######OpenITI# #META# المؤلف: جيمس بيلي فريزر #META# المترجم: جعفر الخياط #META# الناشر: الدار العربيّة للموسوعات #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٧ هـ.ق #META# الصفحات: ٢٣٢ #META#Header#End# ### ||| * (1) # .. الوصول إلى أرومية العشائر الكردية وعبثها البلباس مير راوندوز رحلة ~~الدكتور روص إلى المير مقارنة بين القرى التركية والكردية دمدم مقر المير ~~الكبير (الأب) أخلاق الناس لباسهم وأزياؤهم عاداتهم عمى المير الكبير إخوان ~~المير الخرافات عدم إقراء الضيف الوحشية والشجاعة قوانين المير وعدالته ~~العقوبات الصارمة الجيش في الميدان الاستيلاء على عقرة إخضاع العمادية ذهاب ~~الدكتور روص إلى معسكر المير مواجهته للمير والتحدث معه معسكر المير عودة ~~الدكتور روص شخصية المير وأخلاقه محاولاتي للاتصال به عدم توفقي في ذلك ~~توجهي إلى بغداد عن طريق السليمانية. ### ||| ** أرومية 17 تشرين الأول 1834 م # إن سفرة ثلاثة أيام يا عزيزتي من القرية التي حررت فيها رسالتي السابقة ~~إليك قد أوصلتني إلى هذه المكان الجميل ، العريق في القدم ، الذي يعتبر ~~مسقط رأس زرادشت المشهور. إذ يقع طريقنا من طسوج إلى هنا في منطقة سلماس ~~وسهلها ، وهي من أجمل المناطق في أذربيجان. # ... وتسيطر على هذه البلاد في الحقيقة عشائر متوحشة خارجة عن الطوق ، لا ~~يضع حدا لتصرفاتها سوى ضعفها النسبي. فالبلباس ، وهم عشيرة كانت قوية ~~الشكيمة كثيرة العدد في يوم من الأيام ، يسكنون الجبال والسهول المحيطة ~~بباليك ولا هيجان التي لا تبعد كثيرا عن أرومية نفسها. وهم بين حين وآخر ~~يسلون أنفسهم بالانقضاض (1) على جهات سولدوز وسرادشت PageV01P013 # المجاورة ، وحتى على سوج بولاق في بعض الأحيان. وهناك كذلك الروان ~~والهركية والنوجية ، وعشائر كثيرة أخرى ميالة هي ايضا إلى أن تسلي نفسها ~~على هذه الشاكلة. ومن حسن الحظ أن تنشأ إلى الغرب من هذه المنطقة قوة ~~مرهوبة الجانب تستطيع ، على ما فيها من خشونة ، أن تمارس تأثيرا مطوعا على ~~هؤلاء النهابين الشرسين وتجبرهم على الخضوع التام الضروري ، برغم ما فيه من ~~تعسف ، فتجعل بذلك قسما من البلاد آمنة سالمة يمكن التجول فيها في حالات معينة. # فلم يكن محمد باشا ، الذي يعرف بمير راوندوز (1)، قبل سنوات قليلة سوى ~~رئيس مثل سائر الرؤساء الأكراد وقائد يقود محاربي عشيرته التي لم تعرف بغير ~~اسم راوندوز. وقد بدأ سيرته بتنحية والده عن ms001 رئاسة القبيلة بحجة عدم ~~اقتداره في تدبير شؤونها خلال الأيام العصيبة. على أن البعض يقول إن الوالد ~~المتقدم في السن كان ميالا بطبيعته إلى الهدوء والتعبد فطلق العالم ~~ومغرياته ، ووضع ابنه في منصبه. وبالطريقة نفسها تخلص من بعض إخوته ، فثبت ~~أقدامه بحزم وقوة وأصبحت له السلطة المطلقة في موطنه راوندوز. وأخذ بعد ذلك ~~يعمل على تعزيز سطوته وجمع الأتباع استعدادا لمعاركه المقبلة. لكن نهضته ~~الحقيقية تبدأ بالحرب التي نشبت بين إيران وروسية حين اضطر الأمير المالك ~~إلى سحب قواته وتحشيدها تجاه عدو أشد خطرا على PageV01P014 # البلاد بعد أن كان يهم بسحق المير وتأديبه. فاستغل المير هذه الفرصة ، ~~ولم يسترجع جميع المناطق التي كان الأمير الإيراني قد حرمه منها فحسب بل مد ~~يده أيضا إلى الغرب والشمال وتوفق في ذلك بحيث أصبح الآن مسيطرا على قسم ~~كبير من شمالي ما بين النهرين ، إلى جانب الأصقاع الممتدة من أربيل إلى ~~كركوك في الجانب الشرقي من دجلة. # والمقول بصورة أكيدة أن ما يقرب من خمسين ألف رجل يقفون الآن تحت تصرفه ، ~~وتدفع للنصف الأحسن من هؤلاء أجورهم بانتظام وهم يعملون بصورة مستديمة لأنه ~~لا يزال يستخدمهم في إخضاع المناطق العاصية عليه ، وهكذا تتسع ممتلكاته ~~بسرعة. لكن الجزء المهم من القصة كلها هو التغير الأخلاقي الكبير الذي حصل ~~في البلاد التي أخضعها لحكمه. فإن البلاد بعد أن كانت تحتلها أمة من اللصوص ~~الذين ما إن يجدوا مسافرا يمر إلا ويحاولون إيقافه وسلبه ، أو الذين يقدمون ~~على ذبح المرء إذا وجدوا بيضة في يده كما يقولون هم أنفسهم ، قد أصبحت ~~خالية من أية سرقة أو سارق. فقد قضى على صنعة اللصوصية من أصلها بعملية ~~بتارة : إذ صار الذي تكتشف بحوزته أشياء تعود للغير يعاقب في نفس المكان ~~الذي يكتشف أمره فيه ، أو يقتل من دون رحمة. وتتوقف العقوبة في هذا الشأن ~~على ظروف الجريمة ، فيعاقب المذنب لأول مرة بسمل واحدة من عينيه أو قطع ~~إحدى يديه أو بجدع الأنف أحيانا. ثم يعاقب للمرة الثانية بتشويه ms002 أشد من هذا ~~القبيل ، أما في المرة الثالثة فإنه يعاقب بالموت على الدوام. # ولا شك أن صرامة هذا القانون تستدعيها الظروف السائدة في البلاد التي ~~يراد ضبطها ، والحالة فيها. فهو قانون رئيس من رؤساء اللصوص ينفذه من دون ~~خوف أو وجل ، ومن دون أن يعفى منه أحد ، لأجل أن يسيطر به على رجال عصابته. ~~وحينما يعلم الجميع بأن أحكام هذا القانون لا استئناف لها ولا تمييز ، وليس ~~هناك رحمة في عدالته ، فإنهم لا بد أن يرتجفوا ويطيعوا. ولا شك أن أي شيء ~~يقل عن ذلك في صرامته وقسوته لا يمكن أن يكون مؤثرا في هذه الظروف. فكان ~~لذلك وقع شديد بين الناس بحيث صار كل من في البلاد PageV01P015 # الخاضعة لحكم المير وسيطرته لا يمس حتى كيس الذهب إذا وجده في الطريق ، ~~وإنما يخبر مختار القرية القريبة من الموقع ، وهذا بدوره يكون من واجبه أن ~~يبعث من يحضره له فيحفظه عنده حتى يتم تسليمه إلى صاحبه الشرعي ، على أن ~~يخبر المير نفسه بذلك في الوقت نفسه. # ويروى عن المير أنه تناهى إليه ذات يوم أن أحد إخوته المقربين إليه مر ~~راكبا ببستان يعود لرجل فقير واقتطف رمانة منه ، دون أن يترخص من صاحبه. # فبعث عليه وواجهه بالتهمة التي لم ينكرها ، ثم سأله عن اليد التي اقتطف ~~بها الرمانة والأصبع الذي قطعها به ، فأمر بقطعه. وتروى عنه قصة أخرى ~~فتذكرنا بقصة مماثلة تؤثر عن نادر شاه الذي لا يقل عنه المير صرامة وقسوة. ~~فقد وجدت جثة رجل على قارعة الطريق بالقرب من إحدى القرى ، وقد شوهتها ~~الذئاب وبنات آوى ومزقتها شر ممزق. فوصل خبرها إلى المير نفسه ، وأمر ~~بإجراء التحريات المعتادة جميعها لكن القتلة لم يتوصل أحد إلى معرفتهم. # وحينما سئل القرويون عن جلية الأمر ألقوا اللوم على ذئاب الغابة المجاورة ~~التي سبق أن التهمت القسم الأكبر من الجثة. فأمر المير بإحضار الذئاب ، ~~وعند ذاك خرجت القرية كلها للقبض على الذئاب لأن سكانها كانوا على علم ~~بالعاقبة الوخيمة التي تنتظرهم فيما لو ms003 عجزوا عن ذلك. وحينما جيء ببعض ~~الذئاب إلى الرجل العظيم أمر بتعذيبها وقتلها قتلا فظيعا أخذت ترتجف لهو له ~~أوصال القرويين الذين شاهدوها ، حتى أجهدوا أنفسهم في اكتشاف القتلة ~~وتسليمهم إلى العدالة لإنقاذ أنفسهم من المصير المرعب الذي كان يدل عليه ما ~~حدث للذئاب المسكينة. وهذه القصة وإن تكن بعيدة الوقوع ، فإنها تدل على ~~الضوء الذي يجب أن ينظر فيه إلى أعمال هذا الرجل. # ولأجل أن يتسنى لي وصف أمير كتب له على ما يظهر أن يؤثر تأثيرا مهما في ~~جزء كبير من هذه البلاد الطريفة جدا أراني مضطرا للانتفاع ببعض النبذ ~~المستمدة من يوميات الدكتور روص طبيب المقيمية البريطانية ببغداد الذي ~~أسعفه الحظ فتسنى له أن يقوم برحلة في هذه البلاد المخطرة بدعوة من المير ~~نفسه. فإن المير مصطفى والد مير راوندوز كان رجلا أعمى على ما يبدو ، PageV01P016 # ويأمل أن يرد بصره إليه اتصل المير بالكولونيل تايلور (المقيم) ورجاه بأن ~~يوفد له طبيبا إنكليزيا يجرب فيه ما عنده من مهارة. فاغتنم الكولونيل ~~تايلور هذه الفرصة لتنمية العلاقات مع هذا الرجل العجيب في الحال ، وكلف ~~الدكتور روص بهذه المهمة الطريفة. فتوجه إلى بلاد المير في قافلة يرأسها ~~عمه بايزيد بك الذي كان قد أرسل إلى بغداد للاتصال بالمقيم البريطاني حول ~~القضية. # على أنه من الضروري أن أخبركم أولا بأن المير ، علاوة على جميع فتوحات ~~فيما بين النهرين والقسم الأسفل من بلاد آشور ، كان في ذلك الوقت قد امتدت ~~يده إلى بلاد العمادية ، الخصبة الواسعة على كونها جبلية وعرة ، التي تقع ~~في شمال غرب راوندوز وشمالي الموصل أيضا. وقد كانت هذه الدويلة ، أو ~~الباشوية لأنها كانت في حكم أحد الباشوات ، موضع ثناء الجميع ومدحهم لخصبها ~~وجمالها ولكثافة السكان فيها. فقد أجمع عدة رجال محترمين في تصريحهم لي على ~~أنها تحتوي على اثني عشر ألف قرية ، غير صغيرة ، تتألف كل منها من عدد من ~~الأسر (أو البيوت) يتراوح بين المئتين والثلاثمائة. وهذا قول لا بد أن يكون ~~بعيدا كل البعد عن الواقع ms004 ، لأننا إذا اعتبرنا أن القرية الواحدة تحتوي على ~~مئة وخمسين بيتا فقط ، وإذا افترضنا أن كل بيت يضم خمسة أنفس لا غير نجد أن ~~المجموع يبلغ تسعة ملايين نسمة ، وهو عدد يتجاوز عدد الموجود من السكان في ~~إيران كلها. ولذلك لا بد أن يؤخذ الرقم هذا ليدل على أن العمادية كثيرة ~~السكان لا غير. # وقد كان يحكمها باشا ينتمي إلى أسرة كردية معروفة ، بتنصيب من الباب ~~العالي. لكن سوء حكمه ، والحسد الذي قوبل به من الآخرين ، والنزعات المحلية ~~، قد أدت كلها إلى إسقاطه عنه. فأصبحت البلاد منقسمة إلى عدة رئاسات محلية ~~صغيرة لا تلتفت بشيء إلى الباشا الحاكم الذي كان رجلا ضعيفا أحمق ، أضاع ~~سلطته وسطوته على الناس وحبس نفسه في قصره المنيع الموجود في العمادية ، ~~بينما كان المير يكتسح البلاد ويقضي على هذه الرئاسات الشخصية واحدة بعد ~~أخرى. وباستغلال الضغائن العائلية والخيانة دفع المير الرشوات المناسبة ~~ودخل تلك القلعة المهمة ، ومن هناك أخذ يوجه PageV01P017 # جهوده بمزيد من الحيوية للقضاء على ما تبقى من القلاع في تلك البلاد. على ~~أن العمادية لم تكن قد سقطت بعد حينما زار البلاد الدكتور روص ، وكان المير ~~منهمكا في محاصرة عقرة ، إحدى القلاع الحصينة جدا الواقعة على الزاب ، ~~والتي تبعد مسيرة أربع عشرة ساعة من شمال أربيل. # وكان الدكتور روص قد غادر بغداد في منتصف مايس 1833 م ، وبين الملاحظات ~~الأولى التي دونها عن الرحلة التباين الكبير الموجود ما بين المناطق ~~التركية والكردية من حيث السكان والشؤون الزراعية. فقد كانت جميع القرى في ~~المناطق التركية مهجورة ، لأن السكان قد فروا منها لتحاشي ما كانت تفرضه ~~الحكومة عليهم. وكل من بقي فيها كان يلهج بالتذمر من باشا بغداد ، علي باشا ~~، وحالما كان يظهر في الأفق رجل من رجال الحكومة كان الناس يفرون من وجهه ~~ليخفوا أنفسهم عنه. غير أن قافلة الدكتور ما إن وصلت لآلتون كوبري حتى ~~تقاطر الناس عليها لاستقبال بايزيد بك ، وهم يضعون الزهور فوق رؤوسهم كما ~~يفعلون في أيام العطل والمناسبات ، وتزاحموا ms005 على تقبيل يده ، ثم هتفوا له ~~حينما مر أمامهم. # وقد كان السهل الممتد ما بين آلتون كوبري وأربيل مكسوا بالأزهار المختلطة ~~بأوفر أنواع الخضرة وأبهجها ، كما كانت البلاد تعج بالسكان. ويصف الدكتور ~~روص استقبال بايزيد بك في آخر مكان بكونه على غاية ما يكون من الجمال ~~والروعة ، من ناحية الملابس والأزياء والروح الودية التي كانت تبعث الحياة ~~في تلك المناظر الخلابة. # وفي التاسع عشر من مايس ترك الدكتور روص أربيل متوجها إلى راوندوز التي ~~كان يقيم بالقرب منها مصطفى بك العجوز ، هدف الناحية المهنية من سفرته. ~~وبعد أن اجتازوا بلادا جبلية مخصبة ، مغطاة بالكثير من أشجار البلوط ~~القصيرة ، وارتقوا عددا من الممرات المنحدرة ، وصلوا إلى دمدم محل إقامة ~~الرجل العجوز الذي كانوا يشرفون منه على وادي راوندوز وقلعتها ، حيث كانت ~~الأخيرة على بعد مسافة لا تزيد على ساعة ركوب واحدة. ودمدم قلعة صغيرة ~~مشيدة فوق قمة صخرية شاهقة يبلغ ارتفاعها مئة قدم ، وتشرف PageV01P018 # على بلدة صغيرة تتألف من مئة دار حقيرة تنتشر بين غابة كثيفة من البساتين ~~الحاوية لكل نوع من أنواع الأشجار المثمرة. وكانت بلدة راوندوز تتألف ، على ~~ما يبدو من هذا الموقع ، من حوالي ألفي دار متواضعة مع شيء يشبه القلعة يقع ~~ما بين الجبال على الضفة الجنوبية من الزاب الكبير ، الذي كان يمتد من فوقه ~~جسر من جذوع الأشجار المستندة على دعامتين حجريتين والمغطاة بشيء من ~~الأغصان والتراب. وقد كان النهر ضيقا سريع الجريان ، جائشا عميقا ، لكن ~~الأكلاك على بعد ثماني ساعات من أسفل هذا الموقع كان من الممكن لها أن ~~تعبره. ولم يسمح للدكتور بزيارة راوندوز ، ولا بالتجوال الكثير في المنطقة ~~، لكنه يذكر بين ما سمع من الأشياء التي تلفت النظر شيئا واحدا على الأخص. ~~فقد ذكر شيئا عن عمود من الرخام يقوم فوق قاعدة مضلعة ويبلغ طوله كله حوالي ~~ثلاثة رماح (ثلاثون إلى خمسة وثلاثين قدما)، وهو مغطى بالكتابات المنحوتة ~~فيه ، وقد أبدى عدد من الأوربيين من قبل رغبة في مشاهدته في مختلف الأوقات ~~، لكنهم ms006 لم يسمح لهم كلهم بذلك. ومما قيل في هذا الشأن أن العمود يبعد عن ~~دمدم مسيرة يومين ، والمعتقد أن الملكة سميراميس هي التي أقامته هناك. # ولم يكتب الدكتور روص عن دمدم وسكانها بلهجة مشجعة. فقد كتب يقول عن ~~السكان «إنهم على ما يبدو لا يعرفون شيئا عما هو حسن في العالم. وهم يلبسون ~~ألبسة خلقة ، وبيوتهم أشبه بأقنان الخنازير لا غير. يضاف إلى ذلك أنهم وحوش ~~متجهمو الخلقة ، لا يعطون حتى ولا جرعة واحدة من الحليب من دون تذمر وصخب ، ~~وكل شيء آخر لا بد أن ينتزع منهم بالقوة. وحينما أعطيتهم بعض الأدوية أخذوا ~~يدمدمون لأني لأني لم أزودهم بالقناني اللازمة لحفظها بها». على أن لباس ~~الموسرين منهم كان يشبه لباس البغداديين. أما الفقراء فقد كانوا يرتدون ~~سترة قصيرة ، وسراويل صوفية فضفاضة ، وصديريا من اللباد لا أردان له ، مع ~~أحذية قطنية ، وجوارب صوفية. كما كانوا يضعون فوق رؤوسهم العمامة الكردية ~~الخاصة. ويلبس النساء ثوبا أزرق ، مع سراويل فضفاضة مشدودة من أسفل حول رسغ ~~الرجلين ، وعباءة PageV01P019 # مربعة تشد من زاويتين بحيث تصبح مدلاة من فوق الظهر. أما في الرأس فيلبس ~~قطعة مدورة من الفضة تتدلى منها دلايات كبيرة تعلق في كل منها قطع من ~~العملة حول الرأس والرقبة ، مصنوعة كلها من الفضة. وتعد طريقة التحية عندهم ~~شيئا مستغربا ، إذ يمسك أحد المتسالمين الآخر من المعصم الأيمن ويقبل ~~ذراعه. وفي كل مساء كان ستة أو ثمانية من القرويين يتناولون العشاء في بيت ~~المير ، مع عدد من المحاربين القدماء من أصدقاء شبابه. ومما لا حظه الدكتور ~~هنا انتشار الرمد بين الناس. # وقد تبين أن المير العجوز (مصطفى) أعمى لا يرجى له شفاء. وسبب ذلك ، على ~~ما يرويه هو نفسه ، أنه أصيب بالرمد ذات يوم لأنه وضع الثلج فوق رأسه حينما ~~اشتد عليه الحر أثناء تسلقه الجبل الذي وجد فوقه طبقة سميكة منه. على أن ~~بعض الروايات تزعم أن عينيه قد سملتا بأمر من ابنه ، وتم ذلك بواسطة «ميل» ~~ساخن إلى حد الاحمرار لكن ms007 الدكتور روص يؤكد بأن هذا خطأ محض. أما سبب ~~تنازله عن الحكم لابنه فهو على جانب أكبر من الشك وعدم التأكد. إذ يزعم ~~البعض أن تنحيته كانت بالقوة ، بينما كان يقول آخرون إنه اقتنع بأن ابنه ~~سيكون أعظم منه فتنازل له عن الحكم طوعا لا كرها. # وللمير محمد ، أو الباشا ، أربعة إخوة على قيد الحياة. غير أن اثنين منهم ~~، وهما تيمور خان وسليمان بك ، قد سجنا (1) في قلعة تقع على بعد خمس ساعات ~~من راوندوز. وكان الأخ الثالث أحمد بك يتولى حاكمية أربيل ، بينما كان ~~الرابع وهو رسول بك يتولى شؤون الجيش. يضاف إلى ذلك أن المير له ثلاث زوجات ~~من دون ذرية ، وليس من المؤمل وهو في الخامسة PageV01P020 # والأربعين من عمره الآن أن تكون له ذرية في المستقبل ، ولذلك يعتبر رسول ~~(1) بك خليفته من بعده. # ويبدو أن الدكتور قد عومل بحقارة في دمدم التي عاد منها إلى أربيل لينتظر ~~فيها أوامر المير الجديدة بشأنه. وقد وجد في طريقه إلى هناك أن سكان إحدى ~~القرى كانوا يأتون بأطفالهم إلى امرأة عجوز مرت بالقرية صدقة ، فأخذت تنفخ ~~صلواتها عليهم وتنعم عليهم بقطع من الخرق البالية والنقود التي كانت ~~تباركها أيضا ، فتعلق برؤوس الأطفال على شاكلة الرقى والتعاويذ ضد النحس ~~ودفعا للشر. وقد وجد الدكتور أن الأكراد مثل سائر الجبليين كلهم لهم عقيدة ~~قوية بالخرافات. «فكل تل وكل قمة كان له عفريته الخاص ، وهناك بالقرب من ~~راوندوز مغارة ملأى بالعفاريت» فقد سمع من هناك في 1831 م هدير مدافع وهي ~~تطلق في اتجاه البلدة ، فأعقب ذلك انتشار الطاعون في الحال. وظلت الأخبار ~~تنتشر عن هذا الحادث لمدة شهر أو شهرين حتى انقطعت فجأة هي والطاعون مرة ~~واحدة. وقد أيد هذا عدد من الناس المحترمين وعدوه شيئا حقيقيا. # وتدل الملاحظات التي توصل اليها الدكتور روص في طريقه إلى أربيل ، وبعد ~~وصوله إلى هناك بمدة من الزمن ، على أن الضيافة الكردية لم ترق له كثيرا. ~~إذ يظهر منذ اللحظة التي أوصله فيها مهمنداره بايزيد ms008 بك إلى دمدم وتخلى عنه ~~فيها أن تبدلا في غير صالحه قد طرأ على المعاملة التي كان يعامل بها نظرا ~~لعدم وجود من يجبر الفلاحين الغلاظ على السلوك الحسن معه. فهو يقول : «انهم ~~أناس لطيفون بمقدار كاف حتى يجبرون على رفع الكلفة ، وعند ذلك تبدو طبيعتهم ~~المتجهمة فلا يوجد عندهم سخاء حقيقي ولا إكرام للضيف وهم يختلفون بذلك تمام ~~الاختلاف عن القبائل العربية التي تعطي ما عندها عن طيبة خاطر ، وتتسابق ~~فيما بينها لتقديم الهدايا». ومع ذلك فإنهم لو لم يؤخذوا من مخيم لآخر ~~بصفتهم أصدقاء الشيخ فإن نفس الأشخاص الذين PageV01P021 # كانوا يعاملونهم معاملة حسنة ربما كانوا سيعمدون إلى سلبهم وتجريدهم من ~~ملابسهم. # وقد اطلع الدكتور روص في أربيل على الكثير من أحوال الأكراد ، وهو يتكلم ~~بشدة عن ميولهم الفظة وجنوحهم إلى التهيج. فهو يقول : «إن طبيعة الكردي ~~مجبولة على الحرب. لأنه يدرب عليها من المهد ، ولا يرتاح مطلقا من دون ~~الاشتباك مع الغير أو خوض المعارك. فقد وجدت صبيانا لا تزيد أعمارهم على ~~اثنتي عشرة أو خمس عشرة سنة وهم يعانون أو جاعا من جروح بليغة كانوا قد ~~أصيبوا بها في معارك متأخرة. وقد علمت بأن معاركهم معارك دامية للغاية ، ~~وهم يبدأونها بإطلاق النار من البنادق لكنهم سرعان ما يعمدون فيها إلى ~~الخناجر. وليس ذلك من قبيل الضجيج أو التهويش المعروف عند العرب ، وإنما هو ~~قتال عنيف يؤدي في الغالب إلى قتل الكثيرين وجرحهم. وهم يزدرون بحكومة ~~بغداد وجيشها ازدراء متناهيا ، ويقولون إن المدينة لو كان فيها أي نفع لهم ~~لما استطاع الأتراك أن يقفوا في وجههم يوما واحدا دون احتلالها. وقد وجدوا ~~الفرصة سانحة للاستيلاء على أربيل وآلتون كوبري في بعض المناسبات ، ولم ~~يستغرق استيلاؤهم على أربيل سوى ساعة واحدة. وهم لا يعتمدون في الحصول على ~~احتياجاتهم على أية بلاد أخرى إلا بلادهم. فإن كل ما يحتاجونه يتم إنتاجه ~~في بلدهم ، ومع ان جبالهم تكون مواقع دفاع حصينة منيعة تجاه المحتلين ~~الأجانب فإن وديانها وجهاتها الوعرة تنتج بقليل ms009 من الجهد كل ما يرغبون في ~~زراعته بوفرة ، وتزودهم بذخيرة لا تنضب من الخشب والماء والمرعى». # وتعطى البلاد المحيطة بأربيل من الباشا بالالتزام للشيوخ منطقة منطقة ~~بالطريقة التي يسير بموجبها النظام الإقطاعي المعروف. فإن عشائر طي العربية ~~تخضع للباشا (1) وتبعث بقطعات غير يسيرة من رجالها لجيشه ، الذي كان حينذاك ~~في عقرة. وقد كان الباشا على ما يبدو محبوبا عندهم ، أو مرهوب PageV01P022 # الجانب ، وقد يكون ذلك ناشئا عن الصرامة التي تتصف بها حكومته. فمن ~~النادر أن يسمع شيء عن السرقة واللصوصية ، ولا تغلق باب من الأبواب في ~~الليل مطلقا. ومع ذلك يندر أن تطبق عقوبة الموت بين ظهرانيهم. وإنما تقطع ~~اليد عن السرقة وتقطع القدم عقابا للفرار من الجندية ، وتسمل عين واحدة أو ~~عينان عن الجرائم الأخرى. على أن عقوبات أشد صرامة من هذه قد تفرض في بعض ~~الأحيان على سبيل العبرة للآخرين. فقد لجأ ذات يوم إلى بلاد المير شيخ من ~~شيوخ القبيلة العربية طي (1) مع عشيرته ، بعد أن أجبرتها على الرحيل من ~~ديرتها عبر دجلة قبيلة الجربا القوية ، وهناك عاش عيشة رضية هادئة في ظل ~~القوانين والأنظمة التي وضعها المير. لكنه مل الهدوء وسئم الخمول الذي ~~تفرضه حياة الدعة والعطالة ، وبينما كانت إحدى القوافل تمر بمخيمه آمنة ~~مطمئنة أغراه ما فيها من سلب ونهب إغراء لم يستطع كبحه في نفسه فانقض عليها ~~وغنم جميع ما كانت تحمله من سلع وبضائع. غير أن اليوم الثاني ما إن انتهى ~~وحل المساء حتى حضر إلى مخيمه نصف دزينة من الأكراد ، ودخلوا إلى خيمته من ~~دون كلام أو مراسيم ثم احتزوا رأسه على بابها وعادوا من حيث أتوا بهدوء. # وحينما كان الدكتور في أربيل قوبل بترحاب غير يسير من قبل أحمد بك حاكم ~~أربيل وشقيق المير ، وزاره سلطان بك أحد رؤساء المعسكر. وهناك علم أن الجيش ~~كان يتألف من خمسة عشر إلى عشرين ألف رجل ، وكانوا كلهم عاطلين في معسكرهم ~~لأن عقرة كانت قد تم الاستيلاء عليها قبل مدة من الزمن. ويقع هذا ms010 الحصن على ~~قمة صخرة تكاد تكون عمودية على ما يبدو ، ولا يمكن الوصول إليها إلا من ~~طريق واحد ضيق بحيث لا يستطيع أن يركب فيه شخصان جنبا إلى جنب (2). PageV01P023 # وقد كان سكانها يعتقدون بأن قلعتهم لا يمكن أن تستولي عليها قوة في ~~العالم ، ولم يكن ينتظر حتى الباشا نفسه أن تقع في يده بهذه السرعة. غير ~~أنه حدث ذات يوم انه قد هوجم هو نفسه من كمين كانت ثلة استطلاعية تابعة ~~للعدو قد نصبته في مكان خطر ، وكاد يؤخذ أسيرا بهذه الطريقة. فاغتاظ أتباعه ~~لذلك بحيث إنه سار في صباح اليوم التالي على رأسهم لمهاجمة ذلك المكان الذي ~~تم احتلاله بالفعل خلال ثلاث ساعات بعد أن خسر مئة وخمسين من رجاله فقط. ~~فاندهش أكراد العمادية لهذه المفاجأة الفذة بحيث إنهم تخلوا عن المكان من ~~دون مزيد من القتال. # وفي يوم 30 أيار وصل كتاب من الباشا ينطوي على أمره بإبقاء الدكتور روص ~~في أربيل حتى يطلبه هو على أن يخدم ويعامل بغاية الاحترام ، فكان لذلك ~~تأثير في تحسين أحوال معيشته وتأمين راحته. وفي 6 حزيران وصل الخبر بأن ~~الأحوال في العمادية قد سويت ، فتخلى الباشا السابق ، سيد باشا ، عن منصبه ~~ونصب موسى (1) باشا في مكانه. كما نصب سليم باشا في عقرة ، ولما كانت جميع ~~البلاد قد خضعت لحكومة راوندوز فقد أصبح كل شيء هادئا تمام الهدوء. ومع ذلك ~~لم يصل أي أمر من سموه بإرسال الدكتور إلى معسكره إلا في يوم 3 تموز ، بعد ~~كثير من الاعتراضات والاحتجاجات وعدد من التأكيدات المضللة عن وصول الباشا ~~السريع إلى أربيل. فالظاهر أن الحاشية تبقي حركات الباشا وسكناته في سرية ~~تامة ، إذ ليس في مقدور أحد أن يحزر متى تتم هذه المسيرة أو تلك ، حتى ولا ~~أن يعرف الجهة التي ستسير فيها الجيوش إلى أن يتم الركوب. # وقد عبر الدكتور روص نهر الزاب بالكلك الذي يصفه بكونه أشبه ب «عربة ~~نبتون» وقد سحب الكلك عبر النهر بحصانين اثنين سيقا في أول الأمر إلى ms011 الماء ~~ثم ظلا يحثان على العبور من قبل ركاب الكلك نفسه الذين كانوا يقبضون على ~~ذيليهما بقوة. فوصلت الجماعة إلى عقرة بعد مسيرة أربع عشرة PageV01P024 # ساعة وقطع ستة وخمسين ميلا إلى شمالي الشمال الشرقي. ويعتبر الدكتور روص ~~كلا من أربيل وعقرة في شمال بغداد تقريبا. # وقد استقبله الباشا استقبالا حسنا ، لكنه بعث إليه بمن يعتذر منه شخصيا ~~لعدم قيامه له في مجلسه أثناء دخوله عليه ، كما يجب أن يجري بالنسبة لخادم ~~من خدام ملك إنكلترا ، نظرا لأنه كان محاطا بأناس لم يتم إخضاعهم إلا مؤخرا ~~ولأن الوقوف بوجودهم ينطوي على التساوي بينه وبين الباشا في نظرهم ، وهذا ~~مما قد لا يكون من مصلحته أن يفعله أو يعترف به أمام ملأ من الناس. فألفى ~~الباشا رجلا وسيم المظهر محبا للخير ، يبلغ الخامسة والأربعين من عمره ~~تقريبا. كما وجده أبيض البشرة تبدو فيه آثار الجدري. وقد اعورت إحدى عينيه ~~وأصبحت منخفضة معتمة. وكانت لحيته تبلغ حوالي اثنتي عشرة بوصة في الطول ، ~~ذات لون بني خفيف ، ولم يمشط نصفها الأسفل ولذلك كانت ملبدة بعضها ببعض. ~~أما من النواحي الأخرى فقد كان مرتب اللباس والهندام. وكانت إحدى رجليه ~~مصابة بالعرج لرفسة أصابته من أحد الخيول ، كما كان يتكلم بصوت خافت. وقد ~~دخل في حديث طويل مع الدكتور روص أكثر من مرة ، في مواضيع عامة غالبا. ~~فاستفسر منه عن طريقة التعليم في انكلترا ، وديانة أهل الهند والصين متصورا ~~أن الصين كانت تابعة لنا على شاكلة الهند. وقد كان يرغب كذلك في معرفة ~~علاقتنا بإيران وروسية. ثم استفسر في مناسبة أخرى عن أشياء كثيرة مثل ~~استعمالات الأدوية وتأثيراتها ، وحالة النبض في أثناء المرض ، وعن الطاعون ~~والهيضة وغير ذلك. وانتقل بعد ذلك إلى مواضيع الحرب ، فتحدث عن الطبنجات ~~والمسدسات ، وأخرج طبنجة إنكليزية قديمة ذات سبطانتين وبندقية ، فكانت هذه ~~مع سيف ومرقب (تلسكوب) وشمسية وسرير خشبي وعدد من المحافير تكون القسم ~~الأكبر من اثاث خيمته وفيما يقرب من خيمته الخاصة كانت هناك خيمة واسعة ذات ~~عمودين يعقد فيها ms012 الاجتماعات قبل الظهر وفي الليل. وهو لا يذهب إلى النوم ~~مطلقا قبل بزوغ الفجر ، وعند ذاك ينام إلى التاسعة أو العاشرة من صباح ~~اليوم التالي. وقبيل الصلاة الأخيرة بربع ساعة يعزف جوق صاخب شيئا من ~~الموسيقى ، وفي وقت الصلاة تطلق طلقة من المدفع. PageV01P025 # أما القوة الموجودة في المعسكر فقد علم الدكتور روص أنها تقدر بحوالي ~~عشرة آلاف رجل فقط ، وهى لا تكاد تساوي نصف الجيش الأصلي ، فقد سرح باقي ~~الرجال إلى بيوتهم للقيام بمهمة الحصاد. ولا يمت المعسكر بصلة إلى النظام ~~والنسق العسكريين بشيء ، على أن الشيء النظامي الوحيد هناك كان التفاف حلقة ~~من الخيم الصغيرة حول خيمة الباشا ، وهي تحتوي على حرسه الخاص الذين يبلغون ~~ثلاثة آلاف شخص في عددهم. وهؤلاء يكونون خدامه في نفس الوقت. ويتسلح المشاة ~~بالبنادق والخناجر ، كما يتسلح الفرسان بالرماح والخناجر. وكل رئيس قبيلة ~~تخيم قبيلته من حوله في معزل عن سائر القبائل ، فيؤدي ذلك إلى تشويه منظر ~~المعسكر نفسه لأنه يمتد والحالة هذه إلى مدى يفهم منه بالنسبة لقواعد الحرب ~~الأوربية أنه يحتوي على خمسين ألف مقاتل. ومع هذا ، فبرغم هذا الاحتياج إلى ~~النظام والترتيب لم يكن يسمع فيه ولا صوت واحد ، ومن الممكن أن يصل كل فرد ~~فيه إلى المكان المعين في ظرف خمس دقائق فقط. وقد كان الرجال يتمرنون من ~~تلقاء أنفسهم على الرماية وإصابة الهدف بصورة مستمرة. وفي كل مساء يتناول ~~ما بين المئة والمئتي جندي عشاءهم في خيمة الباشا متبعين في ذلك دورة خاصة ~~تتناول العشائر جميعها. وقد شوهد عدد من الأسرى في المعسكر وهم مقيدون ~~بالحديد في أعناقهم وأرجلهم. ويقول الدكتور روص إن الباشا معتاد على شراء ~~غنائم وأسلاب الحرب جميعها بأسعار تساوي ضعف ما يدفعه لهم الآخرون. # وفي اليوم الثامن من تموز ترك الدكتور روص معسكر الباشا وسلك طريق ~~الموصل. وفي الجانب الآخر من الزاب وجد مئة فارس عربي من قبيلة ألبو سلمان ~~مستعدين لتوصيله خلال ما تبقى من ممتلكات مير راوندوز. فأعترض على هذا ~~العدد الكبير من ms013 الرجال لكن رئيس هذه الثلة الكبيرة من الخيالة أفهمه بأن ~~الأوامر التي تلقاها تفرض عليه ذلك ، وأنه لا يستطيع التخلي عن أي رجل ~~منهم. ويغتنم الدكتور هذه الفرصة هنا ليشير إلى التباين الموجود في عادات ~~موظفي هذا الباشا وموظفي المناطق التركية. ففي اللحظة التي دخل فيها هذه ~~الجهات بوهت بطلبات البخشيش ، وبعد تجريده من كل ما كان يمكن PageV01P026 # أن يكون قد حمله معه فإن الأوغاد المناكيد تبعوه إلى منزله طالبين ~~المزيد. أما في ممتلكات راوندوز فإن البخشيش لم يذكر قط. هذا وقد أجرى ~~الدكتور مقارنات في كل ناحية من النواحي بين حكومة علي باشا في بغداد ~~وحكومة المير ، وهو يعطي الأفضلية للأخير ويشير إلى أحاديث الخيانة التي ~~كان يصرح بها علانية بالنسية لعلي باشا ، بينما كان الإطراء والثناء على ~~المير يلهج بهما الجميع بصراحة. # وإلى هذا الحد نكتفي بما ورد في يوميات الدكتور روص. أما المعلومات التي ~~زودني بها معظم الأشخاص الذين قابلتهم ، ممن له اطلاع كاف في الموضوع ، ~~فتتفق مع معظم التفصيلات الواردة في هذه اليوميات. فإن شخصية المير وأخلاقه ~~تظهر في أعماله (1). فهو طموح إلى حد الإفراط ، ومستهتر تماما بالنسبة ~~للوسائل التي يصل بها إلى غاياته ومطامحه. ومع أنه فطن بعيد النظر فإنه ~~حسود ومرتاب للغاية. وهو على تشبعه بفكرة العدالة الحقة التي لا تعرف ~~المحاباة يسخر مبادئه للحصول على المزيد مما يشبع به أطماعه وليس لمجرد ~~العدالة نفسها. أضف إلى ذلك أنه لا يتورع عن سفك الدماء لكنه غير ميال إلى ~~أن يقتل الناس بطيش أو تهور ، ومن دون سبب. ومع PageV01P027 # ذلك فهو لا يرحم حينما يتيسر السبب مهما كانت أهميته. فقد روي لي أن ~~قبيلة من القبائل الكردية كانت تعارضه بشدة في أثناء محاصرته للعمادية ، ~~وظلت متمادية في ذلك حتى بعد أن سقطت في يده ، فساق عليها قواته وبعد أن ~~أخضعها وعانى ما عانى من أجل ذلك قتل جميع من وصلت إليه يده من أفرادها حتى ~~بلغت ضحاياه عدة آلاف من الرجال. وقد فعل ذلك على ms014 سبيل العبرة للآخرين. # ولا يمتد حسد المير إلا إلى الغرباء الذين يسيحون في البلاد من دون شغل ~~يتضح له. فإن التجار والبغالة وسكان البلاد المجاورة لا يحتاجون إلى جواز ~~سفر في ممتلكاته ، وهم أحرار في رواحهم وغدوهم. لكن الأشخاص القادمين من ~~مسافة بعيدة ، وخاصة من بلاد أظهرت له شيئا من العداء في يوم من الأيام ، ~~لا بد أن يتعرضوا للتوقيف أو الحبس كجواسيس. وقد استفسرت عما سيحل بي فيما ~~لو دخلت بلاده من دون الحصول على رخصة مسبقة منه ، فكان جواب الجميع على ~~ذلك أن الإقدام على محاولة مثل هذه تعد غاية في الطيش وعدم التبصر. لأنه ~~رجل سيىء التفكير (بدفكر) وقد يتصورني جاسوسا فيسيء معاملتي ، وخاصة لأنني ~~كنت سأدخل إلى ممتلكاته من تبريز. وحينما أبديت إصرارا في معرفة المعاملة ~~السيئة التي يمكن أن أعامل بها قالوا لي بأنني يمكن أن أحجز في مكان منيع ~~حتى يمكن أن يعرف ما يريده المير مني ، وبعد ذلك قد أطرد إلى خارج البلاد ~~بطريقة لا يتسنى لي أن أرى شيئا منها. على أنني قد لا أقابل بالعنف في داخل ~~ممتلكاته حرصا على سمعته الطيبة ، لكنني من المحتمل جدا أن أقع فريسة للصوص ~~حالما أعبر الحدود في طريقي إلى الخارج. ومن السهل أن يحصل هذا في بلاد ~~مضطربة مثل هذه (1). PageV01P028 # وقد كان ذلك كله موضع الاعتبار الجدي عندي. فإن شخصية هذا الأمير العجيب ~~، والتقدم السريع الذي أحرزه في السلطة والسطوة خلال السنوات الخمس أو الست ~~الأخيرة ، مع التبدل الأخلاقي الذي كان من الممكن أن يحدثه في هذا الجزء من ~~آسية ، قد جعلت من المحتم علي أن أراه وأتعرف عليه ، لأتبين مقدار الصحة ~~المنطوية في الروايات التي تروى عنه. وبهذا التفكير تسلمت من المعتمد كتابا ~~إليه ، مع بعض الهدايا ، وكان غرضي من ذلك أن أقدمها إليه شخصيا بنفسي ~~باعتبارها بداية لعلاقة صداقة يمكن أن تكون مفيدة وملائمة فيما بعد. وكانت ~~خطتي في ذلك أنني بوصولي إلى أوشنو ، وهو مكان على مسيرة يومين من هنا ، ~~وعلى ms015 بعد ستين ميلا من راوندوز فقط ، أن أبعث إليه بكتاب خاص أشرح له فيه ~~هويتي وطبيعة الأوراق الموجودة عندي وأقترح عليه إذا ما أراد تسلمها من يدي ~~أنا بالذات أن يبعث لي دليلا يوصلني سالما إليه ، وإذا كانت له فكرة أخرى ~~في الموضوع ان يبعث لي شخصا يتسلم الهدايا من عندي. ويمكنك أن تتصوري مقدار ~~ما أصابني من الخيبة حينما علمت أن المير بدلا من أن يكون في راوندوز كما ~~كنت أتوقع كان على مسيرة عشرة أيام منها ، حيث كان منهمكا بتنفيذ الخطة ~~التي وضعها PageV01P029 # لفتوحاته. وهكذا فإن مراسلتي له في هذا الشأن كانت ستستغرق عشرين يوما ~~على الأقل علاوة على عشرين يوما أخرى كنا سأقضيها أنا في الذهاب لمقابلته ~~والعودة بعد ذلك. وهذا تأخير ليس من الممكن لي أن أتحمله بالنسبة لما يتيسر ~~لي من الوقت. ومهما كان مقدار ما عندي من الرغبة في القيام بمثل هذه المهمة ~~الطريفة ، كانت هناك أسباب كافية تعيقني عن وضع حريتي وحياتي في موضع ~~التهلكة بالدخول إلى بلاد المير من دون الحصول على الرخصة اللازمة منه. ~~وعلى هذا فقد ضحيت مرة أخرى ، بكل إحجام ، بالواجب الذي كنت عازما على ~~القيام به. وبعد أن اكتفيت بالحصول على أحسن المعلومات التي تمكنت من ~~التقاطها عن هذا الأمير العجيب توجهت إلى بغداد عن طريق السليمانية. PageV01P030 ### ||| * (2) # الوصول إلى السليمانية زيارة الضباط الإيرانيين له زيارته للباشا في ~~السليمانية وصف الحالة فيها وصفه الباشا وحديثه معه جدله في مجلس الباشا عن ~~بعض الخرافات وصف السليمانية حادث في مقبرة السليمانية استئذانه بالسفر ~~وتقديم بعض الهدايا منعه من زيارة آثار شهرزور مقابلته للسرتيب قائد القوات ~~الإيرانية في السليمانية مغادرة السليمانية مع دليل إلى كفري وصف الطريق ~~النذر كاهات ذكر الجاف والهماوند النزول في زالة المهمندار والقرويون ~~التوجه إلى ابراهيم خانجي سليم أغا دلو حالة الأمن في الطريق قرية ابراهيم ~~خانجي رستم أغا وصف الأكراد الوصول إلى كفري ### ||| ** السليمانية أول تشرين الثاني 1834 م # عزيزتي # قبل يومين حررت رسالة إليك ، لكنني وجدت ms016 أنني لا بد أن آخذها معي إلى ~~بغداد لأنه لا يوجد بريد إلى لندن هنا. جاء إلى زيارتي يوم أمس بعد الفطور ~~بعض الضباط الإيرانيين (1) الذين يقودون الجند الإيراني المرابط هنا. # والحقيقة أن أباهما عبد الرحمن وأعمامهما قد فعلا ذلك من قبل أيضا ، ~~فكانت حالهم هذه من الأسباب المهمة للتصادم الذي تكرر حدوثه بين إيران ~~والدولة العثمانية في تلك الأزمان. كما كان من أسباب أفول نجم البابانيين ~~وانحطاط PageV01P031 # فرووا روايات مؤسفة عن الحالة العامة هنا ، لكنها لم تكن اسوأ مما تدل ~~عليه المظاهر وتؤيده. وبعد ذلك ذهبت لزيارة الباشا الذي ألفيته في خيمته ~~محاطا بعدد من الأكراد الوسيمين ، ولكن من دون مظهر فخم أو أبهة ذات شأن ~~مسكين الرجل! إنه لا قبل له بذلك. فإن باشوية السليمانية الصغيرة ، غير ~~الغنية مطلقا ولا القوية ، كانت فريسة لمجموعة من النكبات التي أنزلتها إلى ~~حضيض التعاسة. فقد داهمتها أولا النزاعات العائلية ، أي الحرب الأهلية ~~الناشبة بين أخوين ينشدان التفوق والسلطة. فأدى ذلك إلى تدخل أجنبي بطبيعة ~~الحال ، ووقعت الباشوية التي كانت تابعة إلى باشوية بغداد من قبل في أيدي ~~أمير كرمنشاه الإيراني محمد علي مرزا. على ان النزاعات الداخلية والهياجات ~~ظلت مستمرة ، حتى أضعفت الفريقين بحيث إن جارهما مير راوندوز (1) وجد من ~~المناسب بعد موت محمد علي مرزا ان يكتسح البلاد ويلحق جزءا غير يسير منها ~~بإمارته. فسبب له ذلك حربا مع الحكومة الأذربيجانية التي فرضت سلطتها على ~~هذه الجهات ، وحتمت على السليمانية المنكودة الطالع ان تقوم بأود الجيش ~~الإيراني علاوة على دفعها الأتاوي للإيرانيين. ثم داهم البلاد الطاعون (2) ~~الذي افنى ما يزيد على نصف السكان في البلدة وما يحيط بها من الريف. اما ~~النصف الثاني فقد هاجر من استطاع منهم ان يترك البلاد إلى أماكن PageV01P032 # تخف فيها وطأة الأعباء والأوزار أي إلى راوندوز وكركوك وأربيل وسائر ~~المناطق الكائنة في البلاد المنخفضة ، بعد أن وجد ان لا معين له على البلوى ~~ولا من يعمل على إعفاء الناس من الضرائب الحكومية. وعلى هذه الشاكلة ms017 تقوم ~~إيران بتقوية أعدائها وإضعاف نفسها. لكن الباشا المسكين كان أضعف الناس على ~~الإفلات من العاصفة ، وها هو يجلس الآن بين حطام العظمة الغابرة مرتبكا ~~متحيرا إلى أقصى الحدود تجاه الاستجابة لجميع الطلبات التي تقدم إليه ، مع ~~أنه غير قادر على مقاومتها. وعلى هذا فلا أخالك تعجبين إذا ما علمت بأنني ~~وجدت القليل من الأبهة والفخامة ، أو حتى أبسط وسائل العيش المريح من حوله. ~~فقد استفسر رجاله من رجالي عما إذا كان عندي شيء من السجاد أو «النمد» (1) ~~ليفرش على الأرض غير المبلطة في الدار التي خصصت لإقامتي ، لأن مثل هذه ~~الأشياء كان يكاد يندر وجودها هنا. فلم أزود بأية واحدة منها بطبيعة الحال ~~وكان أحد الأسباب لذلك عدم وجودها!!. # ولقد وجدت الباشا شخصا لطيفا ، مطلعا بالنسبة للأكراد وتبدو عليه في ~~الحقيقة مظاهر «العثمانلي» اكثر من المظاهر الكردية. فأمطرني بوابل من ~~مختلف الاسئلة عن الحالة في اوربة ، وعلاقات كل دولة بالدول الأخرى ، وخاصة ~~عن العلاقات الموجودة بين الباب العالي وروسية ومحمد علي پاشا. وكان على ~~اطلاع غير قليل بشؤون امريكا ، فعمل على تصحيح ما كان يفكر به بعض ~~الإيرانيين الموجودين في مجلسه ، وبعض رجاله أيضا ، من الأفكار القديمة ~~بالنسبة لها. وقد جرى البحث في أحوال الهند ، وذكر الكثير عن الاختراعات ~~الحديثة ، وخاصة الاختراعات ذات الطابع الحربي. وجرنا موضوع تحسين عدة ~~البندقية إلى البحث في طرق اطلاق النار المختلفة وفي أحسن طريقة لمقاومتها ~~والسيطرة عليها في مقابل ذلك. ثم ادى ذلك إلى ذكر موضوع كنت قد سمعت ~~تلميحات إليه من قبل أكثر من مرة ، وهو يقدم لنا نموذجا طريفا للخرافة ~~وتفشيها بين هؤلاء الناس أي نموذجا لسرعة التصديق وحسن النية من جهة ، ~~وللدجل السليط من جهة اخرى. PageV01P033 # فالسادة كما تعلمين هم نسل النبي محمد ، لكنهم ينقسمون عدة طبقات ، ~~ويتمتع بعضها بقدر من التوقير والتبجيل أكثر مما تتمتع به الطبقات الأخرى ~~لأنها كما يعتد محبوة بمواهب خاصة مستمدة من أصلها المقدس. # ومن هذه المواهب موهبة لا تدعي بها الا أسر قليلة وهي ms018 القدرة على تحمل ~~النار وتأثيرها من دون أذى. فقد قيل لي في سوج بولاق أن إحدى الأسر المحبوة ~~بهذه الموهبة كانت تقيم في قرية غير بعيدة عنا ، ولكن المؤسف انه لم يكن ~~بوسع أحد أن يأتي بشخص يقوم بهذا العمل بين يدي حينما أبديت رغبتي في ~~مشاهدة هذه المعجزة. إذ يزعم أن الأشخاص الموهوبين هؤلاء يستطيعون الدخول ~~إلى تنور تشتعل به النار حتى يصبح احمر من شدة الحرارة ، وأنهم يكومون ~~النار فوق أيديهم ، ومع ذلك يصيح الفرد منهم «إنه بردان» فيخرج من دون أن ~~يكون قد مسه شيء من الأذى. وهم يستطيعون كذلك إخراج قطعة حديد ساخنة إلى ~~درجة الاحمرار من النار دون أن تصاب أيديهم بأذى. والخلاصة أننا إذا صدقنا ~~ما يقال عنهم فإنهم يعتبرون مواد غير قابلة للاحتراق. # وقد كان الضحك على هذه الخرافة السخيفة شيئا على نفس المقدار من الإساءة ~~وعدم الفائدة ، لأن جميع هذه القصص مهما كان منشؤها لما كانت قد أيدتها ~~عقيدة الأجيال التقليدية فإن دحضها كان لا يمكن ان يتم إلا بإخضاعها ~~للاختبار التجريبي الذي كانت الجهات المتمسكة بالخرافات تتحاشاه على الدوام ~~حيث يكون من المحتمل اكتشاف الزيف المنطوي فيها. ولذلك كنت حينما تفرض علي ~~التأكيدات على صدق هذه القدرة الخارقة من جميع الجهات أجيب فقط بأن هذه ~~الأمور قد تكون صحيحة ، ولكن الاعتقاد بها من دون شك أو ريبة يعتبر خارج ~~قدرتي أنا حتى أكون قد شاهدت بأم رأسي بعض الأدلة التي لا تدحض كأن يقوم ~~أحد الموهوبين هؤلاء بإخراج قطعة من الحديد الساخن إلى درجة الاحمرار من ~~التنور بيده العارية ومسكها لمدة ما بأصابعه هو وعند ذاك أقتنع بما وهب له ~~من القدرة الخارقة ، غير أن جميع من في المجلس أجابني بصوت واحد يقول «لكن ~~الحقيقة لا ريب فيها لأننا كلنا على PageV01P034 # علم بصدقها» فقلت مصرا «إنني حينما أجد قطعة من الحديد الحارة لدرجة ~~الاحمرار في يد السيد سأصدق ذلك أنا أيضا ، وأعترف بأن مثل هذه القدرة لا ~~بد أن تكون من ms019 عند الله مهما كانت الغاية منها» «ستفعل ، أليس كذلك؟» هذا ~~ما أجابني به مرزا إيراني كان يحاول دوما استدراجي إلى الدخول في جدل ديني. ~~ثم أردف قائلا «وهل ستوافق بعد ذلك على كل ما سيقوله؟ فأجبته بقولي «ولنفرض ~~أنه سيصارحني بأن الله غير موجود ، فهل تريدني ان أؤيده في مثل هذا ~~الاعتقاد؟» غير أنه رد علي يقول «كلا» ، لكن ذلك غير ممكن» وعند ذلك أجبته ~~«أبدا فإنه كان يحدث عندكم في السابق أن يقوم أناس من بينكم فيدعون ~~بالربوبية ويزعمون أن لهم قوى خارقة ، بينما كان غيرهم ينكرون وجود هذا ~~الشيء بالمرة. ولذلك يجب ان تلاحظوا بأنه ليس هناك من يستطيع أن يعد وعدا ~~لا شائبة فيه بتصديق جميع ما قد يقوله شخص آخر قبل ان يسمع ما سيفضي به ~~ويعرف ما إذا كان من المناسب ان يذعن له» فتدخل الپاشا وقال «ان ذلك حق ، ~~فمن غير المعقول ان يفعل ذلك». فسكت المرزا ولم يتفوه بشيء بعد ذلك. # ثم قلت «والآن أرجو أن يسمح لي الپاشا بأن أسأله عما إذا كان قد شهد في ~~يوم من الأيام أحد هؤلاء السادة وهو يقوم بالمعجزات الخارقة» فكان جوابه ~~سلبيا. وبعد ذلك التفت إلى رجل مسن كان متحمسا جدا في أثناء المناقشة ~~وسألته «وهل شاهدت أنت ذلك؟» فأجابني يقول «كلا ، لكنني كنت شاهدت أحدهم ~~وهو يضع النار في فمه». فقلت «إن ذلك ما يمكن أن يفعله أي «حقه باز» أو ~~مشعوذ بيننا ، ويدل على أن ذلك كله يمكن أن يكون ضربا من الحيلة». فعلق ~~الپاشا بقوله «إنه يقول الصحيح ، فقد شاهدت أنا بنفسي مثل هذا الحيل يقوم ~~بها أولئك الناس. ثم التفت إلى جميع من اشترك في الحديث من حضار المجلس ، ~~ولكن لم يستطع ولا واحد منهم أن يقول إنه شاهد هو بنفسه أي شيء من هذا ~~القبيل. ولذلك ابتدرت المرزا قائلا بعدم اكتراث إنه بالنظر لأنه لم يقدم ~~لإثبات المعجزات المزعومة سوى التقولات والإشاعات فإنه لا يمكنه ان ينتظر ~~مني ان أستسلم ms020 بحكمي أو رأيي الذي لا بد لي أن أحتفظ به حتى يكون هو مستعدا ~~لتقديم دليل أقوى مما جاء به من قبل. PageV01P035 # وفي اليوم التالي (أول تشرين الثاني) تمشيت لأشاهد البلدة وأحصل على فكرة ~~عن الحالة فيها أحسن من الفكرة التي استطعت تكوينها بنظرتي السطحية الأولى. ~~فتأكد لي أن الانطباعات التي تكونت عندي بتلك النظرة العابرة لم يكن بوسع ~~الملاحظات الأخرى أن تحسنها في نظري أو تغير شيئا منها بأي مقدار كان. فقد ~~كانت البلدة كلها ضنك وإملاق ، وقذارة ودمار. ولم يكن يلاحظ فيها ولا مسكن ~~محترم واحد. كما لم يكن عند أي أحد من الناس ، كبيرهم ووضيعهم ، الرغبة ~~الصادقة ولا الوسيلة اللازمة لترميم البيوت وتحسين شكلها أو حالتها ، ولذلك ~~أصبحت الأكواخ المقامة فوق أنقاض القديمة منها أحقر في وصفها من الحد ~~الاعتيادي. كما أن أرض السليمانية ، التي تبنى من طينها الدور ، هي من ~~النوع الهش الذي يكون قليل المقاومة للعوامل الجوية ، فهي تفتتت حالما تترك ~~لشأنها. فبفعل عدة أسباب وتأثيرها كادت البلدة ان تزول من الوجود تقريبا. ~~على ان الاسواق كان منظرها أحسن مما كنت أتوقعه ، بالنسبة للحالة في بقية ~~البلدة. لأن الدكاكين معظمها وإن كانت مشغلة من قبل الباعة المتنقلين وباعة ~~المفرد الذين يبيعون السلع التافهة ، فإنها مع ذلك تتصف بشيء من حسن المظهر ~~، وكان من الممكن أن يلاحظ تجمع عدد غير يسير من الناس في الفسح المكشوفة ~~التي تباع فيها منتجات القرى والأرياف. فقد قيل لي إن السليمانية لا يزال ~~يقيم فيها حوالي ألف إلى ألف وخمسمئة أسرة لكنني إذا أردت أن أحكم عليها من ~~المظاهر أقول بأن الرقم الأول الذي ينطوي على مجموع يقدر بخمسة آلاف نسمة ~~(1) على الأقل هو الأقرب إلى الحقيقة إذا لم يكن أقل منها. # ولما كانت البلدة نفسها واقعة في منخفض من الأرض فإنها لا يمكن ان ترى ~~إلا من بعض المرتفعات المحيطة بها ، وأحسن منظر لها يبين للناظر من رابيتين ~~متخذتين مدافن للموتى فهما تصلحان للسكن أحسن بكثير مما تصلح له ms021 البلدة ~~نفسها. وبنزولي من إحدى هاتين الرابيتين التي كنت قد صعدت إليها PageV01P036 # لأحصل منها على منظر عام للريف المحيط بها طرق سمعي صوت نسائي يندب بنحيب ~~عال ، فوجدت عن بعد بين القبور امرأة تجلس بالقرب من قبر حديث البناء كانت ~~تبكي عليه وتعول بإشارات وحركات تنم عن أعمق الألم وأمضه. فذهبنا لنتبين ~~أمرها ، لكنها كانت على درجة من الانغماس في حزنها وأساها بحيث إنها لم ~~تعبأ بنا ، إذا كانت قد أحست بوجودنا حقا ، الأمر الذي كان من المحتمل أن ~~لا يقع لأننا تقدمنا إلى حيث كانت تجلس. وقد كانت مشغولة بتزيين القبر ~~بطريقة غريبة ، شائعة بين الفقراء ، وذلك بوضع أحجار صغيرة بيضاء اللون ~~بأشكال غريبة فوقه. ولكنها بين حين وآخر كانت تكف عن ذلك فتحرك يديها بما ~~يدل على اليأس والقنوط ، وتتفوه بنبرات مهووسة من الغم والألم الممض الذي ~~كان يدل على شيء غير متناه من المحبة والتعلق. وقد أثر حزنها وتدفق عاطفتها ~~حتى على الخدم الذين كانوا يسيرون من ورائي ، وهم القساة القلوب في الأحوال ~~الاعتيادية. لأن ذلك كله لم يكن شيئا يراد به التصنع ، أو الظهور بمظهر ~~الحزن أمام الناس. فقد كانت المسكينة تجلس هناك وحيدة في تعاستها ، بعيدة ~~عن سمع أي كان من الناس وبصرهم ، عدا المارة العابرين مثلنا ، وهي تصب ~~حزنها في أذنه هو وحده ، الذي وجد من المناسب أن ينزل بها البلوى. # فقال أحد الخدم «إن هذه المسكينة لا بد أن تكون قد فقدت زوجا أو ولدا كان ~~معيلها الوحيد ، لأنك ترى يا سيدي ان مثل هذا الندب لا يمكن أن يصدر إلا ~~ممن فقدت وحيدها. أما الذين لهم عوائل فيمكثون في بيوتهم ، وهناك يبكون ~~ويندبون». # وفي هذا اليوم طلبت إلى الباشا أن يأذن لي بالسفر لعدم وجود ما يدعو إلى ~~استمرار مكوثي في عاصمته ، ولكونه هو المسكين كان منشغلا جدا بشؤونه الخاصة ~~بحيث لا يستطيع أن يعير التفاتا كبيرا لضيوفه. على أنه كان قد اغتنم الفرصة ~~وأشار إلى خادمي من طرف خفي قبل هذا ms022 عما إذا كانت لدي أية بندقية أو مسدس ~~أريد مبادلتهما بخيل أصيلة ، فإنه كان يسره أن يفعل ذلك. ولما لم يكن لدي ~~أي مانع من زيادة عدد خيولي ، بإضافة حصان كردي أصيل PageV01P037 # إليها ، بعثت ببندقية زائدة كانت عندي ومسدس ذي سبطانتين لأجل أن يتفحصها ~~ويرى رأيه فيها. غير أنه قد تبين بأنه كان قد تنازل عن تلميحه الأول ، ~~وربما كان السبب في ذلك أنه كان يأمل من قبل أن يجد البعض من هذه الأشياء ~~طريقه إليه على شكل هدية ، حيث إنه لم يوافق على مبادلتها بشيء فأعيدت إلي. ~~وعلى هذا الأساس بعثت ببعض الحاجات الصغيرة التي كنت أعتقد أنها يمكن أن ~~تحظى بالقبول عنده كهدية. فقبلت بتعارف وكلام لطيف. لكن التناقص القليل ~~الذي طرأ على الترحاب الذي قوبلت به هذا اليوم بي إلى الشك في ان آمال سموه ~~لم تتحقق على الوجه المطلوب ، فأعاقني ذلك عن تكرار الزيارة له. # وقد اضطررت اليوم أيضا إلى التعرض لإخفاق آخر من الإخفاقات المكدرة ~~المذلة التي يتعرض لها الرحالون في البلاد القلقلة مثل هذه. فهناك على بعد ~~عشرين إلى خمسة وعشرين ميلا من السليمانية سهل متسع ينتهي به الوادي (1) ~~الطويل الذي يستمد اسمه من اسم البلدة المشهورة فيه ، وهو يحتوي كما يقال ~~على بعض الآثار القديمة التي لم يرتادها إلا القليل من الأوروبيين حتى ~~الآن. ومن الأشياء الأخرى التي تعطي الأهمية لهذا السهل انه يحتوي على موقع ~~مدينة كان يسميها الأقدمون سيازورس Siazurus ، وتعرف أطلالها حتى اليوم عند ~~الأهلين باسم شهرزور. ولا بد أن يتبين لك في الحال من تقارب هذين الاسمين ~~مقدار اللذة التي يشعر بها المختصون عند البحث فيه. ولو لم يدع الواجب ~~صديقي ماكنيل للعودة إلى انكلترة ، فقد كنت آمل ان آتي به إلى مثل هذا ~~المكان البعيد وأنقب معه عن آثار شهرزور القديمة. ولكني حينما أحبط ذلك ~~المشروع وعدته هو ووعدت نفسي أن أذهب إلى هناك بنفسي وأقف على ما يمكن أن ~~أجده أو أعثر عليه. وعند وصولي إلى هنا ms023 قدمت طلبا إلى الباشا ليأذن لي ~~بالسفر إلى هذا الموقع ويزودني بدليل يساعدني على زيارة هذا الجزء من ~~بلاده. فلم يصدر منه أي اعتراض بادىء ذي بدء سوى بعض الملاحظات التي أبداها ~~بعدم وجود شيء هناك غير بعض القمم والتلال PageV01P038 # الملأى بكسر الفخار والآجر ، وبعدم وجود أبنية أو صخور منحوتة. لكنه ~~أعترف أن التلال كبيرة جدا ، وان هناك عدة مجموعات منها تقع كل منها على ~~بعد غير يسير عن الأخرى. ولم تكن هذه الملاحظات لتثنيني عن رغبتي في مشاهدة ~~المكان. ولذلك يمكنك أن تحكمي على مقدار ما أصابني من الكدر حين قال الباشا ~~، عندما بعث الخادم ليأتيني بالدليل الذي كان سيأخذني لمشاهدة المكان ، ~~بأنه لا يمنعني من الذهاب إلى شهرزور ومشاهدتها إذا كنت مصرا على ذلك لكنني ~~إذا كنت سأقوم بتلك المحاولة فإنها ستكون مخالفة لرغبته وما يشير به علي. ~~فإنه يعتقد بأن المكان المذكور هو ملتقى اللصوص والشقاة ، وإذا ما حدث لا ~~سمح الله شيء لخيولي فإن شرفه هو سيمس بحادث ليس في مقدوره أن يمنعه أو ~~يتلافاه. ثم قال انهم أكراد بهائم ومن هو الذي يستطيع الاجابة على ما يمكن ~~ان يفعلوه بدافع الاغراء بما ستراه أعينهم من الثروة الكبيرة التي يمكن أن ~~تقع في قبضة أيديهم. والخلاصة أنني كان يمكنني أن أذهب على مسؤوليتي أنا لا ~~مسؤوليته. # وهذا توسع في الاعتراض تعرف أهميته في الشرق معرفة جيدة ، وكثيرا ما ~~ينتفع به في الظروف التي تكون فيها الغاية المنع عن القيام بشيء من الظهور ~~بمظهر المعارض فيه. وهو يضع المسؤولية على عاتق المغامر الذي يصر على ما ~~يريد برغم التحذير المناسب ويبرىء ساحة أولئك الذين يحذرونه من عواقب تسرعه ~~وهي العواقب التي يعلم المطلعون على الشخصية الشرقية تمام العلم انها يمكن ~~بكثير من الاحتمال أن يعقدها عليه نفس الناس الذين يقدمون له الرأي فيها. # ولدي أسباب تجعلني أشك في أن سبب إحجام الپاشا عن الموافقة على زيارتي ~~لشهرزور هو الخوف الذي كان يساوره من أن هذه الزيارة قد ms024 يكون من شأنها أن ~~تدحض جهوده في الظهور بمظهر الفقير في نظر الرأي العام ، وخاصة في نظر ~~الحكومة الأذربيجانية. لأن تلك المنطقة على ما يقال من أغنى المناطق في ~~پاشويته ، وربما كان هو يفكر بأن غريبا مثلي يستطيع أن يخبر الجهات المعنية ~~بالأمر عن مقدار الغنى الموجود فيها. وعلى كل فإنني بعد أن PageV01P039 # جربت كل وسيلة للتأثير على رأي الپاشا في هذا الشأن ، وحتى بعد أن طلبت ~~ذلك بواسطة قائد الجند الإيراني المرابط هناك وهو بحكم الضرورة ذو تأثير ~~كبير ، وكان يضحك على جميع الاعتراضات التي أثيرت ضد الرحلة قد اضطررت إلى ~~ترك المشروع والتخلي عنه ، وقد كان الپاشا يصر على ان المجازفة عظيمة ، ~~وأنه لا يسعه ان يسمح بالمحاولة ، ولذلك أكرهت على التخلي عن المجازفة ~~بالذهاب إلى شهرزور ليقوم بها بطل أكثر حظا مني. وقد سمعت بعد ذلك ان ~~الپاشا كان محقا إلى مدى غير يسير ، لأن المكان في مثل هذا الموسم يكون ~~غاصا باللصوص الذين يتقاطرون إليه من الأصقاع الجبلية في كرمنشاه وهمذان ~~وأردلان ، ولذلك كانت حادثة النهب أو اللصوصية حينما تقع يصعب اكتشاف ~~الفاعلين وإنزال العقاب بهم. # وفي خلال الحديث لم أسمع سوى قليل من التفصيلات الأخرى عن شهرزور ، وها ~~إني ألخصها على الوجه الآتي : تحد السهل من الشرق والجنوب جبال شاهقة كثيرة ~~الوعورة ، وهو يحتوي على مواقع وأطلال خمس أو ست من المدن أو البلدان ~~القديمة. وتسمى إحداها القلعة ، وهي عبارة عن تل كبير عال. وهناك بعد هذا ~~ياسين تپة وكولعنبر ، وعربت ، وخرابة ، وغير ذلك. وقد أخبرني شخص أو شخصان ~~أن أحجارا ذات حجم كبير تحمل كتابات يعتقد انها مكتوبة بالحروف الأوروپية ~~(اليونانية) تستخرج أحيانا عند الحفر في هذه السهول. وهم يقولون ان أحد ~~الباليوزات (1) من تبريز وجد حينما كان في طريقه إلى بغداد حجرا من هذه ~~الاحجار في عربت. وسمعت كذلك ان حجرا آخر من هذا النوع عثر عليه أثناء ~~الحفر في بردكر ، وهي قرية تقع في أسفل الجبال الجنوبية الشرقية التي تحيط ~~بالوادي. وقد ms025 حدثني أحد الشيوخ عن «بودخانة» ، أو معبد للصور ، وجد في إحدى ~~جهات السهل وكان فيه حجر مغطى بالأحرف التي لم يستطع أحد حل رموزها في هذه ~~البلاد. PageV01P040 # وعلى هذا يبدو ان هذه المنطقة قد تصبح ذات يوم منجما للعاديات غير ~~المستكشفة. والمقول ان السهل بإجماعه مغطى ببقايا الأبنية القديمة ، ولكن ~~من النادر ان يوجد فيها شيء غير الآجر والفخار وما اشبه. # وفي هذا اليوم أيضا جرت لي مقابلة مع محمد خان «سرتيپ» (1) أو قائد ~~القوات الإيرانية في السليمانية ، وهذه القوة تتألف من أربعمئة رجل وثمانين ~~مدفعيا مع خمسة مدافع عادية ومدفعي هاون. ولا شك انها قيادة صغيرة لكنها ~~كافية تمام الكفاية لواجب ابتلاع البلاد والنهب حينما لا يستطيعون الحصول ~~على ما يكفيهم بالطرق الأخرى. والحقيقة ان أي جزء من ايران أو البلاد ~~المجاورة لها ليس في مقدوره بحالته الحاضرة ان يقوم بأعباء جيش فعال ~~ويقيته. ويحاول الأمير في كرمنشاه الإبقاء على هذه الولاية تابعة لإيران في ~~وجه پاشا بغداد الذي تتبع لحكومته في العادة ، وحينما يحاول تحقيق ذلك بأقل ~~ما يمكن من الكلفة والمصاريف لحكومته هو يقوم بتخريب ممتلكاته. على أن محمد ~~خان بصرف النظر عن الجهة التي تؤخذ منها مصاريفه ، كان بطلا أهلا للحفاظ ~~على سطوة سيده ضد العالم أجمع! فإنك إذا ما أعطيته الوسائل والإذن اللازم ~~يستطيع أن يبيد المير في راوندوز ، ويحبس پاشا بغداد في داخل حدوده PageV01P041 # ما بين النهرين. حيث إن بثلاثمئة «سرباز» (1) فقط ونصف هذا العدد من ~~الخيالة استطاع ان يكتسح كرميان ، أو البلاد الواطئة ، على حد قوله ، من ~~الموصل إلى خانقين ومن كرمنشاه إلى ما يقرب من أبواب بغداد. ولم يتوقف عن ~~القيام بشيء هائل جدا في الحقيقة لو لم يعمد الپاشا إلى اتحافه بهدايا ~~ثمينة وتقديم الكثير من العتاب والاعتذارات السلمية. والحق ان سرتيپ خان ~~ينتمي إلى طبقة من الإيرانيين كثيرة العدد جدا ، أجاد في وصف أمثالهم ~~موريير ، وهم أشد المتبجحين ضلالا في الطبيعة ومع ذلك لا تعوزهم الشجاعة ~~مثل المتبجحين في معظم ms026 البلاد الأخرى. وبينما كنت أستمع إلى قصص الخان عن ~~مآثره ومقدار الثناء الذي كان قد حصل عليه من ملك الملوك والمقابلة (خلوت) ~~التي حظي بها بالمثول بين يدي جلالته وعن الخطابات الطويلة التي كان يلقيها ~~الأمير المالك ، والوعد الذي وعده به سموه بسيف مطعم بالذهب وعن تذمراته ~~المرة من عدم التقدير الذي تقابل به مزاياه ، فلا يدفع له الأجر الكافي ولا ~~المخصصات اللازمة ، ولا يتمتع بالإجازات الضرورية لزيارة أسرته (التي ~~فارقها منذ خمس سنوات) بل يؤمر بالعكس بالتوجه إلى هنا وهناك في حملات أخرى ~~لأنه لا يمكن لأحد غير محمد خان ان يقوم بالعمل على أحسن وجه ، وبكلمة أفضى ~~عن تذمره من الحقيقة الجلية بأن الحكومة كانت تعلم أي خادم صالح هو السرتيپ ~~خان ولكنها لم تكن تعرف كيف تستفيد منه أقول بينما كنت أستمع إلى كل هذا ~~تعلمت الكثير مما هو مهم وطريف ، الكثير مما كنت أرغب في الوقوف عليه بشأن ~~البلاد وعدوها پاشا راوندوز (2)، وحصلت على الكثير من التسلية كذلك. هذا ~~علاوة على انني قد أرضيت على ما أعتقد الخان النزيه الذي هو في الحقيقة رجل ~~صادق مخلص ، يتناول كأسه كأي فرد منا. PageV01P042 ### ||| ** أول تشرين الثاني # زالة (1) قرية كردية متواضعة تتألف من ستة أو ثمانية دور. أكتب إليك يا ~~عزيزتي من هذه الحفرة الشقية التعيسة لأنني قد توفرت لي ساعة من الزمن ، ~~وليس لأن عندي شيء مهم أكتبه. فقد غادرت السليمانية يوم أمس في حوالي ~~الحادية عشرة قبل الظهر ، بعد أن بقيت أنتظر والحيوانات محملة والخيول ~~مسرجة من السابعة صباحا. لأن الپاشا لم يف بالوعد الذي كان قد قطعه لي ~~بتخصيص دليل يأخذني في الطريق إلى بغداد. فالرجال العظام يأخذهم النسيان ~~فيذهبون إلى النوم ، ولا يتجاسر أحد على إيقاظ سموه. ولذلك جلست في عدتي ~~أضرب بمهمازي واستشيط غيظا حتى حلت الساعة المعتادة التي يخرج فيها سموه من ~~مخدعه ، فقال لخادمي ان أشغالي قد غابت عن ذاكرته! وعلى هذه الشاكلة يؤدي ~~طيش العظيم إلى إتعاب الصغير وخسارته في بعض ms027 الأحيان. وقد كان للمسكين شيء ~~من العذر ، لأن شؤونه الخاصة كانت تربكه. فقد اكتشفت بعد ذلك انه كان في ~~اليوم الذي استأذنته بالسفر قد ترأس جلسة سرية مشوشة مع أغواته ، عقدت ~~للمناقشة في كيفية تزويد ثلة من الجند الإيراني ببعض الضروريات التي كانت ~~تبلغ تكاليفها حوالي مئتي تومان فلم يستطيعوا على ما قيل جمع هذا المبلغ من ~~السليمانية وربما كان هذا ينطوي على جزء من البرودة التي كنت أعتقد انها ~~كانت بادية في تصرف الپاشا تجاهي في تلك الحادثة. # وحينما حضر الدليل كان دليلا جيدا مناسبا ، كما كانت التعليمات التي زود ~~بها دقيقة جدا بالنسبة لما يختص براحتي وسلامتي. فقد كان عليه أن يوصلني ~~إلى كفري ويكون مسؤولا عن سلامتي بقطع رأسه ، تبعا للطريقة الشرقية في هذا ~~الشأن. فبهذا الشكل تكتب الرسائل التي يزود بها السياح على سبيل التقديم من ~~الأمراء إلى حكام الأماكن الواقعة في طريقهم ، أو التعليمات PageV01P043 # التي تعطى للأدلاء الذين يأخذونهم إلى حيث يريدون. وهكذا فإن عبد الله ~~(1) خان حينما كتب عني إلى أخيه صمد خان في سرادشت وسائر رؤساء القرى كان ~~يرغب في أن أبعث في الطرق الواقعة داخل حدود المناطق التي يشملها حكمهم ~~بسلامة وشرف ، وأن يفهم بأن أية قطرة من الدم قد تسيل من أحد خيولي يكون ~~جزاؤها خمسة آلاف تومان. ### ||| ** 3 تشرين الثاني # وبدلالة عول خضر أغا غادرنا السليمانية في حوالي الساعة الحادية عشرة ، ~~وبعد أن اجتزنا السهل تسلقنا الجبال الغربية التي تحيط بالوادي الطويل ~~المسمى باسمها ، الذي ربما يبلغ إذا ما أضيف إليه سهل شهرزور سبعين إلى ~~ثمانين ميلا في الطول. ومن قمة الممر كان يمكن للعين أن تشرف على بلاد ~~تنفرد في غناها ، وتنحصر بين السلسلة التي كنا نقف فوقها ، وعلى قمة بارزة ~~الشموخ تقع على مسافة غير يسيرة منا وتكون في الحقيقة الحدود الفاصلة بين ~~البلاد المرتفعة والمنخفضة. وقد كان علي في الحقيقة أن أسمي الأراضي التي ~~تقع بيننا وبينها واديا لأنها كانت أخفض من الجبال المحيطة بها ، لكنها ~~كانت ms028 حقا كتلة من أشد الجبال والوهاد وعورة تزينها هنا وهناك شجيرات البلوط ~~والجوز المثمر في الأماكن التي كانت تقوم فيها القرى في يوم من الأيام ، ~~والكروم وشجيرات الرمان والسماق التي لا تزال تنمو نموا سريعا كثا. # ولقد شققنا طريقنا عبر هذه البلاد الوعرة الصعبة إلى قرية كرداة التي كان ~~من نصيبنا أن نقضي فيها ليلتنا في ذلك اليوم. فقوبلنا بكل أمارات الضيافة ~~فيها بتأثير من أوامر الپاشا لكننا بلغنا بأن نكون على حذر تام من اللصوص ~~الذين قيل عنهم على الأخص أنهم كثيرون نشطون فيها. ومن صفات هذه القرية أن ~~المئة والخمسين إلى المئتي بيت التي تتكون منها يعود ما لا يقل عن ثلثها ~~إلى سكانها اليهود. وقد ألفيت الأكراد واليهود هنا يمتزجون امتزاجا حسنا ~~فيما بينهم. PageV01P044 # وفي هذا اليوم وجدنا على مسافة غير بعيدة من البلدة بركة جميلة غزيرة ~~المياه تنبع من الأرض وتتصف ، كما أكد لنا الناس ، بخاصية الإبراء من ~~الأمراض. وقد كان منبعها الأصلي محاطا بسد من الحجر ، كما كان في الماء ~~المنحصر على هذه الشاكلة عدد من الأسماك التي كانت تسبح وتتحرك غير عابئة ~~بأحد لأن الناس لم يكونوا يتعرضون لها. على أن الجنود الروس الذين بعثوا ~~إلى هنا من أذربيجان كانوا قد عملوا على اصطيادها وتقليل عددها برغم ~~الإنذار بالموت الذي كان يصدر من الناس تجاه هذه الإساءة المدنسة للقدسية. ~~فزعم أن بعض الذين أكلوا من هذا السمك قد ماتوا بنتيجة ذلك. # وقد تحدثت في هذا اليوم مع دليلنا في موضوع النذركاهات (أماكن النذور)، ~~فكان تفسيره لها بسيطا. إذ قال لي «إن الشخص المريض حينما يرى في الحلم ~~أحدا من الأئمة أو الرجال الصالحين يظهر في بقعة خاصة فإنه يعمر تلك البقعة ~~، وحينما ينال مراده الذي كان ينتظره يبادر إلى تخليد المكان بمثل هذه ~~الأكوام من الحجارة التي كثيرا ما نراها في طريقنا اعترافا منه بالجميل ~~وإرشادا للآخرين عن هذه البقعة المقدسة. فيؤدي هذا إلى مجيء المرضى الآخرين ~~إليها وإضافة أحجار أخرى فوقها ، وبمرور الوقت ms029 تصبح الأكوام عديدة وكبيرة. ~~وكثيرا ما يشد الذين انتفعوا بهذه الوسيلة قطعا من ملابسهم كذلك في ~~الشجيرات المحيطة بتلك البقع كما ترى». وهو يقول أيضا إن قبور العظماء من ~~الرجال ، أو الذين يقتلهم اللصوص أو يقتلون خيانة ، لا توضع فوقها هذه ~~العلامات ، ولا تلقى مثل هذا النوع من الاحترام والتوقير. لكن عمودا يحمل ~~علما في أعلاه قد يرفع أحيانا ، أو قد توضع بقربه علامة غير هذه لتدل ~~المسلمين الصالحين على المكان الذي يجب أن يترحموا فيه على الموتى. # وقد تحركنا في السابعة من صباح اليوم الثاني. فمررنا في طريقنا بمواقع ~~عدد من القرى المهجورة التي كانت يوما ما تسبغ الحياة والجمال على مرابعها ~~ووديانها الصغيرة. لأن السكان قد هربوا عن هذه البلاد المنكودة الطالع ~~وأخذوا معها ما كان فيها من سلم وازدهار ، فخلفوها فريسة للطغاة PageV01P045 # واللصوص. وفي طريقنا هذا اليوم شاهدنا الكثير من آثار العنف والضغينة ، ~~لأننا في مسافة لا تزيد على اثني عشر ميلا أبدلنا حراسنا وأدلاءنا مرتين. ~~إذ لا يجرأ سكان القرية الواحدة على الدخول في حدود القرية الأخرى. وقد قص ~~علينا دليلنا عول خضر أغا قصة طريفة في هذا الشأن ، وهي أن قبيلة الهماوند ~~التي تشغل بعض الأراضي القريبة من هذه المنطقة ، والتي أكد لي أنها لا تزيد ~~في عددها على الخمسمئة أو الستمئة أسرة ، قد جعلت من نفسها عشيرة قوية تجاه ~~عشيرة أخرى هي عشيرة الجاف (1) التي تعد بين عشرة آلاف واثني عشر # أما الهماوند فهم من القبائل الكردية المعروفة بالشجاعة والبسالة. ~~ويقيمون في منطفتي جمجمال وبازيان اللتين يمر منهما طريق كركوك السليمانية ~~الرئيس في PageV01P046 # ألف بيت أو خيمة بحيث لم يعد بوسع أي رجل من الجاف أن يتعدى إلى تخومها ~~لأنه إذا ما فعل ذلك سرعان ما يقتل بدم بارد. بينما يركب الهماوند بجماعات ~~تعد الواحدة منها عشرين أو ثلاثين خيالا فيذهبون إلى الجاف وينهبون بيوتهم. ~~لكنني أعتقد أن قوله هذا فيه شيء من المبالغة ، لأن الجاف يستطيعون أن ~~يقدموا إلى الپاشا ألف خيال مقتدر ms030 في وقت الحاجة. وهم يقطنون في الغالب ~~منطقة شهرزور ، لكنهم ينتشرون أيضا على طول خط الحدود. هذا وقد اغتنم أحد ~~أولئك التعساء من الجاف فرصة مرور قافلتنا فحمل نبالته ووجاهته سالمة إلى ~~خارج المناطق الخطرة. # وقد تم آخر تبديل لحراسنا في جعفران بالقرب من سفح ممر سكرمة ، إحدى ~~بوابات كردستان الكبيرة في هذه الاصقاع. ولما كان قد رافقنا من هناك اثنان ~~من الخبثاء الجريئين الشبيهين باللصوص فقد علق دليلنا عليهما بقوله إنهما ~~يعدان بعشرين فارسا. ثم استطرد قائلا : «إن اللصوص يخشونهما ولا يجرأون على ~~مهاجمتنا بوجودهما ، لكننا يجب علينا أن نكون حذرين على كل حال ، ولتكن ~~حيوانات الحمل غير متباعدة ، ونحن سنكلف أحد هذين بأن يسير في المقدمة.» ~~فجد رفاقي في السير بعد أن صدر لهم مثل هذا الإنذار ، وهم الذين يلجأون في ~~كثير من الأحيان إلى حيلة التلكؤ والتباطؤ الخبيثة ، حتى وصلنا إلى شدقي ~~الممر بالسرعة اللازمة. # فوقفنا هنا وقفة قصيرة ، لكنني سررت لذلك لأنها مكنتني من أخذ رسم PageV01P047 # تخطيطي سريع لهذه البوابة الطبيعية الفريدة ، التي يسميها الأهلون تسمية ~~في محلها فيطلقون عليها اسم «دربند». وقد استغرق صعودنا ساعة ونصف ، وفي ~~النهاية وقفنا فوق القمة متطلعين من الخلف إلى البلاد الجبلية الموحشة التي ~~اجتزناها. أما من الجهة الأخرى فقد كانت تمتد الأصقاع المنخفضة التي بقي ~~علينا أن نجتازها قبل أن يكون بوسعنا الوصول إلى عاصمة الخلفاء العتيدة. ~~أقول الأصقاع المنخفضة لا المستوية ، لأن البلاد التي صارت تمتد أمام ~~أعيننا الآن كانت بعيدة كل البعد عن الاستواء على كونها من حيث الارتفاع ~~النسبي أوطأ بكثير من المناطق التي خلفناها وراءنا. فقد كانت تقوم أمامنا ~~قمم واطئة من التلال الجرداء المعتمة التي كانت تمتد امتدادا متسلسلا حالت ~~كثافة الجو دون اكتشافنا لنهايته. أما الفسح التي كانت تتخلل تلك القمم فقد ~~كانت تتقاطع معها على نفس النمط سلسلة من الروابي والآكام الصغيرة. فكان ~~المنظر العام بذلك مقفرا ومعتما. ومع هذا فقد كانت هذه بلاد الآشوريين ~~الأصلية ، مهد الامبراطوريات الجبارة ، ومنبت الملوك العظام ms031 في الأزمنة ~~الغابرة. ولم يكن يدور في خلد أحد أن هذه المفازة الصخرية الجرداء كانت ~~بلاد سميراميس العظيمة ، أو سارداناپولس (1) المترف. على انها قد تكون ~~الموطن اللائق ل «نمرود الصياد الجبار». # فأدت بنا نزلة صخرية مخفية ، ومسافة عدة أميال قطعناها في البلاد ~~المنخفضة التي أتيت على وصفها ، إلى هذا المكان المسمى زالة ، إنها مكان ~~بسيط جدا كما بينت من قبل ، والحقيقة أنني لم أر أسوأ من هذا المكان ~~للمبيت. # وقد أزعجنا في هذا المكان ، وفي المنزل الذي نزلنا فيه الليلة الماضية ، ~~ما نشب من خصام بين مهمندارنا (2) وأهالي القريتين حول الشعير والتبن الذي PageV01P048 # كان يجب أن يقدم لخيولنا ، والطعام لنا. فقد أشرت أكثر من مرة قبل هذا ~~إلى العادة الشائعة في هذه البلاد ، بأن المرموقين من الأجانب والأشخاص ~~الموصى بهم من الأصدقاء أو السلطات الحاكمة يعتبرون ضيوفا عامين وليس ~~مختصين بشخص دون آخر ، وهم والحالة هذه يزودون بالطعام والمنام على حساب ~~الحكومة الاسمي أو الخانات وحكام الأماكن الواقعة على طريقهم. وهذا امتياز ~~تعد مساوئه أكثر من فوائده. فمن الطبيعي أن السائح من دونه لا تتهيأ له ~~الفرصة للاتصال بالطبقات العليا من الناس ، وقد يمر بالبلاد من دون أن ~~يتسنى له الاطلاع على أي شيء من عاداتهم وأحوالهم. لكنه في كثير من الأحيان ~~يصبح قيدا يعيق تحرك السائح وترتيباته ، لأنه لا يستطيع اتخاذ ما يلزم ~~للبقاء في بعض الأماكن أو التوجه إلى أخرى من دون مساعدة مضيفه وموافقته ~~عليها. وقد تكون آراء المضيف نفسه مختلفة عن آراء ضيفه ، أو مؤديه إلى ~~الحيلولة دون تحقيق أعز رغباته عليه. # وفي هذه الحالة ، كنت أنا ضيفا على الپاشا في السليمانية. وتتطلب الأصول ~~المتبعة في هذا الشان أن أستمر على كوني ضيفا ما دمت موجودا في بلاده. غير ~~أنه لما كان هذا يعد شيئا باهظا في تكاليفه فقد حملت القرى التابعة له على ~~تحمل النفقات ، وحتى لو كانت هذه النفقات تقيد على حسابه من قبل خدامه فإن ~~القرويين المساكين كانوا لا يستفيدون شيئا من ذلك ms032 لأن الخدام يستفيدون منها ~~هم أنفسهم ويلقون العبء على القرويين على كل حال. أما ما حدث في الليلة ~~الماضية ، فبعد كل ما فعله دليلنا عول خضر أغا لم يأت القرويون بالمقدار ~~الكافي من العلف لخيولي ، ولذلك أخبرت خدامي الخاصين بشرائه على حسابي أنا. ~~ولا أدري إذا كانوا قد فعلوا ذلك أم لا ، لكنني دفعت المبلغ المطلوب. وفي ~~هذه الليلة انتشر في القرية النحيب والعويل فقد حرمت نساء الأسر الخمس أو ~~الست التي تتألف منها القرية من ذخيرتها الشحيحة من الحبوب ، وجاءت إحداهن ~~إلى حيث كنت أمكث معولة مولولة لتسترجع دجاجتها الوحيدة التي كانت قد أخذت ~~منها قسرا ليدخل ريشها في تكوين مخدتي ، فاستعادتها حينما كانت السكين تهم ~~بذبحها. PageV01P049 # وببضع بنسات أمكن الحصول على دجاجة أخرى ، غير أن المهمندار تدخل في ~~الأمر لأن شرفه وضع على المحك حيث إنه كان مسؤولا عن إعاشتي مجانا من جميع ~~الوجوه ، عدا الريح الذي كان ينتظره لنفسه ، ولذلك استرجع الدراهم قسرا من ~~العجوز صاحبة الدجاجة وأعادها إلي. وقد بدأت ، محاولات عدة لتسوية المشاكل ~~بشراء ما كنا نحتاجه ، لكن الدراهم وإن كانت تقدم بصورة سرية فإن الناس ~~كانوا يخشون المهمندار بحيث يأبون تسلمها. وأخيرا ، فبعد أن تم اعتصار كل ~~ما يمكن استخراجه كانت الطريقة الوحيدة التي كان يترتب علي اتباعها لتحاشي ~~لعنات المجتمع المنهوب هو أن أبعث أحد الخدم سرا خلال الليل إلى دور ~~المتضررين فأدفع لهم قيمة ما كان يؤخذ منهم مع إضافة قليلة. وكنت أعتمد في ~~ذلك على نزاهة خادمي وهو اعتماد قد يكون في غير محله بلا شك. لكنني لم يكن ~~لدي وجه آخر للاختيار ، وأعتقد أنه لا بد أن يكون قد نفذ ما كنت أعتمد عليه ~~فيه جزئيا على كل حال لأن معظم الناس جاءوا ، حينما كنت أهم بالركوب في ~~صباح اليوم الثاني ، يودعونني بوداع حار وتمنيات طيبة. ### ||| ** كفري 4 تشرين الثاني # ومن زالة ، المكان الذي أرخت به كتابي الأخير ، أوصلتني مسيرة اثنين ~~وعشرين أو أربعة وعشرين ميلا إلى إبراهيم خانجي إحدى ms033 القرى الكردية التابعة ~~لرئيس من رؤساء الكرد ، حيث كنا سنقضي ليلتنا. وقد أدت بنا الأميال الخمسة ~~أو الستة الأولى من طريقنا إلى بقعة صخرية فريدة لم أر مثلها قط. لكن مقدار ~~العشب الذي نبت برغم ذلك في الربيع والصيف كان شيئا مدهشا. فلا يزال قسم ~~منه نابتا حتى الآن ، بينما ترك القسم الأعظم منه بعد أن أشعلت فيه النار ~~فسحا كبيرة من سطح الأرض وهي سوداء ، مرقطة بالأحجار الرمادية. # ثم صعدنا بعد ذلك جبلا كثير الصخور يعلو إلى ارتفاع غير يسير ، وهو آخر ~~موقع ذي أهمية يحجز بيننا وبين دجلة. وقد كان أجرد من كل شيء عدا بعض العشب ~~، لكن شجرة عظيمة من أشجار البلوط كانت تنشر ظلها فوق PageV01P050 # قمته ، وهي لا بد أن تكون آخر ما بقي من غابة كانت تغطي هذه الجهات ~~بأجمعها في يوم من الأيام. وهذه الشجرة مدينة في بقائها لتقليد من التقاليد ~~لا يمكنني تفسيره إذ ربما يكون أساسه قد ضاع بمرور الزمن. لأن جل ما يمكن ~~معرفته اليوم في هذا الشأن هو أن المسافرين الذين يأوون إلى ظلها بعد صعود ~~متعب سرعان ما يزول عنهم التعب وتدب فيهم القوة لمتابعة المسير. وقد كانت ~~محاطة بجدار من حجر ، ويطلق عليها «دور المنده». # وعلى بعد عدة أميال من الممر الصخري الذي نزلنا هذا الجبل منه وقفنا ~~لنتناول فطورنا في قرية كردية حقيرة تسمى جان ريز ، حيث يسكن سليم أغا رئيس ~~أكراد الدلو (1) من فروع البابوات في السليمانية. وحينما أشرفنا على القرية ~~لا حظنا وجود رماح وخيول مسرجة ، ثم وجدنا عند وصولنا أن البك كان يعد ~~العدة للخروج إلى الصيد لأنه كان محاطا برجال الحاشية المجهزين للركوب ، ~~والذين كانوا يمسكون عددا من كلاب الصيد (السلق) بأربطتها ، ويحملون فوق ~~قبضات أيديهم الصقور الملفوفة رؤوسها بالغماء. # وقد حصلت لنا كلمة قالها الدليل ، الذي تقدمنا بعدة ياردات ، على ترحيب ~~معهم بالمجاملة من هذا الرئيس الذي كان شخصا محبوب المظهر ، يتجاوز منتصف ~~العمر ، بلحية يختلط فيها الشيب وتقاسيم تدل على قوة ms034 معتدلة. ثم استنكر ~~الاعتذار الذي تقدمت به عن تطفلنا عليه واعتراض سبيل خروجه إلى الصيد. وحلف ~~برأس الپاشا وعيونه هو بأنه يرحب بنا ألف مرة لا مرة واحدة. على أنه تأسف ~~لأن معدات الراحة عنده غير كافية ، وطعامه غير مناسب بحيث إنه يخجل من ~~الاحتفاء بنا بهذه الوسائل. حيث قال «لكننا نحن الأكراد أناس خشن نعيش في ~~السهول والجبال وليس عندنا في أي وقت من الأوقات ما نفاخر به ، والآن فإن ~~القليل الذي كان عندنا قد زال فنحن ما بين أمير أو پاشا ننشد PageV01P051 # رغيف الخبز.» ثم مضى يقول هو يأخذ قطعة من الخبز الأسود الذي وضع بين ~~أيدينا على الصينية مع شيء من اللبن «انظر ماذا نأكل ، فنحن وخيولنا نقتات ~~على الشيء نفسه. لقد كان بوسعنا من قبل أن نقدم لضيفنا رغيفا من خبز القمح ~~، لكن ذلك العهد قد انتهى وعلينا أن نقنع الآن بالرخيص». # واستطرد بعد ذلك يقول في نفس الموضوع الذي كنت أحاول إخراجه منه بأسئلة ~~أوجهها له ، أو بعلامات الاقتناع والعطف «فقد كنا نحن الأكراد في زمن من ~~الأزمان جنودا أقوياء ، ولم نكن نفكر بغير الركوب والتدرب على الحرب بالسيف ~~والرمح ، وبالصيد والبزدرة ، وما أشبه من الألعاب. لأننا كان عندنا ما يكفي ~~لمعيشتنا وكان فلاحونا يزرعون الأرض لنا ، لكن كل رجل منا مضطر اليوم لأن ~~يضع السيف والرمح جانبا وينصرف إلى «الجفت» (أي الثورين لسحب المحراث). وما ~~هو نفع الجندي يا سيدي حينما يأخذ بمباشرة المحراث؟ لكن الإيرانيين والپاشا ~~يتمادون في مطاليبهم كلها ، فماذا تكون عاقبة ذلك لا يبقى للفلاح سوى أن ~~يلتجئ إلى الفرار والذهاب إلى راوندوز وكرمنشاه أو الموصل أو أي مكان آخر ~~بدلا من أن يبقى حيث لا يستطيع تحمل إخوانه ولهذا تخلو البلاد من سكانها ~~كما ترى.» # وقد كان البك كثير السؤال على الأخص عن الإنكليز والروس مع أن جهله ~~بالفريقين كان شديدا جدا ، فتركه وهو ممتن من زيارتي له على ما آمل. لأنني ~~بعد أن أشبعت رغبته بالبرهنة على قوة أسلحتي ms035 النارية ، وخاصة مسدساتي ~~الصغيرة التي كان يحتقرها إلى أن شاهد مفعولها وتأثيرها ، قدمت له هدية من ~~بعض المصنوعات الإنكليزية التي استأثرت بلبه إلى حد كبير ، ثم افترقنا ونحن ~~أحسن الأصدقاء. # فقلت لدليلنا عول خضر أغا حينما ابتعدنا «إن هذا الرجل المدني ، هذا ~~الأغا الذي استقبلنا بمثل هذا الاستقبال الحار ، ورحب بنا مثل هذا الترحيب ~~لو فرضنا أننا لم تكن معنا أنت ولا أي دليل آخر من السليمانية ، والتقينا ~~به وبقافلته في البادية ، فإنه لا أظنه كان سيتورع عن مهاجمتنا وسلبنا لو ~~كان بوسعه أن يفعل ذلك؟» فأجاب وهو يضحك بملء شدقيه «أقسم برأس سليمان پاشا ، PageV01P052 # وبرأسك يا سيدي أنك تعرف هذا الرجل كما أعرفه أنا على ما يبدو ، وقد أصبت ~~كبد الحقيقة. إن سليم أغا هو ابن بجدتها والرجل المعد لهذا العمل. فهو عمل ~~الحاجة يأكل الخبز معك باعتبارك ضيفا عنده وبعد أن يودعك بكلمات مثل «خوش ~~أمدى وخدا حفيظ» يعمد إلى لف لحيته وتبديل لفته ويتنكر هو ورجاله بحيث لا ~~تستطيع معرفتهم ثم يركب فيقطع الطريق عليك ويسلبك إلى حد العري ثم يتركك. ~~إنه أشد الأوغاد شرا في كردستان وأكثر الأوباش فقدا للضمير ، إن هذا الرجل ~~يا سيدي سلب النساء وتركهن عرايا هائمات في الصحراء.» # ثم سألته قائلا : «هل يعد هذا شيئا شائنا حتى في كردستان؟» فأجابني ~~الدليل يقول : «إن هذا شائن عندنا بحيث إنني لا أعرف الكلمات المناسبة ~~لوصفه. لكن سليم أغا هذا هو حيوان لا حياء له ولا شعور. فإن عنده تحت تصرفه ~~حوالي أربعين أو خمسين خيالا ، يستخدمهم في قطع الطريق بحيث يتعذر على ~~القوافل وزوار كربلاء القادمين من إيران المرور منه. وهو يجرد جميع من يقبض ~~عليهم من كل ما يملكون.» فسألته : «ولكن ماذا يقول الپاشا في كل هذا؟ ألا ~~يعتبر الأغا من خدام سموه؟» «على وجه التأكيد» أجاب عول خضر أغا «وأن ~~الپاشا لا بد أن يحرق أباه إذا فعل مثل هذه الأشياء ، ولكن ماذا أقول يا ~~سيدي؟ إن الپاشا عنده ما يكفي من ms036 المشاكل في بلده إننا لا نحتفظ بالحاكم في ~~منصبه مدة تكفي لأن يصبح قويا بحيث يستطيع المحافظة على الهدوء التام ~~والسكينة ، ولذلك لا يسعنا سوى أن نبذل جهدنا على كل حال. ولكن سليم أغا ~~هذا أشد الأنذال خبثا ، ألم يرك ذراعه يا سيدي؟ إننا نقول هنا بأن ذلك كان ~~عقوبة من الله جوزي بها على صنيعه الشائن». وبعد ذلك قلت له «حسنا ولكن ~~رستم أغا الذي سنذهب إلى بيته هذه الليلة إن شاء الله ، أي نوع من الرجال ~~يمكن أن يكون؟ هلا يفعل مثل ما يفعله سليم أغا ألا يسلبنا هو أيضا إذا تمكن ~~من ذلك؟» فأجاب يقول «هناك شيء من هذا القبيل في الحقيقة يا سيدي. إنه رئيس ~~قبيلة الزنكنة (1)، ولكنه ولله PageV01P053 # الحمد من خدام سليمان پاشا. ومع هذا فإنه سيوصلك سالما إلى كفري إن شاء ~~الله». فرددت عليه بقولي «إن شاء الله ، إن شاء الله ، ولكنني لا حظت من ~~هذا كله أن كل رئيس من رؤساء الفروع القبلية هؤلاء يعمد إلى اللعب بنفس ~~اللعبة في هذه البلاد». فأجاب «آه بارك الله سيدي ، لقد قلت الحقيقة ، ولكن ~~هذا لم يكن كذلك دائما في أيام عبد الرحمن پاشا والد سليمان پاشا ومحمود ~~پاشا ، فلم يكن يحدث في أيامه أي شيء من هذا. فقد كان من الممكن لك أن تسير ~~والجواهر فوق رأسك والذهب في يديك من أول الپاشوية إلى آخرها ، أي من ~~سرادشت إلى كفري ومن كوي إلى بانه من دون أن يسألك أحد عن أي شيء. إن ~~الدنيا كانت هنا سلام عليكم ، وعليكم السلام. ولكن النزاع بين الأخوين هو ~~الذي جر الخراب على البلاد وأنزل بها البلايا. فمرة محمود ومرة سليمان من ~~دون أن يبقى أحدهما أكثر من ثلاث سنوات. وبعد ذلك تدخل العجم لتسوية النزاع ~~فأخذوا البلاد لأنفسهم وأكلوها هم وجيشهم. ثم جاء على أثرهم الطاعون ، ~~والمجاعة ، فعملا معا على استئصال شأفة الناس وإبقاء الأعداء لنا. وأصبح ~~الحال بحيث إن السرقة حينما تقع يتهم بها كل فريق الفريق ms037 الآخر ، أي خصمه. ~~فخدام سليمان ينسبون انتهاك الحرمة لخدام محمود. بينما يرد خدام محمود ~~عليهم بأن يعزوها إلى رجال سليمان. أما الحقيقة فهي أن الپاشا لم تبق له ~~لديه القوة اللازمة لمعاقبة من يجده مذنبا أو يقترف خطأ ، ولا للسيطرة على ~~من تحدثه نفسه بالشر ، لأن الإيرانيين يلتهمون كل شيء يمكن ان يقع في قبضة ~~أيديهم وبذلك يضطر الرجال النزهاء إلى الهرب فتبقى البلاد للصوص». # ولم يكن هناك ما يقال ضد هذا الكلام الصريح الصحيح ، ولذلك غذذنا السير ~~إلى قرية إبراهيم خانچي (1). PageV01P054 # وقد كنا الآن في وسط آشور القديمة تقريبا ، التي كنا في الحقيقة قد ~~دخلناها حينما اجتزنا الفتحة الأخيرة التي نزلنا فيها إلى سهل السليمانية. ~~والحق أن البلاد لم يكن فيها ما يدل في الوقت الحاضر على أنها كانت مركزا ~~للامبراطوريات قوية الشكيمة. فإن هذه القمم الجرد وتلك الوعورة التي ~~تخترقها الوهاد الجافة فتمتد من حولنا إلى بعيد أو قريب لا يمكن أن تكون قد ~~كانت يوما ما مسرحا للحوادث الجسام التي ينسبها التاريخ إلى امبراطورية ~~سميراميس وأخلافها حيث كان عدد لا يحصى من المتحاربين يتقاتل من أجل النصر ~~والممتلكات المترامية الأطراف. # ومهما كانت المزايا التي كان يتحلى بها أولئك المحاربون الآشوريون ، ~~فإننا وجدنا أخلافهم قساة خشن الطباع مثل المناطق التي يعيشون فيها. فقد ~~كانت إبراهيم خانجي ، القرية التي يسكنها رستم أغا ، عبارة عن مجموعة تتألف ~~من حوالي مئة كوخ مبنية من الطين والحشيش. أما الديوان خانة ، كما كانت ~~تسمى ، التابعة للرئيس التي أدخلنا إليها فقد كان بناؤها واهيا بحيث إنني ~~توقعت أن ندفن بين أنقاضها إذا ما هب شيء من الريح أو سقطت مزنة من المطر ~~خلال الليل. وقد استقبلنا ابنه الذي كان حدثا لطيفا لكنه كثير الفضول قليل ~~الخجل ، له مثلهم جميعا أصابع كصنارة صيد السمك يضعها فوق كل ما تصل إليه ~~يده. ثم جاء رستم أغا نفسه في المساء وهو رجل خفيف الروح طلق المحيا ذو ~~سحنة سمراء داكنة ووجه مدور وضحكة لا مبالية ، فاستقبلنا بمجاملة ms038 تهويشية ~~صاخبة. وقد كان من أولئك الشرسين الذين يكونون في أحسن حالاتهم حينما لا ~~يعاكسهم أحد ، كما قالت الممرضة السكوتلاندية عن طفلها المدلل فهو يبتسم ~~دائما عندما يكون على سجيته ، ويقطب حاجبيه حالما يستاء من أحد. # فكنا متحفظين لدرجة ما في بادئ الأمر ، ولما كنت أحاول دوما التوفيق بيني ~~وبين الناس في كل المناسبات على قدر ما يمكن ، فسرعان ما تم التفاهم بيننا ~~ودخلنا في حديث ودي. لكن ذلك بدأ بشكل غريب. فحالما انتهينا من التعارف ~~والمجاملات المطلوبة دعا خادمي الذي كان واقفا في PageV01P055 # داخل الغرفة فسأله : ما اسمك؟ ومن أين أنت؟ وكم صار لك في معية الصاحب؟ ~~وهل يدفع لك أجرا أو أن أحدا بعثك معه؟ وهل أنت سعيد في خدمته؟ وبعد أن ~~أجيب على جميع أسئلته هذه أضاف قائلا بلهجة حازمة «أي المسدسات يملك سيدك؟ ~~اءتني بها» فأشرت له بأن يأتي بها ، وسرعان ما أصبحت بين يدي الأغا. وعندما ~~رأى أن الطبنجات لها عدتها الخاصة رماها جانبا بازدراء وهو يقول «إني أعرف ~~هذا النوع من السلاح ، فإن اثنين من طائفتك جاءا إلى هنا قبل مدة من الزمن ~~فقد ما لي زوجين منها لكنني أبيت أخذهما ، فأي نفع فيهما لي؟ إني أريد ~~مسدسات من هذا النوع وأخرج مسدسين جيدين من مسدسات مورتيمر المزدوجة ، ~~لكنهما كان متآكلين من الاستعمال. ثم قال «فلو كان عندك من هذه لأخذتها منك ~~، لكن مسدساتك هذه عديمة الفائدة. والآن قل لي هل لديك أشياء أخرى؟ إن ~~الأشياء التي أنا مغرم بها هي المسدسات والشال والستر مثل هذه» وأشار إلى ~~سترته التي كانت من القماش القرمزي. «هل عندك شال كشميري مثل هذا؟ انظز» ~~قال هذا وهو يشير إلى شال قديم مطرز بالفضة فوق رأسه. فقلت له ان السياح ~~الذين يمرون من هنا في طريقهم إلى بغداد لا يكون عندهم مثل هذه الأشياء ~~عادة. والحقيقة أنني لا أملك الآن سوى فراشي وملابسي الخاصة. فرد علي قائلا ~~«لا شيء ، انظر هذا بعض ما أعطاني إياه الإفرنج الذين حدثتك ms039 عنهم» وأخرج ~~سكينة «سپورت» من صنع إنكليزي .. ثم ابتدرني قائلا «حان وقت الصلاة ، يجب ~~علي أن أصلي» وفرش السجادة على الأرض بجنبي وبدأ بصلاته (نماز). # وأخيرا انتهى منها والتفت إلي. وكنت في هذه الأثناء قد أخرجت سكينا كبيرا ~~كنت قد خصصته لاستعمالي أنا أثناء السفر ، فقدمته له باعتباره سلاحا ذا ~~فائدة كبيرة في القتال والسلم ، وهو من أحسن مصنوعات إنكلترة. فتقبله بلطف ~~وبشاشة ولاح لي أن أساريره قد تفتحت بعض الشيء ، لأنه أصبح ينكت ويمزح. # ثم تطرقنا إلى أحاديث كثيرة من هذا القبيل ، وقد توصلت منها إلى أن البك ~~كان يعرض بالهدايا على الدوام. فقد أشار عدة مرات إلى ما كان قد PageV01P056 # أهدي له من السياح الآخرين. ولما كنت راغبا في تكوين أصدقاء كثيرين على ~~قدر ما يمكن لفائدة الذين قد يمرون بعدي من هنا اغتنمت فرصة تذمره من مقص ~~إيراني كان يحاول عبثا أن يقص به قطعة من الورق ، فأهديه مقصا إنكليزيا ~~ممتازا. فزاد هذا في مقدار ما كان قد سببه عنده السكين قبلا من الرضا ~~والسرور ، وأخذ يثني بكثرة على الإنكليز وسلعهم الممتازة. ثم تطرقنا في ~~حديثنا إلى أكل لحم الخنزير وتناول المسكرات وأوجه تحريمها ، وإلى موضوع ~~الأشباح والأرواح الخبيثة فكان البك غير ملم بشيء عنها. غير أنه مع ما كان ~~عنده من خشونة طباع وعادات افتراسية نهابة كان يؤمن إيمانا غير يسير ببعض ~~الخرافات ، وهذا شيء شائع بين أهل المكر وقطاع الطرق. # والظاهر أن يوم التوبة ، بالنسبة للنهب وسفك الدماء ، لا يزال بعيدا عند ~~رستم بك. فقد أسهب في وصف المعارك التي خاضها ومقدار السلب الذي حصل عليه ~~بحماسة وحرارة كانتا تدلان على مقدار الخبث والشيطنة المتأصلين فيه. ثم قال ~~لي إنه كان قد جرح عشر مرات على الأقل برغم أحسن الدروع التي يملكها. وهو ~~يقول «عندي دروع من كل نوع ، وقد كنت أستعملها على الدوام ، لكنني تعلمت أن ~~لا أعتمد عليها إلا قليلا بل أعتمد على الله وحده». وقد ضم صوته للآخرين في ~~ندب الأيام السود ms040 التي حلت بالعنصر الكردي. فهو يقول «إن أزمنة الأكراد ~~الذهبية قد ولت. اركب وتجول في البلاد فأية روحية وأية حيوية تجد فيها؟ إن ~~جميع الخيالة الماهرين والرجال الشجعان قد قضوا نحبهم. أو هربوا إلى بلاد ~~أخرى ، أو تسلموا المحراث اضطرارا للحصول على المال الذي يدفع للپاشا ~~ولإعالة الزوجات والأطفال. وأي نفع يبقى في الجندي حينما ينصرف إلى المحراث ~~يا ترى؟» فصدقته على ما قال حول زوال أمارات الرفاهية والازدهار من البلاد ~~، لكنني قلت له ان الناس كلهم على ما يبدو لم ينصرفوا إلى المهن السلمية ~~وتبرهن على ذلك أخطار الطريق. فأجابني يقول «إن هذا بسيط ، إنها ليست سوى ~~بعض حوادث للسرقة والنهب هنا وهناك ، فلا وجود الآن لعصابات الخيالة ~~الباسلة. لكني أرجو أن تطمئن بأنني أنا رستم بك أتعهد بضمان سلامتك ، وسوف ~~لا يمسك أي شيء ما بين هذا المكان وكفري. أنت رجل طيب ممتاز ، وإني أودك ~~وأقدرك حيث PageV01P057 # أنك لا تشبه البعض من أهل بلادك الذين قابلتهم قبل هذا ، ممن لا يستطيعون ~~أن يفعلوا شيئا سوى الأكل والنوم ، إن عيونك مفتحة وعندك ذوق. اطمئن ، فسوف ~~ترى كفري سالما يوم غد». # ولا شك أنك قد عرفت الآن ما يكفي عن رستم أغا. لقد أغريت على وصف شخصيته ~~والكتابة عنه بشيء من التفصيل لأنه نموذج ممتاز للرئيس الكردي المتوحش. وقد ~~زودنا في صباح اليوم التالي بدليل للطريق ورسالة إلى كفري ، مقسما فيها ~~بعيونه وبحياة ضيفه نفسه بأن لا تمس ولا شعرة من رأسي في أي مكان تكون فيه ~~كلمته مسموعة. وهنا كذلك سوف أترك التحدث عن أصدقائنا الأكراد الخشن الذين ~~ربما تكونون قد مللتم من تحدثي عنهم. فهم مثل سائر الأمم والرجال مخلوقات ~~من نتاج الظروف والتثقيف ، لكنهم يتصفون بصفات قومية خاصة يمكن أن تتحول ~~إلى الاعتبار الصالح. فإنهم شجعان وأصحاب ضيافة إلى حد معين ، لكن الصفة ~~الأخيرة قد تضاءل شأنها في السنين الأخيرة إلى حد مؤسف بسبب الفقر والجور. ~~وهم مثل معظم الأقوام التي تعيش عيشة الرعاة وتحكم بحكم شيخي ms041 معروف يتميزون ~~بحب قوي للأهل والعشيرة ، مما يجعلهم شرسين عنيفين في تخاصمهم وتشاجرهم. ~~فيتبنون الضغينة والثأر الناشىء عن الإساءة الحاصلة لقريب من الأقارب ~~ويطورونها بسلسلة من القتل الخالية من الرحمة والضمير. وهم وإن كانوا ~~بعيدين بطبيعتهم عن القسوة فإن هذه الضغائن ، وتولعهم بشؤون القتال والنشاط ~~الحربي ، تميل بهم إلى ان يصبحوا تحت رحمة الطيش في سفك الدماء وتؤدي بهم ~~إلى أن يضعوا حياة الإنسان من حيث الاعتبار في مستوى أحط من المستوى الذي ~~توضع فيه في البلاد المسالمة. ومع ذلك فإن حروبهم تكون غير مميتة وإن نفس ~~الشعور بالعواقب غير المتناهية المتأتية عن سفك الدماء يعمل على كبح ~~عواطفهم كبحا ناجعا حينما يكون مجرد الشعور بالرحمة أو الحس الأخلاقي ~~بفظاعة الجريمة أضعف من أن يستطيع الحيلولة دون وقوع القتل. وهكذا تكون ~~الحالة في الحقيقة بين القبائل نصف المتوحشة ، حينما ينعدم وجود قوة مهيمنة ~~عليا تستطيع ممارسة السيطرة المطلوبة. وإذا ما أراد المرء أن يكون فكرة ~~قريبة إلى ذهنه عن الأكراد أو التركمان أو حتى العرب ، PageV01P058 # من حيث النزاع والتعامل الاجتماعي ، فعليه أن يتصور ما كانت عليه الحالة ~~في مرتفعاتنا السكوتلاندية قبل قرنين من الزمن. # أما بالنسبة للأشخاص فإن الأكراد فعالون وأقوياء ، ولا يختلفون إلا قليلا ~~من حيث الأساس عن جيرانهم الإيرانيين. غير أن قسمات الوجه القومية لها ~~شكلها الخاص البارز بصورة تلفت النظر. فهيئة التقاطيع حادة ، وشكل الوجه ~~بيضوي ، والصورة الجانبية تلفت النظر من حيث بروز عظام الأنف وتقهقر الفم ~~والذقن ، الأمر الذي يسبغ على الشكل العام شكلا نصف دائري ، أما العيون ~~فمتأصلة بعمق ، وهي غامقة اللون ، سريعة ومدركة. ويكون الحاجبان كثين ~~واضحين لكنهما يميلان قليلا إلى الوراء لتكملة الشكل المفروض للصورة ~~الجانبية. أما شكل التقاطيع العام فهو أكثر دقة ونحافة منه عند الإيرانيين ~~الذين يكونون في العادة أقوى بنية من الأكراد. ومن النادر أن تجد الأنف ~~الأفطس في كردستان. ويكاد يكون الفم كامل التكوين ، بأسنان لطيفة دقيقة. ~~وتكون الأيدي والأصابع صغيرة ونحيفة. هذا ويمكن أن نقول باختصار ان هناك ms042 ~~شيئا من الرشاقة والانسجام في الشكل الكردي ، الأمر الذي يجعل منهم أمة ~~وسيمة مليحة ما بين أمم العالم الأخرى. # وتنطبق نفس النقاط على النساء أيضا ، بقدر ما تدل عليه الملاحظات التي ~~أمكنني التوصل إليها ، فهن حينما يكن شابات جميلات للغاية ، لكنهن حينما ~~يتقدمن في السن أو حتى عند ما يصلن إلى دور النضج فإن بروز التقاطيع الحاد ~~الذي يتميزن به مع الرجال يبتعد بهن ابتعادا أكيدا عن حد الجمال ، وسرعان ~~ما يبدو عليهن الكبر والذبول. فقد أتيحت لي فرص عدة لملاحظة هذه التفصيلات ~~فيهن لأنهن لا يتحجبن كما تتحجب النساء الإيرانيات ، وغاية ما يصنعن من هذا ~~القبيل هو أن يسحبن المنديل الذي يغطين به رؤوسهن إلى حيث يحجبن به الفم ~~والذقن عن النظر. لكنني آسف لأنني لم أتمكن من متابعتهن إلى داخل البيوت ~~حيث أستطيع وصفهن في عملهن البيتي. على أنني عندي ، بالنسبة لما أعرفه ، ما ~~يحملني على الاعتقاد بأنهن في حياتهن ، وواجباتهن ، وأعمالهن ، يشبهن نساء ~~القبائل الإيرانية شبها قريبا من جميع PageV01P059 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image004.gif) # الوجوه. لكن نساء الطبقة الموسرة التي تعيش في المدن يبقين في حرم ~~أزواجهن أو آبائهن ، ويتحجبن حينما يخرجن إلى الخارج. # ها قد وصلنا كفري بعد أن اجتزنا حوالي اثنين وعشرين ميلا من البلاد ~~المقفرة غير المهمة ، التي كانت تشبه إلى حد كبير المرحلة الأخيرة من ~~الطريق ، سوى أن السهول أصبحت أكثر اتساعا هنا بالنسبة للمناطق المرتفعة ، ~~لكن الحريق العام الذي تعرضت له على ما يبدو يسبغ على وجه الأرض كله مظهرا ~~كريها. ولم نجد كذلك أية قرية من القرى في طريقنا كله. على أننا كنا غير ~~راغبين في مشاهدة أي نوع من البشر ، فليس من المحتمل أن يكون الناس الذين ~~نصادفهم في هذه الأوعار ممن يمكن مصاحبتهم أو السير معهم. # وتقع كفري في مدخل فتحة تتفتح في سلسلة من الجبال الواطئة ، PageV01P060 # الجرداء بكل ما تؤديه هذه الكلمة من معنى. فهي تتألف من قمم طبقات بارزة ~~جدا ترتفع فوق السهول وكأنها قد أتلفت بالنار الفطرية منذ الأزل. لكن ~~البلدة ms043 نفسها ، المسورة بسور يدور حولها ، كانت تبدو بمظهر مغر حينما ينظر ~~إليها من الفتحة التي أدت بنا إليها. وكانت أشجار النخيل المرتفعة إلى ما ~~فوق السور ، وهو أول نخيل يقع نظرنا عليه ، تشعر الجميع بدخولنا إلى ~~«عربستان» (1). كما كان التبدل في الأزياء ومظهر الناس يؤيد بأننا أصبحنا ~~الآن في داخل الممتلكات التركية. # هذا وقد وجدنا طريقنا إلى دار عرفنا أنها أعدت لتكون منزلا لنا ، وكان ~~يجلس خارجها فوق بعض السجاد عدد من العثمانلي المتزمتين الذين رحبوا بنا ~~بإشارات تدل على المجاملة ، ولكن بكلمات معدودة. وكان الخدام من ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image005.gif) PageV01P061 # الأتراك ، كما كان كل شيء من حولنا يشير إلى التبدل الذي حصل في البلاد ~~والناس. ولأول مرة في هذه الرحلة لم يحصل اختلاف هذا المساء حول الشعير ~~والتبن للخيول ، أو الزاد المقدر لنا. فقد كان كل شيء مهيأ لنا بالتمام ~~وبكامل الحرية ، من دون كلام أو سؤال. على أنني لا حظت أن عادة واحدة فقط ~~كانت تبعث على الاشمئزاز ، فإن الخدم بدل أن ينتظروا ما يمكن أن تقدمه لهم ~~على سبيل المجاملة عند الخروج ، يهجمون عليك كلهم مرة واحدة ليطلبوا ، لا ~~ليستجدوا ، البخشيش. وقد كان حتى السجان في هذه الحالة مع المطالبين به ، ~~ولا أدري على أي أساس كان يستند في ذلك ، فوجدت أن الطريقة الوحيدة لمعالجة ~~الوضع أن أعطي في الحال ما أراه كافيا وأرد بعد ذلك أية طلبات أخرى. PageV01P062 ### ||| * (3) # تحركنا من كفري قره تبة أخطاء الطريق جبل حمرين ادين كوي وجهانكير أغا ~~الأدلاء العرب منازل العرب قلق آثار الازدهار القديم هبهب دراج البادية سهل ~~بغداد خبر غير سار بغداد في حالة حرب التوقف في الباب الوصول إلى المقيمية. ### ||| ** بغداد 13 تشرين الثاني 1834 م # ها قد وصلنا أخيرا يا عزيزتي إلى مدينة بغداد العظيمة ، عاصمة الخلفاء ~~عاصمة هارون الرشيد وزبيدته الجميلة ومقر جعفر البرمكي ، ومسرور رئيس ~~الخصيان ، وجميع الرجال مثل أبي الحسن وعلي خوجة ، والسيدات والحمالين ، ~~والمفتونين والمفتونات الذين تتحدث عنهم «ألف ليلة وليلة». فوا أسفاه ، كيف ~~عفا عليها الزمن. لكننا ms044 لنتمهل قليلا ولا نتحدث عن الأشياء قبل أوانها. # فقد زودنا مضيفنا في كفري سليم أغا بدليل إلى المرحلة التالية ، لكنه ~~أوصانا بإلحاح أن لا نبدأ برحلتنا قبل الصباح ، ولذلك لم نتحرك قبل بزوغ ~~الفجر. والحقيقة أن هذه المرحلة كانت مرحلة خطرة ، لأن الطريق بالنظر ~~لوقوعه على الحدود بين الأكراد والعرب تماما كان يتعرض للسلب والنهب من ~~الفريقين معا ، ويصعب اكتشاف الفاعلين فيه. وقد كنت أنتظر أن يتصدى لنا في ~~الطريق صديقانا القديمان سليم بك ورستم أغا ، لأنهما وقد خرجنا من منطقة ~~نفوذهما ربما كان يروق لهما أن يقوما بفحص أدق لعفشنا وكراعنا. إذ كانت ~~هناك عدة أماكن مناسبة للكمين ، وخاصة قاع النهر الملأى بالقصب وبعض الوهاد ~~المنتشرة في سلسلة الجبال الواطئة التي كان يتحتم علينا PageV01P063 # اجتيازها. ولذلك طلب إلينا دليلنا أن نعد أسلحتنا النارية للاستعمال ~~ونركب بحذر. على أننا استطعنا الإفلات ، كما تم لنا في عدة مناسبات من قبل ~~، فوصلنا قرة تبة وهي قرية صغيرة كثيرة الأوساخ بعد مسيرة عشرين ميلا. وقد ~~ثبت أن الحيطة التي أوصانا بها مضيفنا في كفري كان لها ما يبررها ، فقد ~~سلبت قبل أسبوع أو عشرة أيام قافلة في النهر الذي أشرت إليه. وحينما سمع ~~بها سليم أغا في كفري ركب بنفسه مع خمسة عشر خيالا فلحق باللصوص وقتل ستة ~~أو سبعة منهم ثم تم أسر عدد مماثل. ولأجل أن يبرهن لنا على ذلك ، على ما ~~أحسب ، أرانا الحصان الذي ركبه حينما قام بهذا العمل الباهر. فكان كميتا ~~جميلا يبلغ أربع سنوات من العمر ، رفض أن يبيعه على ما قال لي بمئة تومان ~~أو ما يقابل خمسين باونا استرلينيا. وقد كنت أنا مستعدا لأن أدفع له ذلك ~~المبلغ في الحال لو كان يوافق على التخلي عن ذلك الحيوان الأصيل. # وكان بودي في هذه الليلة أيضا أن أبدأ بمسيرة طويلة ، لكن علي أغا ضابط ~~القرية صرح لي بأنه لا يستطيع أن يسمح لي بالتحرك قبل الصباح لنفس السبب ~~الذي قدمه مضيفنا السابق وهو انعدام الأمان في ms045 الطريق. فوفقت بين الرأيين ~~بالركوب في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل ، لكننا تمنينا بعد ذلك ~~لو تأخرنا في الركوب إلى بزوغ الفجر برغم المسافة التي قطعناها. لأننا ما ~~إن ابتعدنا عن القرية مسافة نصف ميل حتى علمنا أننا قد نسينا رزمة من ~~أمتعتنا فبعثنا خيالا ليأتينا بها. وحينما استفسر عنها في المنزل الذي كنا ~~فيه أنكر صاحبه كل علم بها ، لكنه أضاف قائلا : «إن عشرة من الخيالة مروا ~~بقرب الباب بعد أن تركتم المنزل ، وربما كانوا هم الذين أخذوا الرزمة». ~~وحينما سأله بخوف ووجل «من أين أتوا وإلى أين توجهوا؟» أجابه قائلا : «لا ~~أعرف ذلك ، لكنهم كانوا يتعقبونكم على ما يبدو». # فكانت هذه أخبارا غير سارة ، وكان لها تأثير مخدر واضح على دليلنا الذي ~~بادر في الحال إلى الانحراف عن الطريق الاعتيادي وقادنا لأكثر من ساعة ~~واحدة خلال سهل مكشوف كان على كل حال خاليا من العوائق بحيث تقدمنا في ~~المسير من دون صعوبة. على أنه وقف أخيرا وقال : «يجب أن تكونوا على PageV01P064 # علم بأنني حتى الآن أقودكم في طريق فرعية ، ولا بد لي أن أقول لكم الآن ~~بأني لا آمن أولئك الخيالة الذين شوهدوا وهم يتعقبوننا في القرية. ولو كان ~~هؤلاء من الأعداء فهناك مكان يتحتم علينا عبوره بعد قليل ويمكنهم أن ~~ينتظروننا فيه يجب علينا أن نجتازه في وضح النهار. ولذلك أعتقد أننا ينبغي ~~ان ننزل هنا بهدوء حتى يبزغ الفجر ، انزلوا رجاء وناموا لا تتكلموا ولا ~~كلمة واحدة ، والله هو الموفق! ربما نستطيع أن نفلت». وهنا تدخل خدامي ~~فتسلموا الحديث بلهجة التبجح الإيرانية المعتادة : لماذا نتوقف فنضيع ~~الوقت؟ لماذا نعبأ بالأكراد أو العرب ، كلاب! حيوانات! من هم هؤلاء حتى ~~يستطيعوا إيقافنا؟ دعهم يجربون لنعلمهم أن هناك إيرانيين ، رجالا يستهينون ~~بحياتهم في سبيل حماية سيدهم. من يكن أولئك العرب حتى ولو كانوا عشرة أو ~~عشرين؟ گورى پيده ريش! وغير ذلك. لكنني لا حظت أن الدليل كان متخوفا في ~~الحقيقة ، فأسكت هذه الفورة البطولية وعلى هذا الأساس بقينا ms046 في مكاننا ساعة ~~كاملة من الوقت فكانت ساعة شديدة البرد ومزعجة. # وبعد انقضائها خطرت للدليل فكرة جديدة في الموضوع ، أو تشجع بتوفيق من ~~الله ، فوافق على متابعة السير وفعلنا ذلك محاذين نهرا صغيرا ذي عمق غير ~~يسير كان يجري في مجرى كثير التعرج. وبعد قليل مررنا بمنزل ، من منازل ~~العرب ، ومن حسن حظنا أنه كان يقع في الجانب الآخر من النهر. فهاجت كلابه ~~مكونة جوقة هائجة من النباحين ، لكننا لم يقلقنا أي شيء آخر. وقد قضينا ~~فترة شاقة متعبة حتى طلع النهار ، وعندئذ عبرنا النهر وسرنا في طريقنا إلى ~~بقعة التلال المنخفضة التي كانت تحد السهل في هذا المكان. فكانت هذه تلال ~~حمرين التي تعد فرعا من جبل حمرين الذي يمتد من كردستان حتى يتصل بسلسلة ~~گودريان. وقد انتهى ركوبنا الطويل الشاق خلال الوهاد الجافة المعقدة ، التي ~~كانت تتخلل هذه التلال ، بمسيرة لقينا فيها نفس المقدار من المشاق خلال سهل ~~واسع منبسط ، يمتد من سفحها إلى دجلة وعلى طول ضفافها إلى خليج البصرة. ~~لأننا الآن قد تخلصنا من آخر الحدود الصخرية وأصبحنا في السهل الرسوبي غير ~~المنقطع الذي يتكون من دجلة PageV01P065 # والفرات. فبان في الأفق البعيد خان دلي عباس والنخيل المحيط بعدة قرى ~~أخرى ، فلوينا عنان خيولنا نحو الجهة الشمالية منها. # فتبين أنها أدين كوي (1)، وهي قرية جميلة جعلنا منزلنا فيها لتلك الليلة ~~في دار الضابط العجوز جهانگير خان ، التركي النزيه المضياف. ولم نكن مقيدين ~~هنا بالطعام اللازم للبشر والخيل على حد سواء ، لأن خدامنا كان لهم مطلق ~~الحرية بأن يأخذوا ما يشاؤون منه لهم ولحيواناتهم. وأمر الضابط أن تكون ~~حصتي الخاصة من هذه الغنيمة شيئا من الرز الفاخر. وقد كان جهانگير أغا هذا ~~گرجيا بالولادة ، وحينما كان فتى يافعا أخذ أسيرا في أيام أغا محمد خان ثم ~~ارتقى في خدمة عدد من الأسياد حتى أصبح في النهاية ملتزما لهذه القرية التي ~~يدفع عنها إلى الحكومة شيئا يتراوح بين المئة تومان والثلاثمائة. وهو مثل ~~غيره يتذمر من عناء الزمان وتعسف ms047 الحكومة في الابتزاز ، لكن الحقيقة أنه لم ~~يكن يعوزه شيء للراحة في بيته على ما يبدو وأن كل ما كان عنده كان مستعدا ~~ليشاركه غيره به عن طيبة خاطر. وقد كان من الواجب المحبب إلى النفس أن ~~يبرهن لمثل هذا الرجل على أن السياح الإنكليز لم يكونوا ميالين إلى عدم ~~تقدير الجميل الذي يعاملون به ، فكانت الهدية التي قدمتها له من جراء ذلك ~~تفوق حد التصور على ما أعتقد. ولا بد لي أن أقول هنا أن الأتراك حتى الآن ~~قد فاقوا الإيرانيين ، أو حتى الكرد ، في معاملتهم للضيف من حيث المجاملة ~~أو التحرر. على أن هناك نقطة واحدة كنت أود في بعض الحالات أن يتم إصلاحها. ~~فهم يعتبرون من واجبهم في الضيافة أن يتكرموا بالكثير من صحبتهم على ضيفهم ~~، مما قد يكون شيئا حسنا للغاية فيما لو كان الضيف يفهم لغتهم لأن ذلك يمكن ~~أن يتيح الفرصة لحصوله على الكثير من المعلومات لكنه من سوء حظه ، كما هي ~~الحالة في قضيتي ، أن يكون غير ملم بلغتهم فإن ذلك يصبح ثقلا خطيرا عليه. ~~لأن حضورهم يحول دون قيامه بإنجاز مختلف الأعمال التي لا بد له من اغتنام ~~الفرصة السانحة لإنجازها. PageV01P066 # وفي حالتي أنا ، استطعت بواسطة خادم من خدامي الذي قام بدور الترجمة أن ~~استخرج شيئا من المعلومات من صديقي جهانگير أغا ، الذي كان قادرا على تقديم ~~المعلومات بقدر ما كان مجاملا ولطيفا. فقد تعلمت شيئا عن الطريقة الخالية ~~من التبصر التي تتبعها حكومة بغداد في تأجير أراضي الباشوية ، وتأيدت لي ~~الفوضى ، وما أدت إليه من تناقص في السكان ، التي شهدت عليها أعيننا نحن ~~وآذاننا منذ أن دخلنا في حدودها. # وهكذا كان رأي مضيفنا الكريم حول فوضى الطريق وأخطاره ، حتى بالقرب من ~~العاصمة ، بحيث إنه رفض بتاتا أن يسمح لنا بمتابعة السرى في تلك الليلة ~~قائلا إنه لا يسمح لنا بالسير قبل طلوع الصبح حتى ولو أعطي ألف تومان عن ~~ذلك ، لأنني كنت كالمعتاد راغبا في التحرك حالما تكون قد ارتاحت خيولنا. ms048 ~~فإن البلاد كلها على ما يقول قد اكتسحها العرب الرحل ، وإن السرى في الليل ~~من دون دليل يعتمد عليه يعد ضربا من الجنون. ولما كنا نعتمد عليه في إيجاد ~~الدليل المطلوب ، الذي يستحيل السير من دونه في مثل هذه الطرق غير المنتظمة ~~، فقد تحتم علينا أن نذعن للأمر الواقع آملين فقط أن نتحرك في ساعة مبكرة ~~من النهار. # على أن إيجاد الدليل كان على ما يظهر أمرا يسهل التكلم فيه ويصعب وضعه في ~~موضع التنفيذ. فلم يحضر الشخص المهم الذي كان عليه أن يسير بنا في الطريق ~~قبل السادسة والنصف. وكانت هناك مراوغة عربية حول الشخص الذي كان يترتب ~~عليه الذهاب أو عدمه ، مما لم أستطع إدراكه أو فهمه. ولكننا أخيرا بدأنا ~~بالرحيل ، وعلى بعد ميل واحد من القرية وصلنا إلى منزل من منازل العرب توقف ~~فيه دليلنا ليحصل على خيالين اثنين منه يقومان بمرافقتنا للحماية ، إذ ~~بدونهما لا يستطيع التقدم في الطريق ولا خطوة واحدة ، هكذا كانت أوامره ، ~~وقد ظهر الآن أن مضيفنا ارتأى من الأسلم لنا أن يكون مرافقونا من العرب لا ~~من العثمانلي ، وخاصة بالنسبة للرعب العظيم الذي كانت تشعر به البلاد في ~~تلك الجهات من وصول جماعات كبيرة من الأعراب وضرب خيامها في الأراضي ~~المنخفضة التي كانت تمتد بيننا وبين دجلة. وعلى PageV01P067 # هذا ذهب دليلنا مع أحد خدامي للتفاوض في هذا الشأن مع الأعراب الذين ~~اقتربنا من خيامهم ، بعد أن تركنا راكبين على ظهور خيولنا بالقرب من أحد ~~الجداول. وكان الأعراب جميعهم جالسين أمام خيامهم وهم يدخنون شطوبهم ~~ويشربون قهوتهم ، وفي باب كل خيمة كانت تقف مهرة جميلة مسرجة ومهيأة ~~للطوارئ مع رمح صاحبها مغروزا في الأرض بجانبها. وقد قيل لي إن هذا المخيم ~~كان بوسعه تقديم أربعين أو خمسين خيالا يعتمد عليهم. لكننا بعد أن مرت ~~علينا ساعة كاملة بهذه الحال لم نستطع الحصول إلا على اثنين فقط منهم ، إما ~~لعدم الرغبة في مثل هذه الخدمة أو من جراء الكسل ، فكان ذلك مضيعة للوقت ~~تبعث ms049 على الانزعاج. # على أن مقدار التأخير قد جعل على ما أحسب متناسبا مع العزة المنطوية في ~~النتيجة فقد عاد الخادم وبصحبته شيخان أو كبيران من كبار ذلك المخيم العربي ~~، وتوجه أحدهما إلي شاهرا رمحه بطريقة تهديدية وهو يقسم برأسه ويقول إنه ~~سيوصلني سالما إلى منزلي برغم كل ما يحدث في الطريق. فكان هذا كله شيئا ~~حسنا على ما يظهر ، لكنني أرى أن الطمع في المكافأة المرتقبة هو الذي حدا ~~بالشيخين أن يركبا جواديهما فيأتيان معنا. # فتابعنا السير بعد ذلك ، لكنني دهشت حينما علمت أن دليلنا الأول الذي جاء ~~معنا من القرية في بادىء الأمر لم يكن يرغب في مرافقتنا إلى أبعد من هذا. ~~على أنه رد على اعتراضي يقول إن بقاءه لا فائدة فيه بالكلية لأن الدليلين ~~الأعرابيين لم تكن فيهما الكفاية فقط وإنما هما الدليلان الوحيدان اللذان ~~يمكنهما أن يجتازا بنا الطريق إلى هدفنا. والأنكى من ذلك أن هذين الدليلين ~~لم يكونا يفهمان غير العربية التي كنا نجهلها نحن تمام الجهل. غير أننا لم ~~يكن لنا محيص عن هذا ولذلك تابعنا السير عبر حقول القرية المحروقة وما بين ~~السواقي الجافة والرطبة حتى جئنا إلى جدول عميق غير عريض علمت بعد ذلك أنه ~~كان جدول الخالص الذي حاذينا ضفافه المتعرجة لعدة أميال في سيرنا. # وعلى بعد فرسخ من القرية مررنا بمحطة دلي عباس ، مع الجسر PageV01P068 # الممدود على الخالص فيها ، وقد تعجبت حينما عمد دليلانا فيها إلى تركها ~~إلى يسارنا والتمادي في السير على الضفة الشمالية. وبعد ذلك مررنا بعدة قرى ~~تستقي ماءها من الخالص ، ويتكون سكانها كلهم من العرب. وقد كان بالقرب من ~~إحداها مخيم كبير من منازل الأعراب فسرني أن أرى الجدول يحجز بيننا وبينه. ~~وكانت هناك منازل أخرى تنتشر بعيدا وقريبا إلى مسافة كبيرة ، وعند ذلك اتضح ~~لي أن الدليلين عمدا إلى تعقيب الضفة الشمالية من الجدول على طول هذه ~~المسافة ليتحاشيا المرور بها أو بما يقرب منها. # وقبل أن نصل إلى هذه القرية بقليل استدعاني أحد خدامي ms050 من الخط الأمامي في ~~السير إلى الوراء لمراقبة الدليلين اللذين أصبح تصرفهما غريبا على حد قوله ~~، إذا لم يكن مريبا. إذ انضم إليهما رجل آخر من الأعراب كان يركب فرسا ~~جميلة فأفزعنا أن نسمع بأن شيخا آخر يمنعه قلقه على سلامتنا من البقاء ~~وراءنا ، ولكنه قفل راجعا لأهله فقيل لنا إنه وجد البلاد غير آمنة. على أن ~~تردد الدليلين الباقيين وتخلفهما إلى ما وراء القافلة هو الذي كان يفزع ~~خادمي. وحينما عوتبا على عدم التفاتهما إلى شؤون السير والطريق أجابا بفزع ~~غير يسير بأن هناك كثيرا من خصومهما العرب في هذه الأنحاء. ثم تقدما بأنواع ~~مختلفة من الطلبات للبخشيش أو الهدايا. فوجدت من الأحسن أن أتصنع الحزم ~~والغضب ، بينما تفوه أحد خدامي بكلمة أو كلمتين للتملق. وما بين هذه وتلك ~~اقتنعا بمتابعة السير مع كثير من الإحجام مرددين كلمة إن شاء الله عدة مرات ~~، ومبدين كثيرا من علامات التخوف. ولم ينفع ذلك كله في تهدئة المخاوف التي ~~كانت تساور رجالي الذين لم يستطيعوا كتمان قلقهم حينما كانوا يتصورون أنهم ~~يمكن أن يضربوا في هذه الجهات ويجردوا من ملابسهم ، إذا لم يقتلوا بدم ~~بارد. ولم تكن حالتي الفكرية أنا على أكثر من ذلك هدوءا واستقرارا ، فلم ~~يكن بوسعي أن أحلم فيما إذا كان تصرف الدليلين مبنيا على الخوف أم على ~~الرغبة في المساومة واستغلال المخاوف التي قد يثيرانها فينا. فمرت علينا ~~ساعات ثلاث ما بين منزل الأعراب الذي مررنا به وظهور النخيل المحيط بالقرية ~~، التي كان علينا أن نقضي ليلتنا فيها ، في الأفق البعيد فكانت أشد PageV01P069 # الساعات التي عرفتها قلقا وإزعاجا. على أنها مرت على كل حال مثل غيرها من ~~الساعات المزعجة الأخرى ، كان من بواعث الارتياح لنا أن نسمع دليلينا في ~~النهاية يعلنان بأننا قد تجاوزنا المنطقة الخطرة وصار بوسعنا متابعة السير ~~بأمان. وقد تبين أن ذلك كان من بواعث الارتياح لهما كذلك ، لأن تشوقهما ~~للمسير كان لا يقل عن إحجامهما عن التقدم بادىء ذي بدء. # ما أعظم السهول الواسعة ms051 من الأراضي الغنية القابلة للزراعة التي اجتزناها ~~هذا اليوم ولا حظنا وجودها وامتدادها من جميع الجهات الأراضي التي كانت ~~كلها تنبت زرعا يانعا فأصبحت يبابا بلقعا بالكلية! وما أكثر مجاري المياه ~~والقنوات التي شاهدناها إنها آثار الري القديم في هذه البلاد وما أعظم ~~القابلية على الازدهار الزراعي وتكاتف النفوس ، المهملة إهمالا كليا! لقد ~~كان كل ذلك في الحقيقة منظرا محزنا ، وكان مما يفرج عن العين المتعبة من ~~النظر إلى مناظر المدنية الراحلة والثروة المندثرة أن نلتفت إلى الموطن ~~المريح للسكان الحاليين في المكان الذي سنقضي فيه هذه الليلة. فدخلنا هبهب ~~، إحدى القرى التي تتكدس بيوتها بمجموعتها على ضفاف دجلة ، قبل أن تميل ~~الشمس إلى المغيب بساعة واحدة تقريبا. وبعد أن قدمنا بعض الإيضاحات ~~استقبلنا بأدب ولطف نائب الضابط إسماعيل أغا ، وهو سيد من السادة ، فزودنا ~~بجميع ما كنا نريده تزويدا وافرا. وتقع القرية نفسها ما بين بساتين ممتدة ~~من النخيل وكان كل بيت يوجد في ساحته عدد منها. فذكرتني المناظر هنا ببعض ~~أنحاء بومبي. # وفي أثناء ركوبنا هذا اليوم اصطدنا عددا كبيرا من الطيور ولا سيما من ~~الدراج الأسود والرمادي. كما لا حظنا من بعيد كثيرا من الغزلان ، لكن ~~الأسراب الكبيرة من الدراج البري التي مرت بنا كانت من أعظم ما رأيت من هذا ~~القبيل إثارة للدهشة والعجب. فكانت هذه الأسراب تأتي كالغمام ، على شاكلة ~~الجراد ، وكان أحدهما على الأخص ، وهو الذي استغرق عدة دقائق في مروره ، ~~يكون قوسا من فوقنا يمتد جانباه من الطرفين على مد النظر ربما كان هذا ~~السرب وحده يحتوي على آلاف مؤلفة من الطيور. وهناك نوعان من هذا PageV01P070 # الطير يشيع وجودهما في أواسط آسية نوع كبير ونوع صغير ، وهذه كانت من ~~النوع الصغير. لكنني لم أر هذه الطيور من قبل تجتمع بمثل هذه الأسراب ~~الجسيمة ، أو في حالة الهجرة كما كان يظهر مما رأيت (1). # وقد قررت العمل على تلافي الوقت الضائع إن أمكن ، ونظرا لما قيل لي من ~~عدم وجود ما يدعو إلى القلق في ms052 الطريق ما بين موقعنا هنا وبغداد فقد حصلت ~~على دليلين راجلين من الأعراب وتحركنا في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ، ~~وتمادينا في السرى حتى وصلنا إلى المدينة العظيمة. فكان طريقنا كله في اراض ~~مستوية ، ومررنا بعدة قرى قبل طلوع الصبح الذي بزغت علينا خيوطه الأولى ~~ونحن نشاهد منائر بغداد وقبابها ترتفع في الأفق البعيد. ويبدو أن سهل بغداد ~~على طول امتداده ينطوي على منتهى الخصب ، لكنه يتطلب در الماء إليه ليكون ~~منتجا حقا. فقد جعله نظام الري البديع ، الذي لا تزال آثاره الكثيرة باقية ~~حتى اليوم ، حقولا يانعة وبساتين غناء. أما الآن ففيما عدا التفاح المر ~~الذي يغري العين بصبغته البرتغالية الغنية والنباتات المنتجة للصودا (2) ~~التي لا تصلح إلا علفا للجمال ، فلا تستبين العين فيه شيئا ناميا مطلقا. ~~ومع أننا سرنا سيرا مسرعا ، فقد مرت علينا فترة متعبة قبل أن ترتفع أسوار ~~المدينة أمام أنظارنا وبارتفاعها تجدد استبداد القلق والريبة بنا ، لأننا ~~علمنا أن قبيلة من الأعراب المعادين قد نصبت خيامها على مقربة من المدينة ~~وأن جيوش الباشا كانت مرابطة تجاه العدو وأن عدة مناوشات قد حصلت من قبل ، ~~وأن جماعات من الأعراب صارت تملأ البلاد وتقوم بالسلب والنهب ، بحيث لم يكن ~~من الأكيد مطلقا أن يسمح لنا بالوصول إلى الأسوار من دون مضايقة وإزعاج ~~برغم وقوعها على مثل هذه المسافة القصيرة عنا. # ومع أن هذه الحالة هي على درجة من الاعتياد في هذه الجهات بحيث لا PageV01P071 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image006.gif) # تستدعي الكثير من الدهشة لدى السكان المحليين فإني أعترف بأن الخبر قد ~~أفزعني ، خاصة بعد أن تأيد الخطر لنا من إطلاق عدة إطلاقات من المدافع ~~وسقوط النار المنطلقة من البنادق في نفس المكان الذي أشير إلى كونه موقعا ~~للمخيم المعادي. ونظرا لأنه لم يكن عندنا ما يمكن أن نفعله سوى أن نصل ~~بأسرع ما يمكن إلى حيث نستطيع الاحتماء بالأسوار ، فقد سرنا سيرا أسرع ومع ~~أننا التقينا بعدد من جماعات الأعراب الصغيرة التي كانت مدججة بالسلاح أو ~~مررنا بهم فقد وصلنا إلى باب ms053 كركوك (1) من دون مضايقة أو تحرش. وقد حصل في ~~الباب توقف على جانب غير يسير من الإزعاج لأن قافلة من القوافل كانت تهم ~~بالخروج ، ولأن موظفي الباشا كانوا يقومون باستيفاء الرسوم والضرائب ~~المطلوبة. غير أن تطمين الضباط المسؤولين بأننا إنكليز ، وأننا كنا PageV01P072 # في طريقنا إلى مسكن الباليوز أو المقيم ، كان كافيا لإنقاذنا من لجاجتهم ~~وإلحافهم. لكن تخليص أنفسنا من زحمة البغال والقافلة لم يكن سهلا ، فاستغرق ~~وقتا أكثر مما كان يتحمله جزعي وقلة صبري. على أننا في النهاية تمكنا من ~~العبور بشق الأنفس ، وحصلنا على دليل يوصلنا إلى دار المقيمية. وبعد سياحة ~~طويلة عبر الأزقة والأسواق ، كانت مملة بالنسبة إلينا ، وصلنا إلى مبتغانا. ~~وقد عرفت بهزة من الفرح السپاه (1) الهنود الذين كانوا يرابطون في الباب ~~لقد كانوا كأنهم أصدقاء قديمون في بلاد غريبة وبعد خمس دقائق كنت جالسا على ~~مائدة الفطور مع الكولونيل تايلور (2)، بكل مسليات الترحيب الحار والفطور ~~الشهي لتحيتي وإنعاشي. ولا أراني بحاجة للقول بأن بقية اليوم قد تقضت بأطرف ~~الحديث وأكثره متعة مع الأصدقاء الذين اجتمعت بهم ، فقد كان عندنا كثير مما ~~يجب أن نقف عليه ونقوله. غير أنه لما كانت هذه الأخبار لا يمكن أن تحظى ~~عندكم بنفس الاهتمام الذي تحظى به عندي سوف أكفيكم مؤونتها في الوقت الحاضر ~~، وأستودعكم إلى تلك الراحة الهنيئة التي تقصر عن زيارة وسادتي هذه الليلة. PageV01P073 ### ||| * (4) # لذة الراحة بعد التعب الانطباعات الأولى في بغداد أسوارها شوارعها نهر ~~دجلة وضفافه الأسواق وفسح البيع وصف بكنغهام للمدينة الجوامع والمنائر ~~البيوت داخلية البيوت والأحوال فيها المرأة التركية المظهر الشخصي الوشم ~~النساء الكرجيات سكان بغداد عاداتهم الازدهار في أيام داود باشا الشؤون ~~العسكرية الأسواق التجار الأتراك العرب عاداتهم أصوات بغداد. ### ||| ** عزيزتي # إن أول يومين أو ثلاثة بعد الانتهاء من رحلة غير قصيرة ، وعند الوصول إلى ~~مكان غريب ، لا بد ان تنقضي بنوع من الدوامة المحمومة الحالمة ، التي لا ~~يمكن أن تكون مؤاتية للحصول على المعلومات الصحيحة أو تكوين فكرة عما يحيط ~~بالمرء. ففيها يتم تبادل ms054 الاستفسارات والأجوبة ويتطرق المرء إلى الحديث عن ~~أشياء شتى. لكن شيئا من المعرفة عن الأمكنة والمواقع يعد ضروريا له قبل أن ~~يكون بإمكانه استيعاب المعلومات التي تنقل إليه. والراحة كذلك الراحة ~~البسيطة والهدوء هي التي تبعث الانشراح فينا ، بعد أن نكون قد شققنا طريقنا ~~خلال بلاد صعبة وطريق شاق متعب ، بحيث يصعب علينا أن نوفق على تهيئة أنفسنا ~~للجهد المطلوب للسعي وراء العجائب ومشاهدة المناظر. ولا بد لمن يجد نفسه في ~~هذه الظروف أن يكون قد شعر بهذا أي بالإحساس اللذيذ الذي يلازم هذا ~~«التكاسل» ، وخبر الإحجام الذي شعرت به في نقض هذا التأثير السحري. # أما حالتي فلم تكن تتحمل الانهماك الطويل. إذ لا يزال هناك الكثير مما ~~يجب أن أجتازه ، ولا يمكن إلا تخصيص قليل من الوقت لمشاهدة المناظر أو PageV01P075 # التمعن في الأشياء الغريبة. ومع ذلك فها هو دجلة الخالد يجري من تحت ~~شباكنا ، ويعج بالزوارق والأكلاك ، ويمتد من فوقه جسر الزوارق المعروف الذي ~~يوصل بين ضفتيه. وترتفع من حولنا منائر الجوامع وقبابها ، ومراقد القديسين ~~والأولياء ، وهي تحدثنا عن الأيام الغابرة حينما كانت بغداد عاصمة الإسلام ~~وموئل قوته ومنعته. وها هي بابل وسلوقية (1) وطاق كسرى تقع في مواقع قريبة ~~منا ، وتغص البلاد المحيطة بنا كلها بالأشياء المهمة التي تلفت النظر ~~وتستدعي الاستكشاف. ولذلك أعددنا أنفسنا للاستفادة من وقتنا القصير بأحسن ~~وجه ، وبدأنا بجولاتنا. # فبالنسبة للذين يأتون من إيران ، وخاصة الذين يكون قد أضجرهم تعاقب ~~الدمار والخراب الذي أتعب عيوننا وأنهكها ما رأيناه من آثاره ، يعتبر منظر ~~بغداد لأول وهلة منظرا بديعا يبعث على الانطباع الحسن بالتأكيد. فللأسوار ~~أولا منظر مهيب يؤثر في النفس فهي مشيدة بالآجر المحروق بالنار ، ومدعمة من ~~كل زاوية بأبراج مدورة لها فتحات (مزاغل) خاصة للمدافع ، بدلا من السياج ~~البسيط المبني بالطين ، المتهدم على الدوام تقريبا ، الذي يحيط بالمدن ~~الإيرانية. ولا يعني هذا أن سور بغداد هو سور كامل ، فالأمر ليس كذلك. ~~وإنما أتكلم عن مظهره الخارجي. والأبواب أيضا ، فمع أنها متهدمة للغاية ~~فإنها على وجه ms055 التأكيد أعظم من أبواب المدن الموجودة في البلاد المجاورة. # وحينما يدخل السائح القادم من إيران إلى المدينة فإنه علاوة على ذلك ~~يبتهج بمنظر البيوت المبنية ، مثل أسوار المدينة ، بالآجر المفخور التي ~~ترتفع في علوها إلى عدة طوابق. ومع أن عدد الشبابيك المطلقة على الطريق غير ~~كثير بحال من الأحوال فإن العين لا يزعجها استمرار ذلك التعاقب الكريه من ~~الكتل الطينية الحقيرة الواطئة ، المتداعية ، المتعرجة وغير المنتظمة ، ~~التي تحجزها PageV01P076 # عن بعضها ممرات متربة موحلة لا تستحق حتى أن تسمى أزقة ، مما يتكون منه ~~القسم الأعظم من كل مدينة إيرانية. # ولا ينكر أن الشوارع ، حتى في هذه المدينة ، تكون في الغالب عبارة عن ~~أزقة ضيقة غير مبلطة ، وموحلة في الشتاء من دون شك ، لكن المرء حينما يمر ~~راكبا فيها وخاصة في المواسم غير الممطرة يتأثر حتما بفكرة أن الجدران ~~المتينة القائمة على يمينه وشماله لا بد أن تحتوي في داخلها على مساكن ~~مريحة جيدة تقاوم الأحوال الجوية ، بينما تؤيد الأبواب ذات الحجم المناسب ~~والقبضات الحديد التي تحافظ على مدخلها ما يختلج في مخيلته من فكرة المتانة ~~والأمان. أما في إيران فالأمر يكاد يكون بعكس ذلك ، إذ تكون مداخل البيوت ، ~~وحتى بيوت الأشخاص المرموقين ، أشبه بفتحات الكهوف أو المغاور بدلا من أن ~~تكون أبوابا لبيوت يأوي إليها أناس من البشر. # ولا تعدم شوارع بغداد الفتحات التي تسمح بدخول النور والهواء إليها. ~~فليست الشبابيك المطلقة عليها كثيرة فقط بل