######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0035276 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: علي بن عبد السلام بن علي، أبو الحسن التسولي المالكي (المتوفى: 1258هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1258 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر في الجهاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفتاوى #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0035276 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-35276 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/35276 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد اللطيف أحمد الشيخ محمد صالح #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى - 1996 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الغرب الإسلامي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على (سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) # الحمد لله الذي لا نشرك به أحدا، ولا نجد من دونه ملتحدا، مبتلي قلوب ~~المؤمنين ليميز الخبيث من الطيب، ويعلم أيها أقوى جلدا. # والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنقذنا من الهلاك والردى، وتكفل ~~بالشفاعة غدا، ضارب هام 2 العداء، ومجاهد من حاد عن طريق الهدى، وقاتل من ~~اتخذ مع الله ولدا، وعلى آله وأصحابه الذين لم ترعهم الكتائب- الوافرة، وإن ~~كانوا هم أقل عددا، ولا أهالتهم 3 الأمم الكافرة، وإن كانوا أكثر جمعا ~~وأظهر عدا وعددا. # وبعد: # فقد كان قبل هذه الأيام، ورد من ناحية أعمال الجزائر أعادها الله دار ~~إسلام، كتاب من خليفتها- المجاهد في سبيل رب العالمين- سيدي الحاج- عبد ~~القادر ابن محيي الدين- أيد الله كتائبه- وجعل (النصر) 4 عونه مظاهره ~~PageV01P099 # (ومصاحبه 1 - متضمنا للسؤال عن مسائل 2 (كما ستراه بعد وتقف عليه) 3. # ولما وقف (عليه) 4 مولانا الإمام- كهف الإسلام، وملاذ الخاص والعام- كافل ~~أمة سيدنا محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- وقامع طواغيت الشرك بالسنان 5 ~~والحسام 6 - أمير المؤمنين- الآخذ لراية الكتاب [1/أ] السنة باليمين، نجل ~~الملوك العظام- المنصور بالله مولانا- عبد الرحمن بن هشام 7 - أدام الله ~~أيامه بعزيز داره ونصر (مبين) 8 يتصل به عن المولى الكريم اعداده. كلف هذا ~~العبد الحقير- المعترف بالعجز والتقصير- أن يجيب عن تلك المسائل بحسب ما ~~يراه، فامتثل وأجاب عن ذلك بجواب دال بحسب فحواه: على أن المجيب استفرغ فيه ~~ما هو عنده في سره ونجواه، وكان- نصره الله- أمر بالاختصار في الجواب وعدم ~~التطويل فيه والإطناب. # ثم لما (طولع) 9 به وهو على ما هو عليه- أيده الله- من الشغف 10 بمحبة ~~العلم، والتلهف على بثه، وغاية الحرص على إذاعته في الآفاق ونشره، ~~والمبالغة في التنفير (عن) 11 البدع المحدثات، وقمع الملحدين المعتدين ذوي ~~الجرأة والتعصبات، والذب PageV01P100 # عن الحنفية السمحاء وحياطتها 1، وقمع من يلحظها لعين الاعتداء والإزراء ~~بها، رأي: أن الجواب المذكور في غاية الاختصار والقصور 2. # فأمر المجيب أمرا ثانيا: بأن يجعله تأليفا ليحيط بجميع معانيه، ويطلق في ~~ذلك عنان القول ms001 ليبرىء العليل ويشفيه، ويوسع في الجواب، ويتعرض لجميع ~~متعلقاته ليحيط بصوب الصواب، [1/ب] فقلت- ممتثلا الجواب عن هذه المسائل ~~التي عظم موقعها من دين الإسلام، وتأكد الاعتناء بمتعلقاتها 3 على التمام-: # (يتوقف على تبحر في الفقه (وتضلع في) 4 قواعده، وباع واسع في تحرير ~~دقائقه ونوازله، وأنى للقاصر مثلي بجوابها، وتحصيل دقائق فروعها وأصولها، ~~فالخوض فيها لقاصر العلم مثلي خطر، والكشف عن لثامها 5 مع كلالة 6 الذهن ~~صعب عسير، ولكن للأمر (المولوي) 7 تكلفت الجواب عنها- ثانيا- على قدر نظري ~~القصير، لأن المسافر الجاد في السير قد أرخص له في التفسير وبالله سبحانه ~~الاستعانة، وهو نعم المولى ونعم النصير). PageV01P101 ### | نص السؤال # الحمد لله، سادتنا الأعلام، أئمة الهدى ومصابيح الظلام، فقهاء الحضرة ~~الإدريسية، ومرمى 1 المطالب ومحط الرحال العيسية، أطباء أدواء الدين ومحقون ~~حقه ومبطلون باطله، ومنتجون قضاياه المتخلية عقيمة 2 وباطلة. # جوابكم- أبقاكم الله- فيما عظم به الخطب 3، واشتد به الكرب، بوطن الجزائر ~~الذي صار لقربان الكفر جزائره، وذلك أن العدو الكافر يحاول ملك المسلمين مع ~~استرقاقهم، تارة بالسيف وتارة بحبال سياستهم، ومن المسلمين من يداخلهم ~~ويبايعهم، ويجلب (لهم) 4 الخيل ولا يبخل من دلالتهم على عورات المسلمين ~~ويطالعهم، ومن أحياء العرب المجاورين لهم من يفعل ذلك، ويتمالؤون على ~~الجحود والإنكار، فإذا طولبوا بتعيينه جعجعوا 5، والحال أنهم يعلمون منهم ~~الأعين والآثار. # فما حكم الله في الفريقين في أنفسهم وأموالهم؟ فهل لهم من عقاب أم يتركون ~~على حالهم؟. PageV01P102 # وما الحكم فيمن يتخلف في المدافعة عن الحريم والأولاد إذا استنفر 1 نائب ~~الإمام الناس للدفاع والجلاد؟ فهل يعاقبون؟ وكيف عقابهم، ولا يتأتى بغير ~~قتالهم؟ وهل تؤخذ أموالهم وأسلابهم؟ 2. [2/أ] # وكيف العمل فيمن يمنع الزكاة، أو يمنع بعضها، مع التحقق بعمارة ذمته في ~~الحال؟ فهل يصدق مع قلة الدين في هذا الزمان؟ أم يكون الاجتهاد فيه مجال؟. # ومن أين يرتزق الجيش المدافع عن المسلمين، الساد 3 ثغورهم 4 عن المغيرين ~~ولا بيت مال، وما يجمع من الزكاة لا يفي بشبعهم، فضلا عن كسوتهم وسلاحهم ~~وخيلهم ومؤنتهم وزيهم؟. ms002 # فهل يترك فيستبيح 5 الكافر الوطن؟ أم يكون ما يلزمهم على جماعة المسلمين؟ ~~وإذا كان فهل على العموم؟ (أم) 6 على الأغنياء (فقط)؟ ولا PageV01P103 # (يمكن) 1 اختصاص الأغنياء لجفوة 2 الأعراب وجهلهم؟. # وهل يعد مانع المعونة باغ 3 أم لا؟ وما حكم أحوال البغاة؟. وهل القول ~~بعدم ردها يجوز العمل به، أم لا؟!. # أجيبوا عما ذكرنا، وعما يناسب المقام والحال مما لم يحضرنا، وداووا ~~عللنا- أبقاكم الله- فقد ضاق من هذه الأمور الضرع، وكاد القائم بأمر ~~المسلمين- لضيق الأسباب- أن يتخلف عن الأمر، ويطرح (ثوب) الامارة والدرع- ~~مأجورين، والسلام. # في التاسع عشر من ذي الحجة عام اثنين وخمسين ومائتين وألف، عن إذن الحاج ~~عبد القادر محيي الدين. PageV01P104 ### | ونص الجواب # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله. # أما ### | المسألة الأولى # : ففيها فصول: # الفصل الأول: فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في الحرمات والعصيان # الفصل الثاني: في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب، وغيرهم ممن يستحق ~~العقاب. # الفصل الثالث: في كون الرجل يؤاخذ بجريرة 1 قومه، (كما يؤاخذ بجريرته) 2. ~~[2/ب] # الفصل الرابع: فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحل لنا أن نمكنهم بوجه من ~~تناوله. # الفصل الخامس: في معاقبة العاصي بالمال، وما فيه من الخلاف في القديم ~~والحال. # الفصل السادس: في زيادة تحقيق بعض ما تقدم، وكيفية إجرائه على المنصوص ~~المسلم. # الفصل السابع: في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفية سيرته ~~مع رعيته ومع العمال 3 لديه. PageV01P105 # وأما المسألة الثانية: ففيها فصلان: # الفصل الأول: في حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزيز ~~الجبار. # الفصل الثاني: فيما ينبغي فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره من الرعية، ~~وكيفية التدريب للحروب، وذكر مكائديها يظفر الإمام بالمرغوب. # وأما المسألة الثالثة: فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها ~~1. # وأما المسألة الرابعة: ففيها أربعة فصول: # الفصل الأول: فيما يجب على الإمام من إجبار الرعية على الاستعداد، لأن ~~العدو دائما له بالمرصاد. # الفصل الثاني: في جواز صلح العدو إن كان مطلوبا، وعدم جوازه إن كان ~~طالبا. ms003 # الفصل الثالث: فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، ووجوب المعونة ~~بالأبدان إن افتقر 2 إليها في الحال. # الفصل الرابع: في حكم من ساكن العدو الكفور، ورضي بالمقام معهم في تلك ~~الثغور. # وأما المسألة الخامسة: فلا شيء يتعلق بها، بل هي قائمة بنفسها. # وبجميع هذه الفصول يتم ما أشرقم إليه في آخر السؤال من قولكم: (أجيبوا ~~عما ذكرنا وعما يناسب المقام مما لم يحضرنا وداووا عللنا ... إلخ .. ). ~~PageV01P106 # ### | المسألة الأولى ### | الفصل الأول # فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في # الحرمات والعميان #  إعلم أنه لا يخفى أن غالب قبائل ~~الزمان، كما هو شاهد بالعيان، بحيث لا يمكن أن يختلف فيه إثنان، (متواطئون) ~~1 (على) 2 الانهماك في العصيان، [3/أ] إذ لا تجد قبيلة في الغالب إلا وهي ~~تحمي أفرادها، وتتعصب (لهم) 3، ولا يتناهون فيما بينهم عن منكر فعلوه، ولا ~~يسمحون بجريرهم ومذنبيهم، ولا يجبرونهم على الذهاب للشريعة المطهرة إن ~~رفعهم المغصوب والمنهوب إليها، بل وإن أرسل الحاكم إلى جريرهم (كتموا) 4 ~~عليه وأخفوه، وردوا الرسول خائبا وربما حاربوه وطردوه. وينصبون الغارات ~~ويقطعون الطرقات، ولا يردهم عما هم عليه من PageV01P107 # ارتكتاب الشهوات، والانهماك في الحرمات 1، إلا أقوى الأيادى 2 الزاجرة ~~للطغاة والعتاة 3، ولأجل هذا المعنى قالوا: (إن الله يدفع بالسلطان ما لا ~~يدفع بالقرآن) 4. # قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} أي: لو أن ~~الله أقام السلطان في الأرض، لدفع القوي عن الضعيف، لفسدت الأرض بتواثب ~~الخلق بعضهم على بعض، فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم قرار. ولا زال ~~الأئمة قديما وحديثا يندبون السلاطين، ويحثونهم على قتال من اتصف من ~~القبائل أو غيرهم بتلك الصفات. # وعليه فما ذكرقموه من كونهم متمالئون على الإنكار، مع علمهم بالأعين ~~والآثار 5، صحيح بحسب ما علم من قبائل الزمان، فإن أعلنوا ذلك وأشهروه 6، ~~فالواجب قتالهم ومعاقبتهم، لأنهم حينئذ مخالفون لأهل الإسلام. # وقد قال الإمام "ابن العربي" 7:- كما يأتي- (قد اتفقت الأئمة على أن من ~~PageV01P108 # يفعل المعصية يقاتل عليها ويحارب) 1 ms004 اه. # ولا معصية أعظم مما وصفتم به أولئك القبائل، إذ المعصية شاملة لذلك ~~وللغصب والعمل بالربا وترك الجماعة والجمعة والأذان وغير ذلك، كما صرح به ~~هو بنفسه 2 عند قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون اللة [3/ب] ورسوله} ~~3، الآية. # ومن ذلك ما ذكره "البرزلي" 4 قائلا: (نزلت (الأعراب) 5 على تونس يريدون ~~دخول الغابة لإفساد كرومها 6 على عادتهم الفاسدة للتضييق على المسلمين) 7. # قال: (فندب شيخنا الإمام- رحمه الله- الناس إلى قتالهم، وذكرهم قول 8 ~~PageV01P109 # مالك 1، وما ورد في كمال المحارين 2 المخالفين على أهل الإسلام، وأراد أن ~~يستعين بمشيخة الوقت فلم (يساعفوه) 3 محتجين بأن الناس ليس لهم بمدافعتهم ~~طاقة، إذ لم تكن لهم معرفة بالحروب، مع تركب الأعراب عليهم في غالب ~~الأوقات، مع ضعف جيش المسلمين عن مدافعتهم، فقال لهم شيخنا الإمام: لو ~~كانوا على قلب واحد لغلبوهم، ولكن ضعف الإيمان حمل الناس على العجز عن ~~قتالهم، إذ لا يقابلهم إلا أهل PageV01P110 # الدين، وأهله قد قلوا في هذا الزمان 1. # قال: (وقد إختار الخليفة- نصره الله- ما قاله شيخنا الإمام، وكان فيه ~~شجاعة وإقدام، فقاتلهم وحده بجيشه- بارك الله فيه- حتى غلبهم وسباهم، وترك ~~جلهم (عرايا) 2 اه 3. # فانظروا إلى قوله: (على عادتهم) وإلى قوله: (وأهله قد قلوا). # وكذا أفتى كثير من الفقهاء المعتبرين بقتال هؤلاء القبائل المجاورين ~~"لفاس" ونحوها، لما هم عليه من الأوصاف المتقدمة، ووافق على ذلك الشيخ ~~"ميارة" 4، والإمام "الأبار" 5، والشيخ "عبد القادر الفاسي" 6، وغيرهم. # وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم، وغابة الزيتون كما مر، فكيف لا بمن ~~PageV01P111 # يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، ~~فهم أسوأ حالا من المحاربين، لأنهم تولوا الكفار، ومن يتول الكفار فهو ~~منهم، وسيأتي حكم) أموالهم) 1 في الفصل الأول 2 من المسألة الثانية، وفي ~~آخر مسألة 3 من مسائل السؤال، هذا كله إن أشهروا ذلك [4/أ] وأعلنوه كما ~~مر!. # وأما إن لم يشهروه ولا أعلنوه، ولكن اتهموا بذلك فقط، فالتهمة قوية لا شك ~~في قوتها، من مثل هؤلاء القبائل لشهرتهم بذلك، فيجرى ms005 حكمهم على قول صاحب ~~"التبصرة"،4 ما نصه: (المتهم بالفجور وقطع الطريق، والسرقة والزنا- أي ~~وكتمان الجواسيس والغصاب، ونحو ذلك- لا بد أن يكشف ويستقصى 3 أمره بقدر ~~تهمته وشهرته بذلك، وربما كان الكشف بالضرب، أو بالسجن دون الضرب على قدر ~~ما اشتهر منه) 6. PageV01P112 # قال: (وليس تحليفه وإرساله مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو ~~حلفنا كل واحد وأطلقناه وخفينا سبيله، وقلنا: لا نأخذ إلا بشاهدي عدل، كان ~~فعل ذلك مخالفا للسياسة الشرعية، ومن ظن تحليفه وإرساله، فقد غلط غلطا ~~فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة) 1. # ثم قال: (واعلم أن هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه) 2. # وقال "القرافي" 3 في "ذخيرته": (إعلم أن التوسعة على الحكام في أحكام ~~السياسة ليس مخالفا للشرع، لأن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول) 4 ~~اه. الغرض منه. # وعليه فإذا كان المتهم بما أشرقم إليه عددا معينا، كما يفهم من قولكم: ~~(ومن أحياء العرب من يفعل ذلك) فحكمه ما تقدم، وسيأتي مزيد بيان، لذلك في ~~الفصل السادس. PageV01P113 # وأما إن لم يكن المتهم بما أشرقم إليه معينا في ناحية، ولا محصورا في عدد ~~معلوم، وإنما غلب على الظن أن من أفراد القبيلة من يفعل ذلك، ولا يدري من ~~هو، فالواجب (- فيما إذا لم يكن المتهم معينا-) 1 وهو غاية المقدور- أن ~~يتقدم الإمام إليهم، ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وغصابهم وتجارهم، ويخبرهم ~~[4/ب] بأنه إن ظفر بجاسوس منهم، أو بغاصب، أو بمن يبيع شيئا لهم، حلت عقوبة ~~جميعهم، وغرمهم جميع ما (نهب) 2 أو غصب مثلا. # إذ لا (يحرس) 3 الجاسوس أو السارق (أو) 4 والغاصب غير أخيه الذي يساكنه ~~أو 5 يجاوره، ولا يشك عاقل أن القبائل (والمداشر) 6 لا يخفى عليهم ذهاب ~~جواسيسهم، ولا إيابهم، ولا مكاتبتهم، ولا غصابهم، ولا سراقهم، ولا يخفى أن ~~الإمام إذا تقدم إليهم وألزمهم 7 بما ذكر، فلا إشكال أنهم يتأهبون لحراسة ~~من ذكر، ويشمرون 8 عن ساق الجد في ذلك، ويتناهون فيما بينهم عن المفاسد 9 ms006 ~~دفعا للعقوبة التي تلزمهم من الإمام. # ثم بعد تقدم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد 10 على الطرقات ~~PageV01P114 # من أهل الثقات، العارفين (بمغابن) 1 الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر ~~خفية منهم، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممن كلفهم بحراسة، أو ثبت على ~~أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بينة، فلا إشكال أنه يحل له عقوبة الجميع. # أما عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة، قال "خليل" 2: (وقتل ~~عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق) 3. # وقال "ابن رشد" 4: (لأن مفسدته أعظم من مفسدة المحارب) 5. PageV01P115 # وأما التاجر إليهم فهو قريب من الجاسوس أو عينه، لأن الغالب عليه أن ~~النصارى يسألونه عن أحوال المسلمين، ولا يجد بدا من جوابهم، ولأنه يعينهم ~~بما نقل إليهم من أنواع المتاجر ولاسيما السلاح، ومن أعانهم فقد أشرك في ~~دماء المسلمين- كما يأتي-. # وقد أفتى سيدي "محمد بن سودة"، والشيخ "ميارة " والإمام "الأبار" حسبما ~~في "نوازل الزياتي": (يقتل من باع مملوكا للعدو، حيث كان لا ينفك 1 عن ~~فساده إلا بالقتل، لأنه من أهل العبث 2 وإدخال الضرر على المسلمين) اه. # فحكم هذا التاجر كذلك إن كان لا ينفك (إلا به) 3، وإلا فالعقوبة [5/أ] ~~عليه في ماله أو بدنه- على ما يأتي في فصل العقوبة بالمال-4. # وأما الكاتمون للجواسيس والغصاب والمفرطون 5 في حراستهم من إخوانهم بعد ~~التقدم إليهم، فعقوبتهم واجبة ولا يستحقون قتلا، وإنما وجبت عقوبتهم لأن ~~حرس الجواسيس ونحوهم من المتلبسين بالتجارة إليهم، جهاد يتعين بتعيين ~~الإمام. # [قال] "خليل": (وتعين بتعيين الإمام، وإن على إمرأة) 6 باختصار. ~~PageV01P116 # وهؤلاء الكاتمون والمفرطون، قد عينهم الإمام للحراسة للجواسيس ونحوهم، ~~فخالفوا وكتموا 1 وفرطوا، فحيث افتضح أمرهم بنقض بعض ما كلفوا بحراسته ~~تحققت تهمتهم وظلمهم ولزمهم العقاب، لأنهم بالمخالفة والكتمان عصوا الله ~~ورسوله، ووجب عقابهم- كما يأتي دليله في الفصل بعده- ووجب أيضا مؤاخذة ~~بعضهم ببعض- كما يأتي في الفصل الثالث- والله أعلم. PageV01P117 # ### | الفصل الثاني # في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب # وغيرهم ممن يستحق العقاب #  اعلم أنه لا يخفى ms007 أن كل من تلبس ~~بمعصية توعد الله عليها بالعقاب الأخروي، فإن الإمام يجب عليه أن يعاقب ~~فاعلها، كان فيها مع ذلك حق لآدمي، ككتمان الجواسيس والغصاب وحمايتهم ~~والتعصب عليهم، لما في ذلك من الفساد وإدخال الضرر على المسلمين في دينهم ~~ودنياهم، أو تمحض فيها حق الله فقط، كالأكل في نهار رمضان، وترك الصلاة ~~وإقامة الأذان، وترك النهي عن المناكر مع القدرة، أو عدم هجرتهم مع عدم ~~القدرة، لأن "من رضي فعل قوم فهو منهم" 1، إذ سبب هلاك الأمم السابقة ~~وخزيهم ولعنهم، أنهم كانوا [5/ب] لا يتناهون عن المناكرة قال تعالى: {لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل ... إلى قوله: كانوا لا يتناةون عن منكر فعلوه} ~~2. PageV01P118 # قال الإمام "القرطبي" 1، و"ابن عطة" 2 - "في تفسيرهما"- ما نصه: (قال " ~~قتادة" 3، و "مجاهد" 4: لعنهم: مسخهم 5 قردة) 6. # قالا: (وقد ذم الله هؤلاء القوم لتركهم النهي عن المنكر، وكذا يذم من ~~بعدهم ممق فعل فعلهم. PageV01P119 # خرج أبو داود 1، عن عبد الله بن مسعود 2، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل»، كان الرجل يلقى الرجل ~~فيقول: (يا هذا) 3؟ اتق الله!، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه [من ~~الغد] 4 فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب ~~الله قلوب بعضهم ببعض، وقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... إلى ~~قوله: فاسقون} 5 ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ~~ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، (ولتقصرنه 6 على الحق ~~قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم" 7 ومعنى ~~لتأطرنه أي: (لتردنه) 8 اه. لفظه. PageV01P120 # فأنتم ترون هذا الزجر الغليظ، والوعيد الفضيع، حتى قال- عليه الصلاة ~~والسلام-: "والله إما أن تأمروا بالمعروف وتردوا الظالم إلى الحق، وإما أن ~~يضرب الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" فقوله في الحديث ~~الكريم: "أو ليضربن الله ... إلخ" قسيم قوله: "لتأمرن ... إلخ". # قال في "الكشاف": قوله تعالى: {ذلك ms008 بما عصوا} 2 أي: لم يكن ذلك اللعن ~~الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشيءآخر، ثم فسر ~~المعصية [6/أ] والاعتداء بقوله: {كانوا لا يتناةون (عن منكر) 3} 4 - أي- لا ~~ينهى بعضهم بعضا، ثم قال: {لبئس ما كانوا يفعلون} 5 للتعجب من سوء فعلهم، ~~مؤكدا لذلك بالقسم) 6. # قال: (فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر، وقلة ~~عبئهم 7 به، كأنه (ليس) 8 من ملة الإسلام، مع ما يتلون من كتاب الله، وما ~~فيه PageV01P121 # من المبالغات في هذا الباب) 1 اه. # وقال- تعالى-: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} 2. # قال "البيضاوي " 3: (أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون: هو الميل ~~القليل كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم، وإذا كان الركون إلى من وجد فيه ما ~~يسمى ظلما يلحقه هذا الوعيد، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين ~~بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيهه) 4 اه. # وقال "ابن عطية": ("ولا تركنوا" يقال: ركن يركن، ومعناه السكون إلى الشيء ~~والرضي به، فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره) اه. الغرض منه. # وقال في "الكشاف": ("ولا تركنوا" متناول الانحطاط 5 في هواهم، والانقطاع ~~إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم 6، والرضي بأعمالهم، ~~والتشبه بهم، والتزي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم [وذكرهم] 7 بما فيه تعظيم ~~لهم) 8. # قال: (وتأمل قوله: "ولا تركنوا" فإن الركون هو: الميل اليسير، وهذا ~~PageV01P122 # فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالمه) 1. # قال: (وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دعا لظالم بالبقاء، ~~فقد (أحب) 2 أن يعصي (الله) 3 في أرضه" 4. # ولقد سئل "سفيان الثوري" 3 عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى ~~شربة من ماء؟ فقال: (لا، فقيل له: يموت، فقال له: دعه يموت) 6 اه. [6/ب] # وإذا كان هذا الوعيد الفظيع لاحقا لمن لا يتناهى عن المناكر، فضلا عمن ~~يباشرها كهؤلاء القبائل الذين وصفتهم، أو لمن ركن إلى الظالم الركون اليسير ~~فكيف بمن يكتم على الجواسيس والغصاب والتجار ms009 الحربيين ونحوهم، ويطعمهم ~~PageV01P123 # أو يساكنهم، أو يأوون إليه فيجالسهم أو يحسن إليهم أو يواسيهم، وكيف ~~بالتعصب عليهم ومنع الإمام من الانتصاف 1 منهم، فلو لم يكن إلا واحد من هذه ~~الأمور لكفي به معصية، فكيف بجميعه أو غالبه!. # وهذا كله فيمن لم يباشر- لأنه بكتمه أو تعصبه أو مجالسته لهم أو مساكنته ~~ونحو ذلك، مع عدم التغيير عليهم إن قدر، أو خروجه من بينهم إن لم يقدر 2 - ~~راض بفعلهم معين لهم بذلك على الاستمرار في معصيتهم، "ومن رضي فعل قوم فهو ~~منهم" 3، ولذلك استوجبوا ما تقدم من العقاب في الآيتين الكريمتين، فكيف ~~بالمباشرة منهم!. # ولذا قال الفقهاء- كما في "ابن عرفة 4 وغيره-: (تحرم الإقامة والسكنى بين ~~قوم لا يتناهون عن المناكر، ولا زاجر لهم يزجرهم عنها، وإن لم يباشر هو ~~معهم ما هم عليه، وتجب عليه هجرتهم، قال تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتةاجروا فيةا}) 5. # قالوا: (وهو ساقط الإمامة والشهادة بعدم (الهجرة) 7.6. PageV01P124 # وحينئذ فلا مؤاخذة على الإمام، حيث وآخذه من جملتهم، وقاتله أو عاقبه ~~معهم بمال أو غيره- على ما يأتي في الفصل بعده- ولا سيما، حيث تقدم إليهم ~~وأخبرهم: بأن من لم يرض بفعلهم فليخرج عنهم- على أنه لا يحتاج للتقدم ~~المذكور- لأن كل من ساكن قوما، يعلم أنه ينوبه ما ينوبهم من شر أو غيره. # وقد قالوا: (شاع مثل هذا الفساد حتى في الحواضر 1، فتجد أهل [7/أ] ~~(الحارة) 2 والحومة يحمون فسادهم ويكتمون عليهم، ويجالسونهم ولا ينهونهم ~~عما هم عليه). # وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: إن كان ~~مظلوما فنعم، وإن كان ظالما، فكيف ننصره؟ فقال: نصره أن تمنعه من ظلمه" 3. ~~PageV01P125 # وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ~~1. # والكتمان على الجواسيس والغصاب، أو عدم التناهي عن المناكر، أو مخالطتهم ~~إثم وعدوان، فكيف بحمايتهم أو مواساتهم كما هو الموجود من أهل الفساد!. # وقال "ابن العربي" - عند قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون اللة ~~ورسوله ... }: (فقد اتفقت الأئمة الأربعة على أن من يفعل ms010 المعصية يقاتل ~~ويحارب، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، أو على ترك الجماعة، أو ~~تعطل الجمعة، أو ترك الآذان، فإنهم يقاتلون على ذلك) 2. # والمراد منه قوله: (من يفعل المعصية، لأن المعصية شاملة لجميع ما تقدم ~~وغيره، ولا خصوصية لما مثل به. # وهذا الفصل كله داخل تحت قول الشيخ "خليل": (وعزر 3 الإمام لمعصية الله، ~~أو لحق آدمي ... إلى قوله: وإن زاد على الحد-، أو أتى على النفس ... إلخ) ~~4. PageV01P126 # قال في "العتيبة" 1: (قد أمر مالك: بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد، ~~قد جرد، وضمه إلى صدره، أربعمائة سوط، فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك) ~~2. # فهذه النصوص كلها صريحة في وجوب العقاب، لمن ارتكب معصية، كتمانا كانت أو ~~غيره، وهل يعدل عن التعزير إلى إغرامه المال؟ سيأتي ذلك مبينا في الفصل ~~الخامس- إن شاء الله- والله أعلم. [7/ب] PageV01P127 # ### | الفصل الثالث # في كون الرجل يؤاخذ بجريرة قومه كما يؤاخذ بجريرته #  روى مسلم، في "صحيحه " وغيره، عن ~~"عمران بن حصين": "أن "ثقيفا" 1 كانت خلفاء "بني غفا" 2 في الجاهلية، فأصاب ~~المسلمين رجلا من بني غفار ومعه ناقة له، وأتوا به (إلى) 3 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا محمد!، بم أخذتني، وأخذت (سابقة) 4 الحاج 5، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف)، وكانوا أسروا ~~رجلين من المسلمين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمر به وهو محبوس، ~~فيقول: يا محمد!: إني لمسلم، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: (لو قلت ذلك، ~~وأنت تملك أمرك لأفلحت) ففداه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرجلين من ~~المسلمين، وأمسك الناقة لنفسه 6 اه. PageV01P128 # ونقله ابن العربي في "الأحكام" في سورة البقرة عند قوله تعالى: {فإن ~~انتةوا فإن اللة غفور رحيم 1} 2، ونقله في "التبصرة" 3 مسلما محتجا به، على ~~أن ذلك من أحكام) السياسة) 4. # قالوا: (وهو معارض لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 3 أي: لا تؤخذ ~~نفس بذنب غيرها) 6. # قال "المازري" 7: (أجاب الناس عن الحديث الكريم بثلاثة أجوبة: ms011 # أحدها: أن يكونوا عوهدوا على أن لا يتعرضوا لأصحاب سيدنا محمد، لا هم ولا ~~حلفاؤهم 8، فنقض حلفاؤهم العهد، ورضوا هم بذلك، فاستبيحوا. # والثاني: أنهم كانوا لا عهد لهم، فهم على الإباحة. # والثالث: أن في الكلام حذفا، ومعناه: "أخذتك لنفادي بك من PageV01P129 # حلفائك" 1 اه. # وكان "ابن فرحون": لم يرتض شيئا من هذه الأجوبة، واعتمد على الجواب الأول ~~منها، فلذلك احتج بالحديث وساقه، لأنه: المذهب على جواز أخذ الرجل بجريرة ~~قومه 2. # وقال "الأبي" 3 - كما نقله شارح 4 نظم العمل-5: (كان الشيخ [8/أ] "ابن ~~عرفة" يقول: هذا الحديث أصل في هذا الحكم، وهو: أخذ الحليف بجريرة ~~PageV01P130 # حليفه، وإن لم يجرم 1 إلا كونه حليفا فقط) 2 أه. # قلت: وهو يريد ما لابن فرحون. # وبيان ذلك: أن هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون الغير ممن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا يتعصب ~~عليه، ولا ينكف المذنب عن ذنبه بتغريم ذلك الغير، فهذا هو الذي لا يؤاخذ ~~ذلك الغير بذنبه كتابا وسنة وإجماعا، كان الغير قربيا للمذنب أو غيره، وهو ~~محل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 3. # ثانيها: أن يكون ذلك الغير ممن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا ~~يتعصب عليه- كالقسم الذي قبله- إلا أنه إذا أخذ من ذلك الغير ما أخذه ~~المذنب أو نهبه، كف المذنب عن ذنبه ومفسدته، لكون ذلك الغير يقدر على ~~الانتصاف من المذنب، أو لكونه قريبا له، فلهذا قالوا: (يجوز مؤاخذة ذلك ~~الغير به سدا للذريعة 4 - 5 كما يأتي PageV01P131 # عن ناظم العمل- 1. # ثالثها: أن يكون ذلك الغير ممن يحمي المذنب، أو يتعصب عليه، أو يواسيه، ~~أو يأوي وينحاش إليه، ويرضي بفعله، فهذا يؤاخذ ذلك الغير بجريرته # وبجميع ما أخذه، ولا يختلف فيه، لأنه بتعصبه- ولو بجاهه- وحمايته، والرضي ~~بفعله، صار معينا له على ظلمه، متسببا بذلك لاتلاف أموال الناس ودمائهم، ~~وتأمل قول "المازري" في الجواب الأول من الأجوبة الثلاثة: (ورضوا هم بذلك ~~... إلخ) 2. # وهذا القسم الثالث: هو الذي لحقه الوعيد وإن لم يباشر، ويجز ms012 له العقاب ~~دنيا وأخرى- كما مر في الفصل الذي قبله- وهو الواقع من قبائل الزمان # وفساد حواضرهم- كما مرت الإشارة إليه- وهو الذي يجب أن يحمل عليه، الحديث ~~الشريف الوارد في مؤاخذة الرجل بجريرة [8/ ب] قومه، كما دل عليه: أول أجوبة ~~"المازري"، وسياق "ابن فرحون"، و"ابن العربي" وغيرهما له، كأنه المذهب، فلا ~~معارضة حينئذ بين الآية والحديث الكريمين، لأن الغير # في هذا القسم عاص لله بما ارتكب من إعانة المذنب، والرضي بفعله، وحمايته ~~وتعصبه عليه، أو إحسانه إليه، أو إيوائه إليه، والرواية بذلك واردة عن "ابن ~~القاسم" 3 وغيره. PageV01P132 # قال الشيخ "عبد الباقي الزرقاني " 1 - عند قول خليل في الحرابة:- ~~(وبالقتل يجب قتله ولو بإعانته)، ما نصه: (قوله. ولو بإعانته، أي: على ~~القتل، ولو بالتقوي بجاهه، وإن لم يأمر بقتل، ولا تسبب فيه، لأن جاهه إعانة ~~عليه حكما 2. # قال "ابن الحاجب" 3: (وأما إن لم يتسبب: فقال "ابن القاسم ": يقتل، وقال ~~"أشهب" 4: يضرب مائة، ويحبس سنة) 5. # قال الشيخ 6 - يعني المصنف-: (أي: لم يتسبب في قتل، ولكن التقوي به، أي: ~~بجاهه حاصل، ككونه من فئة ينحاز إليهم قطاع الطريق، فيقتل الجميع، لأنهم ~~متمالئون، أي: وإن لم يعينوا القطاع في القتل) 7 اه. PageV01P133 # وأصل ذلك في "ابن الحاجب" و"التوضيح" 1 و"الشامل" 2 ونصه: (وقتل الربيئة- ~~أي: الطليعة 3 التي تحرس المحاربين- ثم قال: وكذا المتسبب في القتل، وكذا ~~إن لم يتسبب- أي: بإمساك ونحوه- فإنه يقتل لأن التقوي به- أي: بجاهه- حاصل ~~على الأصح) 4 اه. # ووقفت على جواب للشيخ "يوسف الرسموكي" 5، و"يبورك بن عبد الله ~~PageV01P134 # السملالي" 1 قالا فيه- ما نصه-: (نص أهل المذهب- في غير ما كتاب "كنوازل ~~القرويين " 2 - فقد نقلها جامعها عن "أبي عمران الفاسي" 3 - : أن من له مال ~~قبل رجل من سرقة أو غصب أو معاملة بالدية، وكان أهله لا ينصف بعضهم بعضا، ~~ويذبون 4 عنه إن [9/أ] أريد أخذه والتناصف منه، فإن أهله يؤاخذون به، لأنهم ~~كالمعينين له على جرمه، ومن كان من أهله صالحا لا يذب عنه لا يؤاخذ به) اه. # وإذا كان هذا المعين له بجاهه ms013 والانحياز 5 إليه، مؤاخذ بما فعله المذنب، ~~باتفاق ابن القاسم وأشهب- لأنهما لم يختلفا في مؤاخذته، وإنما اختلفا في ~~عقابه بالقتل أو بالضرب أو السجن- فكيف: لا يؤاخذ هذا الغير المعين ولو ~~PageV01P135 # بجاهه، ورضاه بما فعله المذنب من نهب الأموال، لأن اللصوص حملاء (عن) 1 ~~بعضهم بعضا اتفاقا!. # والمعين للص بشيء مما تقدم نصه كما رأيته بقبائل الزمان وغيرهم المعلومين ~~بما هم عليه من التعصب والحمية بالفعل، فضلا عن التعصب بالجاه والانحياز، ~~لا إشكال أن غير المباشر منهم مؤاخذ بما فعله المباشر- ولو لم يظهر منه ~~تسبب- لأنه لا أقل أن يكون حاميا للمباشر بجاهه وإورائه إليه، وعلى هذا ~~يحمل الحديث الكريم؛ لأن شأن الحليف أن يحمي حليفه ويتعصب عليه بجاهه ~~وبغيره، فلذلك أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الغفاري" "بثقيف". # والجواب الثالث 2 من أجوبة المازري: يظهر أنه لا يتم مع كونه- عليه ~~السلام- أخذ الناقة لنفسه، (إذ حيث أخذه ليفادي به من حلفائه، فما وجه أخذه ~~الناقة لنفسه؟) 