######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shamela_0035276
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: علي بن عبد السلام بن علي، أبو الحسن التسولي المالكي (المتوفى: 1258هـ)
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1258
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: الفتاوى
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shamela_0035276
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-35276
#META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/35276
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: عبد اللطيف أحمد الشيخ محمد صالح
#META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى - 1996
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: دار الغرب الإسلامي
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: NODATA
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم
# وصلى الله على (سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم)
# الحمد لله الذي لا نشرك به أحدا، ولا نجد من دونه ملتحدا، مبتلي قلوب
~~المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب، ويعلم أيها أقوى جلدا.
# والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنقذنا من الهلاك والردى، وتكفل
~~بالشفاعة غدا، ضارب هام 2 العداء، ومجاهد من حاد عن طريق الهدى، وقاتل من
~~اتخذ مع الله ولدا، وعلى آله وأصحابه الذين لم ترعهم الكتائب- الوافرة، وإن
~~كانوا هم أقل عددا، ولا أهالتهم 3 الأمم الكافرة، وإن كانوا أكثر جمعا
~~وأظهر عدا وعددا.
# وبعد:
# فقد كان قبل هذه الأيام، ورد من ناحية أعمال الجزائر أعادها الله دار
~~إسلام، كتاب من خليفتها- المجاهد في سبيل رب العالمين- سيدي الحاج- عبد
~~القادر ابن محيي الدين- أيد الله كتائبه- وجعل (النصر) 4 عونه مظاهره
~~PageV01P099
# (ومصاحبه 1 - متضمنا للسؤال عن مسائل 2 (كما ستراه بعد وتقف عليه) 3.
# ولما وقف (عليه) 4 مولانا الإمام- كهف الإسلام، وملاذ الخاص والعام- كافل
~~أمة سيدنا محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- وقامع طواغيت الشرك بالسنان 5
~~والحسام 6 - أمير المؤمنين- الآخذ لراية الكتاب [1/أ] السنة باليمين، نجل
~~الملوك العظام- المنصور بالله مولانا- عبد الرحمن بن هشام 7 - أدام الله
~~أيامه بعزيز داره ونصر (مبين) 8 يتصل به عن المولى الكريم اعداده. كلف هذا
~~العبد الحقير- المعترف بالعجز والتقصير- أن يجيب عن تلك المسائل بحسب ما
~~يراه، فامتثل وأجاب عن ذلك بجواب دال بحسب فحواه: على أن المجيب استفرغ فيه
~~ما هو عنده في سره ونجواه، وكان- نصره الله- أمر بالاختصار في الجواب وعدم
~~التطويل فيه والإطناب.
# ثم لما (طولع) 9 به وهو على ما هو عليه- أيده الله- من الشغف 10 بمحبة
~~العلم، والتلهف على بثه، وغاية الحرص على إذاعته في الآفاق ونشره،
~~والمبالغة في التنفير (عن) 11 البدع المحدثات، وقمع الملحدين المعتدين ذوي
~~الجرأة والتعصبات، والذب PageV01P100
# عن الحنفية السمحاء وحياطتها 1، وقمع من يلحظها لعين الاعتداء والإزراء
~~بها، رأي: أن الجواب المذكور في غاية الاختصار والقصور 2.
# فأمر المجيب أمرا ثانيا: بأن يجعله تأليفا ليحيط بجميع معانيه، ويطلق في
~~ذلك عنان القول ms001 ليبرىء العليل ويشفيه، ويوسع في الجواب، ويتعرض لجميع
~~متعلقاته ليحيط بصوب الصواب، [1/ب] فقلت- ممتثلا الجواب عن هذه المسائل
~~التي عظم موقعها من دين الإسلام، وتأكد الاعتناء بمتعلقاتها 3 على التمام-:
# (يتوقف على تبحر في الفقه (وتضلع في) 4 قواعده، وباع واسع في تحرير
~~دقائقه ونوازله، وأنى للقاصر مثلي بجوابها، وتحصيل دقائق فروعها وأصولها،
~~فالخوض فيها لقاصر العلم مثلي خطر، والكشف عن لثامها 5 مع كلالة 6 الذهن
~~صعب عسير، ولكن للأمر (المولوي) 7 تكلفت الجواب عنها- ثانيا- على قدر نظري
~~القصير، لأن المسافر الجاد في السير قد أرخص له في التفسير وبالله سبحانه
~~الاستعانة، وهو نعم المولى ونعم النصير). PageV01P101
### | نص السؤال
# الحمد لله، سادتنا الأعلام، أئمة الهدى ومصابيح الظلام، فقهاء الحضرة
~~الإدريسية، ومرمى 1 المطالب ومحط الرحال العيسية، أطباء أدواء الدين ومحقون
~~حقه ومبطلون باطله، ومنتجون قضاياه المتخلية عقيمة 2 وباطلة.
# جوابكم- أبقاكم الله- فيما عظم به الخطب 3، واشتد به الكرب، بوطن الجزائر
~~الذي صار لقربان الكفر جزائره، وذلك أن العدو الكافر يحاول ملك المسلمين مع
~~استرقاقهم، تارة بالسيف وتارة بحبال سياستهم، ومن المسلمين من يداخلهم
~~ويبايعهم، ويجلب (لهم) 4 الخيل ولا يبخل من دلالتهم على عورات المسلمين
~~ويطالعهم، ومن أحياء العرب المجاورين لهم من يفعل ذلك، ويتمالؤون على
~~الجحود والإنكار، فإذا طولبوا بتعيينه جعجعوا 5، والحال أنهم يعلمون منهم
~~الأعين والآثار.
# فما حكم الله في الفريقين في أنفسهم وأموالهم؟ فهل لهم من عقاب أم يتركون
~~على حالهم؟. PageV01P102
# وما الحكم فيمن يتخلف في المدافعة عن الحريم والأولاد إذا استنفر 1 نائب
~~الإمام الناس للدفاع والجلاد؟ فهل يعاقبون؟ وكيف عقابهم، ولا يتأتى بغير
~~قتالهم؟ وهل تؤخذ أموالهم وأسلابهم؟ 2. [2/أ]
# وكيف العمل فيمن يمنع الزكاة، أو يمنع بعضها، مع التحقق بعمارة ذمته في
~~الحال؟ فهل يصدق مع قلة الدين في هذا الزمان؟ أم يكون الاجتهاد فيه مجال؟.
# ومن أين يرتزق الجيش المدافع عن المسلمين، الساد 3 ثغورهم 4 عن المغيرين
~~ولا بيت مال، وما يجمع من الزكاة لا يفي بشبعهم، فضلا عن كسوتهم وسلاحهم
~~وخيلهم ومؤنتهم وزيهم؟. ms002
# فهل يترك فيستبيح 5 الكافر الوطن؟ أم يكون ما يلزمهم على جماعة المسلمين؟
~~وإذا كان فهل على العموم؟ (أم) 6 على الأغنياء (فقط)؟ ولا PageV01P103
# (يمكن) 1 اختصاص الأغنياء لجفوة 2 الأعراب وجهلهم؟.
# وهل يعد مانع المعونة باغ 3 أم لا؟ وما حكم أحوال البغاة؟. وهل القول
~~بعدم ردها يجوز العمل به، أم لا؟!.
# أجيبوا عما ذكرنا، وعما يناسب المقام والحال مما لم يحضرنا، وداووا
~~عللنا- أبقاكم الله- فقد ضاق من هذه الأمور الضرع، وكاد القائم بأمر
~~المسلمين- لضيق الأسباب- أن يتخلف عن الأمر، ويطرح (ثوب) الامارة والدرع-
~~مأجورين، والسلام.
# في التاسع عشر من ذي الحجة عام اثنين وخمسين ومائتين وألف، عن إذن الحاج
~~عبد القادر محيي الدين. PageV01P104
### | ونص الجواب
# الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله.
# أما
### | المسألة الأولى
# : ففيها فصول:
# الفصل الأول: فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في الحرمات والعصيان
# الفصل الثاني: في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب، وغيرهم ممن يستحق
~~العقاب.
# الفصل الثالث: في كون الرجل يؤاخذ بجريرة 1 قومه، (كما يؤاخذ بجريرته) 2.
~~[2/ب]
# الفصل الرابع: فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحل لنا أن نمكنهم بوجه من
~~تناوله.
# الفصل الخامس: في معاقبة العاصي بالمال، وما فيه من الخلاف في القديم
~~والحال.
# الفصل السادس: في زيادة تحقيق بعض ما تقدم، وكيفية إجرائه على المنصوص
~~المسلم.
# الفصل السابع: في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفية سيرته
~~مع رعيته ومع العمال 3 لديه. PageV01P105
# وأما المسألة الثانية: ففيها فصلان:
# الفصل الأول: في حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزيز
~~الجبار.
# الفصل الثاني: فيما ينبغي فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره من الرعية،
~~وكيفية التدريب للحروب، وذكر مكائديها يظفر الإمام بالمرغوب.
# وأما المسألة الثالثة: فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها
~~1.
# وأما المسألة الرابعة: ففيها أربعة فصول:
# الفصل الأول: فيما يجب على الإمام من إجبار الرعية على الاستعداد، لأن
~~العدو دائما له بالمرصاد.
# الفصل الثاني: في جواز صلح العدو إن كان مطلوبا، وعدم جوازه إن كان
~~طالبا. ms003
# الفصل الثالث: فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، ووجوب المعونة
~~بالأبدان إن افتقر 2 إليها في الحال.
# الفصل الرابع: في حكم من ساكن العدو الكفور، ورضي بالمقام معهم في تلك
~~الثغور.
# وأما المسألة الخامسة: فلا شيء يتعلق بها، بل هي قائمة بنفسها.
# وبجميع هذه الفصول يتم ما أشرقم إليه في آخر السؤال من قولكم: (أجيبوا
~~عما ذكرنا وعما يناسب المقام مما لم يحضرنا وداووا عللنا ... إلخ .. ).
~~PageV01P106
#
### | المسألة الأولى
### | الفصل الأول
# فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في
# الحرمات والعميان
# إعلم أنه لا يخفى أن غالب قبائل
~~الزمان، كما هو شاهد بالعيان، بحيث لا يمكن أن يختلف فيه إثنان، (متواطئون)
~~1 (على) 2 الانهماك في العصيان، [3/أ] إذ لا تجد قبيلة في الغالب إلا وهي
~~تحمي أفرادها، وتتعصب (لهم) 3، ولا يتناهون فيما بينهم عن منكر فعلوه، ولا
~~يسمحون بجريرهم ومذنبيهم، ولا يجبرونهم على الذهاب للشريعة المطهرة إن
~~رفعهم المغصوب والمنهوب إليها، بل وإن أرسل الحاكم إلى جريرهم (كتموا) 4
~~عليه وأخفوه، وردوا الرسول خائبا وربما حاربوه وطردوه. وينصبون الغارات
~~ويقطعون الطرقات، ولا يردهم عما هم عليه من PageV01P107
# ارتكتاب الشهوات، والانهماك في الحرمات 1، إلا أقوى الأيادى 2 الزاجرة
~~للطغاة والعتاة 3، ولأجل هذا المعنى قالوا: (إن الله يدفع بالسلطان ما لا
~~يدفع بالقرآن) 4.
# قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} أي: لو أن
~~الله أقام السلطان في الأرض، لدفع القوي عن الضعيف، لفسدت الأرض بتواثب
~~الخلق بعضهم على بعض، فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم قرار. ولا زال
~~الأئمة قديما وحديثا يندبون السلاطين، ويحثونهم على قتال من اتصف من
~~القبائل أو غيرهم بتلك الصفات.
# وعليه فما ذكرقموه من كونهم متمالئون على الإنكار، مع علمهم بالأعين
~~والآثار 5، صحيح بحسب ما علم من قبائل الزمان، فإن أعلنوا ذلك وأشهروه 6،
~~فالواجب قتالهم ومعاقبتهم، لأنهم حينئذ مخالفون لأهل الإسلام.
# وقد قال الإمام "ابن العربي" 7:- كما يأتي- (قد اتفقت الأئمة على أن من
~~PageV01P108
# يفعل المعصية يقاتل عليها ويحارب) 1 ms004 اه.
# ولا معصية أعظم مما وصفتم به أولئك القبائل، إذ المعصية شاملة لذلك
~~وللغصب والعمل بالربا وترك الجماعة والجمعة والأذان وغير ذلك، كما صرح به
~~هو بنفسه 2 عند قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون اللة [3/ب] ورسوله}
~~3، الآية.
# ومن ذلك ما ذكره "البرزلي" 4 قائلا: (نزلت (الأعراب) 5 على تونس يريدون
~~دخول الغابة لإفساد كرومها 6 على عادتهم الفاسدة للتضييق على المسلمين) 7.
# قال: (فندب شيخنا الإمام- رحمه الله- الناس إلى قتالهم، وذكرهم قول 8
~~PageV01P109
# مالك 1، وما ورد في كمال المحارين 2 المخالفين على أهل الإسلام، وأراد أن
~~يستعين بمشيخة الوقت فلم (يساعفوه) 3 محتجين بأن الناس ليس لهم بمدافعتهم
~~طاقة، إذ لم تكن لهم معرفة بالحروب، مع تركب الأعراب عليهم في غالب
~~الأوقات، مع ضعف جيش المسلمين عن مدافعتهم، فقال لهم شيخنا الإمام: لو
~~كانوا على قلب واحد لغلبوهم، ولكن ضعف الإيمان حمل الناس على العجز عن
~~قتالهم، إذ لا يقابلهم إلا أهل PageV01P110
# الدين، وأهله قد قلوا في هذا الزمان 1.
# قال: (وقد إختار الخليفة- نصره الله- ما قاله شيخنا الإمام، وكان فيه
~~شجاعة وإقدام، فقاتلهم وحده بجيشه- بارك الله فيه- حتى غلبهم وسباهم، وترك
~~جلهم (عرايا) 2 اه 3.
# فانظروا إلى قوله: (على عادتهم) وإلى قوله: (وأهله قد قلوا).
# وكذا أفتى كثير من الفقهاء المعتبرين بقتال هؤلاء القبائل المجاورين
~~"لفاس" ونحوها، لما هم عليه من الأوصاف المتقدمة، ووافق على ذلك الشيخ
~~"ميارة" 4، والإمام "الأبار" 5، والشيخ "عبد القادر الفاسي" 6، وغيرهم.
# وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم، وغابة الزيتون كما مر، فكيف لا بمن
~~PageV01P111
# يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار،
~~فهم أسوأ حالا من المحاربين، لأنهم تولوا الكفار، ومن يتول الكفار فهو
~~منهم، وسيأتي حكم) أموالهم) 1 في الفصل الأول 2 من المسألة الثانية، وفي
~~آخر مسألة 3 من مسائل السؤال، هذا كله إن أشهروا ذلك [4/أ] وأعلنوه كما
~~مر!.
# وأما إن لم يشهروه ولا أعلنوه، ولكن اتهموا بذلك فقط، فالتهمة قوية لا شك
~~في قوتها، من مثل هؤلاء القبائل لشهرتهم بذلك، فيجرى ms005 حكمهم على قول صاحب
~~"التبصرة"،4 ما نصه: (المتهم بالفجور وقطع الطريق، والسرقة والزنا- أي
~~وكتمان الجواسيس والغصاب، ونحو ذلك- لا بد أن يكشف ويستقصى 3 أمره بقدر
~~تهمته وشهرته بذلك، وربما كان الكشف بالضرب، أو بالسجن دون الضرب على قدر
~~ما اشتهر منه) 6. PageV01P112
# قال: (وليس تحليفه وإرساله مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو
~~حلفنا كل واحد وأطلقناه وخفينا سبيله، وقلنا: لا نأخذ إلا بشاهدي عدل، كان
~~فعل ذلك مخالفا للسياسة الشرعية، ومن ظن تحليفه وإرساله، فقد غلط غلطا
~~فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة) 1.
# ثم قال: (واعلم أن هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه) 2.
# وقال "القرافي" 3 في "ذخيرته": (إعلم أن التوسعة على الحكام في أحكام
~~السياسة ليس مخالفا للشرع، لأن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول) 4
~~اه. الغرض منه.
# وعليه فإذا كان المتهم بما أشرقم إليه عددا معينا، كما يفهم من قولكم:
~~(ومن أحياء العرب من يفعل ذلك) فحكمه ما تقدم، وسيأتي مزيد بيان، لذلك في
~~الفصل السادس. PageV01P113
# وأما إن لم يكن المتهم بما أشرقم إليه معينا في ناحية، ولا محصورا في عدد
~~معلوم، وإنما غلب على الظن أن من أفراد القبيلة من يفعل ذلك، ولا يدري من
~~هو، فالواجب (- فيما إذا لم يكن المتهم معينا-) 1 وهو غاية المقدور- أن
~~يتقدم الإمام إليهم، ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وغصابهم وتجارهم، ويخبرهم
~~[4/ب] بأنه إن ظفر بجاسوس منهم، أو بغاصب، أو بمن يبيع شيئا لهم، حلت عقوبة
~~جميعهم، وغرمهم جميع ما (نهب) 2 أو غصب مثلا.
# إذ لا (يحرس) 3 الجاسوس أو السارق (أو) 4 والغاصب غير أخيه الذي يساكنه
~~أو 5 يجاوره، ولا يشك عاقل أن القبائل (والمداشر) 6 لا يخفى عليهم ذهاب
~~جواسيسهم، ولا إيابهم، ولا مكاتبتهم، ولا غصابهم، ولا سراقهم، ولا يخفى أن
~~الإمام إذا تقدم إليهم وألزمهم 7 بما ذكر، فلا إشكال أنهم يتأهبون لحراسة
~~من ذكر، ويشمرون 8 عن ساق الجد في ذلك، ويتناهون فيما بينهم عن المفاسد 9 ms006
~~دفعا للعقوبة التي تلزمهم من الإمام.
# ثم بعد تقدم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد 10 على الطرقات
~~PageV01P114
# من أهل الثقات، العارفين (بمغابن) 1 الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر
~~خفية منهم، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممن كلفهم بحراسة، أو ثبت على
~~أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بينة، فلا إشكال أنه يحل له عقوبة الجميع.
# أما عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة، قال "خليل" 2: (وقتل
~~عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق) 3.
# وقال "ابن رشد" 4: (لأن مفسدته أعظم من مفسدة المحارب) 5. PageV01P115
# وأما التاجر إليهم فهو قريب من الجاسوس أو عينه، لأن الغالب عليه أن
~~النصارى يسألونه عن أحوال المسلمين، ولا يجد بدا من جوابهم، ولأنه يعينهم
~~بما نقل إليهم من أنواع المتاجر ولاسيما السلاح، ومن أعانهم فقد أشرك في
~~دماء المسلمين- كما يأتي-.
# وقد أفتى سيدي "محمد بن سودة"، والشيخ "ميارة " والإمام "الأبار" حسبما
~~في "نوازل الزياتي": (يقتل من باع مملوكا للعدو، حيث كان لا ينفك 1 عن
~~فساده إلا بالقتل، لأنه من أهل العبث 2 وإدخال الضرر على المسلمين) اه.
# فحكم هذا التاجر كذلك إن كان لا ينفك (إلا به) 3، وإلا فالعقوبة [5/أ]
~~عليه في ماله أو بدنه- على ما يأتي في فصل العقوبة بالمال-4.
# وأما الكاتمون للجواسيس والغصاب والمفرطون 5 في حراستهم من إخوانهم بعد
~~التقدم إليهم، فعقوبتهم واجبة ولا يستحقون قتلا، وإنما وجبت عقوبتهم لأن
~~حرس الجواسيس ونحوهم من المتلبسين بالتجارة إليهم، جهاد يتعين بتعيين
~~الإمام.
# [قال] "خليل": (وتعين بتعيين الإمام، وإن على إمرأة) 6 باختصار.
~~PageV01P116
# وهؤلاء الكاتمون والمفرطون، قد عينهم الإمام للحراسة للجواسيس ونحوهم،
~~فخالفوا وكتموا 1 وفرطوا، فحيث افتضح أمرهم بنقض بعض ما كلفوا بحراسته
~~تحققت تهمتهم وظلمهم ولزمهم العقاب، لأنهم بالمخالفة والكتمان عصوا الله
~~ورسوله، ووجب عقابهم- كما يأتي دليله في الفصل بعده- ووجب أيضا مؤاخذة
~~بعضهم ببعض- كما يأتي في الفصل الثالث- والله أعلم. PageV01P117
#
### | الفصل الثاني
# في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب
# وغيرهم ممن يستحق العقاب
# اعلم أنه لا يخفى ms007 أن كل من تلبس
~~بمعصية توعد الله عليها بالعقاب الأخروي، فإن الإمام يجب عليه أن يعاقب
~~فاعلها، كان فيها مع ذلك حق لآدمي، ككتمان الجواسيس والغصاب وحمايتهم
~~والتعصب عليهم، لما في ذلك من الفساد وإدخال الضرر على المسلمين في دينهم
~~ودنياهم، أو تمحض فيها حق الله فقط، كالأكل في نهار رمضان، وترك الصلاة
~~وإقامة الأذان، وترك النهي عن المناكر مع القدرة، أو عدم هجرتهم مع عدم
~~القدرة، لأن "من رضي فعل قوم فهو منهم" 1، إذ سبب هلاك الأمم السابقة
~~وخزيهم ولعنهم، أنهم كانوا [5/ب] لا يتناهون عن المناكرة قال تعالى: {لعن
~~الذين كفروا من بني إسرائيل ... إلى قوله: كانوا لا يتناةون عن منكر فعلوه}
~~2. PageV01P118
# قال الإمام "القرطبي" 1، و"ابن عطة" 2 - "في تفسيرهما"- ما نصه: (قال "
~~قتادة" 3، و "مجاهد" 4: لعنهم: مسخهم 5 قردة) 6.
# قالا: (وقد ذم الله هؤلاء القوم لتركهم النهي عن المنكر، وكذا يذم من
~~بعدهم ممق فعل فعلهم. PageV01P119
# خرج أبو داود 1، عن عبد الله بن مسعود 2، قال: قال رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم -: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل»، كان الرجل يلقى الرجل
~~فيقول: (يا هذا) 3؟ اتق الله!، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه [من
~~الغد] 4 فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب
~~الله قلوب بعضهم ببعض، وقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... إلى
~~قوله: فاسقون} 5 ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر،
~~ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، (ولتقصرنه 6 على الحق
~~قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم" 7 ومعنى
~~لتأطرنه أي: (لتردنه) 8 اه. لفظه. PageV01P120
# فأنتم ترون هذا الزجر الغليظ، والوعيد الفضيع، حتى قال- عليه الصلاة
~~والسلام-: "والله إما أن تأمروا بالمعروف وتردوا الظالم إلى الحق، وإما أن
~~يضرب الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" فقوله في الحديث
~~الكريم: "أو ليضربن الله ... إلخ" قسيم قوله: "لتأمرن ... إلخ".
# قال في "الكشاف": قوله تعالى: {ذلك ms008 بما عصوا} 2 أي: لم يكن ذلك اللعن
~~الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشيءآخر، ثم فسر
~~المعصية [6/أ] والاعتداء بقوله: {كانوا لا يتناةون (عن منكر) 3} 4 - أي- لا
~~ينهى بعضهم بعضا، ثم قال: {لبئس ما كانوا يفعلون} 5 للتعجب من سوء فعلهم،
~~مؤكدا لذلك بالقسم) 6.
# قال: (فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر، وقلة
~~عبئهم 7 به، كأنه (ليس) 8 من ملة الإسلام، مع ما يتلون من كتاب الله، وما
~~فيه PageV01P121
# من المبالغات في هذا الباب) 1 اه.
# وقال- تعالى-: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} 2.
# قال "البيضاوي " 3: (أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون: هو الميل
~~القليل كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم، وإذا كان الركون إلى من وجد فيه ما
~~يسمى ظلما يلحقه هذا الوعيد، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين
~~بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيهه) 4 اه.
# وقال "ابن عطية": ("ولا تركنوا" يقال: ركن يركن، ومعناه السكون إلى الشيء
~~والرضي به، فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره) اه. الغرض منه.
# وقال في "الكشاف": ("ولا تركنوا" متناول الانحطاط 5 في هواهم، والانقطاع
~~إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم 6، والرضي بأعمالهم،
~~والتشبه بهم، والتزي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم [وذكرهم] 7 بما فيه تعظيم
~~لهم) 8.
# قال: (وتأمل قوله: "ولا تركنوا" فإن الركون هو: الميل اليسير، وهذا
~~PageV01P122
# فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالمه) 1.
# قال: (وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دعا لظالم بالبقاء،
~~فقد (أحب) 2 أن يعصي (الله) 3 في أرضه" 4.
# ولقد سئل "سفيان الثوري" 3 عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى
~~شربة من ماء؟ فقال: (لا، فقيل له: يموت، فقال له: دعه يموت) 6 اه. [6/ب]
# وإذا كان هذا الوعيد الفظيع لاحقا لمن لا يتناهى عن المناكر، فضلا عمن
~~يباشرها كهؤلاء القبائل الذين وصفتهم، أو لمن ركن إلى الظالم الركون اليسير
~~فكيف بمن يكتم على الجواسيس والغصاب والتجار ms009 الحربيين ونحوهم، ويطعمهم
~~PageV01P123
# أو يساكنهم، أو يأوون إليه فيجالسهم أو يحسن إليهم أو يواسيهم، وكيف
~~بالتعصب عليهم ومنع الإمام من الانتصاف 1 منهم، فلو لم يكن إلا واحد من هذه
~~الأمور لكفي به معصية، فكيف بجميعه أو غالبه!.
# وهذا كله فيمن لم يباشر- لأنه بكتمه أو تعصبه أو مجالسته لهم أو مساكنته
~~ونحو ذلك، مع عدم التغيير عليهم إن قدر، أو خروجه من بينهم إن لم يقدر 2 -
~~راض بفعلهم معين لهم بذلك على الاستمرار في معصيتهم، "ومن رضي فعل قوم فهو
~~منهم" 3، ولذلك استوجبوا ما تقدم من العقاب في الآيتين الكريمتين، فكيف
~~بالمباشرة منهم!.
# ولذا قال الفقهاء- كما في "ابن عرفة 4 وغيره-: (تحرم الإقامة والسكنى بين
~~قوم لا يتناهون عن المناكر، ولا زاجر لهم يزجرهم عنها، وإن لم يباشر هو
~~معهم ما هم عليه، وتجب عليه هجرتهم، قال تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة
~~فتةاجروا فيةا}) 5.
# قالوا: (وهو ساقط الإمامة والشهادة بعدم (الهجرة) 7.6. PageV01P124
# وحينئذ فلا مؤاخذة على الإمام، حيث وآخذه من جملتهم، وقاتله أو عاقبه
~~معهم بمال أو غيره- على ما يأتي في الفصل بعده- ولا سيما، حيث تقدم إليهم
~~وأخبرهم: بأن من لم يرض بفعلهم فليخرج عنهم- على أنه لا يحتاج للتقدم
~~المذكور- لأن كل من ساكن قوما، يعلم أنه ينوبه ما ينوبهم من شر أو غيره.
# وقد قالوا: (شاع مثل هذا الفساد حتى في الحواضر 1، فتجد أهل [7/أ]
~~(الحارة) 2 والحومة يحمون فسادهم ويكتمون عليهم، ويجالسونهم ولا ينهونهم
~~عما هم عليه).
# وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: إن كان
~~مظلوما فنعم، وإن كان ظالما، فكيف ننصره؟ فقال: نصره أن تمنعه من ظلمه" 3.
~~PageV01P125
# وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
~~1.
# والكتمان على الجواسيس والغصاب، أو عدم التناهي عن المناكر، أو مخالطتهم
~~إثم وعدوان، فكيف بحمايتهم أو مواساتهم كما هو الموجود من أهل الفساد!.
# وقال "ابن العربي" - عند قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون اللة
~~ورسوله ... }: (فقد اتفقت الأئمة الأربعة على أن من يفعل ms010 المعصية يقاتل
~~ويحارب، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، أو على ترك الجماعة، أو
~~تعطل الجمعة، أو ترك الآذان، فإنهم يقاتلون على ذلك) 2.
# والمراد منه قوله: (من يفعل المعصية، لأن المعصية شاملة لجميع ما تقدم
~~وغيره، ولا خصوصية لما مثل به.
# وهذا الفصل كله داخل تحت قول الشيخ "خليل": (وعزر 3 الإمام لمعصية الله،
~~أو لحق آدمي ... إلى قوله: وإن زاد على الحد-، أو أتى على النفس ... إلخ)
~~4. PageV01P126
# قال في "العتيبة" 1: (قد أمر مالك: بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد،
~~قد جرد، وضمه إلى صدره، أربعمائة سوط، فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك)
~~2.
# فهذه النصوص كلها صريحة في وجوب العقاب، لمن ارتكب معصية، كتمانا كانت أو
~~غيره، وهل يعدل عن التعزير إلى إغرامه المال؟ سيأتي ذلك مبينا في الفصل
~~الخامس- إن شاء الله- والله أعلم. [7/ب] PageV01P127
#
### | الفصل الثالث
# في كون الرجل يؤاخذ بجريرة قومه كما يؤاخذ بجريرته
# روى مسلم، في "صحيحه " وغيره، عن
~~"عمران بن حصين": "أن "ثقيفا" 1 كانت خلفاء "بني غفا" 2 في الجاهلية، فأصاب
~~المسلمين رجلا من بني غفار ومعه ناقة له، وأتوا به (إلى) 3 النبي - صلى
~~الله عليه وسلم - فقال: يا محمد!، بم أخذتني، وأخذت (سابقة) 4 الحاج 5،
~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف)، وكانوا أسروا
~~رجلين من المسلمين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمر به وهو محبوس،
~~فيقول: يا محمد!: إني لمسلم، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: (لو قلت ذلك،
~~وأنت تملك أمرك لأفلحت) ففداه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرجلين من
~~المسلمين، وأمسك الناقة لنفسه 6 اه. PageV01P128
# ونقله ابن العربي في "الأحكام" في سورة البقرة عند قوله تعالى: {فإن
~~انتةوا فإن اللة غفور رحيم 1} 2، ونقله في "التبصرة" 3 مسلما محتجا به، على
~~أن ذلك من أحكام) السياسة) 4.
# قالوا: (وهو معارض لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 3 أي: لا تؤخذ
~~نفس بذنب غيرها) 6.
# قال "المازري" 7: (أجاب الناس عن الحديث الكريم بثلاثة أجوبة: ms011
# أحدها: أن يكونوا عوهدوا على أن لا يتعرضوا لأصحاب سيدنا محمد، لا هم ولا
~~حلفاؤهم 8، فنقض حلفاؤهم العهد، ورضوا هم بذلك، فاستبيحوا.
# والثاني: أنهم كانوا لا عهد لهم، فهم على الإباحة.
# والثالث: أن في الكلام حذفا، ومعناه: "أخذتك لنفادي بك من PageV01P129
# حلفائك" 1 اه.
# وكان "ابن فرحون": لم يرتض شيئا من هذه الأجوبة، واعتمد على الجواب الأول
~~منها، فلذلك احتج بالحديث وساقه، لأنه: المذهب على جواز أخذ الرجل بجريرة
~~قومه 2.
# وقال "الأبي" 3 - كما نقله شارح 4 نظم العمل-5: (كان الشيخ [8/أ] "ابن
~~عرفة" يقول: هذا الحديث أصل في هذا الحكم، وهو: أخذ الحليف بجريرة
~~PageV01P130
# حليفه، وإن لم يجرم 1 إلا كونه حليفا فقط) 2 أه.
# قلت: وهو يريد ما لابن فرحون.
# وبيان ذلك: أن هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة أوجه:
# أحدها: أن يكون الغير ممن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا يتعصب
~~عليه، ولا ينكف المذنب عن ذنبه بتغريم ذلك الغير، فهذا هو الذي لا يؤاخذ
~~ذلك الغير بذنبه كتابا وسنة وإجماعا، كان الغير قربيا للمذنب أو غيره، وهو
~~محل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 3.
# ثانيها: أن يكون ذلك الغير ممن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا
~~يتعصب عليه- كالقسم الذي قبله- إلا أنه إذا أخذ من ذلك الغير ما أخذه
~~المذنب أو نهبه، كف المذنب عن ذنبه ومفسدته، لكون ذلك الغير يقدر على
~~الانتصاف من المذنب، أو لكونه قريبا له، فلهذا قالوا: (يجوز مؤاخذة ذلك
~~الغير به سدا للذريعة 4 - 5 كما يأتي PageV01P131
# عن ناظم العمل- 1.
# ثالثها: أن يكون ذلك الغير ممن يحمي المذنب، أو يتعصب عليه، أو يواسيه،
~~أو يأوي وينحاش إليه، ويرضي بفعله، فهذا يؤاخذ ذلك الغير بجريرته
# وبجميع ما أخذه، ولا يختلف فيه، لأنه بتعصبه- ولو بجاهه- وحمايته، والرضي
~~بفعله، صار معينا له على ظلمه، متسببا بذلك لاتلاف أموال الناس ودمائهم،
~~وتأمل قول "المازري" في الجواب الأول من الأجوبة الثلاثة: (ورضوا هم بذلك
~~... إلخ) 2.
# وهذا القسم الثالث: هو الذي لحقه الوعيد وإن لم يباشر، ويجز ms012 له العقاب
~~دنيا وأخرى- كما مر في الفصل الذي قبله- وهو الواقع من قبائل الزمان
# وفساد حواضرهم- كما مرت الإشارة إليه- وهو الذي يجب أن يحمل عليه، الحديث
~~الشريف الوارد في مؤاخذة الرجل بجريرة [8/ ب] قومه، كما دل عليه: أول أجوبة
~~"المازري"، وسياق "ابن فرحون"، و"ابن العربي" وغيرهما له، كأنه المذهب، فلا
~~معارضة حينئذ بين الآية والحديث الكريمين، لأن الغير
# في هذا القسم عاص لله بما ارتكب من إعانة المذنب، والرضي بفعله، وحمايته
~~وتعصبه عليه، أو إحسانه إليه، أو إيوائه إليه، والرواية بذلك واردة عن "ابن
~~القاسم" 3 وغيره. PageV01P132
# قال الشيخ "عبد الباقي الزرقاني " 1 - عند قول خليل في الحرابة:-
~~(وبالقتل يجب قتله ولو بإعانته)، ما نصه: (قوله. ولو بإعانته، أي: على
~~القتل، ولو بالتقوي بجاهه، وإن لم يأمر بقتل، ولا تسبب فيه، لأن جاهه إعانة
~~عليه حكما 2.
# قال "ابن الحاجب" 3: (وأما إن لم يتسبب: فقال "ابن القاسم ": يقتل، وقال
~~"أشهب" 4: يضرب مائة، ويحبس سنة) 5.
# قال الشيخ 6 - يعني المصنف-: (أي: لم يتسبب في قتل، ولكن التقوي به، أي:
~~بجاهه حاصل، ككونه من فئة ينحاز إليهم قطاع الطريق، فيقتل الجميع، لأنهم
~~متمالئون، أي: وإن لم يعينوا القطاع في القتل) 7 اه. PageV01P133
# وأصل ذلك في "ابن الحاجب" و"التوضيح" 1 و"الشامل" 2 ونصه: (وقتل الربيئة-
~~أي: الطليعة 3 التي تحرس المحاربين- ثم قال: وكذا المتسبب في القتل، وكذا
~~إن لم يتسبب- أي: بإمساك ونحوه- فإنه يقتل لأن التقوي به- أي: بجاهه- حاصل
~~على الأصح) 4 اه.
# ووقفت على جواب للشيخ "يوسف الرسموكي" 5، و"يبورك بن عبد الله
~~PageV01P134
# السملالي" 1 قالا فيه- ما نصه-: (نص أهل المذهب- في غير ما كتاب "كنوازل
~~القرويين " 2 - فقد نقلها جامعها عن "أبي عمران الفاسي" 3 - : أن من له مال
~~قبل رجل من سرقة أو غصب أو معاملة بالدية، وكان أهله لا ينصف بعضهم بعضا،
~~ويذبون 4 عنه إن [9/أ] أريد أخذه والتناصف منه، فإن أهله يؤاخذون به، لأنهم
~~كالمعينين له على جرمه، ومن كان من أهله صالحا لا يذب عنه لا يؤاخذ به) اه.
# وإذا كان هذا المعين له بجاهه ms013 والانحياز 5 إليه، مؤاخذ بما فعله المذنب،
~~باتفاق ابن القاسم وأشهب- لأنهما لم يختلفا في مؤاخذته، وإنما اختلفا في
~~عقابه بالقتل أو بالضرب أو السجن- فكيف: لا يؤاخذ هذا الغير المعين ولو
~~PageV01P135
# بجاهه، ورضاه بما فعله المذنب من نهب الأموال، لأن اللصوص حملاء (عن) 1
~~بعضهم بعضا اتفاقا!.