توجد أيضا شرفات مطلة ، أو ~~شبابيك بارزة (1)، تخيم على الشارع فتسمح بدخول الضوء إلى الغرف التي يجلس ~~فيها عادة عدد من الأتراك المتزمتين الذين يقضون الوقت بالتدخين. وإذا كنت ~~محظوظا فقد تجد نفسك صدفة هدفا لأشعة نفاذة توجهها إليك من وراء المشبك (2) ~~نصف المغلق زوجان من العيون المشرقة. وقد ترى هذه الأجنحة المعدة للجلوس ~~ممتدة أحيانا عبر الشارع لتتصل بالبيوت من الجانبين ، فتضفي بذلك تنوعا ~~مبهجا على طراز البناء وخاصة حينما تشاهد وهي نصف مظلمة بسعف النخيل الذي ~~يعلوها من ساحة الدار في الداخل. وقد ms056 كان هناك في الجو العام المتكون من ~~التنوع البارز ، وطراز البناء ، والملابس الغريبة ، واختلاط الخضرة ، وخاصة ~~سعف النخيل ، ما يعيد إلى الذهن ، حينما ينظر إليه من وسط الشوارع الأكثر ~~استقامة ذكرى مشوشة عن بلاد أخرى أكثر PageV01P077 # اشتهارا في العالم بلاد عليها مسحة ما ديرا في جزر الهند الشرقية ~~والغربية أو ما أشبه بلاد تولد في النفس مقدارا من البهجة والانشراح يزيد ، ~~على كل حال ، على المنظر الحقيقي الذي أراه أمامي. # هذه هي الانطباعات التي تكونت لدي عما رأيته أثناء مروري بالبلدة ، لكن ~~ضفاف النهر كانت ترينا منظرا مختلفا تمام الاختلاف وأكثر جاذبية وجمالا من ~~كل ذلك. فإن تدفق نهر جليل معروف يعد شيئا طريفا في جميع الأزمان ، لكنه ~~حينما تكون ضفافه مزدانة بخط طويل من الأبنية المؤثرة في النفس إذا لم تكن ~~جميلة تمام الجمال ومظللة ببساتين النخيل وارفة الظلال ، فضلا عما يزيد في ~~رونقها مئات الزوارق وضجيج الآلاف من الناس ، وحينما يكون مجراه قد مد من ~~فوقه جسر من الزوارق يعبر عليه سيل دائم التدفق من الناس والخيل والجمال ~~والقوافل ، وحركة نقل عظيمة من جميع الأنواع والأشكال ، فإن اللمحة ~~المتكونة من جميع هذا يصعب عليها أن تقصر عن رسم صورة حية جدا في مخيلة ~~الرائي. وهذا بطبيعة الحال هو المنظر الحقيقي لدجلة حينما تنظر إليه من أية ~~نقطة كانت على ضفتيه ، حيث تستطيع أن تحصر في مدى رؤيتك جميع الحيز الذي ~~تشغله المدينة الحالية. # ولم تكن النظرة الأولى التي ألقيتها على دجلة تدل على ما كنت أتوقعه على ~~وجه التأكيد : فلا يمكنني أن أقول إنني قد خاب أملي تماما فيه لكني كنت ~~أتوقع أن أرى نهرا أكثر عرضا واتساعا مما رأيت. على أنني أعتقد أنه أحسن ~~بعرضه الحالي لأن العين تستطيع في الوقت الحاضر أن تشرف على الجانبين ~~بسهولة. أما جهة البلد المطلة على النهر فقد كان عجبي فيها مفعما بالبهجة ~~والسرور. فلم نجد فيها إلا القليل من الجدران العارية ، لأن معظم البيوت ~~لها عدد كبير من المشابك (القيم) ms057 والشرفات (الشناشيل) أو الشبابيك البارزة ~~التي تطل على النهر. وبالقرب من الجسر جامع جميل بقبابه ومنائره ، وهو منظر ~~يبعث في النفس السرور والارتياح (1). وهناك بوجه عام شموخ يستحق الاعتبار PageV01P078 # في خط الأبنية المطلة على النهر من ضفته اليسرى ، فيضفي تنوعا ظريفا على ~~المنظر. وليس الجانب الأيمن ، أو الغربي ، من النهر على مثل هذا الجمال في ~~طراز الأبنية وامتدادها ، لكن بساتينه (1) الواسعة ونخيله المتشابك المختلط ~~بالأبنية تسبغ عليه منظرا مبهجا إذا ما نظر إليه من الجانب الآخر المكتظ ~~بالسكان. # على أنني يجب أن أعرف بأنني قد خاب أملي بأسواق بغداد. وليس السبب في ذلك ~~افتقارها إلى السعة والامتداد ، لأنها على مقدار كاف منهما ، ولا خلوها من ~~الناس ، أو عدم وجود حركة فيها ، لأنها تكون في كثير من الأحيان مكتظة ~~اكتظاظا كافيا فتظهر بمظهر يزيد تنوعا وبهاء عما يلاحظ عادة في الأسواق ~~الإيرانية. وإنما هناك من ناحية البناء والعمارة فقر في التخطيط وبساطة في ~~التنفيذ ، ومظهر من مظاهر التهدم ، الذي يعزى جزئيا إلى الكوارث التي أصابت ~~المدينة مؤخرا بطبيعة الحال ، لكن كثيرا منه يرجع السبب فيه إلى عيب أصيل ~~وجد في طراز البناء منذ البداية. على أن بعض الأسواق ، ومنها صف ثلاثي أو ~~رباعي ممتد إلى مسافة غير يسيرة من تشييد داود باشا ، قد بني بناء جيدا ~~بالجص والآجر المفخور ، وظلل عن الشمس بسقوف ذات طوق عالية مبنية بالمواد ~~نفسها. لكن أسواقا أخرى كانت خربة جدا ، وكانت سقوفها مصنوعة من مرادى ~~الخشب الممدودة بصورة وقتية غير منتظمة والمغطاة بالسعف أو القش وبالقصب. ~~أما الدكاكين نفسها فهي دكاكين بسيطة فقيرة ، غير مرممة في كثير من الحالات ~~، وكثير منها فارغ غير مشغل. وقد كان يلاحظ في معظم الأماكن ذلك الجو ~~المتسم بالإهمال والقذارة ، الذي يدل تمام الدلالة على الجنوح إلى الانحطاط ~~والإهمال العام. PageV01P079 # وهناك في مختلف أجزاء البلدة عدة فسحات مكشوفة يباع فيه البعض من أنواع ~~السلع ، وقد سميت بأسمائها ، مثل «سوق الغزل» و «سوق الموسلين» و «سوق ~~الحنطة» وما أشبه (1). ومن بين هذه ms058 كلها كانت أكبرها وأزهاها السوق ~~القريبة من الباب الشمالية الغريبة ، أو باب الموصل (2). غير أن أية سوق ~~من هذه الأسواق لا يمكن أن تمت بصلة إلى أي رونق أو بهاء ، وحتى إلى ~~النظافة بالذات. والحقيقة أن السوق التي ذكرت لآخر مرة هي «ميدان» (3) ~~المدينة الكبير. وتعرض الخيل هنا للبيع ، وهو محاط بالمقاهي الممتلئة على ~~الدوام بجمهور من جميع أنواع الناس الذين يجلسون فيها للتدخين وشرب القهوة ~~وما أشبه. وهو في الوقت نفسه الميدان العام للاستعراض ، وتنفيذ أحكام ~~الإعدام كذلك ، لأن المجرمين يعاقبون هنا بقطع الرأس والشنق أو الجدع (قطع ~~الأيدي والأرجل). فكثيرا ما يلاحظ المارة أمامهم جذعا مقطوع الرأس ، أو ~~جذعين ، يعرض على الناس خلال اليوم تنبيها لفاعلي الشر. على أن التركي ~~المتزمت ، الذي لا يتأثر بهول المشهد ، يدخن شطبه بهدوء أو يمر بما يشاهده ~~من دون أن يعبأ به ، أو يغمغم بكلمة لا إله إلا الله. وحتى هذا المكان الذي ~~يستعمل لكل شيء لا يحتوي على أكثر من أيكر (4) ونصف من الأرض على ما أعتقد. PageV01P080 # هذا وتستحق بغداد ، من حيث شهرتها القديمة وأهميتها الحالية ، أن يؤتى ~~على وصفها بأكثر مما أنا مستعد لتقديمه إليك من الوصف التفصيلي الدقيق. ~~ولما كنت أعتقد أنك يمكن أن تنزعجي إذا ما أقدمت على ترك القصة وهي مبتورة ~~غير كاملة ، أجد نفسي مدفوعا إلى الاستعانة بشيء من المصادر الأخرى لأجل أن ~~يتسنى لي تقديم فكرة أوضح عما تكون عليه هذه المدينة التي سارت بذكرها ~~الركبان ، أو عما كانت عليه قبل أن تنزل بها الكوارث الأخيرة. ويبدو لي أن ~~الوصف الذي عمد إليه بكنغهام في كتابه «رحلات في بلاد بين النهرين (1)» هو ~~على درجة من الجودة بحيث إنني سوف لا أترك مجالا متيسرا من دون أن أبادر ~~فيه إلى اقتباس شيء منه ، لأنك قد لا يتسع لك المجال لمطالعته. # فيقول المستر بكنغهام «إن ما في داخلية البلدة من الأشياء ذات الأهمية ~~يقل عما يتوقعه المرء من الشهرة الجديرة باسمها كمركز شرقي كبير للثروة ~~والأبهة. فإن ms059 قسما كبيرا من الأرض الداخلة في ضمن الأسوار غير مشغول ~~بالأبنية ، وخاصة من الجهة الشمالية الشرقية. وحتى في الأماكن التي توجد ~~فيها الأبنية والعمارات ، وخاصة في محلات المدينة التي يكثر فيها السكان ~~بالقرب من النهر ، تلاحظ وفرة الأشجار. وعلى هذا فحينما كان ينظر إلى كل ~~ذلك من سطح أية دار من الدور الكائنة في داخل الأسوار كانت المدينة تبدو ~~كأنها قائمة في بستان كبير من النخيل ، أو مثل ما كانت بابل عليه من كونها ~~إقليما مسورا وليس بلدة واحدة. # «وقد بنيت الأبنية كلها ، العامة والأهلية ، بالآجر المفخور ذي اللون ~~الأحمر الضارب إلى الصفرة ، والحجم الصغير ، والزوايا المدورة الدالة على ~~أن معظم هذا الآجر كان قد استعمل عدة مرات من قبل لأنه ربما كان قد أخذ من PageV01P081 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image007.gif) # خرائب أبنية قديمة لتشييد أبنية أخرى بها. وفي الحالات القليلة التي يكون ~~الآجر جديدا يكون ذا مظهر نظيف مرتب لا وجود له مطلقا في الآجر القديم. ومع ~~ذلك فحتى هذا يعد أدنى من الحجر. وشوارع بغداد ، مثل شوارع جميع المدن ~~الشرقية الأخرى ، ضيقة غير مبلطة تقوم على جانبيها بوجه عام جدران خالية من ~~أي شيء ، إذ نادرا ما تلاحظ الشبابيك (1) مفتوحة على الأزقة والطرق العامة ~~، بينما تكون أبواب الدخول المؤدية إلى المساكن صغيرة بسيطة. وتكون هذه ~~الشوارع أكثر تعقيدا وتعرجا من كثير من شوارع المدن التركية الكبيرة. وفيما ~~عدا بعض الأسواق وخطوطها التي تنتظم انتظاما محتملا ، وبعض الفسحات ~~المكشوفة ، فإن داخلية بغداد عبارة عن متاهة من الأزقة والممرات. # «أما الجوامع التي تعد على الدوام أبرز المعالم في المدن الإسلامية فهي ~~مبنية هنا بطراز يختلف عن طراز الجوامع التي شاهدتها في معظم أجزاء PageV01P082 # تركيا الأخرى. وأقدمها على ما يعتقد يسمى جامع سوق الغزل ، لكن هذا لم ~~يبق منه سوى منارة سميكة ضخمة وقسم من السور الخارجي». # وللمنارة حوض واحد فقط ، ينشأ بروزه كما يقول المستر بگنغهام من تحت مركز ~~العمود ثم يصعد إلى أعلى بسلسلة من المنحنيات المعقدة والتزيينات المدلاة ~~على شاكلة المقرنصات «الستالاكتايت» التي ms060 تنتفخ بالتدريج إلى الخارج وتنتهي ~~بالحوض من حوالي ثلث ارتفاع المحور. وتكون النهاية مدورة غير رشيقة ، فيبين ~~المنظر العام للرائي منظرا سمجا. # ويعد هذا الحوض أعلى نقطة يمكن الارتقاء إليها ومشاهدة منظر المدينة ~~العام منها. وهو في الحقيقة يشرف على معظم السطوح والساحات لمسافة طويلة من ~~حوله. وقد استغربت حقا أن أجد كفارا مثلنا يسمح لهم بالصعود إلى ارتفاع ~~يتفرجون منه على المسلمين. ووجدنا شيئا من الصعوبة في الصعود بسبب الظلام ~~المخيم على السلم وذروق الخفاش والحمام المتراكم فيها ، ذلك الحمام الذي ~~كان يأوى بالآلاف إلى الأماكن التي تآكلت فيها الحنيات والشقوق المتكونة ~~بتأثير العنف والزمن. ومن المعتقد أن المنارة وجامعها المتهدم يبلغ عمرهما ~~ما يزيد على ستمئة سنة (1). ولما كنت أشك في أن يكون وصف جوامع بغداد ~~مسليا لكم سوف أقتصر في الوقت الحاضر على أن عدد هذه العمارات المقدسة ~~يتجاوز المئة (2) على ما يعتقد ، أو كان قد تجاوز المئة PageV01P083 # في يوم من الأيام ، برغم أن حوالي عشرين أو ثلاثين منها فقط تستحق ~~الملاحظة والاهتمام لدرجة ما. أما القباب فلا أظنك تستطيعين أن تجدي ما ~~يزيد على الدزينة منها بحجم يعتد به ، وأنا متأكد أن عدد المنائر يقل عن ~~أربع وعشرين. وهناك عدد من المنائر والقباب المغطاة بالآجر المصقول ، ~~الملون في الغالب باللون الأخضر والأبيض والأصفر والأسود ، الموشى ~~بالفسيفساء (الموزاييك) ليدل على الأوراد والأرقام والكتابة التي يكون لها ~~، على حد تعبير المستر بگنغهام ، تأثير مبهج بدلا من تأثير الروعة ~~والفخامة. ويمكن أن يقال بوجه عام إن جوامع بغداد ومراقدها تقل في طراز ~~عمارتها عن جوامع ومراقد المدن الإسلامية الكبيرة في الهند بقدر ما تمتاز ~~أبنيتها بوجه عام على أبنية المدن في إيران. وقد تحدثت عن الأسواق من قبل ، ~~وإني أؤيد هنا المستر بگنغهام تمام التأييد في كونها بسيطة بساطة نسبية ، ~~أما الخانات والحمامات فلا أستطيع أن أذكر إلا النزر اليسير عنها ، لكن ~~الخانات التي رأيتها كانت تبدو وهي على درجة كافية من الرثاثة. # ويقول المؤرخ المشار إليه عن دور ms061 السكنى في بغداد «إنني لم أر منها سوى ~~جدرانها الخارجية وسطوحها. وقد لفت نظري بوجه خاص أنني على طول هذه المدينة ~~الواسعة وعرضها لم أجد ولا عقدا مدببا واحدا في أبواب أي مسكن من المساكن. ~~فقد كانت العقود كلها مدورة ومنبسطة مع شيء من الزينة بالآجر الصغار فوقها. ~~وحتى الأسواق القديمة والجوامع المتهدمة التي كان يلاحظ وجود العقد المدبب ~~فيها يكون شكله أقرب إلى شكل العقد القوطي من العقد الإسلامي ، وهذا ما لا ~~حظته في الموصل أيضا. ولذلك لا يمكن أن تكون بغداد نفسها قد كانت مقرا لفن ~~العمارة الإسلامية الذي ربما يكون قد نشأ في بلد يبعد عنها من جهة الغرب. # «وتتألف البيوت من صفوف من الغرف تنفتح أبوابها إلى باحة داخلية مربعة. ~~وفي الوقت الذي تشغل فيه السراديب ، وهي غرف تبنى تحت سطح الأرض ، أثناء ~~النهار للاحتماء بها من الحرارة الشديدة تستعمل السطوح المكشوفة لتناول ~~العشاء وقت المغرب والنوم فيها خلال الليل. فمن سطح PageV01P084 # المسكن الذي كان يقيم فيه المستر ريچ الذي كان منقسما إلى عدة أقسام ، ~~يكون لكل منها ممرها الخاص للصعود والنزول ، بحيث يتكون منها في الحقيقة ~~عدد من الغرف غير المسقفة ، كان بوسعنا أن نشرف عند انبلاج الصبح على منظر ~~من مناظر بغداد يشبه منظر مدريد الموصوف في «لاديابل بواتو» حين يرينا أسر ~~البيوت المحيطة بنا جميعها في مخادعها المكشوفة ، وهي في حالات على جانب ~~غير يسير من الطرافة في بعض الأحيان. فقد كانت تنكشف لنا من هذا الموقع ~~المنيف ثمانية أو عشرة مخادع مختلفة تقع في عدة محلات محيطة بنا. ونظرا لأن ~~الأسر جميعها كانت تنام في العراء خلال الصيف بطبيعة الحال كانت تنكشف أمام ~~أنظارنا مناظر بيتية خصوصية كثيرة من دون أن يكتشف أحد ولو مرة واحدة ، أو ~~يشك ، بكوننا كنا نتطلع إليه. فقد كان الزوج في الأسرة الموسرة ينام على ~~سرير مرتفع تفرش فوقه حشية ووسائد من الحرير ، مغطاة بلحاف سميك من القطن ~~من دون أن تحاط بستائر أو كلة تقي النائم ms062 من البعوض. كما كانت الزوجة تنام ~~على فرشة مماثلة ولكن على الأرض بصورة دائمة أي من دون سرير ، وعلى مسافة ~~من زوجها بينما كان الأطفال ، الذين يصل عددهم إلى الثلاثة أو الأربعة ، ~~يشغلون فرشة واحدة. أما الخدم أو المماليك فقد كان كل منهم ينام على حصيرة ~~منفردة تفرش على الأرض ، لكن الجميع كانوا ينامون أو ينهضون من الفراش على ~~مرأى من بعضهم بعض. وكان كل فرد ينهض من نومه في ساعة مبكرة بحيث لا يبقى ~~أحد في الفراش بعد طلوع الشمس ، فيطوي فراشه وغطاءه ووساداته لتؤخذ إلى ~~الدار عدا الأطفال الذين كان يتولى هذا العمل عنهم أمهم أو أحد الخدم. # «ولم يكن أي من هؤلاء يخلع ملابسه كما يفعل الأورپيون عامة حينما يذهبون ~~إلى الفراش. فقد كان الرجال يحتفظون بقمصانهم ولبساهم ، وقفاطينهم أحيانا ، ~~عند النوم. وكانت الأطفال والخدم ينامون بالملابس ذاتها التي كانوا ~~يلبسونها أثناء النهار. أما الأمهات والبنات الكبيرات فقد كن يلبسن سراويل ~~الأتراك الحريرية الكاملة مع الرداء المفتوح ولفات الرأس إذا كن من الأسر ~~الغنية. وكانت الفقيرات منهن يلبسن جلبابا (دشداشة) فضفاضا أحمر PageV01P085 # وغطاء بسيطا للرأس. وفي معظم الحالات التي رأيناها كانت الزوجات يساعدون ~~أزواجهن في ارتداء الملابس أو خلعها ، والقيام بكل واجبات الوصيف. # «وقد كان الزوج عادة يؤدي الصلاة بعد أن يكون قد ارتدى ملابسه ، بينما ~~يكون المملوك منصرفا إلى إعداد القهوة والشطب له. وبجلوسه على سجادته بعد ~~أن تكون هذه قد أحضرت كانت الزوجة تقوم على خدمته بنفسها ، فتتراجع إلى ~~مسافة مناسبة لتنتظر الكوب بعد تقديم الماء ، وتكون واقفة بين يديه على ~~الدوام ، وكانت تتكتف أثناء حضوره في بعض الأحيان ، وحتى أنها كانت تقوم ~~بتقبيل يده عند تسلم الكوب منها كما يفعل أحط خدم الدار ومباشريه. وحينما ~~كان الزوج يتكىء على وسائده أو يجلس على سجادته بارتياح وتراخ لينعم بشطبه ~~أو غليونه الصباحي كانت نساء الأسرة ينصرفن إلى الصلاة بصورة عامة. وغالبا ~~ما كن يصلين على انفراد كما يصلي الرجال تماما ، ولكننا لا حظنا مرة واحدة ms063 ~~أو مرتين أن ربة البيت وبعض النساء الأخريات ، كالأخت مثلا أو إحدى ~~القريبات ، كن يؤدين الصلاة معا معقبة إحداهن إشارات الأخرى التي تقف ~~بجانبها ، كما يحصل حينما يقوم الرجال بصلاة الجماعة خلف الإمام. ولم تكن ~~أية امرأة ، سواء أكانت الزوجة أم الخادمة أم المملوكة ، تهمل هذه الفريضة ~~الصباحية ، لكنني لم أجد بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن اثنتي عشرة سنة ~~من كان يقوم بتأديتها. # «وعلى الرغم من العزلة الظاهرة التي تعيش فيها المرأة هنا ، وفي جميع ~~أنحاء الأمبراطورية التركية في الحقيقة ، فإنها غير محرومة من الحرية ~~الحقيقية التي يساء استعمالها لدرجة غير يسيرة في بعض الأحيان كما يحصل في ~~أماكن أخرى. ولا يمكن أن ينكر بأن التسهيلات للاجتماعات السرية المريبة هي ~~أكثر في المدن التركية منها في أية مدينة أورپية كبيرة. فإن تنكر المرأة ~~التركية أو العربية في زيها ولباسها هو على درجة من الكمال بحيث إن زوجها ~~لا يستطيع التعرف عليها. وهذا يؤدي بناء على ذلك إلى أن تذهب السيدة أينما ~~تريد عند الحاجة. PageV01P086 # «وتعد الگرجيات والچركسيات من بين نساء بغداد أجملهن على وجه التأكيد ، ~~وأقلهن تشويها بالمساحيق. أما نساء الطبقة العليا من سكان البلاد الأصليين ~~فتكون سحنهن أقل طراوة وصفاء ، بينما تكون نساء الطبقتين الوسطى والدنيا ، ~~ببشرتهن السمراء وقلة جمال محياهن إلا من حيث العيون السود المعبرة ، قد ~~وشمن أنفسهن وشما وحشيا يكسبهن مظهرا منفرا في بعض الأحيان. وتقوم نساء ~~جميع الطبقات والمراتب بصبغ شعرهن بالحناء ، كما تصبغ راحات أيديهن صبغا ~~قويا بها بحيث تبدو وكأنها أيدي البحارة المكسوة بالقطران». # وإلى هذا الحد أكتفي بهذا المقدار مما ذكره المستر بگنغهام. ومن المؤكد ~~أن نساء الگرج والچركس هن أجمل النساء وأكثرهن تقديرا هنا ، لكنهن أصبحن ~~أكثر ندرة من ذي قبل. فإن تركيا لا يسعها بعد هذا أن تشجع تجارة الرقيق مع ~~هذه البلاد التعيسة المضطهدة (القفقاس)، حيث إن أهاليها يرزحون الآن تحت ~~وطأة الحكم الذي يمارسه طاغية أشد قسوة من الحكام السابقين وهو عاهل الروس ~~المطلق المستبد. ويسير القضاء ms064 على السكان هناك سيرا حثيثا ، ولكن ليس ~~بالسرعة التي يريدها المغتصب. فحينما كنت في تبريز تناهى إلينا أن حملة ~~كانت على وشك أن تجرد من تفليس ضد الأباظة بنية استئصالهم. # وليس من المحتمل كذلك أن يتكاثر العنصر الگرجي هنا ، لأن المعروف اليوم ~~معرفة قاطعة أن قليلا من نساء تلك البلاد من يمكنهن تربية الأطفال وتنشئتهم ~~في هذه الجهات. فهم يموتون عادة قبل إكمال الثالثة من أعمارهم ، ويعزو ~~البعض القسم الأعظم من هذه الوفيات إلى ولع الأمهات الخالي من التبصر ~~بتحشية أطفالهن الصغار بالحلويات وسائر الأنواع غير المناسبة من الغذاء. # ولقد قدر بگنغهام نفوس بغداد حينما كان موجودا فيها بما يتراوح بين ~~الخمسين والمئة ألف نسمة. وهو يعتبر عدد نفوسها أقل من عدد نفوس حلب وأكثر ~~من نفوس دمشق ، بحيث إنه يجعل الحد المقارب للحقيقة ثمانين ألفا. PageV01P087 # على أنه من المؤكد أن عدد النفوس قد ازداد ازديادا كبيرا في أيام داود ~~باشا ، ولذلك فإنه على ما أعتقد لم يكن يقل قبل طاعون 1831 م عن مئة وخمسين ~~ألف نسمة. وكان القسم الأعظم من هؤلاء أتراكا وعربا ، لكنه كان هناك أيضا ~~عدد كبير من البغداديين الأصليين وهم يكادون أن يكونوا عنصرا خاصا يختلط ~~فيه الدم الإيراني والهندي بالأرومات الرئيسة. ومعظم التجار الآن هم من أصل ~~عربي ، وهناك عدد من اليهود والأرمن والنصارى التابعين للكنيستين ~~الكاثوليكية والسريانية. ويلاحظ وجود الأكراد والإيرانيين والبدو بكثرة في ~~الأسواق ، لكن البدو لا يودون قضاء ليلتهم ما بين الأسوار. أما القسم ~~الأعظم من الإيرانيين ، الذين هم في الغالب من زوار العتبات في كربلاء ~~ومشهد علي ، فيرجعون في آخر النهار إلى الكاظمية وهي قرية وعتبة مقدسة تقع ~~على بعد أربعة أميال في الجانب الغربي من النهر ، أو يخيمون خارج أسوار ~~المدينة ، في الجهة الشمالية منها. # ويصف المستر بكنغهام أزياء بغداد وألبستها بكونها أقل رونقا وبهاء بكثير ~~مما هي في مصر أو القسطنطينية في ذلك الوقت. على أنني لا أستطيع الحكم على ~~ذلك بشيء ، لكن منظر الأزياء في الوقت الحاضر ms065 أبعد من أن يكون شيئا باهرا ~~على وجه التأكيد. وقد أكد لي الكثيرون أن هذا المظهر يختلف اختلافا غير ~~يسير عما كان عليه في أيام داود باشا. فقد كان الباشا يحتفظ ببلاط زاهر ~~وتأسيسات فاخرة ، كما كانت الحلل والبزات العسكرية على عهده شيئا زاهيا ~~ومتألقا تمام التألق. فإن الثمانمئة گرجي من أتباعه ، المتزيين بالألبسة ~~الزاهية والمسلحين بالسلاح الفاخر ، الراكبين على الجياد العربية الأصلية ، ~~المطهمة بالجهاز المزركش ، لا بد أن تكون قد كونت منظرا باهرا في عهده. ~~وكان ضباطه ، وهم يقتدون بسيدهم ، يتنافسون فيما بينهم من حيث فخامة العدد ~~وكثرة الأتباع. أما الآن فلا يوجد شيء من ذلك مطلقا ، إذ تقتصر القوة ~~العسكرية البسيطة اليوم على عدد قليل من الهايتة ، أو الخيالة الألبانيين ، ~~المختلطين بخيالة آخرين من أهل البلاد ، التي تتزيا بالألبسة الرثة ~~والأسلحة البسيطة. وتحتوي كذلك على مفرزة من «النظام» أو الجند النظامي ~~الجديد ، وهذه قطعة عسكرية على آخر ما تتصوره المخيلة من عدم الانتظام ، ~~فقد أفقدها PageV01P088 # لباسها نصف الأوربي منظر الأتراك المهيب من دون أن يسبغ على أفرادها ~~أناقة الجند الأوربيين ومظهرهم المهني. وليس هناك سوى مئات قليلة من هؤلاء ~~الأبطال الشواذ ، الذين ذكرني زيهم غير المهندم ، و «الفيس» الأحمر الذي ~~يضعونه فوق رؤوسهم ، بالمساجين الفرنسيين القدماء الذين كانوا يلبسون ~~قبعاتهم الليلية الحمراء وسترهم المتعفنة. أما السراي ، أو قصر الباشا ، ~~فلا ضجة فيه ولا مظهر يعتد به ، وأما الموظفون الفاسدون ذوو المستوى المنحط ~~التابعون للرجل التعيس الذي كان يضطلع بمنصب الباشا فيقتدون بسيدهم في ~~الرثاثة وقلة الحاشية وفي جميع الوجوه الأخرى. # غير أن الأسواق ما يزال فيها الآن شيء من الحركة واللون. لأن الأتراك ~~والعرب معا مغرمون بالأحمر بمختلف أطيافه ودرجاته ، وبالألوان الزاهية ~~الأخرى. يضاف إلى ذلك أن الأصباغ والزينات التطريزية ، وعمائم الشال ، ~~والألبسة الفضفاضة ، مع الخناجر المطعمة بالفضة والمسدسات المدلاة من ~~المحزم ، تعمل كلها على رسم صورة حية مبهجة. # على أن الركوب عبر الأسواق يعتبر عملا فيه شيء من الخطر. فهي ، على كونها ~~تؤلف الممرات والطرق العامة في ms066 البلد ، ضيقة بحيث إنك تضطر على الدوام على ~~التوقف فيها بسبب الخطوط الطويلة من الجمال والبغال المحملة التي يحتمل جدا ~~أن تؤدي الأحمال الموجودة فوق ظهورها إلى كسر رأسك أو ركبتيك حسب ارتفاع ~~الحيوان الذي تصادفه ، بينما تكون منشغلا بشق طريقك بينها وبين الأعراب ~~الحفاة الذين يمتلىء بهم كل شارع أو زقاق. وقد ذكرتني مجموعات الحمير ، ~~المحملة بالحطب ، بسيدة مآدب «ألف ليلة وليلة» التي عزت الجرح الموجود في ~~خدها إلى صدمة أصابتها من إحدى القوصرات التي كان يحملها حيوان من هذه ~~الحيوانات. فعرضت بذلك حيوية مجتمع الحطابين كلهم إلى الخطر. وتبرهن الخروق ~~المختلفة في سراويلي الآن أكثر من مرة على إمكانية وقوع ما جاء في تلك ~~القصة. وكم أتمنى أن يكون بوسعي أن أقول إن دكاكين الطباخين تذكرني على ~~الشاكلة نفسها بدكان سي مصطفى وحلوياته اللذيذة. لكن الحقيقة ان رائحة ~~السمن الزنخ كانت منفرة جدا ، ولم تكن PageV01P089 # دكاكين الحلواتية كذلك مغرية مثل دكاكين الحلواتية في استانبول. # ومن بين الأشياء التي تلفت نظر الغريب في بغداد الهدوء الرزين ، والجمود ~~الذي يبدو على التاجر التركي (1) وهو يجلس فوق المنصة العالية المنصوبة ~~بالقرب من بابه ، مدخنا شطبه في وسط الضجيج المحيط به ، كأنه لا يسمع شيئا ~~منه ولا يملك الاهتمام الذي يجب أن يكون عند التاجر بيع ما عنده من سلع. ~~وحينما يراجعه أحد الزبائن يعرض عليه السلعة المطلوبة ببطء وسكون وينهي ~~المعاملة إذا تم الاتفاق على السعر وإلا فيتابع تدخينه للشطب. ولو كان في ~~مكانه تاجر إيراني لسألك دزينة من الأسئلة عما تريد ، ولعرض عليك بالتعاقب ~~خمسين شيئا من الأشياء التي لا تحتاجها ، ولقفز من مكانه وعاد إليه عدة ~~مرات ، خلال المدة التي يستغرقها التركي المتزمت في سحب «الچبوق» (2) من ~~فمه بقصد التحدث إليك. على أنه لا بد من الاعتراف هنا بأن الباعة اليهود ~~والأرمن يعوضون بسرعتهم وطلاقة لسانهم عن تثاقل الأتراك وتكاسلهم. فإنهم ~~مدركون نشطون في التأكد من طلبات الزبائن وتزويدهم بها. # والمزية الأخرى التي تلفت نظر الغريب في شوارع بغداد ms067 وأسواقها كثرة العرب ~~، من البدو وسكان المدينة ، التي ألمحت إليها من قبل. ويتألف لباسهم من ~~قميص خشن يلبس فوقه الناس المتمكنون قفطانا (زبونا) مصنوعا من نوع من أنواع ~~القماش الحرير أو القطن ، المخطط في الغالب. وكلهم يضع على كتفيه عباءة من ~~شكل خاص ، فتكون عريضة من دون أردان لكنها مزودة بفتحتين تمد منهما اليدان ~~عند الحاجة ، وتصنع من الصوف المحبوك في حياكته ، المخطط بخطوط عريضة ~~متعامدة بيضاء اللون وبنيته ، لكنها تكون PageV01P090 # بيضاء أو سوداء اللون في بعض الأحيان. وهي اللباس القومي الخاص أي ~~العباءة العربية المعتادة. ولا يقل لباس الرأس انفرادا وتخصصا عن العباءة. ~~فليس هو عمامة على ما يعتقد البعض ، ولا شيئا يشبهها. وإنما هو يتألف من ~~كفية (1) حرير مربعة الشكل محبوكة الحياكة ، تخطط بخطوط متسعة صفراء وحمراء ~~، وتبرم لحمتها من الحاشية إلى خيوط متينة قصيرة. وتطوى هذه الكفية بشكل ~~مثلث ثم توضع فوق الرأس فيتدلى طرفاها على الكتفين أو أمامهما ، بينما ~~يتدلى الطرف الثالث إلى الوراء. وفيما حول قمة الرأس المغطى بهذه الطريقة ~~تلف حزمة من وبر الإبل البني (2) اللون ، المبروم برما جزئيا مرتين أو ثلاث ~~مرات ، بحيث يبدو الرجال لأول وهلة وهم يرتدون العباءة الفضفاضة معه أشبه ~~ما يكون بالنساء الساحرات من الرجال. وليس من الممكن من دون الاستعانة ~~بالرسم أن أنقل إليكم ما يكون عندكم فكرة تامة عن التأثير الفريد الذي ~~يحدثه لباس الرأس هذا ، حينما يساعده في التأثير زوجان من العيون السود ~~النفاذة التي تحدق من بين خصل شعرهم الأسود. لأن العرب ، مثل سائر المسلمين ~~لا يحلقون الرأس ، وإنما يضفرون شعرهم الطويل الخشن الأسود بسواد الفحم ~~(الذي يتدلى على أكتافهم وظهورهم) ويخفونه تحت الغترة (3). على أنه لباس ~~رأس مفيد للبادية ، يخفف من تأثير الحرارة والبرودة وخاصة حينما يلبسون ~~تحته طاقية مصنوعة من الوبر. لأنهم يتلثمون بطرفي الكفية في الطقس البارد ، ~~ويتلفعون بها إلى ما فوق الوجه والعيون حينما يشتد تأثير الشمس وإزعاجها ، ~~وبذلك ينتفع بها للحماية في كلتا PageV01P091 # الحالتين. ومع ذلك فإن هؤلاء البدو قد ms068 تحمصت بشرتهم إلى حد السواد التام. ~~وأؤكد لكم أنهم يكونون بهذا أشكالا فريدة في وحشيتها حينما يطوفون فوق ~~جيادهم النحيفة ، فتتطاير ملابسهم الفضفاضة في الهواء وتهتز رماحهم فوق ~~أكتافهم. وإن المرء قد يعتبرهم حتى في داخل المدن أشخاصا تخطر ملاقاتهم ، ~~لأنهم يندفعون في سيرهم بهيئة الاستقلال الفظ. فإن العربي يعتبر نفسه في كل ~~مكان سيد الأرض التي يحل فيها ، وهو في الحقيقة يكاد يكون كذلك هنا أيضا. ~~ثم إن صراخهم وهديرهم حينما يمرون قد يؤديان بالمرء إلى الاعتقاد بأنهم ~~يهمون بسلب كل من يصادفونه في الطريق. لأن العربي لا يتكلم إلا بأعلى (1) ~~صوته ، ولذلك يرتفع صوتهم أثناء الكلام بحيث يخيل للغريب أنهم يتشاجرون ~~فيما بينهم. وقد أدت هذه الخصلة في بعض الأحيان إلى حصول أغلاط مضحكة. فقد ~~كان أحد النوابين المقيمين في بغداد متشبعا بالخوف من الهيضة (الكوليرا) ~~بحيث لا يخرج من البيت إلا وهو يحمل معه الأدوية الواقية. وقد حدث ذات يوم ~~بعيد وصوله إلى هنا أنه بينما كان جالسا في إحدى المقاهي أو الأماكن العامة ~~الأخرى ، طلب إلى مغن كان موجودا فيه أن يسلي الناس بالغناء. لكن المسكين ~~وجد صعوبة في ذلك وأخذ يخرج أصواتا مبحوحة وأنغاما غريبة ربما كانت تبعث ~~الفزع في نفوس البعض منهم. غير أن النواب الذي كان يجهل لغة البلاد تصور أن ~~الرجل قد أصيب بالهيضة الوبيلة التي كان يقال إنها قد بدأت تصيب بعض الناس ~~في بغداد بشرها. فهجم النواب عليه والأدوية بيده ، وأخذ يقنعه بتناول ~~الحبوب والشرب مما كان في القنينة التي كانت معه فرفض المغني المتعجب ذلك ~~وهو يستغيث بقوله : «لا لا لا» لكن النواب ظل يلح عليه بتناول الدواء حتى ~~أفهم بحقيقة الأمر. # غير أن العرب ليسوا وحدهم هم الذين يصخبون بمثل هذا الصخب ، وإنما هو شيء ~~عام في بغداد التي تعد من بين جميع الأماكن الأخرى التي PageV01P092 # ذهبت إليها غريبة جدا من حيث وجود كل نوع من أنواع الأصوات التي يمكن ~~تصوره فيها ، ويعد سكانها بوجه عام أشد الناس ms069 صخبا. فالغرفة التي أسكنها ~~الآن لها شرفة تطل على الشارع وشباكان ، بحيث إن كل شيء يمر من تحتها يسمع ~~بحذافيره كما لو كان يحصل في داخل الغرفة نفسها. ولذلك يعزف عندي قبيل طلوع ~~النهار جوق من الديكة والدجاج الموجود في ساحة مجاورة ، وترتفع أصواته. ~~ويعقب هذا بوق النهوض الذي يدق في جناح الحرس السپاهيين التابعين للمقيمية ~~، فيثير بدوره نباح عدد من الكلاب. ويظل النباح مستمرا حتى تبدأ الحمير ~~بالنهيق. وما يحل ذلك الوقت حتى يكون الأعراب المجاورون الذين التجأوا إلى ~~المدينة بسبب اضطراب الحالة في خارجها قد شمروا عن سواعدهم وأخذوا يسوقون ~~إلى المرعى قطعان الأغنام والماشية والجمال التي جاءوا بها معهم طلبا ~~للأمان. ولا بد أن تكون هذه الحيوانات أكثر حيوانات العالم صمما تجاه ~~الرعاة ، أو أن الرعاة يسيئون معاملتها إساءة غير يسيرة. لأنها تنادى ~~بمختلف الأصوات العالية بقصد إقناعها بالحركة والخروج إلى الخارج ، فيؤدي ~~ذلك كله إلى تكون هدير وثغاء لا مثيل له في أي مكان آخر. وعلى هذه الشاكلة ~~يتجمع قطيع بعد آخر فيزداد الهرج والمرج وتعلو الضجة فتشتبك الأصوات. وما ~~تبدأ بالحركة ويقل الضجيج حتى تعقبه أصوات أخرى ويتعالى ضجيج من نوع آخر ، ~~فهناك أصوات المارة والمستطرقين والشحاذين ، والأصوات المتعالية من بعيد ~~وغير ذلك ، ولا أظن أن هذه الأصوات يمكن أن تضاهيها أصوات پيكاديللي بكل ~~عرباته ، ولا شارع كوكسبر أو تشرينغ كروس ، ولا سميث فيلد في يوم السوق ~~الخاص. ولا غرو فهذه بغداد الوريثة الحقة لبابل القديمة. PageV01P093 ### ||| * (5) # أسباب الخراب في بغداد ظهور الطاعون في المدينة انتشاره المقيم البريطاني ~~يغادر بغداد اعتذار المستر غروفز عن موافقته تفاقم الوباء دخول الماء من ~~الأسوار وغرق المدينة سقوط سبعة آلاف دار مرة واحدة دفن خمسة عشر ألف ذعر ~~الباشا إحاطة الماء بالقوافل توقف الفيضان والطاعون دخول الطاعون إلى بيت ~~المستر غروفز موت زوجته وطفله حوادث الموت الكاسح وأسبابها تأثير الطاعون ~~في الأماكن الأخرى بغداد بعد الطاعون والغرق طاعونان آخران في سنتين أخريين ~~الوفيات في البصرة. ### ||| ** عزيزتي # كنت حينما اقتطفت مما ms070 كتبه بكنغهام (1) قد وصفت بغداد كما كانت عليه في ~~أيام أسعد (2) باشا. وقد أشرت أيضا إلى ازدياد النفوس وحلول عهد زاهر تحت ~~حكم داود من بعده. ولو كنت أقف عند هذا الحد فقد يؤدي ذلك الانطباع بكم إلى ~~الاعتقاد بأن بغداد قد بقيت على حالتها تلك. فوا أسفاه! كم تكونون مخطئين ~~بذلك! آه كيف يتجندل الأبطال! فإن بغداد الآن خراب قفر ، نسيبا! وقد تم هذا ~~التبدل بتعاقب الكوارث عليها تعاقبا مخفيا كان يمكن أن يحصل في أية مدينة ~~من المدن الحديثة. فقد قضى الطاعون والغرق والمجاعة ، بأبشع أشكالها على ~~السكان وقوض أسوار هذه المدينة العظيمة PageV01P095 # وعماراتها. وجور الانسان ، وهو أشد نكالا من نقمة القدرة الإلهية ، كان ~~ولا يزال يكتسح ما تخلف عن كل ذلك بسرعة. # ففي أواخر عهد داود باشا ، أي في خلال سنة 1830 م ، تكاثر أعداؤه في ~~مجالس الباب العالي وأواسطه ، فتقرر إسقاطه على كل حال. ولكنه كان قد ثبت ~~أقدامه في مكانه بحيث إن جميع القوى الموجودة في استانبول ما كان في ~~مقدورها أن تفعل ذلك لو لم تتدخل في الأمر يد جبارة فتنزله من عليائه. فكان ~~داود قد عمد منذ مدة طويلة إلى تشكيل جيش كفء ونجح نجاحا كان يمكنه أن يهزأ ~~فيه إلى حد الازدراء بجميع الاستعدادات العسكرية التي كان بوسع السلطان أن ~~يجردها ضده. وهكذا بقيت الحال إلى أن ظهر في بغداد ، في أوائل 1831 م ، ~~الطاعون الذي كان يفتك فتكا ذريعا في إيران. فقد كانت بعض الإصابات الفردية ~~قد وقعت على ما يقال منذ تشرين الثاني المتقدم ، ولكنها أخفيت أو أهملت. ~~ولم تصبح حقيقة الطاعون المميتة ، التي كان يتزايد ظلها في بغداد ، شيئا ~~مخفيا حتى حل شهر آذار من سنة 1831 م. # ففي اليوم الأخير من آذار أغلق الكولونيل تايلور (1) بيته تبعا للعادة ~~الأليمة ، الضرورية ، التي يتبعها الأوربيون الذين يجدون بالتجربة أن هذه ~~الحيطة إذا تم اتخاذها في الوقت المناسب فإنهم يفلتون في الغالب من المرض ~~الذي لا ينتقل على ما يبدو إلا ms071 بالملامسة (2) أو الاتصال الوثيق بالشخص ~~المصاب. وفي مثل هذه الحالات يتم تسلم الأشياء كلها عن طريق خوخات تفتح في ~~الجدار ، ولا تمس مطلقا قبل أن تغسل غسلا جيدا بالماء. فاللحم والخضروات ~~والدراهم كلها تمر بهذه العملية التطهيرية ، والرسائل والأوراق يتم تسلمها ~~بملقط طويل من الحديد وتبخر قبل أن تلمس باليد. ولو كان من الممكن لسكان ~~هذه البلاد أن يضبطوا بحيث يمكن أن يخضعوا لمثل هذه PageV01P096 # الإجراءات الوقائية لكان من الممكن أن يجرد هذا المرض من تأثيراته ، ولقل ~~عدد ضحاياه إلى حد كبير. لكن التراخي وعدم المبالاة الممتزج بعقيدة واهية ~~بالقضاء والقدر يمنعانهم من إجهاد أنفسهم في هذا الشأن ، مع أن هرب الآلاف ~~من المدينة بأمل التخلص من الوباء الذي تسرب إلى مساكنهم يبرهن بطريقة لا ~~تقبل الجدل بأن اعتقادهم بالقضاء والقدر غير راسخ أو تام بأي حال من ~~الأحوال. # وقد تم هذا الفرار في الوقت المناسب ، وهرب اللاجئون ولكنهم هلكوا في ~~مكان آخر وفرصة أخرى. وفي غيرها نقل الهاربون المرض معهم ونشروا سمومه هنا ~~وهناك حتى ماتوا ميتة تعيسة في البر أو البادية. ومع كل ما كان يبذله ~~الأورپيون من عناية أو حيطة لم تكن هذه في بعض الأحيان كافية لدرء العدوى ~~وإبعادهم عنهم. فالقايروس (1) على درجة من الدقة بحيث إن أقل اتصال يحصل ~~يكون كافيا لإيصاله من شخص إلى آخر ، ويستطيع أصغر حيوان نقله من محل لآخر. ~~ولذلك تكون القطط والجرذان والفئران حيوانات خطرة في هذا الشأن ، وتصبح ~~القطط على الأخص وهي تألف الإنسان أشد خطرا عليه ، ومن أجل هذا يقوم الذين ~~لهم عقيدة بأهمية الحجر والعزل بإتلافها حيثما توجد. ومن الحوادث المميتة ~~المسببة عن الاتصال بمثل هذه الحيوانات الحادثة التي وقعت في بيت أحد نصارى ~~بغداد المتصلين بالمقيمية البريطانية. فقد كان هذا ممن يقتدون بالمقيم في ~~غلق داره ، وعدم فتحه لأحد. غير أن ابنته في هذه المرة لمست قطة كانت تتردد ~~على البيت ، وكانت هذه القطة قد خرجت إلى الخارج أو اتصلت بقطة أخرى فأدى ~~ذلك إلى نقل ms072 المرض إلى البيت وإصابة البنت به فقضت نحبها. وقد كانت الطفلة ~~المسكينة منذ اللحظة الأولى على علم بمصيرها ، حيث كانت تقول «أصبت ~~بالطاعون ، وسوف أموت» فأيدت الأعراض التي ظهرت عليها ما تنبأت به وأسلمت ~~الروح بعد أيام أربعة. PageV01P097 # ومن المحتمل أن يكون المرض قد جيء به إلى بيت الكولونيل تايلور بطريقة ~~عرضية مثل هذه ، مع أنه هو وجميع من كان يسكن معه كانوا على علم بأن البيت ~~ومداخله كلها كان مغلقا غلقا محكما. ففي اليوم العاشر من نيسان مات أحد ~~الحرس السپاهيين به ، وأصيب أربعة من خدامه. وكان المرض قد انتشر في هذه ~~المرحلة انتشارا أدى إلى موت سبعة آلاف شخص في القسم الشرقي من المدينة ، ~~وهو القسم الذي كان يقع فيه مسكن الباشا والبعثة البريطانية وجميع الناس ~~المعروفين. وكان أخبار الجانب الثاني على جانب أقل من الفظاعة ، لكن هلع ~~السكان اشتدت وطأته بارتفاع مستوى المياه في دجلة ، التي انبثقت من السدود ~~المقامة على جانبيها فغمرت الأماكن المنخفضة من الناحية الغربية ، ودخلت ~~المدينة حيث كانت ألفان (1) من البيوت قد تهدمت من قبل على ما يعتقد. وقد ~~حيل دون الكثير ممن كان يمكن لهم أن ينجوا بأنفسهم لا بانتشار هذه المياه ~~فقط بل بوجود الأعراب أيضا ، الذين أخذوا يتجمعون الآن حول المدينة فيسلبون ~~الخارجين منها جميعهم إلى حد العري. # فبالحصار الذي تم على هذه الشاكلة تسنى للوباء أن يفعل ما يفعل بكل حرية ~~، ووقع الناس فريسة له بسرعة لا تصدق. ولما وجد الكولونيل تايلور أن داره ~~قد تسللت إليها العدوى لم يبق لديه سوى أن يستخدم الوسائل المتيسرة عنده ~~للفرار في الوقت الذي كانت لا تزال هناك إمكانية يستغلها لذلك. وكانت ~~زوارقه ، التي كان قد جاء بها من البصرة هو وأسرته ، لا تزال مشدودة بجدران ~~المقيمية من جهة النهر بحالة استعداد للخدمة الآنية. فقرر أن يستقلها في ~~الحال ، وكان من حسنات هذا الوضع والموقع أن تلك الزوارق قد ارتفعت بارتفاع ~~المياه في النهر حتى صارت في مستوى الباب الخلفي للدار ، وأن ms073 سكان الدار ~~كان بوسعهم أن يتخذوا الاستعدادات المطلوبة وينتقلوا إلى PageV01P098 # الزوارق من دون أن يتعرضوا إلى أي تدخل من الخارج. وحينما تم كل شيء على ~~الوجه المطلوب دعا الكولونيل تايلور المستر غروفز ، المبشر المعروف ، إلى ~~أن يصطحبه وأسرته إلى البصرة حيث يمكن بالالتجاء إلى بيت في الريف تحاشي ~~العدوى. # على أن المستر غروفز (1) رفض استغلال الفرصة المتاحة له عن تقصد بالغ ، ~~ولم ينزل عند رغبة الكولونيل تايلور في ذلك. وكان الرجل الجليل هذا قد تعهد ~~بالعناية بعدد معين من الأحداث ، وهم أطفال بعض الأسر المسيحية في بغداد ، ~~فمنعته دوافع القيام بالواجب من اتخاذ خطوة كانت تعد في نظره تخليا عن ~~الواجب. فقرر البقاء في مكانه ، وبعد أن وضع ثقته بالعلي القدير الذي أنزل ~~البلوى وهو قادر على إنقاذه أو القضاء عليه ، أغلق داره التي كانت تحتوي ~~على اثني عشر شخصا ، من بينهم معلم أرمني وأسرته ، وظل ينتظر النتيجة. ~~ويمكن الحصول على أحسن أخبار هذه الفترة المرعبة من يوميات هذا الرجل ~~الكريم. وعلى هذا فإنني سأعمد إلى أن أقتبس منها ما يختص بالطاعون والغرق ~~من الأخبار خلال ما يأتي من سرد القصة الموجزة عن الحالة في بغداد. # فقد غادر الكولونيل تايلور بغداد في الثاني عشر من نيسان. وفي اليوم ~~السابق لذلك علم بأن عدد الموتى قد بلغ حد ألف ومئتين ، وفي يوم السفر ~~بالذات تأكد لدى العارفين بأن ألفا وأربعين حادثة موت قد حصلت في الجانب ~~الشرقي من المدينة وحده. وفي اليوم التالي لذلك علم المستر غروفز بكل ألم ~~ومرارة بأن المرض قد تسرب إلى الدار المجاورة لداره ، التي كان قد