري عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه ~~الآية: * (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما) * الآية، فقال شيخ عنده: سمعت ~~أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: خبيثة من ~~الخبائث، فقال ابن عمر: إن كان قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو ~~كما قال رواه أحمد وأبو داود. # حديث جابر في إسناده عمر بن زيد الصنعاني، قال المنذري وابن حبان: لا ~~يحتج به. وقال ابن رسلان في شرح السنن: لم يرو عنه غير عبد الرزاق، وقد ~~أخرج النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور مسلم في صحيحه. وحديث عيسى بن نميلة ~~قال الخطابي: # ليس إسناده بذاك، وقال البيهقي: إسناده غير قوي ورواه شيخ مجهول. وقال في ~~بلوغ PageV08P285 # المرام: إسناده ضعيف. وقد استدل بالحديث الأول على تحريم أكل الهر، ~~وظاهره عدم الفرق بين الوحشي والأهلي، ويؤيد التحريم أنه من ذوات الأنياب ~~وللشافعية وجه في حل الهر الوحشي كحمار الوحش إذا كان وحشي الأصل لا إن كان ~~أهليا ثم توحش. قوله: عن عيسى بن نميلة بضم النون وتخفيف الميم مصغر نملة ~~ذكره ابن حبان في الثقات. قوله: القنفذ هو واحد القنافذ، والأنثى الواحدة ~~قنفذة وهو بضم القاف وسكون النون وضم الفاء وبالذال المعجمة وقد تفتح ~~الفاء، وهو نوعان: قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفأر الكبير، وآخر يكون بأرض ~~الشام في قدر الكلب وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم بها، كذا قال ابن ~~رسلان في شرح السنن. # وقد استدل بالحديث على تحريم القنفذ، لأن الخبائث محرمة بنص القرآن، وهو ~~مخصص لعموم الآية الكريمة كما سلف في مثل ذلك. وقد حكي التحريم في البحر عن ~~أبي طالب والامام يحيى، قال ابن رسلان ms3510 راويا عن القفال: أنه قال: إن صح ~~الخبر فهو حرام وإلا رجعنا إلى العرب والمنقول عنهم أنهم يستطيبونه. وقال ~~مالك وأبو حنيفة: القنفذ مكروه، ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور اه. # وحكي الكراهة في البحر أيضا عن المؤيد بالله، والراجح أن الأصل الحل حتى ~~يقوم دليل ناهض ينقل عنه أو يتقرر أنه مستخبث في غالب الطباع، ويؤيد القول ~~بالحل ما أخرجه أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال: صحبت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما وهذا يؤيد الأصل، وإن كان عدم ~~السماع لا يستلزم عدم ورود دليل ولكن قال البيهقي: إن إسناده غير قوي. # وقال النسائي: ينبغي أن يكون ملقام بن التلب ليس بالمشهور، قال ابن ~~رسلان: إن حشرات الأرض كالضب والقنفذ واليربوع وما أشبهها وأطال في ذلك. # باب ما جاء في الضب عن ابن عباس عن خالد بن الوليد: أنه أخبره أنه دخل مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ميمونة وهي خالته وخالة ابن عباس ~~فوجد عندها ضبا محنوذا قدمت به أختها حفيدة بنت الحرث من نجد، فقدمت الضب ~~لرسول PageV08P286 # الله صلى الله عليه وآله وسلم فأهوى بيده إلى الضب، فقالت امرأة من ~~النسوة الحضور: # أخبرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما قدمتن له، قلن: هو الضب يا ~~رسول الله، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده فقال خالد بن ~~الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني ~~أعافه، قال خالد: # فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر فلم ينهني رواه ~~الجماعة إلا الترمذي. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~سئل عن الضب فقال: # لا آكله ولا أحرمه متفق عليه. وفي رواية عنه: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان معه ناس فيهم سعد فأتوا بلحم ضب فنادت امرأة من نسائه إنه ~~لحم ضب، فقال رسول الله صلى الله عليه ms3511 وآله وسلم: كلوا فإنه حلال ولكنه ليس ~~من طعامي رواه أحمد ومسلم. وعن جابر: # أن عمر بن الخطاب قال في الضب: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يحرمه ، وأن عمر قال: إن الله لينفع به غير واحد، وإنما طعام عامة الرعاء ~~منه، ولو كان عندي طعمته رواه مسلم وابن ماجة. وعن جابر قال: أتي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال: لا أدري لعله من ~~القرون التي مسخت. وعن أبي سعيد: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: إني في غائط مضبة وإنه عامة طعام أهلي، قال: فلم يجبه، فقلنا: ~~عاوده فعاوده فلم يجبه ثلاثا، ثم ناداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الثالثة فقال: يا أعرابي إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل ~~فمسخهم دواب يدبون في الأرض ولا أدري لعل هذا منها فلم آكلها ولا أنهى عنها ~~رواهما أحمد ومسلم. وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الممسوخ لا نسل ~~له، والظاهر أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي، وأن تردده في الضب كان قبل الوحي ~~بذلك. والحديث يرويه ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت ~~عنده القردة قال مسعر: وأراه قال: والخنازير مما مسخ، فقال: إن الله لم ~~يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. وفي رواية: أن ~~رجلا قال: يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ الله ؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن الله لم يهلك أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا روى ذلك ~~أحمد ومسلم . قوله: فوجد عندها ضبا هو دويبة تشبه الحرذون ولكنه أكبر منه ~~قليلا، PageV08P287 # ويقال للأنثى ضبة. قال ابن خالويه: إنه يعيش سبعمائة سنة، وإنه لا يشرب ~~الماء ويبول في كل أربعين يوما قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال: بل أسنانه ~~قطعة واحدة. قوله: # محنوذا بحاء مهملة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشويا ms3512 بالحجارة ~~المحماة، ووقع في رواية بضب مشوي. قوله: أختها حفيدة بمهملة مضمومة بعدها ~~فاء مصغرة. # قوله: لم يكن بأرض قومي قال ابن العربي: اعترض بعض الناس على هذه اللفظة ~~وقال: # إن الضباب موجودة بأرض الحجاز، فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو، ~~فإنه ليس بأرض الحجاز منها شئ وربما أنها حدثت بعد عصر النبوة، وكذا أنكر ~~ذلك ابن عبد البر ومن تبعه. قال الحافظ: ولا يحتاج إلى شئ من هذا، بل ~~المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم بأرض قومي قريش فقط يختص النفي بمكة ~~وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز. قوله: فأجدني ~~أعافه أي أكره أكله، يقال: عفت الشئ أعافه. قوله: فاجتررته بجيم وراءين ~~مهملتين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح المهذب بزاي قبل ~~الراء وقد غلطه النووي. قوله: لا آكله ولا أحرمه فيه جواز أكل الضب. قال ~~النووي: وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب ~~أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام ~~وما أظنه يصح عن أحد، فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله اه. قال ~~الحافظ قد نقله ابن المنذر عن علي رضي الله عنه فأين يكون الاجماع مع ~~مخالفته؟ ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم. وقال الطحاوي في معاني ~~الآثار: كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ابن الحسن: وقد ~~جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن أكل لحم الضب أخرجه أبو ~~داود من حديث عبد الرحمن بن شبل. قال الحافظ في الفتح: وإسناده حسن فإنه من ~~رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد ~~الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل. وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي، وهؤلاء ~~شاميون ثقات، ولا يغتر بقول الخطابي ليس إسناده بذاك. وقول ابن حزم فيه ~~ضعفاء ومجهولون. # وقول البيهقي تفرد ms3513 به إسماعيل بن عياش وليس بحجة. وقول ابن الجوزي لا ~~يصح. # ففي كل ذلك تساهل لا يخفى. فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند ~~البخاري PageV08P288 # وقد صحح الترمذي بعضها. وأخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والطحاوي ~~وسنده على شرط الشيخين من حديث عبد الرحمن بن حسنة: نزلنا أرضا كثيرة ~~الضباب الحديث وفيه: أنهم طبخوا منها فقال صلى الله عليه وآله وسلم: # إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب فأخشى أن تكون هذه فاكفؤها. ومثله حديث ~~أبي سعيد المذكور في الباب. قال في الفتح: والأحاديث وإن دلت على الحل ~~تصريحا وتلويحا نصا وتقريرا فالجمع بينها وبين الحديث المذكور حمل النهي ~~فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ. وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم ~~توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه. وحمل الاذن فيه على ثاني الحال لما علم أن ~~الممسوخ لا نسل له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه وأكل على ~~مائدته بإذنه فدل على الإباحة. وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، ~~وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره. وقد استدل على الكراهة بما أخرجه ~~الطحاوي عن عائشة أنه أهدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ضب فلم يأكله ~~فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها: أتعطينه ما لا تأكلين؟. ~~قال محمد بن الحسن: دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره. # وتعقبه الطحاوي باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى: * (ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) * البقرة: 267) ثم ساق الأحاديث الدالة على ~~كراهة التصدق بحشف التمر، وكحديث البراء كانوا يحبون الصدقة بأردأ تمرهم ~~فنزلت: * (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) * (البقرة: 267) قال: فلهذا المعنى ~~كره لعائشة أن تصدق بالضب لا لكونه حراما، وهذا يدل على أن الطحاوي فهم عن ~~محمد أن الكراهة فيه للتحريم. والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه. ~~وجنح بعضهم إلى التحريم. وقال: اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم ~~فرجحنا جانب التحريم، ودعوى التعذر ممنوعة بما تقدم. # قوله: في غائط ms3514 مضبة قال النووي: فيه لغتان مشهورتان إحداهما فتح الميم ~~والضاد، والثانية ضم الميم وكسر الضاد، والأول أشهر وأفصح، والمراد ذات ~~ضباب كثيرة، والغائط الأرض المطمئنة. قوله: يدبون بكسر الدال. قوله: ولا ~~أدري لعل هذا منها قال القرطبي: إنما كان ذلك ظنا منه قبل أن يوحى إليه أن ~~الله لم يجعل لمسخ نسلا، فلما أوحى إليه بذلك زال التظنن وعلم أن الضب ليس ~~مما مسخ كما في الحديث المذكور في الباب. ومن العجيب أن ابن العربي قال: إن ~~قولهم الممسوخ لا نسل له PageV08P289 # دعوى، فإنه أمر لا يعرف بالفعل وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر يعول ~~عليه، وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم، ثم قال: وعلى تقدير كون الضب ممسوخا ~~فذلك لا يقتضي تحريم أكله، لأن كونه آدميا قد زال حكمه ولم يبق له أثر ~~أصلا، وإنما كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاكل منه لما وقع عليه من ~~سخط الله، كما كره الشرب من مياه ثمود اه. ولا منافاة بين كونه صلى الله ~~عليه وآله وسلم عاف الضب وبين ما ثبت أنه كان لا يعيب الطعام، لأن عدم ~~العيب إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التقصير فيه، ~~وأما الذي خلق ذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعا. # باب ما جاء في الضبع والأرنب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة ~~قال: قلت لجابر الضبع أصيد هي؟ قال: # نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: # نعم رواه الخمسة وصححه الترمذي. ولفظ أبي داود عن جابر: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن الضبع فقال: هي صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده ~~المحرم. وعن أنس قال: أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدركتها ~~فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بوركها وفخذها فقبله رواه الجماعة. ولفظ أبي داود: صدت أرنبا فشويتها، ~~فبعث معي ms3515 أبو طلحة بعجزها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته ~~بها. وعن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأرنب قد شواها ومعها صنابها وأدمها فوضعها بين يديه فأمسك رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فلم يأكل وأمر أصحابه أن يأكلوا رواه أحمد والنسائي. ~~وعن محمد بن صفوان: أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأمره بأكلهما رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. # حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة أخرجه أيضا الشافعي والبيهقي ~~وصححه أيضا البخاري وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي، وأعله ابن عبد البر ~~PageV08P290 # بعبد الرحمن المذكور وهو وهم، فإنه وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه ~~أحد ثم إنه لم ينفرد به. وحديث أبي هريرة قال في الفتح: رجاله ثقات إلا أنه ~~اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافا كثيرا. وحديث محمد بن صفوان أخرجه أيضا ~~بقية أصحاب السنن وابن حبان والحاكم. قوله: الضبع هو الواحد الذكر، والأنثى ~~ضبعان ولا يقال ضبعة. ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرا وسنة أنثى، فيلقح في ~~حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة، وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني ~~آدم. قوله: # قال نعم فيه دليل على جواز أكل الضبع. وإليه ذهب الشافعي وأحمد، قال ~~الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ~~ولان العرب تستطيبه وتمدحه. # وذهب الجمهور إلى التحريم، واستدلوا بما تقدم في تحريم كل ذي ناب من ~~السباع. ويجاب بأن حديث الباب خاص، فيقدم على حديث كل ذي ناب، واستدلوا ~~أيضا بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الضبع فقال: أو يأكل الضبع أحد؟ وفي رواية: ومن يأكل ~~الضبع؟ فيجاب: بأن هذا الحديث ضعيف، لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية وهو ~~متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. # قال ابن رسلان: وقد قيل ms3516 إن الضبع ليس لها ناب، وسمعت من يذكر أن جميع ~~أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس، فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي اه. ~~قوله: ويجعل فيه كبش فيه دليل على أن الكبش مثل الضبع. وفيه أن المعتبر في ~~المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة، ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في ~~القيمة أو أقل أو أكثر. قوله: أنفجنا أرنبا بنون ثم فاء مفتوحة وجيم ساكنة ~~أي أثرنا. يقال: نفج الأرنب إذا ثار، وأنفجته أي أثرته من موضعه، ويقال: ~~الانتفاج الاقشعرار وارتفاع الشعر وانتفاشه. والأرنب دويبة معروفة تشبه ~~العناق لكن في رجليها طول بخلاف يديها، والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى. ~~قوله: بمر الظهران اسم موضع على مرحلة من مكة، والراء من قوله بمر مشددة. ~~قوله: فلغبوا بمعجمة وموحدة أي تعبوا وزنا ومعنى. قوله: صنابها بالصاد ~~المهملة بعدها نون. قال في القاموس: الصناب ككتاب اه. وهو صبغ يتخذ من ~~الخردل والزبيب ويؤتدم به، فعلى هذا عطف أدمها عليه للتفسير. ويمكن أن يكون ~~من عطف العام على الخاص. قوله: بوركها الورك بكسر الراء وبكسر الواو وسكون ~~الراء وهما وركان فوق الفخذين كالكتفين فوق العضدين كذا في المصباح. قوله: # وأمر أصحابه أن يأكلوا فيه دليل على جواز أكل الأرنب. قال في الفتح: وهو ~~قول PageV08P291 # العلماء كافة. إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو بن العاص من ~~الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء. واحتجوا ~~بحديث خزيمة بن جزء قال: قلت: # يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه، قلت: ولم يا ~~رسول الله؟ قال: نبئت أنها تدمى. قال الحافظ: وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه ~~دلالة على الكراهة، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: جئ بها ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أنها تحيض ~~أخرجه أبو داود، وله شاهد أيضا عند إسحاق بن راهويه في مسنده، وهذا إذا صح ms3517 ~~صلح للاحتجاج به على كراهة التنزيه لا على التحريم. # والمحكي عن عبد الله بن عمر والتحريم كما في شرح ابن رسلان للسنن. وحكى ~~الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها، وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة. وقد ~~حكي في البحر عن العترة الكراهة يعني كراهة التنزيه وهو القول الراجح. # باب ما جاء في الجلالة عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن شرب لبن الجلالة رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي. وفي ~~رواية: نهى عن ركوب الجلالة رواه أبو داود. وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل الجلالة وألبانها رواه الخمسة إلا النسائي. ~~وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الجلالة في الإبل ~~أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر الأهلية ~~وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها رواه أحمد والنسائي وأبو داود. # حديث ابن عباس أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه أيضا ~~ابن دقيق العيد ولفظه: وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها. وحديث ابن عمر حسنه ~~الترمذي. وقد اختلف في حديث ابن عمر على ابن أبي نجيح فقيل: عن مجاهد عنه، ~~وقيل: # عن مجاهد مرسلا، وقيل: عن مجاهد عن ابن عباس. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه ~~أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي. وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعا وفيه ~~النهي عن الجلالة PageV08P292 # وهي التي تأكل العذرة. قال في التلخيص: إسناده قوي. قوله: عن شرب لبن ~~الجلالة بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة وهي الحيوان الذي يأكل ~~العذرة، والجلة بفتح الجيم هي البعرة. وقال في القاموس: الجلة مثلثة البعر ~~أو البعرة اه. وتجمع على جلالات على لفظ الواحدة وجوال كدابة ودواب، يقال: ~~جلت الدابة الجلة وأجلتها فهي جالة وجلالة. وسواء في الجلالة البقر والغنم ~~والإبل وغيرها كالدجاج والإوز وغيرهما. وادعى ms3518 ابن حزم أنها لا تقع إلا على ~~ذات الأربع خاصة، ثم قيل: إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة، وإن كان ~~أكثر علفها الطاهر فليست جلالة، وجزم به النووي في تصحيح التنبيه. وقال في ~~الروضة تبعا للرافعي: الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة بل بالرائحة والنتن فإن ~~تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة. والنهي حقيقة في ~~التحريم. فأحاديث الباب ظاهرها تحريم أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وركوبها. ~~وقد ذهبت الشافعية إلى تحريم أكل الجلالة. وحكاه في البحر عن الثوري وأحمد ~~بن حنبل. وقيل: يكره فقط كما في اللحم المذكى إذا أنتن. قال الشيخ عز الدين ~~بن عبد السلام: لو غذى شاة عشر سنين بأكل حرام لم يحرم عليه أكلها ولا على ~~غيره. وهذا أحد احتمالي البغوي، وإذا قلنا بالتحريم أو الكراهة فإن علفت ~~طاهرا فطاب لحمها حل لأن علة النهي التغير وقد زالت. قال ابن رسلان: # ونقل الامام فيه الاتفاق، قال الخطابي: كرهه أحمد وأصحاب الرأي والشافعي ~~وقالوا: # لا تأكل حتى تحبس أياما. وفي حديث أن البقر تعلف أربعين يوما ثم يؤكل ~~لحمها . وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثا، ولم ير بأكلها بأسا مالك من دون ~~حبس اه. قال ابن رسلان في شرح السنن: وليس للحبس مدة مقدرة. وعن بعضهم في ~~الإبل والبقر أربعين يوما، وفي الغنم سبعة أيام، وفي الدجاج ثلاثة. واختاره ~~في المهذب والتحرير. قال الإمام المهدي في البحر: فإن لم تحبس وجب غسل ~~أمعائها ما لم يستحل ما فيه استحالة تامة. قوله: نهى عن ركوب الجلالة علة ~~النهي أن تعرق فتلوث ما عليها بعرقها وهذا ما لم تحبس، فإذا حبست جاز ~~ركوبها عند الجميع، كذا في شرح السنن. وقد اختلف في طهارة لبن الجلالة، ~~فالجمهور على الطهارة، لأن النجاسة تستحيل في باطنها فيطهر بالاستحالة ~~كالدم يستحيل في أعضاء الحيوانات لحما ويصير لبنا. PageV08P293 # باب ما استفيد تحريمه من الامر بقتله أو النهي عن قتله عن عائشة قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله ms3519 وسلم: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: ~~الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا رواه أحمد ومسلم وابن ~~ماجة والترمذي. وعن سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ~~بقتل الوزغ وسماه فويسقا رواه أحمد ومسلم. # وللبخاري منه الامر بقتله. وعن أم شريك: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر بقتل الوزغ متفق عليه، زاد البخاري قال: وكان ينفخ على إبراهيم ~~عليه السلام. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي ~~الثالثة دون ذلك رواه أحمد ومسلم ولابن ماجة والترمذي معناه. وعن ابن عباس ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة ~~والنحلة والهدهد والصرد رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن عبد الرحمن بن ~~عثمان قال: ذكر طبيب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دواء وذكر ~~الضفدع يجعل فيه فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع ~~رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن أبي لبابة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ينهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا ~~الطفيتين فإنهما اللذان يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء متفق عليه. ~~وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن لبيوتكم ~~عمارا فحرجوا عليهن ثلاثا فإن بدا لكم بعد ذلك شئ فاقتلوه رواه أحمد ومسلم ~~والترمذي. وفي لفظ لمسلم: ثلاثة أيام. # حديث أبو عباس قال الحافظ: رجاله رجال الصحيح. وقال البيهقي: هو أقوى ما ~~ورد في هذا الباب. ثم رواه من حديث سهل بن سعد وزاد فيه: والضفدع. وفيه عبد ~~المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف. وحديث عبد الرحمن بن عثمان أخرجه ~~أيضا الحاكم والبيهقي، قال البيهقي: ما ورد في النهي. وروى البيهقي من حديث ~~أبي هريرة النهي عن قتل ms3520 الصرد والضفدع والنمل والهدهد، وفي إسناده ~~PageV08P294 # إبراهيم بن الفضل وهو متروك. وروى البيهقي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو ~~بن العاص موقوفا: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش ~~فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم. قال ~~البيهقي: إسناده صحيح. قال الحافظ: وإن كان إسناده صحيحا لكن عبد الله بن ~~عمرو كان يأخذ عن الإسرائيليات. ومن جملة ما نهى عن قتله الخطاف. أخرج أبو ~~داود في المراسيل من طريق عباد بن إسحاق عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن قتل الخطاطيف. ورواه البيهقي معضلا أيضا من طريق ~~ابن أبي الحويرث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورواه ابن حبان في ~~الضعفاء من حديث ابن عباس وفيه الامر بقتل العنكبوت. وفيه عمرو بن جميع وهو ~~كذاب. وقال البيهقي: روى فيه حديث مسند وفيه حمزة النصيبي وكان يرمى ~~بالوضع. ومن ذلك الرخمة أخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل الرخمة. وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف ~~جدا. ومن ذلك العصفور، أخرج الشافعي وأبو داود والحاكم من حديث عبد الله بن ~~عمر وقال صحيح الاسناد مرفوعا: ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير ~~حقها إلا سأل الله عنها، قال: يا رسول الله ومحقها؟ قال: يذبحها ويأكلها ~~ولا يقطع رأسها ويطرحها وأعله ابن القطان بصهيب مولى ابن عباس الراوي عن ~~عبد الله فقال: لا يعرف حاله. ورواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن حبان عن ~~عمرو بن الشريد عن أبيه مرفوعا: من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم ~~القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة. قوله: خمس ~~فواسق إلخ، هذا الحديث قد تقدم الكلام عليه في كتاب الحج. قوله: أمر بقتل ~~الوزغ قال أهل اللغة: هي من الحشرات المؤذيات وجمعه أوزاغ وسام أبرص جنس ~~منه وهو كباره، وتسميته فويسقا كتسمية الخمس فواسق، وأصل الفسق ms3521 الخروج ~~والوزغ والخمس المذكورة خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضر ~~والأذى. قوله: # وكان ينفخ على إبراهيم أي في النار وذلك لما جبل عليه طبعها من عداوة نوع ~~الانسان. قوله: في أول ضربة كتب له مائة حسنة في رواية أخرى: سبعون. # قال النووي: مفهوم العدد لا يعمل به عند جمهور الأصوليين، فذكر سبعين لا ~~يمنع المائة فلا معارضة بينهما، ويحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر ~~بالسبعين ثم تصدق PageV08P295 # الله بالزيادة إلى المائة، فأعلم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~أوحي إليه بعد ذلك. ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف قاتل الوزغ بحسب نياتهم ~~وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها، لتكون المائة للكامل منهم والسبعون لغيره. ~~وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها، فالمقصود به الحث ~~على المبادرة بقتله والاعتناء به وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة، ~~فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله. قوله: والصرد هو طائر ~~فوق العصفور. وأجاز مالك أكله. وقال ابن العربي: إنما نهى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن قتله، لان العرب كانت تشاءم به، فنهى عن قتله ليزول ما ~~في قلوبهم من اعتقاد التشاؤم. وفي قول للشافعي مثل مالك، لأنه أوجب فيه ~~الجزاء على المحرم إذا قتله. وأما النمل فلعله إجماع على المنع من قتله. ~~قال الخطابي: إن النهي الوارد في قتل النمل المراد به السليماني أي لانتفاء ~~الأذى منه دون الصغير، وكذا في شرح السنة. وأما النحلة فقد روي إباحة أكلها ~~عن بعض السلف. وأما الهدهد فقد روي أيضا حل أكله وهو مأخوذ من قول الشافعي ~~أنه يلزم في قتله الفدية. قوله: فنهى عن قتل الضفدع فيه دليل على تحريم ~~أكلها بعد تسليم أن النهي عن القتل يستلزم تحريم الاكل. قال في القاموس: ~~الضفدع كزبرج وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود دابة نهرية. قوله: ينهى عن قتل ~~الجنان هو بجيم مكسورة ونون مشددة وهي الحيات جمع جان وهي الحية الصغيرة. ~~وقيل: الدقيقة الخفيفة. ms3522 وقيل: الدقيقة البيضاء. # قوله: إلا الأبتر هو قصير الذنب. وقال النضر بن شميل: هو صنف من الحيات ~~أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها. وهو المراد من ~~قوله: # يتبعان ما في بطون النساء أي يسقطان. قوله: وذا الطفيتين هو بضم الطاء ~~المهملة وإسكان الفاء وهما الخطان الأبيضان على ظهر الحية، وأصل الطفية ~~خوصة المقل وجمعها طفي شبه الخطين على ظهرها بخوصتي المقل. قوله: يخطفان ~~البصر أي يطمسانه بمجرد نظرهما إليه لخاصية جعلها الله تعالى في بصرهما إذا ~~وقع على بصر الانسان. قال النووي قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر ~~إذا وقع بصره على عين إنسان مات من ساعته. قوله: فحرجوا عليهن ثلاثا بحاء ~~مهملة ثم راء مشددة ثم جيم والمراد به الانذار. قال المازري والقاضي: لا ~~تقتلوا حياة مدينة النبي صلى الله PageV08P296 # عليه وآله وسلم إلا بإنذار كما جاء في هذه الأحاديث، فإذا أنذرها ولم ~~تنصرف قتلها. وأما حياة غير المدينة في جميع الأرض والبيوت والدور فيندب ~~قتلها من غير إنذار لعموم الأحاديث الصحيحة في الامر بقتلها، ففي الصحيح ~~بلفظ: اقتلوا الحيات ومن ذلك حديث الخمس الفواسق المذكورة في أول الباب. ~~وفي حديث الحية الخارجة بمنى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتلها ~~ولم يذكر إنذارا ولا نقل أنهم أنذروها، فأخذ بهذه الأحاديث في استحباب قتل ~~الحيات مطلقا، وخصت المدينة بالانذار للحديث الوارد فيها، وسببه ما صرح به ~~في صحيح مسلم وغيره أنه أسلم طائفة من الجن بها، وذهبت طائفة من العلماء ~~إلى عموم النهي في حياة البيوت بكل بلد حتى تنذر. وأما ما ليس في البيوت ~~فيقتل من غير إنذار، قال مالك: يقتل ما وجد منها في المساجد. قال القاضي ~~وقال بعض العلماء: الامر بقتل الحيات مطلقا مخصوص بالنهي عن حياة البيوت ~~إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنه يقتل على كل حال، سواء كان في البيوت أم ~~غيرها، وإلا ما ظهر منها بعد الانذار. قالوا: ويخص من النهي عن قتل حياة ~~البيوت ms3523 الأبتر وذو الطفيتين اه. وهذا هو الذي يقتضيه العمل الأصولي في مثل ~~أحاديث الباب فالمصير إليه أرجح. وأما صفة الاستئذان فقال القاضي: روى ابن ~~حبيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقول: أنشدكن بالعهد الذي أخذ ~~عليكن سليمان بن داود أن تؤذننا وأن تظهرن لنا وقال مالك: يكفيه أن يقول: # أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن تبدو لنا ولا تؤذننا، ولعل مالكا أخذ ~~لفظ التحريج من لفظ الحديث المذكور. وتبويب المصنف في هذا الباب فيه إشارة ~~إلى أن الامر بالقتل والنهي عنه من أصول التحريم. قال المهدي في البحر: ~~أصول التحريم إما نص الكتاب أو السنة أو الامر بقتله كالخمسة وما ضر من ~~غيرها فمقيس عليها، أو النهي عن قتله كالهدهد والخطاف والنحلة والنملة ~~والصرد، أو استخباث العرب إياه كالخنفساء والضفدع والعظاية والوزغ والحرباء ~~والجعلان وكالذباب والبعوض والزنبور والقمل والكتان والنامس والبق والبرغوث ~~لقوله تعالى: * (يحزم عليهم الخبائث) * (الأعراف: 157) وهي مستخبثة عندهم، ~~والقرآن نزل بلغتهم، فكان استخباثهم طريق تحريم، فإن استخبثه البعض اعتبر ~~الأكثر، والعبرة باستطابة أهل السعة لا ذوي الفاقة اه. والحاصل أن الآيات ~~القرآنية والأحاديث الصحيحة المذكورة في PageV08P297 # أول الكتاب وغيرها قد دلت على أن الأصل الحل، وأن التحريم لا يثبت إلا ~~إذا ثبت الناقل عن الأصل المعلوم وهو أحد الأمور المذكورة، فلما لم يرد فيه ~~ناقل صحيح فالحكم بحله هو الحق كائنا ما كان، وكذلك إذا حصل التردد ~~فالمتوجه الحكم بالحل، لأن الناقل غير موجود مع التردد، ومما يؤيد أصالة ~~الحل بالأدلة الخاصة استصحاب البراءة الأصلية. # قد تم بعون الباري تعالى وحوله طبع الجزء الثامن من نيل الأوطار شرح ~~منتقى الاخبار من أحاديث سيد الأخيار للعلامة الشوكاني ويتلوه إن شاء الله ~~تعالى الجزء التاسع وأوله (أبواب الصيد) وبه يتم الكتاب إن شاء الله تعالى ~~عنه وكرمه PageV08P298 # نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الاخبار للشيخ الامام ~~المجتهد العلامة الرباني قاضى قضاة القطر اليماني محمد بن علي ابن محمد ~~الشوكاني المتوفى سنة 1255 ه‍ الجزء ms3524 التاسع - 1973 دار الجيل بيروت - لبنان ~~ص، ب - 8747 PageV09P001 # بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الصيد باب ما يجوز فيه اقتناء الكلب وقتل ~~الكلب الأسود البهيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط رواه الجماعة. وعن سفيان بن أبي زهير قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله ~~كل يوم قيراط متفق عليه. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية رواه مسلم والنسائي وابن ~~ماجة والترمذي وصححه. وعن عبد الله بن المغفل قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها: فاقتلوا منها ~~الأسود البهيم رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعن جابر قال: أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بقتل كل الكلاب حتى أن المرأة تقدم من البادية ~~بكلبها فنقتله، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتلها وقال: ~~عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان رواه أحمد ومسلم. # قوله: أو زرع زيادة الزرع أنكرها ابن عمر كما في صحيح مسلم أنه قيل لابن ~~عمر: إن أبا هريرة يقول أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعا، ~~ويقال إن ابن عمر أراد بذلك أن سبب حفظ أبي هريرة لهذه الرواية أنه صاحب ~~زرع دونه، ومن كان مشتغلا بشئ احتاج إلى تعرف أحكامه، وهذا هو الذي ينبغي ~~PageV09P002 # حمل الكلام عليه. وفي صحيح مسلم أيضا قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو ~~كلب حرث وكان صاحب حرث. وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن أبي ~~زهير وعبد الله بن المغفل: قوله: أو ماشية أو للتنويع لا للترديد وهو ما ~~يتخذ من الكلاب لحفظ الماشية عند رعيها. والمراد بقوله: ولا ms3525 ضرعا الماشية ~~أيضا. قوله: # وقال عليكم بالأسود البهيم أي الخالص السواد، والنقطتان هما الكائنتان ~~فوق العينين. قال ابن عبد البر: في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد ~~والماشية وكذلك للزرع لأنها زيادة حافظ، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه ~~يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا، ~~فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول ~~الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه. والمراد بقوله: نقص من عمله أي من أجر ~~عمله. وقد استدل بهذا على جواز اتخاذها لغير ما ذكر، وأنه ليس بمحرم، لأن ~~ما كان اتخاذه محرما امتنع اتخاذه على كل حال سواء نقص الاجر أم لا. فدل ~~ذلك على أن اتخاذها مكروه ولا حرام. قال ابن عبد البر أيضا: ووجه الحديث ~~عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعا لا يكاد يقوم ~~بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك. ~~وروي أن المنصور بالله سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه، فقال ~~المنصور: لأنه ينبح الضيف ويروع السائل اه. قال في الفتح: وما ادعاه من عدم ~~التحريم واستدل له بما ذكره ليس بلازم، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم ~~التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ كلبا، ~~ويحتمل أن يكون الاتخاذ حراما، والمراد بالنقص إذا الاثم الحاصل باتخاذه ~~يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر، فينتقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما ~~يترتب عليه من الاثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان. وقيل: سبب النقصان ~~امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها ~~شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها ~~فربما ينجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر. وقال ~~ابن التين: المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملا، فإذا اقتناه نقص من ~~ذلك العمل، ولا يجوز أن ms3526 ينقص من عمل مضى، وإنما أراد أنه ليس في الكمال ~~PageV09P003 # كعمل من لم يتخذ اه. قال في الفتح: وما ادعاه من عدم الجواز منازع فيه. ~~فقد حكى الروياني في البحر اختلافا في الاجر هل ينقص من العمل الماضي أو ~~المستقبل؟ # وفي محل نقصان القيراطين خلاف. فقيل: من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل ~~آخر. وقيل: من الفرض قيراط ومن النفل آخر. واختلفوا في اختلاف الروايتين في ~~القيراطين كما في صحيح البخاري والقيراط كما في أحاديث الباب. فقيل: الحكم ~~للزائد لكونه حفظ ما لم يحفظ الآخر، أو أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر ~~أولا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانيا بنقص قيراطين ~~زيادة في التأكيد والتنفير من ذلك فسمع الراوي الثاني. وقيل: ينزل على ~~حالين، فنقص القيراطين باعتبار كثرة الاضرار باتخاذها، ونقص القيراط ~~باعتبار قلته. وقيل: يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة ~~والقيراط بما عداها. وقيل غير ذلك واختلف في القيراطين المذكورين هنا هل ~~هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة واتباعها فقيل بالتسوية. ~~وقيل: اللذان في الجنازة من باب الفضل، واللذان هنا من باب العقوبة، وباب ~~الفضل أوسع من غيره، والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلب لحفظ الدروب ~~إلحاقا للمنصوص بما في معناه كما أشار إليه ابن عبد البر، واتفقوا على أن ~~المأذون في اتخاذه ما لم يحصل الاتفاق على قتله وهو الكلب العقور. وأما غير ~~العقور فقد اختلف هل يجوز قتله مطلقا أم لا؟ # واستدل (بأحاديث الباب) على طهارة الكلب المأذون باتخاذه، لأن في ملابسته ~~مع الاحتراز عنه مشقة شديدة، فالاذن باتخاذه إذن بمكملات مقصوده، كما أن ~~المنع من اتخاذه مناسب للمنع منه، وهو استدلال قوي كما قال الحافظ لا ~~يعارضه إلا عموم الخبر في الامر بغسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل، ~~وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوغه الدليل. # باب ما جاء في صيد الكلب المعلم والبازي ونحوهما عن أبي ثعلبة الخشني ~~قال: قلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد ms3527 بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ~~ليس بمعلم فما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك PageV09P004 # فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، ~~وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل. وعن عدي بن حاتم قال قلت: يا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي ~~وأذكر اسم الله، قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما ~~أمسك عليك، قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها، قلت ~~له: فإني أرم بالمعراض الصيد فأصيد، قال: إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن ~~أصابه بعرضه فلا تأكله. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، ~~وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاة متفق عليهن. وهو ~~دليل على الإباحة، سواء قتله الكلب جرحا أو خنقا. وعن عدي بن حاتم: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما علمت من كلب أو باز ثم ~~أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل ~~ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك رواه أحمد وأبو داود. # حديث عدي بن حاتم الآخر أخرجه أيضا البيهقي وهو من رواية مجالد عن الشعبي ~~عنه، قال البيهقي: تفرد مجالد بذكر الباز فيه وخالف الحفاظ. قوله: # ما صدت بقوسك سيأتي الكلام على الصيد بالقوس. قوله: وما صدت بكلبك المعلم ~~المراد بالمعلم الذي إذا أغراه صاحبه على الصيد طلبه، وإذا زجره انزجر، ~~وإذا أخذ الصيد حبسه على صاحبه، وفي اشتراط الثالث خلاف. واختلف متى يعلم ~~ذلك منها؟ فقال البغوي في التهذيب: أقله ثلاث مرات. وعن أبي حنيفة وأحمد ~~يكفي مرتين. وقال الرافعي: لا تقدير لاضطراب العرف واختلاف طباع الجوارح ~~فصار المرجع إلى العرف. قوله: فذكرت اسم الله عليه فيه اشتراط التسمية ~~وسيأتي الكلام عليه. (وأحاديث الباب) تدل ms3528 على إباحة الصيد بالكلاب المعلمة، ~~وإليه ذهب الجمهور من غير تقييد، واستثنى أحمد وإسحاق الأسود وقالا: لا يحل ~~الصيد به لأنه شيطان. ونقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك. قوله: # فكل ما أمسك عليك فيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة في ~~الأحاديث وهو مجمع عليه. قوله: ما لم يشركها كلب ليس معها فيه دليل على أنه ~~لا يحل PageV09P005 # أكل ما يشاركه كلب آخر في اصطياده، ومحله ما إذا استرسل بنفسه أو أرسله ~~من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل ثم ينظر، ~~فإن كان إرسالهما معا فهو لهما وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله: ~~فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فإنه يفهم منه أن المرسل لو سمى على ~~الكلب لحل ووقع في رواية بيان عن الشعبي: وإن خالطها كلاب من غيرها فلا ~~تأكل فيؤخذ منه أنه لو وجده حيا وفيه حياة مستقرة فذكاه حل، لأن الاعتماد ~~في الإباحة على التذكية لا على إمساك الكلب، ويؤيده ما في حديث الباب: وما ~~صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل. قوله: بالمعراض بكسر الميم وسكون ~~المهملة وآخره معجمة. قال الخليل وتبعه جماعة: هو سهم لا ريش له ولا نصل. ~~وقال ابن دريد وتبعه ابن سيده: هو سهم طويل له أربع قذذ رقاق فإذا رمي به ~~اعترض. وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل: عود رقيق ~~الطرفين غليظ الوسط، وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها وقد لا يحدد، ~~وقوى هذا الأخير النووي تبعا لعياض. وقال القرطبي: إنه المشهور، وقال ابن ~~التين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد فما أصاب بحده فهو ذكي ~~فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ. قوله: فخزق بفتح الخاء المعجمة والزاي ~~بعدها قاف أي نفذ، يقال: سهم خازق أي نافذ، ويقال بالسين المهملة بدل ~~الزاي، وقيل: الخزق بالزاي وقد تبدل سينا الخدش. قال في الفتح: # وحاصله أن السهم وما في معناه إذا ms3529 أصاب الصيد حل وكانت تلك ذكاته، وإذا ~~أصاب بعرضه لم يحل لأنه في معنى الخشبة الثقيلة أو الحجر ونحو ذلك من ~~المثقل. قوله : بعرضه بفتح العين المهملة أي بغير طرفه المحدد، وهو حجة ~~للجمهور في التفصيل المذكور. # وعن الأوزاعي وغيره من فقهاء الشام يحل مطلقا، وسيأتي لهذا زيادة بسط إن ~~شاء الله. قوله: ولم يأكل منه فيه دليل على تحريم ما أكل منه الكلب من ~~الصيد ولو كان الكلب معلما، وقد علل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على ~~نفسه، وهذا قول الجمهور، وقال مالك: وهو قول الشافعي في القديم، ونقل عن ~~بعض الصحابة أنه يحل. واحتجوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده: أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة ~~فأفتني في صيدها، فقال: كل مما أمسك عليك وإن أكل منه أخرجه أبو داود. قال ~~الحافظ: ولا بأس بإسناده، PageV09P006 # وسيأتي هذا الحديث في الباب الذي بعد هذا. قال: وسلك الناس في الجمع بين ~~الحديثين طرفا منها للقائلين بالتحريم. الأولى: حمل حديث الاعرابي على ما ~~إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه. والثانية: الترجيح. فرواية عدي في ~~الصحيحين ورواية الاعرابي في غير الصحيحين ومختلف في تضعيفها، وأيضا فرواية ~~عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الامساك على نفسه، ~~متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم ، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا ~~إلى الأصل ولظاهر القرآن أيضا وهو قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * ~~(المائدة: 4) فإن مقتضاها أن الذي تمسكه من غير إرسال لا يباح، ويتقوى أيضا ~~بالشواهد من حديث ابن عباس عند أحمد: إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل ~~فإنما أمسك على نفسه، فإذا أرسلته فقتله ولم يأكل فكل فإنما أمسك على صاحبه ~~وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع نحوه ~~بمعناه، ولو كان مجرد الامساك كافيا لما احتيج إلى زيادة عليكم في الآية. ~~وأما القائلون بالإباحة فحملوا حديث ms3530 عدي على كراهة التنزيه وحديث الاعرابي ~~على بيان الجواز. قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديا كان موسرا فاختير له ~~الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة فإنه كان بعكسه، ولا يخفى ضعف هذا ~~التمسك مع التصريح بالتعليل في الحديث لخوف الامساك على نفسه. وقال ابن ~~التين: قال بعض أصحابنا هو عام، فيحمل على الذي أدركه ميتا من شدة العدو أو ~~من الصدمة فأكل منه لأنه صار على صفة لا يتعلق بها الارسال والامساك على ~~صاحبه. قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: فإن أكل فلا تأكل: أن لا يوجد منه ~~غير الاكل دون إرسال الصائد له، وتكون هذه الجملة مقطوعة عما قبلها، ولا ~~يخفى تعسف هذا وبعده وقال ابن القصار: مجرد إرسالنا الكلب إمساك علينا، لأن ~~الكلب لا نية له وإنما يتصيد بالتعليم، فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا ~~أو على نفسه واختلف الحكم في ذلك وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية وهو ~~مرسله، فإذا أرسله فقد أمسك عليه، وإذا لم يرسله فلم يمسك عليه. كذا قال. ~~ولا يخفى بعده ومصادمته لسياق الحديث. وقد قال الجمهور: إن معنى قوله: # أمسكن عليكم صدن لكم، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه ~~لا لصاحبه فلا يعدل عن ذلك. وقد وقع في رواية لابن أبي شيبة: إن شرب من دمه ~~فلا تأكل فإنه لم يعلم ما علمته، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرع في أكله دل ~~على أنه ليس يعلم التعليم المشترط، وسلك PageV09P007 # بعض المالكية الترجيح فقال: هذه القطعة ذكرها الشعبي ولم يذكرها همام، ~~وعارضها حديث الاعرابي المعروف بأبي ثعلبة. قال الحافظ: وهذا ترجيح مردود ~~لما تقدم وتمسك بعضهم بأن الاجماع على جواز أكله إذا أخذه الكلب بفيه وهم ~~بأكله فأدركه قبل أن يأكل منه يدل على أنه يحل ما أكل منه، لأن تناوله بفيه ~~وشروعه في أكله مثل الاكل، في أن كل واحد منهما يدل على أنه إنما أمسكه على ~~نفسه. # قوله: فإن أخذ الكلب ذكاة فيه دليل ms3531 على أن إمساك الكلب للصيد بمنزلة ~~التذكية إذا لم يدركه الصائد إلا بعد الموت، لا إذا أدركه قبل الموت، ~~فالتذكية واجبة لقوله في الحديث: فإن أدركته حيا فاذبحه. قوله: فكل ما أمسك ~~عليك استدل به على أنه لو أرسل كلبه على صيد فاصطاد غيره حل للعموم الذي في ~~قوله: # ما أمسك عليك وهذا قول الجمهور. وقال مالك: لا يحل وهو رواية البويطي عن ~~الشافعي. # باب ما جاء فيما إذا أكل الكلب من الصيد عن عدي بن حاتم عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما ~~أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على ~~نفسه متفق عليه. وعن إبراهيم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه، ~~فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل فإنما أمسكه على صاحبه رواه أحمد. وعن أبي ~~ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صيد الكلب: إذا أرسلت ~~كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك رواه أبو داود. ~~وعن عبد الله بن عمرو: أن أبا ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله إن لي كلابا ~~مكلبة فأفتني في صيدها قال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك، ~~فقال: يا رسول الله ذكي وغير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي. قال: وإن أكل منه؟ ~~قال: وإن أكل منه، قال: يا رسول الله أفتني في قوسي، قال: كل مما أمسك عليك ~~قوسك، قال: ذكي وغير PageV09P008 # ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي، قال: فإن تغيب عني، قال: وإن تغيب عنك ما لم يصل ~~يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك رواه أحمد وأبو داود. # حديث ابن عباس قد تقدم في الباب الذي قبل هذا ذكر طرقه وما يشهد له. ~~وحديث أبي ثعلبة الأول قد تقدم أن الحافظ قال: ms3532 لا بأس بإسناده انتهى. وفي ~~إسناده داود بن عمرو الأودي الدمشقي عامل واسط، قال أحمد بن عبد الله ~~العجلي ليس بالقوي وقال أبو زرعة الرازي: هو شيخ. وقال يحيى بن معين: ثقة. ~~وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأسا. قال ابن ~~كثير: وقد طعن في حديث أبي ثعلبة وأجيب بأنه صحيح لا شك فيه، على أنه قد ~~روى الثوري عن سماك بن حرب عن عدي عنه صلى الله عليه وآله وسلم مثل حديث ~~أبي ثعلبة: إذا كان الكلب ضاريا وروى عبد الملك بن حبيب: حدثنا أسد بن موسى ~~عم أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بمثله: فوجب حمل حديث عدي يعني على نحو ما ~~تقدم في الباب الأول، وحديث أبي ثعلبة الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة ~~وأعله البيهقي، وقد تقدم الكلام على حديث ابن عمر وابن شعيب عن أبيه عن ~~جده. قوله: # إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل قد تقدم البحث عن هذا وما عارضه من حديث أبي ~~ثعلبة المذكور مبسوطا في الباب الذي قبل هذا فليرجع إليه. قوله: وكل ما ردت ~~عليك يدك أي كل ما صدته بيدك لا بشئ من الجوارح ونحوها. # قوله: كلابا مكلبة يحتمل أن يكون مشتقا من الكلب بسكون اللام اسم العين، ~~فيكون حجة لمن خص ما صاده الكلب بالحل إذا وجد ميتا دون ما عداه من ~~الجوارح، كما قيل في قوله تعالى: * (مكلبين) * (المائدة: 4) ويحتمل أن يكون ~~مشتقا من الكلب بفتح العين وهو مصدر بمعنى التكليب وهو التضرية، ويقوي هذا ~~عموم قوله * (من الجوارح مكلبين) *، فإن الجوارح المراد بها الكواسب على ~~أهلها وهو عام. قوله: ذكي وغير ذكي فيه دليل على أنه يحل ما وجد ميتا من ~~صيد الكلاب المعلمة وهو مجمع عليه فيما عدا الكلب الأسود كما تقدم. واختلف ~~العلماء فيما عداه من السباع كالفهد والنمر وغيرهما وكذلك الطيور، فذهب ~~مالك إلى أنها مثل الكلاب، وحكاه ابن شعبان عن فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ~~ابن عباس. ms3533 وقال جماعة ومنهم مجاهد: لا يحل ما صادوه غير الكلب إلا بشرط ~~إدراك ذكاته. وبعضهم خص البازي بحل PageV09P009 # ما قتله لحديث ابن عباس المتقدم في الباب الأول. قوله: وإن تغيب عنك ~~سيأتي الكلام عليه. قوله: ما لم يصل بفتح حرف المضارعة وكسر الصاد المهملة ~~وتشديد اللام أي يتغير. قوله: أو تجد فيه أثر غير سهمك سيأتي أيضا الكلام ~~عليه إن شاء الله تعالى. # باب وجوب التسمية عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي ~~وأسمي، قال: # إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل، وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على ~~نفسه، قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبا آخر لا أدري أيهما أخذه، قال: فلا ~~تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره. وفي رواية: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن وجدت مع كلبك ~~كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله متفق عليهما، وهو دليل ~~على أنه إذا أوحاه أحدهما وعلم بعينه فالحكم له لأنه قد علم أنه قاتله . ~~قوله: وسميت استدل به على مشروعية التسمية وهو مجمع على ذلك، إنما الخلاف ~~في كونها شرطا في حل الاكل، فذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإليه ذهبت ~~القاسمية والناصر والثوري والحسن بن صالح إلى أنها شرط. وذهب ابن عباس وأبو ~~هريرة وطاوس والشافعي وهو مروي عن مالك وأحمد إلى أنها سنة، فمن تركها ~~عندهم عمدا أو سهوا لم يقدح في حل الاكل. ومن أدلة القائلين بأن التسمية ~~شرط قوله تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (الانعام: ~~121) فهذه الآية فيها النهي عن أكل ما لم يسم عليه. وفي حديث الباب إيقاف ~~الاذن في الاكل عليها، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول ~~بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف، ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم ~~الميتة، وما أذن فيه منها تراعى صفته، فالمسمى عليها وافق الوصف، وغير ~~المسمى باق على أصل ms3534 التحريم. واختلقوا إذا تركها ناسيا، فعند أبي حنيفة ~~ومالك والثوري وجماهير العلماء، ومنهم القاسمية والناصر أن الشرطية إنما هي ~~في حق الذاكر، فيجوز أكل ما تركت التسمية عليه سهوا لا عمدا. وذهب داود ~~والشعبي وهو مروي عن مالك PageV09P010 # وأبي ثور أنها شرط مطلقا لأن الأدلة لم تفصل واختلف الأولون في العمد هل ~~يحرم الصيد ونحوه أم يكره؟ فعند الحنفية يحرم. وعند الشافعية في العمد ~~ثلاثة أوجه أصحها يكره الاكل. وقيل: خلاف الأولى وقيل: يأثم بالترك ولا ~~يحرم الاكل. والمشهور عن أحمد التفرقة بين الصيد والذبيحة، فذهب في الذبيحة ~~إلى هذا القول الثالث. وحجة القائلين بعدم وجوب التسمية مطلقا ما سيأتي في ~~باب الذبح إن شاء الله تعالى. قوله: فإن وجدت مع كلبك الخ، فيه دليل على أن ~~من وجد الصيد ميتا ومع كلبه كلب آخر وحصل اللبس عليه أيهما القاتل له أنه ~~لا يحل الصيد لأنه لم يسم إلا على كلبه، بخلاف ما لو وجده حيا فإنه يذكيه ~~ويحل أكله بالتذكية. وسيأتي الخلاف في الصيد إذا غاب، وسبب الاختلاف حصول ~~اللبس المذكور هنا. قوله: على أنه أوحاه بالحاء المهملة بمعنى أنهاه إلى ~~حركة المذبوح وليس لأوجاه بالجيم هنا معنى. # باب الصيد بالقوس وحكم الرمية إذا غابت أو وقعت في ماء عن عدي قال: قلت: ~~يا رسول الله إنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: يحل لكم ما ذكيتم وما ذكرتم ~~اسم الله عليه وخزقتكم فكلوا منه رواه أحمد، وهو دليل على أن ما قتله السهم ~~بثقله لا يحل. وعن أبي ثعلبة الخشني: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا رميت سهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الصيد قال: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد ~~قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك متفق ~~عليه، ms3535 وهو دليل على أن السهم إذا أوحاه أبيح لأنه قد علم أن سهمه قتله. وعن ~~عدي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم ~~أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل رواه أحمد ~~والبخاري. وفي رواية: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم ~~تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل رواه ~~مسلم والنسائي. وفي رواية أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنا نرمي ~~الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتا وفيه سهمه، قال: يأكل إن ~~شاء رواه البخاري. وفي رواية قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قلت: إن أرضنا أرض صيد فيرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه PageV09P011 # ليلة أو ليلتين فيجده وفيه سهمه، قال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر ~~غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله رواه أحمد والنسائي. وفي رواية قال قلت: يا ~~رسول الله أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد، قال: إذا علمت أن سهمك قتله ~~ولم تر فيه أثر سبع فكل رواه الترمذي وصححه. # حديث عدي الأول له طرق هذه أحدها وقد تقدم بعضها والرواية الأخرى من حديث ~~عدي أخرجها أيضا أبو داود. قوله: يحل لكم ما ذكيتم وما ذكرتم اسم الله عليه ~~فيه دليل على أن التسمية واجبة لتعليق الحل عليها، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ~~وسيأتي له مزيد. قوله: فكله ما لم ينتن جعل للغاية أن ينتن الصيد، فلو وجده ~~في دونها مثلا بعد ثلاث ولم ينتن حل، فلو وجده دونه وقد أنتن فلا، هذا ظاهر ~~الحديث. وأجاب النووي بأن النهي عن أكله إذا أنتن للتنزيه، وظاهر الحديث ~~التحريم، ولكنه سيأتي في باب ما جاء في السمك أن الحبيش أكلوا من الحوت ~~التي ألقاها البحر نصف شهر، وأهدوا عند قدومهم للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم منه فأكله، واللحم لا يبقى في الغالب ms3536 مثل هذه المدة بلا نتن لا سيما ~~في الحجاز مع شدة الحر، فلعل هذا الحديث هو الذي استدل به النووي على كراهة ~~التنزيه، ولكنه يحتمل أن يكونوا ملحوه وقددوه فلم يدخله النتن. وقد حرمت ~~المالكية المنتن مطلقا وهو الظاهر. # قوله: إلا أن تجده قد وقع في ماء وجهه أنه يحصل حينئذ التردد هل قتله ~~السهم أو الغرق في الماء؟ فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء ~~إلا بعد أن قتله السهم حل أكله. قال النووي في شرح مسلم: إذ وجد الصيد في ~~الماء غريقا حرم بالاتفاق انتهى. وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته ~~الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها كقطع الحلقوم مثلا ~~فقد تمت ذكاته، ويؤيده ما قاله بعد ذلك: فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك ~~فدل على أنه إذا علم أن سهمه هو الذي قتله أنه يحل. قوله: إذا أوحاه قد ~~تقدم ضبطه وتفسيره في الباب الذي قبل هذا. قوله: # ليس به إلا أثر سهمك مفهومه أنه إن وجد فيه أثر غير سهمه لا يؤكل، وهو ~~نظير ما تقدم في الكلب من التفصيل فيما إذا خالط الكلب الذي أرسله الصائد ~~كلب آخر، لكن التفصيل في مسألة الكلب فيما إذا شارك الكلب في قتله كلب آخر، ~~وهنا الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام ~~آخر، أو PageV09P012 # غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد، وقد جاءت فيه زيادة ~~كما في الرواية الآخرة في الباب بلفظ: ولم تر فيه أثر سبع قال الرافعي: ~~يؤخذ منه أنه لو جرحه ثم غاب ثم وجده ميتا أنه لا يحل وهو ظاهر نص الشافعي ~~في المختصر. # وقال النووي: الحل أصح دليلا. وحكى البيهقي في المعرفة عن الشافعي أنه ~~قال في قول ابن عباس: # كل ما أصميت ودع ما أنميت معنى ما أصميت ما قتله الكلب وأنت تراه، وما ~~أنميت ما غاب عنك مقتله، قال: وهذا لا ms3537 يجوز عندي غيره إلا أن يكون جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه شئ، فيسقط كل شئ خالف أمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا يقوم معه رأي ولا قياس. قال البيهقي: وقد ثبت ~~الخبر يعني المذكور في الباب فينبغي أن يكون هو قول الشافعي. وقد استدل بما ~~في الباب على أن الرمي لو أخر طلب الصيد عقب الرمي إلى أن يجده أنه يحل ~~بالشروط المتقدمة ولا يحتاج إلى استفصال عن سبب غيبته عنه. قوله: # فيقتفي أثره بفاء ثم مثناة تحتية ثم قاف ثم مثناة فوقية ثم فاء. أي يتبع ~~قفاه حتى يتمكن منه. قوله: اليومين والثلاثة فيه زيادة على الرواية التي ~~قبلها وهي قوله: بعد يوم أو يومين وفي الرواية الآخرة: فيغيب عنه الليلة ~~والليلتين. # باب النهي عن الرمي بالبندق وما في معناه عن عبد الله بن المغفل: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الخذف وقال: إنها لا تصيد صيدا ولا ~~تنكأ عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل عصفورا بغير حقه سأله ~~الله عنه يوم القيامة، قيل: يا رسول الله وما حقه؟ # قال: أن تذبحه ولا تأخذ بعنقه فتقطعه رواه أحمد والنسائي. وعن إبراهيم عن ~~عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رميت فسميت ~~فخزقت فكل، وإن لم تخزق فلا تأكل، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت، ولا ~~تأكل من البندقة إلا ما ذكيت رواه أحمد وهو مرسل، إبراهيم لم يلق عديا. ~~PageV09P013 # حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وأعله ابن القطان بصهيب ~~مولى ابن عباس الراوي عن عبد الله فقال: لا يعرف حاله، وله طريق أخرى عند ~~الشافع وأحمد والنسائي وابن حبان عن عمرو بن الشريد عن أبيه مرفوعا: من قتل ~~عصفور عبثا عج إلى الله يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني ms3538 عبثا ولم ~~يقتلني منفعة وقد تقدم ذكر هذا الحديث. وحديث عدي المذكور في الباب وإن كان ~~مرسلا كما ذكره لكن معناه صحيح ثابت عن عدي في الصحيحين كما تقدم. قوله: ~~نهى عن الخذف بالخاء المعجمة وآخره فاء وهو الرمي بحصاة أو نواة بين ~~سبابتيه، أو بين الابهام والسبابة، أو على ظاهر الوسطى وباطن الابهام وقال ~~ابن فارس: حذفت الحصاة رميتها بين إصبعيك، وقيل في حصى الخذف أن تجعل ~~الحصاة بين السبابة من اليمنى والابهام من اليسرى ثم تقذفها بالسبابة من ~~اليمنى. وقال ابن سيده: خذف بالشئ يخذف، قال: والمخذفة التي يوضع فيها ~~الحجر ويرمى بها الطير، ويطلق على المقلاع أيضا قاله في الصحاح، والمراد ~~بالبندقة المذكورة في ترجمة الباب هي التي تتخذ من طين وتيبس فيرمى بها. ~~قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد ~~وإبراهيم وعطاء والحسن، كذا في البخاري وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد ~~الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر أنهما كانا يكرهان البندقة إلا ما ~~أدركت ذكاته. قوله: إنها لا تصيد صيدا قال المهلب: أباح الله الصيد على صفة ~~فقال: * (تناله أيديكم ورماحكم) * (المائدة: 94) وليس الرمي بالبندقة ~~ونحوها من ذلك وإنما هو وقيذ. وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به، وقد اتفق ~~العلماء إلا من شذ منهم على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر، وإنما كان ~~كذلك لأنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده كذا في الفتح. قوله: ولا تنكأ ~~عدوا قال عياض الرواية بفتح الكاف وبهمزة في آخره وهي لغة، والأشهر بكسر ~~الكاف بغير همزة، وقال في شرح مسلم: لا تنكأ بفتح الكاف مهموزا، وروي لا ~~تنكي بكسر الكاف وسكون التحتانية وهو أوجه لأن المهموز نكأت القرحة، وليس ~~هذا موضعه فإنه من النكاية، لكن قال في العين نكأه لغة في نكيت، فعلى هذا ~~تتوجه هذه الرواية، قال: ومعناه المبالغة في الأذى. وقال ابن سيده: نكى ~~العدو نكاية أصاب منه، ثم قال: نكأت العدو أنكؤهم لغة في ms3539 نكيتهم، فظهر أن ~~الرواية صحيحة، ولا معنى PageV09P014 # لتخطئتها، وأغرب ابن التين فلم يعرج على الرواية التي بالهمز أصلا، بل ~~شرحه على التي بكسر الكاف بغير همز ثم قال: ونكأت القرحة بالهمز. قوله: ~~ولكنها تكسر السن أي الرمية، وأطلق السن ليشمل سن المرمى وغيره من آدمي ~~وغيره. قوله: # وتفقأ العين قد تقدم ضبطه وتفسيره وأطلق العين لما ذكرنا في السن. قوله: # بغير حقه فيه دليل على تحريم قتل العصفور وما شاكله لمجرد العبث وعلى غير ~~الهيئة المذكورة، ولان تعذيب الحيوان قد ورد النهي عنه في غير حديث. # قوله: فخزقت فكل فيه أن الخزق شرط الحل وقد تقدم، وكذلك تقدم الكلام على ~~المعراض. # باب الذبح وما يجب له وما يستحب عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ~~ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير تخوم ~~الأرض رواه أحمد ومسلم والنسائي. # وعن عائشة: أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري ~~أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا، قال: وكانوا حديثي ~~عهد بالكفر رواه البخاري والنسائي وابن ماجة، وهو دليل على أن التصرفات ~~والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. وعن ابن ~~كعب بن مالك عن أبيه: أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من ~~غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها به فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أو أرسل إليه من يسأله عن ذلك، وأنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن ذلك أو أرسل إليه فأمره بأكلها رواه أحمد والبخاري ~~قال: وقال عبيد الله: يعجبني أنها أمة وأنها ذبحت بحجر. وع نزيد بن ثابت: ~~أن ذئبا نيب في شاة فذبحوها بمروة فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في أكلها رواه أحمد والنسائي وابن ms3540 ماجة. وعن عدي بن حاتم قال: قلت يا ~~رسول الله إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الظرار وشقة العصا، فقال صلى ~~الله PageV09P015 # عليه وآله وسلم: أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله عليه رواه الخمسة إلا ~~الترمذي. # حديث زيد بن ثابت رجاله رجال الصحيح إلا حاضر بن المهاجر فقيل: هو مجهول ~~وقيل مقبول. وقد أخرج معناه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط عن ابن عمر ~~بإسناد صحيح. وحديث عدي بن حاتم أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان ومداره على ~~سماك بن حرب عن مري بن قطري عنه. قوله: لعن الله من ذبح لغير الله المراد ~~به أن يذبح لغير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى ~~عليهما السلام أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء ~~كان الذابح مسلما أو كافرا. وإليه ذهب الشافعي وأصحابه، فإن قصد مع ذلك ~~تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح ~~مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا. وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحاب ~~الشافعي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه ~~لأنه مما أهل به لغير الله. قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارا ~~بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله: ~~محدثا بكسر الدال هو من يأتي لما فيه فساد في الأرض من جناية على غيره أو ~~غير ذلك، والمؤوي له المانع له من القصاص ونحوه. ولعن الوالدين من الكبائر ~~وتخوم الأرض بالتاء المثناة من فوق والخاء المعجمة وهي الحدود والمعالم ~~وظاهره العموم في جميع الأرض، وقيل معالم الحرم خاصة، وقيل في الاملاك، ~~وقيل أراد المعالم التي يهتدى بها في الطرقات. # قوله: أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الفتح: لم أقف ~~على تعيينهم. قوله: فقال سموا عليه أنتم قال المهلب: هذا الحديث أصل في أن ~~التسمية ليست فرضا، فلما نابت تسميتهم عن التسمية على الذبح دل على ms3541 أنها ~~سنة لأن السنة لا تنوب عن فرض، هذا على أن الامر في حديث عدي وابن ثعلبة ~~محمول على التنزيه من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية، فعلمهما ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الصيد والذبح فرضه ومندوبه لئلا يوافقا ~~شبهة في ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور. وأما الذين سألوا عن هذه الذبائح فإنهم ~~سألوا عن أمر قد وقع لغيرهم فعرفهم بأصل الحل فيه. وقال ابن التين: يحتمل ~~أن يراد التسمية PageV09P016 # هنا عند الاكل، وبذلك جزم النووي. قال ابن التين: وأما التسمية على ذبح ~~تولاه غيرهم فلا تكليف عليهم فيه. وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين ~~خلافها. ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن تستبيحون بها كل ما لم تعلموا ~~اذكروا اسم الله عليه أم لا إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمى، ~~ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ~~ذبحه أعراب المسلمين، لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن ~~عبد البر فقال: إن ما ذبحه المسلم يؤكل، ويحمل على أنه سمى لأن المسلم لا ~~يظن به في كل شئ إلا الخير حتى يتبين خلاف ذلك، وعكس هذا الخطابي فقال فيه ~~دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة، لأنها لو كانت شرطا لم تستبح ~~الذبيحة بالامر المشكوك فيه، كما لو عرض الشك في نفس الذبيحة، فلم يعلم هل ~~وقت الذكاة المعتبرة أم لا؟ وهذا هو المتبادر من سياق الحديث حيث وقع ~~الجواب فيه: سموا أنتم، كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك بل الذي يهمكم أنتم ~~أن تذكروا اسم الله وتأكلوا، وهذا من الأسلوب الحكيم، كما نبه عليه الطيبي ~~ومما يدل على عدم الاشتراط قوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم) * (المائدة: 5) فأباح الاكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم سموا أم ~~لا. قوله: وكانوا حديثي عهد بالكفر في رواية لمالك: وذلك في أوائل الاسلام، ~~وقد تعلق بهذه الزيادة قوم فزعموا أن هذا الجواب كان قبل نزول ms3542 قوله تعالى: ~~* (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (الانعام: 121) قال ابن عبد ~~البر: وهو تعلق ضعيف. وفي الحديث نفسه ما يرده لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند ~~الاكل، فدل على أن الآية كانت نزلت بالامر بالتسمية، وأيضا فقد اتفقوا على ~~أن الانعام مكية، وأن هذه القصة جرت بالمدينة، وأن الاعراب المشار إليهم في ~~الحديث هم بادية أهل المدينة. قوله: جارية في رواية أمة، وفي رواية : ~~امرأة، ولا تنافي بين الروايات، لأن الرواية الأخيرة أعم، فيؤخذ بقول من ~~زاد في روايته صفة وهي كونها أمة. قوله: فأمره بأكلها فيه دليل على أنها ~~تحل ذبيحة المرأة وإليه ذهب الجمهور. وقد نقل محمد بن عبد الحكم عن مالك ~~كراهته. وفي المدونة جوازه وفي وجه للشافعية: يكره ذبح المرأة الأضحية وعند ~~سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال في ذبيحة المرأة ~~والصبي: لا بأس إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية. وفيه جواز ما ذبح بغير إذن ~~مالكه، وإليه ذهب الجمهور PageV09P017 # ، وخالف في ذلك طاوس وعكرمة وإسحاق وأهل الظاهر، وإليه جنح البخاري، ويدل ~~لما ذهبوا إليه ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند قوي من طريق عاصم بن كليب عن ~~أبيه في قصة الشاة التي ذبحتها المرأة بغير إذن صاحبها، فامتنع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من أكلها لكنه قال: أطعموها الأسارى، ولو لم تكن مذكاة ~~لما أمر بإطعام الأسارى لأنه لا يبيح لهم إلا ما يحل. قوله: فذبحوها بمروة ~~أي بحجر أبيض، وقيل هو الذي تقدح منه النار. قوله: إلا الظرار بالمعجمة ~~بعدها راء آن مهملتان بينهما ألف جمع ظرر وهي الحجارة كذا في النهاية. قال ~~في القاموس: الظر بالكسر والظرر والظررة الحجر أو المدور المحدد منه، الجمع ~~ظرار وظرار، قال والمظرة بالكسر الحجر تقدح به النار، وبالفتح كسر الحجر ذي ~~الحد. وقوله: وشقة العصا بكسر الشين المعجمة أي ما يشق منها ويكون مجددا. ~~قوله: أمر الدم بفتح الهمزة وكسر الميم وبالراء مخففة من أمار الشئ، ومار ~~إذا جرى، وبكسر الهمزة ms3543 وسكون الميم من مري الضرع إذا مسحه ليدر. قال ~~الخطابي: المحدثون يروونه بتشديد الراء وهو خطأ، إنما هو بتخفيفها من مريت ~~الناقة إذا حلبتها، قال ابن الأثير: ويروى أمرر براءين مظهرين من غير ~~إدغام، وكذا في التلخيص أنه براءين مهملتين الأولى مكسورة ثم نقل كلام ~~الخطابي قال: وأجيب بأن التثقيل لكونه أدغم أحد الراءين في الأخرى على ~~الرواية الأولى. # وعن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليس معنا ~~مدى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر ~~فمدى الحبشة رواه الجماعة. وعن شداد بن أو س عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: إن الله كتب الاحسان على كل شئ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، ~~وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي وابن ماجة. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز رواه ~~أحمد وابن ماجة. وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في ~~الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشر ب وبعال ~~رواه الدارقطني. PageV09P018 # حديث ابن عمر في إسناده عند ابن ماجة ابن لهيعة وفيه مقال معروف ويشهد له ~~الحديث الذي قبله. وحديث أبي هريرة في إسناده سعيد بن سلام العطار قال ~~أحمد: كذاب، وقد تقدم ما يشهد له في صلاة العيد. قوله: إنا نلقى العدو غدا ~~لعله عرف ذلك بخبر أو بقرينة. قوله: وليس معنا مدى بضم الميم مخفف مقصور ~~جمع مدية بسكون الدال بعدها تحتانية وهي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدى ~~الحيوان أي عمره، والرابط بين قوله: نلقى العدو وليس معنا مدى، ms3544 يحتمل أن ~~يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ~~ويحتمل أن يكون مراده أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه ليتقووا به على ~~العدو إذا لقوه. قوله: # ما أنهر الدم أي أسأله وصبه بكثرة شبهه بجري الماء في النهر، قال عياض: ~~هذا هو المشهور في الروايات بالراء، وذكره أبو ذر بالزاي وقال: النهز بمعنى ~~الدفع وهو غريب، وما موصولة في موضع رفع بالابتداء وخبرها فكلوا والتقدير: ~~ما أنهر الدم فهو حلال فكلوا، ويحتمل أن تكون شرطية. ووقع في رواية إسحاق ~~عن الثوري: # كل ما أنهر الدم ذكاة وما في هذا موصوفة. قوله: وذكر اسم الله عليه فيه ~~دليل على اشتراط التسمية لأنه علق الاذن بمجموع الامرين وهما الأنهار ~~والتسمية، والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا باجتماعهما وينتفي بانتفاء ~~أحدهما، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: وسأحدثكم اختلف في هذا هل هو من ~~جملة المرفوع أو مدرج؟ # قوله: أما السن فعظم. قال البيضاوي: هو قياس حذفت منه المقدمة الثانية ~~لشهرتها عندهم والتقدير: أما السن فعظم وكل عظم لا يحل الذبح به، وطوى ~~النتيجة لدلالة الاستثناء عليها. وقال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: هذا يدل ~~على أنه عليه السلام كان قد قرر كون الذكاة لا تحصل بالعظم فلذلك اقتصر على ~~قوله: فعظم قال: ولم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل، ~~وكذا وقع في كلام ابن عبد السلام. وقال النووي: معنى الحديث لا تذبحوا ~~بالعظام فإنها تنجس بالدم وقد نهيتم عن تنجيسها لأنها زاد إخوانكم من الجن ~~وقال ابن الجوزي في المشكل: هذا يدل على أن الذبح بالعظم كان معهودا عندهم ~~أنه لا يجزى وقررهم الشارع على ذلك. # قوله: وأما الظفر فمدى الحبشة أي وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم قاله ~~ابن الصلاح وتبعه النووي. وقيل: نهى عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان ~~ولا يقع PageV09P019 # به غالبا إلا الخنق الذي هو على صورة الذبح. واعترض على الأول بأنه لو ~~كان كذلك ms3545 لامتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار وأجيب بأن الذبح ~~بالسكين هو الأصل. وأما ما يلتحق بها فهو الذي يعتبر فيه التشبه، ومن ثم ~~كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين. وروي عن الشافعي أنه قال: السن، ~~إنما يذكى بها إذا كانت منتزعة، فأما وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة، ~~يعني فدل على عدم جواز التذكية بالسن المنتزعة، بخلاف ما نقل عن الحنفية من ~~جوازه بالسن المنفصلة. قال : وأما الظفر فلو كان المراد به ظفر الانسان ~~لقال فيه ما قال في السن، لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو طيب من ~~بلاد الحبشة وهو لا يقوى فيكون في معنى الخنق. # قوله: فأحسنوا القتلة بكسر القاف وهي الهيئة والحالة. قوله: فأحسنوا ~~الذبح قال النووي في شرح مسلم: وقع في كثير من النسخ أو أكثرها فأحسنوا ~~الذبح بفتح الذال بغير هاء، وفي بعضها الذبحة بكسر الذال وبالهاء كالقتلة ~~وهي الهيئة والحالة. قوله: وليحد بضم الياء يقال: أحد السكين وحددها ~~واستحدها بمعنى وليرح ذبيحته بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وغير ذلك. قوله: ~~وأن توارى عن البهائم قال النووي: ويستحب أن لا يحدد السكين بحضرة الذبيحة، ~~وأن لا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها. قوله : فليجهز بالجيم ~~والزاي أي يسرع في الذبح. قوله: واللبة هي المنحر من البهائم وهي بفتح ~~اللام وتشديد الموحدة. قوله: ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق بالزاي أي لا ~~تسرعوا في شئ من الأعمال المتعلقة بالذبيحة قبل أن تموت. # وعن ابن عباس وأبي هريرة قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~شريطة الشيطان وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج رواه أبو داود. ~~وعن أسماء ابنة أبي بكر قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرسا فأكلناه متفق عليه. وعن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت: # يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ قال: لو طعنت في ~~فخذها لأجزأك رواه الخمسة وهذا فيما لم يقدر عليه. ms3546 وعن رافع بن خديج قال: ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فند بعير من إبل القوم ~~ولم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: PageV09P020 # إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا ~~رواه الجماعة. # حديث ابن عباس وأبي هريرة قال المنذري: في إسناده عمرو بن عبد الله ~~الصنعاني وقد تكلم فيه غير واحد. وحديث أبي العشراء قال الترمذي: حديث غريب ~~لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا ~~الحديث. قال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث لأن رواته مجهولون، وأبو العشراء ~~لا يدري من أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة. قال في التلخيص: وقد تفرد ~~حماد بن سلمة بالرواية عنه يعني أبا العشراء على الصحيح وهولا يعرف حاله. ~~قوله : عن شريطة الشيطان أي ذبيحته وهي المذكورة في الحديث، والتفسير ليس ~~من الحديث بل زيادة رواها الحسن بن عيسى أحد رواته كما صرح به أبو داود في ~~السنن، قال في النهاية: شريطة الشيطان قيل هي الذبيحة التي لا يقطع أوداجها ~~ولا يستقصى ذبحها وهو من شرط الحجام، وكان أهل الجاهلية يقطعون بعض حلقها ~~ويتركونها حتى تموت، وإنما أضافها إلى الشيطان لأنه هو الذي حملهم على ذلك ~~وحسن هذا الفعل لديهم وسوله لهم انتهى. قوله: عن أبي العشراء بضم العين ~~المهملة وفتح الشين المعجمة قال أبو داود: واسمه عطارد بن بكرة، ويقال ابن ~~قهطم، ويقال اسمه عطارد بن مالك بن قهطم. قوله: لو طعنت في فخذها الخ، قال ~~أهل العلم بالحديث: # هذا عند الضرورة كالتردي في البئر وأشباهه. وقال أبو داود بعد إخراجه: ~~هذا لا يصح إلا في المتردية والنافرة والمتوحشة. قوله: نحرنا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فرسا فيه أن النحر يجزئ في الخيل كما يجزئ في ~~الإبل. قال ابن التين: الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما ~~البقر ms3547 فجاء في القرآن ذكر ذبحها، وفي السنة ذكر نحرها، واختلف في ذبح ما ~~ينحر ونحر ما يذبح، فأجازه الجمهور ومنع منه ابن القاسم. قوله: فند بعير أي ~~نفر وهو بفتح النون وتشديد الدال. قوله: فحبسه أي أصابه السهم فوقف. قوله: ~~أوابد جمع آبدة بالمد وكسر الموحدة أي غريبة، يقال: جاء فلان بآبدة أي ~~بكلمة أو فعلة منفرة، يقال: # أبدت بفتح الموحدة تأبد بضمها ويجوز الكسر، ويقال: تأبدت أي توحشت، ~~والمراد أن لها توحشا (وفي الحديث) جواز أكل ما رمي بالسهم فجرى في أي موضع ~~PageV09P021 # كان من جسده بشرط أن يكون وحشيا أو متوحشا، وإليه ذهب الجمهور. وروي عن ~~مالك والليث وسعيد بن المسيب وربيعة أنه لا يحل الاكل لما توحش إلا بتذكية ~~في حلقه أو لبته. # باب ذكاة الجنين بذكاة أمه عن أبي سعيد: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال في الجنين: # ذكاته ذكاة أمه رواه أحمد والترمذي وابن ماجة. وفي رواية: قلنا يا رسول ~~الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكل؟ ~~قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه رواه أحمد وأبو داود. # الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وصححه وضعفه عبد الحق وقال: لا ~~يحتج بأسانيده كلها وذلك لأن في بعضها مجالدا، ولكن أقل أحوال الحديث أن ~~يكون حسنا لغيره لكثرة طرقه، ومجالد ليس إلا في الطريق التي أخرجها الترمذي ~~وأبو داود منها. وقد أخرجه أحمد من طريق ليس فيها ضعيف. والحاكم أخرجه من ~~طريق فيها عطية عن أبي سعيد وعطية فيه لين، وقد صححه مع ابن حبان ابن دقيق ~~العيد وحسنه الترمذي وقال: وفي الباب عن علي عليه السلام وابن مسعود وأبى ~~أيوب والبراء وابن عمر وابن عباس وكعب عن مالك، وزاد في التلخيص: # عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة. أما حديث علي فأخرجه ~~الدارقطني بإسناد فيه الحرث الأعور وموسى بن عمر الكوفي وهما ضعيفان. وأما ~~حديث ابن مسعود فأخرجه أيضا الدارقطني بسند رجاله ثقات إلا أحمد ms3548 بن الحجاج ~~بن الصامت فإنه ضعيف جدا. وأما حديث أبي أيوب فأخرجه الحاكم وفي إسناده ~~محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف. وأما حديث البراء فأخرجه ~~البيهقي. # وأما حديث ابن عمر فأخرجه الحاكم والطبراني في الأوسط وابن حبان في ~~الضعفاء، وفي إسناده محمد بن الحسن الواسطي ضعفه ابن حبان، وفي بعض طرقه ~~عنعنة محمد بن إسحاق، وفي بعضها أحمد بن عصام وهو ضعيف، وهو في الموطأ ~~موقوف وهو أصح PageV09P022 # وأما حديث ابن عباس فرواه الدارقطني وفي إسناده موسى بن عثمان العبدي وهو ~~مجهول. وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده ~~إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. وأما حديث جابر فأخرجه الدارمي وأبو داود وفي ~~إسناده عبد الله بن أبي الزناد القداح عن أبي الزبير والقداح ضعيف وله طرق ~~أخر. وأما حديث أبي أمامة وأبي الدرداء فأخرجهما الطبراني من طريق راشد بن ~~سعد وفيه ضعف وانقطاع. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الدارقطني وفي إسناده ~~عمر بن قيس وهو ضعيف. قوله: ذكاة الجنين ذكاة أمه مرفوعان بالابتداء والخبر ~~والمراد الاخبار عن ذكاة الجنين بأنها ذكاة أمه فيحل بها كما تحل الام بها ~~ولا يحتاج إلى تذكية، وإليه ذهب الثوري والشافعي والحسن بن زياد وصاحبا أبي ~~حنيفة، وإليه ذهب أيضا مالك، واشترط أن يكون قد أشعر لما في بعض روايات ~~الحديث عن ابن عمر بلفظ: # إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وقد تفرد به أحمد بن عصام كما تقدم، ~~والصحيح أنه موقوف فلا حجة فيه. وأيضا قد روي من طريق ابن أبي ليلى مرفوعا. ~~ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أولم يشعر وفيه ضعف كما تقدمت الإشارة إليه. ~~وأيضا قد روي من طريق ابن عمر نفسه مرفوعا وموقوفا، كما رواه البيهقي أنه ~~قال: أشعر أو لم يشعر وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى تحريم الجنين إذا خرج ~~ميتا وأنها لا تغني تذكية الام عن تذكيته محتجين بعموم قوله تعالى: * (حرمت ~~عليكم الميتة) * (المائدة: 3) وهو من ترجيح العام على الخاص، وقد ms3549 تقرر في ~~الأصول بطلانه، ولكنهم اعتذروا عن الحديث بما لا يغني شيئا فقالوا: المراد ~~ذكاة الجنين كذكاة أمه، ورد بأنه لو كان المعنى على ذلك لكان منصوبا بنزع ~~الخافض والرواية بالرفع، ويؤيده أنه روي بلفظ ذكاة الجنين في ذكاة أمه أي ~~كائنة أو حاصلة في ذكاة أمه وروي ذكاة الجنين بذكاة أمه والباء للسببية، ~~قال في التلخيص فائدة، قال ابن المنذر: أنه لم يرو عن أحد من الصحابة ولا ~~من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه إلا ما روي عن أبي ~~حنيفة اه. وظاهر الحديث أنه يحل بذكاة الام الجنين مطلقا سواء خرج حيا أو ~~ميتا فالتفصيل ليس عليه دليل. PageV09P023 # باب أن ما أبين من حي فهو ميتة عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: ما قطع من بهيمة وهي حية فما قطع منها فهو ميتة رواه ابن ماجة. ~~وعن أبي واقد الليثي قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ~~وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل يجبونها فقال: ما قطع من ~~البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه أحمد والترمذي. ولأبي داود منه الكلام ~~النبوي فقط. # حديث ابن عمر أخرجه أيضا البزار والطبراني في الأوسط من حديث هشام بن سعد ~~عن زيد بن أسلم عنه، واختلف فيه على زيد بن أسلم، وقد روي عن زيد بن أسلم ~~مرسلا، قال الدارقطني: المرسل أشبه بالصواب، وله طريق أخرى عن ابن عمر ~~أخرجها الطبراني في الأوسط وفيها عاصم بن عمر وهو ضعيف. وحديث أبي واقد ~~أخرجه أيضا الدارمي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن ~~زيد بن أسلم عنه، وأخرجه أيضا الحاكم من حديث سليمان بن بلال عن زيد بن ~~أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، قال الدارقطني: والمرسل ~~أصح وأخرجه البزار من طريق المسور بن الصلت عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد ~~الخدري وقال: تفرد به ابن الصلت وخالفه سليمان بن بلال ms3550 فقال عن زيد عن عطاء ~~مرسلا، وكذا قال الدارقطني، وقد وصله الحاكم كما تقدم. وتابع المسور وغيره ~~عليه خارجة بن مصعب، أخرجه ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية، وأخرجه ~~ابن ماجة والطبراني وأبى عدي من طريق تميم الداري وإسناده ضعيف كما قال ~~الحافظ. قوله: فما قطع منها المجئ بهذه الجملة لزيادة الايضاح وإلا فقد ~~أغنى عنها ما قبلها. # قوله: فهو ميتة فيه دليل على أن البائن من الحي حكمه حكم الميتة في تحريم ~~أكله ونجاسته، وفي ذلك تفاصيل ومذاهب مستوفاة في كتب الفقه. قوله: إلى ~~أليات جمع ألية، والجب القطع، والأسنمة جمع سنام. PageV09P024 # باب ما جاء في السمك والجراد وحيوان البحر قد سبق قوله في البحر: هو الحل ~~ميتته. عن ابن أبي أوفى قال: # غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد ~~رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وعن جابر قال: غزونا جيش الحبط وأميرنا أبو ~~عبيدة فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله يقال له العنبر ~~فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته قال: ~~فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كلوا ~~رزقا أخرجه الله عز وجل لكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بشئ فأكله ~~متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان ~~فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال رواه أحمد وابن ماجة ~~والدارقطني، وهو للدارقطني أيضا من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه ~~بإسناده، قال أحمد وابن المديني: عبد الرحمن بن زيد ضعيف وأخوه عبد الله ~~ثقة. وعن أبي شريح من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: # إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم رواه الدارقطني، وذكره البخاري عن أبي ~~شريح ms3551 موقوفا. وعن أبي بكر الصديق قال: الطافي حلال. وعن عمر في قوله تعالى: ~~* (أحل لكم صيد البحر) * (المائدة: 96) قال: صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي ~~به وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها. قال ابن عباس: كل من صيد ~~البحر صيد يهودي أو نصراني أو مجوسي وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء ~~ذكرهن البخاري في صحيحه. # الحديث الذي أشار إليه المصنف بقوله: قد سبق، هو أول حديث في كتابه هذا، ~~وقد مر الكلام عليه. وحديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه أيضا الشافعي ~~والبيهقي، ورواه الدارقطني أيضا من رواية سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم ~~موقوفا وقال: هو أصح، وكذا صحح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم وعبد الرحمن ~~PageV09P025 # بن زيد ضعيف كما نقله المصنف عن أحمد وابن المديني وفي رواية عن أحمد أنه ~~قال: # حديثه هذا منكر. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث أولاد زيد بن أسلم وعبد ~~الله وعبد الرحمن وأسامة وقد ضعفهم ابن معين، وكان أحمد بن حنبل يوثق عبد ~~الله، وكذا روي عن ابن المديني، قال الحافظ: قلت رواه الدارقطني وابن عدي ~~من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم، قال ابن عدي: الحديث يدور على هؤلاء ~~الثلاثة، قال الحافظ: وقد تابعهم شخص هو أضعف منهم وهو أبو هاشم كثير بن ~~عبد الله الأبلي، أخرجه ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام من طريقه عن زيد ~~بن أسلم بلفظ: يحل من الميتة اثنان ومن الدم اثنان، فأما الميتة فالسمك ~~والجراد، وأما الدم فالكبد والطحال ورواه المسور بن الصلت أيضا عن زيد بن ~~أسلم لكنه خالف في إسناده قال: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعا، أخرجه ~~الخطيب وذكره الدارقطني في العلل والمسور كذاب، نعم الرواية الموقوفة التي ~~صححها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع لأن قول الصحابي أحل لنا كذا وحرم ~~علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا ، فيحصل الاستدلال بهذه ~~الرواية لأنها في معنى المرفوع، كذا قال الحافظ. ms3552 قوله: سبع غزوات في رواية ~~البخاري: أو ستا. ووقع في توضيح ابن مالك سبع غزوات أو ثماني وتكلم عليه ~~فقال: الأجود أن يقال أو ثمانيا بالتنوين لأن لفظ ثماني وإن كان كلفظ جواري ~~في أن ثالث حروفه ألف بعدها حرفان ثانيهما ياء فهو يخالفه في أن جواري جمع ~~وثماني ليس بجمع، وقد أطال الكلام على ذلك ثم وجه ترك التنوين بتوجيهات. ~~منها: أن يكون حذف المضاف إليه وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف. ~~قال الحافظ: ولم أر لفظ ثماني في شئ من كتب الحديث، قال: وهذا الشك في عدد ~~الغزوات من شعبة. قوله: نأكل معه الجراد يحتمل أن يراد بالمعية مجرد الغزو ~~دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله. ويدل على الثاني ما ~~وقع في رواية أبي نعيم بلفظ: ويأكله معنا وهذا يرد على الصيمري من الشافعية ~~حيث زعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم عافه كما عاف الضب. وقد أخرج أبو داود ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث سلمان أنه قال: لا آكله ولا أحرمه ~~والصواب أنه مرسل. ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر: ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه وسئل عن ~~الجراد فقال مثل PageV09P026 # ذلك قال الحافظ: وهذا ليس ثابتا. لأن ثابتا قال فيه النسائي ليس بثقة ~~ونقل النووي الاجماع على حل أكل الجراد. وفصل ابن العربي في شرح الترمذي ~~بين جراد الحجاز وجراد الأندلس فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنه ضرر ~~محض، وهذا إن تثبت أنه يضر أكله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد ~~البلاد تعين استثناؤه، وذهب الجمهور إلى حل أكل الجراد ولو مات بغير سبب، ~~وعند المالكية اشتراط التذكية وهي هنا أن يكون موته بسبب آدمي، إما بأن ~~يقطع رأسه أو بعضه، أو يسلق أو يلقى في النار حيا، فإن مات حتف أنفه أو في ~~وعاء لم يحل. واحتج ms3553 الجمهور بحديث ابن عمر المذكور في الباب. ولفظ الجراد ~~جنس يقع على الذكر والأنثى، ويميز واحدة بالتاء، وسمي جرادا لأنه يجرد ما ~~ينزل عليه، أو لأنه أجرد أي أملس وهو من صيد البر، وإن كان أصله بحريا عند ~~الأكثر، وقيل: إنه بحري بدليل حديث أبي هريرة أنه قال: خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا ~~نضربهن بنعالنا وأسواطنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كلوه، فإنه من صيد ~~البحر أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة بإسناد ضعيف. وأخرج نحوه أبو داود ~~والترمذي من طريق أخرى عن أبي هريرة وفي إسناده أبو المهزم بضم الميم وكسر ~~الزاي وفتح الهاء وهو ضعيف. وأخرج ابن ماجة من حديث أنس مرفوعا: أن الجراد ~~نثره حوت من البحر أي عطسته. قوله: الخبط بالتحريك هو ما يسقط من الورق عند ~~خبط الشجر. قوله: فأكله بهذا تم الدلالة وإلا فمجرد أكل الصحابة منه وهم في ~~حال المجاعة، قد يقال إنه للاضطرار، ولا سيما وقد ثبت عن أبي عبيدة في ~~رواية عند مسلم بلفظ: وقد اضطررتم فكلوا. قال في الفتح: # وحاصل قول أبي عبيدة أنه بني أولا على عموم تحريم الميتة، ثم ذكر تخصيص ا ~~لمضطر بإباحة أكلها إذا كان غير باغ ولا عاد، وهم بهذه الصفة لأنهم في سبيل ~~الله وفي طاعة رسول الله، وقد تبين من آخر الحديث أن حمله كونها حلالا ليس ~~لسبب الاضطرار بل لكونها من صيد البحر لاكله صلى الله عليه وآله وسلم منها ~~لأنه لم يكن مضطرا وقد ذهب الجمهور إلى إباحة ميتة البحر سواء ماتت بنفسها ~~أو ماتت بالاصطياد. وعن الحنفية والهادي والقاسم والامام يحيى والمؤيد ~~بالله في أحد قوليه إنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمي أو بإلقاء الماء له أو ~~جزره عنه، وأما ما ما ت أو قتله حيوان غير آدمي فلا يحل، واستدلوا بحديث ~~أبي الزبير عن جابر مرفوعا بلفظ: ما ألقاه البحر أو جزر عنه ms3554 فكلوه، ~~PageV09P027 # وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه أخرجه أبو داود مرفوعا من رواية يحيى بن ~~سليم الطائفي عن أبي الزبير عن جابر، وقد أسند من وجه آخر عن ابن أبي ذئب ~~عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: ليس ~~بمحفوظ ويروى عن جابر خلافه انتهى. ويحيى بن سليم صدوق سيئ الحفظ. وقال ~~النسائي: ليس بالقوي. وقال يعقوب: إذا حدث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدث ~~حفظا ففي حديثه ما يعرف وينكر. وقال أبو حاتم: لم يكن بالحافظ. وقال ابن ~~حبان في الثقات: كان يخطئ وقد توبع على رفعه، أخرجه الدارقطني من رواية أبي ~~أحمد الزبيري عن الثوري مرفوعا لكن قال: خالفه وكيع وغيره فوقفوه على ~~الثوري وهو الصواب. وروي عن ابن أبي ذئب وإسماعيل بن أمية مرفوعا ولا يصح ~~والصحيح موقوف. قال الحافظ: # وإذا لم يصح إلا موقوفا فقد عارضه قول أبي بكر وغيره يعني المذكور في ~~الباب. وقال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي ~~الزبير أوقفوه على جابر، قال المنذري: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف، ~~وأخرجه ابن ماجة، قال الحافظ أيضا، والقياس يقتضي حله لأنه لو مات في البر ~~لاكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء فمات لاكل، فكذلك إذا مات وهو في ~~البحر، ولا خلاف بين العلماء في حل السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلفوا ~~فيما كان على صورة حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير، فعند الحنفية وهو ~~قول الشافعية أنه يحرم، والأصح عن الشافعية الحل مطلقا وهو قول المالكية ~~إلا الخنزير في رواية. وحجتهم عموم قوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر) * ~~(المائدة: 96) وحديث: هو الطهور ماؤه والحل ميتته أخرجه مالك وأصحاب السنن ~~وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما وقد تقدم في أول الكتاب. وروي عن ~~الشافعية أيضا أنه يحل ما يؤكل نظيره في البر وما لا فلا، وإليه ذهبت ~~الهادوية، واستثنت الشافعية ما يعيش في البر والبحر وهو نوعان: النوع الأول ~~ما ورد في منع أكله ms3555 شئ يخصه كالضفدع، وكذا استثناه أحمد للنهي عن قتله كما ~~ورد ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أخرجه أبو داود والنسائي ~~وصححه الحاكم، وله شاهد من حديث ابن عمر عند أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن ~~عمر، وأخرجه الطبراني في الأوسط وزاد: فإن نقيقها تسبيح. وذكر الأطباء أن ~~الضفدع نوعان: بري وبحري، ومن المستثنى التمساح والقرش والثعبان والعقرب ~~والسرطان والسلحفاة للاستخباث والضرر اللاحق من السم. PageV09P028 # النوع الثاني ما لم يرد فيه مانع فيحل لكن بشرط التذكية كالبط وطير ~~الماء. قوله: # إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم لفظ البخاري: كل شئ في البحر مذبوح وقد ~~أخرجه الدارقطني وأبو نعيم في الصحابة مرفوعة، قال الحافظ: والموقوف أصح ~~وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار: سمعت شيخا كبيرا ~~يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم. وأخرج الدارقطني ~~من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: أن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم ~~وفي سنده ضعف. والطبراني من حديث ابن عمر ورفعه نحوه وسنده ضعيف. وأخرج عبد ~~الرزاق بسندين جيدين عن عمر ثم عن علي بلفظ: الحوت ذكي كله قال عطاء: أما ~~الطير فأرى أن تذبحه. قوله: # الطافي حلال وصله أبو بكر بن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني من رواية عبد ~~الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس والطافي بغير همز من طفا يطفو إذا ~~علا على الماء ولم يرسب. قوله: صيده ما اصطيد وطعامه ما رمى به وصله ~~البخاري في التاريخ وعبد بن حميد. قوله: طعامه ميتة إلا ما قدرت وصله ~~الطبراني. قوله: كل من صيد البحر صيد يهودي الخ، وصله البيهقي قال ابن ~~التين مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء وهو كذلك عند قوم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير كراهية صيد المجوسي. ~~وأخرج أيضا بسند آخر عن علي عليه السلام مثل ذلك. قوله: وركب الحسن ms3556 على سرج ~~قيل إنه الحسن بن علي، وقيل البصري، والمراد أن السرج متخذ من جلود الكلاب ~~المعروفة بكلاب الماء التي في البحر كما صرح به في الرواية. # باب الميتة للمضطر عن أبي واقد الليثي قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض ~~تصيبنا مخمصة فما يحل لنا من الميتة؟ فقال: إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم ~~تختفؤا بها بقلا، فشأنكم بها رواه أحمد. وعن جابر بن سمرة: أن أهل بيت ~~كانوا بالحرة محتاجين قال: فماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم فرخص لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في أكلها، قال: فعصمتهم بقية شتائهم أو سنتهم ~~رواه أحمد. وفي لفظ: أن رجلا نزل PageV09P029 # الحرة ومعه أهله وولده فقال رجل: إن لي ناقة ضلت فإن وجدتها فأمسكها ~~فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته: انحرها فأبى، فنفقت فقالت: ~~اسلخها حتى نقدر شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فأتاه فسأله فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا قال: فكلوه، ~~قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك ~~رواه أبو داود، وهو دليل على إمساك الميتة للمضطر. # حديث أبي واقد قال في مجمع الزوائد: أخرجه الطبراني ورجاله ثقات انتهى. # وحديث جابر بن سمرة سكت عنه أبو داود والمنذري وليس في إسناده مطعن، لأن ~~أبا داود رواه من طريق موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن ~~جابر بن سمرة وفي الباب عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: ما يحل لنا الميتة؟ قال: ما طعامكم؟ قلنا نغتبق ونصطبح، ~~قال أبو نعيم وهو الفضل بن دكين: فسره لي عقبة قدح غدوة وقدح عشية قال: ذاك ~~وأبي الجوع فأحل لهم الميتة على هذه الحال قال أبو داود: الغبوق من آخر ~~النهار، والصبوح من أول النهار، وفي إسناده عقبة بن وهب العامري. قال يحيى ~~بن معين: صالح، وقال علي بن المديني: قلت لسفيان بن عيينة ms3557 عقبة بن وهب ~~فقال: ما كان ذاك فيدري ما هذا الامر ولا كان شأنه الحديث انتهى. قوله: إذا ~~لم تصطبحوا ولتغتبقوا قال ابن رسلان في شرح السنن: الاصطباح ههنا أكل ~~الصبوح وهو الغداء، والغبوق أكل العشاء انتهى. وقد تقدم تفسير الصبوح ~~والغبوق، وهما بفتح أولهما، الأول شرب اللبن أول النهار، والثاني شرب اللبن ~~آخر النهار، ثم استعملا في الاكل للغداء والعشاء، وعليهما يحمل ما في حديث ~~أبي واقد الليثي المذكور، ولعل المراد بهما في حديث الفجيع مجرد شرب اللبن، ~~لأنه لو كان المراد بهما أكل الطعام في الوقتين لم يصح ما في آخر الحديث ~~وهو قوله: ذاك وأبي الجوع إذ لا جوع حينئذ. قوله: ولم تحتفئوا بها بقلا ~~بفتح المثناتين من فوق بينهما حاء مهملة وبعدهما فاء مكسورة ثم همزة مضمومة ~~من الحفاء وهو البردي بضم الموحدة نوع من جيد التمر، وضعفه بعضهم بأن ~~البردي ليس من البقول. قال أبو عبيد: هو أصل البردي الأبيض الرطب وقد يؤكل. ~~قال أبو عبيد: معنى الحديث أنه ليس لكم أن تصطبحوا وتغتبقوا PageV09P030 # وتجمعوهما مع الميتة. قال الأزهري: قد أنكر هذا على أبي عبيد وفسر أنه ~~أراد إذا لم تجدوا البينة تصطبحونها أو شربا تغتبقونه ولم تجدوا بعد عدم ~~الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة، قال: وهذا هو الصحيح. قال ~~الخطابي: القدح من اللبن بالغداة، والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس، ~~وإن كان لا يغدو البدن ولا يشبع الشبع التام، وقد أباح لهم مع ذلك الميتة، ~~فكان دلالته أن تتناول الميتة إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، كما ذهب ~~إليه مالك والشافعي في أحد قوليه، والقول الراجح عند الشافعي هو الاقتصار ~~على سد الرمق كما نقله المزني وصححه الرافعي والنووي، وهو قول أبي حنيفة، ~~وإحدى الروايتين عن مالك والهادوية. ويدل عليه قوله: هل عندك غنى يغنيك إذا ~~كان يقال لمن وجد سد رمقه مستغنيا لغة أو شرعا. واستدل به بعضهم على القول ~~الأول قال: لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه ms3558 على نفسه، والآية الكريمة ~~قد دلت على تحريم الميتة واستثنى ما وقع الاضطرار إليه، فإذا اندفعت ~~الضرورة لم يحل الاكل كحالة الابتداء، ولا شك أن سد الرمق يدفع الضرورة، ~~وقيل إنه يجوز أكل المعتاد للمضطر في أيام عدم الاضطرار. قال الحافظ: وهو ~~الراجح لاطلاق الآية، واختلفوا في الحالة التي يصح فيها الوصف بالاضطرار ~~ويباح عندها الاكل. فذهب الجمهور إلى أنها الحالة التي يصل به الجوع فيها ~~إلى حد الهلاك أو إلى مرض يفضي إليه. وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة ~~أيام. قال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذلك أن في الميتة سمية شديدة فلو أكلها ~~ابتداء لأهلكته، فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمية هي أشد من سمية ~~الميتة. قوله: كانوا بالحرة بفتح الحاء والراء المشددة مهملتين أرض بظاهر ~~المدينة بها حجارة سود. قوله: فنفقت بفتح النون والفاء والقاف أي ماتت، ~~يقال: نفقت الدابة نفوقا مثل قعدت المرأة قعودا إذا ماتت. قوله: حتى نقدر ~~بفتح النون وسكون القاف وضم الدال بعده راء مهملة، هكذا في النسخ الصحيحة، ~~يقال: قدر اللحم يقدره طبخه في القدر. وفي سنن أبي داود: نقدد اللحم بدال ~~مهملة مكان الراء، وعلى ذلك شرح ابن رسلان فإنه قال: أي نجعله قديدا قوله: ~~غنى يغنيك أي تستغني به ويكفيك ويكفي أهلك وولدك عنها. قوله: استحييت منك ~~بياءين مثناتين من تحت. ولغة تميم وبكر بن وائل: استحيت بفتح الحاء وحذف ~~إحدى الياءين. وقد دلت أحاديث الباب على أنه يجوز للمضطر أن يتناول من ~~الميتة PageV09P031 # ما يكفيه على الخلاف السابق في مقدار ما يتناوله، ولا أعلم خلافا في ~~الجواز وهو نص القرآن الكريم، وهل يجب على المضطر أن يتناول من الميتة حفظا ~~لنفسه؟ قال في البحر: في ذلك وجهان. يجب لوجوب دفع الضرر، ولا إيثارا ~~للورع، واختلفوا في المراد بقوله تعالى: * (غير باغ) * فقيل: أي غير متلذذ ~~ولا مجاوز لدفع الضرر، وقيل: أي غير عاص، فمنعوا العاصي من أكل الميتة. ~~وحكى الحافظ في الفتح عن الجمهور أنهم جعلوا ms3559 من البغي العصيان، قالوا: ~~وطريقه أن يتوب ثم يأكل، وجوزه بعضهم مطلقا، ولعله يعني بالبعض القائل ~~بالتفسير الأول. # باب النهي أن يؤكل طعام الانسان بغير إذنه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن ~~تؤتى مشربته فينتثل طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن ~~أحد ماشية أحد إلا بإذنه متفق عليه. وعن عمرو بن يثربي قال: شهدت خطبة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنى وكان فيما خطب به أن قال: ولا يحل ~~لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، قال: فلما سمعت ذلك قلت: يا رسول ~~الله أرأيت لو لقيت في موضع غنم ابن عمي فأخذت منها شاة فاجتزرتها هل علي ~~في ذلك شئ؟ قال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وأزنادا فلا تمسها. وعن عمير ~~مولى أبي اللحم قال: أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى إذا دنونا من المدينة ~~قال: فدخلوا وخلفوني في ظهرهم فأصابتني مجاعة شديدة قال: فمر بي بعض من ~~يخرج من المدينة فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها، قال: فدخلت ~~حائطا فقطعت منه قنوين، فأتاني صاحب الحائط وأتى بي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأخبره خبري وعلي ثوبان فقال لي: أيهما أفضل؟ فأشرت إلى ~~أحدهما، فقال: # خذه وأعط صاحب الحائط الآخر فخلى سبيلي رواهما أحمد. # حديث عمرو بن اليثربي في إسناده حاتم بن إسماعيل، وفيه خلاف عن عبد الملك ~~ابن حسين الجاري، فإن يكن هو الكوفي النخعي فضعيف بمرة، وإلا فليس ~~PageV09P032 # من رجال الأمهات. وحديث عمير مولى آبي اللحم في إسناده عبد الرحمن بن ~~إسحاق عن محمد بن زيد، وقد قال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي، وكذا قال ~~أبو حاتم ونحوه عن البخاري وقال النسائي وابن خزيمة: ليس به بأس وقال في ~~مجمع الزوائد: # إن حديث عمير هذا أخرجه أحمد بإسنادين: في أحدهما ابن لهيعة وفي الآخر ~~أبو بكر بن زيد بن المهاجر، ms3560 ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا ~~تعديلا وبقية رجاله ثقات. قوله: مشربته قال في القاموس: والمشربة وتضم ~~الراء أرض لينة دائمة النبات والغرفة والعلية والصفة والمشربة انتهى. ~~والمراد هنا الغرفة التي يجمع فيها الطعام، شبه صلى الله عليه وآله وسلم ~~ضروع المواشي في حفظها لما فيها من اللبن بالمشربة في حفظها لما فيها من ~~الطعام، فكما أن هذه يحفظ فيها الانسان طعامه فتلك تحفظ له شرابه وهو لبن ~~ماشيته، وكما أن الانسان يكره دخول غيره إلى مشربته لاخذ طعامه كذلك يكره ~~حلب غيره لماشيته، فلا يحل الجميع إلا بإذن المالك. # قوله: فينتثل طعامه النثل الاستخراج. أي فيستخرج طعامه، قال في القاموس: # نثل الركية ينثلها استخرج ترابها وهي الثيلة والنثالة والكنانة استخرج ~~نبلها ونثرها ودرعه ألقاها عنه واللحم في القدر وضعه فيها مقطعا، وامرأة ~~نثول تفعل ذلك كثيرا، وعليه درعه صبها انتهى. قوله: فاجتزرتها بزاي ثم راء. ~~قوله: إن لقيها نعجة تحمل شفرة وأزنادا هذا فيه مبالغة في المنع من أخذ ملك ~~الغير بغير إذنه وإن كان على حالة مشعرة، بأن تلك الماشية معدة للذبح حاملة ~~لما تصلح به من آلة الذبح وهي الشفرة وآلة الطبخ وهو الأزناد وهي جمع زند ~~وهو العود الذي يقدح به النار، قال في القاموس: والجمع زناد وأزند وأزناد. ~~ونعجة منصوبة على الحال أي لقيتها حال كونها نعجة حاملة لشفرة وأزناد. ~~قوله: # مولى آبي اللحم قد تقدم غير مرة أن آبا اللحم اسم فاعل من أبى يأبى فهو ~~آب. قوله: في ظهرهم أي في دوابهم التي يسافرون بها ويحملون عليها أمتعتهم. # قوله: وأعط صاحب الحائط الآخر فيه دليل على تغريم السارق قيمة ما أخذه ~~مما لا يجب فيه الحد، وعلى أن الحاجة لا تبيح الاقدام على مال الغير مع ~~وجود ما يمكن الانتفاع به أو بقيمته ولو كان مما تدعو حاجة الانسان إليه ~~فإنه هنا أخذ أحد ثوبيه ودفعه إلى صاحب النخل. PageV09P033 # باب ما جاء من الرخصة في ذلك لابن السبيل إذا لم ms3561 يكن حائط ولم يتخذ خبنة ~~عن ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من دخل حائطا فليأكل ~~ولا يتخذ خبنة رواه الترمذي وابن ماجة. وعن عبد الله بن عمر قال: سئل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يدخل الحائط فقال: يأكل غير متخذ خبنة ~~رواه أحمد. وعن الحسن عن سمرة بن جندب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له ~~فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه ~~فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل رواه أبو داود والترمذي وصححه. ~~وقال ابن المديني: # سماع الحسن من سمرة صحيح. وعن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فليناد يا ~~صاحب الحائط ثلاثا فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن ~~يشرب من ألبانها فليناد يا صاحب الإبل أو يا راعي الإبل فإن أجابه وإلا ~~فليشرب رواه أحمد وابن ماجة. # حديث ابن عمر الأول والثاني هما حديث واحد ولكن المصنف أوردهما هكذا ~~لاختلاف اللفظ. وقال الترمذي بعد إخراجه في البيوع، غريب لا نعرفه إلا من ~~هذا الوجه. # وحديث سمرة قال الترمذي بعد إخراجه حديث سمرة: حسن صحيح غريب والعمل على ~~هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال علي بن المديني: سماع ~~الحسن من سمرة صحيح وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة ~~وقالوا: إنما يحدث عن صحيفة، سمرة انتهى. وحديث أبي سعيد أخرجه أيضا أبو ~~يعلى وابن حبان والحاكم والمقدسي. وفي الباب عن رافع عند الترمذي وأبي داود ~~قال: كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال يا رافع لم ترمي نخلهم؟ # قال قلت: يا رسول الله الجوع، قال لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك ~~وعند ms3562 أبي داود والنسائي من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة رافع وفيها: ~~فقال رسول الله صلى PageV09P034 # الله عليه وآله وسلم لصاحب الحائط، ما علمت إذ كان جاهلا ولا أطعمت إذ ~~كان جائعا. قوله في ترجمة الباب: إذا لم يكن حائط قال في النهاية: الحائط ~~البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار، وظاهر الأحاديث المذكورة ~~في الباب مخالف لما قيد به المصنف الترجمة، فلعله أراد بقوله إذا لم يكن ~~حائط أي جدار يمنع الدخول إليه بحرزه طرقه لما في ذلك من الاشعار بعدم ~~الرضا، وكأنه حمل الأحاديث على ما ليس كذلك ولا ملجئ إلى هذا، بالظاهر ~~الاطلاق وعدم التقييد. قوله: ولا يتخذ خبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الباب ~~الموحدة وبعدها نون وهي ما تحمله في حضنك كما في القاموس، وهذا الاطلاق في ~~حديث ابن عمر مقيد بما في حديث أبي سعيد المذكور من الامر بالنداء ثلاثا. ~~وحديث سمرة في الماشية ليس فيه إلا مجرد الاستئذان بدون تقييد بكونه ثلاثا، ~~وكذلك حديث أبي سعيد فإنه لم يذكر في الماشية إلا مجرد النداء ولم يقيده ~~بكونه ثلاثا. (وظاهر أحاديث) الباب جواز الأكل من حائط الغير والشرب من ~~ماشيته بعد النداء المذكور، من غير فرق بين أن يكون مضطرا إلى الاكل أم لا، ~~لأنه إنما قال إذا دخل، وإذا أراد أن يأكل، ولم يقيد الاكل بحد ولا خصه ~~بوقت فالظاهر جواز تناول الكفاية، والممنوع إنما هو الخروج بشئ من ذلك من ~~غير فرق بين القليل والكثير. قال العلامة المقبلي في الأبحاث بعد ذكر حديث ~~أبي سعيد ما لفظه: وفي معناه عدة أحاديث تشهد لصحته، ووجه موافقته للقانون ~~الشرعي ظاهر فيمن له حق الضيافة كابن السبيل وفي ذي الحاجة مطلقا، وسياقات ~~الحديث تشعر بالاختصاص بمن هو كذلك فهو المتيقن، وأما الغني الذي ليس له حق ~~الضيافة فمشكوك فيه فيبقى على المنع الأصلي، فإن صحت إرادته بدليل خاص ~~كقضية فيها ذلك كان مقبولا وتكون مناسبته ما في اللبن والفاكهة من الندرة، ~~إذ ms3563 لا يوجد في كل حال مع مسارعة النفس إليها، والعرف شاهد بذلك حتى أنه يذم ~~من ضن بهما ويبخل وهو خاصة الوجوب فهو من حق المال غير الصدقة، وهذا يرجح ~~بقاء الحديث على عمومه، إذ لا معنى للاقتصار مع ظهور العموم وفي المنتهى من ~~فقه الحنابلة: ومن مر بثمرة بستان لا حائط عليه ولا ناظر فله الاكل ولو بلا ~~حاجة مجانا لا صعود شجره أو رميه بشئ، ولا يحمل ولا يأكل من مجني مجموع إلا ~~لضرورة، وكذا زرع قائم وشرب لبن ماشية، وألحق جماعة بذلك باقلا وحمصا أخضر ~~من المنفتح وهو قوي انتهى. (وأحاديث الباب) مخصصة للحديث PageV09P035 # المذكور في الباب الأول، ومخصصة أيضا لحديث: ليس في المال حق سوى الزكاة ~~وهو من حديث فاطمة بنت قيس، مع أنه قد ثبت في الترمذي من حديثها بلفظ: # في المال حق سوى الزكاة بدون لفظ ليس ومن جملة المخصصات لحديث: ليس في ~~المال حق سوى الزكاة ما ورد في الضيافة وفي سد رمق المسلم. ومنها: وآتوا ~~حقه يوم حصاده. # باب ما جاء في الضيافة عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله إنك تبعثني ~~فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ فقال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي ~~للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. وعن أبي ~~شريح الخزاعي: # عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال يوم وليلة ~~والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده ~~حتى يحرجه متفق عليهما. وعن المقدام أبي كريمة: أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: # ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروم كان دينا له عليه ~~إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه، وفي لفظ: من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم ~~يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه. رواهما أحمد وأبو ms3564 داود. وعنه أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيما ضيف نزل بقوم فأصبح ~~الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه رواه أحمد. # حديث المقدام سكت عنه أبو داود هو والمنذري، قال الحافظ في التلخيص: # وإسناده على شرط الصحيح، وله أيضا من حديثه: أيما رجل أضاف قوما فأصبح ~~الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله ~~قال الحافظ: وإسناده صحيح وعن أبي هريرة عند أبي داود والحاكم بسند صحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الضيافة ثلاثة أيام فما سوى ذلك فهو ~~صدقة وعن شقيق بن سلمة عند الطبراني في الأوسط قال: دخلنا على سلمان فدعا ~~بماء كان في البيت وقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ~~التكلف PageV09P036 # للضيف لتكلفت لكم. وحديث أبي هريرة المذكور في الباب قال في مجمع ~~الزوائد: # رجال أحمد ثقات. (وفي الباب) عن عائشة أشار إليه الترمذي. قوله: لا ~~يقرونا بفتح أوله من القرى أي لا يضيفونا. قوله: بما ينبغي للضيف أي من ~~الاكرام بما لا بد منه من طعام وشراب وما يلتحق بهما. قوله: فخذوا منهم حق ~~الضيف الخ قال الخطابي: إنما كان يلزم ذلك في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~حيث لم يكن بيت مال، وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حق لهم في أموال ~~المسلمين. وقال ابن بطال: قال أكثرهم إنه كان هذا في أول الاسلام حيث كانت ~~المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله: جائزته كما في حديث الباب، قالوا: ~~والجائزة تفضل لا واجب، قال ابن رسلان قال بعضهم: المراد أن لكم أن تأخذوا ~~من أعراض من لم يضيفكم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم والعيب عليهم، وهذا من ~~المواضع التي يباح فيها الغيبة، كما أن القادر المماطل بالدين مباح عرضه ~~وعقوبته، وحمله بعضهم على أن هذا كان في أول الاسلام وكانت المواساة واجبة، ~~فلما اتسع الاسلام نسخ ذلك. قال النووي: وهذا تأويل ms3565 ضعيف أو باطل لأن هذا ~~الذي ادعاه قائله لا يعرف انتهى. وقد تقدم ذكر قائله قريبا، فتعليل الضعف ~~أو البطلان بعدم معرفة القائل ضعيف أو باطل، بل الذي ينبغي عليه التعويل في ~~ضعف هذا التأويل هو أن تخصيص ما شرعه صلى الله عليه وآله وسلم لامته بزمن ~~من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل، ولم يقم ههنا دليل على ~~تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة، وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية، لأن مؤونة ~~الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة ~~بهذا الحق الثابت شرعا كالمطالبة بسائر الحقوق، فإذا أساء إليه واعتدى عليه ~~بإهمال حقه كان له مكافأته بما أباحه له الشارع في هذا الحديث . * (وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها (الشورى: 40) * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم ) * (البقرة: 194). قوله: من كان يؤمن بالله قيل المراد من كان ~~يؤمن الايمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوانه، ويؤمن بيوم ~~القيامة الآخر استعد له واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر ~~بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه. ومن جملة ما أمر به إكرام الضيف وهو ~~القادم من السفر النازل عند المقيم، وهو يطلق على الواحد والجمع والذكر ~~والأنثى. قال ابن رسلان: والضيافة من PageV09P037 # مكارم الأخلاق ومحاسن الدين، وليست واجبة عند عامة العلماء، خلافا لليث ~~بن سعد فإنه أوجبها ليلة واحدة، وحجة الجمهور لفظ جائزته المذكورة، فإن ~~الجائزة هي العطية والصلة التي أصلها على الندب، وقلما يستعمل هذا اللفظ في ~~الواجب. # قال العلماء: معنى الحديث الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة وإتحافه بما ~~يمكن من بر وإلطاف انتهى. والحق وجوب الضيافة لأمور، الأول: إباحة العقوبة ~~بأخذ المال لمن ترك ذلك وهذا لا يكون في غير واجب. والثاني: التأكيد البالغ ~~بجعل ذلك فرع الايمان بالله واليوم الآخر، ويفيد أن فعل خلافه فعل من لا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعلوم أن فروع الايمان مأمور بها، ثم تعليق ذلك ~~بالاكرام، وهو أخص من الضيافة فهو دال ms3566 على لزومها بالأولى. والثالث قوله: ~~فما كان وراء ذلك فهو صدقة فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعا ~~قال الخطابي: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف، ~~ويقدم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته، فما جاوز ~~الثلاث فهو معروف وصدقة إن شاء فعل وإن شاء ترك. وقال ابن الأثير: الجائزة ~~العطية أي يقري ضيفه ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة. ~~والرابع: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ليلة الضيف حق واجب فهذا تصريح ~~بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله. والخامس: قوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في حديث المقدام الذي ذكرنا: فإن نصره حق على كل مسلم فإن ظاهر هذا وجوب ~~النصرة، وذلك فرع وجوب الضيافة، إذا تقرر هذا تقرر ضعف ما ذهب إليه ~~الجمهور، وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة ~~الأنفس. ولحديث: ليس في المال حق سوى الزكاة ومن التعسفات حمل أحاديث ~~الضيافة على سد الرمق، فإن هذا مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة ، ~~وكذلك تخصيص الوجوب بأهل الوبر دون أهل المدن استدلالا بما يروى أن الضيافة ~~على أهل الوبر. قال النووي وغيره من الحفاظ: إنه حديث موضوع لا أصل له. ~~قوله: وأن يثوي بفتح أوله وسكون المثلثة أي يقيم. قوله: حتى يحرجه بضم أوله ~~وسكون الحاء المهملة أي يوقعه في الحرج وهو الاثم لأنه قد يكدره فيقول: # هذا الضيف ثقيل، أو قد ثقل علينا بطول إقامته، أو يتعرض له بما يؤذيه أو ~~يظن به ما لا يجوز قال النووي: وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاثة ~~بغير استدعائه، PageV09P038 # وأما إذا استدعاه وطلب منه إقامته أو علم أو ظن منه محبة الزيادة على ~~الثلاث أو عدم كراهته فلا بأس بالزيادة، لأن النهي إنما جاء لأجل كونه ~~يؤثمه، فلو شك في حال المضيف هل تكره الزيادة ولحقه بها حرج أم لا؟ لم ms3567 يحل ~~له الزيادة على الثلاث لظاهر الحديث. قوله: ليلة الضيف أي ويومه بدليل ~~الحديث الذي قبله. # قوله: بفنائه بكسر الفاء وتخفيف النون ممدودا وهو المتسع أمام الدار، ~~وقيل ما امتد من جوانب الدار جمعه أفنية. قوله: فله أن يعقبهم الخ قال ~~الإمام أحمد في تفسير ذلك: أي للضيف أن يأخذ من أرضهم وزرعهم بقدر ما يكفيه ~~بغير إذنهم وعنه رواية أخرى: أن الضيافة على أهل القرى دون الأمصار، وإليه ~~ذهبت الهادوية، وقد تقدم تحقيق ما هو الحق. # باب الادهان تصيبها النجاسة عن ميمونة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ~~رواه أحمد والبخاري والنسائي. وفي رواية: سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: ~~إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه رواه أبو داود ~~والنسائي. وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: إن كان جامدا فخذوها وما حولها ثم كلوا ما ~~بقي وإن كان مائعا فلا تقربوه رواه أحمد وأبو داود. # حديث أبي هريرة قال الترمذي: هو حديث غير محفوظ سمعت محمد بن إسماعيل ~~يعني البخاري يقول هذا خطأ، قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن ~~عباس عن ميمونة يعني الحديث الذي قبله. قال في الفتح: وجزم الذهلي بأن ~~الطريقين صحيحتان. وقد قال أبو داود في روايته عن الحسن بن علي قال الحسن: ~~فربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ~~ميمونة، وأخرجه أبو داود أيضا عن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق، وكذا أخرجه ~~النسائي عن خشيش بن أصرم عن عبد الرزاق. وذكر الإسماعيلي أن الليث ~~PageV09P039 # رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سئل عن فأرة وذكر الحديث. وأما الزيادة في حديث ميمونة التي ~~زادها أبو داود والنسائي فصححها ابن حبان ms3568 وغيره. قوله: فماتت استدل بهذا ~~الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد أن المائع إذا حلت فيه النجاسة لا ينجس إلا ~~بالتغير وهو اختيار البخاري، ووجه الاستدلال ما قاله ابن العربي متمسكا ~~بقوله: وما حولها على أنه كان جامدا قال: لأنه لو كان مائعا لم يكن له حول، ~~لأنه لو نقل من جانب خلفه غيره في الحال فيصير مما حوله فيحتاج إلى إلقائه ~~كله، فما بقي إلا اعتبار ضابط كلي في المائع وهو التغير، ولكنه يدفع هذا ما ~~في الرواية الأخيرة من حديث ميمونة وما في حديث أبي هريرة المذكور من ~~التفرقة بين الجامد والمائع، وتبيين حكم كل واحد منهما، وضابط المائع عند ~~الجمهور أن يتراد بسرعة إذا أخذ منه شئ، واستدل بقوله فماتت على أن تأثيرها ~~إنما يكون بموتها فيه، فلو وقعت فيه وخرجت بلا موت لم يضر، وما عدا الفأرة ~~ملحق بها، وكذلك ما يشابه السمن ملحق فلا عمل بمفهومهما. وجمد ابن حزم على ~~عادته قال: فلو وقع غير جنس الفأرة من الدواب في مائع لم ينجس إلا بالتغير، ~~ولم يرد في طريق صحيحة تقدير ما يلقى. وقد أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء ~~بن يسار أنه يكون قدر الكف وسنده جيد لولا إرساله. وأما ما أخرجه الطبراني ~~عن أبي الدرداء مرفوعا من التقييد في المأخوذ منه بثلاث غرفات بالكفين ~~فسنده ضعيف، ولو ثبت لكان ظاهرا في المائع. واستدل بقوله: في المائع فلا ~~تقربوه على أنه لا يجوز الانتفاع به في شئ، فيحتاج من أجاز الانتفاع به في ~~غير الاكل كالشافعية، أو أجاز بيعه كالحنفية أولى الجواب عن الحديث فإنهم ~~احتجوا به في التفرقة بين الجامد والمائع. وأما الاحتجاج بما عند البيهقي ~~من حديث ابن عمر بلفظ: إن كان السمن مائعا انتفعوا به ولا تأكلوه وعنده من ~~رواية ابن جريج مثله، فالصحيح أنه موقوف، وعند البيهقي أيضا عن ابن عمر في ~~فأرة وقعت في زيت فقال: استصبحوا به وادهنوا به أدمكم، وهذا السند على شرط ~~الشيخين لأنه من طريق ms3569 الثوري عن أيوب عن نافع عنه إلا أنه موقوف. واستدل ~~بالحديث على أن الفارة طاهرة العين، وأغرب ابن العربي فحكى عن الشافعي وأبي ~~حنيفة أنها نجسة PageV09P040 # باب آداب الاكل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله على ~~أوله وآخره رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه. # الحديث أخرجه أيضا النسائي وهو من حديث عبد الله بن عبيد عن امرأة منهم ~~يقال لها أم كلثوم عن عائشة، ولم يقل الترمذي عن امرأة منهم إنما قال عن أم ~~كلثوم، ووقع في بعض رواياته أم كلثوم الليثية وهو الأشبه لأن عبيد بن عمير ~~ليثي. وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث في مسنده عن عبد الله بن ~~عبيد بن عمير عن عائشة ولم يذكر فيه أم كلثوم وفي الباب عن جابر عند مسلم ~~وأبي داود والنسائي وابن ماجة سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا ~~دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ~~ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، ~~فإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء. وعن حذيفة بن ~~اليمان عند مسلم وأبي داود والنسائي قال: كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم طعاما لم يضع أحدنا يده في الطعام حتى يبدأ رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وإنا حضرنا معه طعاما فجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب ~~ليضع يده في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده، ثم جاءت ~~جارية كأنما تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيدها وقال: إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله ~~عليه، وأنه جاء بهذا الاعرابي ليستحل بيده فأخذت بيده، وجاء بهذه الجارية ~~ليستحل بيدها فأخذت بيدها، والذي نفسي بيده إن يده ms3570 لفي يدي مع أيديهما. ~~وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل ~~طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكل بلقمتين فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أما إنه لو سمى لكفي لكم وقال: حديث حسن. وأخرج ابن السني ~~عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من نسي أن يذكر ~~الله PageV09P041 # في أول طعامه فليقل حين يذكر: بسم الله أوله وآخره فإنه يستقبل طعاما ~~جديدا ويمنع الخبيث مما كان يصيب منه. وفي الباب أيضا عن عمر بن أبي سلمة ~~وسيأتي. وفي هذه الأحاديث دليل على مشروعية التسمية للاكل، وأن الناسي يقول ~~في أثنائه بسم الله على أوله وآخره، وكذا التارك للتسمية عمدا يشرع له ~~التدارك في أثنائه. قال في الهدي: والصحيح وجوب التسمية عند الاكل، وهو أحد ~~الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الامر بها صحيحة صريحة لا معارض لها ولا ~~إجماع يسوغ مخالفتها ويخرجها عن ظاهرها، وتاركها يشركه الشيطان في طعامه ~~وشرابه اه. والذي عليه الجمهور من السلف والخلف من المحدثين وغيرهم أن أكل ~~الشيطان محمول على ظاهره، وأن للشيطان يدين ورجلين، وفيهم ذكر وأنثى، وأنه ~~يأكل حقيقة بيده إذا لم يدفع، وقيل إن أكلهم على المجاز والاستعارة، وقيل ~~إن أكلهم شم واسترواح، ولا ملجئ إلى شئ من ذلك. وقد ثبت في الصحيح كما ~~سيأتي أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وروي عن وهب بن منبه أنه قال: ~~الشياطين أجناس فخالص الجن لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون وهم ريح، ~~ومنهم جنس يفعلون ذلك كله ويتوالدون وهم السعالى والغيلان ونحوهم. # وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يأكل أحدكم ~~بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من ~~وسطه رواه أحمد وابن ماجة ms3571 والترمذي وصححه. وعن عمر أن أبا سلمة قال: كنت ~~غلاما في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال ~~لي: يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه. وعن أبي جحيفة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما أنا فلا آكل متكئا رواه ~~الجماعة إلا مسلما والنسائي. # قوله: لا يأكل أحدكم بشماله فيه النهي عن الأكل والشرب بالشمال، والنهي ~~حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول، ولا يكون لمجرد الكراهة فقط إلا ~~مجازا مع قيام صارف. قال النووي: وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر بمنع ~~الاكل أو الشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال. ~~قوله: فإن PageV09P042 # الشيطان يأكل الخ إشارة إلى أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال ~~الشيطان ، وقد تقدم الخلاف هل ذلك على الحقيقة أم على المجاز؟ قوله: البركة ~~تنزل في وسط الطعام لفظ أبي داود: إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى ~~الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها وفيه مشروعية الاكل ~~من جوانب الطعام قبل وسطه. قال الرافعي وغيره: يكره أن يأكل من أعلى الثريد ~~ووسط القصعة وأن يأكل مما يلي أكيله، ولا بأس بذلك في الفواكه. وتعقبه ~~الأسنوي بأن الشافعي نص على التحريم فإن لفظه في الام: فإن أكل مما يليه أو ~~من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالما، واستدل بالنهي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأشار إلى هذا الحديث. قال الغزالي: وكذا لا يأكل ~~من وسط الرغيف بل من استدارته إلا إذ قل الخبز فليكسر الخبز، والعلة في ذلك ~~ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام. قوله: تطيش بكسر الطاء ~~وبعدها مثناة تحتية ساكنة أي تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة ولا تقتصر على ~~موضع واحد. قال النووي: والصحفة دون القصعة وهي ما تسع ما يشبع خمسة، ~~والقصعة تشبع عشرة كذا قال الكسائي فيما ms3572 حكاه الجوهري وغيره عنه. وقيل: ~~الصحفة كالقصعة وجمعها صحاف. قال النووي أيضا وفي هذا الحديث ثلاث سنن من ~~سنن الاكل، وهي: التسمية. والاكل باليمين وقد سبق بيانهما. والثالثة الاكل ~~مما يليه لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة قد يتقذره صاحبه ~~لا سيما في الأمراق وشبهها، وهذا في الثريد والأمراق وشبههما. فإن كان تمرا ~~وأجناسا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم ~~النهي حملا للنهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص والله أعلم. قوله: أما أنا ~~فلا آكل متكئا سبب هذا الحديث قصة الاعرابي المذكور في حديث عبد الله بن ~~بسر عند ابن ماجة والطبراني بإسناد حسن قال: # أهديت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم شاة فجثى على ركبتيه يأكل: فقال له ~~أعرابي : ما هذه الجلسة: فقال: إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا ~~عنيدا. قال ابن بطال: # إنما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك تواضعا لله. ثم ذكر من طريق ~~أيوب عن الزهري قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ملك لم يأته قبلها ~~فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا، قال: فنظر إلى ~~جبريل كالمستشير له PageV09P043 # فأومأ إليه أن تواضع، فقال بل عبدا نبيا، قال فما أكل متكئا اه. قال ~~الحافظ: وهذا مرسل أو معضل. وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي عن الزهري عن ~~محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث فذكر نحوه. وأخرج أبو ~~داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما رئي النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يأكل متكئا قط. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم متكئا إلا مرة ثم نزع فقال: اللهم إني عبدك ورسولك ~~وهذا مرسل ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد ما اطلع عليها عبد ~~الله بن عمرو. وقد أخرج ابن شاهين في ناسخه من مرسل عطاء ms3573 بن يسار أن جبريل ~~رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأكل متكئا فنهاه. ومن حديث أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نهاه جبريل عن الاكل متكئا لم يأكل ~~متكئا بعد ذلك واختلف في صفة الاتكاء فقيل: إن يتمكن في الجلوس للاكل على ~~أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل إن يعتمد على يده اليسرى من ~~الأرض. قال الخطابي: يحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس ~~كذلك بل هو المعتمد على الوطاء عند الاكل لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إني أذم فعل من يستكثر من الطعام فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد ~~فلذلك أقعد مستوفزا. وفي حديث أنس: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أكل تمرا ~~وهو مقع والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن. وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: زجر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الاكل ~~قال مالك: هو نوع من الاتكاء. قال الحافظ: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة ~~ما يعد الآكل فيه متكئا ولا يختص بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي في تفسير ~~الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لانكار الخطابي ذلك، وحكى ~~ابن الأثير في النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على ~~مذهب الطب بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا ولا يسيغه هنيئا. واختلف ~~السلف في حكم الآكل متكئا فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية، ~~وتعقبه البيهقي فقال: يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ ~~من ملوك العجم قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه الاكل إلا متكئا لم ~~يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى ~~حمل ذلك عنهم على PageV09P044 # الضرورة وفي الحمل نظر. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وخالد بن ~~الوليد وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار والزهري جواز ذلك ~~مطلقا، ms3574 وإذا ثبت كونه مكروها أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للاكل ~~أن يكون جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على ~~اليسرى، واستثنى الغزالي من كراهة الآكل مضطجعا أكل البقل، واختلف في علة ~~الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم ~~النخعي قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكأة مخافة أن تعظم بطونهم، وإلى ذلك ~~يشير بقية ما ورد من الاخبار. ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشار إليه ~~ابن الأثير من جهة الطب. # وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه ~~الثلاث وقال: إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها ~~للشيطان، وأمرنا أن نسلت القصعة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن المغيرة بن شعبة قال: ضفت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي قال: فأخذ الشفرة ~~فجعل يحتز لي بها منه رواه أحمد. وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أتى بعض حجر نسائه فدخل ثم أذن لي فدخلت فقال: هل من غداء؟ ~~فقالوا نعم، فأتي بثلاثة أقرصة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قرصا فوضعه بين يديه وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يدي ثم أخذ الثالث فكسره ~~باثنتين فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي ثم قال: هل من أدم؟ قالوا: لا ~~إلا شئ من خل، قال: هاتوه فنعم الأدم هو رواه أحمد ومسلم. # حديث المغيرة بن شعبة أخرجه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجة، ولفظ أبي ~~داود في باب ترك الوضوء مما مست النار عن المغيرة بن شعبة قال: ضفت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ليلة فأمر بجنب فشوي فأخذ الشفرة فجعل يحز ~~لي بها منه قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة قال فألقى السكين وقال: ما له ~~تربت يداه وقام يصلي زاد الأنباري: # وكان بشاربي وفاء ms3575 فقصه على سواك أو قال أقصه لك على سواك. قوله: لعق ~~أصابعه فيه استحباب لعق الأصابع محافظة على بركة الطعام وتنظيفا، وسيأتي ~~تمام الكلام على ذلك. وفيه استحباب الاكل بثلاث أصابع ولا يضم إليها ~~الرابعة والخامسة إلا PageV09P045 # لعذر بأن يكون مرقا أو غيره مما لا يمكن بثلاث وغير ذلك من الاعذار. ~~قوله: # فليمط عنها الأذى فيه مشروعية أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، ~~هذا إذا لم تقع على موضع نجس، ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر قال ~~النووي: # أطعمها حيوانا ولا يتركها للشيطان. قوله: أن نسلت القصعة قال الخطابي: # سلت القصعة تتبع ما يبقى فيها من الطعام، وفيه أن لعق القصعة مشروع، ~~والعلة في ذلك ما ذكرناه عقبه من أنهم لا يدرون في أي طعامهم البركة أي أن ~~الطعام الذي يحضر الانسان فيه بركة، ولا يدري هل البركة فيما أكل أو فيما ~~بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة؟ فينبغي ~~أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير ~~والامتاع به. قال النووي: والمراد هنا والله أعلم ما تحصل به التغذية وتسلم ~~عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك، وسيأتي حديث استغفار القصعة ~~قريبا وهو صالح للتعليل به. قوله: ضفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكسر ~~الضاد المعجمة من ضاف يضيف مثل باع يبيع. وقال في النهاية: ضفت الرجل إذا ~~نزلت به في ضيافته. وقال في الضياء: إذا تعرض به ليضيفه قال في النهاية: ~~وأضفته إذا أنزلته وتضيفته إذا قوله: فأخذ الشفرة فجعل يحتز لي بها فيه ~~دليل على جواز قطع اللحم نزلت به بالسكين. وقد أخرج أبو داود عن عائشة ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقطعوا اللحم بالسكين ~~فإنه من صنع الأعاجم وانهشوه فإنه أهنأ وأمرأ ويؤيد حديث الباب ما رواه ~~البخاري وغيره من حديث عمرو بن أمية الضمري أنه رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يحتز ms3576 من كتف شاة فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم ~~يتوضأ على أن حديث عائشة المذكور في إسناده أبو معشر السندي المدني واسمه ~~نجيح كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه ويستضعفه جدا ويضحك إذا ذكره ~~غيره. قال المنذري: وتكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال النسائي: أبو معشر ~~له أحاديث مناكير منها هذا. ومنها عن أبي هريرة ما بين المشرق والمغرب ~~قبلة. وأما أحمد بن حنبل فقال: صدوق وعلى كل حال فحديث عائشة لا يعادل ما ~~عارضه من حديث عمرو بن أمية وحديث الباب. ويروى عن الإمام أحمد أنه سئل عن ~~حديث عائشة فقال: ليس بمعروف. قوله: فأخذ قرصا الخ، فيه استحباب التسوية ~~بين الحاضرين PageV09P046 # على الطعام وإن كان بعضهم أفضل من بعض. قوله: هل من أدم قال أهل اللغة : ~~الادام بكسر الهمزة ما يؤتدم به، يقال أدم الخبز يأدمه بكسر الدال وجمع ~~الادام أدم بضم الهمزة كإهاب وأهب وكتاب وكتب، والأدم بإسكان الدال مفرد ~~كالإدام كذا قال النووي. قال الخطابي والقاضي عياض: معني الحديث مدح ~~الاقتصار في المأكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة تقديره ائتدموا بالخل، وما ~~في معناه مما تخف مؤونته ولا يعز وجوده ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة ~~للدين مسقمة للبدن. قال النووي : والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح ~~للخل نفسه. وأما الاقتصار في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر. قال ~~وأما قول جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فهو كقول أنس: ما زلت أحب الدباء، وهذا يؤيد ما قلناه في معنى ~~الحديث أنه مدح للخل نفسه. وقد كررنا مرات أن تأويل الراوي إذا لم يخالف ~~الظاهر يتعين المصير إليه والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء ~~والأصوليين وهذا كذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ فيتعين اعتماده ~~اه. وقيل وهو الصواب: أنه ليس فيه تفضيل على اللحم واللبن والعسل والمرق، ~~وإنما هو مدح له في تلك الحال التي حضر فيها، ms3577 ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى ~~بالمدح منه. # وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو: أن رجلا من قومه يقال له أبو شعيب صنع للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم طعاما فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ائتني أنت وخمسة معك، قال: فبعث إليه: أن ائذن لي في السادس متفق عليه. وعن ~~ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا أكل أحدكم طعاما فلا ~~يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها متفق عليه، ورواه أبو داود وقال فيه ~~بالمنديل. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بلعق الأصابع ~~والصحفة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة رواه أحمد ومسلم. # وعن نبيشة الخير: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أكل في ~~قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. وعن جابر: ~~أنه سئل عن الوضوء مما مسته النار فقال: لا، لقد كنا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا فإذا نحن وجدناه لم يكن ~~لنا مناديل PageV09P047 # إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نصلي ولا نتوضأ رواه البخاري وابن ماجة. ~~وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من بات وفي يده ~~غمر ولم يغسله فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه رواه الخمسة إلا النسائي. # حديث نبيشة الخير رواه الترمذي من طريق نصر بن علي الجهضمي قال: أخبرنا ~~أبو اليمان المعلى بن راشد قال: حدثتني جدتي أم عاصم وكانت أم ولد لسنان بن ~~سلمة قالت: دخل علينا نبيشة الخير ونحن نأكل في قصعة فحدثنا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة ~~قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث المعلى بن راشد وقد روى ~~يزيد بن هارون وغير واحد من الأئمة عن المعلى بن راشد هذا الحديث اه. وحديث ~~أبي هريرة سكت ms3578 عنه أبو داود ورجال إسناده رجال الصحيح وأخرجه الترمذي ~~معلقا. وأخرجه الضياء من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة وقال غريب. وأخرجه ~~أيضا من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وقال: حسن غريب لا نعرفه من ~~حديث الأعمش إلا من هذا الوجه. قوله: فبعث إليه أن ائذن لي في السادس فيه ~~أن المدعو إذا تبعه رجل من غير استدعاء ينبغي له أن لا يأذن له ولا ينهاه، ~~وإذا بلغ باب دار صاحب الطعام أعلمه به ليأذن له أو يمنعه، وأن صاحب الطعام ~~يستحب له أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسدة بأن يؤذي الحاضرين أو ~~يشيع عنهم ما يكرهونه أو يكون جلوسه معهم مزريا بهم لشهرته بالفسوق ونحو ~~ذلك فإن خيف من حضوره شئ من هذا لم يأذن له، وينبغي أن يتلطف في رده ولو ~~بإعطائه شيئا من الطعام إن كان يليق به ليكون ردا جميلا كذا قال النووي. ~~قوله: فلا يمسح يده يحتمل أن يكون أطلق اليد على الأصابع الثلاث لما تقدم ~~في حديث أنس بلفظ: لعق أصابعه الثلاث. وفي مسلم من حديث كعب بن مالك بلفظ: ~~يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها ويحتمل أن يطلق على جميع أصابع اليد لأن ~~الغالب اتصال شئ من آثار الطعام بجميعها، ويحتمل أن يكون المراد باليد الكف ~~كلها. قال الحافظ: # وهو الأولى فيشمل الحكم من أكل بكفه كلها أو بأصابعه فقط أو ببعضها. وقال ~~ابن العربي في شرح الترمذي: يدل على الاكل بالكف كلها أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يتعرق العظم وينهش اللحم ولا يمكن ذلك عادة إلا بالكف ~~PageV09P048 # كلها، قيل وفيه نظر لأنه يمكن بالثلاث سلمنا لكن هو ممسك بكفه كلها لا ~~آكل بها سلمنا، محل الضرورة لا يدل على عموم الأحوال، ويؤخذ من حديث كعب بن ~~مالك أن السنة الاكل بثلاث أصابع وإن كان الاكل بأكثر منها جائزا. وقد أخرج ~~سعيد بن منصور عن سفيان عن عبيد الله بن يزيد أنه رأى ابن عباس ms3579 إذا أكل لعق ~~أصابعه الثلاث. قال عياض: والاكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب وتكبير ~~اللقم، ولأنه غير مضطر إلى ذلك لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث، ~~فإن اضطر إلى ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث فيدعمه بالرابعة أو ~~الخامسة. قوله: حتى يلعقها أو يلعقها الأول بفتح حرف المضارعة والثاني ~~بضمها، أي يلعقها زوجته أو جاريته أو خادمه أو ولده، وكذا من كان في معناهم ~~كتلميذ يعتقد البركة بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها. وقال البيهقي: إن ~~قوله أو يلعقها شك من الراوي ثم قال: فإن كانا جميعا محفوظين فإنما أراد أن ~~يلعقها صغيرا أو من يعلم أنه لا يتقذر بها، ويحتمل أن يكون أراد أن يلعق ~~أصبعه فمه فيكون بمعنى يلعقها فتكون أو للشك. قال ابن دقيق العيد: جاءت علة ~~هذا مبينة في بعض الروايات أنه لا يدري في أي طعامه البركة، وقد يعلل أن ~~مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما يمسح به مع الاستغناء عنه بالريق، لكن ~~إذا صح الحديث بالتعليل لم يعدل عنه، وقد عرفت أنه في صحيح مسلم كما في ~~الباب. قوله: وقال فيه بالمنديل هو أيضا في صحيح مسلم بلفظ: فلا يمسح يده ~~بالمنديل حتى يلعق أصابعه وفي حديث جابر أنهم لم يكن لهم مناديل، ومفهومه ~~يدل على أنها لو كانت لهم مناديل لمسحوا بها. قوله: استغفرت له القصعة فيه ~~أن ذلك من القرب التي ينبغي المحافظة عليها، لأن استغفار القصعة دليل على ~~كون الفعل مما يثاب عليه الفاعل. # قوله: إلا أكفنا وسواعدنا فيه الاخبار بما كان عليه الصحابة رضي الله ~~عنهم من التقلل من الدنيا والزهد فيها والانتفاع بالأكف والسواعد كما ينتفع ~~غيرهم بالمناديل، وقد تقدم الكلام على الوضوء مما مست النار. قوله: غمر ~~بفتح الغين المعجمة والميم معا هو ريح دسم اللحم وزهومته كالوضر من السمن، ~~ذكر معنى ذلك في النهاية. قوله: ولم يغسله إطلاقه يقتضي حصول السنة بمجرد ~~الغسل بالماء، قال ابن رسلان: والأولى غسل اليد منه بالأشنان والصابون وما ~~في ms3580 معناهما. قوله: وأصابه PageV09P049 # شئ في رواية للطبراني: من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح أي برص قوله: ~~فلا يلومن إلا نفسه أي لأنه الذي فرط بترك الغسل فأتى الشيطان فلحس يده ~~فوقع بها البرص وأخرج الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده غمر ~~فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه وقد جاء في الحديث تخصيص غسل اليد بأكل اللحم ~~فأخرج أبو يعلى بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره. # وعن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفع مائدته ~~قال: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ~~ربنا رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه. وفي لفظ: كان ~~إذا فرغ من طعامه قال: # الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفي ولا مكفور رواه البخاري. وعن أبي ~~سعيد قال: إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وعن معاذ بن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني ~~هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه رواه أحمد ~~وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه ~~وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا ~~منه. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس شئ يجزي مكان الشراب ~~والطعام غير اللبن رواه الخمسة إلا النسائي. # حديث أبي سعيد أخرجه أيضا النسائي وذكره البخاري في تاريخه الكبير وساق ~~اختلاف الرواة فيه، وقد ms3581 سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده إسماعيل بن ~~رباح السلمي وهو مجهول. وحديث معاذ بن أنس أخرجه الترمذي من طريق محمد بن ~~إسماعيل قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقبري، حدثنا سعيد بن أيوب، حدثني ~~أبو مرحوم وهو عبد الرحمن بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه وساق ~~الحديث ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وحديث ابن عباس وغيره ولكن لفظ ~~PageV09P050 # أبي داود: إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا ~~منه، وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شئ يجزي ~~من الطعام والشراب إلا اللبن. ولفظ الترمذي: من أطعمه الله طعاما فليقل: ~~اللهم بارك فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك ~~لنا فيه وزدنا منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس شئ يجزي ~~مكان الطعام والشراب غير اللبن وقد حسن هذا الحديث الترمذي ولكن في إسناده ~~على ابن زيد بن جدعان عن عمرو بن حرملة، وقد ضعف علي بن زيد جماعة من ~~الحفاظ. وعمر بن حرملة سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال: بصري لا أعرفه إلا في ~~هذا الحديث. قوله: إذا رفع مائدته قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يأكل على خوان قط كما في حديث أنس، والمائدة هي خوان عليه طعام، فأجاب ~~بعضهم بأن أنسا ما رأى ذلك ورآه غيره والمثبت يقدم على النافي. قال في ~~الفتح: وقد تطلق المائدة ويراد بها نفس الطعام. وقد نقل عن البخاري أنه ~~قال: إذا أكل الطعام على شئ ثم رفع قيل رفعت المائدة. قوله: غير مكفي بفتح ~~الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التحتانية قال ابن بطال يحتمل أن يكون ~~من كفأت الاناء فالمعنى غير مردود عليه إنعامه، ويحتمل أن يكون من الكفاية ~~أي أن الله غير مكفي رزق عباده لأنه لا يكفيهم أحد غيره. وقال ابن التين أي ~~غير محتاج إلى أحد لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم ms3582 هذا قول الخطابي. وقال ~~القزاز: معناه أنا غير مكتف بنفسي عن كفايته. وقال الداودي معناه لم أكتف ~~من فضل الله ونعمته قال ابن التين: وقول الخطابي أولى لأن مفعولا بمعنى ~~مفتعل فيه بعد وخروج عن الظاهر. قال في الفتح: وهذا كله على أن الضمير لله ~~ويحتمل أن يكون الضمير للحمد. وقال إبراهيم الحربي: الضمير للطعام، ومكفي ~~بمعنى مقلوب من الأكفاء وهو القلب. وذكر ابن الجوزي عن أبي منصور الجواليقي ~~أن الصواب غير مكافأ بالهمز أي أن نعمة الله لا تتكافأ اه. وقد ثبت هكذا في ~~حديث أبي هريرة، ويؤيد هذا لفظ كفانا الواقع في الرواية الأخرى لأن الضمير ~~فيه يعود إلى الله تعالى بلا ريب، إذ هو تعالى هو الكافي لا المكفي وكفانا ~~هو من الكفاية وهو أعم من الشبع والري وغيرهما، فأروانا على هذا من الخاص ~~بعد العام، ووقع في رواية ابن السكن وآوانا بالمد من الايواء. قوله: ولا ~~مودع بفتح الدال PageV09P051 # الثقيلة أي غير متروك، ويحتمل أنه حال من القائل أي غير تارك. قوله: ولا ~~مستغنى عنه بفتح النون وبالتنوين. قوله: ربنا بالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي هو ربنا، أو على أنه مبتدأ وخبره متقدم عليه، ويجوز النصب على ~~المدح أو الاختصاص أو إضمار أعني. قال ابن التين: ويجوز الجر على أنه بدل ~~من الضمير في عنه، وقال غيره على البدل من الاسم فقوله الحمد لله. وقال ابن ~~الجوزي: ربنا بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء. قوله: ولا مكفور أي ~~مجحود فضله ونعمته، وهذا أيضا مما يقوي أن الضمير لله تعالى. قوله: إذا أكل ~~أو شرب لفظ أبي داود: كان إذا فرغ من طعامه والمذكور في الباب لفظ الترمذي. ~~وفي حديث أبي هريرة عند النسائي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم مرفوعا: ~~الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب ، وكسا من العرى، وهدى من ~~الضلال، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا. قوله: # وزدنا منه هذا يدل على الروايات التي ذكرناها ms3583 أنه ليس في الأطعمة ~~والأشربة خير من اللبن، وظاهره أنه خير من العسل الذي هو شفاء، لكن قد يقال ~~إن اللبن باعتبار التغذي والري خير من العسل ومرجح عليه، والعسل باعتبار ~~التداوي من كل داء، وباعتبار الحلاوة مرجح على اللبن، ففي كل منهما خصوصية ~~يترجح بها، ويحتمل أن المراد وزدنا لبنا من جنسه وهو لبن الجنة كما في قوله ~~تعالى: * (هذا الذي رزقنا من قبل) * (البقرة: 25). قوله: فإنه ليس يجزئ بضم ~~أوله من الطعام أي بدل الطعام كقوله تعالى: * (أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة) * أي بدلها. # كتاب الأشربة باب تحريم الخمر ونسخ إباحتها المتقدمة عن ابن عمر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها ~~حرمها في الآخرة رواه الجماعة إلا الترمذي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: مدمن الخمر كعابد وثن رواه ابن ماجة. وعن ~~أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا فمن كان ~~عنده منها شئ PageV09P052 # فليبعه ولينتفع به، قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شئ فلا يشرب ولا ~~يبيع، قال: # فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها رواه مسلم. وعن ~~ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صديق من ثقيف ودوس ~~فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه فقال: يا فلان أما ~~علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بيعها فأمر بها ~~فأفرغت في البطحاء رواه أحمد ومسلم والنسائي. وفي رواية لأحمد: أن رجلا خرج ~~والخمر حلال فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راوية خمر فذكر نحوه ~~وهو دليل على ms3584 أن الخمور المحرمة وغيرها تراق ولا تستصلح بتخليل ولا غيره. ~~وعن أبي هريرة: أن رجلا كان يهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم راوية خمر ~~فأهداها إليه عاما وقد حرمت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنها قد ~~حرمت. فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: # إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: أفلا أكارم بها اليهود؟ قال: إن الذي ~~حرمها حرم أن يكارم بها اليهود، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: شنها على البطحاء ~~رواه الحميدي في مسنده. وعن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شئ ~~نزلت : * (يسألونك عن الخمر والميسر) * (البقرة 219) الآية، فقيل: حرمت ~~الخمر، فقيل: يا رسول الله ننتفع بها كما قال الله عز وجل؟ فسكت عنهم ثم ~~أنزلت هذه الآية: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (البقرة: 219) فقيل ~~حرمت الخمر بعينها، فقالوا: يا رسول الله إنا لا نشربها قرب الصلاة فسكت ~~عنهم ثم نزلت: * (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان) * (المائدة: 90) الآية، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: حرمت الخمر رواه أبو داود الطيالسي في مسنده. وعن علي ~~عليه السلام قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر ~~فأخذت الخمر منا وقد حضرت الصلاة فقدموني فقرأت: * (قل يا أيها الكافرون لا ~~أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون) *، قال فأنزل الله عز وجل: * (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) * ~~(النساء: 43) رواه الترمذي وصححه. # حديث أبي هريرة الأول إسناده في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا أبو بكر ~~PageV09P053 # بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح قالا: حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني عن ~~سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فذكره ورجال إسناده ثقات إلا محمد ~~بن سليمان فصدوق لكنه يخطئ، وقد ضعفه النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به ~~وليس بحجة. # وحديث علي عليه السلام سيأتي الكلام عليه آخر البحث. قوله: من شرب الخمر ~~في الدنيا ثم ms3585 لم يتب منها حرمها بضم المهملة وكسر الراء الخفيفة من ~~الحرمان، والمراد بقوله لم يتب منها أي من شربها فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه. قال الخطابي والبغوي في شرح السنة: معنى الحديث لا يدخل الجنة ~~لأن الخمر شراب أهل الجنة فإذا حرم شربها دل على أنه لا يدخل الجنة. وقال ~~ابن عبد البر: هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخول الجنة لأن الله تعالى أخبر ~~أن في الجنة أنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهم لا يصدعون عنها ولا ينزفون، ~~فلو دخلها وقد علم أن فيها خمرا أو أنه حرمها عقوبة له لزم وقوع الهم ~~والحزن والجنة لا هم فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنة ولا أنه ~~حرمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعض من تقدم: أنه لا ~~يدخل الجنة أصلا. قال: وهو مذهب غير مرضي. قال: ويحمل الحديث عند أهل السنة ~~على أنه لا يدخلها ولا يشرب الخمرة فيها إلا إن عفا الله عنه كما في بقية ~~الكبائر وهو في المشيئة، فعلى هذا معنى الحديث جزاؤه في الآخرة أن يحرمها ~~لحرمانه دخول الجنة إلا إن عفا الله عنه. قال: وجائز أن يدخل الجنة بالعفو ~~ثم لا يشرب فيها خمرا ولا تشتهيها نفسه وإن علم بوجودها فيها. ويؤيده حديث ~~أبي سعيد مرفوعا من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل ~~الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه، وقد أخرجه الطبراني وصححه ابن حبان، وقريب ~~منه حديث عبد الله بن عمرو رفعه: # من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة أخرجه أحمد ~~بسند حسن، وقد زاد عياض على ما ذكره ابن عبد البر احتمالا وهو أن المراد ~~بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبته، ومثله الحديث ~~الآخر لم يرح رائحة الجنة، قال: ومن قال لا يشربها في الجنة بأن ينساها أو ~~لا يشتهيها يقول: ليس عليه في ذلك حسرة، ولا يكون ترك ms3586 شهوته إياها عقوبة في ~~حقه بل هو نقص، نعم بالنسبة إلى من هو أتم نعيما منه كما تختلف درجاتهم، ~~ولا يحلق من هو أنقص درجة بمن هو أعلى درجة منه استغناء بما أعطى واغتباطا ~~به. وقال ابن العربي: PageV09P054 # ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة ولا يلبس الحرير فيها، وذلك ~~لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به فحرمه عند ميقاته، وفصل بعض المتأخرين ~~بين من شربها مستحلا فهو الذي لا يشربها أصلا لأنه لا يدخل الجنة أصلا، ~~وعدم الدخول يستلزم حرمانها ومن شربها عالما بتحريمها فهو محل الخلاف، وهو ~~الذي يحرم شربها مدة ولو في حال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أن ذاك جزاؤه إن ~~جوزي وفي الحديث: إن التوبة تكفر المعاصي الكبائر وذلك في التوبة من الكفر ~~قطعي وفي غيره من الذنوب، خلاف بين أهل السنة هل هو قطعي أو ظني؟ قال ~~النووي: الأقوى أنه ظني وقال القرطبي: من استقرأ الشريعة علم أن الله يقبل ~~توبة الصادقين قطعا، وللتوبة والصادقة شروط مدونة في مواطن ذلك. وظاهر ~~الوعيد أنه يتناول من شرب الخمر إن لم يحصل له السكر، لأنه رتب الوعيد في ~~الحديث على مجرد الشرب من غير تقييد. # قال في الفتح: وهو مجمع عليه في الخمر المتخذ من عصير العنب، وكذا فيما ~~يسكر من غيرها، وأما ما لا يسكر من غيرها فالامر فيه كذلك عند الجمهور. ~~قوله: مدمن الخمر كعابد وثن هذا وعيد شديد وتهديد ما عليه مزيد لأن عابد ~~الوثن أشد الكافرين كفرا، فالتشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن ~~من أعظم المبالغة والزجر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قوله: إن ~~الله حرم الخمر اختلف في بيان الوقت الذي حرمت فيه الخمر فقال الدمياطي في ~~سيرته بأنه كان عام الحديبية والحديبية كانت سنة ست وذكر ابن إسحاق أنه كان ~~في وقعة بني النضير وهي بعد أحد وذلك سنة أربع على الراجح. قوله: فمن ~~أدركته هذه الآية لعله يعني قوله تعالى: * (إنما الخمر والميسر) ms3587 * ~~(المائدة: 90). قوله: أفلا أكارم بها اليهود قال في القاموس: كارمه فكرمه ~~كنصره غلبه فيه اه. ولعل المراد هنا المهاداة، قال في النهاية: المكارمة أن ~~تهدي لانسان شيئا ليكافئك عليه وهي مفاعلة من الكرم اه. قوله: ثم نزلت إنما ~~الخمر والميسر أخرج أبو داود عن ابن عباس أن قوله تعالى: * (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (النساء: 43) وقوله تعالى: * ~~(يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) * (البقرة: ~~219) نسختهما التي في المائدة: * (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس ) * وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال. ووجه النسخ أن الآية ~~الآخرة فيها PageV09P055 # الامر بمطلق الاجتناب، وهو يستلزم أن لا ينتفع بشئ معه من الخمر في حال ~~من حالاته في غير وقت الصلاة، وفي حال السكر وحال عدم السكر، وجميع المنافع ~~في العين والثمن. قوله: وعن علي رضي الله عنه قال: صنع لنا عبد الرحمن الخ، ~~هذا الحديث صححه الترمذي كما رواه المصنف رحمه الله، وأخرجه أيضا النسائي ~~وأبو داود وفي إسناده عطاء بن السائب لا يعرف إلا من حديثه، وقد قال يحيى ~~بن معين لا يحتج بحديثه، وفرق مرة بين حديثه القديم وحديثه الحديث، ووافقه ~~على التفرقة الإمام أحمد. وقال أبو بكر البزار، وهذا الحديث لا نعلمه يروى ~~عن علي رضي الله عنه متصل الاسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد ~~الرحمن يعني السلمي، وإنما كان ذلك قبل أن تحرم الخمر فحرمت من أجل ذلك. ~~قال المنذري: وقد اختلف في إسناده ومتنه، فأما الاختلاف في إسناده فرواه ~~سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي عن عطاء بن السائب فأرسلوه، وأما الاختلاف ~~في متنه ففي كتاب أبي داود والترمذي : أن الذي صلى بهم علي عليه السلام وفي ~~كتاب النسائي وأبي جعفر النحاس: أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف. وفي كتاب ~~أبي بكر البزار: أمروا رجلا فصلى بهم ولم يسمه. وفي حديث غيره: فتقدم بعض ~~القوم اه. وأخرج الحاكم في تفسير سورة النساء عن عطاء ms3588 بن السائب عن أبي عبد ~~الرحمن عن علي رضي الله عنه: دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر فحضرت ~~صلاة المغرب فتقدم رجل فقرأ : * (قل يا أيها الكافرون) * فألبس عليه فنزلت: ~~* (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) * ثم قال: صحيح. قال: وفي هذا الحديث ~~فائدة كبيرة وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب دون غيره، وقد برأه الله منها فإنه راوي الحديث. # باب ما يتخذ منه الخمر وأن كل مسكر حرام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة رواه الجماعة إلا ~~البخاري. وعن أنس قال: إن الخمر PageV09P056 # حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر متفق عليه وفي لفظ قال: حرمت علينا حين ~~حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر رواه البخاري ~~وفي لفظ: لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر وما في المدينة شراب ~~إلا من تمر رواه مسلم. وعن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب من ~~فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس ~~فأهرقها فأهرقتها متفق عليه. وعن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن ~~بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب رواه البخاري. وعن ابن عمر: ~~أن عمر قال على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما بعد أيها الناس ~~إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ~~والخمر ما خامر العقل متفق عليه. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب ~~خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا رواه الخمسة إلا النسائي زاد أحمد ~~وأبو داود: # وأنا أنهى عن كل مسكر. وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرا رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وفي ms3589 ~~رواية: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام رواه مسلم والدارقطني. وعن عائشة قالت: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل ~~اليمن يشربونه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كل شراب أسكر فهو حرام. وعن ~~أبي موسى قال: قلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع ~~وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، ~~قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه ~~فقال: كل مسكر حرام متفق عليهما. وعن جابر أن رجلا من جيشان وجيشان من ~~اليمن سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة ~~يقال له المزر فقال: أمسكر هو؟ قال: نعم، فقال: كل مسكر حرام، إن على الله ~~عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله وما ~~طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار رواه أحمد ومسلم ~~والنسائي. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كل مخمر خمر ~~وكل مسكر حرام رواه PageV09P057 # أبو داود. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كل مسكر ~~حرام رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه الترمذي. ولابن ماجة مثله من حديث ~~ابن مسعود وحديث معاوية. # حديث النعمان بن بشير في إسناده إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي. قال ~~المنذري: قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال الترمذي بعد إخراجه: غريب ~~اه. # قال ابن المديني: لإبراهيم بن مهاجر نحو أربعين حديثا. وقال أحمد: لا بأس ~~به، وقال النسائي والقطان: ليس بالقوي. وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود ~~والمنذري وهو من طريق محمد بن رافع النيسابوري شيخ الجماعة سوى ابن ماجة ~~قال: حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني وهو ثقة قال: سمعت النعمان يعني ابن ~~أبي شيبة عبيد الجنيدي وهو أيضا ثقة يقول عن طاوس عن ابن عباس الحديث ~~وتمامه عند أبي ms3590 داود: ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب ~~الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، ~~قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرا ~~لا يعرف حلاله من حرامه كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال. وحديث ~~جابر المذكور في الباب أخرجه أيضا أبو داود بلفظ: ما أسكر كثيره فقليله ~~حرام وقد حسنه الترمذي. قال المنذري في إسناده داود بن بكر بن أبي الفرات ~~الأشجعي مولاهم المدني سئل عنه ابن معين فقال ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: ~~لا بأس به ليس بالمتين. قال المنذري أيضا: وقد روى عنه هذا الحديث من رواية ~~الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ~~وعبد الله بن عمر وعائشة وخوات بن جبير. وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها ~~إسنادا، فإن النسائي رواه في سننه عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وهو ~~أحد الثقات عن الوليد بن كثير. وقد احتج به البخاري ومسلم في الصحيحين عن ~~الضحاك بن عثمان، وقد احتج به مسلم في صحيحه عن بكير بن عبد الله الأشج عن ~~عامر بن سعد بن أبي وقاص، وقد احتج البخاري ومسلم بهما في الصحيحين قال أبو ~~بكر البزار: وهذا الحديث لا يعلم روي عن سعد إلا من هذا الوجه، ورواه عن ~~الضحاك، وأسنده جماعة عنه منهم الدراوردي والوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن ~~أبي كثير المدني انتهى. قال المنذري أيضا: وتابع محمد بن عبد الله بن عمار ~~أبو سعيد PageV09P058 # عبد الله بن سعيد الأشج وهو ممن اتفق عليه البخاري ومسلم واحتجابه. وحديث ~~أبي هريرة لم يذكر الترمذي لفظه إنما ذكر حديث عائشة المذكور في الباب، ثم ~~حديث ابن عمر بلفظ: كل مسكر حرام ثم قال: وفي الباب عن علي وعمر وابن مسعود ~~وأنس وأبي سعيد وأبي موسى والأشج وديلم وميمونة وابن عباس وقيس بن سعد ~~والنعمان ms3591 بن بشير ومعاوية ووائل بن حجر وقرة المزني وعبد الله بن مغفل وأم ~~سلمة وبريدة وأبي هريرة وعائشة قال: هذا حديث حسن وقد روي عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه وكلاهما صحيح. ورواه غير ~~واحد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعن أبي سلمة عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وحديث ابن مسعود ومعاوية اللذين أشار ~~إليهما المصنف هما في سنن ابن ماجة كما قال. أما حديث ابن مسعود فلم يكن في ~~إسناده إلا أيوب بن هانئ وهو صدوق وربما يخطئ وهو بلفظ: كل مسكر حرام وأما ~~حديث معاوية ففي إسناده سليمان بن عبد الله بن الزبرقان وهو لين الحديث ~~ولفظه: كل مسكر حرام على كل مؤمن. قوله: النخلة والعنبة لفظ أبي داود يعني ~~النخلة والعنبة وهو يدل على أن تفسير الشجرتين ليس من الحديث، فيحتمل رواية ~~من عدا أبا داود على الادراج ، وليس في هذا نفي الخمرية عن نبيذ الحنطة ~~والشعير والذرة وغير ذلك، فقد ثبت فيه أحاديث صحيحة في البخاري وغيره قد ~~ذكر بعضها المصنف كما ترى، وإنما خص بالذكر هاتين الشجرتين، لأن أكثر الخمر ~~منهما وأعلى الخمر وأنفسه عند أهله منهما، وهذا نحو قولهم: المال الأب أي ~~أكثره وأعمه، والحج عرفات ونحو ذلك، فغاية ما هناك أن مفهوم الخمر المدلول ~~عليه باللام معارض بالمنطوقات وهي أرجح بلا خلاف. قوله: وعامة خمرنا البسر ~~والتمر أي الشراب الذي يصنع منهما. وأخرج النسائي والحاكم وصححه من رواية ~~محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الزبيب ~~والتمر هو الخمر وسنده صحيح وظاهره الحصر. قال الحافظ: لكن المراد المبالغة ~~وهو بالنسبة إلي ما كان حينئذ بالمدينة موجودا وقيل: # إن مراد أنس الرد على من خص اسم الخمر بما يتخذ من العنب. وقيل مراده أن ~~التحريم لا يختص بالخمر المتخذة من العنب بل يشركها في التحريم كل شراب ~~مسكر. قال الحافظ: ms3592 وهذا أظهر، قال: والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد ~~فإنه PageV09P059 # يحرم تناوله بالاتفاق. وحكى ابن قتيبة عن قوم من مجان أهل الكلام أن ~~النهي عنها للكراهة وهو قول مجهول لا يلتفت إلى قائله. وحكي أبو جعفر ~~النحاس عن قوم: أن الحرام ما أجمعوا عليه. وما اختلفوا فيه فليس بحرام، ~~قال: وهذا عظيم من القول يلزم منه القول بحل كل شئ اختلف في تحريمه ولو كان ~~الخلاف واهيا. ونقل الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبي حنيفة أن الخمر حرام ~~قليلها وكثيرها، والسكر من غيرها حرام، وليس كتحريم الخمر، والنبيذ المطبوخ ~~لا بأس به من أي شئ كان. وعن أبي يوسف لا بأس بالنقيع من كل شئ وإن غلا إلا ~~الزبيب والتمر، قال: كذا حكاه محمد عن أبي حنيفة، وعن محمد: ما أسكر كثيره ~~فأحب إلي أن لا أشربه ولا أحرقه. وقال الثوري: # أكره نقيع التمر ونقيع الزبيب إذا غلا، قال: ونقيع العسل لا بأس به ~~انتهى. والبسر بضم الموحدة من تمر النخل معروف. قوله: من فضيخ بالفاء ثم ~~معجمتين وزن عظيم اسم للبسر إذا شدخ ونبذ. وأما الزهو فبفتح الزاي وسكون ~~الهاء بعدها واو وهو البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب، وقد يطلق ~~الفضيخ على خليط البسر والتمر، ويطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده. ~~قوله: # فأهرقها الهاء بدل من الهمزة والأصل أراقها، وقد تستعمل هذه الكلمة ~~بالهمزة والهاء معا كما وقع هنا وهو نادر. قوله: وهي من خمسة من العنب قال ~~في الفتح: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة ~~لأن له عندهم حكم الرفع، لأنه خبر صحابي شهد التنزيل وأخبر عن سبب، وقد خطب ~~به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم ~~إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر نزول قوله تعالى: * (إنما الخمر ~~والميسر) * الآية فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس ~~خاصا بالمتخذ من العنب بل يتناول المتخذ من غيرها انتهى. ويؤيده حديث ~~النعمان ms3593 بن بشير المذكور في الباب، وفي لفظ منه عند أصحاب السنن، وصححه ابن ~~حبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الخمر من ~~العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة ولأحمد من حديث أنس بسند ~~صحيح قال: الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة بضم ~~المعجمة وتخفيف الراء من الحبوب معروفة. قوله: # والخمر ما خامر العقل أي غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله وهو مجاز، ~~والعقل هو آلة التمييز، فلذلك حرم ما غطاه أو غيره لأن بذلك يزول الادراك ~~الذي PageV09P060 # طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه قال الكرماني: هذا تعريف بحسب اللغة. ~~وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة. قال الحافظ: وفيه ~~نظر لان عمر ليس في مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قال الخمر الذي وقع ~~تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر اللغة بل هو في مقام تعريف العقل، على أن ~~عند أهل اللغة اختلافا في ذلك كما قدمته، ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص ~~بالمتخذ من العنب فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواترت الأحاديث على أن ~~المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرا والحقيقة الشرعية مقدمة على ~~اللغوية. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة وقد تقدم. وقد جعل ~~الطحاوي هذا الحديث معارضا لحديث عمر المذكور. وقال البيهقي: ليس المراد ~~الحصر في الامرين المذكورين في حديث أبي هريرة لأنه يتخذ الخمر من غيرهما، ~~وقد تقدم الكلام على ذلك. # قال الحافظ: إنه يحمل حديث أبي هريرة على إرادة الغالب لأن أكثر ما يتخذ ~~الخمر من العنب والتمر. ويحمل حديث عمر ومن وافقه على إرادة استيعاب ذكر ما ~~عهد حينئذ أنه يتخذ منه الخمر. قال الراغب في مفردات القرآن: سمي الخمر ~~لكونه خامرا للعقل أي ساترا له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند ~~بعضهم للمتخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ من ms3594 العنب والتمر، وعند ~~بعضهم لغير المطبوخ، ورجح أنه لكل شئ ستر العقل، وكذا قال غير واحد من أهل ~~اللغة منهم الدينوري والجوهري ونقل عن ابن الاعرابي قال: سميت الخمر لأنها ~~تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها، ويقال: سميت بذلك لمخامرتها ~~العقل، نعم جزم ابن سيده في المحكم أن الخمر حقيقة، إنما هي للعنب وغيرها ~~من المسكرات يسمى خمرا مجازا. وقال صاحب الفائق في حديث: إياكم والغبيراء ~~فإنها خمر العالم هي نبيذ الحبشة تتخذ من الذرة سميت الغبيراء لما فيها من ~~الغبرة، وقال: خمر العالم أي هي مثل خمر العالم لا فرق بينها وبينها. وقيل: ~~أراد أنها معظم خمر العالم. وقال صاحب الهداية من الحنفية: الخمر ما اعتصر ~~من ماء العنب إذا اشتد وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. قال: وقيل هو ~~اسم لكل مسكر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: كل مسكر خمر ولأنه من مخامرة ~~العقل وذلك موجود في كل مسكر. قال: ولنا إطباق أهل اللغة PageV09P061 # على تخصيص الخمر بالعنب ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولان تحريم الخمر ~~قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني، قال: وإنما يسمى الخمر خمرا ~~لتخمره لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصا فيه كما في ~~النجم فإنه مشتق من الظهور ثم هو خاص بالثريا انتهى. قال في الفتح: والجواب ~~عن الحجة الأولى ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى ~~خمرا. وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب فيقال ~~لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء، فلو لم ~~يكن هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: الخمر من ~~العنب لقوله تعالى: * (أعصر خمرا) * (يوسف: 36) قالوا: فدل على أن الخمر هو ~~ما يعصر لا ما ينبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، قال أهل المدينة وسائر ~~الحجازيين وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر وحكمه حكم ما اتخذ من العنب، ومن ~~الحجة لهم ms3595 أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم للصحابة وهم أهل اللسان أن ~~كل شئ يسمى خمرا يدخل في النهي ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب. وعلى تقدير ~~التسليم فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع كان حقيقة شرعية وهي مقدمة ~~على الحقيقة اللغوية. والجواب عن الحجة الثانية أن اختلاف مشتركين في الحكم ~~لا يلزم منه افتراقهما في التسمية كالزنى مثلا فإنه يصدق على من وطئ أجنبية ~~وعلى من وطئ امرأة جاره والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ محرما له وهو ~~أغلظ منهما، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضا فالاحكام الفرعية لا ~~تشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب ، ~~وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره أن لا يكون حراما بل يحكم بتحريمه، وكذا ~~تسميته خمرا، وعن الثالثة ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب كما في قول ~~عمر: # الخمر ما خامر العقل، وكان مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة، فيحمل ~~قول عمر على المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرا فقال ~~ابن الأنباري : لأنها تخامر العقل أي تخالطه، وقيل: لأنها تخمر العقل أي ~~تستره، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنه ~~لا يلزم من المخالطة التغطية، وقيل: # سميت خمرا لأنها تخمر أي تترك، كما يقال: خمرت العجين أي تركته، ولا مانع ~~من صحة PageV09P062 # هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان. وقال ابن ~~عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر. وقال القرطبي الأحاديث الواردة عن ~~أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا ~~يكون إلا من العنب وما كانت من غيره فلا تسمى خمرا ولا يتناولها اسم الخمر، ~~وهو قول مخالف للغة العرب والسنة الصحيحة وللصحابة، لأنهم لما نزل تحريم ~~الخمر فهموا من الامر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ ~~من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما وحرموا كل نوع ms3596 منهما، ولم ~~يتوقفوا ولا استفصلوا ولم يشكل عليهم شئ من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما ~~كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم ~~فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم لما ~~كان قد تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك بل بادروا ~~إلى إتلاف الجميع علمنا أنهم فهموا التحريم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما ~~يوافق ذلك، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وقد ذهب إلى التعميم علي عليه ~~السلام وعمر وسعد وابن عمرو أبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة. ومن ~~التابعين: ابن المسيب وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول مالك ~~والأوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث. ~~قال في الفتح: ويمكن الجمع بأن من أطلق ذلك على غير المتخذ من العنب حقيقة ~~يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ~~ابن عبد البر وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي، قد تقرر ~~أن نزول تحريم الخمر وهي من البسر إذ ذاك، فيلزم من قال إن الخمر حقيقة في ~~ماء العنب مجاز في غيره أن يجوز إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه، لأن ~~الصحابة لما بلغهم تحريم الخمر أراقوا كما يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ~~ومجازا وهو لا يجوز ذلك، فصح أن الكل خمر حقيقة ولا انفكاك عن ذلك، وعلى ~~تقدير إرخاء العنان والتسليم بأن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة فإنما ذلك ~~من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية فالكل خمر حقيقة ~~لحديث: كل مسكر خمر فكل ما اشتد كان خمرا، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا ~~يخالف قولهم وبالله التوفيق. قال الخطابي: إنما عد عمر الخمسة المذكورة ~~PageV09P063 # لاشتهار أسمائها في زمانه ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن ~~الحنطة كانت بها عزيزة وكذا العسل بل كان أعز، فعد عمر ما عرف منها وجعل ما ~~في معناه مما يتخذ ms3597 من الأرز وغيره خمرا إن كان مما يخامر العقل، وفي ذلك ~~دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق الاشتقاق. وذكر ابن حزم ~~أن بعض الكوفيين احتج بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمرو بسند جيد قال: أما ~~الخمر فحرام لا سبيل إليها وأما ما عداها من الأشربة فكل مسكر حرام قال: ~~وجوابه إن ثبت عن ابن عمرو أنه قال: كل مسكر خمر فلا يلزم من تسمية المتخذ ~~من العنب خمرا انحصار اسم الخمر فيه، وكذا احتجوا بحديث ابن عمرو أيضا: ~~حرمت الخمر وما بالمدينة منها شئ، مراده المتخذ من العنب ولم يرد أن غيرها ~~لا يسمى خمرا. قوله: من العنب والتمر هذان مما وقع الاجماع على تحريمهما ~~حيث لم يطبخ حتى يذهب ثلثاه. قوله: # والعسل هو الذي يسمي البتع وهو خمر أهل اليمن. قوله والشعير بفتح الشين ~~المعجمة وكسرها لغة وهو المسمى بالمزر زاد أبو داود: والذرة وهي بضم الذال ~~المعجمة وكسرها لغة وهو المسمى بالمزر زاد أبو داود: والذرة وهي بضم الذال ~~المعجمة وتخفيف الراء المهملة كما سبق ولامها محذوفة والأصل ذرو أو ذري ~~فحذفت لام الكلمة وعوض عنها الهاء. قوله: عن البتع بكسر الموحدة وسكون ~~المثناة فوق وهو ما ذكره في الحديث. قوله: كل شراب أسكر فهو حرام هذا حجة ~~للقائلين بالتعميم من غير فرق بين خمر العنب وغيره، لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما سأله السائل عن البتع قال: كل شراب أسكر فهو حرام فعلمنا أن ~~المسألة إنما وقعت على ذلك الجنس من الشراب وهو البتع، ودخل فيه كل ما كان ~~في معناه مما يسمى شرابا مسكرا من أي نوع كان، فإن قال أهل الكوفة: أن قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: كل شراب أسكر يعني به الجزء الذي يحدث عقبه السكر ~~فهو حرام، فالجواب أن الشراب اسم جنس فيقتضي أن يرجع التحريم إلى الجنس ~~كله، كما يقال: هذا الطعام مشبع، والماء مرو، يريد به الجنس وكل جزء منه ~~يفعل ذلك الفعل، فاللقمة تشبع ms3598 العصفور، وما هو أكبر منها يشبع ما هو أكبر ~~من العصفور، وكذلك جنس الماء يروي الحيوان على هذا الحد فكذلك النبيذ قال ~~الطبري: يقال لهم أخبرونا عن الشربة التي يعقبها السكر أهي التي أسكرت ~~صاحبها دون ما تقدمها من الشراب أم أسكرت باجتماعها مع ما تقدم وأخذت كل ~~شربة بحظها من الاسكار؟ فإن قالوا: إنما أحدث له السكر PageV09P064 # الشربة الآخرة التي وجد خبل العقل عقبها قيل لهم: وهل هذه التي أحدثت له ~~ذلك إلا كبعض ما تقدم من الشربات قبلها في أنها لو انفردت دون ما قبلها ~~كانت غير مسكرة وحدها؟ وأنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع عملها فحدث عن ~~جميعها السكر. قوله: والمزر بكسر الميم بعدها زاي ثم راء. قوله: من جيشان ~~بفتح الجيم وسكون الياء تحتها نقطتان وبالشين المعجمة وبالنون وهو جيشان بن ~~عيدان بن حجر بن ذي رعين قاله في الجامع. قوله: من طينة الخبال بفتح الخاء ~~المعجمة والموحدة المخففة يعني يوم القيامة. والخبال في الأصل الفساد وهو ~~يكون في الأفعال والأبدان والعقول. والخبل بالتسكين الفساد. # وعن عائشة: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل مسكر حرام، ~~وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام رواه أحمد وأبو داود والترمذي. ~~وقال: حديث حسن. وعن ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما ~~أسكر كثيره فقليله حرام رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وصححه. # ولأبي داود وابن ماجة والترمذي مثله سواء من حديث جابر، وكذا لأحمد ~~والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وكذلك الدارقطني ~~من حديث الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وعن سعد بن أبي وقاص: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قليل ما أسكر كثيره رواه ~~النسائي والدارقطني. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أتاه قوم فقالوا: يا رسول الله إنا ننبذ النبيذ فنشربه على ~~غدائنا وعشائنا، فقال: اشربوا فكل مسكر حرام، ms3599 فقالوا يا رسول الله إنا ~~نكسره بالماء فقال: حرام قليل ما أسكر كثيره رواه الدارقطني. وعن ميمونة: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تنبذوا في الدباء ولا في المزفت ~~ولا في النقير ولا في الجرار وقال: كل مسكر حرام رواه أحمد. وعن أبي مالك ~~الأشعري: أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليشربن أناس من أمتي ~~الخمر ويسمونها بغير اسمها رواه أحمد وأبو داود وقد سبق. وعن عبادة بن ~~الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه رواه أحمد وابن ماجة وقال ~~تشرب مكان تستحل. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: PageV09P065 # لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ويسمونها بغير ~~اسمها رواه ابن ماجة. وعن ابن محيريز عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يشرب ناس من أمتي الخمر ~~ويسمونها بغير اسمها رواه النسائي. # حديث عائشة رواته كلهم محتج بهم في الصحيحين سوى أبي عثمان عمرو، ويقال ~~عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدني ثم الخراساني وهو مشهور، ولي القضاء ~~بمرو، ورأي عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وسمع من القاسم بن ~~محمد بن أبي بكر الصديق. وروى عنه غير واحد. قال المنذري: لم أر أحدا قال ~~فيه كلاما. # وقال الحاكم: هو معروف بكنيته. وأخرجه أيضا ابن حبان وأعله الدارقطني ~~بالوقف. وحديث جابر الذي أشار إليه المصنف حسنه الترمذي. وقال الحافظ رجاله ~~ثقات انتهى. وفي إسناده داود بن بكر بن أبي الفرات الأشجعي مولاهم المدني ~~سئل عنه ابن معين فقال ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به ليس بالمتين. ~~وحديث عمرو بن شعيب وما بعده أشار إلى البعض منها الترمذي قال بعد إخراج ~~حديث جابر: (وفي الباب) عن سعد وعائشة وعبد الله بن عمرو وابن عمر وخوات بن ~~جبير . وقال المنذري ms3600 بعد الكلام على حديث جابر ما نصه: وقد روى هذا الحديث ~~من رواية الإمام علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد ~~الله بن عمرو. وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادا فإن النسائي رواه في ~~سننه عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وهو أحد الثقات عن الوليد بن ~~كثير، وقد احتج به البخاري ومسلم في الصحيحين عن الضحاك بن عثمان. وقد احتج ~~به مسلم في صحيحه عن بكير بن عبد الله الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص. ~~وقد احتج البخاري ومسلم بهما في الصحيحين وقال أبو بكر البزار، وهذا الحديث ~~لا نعلم روي عن سعد إلا من هذا الوجه، ورواه عن الضحاك، وأسنده جماعة منهم ~~الدراوردي والوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني انتهى. وتابع ~~محمد بن عبد الله بن عمار أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج وهو ممن اتفق ~~البخاري ومسلم على الاحتجاج به، وأخرجه أيضا البزار وابن حبان. قال الحافظ ~~في التلخيص: حديث علي في الدارقطني، وحديث خوات في المستدرك، وحديث سعد في ~~النسائي، وحديث ابن عمرو في ابن ماجة PageV09P066 # والنسائي. وحديث ابن عمر في الطبراني. وحديث ميمونة في إسناده عبد الله ~~بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن وفيه ضعف. قال: في مجمع الزوائد: وبقية رجاله ~~رجال الصحيح، وستأتي الأحاديث الواردة في معناه في باب الأوعية المنهي عن ~~الانتباذ فيها، وإنما ذكره المصنف ههنا لقوله في آخره: كل مسكر حرام. وحديث ~~أبي مالك الأشعري قد تقدم في باب ما جاء في آلة اللهو، وقد صححه ابن حبان، ~~قال في الفتح: وله شواهد كثيرة، ثم ساق من ذلك عدة أحاديث: منها حديث أبي ~~أمامة المذكور في الباب وسكت عنه. ومنها حديث ابن محيريز المذكور أيضا، وقد ~~أخرجه أيضا أحمد وابن ماجة من وجه آخر بسند جيد. وحديث عبادة في إسناده عند ~~ابن ماجة الحسين بن أبي السري العسقلاني وهو مجهول. وحديث أبي أمامة رواه ~~ابن ms3601 ماجة من طريق العباس بن الوليد الدمشقي وهو صدوق وقد ضعف عن عبد السلام ~~بن عبد القدوس وهو ضعيف وبقية رجال إسناده ثقات. وحديث ابن محيريز إسناده ~~عند النسائي صحيح قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى عن خالد وهو ابن الحرث عن ~~شعبة قال: سمعت أبا بكر بن حفص يقول: سمعت ابن محيريز يذكره، ولعل الرجل ~~المبهم من الصحابة هو عبادة بن الصامت، فإن ابن ماجة روى حديث عبادة ~~المتقدم من طريق ابن محيريز، والأحاديث الواردة في هذا المعنى يقوي بعضها ~~بعضا. قوله: الفرق بفتح الراء وسكونها والفتح أشهر وهو مكيال يسع ستة عشر ~~رطلا، وقيل هو بفتح الراء كذلك، فإذا سكنت فهو مائة وعشرون رطلا. قوله: ~~فملء الكف منه حرام في رواية الإمام أحمد في الأشربة بلفظ: فالأوقية منه ~~حرام وذكره مل الكف أو الأوقية في الحديث على سبيل التمثيل، وإنما العبرة ~~بأن التمثيل شامل للقطرة ونحوها. قوله: ما أسكر كثيره فقليله حرام قال ابن ~~رسلان في شرح السنن: أجمع المسلمون على وجوب الحد على شاربها، سواء شرب ~~قليلا أو كثيرا ولو قطرة واحدة قال: # وأجمعوا على أنه لا يقتل شاربها وإن تكرر. قوله: لا تنبذوا في الدباء إلى ~~آخر الحديث، سيأتي تفسير هذه الألفاظ في باب الأوعية المنهي عن الانتباذ ~~فيها. قوله: ليشربن بفتح الياء الموحدة ونون التوكيد. قوله: ويسمونها بغير ~~اسمها يعني يسمونها الداذي بدال مهملة وبعد الألف ذال معجمة قال الأزهري: ~~هو حب يطرح في النبيذ فيشتد حتى يسكر أو يسمونها بالطلاء. وقد تقدم الكلام ~~على هذا في باب ما جاء في آلة اللهو. PageV09P067 # باب الأوعية المنهي عن الانتباذ فيها ونسخ تحريم ذلك عن عائشة: أن وفد ~~عبد القيس قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه عن النبيذ ~~فنهاهم أن ينبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم. وعن ابن عباس: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عما ينبذ في ~~الدباء والنقير والحنتم والمزفت. وعن أنس: أن رسول الله ms3602 صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا تنبذوا في الدباء ولا في المزفت. وعن ابن أبي أوفى قال: نهى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نبيذ الجر الأخضر. وعن الإمام علي رضي ~~الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تنبذوا في الدباء ~~والمزفت متفق على خمستهن. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال : لا تنبذوا في الدباء ولا في المزفت وفي رواية: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن المزفت والحنتم والنقير قيل لأبي هريرة: ما الحنتم ~~قال الجرار الخضر. وعن أبي سعيد: أن وفد عبد القيس قالوا: يا رسول الله ~~ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ قال: # لا تشربوا في النقير، فقالوا: جعلنا الله فداك أو تدري ما النقير؟ قال: ~~نعم الجذع ينقر في وسطه ولا في الدباء ولا في الحنتم وعليكم بالموكى رواهن ~~أحمد ومسلم. وعن ابن عمر وابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن الدباء والحنتم والمزفت. وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال لوفد عبد القيس: أنهاكم على الدباء والحنتم والنقير والمقير ~~والمزادة المجبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه رواهما مسلم والنسائي وأبو ~~داود. وعن ابن عمر وابن عباس قالا: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نبيذ الجر رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود. وعن ابن عمر قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحنتمة وهي الجرة. ونهى عن الدباء وهي ~~القرعة، ونهى عن النقير وهي أصل النخل ينقر نقرا وينسح نسحا، ونهى عن ~~المزفت وهو المقير وأمر أن ينبذ في الأسقية رواه أحمد ومسلم والنسائي ~~والترمذي وصححه. وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم PageV09P068 # فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا رواه أحمد ومسلم وأبو داود ~~والنسائي. وفي رواية: نهيتكم عن الظروف وأن ظرفا لا يحل ms3603 شيئا ولا يحرمه وكل ~~مسكر حرام رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود. وعن عبد الله بن عمر قال: ~~لما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأوعية قيل للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ليس كل الناس يجد سقاء فرخص لهم في الجر غير المزفت متفق عليه. ~~وعن أنس قال: # نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النبيذ في الدباء والنقير ~~والحنتم والمزفت ثم قال بعد ذلك: ألا كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية؟ ~~فاشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكرا من شاء أوكى سقاءه على إثم. وعن عبد ~~الله بن مغفل قال: أنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نهى عن ~~نبيذ الجر وأنا شهدته حين رخص فيه وقال: واجتنبوا كل مسكر رواهما أحمد. # حديث أنس أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار وفي إسناده يحيى بن عبد الله ~~الجابري ضعفه الجمهور. وقال أحمد: لا بأس به وبقية رجاله ثقات. وحديث عبد ~~الله بن مغفل رجال إسناده ثقات. وفي أبي جعفر الرازي كلام لا يضر. وقد ~~أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط في الباب عن جماعة من الصحابة غير من ~~ذكره المصنف. # قوله: في الدباء بضم الدال المهملة وتشديد الباء وهو القرع وهو من الآنية ~~التي يسرع الشراب في الشدة إذا وضع فيها. قوله: والنقير هو فعيل بمعنى ~~مفعول من نقر ينقر، وكانوا يأخذون أصل النخلة فينقرونه في جوفه ويجعلونه ~~إناء ينتبذون فيه لأن له تأثيرا في شدة الشراب. قوله: والمزفت اسم مفعول ~~وهو الاناء المطلي بالزفت وهو نوع من القار. قوله: والحنتم بفتح الحاء ~~المهملة جرار خضر مدهونة كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة ثم اتسع فيها ~~فقيل للخزف كله حنتم واحدها حنتمة وهي أيضا مما تسرع فيه الشدة. قوله: عن ~~نبيذ الجر بفتح الجيم وتشديد الراء جمع جرة كتمر جمع تمرة، وهو بمعنى ~~الجرار الواحدة جرة، ويدخل فيه جميع أنواع الجرار من الحنتم وغيره. وروى ~~أبو داود عن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: ms3604 ما الجر؟ فقال: كل شئ يصنع من ~~المدر، فهذا تصريح أن الجر يدخل فيه جميع أنواع الجرار المتخذة من المدر ~~الذي هو التراب والطين، يقال مدرت الحوض أمدره إذا أصلحته بالمدر وهو الطين ~~من التراب. قوله: والمقير PageV09P069 # بضم الميم وفتح القاف والياء المشددة وهو المزفت أي المطلي بالزفت وهو ~~نوع من القار كما تقدم. وروي عن ابن عباس أنه قال: المزفت هو المقير، حكى ~~ذلك ابن رسلان في شرح السنن وقال: إنه صح ذلك عنه. قوله: والمزادة هي ~~السقاء الكبير سميت بذلك لأنه يزاد فيها على الجلد الواحد كذا قال النسائي. ~~والمجبوبة بالجيم بعدها موحدتان بينهما واو قال عياض: ضبطناه في جميع هذه ~~الكتب بالجيم والباء الموحدة المكررة، ورواه بعضهم المخنوثة بخاء معجمة ثم ~~نون وبعدها ثاء مثلثة كأنه أخذه من اختناث الأسقية المذكورة في حديث آخر، ~~ثم قال: وهذه الرواية ليست بشئ والصواب الأول أنها بالجيم وهي التي قطع ~~رأسها فصارت كالدن مشتقة من الجب وهو القطع لكون رأسها يقطع حتى لا يبقى ~~لها رقبة توكى. وقيل: هي التي قطعت رقبتها وليس لها عزلاء أي فم من أسفلها ~~يتنفس الشراب منها فيصير شرابها مسكرا ولا يدرى به. قوله: وأوكي بفتح ~~الهمزة أي وإذا فرغت من صب الماء واللبن الذي من الجلد فأوكه أي سد رأسه ~~بالوكاء يعني بالخيط لئلا يدخله حيوان أو يسقط فيه شئ. قوله: ينسح نسحا ~~بالحاء المهملة عند أكثر الشيوخ، وفي كثير من نسخ مسلم عن ابن ماهان بالجيم ~~وكذا في الترمذي وهو تصحيف ومعناه القشر ثم الحفر. قوله: إلا في ظروف الأدم ~~بفتح الهمزة والدال جمع أديم، ويقال أدم بضمهما وهو القياس ككثيب وكثب ~~وبريد وبرد، والأديم الجلد المدبوغ. قوله: فاشربوا في كل وعاء فيه دليل على ~~نسخ النهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة. قال الخطابي: ذهب الجمهور إلى ~~أن النهي إنما كان أولا ثم نسخ. # وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق منهم ابن عمر ~~وابن عباس، وبه قال مالك ms3605 وأحمد وإسحاق كذا أطلق، قال: والأول أصح، والمعنى ~~في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريبا، فلما اشتهر التحريم أبيح لهم ~~الانتباذ في كل وعاء بشرط ترك شرب المسكر، وكأن من ذهب إلى استمرار النهي ~~لم يبلغه الناسخ. وقال الحازمي لمن نصر قول مالك أن يقول: ورد النهي عن ~~الظروف كلها ثم نسخ منها ظروف الأدم والجرار غير المزفتة واستمر ما عداها ~~على المنع، ثم تعقب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم كما في ~~حديث الباب قال: وطريق الجمع أن يقال لما وقع النهي عاما شكوا إليه الحاجة ~~فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم PageV09P070 # لا يجد ذلك، فرخص لهم في الظروف كلها. وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية ~~إنما كان قطعا للذريعة، فلما قالوا لا نجد بدا من الانتباذ في الأوعية قال: # انتبذوا وكل مسكر حرام، وهكذا الحكم في كل شئ نهي عنه بمعنى النظر إلى ~~غيره فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا لا بد ~~لنا منها قال: وأعطوا الطريق حقها. # باب ما جاء في الخليطين عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا ~~رواه الجماعة إلا الترمذي فإن له منه فصل الرطب والبسر. وعن أبي قتادة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا، ولا ~~تنبذوا الزبيب والرطب جميعا، ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته متفق ~~عليه. لكن للبخاري ذكر التمر بدل الرطب. # وفي لفظ: أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن خليط التمر والبسر، ~~وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزهو والرطب وقال: انتبذوا كل واحد على ~~حدته رواه مسلم وأبو داود. وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما ~~يعني في الانتباذ رواه أحمد ومسلم والترمذي. ms3606 وفي لفظ: نهانا أن نخلط بسرا ~~بتمر أو زبيبا بتمر أو زبيبا ببسر وقال: من شربه منكم فليشربه زبيبا فردا ~~وتمرا فردا أو بسرا فردا رواه مسلم والنسائي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تنبذوا التمر والزبيب جميعا، ولا تنبذوا ~~التمر والبسر جميعا، وانبذوا كل واحد منهن وحده رواه أحمد ومسلم. وعن ابن ~~عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلط التمر والزبيب ~~جميعا، وأن يخلط البسر والتمر جميعا. # وعنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلط البلح بالزهو ~~رواهما مسلم والنسائي. وعن المختار بن فلفل عن أنس قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن نجمع بين شيئين فينبذا يبغي أحدهما على صاحبه، قال: ~~وسألته PageV09P071 # عن الفضيخ فنهاني عنه قال: كان يكره المذنب من البسر مخافة أن يكون شيئين ~~فكنا نقطعه رواه النسائي. وعن عائشة قالت: كنا ننبذ لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في سقاء فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما ثم نصب ~~عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية، وننبذه عشية فيشربه غدوة رواه ابن ~~ماجة. # حديث أنس رواه النسائي من طريق سويد بن نصر، وهو ثقة عن عبد الله بن ~~المبارك الامام الكبير عن ورقاء، وهو صدوق عن المختار بن فلفل وهو ثقة عن ~~أنس. وقد أخرجه أيضا أحمد بن حنبل من طريق المختار بن فلفل عنه. وحديث ~~عائشة رجاله عند ابن ماجة رجال الصحيح إلا تبالة بنت يزيد الراوية له عن ~~عائشة فإنها مجهولة. وقد أخرجه أيضا أبو داود عن صفية بنت عطية قالت: دخلت ~~مع نسوة من عبد القيس على عائشة فسألناها عن التمر والزبيب فقالت: كنت آخذ ~~قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وفي إسناده أبو بحر عبد الرحمن بن عثمان البكراوي البصري ~~قال المنذري: # ولا يحتج بحديثه. قال أبو حاتم: وليس ms3607 هو بالقوي. وأخرج أبو داود أيضا عن ~~امرأة من بني أسد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~ينتبذ له زبيب فيلقي فيه تمرا وتمر فيلقي فيه الزبيب وفيه هذه المرأة ~~المجهولة. قوله : باب ما جاء في الخليطين أصل الخلط تداخل أجزاء الأشياء ~~بعضها في بعض. قوله: # والبسر بضم الموحدة نوع من تمر النخل معروف. قوله: الزهو بفتح الزاي ~~وضمها لغتان مشهورتان. قال الجوهري: أهل الحجاز يضمون يعني وغيرهم يفتح، ~~والزهو هو البسر الملون الذي بدا فيه حمرة أو صفرة وطاب، وزهت تزهى زهوا، ~~وأزهت تزهي، وأنكر الأصمعي أزهت بالألف، وأنكر غيره زهت بلا ألف، ورجح ~~الجمهور زهت، وقال ابن الاعرابي: زهت ظهرت، وأزهت احمرت أو اصفرت والأكثرون ~~على خلافه. قوله: على حدته بكسر الحاء المهملة وفتح الدال أي وحدته فحذفت ~~الواو من أوله، والمراد أن كل واحد منهما ينبذ منفردا عن الآخر. # قوله: البلح بفتح الموحدة وسكون اللام ثم حاء مهملة، وفي القاموس وشمس ~~العلوم بفتحهما هو أول ما يرطب من البسر واحدة بلحة. قوله: وسألته عن ~~الفضيخ PageV09P072 # قد تقدم ضبطه وتفسيره. قوله: كان يكره المذنب بذال معجمة فنون مشددة ~~مكسورة ما بدا فيه الطيب من ذنبه أي طرفه ويقال له أيضا التذنوب. قوله: # نقطعه أي نفضل بين البسر وما بدا فيه. واختلف في سبب النهي عن الخليطين ~~فقال النووي: ذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن ~~الاسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد ~~الاسكار وقد بلغه، قال: ومذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه، وإنما يحرم ~~إذا صار مسكرا ولا تخفى علامته. وقال بعض المالكية: هو للتحريم واختلف في ~~خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب هل ~~يمتنع أو يختص النهي عن الخلط بالانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق. وقال ~~الليث: لا بأس بذلك عند الشرب. ونقل ابن التين عن الداودي أن المنهي عنه ~~خلط النبيذ ms3608 بالنبيذ لا إذا نبذا معا واختلف) في الخليطين من الأشربة غير ~~النبيذ. فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كره أن يخلط للمريض الأشربة. ~~قال ابن العربي: لنا أربع صور أن يكون الخليطان منصوصين فهو حرام، أو منصوص ~~ومسكوت عنه فإن كان كل منهما لو انفرد أسكر فهو حرام قياسا على المنصوص أو ~~مسكوت عنهما، وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز، إلى آخر كلامه. وقال ~~الخطابي: ذهب إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة عملا ~~بظاهر الحديث وهو قول مالك وأحمد وإسحاق وظاهر مذهب الشافعي وقالوا: من شرب ~~الخليطين أثم من جهة واحدة، فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين، وخص الليث ~~النهي بما إذا انتبذا معا وخص ابن حزم النهي بخمسة أشياء: التمر والرطب ~~والزهو والبسر والزبيب قال: # سواء خلط أحدها في الآخر منها أو في غيرها. فأما لو خلط واحد من غيرها في ~~واحد من غيرها فلا منع كالتين والعسل مثلا. وحديث أنس المذكور في الباب يرد ~~عليه. وقال القرطبي: النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم وهو قول جمهور ~~فقهاء الأمصار وعن مالك يكره فقط. وشذ من قال لا بأس به لأن كلا منهما يحل ~~منفردا فلا يكره مجتمعا، قال: وهذه مخالفة للنص بقياس مع وجود الفارق فهو ~~فاسد، ثم هو منتقض بجواز كل واحدة من الأختين منفردة وتحريمهما مجتمعتين. ~~PageV09P073 # باب النهي عن تخليل الخمر عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ~~عن الخمر يتخذ خلا فقال: لا رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وعن ~~أنس: أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أيتام ورثوا خمرا ~~قال: أهرقها، قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي ~~سعيد قال: # قلنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حرمت الخمر: إن عندنا خمرا ~~ليتيم لنا فأمرنا فأهرقناها رواه أحمد. وعن أنس: أن يتيما كان في حجر أبي ~~طلحة فاشترى له خمرا فلما حرمت ms3609 سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتتخذ ~~خلا؟ قال: لا رواه أحمد والدارقطني. # حديث أنس الأول قال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح. وحديثه الثاني ~~عزاه المنذري في مختصر السنن إلى مسلم وهو كما قال في صحيح مسلم: ورجال ~~إسناده في سنن أبي داود ثقات. وأخرجه الترمذي من طريقين وقال: الثانية أصح. # وحديث أبو سعيد أشار إليه الترمذي قال: وفي الباب عن جابر وعائشة وأبي ~~سعيد وابن مسعود وابن عمر. وفي لفظ للترمذي: عن أنس عن أبي طلحة أنه قال: ~~يا نبي الله. وفي لفظ آخر كما في الكتاب. قوله: قال لا فيه دليل للجمهور ~~على أنه لا يجوز تخليل الخمر ولا تطهر بالتخليل، هذا إذا خللها بوضع شئ ~~فيها، أما إذا كان التخليل بالنقل من الشمس إلى الظل أو نحو ذلك فأصح وجه ~~عن الشافعية أنها تحل وتطهر، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: تطهر إذا خللت ~~بإلقاء شئ فيها، وعن مالك ثلاث روايات أصحها أن التخليل حرام، فلو خللها ~~عصي وطهرت. قال القرطبي: كيف يصح لأبي حنيفة القول بالتخليل مع هذا الحديث ~~ومع سببه الذي خرج عليه؟ إذ لو كان جائزا لكان قد ضيع على الأيتام مالهم، ~~ولوجب الضمان على من أراقها عليهم وهو أبو طلحة. قوله: أهرقها بسكون القاف ~~وكسر الراء فيه دليل على أن الخمر لا تملك بل يجب إراقتها في الحال، ولا ~~يجوز لأحد الانتفاع بها إلا بالإراقة. قال القرطبي وقال بعض أصحابنا تملك ~~وليس بصحيح. ولفظ أحمد في رواية له: أن أبا طلحة PageV09P074 # سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: عندي خمور لأيتام فقال: ~~أرقها، قال: ألا أخللها؟ قال: لا. # باب شرب العصير ما لم يغل أو يأت عليه ثلاث وما طبخ قبل غليانه فذهب ~~ثلثاه عن عائشة قالت: كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سقاء ~~يوكى أعلاه وله عزلاء ننبذه غدوة فيشربه عشيا، وننبذه عشيا فيشربه غدوة ~~رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وعن ابن عباس قال: # كان ms3610 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينبذ له أول الليل فيشربه إذا ~~أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجئ والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر، ~~فإذا بقي شئ سقاه الخدام أو أمر به فصب رواه أحمد ومسلم. وفي رواية: كان ~~ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به ~~فيسقى الخادم أو يهراق رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وقال: معنى يسقى الخادم ~~يبادر به الفساد. وفي رواية: كان ينبذ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيشربه يومه ذلك والغد واليوم الثالث فإن بقي شئ منه أهراقه أو أمر به ~~فأهريق رواه النسائي وابن ماجة. وعن أبي هريرة قال: # علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ ~~صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا ~~شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر رواه أبو داود والنسائي. وقال ابن عمر ~~في العصير أشربه ما لم يأخذه شيطانه، قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: في ~~ثلاث، حكاه أحمد وغيره. وعن أبي موسى: أنه كان يشرب من الطلاء ما ذهب ثلثاه ~~وبقي ثلثه رواه النسائي، وله مثله عن عمر وأبي الدرداء. وقال البخاري: رأى ~~عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث وشرب البراء وأبو جحيفة على ~~النصف. وقال أبو داود : سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ~~فقال: لا بأس به، فقلت، إنهم يقولون يسكر، قال: لا يسكر لو كان يسكر ما ~~أحله عمر رضي الله عنه. # حديث عائشة تقدم في باب ما جاء في الخليطين. وأخرج أبو داود أيضا ~~PageV09P075 # عن عائشة: أنها كانت تنتبذ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدوة فإذا ~~كان من العشاء فتعشى، شرب على عشائه، وإن فضل شئ صبته أو فرغته، ثم تنبذ له ~~بالليل فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية، فقال ~~لها: أي مرتين في يوم؟ قالت: نعم. وحديث ms3611 أبي هريرة أخرجه ابن ماجة وسكت عنه ~~أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات. وقد اختلف في هشام بن عمار ولكنه قد ~~أخرج له البخاري. وأما قوله: وله مثله عن عمر فهو ما أخرجه النسائي من طريق ~~عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كتب عمر: اطبخوا شرابكم حتى يذهب نصيب ~~الشيطان اثنين ولكم واحد وصحح هذا الحافظ في الفتح. وأخرج مالك في الموطأ ~~من طريق محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكى إليه ~~أهل الشام وباء الأرض وثقلها وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب: فقال عمر: ~~اشربوا العسل، قالوا: ما يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن ~~تجعل من هذا الشراب شيئا لا يسكر؟ فقال نعم، فطبخوا حتى ذهب منه الثلثان ~~وبقي الثلث فأتوا به عمر فأدخل فيه أصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط فقال: ~~هذا الطلاء مثل طلاء الإبل فأمرهم عمر أن يشربوه وقال: اللهم إني لا أحل ~~لهم شيئا حرمته عليهم وأخرج سعيد بن منصور من طريق أبي مجلز عن عامر بن عبد ~~الله قال: كتب عمر إلى عمار: أما بعد فإنه جاءني عير تحمل شرابا أسود كأنه ~~طلاء الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثلثاه الأخبثان ثلث بريحه وثلث ~~ببغيه فمر من قبلك أن يشربوه. ومن طريق سعيد بن المسيب: أن عمر أحل من ~~الشراب ما يطبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وأثر أبي عبيدة ومعاذ أخرجه أبو مسلم ~~الكجي وسعيد بن منصور بلفظ: يشربون من الطلاء ما يطبخ على الثلث وذهب ~~ثلثاه. قال في الفتح: وقد وافق عمر ومن ذكر معه على الحكم المذكور أبو موسى ~~وأبو الدرداء أخرجه النسائي عنهما، وعلي وأبو أمامة وخالد بن الوليد وغيرهم ~~أخرجهما ابن أبي شيبة وغيره. ومن التابعين: ابن المسيب والحسن وعكرمة. ومن ~~الفقهاء: الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور، وشرط تناوله عندهم ما لم ~~يسكر، وكرهه طائفة تورعا. وأثر البراء أخرجه ابن أبي شيبة من رواية عدي بن ~~ثابت عنه أنه كان يشرب ms3612 الطلاء على النصف أي إذا طبخ فصار على النصف. وأثر ~~أبي جحيفة أخرجه أيضا ابن أبي شيبة، PageV09P076 # ووافق البراء وأبا جحيفة جرير، ومن التابعين ابن الحنفية وشريح، وأطلق ~~الجميع على أنه إن كان يسكر حرم. قال أبو عبيدة: بلغني أن النصف يسكر فإن ~~كان كذلك فهو حرام، والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف أعناب البلاد، فقد قال ~~ابن حزم: # أنه شاهد العصير ما إذا طبخ إلى الثلث ينعقد ولا يصير مسكرا أصلا، ومنه ~~ما إذا طبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طبخ إلى الربع كذلك، بل قال: إنه ~~شاهد منه ما لو طبخ لا يبقى غير ربعه لا ينفك عنه السكر، قال: وجب أن يحمل ~~ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يسكر بعد الطبخ وأخرج النسائي ~~من طريق عطاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال: إن النار لا تحل شيئا ولا ~~تحرمه. وأخرج النسائي أيضا من طريق أبي ثابت الثعلبي قال: كنت عند ابن عباس ~~فجاءه رجل يسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طريا، قال: إني طبخت شرابا ~~وفي نفسي: قال: كنت شاربه قبل أن تطبخه؟ قال: لا. قال: فإن النار لا تحل ~~شيئا قد حرم. قال الحافظ: وهذا يقيد ما أطلق في الآثار الماضية وهو أن الذي ~~يطبخ إنما هو العصير الطري قبل أن يتخمر، أما لو صار خمرا فطبخ فإن الطبخ ~~لا يحله ولا يطهره إلا على رأي من يجيز تخليل الخمر والجمهور على خلافه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي من طريق سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي: ~~اشربوا العصير ما لم يغل وعن الحسن البصري: ما لم يتغير وهذا قول كثير من ~~السلف أنه إذا بدا فيه التغير يمتنع، وعلامة ذلك أن يأخذ في الغليان وبهذا ~~قال أبو يوسف. وقيل: إذا انتهى غليانه وابتدأ في الهدو بعد الغليان. وقل: ~~إذا سكن غليانه. وقال أبو حنيفة: لا يحرم عصير العنب إلى أن يغلي ويقذف ~~بالزبد فإذا غلي وقذف بالزبد حرم. وأما المطبوخ ms3613 حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ~~فلا يمتنع مطلقا ولو غلي وقذف بالزبد بعد الطبخ. وقال مالك والشافعي ~~والجمهور: يمتنع إذا صار مسكرا شرب قليله وكثيره، سواء غلي أم لا، لأنه ~~يجوز أن يبلغ حد الاسكار بأن يغلي ثم يسكن غليانه بعد ذلك، وهو مراد من ~~قال: حد منع شربه أن يتغير. وأخرج مالك بإسناد صحيح أن عمر قال: إني وجدت ~~من فلان ريح شراب فزعم أنه شرب الطلاء وإني سائل عما شرب فإن كان يسكر ~~جلدته فجلد عمر الحد تاما. وفي السياق حذف والتقدير فسأل عنه فوجده يسكر ~~فجلده. وأخرج سعيد بن منصور عنه نحوه. وفي هذا رد على من احتج بعمر في جواز ~~المطبوخ إذا ذهل منه الثلثان ولو أسكر بأن PageV09P077 # عمر أذن في شربه ولم يفصل، وتعقب بأن الجمع بين الأثرين ممكن بأن يقال: ~~سأل ابنه فاعترف بأنه شرب كذا، فسأل غيره عنه فأخبر أنه يسكر، أو سأل ابنه ~~فاعترف أنه يسكر وقال أبو الليث السمرقندي: شار ب المطبوخ إذا كان يسكر ~~أعظم ذنبا من شارب الخمر، لأن شارب الخمر يشربها وهو عالم أنه عاص بشربها، ~~وشارب المطبوخ يشرب المسكر ويراه حلالا، وقد قام الاجماع على أن قليل الخمر ~~وكثيره حرام، وثبت قوله صلى الله عليه وآله وسلم: كل مسكر حرام ومن استحل ~~ما هو حرام بالاجماع كفر. # قوله: يوكى أي يشد بالوكاء وهو غير مهموز. قوله: وله عزلاء بفتح العين ~~المهملة وإسكان الزاي وبالمد وهو الثقب الذي يكون في أسفل المزادة والقربة. ~~قوله: # فيشربه عشاء قال النووي: هو بكسر العين وفتح الشين وضبطه بعضهم بفتح ~~العين وكسر الشين وزيادة ياء مشددة. قال القرطبي: هذا يدل على أن أقصى زمان ~~الشراب ذلك المقدار، فإنه لا تخرج حلاوة التمر أو الزبيب في أقل من ليلة أو ~~يوم (والحاصل) أنه يجوز شرب النبيذ ما دام حلوا غير أنه إذا اشتد الحر أسرع ~~إليه التغير في زمان الحر دون زمان البرد. قوله: إلى مساء الثالثة قال ~~النووي: مساء الثالثة يقال بضم ms3614 الميم وكسرها لغتان مشهورتان والضم أرجح. ~~قوله: فيسقى الخادم هذا محمول على أنه لم يكن قد بلغ إلى حد السكر، لأن ~~الخادم لا يجوز أن يسقى المسكر، كما لا يجوز له شربه بل تتوجه إراقته. ~~قوله: أو يهراق بضم أوله لأنه إذا صار مسكرا حرم شربه وكان نجسا فيراق. ~~قوله: فتحينت فطره أي طلبت حين فطره. قوله: صنعته في دباء أي قرع. قوله: ~~ينش بفتح الياء التحتية وكسر النون أي إذا غلى يقال نشت الخمر تنش نشيشا ~~إذا غلت. قوله: اضرب بهذا الحائط أي اصببه وأرقه في البستان وهو الحائط. ~~قوله: في ثلاث فيه دليل على أن النبيذ بعد الثلاث قد صار مظنة لكونه مسكرا ~~فيتوجه اجتنابه. قوله: من الطلاء بكسر المهملة والمد شبه بطلاء لا بل وهو ~~في تلك الحال غاليا لا يسكر. # باب آداب الشرب عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنفس في ~~الاناء ثلاثا PageV09P078 # متفق عليه. وفي لفظ: كان يتنفس في الشرا ب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأبرأ ~~وأمرأ رواه أحمد ومسلم. وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الاناء متفق عليه. وعن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يتنفس في الاناء أو ينفخ فيه رواه ~~الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الاناء، فقال: ~~أرقها، فقال: إني لا أروى من نفس واحد، قال: فأبن القدح إذا عن فيك رواه ~~أحمد والترمذي وصححه. # قوله: كان يتنفس في الاناء ثلاثا حمل بعضها هذه الرواية على ظاهرها وأنه ~~يقع التنفس في الاناء ثلاثا وقال فعل ذلك ليبين به جواز ذلك. ومنهم من علل ~~جواز ذلك في حقه عليه السلام بأنه لم يكن يتقذر منه شئ، بل الذي يتقذر من ~~غيره يستطاب منه، فإنهم كانوا إذا بزق أو تنخع يدلكون بذلك، وإذا ms3615 توضأ ~~اقتتلوا على فضلة وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. قال القرطبي: وحمل ~~هذا الحديث على هذا المعنى ليس بصحيح بدليل بقيته فإنه قال: إنه أروى ~~وأمرأ. وفي لفظ لأبي داود: وأبرأ. وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب ~~ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب فلا يأمن الشرق ~~وقد لا يروى، وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور نظرا إلى المعنى ولبقية ~~الحديث، وللنهي عن التنفس في الاناء في حديث أبي قتادة. وحديث ابن عباس ~~ولقوله في حديث أبي سعيد: فأبن القدح إذا، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ~~ومن باب النظافة، وما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بشئ ثم لا ~~يفعله، وإن كان لا يستقذر منه وأهنأ وأمرأ من قوله تعالى: * (فكلوه هنيئا ~~مريئا) * (النساء: 4) ومعنى الحديث كان إذا شرب تنفس في الشراب من الاناء ~~ثلاثا. ومعنى أروى أي أكثر ريا، وأبرأ مهموز أي أسلم من مرض أو أذى يحصل ~~بسبب الشرب في نفس واحد، وأمرأ أي أكمل انسياغا. وقيل إذا نزل من المرئ ~~الذي في رأس المعدة إليها فيمرئ في الجسد منها. وفي رواية لأبي داود بزيادة ~~أهنأ، وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنئ، ويقال: هناني الطعام فهو هني ~~أي لا إثم فيه ويحتمل أن يكون أهنأ في هذه الرواية PageV09P079 # بمعنى أروى. قال ابن رسلان في شرح السنن: وفي هذا الحديث إشارة إلى ما ~~يدعى للشارب به عقب الشراب، فيقال له عقب الشرب هنيئا مريئا وأما قولهم في ~~الدعاء للشارب صحة بكسر الصاد فلم أجد له أصلا في السنة مسطورا بل نقل لي ~~بعض طلبة الدمشقيين عن بعض مشايخه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال للتي ~~شربت دمه أو بوله صحة فإن ثبت هذا فلا كلام انتهى. قوله: فلا يتنفس في ~~الاناء النهي عن التنفس في الذي يشرب منه لئلا يخرج من الفم بزاق يستقذره ~~من شرب بعده منه أو تحصل فيه رائحة كريهة ms3616 تتعلق بالماء أو بالإناء، وعلى ~~هذا فإذا لم يتنفس في الاناء فليشرب في نفس واحد، قاله عمر بن عبد العزيز، ~~وأجازه جماعة منهم ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس، وكره ذلك ~~جماعة منهم ابن عباس ورواية عكرمة وطاوس وقالوا: هو شرب الشيطان. والقول ~~الأول أظهر لقوله في حديث الباب للذي قال له: إنه لا يروى من نفس واحد: أبن ~~القدح عن فيك وظاهره أنه أباح له الشرب في نفس واحد إذا كان يروى منه، وكما ~~لا يتنفس في الاناء لا يتجشأ فيه بل ينحيه عن فيه مع الحمد لله ويرده إلى ~~فيه مع التسمية، فيتنفس ثلاثا يحمد الله في آخر كل نفس ويسمي الله في أوله. ~~قوله: أو ينفخ فيه أي في الاناء الذي يشرب منه، والاناء يشمل إناء الطعام ~~والشراب، فلا ينفخ في الاناء ليذهب ما في الماء من قذاة ونحوها، فإنه لا ~~يخلو النفخ غالبا من بزاق يستقذر منه، وكذا لا ينفخ في الاناء لتبريد ~~الطعام الحار بل يصبر إلى أن يبرد كما تقدم ولا يأكله حارا، فإن البركة ~~تذهب منه وهو شراب أهل النار. # وعن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرب قائما رواه ~~أحمد ومسلم. وعن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زجر عن ~~الشرب قائما، قال قتادة: فقلنا فالاكل؟ قال: ذاك شر وأخبث رواه أحمد ومسلم ~~والترمذي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # لا يشربن أحد منكم قائما فمن نسي فليستقئ رواه مسلم. وعن ابن عباس قال : ~~شرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائما من زمزم متفق عليه. وعن الإمام ~~علي رضي الله عنه: أنه في رحبة الكوفة شرب وهو قائم قال: إن ناسا يكرهون ~~الشرب قائما، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صنع مثل ما صنعت رواه ~~أحمد والبخاري. وعن ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~PageV09P080 # وآله ms3617 وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام رواه أحمد وابن ماجة والترمذي ~~وصححه. # ظاهر النهي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن الشرب من قيام حرام ولا سيما ~~بعد قوله: فمن نسي فليستقئ فإنه يدل على التشديد في المنع والمبالغة في ~~التحريم ولكن حديث ابن عباس وحديث علي يدلان على جواز ذلك. (وفي الباب) ~~أحاديث غير ما ذكره المصنف منها: ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان عن أبي ~~هريرة بلفظ: لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء. ولأحمد من وجه آخر عن أبي ~~هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يشرب قائما فقال: قه، قال: ~~لمه؟ قال: # أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه الشيطان ~~وهو من رواية شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن بن علي عنه رضي الله ~~عنهما. # وأبو زيالا يعرف اسمه. وقد وثقه يحيى بن معين ومنها، عند مسلم عن أنس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم زجر عن الشرب قائما. قال المازري: اختلف ~~الناس في هذا ، فذهب الجمهور إلى الجواز وكرهه قوم، فقال بعض شيوخنا: لعل ~~النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماء فبادر بشربه قائما قبلهم استبدادا به ~~وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا. قال: وأيضا فإن الحديث تضمن المنع من ~~الاكل قائما، ولا خلاف في جواز الأكل قائما، قال: والذي يظهر لي أن أحاديث ~~شربه قائما يدل على الجوا، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما ~~هو أولى وأكمل، قال: ويحمل الامر بالقئ على أن الشرب قائما يحرك. خلطا يكون ~~القئ دواءه، ويؤيده قول النخعي: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. وقد تكلم عياض ~~على أحاديث النهي وقال: إن مسلما أخرج حديث أبي سعيد، وحديث أنس من طريق ~~قتادة، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، قال: ~~واضطراب قتادة فيه مما يعله مع مخالفة الأحاديث الأخرى والأئمة له. وأما ~~حديث أبي هريرة ففي سنده عمر بن حمزة ms3618 ولا يتحمل منه مثل هذا لمخالفة غيره ~~له، والصحيح أنه موقوف انتهى، ملخصا. # قال النووي ما ملخصه: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال ~~فيها أقوالا باطلة وزاد: حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها، ولا وجه لإشاعة ~~الغلطات، بل يذكر الصواب ويشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث ~~إشكال PageV09P081 # ولا فيها ضعف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشربه قائما ~~لبيان الجواز . وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط فإن النسخ لا يصار إليه ~~مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ، وفعله صلى الله عليه وآله وسلم لبيان ~~الجواز لا يكون في حقه مكروها أصلا، فإنه كان يفعل الشئ للبيان مرة أو ~~مرات، ويواظب على الأفضل والامر بالاستقاء محمول على الاستحباب، فيستحب لمن ~~يشرب قائما أن يستقئ لهذا الحديث الصحيح، فإن الامر إذا تعذر حمله على ~~الوجوب يحمل على الاستحباب. وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم أن من ~~شرب قائما ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث فلا يلتفت إلى ~~إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاء لا يمنع من الاستحباب، فمن ادعى ~~منع الاستحباب بالاجماع فهو مجازف، وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات ~~والدعاوى والترهات. قال الحافظ: ليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلا، ~~بل ونقل الاتفاق المذكور إنما هو في كلام المازري كما مضى. وأما تضعيف عياض ~~للأحاديث فلم يتشاغل النووي بالجواب عنه قال: فأما إشارته إلى تضعيف حديث ~~أنس بكون قتادة مدلسا فيجاب عنه بأنه صرح في نفس هذا الحديث بما يقتضي ~~السماع فإنه قال: قلنا لأنس فالاكل الخ، وأما تضعيف حديث أبي سعيد بأن أبا ~~عباس غير مشهور فهو قول سبق إليه ابن المديني لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، ~~لكن وثقه الطبري وابن حبان، ودعواه اضطرابه مردودة، فقد تابعه الأعمش عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة كما رواه أحمد وابن حبان ، فالحديث بمجموع طرقه ~~صحيح. قال النووي والعراقي في شرح الترمذي: إن قوله فمن نسي لا مفهوم ms3619 له، ~~بل يستحب ذلك للعامد أيضا بطريق الأولى، وإنما خص الناسي بالذكر لكون ~~المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالبا إلا نسيانا. قال القرطبي في المفهم: ~~لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وإن كان القول به جاريا على أصول ~~الظاهرية، وتعقب بأن ابن حزم منهم جزم بالتحريم، وتمسك من لم يقل بالتحريم ~~بالأحاديث المذكورة في الباب. (وفي الباب) عن سعد بن أبي وقاص أخرجه ~~الترمذي. وعن عبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني. وعن أنس أخرجه البزار ~~والأثرم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي وحسنه وعن عائشة ~~أخرجه البزار وأبو علي الطوسي في الاحكام. وعن أم سليم أخرجه PageV09P082 # ابن شاهين. وعن عبد الله بن السائب أخرجه ابن أبي حاتم، وثبت الشرب قائما ~~عن عمر أخرجه الطبري. وفي الموطأ: أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما، ~~وكان سعد وعائشة لا يريان بذلك بأسا، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين ~~وسلك العلماء في ذلك مسالك. أحدها: الترجيح وأن أحاديث الجواز أثبت من ~~أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم فقال: حديث أنس يعني في النهي جيد ~~الاسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه يعني في الجواز قال: ولا يلزم من كون ~~الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي ~~يقابله أقوى، لأن الثبت قد يروي من هو دونه الشئ فيرجح عليه، فقد رجح نافع ~~على سالم في بعض الأحاديث عن ابن عمر، وسالم مقدم على نافع في التثبت، وقدم ~~شريك على الثوري في حديثين، وسفيان مقدم عليه في جملة أحاديث. ويروى عن أبي ~~هريرة أنه قال: لا بأس بالشرب قائما، قال: فدل على أن الرواية عنه في النهي ~~ليست بثابتة وإلا لما قال لا بأس به قال: ويدل على وهانة أحاديث النهي أيضا ~~اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب أن يستقئ. المسلك الثاني: دعوى ~~النسخ وإليها جنح الأثرم وابن شاهين فقررا أن أحاديث النهي على تقدير ~~ثبوتها منسوخة بأحاديث ms3620 الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة ~~والتابعين بالجواز وقد عكس ابن حزم فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي ~~متمسكا بأن الجواز على وفق الأصل. وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع، فمن ~~ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. # وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه صلى الله عليه وآله ~~وسلم في حجة الوداع، كما تقدم ذكره في حديث الباب عن ابن عباس، وإذا كان ~~ذلك الآخر من فعله صلى الله عليه وآله وسلم دل على الجواز ويتأيد بفعل ~~الخلفاء الراشدين. المسلك الثالث: الجمع بين الاخبار بضرب من التأويل قال ~~أبو الفرج الثقفي: المراد بالقيام هنا المشي يقال: قمت في الامر إذا مشيت ~~فيه، وقمت في حاجتي إذا سعيت فيها وقضيتها ومنه قوله تعالى : * (إلا ما دمت ~~عليه قائما) * أي مواظبا بالمشي عليه. وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر وهو حمل ~~النهي على من لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الأحاديث لم ~~يسلم له في بقيتها وسلك آخرون في الجمع يحمل أحاديث النهي على كراهة ~~التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين ~~قال PageV09P083 # الحافظ: وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض وقد أشار الأثرم ~~إلى ذلك آخرا فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الارشاد والتأديب لا على ~~التحريم، وبذلك جزم الطبري وأيده بأنه لو كان جائزا ثم حرمه أو كان حراما ~~ثم جوزه لبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بيانا واضحا، فلما تعارضت ~~الاخبار في ذلك جمعنا بينها بهذا. وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة ~~الطب مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعدا أمكن وأبعد من الشرق، وحصول الوجع ~~في الكبد أو الحلق وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائما. قوله: شرب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قائما من زمزم في رواية لابن ماجة من وجه آخر عن ~~عاصم فذكرت ذلك لعكرمة فحلف أنه ما كان حينئذ إلا ms3621 راكبا. وعند أبي داود من ~~وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف على بعيره ثم ~~أناخ بعد طوافه فصلى ركعتين فلعله حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ~~ويخرج إلى الصفا، بل هذا هو الذي يتعين المصير إليه، لأن عمدة عكرمة في ~~إنكاره كونه شرب قائما إنما هو ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~طاف على بعيره وخرج إلى الصفا على بعيره وسعى كذلك، لكن لا بد من تخلل ~~ركعتي الطواف بين ذلك، وقد ثبت أنه صلاهما على الأرض، فما المانع من كونه ~~شرب حينئذ من سقاية زمزم قائما كما حفظه الشعبي عن ابن عباس. قوله: # في رحبة الكوفة الرحبة بفتح الراء المهملة وفتح الموحدة المكان المتسع، ~~والرحب بسكون المهملة المتسع أيضا. قال الجوهري: ومنه أرض رحبة أي متسعة، ~~ورحبة المسجد بالتحريك وهي ساحته. قال ابن التين، فعلى هذا يقرأ الحديث ~~بالسكون، ويحتمل أنها صارت رحبة الكوفة بمنزلة رحبة المسجد فيقرأ بالتحريك ~~وهذا هو الصحيح. قوله: صنع كما صنعت أي من الشرب قائما، وصرح به الإسماعيلي ~~في روايته فقال: شرب فضلة وضوئه قائما كما شربت. # وعن أبي سعيد: قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اختناث ~~الأسقية أن يشرب من أفواهها متفق عليه. وفي رواية: واختناثها أن يقلب رأسها ~~ثم يشرب منه أخرجاه. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى أن يشرب من في السقاء رواه البخاري وأحمد. وزياد قال أيوب: فأنبئت أن ~~رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية. وعن ابن عباس قال: نهى رسول الله ~~PageV09P084 # صلى الله عليه وآله وسلم عن الشرب من في السقاء رواه الجماعة إلا مسلما. # وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت: دخل علي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فشرب من في قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته ~~رواه ابن ماجة والترمذي وصححه. وعن أم سليم قالت: دخل علي ms3622 رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وفي البيت قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فاها ~~فإنه لعندي رواه أحمد. # حديث أم سليم أخرجه أيضا ابن شاهين والترمذي في الشمائل، والطبراني ~~والطحاوي في معاني الآثار. (وفي الباب) عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود ~~والترمذي قوله: عن اختناث الأسقية بالخاء المعجمة ثم المثناة من فوق بعدها ~~نون وبعد الألف مثلثة افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة وهو ~~في الأصل الانطواء والتكسر والانثناء. والأسقية جمع سقاء والمراد به المتخذ ~~من الأدم صغيرا كان أو كبيرا، وقيل القربة قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ~~والسقاء لا يكون إلا صغيرا. قوله: واختناثها الخ هو مدرج وقد جزم الخطابي ~~أن تفسير الاختناث من كلام الزهري. قوله: وزاد فقال أيوب الخ، هذه الزيادة ~~زادها أيضا ابن أبي شيبة ولفظه: شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه حيتان فنهى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك وكذا أخرجه الإسماعيلي. قوله: من ~~في السقاء قال النووي: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم كذا قال ~~وفي الاتفاق نظر، نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه ~~القرب وقال: # لم يبلغني فيه نهي. قال الحافظ: لم أر في شئ من الأحاديث المرفوعة ما يدل ~~على الجواز إلا من فعله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحاديث النهي كلها من ~~قوله فهي أرجح، وإذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك فإن جميع ما ذكره العلماء ~~في ذلك يقتضي أنه مأمون منه صلى الله عليه وآله وسلم أما أولا فلعصمته وطيب ~~نكهته، وأما دخول شئ في فم الشارب، فهو يقتضي أنه لو ملا السقاء وهو يشاهد ~~الماء الذي يدخل فيه ثم ربطه ربطا محكما ثم شرب منه لم يتناوله النهي. وقد ~~أخرج الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ: نهى أن يشرب من في السقاء لأن ~~ذلك ينتنه وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب فيتنفس داخل السقاء أو ~~باشر بفمه ms3623 باطن السقاء، أما من صب من الفم إلى داخل فمه من PageV09P085 # غير مماسة فلا. ومن جملة ما علل به النهي أن الذي يشرب من فم السقاء قد ~~يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا بأس أن يشرق به أو يبل ثيابه. قال ~~ابن العربي: # واحدة من هذه العلل تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوي الكراهة جدا. ~~قال ابن أبي جمرة: الذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه ~~الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم. والعادة في مثل ~~ذلك ترجيح ما يقتضي التحريم. وقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل ~~أحاديث الرخصة على أصل الإباحة. وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث ~~النهي ناسخة للإباحة، لأنهم كانوا أولا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في ~~بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز. قال العراقي: لو فرق بين ما يكون ~~لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء ولم يتمكن من ~~التناول بكفه فلا كراهة حينئذ، وعلى هذا تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما ~~يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي. قال الحافظ: ويؤيده أن أحاديث ~~الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة، والشرب من القربة المعلقة أخص من ~~الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في إخبار الجواز على الرخصة مطلقا بل على ~~تلك الصورة وحدها، وحملها على حالة الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها ~~على النسخ والله أعلم. قال: وقد سبق ابن العربي أن ما أشار إليه العراقي ~~فقال: ويحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وآله وسلم في حال ضرورة إما عند ~~الحرب وإما عند عدم الاناء أو مع وجوده، لكن لا يمكن تفريغ السقاء في ~~الاناء، ثم قال: ويحتمل أن يكون شرب من أداوة، والنهي محمول على ما إذا ~~كانت القربة كبيرة لأنها مظنة وجود الهوام قال الحافظ : والقربة الصغيرة لا ~~يمتنع وجود شئ من الهوام، فيها، والضرر يحصل به ولو كان حقيرا اه. # وقد عرفت ms3624 أن كبشة وأم سليم صرحتا بأن ذلك كان في البيت وهو مظنة وجود ~~الآنية، وعلى فرض عدمها فأخذ القربة من مكانها وإنزالها والصب منها إلى ~~الكفين أو أحدهما ممكن، فدعوى أن تلك الحالة ضرورية لم يدل عليها دليل، ولا ~~شك أن الشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب مطلقا، ولكن لا فرق في تجويز ~~العذر وعدمه بين المعلقة وغيرها، وليست المعلقة مما يصاحبها العذر دون ~~غيرها حتى يستدل بالشرب منها على اختصاصه بحال الضرورة، وعلى كل حال ~~فالدليل أخص من الدعوى، فالأولى الجمع بين الأحاديث PageV09P086 # بحمل الكراهة على التنزيه ويكون شربه صلى الله عليه وآله وسلم بيانا ~~للجواز. # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرب لبنا فمضمض وقال ~~إن له دسما رواه أحمد والبخاري. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى ~~الاعرابي وقال: الأيمن فالأيمن رواه الجماعة إلا النسائي. وعن سهل بن سعد ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن ~~يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا ~~رسول الله لا آثرت بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في يده متفق عليه. وعن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~ساقي القوم آخرهم شربا رواه ابن ماجة والترمذي وصححه. # حديث أبي قتادة أخرجه أيضا أبو داود قال المنذري: ورجال إسناده ثقات وقد ~~أخرج مسلم في حديث أبي قتادة الأنصاري الطويل قلت لا أشرب حتى يشرب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إن الساقي آخرهم. قوله: فمضمض فيه ~~مشروعية المضمضة بعد شراب اللبن. وقد روى أبو جعفر الطبري من طريق عقيل عن ~~ابن شهاب بلفظ: تمضمضوا من شرب اللبن والعلة الدسومة الكائنة في اللبن ~~والتعليل بذلك يشعر بأن ما كان له دسومة من مأكول أو مشروب ms3625 فإنها تشرع له ~~المضمضة. قوله: قد شيب بماء أي مزج بالماء وإنما كانوا يمزجونه بالماء لأن ~~اللبن يكون عند حلبه حارا وتلك البلاد في الغالب حارة، فكانوا يمزجونه ~~بالماء لذلك. قوله: # ثم أعطى الاعرابي وقال: الأيمن فالأيمن يجوز أن يكون قوله الأيمن مبتدأ ~~خبره محذوف أي الأيمن مقدم أو أحق، ويجوز أن يكون منصوبا على تقدير قدموا ~~الأيمن أو أعطوا. وفيه دليل على أنه يقدم من على يمين الشارب في الشرب وهلم ~~جرا وهو مستحب عند الجمهور. وقال ابن حزم، يجب ولا فرق بين شراب اللبن ~~وغيره كما في حديث سهل بن سعد وغيره. ونقل عن مالك، أنه خصه بالماء، قال ~~ابن عبد البر: لا يصح عن مالك. وقال عياض: يشبه أن يكون مراده أن السنة ~~ثبتت نصافي الماء خاصة، وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس قال ~~ابن العربي: كان PageV09P087 # اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل إنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات، ومن ~~ثم اختلف هل يجري الربا فيه وهل يقطع في سرقته؟ اه. ولا يخفى أن حديث أنس ~~نص في اللبن. وحديث سهل بن سعد يعم الماء وغيره، فتأويل قول مالك بأن السنة ~~ثبتت في الماء لا يصح. قوله: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ظاهر في أنه لو أذن له ~~لأعطاهم، ويؤخذ منه جواز الايثار بمثل ذلك وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا ~~إيثار بالقرب. # وعبارة إمام الحرمين في هذا لا يجوز التبرع في العبادات ويجوز في غيرها، ~~وقد يقال: # إن القرب أعم من العبادة. وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من ~~الصف الأول ليصلي معه، فإن خروج المجذوب من الصف الأول لقصد تحصيل فضيلة ~~للجاذب وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته، ويمكن الجواب بأنه لا إيثار ~~إذ حقيقة الايثار إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط الجاذب شيئا وإنما ~~رجح مصلحته، لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصوده ليس فيها إعطاؤه ما كان ~~يحصل للمجذوب لو لم يوافقه. قوله: فتله بفتح المثناة ms3626 من فوق وتشديد اللام ~~أي وضعه. وقال الخطابي: وضعه بعنف. وأصله من الرمي على التل وهو المكان ~~العالي المرتفع، ثم استعمل في كل شئ رمي به وفي كل إلقاء. وقيل: هو من ~~التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنق. ومنه ~~وتله للجبين أي صرعه فألقى عنقه وجعل جبينه إلى الأرض، والتفسير الأول أليق ~~بمعنى حديث الباب، وقد أنكر بعضهم تقييد الخطابي الوضع بالعنف. وظاهر هذا ~~أن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى من جهة اليمين وهو فضلها ~~على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين بل هو ~~ترجيح لجهة اليمين، وقد يعارض حديث أنس وسهل المذكورين، حديث سهل بن أبي ~~حثمة الذي تقدم في القسامة بلفظ: كبر كبر. وكذلك حديث ابن عباس الذي أخرجه ~~أبو يعلى بسند قوي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سقي ~~قال: ابدأوا بالأكبر ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين ~~إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه. قال ابن المنير، يؤخذ من هذا ~~الحديث أنها إذا تعارضت فضيلة الفاضل وفضيلة الوظيفة اعتبرت فضيلة الوظيفة. ~~قوله: ساقي القوم آخرهم شربا فيه دليل على أنه يشرع لمن تولى سقاية قوم أن ~~يتأخر في الشرب حتى يفرغوا عن آخرهم، وفيه إشارة إلى أن كل من ولي من أمور ~~المسلمين PageV09P088 # شيئا يجب عليه تقديم إصلاحهم على ما يخص نفسه، وأن يكون غرضه إصلاح ~~حالهم، وجر المنفعة إليهم، ودفع المضار عنهم، والنظر لهم فل أدق أمورهم ~~وجلها، وتقديم مصلحتهم على مصلحته. وكذا من يفرق على القوم فاكهة فيبدأ ~~بسقي كبير القوم أو بمن عن يمينه إلى آخرهم وما بقي شربه، ولا معارضة بين ~~هذا الحديث وحديث ابدأ بنفسك لأن ذاك عام وهذا خاص فيبنى العام على الخاص. # أبواب الطب باب إباحة التداوي وتركه عن أسامة بن شريك قال: جاء أعرابي ~~فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال نعم فإن الله لم ms3627 ينزل داء إلا أنزل لشفاء ~~علمه من علمه وجهله من جهله رواه أحمد. وفي لفظ: # قالت الاعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا فإن ~~الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا، قالوا: يا رسول ~~الله وما هو؟ قال الهرم رواه ابن ماجة وأبو داود والترمذي وصححه. وعن جابر: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء ~~برئ بإذن الله تعالى رواه أحمد ومسلم. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من ~~علمه وجهله من جهله رواه أحمد. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء رواه أحمد والبخاري وابن ~~ماجة. وعن أبي خزامة قال: قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء ~~نتداوى به؟ وتقاة نتقيها؟ هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال هي من قدر الله ~~رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا ~~الحديث. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يدخل الجنة ~~من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون ~~وعلى ربهم يتوكلون. وعن ابن عباس: أن امرأة سوداء أتت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالت: إني أصرع وإني PageV09P089 # أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن ~~يعافيك، فقالت: أصبر، وقالت: إنا أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها ~~متفق عليهما. # حديث أسامة أخرجه أيضا النسائي والبخاري في الأدب المفرد، وصححه أيضا ابن ~~خزيمة والحاكم. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا النسائي وصححه ابن حبان ~~والحاكم. وحديث أبي خزامة وهو بمعجمة مكسورة وزاي خفيفة أخرجه أيضا الترمذي ~~من طريقين: إحداهما عن ابن أبي عمر عن سفيان عن الزهري عن ms3628 أبي خزامة عن ~~أبيه، والثانية عن سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان عن الزهري عن ابن أبي خزامة ~~عن أبيه. قال: وقد روي عن ابن عيينة كلتا الروايتين. وقال بعضهم: عن أبي ~~خزامة عن أبيه. وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة عن أبيه. قال: وقد روى هذا ~~الحديث غير ابن عيينة عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه وهذا أصح، ولا يعرف ~~لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث اه كلامه. وقد صرح بأنه حديث حسن وهو ~~كما قال. قوله: فإن الله لم ينزل داء المراد بالانزال إنزال علم ذلك على ~~لسان الملك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلا أو المراد به التقدير. ~~قوله: عباد الله تداووا لفظ الترمذي قال: نعم يا عباد الله تداووا والداء ~~والدواء كلاهما بفتح الدال المهملة بالمد، وحكي كسر دال الدواء. قوله: ~~والهرم استثناه لكونه شبيها بالموت، والجامع بينهما تقضي الصحة أو لقربه من ~~الموت أو إفضائه إليه. ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا والتقدير: لكن ~~الهرم لا دواء له. وفي لفظ: إلا السام بمهملة مخففا وهو الموت، ولعل ~~التقدير إلا داء السام أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت. قوله: علمه من ~~علمه فيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمه كل واحد (وفي أحاديث الباب) ~~كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن ~~الله وبتقديره، وأنها لا تنجع بذواتها بل بما قدره الله فيها، وأن الدواء ~~قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك وإليه الإشارة في حديث جابر حيث قال بإذن ~~الله، فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته، والتداوي لا ينافي التوكل، ~~كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالاكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات ~~والدعاء بالعافية ودفع المضار وغير ذلك. قوله: وجهله من جهله فيه دليل على ~~أنه لا بأس بالتداوي لمن PageV09P090 # كان به داء، قد اعترف الأطباء بأنه لا دواء له وأقروا بالعجز عنه. قوله: ~~رقى نسترقيها الخ، سيأتي الكلام على الرقية. قوله: وتقاة نتقيها أي ms3629 ما نتقي ~~به ما يرد علينا من الأمور التي لا نريد وقوعها بنا. قوله: قال هي من قدر ~~الله أي لا مخالفة بينهما لأن الله هو الذي خلق تلك الأسباب وجعل لها خاصية ~~في الشفاء. قوله: # لا يسترقون الخ، سيأتي الكلام على الرقية والكي. وأما التطير فهو من ~~الطيرة بكسر الطاء المهملة وفتح المثناة التحتية وقد تسكن وهي التشاؤم ~~بالشئ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه. ~~(والأحاديث) في الطيرة متعارضة وقد وضعت فيها رسالة مستقلة. وقد استدل بهذا ~~الحديث والذي بعده على أنه يكره التداوي. # وأجيب عن ذلك بأجوبة. قال النووي لا مخالفة بل المدح في ترك الرقي المراد ~~بها الرقي التي هي من كلام الكفار، والرقى المجهولة والتي بغير العربية وما ~~لا يعرف معناه، فهذه مذمومة لاحتمال أن معناه كفر أو قريب منه أو مكروه، ~~وأما الرقي بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة، ومنهم ~~من قال في الجمع بين الحديثين أن الواردة في ترك الرقي للأفضلية وبيان ~~التوكل وفي فعل الرقي لبيان الجواز مع أن تركها أفضل، وبهذا قال ابن عبد ~~البر وحكاه عمن حكاه والمختار الأول. وقد نقلوا الاجماع على جواز الرقي ~~بالآيات وأذكار الله تبارك وتعالى. قال المازري: جميع الرقي جائزة إذا كانت ~~بكتاب الله أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى ~~معناه لجواز أن يكون فيه كفر. وقال الطبري والمازري وطائفة: أنه محمول على ~~من يعتقد أن الأدوية تنفع بطبعها كما كان أهل الجاهلية يعتقدون. قال عياض: ~~الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم، وفضيلة انفردوا بها عمن ~~يشاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو ~~يستعمل رقى أهل الجاهلية ونحوها فليس مسلما فلم يسلم هذا الجواب. وأجاب ~~الداودي وطائفة أن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية ~~وقوع الداء وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء. فلا. وأجاب الحليمي بأنه ~~يحتمل أن يكون ms3630 المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا ~~وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا ~~الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا ~~بقضائه، فهم PageV09P091 # غافلون عن طب الأطباء ورقى الرقاة، ولا يخشون من ذلك شيئا. وأجاب الخطابي ~~ومن تبعه بأن المراد بترك الرقي والكي الاعتماد على الله في دفع الداء ~~والرضا بقدره لا القدح في جواز ذلك وثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة. وعن ~~السلف الصالح لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب. قال ابن ~~الأثير: # هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلاقتها وهؤلاء هم ~~خواص الأولياء، ولا يرد عليه وقوع مثل ذلك من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فعلا وأمرا، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل، فكان ذلك ~~منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص من توكله لأنه كان كامل التوكل ~~يقينا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل ~~فكان من ترك الأسباب وفوض وأخلص أرفع مقاما. قال الطبري: قيل لا يستحق اسم ~~التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شئ البتة حتى السبع الضاري والعدو ~~العادي، ولا يسعى في طلب رزقه ولا في مداواة ألم. والحق من وثق بالله وأيقن ~~أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعا لسنته وسنة ~~رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وآله وسلم بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، ~~وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة ~~وإلى المدينة وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وأدخر لأهله قوتهم، ~~ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال ~~للذي سأله: أيعقل ناقته أو يتوكل؟ أعقلها وتوكل. # فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. قوله: فقالت إني أصرع الصرع نعوذ ~~بالله منه علة تمنع الأعضاء الرئيسة عن استعمالها منعا غير تام، وسببه ريح ~~غليظة تنحبس في منافذ ms3631 الدماغ أو بخار ردئ يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد ~~يتبعه تشنج في الأعضاء ويقذف المصروع بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع ~~من الجن ويقع من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية، ~~وإما لايقاع الأذية به، والأول هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه. ~~والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته، ولا يعرف له علاج إلا بجذب الأرواح ~~الخيرة العلوية لدفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطيل أفعالها، وممن نص ~~على ذلك بقراط فقال بعد ذكر علاج المصروع: إنما ينفع في الذي سببه أخلاط، ~~وأما الذي يكون من PageV09P092 # الأرواح فلا. قوله: وأني أتكشف بمثناة من فوق وتشديد الشين المعجمة من ~~التكشف وبالنون الساكنة المخففة من الانكشاف، والمراد أنها خشيت أن تظهر ~~عورتها وهي لا تشعر. وفيه أن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الاخذ ~~بالشدة أفضل من الاخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام ~~الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وأن التداوي بالدعاء مع الالتجاء ~~إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما ~~من جهة العليل وهو صدق القصد ، والآخر من جهة المداوي وهو توجه قلبه إلى ~~الله وقوته بالتقوى والتوكل على الله تعالى. # باب ما جاء في التداوي بالمحرمات عن وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي: ~~سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الخمر فنهاه عنها فقال: إنما أصنعها ~~للدواء، قال: إنه ليس بدواء ولكنه داء رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي ~~وصححه. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام رواه ~~أبو داود. وقال ابن مسعود في المسكر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم ~~عليكم ذكره البخاري. # وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدواء ~~الخبيث يعني السم رواه أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي. وقال الزهري في ~~أبوال الإبل: قد كان ms3632 المسلمون يتداوون بها فلا يرون بها بأسا رواه البخاري. ~~حديث أبي الدرداء في إسناده إسماعيل بن عياش، قال المنذري: وفيه مقال ~~انتهى. وقد عرفت غير مرة أنه إذا حدث عن أهل الشام فهو ثقة وإنما يضعف في ~~الحجازيين، وهو هاهنا حدث عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي وهو شامي، ذكره ابن ~~حبان في الثقات عن أبي عمران الأنصاري مولى أم الدرداء وقائدها وهو أيضا ~~شامي. قوله ليس بدواء ولكنه داء فيه التصريح بأن الخمر ليست بدواء، فيحرم ~~PageV09P093 # التداوي بها كما يحرم شربها، وكذلك سائر الأمور النجسة أو المحرمة، وإليه ~~ذهب الجمهور. قوله: ولا تتداووا بحرام أي لا يجوز التداوي بما حرمه الله من ~~النجاسات وغيرها مما حرمه الله ولو لم يكن نجسا. قال ابن رسلان في شرح ~~السنن: والصحيح من مذهبنا يعني الشافعية جواز التداوي بجميع النجاسات سوى ~~المسكر لحديث العرنيين في الصحيحين حيث أمرهم صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالشرب من أبوال الإبل للتداوي. قال: (وحديث الباب) محمول على عدم الحاجة ~~بأن يكون هناك دواء غيره يغني عنه ويقوم مقامه من الطاهرات. قال البيهقي: ~~هذان الحديثان إن صحا محمولان على النهي عن التداوي بالمسكر والتداوي ~~بالحرام من غير ضرورة ليجمع بينهما وبين حديث العرنيين انتهى. ولا يخفى ما ~~في هذا الجمع من التعسف، فإن أبوال الإبل الخصم يمنع اتصافها بكونها حراما ~~أو نجسا، وعلى فرض التسليم فالواجب الجمع بين العام وهو تحريم التداوي ~~بالحرام وبين الخاص وهو الاذن بالتداوي بأبوال الإبل بأن يقال: يحرم ~~التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل، هذا هو القانون الأصولي. قوله: عن ~~الدواء الخبيث ظاهره تحريم التداوي بكل خبيث والتفسير بالسم مدرج لا حجة ~~فيه، ولا ريب أن الحرام والنجس خبيثان قال الماوردي وغيره: السموم على ~~أربعة أضرب منها ما يقتل كثيره وقليله، فأكله حرام للتداوي ولغيره لقوله ~~تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (آل عمران: 75) ومنها ما يقتل ~~كثيره دون قليله، فأكل كثيره الذي يقتل حرام للتداوي وغيره، والقليل منه إن ~~كان مما ينفع في ms3633 التداوي جاز أكله تداويا، ومنها ما يقتل في الأغلب وقد ~~يجوز أن لا يقتل فحكمه كما قبله، ومنها ما لا يقتل في الأغلب وقد يجوز أن ~~يقتل، فذكر الشافعي في موضع إباحة أكله وفي موضع تحريم أكله، فجعله بعض ~~أصحابه على حالين، فحيث أباح أكله فهو إذا كان للتداوي، وحيث حرم أكله فهو ~~إذا كان غير منتفع به في التداوي. # باب ما جاء في الكي عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى أبي بن كعب PageV09P094 # طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه رواه أحمد ومسلم. وعن جابر أيضا: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين رواه ابن ماجة ~~ومسلم بمعناه. # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة ~~رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل رواه أحمد ~~وابن ماجة والترمذي وصححه. وعناب عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي ~~عن الكي رواه أحمد والبخاري وابن ماجة. وعن عمران بن حصين: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الكي فاكتوينا فما أفلحن ولا نجعن رواه ~~الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وقال: فما أفلحنا ولا أنجعنا. # حديث أنس أخرجه الترمذي من طريق حميد بن مسعدة: حدثنا بريدة بن زريع، ~~أخبرنا معمر عن الزهري عن أنس وإسناده حسن كما قال. وحديث المغيرة صححه ~~أيضا ابن حبان والحاكم. قوله: فقطع منه عرقا استدل بذلك على أن الطبيب ~~يداوي بما ترجح عنده قال ابن رسلان: وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن ~~التداوي بالأخف لا ينتقل إلى ما فوقه، فمتى أمكن التداوي بالغذاء لا ينتقل ~~إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل إلى المركب، ومتى أمكن بالدواء لا ms3634 ~~يعدل إلى الحجامة، ومتى أمكن بالحجامة لا يعدل إلى قطع العرق. وقد روي ابن ~~عدي في الكامل من حديث عبد الله بن جواد: قطع العروق مسقمة كما في الترمذي ~~وابن ماجة ترك العشاء مهرمة، وإنما كواه بعد القطع لينقطع الدم الخارج من ~~العرق المقطوع. قوله: كوى سعد بن معاذ الكي هو أن يحمى حديد وبوضع على عضو ~~معلول ليحرق ويحبس دمه ولا يخرج أو لينقطع العرق الذي خرج منه الدم. وقد ~~جاء النهي عن الكي، وجاءت الرخصة فيه والرخصة لسعد لبيان جوازه حيث لا يقدر ~~الرجل أن يداوي العلة بدواء آخر، وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن ~~يداوي العلة بدواء آخر لأن الكي فيه تعذيب بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار ~~إلا رب النار وهو الله تعالى، ولان الكي يبقى منه أثر فاحش، وهذان نوعان من ~~أنواع الكي الأربعة وهما: النهي عن الفعل وجوازه، والثالث الثناء على من ~~تركه كحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة وقد تقدم، والرابع عدم محبته ~~كحديث الصحيحين: PageV09P095 # وما أحب أن أكتوي فعدم محبته يدل على أن الأولى عدم فعله، والثناء على ~~تركه يدل على أن تركه أولى، فتبين أنه لا تعارض بين الأربعة. قال الشيخ أبو ~~محمد بن حمزة: # علم من مجموع كلامه في الكي أن فيه نفعا وأن فيه مضرة، فلما نهى عنه علم ~~أن جانب المضرة فيه أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع ثم ~~حرمها لأن المضار التي فيها أعظم من المنافع انتهى ملخصا. قوله: من الشوكة ~~هي داء معروف كما في القاموس. قال في النهاية: هي حمرة تعلو الوجه والجسد ~~يقال منه شيك فهو مشوك، وكذلك إذا دخل في جسمه شوكة، ومنه الحديث: إذا شيك ~~فلا انتقش أي إذا شاكته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالنقاش. # قوله: فقد برئ من التوكل قال في الهدى أحاديث الكي التي في هذا الباب قد ~~تضمنت أربعة أشياء: أحدها فعله. ثانيها عدم محبته. ثالثها الثناء على من ~~تركه. ms3635 رابعها النهي عنه، ولا تعارض فيها بحمد الله فإن فعله يدل على جوازه، ~~وعدم محبته لا يدل على المنع منه، والثناء على تاركيه يدل على أن تركه ~~أفضل، والنهي عنه إما على سبيل الاختيار من دون علة أو عن النوع الذي يحتاج ~~معه إلى كي انتهى. وقيل: # الجمع بين هذه الأحاديث أن المنهي عنه هو الاكتواء ابتداء قبل حدوث العلة ~~كما يفعله الأعاجم، والمباح هو الاكتواء بعد حدوث العلة. قوله: في شرطة ~~محجم بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم. قوله: أو شربة عسل قال في ~~الفتح: العسل يذكر ويؤنث وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من المنافع ما لخصه ~~الموفق البغدادي وغيره فقالوا: يجلي الأوساخ التي في العروق والأمعاء ويدفع ~~الفضلات ويغسل المعدة ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح أفواه العروق ويشد ~~المعدة والكبد والكلى والمثانة، وفيه تحليل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية، ~~وفيه حفظ للمعجونات، وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية للكبد ~~والصدر، وإدرار البول والطمس، وينفع للسعال الكائن من البلغم والأمزجة ~~الباردة، وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء، ثم هو غذاء من الأغذية، ~~ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحلوا من الحلاوات، وطلاء من الأطلية، ~~ومفرح من المفرحات. ومن منافعه أنه إذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش ~~الحيوان، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة الكلب الكلب، وإذا جعل فيه اللحم ~~الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذا الخيار والقرع والباذنجان PageV09P096 # والليمون ونحو ذلك، وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصئبان، وطول ~~الشعر وحسنه ونعمه، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر، وإن استن به صقل الأسنان ~~وحفظ صحتها، وهو عجيب في حفظ جثة الموتى فلا يسرع إليها البلا، وهو مع ذلك ~~مأمون الغائلة قليل المضرة، ولم يكن يعول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة ~~إلا عليه، ولا ذكر للسكر في أكثر كتبها أصلا. وقد أخرج أبو نعيم في الطب ~~النبوي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه وابن ماجة بسند ضعيف من حديث جابر ~~رفعه من لعق العسل ثلاث غدوات من ms3636 كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء. قوله: ~~وأنهى أمتي عن الكي قال النووي: هذا الحديث من بديع الطب عند أهله لأن ~~الأمراض الامتلائية دموية أو صفراوية أو سوداوية أو بلغمية، فإن كانت دموية ~~فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الثلاثة الباقية فشفاؤها بالاسهال بالمسهل ~~اللائق بكل خلط منها، فكأنه نبه صلى الله عليه وآله وسلم بالعسل على ~~المسهلات، وبالحجامة على إخراج الدم بها، وبالفصد ووضع العلق وما في ~~معناها، وذكر الكي لأنه يستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة ونحوها فآخر ~~الطب الكي، والنهي عنه إشارة إلى تأخير العلاج بالكي حتى يضطر إليه لما فيه ~~من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي. قوله: نهى ~~عن الكي فاكتوينا قال ابن رسلان، هذه الرواية فيها إشارة إلى أنه يباح الكي ~~عند الضرورة بالابتلاء بالأمراض المزمنة التي لا ينجع فيها إلا الكي ويخاف ~~الهلاك عند تركه، ألا تراه كوى سعدا لما لم ينقطع الدم من جرحه وخاف عليه ~~الهلاك من كثرة خروجه كما يكوى من تقطع يده أو رجله، ونهى عمران بن حصين عن ~~الكي لأنه كان به باسور وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه، فتعين أن يكون النهي ~~خاصا بمن به مرض مخوف، ولان العرب كانوا يرون أن الشافي لما لا شفاء له ~~بالدواء هو الكي، ويعتقدون أن من لم يكتو هلك فنهاهم عنه لأجل هذه النية ~~فإن الله تعالى هو الشافي. قال ابن قتيبة الكي جنسان كي الصحيح لئلا يعتل ~~فهذا الذي قيل فيه لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه ~~والثاني كي الجرح إذا لم ينقطع دمه بإحراق ولا غيره والعضو إذا قطع ففي هذا ~~الشفاء بتقدير الله، وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجح ويجوز أن ~~لا ينجح فإنه إلى الكراهة أقرب. وقد PageV09P097 # تضمنت (أحاديث الكي) أربعة أنواع كما تقدم. قوله: فما أفلحن ولا أنجحن ~~هكذا الرواية الصحيحة بنون الإناث فيهما، يعني تلك الكيات التي اكتويناهن ~~وخالفنا ms3637 النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فعلهن، وكيف يفلح أو ينجح شئ ~~خولف فيه صاحب الشريعة؟ وعلى هذا فالتقدير فاكتوينا كيات لأوجاع فما أفلحن ~~ولا أنجحن، وهو أولى من أن يكون المحذوف الفاعل على تقدير فما أفلحن الكيات ~~ولا أنجحن، لأن حذف المفعول الذي هو فضله أقوى من حذف الفاعل الذي هو عمدة. ~~ورواية الترمذي كما ذكره المصنف رحمه الله فيكون الفلاح والنجاح مسندا فيها ~~إلى المتكلم ومن معه. وفي رواية لابن ماجة: فما أفلحت ولا أنجحت بسكون تاء ~~التأنيث بعد الحاء المفتوحة. # باب ما جاء في الحجامة وأوقاتها عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: إن كان في شئ من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة ~~عسل أو لذعة نار توافق الداء وما أحب أن أكتوي متفق عليه. وعن قتادة عن أنس ~~قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان ~~يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من احتجم ~~لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء رواه أبو داود. # وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن خير ما ~~تحتجمون فيه يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين رواه الترمذي وقال: حديث ~~حسن غريب. وعن أبي بكرة أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ويزعم ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة ~~لا يرقأ رواه أبو داود. وروي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء لداء السنة ~~رواه حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وليس إسناده بذاك. PageV09P098 # وروى الزهري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من احتجم يوم السبت ~~أو يوم الأربعاء فأصابه وضح فلا ms3638 يلوم إلا نفسه ذكره أحمد واحتج به قال أبو ~~داود: # وقد أسند ولا يصح. وكره إسحاق بن راهويه الحجامة يوم الجمعة والأربعاء ~~والثلاثاء إلا إذا كان يوم الثلاثاء سبع عشرة من الشهر أو تسع عشرة أو إحدى ~~وعشرين. # حديث أنس أخرجه أيضا ابن ماجة من وجه آخر وسنده ضعيف. والطريق التي رواها ~~الترمذي منها هي ما في سننه قال: حدثنا عبد القدوس بن محمد حدثنا عمرو بن ~~عاصم حدثنا همام وجرير بن حازم قالا: حدثنا قتادة عن أنس فذكره. وقال ~~النووي عند الكلام على هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط ~~البخاري ومسلم وصححه الحاكم أيضا، ولكن ليس في حديث أبي داود المذكور ~~الزيادة وهي قوله: وكان يحتجم لسبع عشرة الخ. وحديث أبي هريرة سكت عنه أبو ~~داود والمنذري، وهو من رواية سعيد ابن عبد الرحمن بن عوف الجمحي عن سهيل بن ~~أبي صالح وسعيد وثقه الأكثر. ولينه بعضهم من قبل حفظه وله شاهد مذكور في ~~الباب بعده. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا أحمد قال الحافظ: ورجاله ثقات لكنه ~~معلول انتهى. وإسناده في سنن الترمذي هكذا: حدثنا عبد بن حميد أخبره النضر ~~بن شميل حدثنا عباد بن منصور قال: سمعت عكرمة فذكره. وحديث أبي بكرة في ~~إسناده أبو بكرة بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة قال يحيى ابن معين ضعيف ~~ليس حديثه بشئ، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وهو من جملة الضعفاء ~~الذين يكتب حديثهم. وحديث معقل بن يسار أشار إليه الترمذي وقد ضعف المصنف ~~إسناده ولكن شهد له ما قبله، وقد أخرجه أيضا رزين. (وفي الباب) عن ابن عمر ~~عند ابن ماجة رفعه في أثناء حديث وفيه: فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس ~~واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة ~~والسبت والأحد أخرجه من طريقين ضعيفتين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضا عند ~~الدارقطني في الافراد، وأخرجه بسند جيد عن ابن عمر موقوفا. ونقل الخلال عن ~~أحمد أنه كره الحجامة في الأيام ms3639 المذكورة وإن كان الحديث لم يثبت. # وحكي أن رجلا احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث، قال في ~~الفتح: ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شئ، قال حنبل بن إسحاق: كان أحمد ~~PageV09P099 # يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت. (ومن أحاديث الباب) في الحجامة ~~حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن كان في شئ ~~مما تداويتم به خير فالحجامة أخرجه أبو داود وابن ماجة. وعن سلمى خادمة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وجعا في رأسه إلا قال: احتجم، ولا وجعا في رجليه ~~إلا قال: اخضبهما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث ~~غريب إنما يعرف من حديث قائد. وقائد هذا هو مولى عبيد الله بن علي بن أبي ~~رافع وثقه يحيى بن معين. وقال أحمد وأبو حاتم الرازي: لا بأس به، وفي ~~إسناده أيضا عبيد الله بن علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال ابن معين: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه. ~~وقد أخرجه الترمذي من حديث علي بن عبيد الله عن جدته وقال: وعبيد الله بن ~~علي أصح، وقال غيره: علي بن عبيد الله بن أبي رافع لا يعرف بحال، ولم يذكره ~~أحد من الأئمة في كتاب، وذكر بعده حديث عبيد الله بن علي بن أبي رافع هذا ~~الذي ذكرناه وقال: فانظر في اختلاف إسناده وتغير لفظه هل يجوز لمن يدعي ~~السنة أو ينسب إلى العلم أن يحتج بهذا الحديث على هذا الحال ويتخذه سنة ~~وحجة في خضاب اليد والرجل؟ # وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم على وركيه من وثء كان ~~به أخرجه أبو داود والنسائي. والوث ء بالمثلثة الوجع. قوله: أو لذعة بنار ~~بذال معجمة ساكنة وعين مهملة. اللذع هو الخفيف من حرق النار. وأما اللدغ ~~بالدال المهملة ms3640 والغين المعجمة فهو ضرب أو عض ذات السم. وقد تقدم الكلام ~~على حديث جابر هذا قريبا. قوله: في الأخدعين قال أهل اللغة: الأخدعان عرقان ~~في جانبي العنق يحجم منه، والكاهل ما بين الكتفين وهو مقدم الظهر. قال ابن ~~القيم في الهدى: الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه ~~والأسنان والأذنين والعينين والأنف إذا كان حدوث ذلك من كثرة الدم أو فساده ~~أو منهما جميعا، قال: والحجامة لأهل الحجاز والبلاد الحارة لأن دماءهم ~~رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة إلى سطح الجسد ~~واجتماعها في نواحي الجلد، ولان مسام أبدانهم واسعة ففي الفصد لهم خطر. ~~قوله: كان شفاء من كل داء PageV09P100 # هذا من العام المراد به الخصوص، والمراد كان شفاء من كل داء سببه غلبة ~~الدم، وهذا الحديث موافق لما أجمعت عليه الأطباء أن الحجامة في النصف ~~الثاني من الشهر أنفع مما قبله، وفي الربع الرابع أنفع مما قبله. قال صاحب ~~القانون: أوقاتها في النهار الساعة الثانية أو الثالثة، وتكره عندهم ~~الحجامة على الشبع فربما أورثت سددا وأمراضا رديئة لا سيما إذا كان الغذاء ~~رديئا غليظا، والحجامة على الريق دواء وعلى الشبع داء، واختيار هذه الأوقات ~~للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتراز من الأذى وحفظا للصحة، وأما في ~~مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها. قوله: أن يوم ~~الثلاثاء يوم الدم أي يوم يكثر فيه الدم في الجسم. # قوله: وفيه ساعة لا يرقأ بهمز آخره أي لا ينقطع فيها دم من احتجم أو ~~افتصد أو لا يسكن وربما يهلك الانسان فيها بسبب عدم انقطاع الدم، وأخفيت ~~هذه الساعة لتترك الحجامة في هذا اليوم خوفا من مصادفة تلك الساعة كما ~~أخفيت ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر ليجتهد المتعبد في جميع أوتاره ~~ليصادف ليلة القدر، وكما أخفيت ساعة الإجابة في يوم الجمعة. وفي رواية ~~رواها رزين: لا تفتحوا الدم في سلطانه ولا تستعملوا الحديد في يوم سلطانه ~~وزاد أيضا: إذا صادف يوم سبع عشرة يوم الثلاثاء ms3641 كان دواء السنة لمن احتجم ~~فيه وفي الحجامة منافع. قال في الفتح: والحجامة على الكاهل تنفع من وجع ~~المنكب والحلق وتنوب عن فصد الباسليق، والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض ~~الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف والحلق وتنوب عن فصد ~~القيفال، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم وتنقي ~~الرأس، والحجامة على القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق تحت الكعب وتنفع من ~~قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين، والحجامة ~~على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير ~~وداء الفيل وحكة الظهر ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادف وقت الاحتياج ~~إليه، والحجامة على المعدة تنفع الأمعاء وفساد الحيض انتهى. قال أهل العلم: ~~بالفصد فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ومن الشوصة وذات ~~الجنب وسائر الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة PageV09P101 # إلى الورك. وفصد الأكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان ~~دمويا ولا سيما إن كان قد فسد. وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا ~~كثر الدم أو فسد. وفصد الودجين لوجع الطحال والربو. قال أهل المعرفة: إن ~~المخاطب بأحاديث الحجامة غير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم. وقد أخرج ~~الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم قال ~~الطبري: وذلك لأنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوة جسده، ~~فلا ينبغي أن يزيده وهنا بإخراج الدم انتهى. وهو محمول على من لم تتعين ~~حاجته إليه وعلى من لم يعتده، وقد قال ابن سينا في أرجوزته: # ومن يكن تعود الفصاد * فلا يكن يقطع تلك العادة ثم أشار إلى أنه يقلل ذلك ~~بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين. وقال ابن سينا في أبيات أخرى ~~: ووفر على الجسم الدماء فإنها * لصحة جسم من أجل الدعائم قال الموفق ~~البغدادي بعد أن ذكر أن الحجامة في نصف الشهر الآخر ثم في ربعه الرابع أنفع ~~من أوله وآخره، وذلك أن ms3642 الأخلاط في أول الشهر وفي آخره تسكن فأولى ما يكون ~~الاستفراغ في أثنائه. (والحاصل) أن أحاديث التوقيت وإن لم يكن شئ منها على ~~شرط الصحيح إلا أن المحكوم عليه بعدم الصحة إنما هو في ظاهر الامر لا في ~~الواقع، فيمكن أن يكون الصحيح ضعيفا والضعيف صحيحا، لان الكذوب قد يصدق ~~والصدوق قد يكذب، فاجتناب ما أرشد الحديث الضعيف إلى اجتنابه واتباع ما ~~أرشد إلى اتباعه من مثل هذه الأمور ينبغي لكل عارف، وإنما الممنوع إثبات ~~الأحكام التكليفية أو الوضعية أو نفيها بما هو كذلك. # باب ما جاء في الرقي والتمائم وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: إن الرقي والتمائم والتولة شرك رواه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجة. والتولة ضرب من السحر، قال PageV09P102 # الأصمعي، هو تحبيب المرأة إلى زوجها. وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن ~~تعلق ودعة فلا ودع الله له رواه أحمد. وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما أبالي ما ركبت أو ما أتيت إذا أنا ~~شربت ترياقا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر مقبل نفسي رواه أحمد وأبو داود ~~وقال: # هذا كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وقد رخص فيه قوم يعني ~~الترياق. # وعن أنس قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرقية من العين ~~والحمة والنملة رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة. والنملة قروح تخرج في ~~الجنب. وعن الشفا بنت عبد الله قالت: دخل على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأنا عند حفصة فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها ~~الكتابة رواه أحمد وأبو داود. وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة. وعن ~~عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ ~~فقال: اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما ms3643 لم يكن فيه شرك رواه مسلم وأبو ~~داود. وعن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرقي فجاء ~~آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله إنها كانت عندنا رقية نرقي بها من ~~العقرب وإنك نهيت عن الرقي قال: فعرضوها عليه فقال: ما أرى بأسا فمن استطاع ~~منكم أن ينفع أخاه فليفعل رواه مسلم. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه ~~الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من يدي متفق ~~عليه. # حديث ابن مسعود أخرجه أيضا الحاكم وصححه، وصححه أيضا ابن حبان وهو من ~~رواية ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عنها عن ابن مسعود. قال المنذري: ~~والراوي عن زينب مجهول. وحديث عقبة بن عامر قال في مجمع الزوائد: # أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم ثقات انتهى. وحديث عبد الله بن ~~عمرو في إسناده عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقيا قال البخاري في ~~حديثه مناكير. وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه نحو هذا. وحديث الشفا سكت عنه أبو ~~داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي ~~المصيصي PageV09P103 # وهو ثقة. وقد أخرجه النسائي عن إبراهيم بن يعقوب عن علي بن المدني عن ~~محمد بن بشر ثم بإسناد أبي داود. قوله: إن الرقي بضم الراء وتخفيف القاف مع ~~القصر جمع رقية كدمي جمع دمية. قوله: والتمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت ~~العرب تعلقها على أولادهم يمنعون بها العين في زعمهم فأبطله الاسلام. قوله: ~~والتولة بكسر التاء المثناة فوق وبفتح الواو المخففة. قال الخليل: التولة ~~بكسر التاء وضمها شبيه بالسحر. وقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود كما ~~أخرجه الحاكم وابن حبان وصححاه أنه دخل على امرأته وفي عنقها شئ معقود ~~فجذبه فقطعه ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن ~~الرقي والتمائم والتولة شرك، قالوا: # يا أبا عبد الله ms3644 هذه التمائم والرقى قد عرفناها فما التولة؟ قال: شئ ~~يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن يعني من السحر. قيل هي خيط يقرأ فيه من ~~السحر، أو قرطاس يكتب فيه شئ منه يتحبب به النساء إلى قلوب الرجال أو ~~الرجال إلى قلوب النساء، فأما ما تحبب به المرأة إلى زوجها من كلام مباح ~~كما يسمى الغنج وكما تلبسه للزينة أو تطعمه من عقار مباح أكله أو أجزاء ~~حيوان مأكول مما يعتقد أنه سبب إلى محبة زوجها لما أودع الله تعالى فيه من ~~الخصيصة بتقدير الله لا أنه يفعل ذلك بذاته. قال ابن رسلان: فالظاهر أن هذا ~~جائز لا أعرف الآن ما يمنعه في الشرع. # قوله: شرك جعل هذه الثلاثة من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر بنفسه. قوله: # فلا أتم الله له فيه الدعاء على من اعتقد في التمائم وعلقها على نفسه بضد ~~قصده وهو عدم التمام لما قصده من التعليق. وكذلك قوله: فلا ودع الله له ~~فإنه دعاء على من فعل ذلك، وودع ماضي يدع مثل وذر ماضي يذر. قوله: أو ما ~~أتيت بفتح الهمزة والتاء الأولى أي لا أكترث بشئ من أمر ديني ولا أهتم بما ~~فعلته إن أنا فعلت هذه الثلاثة أو شيئا منها، وهذه مبالغة عظيمة وتهديد ~~شديد في فعل شئ من هذه الثلاثة أي من فعل شيئا منها فهو غير مكترث بما ~~يفعله ولا يبالي به هل هو حرام أو حلال؟ وهذا وإن أضافه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى نفسه فالمراد به إعلام غيره بالحكم. وقد سئل عن تعليق ~~التمائم فقال ذلك شرك. # قوله: ترياقا بالتاء أو الدال أو الطاء في أوله مكسورات أو مضمومات، فهذه ~~ست لغات أرجحهن بمثناة مكسورة رومي ومعرب. والمراد به هنا ما كان مختلطا ~~PageV09P104 # بلحوم الأفاعي يطرح منها رأسها وأذنابها ويستعمل أوساطها في الترياق وهو ~~محرم لأنه نجس، وإن اتخذ الترياق من أشياء طاهرة فهو طاهر لا بأس بأكله ~~وشربه، ورخص مالك فيما فيه شمن لحوم الأفاعي لأنه يرى إباحة لحوم ms3645 الحيات، ~~وأما إذا كان الترياق نباتا أو حجرا فلا مانع منه. قوله: أو قلت الشعر من ~~قبل نفسي أي من جهة نفسي فخرج به مقاله لا عن نفسه بل حاكيا له عن غيره كما ~~في الصحيح: خير كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ويخرج منه أيضا ما قاله لا على ~~قصد الشعر فجاء موزونا. قوله: كان للنبي خاصة يعني وأما في حق الأمة ~~فالتمائم وإنشاء الشعر غير حرام. قوله: في الرقية من العين أي من إصابة ~~العين. قوله: والحمة بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة وأصلها حمو أو ~~حمى بوزن صرد، والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة أو الياء مثل سمة من ~~الوسم، وهذا على تخفيف الميم، أما من شدد فالأصل عنده حممة ثم أدغم كما في ~~الحديث: العالم مثل الحمة وهي عين ماء حار ببلاد الشام يستشفي بها المرضى، ~~وأنكر الأزهري تشديد الميم والمراد بالحمة السم من ذوات السموم، وقد تسمى ~~إبرة العقرب والزنبور ونحوهما حمة لأن السم يخرج منها فهو من المجاز ~~والعلاقة المجاورة. قوله: ألا تعلمين بضم أوله وتشديد اللام المكسورة هذه ~~يعني حفصة رقية النملة بفتح النون وكسر الميم وهي قروح تخرج من الجنب أو ~~الجنبين، ورقية النملة كلام كانت نساء العرب تستعمله يعلم كل من سمعه أنه ~~كلام لا يضر ولا ينفع. ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال للعروس: ~~تحتفل وتختضب وتكتحل وكل شئ يفتعل غير أن لا تعصي الرجل، فأراد صلى الله ~~عليه وآله وسلم بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضا لأنه ألقى ~~إليها سرا فأفشته على ما شهد به التنزيل في قوله تعالى: * (وإذ أسر النبي ~~إلى بعض) * (البقرة: 195) الآية. قوله: كما علمتها الكتابة فيه دليل على ~~جواز تعليم النساء الكتابة. وأما حديث: لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن ~~الغرف وعلموهن سورة النور فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمول على ~~من يخشى من تعليمها الفساد. قوله: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شئ من الشرك ~~المحرم وفيه دليل على ms3646 جواز الرقي والتطيب بما لا ضرر فيه ولا منع من جهة ~~الشرع وإن كان بغير أسماء الله وكلامه، لكن إذا كان مفهوما لأن ما لا يفهم ~~لا يؤمن أن يكون فيه شئ من الشرك. قوله: من استطاع أن ينفع أخاه ~~PageV09P105 # فليفعل قد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم ~~يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه يمنع ما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك، ~~وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطا، وقال قوم: لا ~~تجوز الرقية إلا من العين والحمة كما في حديث عمران بن حصين: لا رقية إلا ~~من عين أو حمة وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل محتاج إلى الرقية، ~~فيلحق بالعين جواز رقية من به مس أو نحوه، لاشتراك ذلك في كون كل واحد ينشأ ~~عن أحوال شيطانية من أنسي أو جني، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ~~ونحوه من المواد السمية، وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران ~~وزاد أو دم. # وكذلك حديث أنس المذكور في الباب زاد فيه النملة. وقال قوم: المنهي عنه ~~من الرقي ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ~~ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما وفيه نظر، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت ~~فيه التمائم بالرقى كما في حديث ابن مسعود المذكور في الباب. قوله: نفث ~~النفث نفخ لطيف بلا ريق وفيه استحباب النفث في الرقية. قال النووي: وقد ~~أجمعوا على جوازه واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال ~~القاضي: وأنكر جماعة النفث في الرقي وأجازوا فيها النفخ بلا ريق قال: وهذا ~~هو المذهب، قال: وقد اختلف في النفث والتفل فقيل هما بمعنى ولا يكون إلا ~~بريق. وقال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث وقيل ~~عكسه. قال: وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرقية ~~فقالت: كما ينفث آكل الزبيب لا ms3647 ريق معه ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ~~ولا يقصد ذلك. وقد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب فجعل يجمع بزاقه ~~ويتفل. قوله: بالمعوذات قال ابن التين: الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء ~~الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء ~~بإذن الله، فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني، وتلك الرقي ~~المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، تأتي ~~بأمور مشبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذلك الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر ~~الشياطين والاستعانة بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها للانسان بالطبع ~~تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين ~~أجابت وخرجت، فلذلك كره من الرقي ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، ~~وباللسان PageV09P106 # العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من شوب الشرك، وعلى كراهة الرقي بغير ~~كتاب الله علماء الأمة. وقال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام: أحدها ما كان ~~يرقى به في الجاهلية ما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو ~~يؤدي إلى الشرك. الثاني: # ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز فإن كان مأثورا فيستحب. الثالث: ما ~~كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش. قال: ~~فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله ~~والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغي أن ~~يجتنب كالحلف بغير الله، قال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس ~~أن ترقى بكتاب الله وبما تعرف من ذكر الله، قلت: أيرقي أهل الكتاب ~~المسلمين؟ قال نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله. قوله: ~~وأمسحه بيد نفسه في رواية وأمسح بيده نفسه. # باب الرقية من العين والاستغسال منها عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يأمرني أن أسترقي من العين متفق عليه. وعن أسماء بنت ~~عميس أنها قالت: يا رسول الله ms3648 إن بني جعفر تصيبهم العين أفنسترقي لهم؟ قال: ~~نعم فلو كان شئ سبق القدر لسبقته العين رواه أحمد والترمذي وصححه. وعن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: العين حق ولو كان شئ سابق ~~القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه. ~~وعن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغسل منه المعين رواه أبو داود. ~~وعن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج وسار معه نحو مكة ~~حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان رجلا أبيض حسن ~~الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة أحد بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ~~ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلبط سهل فأتي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقيل: يا رسول الله هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه، قال: هل تتهمون ~~فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عامرا فتغيظ عليه وقال: على ما يقتل أحدكم PageV09P107 # أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت، ثم قال له: اغتسل له فغسل وجهه ويديه ~~ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه ~~يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه ففعل به ذلك فراح سهل ~~مع الناس ليس به بأس رواه أحمد. # حديث أسماء بنت عميس أخرجه أيضا النسائي، ويشهد له حديث جابر المتقدم في ~~الباب الأول. وحديث عائشة سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات ~~لأنه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها. # وحديث سهل أخرجه أيضا في الموطأ والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري ~~عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه، ووقع في رواية ابن ماجة من طريق ابن عيينة عن ~~الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فذكر ms3649 ~~الحديث. قوله: يأمرني أن أسترقي من العين أي من الإصابة بالعين، قال ~~المازري: # أخذ الجمهور بظاهر الحديث وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى، لأن كل شئ ~~ليس محالا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا فساد دليل فهو من مجوزات ~~العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لانكاره معنى، وهل من فرق بين ~~إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به في الآخرة من الأمور. قوله: فلو كان شئ ~~سبق القدر لسبقته العين فيه رد على من زعم من المتصوفة أن قوله العين حق ~~يريد به القدر أي العين التي تجري منها الاحكام فإن عين الشئ حقيقته، ~~والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر، إنما هو بقدر الله ~~السابق لا شئ يحدثه الناظر في المنظور، ووجه الرد أن الحديث ظاهر في ~~المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا نعتقد أن العين من جملة المقدور، ~~لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك ~~وأودعه إياها، وإما بإجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر، وإنما جرى ~~الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر إذ القدر ~~عبارة عن سابق علم الله وهو لا راد لامره، أشار إلى ذلك القرطبي وحاصله: لو ~~فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها. ~~وقد أخرج البزار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس قال الراوي يعني ~~بالعين. قوله: العين حق أي شئ ثابت موجود PageV09P108 # من جملة ما تحقق كونه. قوله: وإذا استغسلتم فاغسلوا أي إذا طلبتم ~~للاغتسال فاغسلوا أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن، وهذا كان أمرا ~~معلوما عندهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم وأدنى ما في ذلك رفع ~~الوهم وظاهر الامر الوجوب. # وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال ~~العائن مما ms3650 جرت العادة بالشفاء فيه فإنه يتعين، وقد تقرر أن يجبر على بذل ~~الطعام للمضطر وهذا أولى، ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قوله: ~~بشعب الخرار بمعجمة ثم مهملتين قال في القاموس: هو موضع قرب الجحفة. قوله: ~~فلبط بضم اللام وكسر الموحدة لبط الرجل فهو ملبوط أي صرع وسقط إلى الأرض. # قوله: وداخلة إزاره يحتمل أن يريد بذلك الفرج، ويحتمل أن يريد طرف الإزار ~~الذي يلي جسده من الجانب الأيمن، وقد اختلف في ذلك على قولين ذكرهما في ~~الهدى وقد بين في هذا الحديث صفة الغسل. قوله: ثم يكفأ القدح وراءه زاد في ~~رواية على الأرض. قال المازري: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه ~~من جهة العقل فلا يرد لكونه لا يعقل معناه. وقال ابن العربي: إن توقف فيه ~~متشرع قلنا له الله ورسوله أعلم وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة. قال ~~ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك ~~فيها أو فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء ~~عللها بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما يفعل بالخاصة، فما الذي ينكر ~~جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا ~~تأباها العقول الصحيحة فهذا ترياق، سم الحية يؤخذ من لحمها وهذا علاج النفس ~~الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن، فكأن أثر تلك العين شعلة نار ~~وقعت على جسد المعيون، ففي الاغتسال إطفاء لتلك العلة، ثم لما كانت هذه ~~الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شئ ~~أرق من العين فكان في غسلها إبطال لعملها ولا سيما للأرواح الشيطانية في ~~تلك المواضع. وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها ~~نفاذا، فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الغسل المأمور به ينفع ~~بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ~~ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة: ms3651 إلا بركت PageV09P109 # عليه وفي رواية ابن ماجة: فليدع بالبركة. ومثله عند ابن السني من حديث ~~عامر بن ربيعة. وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس رفعه: من رأى شيئا ~~فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره وقد اختلف في القصاص ~~بذلك فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو ~~الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر. قال الحافظ: ~~ولم تتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه وقالوا إنه لا يقتل غالبا ولا ~~يعد مهلكا. وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة لأن الحكم إنما ~~يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط ~~له كيف ولم يقع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة، وأيضا ~~فالذي ينشأ عن الإصابة حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين المكروه في زوال ~~الحياة فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. ونقل ابن بطال عن بعض أهل ~~العلم أنه ينبغي للامام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم ~~بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي ~~أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من ~~حضور الجماعة. قال النووي: هذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح ~~بخلافه. # أبواب الايمان وكفارتها باب الرجوع في الايمان وغيرها من الكلام إلى ~~النية عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلي ~~عنه فأتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: أنت ~~كنت أبرهم وأصدقهم صدقت المسلم أخو المسلم رواه أحمد وابن ماجة. وفي حديث ~~الاسراء المتفق عليه: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. وعن PageV09P110 # أنس قال: أقبل النبي صلى الله عليه ms3652 وآله وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا ~~بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله شاب لا يعرف قال: فيلقى الرجل أبا بكر ~~فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني ~~السبيل فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير رواه أحمد ~~والبخاري. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يمينك على ما ~~يصدقك به صاحبك رواه أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي. وفي لفظ: اليمين على ~~نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجة وهو محمول على المستحلف المظلوم. # حديث سويد بن حنظلة أخرجه أيضا أبو داود وسكت عنه ورجاله ثقات وله طرق، ~~وهو من رواية إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته عن سويد بن حنظلة، وعزاه ~~المنذري إلى مسلم فينظر في صحة ذلك. قال المنذري أيضا: وسويد بن حنظلة لم ~~ينسب ولا يعرف له غير هذا الحديث انتهى. وآخره الذي هو محل الحجة وهو قوله ~~: المسلم أخو المسلم هو متفق عليه بلفظ: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا ~~يسلمه وكذلك حديث: انصر أخاك ظالما أو مظلوما فإنه متفق عليه، وليس المراد ~~بهذه الاخوة إلا أخوة الاسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما اسم ~~الاخوة ويشترك في ذلك الحر والعبد ويبر الحالف إذا حلف أن هذا المسلم أخوه، ~~ولا سيما إذا كان في ذلك قربة كما في حديث الباب. ولهذا استحسن ذلك صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الحالف وقال: أنت كنت أبرهم وأصدقهم، ولهذا قيل: إن ~~في المعاريض لمندوحة. وقد أخرج ذلك البخاري في الأدب المفرد من طريق قتادة ~~عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين. وأخرجه الطبري في التهذيب والطبراني ~~في الكبير قال الحافظ: ورجاله ثقات. وأخرجه ابن عدي من وجه آخر عن قتادة ~~مرفوعا ووهاه أبو بكر بن كامل في فوائده. وأخرجه البيهقي في الشعب من طريقه ~~كذلك. وأخرجه ابن عدي أيضا من حديث علي. قال الحافظ: وسنده واه أيضا. وأخرج ~~البخاري في الأدب ms3653 من طريق أبي عثمان النهدي عن عمر قال: أما في المعاريض ما ~~يكفي المسلم من الكذب قال الجوهري: المعاريض هي خلاف التصريح وهي التورية ~~بالشئ عن الشئ. وقال الراغب: التعريض له وجهان في صدق وكذب أو باطن وظاهر. ~~والمندوحة السعة، وقد جعل البخاري في صحيحه هذه المقالة ترجمة باب فقال: ~~باب المعاريض مندوحة. PageV09P111 # قال ابن بطال: ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها ~~قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه. وقال الكوفيون يحنث. قوله: مرحبا بالأخ ~~الصالح فيه دليل على صحة إطلاق الاخوة على بعض الأنبياء من بعض منهم والجهة ~~الجامعة هي النبوة. قوله: ونبي الله شاب فيه جواز إطلاق اسم الشاب على من ~~كان في نحو الخمسين السنة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند مهاجره ~~قد كان مناهزا للخمسين إن لم يكن قد جاوزها، وفي إثبات الشيخوخة لأبي بكر ~~والشباب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إشكال، لأن أبا بكر أصغر من النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه عاش بعده ومات في السن التي مات فيها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن أن يقال إن أبا بكر ظهرت عليه هيئة ~~الشيخوخة من الشيب والنحول في ذلك الوقت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يظهر عليه ذلك، ولهذا وقع الخلاف بين الرواة في وجود الشيب فيه عند موته ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا التعريض الواقع من أبي بكر غاية اللطافة. ~~قوله: على ما يصدقك به صاحبك فيه دليل على أن الاعتبار بقصد المحلف من غير ~~فرق بين أن يكون المحلف هو الحاكم أو الغريم، وبين أن يكون المحلف ظالما أو ~~مظلوما صادقا أو كاذبا. وقيل هو مقيد بصدق المحلف فيما ادعاه، أما لو كان ~~كاذبا كان الاعتبار بنية الحالف، وقد ذهبت الشافعية إلى أن تخصيص الحديث ~~بكون المحلف هو الحاكم، ولفظ صاحبك في الحديث يرد عليهم، وكذلك ما ثبت في ~~رواية لمسلم بلفظ: اليمين على نية المستحلف ms3654 قال النووي: أما إذا حلف بغير ~~استحلاف ووري فتنفعه التورية ولا يحنث سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو ~~حلفه غير القاضي أو غير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف بكسر اللام ~~غير القاضي. وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا ~~استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه. قال: والتورية وإن كان لا ~~يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق المستحلف وهذا مجمع عليه انتهى. ~~وقد حكى القاضي عياض الاجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق ~~بيمينه له نيته ويقبل قوله، وأما إذا كان لغيره حق عليه فلا خلاف أنه يحكم ~~عليه بظاهر يمينه، سوا حلف متبرعا أو باستحلاف انتهى ملخصا. # وإذا صح الاجماع على خلاف ما يقضي به ظاهر الحديث كان الاعتماد عليه، ~~ويمكن PageV09P112 # التمسك لذلك بحديث سويد بن حنظلة المذكور في الباب، فإن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم حكم له بالبر في يمينه، مع أنه لا يكون بارا إلا باعتبار ~~نية نفسه لأنه قصد الاخوة المجازية والمستحلف له قصد الاخوة الحقيقية، ولعل ~~هذا هو مستند الاجماع. # باب من حلف فقال إن شاء الله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث رواه أحمد والترمذي وابن ~~ماجة وقال: فله ثنياه. والنسائي قال: فقد استثني. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من حلف على ~~يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه رواه الخمسة إلا أبا داود. وعن عكرمة ~~عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: والله لأغزون قريشا ثم ~~قال: # إن شاء الله، ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله، ثم قال: ~~والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم أخرجه أبو ~~داود. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا ابن حبان وهو من حديث عبد الرزاق عن ms3655 معمر عن ~~ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة. قال البخاري فيما حكاه الترمذي: # أخطأ فيه عبد الرزاق واختصره عن معمر من حديث أن سليمان بن داود عليه ~~السلام قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة الحديث. وفيه فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لو قال إن شاء الله لم يحنث. وهو في الصحيح: وله طرق ~~أخرى رواها الشافعي وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر ~~كما ذكره المصنف في الباب. قال الترمذي: لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب ~~السختياني. وقال ابن علية: # كان أيوب تارة يرفعه وتارة لا يرفعه قال: ورواه مالك وعبيد الله بن عمر ~~وغير واحد موقوفا. قال الحافظ: هو في الموطأ كما قال البيهقي. وقال: لا يصح ~~رفعه إلا عن أيوب، مع أنه شك فيه وتابعه على لفظه العمري عبد الله وموسى بن ~~عقبة وكثير بن فرقد وأيوب بن موسى وقد صححه ابن حبان. وحديث ابن عمر رجاله ~~رجال الصحيح وله طرق، كما ذكره صاحب الأطراف، وهو أيضا في سنن أبي داود في ~~الايمان والنذور PageV09P113 # لا كما قال المصنف. وحديث عكرمة قال أبو داود: إنه قد أسنده غير واحد عن ~~عكرمة عن ابن عباس، وقد رواه البيهقي موصولا ومرسلا. قال ابن أبي حاتم في ~~العلل الأشبه إرساله. وقال ابن حبان في الضعفاء: رواه مسعر وشريك أرسله مرة ~~ووصله أخرى. قوله: لم يحنث فيه دليل على أن التقييد بمشيئة الله مانع من ~~انعقاد اليمين أو يحل انعقادها، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، وادعى عليه ابن ~~العربي الاجماع قال: أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد ~~اليمين بشرط كونه متصلا. قال: ولو جاز منفصلا كما روى بعض السلف لم يحنث ~~أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة. قال: واختلفوا في الاتصال فقال مالك ~~والأوزاعي والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلا باليمين ~~من غير سكوت بينهما ولا يضر سكتة النفس. وعن طاوس والحسن وجماعة من ~~التابعين أن له ms3656 الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو ~~يتكلم. وقال عطاء: قدر حلبة ناقة. وقال سعيد بن جبير: يصح بعد أربعة أشهر. ~~وعن ابن عباس له الاستثناء أبدا، ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو ~~العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد وإلى ذلك ذهب الجمهور وبعضهم ~~فصل. واستثنى أحمد العتاق قال الحديث: إذا قال أنت طالق إن شاء الله لم ~~تطلق، وإن قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر وقد تفرد به حميد بن مالك ~~وهو مجهول كما قال البيهقي. وذهبت الهادوية إلى أن التقييد بالمشيئة يعتبر ~~فيه مشيئة الله في تلك الحال باعتبار ما يظهر من الشريعة، فإن كان ذلك ~~الامر الذي حلف على تركه وقيد الحلف بالمشيئة محبوبا لله فعله لم يحنث ~~بالفعل، وإن كان محبوبا لله تركه لم يحنث بالترك، فإذا قال: والله ليتصدقن ~~إن شاء الله حنث بترك الصدقة لأن الله يشاء التصدق في الحال، وإن حلف ~~ليقطعن رحمه إن شاء الله لم يحنث بترك القطع، لأن الله يشاء ذلك الترك. ~~وقال المؤيد بالله: معنى التقييد بالمشيئة بقاء الحالف في الحياة وقتا ~~يمكنه الفعل، فإذا بقي ذلك القدر حنث الحالف على الفعل بالترك وحنث الحالف ~~على الترك بالفعل. والظاهر من أحاديث الباب أن التقييد إنما يفيد إذا وقع ~~بالقول كما ذهب إليه الجمهور، لا بمجرد النية إلا ما زعمه بعض المالكية عن ~~مالك أن قياس قوله صحة الاستثناء بالنية، وعند الهادوية في ذلك تفصيل ~~معروف، وقد بوب البخاري على ذلك فقال: باب النية في الايمان. قوله: ثم سكت ~~PageV09P114 # ثم قال إن شاء الله لم يقيد هذا السكوت بالعذر بل ظاهره السكوت اختيارا ~~لا اضطرارا فيدل على جواز ذلك. # باب من حلف لا يهدي هدية فتصدق عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال ~~لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده وأكل ms3657 معهم. وعن أنس قال: ~~أهدت بريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحما تصدق به عليها فقال ~~هو لها صدقة ولنا هدية متفق عليهما. # قد تقدم الكلام على معنى الحديثين في كتاب الزكاة، والمقصود من إيرادهما ~~ههنا أن الحالف بأنه لا يهدى لا يحنث إذا تصدق، لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يسأل عن الطعام الذي يقرب إليه هل هو صدقة أو هدية؟ وكذلك ~~قال في لحم بريرة: هو لها صدقة ولنا هدية كما في حديث الباب، فدل ذلك على ~~تغاير مفهومي الهدية والصدقة، فإذا حلف من إحداهما لم يحنث بالأخرى كسائر ~~المفهومات المتغايرة. قال ابن بطال: إنما كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، ولان أخذ الصدقة منزلة ضعة ~~والأنبياء منزهون عن ذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان كما وصفه الله : ~~* (ووجدك عائلا فأغنى) * (الضحى: 8) والصدقة لا تحل للأغنياء وهذا بخلاف ~~الهدية فإن العادة جارية بالإثابة عليها وكذلك كان شأنه. وفي حديث أنس دليل ~~على أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها ثم تصرف فيها زال عنها حكم ~~الصدقة، وجاز لمن حرمت عليه الصدقة أن يتناول منها إذا أهديت له أو بيعت. # باب من حلف لا يأكل إداما بماذا يحنث عن جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: نعم الأدم الخل PageV09P115 # رواه الجماعة إلا البخاري. ولأحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي من حديث ~~عائشة مثله. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة. وعن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إدامكم الملح رواهما ابن ماجة. وعن يوسف بن ~~عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ كسرة من خبر ~~شعير فوضع عليها تمرة وقال هذه إدام هذه رواه أبو داود والبخاري. وعن بريدة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: سيد إدام أهل ms3658 الدنيا والآخرة اللحم ~~رواه ابن قتيبة في غريبه فقال: حدثنا القومسي حدثنا الأصمعي عن أبي هلال ~~الراسبي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه فذكره. وعن أبي سعيد قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها ~~الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة، فأتى رجل من ~~اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة؟ ~~قال بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم ~~قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال بلى، قال : إدامهم بالام ونون، قال: ما هذا؟ ~~قال ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا متفق عليه والنون والحوت. # حديث ابن عمر رجال إسناده في سنن ابن ماجة ثقات إلا الحسين بن مهدي شيخ ~~ابن ماجة فقال في التقريب: إنه صدوق. وعزاه السيوطي في الجامع الصغير أيضا ~~إلى الحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب. وأخرج أيضا الطبراني في الكبير ~~عن ابن عمر مرفوعا: ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة ~~وحديث أنس في إسناده عند ابن ماجة رجل مجهول فإنه قال عن رجل أراه موسى عن ~~أنس. وقد أخرجه أيضا الحكيم الترمذي. وحديث بريدة أخرجه بهذا اللفظ أبو ~~نعيم في الطب من حديث علي بإسناد ضعيف. قوله: نعم الادام قال النووي: # الادام بكسر الهمزة ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز يأدمه بكسر الدال، وجمع ~~الادام أدم بضم الهمزة كإهاب وأهب، وكتاب وكتب، والأدم بإسكان الدال مفرد ~~كالإدام ، قال الخطابي والقاضي عياض: معنى الحديث مدح الاقتصار في المآكل ~~ومنع النفس PageV09P116 # عن ملاذ الأطعمة تقديره: ائتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤونته ولا ~~يعز وجوده ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن. قال ~~النووي: والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه. وأما الاقتصار ~~في المطعم وترك الشهوات ms3659 فمعلوم من قواعد أخر. وأما قول جابر: فما زلت أحب ~~الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو كقول أنس: ما ~~زلت أحب الدباء، قال: وهذا مما يؤيد ما قلنا في معنى الحديث أنه مدح للخل ~~نفسه، وتأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعين المصيب إليه والعمل به عند ~~جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين وهذا كذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ~~ظاهر اللفظ فيتعين اعتماده. قوله: ائتدموا بالزيت فيه الترغيب في الائتدام ~~بالزيت معللا ذلك بكونه من شجرة مباركة. قوله: سيد إدامكم الملح قد تقدم أن ~~الادام اسم لما يؤتدم به أي يؤكل به الخبز مما يطيب، سواء كان مما يصطبغ به ~~كالأمراق والمائعات، أو مما لا يصطبغ به كالجامدات من الجبن والبيض ~~والزيتون وغير ذلك، قال ابن رسلان: هذا معنى الادام عند الجمهور من السلف ~~والخلف انتهى. ولعل تسمية الملح بسيد الادام لكونه مما يحتاج إليه في كل ~~طعام ولا يمكن أن يساغ بدونه، فمع كونه لا يزال مخالطا لكل طعام محتاجا ~~إليه لا يغني عنه من أنواع الادام شئ وهو يغني عنها، بل ربما لا يصلح بعض ~~الأدم إلا بالملح، فلما كان بهذا المحل أطلق عليه اسم السيد وإن لم يكن ~~سيدا بالنسبة إلى ذاته لكونه خاليا عن الحلاوة والدسومة ونحوهما. # قوله: فوضع عليها تمرة فيه أن وضع التمرة على الكسرة جائز ليس بمكروه، ~~وإن كان البزار قد روى حديث: أكرموا الخبز مع ما في الحديث من المقال فمثل ~~هذا لا ينافي الكرامة. قوله: هذه إدام هذه فيه دليل على أن الجوامد تكون ~~إداما كالجبن والزيتون والبيض والتمر وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~ما لا يصطبغ به فليس بإدام لأن كل واحد منهما يرفع إلى الفم منفردا. قوله: ~~سيد إدام أهل الدنيا الخ، فيه تصريح بأن اللحم حقيق بأن يطلق عليه اسم ~~السيادة المطلقة في الدنيا والآخرة، ولا جرم فهو بمنزلة لا يبلغها شئ من ~~الأدم كائنا ما كان ، فإطلاق السيادة عليه لذاته ms3660 لا لمجرد الاحتياج إليه ~~كما تقدم في الملح. قوله: خبزة واحدة بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة ~~بعدها زاي هي في أصل اللغة الظلمة والمراد بها هنا المصنوع من الطعام. قال ~~النووي: معنى الحديث أن الله يجعل الأرض PageV09P117 # كالظلمة والرغيف العظيم، ويكون ذلك طعاما نزلا لأهل الجنة، والله تبارك ~~وتعالى على كل شئ قدير. قوله: بالام ونون الحرف الأول باء موحدة وبعدها لام ~~مخففة بعده ميم مرفوعة غير منونة كذا قال النووي. قال: وفي معناها أقوال ~~مضطربة الصحيح منها الذي اختاره القاضي وغيره من المحققين أنها لفظة ~~عبرانية معناها بالعبرانية ثور ولهذا فسر ذلك به، ووقع السؤال لليهود عن ~~تفسيرها، ولو كانت عربية لعرفتها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها، فهذا ~~هو المختار في بيان هذه اللفظة. # قال: وأما النون فهو الحوت باتفاق العلماء. والمراد بقوله يتكفؤها أي ~~يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها. ~~والنزل بضم النون والزاي ويجوز إسكان الزاي وهو ما يعد للضيف عند نزوله. ~~قال الخطابي: لعل اليهودي أراد التعمية عليهم فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين ~~على الآخر وهي لام ألف وياء بريد لأي على وزن لعا وهو الثور الوحشي، فصحف ~~الراوي الياء المثناة فجعلها موحدة. قال الخطابي: هذا أقرب ما يقع لي فيه، ~~والمراد بزائدة الكبد قطعة منفردة متعلقة بالكبد وهي أطيبها. قوله: يأكل ~~منها سبعون ألفا قال القاضي: # يحتمل أنهم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فخصوا بأطيب ~~النزل. # ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير ولم يرد الحصر في ذلك ~~القدر، وهذا معروف في كلام العرب. # باب أن من حلف أنه لا مال له يتناول الزكاتي وغيره عن أبي الأحوص عن أبيه ~~قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي شملة أو شملتا فقال: هل لك ~~من مال؟ فقلت: نعم. قد آتاني الله من كل ماله من خيله وإبله وغنمه ورقيقه، ~~فقال: فإذا آتاك الله مالا فلير عليك نعمه، فرحت إليه في حلة. وعن سويد ms3661 بن ~~هبيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير مال امرئ له مهرة مأمورة ~~أو سكة مأبورة رواهما أحمد. المأمورة الكثيرة النسل، والسكة الطريق من ~~النخل المصطفة. والمأبورة هي الملفحة. وقد سبق أن عمر قال: # يا رسول الله أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه وقال أبو ~~طلحة PageV09P118 # للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أحب أموالي إلي بيرحاء لحائط له مستقبلة ~~المسجد متفق عليه. # حديث أبي الأحوص أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم في ~~المستدرك ورجال إسناده رجال الصحيح. وحديث سويد بن هبيرة أخرجه أيضا أبو ~~سعيد والبغوي وابن قانع والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن والضياء ~~المقدسي في المختارة وصححه، وأخرجه أيضا عنه من طريق أخرى العسكري. وحديث ~~عمر قد سبق في أول كتاب الوقف. قوله: فإذا آتاك الله مالا ذكر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إتيان المال مع أمره بإظهار النعمة عليه يدل على أنه ~~علة، لأنه لو لم يمكن التعليل لما كان لإعادة ذكره فائدة وكان ذكره عبثا، ~~وكلام الشارع منزه عنه. قوله: فلير بسكون لام الامر والياء المثناة التحتية ~~مضمومة، ويجوز بالمثناة من فوق باعتبار النعم المذكورة، ويجوز أيضا ~~بالمثناة من تحت المفتوحة. وفيه أنه يستحب للغني أن يلبس من الثياب ما يليق ~~به ليكون ذلك إظهارا لنعمة الله عليه ، إذ الملبوس هو أعظم ما يظهر فيه ~~الفرق بين الأغنياء والفقراء، فمن لبس من الأغنياء ثياب الفقراء صار مماثلا ~~لهم في إيهام الناظر له أنه منهم، وذلك ربما كان من كفران نعمة الله عليه، ~~وليس الزهد والتواضع في لزوم ثياب الفقر والمسكنة، لأن الله سبحانه أحل ~~لعباده الطيبات، ولم يخلق لهم جيد الثياب إلا لتلبس ما لم يرد النص على ~~تحريمه، ومن فوائد إظهار أثر الغنى أن يعرفه ذوو الحاجات فيقصدونه لقضاء ~~حوائجهم. # وقد أخرج الترمذي حديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته بالخير على عبده ~~وقال: حسن، فدل هذا على أن إظهار النعمة من محبوبات المنعم، ويدل ms3662 على ذلك ~~قوله تعالى : * (وأما نعمة ربك فحدث) * (الضحى: 11) فإن الامر منه جل جلاله ~~إذا لم يكن للوجوب كان للندب، وكلا القسمين مما يحبه الله، فمن أنعم الله ~~عليه بنعمة من نعمه الظاهرة أو الباطنة فليبالغ في إظهارها بكل ممكن، ما لم ~~يصحب ذلك الاظهار رياء أو عجب أو مكاثرة للغير، وليس من الزهد والتواضع أن ~~يكون الرجل وسخ الثياب شعث الشعر. فقد أخرج أبو داود والنسائي عن جابر بن ~~عبد الله قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى رجلا شعثا قد ~~تفرق شعره فقال: أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره؟ ورأي رجلا آخر عليه ثياب ~~وسخة فقال: أما كان هذا يجد ما يغسل به PageV09P119 # ثوبه؟ (والحاصل) أن الله جميل يحب الجمال، فمن زعم أن رضاه في لبس ~~الخلقان والمرقعات وما أفرط في الغلظ من الثياب فقد خالف ما أرشد إليه ~~الكتاب والسنة. # قوله: مهرة مأمورة قال في القاموس: وأمر كفرح أمرا وأمرة كثر وتم فهو أمر ~~والامر اشتد، والرجل كثرت ماشيته وأمره الله وأمره كنصره لغية كثر نسله ~~وماشيته. # قوله: سكة قال في القاموس: السك والسكة بالكسر حديدة منقوشة يضرب عليها ~~الدراهم، والسطر من الشجر، وحديدة الفدان، والطريق المستوي، وضربوا بيوتهم ~~سكاكا بالكسر صفا واحدا. قوله: مأبورة قال في القاموس: وأبر كفرح صلح، وذكر ~~أن تأبير النخل إصلاحه. وقد تقدم الكلام على ما قاله عمر وما قاله أبو طلحة ~~في الوقف. # باب من حلف عند رأس الهلال لا يفعل شيئا شهرا فكان ناقصا عن أم سلمة: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حلف لا يدخل على بعض أهله شهرا. وفي لفظ: ~~المن نسائه شهرا فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا عليهم أو راح فقيل له: يا ~~رسول الله حلفت أن لا تدخل عليهن شهرا، فقال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين ~~متفق عليه. وعن ابن عباس قال: هجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه ~~شهرا فلما مضى تسعة وعشرون أتى جبريل عليه ms3663 السلام فقال: قد برت يمينك وقد ~~تم الشهر رواه أحمد. # قوله: فقيل له يا رسول الله حلفت الخ، فيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع ~~منه ما ظاهره نسيانها لا سيما ممن له تعلق بذلك، والقائل له بذلك عائشة كما ~~تدل عليه الروايات الآخرة، فإنها لما خشيت أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم ~~نسي مقدار ما حلف عليه وهو شهر، والشهر ثلاثون يوما أو تسعة وعشرون يوما، ~~فلما نزل في تسعة وعشرين ظنت أنه ذهل عن القدر أو أن الشهر لم يهل، فأعلمها ~~أن الشهر استهل، وأن الذي كان الحلف وقع فيه تسع وعشرون، وفيه تقوية لقول ~~من قال: إن يمينه صلى الله عليه وآله وسلم اتفق أنها كانت في أول الشهر، ~~ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين، وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء الشهر فالجمهور ~~على أنه لا يقع البر إلا بثلاثين. وذهبت طائفة PageV09P120 # إلى الاكتفاء بتسعة وعشرين أخذا بأقل ما ينطلق عليه الاسم. قال ابن بطال: ~~يؤخذ منه أن من حلف على شئ بر بفعل أقل ما ينطلق عليه الاسم، والقصة محمولة ~~عند الشافعي ومالك على أنه دخل أول الهلال وخرج به، فلو دخل في أثناء الشهر ~~لم يبر إلا بثلاثين وافية. قوله: إن الشهر يكون تسعا وعشرين هذه الرواية ~~تدل على المراد من الرواية الأخرى بلفظ: الشهر تسع وعشرون كما في لفظ ابن ~~عمر فإن ظاهر ذلك الحصر، وهذا الظاهر غير مراد، وإن وهم فيه من وهم، وقد ~~أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة أن الشهر تسع وعشرون، قال: فذكروا ~~ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنما قال الشهر قد يكون تسعا ~~وعشرين. وقد أخرج مسلم من وجه آخر عن عمر بهذا اللفظ الأخير الذي جزمت به ~~عائشة. ويدل أيضا على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج من ~~يمينه بمجرد مضي ذلك العدد، بل للخبر الواقع من جبريل كما في حديث ابن عباس ~~المذكور. # باب الحلف بأسماء الله وصفاته والنهي عن ms3664 الحلف بغير الله تعالى عن ابن ~~عمر قال: كان أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحلف لا ومقلب ~~القلوب رواه الجماعة إلا مسلما. وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لما خلق الله الجنة أرسل جبريل فقال: انظر إليها وإلى ما ~~أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: لا وعزتك لا يسمع بها أحد إلا ~~دخلها. وفي حديث لأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يبقى رجل ~~بين الجنة والنار فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها ~~متفق عليهما. وفي حديث اغتسال أيوب: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك. ~~وعن قتيلة بنت صيفي: أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~إنكم تنددون وإنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة، فأمرهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب ~~الكعبة، ويقول أحدهم : ما شاء الله ثم شئت رواه أحمد والنسائي. وعن ابن ~~عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: إن ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا PageV09P121 # فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه. في لفظ قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله، فكانت قريش تحلف بآبائها ~~فقال: لا تحلفوا بآبائكم رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا ~~إلا وأنتم صادقون رواه النسائي. # حديث قتيلة أخرجه أيضا ابن ماجة وصححه النسائي. وحديث أبي هريرة الآخر ~~أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن حبان والبيهقي. وفي الصحيحين عن ابن عمر ~~رفعه: من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله. (وفي الباب) عن ابن عمر رفعه: # من حلف بغير الله فقد كفر أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه. ~~ويروى أنه قال: فقد أشرك وهو عند أحمد ms3665 من هذا الوجه، وكذا عند الحاكم. ~~ورواه الترمذي وابن حبان من هذا الوجه أيضا بلفظ: فقد كفر وأشرك قال ~~البيهقي: لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر. قال الحافظ: قد رواه شعبة عن ~~منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش عن سعيد عن عبد الرحمن ~~السلمي عن ابن عمر. قوله: لا ومقلب القلوب لا نفي للكلام السابق، ومقلب ~~القلوب هو المقسم به، والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها لا ذواتها، وفيه ~~جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به. قال القاضي أبو بكر بن ~~العربي: # في الحديث جواز الحلف بأفعال الله تعالى إذا وصف بها ولم يذكر اسمه ~~تعالى. # وفرق الحنفية بين القدرة والعلم فقالوا: إن حلف بقدرة الله انعقدت يمينه، ~~وإن حلف بعلم الله لم تنعقد، لأن العلم يعبر به عن المعلوم كقوله تعالى: * ~~(قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) * (الانعام: 148) والجواب أنه هنا مجاز ~~إن سلم أن المراد به المعلوم والكلام إنما هو في الحقيقة. قال الراغب: ~~تقليب الله القلوب والابصار صرفها عن رأي إلى رأي ، قال: ويعبر بالقلب عن ~~المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة. قوله: فقال وعزتك هذا طرف ~~من الحديث الذي فيه: إن الجنة حفت بالمكاره والنار بالشهوات وذكره المصنف ~~رحمه الله هنا للاستدلال به على الحلف بعزة الله. # قال ابن بطال: العزة يحتمل أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة، وأن ~~تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم، ولذلك صحت الإضافة، قال: ~~ويظهر الفرق PageV09P122 # بين الحالف بعزة الله أي التي هي صفة لذاته، والحالف بعزة الله التي هي ~~صفة لفعله بأنه يحنث في الأول دون الثاني. قال الحافظ: وإذا أطلق الحالف ~~انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين. قوله: لا وعزتك لا أسألك غير هذا هذا ~~طرف من الحديث الطويل في صفة الحشر، ومحل الحجة منه هذا اللفظ المذكور، فإن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ذلك مقررا له فكان دليلا على جواز الحلف ~~بذلك. ms3666 # قوله: بلى وعزتك هو طرف من حديث طويل وأوله: أن أيوب كان يغتسل فخر عليه ~~جراد من ذهب ووجه الدلالة منه أن أيوب عليه السلام لا يحلف إلا بالله، وقد ~~ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عنه وأقره. قوله: ولكن لا غنى لي عن ~~بركتك بكسر الغين المعجمة والقصر كذا للأكثر. ووقع لأبي ذر عن غير ~~الكشميهني بفتح أوله والمد والأول أولى، فإن معنى الغناء بالفتح والمد ~~الكفاية، يقال: ما عند فلان غناء أي ما يغتنى به. قوله: تنددون أي تجعلون ~~لله أندادا، وتشركون أتجعلون لله شركاء، وفيه النهي عن الحلف بالكعبة وعن ~~قول الرجل ما شاء الله وشئت، ثم أمرهم أن يأتوا بما لا تنديد فيه ولا شرك ~~فيقولون: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت. وحكى ابن التين عن أبي ~~جعفر الداودي أنه قال: ليس في الحديث نهي عن القول المذكور وقد قال الله ~~تعالى: * (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) * (التوبة: 74) ~~وقال تعالى: * (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه) * (الأحزاب: 37) ~~وغير ذلك، وتعقبه بأن الذي قاله أبو جعفر ليس بظاهر لأن قوله: ما شاء الله ~~وشئت تشريك في مشيئته تعالى وأما الآية فإنما أخبر الله أنه أغناهم وأن ~~رسوله أغناهم وهو من الله حقيقة لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم حقيقة باعتبار تعاطي الفعل. وكذا الانعام أنعم الله على زيد ~~بن حارثة بالاسلام، وأنعم عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعتق، وهذا ~~بخلاف المشاركة في المشيئة فإنها منفردة لله سبحانه وتعالى بالحقيقة، وإذا ~~نسبت لغيره فبطريق المجاز. قوله: # إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم في رواية للترمذي من حديث ابن عمر: # أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك قال ~~الترمذي: حسن وصححه الحاكم. والتعبير بقوله كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر ~~PageV09P123 # والتغليظ ms3667 في ذلك وقد تمسك به من قال بالتحريم. قوله: فليحلف بالله أو ~~ليصمت قال العلماء: السفي النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشئ يقتضي ~~تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته ~~وصفاته وعلى ذلك اتفق الفقهاء. واختلف هل الحلف بغير الله حرام أو مكروه؟ ~~للمالكية والحنابلة قولان، ويحمل ما حكاه ابن عبد البر من الاجماع على عدم ~~جواز الحلف بغير الله على أن مراده بنفي الجواز فيه. الكراهة أعم من ~~التحريم والتنزيه، وقد صرح بذلك في موضع آخر. وجمهور الشافعية على أنه ~~مكروه تنزيها وجزم ابن حزم بالتحريم. وقال إمام الحرمين: المذهب القطع ~~بالكراهة وجزم غيره بالتفصيل، فإن اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في الله ~~تعالى كان بذلك الاعتقاد كافرا، ومذهب الهادوية أنه لا إثم في الحلف بغير ~~الله ما لم يسو بينه وبين الله في التعظيم، أو كان الحلف متضمنا كفرا أو ~~فسقا، وسيأتي الكلام على من يكفر بحلفه. قال في الفتح: وأما ما ورد في ~~القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان: أحدهما أن فيه حذفا والتقدير ورب ~~الشمس ونحوه. والثاني أن ذلك يختص بالله، فإذا أراد تعظيم شئ من مخلوقاته ~~أقسم به وليس لغيره ذلك. وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم للأعرابي أفلح وأبيه إن صدق، فقد أجيب عنه بأجوبة، الأول: الطعن ~~في صحة هذه اللفظة كما قال ابن عبد البر أنها غير محفوظة وزعم أن أصل ~~الرواية أفلح والله فصحفها بعضهم. والثاني: أن ذلك كان يقع من العرب ويجري ~~على ألسنتهم من دون قصد للقسم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف ~~قاله البيهقي. وقال النووي: # إنه الجواب المرضي. والثالث: أنه كان يقع في كلامهم على وجهين للتعظيم ~~والتأكيد والنهي إنما وقع عن الأول. والرابع: أن ذلك كان جائزا ثم نسخ قاله ~~الماوردي. وقال السهيلي: أكثر الشراح عليه. قال ابن العربي: وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان ms3668 يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك قال السهيلي: ولا ~~يصح لأنه لا يظن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يحلف بغير الله، ~~ويجاب بأنه قبل النهي عنه غير ممتنع عليه ولا سيما الأقسام القرآنية على ~~ذلك النمط. وقال المنذري: دعوى النسخ ضعيفة لامكان الجمع ولعدم تحقيق ~~التاريخ. والخامس: أنه كان في ذلك حذف والتقدير أفلح ورب أبيه قاله ~~البيهقي. والسادس: أنه للتعجيب قاله السهيلي: والسابع: أنه خاص PageV09P124 # به صلى الله عليه وآله وسلم وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ~~(وأحاديث الباب) تدل على أن الحلف بغير الله لا ينعقد لأن النهي يدل على ~~فساد المنهي عنه وإليه ذهب الجمهور، وقال بعض الحنابلة: إن الحلف بنبينا ~~صلى الله عليه وآله وسلم ينعقد وتجب الكفارة. # باب ما جاء في وأيم الله ولعمر الله وأقسم بالله وغير ذلك عن أبي هريرة: ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة ~~على تسعين امرأة كلها تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن ~~شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن جميعا فلم يحمل منهن إلا امرأة ~~واحدة فجاءت بشق رجل وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا ~~في سبيل الله فرسانا أجمعون وهو حجة في أن إلحاق الاستثناء ما لم يطل الفصل ~~ينفع وإن لم ينوه وقت الكلام الأول. وعن ابن عمر: عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال في زيد بن حارثة: وأيم الله إن كان لخليقا للأمارة متفق ~~عليهما. # وفي حديث متفق عليه: لما وضع عمر على سريره جاء أمير المؤمنين علي رضي ~~الله عنه فترحم عليه وقال: وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك ~~وقد سبق في حديث المخزومية: وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد ~~يدها. وقول عمر لغيلان بن سلمة: # وأيم الله لتراجعن نساءك. وفي حديث الإفك: فقام النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فاستعذر ms3669 من عبد الله بن أبي فقام أسيد بن حضير فقال لسعد بن عبادة: ~~لعمر الله لنقتلنه وهو متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن صفوان وكان صديقا ~~للعباس: أنه لما كان يوم الفتح جاء بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: يا رسول الله بايعه على الهجرة فأبى وقال: إنها لا هجرة، فانطلق ~~إلى العباس فقام العباس معه فقال: يا رسول الله قد عرفت ما بيني وبين فلان ~~وأتاك بأبيه لتبايعه على الهجرة فأبيت، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك لتبايعنه، قال: فبسط رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يده فقال: هات أبرره عمي ولا هجرة رواه أحمد وابن ~~ماجة. وعن أبي الزاهرية عن عائشة: أن امرأة أهدت إليها تمرا في طبق فأكلت ~~بعضه وبقي بعضه فقالت: PageV09P125 # أقسمت عليك إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أبريها فإن الاثم على المحنث رواه أحمد. وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ليس منا من حلف بالأمانة رواه أبو داود. # حديث المخزومية تقدم في باب ما جاء في السارق يوهب السرقة بعد وجوب القطع ~~أو يشفع فيه، وقول عمر لغيلان تقدم في باب من أسلم وتحته أختان أو أكثر من ~~أربع. وحديث عبد الرحمن بن صفوان قال ابن ماجة في إسناده حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل وحدثنا محمد بن يحيى حدثنا الحسن بن الربيع ~~حدثنا ابن إدريس جميعا عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن بن ~~صفوان فذكره ثم قال: حدثنا محمد ابن يحيى، حدثنا الحسن بن الربيع عن عبد ~~الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد بإسناده نحوه. وقال يزيد بن أبي زياد: ~~يعني لا هجرة من دار من قد أسلم أهلها اه. وحديث أبي الزاهرية قال في مجمع ~~الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد لصحته الأحاديث الآتية في إبرار ~~القسم. وحديث بريدة سكت ms3670 عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم سمع رجلا يحلف بالأمانة فقال: ألست الذي يحلف بالأمانة؟. ~~قوله: لأطوفن اللام جواب القسم كأنه قال: والله لأطوفن، ويرشد إلى ذلك ذكر ~~الحنث في قوله لم يحنث كما في رواية. قوله: على تسعين بتقديم التاء الفوقية ~~على السين. قوله: وأيم الله بكسر الهمزة وفتحها والميم مضمومة. وحكى الأخفش ~~كسرها مع كسر الهمزة وهو اسم عند الجمهور، وحرف عند الزجاج، وهمزته همزة ~~وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين ومن وافقهم لأنه عندهم جمع يمين، ~~وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجوا بجواز كسر همزته وفتح ميمه. ~~قال ابن مالك: فلو كان جمعا لم تكسر همزته. وقد ذكر في فتح الباري فيها ~~لغات عديدة وقال غيره: # أصله يمين الله، ويجمع على أيمن فيقال: وأيمن الله، حكاه أبو عبيدة، ~~وأنشد لزهير بن أبي سلمى : فيجمع أيمن منا ومنكم * لمقسمة تمور بها الدماء ~~فقالوا عند القسم: وأيمن الله ثم كثر فحذفوا النون كما حذفوها من لم يكن ~~PageV09P126 # فقالوا لم يك، ثم حذفوا الياء فقالوا: أم الله، ثم حذفوا الألف فاقتصروا ~~على الميم مفتوحة ومضمومة ومكسورة. وقالوا أيضا: م الله بكسر الميم وضمها، ~~وأجازوا في أيمن فتح الميم وضمها، وكذا في أيم، ومنهم من وصل الألف وجعل ~~الهمزة زائدة ومسهلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. قال الجوهري قالوا: أيم ~~الله وربما حذفوا الياء فقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة ~~فقالوا: م الله، وربما كسروها لأنها صارت حرفا واحدا فشبهوها بالباء، قال: ~~وألفها ألف وصل عند أكثر النحويين ولم يجئ ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد يدخل ~~اللام للتأكيد فيقال ليمن الله، قال الشاعر : فقال فريق القوم لما شهدتهم * ~~نعم وفريق ليمن الله ما ندري وذهب ابن كيسان وابن درستويه إلا أن ألفها ألف ~~قطع، وإنما خففت همزتها وطرحت في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن ~~الداوودي ms3671 أنه قال: # أيم الله معناه اسم الله بإبدال السين ياء وهو غلط فاحش لأن السين لا ~~تبدل ياء. وذهب المبرد إلى أنها عوض من واو القسم، وأن معنى قوله: وأيم ~~الله والله لأفعلن. ونقل عن ابن عباس أن يمين الله من أسماء الله، ومنه قول ~~امرئ القيس : فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ومن ~~ثم قالت المالكية والحنفية: إنه يمين، وعند الشافعية إن نوى اليمين انعقدت، ~~وإن نوى غير اليمين لم تنعقد يمينا، وإن أطلق فوجهان أصحهما لا تنعقد إلا ~~إن نوى. # وعن أحمد روايتان أصحهما الانعقاد. وحكى الغزالي في معناه وجهين: أحدهما ~~أنه كقوله بالله. والثاني أنه كقوله أحلف بالله وهو الراجح، ومنهم من سوى ~~بينه وبين لعمر الله. وفرق الماوردي بأن لعمر الله شاع في استعمالهم عرفا ~~بخلاف أيم الله، واحتج بعض من قال منهم بالانعقاد مطلقا بأن معناه يمين ~~الله، ويمين الله من صفاته وصفاته قديمة. وجزم النووي في التهذيب أن قوله: ~~وأيم الله كقوله: وحق الله، وقال: إنه ينعقد به اليمين عند الاطلاق وقد ~~استغربوه. قوله: لعمر الله بفتح العين المهملة وسكون الميم هو العمر بضم ~~العين، قال في النهاية: ولا يقال في القسم إلا بالفتح. وقال الراغب العمر ~~بالضم وبالفتح واحد، ولكن خص الحلف PageV09P127 # بالثاني. قال الشاعر: عمرك الله كيف يلتقيان. أي سألت الله أن يطيل عمرك. ~~وقال أبو القاسم الزجاجي: العمة الحياة فمن قال: لعمر الله فكأنه قال: أحلف ~~ببقاء الله، واللام للتوكيد والخبر محذوف أي ما أقسم به. ومن ثم قالت ~~المالكية والحنفية: # تنعقد بها اليمين لأن بقاء الله تعالى من صفة ذاته. وعن الامام مالك لا ~~يعجبني الحالف بذلك. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مصنفه عن عبد الرحمن بن ~~أبي بكرة قال: كانت يمين عثمان بن أبي العاص لعمري. وقال الإمام الشافعي ~~وإسحاق: لا يكون يمينا إلا بالنية لأنه يطلق على العلم وعلى الحق، وقد يراد ~~بالعلم المعلوم، وبالحق ما أوجبه الله تعالى. وعن أحمد كالمذهبين والراجح ms3672 ~~عنه كالشافعي. # وأجابوا عن الآية التي فيها القسم بالعمر بأن الله تعالى يقسم بما شاء من ~~خلقه، وليس ذلك لغيره لثبوت النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وقد عد الأئمة ~~ذلك في فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله تعالى أقسم به حيث ~~قال: * (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) * (الحجر: 72) وأيضا فإن اللام ليست ~~من أدوات القسم لأنها محصورة في الواو والباء والتاء، وقد ثبت عند البخاري ~~في كتاب الرقاق من حديث لقيط بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: لعمر الأهل وكررها، وهو عند عبد الله بن أحمد وعند غيره. قوله: أقسمت ~~عليك قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال أقسمت بالله أو أقسمت مجردا فقال قوم: ~~هي يمين وإن لم يقصد. وممن روى عنه ذلك ابن عمر وابن عباس، وبه قال النخعي ~~والثوري والكوفيون. وقال الأكثرون: لا يكون يمينا إلا إن نوى. وقال الامام ~~مالك: أقسمت بالله يمين، وأقسمت مجردة لا تكون يمينا إلا إن نوى. وقال ~~الشافعي: المجردة لا تكون يمينا أصلا ولو نوى وأقسمت بالله إن نوى يكون ~~يمينا. وكذا لو قال: أقسم بالله. وقال سحنون: لا يكون يمينا أصلا. وعن ~~الإمام أحمد كالأول، وعنه كالثاني، وعنه: إن قال قسما بالله فيمين جزما لأن ~~التقدير أقسمت بالله قسما، وكذا لو قال: آليت بالله. قال ابن المنير لو ~~قال: أقسم بالله عليك لتفعلن فقال نعم هل يلزمه اليمين بقوله نعم وتجب ~~الكفارة إن لم يفعل؟ قال: وفي ذلك نظر. قوله: # ليس منا من حلف بالأمانة قال في النهاية يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل ~~أنه أمر أن يحلف بأسماء الله وصفاته، والأمانة أمر من أموره فنهوا عنها من ~~أجل التسوية بينها وبين أسماء الله، كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم. قال: وإذا ~~قال الحالف: وأمانة PageV09P128 # الله كانت يمينا عند أبي حنيفة والشافعي لا يعدها يمينا. قال: والأمانة ~~تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والنقد والأمان وقد جاء في كل منها حديث. # باب الأمر بإبرار القسم ms3673 والرخصة في تركه للعذر عن البراء بن عازب قال: ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبع: # أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو ~~المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. وعن ابن عباس في حديث ~~رؤيا قصها أبو بكر: أن أبا بكر قال: أخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي ~~أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، قال: فوالله لتحدثني بالذي ~~أخطأت، قال: # لا تقسم متفق عليهما. # قوله: وإبرار القسم أي بفعل ما أراد الحالف ليصير بذلك بارا. قوله: أو ~~المقسم اختلف في ضبط السين فالمشهور أنها بالكسر وضم الميم على أنه اسم ~~فاعل، وقيل بفتح السين أي الأقسام، والمصدر قد يأتي للمفعول مثل أدخلته ~~مدخلا بمعنى الادخال وكذا أخرجته. قوله: في حديث رؤيا قصها هذا من كلام ~~المصنف. قوله: # لا تقسم أي لا تحلف وهذا طرف من حديث طويل قد ساقه البخاري مستوفى في ~~كتاب التعبير. قوله: وإبرار القسم ظاهر الامر الوجوب واقترانه ببعض ما هو ~~متفق على عدم وجوبه كإفشاء السلام قرينة صارفة عن الوجوب وعدم إبراره صلى ~~الله عليه وآله وسلم لقسم أبي بكر وإن كان خلاف الأحسن لكنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم فعله لبيان عدم الوجوب، ويمكن أن يقال إن الفعل منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا يعارض الامر الخاص بالأمة كما تقرر في الأصول وما نحن ~~فيه كذلك، وبقية ما اشتمل عليه الحديث موضعه غير هذا. PageV09P129 # باب ما يذكر فيمن قال هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا عن ثابت بن الضحاك: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حلف على يمين بملة غير ~~الاسلام كاذبا فهو كما قال رواه الجماعة إلا أبا داود. # وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قال إني برئ ~~من الاسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يعد إلى الاسلام ~~سالما رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. # حديث بريدة هو من ms3674 طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وقد ~~صححه النسائي. قوله: بملة غير الاسلام الملة بكسر الميم وتشديد اللام الدين ~~والشريعة وهي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب كاليهودية ~~والنصرانية ونحوهم من المجوسية والصابئة وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة ~~وعبدة الشياطين والملائكة وغيرهم. قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: أكفر ~~بالله ونحوه إن فعلت ثم فعل، فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور ~~فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه، ولا يكون كافرا إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال ~~الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق هو يمين وعليه الكفارة. قال ابن ~~المنذر: والأول أصح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من حلف باللات والعزى ~~فليقل لا إله إلا الله ولم يذكر كفارة. # زاد غيره: وكذا قال من حلف بملة سوى الاسلام فهو كما قال، فأراد التغليظ ~~في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه. ونقل ابن القصار من المالكية عن الحنفية ~~أنهم احتجوا لايجاب الكفارة بأن في اليمين الامتناع من الفعل، وتضمن كلامه ~~بما ذكر تعظيما للاسلام، وتعقب ذلك بأنهم قالوا فيمن قال وحق الاسلام إذا ~~حنث لا يجب عليه كفارة، فأسقطوا الكفارة إذا صرح بتعظيم الاسلام وأثبتوها ~~إذا لم يصرح. قال ابن دقيق العيد: # الحلف بالشئ حقيقة هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله: والله، ~~وقد يطلق على التعليق بالشئ يمين كقولهم من حلف بالطلاق فالمراد تعليق ~~الطلاق، وأطلق عليه الحلف لمشابهته لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع، وإذا ~~تقرر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله كاذبا، والكذب يدخل ~~القضية الإخبارية PageV09P130 # التي يقع مقتضاها تارة ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا والله وما أشبهه، ~~فليس الاخبار بها عن أمر خارجي بل هي لانشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا ~~على وجهين: أحدهما أن تتعلق بالمستقبل كقوله: إن فعل كذا فهو يهودي. ~~والثاني تتعلق بالماضي كقوله: إن كان كاذبا فهو يهودي. وقد يتعلق بهذا من ~~لم ير فيه الكفارة لكونه لم يذكر فيه ms3675 كفارة بل جعل المرتب على كذبه. قوله: ~~فهو كما قال قال: # ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفية ~~لكونه تنجيز معنى، فصار كما لو قال هو يهودي، ومنهم من قال: إذا كان لا ~~يعلم أنه يمين لم يكفر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحنث به كفر لكونه رضي ~~بالكفر حيث أقدم على الفعل. وقال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه ~~بالكفر إذا كان كاذبا والتحقيق التفصيل فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن ~~قصد حقيقة التعليق فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك كفر لأن إرادة ~~الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره ~~تنزيها؟ الثاني هو المشهور. # قوله: كاذبا زاد في البخاري ومسلم متعمدا. قال عياض: تفرد بهذه الزيادة ~~سفيان الثوري وهي زيادة حسنة يستفاد منها أن الحالف متعمدا إن كان مطمئن ~~القلب بالايمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله ~~معتقدا لليمين بتلك الملة لكونها حقا كفر، وإن قالها لمجرد التعظيم لها ~~احتمل. قال الحافظ: وينقدح بأن يقال إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل ~~النسخ لم يكفر أيضا، قال: ودعواه أن سفيان تفرد بها إن أراد بالنسبة إلى ~~رواية مسلم فعسى، فإنه أخرجها من طريق شعبة عن أيوب وسفيان عن خالد الحذاء ~~جميعا عن أبي قلابة. قوله: في الحديث الآخر فهو كما قال. قال في الفتح: ~~يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم ~~كأن قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظير من ترك الصلاة فقد كفر ~~أي استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذر: # ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب كذب المعظم لتلك ~~الجهة. PageV09P131 # باب ما جاء في اليمين الغموس ولغو اليمين عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس ~~بغير ms3676 حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير ~~حق. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: فعلت ~~كذا؟ قال لا والذي لا إله إلا هو ما فعلت، قال فقال له جبريل عليه السلام: ~~قد فعل ولكن الله عز وجل غفر له بقوله لا والذي لا إله إلا الله هو. وعن ~~ابن عباس قال: اختصم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلان، فوقعت ~~اليمين على أحدهما فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شئ، قال: فنزل ~~جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال إنه كاذب إن له ~~عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو ~~شهادته رواهن أحمد ولأبي داود الثالث بنحوه. وعن عائشة قالت: أنزلت هذه ~~الآية * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) * (البقرة: 225) في قول ~~الرجل: لا والله وبلى والله أخرجه البخاري . حديث أبي هريرة أخرجه أيضا أبو ~~الشيخ، ويشهد له ما أخرجه البخاري من حديث ابن عمرو قال: جاء أعرابي إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فذكر الحديث ~~وفيه اليمين الغموس وفيه قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع بها مال ~~امرئ مسلم هو فيها كاذب. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي وفي إسناده ~~عطاء بن السائب وقد تكلم فيه غير واحد. # وأخرج له البخاري حديثا مقرونا بابن بشر. قوله: ليس لهن كفارة أي لا يمحو ~~الاثم الحاصل بسببهن شئ من الطاعات، أما الشرك بالله فلقوله تعالى: * (إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * (النساء: 48) وأما ~~قتل النفس فعلى الخلاف في قبول توبة التائب عنه، وقد تقدم الكلام فيه. ~~والمراد ببهت المؤمن أن يغتابه بما ليس فيه، واليمين الصابرة أي التي ألزم ~~بها وصبر عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، والظاهر أن هذه الأمور ~~لا كفارة لها إلا التوبة ms3677 منها، ولا توبة في مثل القتل إلا بتسليم النفس ~~للقود. قوله: # وكفارة يمينه الخ هذا يعارض حديث أبي هريرة لأنه قد نفى الكفارة عن الخمس ~~التي من PageV09P132 # جملتها اليمين الفاجرة في اقتطاع حق، وهذا أثبت له كفارة وهي التكلم ~~بكلمة الشهادة ومعرفته لها، ويجمع بينهما بأن النفي عام والاثبات خاص. ~~قوله: باللغو الآية قال الراغب: هو في الأصل ما لا يعتد به من الكلام، ~~والمراد به في الايمان ما يورد عن غير روية فيجري مجرى اللغا وهو صوت ~~العصافير. قوله: لا والله أخرجه أبو داود عنها مرفوعا بلفظ: قالت عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : هو كلام الرجل في بيته: كلا ~~والله، وبلى والله وأخرجه أيضا البيهقي وابن حبان وصحح الدارقطني الوقف ~~ورواه البخاري والشافعي ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفا. ~~ورواه الشافعي من حديث عطاء أيضا موقوفا قال أبو داود: ورواه غير واحد عن ~~عطاء عن عائشة موقوفا. وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري مرفوعا في قصة ~~الرماة وكان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب فيظهر أنه أخطأ فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أيمان الرماة لغو لا كفارة لها ولا عقوبة. قال ~~الحافظ: وهذا لا يثبت لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن لأنه كان يأخذ ~~عن كل أحد، وقد تمسك بتفسير عائشة المذكور في الباب الشافعي وقال: إنها قد ~~جزمت بأن الآية نزلت في قول الرجل: لا والله وبلى والله، وهي قد شهد ت ~~التنزيل. وذهبت الحنفية والهادوية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظنه ~~ثم يظهر خلافه. وبه قال ربيعة ومالك ومكحول والأوزاعي والليث. وعن أحمد ~~روايتان: قال في الفتح ونقل ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما ~~من الصحابة، وعن القاسم وعطاء والشعبي وطاوس والحسن نحو ما دل عليه حديث ~~عائشة عن أبي قلابة: لا والله وبلى والله، لغة من لغات العرب لا يراد بها ~~اليمين وهي من صلة الكلام. ونقل إسماعيل القاضي ms3678 عن طاوس أن لغو اليمين أن ~~يحلف وهو غضبان، ونقل أقوالا أخر عن بعض التابعين. (وجملة) ما يتحصل من ذلك ~~ثمانية أقوال من جملتها قول إبراهيم النخعي: إن اللغو هو أن يحلف على الشئ ~~لا يفعله ثم ينسى فيفعله أخرجه الطبري. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن مثله، ~~وعنه هو كقول الرجل، والله لكذا وهو يظن أنه صادق ولا يكون كذلك. وأخرج ~~الطبري من طريق طاوس عن ابن عباس أن يحلف وهو غضبان. ومن طريق سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس أن يحرم ما أحد الله له. وقيل هو أن يدعو على نفسه إن فعل كذا ~~PageV09P133 # ثم يفعله وهذا هو يمين المعصية قال ابن العربي: القول بأن لغو اليمين هو ~~المعصية باطل، لأن الحالف على ترك المعصية ينعقد يمينه ويقال له لا تفعل ~~وكفر عن يمينك، فإن خالف وأقدم على الفعل أثم وبر في يمينه. قال: ومن قال ~~إنها يمين الغضب يرده ما ثبت في الأحاديث يعني المذكورة في الباب. ومن قال ~~دعاء الانسان على نفسه إن فعل أو لم يفعل فاللغو إنما هو في طريق الكفارة ~~وهي تنعقد، وقد يؤاخذ بها لثبوت النهي عن دعاء الانسان على نفسه. ومن قال ~~إنها اليمين التي تكفر فلا متعلق له، فإن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو ~~مطلقا فلا إثم فيه ولا كفارة، فكيف يفسر اللغو بما فيه الكفارة وثبوت ~~الكفارة يقتضي وجود المؤاخذة؟ وقد أخرج ابن أبي عاصم من طريق الزبيدي وابن ~~وهب في جامعه عن يونس وعبد الرزاق في مصنفه عن معمر كلهم عن الزهري عن عروة ~~عن عائشة: لغو اليمين ما كان في المراء والهزل أو المراجعة في الحديث الذي ~~لا يعقد عليه القلب وهذا موقوف. ورواية يونس تقارب الزبيدي ولفظ معمر أنه ~~القوم يتدارؤن يقول أحدهم: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ولا يقصد ~~الحلف وليس مخالفا للأول. وأخرج ابن وهب عن الثقة عن الزهري بهذا السند هو ~~الذي يحلف على الشئ لا يريد به إلا الصدق فيكون على ms3679 غير ما حلف عليه، وهذا ~~يوافق القول الثاني لكنه ضعيف من أجل هذا المبهم شاذ لمخالفته من هو أوثق ~~منه وأكثر عددا. (والحاصل) في المسألة أن القرآن الكريم قد دل على عدم ~~المؤاخذة في يمين اللغو، وذلك يعم الاثم والكفارة فلا يجب أيهما، والمتوجه ~~الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية، وأهل عصره صلى الله عليه ~~وآله وسلم أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى، لأنهم مع كونهم من أهل اللغة ~~قد كانوا من أهل الشرع، ومن المشاهدين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~والحاضرين في أيام النزول، فإذا صح عن أحدهم تفسير لم يعارضه ما يرجح عليه ~~أو يساويه وجب الرجوع إليه، وإن لم يوافق ما نقله أئمة اللغة في معنى ذلك ~~اللفظ لأنه يمكن أن يكون المعنى نقله إليه شرعيا لا لغويا، والشرعي مقدم ~~على اللغوي كما تقرر في الأصول، فكان الحق فيما نحن بصدده هو أن اللغو ما ~~قالته عائشة رضي الله عنها. وفي (حديث الباب) تعرض لذكر بعض الكبائر، ~~والكلام في شأنها طويل الذيول لا يتسع لبسطه إلا مؤلف حافل، وقد ألف ابن ~~حجر في ذلك مجلدا ضخما PageV09P134 # سماه الزواجر في الكبائر فمن رام الاستقصاء رجع إليه، وأما حصرها في عدد ~~معين فليس ذلك إلا باعتبار الاستقرار لا باعتبار الواقع، فمن جعل عددها ~~أوسع فلكثرة ما استقراه منها. # باب اليمين على المستقبل وتكفيرها قبل الحنث وبعده عن عبد الرحمن بن سمرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا حلفت على يمين فرأيت ~~غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك. # وفي لفظ: فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير متفق عليهما. وفي لفظ: إذا حلفت ~~على يمين فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير رواه النسائي وأبو داود وهو ~~صريح في تقديم الكفارة. وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت ~~الذي هو خير ms3680 رواه مسلم. وفي لفظ: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة. # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير رواه أحمد ومسلم ~~والترمذي وصححه. وفي لفظ: فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه رواه مسلم. ~~وعن أبي موسى: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا أحلف على يمين ~~فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها. وفي لفظ: إلا كفرت عن ~~يميني وفعلت الذي هو خير. وفي لفظ: إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ~~متفق عليهن. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: لا نذر ولا يمين فيما لا تملك ولا في معصية ولا في قطيعة رحم ~~رواه النسائي وأبو داود وهو محمول على نفي الوفاء بها. وعن ابن عباس قال: ~~كان الرجل يقوت أهله قوتا في سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا في شدة فنزلت: ~~* (من أوسط ما تطعمون أهليكم) * (المائدة: 89) رواه ابن ماجة. وعن أبي بن ~~كعب وابن مسعود أنهما قرآ * (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) * حكاه أحمد ورواه ~~الأثرم بإسناده. PageV09P135 # حديث عمرو بن شعيب ذكر البيهقي أنه لم يثبت وتمامه ومن حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارتها قال أبو ~~داود: # الأحاديث كلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وليكفر عن يمينه إلا ما ~~لا يعبأ به قال الحافظ في الفتح: ورواته لا بأس بهم، لكن اختلف في سنده على ~~عمرو، وفي بعض طرقه عند أبي داود ولا في معصية. وأثر ابن عباس رجال إسناده ~~في سنن ابن ماجة رجال الصحيح إلا سليمان بن أبي المغيرة العبسي، ولكنه قد ~~وثقه ابن معين. وقال في التقريب صدوق. وأثر أبي بن كعب أخرجه الدارقطني ms3681 ~~وصححه. # قوله: فأت الذي هو خير فيه دليل على أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي ~~إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل ~~واجب أو ترك حرام فيمينه طاعة والتمادي واجب والحنث معصية وعكسه بالعكس. # وإن حلف على فعل نفل فيمينه طاعة والتمادي مستحب والحنث مكروه. وإن حلف ~~على ترك مندوب فبعكس الذي قبله. وإن حلف على فعل مباح فإن كان يتجاذبه ~~رجحان الفعل أو الترك كما لو حلف لا يأكل طيبا ولا يلبس ناعما ففيه عند ~~الشافعية خلاف. وقال ابن الصباغ وصوبه المتأخرون: إن ذلك يختلف باختلاف ~~الأحوال، وإن كان مستوي الطرفين فالأصح أن التمادي أولى لأنه قال: فليأت ~~الذي هو خير. # قوله: فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير هذه الرواية صححها الحافظ في ~~بلوغ المرام. وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه. وأخرج الحاكم عن عائشة ~~نحوها. وأخرج أيضا الطبراني من حديث أم سلمة بلفظ: فليكفر عن يمينه ثم ~~ليفعل الذي هو خير. وفيه دليل على أن الكفارة يجب تقديمها على الحنث، ولا ~~يعارض ذلك الرواية المذكورة في الباب قبلها بلفظ: فأت الذي هو خير وكفر لأن ~~الواو لا تدل على ترتيب إنما هي لمطلق الجمع، على أن الواو لو كانت تفيد ~~ذلك لكانت الرواية التي بعدها بلفظ: فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير ~~تخالفها وكذلك بقية الروايات المذكورة في الباب. قال ابن المنذر: رأى ربيعة ~~والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزي ~~قبل الحنث، إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال: لا يجزي إلا بعد الحنث. ~~وقال أصحاب الرأي: لا تجزي الكفارة قبل الحنث. وعن مالك روايتان. ووافق ~~الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري، وخالفه ابن حزم واحتج له الطحاوي ~~بقوله تعالى : * (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) * (المائدة: 89) فإن المراد ~~إذا حلفتم فحنثتم. ورده مخالفوه PageV09P136 # فقالوا: بل التقدير فأردتم الحنث. قال الحافظ: وأولى من ذلك أن يقال ~~التقدير أعم من ذلك فليس أحد التقديرين ms3682 بأولى من الآخر. واحتجوا أيضا بأن ~~ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين، ورده من أجازها بأنها لو كانت ~~بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا. واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد ~~الحنث فرض وإخراجها قبله تطوع، فلا يقوم التطوع مقام المفروض. وانفصل عنه ~~من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزئ كما في تقديم الزكاة. وقال ~~عياض : اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث وأنه يجوز تأخيرها بعد ~~الحنث، واستحب الامام مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث، ~~قال عياض: ومنع بعض المالكية تقديم كفارة حنث المعصية لأن فيه إعانة على ~~المعصية ورده الجمهور. قال ابن المنذر: واحتج للجمهور بأن اختلاف ألفاظ ~~الأحاديث لا يدل على تعين أحد الامرين، والذي يدل عليه أنه أمر الحالف ~~بأمرين، فإذا أتى بهما جميعا فقد فعل ما أمر به، وإذا دل الخبر على المنع ~~فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتج للجمهور بأن عقد اليمين لما كان يحله ~~الاستثناء وهو كلام فلان تحله الكفارة وهي فعل مالي أو بدني أولى، ويرجح ~~قولهم أيضا بالكثرة. وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة ~~أربعة عشر صحابيا وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة. وقد عرفت مما سلف أن ~~المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم، ولولا الاجماع المحكي ~~سابقا على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة ~~واجب كما سلف. قال المازري: للكفارة ثلاث حالات: أحدها قبل الحلف فلا تجزى ~~اتفاقا. ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزى اتفاقا. # ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف. (والأحاديث) المذكورة في ~~الباب تدل على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير. وفي حديث عمرو بن شعيب ~~المذكور بعضه في الباب ما يدل على أن ترك اليمين وإتيان الذي هو خير هو ~~الكفارة، وقد ذكرنا ذلك، وذكرنا أن أبا داود قال: إنه ما ورد من ذلك إلا ما ~~لا يعبأ به، قال الحافظ: كأنه يشير إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن ms3683 أبيه عن ~~أبي هريرة يرفعه: # من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير فهو كفارته ~~ويحيى ضعيف جدا. وقد وقع في حديث عدي بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك، فإنه ~~أخرجه PageV09P137 # عنه بلفظ: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ~~وليترك يمينه هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة، ولكن أخرجه من وجه آخر ~~بلفظ: # فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير ومداره في الطرق كلها ~~على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي، والذي زاد ذلك حافظ فهو ~~المعتمد. # قوله: كان الرجل يقوت أهله الخ فيه أن الأوسط المنصوص عليه في الآية ~~الكريمة هو المتوسط ما بين قوت الشدة والسعة. قوله: إنهما قرآ: فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات قراءة الآحاد منزلة منزلة أخبار الآحاد صالحة لتقييد المطلق ~~وتخصيص العام كما تقرر في الأصول، وخالف في وجوب التتابع عطاء ومالك ~~والشافعي والمحاملي. # كتاب النذر باب نذر الطاعة مطلقا ومعلقا بشرط عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ~~رواه الجماعة إلا مسلما. وعن ابن عمر قال: # نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النذر وقال: إنه لا يرد شيئا ~~وإنما يستخرج به من البخيل رواه الجماعة إلا الترمذي. وللجماعة إلا أبا ~~داود مثل معناه من رواية أبي هريرة. # لفظ حديث أبي هريرة: لا يأتي ابن آدم النذر بشئ لم أكن قدرته ولكن يلقيه ~~النذر إلى القدر فيستخرج الله فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل ~~أي يعطيني. قوله: فليطعه الطاعة أعم من أن تكون واجبة أو غير واجبة، ويتصور ~~النذر في الواجب بأن يؤقته كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أول وقتها فيجب عليه ~~ذلك بقدر ما أقته. وأما المستحب من جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب ~~بالنذر واجبا، ويتقيد بما قيد به الناذر، والخبر صريح في الامر بالوفاء ms3684 ~~بالنذر إذا كان في طاعة، وفي النهي عن الوفاء به إذا كان في معصية، وهل تجب ~~في الثاني كفارة يمين أولا؟ PageV09P138 # فيه خلاف يأتي إن شاء الله. قوله: إنه لا يرد شيئا فيه إشارة إلى تعليل ~~النهي عن النذر. # وقد اختلف العلماء في هذا النهي، فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من ~~تأوله، قال ابن الأثير في النهاية: تكرر النهي عن النذر في الحديث وهو ~~تأكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى ~~لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ يصير بالنهي ~~معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الامر لا يجر إليهم ~~في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضررا ولا يغير قضاء فقال: لا تنذروا على أنكم ~~تدركون بالنذر شيئا لم يقدر الله لكم أو تصرفون به عنكم ما قدره عليكم، ~~فإذا نذرتم فاخرجوا بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم انتهى. وقال أبو ~~عبيد: النهي عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثما، ولو كان كذلك ما ~~أمر الله تعالى أن يوفى به ولا حمد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر ~~وتغليظ أمره لئلا يستهان بشأنه فيفرط في الوفاء به ويترك القيام به. ثم ~~استدل على الحث على الوفاء به من الكتاب والسنة، وإلى ذلك أشار المازري ~~بقوله: ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ في النذر قال: ~~وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر ~~يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب وكل ملزوم فإنه لا ينشط ~~للفعل نشاط مطلق الاختيار، ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم يب ذل ~~القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية ~~المتقرب ، قال: ويشير إلى هذا التأويل قوله: إنه لا يأتي بخير. وقوله: إنه ~~لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له وهذا كالنص ms3685 على هذا التعليل ~~انتهى. والاحتمال الأول يعم أنواع النذر. والثاني يخص نوع المجازاة. وزاد ~~القاضي عياض فقال: إن الاخبار بذلك وقع على سبيل الاعلام من أنه لا يغالب ~~القدر ولا يأتي الخير بسببه، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ~~ظن بعض الجهلة، قال: ومحصل مذهب الامام مالك أنه مباح إلا إذا كان مؤبدا ~~لتكرره عليه في أوقات فقد يثقل عليه فعله، فيفعله بالتكلف من غير طيبة نفس ~~وخالص نية. قوله: إنه لا يرد شيئا يعني مما يكرهه الناذر وأوقع النذر ~~استدفاعا له، وأعم من هذه الرواية ما في البخاري وغيره بلفظ: إنه لا يأتي ~~بخير فإنه قد ينظر استجلابا لنفع أو استدفاعا PageV09P139 # لضرر، والنذر لا يأتي بذلك المطلوب، وهو الخير الكائن في النفع أو الخير ~~الكائن في اندفاع الضرر. قال الخطابي في الاعلام: هذا باب من العلم غريب ~~وهو أن ينهى عن فعل شئ حتى إذا فعل كان واجبا. وقد ذهب أكثر الشافعية ونقل ~~عن نص الشافعي أن النذر مكروه، وكذا عن المالكية وجزم الحنابلة بالكراهة. ~~وقال النووي: إنه مستحب صرح بذلك في شرح المهذب وروي ذلك عن القاضي حسين ~~والمتولي والغزالي، وجزم القرطبي في المفهم بحمل ما ورد في الأحاديث من ~~النهي على نذر المجازاة فقال: هذا النهي محله أن يقول مثلا: إن شفى الله ~~مريضي فعلي صدقة. ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول ~~الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه ~~بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه ~~على شفائه، وهذه حالة البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد ~~على ما أخرج غالبا، وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله: إنما يستخرج به من ~~البخيل قال: وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك ~~الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما ~~الإشارة ms3686 في الحديث بقوله: فإنه لا يرد شيئا والحالة الأولى تقارب الكفر ~~والثانية خطأ صريح. قال الحافظ: بل تقرب من الكفر. # ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة قال: ~~والذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد ~~فيكون إقدامه على ذلك محرما، والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. قال الحافظ: ~~وهو تفصيل حسن، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في ~~نذر المجازاة. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: * (يوفون ~~بالنذر) * (الانسان: 7) قال: كانوا ينذرون طاعة الله تعالى من الصلاة ~~والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله تعالى أبرارا، ~~وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة، وقد يشعر التعبير بالبخيل ~~أن المنهي عنه من النذر ما فيه مال فيكون أخص من المجازاة، لكن قد يوصف ~~بالبخل من تكاسل عن الطاعة كما في الحديث المشهور: البخيل من ذكرت عنده فلم ~~يصل علي أخرجه النسائي وصححه ابن حبان، أشار إلى ذلك العراقي في شرح ~~الترمذي. وقد نقل القرطبي PageV09P140 # الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة لقوله: من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه ولم يفرق بين المعلق وغيره. قال الحافظ: والاتفاق الذي ذكره مسلم، ~~لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوب الوفاء بالنذر المعلق نظر. قلت: لا ~~نظر إذا لم يصحبه اعتقاد فاسد، لأن إخراج المال في القرب طاعة والبخيل يحرص ~~على المال فلا يخرجه إلا في نحو نذر المجازاة، ولا تتيسر طاعته المالية إلا ~~بمثل ذلك أو ما لا بد له منه كالزكاة والفطرة، فلو لم يلزمه الوفاء لاستمر ~~على نخله ولم يتم الاستخراج المذكور. # باب ما جاء في نذر المباح والمعصية وما أخرج مخرج اليمين عن ابن عباس ~~قال: بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه ~~فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ~~وأن يصوم، ms3687 فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مروه فليتكلم وليستظل ~~وليقعد وليتم صومه رواه البخاري وابن ماجة وأبو داود. وعن ثابت بن الضحاك: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس على الرجل نذر فيما لا يملك ~~متفق عليه . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: # لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى رواه أحمد وأبو داود. وفي ~~رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى أعرابي قائما في ~~الشمس وهو يخطب فقال: ما شأنك؟ قال: نذرت يا رسول الله أن لا أزال في الشمس ~~حتى تفرغ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس هذا نذرا إنما ~~النذر ما ابتغي به وجه الله رواه أحمد. وعن سعيد بن المسيب: أن أخوين من ~~الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني ~~القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك كفر ~~عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يمين ~~عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك رواه أبو ~~داود. وعن ثابت بن الضحاك: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال: PageV09P141 # أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا لا، قال: فهل كان فيها عيد ~~من أعيادهم؟ # قالوا لا، قال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا ~~يملك ابن آدم رواه أبو داود. وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين رواه الخمسة واحتج به أحمد ~~وإسحاق. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من نذر نذرا ~~في معصية فكفارته كفارة يمين رواه أبو داود. وعن عقبة بن عامر قال: قال ~~رسول الله ms3688 صلى الله عليه وآله وسلم: كفارة النذر كفارة يمين رواه أحمد ~~ومسلم. # حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا البيهقي، وأورده الحافظ في التلخيص وسكت ~~عنه. وقد أخرجه بلفظ أحمد الطبراني. قال في مجمع الزوائد: فيه عبد الله بن ~~نافع المدني وهو ضعيف، ولم يكن في إسناد أبي داود لأنه أخرجه عن أحمد بن ~~عبدة الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده. وحديث سعيد بن المسيب حديث صالح سكت عنه أبو داود والحافظ ~~وهو من طريق عمرو ابن شعيب ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر بن الخطاب ~~فهو منقطع. وروي نحوه عن عائشة: أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة ~~إن كلم ذا قرابة، فقالت: يكفر عن اليمين أخرجه مالك والبيهقي بسند صحيح ~~وصححه ابن السكن. وحديث ثابت بن الضحاك أخرجه أيضا الطبراني وصحح الحافظ ~~إسناده، وأخرج نحوه أبو داود من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~مرفوعا، ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس، ورواه أحمد في مسنده من حديث ~~عمرو بن شعيب عن ابنة كردم عن أبيها بنحوه. وفي لفظ لابن ماجة عن ميمونة ~~بنت كردم. وحديث عائشة قال الترمذي بعد إخراجه: # لا يصح لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة وكذلك قال غيره قالوا: # وإنما سمعه من سليمان بن أرقم وسليمان متروك. وقال أحمد: ليس بشئ ولا ~~يساوي فلسا. وقال البخاري: تركوه وتكلم فيه جماعة أيضا منهم عمرو بن علي ~~وأبو داود وأبو زرعة والنسائي وابن حبان والدارقطني. وقال الخطابي: لو صح ~~هذا الحديث لكان القول به واجبا والمصير إليه لازما، إلا أن أهل المعرفة ~~بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن الأرقم. ورواه النسائي ~~والحاكم والبيهقي من PageV09P142 # حديث عمران بن حصين ومداره على محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عنه ومحمد ~~ليس بالقوي وقد اختلف عليه فيه. ورواه ابن المبارك عن عبد الوارث عن ms3689 أبيه ~~أن رجلا حدثه أنه سأل عمران بن الحصين فذكره وفيه رجل مجهول. ورواه أحمد ~~وأصحاب السنن والبيهقي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال ~~الحافظ: وإسناده صحيح إلا أنه معلول بأنه منقطع وذلك لأن الزهري لم يروه عن ~~أبي سلمة. ورواه ابن ماجة من حديث سليمان بن بلال عن حرشي بن عتبة ومحمد بن ~~أبي عتيق عن الزهري عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن ~~الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران فرجع إلى الرواية الأولى. ورواه عبد ~~الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من بني حنيفة وأبي سلمة كلاهما ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مع كونه مرسلا، فالحنفي هو محمد بن ~~الزبير المتقدم قاله الحاكم. وقال: إن قوله من بني حنيفة تصحيف، وإنما هو ~~من بني حنظلة. وله طريق أخرى عن عائشة عند الدارقطني من رواية غالب بن عبد ~~الله الجزري عن عطاء عن عائشة مرفوعا بلفظ: من جعل عليه نذرا في معصية ~~فكفارته كفارة يمين وغالب متروك، وله طريق أخرى عند أبي داود من حديث كريب ~~عن ابن عباس وإسنادها حسن فيها طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه. وقال أبو داود ~~موقوفا يعني وهو أصح. وقال النووي في الروضة: # حديث لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ضعيف باتفاق المحدثين. قال ~~الحافظ: قلت قد صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن فأين الاتفاق؟ وحديث ابن ~~عباس قد تقدمت الإشارة إليه أنه من طريق كريب عنه، ولفظه في سنن أبي داود ~~عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من نذر نذرا لم ~~يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن ~~نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به وسيأتي ~~. وقد تقدم أنه موقوف على ابن عباس وأن الموقوف أصح. وأخرجه ابن ماجة وفي ~~إسناد ابن ماجة من لا يعتمد عليه، ms3690 وليس فيه من نذر نذرا في معصية. قوله: # أبو إسرائيل قال الخطيب: هو رجل من قريش ولا يشاركه أحد من الصحابة في ~~كنيته. واختلف في اسمه فقيل قشير بقاف وشين معجمة مصغرا. وقيل بسير ~~PageV09P143 # بمهملة مصغرا. وقيل قيصر باسم ملك الروم. وقيل بالسين المهملة بدل الصاد. # وقد جزم ابن الأثير وغيره بأنه من الصحابة، وفيه دليل على أن كل شئ يتأذى ~~به الانسان مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة كالمشي حافيا والجلوس في ~~الشمس ليس من طاعة الله تعالى فلا ينعقد النذر به، فإنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر أبا إسرائيل في هذا الحديث بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على ~~أنه علم أنه لا يشق عليه. قال القرطبي في قصة أبي إسرائيل: هذا أعظم حجة ~~للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية أو ما لا طاعة فيه. قال ~~مالك: لم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره بكفارة. قوله: ~~ليس على الرجل نذر فيما لا يملك فيه دليل على أن من نذر بما لا يملك لا ~~ينفذ نذره، وكذلك من نذر بمعصية كما في بقية أحاديث الباب. # واختلف في النذر بمعصية هل تجب فيه الكفارة أم لا؟ فقال الجمهور: لا. وعن ~~أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم. ونقل الترمذي اختلاف ~~الصحابة في ذلك، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في ~~وجوب الكفارة، واحتج من أوجبها بحديث عائشة المذكور في الباب وما ورد في ~~معناه، وأجيب بأن ذلك لا ينتهض للاحتجاج لما سبق من المقال. واحتج أيضا بما ~~أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر بلفظ: كفارة النذر كفارة اليمين لأن عمومه ~~يشمل نذر المعصية، وأجيب بأن فيه زيادة تمنع العموم، وهي أن الترمذي وابن ~~ماجة أخرجا حديث عقبة بلفظ: كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين هذا لفظ ~~الترمذي. ولفظ ابن ماجة: # من نذر نذرا لم يسمه. وحديث ابن عباس المذكور في الباب أيضا قد سبق ما ~~فيه ms3691 من المقال. (واستدل بأحاديث الباب) على أنه يصح النذر في المباح لأنه ~~لما نفى النذر في المعصية بقي ما عداه ثابتا. ويدل على أن النذر لا ينعقد ~~في المباح الحديث المذكور في أول الباب عن ابن عباس، والحديث الذي فيه: ~~إنما النذر ما يبتغى به وجه الله. ومن جملة ما استدل به على أنه يلزم ~~الوفاء بالنذر المباح قصة التي نذرت الضرب بالدف، وأجاب البيهقي بأنه يمكن ~~أن يقال: إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبا كالنوم في القائلة ~~للتقوي على قيام الليل، وأكلة السحر للتقوي على صيام النهار فيمكن أن يقال: ~~إن إظهار الفرح بعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم سالما معنى مقصود يحصل ~~به الثواب. قوله: في رتاج الكعبة PageV09P144 # بمهملة فمثناة فوقية فجيم بعد ألف هو في اللغة الباب، وكنى به هنا عن ~~الكعبة نفسها. # قوله: ببوانة بضم الموحدة وبعد الألف نون قال في التلخيص: موضع بين الشام ~~وديار بكر قاله أبو عبيدة. وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم. وقال المنذري: ~~هضبة من وراء ينبع ومثله في النهاية. وسيأتي الكلام على حديث ثابت بن ~~الضحاك. # باب من نذر نذرا لم يسمه ولا يطيقه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين رواه ابن ماجة ~~والترمذي وصححه. وعن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ~~نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين. ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة ~~يمين رواه أبو داود وابن ماجة وزاد: ومن نذر نذرا أطاقه فليف به. وعن أنس: ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى شيخا يهادي بين ابنيه فقال: ما هذا؟ ~~قالوا: نذر أن يمشي، قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب ~~رواه الجماعة إلا ابن ماجة. وللنسائي في رواية: نذر أن يمشي إلى بيت الله. ~~وعن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ms3692 فأمرتني أن أستفتي ~~لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب متفق ~~عليه. ولمسلم فيه: حافية غير مختمرة. وفي رواية: نذرت أختي أن تمشي إلى ~~الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لغني عن مشيها ~~لتركب ولتهد بدنة رواه أحمد. وفي رواية: أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير ~~مختمرة فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن الله لا يصنع بشقاء ~~أختك شيئا مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام رواه الخمسة. وعن كريب عن ~~ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا ~~رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: إن الله لا يصنع بشقاء أختك ~~شيئا لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها رواه أحمد وأبو داود. # وعن عكرمة عن ابن عباس: أن عقبة بن عامر سأل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها فقال النبي صلى ~~الله عليه PageV09P145 # وآله وسلم: إن الله غني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة رواه أحمد. وفي ~~لفظ أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت وأنها لا تطيق ذلك فأمرها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تركب وتهدي هديا رواه أبو داود. # حديث عقبة الأول هو فصحيح مسلم بدون زيادة إذا لم يسم. وأخرجه أيضا أبو ~~داود والنسائي. وحديث ابن عباس الأول قال الحافظ في بلوغ المرام: # إسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه وقد تقدم الكلام عليه. والرواية ~~الأخرى من حديث عقبة التي فيها، ولتصم ثلاثة أيام حسنها الترمذي ولكن في ~~إسنادها عبد الله بن زحر وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وحديث كريب عن ~~ابن عباس سكت أيضا عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح. وحديث عكرمة ~~عن ابن عباس سكت أيضا عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح. قال ~~الحافظ في التلخيص: # إسناده صحيح، والرواية الأخرى أوردها أبو داود وسكت ms3693 عنها هو والمنذري. ~~قوله: # لم يسم فيه دليل على أن كفارة اليمين إنما تجب فيما كان من النذور غير ~~مسمى. قال النووي: اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث فحمله جمهور ~~أصحابنا على نذر اللجاج، فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة، وحمله ~~مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله: علي نذر. وحمله جماعة من ~~فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر وقالوا: هو مخير في جميع أنواع ~~المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين انتهى. والظاهر اختصاص ~~الحديث بالنذر الذي لم يسم لأن حمل المطلب على المقيد واجب. وأما النذور ~~المسماة إن كانت طاعة، فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين، وإن كانت ~~مقدورة وجب الوفاء بها، سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال، وإن كانت معصية ~~لم يجز الوفاء بها ولا ينعقد ولا يلزم فيها الكفارة، وإن كانت مباحة مقدورة ~~فالظاهر الانعقاد ولزوم الكفارة لوقوع الامر بها في أحاديث الباب في قصة ~~الناذرة بالمشي، وإن كانت غير مقدورة ففيها الكفارة لعموم: ومن نذر نذرا لم ~~يطقه هذا خلاصة، ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة. وقال ابن رشد في نهاية ~~المجتهد ما حاصله: أنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل ~~البر وكان على جهة الخبر، وإن كان على جهة الشرط فقال مالك: يلزم كالخبر ~~ولا كفارة يمين في ذلك، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزمه ثلث ماله إذا كان ~~مطلقا وإن كان معينا لزمه، وإن كان جميع ماله أو PageV09P146 # أكثر من الثلث. وسيأتي الخلاف فيمن نذر بجميع ماله. قال: وإذا كان النذر ~~مطلقا أي غير مسمى ففيه الكفارة عند كثير من العلماء. وقال قوم: فيه كفارة ~~الظهار. # وقال قوم: فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم من القرب صيام يوم أو صلاة ~~ركعتين. قوله: # ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين ظاهره سواء كان المنذور به طاعة ~~أو معصية أو مباحا إذا كان غير مقدور ففيه الكفارة، إلا أنه يخص من هذا ~~العموم ما كان معصية ms3694 بما تقدم ويبقى ما كان طاعة أو مباحا، وسواء كان غير ~~مقدور شرعا أو عقلا أو عادة. قوله: ومن نذر نذرا أطاقه الخ ظاهره العموم، ~~ولكنه يخص منه نذر المعصية بما سلف، وكذلك نذر المباح بلزوم الكفارة. وأما ~~النذر الذي لم يسم فغير داخل في عموم الطاقة وعدمها، لأن اتصاف النذر بأحد ~~الوصفين فرع معرفته وما لم يسم لم يعرف. قوله: لتمش ولتركب فيه أن النذر ~~بالمشي ولو إلى مكان المشي إليه طاعة، فإنه لا يجب الوفاء به بل يجوز ~~الركوب، لأن المشي نفسه غير طاعة، إنما الطاعة الوصول إلى ذلك المكان ~~كالبيت العتيق من غير فرق بين المشي والركوب، ولهذا سوغ النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الركوب للناذرة بالمشي، فكان ذلك دالا على عدم لزوم النذر ~~بالمشي وإن دخل تحت الطاقة. قال في الفتح: وإنما أمر الناذرة في حديث أنس ~~أن تركب جزما، وأمر أخت عقبة أن تمشي وأن تركب، لأن الناذر في حديث أنس كان ~~شيخا ظاهر العجز، وأخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت ~~وتركب إن عجزت، وبهذا ترجم البيهقي للحديث، وأورد في بعض طرقه من رواية ~~عكرمة عن ابن عباس ما ذكره المصنف رحمه الله. وأخرج الحاكم من حديث ابن ~~عباس بلفظ: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت ~~وأنه يشق عليها المشي فقال: مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي، فما أغنى ~~الله أن يشق على أختك وأحاديث الباب مصرحة بوجوب الكفارة. ونقل الترمذي عن ~~البخاري أنه لا يصح فيه الهدي. وقد أخرج الطبراني من طريق أبي تميم ~~الجيشاني عن عقبة بن عامر في هذه القصة: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ~~حاسرة وفيه: لتركب ولتلبس ولتصم. وللطحاوي من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي ~~عن عقبة نحوه. # وأخرج البيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة: بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يسير في جوف الليل إذ بصر بخيال ففرت منه الإبل فإذا امرأة ms3695 ~~عريانة ناقضة PageV09P147 # شعرها فقالت: نذرت أن أحج عريانة ناقضة شعري، فقال: مرها فلتلبس ثيابها ~~ولتهرق دما وأورد من طريق الحسن عن عمران رفعه: إذا نذر أحدكم أن يحج ماشيا ~~فليهد هديا وليركب وفي سنده انقطاع. وقد استدل بهذه الأحاديث على صحة النذر ~~بإتيان البيت الحرام لغير حج ولا عمرة. وعن أبي حنيفة: إذا لم ينو حجا ولا ~~عمرة لم ينعقد، ثم إن نذره راكبا لزمه، فلو مشى لزمه دم لتوفر مؤنة الركوب، ~~وإن نذر ماشيا لزمه من حيث أحرم إلى أن ينتهي الحج أو العمرة، ووافقه ~~صاحباه فإن ركب لعذر أجزأه ولزم دم. وفي أحد القولين عن الشافعي مثله. ~~واختلف هل يلزم بدنة أو شاة؟ وإن ركب بلا عذر لزمه الدم؟ وعن المالكية في ~~العاجز يرجع من قابل فيمشي ما ركب إلا أن يعجز مطلقا فيلزمه الهدي. وعن عبد ~~الله بن الزبير لا يلزمه شئ مطلقا. قال القرطبي: زيادة الامر بالهدي رواتها ~~ثقات. وعن الهادوية أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي، فإذا عجز جاز ~~الركوب ولزمه دم، قالوا : لأن الرواية وإن جاءت مطلقة فقد قيدت برواية ~~العجز، ولا يخفى ما في أكثر هذه التفاصيل من المخالفة لصريح الدليل، ويرد ~~قول من قال: بأنه لا كفارة مع العجز ، وتلزم مع عدمه ما وقع في حديث عكرمة ~~عن ابن عباس وفي الرواية التي بعده فإنهما مصرحان بوجوب الهدي مع ذكر ما ~~يدل على العجز من الضعف وعدم الطاقة، والرجل المذكور في حديث أنه يهادي بين ~~ابنيه قيل هو أبو إسرائيل المذكور في الباب الأول، روي ذلك عن الخطيب حكى ~~ذلك عنه مغلطاي. قال الحافظ: # وهو تركيب منه، وإنما ذكر الخطيب ذلك في رجل آخر مذكور في حديث لابن ~~عباس. # باب من نذر وهو مشرك ثم أسلم أو نذر ذبحا في موضع معين عن عمر قال: نذرت ~~نذرا في الجاهلية فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما أسلمت فأمرت ~~أن أوفي بنذري رواه ابن ماجة. وعن كردم بن سفيان: ms3696 أنه سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن نذر نذره في الجاهلية فقال له: ألوثن أو لنصب؟ قال: ~~لا ولكن لله، فقال: أوف لله ما جعلت له، انحر على بوانة وأوف PageV09P148 # بنذرك رواه أحمد. وعن ميمونة بنت كردم قالت: كنت ردف أبي فسمعته يسأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة ~~قال: أبها وثن أو طاغية؟ قال، قال: أوف بنذرك رواه أحمد وابن ماجة. وفي لفظ ~~لأحمد: إني نذرت أن أنحر عددا من الغنم وذكر معناه وفيه دلالة على جواز نحر ~~ما يذبح. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله ~~إني نذرت أن أنحر بمكان كذا وكذا مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: ~~لصنم؟ قالت: لا، قال: لوثن؟ قالت: لا؟ قال: أوفي بنذرك رواه أبو داود. # حديث عمر رجال إسناده في سنن ابن ماجة رجال الصحيح، وهذا اللفظ لعله أحد ~~روايات حديثه الصحيح المتفق عليه بلفظ أنه قال: قلت يا رسول الله إني نذرت ~~في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوف بنذرك وزاد البخاري ~~في رواية فاعتكف وحديث ميمونة بنت كردم رجال إسناده في سنن ابن ماجة رجال ~~الصحيح، وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قد أخرج له مسلم، وقال فيه يحيى ~~بن معين صالح، وقال أبو حاتم ليس بالقوي، وقال في التقريب صدوق يخطئ. وقد ~~أخرجه ابن ماجة من طريق أخرى من حديث ابن عباس وبقية أحاديث الباب قد تقدم ~~تخريج بعضها في باب ما جاء في نذر المباح عند ذكر المصنف رحمه الله لحديث ~~ثابت بن الضحاك الذي بمعناها هنالك. وفي حديث عمر دليل على أنه يجب الوفاء ~~بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي. وعند ~~الجمهور ولا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر حجة عليهم، وقد أجابوا عنه ~~بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عرف أن عمر قد تبرع ms3697 بفعل ذلك أذن له ~~به لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب ~~بعضهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالوفاء استحبابا لا وجوبا، ويرد ~~بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد. وقد تقدم الكلام على حديث ~~عمر في باب الاعتكاف. قوله: كردم بفتح الكاف والدال ، وفيه دليل على أنه ~~يجب الوفاء بالنذر في المكان المعين إذا لم يكن في التعيين معصية ولا مفسدة ~~من اعتقاد تعظيم جاهلية أو نحوه. وبوانة قد تقدم ضبطه وتفسيره. قوله: قال ~~لصنم؟ قالت: لا، قال: لوثن؟ قال في النهاية: الفرق بين الوثن والصنم أن ~~الوثن كل ما له جثة معمولة PageV09P149 # من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، ~~والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، ~~وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم: قدمت على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ألق هذا الوثن عنك انتهى. # باب ما يذكر فيمن نذر الصدقة بماله كله عن كعب بن مالك أنه قال: يا رسول ~~الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قال قلت: إني أمسك ~~سهمي الذي بخيبر متفق عليه. وفي لفظ قال: قلت يا رسول الله إن من توبتي إلى ~~الله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: لا، قلت: فنصفه؟ قال: ~~لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم، قلت: فإني سأمسك سهمي من خيبر رواه أبو داود. ~~وعن الحسين بن السائب بن أبي لبابة: أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما تاب ~~الله عليه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن ~~أنخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: يجزي عنك الثلث رواه أحمد. ms3698 # رواية أبي داود في إسنادها محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف. وحديث أبي ~~لبابة أورده الحافظ في الفتح وعزاه إلى أحمد وأبي داود وسكت عنه. وأخرج أبو ~~داود من طريق أبي عيينة عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الحديث وفيه: وأن أنخلع من مالي كله ~~صدقة، قال: يجزي عنه الثلث. قوله: أن أنخلع بنون وخاء معجمة أي أعرى من ~~مالي كما يعرى الانسان، إذا خلع ثوبه. # وقد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على عشرة مذاهب. الأول: # أنه يلزمه الثلث فقط لهذا الحديث قاله مالك، ونوزع في أن كعب بن مالك لم ~~يصرح بلفظ النذر وبمعناه، بل يحتمل أنه نجز النذر، ويحتمل أن يكون أراده ~~فاستأذن، والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه وإنما الظاهر ~~أنه أراد أن يؤكد أمر توبته بالتصدق بجميع ما يملك شكرا لله تعالى على ما ~~أنعم به عليه. قال PageV09P150 # ابن المنير: لم يبتت كعب الانخلاع بل استشار هل يفعل أم لا؟ قال الحافظ: ~~ويحتمل أن يكون استفهم وحذفت أداة الاستفهام. ومن ثم كان الراجح عند الكثير ~~من العلماء وجوب الوفاء ممن التزم أن يتصدق بجميع ماله إذا كان على سبيل ~~القربة. # وقيل: إن كان مليا لزمه، وإن كان فقيرا فعليه كفارة يمين وهذا قول الليث، ~~ووافقه ابن وهب وزاد: وإن كان متوسطا يخرج قدر زكاة ماله. والأخير عن أبي ~~حنيفة بغير تفصيل وهو قول ربيعة. وعن الشعبي وابن أبي ليلى: لا يلزمه شئ ~~أصلا. وعن قتادة يلزم الغنية العشر والمتوسط السبع والمملق الخمس. وقيل: ~~يلزم الكل إلا في نذر اللجاج فكفارة يمين. وعن سحنون يلزمه أن يخرج ما لا ~~يضر به. وعن الثوري والأوزاعي وجماعة يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل. وعن ~~النخعي يلزمه الكل بغير تفصيل، وإذا تقرر ذلك فقد دل حديث كعب أنه يشرع لمن ~~أراد التصدق بجميع ماله أن يمسك بعضه ولا يلزم من ذلك أنه لو ms3699 نجزه لم ينفذ. ~~وقيل: إن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قويا على ذلك ~~يعلم من نفسه الصبر لم يمنع وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق وإيثار الأنصار ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزل لا صدقة ~~إلا عن ظهر غني، وفي لفظ: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني. # باب ما يجزي من عليه عتق رقبة مؤمنة بنذر أو غيره عن عبيد الله بن عبد ~~الله عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء فقال : يا رسول الله إن علي ~~عتق رقبة مؤمنة فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال: أتشهدين ~~أني رسول الله؟ قالت نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، قال: ~~فأعتقها. وعن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجارية ~~سوداء أعجمية فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها، ~~فقالها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله وإلى السماء أي أنت رسول ~~الله فقال: أعتقها رواهما أحمد. PageV09P151 # حديث عبيد الله بن عبد الله رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ~~عن عبيد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار، وهذا إسناد رجاله أئمة، ~~وجهالة الصحابي مغتفرة كما تقرر في الأصول. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا أبو ~~داود من حديث عون بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بجارية سوداء الحديث. وأخرجه الحاكم في المستدرك من ~~حديث عون بن عبد الله بن عتبة: حدثني أبي عن جدي فذكره، وفي اللفظ مخالفة ~~كثيرة، وسياق أبي داود أقرب إلى السياق الذي في الباب. وروى نحوه أحمد وأبو ~~داود والنسائي وابن حبان من حديث الشريد بن سويد، وأخرجه الطبراني في ms3700 ~~الأوسط من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال، والحكم عن سعيد عن ابن عباس بنحو ~~حديث أبي هريرة المذكور في الباب. ومن ذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي ~~المشهور . قوله: إن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها إلى آخر ما في الحديثين، ~~استدل بالحديثين على أنه لا يجزي في كفارة اليمين إلا رقبة مؤمنة، وإن كانت ~~الآية الواردة في كفارة اليمين لم تدل على ذلك لأنه قال تعالى: * (أو تحرير ~~رقبة) * (المائدة: 89) بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالايمان. قال ابن ~~بطال: حمل الجمهور ومنهم الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق المطلق على ~~المقيد كما حملوا المطلق في قوله تعالى: * (وأشهدوا إذا تبايعتم) * ~~(البقرة: 282) على المقيد في قوله تعالى : * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * ~~(الطلاق: 2) وخالف الكوفيون فقالوا: يجوز إعتاق الكافر، ووافقهم أبو ثور ~~وابن المنذر واحتج له في كتابه الكبير بأن كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة ~~اليمين، ومما يؤيد القول الأول أن المعتق للرقبة المؤمنة آخذ بالأحوط، ~~بخلاف المكفر بغير المؤمنة فإنه في شك من براءة الذمة. # باب أن من نذر الصلاة في المسجد الأقصى أجزأه أن يصلي في مسجد مكة ~~والمدينة عن جابر أن رجلا قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح ~~الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صل ههنا، فسأله فقال: صل ههنا، ~~فسأله فقال: شأنك إذن رواه PageV09P152 # أحمد وأبو داود، ولهما عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا ~~الخبر وزاد: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي بعث محمدا بالحق لو ~~صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس. وعن ابن عباس: أن امرأة شكت ~~شكوى فقالت: إن شفاني الله فلأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت ~~تريد الخروج فجاءت ميمونة تسلم عليها فأخبرتها بذلك فقالت: اجلسي فكلي ما ~~صنعت وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما ms3701 سواه من المساجد ~~إلا مسجد الكعبة رواه أحمد ومسلم. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام رواه الجماعة إلا أبا داود. ولأحمد وأبي داود من حديث جابر مثله ~~وزاد: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه. وكذلك ~~لأحمد من حديث عبد الله بن الزبير مثل حديث أبي هريرة وزاد: # وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا. وعن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى متفق عليه. ولمسلم في ~~رواية: إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد. # حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححه. وصححه أيضا ابن دقيق العيد ~~في الاقتراح. وحديث بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سكت عنه أبو ~~داود والمنذري وله طرق رجال بعضها ثقات، وقد تقرر أن جهالة الصحابي لا تضر. ~~وقيل إنه روى الحديث عن عبد الرحمن بن عوف وعن رجال من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وحديث جابر الآخر رواه أحمد من حديث أحمد بن عبد ~~الملك حدثنا عبد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن جابر رفعه: ~~صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في ~~المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه قال الحافظ: وإسناده صحيح ~~إلا أنه اختلف فيه على عطاء. وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضا ابن حبان ~~والبيهقي ولفظه: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه PageV09P153 # من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة ~~في مسجدي وفي الباب عن جابر أيضا عند ابن عدي بلفظ: الصلاة في المسجد ~~الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس ~~بخمسمائة صلاة وإسناده ضعيف لأنه من ms3702 حديث يحيى بن أبي حية عن عثمان بن ~~الأسود عن مجاهد عن جابر. وفي الباب أيضا من حديث أبي الدرداء مرفوعا عن ~~الطبراني في الكبير: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في ~~مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة وعن أبي ذر عند ~~الدارقطني في العلل والحاكم في المستدرك: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع ~~صلوات في بيت المقدس. وعند ابن ماجة من حديث ميمونة بنت سعد: بأن الصلاة في ~~بيت المقدس كألف صلاة في غيره. وروى ابن ماجة من حديث أنس: فصلاة في المسجد ~~الأقصى بخمسين ألف صلاة وإسناده ضعيف. وروى ابن عبد البر في التمهيد من ~~حديث الأرقم: صلاة هذا خير من ألف صلاة ثمة يعني بيت المقدس. قال ابن عبد ~~البر: هذا حديث ثابت ، وحديث أبي هريرة الآخر هو أيضا متفق عليه من حديث ~~أبي سعيد الخدري وغيره. قوله: صل ههنا فيه دليل على أن من نذر بصلاة أو ~~صدقة أو نحوهما في مكان ليس بأفضل من مكان الناذر فإنه لا يجب عليه الوفاء ~~بإيقاع المنذور به في ذلك المكان ، بل يكون الوفاء بالفعل في مكان الناذر، ~~وقد تقدم أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر الناذر بأن ينحر ببوانة يفي ~~بنذره بعد أن سأله: هل كانت كذا هل كانت كذا؟ فدل ذلك على أنه يتعين مكان ~~النذر ما لم يكن معصية، ولعل الجمع بين ما هنا وما هناك أن المكان لا يتعين ~~حتما، بل يجوز فعل المنذور به في غيره، فيكون من هنا بيانا للجواز، ويمكن ~~الجمع بأنه يتعين مكان النذر إذا كان مساويا للمكان الذي فيه الناذر أو ~~أفضل منه، لا إذا كان المكان الذي فيه الناذر فوقه في الفضيلة، ويشعر بهذا ~~ما في حديث ميمونة من تعليل ما أفتت به ببيان أفضلية المكان الذي فيه ~~الناذرة في الشئ المنذور به وهو الصلاة. قوله: إلا المسجد الحرام هذا فيه ~~دليل على أفضلية الصلاة في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم ms3703 على غيره من ~~المساجد إلا المسجد الحرام فإنه استثناه، فاقتضى ذلك أنه ليس بمفضول ~~بالنسبة إلى مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن أن يكون مساويا أو أفضل، ~~وسائر الأحاديث دلت على أنه أفضل باعتبار الصلاة فيه بذلك المقدار. قوله: # لا تشد الرحال الخ فيه دليل على أنه يتعين مكان النذر إذا كان أحد ~~الثلاثة المذكورة PageV09P154 # ، وقد ذهب إلى ذلك مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يلزم وله أن يصلي ~~في أي محل شاء، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان بحج أو ~~عمرة، وما عدا الأمكنة الثلاثة فلا يتعين مكانا للنذر ولا يجب الوفاء عند ~~الجمهور. وقد تمسك بهذا الحديث من منع السفر وشد الرحل إلى غيرها من غير ~~فرق بين جميع البقاع وقد وقع لحفيد المصنف في ذلك وقائع بينه وبين أهل عصره ~~لا يتسع المقام لبسطها. # باب قضاء كل المنذورات عن الميت عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة استفتى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقضه عنها رواه أبو داود والنسائي ~~وهو على شرط الصحيح. قال البخاري: # وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء يعني ثم ماتت فقال: ~~صلي عنها. قال: وقال ابن عباس نحوه. # حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة أصله في الصحيحين. وقول ابن عباس الذي ~~أشار البخاري بأنه نحو ما قاله ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح: أن ~~امرأة جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه فأفتى عبد الله بن ~~عباس ابنتها أن تمشي عنها وجاء عن ابن عمر وابن عباس خلاف ذلك، فقال مالك ~~في الموطأ: أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلي أحد عن أحد، ولا ~~يصوم أحد عن أحد. وأخرج النسائي من طريق أيوب بن موسى عن ابن أبي رباح عن ~~ابن عباس قال: لا يصلي أحد ms3704 عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد. # أورده ابن عبد البر من طريقه موقوفا ثم قال: والنقل في هذا عن ابن عباس ~~مضطرب. # قال الحافظ: ويمكن الجمع بحمل الاثبات في حق من مات والنفي في حق الحي، ~~قال: ثم وجدت عن ابن عباس ما يدل على تخصيصه في حق الميت بما إذا مات وعليه ~~شئ واجب، فعند ابن أبي شيبة بسند صحيح سئل ابن عباس عن رجل مات وعليه نذر ~~فقال : يصام عنه النذر. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله ~~صلي عنها العمل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله ~~إلا من ثلاث فعد منها PageV09P155 # الولد لأن الولد من كسبه، فأعماله الصالحة مكتوبة للوالد من غير أن ينقص ~~من أجره، فمعنى صل عنها أن صلاتك مكتتبة لها ولو كنت إنما تنوي عن نفسك، ~~كذا قال ولا يخفى تكلفه. وحاصل كلامه تخصيص الجواز بالولد، وإلى ذلك ذهب ~~ابن وهب وأبو مصعب من أصحاب الإمام مالك، وفيه تعقب على ابن بطال حيث نقل ~~الاجماع أنه لا يصلي أحد عن أحد فرضا ولا سنة لا عن حي ولا عن ميت. ونقل عن ~~المهلب أن ذلك لو جاز لجاز في جميع العبادات البدنية، ولكان الشارع أحق ~~بذلك أن يفعله عن أبويه، ولما نهى عن الاستغفار لعمه، ولبطل معنى قوله: # ولا تكسب كل نفس إلا عليها قال الحافظ: وجمع ما قاله لا يخفى وجه تعقبه ~~خصوصا ما ذكره في حق الشارع صلى الله عليه وآله وسلم. وأما الآية فعمومها ~~مخصوص اتفاقا، وقد ذهب ابن حزم ومن وافقه إلى أن الوارث يلزمه قضاء النذر ~~عن مورثه في جميع الحالات، واختلف في تعيين نذر أم سعد فقيل: كان صوما لما ~~رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء رجل فقال: # يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال نعم الحديث، ~~وأجيب بأنه لم يكن فيه أن الرجل سعد. وقال ابن ms3705 عبد البر: كان عتقا، واستدل ~~بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله إن ~~أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم وقيل: كان صدقة لما رواه في ~~الموطأ وغيره: أن سعدا خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لامه ~~أوصي قالت: المال مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم. فقال: يا رسول الله هل ~~ينفعها أن أتصدق عنها؟ # قال نعم وليس في هذا والذي قبله أنها نذرت. قال عياض: والذي يظهر أنه كان ~~نذرها في مال أو مبهما. وظاهر حديث الباب أنه كان معينا عند سعد. (وفي ~~الحديث) قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أن ممات وعليه ~~نذر مالي فإنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا أن وقع النذر في مرض ~~الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقا. ~~PageV09P156 # كتاب الأقضية والاحكام باب وجوب نصبة ولاية القضاء والامارة وغيرهما عن ~~عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحل لثلاثة ~~يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم رواه أحمد. # وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا خرج ثلاثة ~~في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم رواه أبو داود. وله من حديث أبي هريرة مثله. # حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي سعيد قد أخرج نحوهما البزار بإسناد صحيح ~~من حديث عمر بن الخطاب بلفظ: إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم ذاك أمير ~~أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج البزار أيضا بإسناد صحيح من ~~حديث عبد الله بن عمر مرفوعا بلفظ: إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم. ~~وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح، وهذه الأحاديث ~~يشهد بعضها لبعض، وقد سكت أبو داود والمنذري عن حديث أبي سعيد وأبي هريرة ~~وكلاهما رجالهما رجال الصحيح إلا علي بن بحر وهو ثقة. ولفظ حديث أبي هريرة: ms3706 ~~إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ~~ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي ~~يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه ~~فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة ~~يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى ~~والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى، وفي ذلك دليل ~~لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام، وقد ذهب ~~الأكثر إلى أن الإمامة واجبة، لكنهم اختلفوا هل الوجوب عقلا أو شرعا؟ فعند ~~العترة وأكثر المعتزلة والأشعرية تجب شرعا. وعند الإمامية تجب عقلا فقط، ~~وعند الجاحظ والبلخي PageV09P157 # والحسن البصري تجب عقلا وشرعا. وعند ضرار والأصم وهشام الفوطي والنجدات ~~لا تجب. # باب كراهية الحرص على الولاية وطلبها عن أبي موسى قال دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: يا رسول الله ~~أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال: إنا والله لا ~~نولي هذا العمل أحدا يسأله أو أحدا حرص عليه. وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل ~~الامارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة ~~وكلت إليها متفق عليهما. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: مسأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه ينزل عليه ملك يسدده رواه ~~الخمسة إلا النسائي. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إنكم ستحرصون على الامارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست ~~الفاطمة رواه أحمد والبخاري والنسائي. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله ~~الجنة، ومن غلب جوره ms3707 عدله فله النار رواه أبو داود وقد حمل على ما إذا لم ~~يوجد غيره. # حديث أنس أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط من رواية عبد الأعلى التغلبي عن ~~بلال بن أبي بردة الأشعري عن أنس مرفوعا بلفظ: من طلب القضاء واستعان عليه ~~وكل إلى نفسه ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده قال: ~~لا يروى عن أنس إلا بهذا الاسناد تفرد به عبد الأعلى، وأخرجه البزار من ~~طريق عبد الأعلى عن بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس قال: ولا يعلم عن أنس ~~إلا من هذا الوجه. وأخرجه الترمذي من الطريقتين جميعا وقال: حسن غريب. # وقال في الرواية الثانية أصح، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن عبد ~~الأعلى عن بلال عن خيثمة وصححه وتعقب أن خيثمة لينه يحيى بن معين، وعبد ~~الأعلى PageV09P158 # ضعفه الجمهور. وأخرج الحديث ابن المنذر بلفظ: من طلب القضاء واستعان عليه ~~بالشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله ملكا يسدده وحديث أبي هريرة ~~الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري وسنده لا مطعن فيه، فإن أبا داود قال: ~~حدثنا عباس العنبري يعني ابن عبد العظيم أبا الفضل شيخ الشيخين، حدثنا عمر ~~بن يونس يعني اليمامي، حدثنا ملازم بن عمرو يعني ابن عبد الله بن بدر ~~اليمامي وثقه أحمد وابن معين والنسائي، حدثني محمد بن نجدة يعني اليمامي عن ~~جده يزيد بن عبد الرحمن يعني الذي يقال له أبو كثير السحيمي عن أبي هريرة ~~فذكره. قوله: # أو أحدا حرص عليه بفتح المهملة والراء. قال العلماء: والحكمة في أنه لا ~~يولى من يسأل الولاية أنه يوكل إليها ولا يكون معه إعانة كما في الحديث ~~الذي بعده، وإذا لم يكن معه إعانة لا يكون كفؤا ولا يولى غير الكفء لأن فيه ~~تهمة. قوله: # لا تسأل الامارة هكذا في أكثر طرق الحديث، ووقع في رواية بلفظ: لا تتمنين ~~الامارة بصيغة النهي عن التمني مؤكدا بالنون الثقيلة. قال ابن حجر: والنهي ~~عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب. ms3708 قوله: عن غير مسألة أي سؤال. قوله: # وكلت إليها بضم الواو وكسر الكاف مخففا ومشددا وسكون اللام ومعنى المخفف ~~أي صرفت إليها، وكل الامر إلى فلان صرفه إليه، ووكله بالتشديد استحفظه. ~~ومعنى الحديث: أن من طلب الامارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه، ~~ويستفاد من هذا أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الامارة القضاء ~~والحسبة ونحو ذلك، وأن من حرص على ذلك لا يعان، ويعارض ذلك في الظاهر حديث ~~أبي هريرة المذكور في آخر الباب. قال الحافظ: ويجمع بينهما أنه لا يلزم من ~~كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي أو يحمل الطلب هنا ~~على القصد وهناك على التولية. # وبالجملة فإذا كان الطالب مسلوب الإعانة تورط فيما دخل فيه وخسر الدنيا ~~والآخرة، فلا تحل تولية من كان كذلك، ربما كان الطالب للأمارة مريدا بها ~~الظهور على الأعداء والتنكيل بهم فيكون في توليته مفسدة عظيمة. قال ابن ~~التين: محمول على الغالب ، وإلا فقد قال يوسف عليه السلام: * (اجعلني على ~~خزائن الأرض) * (يوسف: 55). وقال سليمان: * (وهب لي ملكا) * (ص: 35) قال: ~~ويحتمل أن يكون في غير الأنبياء عليهم السلام انتهى. قلت: ذلك لوثوق ~~الأنبياء بأنفسهم بسبب العصمة من الذنوب، وأيضا لا يعارض الثابت في شرعنا ~~ما كان PageV09P159 # في شرع غيرنا، فيمكن أن يكون الطلب في شرع يوسف عليه السلام سائغا. وأما ~~سؤال سليمان فخارج عن محل النزاع إذ محله سؤال المخلوقين لا سؤال الخالق، ~~وسليمان عليه السلام إنما سأل الخالق. قوله: إنكم ستحرصون بكسر الراء ويجوز ~~فتحها ويدخل في لفظ الامارة، الامارة العظمى وهي الخلافة، والصغرى وهي ~~الولاية على بعض البلاد، وهذا إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم بالشئ قبل ~~وقوعه فوقع كما أخبر. قوله: وستكون ندامة يوم القيامة أي لمن لم يعمل فيها ~~بما ينبغي، ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك ~~بلفظ: أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل. ~~وفي الأوسط للطبراني من ms3709 رواية شريك عن عبد الله بن عيسى عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة قال شريك: لا أدري رفعه أم لا قال: الامارة أولها ندامة، وأوسطها ~~غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة. وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: ~~أولها ملامة، وثانيها ندامة أخرجه الطبراني. وعند الطبراني من حديث زيد بن ~~ثابت رفعه: # نعم الشئ الامارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشئ الامارة لمن أخذها ~~بغير حقها تكون عليه حسرة يوم القيامة قال الحافظ: وهذا يقيد ما أطلق في ~~الذي قبله. ويقيد أيضا ما أخرجه مسلم عن أبي ذر: قلت: يا رسول الله ألا ~~تستعملني؟ قال: إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من ~~أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب ~~الولاية ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، ~~فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة. # وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الاخبار، ولكن ~~الدخول فيها خطر عظيم ولذلك امتنع الأكابر منها انتهى. وسيأتي حديث أبي ذر ~~هذا. قوله: فنعم المرضعة وبئست الفاطمة. قال الداودي: نعمت المرضعة أي ~~الدنيا، وبئست الفاطمة أي بعد الموت لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو ~~كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: نعمت المرضعة لما ~~فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال ~~حصولها. وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من ~~التبعات في الآخرة. قوله: ثم غلب عدله جوره أي كان عدله في حكمه أكثر من ~~ظلمه كما يقال غلب على فلان الكرم أي هو PageV09P160 # أكثر خصاله. وظاهره أنه ليس من شرط الاجر الذي هو الجنة أن لا يحصل من ~~القاضي جور أصلا، بل المراد أن يكون جوره مغلوبا بعدله، فلا يضر صدور الجور ~~المغلوب بالعدل، إنما الذي يضر ويوجب النار أن يكون الجور غالبا للعدل، ms3710 ~~قيل: هذا الحديث محمول على ما إذا لم يوجد غير هذا القاضي الذي طلب القضاء ~~جمعا بينه وبين أحاديث الباب. وقد تقدم طرف من الجمع، وبقي الكلام في ~~استحقاق الأمير للإعانة هل يكون بمجرد إعطائه لها من غير مسألة كما يدل ~~عليه حديث عبد الرحمن بن سمرة المذكور في الباب؟ أم لا يستحقها إلا ~~بالاكراه والإجبار كما يدل عليه حديث أنس المذكور أيضا؟ فقال ابن رسلان: إن ~~المطلق مقيد بما إذا أكره على الولاية وأجبر على قبولها، فلا ينزل الله ~~إليه الملك يسدده إلا إذا أكره على ذلك جبرا، ولا يحصل هذا لمن عرضت عليه ~~الولاية فقبلها من دون إكراه كما في لفظ الترمذي من رواية بلال بن مرداس: ~~ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده. وقال: حسن غريب. # ولا يخفى ما في حديث أنس من المقال الذي قدمناه مع اضطراب ألفاظه التي ~~أشرنا إلى بعضها، وأكثر ألفاظه بدون ذكر الاجبار والاكراه، كما في سنن أبي ~~داود وغيرها، على أنه على فرض صحته وصلاحيته لا معارضة بينه وبين حديث عبد ~~الرحمن بن سمرة، لأن حديث عبد الرحمن فيه أن من أعطي الامارة من غير مسألة ~~أعين عليها وليس فيه نزول الملك للتسديد. وحديث أنس فيه أن من أجبر نزل ~~عليه ملك يسدده، فغايته أن الإعانة تحصل بمجرد إعطاء الامارة من غير مسألة، ~~بخلاف نزول الملك فلا يحصل إلا بالاجبار، فلا معارضة ولا إطلاق ولا تقييد ~~إلا في حديث أنس نفسه، فيمكن أن يحمل المطلق من ألفاظه عن الاجبار والاكراه ~~بالمقيد بهما إذا انتهض لذلك. لا يقال: إن إنزال الملك للتسديد نوع من ~~الإعانة فتثبت المعارضة. لأنا نقول: بعض أنواع الإعانة لا يعارض البعض ~~الآخر. PageV09P161 # باب التشديد في الولايات وما يخشى على من لم يقم بحقها دون القائم به عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من جعل قاضيا بين ~~الناس فقد ذبح بغير سكين رواه الخمسة إلا النسائي. وعن ابن مسعود: عن النبي ~~صلى ms3711 الله عليه وآله وسلم قال: ما من حكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم ~~القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل ~~فإن قال ألقه ألقاه في مهوى فهوى أربعين خريفا رواه أحمد وابن ماجة بمعناه. ~~وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ويل للأمراء، ~~ويل للعرفاء، ويل للامناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت ~~متعلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شئ. وعن ~~عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لتأتين على القاضي ~~العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط. وعن أبي ~~أمامة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من رجل يلي أمر عشرة فما ~~فوق ذلك إلا أتى الله عز وجل يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوبقه ~~إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة. وعن عبادة بن ~~الصامت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من أمير عشرة إلا جئ به ~~يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوبقه، ومن تعلم القرآن ~~ثم نسيه لقي الله وهو أجذم رواهن أحمد. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار ~~وكله الله إلى نفسه رواه ابن ماجة. وفي لفظ: الله مع القاضي ما لم يجر فإذا ~~جار تخلى عنه ولزمه الشيطان رواه الترمذي. وعن عبد الله بن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور ~~عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ~~رواه أحمد ومسلم والنسائي. PageV09P162 # حديث أبي هريرة الأول أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي والدارقطني وحسنه ~~الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان وله طرق، وقد أعله ابن الجوزي فقال: # هذا ms3712 حديث لا يصح. قال الحافظ ابن حجر: وليس كما قال وكفاه قوة تخريج ~~النسائي له. وقد ذكر الدارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري قال: والمحفوظ ~~عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال المنذري: وفي إسناده عثمان بن محمد ~~الأخنسي. قال النسائي: ليس بذاك القوي، قال: وإنما ذكرناه لئلا يخرج من ~~الوسط ويجعل عن ابن أبي ذئب عن سعيد انتهى. فلا تم التقوية بإخراج النسائي ~~للحديث كما زعم الحافظ. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا البيهقي في شعب الايمان ~~والبزار وفي إسناده مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه جماعة، وحديث أبي ~~هريرة الثاني حسنه السيوطي. وحديث عائشة أخرجه أيضا العقيلي وابن حبان ~~والبيهقي. قال البيهقي: عمران بن حطان الراوي عن عائشة لا يتابع عليه ولا ~~يتبين سماعه منها. ووقع في رواية الإمام أحمد من طريقه قال: دخلت على عائشة ~~فذاكرتها حتى ذكرنا القاضي فذكره، قال في مجمع الزوائد: وإسناده حسن وحديث ~~أبي أمامة حسنه السيوطي، وفي معناه أحاديث منها حديث عبادة المذكور بعده. ~~ومنها حديث أبي هريرة عند البيهقي في السنن بلفظ: ما من أمير عشرة إلا يؤتى ~~به يوم القيامة مغلولا حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور. ومنها حديث ابن ~~عباس: # ما من أمير يؤمر على عشرة إلا سئل عنهم يوم القيامة أخرجه الطبراني في ~~الكبير. # وأخرج البيهقي حديثا آخر عن أبي هريرة بمعنى حديثه هذا. وحديث عبادة ~~أخرجه أيضا الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من حديث سعد بن عبادة. # وحديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه أيضا الحاكم في المستدرك والبيهقي في ~~السنن وابن حبان وحسنه الترمذي. قوله: فقد ذبح بغير سكين بضم الذال المعجمة ~~مبني للمجهول. قال ابن الصلاح: المراد ذبح من حيث المعنى لأنه بين عذاب ~~الدنيا إن رشد، وبين عذاب الآخرة إن فسد. وقال الخطابي ومن تبعه: إنما عدل ~~عن الذبح بالسكين ليعلم أن المراد ما يخاف من هلاك دينه دون بدنه وهذا أحد ~~الوجهين. # والثاني أن الذبح بالسكين فيه إراحة للمذبوح، وبغير السكين كالخنق أو ms3713 ~~غيره يكون الألم فيه أكثر، فذكر ليكون أبلغ في التحذير. قال الحافظ في ~~التلخيص: ومن الناس من فتن بحب القضاء، فأخرجه عما يتبادر إليه الفهم من ~~سياقه فقال: إنما قال ذبح بغير سكين إشارة إلى الرفق به، ولو PageV09P163 # ذبح بالسكين لكان أشق عليه ولا يخفى فساده انتهى. وحكى ابن رسلان في شرح ~~السنن عن أبي العباس أحمد بن القاص أنه قال: ليس في هذا الحديث عندي كراهية ~~القضاء وذمه، إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك الهوى والله تعالى ~~يقوله: * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) * (العنكبوت: 69). ويدل على ~~ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: # يا أبا هريرة عليك بطريق قوم إذا فزع الناس أمنوا، قلت: من هم يا رسول ~~الله؟ قال: # هم قوم تركوا الدنيا فلم يكفي قلوبهم ما يشغلهم عن الله قد أجهدوا ~~أبدانهم وذبحوا أنفسهم في طلب رضا الله، فناهيك به فضيلة وزلفى لمن قضى ~~بالحق في عباده، إذ جعله ذبيح الحق امتحانا لتعظم له المثوبة امتنانا. وقد ~~ذكر الله قصة إبراهيم خليله عليه السلام. وقوله: * (يا بني أني أرى في ~~المنام أني أذبحك) * فإذا جعل الله إبراهيم في تسليمه لذبح ولده مصدقا فقد ~~جعل ابنه لاستسلامه للذبح ذبيحا ولذا قال (ص): أنا ابن الذبيحين يعني ~~إسماعيل وعبد الله، فكذلك القاضي عندنا لما استسلم لحكم الله واصطبر على ~~مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم، لم تأخذه في الله لومة لائم، حتى ~~قاده إلى مر الحق، جعله ذبيحا للحق، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا ~~ومعاذا ومعقل بن يسار فنعم الذابح ونعم المذبوح. وفي كتاب الله الدليل على ~~الترغيب فيه بقوله: * (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) * (الصافات: 102) ~~إلى آخر الآيات انتهى. # وحديث أبي هريرة الذي ذكره لا أدري من أخرجه فيبحث عنه، وعلى كل حال ~~فحديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا في ترغيبهم، وهذا هو الذي فهمه ms3714 السلف ~~والخلف، ومن جعله من الترغيب فقد أبعد، وقد استروح كثير من القضاة إلى ما ~~ذكره أبو العباس وأنا وإن كنت حال تحرير هذه الأحرف منهم ولكن الله يحب ~~الانصاف. # وقد ورد في الترغيب في القضاة ما يغني عن مثل ذلك التكلف، فأخر الشيخان ~~من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن ~~أصاب فله أجران. ورواه الحاكم والدارقطني من حديث عقبة بن عامر وأبي هريرة ~~وعبد الله بن عمر بلفظ: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة ~~أجور وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف، وتابعه ابن لهيعة بغير لفظه. ورواه ~~أحمد من طريق عمرو بن العاص بلفظ: إن أصبت القضاء فلك عشرة أجور، وإن ~~PageV09P164 # اجتهدت فأخطأت فلك حسنة وإسناده ضعيف أيضا. وأخرج أحمد في مسنده وأبو ~~نعيم في الحلية عن عائشة أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: السابقون إلى ظل ~~الله يوم القيامة الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه، وإذا ~~حكموا بين الناس حكموا كحكمهم لأنفسهم وهو من رواية ابن لهيعة عن خالد بن ~~أبي عمران عن القاسم بن محمد عنها، قال أبو نعيم: تفرد به ابن لهيعة عن ~~خالد. قال الحافظ: وتابعه يحيى بن أيوب عن عبد الله بن زحر عن علي بن زيد ~~عن القاسم وهو ابن عبد الرحمن عن عائشة، ورواه أبو العباس بن القاص في كتاب ~~آداب القضاء له. ومن الأحاديث الواردة في الترغيب حديث عبد الله بن عمر ~~المذكور في الباب. ومنها حديث ابن عباس: # إذا جلس الحاكم في مكانه هبط عليه ملكان يسددانه ويوفقانه ويرشدانه ما لم ~~يجر فإذا جار عرجا وتركاه أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن زيد الأشعري عن ~~ابن جريج عن عطاء عنه وإسناده ضعيف، قال صالح جزرة: هذا الحديث ليس له أصل ~~، وروى الطبراني معناه من حديث وائلة بن الأسقع. وفي البزار من رواية ~~إبراهيم بن خثيم بن عراك عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: من ولي ms3715 من أمور ~~المسلمين شيئا وكل الله به ملكا عن يمينه وأحسبه قال وملكا عن شماله ~~يوفقانه ويسددانه إذا أريد به خير، ومن ولي من أمور المسلمين شيئا فأريد به ~~غير ذلك وكل إلى نفسه قال: ولا نعلمه يروى بهن اللفظ إلا من حديث عراك ~~وإبراهيم ليس بالقوي. ومن أحاديث الترغيب حديث عبد الله بن أبي أوفى ~~المذكور في الباب. ولكن هذه الترغيبات إنما هي في حق القاضي العادل الذي لم ~~يسأل القضاء ولا استعان عليه بالشفعاء، وكان لديه من العلم بكتاب الله وسنة ~~رسوله ما يعرف به الحق من الباطل، بعد إحراز مقدار من آلاتهما يقدر به على ~~الاجتهاد في إيراده وإصداره. وأما من كان بعكس هذه الأوصاف أو بعضها فقد ~~أوقع نفسه في مضيق وباع آخرته بدنياه، لأن كل عاقل يعلم أن من تسلق للقضاء ~~وهو جاهل بالشريعة المطهرة جهلا بسيطا أو جهلا مركبا، أو من كان قاصرا عن ~~رتبة الاجتهاد فلا حامل له على ذلك إلا حب المال والشرف أو أحدهما، إذ لا ~~يصح أن يكون الحامل من قبيل الدين، لأن الله لم يوجب على من لم يتمكن من ~~الحكم بما أنزل من الحق أن يتحمل هذا العب ء الثقيل قبل تحصيل شرطه الذي ~~يحرم قبوله قبل حصوله، فعلم من هذا أن الحامل للمقصرين على التهافت على ~~القضاء والتوثب على أحكام الله بدون ما شرطه ليس إلا الدنيا لا الدين، ~~فإياك والاغترار بأقوال قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فإذا ~~PageV09P165 # لبسوا لك أثواب الرياء والتصنع وأظهروا شعار التغرير والتدليس والتلبيس ~~وقالوا ما لهم بغير الحق حاجة ولا أرادوا إلا تحصيل الثواب الأخروي فقل ~~لهم: دعوا الكذب على أنفسكم يا قضاة النار بنص المختار، فلو كنتم تخشون ~~الله وتتقونه حق تقاته لما أقدمتم على المخاطرة بادئ بدء، بدون إيجاب من ~~الله، ولا إكراه من سلطان، ولا حاجة من المسلمين، وقد كثر التتابع من ~~الجهلة في هذا المنصب الشريف ، واشتروه بالأموال ممن هو أجهل منهم حتى عمت ~~البلوى جميع ms3716 الأقطار اليمنية. # قوله: فهوى أربعين خريفا قال في النهاية: هو الزمان المعروف من فصول ~~السنة ما بين الصيف والشتاء ويريد به أربعين سنة، لأن الخريف لا يكون في ~~السنة إلا مرة، فإذا انقضى أربعون خريفا انقضت أربعون سنة. قوله: ويل ~~للعرفاء بضم العين المهملة وفتح الراء والفاء: جمع عريف. قال في النهاية: ~~وهو القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه ~~أحوالهم فعيل بمعنى فاعل والعرافة عمله. وسبب الوعيد لهذه الطوائف الثلاث ~~وهم الامراء والعرفاء والامناء أنهم يقبلون ويطاعون فيما يأتون به، فإذا ~~جاروا الرعايا جاروا وهم قادرون فيكون ذلك سببا لتشديد العقوبة عليهم، لأن ~~حق شكر النعمة التي امتازوا بها على غيرهم أن يعدلوا ويستعملوا الشفقة ~~والرأفة. قوله: أو أوبقه إثمه بالباء الموحدة والقاف قال في النهاية: يقال ~~وبق يبق ووبق يوبق إذا هلك، وأوبقه غيره فهو موبق. # قوله: وكلتا يديه يمين قال في النهاية: أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة ~~الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين. وكل ما جاء في ~~القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح ~~إلى الله فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة والله منزه عن التشبيه ~~والتجسيم. # باب المنع من ولاية المرأة والصبي ومن لا يحسن القضاء أو يضعف عن القيام ~~بحقه عن أبي بكرة قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل ~~PageV09P166 # فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة رواه وعن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه. وعن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعوذوا بالله من رأس ~~السبعين وإمارة الصبيان رواه أحمد. وعن بريدة: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: القضاة ثلاثة: # واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى ~~به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس ms3717 على جهل فهو ~~في النار رواه ابن ماجة وأبو داود، وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلا. # وعن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أفتي بفتيا ~~غير ثبت فإنما إثمه على الذي أفتاه رواه أحمد وابن ماجة. وفي لفظ: من أفتي ~~بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي ~~ذر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني ~~أحب إليك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم. وعن أبي ذر ~~قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا ~~أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها ~~بحقها وأدى الذي عليه فيها رواهما أحمد ومسلم. وعن أم الحصين الأحمسية: # أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اسمعوا وأطيعوا وإن أمر ~~عليكم عبد حبشي ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل رواه الجماعة إلا البخاري ~~وأبا داود. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اسمعوا ~~وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة رواه أحمد والبخاري. ~~وهذا عند أهل العلم محمول على غير ولاية الحكم أو على من كان عبدا. # حديث أبي هريرة الأول قد أخرج ما يشهد له أحمد من حديث قيس الغفاري ~~مرفوعا، وفيه التحذير من إمارة السفهاء، ورجاله رجال الصحيح، ومثله أخرجه ~~الطبراني عن عوف بن مالك مرفوعا وفي إسناده النهاس بن قهم وهو ضعيف. وحديث ~~بريدة أخرجه أيضا الترمذي والنسائي والحاكم وصححه. قال الحاكم في علوم ~~الحديث: تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة، قال الحافظ: له طرق غير هذه ~~جمعتها في جزء مفرد. وحديث أبي هريرة الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ~~ورجال إسناده أئمة أكثرهم من رجال الصحيح، وزاد أبو داود: ومن أشار على ~~أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه. PageV09P167 # وحديث ms3718 أنس لفظ البخاري: أطيعوا السلطان وإن عبدا حبشيا كالزبيبة. قوله: ~~لن يفلح قوم الخ فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات ولا يحل لقوم ~~توليتها ، لأن تجنب الامر الموجب لعدم الفلاح واجب. قال في الفتح: وقد ~~اتفقوا على اشتراط الذكورة في القاضي إلا عن الحنفية واستثنوا الحدود. ~~وأطلق ابن جرير ويؤيد ما قاله الجمهور أن القضاء يحتاج إلى كمال الرأي، ~~ورأي المرأة ناقص ولا سيما في محافل الرجال. واستدل المصنف أيضا على ذلك ~~بحديث بريدة المذكور في الباب لقوله فيه رجل ورجل، فدل بمفهومه على خروج ~~المرأة. قوله: وإمارة الصبيان فيه دليل على أنه لا يصح أن يكون الصبي ~~قاضيا. قال في البحر إجماعا، وأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتعوذ من رأس ~~السبعين لعله لما ظهر فيها من الفتن العظيمة منها قتل الحسين رضي الله عنه، ~~ووقعة الحرة وغير ذلك مما وقع في عشر السبعين. قوله: القضاة ثلاثة الخ في ~~هذا الحديث أعظم وازع للجهلة عن الدخول في هذا المنصب الذي ينتهي بالجاهل ~~والجائر إلى النار . وبالجملة فما صنع أحد بنفسه ما صنعه من ضاقت عليه ~~المعايش، فزج بنفسه في القضاء لينال من الحطام وأموال الأرامل والأيتام ما ~~يحول بينه وبين دار السلام مع جهله بالأحكام أو جوره على من قعد بين يديه ~~للخصام من أهل الاسلام. قوله: من أفتي بضم الهمزة وكسر المثناة مبني لما لم ~~يسم فاعله، فيكون المعنى من أفتاه مفت عن غير ثبت من الكتاب والسنة ~~والاستدلال كان إثمه على من أفتاه بغير الصواب لا على المستفتي المقلد. وقد ~~روي بفتح الهمزة والمثناة، فيكون المعنى: من أفتى الناس بغير علم كان إثمه ~~على الذي سوغ له ذلك، وأفتاه بجواز الفتيا من مثله مع جهله وأذن له في ~~الفتوى ورخص له فيها. قوله: أراك ضعيفا فيه دليل على أن من كان ضعيفا لا ~~يصلح لتولي القضاء بين المسلمين. # قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب أدب القضاء له: لا أعلم بين ~~العلماء ممن ms3719 سلف خلافا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله ~~وصدقه وعلمه وورعه، وأن يكون عارفا بكتاب الله عالما بأكثر أحكامه، عالما ~~بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حافظا لأكثرها، وكذا أقوال ~~الصحابة عالما بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من ~~السقيم، يتتبع النوازل من الكتاب، فإن لم يجد ففي السنة، فإن لم يجد عمل ~~بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم ~~بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة ~~لهم مع فضل وورع، ويكون حافظا للسانه ونطقه وفرجه فهما لكلام PageV09P168 # الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى. ثم قال: وهذا وإن كنا ~~نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل ~~كل زمان أكملهم وأفضلهم. وقال المهلب: لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى ~~نفسه أهلا لذلك بل أن يراه الناس أهلا له. وقال ابن حبيب عن مالك: لا بد أن ~~يكون القاضي عالما عاقلا، قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم فعقل وورع، لأنه ~~بالورع يقف وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده، فإذا طلب العقل لم يجده ~~انتهى. قلت: ماذا يصنع الجاهل العاقل عند ورود مشكلات المسائل، وغاية ما ~~يفيده العقل التوقف عند كل خصومة ترد عليه، وملازمة سؤال أهل العلم عنها، ~~والاخذ بأقوالهم مع عدم المعرفة لحقها من باطلها، وما بهذا أمر الله عباده، ~~فإنه أمر الحاكم أن يحكم بالحق وبالعدل وبالقسط وبما أنزل، ومن أين لمثل ~~هذا العاقل العاطل عن حلية الدلائل أن يعرف حقية هذه الأمور؟ بل من أين له ~~أن يتعقل الحجة إذا جاءته من كتاب أو سنة حتى يحكم بمدلولها؟ ثم قد عرف ~~اختلاف طبقات أهل العلم في الكمال والقصور والانصاف والاعتساف والتثبت ~~والاستعجال والطيش والوقار والتعويل على الدليل والقنوع بالتقليد، فمن أين ~~لهذا الجاهل العاقل معرفة العالي من السافل حتى يأخذ عنه أحكامه وينيط به ~~حله ms3720 وإبرامه؟ فهذا شئ لا يعرف بالعقل باتفاق العقلاء، فما حال هذا القاضي ~~إلا كحال من قال فيه من قال: # كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق الحائر قوله: لا تأمرن ~~على اثنين الخ، في هذا النهي بعد إمحاض النصح بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إني أحب لك ما أحب لنفسي إرشاد للعباد إلى ترك تحمل أعباء الأمارة مع ~~الضعف عن القيام بحقها من أي جهة من الجهات التي يصدق على صاحبها أنه ضعيف ~~فيها، وقد قدمنا كلام النووي على هذا الحديث في باب كراهية الحرص على ~~الامارة. قوله: وإن أمر عليكم عبد حبشي بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة ~~منسوب إلى الحبشة. قوله: كأن رأسه زبيبة هي واحدة الزبيب المأكول المعروف ~~الكائن من العنب إذا جف، وإنما شبه رأس العبد بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره ~~أسود، وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها. وقد حكى ~~الحافظ في الفتح عن ابن بطال عن المهلب أنها لا تجب الطاعة للعبد إلا إذا ~~كان المستعمل له إماما قرشيا، لان PageV09P169 # الإمامة لا تكون إلا في قريش، قال: وأجمعت الأمة على أنها لا تكون في ~~العبيد. وحكي في البحر عن العترة أنه يصح أن يكون العبد قاضيا، وعن ~~الشافعية والحنفية أنه لا يصح أن يكون العبد قاضيا. # باب تعليق الولاية بالشرط عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة وقال: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر ~~فعبد الله بن رواحة رواه البخاري. ولأحمد من حديث أبي قتادة وعبد الله بن ~~جعفر نحوه. # حديث ابن عمر هو طرف من حديث طويل في ذكر غزوة مؤتة، وكذلك حديث أبي ~~قتادة وعبد الله بن جعفر هما في وصف الغزوة المذكورة، وقد اشتمل على جميع ~~ذلك كتب الحديث والسير فلا نطول بذكره. وقد استدل المصنف رحمه الله بالحديث ~~على جواز تعليق الولايات بالشرط المستقبل كما في ولاية جعفر فإنها مشروطة ~~بقتل زيد، وكذلك ولاية عبد الله ms3721 بن رواحة فإنها مشروطة بقتل جعفر، ولا أعرف ~~الآن دليلا يدل على المنع من تعليق الولاية بالشرط، فلعل خلاف من خالف في ~~ذلك مستند إلى قاعدة فقهية كما يقع ذلك في كثير من المسائل. # باب نهي الحاكم عن الرشوة واتخاذ حاجب لبابه في مجلس حكمه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعنة الله على الراشي ~~والمرتشي في الحكم رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن عبد الله بن عمرو ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعنة الله على الراشي ~~والمرتشي رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وعن ثوبان قال: لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي ~~بينهما رواه أحمد. وعن عمرو بن مرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة PageV09P170 # والمسكنة إلا غلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته رواه أحمد ~~والترمذي. # حديث أبي هريرة أخرجه أيضا ابن حبا وصححه وحسنه الترمذي، وقد عزاه الحافظ ~~في بلوغ المرام إلى أحمد والأربعة وهو وهم، فإنه ليس في سنن أبي داود غير ~~حديث ابن عمرو المذكور، ووهم أيضا بعض الشراح فقال: إن أبا داود زاد في ~~روايته لحديث ابن عمرو لفظ في الحكم، وليست تلك الزيادة عند أبي داود بل ~~لفظه: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي. قال ابن ~~رسلان في شرح السنن: وزاد الترمذي والطبراني بإسناد جيد في الحكم. وحديث ~~ابن عمرو أخرجه أيضا ابن حبان والطبراني والدارقطني، قال الترمذي: وقواه ~~الدارمي اه. # وإسناده لا مطعن فيه، فإن أبا داود قال: حدثنا أحمد بن يونس يعني ~~اليربوعي، حدثنا ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن يعني القرشي العامري ~~خال ابن أبي ذئب، ذكره ابن حبان في الثقات عن أبي سلمة يعني ابن عبد الرحمن ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وحديث ثوبان أخرجه أيضا الحاكم ms3722 وفي إسناده ~~ليث بن أبي سليم، قال البزار: إنه تفرد به. وقال في مجمع الزوائد: إنه ~~أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وفي إسناده أبو الخطاب وهو مجهول ~~اه. وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم، وعن عائشة وأم سلمة أشار ~~إليهما الترمذي قال في التلخيص: ينظر من خرجهما. وحديث عمرو بن مرة أخرجه ~~أيضا الحاكم والبزار. # وفي الباب عن أبي مريم الأزدي مرفوعا أخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: من ~~تولى شيئا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم احتجب الله دون حاجته ~~قال الحافظ في الفتح: إن سنده جيد. وعن ابن عباس عند الطبراني في الكبير ~~بلفظ: # أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة قال ابن أبي ~~حاتم: # هو حديث منكر. قوله: على الراشي هو دافع الرشوة، والمرتشي القابض لها، ~~والرائش هو ما ذكره في الرواية التي في الباب، قال ابن رسلان: ويدخل في ~~إطلاق الرشوة: الرشوة للحاكم والعامل على أخذ الصدقات وهي حرام بالاجماع ~~اه. قال الإمام المهدي في البحر في كتاب الإجارات منه مسألة: وتحرم رشوة ~~الحاكم إجماعا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله الراشي والمرتشي ~~قال الامام يحيى: ويفسق للوعيد. والراشي إن طلب PageV09P171 # باطلا عمه الخبر. قال المنصور بالله وأبو جعفر وبعض أصحاب الشافعي: وإن ~~طلب بذلك حقا مجمعا عليه جاز. قيل: وظاهر المذهب المنع لعموم الخبر، وإن ~~كان مختلفا فيه فكالباطل إذ لا تأثير لحكمه اه. قلت: والتخصيص لطالب الحق ~~بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم لا أدري بأي مخصص، فألحق التحريم مطلقا أخذا ~~بعموم الحديث، ومن زعم الجواز في صورة من الصور فإن جاء بدليل مقبول وإلا ~~كان تخصيصه ردا عليه، فإن الأصل في مال المسلم التحريم: * (ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل) * (البقرة: 188) لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه، وقد انضم إلى هذا الأصل كون الدافع إنما دفعه لأحد أمرين: إما لينال ~~به حكم الله إن كان محقا وذلك لا يحل لأن المدفوع في ms3723 مقابلة أمر واجب أوجب ~~الله عز وجل على الحاكم الصدع به، فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئا من ~~الحطام؟ وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان ~~مبطلا فذلك أقبح لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور، فهو أشد تحريما من المال ~~المدفوع للبغي في مقابلة الزنا بها، لأن الرشوة يتوصل بها إلى أكل مال ~~الغير الموجب لاحراج صدره والاضرار به، بخلاف المدفوع إلى البغي فالتوصل به ~~إلى شئ محرم وهو الزنا لكنه مستلذ للفاعل والمفعول به، وهو أيضا ذنب بين ~~العبد وربه، وهو أسمح الغرماء، ليس بين العاصي وبين المغفرة إلا التوبة ما ~~بينه وبين الله وبين الامرين بون بعيد. ومن الأدلة الدالة على تحريم الرشوة ~~ما حكاه ابن رسلان في شرح السنن عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما فسرا قوله ~~تعالى: * (أكالون للسحت) * (المائدة: 42) بالرشوة. وحكي عن مسروق عن ابن ~~مسعود أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة؟ # فقال لا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون ~~والفاسقون. ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته فيهدي لك فإن أهدى لك ~~فلا تقبل. وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد أئمة التابعين القاضي: إذا أخذ ~~الهدية فقد أكل السحت ، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة ~~بإسناد صحيح اه. ما حكاه ابن رسلان. ويدل على المنع من قبول هدية من استعان ~~بها على دفع مظلمته ما أخرجه أبو داود عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى ~~بابا عظيما من أبواب الربا وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن ~~الأموي مولاهم الشامي وفيه مقال. ويدل على تحريم قبول مطلب الهدية على ~~PageV09P172 # الحاكم وغيره من الامراء حديث: هدايا الامراء غلول أخرجه البيهقي وابن ~~عدي من حديث أبي حميد. قال الحافظ: وإسناده ضعيف، ولعل وجه الضعف أنه من ~~رواية إسماعيل بن عياش عن ms3724 أهل الحجاز، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ~~أبي هريرة قال الحافظ: وإسناده أشد ضعفا. وأخرجه سنيد بن داود في تفسيره عن ~~عبيدة بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جابر وإسماعيل ضعيف. ~~وأخرجه الخطيب في تلخيص المتشابه من حديث أنس بلفظ: هدايا العمال سحت وقد ~~تقدم في كتاب الزكاة في باب العاملين عليها حديث بريدة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بلفظ: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك ~~فهو غلول أخرجه أبو داود. وقد بوب البخاري في أبواب القضاء باب هدايا ~~العمال وذكر حديث ابن اللتيبة المشهور، والظاهر أن الهدايا التي تهدى ~~للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة، لأن المهدي إذا لم يكن معتادا للاهداء إلى ~~القاضي قبل ولايته لا يهدي إليه إلا لغرض، وهو إما التقوي به على باطله، أو ~~التوصل لهديته له إلى حقه، والكل حرام كما تقدم، وأقل الأحوال أن يكون ~~طالبا لقربه من الحاكم وتعظيمه ونفوذ كلامه، ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة ~~على خصومه، أو الامن من مطالبتهم له، فيحتشمه من له حق عليه، ويخافه من لا ~~يخافه قبل ذلك، وهذه الأغراض كلها تؤول إلى ما آلت إليه الرشوة، فليحذر ~~الحاكم المتحفظ لدينه المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى ~~إليه بعد توليه للقضاء، فإن للإحسان تأثيرا في طبع الانسان، والقلوب مجبولة ~~على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلا يؤثر الميل عن ~~الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن ~~أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الاحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل ~~زيادة على هذا، ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في ~~القضاء ممن كان يهدي إلي قبل الدخول فيه، بل من الأقارب فضلا عن سائر ~~الناس، فكان في ذلك من المنافع ما لا يتسع المقام لبسطه، أسأل الله أن ~~يجعله خالصا لوجهه. وقد ذكر المغربي في شرح ms3725 بلوغ المرام في شرح حديث الرشوة ~~كلاما في غاية السقوط فقال ما معناه: أنه يجوز أن يرشي من كان يتوصل ~~بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل، وكذلك قال: يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ~~ذلك في حق لا يلزمه فعله، وهذا أعم مما قاله المنصور بالله ومن معه كما ~~تقدمت الحكاية لذلك عنهم، PageV09P173 # لأنهم خصوا الجواز بالراشي، وهذا عممه في الراشي والمرتشي، وهو تخصيص ~~بدون مخصص، ومعارضة لعموم الحديث بمحض الرأي الذي ليس عليه أثارة من علم، ~~ولا يغتر بمثل هذا إلا من لا يعرف كيفية الاستدلال، والقائل رحمه الله كان ~~قاضيا. قوله: والخلة في النهاية الخلة بالفتح الحاجة والفقر، فيكون العطف ~~على ما قبله من عطف العام على الخاص. (وفي الحديث) دليل على أنه لا يحل ~~احتجاب أولي الامر عن أهل الحاجات، قال الشافعي وجماعة: # أنه ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبا، قال في الفتح: وذهب آخرون إلى جوازه، ~~وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم. وقال ~~آخرون: بل يستحب الاحتجاب حينئذ لترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشر. ~~ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي أحدثه القضاة من شدة الاحتجاب وإدخال ~~بطائق من الخصوم لم يكن من فعل السلف اه. قلت: صدق لم يكن من فعل السلف، ~~ولكن من لنا بمثل رجال السلف في آخر الزمان، فإن الناس اشتغلوا بالخصومة ~~لبعضهم بعضا، فلو لم يحتجب الحاكم لدخل عليه الخصوم وقت طعامه وشرابه وخلوه ~~بأهله وصلاته الواجبة وجميع أوقات ليله ونهاره، وهذا مما لم يتعبد الله به ~~أحدا من خلقه، ولا جعله في وسع عبد من عباده، وقد كان المصطفى صلى الله ~~عليه وآله وسلم يحتجب في بعض أوقاته، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى ~~أنه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جلس على قف البئر في ~~القصة المشهورة، وإذا جعل لنفسه بوابا في ذلك المكان وهو منفرد عن أهله ~~خارج عن بيته فبالأولى اتخاذه في مثل البيت وبين الأهل، ms3726 وقد ثبت أيضا في ~~الصحيح في قصة حلفه صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا أن ~~عمر استأذن له الأسود لما قال له: يا رباح استأذن لي، فذلك دليل على أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يتخذ لنفسه بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر ~~لنفسه. ولم يحتج إلى قوله استأذن لي، وقد ورد ما يخالف هذا في الظاهر، وهو ~~ما ثبت في الصحيح في قصة المرأة التي وجدها تبكي عند قبر فجاءت إلى بابه ~~فلم تجد عليه بوابا، والجمع ممكن، أما أولا فلان النساء لا يحجبن عن الدخول ~~في الغالب لأن الامر الأهم من اتخاذ الحاجب هو منع دخول من يخشى الانسان من ~~اطلاعه على ما لا يحل الاطلاع عليه. وأما ثانيا فلان النفي للحاجب في بعض ~~الأوقات لا يستلزم النفي مطلقا، وغاية ذلك أنه لم يكن له صلى الله عليه ~~وآله وسلم حاجب راتب. قال ابن بطال: الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وآله ~~PageV09P174 # وسلم إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد بشئ من أمره رفع حجابه بينه ~~وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة، وبمثله قال الكرماني. وقد ثبت في قصة عمر ~~في منازعة أمير المؤمنين علي والعباس في فد ك أنه كان له حاجب يقال له ~~يرفأ. قال ابن التين متعقبا لما نقله عن الداودي في كلامه المتقدم: إن كان ~~مراده البطائق التي فيها الاخبار بما جرى فصحيح يعني أنه حادث، وإن كان ~~مراده البطائق التي يكتب فيها للسبق ليبدأ بالنظر في خصومة مسبق فهو من ~~العدل في الحكم اه. قلت: ومن العدل والتثبت في الحكم أن لا يدخل الحاكم ~~جميع من كان ببابه من المتخاصمين إلى مجلس حكمه دفعة واحدة إذا كانوا جمعا ~~كثيرا، ولا سيما إذا كانوا مثل أهل هذه الديار اليمنية، فإنهم إذا وصلوا ~~إلى مجلس القاضي صرخوا جميعا فيتشوش فهمه ويتغير ذهنه فيقل تدبره وتثبته، ~~بل يجعل ببابه من يرقم الواصلين من الخصوم الأول فالأول، ثم يدعوهم إلى ~~مجلس ms3727 حكمه كل خصمين على حدة، فالتخصيص لعموم المنع بمثل ما ذكرناه معلوم من ~~كليات الشريعة وجزئياتها مثل حديث نهي الحاكم عن القضاء حال الغضب، والتأذي ~~بأمر من الأمور كما سيأتي، وكذلك أمره بالتثبت والاستماع لحجة كل واحد من ~~الخصمين، وكذلك أمره باجتهاد الرأي في الخصومة التي تعرض. قال بعض أهل ~~العلم: وظيفة البواب أو الحاجب أن يطالع الحاكم بحال من حضر ولا سيما من ~~الأعيان لاحتمال أن يجئ مخاصما، والحاكم يظن أنه جاء زائرا فيعطيه حقه من ~~الاكرام الذي لا يجوز لمن يجئ مخاصما انتهى. ولا شك في أنه يكره دوام ~~الاحتجاب إن لم يكن محرما لما في حديث الباب. قال في الفتح: واتفق العلماء ~~على أنه يستحب تقديم الأسبق فالأسبق والمسافر على المقيم، ولا سيما إن خشي ~~فوات الرفقة، وأن من اتخذ بوابا أو حاجبا أن يتخذه أمينا ثقة عفيفا عارفا ~~حسن الأخلاق عارفا بمقادير الناس انتهى. # باب ما يلزم اعتماده في أمانة الوكلاء والأعوان عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ~~ينزع. وفي لفظ: من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله رواهما أبو ~~داود. وعن أنس قال: إن قيس بن سعد PageV09P175 # كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة صاحب الشرط من ~~الأمير رواه البخاري. # حديث ابن عمر أخرجه أبو داود بإسنادين: الاسناد الأول لا مطعن فيه لأنه ~~قال: # حدثنا أحمد بن يونس يعني اليربوعي، حدثنا زهير، حدثنا عمارة بن غزية عن ~~يحيى بن راشد يعني الدمشقي الطويل وهو ثقة قال: جلسنا لعبد الله بن عمر ~~فذكره. والاسناد الثاني قال: حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم يعني العامري ~~وثقه النسائي، حدثنا عمر بن يونس يعني اليماني وهو ثقة، حدثنا عاصم بن محمد ~~بن زيد العمري يعني ابن عبد الله بن عمر، حدثنا المثنى بن يزيد قال ~~المنذري: هو مجهول انتهى. وقد أخرج له النسائي في عمل ms3728 اليوم والليلة عن مطر ~~يعني بن طمهان الخراساني الوراق، قال المنذري: ضعفه غير واحد انتهى. وقد ~~أخرج له مسلم في مواضع عن نافع عن ابن عمر فذكره بمعناه. قوله: من خاصم قال ~~الغزالي: # الخصومة لجاج في الكلام ليستوفى بها مال أو حق مقصود وتارة تكون ابتداء، ~~وتارة تكون اعتراضا، والمراء لا يكون إلا اعتراضا على كلام سابق، قال ~~بعضهم: إياك والخصومة فإنها تمحق الدين، ويقال: ما خاصم قط ورع. قوله: لم ~~يزل في سخط الله هذا ذم شديد له شرطان: أحدهما أن تكون المخاصمة في باطل. ~~والثاني أن يعلم أنه باطل فإن اختل أحد الشرطين فلا وعيد، وإن كان الأولى ~~ترك المخاصمة ما وجد إليه سبيلا. قوله: من أعان على خصومة بظلم في معنى ذلك ~~ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أوس بن شرحبيل: أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد ~~خرج من الاسلام وأما ما ورد في الحديث الصحيح بلفظ انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما فقد ورد تفسيره في آخر الحديث: أن نصر الظالم كفه عن الظلم. قوله: ~~فقد باء بغضب من الله أي انقلب ورجع بغضب لازم له، ومعنى الغضب في صفات ~~الله إرادة العقوبة. (وفي الحديث) دليل على أنه ينبغي للحاكم إذا رأى ~~مخاصما أو معينا على خصومة بتلك الصفة أن يزجره ويردعه لينتهي عن غيه. ~~قوله: إن قيس بن سعد يعني ابن عبادة الأنصاري الخزرجي. # قوله: كان يكون قال الكرماني: فائدة تكرار لفظ الكون إرادة بيان الدوام ~~والاستمرار. وقد وقع في رواية الترمذي وابن حبان والإسماعيلي وأبي نعيم ~~وغيرهم بلفظ: كان قيس بن سعد الخ. قوله: بمنزلة صاحب الشرط زاد PageV09P176 # الترمذي: لما يلي من أموره وقد ترجم ابن حبان لهذا الحديث فقال: احتراز ~~المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا وقد روى الإسماعيلي: أن سعدا سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قيس أن يصرفه عن الموضع الذي وضعه فيه ~~مخافة ms3729 أن يقدم على شئ فصرفه عن ذلك. والشرط بضم المعجمة والراء والنسبة ~~إليها شرطي بضمتين وقد يفتح الراء فيهما أعوان الأمير. والمراد بصاحب الشرط ~~كبيرهم فقيل سموا بذلك لأنهم رذالة الجند. ومنه في حديث الزكاة المتقدم : ~~ولا الشرط اللئيمة أي ردئ المال، وقيل لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند. # ومنه في حديث الملاحم: ويتشرط شرطة للموت أي يتعاقدون على أن لا يفروا ~~ولو ماتوا. قال الأزهري: شرطة كل شئ خياره، ومنه الشرط لأنهم نجبة الجند، ~~وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش. وقيل سموا شرطا لأن لهم علامات يعرفون بها ~~في اللباس والهيئة وهو اختيار الأصمعي. وقيل لأنهم أعدوا أنفسهم لذلك، يقال ~~أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدها قاله أبو عبيد. وقيل مأخوذ من الشريط ~~وهو الحبل المبروم لما فيهم من الشدة. وفي الحديث جواز اتخاذ الأعوان لدفع ~~ما يرد على الامام والحاكم. # باب النهي عن الحكم في حال الغضب إلا أن يكون يسيرا لا يشغل عن أبي بكرة ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يقضين حاكم بين اثنين ~~وهو غضبان رواه الجماعة. وعن عبد الله بن الزبير عن أبيه: # أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى ~~عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم للزبير: أسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري ~~ثم قال: يا رسول الله آن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم قال للزبير: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ~~فقال الزبير: والله إني لا أحسب أن هذه الآية نزلت إلا في ذلك: * (فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) PageV09P177 # * (النساء: 65) الآية. رواه الجماعة لكنه للخمسة إلا النسائي من رواية ~~عبد الله بن الزبير لم يذكر فيه عن أبيه. ms3730 وللبخاري في رواية قال: خاصم ~~الزبير رجلا وذكر نحوه وزاد فيه: فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حينئذ للزبير حقه، وكان قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي فيه سعة له ~~وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استوعى ~~للزبير حقه في صريح الحكم قال عروة قال الزبير: فوالله ما أحسب هذه الآية ~~نزلت إلا في ذلك: * (فلا وربك) * الآية . رواه أحمد كذلك لكن قال عن عروة ~~بن الزبير: أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا وذكره جعله من مسنده. وزاد ~~البخاري في رواية: قال ابن شهاب: # فقدرت الأنصار والناس قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسق يا زبير ~~ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فكان ذلك إلى الكعبين. وفي الخبر من ~~الفقه جواز الشفاعة للخصم والعفو عن التعزير. # قوله: لا يقضين الخ، قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد ~~يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابن دقيق ~~العيد: النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به ~~النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى ~~إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، وسائر ~~ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر، وهو قياس مظنة على مظنة، ~~وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته ~~بخلاف غيره. # وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: لا يقضي القاضي إلا وهو ~~شبعان ريان انتهى. وسبب ضعفه أن في إسناده القاسم العمري وهو متهم بالوضع. # وظاهر النهي التحريم، ولا موجب لصرفه عن معناه الحقيقي إلى الكراهة، فلو ~~خالف الحاكم فحكم في حال الغضب فذهب الجمهور إلى أنه يصح إن صادف الحق، ~~لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قضى للزبير بعد أن أغضبه كما في حديث الباب، ~~فكأنهم جعلوا ذلك قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة، ولا يخفى ms3731 أنه لا يصح ~~إلحاق غيره صلى الله عليه وآله وسلم به في مثل ذلك، لأنه معصوم عن الحكم ~~بالباطل في رضائه وغضبه، بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ، ولهذا ذهب ~~بعض الحنابلة إلى أنه PageV09P178 # لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وفصل ~~بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا ~~فهو محل الخلاف. قال الحافظ ابن حجر: وهو تفصيل معتبر. وقيد إمام الحرمين ~~والبغوي الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله، واستغرب الروياني هذا ~~واستبعده غيره لمخالفته لظاهر الحديث وللمعنى الذي لأجله نهى عن الحكم حال ~~الغضب. وذكر ابن المنير أن الجمع بين حديثي الباب بأن يجعل الجواز خاصا ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لوجود العصمة في حقه والامن من التعدي أوان ~~غضبه إنما كان للحق، فمن كان في مثل حاله جاز وإلا منع، وقد تعقب القول ~~بالتحريم وعدم انعقاد الحكم بأن النهي الذي يفيد فساد المنهي عنه هو ما كان ~~لذات المنهي عنه أو لجزئه أو لوصفه الملازم له لا المفارق كما هنا، وكما في ~~النهي عن البيع حال النداء للجمعة، وهذه قاعدة مقررة في الأصول مع اضطراب ~~فيها وطول نزاع وعدم اطراد. قوله: أن رجلا من الأنصار اسمه ثعلبة بن حاطب ~~وقيل حميد وقيل حاطب بن أبي بلتعة ولا يصح لأنه ليس بأنصاري، وقيل إنه ثابت ~~بن قيس بن شماس، وإنما ترك صلى الله عليه وآله وسلم قتله بعد أن جاء في ~~مقاله بما يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم جار في الحكم لأجل القرابة ~~لأن ذلك كان في أوائل الاسلام، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتألف ~~الناس إذ ذاك، كما ترك قتل عبد الله بن أبي بعد أن جاء بما يسوغ به قتله. ~~وقال القرطبي: يحتمل أنه لم يكن منافقا بل صدر منه ذلك عن غير قصد، كما ~~اتفق لحاطب بن أبي بلتعة ومسطح وحمنة وغيرهم ممن بدره لسانه ms3732 بدرة شيطانية. ~~قوله: في شراج بكسر الشين المعجمة وراء مهملة بعد الألف جيم وهي مسايل ~~النخل والشجر، واحدتها شرجة وإضافتها إلى الحرة لكونها فيها، والحرة بفتح ~~الحاء المهملة هي أرض ذات حجارة سود. قوله: سرح الماء بفتح السين المهملة ~~وتشديد الراء المكسورة ثم حاء مهملة أي أرسله. قوله: ثم أرسل إلى جارك كان ~~هذا على سبيل الصلح. قوله: أن كان ابن عمتك بفتح الهمزة لأنه استفهام ~~للاستكثار أي حكمت بهذا لكونه ابن عمتك. قوله: حتى يرجع الماء إلى الجدر ~~بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وهو الجدار، والمراد به أصل الحائط وقيل ~~أصول الشجر، والصحيح الأول. وفي الفتح: أن المراد به هنا المسناة ~~PageV09P179 # وهي ما وضع بين شريات النخل كالجدار، ويروى الجدر بضم الجيم والدال جمع ~~جدار. وحكى الخطابي الجذر بسكون الذال المعجمة وهو جذر الحساب والمعنى حتى ~~يبلغ تمام الشرب. وفي بعض طرق الحديث: حتى يبلغ الماء الكعبين رواه أبو ~~داود. قوله: فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحاء ~~المهملة أي أثار حفيظته. قال في الفتح: أحفظه بالمهملة والظاء المشالة أي ~~أغضبه. قوله: # فاستوعى أي استوفى وهو من الوعاء كأنه جمعه له في وعائه. قوله: فقدرت ~~الأنصار والناس هو من عطف العام على الخاص. قوله: فكان ذلك إلى الكعبين ~~يعني أنهم لما رأوا أن الجدر يختلف بالطول والقصر قاسوا ما وقعت فيه القصة ~~فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيار الاستحقاق الأول فالأول، والمراد ~~بالأول هنا من يكون مبدأ الماء من ناحيته، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب ~~الناس شركاء في ثلاث من كتاب إحياء الموات. # باب جلوس الخصمين بين يدي الحاكم والتسوية بينهما عن عبد الله بن الزبير ~~قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي ~~الحاكم رواه أحمد وأبو داود. وعن علي عليه السلام: # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا علي إذا جلس إليك الخصمان ~~فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت ms3733 من الأول فإنك إذا فعلت ذلك ~~تبين لك القضاء رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وفي إسناده مصعب بن ~~ثابت بن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف كما قال ابن معين وابن حبان، وبين ~~الذهبي ذلك الضعف فقال فيه لين لغلطه. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط. ~~وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال المنذري: لا يحتج بحديثه، وقد صحح الحديث ~~الحاكم كما حكاه الحافظ في بلوغ المرام. وحديث أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام أخرجه أيضا ابن حبان وصححه وحسنه الترمذي، وله طرق منها عند البزاز ~~وفيها عمرو بن أبي المقدام، وفيها أيضا اختلاف على عمرو بن مرة، ففي رواية ~~أبي يعلى أنه رواه عنه شعبة عن أبي البختري قال: حدثني من سمع أمير ~~المؤمنين عليا. ومنهم من أخرجه PageV09P180 # عن أبي البختري عن أمير المؤمنين علي عليه السلام. ومنهم من رواه عن ~~حارثة بن مضرب عن أمير المؤمنين علي. ومنهم من رواه عن سماك بن حرب عن حنش ~~بن المعتمر عن أمير المؤمنين علي. ومنهم من رواه من طريق سماك عن عكرمة عن ~~ابن عباس عن أمير المؤمنين علي عليه السلام. ورواه أبو يعلى والدارقطني ~~والطبراني في الكبير من حديث أم سلمة بلفظ: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين ~~فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ومجلسه، ولا يرفع صوته على أحد ~~الخصمين ما لا يرفع على الآخر وفي إسناده عبادة بن كثير وهو ضعيف. وفي ~~الباب عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع ~~يهودي فقال: لو كان خصمي مسلما جلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: لا تساووهم في المجالس. أخرجه أبو أحمد الحاكم ~~في الكنى في ترجمة أبي سمية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي قال: عرف علي درعا ~~مع يهودي فذكره مطولا وقال منكر. وأورده ابن الجوزي في العلل من هذا الوجه ~~وقال: # لا يصح تفرد به أبو سمية. ورواه ms3734 البيهقي من وجه آخر من طريق جابر عن ~~الشعبي قال : خرج أمير المؤمنين على السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرف ~~أمير المؤمنين علي عليه السلام الدرع وذكر الحديث. وفي إسناده عمرو بن سمرة ~~عن جابر الجعفي وهما ضعيفان. قال ابن الصلاح: في كلامه على الوسيط لم أجد ~~له إسنادا يثبت. قوله: # أن الخصمين يقعدان الخ هذا فيه دليل لمشروعية قعود الخصمين بين يدي ~~الحاكم، ولعل هذه الهيئة مشروعة لذاتها لا لمجرد التسوية بين الخصمين، ~~فإنها ممكنة بدون القعود بين يدي الحاكم، بأن يقعد أحدهما عن يمينه والآخر ~~عن شماله، أو أحدهما في جانب المجلس والآخر في جانب يقابله ويساويه أو نحو ~~ذلك. والوجه في مشروعية هذه الهيئة أن ذلك هو مقعد الإهانة والاصغار، وموقف ~~من لا يعتد بشأنه من الخدم ونحوهم لقصد الاعزاز للشريعة المطهرة والرفع من ~~منارها وتواضع المتكبرين لها، وكثيرا ما ترى من كان متمسكا بأذيال الكبر ~~يعظم عليه قعوده في ذلك المقعد، فلعل هذه هي الحكمة والله أعلم. (ويؤخذ) من ~~الحديث أيضا مشروعية التسوية بين الخصمين، لأنهما لما أمرا بالقعود جميعا ~~على تلك الصفة كان الاستواء في الموقف لازما لها، وأوضح من ذلك حديث أم ~~سلمة وقصة أمير المؤمنين علي عليه السلام مع خصمه عند شريح كما تقدم. وفيها ~~PageV09P181 # تخصيص المسلم إذا كان خصمه كافرا فلا يساويه في الموقف بل يرفع موقف ~~المؤمن على موقف الكافر لأن الاسلام يعلو ويستفاد من الحديث أن الخصمين لا ~~يتنازعان قائمين أو مضطجعين أو أحدهما. قوله: حتى تسمع من الآخر كما سمعت ~~من الأول فيه دليل على أنه لا يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كل ~~واحد من الخصمين واستفصال ما لديه والإحاطة بجميعه، والنهي يدل على قبح ~~المنهي عنه، والقبح يستلزم الفساد، فإذا قضى قبل السماع من أحد الخصمين كان ~~حكمه باطلا فلا يلزم قبوله، بل يتوجه عليه نقضه ويعيده على وجه الصحة أو ~~يعيده حاكم آخر، فإن امتنع أحد الخصمين من الإجابة لخصمه جاز القضاء عليه ms3735 ~~لتمرده، ولكن بعد التثبت المسوغ للحكم كما في الغائب على خلاف فيه معروف ~~باب ملازمة الغريم إذا ثبت عليه الحق وإعداء الذمي على المسلم عن هرماس بن ~~حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بغريم لي فقال لي ألزمه، ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل ~~بأسيرك ؟ رواه أبو داود وابن ماجة وقال فيه: ثم مر بي آخر النهار فقال: ما ~~فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟. وقال في مسنده عن أبيه عن جده وعن ابن أبي ~~حدرد الأسلمي أنه كان ليهودي عليه أربعة دراهم فاستعدى عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني ~~عليها، فقال: أعطه حقه، قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، قال: أعطه ~~حقه، قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر ~~فأرجو أن تغنمنا شيئا فأرجع فأقضيه، قال: أعطه حقه، قال: وكان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا قال ثلاثا لم يراجع، فخرج به ابن أبي حدرد إلى ~~السوق وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة فنزع العمامة عن رأسه فاتزر بها ونزع ~~البردة ثم قال: اشتر مني هذه البردة فباعها منه بأربعة دراهم، فمرت عجوز ~~فقالت: ما لك يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأخبرها فقالت: ~~ها دونك هذا البرد عليها طرحته عليه رواه أحمد. وفيه أن الحاكم يكرر على ~~الناكل وغيره ثلاثا. ومثله ما روى أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها PageV09P182 # ثلاثا رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه. # حديث هرماس أخرجه البخاري في تاريخه الكبير عن أبيه عن جده. وقال ابن أبي ~~حاتم: هرماس بن حبيب العنبري روى عن أبيه عن جده ولجده صحبة، وذكر أنه سأل ~~أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن الهرماس بن حبيب العنبري فقالا: لا نعرفه. ms3736 ~~وقال سألت أبي عن هرماس بن حبيب فقال: هو شيخ أعرابي لم يرو عنه غير النضر ~~بن شميل ولا يعرف أبوه ولا جده. وحديث ابن أبي حدرد قال في مجمع الزوائد: ~~رواه أحمد والطبراني في الصغير والأوسط ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن أبي ~~يحيى لم أجد له رواية عن الصحابة فيكون مرسلا صحيحا انتهى. قوله: # ألزمه بفتح الزاي فيه دليل على جواز ملازمة من له الدين لمن هو عليه بعد ~~تقرره بحكم الشرع، وقد حكاه في البحر عن أبي حنيفة وأحد وجهي أصحاب الشافعي ~~فقالوا: إنه يسير حيث سار ويجلس حيث جلس، غير مانع له من الاكتساب ويدخل ~~معه داره. وذهب أحمد إلى أن الغريم إذا طلب ملازمة غريمه حتى يحضر ببينته ~~القريبة أجيب إلى ذلك، لأنه لو لم يمكن من ملازمته ذهب من مجلس الحاكم وهذا ~~بخلاف البينة البعيدة، وذهب الجمهور إلى أن الملازمة غير معمول بها، بل إذا ~~قال لي بينة غائبة، قال الحاكم: لك يمينه أو أخره حتى تحضر بينتك، وحملوا ~~الحديث على أن المراد الزم غريمك بمراقبتك له بالنظر من بعد، ولعل الاعتذار ~~عن الحديث بما فيه من المقال أولى من هذا التأويل المتعسف . وأما حديث ابن ~~أبي حدرد فليس فيه دليل على الملازمة، بل فيه التشديد على المديون بإيجاب ~~القضاء وعدم قبول دعواه الاعسار لمجردها من دون بينة، وعدم الاعتداد بيمينه ~~من غير فرق بين أن يكون صاحب المال مسلما أو كافرا. قوله: ما تريد أن تفعل ~~بأسيرك سماه أسيرا باعتبار ما يحصل له من المذلة بالملازمة له وكثرة تذلله ~~عند المطالبة، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم يعرض بالشفاعة. وقد زاد رزين ~~بعد قوله ما تريد أن تفعل بأسيرك فأطلقه. قوله: وإذا تكلم بكلمة أعادها ~~ثلاثا لعل هذا في الأمور التي يريد صلى الله عليه وآله وسلم أن تحفظ عنه ~~وتنقلها الناس إلى بعضهم بعضا، بخلاف الكلام في المحاورات التي تجري من دون ~~قصد إلى حفظها لكونها ليست من الأمور الشرعية، فلعل التكرار ms3737 فيها لم يقع ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم لعدم الفائدة في ذلك، مثلا لو أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أراد أن يخبر رجلا بأنه خرج إلى المسجد وصلى ورجع إلى بيته ~~PageV09P183 # فكرر كل كلمة من هذا الخبر ثلاث مرات لم يكن ذلك بمكان من الحسن والقبول. ~~وأما تكرير التسليم فلعله التسليم المراد به الاستئذان، وقد ثبتت مشروعية ~~تكريره لايقاظ رب المنزل الذي وقع الاستئذان عليه، لا أنه كان يكرر السلام ~~الواقع لمحض التحية مثلا لا يلقى رجلا في طريق فيقوم بين يديه ويسلم عليه ~~ثلاث مرات. # باب الحاكم يشفع للخصم ويستوضع له عن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي ~~حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته ~~فنادى: يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله، قال: # ضع من دينك هذا وأومأ إليه أي الشطر، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: قم ~~فاقضه رواه الجماعة إلا الترمذي. وفيه من الفقه جواز الحكم في المسجد، وأن ~~من قيل له بع أو هب أو أبر فقال قد فعلت صح ذلك منه، والايماء المفهوم يقوم ~~مقام النطق. # قوله: سجف حجرته بكسر السين المهملة وفتحها وسكون الجيم وهو الستر وقيل ~~الرقيق منه يكون في مقدم البيت، ولا يسمى سجفا إلا أن يكون مشقوق الوسط ~~كالمصراعين، والحجرة ما يجعل عليه الرجل حاجرا في بيته. قوله: ضع من دينك ~~هذا وأومأ إليه فيه دليل على أن الإشارة المفهمة بمنزلة الكلام لأنها تدل ~~كما تدل عليه الحروف والأصوات، فيصح بيع الأخرس وشراؤه وإجارته وسائر عقوده ~~إذا فهم ذلك عنه. قوله: أي الشطر هو النصف على المشهور، ووقع في حديث ~~الاسراء ما يدل على أن الشطر يطلق على الجزء، والمراد بهذا الامر الواقع ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم الارشاد إلى الصلح والشفاعة في ترك بعض الدين، ~~وفيه فضيلة الصلح وحسن التوسط بين المتخاصمين. قوله: قد ms3738 فعلت الخ يحتمل أن ~~يكون نزاعهما في مقدار الدين كأن يدعي صاحب الدين مقدارا زائدا على ما يقر ~~به المديون، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع الشطر من المقدار الذي ~~ادعاه فيكون الصلح حينئذ عن إنكار، ويدل الحديث على جوازه. ويحتمل أن يكون ~~النزاع بينهما في التقاضي باعتبار PageV09P184 # حلول الأجل وعدمه مع الاتفاق على مقدار أصل الدين، فلا يكون في الحديث ~~دليل على جواز الصلح عن إنكار، وقد ذهب إلى بطلان الصلح عن إنكار الشافعي ~~ومالك وأبو حنيفة والهادوية. قوله: ثم فاقضه قيل: هذا أمر على جهة الوجوب ~~لأن رب الدين لما طاوع بوضع الشطر تعين على المديون أن يعجل إليه دينه لئلا ~~يجمع على رب المال بين الوضيعة والمطل. # باب أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا لا باطنا عن أم سلمة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا ~~يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار رواه الجماعة، وقد احتج به من لم ير أن ~~يحكم الحاكم بعمله. # قوله: إنما أنا بشر البشر يطلق على الجماعة والواحد بمعنى أنه منهم، ~~والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص ~~بها في ذاته وصفاته، والحصر هنا مجازي لأنه يختص بالعلم الباطن ويسمى قصر ~~قلب، لأنه أتى به ردا على من زعم أن من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا ~~يخفى عليه المظلوم من الظالم، وقد أطال الكلام على بيان معنى هذا الحصر ~~علماء المعاني والبيان فليرجع إلى ذلك. قوله: # ألحن بالنصب على أنه خبر كان أي أفطن بها، ويجوز أن يكون معناه أفصح ~~تعبيرا عنها وأظهر احتجاجا حتى يخيل أنه محق وهو في الحقيقة مبطل. والأظهر ~~أن معناه أبلغ كما وقع في رواية في الصحيحين أي أحسن إيرادا للكلام، ولا بد ~~في هذا التركيب من تقدير محذوف ms3739 لتصحيح معناه أي وهو كاذب، ويسمى هذا عند ~~الأصوليين دلالة اقتضاء، لأن هذا المحذوف اقتضاه اللفظ الظاهر المذكور ~~بعده. وقال في النهاية: اللحن الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في ~~كلامه إذا مال عن صحيح المنطق وأراد أن بعضهم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها ~~من غيره، ويقال لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره لأنك ~~تميله بالتورية عن الواضح المفهوم انتهى. قوله: فإنما أقطع له قطعة من ~~النار أي الذي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه ~~حرام يؤل به PageV09P185 # إلى النار، وهو تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه فهو من مجاز ~~التشبيه كقوله تعالى: * إنما يأكلون في بطونهم نارا) * (النساء: 10) وقد ~~قدمنا الكلام على بعض ألفاظ الحديث في كتاب الصلح، فوقع تكرار البعض هنا ~~لتكرار الفائدة. (وفي الحديث) دليل على إثم من خاصم في باطل حتى استحق به ~~في الظاهر شيئا هو في الباطن حرام عليه، وأن من احتال لأمر باطل بوجه من ~~وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به أنه لا يحل له تناوله في ~~الباطن ولا يرتفع عنه الاثم بالحكم، وفيه أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم ~~بل يؤجر كما في الحديث الصحيح، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، وفيه أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شئ، وخالف في ذلك ~~قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم، وفيه أنه ربما أداه اجتهاده ~~إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك. قال الحافظ: لكن مثل ذلك لو ~~وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وآله وسلم لثبوت عصمته، واحتج من منع مطلقا ~~بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه للزم أمر المكلفين بالخطأ لثبوت الامر ~~باتباعه في جميع أحكامه حتى قال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم) * (النساء: 65) الآية، وبأن الاجماع معصوم من الخطأ ~~فالرسول أولى بذلك. وأجيب عن ms3740 الأول بأن الامر إذا استلزم الخطأ لا محذور ~~فيه لأنه موجود في حق المقلدين فإنهم مأمورون باتباع المفتي والحاكم ولو ~~جاز عليه الخطأ. وأجيب عن الثاني برد الملازمة، فإن الاجماع إذا فرض وجوده ~~دل على أن مستندهم ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فرجع الاتباع ~~إلى الرسول لا إلى نفس الاجماع. قال الحافظ: وفي الحديث أيضا أن من ادعى ~~مالا ولم يكن له بينة فحلف المدعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا ~~يبرأ في الباطن ولا يرتفع عنه الاثم بالحكم، والحديث حجة لمن أثبت أنه قد ~~يحكم صلى الله عليه وآله وسلم بالشئ في الظاهر ويكون الامر في الباطن ~~بخلافه، ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلا ولا نقلا. وأجاب من منع ~~بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الاقرار ~~أو البينة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها ومع ذلك لا يقر على الخطأ، وإنما ~~الذي يمتنع وقوع الخطأ فيه أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ~~ذلك ناشئا عن اجتهاده، فإنه لا يكون إلا حقا لقوله تعالى: * (وما ينطق عن ~~الهوى) * (النجم: 3) وأجيب بأن ذلك يستلم الحكم الشرعي PageV09P186 # فيعود الاشكال كما كان، والمقام يحتاج إلى بسط طويل ومحله الأصول فليرجع ~~إليها. # قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الحكم بتمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات ~~نكاح أو فرقة أو نحو ذلك إن كان في الباطن كما هو في الظاهر نفذ على ما حكم ~~به، وإن كافي الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة أو غيرها لم ~~يكن الحكم موجبا للتمليك ولا الإزالة ولا النكاح ولا الطلاق ولا غيرها وهو ~~قول الجمهور ومعهم أبو يوسف. وذهب آخرون إلى أن الحكم إن كان في مال وكان ~~الامر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر لم يكن ذلك موجبا ~~لحله للمحكوم له، وإن كان في نكاح أو طلاق فإنه ينفذ ظاهرا وباطنا، وحملوا ~~حديث الباب ms3741 على ما ورد فيه وهو المال واحتجوا لما عداه بقصة المتلاعنين، ~~فإنه صلى الله عليه وآله وسلم فرق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل ~~قد صدق فيما رماها به، قالوا: فيؤخذ من هذا أن كل قضاء ليس فيه تمليك مال ~~أنه على الظاهر ولو كان الباطن بخلافه، وأن حكم الحاكم يحدث في ذلك التحريم ~~والتحليل بخلاف الأموال، وتعقب بأن الفرقة في اللعان إنما وقعت عقوبة للعلم ~~بأن أحدهما كاذب وهو أصل برأسه فلا يقاس عليه. وقال بعض الحنفية مجيبا على ~~من استدل بالحديث لما تقدم: # بأن ظاهر الحديث يدل على أن ذلك مخصوص بما يتعلق بسماع كلام الخصم حيث لا ~~بينة هناك ولا يمين، وليس النزاع فيه وإنما النزاع في الحكم المرتب على ~~الشهادة، وبأن من في قوله: فمن قضيت له شرطية وهي لا تستلزم الوقوع فيكون ~~من فرض ما لم يقع وهو جائز فيما يتعلق به غرض، وهو هنا محتمل لأن يكون ~~للتهديد والزجر عن الاقدام على أخذ أموال الناس بالمبالغة في الخصومة، وهو ~~وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنا في العقود والفسوخ لكنه لم يسق ~~لذلك فلا يكون فيه حجة لمن منع، وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقر على الخطأ لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار إلا إذا ~~استمر الخطأ، وإلا فمتى فرض أنه يطلع عليه فإنه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويرد ~~الحق لمستحقه. وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإما أن يسقط الاحتجاج به ويؤول على ~~ما تقدم ، وإما أن يستلزم استمرار التقرير على الخطأ وهو باطل، والجواب عن ~~الأول أنه خلاف الظاهر بل من التحريف الذي لا يفعله منصف وكذا الثاني. ~~والجواب عن الثالث أن الخطأ الذي لا يقر عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده ~~فيما لم يوح إليه فليس النزاع PageV09P187 # فيه، وإنما النزاع في الحكم الصادر منه عن شهادة زور أو يمين فاجرة، فلا ~~يسمى خطأ للاتفاق على العمل بالشهادة وبالأيمان، وإلا لكان الكثير ms3742 من ~~الاحكام يسمى خطأ، وليس كذلك لما في حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم فيحكم بإسلام من تلفظ ~~بالشهادتين، ولو كان في نفس الامر يعتقد خلاف ذلك، ولما في حديث المتلاعنين ~~حيث قال: لولا الايمان لكان لي ولها شأن فإنه لو كان خطأ لم يترك استدراكه ~~والعمل بما عرفه. وكذلك حديث: إني لم أومر بالتنقيب عن قلوب الناس فالحجة ~~من حديث الباب شاملة للأموال والعقود والفسوخ، وقد حكى الشافعي الاجماع على ~~أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام. قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يحلل ~~ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللاجماع المذكور، ولقاعدة أجمع ~~عليها العلماء ووافقهم القائل المذكور وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من ~~الأموال، وفي المقام مقاولات ومطاولات، ومع وضوح الصواب لا فائدة في ~~الاطناب. # وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى بالحديث على أن الحاكم لا يحكم بعلمه، ~~وسيأتي الكلام على ذلك في باب مستقل إن شاء الله تعالى، وفيه الرد على من ~~حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها، ووجه ~~الرد عليه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعلى في ذلك من غيره مطلقا، ومع ذلك ~~فقد دل حديثه هذا على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة، فلو كان ~~المدعي صحيحا لكان الرسول أحق بذلك فإنه أعلم أنه تجري الاحكام على ظاهرها، ~~مع أنه يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية، وسبب ذلك أن تشريع الاحكام ~~واقع على يده، فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك، نعم لو ~~شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه مشاهدة أو سماعا أو ظنا راجحا لم يجز له ~~أن يحكم بما قامت به البينة. قال الحافظ: ونقل بعضهم فيه الاتفاق وإن وقع ~~الاختلاف فيه في القضاء بالعلم كما سيأتي. # باب ما يذكر في ترجمة الواحد في حديث زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمره فتعلم كتاب اليهود ms3743 وقال: حتى كتبت للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا PageV09P188 # كتبوا إليه رواه أحمد والبخاري. قال البخاري: قال عمر بن الخطاب وعنده ~~أمير المؤمنين علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف: ماذا تقول هذه؟ فقال عبد ~~الرحمن بن حاطب: فقلت تخبرك بالذي صنع بها قال وقال أبو جمرة: كنت أترجم ~~بين ابن عباس وبين الناس. # قوله: حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتبه يعني إليهم هذا ~~الحديث من الأحاديث المعلقة في البخاري، وقد وصله في تاريخه بلفظ: أن زيد ~~بن ثابت قال : أتي بي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدمه المدينة فأعجب ~~بي فقيل له: # هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة ~~فاستقرأني فقرأت ق. فقال لي: تعلم كتاب يهود فإني ما آمن يهود على كتابي ، ~~فتعلمته في نصف شهر حتى كتبت له إلى يهود وأقرأ له إذا كتبوا إليه وأخرجه ~~أيضا موصولا أبو داود والترمذي وصححه، وأخرجه أحمد وإسحاق، وأخرجه أيضا أبو ~~يعلى بلفظ: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي وينقصوا فتعلم السريانية ~~وظاهره أن اللغة السريانية كانت معروفة يومئذ وهي غير العبرانية، فكأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمره أن يتعلم اللغتين. قوله: ماذا تقول هذه أي المرأة ~~التي وجدت حبلى. قوله: وقال أبو جمرة بالجيم المفتوحة والميم الساكنة ~~والراء المهملة. (وفي الحديث) جواز ترجمة واحد، قال ابن بطال: أجاز الأكثر ~~ترجمة واحدة وقال محمد بن الحسن: لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال ~~الشافعي: هو كالبينة. وعن مالك روايتان. ونقل الكرابيسي عن مالك والشافعي ~~الاكتفاء بترجمان واحد. وعن أبي حنيفة الاكتفاء بواحد. وعن أبي يوسف ~~باثنين. وعن زفر لا يجوز أقل من اثنين. وقال الكرماني: لا نزاع لأحد أنه ~~يكفي ترجمان واحد عند الاخبار، وأنه لا بد من اثنين عند الشهادة، فيرجع ~~الخلاف إلى أنها أخبار أو شهادة، فلو سلم الشافعي أنها أخبار لم يشترط ~~العدد، ولو سلم الحنفي أنها شهادة لقال ms3744 بالعدد. وقال ابن المنذر: القياس ~~يقتضي اشتراط العدد في الاحكام، لأن كل شئ غاب عن الحاكم لا تقبل فيه إلا ~~البينة الكاملة، والواحد ليس بينة كاملة حتى يضم إليه كمال النصاب، غير أن ~~الحديث إذا صح سقط النظر. وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا ~~يجوز خلافها انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: يمكن PageV09P189 # أن يجاب بأنه ليس غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحكام في ذلك ~~مثله لامكان اطلاعه على ما غاب عنه بالوحي بخلاف غيره بل لا بد له من أكثر ~~من واحد، فمهما كان طريقه الاخبار يكتفي فيه بالواحد، ومهما كان طريقه ~~الشهادة لا بد فيه من استيفاء النصاب، وقد نقل الكرابيسي أن الخلفاء ~~الراشدين والملوك بعدهم لم يكن لهم إلا ترجمان واحد. وقد نقل ابن التين من ~~رواية ابن عبد الحكم لا يترجم إلا حر عدل. وإذا أقر المترجم بشئ وجب أن ~~يسمع ذلك منه شاهدان ويرفعان ذلك إلى الحاكم. # باب الحكم بالشاهد واليمين عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قضى بيمين وشاهد رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. وفي رواية ~~لأحمد: إنما كان ذلك في الأموال. # وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين مع الشاهد رواه ~~أحمد وابن ماجة والترمذي، ولأحمد من حديث عمارة بن حزم وحديث سعد بن عبادة ~~مثله. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق وقضى به أمير ~~المؤمنين علي بالعراق رواه أحمد والدارقطني وذكره الترمذي. وعن ربيعة عن ~~سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم باليمين مع الشاهد الواحد رواه ابن ماجة والترمذي وأبو داود ~~وزاد: قال عبد العزيز الداروردي فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو ~~عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلا ms3745 ~~علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعه عنه عن ~~أبيه. وعن سرق: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاز شهادة الرجل ~~ويمين الطالب رواه ابن ماجة. # حديث ابن عباس قال في التخليص قال فيه الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده ~~أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه غيره مع أن معه غيره مما يشده. وقال ~~النسائي: # إسناده جيد. وقال البزار: في الباب أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس. ~~وقال PageV09P190 # ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده. وقال عباس الدوي في تاريخ يحيى بن ~~معين: ليس بمحفوظ. وقال البيهقي: أعله الطحاوي بأنه لا يعلم قيسا يحدث عن ~~عمرو بن دينار بشئ، قال: وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره. ثم روي ~~بإسناد جيد حديثا من طريق وهب بن جرير عن أبيه عن قيس بن سعد عن عمرو بن ~~دينار حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم ثم قال: وليس من شرط قبول رواية ~~الاخبار كثرة رواية الراوي عمن روى عنه، ثم إذا روى الثقة عمن لا ينكر ~~سماعه منه حديثا واحدا وجب قبوله، وإن لم يكن يروى عنه غيره على أن قيسا قد ~~توبع عليه، رواه عبد الرزاق عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار، ~~أخرجه أبو داود وتابع عبد الرزاق أبو حذيفة. وقال الترمذي في العلل: سألت ~~محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس. ~~قال الحاكم: قد سمع عمرو من ابن عباس عدة أحاديث، وسمع من جماعة من أصحابه، ~~فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثا وسمعه من بعض أصحابه عنه. وأما رواية عصام ~~البلخي وغيره ممن زاد بين عمرو وابن عباس طاوسا فهم ضعفاء. قال البيهقي: ~~ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء، انتهى ما في التلخيص على الحديث. ~~وحديث جابر أخرجه أيضا البيهقي وهو من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. ~~قال الترمذي: رواه الثوري وغيره عن جعفر ms3746 عن أبيه مرسلا وهو أصح، وقيل عن ~~أبيه عن أمير المؤمنين علي انتهى. وقد ذكر المصنف رحمه الله الطريقين كما ~~ترى. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة: هو مرسل. # وقال الدارقطني: كان جعفر ربما أرسله وربما وصله. وقال الشافعي والبيهقي: ~~عبد الوهاب وصله وهو ثقة. قال البيهقي: روى إبراهيم بن أبي هند عن جعفر عن ~~أبيه عن جابر رفعه: أتاني جبريل وأمرني أن أقضي باليمين مع الشاهد وإبراهيم ~~ضعيف جدا، رواه ابن عدي وابن حبان في ترجمته، وقد صحح حديث جابر أبو عوانة ~~وابن خزيمة، وحديث عمارة قال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات ولفظه: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين والشاهد وحديث سعد بن عبادة لفظه في ~~مسند أحمد عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه: أنهم وجدوا ~~في كتاب سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين ~~والشاهد انتهى، وإسماعيل بن عمرو قال الحافظ الحسيني: شيخ محله الصدق، ~~وأبوه لم يذكر بشئ، وسائر الاسناد رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي وأبو ~~عوانة في PageV09P191 # صحيحه من حديثه بسند آخر. وحديث أبي هريرة قال الحافظ في الفتح: رجاله ~~مدنيون ثقات، ولا يضره أن سهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدث به ربيعة لأنه ~~كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه انتهى. وأخرجه أيضا الشافعي. وروى ابن ~~أبي حاتم في العلل عن أبيه أنه صحيح. ورواه البيهقي من حديث مغيرة بن عبد ~~الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وقال الترمذي بعد إخراج ~~الطريق الأولى: حسن غريب. قال ابن رسلان في شرح السنن: أنه صحح حديث الشاهد ~~واليمين الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم من حديث أبي هريرة وزيد بن ثابت، ~~وحديث سرق في إسناده رجل مجهول وهو الراوي له عنه فإنه قال ابن ماجة: حدثنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا جويرة بن أسماء، حدثنا ~~عبد الله بن ms3747 يزيد مولى المنبعث عن رجل من أهل مصر عن سرق فذكره ورجال ~~إسناده رجال الصحيح لولا هذا الرجل المجهول، وقد أخرجه أيضا أحمد. قال في ~~التلخيص فائدة: ذكر ابن الجوز في التحقيق عدد من رواه فزاد على عشرين ~~صحابيا، وأصح طرقه حديث ابن عباس ثم حديث أبي هريرة. وأخرج الدارقطني من ~~حديث أبي هريرة مرفوعا قال: استشرت جبريل في القضاء باليمين والشاهد فأشار ~~علي بالأموال لا نعد ذلك وإسناده ضعيف. وفي الباب عن الزبيب بضم الزاي وفتح ~~الموحدة وسكون المثناة وهو ابن ثعلبة فذكر قصة وفيها أنه قال له صلى الله ~~عليه وآله وسلم: هل لك بينة على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا في هذه الأيام؟ ~~قلت نعم، قال: من بينتك؟ قلت سمرة رجل من بني العنبر ورجل آخر سماه له، ~~فشهد الرجل وأبي سمرة أن يشهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد ~~أبى أن يشهد لك فتحلف مع شاهدك الآخر؟ قلت نعم، فاستحلفني فحلفت بالله لقد ~~أسلمنا يوم كذا وكذا، ثم ذكر تمام القصة وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عمل بالشاهد واليمين، أخرجه أبو داود مطولا. قال الخطابي: إسناده ليس ~~بذاك. وقال أبو عمر النمري: إنه حديث حسن، قال المنذري: وقد روى القضاة ~~بالشاهد واليمين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رواية عمر بن ~~الخطاب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وسعد بن عبادة والمغيرة ~~بن شعبة وجماعة من الصحابة انتهى، فجملة عدد من ذكره المصنف رحمه الله ~~سبعة، وزبيب وعمر بن الخطاب والمغيرة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب PageV09P192 # وأبو سعيد الخدري وبلال بن الحرث ومسلمة بن قيس وعامر بن ربيعة وسهل بن ~~سعد وتميم الداري وأم سلمة وأنس، هؤلاء أحد وعشرون رجلا من الصحابة وهو ~~المشار إليهم بقول ابن الجوزي: فزاد عددهم على عشرين. وقد استدل بأحاديث ~~الباب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فقالوا: يجوز الحكم ms3748 بشاهد ~~ويمين المدعي، وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أمير المؤمنين علي وأبي بكر وعمر ~~وعثمان وأبي وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وشريح والشعبي وربيعة وفقهاء ~~المدينة والناصر والهادوية ومالك والشافعي. # وحكي أيضا عن زيد بن علي والزهري والنخعي وابن شبرمة والامام يحيى وأبي ~~حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز الحكم بشاهد ويمين. وقد حكى البخاري وقوع ~~المراجعة في ذلك ما بين أبي الزناد وابن شبرمة فاحتج أبو الزناد على جواز ~~القضاء بشاهد ويمين بالخبر الوارد في ذلك، فأجاب عليه ابن شبرمة بقوله ~~تعالى: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * ~~(البقرة: 282) قال الحافظ: وإنما تتم له الحجة بذلك على أصل مختلف فيه بين ~~الفريقين يعني الكوفيين والحجازيين، وهو أن الخبر إذا ورد متضمنا لزيادة ~~على ما في القرآن هل يكون نسخا والسنة لا تنسخ القرآن؟ أو لا يكون نسخا بل ~~زيادة مستقلة بحكم مستقل إذا ثبت سنده وجب القول به، والأول مذهب الكوفيين، ~~والثاني مذهب الحجازيين. ومع قطع النظر عن ذلك لا تنهض حجة ابن شبرمة لأنها ~~تصير معارضة للنص بالرأي وهو غير معتد به، وقد أجاب عنه الإسماعيلي فقال: ~~الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إنما هو فيما إذا شهدتا، فإن لم تشهدا ~~قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة، واليمين ممن هي عليه لو ~~انفردت لحلت محل البينة في الأداء والابراء، فلذلك حلت اليمين هنا محل ~~المرأتين في الاستحقاق بها مضافة إلى الشاهد الواحد، قال: ولو لزم إسقاط ~~القول بالشاهد واليمين لأنه ليس في القرآن للزم إسقاط الشاهد والمرأتين ~~لأنهما ليستا في السنة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: شاهداك أو يمينه ~~وحاصله أنه لا يلزم من التنصيص على الشئ نفيه عما عداه، لكن مقتضى ما بحثه ~~أنه لا يقضي باليمين مع الشاهد الواحد إلا عند فقد الشاهدين أو ما قام ~~مقامهما من الشاهد والمرأتين، وهو وجه للشافعية وصححه الحنابلة، ويؤيده ما ~~روى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: ms3749 قضى الله ~~ورسوله في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه، وإن جاء بشاهد واحد حلف ~~مع شاهده PageV09P193 # وأجاب بعض الحنفية بأن الزيادة على القرآن نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ ~~المتواتر، ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبر بها مشهورا. ~~وأجيب بأن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا. وأيضا فالناسخ والمنسوخ لا بد أن ~~يتواردا على محل واحد، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص. وغاية ما فيه ~~أن تسمية الزيادة كالتخصيص نسخا اصطلاح، ولا يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة، ~~لكن تخصيص الكتاب بالسنة جائز، وكذلك الزيادة عليه كما في قوله تعالى: * ~~(وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (النساء: 24) وأجمعوا على تحريم نكاح العمة مع ~~بنت أخيها، وسند الاجماع في ذلك السنة الثابتة، وكذلك قطع رجل السارق في ~~المرة الثانية ونحو ذلك. وقد أخذ من رد الحكم بالشاهد واليمين لكونه زيادة ~~على ما في القرآن ترك العمل بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة كلها زائدة على ~~ما في القرآن كالوضوء بالنبيذ والوضوء من القهقهة، ومن القئ واستبراء ~~المسبية، وترك قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد، وشهادة المرأة الواحدة في ~~الولادة، ولا قود إلا بالسيف، ولا جمعة إلا في مصر جامع، ولا تقطع الأيدي ~~في الغزو، ولا يرث الكافر المسلم، ولا يؤكل الطافي من السمك، ويحرم كل ذي ~~ناب من السباع ومخلب من الطير، ولا يقتل الوالد بالولد، ولا يرث القاتل من ~~القتيل، وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزيادة على عموم الكتاب. وأجابوا ~~بأن الأحاديث الواردة في هذه المواضع المذكورة أحاديث شهيرة، فوجب العمل ~~بها لشهرتها فيقال لهم، وأحاديث القضاء بالشاهد واليمين رواها عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم نيف وعشرون نفسا كما قدمنا، وفيها ما هو صحيح كما ~~سلف، فأي شهرة تزيد على هذه الشهرة؟ قال الشافعي: القضاء بشاهد ويمين لا ~~يخالف ظاهر القرآن لأنه لا يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه، يعني والمخالف ~~لذلك لا يقول بالمفهوم أصلا فضلا عن مفهوم العدد. قال ابن ms3750 العربي: أظرف ما ~~وجدت لهم في رد الحكم بالشاهد واليمين أمران: أحدهما أن المراد قضى بيمين ~~المنكر مع شاهد الطالب، والمراد أن الشاهد الواحد لا يكفي في ثبوت الحق ~~فتجب اليمين على المدعى عليه، فهذا المراد بقوله: قضى بالشاهد واليمين. ~~وتعقبه ابن العربي بأنه جهل باللغة، لأن المعية تقتضي أن تكون من شيئين في ~~جهة واحدة لا في المتضادين، ثانيهما حمله على صورة مخصوصة، وهي أن رجلا ~~اشترى من آخر عبدا مثلا فادعى المشتري أن PageV09P194 # به عيبا وأقام شاهدا واحدا فقال البائع: بعته بالبراءة، فيحلف المشتري ~~أنه ما اشتراه بالبراءة ويرد العبد وتعقبه بنحو ما تقدم وبندور ذلك، فلا ~~يحمل الخبر على النادر. # وأقول: جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين غير نافق في سوق ~~المناظرة عند من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية وأقل نصيب من أنصاف، فالحق ~~أن أحاديث العمل بشاهد ويمين زيادة على ما دل عليه قوله تعالى: * ~~(واستشهدوا شهيدين) * الآية. # وعلى ما دل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: شاهداك أو يمينه غير ~~منافية للأصل فقبولها متحتم، وغاية ما يقال على فرض التعارض وإن كان فرضا ~~فاسدا أن الآية والحديث المذكورين يدلان بمفهوم العدد على عدم قبول الشاهد ~~واليمين والحكم بمجردهما، وهذا المفهوم المردود عند أكثر أهل الأصول لا ~~يعارض المنطوق وهو ما ورد في العمل بشاهد ويمين، على أنه يقال: العمل ~~بشهادة المرأتين مع الرجل مخالف لمفهوم حديث شاهداك أو يمينه. (فإن قالوا) ~~قدمنا على هذا المفهوم منطوق الآية الكريمة. قلنا: ونحن قدمنا على ذلك ~~المفهوم منطوق أحاديث الباب هذا على فرض أن الخصم يعمل بمفهوم العدد، فإن ~~كان لا يعمل به أصلا فالحجة عليه أوضح وأتم . قوله: وعن سرق بضم السين ~~المهملة وتشديد الراء بعدها قاف وهو ابن أسد صحابي مصري لم يرو عنه إلا رجل ~~واحد. # باب ما جاء في امتناع الحاكم من الحكم بعلمه عن عائشة: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا فلاحه رجل ms3751 في صدقته فضربه أبو ~~جهم فشجه فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: القود يا رسول الله، ~~فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا فرضوا، فقال: إني خاطب ~~على الناس ومخبرهم برضاكم، قالوا نعم، فخطب فقال: إن هؤلاء الذين أتوني ~~يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أفرضيتم؟ قالوا لا، فهم المهاجرون ~~بهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكفوا عنهم فكفوا، ثم ~~دعاهم فزادهم فقال: أفرضيتم؟ قالوا نعم، قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم ~~برضاكم، قالوا نعم، فخطب فقال: أرضيتم؟ فقالوا نعم رواه الخمسة PageV09P195 # إلا الترمذي. وعن جابر قال: أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب ~~بلال فضة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبض منها يعطي الناس فقال: يا ~~محمد اعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن ~~أعدل، فقال عمر: دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن ~~يتحدث الناس أنا أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية رواه أحمد ومسلم. قال أبو بكر ~~الصديق: # لو رأيت رجلا على حد من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحدا حتى يكون ~~معي غيري. حكاه أحمد. # حديث عائشة سكت عنه أبو داود والمنذري، قال المنذري: ورواه يونس بن يزيد ~~عن الزهري منقطعا. قال البيهقي: ومعمر بن رشاد حافظ قد أقام إسناده فقامت ~~به الحجة. وأثر أبي بكر قال الحافظ في الفتح: رواه ابن شهاب عن زيد بن ~~الصلت أن أبا بكر فذكره وصحح إسناده. (وقد اختلف) أهل العلم في جواز القضاء ~~من الحاكم بعلمه، فروى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف مثل ما ذكره المصنف عن ~~أبي بكر، واستدل البخاري أيضا على أنه لا يحكم الحاكم بعلمه بما قاله عمر ~~لولا أن يقول الناس زاد عمر آية في كتاب الله لكتبت آية الرجم. قال المهلب: ~~وأفصح بالعلة في ذلك بقوله: لولا ms3752 أن يقول الناس الخ، فأشار إلى أن ذلك من ~~قطع الذرائع، لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدعو العلم لمن أحبوا له ~~الحكم بشئ، قال البخاري: وقال أهل الحجاز الحاكم لا يقضي بعلمه سواء علم ~~بذلك في ولايته أو قبلها. قال الكرابيسي: لا يقضي القاضي بما علم لوجود ~~التهمة إذ لا يؤمن على التقى أن تتطرق إليه التهمة، قال: ويلزم من أجاز ~~للقاضي أن يقضي بعلمه مطلقا أنه لو عمد إلى رجل مستور لم يعهد منه فجور قط ~~أن يرجمه ويدعي أنه رآه يزني، أو يفرق بينه وبين زوجته ويزعم أنه سمعه ~~يطلقها، أو بينه وبين أمته ويزعم أنه سمعه يعتقها، فإن هذا الباب لو فتح ~~لوجد كل قاض السبيل إلى قتل عدوه وتفسيقه والتفريق بينه وبين من يحب، ومن ~~ثم قال الشافعي: لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه. قال ابن ~~التين: ما ذكره البخاري عن عمر وعبد الرحمن هو قول مالك وأكثر أصحابه. وقال ~~بعض أصحابه: يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في مجلس الحكم. ~~وقال ابن القاسم وأشهب: لا يقضي بما يقع PageV09P196 # عنده في مجلس الحكم إلا إذا شهد به عنده. وقال ابن المنير: مذهب مالك أن ~~من حكم بعلمه نقض على المشهور إلا إن كان علمه حادثا بعد الشروع في ~~المحاكمة فقولان، وأما ما أقر به عنده في مجلس الحكم فيحكم ما لم ينكر ~~الخصم بعد إقراره وقبل الحكم عليه، فإن ابن القاسم قال: لا يحكم عليه حينئذ ~~ويكون شاهدا. وقال ابن الماجشون: يحكم بعلمه. قال البخاري: وقال بعض أهل ~~العراق ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به، وما كان في غيره لم يقض إلا ~~بشاهدين يحضرهما إقراره. # قال في الفتح: وهذا قول أبي حنيفة ومن تبعه، ووافقهم مطرف وابن الماجشون ~~وأصبغ وسحنون من المالكية. قال ابن التين: وجرى به العمل، وروى عبد الرزاق ~~نحوه عن شريح. قال البخاري: وقال آخرون منهم يعني أهل العراق بل يقضي به ms3753 ~~لأنه مؤتمن. قال في الفتح: وهو قول أبي يوسف ومن تبعه ووافقهم الشافعي فيما ~~بلغني عنه أنه قال: إن كان القاضي عدلا لا يحكم بعلمه في حد ولا قصاص إلا ~~ما أقر به بين يديه، ويحكم بعلمه في كل الحقوق مما علمه قبل أن يلي القضاء ~~أو بعدما ولي فقيد ذلك بكون القاضي عدلا إشارة إلى أنه ربما ولي القضاء من ~~ليس بعدل، قال البخاري: وقال بعضهم يعني أهل العراق يقضي بعلمه في الأموال ~~ولا يقضي في غيرها. قال في الفتح: هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيما نقله ~~الكرابيسي عنه وهي رواية لأحمد. قال أبو حنيفة: القياس أنه يحكم في ذلك ~~بعلمه، ولكن أدع القياس واستحسن أن لا يقضى في ذلك بعلمه، وحكي مثل ذلك في ~~الفتح عن بعض المالكية فقالوا: إنه يقضي بعلمه في كل شئ إلا في الحدود، ~~قال: وهذا هو الراجح عند الشافعية. # وقال ابن العربي: لا يقضي بعلمه، والأصل فيه عندنا الاجماع على أنه لا ~~يحكم بعلمه في الحدود، قال: ثم أحدث بعض الشافعية قولا إنه يجوز فيها أيضا ~~حين رأوا أنها لازمة لهم. قال الحافظ: كذا قال، فجرى على عادته في التهويل ~~والاقدام على نقل الاجماع مع شهرة الاختلاف. وقد حكي في البحر القول بأن ~~الحاكم يحكم بعلمه عن العترة والشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وحكي المنع عن ~~شريح والشعبي والأوزاعي ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي، والأقوال في ~~المسألة فيها طول قد ذكر البخاري وشراح كتابه بعضا منها في باب الشهادة ~~تكون عند الحاكم وبعضا في باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه. وذكر البخاري ~~في البابين أحاديث يستدل بها على الجواز وعدمه وهي PageV09P197 # في غاية البعد عن الدلالة على المقصود. وكذلك ما ذكره المصنف في هذا ~~الباب، فإن حديث عائشة ليس فيه إلا مجرد وقوع الاخبار منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم بما وقع به الرضا من الطالبين للقود، وإن كان الاحتجاج بعدم ~~القضاء منه صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بما رضوا به ms3754 المرة الأولى فلم ~~يكن هناك مطالب له بالحكم عليهم. وكذلك حديث جابر المذكور لا يدل على ~~المطلوب بوجه، وغاية ما فيه الامتناع عن القتل لمن كان في الظاهر من ~~الصحابة لئلا يقول الناس تلك المقالة، والاخبار للحاضرين بما يكون من أمر ~~الخوارج، وترك أخذهم بذلك لتلك العلة، ومن جملة ما استدل به البخاري على ~~الجواز حديث هند زوجة أبي سفيان لما أذن لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها، قال ابن بطال: احتج من أجاز للقاضي أن ~~يحكم بعلمه بهذا الحديث لأنه إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه ~~بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة، وتعقبه ابن المنير بأنه لا ~~دليل فيه لأنه خرج مخرج الفتيا، وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام ~~المستفتي اه. فإن قيل: إن محل الدليل إنما هو عمله بعلمه أنها زوجة أبي ~~سفيان فكيف صح هذا التعقب؟ فيجاب بأن الذي يحتاج إلى معرفة المحكوم له هو ~~الحكم لا الافتاء فإنه يصح للمجهول، فإذا ثبت أن ذلك من قبيل الافتاء بطلت ~~دعوى أنه حكم بعلمه أنها زوجة، وقد تعقب الحافظ كلام ابن المنير فقال: وما ~~ادعى نفيه بعيد، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ، واطلاعه على ~~صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بد من سبق علم. ويجاب عن هذا بأن الامر ~~لا يستلزم الحكم لأن المفتي يأمر المستفتي بما هو الحق لديه وليس ذلك من ~~الحكم في شئ، ومن جملة ما استدل به على المنع الحديث المتقدم عن أم سلمة: ~~فأقضي بنحو ما أسمع ولم يقل بما أعلم. ويجاب بأن التنصيص على السماع لا ~~ينفي كون غيره طريقا للحكم، على أنه يمكن أن يقال إن الاحتجاج بهذا الحديث ~~للمجوزين أظهر، فإن العلم أقوى من السماع، لأنه يمكن بطلان ما سمعه الانسان ~~ولا يمكن بطلان ما يعلمه. ففحوى الخطاب تقتضي جواز القضاء بالعلم. ومن جملة ~~ما استدل به المانعون حديث: شاهداك أو يمينه وفي ms3755 لفظ: وليس لك إلا ذلك ~~ويجاب بما تقدم من أن التنصيص على ما ذكر لا ينفي ما عداه. وأما قوله: وليس ~~لك إلا ذلك فلم يقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد علم بالمحق منهما ~~من المبطل حتى يكون دليلا على عدم حكم الحاكم بعلمه، بل المراد أنه ليس ~~للمدعي من المنكر إلا اليمين PageV09P198 # وإن كان فاجرا حيث لم يكن للمدعي برهان. والحق الذي لا ينبغي العدول عنه ~~أن يقال: إن كانت الأمور التي جعلها الشارع أسبابا للحكم كالبينة واليمين ~~ونحوهما أمورا تعبدنا الله بها لا يسوغ لنا الحكم إلا بها، وإن حصل لنا ما ~~هو أقوى منها بيقين. فالواجب علينا الوقوف عندها والتقيد بها وعدم العمل ~~بغيرها في القضاء كائنا ما كان، وإن كانت أسبابا يتوصل الحاكم بها إلى ~~معرفة المحق من المبطل والمصيب من المخطئ غير مقصودة لذاتها بل لأمر آخر، ~~وهو حصول ما يحصل للحاكم بها من علم أو ظن، وأنها أقل ما يحصل له ذلك في ~~الواقع، فكان الذكر لها لكونها طرائق لتحصيل ما هو المعتبر، فلا شك ولا ريب ~~أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه، لأن شهادة الشاهدين والشهود لا تبلغ إلى ~~مرتبة العلم الحاصل عن المشاهدة أو ما يجري مجراها، فإن الحاكم بعلمه غير ~~الحاكم الذي يستند إلى شاهدين أو يمين. ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه ~~وآله وسلم: فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من ~~نار فإذا جاز الحكم مع تجويز كون الحكم صوابا وتجويز كونه خطأ فكيف لا يجوز ~~مع القطع بأنه صواب لاستناده إلى العلم اليقين؟ ولا يخفى رجحان هذا وقوته ~~لأن الحاكم به قد حكم بالعدل والقسط والحق كما أمر الله تعالى. ويؤيد هذا ~~ما سيأتي في باب استحلاف المنكر حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم للكندي: ~~ألك بينة؟ فإن البينة في الأصل ما به يتبين الامر ويتضح، ولا يرد على هذا ~~أنه يستلزم قبول شهادة الواحد والحكم بها، لأنا نقول: ms3756 إذا كان القضاء بأحد ~~الأسباب المشروعة فيجب التوقف فيه على ما ورد. وقد قال تعالى: * (وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم) * (الطلاق: 2) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: شاهداك وإنما ~~النزاع إذا جاء بسبب آخر من غير جنسها هو أولى بالقبول منها كعلم الحاكم. ~~واستدل المستثني للحدود بما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لولا ~~الايمان لكان لي ولها شأن. وفي لفظ: # لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها أخرجه مسلم وغيره من حديث ابن ~~عباس في قصة الملاعنة. وظاهره أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد علم وقوع ~~الزنا منها ولم يحكم بعلمه. ومن ذلك قول أبي بكر وعبد الرحمن المتقدمان. ~~ويمكن أن يجاب عن الحديث بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما لم يعمل ~~بعلمه لكونه قد PageV09P199 # حصل التلاعن وهو أحد الأسباب الشرعية الموجبة للحكم بعدم الرجم، والنزاع ~~إنما هو في الحكم بالعلم من دون أن يتقدم سبب شرعي ينافيه، وقد تقدم في ~~اللعان ما يزيد هذا وضوحا. ومن الأدلة الدالة على جواز الحكم بالعلم ما ~~أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من حديث عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن الأعرج ~~عن أبي هريرة قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال للمدعي أقم البينة فلم يقمها، فقال للآخر: احلف فحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو ما له عنده شئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد ~~فعلت ولكن غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله. وفي رواية للحاكم: بل هو عندك ~~ادفع إليه حقه، ثم قال: شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك. وفي رواية ~~لأحمد: فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~إنه كاذب إن له عنده حقه فأمره أن يعطيه وكفارة يمينه معرفة لا إله إلا ~~الله وأعله ابن حزم بأبي يحيى وهو مصدع المعرقب، كذا قال ابن عساكر، وتعقبه ~~المزي بأنه وهم بل اسمه زياد، كذا اسمه عند أحمد ms3757 والبخاري وأبي داود في هذا ~~الحديث. وأعله أبو حاتم برواية شعبة عن عطاء بن السائب عن البختري بن عبيد ~~عن أبي الزبير مختصرا: # أن رجلا حلف بالله وغفر له قال: وشعبة أقدم سماعا من غيره. وفي الباب عن ~~أنس من طريق الحارث بن عبيد عن ثابت وعن ابن عمر. قال الحافظ: # أخرجهما البيهقي، والحارث بن عبيد هو أبو قدامة. فهذا الحديث فيه أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم قضى بعلمه بعد وقوع السبب الشرعي وهو اليمين، فبالأولى ~~جواز القضاء بالعلم قبل وقوعه. وقد حكي في البحر عن الامام يحيى وأحد قولي ~~المؤيد بالله وأحد قولي الشافعي أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في الحدود ~~وغيرها، واستدل لهم بأنه لم يفصل الدليل. وحكي عن أبي حنيفة ومحمد أنه إن ~~علم الحد قبل ولايته أو في غير بلد ولايته لم يحكم به إذ ذلك شبهة، وإن علم ~~به في بلد ولايته أو بعد ولايته حكم بعلمه. PageV09P200 # باب من لا يجوز الحكم بشهادته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي ~~غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، والقانع الذي ينفق عليه ~~أهل البيت رواه أحمد وأبو داود. وقال: شهادة الخائن والخائنة إلى آخره، ولم ~~يذكر تفسير القانع. # ولأبي داود في رواية: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ~~ولا ذي غمر على أخيه. وعن أبي هريرة: أنسمع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية رواه أبو داود وابن ماجة. # حديث عمرو بن شعيب أخرجه البيهقي وابن دقيق العيد قال في التلخيص: # وسنده قوي اه. وقد ساقه أبو داود بإسنادين: الاسناد الأول قال: حدثنا حفص ~~بن عمر حدثنا محمد بن راشد يعني المكحولي الدمشقي نزيل البصرة وثقه أحمد ~~وابن معين حدثنا سليمان بن موسى يعني القرشي الأموي فقيه أهل الشام، وكان ~~أوثق أصحاب ms3758 مكحول وأعلاهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذا إسناد لا ~~مطعن فيه. ورواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده لا يخرج بها الحديث عن ~~الحسن والصلاحية للاحتجاج. والسند الثاني قال: حدثنا محمد بن خلف بن طارق ~~الرازي حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد يعني الدمشقي الخزاعي وهو ثقة حدثنا سعيد ~~بن عبد العزيز يعني ابن يحيى التنوخي الدمشقي روى له البخاري في الأدب ~~وسائر الجماعة عن سليمان بن موسى المتقدم عن عمرو بن شعيب بالاسناد المتقدم ~~وهذا كالاسناد الأول. وفي الباب من حديث عائشة مرفوعا بلفظ: لا تجوز شهادة ~~خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين ولا قرابة أخرجه الترمذي ~~والدارقطني والبيهقي وفيه يزيد بن زياد الشامي وهو ضعيف. قال الترمذي: لا ~~يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه ولا يصح عندنا إسناده. وقال أبو ~~زرعة في العلل: منكر. # وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي. وفي الباب أيضا من حديث عبد الله ~~PageV09P201 # بن عمر بن الخطاب نحوه، أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده عبد الأعلى ~~وهو ضعيف وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي وهو أيضا ضعيف. قال البيهقي: لا يصح ~~من هذا شئ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الباب أيضا عن عمر: لا ~~تقبل شهادة ظنين ولا خصم أخرجه مالك في الموطأ موقوفا وهو منقطع. قال ~~الامام في النهاية: واعتمد الشافعي خبرا صحيحا وهو أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: # لا تقبل شهادة خصم على خصم قال الحافظ: ليس له إسناد صحيح، لكن له طرق ~~يتقوى بعضها ببعض، فروى أبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله بن ~~عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث مناديا أنها لا تجوز شهادة ~~خصم ولا ظنين ورواه أيضا البيهقي من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة يعني الذي بينك ~~وبينه عداوة. # ورواه الحاكم من حديث ms3759 العلاء عن أبيه عن أبي هريرة برفعه مثله. وفي ~~إسناده نظر. وحديث الباب عن أبي هريرة أخرجه البيهقي وقال: هذا الحديث مما ~~تفرد به محمد بن عمر وبن عطاء عن عطاء بن يسار. وقال المنذري: رجال إسناده ~~احتج بهم مسلم في صحيحه اه. وسياقه في سنن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن ~~سعيد الهمداني أخبرنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد يعني ~~الكلاعي عن أبي الهاد يعني يزيد بن عبد الله بن الهاد الليثي عن محمد بن ~~عمرو بن عطاء يعني القرشي العامري عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. قوله: لا ~~تجوز شهادة خائن ولا خائنة صرح أبو عبيد بأن الخيانة تكون في حقوق الله كما ~~تكون في حقوق الناس من دون اختصاص. قوله: ولا ذي غمر قال ابن رسلان: بكسر ~~الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة، قال أبو داود: الغمر الحنة ~~والسحناء، والحنة بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة لغة في أحنة ~~وهي الحقد، قال الجوهري : يقال في صدره على أحنة ولا يقال حنة، والمواحنة ~~المعاداة، والصحيح أنها لغة كما ذكره أبو داود وجمعها حنات. قال ابن ~~الأثير: وهي لغة قليلة في الأحنة. وقال الهروي: هي لغة رديئة، والشحناء ~~بالمد العداوة. وهذا يدل على أن العداوة تمنع من قبول الشهادة لأنها تورث ~~التهمة وتخالف الصداقة، فإن في شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة ~~نفسه وبيع آخره بدنيا غيره، وشهادة العدو على عدوه PageV09P202 # يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا. فإن قيل: لم قبلتم شهادة ~~المسلمين على الكفار مع العداوة؟ قال ابن رسلان قلنا: العداوة ههنا دينية ~~والدين لا يقتضي شهادة الزور بخلاف العداوة الدنيوية. قال: وهذا مذهب ~~الشافعي ومالك وأحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة الشهادة ~~لأنها لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة اه. وإلى الأول ذهبت ~~الهادوية، وإلى الثاني ذهب المؤيد بالله أيضا، والحق عدم قبول شهادة العدو ~~على عدوه لقيام الدليل على ذلك، والأدلة لا تعارض بمحض ms3760 الآراء، وليس للقائل ~~بالقبول دليل مقبول. قال في البحر مسألة: العداوة لأجل الدين لا تمنع ~~كالعدلي على القدري والعكس ولأجل الدنيا تمنع. قوله: ولا تجوز شهادة القانع ~~لأهل البيت هو الخادم المنقطع إلى الخدمة، فلا تقبل شهادته للتهمة بجلب ~~النفع إلى نفسه وذلك كالأجير الخاص. وقد ذهب إلى عدم قبول شهادته للمؤجر له ~~الهادي والقاسم والناصر والشافعي قالوا: لأن منافعه قد صارت مستغرقة فأشبه ~~العبد. وقد حكى في البحر الاجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده. قوله: ~~ولا زان ولا زانية المانع من قبول شهادتهما الفسق الصريح. وقد حكي في البحر ~~الاجماع على أنها لا تصح الشهادة من فاسق لصريح قوله تعالى: * (وأشهدوا ذوي ~~عدل) * (الطلاق: 2) وقوله: * (إن جاءكم فاسق) * (الحجرات: 6) اه. واختلف في ~~شهادة الولد لوالده والعكس، فمنع من ذلك الحسن البصري والشعبي وزيد بن علي ~~والمؤيد بالله والامام يحيى والثوري ومالك والشافعية والحنفية وعللوا ~~بالتهمة فكان كالقانع. وقال عمر ابن الخطاب وشريح وعمر بن عبد العزيز ~~والعترة وأبو ثور وابن المنذر والشافعي في قول له إنها تقبل لعموم قوله ~~تعالى: * (ذوي عدل) * وهكذا وقع الخلاف في شهادة أحد الزوجين للآخر لتلك ~~العلة، ولا ريب أن القرابة والزوجية مظنة للتهمة لأن الغالب فيهما ~~المحاباة. وحديث ولا ظنين المتقدم يمنع من قبول شهادة المتهم، فمن كان ~~معروفا من القرابة ونحوهم بمتانة الدين البالغة إلى حد لا يؤثر معها محبة ~~القرابة فقد زالت حينئذ مظنة التهمة، ومن لم يكن كذلك فالواجب عدم القبول ~~لشهادته لأنه مظنة للتهمة. قوله: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية البدوي ~~هو الذي يسكن البادية في المضارب والخيام ولا يقيم في موضع خاص بل يرتحل من ~~مكان إلى مكان . وصاحب القرية هو الذي يسكن القرى وهي المصر الجامع. قال في ~~النهاية: إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة ~~بأحكام الشرع، ولأنهم في الغالب PageV09P203 # لا يضبطون الشهادة على وجهها. قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره شهادة ~~أهل البدو لما فيهم من عدم ms3761 العلم بإتيان الشهادة على وجهها ولا يقيمونها ~~على حقها لقصور علمهم عما يغيرها عن وجهها، وكذلك قال أحمد. وذهب إلى العمل ~~بالحديث جماعة من أصحاب أحمد. وبه قال مالك وأبو عبيد. وذهب الأكثر إلى ~~القبول. قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل ~~البدو، والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم اه. وهذا حمل مناسب لأن البدوي إذا ~~كان معروف العدالة كان رد شهادته لعلة كونه بدويا غير مناسب لقواعد ~~الشريعة، لأن المساكن لا تأثير لها في الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطا ~~شرعيا ولعدم انضباطه، فالمناط هو العدالة الشرعية إن وجد للشرع اصطلاح في ~~العدالة، وإلا توجه الحمل على العدالة اللغوية، فعند وجود العدالة يوجد ~~القبول، وعند عدمها يعدم، ولم يذكر صلى الله عليه وآله وسلم المنع من شهادة ~~البدوي إلا لكونه مظنة لعدم القيام بما تحتاج إليه العدالة، وإلا فقد قبل ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الهلال شهادة بدوي. # باب ما جاء في شهادة أهل الذمة بالوصية في السفر عن الشعبي: أن رجلا من ~~المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على ~~وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا ~~موسى فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي ~~كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحلفهما بعد العصر ما خانا ~~ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته فأمضى ~~شهادتهما رواه أبو داود والدارقطني بمعناه. وعن جبير بن نفير قال: # دخلت على عائشة فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت نعم، قالت: فإنها آخر ~~سورة أنزلت، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ~~رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن ~~بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة ~~مخوصا بذهب، فأحلفهما رسول الله صلى ms3762 الله عليه وآله وسلم، ثم وجد الجام ~~PageV09P204 # بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: * ~~(يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) * (المائدة: 106) رواه البخاري وأبو ~~داود. # حديث أبي موسى سكت عنه أبو داود والمنذري. قال الحافظ في الفتح: إن رجال ~~إسناده ثقات اه. وسياقه عند أبي داود قال: حدثنا زياد بن أيوب يعني الطوسي ~~شيخ البخاري، حدثنا هشيم، أخبرنا زكريا يعني ابن أبي زائدة عن الشعبي، وأثر ~~عائشة رجاله في المسند رجال الصحيح. وأخرجه أيضا الحاكم. # قال في الفتح: صح عن عائشة وابن عباس وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف أن ~~سورة المائدة محكمة. وحديث ابن عباس قال البخاري في صحيحه: وقال لي علي بن ~~المديني فذكره. قال المنذري: وهذه عادته فيما لم يكن على شرطه. وقد تكلم ~~علي بن المديني على هذا الحديث وقال: لا أعرف ابن أبي القاسم، وقال: وهو ~~حديث حسن اه. وابن أبي القاسم هذا هو محمد بن أبي القاسم، قال يحيى بن ~~معين: ثقة قد كتبت عنه، وكذلك وثقه أبو حاتم، وتوقف فيه البخاري، وأخرج هذا ~~الحديث الترمذي وقال: حسن غريب. وقد أشار في الفتح إلى مثل كلام المنذري ~~فقال على قول البخاري: وقال لي علي بن المديني، وهذا مما يقوي مما قررته ~~غير مرة أنه يعبر بقوله: # وقال لي في الأحاديث التي سمعها، لكن حيث يكون في إسنادها عنده نظر أو ~~حيث تكون موقوفة. وأما من زعم أنه يعبر بها فيما أخذه في المذاكرة أو ~~بالمناولة فليس عليه دليل. قوله: بدقوقا بفتح الدال المهملة وضم القاف ~~وسكون الواو بعدها قاف مقصورة وقد مدها بعضهم وهي بلد بين بغداد وإربل. ~~قوله: من أهل الكتاب يعني نصرانيين كما بين ذلك البيهقي وبين أن الرجل من ~~خثعم ولفظه عن الشعبي: # توفي رجل من خثعم فلم يشهد موته إلا رجلان نصرانيان. قوله: فأحلفهما يقال ~~في المتعدي أحلفته إحلافا وحلفته بالتشديد تحليفا ms3763 واستحلفته. قوله: بعد ~~العصر هذا يدل على جواز التغليظ بزمان من الأزمنة. قوله: ولا بدلا بتشديد ~~الدال. قوله: # من بني سهم هو بديل بضم الموحدة وفتح الدال مصغرا، وقيل بريل بالراء ~~المهملة. قوله: وعدي بن بداء بفتح الموحدة وتشديد المهملة مع المد. قوله: ~~فقدوا جاما بالجيم وتخفيف الميم أي إناء. قوله: مخوصا بخاء معجمة وواو ~~ثقيلة بعدها مهملة PageV09P205 # أي منقوشا فيه صفة الخوص. ووقع في رواية مخوضا بالضاد المعجمة أي مموها ~~والأول أشهر. قوله: فقام رجلان الخ وقع في رواية الكلبي: فقام عمرو بن ~~العاص ورجل آخر منهم، قال مقاتل بن سليمان: هو المطلب بن أبي وداعة وهو ~~سهمي ولكنه سمى الأول عبد الله بن عمرو بن العاص، واستدل بهذا الحديث على ~~جواز رد اليمين على المدعي فيحلف ويستحق، واستدل به ابن سريج الشافعي على ~~الحكم بالشاهد واليمين وتكلف في انتزاعه فقال قوله تعالى: * (فإن عثر على ~~أنهما استحقا إثما) * (المائدة: 107) لا يخلو إما أن يقرا أو يشهد عليهما ~~شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد واحد، قال: وقد أجمعوا على أن الاقرار بعد ~~الانكار لا يوجب يمينا على الطالب، وكذلك مع الشاهدين ومع الشاهد والمرأتين ~~فلم يبق إلا شاهد واحد، فلذلك استحقه الطالبان بيمينيهما مع الشاهد الواحد، ~~وتعقبه الحافظ بأن القصة وردت من طرق متعددة في سبب النزول، وليس في شئ ~~منها أنه كان هناك من يشهد بل في رواية الكلبي: فسألهم البينة فلم يجدوا ~~فأمرهم أن يستحلفوه أي عديا بما يعظم على أهل دينه، واستدل بهذا الحديث على ~~جواز شهادة الكفار بناء على أن المراد بالغير في الآية الكريمة الكفار. ~~والمعني منكم أي من أهل دينكم أو آخران من غيركم أي من غير أهل دينكم، ~~وبذلك قال أبو حنيفة ومن تبعه وتعقب بأنه لا يقول بظاهرها فلا يجيز شهادة ~~الكفار على المسلمين، وإنما يجيز شهادة بعض الكفار على بعض. وأجيب بأن ~~الآية دلت بمنطوقها على قبول شهادة الكافر على المسلم، وبإيمائها على قبول ~~شهادة الكافر على الكافر بطريق الأولى، ms3764 ثم دل الدليل على أن شهادة الكافر ~~على المسلم غير مقبولة، فبقيت شهادة الكافر على الكافر على حالها، وهذا ~~الجواب على التعقب في غير محله، لأن التعقب هو باعتبار ما يقوله أبو حنيفة ~~لا باعتبار استدلاله، وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم ~~حينئذ، ومنهم ابن عباس وأبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وشريح وابن سيرين ~~والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وأحمد وأخذوا بظاهر الآية. وحديث الباب فإن ~~سياقه مطابق لظاهر الآية. وقيل: المراد بالغير غير العشيرة، والمعنى منكم ~~أي من عشيرتكم أو آخران من غيركم أي من غير عشيرتكم، وهو قول الحسن البصري. # واستدل له النحاس بأن لفظ آخر لا بد أن يشارك الذي قبله في الصفة حتى لا ~~يسوغ PageV09P206 # أن يقول: مررت برجل كريم ولئيم آخر، فعلى هذا فقد وصف الاثنان بالعدالة، ~~فتعين أن يكون الآخران كذلك، وتعقب بأن هذا وإن ساغ في الآية لكن الحديث دل ~~على خلاف ذلك، والصحابي إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع. ~~قال في الفتح اتفاقا وأيضا ففيما قال رد المختلف فيه بالمختلف فيه، لأن ~~اتصاف الكافر بالعدالة مختلف فيه، وهو فرع قبول شهادته، فمن قبلها وصفه بها ~~ومن لا فلا. واعترض أبو حيان على المنال الذي ذكره النحاس بأنه غير مطابق، ~~فلو قلت: جاءني رجل مسلم وآخر كافر صح، بخلاف ما لو قلت: جاءني رجل مسلم ~~وكافر آخر، والآية من قبيل الأول لا الثاني، لأن قوله آخران من جنس قوله ~~اثنان لأن كلا منهما صفة رجلان، فكأنه قال: فرجلان اثنان ورجلان آخران. ~~وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: * (ممن ترضون ~~من الشهداء) * (البقرة: 282) واحتجوا بالاجماع على رد شهادة الفاسق والكافر ~~شر من الفاسق. وأجاب الأولون أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأن الجمع بين ~~الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ~~وأنها محكمة كما تقدم. وأخرج الطبري عن ابن عباس بإسناد رجاله ثقات أن ~~الآية نزلت فيمن ms3765 مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين، وأنكر أحمد على من ~~قال: إن هذه الآية منسوخة، وقد صح عن أبي موسى الأشعري أنه عمل بذلك كما في ~~حديث الباب. وذهب الكرابيسي والطبري وآخرون إلى أن المراد بالشهادة في ~~الآية اليمين قالوا: وقد سمى الله اليمين شهادة في آية اللعان، وأيدوا ذلك ~~بالاجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول أشهد بالله، وأن الشاهد لا يمين ~~عليه أنه شهد بالحق ، قالوا: فالمراد بالشهادة اليمين لقوله: * (فيقسمان ~~بالله) * (المائدة: 106) أي يحلفان، فإن عرف أنهما حلفا على الاثم رجعت ~~اليمين على الأولياء، وتعقب بأن اليمين لا يشترط فيها عدد ولا عدالة بخلاف ~~الشهادة. وقد اشترط في القصة فقوي حملها على أنها شهادة، وأما اعتلال من ~~اعتل في ردها بأن الآية تخالف القياس والأصول لما فيها من قبول شهادة ~~الكافر وحبس الشاهد وتحليفه، وشهادة المدعي لنفسه، واستحقاقه بمجرد اليمين، ~~فقد أجاب من قال به بأنه حكم بنفسه مستغن عن نظيره، وقد قبلت شهادة الكافر ~~في بعض المواضع كما في الطب، وليس المراد بالحبس السجن، وإنما المراد ~~الامساك لليمين ليحلف بعد الصلاة. وأما تحليف الشاهد فهو مخصوص بهذه السورة ~~عند PageV09P207 # قيام الريبة. وأما شهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرد اليمين فإن الآية ~~تضمنت نقل الايمان إليه عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين، فيشرع لهما أن ~~يحلفا ويستحقا، كما يشرع لمدعي القسامة أن يحلف ويستحق، فليس هو من شهادة ~~المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة لقوة جانبه، ~~وأي فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى بالدم وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ ~~وحكى الطبري أن بعضهم قال: المراد بقوله: * (اثنان ذوا عدل منكم) * ~~(المائدة: 106) الوصيان، قال: والمراد بقوله: * (شهادة بينكم) * (المائدة: ~~106) معنى الحضور بما يوصيهما به الوصي ثم زيف ذلك، وهذا الحكم يختص ~~بالكافر الذمي، وأما الكافر الذي ليس بذمي فقد حكي في البحر الاجماع على ~~عدم قبول شهادته على المسلم مطلقا. # باب الثناء على من أعلم صاحب الحق بشهادة له عنده وذم من ms3766 أدى شهادة من ~~غير مسألة عن زيد بن خالد الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها؟ رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود وابن ماجة. وفي لفظ: الذين يبدؤون بشهادتهم من غير أن ~~يسألوا عنها رواه أحمد. وعن عمران بن حصين: عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: # خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري ~~أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، ثم إن من بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ~~ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن متفق عليه. وعن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير أمتي القرن ~~الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم، والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ قال: ثم ~~يخلف بقوم يشهدون قبل أن يستشهدوا رواه أحمد ومسلم. # قوله: ألا أخبركم بخير الشهداء جمع شهيد كظرفاء جمع ظريف ويجمع أيضا على ~~شهود. والمراد بخير الشهداء أكملهم في رتبة الشهادة وأكثرهم ثوابا ~~PageV09P208 # عند الله. قوله: قبل أن يسألها في رواية: قبل أن يستشهد وهذه هي شهادة ~~الحسبة، فشاهدها خير الشهداء لأنه لو لم يظهرها لضاع حكم من أحكام الدين ~~وقاعدة من قواعد الشرع. وقيل: إن ذلك في الأمانة والوديعة ليتيم لا يعلم ~~مكانها غيره فيخبر بما يعلم من ذلك. وقيل: هذا مثل في سرعة إجابة الشاهد ~~إذا استشهد فلا يمنعها ولا يؤخرها كما يقال: الجواد يعطي قبل سؤاله عبارة ~~عن حسن عطائه وتعجيله. قوله: خير أمتي قرني قال في القاموس: القرن يطلق من ~~عشر إلى مائة وعشرين سنة ورجح الاطلاق على المائة. وقال صاحب المطالع: ~~القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. قال في النهاية: القرن أهل كل زمان، وهو ~~مقدار المتوسط في أعمار أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران، فكأنه المقدار الذي ~~يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم. قيل: القرن أربعون سنة، ~~وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من ms3767 الزمان وهو مصدر قرن يقرن اه. ~~قال الحافظ: لم نر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال ~~به قائل. والمراد بقرنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث هم الصحابة ~~كما في حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: # الذي بعثت فيه والمراد بالذين يلونهم التابعون والذين يلونهم تابعو ~~التابعين. # وفيه دليل على أن الصحابة أفضل الأمة، والتابعين أفضل من الذين بعدهم، ~~وتابعي التابعين أفضل ممن بعدهم. وثم أحاديث معارضة في الظاهر لهذا الحديث، ~~وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في باب ذكر من حلف قبل أن يستحلف وهو ~~آخر أبواب الكتاب. قوله: يخونون بالخاء المعجمة مشتق من الخيانة ، وزعم ابن ~~حزم أنه وقع في نسخة يحربون بسكون المهملة وكسر الراء بعدها موحدة قال: فإن ~~كان محفوظا فهو من قولهم حربه يحربه إذا أخذ ماله وتركه بلا شئ، ورجل محروب ~~أي مسلوب المال. قوله: ولا يؤتمنون من الأمانة أي لا يثق الناس بهم ~~لخيانتهم. وقال النووي: وقع في نسخ مسلم ولا يتمنون بتشديد الفوقية. قال ~~غيره هو نظير قوله: يتزر بالتشديد موضع يأتزر. # قوله: ويظهر فيهم السمن بكسر المهملة وفتح الميم بعدها نون أي يحبون ~~التوسع في المآكل والمشارب وهي أسباب السمن. وقال ابن التين: المراد ذم ~~محبته وتعاطيه لا من يخلق كذلك. وقيل: المراد يظهر فيهم كثرة المال. وقيل: ~~المراد أنهم PageV09P209 # يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف. قال في ~~الفتح: ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادا. وقد ورد في لفظ من حديث عمران عند ~~الترمذي بلفظ: ثم يجئ قوم متسمنون ويحبون السمن قال الحافظ: وهو ظاهر في ~~تعاطي السمن على حقيقته فهو أولى ما حمل عليه خبر الباب. وإنما كان ذلك ~~مذموما لأن السمين غالبا يكون بليد الفهم ثقيلا عن العبادة كما هو مشهور. # قوله: ويشهدون ولا يستشهدون يحتمل أن يكون التحمل بدون تحميل أو الأداء ~~بدون طلب. قال الحافظ: والثاني أقرب، وأحاديث الباب متعارضة، فحديث زيد بن ~~خالد ms3768 الجهني يدل على استحباب شهادة الشاهد قبل أن يستشهد. وحديث عمران وأبي ~~هريرة يدلان على كراهة ذلك. وقد اختلف أهل العلم في ذلك فبعضهم جنح إلى ~~الترجيح، فرجح ابن عبد البر حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة ~~فقدمه على حديث عمران لكونه من رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران ~~المذكور لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح ~~عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد، وذهب آخرون إلى الجمع، فمنهم من قال: ~~إن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لانسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي ~~إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إلى ~~ورثته فيعلمهم بذلك، قال الحافظ: وهذا أحسن الأجوبة، وبه أجاب يحيى بن سعيد ~~شيخ مالك ومالك وغيرهما. ثانيها إن المراد بحديث زيد شهادة الحسبة وهي ما ~~لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق ~~الله أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق ~~والحدود ونحو ذلك . (وحاصله) أن المراد بحديث زيد الشهادة في حقوق الله، ~~وبحديث عمران وأبي هريرة الشهادة في حقوق الآدميين. ثالثها: أنه محمول على ~~المبالغة في الإجابة إلى الأداء فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل ~~أن يسألها. وهذه الأجوبة مبنية على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم ~~أنه لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق، فيخص ذم من يشهد قبل أن يستشهد ~~بمن ذكر ممن يخبر بشهادته ولا يعلم بها صاحبها، وذهب بعضهم إلى جواز أداء ~~الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد، وتأولوا حديث عمران بتأويلات، ~~أحدها: أنه محمول على شهادة الزور أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها، وهذا ~~حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم. ثانيها: المراد PageV09P210 # بها الشهادة في الحلف يدل عليه ما في البخاري من حديث ابن مسعود بلفظ: ~~كانوا يضربوننا على الشهادة أي قول الرجل: أشهد بالله ما كان إلا كذا على ~~معنى الحلف، ms3769 فكره ذلك، كما كره الاكثار من الحلف، واليمين قد تسمى شهادة ~~كما تقدم، وهذا جواب الطحاوي. ثالثها: المراد بها الشهادة على المغيب من ~~أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم في النار، وعلى قوم أنهم في الجنة بغير ~~دليل، كما يصنع ذلك أهل الأهواء، حكاه الخطابي. رابعها: المراد به من ينتصب ~~شاهدا وليس من أهل الشهادة. خامسها: # المراد به التسارع إلى الشهادة وصاحبها بها عالم من قبل أن يسأله. ~~(والحاصل) أن الجمع مهما أمكن فهو مقدم على الترجيح فلا يصار إلى الترجيح ~~في أحاديث الباب، وقد أمكن الجمع بهذه الأمور. # باب التشديد في شهادة الزور عن أنس قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق ~~الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور أو قال شهادة الزور. ~~وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: الاشراك بالله وعقوق الوالدين ~~وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ~~متفق عليهما. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لن ~~تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار رواه ابن ماجة. # حديث ابن عمر انفرد ابن ماجة بإخراجه كما في الجامع وغيره، وسياق إسناده ~~في سنن ابن ماجة هكذا: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا محمد بن الفرات عن محارب ~~بن دثار عن ابن عمر فذكره، ومحمد بن الفرات هو الكوفي كذبه أحمد، وقال في ~~التقريب: كذبوه. قوله: ذكر الكبائر أو سئل عنها هذه رواية محمد بن جعفر. # ورواية في البخاري سئل عن الكبائر. ورواية أحمد أو ذكرها. قال في الفتح: ~~وكأن المراد بالكبائر أكبرها لما في حديث أبي بكرة المذكور، وليس القصد حصر ~~الكبائر PageV09P211 # فيما ذكر. وقد ذكر الله الثلاث المذكورة في الحديث في آيتين الأولى: * ~~(وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) * (الاسراء: ms3770 23) ~~والثانية: * (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) * (الحج: 30). ~~قوله: وكان متكئا فجلس هذا يشعر باهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حتى ~~جلس بعد أن كان متكئا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظيم قبحه، وسبب الاهتمام ~~بشهادة الزور كونها أسهل وقوع على الناس والتهاون بها أكثر، فإن الاشراك ~~ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطبع. وأما الزور فالحوامل عليه ~~كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام به، وليس ذلك لعظمه ~~بالنسبة إلى ما ذكر معه من الاشراك قطعا بل لكون مفسدته متعدية إلى الغير، ~~بخلاف الاشراك فإن مفسدته مقصورة عليه غالبا، وقول الزور أعم من شهادة ~~الزور، لأنه يشمل كل زور من شهادة أو غيبة أو بهت أو كذب، ولذا قال ابن ~~دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على ~~التوكيد، فإنا لو حملنا القول على الاطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة ~~كبيرة وليس كذلك، قال: ولا شك في عظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت ~~مفاسده، ومنه قوله تعالى: * (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا) * (النساء: 112). قوله: حتى قلنا ليته سكت أي ~~شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلى ~~الله عليه وآله وسلم والمحبة له والشفقة عليه. (وفي الحديث) انقسام الذنوب ~~إلى كبير وأكبر، وليس هذا موضع بسط الكلام على الكبائر، وستأتي إشارة إلى ~~طرف من ذلك في باب التشديد في اليمين الكاذبة، ويؤخذ من الحديث ثبوت ~~الصغائر لأن الكبائر بالنسبة إليها أكبر منها، والاختلاف في ثبوت الصغائر ~~مشهور، وأكثر ما تمسك به من قال: ليس في الذنوب صغيرة، كونه نظر إلى عظم ~~المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن ~~أثبت الصغائر أن يقول: وهي بالنسبة إلى ما فوقها صغيرة كما دل عليه حديث ~~الباب. وقد فهم الفرق بين الصغيرة والكبيرة من مدارك الشرع، ويدل على ثبوت ~~الصغائر قوله تعالى: * (إن تجتنبوا كبائر ms3771 ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) ~~* (النساء: 31) فلا ريب أن السيئات المكفرة ههنا هي غير الكبائر المجتنبة، ~~لأنه لا يكفر إلا ذنب قد فعله المذنب، لا ما كان مجتنبا من الذنوب فإنه لا ~~معنى لتكفيره، PageV09P212 # والكبائر المرادة في الآية مجتنبة، فالسيئات المكفرة غيرها، وليست إلا ~~الصغائر لأنها المقابلة لها، وكذلك يؤيد ثبوت الصغائر حديث تكفير الذنوب ~~الوارد في الصلاة والوضوء مقيدا باجتناب الكبائر، فثبت أن من الذنوب ما ~~يكفر بالطاعات، ومنها ما لا يكفر وذلك عين المدعي. ولهذا قال الغزالي: ~~إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه. ثم إن مراتب الصغائر ~~والكبائر تختلف بحسب تفاوت مفاسدها. قوله: # حتى يوجب الله له النار في هذا وعيد شديد لشاهد الزور حيث أوجب الله له ~~النار قبل أن ينتقل من مكانه. ولعل ذلك مع عدم التوبة. أما لو تاب وأكذب ~~نفسه قبل العمل بشهادته فالله يقبل التوبة عن عباده . باب تعارض البينتين ~~والدعوتين عن أبي موسى: أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بينهما نصفين رواه أبو داود. وعن أبي موسى: أن رجلين اختصما إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في دابة ليس لواحد منهما بينة فجعلها بينهما ~~نصفين رواه الخمسة إلا الترمذي. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم ~~يحلف رواه البخاري. وفي رواية: أن رجلين تدارءا في دابة ليس لواحد منهما ~~بينة فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يستهما على اليمين أحبا ~~أو كرها رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وفي رواية: تدارءا في بيع. وفي ~~رواية: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كره الاثنان اليمين أو ~~استحباها فليستهما عليها رواه أحمد وأبو داود. # حديث أبي موسى أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وذكر الاختلاف فيه على قتادة ~~وقال: هو معلول، ms3772 فقد رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير ~~بن نهيك عن أبي هريرة. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في صحيحه، واختلف فيه ~~على سعيد بن أبي عروبة فقيل عنه عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة PageV09P213 # عن أبيه عن أبي موسى. وقيل عنه عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال: # أنبئت أن رجلين قال البخاري: قال سماك بن حرب أنا حدثت أبا بردة بهذا ~~الحديث. فعلى هذا لم يسمع أبو بردة هذا الحديث من أبيه ورواه أبو كامل عن ~~أبيه. ورواه أبو كامل مطهر بن مدرك عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن ~~أبي برد مرسلا. قال حماد: فحدثت به سماك بن حرب فقال: أنا حدثت به أبا ~~بردة. وقال الدارقطني والبيهقي والخطيب: الصحيح أنه عن سماك مرسلا. ورواه ~~ابن أبي شيب عن أبي الأحوص عن سماك عن تميم بن طرفة: أن رجلين ادعيا بعيرا ~~فأقام كل واحد منهما بينة أنه له فقضى به صلى الله عليه وآله وسلم بينهما. ~~ووصله الطبراني بذكر جابر بن سمرة فيه بإسنادين: في أحدهما حجاج بن أرطأة ~~والراوي عنه سويد بن عبد العزيز. وفي الآخر ياسين الزيات والثلاثة ضعفاء ~~كذا قال الحافظ. # قال المنذري في مختصر السنن حاكيا عن النسائي أنه قال: هذا خطأ. ومحمد بن ~~كثير المصيصي هو صدوق إلا أنه كثير الخطأ. وذكر أنه خولف في إسناده ومتنه. ~~قال المنذري: ولم يخرجه أبو داود من حديث محمد بن كثير وإنما أخرجه بإسناد ~~كلهم ثقات انتهى. وقد ذكر أبو داود لحديث أبي موسى ثلاثة أسانيد ليس في ~~واحد منها محمد بن كثير. وحديث أبي هريرة أخرج الرواية الثانية عنه النسائي ~~أيضا. والرواية الثالثة عزاها المنذري إلى البخاري. قوله: فقسمه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بينهما نصفين فيه أنه لو تنازع رجلان في عين دابة أو ~~غيرها فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه ولم يكن بينهما بينة وكانت ~~العين في يديهما، ms3773 فكل واحد مدع في نصف ومدعى عليه في نصف، أو أقاما البينة ~~كل واحد على دعواه تساقطتا وصارتا كالعدم وحكم به الحاكم نصفين بينهما ~~لاستوائهما في اليد. وكذا إذا لم يقيما بينة كما في الرواية الثانية. وكذا ~~إذا حلفا أو نكلا. قال ابن رسلان: يحتمل أن تكون القصة في حديث أبي موسى ~~الأول والثاني واحدة إلا أن البينتين لما تعارضتا تساقطتا وصارتا كالعدم. ~~ويحتمل أن يكون أحدهما في عين كانت في يديهما. والآخر كانت العين في يد ~~ثالث لا يدعيها بدليل ما وقع في رواية للنسائي: ادعيا دابة وجداها عند رجل ~~فأقام كل منهما شاهدين فلما أقام كل واحد منهما شاهدين نزعت من يد الثالث ~~ودفعت إليهما PageV09P214 # قال: وهذا أظهر، لأن حمل الاسنادين على معنيين متعددين أرجح من حملهما ~~على معنى واحد، لأن القاعدة ترجيح ما فيه زيادة علم على غيره. قوله: أحبا ~~أو كرها قال الخطابي: الاكراه هنا يراد به حقيقته لأن الانسان لا يكره على ~~اليمين، وإنما المعنى إذا توجهت اليمين على اثنين وأرادا الحلف سواء كانا ~~كارهين لذلك بقلبهما وهو معنى الاكراه أو مختارين لذلك بقلبهما وهو معنى ~~المحبة وتنازعا أيهما يبدأ فلا يقدم أحدهما على الآخر بالتشهي بل بالقرعة، ~~وهو المراد بقوله: فليستهما أي فليقترعا. # وقيل: صورة الاشتراك في اليمين أن يتنازع اثنان عينا ليست في يد أحدهما ~~ولا بينة لواحد منهما فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها، ويدل ~~على ذلك الرواية الثانية من حديث أبي هريرة، ويحتمل أن تكون قصة أخرى، ~~فيكون القوم المذكورون مدعى عليهم بعين في أيديهم مثلا وأنكروا، ولا بينة ~~للمدعى عليهم، فتوجهت عليهم اليمين فسارعوا إلى الحلف والحلف لا يقع معتبرا ~~إلا بتلقين المحلف، فقطع النزاع بينهم بالقرعة فمن خرجت له بدئ به. وقال ~~البيهقي في بيان معنى الحديث: أن القرعة في أيهما تقدم عند إرادة تحليف ~~القاضي لهما، وذلك أنه يحلف واحد ثم يحلف الآخر، فإن لم يحلف الثاني بعد ~~حلف الأول قضى بالعين كلها للحالف أولا، وإن ms3774 حلف الثاني فقد استويا في ~~اليمين فتكون العين بينهما كما كانت قبل أن يحلفا، وهذا يشهد له الرواية ~~الثالثة في حديث أبي هريرة المذكورة في الباب. وقد حمل ابن الأثير في جامع ~~الأصول الحديث على الاقتراع في المقسوم بعد القسمة وهو بعيد، ويرده الرواية ~~الثالثة فإنها بلفظ فليستهما عليها أي على اليمين. قوله: فليستهما عليها ~~وجه القرعة أنه إذا تساوى الخصمان فترجيح أحدهما بدون مرجح لا يسوغ، فلم ~~يبق إلا المصير إلى ما فيه التسوية بين الخصمين وهو القرعة، وهذا نوع من ~~التسوية المأمور بها بين الخصوم، وقد طول أئمة الفقه الكلام على قسمة الشئ ~~المتنازع فيه بين متنازعيه إذا كان في يد كل واحد منهم أو في يد غيرهم ~~مقربة لهم. وأما إذا كان في يد أحدهما فالقول قوله واليمين عليه والبينة ~~على خصمه. وأما القرعة في تقديم أحدهما في الحلف فالذي في فروع الشافعية أن ~~الحاكم يعين لليمين منهما من شاء على ما يراه، قال البرماوي: # لكن الذي ينبغي العمل به هو القرعة للحديث، وقد قدمنا في كتاب الصلح في ~~العمل بالقرعة كلاما مفيدا. PageV09P215 # باب استحلاف المنكر إذا لم تكن بينة وأنه ليس للمدعي الجمع بينهما عن ~~الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: شاهداك أو يمينه؟ فقلت: إنه آذن يحلف ولا ~~يبالي، فقال: من حلف على يمين يقتطع بها امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله ~~وهو عليه غضبان متفق عليه. واحتج به من لم يرد الشاهد واليمين ومن رأى ~~العهد يمينا. وفي لفظ: خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في بئر كانت لفي يده فجحدني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه، قلت: ما لي بينة وأن يجعلها يمينه تذهب بئري ~~إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من اقتطع مال ~~امرئ مسلم بغير حق ms3775 لقي الله وهو عليه غضبان رواه أحمد. وعن وائل بن حجر ~~قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، قال ~~الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال لا، قال فلك يمينه، فقال: يا رسول الله ~~الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شئ، قال: ليس لك منه ~~إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أدبر ~~الرجل: أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض رواه ~~مسلم والترمذي وصححه، وهو حجة على عدم الملازمة والتكفيل وعدم رد اليمين. # قوله: كان بيني وبين رجل خصومة قد تقدم في كتاب الغصب أن الأشعث بن قيس ~~قال: إن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وهكذا وقع في رواية أبي داود، وذلك يقتضي أن الخصومة بين رجلين غيره. ~~ورواية حديث الباب تقتضي أنه أحد الخصمين، ويمكن الجمع بالحمل على تعدد ~~الواقعة، فإن في رواية لأبي PageV09P216 # داود في حديث الأشعث هذا بلفظ: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ~~فيها ففي هذا تصريح بأن خصمه كان يهوديا، بخلاف ما تقدم في الغصب فإنه قال: ~~إن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت، والكندي هو امرؤ القيس بن عابس الصحابي ~~الشاعر، والحضرمي هو ربيعة بن عبدان بكسر العين. وكذلك حديث وائل المذكور ~~ههنا بأن الخصومة فيه بين الكندي والحضرمي وهما المذكوران في حديث الأشعث ~~المتقدم، فلعل الرواية لقصة الكندي والحضرمي من طريق الأشعث ومن طريق وائل. ~~وأما المخاصمة بين الأشعث وغريمه فقصة أخرى رواها الأشعث والله أعلم. قوله: ~~في بئر في رواية أبي داود في أرض، ولا امتناع أن يكون المجموع صحيحا، فتارة ~~ذكرت الأرض لأن البئر داخلة فيها، وتارة ذكرت ms3776 البئر لأنها المقصودة. قوله: ~~يقتطع بها مال امرئ مسلم التقييد بالمسلم ليس لاخراج غير المسلم، بل كأن ~~تخصيص المسلمين بالذكر لكون الخطاب معهم، ويحتمل أن تكون العقوبة العظيمة ~~مختصة بالمسلمين وإن كان أصل العقوبة لازما في حق الكفار. قوله: لقي الله ~~وهو عليه غضبان هذا وعيد شديد لأن غضب الله سبب لانتقامه وانتقامه بالنار، ~~فالغضب منه عز وجل يستلزم دخول المغضوب عليه النار، ولهذا وقع في رواية ~~لمسلم: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار ولا بد من ~~تقييد ذلك بعدم التوبة، وسيأتي بقية الكلام على هذا في باب التشديد في ~~اليمين الكاذبة. قوله: ليس يتورع من شئ أصل الورع الكف عن الحرام، والمضارع ~~بمعنى النكرة في سياق النفي فيعم ويكون التقدير ليس له ورع عن شئ. قوله: ~~ليس لك منه إلا ذلك في هذا دليل على أنه لا يجب للغريم على غريمه اليمين ~~المردودة، ولا يلزمه التكفيل، ولا يحل الحكم عليه بالملازمة ولا بالحبس، ~~ولكنه قد ورد ما يخصص هذه الأمور من عموم هذا النفي وقد تقدم بعض ذلك، ~~ولنذكر ههنا ما ورد في جواز الحبس لمن استحقه، فأخرج أبو داوود الترمذي ~~والنسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حبس رجلا في تهمة قال الترمذي: حسن وزاد هو والنسائي: ثم خلى عنه. وقد ~~تقدم الكلام على حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ولكنه قد روى هذا لحديث ~~الحاكم وقال صحيح الاسناد، وله شاهد من حديث أبي هريرة ثم أخرجه، ولعله ما ~~رواه PageV09P217 # ابن القاص بسنده عن عراك بن مالك عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حبس في تهمة يوما وليلة استظهارا وطلبا لاظهار ~~الحق بالاعتراف. وأخرج أبو داود من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه ~~قام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: جيراني بما أخذوا، فأعرض عنه ~~مرتين لكونه كلمه ms3777 في حال الخطبة، ثم ذكر شيئا فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: خلوا له عن جيرانه، فهذا يدل على أنهم كانوا محبوسين، ويدل أيضا ~~على جواز الحبس ما تقدم في باب ملازمة الغريم، فإن تسليط ذي الحق عليه ~~وملازمته له نوع من الحبس، وكذلك يدل على الجواز حديث: مطل الغني ظلم يحل ~~عرضه وعقوبته لأن العقوبة مطلقة، والحبس من جملة ما يصدق عليه المطلق، وقد ~~تقدم الحديث في كتاب التفليس. # وحكى أبو داود عن ابن المبارك أنه قال في تفسير الحديث: يحل عرضه أي يغلظ ~~عليه وعقوبته يحبس له. وروى البيهقي: أن عبدا كان بين رجلين فأعتق أحدهما ~~نصيبه فحبسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى باع غنيمة له وفيه انقطاع، ~~وقد روي من طريق أخرى عن عبد الله بن مسعود مرفوعا، وقد بوب البخاري على ~~ذلك في صحيحه، فقال في الأبواب التي قبل كتاب اللقطة ما لفظه: باب الربط ~~والحبس في الحرم، قال في الفتح: كأنه أشار بهذا التبويب إلى رد ما نقل عن ~~طاوس أنه كان يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت ~~رحمة. وأورد البخاري في الرد عليه أن نافع بن عبد الحرث اشترى دارا للسجن ~~بمكة وكان نافع عاملا لعمر على مكة. وأخرج عمر بن شبة في كتاب مكة عن محمد ~~بن يحيى بن غسان الكناني عن هشام بن سليمان عن ابن جريج أن نافع بن عبد ~~الحرث الخزاعي كان عاملا لعمر على مكة فابتاع دار السجن من صفوان، فذكر نحو ~~ما ذكره البخاري وزاد في آخره: وهو الذي يقال له سجن عارم بمهملتين. قال ~~البخاري: وسجن ابن الزبير بمكة انتهى. (والحاصل) أن الحبس وقع في زمن ~~النبوة وفي أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن في جميع الأعصار ~~والأمصار من دون إنكار، وفيه من المصالح ما لا يخفى لو لم يكن منها إلا حفظ ~~أهل الجرائم المنتهكين للمحارم الذين يسعون في الاضرار بالمسلمين ويعتادون ~~ذلك ويعرف من أخلاقهم، ms3778 ولم يرتكبوا ما يوجب حدا ولا قصاصا حتى يقام ذلك ~~عليهم فيراح منهم العباد والبلاد، PageV09P218 # فهؤلاء إن تركوا وخلي بينهم وبين المسلمين بلغوا من الاضرار بهم إلى كل ~~غاية، وإن قتلوا كان سفك دمائهم بدون حقها، فلم يبق إلا حفظهم في السجن، ~~والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك، حتى تصح منهم التوبة أو يقضي الله في ~~شأنهم ما يختاره. # وقد أمرنا الله تعالى بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بهما في ~~حق من كان كذلك، لا يمكن بدون الحيلولة بينه وبين الناس بالحبس، كما يعرف ~~ذلك من عرف أحوال كثير من هذا الجنس. وقد استدل البخاري على جواز الربط بما ~~وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من ربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري ~~مسجده الشريف كما في القصة المشهورة في الصحيح. # باب استحلاف المدعى عليه في الأموال والدماء وغيرهما عن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين على المدعى عليه متفق عليه. وفي ~~رواية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ~~ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه أحمد ومسلم. # قوله: قضى باليمين على المدعى عليه اختلف الفقهاء في تعريف المدعي ~~والمدعى عليه. قال في الفتح: والمشهور فيه تعريفان الأول أن المدعي من ~~تخالف دعواه الظاهر، والمدعى عليه بخلافه. والثاني من إذا سكت ترك وسكوته، ~~والمدعى عليه من لا يخلى إذا سكت. والأول أشهر، والثاني أسلم. وقد أورد على ~~الأول بأن المودع إذا ادعى الردأ والتلف فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك ~~فالقول قوله. # (واستدل بالحديث) على أن اليمين على المدعى عليه، وقد ذهب إلى ذلك ~~الجمهور ، وحملوه على عمومه في حق كل أحد، سواء كان بين المدعي والمدعى ~~عليه اختلاط أم لا. وعن مالك: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي ~~اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارا، وقريب من مذهب مالك ~~قول الإصطخري من الشافعية أن قرائن الحال إذا شهدت ms3779 بكذب المدعي لم يلتفت ~~إلى دعواه. قوله: # لو يعطى الناس الخ، هذا هو وجه الحكمة في جعل اليمين على المدعى عليه. ~~وقال PageV09P219 # جماعة من أهل العلم: الحكمة في ذلك أن جانب المدعي ضعيف لأنه يقول بخلاف ~~الظاهر، فكلف الحجة القوية وهي البينة لأنها لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع ~~عنها ضررا فيقوى بها ضعف المدعي. وأما جانب المدعى عليه فهو قوي لأن الأصل ~~فراغ ذمته فاكتفى فيه باليمين وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ~~ويدفع عنها الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة. وقد أخرج الحديث البيهقي بإسناد ~~صحيح كما قال الحافظ بلفظ البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وزعم ~~الأصيلي أن قوله البينة الخ إدراج في الحديث. وأخرج ابن حبان عن ابن عمر ~~نحوه. وأخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه. وأخرجه أيضا ~~الدارقطني بإسناد فيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف. وظاهر أحاديث الباب أن ~~اليمين على المنكر والبينة على المدعي ومن كانت اليمين عليه فالقول قوله مع ~~يمينه، ولكنه ورد ما يدل على أنه إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع، ~~فأخرج أبو داود والنسائي من حديث الأشعث: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: إذا اختلف البيعان ليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة ~~أو يتتاركان. وأخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة من حديث عون بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود عن ابن مسعود، قال الترمذي: هذا مرسل عون بن عبد الله لم ~~يدرك ابن مسعود انتهى. قال المنذري في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى ولا يحتج به، وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه فهو منقطع، وقد روى هذا ~~الحديث من طرق عن عبد الله بن مسعود كلها لا تصح، قال البيهقي: وأصح إسناد ~~روي في هذا الباب رواية أبي العميس عن عبد الرحمن ابن قيس بن محمد بن ~~الأشعث عن أبيه عن جده، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب البيوع في ~~باب ms3780 ما جاء في اختلاف المتبايعين بما هو أبسط من هذا، وبين أحاديث الباب ~~وهذه الأحاديث عموم وخصوص من وجه، فظاهر أحاديث الباب أن اليمين على المدعى ~~عليه فيكون القول قوله من غير فرق بين كونه بائعا أم لا ما لم يكن مدعيا، ~~فإن كان كذلك فعليه البينة فلا يكون القول قوله. وظاهر الأحاديث المتقدمة ~~في كتاب البيع أن القول قول البائع، وذلك يستلزم أنه لا بينة عليه بل عليه ~~اليمين فقط سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، وقد وقع التصريح باستحلاف البائع ~~كما تقدم في رواية في البيع، فمادة التعارض حيث كان البائع مدعيا، والواجب ~~في مثل PageV09P220 # ذلك الرجوع إلى الترجيح، وأحاديث الباب أرجح، فيكون القول ما يقوله ~~البائع ما لم يكن مدعيا. (فإن قيل) الجمع ممكن بجعل الأحاديث الواردة في ~~المتبايعين مخصصة لعموم أحاديث الباب، فيبنى العام على الخاص، ويكون القول ~~قول البائع مطلقا، سواء كان مدعيا أو مدعى عليه إذا كان التنازع بينه وبين ~~المشتري، وما عدا البائع فإن كان مدعيا فعليه البينة، وإن كان مدعى عليه ~~فالقول قوله مع يمينه. قلت: هذا متوقف على أمرين: أحدهما أن أحاديث الباب ~~أعم مطلقا من أحاديث اختلاف المتبايعين. والثاني أن أحاديث اختلاف البيعين ~~صالحة للاحتجاج بها منتهضة لتخصيص أحاديث الباب، وفي كلا الامرين نظر أما ~~الأول: فلان التخصيص إنما يكون بإخراج فرد من العام عن الامر المحكوم به ~~عليه، والعام ههنا هو المدعى عليه، والمحكوم به عليه هو وجوب اليمين عليه. ~~وحديث اختلاف البيعين له صورتان: إحداهما أن يكون البائع مدعى عليه، ~~والثانية أن يكون مدعيا، والأولى موافقة للعام داخلة تحت حكمه غير مستثناة ~~منه، والثانية مخالفة للعام لأن العام هو باعتبار المدعى عليه وهذا مدع لا ~~مدعى عليه فهو مخالف له، فلا يصح أن يقال بأنه مخصص له، وإن كان التخصيص ~~بالنسبة إلى عموم الأحاديث الدالة على وجوب البينة على المدعي. ووجه ~~التخصيص أن يقال: هذا مدع ولم تجب عليه البينة فهذا مستقيم وإن لم يدعه ~~القائل بالتخصيص، ولكن ms3781 حديث فالقول ما يقول البائع مع قوله في بعض ألفاظ ~~الحديث كما تقدم في البيع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالبائع أن ~~يستحلف، هو أعم من الأحاديث القاضية بوجوب البينة على المدعي من وجه لشموله ~~لصورة أخرى وهي حيث كان البائع مدعى عليه فالأظهر العموم والخصوص من وجه لا ~~مطلقا. وأما الثاني فقد عرفت عدم انتهاض الأحاديث المذكورة للتخصيص لما ~~فيها من المقال. # باب التشديد في اليمين الكاذبة عن أبي أمامة الحارثي: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له ~~النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: # وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك رواه أحمد ومسلم وابن ~~ماجة PageV09P221 # والنسائي. وعن عبد الله بن عمرو: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس رواه أحمد ~~والبخاري والنسائي. وعن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن من الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين ~~الغموس وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعله ~~الله نكتة في قلبه إلى يوم القيامة رواه أحمد والترمذي. # حديث عبد الله بن أنيس أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان وحسن الحافظ في الفتح ~~إسناده وقال: له شاهد من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ~~حسن. قوله: وإن كان قضيبا من أراك هذا مبالغة في القلة، وأن استحقاق النار ~~يكون بمجرد اليمين في اقتطاع الحق وإن كان شيئا يسيرا لا قيمة له. قوله: ~~الكبائر الخ قد اختلف السلف في انقسام الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، فذهب إلى ~~ذلك الجمهور، ومنعه جماعة منهم الأسفراييني، ونقله ابن عباس، وحكاه القاضي ~~عياض عن المحققين، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية، وقد تقدم قريبا وجه ~~القولين وبيان الراجح منهما. قال الطيبي: الكبيرة والصغيرة أمران نسبيان ~~فلا بد من أمر يضافان إليه وهو أحد ms3782 ثلاثة أشياء: الطاعة والمعصية والثواب. ~~فأما الطاعة فكل ما تكفره الصلاة مثلا فهو من الصغائر. وأما المعصية فكل ~~معصية يستحق فاعلها بسببها وعيدا أو عقابا أزيد من الوعيد أو العقاب ~~المستحق بسبب معصية أخرى فهي كبيرة. وأما الثواب ففاعل المعصية إن كان من ~~المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حق بعض ~~الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية انتهى. قال الحافظ: وكلامه فيما ~~يتعلق بالوعيد والعقاب تخصيص عموم من أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد أو ~~العقاب في حق فاعلها، لكن يلزم منه أن مطلق قتل النفس مثلا ليس كبيرة وإن ~~ورد الوعيد فيه والعقاب، لكن ورد الوعيد والعقاب في حق قاتل ولده أشد. ~~فالصواب ما قاله الجمهور، وأن المثال المذكور وما أشبهه ينقسم إلى كبير ~~وأكبر. قال النووي: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا كثيرا منتشرا. فروي عن ~~ابن عباس أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء ~~نحو هذا عن الحسن البصري. وقال آخرون: هي ما أوعد الله PageV09P222 # عليه بنار في الآخرة أو أوجب فيه جزاء في الدنيا. (قلت): وممن نص على هذا ~~الأخير الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى. ومن الشافعية الماوردي ~~ولفظه الكبيرة ما أوجبت فيها الحدود أو توجه إليها الوعيد. والمنقول عن ابن ~~عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به إلا أن فيه انقطاعا. وأخرج من وجه ~~آخر متصل لا بأس برجاله أيضا عن ابن عباس قال: ما توعد الله عليه بالنار ~~كبيرة. وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخر منها قول إمام ~~الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. وقال ~~الحليمي: كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه. وقال الرافعي: هي ما أوجب ~~الحد. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة، هذا أكثر ما يوجد ~~للأصحاب وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل ~~الكبائر انتهى. وقد استشكل بأن كثيرا مما ms3783 وردت النصوص بكونه كبيرة لا حد ~~فيه كالعقوق. وأجيب بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد فيه نص بكونه كبيرة. وقال ~~ابن عبد السلام في القواعد: لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا ~~يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بذنبه إشعارا دون ~~الكبائر المنصوص عليها. قال الحافظ: وهو ضابط جيد. وقال القرطبي في المفهم: ~~الراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب أو علق عليه حد ~~أو اشتد النكير عليه فهو كبيرة. وكلام ابن الصلاح يوافق ما نقل أولا عن ابن ~~عباس وزاد إيجاب الحد، وعلى هذا يكثر عدد الكبائر. وهذا الكلام في غير ما ~~قد ورد النص الصريح فيه أنه كبيرة أو من الكبائر أو أكبر الكبائر. وقال ~~الواحدي: ما لم ينص الشارع على كونه كبيرة فالحكمة في إخفائه أن يمتنع ~~العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة ~~والاسم الأعظم. قوله: يمين صبر أي ألزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها ~~من جهة الحكم، وإنما أطلق الصبر عليها وإن كان صاحبها هو المصبور لأنه إنما ~~صبر من أجلها أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازا، كذا في النهاية ~~والنكتة الأثر. PageV09P223 # باب الاكتفاء في اليمين بالحلف بالله وجواز تغليظها باللفظ والمكان ~~والزمان عن أبي عمر: عن بن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حلف ~~بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله رواه ابن ~~ماجة. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل حلفه: احلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شئ يعني المدعي رواه أبو داود. وعن ~~عكرمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له يعني ابن صوريا: أذكركم ~~بالله الذي نجاكم من آل فرعون وأقطعكم البحر وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم ~~المن والسلوى وأنزل التوراة على موسى أتجدون في كتابكم الرجم؟ # قال: ذكرتني بعظيم ولا يسعني ms3784 أن أكذبك وساق الحديث رواه أبو داود. وعن ~~أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحلف عند هذا ~~المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا أوجب الله له ~~النار. وعن جابر: # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يحلف أحد على منبري كاذبا إلا ~~تبوأ مقعده من النار رواهما أحمد وابن ماجة. وعن أبي هريرة: عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ~~ورجل بايع الامام لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى له وإن لم يعطه ~~لم يف له، ورجل باع سلعة بعد العصر فحلف بالله لاخذها بكذا وكذا فصدقه وهو ~~على غير ذلك رواه الجماعة إلا الترمذي. وفي رواية: ثلاثة لا يكلمهم الله ~~ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ~~ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ~~ماء فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك رواه ~~أحمد والبخاري. # حديث ابن عمر قال ابن ماجة في سننه: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ~~حدثنا PageV09P224 # أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر فذكره، ومحمد بن ~~إسماعيل المذكور ثقة وبقية إسناده رجال الصحيح. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا ~~النسائي وفي إسناده عطاء بن السائب وفيه مقال، وقد أخرج له البخاري مقرونا ~~بآخر. # وحديث عكرمة هو مرسل وقد سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال ~~الصحيح، ويؤيده ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يعني لليهود: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ~~ما تجدون في التوراة على من زنى وفي إسناده مجهول لأن الزهري قال: أخبرنا ~~رجل من ms3785 مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وحديث أبي هريرة الأول ~~المذكور في الباب أخرجه أيضا الحاكم في المستدرك. وحديث جابر أخرجه أيضا ~~مالك وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم كذا في ~~الفتح ورجال إسناده عند ابن ماجة كلهم ثقات. وفي الباب عن أبي أمامة بن ~~ثعلبة عند النسائي بإسناد رجاله ثقات رفعه: من حلف عند منبري هذا بيمين ~~كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا ~~يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. قوله: من حلف بالله فيه دليل على أنه يكفي ~~مجرد الحلف بالله تعالى من دون أن ينضم إليه وصف من أوصافه، ومن دون تغليظ ~~بزمان أو مكان. قوله: قال له يعني ابن صوريا بضم الصاد المهملة وسكون الواو ~~وكسر الراء المهملة ممدودا. أصل القصة أن جماعة من اليهود أتوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو جالس في المسجد فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في ~~رجل وامرأة زنيا؟ فقال: ائتوني بأعلم رجل منكم فأتوه بابن صوريا. قوله: ~~وأنزل عليكم المن والسلوى أكثر المفسرين على أن المن هو الترنجبين وهو شئ ~~أبيض كالثلج، والسلوى طير يقال السماني، فيه دليل على جواز تغليظ اليمين ~~على أهل الذمة، فيقال لليهودي بمثل ما قال له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ومن أراد الاختصار قال قل: والله الذي أنزل التوراة على موسى. وإن ~~كان نصرانيا، قال له قل: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى. قوله: ذكرتني ~~بتشديد الكاف المفتوحة. قوله: أن أكذبك بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة ~~يعني فيما ذكرته لي. # قوله: عبد ولا أمة أي ذكر ولا أنثى. قوله: ولو على سواك رطب إنما خص ~~الرطب لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن، وهو لا يكون كذلك إلا في مواطن ~~نباته، بخلاف اليابس PageV09P225 # فإنه قد يحمل من بلد إلى بلد فيباع. قوله: ثلاثة لا يكلمهم الله الخ، فيه ~~دليل على أن حالهم يوم القيامة حال المغضوب عليهم، لأن هذه ms3786 الأمور لا تكون ~~إلا عند الغضب فهي كناية عن حلول العذاب بهم. قوله: رجل على فضل ماء ~~بالفلاة قد تقدم الكلام على منع فضل الماء وحكم مانعه. قوله: بعد العصر خصه ~~لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار. قوله: لقد أعطي بها الخ، قال في ~~الفتح: وقع مضبوطا بضم الهمزة وفتح الطاء على البناء للمجهول، وفي بعضها ~~بفتح الهمزة والطاء على البناء للفاعل والضمير للحالف وهي أرجح، ومعنى ~~لاخذها بكذا أي لقد أخذها، وقد استدل بأحاديث الباب على جواز التغليظ على ~~الحالف بمكان معين كالحرم والمسجد ومنبره صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وبالزمان كبعد العصر ويوم الجمعة ونحو ذلك. وقد ذهب إلى هذا الجمهور كما ~~حكاه صاحب الفتح. وذهبت الحنفية إلى عدم جواز التغليظ بذلك. وعليه دلت ~~ترجمة البخاري فإنه قال في الصحيح: (باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه ~~اليمين) وذهبت العترة إلى مثل ما ذهبت إليه الحنفية كما حكى ذلك عنهم صاحب ~~البحر. وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك موضع اجتهاد للحاكم. وقد ورد عن ~~جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الايمان بالحلف بين الركن ~~والمقام وعلى منبره صلى الله عليه وآله وسلم. وورد عن بعضهم الامتناع من ~~الإجابة إلى ذلك. وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف. والحاصل أنه لم ~~يكن في أحاديث الباب ما يدل على مطلوب القائل بجواز التغليظ، لأن الأحاديث ~~الواردة في تعظيم ذنب الحالف على منبره صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك ~~الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف بعد العصر لا تدل على أنها تجب إجابة ~~الطالب للحلف في ذلك المكان أو ذلك الزمان. وقد علمنا صلى الله عليه وآله ~~وسلم كيف اليمين فقال للرجل الذي حلفه: احلف بالله الذي لا إله إلا هو كما ~~في حديث ابن عباس. وقال في حديث ابن عمر المذكور في الباب: ومن حلف له ~~بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله وهذا أمر منه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالرضا لمن حلف له بالله، ms3787 ووعيد لمن لم يرض بأنه ليس من الله، ففيه أعظم ~~دلالة على عدم وجوب الإجابة إلى التغليظ بما ذكر، وعدم جواز طلب ذلك ممن لا ~~يساعد عليه. وقد كان الغالب من تحليفه صلى الله عليه وآله وسلم لغيره وحلفه ~~PageV09P226 # هو الاقتصار على اسم الله مجردا عن الوصف كما في قوله: والله لا أحلف على ~~شئ فأرى غيره خيرا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني وكما في تحليفه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لركانة فإنه اقتصر على اسم الله. وتارة كان يحلف ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: لا والذي نفسي بيده لا ومقلب القلوب. وقال ~~تعالى: * (فيقسمان بالله) * (المائدة: 106) ومن جملة ما استدل به البخاري ~~على عدم وجوب التغليظ حديث: شاهداك أو يمينه ووجه ذلك أن الذي أوجبه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو مطلق اليمين، وهي تصدق على من حلف في أي زمان ~~وأي مكان، فمن بذل لخصمه أن يحلف له حنث هو ولم يجبه إلى مكان مخصوص ولا ~~إلى زمان مخصوص، فقد بذل ما أوجبه عليه الشارع ولا يلزمه الزيادة على ذلك، ~~لأن الذي تعبد به هو اليمين على أي صفة كانت، ولم يتعبد بأشد الايمان جرما ~~وأعظمها ذنبا. على أنه قد ورد في اليمين التي يقتطع بها حق امرئ مسلم من ~~الوعيد ما ليس عليه من مزيد كما في الباب الذي قبل هذا أنها من الكبائر ومن ~~موجبات النار، وليس في الحلف على منبره صلى الله عليه وآله وسلم وبعد العصر ~~زيادة على هذا، فالحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص ~~أو مكان مخصوص أو بألفاظ مخصوصة. وقد روى ابن رسلان أنهم ليختلفوا في جواز ~~التغليظ على الذمي، فإن صح الاجماع فذاك عند من يقول بحجيته، وإن لم يصح ~~فغاية ما يجوز التغليظ به هو ما ورد في حديث الباب وما يشابهه من التغليظ ~~باللفظ، وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل الذمة مثل أن يطلب ~~منه ms3788 أن يحلف في الكنائس أو نحوها فلا دليل على ذلك. # باب ذم من حلف قبل أن يستحلف عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: ~~يا أيها الناس إني قمت فيكم كقيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا، ~~قال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى ~~يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة ~~إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم PageV09P227 # بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. من ~~أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة. من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن ~~رواه أحمد والترمذي. # قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ~~وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~انتهى. وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه. قوله: أوصيكم بأصحابي قد وقد الاختلاف ~~فيمن يستحق إطلاق اسم الصحابي عليه وهو مبسوط في مواطنه من علم الاصطلاح. ~~قوله: الجابية بالجيم قال في القاموس: هو حوض ضخم والجماعة وقرية بدمشق ~~وباب الجابية من أبوابها انتهى. والمراد هنا القرية. قوله: ثم يفشو الكذب ~~رتب صلى الله عليه وآله وسلم فشو الكذب على انقراض الثالث. فالقرن الذي ~~بعده ثم من بعده إلى القيامة، قد فشا فيهم الكذب بهذا النص. فعلى المتيقظ ~~من حاكم أو عالم أن يبالغ في تعرف أحوال الشهادة والمخبرين، وأن لا يجعل ~~الأصل في ذلك الصدق، لأن كل شهادة وكل خبر قد دخله الاحتمال، ومع دخول ~~الاحتمال يمتنع القبول إلا بعد معرفة صدق المخبر والشاهد بأي دليل. وأقل ~~الأحوال أنه ليس ممن يتجارأ على الكذب ويجازف في أقواله. ومن هذه الحيثية ~~لم يقبل المجهول عند علماء المنقول لأن العدالة ملكة، والملكات مسبوقة ~~بالعدم، فمن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته، لأن الفسق مانع فلا بد من تحقق ~~عدمه. وكذلك الكذب مانع فلا بد من تحقق عدمه كما تقرر في الأصول. وفي ~~الحديث التوصية بخير ms3789 القرون وهم الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. # وقد وعدنا أن نذكر ههنا طرفا من الكلام على ما ورد من معارضة الأحاديث ~~القاضية بأفضلية الصحابة فنقول: قد تقدم في باب من أعلم صاحب الحق بشهادة ~~له عنده، وذم من أدى شهادة من غير مسألة حديث عمران بن حصين وحديث أبي ~~هريرة: أن خير القرون قرنه صلى الله عليه وآله وسلم وفي ذلك دليل على أنهم ~~الخيار من هذه الأمة وأنه لا أكثر خيرا منهم. وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك ~~باعتبار كل فرد فرد. وقال ابن عبد البر: إن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى ~~مجموع الصحابة فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم. وقد أخرج الترمذي ~~بإسناد PageV09P228 # قوي من حديث أنس مرفوعا مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ~~وأخرجه أبو يعلى في مسنده بإسناد ضعيف وصححه ابن حبان من حديث عمار. # وأخرج ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير بإسناد حسن قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليدركن المسيح أقواما إنهم ~~لمثلكم أو خير ثلاثا. ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها ولكنه ~~مرسل، لأن عبد الرحمن تابعي. وأخرج الطيالسي بإسناد ضعيف عن عمر رفعه: أفضل ~~الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولا يروني. وأخرج أحمد ~~والدارمي والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا ~~رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال: قوم يكونون من بعدكم ~~يؤمنون بي ولم يروني وقد صححه الحاكم. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة رفعه: ~~بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء. وأخرج أبو داود ~~والترمذي من حديث ثعلبة رفعه: تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم ~~أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم وجمع الجمهور بأن الصحابة لها فضيلة ~~ومزية لا يوازيها شئ من الأعمال، فلمن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فضيلة الصحبة وإن قصر ms3790 في الأعمال، وفضيلة من بعد الصحابة باعتبار كثرة ~~الأعمال المستلزمة لكثرة الأجور، فحاصل هذا الجمع أن التنصيص على فضيلة ~~الصحابة باعتبار فضيلة الصحبة، وأما باعتبار أعمال الخير فهم كغيرهم قد ~~يوجد فيمن بعدهم من هو أكثر أعمالا منهم أو من بعضهم فيكون أجره باعتبار ~~ذلك أكثر، فكان أفضل من هذه الحيثية، وقد يوجد فيمن بعدهم ممن هو أقل عملا ~~منهم أو من بعضهم فيكون مفضولا من هذه الحيثية، ويشكل على هذا الجمع ما ثبت ~~في الأحاديث الصحيحة في الصحابة بلفظ : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه فإن هذا التفضيل باعتبار خصوص أجور الأعمال لا باعتبار ~~فضيلة الصحبة، ويشكل عليه أيضا حديث ثعلبة المذكور فإنه قال: للعامل فيهن ~~أجر خمسين رجلا ثم بين أن الخمسين من الصحابة، وهذا صريح في أن التفضيل ~~باعتبار الأعمال، فاقتضى الأول أفضلية الصحابة في الأعمال إلى حد يفضل نصف ~~مدهم مثل أحد ذهبا. واقتضى الثاني تفضيل من بعدهم إلى حد يكون أجر العامل ~~أجر خمسين رجلا من الصحابة. وفي بعض ألفاظ حديث ثعلبة: فإن من ورائكم أياما ~~الصبر فيهن كالقبض على الجمر أجر العامل فيهن أجر خمسين رجلا، فقال ~~PageV09P229 # بعض الصحابة: منا يا رسول الله أو منهم؟ فقال: بل منكم فتقرر بما ذكرناه ~~عدم صحة ما جمع به الجمهور. وقال النووي في حديث: أمتي كالمطر أنه يشتبه ~~على الدين يرون عيسى ويدركون زمانه وما فيه من الخير أي الزمانين أفضل، ~~قال: وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: خير القرون ~~قرني ولا يخفى ما في هذا من التعسف الظاهر، والذي أوقعه فيه عدم ذكر فاعل ~~يدري فحمله على هذا، وغفل عن التشبيه بالمطر المفيد لوقوع التردد في ~~الخيرية من كل أحد، والذي يستفاد من مجموع الأحاديث أن للصحابة مزية لا ~~يشاركهم فيها من بعدهم وهي صحبته صلى الله عليه وآله وسلم ومشاهدته والجهاد ~~بين يديه وإنفاذ أوامره ونواهيه، ولمن بعدهم مزية لا يشاركهم الصحابة فيها ~~وهي إيمانهم ms3791 بالغيب في زمان لا يرون فيه الذات الشريفة التي جمعت من ~~المحاسن ما يقود بزمام كل مشاهد إلى الايمان إلا من حقت عليه الشقاوة، وأما ~~باعتبار الأعمال فأعمال الصحابة فاضلة مطلقا من غير تقييد بحالة مخصوصة كما ~~يدل عليه: لو أنفق أحدكم مثل أحد الحديث. إلا أن هذه المزية هي للسابقين ~~منهم، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاطب بهذه المقالة جماعة من ~~الصحابة الذين تأخر إسلامهم كما يشعر بذلك السبب، وفيه قصة مذكورة في كتب ~~الحديث، فالذين قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو أنفق أحدكم مثل ~~أحد ذهبا هم جماعة من الصحابة الذين تأخرت صحبتهم، فكان بين منزلة أول ~~الصحابة وآخرهم أن إنفاق مثل أحد ذهبا من متأخريهم لا يبلغ مثل إنفاق نصف ~~مد من متقدميهم. وأما أعمال من بعد الصحابة فلم يرد ما يدل على كونها أفضل ~~على الاطلاق، إنما ورد ذلك مقيدا بأيام الفتنة وغربة الدين حتى كان أجر ~~الواحد يعدل أجر خمسين رجلا من الصحابة، فيكون هذا مخصصا لعموم ما ورد في ~~أعمال الصحابة، فأعمال الصحابة فاضلة، وأعمال من بعدهم مفضولة إلا في مثل ~~تلك الحالة، ومثل حالة من أدرك المسيح إن صح ذلك المرسل وبانضمام أفضلية ~~الأعمال إلى مزية الصحبة يكونون خير القرون، ويكون قوله: لا يدرى خير أوله ~~أم آخره باعتبار أن في المتأخرين من يكون بتلك المثابة من كون أجر خمسين، ~~هذا باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار غيرها فلكل طائفة مزية كما تقدم ~~ذكره، لكن مزية الصحابة فاضلة مطلقا باعتبار مجموع القرن لحديث: خير القرون ~~قرني فإذا اعتبرت كل قرن قرن ووازنت بين مجموع القرن الأول مثلا ثم الثاني ~~PageV09P230 # ثم كذلك إلى انقراض العالم فالصحابة خير القرون، ولا ينافي هذا تفضيل ~~الواحد من أهل قرن أو الجماعة على الواحد أو الجماعة من أهل قرن آخر، فإن ~~قلت: ظاهر الحديث المتقدم أن أبي عبيدة قال: يا رسول الله أحد خير منا ~~أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ فقال: قوم يكونون من بعدكم ms3792 يؤمنون بي ولا يروني ~~يقتضي تفضيل مجموع قرن هؤلاء على مجموع قرن الصحابة. قلت: ليس في هذا ~~الحديث ما يفيد تفضيل المجموع على المجموع، وإن سلم ذلك وجب المصير إلى ~~الترجيح لتعذر الجمع، ولا شك أن حديث: خير القرون قرني أرجح من هذا الحديث ~~بمسافات لو لم يكن إلا كونه في الصحيحين، وكونه ثابتا من طرق، وكونه متلقى ~~بالقبول، فظهر بهذا وجه الفرق بين المزيتين من غير نظف إلى الأعمال، كما ~~ظهر وجه الجمع باعتبار الأعمال على ما تقدم تقريره، فلم يبق ههنا إشكال ~~والله أعلم. قوله: # لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان سبب ذلك أن الرجل يرغب إلى ~~المرأة لما جبل عليه من الميل إليها، لما ركب فيه من شهوة النكاح، وكذلك ~~المرأة ترغب إلى الرجل، لذلك فمع ذلك يجد الشيطان السبيل إلى إثارة شهوة كل ~~واحد منهما إلى الآخر فتقع المعصية. قوله: بحبوحة الجنة قال في النهاية: ~~بحبوحة الدار وسطها ، يقال: بحبح إذا تمكن وتوسط المنزل، والمقام والبحبوحة ~~بمهملتين وموحدتين، والمراد أن لزوم الجماعة سبب الكون في بحبوحة الجنة، ~~لأن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار كما ثبت في الحديث. قوله: من ~~سره حسنته الخ، فيه دليل على أن السرور لأجل الحسنة، والحزن لأجل السيئة من ~~خصال الايمان، لأن من ليس من أهل الايمان لا يبالي أحسن أم أساء. وأما من ~~كان صحيح الايمان خالص الدين فإنه لا يزال من سيئته في غم لعلمه بأنه مأخوذ ~~بها محاسب عليها، ولا يزال من حسنته في سرور، لأنه يعلم أنها مدخرة له في ~~صحائفه، فلا يزال حريصا على ذلك حتى يوفقه الله عز وجل لحسن الخاتمة. والى ~~هنا انتهى الشرح الموسوم تبيل الأوطار من أسرار منتقى الاخبار بعناية مؤلفه ~~(محمد بن علي بن محمد الشوكاني) غفر الله له ذنوبه وستر عيوبه وتقبل أعماله ~~وأصلح أقواله وأفعاله وخم له بخير ودفع عنه كل بؤس وضير. وصلى الله على ~~سيرنا محمد وعلى آله وسلم. # (تم) PageV09P231 # الحمد لله ms3793 الذي أمتن علينا بنعمتي الايمان والاسلام وهدانا إلى شريعته ~~التي هي أتم الشرائع وخاتمتها. والصلاة والسلام على من بمتابعته تفتح أبواب ~~الجنان وتفلق دونه أبواب النيران باذن الواحة القهار * وعلى آله أصحابه ~~ومتابعيه الذين ما مالوا عن سبيل هديه ما وجدوا إليه سبيلا * اما بعد فيقول ~~عبد الله وابن أمته محمد منير بن عبده آغا الدمشقي الأزهري قد وفقني الله ~~سبحانه وتعالى إلى اتمام طبع كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الاخبار من أحاديث ~~سيد الأخيار للعالم العلامة والحبر البحر الفهامة أقضى قضاة القطر اليماني ~~المجتهد الإمام محمد بن علي الشوكاني وذلك في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ~~بعد الألف وما آليت جهدي في تصحيحه ومراجعة أصوله مع مساعدة لجنة من علماء ~~العصر الحاضر قبل الطبع ووضع حواشي عليه عند الحاجة فجاء بحمد الله وعظم ~~إنعامه غاية في الصحة مع بذل المجهود في انتقاء الورق وحسن الحروف ولما تم ~~طبعه أشار إلينا جملة من خيار أهل العلم بمراجعته بعد طبعه على أصوله لئلا ~~يكون وقع خلل في أثناء الطبع من الأغلاط المطبعية التي قل ان يسلم منها ~~كتاب فاخترنا لجنة من خيار علماء الأزهر ونبغائها لذلك وبعد المقابلة وعرض ~~هذه النسخة على الأصول استدركنا أغلاطا مطبعية فوضعنا ها لتصحح بالقلم وهذا ~~العمل قل من يصنعه بل لربما عدوه عيبا كبيرا فيتركه ويرعى ان هذا يحط من ~~قيمة النسخة ولا ينفق سوق بيعها في عالم المطبوعات وهذا ما يدعيه جل باعة ~~الكتب الذين لا ينتسبون إلى العلم. وهذا ادعا فاسد ودعوى كاذبة لأن العلم ~~أمانة فيجب على من رأى غلطا ان يصلحه ويبينه وهذه عادتنا فلا يغرنك أيها ~~المطلع قبل اطلاعك على هذه النسخة مقالة هؤلاء المغالطين فإنك لو اطلعت على ~~مطبوعات غيرنا لوجدت فيها تحريفا كثيرا وتصحيفا وحذفا لا يمكنك الاهتداء ~~إليه الا بتكلف إذا كنت من أهل النقد والفكر الثاقب * مدير إدارة الطباعة ~~المنيرية محمد منير الدمشقي من علماء الأزهر# PageV09P232 #####ENDNOTES# ms3794