# والمعين للص بشيء مما تقدم نصه كما رأيته بقبائل الزمان وغيرهم المعلومين
~~بما هم عليه من التعصب والحمية بالفعل، فضلا عن التعصب بالجاه والانحياز،
~~لا إشكال أن غير المباشر منهم مؤاخذ بما فعله المباشر- ولو لم يظهر منه
~~تسبب- لأنه لا أقل أن يكون حاميا للمباشر بجاهه وإورائه إليه، وعلى هذا
~~يحمل الحديث الكريم؛ لأن شأن الحليف أن يحمي حليفه ويتعصب عليه بجاهه
~~وبغيره، فلذلك أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الغفاري" "بثقيف".
# والجواب الثالث 2 من أجوبة المازري: يظهر أنه لا يتم مع كونه- عليه
~~السلام- أخذ الناقة لنفسه، (إذ حيث أخذه ليفادي به من حلفائه، فما وجه أخذه
~~الناقة لنفسه؟) 3، فالجواب الأول هو: أحسنها ولا معارضة حينئذ - كما مر-.
# إذا تقررت هذه الأقسام الثلاثة المذكورة، علمت: أن القسم الأول منها هو
~~المشار إليه بقول ناظم العمل:
# (ولا يؤاخذ بذنب الغير
### | …
# في كل شرع من قديم الدهر) 4
# وهو معنى قوله- تعالى-: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 5، أي: لا تؤاخذ نفس
~~بذنب غيرها [9/ب]
# والقسم الثاني منها هو المشار إليه بقوله أيضا: PageV01P136
# (إلا إذا سدت به الذريعة
### | …
# أو خيف شرع شرعه أو شيعه) 1 2
# إلا أنه أطلق، فظاهره أنه مع الذريعة يؤاخذ به قرييا كان أو غير قريب،
~~قدر المأخوذ منه على الانتصاف من الذنب أم لا، وليس كذلك، بل محله: إذا كان
~~الغير المأخوذ به يقدر على الانتصاف من المذنب، أو ينكف المذنب عن ذنبه
~~بمؤاخذة ذلك الغير.
# ولعله إنما أطلق اتكالا على المعنى، لأن العادة أن الظالم لا ينكف عن
~~ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، إلا إذا كان ذلك الغير قريبا لذلك المذنب، أو كان
~~يقدر على تغريمه، وعلى الانتصاف منه سواء كان قريبا له ms014 أم لا، وإلا فإن كان
~~لا ينفك 3 عن ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، ولا يقدر الغير على الاننصاف منه، لم
~~تجز مؤاخذته به بحال، لأنه حينئذ من القسم الأول 4 فلا سد للذريعة فيه
~~أصلا، وهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لم يلم به أحد من شراحه فيما علمت،
~~والله أعلم.
# والمؤاخذة لسذ الذريعة هي: المسألة المعروفة عند الناس بالكفاف 3، وهو:
~~أن يكون لشخص حق من دين، أو وديعة، أو سرقة، أو غصب، ولا يقدر PageV01P137
# صاحب الحق على الانتصاف منه لتعصبه.
# فإذا (ظفر) صاحب الحق بأحد من قومه في بلد تناله فيه الأحكام، فله أن
~~يؤاخذه بذنبه، أو بما غصب منه، ويقضي له بذلك في غير الدماء والحدود، حيث
~~كان هذا المؤاخذ ينكف الظالم عن ظلمه بمؤاخذته، أو يقدر على الانتصاف منه-
~~كما مر- ولو لم يكن قريبا، ولا كان يحمي ذلك الملد 1 الظالم، ولا ممن يتعصب
~~عليه، ولا ممن يأوي إليه- لأنه: (إذا التقى ضرران ومحظوران ارتكب [10/أ]
~~أخفهما) 2 - لأن الأمر دائر بين أن ييقى هذا المذنب على مفسدته وغصبه
~~وظلمه، ولن أن يؤاخذ به قريبه، أو من يقدر على الانتصاف منه من قومه.
# ولا شك أن مؤاخذة الغير القريب والقادر على الانتصاف من المذنب أخف، هذا
~~معنى قول "ناظم العمل": (إلا إذا سدت به الذريعة ... إلخ) 3 وإن كان
~~"شارحه" 4 أدار الاحتمال بين أن يحمل على مؤاخذة القريب، أو على مؤاخذة من
~~يقدر على الانتصاف منه، والصواب: التعميم، لأن سد الذريعة موجود فيهما، ومع
~~ذلك لم يقيده شارحه المذكور: بكون المؤاخذ لا يحمي المذنب ولو بجاهه- على
~~ما مر بيانه- مع أنه لا بد من ذلك التقييد، وإلا فهو القسم الثالث، لأن
~~مؤاخذته حينئذ ليست من سد الذريعة في شيء، بل PageV01P138
# المؤاخذ حينئذ لأجل إعانته إياه، وتعصيبه عليه ولو بجاهه، وهو الوجود في
~~قبائل الزمان- كما تقدم مبسوطا- وشاهد ذلك ما تقدم في الحديث الكريم 1، وما
~~تقدم 2 عن "ابن القاسم" و "أشهب".
# وبتأمل هذه الأقسام المذكورة في هذا الفصل، نعلم: أنه لا ms015 معارضة بين
~~الحديث والآية 3 المذكورين، وهذا هو الذي حمل "ابن فرحون"، و"ابن العربي"
~~وغيرهما، على الاحتجاج بالحديث الكريم، (إذ) 4 ما كان يخفى على مثل "ابن
~~فرحون"، ومن معه المعارضة المذكورة 5 - لو كانت-.
# وهذه الأقسام الثلاثة التي قسمناها في المؤاخذة بذنب الغير، لم أقف عليها
~~منصوصة هكذا، ولكنها ظاهرة من النصوص والدلائل المتقدمة، والله أعلم.
### | [تنبيهان!]
# الأول: ما تقدم من أن "الكفاف" لا يكون في الدماء والحدود، معناه: أنه لا
~~يقتل ولا يحد قريب القاتل، أو يقطع ونحو ذلك، ولا يقتل أو يقطع أيضا من
~~يقدر على الإنتصاف منه. [10/ب]
# وأما إذا أراد الحاكم ونحوه أن يأخذ القريب المذكور، أو من قدر على
~~الانتصاف منه، بمال يدفعه لأولياء المقتول أو المقطوع مثلا برضاهما، لأنه
~~في الوقت غاية المقدور، ولو أخر ذلك لوقت آخر لضاع ذلك وتعذر الإنتصاف، فلا
~~إشكال في الجواز، لأن الحدود حينئذ برضي أولياء المقتول والمقطوع رجعت
~~مالا، فكأن القاتل المذكور والقاطع تعصب لأولياء المقطوع على مال، فيؤخذ
~~المال من قريبه أو ممن يقدر على الانتصاف منه ارتكتابا لأخف الضررين- كما
~~مر-. PageV01P139
# ولا يقال: (القودعين) 1 على مذهب "ابن القاسم".
# لأنا نقول: (القودعين، إذا مكن القاتل والقاطع من نفسه، وقال: اقتلوني
~~واقطعوني، ولا أدفع دية).
# وأين التمكين في صورتنا؟ بل هو ممتنع بنفسه غير منقاد لما يجب عليه من
~~القود، فكان الخيار للأولياء، وهذا في مسألة: سد الذريعة، التي هي القسم
~~الثاني 2 من الأقسام الثلاثة.
# وأما مسألة القسم الثالث التي هي: مسألة التعصب والحمية ولو بالجاه، فإن
~~المتعصب والمباشر سواء في القتل والقطع- (كما مر) -3.
# الثاني: إذا طلب مريد الكفاف من المؤاخذ بالملد 4 (أ) 5 والغاصب ونحوهما،
~~ضامنا بوجهه حتى يثبت حقه على الملد والغاصب، فلا إشكال أنه يجاب أيضا،
~~وكذا لو طلب ضامنا إلى أن يأتي الملد أو الغاصب فيقر أو ينكر، لأن الغرض أن
~~المؤاخذ به يقدر على الانتصاف منه، كما هي عادة القبائل، فإذا لم يأت به
~~ليقر أو ينكر أخذ الحق منه، ms016 لأن الملد أو الغاصب ينزلان حينئذ منزلة من
~~امتنع من الجواب وإقرار أو إنكار، فيؤخذ الحق من هذا الذي يقدر على
~~الانتصاف منه إرتكتابا لأخف الضررين، أو يؤخذ الحق من قريبه الذي ينكف 6
~~الظالم عن ظلمه بمؤاخذته. [11/أ]
# وانظر لو أتى المؤاخذ به بإثبات إنكاره، وعجز مريد الكفاف عن إثبات حقه
~~على الملد، وطلب أن تكون يمينه بمحضره في البلد التي تنالها الأحكام.
~~PageV01P140
# والظاهر: أن 1 يسجن المؤاخذ به حتى يغرم المال، أو يأتي بالظالم ليحلف
~~للطالب، لأن "سد الذريعة" شامل لذلك كله، وسيأتي في الفصل السادس: أن
~~الظالم أحق بالحمل عليه.
# وهذا: إذا ثبت أن المؤاخذ المذكور قريب للظالم، أو هو ممن يقدر على
~~الانتصاف منه، أو علم ذلك بالقرائن القطعية، وإلا فلا يؤاخذ به.
# وهذا كله- أيضا- في مسألة: القسم الثاني لا في القسم الثالث، لأنه متسبب
~~ولو بجاهه- كما مر-، فهذا 2 ضامن كالمباشر إذ لا ذريعة في هذا القسم- كما
~~مر-.
# ولا شك: أن غير المباشر فيه يؤاخذ 3 بذنب المباشر وبالضامن وبغيره، مما
~~ينجز 4 إليه الأمر- كما تقدم- ولا تنفعه الوثيقة التي يكتبها بالتبرىء
~~منهم، وعدم مخالطهم، وعدم إيوائهم إليه، لأنه مأمور بهجرانهم وبالخروج من
~~بينهم- كما مر-.
# اللهم: إلا إذا كان الفساد في أفراد مخصوصين معروفين بأعيانهم، يفعلون
~~المعاصي والمناكر، ويفرون لرؤوس الجبال، ولا يأوون إلى قرابتهم وقبيلتهم،
~~وهم مجتهدون في تحصيلهم، وشهد لهم بذلك الثقات من الناس، فلا يؤاخذون بهم
~~حينئذ.
# وهذا نادر في قبائل الزمان، والغالب منهم خلاف ذلك، والحمل على الغالب
~~مشروع واجب، ولهذا إذا زعم رؤساء هؤلاء القبائل، ومن له أدنى رأي منهم:
~~أنهم لا يتعصبون على فسادهم وأهل المناكر منهم، وأنهم لا يأوون إليهم، ولا
~~يجالسونهم، ولا يحمونهم، فإنهم لا يصدقون، لأن ذلك خلاف غالب عوائدهم
~~"والأحكام تدور مع الغالب وجودا وعدما" فيؤاخذون حينئذ بفسادهم، ويضمنون ما
~~أتلفوه، والله أعلم. [11/ب] PageV01P141
#
### | الفصل الرابع
# فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحل لنا
# أن نمكنهم (بوجه) 1 من تناوله
# قال في "المدونة" ms017 2: (قال "مالك":
~~لا يباع من الحربي سلاح، ولا كراع - أي: الخيل- ولا سروح، ولا نحاس، ولا
~~خرثي" 3 4.
# قال "ابن حبيب" 5: (وسواء كانوا في هدنة، أو غيرها 6، ولا يجوز بيع
~~الطعام منهم في غير الهدنة) 7. PageV01P142
# (ومنعه "ابن القاسم": مطلقا، في هدنة أو غيرها 1، وهو المذهب كما في
~~"المعيار") 2.
# وترجيح بعضهم قول "ابن حبيب": بجواز بيع الطعام منهم في الهدنة، ووقت
~~الرخاء، خلاف المذهب.
# وكلام "زعيم الفقهاء" في "المقدمات" 3، موافق لما تقدم أنه المذهب، لأنه
~~قال: (إنما يباع لهم من العروض 4 ما لا يتقوون به في الحروب 5، ولا يرهب في
~~PageV01P143
# القتال، ومن الكسوة 1 ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا
~~يتقوت به مثل الزيت والملح 2، وما أشبه ذلك) 3 اه.
# فانظر إلى قوله: (ما لا يتقوت به
### | ....
# إلخ).
# وقال "اللخمي" 4: (لا يباع منهم النحاس، والحديد، والأدم- أي: الجلود-
~~والحمير، والبغال، والزيت، والقطران 5، والشمع، واللحم، والسر وج،
~~والمهاميز.
# قال: وأما الحرير، والصوف، والكتان، فالأمر فيه خفيف) اه.
# وهذا نص في منع بيع الشمع منهم 6، لأنه يصنع (به) 7 المراكب، وكذلك 8
~~الجلود لأنها من آلات الحرب. PageV01P144
# قال الإمام "أبو القاسم 1 بن خجو"- حسبما نقلوا عنه في حواشي "المختصر" 2
~~- ما نصه: (بيع الجلود من الحربيين حرام، ولا يقع ذلك من سليم الإيمان، لأن
~~الجلد يصنع منه آلات الحرب، ومن سمح بشيء من آلات الحرب، فقد نبذ الإسلام
~~وراء ظهره، وكان للكافرين ظهيرا) اه.
# وهذا صريح في منع بيع البقر ونحوها منهم، لأنها تعقر 3 ويصنع بجلودها ما
~~ذكر.
# وقال "سحنون" 4: (من أهدى للحربيين سلاحا فقد أشرك في دماء المسلمين،
~~وكذا بيعه ذلك منهم) 5 اه. PageV01P145
# وقال "الحسن" 1: (من حمل الطعام إليهم فهو فاسق، ومن باع [12/أ] السلاح
~~منهم 2 فليس بمؤمن) 3 اه.
# وقد تقدم- في الفصل الأول- أن الشيخ "ميارة"، ومن معه أفتوا: (يقتل من
~~باع وصيفا مسلما لهم، حيث كان لا ينفك عن إدخال الضرر على المسلمين إلا
~~به).
# وكذا أفتى الإمام سيدي "يحى السراج" 4: (بقتل من يبيع المسلمين الأحرار ms018
~~وأودلاهم للعدو) اه.
# ووجهه ظاهر لأنه أعظم مفسدة من الجاسوس، لأن الجاسوس ينقل 5 الأخبار
~~للعدو، وهذا ملكه رقاب المسلمين.
# ثم ما تقدم من منع بيع البقر والجلود والحديد، أنه 6 إذا لم يعرض
~~للمسلمين PageV01P146
# حاجة إلى آلة الحروب، كاحتياجهم إلى الأنفاض 1 مثلا، والبنب، والكور 2،
~~ونحو ذلك، مما تأكدت حاجتهم إليه لدفع العدو الذي زاحمهم في الجيش.
# وإلا بأن تأكدت الحاجة إلى شيء من ذلك، فإنه تراعى حينئذ المصلحة العامة-
~~لأنه إذا تعارض ضرران إرتكب أخفهما- فيجتهد في المصلحة حينئذ، فإن كان ما
~~طلبوه من البقر والجلود والحديد ليس فيه كبير تقوية لهم، ولا توهين
~~للمسلمين لقلتها بالنسبة لحال المسلمين، ولحال ما يؤخذ منهم من الأنفاض
~~ونحوها، جاز حينئذ شراء الأنفاض والبنب ونحوها، بالبقر والجلود، دفعا لأثقل
~~الضررين بأيسرهما.
# وقد قال في "التوضيح" 3 - بعد: أن ذكر الخلاف في جواز مفاداة الأسارى
~~بالخيل وعدم جوازها 4 - ما نصه: (وسبب الخلاف تعارض مفسدتين، إحداهما:
~~إعانة الكافر بآلة الحرب، والثانية: بقاء (الأسارى) في أيديهم، وينبغي على
~~هذا أن يتبع في ذلك (المصلحة) الراجحة) 5 اه.
# ونقله عنه غير واحد مسلما. PageV01P147
# وكذا 1 إن اشترى السلاح بالسلاح، ففي المواق 2 عن ابن سراج 3: (في الحربي
~~ينزل بأمان ومعه سلاح يريد أن يبيعه، فيجوز شراءه وإبداله بمثله أو دونه) 4
~~اه.
# وأما بيع آلات الحرب، من سلاح ونحوه للعدو لاحتياج [12/ ب] المسلمين إلى
~~القوت لشدة الغلاء عندهم: فإنهم يجوزوه بحال.
# وقد سئل الإمام "الشاطبي" 5 - مفتي غرناطة 6 رحمه الله-: عن بيع بعض ما
~~PageV01P148
# لا يجوز بيعه من العدو، من سلاح وطعام، هل يرخص لجزيرة أهل الأندلس في
~~معاملتهم النصارى به لحاجة المسلمين، لأن بلاد النصارى أحدقت 1 بهم من كل
~~جانب، إلا بعض جهات المسلمين بعيدة منهم، لأنها من وراء البحر، والحاجة
~~تدعوهم للبيع والشراء بذلك؟.
# فأجاب: (بأن الحكم الذي هو بيع آلة الحرب منهم: عام في أهل الجزيرة
~~وغيرها، فلا يرخص لهم في ذلك، ونصوص الأئمة القاضية بذلك كثيرة) 2 اه.
# وقد أفتى ms019 الإمام "المازري"- رحمه الله-: (بعدم جواز دخول المسلمين لأرض
~~الكفار لجلب الأقوات، وإن اشتد الغلاء بهم، حيث كانت أحكام الكفار تجري على
~~الداخلين إليهم من المسلمين.
# قال: لأن حرمة المسلم لا تهتك 3 بالحاجة إلى الطعام، فإن الله سبحانه
~~يغنيه من فضله، إن شاء) اه، باختصار كثير. PageV01P149
# ففيه تقوية لفتوى "الشاطبي" المتقدمة، لأنه إذا كانت حرمة المسلم لا تهتك
~~بجري أحكام الكفار عليها لجلب الأقوات، فأحرى بيع السلاح منهم لتحصيل
~~الأقوات، لأن في بيعها إعانة لهم على جميع المسلمين- كما مر عن "سحنون"
~~وغيره- وإنتهاك لحرمتهم، بل ولأخذ أموالهم ودينهم، والله أعلم!.
# PageV01P150
#
### | الفصل الخامس
# في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف
# في القديم والحال
# اعلم! أن ما وقع من الخلاف بين
~~الأئمة في جواز العقوبة والتعزير بالمال شهير، لا يخفى أمره على من له أدنى
~~مسيس بالفقه.
# وقد ذكر "الزرقاني" وغيره: الخلاف في ذلك بين الأئمة في القديم، عند قول
~~"خليل": (وعزر الإمام لمعصية الله) 1. PageV01P151
# وسيأتي: أنه قول "للشافعي" في القديم.
# قال "الجزولي" 1 - على قول الرسالة 2، عن "عمر بن عبد العزيز" (تحدث
~~للناس أقضية [بقدر ما أحدثوا من الفجور] 3 - ما نصه: [13/أ]
# وبقول عمر هذا: يستدل أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا: أن من سل سيفه
~~فضرب به يلزمه كذا، أو من وضع يده عليه ولم يسله يلزمه كذا، ومن لطم شخصا
~~يلزمه كذا، أو من شتم يلزمه كذا، وكل ذلك بدعة) اه.
# ولما نقله الشيخ "ميارة" قال عقبه: (ما استدل به أشياخ السوء، لا شك في
~~صحته، لأن إغرام أهل الجنايات المال لزجرهم وردعهم عما هم عليه من باب
~~العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها.
# وقد أفتى الشيخ أبو القاسم "البرزلي": بجوازها، واستدل عليه بوجوه، وأملي
~~في ذلك جزءا.
# ورد عليه- ما ذهب إليه من جوازها- عصريه الشيخ "أبو العباس الشماع" 4،
~~PageV01P152
# وألف عليه تأليفا، ونقض كل ما عقده البرزلي 1.
# ثم قال 2: إلا أن كلام البرزلي، ومن رد عليه هو- والله أعلم- مفروض مع
~~وجود الإمام وتمكنه من إقامة الحدود وإجرائها ms020 على مقتضاها، ولا شك أن
~~العدول 3 عنها إلى غيرها حينئذ تبديل للأحكام، وحكم بغير ما أنزل الله.
# وأما مع عدم الإمام، أو عدم التمكن من إقامة الحدود وإجرائها على أصلها:
~~فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال وعدم الزجر، وترك القوي يأكل الضعيف.
# فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران،
~~وهدم البنيان.
# بل إذا تعذرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، (و) 4 كانت الاستطاعة
~~تبلغ إلى إيقاع تعزيز يزدجر به: تنزلت أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات،
~~فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير.
# وليس المراد أن الحد يسقط بذلك، ولكن (غاية ذلك) 3 ما تصله الاستطاعة في
~~الوقت دفعا للمفسدة ما أمكن، فإن أمكن بعد ذلك إقامة الحد أقيم إن اقتضت
~~الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) 6 اه. [13/ب] كلامه باختصار.
~~PageV01P153
# ونحوه للشيخ التاودي 1، والشيخ سيدى العربي الفاسى 2 قائلا: المشاهد في
~~الوقت أن القبائل بعيدة عن تنفيد الزواجر فيها، ونهيهم دون زاجر لا يؤثر،
~~فالعقوبة بالمال، وإن كانت ممنوعة، لكنها في هذا الزمان محل الضرورة، لأن
~~الواقع بالمشاهدة الآن أن القبائل التي لا تنالها الأحكام لا تمكن فيها
~~العقوبة في الأبدان، لأنهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم، ووقع القطع بأن
~~إرادة تنفيذ ذلك موقع فيما هو أدهى وأمر من الفتن، فصار فعلها عام المصلحة،
~~كما أن تركها عام المفسدة) 3.
# قال: (وقد وقفت على جواب "لأبي جعفر الداودى" 4 أفتى فيه: بجوازها،
~~PageV01P154
# وكان زمانه زمان هرج 1 وفتن) 2 اه كلام سيدى العربي باختصار.
# ثم قال الشيخ "ميارة"- إثر ما مر عنه-: (وقد يشهد للعقوبة بالمال حديث
~~التنفيل 3، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وجدتموه يصيد في حرم
~~المدينة فخذوا سلبه" 4.
# قال عياض 5: "لم يأخذ به من أئمة الفتوى إلا الشافعي في قول له قديم،
~~وخالفه أئمة الأمصار" 6. PageV01P155
# قال النووي 1: "وقال به: سعد بن أبي وقاص 2، وجماعة من الصحابة" 3، ولا
~~يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار، إذا كانت السنة معه، وهذا القول هو ms021
~~المختار لصحة الحديث، وعمل الصحابة على وفقه) اه.
# قال 4: (فقف على قول النووي: ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار إذا
~~كانت السنة معه، وعلى قوله: وهذا القول هو المختار) اه.
# وتعقبه الشيخ التاودي بقوله: (لا شاهد لهم، أي: للنووي ومن معه في الحديث
~~المذكور، لأنه في حق من صاد في الحرم، فبعيد أن تقول به في غيره، كمن رعى
~~حيث لا يجوز له، أو قطع شجرا مملوكا، فلا يؤخذ سلبه، وإنما عليه قيمة ما
~~أتلفه) 5 اه.
# قلت: يرد هذا التعقب بأن: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "فخذوا [14/أ]
~~سلبه " أي: فعاقبوه بأخذ ماله على معصيته التي ارتكتبها.
# فإن تمحض 6 الحق لله- كالصيد في الحرم، وعدم التناهي عن المنكر،
~~PageV01P156
# وإخراج الصلاة عن وقتها مثلا مع قضائها في غير وقتها، والأكل في رمضان
~~نهارا - فإنما يؤخذ سلبه أي: ماله فقط.
# وإن كان الحق لله ولآدمي: فيؤخذ ماله لحق الله، ويغرم بعد ذلك حق الآدمي،
~~إذ ما من حق لآدمى إلا وفيه حق لله الذي هو: إثم الجرأة والإقدام.
# والحديث الكريم علق أخذ السلب على معصية الله، كان معها حق لآدمي أم لا،
~~ويدلك لهذا ما قالوه في الغاصب والمتعدي ونحوهما، من أنهما يؤدبان لحق
~~الله، ويغرمان ما أتلفاه.
# [قال] خليل: في الغصب- (وأدب مميز- ثم قال- وضمن بالاستيلاء) 1.
# ومن ذلك أيضا ما قاله في "المتيطية" 2 وغيرها: (من أن الصواب للحاكم متى
~~علم بلدد 3 المطلوب واستخفافه أن يؤدبه، ويبيح للعون 4 الذي مضى أثره أخذ
~~PageV01P157
# أجرته منه) 1.
# ولا يخفى أن الملد تسبب بلدده في إتلاف أجرة العون على خصمه فوجب غرمها
~~عليه، ولزمه مع ذلك الأدب لاقتحامه معصية الله تعالى بلدده، لأنه ظالم كما
~~ترى.
# إلا أن الشافعي في ذلك القول القديم: يجعل محل الأدب غرم المال للحديث
~~المتقدم، وهو ما اختاره النووي، وبهذا يتم استشهادهم بالحديث الكريم على
~~العقوبة بالمال، فالحجة به قائمة على منكر جوازها، وبه يرد ما حكاه ابن
~~رشد: من الاجماع على نسخ جوازها، لأنه قال في غير ما ms022 موضع من "بيانه":
~~(أنها أي: في العقوبة بالمال منسوخة بإجماع) 2.
# ورده ابن قيم الجوزية 3 بقوله: (من قال: أن العقوبة بالمال منسوخة، فقد
~~PageV01P158
# غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا، وفعل الخلفاء الراشدين وأكتابر
~~الصحابة لها بعد موته - صلى الله عليه وسلم - مبطل لدعوى نسخها) 1 اه.
~~[14/ب]
# قال الحافظ الونشريسي: (ومسائل الكفارات، وفتوى ابن العطار 2، بجعل أجرة
~~العون على المطلوب شاهدة لابن قيم الجوزية على ابن رشد) 3 اه.
# أي: فابن رشد وإن حكى الاجماع على النسخ- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ-
~~لكن مسائل الكفارات التي هي قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل
~~ما قتل من النعم ... إلى قوله: ليذوق وبال أمره} 4، وقوله تعالى: {والذين
~~يظاهرون ... الآية} 5، وأجرة العون 6،- لأنه لا زال الحكم بها إلى
~~PageV01P159
# الآن- تقدح في الاجماع.
# قلت: وكذا يشهد لابن قيم الجوزية: الحديث المتقدم وقول الشافعي به،
~~وترجيح النووي له.
# فتبين بهذا: ان حكاية الاجماع على النسخ لا تتم، وإن كان ناظم العمل تبع
~~ابن رشد، حيث قال:
# (ولم تجز عقوبة بالمال
### | …
# أو فيه عن قول من الأقوال
# لأنها منسوخة ... إلى قوله: فنسخها مضى 1 عليه الاجماع) 2.
# لأن "شارحه" القاضي العدل "أبو القاسم العميري" 3 - تعقب عليه متابعة ابن
~~رشد- قائلا: (ما أفتى به البرزلي: مال إليه الفقيه أبو القاسم بن خجو، وابن
~~(العقدة) 4 الأغصاوي 5، وكتبا بذلك إلى السلطان: مولاي "محمد بن سيدي
~~PageV01P160
# محمد الشريف السوسي الدرعي"- وهو نازل بوادي سبوا 1 قبل أخذه لفاس-
~~وتكلما 2 بكلام طويل، حاصله: أنهما راضيان بفتوى البرزلي.
# وقد اتسع ففي القول بها: الفقيه موسى بن علي (الوزاني) 3، وكتب فيها، إلى
~~أن قال: والذي أخاطب به نفسي، وألتزم الحظ عليه- إلى حلول رمسي 4 - إن
~~أقول: أن فتوى "البرزلي": بجواز العقوبة بالمال ثابتة أي اثبات، فشد يدك
~~عليها!.
# فجميع من له يد من القواد والولاة، على إقامة الحدود البدنية لمن وجبت
~~عليه، فإن تعذر ذلك فعلى العقوبة المالية) 5 [16/أ].
# ثم قال القاضي 6 المذكور: (- ولذلك قلت مخاطبا للناظم 7 على ما حكى ms023 من
~~الاجماع مع وجود من يخالفه- ما نصه: PageV01P161
# قلت: على النسخ حكيت الاجماع
### | …
# ما القول في مخالفة ابن الشماع
# وتبع البرزلي ابن العقدة
### | …
# مع ابن خجو خلافا قد عقده
# وأوضح القول بها الوزاني
### | …
# موسى مما أعشى عن الأوزاني
# وفي جواب العربي الفاسي
### | …
# كلام قد جل عن القياس
# مثل الذي لابن ميارة الودود
### | …
# جوازه عند تعذر الحدود
# وقبلهم قال به ابن عرفة
### | …
# وغيره يعرفه من عرفه
# والنووي قال هو المختار
### | …
# أتى به الحديث والآثار
# وهو قول الشافعي في القديم
### | …
# فالخلف جار في الحديث والقديم
# اه كلام العميري 1.
# وحاصل اعتراضه، أنه لو صح الاجماع الذي حكاه "ابن رشد"، وتبعه "الناظم
~~للعمل"، ما وسع هؤلاء (الفقهاء المتقدمين مخالفته، إذ لا يخفى على مثلهم
~~ذلك الإجماع لو صح، لممارستهم مطالعة كتاب: "البيان" لابن رشد، وغيره، وقد
~~تبين أن هؤلاء الشيوخ كلهم: على جوازها مع تعذر إجراء الأحكام على مقتضاها،
~~خلافا لإطلاق ناظم العمل، تبعا لغيره.
# وقد تحصل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدا معلوما -كالزنى، والسرقة،
~~والحرابة، والقذف، ونحوها- لا تجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقا، لما فيه من
~~تبديل الحدود المعينة من الشارع سبحانه، لقوله- تعالى: {ومن لم يحكم بما
~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} 2 ... PageV01P162
# (الظالمون} 1 ... {الفاسقون} 2.
# اللهم!: إلا أن يتعذر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، إرتكتابا لأخف
~~الضررين، ودفعا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحد إن زال العذر
~~[15/ب] على ما مر عن هؤلاء الشيوخ.
# وأما ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد- كما مر في الفصل الثاني-:
# فقيل: (يعاقب بالمال مطلقا، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال:
~~"الشافعي"، واختاره "النووي"، و"ابن قيم الجوزية").
# وقيل: (لا يعاقب به مطلقا، وهو ما "لابن رشد" ومن معه).
# وقيل: (لا يعاقب به- أيضا- إلا مع التعذر- أيضا- وهو ظاهر (إطلاق هؤلاء
~~الشيوخ المتأخرين).
# فشد يدك على هذا التحصيل، فقد زلت هنا أقدام، وسأزيدك في الفصل الذي يليه
~~بيانا يجب عليه التعويل، والله أعلم. انتهى. PageV01P163
#
### | الفصل السادس
# 1
# في زيادة تحقيق بعض ما تقدم، وكيفية
# إجرائه على المنصوص ms024 المسلم
# فقد علمت- مما مر- أنه إذا زنا
~~شخص، أو سرق، أو حارب مثلا، وثبت ذلك بما لا مطعن 2 له فيه، وظفر به
~~الإمام، فلا يسجن لإعطاء المال بل ليقام الحد عليه، ولا عذر لهم في كونه
~~يتعذر حده، لأنه لا تعذر بعد الظفر بعينه، لأن من سجن لاعطاء المال يمكن
~~إقامة الحد عليه قطعا، وإقامته متعبد بها يثاب مقيمها على إقامتها الثواب
~~الجزيل الذي لا حد له، لأنه قد نفذ أوامر الله في عباده، ولا فرق في ذلك
~~بين الشريف والمشروف، وبين ذي الوجاهة 3 والضعيف.
# ومن سجن الزناة والقاذفين (وقاتلي) 4 الغيلة 5 مثلا، وذوي الحرابة
~~والسراق، لأخذ الأموال بعد ثبوت ذلك عليهم بموجبه ثم سرحهم 6: فقد بدل
~~الأحكام الشرعية، ومن بدلها دخل في قوله- تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل
~~الله، PageV01P164
# فأولئك هم الكافرون}.
# ولا يسع البرزلي، ومن معه، أن يقولوا: بمثل هذا التبديل المذكور، وحاشاهم
~~أن يقولوه! [16/أ]
# وإنما معنى كلامهم: أن الزاني أو المحارب ونحوه، لم يظفر بعينه لفراره،
~~أو تعصبه ونحو ذلك، وإنما ظفر الإمام بماله: فإنه يعاقب بأخذه حتى يظفر به،
~~فيقام الحد عليه إن لم يحدث ما يسقطه، كالتوبة للمحارب قبل القدرة عليه
~~ونحو ذلك، كما مر.
# وجلالتهم تصونهم عما توهم فيهم، كيف: وقد علم من الدين ضرورة: أن من بدل
~~ما شرعه الله، أو أحل ما حرم الله فهو كافر، وأن إقامة حدود الله واجبة من
~~غير فرق بين وضيع أو شريف!.
# وفي الصحيح: أنه قال- عليه الصلاة والسلام-: "إنما هلك من كان قبلكم،
~~لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وأيم
~~الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" 1 اه. PageV01P165
# ولهذا قلنا في التحصيل المتقدم- آنفا-: أن ما شرع الله فيه حدا معلوما لا
~~يعدل عنه إلى المال إتفاقا بل إجماعا، إلا مع التعذر، ولا يسقط الحد إن زال
~~العذر فتنبه لما ذكر!: فقد زلت هنا أقدام، فيفتون بالمال مطلقا، ويحتجون
~~بما للبرزلي ومن معه، ms025 وهم قد دخلوا بسبب ذلك في الكفر بنص التنزيل، فقد
~~ضلوا وأضلوا، نسأل الله السلامة من حمل كلام الأئمة على غير وجهه!.
# وقد تقدم- في الفصل الثالث-: أن حامي الغاصب أو المحارب ونحوهما- ولو
~~بجاهه- كهو، فيجرى على حكمه، فيعاقب بالمال إن لم يظفر الإمام بعينه، ثم إن
~~ظفر به حكم عليه بما شرع الله فيه.
# وقد نقل البرزلي- في نوازله- 1: (أن سراق "المغرب" اليوم كلهم لصوص، تجري
~~عليهم أحكام الحرابة من القتل، أو القطع من خلاف أو النفي، لا أحكام
~~السرقة، لأنهم يجعلون أحد السراق عند رأس صاحب المنزل في الحاضرة أو
~~البادية، متى رآه تحرك ضربه أو هدده، وكذا سراق البوادي يجعلون واحدا يخرج
~~الحيوان [16/ب] والمتاع، والباقون واقفون بالسلاح يمنعون يقدم عليه) 2.
# قال- أي البرزلي-: (والحكم فيهم: أنهم إذا أخذوا بعد أن قتل أحدهم رب
~~المنزل قتلوا جميعا، وإن لم يقتلوا أحدا: أجريت عليهم أحكام المحارب من
~~النفي والقطع من خلاف، أو القتل والصلب. PageV01P166
# وإذا أخذوا واحدا 1 منهم فقط: (كان ضامنا لجميع ما أخذوه) 2 اه. باختصار.
# وقال الشيخ "ميارة"- في بعض فتاويه- ما نصه: (وقد آل بنا الحال في بعض
~~الأوقات إلى أن يتبع المسافرين بعض مردة أهل البلد إلى الأجنة ونحوها مما
~~قرب من البلاد، فيسفكون دمائهم، وينهبون أموالهم، ويرجعون إلى البلد
~~بالأمتعة جهارا، فلا ينتقم منهم، ولا يستفتى عن حكمهم، بل وإلى ما هو أعظم
~~من هذا: من القتل صبرا، ونهب الأموال من الدور والحوانيت بلا ذنب، ولا سبب،
~~ثم يكتسب فاعل ذلك التعظيم والاحترام، فضلا عن عدم النكير عليه، والضرب على
~~يده، فإنا لله وإنا إليه راجعونه) 3 اه كلام ميارة.
# قلت: ولا شك في حرابة من وجدت منه 4 هذه الأوصاف، وجريان أحكام الحرابة
~~عليه، حيث ثبت ذلك عليه.