تجمع ~~فيها ثلاثون شخصا ، وكأنهم قد فعلوا ذلك لغرض تزويده بالضحايا المهيأة لا ~~غير. وفي ذلك اليوم بالذات كانت الوفيات تتراوح بين الألف والألف # Journal of a Residence in Baghdad) London 2381 ( PageV01P099 # وخمسمئة ، وكان معظم من مات في هذا اليوم في هذا اليوم في خارج أسوار ~~المدينة. ثم ازداد عدد الموتى إلى ألف وثمانمئة. وقد أخذ الهلع والخوف من ~~الأحياء ms074 الباقين مأخذه بحيث كان يندر إقناعهم بالبقاء لدفن موتاهم. واتخذ ~~الكثيرون الاستعدادات اللازمة للمصير الذي كانوا ينتظرونه بتهيئة الأكفان ~~لهم ولأسرهم ، قبل أن يؤدي الطلب المتزايد عليها إلى استهلاك المتيسر منها ~~كله. وأصبح الماء شحيحا أيضا ، لأن كل سقاء كنت تطالبه بالوقوف كان يرد ~~عليك بأنه كان يأخذ حمله من الماء لغسل جثة أحد الموتى. وقد روت بنت أرمنية ~~للمستر غروفز خبرا قالت فيه إنها كانت قد عدت خمسين جثة وهي تنقل للدفن في ~~فسحة لا تزيد مساحتها على ستمئة ياردة. ولم يكن السكان قادرين على بذل أي ~~نوع من الجهد ، لأن الحيرة على ما يبدو قد شلت أيديهم وأذهلتهم فأفقدتهم ~~رشدهم. فجلسوا في بيوتهم ينتظرون الموت الذي كان آتيا لا محالة ، وكأنهم قد ~~صعقوا مما كان يمر أمامهم ، ونادرا ما كان يتخايل أحد في الشوارع في هذا ~~الوقت عدا حملة الموتى والأشخاص الذين كانوا يأخذون الأكفان لهم ، وعدا ~~السقائين الذين كانوا يأخذون الماء لغسل الجثث. # وبقي عدد الوفيات ثابتا لا يتغير ما بين السادس عشر والحادي والعشرين من ~~نيسان ، على قدر ما يمكن التأكد منه ، وظل محافظا على مستواه المقارب لألفي ~~وفاة في اليوم والواحد. لكن حوادث كثيرة تنفرد بنوع النكبة التي تؤدي إليها ~~كانت تحدث هنا وهناك. فإن أسرة ينتمي إليها أحد طلاب المستر غروفز الصغار ~~قد أصيب أربعة أشخاص من مجموع الستة الذين كانت تتألف منهم إذ أصيب الوالد ~~والأم مع أحد الأولاد وإحدى البنات ، ولم يبق منهم سوى بنت وابن فقط. أما ~~كتائب الباشا المعروفة التي كانت تتألف واحدتها من سبعمئة رجل ، فإن بعضها ~~قد بلغ عدد الذين أتى عليهم الطاعون حد الخمسمئة. وكانت أخبار المناطق ~~المجاورة للمدينة على أسوأ مما كانت عليه في داخلها. كما كانت المياه ~~الطاغية في النهر يعلو مستواها علوا سريعا كذلك ، حتى أصبح خطر الغرق العام ~~وشيكا كل يوم. # ففي اليوم الحادي والعشرين من الشهر انبثق الماء من سراديب PageV01P100 # المقيمية ، ووصل إلى أوطأ من قمة السدود المحيطة بالمدينة بقدم واحد. ~~وبأمل ms075 التمكن من تقديم المساعدة ذهب المستر غروفز إلى المقيمية. لكن ~~المناظر التي شاهدها في الطريق كانت تبعث في النفس التألم والكدر إلى أقصى ~~الحدود ، ولم يكن من الممكن مطلقا الحصول على أي نوع من المساعدة للمصابين ~~الذين كانوا يصارعون المرض. فمن الناس من كانت زوجته تعاني سكرات الموت ، ~~ومنهم من كانت أمه كذلك ، ومنهم من كان مضطرا لأن يذهب بنفسه إلى الشط ~~فيحمل الماء منه ليغسل طفلا ميتا. لأن السقاة الاعتياديين انعدم وجودهم ، ~~وإذا ما وجد منهم أحد كنت تجده مصحوبا بخادم يسوقه إلى بيت حدثت فيه حادثة ~~وفاة. وقد امتلأت ساحة الجامع بالقبور الحديثة وأخذ الناس يدفنون الموتى في ~~الشوارع العامة. ويقول المستر غروفز «ان الموت قد أصبح الآن مألوفا بحيث إن ~~الناس صاروا يدفنون أقرب الناس إليهم من دون اكتراث يعتد به ، كما لو كانوا ~~يقومون بعمل اعتيادي». # ولم تكن المناظر القريبة أقل من ذلك إثارة للألم والانزعاج. ففي مقابل ~~شبابيك الدار التي كان يقيم فيها المستر غروفز كانت هناك دربونة تؤدي إلى ~~ثمانية بيوت ، ومن هذه البقعة الصغيرة فقط كانوا يشاهدون الجثث تنقل إلى ~~الخارج يوما بعد يوم حتى وصل عددها إلى سبع عشرة جثة. وفي اليوم الثالث ~~والعشرين توفيت أم السيد ، صاحب البيت الذي يسكنه المستر غروفز ، في بيتها ~~ولما لم يكن من الممكن الحصول على مساعدة أحد لنقلها إلى مدفنها في الخارج ~~قبرت في بيتها من قبل خادمتيها اللتين سرعان ما أتى الموت عليهما من بعدها. ~~ونظرا لعدم وجود أحد له علم بمصيرهما فقد بقيت جثتاهما في مكانهما ، تملأ ~~رائحتهما الجو ، حتى نهبت الدار بعد ذلك بمدة وجيزة وكسرهما بابها فأصبح ~~أمرهما معروفا (1). PageV01P101 # وفي هذا اليوم نفسه شوهدت بنت صغيرة عمرها اثنتا عشرة سنة وهي تحمل طفلا ~~بين ذراعيها في الطريق ، وحينما سئلت عنه أجابت بأنها لم تكن تعرف من هو ~~لقد وجدته في الطريق وعلمت أن والديه قد توفيا. وقد كان عمل الطفلة هذا ~~ضربا من العمل الخيري الشائع جدا يومذاك ، وخاصة بين الإناث ms076 من الناس ، ~~لكنه كان شيئا مميتا في كثير من الأحايين. إذ ذكرت امرأة أرمنية جاءت ~~تستعطي شيئا من السكر لطفل التقطته على هذه الشاكلة أن جارتها كانت قد ~~أنقذت طفلين بنفس الطريقة بعد أن وجدتهما متروكين في قارعة الطريق. فمات ~~الطفلان كلاهما ثم أعقبتهما هي نفسها. ومن بين جميع الحوادث المؤلمة ~~المقترنة بالحملات الخيرية التي كان يتولاها المستر غروفز أحيانا عند خروجه ~~من البيت ، كان منظر الأطفال العديدين المتروكين على هذه الشاكلة أشد ~~المناظر إيلاما. فقد كان الآباء والأمهات ، حينما يجدون أنفسهم قد أصيبوا ~~بالمرض ، يعمدون إلى أخذ أبنائهم المرشحين لليتم ويتركونهم بالقرب من أبواب ~~البيوت المجاورة «إلى رحمة الغرباء في وقت قضت فيه التعاسة الشخصية على كل ~~إحساس بشري». كما يقول المستر غروفز. ثم يتابع وصفه قائلا : «وكان الكثير ~~من الأطفال المتروكين على هذه الشاكلة لا يزيد عمرهم على عشرة أيام. وقد ~~وجدت في طريقي إلى المقيمية ثمانية أو عشرة من مثل هؤلاء ولم يتيسر أي عون ~~أو أمل انساني لهم ، إلا إذا كان بوسع الذين تركوهم أن يعودوا PageV01P102 # إليهم فيسترجعونهم من الطريق بعد أن ييأسوا من عطف الغرباء عليهم. وقد ~~خابت جهودي المخلصة كلها في إيجاد أي نوع من المساعدة المثمرة لنجدة أولئك ~~الصغار الأبرياء ، وكانت أسرتي أيضا ليست في وضع تستطيع فيه تقديم أية ~~مساعدة لهم حتى لو خاطرت بجلب العدوى إلى بيتي». # وفي الرابع والعشرين من الشهر أدى سقوط أحد جدران المقيمية بسبب المياه ~~المترشحة في داخلها إلى قيام المستر غروفز بزيارتها مرة أخرى. فلم يصادف في ~~طريقه إلى هناك ولا نسمة واحدة من الناس في الشوارع ، عدا الذين كانوا ~~يحملون الجثث والأشخاص المصابين بالطاعون الوبيل. وكانت صرر الملابس ، من ~~مخلفات الموتى ، ملقاة بالقرب من كثير من الأبواب. وقد أغلقت ساحة الجامع ~~الكبير ، إذ لم يبق فيها مكان لهم. ولذلك كان الناس يحفرون القبور في جوانب ~~الطرق ، وحتى في الطرق نفسها ، وفي كل بقعة فارغة أخرى. وبينما كان المستر ~~غروفز يتحدث إلى الخادم الوحيد الذي بقي ms077 حيا من خدم الكولونيل تايلور في ~~المقيمية تناهى إليه أن عمته ، التي كانت ثامن شخص من أقاربه يصاب بالعدوى ~~، قد قضت نحبها مثل غيرها. ومات هذا اليوم كذلك بائع مشهور من باعة قطن ~~الأكفان ، بعد أن كان يستغل حلول النكبة ويبيع القطن بأسعار مرتفعة. ولذلك ~~لم يبق في المدينة شيء من هذه السلعة. وارتفع سعر الحبال أيضا إلى أربعة ~~أضعاف سعرها الأصلي. وبدلا من أن تدفن الجثث بموجب مراسيم الدفن المعتادة ~~صارت تلقى حتى جثث الموسرين من الناس على ظهور البغال أو الحمير ثم تؤخذ ~~لتدفن في حفرة من الحفر. ومما يذكره المستر غروفز أنه صادف في طريقه نساء ~~عربيات كن يقمن بإيماءات غريبة تلفت النظر وكأنهن كن يخاطبن بها الله عز وجل ~~متعجبات من بقاء الإفرنج والكفار مثله على قيد الحياة ، بينما كان يموت ذلك ~~العدد الكبير من المسلمين. فكان تأثير ذلك عليه شيئا مرعبا ومؤلما ، خاصة ~~وقد كان في تلك اللحظة محاطا بالموتى وزمجرة الكلاب التي كانت تنهش بالجثث ~~(حتى قبل أن يسلم أصحابها الروح أحيانا إلى بارئها)، المختلطة بصراخ ~~الأطفال الملقاة في قارعة الطريق ، الأمر الذي كان يتكون منه منظر مفزع ~~فظيع لا يمكن أن ينمحي من ذاكرته. PageV01P103 # وقد ازداد عدد الوفيات في هذه الأثناء ازديادا ملحوظا. إذ تأيد في اليوم ~~السادس والعشرين من الشهر لدى المسؤولين في السراي بأن عدد الموتى بلغ خمسة ~~آلاف نسمة في يوم واحد ولا شك أن العدد قد ازداد بمقدار أربعة آلاف على ما ~~يبدو ، وكان هذا من مجموع السكان الذي لم يكن يتجاوز في ذلك الوقت الخمسين ~~أو الستين ألفا. لأن ثلث السكان على الأقل كانوا قد غادروا المدينة. ثم ~~ارتفع مستوى الماء ارتفاعا مخيفا كذلك ، فكان توقع ما يمكن أن يؤدي إليه ~~تدفقه إلى المدينة شيئا فظيعا. على أن جميع ما كان يتوقعه الناس بفظاعته قد ~~تجاوز التحقق في اليومين التاليين. ففي تلك الليلة تهدمت كتلة كبيرة من ~~السور فاندفع الماء بكل قوته إلى داخل المدينة ، وغمر محلة اليهود ms078 بسرعة ، ~~فتهدمت مئتا دار من دورهم في الحال. وقد سقط كذلك قسم من سور القلعة ، ولم ~~يكن هناك أمل كبير بإمكان بقاء أي بيت أو جدار قائما عند تسرب الماء إليه ~~بالنظر لطبيعة الملاط الذي تبنى به الجدران وقابليته للتفتت. وما حلت ~~الليلة الثانية حتى كان القسم الأسفل من المدينة بأجمعه تحت الماء ، فسقط ~~على ما يقال سبعة آلاف دار مرة واحدة ، دافنة بذلك المرضى والذين كانوا ~~يعانون سكرات الموت والأموات والأصحاء في رمس مشترك. والمقول استنادا إلى ~~مراجع موثوقة أن ما لا يقل عن خمسة عشر ألف شخص ، مريض وغير مريض ، أتى ~~عليهم الماء فأغرقهم بلججه في هذه الحادثة وحدها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ~~احتشاد السكان في الأماكن التي كان يمكن الالتجاء إليها من المدينة ، وتعذر ~~الهرب على الناس في الخارج بسبب الطوفان الحاصل ، نجد أن هذا العدد ليس مما ~~لا يمكن تصديقه على كل حال. وقد جاء القليلون الذين نجوا من هذه الكوارث ~~بمخلفات أسرهم المحطمة إلى الدور التي بقيت سالمة في الأجزاء المرتفعة من ~~المدينة وخالية بسبب الهجر أو الطاعون ، وبهذه الوسيلة زودوا الوباء الفتاك ~~الذي كان لا يزال مرابطا في المساكن التي أشغلوها بغذاء جديد. ويعلق المستر ~~غروفز على هذا الحادث بقوله «ليس هناك شيء يمكن أن يعطي فكرة مثيرة حقا عن ~~مقدار تعاسة الأفراد وبؤسهم في هذه الفترة أكثر من مرور هذه الحادثة ~~المخيفة من دون ملاحظة تذكر ، أو جهد يبذل للتفريج عن المصابين بوطأتها ، ~~بينما كانت PageV01P104 # حادثة مثل هذه إذا وقعت في أي وقت آخر لا يتردد ذكرها على كل لسان فقط ~~وإنما تبذل أيضا أشد الجهود وأعظمها لمساعدة المتضررين بها». # وقد بلغت صعوبة الحصول على المؤن أشدها في هذه المرحلة. إذ صار الأشخاص ~~المحترمون جدا يدورون على الأبواب ليستجدوا شيئا من أبسط الضروريات اللازمة ~~للعيش. وكذلك ازداد عدد الموتى المتروكين في الشوارع إلى درجة مخيفة. وتعذر ~~وجود الوسائل اللازمة لرفع جثثهم ودفنها. وقد شارك في هذا الوضع الذي وصلت ~~فيه الشدة حدها الأقصى ms079 مشاركة تامة عاهل المدينة المبتلاة وسيدها الهمام. ~~إذ أصبح السراي شبيها بمساكن القسم الأعظم من رعاياه أي كومة من الأنقاض ~~يقبع فيها هو نفسه ، وهو على أشد ما يكون من الرعب والحيرة. وقد صرح لخادم ~~من خدام المستر غروفز بأنه كان لا يعرف أين ينام فيضمن سلامة نفسه. حيث إنه ~~كان يخشى في كل ليلة أن يدفن بين أنقاض القسم المتبقي من مسكنه. ولذلك بعث ~~يطلب الزورق الباقي لدى المقيمية لعله يستطيع الهرب به من المدينة ، لكن ~~نوتيته لم يكن قد بقي منهم على قيد الحياة سوى رجل واحد ، وحتى الباشا لم ~~يستطع تأمين الرجال اللازمين لتشغيله. ويقول المستر غروفز في هذا الشأن «إن ~~الخوف منه لم يعد له أثر بين الناس ، ولم يعد لمحبته وجود». فكان حتى في ~~قصره مجردا عن السلطة ، لأن الموت كان يعمل جاهدا فيه كما كان يعمل في أي ~~مكان آخر ، وتضاءلت السلطة التي كانت مطلقة في أيام الحكم البشري حتى أصبحت ~~في حكم العدم تجاه تأثيرات القدرة الإلهية. فمن مجموع المئة گرجي الذين ~~كانوا يقفون في خدمته لم يبق على قيد الحياة سوى أربعة فقط. وجل ما كان ~~يمكن عمله هو أن يرمى الموتى من الشبابيك إلى النهر لئلا تسري عدواهم إلى ~~الأحياء وليحال دون التأثير على نفسيتهم. ثم تهدمت اصطبلات القصر كما تهدم ~~القصر نفسه ، فصارت خيول الباشا جميعها تهيم على وجهها في الشوارع حيث كان ~~بوسع كل أحد أن يقبض عليها ، فبيعت معظمها إلى الأعراب. ولذلك علق المستر ~~غروفز على وضع الباشا يقول «إذا كان الباشا على مثل هذا الحرمان من العون ~~والمساعدة فأي بؤس وشقاء كان لا بد أن يرزح تحتهما الجهمور الأعظم من الناس ~~الذين تركوا ليصارعوا الموت وحدهم». PageV01P105 # وفي أثناء هذا الصراع الرهيب مع الموت كانت المناظر المحيطة ببيت المستر ~~غروفز وأسرته على مقدار كبير من الكآبة والعسر ، مع كل ما حبتهم به العناية ~~الإلهية من تحاشي المرض الحقيقي وأخطاره. فمن الدربونة الصغيرة المقابلة ~~لهم كانوا قد شهدوا بأم ms080 رأسهم خمسة وعشرين جثة تحمل إلى الخارج ، وكانوا ~~على علم بوجود عدة أشخاص مرضى فيها. وفي إحدى الدور التي كانت تحتوي على ~~ثماني أنفس لم يبق سوى شخص واحد على قيد الحياة ، وعلى الشاكلة نفسها لم ~~يبق من الثلاثة عشر شخصا الذين كانت تضمهم دار أخرى بقربها سوى نفر واحد. ~~ولم تكن هذه حوادث فريدة في بابها بأي حال من الأحوال. فمن مجموع الثمانية ~~عشر خادما وسپاهيا الذين كان الكولونيل تايلور قد تركهم لرعاية المقيمية لم ~~يبق في نهاية الشهر غير أربعة ، وحتى هؤلاء أصيب اثنان منهم بعد ذلك ففارقا ~~الحياة. وكان في المؤسسة التابعة للمستر غروفز خمسة معلمين للغتين العربية ~~والأرمنية ، فأتى الموت على كل واحد منهم وأزالهم من الوجود. ومع كل هذا ~~السيل الجارف من الموت الذي كان يكتسح الناس زرافات ووحدانا ، لم يقلل ~~المرض من ضراوته ولم يتناقص عدد الوفيات اليومية. فقد تجمع السكان الباقون ~~في بقع أضيق فأضيق من المدينة بتأثير الغرق الذي داهم الكثير من محلاتها ، ~~فهيأ ذلك لسهام الطاعون ونباله أهدافا أوضح ومقاتل أسهل نيلا. ولا غرو فإن ~~تدفق السكان من المناطق المغمورة بالماء على البيوت الملوثة من قبل قد هيأ ~~للوباء ضحايا جديدة ، فبقيت جثث الموتى وهي تنفث سمومها في جميع باحات ~~البيوت وفسح المدينة ، وتملأ الشوارع فتربك الحالة فيها. # ولم يكن هذا القضاء المخيف على الأرواح البشرية مقتصرا على المدينة وحدها ~~، فإن قافلة كبيرة إلى دمشق كانت قد غادرت بغداد في بداية أمر الطاعون ، ~~لكنها أخذت العدوى المميتة معها وصادفت في طريقها بالإضافة إلى ذلك عدوا ~~آخر لا يقل عن الطاعون قدرة على الفتك والدمار ، وهو الفيضان. فالتجأت إلى ~~بقعة من الأرض مرتفعة ارتفاعا نسيبا وبقيت محاصرة هناك لمدة أسابيع ثلاثة ~~كان الماء خلالها يضيق الخناق عليها باستمرار ويقلل PageV01P106 # عدد أفرادها يوميا ، فكان رئيس القافلة «قافلة باشي» في عداد الموتى ~~منهم. وقد حاول الكثيرون أن يعودوا فيجربوا حظهم فيعيشوا في بيوتهم من جديد ~~لكن الزوارق كان يندر الحصول عليها ، كما كان القليل ms081 الذي يمكن الحصول عليه ~~منها يسام غاليا بحيث لا يستطيع الاستفادة منه إلا القليل منهم. # وعلى الشاكلة نفسها ، خرجت قافلة من بغداد متوجهة إلى همذان في إيران وهي ~~تتألف من ألفي شخص. فحملت الوباء معها وأدى ذلك إلى موت نصفهم في الطريق. ~~فكانت هذه القافلة تترك في كل منزل تنزل به من ستين إلى سبعين جثة ملقاة ~~على الأرض ، كما كان عدد غير يسير يموت في أثناء المسير على ظهور الخيل ~~والبغال أو يقع من فوقها حينما يمرض فيترك ليموت على قارعة الطريق ، وتسلب ~~لوازمه من قبل الذين لم تمتد إليهم يد الموت. # والأنكى حتى من كل ذلك ما كانت عليه حالة الألوف الذين تأخروا بالفرار من ~~الطاعون فأحاطت بهم المياه الفائضة وقضت عليهم. فقد اضطروا إلى التراجع إلى ~~البقع المرتفعة إلى الارض ، وظلوا يرقبون المياه وهي تطغى وترتفع من حولهم ~~حتى صعدت إلى ارتفاع نصف ياردة في كل خيمة. ولم يتيسر لهم الطعام ولا ~~الوسائل اللازمة لإشعال أي نوع من النار. ولذلك لم يكن بوسع المريض ولا ~~المعافى أن ينام أو يستلقي ، والأسوأ من هذا أنهم لم يكن لديهم من الوسائل ~~ما يستطيعون به أن يدفنوا الموتى الذين كانوا يزدادون بينهم. وقد حاول ~~البعض وهو نصف مخبول من اليأس أن يعود فيموت في بيته ، لكن المياه لم تترك ~~له أي سبيل وتعذر الحصول على الزوارق بأي ثمن. ومما كان يزيد في حراجة ~~الموقف الذي كان يقف فيه هؤلاء اللاجئون أن الذين كانوا يتوفقون في الإفلات ~~من حصار الماء كانوا على يقين بأنهم لا بد أن يقعوا في أيدي اللصوص من ~~الأعراب الذين كانوا يسلبون جميع من يصادفونه ، نساء ورجالا ، من دون تمييز. # وفي أثناء تراكم هذا المقدار الكثير من التعاسة والشقاء البشري لم يكن ~~هناك أروع من الهدوء الشبيه بهدوء الموت الذي كان يخيم على المدينة في جميع ~~أرجائها. فقد كف الملالي عن الأذان للصلاة ، وتخلى النادبون عن ندب PageV01P107 # الموتى. ووصف المستر غروفز ذلك بقوله : «إن البلية ألجمت الناس ms082 بحيث كان ~~المرض يستولي على اللب حينما كان يفكر المرء به». # وقد كانت أول لمحة من لمحات الفرج في مضاعفات الألم هذه ومعاناته تنطوي ~~في هبوط مستوى المياه الذي حصل في بداية أيار. وبعد ذلك بمدة وجيزة جيء ~~بشيء من الرز من الجانب الآخر. وكان محتكرو الحطب الذين استغلوا احتياج ~~السكان المساكين وعوزهم قد وقعوا فرائس للوباء فأصبح الحصول على ما كان ~~عندهم من وقود شيئا ممكنا. ثم تسنى للمساكين التعساء الذين لم يتذوقوا ~~طعاما مفيدا مدة طويلة من الزمن أن يطبخوا طعاما مناسبا. وبعد قليل ، أي في ~~الرابع من أيار ، ظهرت بوادر التخفيف من وطأة الطاعون نفسه. إذ كانت الأيام ~~التي سبقت ذلك جميلة وسماؤها صافية الأديم ، وبشر ارتفاع الحرارة بالحد من ~~ضراوته. وفي ذلك اليوم نفسه قل عدد الحالات المرضية الجديدة وهبط عدد ~~الوفيات أيضا ، بينما تطاولت قائمة المتماثلين إلى الشفاء. «وقد سرت ~~أنظارنا» على حد قول المستر غروفز «حينما رأينا ثلاثة أو أربعة من السقائين ~~يعودون للعمل وهو أول منظر نشاهده من هذا القبيل خلال عشرة أيام. كما شوهد ~~المزيد من الناس يمرون بالأزقة والشوارع ، وفي هذه الليلة سمعت لأول مرة ~~منذ ثلاثة أسابيع الملالي يؤذنون للصلاة». # ومنذ هذا الوقت فصاعدا كانت أخبار المدينة تتحسن بالتدريج. غير أن ما ~~يؤسف له أن المرض الذي لم يتعرض لبيت المستر غروفز حتى الآن ظهر فيه في ~~اليوم السابع من أيار ، وكما هو معروف تمام المعرفة كان على ذلك الرجل ~~الممتاز والمسيحي المتفاني أن يتحمل المصاب المؤلم بفقد زوجته وطفله. ثم ~~أصيب شخصان آخران هناك فماتا كذلك ، وقد كان أحدهما المعلم الذي سبق له أن ~~فقد على هذه الوتيرة من قبل أربعين قريبا من مجموع أربعة وأربعين. # هذا وبوسعنا ان نستمر في سرد حوادث الموت الكاسحة التي عرف بها سير ~~الطاعون في هذه الفترة ونتمادى في ذلك من دون توقف. فقد محيت مئات الأسر عن ~~آخرها ، ولم يبق من كثير من الأسر الأخرى التي كان يبلغ PageV01P108 # عددها عشرين أو ثلاثين ms083 شخصا سوى شخص واحد أو شخصين فقط على قيد الحياة. ~~وذكر أحد الأرمن للمستر غروفز أن سكان المئة والثلاثين دارا التي كانت ~~تتكون منها محلته لم يبق منهم حي سوى سبعة وعشرين شخصا فقط. كما أخبر ابن ~~الملا المتصل بالمستر غروفز أن المحلة التي يقيم فيها هو لم يبق فيها حي ~~ولا شخص واحد ، فقد ماتوا كلهم. أما السيد إبراهيم ، الخادم الوحيد الذي ~~بقي على قيد الحياة من خدام الكولونيل تايلور ، فلم يسلم من أسرته البالغ ~~عددها أربعة عشر شخصا سواه هو وحده. ومن حوادث الوفيات الفريدة في بابها ، ~~التي حصلت في جهات الباشوية الأخرى ، يمكن أن أذكر أن الحلة لم يكد يبقى ~~فيها أحد من الناس بسبب الطاعون ، بعد أن كان عدد نفوسها قبل الطاعون يناهز ~~العشرة آلاف نسمة. ويبدو مما استطعت أن أحصل عليه من الأخبار ، ومما يرتأيه ~~المستر غروفز ، أنه من المحتمل جدا أن يكون الطاعون قد أتى على ثلثي (1) ~~السكان كلهم في بغداد ، وأن عدد الذين وقعوا فريسة لهذا المرض لم يكن أقل ~~من مئة ألف نسمة إذا لم يكن أكثر. ولا شك أن عدد الوفيات قد ازداد بصدفة ~~الفيضان المؤسفة ، فقد وقع أولا في الريف فحال دون هروب الناس من الطاعون ~~وحاصر القسم الأعظم منهم ما بين الأسوار. ثم تسربت المياه إلى المدينة ~~نفسها وعند ذلك لم تغرق الألوف من الناس أو تدفن في خرائب البيوت فقط وإنما ~~احتشد من بقي على قيد الحياة PageV01P109 # منهم في مساحة ضيقة فوق البقع الجافة من الأرض ، واضطروا على اللجوء إلى ~~البيوت الملوثة بجماعات يتراوح عدد أفراد كل منها بين العشرين والثلاثين ، ~~وهم محاطون بالفساد والتفسخ ، ومحرومون من الملابس والمؤونة ، أو وسائل ~~إشعال النار. وقد كان تراكم الجثث غير المدفونة كذلك مؤديا إلى تفاقم ~~التأثيرات الناجمة عن تفشي الطاعون ، بتلويث الجو وجعله أشد إيذاء وإهلاكا ~~للنفوس (1). # وفي سنة 1772 م تسلل الطاعون من استانبول إلى بغداد وظل فيها مدة تناهز ~~الستة أشهر. ومن أجل هذا خرج الكثير من الناس ms084 إلى القرى والأرياف فرارا من شره ، PageV01P110 # ومع هذا ، فحتى في حالة عدم وجود مثل هذا الاتفاق في الأسباب # وقد أمحلت الدنيا وانقطعت الأمطار في شتاء سنة 1785 م فعم القحط بسرعة. ~~لأن انقطاع الأمطار في هذه السنة كان قد حصل في السنة التي تقدمتها أيضا. ~~ولذلك ارتفعت الأسعار ارتفاعا فاحشا بلغ فيه سعر الوزنة من الحنطة ثمانية ~~قروش ، ومن الشعير ستة قروش. فاضطر الوالي سليمان باشا الكبير إلى توزيع ~~المخزون من الأطعمة على الأهلين بأسعار واطئة. ومع هذا كله لم يكن ينفع هذا ~~التدبير. فهاج البغداديون ، وهاجموا سراي الحكومة فاضطرت إلى ردهم بالسلاح ~~وتأديب المحرضين منهم. وفي نهاية هذه السنة بالذات تفشى الطاعون فكان فتكه ~~بالناس ضغثا على إبالة. وقد دام عدة أشهر وقضى على ما لا يحصى من الأرواح. # وفي السنة الأولى من سني القرن التاسع عشر ظهر الطاعون في بغداد أيضا ~~فقضى على الكثير من معالم الحياة فيها. وقد صادف ظهوره هذا قبيل وفاة ~~الوالي سليمان باشا الكبير. فاضطر إلى الفرار والتوجه إلى بلدة الخالص حيث ~~خيم مع حشمه وحاشيته في مكان يدعى «ميدان السلق» وكان يشكو من داء المفاصل ~~الذي اشتد عليه وفي وقت ظهور الطاعون. ولم تمض سنتان على ظهوره هذا في ~~بغداد حتى داهمها من جديد في سنة 1803 م ، ودام فيها مدة تزيد على الثلاثة ~~أشهر. وقد عاث فتكا وفسادا في بغداد وما جاورها ، فاضطر الوالي علي باشا أن ~~يؤخر عودته إلى عاصمته المنكوبة من حملته التي ذهب على رأسها لتأديب العصاة ~~في سنجار. # وفي سنة 1820 م وصلت الهيضة (الكوليرا)، أو الهواء الأصفر ، من الهند ~~إلى البصرة ففتكت فتكا ذريعا فيها وقضت على ما يزيد على الخمسة عشر ألف ~~نسمة من أهاليها. ومن ثم أخذ هذا المرض يزحف إلى الشمال بالتدريج فوصل سوق ~~الشيوخ والعرجة والسماوة ، وانتشر بعد ذلك بين عشائر الشامية ، ومنها وصل ~~إلى الحلة وكربلاء ، ثم إلى بغداد نفسها. وبعد أن قضى على الكثير من الأنفس ~~فيها زحفت PageV01P111 # المؤسفة كان لا ms085 بد لوباء مثل هذا أن يحدث في أية مدينة شرقية أخرى تأثيره ~~المعروف الذي لا يمكن أن يحصل في المدن الأوربية ، في أيامنا هذه على الأقل ~~، بوجود قوة نظامية من الشرطة. فإن فائدة حجر الناس وعزل البيوت عن العدوى ~~أصبحت حقيقة لا جدال فيها. إذ من النادر أن يصاب أحد من الأوربيين في ~~استانبول أو غيرها حينما تتخذ مثل هذه الحيطة. ولو كان من الممكن إقناع ~~الأهلين هنا باتخاذ تدابير وإجراءات مماثلة لكان من الميسور لتأثيرات هذا ~~المرض المميتة ، وربما لمدة بقائه أيضا ، أن تتناقص على وجه التأكيد. # وقد تكلمت بإسهاب عن الطاعون في بغداد على الأخص ، لأن تأثيراته ازداد ~~وقعها فيها أكثر من أي مكان آخر نظرا لما شاهدته بنفسي منها. غير أنه من ~~النادر أن تجد مدينة من المدن الإيرانية لم يحصل فيها مثل ما حصل هنا ، ~~باستثناء ما حصل من الغرق وفيضان المياه. فقد فقدت كرمنشاه وهمذان وكردستان ~~كلها نسبة أكبر من سكانها ، وكذلك فعلت مازندران وأستراباد. كما هبط عدد ~~النفوس في منطقة گيلان كلها إلى خمس العدد الأصلي ويدعي الأهلون أن هذا ~~الهبوط في عدد النفوس وصل إلى حد العشر فيها وأقفرت رشت فخلت من سكانها ~~بالكلية ، وكذلك فعلت لاهيجان وفومن وتيريگورام وما أشبه. تصوروا هذا ~~الاكتساح الرهيب للحياة البشرية ، وهذا المقدار الهائل من العذاب والمعاناة ~~، أنه يعزى في الدرجة الأولى إلى الجهل وسوء الإدارة! وفكروا بنعم المدينة ~~وبركاتها فبجهاز حكومي منتظم ، وإجراءات مستمدة من الإدراك والخبرة ، يمكن ~~بعون الله وتقديره التخفيف من وطأة هذا الوباء المخيف وحدته ، إذا لم يمكن ~~تحاشيه بالكلية. # أما بالنسبة لبغداد نفسها ، فقد فر الطاعون منها في الأخير أمام حرارة PageV01P112 # الصيف المتزايدة. فبحلول اليوم السادس والعشرين من الشهر انقطع ظهور ~~الإصابات فيها. ففتح المستر غروفز بيته بعد ذلك في الحال ، وخرج القلائل من ~~السكان الباقين على قيد الحياة من البيوت ليتفرجوا على حطام مدينتهم ~~المهيضة الجناح. وقد كان المنظر يبعث في النفس قدرا كبيرا من الكآبة ~~وانقباض النفس. فلم يبق قائما ms086 من بنايات بغداد كلها سوى مجموعة صغيرة على ~~ضفاف النهر حيث كان مستوى الأرض مرتفعا ، وجامع واحد أو جامعين كانت ~~جدرانهما وأسسهما قد شيدت بمزيد من المتانة منذ البداية. وحتى البنايات ~~التي بقيت قائمة بعد كل ما حدث يندر أن توجد واحدة منها لم يحصل فيها شيء ~~من التصدع أو التخريب. وقد استمر سقوط الدور وتداعي الجدران حتى بعد هبوط ~~منسوب المياه في النهر ، بالتأثير الذي أحدثه الماء في مواد البناء ~~والانخساف الذي أخذ يحصل في الأرض. وفيما وراء هذه المجموعة من الأبنية كان ~~يمتد إلى جميع الجهات فضاء خال يصل إلى الأسوار نفسها ، ويتسم ببقايا ~~الجدران المهدمة وخرائب الدور التي يتكون منها ما يزيد على ثلثي المدينة. ~~وكانت توجد هنا وهناك بحيرات كبيرة تخلفت في البقع المنخفضة من الأرض بعد ~~انحسار المياه الفائضة. ومن بين خطوط الأسواق الطويلة ، أصاب الخراب العام ~~عددا غير يسير منها ، وقد مرت مدة طويلة قبل عودة الأسواق التي بقيت غير ~~مهدمة إلى الامتلاء ، والدكاكين إلى فتح أبوابها من جديد بمقدار يعتد به. ~~فإن معظم التجار ، وجميع الصناع وأرباب الحرف تقريبا ، قد أتى عليهم الموت ~~فأزالهم من الوجود. وإنك في هذا اليوم لو أردت أن تحصل على بعض الحاجيات ~~المصنوعة ، التي كانت تشتهر بصناعتها هذه البلاد ، يقال لك «آه» ، إن ذلك ~~لا يمكن الحصول عليه الآن لأن جميع من كانوا مختصين بصنعه قد ماتوا». ولذلك ~~فقد انمحت من هنا صنعات معروفة بأكملها ، ومر وقت غير يسير قبل أن يصبح من ~~الميسور للسكان الباقين على قيد الحياة الحصول على ضرورياتهم الاعتيادية ، ~~كالأغذية والملابس. # وبعد ذلك جاءت المجاعة الشريرة تكشر عن أنيابها فقضت على قسم من الأحياء ~~الذين بقوا في المدينة بعد الطاعون ، لكنني سوف لا أتطرق إليها بشيء. على ~~أن خراب القرى المحيطة بالمدينة ، وتأثيرات الحرب وما سببه PageV01P113 # الجشع الإنساني من حمل سكان المناطق المجاورة على الالتجاء إلى البلدة ، ~~كان من شأنه أن يكسو هيكل بغداد الخاوي بمقدار من السكان الذين كانوا ، على ~~قلة عددهم بالنسبة ms087 لما كانوا عليه من قبل ، كافين ليصبحوا أهدافا جديدة ~~لهجمتين جديدتين من هجمات الطاعون ويقدموا لهما خمسة آلاف ضحية في الأولى ~~وسبعة آلاف في الثانية (1). وكان السبب في وافدة الطاعون الأخيرة التي ~~انتهى أمرها في شهر أيار الأخير طمع حاكمها الحالي الذي بدلا من أن يمنع كل ~~اتصال ممكن مع كرمنشاه لتفشي الطاعون فيها في مثل هذا الوقت ، عرض المدينة ~~لوافدة وبائية كان يمكن أن تضاهي وافدة 1831 م بفظاعتها ، برغم تحذير ~~المقيم البريطاني وتذكيره بالعواقب الوخيمة ، لأنه كان يطمع بالإتاوة التي ~~يقبضها من الزوار الإيرانيين. وسواء أكانت طبيعة الوباء نفسها على جانب أقل ~~من الضراوة في هذه المرة ، أم كان الغذاء المتوافر لها قد تناقص مقداره ، ~~لأن التربة التي ينهكها الحاصل الزراعي يندر أن تغل في أعقابه حاصلا وفيرا ~~آخر ، فقد كانت الوفيات في هذه المرة أقل من وفيات الطاعون الأول بكثير. ~~ومن أسباب هذا الفرق المقترن بالحظ تيسر الحرية للناس في الهرب إلى الخارج ~~هذه المرة عند أول ظهور المرض. لأنهم لم يصادفوا أية معارضة لا من الإنسان ~~ولا من المياه الفائضة عند خروجهم ، فاستغلوا هذه الحرية إلى أقصى حدودها. ~~ولذلك هربت مناطق وجماعات بأسرها إلى الخارج ، مع جميع متاعها ، عند أول ~~ظهور المرض. فخرج اليهود كلهم على الأخص ، وكان من نصيب الخارجين جميعهم أن ~~شملتهم العناية الإلهية برعايتها فلم يمسسهم ضرر. أما في حادثة الطاعون ~~الأولى فإن الباشا نفسه كان قد تدخل في الأمر ومنع الناس من الحركة بأمل ~~الحيلولة دون ما حصل من انتشار الذعر والهلع بين جميع طبقات الناس عند أول ~~ظهور الوباء في المدينة ، ثم جاء الفيضان بعد ذلك فحاصرهم حصارا تاما. وقد ~~بذلت نفس المحاولة في البصرة كذلك ، حيث أغلقت أبواب المدينة فكانت عواقب ~~ذلك شيئا على PageV01P114 # أشد ما يكون من الرزء والنكبة. لأن الخوف والهلع قد أديا إلى اشتداد أمر ~~الوباء على السكان المحاصرين في الداخل ، فتجاوزت الوفيات ما حصل منها ~~ببغداد نسبيا. وكان من بين الضحايا الحاكم (1) المخطىء نفسه الذي ذاق ms088 جزاء ~~ما صنعت يداه. PageV01P115 ### ||| * (6) # عواقب الطاعون السياسية سخط الباب العالي على الباشا القبوجيون والفرامين ~~قتل صادق أفندي بأمر من الباشا تخوف الباشا تعيين علي باشا لبغداد محاصرة ~~المدينة الباشا يسلم نفسه تسليم المدينة بطريقة الخيانة ارسال داود إلى ~~استانبول الإجراءات التي اتخذها علي باشا قتل المماليك الكرج طبيعة حكومة ~~علي باشا. # لم تكن عواقب الوباء السياسية أقل أهمية من تأثيراته المهلكة على السكان ~~، ومن الممكن أن يقال إنها كانت شيئا قاضيا على پاشوية بغداد. فقد ذكرت قبل ~~هذا أن داود باشا قد أصيب بكراهية الباب العالي له. لأن روحية الاستقلال ~~الخطرة والتشامخ اللذين كان يبديهما قد أيقظا في السلطان الخشية والحسد منذ ~~أمد طويل ، فحملاه على أن يعتزم القضاء على داود عند سنوح أول فرصة مناسبة ~~لذلك. لكن الذنب المباشر الذي أثار السخط عليه في هذا الوقت بالذات لم يكن ~~سوى قتل الموظف الملكي الذي كان قد أوفد من الباب العالي بمهمة رسمية إلى ~~الباشا. ولا ينكر أن الغرض من هذه المهمة كان تدميره هو وربما موته ، لكن ~~العمل الذي اقترفه كان شيئا لا يقل عن القتل والخيانة إزاء سيده السلطان. ~~لأن الأصول الرسمية في تركيا كانت تقضي أن يقابل الرسول ، الذي يبعث به ~~جلالته لتقديم الخلعة أو تدبير القتل ، بنفس الاحترام والتقدير وكان من ~~واجبات الوظيفة كذلك أن يحني الموظف رأسه بنفس المقدار من التقبل في كلتا ~~الحالتين. # على أن هذا الإتقان للخضوع لا يمكن أن يتم ما لم يكن للرئيس الأعلى القدم ~~المعلى في السلطة ، ولا بد أن ينقطع حينما تكون سلطته قد تضاءلت وقل شأنها. ~~وهذا ما حدث بالذات للسلاطين في هذه الأيام التي اختلت فيها PageV01P117 # الأمور ، فقد أصبح من أسلوب الباشوات أن تهمل حتى أبسط أوامر السلطان ~~وأسهلها تقبلا وأن تعامل بمقت وازدراء على الرغم من مظاهر الاحترام التي ~~تقابل بها. ومع هذا فقد كانت العادة أن يحافظ الجميع على المظاهر ، لأنه ~~كان لا يزال هناك في أنحاء الامبراطورية كلها شعور مستديم بتوقير اسم ~~السلطان وسلطته ms089 ، حينما يذكر على الملأ ، بحيث يندر أن يجرؤ أي رئيس أو ~~باشا مهما كان قويا على انتهاك حرمته. وعلى هذا فحينما كان يعلم أن قبوچيا ~~(1) أو رسولا قد توجه لأداء إحدى المهمات تتخذ الإجراءات لاستقباله تبعا ~~لطبيعة مهمته التي يخبر الباشا بالغرض منها قبل أن يصل الوفد بمدة طويلة ، ~~من قبل صديق أجير موجود في الباب العالي عادة. وحينما تكون المهمة في صالحه ~~يكون استقبال الرسول وديا مفعما بالتكريم ، أما إذا كان الأمر على العكس من ~~ذلك فتتخذ التدابير عادة لتأخير وصوله حتى تسنح الفرصة المناسبة لتنحيته عن ~~مهمته فيدبر أمر وقوع حادث عرضي له في الغالب ، ولا يعد هذا شيئا صعبا في ~~بلاد تكثر فيها العصابات والعشائر السلابة. # وإذ يكون القبوچيون أنفسهم على علم تام بالخطر الذي يتعرضون له من جراء ~~مهماتهم ، يعمدون إلى اتخاذ الاستعدادات الخاصة بهم فينشأ عن ذلك كله عرض ~~منتظم للمناورات التي تصدر من الطرفين. فيحاول الباشا تحاشي النزال ~~والتصادم ، بينما يبذل القبوچي كل جهد للوصول إلى مجلس الباشا. لأنه ما إن ~~يكون هناك حتى يكون الاحترام لفرمان السلطان ، الذي لا يزال التمسك به قويا ~~كما ذكرت من قبل ، ويستطيع تقديم أوراق اعتماده إلى الباشا حتى إذا كان ~~محاطا بحرسه ، فإن الحرس أنفسهم سيساعدونه على تنفيذ ما جاء من أجله. لكن ~~هذه المحاولة تكون محفوفة بالخطر لأن الفشل فيها يؤدي في الغالب إلى هلاك ~~القپوچي الذي يعد بناء على هذا نوعين من الفرامين عادة. فإذا وجد الباشا ~~قويا بحيث يصعب تحديه ، وخطره عظيما بمقتضى ذلك ، PageV01P118 # يصدر أمرا بالتنصيب والخلعة على سبيل الحيلة حتى تسنح فرصة ملائمة لتنفيذ ~~إرادة سيده الأصلية. # وكان داود باشا قد تمتع بالوزارة مدة سبع عشرة سنة (1)، واستخدم وقته ~~ذلك كله بكد واجتهاد في توطيد سطوته وترسيخ أقدامه. فكان عنده جيش كامل ~~قوامه ثلاثون ألف خيال وراجل ، وكان خمسة أو ستة آلاف منهم على درجة غير ~~يسيرة من الضبط والانتظام ومجهزين بمدفعية فعالة. كما كانت وارداته من ~~الباشوية كثيرة جدا على ما ms090 يعرف ، ومع ذلك فإنه خلال هذا الوقت كله لم يقدم ~~إلا القليل منها إلى خزينة السلطان. ولذلك كانت حكومة استانبول بطبيعة ~~الحال تعتبر ان داود باشا كان يتبع خطوات محمد علي باشا في مصر ، ويستهدف ~~جعل نفسه مستقلا عنها. فقررت خلعه ، وأوفدت رسولا يسمى دانش (2) أفندي ~~ليحاول تنفيذ هذا القرار ، بينما نجحت دسائس علي الذي كان يشغل باشوية حلب ~~يومذاك في أن يحصل لنفسه على الترشيح للشاغر المؤمل حصوله ببغداد. # ومهما كانت الشكوك التي كانت تساور داود باشا ، وضروب التحوط السرية التي ~~اتخذها ، يبدو أنه لم يكن مستعدا تمام الاستعداد للضربة المنتظرة حينما حان ~~أوانها. فقد نجح دانش أفندي في الوصول إلى بغداد ، وكانت الترتيبات التي ~~أعدها للباشا ترتيبات استطاعت تضليله بالنسبة لطبيعة ما كان عنده من ~~تعليمات وأوامر. غير أن القبوجي ، لما كان شاعرا بالخطر الذي كان يكتنف ~~موقفه في بغداد ، ونظرا أنه كان عديم الثقة بأحد كما هو شأن الغدارين ~~جميعهم ، رفض أن تكون إقامته في السراي لاعتقاده بأنه سيصبح تحت رحمة ~~الباشا فيه. ولذلك جعلت إقامته في دار موظف من الموظفين الذين كانوا ~~يتمتعون بثقة الباشا التامة يسمى محمد أفندي ، ويعرف أو يشتهر بلقب «مصرف». PageV01P119 # ثم أخذ في الوقت نفسه يفتش من حوله عن آلات مسخرة يستعين بها على تنفيذ ~~مهمته الخطرة ، فوقع اختياره على موظف آخر من الموظفين الذين يضع فيهم ~~الباشا جل اعتماده وهو المير آخور (1) أو «رئيس الخلية» فكان هذا رجلا ~~يتحلى بمواهب غير قليلة. فأفضى إليه بأمر السلطان ، وعرض عليه في الوقت ~~نفسه أن ينصبه هو في الباشوية بشرط أن يكون ملزما بمساعدته في قتل سيده ~~الباشا ، لكن المير آخور ، على كونه من أصحاب المواهب والقابليات ، لم تحمل ~~أعصابه تلك المهمة الخطرة التي كلف بها بهذه الطريقة. على أننا دعنا نأمل ~~كذلك أن تكون للتقدير الخالص لسيد لطيف متسامح حصة في تعيين الموقف الذي ~~اتخذه. فأخبر السيد «المصرف» بالأمر ، وذهبا معا إلى الباشا فأخبراه ~~بالطبيعة الأصلية للمهمة التي جاء بها القبوچي (2). # أما الباشا ms091 الذي كانت شجاعته الأدبية على ما يبدو لا تساوي قابلياته ~~الأخرى ، فقد ارتبك للخبر وتبين أنه غير قادر على اتخاذ قرار ما حول السبيل ~~الذي كان يترتب عليه أن يسلكه. لكن الأمر كان أخطر من أن يقابل بالتلكؤ ~~والتباطؤ. وما كان من مشاوريه المذكورين إلا أن يقولا له «لا بد أن نقضي ~~على القبوجي ، وإلا فسيقضي هو عليك وعلينا. وإذا كنت تشك في مهمته فإنك ~~مقضي عليك لا محالة. إن هذا هو وقتك فاغتنم الفرصة فيه» .. وإذا PageV01P120 # كان الباشا مرتبكا ومتحيرا بالكلية ، وغير قادر على إيجاد طريق يسلكه ، ~~فقد حمل على أن يصادق على الإجراء الذي اقترحه عليه محمد مصرف والمير آخور ~~بدلا من أن يأمر به من عنده. فترك هذان الرجلان حضرته وتوجها لتوهما إلى ~~حيث كان يقيم القبوجي بعد أن اصطحبا معهما «چاووشا» ضخم الجثة. أما الرجل ، ~~الذي كان قد أوى إلى مضجعه لينام ، فقد تخوف بطبيعة الحال من الطريقة ~~الخالية من المجاملة التي أوقظ بها من نومه ، وبصوت يعبر تعبيرا كافيا عما ~~كان يساوره من خوف وفزع سألهما عما يريدانه. ثم أضاف قائلا إنه يرجو أن لا ~~تكون زيارتهما له في مثل ذلك الوقت منطوية على شيء من الأذى. فرد عليه ~~السيد المصرف بقوله «إن هذا ما ستعرفه في الحال ، وإن الله جة التي وجدت من ~~المناسب أن تقابلني بها يوم أمس (1)، سوف ترد عليك هذه الليلة». وإذ كان ~~البائس المسكين قد استولى عليه الخوف تمام الاستيلاء ، فقد التجأ على ما ~~يقال إلى أخس أنواع التضرع والتوسل ، لكن السيد المصرف دعا إلى الدخول ~~«الچاووش» الضخم (2) الذي كان يحل الشال من محزمه بهدوء فألقى بلفة من شاله ~~هذا حول عنق القبوچي وقضى بسرعة على حياته وتوسلاته معا (3). # ومما يدل على أن الذين اقترفوا جريمة القتل النكراء هذه كانوا أبعد ما PageV01P121 # يكون عن الارتياح من النتائج التي ستترتب عليها أنهم ، لأجل أن يزيلوا ~~الشك ويسكنوا ضجة الناس التي أثيرت بهذه المناسبة ، أطافوا بشخص أريد به أن ~~يمثل القبوجي مرة ms092 أو مرتين في الشوارع بعد أن ألبس ملابسه الخاصة. لكن ~~إشاعات اغتياله تمادى الناس في تصديقها حتى وصلت إلى مسامع المقيم ~~الكولونيل تايلور ، الذي ألقى تبعة الجريمة على عاتق الباشا نفسه وصور له ~~عواقبها المحتملة بألوان بارزة. على أن الباشا حاول أن يوري ويورب بادىء ذي ~~بدء ، لكن زمجرة العاصفة من بعيد التي كانت تتجمع غيومها في استانبول سرعان ~~ما أدت ليس إلى اعتراف سموه فقط بل إلى طلب المشورة والمساعدة بصورة جدية ~~أيضا. ولاعتبارت سياسية ، وقناعة بأن الباشا كان مجبرا على اقتراف جريمة ~~يشيع اقترافها في البلاطات الشرقية أو فوجىء باقترافها من قبل فاعليها ~~الأصليين ، اقتنع المقيم (1) بأن يعرض الأمر