3، فالجواب الأول هو: أحسنها ولا معارضة حينئذ - كما مر-. # إذا تقررت هذه الأقسام الثلاثة المذكورة، علمت: أن القسم الأول منها هو ~~المشار إليه بقول ناظم العمل: # (ولا يؤاخذ بذنب الغير ### | … # في كل شرع من قديم الدهر) 4 # وهو معنى قوله- تعالى-: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 5، أي: لا تؤاخذ نفس ~~بذنب غيرها [9/ب] # والقسم الثاني منها هو المشار إليه بقوله أيضا: PageV01P136 # (إلا إذا سدت به الذريعة ### | … # أو خيف شرع شرعه أو شيعه) 1 2 # إلا أنه أطلق، فظاهره أنه مع الذريعة يؤاخذ به قرييا كان أو غير قريب، ~~قدر المأخوذ منه على الانتصاف من الذنب أم لا، وليس كذلك، بل محله: إذا كان ~~الغير المأخوذ به يقدر على الانتصاف من المذنب، أو ينكف المذنب عن ذنبه ~~بمؤاخذة ذلك الغير. # ولعله إنما أطلق اتكالا على المعنى، لأن العادة أن الظالم لا ينكف عن ~~ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، إلا إذا كان ذلك الغير قريبا لذلك المذنب، أو كان ~~يقدر على تغريمه، وعلى الانتصاف منه سواء كان قريبا له ms014 أم لا، وإلا فإن كان ~~لا ينفك 3 عن ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، ولا يقدر الغير على الاننصاف منه، لم ~~تجز مؤاخذته به بحال، لأنه حينئذ من القسم الأول 4 فلا سد للذريعة فيه ~~أصلا، وهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لم يلم به أحد من شراحه فيما علمت، ~~والله أعلم. # والمؤاخذة لسذ الذريعة هي: المسألة المعروفة عند الناس بالكفاف 3، وهو: ~~أن يكون لشخص حق من دين، أو وديعة، أو سرقة، أو غصب، ولا يقدر PageV01P137 # صاحب الحق على الانتصاف منه لتعصبه. # فإذا (ظفر) صاحب الحق بأحد من قومه في بلد تناله فيه الأحكام، فله أن ~~يؤاخذه بذنبه، أو بما غصب منه، ويقضي له بذلك في غير الدماء والحدود، حيث ~~كان هذا المؤاخذ ينكف الظالم عن ظلمه بمؤاخذته، أو يقدر على الانتصاف منه- ~~كما مر- ولو لم يكن قريبا، ولا كان يحمي ذلك الملد 1 الظالم، ولا ممن يتعصب ~~عليه، ولا ممن يأوي إليه- لأنه: (إذا التقى ضرران ومحظوران ارتكب [10/أ] ~~أخفهما) 2 - لأن الأمر دائر بين أن ييقى هذا المذنب على مفسدته وغصبه ~~وظلمه، ولن أن يؤاخذ به قريبه، أو من يقدر على الانتصاف منه من قومه. # ولا شك أن مؤاخذة الغير القريب والقادر على الانتصاف من المذنب أخف، هذا ~~معنى قول "ناظم العمل": (إلا إذا سدت به الذريعة ... إلخ) 3 وإن كان ~~"شارحه" 4 أدار الاحتمال بين أن يحمل على مؤاخذة القريب، أو على مؤاخذة من ~~يقدر على الانتصاف منه، والصواب: التعميم، لأن سد الذريعة موجود فيهما، ومع ~~ذلك لم يقيده شارحه المذكور: بكون المؤاخذ لا يحمي المذنب ولو بجاهه- على ~~ما مر بيانه- مع أنه لا بد من ذلك التقييد، وإلا فهو القسم الثالث، لأن ~~مؤاخذته حينئذ ليست من سد الذريعة في شيء، بل PageV01P138 # المؤاخذ حينئذ لأجل إعانته إياه، وتعصيبه عليه ولو بجاهه، وهو الوجود في ~~قبائل الزمان- كما تقدم مبسوطا- وشاهد ذلك ما تقدم في الحديث الكريم 1، وما ~~تقدم 2 عن "ابن القاسم" و "أشهب". # وبتأمل هذه الأقسام المذكورة في هذا الفصل، نعلم: أنه لا ms015 معارضة بين ~~الحديث والآية 3 المذكورين، وهذا هو الذي حمل "ابن فرحون"، و"ابن العربي" ~~وغيرهما، على الاحتجاج بالحديث الكريم، (إذ) 4 ما كان يخفى على مثل "ابن ~~فرحون"، ومن معه المعارضة المذكورة 5 - لو كانت-. # وهذه الأقسام الثلاثة التي قسمناها في المؤاخذة بذنب الغير، لم أقف عليها ~~منصوصة هكذا، ولكنها ظاهرة من النصوص والدلائل المتقدمة، والله أعلم. ### | [تنبيهان!] # الأول: ما تقدم من أن "الكفاف" لا يكون في الدماء والحدود، معناه: أنه لا ~~يقتل ولا يحد قريب القاتل، أو يقطع ونحو ذلك، ولا يقتل أو يقطع أيضا من ~~يقدر على الإنتصاف منه. [10/ب] # وأما إذا أراد الحاكم ونحوه أن يأخذ القريب المذكور، أو من قدر على ~~الانتصاف منه، بمال يدفعه لأولياء المقتول أو المقطوع مثلا برضاهما، لأنه ~~في الوقت غاية المقدور، ولو أخر ذلك لوقت آخر لضاع ذلك وتعذر الإنتصاف، فلا ~~إشكال في الجواز، لأن الحدود حينئذ برضي أولياء المقتول والمقطوع رجعت ~~مالا، فكأن القاتل المذكور والقاطع تعصب لأولياء المقطوع على مال، فيؤخذ ~~المال من قريبه أو ممن يقدر على الانتصاف منه ارتكتابا لأخف الضررين- كما ~~مر-. PageV01P139 # ولا يقال: (القودعين) 1 على مذهب "ابن القاسم". # لأنا نقول: (القودعين، إذا مكن القاتل والقاطع من نفسه، وقال: اقتلوني ~~واقطعوني، ولا أدفع دية). # وأين التمكين في صورتنا؟ بل هو ممتنع بنفسه غير منقاد لما يجب عليه من ~~القود، فكان الخيار للأولياء، وهذا في مسألة: سد الذريعة، التي هي القسم ~~الثاني 2 من الأقسام الثلاثة. # وأما مسألة القسم الثالث التي هي: مسألة التعصب والحمية ولو بالجاه، فإن ~~المتعصب والمباشر سواء في القتل والقطع- (كما مر) -3. # الثاني: إذا طلب مريد الكفاف من المؤاخذ بالملد 4 (أ) 5 والغاصب ونحوهما، ~~ضامنا بوجهه حتى يثبت حقه على الملد والغاصب، فلا إشكال أنه يجاب أيضا، ~~وكذا لو طلب ضامنا إلى أن يأتي الملد أو الغاصب فيقر أو ينكر، لأن الغرض أن ~~المؤاخذ به يقدر على الانتصاف منه، كما هي عادة القبائل، فإذا لم يأت به ~~ليقر أو ينكر أخذ الحق منه، ms016 لأن الملد أو الغاصب ينزلان حينئذ منزلة من ~~امتنع من الجواب وإقرار أو إنكار، فيؤخذ الحق من هذا الذي يقدر على ~~الانتصاف منه إرتكتابا لأخف الضررين، أو يؤخذ الحق من قريبه الذي ينكف 6 ~~الظالم عن ظلمه بمؤاخذته. [11/أ] # وانظر لو أتى المؤاخذ به بإثبات إنكاره، وعجز مريد الكفاف عن إثبات حقه ~~على الملد، وطلب أن تكون يمينه بمحضره في البلد التي تنالها الأحكام. ~~PageV01P140 # والظاهر: أن 1 يسجن المؤاخذ به حتى يغرم المال، أو يأتي بالظالم ليحلف ~~للطالب، لأن "سد الذريعة" شامل لذلك كله، وسيأتي في الفصل السادس: أن ~~الظالم أحق بالحمل عليه. # وهذا: إذا ثبت أن المؤاخذ المذكور قريب للظالم، أو هو ممن يقدر على ~~الانتصاف منه، أو علم ذلك بالقرائن القطعية، وإلا فلا يؤاخذ به. # وهذا كله- أيضا- في مسألة: القسم الثاني لا في القسم الثالث، لأنه متسبب ~~ولو بجاهه- كما مر-، فهذا 2 ضامن كالمباشر إذ لا ذريعة في هذا القسم- كما ~~مر-. # ولا شك: أن غير المباشر فيه يؤاخذ 3 بذنب المباشر وبالضامن وبغيره، مما ~~ينجز 4 إليه الأمر- كما تقدم- ولا تنفعه الوثيقة التي يكتبها بالتبرىء ~~منهم، وعدم مخالطهم، وعدم إيوائهم إليه، لأنه مأمور بهجرانهم وبالخروج من ~~بينهم- كما مر-. # اللهم: إلا إذا كان الفساد في أفراد مخصوصين معروفين بأعيانهم، يفعلون ~~المعاصي والمناكر، ويفرون لرؤوس الجبال، ولا يأوون إلى قرابتهم وقبيلتهم، ~~وهم مجتهدون في تحصيلهم، وشهد لهم بذلك الثقات من الناس، فلا يؤاخذون بهم ~~حينئذ. # وهذا نادر في قبائل الزمان، والغالب منهم خلاف ذلك، والحمل على الغالب ~~مشروع واجب، ولهذا إذا زعم رؤساء هؤلاء القبائل، ومن له أدنى رأي منهم: ~~أنهم لا يتعصبون على فسادهم وأهل المناكر منهم، وأنهم لا يأوون إليهم، ولا ~~يجالسونهم، ولا يحمونهم، فإنهم لا يصدقون، لأن ذلك خلاف غالب عوائدهم ~~"والأحكام تدور مع الغالب وجودا وعدما" فيؤاخذون حينئذ بفسادهم، ويضمنون ما ~~أتلفوه، والله أعلم. [11/ب] PageV01P141 # ### | الفصل الرابع # فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحل لنا # أن نمكنهم (بوجه) 1 من تناوله #  قال في "المدونة" ms017 2: (قال "مالك": ~~لا يباع من الحربي سلاح، ولا كراع - أي: الخيل- ولا سروح، ولا نحاس، ولا ~~خرثي" 3 4. # قال "ابن حبيب" 5: (وسواء كانوا في هدنة، أو غيرها 6، ولا يجوز بيع ~~الطعام منهم في غير الهدنة) 7. PageV01P142 # (ومنعه "ابن القاسم": مطلقا، في هدنة أو غيرها 1، وهو المذهب كما في ~~"المعيار") 2. # وترجيح بعضهم قول "ابن حبيب": بجواز بيع الطعام منهم في الهدنة، ووقت ~~الرخاء، خلاف المذهب. # وكلام "زعيم الفقهاء" في "المقدمات" 3، موافق لما تقدم أنه المذهب، لأنه ~~قال: (إنما يباع لهم من العروض 4 ما لا يتقوون به في الحروب 5، ولا يرهب في ~~PageV01P143 # القتال، ومن الكسوة 1 ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا ~~يتقوت به مثل الزيت والملح 2، وما أشبه ذلك) 3 اه. # فانظر إلى قوله: (ما لا يتقوت به ### | .... # إلخ). # وقال "اللخمي" 4: (لا يباع منهم النحاس، والحديد، والأدم- أي: الجلود- ~~والحمير، والبغال، والزيت، والقطران 5، والشمع، واللحم، والسر وج، ~~والمهاميز. # قال: وأما الحرير، والصوف، والكتان، فالأمر فيه خفيف) اه. # وهذا نص في منع بيع الشمع منهم 6، لأنه يصنع (به) 7 المراكب، وكذلك 8 ~~الجلود لأنها من آلات الحرب. PageV01P144 # قال الإمام "أبو القاسم 1 بن خجو"- حسبما نقلوا عنه في حواشي "المختصر" 2 ~~- ما نصه: (بيع الجلود من الحربيين حرام، ولا يقع ذلك من سليم الإيمان، لأن ~~الجلد يصنع منه آلات الحرب، ومن سمح بشيء من آلات الحرب، فقد نبذ الإسلام ~~وراء ظهره، وكان للكافرين ظهيرا) اه. # وهذا صريح في منع بيع البقر ونحوها منهم، لأنها تعقر 3 ويصنع بجلودها ما ~~ذكر. # وقال "سحنون" 4: (من أهدى للحربيين سلاحا فقد أشرك في دماء المسلمين، ~~وكذا بيعه ذلك منهم) 5 اه. PageV01P145 # وقال "الحسن" 1: (من حمل الطعام إليهم فهو فاسق، ومن باع [12/أ] السلاح ~~منهم 2 فليس بمؤمن) 3 اه. # وقد تقدم- في الفصل الأول- أن الشيخ "ميارة"، ومن معه أفتوا: (يقتل من ~~باع وصيفا مسلما لهم، حيث كان لا ينفك عن إدخال الضرر على المسلمين إلا ~~به). # وكذا أفتى الإمام سيدي "يحى السراج" 4: (بقتل من يبيع المسلمين الأحرار ms018 ~~وأودلاهم للعدو) اه. # ووجهه ظاهر لأنه أعظم مفسدة من الجاسوس، لأن الجاسوس ينقل 5 الأخبار ~~للعدو، وهذا ملكه رقاب المسلمين. # ثم ما تقدم من منع بيع البقر والجلود والحديد، أنه 6 إذا لم يعرض ~~للمسلمين PageV01P146 # حاجة إلى آلة الحروب، كاحتياجهم إلى الأنفاض 1 مثلا، والبنب، والكور 2، ~~ونحو ذلك، مما تأكدت حاجتهم إليه لدفع العدو الذي زاحمهم في الجيش. # وإلا بأن تأكدت الحاجة إلى شيء من ذلك، فإنه تراعى حينئذ المصلحة العامة- ~~لأنه إذا تعارض ضرران إرتكب أخفهما- فيجتهد في المصلحة حينئذ، فإن كان ما ~~طلبوه من البقر والجلود والحديد ليس فيه كبير تقوية لهم، ولا توهين ~~للمسلمين لقلتها بالنسبة لحال المسلمين، ولحال ما يؤخذ منهم من الأنفاض ~~ونحوها، جاز حينئذ شراء الأنفاض والبنب ونحوها، بالبقر والجلود، دفعا لأثقل ~~الضررين بأيسرهما. # وقد قال في "التوضيح" 3 - بعد: أن ذكر الخلاف في جواز مفاداة الأسارى ~~بالخيل وعدم جوازها 4 - ما نصه: (وسبب الخلاف تعارض مفسدتين، إحداهما: ~~إعانة الكافر بآلة الحرب، والثانية: بقاء (الأسارى) في أيديهم، وينبغي على ~~هذا أن يتبع في ذلك (المصلحة) الراجحة) 5 اه. # ونقله عنه غير واحد مسلما. PageV01P147 # وكذا 1 إن اشترى السلاح بالسلاح، ففي المواق 2 عن ابن سراج 3: (في الحربي ~~ينزل بأمان ومعه سلاح يريد أن يبيعه، فيجوز شراءه وإبداله بمثله أو دونه) 4 ~~اه. # وأما بيع آلات الحرب، من سلاح ونحوه للعدو لاحتياج [12/ ب] المسلمين إلى ~~القوت لشدة الغلاء عندهم: فإنهم يجوزوه بحال. # وقد سئل الإمام "الشاطبي" 5 - مفتي غرناطة 6 رحمه الله-: عن بيع بعض ما ~~PageV01P148 # لا يجوز بيعه من العدو، من سلاح وطعام، هل يرخص لجزيرة أهل الأندلس في ~~معاملتهم النصارى به لحاجة المسلمين، لأن بلاد النصارى أحدقت 1 بهم من كل ~~جانب، إلا بعض جهات المسلمين بعيدة منهم، لأنها من وراء البحر، والحاجة ~~تدعوهم للبيع والشراء بذلك؟. # فأجاب: (بأن الحكم الذي هو بيع آلة الحرب منهم: عام في أهل الجزيرة ~~وغيرها، فلا يرخص لهم في ذلك، ونصوص الأئمة القاضية بذلك كثيرة) 2 اه. # وقد أفتى ms019 الإمام "المازري"- رحمه الله-: (بعدم جواز دخول المسلمين لأرض ~~الكفار لجلب الأقوات، وإن اشتد الغلاء بهم، حيث كانت أحكام الكفار تجري على ~~الداخلين إليهم من المسلمين. # قال: لأن حرمة المسلم لا تهتك 3 بالحاجة إلى الطعام، فإن الله سبحانه ~~يغنيه من فضله، إن شاء) اه، باختصار كثير. PageV01P149 # ففيه تقوية لفتوى "الشاطبي" المتقدمة، لأنه إذا كانت حرمة المسلم لا تهتك ~~بجري أحكام الكفار عليها لجلب الأقوات، فأحرى بيع السلاح منهم لتحصيل ~~الأقوات، لأن في بيعها إعانة لهم على جميع المسلمين- كما مر عن "سحنون" ~~وغيره- وإنتهاك لحرمتهم، بل ولأخذ أموالهم ودينهم، والله أعلم!. # PageV01P150 # ### | الفصل الخامس # في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف # في القديم والحال #  اعلم! أن ما وقع من الخلاف بين ~~الأئمة في جواز العقوبة والتعزير بالمال شهير، لا يخفى أمره على من له أدنى ~~مسيس بالفقه. # وقد ذكر "الزرقاني" وغيره: الخلاف في ذلك بين الأئمة في القديم، عند قول ~~"خليل": (وعزر الإمام لمعصية الله) 1. PageV01P151 # وسيأتي: أنه قول "للشافعي" في القديم. # قال "الجزولي" 1 - على قول الرسالة 2، عن "عمر بن عبد العزيز" (تحدث ~~للناس أقضية [بقدر ما أحدثوا من الفجور] 3 - ما نصه: [13/أ] # وبقول عمر هذا: يستدل أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا: أن من سل سيفه ~~فضرب به يلزمه كذا، أو من وضع يده عليه ولم يسله يلزمه كذا، ومن لطم شخصا ~~يلزمه كذا، أو من شتم يلزمه كذا، وكل ذلك بدعة) اه. # ولما نقله الشيخ "ميارة" قال عقبه: (ما استدل به أشياخ السوء، لا شك في ~~صحته، لأن إغرام أهل الجنايات المال لزجرهم وردعهم عما هم عليه من باب ~~العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها. # وقد أفتى الشيخ أبو القاسم "البرزلي": بجوازها، واستدل عليه بوجوه، وأملي ~~في ذلك جزءا. # ورد عليه- ما ذهب إليه من جوازها- عصريه الشيخ "أبو العباس الشماع" 4، ~~PageV01P152 # وألف عليه تأليفا، ونقض كل ما عقده البرزلي 1. # ثم قال 2: إلا أن كلام البرزلي، ومن رد عليه هو- والله أعلم- مفروض مع ~~وجود الإمام وتمكنه من إقامة الحدود وإجرائها ms020 على مقتضاها، ولا شك أن ~~العدول 3 عنها إلى غيرها حينئذ تبديل للأحكام، وحكم بغير ما أنزل الله. # وأما مع عدم الإمام، أو عدم التمكن من إقامة الحدود وإجرائها على أصلها: ~~فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال وعدم الزجر، وترك القوي يأكل الضعيف. # فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران، ~~وهدم البنيان. # بل إذا تعذرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، (و) 4 كانت الاستطاعة ~~تبلغ إلى إيقاع تعزيز يزدجر به: تنزلت أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات، ~~فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير. # وليس المراد أن الحد يسقط بذلك، ولكن (غاية ذلك) 3 ما تصله الاستطاعة في ~~الوقت دفعا للمفسدة ما أمكن، فإن أمكن بعد ذلك إقامة الحد أقيم إن اقتضت ~~الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) 6 اه. [13/ب] كلامه باختصار. ~~PageV01P153 # ونحوه للشيخ التاودي 1، والشيخ سيدى العربي الفاسى 2 قائلا: المشاهد في ~~الوقت أن القبائل بعيدة عن تنفيد الزواجر فيها، ونهيهم دون زاجر لا يؤثر، ~~فالعقوبة بالمال، وإن كانت ممنوعة، لكنها في هذا الزمان محل الضرورة، لأن ~~الواقع بالمشاهدة الآن أن القبائل التي لا تنالها الأحكام لا تمكن فيها ~~العقوبة في الأبدان، لأنهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم، ووقع القطع بأن ~~إرادة تنفيذ ذلك موقع فيما هو أدهى وأمر من الفتن، فصار فعلها عام المصلحة، ~~كما أن تركها عام المفسدة) 3. # قال: (وقد وقفت على جواب "لأبي جعفر الداودى" 4 أفتى فيه: بجوازها، ~~PageV01P154 # وكان زمانه زمان هرج 1 وفتن) 2 اه كلام سيدى العربي باختصار. # ثم قال الشيخ "ميارة"- إثر ما مر عنه-: (وقد يشهد للعقوبة بالمال حديث ~~التنفيل 3، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وجدتموه يصيد في حرم ~~المدينة فخذوا سلبه" 4. # قال عياض 5: "لم يأخذ به من أئمة الفتوى إلا الشافعي في قول له قديم، ~~وخالفه أئمة الأمصار" 6. PageV01P155 # قال النووي 1: "وقال به: سعد بن أبي وقاص 2، وجماعة من الصحابة" 3، ولا ~~يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار، إذا كانت السنة معه، وهذا القول هو ms021 ~~المختار لصحة الحديث، وعمل الصحابة على وفقه) اه. # قال 4: (فقف على قول النووي: ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار إذا ~~كانت السنة معه، وعلى قوله: وهذا القول هو المختار) اه. # وتعقبه الشيخ التاودي بقوله: (لا شاهد لهم، أي: للنووي ومن معه في الحديث ~~المذكور، لأنه في حق من صاد في الحرم، فبعيد أن تقول به في غيره، كمن رعى ~~حيث لا يجوز له، أو قطع شجرا مملوكا، فلا يؤخذ سلبه، وإنما عليه قيمة ما ~~أتلفه) 5 اه. # قلت: يرد هذا التعقب بأن: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "فخذوا [14/أ] ~~سلبه " أي: فعاقبوه بأخذ ماله على معصيته التي ارتكتبها. # فإن تمحض 6 الحق لله- كالصيد في الحرم، وعدم التناهي عن المنكر، ~~PageV01P156 # وإخراج الصلاة عن وقتها مثلا مع قضائها في غير وقتها، والأكل في رمضان ~~نهارا - فإنما يؤخذ سلبه أي: ماله فقط. # وإن كان الحق لله ولآدمي: فيؤخذ ماله لحق الله، ويغرم بعد ذلك حق الآدمي، ~~إذ ما من حق لآدمى إلا وفيه حق لله الذي هو: إثم الجرأة والإقدام. # والحديث الكريم علق أخذ السلب على معصية الله، كان معها حق لآدمي أم لا، ~~ويدلك لهذا ما قالوه في الغاصب والمتعدي ونحوهما، من أنهما يؤدبان لحق ~~الله، ويغرمان ما أتلفاه. # [قال] خليل: في الغصب- (وأدب مميز- ثم قال- وضمن بالاستيلاء) 1. # ومن ذلك أيضا ما قاله في "المتيطية" 2 وغيرها: (من أن الصواب للحاكم متى ~~علم بلدد 3 المطلوب واستخفافه أن يؤدبه، ويبيح للعون 4 الذي مضى أثره أخذ ~~PageV01P157 # أجرته منه) 1. # ولا يخفى أن الملد تسبب بلدده في إتلاف أجرة العون على خصمه فوجب غرمها ~~عليه، ولزمه مع ذلك الأدب لاقتحامه معصية الله تعالى بلدده، لأنه ظالم كما ~~ترى. # إلا أن الشافعي في ذلك القول القديم: يجعل محل الأدب غرم المال للحديث ~~المتقدم، وهو ما اختاره النووي، وبهذا يتم استشهادهم بالحديث الكريم على ~~العقوبة بالمال، فالحجة به قائمة على منكر جوازها، وبه يرد ما حكاه ابن ~~رشد: من الاجماع على نسخ جوازها، لأنه قال في غير ما ms022 موضع من "بيانه": ~~(أنها أي: في العقوبة بالمال منسوخة بإجماع) 2. # ورده ابن قيم الجوزية 3 بقوله: (من قال: أن العقوبة بالمال منسوخة، فقد ~~PageV01P158 # غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا، وفعل الخلفاء الراشدين وأكتابر ~~الصحابة لها بعد موته - صلى الله عليه وسلم - مبطل لدعوى نسخها) 1 اه. ~~[14/ب] # قال الحافظ الونشريسي: (ومسائل الكفارات، وفتوى ابن العطار 2، بجعل أجرة ~~العون على المطلوب شاهدة لابن قيم الجوزية على ابن رشد) 3 اه. # أي: فابن رشد وإن حكى الاجماع على النسخ- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ- ~~لكن مسائل الكفارات التي هي قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم ... إلى قوله: ليذوق وبال أمره} 4، وقوله تعالى: {والذين ~~يظاهرون ... الآية} 5، وأجرة العون 6،- لأنه لا زال الحكم بها إلى ~~PageV01P159 # الآن- تقدح في الاجماع. # قلت: وكذا يشهد لابن قيم الجوزية: الحديث المتقدم وقول الشافعي به، ~~وترجيح النووي له. # فتبين بهذا: ان حكاية الاجماع على النسخ لا تتم، وإن كان ناظم العمل تبع ~~ابن رشد، حيث قال: # (ولم تجز عقوبة بالمال ### | … # أو فيه عن قول من الأقوال # لأنها منسوخة ... إلى قوله: فنسخها مضى 1 عليه الاجماع) 2. # لأن "شارحه" القاضي العدل "أبو القاسم العميري" 3 - تعقب عليه متابعة ابن ~~رشد- قائلا: (ما أفتى به البرزلي: مال إليه الفقيه أبو القاسم بن خجو، وابن ~~(العقدة) 4 الأغصاوي 5، وكتبا بذلك إلى السلطان: مولاي "محمد بن سيدي ~~PageV01P160 # محمد الشريف السوسي الدرعي"- وهو نازل بوادي سبوا 1 قبل أخذه لفاس- ~~وتكلما 2 بكلام طويل، حاصله: أنهما راضيان بفتوى البرزلي. # وقد اتسع ففي القول بها: الفقيه موسى بن علي (الوزاني) 3، وكتب فيها، إلى ~~أن قال: والذي أخاطب به نفسي، وألتزم الحظ عليه- إلى حلول رمسي 4 - إن ~~أقول: أن فتوى "البرزلي": بجواز العقوبة بالمال ثابتة أي اثبات، فشد يدك ~~عليها!. # فجميع من له يد من القواد والولاة، على إقامة الحدود البدنية لمن وجبت ~~عليه، فإن تعذر ذلك فعلى العقوبة المالية) 5 [16/أ]. # ثم قال القاضي 6 المذكور: (- ولذلك قلت مخاطبا للناظم 7 على ما حكى ms023 من ~~الاجماع مع وجود من يخالفه- ما نصه: PageV01P161 # قلت: على النسخ حكيت الاجماع ### | … # ما القول في مخالفة ابن الشماع # وتبع البرزلي ابن العقدة ### | … # مع ابن خجو خلافا قد عقده # وأوضح القول بها الوزاني ### | … # موسى مما أعشى عن الأوزاني # وفي جواب العربي الفاسي ### | … # كلام قد جل عن القياس # مثل الذي لابن ميارة الودود ### | … # جوازه عند تعذر الحدود # وقبلهم قال به ابن عرفة ### | … # وغيره يعرفه من عرفه # والنووي قال هو المختار ### | … # أتى به الحديث والآثار # وهو قول الشافعي في القديم ### | … # فالخلف جار في الحديث والقديم # اه كلام العميري 1. # وحاصل اعتراضه، أنه لو صح الاجماع الذي حكاه "ابن رشد"، وتبعه "الناظم ~~للعمل"، ما وسع هؤلاء (الفقهاء المتقدمين مخالفته، إذ لا يخفى على مثلهم ~~ذلك الإجماع لو صح، لممارستهم مطالعة كتاب: "البيان" لابن رشد، وغيره، وقد ~~تبين أن هؤلاء الشيوخ كلهم: على جوازها مع تعذر إجراء الأحكام على مقتضاها، ~~خلافا لإطلاق ناظم العمل، تبعا لغيره. # وقد تحصل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدا معلوما -كالزنى، والسرقة، ~~والحرابة، والقذف، ونحوها- لا تجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقا، لما فيه من ~~تبديل الحدود المعينة من الشارع سبحانه، لقوله- تعالى: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} 2 ... PageV01P162 # (الظالمون} 1 ... {الفاسقون} 2. # اللهم!: إلا أن يتعذر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، إرتكتابا لأخف ~~الضررين، ودفعا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحد إن زال العذر ~~[15/ب] على ما مر عن هؤلاء الشيوخ. # وأما ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد- كما مر في الفصل الثاني-: # فقيل: (يعاقب بالمال مطلقا، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال: ~~"الشافعي"، واختاره "النووي"، و"ابن قيم الجوزية"). # وقيل: (لا يعاقب به مطلقا، وهو ما "لابن رشد" ومن معه). # وقيل: (لا يعاقب به- أيضا- إلا مع التعذر- أيضا- وهو ظاهر (إطلاق هؤلاء ~~الشيوخ المتأخرين). # فشد يدك على هذا التحصيل، فقد زلت هنا أقدام، وسأزيدك في الفصل الذي يليه ~~بيانا يجب عليه التعويل، والله أعلم. انتهى. PageV01P163 # ### | الفصل السادس # 1 # في زيادة تحقيق بعض ما تقدم، وكيفية # إجرائه على المنصوص ms024 المسلم #  فقد علمت- مما مر- أنه إذا زنا ~~شخص، أو سرق، أو حارب مثلا، وثبت ذلك بما لا مطعن 2 له فيه، وظفر به ~~الإمام، فلا يسجن لإعطاء المال بل ليقام الحد عليه، ولا عذر لهم في كونه ~~يتعذر حده، لأنه لا تعذر بعد الظفر بعينه، لأن من سجن لاعطاء المال يمكن ~~إقامة الحد عليه قطعا، وإقامته متعبد بها يثاب مقيمها على إقامتها الثواب ~~الجزيل الذي لا حد له، لأنه قد نفذ أوامر الله في عباده، ولا فرق في ذلك ~~بين الشريف والمشروف، وبين ذي الوجاهة 3 والضعيف. # ومن سجن الزناة والقاذفين (وقاتلي) 4 الغيلة 5 مثلا، وذوي الحرابة ~~والسراق، لأخذ الأموال بعد ثبوت ذلك عليهم بموجبه ثم سرحهم 6: فقد بدل ~~الأحكام الشرعية، ومن بدلها دخل في قوله- تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله، PageV01P164 # فأولئك هم الكافرون}. # ولا يسع البرزلي، ومن معه، أن يقولوا: بمثل هذا التبديل المذكور، وحاشاهم ~~أن يقولوه! [16/أ] # وإنما معنى كلامهم: أن الزاني أو المحارب ونحوه، لم يظفر بعينه لفراره، ~~أو تعصبه ونحو ذلك، وإنما ظفر الإمام بماله: فإنه يعاقب بأخذه حتى يظفر به، ~~فيقام الحد عليه إن لم يحدث ما يسقطه، كالتوبة للمحارب قبل القدرة عليه ~~ونحو ذلك، كما مر. # وجلالتهم تصونهم عما توهم فيهم، كيف: وقد علم من الدين ضرورة: أن من بدل ~~ما شرعه الله، أو أحل ما حرم الله فهو كافر، وأن إقامة حدود الله واجبة من ~~غير فرق بين وضيع أو شريف!. # وفي الصحيح: أنه قال- عليه الصلاة والسلام-: "إنما هلك من كان قبلكم، ~~لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وأيم ~~الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" 1 اه. PageV01P165 # ولهذا قلنا في التحصيل المتقدم- آنفا-: أن ما شرع الله فيه حدا معلوما لا ~~يعدل عنه إلى المال إتفاقا بل إجماعا، إلا مع التعذر، ولا يسقط الحد إن زال ~~العذر فتنبه لما ذكر!: فقد زلت هنا أقدام، فيفتون بالمال مطلقا، ويحتجون ~~بما للبرزلي ومن معه، ms025 وهم قد دخلوا بسبب ذلك في الكفر بنص التنزيل، فقد ~~ضلوا وأضلوا، نسأل الله السلامة من حمل كلام الأئمة على غير وجهه!. # وقد تقدم- في الفصل الثالث-: أن حامي الغاصب أو المحارب ونحوهما- ولو ~~بجاهه- كهو، فيجرى على حكمه، فيعاقب بالمال إن لم يظفر الإمام بعينه، ثم إن ~~ظفر به حكم عليه بما شرع الله فيه. # وقد نقل البرزلي- في نوازله- 1: (أن سراق "المغرب" اليوم كلهم لصوص، تجري ~~عليهم أحكام الحرابة من القتل، أو القطع من خلاف أو النفي، لا أحكام ~~السرقة، لأنهم يجعلون أحد السراق عند رأس صاحب المنزل في الحاضرة أو ~~البادية، متى رآه تحرك ضربه أو هدده، وكذا سراق البوادي يجعلون واحدا يخرج ~~الحيوان [16/ب] والمتاع، والباقون واقفون بالسلاح يمنعون يقدم عليه) 2. # قال- أي البرزلي-: (والحكم فيهم: أنهم إذا أخذوا بعد أن قتل أحدهم رب ~~المنزل قتلوا جميعا، وإن لم يقتلوا أحدا: أجريت عليهم أحكام المحارب من ~~النفي والقطع من خلاف، أو القتل والصلب. PageV01P166 # وإذا أخذوا واحدا 1 منهم فقط: (كان ضامنا لجميع ما أخذوه) 2 اه. باختصار. # وقال الشيخ "ميارة"- في بعض فتاويه- ما نصه: (وقد آل بنا الحال في بعض ~~الأوقات إلى أن يتبع المسافرين بعض مردة أهل البلد إلى الأجنة ونحوها مما ~~قرب من البلاد، فيسفكون دمائهم، وينهبون أموالهم، ويرجعون إلى البلد ~~بالأمتعة جهارا، فلا ينتقم منهم، ولا يستفتى عن حكمهم، بل وإلى ما هو أعظم ~~من هذا: من القتل صبرا، ونهب الأموال من الدور والحوانيت بلا ذنب، ولا سبب، ~~ثم يكتسب فاعل ذلك التعظيم والاحترام، فضلا عن عدم النكير عليه، والضرب على ~~يده، فإنا لله وإنا إليه راجعونه) 3 اه كلام ميارة. # قلت: ولا شك في حرابة من وجدت منه 4 هذه الأوصاف، وجريان أحكام الحرابة ~~عليه، حيث ثبت ذلك عليه. # وأما إن لم يثبت- وهو الغالب- لعدم وجود من يشهد على من اكتسب التعظيم ~~والاحترام بالتمرد والعصيان- كما هو مشاهد بالعيان-: فإنه ينكل بالضرب، ~~وطول السجن بقدر (قوة) 5 تهمته- كما تقدم عن "التبصرة" وغيرها في الفصل ~~الأول - ولا (أقل) 6 من أن ينفى ms026 من البلد مؤاخذة له بالأيسر، وردعا ~~PageV01P167 # لأمثاله، وإن لم يظفر الإمام بعينه فإنه يعاقب بالمال، كما مر تفصيله. # وأما إذا غصب شخص مالا لآخر، أو أتلفه بغرق أو حرق، ونحو ذلك تعديا 1: ~~فإنه يغرم ما غصبه وما أتلفه لربه، ولو بجاهه، كما تقدم في الفصل الثالث. ~~[17/أ] # فإن أراد الحاكم أن يغرمه بعد ذلك مالا بدل ما لزمه من الأدب على جرئته، ~~وتلبسه بمعصيته، أو تمحضت معصية الله كالصيد في الحرم، والشتم بغير قذف، أو ~~بقذف، وعفا عنه المقذوف- إذ ما من حق لآدمى إلا وفيه حق الله- وككتمان ~~الجواسيس، والغصاب، والأكل في نهار رمضان، ونحو ذلك، فإنه يجري 2 على ما مر ~~من الخلاف المتقدم. # فيجوز: على ما للشافعي في قوله القديم، وعليه المتأخرون، حيث تعذر أدبه. # ولكن لم أقف على القدر الذي يعاقب به العاصي- على القول به- وظاهر ~~كلامهم: أنه باجتهاد الإمام، فيغرم كل واحد بقدر ما ينزجر به، وذلك يختلف ~~باختلاف عظم جريرته، وبحسب الشخص من تمرده على العصيان، وعدم تمرده، ولو ~~أدى ذلك إلى أخذ ماله كله، حيث كان لا ينفك إلا به. # فالعقوبة بالمال حينئذ منظور فيهما- أيضا-: إلى قوة تهمته، وكثرة تمرده. # أما ما يفعله بعض جهال العمال، والقواد اليوم، من مجاوزة الحد في ~~الإغرام، لكونهم لا ينظرون إلى ما تقدم، بل إلى كثرة مال صاحب المذنب ~~وقلته، ولا ينظرون إلى كون الذنب وقع منه فلتة 3، ولا إلى كونه متمردا على ~~العصيان أم لا، بل ويأخذون ما أتلفه الغاصب ونحوه، ولا يدفعون لربه شيئا، ~~أو يدفعون له الشيء القليل، فهو خرق للكتاب، والسنة، والاجماع. PageV01P168 # قال تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ... إلى قوله: ومن يفعل ذلك ~~(عدوانا وظلما) 1 فسوف نصليه نارا} 2، أي: لا تأكلوه بما لم تبحه الشريعة. # ولا شك أن الشريعة لم تبح لهم شيئا من ذلك، فأكل أموال الناس [17/ب] ~~بالباطل لاحق به الوعيد المتقدم، ولاحق به- أيضا- الوعيد في قوله تعالى: ~~{فإن لم تفعلوا، فأذنوا بحرب من الله ورسوله ... الآية} 3. # لأنه إذا كانت المحاربة لله ورسوله ms027 لاحقة لمن تعامل بالربا- مع كونه برضي ~~المتعاقدين في الجملة- فكيف يأخذه بغير رضي مالكه ظاهرا أو باطنا، بل على ~~وجه التعدي والظلم!. # وفي الصحيح عنه- عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "أتدرون من المفلس؟ ~~قالوا: المفلس: من لا دينار له ولا متاع، فقال: لا، بل المفلس من يأتي يوم ~~القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب، هذا، وأكل مال هذا، ~~وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، أخذ ~~من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم (يحبس) 4 في النار" 5. PageV01P169 # وفي الحديث الكريم- أيضا-: "أنه يوم القيامة يؤخذ للمظلوم بماله، من ~~حسنات ظالمه، عن كل دانق سبعون صلاة مقبولة" زاد بعض الحنفية: "في جماعة". # نقله "شراح " 1 المختصر 2 عند قوله في البيوع: (بأوزن منها بسدس سدس 3. # قالوا: (والدانق هو: سدس الدينار والدرهم) اه. # فانظروا:- أيدكم الله- في هذا الوعيد اللاحق لأكل أموال الناس بالباطل ما ~~أفضعه، وما أشبعه، حتى كان الدانق الذي هو: سدس الدرهم يؤدي بسبعين صلاة ~~مقبولة في جماعة!. # فعلى من له اليد القوية، أن يبادر إلى التغيير على من كانت يده سريعة ~~لأكل الأموال 4، أيا كان عاملا، أو غيره لئلا يكون راضيا بفعله. # وقد تقدمت النصوص- في الفصل الثاني-: "أن من رضي فعل قوم فهو منهم" ~~PageV01P170 # وقد علمت هناك: ما لحقه- (بسبب ذلك) - 1 من الهلاك والخسران، [قال ~~تعالى]: {إن اللة لا يغير ما بقوم حتى يغيروا [18/أ] ما بأنفسهم} 2 ... ~~{وما أصابكم من مصيبة (فبما) 3 كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} 4. # وأما إذا نهب مسافر أو سرق 5 بأرض قوم: فقد تقدم عن "التبصرة" في الفصل ~~الأول: (أن المتهم يكشف ويبالغ في كشفه بالضرب والسجن على قدر قوة تهمته). # وذكر ابن (سهل) 6: (أن الرجل إذا قبض بيده بعض المسروق، وقال: اشتريته من ~~السوق، فإنه ينظر فيه، فإن كان ممن يشار إليه بالسرقة سجن حتى يموت) 7 اه. # وقد علمت: أن قبائل الزمان كلهم متهمون، إذ غالب أحوالهم 8 النهب ~~PageV01P171 # والغصب- كما تقدم في الفصل الأول- والحمل على الغالب واجب، وعليه: فلا ms028 بد ~~حينئذ من كشف من وقع النهب ونحوه بأرضهم بالسجن وغيره، لأن الغالب أن ذلك ~~لا يخفى عليهم، إذ لا تجد أحدا ينهب الناس بأرض إلا وبعض أهل تلك الأرض ~~معهم، وأهل البلد لا يخفى عليهم ذلك. # والحمل على الغالب مشروع، وليس للحاكم أن يقول للمنهوب ونحوه: إنما لك ~~عليهم اليمين، لأن ذلك ذريعة- كما تقدم عن "التبصرة"- إلى إهمال ما أوجبه ~~الشرع باتفاق الأئمة الأربعة: من الكشف بالضرب والسجن، وذريعة إلى 1 زيادة ~~الفساد. # وأيضا: لا أقل أن يكون عقابهم وتضمينهم من باب سد الذريعة- الذي تقدم في ~~الفصل الثالث أنه مشروع- لأنهم إذا غرموا حملهم ذلك على حفظ طرقاتهم 2، ~~والمارين بأرضهم، وعدم كتمان غصابهم، والتعصب عليهم- كما تقدم-. # فإرسال من وقع النهب بأرضهم مع المنهوب للقاضي يحكم بينهم، من زيادة ~~الفساد قطعا، وإهمال سد الذريعة، ليس بالأمر الهين، إذ فيه إعانة الظالم ~~على ظلمه، لأن" غاية 3 ما يفعله القاضي: أن يكلف المنهوب بالبينة، وأين هذه ~~البينة؟، وعلى فرض وجودها، فلا تكون إلا من أهل ذلك البلد، وهم على ما هم ~~عليه من الحمية 4، والعصبية، وقوة التهمة، فكيف يشهدون! مع كونه نهب ~~بأرضهم، بل (من) 5 شهد منهم عاقبوه، وخشي على نفسه منهم، لأنهم مكتسبون ~~بغصبهم التعظيم والاحترام [18/ب]- كما مر-!. # ومن أجل إهمال هذا الباب: استولى الكفر، وغلب الظلم على الإسلام، ~~PageV01P172 # وسفكت دماء، وغصبت أموال لا يعلمها إلا الكبير المتعال. # حتى أن المسافر يسفك دمه في بعض الطرقات أو ينهب ماله، أو يأتي في جسده ~~بعض الجراحات- مما لا يفعله المرء بنفسه- (فيرسله) 1 العامل (أو) 2 القائد ~~مع من أخذ بأرضهم القاضي الوقت، فيستبشرون لأنهم يعلمون أن يردهم لليمين. # فكيف يهمل العامل المذكور- ما تقدم في الفصل الأول والثالث-: من وجوب ~~كشفهم بالضرب والسجن وإغرامهم، سدا للذريعة 3!. # قال "القرافي": (يمتاز نظر القاضي، ونظر والي الجرائم، بأمور منها: (أن) ~~4 والي الجرائم يسمع الدعوى على المتهوم، ويبالغ في 5 كشفه، بخلاف القاضي. # ومنها: أن يعجل يحبس المتهوم للاستبراء والكشف) 6. PageV01P173 # قال 1: (وقد ورد أن النبي - صلى الله ms029 عليه وسلم -: (وجد في بعض غزواته ~~رجلا، فاتهمه: بأنه جاسوس، فعاقبه، حتى أقر) 2. # فانظروا- أيدكم الله- كيف عاقبه- عليه الصلاة والسلام- بمجرد التهمة، ~~وأفعاله- عليه الصلاة والسلام- كلها للتشريع 3!. # قلت: ولذا قال في "التحفة" 4: PageV01P174 # (وان يكن مطالبا من يتهم ### | … # فمالك بالسجن والضرب حكم) 1 # قال 2: (ومنها: أنه يضرب المتهوم مع قوة التهمة، أو يحلفه بالطلاق ~~والعتاق وأيمان البيعة، بخلاف القاضي) 3. # قال: (ومنها: أن له أن يتوعد الجرم بالقتل، فيما لا يجب فيه قتل، لأنه ~~إرهاب لا تحقيق، ويجوز له أن يحقق وعيده بالأدب دون القتل، بخلاف القضاة، ~~فليس لهم ذلك) 4 اه باختصار. # ونقل ذلك ابن فرحون 5، وزاد: (أن بعض القضاة المالكية فعل ذلك). # فقد علمت: أن النصوص متواترة بكشف المتهوم، واحدا كان أو جماعة، [19/أ] ~~من القبائل أو غيرهم، ومع ذلك يضمنون في مثل من أخذ المسافر بأرضه سدا ~~للذريعة- كما مر في الفصل الثالث- لأنهم غرموا، احتاطوا 6 هم لصيانة ~~الطرقات المارة في أرضهم، واحتاط غيرهم ممن سمع ذلك كذلك. # وفي تضمين مثل هؤلاء يقول ناظم العمل: # (لوالد القتيل مع يمين ### | … # القول في الدعوى بلا تبين # إذا ادعى (دراهما) 7 وأنكرا ### | … # القاتلون ما ادعاه وطرا) 8 PageV01P175 # ولا مفهوم القتيل)، ولا (لدراهم)، بل المدار: على كون الدعوى على معروف ~~بالتهمة والظلم، كقبائل الزمان- التي 1 تقدم أنهم محمولون على التهمة ~~والفساد-، وأنه لا يمكن إجراء الأحكام على مقتضاها فيهم، سواء ادعى عليهم ~~بالدراهم والقتل، أو بالدراهم فقط، (أو) 2 بالعروض، أو بالحيوان 3، أو غير ~~ذلك، كما لشراحه 4. # قال ناظم العمل في "شرحه لنظمه"- ناقلا عن شيخه قاضي الجماعة: (أبي ~~القاسم بن أبي النعيم 5 - (ما نصه) 6: (الذي (جرت به الأحكام) 7 عندنا في ~~هذه النازلة ومثلها: أن القول قول والد القتيل مع يمينه، والظالم أحق أن ~~يحمل عليه، وإن كان المشهور خلافه، وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف ~~المشهور، ورجحها العلماء للمصالح العامة) 8 اه. PageV01P176 # ثم نقل نحوه: عن مشايخ فاس، ومراكش، وشفشاون 1، وغيرهم 2. # وظاهرهم: أن مستند العمل المذكور هو ما يأتي عن الرعيني 3، وأن المدعى ~~عليه حيث ms030 كان ممن يشار له 4 بذلك، فيقبل قول المدعي، وإن (لم) 5 يثبت ~~PageV01P177 # تلصصه (ولا) 1 تعديه باقرار (أو بينة) 2، كما يأتي عن عمر- رضي الله عنه- ~~وهو كذلك. # سئل الإمام "الحفار" 3 - حسبما في "المعيار"-: عن الدعوى على المعروف، ~~بالظلم يعني: كقبائل الزمان؟ [19/ب] # فقال: (إن من عرف بالتعدي والظلم، قال الفقهاء: (ينغلب) 4 الحكم في حقه، ~~فمن ادعى على من هذه حالته 5، فيحلف هذا الطالب، ويستحق ما طلب) 6 اه. # ونقل الرعيني مثله عن مالك 7، وقال: (إن مثل هذا وقع في زمان عمر- ~~PageV01P178 # رضي الله عنه- في سراق دخلوا على شخص، وانتهبوا ماله، فرفعهم إلى عمر، ~~فأغرمهم عمر- رضي الله عنه- بمجرد دعواه عليهم، ونكلهم 1 عقوبة موجعة) 2 ~~اه. # فما جرى به العمل له 3 مستند صحيح، وقد تكفل شارحه بنقول كثيرة تشهد له ~~بل لو لم يكن في وجوب إغرامهم إلا سد الذرائع لكان كافيا، فضلا عن كونهم ~~متهمين- كقبائل الزمان ونحوهم- على أن تلك النقول كلها دائرة بين سد ~~الذريعة وبين قوة التهمة- على ما مر في الفصل الثالث- وذلك كله مراعاة ~~للمصلحة العامة. # وأما قول الرباطي 4 - في شرحه للعمل المذكور-: (لا بد من ثبوت التلصص 5 ~~والتعدي بإقرار أو ببينة) 6. # كما هي مسألة العتبية: (من أن الغاصب، اختطف صرة لم يعرف قدر ما فيها ~~بمعاينة البينة، أو بإقرار الغاصب، أن القول للمغصوب منه في قدر ما فيها) ~~7. PageV01P179 # فليست هي المقصودة بالعمل المذكور، وحمله عليها بعيد من ظاهره وإطلاقه، ~~ومن تعليلهم بالمصلحة العامة. # وما قاله أبو الحسن الزرويلي 1، وابن هلال 2: (من أن ما للرعيني، خلاف ~~الأصول 3 ... (إلخ) - لا يقدم في العمل المذكور. PageV01P180 # إذ ما قالاه: من مخالفته للأصول) إنما هو: جار على المشهور، وقد قالوا: ~~(كم من مسألة جرى فيها العمل بخلاف المشهور)، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي ~~الحسن، وابن هلال، كما هو ظاهر، والله أعلم. # (وأيضا 1 فإنه وإن كان الأصل عدم العداء والظلم، لكن لما كثر كل منهما في ~~هذا الزمان وغلب، أجروا الأحكام على مقتضى الغالب، وحملوا الناس عليه، ms031 لئلا ~~تضيع الحقوق، لأن الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب، لقوله تعالى: ~~{وأمر بالعرف} 2 أي: احكم به. # ولذا قال أبو الحسن في "أجوبته" 3 - في مسألة: من رفع شخصا بحاكم جائر ~~فأغرمه مالا، يجب عليه، بعد أن حكى فيها قولين- ما نصه: (وهذا وقد كان ~~الحاكم يحكم بحق تارة، وبالباطل أخرى، وأما الآن فالحاكم لا يحكم إلا ~~بالباطل، PageV01P181 # فلا ينبغي أن يختلف في أنه يغرم ما خسره) 1، وسلمه ابن هلال. # فأنت تراه حمل الحكام على الظلم والتعدي، حيث غلب منهم ذلك، وأوجب على ~~الشاكي الغرامة وإن كان الأصل عدم العداء. # ونحوه: لسيدي مصباح 2 - حسبما في المعيار- حيث قال: (إذا تقرر العرف في ~~ولاة الظلم وأجنادهم، بغرم المال ممن أخذوه ظلما، كان القول للمأخوذ منه ~~فيما 3 ادعى أنه غرمه، وفي قدره، لأن العرف شاهد لمدعيه يقوم مقام الشاهد ~~الناطق) 4 باختصار. # وقبائل الزمان، ومردة حواضرهم كذلك، لما كثر منهم العداء وغلب، كان القول ~~للمنهوب والمغصوب، (و) 5 لكن فيما يشبه أن يملكه فقط. # وإذا تقرر هذا علمت: أن ما جرى به العمل، له مستند صحيح، وأصل أصيل فى ~~الشريعة، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، ولو كانت القبائل ~~في زمانهما على ما هم عليه، وقت جريان العمل المذكور ما وسعهما أن يقولا ~~بمخالفته للأصول، لاعترافهما بأن الحكم للغالب كما رأيت. # وبما تقدم عن التبصرة، والقرافي في الفصل الأول، وعن القرافي في هذا ~~الفصل: يتبين لكم- أيدكم الله! - عدم العمل على ما في "البيان" عن "مالك" ~~6. [20/أ] PageV01P182 # ونقله في التبصرة 1، فقيل له 2: (أيكره للسلطان أن يأخذ الناس بالتهمة ~~فيخلوا ببعضهم، ويقول له: الأمان عليك، فأخبرني: فيخبره؟. # فقال: إني- والله- لأكره ذلك، أن يقوله لهم، (ويغرهم) 3، وهو وجه ~~الخديعة). # قال "ابن رشد": (وجه الكراهة: أنه إذا قال له ذلك، فهو من نوع الإكراه ~~على الإخبار، ولعله يخبره بالباطل لينجو من عقابه، فإقراره على نفسه من باب ~~الإقرار تحت الوعيد، والتهديد لا يلزمه) 4 اه. # لأن هذا الذي كرهه الإمام مالك- في هذه الرواية- مخالف ms032 لما ورد: "أنه- ~~عليه الصلاة والسلام- لقى رجلا، فاتهمه: أنه جاسوس، فعاقبه، حتى أقر" كما ~~تقدم عن "القرافي". # ومخالف لما مر عنه 5 في كلام التحفة، حيث قال ناظمها: # (وإن يكن مطالبا من يتهم ### | … # فما لك بالسجن والضرب حكم # وحكموا بصحة الاقرار ### | … # من ذاعر 6 يحبس للاختبار) 7 # ومخالف لما مر عن القرافي، والتبصرة. # لأن ماكرهه الإمام- أي مالك-: هو من باب السياسة، والعمل بها PageV01P183 # مشروع، لكثرة الفساد وإنتشاره- كما مر- # ومن السياسة في استجلاب إقرار المتهم، ما ورد: أن عليا- رضي الله عنه- ~~شكى إليه شاب، بنفر من الناس، فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ~~ولم يعد أبي، فسألتهم عنه؟ فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك ~~شيئا- وكان معه مال كثير- فارتفعنا إلى القاضي، فاستحلفهم، وخلى سبيلهم. # فدعا علي- رضي الله عنه- بأعوانه: فوكل بكل رجل منهم رجلين، وأوصاهم 1 أن ~~لا يمكنوا بعضهم يدنوا من بعض، ولا يمكنون أحدا يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا ~~أحدهم، فقال له: أخبرني عن أبي هذا الفتى، في أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل ~~نزل معكم 3 وكيف كان سيركم 3 وبأي علة مات؟ وكيف أصيب لماله 2؟، وسأله: عمن ~~غسله، ودفنه؟ ومن تول الصلاة عليه؟ وأين دفن؟، والكاتب يكتب. # ثم كبر علي- رضي الله عنه- وكبر الحاضرون معه، والباقي من التهمين، لا ~~علم لهم، عن ماذا يسأل صاحبهم، وماذا يقول!، إلا أنهم ظنوا: أن صاحبهم قد ~~أقر عليهم، لكونهم ينظرون إليه، ولا يسمعون كلامه. # ثم دعا الآخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه، ثم سأله كما سأل صاحبه، ثم ~~غيبه، وطلب الآخر وسأله، والكاتب يكتب، كل ذلك حتى عرف ما عند الجميع، فوجد ~~كل واحد يخبر بضد ما أخبر به صاحبه، (ثم أمر برد الأول، وقال له: يا عدو ~~الله!: قد عرفت غدرك وكذبك مما سمعت من أصحابك، ولا ينجيك من العقوبة إلا ~~الصدق) 3 ثم أمر به إلى السجن، وكبر وكبر الحاضرون. # فلما أبصر الباقي من المتهمين حاله، لم يشكوا أن صاحبهم قد أقر عليهم، ثم ~~PageV01P184 # دعا آخر منهم: فهدده، ms033 فقال: والله- يا أمير المؤمنين- لقد كنت كارها لما ~~صنعوا، ثم دعا الجميع: فأقروا بالقصة، واستدعى الأول، وقيل له: لقد أقر ~~أصحابك، ولا ينجيك سوى الصدق، فأقر بما أقر به أصحابه، فأغرمهم المال، ~~واستقاد منهم بالقتل" 1 اه. # فتدبرا- أيدكم الله! - في هذه القصة، ففيها دليل- لما مر- أن والي ~~الجرائم لا يرفع المتهمين إلى القضاة،- كما مر عن القرافي- الا ترى كيف ~~استحلفهم القاضي- في هذه القصة- وأرسلهم، وتولى علي- رضي الله عنه- الفصل ~~بينهم، حتى استجلب إقرارهم!. # وفيها دليل لكون المتهم يهدد بالسجن وغيره، ويعرف عند استجلاب إقراره. # وفيها رد لما حكاه في "البيان" عن مالك: من الكراهة لذلك، كما مر. # وبتمام هذه الستة فصول، وإجراء الأحكام على ما اشتملت عليه من الأصول: ~~ينزجر الظالم الجسور، وبإهمالها: تهتك الستور ويستولي [21/أ] على الإسلام ~~العدو الكفور، وبتأملها يعلم حكم الله في الفريقين اللذين أشرتم لهما في ~~السؤال، والله أعلم. PageV01P185 # ### | الفصل السابع # في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، # وكيفية سيرته مع رعيته، ومع العمال لديه #  اعلم: أن قولكم- أيدكم الله! - في ~~السؤال: (أم يتركون على حالهم ... الخ؟) إن الترك: مما لا يحل كتابا، وسنة، ~~وإجماعا، بل الواجب: أن تجرى عليهم أحكام الفصول السابقة، ولا يتركون على ~~ما هم عليه بحال. # قال القرافي وغيره: (فما أباح الله العرض بالقذف والسب قط، ولا أباح ~~الأموال بالغضب والسرقة قط، ولا الأنساب بإباحة الزنا قط، ولا العقول ~~بإباحة المفسدات لها قط، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القتل والقطع بغير حق ~~قط، ولا الايمان بإباحة الكفر وانتهاك حرمة الحرمات قط) اه كلامه- رحمه ~~الله-. # وقد علمتم: أنه ما نصب الولاة والأئمة إلا لزجر من إرتكب من الرعية شيئا ~~من هذه الأمور، وذلك فرض عين عليهم، فإذا تركوا الرعية على ما هم عليه من ~~المناكر- من نقل الأخبار، ومبايعة الكفار، أو غصب الأموال، ونحو ذلك مما ~~مر- فقد أخلوا 1 بما فرض الله عليهم، فيفضي ذلك: إلى هدم الإسلام، وكشف ~~العدو عن الوطن اللثام، وفساد الكفر لا يعد له فساد، فيلحق حينئذ الأئمة ~~ذلك الوعيد ms034 المتقدم- في الفصل الثاني والسادس- لأنهم بتركهم زجر الرعية عن ~~المناكر، قد أحبوا أن يعصى الله في أرضه ورضوا بذلك. # وقد قال العلماء- رضي الله عنهم-: (من ترك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- من PageV01P186 # الولاة: تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشها). [21/ب] # وقد قال- عليه الصلاة والسلام-: "من غش أمتى، فعليه: لعنة الله " 1. # وقال أبو طالب المكي 2 - رضي الله عنه- في "القوت": (روينا عن ابن عباس- ~~رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لله- عز وجل- ~~ثلاثة أملاك: ملك على ظهر بيت الله الحرام، وملك على مسجد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وملك على ظهر بيت المقدس، ينادون ككل يوم يقولى الملك ~~الذي على ظهر بيت الله- سبحانه-: من ضيع فرائض الله خرج من أمان الله، ~~ويقول الملك الذي على مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من خالف سنة ~~رسول الله لم تنله الشفاعة، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس: من أحل ~~حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل) 3 اه. PageV01P187 # وهذه الثلاثة كلها لاحقة للإمام: لأنه إذا أهمل الرعية، فقد ترك ما فرض ~~الله عليه: من زجرها، وإذا تركها تخالف 1 سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم تنله شفاعته لأنه مكلف بها، وإذا تركها تستحل المحرمات، فقد ~~أحلها لها، فكيف: يسع الإمام أن يضيع ما فرض الله عليه من زجر رعيته عن هذه ~~المناكر، فيخرج من أمان الله، ولم تنله شفاعة رسول الله، وتلحقه لعنة ~~الله!. # وروى مسلم في صحيحه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما من ~~امرىء يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا ولم يدخل معهم الجنة" ~~2. # وقال- عليه الصلاة والسلام-: "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، فالإمام ~~الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، ~~PageV01P188 # وهو مسؤول عن رعيته، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه " 1. # قال الإمام أبو بكر الطرطوشي 2 - رحمه الله-: (جعل 3 - صلى الله عليه ~~وسلم ms035 -[22/أ]: "كل ناظر في حق غيره راعيا") 4. # وفي شرح الموطأ 5: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من إسترعاه ~~الله رعيته، PageV01P189 # فليحفظها يالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة لم يرح رائحة الجنة" 1 اه. # وإنما لم يرح رائحة الجنة: لأنه إذا لم ينصحها فقد غشها، حيث تركها على ~~ما هي عليه من مخالفة الكتاب والسنة. # ولما حج هارون الرشيد 2، لقيه عبد الله العمري 3 - في الطواف- فقال: "يا ~~هارون!، فقال: لبيك يا عمري، قال: كم ترى ما هنا من خلق؟ قال: لا يحصيهم ~~إلا الله- سبحانه- فقال: إعلم أيها الرجل: أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة ~~نفسه، وأنت وحدك مسؤول عنهم كلهم، فانظر: كيف تكون! فبكى هارون، فجعلوا ~~يعطونه منديلا للدموع، ثم قال: والله إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق ~~الحجر عليه، بمن أسرع في مال PageV01P190 # المسلمين! " 1 اه بنقل الطرطوشي المذكور. # وإذا علمتم هذا: تبين لكم: أن ليس للراعي أن يدخر عمن استرعى عليهم نصحا، ~~ولا أن يهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحا، فيجب عليه: أن يزجرهم عما هم عليه، ~~ويردهم إلى معالم الدين وأن يحرضهم على فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه ~~من العناد التحريض المبين، إذ أحسن ما صرفت إليه الوجوه، واستدفع به الخبث ~~والمكروه، العمل بالكتاب والسنة والآيات المتلوة المحكمة، وردع اليد ~~الظالمة من عامل أو غيره، فينصف 2 للرعية من العمال، كما ينتصف لهم من ~~بعضهم بعضا، ويرد لهم البال 3. # قال- تعالى-: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}. # قال الإمام الطرطوشي- المتقدم-: (يعني لولا أن الله- تعالى-: أقام ~~السلطان في الأرض لا يدفع القوي عن الضعيف، [22/ب] وينتصف المظلوم من ~~الظالم، لأهلك القوي الضعيف، وتواثب الخلق بعضهم على بعض، ولا ينتظم لهم ~~حال، ولا (يستقر) 4 لهم 5 قرار، فتفسد الأرض ومن عليها. # ثم امتن الله على الخلق بإقامة السلطان، فقال: {ولكن اللة ذو فضل على ~~العالمين} 6 يعني: في إقامة السلطان، فيأمن الناس، ويكون فضله على الظالم ~~كف يده، وفضله على المظلوم أمانه، وكف يد ms036 الظالم عنه 7. PageV01P191 # قال 1: (ولذا قال العلماء: "مثل الرعية مع السلطان، كالطباخ مع الآكلة، ~~عليه العناء ولهم الهناء، وعليه الحار ولهم القار 2") 3. # فحقيق على كل رعية: أن ترغب إلى الله في صلاح السلطان، وأن تبذل له ~~نصحها) 4. # وقالوا أيضا: "مثله معهم، كيتامى لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلا بوكيل، ~~فالمظلوم من الرعية هو اليتيم، والظالم منهم هو المدين، والوكيل هو ~~السلطان. # فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان، وأداه إلى اليتامى بحسب ما ~~يجب لكل، فقد بريء من القوم، ولم تبق عليه تباعة للميدان ولا لليتيم، وحصل ~~الأجر مرتين: أجر القبض، وأجر الدفع، ودخل في قوله تعالى: {إن اللة يحب ~~المقسطين} 5 وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المقسطون على منابر من نور ~~يوم القيامة" 6 PageV01P192 # وفي قوله- عليه الصلاة والسلام-: " (ممبعة) يظلهم الله بظله يوم لا ظل ~~إلا ظله: إمام عادل ... الحديث " 1 إلى غير ذلك. # وإن هو زاد على الدين الواجب بغير حق فهو ظالم للمديان، وإن نقص بغير ~~موجب فهو ظالم لليتيم، وكذا إن استوفى الديون وأمسكها ولم يدفعها لأربابها ~~فهو ظالم لهم، داخل في قوله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجةنم حطبا} 2. # وقد تقدم- في الفصل السادس-: " أنه يؤخذ للمظلوم من [23/أ] حسنات ظالمه، ~~بكل دانق مسبعون صلاة مقبولة" 3. والدانق: سدس الدينار أو الدرهم. # فيجب على الإمام: الاجتهاد بقدر طاقته في الكشف عن العمال- كما مر في ~~الفصل السادس-: أنه يبالغ في الكشف عن خبرهم بحسب قوة التهمة وضعفها- ولا ~~يغتر فيهم بكلام من (يزين) له الوقت، فإن أكثر العمال جهالا لا يتقون الله، ~~ولا يتحفظون من المداهنة 4، والنفاق، والكذب. # وفي أفضل من عمال الوقت، يقول سيدنا علي- كرم الله وجهه-: "المغرور من ~~غررتموه" 5. # وقد كتب الشيخ محرز 6 - الذي سأل من الشيخ "أبي محمد بن أبي زيد: ~~PageV01P193 # "تأليف الرسالة"- إلى أمير الوقت في رجل طلبه بعض العمال بمغرم، ما نص ~~الغرض منه: (أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي، وهذا من البلاء- وأسأل ~~الله أن يتغمدني برحمته- وربما جاء المضطر يسأل الحاجة: ms037 فإن تأخرت خفت، وإن ~~أسرعت فهذا أشد. # وقد كتبت إليك من مسألة: رجل من الطلبة طلب بدراهم، ولا شيء قبله، وحامل ~~رقعتي: يشرح إليك 1 ما جرى، فعامل فيه من لا بد من لقائه، وأستحيي ممن وجدت ~~لذاذة العيش به، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة ~~السوء، فإنهم إنما يريدون دراهمك، ويقربون من النار لحمك ودمك، واحفظ تحفظ، ~~واتق الله- فإنه {من يتق اللة يجعل له من أمره يسرا} 2 - {ومن يتق اللة ~~يجعل له مخرجا} 3 - واستعين بالله- فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه- ~~واستكثر من الزاد، فقد دنا الرحيل، والسلام. # فلما بلغ كتابه الأمير: أخذه وقبله، وقال: "هذا كتاب صديق الله"، وأمر ~~كاتبه: أن يكتب سجلا لجميع الطلبة بالحفظ والرعاية، وأن يصرف عن طلبة الشيخ ~~جميع ما كان أخذ لهم قبل من المظالم. # والمقصود منه: "وشاور في أمرك الذين يخافون ... إلى آخره" إذ ذاك كله، ~~تحريض على عدم الثقة بالعمال، فهو كقول سيدنا علي المار: "المغرور من ~~غررقموه ". # فمن الحزم: أن لا يصدقهم السلطان على ضعفاء الرعية، لأن تصديقهم غرور من ~~السلطان، ولا يولي من طلب الولاية من الرعية، لما في البخاري، ومسلم، ~~وغيرهما: PageV01P194 # أن رجلا قال: يا رسول الله: إستعملنى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "تنح، إنا لا نستعمل على عملنا هذا من أراده" 1 اه. # والسر فيه: أن الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على خيانتها، فيجب ~~عليه: أن لا يوليه، وإن ولى غير طالبها فيتقدم إليه ويخوفه بأنه إن وجد منه ~~زلة أو تعديا عاقبه العقوبة الشديدة، وأنه إن لم يبالغ في القيام بحقوق ~~الله- من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- وحقوق عباده- من رفع يد الظالم ~~عن المظلوم- أخذه أخذا وبيلا، إذ العمال في هذا الأوان، وقبله- كما مر عن ~~سيدنا علي، والشيخ محرز- يتوصلون لغرضهم الفاسد، وأكل الأموال بالباطل، ~~بقلب الحقائق. # (فإذا جاء الضعيف يشتكي إلى السلطان بجور العامل عليه) أو بعدم الانتصاف ~~له من ظالمه، حقد العامل بذلك الشاكي، وغضب عليه، وسبقه حينئذ كما للإمام ~~"اليوسي" 2 ms038 وغيره بكتابه لباب السلطان- فزاد عليه-: (وإن لم يسبقه، فإن ~~السلطان PageV01P195 # يرده إليه لينفذ إليه دعواه، فيتمكن منه العامل ويسجنه، ويكتب للسلطان: ~~بأنه بالغ في كشف أمره، فوجد الشاكي ظالما، أو سارقا، أو هاجما، أو غاضبا، ~~وربما كتب عليه بينة بذلك من اللفيف 1 أو العدول، ولا يعجزه الحال لأن كل ~~من أمره بالشهادة شهد خوفا منه). # ولله در بعض الفقهاء: كان جالسا مع السلطان، وحين سأل السلطان بعض الناس- ~~أي: جماعة منهم- عن عاملهم؟، فأثنوا عليه [24/أ] # فقال الفقيه: (ما هذا وجه الشهادة، بل وجهها: أن تعزله عنهم، واسئلهم ~~حينئذ، عما يشهدون به فيه؟ وماذا يقولون فيه؟ - وإلا فمن يستطع أن يقول: ~~للأسد أبخر 2 الفم وهو بين شدقيه- ففعل السلطان ذلك، فما من أحد من الرعية- ~~المولى عليها العامل المذكور- إلا وجاء للسلطان متظلما شاكيا بالعامل ~~المذكور، فعلم بذلك: صدق الفقيه المذكور!. # وعليه: فيجب على الإمام: أن لا يعمل بقول العامل في هذا الشاكي، وكيف ~~يعمل بقوله فيه، مع كونه عدوا له، إذ بمجرد إتيانه للشكاية للسلطان صار ~~عدوا له، لأنه أتى ليظهر عيوبه للسلطان، ومن يرضى أن تظهر عيوبه لأدنى ~~الناس، فكيف بها للسلطان- فالله الله في عباد الله-!. # فالواجب: أن ينفذ للشاكي شكواه، ويستفصل في دعواه، ويتولى سماعها بنفسه، ~~ولا يتكل في سماعها على غيره، وإذا توقفت دعواه على إثبات، أمره بإثباته، ~~وكلف من ينظر له في ذلك من الثقات قاضيا أو غيره. # وقد علمتم- أيدكم الله-: أن الله- تبارك وتعالى- يتولى يوم القيامة، ~~الفصل بين عباده بنفسه، ولا يتكل فيهم على أحد، كما في الصحيح: أنه- ~~PageV01P196 # صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة كفاحا، ~~ليس بينه وبينه ترجمان ... الخ " 1. # والسلطان خليفة الله في أرضه في الدنيا، فإذا احتجب، واتكل- في الفصل بين ~~العباد- على غيره، لزم أن يكون- والعياذ بالله- أشرف من خالقه، وذلك أسرع ~~شيء إلى زوال ملكه. # قال الإمام الطرطوشي، وغيره: (وإذا احتجب السلطان عن سماع الشكايات ~~بنفسه، فإنه أسرع شيء إلى خراب ملكه، لأن بطانة السوء والعمال يلعبون في ~~أرواح الخلائق، ms039 وحريمهم، وأموالهم، لأن الظالم حينئذ [24/ب] قد أمن (أن لا ~~يصل) 2 المظوم إلى السلطان. # قال: قال الحكماء: لا تزال الرعية ذا سلطان ما وصلوا إلى سلطانهم، (فإذا ~~احتجب فهناك سلاطين كثيرة، وذاك مفض للجور والظلم) 3 4. PageV01P197 # فالواجب على السلطان: أن يتولى الفصل بنفسه فيما يحضره من الشكايات بين ~~يديه، كما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين من ~~بعده. قال الإمام الطرطوشي- في سراجه- 1: (بلغنا: أن ملكا من الملوك، نزل ~~به صمم، فأصبح (متوجعا مهتما) 2 بأمور المظلومين، وأنه لا يسمع إستغاثتهم ~~3، فأمر مناديا ينادي: أن لا يلبس في مملكته ثوبا أحمر، إلا مظلوم، وقال: ~~"لئن منعت سمعي، لم أمنع بصري"، فكان كل من ظلم يلبس ثوبا أحمر، ويقف تحت ~~قصره، ويكشف عن ظلمه) 4. # قال: (وكان بعض ملوك الصين: يجعل في بيت ملكه ناقوسا 5 موصولا بسلسلة، ~~وطرف السلسلة في خارج الطريق، وعليها أمناء للسلطان مأمورون: PageV01P198 # بأن لا يتعرضوا لمن أراد إمساكها وجرها، فإذا جاء المظلوم وجر السلسلة، ~~سمع الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، وكل من حرك السلسلة يمسكه ~~أولئك الحفظة حتى يدخل على السلطان) 1. # فهذه طريقة العدل بين السلطان وعماله، وبين الرعية فيما بينها. # إذ العدل قوام الملوك، وبه صلاح الدنيا والدين كما مر في قوله تعالى: ~~{ولولا دفع الله الناس ... الآية} وكما مر- أيضا- في الفصل الأول- في قوله ~~تعالى: {إن اللة يأمركم أن تؤدوا الأمانات (إلى أهلها) 2 ... }. # وكما قال تعالى- في آية الملوك- التي أنزلها الله فيهم- وهو قوله تعالى-: ~~{ولينصرن الله من ينصره إن اللة لقوي عزيز} 3. # ثم سمى المنصورين، وشرائط النصر، فقال- جل من قائل-: {الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونةوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور} 4. # فضمن الله تعالى النصر للملوك، وشرط عليهم [25/أ] أربع شرائط): # إقامة الصلاة فيهم، وفي رعيتهم، وإيتاء الزكاة كذلك، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. PageV01P199 # قال الإمام الطرطوشي، واليوسي، وغيرهما،: (فمتى تضعضعت قواعد الملوك، ~~وإنتقص عليهم شيء من أطرف مملكتهم، أو ظهر عليهم عدو الدين، أو باع فتنة، ms040 ~~أو جاحد نعمة، فليعلموا: أن ذلك من الاخلال بشرط من الشرائط المشروطة ~~عليهم، فليرجعوا إلى الله بإقامة العدل، والقسط الذي شرعه الله لعباده، وبه ~~قامت السماوات والأرض، بإظهار شرائع 1 الدين، ونصر المظلوم، والأخذ على يد ~~الظالم، ومقاتلته العدو الكافر ... 