# وأما إن لم يثبت- وهو الغالب- لعدم وجود من يشهد على من اكتسب التعظيم
~~والاحترام بالتمرد والعصيان- كما هو مشاهد بالعيان-: فإنه ينكل بالضرب،
~~وطول السجن بقدر (قوة) 5 تهمته- كما تقدم عن "التبصرة" وغيرها في الفصل
~~الأول - ولا (أقل) 6 من أن ينفى ms026 من البلد مؤاخذة له بالأيسر، وردعا
~~PageV01P167
# لأمثاله، وإن لم يظفر الإمام بعينه فإنه يعاقب بالمال، كما مر تفصيله.
# وأما إذا غصب شخص مالا لآخر، أو أتلفه بغرق أو حرق، ونحو ذلك تعديا 1:
~~فإنه يغرم ما غصبه وما أتلفه لربه، ولو بجاهه، كما تقدم في الفصل الثالث.
~~[17/أ]
# فإن أراد الحاكم أن يغرمه بعد ذلك مالا بدل ما لزمه من الأدب على جرئته،
~~وتلبسه بمعصيته، أو تمحضت معصية الله كالصيد في الحرم، والشتم بغير قذف، أو
~~بقذف، وعفا عنه المقذوف- إذ ما من حق لآدمى إلا وفيه حق الله- وككتمان
~~الجواسيس، والغصاب، والأكل في نهار رمضان، ونحو ذلك، فإنه يجري 2 على ما مر
~~من الخلاف المتقدم.
# فيجوز: على ما للشافعي في قوله القديم، وعليه المتأخرون، حيث تعذر أدبه.
# ولكن لم أقف على القدر الذي يعاقب به العاصي- على القول به- وظاهر
~~كلامهم: أنه باجتهاد الإمام، فيغرم كل واحد بقدر ما ينزجر به، وذلك يختلف
~~باختلاف عظم جريرته، وبحسب الشخص من تمرده على العصيان، وعدم تمرده، ولو
~~أدى ذلك إلى أخذ ماله كله، حيث كان لا ينفك إلا به.
# فالعقوبة بالمال حينئذ منظور فيهما- أيضا-: إلى قوة تهمته، وكثرة تمرده.
# أما ما يفعله بعض جهال العمال، والقواد اليوم، من مجاوزة الحد في
~~الإغرام، لكونهم لا ينظرون إلى ما تقدم، بل إلى كثرة مال صاحب المذنب
~~وقلته، ولا ينظرون إلى كون الذنب وقع منه فلتة 3، ولا إلى كونه متمردا على
~~العصيان أم لا، بل ويأخذون ما أتلفه الغاصب ونحوه، ولا يدفعون لربه شيئا،
~~أو يدفعون له الشيء القليل، فهو خرق للكتاب، والسنة، والاجماع. PageV01P168
# قال تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ... إلى قوله: ومن يفعل ذلك
~~(عدوانا وظلما) 1 فسوف نصليه نارا} 2، أي: لا تأكلوه بما لم تبحه الشريعة.
# ولا شك أن الشريعة لم تبح لهم شيئا من ذلك، فأكل أموال الناس [17/ب]
~~بالباطل لاحق به الوعيد المتقدم، ولاحق به- أيضا- الوعيد في قوله تعالى:
~~{فإن لم تفعلوا، فأذنوا بحرب من الله ورسوله ... الآية} 3.
# لأنه إذا كانت المحاربة لله ورسوله ms027 لاحقة لمن تعامل بالربا- مع كونه برضي
~~المتعاقدين في الجملة- فكيف يأخذه بغير رضي مالكه ظاهرا أو باطنا، بل على
~~وجه التعدي والظلم!.
# وفي الصحيح عنه- عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "أتدرون من المفلس؟
~~قالوا: المفلس: من لا دينار له ولا متاع، فقال: لا، بل المفلس من يأتي يوم
~~القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب، هذا، وأكل مال هذا،
~~وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، أخذ
~~من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم (يحبس) 4 في النار" 5. PageV01P169
# وفي الحديث الكريم- أيضا-: "أنه يوم القيامة يؤخذ للمظلوم بماله، من
~~حسنات ظالمه، عن كل دانق سبعون صلاة مقبولة" زاد بعض الحنفية: "في جماعة".
# نقله "شراح " 1 المختصر 2 عند قوله في البيوع: (بأوزن منها بسدس سدس 3.
# قالوا: (والدانق هو: سدس الدينار والدرهم) اه.
# فانظروا:- أيدكم الله- في هذا الوعيد اللاحق لأكل أموال الناس بالباطل ما
~~أفضعه، وما أشبعه، حتى كان الدانق الذي هو: سدس الدرهم يؤدي بسبعين صلاة
~~مقبولة في جماعة!.
# فعلى من له اليد القوية، أن يبادر إلى التغيير على من كانت يده سريعة
~~لأكل الأموال 4، أيا كان عاملا، أو غيره لئلا يكون راضيا بفعله.
# وقد تقدمت النصوص- في الفصل الثاني-: "أن من رضي فعل قوم فهو منهم"
~~PageV01P170
# وقد علمت هناك: ما لحقه- (بسبب ذلك) - 1 من الهلاك والخسران، [قال
~~تعالى]: {إن اللة لا يغير ما بقوم حتى يغيروا [18/أ] ما بأنفسهم} 2 ...
~~{وما أصابكم من مصيبة (فبما) 3 كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} 4.
# وأما إذا نهب مسافر أو سرق 5 بأرض قوم: فقد تقدم عن "التبصرة" في الفصل
~~الأول: (أن المتهم يكشف ويبالغ في كشفه بالضرب والسجن على قدر قوة تهمته).
# وذكر ابن (سهل) 6: (أن الرجل إذا قبض بيده بعض المسروق، وقال: اشتريته من
~~السوق، فإنه ينظر فيه، فإن كان ممن يشار إليه بالسرقة سجن حتى يموت) 7 اه.
# وقد علمت: أن قبائل الزمان كلهم متهمون، إذ غالب أحوالهم 8 النهب
~~PageV01P171
# والغصب- كما تقدم في الفصل الأول- والحمل على الغالب واجب، وعليه: فلا ms028 بد
~~حينئذ من كشف من وقع النهب ونحوه بأرضهم بالسجن وغيره، لأن الغالب أن ذلك
~~لا يخفى عليهم، إذ لا تجد أحدا ينهب الناس بأرض إلا وبعض أهل تلك الأرض
~~معهم، وأهل البلد لا يخفى عليهم ذلك.
# والحمل على الغالب مشروع، وليس للحاكم أن يقول للمنهوب ونحوه: إنما لك
~~عليهم اليمين، لأن ذلك ذريعة- كما تقدم عن "التبصرة"- إلى إهمال ما أوجبه
~~الشرع باتفاق الأئمة الأربعة: من الكشف بالضرب والسجن، وذريعة إلى 1 زيادة
~~الفساد.
# وأيضا: لا أقل أن يكون عقابهم وتضمينهم من باب سد الذريعة- الذي تقدم في
~~الفصل الثالث أنه مشروع- لأنهم إذا غرموا حملهم ذلك على حفظ طرقاتهم 2،
~~والمارين بأرضهم، وعدم كتمان غصابهم، والتعصب عليهم- كما تقدم-.
# فإرسال من وقع النهب بأرضهم مع المنهوب للقاضي يحكم بينهم، من زيادة
~~الفساد قطعا، وإهمال سد الذريعة، ليس بالأمر الهين، إذ فيه إعانة الظالم
~~على ظلمه، لأن" غاية 3 ما يفعله القاضي: أن يكلف المنهوب بالبينة، وأين هذه
~~البينة؟، وعلى فرض وجودها، فلا تكون إلا من أهل ذلك البلد، وهم على ما هم
~~عليه من الحمية 4، والعصبية، وقوة التهمة، فكيف يشهدون! مع كونه نهب
~~بأرضهم، بل (من) 5 شهد منهم عاقبوه، وخشي على نفسه منهم، لأنهم مكتسبون
~~بغصبهم التعظيم والاحترام [18/ب]- كما مر-!.
# ومن أجل إهمال هذا الباب: استولى الكفر، وغلب الظلم على الإسلام،
~~PageV01P172
# وسفكت دماء، وغصبت أموال لا يعلمها إلا الكبير المتعال.
# حتى أن المسافر يسفك دمه في بعض الطرقات أو ينهب ماله، أو يأتي في جسده
~~بعض الجراحات- مما لا يفعله المرء بنفسه- (فيرسله) 1 العامل (أو) 2 القائد
~~مع من أخذ بأرضهم القاضي الوقت، فيستبشرون لأنهم يعلمون أن يردهم لليمين.
# فكيف يهمل العامل المذكور- ما تقدم في الفصل الأول والثالث-: من وجوب
~~كشفهم بالضرب والسجن وإغرامهم، سدا للذريعة 3!.
# قال "القرافي": (يمتاز نظر القاضي، ونظر والي الجرائم، بأمور منها: (أن)
~~4 والي الجرائم يسمع الدعوى على المتهوم، ويبالغ في 5 كشفه، بخلاف القاضي.
# ومنها: أن يعجل يحبس المتهوم للاستبراء والكشف) 6. PageV01P173
# قال 1: (وقد ورد أن النبي - صلى الله ms029 عليه وسلم -: (وجد في بعض غزواته
~~رجلا، فاتهمه: بأنه جاسوس، فعاقبه، حتى أقر) 2.
# فانظروا- أيدكم الله- كيف عاقبه- عليه الصلاة والسلام- بمجرد التهمة،
~~وأفعاله- عليه الصلاة والسلام- كلها للتشريع 3!.
# قلت: ولذا قال في "التحفة" 4: PageV01P174
# (وان يكن مطالبا من يتهم
### | …
# فمالك بالسجن والضرب حكم) 1
# قال 2: (ومنها: أنه يضرب المتهوم مع قوة التهمة، أو يحلفه بالطلاق
~~والعتاق وأيمان البيعة، بخلاف القاضي) 3.
# قال: (ومنها: أن له أن يتوعد الجرم بالقتل، فيما لا يجب فيه قتل، لأنه
~~إرهاب لا تحقيق، ويجوز له أن يحقق وعيده بالأدب دون القتل، بخلاف القضاة،
~~فليس لهم ذلك) 4 اه باختصار.
# ونقل ذلك ابن فرحون 5، وزاد: (أن بعض القضاة المالكية فعل ذلك).
# فقد علمت: أن النصوص متواترة بكشف المتهوم، واحدا كان أو جماعة، [19/أ]
~~من القبائل أو غيرهم، ومع ذلك يضمنون في مثل من أخذ المسافر بأرضه سدا
~~للذريعة- كما مر في الفصل الثالث- لأنهم غرموا، احتاطوا 6 هم لصيانة
~~الطرقات المارة في أرضهم، واحتاط غيرهم ممن سمع ذلك كذلك.
# وفي تضمين مثل هؤلاء يقول ناظم العمل:
# (لوالد القتيل مع يمين
### | …
# القول في الدعوى بلا تبين
# إذا ادعى (دراهما) 7 وأنكرا
### | …
# القاتلون ما ادعاه وطرا) 8 PageV01P175
# ولا مفهوم القتيل)، ولا (لدراهم)، بل المدار: على كون الدعوى على معروف
~~بالتهمة والظلم، كقبائل الزمان- التي 1 تقدم أنهم محمولون على التهمة
~~والفساد-، وأنه لا يمكن إجراء الأحكام على مقتضاها فيهم، سواء ادعى عليهم
~~بالدراهم والقتل، أو بالدراهم فقط، (أو) 2 بالعروض، أو بالحيوان 3، أو غير
~~ذلك، كما لشراحه 4.
# قال ناظم العمل في "شرحه لنظمه"- ناقلا عن شيخه قاضي الجماعة: (أبي
~~القاسم بن أبي النعيم 5 - (ما نصه) 6: (الذي (جرت به الأحكام) 7 عندنا في
~~هذه النازلة ومثلها: أن القول قول والد القتيل مع يمينه، والظالم أحق أن
~~يحمل عليه، وإن كان المشهور خلافه، وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف
~~المشهور، ورجحها العلماء للمصالح العامة) 8 اه. PageV01P176
# ثم نقل نحوه: عن مشايخ فاس، ومراكش، وشفشاون 1، وغيرهم 2.
# وظاهرهم: أن مستند العمل المذكور هو ما يأتي عن الرعيني 3، وأن المدعى
~~عليه حيث ms030 كان ممن يشار له 4 بذلك، فيقبل قول المدعي، وإن (لم) 5 يثبت
~~PageV01P177
# تلصصه (ولا) 1 تعديه باقرار (أو بينة) 2، كما يأتي عن عمر- رضي الله عنه-
~~وهو كذلك.
# سئل الإمام "الحفار" 3 - حسبما في "المعيار"-: عن الدعوى على المعروف،
~~بالظلم يعني: كقبائل الزمان؟ [19/ب]
# فقال: (إن من عرف بالتعدي والظلم، قال الفقهاء: (ينغلب) 4 الحكم في حقه،
~~فمن ادعى على من هذه حالته 5، فيحلف هذا الطالب، ويستحق ما طلب) 6 اه.
# ونقل الرعيني مثله عن مالك 7، وقال: (إن مثل هذا وقع في زمان عمر-
~~PageV01P178
# رضي الله عنه- في سراق دخلوا على شخص، وانتهبوا ماله، فرفعهم إلى عمر،
~~فأغرمهم عمر- رضي الله عنه- بمجرد دعواه عليهم، ونكلهم 1 عقوبة موجعة) 2
~~اه.
# فما جرى به العمل له 3 مستند صحيح، وقد تكفل شارحه بنقول كثيرة تشهد له
~~بل لو لم يكن في وجوب إغرامهم إلا سد الذرائع لكان كافيا، فضلا عن كونهم
~~متهمين- كقبائل الزمان ونحوهم- على أن تلك النقول كلها دائرة بين سد
~~الذريعة وبين قوة التهمة- على ما مر في الفصل الثالث- وذلك كله مراعاة
~~للمصلحة العامة.
# وأما قول الرباطي 4 - في شرحه للعمل المذكور-: (لا بد من ثبوت التلصص 5
~~والتعدي بإقرار أو ببينة) 6.
# كما هي مسألة العتبية: (من أن الغاصب، اختطف صرة لم يعرف قدر ما فيها
~~بمعاينة البينة، أو بإقرار الغاصب، أن القول للمغصوب منه في قدر ما فيها)
~~7. PageV01P179
# فليست هي المقصودة بالعمل المذكور، وحمله عليها بعيد من ظاهره وإطلاقه،
~~ومن تعليلهم بالمصلحة العامة.
# وما قاله أبو الحسن الزرويلي 1، وابن هلال 2: (من أن ما للرعيني، خلاف
~~الأصول 3 ... (إلخ) - لا يقدم في العمل المذكور. PageV01P180
# إذ ما قالاه: من مخالفته للأصول) إنما هو: جار على المشهور، وقد قالوا:
~~(كم من مسألة جرى فيها العمل بخلاف المشهور)، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي
~~الحسن، وابن هلال، كما هو ظاهر، والله أعلم.
# (وأيضا 1 فإنه وإن كان الأصل عدم العداء والظلم، لكن لما كثر كل منهما في
~~هذا الزمان وغلب، أجروا الأحكام على مقتضى الغالب، وحملوا الناس عليه، ms031 لئلا
~~تضيع الحقوق، لأن الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب، لقوله تعالى:
~~{وأمر بالعرف} 2 أي: احكم به.
# ولذا قال أبو الحسن في "أجوبته" 3 - في مسألة: من رفع شخصا بحاكم جائر
~~فأغرمه مالا، يجب عليه، بعد أن حكى فيها قولين- ما نصه: (وهذا وقد كان
~~الحاكم يحكم بحق تارة، وبالباطل أخرى، وأما الآن فالحاكم لا يحكم إلا
~~بالباطل، PageV01P181
# فلا ينبغي أن يختلف في أنه يغرم ما خسره) 1، وسلمه ابن هلال.
# فأنت تراه حمل الحكام على الظلم والتعدي، حيث غلب منهم ذلك، وأوجب على
~~الشاكي الغرامة وإن كان الأصل عدم العداء.
# ونحوه: لسيدي مصباح 2 - حسبما في المعيار- حيث قال: (إذا تقرر العرف في
~~ولاة الظلم وأجنادهم، بغرم المال ممن أخذوه ظلما، كان القول للمأخوذ منه
~~فيما 3 ادعى أنه غرمه، وفي قدره، لأن العرف شاهد لمدعيه يقوم مقام الشاهد
~~الناطق) 4 باختصار.
# وقبائل الزمان، ومردة حواضرهم كذلك، لما كثر منهم العداء وغلب، كان القول
~~للمنهوب والمغصوب، (و) 5 لكن فيما يشبه أن يملكه فقط.
# وإذا تقرر هذا علمت: أن ما جرى به العمل، له مستند صحيح، وأصل أصيل فى
~~الشريعة، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، ولو كانت القبائل
~~في زمانهما على ما هم عليه، وقت جريان العمل المذكور ما وسعهما أن يقولا
~~بمخالفته للأصول، لاعترافهما بأن الحكم للغالب كما رأيت.
# وبما تقدم عن التبصرة، والقرافي في الفصل الأول، وعن القرافي في هذا
~~الفصل: يتبين لكم- أيدكم الله! - عدم العمل على ما في "البيان" عن "مالك"
~~6. [20/أ] PageV01P182
# ونقله في التبصرة 1، فقيل له 2: (أيكره للسلطان أن يأخذ الناس بالتهمة
~~فيخلوا ببعضهم، ويقول له: الأمان عليك، فأخبرني: فيخبره؟.
# فقال: إني- والله- لأكره ذلك، أن يقوله لهم، (ويغرهم) 3، وهو وجه
~~الخديعة).
# قال "ابن رشد": (وجه الكراهة: أنه إذا قال له ذلك، فهو من نوع الإكراه
~~على الإخبار، ولعله يخبره بالباطل لينجو من عقابه، فإقراره على نفسه من باب
~~الإقرار تحت الوعيد، والتهديد لا يلزمه) 4 اه.
# لأن هذا الذي كرهه الإمام مالك- في هذه الرواية- مخالف ms032 لما ورد: "أنه-
~~عليه الصلاة والسلام- لقى رجلا، فاتهمه: أنه جاسوس، فعاقبه، حتى أقر" كما
~~تقدم عن "القرافي".
# ومخالف لما مر عنه 5 في كلام التحفة، حيث قال ناظمها:
# (وإن يكن مطالبا من يتهم
### | …
# فما لك بالسجن والضرب حكم
# وحكموا بصحة الاقرار
### | …
# من ذاعر 6 يحبس للاختبار) 7
# ومخالف لما مر عن القرافي، والتبصرة.
# لأن ماكرهه الإمام- أي مالك-: هو من باب السياسة، والعمل بها PageV01P183
# مشروع، لكثرة الفساد وإنتشاره- كما مر-
# ومن السياسة في استجلاب إقرار المتهم، ما ورد: أن عليا- رضي الله عنه-
~~شكى إليه شاب، بنفر من الناس، فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا
~~ولم يعد أبي، فسألتهم عنه؟ فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك
~~شيئا- وكان معه مال كثير- فارتفعنا إلى القاضي، فاستحلفهم، وخلى سبيلهم.
# فدعا علي- رضي الله عنه- بأعوانه: فوكل بكل رجل منهم رجلين، وأوصاهم 1 أن
~~لا يمكنوا بعضهم يدنوا من بعض، ولا يمكنون أحدا يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا
~~أحدهم، فقال له: أخبرني عن أبي هذا الفتى، في أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل
~~نزل معكم 3 وكيف كان سيركم 3 وبأي علة مات؟ وكيف أصيب لماله 2؟، وسأله: عمن
~~غسله، ودفنه؟ ومن تول الصلاة عليه؟ وأين دفن؟، والكاتب يكتب.
# ثم كبر علي- رضي الله عنه- وكبر الحاضرون معه، والباقي من التهمين، لا
~~علم لهم، عن ماذا يسأل صاحبهم، وماذا يقول!، إلا أنهم ظنوا: أن صاحبهم قد
~~أقر عليهم، لكونهم ينظرون إليه، ولا يسمعون كلامه.
# ثم دعا الآخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه، ثم سأله كما سأل صاحبه، ثم
~~غيبه، وطلب الآخر وسأله، والكاتب يكتب، كل ذلك حتى عرف ما عند الجميع، فوجد
~~كل واحد يخبر بضد ما أخبر به صاحبه، (ثم أمر برد الأول، وقال له: يا عدو
~~الله!: قد عرفت غدرك وكذبك مما سمعت من أصحابك، ولا ينجيك من العقوبة إلا
~~الصدق) 3 ثم أمر به إلى السجن، وكبر وكبر الحاضرون.
# فلما أبصر الباقي من المتهمين حاله، لم يشكوا أن صاحبهم قد أقر عليهم، ثم
~~PageV01P184
# دعا آخر منهم: فهدده، ms033 فقال: والله- يا أمير المؤمنين- لقد كنت كارها لما
~~صنعوا، ثم دعا الجميع: فأقروا بالقصة، واستدعى الأول، وقيل له: لقد أقر
~~أصحابك، ولا ينجيك سوى الصدق، فأقر بما أقر به أصحابه، فأغرمهم المال،
~~واستقاد منهم بالقتل" 1 اه.
# فتدبرا- أيدكم الله! - في هذه القصة، ففيها دليل- لما مر- أن والي
~~الجرائم لا يرفع المتهمين إلى القضاة،- كما مر عن القرافي- الا ترى كيف
~~استحلفهم القاضي- في هذه القصة- وأرسلهم، وتولى علي- رضي الله عنه- الفصل
~~بينهم، حتى استجلب إقرارهم!.
# وفيها دليل لكون المتهم يهدد بالسجن وغيره، ويعرف عند استجلاب إقراره.
# وفيها رد لما حكاه في "البيان" عن مالك: من الكراهة لذلك، كما مر.
# وبتمام هذه الستة فصول، وإجراء الأحكام على ما اشتملت عليه من الأصول:
~~ينزجر الظالم الجسور، وبإهمالها: تهتك الستور ويستولي [21/أ] على الإسلام
~~العدو الكفور، وبتأملها يعلم حكم الله في الفريقين اللذين أشرتم لهما في
~~السؤال، والله أعلم. PageV01P185
#
### | الفصل السابع
# في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه،
# وكيفية سيرته مع رعيته، ومع العمال لديه
# اعلم: أن قولكم- أيدكم الله! - في
~~السؤال: (أم يتركون على حالهم ... الخ؟) إن الترك: مما لا يحل كتابا، وسنة،
~~وإجماعا، بل الواجب: أن تجرى عليهم أحكام الفصول السابقة، ولا يتركون على
~~ما هم عليه بحال.
# قال القرافي وغيره: (فما أباح الله العرض بالقذف والسب قط، ولا أباح
~~الأموال بالغضب والسرقة قط، ولا الأنساب بإباحة الزنا قط، ولا العقول
~~بإباحة المفسدات لها قط، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القتل والقطع بغير حق
~~قط، ولا الايمان بإباحة الكفر وانتهاك حرمة الحرمات قط) اه كلامه- رحمه
~~الله-.
# وقد علمتم: أنه ما نصب الولاة والأئمة إلا لزجر من إرتكب من الرعية شيئا
~~من هذه الأمور، وذلك فرض عين عليهم، فإذا تركوا الرعية على ما هم عليه من
~~المناكر- من نقل الأخبار، ومبايعة الكفار، أو غصب الأموال، ونحو ذلك مما
~~مر- فقد أخلوا 1 بما فرض الله عليهم، فيفضي ذلك: إلى هدم الإسلام، وكشف
~~العدو عن الوطن اللثام، وفساد الكفر لا يعد له فساد، فيلحق حينئذ الأئمة
~~ذلك الوعيد ms034 المتقدم- في الفصل الثاني والسادس- لأنهم بتركهم زجر الرعية عن
~~المناكر، قد أحبوا أن يعصى الله في أرضه ورضوا بذلك.
# وقد قال العلماء- رضي الله عنهم-: (من ترك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم
~~- من PageV01P186
# الولاة: تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشها). [21/ب]
# وقد قال- عليه الصلاة والسلام-: "من غش أمتى، فعليه: لعنة الله " 1.
# وقال أبو طالب المكي 2 - رضي الله عنه- في "القوت": (روينا عن ابن عباس-
~~رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لله- عز وجل-
~~ثلاثة أملاك: ملك على ظهر بيت الله الحرام، وملك على مسجد رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم -، وملك على ظهر بيت المقدس، ينادون ككل يوم يقولى الملك
~~الذي على ظهر بيت الله- سبحانه-: من ضيع فرائض الله خرج من أمان الله،
~~ويقول الملك الذي على مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من خالف سنة
~~رسول الله لم تنله الشفاعة، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس: من أحل
~~حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل) 3 اه. PageV01P187
# وهذه الثلاثة كلها لاحقة للإمام: لأنه إذا أهمل الرعية، فقد ترك ما فرض
~~الله عليه: من زجرها، وإذا تركها تخالف 1 سنة رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - لم تنله شفاعته لأنه مكلف بها، وإذا تركها تستحل المحرمات، فقد
~~أحلها لها، فكيف: يسع الإمام أن يضيع ما فرض الله عليه من زجر رعيته عن هذه
~~المناكر، فيخرج من أمان الله، ولم تنله شفاعة رسول الله، وتلحقه لعنة
~~الله!.
# وروى مسلم في صحيحه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما من
~~امرىء يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا ولم يدخل معهم الجنة"
~~2.
# وقال- عليه الصلاة والسلام-: "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، فالإمام
~~الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته،
~~PageV01P188
# وهو مسؤول عن رعيته، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه " 1.
# قال الإمام أبو بكر الطرطوشي 2 - رحمه الله-: (جعل 3 - صلى الله عليه
~~وسلم ms035 -[22/أ]: "كل ناظر في حق غيره راعيا") 4.
# وفي شرح الموطأ 5: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من إسترعاه
~~الله رعيته، PageV01P189
# فليحفظها يالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة لم يرح رائحة الجنة" 1 اه.
# وإنما لم يرح رائحة الجنة: لأنه إذا لم ينصحها فقد غشها، حيث تركها على
~~ما هي عليه من مخالفة الكتاب والسنة.
# ولما حج هارون الرشيد 2، لقيه عبد الله العمري 3 - في الطواف- فقال: "يا
~~هارون!، فقال: لبيك يا عمري، قال: كم ترى ما هنا من خلق؟ قال: لا يحصيهم
~~إلا الله- سبحانه- فقال: إعلم أيها الرجل: أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة
~~نفسه، وأنت وحدك مسؤول عنهم كلهم، فانظر: كيف تكون! فبكى هارون، فجعلوا
~~يعطونه منديلا للدموع، ثم قال: والله إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق
~~الحجر عليه، بمن أسرع في مال PageV01P190
# المسلمين! " 1 اه بنقل الطرطوشي المذكور.
# وإذا علمتم هذا: تبين لكم: أن ليس للراعي أن يدخر عمن استرعى عليهم نصحا،
~~ولا أن يهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحا، فيجب عليه: أن يزجرهم عما هم عليه،
~~ويردهم إلى معالم الدين وأن يحرضهم على فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه
~~من العناد التحريض المبين، إذ أحسن ما صرفت إليه الوجوه، واستدفع به الخبث
~~والمكروه، العمل بالكتاب والسنة والآيات المتلوة المحكمة، وردع اليد
~~الظالمة من عامل أو غيره، فينصف 2 للرعية من العمال، كما ينتصف لهم من
~~بعضهم بعضا، ويرد لهم البال 3.
# قال- تعالى-: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}.
# قال الإمام الطرطوشي- المتقدم-: (يعني لولا أن الله- تعالى-: أقام
~~السلطان في الأرض لا يدفع القوي عن الضعيف، [22/ب] وينتصف المظلوم من
~~الظالم، لأهلك القوي الضعيف، وتواثب الخلق بعضهم على بعض، ولا ينتظم لهم
~~حال، ولا (يستقر) 4 لهم 5 قرار، فتفسد الأرض ومن عليها.
# ثم امتن الله على الخلق بإقامة السلطان، فقال: {ولكن اللة ذو فضل على
~~العالمين} 6 يعني: في إقامة السلطان، فيأمن الناس، ويكون فضله على الظالم
~~كف يده، وفضله على المظلوم أمانه، وكف يد ms036 الظالم عنه 7. PageV01P191
# قال 1: (ولذا قال العلماء: "مثل الرعية مع السلطان، كالطباخ مع الآكلة،
~~عليه العناء ولهم الهناء، وعليه الحار ولهم القار 2") 3.
# فحقيق على كل رعية: أن ترغب إلى الله في صلاح السلطان، وأن تبذل له
~~نصحها) 4.
# وقالوا أيضا: "مثله معهم، كيتامى لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلا بوكيل،
~~فالمظلوم من الرعية هو اليتيم، والظالم منهم هو المدين، والوكيل هو
~~السلطان.
# فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان، وأداه إلى اليتامى بحسب ما
~~يجب لكل، فقد بريء من القوم، ولم تبق عليه تباعة للميدان ولا لليتيم، وحصل
~~الأجر مرتين: أجر القبض، وأجر الدفع، ودخل في قوله تعالى: {إن اللة يحب
~~المقسطين} 5 وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المقسطون على منابر من نور
~~يوم القيامة" 6 PageV01P192
# وفي قوله- عليه الصلاة والسلام-: " (ممبعة) يظلهم الله بظله يوم لا ظل
~~إلا ظله: إمام عادل ... الحديث " 1 إلى غير ذلك.
# وإن هو زاد على الدين الواجب بغير حق فهو ظالم للمديان، وإن نقص بغير
~~موجب فهو ظالم لليتيم، وكذا إن استوفى الديون وأمسكها ولم يدفعها لأربابها
~~فهو ظالم لهم، داخل في قوله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجةنم حطبا} 2.
# وقد تقدم- في الفصل السادس-: " أنه يؤخذ للمظلوم من [23/أ] حسنات ظالمه،
~~بكل دانق مسبعون صلاة مقبولة" 3. والدانق: سدس الدينار أو الدرهم.
# فيجب على الإمام: الاجتهاد بقدر طاقته في الكشف عن العمال- كما مر في
~~الفصل السادس-: أنه يبالغ في الكشف عن خبرهم بحسب قوة التهمة وضعفها- ولا
~~يغتر فيهم بكلام من (يزين) له الوقت، فإن أكثر العمال جهالا لا يتقون الله،
~~ولا يتحفظون من المداهنة 4، والنفاق، والكذب.
# وفي أفضل من عمال الوقت، يقول سيدنا علي- كرم الله وجهه-: "المغرور من
~~غررتموه" 5.
# وقد كتب الشيخ محرز 6 - الذي سأل من الشيخ "أبي محمد بن أبي زيد:
~~PageV01P193
# "تأليف الرسالة"- إلى أمير الوقت في رجل طلبه بعض العمال بمغرم، ما نص
~~الغرض منه: (أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي، وهذا من البلاء- وأسأل
~~الله أن يتغمدني برحمته- وربما جاء المضطر يسأل الحاجة: ms037 فإن تأخرت خفت، وإن
~~أسرعت فهذا أشد.
# وقد كتبت إليك من مسألة: رجل من الطلبة طلب بدراهم، ولا شيء قبله، وحامل
~~رقعتي: يشرح إليك 1 ما جرى، فعامل فيه من لا بد من لقائه، وأستحيي ممن وجدت
~~لذاذة العيش به، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة
~~السوء، فإنهم إنما يريدون دراهمك، ويقربون من النار لحمك ودمك، واحفظ تحفظ،
~~واتق الله- فإنه {من يتق اللة يجعل له من أمره يسرا} 2 - {ومن يتق اللة
~~يجعل له مخرجا} 3 - واستعين بالله- فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه-
~~واستكثر من الزاد، فقد دنا الرحيل، والسلام.
# فلما بلغ كتابه الأمير: أخذه وقبله، وقال: "هذا كتاب صديق الله"، وأمر
~~كاتبه: أن يكتب سجلا لجميع الطلبة بالحفظ والرعاية، وأن يصرف عن طلبة الشيخ
~~جميع ما كان أخذ لهم قبل من المظالم.
# والمقصود منه: "وشاور في أمرك الذين يخافون ... إلى آخره" إذ ذاك كله،
~~تحريض على عدم الثقة بالعمال، فهو كقول سيدنا علي المار: "المغرور من
~~غررقموه ".
# فمن الحزم: أن لا يصدقهم السلطان على ضعفاء الرعية، لأن تصديقهم غرور من
~~السلطان، ولا يولي من طلب الولاية من الرعية، لما في البخاري، ومسلم،
~~وغيرهما: PageV01P194
# أن رجلا قال: يا رسول الله: إستعملنى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم
~~-: "تنح، إنا لا نستعمل على عملنا هذا من أراده" 1 اه.
# والسر فيه: أن الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على خيانتها، فيجب
~~عليه: أن لا يوليه، وإن ولى غير طالبها فيتقدم إليه ويخوفه بأنه إن وجد منه
~~زلة أو تعديا عاقبه العقوبة الشديدة، وأنه إن لم يبالغ في القيام بحقوق
~~الله- من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- وحقوق عباده- من رفع يد الظالم
~~عن المظلوم- أخذه أخذا وبيلا، إذ العمال في هذا الأوان، وقبله- كما مر عن
~~سيدنا علي، والشيخ محرز- يتوصلون لغرضهم الفاسد، وأكل الأموال بالباطل،
~~بقلب الحقائق.
# (فإذا جاء الضعيف يشتكي إلى السلطان بجور العامل عليه) أو بعدم الانتصاف
~~له من ظالمه، حقد العامل بذلك الشاكي، وغضب عليه، وسبقه حينئذ كما للإمام
~~"اليوسي" 2 ms038 وغيره بكتابه لباب السلطان- فزاد عليه-: (وإن لم يسبقه، فإن
~~السلطان PageV01P195
# يرده إليه لينفذ إليه دعواه، فيتمكن منه العامل ويسجنه، ويكتب للسلطان:
~~بأنه بالغ في كشف أمره، فوجد الشاكي ظالما، أو سارقا، أو هاجما، أو غاضبا،
~~وربما كتب عليه بينة بذلك من اللفيف 1 أو العدول، ولا يعجزه الحال لأن كل
~~من أمره بالشهادة شهد خوفا منه).
# ولله در بعض الفقهاء: كان جالسا مع السلطان، وحين سأل السلطان بعض الناس-
~~أي: جماعة منهم- عن عاملهم؟، فأثنوا عليه [24/أ]
# فقال الفقيه: (ما هذا وجه الشهادة، بل وجهها: أن تعزله عنهم، واسئلهم
~~حينئذ، عما يشهدون به فيه؟ وماذا يقولون فيه؟ - وإلا فمن يستطع أن يقول:
~~للأسد أبخر 2 الفم وهو بين شدقيه- ففعل السلطان ذلك، فما من أحد من الرعية-
~~المولى عليها العامل المذكور- إلا وجاء للسلطان متظلما شاكيا بالعامل
~~المذكور، فعلم بذلك: صدق الفقيه المذكور!.
# وعليه: فيجب على الإمام: أن لا يعمل بقول العامل في هذا الشاكي، وكيف
~~يعمل بقوله فيه، مع كونه عدوا له، إذ بمجرد إتيانه للشكاية للسلطان صار
~~عدوا له، لأنه أتى ليظهر عيوبه للسلطان، ومن يرضى أن تظهر عيوبه لأدنى
~~الناس، فكيف بها للسلطان- فالله الله في عباد الله-!.
# فالواجب: أن ينفذ للشاكي شكواه، ويستفصل في دعواه، ويتولى سماعها بنفسه،
~~ولا يتكل في سماعها على غيره، وإذا توقفت دعواه على إثبات، أمره بإثباته،
~~وكلف من ينظر له في ذلك من الثقات قاضيا أو غيره.
# وقد علمتم- أيدكم الله-: أن الله- تبارك وتعالى- يتولى يوم القيامة،
~~الفصل بين عباده بنفسه، ولا يتكل فيهم على أحد، كما في الصحيح: أنه-
~~PageV01P196
# صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة كفاحا،
~~ليس بينه وبينه ترجمان ... الخ " 1.
# والسلطان خليفة الله في أرضه في الدنيا، فإذا احتجب، واتكل- في الفصل بين
~~العباد- على غيره، لزم أن يكون- والعياذ بالله- أشرف من خالقه، وذلك أسرع
~~شيء إلى زوال ملكه.
# قال الإمام الطرطوشي، وغيره: (وإذا احتجب السلطان عن سماع الشكايات
~~بنفسه، فإنه أسرع شيء إلى خراب ملكه، لأن بطانة السوء والعمال يلعبون في
~~أرواح الخلائق، ms039 وحريمهم، وأموالهم، لأن الظالم حينئذ [24/ب] قد أمن (أن لا
~~يصل) 2 المظوم إلى السلطان.