على المسؤولين في استانبول ~~بصورة يدافع فيها عنه. وهناك قليل من الشك بأن القضية كانت ، مع شيء من ~~التنازل من جانب الباشا ، ستنتهي في صالحه هو وعند ذاك كان المقيم سيحصل ~~على نفوذ ممتاز لدى الباشا ومفيد جدا للباشوية نفسها لو لا أن تحل بالبلاد ~~النكبة التي أتيت على وصفها من قبل فتؤدي إلى حصول تبدل سياسي وطبيعي في ~~شكل الأشياء العامة كلها ، وحدوث ثورة كلية في مصائر الباشوية وتبديل ~~حكامها. # فقد أفنى الطاعون قوة داود باشا العسكرية بالكلية. ولأجل ان يكون بوسعنا ~~تكوين فكرة عن التدمير التام الذي أصاب جيشه العتيد يجدر بنا أن نذكر أن ~~قطعة عسكرية عدتها ألف رجل ومدربة تدريبا عسكريا على النسق البريطاني ، لأن ~~الكولونيل تايلور نفسه كان يقودها في يوم من الأيام ، لم يبق منها على قيد ~~الحياة سوى رجل واحد. وقد ترك الباشا بالفعل لوحده في دار PageV01P122 # كان قد اضطر للالتجاء إليها حينما تهدم قصره ، ومن هناك ، كما سيتبين ~~فيما بعد ، تسلمه رجل يدعى صالح بك كان يمت بصلة الدم إلى بعض الباشوات ~~السابقين ، وتخامره فكرة الحصول على الباشوية لنفسه يومذاك. # وما إن خفت وطأة الطاعون وأدبر شره حتى تقدم أنصار علي (1) باشا نحو ~~بغداد لانتزاع باشويتها له. وكان علي باشا حلب ، قد نصبه الباب العالي لها ~~وأمن على مساعدة باشا الموصل ms093 قاسم أغا له كما يعتقد. وكان الأنصار يتألفون ~~من الشيخ صفوك شيخ شمر الجربا ، وسليمان غنام (2) الرجل المغامر المتصف ~~ببعض القابليات ، الذي استطاع أن يجمع لفيفا من الغوغاء ويجعلهم من أتباعه. ~~غير أن سكان المدينة ، على ما يظهر ، لم يكونوا ميالين للترحيب به فرابط ~~الحلفاء حول المدينة التي حاولوا كسبها بالقتال من جهة والمفاوضة من جهة ~~أخرى ، وبالخيانة كما تبين فيما بعد من جهة ثالثة. وقد تبين كذلك أن البعض ~~من هؤلاء المتحالفين على الأقل كان يلعب أدوارا مزدوجة ، يدس فيها مع داود ~~وربما مع صالح بك أيضا بينما يتظاهر بكونه يتفانى من أجل علي. وبهذه ~~الاتجاهات المتضاربة دخل الأشخاص الثلاثة ، الذين ذكرت أسماؤهم ، إلى ~~المدينة التي ادعى قاسم باشا فيها أنه كهية علي باشا. غير أن السكان وقفوا ~~في وجههم وأجبر الشيخ صفوك وسليمان غنام على أن يلوذا بالفرار ، وكان فرار ~~الشيخ صفوك من دار تقع على النهر الذي عبره سباحة إلى الجانب الآخر. ثم قبض ~~على الآخرين ، وحينما تخلى عن قاسم باشم حرسه الخاص اقتاده أحمد أغا ~~التفنگچي باشي العائد لداود إلى بئر قريبة وألقاه فيها (3). PageV01P123 # على أن هذه الإجراءات المتصفة بالعنف كان من شأنها أن تعزز صداقة صفوك ~~وسليمان غنام لعلي. فحاصروا المدينة لمدة ثلاثة أشهر ، وصار مدفع الباشا ~~الجديد الذي وصل إلى معسكره في هذه الأثناء يقصف المدينة من جميع الجهات. ~~وأخيرا ، نفد صبر الأهلين وبادر شخص من التجار كان يدعى الحاج خليل إلى ~~الاتصال بعلي الذي سمح لقواته في إحدى الليالي بالدخول إلى المدينة عن طريق ~~الباب الجنوبية. # وفي أثناء هذه الإجراءات كلها كان داود المنكود الحظ ، وهو يعاني ما ~~يعاني من تأثيرات الطاعون الذي أصيب به فنجا منه بأعجوبة ، بعد أن تخلى عنه ~~جميع من بقي من أهله ورجاله وحتى نسائه عدا اثنتين منهن تمسكتا به إلى ~~النهاية يقبع مختفيا في دار رجل بغدادي يعرف بلقب قره بيبر (1) وكان قد فر ~~ملتجئا إليها بعد أن تهدم قصره كما تمت الإشارة إليه من قبل. وقد ms094 كان قبل # وفي صباح اليوم الثالث عشر من حزيران ذهب قاسم إلى ديوانه وطلب إحضار ~~داود ، فعاد من بعثوا لإحضاره خائبين. ثم سمعت جلبة وضوضاء في الخارج ، ~~فكان ذلك أن قوة من المماليك والأهالي والعقيل قد أحاطت بالبناية وأصبح ~~الحاكم الجديد أسيرا في حوزتها. وعند ما حاول أتباعه في الداخل ومريدوه في ~~الخارج الدفاع والهجوم على المتجمهرين توسعت أعمال الفوضى وكثر إطلاق النار ~~فسحبت المدافع من القلعة وسطا المتجمهرون على القنابل والذخيرة .. وبعد ظهر ~~اليوم استسلم قاسم .. أما سليمان غنام الذي بقي مسيطرا على جناح من السراي ~~حتى مغيب الشمس فقد سرق عند حلول الظلام جميع ما تمكن من حمله ، ثم أضرم ~~النار في القاعة الكبرى وفر هاربا والسيف بيده مارا بالأزقة والشوارع ~~الخالية». PageV01P124 # ذلك الوقت يعيش في الدرجة الأولى على خدمات رجل يدعى سيد هندي ، كان في ~~يوم من الأيام من أصحاب الزوارق (بلام) لكنه أصبح في الأيام الأخيرة من ~~اللائذين المفيدين بالمقيمية البريطانية. إذ كان هذا الرجل يجلب يوما إلى ~~سمو الباشا وجبة واحدة من الرز ويأخذ لقاءها قطعة من النقود عادة. وهكذا ~~كان سيد الثلاثين ألف جندي السابق يعتاش في أيام محنته وإهماله على يد رجل ~~فقير من أصحاب الزوارق ، وأصبح الآن مدينا بحياته والقيام بأوده خلال ~~العذاب والمرض لشخص متواضع من أصحاب الدكاكين. # على أن مكان اختفاء داود قد أصبح معروفا لدى صالح (1) بك ، الذي شاع في ~~بغداد أنه كان يطمح بكرسي الوزارة نفسه ، فبعث أناسا يأتون بالباشا المعزول ~~إلى حضرته ، غير أن صاحب البيت والنساء اقترحوا على الباشا ، وهم يتخوفون ~~من عواقب تسليمه ، أن يفر هاربا من باب في الدار تطل على شارع آخر وعرضوا ~~عليه مساعدتهم في هذا الشأن كذلك. لكن الحياة وقد طالت مرارتها عليه بتأثير ~~المعاناة الشخصية والشعور بالخسارة الجسيمة وضرورة التخفي المستمر ، قد ~~أصبحت في نظر داود المنحوس الطالع عديمة القيمة بحيث لا تستحق أي مقدار آخر ~~من النضال والمقاومة. فرد المقترح بقوله : «كلا ، إن المقاومة أو الهرب قد ~~فات أوانهما ms095 ، وسأذهب إلى أي مكان أدعى إليه وإلى أي مصير يكون». فأركب على ~~حصان لأنه لم يكن يقوى على السير ، وأخذ إلى دار (2) صالح بك التي يشغلها ~~الآن المقيم البريطاني وأقيم فيها أنا PageV01P125 # ضيفا عليه في الوقت الحاضر. وهناك استقبل باحترام وتقدير لكن مضيفه ، أو ~~بالأحرى آسره ، سرعان ما أطلعه على محاولته التي يقصد بها أخذ الباشوية ~~إليه هو نفسه وطلب منه أن يساعده في ذلك. وبهذا يستطيع القارىء أن يحصل على ~~فكرة حسنة عن عقلية داود وملكته في الإقناع ، حيث إن المؤتمر الذي بدأ بشكل ~~يهدد مصلحة الباشا السابق ويعمل ضدها قد انتهى بترتيب يوافق فيه صالح بك ~~على إعادة داود إلى الوزارة وقيامه هو بإشغال منصب الكهية في معيته. # لكن هذه الترتيبات كلها قضت عليها خيانة الحاج خليل. فقد أصبح علي الآن ~~سيد المدينة. إذ احتلها جنده لكنه لم يجد من يعتمد عليه فيها. ولذلك بعث ~~بإحضار داود باشا إليه في الحال ، واستقبله بكل ما يمكن من المجاملة قائلا ~~له بأن يأمن على حياته ، لكنه طلب إليه أن يشد الرحال إلى استانبول التي ~~ستكون حياته مضمونة فيها كذلك. ثم أخبر الباشا الهابط من عليائه بأنه حر في ~~أن يأخذ ما يريد من ثروته وممتلكاته ، ويقابل من يشاء ممن بقي على قيد ~~الحياة من أسرته. ومما لا شك فيه إن هذا الرفق تجاه خصمه الأخير كان متفقا ~~مع الأوامر التي تلقاها علي باشا في استانبول ، لكننا علينا أن لا ننكر ما ~~له من الفضل في هذا الشأن. فقد كان بوسعه ان ينفذ هذه الأوامر بشيء أقل من ~~المجاملة وكان بوسعه كذلك ، حتى من دون أن يورط نفسه بشيء ، أن يجعل تلك ~~الأوامر غير نافذة المفعول ، إلا فيما يختص بحياة داود نفسها. لكنه أبدى PageV01P126 # كل ما كان عنده من رفق فحمل داود معه بلا شك مقدارا غير يسير من ثروته ~~التي كان من الممكن لعلي أن يستولي عليها لنفسه باتباع طريقة أخرى. على ~~أنها كانت شيئا قليلا من الناحية النسيبة ، وربما ms096 كانت تضحية سياسية منه. ~~فإن اللعبة التي كان عليه أن يلعبها يومذاك كانت تنطوي بالتأكيد على ~~المصالحة والتساهل لأن المصادرات التي أجراها من بعد ذلك كانت تكفي لتعويضه ~~عما فاته في هذا الشأن. # ولما تربع على دست الحكم بهذه الطريقة اتخذ علي لنفسه أسلوب المصالحة ~~والتوفيق كما قلت ، لكن غرضه الأول كان ينطوي على تنحية جميع المعروفين من ~~أنصار الباشا الأخير عن الميدان. فالتجأ في تنفيذ ذلك من دون تورع إلى ~~الطريقة الشرقية الاعتيادية ، وهي طريقة الغدر (1) والاغتيال الناجحة ~~باستمرار على ما فيها من اختلاف وتفاوت في الشكل والتطبيق ، وبرغم كل ~~الخبرة التي تنطوي عليها والحسد الذي تثيره الاستعانة بها. وكان عدد من ~~الگرج ، الذين ظلوا على قيد الحياة وعملوا في قوة الحرس ، أو كانوا ضباطا ~~وموظفين في معية داود باشا ، قد توقعوا هبوب العاصفة التي استهدفت رفاقهم ~~بعد ذلك ففروا هاربين من المدينة. لكن عددا يناهز الثمانية عشر أو العشرين ~~منهم ظل مقيما في مكانه ، ومن جملتهم صالح بك الطامع الأخير بالباشوية. ~~فدعي هؤلاء في يوم من الأيام معا بحجة الاستماع لقراءة الفرمان الصادر ~~بإعفائهم الذي وصل مؤخرا من استانبول على ما قيل. وقد حضر كلهم تقريبا إلى ~~ديوان الباشا ، ما عدا صالح بك نفسه الذي كان إما مريضا أو مرتابا من ~~الدعوة فابتعد عن الحضور. فقوبلوا بأقصى ما يمكن من المجاملة ، وتناولوا PageV01P127 # القهوة والچبوق ، وبينما كان الفرمان على وشك أن يقرأ دعي الباشا لتناول ~~الفطور في الخارج ، فكان ذلك بمثابة إشارة للبدء بالمجزرة. إذ قام رجل يدعى ~~علي أغا ودعا لفيفا من الأرناؤوط الذين كانوا قد أعدوا لهذا العمل. على ان ~~هؤلاء ظلوا ساكنين مترددين ، لأنهم كانوا حسب ما يظهر غير راغبين في هذا ~~العمل أو أن طبيعة هذه الخدمة قد أفزعتهم. فصرخ بهم علي أغا يقول : «ما ~~بالكم؟» ، «لماذا تترددون؟ اضربوا فإما أن تقتلوهم أو تقتلون أنتم» ، ثم ~~انتضى سيفه هو نفسه فضرب الگرجي الذي كان يجلس بجانبه. وحينما كان المساكين ~~يهمون بالوقوف ويسلون سيوفهم ، بعد أن ms097 أدركوا في وقت متأخر طبيعة الدعوة ~~والأمر ، ألقى علي أغا بنفسه على الرجل الذي كان قد جرحه قبل أن يتمكن من ~~سل سلاحه ، وبادر الأرناؤوط في اللحظة نفسها إلى اطلاق النار من مسدساتهم ~~وانقضوا على الذين لم تصبهم الطلقات. وقد كان النزال قصير الأمد ، فقتل ~~الگرج كلهم ، ومنهم من قتل في مكانه ومنهم من قتل في أثناء هروبه بعد أن ~~أبدوا مقاومة عنيفة. وهكذا تخلص علي باشا من آخر غلمان داود. # ويكاد يبدو من الغريب الذي لا يصدق تقريبا أن رجالا في مثل منزلتهم لا ~~يستطيعون أن يتكهنوا بوقوع محاولة مثل هذه ، فيبادروا إلى الفرار والنجاة ~~بأنفسهم كلهم. لكننا يجب أن نتذكر أولا أن الهرب إلى بلاد بعيدة معادية له ~~أخطاره ومحاذيره ، ويبدو من الوجهة الثانية ان تدابير غير اعتيادية كثيرة ~~قد اتخذت لتضليل الضحايا في هذا الشأن. ومن الممكن ان يذكر هنا ، على سبيل ~~الحكم على مقدار الغدر والخيانة المنطويين في هذا العمل ، إن أول شخص ضرب ~~في مشهد الدم هذا هو رجل (1) كان قد هرب من خدمة داود والتحق بعلي باشا في ~~حلب ثم رافقه من هناك بصفة كونه كهية للباشا الجديد ، وقد حضر إلى ديوان ~~الباشا بهذه الصفة هذه هي أمانة العثمانيين ، وجزاء الخدمة في تركيا! PageV01P128 # ولم يستقم هرب صالح بك مدة طويلة من الزمن. فإنه بطريقة مماثلة قد جرى ~~تضليله بسيل من الألطاف والإنعامات ، فكان يمشي في حلم من الأمانة الوهمية ~~الخداعة حتى حدث ذات يوم ، بينما كان يمر في طريقه من مكتب الكهية إلى غرفة ~~الباشا الذي دعي للمثول بين يديه ، أن قبض عليه فجأة في الممر الضيق وسحب ~~جانبا فأزهقت روحه خنقا (1). # ومن الغضاضة أن أعمد هنا إلى أن آتي بالتفصيل على وصف السلسلة المتلاحقة ~~من أعمال الغدر والجريمة والجشع التي أعقبت هذه الحوادث ، ولا أريد أن ~~أطالب بشرف تدوين تاريخ علي باشا. لكنني أود أن أقول إنه ما كادت تنقضي ~~الفترة التي كانت تسمح بمرورها الفطنة ويحتمها الحذر حتى صودرت (2) جميع ~~ممتلكات الذين ms098 كان لهم أدنى اتصال بالباشا السابق ، # ويقول أحد الذين حضروا هذا المشهد المرعب إنه كان مارا باتجاه الميدان ~~فشاهد جمعا من الجنود المدججين بالسلاح يدخلون دار الحاج أبي بكر أغا ، ~~فلما اقترب من الباب أبصر الحاج صالح بك يخرج راكبا وبحالة اضطرب ظاهر ، ~~ولما وصل إلى خارج الباب احتشد حوله قسم من أولئك الجنود وأنزلوه قسرا ~~ووقعوا به ضربا وطعنا. وقد سمعه يتلفظ بكلمة آمنت بالله وملائكته إلى آخرها ~~ويرددها باضطراب ثم أعقبها بالشهادتين وخر صريعا ، فتقدموا منه وحزوا رأسه ~~وأخذوه وتركوا جثته في أحد الأزقة مكشوفة ومطروحة على الأرض ولا شيء يستر ~~عورته». ومما يجدر ذكره أن سليمان فائق بك صاحب هذه الرواية عاصر هذا ~~الحادث وكان فتى يافعا حينما وقع ، وكان ينتمي لأوساط الطبقة الحاكمة ~~يومذاك. PageV01P129 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image008.gif) # واستمر وضع اليد عليها حتى يومنا هذا. وليست هذه سوى حوادث اعتيادية لا ~~بد أن تحدث عند تبدل الحكام ، ولا تلفت النظر إليها كثيرا إلا من جانب ~~الفرقاء الذين يهمهم الأمر. كما لم يكن هذا أسوأ ما حدث. فقد فرضت رسوم ~~باهظة على التجارة ، وترك الفلاحون ليكونوا تحت رحمة التعسف الذي كان ~~يمارسه خدام (1) الباشا ، ووصلت التأثيرات السيئة لسوء إدارته العامة إلى درجة PageV01P130 # أصبحت فيها البلاد يبابا قفرا ، تغشاه القبائل العربية في كل مكان ، ~~وتعبث فيه إلى حد أبواب المدينة نفسها. أما ماليته ووارداته فقد هبطت إلى ~~حد العدم نسبيا من حيث اعتمادها على الزراعة ، بينما كان الرعب والمقت ~~لشخصه وحكومته يتخللان طبقات الناس كلها باستثناء المخلوقات التي كانت تحيط به. PageV01P131 ### ||| * (7) # مظهر المدينة من داخل الأسوار وخارجها سياسة علي باشا شمر جربا محاصرتهم ~~بغداد دعوة قبائل عنزة صرفهم دون أصول رفضهم الانصراف محاصرتهم للمدينة ~~اشتباك جند الباشا وحلفائه من العرب مع عنزة اندحار جند الباشا وذبح شيخ ~~الجربا التجاء سكان المناطق المجاورة إلى بغداد الحمير البيض (المطايا) ~~والعبيد السود مخادع النساء وعاداتهن المجوهرات أشغالهن زياراتهن أصواتهن ~~سلوكهن العام. # ليس بوسعك أن تحسبي ، بالنسبة للظروف التي أتيت على وصفها في رسالتي ~~السابقة ، أن ms099 تكون بغداد متشحة بحلل الازدهار القشيبة حينما دخلت إليها. ~~فقد فضحت أول ركبة ركبتها للتجوال فيها الحالة التعسة التي كانت عليها ، ~~وكشفت للأنظار الآثار العميقة التي خلفها ذلك الفيض من الكوارث الذي غمرها ~~في السنين الأخيرة. ففي ما وراء المجموعة الصغيرة من الأبنية ، التي بقيت ~~قائمة بعد الفيضان والطاعون مباشرة ، تمتد بقايا الخراب المتسع ، وتقوم ~~فجأة من وسط الأنقاض هنا وهناك بعض الدور الجديدة كما تقوم الأشباح من بين ~~السكان المقبورين. ومن الغريب أن فسحا كبيرة من الأرض قد انخسفت بتأثير ~~الماء المتراكم وضغطه فكونت تجاويف وأوجار عميقة ما بين البساتين التي تملأ ~~مساحة غير يسيرة من القسم الجنوبي من المدينة. ولذلك فإني أقدر أن ما يقرب ~~من ثلثي المساحة التي يتكون منها الجانب الشرقي من النهر قد جرد هذا ~~التجريد من الأبنية القابلة للسكن. وقد أخذت حتى الأبنية التي ظلت قائمة ~~تظهر عليها الآن التأثيرات التي أثر فيها الماء على أساساتها بوجود الكثير ~~من الشقوق الخطرة. بينما تكون الجبهة المواجهة للنهر ، على منظرها الحسن ~~المؤثر في النفوس الذي تبدو فيه من بعيد ، في حالة شديدة من التضعضع ~~والتصدع في الحقيقة. فقد استولى الخراب بالكلية PageV01P133 # على قصر داود باشا الذي كان يشغل موقعا فسيحا يمتد إلى ضفة النهر. وقد ~~بدأ الباشا الذي يسكن الآن في دار كان يشغلها ابن من أبناء الباشوات ~~المتأخرين ، في الأيام الأخيرة ، بإعادة تشييد السور العائد لقصر داود ~~ليجعل منه على ما علمت ثكنة (1) لجنوده. # وليس المنظر في الجانب الآخر من النهر مما يبعث على شيء أكثر من هذا بهجة ~~وانتعاشا. فإن الجزء الذي يشغله الآن الأعراب في الدرجة الأولى ، بعد أن ~~كان يحتوي في السابق على دور الكثيرين من الأتراك الموسرين ، لا يزال أكثر ~~تهدما وخرابا من الجانب الشرقي. إذ لا يمر الراكب هناك إلا من بين جدران ~~متهدمة أو مائلة للانهدام ، وأنقاض كان في يوم من الأيام كتلة كثيفة من ~~المساكن. أما سور المدينة في كلا الجانبين فهو متهدم كذلك ومتداع ، ولا ~~تزال تظهر ms100 فيه الثغرات الكبيرة التي دخل منها ماء الفيضان إلى البلدة على ~~نفس الحالة التي تركها فيها الماء المتدفق يومذاك. # ويعد المنظر خارج الأسوار في حالة فريدة من الوحشة والاكتئاب فهو يعد في ~~الحقيقة نموذجا لما تكون عليه الحالة الحاضرة في أنحاء الباشوية كلها. ~~ففيما عدا ضفاف النهر التي تنتشر فيها بساتين النخيل (2) إلى امتداد أميال ~~ثلاثة من كل جهة ، يمتد سهل أجرد من جميع الجهات حتى يصل إلى أبواب السور ~~نفسها من دون أن يحده شيء سوى الأفق البعيد. ولا ينكر أن هذه البادية تنبعث ~~فيها الحياة في الوقت الحاضر بوجود خيام الأعراب ومنازلهم ، وقطعان الأغنام ~~والماشية ، وجماعات الإبل ، وحركة الذهاب والإياب لكثير من الخيالة ~~والراجلين. ولكن حتى مظهر الحياة الوقتي هذا والضجيج الحاصل بنتيجة ذلك ~~يعزى إلى الضغط الخاص الذي تفرضه الظروف الخارجية على المدينة. PageV01P134 # فقد كنت ذكرت عند وصولي إلى المدينة لأول مرة أني علمت بأن قبيلة من ~~القبائل العربية المعادية كانت تخيم بالقرب منها. على أنني لم أكن أعرف ~~يومذاك كم كنا قريبين من مشاهدة موقعة تحتدم بين الأعراب أنفسهم. فإن فتح ~~سياسة علي باشا ، المبنية مثل سياسة أسلافه والكثيرين من الحكام في الشرق ~~والغرب على قاعدة «فرق تسد» الخطرة على الدوام ، قد انهارت في هذه الحالة ~~وتركته في وضع حرج جدا. فقد كان يفعل كما أسلافه ، الذين كان البعض منهم ~~على جانب من القوة بحيث يستطيع أن يسيطر جماعيا على القبائل العربية ~~العديدة المحيطة به ، أن يزرعوا بذور الشقاق بينها ، ويحركوا قبيلة على ~~أخرى حينما كانت تهددهم إحداها أو تضغط بشدة عليهم. وهذه في رأيي سياسة ~~خطرة ما لم تساندها قوة تكفي في الوقت الحرج لجعل السياسي المهيمن في معزل ~~عن الحوادث الفجائية المؤسفة ومسيطرا عليها. وإذا لم تكن في يده قوة فإنه ~~من المحتمل جدا أن يأخذ كل فريق بالاعتداء والتجاوز على غيره ، كما هي ~~الحالة في وضع علي باشا اليوم ، ويلعب دور الصديق والعدو بصورة دورية حتى ~~ينقلب من كونه خادما وحليفا إلى سيد ms101 مسيطر. # إذ كانت قبيلة الجربا (1) قد جيء بها إلى القسم الشمالي من الباشوية PageV01P135 # لتساعد الباشا الأخير على طرد عشيرة أخرى من عشائر اللصوص وقطاع الطرق. ~~وكانت الخدمات التي قدمها الشيخ صفوگ لعلي باشا قد أهلته ، على ما يرى هو ، ~~لأن يحظى بالمزيد من التسامح والامتيازات. لكن عليا كان يفكر تفكيرا يختلف ~~عما كان يفكر به رفيقه السابق في هذا الشأن ، فرفض مطاليب صفوگ وهدده ~~بالسخط عليه. وعلى أثر ذلك تراجع أولا إلى القسم الشمالي من بلاد ما بين ~~النهرين ، وأخذ يقطع الطرق وينهب القوافل ويسلب السياح والمسافرين. ولأجل ~~أن يعرض على سيده السابق نموذجا من قوته وسطوته ، جاء بعد ذلك بقبيلته كلها ~~وأحدق ببغداد نفسها (1). # فظلت المدينة محاصرة ثلاثة أشهر ، وصارت القرى المجاورة تنهب متى شاء ~~وأراد هذا اللص الجلد ، من دون أن تبدر أية معارضة له من جانب الباشا ~~والحقيقة أن الباشا لم يكن يملك الوسائل اللازمة لذلك. وفي نهاية تلك المدة ~~قوض الأعراب خيامهم على حين غرة واختفوا عن الأنظار ، وليس بوسع أحد أن ~~يعلم ما إذا كان السبب في ذلك تناقص العلف وقلة السلب المتيسر ، أم ظهور ~~عوامل أخرى في الأفق. وبذلك وجدت بغداد نفسها في صباح يوم من أيامها ~~الجميلة متحررة من زوارها المزعجين. وتراجع صفوگ إلى منازله في شمال ~~العراق. لكنه وعد بأن يعيد الزيارة في السنة التالية ، فأخاف الباشا بهذا ~~التهديد بحيث إنه بعث يطلب مساعدة عنزة. وهذه عشيرة PageV01P136 # أخرى قوية جدا ، وقد وعدها الباشا بتسليم أراضي الجربا لها إذا عملت على ~~طردها منها. ولم يعتمد على هذه الوسيلة وحدها بل حاول أن يحدث انقساما في ~~قبيلة الجربا نفسها. وباستعمال السلطة التي كان يدعي بها أسلافه ، مهما ~~كانت اسميتها في حالته هو ، في خلق من يقع اختياره عليه وتنصيبه للمشيخة ~~أقدم على ترشيح شاب اسمه شلاش لمنصب شيخ عشيرة الجربا. على أن عددا قليلا ~~من أفراد العشيرة فقط اهتموا لهذا الترشيح ، بينما تمسك القسم الأكبر ~~والأهم منهم بشيخهم القديم صفوگ. لكن عنزة ، وقد أسال ms102 لعابها في الوقت نفسه ~~مطمح التمتع بمراعي الجربا الممرعة ، جاءت ملبية النداء بما لا يقل عن خمسة ~~وثلاثين ألف محارب ليضمنوا القضاء على خصومهم. وما حل هذا الوقت حتى كانت ~~مخاوف الباشا ومحميه شلاش قد زالت بتراجع صفوگ لسبب أو آخر إلى مسافة أبعد. ~~فأرسل سموه من يخبر حلفاءه الجدد بأن خدماتهم لم تبق لها حاجة ولا أظنك ~~تعجبين إذا علمت أن عنزة ، التي انتعشت فيها الآمال القديمة وجاءت من مناطق ~~بعيدة في البادية يشح فيها الخير والعشب ، قد أغضبتها هذه المعاملة التي ~~عوملت بها. فقد رفضوا مغادرة مكانهم رفضا باتا حتى يكون الباشا قد نفذ من ~~جانبه الالتزام الذي تلزمه به الاتفاقية ، لأنهم قد قاموا من جانبهم بما ~~كان يترتب عليهم أن يفعلوه. واحتلوا موقعا في جوار المدينة يؤدي إلى أضيق ~~مسافة من الجزيرة التي تحجز بين دجلة والفرات تأكيدا على ما قر رأيهم عليه. # وحينما استثيرت مخاوف الباشا بهذا العمل من جديد دعا محميه شلاشا ~~لمساعدته في الدفاع عن بغداد وطرد عنزة عنها. بينما قام هو من جانبه بتحشيد ~~جيشه المؤلف من بضع مئات من الخيالة الألبانيين ، والجند النظامي ، وساقه ~~مع المدفعية ليستعرض أمام عنزة. ثم أطاع شلاش الأوامر وجاء بفريق العشيرة ~~التابع له إلى ما يقرب من بغداد. وبالشعور الذي يتميز به العرب عادة عمد ~~حتى الشيخ صفوگ نفسه ، الشيخ المعادي له ، إلى إنفاذ مفرزة تتألف من ألفي ~~رجل لمساعدته في هذه المناسبة. وكتب إلى شلاش يقول : «أنا وأنت عدوان ~~متخاصمان ، ويمكننا ان نسوي النزاع بيننا في موسم مناسب. لكن شرف العشيرة ~~في الوقت الحاضر قد تعرض للخطر ، ولا أستطيع السكوت عن ذلك PageV01P137 # ما لم أقدم معونتي للمحافظة عليه». على أن المساعدة كان إنفاذها عبثا ، ~~لأن عنزة كانت أقوى من أن تستطيع الجربا مهاجمتها بنجاح حتى لو كانت ~~العشيرة كلها قد عبئت لهذا الغرض. فقد وقعت مناوشات طفيفة بادىء ذي بدء من ~~دون أن يكون لها تأثير مهم في كلا الفريقين ، ولكن في اليوم الذي سبق وصولي ms103 ~~إلى بغداد نفسه أدت مناوشة من هذه المناوشات إلى وقوع اشتباك عام على حد ~~التعابير التي يستعملها العرب على الأقل فاندحر الباشا وحلفاؤه في هذا ~~الاشتباك اندحارا تاما ، وقعت فيه حتى المدافع لمدة ما في أيدي عنزة. لكن ~~ثقل الحرب والخسارة وقع كله على عاتق الجربا التي قطع شلاش شيخها الجديد ~~إربا إربا فيها وخسرت من الرجال ، على ما يقال ، أكثر مما وقع في أية حرب ~~عربية منذ عدة سنين خلت. وبدافع من بعض الاحترام الباقي لسلطة السلطان ~~استبقت عنزة جند الباشا والتفتت بانتقامها إلى أعدائها من العرب. وقد كان ~~مضمون الهوسات المتعالية في الموقعة «خل النظام واقتل الجربا» وهذا ما ~~فعلوه في الحقيقة والواقع. أما المدافع فإن بدو البادية الجهال لم يكونوا ~~يفهمون على ما يبدو أي الاشياء كانت هي ، وعلى كل حال فقد كانوا يجهلون ~~كيفية استعمالها. ولذلك تركت في ميدان المعركة حتى استعادها جند الباشا ، ~~الذي شجعه رفق العدو به ، من دون معارضة وتقهقر راجعا بسرعة إلى حيث صار ~~يحتمي بسور المدينة. # فعلى مثل هذا كانت الحالة العامة في بغداد حينما وصلت إليها. وإن الخوف ~~من عنزة قد دفع كل قروي وبستاني ، وجميع القبائل العربية الصغيرة التي كانت ~~متعودة على النزول في الريف المحيط ببغداد ، إلى داخل الأسوار. واضطر جميع ~~من كان يملك قطعانا من الأغنام أو الماشية أو الجمال في المناطق المجاورة ~~إلى أن يلتجىء إلى داخل السور أيضا فيشغل الفسح الوسيعة التي خلفها ~~الفيضان. وهذا من شأنه ان يضيف بالتأكيد إلى تكاثر الناس وتدفق الحياة في ~~الداخل ، لكنه أيضا يزيد بصورة مزعجة في الضوضاء والفوضى المستحكمة في ~~الشوارع. وهذه القطعان من الحيوانات هي التي كنت من قبل قد ألمحت إلى ~~مرورها في رواحها وغدوها من تحت شباكي في كل صباح. وحينما كنا نحاول في ~~الصباح الباكر أن نمر من بعض الشوارع أو نخرج من PageV01P138 # أبواب المدينة كنا نحسد أنفسنا على الصبر والتحمل الذي كنا نبديه قبل أن ~~نستطيع المرور. أليست هذه صورة جميلة لولاية كان ms104 يجب أن تكون من أعظم ~~الولايات ازدهارا وإنتاجا في الامبراطورية التركية جميعها؟ ### ||| ** 20 تشرين الثاني # لقد ركبنا وتجولنا كثيرا منذ أن دونت آخر تاريخ يومي إليكم ، فقد مررنا ~~بجميع المحلات المسكونة في بغداد ، وزرنا معظم المشاهد التي تستحق الزيارة ~~والالتفات. وكان من بين الأماكن التي زرناها مرقد السيدة الظريفة ، سريعة ~~الخاطر ، زبيدة (1) زوجة هارون الرشيد. على أنني ليس عندي ما أعلق به على ~~هذا المرقد سوى أنه يتألف من برج مستدق فريد في شكله يشبه المسلة ، ويحمل ~~على قاعدة طويلة بشعة جدا ، ويحتوي الجزء السفلي منها على مكان القبر. ~~لكنني لم أدخل إلى الداخل لأرى ما يوجد فيه. فإنهم هنا يبدون اعتراضات كنت ~~أرغب في تحاشيها ، خاصة وقد كانت رغبتي في استطلاع المراقد الإسلامية قد ~~حيل دونها في مناسبات كثيرة من قبل. وسوف لا أعمد إلى تسليتكم بالأفكار ~~والمشاعر التي ربما تكون قد خطرت في فكري عند زيارتي لقبر هذه الحسناء ~~الشهيرة ، التي نقرن كلنا باسمها بعض ذكريات الشباب المفرحة ، مع أن الأيام ~~التي كانت تجلس فيها زبيدة وتسلي نفسها بالاستماع إلى القصص والمغامرات كما ~~كان يفعل زوجها وسيدها لم أستطع تخيلها أمامي. لكن قصر الخليفة قد اختفى من ~~الوجود ، وأصبح حتى موقعه PageV01P139 # مجهولا. ورحل المجد عن هذه الأرض ، فاختفت الروحية التي كانت توحي ~~لأبنائها وبناتها العزم والقوة لتهيم في مجالات أخرى ، وعلى هذا فلنترك ~~تربة زبيدة ونلتفت إلى مناظر أخرى. # ومن الأشياء التي لا بد ان تلفت نظر الغريب في تجوالاته ببغداد ، إلى ~~جانب العدد الكبير من الأعراب الذين يلوحون له على الفطرة ، كثرة الحمير ~~البيض (المطايا) والعبيد السود القبحاء الذين تعج بهم الشوارع والأسواق ~~جميعها. فإن الناس يقبلون هنا إقبالا شديدا على الحمير البيض ولا يستبدلون ~~هذا بأي لون آخر. ولذلك فمن النادر أن تجد شخصا له منزلة محترمة ، رجلا كان ~~أو امرأة ، وهو يركب غير هذا الحيوان الأبيض عدا الطبقات العسكرية التي ~~تحتقر أي شيء يقل عن الجواد العربي الأصيل. ويفضل المثقفون ورجال الدين هذا ~~الحيوان الذي ms105 تكثر فيه الوداعة ، وكذلك تفعل السيدات كلهن. ولذلك فإن عدد ~~الحمير التي تسخر للركوب هنا كبير جدا. ولما كان نساء الطبقات الرفيعة في ~~المجتمع نادرا ما يتحركن من دون أن يصحبهن عدد كبير من نساء الحاشية ~~اللواتي يركبن على الشاكلة نفسها ، فإنهن حينما يقمن بزيارة البيوت ~~المجاورة يصبح صوت الجوقة النهيقية شيئا غير محتمل. وهذا النوع من الحمير ~~ينتمي إلى عرق (1) أصيل خاص ، ويباع بأثمان عالية جدا فلا يعد مبلغ ~~الأربعين أو الخمسين پاونا استرلينيا ثمنا غير شائع بالنسبة لحيوان من هذا ~~النوع كبير الحجم ، أصيل العرق ، دقيق الخطى ، وترخت هذه الحيوانات ترخيتا ~~بديعا ، ويشق منخر كل منها ، كما يصنعون في إيران أيضا ، لأجل ان يصبح أطول ~~نفسا في العادة أن نفس هذه الحيوانات يعلم الله على جانب كاف من الطول ~~حينما تأخذ بالنهيق! # ويشيع الولع بالعبيد السود هنا بقدر الولع باقتناء الحمير البيض ، وإذا ~~ما أردنا أن نحكم بالمظاهر نجد أن قيمة هؤلاء تزداد بازدياد القبح الذي ~~يتحلون به PageV01P140 # كما هي الحالة في كلاب الترير (Terrier) التي ينطوي حسنها في قبحها الخاص ~~المعروف. ويأتي أولئك الحسان السود ، الأنثى والذكر منهم ، من مدغشقر ~~وزنجبار غالبا ، حيث يجهزهم في الأعم الأغلب أمام (1) مسقط وهو حليف أمين ~~معتبر من حلفائنا يقبض في يده على جميع الطرق التجارية تقريبا. وكلهم ذوو ~~شفاه غليظة ، ووجوه عريضة ، وعظام بارزة في الوجه ، وأنوف فطس للغاية ، ~~وذقون صغيرة مستدقة ، وعيون بيضاء محدقة ، وجلود سوداء طمطمانية. وإني وإن ~~كنت أبعد ما يكون عن الدعوة إلى اعتبار العبيد بوجه عام عنصرا منحطا عن ~~البيض في الذكاء لوجود بعض الفروق التشريحية الطفيفة بين الفريقين ، لكنني ~~أقول إذا كان هؤلاء قد حباهم الله بالكثير من الذكاء فإن العناية الإلهية ~~لم يكن يسرها مطلقا ان تودع ملكات الذكاء في هيكل أقل إغراء من هذا. على ~~أنك تجدهم هنا مفضلين جدا على غيرهم من الخدام في الحرم والأماكن الأخرى. ~~فالشوارع تعج بهم ، وجلودهم الصقيلة ، وأوجههم الضخمة اللماعة ، وملابسهم ~~الزاهية ، تقود إلى الاستنتاج في ms106 الحال بأنهم ينعمون في حال ميسرة. على أن ~~هذا فيه ما يدعو إلى الاستغراب إذا ما أخذ في ضوء ما يعرف عن الأتراك ومعظم ~~الشرقيين من فوقية تجاه عبيدهم. كما ان التبختر الوقح ، واللغة السليطة ~~التي تصدر من أولئك السفهاء السود حينما يمرون بك في الشوارع ، لا تدع ~~مجالا للشك في كونهم محاسيب مدللين لبعض السادة المتطرفين في التساهل. على ~~أن التمتع بهذا النوع من الترف يقتصر على المسلمين فقط ، لأن أي مسيحي أو ~~كافر من أي طبقة كانت لا يسمح له القانون بامتلاك أي نوع من العبيد. وليس ~~هذا هو المنع الوحيد الذي يميز به المسلمون على غيرهم هنا ، فإن المسيحي ~~واليهودي يمنع قانونا من الركوب في الشوارع. ولذلك لم يجرأ اليهود ولا ~~النصارى في أيام داود باشا على الظهور وهم يركبون الخيل أو البغال أو ~~الحمير ، غير أن هذه القواعد أخذت تكسر أحيانا في عهد علي باشا الذي يسود ~~فيه التراخي. ولا أراني PageV01P141 # بحاجة إلى أن أضيف على ذلك فأقول إن الإنكليز ، والإفرنج بوجه عام ، ~~يعفون من هذه القيود ويستطيعون الركوب بحرية كما يشتهون. # والخصيصة الأخرى التي يتميز بها الجمهور الذي يغشى الأسواق عادة الأشباح ~~، المتشحة باللون الأزرق (1) الغامق والمقنعة بالأقنعة السوداء ، التي تمر ~~محتذية أحذية (2) صفراء صغيرة خاصة ، فيقال لك إنهن نساء. وهن يعلم الله ، ~~حين يظهرن متنكرات بهذا الشكل ، أشبه بأي شيء آخر عدا الجنس اللطيف من ~~المخلوقات. فإن لفافاتهن الزرقاء الغامقة ، أو القماش الأزرق والأبيض الذي ~~يلفهن من الرأس إلى القدم يخفي الشكل واللباس إخفاء فعالا ، بينما يقوم ~~البرقع الأسود (الپيچة) المصنوع من شعر الخيل المنسوج نسجا خفيفا يحجب ~~الوجه عن أعين المارة حجبا تاما ، ولكن المرأة المحجبة به تستطيع في الوقت ~~نفسه أن ترى جميع ما يمر أمامها على الوجه الأكمل. وقد ضحكت مرة حينما رفع ~~أحد هذه البراقع الداكنة بالصدفة وبان من ورائه وجه أشد سوادا من القناع ~~نفسه. لكنه قد يحدث في بعض الأحيان كذلك أن يتوارى وراء الحجاب الضنين وجه ~~جميل ms107 من أوجه الفتيات الگرجيات (3)، وقد شعرت ذات يوم بدافع قوي يدفعني ~~إلى مديد دنسة أحول بها لحظة من الزمن دون انكساف منظر من أجمل المناظر ، ~~من النادر أن يوجد في هذه الجهات منظر جمال أنثوي أخاذ والحقيقة أن أحدا لم ~~يستطع في يوم من الأيام أن يخترع أقبح وأوحش من الأكفان الفظيعة التي ~~اخترعها الحسد الشرقي ليلتف بها النساء فيشوهن بها أنفسهن عند ما يظهرن في ~~الخارج ، بغية إفزاع العيون المتلصصة والحيلولة دون روحية الخلاعة والفساد. ~~فبها يظهر الشباب PageV01P142 # والشيخوخة ، والجمال والتشويه ، بنفس المظهر المضلل ، والفكرة التي ~~توحيها كل امرأة تتزيا بهذا الشكل فكرة تنم عن عجوز شمطاء مخيفة ، متسربلة ~~بلباس الفقر والضعة. # ومع هذا ، فهل يحمي هذا المظهر المنفر في الحقيقة الثمرة المحرمة عن ~~العيون المشتاقة يا ترى؟ وا أسفاه! إن قصص الحب والمكر التي لا ينضب معينها ~~، والكوارث المفجعة التي تنتهي بها مآسي الحب والجريمة هذه ، تحدثنا عن قصة ~~تختلف تمام الاختلاف عن هذه وتثبت بكل تأكيد أن القوة المجننة والعواقب ~~التي تنطوي عليها العواطف المكبوتة في هذه البلاد وجميع البلاد الأخرى هي ~~شيء واحد. فمن المعروف تمام المعرفة أن هذه البراقع الواقية في الحقيقة ~~تحجب عن الأنظار في بعض الأحيان أجمل حسناوات الحريم نساء شابات جميلات ، ~~وسواء أكن جميلات أم لم يكن فهن يرتدين أفخر وأبدع ما يمكن أن تسمح به ثروة ~~الوالد أو الزوج. فالتركي يصرف ثروته التي يحاذر التظاهر بها في الخارج على ~~نسائه وبيته ، ويكون صرفه هذا سخيا. فقد تكون غرفة استقباله حقيرة ، وقد ~~يكون سجاده قديما متهرئا ، ووسائده بالية ، وقد يكون الشال الذي يلف به ~~رأسه أو محزمه رثا أو من غير النوع الكشميري الأصلي ، لكن غرف الأماكن التي ~~يمنع الدخول إليها لاتكون مؤثثة تأثيثا مريحا حسب بل مترفا أيضا. ولو تيسر ~~لك الدخول لوجدتها مفروشة بسجاد هراة وكرمنشاه ، ويانات قايين وتفت ، ~~ولرأيت فيها الچيت من الهند وإنكلترة ، والشراشف من يوركشاير وغلوستر شاير ~~، والحراير من الصين أو يزد أو كاشان ، تزين غرف نسائه ms108 وتجعلها جميلة ~~مريحة. وستجد كذلك رؤوسهن مكللة بالشال الكشميري أو بأغلى كفافي ليون ~~المطرزة ، وأجسامهن تكتسي بأبهى أنواع القطيفة وتتدثر بأغلى الفراء. ~~وستلاحظ كذلك آذانهن وجباههن وأعناقهن تتألق بالجواهر ، وشعورهن مضفورة ~~باللآلىء ، وأصابعهن مغطاة بالخواتم المتلألئة ، ومظهرهن كله مع كل شيء من ~~حولهن يدل على الثراء والترف. # وليس هناك في الحقيقة أكثر زهاء وبهاء في اللون والمادة من لباس PageV01P143 # السيدات التركيات في بغداد. لكنني أخشى أن أكون عاجزا عن أن أنقل إليكم ~~فكرة صادقة عن أزيائهن من دون رسوم متقنة. فإن المرأة التركية على ما ~~استطعت التوصل إليه ترتدي أولا قميصا يصنع من نسيج حريري رقيق ذي ألوان ~~مختلفة ، ويفتح من الأمام إلى ما يقرب من المحزم لكنه يضم حول العنق بحلية ~~من الحلي عادة. ويكون هذا القميص مطرزا تطريزا جميلا حول العنق وعلى طول ~~الصدر ، كما تكون الأردان الطويلة الفضفاضة التي تبدو معلقة من خنقتي اليد ~~المفتوحتين في السترة معمولة بالذهب والفضة (الكلبدون) والحرير الملون ~~بألوان مختلفة. ويرتدي البعض منهن فوق هذا نوعا من الصدار المزين بزينة ~~جميلة جذابة ، تمتد من العنق إلى الوسط. لكنني أعتقد أن هذه القطعة من ~~الملابس تستعمل في الدرجة الأولى لستر عيب من العيوب في اللباس الذي تغطيه. ~~وتلبس فوق القميص صدرية ذات ذيل طويل تتلبس في الجسم تلبسا تاما يظهر شكله ~~إلى حد الوسط ، مع أردان ضيقة تبقى مفتوحة حتى المرفق تقريبا. وتصنع هذه من ~~جميع أنواع الأقمشة الغالية كالحراير المشجرة أو السادة ، والأقمشة الموشاة ~~، والشال ، والقطيفة وما أشبه ، وتزين بالوشي أو التطريز من جميع الأنواع ~~تبعا لذوق اللباسة. ويرتدي بعضهن سترة قصيرة من قماش مماثل ، مبطنة بشيء من ~~الفرو الناعم ، فرو السمور أو القاقم ، وموشاة بالكلبدون كذلك. لكن الشائع ~~الآن كما علمت استعمال الكورك ، أو رداء الفرو الطويل. أما السراويل ~~الطويلة الواسعة التي تكاد تختفي تحت سائر الألبسة فهي تخاط بالحرير الملون ~~الزاهي. لكن السيدات التركيات يبدين تذوقهن للأناقة والصرف في لباس الرأس ~~والمجوهرات عادة. فلباس الرأس الذي يسمى هنا «باشلك» يتكون ms109 اعتياديا من ~~منديل واحد أو منديلين ، أو شال ، تلف حول الفيس (الطربوش) الأحمر الذي ~~يعتبر غطاء الرأس الوطني الذي يلبسه الأتراك جميعهم والنصارى واليهود ، ~~رجالا ونساء ، الداخلون في حكم السلطان. وهو يصنع من اللباد أو القماش ~~الأحمر ، وتكون له عذبة أو شرابة (پسكولة) من الخيوط الزرق. ويطرز الفيس ~~الذي تلبسه السيدات تطريزا باللؤلؤ ينطوي على الكثير من الذوق. ويبدل في ~~بعض الأحيان لون الشرابة والفيس بحيث يلائم رغبة PageV01P144 # اللابسة. ويلف الشال أو المنديل حول هذا بأشكال تفوق في لفها أي شيء ~~رأيته من هذا القبيل في قبعات أو عمائم السيدات في بلادنا نحن. وأعتقد أن ~~أحسن ما يستعمل من المناديل يصنع في أنوال ليون ، مع أن هناك مناديل مطرزة ~~جميلة جدا من صنع استانبول. لكنني ليس بوسعي أن أصف لكم أو أبالغ في وصف ~~الذوق النفيس والرقة المنطوية في القماش. فإنها تنطوي في جميع ألوان القماش ~~ودرجات الألوان ، وتطرز أكاليل الأوراد فوقها ، تطريزا كله ذوق وأناقة ، ~~بكل درجة من درجات الألوان الرقيقة التي تختلط بكلبدون الذهب والفضة. ~~وحينما تلف المناديل الجميلة هذه حول الرأس يلاحظ في ذلك تعريض هذه الزينة ~~والتطريز إلى الخارج بأجمل شكل ، على أن تبقى نهايتها مدلاة بشكل رشيق خاص. ~~ويكون الشال المستعمل على الدوام من أفخر أنواع الشال الكشميري الذي تطرز ~~حواشيه بكلبدون الذهب والفضة ، أو باللؤلؤ وسائر المجوهرات. وحينما يلبس ~~لباس الرأس هذا يضفر مع الشعر في العمامة ليكون زينة قائمة بذاتها ، وتتدلى ~~من ذلك ضفيرة أو ضفيرتان إلى الخلف تنتهي كل منهما بشرابة من نقود الذهب أو ~~المجوهرات. ويعلق ملفوفا بالشعر ، من جهة واحدة تحت اللفة أو العمامة ، حبل ~~من خيوط اللؤلؤ يعقد بالأحجار الكريمة. وكذلك يعلق مقدار من اللؤلؤ بأشكال ~~مختلفة بجنبه تبعا لذوق السيدة ورغبتها. أما المجوهرات التي يشيع استعمالها ~~ولبسها ، فإنني لا أدري كيف أصفها من حيث شكلها المختلف ومكانها ولونها. ~~فهناك «الجيكة» وهي حلية صنوبرية الشكل توضع في جهة واحدة و «التيته» في ~~الجهة الأخرى ، و «عين الگوني» في الأمام ms110 متدلية على الجبهة ، وتكون هذه ~~الحلي جميعها من الماس ، والياقوت ، والزمرد. وهناك بعد ذلك ألف شيء من ~~الأشياء الأصغر كالفراشات والبكلات والدبابيس والأعلاق ، مما لا يمكن ~~تعدادها أو وصفها. والخلاصة ، أن لباس رأس السيدة التركية بكامل زينته من ~~المجوهرات يكون كلا غنيا مذهلا ، ويبدو لك في الحال شيئا بهيا جميلا يمتلىء ~~بالذوق ويتحدى الوصف. # وتزين الأذنان بالأقراط ، كما تحاط العنق بعدد من قلائد الماس والزمرد ~~واللؤلؤ والسلاسل الذهب. وتشد أنواع «البازبند» على الذراع بين الكتف PageV01P145 # والمرفق ، وهي ذات قيمة كبيرة. وكذلك تتلألأ المعاصم على الشاكلة نفسها ~~بأساور لا يمكن أن توصف من حيث عددها وتنوعها. كما يحاط المحزم بمنطقة من ~~القطيفة تشد بإبزيم من الذهب المزين بالأحجار الكريمة ، ويثبت بالمنطقة ~~نفسها عدد من قطع الماس. أما الفقراء فيكتفون بأحجار أرخص وشغل الذهب ~~الدقيق. وفي النهاية ، تغطى الأصابع بعدد لا يحصى من الخواتم والحلق المرصع ~~بأحجار في أدق الحجوم وأندر البريق ، وحتى أصابع القدمين تكون لها زينتها ~~من الأحجار. وهكذا تصبح السيدة التركية أثناء وقوفها أو تحركها كتلة من ~~النور الباهر والرونق الأخاذ. # وقد نسيت أن أذكر ، بين الحلي التي تزين بها الأيدي والأقدام ، نوعا ~~غريبا من الحلق يلبس بالإبهام وأصبع القدم وهو أشبه بنصف كشتبان ، يلبس ~~وجانبه العريض يتجه إلى الأعلى ، ويرصع بالزينة اللماعة والمجوهرات. وهناك ~~، عفوا ، البوابيج الجميلة التي تحتمل أي نوع من الزينة الملائمة لذوق ~~الحسناء وقابليتها على الصرف. وهذه لا تكاد تحفظ أقدامها الجميلة من السجاد ~~الثمين الذي تمشي عليه ، ولكنها لما كانت تستعمل في التنقل من غرفة إلى ~~أخرى فقط فإن خفتها لا تحول دون الاستفادة منها. # وستدركون من هذا بلا شك أن لباس السيدة التركية ليس زاهيا جدا فحسب بل إن ~~ثمنه أيضا يمكن أن يزداد إلى ما لا نهاية تبعا لإيراد صاحبتها ، لأن طراز ~~زينتها يمكن أن يتغير وفقا لذوقها. وقد كنت أتمنى أن أقول علاوة على هذا إن ~~عقول اللابسات الحسناوات تزدان بحلي الفكر والمعرفة كما تزدان أجسامهن ~~بالألبسة. غير أنني بالنسبة لجميع ms111 ما استطعت التوصل إليه من معلومات يمكن ~~أن أقول إن هذا بعيد جد البعد عن الحقيقة والواقع. فالحقيقة أن جهل ، ~~وسخافة ، وسماجة نساء الطبقة الراقية في بغداد أشياء تلفت النظر بصورة ~~مؤلمة. وليس من الصعب علينا أن ندرك كيف لا يكن على غير هذه الحالة. فأي ~~فرص للتحسن يمكن أن تتوفر لهن في محيطهن ، عن طريق القدوة أو الفرض؟ وأي ~~نماذج تتيسر لهن في مكانهن فيقلدانها ويحسن من وضعهن على منوالها؟ فهن وقد ~~دربن على تسلية سيد يكون في كثير من PageV01P146 # الأحيان شيئا أحسن من الوحش بقليل ، وعلى أن يلبسن ويتزوقن ويبتسمن ~~ويقيدن أنفسهن بحيث يتلاء من مع مزاج سيدهن الذي لا يستطيع ، ولا يريد ، أن ~~يقدر إبداء أي مقدار من الذكاء والنشاط العقلي في مملوكته المتزوجة كيف ~~ينتظر منهن أن لا يكن في الأعم الأغلب سوى دمى خالية من الروح والعقل؟ # وليست لديهن في البيت ، على قدر ما استطعت التأكد منه ، أشغال تشغلهن سوى ~~اللبس وترتيب الملابس والمجوهرات ، والتدخين ، وتناول القهوة ، أو القشب ~~والثرثرة مع الخدم والنساء اليهوديات اللواتي يأتين إلى البيوت لبيع ~~الأقمشة واللعب والمجوهرات (الدلالات). وقد يلعبن مع أطفالهن إذا كان لديهن ~~أحد منهم ، لكنهن ليست لديهن أية فكرة عن تربيتهم وتثقيفهم الذي يترك أمره ~~عادة إلى «الدايات» والمربيات. ومن أعظم وسائل الله وو التسلية عندهن ~~التزاور بينهن ، وتنطبع زيارتهن هذه بطابع خاص بها. إذ يندر أن تذهب إحداهن ~~في زيارة مثل هذه لوحدها أو تكتفي حتى بأخذ واحد أو اثنتين من الحاشية ~~معها. ولذلك تجد في هذه المناسبات أن بيتا بكامله يتحرك مرة واحدة كأنه ~~مستعمرة صغيرة ، أو رتل صغير من أرتال الجراد ، فيحط في بيت صديق من ~~الأصدقاء أو جار من الجيران. وقد يتألف البيت المتحرك من زوجتين أو ثلاث ~~زوجات ، مع الأخوات ، والعمات والخالات ، وبنات العم ، وبنات البيت نفسه ، ~~والمملوكات ، والخدم ، والأطفال والمربيات. وعلى المضيفة أن تعد العدة ~~فتضيف القطيع كله وليس هذا بالواجب السهل ، وخاصة عندما تكون المضيفة على ~~غير علم بقدوم الضيوف ms112 أو حينما تكون الضيفة ذات منزلة رفيعة. ولذلك يحصل ~~شيء غير قليل من الهرج والمرج والجري إلى الأسواق والجيران للحصول على ~~الوسائل المطلوبة والمواد للقيام بواجب الضيافة. وكثيرا ما يبلغ عدد ~~الزائرات في زيارة مثل هذه أربعين إلى خمسين شخصا من أولئك الأشخاص ~~المرحين. # وفي مناسبات مثل هذه لا بد أن تتوقف جميع الأعمال مهما كان نوعها فعلى ~~المضيفة أو المضيفات ومملوكاتهن أن يعطلن كل عمل ويعلن حول عطلة عامة في ~~البيت. وبعد ذلك تبدأ قعقعة الألسنة ، وتتعالى الضحكات ، وتنطلق PageV01P147 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image009.gif) # الثرثرة. فلا بد للحسناوات التركيات ، وقد خرجن من سآمة بيوتهن وضجرها أو ~~من التقيد بحضور أزواجهن ، أن يكن مرحات بمقدار كاف على الأقل. وحينما يكن ~~مرحات لا يوجد أشد صخبا ولغطا منهم في العالم. ولا أريد في الحقيقة أن أكون ~~غير منصف ، أو قاسيا في حكمي ، ولا أن أقول غير الصدق. لكن أصوات النساء ~~هنا كلها من وزن واحد على ما يبدو ، وهو وزن الصراخ الذي يصدر من بعض الناس ~~هنا حينما يكلم أحدهم صديقه الجالس في طرف آخر من سوق مزدحم. فهن كلهن ~~يزعقن ويصرخن بصوت عال ، وحينما يتكلمن كلهن على هذه الشاكلة في وقت واحد ، ~~كما هي الحالة عادة ، فإن تأثير ذلك يكاد يتفوق على النهيق الذي يصدر من ~~مطاياهن المربوطة في الأسفل وليس هذا بقليل. ولا أقول هذا استنادا إلى ~~معلومات نقلت إلي ، لأنني حينما مررت ذات يوم في أحد الشوارع بدار كانت قد ~~تشرفت بإقامة حفلة نسوية خاصة تسمعت لأصوات الطرفين فيها. لكنهن لا يكتفين ~~بصوتهن فقط ، PageV01P148 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image010.gif) # ولا بمباهج أحاديثهن وإنما يستنجدون بالمغنيات والراقصات كذلك. وحينما ~~تكون الحفلة في أوجها وتنطلق أصوات المغنيات والراقصات ثم تتصاعد قرقعات ~~التصفيق من الحاضرات كلهن يصل الضجيج والضوضاء إلى القمة. وقد كنت أتمنى أن ~~يكون تحدث الحسناوات في بغداد بالصوت العالي الذي أتيت على وصفه العيب ~~الوحيد فيهن. ولكنهن ، وهن المعروفات بالجهل ، ينفرن الأشخاص المتفوقين ~~عليهن من حيث التهذيب بسماجتهن ، ودناءتهن ، وفضولهن. ومن الخطر أن يطلق ~~لفيف منهن بين أشياء ms113 منتقاة غريبة ، لأنهن يتهافتن عليها بالمخلب والناب ~~فيشوشن ترتيبها بالكلية ، أو يقطعنها ويفككنها. إذ يتقن لها ، بل ويطالبن ~~بها بخشونة بالغة أحيانا وقد يحصلن على ما يعجبن به حتى عن طريق السرقة ~~أيضا. أما طريقة حديثهن وتخاطبهن فتتميز بكل شيء عدا التحفظ والرقة ، ولا ~~يمكن أن يرتفعن بطبيعة الحال إلى أعلى من نطاق تعلمهن المحدود ومجال ~~عقولهن. على أنهن قد يتحلين في بعض الأحيان بسلوك السيدات المحترمات على ما ~~يقال ، وكثير PageV01P149 # منهن يكن لطيفات الطوية حسنات الخلق. وإني أتصور أن هذه الصفات هي التي ~~يتكون منها جماع فضائلهن الاجتماعية ، عدا بعض الاستثناءات الفردية التي ~~يمكن أن توجد بطبيعة الحال. وقد تكون جرثومة الصفات الحميدة الأخرى قد ولدت ~~معهن ، لكنها قد وهنت بالإهمال ، أو قضى عليها تفاقم الرياء ، والاستهتار ~~بالقيم الذي يشجعه وضع المجتمع الذي ينحصرن فيه بشقاء واكتئاب. ولذلك فإني ~~أهنىء النساء الأوربيات ، والإنكليزيات منهن على الأخص لأن العناية الإلهية ~~الرحيمة قد حفظتهن من مثل هذه الحالة المنحطة. # ولم أتطرق حتى الآن إلى ذكر شيء عن طبقات النساء الدنيا لأنهن يكدن يكن ~~الكادحات المسترقات اللواتي يخلفن العوز في جميع البلاد ، وبارتقائهن في ~~سلم الثروة والرفاه يقلدن المتفوقات عليهن. فإنك تجدين النساء العربيات ~~يطفن في الشوارع غير محجبات وبملابس رخيصة جدا ، وهن يتغطين بالعباءة ~~الأبدية ، وقد وشمت جلودهن بعلامات لا عد لها من الوشم. أما المتزوجات منهن ~~فيحملن في أحد منخريهن خزامة من الذهب أو الفضة كأنها زر كبير من أزرار ~~التخريم ، ويتزين بخلاخيل وأساور من الفضة أو النحاس الأصفر تبعا لإيرادهن ~~وحالتهن المالية. وأعتقد أن الأرمنيات والكاثوليكيات يلبسن كالنساء ~~التركيات تقريبا. لكن اليهوديات لهن زي مختلف لا أعرف شيئا عنه ، كما أن ~~أرمنيات الأماكن الأخرى لهن أزياؤهن الخاصة كذلك. وقد قيل لي إن جميع ~~الأزياء النسائية في بغداد تختلف اختلافا غير يسير عن الأزياء في استانبول. # وبعد هذه النبذة الطويلة عن أزياء النساء وملابسهن فإنكم قد تعذرونني ~~لعدم دخولي في تفصيلات خاصة عن ملابس الرجال. فإن الزيين السائدين في هذا ms114 ~~الشأن هما الزي التركي والزي العربي. إذ يرتدي التركي صدارا متسعا يشد حول ~~المحزم بشال ، ويلقى فوقه رداء من القماش العريض الذي يكون مطرزا في ~~العادة. وفي الطقس البارد يرتدي سترة مبطنة بالفرو ، وعمامة كبيرة من ~~الموسلين الأبيض أو الشال على رأسه. أما اللباس العربي فقد أتيت عليه من ~~قبل ، وليس عندي ما أضيفه هنا سوى أن أقول إن خليط الملابس والألوان وبريق ~~الأسلحة والنياشين يتكون منه منظر بهيج تنبض فيه الحياة لدرجة غير يسيرة. PageV01P150 ### ||| * (8) # زيارة الباشا مظهره وأخلاقه دهاليز الاغتيال الكهية وضباطه صخب الخدم ~~ومطالبتهم بالبخشيش شره الباشا وتشبثه بقلب المعادن إلى ذهب تجربة ناجحة ~~الدراويش طبقاتهم الثلاث دراويش التكايا الدراويش المتوطنون والمتسولون قصة ~~مأمون المصطفى زيارة للدراويش حيلهم وادعاءاتهم زيارة للشيخ عبد القادر ~~النقيب التربة والجامع كنيسة الروم الكاثوليك ورئيسها. # فاتني أن أذكر لكم أنني بعد وصولي إلى بغداد بيوم أو يومين ذهبت لزيارة ~~الباشا (1)، الذي كنت قد جلبت له كتابا من شيخ الإسلام في تبريز. وقد ~~استقبلت بما يكفي من المجاملة ، لكنني يمكن أن أقول بالتأكيد إنه ليس هناك ~~شيء يمكن تصوره ليكون أقل تعبيرا عن فخامة المقام وأبهته من مقام سموه ، ~~ولا أقل اعتبارا من خلقه ومظهره. # فقد كان الدخول إلى مسكنه ، الذي يصعب أن يسمى قصرا ، على أقل ما يمكن أن ~~يكون ، وكان القائمون على خدمته يتناسبون مع المكان الذي يعملون فيه تناسبا ~~تاما إذ كان هناك عدد من الألبانيين الرثين في مظهرهم ، وقليل من الأتراك ~~المنصرفين إلى التدخين ، وجماعة من الموظفين سيئي الهيئة والهندام. ولم يكن ~~الشخص الذي أدخلنا للمثول بين يديه على حال أحسن بكيثر منهم. فقد وجدنا ~~هناك رجلا بدينا يناهز الخمسين من عمره ، عليه رداء من الفرو ، وفي رأسه ~~طربوش ، يجلس في جناح خارجي مؤثث تأثيثا اعتياديا ، ومفتوح على الساحة ~~بكليته. وكانت هناك على الأرض سجادة لا بأس بها ، PageV01P151 # وكان المسند والأفرشة التي جلسنا علينا مغطى بقماش من الحرير القرمزي. # وكان الباشا ، على ما ذكرت ، رجلا بدينا فيه شيء كثير من ms115 سحنة التتر ، ~~ولكن بشكل مقبول. وقد تحدث إلي كثيرا ، رادا على فارسيتي باللغة التركية. ~~فكان حديثه على وجه العموم شيقا بالنسبة لمقام الباشوية الذي يشغله. غير أن ~~المجلس كان فيه عدد كبير من الأشخاص لا يسمح للباشا بأن يفتح لي قبله ~~بحضورهم ، كما كان من المؤمل أن يفعل لو كان لوحده على ما روي لي عنه. فقد ~~كانت الغرفة ملأى بأناس كانوا يرتدون ملابس تركية وعربية وإيرانية وكردية ، ~~ولم يكن يخلو المجلس من المحدثين والمتكلمين. ولما كانت الفائدة من مثل هذا ~~التحدث قليلة نهضت بأقرب ما كانت تسمح به اللياقة والحشمة ، وبعد أن ترخصت ~~من فخامته ذهبت لزيارة الكهية الذي كان يجلس في غرفة مظلمة تقع في ممر يبدو ~~على درجة كبيرة من الكآبة. وفي مثل هذه الدهاليز المظلمة من سرايات الأمراء ~~والباشوات تقترف حوادث القتل والاغتيال الكثيرة عادة. فإن الضحية المسكينة ~~التي يراد الإجهاز عليها ما إن يمر منها وهو خلي البال مما يهدد سلامته حتى ~~يجد نفسه وقد لف شال حول عنقه من الخلف قبل أن يصرخ بكلمة «الله» ، أو يخرج ~~إليه من باب جانبي ألباني جلواز فيفرغ النار من قربينة (بندقية صغيرة) في ~~بطنه ، أو يطلق خرطوشة مسدس في دماغه ، فينتهي أمره وسرعان ما يشاهد جذعه ~~الخالي من الرأس معروضا في «الميدان». وقد حدث شيء من هذا القبيل قبل مدة ~~قصيرة في هذا الممر بالذات ، على ما روي لي ، على أني اجتزته سالما والحمد ~~لله فوجدت الكهية ، الذي كان على رأس الجيش المنكسر (1) جالسا في زاويته ~~وبالقرب منه عقيد في الجيش النظامي ، وضابط من ضباط الخيالة الألبانيين ، ~~وعدد من أناس غير معروفين ، مسطرين في جوانب الغرفة الثلاثة وقد جاءوا ~~يهنئونه على PageV01P152 # مآثره الأخيرة على ما أحسب. لأنهم على ما يقولون قد قاموا بأعمال باهرة ~~برغم هزيمتهم المنكرة! فقد أقسم قائد المدفعية أيمانا مغلظة بأنه أطلق ~~خمسمئة قذيفة من مدافعه ، فقتلت كل قذيفة خمسة عشر رجلا من رجال العدو. وهو ~~لا يذكر رقما «أكبر» من هذا لأنه يود ms116 أن يبقى في ضمن الحدود المعقولة ~~القابلة للتصديق! ومع كل هذا فقد أجبروا على التقهقر بطريقة من الطرق ، إنه ~~يعترف بهذا على كل حال. # وقد اكتفينا هنا بزيارة قصيرة : إذ تناولنا القهوة ودخنا شطبا أو شطبين ~~(1) هذا ما فعلوه هم على الأقل ثم عدت من السراي محفوفا بلفيف من خدام ~~فخامته وهم يطالبونني ، وليس يرجونني ، بالهدايا مطالبة ملأى باللجاجة ~~والإلحاف. وهذا إزعاج ممجوج للغاية تشاهده هنا وفي استانبول ، لكنه أشد ~~إزعاجا هنا. فإن «جميع» الخدم الذين يقفون في خدمة أي رجل كبير تزوره هنا ~~ينتظرون من الغريب أن يطعمهم أو يقدم لهم هدية من الهدايا ، وقد أصبحت هذه ~~العادة الممقوتة جزءا من الوضع العام بحيث إن الخدم يعدون هذه الإكراميات ~~قسما من أجورهم أو رواتبهم ، ولذلك لا يمكن لأي شخص أن يتحاشى الإذعان لها. ~~فكل فرد أو مراجع لا بد ان يستفيد من المراجعة فيدفع لهم تبعا للفائدة التي ~~يحصل عليها. إذ يدفع الموظفون والمستخدمون هذه «الرسوم» لخدام الرجل الكبير ~~من أجل تكوين أصدقاء في الديوان ، بينما يدفع لهم هم بدورهم من يروجون له ~~أشغاله. وهكذا أصبح هذا التعامل عادة شائعة بحيث إن المرء لا يمكنه القيام ~~حتى بزيارة اعتيادية بسيطة دون أن يدفع شيئا للجميع. وقد أصبحت هذه في ~~السراي على الأخص عادة ممقوتة للغاية ، إذ يحدق الأتباع والخدام الذين لا ~~حصر لهم بالمرء كاللصوص ، وينفذ الاجبار على الدفع إلى حد قيام الجنود ~~الذين يقفون للتحية بمد بنادقهم لقطع الطريق عليك حتى تدفع «الرسم» ~~المطلوب. PageV01P153 # ولا أدري إذا كان لا بد لي أن أعود إلى موضوع الباشا نفسه ، على أن رسم ~~صورة تقريبية لبغداد لا يمكن أن يتم من دون تكريس عدد من جرات القلم لوصف ~~سيدها الحالي. فقد سبق لي أن أتيت على وصف علي باشا ومظهره الخارجي. أما ~~عقله فليس أكثر جاذبية من الوعاء الذي يحل فيه. فهو ضعيف الرأي ، واهن ~~العزيمة ، متردد في العمل ، فظ في قابلياته وشهواته ، أناني جشع. والمقول ~~عنه إنه غير ميال في ms117 طبيعته إلى القسوة أو الظلم ولكنه يكره ازعاج نفسه ~~بالإجهاد من أي نوع كان بحيث إنه يفضل تعذيب الآخرين من دون رحمة على ~~الخضوع لمثل هذا الإزعاج ولو أدى به الأمر إلى ارتكاب أفظع الجرائم. ولذلك ~~استغل خدامه نقطة ضعفه هذه ، والطمع الذي يساوره ، في الجور على الناس ~~لأنهم مطمئنون بأنه لا يمكن أن يشاجر أحدا يأتي له بالمال ولا يعمل على ~~إقلاق راحته. وهو على ما يقال دمث الأخلاق ، مطلع على شيء غير يسير من ~~الأدب التركي ، وقد سمعت من مصدر ثقة أن أبيات الشعر التي ينظمها بالتركية ~~لا بأس بها. لكنه بمجموعه رجل ذو ميول خسيسة ، وغير لائق أبدا للمنصب ~~العالي الذي يشغله بمسؤوليته الكبيرة (1). PageV01P154 # وللباشا ولع شديد بالكيمياء القديمة (السيمياء) من بين جميع الصنعات ~~الأخرى ، وهو يصرف على ما يقال مبالغ غير قليلة على الدراويش والقلندرية ~~والمغامرين الذي يدعون المهارة بها. ولو أردنا تصديق الأخبار التي ترددها ~~الأفواه نجد أن هذا المال لا يصرف كله عبثا ، إن هناك الآن رجل في هذه ~~المدينة قد نجح بالفعل ، كما يؤكد البعض ، في قلب النحاس الأصفر إلى ذهب ~~والرصاص إلى فضة. ويمكنكم بأن تطمئنوا هذا الخبر كان كافيا ليوقظ في حب ~~الاستطلاع ، فقررت أن أرى إن أمكن هذا الكيميائي أو بعض الناس الذين شاهدوا ~~بأنفسهم هذه العملية على الأقل. فتبين بعد البحث أن التجربة قد أجريت بحضور ~~الباشا نفسه ورجل إيطالي يدعى المسيو دي ماركي (1)، كان يشرف في زمن ~~الباشا السابق (أي داود) على المسلح (دار الأسلحة) ودار سك النقود (السكة ~~خانة) معا ، واستمر على ذلك حتى الوقت الحاضر. وهو فوق هذا كله رجل بارع. ~~وقد حصلت منه على قصة هذه التجربة كلها ، وهي إذا لم تؤيد بالتمام جميع ما ~~أخبرت به في هذا الشأن فإنها على الأقل تثبت أن الباشا كان يتعامل مع رجل ~~غير دجال. فقد أعلن هذا الرجل ، وهو عربي ، في الأخير انه على استعداد ~~ليجرب فنه بعد أن ظل عدة شهور يشتغل في مختبره في تحضير ms118 أكاسيره ومركباته ، ~~وتسلم كثيرا من المال لمتابعة العمل. وإذ كان المسيو دي ماركي مشككا في ~~الموضوع وغير مؤمن بدجل هذا الفنان الماهر ، فقد قرر أن يراقب العملية بدقة ~~ليكتشف الادعاء الفارغ ، ويزن بيديه هو نفسه النحاس الأصفر ، الذي جاء به ~~هو أيضا ليقلب إلى ذهب ، ويضعه في البودقة. وقد أجريت العملية في مختبر ~~«السكة خانة» (2) واستعملت أجهزته فيها. وفي PageV01P155 # أثناء العملية طلب الرجل شيئا قليلا جدا من الزرنيخ الأبيض والأصفر ، ~~ولأجل أن يحول المسيو ماركي دون استخدام أية حيلة بعث يجلب هذا المركب من ~~مخزن كان بوسعه أن يعتمد عليه في كونه يبيع أشياء أصلية غير مغشوشة. وقد ~~وضع هو بنفسه حتى الزرنيخ في البودقة ، ولم يتقرب الكيميائي الممتحن منه ~~مطلقا سوى لإضافة كمية قليلة جدا من مسحوق معين أخرجه بملعقة صغيرة من احدى ~~العلب. وسكب المسيو دي ماركي بنفسه المعدن المتميع حينما أصبح جاهزا من ~~البودقة وحفظه عنده. فوجد عند ما فحصه أن قسما منه قد استحال إلى ذهب ~~بالفعل ، وحينما وزن الكتلة كلها وجدها أثقل قليلا من النحاس الذي كان قد ~~وضعه في البودقة. فاستفسر من الكيميائي العربي كيف يمكنه أن يعلل هذا الفرق ~~في الوزن ، فذكره هذا في الحال بالزرنيخ المضاف الذي يؤلف بمجموعه نفس ~~المقدار إذا ما أضيف إليه النحاس. وقد أجرى المسيو دي ماركي بعد ذلك ~~التجربة نفسها فوجد النتيجة على مثل ما قال عنها رجل الكيمياء الماهر. # ثم عمد المسيو دي ماركي بعد ذلك إلى مفاعلة الكتلة كلها مع ماء الفضة ~~(حامض النتريك) فأذاب ما تبقى من النحاس الأصفر وترك الذهب وكأن لم يمسسه ~~شيء ، وحينما وزن هذا تبين أنه يقدر بثلث الكتلة كلها. وعند ما طلب إليه أن ~~يبين لم لم ينقلب النحاس كله إلى ذهب أجاب إن العملية كلها عبارة عن عملية ~~تجريبية وهي لا بد أن تكون غير تامة من جميع النواحي ، أي أنها كانت على ما ~~أعتقد ثاني تجربة أجراها مع هذه المواد. وقد فحص الذهب وأخضع لتأثير حجر ~~الحك ms119 (محك الذهب) في السوق فوجد أنه على أحسن ما يكون ، وأنه ذهب يمكن ~~تسويقه. PageV01P156 # ولم يكن المسيو ماركي سخيفا بحيث يمكن أن يتواطأ في عملية تزييف يمكن أن ~~تصدر من هذا الرجل العربي ، ولذلك أجد نفسي ملزما بتصديق قصته ومعتقدا بها ~~ضمنيا. وقد كان المسيو دي ماركي حذرا في إعطاء رأي ثابت في الموضوع ، وإنما ~~أعلن فقط عن عزمه على مراقبة حركات الرجل وخاصة خلال قيامه بإجراء تجربة ~~أكبر من التجربة السابقة في خلال الأيام القليلة التالية. فأبديت رغبة قوية ~~في الحضور أثناء القيام بإجرائها ، غير أن المحاولة صرف النظر عنها ، لأنها ~~لم يكن من الممكن إجراؤها من دون المجازفة باستثارة حسد الباشا في أمر يكون ~~شديد الحساسية فيه على الأخص. وقد علمت بعد ذلك أن المحاولة قد تمت فكان ~~الإخفاق حليفها ، وطلب الرجل السماح له بالذهاب إلى جبال كردستان على ما ~~أعتقد ليجمع منها بعض ما كان يحتاجه من المواد. لكن الباشا رفض أن يسمح له ~~بمغادرة المدينة خوفا من عدم عودته بطبيعة الحال. فما أغرب هذا الخليط ~~المتكون من الإيمان بالشيء وعدم الثقة به في الوقت نفسه!! فالباشا يؤمل ~~ويعتقد اعتقادا جازما بنجاح محاولات هذا الرجل ، ومع ذلك فهو على تغاضيه عن ~~نفس الأشياء التي يجب أن تفتح له عينيه وتقضي على آماله يتمسك بها برغم ما ~~تدل عليه قدرته في التمييز والحكم على الأشياء. وقد ذهبنا ذات يوم لزيارة ~~الكيميائي المذكور في معمله ، فكان رجلا اعتيادي المظهر ميالا إلى البدانة ~~، من دون أن تبدو عليه أمارات العبقرية والجرأة في الحديث. وكان عند دخولنا ~~قد أخرج لتوه من الفرن شيئا مسخنا إلى حد البياض ، وهو جرعة لأمير المناطق ~~الجنوبية ذات رائحة كريهة. وقد كان الرجل وقتذاك في حالة أشبه بحالة ~~الاعتقال المبجل ، وإني أرى أنه إذا لم يعمل في الحال على اعادة شيء من مال ~~الباشا بشكل سبائك ذهب فما عليه إلا أن ينصرف إلى البحث عن اكتشاف يجعله ~~منيعا ضد الشنق أو الإعدام ، لأن تطاول صبر الباشا ms120 وانتظاره سيؤديان به إلى ~~الموت إذا امتد إلى أكثر مما امتد إليه حتى الآن. # وقد أخبرنا دي ماركي بأن عدة أشخاص من مثل هذا الرجل قد أقنعتهم سلامة ~~نية الباشا الممزوجة بالطمع إلى محاولة هذه العملية. ومن هؤلاء أناس وقعوا ~~في الشرك الذي كانوا قد نصبوه لفخامته ، بينما نجح آخرون في غشه PageV01P157 # وابتزاز مبالغ غير يسيرة منه. فرثى لسلامة النية الموجودة عنده ، بينما ~~كان يستنكر الضعف المؤدي إليها. وكان من الواضح أنه كان يعتقد بأن المغامر ~~الذي كنت أسهب في التحدث عنه لا بد أن يظهر دجله في النهاية ، ويكتشف ~~احتياله ، كذلك. # أما الدراويش والفقراء والقلندرية والمتسولون والمتشردون من جميع الأنواع ~~فليسوا قلة في بغداد ، إنها في الحقيقة موطنهم الملائم. ومع أنهم لا يدعون ~~كلهم بقدرتهم على صنع الذهب فإنهم يجدون الوسائل المناسبة للتمتع بعيش مريح ~~بكفاية من تصدق المسلمين عليهم واعتقادهم بالخرافة هنا. فهناك عدا الإخوان ~~المتولين عدة تكيات لهؤلاء الناس هنا ، كما في استانبول ، وهي تنعم بمقدار ~~غير يسير من الخيرات والهبات. ولا يقوم أعضاء هذه الربط بالاستجداء بصخب ~~وعلانية ، لكنهم لا يردون هبات الميالين إلى التصدق من الناس وهداياتهم. ~~ويحصلون على المال بوسائل مختلفة ، وخاصة وسيلة القيام بمعجزات مزعومة. فلا ~~يعطون الرقى والتعاويذ ضد المرض والجروح والشرور من جميع الأنواع فقط ، ~~وإنما يوجد أيضا صنف منهم يزعمون أنهم لا يؤثر فيهم الحديد ولا يمكن حرقهم ~~بالنار. ويجتمع هؤلاء في أيام الجمع حول قبر من قبور الأولياء الذين ينتمون ~~إلى صنفهم ويعرضون معجزاتهم على الناس المندهشين الذين يأتون للتفرج على ~~حلقاتهم القدسية. لكنني قبل أن أروي لكم قصة زيارة قمت بها لهؤلاء ~~المتعصبين أراني ميالا إلى أن أسجل لغرض تثقيفكم بعض التفصيلات المختصة ~~بدراويش بغداد ، التي اقتبستها من أوراق أحد الأصدقاء حول الموضوع. # فهناك على ما يبدو في بغداد ثلاث طبقات كبيرة من الدراويش : # أولا دراويش التكايا الموقوف لهم ، وثانيا المتسولون المتفرقون الذين ~~يمكن أن نسميهم بالمتوطنين ، وثالثا القلندرية أو الأولياء المتجولون. # ويعيش دراويش التكايا من واردات خاصة ms121 يحترمها حتى أسوأ الحكام. والحقيقة ~~أن بعضهم رجال منصرفون إلى الدراسة والتأمل ، وبعضهم الآخر متعصب متحمس ، ~~والعدد الأكبر منهم ينهمك في الشهوات ويدمن على PageV01P158 # المسكرات وهؤلاء مجانين غريبو الأطوار. وهم يلبسون في رأسهم قبعة مخروطية ~~الشكل تصنع من اللباد أو القطن المنسوج وتزين حاشيتها أحيانا بالمرجان أو ~~شغل الابرة المشغول بخيوط ملونة ، كما يلبسون سترة غامقة اللون ويحتذون ~~نعلا خفيفا. ويحملون أحيانا صولجانا من الحديد أو بلطة خاصة ، وإناء أسود ~~مجوفا يصنع من ثمر بعض النخيل ويعلقونه بسير من الجلد في أيديهم. وتعلم ~~أجسامهم بعلامات خاصة تدل على طبقة الواحد منهم ومرتبته. # وعلى دراويش التكايا المختلفة أن يجتمعوا مساء كل جمعة بحلقة كبيرة وبين ~~يديهم شيخهم المريد ، في مكان معرض للمتعبدين العديدين والمتفرجين ~~المستطلعين من المدينة. فتوضع في الوسط مناقل من الفحم المشغول مع السيوف ~~والخناجر وحربات الحديد الطويلة الحادة المثبتة في قبضات خشبية سميكة مزودة ~~بعدد كبير من حلق الحديد المتحرك الذي يحدث جلجلة خاصة عند التحريك. ثم ~~ينبري أخ من إخوان الحلقة إلى ترنيم بعض الأدوار بنغمة محزنة في ذكر الله ~~وتمجيده ، وتعابير إلهية بعيدة الفهم ، أو إلقاء مرثاة عن وفاة شهيد من ~~الشهداء ومعاناته ، تصحبه في ذلك وتسيطر على نغماته نقرات طبلة يقوم بالنقر ~~عليها شخص آخر منها. وبعد أن يخيم السكون والخشوع على كل شيء مدة من الزمن ~~ينهض في الأخير أخ أو أكثر من الإخوان ببطء ، وإذ يأخذ بالاهتزاز القليل ~~طردا وعكسا يشرع بترديد الكلمات «حق ، حق ، هو ، هو ، هو الحق» ويتأمل ~~بكلمات الذات الإلهية في الوقت نفسه. وفي هذه الأثناء تزداد حركاته سرعة ~~واستمرارا فتنقلب إلى دوران وتدويم بالتدريج وتصبح شفتاه بفعل حركاته وسرعة ~~ترديده للكلمات مغمورتين بالزبد ، وعيناه مسدودتين جاحظتين ، وتشكل خصل ~~شعره الطويلة شيئا أشبه بالهالة من حول رأسه ، ويزرق من الإجهاد ، فيسقط في ~~النهاية منهكا لا حراك له وهو يسبح في عرقه. # وإذ يستفز هذا المنظر إخوانه الآخرين يحذون حذوه في هذا العشق الإلهي حتى ~~يهجم المشاهدون الدنيويون ، وقد سيطر عليهم ms122 الهياج لحد الجنون ، إلى ~~استنشاق النفس والتمتع ببركات شيخ الحلقة. ثم يأخذون PageV01P159 # السيوف والخناجر والحربات الباردة أو المسخنة فوق النار وبعربدة وحركات ~~تشبه عربدة السكارى وحركاتهم يضربون أنفسهم بالأسلحة ، أو يضعون الحدائد ~~المشتعلة فوق وجوههم ، وهم يقدمون التضرعات والابتهالات لولي من الأولياء ~~أو شهيد من الشهداء ، أو يصرخون بكلمة هو! وأخيرا يسقطون على الأرض ومنهم ~~من هو جريح مضرج بالدماء ، أو سالم من الأذى لكنه يتمرغ على الأرض كالمأخوذ ~~، أو هامد الجثة لا حراك فيه. والمعروف أن الذي يجرح في معركة المكر ~~والخداع هذه مع الحماسة والتورع يكون قد أدى حسابا عن ذنوب قديمة لم يكفر ~~عنها من قبل ، بينما يخرج الظاهر منها سالما من دون أذى تحميه بركات الشيخ ~~وأنفاسه. وقد تنشأ حوادث خطيرة عن مثل هذه الاستعراضات المؤلمة ، التي تعاد ~~برغبة أي سيد مغرض من السادة في أي وقت يختاره لتجربة أتباعه والوقوف على ~~مقدار إخلاصهم وورعهم ، أو لنشر نفوذه وسلطته الروحية. # ويندر الاستجداء بين هذه الطبقة من الدراويش ، ولكنهم جميعا حينما ~~يتنزلون لالتماس الصدقة والإحسان يرددون كلمة «حق» أو «هو» بنغمة عميقة ~~وصوت جهوري طنان ، وقليل من الناس من يرفض مثل هذا الطلب المتصف بالقدسية ~~لأن المفروض أن مثل هذا الرفض لا بد أن تعقبه إصابة أحد أفراد الأسرة ~~بمصيبة أو نكبة. وهم وحدهم يستطيعون الدخول إلى أي ديوان أو بيت من دون أن ~~يحاذروا من شيء وبصرف النظر عن أي عائق ، ولهذا السبب يكون هؤلاء قادرين ~~على أخذ ما يريدون وعلى استحصال المعلومات التي تبدو من قبيل المعجزة في ~~بعض الأحيان. وقد شذ بعض المنتمين لهذه الطبقة شذوذا كليا بدافع من خيالهم ~~البعيد ، وانتحالهم المتكرر للقيام بالأعمال الخارقة ، بحيث صاروا ينتحلون ~~الألوهية نفسها ويرددون على الدوام «أنا الحق». لكن هذه القحة ، على ~~استعصاء أمرها ، كانت السلطات الزمنية في الإسلام تعاقب عليها بالموت على ~~الدوام. والملاحظ أن هذه النقاط تشمل أنواعا عدة من دراويش التكايا أي ~~الدراويش الراقصون والدوامون الذين يطلق عليهم أحيانا «الدراويش المولولون» ~~في استانبول ms123 حيث يوجد منهم عدد غير يسير كذلك ، PageV01P160 # والدراويش الذين يدعون بعدم تأثير النار فيهم ممن ألمعت إليهم آنفا. # أما الصنف الثاني من الدراويش الذين أطلق عليهم اسم المتوطنين أي ~~المنتشرين بين الناس بكثرة فهم موجودون في معظم المدن الشرقية. وهؤلاء ~~يظهرون بمختلف المظاهر والألبسة التي تناسب زيهم ، وأحوالهم ، وطلاقتهم في ~~الكلام ، وحركاتهم التي تتطلبها الأغراض المختلفة التي يحصلون على الصدقة ~~والإحسان بواسطتها. ولذلك يختلف مظهرهم ، والهيئة التي يظهرون بها ، ~~اختلافا كبيرا على قدر الإمكان. فقد يكون أحدهم مثلا رجلا أنيقا نحيل الجسم ~~، ذا بشرة سمراء داكنة ، ولحية سوداء ، وشاربين مشذبين بترتيب ولطف ، يلبس ~~في رأسه عمة قطنية بيضاء ، وسترة من الوبر البني اللون ، حافي القدمين ، ~~يتوكأ على عكاز في يده ، وله عينان لا تريان النور لكنهما غائرتان في وجه ~~لا يزال معبرا ، يتقدم بطلعة منتصبة ومشية حذرة ، وبصوت عذب يرتل قائلا ~~«أنتم أيها المدينون لله! أعطوني من نعمته يفك لكم ديونكم! أنتم أيها ~~المثقلون بالغم والكدر أدخلوا السرور على عبده يخفف الله من أحزانكم». ~~فيخلط مستمعوه صدقاتهم بالهزء والسخرية ، ويتسلمها الدرويش بصبر وتحمل ~~ويعود بها إلى زاويته الخاصة في المسجد التي تعد مكانه ومأواه الذي يجري ~~فيه تأملاته ويؤدي صلواته ، ويستعيد استعمال عينيه حتى تستدعي الضرورة من ~~جديد أن يستدر عطف المسلمين عليه. # وقد يكون الثاني رجلا بدينا قصير القامة مرتب الهندام ، له لحية كثة ~~قصيرة قد تطرق الشيب إليها ، ووجه ممتلىء ، وعينان صغيرتان رماديتان ~~زائغتان يحجبهما حاجبان كثان ، وفم بشفيتن ضخمتين ، وأنياب كبيرة عارية ~~تصلح لأكل الأشياء جميعها. ويرتدي ملابس قطنية بيضاء تغطيها عباءة عربية من ~~الصوف الأبيض ، فيقف على دار يبدو عليها أثر النعمة والثراء فينفخ من رئتيه ~~العميقتين أقوالا في مدح النبي تختلط بوصايا تأمر بالبر والإحسان والتصدق ~~على العاري والجائع والمحتاج. فلا يخطىء المرمى ، إذ يخف إلى الباب اثنان ~~من العبيد السود ، ذكر وأنثى ، لغرضين مختلفين أولهما لطرد المتطفل وإبعاده ~~عن الباب وثانيهما لتقديم المساعدة اللازمة إليه ، فيختلط PageV01P161 # صخب العبدين المتنازعين بولولة المتسول ، لكن الأنثى سرعان ms124 ما تتغلب ~~فتنهال على الشحاذ القوي صدقات أهل البيت. # وقد يكون الثالث شخصا نحيلا غامضا ، ذا أطراف مرتخية قليلة العضلات أي ~~عبارة عن هيكل كامل يدل على مقدار تقرب الأحياء من الموتى. وبهذه الدرجة من ~~الهزال ربما يكون عديم الأسنان والشعر ، كليل العينين ، يكتسي مجموعة من ~~الأسمال البالية ، ولا يحمل عكازا تتوكأ عليه أطرافه المرتجفة فيسحب هيكله ~~نصف الحي من باب إلى أخرى. وحينما يتمدد على الأرض يعرض مناظر من جسمه ~~تستدر الرحمة والعطف عليه. وبعد أن يرق له الناس فيتصدقون عليه يحمل في ~~زنبيل ويبعث إلى مخبئه ليعود في اليوم الثاني إلى وضعه السابق ، فيستدر عطف ~~الناس من جديد. # ويتألف الصنف الثالث ، أي صنف القلندرية ، بوجه عام من خيار الدراويش ~~وأنشطهم ، وأصغرهم سنا. وهؤلاء هم المشتغلون بالكيمياء القديمة والمنجمون ~~والعرافون والمنشقون في عالم الصعاليك. ويكون توفيق هؤلاء وجدهم في تبدل ~~مستمر ، لكن حضور ذهنهم يكون مساويا على الدوام للحالات المفاجئة التي ~~يجدون أنفسهم قد تورطت فيها. وهم بوجه عام صوفيون في ديانتهم ، أصحاب مرونة ~~في سلوكهم وتصرفهم ، سريعو الإدراك ، حاضرو البديهة ، شديد والعزم ، أقوياء ~~البنية. وقد تعودوا أن يلقوا على أكتافهم بجلود الأسود أو الفهود أو الوعول ~~غير المدبوغة. ويسمحون لخصل شعرهم بأن تنمو حسب الإرادة ، أو يضفرونها ~~بأشكال مختلفة غريبة. وقلما يوجدون وهم من دون سلاح ، وإذ يكونون معتمدين ~~دائما على استعداد المسلمين المتعصبين للاعتقاد بالأشياء الخارقة ، فهم ~~دوما مزودون تزويدا حسنا بالوسائل التي يستخدمونها في صنع بعض الظاهرات ~~الكيميائية التي تلفت النظر ، وبمعاجين العشق وأشربة المحبة والرقى ~~والتعاويذ ومختلف وسائل فتح البخت وعلم الغيب لتساعد انتحالهم للمهارة في ~~شؤون الكهانة والعرافة. # ويقدم لنا تأريخ السيد مأمون المصطفى ، وهو رجل شاب ولد في واد من أودية ~~آشور ، نموذجا حسنا لروحية هذه الطبقة من الدراويش. فهو حينما PageV01P162 # كان يمر في دور الدراسة والتعلم ليتبوأ مكانا مناسبا في عالم الملالي ~~استولت عليه الرغبة في السفر والتطويح في أرض الله الواسعة ، فترك بيته ~~وأهله برغم توسلاتهم في العدول عن ذلك. وقد ms125 كان شابا طويل القامة قوي ~~البنية جميل المحيا ، ذا بشرة بيضاء وعينين سوداوين ، فشرع في رحلاته مؤملا ~~نفسه بالآمال المعسولة والمستقبل المملوء بالمسرات والعجائب. وبعد تجوالات ~~طويلة أجراها بين المغاربة ، سحرة العالم الإسلامي المعروفين ، وبينما كان ~~في طريقه إلى بلاد الجوغي والبراهميين في الهند ، دخل بغداد فنزل في ~~المستنصرية ، وهناك حضر المحاضرات الدينية التي كانت تلقى بوجه خاص على ~~طلاب المذاهب المختلفة ، على أن عقله ظل غير مكتف وذهنه غير مقتنع. وقد شعر ~~في قرارة نفسه بأنه متفوق على من كان يحيط به من الناس ، وأخيرا تراجع وهو ~~قلق لا هدف له إلا الاعتكاف في مسجد مجاور كان يقضي فيه أياما عديدة ~~متوالية من دون أن يتذوق طعم الأكل أو يتناول شيئا منه. # فحاول إمام المسجد ، وهو متأثر بهذا التدين الفريد ، أن يحثه على الخروج ~~والسعي وراء القوت الذي يقوم به أوده. لكن نتيجة المقابلة أدت به إلى ~~الاعتقاد بأنه أمام ولي من أولياء الله ، وأعلن نفسه من أتباع هذا الناسك ~~المتعبد الذي عمل على تزويده بالقوت والطعام ، واجتذاب الناس إليه. # وقد دبر مأمون أمر الحفاظ على خداع الناس بطبيعة وجوده المحاط بالمعجزات ~~، بتناول شيء قليل جدا من الذخائر الوفيرة التي صارت تتيسر له ، فكانت ~~شهرته تزداد يوما بعد يوم. وأخذ النساء العقيمات يتوسلن ببركاته وتعاويذه ، ~~وصار العميان يقصدونه ليرد لهم بصرهم ، والعرج ليعيد إليهم قابلية ~~استعمالهم أطرافهم. كما أخذ الكيميائي الفاشل يستجدي عونه في الحصول على ~~أكسير فعال مفيد ، وراحت النساء المهجورات يقبلن أقدامه ليزودهن بأشربة ~~الحب الجذابة ، وصار الراكضون وراء الخوارق العجيبة ينتظرون منه المعجزات ~~التي تعزى إلى السحر عادة ، كالركوب في الهواء ، والقدرة على كشف الأشياء ~~غير المرئية ، وتنفس النار ، وقلب الإنسان إلى طير أو حيوان من ذوات الأربع ~~، والتراب إلى رمل من الذهب ، والحصى إلى نقود. لكن أغرب PageV01P163 # جزء من عملية الخداع كلها كان الاعتقاد الذي يساور كل واحد من أصحاب ~~المطالب هذه بأن ما كان يريد هو نفسه قد حصل بالفعل ، فضاعت شكوك القلة ~~المرتابة ms126 في لجج الكثرة الكاثرة من المصدقين. # وبينما كانت الأمور تسير على هذه الحالة جاء أحد التجار يطلب مساعدة ~~مأمون في الكشف عن سرقة أموال تعود له ومعرفة اللص الفاعل. فكان شيء من ~~الخشية المتواضعة التي أبداها مأمون كافيا لإقناع التاجر بقدرة الرجل ~~القديس على ذلك ، وبالتعهد بتقديم هدايا كبيرة لمساعدته في توسلاته ~~الأصلية. لكن القديس ظل حييا متمنعا ، فازدادت معروضات التاجر حتى انتهت ~~بتسليم الدار والمؤسسة والطفل إلى الرجل الذي يملك مثل هذه القدسية والحكمة ~~الأصلية. وبعد أن أقام مأمون في مسكن التاجر واستحكم فيه ، شرع بإجراء ~~تحقيقات دقيقة في ظروف الأشخاص الذين يمكن أن تكون لهم علاقة بالسرقة ، ~~وأشار على التاجر بأن يجمع في يوم معين جميع خدمه ليختبر فيهم تأثير بعض ~~الرقى والتعزيمات التي خرج بعد ذلك لاستحضارها. # وبعد أن عزل نفسه عن الأسرة بأجمعها خلال الفترة التي أعقبت ذلك ظهر في ~~الوقت المعين أمام الخدم الذين قرر اجراء تعزيماته عليهم ، وهو يرتدي ملابس ~~من الحرير الأسود وينثر خصل شعره الفاحم الأشعث بحيث ينحجب وجهه وراءها ، ~~ويحمل في إحدى يديه مبخرة ممتلئة بالنار وفي الأخرى كيسا صغيرا أسود يحتوي ~~على التمائم والعقاقير. ثم أخذ شيئا قليلا من العقاقير ورماه بصمت وهدوء ~~فوق النار في المبخرة التي كان يتصاعد منها دخان كثيف ورائحة نفاذة للغاية ~~، وبتأثير هذه الرائحة القوية والتهيج الذي كان يوحيه المنظر العام في نفس ~~الحضار ، الذين كانوا جالسين في ذلك الوقت ، نهضوا كلهم مرة واحدة وهم ~~يرددون «الله ، الله». وقد انحنى إلى الأمام حتى التاجر المسروق ، الذي ~~تصور المصير الرهيب الذي كان من المنتظر ان يصيب اللص المجهول ، وكأنه يريد ~~أن يوقف إن أمكن سير التعزيمة وتقدمها. ولكن الرهبة أخرسته وتمادى الساحر ~~في عمله. # ثم أخذ من الكيس عدة حبيبات داكنة اللون وصار يعرضها للرائحة التي PageV01P164 # كانت تتصاعد من المبخرة ، وقد قرأ بلهجة غائرة الابتهال والدعاء التالي : ~~«إلهي يا رب العالمين أجمع ، يا مدبر الطبيعة والأكوان الذي يخترق عبيره ~~المادة كلها امنحني الآن شيئا من طاقتك ms127 وقدرتك». وبهذه الكلمات تقدم نحو ~~الأشخاص المشتبه بهم الذين أصبحوا في هذه المرحلة فريسة لعاطفة جامحة. وقد ~~كانت الاعراض البادية على كل منهم تختلف اختلافا بينا ، لكنها كانت تلفت ~~النظر. فقد ظل أحدهم واقفا بانتصاب تام ، لكن ذراعيه المتيبستين الملتصقتين ~~بتشنج إلى جنبيه ، وفمه المغلق المزموم بشدة ، وعينيه الجامدتين ، وجلده ~~الناشف ، والدائرة الزرقاء المحيطة بشفتيه المضغوطتين اللتين لا لون لهما ، ~~كانت كلها تدل على نزعه العقلي المرير. وكان الآخر يتلوى كالحية ، وتتحرك ~~كل عضلة فيه بتشنج غير يسير ، بينما كانت تتساقط قطرات العرق من جسمه. وكان ~~كل طرف ونهاية في جسم الثالث يتحرك حركة غير مسيطر عليها ، فكانت شفتاه ~~تتحركان بحركة لا إرادية وعضلات جلدة رأسه تتلوى كأنها كانت تسحب بعنف. أما ~~الرابع فقد خر ساقطا على الأرض والزبد يملأ فمه ، وراح يتمرغ بحركات مخفية ~~، ويبذل جهودا غير مثمرة على ما كان يبدو للتكلم بوضوح. # وقد كان من شأن النزع الذي أصيب به الفاعلون ، والشعور المسيطر على ~~المشاهدين الآخرين ، أن ينذر مأمونا بأن ينهي المشهد ويختمه. ولذلك أخذ ~~التاجر جانبا وقال له : «الق حجابا محسنا على الجريمة التي ثبت وقوعها بمثل ~~هذا الوضوح وعوقب مقترفوها بهذه الشدة. ودع كل رجل يرمي في منتصف الليل ملء ~~حجر واحد من التراب في زاوية باحة الدار تحت النجم القطبي ، وعند طلوع ~~الشمس ابحث هناك عن المال المسروق منك». # ومن المحتمل أن يكون ذلك البحث عن المال قد اقترن بالنجاح ، لأن شهرة ~~الولي القديس ، والاعتقاد بقدرة تعزيماته وتعاويذه ، قد ازدادت ازديادا ~~عظيما بحيث إن الرجال المرموقين في حكومة الولاية كانوا في عداد أتباعه ~~المخلصين. وصارت أسرار السمياء ، والتعاويذ ضد الجروح أو التعرض للكوارث ~~والنكبات ، أو خسارة العطف الملكي أو وظيفة من الوظائف ، تطلب منه بشوق ~~وحماسة مع الثقة التامة بتأثيرها وشدة مفعولها ، وكانت تقدم له PageV01P165 # مكافآت سخية من أناس آخرين للاشتراك في مثل هذا النوع من القدرة ~~والسيطرة. ولكن ذلك لم يكن من شأن هذا الولي المكار ، فقد كان يصرح أن ~~قدرته هذه ليست ms128 من النوع الذي يمكن البوح بأسرارها ولا يمكن أن ينالها كل ~~أحد إلا الذين تشملهم العناية الإلهية بعطفها وتوفيقها. على أن مثل هذا ~~الاعتذار والتملص لم يكن مقنعا للجميع ، ولذلك صار بعض الناس بدافع من ~~حسدهم وخيبة أملهم يراقبون أعماله عن كثب ويتسقطون حركاته وسكناته. ومن سوء ~~حظه أن يجعله نجاحه المطرد على جانب أكبر من الجرأة والتجاسر ، فأدى به ذلك ~~إلى أن يمارس خدعه وأحابيله بأقل ما يمكن من الحذر. وسرعان ما ازداد الشك ~~وكثرت الريبة ، وانكشفت ظروف كانت نتيجتها شؤما على نفسه وشخصيته. وأدى به ~~تعطشه إلى الربح والمحصول إلى أن يقترف أعمالا تنطوي على النصب والاحتيال ~~لابتزاز الأموال بمقياس واسع ، يساعده في ذلك المجال المتسع الذي هيأته له ~~الثقة المتناهية التي كان يضعها فيه مريدوه