2 الخ). # ثم أنه قد تقدم: أن الإمام يتولى الفصل بنفسه فيما حضر بين يديه. # وأما ما غاب عنه ولم يحضر بين يديه من أمور الرعية وعمالها، فلا يسأل ~~عنها إلا الثقات، ؤاهل الدين، لا من لا يتقي الله، ولا يتحفظ من المداهنة ~~والنفاق من العمال، وأهل الثروة، الذين نفسهم على نفس العمال، لأن لهم ~~مدخلا في المخزنية 3 فيواجهون العمال، كما أن العمال يواجهونهم، فلا يجرون ~~الأحكام عليهم، ولا على من تعلق بهم، فيزينون الوقت للأمير ويزينون فعل ~~العمال. PageV01P200 # وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "إذا قدمت الوفود من البلاد البعيدة، ~~يسألهم: عن أحوالهم، وأسعارهم وعمن يعرفوه من أهل البلاد، وعن أميرهم: هل ~~يدخل عليه الضعيف، وهل يعود المريض؟ فإن قالوا: نعم، حمد الله - تعالى- وإن ~~قالوا: لا، كتب إليه بالعزل" 1. # وكان- رضي الله عنه-: "إذا بعث عاملا شرط عليه أربعا: لا يركب البراذين ~~2، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقى، ولا يتخذ حاجبا، ولا يغلق بابا عن ~~حوائج الناس" 3. # ولما بلغه: "أن (سعد) 4 بن أبي وقاص: إتخذ قصرا، وفتح له [25/ب] بابا، ~~وأنه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس، وصار يحكم في داره، أمر: بتحريق # قصره، وبادر إلى عزله" نقله فيه "التبصرة"، وغيرها 5. # ومن الواجب: أن يتخذ الأمير مزكي السر من الثقات في كل بلد يخبره عن سيرة ~~العمال والقضاة، ولا يطع عليه أحد من رعيته، وإنما تجري المكاتبة 6 ~~PageV01P201 # بينهما من غير واسطة، فيكتب الأمير له بخط يده لئلا يطلع (عليه) 1 أحد من ~~خواصه، لأنهم إن أطلعوا (عليه) 2: أفشوا ذلك في العمال والولاة، وسارع ~~الجميع لإذايته، والتحرز من إطلاعه على أمورهم. # وقد قال المأمون 3: (ما فتق علي فتق قط إلا ووجدت سببه جور العمال) 4. # ومن الاخلال بضبط هذه ms041 الأمور: ما وقع لسلطان الجزائر، حتى استولى عدو ~~الدين عليه، [قال تعالى]: {إن اللة لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ~~5. # فاجتهدوا- أيدكم الله-!: في القيام بحقوق العباد، قال تعالى: {والذين ~~جاةدوا فينا} أي: في حقنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا {لنةدينهم سبلنا} أي: ~~لنهدينهم 6 هداية إلى طريق الخير {وإن اللة لمع المحسنين} 7 - أي: لناصرهم ~~ومعينهم. # وعن بعضهم: (من عمل بما يعلم، وفق لما لم يعلم) 8. PageV01P202 # فقد تكفل الله (- سبحانه-) 1 بالنصر والإعانة لمن اجتهد في امتثال ~~أوامره، واجتناب نواهيه. PageV01P203 # وأما ### | المسألة الثانية # : ففيها فصلان: ### | الفصل الأول # في حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه # من العقاب من العزير الجبار #  قد علمت- مما تقدم-: أن الاستنفار ~~للجهاد يتعين بتعيين الإمام، فحيث استنفر قوما فقد عينهم للجهاد، فمخالفتهم ~~عصيان لله ولرسوله توجب عقوبتهم- بما تقدم في الفصل السادس-[26/أ] # ثم ان النفير للجهاد، والذهاب إليه، المخاطب به ابتدأ هو الإمام، أي: هو ~~المخاطب أن 1 يعين طائفة من رعيته تذهب إليه. # فإذا عين طائفة، وجيشا له، وجب على من عينهم وصار في حقهم: فرض عين، ~~لقوله- تعالى-: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ... } 2. # وقال- تعالى-: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} 3. # وقال- تعالى-: {يا أيةا الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ... } ~~4. # وقال: {واقتلوهم حيث وجدتموهم} 3. PageV01P204 # وقال: {يا أيةا النبي جاهد الكفار والمنافقين ... } 1. # و [قال]: {قاتلوهم- أي: دائمأ- حتى لا تكون فتنة- أي: لا يوجد فيكم شرك- ~~ويكون الدين لله} 2. # وقال: {يا أيةا النبي حرض المؤمنين على القتال}. # إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية: # كقوله- عليه الصلاة والسلام-: "جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل ~~الله باب من أبواب الجنة" 3. # أخرجه: أحمد 4، والطبراني 5 والحاكم 6 وصححه عن عبادة بن الصامت 7 - ~~PageV01P205 # رضي الله عنه-. # وأخرج: عبد الرزاق 1، عن أبي أمامة 2 - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب ~~الجنة يذهب # الله به الهم والغم" 3. # فالخطاب في هذه ms042 الآيات القرآنية، ونحوها، والأحاديث النبوية التي لا تحصى ~~كله للأئمة ابتداء، وللرعية انتهاء. # أعني: يجب على الإمام ابتداء: أن يعين طائفة من كل قبيلة مثلا، فإذا ~~عينهم صار فرض عين على من عينهم انتهاء- كما مر-. فإذا ترك الإمام التعيين ~~والأمر بالجهاد لحقه الوعيد الآتي، وإذا عين الإمام طائفة ولم تفعل لحقها ~~الوعيد الآتي- أيضا- وهو: [26/ب] PageV01P206 # قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموةا وتجارة تخشون كسادةا ومساكن ترضونةا أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجةاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله} 1 أي: عقوبة عاجلة، أو آجلة ~~2. # قال في "الكشاف": (هذه آية شديدة لا ترى أشد منها، كأنها تنعى على الناس ~~ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين) 3 اه. # فهذا الوعيد: لاحق للإمام إذا لم يعين، ولاحق للرعية إذا عين ولم يفعلوا. # وقال- تعالى-: {يا أيةا الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض ... إلى قوله: إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} 4. # قال المفسرون: (هذا سخط عظيم على المتثاقلين 5، حيث وعدهم بعذاب أليم ~~مطلقا يتناول عذاب الدنيا والآخرة- أي: عذاب الدنيا باستيلاء العدو عليهم ~~ونحوه، وعذاب الآخرة بالنار- وأنه يهلكهم ويستبدل قوما آخرين غيرهم) 6. # فهذا الوعيد أيضا: لاحق للإمام إذا لم يعين، ولاحق للرعية إذا عين ولم ~~يفعلوا. # فقوله- تعالى-: {إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} أي: إذا قال الله ~~للأئمة: انفروا بلا واسطة، وقال للرعية: انفروا بواسطة الإمام. PageV01P207 # فخطابه- تعالى- للأئمة بلا واسطة، وخطابه للرعية بواسطة الإمام، فالكل ~~يلحقه الوعيد المذكور بمخالفة ما أمر به. # قال القرطبي في تفسيره: (التثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهية حرام). # قال: الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند ~~التعيين، ويصير بتعيينه فرضا على كل من عينه) 1 اه. # وقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التةلكة} 2. # قيل: (التهلكة هي: الكف عن الغزو والجهاد، والإنفاق فيه، لأن [27/أ] الكف ~~يقوي العدو، ويتسلط عليكم، فيفسد عليكم دينكم ودنيام) 3. # والوعيد شامل للإمام ابتداء، وللرعية انتهاء- كما ms043 مر-. # وقال- تعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ... إلى قوله: قل نار ~~جةنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} 4. # قال ابن النحاس 5: هذه الآية: (وإن كانت في أقوام بأعيانهم، ففيها ~~التهديد لمن فعل كفعلهم، وتخلف كتخلفهم، وناهيك بذلك وعيدا فضيعا). ~~PageV01P208 # وأخرج الطبراني: عن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما ترك قوم الجهاد، إلا عمهم الله بالعذاب" 1 ~~اه. # فأطلق في العذاب، فيتناول: الدنيوي ما والأخروي- كما مر- والوعيد لاحق ~~الإمام والرعية أيضا- كما مر- إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى. # فقد علمت من هذا كله!: أن الله- تبارك وتعالى- قد أكد الوعيد، وأوعد ~~بالعذاب الشديد، كل من أعرض عن الجهاد، وشغله عنه الاهتمام بأمر 2 الأزواج ~~والأولاد، وأبدى القرآن الكريم ما فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد. # وإذا تقرر هذا تبين لكم- أيدكم الله-!: حكم ما أشرتم إليه في السؤال من ~~قولكم: (فهل يعاقبون ... الخ؟). # إذ لا إشكال في عقاب المتخلف عن النفير بعد التعيين- كما رأيته- دنيا ~~وأخرى. # فحينئذ فإن أظهروا الميل للعدو والكافر، وتعصبوا به: فيقاتلون قتال ~~الكفار، ومالهم فيء. # وقد سئل الإمام سيدي: أحمد بن زكري 3: عن قبائل من العرب امتزجت أمورهم ~~مع النصارى، وصارت بينهم محبة، حتى أن المسلمين: إذا أرادوا الغزو، ~~PageV01P209 # أخبر هؤلاء القبائل النصارى، فلا يجدهم المسلمون إلا متحذرين متهيبين- ~~والفرض أن المسلمين لا (يتوصلون) 1 إلى الجهاد إلا من بلاد هؤلاء ~~القبائل-[27/ب] وربما قاتلوا المسلمين مع النصارى. # ما حكم الله في دمائهم، وأموالهم؟ وهل ينفون من البلاد؟ وكيف إن أبوا من ~~النفي إلا بالقتال؟. # فأجاب- رحمه الله- بقوله ما نصه: (ما وصف به القوم المذكورون: يوجب ~~قتالهم كالكفار الذين تولونهم، ومن يتول الكفار فهو منهم. # قال تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} 2 اه. # وأما: إن لم يميلوا إلى الكفار، ولا تعصبوا بهم، ولا كانوا يخبرونهم ~~بأمور المسلمين، ولا أظهروا شيئا من ذلك، وإنما وجد منهم الامتناع من ~~النفير فإنهم: يقاتلون قتال الباغية ms044 3 - وسيأتي الكلام عليها في المسألة ~~الأخيرة من مسائل السؤال- والله أعلم. PageV01P210 # ### | الفصل الثاني # فيما ينبغي للإمام فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره # من الرعية، وكيفية التدريب للحروب 1 وذكر # مكائد بها يظفر 2 الإمام بالمرغوب #  اعلم: أنه ينبغي للإمام قبل ~~الاستنفار: أن يأمرهم بتقديم عمل صالح من صدقه، أو صيام، ورد مظلمة، وصلة ~~رحم، كما كان يفعل عمر- رضي الله عنه - ويقول: "إنما تقاتلون بأعمالكم" 3. # ثم اعلم: أن الله تعالى قرن النصر بالصبر، فقال تعالى: {إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين} 4 وقال: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا} 5. # وقال: {يا أيةا الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ... } 6، وقال: ~~{استعينوا بالصبر والصلاة إن اللة مع الصابرين} 7. PageV01P211 # قال الحرالى 1 - بعد كلام-: (فمن لم يتحمل الصبر الأول على الجهاد، أخذ ~~بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب، فانعطف عليها، قوله تعالى: ~~{ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} 2، فالجوع: فراغ الجسم عما به [29/أ] ~~قوامه، لفراغ النفس عن الأمان الذي هو لها قوام، فأفقدها القوامين في ذات ~~نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كد الجهاد، وقد كان ذلك ~~الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع. # وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على ~~أنفسهم فجاؤوهم إلى مواطنهم- فمن لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطيبيب ~~لهلاكه- وشتان بين خوف الغازي 3 للعدو في قصره وبين المحصر 4 في أهله، ~~وكذلك شتان بين أرزاق 5 المجاهد وتزوده" - " وخير الزاد التقوي- " 6 في ~~PageV01P212 # سبيله لجهاده وبين جوع المتحلف في عيلته 1. # فالمجاهد: آمن في جيشه، متزود في رحله، غانم من عدوه. والمتخلف: خائف في ~~أهله، جائع في عيلته، ناقص المال من ذات يده) اه. # (وهذا) 2 الوعيد لاحق للإمام والرعية: فالإمام يلحقه ذلك إذا غفل ولم ~~يجبر الناس على الجهاد والاستعداد، والرعية يلحقها ذلك إذا أمرهم ولم ~~يمتثلوا. # وإذا تقرر أن النصر مقرون بالثبات والصبر، فيخرج منه: أنه لا يستنفر إلا ~~من كان فيه نجدة الصبر، فلتكن ms045 همة الإمام مصروفة لاستنفار الشجعان ~~والأبطال، لأنهم المتصفون بالصبر للقتال، فيعينهم للخروج مع غيرهم وليكثر ~~منهم- ولا عليه أن يكثروا- ويقربهم إليه بالمنزلة والمكانة، ويوسر إليهم، ~~ويعدهم وعدا جميلا، ويقوي أطماعهم في أن ينالوا ما عنده من الهبات الفاخرة، ~~والولايات السنية 3، ويجعلهم مقدمة 4 الجيش. # فقد قالت الحكماء: (أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد) 3. ~~PageV01P213 # قال الإمام الطرطوشي: (لا ينبغي أن يقدم على الجيش أو يأخذ الألوية 1 إلا ~~الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة) 2. [28/ب] # ولله در قائل: # ("والناس ألف منهم كواحد ### | … # وواحد كالألف إن أمر عنا") 3 # وإذا كان الواحد كالألف: فإذا 4 رأي الإمام في قومه وجيشه عددا 5 ممن هذه ~~أوصافه فذلك 6، وإلا "رد الغنم للزريبة" 7، ولذا قالوا: (يجب على الإمام: ~~أن # يهتم بأمور الجهاد، فيأمر كل قبيلة: بتعليم الحروب، والتدريب). # وإن رأي: أن يعين من كل قبيلة مائة أو أكثر، تتعلم الحروب والتدريب مهيئة ~~نفسها لكلمة الأمير، وتكون تلك المائة: من الوجوه الذين لا يولون الأدبار، ~~وعند كل خمسة أشهر ونحوها 8، يأمرهم بالضرب بين يديه بمرأي منه، فمن رآه 9 ~~منهم كثير الإصابة والتدريب أحسن إليه وقربه لديه، وهكذا حتى يعرف من كل ~~قبيلة أبطالها وشجعانها، فيعينهم حينئذ للأسفار الأمثل فالأمثل. # ومن وجده من القبائل لم (يعتن) 10 بما أمره به: من تعلم الحروب أهانها ~~PageV01P214 # وأهان قائدها، ولامهم على مخالفة أمره، ولا يتكل في اختبارهم على غيره ~~فينتظم الأمر حينئذ. # فإذا احتاج الأمير إلى إقامة جيش لفجىء العدو ونحوه، أقامه في ساعة واحدة ~~من الأبطال، لأنهم مكتوبون عنده في الديوان 1 من كل قبيلة، ولا يحتاج حينئذ ~~إلى فريضة الحراك، لأنهم إذا وكلوا لغرضهم لا يحركون إلا أوباش 2 الناس، ~~الذين إذا قابلوا العدو ولو الأدبار، فيفسد الأمر، ويختل الملك، وربما ~~كانوا لا يفترضون 3 الحركة إلا بعد انتهاز العدو في المسلمين الفرصة. # (ولما تقابل بعض أمراء 4 الأندلس، مع الطاغية (ابن ردمير) 5، قال ~~الطاغية- لمن يثق بعقله، وممارسته للحروب من رجاله-: "استعلم لي من في ms046 عسكر ~~المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا، ومن غاب منهم، [29/أ] ومن ~~حضر "فذهب، ثم رجع، فقال: "فيهم فلان وفلان حتى (عد) 6 سبعة رجال". # قال: " (انظر) 7 الآن من في (عسكري) 8 من الرجال المعروفين بالشجاعة، ~~PageV01P215 # ومن غاب منهم "فعدوهم، فوجدوهم ثمانية لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكا ~~مسرورا، وهو 1 يقول: "ما أبيضك من يوم". # ثم تناشبت الحرب، فلم تزل المضاربة 2 بين الفريقين، ولم يول واحد منهم ~~دبره، ولا عن مقامه، حتى (فنى) 3 أكثر العسكرين، ولم يفر واحد منهم، ولما ~~كان وقت العصر حملوا على المسلمين، وداخلوهم مداخلة واحدة، ففرقوا بينهم ~~وهزموهم. # فليعتبر ذو 4 العزم في البصيرة، ببشرى الطاغية بالنصر والغنيمة، لما زاد ~~في أبطاله رجل واحد) اه بنقل الطرطوشي 5. # وذكر بعض المؤرخين: (أن بعض أمراء الأندلس الذين استحكموها إثر فتحها كان ~~يقاتل عدوه، وأمر على طائفة من جيشه ولده، فوقعت الهزيمة على ناحية ولده، ~~فجاء الأمير لولده بسيفه يقطر دما ليقتله، وهو يقول: (هلا صبرت حتى قتلت ~~وسلمت، ولا تأتيني بالذلة والهزيمة" فما رده خواصه عن قتل ولده إلا بمشقة. # فلما رأي عماله ما فعل بولده، قالوا: "هذا ما فعل بولده، فكيف بنا! " فلم ~~ينهزهم أحد من عماله بعد). # فتهديد العمال وتوعدهم بالقتل إن انهزموا، من مكائد الحرب. # وذكر المواق- رحمه الله-: (أن عثمان 6 - رضي الله عنه- أمر-: ابن أبي ~~PageV01P216 # سرح 1 على غزو افريقية" 2، وكان الطاغية "جرجير" يملك من "طرابلس" 3 إلى ~~"طنجه" 4، فهاله 5 أمر العرب لما نزلوا به، فتحيل: أن زين بنتا له كانت ~~بارعة الجمال، وقال لجيشه: "أتعرفون هذه" قالوا: "نعم، سيدتنا، وبنت سيدنا" # قال الملك جرجير: [29/ب] "- وحق المسيح، ودين النصرانية- لا قتل أحد منكم ~~ابن أبي سرح- أمير العرب- إلا زوجتها له، وسقت لها جميع ما معها من الحلي، ~~والحلل، والجواري! ". # فحرض بذلك شجعان الروم تحريضا شديدا، فبلغ ذلك لابن أبي سرح، فأخبر من ~~معه من المسلمين: بمقالة "جرجير"، ثم قال لهم: "- والله- لا قتل منكم رجل ~~"جرجير" إلا نفلته ابنته، وما معها! ms047 ". # فانتدب أناس فيهم: عبد الله بن الزبير 6 - رضي الله عنه- وهو: ابن بضع ~~PageV01P217 # وعشرين سنة، فتحيلوا، وحملوا حتى شقوا الصفوف، وظفروا "بجرجير"، فقتلوه، ~~وانهزم الكفار، وتنازعوا في قتل "جرجير"، فقالت البنت: "أنا أعرف قاتل أبي" ~~فأمر ابن أبي سرح: أن يمر الجيش بين يديها، وهي تنظر حتى مر ابن الزبير، ~~قالت: "هذا- والمسيح- هو: الذي قتل أبي، فقال ابن أبي سرح، لابن الزبير: ~~"كتمتنا" قال: "قد علم الله (الذي) 1 قتله له- يعني: لم أقتله إلا لله- لا ~~لما وعدت به من التنفيل" قفال ابن أبي سرح: "إذن- والله- أنفلك ابنته" ~~فنفله إياها، وما معها، واتخذها أم ولد) 2 اه. # فانظروا- أيدكم الله-!: كيف كانت راحة المسلمين في انتداب هؤلاء الأبطال ~~لقتله، ووفاء أميركم بوعده!. # قال المواق أيضا: (ذكر) صاحب "عيون الأخبار" 3 أن "مسلمة" 4 حاصر ~~PageV01P218 # حصنا من حصون الكفار، وندب الناس للدخول من نقب 1 هناك، فما دخله أحد، ~~فجاء رجل من عرض الجيش، فدخله، ففتحه الله عليهم، فنادى "مسلمة": "اين صاحب ~~النقب؟ "فما جاء أحد، فنادى: "اني عزت عليه أن يأتي" فأتى رجل وقال: "صاحب ~~النقب يأخذ عليكم ثلاثا: أن لا تجعلوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا ~~تأمروا له بشيء، ولا تسألوا عمن هو! ". # فقال "مسلمة": "ذلك له" فقال: "أنا هو" [30/أ] فكان مسلمة لا يصلي صلاة ~~إلا قال: "اللهم إجعلني مع صاحب النقب") 2 اه. # وذكر الإمام الطرطوشي- في "سراجه"-: (أن القدماء قالوا: للكثرة الرعب، ~~وللقلة النصر، فالكثرة أبدا يصحبها الإعجاب ومع الإعجاب الهلاك. وفي ~~الحديث: "خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا 3 أربعمائة، وخير الجيش أربعة ~~آلاف، ولن يغلب جيش بلغ اثني عشر ألفا من قلة" 4 فالكثرة PageV01P219 # يلزمها الإعجاب. قال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~(شيئا) ... 1} 2. # (قال) 3: (قال بعض الحكماء: وقد جمع الله لنا آداب الحرب، في قوله تعالى: ~~{يا أيةا الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا اللة كثيرا ### | .... # إلى قوله: واصبروا إن اللة مع الصابرين} 4 5، فدلت هذه الآية: على أن ~~النصر مقرون بالصبر. # قال: (ورأيت ms048 غير واحد ممن ألف في الحروب: يكره رفع الصوت بالتكبير، ~~PageV01P220 # ويقولون: يذكر الله في نفسه) 1. # قال 2: (قال عتبة بن ربيعة 3 - يوم بدر-4 لأصحابه-: ألا ترون أصحاب محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - جثيا 5 على الركب، كأنهم خرس يتلمظون 6 تلمظ ~~الحيات) 7. # قال: (وبينما المنصور بن (أبي) 8 عامر 9 - في بعض غزواته-: إذ وقف ~~PageV01P221 # من الأرض بمكان مرتفع، فرأى: جيوش المسلمين- بين يديه، ومن خلفه، وعن ~~يمينه، وعن يساره- قد ملؤوا السهل والجبل، فالتفت إلى مقدم العسكر- وهو رجل ~~يعرف: بابن المصحفي- 1 وقال له: كيف ترى هذا العسكر، أيها الوزير؟ "فقال ~~له- ابن المصحفي-: "أرى جمعا كثيرا، وجيشا واسعا" قال له المنصور: "لا ~~يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل، من أهل الشجاعة والبسالة"، فسكت ~~ابن المصحفي، فقال المنصور: "ما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ألف مقاتل من ~~الأبطال؟ " [30/ب] # قال: "لا"، فتعجب المنصور!، ثم انعطف عليه، فقال: "أليس فيهم خمسمائة ~~رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم مائة رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم خمسون؟ ~~" قال: "لا"، فسبه المنصور، واستخف به، وأمر به فأخرج على أقبح حال!. # فلما توسطوا بلاد المشركين: اجتمعت الروم، وتصاف الجمعان، فبرز علج 2 من ~~الروم- يكر 3 ويمر- وهو ينادي: "هل من مبارز؟ "، فبرز له رجل من المسلمين، ~~فتجاولا ساعة، فقتله العلج، ففرح المشركون، وصاحوا PageV01P222 # واضطرب لها المسلمون!، ثم جعل العلج يمرح بين الصفين، وينادي: "هل من ~~مبارز اثنين بواحد؟ "، فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله ~~العلج، وجعل يكررا ويحمل: "هل من مبارز ثلاثة بواحد؟ "، فبرز إليه رجل، ~~فقتله العلج، فصاح المشركون، وذل المسلمون- وكادت أن تكون كسرة-!. # فقيل للمنصور: "ما لها غير ابن المصحفي " فبعث إليه: فحضر، فقال المنصور: ~~"ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " قال: "بعيني جميع ما جرى" قال: "فما الحيلة ~~فيه؟ " قال: "وما الذي تريد؟ " قال: "تكفي المسلمين شره " قال: "نعم"، ثم ~~قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من رجال الثغور 2 على فرس قد نشزت ~~أوراكها هزالا- وهو: يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل ms049 في نفسه ~~وحليته: غير متصنع، فقال له- ابن المصحفي-: "ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " ~~قال: "قد رأيته!، فماذا ترى فيه؟ " قال: "يزال رأسه الآن" قال: "نعم"، فلبس ~~لأمة 3 حربه، وبرز إليه، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا ~~إليهم يركض، ولا يدرون ما هنالك؟، فإذا الرجل: يحمل رأس العلج، فألقى الرأس ~~بين يدي المنصور!، وقال ابن المصحفي له: "عن مثل هذا أخبرتك: بأنه ليس في ~~عسكرك ألف، ولا خمسمائة، ولا مائة، ولا خمسون، ولا عشرون، ولا عشرة" [31/أ] ~~فرد ابن المصحفي إلى منزلته فأكرمه، وأكرم قاتل العلج) 4 اه. PageV01P223 # قال: وكذا وقع لرجل يقال له ابن فتحون 1: فإنه كان أشجع العرب والعجم، ~~وكانت النصرانية تعرف شجاعته، وكان المستعين (أبو) 2 المقتدر بالله 3: ~~يعظمه لذلك، ويجرى له في كل يوم خمسمائة دينار، فحسده نظراؤه على كثرة ~~العطاء- وما زالوا عليه- حتى غيروه عليه. # فلما غزا المستعين بلاد الروم، فبرز علج وسط الميدان 4، ينادي: "هل من ~~مبارز؟ فبرز إليه رجل، فقتله العلج، ثم خرج إليه آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ~~فضج المسلمون، واضطربوا، ولم يقدر أحد من المسلمين: أن يخرج إليه، وبقي ~~الناس في حيرة!. # فقيل للمستعين: "ما لها إلا ابن فتحون" فدعاه، وقال له: "أترى ما يصنع ~~هذا العلج؟ " فقال: "هو بعيني" قال: "فما الحيلة فيه؟ " قال: "وما تريد؟ ". ~~قال: "أن تكفي المسلمين شره"، فلبس ابن فتحون قميصا واسع الأكمام، وركب ~~فرسه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطا طويلا، وفي طرفه عقدة، ثم برز إليه- فعجب ~~النصراني منه! - وحمل كل منهما على صاحبه، فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن ~~فتحون، فتعلق ابن فتحون برقبة فرسه ونزل PageV01P224 # إلى الأرض، ثم استوى على سرجه، وحمل عليه، فضربه بالسوط على عنقه، فالتوى ~~على عنقه، وأخذه بيده من السرج، فاقتلعه، وجاء به نحو المستعين فألقاه بين ~~يديه، فعلم المستعين: أنه أخطأ في صنعه معه، فأكرمه، ورده إلى منزلته، وزاد ~~في عطائه) 1. # ومن المكائد أيضا: ما قاله ابن النحاس وغيره، قالوا: (أهم ما ينبغي لصاحب ~~الجيش قبل القتال، ms050 أن يبث الجواسيس الثقات عنده في عسكر [31/ب]، عدوه، ~~ليتعرف أخبارهم، وما عندهم من العدد والآلات، ويحرز أعدادهم، ويبحث عن ~~أسماء رؤسائهم وشجعانهم، ويدس إليهم ويخدمهم بما تميل إليه طبائعهم، ~~ليغدروا بصاحبهم أو يعتزلوه وقت القتال، ويكتب أخبارا مزورة تطابق ما وصل ~~إليه من الجواسيس، ويطرحها في جيش عدوه على ما يقتضيه الحال، ولا يبخل بما ~~يصرفه على ذلك، فإنه إن كانت النصرة له فلا يضره ما أنفق، وإن كانت عليه ~~فلا ينفعه ما خلف) 2. # ويروى: (أن أصحاب المهلب 3 حاصوا عليه، وقالوا: "لا طاقة لنا PageV01P225 # بسهام 1 مسمومة ترمي بها الخوارج، يصنعها رجل يقال له: "أبزى" فقال: ~~"كفيتكم العبد- إن شاء الله-"، ثم كتب إليه: "من المهلب إلى أبزى، أما بعد: # فقد وصلت هديتك، وحسن موقعها، وقد أنفذت لك مع كتابي ألف درهم، فاقبضها، ~~ولا تقطع مواصلتي ومهاداتي أعظم وفدك، وتجدني حيث شئت". # وقال للرسول: "تعرض لجماعة من الخوارج، حتى يأخذوا الكتاب منك، ويدفعوه ~~إلى رئيسهم "قطري" 2 - ففعل ما أمره به- فلما وصل الكتاب إلى "قطري"، عجل ~~على "أبزى" بالقتل، قبل أن يعرف صحة الخبر، وقال: "ما أصنع بمن يهادي ~~المهلب "، فافترقوا لذلك، وكان هذا سبب اختلافهم، فقال المهلب- لأصحابه-: ~~"لا تشغلوهم عن المنازعة بالقتال، فإنهم إن افترقوا الآن لن يجتمعوا أبدا" ~~فكان كما قاله). # وحكى عن كسرى: (أنه بعث "الاصبهند" إلى الروم، في جيش عظيم، فأعطي من ~~الظفر ما لم يعط أحد من الظفر قبله، فظن "كسرى": أن ذلك يغيره عليه، ويوجب ~~له كبرا، فبعث إليه رجلا، ليقتله- وكان المبعوث عاقلا- فلما رأى عقل ~~"الاصبهند" وتدبيره، قال: "ما يصلح هذا بغير جرم"، ثم PageV01P226 # أخبره بالذي جاء به، فأرسل "الاصبهند" إلى "قيصر": [32/أ] "اني أريد أن ~~ألقاك؟ " قال: "إذا شئت التقينا"، فالتقيا، وقال له: "إن هذا الخبيث قد هم ~~بقتلي، ووجه إلي رجلا، لذلك، وإني أريد هلاكه- كالذي أراد مني- والبادي ~~أظلم- فاجعل لي من نفسك ما سأطمئن إليه، فأعطيك من بيوت أمواله؟ ". # فأعطاه من المواثيق، ما اطمأن إليه، وسار قيصر في أربعين ألفا، فنزل ~~"بكسرى"، ms051 فعلم "كسرى": كيف جرى الأمر، فاحتال على بعض جنود "قيصر"، فدعا ~~قسيسا متبصرا في دينه، وقال له: "إني كاتب معك كتابا لطيفا في جريدة، ~~لتبلغه "الاصبهند"، ولا تطعن على ذلك أحدا، وأعطاه ألف دينار، وقد علم ~~"كسرى": أن القس موصل كتابه إلى "قيصر"، لأنه لا يحب هلاك الروم. # وكان في الكتاب: "إلى "الاصبهند": إني كتبت إليك، وقد دنا مني "قيصر"، ~~وقد أحسن الله إلينا، ومكنا منهم بتدبيرك- لاعدمت صوابا- وأنا ممهله، حتى ~~يقرب من المدائن 1، ثم أغافصه 2 في يوم كذا، فأعد علي من قبلك ما يكون به ~~استئصالهم. # فخرج القس (بالكتاب) 3: فأوصله إلى "قيصر"، فقال قيصر: "هذا الحق، ما ~~أراد إلا هلاكنا! " فتولى منصرفا، وأتبعه "كسرى"، اياس بن PageV01P227 # قبيصة الطائي 1، فقتل أصحابه، ونجا قيصر في شرذمة 2 قليلةه). # وقد كان "كسرى" من الذكاء على غاية، روي عنه: (أن منجميه قالوا له: "انك ~~تقتل"، فقال: "لأقتلن من يقتلني" فأمر: بسم مخلط في أدوية، ثم كتب عليه: ~~"هذا دواء، للجماع مجرب، من أخذ منه قدر وزن كذا جامع كذا وكذا امرأة 3! " ~~فلما قتله: "شيرويه" 4، فتش خزائن أبيه، فمر به، فقال- في نفسه-: "هذا ~~الدواء كان يقوي على المواقعة" فأخذ منه فقتله وهو ميت). # قالوا: (وينبغي لأمير الجيش: أن يفشي في جيشه على ألسنة كبراء عدوهم 5، ~~(وبطارقتهم) 6 كتبا مزورة إليه، ويظهرها في عسكره، [32/ب] لتقوى بها ~~القلوب، وتنطق بمضمونها الألسنة، ويتسع فيها الكلام، فلا بد أن يبلغ العدو ~~ذلك، فيوغر قلبه على أصحابه وجنده- ويخاف أن يكون ذلك حقا- وان كان يعلم أن ~~PageV01P228 # ذلك كذبا، فلا بد أن يؤثر في قلبه أثرا) 1. # قالوا: (وينبغي له- أيضا-: أن يكثر في مجلسه من قراءة الأحاديث الواردة ~~في فضائل الجهاد وأنواعه، وقراءة كتب الغزوات، ووقائع العرب وأيامها، ~~وفتوحات المسلمين، ومنازلات الأبطال، ومعارك الشجعان من الصبر الشديد، ~~والانغماس في العدو الكثير، فيوكل الطلبة بأن يقرأوا ذلك في كل طائفة من ~~جيوشه، فإن ذلك يقوي قلوب ذوي الإيمان، ويذهب بالضعف من قلب الجبان) 2. # فان طارقا 3 - (مولى) 4 ابن نصير-5: (لما عبر ms052 إلى بلاد الأندلس، ليفتحها، ~~وخرج بعسكره في "الجزيرة الخضراء" 6 وهو: في اثني عشر ألفا، فطمعت ~~PageV01P229 # الروم فيها، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على الجيش رجل يقال له: "تدمير" ~~1، فكتب تدمير إلى ملكه "لذريق" 2 يعلمه: "بأنهم قوم لا يدري من أهل الأرض ~~هم، أم من أهل السماء؟ - قد وصلوا إلى بلادنا- وقد لقيتهم- فانهض إلي أنت ~~بنفسك! ". # فأتى لذريق في تسعين ألف عنان 3، فاقتتلوا ثلاثة أيام- أشد قتال- فرأي ~~طارق: ما الناس فيه من الشدة!