# قال: قال الحكماء: لا تزال الرعية ذا سلطان ما وصلوا إلى سلطانهم، (فإذا
~~احتجب فهناك سلاطين كثيرة، وذاك مفض للجور والظلم) 3 4. PageV01P197
# فالواجب على السلطان: أن يتولى الفصل بنفسه فيما يحضره من الشكايات بين
~~يديه، كما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين من
~~بعده. قال الإمام الطرطوشي- في سراجه- 1: (بلغنا: أن ملكا من الملوك، نزل
~~به صمم، فأصبح (متوجعا مهتما) 2 بأمور المظلومين، وأنه لا يسمع إستغاثتهم
~~3، فأمر مناديا ينادي: أن لا يلبس في مملكته ثوبا أحمر، إلا مظلوم، وقال:
~~"لئن منعت سمعي، لم أمنع بصري"، فكان كل من ظلم يلبس ثوبا أحمر، ويقف تحت
~~قصره، ويكشف عن ظلمه) 4.
# قال: (وكان بعض ملوك الصين: يجعل في بيت ملكه ناقوسا 5 موصولا بسلسلة،
~~وطرف السلسلة في خارج الطريق، وعليها أمناء للسلطان مأمورون: PageV01P198
# بأن لا يتعرضوا لمن أراد إمساكها وجرها، فإذا جاء المظلوم وجر السلسلة،
~~سمع الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، وكل من حرك السلسلة يمسكه
~~أولئك الحفظة حتى يدخل على السلطان) 1.
# فهذه طريقة العدل بين السلطان وعماله، وبين الرعية فيما بينها.
# إذ العدل قوام الملوك، وبه صلاح الدنيا والدين كما مر في قوله تعالى:
~~{ولولا دفع الله الناس ... الآية} وكما مر- أيضا- في الفصل الأول- في قوله
~~تعالى: {إن اللة يأمركم أن تؤدوا الأمانات (إلى أهلها) 2 ... }.
# وكما قال تعالى- في آية الملوك- التي أنزلها الله فيهم- وهو قوله تعالى-:
~~{ولينصرن الله من ينصره إن اللة لقوي عزيز} 3.
# ثم سمى المنصورين، وشرائط النصر، فقال- جل من قائل-: {الذين إن مكناهم في
~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونةوا عن المنكر ولله
~~عاقبة الأمور} 4.
# فضمن الله تعالى النصر للملوك، وشرط عليهم [25/أ] أربع شرائط):
# إقامة الصلاة فيهم، وفي رعيتهم، وإيتاء الزكاة كذلك، والأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر. PageV01P199
# قال الإمام الطرطوشي، واليوسي، وغيرهما،: (فمتى تضعضعت قواعد الملوك،
~~وإنتقص عليهم شيء من أطرف مملكتهم، أو ظهر عليهم عدو الدين، أو باع فتنة، ms040
~~أو جاحد نعمة، فليعلموا: أن ذلك من الاخلال بشرط من الشرائط المشروطة
~~عليهم، فليرجعوا إلى الله بإقامة العدل، والقسط الذي شرعه الله لعباده، وبه
~~قامت السماوات والأرض، بإظهار شرائع 1 الدين، ونصر المظلوم، والأخذ على يد
~~الظالم، ومقاتلته العدو الكافر ... 2 الخ).
# ثم أنه قد تقدم: أن الإمام يتولى الفصل بنفسه فيما حضر بين يديه.
# وأما ما غاب عنه ولم يحضر بين يديه من أمور الرعية وعمالها، فلا يسأل
~~عنها إلا الثقات، ؤاهل الدين، لا من لا يتقي الله، ولا يتحفظ من المداهنة
~~والنفاق من العمال، وأهل الثروة، الذين نفسهم على نفس العمال، لأن لهم
~~مدخلا في المخزنية 3 فيواجهون العمال، كما أن العمال يواجهونهم، فلا يجرون
~~الأحكام عليهم، ولا على من تعلق بهم، فيزينون الوقت للأمير ويزينون فعل
~~العمال. PageV01P200
# وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "إذا قدمت الوفود من البلاد البعيدة،
~~يسألهم: عن أحوالهم، وأسعارهم وعمن يعرفوه من أهل البلاد، وعن أميرهم: هل
~~يدخل عليه الضعيف، وهل يعود المريض؟ فإن قالوا: نعم، حمد الله - تعالى- وإن
~~قالوا: لا، كتب إليه بالعزل" 1.
# وكان- رضي الله عنه-: "إذا بعث عاملا شرط عليه أربعا: لا يركب البراذين
~~2، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقى، ولا يتخذ حاجبا، ولا يغلق بابا عن
~~حوائج الناس" 3.
# ولما بلغه: "أن (سعد) 4 بن أبي وقاص: إتخذ قصرا، وفتح له [25/ب] بابا،
~~وأنه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس، وصار يحكم في داره، أمر: بتحريق
# قصره، وبادر إلى عزله" نقله فيه "التبصرة"، وغيرها 5.
# ومن الواجب: أن يتخذ الأمير مزكي السر من الثقات في كل بلد يخبره عن سيرة
~~العمال والقضاة، ولا يطع عليه أحد من رعيته، وإنما تجري المكاتبة 6
~~PageV01P201
# بينهما من غير واسطة، فيكتب الأمير له بخط يده لئلا يطلع (عليه) 1 أحد من
~~خواصه، لأنهم إن أطلعوا (عليه) 2: أفشوا ذلك في العمال والولاة، وسارع
~~الجميع لإذايته، والتحرز من إطلاعه على أمورهم.
# وقد قال المأمون 3: (ما فتق علي فتق قط إلا ووجدت سببه جور العمال) 4.
# ومن الاخلال بضبط هذه ms041 الأمور: ما وقع لسلطان الجزائر، حتى استولى عدو
~~الدين عليه، [قال تعالى]: {إن اللة لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
~~5.
# فاجتهدوا- أيدكم الله-!: في القيام بحقوق العباد، قال تعالى: {والذين
~~جاةدوا فينا} أي: في حقنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا {لنةدينهم سبلنا} أي:
~~لنهدينهم 6 هداية إلى طريق الخير {وإن اللة لمع المحسنين} 7 - أي: لناصرهم
~~ومعينهم.
# وعن بعضهم: (من عمل بما يعلم، وفق لما لم يعلم) 8. PageV01P202
# فقد تكفل الله (- سبحانه-) 1 بالنصر والإعانة لمن اجتهد في امتثال
~~أوامره، واجتناب نواهيه. PageV01P203
# وأما
### | المسألة الثانية
# : ففيها فصلان:
### | الفصل الأول
# في حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه
# من العقاب من العزير الجبار
# قد علمت- مما تقدم-: أن الاستنفار
~~للجهاد يتعين بتعيين الإمام، فحيث استنفر قوما فقد عينهم للجهاد، فمخالفتهم
~~عصيان لله ولرسوله توجب عقوبتهم- بما تقدم في الفصل السادس-[26/أ]
# ثم ان النفير للجهاد، والذهاب إليه، المخاطب به ابتدأ هو الإمام، أي: هو
~~المخاطب أن 1 يعين طائفة من رعيته تذهب إليه.
# فإذا عين طائفة، وجيشا له، وجب على من عينهم وصار في حقهم: فرض عين،
~~لقوله- تعالى-: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم
~~طائفة ... } 2.
# وقال- تعالى-: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} 3.
# وقال- تعالى-: {يا أيةا الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ... }
~~4.
# وقال: {واقتلوهم حيث وجدتموهم} 3. PageV01P204
# وقال: {يا أيةا النبي جاهد الكفار والمنافقين ... } 1.
# و [قال]: {قاتلوهم- أي: دائمأ- حتى لا تكون فتنة- أي: لا يوجد فيكم شرك-
~~ويكون الدين لله} 2.
# وقال: {يا أيةا النبي حرض المؤمنين على القتال}.
# إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية:
# كقوله- عليه الصلاة والسلام-: "جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل
~~الله باب من أبواب الجنة" 3.
# أخرجه: أحمد 4، والطبراني 5 والحاكم 6 وصححه عن عبادة بن الصامت 7 -
~~PageV01P205
# رضي الله عنه-.
# وأخرج: عبد الرزاق 1، عن أبي أمامة 2 - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله
~~- صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب
~~الجنة يذهب
# الله به الهم والغم" 3.
# فالخطاب في هذه ms042 الآيات القرآنية، ونحوها، والأحاديث النبوية التي لا تحصى
~~كله للأئمة ابتداء، وللرعية انتهاء.
# أعني: يجب على الإمام ابتداء: أن يعين طائفة من كل قبيلة مثلا، فإذا
~~عينهم صار فرض عين على من عينهم انتهاء- كما مر-. فإذا ترك الإمام التعيين
~~والأمر بالجهاد لحقه الوعيد الآتي، وإذا عين الإمام طائفة ولم تفعل لحقها
~~الوعيد الآتي- أيضا- وهو: [26/ب] PageV01P206
# قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم
~~وأموال اقترفتموةا وتجارة تخشون كسادةا ومساكن ترضونةا أحب إليكم من الله
~~ورسوله وجةاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله} 1 أي: عقوبة عاجلة، أو آجلة
~~2.
# قال في "الكشاف": (هذه آية شديدة لا ترى أشد منها، كأنها تنعى على الناس
~~ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين) 3 اه.
# فهذا الوعيد: لاحق للإمام إذا لم يعين، ولاحق للرعية إذا عين ولم يفعلوا.
# وقال- تعالى-: {يا أيةا الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل
~~الله اثاقلتم إلى الأرض ... إلى قوله: إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} 4.
# قال المفسرون: (هذا سخط عظيم على المتثاقلين 5، حيث وعدهم بعذاب أليم
~~مطلقا يتناول عذاب الدنيا والآخرة- أي: عذاب الدنيا باستيلاء العدو عليهم
~~ونحوه، وعذاب الآخرة بالنار- وأنه يهلكهم ويستبدل قوما آخرين غيرهم) 6.
# فهذا الوعيد أيضا: لاحق للإمام إذا لم يعين، ولاحق للرعية إذا عين ولم
~~يفعلوا.
# فقوله- تعالى-: {إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} أي: إذا قال الله
~~للأئمة: انفروا بلا واسطة، وقال للرعية: انفروا بواسطة الإمام. PageV01P207
# فخطابه- تعالى- للأئمة بلا واسطة، وخطابه للرعية بواسطة الإمام، فالكل
~~يلحقه الوعيد المذكور بمخالفة ما أمر به.
# قال القرطبي في تفسيره: (التثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهية حرام).
# قال: الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند
~~التعيين، ويصير بتعيينه فرضا على كل من عينه) 1 اه.
# وقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التةلكة} 2.
# قيل: (التهلكة هي: الكف عن الغزو والجهاد، والإنفاق فيه، لأن [27/أ] الكف
~~يقوي العدو، ويتسلط عليكم، فيفسد عليكم دينكم ودنيام) 3.
# والوعيد شامل للإمام ابتداء، وللرعية انتهاء- كما ms043 مر-.
# وقال- تعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ... إلى قوله: قل نار
~~جةنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} 4.
# قال ابن النحاس 5: هذه الآية: (وإن كانت في أقوام بأعيانهم، ففيها
~~التهديد لمن فعل كفعلهم، وتخلف كتخلفهم، وناهيك بذلك وعيدا فضيعا).
~~PageV01P208
# وأخرج الطبراني: عن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -
~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما ترك قوم الجهاد، إلا عمهم الله بالعذاب" 1
~~اه.
# فأطلق في العذاب، فيتناول: الدنيوي ما والأخروي- كما مر- والوعيد لاحق
~~الإمام والرعية أيضا- كما مر- إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى.
# فقد علمت من هذا كله!: أن الله- تبارك وتعالى- قد أكد الوعيد، وأوعد
~~بالعذاب الشديد، كل من أعرض عن الجهاد، وشغله عنه الاهتمام بأمر 2 الأزواج
~~والأولاد، وأبدى القرآن الكريم ما فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
# وإذا تقرر هذا تبين لكم- أيدكم الله-!: حكم ما أشرتم إليه في السؤال من
~~قولكم: (فهل يعاقبون ... الخ؟).
# إذ لا إشكال في عقاب المتخلف عن النفير بعد التعيين- كما رأيته- دنيا
~~وأخرى.
# فحينئذ فإن أظهروا الميل للعدو والكافر، وتعصبوا به: فيقاتلون قتال
~~الكفار، ومالهم فيء.
# وقد سئل الإمام سيدي: أحمد بن زكري 3: عن قبائل من العرب امتزجت أمورهم
~~مع النصارى، وصارت بينهم محبة، حتى أن المسلمين: إذا أرادوا الغزو،
~~PageV01P209
# أخبر هؤلاء القبائل النصارى، فلا يجدهم المسلمون إلا متحذرين متهيبين-
~~والفرض أن المسلمين لا (يتوصلون) 1 إلى الجهاد إلا من بلاد هؤلاء
~~القبائل-[27/ب] وربما قاتلوا المسلمين مع النصارى.
# ما حكم الله في دمائهم، وأموالهم؟ وهل ينفون من البلاد؟ وكيف إن أبوا من
~~النفي إلا بالقتال؟.
# فأجاب- رحمه الله- بقوله ما نصه: (ما وصف به القوم المذكورون: يوجب
~~قتالهم كالكفار الذين تولونهم، ومن يتول الكفار فهو منهم.
# قال تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم
~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} 2 اه.
# وأما: إن لم يميلوا إلى الكفار، ولا تعصبوا بهم، ولا كانوا يخبرونهم
~~بأمور المسلمين، ولا أظهروا شيئا من ذلك، وإنما وجد منهم الامتناع من
~~النفير فإنهم: يقاتلون قتال الباغية ms044 3 - وسيأتي الكلام عليها في المسألة
~~الأخيرة من مسائل السؤال- والله أعلم. PageV01P210
#
### | الفصل الثاني
# فيما ينبغي للإمام فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره
# من الرعية، وكيفية التدريب للحروب 1 وذكر
# مكائد بها يظفر 2 الإمام بالمرغوب
# اعلم: أنه ينبغي للإمام قبل
~~الاستنفار: أن يأمرهم بتقديم عمل صالح من صدقه، أو صيام، ورد مظلمة، وصلة
~~رحم، كما كان يفعل عمر- رضي الله عنه - ويقول: "إنما تقاتلون بأعمالكم" 3.
# ثم اعلم: أن الله تعالى قرن النصر بالصبر، فقال تعالى: {إن يكن منكم
~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين} 4 وقال: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم
~~شيئا} 5.
# وقال: {يا أيةا الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ... } 6، وقال:
~~{استعينوا بالصبر والصلاة إن اللة مع الصابرين} 7. PageV01P211
# قال الحرالى 1 - بعد كلام-: (فمن لم يتحمل الصبر الأول على الجهاد، أخذ
~~بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب، فانعطف عليها، قوله تعالى:
~~{ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} 2، فالجوع: فراغ الجسم عما به [29/أ]
~~قوامه، لفراغ النفس عن الأمان الذي هو لها قوام، فأفقدها القوامين في ذات
~~نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كد الجهاد، وقد كان ذلك
~~الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع.
# وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على
~~أنفسهم فجاؤوهم إلى مواطنهم- فمن لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطيبيب
~~لهلاكه- وشتان بين خوف الغازي 3 للعدو في قصره وبين المحصر 4 في أهله،
~~وكذلك شتان بين أرزاق 5 المجاهد وتزوده" - " وخير الزاد التقوي- " 6 في
~~PageV01P212
# سبيله لجهاده وبين جوع المتحلف في عيلته 1.
# فالمجاهد: آمن في جيشه، متزود في رحله، غانم من عدوه. والمتخلف: خائف في
~~أهله، جائع في عيلته، ناقص المال من ذات يده) اه.
# (وهذا) 2 الوعيد لاحق للإمام والرعية: فالإمام يلحقه ذلك إذا غفل ولم
~~يجبر الناس على الجهاد والاستعداد، والرعية يلحقها ذلك إذا أمرهم ولم
~~يمتثلوا.
# وإذا تقرر أن النصر مقرون بالثبات والصبر، فيخرج منه: أنه لا يستنفر إلا
~~من كان فيه نجدة الصبر، فلتكن ms045 همة الإمام مصروفة لاستنفار الشجعان
~~والأبطال، لأنهم المتصفون بالصبر للقتال، فيعينهم للخروج مع غيرهم وليكثر
~~منهم- ولا عليه أن يكثروا- ويقربهم إليه بالمنزلة والمكانة، ويوسر إليهم،
~~ويعدهم وعدا جميلا، ويقوي أطماعهم في أن ينالوا ما عنده من الهبات الفاخرة،
~~والولايات السنية 3، ويجعلهم مقدمة 4 الجيش.
# فقد قالت الحكماء: (أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد) 3.
~~PageV01P213
# قال الإمام الطرطوشي: (لا ينبغي أن يقدم على الجيش أو يأخذ الألوية 1 إلا
~~الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة) 2. [28/ب]
# ولله در قائل:
# ("والناس ألف منهم كواحد
### | …
# وواحد كالألف إن أمر عنا") 3
# وإذا كان الواحد كالألف: فإذا 4 رأي الإمام في قومه وجيشه عددا 5 ممن هذه
~~أوصافه فذلك 6، وإلا "رد الغنم للزريبة" 7، ولذا قالوا: (يجب على الإمام:
~~أن
# يهتم بأمور الجهاد، فيأمر كل قبيلة: بتعليم الحروب، والتدريب).
# وإن رأي: أن يعين من كل قبيلة مائة أو أكثر، تتعلم الحروب والتدريب مهيئة
~~نفسها لكلمة الأمير، وتكون تلك المائة: من الوجوه الذين لا يولون الأدبار،
~~وعند كل خمسة أشهر ونحوها 8، يأمرهم بالضرب بين يديه بمرأي منه، فمن رآه 9
~~منهم كثير الإصابة والتدريب أحسن إليه وقربه لديه، وهكذا حتى يعرف من كل
~~قبيلة أبطالها وشجعانها، فيعينهم حينئذ للأسفار الأمثل فالأمثل.
# ومن وجده من القبائل لم (يعتن) 10 بما أمره به: من تعلم الحروب أهانها
~~PageV01P214
# وأهان قائدها، ولامهم على مخالفة أمره، ولا يتكل في اختبارهم على غيره
~~فينتظم الأمر حينئذ.
# فإذا احتاج الأمير إلى إقامة جيش لفجىء العدو ونحوه، أقامه في ساعة واحدة
~~من الأبطال، لأنهم مكتوبون عنده في الديوان 1 من كل قبيلة، ولا يحتاج حينئذ
~~إلى فريضة الحراك، لأنهم إذا وكلوا لغرضهم لا يحركون إلا أوباش 2 الناس،
~~الذين إذا قابلوا العدو ولو الأدبار، فيفسد الأمر، ويختل الملك، وربما
~~كانوا لا يفترضون 3 الحركة إلا بعد انتهاز العدو في المسلمين الفرصة.
# (ولما تقابل بعض أمراء 4 الأندلس، مع الطاغية (ابن ردمير) 5، قال
~~الطاغية- لمن يثق بعقله، وممارسته للحروب من رجاله-: "استعلم لي من في ms046 عسكر
~~المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا، ومن غاب منهم، [29/أ] ومن
~~حضر "فذهب، ثم رجع، فقال: "فيهم فلان وفلان حتى (عد) 6 سبعة رجال".
# قال: " (انظر) 7 الآن من في (عسكري) 8 من الرجال المعروفين بالشجاعة،
~~PageV01P215
# ومن غاب منهم "فعدوهم، فوجدوهم ثمانية لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكا
~~مسرورا، وهو 1 يقول: "ما أبيضك من يوم".
# ثم تناشبت الحرب، فلم تزل المضاربة 2 بين الفريقين، ولم يول واحد منهم
~~دبره، ولا عن مقامه، حتى (فنى) 3 أكثر العسكرين، ولم يفر واحد منهم، ولما
~~كان وقت العصر حملوا على المسلمين، وداخلوهم مداخلة واحدة، ففرقوا بينهم
~~وهزموهم.
# فليعتبر ذو 4 العزم في البصيرة، ببشرى الطاغية بالنصر والغنيمة، لما زاد
~~في أبطاله رجل واحد) اه بنقل الطرطوشي 5.
# وذكر بعض المؤرخين: (أن بعض أمراء الأندلس الذين استحكموها إثر فتحها كان
~~يقاتل عدوه، وأمر على طائفة من جيشه ولده، فوقعت الهزيمة على ناحية ولده،
~~فجاء الأمير لولده بسيفه يقطر دما ليقتله، وهو يقول: (هلا صبرت حتى قتلت
~~وسلمت، ولا تأتيني بالذلة والهزيمة" فما رده خواصه عن قتل ولده إلا بمشقة.
# فلما رأي عماله ما فعل بولده، قالوا: "هذا ما فعل بولده، فكيف بنا! " فلم
~~ينهزهم أحد من عماله بعد).
# فتهديد العمال وتوعدهم بالقتل إن انهزموا، من مكائد الحرب.
# وذكر المواق- رحمه الله-: (أن عثمان 6 - رضي الله عنه- أمر-: ابن أبي
~~PageV01P216
# سرح 1 على غزو افريقية" 2، وكان الطاغية "جرجير" يملك من "طرابلس" 3 إلى
~~"طنجه" 4، فهاله 5 أمر العرب لما نزلوا به، فتحيل: أن زين بنتا له كانت
~~بارعة الجمال، وقال لجيشه: "أتعرفون هذه" قالوا: "نعم، سيدتنا، وبنت سيدنا"
# قال الملك جرجير: [29/ب] "- وحق المسيح، ودين النصرانية- لا قتل أحد منكم
~~ابن أبي سرح- أمير العرب- إلا زوجتها له، وسقت لها جميع ما معها من الحلي،
~~والحلل، والجواري! ".
# فحرض بذلك شجعان الروم تحريضا شديدا، فبلغ ذلك لابن أبي سرح، فأخبر من
~~معه من المسلمين: بمقالة "جرجير"، ثم قال لهم: "- والله- لا قتل منكم رجل
~~"جرجير" إلا نفلته ابنته، وما معها! ms047 ".
# فانتدب أناس فيهم: عبد الله بن الزبير 6 - رضي الله عنه- وهو: ابن بضع
~~PageV01P217
# وعشرين سنة، فتحيلوا، وحملوا حتى شقوا الصفوف، وظفروا "بجرجير"، فقتلوه،
~~وانهزم الكفار، وتنازعوا في قتل "جرجير"، فقالت البنت: "أنا أعرف قاتل أبي"
~~فأمر ابن أبي سرح: أن يمر الجيش بين يديها، وهي تنظر حتى مر ابن الزبير،
~~قالت: "هذا- والمسيح- هو: الذي قتل أبي، فقال ابن أبي سرح، لابن الزبير:
~~"كتمتنا" قال: "قد علم الله (الذي) 1 قتله له- يعني: لم أقتله إلا لله- لا
~~لما وعدت به من التنفيل" قفال ابن أبي سرح: "إذن- والله- أنفلك ابنته"
~~فنفله إياها، وما معها، واتخذها أم ولد) 2 اه.
# فانظروا- أيدكم الله-!: كيف كانت راحة المسلمين في انتداب هؤلاء الأبطال
~~لقتله، ووفاء أميركم بوعده!.
# قال المواق أيضا: (ذكر) صاحب "عيون الأخبار" 3 أن "مسلمة" 4 حاصر
~~PageV01P218
# حصنا من حصون الكفار، وندب الناس للدخول من نقب 1 هناك، فما دخله أحد،
~~فجاء رجل من عرض الجيش، فدخله، ففتحه الله عليهم، فنادى "مسلمة": "اين صاحب
~~النقب؟ "فما جاء أحد، فنادى: "اني عزت عليه أن يأتي" فأتى رجل وقال: "صاحب
~~النقب يأخذ عليكم ثلاثا: أن لا تجعلوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا
~~تأمروا له بشيء، ولا تسألوا عمن هو! ".
# فقال "مسلمة": "ذلك له" فقال: "أنا هو" [30/أ] فكان مسلمة لا يصلي صلاة
~~إلا قال: "اللهم إجعلني مع صاحب النقب") 2 اه.
# وذكر الإمام الطرطوشي- في "سراجه"-: (أن القدماء قالوا: للكثرة الرعب،
~~وللقلة النصر، فالكثرة أبدا يصحبها الإعجاب ومع الإعجاب الهلاك. وفي
~~الحديث: "خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا 3 أربعمائة، وخير الجيش أربعة
~~آلاف، ولن يغلب جيش بلغ اثني عشر ألفا من قلة" 4 فالكثرة PageV01P219
# يلزمها الإعجاب. قال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم
~~(شيئا) ... 1} 2.
# (قال) 3: (قال بعض الحكماء: وقد جمع الله لنا آداب الحرب، في قوله تعالى:
~~{يا أيةا الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا اللة كثيرا
### | ....
# إلى قوله: واصبروا إن اللة مع الصابرين} 4 5، فدلت هذه الآية: على أن
~~النصر مقرون بالصبر.
# قال: (ورأيت ms048 غير واحد ممن ألف في الحروب: يكره رفع الصوت بالتكبير،
~~PageV01P220
# ويقولون: يذكر الله في نفسه) 1.
# قال 2: (قال عتبة بن ربيعة 3 - يوم بدر-4 لأصحابه-: ألا ترون أصحاب محمد
~~- صلى الله عليه وسلم - جثيا 5 على الركب، كأنهم خرس يتلمظون 6 تلمظ
~~الحيات) 7.
# قال: (وبينما المنصور بن (أبي) 8 عامر 9 - في بعض غزواته-: إذ وقف
~~PageV01P221
# من الأرض بمكان مرتفع، فرأى: جيوش المسلمين- بين يديه، ومن خلفه، وعن
~~يمينه، وعن يساره- قد ملؤوا السهل والجبل، فالتفت إلى مقدم العسكر- وهو رجل
~~يعرف: بابن المصحفي- 1 وقال له: كيف ترى هذا العسكر، أيها الوزير؟ "فقال
~~له- ابن المصحفي-: "أرى جمعا كثيرا، وجيشا واسعا" قال له المنصور: "لا
~~يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل، من أهل الشجاعة والبسالة"، فسكت
~~ابن المصحفي، فقال المنصور: "ما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ألف مقاتل من
~~الأبطال؟ " [30/ب]
# قال: "لا"، فتعجب المنصور!، ثم انعطف عليه، فقال: "أليس فيهم خمسمائة
~~رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم مائة رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم خمسون؟
~~" قال: "لا"، فسبه المنصور، واستخف به، وأمر به فأخرج على أقبح حال!.
# فلما توسطوا بلاد المشركين: اجتمعت الروم، وتصاف الجمعان، فبرز علج 2 من
~~الروم- يكر 3 ويمر- وهو ينادي: "هل من مبارز؟ "، فبرز له رجل من المسلمين،
~~فتجاولا ساعة، فقتله العلج، ففرح المشركون، وصاحوا PageV01P222
# واضطرب لها المسلمون!، ثم جعل العلج يمرح بين الصفين، وينادي: "هل من
~~مبارز اثنين بواحد؟ "، فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله
~~العلج، وجعل يكررا ويحمل: "هل من مبارز ثلاثة بواحد؟ "، فبرز إليه رجل،
~~فقتله العلج، فصاح المشركون، وذل المسلمون- وكادت أن تكون كسرة-!.
# فقيل للمنصور: "ما لها غير ابن المصحفي " فبعث إليه: فحضر، فقال المنصور:
~~"ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " قال: "بعيني جميع ما جرى" قال: "فما الحيلة
~~فيه؟ " قال: "وما الذي تريد؟ " قال: "تكفي المسلمين شره " قال: "نعم"، ثم
~~قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من رجال الثغور 2 على فرس قد نشزت
~~أوراكها هزالا- وهو: يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل ms049 في نفسه
~~وحليته: غير متصنع، فقال له- ابن المصحفي-: "ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ "
~~قال: "قد رأيته!، فماذا ترى فيه؟ " قال: "يزال رأسه الآن" قال: "نعم"، فلبس
~~لأمة 3 حربه، وبرز إليه، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا
~~إليهم يركض، ولا يدرون ما هنالك؟، فإذا الرجل: يحمل رأس العلج، فألقى الرأس
~~بين يدي المنصور!، وقال ابن المصحفي له: "عن مثل هذا أخبرتك: بأنه ليس في
~~عسكرك ألف، ولا خمسمائة، ولا مائة، ولا خمسون، ولا عشرون، ولا عشرة" [31/أ]
~~فرد ابن المصحفي إلى منزلته فأكرمه، وأكرم قاتل العلج) 4 اه. PageV01P223
# قال: وكذا وقع لرجل يقال له ابن فتحون 1: فإنه كان أشجع العرب والعجم،
~~وكانت النصرانية تعرف شجاعته، وكان المستعين (أبو) 2 المقتدر بالله 3:
~~يعظمه لذلك، ويجرى له في كل يوم خمسمائة دينار، فحسده نظراؤه على كثرة
~~العطاء- وما زالوا عليه- حتى غيروه عليه.
# فلما غزا المستعين بلاد الروم، فبرز علج وسط الميدان 4، ينادي: "هل من
~~مبارز؟ فبرز إليه رجل، فقتله العلج، ثم خرج إليه آخر فقتله، ثم آخر فقتله،
~~فضج المسلمون، واضطربوا، ولم يقدر أحد من المسلمين: أن يخرج إليه، وبقي
~~الناس في حيرة!.
# فقيل للمستعين: "ما لها إلا ابن فتحون" فدعاه، وقال له: "أترى ما يصنع
~~هذا العلج؟ " فقال: "هو بعيني" قال: "فما الحيلة فيه؟ " قال: "وما تريد؟ ".
~~قال: "أن تكفي المسلمين شره"، فلبس ابن فتحون قميصا واسع الأكمام، وركب
~~فرسه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطا طويلا، وفي طرفه عقدة، ثم برز إليه- فعجب
~~النصراني منه! - وحمل كل منهما على صاحبه، فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن
~~فتحون، فتعلق ابن فتحون برقبة فرسه ونزل PageV01P224
# إلى الأرض، ثم استوى على سرجه، وحمل عليه، فضربه بالسوط على عنقه، فالتوى
~~على عنقه، وأخذه بيده من السرج، فاقتلعه، وجاء به نحو المستعين فألقاه بين
~~يديه، فعلم المستعين: أنه أخطأ في صنعه معه، فأكرمه، ورده إلى منزلته، وزاد
~~في عطائه) 1.
# ومن المكائد أيضا: ما قاله ابن النحاس وغيره، قالوا: (أهم ما ينبغي لصاحب
~~الجيش قبل القتال، ms050 أن يبث الجواسيس الثقات عنده في عسكر [31/ب]، عدوه،
~~ليتعرف أخبارهم، وما عندهم من العدد والآلات، ويحرز أعدادهم، ويبحث عن
~~أسماء رؤسائهم وشجعانهم، ويدس إليهم ويخدمهم بما تميل إليه طبائعهم،
~~ليغدروا بصاحبهم أو يعتزلوه وقت القتال، ويكتب أخبارا مزورة تطابق ما وصل
~~إليه من الجواسيس، ويطرحها في جيش عدوه على ما يقتضيه الحال، ولا يبخل بما
~~يصرفه على ذلك، فإنه إن كانت النصرة له فلا يضره ما أنفق، وإن كانت عليه
~~فلا ينفعه ما خلف) 2.
# ويروى: (أن أصحاب المهلب 3 حاصوا عليه، وقالوا: "لا طاقة لنا PageV01P225
# بسهام 1 مسمومة ترمي بها الخوارج، يصنعها رجل يقال له: "أبزى" فقال:
~~"كفيتكم العبد- إن شاء الله-"، ثم كتب إليه: "من المهلب إلى أبزى، أما بعد:
# فقد وصلت هديتك، وحسن موقعها، وقد أنفذت لك مع كتابي ألف درهم، فاقبضها،
~~ولا تقطع مواصلتي ومهاداتي أعظم وفدك، وتجدني حيث شئت".
# وقال للرسول: "تعرض لجماعة من الخوارج، حتى يأخذوا الكتاب منك، ويدفعوه
~~إلى رئيسهم "قطري" 2 - ففعل ما أمره به- فلما وصل الكتاب إلى "قطري"، عجل
~~على "أبزى" بالقتل، قبل أن يعرف صحة الخبر، وقال: "ما أصنع بمن يهادي
~~المهلب "، فافترقوا لذلك، وكان هذا سبب اختلافهم، فقال المهلب- لأصحابه-:
~~"لا تشغلوهم عن المنازعة بالقتال، فإنهم إن افترقوا الآن لن يجتمعوا أبدا"
~~فكان كما قاله).
# وحكى عن كسرى: (أنه بعث "الاصبهند" إلى الروم، في جيش عظيم، فأعطي من
~~الظفر ما لم يعط أحد من الظفر قبله، فظن "كسرى": أن ذلك يغيره عليه، ويوجب
~~له كبرا، فبعث إليه رجلا، ليقتله- وكان المبعوث عاقلا- فلما رأى عقل
~~"الاصبهند" وتدبيره، قال: "ما يصلح هذا بغير جرم"، ثم PageV01P226
# أخبره بالذي جاء به، فأرسل "الاصبهند" إلى "قيصر": [32/أ] "اني أريد أن
~~ألقاك؟ " قال: "إذا شئت التقينا"، فالتقيا، وقال له: "إن هذا الخبيث قد هم
~~بقتلي، ووجه إلي رجلا، لذلك، وإني أريد هلاكه- كالذي أراد مني- والبادي
~~أظلم- فاجعل لي من نفسك ما سأطمئن إليه، فأعطيك من بيوت أمواله؟ ".
# فأعطاه من المواثيق، ما اطمأن إليه، وسار قيصر في أربعين ألفا، فنزل
~~"بكسرى"، ms051 فعلم "كسرى": كيف جرى الأمر، فاحتال على بعض جنود "قيصر"، فدعا
~~قسيسا متبصرا في دينه، وقال له: "إني كاتب معك كتابا لطيفا في جريدة،
~~لتبلغه "الاصبهند"، ولا تطعن على ذلك أحدا، وأعطاه ألف دينار، وقد علم
~~"كسرى": أن القس موصل كتابه إلى "قيصر"، لأنه لا يحب هلاك الروم.
# وكان في الكتاب: "إلى "الاصبهند": إني كتبت إليك، وقد دنا مني "قيصر"،
~~وقد أحسن الله إلينا، ومكنا منهم بتدبيرك- لاعدمت صوابا- وأنا ممهله، حتى
~~يقرب من المدائن 1، ثم أغافصه 2 في يوم كذا، فأعد علي من قبلك ما يكون به
~~استئصالهم.
# فخرج القس (بالكتاب) 3: فأوصله إلى "قيصر"، فقال قيصر: "هذا الحق، ما
~~أراد إلا هلاكنا! " فتولى منصرفا، وأتبعه "كسرى"، اياس بن PageV01P227
# قبيصة الطائي 1، فقتل أصحابه، ونجا قيصر في شرذمة 2 قليلةه).
# وقد كان "كسرى" من الذكاء على غاية، روي عنه: (أن منجميه قالوا له: "انك
~~تقتل"، فقال: "لأقتلن من يقتلني" فأمر: بسم مخلط في أدوية، ثم كتب عليه:
~~"هذا دواء، للجماع مجرب، من أخذ منه قدر وزن كذا جامع كذا وكذا امرأة 3! "
~~فلما قتله: "شيرويه" 4، فتش خزائن أبيه، فمر به، فقال- في نفسه-: "هذا
~~الدواء كان يقوي على المواقعة" فأخذ منه فقتله وهو ميت).
# قالوا: (وينبغي لأمير الجيش: أن يفشي في جيشه على ألسنة كبراء عدوهم 5،
~~(وبطارقتهم) 6 كتبا مزورة إليه، ويظهرها في عسكره، [32/ب] لتقوى بها
~~القلوب، وتنطق بمضمونها الألسنة، ويتسع فيها الكلام، فلا بد أن يبلغ العدو
~~ذلك، فيوغر قلبه على أصحابه وجنده- ويخاف أن يكون ذلك حقا- وان كان يعلم أن
~~PageV01P228
# ذلك كذبا، فلا بد أن يؤثر في قلبه أثرا) 1.
# قالوا: (وينبغي له- أيضا-: أن يكثر في مجلسه من قراءة الأحاديث الواردة
~~في فضائل الجهاد وأنواعه، وقراءة كتب الغزوات، ووقائع العرب وأيامها،
~~وفتوحات المسلمين، ومنازلات الأبطال، ومعارك الشجعان من الصبر الشديد،
~~والانغماس في العدو الكثير، فيوكل الطلبة بأن يقرأوا ذلك في كل طائفة من
~~جيوشه، فإن ذلك يقوي قلوب ذوي الإيمان، ويذهب بالضعف من قلب الجبان) 2.
# فان طارقا 3 - (مولى) 4 ابن نصير-5: (لما عبر ms052 إلى بلاد الأندلس، ليفتحها،
~~وخرج بعسكره في "الجزيرة الخضراء" 6 وهو: في اثني عشر ألفا، فطمعت
~~PageV01P229
# الروم فيها، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على الجيش رجل يقال له: "تدمير"
~~1، فكتب تدمير إلى ملكه "لذريق" 2 يعلمه: "بأنهم قوم لا يدري من أهل الأرض
~~هم، أم من أهل السماء؟ - قد وصلوا إلى بلادنا- وقد لقيتهم- فانهض إلي أنت
~~بنفسك! ".
# فأتى لذريق في تسعين ألف عنان 3، فاقتتلوا ثلاثة أيام- أشد قتال- فرأي
~~طارق: ما الناس فيه من الشدة!، فقام يحرضهم على الصبر، ويرغبهم في الشهادة،
~~ثم قال: "أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس إلا الصبر منكم،
~~والنصر من ربكم، وأنا فاعل شيئا، فافعلوا كفعلي، والله لأقصدن طاغيتهم:
~~فإما أن أقتله، وإما أن أقتل دونه!.
# فاستوثق من حلية 4 لذريق، وعلامته وخيمته، ثم حمل عليه مع أصحابه حملة
~~PageV01P230
# رجل واحد، فقتل الله لذريق [33/أ]- وحمى الله المسلمين- وانهزمت الروم)
~~1.
# وبهذه الحيلة: هزم البارسلان- ملك الترك- ملك الروم، بعد: (أن جمع الرومي
~~جيوشا يبلغ عددهم ستمائة ألف مقاتل، وقد استعد من الخيل والسلاح والمجانيق
~~2، والآلات المعدة لفتح الحصون والحروب ما يعجز الوصف عن إحصائها، فلقيه
~~البارسلان بنحو اثنى عشر ألفا،- فحرض 3 قومه كتحريض "طارق" المتقدم- وحملوا
~~على ملك الروم، حتى خلصوا إليه بقتل من دونه، فقتلوه وبددوا شمله) 4.
# وبها- أيضا-: (قهر "ابن تاشفين" 5، "الأذفونش" 6 ملك الروم، لأن ابن
~~PageV01P231
# تاشفين أمر قواده وأبطاله: أن يحملوا عليه، ولا يقصدون غيره، ففعلوا، حتى
~~خلصوا إليه، وأصابوه، إلا أنه هرب بعد الإصابة في نفر قليل، وبددوا جمعه،
~~وغنموا جيشه) 1.
# فانظروا- أيدكم الله-: كيف قرن الله النصر بالصبر في هذه الوقائع، وكيف
~~انغمس العدد القليل في الكثير، فوقع النصر- حيث كانوا على قلب واحد- فلا
~~يستنفر ويقدم للقتال من لا معرفة له به، ولذا وجب على الإمام تدريبهم
~~وتعليمهم- كما مر!.
# (ولما برز بعض ملوك 2 الأندلس، لقتال الروم، ورأي الهزيمة دنت إليه، فزع
~~إلى "رجل" 3 من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف منه بالحروب، فقال له: "كيف
~~اليوم يا رجل؟ " فقال له: "يوم أسود، ولكن بقيت لي حيلة" فذهب ms053 بعد أن زيا
~~نفسه بزي الروم- وكان يعرف كلامهم بمجاورتهم- فانغمس في عسكر الكفار، فقصد
~~إلى الطاغية 4، وجعل PageV01P232
# يترصد 1 غرته 2، فوجده مكففا 3 في السلاح لا يظهر منه إلا عيناه، فاحتال،
~~حتى أمكنته الفرصة فطعنه في عينيه، فخر صريعا، وجعل ينادي بلسان الروم:
~~"قتل السلطان يا معشر الروم" وأشاع قتله في العسكر، فكان ذلك سبب
~~انهزامهمه) 4.
# قالوا: (ومن السنة إذا أراد غزو طائفة: أن يوري 5 بغيرها تورية لا يشك
~~فيها القريب والبعيد، ولا يطلع على مقصده أحدا من خواصه، ولا غيرهم، إلا إن
~~دعت ضرورة إلى ذلك- كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة "تبوك" 6
~~- بل إن أمكنه: أن يوري بغيرها مما هو- كحالها في القرب والبعد والخوف-
~~فليفعل، ولا يعينها ما وجد لكتمانها سبيلا) 7. PageV01P233
# وفي الصحيحين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لم يكن يريد غزوة
~~يغزوها إلا ورى بغيرها) 1.
# قال "ابن النحاس": (واعلم: أن الرسول يكشف حالة مرسله، لأنه أنموذج 2
~~شجاعته واقدامه، وترجمان عقله وفهمه، فرب رسول: أزال هيبة مرسله من قلب
~~عدوه، بما شاهد من خوره 3، وعجزه، وجبنه، وقبح منظره، ورب رسول: ألقى الرعب
~~في قلب العدو، بحسن مظهره، وشدة اقدامه، وقوة قلبه، وفصاحة لسانه، فكان ذلك
~~سبب كسر العدو) 4.
# وقال: (ينبغي: أن يختار الرسل الثقات الذين لهم قوة الفراسة في أقوال
~~العدو وأفعاله، وينبغي: أن لا يرسل رسولا إلى عدوه مرارا متوالية، فربما
~~PageV01P234
# حصل للرسول من المرسل إليه مؤانسة وإحسان- والقلوب مجبولة على حب المحسن
~~فقد يتولد من ذلك: عدم إقدامه عليه بالكلام، حياء منه، وترك مقابلته بما
~~يكره، وفاء له، ومداهنة 1 له في الجواب- حيث لا تليق المداهنة- فيحصل من
~~ذلك خلل لا يخفى، فإن الإحسان يقيد اللسان، وربما يتولد من ذلك صداقة تؤدي:
~~إلى أن يصير بطانة 2 للعدو عند من أرسله، فيضره من حيث لا يشعر) 3.
# وكم من دولة: كان سبب زوالها، خيانة رسولها واستمالة قلبه- كما تقدم-
~~فإذا اختلفت الرسل، كان ذلك أوثق لنيل ما يرومه 4 - اللهم-: إلا [34/أ] أن
~~يكون الرسول ممن ms054 به ثقة- لا يداخلها شك- ولا ارتياب- فإن تكرر دخوله عليه.
# ومن أعظم المكائد في الحروب- كما للطرطوشي، وابن النحاس، وغيرهما-:
~~(الكمين- ولا تحصى كثرته وتعدده- فان قدر على أن يجعل منه ثلاثة كمائن أو
~~أكثر فليفعل، وهو: وان كان من عدد يسير، فانه إذا ظهر: أثر في القلوب رعبا،
~~وفي الأعضاء ضعفا، وفي العقل خمودا 5، وفي الاقدام وقفة، ولا يدوم اقبال
~~مقاتل- على خصمه، إلا إذا كان آمنا من ورائه، ومتى جوز أن يؤتى من خلفه
~~تشتتت همته بين الدفع والقتال، وضعف جأشه عن مقاومة الرجال. وكم من عسكر:
~~استبيحت بيضته 6، وقل عزمه، PageV01P235
# بالكمائن، وكانت سبب هلاكهم في الجاهلية والإسلام 1.
# قال ابن النحاس: (وإذا صف للقتال: فليجتهد) أن تكون الشمس في عين العدو،
~~والريح في وجهه، فإن سبقه العدو إلى ذلك، ولم يمكنه إزالته عن موضعه،
~~فليخرجه بالعسكر عن ظله وينشر الرايات، ويرتب الأبطال بنفسه- ولا يعتمد على
~~غيره- ويجعل بعض الأبطال والشجعان في قلب العسكر- فانه: مهما انكسر
~~الجناحان 2، فالعيون ناظرة إلى القلب- فإذا كانت راياته تخفق، وطبوله تضرب،
~~كان حصنا للجناحين، وملاذا لمن فر منهما، وإذا انكسر القلب: تمزق الجناحان-
~~اللهم- إلا أن يكون مكيدة من صاحب الجيش، فيجعل الحماة والأبطال في
~~الجناحين، ويجعل من دونهم في القلب، حتى إذا توسطه العدو، واشتغل بنهبه،
~~أطبق عليه الجناحان.
# وينبغي: أن يختار من عسكره عصبة 3 يثق بشجاعتهم وفروسيتهم، [34/ب] فإذا
~~حمل العدو على جهة من جهات العسكر أمرهم به، وليجتهد على الثبات عند
# الصدمة الأولى، وإن رأى: أن يوهم عدوه أن له كمينا بمحل كذا، (وأنه يأمره
~~بالتحول من ذلك إلى محل آخر) 4، وهو في ذلك كله إنما يريد خدعة: فليفعل-
~~PageV01P236
# والحيل لا تحصى- والحاضر فيها أبصر من الغائب-) 1.
# وقد قال- عليه الصلاة والسلام-: "الحرب خدعة" 2، ومعنى قوله: "خدعة"- بضم
~~الخاء وفتحها- أي: ينقضي أمرها بخدعة واحدة 3.
# ويروى: (أن "عمرو 4 بن عبدود": لما بارز "عليا"- رضي الله عنه- وأقبل
~~عليه، قال له علي: "ما برزت لأقاتل اثنين" فالتفت "عمرو"، فوثب عليه علي:
~~فضربه، فقال عمرو: "خدعتني" فقال: "الحرب خدعة") 5.
# وقد فعل مثل هذا: ("الهادي" 6 - أمير المؤمنين-: ms055 لما حمل عليه
~~PageV01P237
# "الخارجي "- وليس عنده أحد- ولا معه سلاح- فلم يتحرك من مكانه إلى أن قرب
~~منه، فصاح: أضرب عنقه- كأنه يأمر أحدا من وراء الخارجي- فالتفت "الخارجي"
~~إلى خلفه، لينظر المأمور بضرب عنقه، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره،
~~وأخذ منه السيف، وذبحه به).
# واعلموا- أيدكم الله-!: أن من استضعف عدوه، أو آمن به في هدنة أو غيرها،
~~وسكن إلى راحته فقد اغتر، ومن اغتر ظفر به عدوه- إذ لا يأمن مكر الله إلا
~~القوم الخاسرون- فاحذروا عدوم- أيدكم الله-! ولا تغتروا، واشعروا الجرأة
~~لقلوبكم عند الحرب، فإنها سبب الظفر، واذكروا الضغائن، فانها تبعث على
~~الاقدام، والتزموا الطاعة، فانها حصن المحارب- والصبر سبب النصر-.
# قال بعض المصنفين: (كثرة التكبير عند اللقاء فشل: غضوا الأصوات، وتحملوا
~~السكينة والصبر، فإنهما سبب الظفر والنصر) قاله الطرطوشي 1. [35/أ]
~~PageV01P238
# وأما
### | المسألة الثالثة
# فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها.
### | حكم مانع الزكاة مع تحقق عمارة ذمته، أو عدم تحققها
# اعلم: أن مانع الزكاة إن تحققت
~~عمارة ذمته كما ذكرتم- 1: فإنها تؤخذ منه لما مضى من الأعوام، وللعام
~~الحال، وإن بقتال.
# وأما: إن لم تتحقق عمارة ببينة أو إقرار- إذ لا تتحقق عمارة الذمة إلا
~~بذلك- ولم يكن هناك إلا مجرد التهمة، ففي النوادر 2: (إذا أتى الساعي 3 بعد
~~غيبة سنين، فقال له رجل معه ألف شاة: "إنما ملكتها منذ سنة أو سنتين" فهو
~~مصدق بغير يمين، ويزكيها لما قال) اه 4 بنقل الحطاب 5. PageV01P239
# وكذا يقال: في الحبوب والدراهم.
# فإذا قال: "لم آخذ نصابا من الحبوب، أو ليس عندي نصاب من الدراهم" فهو
~~مصدق، ولكن محل تصديقه- بدون يمين- إذا لم يمتنع من دفعها.
# وأما إن تقدم منه امتناع- كما لو هرب بالماشية سنين فرارا من الزكاة- أو
~~امتنع من دفع زكاة الحرث والعين 1 سنين- أيضا- ولما قدر الإمام عليه زعم:
~~"أن الماشية نقصت عن النصاب الذي كانت عليه في السنة الأولى من سني الهروب،
~~وكملت نصابا في هذه السنة- ونحو ذلك- أو لم يأخذ نصابا من الحبوب فيما مضى"
~~أو قال: "الذي معي من العين ونحوها: ms056 إنما هو قراض 2، أو بضاعة" 3 أو قال:
~~"لم يحل حولها، أو علي دين".
# ففى تصديقه في مسألة الهروب بالماشية، وعدم تصديقه إلا ببينة- ويؤخذ
~~بزكاة ما وجد لجميع السنين-: قولان 4.
# وفي تصديقه- أيضا- في مسألة العين بدون يمين- ولو متهما- وعدم التصديق
~~إلا بها مطلقا [قولان]، ثالثها: يصدق غير المتهم، دون المتهم فلا يصدق إلا
~~بها.
# وكذا يقال: في زكاة الحبوب فيما يظهر. PageV01P240
# وأما كونه يؤخذ المتهم بقدر معين من الزكاة بدون إقرار، ولا بينة، ولا
~~نكول 1: فلم يقل به أحد فيما علمت، ولا أظنه يوجد. [35/ب]
# هذا كله بالنسبة لماضي الأعوام، وأما بالنسبة لما حضر: فلا إشكال أن
~~الماشية تعد، ويؤخذ منها الجزء المعروض عليه، وإن اتهمه أنه غيب شيئا منها
~~حلفه، حيث لا بينة على تغييبه.
# والتمر، والعنب يخرصان 2، وكذا الزرع. ففي "أجوبة" 3 ابن رشد- ما نصه-:
~~(وأما الزرع: فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف: إن لم يكن مأمونا
~~على قولين: " (الأصح) 4 - عندي- جوازه، إذا وجد من يحسنه ") اه.5
# وغالب قبائل الزمان هو: عدم الأمانة، ووجود التهمة، فيخرص عليهم، ولأجل
~~كون الناس اليوم محمولين على التهمة، وعدم الأمانة. قال المتأخرون: (يمين
~~التهمة 6: PageV01P241
# تتوجه اليوم مطلقا، إلا فيما فيه معرة 1 - كدعوى السرقة- فإنها لا تلحق
~~من لا تليق به - ممن شهد فيه بالخير- ومخالطة أهله- اتفاقا) وعليه: فتجب
~~اليمين في مسألة العين مطلقا، والله أعلم. PageV01P242
# وأما
### | المسألة الرابعة
# : ففيها: أربعة فصول
### | الفصل الأول
# فيما يجب على الإمام من (إجبار) 8 الرعية على
# الاستعداد لأن العدو دائما لهم بالمرصاد 2
# اعلم: "أن مثل الناس بلا سلطان،
~~مثل الحوت في الماء يزدرد 3 الكبير الصغير" فمتى لم يكن لهم سلطان لم ينتظم
~~لهم أمر 4.
# فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- هم أعم خلق الله نفعا، فهم أجل خلق
~~الله قدرا، لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق دنيا وأخرى، وأمرهم الله تعالى: أن
~~يأمروا أممهم بالاستعداد، ومقاتلة الكفار، ليخرجوا بذلك من الظلمات إلى
~~النور، وكذلك السلطان هو: خليفة النبوة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى
~~PageV01P243
# عبادة الرحمن، وإقامة دينهم، وتقويم أمرهم- من ms057 استعداد [36/أ] وغيره-
~~وبذل النصيحة لهم، فليس فوق الإمام العادل إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب.
# فحقيق على الرعية: أن ترغب 1 إلى الله في إصلاح السلطان، وحقيق على
~~السلطان: أن يحملهم على إقامة دينهم، وتقويم أمرهم- كما تقدم في الفصل
~~السابع- في شرح قوله: {ولولا دفع الله الناس ... } - وكما قال تعالى: {إن
~~اللة يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أةلةا} 2 فالخطاب: للولاة على أحد
~~الاحتمالات بأداء الأمانات، أي: التكاليف التي كلفوا بها في الرعية- من
~~الحكم بالعدل- وتدبير أمرهم بما يعود عليهم نفعه- من استعداد وغيره 3.
# ثم قال تعالى- في حق الرعية-: {يا أيةا الذين آمنوا أطيعوا اللة وأطيعوا
~~الرسول وأولي الأمر منكم} 4.
# فإنه تعالى: لما أمر السلاطين والولاة بأداء الأمانات- من الحكم بالعدل-
~~وتدبير الأمر- من الاستعداد وغيره- أمر الرعية: بالسمع والطاعة لهم، فكل
~~منهما أمره سبحانه: أن يقوم بحق الآخر 3. PageV01P244
# ثم قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه- اي: اختلفتم أنتم وأولو الأمر
~~في شيء فردوه- إلى الله والرسول ... } 1 هكذا في الكشاف 2، وغيره 3.
# وإذا وجب على الإمام: أن يؤدي الأمانات- من العدل- وبذل النصح- وتدبير
~~الأمر- ولم يفعل فهو غاش لنفسه ولرعيته، ولذا قال العلماء- حسبما تقدم في
~~الفصل السابع-: (من ترك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تجري على أحكام
~~تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشها).
# وقد قال- عليه الصلاة والسلام- "من غش أمتي فعليه لعنة الله".
# وتقدم أيضا- في الفصل المذكور-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
~~"من استرعاه الله رعية فليحفظها بالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة [36/ب]
~~لم يرح رائحة الجنة".
# إلى غير ذلك: من الوعيد اللاحق له- المنقول في الفصل المذكور- والمنقول
~~أيضا:- في الفصل الثاني من المسألة الثانية- عن الحرالي 4، على قوله تعالى:
~~{واستعينوا بالصبر والصلاة ... إلى قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف
~~PageV01P245
# والجوع ... } 1.
# ولهذا قال العلماء أيضا- حسبما في أواخر "شرح نظم بيوع" ابن جماعة 2 -
~~ونقله غير واحد- ما نصه: (من البدع المحرمة: التواطؤ على ترك إهمال اقتناء
~~الخيول لأهل القدرة، واكتساب أنواع العدة، وتعلم الرماية التي بها يسيد
~~الرجل ويصول 3، وترك التحصين 4 والتحفير على ثغور المؤمنين، قال تعالى:
~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من ms058 قوة} 5 والتحفير والتحصين من العدة) 6 اه.
# قال في (الكشاف ": ("من قوة"- أي- من كل ما يتقوى به في الحرب من
~~PageV01P246
# عددها. وعن "عقبة بن عامر" 1: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
~~يقول على المنبر:
# "ألا إن القوة الرمي، قالها: ثلاثا"- أي: تعلم الإصابة في الرمي- ومات
~~عقبة هذا: عن سبعين قوسا، وعن "عكرمة" 2: هي "الحصون") 3.
# أي: "القوة" هي تحصين الحصون بالتحفير وغيره 4.
# وروي الحديث المتقدم: في "صحيح" مسلم 5، وكذا رواه: أبو عوانة 6 في
~~PageV01P247
# "صحيحه"، وبوب له فقال: (باب: بيان الترغيب في الرمي، وإيجابه على
~~المسلم) 1.
# قال الإمام الطرطوشي: (قوله تعالى: {ما استطعتم} مشتمل على ما في مقدور
~~البشر من: العدة، والآلة، والحيلة) 2 اه.
# وقوله: (والحيلة) تقدمت الإشارة إلى بعضه: في الفصل الثاني من فصلي
~~المسألة الثانية.
# وقال الإمام ابن طلحة 3: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإن اتكل
~~على أن (يتكلف) 4 الناس بأنفسهم، ضاع الباب، وتهدم الإسلام، إذ لا يتم
~~الجهاد إلا بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها، [37/أ] ووضعها
~~في محلها من جيوشهم، ويحمل 5 أهل المال: على كسب الخيول، وآلة الحرب، وسد
~~الثغور) اه.
# فتأملوا- أيدكم الله-!: هذا التحريض على الاستعداد، وهو قوله تعالى:
~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} 6 وقوله- تعالى-: {وليجدوا فيكم
~~PageV01P248
# غلظة} 1 أي: بأسا وخشونة، وقوله- تعالى-: {واغلظ عليهم} 2 وقوله- تعالى-:
~~{يا أيةا النبي حرض المؤمنين على القتال} إلى غير ذلك من الآيات الكريمة
~~الصريحة في هذا المعنى، والأمر من الله تعالى- إذا ورد فهو-: للوجوب حقيقة.
# ولذا: قال ابن طلحة: (يلزم الإمام ... إلخ)، وقال أبو عوانة- فيما مر
~~عنه-: (وإيجابه على المسلم) وقال في الكافي 3، والقرطبي، وابن عرفة،
~~وغيرهم: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة ... إلخ) 4.
# فالخطاب: في هذه الآيات المتقدمة، وما اشبهها- من قوله تعالى: {وقاتلوا
~~المشركين كافة} - {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} - {وقاتلوهم حتى لا تكون
~~فتنة} 5 أي: شرك- {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} 6 - {فلا تهنوا وتدعوا إلى
~~السلم وأنتم الأعلون} 7 - إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة- إنما ms059 PageV01P249
# هو في ذلك كله: إلى الأئمة، إذ بيدهم الحل والعقد ن فيجب عليهم: أن
~~يجبروا الرعية، وعلى الرعية: أن يمتثلوا- كما تقدم ذلك مبسوطا في فصل
~~الاستنفار من المسألة الثانية.
# ولذا قال الفقهاء- كما في الشامل وغيره-: (لا يجوز خروج جيش دون إذن
~~الإمام، وتوليته عليهم من يحفظهم) 1.
# وقال الشيخ زروق 2 - كما في الحطاب-: (التوجه للجهاد بغير إذن الإمام سلم
~~الفتنة، وقل ما اشتغل به أحد فانجح) 3 اه.
# فأنت: تراهم منعوا جهاد الرعية بغير إذن الإمام الذي يضبط أمرهم، لأنهم:
~~وإن خرجوا بمائة ألف مثلا، فلا يذهبون ببعض الطريق إلا تنازعوا وفشلوا قبل
~~الوصول للمحل، وإن وصلوا لم يحصلوا على طائل- إذ التقدم للحروب لا يكون إلا
~~بضبط وقهر، وكيفية ترتيب- وغير ذلك-.
# فإذا كان كذلك: تعين أن يكون الخطاب في تلك الآيات الكريمة، والأحاديث
~~النبوية، إنما هو للإمام، فإن لم يكن إمام تعلق الخطاب بالمسلمين في نصبه،
~~وإقامة أمور الجهاد.
# ولذا قالوا: (يلزم الإمام: أن يحمل الناس على الاستعداد ومباشرة القتال)
~~- كما مر-.
# وقال الإمام "القرطبي"، وصاحب "الكافي" وغيرهم: (فرض على الإمام إغزاء
~~PageV01P250
# طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو يولي عليهم من يثق به،
~~وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم: الخروج المذكور، لا خروجهم كافة) اه.
# أي: لقوله- تعالى-: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} وهذا: إن كان العدو
~~مطلوبا، لا إن كان طالبا، فيتعين الخروج على جميع ما نزل بهم- كما يأتي-.
# فانظروا- أيدكم الله-!: إلى قولهم: (فرض على الإمام ... إلخ) فالوجوب
~~المستفاد من تلك الآيات متوجه: إلى الإمام- والرعية يجب عليها طاعته فيه
~~ولي غيره - فإذا فرط واتكل على أن يجاهدوا، ويستعدوا بالخيل، وتعلم الرمي،
~~كان ممن لحقهم الوعيد المتقدم- هاهنا- وفي فصل الاستنفار- وناهيك بذلك
~~وعيدا فضيعا.
# فتبين: أن الإمام هو: قطب رحاها 1، وشمس ضحاها، وأن عليه المدار في الجبر
~~على الاستعداد وتوابعه من التقدم للجهاد.
# قال تعالى: {يا أيةا النبي حرض المؤمنين على القتال} والتحريض: المبالغة
~~في الحث على الأمر، ولا قتال، ولا غلظة، ولا علو 2 [38/أ] إلا بآلة،
~~واستعداد. ms060
# فيجب عليه: أن يأمر أهل القدرة باقتناء الخيول، وتعلم الرماية، ويفرض
~~(الادالات) 3 على القبائل، للتحفير على الثغور، والحصون، وكل قبيلة تمون
~~PageV01P251
# (ادالتها) أو بما يظهر، وكذا: يفعل فيما تهدم من أسوار الثغور وأبرجتها
~~1، ويكثر من المهراز 2، والانفاض، (والبنب) 3، وغير ذلك من آلات الحرب،
~~ويأمرهم: بالضرب بالانفاض، والمهراز والنبال، وغير ذلك بين يديه- كما مر في
~~الفصل الثاني من المسألة الثانية-، ليعلم النجيب منهم فيكرمه، وغيره
~~فيهينه، ويحرضهم على الذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم- كما قال تعالى:
~~{قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} 4 - ويأمرهم: أن لا يكونوا من الطائفة
~~القائلة: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ... } - بل من الطائفة الأخرى
~~القائلة- {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} 5، لما مر في فصل
~~الاستنفار 6: (أن للقلة النصر، وللكثرة الرعب، فالكثرة أبدا يلزمها
~~الإعجاب، وفي الإعجاب الهلاك).
# قال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم (فلم تغن عنكم) شيئا ... } 7.
# ومن كانت هذه نيته، وفنى مملكته في الاستعداد والتدريب، وعين من كل قبيلة
~~مثلا مائة فارس ونحوها، ومن شجعانها وأبطالها الذين رموا بين يديه، وظهرت
~~نجابتهم في الإصابة بالرمي في الكر والفرط بمرأي من عينيه، حصلت له ولهم
~~مزية الجهاد- ولم ترعهم الكتائب الوافرة- وإن كانوا هم أقل عددا- بل هم
~~مجاهدون، وإن ماتوا قبل ملاقاة العدو، لأنهم على نيته، PageV01P252
# "وإنما الأعمال بالنيات " 1.
# فسعدوا- والله-! وكفى بمزية الجهاد مزية، إذ لا يدركها أحد ولو استمر
~~[38/ب] في، العبادة ألف سنة، لأنه: أعز دين الإسلام، ومشى على نهجه- عليه
~~الصلاة والسلام
# - وقام بأوامر الله أحسن قيام، وبالغ في إعلاء كلمات الله مبالغة الأبرار
~~الكرام.
# قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا
~~يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح}
~~2. ثم قال: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم
~~... } 3.
# وإن هو أهمل ذلك الاستعداد، وترك رعيته على ما هم عليه من الافتخار
~~باللباس، والانهماك في المآكل والازدراد، والاشتغال بزينة يحلى بها نحر ms061
~~وجيد 4، والتنافس فيما لا يغني في الشدائد ولا يفيد، حتى تداعت الصلبان
~~محيلة عليهم وعليه، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليهم وإليه: فقد تله 5
~~الشيطان PageV01P253
# للجبين، وخسر الدنيا والآخرة- ذلك هو الخسران المبين- (فلا هو [ولا] 1 هم
~~مفلحون في الدنيا بغلبة عدوهم) 2، ولا هو ولا هم مفلحون في الآخرة بالنجاة
~~من عذاب ربهم، للحوق ما تقدم من الوعيد الفضيع إليهم، وذلك دأب الله-
~~سبحانه- مع من أهمل أوامره، ورضي في الدنيا بالدون، وأمن مكر الله {فلا
~~يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} 3.
# فاعتبروا- يا أولي الأبصار-: فإن الذهول 4 عما وقع بأهل البلاد والقواعد
~~غريب، وتفكروا في منابرها التي كان 5 يعلو فيها واعظ وخطب، وفي مساجدها
~~المتعددة الصفوف، كيف استولى عليها الكافر المريب 6؟، وكيف أخذ الله فيها
~~بذنب المترفين 7 المعرضين عن الأوامر بالاستعداد من دونهم!؟، [39/أ] وعاقب
~~الجمهور لما أغمضوا عن الاستعداد وممارسة القتال عيونهم، فساءت بالغفلة عنه
~~عقبى جميعهم، وذهبت النقمات 8 بعاصيهم، ومن داهن في أمره من مطيعهم، قال
~~تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} 9!.
# فاستعدوا- أيدكم الله-!: فإن ترك أوامر الله- التي من جملتها الاستعداد،
~~والتدريب مع الحروب- مؤذنة بالبوار 10، وذريعة 11 لأن PageV01P254
# تصبحوا مضغة في لهوات 1 الكفار، وانتصروا لدين الله غاية الانتصار،
~~وتوجهوا إلى الله تعالى بالتضرع 2 والانكسار، وإلا فقد تعين في الدنيا
~~والآخرة حد الخسار.
# فإن من ظهر عليه عدو دينه، وهو عن أوامر الله مصروف، وعلى الحطام 3
~~المسلوب 4 عنه ملهوف 5، لم تقم له بعد ذلك قائمة، قال تعالى: {إن تنصروا
~~اللة ينصركم} 6. [قال]: {كيف وإن يظةروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة}
~~7.
# فمن استعد لعدوه الكافر في الفسحة 8 (والمهلة) 9 وجد منفعة العدة، ومن
~~تقرب إلى الله باتباع أوامره- بالاستعداد وغيره- وجده في الشدة. والعاقل من
~~لا يغتر في الحروب بالسلم مع عدوه بطول المدة، فإن الدهر يتقلب، ويبلي 10
~~الجدة، ويستوعب 11 العدة. PageV01P255
# ولما استولى الكافر- دمره الله- على ثغر الجزائر 1 - أعادها الله دار
~~إسلام- في المحرم سنة 1246 "ست وأربعين ومائتين ms062 وألف"، لفقت 2 خطة مشتملة
~~على
# التحريض على الاستعداد، وعلى بعض أحكام الجهاد، وخطت بها- بعد ذلك - في
~~بعض البلاد، خروجا: من عهدة 3 قوله- عليه الصلاة والسلام-: "إذا
# ظهرت البدع، وسكت العالم، فعليه (لعنة) 4 الله والعباد" 3 ومن عهدة قوله-
~~تعالى-: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} 6 ومن عهدة
~~قوله [39/ب] تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات} 7 الموجب ذلك
~~كله، PageV01P256
# لطرد الكاتم والإبعاد، وامتثالا لقوله تعالى- في كتابه الكريم-: {وحرض
~~المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} 1، ولقوله تعالى: {يا أيةا
~~النبي حرض المؤمنين على القتال} 2.
# ولقوله - صلى الله عليه وسلم - مما أخرجه: "أحمد" و"الطبراني": "أن
~~المؤمن يجاهد بسيفه، ولسانه" 3، ولقوله- عليه الصلاة والسلام- فيما أخرجه
~~"السمرقندي"-4: "أن أول من يدخل الجنة سرا، والناس في الحساب من أمر
~~بالجهاد، وحرض عليه" 5 وهكذا أيضا رواه في: "شفاء الصدور" 6.
# وعن علي- رضي الله عنه- قال: "من حرض أخاه على الجهاد، كان له أجره، وكان
~~له في كل خطوة في ذلك عبادة سنة".
# والمأثور عنهم في ذلك: لا يحويه ديوان، ولا يحصره زمام الأذهان، وكيف
~~"والدين كجسم، والجهاد منه بمنزلة الرأس في الأجساد"!. PageV01P257
# وأثبتها هاهنا لما اشتملت عليه من التحريض، ونيل الثواب الجزيل في قتال
~~أهل العناد.
# نصها: (الحمد لله، الواحد الأحد، المنزه عن الأكفاء، والأضداد، المتعالي
~~عن الأشياء، والشركاء، والأنداد، الذي هدى من وفقه إلى طريق الرشاد، وخذل
~~بعدله من أضله فأوجب له الطرد والإبعاد، نحمده ونشكره على ما أسبغ 1 من
~~النعم، ورفع من النقم، وهو سبحانه لمن حمده وشكره كفيل بالازدياد.
# ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة ترغم 2 بها أنوف أهل
~~الشرك والارتداد.
# ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بدلائل الحق، وقتال أهل
~~العناد، - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار- الذين
~~[40/أ] بذلوا المجهود في قتال أهل الشرك، بذلا خارجا عن المعتاد- صلاة
~~دائمة تقينا بها من أهوال يوم الجزاء، الذي لا ينفع فيه مال، ولا وداد 3.
# عباد الله!: ms063 عليكم بتقوى الله، وأجيبوا داعي الله، واعلموا: أن الله-
~~سبحانه- أيد هذا الدين المحمدي بالجهاد، ووعد الساعي فيه، أو في شيء منه
~~إلى سني المراد، فجعل- سبحانه- الشهيد بالحياة المحفوفة في برزخ 4 الموت
~~بالرزق الجزيل وحسن الاستمداد، فما من ميت مقبول إلا ولا يتمنى العود إلى
~~الدنيا إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة عند ذي العرش المجيد، فيتمنى:
~~الرجوع إليها ليزداد- إذ له من الكرامة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا
~~خطر على قلب بشر- يوم العباد!.
# أخرج "الحاكم": عن "عائشة"- رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله
~~عليه وسلم - PageV01P258
# - قال: "لجابر 1 بن عبد الله"- وقد استشهد أبوه 2 في "أحد" 3: "ألا
~~أبشرك؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "إن الله أحيا أباك وأقعده بين يديه،
~~وقال له: تمن علي ما شئت أعطيك؟، قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى أن
~~تردني إلى الدنيا أقتل مع نبيك مرة أخرى في الجهاد، قال: قد سبق مني إنك
~~إليها لا ترد! " 4.
# فأعظم به من وصف لا تحصى فضائله، إذ قدمت على نوافل الخير المعلى 5
~~نوافله، عند الرب الرحيم الكريم يوم التناد.
# فناهيك بأن للمجاهد مزية لا يدركها غيره، ولو عبد ألف سنة، هي حياته
~~المحفوفة بالرزق الجزيل طول الأباد 6. PageV01P259
# أخرج "ابن جرير" 1: عن "الضحاك" 2 - رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى
~~الله عليه وسلم - قال- لما أصيب أهل "أحد"-: [40/ب] "أعطاهم الله الشهادة،
~~والحياة، والرزق الطيب"، قالوا: يا ليتنا من يبلغ إخواننا: إنا قد لقينا
~~ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فقال الله- تعالى-: أنا رسولكم إلى نبيكم،
~~وإخوانكم، وأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل
~~أحياء ... } 3 {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} 4 5.
# فبين- سبحانه-: أنه لا نجاة من الموت، ولا محيد إلا في قتال أهل الكفر
~~والعناد، فيا لها من مزية علت المزايا مراتبها، ورتبة علت المراتب فضائلها،
~~فاق PageV01P260
# بها المجاهد سائر العباد، وفاز بكريم منابها 1 يوم يقوم الاشهاد، فلو
~~أراد أحدكم دواء للموت ms064 لم يجد له دواء إلا فناء نفسه في قتال أهل الكفر
~~والارتداد!.
# فحرضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب 2 وجازم الاعتقاد، وأكثروا من
~~الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد، فإن لم تشغلوهم شغلوكم،
~~وإن لم تقاتلوهم قاتلوكم، كيف وهم لكم بالمرصاد، أو لا ترون أنهم نزلوا على
~~من بالقرب 3 منكم، واستولوا لهم على أعظم الثغور، وصارت تخلي رعبا منهم
~~المنازل والقصور، ويغتالون لهم الرقاب والأموال والولاد!.
# فانظروا أيدكم الله لأنفسكم!: فإن فساد الكفر لا يعد له فساد، يبث الشرك
~~والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، ويمحي أثر قائلها من الأرض والبلاد!.
# أولا تتيقنون أن الله- سبحانه-: أمرنا بالغلظة عليهم، والتقوي، وكثرة
~~الاستعداد؟.
# أولا تعلمون أن الله- سبحانه-: وعدنا بالنصر عليهم وهو سبحانه إن وعد
~~بشيء لا يخلف الميعاد-؟ فقال- جل من قائل-: {إن تنصروا اللة ينصركم} 4،
~~وقال: {وليجدوا فيكم غلظة} 5، وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} 6
~~وقال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} 7، وقال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم}
~~8، وقال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} 9، وقال: (أم
~~PageV01P261
# حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاةدوا منكم} 1 أي: أحسبتم: أن
~~تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق في إيمانه
~~من الكاذب، ويتميز كل على الانفراد 2، وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين
~~منكم والصابرين} 3 أي: لنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال
~~والجهاد، حتى يتبين الصابر على دينه من غيرم، وتظهر أخباركم للحاضر والباد
~~4.