، فقام يحرضهم على الصبر، ويرغبهم في الشهادة، ~~ثم قال: "أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس إلا الصبر منكم، ~~والنصر من ربكم، وأنا فاعل شيئا، فافعلوا كفعلي، والله لأقصدن طاغيتهم: ~~فإما أن أقتله، وإما أن أقتل دونه!. # فاستوثق من حلية 4 لذريق، وعلامته وخيمته، ثم حمل عليه مع أصحابه حملة ~~PageV01P230 # رجل واحد، فقتل الله لذريق [33/أ]- وحمى الله المسلمين- وانهزمت الروم) ~~1. # وبهذه الحيلة: هزم البارسلان- ملك الترك- ملك الروم، بعد: (أن جمع الرومي ~~جيوشا يبلغ عددهم ستمائة ألف مقاتل، وقد استعد من الخيل والسلاح والمجانيق ~~2، والآلات المعدة لفتح الحصون والحروب ما يعجز الوصف عن إحصائها، فلقيه ~~البارسلان بنحو اثنى عشر ألفا،- فحرض 3 قومه كتحريض "طارق" المتقدم- وحملوا ~~على ملك الروم، حتى خلصوا إليه بقتل من دونه، فقتلوه وبددوا شمله) 4. # وبها- أيضا-: (قهر "ابن تاشفين" 5، "الأذفونش" 6 ملك الروم، لأن ابن ~~PageV01P231 # تاشفين أمر قواده وأبطاله: أن يحملوا عليه، ولا يقصدون غيره، ففعلوا، حتى ~~خلصوا إليه، وأصابوه، إلا أنه هرب بعد الإصابة في نفر قليل، وبددوا جمعه، ~~وغنموا جيشه) 1. # فانظروا- أيدكم الله-: كيف قرن الله النصر بالصبر في هذه الوقائع، وكيف ~~انغمس العدد القليل في الكثير، فوقع النصر- حيث كانوا على قلب واحد- فلا ~~يستنفر ويقدم للقتال من لا معرفة له به، ولذا وجب على الإمام تدريبهم ~~وتعليمهم- كما مر!. # (ولما برز بعض ملوك 2 الأندلس، لقتال الروم، ورأي الهزيمة دنت إليه، فزع ~~إلى "رجل" 3 من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف منه بالحروب، فقال له: "كيف ~~اليوم يا رجل؟ " فقال له: "يوم أسود، ولكن بقيت لي حيلة" فذهب ms053 بعد أن زيا ~~نفسه بزي الروم- وكان يعرف كلامهم بمجاورتهم- فانغمس في عسكر الكفار، فقصد ~~إلى الطاغية 4، وجعل PageV01P232 # يترصد 1 غرته 2، فوجده مكففا 3 في السلاح لا يظهر منه إلا عيناه، فاحتال، ~~حتى أمكنته الفرصة فطعنه في عينيه، فخر صريعا، وجعل ينادي بلسان الروم: ~~"قتل السلطان يا معشر الروم" وأشاع قتله في العسكر، فكان ذلك سبب ~~انهزامهمه) 4. # قالوا: (ومن السنة إذا أراد غزو طائفة: أن يوري 5 بغيرها تورية لا يشك ~~فيها القريب والبعيد، ولا يطلع على مقصده أحدا من خواصه، ولا غيرهم، إلا إن ~~دعت ضرورة إلى ذلك- كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة "تبوك" 6 ~~- بل إن أمكنه: أن يوري بغيرها مما هو- كحالها في القرب والبعد والخوف- ~~فليفعل، ولا يعينها ما وجد لكتمانها سبيلا) 7. PageV01P233 # وفي الصحيحين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لم يكن يريد غزوة ~~يغزوها إلا ورى بغيرها) 1. # قال "ابن النحاس": (واعلم: أن الرسول يكشف حالة مرسله، لأنه أنموذج 2 ~~شجاعته واقدامه، وترجمان عقله وفهمه، فرب رسول: أزال هيبة مرسله من قلب ~~عدوه، بما شاهد من خوره 3، وعجزه، وجبنه، وقبح منظره، ورب رسول: ألقى الرعب ~~في قلب العدو، بحسن مظهره، وشدة اقدامه، وقوة قلبه، وفصاحة لسانه، فكان ذلك ~~سبب كسر العدو) 4. # وقال: (ينبغي: أن يختار الرسل الثقات الذين لهم قوة الفراسة في أقوال ~~العدو وأفعاله، وينبغي: أن لا يرسل رسولا إلى عدوه مرارا متوالية، فربما ~~PageV01P234 # حصل للرسول من المرسل إليه مؤانسة وإحسان- والقلوب مجبولة على حب المحسن ~~فقد يتولد من ذلك: عدم إقدامه عليه بالكلام، حياء منه، وترك مقابلته بما ~~يكره، وفاء له، ومداهنة 1 له في الجواب- حيث لا تليق المداهنة- فيحصل من ~~ذلك خلل لا يخفى، فإن الإحسان يقيد اللسان، وربما يتولد من ذلك صداقة تؤدي: ~~إلى أن يصير بطانة 2 للعدو عند من أرسله، فيضره من حيث لا يشعر) 3. # وكم من دولة: كان سبب زوالها، خيانة رسولها واستمالة قلبه- كما تقدم- ~~فإذا اختلفت الرسل، كان ذلك أوثق لنيل ما يرومه 4 - اللهم-: إلا [34/أ] أن ~~يكون الرسول ممن ms054 به ثقة- لا يداخلها شك- ولا ارتياب- فإن تكرر دخوله عليه. # ومن أعظم المكائد في الحروب- كما للطرطوشي، وابن النحاس، وغيرهما-: ~~(الكمين- ولا تحصى كثرته وتعدده- فان قدر على أن يجعل منه ثلاثة كمائن أو ~~أكثر فليفعل، وهو: وان كان من عدد يسير، فانه إذا ظهر: أثر في القلوب رعبا، ~~وفي الأعضاء ضعفا، وفي العقل خمودا 5، وفي الاقدام وقفة، ولا يدوم اقبال ~~مقاتل- على خصمه، إلا إذا كان آمنا من ورائه، ومتى جوز أن يؤتى من خلفه ~~تشتتت همته بين الدفع والقتال، وضعف جأشه عن مقاومة الرجال. وكم من عسكر: ~~استبيحت بيضته 6، وقل عزمه، PageV01P235 # بالكمائن، وكانت سبب هلاكهم في الجاهلية والإسلام 1. # قال ابن النحاس: (وإذا صف للقتال: فليجتهد) أن تكون الشمس في عين العدو، ~~والريح في وجهه، فإن سبقه العدو إلى ذلك، ولم يمكنه إزالته عن موضعه، ~~فليخرجه بالعسكر عن ظله وينشر الرايات، ويرتب الأبطال بنفسه- ولا يعتمد على ~~غيره- ويجعل بعض الأبطال والشجعان في قلب العسكر- فانه: مهما انكسر ~~الجناحان 2، فالعيون ناظرة إلى القلب- فإذا كانت راياته تخفق، وطبوله تضرب، ~~كان حصنا للجناحين، وملاذا لمن فر منهما، وإذا انكسر القلب: تمزق الجناحان- ~~اللهم- إلا أن يكون مكيدة من صاحب الجيش، فيجعل الحماة والأبطال في ~~الجناحين، ويجعل من دونهم في القلب، حتى إذا توسطه العدو، واشتغل بنهبه، ~~أطبق عليه الجناحان. # وينبغي: أن يختار من عسكره عصبة 3 يثق بشجاعتهم وفروسيتهم، [34/ب] فإذا ~~حمل العدو على جهة من جهات العسكر أمرهم به، وليجتهد على الثبات عند # الصدمة الأولى، وإن رأى: أن يوهم عدوه أن له كمينا بمحل كذا، (وأنه يأمره ~~بالتحول من ذلك إلى محل آخر) 4، وهو في ذلك كله إنما يريد خدعة: فليفعل- ~~PageV01P236 # والحيل لا تحصى- والحاضر فيها أبصر من الغائب-) 1. # وقد قال- عليه الصلاة والسلام-: "الحرب خدعة" 2، ومعنى قوله: "خدعة"- بضم ~~الخاء وفتحها- أي: ينقضي أمرها بخدعة واحدة 3. # ويروى: (أن "عمرو 4 بن عبدود": لما بارز "عليا"- رضي الله عنه- وأقبل ~~عليه، قال له علي: "ما برزت لأقاتل اثنين" فالتفت "عمرو"، فوثب عليه علي: ~~فضربه، فقال عمرو: "خدعتني" فقال: "الحرب خدعة") 5. # وقد فعل مثل هذا: ("الهادي" 6 - أمير المؤمنين-: ms055 لما حمل عليه ~~PageV01P237 # "الخارجي "- وليس عنده أحد- ولا معه سلاح- فلم يتحرك من مكانه إلى أن قرب ~~منه، فصاح: أضرب عنقه- كأنه يأمر أحدا من وراء الخارجي- فالتفت "الخارجي" ~~إلى خلفه، لينظر المأمور بضرب عنقه، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره، ~~وأخذ منه السيف، وذبحه به). # واعلموا- أيدكم الله-!: أن من استضعف عدوه، أو آمن به في هدنة أو غيرها، ~~وسكن إلى راحته فقد اغتر، ومن اغتر ظفر به عدوه- إذ لا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون- فاحذروا عدوم- أيدكم الله-! ولا تغتروا، واشعروا الجرأة ~~لقلوبكم عند الحرب، فإنها سبب الظفر، واذكروا الضغائن، فانها تبعث على ~~الاقدام، والتزموا الطاعة، فانها حصن المحارب- والصبر سبب النصر-. # قال بعض المصنفين: (كثرة التكبير عند اللقاء فشل: غضوا الأصوات، وتحملوا ~~السكينة والصبر، فإنهما سبب الظفر والنصر) قاله الطرطوشي 1. [35/أ] ~~PageV01P238 # وأما ### | المسألة الثالثة # فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها. ### | حكم مانع الزكاة مع تحقق عمارة ذمته، أو عدم تحققها #  اعلم: أن مانع الزكاة إن تحققت ~~عمارة ذمته كما ذكرتم- 1: فإنها تؤخذ منه لما مضى من الأعوام، وللعام ~~الحال، وإن بقتال. # وأما: إن لم تتحقق عمارة ببينة أو إقرار- إذ لا تتحقق عمارة الذمة إلا ~~بذلك- ولم يكن هناك إلا مجرد التهمة، ففي النوادر 2: (إذا أتى الساعي 3 بعد ~~غيبة سنين، فقال له رجل معه ألف شاة: "إنما ملكتها منذ سنة أو سنتين" فهو ~~مصدق بغير يمين، ويزكيها لما قال) اه 4 بنقل الحطاب 5. PageV01P239 # وكذا يقال: في الحبوب والدراهم. # فإذا قال: "لم آخذ نصابا من الحبوب، أو ليس عندي نصاب من الدراهم" فهو ~~مصدق، ولكن محل تصديقه- بدون يمين- إذا لم يمتنع من دفعها. # وأما إن تقدم منه امتناع- كما لو هرب بالماشية سنين فرارا من الزكاة- أو ~~امتنع من دفع زكاة الحرث والعين 1 سنين- أيضا- ولما قدر الإمام عليه زعم: ~~"أن الماشية نقصت عن النصاب الذي كانت عليه في السنة الأولى من سني الهروب، ~~وكملت نصابا في هذه السنة- ونحو ذلك- أو لم يأخذ نصابا من الحبوب فيما مضى" ~~أو قال: "الذي معي من العين ونحوها: ms056 إنما هو قراض 2، أو بضاعة" 3 أو قال: ~~"لم يحل حولها، أو علي دين". # ففى تصديقه في مسألة الهروب بالماشية، وعدم تصديقه إلا ببينة- ويؤخذ ~~بزكاة ما وجد لجميع السنين-: قولان 4. # وفي تصديقه- أيضا- في مسألة العين بدون يمين- ولو متهما- وعدم التصديق ~~إلا بها مطلقا [قولان]، ثالثها: يصدق غير المتهم، دون المتهم فلا يصدق إلا ~~بها. # وكذا يقال: في زكاة الحبوب فيما يظهر. PageV01P240 # وأما كونه يؤخذ المتهم بقدر معين من الزكاة بدون إقرار، ولا بينة، ولا ~~نكول 1: فلم يقل به أحد فيما علمت، ولا أظنه يوجد. [35/ب] # هذا كله بالنسبة لماضي الأعوام، وأما بالنسبة لما حضر: فلا إشكال أن ~~الماشية تعد، ويؤخذ منها الجزء المعروض عليه، وإن اتهمه أنه غيب شيئا منها ~~حلفه، حيث لا بينة على تغييبه. # والتمر، والعنب يخرصان 2، وكذا الزرع. ففي "أجوبة" 3 ابن رشد- ما نصه-: ~~(وأما الزرع: فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف: إن لم يكن مأمونا ~~على قولين: " (الأصح) 4 - عندي- جوازه، إذا وجد من يحسنه ") اه.5 # وغالب قبائل الزمان هو: عدم الأمانة، ووجود التهمة، فيخرص عليهم، ولأجل ~~كون الناس اليوم محمولين على التهمة، وعدم الأمانة. قال المتأخرون: (يمين ~~التهمة 6: PageV01P241 # تتوجه اليوم مطلقا، إلا فيما فيه معرة 1 - كدعوى السرقة- فإنها لا تلحق ~~من لا تليق به - ممن شهد فيه بالخير- ومخالطة أهله- اتفاقا) وعليه: فتجب ~~اليمين في مسألة العين مطلقا، والله أعلم. PageV01P242 # وأما ### | المسألة الرابعة # : ففيها: أربعة فصول ### | الفصل الأول # فيما يجب على الإمام من (إجبار) 8 الرعية على # الاستعداد لأن العدو دائما لهم بالمرصاد 2 #  اعلم: "أن مثل الناس بلا سلطان، ~~مثل الحوت في الماء يزدرد 3 الكبير الصغير" فمتى لم يكن لهم سلطان لم ينتظم ~~لهم أمر 4. # فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- هم أعم خلق الله نفعا، فهم أجل خلق ~~الله قدرا، لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق دنيا وأخرى، وأمرهم الله تعالى: أن ~~يأمروا أممهم بالاستعداد، ومقاتلة الكفار، ليخرجوا بذلك من الظلمات إلى ~~النور، وكذلك السلطان هو: خليفة النبوة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى ~~PageV01P243 # عبادة الرحمن، وإقامة دينهم، وتقويم أمرهم- من ms057 استعداد [36/أ] وغيره- ~~وبذل النصيحة لهم، فليس فوق الإمام العادل إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب. # فحقيق على الرعية: أن ترغب 1 إلى الله في إصلاح السلطان، وحقيق على ~~السلطان: أن يحملهم على إقامة دينهم، وتقويم أمرهم- كما تقدم في الفصل ~~السابع- في شرح قوله: {ولولا دفع الله الناس ... } - وكما قال تعالى: {إن ~~اللة يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أةلةا} 2 فالخطاب: للولاة على أحد ~~الاحتمالات بأداء الأمانات، أي: التكاليف التي كلفوا بها في الرعية- من ~~الحكم بالعدل- وتدبير أمرهم بما يعود عليهم نفعه- من استعداد وغيره 3. # ثم قال تعالى- في حق الرعية-: {يا أيةا الذين آمنوا أطيعوا اللة وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} 4. # فإنه تعالى: لما أمر السلاطين والولاة بأداء الأمانات- من الحكم بالعدل- ~~وتدبير الأمر- من الاستعداد وغيره- أمر الرعية: بالسمع والطاعة لهم، فكل ~~منهما أمره سبحانه: أن يقوم بحق الآخر 3. PageV01P244 # ثم قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه- اي: اختلفتم أنتم وأولو الأمر ~~في شيء فردوه- إلى الله والرسول ... } 1 هكذا في الكشاف 2، وغيره 3. # وإذا وجب على الإمام: أن يؤدي الأمانات- من العدل- وبذل النصح- وتدبير ~~الأمر- ولم يفعل فهو غاش لنفسه ولرعيته، ولذا قال العلماء- حسبما تقدم في ~~الفصل السابع-: (من ترك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تجري على أحكام ~~تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشها). # وقد قال- عليه الصلاة والسلام- "من غش أمتي فعليه لعنة الله". # وتقدم أيضا- في الفصل المذكور-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من استرعاه الله رعية فليحفظها بالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة [36/ب] ~~لم يرح رائحة الجنة". # إلى غير ذلك: من الوعيد اللاحق له- المنقول في الفصل المذكور- والمنقول ~~أيضا:- في الفصل الثاني من المسألة الثانية- عن الحرالي 4، على قوله تعالى: ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة ... إلى قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~PageV01P245 # والجوع ... } 1. # ولهذا قال العلماء أيضا- حسبما في أواخر "شرح نظم بيوع" ابن جماعة 2 - ~~ونقله غير واحد- ما نصه: (من البدع المحرمة: التواطؤ على ترك إهمال اقتناء ~~الخيول لأهل القدرة، واكتساب أنواع العدة، وتعلم الرماية التي بها يسيد ~~الرجل ويصول 3، وترك التحصين 4 والتحفير على ثغور المؤمنين، قال تعالى: ~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من ms058 قوة} 5 والتحفير والتحصين من العدة) 6 اه. # قال في (الكشاف ": ("من قوة"- أي- من كل ما يتقوى به في الحرب من ~~PageV01P246 # عددها. وعن "عقبة بن عامر" 1: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول على المنبر: # "ألا إن القوة الرمي، قالها: ثلاثا"- أي: تعلم الإصابة في الرمي- ومات ~~عقبة هذا: عن سبعين قوسا، وعن "عكرمة" 2: هي "الحصون") 3. # أي: "القوة" هي تحصين الحصون بالتحفير وغيره 4. # وروي الحديث المتقدم: في "صحيح" مسلم 5، وكذا رواه: أبو عوانة 6 في ~~PageV01P247 # "صحيحه"، وبوب له فقال: (باب: بيان الترغيب في الرمي، وإيجابه على ~~المسلم) 1. # قال الإمام الطرطوشي: (قوله تعالى: {ما استطعتم} مشتمل على ما في مقدور ~~البشر من: العدة، والآلة، والحيلة) 2 اه. # وقوله: (والحيلة) تقدمت الإشارة إلى بعضه: في الفصل الثاني من فصلي ~~المسألة الثانية. # وقال الإمام ابن طلحة 3: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإن اتكل ~~على أن (يتكلف) 4 الناس بأنفسهم، ضاع الباب، وتهدم الإسلام، إذ لا يتم ~~الجهاد إلا بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها، [37/أ] ووضعها ~~في محلها من جيوشهم، ويحمل 5 أهل المال: على كسب الخيول، وآلة الحرب، وسد ~~الثغور) اه. # فتأملوا- أيدكم الله-!: هذا التحريض على الاستعداد، وهو قوله تعالى: ~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} 6 وقوله- تعالى-: {وليجدوا فيكم ~~PageV01P248 # غلظة} 1 أي: بأسا وخشونة، وقوله- تعالى-: {واغلظ عليهم} 2 وقوله- تعالى-: ~~{يا أيةا النبي حرض المؤمنين على القتال} إلى غير ذلك من الآيات الكريمة ~~الصريحة في هذا المعنى، والأمر من الله تعالى- إذا ورد فهو-: للوجوب حقيقة. # ولذا: قال ابن طلحة: (يلزم الإمام ... إلخ)، وقال أبو عوانة- فيما مر ~~عنه-: (وإيجابه على المسلم) وقال في الكافي 3، والقرطبي، وابن عرفة، ~~وغيرهم: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة ... إلخ) 4. # فالخطاب: في هذه الآيات المتقدمة، وما اشبهها- من قوله تعالى: {وقاتلوا ~~المشركين كافة} - {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} - {وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة} 5 أي: شرك- {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} 6 - {فلا تهنوا وتدعوا إلى ~~السلم وأنتم الأعلون} 7 - إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة- إنما ms059 PageV01P249 # هو في ذلك كله: إلى الأئمة، إذ بيدهم الحل والعقد ن فيجب عليهم: أن ~~يجبروا الرعية، وعلى الرعية: أن يمتثلوا- كما تقدم ذلك مبسوطا في فصل ~~الاستنفار من المسألة الثانية. # ولذا قال الفقهاء- كما في الشامل وغيره-: (لا يجوز خروج جيش دون إذن ~~الإمام، وتوليته عليهم من يحفظهم) 1. # وقال الشيخ زروق 2 - كما في الحطاب-: (التوجه للجهاد بغير إذن الإمام سلم ~~الفتنة، وقل ما اشتغل به أحد فانجح) 3 اه. # فأنت: تراهم منعوا جهاد الرعية بغير إذن الإمام الذي يضبط أمرهم، لأنهم: ~~وإن خرجوا بمائة ألف مثلا، فلا يذهبون ببعض الطريق إلا تنازعوا وفشلوا قبل ~~الوصول للمحل، وإن وصلوا لم يحصلوا على طائل- إذ التقدم للحروب لا يكون إلا ~~بضبط وقهر، وكيفية ترتيب- وغير ذلك-. # فإذا كان كذلك: تعين أن يكون الخطاب في تلك الآيات الكريمة، والأحاديث ~~النبوية، إنما هو للإمام، فإن لم يكن إمام تعلق الخطاب بالمسلمين في نصبه، ~~وإقامة أمور الجهاد. # ولذا قالوا: (يلزم الإمام: أن يحمل الناس على الاستعداد ومباشرة القتال) ~~- كما مر-. # وقال الإمام "القرطبي"، وصاحب "الكافي" وغيرهم: (فرض على الإمام إغزاء ~~PageV01P250 # طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو يولي عليهم من يثق به، ~~وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم: الخروج المذكور، لا خروجهم كافة) اه. # أي: لقوله- تعالى-: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} وهذا: إن كان العدو ~~مطلوبا، لا إن كان طالبا، فيتعين الخروج على جميع ما نزل بهم- كما يأتي-. # فانظروا- أيدكم الله-!: إلى قولهم: (فرض على الإمام ... إلخ) فالوجوب ~~المستفاد من تلك الآيات متوجه: إلى الإمام- والرعية يجب عليها طاعته فيه ~~ولي غيره - فإذا فرط واتكل على أن يجاهدوا، ويستعدوا بالخيل، وتعلم الرمي، ~~كان ممن لحقهم الوعيد المتقدم- هاهنا- وفي فصل الاستنفار- وناهيك بذلك ~~وعيدا فضيعا. # فتبين: أن الإمام هو: قطب رحاها 1، وشمس ضحاها، وأن عليه المدار في الجبر ~~على الاستعداد وتوابعه من التقدم للجهاد. # قال تعالى: {يا أيةا النبي حرض المؤمنين على القتال} والتحريض: المبالغة ~~في الحث على الأمر، ولا قتال، ولا غلظة، ولا علو 2 [38/أ] إلا بآلة، ~~واستعداد. ms060 # فيجب عليه: أن يأمر أهل القدرة باقتناء الخيول، وتعلم الرماية، ويفرض ~~(الادالات) 3 على القبائل، للتحفير على الثغور، والحصون، وكل قبيلة تمون ~~PageV01P251 # (ادالتها) أو بما يظهر، وكذا: يفعل فيما تهدم من أسوار الثغور وأبرجتها ~~1، ويكثر من المهراز 2، والانفاض، (والبنب) 3، وغير ذلك من آلات الحرب، ~~ويأمرهم: بالضرب بالانفاض، والمهراز والنبال، وغير ذلك بين يديه- كما مر في ~~الفصل الثاني من المسألة الثانية-، ليعلم النجيب منهم فيكرمه، وغيره ~~فيهينه، ويحرضهم على الذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم- كما قال تعالى: ~~{قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} 4 - ويأمرهم: أن لا يكونوا من الطائفة ~~القائلة: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ... } - بل من الطائفة الأخرى ~~القائلة- {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} 5، لما مر في فصل ~~الاستنفار 6: (أن للقلة النصر، وللكثرة الرعب، فالكثرة أبدا يلزمها ~~الإعجاب، وفي الإعجاب الهلاك). # قال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم (فلم تغن عنكم) شيئا ... } 7. # ومن كانت هذه نيته، وفنى مملكته في الاستعداد والتدريب، وعين من كل قبيلة ~~مثلا مائة فارس ونحوها، ومن شجعانها وأبطالها الذين رموا بين يديه، وظهرت ~~نجابتهم في الإصابة بالرمي في الكر والفرط بمرأي من عينيه، حصلت له ولهم ~~مزية الجهاد- ولم ترعهم الكتائب الوافرة- وإن كانوا هم أقل عددا- بل هم ~~مجاهدون، وإن ماتوا قبل ملاقاة العدو، لأنهم على نيته، PageV01P252 # "وإنما الأعمال بالنيات " 1. # فسعدوا- والله-! وكفى بمزية الجهاد مزية، إذ لا يدركها أحد ولو استمر ~~[38/ب] في، العبادة ألف سنة، لأنه: أعز دين الإسلام، ومشى على نهجه- عليه ~~الصلاة والسلام # - وقام بأوامر الله أحسن قيام، وبالغ في إعلاء كلمات الله مبالغة الأبرار ~~الكرام. # قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} ~~2. ثم قال: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ~~... } 3. # وإن هو أهمل ذلك الاستعداد، وترك رعيته على ما هم عليه من الافتخار ~~باللباس، والانهماك في المآكل والازدراد، والاشتغال بزينة يحلى بها نحر ms061 ~~وجيد 4، والتنافس فيما لا يغني في الشدائد ولا يفيد، حتى تداعت الصلبان ~~محيلة عليهم وعليه، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليهم وإليه: فقد تله 5 ~~الشيطان PageV01P253 # للجبين، وخسر الدنيا والآخرة- ذلك هو الخسران المبين- (فلا هو [ولا] 1 هم ~~مفلحون في الدنيا بغلبة عدوهم) 2، ولا هو ولا هم مفلحون في الآخرة بالنجاة ~~من عذاب ربهم، للحوق ما تقدم من الوعيد الفضيع إليهم، وذلك دأب الله- ~~سبحانه- مع من أهمل أوامره، ورضي في الدنيا بالدون، وأمن مكر الله {فلا ~~يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} 3. # فاعتبروا- يا أولي الأبصار-: فإن الذهول 4 عما وقع بأهل البلاد والقواعد ~~غريب، وتفكروا في منابرها التي كان 5 يعلو فيها واعظ وخطب، وفي مساجدها ~~المتعددة الصفوف، كيف استولى عليها الكافر المريب 6؟، وكيف أخذ الله فيها ~~بذنب المترفين 7 المعرضين عن الأوامر بالاستعداد من دونهم!؟، [39/أ] وعاقب ~~الجمهور لما أغمضوا عن الاستعداد وممارسة القتال عيونهم، فساءت بالغفلة عنه ~~عقبى جميعهم، وذهبت النقمات 8 بعاصيهم، ومن داهن في أمره من مطيعهم، قال ~~تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} 9!. # فاستعدوا- أيدكم الله-!: فإن ترك أوامر الله- التي من جملتها الاستعداد، ~~والتدريب مع الحروب- مؤذنة بالبوار 10، وذريعة 11 لأن PageV01P254 # تصبحوا مضغة في لهوات 1 الكفار، وانتصروا لدين الله غاية الانتصار، ~~وتوجهوا إلى الله تعالى بالتضرع 2 والانكسار، وإلا فقد تعين في الدنيا ~~والآخرة حد الخسار. # فإن من ظهر عليه عدو دينه، وهو عن أوامر الله مصروف، وعلى الحطام 3 ~~المسلوب 4 عنه ملهوف 5، لم تقم له بعد ذلك قائمة، قال تعالى: {إن تنصروا ~~اللة ينصركم} 6. [قال]: {كيف وإن يظةروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} ~~7. # فمن استعد لعدوه الكافر في الفسحة 8 (والمهلة) 9 وجد منفعة العدة، ومن ~~تقرب إلى الله باتباع أوامره- بالاستعداد وغيره- وجده في الشدة. والعاقل من ~~لا يغتر في الحروب بالسلم مع عدوه بطول المدة، فإن الدهر يتقلب، ويبلي 10 ~~الجدة، ويستوعب 11 العدة. PageV01P255 # ولما استولى الكافر- دمره الله- على ثغر الجزائر 1 - أعادها الله دار ~~إسلام- في المحرم سنة 1246 "ست وأربعين ومائتين ms062 وألف"، لفقت 2 خطة مشتملة ~~على # التحريض على الاستعداد، وعلى بعض أحكام الجهاد، وخطت بها- بعد ذلك - في ~~بعض البلاد، خروجا: من عهدة 3 قوله- عليه الصلاة والسلام-: "إذا # ظهرت البدع، وسكت العالم، فعليه (لعنة) 4 الله والعباد" 3 ومن عهدة قوله- ~~تعالى-: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} 6 ومن عهدة ~~قوله [39/ب] تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات} 7 الموجب ذلك ~~كله، PageV01P256 # لطرد الكاتم والإبعاد، وامتثالا لقوله تعالى- في كتابه الكريم-: {وحرض ~~المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} 1، ولقوله تعالى: {يا أيةا ~~النبي حرض المؤمنين على القتال} 2. # ولقوله - صلى الله عليه وسلم - مما أخرجه: "أحمد" و"الطبراني": "أن ~~المؤمن يجاهد بسيفه، ولسانه" 3، ولقوله- عليه الصلاة والسلام- فيما أخرجه ~~"السمرقندي"-4: "أن أول من يدخل الجنة سرا، والناس في الحساب من أمر ~~بالجهاد، وحرض عليه" 5 وهكذا أيضا رواه في: "شفاء الصدور" 6. # وعن علي- رضي الله عنه- قال: "من حرض أخاه على الجهاد، كان له أجره، وكان ~~له في كل خطوة في ذلك عبادة سنة". # والمأثور عنهم في ذلك: لا يحويه ديوان، ولا يحصره زمام الأذهان، وكيف ~~"والدين كجسم، والجهاد منه بمنزلة الرأس في الأجساد"!. PageV01P257 # وأثبتها هاهنا لما اشتملت عليه من التحريض، ونيل الثواب الجزيل في قتال ~~أهل العناد. # نصها: (الحمد لله، الواحد الأحد، المنزه عن الأكفاء، والأضداد، المتعالي ~~عن الأشياء، والشركاء، والأنداد، الذي هدى من وفقه إلى طريق الرشاد، وخذل ~~بعدله من أضله فأوجب له الطرد والإبعاد، نحمده ونشكره على ما أسبغ 1 من ~~النعم، ورفع من النقم، وهو سبحانه لمن حمده وشكره كفيل بالازدياد. # ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة ترغم 2 بها أنوف أهل ~~الشرك والارتداد. # ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بدلائل الحق، وقتال أهل ~~العناد، - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار- الذين ~~[40/أ] بذلوا المجهود في قتال أهل الشرك، بذلا خارجا عن المعتاد- صلاة ~~دائمة تقينا بها من أهوال يوم الجزاء، الذي لا ينفع فيه مال، ولا وداد 3. # عباد الله!: ms063 عليكم بتقوى الله، وأجيبوا داعي الله، واعلموا: أن الله- ~~سبحانه- أيد هذا الدين المحمدي بالجهاد، ووعد الساعي فيه، أو في شيء منه ~~إلى سني المراد، فجعل- سبحانه- الشهيد بالحياة المحفوفة في برزخ 4 الموت ~~بالرزق الجزيل وحسن الاستمداد، فما من ميت مقبول إلا ولا يتمنى العود إلى ~~الدنيا إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة عند ذي العرش المجيد، فيتمنى: ~~الرجوع إليها ليزداد- إذ له من الكرامة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر- يوم العباد!. # أخرج "الحاكم": عن "عائشة"- رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P258 # - قال: "لجابر 1 بن عبد الله"- وقد استشهد أبوه 2 في "أحد" 3: "ألا ~~أبشرك؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "إن الله أحيا أباك وأقعده بين يديه، ~~وقال له: تمن علي ما شئت أعطيك؟، قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى أن ~~تردني إلى الدنيا أقتل مع نبيك مرة أخرى في الجهاد، قال: قد سبق مني إنك ~~إليها لا ترد! " 4. # فأعظم به من وصف لا تحصى فضائله، إذ قدمت على نوافل الخير المعلى 5 ~~نوافله، عند الرب الرحيم الكريم يوم التناد. # فناهيك بأن للمجاهد مزية لا يدركها غيره، ولو عبد ألف سنة، هي حياته ~~المحفوفة بالرزق الجزيل طول الأباد 6. PageV01P259 # أخرج "ابن جرير" 1: عن "الضحاك" 2 - رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال- لما أصيب أهل "أحد"-: [40/ب] "أعطاهم الله الشهادة، ~~والحياة، والرزق الطيب"، قالوا: يا ليتنا من يبلغ إخواننا: إنا قد لقينا ~~ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فقال الله- تعالى-: أنا رسولكم إلى نبيكم، ~~وإخوانكم، وأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء ... } 3 {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} 4 5. # فبين- سبحانه-: أنه لا نجاة من الموت، ولا محيد إلا في قتال أهل الكفر ~~والعناد، فيا لها من مزية علت المزايا مراتبها، ورتبة علت المراتب فضائلها، ~~فاق PageV01P260 # بها المجاهد سائر العباد، وفاز بكريم منابها 1 يوم يقوم الاشهاد، فلو ~~أراد أحدكم دواء للموت ms064 لم يجد له دواء إلا فناء نفسه في قتال أهل الكفر ~~والارتداد!. # فحرضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب 2 وجازم الاعتقاد، وأكثروا من ~~الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد، فإن لم تشغلوهم شغلوكم، ~~وإن لم تقاتلوهم قاتلوكم، كيف وهم لكم بالمرصاد، أو لا ترون أنهم نزلوا على ~~من بالقرب 3 منكم، واستولوا لهم على أعظم الثغور، وصارت تخلي رعبا منهم ~~المنازل والقصور، ويغتالون لهم الرقاب والأموال والولاد!. # فانظروا أيدكم الله لأنفسكم!: فإن فساد الكفر لا يعد له فساد، يبث الشرك ~~والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، ويمحي أثر قائلها من الأرض والبلاد!. # أولا تتيقنون أن الله- سبحانه-: أمرنا بالغلظة عليهم، والتقوي، وكثرة ~~الاستعداد؟. # أولا تعلمون أن الله- سبحانه-: وعدنا بالنصر عليهم وهو سبحانه إن وعد ~~بشيء لا يخلف الميعاد-؟ فقال- جل من قائل-: {إن تنصروا اللة ينصركم} 4، ~~وقال: {وليجدوا فيكم غلظة} 5، وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} 6 ~~وقال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} 7، وقال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} ~~8، وقال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} 9، وقال: (أم ~~PageV01P261 # حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاةدوا منكم} 1 أي: أحسبتم: أن ~~تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق في إيمانه ~~من الكاذب، ويتميز كل على الانفراد 2، وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين} 3 أي: لنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال ~~والجهاد، حتى يتبين الصابر على دينه من غيرم، وتظهر أخباركم للحاضر والباد ~~4. # فتنبهوا- أيدكم الله-!: فإنكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون، ~~وبالأحاديث المصطفية المقصودون، إذ بيدكم الحل والعقد، والرعية في طوعكم، ~~فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون!؟ - وأنتم خلفاء الله في أرضه- فكيف على دينه ~~لا تغيرون!؟، أأمنتم مكر الله- {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} -!؟ ~~5، أأتخذتم عند الله عهدا، فأنتم عليه متوكلون!؟ 6، أم تعتقدون: أن كفاركم ~~اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد؟، أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد ~~أنفسنا ورعيتنا، (بالخدمة) 7 على الأولاد؟!. # والنبي- عليه الصلاة والسلام-: إنما بعثه الله مجاهدا، وفي هذا العرض ~~الأدنى زاهدا، متقنعا باليسير، وهو: يستعد لعدوه الاستعداد الكبير، فإذا ms065 لم ~~تقتدوا به فبمن تقتدون؟، وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟، وإذا لم تشمروا 8 ~~عن PageV01P262 # ساق الجد في هذه البرهة ففي أي وقت تشمرون!؟، وإذا لم تستعدوا في هذه ~~الفسحة فمتى تستعدون!؟. # أفلا تتذكرون: أن الله- سبحانه- أمرنا بالذهاب إليهم، وقتالهم في ~~أراضيهم، فكيف: إذا قدموا إلى برنا هذا بالغي والفساد!؟، [41/ب] أم لنا ~~براءة استثنانا الله- تعالى- بسببها من عموم دعوة العباد؟!. # فالجهاد: فرض عين على من نزل بهم عدو الدين، فإن لم تكن فيهم كفاية، أو ~~لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم، (فإن لم تكن في الذين يلونهم كفاية، ~~أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم) 1، وهكذا إلى أن تحصل الكفاية، ~~ولو اتصل ذلك من مثل "المغرب" لبغداد"، وعم ذلك من الآفاق الحاضر والباد. # فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة 2، وانتهزوا من عدو الدين الفرصة ما دامت ~~معكم فسحة الاستعداد، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحق ~~العذاب، وتسترق بالكفر الرقاب، ويحصل الفوت بسبب الازدياد- فإنكم إن لم ~~تستعدوا فهم لكم بصدد الاستعداد والوقوف لكم بالمرصاد، ولا تتكلوا على ما ~~يخبركم به ضعفاء العقول من وفائهم باستمرار العهود، وعدم نقضهم للميثاق ~~المعقود، فإن ذلك كله مردود، إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل ~~الفساد، كيف ونحن لا نعتبر عهودهم وشهادتهم بالإضافة إليهم، فكيف نعتبرها ~~بالنسبة إلينا بإجماع أهل العلم والاجتهاد!. # جعلني الله وإياكم ممن يقظ فاستيقظ، ووعظ فاتعظ، وكان أول من امتثل، حتى ~~فاز بفضيلة مزية الجهاد 3. PageV01P263 # ### | الفصل الثاني # في جواز صلح العدو إن كان مطلوبا، (وفي) 1 # عدم جوازه إن كان طالبا #  اعلم: أن العدو الكافر دمره الله ~~إما أن يكون طالبا، أو مطلوبا. # فالجهاد في الثاني: فرض كفاية، [قال] "ابن النحاس": (جهاد الكفار في ~~بلادهم فرض كفاية [42/أ] باتفاق العلماء). # [وقال] "ابن عرفة": (حاصل أنقال المذهب: أنه فرض كفاية، على قادر عليه، ~~لم ينزل به عدو الدين، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن رفعه من مسلم أو ذمي. # ثم قال: وفرض الكفاية، ms066 حرام عموم تركه) 2 اه. أي: يحرم أن يتركه الإمام ~~في جميع السنين لغير عذر، قال الإمام "القاضي" "عبد الوهاب"- في "التلقين" ~~3 - : (لا يجوز للإمام تركه لهدنة، إلا لعذر). PageV01P264 # [قال] "اللخمي": (هو فرض على كل إمام كانت رعيته تجاور العدو) 1 أي: في ~~كل عام مرة. # [وقال] "أبو عمر"- في "كافيه "-، و"القرطبي"- في "تفسيره "- وغيرهما: ~~(فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو ~~يولي عليهم من يثق به ### | .... # إلخ ما مر في الفصل قبله. # وذكر "الدمياطى" 2 - في "كتاب الجهاد"-، "وابن النحاس" 3، وغيرهما: (أن ~~ترك الجهاد في جميع السنين، والإعراض عنه، والسكون إلى الدنيا خروج من ~~الدين. # واحتجوا له، بما روي: عن "ابن عمر" 4 - رضي الله عنهما-: أن النبي- ~~PageV01P265 # صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تبايعتم بالعينة 1، وأخذتم بأذناب البقر، ~~ورضيتم بالزراعة، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا، ولا ينزعه عنكم، حتى ~~ترجعوا إلى دينكم" رواه: "أبو داود" بإسناده، وقال: (حسن) 2. # قالوا: ومعنى الحديث: أن الناس إذا تركوا الجهاد، وأقبلوا على الزراعة ~~ونحوها، سلط الله عليهم العدو،- لعدم تأهبهم له- ولعدم استعدادهم لنزوله-، ~~لرضاهم بما هم فيه من الأسباب، فأعطاهم ذلا، وهو: أنهم لا يتخلصون من ~~PageV01P266 # عدوهم، حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم، من جهاد الكفار، والإغلاظ ~~عليهم، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام. # وقد دل قوله - عليه الصلاة والسلام- "حتى ترجعوا إلى [42/ب] دينكم": على ~~أن ترك الجهاد، والإعراض عنه، خروج من الدين، ومفارقة له، وكفى به ذنبا ~~وإثما. اه. # فالمخاطب في هذا الحديث الكريم، وغيره، هم: الأئمة، فمعناه: إذا ترك ~~الأئمة الناس، يتبايعون بالعينة، ويتبعون أذناب البقر ... إلخ،- كما مر في ~~الفصل قبله- وفي فصل الاستنفار-. # وذكر الدمياطي، و"ابن النحاس"- أيضا - وغيرهما، ما نصه: (خرج "ابن عساكر" ~~1، عن "أنس" 2 باسناده، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # "من غزا غزوة في سبيل الله"، فقد أدى إلى الله جميع طاعته، {فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا} 3. PageV01P267 # قال: قيل:- يا رسول الله- وبعد هذا الحديث الذي ععناه، من يدع الجهاد ms067 ~~ويقعد؟ قال: من لعنه الله، وغضب عليه، وأعد له عذابا عظيما، قوم يكونون في ~~آخر الزمان ولا يرون الجهاد، وقد اتخذ ربي عنده عهدا لا يخلفه: أيما عبد ~~لقيه، وهو يرى ذلك، أن يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين! ") 1 اه. # قال "الدمياطي"- المذكور- وغيره: (ذكر صاحب "شفاء الصدور"، عن "زيد بن ~~أسلم" 2، عن "أبيه" 3، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال ~~الجهاد حلوا خضرا ما قطر القطر من السماء، وسيأتي على الناس زمان، يقول فيه ~~قراء منهم: ليس هذا بزمان جهاد، فمن أدرك ذلك الزمان، فنعم زمان الجهاد، ~~قالوا:- يا رسول الله- وأحد يقول ذلك، نعم، من لعنه الله، والملائكة، ~~والناس أجمعون! ") 4 اه. # فانظروا- أيدكم الله-!: إلى هذا الوعيد الفضيع، وبالجملة: إنما تجوز ~~المهادنة مع كون الجهاد فرض كفاية، بأن يكون العدو مطلوبا في أرضه، ومع ~~PageV01P268 # ذلك قالوا: (إنما تجوز لمصلحة) من استعداد، وإقامة [43/أ] جيش، ونحو ذلك، ~~مما يراه الإمام من المصالح التي يحتال فيها لعدوه) 1. # قالوا: (ويستحب: أن لا تزيد المهادنة على أربعة أشهر) كما في "خليل" 2، ~~وغيره 3. # وكيف يطول في الهدنة سكونا للراحة، من تدبر قوله تعالى: {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموةا وتجارة ~~تخشون كسادةا ومساكن ترضونةا أحب إليكم من الله ورسوله وجةاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ونحوها من الآيات!؟. # قال في "الكشاف ": (قوله تعالى: {بأمره} أي: عقوبته عاجلة أو آجلة قال: ~~وهي آية شديدة لا ترى أشد منها ... إلخ) ما تقدم من كلامه فيها مع غيرها. # وقال "ابن النحاس": (في هذه الآية الشريفة: من التهديد، والتحذير، ~~والتخويف، لمن ترك الجهاد رغبة عنه وسكونا إلى ما هو فيه من الأهل والمال، ~~ما فيه كفاية، فاعتبروا يا أولي الأبصاره) اه. # وقد قالوا: (إن الإمام مع الرعية، كالنفس مع صاحبها، إن لم يشغلها ~~شغلته). # فالإمام: إن لم يشغل الرعية بأمور الجهاد، شغلته بالقيام عليه، وبعدم ~~امتثال أوامره، كما أن النفس: إن لم يشغلها صاحبها بالعبادة والطاعة لربها، ~~شغلته بالمعاصي، وكفران النعم ms068 التي أسبلت عليها. # وقال "القرطبي"- في "تفسيره"-: (إن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصر ~~PageV01P269 # الجميع- يعنى: في الجهاد- أو في فداء الأسارى -؟ قيل: يعمد إلى أسير واحد ~~فيفديه،- فإنه إذا فدى الواحد (فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في ~~الجماعة - فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا ~~أقل من / (درهم- ويغزو بنفسه إن قدر، وإلا جهز غازيا، لقوله- عليه الصلاة ~~والسلام-): "من جهز غازيا، فكأنما غزا" 1 اه. # ثم لا يخفى: أن ما وقع لتلك الأقطار، حتى صار لهم العدو يقطع لهم البحار، ~~ويتبعهم في الفيافي 3 والقفار 4، والمسلمون أمامه "كأولاد الجراد"، هذا ~~يتقدم أمام الآخر سالكين نهج الفرار، إلا من طول المهادنة في تلك الأوطان، ~~وعدم ممارسة القتال وشدة الامتحان، فسكنوا إلى الراحة، واشتغلوا بالتكسب ~~PageV01P270 # وأموال الزراعة، وصار عدوهم يتحيل لهم بأدنى التحيلات، فيفشي أخبارا في ~~أجناس الكفار من اليهود وغيرهم، أنه يريد ثغور المسلمين، وأنه مريد الخروج ~~منها، أو أنه يريد الصلح ونحو ذلك، وذلك كله: مكيدة، لعلمه: بأن ذلك يصل ~~للمسلمين، فتسكن نفسهم إليه، فينتهز فيهم فرصته، وإذا رآهم لقتاله اجتمعوا ~~كف عن خروجه لهم حتى يتفرقوا لطلب ما به تطبعوا لعلمه: أنه لا صبر لهم ~~عليه، وأنه ليس بيد أميرهم رزق يرشدهم إليه، ولا لهم مغيث من أمراء الآفاق ~~يعينهم عليه، فإذا تفرقوا دهمهم بما من الجيوش لديه. # ولهذا: قدمنا- في الفصل الذي قبله ويليه- وفي الفصل الثاني من المسألة ~~الثانية-: أن الإمام يجب عليه: أن يفرض على كل قبيلة مائة مثلا ونحوها من ~~شجعانها وأبطالها تكون معه دائما، وكل قبيلة تمون مائتها، وعليه رعي النصفة ~~في المناوبة بين الناس- كما في "ابن شاس" 1 - 2 فإذا قامت معه هذه ستة أشهر ~~ونحوها، ردها لبلادها بعد أن تأتي الأخرى في محلها، وهكذا، ليدفع بذلك هذه ~~الحيلة، وليس المقصود الاقتصار على دفعها، بل المقصود: الاستعداد لدفعها ~~وإخراجهم من القصور التي استولوا للمسلمين عليها، وإهانتهم في أراضيهم التي ~~أتوا للإسلام منها. [44/أ] # وقد تقدم- في تلك الفصول- ما- فيه كفاية، لأهل البصيرة وأولي ms069 العناية، ~~[قال تعالى]: {الذين جاةدوا فينا لنةدينهم سبلنا ... } 3، {إن اللة مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون} 4. PageV01P271 # قال "ابن عرفة": (كره علماؤنا المهادنة على أن يعطينا أهل الحرب مالا كل ~~عام، ولقد طلب الطاغية ذلك من "عبد الله بن هارون"، على أن يعطوه مائة ألف ~~دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك، فقالوا له: "الثغور اليوم عامرة فيها ~~أهل البصائر بالقتال أكثرهم من البلدان، إن قطع عنهم الجهاد تفرقوا، وخلت ~~الثغور للعدو، والذي يصيبه أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف" فسر بذلك، ~~ورجع إلى رأيهم) 1 اه. # فانظروا- أيدكم الله-!: كيف احتال العدو، وسمح باعطاء المال، لأجل أن ~~يتفرق من الثغور أهل البصائر بالقتال، ويسكن الناس إلى الراحة، فلا يقدرون ~~على مقاومته بعد ذلك لعدم ممارستهم للقتال؟!. # وانظروا: كيف كره العلماء تلك المهادنة مع أخذ المال من العدو، مع وجود ~~العدة والعدد، فكيف بها مع عدم ذلك كله؟! 2. # هذا كله: في حكم المهادنة إن كان العدو مطلوبا في أرضه. # وأما ان كان العدو طالبا- كما في تلك الناحية وغيرها من الأقطار-: فقال ~~في "المعيار": (لا يجوز الصلح والهدنة بحال، وإن وقع وجب نقضه، لأن العدو ~~حيث نزل أو قارب النزول فالجهاد متعين، وترك الجهاد المتعين ممتنع، فالصلح ~~- المذكور-: ممتنع، لأنه تعود على العدو- أهلكه الله- مصلحته، وعلى ~~المسلمين مفسدته، وإن تخيلت فيه مصلحة، فهي للعدو أعظم من وجوه مكملة، فإنه ~~يتحصن في تلك المدة، ويكثر من آلات الحرب والعدة، فيتعذر على المسلمين ~~الاستنقاذ، ويصعب عليهم تحصيل [44/ب] المراد- فالصلح المذكور إن وقع مصلحة ~~للعدو ومفسدة على الإسلام- فلا يكون له في نفس الأمر انبرام- فيجب نقضه، ~~لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم، فحكمه غير لازم عند كل من حقق PageV01P272 # أصول الشريعة) اه باختصار 1، وفيه كفاية. # قلت: وكيف يصح الصلح والهدنة من العدو الطالب للمسلمين النازل بأرضهم؟!، ~~والله سبحانه يقول: {كيف يكون للمشركين عةد عند الله وعند رسوله ### | .... # } 2، فهو استفهام بمعنى: الإنكار والاستبعاد، لأن يكون لهم عهد ولا ~~ينكثوه- مع وغرة صدورهم- يعنى: محال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ms070 ~~ذلك، ولا تحدثوا به أنفسكم. # ثم قال تعالى: {كيف وإن يظةروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا - أي: حلفاء- ~~ولا ذمة} 3 أي: عهدا؟!، (أي: حالهم وشيمتهم أنهم: إن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم قرابة، ولا حلفاء ولا عهدا) قاله: غير واحد من المفسرين 4. # والصلح الوارد عنه- عليه الصلاة والسلام 5 - إنما: هو منه إليهم، لأنهم ~~مطلوبون وقتئذ، لا منهم إليه، فحيث ظهر عليهم- عليه الصلاة والسلام- ~~وطالبهم في أراضيهم جاز صلحه لمصلحة. # ولا شك: أن العدو الكافر النازل بأرض الإسلام- وأخذ لهم الثغور، ~~والأمصار- قد ظهر عليهم، فكيف يرقب 6 عهذه، وتسكن النفس إليه؟، PageV01P273 # وكيف يكون للمغلوب على غلابه (الكافر) 1 عهد وميثاق؟!. # ولهذا قال الإمام الحافظ "أبو العباس الونشريسي"- رحمه الله- في ~~"معياره"، أثناء جواب له، ما نصه: (كيف يثاق بهم عند قوتهم وظهورهم، وكثرة ~~عددهم، ووفور عددهم اعتمادا على وفائهم بعهودهم في شريعتهم، ونحن لا نقبل ~~شهادتهم بالإضافة إليهم فضلا عن قبولها بالإضافة إلينا، فكيف يعتمد على ~~زعمهم بالوفاء!؟) 2 اه الغرض منه. # ومعناه: أن العهد أعلا مراتبه أن يكون شهادة، ونحن لا نقبل [45/أ] شهادة ~~بعضهم على بعض، فكيف نقبلها على المسلمين، ونعتمد على زعمهم وعهدهم ~~بالوفاء؟!. # فهذا خرق: للاجماع، والكتاب، والسنة بلا نزاع، قال تعالى- مخبرا عن دوام ~~معاداة الكفار للمؤمين- وانهم لا ينفكون عنها- بقوله: {ولا يزالون ~~يقاتلونكم حتى يردوم عن دينكم إن استطاعوا ... } 3. # وإنما جاز الصلح والهدنة: إذا كانوا مطلوبين في أراضيهم، لأن الغلبة ~~والظفر PageV01P274 # حينئذ للمؤمنين، فالعهد حينئذ منا إليهم، لا منهم إلينا، فالمؤمنون هم ~~الموفون بالعهود، ومع ذلك قالوا: (إنما يجوز لمصلحة ... كما مر). # وكيف تميل النفس، وتسكن لعهودهم مع نهي الشارع عنها؟!، وأيضا مهما أرادوا ~~نقضها تسببوا وطلبوا من المؤمنين أمرا لا يمكن المؤمنين أن يسمحوا به، وإن ~~هم سمحوا به انتقلوا إلى طلب ما هو أعلى منه، وهكذا إلى أن تحصل الإباية من ~~المسلمين فيحتجون عليهم. # وكيف يكون للمغلوب على غالبه (عهد) 1 ويشرط؟!، وقد سمعنا: أنكم صالحتموه ~~2 - أيدكم الله- قبل هذا الأوان، فصار يطلبكم بمطالب لا تسمحون بها، فكان ~~سببا ms071 للنقض، وقد كانت عهود من الطاغية لأهل الأندلس، فلم يتم لهم شيء منها، ~~فهو دائما إنما يطلب العهود مع كونه غالبا، لفرصة ينتهزها، أو حيلة ~~يستعملها، فيكون الصلح عائدا على المسلمين بالمفسدة، كما مر. ### | [تنبيه!] # إذا نزل عدو الدين بأرض الإسلام، أو قريبا منها مريدا الدخول إليها، فإن ~~الجهاد فرض عين على أهل ذلك البلد، وعلى إمامهم، شيوخا وشبانا، أحرارا، أو ~~عبيدا، بل وإن على امرأة إن كانت لها قوة، ولا يتوقف قتالهم للعدو النازل ~~على مشورة الإمام، ولا سيما إن بعد منهم، بل وإن لم يكن لهم إمام تعين ~~عليهم PageV01P275 # مدافعته ونصب الإمام، فإن لم يقدر- أهل ذك البلد- مع إمامهم، على مقاومة ~~العدو، تعين على أقرب الأئمة إليهم، وعلى رعيته أن [45/ب] يعينوهم، فإن لم ~~تكن فيهم كفاية ومقاومة- أيضا- وجب: على من والاهم، وهكذا حتى يأتي الوجوب ~~منسحبا على جميع المسلمين. # فقطر الجزائر مثلا: حيث لم يقدروا على دفعه، لعدم من يضبط كلمتهم، أو ~~لعدم وجود القوة فيهم، بدليل: أنه (يتردد) 1 العدو إليهم، ويأخذ مدائنهم ~~شيئا فشيئا، فإنه # يجب على من والاهم- من أئمة المشرق- وأئمة المغرب- إلى "سوس" الأقصى- ~~وإلى "بغداد" بل وإلى "الهند" 2 مثلا-: أن يعينوهم بالجيوش والعدة والعدد، ~~وإن # عصى من والاه فلم يعن، تعين على من والا من والاه، وهكذا. # قال "ابن جزي"- في "قوانينه"-3: ويتعين الجهاد بأمور: # أحدها: أمر الإمام، فمن عينه الإمام وجب عليه الخروج. # والثاني: أن يفجأ العدو بلاد الإسلام، فيتعين عليهم دفعه، فإن لم) ~~يقدروا) 4 لزم من قاربهم، فإن لم يستقل الجميع وجب على سائر المسلمين) 3. ~~PageV01P276 # وقال الإمام "أبو عمر بن عبد البر"- رحمه الله-: (يتعين على كل أحد: إن ~~حل العدو بدار الإسلام محاربا لهم: أن يخرج إليه أهل تلك الدار، خفافا ~~وثقالا، شيوخا وشبانا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر ~~سواد المسلمين، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم، كان على من ~~جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك- أيضا- من علم ~~بضعفهم، وأمكنه غياثهم، لزمه- أيضا- الخروج، فالمسلمون ms072 كلهم يد على من ~~سواهم، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم- أيضا- الخروج) 1 اه. # قال "ابن بشير" 2: (إذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين، وكانت فيهم ~~قوة على مدافعتهم، فإنه تتعين عليهم المدافعة، فإن عجزوا تعين على من ~~قاربهم نصرتهم) 3 اه. # وقال "المازري": (فان عصى الحاضر أو من والاه ولم يدفع، [46/أ] تعلق ~~الوجوب بمن يليه) 4 اه. ونصوص أهل المذهب في هذا لا تحصى كثرة. # والمخاطب بالتعيين المذكور ابتداء إنما هو: الإمام، إذ هو المكلف ~~باستنفار الرعية، لنصرة من والاهم، وتجب على من عينه لذلك إطاعته، ولا يتكل ~~على الرعية أن تفعل، كما مر: في قول "القرطبي"، و"الكافي"، وغيرهما: (فرض ~~على PageV01P277 # الإمام: إغزاء طائفة إلى العدو، ويخرج معهم بنفسه، أو يولي عليهم من يثق ~~به، وفرض على الناس- في أموالهم وأنفسهم- الخروج المذكور). # وكما مر- أيضا- في قول "ابن طلحة": (يلزم الإمام: حمل الناس على الجهاد، ~~فإن اتكل على أن يفعل الناس بأنفسهم ضاع الباب ... إلخ). # وإنما وجب على من والاهم أن يعينهم- حيث لم يستقلوا، أو لم يفعلوا-، لأن ~~العدو إذا نزل بأرض الإسلام، وعجز أهل تلك الأرض عن دفعه، أو لم يعجزوا، ~~ولكنهم عصوا وتركوا دفعه، فإن العدو يتمكن حينئذ من تلك الأرض، وإذا تمكن ~~انتقل بالمحاربة لمن والاهم وهكذا، فيؤدي ذلك لكثرة الارتداد، واستئصال ~~الإسلام. # وهكذا وقع (لأهل) 1 جزيرة الأندلس، تركوا الاستعداد، ولما دهمهم العدو- ~~منسحبا بالسلاح- وثياب البذلة 2 - خرجوا لقتاله بالغفائر 3، وثياب الزينة، ~~فدهشوا: لعدم التدريب، وممارسة القتال، فصبروا اليوم الأول- مثلا- والثاني، ~~وكلوا، فأخذ رقابهم وأموالهم، وكانت ملوكهم لا يعين بعضهم بعضا، حتى تمكن ~~العدو من طليطلة" 4 قاعدة مملكتهم، وصارت ملوكهم تؤدي الضريبة وقتئذ للعدو ~~الكافر، فلم تنفعهم الإعانة حينئذ، ولم تقم لهم قائمة! # فانظروا- أيدكم الله-!: حيث لم يعن بعضهم بعضا، ولم يكونوا بناء ~~PageV01P278 # مرصوصا، ولم يستعدوا لعدوهم الكافر عموما وخصوصا، كيف أصبحوا [46/ب] بين ~~يديه جناحا مقصوصا، والمال والحريم بأيديهم معدودا محصوصا 1، والقلب من أجل ~~فعلتهم إلى الأبد حيرانا منكوصا 2، وأصبحت مساجدهم مناصب 3 للصلبان، ~~واستبدلت ms073 مآذنهم) بالنواقس) 4 بعد الأذان، فلو لم تكن (في الدنيا) 3 إلا ~~هذه الفعلة، لكفت في أئمة المسلمين ورعيتهم موعظة!. # قال- سيدي- "العربي الفاسي": (لا يبرأ المسلمون من عهدة المدافعة، ونصرة ~~من عجز، إلا إذا استفرغوا الوسع في إزاحة الكفار من المدائن التي أخذوها ~~للمسلمين، (فلو نازلوها فلم تفتح، وجب عليهم معاودتها كلما أمكنهم ذلك، حتى ~~يفتحها الله عليهم، ولا فرق في ذلك بين المدائن المأخوذة للمسلمين) 6 حديثا ~~أو قديما). # لأن الوجوب والتعيين متعلق بالمسلمين، لا بقيد زمان، ولا مكان، إلا أنه: ~~يتعين على الحاضر زمانا ومكانا،- على ما مر ترتيبه- فانا لم يفعل لعذر، أو ~~لغير عذر، وجب على غيره ممن يليه. # كما قاله "ابن عرفة"، عن "المازري": (وترك من تقدم من أئمة المسلمين ~~مدائن الإسلام في أيدي الكفار، هم بذلك في محل العصيان، لا في محل الاقتداء ~~والاستنان، وقديما قيل: "أسلك سبيل الهدى، ولا يضرك قلة PageV01P279 # السالكين، واترك طريق الردى، ولا يضرك كثرة الهالكين") 1 اه كلامه. # قلت: وهذا منه- رحمه الله- تصريح بأن الجهاد فرض عين، على كل من الأئمة، ~~والحال: أنهم قد أخذوا له، أو لغيره ممن قبله، بعض أقطار البلدان، لأن عدو ~~الدين قد نزل به، أو بمن قبله، وقد أخذ له، أو لمن قبله ثغورا، فيجب عليه: ~~أن يستنقذ ذلك منهم، وإن ترك ذلك الاستنقاذ من قبله، وهو صحيح لا خلاف فيه. # ولهذا أفتى- سيدي- "شقرون بن هبة" 2 - أحد حفاظ المتأخرين-: بأن الجهاد ~~في هذا الزمان فرض عين ونحوه في كتاب "فلك السعادة" 3 قائلا: PageV01P280 # (الجهاد اليوم فرض عين، لأنهم قالوا: "إذ نزل العدو ساحة 1 الإسلام، ~~فالجهاد فرض عين" ولا مخالف لهذا القول، واليوم قد نزلوا بساحات، [47/أ] ~~وهتكوا أستارا وحرمات، وأخذوا معاقل وحصونا، وسبوا 2 قبائل وبطونا). # أي: وهم إذا سبوا ذلك، تعين على إمام الوقت ورعيته أن يستنقذوا ذلك، ويجب ~~على من يليه من الأئمة: أن يعينه على ذلك إن هو عجز، أو ترك وعصى- كما تقدم ~~في نص "المازري"- كما أنه يجب ذلك على من بعده من الأئمة ms074 إن هو مات. # ثم قال 3: (قال "ابن عادل" 4 في تفسير قوله تعالى: {ما كان لأةل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ... } 5، ظاهر الآية وجوب ~~الجهاد على الكل، إلا ما خصه الدليل من: المرضى والضعفاء والعاجزين 6. ~~PageV01P281 # ثم نقل عن (الأوزاعي) 1، و"ابن المبارك" 2، و"ابن جابر" 3، و"سعيد بن عبد ~~العزيز" 4: (أن) 5 الخطاب في هذه الآية: لأول هذه الأمة ولآخرها 6، وذلك لو ~~سوغنا للمندوب للجهاد أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، فيؤدي إلى تعطيل ~~الجهاد. PageV01P282 # وقال ابن عطية: (حكم الآية في دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~الصحيح، وكذلك غيره من الأئمة) اه 1. # قال: (وقد قالوا- أيضا-: إذا عجز أهل دار نزل بهم عدو الدين، عن الذب عق ~~أنفسهم، تعين على من يقربهم أن يعينهم، وهكذا: واليوم نسمع ونبصر بنزول ~~العدو ديارا فضلا عن دار فنتغافل، وربما استصرخونا 2 فنتكاسل، حتى ينتهزوا ~~3 (فرصتها)، ويتمكنوا من غرتها، ثم يفعلون بأخرى مثل ذلك، فدل ذلك: على ~~استخفافنا بقوله تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} 4 أي: ~~(فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، لأن ترك نصرهم يؤدي لمفسدة، ~~واستيلاء الكفار حتى عليكم) 5 اه باختصار كثير. PageV01P283 # وقال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه.- أي: (إلا) 1 ~~تفعلوا مثله، من تولى [47/ب] المؤمنين بعضهم بعضا، ومعاداتهم 2 للكافرين، ~~كما يفعل الكفار [من] 3 التعاضد 4 والتعاون- تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} ~~5. 6 # وبيانه: أن المؤمنين إذا تركوا التناصر والتعاون فيما بينهم- حتى يكونوا ~~يدا واحدة على الكافرين- انحل نظامهم، واستولى الكافر على جميعهم، وذلك ~~مفسدة لدينهم ودنياهم. # فالله الله في الهمم قد حمدت 7 ريحها، والله الله في الرجولية قد قل ~~حدها، والله الله في الغيرة على الدين قد (تعس) 8 جدها، والله الله في ~~الدين الذي (طمع الكفر) 9 في تبديله، والله الله في الحريم الذي مد الكافر ~~يده إلى استرقاقه وتحويله، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس ~~المتنافسون!. # وبالجملة: فلا يخرج إمام ولا رعيته من عهدة ms075 الوجوب، في إزاحة الكفار من ~~مدائن المسلمين 10، أو إعانة من عجز عن إخراجهم منها، أو مدافعتهم عنها، ~~PageV01P284 # إلا باستفراغ الوسع، وبذل الطاقة والجهد بالعدة والاستعداد، ومباشرة ~~الدفع، ومعاودة القتال بحسب الإمكان، أو يموت وهو مدين على ذلك الفعل، ~~فينتقل الوجوب إلى من تولى بعده، وأما كونه يقتدي بمن عصى من الأئمة، وترك ~~مدائن المسلمين بأيدي الكفار، أو ترك إغاثة من عجز عن الدفع، فذلك غير ~~مخلص. # وبهذا نعلم: أن محل كون الجهاد فرض كفاية: إذا لم يكن العدو أخذ شيئا من ~~بلاد المسلمين، وإلا كان فرض عين- على ما مر تفصيله قريبا- إذ هو: نازل بهم ~~دائما ما دام آخذا لثغورهم وبلادهم، فيجب على أئمة وقته، وعلى من يليهم إن ~~عجزوا، على من بعدهم إن ماتوا أو عصوا وتركوا أن يخرجوهم مما استولوا عليه، ~~ولا يحل لهم تركهم، إلا بقدر ما [48/أ] يتجهزون، ويعاودون ذلك المرة بعد ~~المرة، حتى يفتحها الله عليهم. # PageV01P285 # ### | الفصل الثالث # فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال، # ووجوب المعاونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال #  اعلم: أنه إذا ضعف بيت المال عن ~~أرزاق الجيش، فقد قال- حجة الإسلام - أبو حامد الغزالي، في كتابه ~~"المستصفى" 1، ما نصه: (فإن قيل: توظيف الخراج 2 من المصالح، فهل إليه ~~سبيل، أم لا؟، قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة PageV01P286 # الأموال في أيدي الأخيار، أما إذا خلت الأيدي، ولم يكن في (بيت المال) 1 ~~ما يفي بخراجات العسكر- ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيف دخول الكفار ~~بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام-: فيجوز ~~للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند. # ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنا نعلم: أنه إذا ~~تعارض شران [أو] 2 ضرران، قصد دفع أشد الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل ~~واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة ~~الإسلام عن ذي شوكة 3، يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور (ولفسدت الأرض ms076 ~~ومن عليها 4 اه 5 باختصار. # وقوله: (على الأغنياء ... إلخ يريد (على) من له قدرة وطاقة على دفع شيء ~~لا (يجحف) 6 به، كما يأتي. # وفي "المعيار"، عن الإمام "ابن منظور" 7: (الأصل: أن لا يطالب المسلمون ~~بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنة، ~~PageV01P287 # كالفيء 1، والركاز 2، وارث من ورثه بيت (المال)، لكن إذا عجز بيت المال ~~عن أرزاق الجند، وما يحتاج إليه من آلة حرب [48/ب] وعدة: فيوزع على الناس ~~ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم، من قوله تعالى: (قالوا يا ذا ~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فةل نجعل لك خرجا؟ ### | .... # } 3. لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط: # أحدها: أن يعجز بيت المال، وتتعين الحاجة. # وثانيها: أن يصرفه الإمام بالعدل، فلا يجوز: أن يستأثر به دون المسلمين، ~~ولا ينفقه في سرف، ولايعطي من لا يستحق، ولا أكثر مما يستحق. # وثالثها: أن يكون المغرم على من كان قادرا من غير ضرر ولا إجحاف، ومن 4 ~~لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئا. # ورابعها: أن يتفقدها في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ~~ما في بيت المال) 5. PageV01P288 # قال 1: (وكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة 2 بالأبدان، ولم يكف المال، فإن ~~الناس يجبرون على التعاون بأبدانهم، على الأمر الداعي للمعونة، بشرط ~~القدرة، وتعين المصلحة، والافتقار إلى ذلك) 3. # قال: (فإذا عزم أمير المؤمنين على رفع (الظلمات) 4 وسلك بالمأخوذ على ~~الشروط التي ذكرناها، حتى يعلم الناس أنهم لا يطالبون إلا بما جرت به ~~العوائد 5، وسلك بهم مسلك العدل في الحكم، فله أن يوزع من المال على النسبة ~~المفسرة ما يراه صوابا، ولا إجحاف فيه حسبما ذكرناه 6 اه باختصار. # فانظروا- أيدكم الله-!: فإنهم لم يخصوا ذلك بالأغنياء- والغنى يتفاوت- ~~وإنما ضبطوه بعدم الإجحاف. # قال- الحافظ-: "أبو العباس الونشريسي"- رحمه الله- كان بمحول جواب "ابن ~~منظور" - ما نصه: (تأملت السؤال بمحوله، ولا مزيد على ما PageV01P289 # أجاب به المجيب أسفله وبطرته، وبذلك أفتي وأقول، [49/أ] "محمد المواق"،- ~~وفقه الله- آمين 1 اه. # قال ms077 2: (وكان الإمام "أبو اسحاق الشاطبي"- رحمه الله- ممن يرى رأي من ~~يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم، لضعف بيت المال عن القيام ~~بمصالح الناس 3، قائلا: "وهو- رأي توظيف الخراج على المسلمين- من "المصالح ~~المرسلة" 4، ولا شك عندنا: في جوازه وظهور مصلحته في بلاد "الأندلس" في ~~زماننا، لكثرة الحاجة، وضعف بيت المال، لكن يبقى نظر آخر في قدر ما يحتاج ~~إلى أخذه من ذلك: فهذا لا يعرفه إلا الملك، أو من يباشره من خدامه وخاصته، ~~بل ذلك في زماننا لا يعلمه إلا الملك") 5 اه كلام الشاطبي. # وذكر "ابن خلكان" 6: (أن أمير المؤمنين "يوسف بن تاشفين": طلب من ~~PageV01P290 # أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى "المرية" 1 في هذا ~~المعنى، وذكر فيه: أن جماعة أفتوه بجواز طلب ذلك اقتداء "بعمر بن الخطاب"- ~~رضي الله عنه- فقال أهل "المرية" لقاضي بلدهم- وهو: "أبو عبد الله محمد بن ~~يحيى بن الفراء2 - : "الأبدان تحييه" 3، وكان هذا القاضي من أهل الدين ~~والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: "أما بعد، ما ذكره أمير المؤمنين في ~~اقتضاء المعونة، وتأخري عن ذلك، وان "أبا الوليد الباجي" 4، وجميع الفقهاء ~~والقضاة (بالعدوة) 5 والأندلس أفتوه: باقتضائها، وذكروا: أن "عمر بن ~~الخطاب"- رضي الله عنه- قد اقتضاها، فكان "عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه- ~~PageV01P291 # صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضجيعه في قبره، ولا يشك في عدله، ~~ولست يا أمير المؤمنين: بصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[49/ب] ولا ~~وزيره، ولا ممن لا يشك في عدله، فان كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في ~~العدل، فإن الله سائلهم وحسيبهم. # وما اقتضاها عمر- رضي الله عنه- حتى دخل مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وحلف أن ليس عنده، درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، ~~فلتدخل: يا أمير المؤمنين المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف: أن ~~ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسملين، وحينئذ تستوجب ذلك، ~~والسلام") 1 اه. بلفظه، ونقله غير واحد 2. # وزاد بعضهم: (أن "عليا بن يوسف" 3 كتب لأهل "المرية" يهددهم ms078 على القدح في ~~جانب الفقيه القاضي المذكور، ويأمرهم بالاعتراف له بالفضل، ولم يكن يرد ~~عليه كتاب أعز من كتابه لزهذه) 4 اه. # فتنبهوا- أيدكم الله-!: لهذه القصة، لكن حالكم معروف، وأنه لا بيت مال ~~لكم لاستيلاء الكفار عليه قبل ولايتكم. # ثم إذا جاز 5 التوزيع المذكور بالشروط المتقدمة: فإنه يجب على كل من ~~PageV01P292 # وظف عليه شيء أن يؤديه. # وقد سئل الإمام "السرقسطي" 1 - رحمه الله-: (هل يجوز لأحد أن يغيب على ~~شيء من المغارم الموظفة؟