# فتنبهوا- أيدكم الله-!: فإنكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون،
~~وبالأحاديث المصطفية المقصودون، إذ بيدكم الحل والعقد، والرعية في طوعكم،
~~فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون!؟ - وأنتم خلفاء الله في أرضه- فكيف على دينه
~~لا تغيرون!؟، أأمنتم مكر الله- {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} -!؟
~~5، أأتخذتم عند الله عهدا، فأنتم عليه متوكلون!؟ 6، أم تعتقدون: أن كفاركم
~~اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد؟، أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد
~~أنفسنا ورعيتنا، (بالخدمة) 7 على الأولاد؟!.
# والنبي- عليه الصلاة والسلام-: إنما بعثه الله مجاهدا، وفي هذا العرض
~~الأدنى زاهدا، متقنعا باليسير، وهو: يستعد لعدوه الاستعداد الكبير، فإذا ms065 لم
~~تقتدوا به فبمن تقتدون؟، وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟، وإذا لم تشمروا 8
~~عن PageV01P262
# ساق الجد في هذه البرهة ففي أي وقت تشمرون!؟، وإذا لم تستعدوا في هذه
~~الفسحة فمتى تستعدون!؟.
# أفلا تتذكرون: أن الله- سبحانه- أمرنا بالذهاب إليهم، وقتالهم في
~~أراضيهم، فكيف: إذا قدموا إلى برنا هذا بالغي والفساد!؟، [41/ب] أم لنا
~~براءة استثنانا الله- تعالى- بسببها من عموم دعوة العباد؟!.
# فالجهاد: فرض عين على من نزل بهم عدو الدين، فإن لم تكن فيهم كفاية، أو
~~لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم، (فإن لم تكن في الذين يلونهم كفاية،
~~أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم) 1، وهكذا إلى أن تحصل الكفاية،
~~ولو اتصل ذلك من مثل "المغرب" لبغداد"، وعم ذلك من الآفاق الحاضر والباد.
# فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة 2، وانتهزوا من عدو الدين الفرصة ما دامت
~~معكم فسحة الاستعداد، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحق
~~العذاب، وتسترق بالكفر الرقاب، ويحصل الفوت بسبب الازدياد- فإنكم إن لم
~~تستعدوا فهم لكم بصدد الاستعداد والوقوف لكم بالمرصاد، ولا تتكلوا على ما
~~يخبركم به ضعفاء العقول من وفائهم باستمرار العهود، وعدم نقضهم للميثاق
~~المعقود، فإن ذلك كله مردود، إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل
~~الفساد، كيف ونحن لا نعتبر عهودهم وشهادتهم بالإضافة إليهم، فكيف نعتبرها
~~بالنسبة إلينا بإجماع أهل العلم والاجتهاد!.
# جعلني الله وإياكم ممن يقظ فاستيقظ، ووعظ فاتعظ، وكان أول من امتثل، حتى
~~فاز بفضيلة مزية الجهاد 3. PageV01P263
#
### | الفصل الثاني
# في جواز صلح العدو إن كان مطلوبا، (وفي) 1
# عدم جوازه إن كان طالبا
# اعلم: أن العدو الكافر دمره الله
~~إما أن يكون طالبا، أو مطلوبا.
# فالجهاد في الثاني: فرض كفاية، [قال] "ابن النحاس": (جهاد الكفار في
~~بلادهم فرض كفاية [42/أ] باتفاق العلماء).
# [وقال] "ابن عرفة": (حاصل أنقال المذهب: أنه فرض كفاية، على قادر عليه،
~~لم ينزل به عدو الدين، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن رفعه من مسلم أو ذمي.
# ثم قال: وفرض الكفاية، ms066 حرام عموم تركه) 2 اه. أي: يحرم أن يتركه الإمام
~~في جميع السنين لغير عذر، قال الإمام "القاضي" "عبد الوهاب"- في "التلقين"
~~3 - : (لا يجوز للإمام تركه لهدنة، إلا لعذر). PageV01P264
# [قال] "اللخمي": (هو فرض على كل إمام كانت رعيته تجاور العدو) 1 أي: في
~~كل عام مرة.
# [وقال] "أبو عمر"- في "كافيه "-، و"القرطبي"- في "تفسيره "- وغيرهما:
~~(فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو
~~يولي عليهم من يثق به
### | ....
# إلخ ما مر في الفصل قبله.
# وذكر "الدمياطى" 2 - في "كتاب الجهاد"-، "وابن النحاس" 3، وغيرهما: (أن
~~ترك الجهاد في جميع السنين، والإعراض عنه، والسكون إلى الدنيا خروج من
~~الدين.
# واحتجوا له، بما روي: عن "ابن عمر" 4 - رضي الله عنهما-: أن النبي-
~~PageV01P265
# صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تبايعتم بالعينة 1، وأخذتم بأذناب البقر،
~~ورضيتم بالزراعة، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا، ولا ينزعه عنكم، حتى
~~ترجعوا إلى دينكم" رواه: "أبو داود" بإسناده، وقال: (حسن) 2.
# قالوا: ومعنى الحديث: أن الناس إذا تركوا الجهاد، وأقبلوا على الزراعة
~~ونحوها، سلط الله عليهم العدو،- لعدم تأهبهم له- ولعدم استعدادهم لنزوله-،
~~لرضاهم بما هم فيه من الأسباب، فأعطاهم ذلا، وهو: أنهم لا يتخلصون من
~~PageV01P266
# عدوهم، حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم، من جهاد الكفار، والإغلاظ
~~عليهم، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام.
# وقد دل قوله - عليه الصلاة والسلام- "حتى ترجعوا إلى [42/ب] دينكم": على
~~أن ترك الجهاد، والإعراض عنه، خروج من الدين، ومفارقة له، وكفى به ذنبا
~~وإثما. اه.
# فالمخاطب في هذا الحديث الكريم، وغيره، هم: الأئمة، فمعناه: إذا ترك
~~الأئمة الناس، يتبايعون بالعينة، ويتبعون أذناب البقر ... إلخ،- كما مر في
~~الفصل قبله- وفي فصل الاستنفار-.
# وذكر الدمياطي، و"ابن النحاس"- أيضا - وغيرهما، ما نصه: (خرج "ابن عساكر"
~~1، عن "أنس" 2 باسناده، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
# "من غزا غزوة في سبيل الله"، فقد أدى إلى الله جميع طاعته، {فمن شاء
~~فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا} 3. PageV01P267
# قال: قيل:- يا رسول الله- وبعد هذا الحديث الذي ععناه، من يدع الجهاد ms067
~~ويقعد؟ قال: من لعنه الله، وغضب عليه، وأعد له عذابا عظيما، قوم يكونون في
~~آخر الزمان ولا يرون الجهاد، وقد اتخذ ربي عنده عهدا لا يخلفه: أيما عبد
~~لقيه، وهو يرى ذلك، أن يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين! ") 1 اه.
# قال "الدمياطي"- المذكور- وغيره: (ذكر صاحب "شفاء الصدور"، عن "زيد بن
~~أسلم" 2، عن "أبيه" 3، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال
~~الجهاد حلوا خضرا ما قطر القطر من السماء، وسيأتي على الناس زمان، يقول فيه
~~قراء منهم: ليس هذا بزمان جهاد، فمن أدرك ذلك الزمان، فنعم زمان الجهاد،
~~قالوا:- يا رسول الله- وأحد يقول ذلك، نعم، من لعنه الله، والملائكة،
~~والناس أجمعون! ") 4 اه.
# فانظروا- أيدكم الله-!: إلى هذا الوعيد الفضيع، وبالجملة: إنما تجوز
~~المهادنة مع كون الجهاد فرض كفاية، بأن يكون العدو مطلوبا في أرضه، ومع
~~PageV01P268
# ذلك قالوا: (إنما تجوز لمصلحة) من استعداد، وإقامة [43/أ] جيش، ونحو ذلك،
~~مما يراه الإمام من المصالح التي يحتال فيها لعدوه) 1.
# قالوا: (ويستحب: أن لا تزيد المهادنة على أربعة أشهر) كما في "خليل" 2،
~~وغيره 3.
# وكيف يطول في الهدنة سكونا للراحة، من تدبر قوله تعالى: {قل إن كان
~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموةا وتجارة
~~تخشون كسادةا ومساكن ترضونةا أحب إليكم من الله ورسوله وجةاد في سبيله
~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ونحوها من الآيات!؟.
# قال في "الكشاف ": (قوله تعالى: {بأمره} أي: عقوبته عاجلة أو آجلة قال:
~~وهي آية شديدة لا ترى أشد منها ... إلخ) ما تقدم من كلامه فيها مع غيرها.
# وقال "ابن النحاس": (في هذه الآية الشريفة: من التهديد، والتحذير،
~~والتخويف، لمن ترك الجهاد رغبة عنه وسكونا إلى ما هو فيه من الأهل والمال،
~~ما فيه كفاية، فاعتبروا يا أولي الأبصاره) اه.
# وقد قالوا: (إن الإمام مع الرعية، كالنفس مع صاحبها، إن لم يشغلها
~~شغلته).
# فالإمام: إن لم يشغل الرعية بأمور الجهاد، شغلته بالقيام عليه، وبعدم
~~امتثال أوامره، كما أن النفس: إن لم يشغلها صاحبها بالعبادة والطاعة لربها،
~~شغلته بالمعاصي، وكفران النعم ms068 التي أسبلت عليها.
# وقال "القرطبي"- في "تفسيره"-: (إن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصر
~~PageV01P269
# الجميع- يعنى: في الجهاد- أو في فداء الأسارى -؟ قيل: يعمد إلى أسير واحد
~~فيفديه،- فإنه إذا فدى الواحد (فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في
~~الجماعة - فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا
~~أقل من / (درهم- ويغزو بنفسه إن قدر، وإلا جهز غازيا، لقوله- عليه الصلاة
~~والسلام-): "من جهز غازيا، فكأنما غزا" 1 اه.
# ثم لا يخفى: أن ما وقع لتلك الأقطار، حتى صار لهم العدو يقطع لهم البحار،
~~ويتبعهم في الفيافي 3 والقفار 4، والمسلمون أمامه "كأولاد الجراد"، هذا
~~يتقدم أمام الآخر سالكين نهج الفرار، إلا من طول المهادنة في تلك الأوطان،
~~وعدم ممارسة القتال وشدة الامتحان، فسكنوا إلى الراحة، واشتغلوا بالتكسب
~~PageV01P270
# وأموال الزراعة، وصار عدوهم يتحيل لهم بأدنى التحيلات، فيفشي أخبارا في
~~أجناس الكفار من اليهود وغيرهم، أنه يريد ثغور المسلمين، وأنه مريد الخروج
~~منها، أو أنه يريد الصلح ونحو ذلك، وذلك كله: مكيدة، لعلمه: بأن ذلك يصل
~~للمسلمين، فتسكن نفسهم إليه، فينتهز فيهم فرصته، وإذا رآهم لقتاله اجتمعوا
~~كف عن خروجه لهم حتى يتفرقوا لطلب ما به تطبعوا لعلمه: أنه لا صبر لهم
~~عليه، وأنه ليس بيد أميرهم رزق يرشدهم إليه، ولا لهم مغيث من أمراء الآفاق
~~يعينهم عليه، فإذا تفرقوا دهمهم بما من الجيوش لديه.
# ولهذا: قدمنا- في الفصل الذي قبله ويليه- وفي الفصل الثاني من المسألة
~~الثانية-: أن الإمام يجب عليه: أن يفرض على كل قبيلة مائة مثلا ونحوها من
~~شجعانها وأبطالها تكون معه دائما، وكل قبيلة تمون مائتها، وعليه رعي النصفة
~~في المناوبة بين الناس- كما في "ابن شاس" 1 - 2 فإذا قامت معه هذه ستة أشهر
~~ونحوها، ردها لبلادها بعد أن تأتي الأخرى في محلها، وهكذا، ليدفع بذلك هذه
~~الحيلة، وليس المقصود الاقتصار على دفعها، بل المقصود: الاستعداد لدفعها
~~وإخراجهم من القصور التي استولوا للمسلمين عليها، وإهانتهم في أراضيهم التي
~~أتوا للإسلام منها. [44/أ]
# وقد تقدم- في تلك الفصول- ما- فيه كفاية، لأهل البصيرة وأولي ms069 العناية،
~~[قال تعالى]: {الذين جاةدوا فينا لنةدينهم سبلنا ... } 3، {إن اللة مع
~~الذين اتقوا والذين هم محسنون} 4. PageV01P271
# قال "ابن عرفة": (كره علماؤنا المهادنة على أن يعطينا أهل الحرب مالا كل
~~عام، ولقد طلب الطاغية ذلك من "عبد الله بن هارون"، على أن يعطوه مائة ألف
~~دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك، فقالوا له: "الثغور اليوم عامرة فيها
~~أهل البصائر بالقتال أكثرهم من البلدان، إن قطع عنهم الجهاد تفرقوا، وخلت
~~الثغور للعدو، والذي يصيبه أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف" فسر بذلك،
~~ورجع إلى رأيهم) 1 اه.
# فانظروا- أيدكم الله-!: كيف احتال العدو، وسمح باعطاء المال، لأجل أن
~~يتفرق من الثغور أهل البصائر بالقتال، ويسكن الناس إلى الراحة، فلا يقدرون
~~على مقاومته بعد ذلك لعدم ممارستهم للقتال؟!.
# وانظروا: كيف كره العلماء تلك المهادنة مع أخذ المال من العدو، مع وجود
~~العدة والعدد، فكيف بها مع عدم ذلك كله؟! 2.
# هذا كله: في حكم المهادنة إن كان العدو مطلوبا في أرضه.
# وأما ان كان العدو طالبا- كما في تلك الناحية وغيرها من الأقطار-: فقال
~~في "المعيار": (لا يجوز الصلح والهدنة بحال، وإن وقع وجب نقضه، لأن العدو
~~حيث نزل أو قارب النزول فالجهاد متعين، وترك الجهاد المتعين ممتنع، فالصلح
~~- المذكور-: ممتنع، لأنه تعود على العدو- أهلكه الله- مصلحته، وعلى
~~المسلمين مفسدته، وإن تخيلت فيه مصلحة، فهي للعدو أعظم من وجوه مكملة، فإنه
~~يتحصن في تلك المدة، ويكثر من آلات الحرب والعدة، فيتعذر على المسلمين
~~الاستنقاذ، ويصعب عليهم تحصيل [44/ب] المراد- فالصلح المذكور إن وقع مصلحة
~~للعدو ومفسدة على الإسلام- فلا يكون له في نفس الأمر انبرام- فيجب نقضه،
~~لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم، فحكمه غير لازم عند كل من حقق PageV01P272
# أصول الشريعة) اه باختصار 1، وفيه كفاية.
# قلت: وكيف يصح الصلح والهدنة من العدو الطالب للمسلمين النازل بأرضهم؟!،
~~والله سبحانه يقول: {كيف يكون للمشركين عةد عند الله وعند رسوله
### | ....
# } 2، فهو استفهام بمعنى: الإنكار والاستبعاد، لأن يكون لهم عهد ولا
~~ينكثوه- مع وغرة صدورهم- يعنى: محال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ms070
~~ذلك، ولا تحدثوا به أنفسكم.
# ثم قال تعالى: {كيف وإن يظةروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا - أي: حلفاء-
~~ولا ذمة} 3 أي: عهدا؟!، (أي: حالهم وشيمتهم أنهم: إن يظهروا عليكم لا
~~يرقبوا فيكم قرابة، ولا حلفاء ولا عهدا) قاله: غير واحد من المفسرين 4.
# والصلح الوارد عنه- عليه الصلاة والسلام 5 - إنما: هو منه إليهم، لأنهم
~~مطلوبون وقتئذ، لا منهم إليه، فحيث ظهر عليهم- عليه الصلاة والسلام-
~~وطالبهم في أراضيهم جاز صلحه لمصلحة.
# ولا شك: أن العدو الكافر النازل بأرض الإسلام- وأخذ لهم الثغور،
~~والأمصار- قد ظهر عليهم، فكيف يرقب 6 عهذه، وتسكن النفس إليه؟، PageV01P273
# وكيف يكون للمغلوب على غلابه (الكافر) 1 عهد وميثاق؟!.
# ولهذا قال الإمام الحافظ "أبو العباس الونشريسي"- رحمه الله- في
~~"معياره"، أثناء جواب له، ما نصه: (كيف يثاق بهم عند قوتهم وظهورهم، وكثرة
~~عددهم، ووفور عددهم اعتمادا على وفائهم بعهودهم في شريعتهم، ونحن لا نقبل
~~شهادتهم بالإضافة إليهم فضلا عن قبولها بالإضافة إلينا، فكيف يعتمد على
~~زعمهم بالوفاء!؟) 2 اه الغرض منه.
# ومعناه: أن العهد أعلا مراتبه أن يكون شهادة، ونحن لا نقبل [45/أ] شهادة
~~بعضهم على بعض، فكيف نقبلها على المسلمين، ونعتمد على زعمهم وعهدهم
~~بالوفاء؟!.
# فهذا خرق: للاجماع، والكتاب، والسنة بلا نزاع، قال تعالى- مخبرا عن دوام
~~معاداة الكفار للمؤمين- وانهم لا ينفكون عنها- بقوله: {ولا يزالون
~~يقاتلونكم حتى يردوم عن دينكم إن استطاعوا ... } 3.
# وإنما جاز الصلح والهدنة: إذا كانوا مطلوبين في أراضيهم، لأن الغلبة
~~والظفر PageV01P274
# حينئذ للمؤمنين، فالعهد حينئذ منا إليهم، لا منهم إلينا، فالمؤمنون هم
~~الموفون بالعهود، ومع ذلك قالوا: (إنما يجوز لمصلحة ... كما مر).
# وكيف تميل النفس، وتسكن لعهودهم مع نهي الشارع عنها؟!، وأيضا مهما أرادوا
~~نقضها تسببوا وطلبوا من المؤمنين أمرا لا يمكن المؤمنين أن يسمحوا به، وإن
~~هم سمحوا به انتقلوا إلى طلب ما هو أعلى منه، وهكذا إلى أن تحصل الإباية من
~~المسلمين فيحتجون عليهم.
# وكيف يكون للمغلوب على غالبه (عهد) 1 ويشرط؟!، وقد سمعنا: أنكم صالحتموه
~~2 - أيدكم الله- قبل هذا الأوان، فصار يطلبكم بمطالب لا تسمحون بها، فكان
~~سببا ms071 للنقض، وقد كانت عهود من الطاغية لأهل الأندلس، فلم يتم لهم شيء منها،
~~فهو دائما إنما يطلب العهود مع كونه غالبا، لفرصة ينتهزها، أو حيلة
~~يستعملها، فيكون الصلح عائدا على المسلمين بالمفسدة، كما مر.
### | [تنبيه!]
# إذا نزل عدو الدين بأرض الإسلام، أو قريبا منها مريدا الدخول إليها، فإن
~~الجهاد فرض عين على أهل ذلك البلد، وعلى إمامهم، شيوخا وشبانا، أحرارا، أو
~~عبيدا، بل وإن على امرأة إن كانت لها قوة، ولا يتوقف قتالهم للعدو النازل
~~على مشورة الإمام، ولا سيما إن بعد منهم، بل وإن لم يكن لهم إمام تعين
~~عليهم PageV01P275
# مدافعته ونصب الإمام، فإن لم يقدر- أهل ذك البلد- مع إمامهم، على مقاومة
~~العدو، تعين على أقرب الأئمة إليهم، وعلى رعيته أن [45/ب] يعينوهم، فإن لم
~~تكن فيهم كفاية ومقاومة- أيضا- وجب: على من والاهم، وهكذا حتى يأتي الوجوب
~~منسحبا على جميع المسلمين.
# فقطر الجزائر مثلا: حيث لم يقدروا على دفعه، لعدم من يضبط كلمتهم، أو
~~لعدم وجود القوة فيهم، بدليل: أنه (يتردد) 1 العدو إليهم، ويأخذ مدائنهم
~~شيئا فشيئا، فإنه
# يجب على من والاهم- من أئمة المشرق- وأئمة المغرب- إلى "سوس" الأقصى-
~~وإلى "بغداد" بل وإلى "الهند" 2 مثلا-: أن يعينوهم بالجيوش والعدة والعدد،
~~وإن
# عصى من والاه فلم يعن، تعين على من والا من والاه، وهكذا.
# قال "ابن جزي"- في "قوانينه"-3: ويتعين الجهاد بأمور:
# أحدها: أمر الإمام، فمن عينه الإمام وجب عليه الخروج.
# والثاني: أن يفجأ العدو بلاد الإسلام، فيتعين عليهم دفعه، فإن لم)
~~يقدروا) 4 لزم من قاربهم، فإن لم يستقل الجميع وجب على سائر المسلمين) 3.
~~PageV01P276
# وقال الإمام "أبو عمر بن عبد البر"- رحمه الله-: (يتعين على كل أحد: إن
~~حل العدو بدار الإسلام محاربا لهم: أن يخرج إليه أهل تلك الدار، خفافا
~~وثقالا، شيوخا وشبانا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر
~~سواد المسلمين، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم، كان على من
~~جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك- أيضا- من علم
~~بضعفهم، وأمكنه غياثهم، لزمه- أيضا- الخروج، فالمسلمون ms072 كلهم يد على من
~~سواهم، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم- أيضا- الخروج) 1 اه.
# قال "ابن بشير" 2: (إذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين، وكانت فيهم
~~قوة على مدافعتهم، فإنه تتعين عليهم المدافعة، فإن عجزوا تعين على من
~~قاربهم نصرتهم) 3 اه.
# وقال "المازري": (فان عصى الحاضر أو من والاه ولم يدفع، [46/أ] تعلق
~~الوجوب بمن يليه) 4 اه. ونصوص أهل المذهب في هذا لا تحصى كثرة.
# والمخاطب بالتعيين المذكور ابتداء إنما هو: الإمام، إذ هو المكلف
~~باستنفار الرعية، لنصرة من والاهم، وتجب على من عينه لذلك إطاعته، ولا يتكل
~~على الرعية أن تفعل، كما مر: في قول "القرطبي"، و"الكافي"، وغيرهما: (فرض
~~على PageV01P277
# الإمام: إغزاء طائفة إلى العدو، ويخرج معهم بنفسه، أو يولي عليهم من يثق
~~به، وفرض على الناس- في أموالهم وأنفسهم- الخروج المذكور).
# وكما مر- أيضا- في قول "ابن طلحة": (يلزم الإمام: حمل الناس على الجهاد،
~~فإن اتكل على أن يفعل الناس بأنفسهم ضاع الباب ... إلخ).
# وإنما وجب على من والاهم أن يعينهم- حيث لم يستقلوا، أو لم يفعلوا-، لأن
~~العدو إذا نزل بأرض الإسلام، وعجز أهل تلك الأرض عن دفعه، أو لم يعجزوا،
~~ولكنهم عصوا وتركوا دفعه، فإن العدو يتمكن حينئذ من تلك الأرض، وإذا تمكن
~~انتقل بالمحاربة لمن والاهم وهكذا، فيؤدي ذلك لكثرة الارتداد، واستئصال
~~الإسلام.
# وهكذا وقع (لأهل) 1 جزيرة الأندلس، تركوا الاستعداد، ولما دهمهم العدو-
~~منسحبا بالسلاح- وثياب البذلة 2 - خرجوا لقتاله بالغفائر 3، وثياب الزينة،
~~فدهشوا: لعدم التدريب، وممارسة القتال، فصبروا اليوم الأول- مثلا- والثاني،
~~وكلوا، فأخذ رقابهم وأموالهم، وكانت ملوكهم لا يعين بعضهم بعضا، حتى تمكن
~~العدو من طليطلة" 4 قاعدة مملكتهم، وصارت ملوكهم تؤدي الضريبة وقتئذ للعدو
~~الكافر، فلم تنفعهم الإعانة حينئذ، ولم تقم لهم قائمة!
# فانظروا- أيدكم الله-!: حيث لم يعن بعضهم بعضا، ولم يكونوا بناء
~~PageV01P278
# مرصوصا، ولم يستعدوا لعدوهم الكافر عموما وخصوصا، كيف أصبحوا [46/ب] بين
~~يديه جناحا مقصوصا، والمال والحريم بأيديهم معدودا محصوصا 1، والقلب من أجل
~~فعلتهم إلى الأبد حيرانا منكوصا 2، وأصبحت مساجدهم مناصب 3 للصلبان،
~~واستبدلت ms073 مآذنهم) بالنواقس) 4 بعد الأذان، فلو لم تكن (في الدنيا) 3 إلا
~~هذه الفعلة، لكفت في أئمة المسلمين ورعيتهم موعظة!.
# قال- سيدي- "العربي الفاسي": (لا يبرأ المسلمون من عهدة المدافعة، ونصرة
~~من عجز، إلا إذا استفرغوا الوسع في إزاحة الكفار من المدائن التي أخذوها
~~للمسلمين، (فلو نازلوها فلم تفتح، وجب عليهم معاودتها كلما أمكنهم ذلك، حتى
~~يفتحها الله عليهم، ولا فرق في ذلك بين المدائن المأخوذة للمسلمين) 6 حديثا
~~أو قديما).
# لأن الوجوب والتعيين متعلق بالمسلمين، لا بقيد زمان، ولا مكان، إلا أنه:
~~يتعين على الحاضر زمانا ومكانا،- على ما مر ترتيبه- فانا لم يفعل لعذر، أو
~~لغير عذر، وجب على غيره ممن يليه.
# كما قاله "ابن عرفة"، عن "المازري": (وترك من تقدم من أئمة المسلمين
~~مدائن الإسلام في أيدي الكفار، هم بذلك في محل العصيان، لا في محل الاقتداء
~~والاستنان، وقديما قيل: "أسلك سبيل الهدى، ولا يضرك قلة PageV01P279
# السالكين، واترك طريق الردى، ولا يضرك كثرة الهالكين") 1 اه كلامه.
# قلت: وهذا منه- رحمه الله- تصريح بأن الجهاد فرض عين، على كل من الأئمة،
~~والحال: أنهم قد أخذوا له، أو لغيره ممن قبله، بعض أقطار البلدان، لأن عدو
~~الدين قد نزل به، أو بمن قبله، وقد أخذ له، أو لمن قبله ثغورا، فيجب عليه:
~~أن يستنقذ ذلك منهم، وإن ترك ذلك الاستنقاذ من قبله، وهو صحيح لا خلاف فيه.
# ولهذا أفتى- سيدي- "شقرون بن هبة" 2 - أحد حفاظ المتأخرين-: بأن الجهاد
~~في هذا الزمان فرض عين ونحوه في كتاب "فلك السعادة" 3 قائلا: PageV01P280
# (الجهاد اليوم فرض عين، لأنهم قالوا: "إذ نزل العدو ساحة 1 الإسلام،
~~فالجهاد فرض عين" ولا مخالف لهذا القول، واليوم قد نزلوا بساحات، [47/أ]
~~وهتكوا أستارا وحرمات، وأخذوا معاقل وحصونا، وسبوا 2 قبائل وبطونا).
# أي: وهم إذا سبوا ذلك، تعين على إمام الوقت ورعيته أن يستنقذوا ذلك، ويجب
~~على من يليه من الأئمة: أن يعينه على ذلك إن هو عجز، أو ترك وعصى- كما تقدم
~~في نص "المازري"- كما أنه يجب ذلك على من بعده من الأئمة ms074 إن هو مات.
# ثم قال 3: (قال "ابن عادل" 4 في تفسير قوله تعالى: {ما كان لأةل المدينة
~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ... } 5، ظاهر الآية وجوب
~~الجهاد على الكل، إلا ما خصه الدليل من: المرضى والضعفاء والعاجزين 6.
~~PageV01P281
# ثم نقل عن (الأوزاعي) 1، و"ابن المبارك" 2، و"ابن جابر" 3، و"سعيد بن عبد
~~العزيز" 4: (أن) 5 الخطاب في هذه الآية: لأول هذه الأمة ولآخرها 6، وذلك لو
~~سوغنا للمندوب للجهاد أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، فيؤدي إلى تعطيل
~~الجهاد. PageV01P282
# وقال ابن عطية: (حكم الآية في دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - على
~~الصحيح، وكذلك غيره من الأئمة) اه 1.
# قال: (وقد قالوا- أيضا-: إذا عجز أهل دار نزل بهم عدو الدين، عن الذب عق
~~أنفسهم، تعين على من يقربهم أن يعينهم، وهكذا: واليوم نسمع ونبصر بنزول
~~العدو ديارا فضلا عن دار فنتغافل، وربما استصرخونا 2 فنتكاسل، حتى ينتهزوا
~~3 (فرصتها)، ويتمكنوا من غرتها، ثم يفعلون بأخرى مثل ذلك، فدل ذلك: على
~~استخفافنا بقوله تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} 4 أي:
~~(فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، لأن ترك نصرهم يؤدي لمفسدة،
~~واستيلاء الكفار حتى عليكم) 5 اه باختصار كثير. PageV01P283
# وقال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه.- أي: (إلا) 1
~~تفعلوا مثله، من تولى [47/ب] المؤمنين بعضهم بعضا، ومعاداتهم 2 للكافرين،
~~كما يفعل الكفار [من] 3 التعاضد 4 والتعاون- تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}
~~5. 6
# وبيانه: أن المؤمنين إذا تركوا التناصر والتعاون فيما بينهم- حتى يكونوا
~~يدا واحدة على الكافرين- انحل نظامهم، واستولى الكافر على جميعهم، وذلك
~~مفسدة لدينهم ودنياهم.
# فالله الله في الهمم قد حمدت 7 ريحها، والله الله في الرجولية قد قل
~~حدها، والله الله في الغيرة على الدين قد (تعس) 8 جدها، والله الله في
~~الدين الذي (طمع الكفر) 9 في تبديله، والله الله في الحريم الذي مد الكافر
~~يده إلى استرقاقه وتحويله، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس
~~المتنافسون!.
# وبالجملة: فلا يخرج إمام ولا رعيته من عهدة ms075 الوجوب، في إزاحة الكفار من
~~مدائن المسلمين 10، أو إعانة من عجز عن إخراجهم منها، أو مدافعتهم عنها،
~~PageV01P284
# إلا باستفراغ الوسع، وبذل الطاقة والجهد بالعدة والاستعداد، ومباشرة
~~الدفع، ومعاودة القتال بحسب الإمكان، أو يموت وهو مدين على ذلك الفعل،
~~فينتقل الوجوب إلى من تولى بعده، وأما كونه يقتدي بمن عصى من الأئمة، وترك
~~مدائن المسلمين بأيدي الكفار، أو ترك إغاثة من عجز عن الدفع، فذلك غير
~~مخلص.
# وبهذا نعلم: أن محل كون الجهاد فرض كفاية: إذا لم يكن العدو أخذ شيئا من
~~بلاد المسلمين، وإلا كان فرض عين- على ما مر تفصيله قريبا- إذ هو: نازل بهم
~~دائما ما دام آخذا لثغورهم وبلادهم، فيجب على أئمة وقته، وعلى من يليهم إن
~~عجزوا، على من بعدهم إن ماتوا أو عصوا وتركوا أن يخرجوهم مما استولوا عليه،
~~ولا يحل لهم تركهم، إلا بقدر ما [48/أ] يتجهزون، ويعاودون ذلك المرة بعد
~~المرة، حتى يفتحها الله عليهم.
# PageV01P285
#
### | الفصل الثالث
# فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال،
# ووجوب المعاونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال
# اعلم: أنه إذا ضعف بيت المال عن
~~أرزاق الجيش، فقد قال- حجة الإسلام - أبو حامد الغزالي، في كتابه
~~"المستصفى" 1، ما نصه: (فإن قيل: توظيف الخراج 2 من المصالح، فهل إليه
~~سبيل، أم لا؟، قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة PageV01P286
# الأموال في أيدي الأخيار، أما إذا خلت الأيدي، ولم يكن في (بيت المال) 1
~~ما يفي بخراجات العسكر- ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيف دخول الكفار
~~بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام-: فيجوز
~~للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند.
# ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنا نعلم: أنه إذا
~~تعارض شران [أو] 2 ضرران، قصد دفع أشد الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل
~~واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة
~~الإسلام عن ذي شوكة 3، يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور (ولفسدت الأرض ms076
~~ومن عليها 4 اه 5 باختصار.
# وقوله: (على الأغنياء ... إلخ يريد (على) من له قدرة وطاقة على دفع شيء
~~لا (يجحف) 6 به، كما يأتي.
# وفي "المعيار"، عن الإمام "ابن منظور" 7: (الأصل: أن لا يطالب المسلمون
~~بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنة،
~~PageV01P287
# كالفيء 1، والركاز 2، وارث من ورثه بيت (المال)، لكن إذا عجز بيت المال
~~عن أرزاق الجند، وما يحتاج إليه من آلة حرب [48/ب] وعدة: فيوزع على الناس
~~ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم، من قوله تعالى: (قالوا يا ذا
~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فةل نجعل لك خرجا؟
### | ....
# } 3. لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط:
# أحدها: أن يعجز بيت المال، وتتعين الحاجة.
# وثانيها: أن يصرفه الإمام بالعدل، فلا يجوز: أن يستأثر به دون المسلمين،
~~ولا ينفقه في سرف، ولايعطي من لا يستحق، ولا أكثر مما يستحق.
# وثالثها: أن يكون المغرم على من كان قادرا من غير ضرر ولا إجحاف، ومن 4
~~لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئا.
# ورابعها: أن يتفقدها في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على
~~ما في بيت المال) 5. PageV01P288
# قال 1: (وكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة 2 بالأبدان، ولم يكف المال، فإن
~~الناس يجبرون على التعاون بأبدانهم، على الأمر الداعي للمعونة، بشرط
~~القدرة، وتعين المصلحة، والافتقار إلى ذلك) 3.
# قال: (فإذا عزم أمير المؤمنين على رفع (الظلمات) 4 وسلك بالمأخوذ على
~~الشروط التي ذكرناها، حتى يعلم الناس أنهم لا يطالبون إلا بما جرت به
~~العوائد 5، وسلك بهم مسلك العدل في الحكم، فله أن يوزع من المال على النسبة
~~المفسرة ما يراه صوابا، ولا إجحاف فيه حسبما ذكرناه 6 اه باختصار.
# فانظروا- أيدكم الله-!: فإنهم لم يخصوا ذلك بالأغنياء- والغنى يتفاوت-
~~وإنما ضبطوه بعدم الإجحاف.
# قال- الحافظ-: "أبو العباس الونشريسي"- رحمه الله- كان بمحول جواب "ابن
~~منظور" - ما نصه: (تأملت السؤال بمحوله، ولا مزيد على ما PageV01P289
# أجاب به المجيب أسفله وبطرته، وبذلك أفتي وأقول، [49/أ] "محمد المواق"،-
~~وفقه الله- آمين 1 اه.
# قال ms077 2: (وكان الإمام "أبو اسحاق الشاطبي"- رحمه الله- ممن يرى رأي من
~~يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم، لضعف بيت المال عن القيام
~~بمصالح الناس 3، قائلا: "وهو- رأي توظيف الخراج على المسلمين- من "المصالح
~~المرسلة" 4، ولا شك عندنا: في جوازه وظهور مصلحته في بلاد "الأندلس" في
~~زماننا، لكثرة الحاجة، وضعف بيت المال، لكن يبقى نظر آخر في قدر ما يحتاج
~~إلى أخذه من ذلك: فهذا لا يعرفه إلا الملك، أو من يباشره من خدامه وخاصته،
~~بل ذلك في زماننا لا يعلمه إلا الملك") 5 اه كلام الشاطبي.
# وذكر "ابن خلكان" 6: (أن أمير المؤمنين "يوسف بن تاشفين": طلب من
~~PageV01P290
# أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى "المرية" 1 في هذا
~~المعنى، وذكر فيه: أن جماعة أفتوه بجواز طلب ذلك اقتداء "بعمر بن الخطاب"-
~~رضي الله عنه- فقال أهل "المرية" لقاضي بلدهم- وهو: "أبو عبد الله محمد بن
~~يحيى بن الفراء2 - : "الأبدان تحييه" 3، وكان هذا القاضي من أهل الدين
~~والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: "أما بعد، ما ذكره أمير المؤمنين في
~~اقتضاء المعونة، وتأخري عن ذلك، وان "أبا الوليد الباجي" 4، وجميع الفقهاء
~~والقضاة (بالعدوة) 5 والأندلس أفتوه: باقتضائها، وذكروا: أن "عمر بن
~~الخطاب"- رضي الله عنه- قد اقتضاها، فكان "عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه-
~~PageV01P291
# صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضجيعه في قبره، ولا يشك في عدله،
~~ولست يا أمير المؤمنين: بصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[49/ب] ولا
~~وزيره، ولا ممن لا يشك في عدله، فان كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في
~~العدل، فإن الله سائلهم وحسيبهم.
# وما اقتضاها عمر- رضي الله عنه- حتى دخل مسجد رسول الله - صلى الله عليه
~~وسلم - وحلف أن ليس عنده، درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم،
~~فلتدخل: يا أمير المؤمنين المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف: أن
~~ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسملين، وحينئذ تستوجب ذلك،
~~والسلام") 1 اه. بلفظه، ونقله غير واحد 2.
# وزاد بعضهم: (أن "عليا بن يوسف" 3 كتب لأهل "المرية" يهددهم ms078 على القدح في
~~جانب الفقيه القاضي المذكور، ويأمرهم بالاعتراف له بالفضل، ولم يكن يرد
~~عليه كتاب أعز من كتابه لزهذه) 4 اه.
# فتنبهوا- أيدكم الله-!: لهذه القصة، لكن حالكم معروف، وأنه لا بيت مال
~~لكم لاستيلاء الكفار عليه قبل ولايتكم.
# ثم إذا جاز 5 التوزيع المذكور بالشروط المتقدمة: فإنه يجب على كل من
~~PageV01P292
# وظف عليه شيء أن يؤديه.
# وقد سئل الإمام "السرقسطي" 1 - رحمه الله-: (هل يجوز لأحد أن يغيب على
~~شيء من المغارم الموظفة؟، فقال: "إن مصالح المسلمين التي لا تسكن ثغورهم،
~~ولا (ينفك) 2 عنهم عدوهم- دمره الله- ولا تأمن طرقهم إلا بها، إن كانت لا
~~تقوم إلا بمغارم الأسواق، وكان أصل وضعها عن اتفاق من أهل الحل والعقد،
~~لكون بيت المال عاجزا قاصرا عنها، فإن تلك المغارم يجب حفظها، وأن يولى
~~لقبضها وصرفها في مواضعها الثقات الأمناء، فإن أخذوها من محلها، ووضعوها في
~~المصالح التي جعلت لها، كان سعيهم مشكورا، ومن ضيعها، ووضعها في غير
~~موضعها، كان غاشا ظالما، وكذلك من لزمته [50/أ] من أهل الأسواق فحبسها، ولم
~~يخرجها") 3 اه.
# وقال الإمام) الطرطوشي"- في "سراجه"-: (اعلم: أن المال قوة السلطان،
~~وعمارة المملكة، ولقاحه الأمن، ونتاجه العدل، وهو: حصن السلطان، ومادة
~~الملك، والمال أقوى العدد على العدو، ومن حقوقه: أن يؤخذ من حق ويوضع في حق
~~ويمنع من سرف ولا يأخذ من الرعية إلا ما فضل عن معاشها ومصالحها، ثم ينفق
~~ذلك في الوجوه التي يعود عليها نفعها) 4 اه لفظه 5.
# فان قلت: قد ورد في الحديث، أنه- عليه الصلاة والسلام- قال: "لا
~~PageV01P293
# يدخل الجنة صاحب مكس" 1، أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟.
# قلنا: المغارم لمصالح المسلمين، ليست من المكس في شيء، لأن المكس- كما
~~"لابن عرفة" وغيره-: هو: (منع الناس من التصرف في أموالهم بالبيع، أو غيره،
~~ليختص المانع بنفع ذلك) 2 اه.
# وقال "أبو محمد المرجاني" 3: (المكس: أن يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد
~~غيره، أو من يختاره) 4.
# وقال (الطيبي) 5: (المكس: الضريبة التي يأخذها (العشار) 6.
# قال الشيخ "أبو محمد عبد القادر الفاسي": ms079 (فعلى تفسير (الطيبي) أخذ
~~PageV01P294
# الفوائد في الأبواب، والقاعات، واكتراء الأسواق والرحاب مكس، وهو الذي
~~كثر استعماله في العرف.
# وعلى تفسير "المرجاني" و "ابن عرفة": ليس بمكس، وإنما هو: غصب وظلم) 1
~~اه.
# وقد علمت: أن الفقهاء- رضي الله عنهم- احترزوا عنه، وأخرجوه بالشروط
~~المتقدمة، فليست المغارم المذكورة من المكس في شيء، لأنها ليست [50/ب] لنفع
~~الأمير، بل لنفع المسلمين، ولهذا اتفقوا على جوازها.
# لكن الأحوط والأقرب فيما يظهر: أن جبر الناس على المعونة بالأبدان أصوب،
~~بأن يفرض على كل قبيلة مائة فارس أو أكثر بحسب ما تطيقه، وكل قبيلة تمون
~~مائتها وإدالتها، فإذا مضى لهذه الإدالة أربعة أشهر مثلا أرسلها بعد أن
~~تأتي أخرى في محلها، وهكذا، لأن ذلك أهون على الرعية من فرض الأموال
~~وتوزيعها عليهم، ولا سيما وهم لم يعتادوا ذلك، والنفس مجبولة على حب المال،
~~لأنه شقيق الروح، فيؤدي إلى ميلهم للعدو الكافر، وإلى سوء الظن بإمامهم،
~~لتهمتهم إياه على أنه يصرف ذلك في مصالح نفسه.
# فتوزيع المال يحتاج إلى رياضة وسياسة، بخلاف المعونة بالأبدان على
~~الكيفية المذكورة، فهي: سالمة مما ذكرنا- وقد تقدم التنبيه على هذا في فصل
~~الاستنفار- ولو كلف الرعية أن يحرثوا لبيت المال مثلا، فكل زوج من أزواج
~~القبائل تزرع مدا 2 أو مدين من عندها، وتحصده، وتدرسه 3، وتأتي بزمامه
~~للأمير، من غير أن يدفع الأمير لهم شيئا في مقابلة ذلك، لكان صوابا.
~~PageV01P295
# قال الإمام "الطرطوشي"- رحمه الله-: (فيا أيها الملك: احرص كل الحرص على
~~عمارة الأرضين، وعلى جباية الأموال بالرفق، ومجانبة الخرق 1، فان العلقة
~~تنال من الدم بغير أذى، ولا سماع صوت، ما لا تناله "البعوضة" بلسعتها وهول
~~صوتها.
# ومثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج، حتى ضعفوا عن عمارة الأرض، مثل من
~~يقطع لحمه ويأكله من الجوع، فهو وإن قوي من ناحية، ضعف من ناحية أخرى، وما
~~أدخله على نفسه (من الوجع 2 والضعف أعظم مما دفع عن نفسه) 3 من ألم الجوع.
# ومثال من كلف الرعية من الخراج فوق طاقتها: كالذي يصلح سطح [51/أ] داره ms080
~~بتراب أساسها، ومن يدمن (حز) 4 العمود يوشك أن يضعف (فتقع) 5 الخيمة عليه،
~~وإذا ضعف الزارعون عجزوا عن عمارة الأرض فيتركونها، فتتخرب 6 الأرض، وتهرب
~~الأرزاق 7، فتضعف العمارة، ويضعف الخراج، وينتج ذلك ضعف الأجناد، وإذا ضعف
~~الجند طمع الأعداء في السلطان.
# فيا أيها الملك: كن بما يبقى في أيدي رعيتك، أفرح (منك) 8 بما يؤخذ
~~PageV01P296
# منها، فلا يقل مع الصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء) 1.
# قال 2: (روي: أن "المأمون ") أرق ذات ليلة، فاستدعى سميره، فحدثه بحديث،
~~فقال: "يا أمير المؤمنين كان "بالموصل" 3 بومة، و "بالبصرة" 4 بومة، فخطبت
~~بومة "الموصل" إلى بومة "البصرة" بنتها لابنها، فقالت بومة "البصرة": لا
~~أنكحك ابنتي، إلا أن تجعل في صداقها مائة ضيعة 3 خراب، فقالت بومة
~~"الموصل": لا أقدر6 عليها الآن، ولكن إن دام علينا هذا الأمير سنة، فعلت لك
~~ذلك"، قال: (فاستيقظ) لها "المأمون"، وجلس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من
~~بعض، وتفقد أمر (الولاة) 7.
# قال 8: (واعلموا أن أعظم ما يدخل على الدول من الفساد، هو: تقليد
~~(الأعمال) 9 أهل الحرص عليها، لأنه لا يخطبها إلا لص في ثوب ناسك، وذئب
~~PageV01P297
# في (مسلاخ) 1 عابد وقد سبق المثل: "الحرص على الأمانة، دليل على 2
~~الخيانة"، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين، وأكلت أموالهم، فسدت نياتهم، وقلت
~~طاعاتهم، (فانتقضت) 3 الأمور، ودب الفساد إلى الملوك) 4.
# قال "المأمون": (ما فتق علي فتق قط، إلا وجدت سببه جور العمال).
# (ولما عزل "عثمان"- رضي الله عنه- "عمرو بن العاص" 5 عن مصر، استعمل
~~عليها "ابن أبي السرح"، فحمل من المال أكثر مما كان يحمله "عمرو"، فقال
~~عثمان: "يا عمرو أشعرت أن اللقاح درت؟ " فقال عمرو: [51/ب] "وذلك (أنكم) 6
~~أعجفتم 7 أولادها") 8.
# وقال "زياد" 9: (أحسنوا للزارعين، فإنكم لن تزالوا سمانا ما سمنوا) 10.
~~PageV01P298
# قال 1: (وسمعت شيوخ بلاد الأندلس من الأجناد وغيرهم، يقولون: ما زال أهل
~~الإسلام ظاهرين على عدوهم، وأمر العدو في ضعف وانتقاص، لما كانت الأرض
~~مقطعة في أيدي الأجناد، فكانوا يستغلونها، (ويرفقون) 2 بالفلاحين، ويربونهم
~~كما يربي التاجر ms081 تجارته، فكانت الأرض عامرة، والأموال وافرة، والأجناد
~~متوافرة 3، إلى أن كان الأمر في آخر زمان "ابن أبي 4 عامر": فرد عطايا
~~الجند مشاهرة، وقدم على الأرض جباة يجبونها، فأكلوا الرعايا، واحتجبوا
~~أموالهم، واستضعفوهم، فتهارجت الرعايا، وضعفوا عن العمارة، فقلت الجبايات
~~المرتفعة إلى السلطان، وضعفت الأجناد، وقوي العدو على بلاد المسلمين، حتى
~~أخذوا الكثير منها، ولم يزل أمر المسلمين في ضعف، وأمر العدو في ظهور، إلى
~~أن استولى "اللمتونيون" 3 فردوا الاقطاع كما كانت في الزمان الأول، ولا
~~أدري ما يكون وراء ذلك، نسأل الله: جميل الصنع! 6 اه لفظه.
# فتدبروا- أيدكم الله-!: هذه القضايا، فإن قبائلكم هي (أجنادكم) 7،
~~PageV01P299
# وتركهم يستغلون (أراضيهم) 1، ويعطون "الادالات" أفضل وأصوب يظهر من ضرب
~~الخراج عليهم- كما ترون- والله أعلم. PageV01P300
#
### | الفصل الرابع
# في حكم من ساكن العدو الكفور، ورضي
# بالمقام معهم في تلك الثغور
# قد تقدم في "الفصل الثاني"
~~و"الثالث" من فصول المسألة الأولى: أن الهجرة من أرض الفساد واجبة، ولا
~~فساد أعظم من [52/أ] (الكفر).
# قال "ابن العربي"- في "الأحكام"-: (الهجرة وهي: الخروج من دار الحرب إلى
~~دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه الهجرة
~~باقية مفروضة إلى يوم القيامة) اه 1، ونقله في "المعيار"، وقال: (وكذلك
~~الهجرة من أرض الحرام والباطل.
# وقد قال- عليه الصلاة والسلام-: "يوشك أن يكون خير مال المسلم) غنم) 3
~~يتبع بها (شعف) 4 الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن "أخرجه
~~PageV01P301
# البخاري"، و"الموطأ" 1 2.
# قال 3 - في العارضة-4: (فإن لم يوجد بلد إلا كذلك؟ قلنا: يختار المرء
~~أقلها اثما، مثل أن يكون بلد فيه كفر، وبلد فيه جور، بلد الجور خير له. أو
~~بلد فيه عدل وحرام، وبلد فيه جور وحلال، فبلد الجور والحلال خير. أو بلد
~~فيه معاص في حقوق الله، فهو أولى من بلد فيه معاص في مظالم العباد
### | ....
# إلخ) 5.
# قال: ولا (يسقط) هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى على بلدهم)
~~العدو، الكافر) - لعنه الله- إلا تصور العجز عنها بكل وجه، بحيث لم يجد ms082 لها
~~حيلة ولا سبيلا، مثل: أن يكون مريضا جدا، أو ضعيفا جدا، ولا بد مع ذلك من
~~كونه له نية صادقة، أنه إن قدر على الهجرة يوما ما هاجر. فحينئذ يرجى له
~~العفو المشار إليه، بقوله تعالى: {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتةاجروا
~~فيةا ... إلى قوله: فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} 6.
# وأما القادر على الهجرة بحيلة أو غيرها، فهو غير معذور، داخل في وعيد
~~PageV01P302
# قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... إلى قوله ... :
~~وساءت مصيرا} 1، وفي وعيد قوله تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا
~~[52/ب] عدوي وعدوكم أولياء (تلقون إليهم بالمودة)} 2 ... إلى قوله: {ومن
~~يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} 3، وفي قوله تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا
~~لا تتخذوا بطانة من دونكم ... إلى قوله ... : إن كنتم تعقلون} 4 وفي قوله
~~تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك
~~(فليس) 3 من الله في شيء} 6، وفي قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا
~~فتمسكم النار} 7، وفي قوله تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود
~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} 8، وفي قوله
~~تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ...
~~إلى قوله ... : إن كنتم مؤمنين} 9 10.
# (وفي عيد قوله- عليه الصلاة والسلام-: "أنا بريء من كل مسلم مقيم بين
~~PageV01P303
# أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: لم؟ قال: لا تتراءى "نارهما 1" 2.
# وقال: "لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو
~~منهم" 3 4.
# قال في كتاب "فلك السعادة": (والحديثان رواهما أحد الكتب الستة وفي لفظ
~~"أبي داود" عن (سمرة) 5: "من جامع المشرك، أو سكن معه فهو مثله") 6 اه.
# قال في "المعيار": (ولا معارض لهذين الحديثين، ولا ناسخ، ولا مخصص، ولا
~~مخالف لهما من أئمة المسلمين) 7. PageV01P304
# ونقل في "المقدمات" الحديث الأول في كتاب: "التجارة إلى أرض الحرب"
~~مقتصرا عليه، ثم قال: (فإذا وجب بالكتاب، والسنة، واجماع الأمة، على من
~~أسلم بدار الحرب أن يهجره، ms083 ويلحق بدار الإسلام، ولا يقيم بين أظهر
~~المشركين، لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم، حيث
~~تجري عليه أحكامهم في تجارة، أو غيرها!؟.
# وقد كره "مالك"- رحمه الله-: أن يسكن أحد ببلد يكفر [53/أ] فيها بالرحمن،
~~وتعبد من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلا مسلم مريض الإيمان) 1
~~اه.
# قلت: (أنظر: هل يسقط الحج عن من علم من نفسه، أنه لا طريق له إلا من
~~بلادهم؟، إذ لا تباح طاعة بارتكاب معصية، لأن الدخول لبلادهم لتجارة أو
~~غيرها ممنوع- كما رأيته- مسقط للشهادة والإمامة- وتقدم عن "المازري": أنه
~~لا يجوز الدخول لبلادهم لشراء الأقوات- أو يخفف له في ذلك؟، لم أر فيه
~~نصا).
# ثم ذكر في كتاب "فلك السعادة"- اثر ما مر عنه، عن "الزناتي" في كتاب
~~"المولد" 2 - : (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ترافقوهم في
~~الأسفار، ولا تساكنوهم في الأمصار، واضربوا بينكم وبينهم بسور البعاد) 3.
# قال: (وروى "الزناتي"- في كتابه هذا- أيضا-: أنه- عليه الصلاة والسلام-
~~قال: "من ضحك في وجه يهودي، فكأنما قرصني في فؤادي") 4. PageV01P305
# وذكر بعضهم: (عن "أبي موسى الأشعري "أرضي الله عنه، قال: قلت
# "لعمر بن الخطاب "- رضي الله عنه-: أن في كنابنا نصرانيا، قال: ما لك؟!
# - قاتلك الله- ألأ اتخذت حنيفيا؟ 2، أما سمعت قول الله تعالى: (يا أيها
~~الذين
# آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض؟!، قلت: له
~~دينه
# ولط كتابته، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعرهم إذ أذلهم الله،
~~ولا أدنيهم
# إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتئم أمر النصرة إلا به، فقال: مات النصراني،
~~والسلام
# يعني: هب أنه مات، فما تصنع بعده، فافعله الآن، واستغنى عنه بغيره) 3 اه.
# وقد قيل: (من والى أعداء الله، تبرأ منه، ووكله إليهم) اه.
# فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوئة، والاجماعات القطعية، كلها 531/
~~ب،- كما في "المعيار"- صريحة في: وجوب الهجرة"، وحرمة لم الاقامة في
~~بلادهم، ولا تجد لذلك مخالفا من أهل القبلة.
# وأما دمه وماله إذا لم يهاجر مع القدرة: فقال في "المعيار"- أيضا- إثر ما
~~مر
# عنه: (اختلف الناس ms084 فيمن أسلم، وبقى "بدار الحرب ".
# فقال "مالك ": "دمه محقون- أي معصوم- وماله فيء، فهو لمن أخذه،
# أبو موصى، عبد الله بن قيس بن سليم بن حرب، الصحالي الجليل، الشجاع،
~~الفاتح، وأحد الحكمين الفذين رضي بهما على ومعاوية بعد حرب لأصفين "، وأحسن
~~الصحابة صوتأ في التلاوة، له (355) حديثا، مات بالكوفة (سنة 44ه). (ابن
~~سعد- طبقات: 4/ 79، ابن الجوزي- صفة: 1/ 225، الزركلي- الأعلام: 14/ 4 1).
# في "ب" (حنفيا) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو بمعنى الميل إلى
~~الإسلام الثابت عليه، والمستقيم، ومن أسلم لأمر الله ولم يلتو. (الزاوي-
~~ترتيب القاموس المحيط: 727/ 1، البستاق- فاكهة: 351).
# أورده ابن قتيبة في "عيون الاخبار": 43/ 1! "كتاب السلطان،) عن اسحاق بن
~~راهويه قال: لأعن عياض ابن أممط موسى، أن عمر بن الخطاب، قال لأممط موسى:
~~ادع لمط كاتبد ليقرأ لنا صحفأ جاءت من الشام، فقال أبو موصى: انه لا يدخل
~~المسجد؟ قال عمر: أبه جنابة؟ قال: لا، ولكنه نصراق، فال: فرفع يده فضرب
~~فخذه حتى كاد يكسرها ثم قال: مالك
### | .......
# "."
# PageV01P306
# وليس بمعصوم حتى يخرج به لدار الإسلام".
# وقال "الشافعي": "دمه وماله معصومان، وإن لم يخرج لدار الإسلام".
# ويقول "الشافعي": قال "أشهب"، و"سحنون"، واختاره "ابن العربي".
# وبقول "مالك" في المال: قال "أبو حنيفة" 1 - كما ترى-، وبه قال "أصبغ" 2،
~~واختاره "ابن رشد"، وهو المشهور عن "مالك".
# فمن أسلم منهم: عند "مالك"، "وأبي حنيفة"، ولم يحز مالا ولا ولدا بدار
~~الإسلام- أي: لم يخرج إليها بماله وولده- فكأنه: لا مال له ولا ولد عندهما،
~~وكان اليد للكفار، كما أن الدار لهم، فماله وولده لمن قاتل عليه من
~~المسلمين، باتفاق هذين الإمامين) 3. PageV01P307
# قال 1: (وهذا الخلاف: وإن كان إنما ورد فيمن أسلم منهم، وبقي بين أظهرهم،
~~ولم يهاجر، لكن المتأخرون 2: ألحقوا به في الحكم من كان مسلما بالأصالة،
~~وبقي ساكنا معهم، ولم يهاجر بعد استيلاء الطاغية على أرضه- وأخرى لو فر منا
~~إليهم- وسووا بينهما في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم، (ولم)
~~3 يروا فيها فرقا بين الفريقين، وذلك لأنهما في موالاة الأعداء، ومساكنتهم،
~~ومداخلتهم، وملابستهم، وعدم مباينتهم 4، وترك الهجرة الواجبة عليهم سواء،
~~فألحقوا- رضي الله [54/أ] عنهم-: ms085 من كان مسلما بالأصالة، وبقي ساكنا بين
~~أظهرهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، في جميع الأحكام.
# فاجتهاد المتأخرين في هذا مجرد إلحاق ما سكت عنه الأقدمون، فيمن كان
~~مسلما بالأصالة، لعدم وقوعه في زمنهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم،
~~لاستوائهما في المعنى من كل وجه، وهو عدل من النظر واحتياط في الاجتهاد،
~~فكان في غاية الحسن) 3.
# قال: (لكن "ابن الحاج" 6: بعد أن وافق غيره في الإلحاق المذكور، بحث
~~PageV01P308
# وفرق من عنده بينهما: بأن مال من أسلم كان مباحا قبل إسلامه، بخلاف مال
~~المسلم بالأصالة، فإنه لم يتقدم له كفر يبيح ماله 1.
# ثم ذكر صاحب "المعيار" عن "ابن رشد" كلاما 2، وقال عقبه: (هذا يؤذن
~~بترجيح خلاف ما رجحه ابن الحاج من الفرق المذكور) 3 اه كلام صاحب "المعيار"
~~بتقديم، وتأخير، واختصار، وزيادة، للايضاح.
# وقد علمت منه: أن المسلم بالأصالة ومن تجدد إسلامه سواء في الأحكام
~~المذكورة، وأن ما فرق به "ابن الحاج" يرد بما "لابن رشد"، لأنه المقدم عند
~~الاختلاف، ولا سيما- وقد تقدم-: أنه المشهور عن "مالك".
# بل قد يقال: إن المسلم بالأصالة يؤخذ بالأحرى من حكم من أسلم لا
~~بالمساواة، لأن من أسلم ربما يعذر، لقرب عهده بالإسلام، فلم يعلم بوجوب
~~PageV01P309
# الهجرة، والجهل بالأحكام له أثر في الجملة، فلا تفريط معه حينئذ، بخلاف
~~المسلم بالأصالة، فالغالب علمه بوجوبها- ولا سيما الفار منا إليهم- فهو:
~~مفرط عاص بتركها، فالمسلم بالأصالة أسوأ حالا قطعا ممن أسلم، وبه يبطل:
~~تفريق "ابن الحاج" والله أعلم.
# ثم قال في "المعيار": (قال بعض المحققين من الشيوخ: يظهر أن الأحكام
~~الملحقة بهم في الأنفس والأولاد، جارية على المقيمين [54/ب] مع النصارى
~~الحربيين، على حسب ما تقرر من الخلاف المتقدم، ثم إن حاربونا ترجحت حينئذ
~~استباحة (دمائهم، وان أعانوهم بالمال على قتالنا: ترجحت حينئذ استباحة) 1
~~أموالهم، وقد
# ترجح سبي ذراريهم) 2 اه.
# قلت: ولا يخفى أن كل مقيم بدارهم، لا بد أن يؤدي جزية لهم، فهو (دائما) 3
~~معين لهم علينا، ومكثر سوادهم، وذلك مرجح لإباحة أموالهم، كما قاله ms086 الإمام
~~"مالك"- رحمه الله- ومن وافقه، على ما مر بيانه.
# وتقدم في فصل الاستنفار، عن الإمام "ابن زكري": (أنهم يقاتلون قتال
~~الكفار، حيث أعانوا الكفار ولو بالمال. والله أعلم. PageV01P310
# وأما
### | المسألة الخامسة
# : فلا شيء يتعلق بها، بل هي قائمة بنفسها
# اعلم: أن مانع المعونة بالمال أو
~~بالأبدان باغ قطعا، لأنه منع حقا وجب عليه - كما تقدم في الفصل الثالث من
~~فصول المسألة الرابعة- وحينئذ يجري عليه: حكم البغاة المشار إليه بقول
~~"خليل" وغيره:
# (الباغية: فرقة خالفت الإمام لمنع حق ... إلى قوله ... : واستعين بمالهم
~~عليهم) 1.
# ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ ما جهز به الإمام الجيوش التي قاتلهم بها،
~~لأنهم ببغيهم متسببون في إتلاف بيت المال، فعليهم ضمان ذلك في المال الذي
~~بأيديهم وفي غيره.
# كما قالوا: (ان الملد المماطل ضامن لما تسبب في إتلافه على خصمه من أجرة
~~الرسول) - كما تقدم تحقيقه في الفصل الخامس من فصول المسألة الأولى- والجيش
~~كله رسول للبغاة في الحقيقة، ولم أره مسطورا هكذا، إلا أنه لا شك أن من
~~تسبب في إتلاف مال، وجب غرمه عليه، ولعل هذا هو المستند في [55/أ] عدم رد
~~الملوك اليوم أموالهم إليهم، إذ الغالب أنها لا تفي بما جهزوا به جيوشهم
~~التي قاتلوهم بها.
# أو يقال: مستندهم في ذلك: سد الذريعة- كما تقدم تحقيقه في الفصل الثالث
~~من فصول المسألة الأولى- إذ لو ردت إليهم أموالهم، لكان ذلك سببا لبغي
~~غيرهم، فعدم ردها إليهم فيه سد تلك الذريعة.
# أو يقال: رد أموالهم إنما هو: إذا تأتى جمعها من الجيش، ولم يخش بغيه بها
~~ثانيا، والغالب أنه يتأتى جمعها وأنه يخشى بغيه بها ثانيا وهذا مفهوم
~~PageV01P311
# الشرط 1، المقدر في قولهم: (ثم رد كغيره) 2، أي: إن أمنوا من بغيهم نجها
~~ثانيا، والغالب من قبائل الزمان عدم الأمن، كما مر.
# أو يقال: العقوبة بالمال فيها نزاع، ومال البغاة من ذلك قطعا، بل ينبغي
~~أن لا يدخلها الخلاف المتقدم، حيث راعى الإمام تضمينهم لما أفسدوه عليه،
~~أي: تسببوا في إتلافه ببغيهم.
# على أنه قد يقال: الاستعانة ms087 الحقيقية، إنما هي قبل القدرة عليهم، وهو
~~قبلها لا تمكنه الاستعانة بمالهم، إلا على الوجه المذكور، وهو أن يجهز
~~جيوشه، ثم يضمنهم ذلك.
# وأما بعد القدرة: فلا تتصور الاستعانة، لأنه لم يبق قتال بينهما يوجب
~~الاستعانة بالمال.
# وأما ما ظفر به من مالهم حال القتال، وقبل كمال القدرة عليهم، فذلك قليل
~~بالنسبة إلى ما بقي بأيديهم، ومع ذلك قالوا: (إنما يرد إليهم إذا استغنى
~~الإمام عنه) 3 - كما في "شراح المتن"- والغالب: عدم الاستغناء.
# وأيضا: فإن بغاة هذا الزمان غير (متأولين) 4 وكل باغ غير متأول يضمن ما
~~قتله من الجيش، كما يضمن ما أتلفه من الأموال، كما أشار له [55/ب] "خليل"
~~بمفهوم قوله: (ولم يضمن متأول أتلف نفسا، أو مالا
### | .....
# إلخ) 5 فأموالهم حينئذ ربما PageV01P312
# لا تفي بما أتلفوه من الأموال والأنفس.
# وأيضا: إن رد أموالهم إليهم إنما هو: إذا علمت ملاكه.
# وبالجملة: فواحد من الوجوه المتقدمة كاف في عدم وجوب ردها إليهم، فكيف
~~بذلك إذا وجدت تلك الوجوه كلها، أو وجد غالبها، أو متعدد منها!، ولذا قال
~~في- "معاوضات" - "المعيار": (يجوز شراء ما لم يعلم مالكه من الطعام الذي
~~يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) 1 اه.
# وظاهره: أنه يجوز له تملكه، ولا يحتاج إلى تعريف به، ولهذا صح له بيعه،
~~وللآخر شراءه، وما ذلك إلا لكون الغالب وجود شيء من الوجوه السابقة المانعة
~~من رد أموالهم إليهم، وإلا لوجب التعريف، ولم يجز لأحد شراؤه قبله، والله
~~أعلم) 2. PageV01P313
### | خاتمة
# قال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} 1 أي: لأهلكم 2 بعذاب من
~~عنده، وكفى أمرهم بغير قتال، إلا أنه- تبارك- وتعالى- أراد بحكمته (اختبار)
~~3 المؤمنين، فأمر بالقتال، ليبلو بعض الناس ببعض، فيصير من قتل من المؤمنين
~~إلى ثواب، ومن هلك من الكافرين إلى عذاب.
# هذا في قتال الكفار، وكذا في قتال البغاة، لقوله- تعالى-: {فإن بغت
~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ... - أي: ترجع- إلى أمر
~~الله} 4، ولو شاء الله لانتصر منهم- أيضا- وأهلكم بغير قتال. ولكن: سبق في
~~علمه- سبحانه-: أنه لا بد من ms088 الاختبار، قال- تعالى-: {(ما) 5 كان الله ليذر
~~المؤمنين على ما أنتم عليه ... أي: لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من
~~منافقكم-6 ... حتى [56/أ] يميز الخبيث من الطيب} 7. PageV01P314
# قال "قتادة": (حتى يميز المؤمن من الكافر: بالهجرة والجهاد) 1.
# وهكذا: التكالف الشرعية: من صلاة، وصيام، وزكاة، وجهاد، وحج- ونحو ذلك من
~~الواجبات- وتحريم الربا- مثلا- وأكل أموال الناس بالباطل، وبيع الطعام
~~بالطعام نسيئة 2 - ونحو ذلك من المحرمات- كلها للاختبار.
# قال - تعالى-: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} 3.
# فالتكاليف 4 الشرعية- من المأمورات والمنهيات- كلها عيار 5 صادق للعباد،
~~كما يعير الدرهم باخراج ما في بطنه للعيان بسبب إمراره وحكه على حجارة.
# قال- تعالى-: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} 6
~~والفتنة: الامتحان والاختبار، بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة
~~الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجرة الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط،
~~وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، والصبر على إذايات 7 الكفار،
~~PageV01P315
# وكيدهم، وضررهم 1.
# والمعنى: أحسب الناس الذين أجروا كلمة التوحيد على ألسنتهم، وأظهروا
~~القول بالإيمان، أنهم يتركون لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله ويختبرهم
~~بضروب المحن، حتى يختبر صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع 2
~~نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب فيه،
~~والمتمكن فيه من العابد على حرف.
# كما قال- تعالى-: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ... } 3.
# قال: {ولقد فتنا الذين من (قبلهم) 4} 5.
# يعنى: أن أتباع الأنبياء قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فتنوا،
~~وأصابهم ما (هو) 6 أشد مما أصابكم فصبروا.
# كما قال- تعالى-: {وكأين من نبي قتل 7 معه ربيون كثير فما وةنوا لما
~~PageV01P316
# أصابهم ... } 1 [56/ب]
# والمعنى: (أن الافتتان والامتحان، سنة قديمة جارية في الأمم كلها،
~~فليعلمن الله- بالامتحان والاختبار- الذين صدقوا في الايمان، وليعلمن
~~الكاذين فيه، فيجازي الذين صبروا وصدقوا بالثواب الجزيل وعلو الدرجات،
~~والذين كذبوا ولم يصبروا بالعذاب الأليم، وبكونهم في أسفل الدركات) هكذا في
~~"الكشاف" 2، و"البيضاوي" 3، وغيرهما.
# ولذا قالوا: (الصبر ثلاث أقسام: صبر على الطاعة، حتى يؤديها. وصبر عن
~~المعصية، حتى يتركها. وصبر على (المصيبة) 4، حتى لا يجزع منها) 5.
# وكلها: يشملها قوله- تعالى-: {إنما يوفى الصابرون ms089 أجرهم بغير حساب} 6.
# فشدوا- أيدكم الله-: على الكتاب والسنة، فإن كتاب الله هو الحكم الفاصل
~~بين الحق والباطل، والسنة هي القسطاس العادل بين المقتصد 7 (والمائل) 8،
~~ومن خرج PageV01P317
# عنهما مرجعه إلى الويل والثبور 1، ويتجرع كؤوس الندامة يوم النشور.
# واعلموا: أنه لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وعلقوا
~~ظاهرم، وباطنكم بالله- تعالى- ولا تشغلوا سركم بسواه- فإنه ليس في الوجود
~~سواه- وكما تحذرون الوقوع في العمل المشترك، احذروا أن يكون لكم قلب مشترك،
~~فإن الله- سبحانه- غيور لا يريد من يقف بساحة المنازل والدور.
# وقد تقدم قول "عمر"- رضي الله عنه-: "إنما تقاتلون بأعمالكم"، وتقدم: أن
~~النصر مقرون بالصبر، أي: المشتمل على أقسامه الثلاثة، وتلك الأقسام: هي
~~العمل بالكتاب والسنة لا يخرج عنهما شيء.
# واعلموا: أن أحوالنا مع الله- تبارك وتعالى- كأحوال: أمة حبشية جيء بها
~~من بلادها، من يد إلى يد يلعب بها، فلما وصلت إلى [57/أ] السوق اشتراها
~~السلطان، وخلع عليها من أنواع الحلي والحلل على اختلاف أنواعها ما لا يوصف،
~~فإن كانت عاقلة عارفة قدر نفسها، وتفكرت في أصلها، وخساسة قدرها، وحققت أن
~~كل ما عندها، إنما هو خلع من فضل السلطان عليها، واعترفت له بالإحسان، وعدم
~~استحقاقها لتلك الخلع، فقد قيدت تلك النعم 2 بعقالها 3، وإن هي رأت لنفسها
~~مزية استحقت بها ذلك منه، فقد تعرضت لزوالها.
# أرأيت ان سلبها تلك الخلع، وأخرجها إلى السوق تباع، أليست هي الأمة
~~الأولى؟!.
# فحال الذين: صدقوا في الإيمان، وصبروا، وشكروا نعم الله عليهم بطاعته،
~~وامتثال أوامره- من جهاد واستعداد، وغيرهما من إقامة الصلاة، واجتناب
~~المحرمات، وارتكاب الشهوات- كحال: الأمة المعترفة بإحسان سيدها إليها،
~~لأنها لم تفرح بالنعم نفسها، وإنما فرحت بالمنعم عليها، ورضي سيدها عليها،
~~واستحقت بذلك المزية. PageV01P318
# قال- تعالى-: {لئن شكرتم ... - النعم بالطاعات، وامتثال الأوامر، واجتناب
~~النواهى- ... لأزيدنكم} 1 نعمة إلى نعمة.
# كما قال- تعالى-: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من
~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} 2. يعني: وكذلك من يقيم القرآن.
# وحال الذين كذبوا، كحال الأمة التي رأت لنفسها مزية، ولم تعترف بإحسان
~~سيدها، ms090 ولا شكرته، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، لأنها فرحت بالنعم لا
~~بالمنعم عليها، فقد تعرضت لزوالها.
# قال تعالى: {ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} 3 كما قال- أيضا-: {إن اللة لا
~~يغير ما بقوم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) 4} 5، وقال: {وما أصابكم من مصيبة
~~بما 6 كسبت أيديكم} إلى غير [57/ب] ذلك.
# فشدوا- أيدكم الله-: على الكتاب والسنة (بالنواجذ) 7 وبالغوا في إتقانهما
~~وتحريرهما، والعمل بهما على ما تقتضيه القواعد.
# فإنه: لا يعبد الله إلا بالعلم، قال تعالى: {وقل رب زدني علما} 8، إذ به
~~PageV01P319
# يعرف الله، وبه يتميز الحلال من الحرام، وبه شرفت الملائكة والرسل
~~والأنبياء، ومن أجله سجدت الملائكة لأبينا "آدم" حين علمه ربه الأسماء 1.
# ومن رأى منكم شيئا في نفسه، أو غيره، من خرق العادات، فليرجع بذلك إلى
~~كتاب رب السموات، وسنة سيد المخلوقات، فما وجدته موافقا، فاشكر الله على
~~ذلك، وما وجدته مخالفا، فدعه ولا تغتر بما هنالك، فكم من مبتدع مشى على
~~الماء، وطار في (الهواء) 2، واللعين إبليس يغوص في الماء، ويطير في الهواء،
~~والدجال 3 تخرق له العادات، وتسخر له الجمادات، ويحيي الأموات وتطويه الأرض
~~والسموات، وهو كافر بإجماع، يدعي الربوبية، وينسب نفسه للألوهية.