، فقال: "إن مصالح المسلمين التي لا تسكن ثغورهم، ~~ولا (ينفك) 2 عنهم عدوهم- دمره الله- ولا تأمن طرقهم إلا بها، إن كانت لا ~~تقوم إلا بمغارم الأسواق، وكان أصل وضعها عن اتفاق من أهل الحل والعقد، ~~لكون بيت المال عاجزا قاصرا عنها، فإن تلك المغارم يجب حفظها، وأن يولى ~~لقبضها وصرفها في مواضعها الثقات الأمناء، فإن أخذوها من محلها، ووضعوها في ~~المصالح التي جعلت لها، كان سعيهم مشكورا، ومن ضيعها، ووضعها في غير ~~موضعها، كان غاشا ظالما، وكذلك من لزمته [50/أ] من أهل الأسواق فحبسها، ولم ~~يخرجها") 3 اه. # وقال الإمام) الطرطوشي"- في "سراجه"-: (اعلم: أن المال قوة السلطان، ~~وعمارة المملكة، ولقاحه الأمن، ونتاجه العدل، وهو: حصن السلطان، ومادة ~~الملك، والمال أقوى العدد على العدو، ومن حقوقه: أن يؤخذ من حق ويوضع في حق ~~ويمنع من سرف ولا يأخذ من الرعية إلا ما فضل عن معاشها ومصالحها، ثم ينفق ~~ذلك في الوجوه التي يعود عليها نفعها) 4 اه لفظه 5. # فان قلت: قد ورد في الحديث، أنه- عليه الصلاة والسلام- قال: "لا ~~PageV01P293 # يدخل الجنة صاحب مكس" 1، أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟. # قلنا: المغارم لمصالح المسلمين، ليست من المكس في شيء، لأن المكس- كما ~~"لابن عرفة" وغيره-: هو: (منع الناس من التصرف في أموالهم بالبيع، أو غيره، ~~ليختص المانع بنفع ذلك) 2 اه. # وقال "أبو محمد المرجاني" 3: (المكس: أن يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد ~~غيره، أو من يختاره) 4. # وقال (الطيبي) 5: (المكس: الضريبة التي يأخذها (العشار) 6. # قال الشيخ "أبو محمد عبد القادر الفاسي": ms079 (فعلى تفسير (الطيبي) أخذ ~~PageV01P294 # الفوائد في الأبواب، والقاعات، واكتراء الأسواق والرحاب مكس، وهو الذي ~~كثر استعماله في العرف. # وعلى تفسير "المرجاني" و "ابن عرفة": ليس بمكس، وإنما هو: غصب وظلم) 1 ~~اه. # وقد علمت: أن الفقهاء- رضي الله عنهم- احترزوا عنه، وأخرجوه بالشروط ~~المتقدمة، فليست المغارم المذكورة من المكس في شيء، لأنها ليست [50/ب] لنفع ~~الأمير، بل لنفع المسلمين، ولهذا اتفقوا على جوازها. # لكن الأحوط والأقرب فيما يظهر: أن جبر الناس على المعونة بالأبدان أصوب، ~~بأن يفرض على كل قبيلة مائة فارس أو أكثر بحسب ما تطيقه، وكل قبيلة تمون ~~مائتها وإدالتها، فإذا مضى لهذه الإدالة أربعة أشهر مثلا أرسلها بعد أن ~~تأتي أخرى في محلها، وهكذا، لأن ذلك أهون على الرعية من فرض الأموال ~~وتوزيعها عليهم، ولا سيما وهم لم يعتادوا ذلك، والنفس مجبولة على حب المال، ~~لأنه شقيق الروح، فيؤدي إلى ميلهم للعدو الكافر، وإلى سوء الظن بإمامهم، ~~لتهمتهم إياه على أنه يصرف ذلك في مصالح نفسه. # فتوزيع المال يحتاج إلى رياضة وسياسة، بخلاف المعونة بالأبدان على ~~الكيفية المذكورة، فهي: سالمة مما ذكرنا- وقد تقدم التنبيه على هذا في فصل ~~الاستنفار- ولو كلف الرعية أن يحرثوا لبيت المال مثلا، فكل زوج من أزواج ~~القبائل تزرع مدا 2 أو مدين من عندها، وتحصده، وتدرسه 3، وتأتي بزمامه ~~للأمير، من غير أن يدفع الأمير لهم شيئا في مقابلة ذلك، لكان صوابا. ~~PageV01P295 # قال الإمام "الطرطوشي"- رحمه الله-: (فيا أيها الملك: احرص كل الحرص على ~~عمارة الأرضين، وعلى جباية الأموال بالرفق، ومجانبة الخرق 1، فان العلقة ~~تنال من الدم بغير أذى، ولا سماع صوت، ما لا تناله "البعوضة" بلسعتها وهول ~~صوتها. # ومثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج، حتى ضعفوا عن عمارة الأرض، مثل من ~~يقطع لحمه ويأكله من الجوع، فهو وإن قوي من ناحية، ضعف من ناحية أخرى، وما ~~أدخله على نفسه (من الوجع 2 والضعف أعظم مما دفع عن نفسه) 3 من ألم الجوع. # ومثال من كلف الرعية من الخراج فوق طاقتها: كالذي يصلح سطح [51/أ] داره ms080 ~~بتراب أساسها، ومن يدمن (حز) 4 العمود يوشك أن يضعف (فتقع) 5 الخيمة عليه، ~~وإذا ضعف الزارعون عجزوا عن عمارة الأرض فيتركونها، فتتخرب 6 الأرض، وتهرب ~~الأرزاق 7، فتضعف العمارة، ويضعف الخراج، وينتج ذلك ضعف الأجناد، وإذا ضعف ~~الجند طمع الأعداء في السلطان. # فيا أيها الملك: كن بما يبقى في أيدي رعيتك، أفرح (منك) 8 بما يؤخذ ~~PageV01P296 # منها، فلا يقل مع الصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء) 1. # قال 2: (روي: أن "المأمون ") أرق ذات ليلة، فاستدعى سميره، فحدثه بحديث، ~~فقال: "يا أمير المؤمنين كان "بالموصل" 3 بومة، و "بالبصرة" 4 بومة، فخطبت ~~بومة "الموصل" إلى بومة "البصرة" بنتها لابنها، فقالت بومة "البصرة": لا ~~أنكحك ابنتي، إلا أن تجعل في صداقها مائة ضيعة 3 خراب، فقالت بومة ~~"الموصل": لا أقدر6 عليها الآن، ولكن إن دام علينا هذا الأمير سنة، فعلت لك ~~ذلك"، قال: (فاستيقظ) لها "المأمون"، وجلس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من ~~بعض، وتفقد أمر (الولاة) 7. # قال 8: (واعلموا أن أعظم ما يدخل على الدول من الفساد، هو: تقليد ~~(الأعمال) 9 أهل الحرص عليها، لأنه لا يخطبها إلا لص في ثوب ناسك، وذئب ~~PageV01P297 # في (مسلاخ) 1 عابد وقد سبق المثل: "الحرص على الأمانة، دليل على 2 ~~الخيانة"، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين، وأكلت أموالهم، فسدت نياتهم، وقلت ~~طاعاتهم، (فانتقضت) 3 الأمور، ودب الفساد إلى الملوك) 4. # قال "المأمون": (ما فتق علي فتق قط، إلا وجدت سببه جور العمال). # (ولما عزل "عثمان"- رضي الله عنه- "عمرو بن العاص" 5 عن مصر، استعمل ~~عليها "ابن أبي السرح"، فحمل من المال أكثر مما كان يحمله "عمرو"، فقال ~~عثمان: "يا عمرو أشعرت أن اللقاح درت؟ " فقال عمرو: [51/ب] "وذلك (أنكم) 6 ~~أعجفتم 7 أولادها") 8. # وقال "زياد" 9: (أحسنوا للزارعين، فإنكم لن تزالوا سمانا ما سمنوا) 10. ~~PageV01P298 # قال 1: (وسمعت شيوخ بلاد الأندلس من الأجناد وغيرهم، يقولون: ما زال أهل ~~الإسلام ظاهرين على عدوهم، وأمر العدو في ضعف وانتقاص، لما كانت الأرض ~~مقطعة في أيدي الأجناد، فكانوا يستغلونها، (ويرفقون) 2 بالفلاحين، ويربونهم ~~كما يربي التاجر ms081 تجارته، فكانت الأرض عامرة، والأموال وافرة، والأجناد ~~متوافرة 3، إلى أن كان الأمر في آخر زمان "ابن أبي 4 عامر": فرد عطايا ~~الجند مشاهرة، وقدم على الأرض جباة يجبونها، فأكلوا الرعايا، واحتجبوا ~~أموالهم، واستضعفوهم، فتهارجت الرعايا، وضعفوا عن العمارة، فقلت الجبايات ~~المرتفعة إلى السلطان، وضعفت الأجناد، وقوي العدو على بلاد المسلمين، حتى ~~أخذوا الكثير منها، ولم يزل أمر المسلمين في ضعف، وأمر العدو في ظهور، إلى ~~أن استولى "اللمتونيون" 3 فردوا الاقطاع كما كانت في الزمان الأول، ولا ~~أدري ما يكون وراء ذلك، نسأل الله: جميل الصنع! 6 اه لفظه. # فتدبروا- أيدكم الله-!: هذه القضايا، فإن قبائلكم هي (أجنادكم) 7، ~~PageV01P299 # وتركهم يستغلون (أراضيهم) 1، ويعطون "الادالات" أفضل وأصوب يظهر من ضرب ~~الخراج عليهم- كما ترون- والله أعلم. PageV01P300 # ### | الفصل الرابع # في حكم من ساكن العدو الكفور، ورضي # بالمقام معهم في تلك الثغور #  قد تقدم في "الفصل الثاني" ~~و"الثالث" من فصول المسألة الأولى: أن الهجرة من أرض الفساد واجبة، ولا ~~فساد أعظم من [52/أ] (الكفر). # قال "ابن العربي"- في "الأحكام"-: (الهجرة وهي: الخروج من دار الحرب إلى ~~دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه الهجرة ~~باقية مفروضة إلى يوم القيامة) اه 1، ونقله في "المعيار"، وقال: (وكذلك ~~الهجرة من أرض الحرام والباطل. # وقد قال- عليه الصلاة والسلام-: "يوشك أن يكون خير مال المسلم) غنم) 3 ~~يتبع بها (شعف) 4 الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن "أخرجه ~~PageV01P301 # البخاري"، و"الموطأ" 1 2. # قال 3 - في العارضة-4: (فإن لم يوجد بلد إلا كذلك؟ قلنا: يختار المرء ~~أقلها اثما، مثل أن يكون بلد فيه كفر، وبلد فيه جور، بلد الجور خير له. أو ~~بلد فيه عدل وحرام، وبلد فيه جور وحلال، فبلد الجور والحلال خير. أو بلد ~~فيه معاص في حقوق الله، فهو أولى من بلد فيه معاص في مظالم العباد ### | .... # إلخ) 5. # قال: ولا (يسقط) هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى على بلدهم) ~~العدو، الكافر) - لعنه الله- إلا تصور العجز عنها بكل وجه، بحيث لم يجد ms082 لها ~~حيلة ولا سبيلا، مثل: أن يكون مريضا جدا، أو ضعيفا جدا، ولا بد مع ذلك من ~~كونه له نية صادقة، أنه إن قدر على الهجرة يوما ما هاجر. فحينئذ يرجى له ~~العفو المشار إليه، بقوله تعالى: {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتةاجروا ~~فيةا ... إلى قوله: فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} 6. # وأما القادر على الهجرة بحيلة أو غيرها، فهو غير معذور، داخل في وعيد ~~PageV01P302 # قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... إلى قوله ... : ~~وساءت مصيرا} 1، وفي وعيد قوله تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا ~~[52/ب] عدوي وعدوكم أولياء (تلقون إليهم بالمودة)} 2 ... إلى قوله: {ومن ~~يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} 3، وفي قوله تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم ... إلى قوله ... : إن كنتم تعقلون} 4 وفي قوله ~~تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك ~~(فليس) 3 من الله في شيء} 6، وفي قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار} 7، وفي قوله تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} 8، وفي قوله ~~تعالى: {يا أيةا الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ... ~~إلى قوله ... : إن كنتم مؤمنين} 9 10. # (وفي عيد قوله- عليه الصلاة والسلام-: "أنا بريء من كل مسلم مقيم بين ~~PageV01P303 # أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: لم؟ قال: لا تتراءى "نارهما 1" 2. # وقال: "لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو ~~منهم" 3 4. # قال في كتاب "فلك السعادة": (والحديثان رواهما أحد الكتب الستة وفي لفظ ~~"أبي داود" عن (سمرة) 5: "من جامع المشرك، أو سكن معه فهو مثله") 6 اه. # قال في "المعيار": (ولا معارض لهذين الحديثين، ولا ناسخ، ولا مخصص، ولا ~~مخالف لهما من أئمة المسلمين) 7. PageV01P304 # ونقل في "المقدمات" الحديث الأول في كتاب: "التجارة إلى أرض الحرب" ~~مقتصرا عليه، ثم قال: (فإذا وجب بالكتاب، والسنة، واجماع الأمة، على من ~~أسلم بدار الحرب أن يهجره، ms083 ويلحق بدار الإسلام، ولا يقيم بين أظهر ~~المشركين، لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم، حيث ~~تجري عليه أحكامهم في تجارة، أو غيرها!؟. # وقد كره "مالك"- رحمه الله-: أن يسكن أحد ببلد يكفر [53/أ] فيها بالرحمن، ~~وتعبد من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلا مسلم مريض الإيمان) 1 ~~اه. # قلت: (أنظر: هل يسقط الحج عن من علم من نفسه، أنه لا طريق له إلا من ~~بلادهم؟، إذ لا تباح طاعة بارتكاب معصية، لأن الدخول لبلادهم لتجارة أو ~~غيرها ممنوع- كما رأيته- مسقط للشهادة والإمامة- وتقدم عن "المازري": أنه ~~لا يجوز الدخول لبلادهم لشراء الأقوات- أو يخفف له في ذلك؟، لم أر فيه ~~نصا). # ثم ذكر في كتاب "فلك السعادة"- اثر ما مر عنه، عن "الزناتي" في كتاب ~~"المولد" 2 - : (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ترافقوهم في ~~الأسفار، ولا تساكنوهم في الأمصار، واضربوا بينكم وبينهم بسور البعاد) 3. # قال: (وروى "الزناتي"- في كتابه هذا- أيضا-: أنه- عليه الصلاة والسلام- ~~قال: "من ضحك في وجه يهودي، فكأنما قرصني في فؤادي") 4. PageV01P305 # وذكر بعضهم: (عن "أبي موسى الأشعري "أرضي الله عنه، قال: قلت # "لعمر بن الخطاب "- رضي الله عنه-: أن في كنابنا نصرانيا، قال: ما لك؟! # - قاتلك الله- ألأ اتخذت حنيفيا؟ 2، أما سمعت قول الله تعالى: (يا أيها ~~الذين # آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض؟!، قلت: له ~~دينه # ولط كتابته، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعرهم إذ أذلهم الله، ~~ولا أدنيهم # إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتئم أمر النصرة إلا به، فقال: مات النصراني، ~~والسلام # يعني: هب أنه مات، فما تصنع بعده، فافعله الآن، واستغنى عنه بغيره) 3 اه. # وقد قيل: (من والى أعداء الله، تبرأ منه، ووكله إليهم) اه. # فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوئة، والاجماعات القطعية، كلها 531/ ~~ب،- كما في "المعيار"- صريحة في: وجوب الهجرة"، وحرمة لم الاقامة في ~~بلادهم، ولا تجد لذلك مخالفا من أهل القبلة. # وأما دمه وماله إذا لم يهاجر مع القدرة: فقال في "المعيار"- أيضا- إثر ما ~~مر # عنه: (اختلف الناس ms084 فيمن أسلم، وبقى "بدار الحرب ". # فقال "مالك ": "دمه محقون- أي معصوم- وماله فيء، فهو لمن أخذه، # أبو موصى، عبد الله بن قيس بن سليم بن حرب، الصحالي الجليل، الشجاع، ~~الفاتح، وأحد الحكمين الفذين رضي بهما على ومعاوية بعد حرب لأصفين "، وأحسن ~~الصحابة صوتأ في التلاوة، له (355) حديثا، مات بالكوفة (سنة 44ه). (ابن ~~سعد- طبقات: 4/ 79، ابن الجوزي- صفة: 1/ 225، الزركلي- الأعلام: 14/ 4 1). # في "ب" (حنفيا) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو بمعنى الميل إلى ~~الإسلام الثابت عليه، والمستقيم، ومن أسلم لأمر الله ولم يلتو. (الزاوي- ~~ترتيب القاموس المحيط: 727/ 1، البستاق- فاكهة: 351). # أورده ابن قتيبة في "عيون الاخبار": 43/ 1! "كتاب السلطان،) عن اسحاق بن ~~راهويه قال: لأعن عياض ابن أممط موسى، أن عمر بن الخطاب، قال لأممط موسى: ~~ادع لمط كاتبد ليقرأ لنا صحفأ جاءت من الشام، فقال أبو موصى: انه لا يدخل ~~المسجد؟ قال عمر: أبه جنابة؟ قال: لا، ولكنه نصراق، فال: فرفع يده فضرب ~~فخذه حتى كاد يكسرها ثم قال: مالك ### | ....... # "." # PageV01P306 # وليس بمعصوم حتى يخرج به لدار الإسلام". # وقال "الشافعي": "دمه وماله معصومان، وإن لم يخرج لدار الإسلام". # ويقول "الشافعي": قال "أشهب"، و"سحنون"، واختاره "ابن العربي". # وبقول "مالك" في المال: قال "أبو حنيفة" 1 - كما ترى-، وبه قال "أصبغ" 2، ~~واختاره "ابن رشد"، وهو المشهور عن "مالك". # فمن أسلم منهم: عند "مالك"، "وأبي حنيفة"، ولم يحز مالا ولا ولدا بدار ~~الإسلام- أي: لم يخرج إليها بماله وولده- فكأنه: لا مال له ولا ولد عندهما، ~~وكان اليد للكفار، كما أن الدار لهم، فماله وولده لمن قاتل عليه من ~~المسلمين، باتفاق هذين الإمامين) 3. PageV01P307 # قال 1: (وهذا الخلاف: وإن كان إنما ورد فيمن أسلم منهم، وبقي بين أظهرهم، ~~ولم يهاجر، لكن المتأخرون 2: ألحقوا به في الحكم من كان مسلما بالأصالة، ~~وبقي ساكنا معهم، ولم يهاجر بعد استيلاء الطاغية على أرضه- وأخرى لو فر منا ~~إليهم- وسووا بينهما في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم، (ولم) ~~3 يروا فيها فرقا بين الفريقين، وذلك لأنهما في موالاة الأعداء، ومساكنتهم، ~~ومداخلتهم، وملابستهم، وعدم مباينتهم 4، وترك الهجرة الواجبة عليهم سواء، ~~فألحقوا- رضي الله [54/أ] عنهم-: ms085 من كان مسلما بالأصالة، وبقي ساكنا بين ~~أظهرهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، في جميع الأحكام. # فاجتهاد المتأخرين في هذا مجرد إلحاق ما سكت عنه الأقدمون، فيمن كان ~~مسلما بالأصالة، لعدم وقوعه في زمنهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، ~~لاستوائهما في المعنى من كل وجه، وهو عدل من النظر واحتياط في الاجتهاد، ~~فكان في غاية الحسن) 3. # قال: (لكن "ابن الحاج" 6: بعد أن وافق غيره في الإلحاق المذكور، بحث ~~PageV01P308 # وفرق من عنده بينهما: بأن مال من أسلم كان مباحا قبل إسلامه، بخلاف مال ~~المسلم بالأصالة، فإنه لم يتقدم له كفر يبيح ماله 1. # ثم ذكر صاحب "المعيار" عن "ابن رشد" كلاما 2، وقال عقبه: (هذا يؤذن ~~بترجيح خلاف ما رجحه ابن الحاج من الفرق المذكور) 3 اه كلام صاحب "المعيار" ~~بتقديم، وتأخير، واختصار، وزيادة، للايضاح. # وقد علمت منه: أن المسلم بالأصالة ومن تجدد إسلامه سواء في الأحكام ~~المذكورة، وأن ما فرق به "ابن الحاج" يرد بما "لابن رشد"، لأنه المقدم عند ~~الاختلاف، ولا سيما- وقد تقدم-: أنه المشهور عن "مالك". # بل قد يقال: إن المسلم بالأصالة يؤخذ بالأحرى من حكم من أسلم لا ~~بالمساواة، لأن من أسلم ربما يعذر، لقرب عهده بالإسلام، فلم يعلم بوجوب ~~PageV01P309 # الهجرة، والجهل بالأحكام له أثر في الجملة، فلا تفريط معه حينئذ، بخلاف ~~المسلم بالأصالة، فالغالب علمه بوجوبها- ولا سيما الفار منا إليهم- فهو: ~~مفرط عاص بتركها، فالمسلم بالأصالة أسوأ حالا قطعا ممن أسلم، وبه يبطل: ~~تفريق "ابن الحاج" والله أعلم. # ثم قال في "المعيار": (قال بعض المحققين من الشيوخ: يظهر أن الأحكام ~~الملحقة بهم في الأنفس والأولاد، جارية على المقيمين [54/ب] مع النصارى ~~الحربيين، على حسب ما تقرر من الخلاف المتقدم، ثم إن حاربونا ترجحت حينئذ ~~استباحة (دمائهم، وان أعانوهم بالمال على قتالنا: ترجحت حينئذ استباحة) 1 ~~أموالهم، وقد # ترجح سبي ذراريهم) 2 اه. # قلت: ولا يخفى أن كل مقيم بدارهم، لا بد أن يؤدي جزية لهم، فهو (دائما) 3 ~~معين لهم علينا، ومكثر سوادهم، وذلك مرجح لإباحة أموالهم، كما قاله ms086 الإمام ~~"مالك"- رحمه الله- ومن وافقه، على ما مر بيانه. # وتقدم في فصل الاستنفار، عن الإمام "ابن زكري": (أنهم يقاتلون قتال ~~الكفار، حيث أعانوا الكفار ولو بالمال. والله أعلم. PageV01P310 # وأما ### | المسألة الخامسة # : فلا شيء يتعلق بها، بل هي قائمة بنفسها #  اعلم: أن مانع المعونة بالمال أو ~~بالأبدان باغ قطعا، لأنه منع حقا وجب عليه - كما تقدم في الفصل الثالث من ~~فصول المسألة الرابعة- وحينئذ يجري عليه: حكم البغاة المشار إليه بقول ~~"خليل" وغيره: # (الباغية: فرقة خالفت الإمام لمنع حق ... إلى قوله ... : واستعين بمالهم ~~عليهم) 1. # ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ ما جهز به الإمام الجيوش التي قاتلهم بها، ~~لأنهم ببغيهم متسببون في إتلاف بيت المال، فعليهم ضمان ذلك في المال الذي ~~بأيديهم وفي غيره. # كما قالوا: (ان الملد المماطل ضامن لما تسبب في إتلافه على خصمه من أجرة ~~الرسول) - كما تقدم تحقيقه في الفصل الخامس من فصول المسألة الأولى- والجيش ~~كله رسول للبغاة في الحقيقة، ولم أره مسطورا هكذا، إلا أنه لا شك أن من ~~تسبب في إتلاف مال، وجب غرمه عليه، ولعل هذا هو المستند في [55/أ] عدم رد ~~الملوك اليوم أموالهم إليهم، إذ الغالب أنها لا تفي بما جهزوا به جيوشهم ~~التي قاتلوهم بها. # أو يقال: مستندهم في ذلك: سد الذريعة- كما تقدم تحقيقه في الفصل الثالث ~~من فصول المسألة الأولى- إذ لو ردت إليهم أموالهم، لكان ذلك سببا لبغي ~~غيرهم، فعدم ردها إليهم فيه سد تلك الذريعة. # أو يقال: رد أموالهم إنما هو: إذا تأتى جمعها من الجيش، ولم يخش بغيه بها ~~ثانيا، والغالب أنه يتأتى جمعها وأنه يخشى بغيه بها ثانيا وهذا مفهوم ~~PageV01P311 # الشرط 1، المقدر في قولهم: (ثم رد كغيره) 2، أي: إن أمنوا من بغيهم نجها ~~ثانيا، والغالب من قبائل الزمان عدم الأمن، كما مر. # أو يقال: العقوبة بالمال فيها نزاع، ومال البغاة من ذلك قطعا، بل ينبغي ~~أن لا يدخلها الخلاف المتقدم، حيث راعى الإمام تضمينهم لما أفسدوه عليه، ~~أي: تسببوا في إتلافه ببغيهم. # على أنه قد يقال: الاستعانة ms087 الحقيقية، إنما هي قبل القدرة عليهم، وهو ~~قبلها لا تمكنه الاستعانة بمالهم، إلا على الوجه المذكور، وهو أن يجهز ~~جيوشه، ثم يضمنهم ذلك. # وأما بعد القدرة: فلا تتصور الاستعانة، لأنه لم يبق قتال بينهما يوجب ~~الاستعانة بالمال. # وأما ما ظفر به من مالهم حال القتال، وقبل كمال القدرة عليهم، فذلك قليل ~~بالنسبة إلى ما بقي بأيديهم، ومع ذلك قالوا: (إنما يرد إليهم إذا استغنى ~~الإمام عنه) 3 - كما في "شراح المتن"- والغالب: عدم الاستغناء. # وأيضا: فإن بغاة هذا الزمان غير (متأولين) 4 وكل باغ غير متأول يضمن ما ~~قتله من الجيش، كما يضمن ما أتلفه من الأموال، كما أشار له [55/ب] "خليل" ~~بمفهوم قوله: (ولم يضمن متأول أتلف نفسا، أو مالا ### | ..... # إلخ) 5 فأموالهم حينئذ ربما PageV01P312 # لا تفي بما أتلفوه من الأموال والأنفس. # وأيضا: إن رد أموالهم إليهم إنما هو: إذا علمت ملاكه. # وبالجملة: فواحد من الوجوه المتقدمة كاف في عدم وجوب ردها إليهم، فكيف ~~بذلك إذا وجدت تلك الوجوه كلها، أو وجد غالبها، أو متعدد منها!، ولذا قال ~~في- "معاوضات" - "المعيار": (يجوز شراء ما لم يعلم مالكه من الطعام الذي ~~يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) 1 اه. # وظاهره: أنه يجوز له تملكه، ولا يحتاج إلى تعريف به، ولهذا صح له بيعه، ~~وللآخر شراءه، وما ذلك إلا لكون الغالب وجود شيء من الوجوه السابقة المانعة ~~من رد أموالهم إليهم، وإلا لوجب التعريف، ولم يجز لأحد شراؤه قبله، والله ~~أعلم) 2. PageV01P313 ### | خاتمة # قال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} 1 أي: لأهلكم 2 بعذاب من ~~عنده، وكفى أمرهم بغير قتال، إلا أنه- تبارك- وتعالى- أراد بحكمته (اختبار) ~~3 المؤمنين، فأمر بالقتال، ليبلو بعض الناس ببعض، فيصير من قتل من المؤمنين ~~إلى ثواب، ومن هلك من الكافرين إلى عذاب. # هذا في قتال الكفار، وكذا في قتال البغاة، لقوله- تعالى-: {فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ... - أي: ترجع- إلى أمر ~~الله} 4، ولو شاء الله لانتصر منهم- أيضا- وأهلكم بغير قتال. ولكن: سبق في ~~علمه- سبحانه-: أنه لا بد من ms088 الاختبار، قال- تعالى-: {(ما) 5 كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه ... أي: لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من ~~منافقكم-6 ... حتى [56/أ] يميز الخبيث من الطيب} 7. PageV01P314 # قال "قتادة": (حتى يميز المؤمن من الكافر: بالهجرة والجهاد) 1. # وهكذا: التكالف الشرعية: من صلاة، وصيام، وزكاة، وجهاد، وحج- ونحو ذلك من ~~الواجبات- وتحريم الربا- مثلا- وأكل أموال الناس بالباطل، وبيع الطعام ~~بالطعام نسيئة 2 - ونحو ذلك من المحرمات- كلها للاختبار. # قال - تعالى-: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} 3. # فالتكاليف 4 الشرعية- من المأمورات والمنهيات- كلها عيار 5 صادق للعباد، ~~كما يعير الدرهم باخراج ما في بطنه للعيان بسبب إمراره وحكه على حجارة. # قال- تعالى-: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} 6 ~~والفتنة: الامتحان والاختبار، بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة ~~الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجرة الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط، ~~وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، والصبر على إذايات 7 الكفار، ~~PageV01P315 # وكيدهم، وضررهم 1. # والمعنى: أحسب الناس الذين أجروا كلمة التوحيد على ألسنتهم، وأظهروا ~~القول بالإيمان، أنهم يتركون لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله ويختبرهم ~~بضروب المحن، حتى يختبر صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع 2 ~~نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب فيه، ~~والمتمكن فيه من العابد على حرف. # كما قال- تعالى-: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ... } 3. # قال: {ولقد فتنا الذين من (قبلهم) 4} 5. # يعنى: أن أتباع الأنبياء قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فتنوا، ~~وأصابهم ما (هو) 6 أشد مما أصابكم فصبروا. # كما قال- تعالى-: {وكأين من نبي قتل 7 معه ربيون كثير فما وةنوا لما ~~PageV01P316 # أصابهم ... } 1 [56/ب] # والمعنى: (أن الافتتان والامتحان، سنة قديمة جارية في الأمم كلها، ~~فليعلمن الله- بالامتحان والاختبار- الذين صدقوا في الايمان، وليعلمن ~~الكاذين فيه، فيجازي الذين صبروا وصدقوا بالثواب الجزيل وعلو الدرجات، ~~والذين كذبوا ولم يصبروا بالعذاب الأليم، وبكونهم في أسفل الدركات) هكذا في ~~"الكشاف" 2، و"البيضاوي" 3، وغيرهما. # ولذا قالوا: (الصبر ثلاث أقسام: صبر على الطاعة، حتى يؤديها. وصبر عن ~~المعصية، حتى يتركها. وصبر على (المصيبة) 4، حتى لا يجزع منها) 5. # وكلها: يشملها قوله- تعالى-: {إنما يوفى الصابرون ms089 أجرهم بغير حساب} 6. # فشدوا- أيدكم الله-: على الكتاب والسنة، فإن كتاب الله هو الحكم الفاصل ~~بين الحق والباطل، والسنة هي القسطاس العادل بين المقتصد 7 (والمائل) 8، ~~ومن خرج PageV01P317 # عنهما مرجعه إلى الويل والثبور 1، ويتجرع كؤوس الندامة يوم النشور. # واعلموا: أنه لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وعلقوا ~~ظاهرم، وباطنكم بالله- تعالى- ولا تشغلوا سركم بسواه- فإنه ليس في الوجود ~~سواه- وكما تحذرون الوقوع في العمل المشترك، احذروا أن يكون لكم قلب مشترك، ~~فإن الله- سبحانه- غيور لا يريد من يقف بساحة المنازل والدور. # وقد تقدم قول "عمر"- رضي الله عنه-: "إنما تقاتلون بأعمالكم"، وتقدم: أن ~~النصر مقرون بالصبر، أي: المشتمل على أقسامه الثلاثة، وتلك الأقسام: هي ~~العمل بالكتاب والسنة لا يخرج عنهما شيء. # واعلموا: أن أحوالنا مع الله- تبارك وتعالى- كأحوال: أمة حبشية جيء بها ~~من بلادها، من يد إلى يد يلعب بها، فلما وصلت إلى [57/أ] السوق اشتراها ~~السلطان، وخلع عليها من أنواع الحلي والحلل على اختلاف أنواعها ما لا يوصف، ~~فإن كانت عاقلة عارفة قدر نفسها، وتفكرت في أصلها، وخساسة قدرها، وحققت أن ~~كل ما عندها، إنما هو خلع من فضل السلطان عليها، واعترفت له بالإحسان، وعدم ~~استحقاقها لتلك الخلع، فقد قيدت تلك النعم 2 بعقالها 3، وإن هي رأت لنفسها ~~مزية استحقت بها ذلك منه، فقد تعرضت لزوالها. # أرأيت ان سلبها تلك الخلع، وأخرجها إلى السوق تباع، أليست هي الأمة ~~الأولى؟!. # فحال الذين: صدقوا في الإيمان، وصبروا، وشكروا نعم الله عليهم بطاعته، ~~وامتثال أوامره- من جهاد واستعداد، وغيرهما من إقامة الصلاة، واجتناب ~~المحرمات، وارتكاب الشهوات- كحال: الأمة المعترفة بإحسان سيدها إليها، ~~لأنها لم تفرح بالنعم نفسها، وإنما فرحت بالمنعم عليها، ورضي سيدها عليها، ~~واستحقت بذلك المزية. PageV01P318 # قال- تعالى-: {لئن شكرتم ... - النعم بالطاعات، وامتثال الأوامر، واجتناب ~~النواهى- ... لأزيدنكم} 1 نعمة إلى نعمة. # كما قال- تعالى-: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} 2. يعني: وكذلك من يقيم القرآن. # وحال الذين كذبوا، كحال الأمة التي رأت لنفسها مزية، ولم تعترف بإحسان ~~سيدها، ms090 ولا شكرته، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، لأنها فرحت بالنعم لا ~~بالمنعم عليها، فقد تعرضت لزوالها. # قال تعالى: {ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} 3 كما قال- أيضا-: {إن اللة لا ~~يغير ما بقوم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) 4} 5، وقال: {وما أصابكم من مصيبة ~~بما 6 كسبت أيديكم} إلى غير [57/ب] ذلك. # فشدوا- أيدكم الله-: على الكتاب والسنة (بالنواجذ) 7 وبالغوا في إتقانهما ~~وتحريرهما، والعمل بهما على ما تقتضيه القواعد. # فإنه: لا يعبد الله إلا بالعلم، قال تعالى: {وقل رب زدني علما} 8، إذ به ~~PageV01P319 # يعرف الله، وبه يتميز الحلال من الحرام، وبه شرفت الملائكة والرسل ~~والأنبياء، ومن أجله سجدت الملائكة لأبينا "آدم" حين علمه ربه الأسماء 1. # ومن رأى منكم شيئا في نفسه، أو غيره، من خرق العادات، فليرجع بذلك إلى ~~كتاب رب السموات، وسنة سيد المخلوقات، فما وجدته موافقا، فاشكر الله على ~~ذلك، وما وجدته مخالفا، فدعه ولا تغتر بما هنالك، فكم من مبتدع مشى على ~~الماء، وطار في (الهواء) 2، واللعين إبليس يغوص في الماء، ويطير في الهواء، ~~والدجال 3 تخرق له العادات، وتسخر له الجمادات، ويحيي الأموات وتطويه الأرض ~~والسموات، وهو كافر بإجماع، يدعي الربوبية، وينسب نفسه للألوهية. # وقد ألقى السامري 4 حلية في النار فصار عجلا جسدا له خوار 3، وإنما ~~PageV01P320 # ذلك: فتنة واختبار، هل يرجع إلى وراء (أو) 1 يتبع الآثار؟!. # قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا} 2، فمن ترك ما عنده من الكتاب والسنة، ~~لظن ما عند الناس من خرق العادات والبدعة، فهو مغرور، لأن حكمة الألوهية ~~اقتضت: أن يتحلى الإنسان بإظهار العبودية، بإقامة التكاليف الشرعية، - على ~~ما أخبر به الكتاب والسنة- من غير فرق بين مشروف أو شريف، ولا بين صالح أو ~~ضعيف. # قال "ابن خلكان"- في ترجمة: "أبي يزيد البسطامي" 3 ما نصه-: (ان أبا ~~يزيد، كان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات، حتى [58/أ] يرتفع في ~~الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ ~~الحدود، وأداء الشريعة!) اه لفظه. # قال الإمام "القرطبي"- عند قوله تعالى-: {مثاني تقشعر ms091 منه جلود الذين ~~PageV01P321 # يخشون ربهم} 1 - ما نصه-: (عن "أساء بنت أبي بكر" 2 - رضي الله عنها- ~~قالت: "كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرىء عليهم القرآن، ~~تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم" قيل لها: "إن الناس اليوم، إذا قرىء عليهم ~~القرآن خر أحدهم مغشيا عليه" فقالت- منكرة لذلك-: "أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم! ") 3. # وقال "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي" 4: (مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ~~ساقط، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: "إنه إذا قرىء عليه القرآن، أو سمع ذكر ~~الله سقط" فقال "ابن عمر": "إنا لنخشى الله ولا نسقط"، ثم قال: "إن الشيطان ~~يدخل في جوف أحدكم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - "!) ~~5. # قال "عمر بن (عبد العزيز) " 6: (ذكر عند "ابن سرين" 7: الذين يصرعون ~~PageV01P322 # إذا قرىء عليهم القرآن، قال: "بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت ~~باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فان رمى بنفسه فهو ~~صادق"!) 