# وقد ألقى السامري 4 حلية في النار فصار عجلا جسدا له خوار 3، وإنما
~~PageV01P320
# ذلك: فتنة واختبار، هل يرجع إلى وراء (أو) 1 يتبع الآثار؟!.
# قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا} 2، فمن ترك ما عنده من الكتاب والسنة،
~~لظن ما عند الناس من خرق العادات والبدعة، فهو مغرور، لأن حكمة الألوهية
~~اقتضت: أن يتحلى الإنسان بإظهار العبودية، بإقامة التكاليف الشرعية، - على
~~ما أخبر به الكتاب والسنة- من غير فرق بين مشروف أو شريف، ولا بين صالح أو
~~ضعيف.
# قال "ابن خلكان"- في ترجمة: "أبي يزيد البسطامي" 3 ما نصه-: (ان أبا
~~يزيد، كان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات، حتى [58/أ] يرتفع في
~~الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ
~~الحدود، وأداء الشريعة!) اه لفظه.
# قال الإمام "القرطبي"- عند قوله تعالى-: {مثاني تقشعر ms091 منه جلود الذين
~~PageV01P321
# يخشون ربهم} 1 - ما نصه-: (عن "أساء بنت أبي بكر" 2 - رضي الله عنها-
~~قالت: "كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرىء عليهم القرآن،
~~تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم" قيل لها: "إن الناس اليوم، إذا قرىء عليهم
~~القرآن خر أحدهم مغشيا عليه" فقالت- منكرة لذلك-: "أعوذ بالله من الشيطان
~~الرجيم! ") 3.
# وقال "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي" 4: (مر ابن عمر برجل من أهل القرآن
~~ساقط، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: "إنه إذا قرىء عليه القرآن، أو سمع ذكر
~~الله سقط" فقال "ابن عمر": "إنا لنخشى الله ولا نسقط"، ثم قال: "إن الشيطان
~~يدخل في جوف أحدكم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - "!)
~~5.
# قال "عمر بن (عبد العزيز) " 6: (ذكر عند "ابن سرين" 7: الذين يصرعون
~~PageV01P322
# إذا قرىء عليهم القرآن، قال: "بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت
~~باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فان رمى بنفسه فهو
~~صادق"!) 1.
# وقال (أبو) 2 عمران الجريني 3: (وعظ "موسى"- عليه الصلاة والسلام- بنى
~~إسرائيل، ذات يوم، فشق رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: "قل لصاحب القميص:
~~لا يشق قميصه، فإني لا أحب المبذرين، بل يشرح لي عن قلبه"!) 4 اه لفظه.
# وذكر في "دوحة الناشر" 5: (ان العالم- الشهير- أبا عبد الله PageV01P323
# (الورياجلي) 1: كان متصدرا للفتوى والإقراء- "بقصر [58/ب] عبد الكريم"-2
~~فجاء ذات يوم لمجلس التدريس، فلم يجد أحدا من الطلبة، إلا اثنين أو ثلاثة،
~~فسأل عن
# وجه تخلفهم؟، فقالوا له: "ذهبوا مع جميع الناس إلى رجل 3، قدم إلى البلد،
~~يدعي: أنه عيسى بن مريم"، فقال (لهم) 4: "اذهبوا (بي) 5 إليه "، فلما وصلوا
~~إليه، وجدوه قد اجتمع عليه خلق كثير بين خادم وزائر، قال الشيخ: "أنت تدعي
~~أنك عيسى بن مريم؟ " فقال: "نعم" فقال له: "ومن يشهد لك؟ " فقال: "تلك
~~الصومعة، تشهد لي" فقال: "وكيف ذلك؟! " فقال: "تشير لها، فتولول 6،
~~وتتمايل" فأشار لها، فولولت وتمايلت، وجميع الناس ينظرون، ويعدون ذلك من
~~أعظم البراهين على صدقه!.
# فتقدم الشيخ إليه، وسأله: عن التوحيد ومعتقده؟، ms092 فلم يجد عنده شيئا،
~~فسأله: عن بعض الفرائض والسنن؟، فلم يجب بشيء.
# فوثب الشيخ عليه، ولم يجد من يعينه، إلا الطالبان اللذان أتيا معه،
~~PageV01P324
# وغيرهم كلهم أمسكوا عنه خوفا من خسف الأرض، أو نزول العذاب بهم فأوثقوه،
~~وأمر الشيخ بضربه ضربا وجيعا، وأمر به إلى السجن، فبقي بالسجن- مدة طويلة-
~~وهو: يتشفع للشيخ في تسريحه، وأقر على نفسه بقضيته، وأن شيطانا من شياطين
~~الجن أمره أن يدعي ذلك، وشرط عليه شروطا ذكرها 1، فسرحه الشيخ حينئذ- بعد
~~المدة الطويلة- وذهب الرجل لقراءة القرآن بعد مدة، ورجع لزيارة الشيخ،
~~فسأله عن شيطانه؟ فقال له: "ما رأيته من ذلك اليوم "!) 2.
# لذا: قال غير واحد من العلماء العارفين: (أن نعم الله لا تحصى، ومن
~~أعظمها وأجلها: الانتقاد على أهل الدعوى، والمنتسبين، لأنه يزيد الصادق
~~عزيمة، ويوقع الكاذب في الهزيمة، ومن تأمل: قصة "موسى" [59/أ] مع "الخضر" 3
~~- عليهما السلام- (سلم موجب الانتقاد، إذ لو لم ينتقد موسى الخضر) 4 لكان
~~جاحدا للرسالة.
# (قالوا) 5: (وأسباب الانتقاد كثيرة، والناقد بصير، فمن تلك الأسباب ما
~~كره، ومنها ما حرم، وربما وجب كل ذلك بحسب الأشخاص، والأوضاع، والحال،
~~والمآل).
# ولا يفهم هذا كل أحد، لكن لا بد من ذكر بعضها: PageV01P325
# فمن ذلك: الزيارة بالجموع، من غير زاد، وهذا يؤدي للاستضافة لا محالة،
~~فإن أكرموا مدحوا، وإلا ذموا، فأين طلب النسبة للكمال أو التشبه بالرجال؟!،
~~وقول الله- تعالى- في وصفهم-: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف
### | ....
# - إلى قوله- ... : لا يسألون الناس إلحافا} 1.
# ومن ذلك: أن (يشهر) شيخهم نفسه، بفراش دونه، أو آنية شرب خاصة به، أو
~~دابة له وحده، فذلك كله علامة لتشريف نفسه، وطلب الحظ والجاه، والأوائل
~~الصديقون كانوا لا يمتازون بشيء عن أصحابهم ورفقائهم، بل "يؤثرون على
~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"! 2.
# ومن ذلك: أن يتخذ الناس يمشون خلفه،- وقد كان "أحمد بن حنبل)، لا يمشي
~~خلفه أبدا- فأين الذلة والخشوع؟!.
# ومن ذلك: أن يدعي الإرادة، ويتسم بسمات العبادات، ويحب الاجتماع عليه،
~~ويعمل المبيتات بالسماع لديه، ويشهر نفسه عند العوام، ويحب منهم الاستعظام،
~~ولا يرجع إلى الكتاب والسنة- في ms093 المسائل المبهمات-3 - والنوازل المشكلات-
~~بل ترك، قال ربنا، وقال محمد نبينا.
# ويتمذهب بقولهم: قالت أشياخنا من رأي من رآنا لا يدخل النار، ومن صحبنا،
~~وكان على طريقتنا دخل الجنة) [59/ب] وهيهات هيهات!: من أين له بهذه الدعوى؟
~~وما دليله عليها من كتاب رب السموات- حتى عدل بها عن الكتاب PageV01P326
# والسنة- واستمال بها قلوب عامة الأمة- فأصبحوا- وقد باؤا بهوس 1 عظيم-
~~وجهل مركب جسيم-؟!.
# كيف!: والله- سبحانه- (يقول) 2 يا محمد-! {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب
~~عليهم أو يعذبهم} 3. وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} 4 وقال: {وأنذر
~~عشيرتك الأقربين} 5 وقال: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك
~~من الله من شيء} 6 وقال: {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} 7 وقال: {إنك لا
~~تةدي من أحببت ولكن اللة يةدي من يشاء؟!} 8.
# وإذا كان هو في مقام النبوة الا يغنى من الله شيئا، فكيف: يغني من هو
~~دونهم من أهل الخصوصية، ويدعي أن من رآه ضمن له الجنة؟ بل لو بلغ العبد ما
~~بلغ من الخصوصية ما أمكنه: أن يأمن من مكر الله على نفسه، فضلا عن أن يضمن
~~الجنة لمن رآه، أو صحبه من غيره، قال- تعالى-: {فلا يأمن مكر الله إلا
~~القوم الخاسرون}. PageV01P327
# بل الشيخ الصالح الصادق: من كان القرآن شعاره، والسنة قيده وعقاله،
~~والخمول سيرته، والعزلة سبيله، والزهد في الدنيا شيمته وطبيعته، يقف عند
~~الحق في الرضى والغضب، وينصف غيره من نفسه بغير طلب، مشغول بعيبه عن عيوب
~~غيره، بشراه في وجهه، وحزنه في صدره، إن قدر عفا، وإن وعد وفى، يؤثر آخرف
~~على دنياه، ويقف مع الحق وإن خالف هواه، يعرف عيبه، ويستعظم ذنبه، ولا يخاف
~~ولا يرجو إلا ربه، يوالي في الله، ويبغض في الله، ويغضب لله، ويرضى لله،
~~يخفي الطاعات، كما [60/أ] يخفي السيئات، وإذا قام قام بالله، وإذا نطق نطق
~~بالله، وإذا استعان استعان بالله في أموره كلها، ولم يستعن بغيره من صالح
~~أو ولي، ولا رسول أو نبي، واقف مع قوله- تعالى-: {إياك نعبد وإياك ms094 نستعين}
~~1 - أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، ومع قوله- تعالى-: {إن الذين
~~هم من خشية ربهم مشفقون
### | ....
# :- إلى قوله- تعالى- ... سابقون} 2.
# فهذه: صفات المؤمنين من عباده الصالحين، وعلمائه العارفين، الذين يجب بهم
~~الاقتداء والائتساء، واتخاذهم مشايخ في الأقوال والأفعال، وبهم الاهتداء،
~~ومن لم تكن هذه صفته، فالحذر الحذر، ولو مشى على الماء، وطار في الهواء،
~~كما مر!.
# قال مؤلفه "علي بن عبد السلام التسولي"- لطف الله به-: بتمام هذه
~~الخاتمة، انتهى الكلام بنا، على ما قصدنا جمعه، نسأله تعالى: أن يمن علينا،
~~وعلى من كان السبب فيه، بتوبة صادقة، وأن يجيرنا وجميع المسلمين من الفتن
~~الظاهرة والباطنة، وأن يختم لنا ولهم بحسن الخاتمة وأن يهب لنا ولهم قربا
~~على PageV01P328
# بساط الأدب في مقعد صدق العبودية، وأن يدمر العدو الكفور تدميرا لا تقم
~~له بعد قائمة إلا يوم النشور، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وينفع به
~~المتسبب والقارىء والناظر ويجعله لنا ولهم سلما لجنات نعيم، بجاه أشرف خلقه
~~سيدنا محمد- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، ورحم الله من رأى خللا
~~فأصلحه أو عيبا فستره، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، والله- سبحانه-
~~يتكرم على الجميع بالعفو والغفران.
# اللهم رب كل شيء، وإله كل شيء، وولي كل شيء، وقاهر كل شيء، وفاطر كل شيء،
~~والعالم بكل شيء والحاكم على كل شيء، والقادر على كل شيء، بقدرتك على كل
~~شيء، اغفر لنا ولهم ولجميع المسلمين كل شيء، ولا تحاسبنا وإياهم بشيء، ولا
~~تسألنا وإياهم عن شيء، إنك على ما تشاء قدير، وبالاجابة جدير، ولا حول ولا
~~قوة إلا بالله العلي العظيم، (وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
~~تسليما) 1.
# ووافق الفراغ من تأليفه وجمعه: ظهر يوم الأربعاء عاشر ربيع النبوي الأنور
~~سنة: "ثلاث وخمسين ومائتين وألف".
# كمل نسخ التأليف المبارك- بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه- الحقير الذليل:
~~المقر بالذنب والعجز والتقصير، عبده وأقل عبيده. "محمد بن الطاهر" المرتجى
~~غفران ذنبه المتكاثر، الغربي نسبا، الكافي مسكنا، المالكي مذهبا، الأشعري
~~اعتقادا، الخلوتي طريقة، غفر الله له، ولوالديه، ولمن علمه وأحسن ms095 إليه،
~~ولقرابته ومشايخه، ولمن صلح ونظر وكتب، بجاه سيدنا محمد سيد العرب.
# وكان الفراغ من كتابته: بعد عصر يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي
~~PageV01P329
# القعدة سنة: "خمس وثمانين ومائتين وألف"، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
~~العالمين.
# لا إله إلا الله وحده لا شريك له. محمد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم
~~- 1. PageV01P330
### | الملاحق
# PageV01P331
#
### |
### | ملحق رقم
# (1)
# جواب التسولي المختصر عن مسائل الأمير عبد القادر 1
# يخفى أن هؤلاء القبائل الكاتمين،
~~قد خسروا دنياهم وآخرتهم، وخالفوا أمر مولاهم، فإن ثبت عليهم ما ذكرتموه
~~فحكمهم ظاهر- مما يأتي-، وإن لم يكن إلا مجرد التهمة وغلبة الظن فالواجب
~~وهو غاية المقدور، أن يتقدم الإمام إليهم ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وتجارهم،
~~ويخبرهم بأنه إن ظفر بجاسوس منهم، أو بمن يبيع شيئا لهم حلت عقوبة جميعهم،
~~إذ لا يحرس الجاسوس أو السارق أو الغاصب غير أخيه الذي يساكنه ويجاوره، ولا
~~يشك عاقل أن أهل المداشر أو الدوار لا يخفى عليهم ذهاب جاسوسهم ولا إيابه
~~ولا مكاتبته، وقد جرت عادة قبائل الزمان- كما هو مشاهد بالعيان- أن الوالي
~~إذا تقدم، للقبيلة أو المدشر وأخبرهم: بأن من أذنب منهم أخذوا جميعا بذنبه،
~~وأن القوافل والأضياف إذا نهبوا بأرضهم غرموا ما نهبوه، إذ لا يخفى عليهم
~~المذنب والناهب، فلا إشكال أنهم يتأهبون لحراسة المذنب والناهب، ويشمرون عن
~~ساق الجد في ذلك، ويتأهبون فيما بينهم دفعا للعقوبة وإلى هذا المعنى أشار
~~ناظم عمل فاس بقوله:
# ولا يؤاخذ بذنب الغير
### | …
# في كل شرع من قديم الدهر
# إلا إذا سدت به الذريعة
### | …
# أو خيف شرع شرعه أو شيعه PageV01P333
# فقوله: إلا إذا سدت ... إلخ، هو المستند لما نحن فيه، لأن العادة أن
~~المذنب إذا علم أن قريبه يؤاخذ به إن فر هو بنفسه كف عن ذنبه، وهذا هو
~~مستند الأمراء والولاة في القديم في مؤاخذة القرابات بمذنبيهم، حتى عقد
~~الموثقون- في ذلك- الوثائق لمن أراد البراءة من قريبه الشرير المعلوم
~~بالفساد والعصيان لئلا يؤاخذ به كما في "المتيطية" وغيرها.
# ثم بعد التقدم المذكور- للقبائل المذكورة- يجعل ms096 المراصد على الطرقات من
~~أهل الثقات العارفين بمغابن الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية
~~منهم، فإذا ظفر بأحد منهم حقت عقوبة جميعهم، إما المقبوض جاسوسا فلا يخفى
~~حكمه وهو القتل- كما في خليل-.
# وأما الذاهب للتجارة ولا سيما (ببيعه ما لا يحل بيعه لهم) 1 كالخيل
~~والبغال والجلود والشمع والنحاس أو عينه، لقول "سحنون": (من باع سلاحا
~~للعدو فقد أشرك في دماء المسلمين) اه والسلاح يشمل ذلك كله.
# وقال الحسن: (من حمل إليهم الطعام فهو فاسق، ومن باع منهم السلاح فليس
~~بمؤمن في هدنة أو غيرها) اه.
# وقد أفتى القاضي سيدي محمد بن سودة، والشيخ ميارة، والإمام الأبار: (بقتل
~~من باع وصيفا- أي مملوكا- للعدو)، حيث كان من أهل الفساد، وإدخال الضرر على
~~المسلمين، وكان لا ينكف إلا بالقتل زجرا لأمثاله عن العتو والفساد.
# وأما الكاتمون للجواسيس والتجار، والمفرطون في حراستهم من إخوانهم- بعد
~~التقدم المذكور- فعليهم الأدب الوجيع، لأن حرس الجواسيس والتاجريين إليهم)
~~ليضيق بهم وتقطع عنهم الحيرة) 7 جهاد يتعين بتعيين الإمام- كما في خليل -
~~وغيره-، وهؤلاء الكاتمون والمفرطون قد عينهم الإمام للحراسة فخالفوا
~~PageV01P334
# وكتموا أو فرطوا، فحيث افتضح أمرهم بقبض الجواسيس والتجار لزمهم العقاب،
~~لأنهم بالمخالفة والكتمان والتفريط عصوا الله ورسوله.
# وعزر الإمام لمعصية الله، أما بالعقوبة في الأبدان فلا خلاف، وأما
~~بالأموال فعلى نزاع، فأجازها البرزلي ومنعها غيره، لكن قالوا محل الخلاف:
~~(إذا تمكن الإمام من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضى الشريعة، وإلا
~~فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال) اه.
# وبجوازها- أيضا- مع عدم التمكن من إقامة الحدود أفتى سيدي العربي الفاسي-
~~حسبما في شرح نظم العمل- قائلا: (الواقع الآن بالمشاهدة أن القبائل التي لا
~~تنالها أحكام السلاطين لا تمكن فيهم العقوبة بالأدان، فالعقوبة بالمال وإن
~~كانت ممنوعة فهي هذا الزمان محل الضرورة وفعلها عام المصلحة) اه باختصار.
# وإذا تقرر هذا (فإليكم) 1 النظر في كونكم متمكنين من إقامة الحدود في
~~أولئك القبائل، وعدم تمكنكم من إقامتها.
# وأما قولكم في السؤال: أم يتركون على حالهم ... إلخ، فذلك مما لا يحل
~~كتابا وسنة وإجماعا، لأن من قدر ms097 على تغيير المنكر وجب عليه تغييره، وهو فرض
~~عين على الولاة، وما نصبوا إلا لتغييره، ولا منكر أعظم من ترك القبائل
~~المذكورين على ما هم عليه من نقل الأخبار ومبايعة الكفار، لأن ذلك مفض إلى
~~هدم الإسلام، وقد قال العلماء- رضي الله عنهم- (من ترك أمة محمد - صلى الله
~~عليه وسلم - من الولاة تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة فقد
~~غشها)، وقال- عليه الصلاة والسلام-: "من غش أمتي فعليه لعنة الله" وقال-
~~أيضا-: "إذا ظهرت البدع، وسكت العالم فعليه لعنة الله".
# وأما حكم المتخلف عن الجهاد بعد أن استنفره الإمام: فلا يخفى عليكم قوله-
~~تعالى-: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ... }، ولا يخفى عليكم قول "خليل":
~~(وتعين بتعيين الإمام ... إلخ)، لأن الإمام حيث استنفرهم فقد PageV01P335
# عينهم، فمخالفتهم عصيان لله ورسوله توجب عقوبتهم- بما تقدم ذكره- فإن
~~كانت عقوبتهم لا تتأتى إلا بقتالهم قوتلوا، لأن عدم نفورهم رضا منهم
~~باستيلاء عدو الدين.
# وأما مانع الزكاة: فتؤخذ منه إن تحققت عمارة ذمته ببينة أو إقرار ولو
~~كرها، وأما غلبة الظن بتعمير ذمته، فغاية ما توجبه عليه اليمين.
# وأما أرزاق الجيش: فقال "ابن منظور": (إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند
~~وما يحتاج إليه من آلة الحرب، فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك،
~~ويستنبط هذا الحكم من قوله- تعالى-: {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج
~~مفسدون في الأرض ... }، لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط: أن يعجز بيت المال
~~وتتعين الحاجة، وأن يصرفه الإمام بالعدل فلا يجوز أن يستأثر به دون
~~المسلمين ولا ينفقه في سرف ولا يعطي من لا يستحق ولا أكثر مما يستحق، وأن
~~يكون العزم على من كان قادرا من غير ضرر ولا إجحاف ومن لا شيء له أوله شيء
~~قليل لا يغرم شيئا، وأن يتفقدها في كل وقت فربما جاء وقت لا يفتقر فيه
~~لزيادة على مما في بيت المال، وكما يتعين التوزيع في المال فكذلك إذا تعينت
~~الضرورة للمعونة بالأبدان- ولم يكف المال- فإن الناس يجبرون على التعاون
~~بالأبدان بشرط القدرة وتعين المصلحة) اه.
# فإن قلت: ms098 قد ورد في الحديث الكريم أنه قال- عليه الصلاة والسلام-: "لا
~~يدخل الجنة صاحب مكس" أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟.
# قلنا: ليست من المكس "لابن عرفة" إذ قال: (هو منع الناس من التصرف في
~~أموالهم بالبيع أو غيره ليختص المانع بنفع ذلك).
# وقال "أبو محمد المرجاني": (المكس أن يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد
~~غيره) وقال "الطيبي": (المكس الضريبة التي يأخذها العشار).
# قال الشيخ عبد القادر الفاسي: (فعلى تفسير الطيبي أخذ الفوائد في الأبوات
~~والقاعات وأكثر الأسواق والرحاب مكس- وهو الذي كثر إستعماله في العرف-
# PageV01P336
# وعلى تفسير المرجاني وابن عرفة ليس بمكس وإنما هو غصب وظلم) اه.
# وقد علمت أن المغارم المذكورة ليست لنفع المانع بل النفع للمسلمين، ولذا
~~اتفقوا على جوازها، وقال الفقيه الصالح "أبو القاسم بن خجو" في أواخر شرح
~~"بيوع ابن جماعة" ما نصه: (من البدع المحرمة التواطؤ على إهمال إقتناء
~~الخيول لأهل القوة، واكتساب أنواع العدة والرماية التي بها يسيد الرجل
~~ويصول، وترك التحفير والتحصين على ثغور المسلمين، قال تعالى: {وأعدوا لهم
~~ما استطعتم من قوة} والتحفير والتحصين من العدة.
# قال الإمام ابن طلحة: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإن اتكل على
~~أن يتكفف الناس الجهاد بأنفسهم ضاع الباب وتهدم الإسلام، إذ لا يتم الجهاد
~~إلا بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها ووضعها في جيوشهم،
~~ويجبر أهل المال على كسب الخيول وآلة الحرب وسد الثغور) اه.
# فتأملوا- رحمكم الله- هذا التحريض على الاستعداد، وتدبروه- مع ما مر -
~~فيمن ترك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تجري على غير الكتاب والسنة مما
~~وقع للمسلمين من الوهن عن القتال في تلك الأقطار- حتى استولى العدو على
~~الثغور وبعض الأمصار- إلا من إهمال الاستعداد، وترك أوامر الله في زوايا
~~الإهمال والاندثار، وهو- سبحانه تعالى- يقول: {حرض المؤمنين على القتال} 1
~~{وليجدوا فيكم غلظة} 2 {واغلظ عليهم} 3 {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم
~~الأعلون} 4، والتحريض والعلو والغلظة لا تكون إلا بالعدة والعدد وغير ذلك
~~من كمال الاستعداد من تعليم الرماية للصغار والكبار وممارسة القتال، فلما ms099
~~أهملوا ذلك ولم يحملهم الإمام عليه، نبه الله- سبحانه وتعالى- عدوهم للعمل
~~به PageV01P337
# ففاجأهم بالعدة والعدد- فبهتوا وخلت منه ثغورهم وقصورهم، ولم يتأخر عنهم
~~ساعة فيستعدوا ويثبتوا فندموا والله- وما نفع الندم- وتألموا في قلوبهم-
~~وما نفعهم الألم ف {إنا لله وإنا إليه راجعون}، ولمثل هذا فليفعل العاملون.
# وأما مانع المعونة فهو باغ قطعا لأنه منع حقا وجب عليه- كما تقدم- فيجري
~~عليه حكم البغاة، ويستعان بماله على قتاله، ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ من
~~ماله ما جهز به الإمام الجيوش التي قاتله بها، لأنه ببغيه متسبب في إتلاف
~~بيت المال فعليه ضمان ذلك في المال الذي بيده، وفي غيره، ولم أره مسطورا
~~إلا أنه لا شك أن من تسبب في إتلاف مال وجب عليه عزمه، ولعل هذا هو المستند
~~في عدم رد الملوك اليوم أموالهم إليهم إذ الغالب أنها لا تفي بما جهزوا به
~~الجيوش المقاتلة، أو يقال مستندهم في ذلك سد الذريعة- على ما مر بيانه-
~~وأيضا فرد أموالهم إنما هو إذا تأتى جمعها من الجيش ولم يخشى بغيهم بها
~~ثانيا، وأيضا قد تقدم أن العقوبة بالمال فيها نزاع ومال الباغي من ذلك
~~قطعا، بل ينبغي أن لا يدخلها الخلاف المتقدم حيث رأى الإمام تضمينهم لما
~~أفسدوه- أي تسببوا في إتلافه ببغيهم-، والقول برد أموالهم يحمل على ما إذا
~~لم يرد الإمام تضمينهم، أو على أن الأئمة قالوا: (واستعين بمالهم عليهم)
~~والاستعانة الحقيقية إنها هي قبل القدرة عليهم، وهو قبلها لا تمكنه
~~الاستعانة بمالهم لها- على الوجه المذكور- وهو: أن يجهز جيوشه ثم يضمنهم
~~فذلك من الاستعانة قطعا، وأما بعد القدرة فلا تتصور الاستعانة، لأنه بعد
~~القدرة لم يبق قتال بينهما يوجب الاستعانة بالمال، وأيضا فإن الرد مقيد بما
~~إذا علم أربابه، ولذا قال في (معاوضات المعيار": (يجوز شراء ما لم يعلم
~~مالكه من الطعام الذي يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) والله أعلم.
# وكتب عبد ربه- تعالى- على التسولي، لطف الله به، آمين.
# PageV01P338
#
### | ملحق رقم (2)
# تقييد التسولي على فتوى علماء فاس ورد الجزائريين عليها 1
# لما فتح الروم ثغر ms100 الجزائر أعادها
~~الله دار إسلام في الحرم سنة ست وأربعين ومائتين وألف، وغنموا سلطانها،
~~وبقي ذلك الجو بلا أمير يجمع كلمتهم فدخلهم الرعب واختلت الكلمة وغلب
~~الفساد فيهم، فأتى رؤساؤهم وأهل الوجاهة منهم إلى أمير المؤمنين الآخذ
~~لراية الكتاب والسنة باليمين، ظل الأمن والأمان مولانا عبد الرحمن سائلين
~~منه الدخول في إيالته، وإجراء الأحكام فيهم بكلمته وسطوته، فاستشار- أيده
~~الله- قاضي هذه الحضرة الإدريسية وقتئذ وعلماءها فأفتوا بعدم قبولهم، لأن
~~تلك إيالة أخرى وسلطانهم- وهو العثماني- سلطان إصطنبول لا زال قائما
~~موجودا، فلما رأى علماء ذلك الجو وأهل الوجاهة منهم ما أفتى به قاضي فاس
~~وعلماؤها كتبوا للسلطان المذكور- وهم يومئذ "بفاس"- ما نصه:
# (ليعلم سيدنا قطب المجد ومركزه، ومحل الفخر ومحرزه، أساس الشرف الباذخ
~~ومنبعه، وبساط الفضل الشامخ ومجمعه، السلطان الأعظم الأمجد الأفخم، نجل
~~الملوك العظام سيدنا ومولانا عبد الرحمن بن هشام، أبقى الله سيدنا للمسلمين
~~ذخرا، ومنحه مودة وأجرا، أن فتوى سادتنا علماء "فاس" مبنية على غير أساس،
~~لأنهم اعتقدوا أن في عنقنا للإمام العثماني بيعة، وهذا لو صح لكان علينا
~~حجة، وليس الأمر كذلك وإنما له مجرد الاسم هنالك، وعامل الجزائر
~~PageV01P339
# إنما كان متغلبا، وبالدين متلاعبا، فأهلكه الله بظلمه وتطاوله على عباد
~~الله وجوره وفسقه، إن الله يمهل على الظالم حتى يأخذه، فإذا أخذه لم يفلته،
~~ويدل على تغلبه وإستقلاله عدم وقوفه عند الأمر العثماني وإمتثاله، بل لا
~~يكترث به أصلا، ولا يتبع له قولا ولا فعلا، وقد أمره أن يعقد مع النصارى
~~صلحا فلم يقبل له قولا ولا نصحا، وطلب منه بعض الأموال ليستعين بها على ما
~~حل به مع النصارى من الأهوال، فامتنع غاية الامتناع، ولم يمكنه من شبر منها
~~فضلا عن الباع، حتى أخذها العدو الكافر، وهذا جزاء كل فاسق فاجر، مال جمع
~~من حرام سلط الله عليه الأعداء اللئام، وهذا كله من المتغلب متواتر مشاهد
~~بالعيان، مستغن عن إقامة الدليل والبرهان، الناس كلهم عبيد الله وإماؤه،
~~والسلطان واحد منهم ملكه الله أمرهم إبتلاء وامتحانا، فإن قام فيهم بالعدل
~~والرحمة ms101 والإنصاف والاصلاح مثل سيدنا- نصره الله- فهو خليفة الله في أرضه
~~وظل الله على عبيده وله الدرجة عند الله- تعالى-، وإن قام فيهم بالجور
~~والعسف والطغيان والفساد مثل هذا المتغلب فهو متجاسر على الله في مملكته،
~~ومتسلط ومتكبر في الأرض بغير الحق ومتعرض لعقوبة الله الشديدة وسخطه، هذا
~~وعلى فرض التسليم أن للعثماني في عنقنا بيعة، فلا تكون علينا حجة، لأنه
~~تباعد علينا قطره فلم يغن عنا شيئا ملكه، لما بيننا وبينه من المفاوز
~~والقفار والبحار، والقرى والمدن والأمصار، وربما قرب محله من جهة البحر لكن
~~منعه الآن من ركوبه الكفار، على أنه ثبت بتواتر الأخبار البالغة حد الكثرة
~~والانتشار أنه مشتغل لنفسه ومقره عاجز عن الدفع عن إيالته القريبة من محله
~~حتى أنه هادن النصارى خمس سنين على عدد كثير من المئين، وأعطى فيهم منهم
~~ضامن ليكون في المدة المذكورة على نفسه وحشمه آمنا، فكيف يمكنه مع هذا
~~الدفاع عن قطرنا وناحيتنا وبلدنا، وأدل دليل على بعده عن هذا المرام خبر
~~مصر ونواحي الشام، فقد استولى عليها أعداء الدين، مدة تزيد على الخمس سنين
~~فلم يجد لهم نفعا ولا ملك عنهم دفعا حتى استعان بالعدو والكافر، والله-
~~تعالى- قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
# PageV01P340
# هذا وقد نص الآبي في "شرح مسلم" - "مفصح عن مثل قضيتنا ومعلم-: (على أن
~~الإمام إذا لم ينفذ في ناحية أمره جاز إقامة غيره فيها ونصره) 1، فانتظار
~~نصرته يؤدي إلى الهلاك، كيف وقد تطاولت إليها الأعناق وتشوفت إليها من كل
~~جانب العيون والأحداق، فأعرضنا عن الكل صفحا وطوينا عنه الجواب كشحا،
~~مقبلين على عتبة باب سيدنا- نصره الله- وسدته، داخلين تحت طاعته، ملتزمين
~~لخدمته متوافقين مع القبائل والأمصار، وأهل الرأي والاستبصار، لعلمنا أن
~~سيدنا- نصره الله- المتأهل في هذا الأمر العريق، الجدير بالإمامة الحقيق،
~~كيف وقد ورثها كابرا عن كابر وإليه إنتهت المآثر والمفاخر، فنطلب من سيدنا-
~~نصره الله- أن يلتزم لنا بفضله من هذه البيعة القبول، مستشفعين بجاه جده
~~الرسول- صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المنتخبين وآخر دعوانا أن
~~الحمد لله رب العالمين).
# قال ms102 التسولي: (انتهى ما كتبه علماء ناحية الجزائر للسلطان المذكور، ولما
~~وقف عليه- أيده الله ونصره- قبل بيعتهم ودخولهم في إيالته، وخالف ما افتى
~~به فقهاء فاس، فلما سئلت عن النازلة بعد قدومي من الغيبة- لأني كنت غائبا
~~وقت فتوى فقهاء فاس فلم احضر معهم- دعاني الحال إلى أن قيدت في شأنها ما
~~نصه:
# الحمد لله الباقي الذي لا يزول ولا يبيد، والصلاة والسلام على سيدنا
~~محمد، الداعي إلى قتال كل جبار عنيد، وكفور صنديد، وعلى آله وأصحابه أولي
~~السماحة والشجاعة، بلا مرية ولا تفنيد، وبعد:
# فلا يخفى أن هؤلاء القوم اعترتهم فتنتان، فتنة فيما بينهم، وفتنة عدو
~~الدين، وما يقال من وجوب العزل في الأولى يقال في الثانية بالأحرى، إذ وزان
~~ذلك حرمة ضرب الوالدين المأخوذة من حرمة تأفيفهما بالفحوى، وقد أجمعت الأمة
~~على أنه إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما، قال في PageV01P341
# "المواقف" 1 وشرحه: (وللأمة خلع الإمام وعزله لسبب يوجبه مثل أن يوجد منه
~~ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين- كما كان لهم نصبه
~~وأقامته- لانتظامهم وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى الفتنة احتمل أي ارتكب أدنى
~~المضرتين) 2 اه.
# ولا يخفى أن إمام هؤلاء بغفلته وعدم تفقده للأحوال مع مضي مدة يمكنه فيها
~~التفقد- لو كان على البال- وقع منه غاية الاختلال، وانتكس الدين مع ذلك إلى
~~وراء، ونبذ بالعراء، على أنه معلوم ما فعله علماء إفريقية- وفيهم للأمة
~~أسوة وقدوة- من عزل الغائب المعهود له من أبيه بالخلافة، وبيعة أخيه
~~الموجود بالحضرة لما خشي في إنتظار الغائب من توقع الفتنة، وإذا كان هذا مع
~~التوقع فكيف به مع الوقوع؟!، الذي يراود عن التمسك بالوثقى والدين المتين.
~~وقد قال ابن حزم- رحمه الله- في "مراتب الاجماع": (أجمعوا على أنه لو نزل
~~عدو الدين بساحة المسلمين، وقالوا إن لم تعطونا مال فلان استأصلناكم، لم
~~يحل أن يعطوا ذلك، ولو خيف إستئصال المسلمين) 3 اه.
# ولا يخفى أن عدم مبادرة القوم لإقامة الإمام وبقائهم على الحال تمكين
~~للعدو - دمره الله- من الاستيلاء على الرقاب والأموال، إذ لا مقاتل يتعين
~~ولا مدافع يتبين. ms103 كيف وهو قد استولى على أعظم الثغور، وصارت تخلى رعبا منه
~~المنازل والدور، إن دام هذا ولم يحدث له تغيير لم يبك لميت ولم يفرح
~~لمولود.
# وقد يقال على جهة التلميح: هؤلاء القوم اختلت كلمتهم وفسد نظامهم وكل من
~~كان كذلك عظمت مفسدته بسفك الدماء ونهب الأموال واستيلاء PageV01P342
# أعداء الدين، وكل من كان كذلك وجب عليه نصب الإمام ولا ينتظر من كان،
~~ينتج أن هؤلاء يجب عليهم نصب الإمام، ولا ينتظرون من كان، فدليل الصغرى
~~والوسطى المشاهدة، ودليل الكبرى ما تقدم، ولك أن تجعل الوسطى صغرى وتكتفي
~~بها.
# وبالجملة: فالنازلة لوضوح حكمها التحقت بضروريات العين، وصار إقامة
~~الدليل عليها كإقامته على أن الواحد نصف الاثنين. ثم لا يخفى أن الكلام في
~~العامل غير ضار، إذ لا علينا فيه عدل أو جار، سواء عزله الخليفة أو عليه
~~ثار، وأيضا فإن المتغلب تنعقد إمامته على الأصح دفعا لفساده، إلا أنه عاص
~~بما فعله قاله: "سعد الدين التفتزاني" 1، إلا أنه وإن تغلب أو انعقدت
~~إمامته بغير التغلب فقد وجب- لما مر- عدم مراعاتها. والسلام. علي التسولي-
~~لطف الله به). PageV01P343 ms104