1. # وقال (أبو) 2 عمران الجريني 3: (وعظ "موسى"- عليه الصلاة والسلام- بنى ~~إسرائيل، ذات يوم، فشق رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: "قل لصاحب القميص: ~~لا يشق قميصه، فإني لا أحب المبذرين، بل يشرح لي عن قلبه"!) 4 اه لفظه. # وذكر في "دوحة الناشر" 5: (ان العالم- الشهير- أبا عبد الله PageV01P323 # (الورياجلي) 1: كان متصدرا للفتوى والإقراء- "بقصر [58/ب] عبد الكريم"-2 ~~فجاء ذات يوم لمجلس التدريس، فلم يجد أحدا من الطلبة، إلا اثنين أو ثلاثة، ~~فسأل عن # وجه تخلفهم؟، فقالوا له: "ذهبوا مع جميع الناس إلى رجل 3، قدم إلى البلد، ~~يدعي: أنه عيسى بن مريم"، فقال (لهم) 4: "اذهبوا (بي) 5 إليه "، فلما وصلوا ~~إليه، وجدوه قد اجتمع عليه خلق كثير بين خادم وزائر، قال الشيخ: "أنت تدعي ~~أنك عيسى بن مريم؟ " فقال: "نعم" فقال له: "ومن يشهد لك؟ " فقال: "تلك ~~الصومعة، تشهد لي" فقال: "وكيف ذلك؟! " فقال: "تشير لها، فتولول 6، ~~وتتمايل" فأشار لها، فولولت وتمايلت، وجميع الناس ينظرون، ويعدون ذلك من ~~أعظم البراهين على صدقه!. # فتقدم الشيخ إليه، وسأله: عن التوحيد ومعتقده؟، ms092 فلم يجد عنده شيئا، ~~فسأله: عن بعض الفرائض والسنن؟، فلم يجب بشيء. # فوثب الشيخ عليه، ولم يجد من يعينه، إلا الطالبان اللذان أتيا معه، ~~PageV01P324 # وغيرهم كلهم أمسكوا عنه خوفا من خسف الأرض، أو نزول العذاب بهم فأوثقوه، ~~وأمر الشيخ بضربه ضربا وجيعا، وأمر به إلى السجن، فبقي بالسجن- مدة طويلة- ~~وهو: يتشفع للشيخ في تسريحه، وأقر على نفسه بقضيته، وأن شيطانا من شياطين ~~الجن أمره أن يدعي ذلك، وشرط عليه شروطا ذكرها 1، فسرحه الشيخ حينئذ- بعد ~~المدة الطويلة- وذهب الرجل لقراءة القرآن بعد مدة، ورجع لزيارة الشيخ، ~~فسأله عن شيطانه؟ فقال له: "ما رأيته من ذلك اليوم "!) 2. # لذا: قال غير واحد من العلماء العارفين: (أن نعم الله لا تحصى، ومن ~~أعظمها وأجلها: الانتقاد على أهل الدعوى، والمنتسبين، لأنه يزيد الصادق ~~عزيمة، ويوقع الكاذب في الهزيمة، ومن تأمل: قصة "موسى" [59/أ] مع "الخضر" 3 ~~- عليهما السلام- (سلم موجب الانتقاد، إذ لو لم ينتقد موسى الخضر) 4 لكان ~~جاحدا للرسالة. # (قالوا) 5: (وأسباب الانتقاد كثيرة، والناقد بصير، فمن تلك الأسباب ما ~~كره، ومنها ما حرم، وربما وجب كل ذلك بحسب الأشخاص، والأوضاع، والحال، ~~والمآل). # ولا يفهم هذا كل أحد، لكن لا بد من ذكر بعضها: PageV01P325 # فمن ذلك: الزيارة بالجموع، من غير زاد، وهذا يؤدي للاستضافة لا محالة، ~~فإن أكرموا مدحوا، وإلا ذموا، فأين طلب النسبة للكمال أو التشبه بالرجال؟!، ~~وقول الله- تعالى- في وصفهم-: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ### | .... # - إلى قوله- ... : لا يسألون الناس إلحافا} 1. # ومن ذلك: أن (يشهر) شيخهم نفسه، بفراش دونه، أو آنية شرب خاصة به، أو ~~دابة له وحده، فذلك كله علامة لتشريف نفسه، وطلب الحظ والجاه، والأوائل ~~الصديقون كانوا لا يمتازون بشيء عن أصحابهم ورفقائهم، بل "يؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"! 2. # ومن ذلك: أن يتخذ الناس يمشون خلفه،- وقد كان "أحمد بن حنبل)، لا يمشي ~~خلفه أبدا- فأين الذلة والخشوع؟!. # ومن ذلك: أن يدعي الإرادة، ويتسم بسمات العبادات، ويحب الاجتماع عليه، ~~ويعمل المبيتات بالسماع لديه، ويشهر نفسه عند العوام، ويحب منهم الاستعظام، ~~ولا يرجع إلى الكتاب والسنة- في ms093 المسائل المبهمات-3 - والنوازل المشكلات- ~~بل ترك، قال ربنا، وقال محمد نبينا. # ويتمذهب بقولهم: قالت أشياخنا من رأي من رآنا لا يدخل النار، ومن صحبنا، ~~وكان على طريقتنا دخل الجنة) [59/ب] وهيهات هيهات!: من أين له بهذه الدعوى؟ ~~وما دليله عليها من كتاب رب السموات- حتى عدل بها عن الكتاب PageV01P326 # والسنة- واستمال بها قلوب عامة الأمة- فأصبحوا- وقد باؤا بهوس 1 عظيم- ~~وجهل مركب جسيم-؟!. # كيف!: والله- سبحانه- (يقول) 2 يا محمد-! {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم} 3. وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} 4 وقال: {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين} 5 وقال: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك ~~من الله من شيء} 6 وقال: {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} 7 وقال: {إنك لا ~~تةدي من أحببت ولكن اللة يةدي من يشاء؟!} 8. # وإذا كان هو في مقام النبوة الا يغنى من الله شيئا، فكيف: يغني من هو ~~دونهم من أهل الخصوصية، ويدعي أن من رآه ضمن له الجنة؟ بل لو بلغ العبد ما ~~بلغ من الخصوصية ما أمكنه: أن يأمن من مكر الله على نفسه، فضلا عن أن يضمن ~~الجنة لمن رآه، أو صحبه من غيره، قال- تعالى-: {فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون}. PageV01P327 # بل الشيخ الصالح الصادق: من كان القرآن شعاره، والسنة قيده وعقاله، ~~والخمول سيرته، والعزلة سبيله، والزهد في الدنيا شيمته وطبيعته، يقف عند ~~الحق في الرضى والغضب، وينصف غيره من نفسه بغير طلب، مشغول بعيبه عن عيوب ~~غيره، بشراه في وجهه، وحزنه في صدره، إن قدر عفا، وإن وعد وفى، يؤثر آخرف ~~على دنياه، ويقف مع الحق وإن خالف هواه، يعرف عيبه، ويستعظم ذنبه، ولا يخاف ~~ولا يرجو إلا ربه، يوالي في الله، ويبغض في الله، ويغضب لله، ويرضى لله، ~~يخفي الطاعات، كما [60/أ] يخفي السيئات، وإذا قام قام بالله، وإذا نطق نطق ~~بالله، وإذا استعان استعان بالله في أموره كلها، ولم يستعن بغيره من صالح ~~أو ولي، ولا رسول أو نبي، واقف مع قوله- تعالى-: {إياك نعبد وإياك ms094 نستعين} ~~1 - أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، ومع قوله- تعالى-: {إن الذين ~~هم من خشية ربهم مشفقون ### | .... # :- إلى قوله- تعالى- ... سابقون} 2. # فهذه: صفات المؤمنين من عباده الصالحين، وعلمائه العارفين، الذين يجب بهم ~~الاقتداء والائتساء، واتخاذهم مشايخ في الأقوال والأفعال، وبهم الاهتداء، ~~ومن لم تكن هذه صفته، فالحذر الحذر، ولو مشى على الماء، وطار في الهواء، ~~كما مر!. # قال مؤلفه "علي بن عبد السلام التسولي"- لطف الله به-: بتمام هذه ~~الخاتمة، انتهى الكلام بنا، على ما قصدنا جمعه، نسأله تعالى: أن يمن علينا، ~~وعلى من كان السبب فيه، بتوبة صادقة، وأن يجيرنا وجميع المسلمين من الفتن ~~الظاهرة والباطنة، وأن يختم لنا ولهم بحسن الخاتمة وأن يهب لنا ولهم قربا ~~على PageV01P328 # بساط الأدب في مقعد صدق العبودية، وأن يدمر العدو الكفور تدميرا لا تقم ~~له بعد قائمة إلا يوم النشور، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وينفع به ~~المتسبب والقارىء والناظر ويجعله لنا ولهم سلما لجنات نعيم، بجاه أشرف خلقه ~~سيدنا محمد- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، ورحم الله من رأى خللا ~~فأصلحه أو عيبا فستره، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، والله- سبحانه- ~~يتكرم على الجميع بالعفو والغفران. # اللهم رب كل شيء، وإله كل شيء، وولي كل شيء، وقاهر كل شيء، وفاطر كل شيء، ~~والعالم بكل شيء والحاكم على كل شيء، والقادر على كل شيء، بقدرتك على كل ~~شيء، اغفر لنا ولهم ولجميع المسلمين كل شيء، ولا تحاسبنا وإياهم بشيء، ولا ~~تسألنا وإياهم عن شيء، إنك على ما تشاء قدير، وبالاجابة جدير، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، (وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما) 1. # ووافق الفراغ من تأليفه وجمعه: ظهر يوم الأربعاء عاشر ربيع النبوي الأنور ~~سنة: "ثلاث وخمسين ومائتين وألف". # كمل نسخ التأليف المبارك- بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه- الحقير الذليل: ~~المقر بالذنب والعجز والتقصير، عبده وأقل عبيده. "محمد بن الطاهر" المرتجى ~~غفران ذنبه المتكاثر، الغربي نسبا، الكافي مسكنا، المالكي مذهبا، الأشعري ~~اعتقادا، الخلوتي طريقة، غفر الله له، ولوالديه، ولمن علمه وأحسن ms095 إليه، ~~ولقرابته ومشايخه، ولمن صلح ونظر وكتب، بجاه سيدنا محمد سيد العرب. # وكان الفراغ من كتابته: بعد عصر يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي ~~PageV01P329 # القعدة سنة: "خمس وثمانين ومائتين وألف"، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب ~~العالمين. # لا إله إلا الله وحده لا شريك له. محمد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم ~~- 1. PageV01P330 ### | الملاحق # PageV01P331 # ### | ### | ملحق رقم # (1) # جواب التسولي المختصر عن مسائل الأمير عبد القادر 1 #  يخفى أن هؤلاء القبائل الكاتمين، ~~قد خسروا دنياهم وآخرتهم، وخالفوا أمر مولاهم، فإن ثبت عليهم ما ذكرتموه ~~فحكمهم ظاهر- مما يأتي-، وإن لم يكن إلا مجرد التهمة وغلبة الظن فالواجب ~~وهو غاية المقدور، أن يتقدم الإمام إليهم ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وتجارهم، ~~ويخبرهم بأنه إن ظفر بجاسوس منهم، أو بمن يبيع شيئا لهم حلت عقوبة جميعهم، ~~إذ لا يحرس الجاسوس أو السارق أو الغاصب غير أخيه الذي يساكنه ويجاوره، ولا ~~يشك عاقل أن أهل المداشر أو الدوار لا يخفى عليهم ذهاب جاسوسهم ولا إيابه ~~ولا مكاتبته، وقد جرت عادة قبائل الزمان- كما هو مشاهد بالعيان- أن الوالي ~~إذا تقدم، للقبيلة أو المدشر وأخبرهم: بأن من أذنب منهم أخذوا جميعا بذنبه، ~~وأن القوافل والأضياف إذا نهبوا بأرضهم غرموا ما نهبوه، إذ لا يخفى عليهم ~~المذنب والناهب، فلا إشكال أنهم يتأهبون لحراسة المذنب والناهب، ويشمرون عن ~~ساق الجد في ذلك، ويتأهبون فيما بينهم دفعا للعقوبة وإلى هذا المعنى أشار ~~ناظم عمل فاس بقوله: # ولا يؤاخذ بذنب الغير ### | … # في كل شرع من قديم الدهر # إلا إذا سدت به الذريعة ### | … # أو خيف شرع شرعه أو شيعه PageV01P333 # فقوله: إلا إذا سدت ... إلخ، هو المستند لما نحن فيه، لأن العادة أن ~~المذنب إذا علم أن قريبه يؤاخذ به إن فر هو بنفسه كف عن ذنبه، وهذا هو ~~مستند الأمراء والولاة في القديم في مؤاخذة القرابات بمذنبيهم، حتى عقد ~~الموثقون- في ذلك- الوثائق لمن أراد البراءة من قريبه الشرير المعلوم ~~بالفساد والعصيان لئلا يؤاخذ به كما في "المتيطية" وغيرها. # ثم بعد التقدم المذكور- للقبائل المذكورة- يجعل ms096 المراصد على الطرقات من ~~أهل الثقات العارفين بمغابن الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية ~~منهم، فإذا ظفر بأحد منهم حقت عقوبة جميعهم، إما المقبوض جاسوسا فلا يخفى ~~حكمه وهو القتل- كما في خليل-. # وأما الذاهب للتجارة ولا سيما (ببيعه ما لا يحل بيعه لهم) 1 كالخيل ~~والبغال والجلود والشمع والنحاس أو عينه، لقول "سحنون": (من باع سلاحا ~~للعدو فقد أشرك في دماء المسلمين) اه والسلاح يشمل ذلك كله. # وقال الحسن: (من حمل إليهم الطعام فهو فاسق، ومن باع منهم السلاح فليس ~~بمؤمن في هدنة أو غيرها) اه. # وقد أفتى القاضي سيدي محمد بن سودة، والشيخ ميارة، والإمام الأبار: (بقتل ~~من باع وصيفا- أي مملوكا- للعدو)، حيث كان من أهل الفساد، وإدخال الضرر على ~~المسلمين، وكان لا ينكف إلا بالقتل زجرا لأمثاله عن العتو والفساد. # وأما الكاتمون للجواسيس والتجار، والمفرطون في حراستهم من إخوانهم- بعد ~~التقدم المذكور- فعليهم الأدب الوجيع، لأن حرس الجواسيس والتاجريين إليهم) ~~ليضيق بهم وتقطع عنهم الحيرة) 7 جهاد يتعين بتعيين الإمام- كما في خليل - ~~وغيره-، وهؤلاء الكاتمون والمفرطون قد عينهم الإمام للحراسة فخالفوا ~~PageV01P334 # وكتموا أو فرطوا، فحيث افتضح أمرهم بقبض الجواسيس والتجار لزمهم العقاب، ~~لأنهم بالمخالفة والكتمان والتفريط عصوا الله ورسوله. # وعزر الإمام لمعصية الله، أما بالعقوبة في الأبدان فلا خلاف، وأما ~~بالأموال فعلى نزاع، فأجازها البرزلي ومنعها غيره، لكن قالوا محل الخلاف: ~~(إذا تمكن الإمام من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضى الشريعة، وإلا ~~فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال) اه. # وبجوازها- أيضا- مع عدم التمكن من إقامة الحدود أفتى سيدي العربي الفاسي- ~~حسبما في شرح نظم العمل- قائلا: (الواقع الآن بالمشاهدة أن القبائل التي لا ~~تنالها أحكام السلاطين لا تمكن فيهم العقوبة بالأدان، فالعقوبة بالمال وإن ~~كانت ممنوعة فهي هذا الزمان محل الضرورة وفعلها عام المصلحة) اه باختصار. # وإذا تقرر هذا (فإليكم) 1 النظر في كونكم متمكنين من إقامة الحدود في ~~أولئك القبائل، وعدم تمكنكم من إقامتها. # وأما قولكم في السؤال: أم يتركون على حالهم ... إلخ، فذلك مما لا يحل ~~كتابا وسنة وإجماعا، لأن من قدر ms097 على تغيير المنكر وجب عليه تغييره، وهو فرض ~~عين على الولاة، وما نصبوا إلا لتغييره، ولا منكر أعظم من ترك القبائل ~~المذكورين على ما هم عليه من نقل الأخبار ومبايعة الكفار، لأن ذلك مفض إلى ~~هدم الإسلام، وقد قال العلماء- رضي الله عنهم- (من ترك أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - من الولاة تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة فقد ~~غشها)، وقال- عليه الصلاة والسلام-: "من غش أمتي فعليه لعنة الله" وقال- ~~أيضا-: "إذا ظهرت البدع، وسكت العالم فعليه لعنة الله". # وأما حكم المتخلف عن الجهاد بعد أن استنفره الإمام: فلا يخفى عليكم قوله- ~~تعالى-: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ... }، ولا يخفى عليكم قول "خليل": ~~(وتعين بتعيين الإمام ... إلخ)، لأن الإمام حيث استنفرهم فقد PageV01P335 # عينهم، فمخالفتهم عصيان لله ورسوله توجب عقوبتهم- بما تقدم ذكره- فإن ~~كانت عقوبتهم لا تتأتى إلا بقتالهم قوتلوا، لأن عدم نفورهم رضا منهم ~~باستيلاء عدو الدين. # وأما مانع الزكاة: فتؤخذ منه إن تحققت عمارة ذمته ببينة أو إقرار ولو ~~كرها، وأما غلبة الظن بتعمير ذمته، فغاية ما توجبه عليه اليمين. # وأما أرزاق الجيش: فقال "ابن منظور": (إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند ~~وما يحتاج إليه من آلة الحرب، فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، ~~ويستنبط هذا الحكم من قوله- تعالى-: {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض ... }، لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط: أن يعجز بيت المال ~~وتتعين الحاجة، وأن يصرفه الإمام بالعدل فلا يجوز أن يستأثر به دون ~~المسلمين ولا ينفقه في سرف ولا يعطي من لا يستحق ولا أكثر مما يستحق، وأن ~~يكون العزم على من كان قادرا من غير ضرر ولا إجحاف ومن لا شيء له أوله شيء ~~قليل لا يغرم شيئا، وأن يتفقدها في كل وقت فربما جاء وقت لا يفتقر فيه ~~لزيادة على مما في بيت المال، وكما يتعين التوزيع في المال فكذلك إذا تعينت ~~الضرورة للمعونة بالأبدان- ولم يكف المال- فإن الناس يجبرون على التعاون ~~بالأبدان بشرط القدرة وتعين المصلحة) اه. # فإن قلت: ms098 قد ورد في الحديث الكريم أنه قال- عليه الصلاة والسلام-: "لا ~~يدخل الجنة صاحب مكس" أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟. # قلنا: ليست من المكس "لابن عرفة" إذ قال: (هو منع الناس من التصرف في ~~أموالهم بالبيع أو غيره ليختص المانع بنفع ذلك). # وقال "أبو محمد المرجاني": (المكس أن يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد ~~غيره) وقال "الطيبي": (المكس الضريبة التي يأخذها العشار). # قال الشيخ عبد القادر الفاسي: (فعلى تفسير الطيبي أخذ الفوائد في الأبوات ~~والقاعات وأكثر الأسواق والرحاب مكس- وهو الذي كثر إستعماله في العرف- # PageV01P336 # وعلى تفسير المرجاني وابن عرفة ليس بمكس وإنما هو غصب وظلم) اه. # وقد علمت أن المغارم المذكورة ليست لنفع المانع بل النفع للمسلمين، ولذا ~~اتفقوا على جوازها، وقال الفقيه الصالح "أبو القاسم بن خجو" في أواخر شرح ~~"بيوع ابن جماعة" ما نصه: (من البدع المحرمة التواطؤ على إهمال إقتناء ~~الخيول لأهل القوة، واكتساب أنواع العدة والرماية التي بها يسيد الرجل ~~ويصول، وترك التحفير والتحصين على ثغور المسلمين، قال تعالى: {وأعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة} والتحفير والتحصين من العدة. # قال الإمام ابن طلحة: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإن اتكل على ~~أن يتكفف الناس الجهاد بأنفسهم ضاع الباب وتهدم الإسلام، إذ لا يتم الجهاد ~~إلا بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها ووضعها في جيوشهم، ~~ويجبر أهل المال على كسب الخيول وآلة الحرب وسد الثغور) اه. # فتأملوا- رحمكم الله- هذا التحريض على الاستعداد، وتدبروه- مع ما مر - ~~فيمن ترك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تجري على غير الكتاب والسنة مما ~~وقع للمسلمين من الوهن عن القتال في تلك الأقطار- حتى استولى العدو على ~~الثغور وبعض الأمصار- إلا من إهمال الاستعداد، وترك أوامر الله في زوايا ~~الإهمال والاندثار، وهو- سبحانه تعالى- يقول: {حرض المؤمنين على القتال} 1 ~~{وليجدوا فيكم غلظة} 2 {واغلظ عليهم} 3 {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون} 4، والتحريض والعلو والغلظة لا تكون إلا بالعدة والعدد وغير ذلك ~~من كمال الاستعداد من تعليم الرماية للصغار والكبار وممارسة القتال، فلما ms099 ~~أهملوا ذلك ولم يحملهم الإمام عليه، نبه الله- سبحانه وتعالى- عدوهم للعمل ~~به PageV01P337 # ففاجأهم بالعدة والعدد- فبهتوا وخلت منه ثغورهم وقصورهم، ولم يتأخر عنهم ~~ساعة فيستعدوا ويثبتوا فندموا والله- وما نفع الندم- وتألموا في قلوبهم- ~~وما نفعهم الألم ف {إنا لله وإنا إليه راجعون}، ولمثل هذا فليفعل العاملون. # وأما مانع المعونة فهو باغ قطعا لأنه منع حقا وجب عليه- كما تقدم- فيجري ~~عليه حكم البغاة، ويستعان بماله على قتاله، ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ من ~~ماله ما جهز به الإمام الجيوش التي قاتله بها، لأنه ببغيه متسبب في إتلاف ~~بيت المال فعليه ضمان ذلك في المال الذي بيده، وفي غيره، ولم أره مسطورا ~~إلا أنه لا شك أن من تسبب في إتلاف مال وجب عليه عزمه، ولعل هذا هو المستند ~~في عدم رد الملوك اليوم أموالهم إليهم إذ الغالب أنها لا تفي بما جهزوا به ~~الجيوش المقاتلة، أو يقال مستندهم في ذلك سد الذريعة- على ما مر بيانه- ~~وأيضا فرد أموالهم إنما هو إذا تأتى جمعها من الجيش ولم يخشى بغيهم بها ~~ثانيا، وأيضا قد تقدم أن العقوبة بالمال فيها نزاع ومال الباغي من ذلك ~~قطعا، بل ينبغي أن لا يدخلها الخلاف المتقدم حيث رأى الإمام تضمينهم لما ~~أفسدوه- أي تسببوا في إتلافه ببغيهم-، والقول برد أموالهم يحمل على ما إذا ~~لم يرد الإمام تضمينهم، أو على أن الأئمة قالوا: (واستعين بمالهم عليهم) ~~والاستعانة الحقيقية إنها هي قبل القدرة عليهم، وهو قبلها لا تمكنه ~~الاستعانة بمالهم لها- على الوجه المذكور- وهو: أن يجهز جيوشه ثم يضمنهم ~~فذلك من الاستعانة قطعا، وأما بعد القدرة فلا تتصور الاستعانة، لأنه بعد ~~القدرة لم يبق قتال بينهما يوجب الاستعانة بالمال، وأيضا فإن الرد مقيد بما ~~إذا علم أربابه، ولذا قال في (معاوضات المعيار": (يجوز شراء ما لم يعلم ~~مالكه من الطعام الذي يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) والله أعلم. # وكتب عبد ربه- تعالى- على التسولي، لطف الله به، آمين. # PageV01P338 # ### | ملحق رقم (2) # تقييد التسولي على فتوى علماء فاس ورد الجزائريين عليها 1 #  لما فتح الروم ثغر ms100 الجزائر أعادها ~~الله دار إسلام في الحرم سنة ست وأربعين ومائتين وألف، وغنموا سلطانها، ~~وبقي ذلك الجو بلا أمير يجمع كلمتهم فدخلهم الرعب واختلت الكلمة وغلب ~~الفساد فيهم، فأتى رؤساؤهم وأهل الوجاهة منهم إلى أمير المؤمنين الآخذ ~~لراية الكتاب والسنة باليمين، ظل الأمن والأمان مولانا عبد الرحمن سائلين ~~منه الدخول في إيالته، وإجراء الأحكام فيهم بكلمته وسطوته، فاستشار- أيده ~~الله- قاضي هذه الحضرة الإدريسية وقتئذ وعلماءها فأفتوا بعدم قبولهم، لأن ~~تلك إيالة أخرى وسلطانهم- وهو العثماني- سلطان إصطنبول لا زال قائما ~~موجودا، فلما رأى علماء ذلك الجو وأهل الوجاهة منهم ما أفتى به قاضي فاس ~~وعلماؤها كتبوا للسلطان المذكور- وهم يومئذ "بفاس"- ما نصه: # (ليعلم سيدنا قطب المجد ومركزه، ومحل الفخر ومحرزه، أساس الشرف الباذخ ~~ومنبعه، وبساط الفضل الشامخ ومجمعه، السلطان الأعظم الأمجد الأفخم، نجل ~~الملوك العظام سيدنا ومولانا عبد الرحمن بن هشام، أبقى الله سيدنا للمسلمين ~~ذخرا، ومنحه مودة وأجرا، أن فتوى سادتنا علماء "فاس" مبنية على غير أساس، ~~لأنهم اعتقدوا أن في عنقنا للإمام العثماني بيعة، وهذا لو صح لكان علينا ~~حجة، وليس الأمر كذلك وإنما له مجرد الاسم هنالك، وعامل الجزائر ~~PageV01P339 # إنما كان متغلبا، وبالدين متلاعبا، فأهلكه الله بظلمه وتطاوله على عباد ~~الله وجوره وفسقه، إن الله يمهل على الظالم حتى يأخذه، فإذا أخذه لم يفلته، ~~ويدل على تغلبه وإستقلاله عدم وقوفه عند الأمر العثماني وإمتثاله، بل لا ~~يكترث به أصلا، ولا يتبع له قولا ولا فعلا، وقد أمره أن يعقد مع النصارى ~~صلحا فلم يقبل له قولا ولا نصحا، وطلب منه بعض الأموال ليستعين بها على ما ~~حل به مع النصارى من الأهوال، فامتنع غاية الامتناع، ولم يمكنه من شبر منها ~~فضلا عن الباع، حتى أخذها العدو الكافر، وهذا جزاء كل فاسق فاجر، مال جمع ~~من حرام سلط الله عليه الأعداء اللئام، وهذا كله من المتغلب متواتر مشاهد ~~بالعيان، مستغن عن إقامة الدليل والبرهان، الناس كلهم عبيد الله وإماؤه، ~~والسلطان واحد منهم ملكه الله أمرهم إبتلاء وامتحانا، فإن قام فيهم بالعدل ~~والرحمة ms101 والإنصاف والاصلاح مثل سيدنا- نصره الله- فهو خليفة الله في أرضه ~~وظل الله على عبيده وله الدرجة عند الله- تعالى-، وإن قام فيهم بالجور ~~والعسف والطغيان والفساد مثل هذا المتغلب فهو متجاسر على الله في مملكته، ~~ومتسلط ومتكبر في الأرض بغير الحق ومتعرض لعقوبة الله الشديدة وسخطه، هذا ~~وعلى فرض التسليم أن للعثماني في عنقنا بيعة، فلا تكون علينا حجة، لأنه ~~تباعد علينا قطره فلم يغن عنا شيئا ملكه، لما بيننا وبينه من المفاوز ~~والقفار والبحار، والقرى والمدن والأمصار، وربما قرب محله من جهة البحر لكن ~~منعه الآن من ركوبه الكفار، على أنه ثبت بتواتر الأخبار البالغة حد الكثرة ~~والانتشار أنه مشتغل لنفسه ومقره عاجز عن الدفع عن إيالته القريبة من محله ~~حتى أنه هادن النصارى خمس سنين على عدد كثير من المئين، وأعطى فيهم منهم ~~ضامن ليكون في المدة المذكورة على نفسه وحشمه آمنا، فكيف يمكنه مع هذا ~~الدفاع عن قطرنا وناحيتنا وبلدنا، وأدل دليل على بعده عن هذا المرام خبر ~~مصر ونواحي الشام، فقد استولى عليها أعداء الدين، مدة تزيد على الخمس سنين ~~فلم يجد لهم نفعا ولا ملك عنهم دفعا حتى استعان بالعدو والكافر، والله- ~~تعالى- قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. # PageV01P340 # هذا وقد نص الآبي في "شرح مسلم" - "مفصح عن مثل قضيتنا ومعلم-: (على أن ~~الإمام إذا لم ينفذ في ناحية أمره جاز إقامة غيره فيها ونصره) 1، فانتظار ~~نصرته يؤدي إلى الهلاك، كيف وقد تطاولت إليها الأعناق وتشوفت إليها من كل ~~جانب العيون والأحداق، فأعرضنا عن الكل صفحا وطوينا عنه الجواب كشحا، ~~مقبلين على عتبة باب سيدنا- نصره الله- وسدته، داخلين تحت طاعته، ملتزمين ~~لخدمته متوافقين مع القبائل والأمصار، وأهل الرأي والاستبصار، لعلمنا أن ~~سيدنا- نصره الله- المتأهل في هذا الأمر العريق، الجدير بالإمامة الحقيق، ~~كيف وقد ورثها كابرا عن كابر وإليه إنتهت المآثر والمفاخر، فنطلب من سيدنا- ~~نصره الله- أن يلتزم لنا بفضله من هذه البيعة القبول، مستشفعين بجاه جده ~~الرسول- صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المنتخبين وآخر دعوانا أن ~~الحمد لله رب العالمين). # قال ms102 التسولي: (انتهى ما كتبه علماء ناحية الجزائر للسلطان المذكور، ولما ~~وقف عليه- أيده الله ونصره- قبل بيعتهم ودخولهم في إيالته، وخالف ما افتى ~~به فقهاء فاس، فلما سئلت عن النازلة بعد قدومي من الغيبة- لأني كنت غائبا ~~وقت فتوى فقهاء فاس فلم احضر معهم- دعاني الحال إلى أن قيدت في شأنها ما ~~نصه: # الحمد لله الباقي الذي لا يزول ولا يبيد، والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد، الداعي إلى قتال كل جبار عنيد، وكفور صنديد، وعلى آله وأصحابه أولي ~~السماحة والشجاعة، بلا مرية ولا تفنيد، وبعد: # فلا يخفى أن هؤلاء القوم اعترتهم فتنتان، فتنة فيما بينهم، وفتنة عدو ~~الدين، وما يقال من وجوب العزل في الأولى يقال في الثانية بالأحرى، إذ وزان ~~ذلك حرمة ضرب الوالدين المأخوذة من حرمة تأفيفهما بالفحوى، وقد أجمعت الأمة ~~على أنه إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما، قال في PageV01P341 # "المواقف" 1 وشرحه: (وللأمة خلع الإمام وعزله لسبب يوجبه مثل أن يوجد منه ~~ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين- كما كان لهم نصبه ~~وأقامته- لانتظامهم وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى الفتنة احتمل أي ارتكب أدنى ~~المضرتين) 2 اه. # ولا يخفى أن إمام هؤلاء بغفلته وعدم تفقده للأحوال مع مضي مدة يمكنه فيها ~~التفقد- لو كان على البال- وقع منه غاية الاختلال، وانتكس الدين مع ذلك إلى ~~وراء، ونبذ بالعراء، على أنه معلوم ما فعله علماء إفريقية- وفيهم للأمة ~~أسوة وقدوة- من عزل الغائب المعهود له من أبيه بالخلافة، وبيعة أخيه ~~الموجود بالحضرة لما خشي في إنتظار الغائب من توقع الفتنة، وإذا كان هذا مع ~~التوقع فكيف به مع الوقوع؟!، الذي يراود عن التمسك بالوثقى والدين المتين. ~~وقد قال ابن حزم- رحمه الله- في "مراتب الاجماع": (أجمعوا على أنه لو نزل ~~عدو الدين بساحة المسلمين، وقالوا إن لم تعطونا مال فلان استأصلناكم، لم ~~يحل أن يعطوا ذلك، ولو خيف إستئصال المسلمين) 3 اه. # ولا يخفى أن عدم مبادرة القوم لإقامة الإمام وبقائهم على الحال تمكين ~~للعدو - دمره الله- من الاستيلاء على الرقاب والأموال، إذ لا مقاتل يتعين ~~ولا مدافع يتبين. ms103 كيف وهو قد استولى على أعظم الثغور، وصارت تخلى رعبا منه ~~المنازل والدور، إن دام هذا ولم يحدث له تغيير لم يبك لميت ولم يفرح ~~لمولود. # وقد يقال على جهة التلميح: هؤلاء القوم اختلت كلمتهم وفسد نظامهم وكل من ~~كان كذلك عظمت مفسدته بسفك الدماء ونهب الأموال واستيلاء PageV01P342 # أعداء الدين، وكل من كان كذلك وجب عليه نصب الإمام ولا ينتظر من كان، ~~ينتج أن هؤلاء يجب عليهم نصب الإمام، ولا ينتظرون من كان، فدليل الصغرى ~~والوسطى المشاهدة، ودليل الكبرى ما تقدم، ولك أن تجعل الوسطى صغرى وتكتفي ~~بها. # وبالجملة: فالنازلة لوضوح حكمها التحقت بضروريات العين، وصار إقامة ~~الدليل عليها كإقامته على أن الواحد نصف الاثنين. ثم لا يخفى أن الكلام في ~~العامل غير ضار، إذ لا علينا فيه عدل أو جار، سواء عزله الخليفة أو عليه ~~ثار، وأيضا فإن المتغلب تنعقد إمامته على الأصح دفعا لفساده، إلا أنه عاص ~~بما فعله قاله: "سعد الدين التفتزاني" 1، إلا أنه وإن تغلب أو انعقدت ~~إمامته بغير التغلب فقد وجب- لما مر- عدم مراعاتها. والسلام. علي التسولي- ~~لطف الله به). PageV01P343 ms104