والمخدوعون به. لكن سحره قد بطل ~~وقل تأثيره ، وانكشفت أعماله في النهاية ، فأعقب ذلك بسرعة فائقة الخزي ~~والعار والعقوبة والدمار. # وهنا أكتفي بهذا المقدار مما كتبه صديقي في مذكراته وأعود إلى ملاحظاتي. ~~فقد أشرت في السابق إلى الزيارة التي قمت بها مع بعض الأصدقاء في المقيمية ~~إلى مرقد يغشاه الدراويش الذين يدعون بالمناعة الخاصة ضد الأذى من أي نوع كان. # فبعد أن اجتمع عدد من الدراويش ، وعدد لا بأس به من الحضار والمشاهدين ~~جلس الدراويش بشكل دائري وظلوا هادئين ردحا من الزمن كأنهم يغطون في تأمل ~~عميق. وإذ ذاك قام أحدهم فتعرى من ملابسه إلى حد المحزم ، ثم ذهب إلى ما ~~يقرب من القبر حيث كانت تحفظ السيوف والخناجر والحراب ، وأخذ خنجرين منها ~~فراح يعرض نفسه ذهابا وإيابا في داخل الفسحة الصغيرة المحاطة بإخوانه ~~وجمهور المتفرجين. وقد كانت حركاته بادىء ذي بدء حركات بطيئة تكاد تدل على ~~أنه كان منغمسا في التأمل ، لكنه أخذ يسرع الخطى والحركات بعد قليل من ~~الوقت ويلوح بأسلحته حتى PageV01P166 # استحالت بالتدريج إلى قفزات ونطات ، وظل الخنجران يلوح بهما بسرعة فائقة ~~تكاد تضلل النظر. على أن المتفرج كان بوسعه حينما ينظر إليهما أن يلاحظ ~~بأنهما كانا في كل ms129 حركة من الحركات يرفعان وينزلان في جسمه هو كما لو كان ~~يقصد بها أن تجرح رأسه وكتفيه وبطنه. لكن الخنجرين كانا معقوفين بحيث إن ~~رأسيهما لم يكونا يضربان الجسم مباشرة ، وكان هو يحرك الخنجرين بخفة ومهارة ~~بحيث يضرب جوانبه بهما من دون أن ينزلهما على المكان الذي يوجهان إليه ~~مباشرة. يضاف إلى ذلك أن الخنجرين لم يفحصهما أحد ، وهما لا بد أن يكونا ~~غير حادين على الوجه المطلوب اعتياديا. على أن الجسم مع جميع هذه ~~الاحتياطات لا بد أن يصاب ببعض الجروح عرضا أو بالتقصد ، وحينما أمعنت ~~النظر وجدت أحد هؤلاء الدراويش ينزف دما من ظاهر بطنه. # ثم أخذ سيفا ، أو سيفين بعد ذلك فأعاد نفس الحركات الجنونية وهو يتصنع ~~ضرب نفسه بهما في مختلف الأماكن من جسمه. وعمد علاوة على ذلك إلى وضع حد ~~السيف على بطنه ثم سمح لدرويش آخر أن يتقدم من خلفه فيمسك السيف من القبضة ~~والرأس بكلتا يديه اللتين كانتا تلتفان حول محزمه ، وبعد أن ضغط على السيف ~~وهو بهذه الوضعية وشد عليه بقوة رفعه قليلا إلى أعلى وأخذ يدور به مرات ~~عديدة بحيث كانت قوته المركزية كلها تضغط ببطنه على مشفر السيف نفسه. ويزعم ~~كذلك أن الدرويش في بعض الأحيان يستلقي على الأرض فيوضع حد السيف على بطنه ~~وهو في تلك الحالة ، ثم يأتي أحد إخوانه فيدوس على ظهر السيف بكل قوته ، ~~ومع ذلك لا يؤدي كل هذا إلى حصول أي جرح في جسمه. لكنني لم أر هذا بنفسي. ~~ولم أرهم كذلك يغرزون حربات الحديد ، الساخنة أو الباردة ، في عيونهم وسائر ~~المواضع الرقيقة في أجسامهم من دون أن يصابوا بأي نوع من الأذى على ما يظهر ~~، ولذلك لا يسعني أن أقول كيف يجري تدبير هذا العمل. كما أنني لم أر مطلقا ~~معجزات المناعة ضد النار ، مثل مسك الحراب حينما تكون ساخنة إلى حد ~~الاحمرار وحكها بوجوههم وأجسامهم. لكنني شاهدت ما يكفي ليحملني على ~~الاعتقاد بأن القضية كلها لم تكن سوى مهزلة سليطة تعد لتؤثر ms130 في جمهور من ~~المشاهدين حسن النية سهل الانخداع. وأن العار الذي يصيب من يظهر بمظهر PageV01P167 # غير المعتقد لا بد أن يعمل على حماية هؤلاء الغشاشين المتطفلين على ~~القدسية من أخطار الشك بهم والتدقيق الجريء الذي قد يتعرضون له. # وقد زرنا في فرصة أخرى مرقد ولي مشهور من أولياء السنة ، يسمى مرقد الشيخ ~~عبد القادر الكيلاني ، الذي شيد تخليدا له هنا ضريح وجامع من أفخم الأضرحة ~~والجوامع الموجودة في هذه الجهات. ويتقاطر الزوار على تربته هذه من الهند ~~وأفغانستان وبخارى وبلاد التركستان. ولم يكن حصولنا على الرخصة اللازمة ~~لذلك يخلو من صعوبة ، أو استجواب على الأقل ، وخاصة حينما طلبنا مشاهدة ~~داخلية هذا الصرح المقدس الذي يشرف عليه موظف ديني يسمى «النقيب» ، ويعتقد ~~بأنه سليل مباشر من سلالة القديس الأصلي نفسه. لأن الوضع هنا كان على جانب ~~أكبر من الأهمية قبل أن يحدث الغرق الكبير ويتبوأ علي باشا منصب الباشوية. ~~فقد كانت هذه المحلة قبل وقوع الحوادث المشار إليها يسكنها جميع السفلة ~~والمتشردين الموجودين في البلد. إذ كان الناس الذين يشعرون بخطر الوقوع حتى ~~في قبضة العدالة المرتخية في بغداد ، يحتمون في ظل هذا الولي الكبير. ولذلك ~~كان يمكن العثور هنا على جميع الصوص والمحتالين ، وجميع القتلة ~~و «البلطچية». فكانت «ألزاشية (1)» بغداد هذه ، وسكانها المختلطون ، يمارس ~~فيها صديقنا النقيب بوجه عام شيئا لا بأس به من النفوذ والسيطرة ، كما كان ~~السكان يكافئونه على حمايته لهم بمقدار بسيط من الطاعة ، وبحماية تخوم ~~ممتلكاته ضد الفضوليين والمتطفلين. وكان قليل من الباشوات في الحقيقة من ~~يجرأ على التدخل في ترتيبات عش الزعانف والأوباش هذا وحاميهم الديني ، أو ~~يقدم على سوق الضباط أو الجنود ضدهم. وحتى داود باشا نفسه لم يستطع فرض ~~إرادته على المحلة مع أنه برهن في مرات عديدة على كونه رجلا لا يستهان به ~~فعزل النقيب وضربها بالمدافع أحيانا للقضاء على روحية الشغب المسيطرة فيها. ~~كما لم يجد من المناسب أن يثير روحية التعصب الديني إلى حد بعيد باتخاذ ~~إجراءات ذات طابع متطرف ms131 في الشدة. والخلاصة ، أنه لم PageV01P168 # يكن هناك من يجرأ على الدخول إلى المحلة إلا أولئك الذين يستطيعون جعل ~~«الأشقياء» المقيمين فيها يرحبون به. أما بالنسبة لنا نحن الذين كنا عبارة ~~عن لفيف من الكفار فقد كان لا بد لنا أن نتقدم ضد قطيع من الثيران الهائجة ~~لو أردنا أن نقوم بزيارتها هذه في ذلك العهد والزمن. # اما المستر ريچ (1) فالحقيقة أنه لم يقم بزيارة النقيب فقط بل سمح له ~~أيضا بأن يدخل المقام ويزوره. لكن طريقه إلى ذلك كانت قد ذللت صعوباته ~~بالهدايا الثمينة التي كان يقدمها إلى ذلك الرجل المرموق ، ولقد طمنا نحن ~~بأنه لم يدخل إليه منذ ذلك الوقت سوى جماعة واحدة من الافرنج. لكن ذلك ~~المشهد قد تبدل اليوم إلى حد كبير فقد أتى الطاعون على جميع السكان الأوباش ~~في هذه المحلة ، وأثر الغرق في كل بيت من بيوتها تقريبا عدا المرقد ، ~~وملحقاتها المباشرة ، الذي ازدادت شهرته وقدسيته بمناعته هذه التي تعزى بلا ~~شك إلى عمق الأسس التي يستند عليها ومتنانتها إذ لم يبق من المحلة سوى ~~جدران متهدمة وبضعة بيوت جديدة شيدت بعد النكبة. ولم يعد أحد من المدافعين ~~الأشقياء الذين كانوا يدافعون عنها ، ولذلك تجدها اليوم مفتوحة لكل من يرغب ~~في زيارتها. # وقد كنا الجماعة الثالثة التي أبدت رغبتها في مشاهدة المكان ، فطالب ~~النقيب في بادىء الأمر بالهدايا التي أثبت لنا أنه قد تسلمها من المستر ~~ريچ. على أنني حينما أخبرته بأننا لم نكن سوى سياح بسيطين لم نكن نعلم ~~بأننا يجب أن ندفع مثل هذه الأجور الباهظة عن الزيارة ، برغم رغبتنا في ~~إشباع حب الاستطلاع الذي يساورنا ، أجابنا بجواب لطيف ، فذهبنا إليه. وقد ~~استقبلنا برقة المتفضل علينا في غرفة صغيرة حقيرة كانت جدرانها مبنية من ~~الطابوق غير PageV01P169 # المبيض. وإذا كان هذا يعزى إلى الظهور بمظهر متواضع فإن ملابسه الشخصية ~~لم تكن تؤيد ذلك. لأنه كان يرتدي ألبسة حريرية فاخرة وفروا ثمينا ، وكان ~~يضع فوق رأسه عمامة بديعة من الشال الكشميري التي تكاد لا تتفق ms132 مع المظهر ~~الذي يظهر به الدراويش. غير أن الأولياء والقديسين في هذه الأيام يتمتعون ~~بامتيازات غير يسيرة ، ويقال إن هذا الرجل بالذات يتمتع بثراء فاحش. وقد ~~كان حديثه متحفظا نوعا ما ، فأظهر لنا ما يعبر عن نكران للذات من العواطف ~~التي لم تكن بالتأكيد خارجة من القلب لأنه في قرارة نفسه كان من الخارجين ~~المشهورين على القانون ، وخاصة للمشروبات القوية التي كان يضمر إعجابا ~~شديدا بها. فإنني أعتقد في الحقيقة أن هذه المحلة كانت في أيام عزها تستهلك ~~مقدارا من الخمر والعرق يزيد على ما كان يستهلك منهما في المدينة كلها. ~~وكان النقيب شخصيا رجلا جسيما ، طويل القامة ، أبيض البشرة ، له أنف أقنى ~~وعينان زرقاوان كبيرتان ، وشكل رقيق الشمائل. # وبعد تقديم الشطب للتدخين وتناول القهوة ، التي لا بد أن تقدم في كل ~~زيارة تركية ، توجهنا إلى المرقد والجامع اللذين كانا يستحقان تحمل الإزعاج ~~والمشقة من أجلهما. إذ يوجد القبر في الداخل تحت قبة في جناح مثمن الجوانب ~~(أو مربع)، مزين كالمعتاد بالآجر القاشاني ، الذي كتبت عليه آيات من ~~القرآن الكريم ، ومفروش فرشا لا بأس به بالسجاد. ويقوم من فوقه سرادق من ~~الحرير الأخضر ، كما تحيط به شبابيك عالية من الفضة الصلبة. والغريب في ~~الأمر أن هذه الشبابيك كانت هدية من أحد اليهود لهذا المرقد. وقد كان هذا ~~الشخص (1) صرافا لأحد الباشوات ، وفي أحد الأيام اصطحبه سيده في زيارة ~~تعبدية لهذا المرقد فأخبر هناك بأن من عادة الغرباء أن يقدموا هدية من PageV01P170 # الهدايا في أثناء الزيارة ، وسئل عن الشيء الذي كان مستعدا لتقديمه. ~~فأجاب يقول «ان العادة إذا كانت كذلك فلا بد لي أن أتقيد بها بطبيعة الحال. ~~دعوني أفكر قليلا ، إن هذه الشبابيك مصنوعة من النحاس في الوقت الحاضر ، ~~نعم إنني مستعد للصرف على استبدالها بالفضة .. فقوبل سخاء اليهودي بالترحيب ~~الكثير ، وربما لم يخسر كثيرا في النهاية على كل حال. # أما الجامع فهو بناية كبيرة جدا تشغل قسما غير يسير منها شرفات ومصليات ~~جانبية ، على أنه يوجد في وسطه تحت ms133 القبة مباشرة فسحة يشغلها جناح واسع عال ~~جدا. وهذه الغرفة ، المربعة التي يتراوح طول الضلع الواحد منها بين السبعين ~~والثمانين قدما ، تضاء إضاءة حسنة بشبابيك موجودة في أعلاه ، ومجهزة من أجل ~~الليل بعدد من المصابيح المدلاة من السقف. وقد زين القسم الأسفل من الجدران ~~الجانبية والمكتب ، أو مكان القراءة ، بالآجر القاشاني وفرش فرشا بديعا ~~بالسجاد بحيث يبدو الوضع العام فيه وكأنه غرفة استقبال مريحة وليس محل ~~عبادة عار عن كل شيء كما هي العادة في كثير من الأحيان. والمقول ان هذا ~~الجامع يمكن أن يتسع لثلاثة آلاف شخص في وقت واحد في أثناء الصلاة. ويحاط ~~الجامع بمربع من الأجنحة التي تحتوي على حجر تشبه حجر الخانات ، وهذه يمكن ~~أن يسكن فيها الزوار القادمون من مختلف البلاد ويطعمون من واردات المؤسسة ~~التي يقال إنها كثيرة جدا. وقد فتشت بين الهنود الذين كانوا هنا على أناس ~~من جهات الهند التي أعرفها ، وخاصة من دلهي ، لكنني لم أجد غير رجل واحد ~~فقط كان قد ترك البلاد منذ أيام أو كترلوني. # وقد قادتنا جولة أخرى من جولاتنا في المدينة إلى ارتقاء المنارة القديمة ~~التي ألمع إليها بكنغهام في رحلته ، فشاهدنا من قمتها منظرا عاما لسطوح ~~البيوت في بغداد وبعض الأسواق القريبة منا ، التي كانت مكتظة بالناس. غير ~~أنه لما كان مثل هذا المنظر العام في بلدة شرقية لا يمكن أن يكون طريفا جدا ~~، عدا في الصباح الباكر أحيانا ، فإننا لم نبق كثيرا فوق القمة. فذهبنا من ~~هناك إلى دار رجل من رجال الدين الفرنسيين ، وهو القسيس العام لجميع ~~الكاثوليك PageV01P171 # الموجودين في هذا الجزء من العالم. والحقيقة أن طائفته هنا صغيرة ، لا ~~تتجاوز في عددها الألف نسمة في بغداد من جميع الأنواع والأعمار. وليس من ~~المحتمل على ما يظهر أن يحصل تحسن في ظروف وأحوال كنيسة روما في الشرق ، ~~حيث إنه يقول إنه ليس هناك من بين الأديرة الخمسة الموجودة في أصفهان سوى ~~دير واحد لم يتهدم ، وهذا على ما أعتقد يشغله خادمان فقط. وقد ms134 كان في ~~الكنيسة هنا ، وهي بناية واهية جدا ، شيء واحد فقط يستحق المشاهدة وهو صورة ~~كان قد جيء بها قبل مدة طويلة من البصرة ، وهي جميلة جدا على ما أرى. فهي ~~تمثل العذراء وطفلا واقفا وفي يده بعض الأزهار أو طير من الطيور كما أظن. ~~وقد علمت أن الهولانديين جاءوا بها إلى البصرة قبل مئة سنة تقريبا. # وكان صديقنا القس على درجة كافية من اللطف ، لكنه كان كثير الكلام ~~والتحسر على نفسه لأنه بقي مدة طويلة في هذه البلاد المتوحشة ، التي لا ~~يعمل فيها رئيسا لكنيسة روما فحسب ، وإنما يتولى أيضا وكالة البابا ~~والحكومة الفرنسية كذلك. لكن هذه الجهات كلها لا تدفع له شيئا كافيا من ~~المال لأنه يضطر لإعاشة نفسه بوسائل أخرى. ومن أجل هذا تراه يتشدد مع أفراد ~~طائفته ، ولا يخرج أحد من الاعتراف دون أن يدفع شيئا غير يسير من المال ~~لهذا الوكيل الأرضي. وهناك أسرة من الأسر جعل مكانها حرجا في هذا العالم ~~لكونه يأبى السماح لرئيسها الذي مات مؤخرا بالخروج من سجن المطهر ما لم ~~يدفعوا له مبلغا محترما من المال إنه يقول إن الرجل كان كثير الذنوب ، وإن ~~ضميره لا يطاوعه في إطلاق سراح روحه المسكينة من دون تعويض أو ترضية فريدة ~~في بابها. PageV01P172 ### ||| * (9) # محاصرة عنزة للمدينة الحالة في العتبات أسبابها تجاوزات اليرماز وفاة شاه ~~إيران النزاع مع عقيل تاريخ القبيلة توطنهم في بغداد طلب الباشا إليهم ~~مغادرة بغداد رفضهم لذلك عصيان القبيلة وتجمعها قطع الجسر وبداية المعركة ~~رفضهم لذلك عصيان القبيلة وتجمعها قطع الجسر وبداية المعركة أخبار مختلفة ~~استخدام زورق المقيمية عبوره إنزال الجند هجوم على الجسر النهب والهرج ~~شائعات وأخبار السلب عقيل تغادر بغداد خسائر الجيش فظاعات الجند. ### ||| ** 1 الأربعاء : 28 تشرين الثاني 1834 م # إن الدور الذي لعبه الشيخ صفوگ وقبيلته الجربا من قبل تقوم بدور مثله ~~الآن قبيلة عنزة. فقد كانت بغداد منذ أن وصلنا إليها في حالة حصار فعلي. إذ ~~لم يكن بوسع أحد أن يخرج إلى مسافة مهما ms135 كانت قريبة من الأسوار من دون أن ~~يتعرض إلى السلب على أغلب الاحتمال ، ولا سيما في الجانب الغربي من النهر. ~~وقد كنت أتوق للذهاب إلى عقرقوف (1)، موقع الخرائب الأثرية PageV01P173 # المعروف ، المعاصر لخرائب بابل والذي يعتقد الكولونيل تايلور أنه موقع ~~أكد الوارد ذكرها في الكتاب المقدس. لكن أصدقاءنا رجال عنزة قد جعلوه مركزا ~~لتجمعهم ، فلم نجرأ على الخروج إلى هناك. وقد مدوا رواق سيطرتهم الآن عبر ~~الجزيرة الواقعة ما بين دجلة والفرات ، واستولوا على طريق الحلة بحيث لا ~~يمكن لأي أحد أن يذهب في ذلك الاتجاه والحقيقة ان كل شيء غير آمن هنا ، ~~لأنهم ليسوا وحدهم ، بل كل وغد من الناس وكل لص في بغداد أو فيما حولها قد ~~خرج للسلب باسمهم أيضا. فعاد الكثيرون من المساكين وقد سلبت حتى ملابسهم ، ~~ولم يعد بوسع أية قافلة ليست معها قوة كبيرة أن تسير في ذلك الاتجاه. ويقال ~~إن الپاشا يقوم بمفاوضة قبيلة عنزة ، ويحاول جريا على خطته السابقة أن يزرع ~~بذور الخلاف بين عدد من أجزاء العشيرة. وقد دعي كالمعتاد عشيرة أخرى ~~لمساعدته كذلك ، وهي عشيرة زبيد. ولا شك أن هذا يعود بالوبال عليه وعلى ~~البلاد بوجه عام ، ولكن هذه هي سياسته السقيمة. على أن رجال عنزة ، أو ~~الذين ينتحلون اسمهم ، لا يعبأون إلا قليلا على ما يبدو بهذه المفاوضات. ~~فقد سلب عدد من رجال الپاشا نفسه في أماكن قريبة من أبواب المدينة ، وكان ~~من بينهم يوسف بك الذي يحمل لقب «باب العرب (1)» أي الموظف الرسمي الذي ~~يتوسط بين الپاشا وبينهم ، بعد أن كان من مصاحبي الپاشا نفسه. فأغاظ هذا ~~سموه بحيث صار يقول الآن إنه سوف لا يتعامل معهم مطلقا. وقبل يومين فقط سمع ~~كذلك صوت إطلاق النار في الجانب الغربي من النهر ، بالقرب من تربة زبيدة ، ~~فتبين أن فريقا سلابا من عنزة هاجم المنطقة إلى حد الأسوار نفسها فاستولى ~~على جميع ما فيها من إبل وأغنام وما أشبه. PageV01P174 # ويصعب هذا كله على السياح من مثلي الذين يعد التأخير بالنسبة لهم ms136 شيئا ~~متعبا وخطرا. هو خطر على الأخص بالنسبة للعدد الكبير من الزوار الإيرانيين ~~كذلك ، الذين يأتون من بلاد بعيدة لزيارة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف ~~الأشرف ، فقد عاد أولئك الذين دفعتهم حماستهم منهم إلى التجاسر على سلطة ~~الأعراب وقد سلبوا إلى حد العري ، ومن دون أن يروا العتبات بأعينهم. ومن ~~الحقائق التي تدل على ضعف الحكومة التركية التام في هذه الولاية أن جميع ~~العتبات التي لها قدسية خاصة تقريبا قد جعلت ملاذا لشر الناس في المجتمع ~~وأكثرهم تفاهة ، ولا تزال في وضعها هذا حتى الآن. ومن المحتمل أن يكون هذا ~~قد نشأ عن طبيعة الحماية التي تقدمها هذه الأماكن للناس من دون تفريق بينهم ~~، ولأن هذه الحماية يستغلها في الدرجة الأولى أسوأ الخارجين على القانون من ~~الناس بطبيعة الحال. لكنه على كل امتياز لا يسمح «المتولي» ، ورجال الدين ~~أو خدام الحضرة ، للسلطات الزمنية أن تتعرض له. وهكذا يتجمع أصحاب السوء ~~وقد يدفعون الكثير من المال من أجل الحصول على الحماية حتى يكون في مقدورهم ~~الهيمنة عليها كما هي الحال في محلة (1) الشيخ عبد القادر ببغداد نفسها. ~~وقد حصل مثل هذا الوضع كذلك في النجف وكربلاء معا ، ولكن بمقياس أوسع وحالة ~~أسوأ بكثير. إذ ازداد عدد المتمردين المتجمعين هناك بحيث لم يعد من الممكن ~~لحاكم المنطقة ولا لسلطة الپاشا أن تسيطر عليهم. وهؤلاء لا يفعلون ما ~~يريدون فحسب ، بل كانوا أيضا يطلبون من الزوار الذين يأتون لزيارة العتبات ~~المقدسة الإذعان لأوحش الطلبات وأبعدها عن المألوف والمعقول ، وفي حالة عدم ~~الانصياع كانوا ينهبون أمتعتهم ويجردونهم حتى من ألبستهم ، كما يسلبونهم ~~زوجاتهم وبناتهم في بعض الأحايين. وقد استفحل هذا الشر لدرجة اضطر فيها ~~داود پاشا نفسه إلى تجريد قوة ضد هؤلاء في النجف ، فنجح في إخضاعهم للطاعة. PageV01P175 # ولا تزال كربلاء في حالة ثورة (1). فلم يستطع اليرماز والقتلة والسفهاء ~~الذين يكونون عددا كبيرا فيها ، من صد الجيش الذي جرده الپاشا عليهم فقط بل ~~أصبحوا أيضا يهيمنون هيمنة تامة على البلدة كلها بحيث لم يكن ms137 بوسع أحد أن ~~يعصي لهم أمرا أو يتحداهم من دون أن ينال جزاءه. فقد ابتدعوا طريقة سرية ~~للاتصال والتفاهم فيما بينهم لا يحيط بها غير الداخلين في زمرتهم ، ~~وبواسطتها يستطيعون أن يجمعوا في أي مكان كان قوة غير يسيرة بأسرع ما يمكن. ~~ولذلك كان الناس المحترمون يخشونهم بحيث لا يجرأون على بذل أي مجهود أو ~~اتخاذ أي إجراء من الإجراءات لمعارضتهم وحتى لحماية أنفسهم منهم. فقد حدث ~~قبل مدة غير طويلة أن غضب هؤلاء على نواب (2) هندي كان # في كربلاء حتى أنهم أمسكوا مرة أحد مجتهديهم السيد إبراهيم القزويني ~~ليلاع ولم يطلقوه حتى أدى لهم أربعة آلاف قران من سكة محمد شاه ... وكانوا ~~مفسدين ذوي جرأة على أعراض الناس ، وأهل البلد يهابونهم ، ويخافون على ~~أنفسهم ، لأنهم متى أرادوا هجموا على بيت أحدهم ونهبوه. والحاكم هو من أهل ~~البلد طوع أيديهم .. وفي أيام علي باشا حاصرها وخرج إليه سادات البلد ، ~~وعلماؤهم ، وتكفلوا له بزيادة الإيراد ، فارتحل عنهم. وكان لا يبالي ~~بعصيانهم ومرامه الدراهم فقط ، وقد أدوا له سبعين ألف قران المثل اثنين عما ~~يؤدونه إلى داود باشا ، فرضي وتركهم.» PageV01P176 # قد أقام في كربلاء منذ عدة سنوات ، فهاجموا بيته ونهبوه ثم أخذوا البيت ~~منه ودمروا ممتلكاته من دون أن يكون بوسع أي أحد منعهم أو التصدي لهم بشيء ~~، فاضطر النواب المسكين إلى الهزيمة والنجاة بنفسه إلى بغداد التي لم يزل ~~يقيم فيها على ما أعلم. وهم يذهبون في فسادهم وخلاعتهم حتى إلى حد أنهم ، ~~حينما يعلمن أن أحد الزوار يصطحب معه زوجة جميلة أو أختا حسناء ، يبعثون ~~ليأتون بها إليهم. وحينما يرفض ذلك يعمدون إلى سرقتها منه بحيلة من الحيل ~~أو إلى اغتصابها بالقوة. وكثيرا ما كان يحدث هناك أن تفقد زوجات بعض الناس ~~على هذه الشاكلة لمدة أسبوع أو أكثر ، فيعدن إلى أهلهن بعد ذلك بحالة يرثى ~~لها ، فقد سمعت أحد الإيرانيين أنا بنفسي يتذمر من معاملة زوجته بهذه ~~الطريقة. وبعد ، أليست هذه حالة وتدعو بصراحة إلى الاقتصاص والإصلاح؟ إنها ~~واحدة ms138 من ألف حالة من حالات سوء الحكم والفوضوية التي تلفت نظر أولئك الذين ~~يمرون بالبلاد ، وتدل على تعاسة سكانها وشقائهم. ### ||| ** 2 أول كانون الثاني # لا يزال الأعراب مرابطين في عقرقوف وعلى الطريق الموصل إلى الحلة بحيث ~~تستحيل السفرات إلى تلك الجهات الآن. غير أنه قد تأكد لدى الناس أنهم أخذوا ~~يتنازعون فيهم بينهم ، ولا أدري إذا كان ذلك يعزى إلى تأثيرات سياسة الپاشا ~~فيهم أو إلى قلة ما يتيسر من العنف والسلب. ومع كل هذا فإنهم ما زالوا ~~يسيطرون على الريف من دون معارضة إلى حد أبواب المدينة نفسها. # لقد وردت رسائل من ششتر تدل على أن إيران تعاني أشد حالات الفوضى ~~والاضطراب في الوقت الحاضر ، وأن عدة قوافل قد نهبت حتى استحال خروج أحد في ~~الطريق. وتتفق الروايات الواردة من همذان وكرمنشاه مع هذه الأخبار أيضا ، ~~ولم يتأيد غير ذلك سوى وفاة الشاه (1) في أصفهان. PageV01P177 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image011.gif) ### ||| ** 3 كانون الأول # يبدو من أخبار إيران الواردة إلى هنا كلها أنها تؤيد خبر توجه حسين علي ~~ميرزا على طهران وإعلان نفسه ملكا فيها ، وتشير إلى أن أخاه حسن مرزا قد ~~انضم إليه وسل سيفه بعد ذلك فقطع رؤوس عدد من الأمراء الذين كانوا قد رفضوا ~~الاعتراف بأخيه أو كان يشك بأن لهم آراء خاصة به ، وأن أمين الدولة قد انضم ~~إليه أيضا مع بعض النبلاء الأقوياء ، واستولى على القصر في طهران مع ~~الخزينة ، وأنه لم يسمع شيئا عن ولي العهد محمد علي مرزا ، وأن الحالة PageV01P178 # في كرمنشاه لا تزال هادئة ، لكن القبائل قد خرجت عن الطوق وأخذت تنهب ~~يمينا وشمالا بحيث لم يعد المسافرون يأمنون على أنفسهم. وكان أحد الرسل ~~الذين جاءوا بهذا الخبر قد التقى بالقرب من بغداد بقافلة كانت فيها بنت من ~~بنات الشاه السابق ، وهي عائدة من الزيارة في كربلاء. فأمرت بجدع أنفه وقطع ~~أصبع من أصابعه للأخبار السيئة التي كان يحملها ، فوصل إلى بغداد بهذه ~~الحالة. ### ||| ** 4 كانون الأول # لقد انقطعت وتيرة السأم والاطراد في هذا اليوم بحدوث حادث ms139 لم يكن من ~~المنتظر أن يحدث وهو حصول قتال بين الأعراب في داخل أسوار بغداد. ولكن قبل ~~أن آتي على وصف المعركة يجب أن أشرح الأسباب التي أدت إلى وقوعها. ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image012.gif) PageV01P179 # فقد كانت الأحوال بين الپاشا وقبيلة عنزة تزداد سوءا على سوء في كل ساعة ~~منذ مدة غير يسيرة ، وظل إقلاق البلاد والعبث بها يزداد شدة واتساعا بحيث ~~إن أشخاصا محترمين قد سلبوا في أبواب المدينة نفسها. وانقسمت العشيرة على ~~نفسها إلى عدة جماعات ، حتى صار من الممكن أن تشترك القبائل العربية الأخرى ~~في النزاع أيضا فتشتعل عند ذلك بلاد ما بين النهرين كلها. وقد حدث في ~~الأخير أن سلب عدد من ضباط الپاشا نفسه بالقرب من المدينة ، ودلت التحريات ~~على أن هذا الانتهاك قد أقدمت عليه جماعة من قبيلة عقيل ، التي كانت تعيش ~~في القسم الغربي (1) من المدينة ، فقرر الپاشا وقد ثارت ثائرته لهذه ~~الإهانة الصادرة منهم أن ينتقم انتقاما عاجلا من الفاعلين. # وهؤلاء الأعراب هم جزء من عشيرة كبيرة قوية تقيم في نجد ، وبنتيجة اتفاق ~~عقد قبل ستين سنة مع سليمان پاشا احتكروا حراسة القوافل ودلالتها ما بين ~~هذا المكان وحلب ودمشق. ولأجل أن يتسنى لهذه العشيرة أن تزود القوافل ~~بالعدد الكافي من الأدلاء المطلوبين اعتادت أن تبقي على الدوام عددا معينا ~~من أفرادها في بغداد برعاية شيخ منهم ، لكنهم لم يسمح لهم إلا مؤخرا ~~بالإقامة في داخل الأسوار. على أن نزاعا قد نشب في هاتين السنتين أو الثلاث ~~، بسبب خصومة قديمة كانت موجودة بينهم وبين جماعة أخرى. وإذ كان العقيل غير ~~مكتفين بطرد خصومهم تصدوا لقافلة غنية كان خصومهم هؤلاء يشرفون على حراستها ~~من حلب إلى ما يقرب من بغداد ، وأعلنوا أنهم ما لم تلب مطاليبهم جميعا ~~فإنهم سينهبون القافلة ويتركون البلاد. ولما كان الپاشا أضعف من أن يستطيع ~~حماية القافلة ، التي كان ينتظر وصولها إلى بغداد بصبر نافذ لأنه كان يعلم ~~بأن الرسوم التي سوف تجبى منها فتذهب إلى جيبه تؤلف مبلغا لا يستهان به ، ~~فقد أذعن ms140 لطلباتهم جميعا. وقد كان من بين الأشياء الكثيرة التي تساهل بها ~~معهم السماح لفريق من القبيلة بالإقامة في بغداد بشرط أن يظلوا بالكلية ~~مقيمين في الجانب الغربي من النهر. PageV01P180 # وهكذا شرع العقيل يقيمون في الداخل ، وأصبحوا منذ ذلك الوقت سادة لا ~~ينازعهم أحد في ذلك النصف من بغداد. فكانوا ، كاليرماز (1) في كربلاء ومحلة ~~الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد نفسها ، يتحدون القانون فيحمون جميع ~~المشردين والأشرار المنبوذين الذين يلتجئون إليهم ، ولم يكن بوسع أحد أن ~~يقيم في ذلك الجانب من النهر إلا بعد الحصول على السماح اللازم منهم (2). ~~والخلاصة ، أنهم كانوا هم حكام محلتهم ومنطقتهم وليس الپاشا بالذات. وقد ظل ~~الپاشا ردحا من الزمن برما بعتوهم وتجبرهم وعازما على تأديبهم وإيقافهم عند ~~حدهم ولكن من دون أن يجرؤ على تنفيذ ما كان يريد في هذا الشأن ، حتى حصل ~~الحادث الأخير فأثار حفيظته عليهم كما ذكرت من قبل وأقدم على استعمال سلطته ~~بهياج وحنق. إذ بعث من يخبرهم بمغادرة المدينة في الحال ، وإلا فسيضطر إلى ~~طردهم عنوة. غير أنه لم يكن من المعتاد في پاشوية بغداد أن تطاع أوامر ~~الپاشا وتنفذ مطاليبه. ولذلك رفض العقيل أن يتحركوا من مكانهم إلا بشروط لم ~~ير الپاشا من المناسب تنفيذها. وقد حدث هذا في صباح يوم أمس ، فذهب شيخ ~~القبيلة الذي ربما أخافه هذا الإظهار غير المعتاد للقوة في السراي بنفسه ~~لمعاتبة سموه والاعتراض على أوامره. وأخذت القبيلة في الوقت نفسه تتجمع معا ~~، وتستعد لحدوث الأسوء ، وحينما اجتمعنا في المقيمية اليوم لتناول الفطور ~~لاحظنا من شبابيكها درجة غير معتادة من الاضطراب والهياج في الجانب المقابل ~~من النهر. إذ كان الناس يركضون هنا وهناك ويتجمعون معا على شكل جماعات ~~صغيرة وكبيرة ، وقد لاحظنا بنواظيرنا إنهم كانوا مسلحين. PageV01P181 # وما إن انتهينا من تناول الفطور حتى رأينا الجسر يصبح مزدحما بالناس ، ~~وكانت القفف تعبر النهر بسرعة ذهابا وإيابا. فقد كان هناك على ما اتضح كثير ~~من الهرج والمرج ، واستبان أن بعض الأشخاص كانوا يحاولون قطع الجسر من ms141 ~~الجانب الغربي. فتوقع الكولونيل تايلور والدكتور روص أن تحصل معركة في ~~القريب العاجل. «ستراهم يبدأون هناك ، على الجسر في أغلب الاحتمال» ، هذا ~~ما قاله الكولونيل ، ثم أردف يقول «لقد فعلوا مثل هذا تماما في السنة ~~الماضية حينما هاجم الشيخ صفوك المكان». وما كاد ينطق بكلماته حتى انقطع ~~الجسر ودل إطلاق رصاصة من الجانب المقابل على المعركة قد بدأت. فأعقبت ذلك ~~ست إطلاقات أخرى ، وسرعان ما خلا الجسر من الناس عند ما أجيب على النار في ~~الحال من الجانب الذي نقيم فيه. وبعد ذلك خفت ثلة من المشاة النظاميين عبر ~~القسم الباقي من الجسر ، وبعد أن أخذت مواقعها في زوارقه الكبيرة للحماية ~~وجهت وابلا من نارها إلى مقهى في الجهة المقابلة كان الأعراب يطلقون النار ~~منه. وقد استمر إطلاق النار لمدة ساعتين تقريبا ، لم يقع خلالها سوى ضحية ~~واحدة أخبرنا بها وهي امرأة عجوز مسكينة أصابتها رصاصة طائشة حينما كانت ~~تمر راكضة فوق الجسر بأقصى ما تستطيع من السرعة. # وقد اختلفت الروايات التي صارت تتداولها الأفواه : فقال بعضهم إن الپاشا ~~قبض على شيخ العقيل ومعه «الكمركچي» التابع له ، وهو وغد معروف ، فأمر ~~بإعدامهما. وادعى آخرون أن الشيخ ما زال سالما في بيته الواقع في الجانب ~~الآخر ، وأن الأعراب هناك ينتظرون أن يتم تجمعهم ليهاجموا جند الحكومة بقوة ~~كبيرة. وقد تناهى إلينا قبل الظهيرة أن الپاشا أعاد الشيخ إلى منصبه ، وسوف ~~لا يحدث شيء أكثر من هذا سوى السلم والصفاء. وقد توقف إطلاق النار تقريبا ، ~~بعد أن كانت تخمد وتعود بين آونة وأخرى. ولكن بينما كان أغا ميناس (1)، ~~أحد موظفي المقيمية ، يخبرنا بهذه الأنباء السارة سمعت PageV01P182 # إطلاقات المدافع وهي تدوي في الجو. فصاح الدكتور روص قائلا «آه لقد أطلقت ~~المدافع ، إنها تعلن الانتهاء السار للمناوشات» لكن القرقعة السريعة ~~المنطلقة من البنادق واستمرار النار المنطلقة من المدافع في إثر ذلك كانت ~~تقص لنا قصة أخرى ، فاندفعنا كلنا إلى سطح الدار للوقوف على الخبر اليقين. ~~على أن أشجار النخيل كانت تخفي المتحاربين عن أنظارنا ms142 ، مع أن دخان المدافع ~~وانطلاق الرصاص السريع قد أقنعانا بأن قتالا جديا كان يقوم على قدم وساق. # وقد علمنا بعد ذلك أن القتال كان قد بدأ أولا على إثر خبر تناهى إلى ~~أسماع عقيل بأن شيخهم قد أعدم بأمر من الپاشا. فقسموا أنفسهم إلى جماعتين ، ~~جاءت إحداهما لتقطع الجسر وتطلق النار على البلدة ، بينما اندفعت الأخرى من ~~الباب الشمالية لتهاجم الجند الذين كانوا يرابطون هناك وتفاجىء مدفعيتهم. ~~وفي الوقت نفسه عمد الپاشا ، مهما كانت نيته بادىء ذي بدء ، بعد أن أخافه ~~الانفجار إلى الإنعام على الشيخ بخلعة الشرف وإعادته لتهدئة أتباعه ، بينما ~~بعث سرا إلى قائد جيشه الموجود في الجانب الغربي يأمره بأن يهاجم الأعراب ~~من الخلف وقد رأينا في الحقيقة مرور الزوارق وهي تحمل الضباط إلى المعسكر ~~هناك. لكن الأعراب قد توقعوا حدوث هذا بحيث إن الرسول حينما جاء بالأوامر ~~وجد الجند مشتبكين في قتال معهم. فقد كان اندفاعهم مفاجئا بحيث استطاعوا ~~الاستيلاء على أحد المدافع قبل أن يعرف الجند وقائدهم ما إذا كان المتقدمون ~~نحوهم بتلك السرعة من الأصدقاء أم من الأعداء. وعند ذاك قفز الجند إلى ~~سلاحهم فردوا الأعراب على أعقابهم بفعل النار السريعة المنطلقة من المدافع ~~الأخرى ، ومن بنادق الجيش النظامي. ودارت بعد ذلك معركة متنقلة حول الأسوار ~~(1) على مقربة من باب الحلة. وكان هذا هو السبب في تجدد إطلاق النار الذي ~~سمعناه. PageV01P183 # وفي الساعة الثانية بعد الظهر ، وبينما كانت هذه المعركة قائمة على قدم ~~وساق ، وصوت المدافع يدوي في الجو بانتظام بالقرب من باب الحلة في الجانب ~~الغربي ، ومن مدفعين كانا منصوبين في الجانب الشرقي لإطلاق النار على الطرف ~~المقابل من الجسر والمقاهي الملأى بالأعراب ، إذ حضر إلى المقيمية ضابط ~~مرسل من الپاشا ليطلب من المقيم أن يعيره يخته الكبير المصنوع في إنكلترة ، ~~لنقل قوة نظامية منجدة ومقدارا من الذخيرة لرجاله الذين كانوا مشتبكين في ~~حرب مع الأعراب في الجانب الآخر. فلم يكن هذا مطلبا مستحسنا على الإطلاق ~~لأنه إذا ما تمت تلبيته فإنه قد ms143 يعتبر تدخلا في نزاعات البلد الداخلية. غير ~~أنه لما كانت عقيل في حالة ثورة علنية ضد الپاشا فقد استبان من الأصوب ، ~~بصفتنا أصدقاء ، أن نساعد السلطات الشرعية على قدر الإمكان. وبذلك أعد ~~الزورق ليكون جاهزا للعمل. # والأتراك مخلوقات بطيئة. فقد استغرقوا وقتا طويلا في إدخال رجالهم إلى ~~الزورق ، وحينما تم ذلك وجد أنه مرتطم بالأرض ولا يمكن تحريكه ، غير أنه ~~لما كان مرسى الزورق يقع تحت شبابيك المقيمية مباشرة ، ولما كان الأعراب قد ~~لاحظوا تجمع الجند هناك من الجانب المقابل ، فقد أمطروا الساحل والبنايات ~~المطلة عليه بوابل شديد من نارهم وظلوا يطلقون النار من الجانب المقابل على ~~الزورق وكل شيء من حوله. ولا ينكر أن عرض النهر هنا كان يبلغ مائتين وخمسين ~~ياردة على الأقل ، غير أن القذائف كانت تأتي بخفة عبر الماء ، وتقفز أحيانا ~~، وتصيب المقيمية أحيانا أخرى. والحقيقة أن واحدة منها قد أصابت جدارا كان ~~يبعد عدة بوصات فقط عن رأس الكولونيل تايلور حينما كان يقف وراء الحاجز ~~ليشاهد المعركة بمنظاره. وكذلك قتل عدة جنود أو جرحوا في الزورق. ولهذا ~~فرحنا جدا حينما تسنى لنا أن نحتمي وراء الأجزاء البارزة من جدار السطح. ~~وقد كنا على كل حال غير معرضين كثيرا للخطر ، لأننا كان بوسعنا ملاحظة وميض ~~القذيفة قبل أن ننسحب لنتقي خطرها. # وقد استمر هذا النوع من التسلية أكثر من ساعتين ، إذ أمكن في الأخير PageV01P184 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image013.gif) # تطويق أو تعويم اليخت وحدره مع التيار فأنقذنا بذلك من القصف الذي كان ~~يصبه علينا أصدقاؤنا من الجانب المقابل. ولا بد أن أشير هنا إلى أن الجنود ~~الأتراك ، على ما فيهم من خرق وغلظة بالنسبة للزورق ، لم يبد عليهم أي ~~إجفال أو تخوف حتى حينما كانت تنهال عليهم القذائف بكثرة فتصيب عددا منهم. ~~ويمكنني أن أقول الشيء نفسه بالنسبة لما حدث فوق الجسر ، فقد جرت محاولات ~~عدة لنصب الجسر من جديد وربط أجزائه لغرض العبور بينما كان الجند يطلق ~~النار على الأعراب خلال النهار كله ، من الزوارق التي لم تكن تحميهم حماية ms144 كافية. # وأخيرا استطاع اليخت العبور إلى الجانب المقابل ، بعد أن ارتطم بالأرض ~~عدة مرات وانحدر إلى مسافة غير يسيرة. ومن الغريب أنه لم يجد أية مقاومة ~~هناك ، فنزل الجند البالغ عددهم حوالي مئة وخمسين إلى البر واختفوا في ~~بساتين النخيل الكائنة في ذلك الجانب بأسرع ما يمكن. غير أن اطلاق PageV01P185 # النار من المدافع والبنادق ، الذي كان قائما على قدم وساق في الجانب ~~الغربي من المدينة ومن الجانب الشرقي عبر النهر ، قد بدأ يخف الآن. ومن ~~المحتمل أن يكون الأعراب قد ضويقوا كثيرا من مدفع كبير في القلعة ، كان قد ~~جيء به ليكون أكثر تسلطا على مواقعهم فأصبحوا أكثر حذرا في تعريض أنفسهم. ~~وكانت الشمس كذلك قد مالت إلى المغيب قبل أن ينزل الجنود من اليخت إلى البر ~~، فحصلت فترة توقف كانت تعكر سكونها فقط بعض الإطلاقات المنطلقة هنا وهناك ~~وطبول الجند النظامي وأبواقه ، على أن قرقعة إطلاق البنادق العالية وهدير ~~المدافع قد بدأت من جديد بصورة مفاجئة وسمع صوت عال يعلن التحاق النجدة ~~التي عبرت بالجيش المحارب. ووصل الصوت كذلك إلى النهر ، وحينما تطلعنا إلى ~~الجسر وجدنا الجنود محتشدين فوقه أيضا. وبعد دقيقة اندفعوا إلى الأمام وهم ~~يطلقون النار بسرعة ، فقوبلوا من الجانب الآخر بنار حامية استمرت عدة دقائق ~~فقط ثم خمد أوراها. ولكن بالنظر لأن أعمدة الجسر لم تكن على مسافة عشرين ~~ياردة عن بعضها فإن ربطه كان لا بد أن يتطلب عملا كثيرا. وقد شاهدنا قفة ~~صغيرة تعبر الثغرة المتبقية في الجسر فأعيد نصبه كله بعد ذلك بقليل. ولا بد ~~أن يكون القسم الأكبر من الرجال قد عبروا على ما يتضح ، لكن الظلام في ذلك ~~الوقت كان قد خيم بحيث لم نستطع أن نشاهد أكثر مما رأينا ، وقد حلت كذلك ~~فترة من التوقف العميق للأصوات. على أن هذه لم تدم طويلا. فقد توقف إطلاق ~~النار ، لكن صراخا وحشيا قد تعالى بدلا منه صياح الرجال المختلط بصراخ ~~النساء ، وجميع أصوات الرعب والفوضى واليأس. وفي خلال دقيقة أخرى تغطى وجه ms145 ~~الماء بعدد كبير من القفف التي كانت قد التجأت إلى الساحل في بداية ~~المعركة. فكان من الواضح أن الجند قد استولوا على البلدة في الجانب الثاني ~~وأخذوا ينهبون ويسلبون في جميع الجهات. وقد استمر إطلاق النار ، لكن هذا لم ~~يكن سوى إطلاق عابث كان يطلقه الجنود المعربدون لفتح باب مقفلة ، أو قتل ~~يائس كان يقاوم مقاومة غير مجدية. ثم اقترب الضجيج شيئا فشيئا نحو النهر ~~فحسبنا في الحال أكثر من ثلاثين قفة وهي تعبر محملة باللاجئين الهاربين في ~~كل مرة. وسرعان ما ازداد تكاثف الظلام ، لكن الصخب ظل مستمرا ثلاث PageV01P186 ![](https://books.rafed.net/Books/2444_rehlat-frizer/images/image014.gif) # ساعات من دون أن ينقطع مختلطا بالصراخ. وبعد ذلك خيم الصمت على كل شيء ~~وأصبحت المدينة هادئة ، وكأن الموقعة التي شهدناها لم تحدث فتعكر عليها ~~سكونها وهدوءها. # وقد سمعنا أن «التفگنجي باشي (1)» هو الذي حث رجاله للقيام بالحركة ~~الهجومية فوق الجسر التي كانت حرية بالجند المنتظم. وحينما وجد الأعراب ~~عزمهم هذا تخلوا عن مكانهم فعبر الجيش. فنهب السوق الكائن بالقرب من الجسر ~~في الحال ، وبدأت أعمال السلب وجمع الغنائم. والمقول إن الشيخ بعث شروطا ~~للپاشا يعرض فيها أنه سيغادر المدينة في اليوم الثاني على أن تتم حماية ~~البعض من العرب ، فوافق على ذلك كما قالوا. ويقول آخرون إنه اتصل PageV01P187 # بقبيلة عنزة لتساعده على الاحتفاظ بمكانه في البلدة ، وما أشبه هذه ~~الحركة بسياسة المماطلة الغريبة التي اتبعها. لكننا سنرى ما يأتي به الغد. ### ||| ** 5 كانون الأول # كانت الشوارع في ساعة مبكرة من هذا الصباح مكتظة باللاجئين ، الذين كان ~~الكثيرون منهم عراة تقريبا. وكان الآخرون وهم أسعد حظا من هؤلاء يحملون ~~معهم ما استطاعوا حمله من لوازمهم عند أول وقوع الحادث. وكان النسوة يضربن ~~بأيديهن ويولولن ، كما كان الرجال وهم بين عابس مكتئب ، أو صخاب سباب ، ~~يحملون بنادقهم وسائر أسلحتهم. وازداد عدد الحيوانات والماشية في المدينة ~~حتى ازدحم بها كل زقاق ودرب. وقد اختلفت الروايات حول مصير عقيل ، لكنه من ~~المحتمل جدا أنهم حينما وقع الهجوم فوق الجسر وجدوا أنفسهم بين نارين ms146 ففروا ~~هاربين إلى جميع الجهات ، وعادوا وبنادقهم بأيديهم إلى بيوتهم لحماية ~~ممتلكاتهم. وحينما اكتشف الجنود ذلك ، وهم على علم بأنه لم يعد هناك ما ~~يمكن أن يخشوا منه ، تخلوا عن تعقيب العدو وولو وجوههم شطر الأسواق وبيوت ~~الأغنياء التي نظفوها من كل ما كان فيها وأشلعوا النار في الأسواق. وهكذا ~~وقع ثقل الضربة على سكان البلدة ، ولم يكن ذلك ناتجا عن سلامة نية كما يقال ~~لأنهم جميعهم كما هو معروف تمام المعرفة قد اشتركوا مع العقيل في أعمالهم ~~وأطلقوا النار على جند الپاشا. ### ||| ** الساعة التاسعة صباحا # لا تزال الجماعات من بابنا وهي عارية تماما ، ومعظمها يعول ويولول وقد ~~ازدحمت الشوارع بالعرب اللاجئين من الجانب الآخر ، رجالا ونساء ، لكننا لم ~~يتأكد لنا ما حصل بعقيل. فيقول البعض إنهم ما زالوا في بيوتهم والبنادق ~~بأيديهم ، بينما يستمر الجنود على نهب بيوت سكان البلدة الأصليين ويعتقد ~~الآخرون أنهم فروا جميعهم. ويقال كذلك إن الپاشا أصدر أوامره للجنود ~~بالامتناع عن النهب ، وأنه هو نفسه وقف في نقطة ما على باب الجسر PageV01P188 # ليمنعهم من نقل غنائمهم إلى الجانب الآخر. لكنه كان يحاول المستحيل بذلك ~~إنهم يضحكون عليه ، فهو لا حول له ولا قوة. ### ||| ** الساعة الثانية بعد الظهر # سمعنا أن العقيل قد فروا بالتأكيد إذ تركوا البلدة مع أسرهم وممتلكاتهم ، ~~ويقال علاوة على ذلك إنهم قصدوا عنزة في خروجهم هذا. لكن شيخهم تخلف عنهم ~~والتجأ للاحتماء بباب حرم الپاشا ، وهو ملجأ حصين لا تنتهك حرمته ، فسمح له ~~بالإقامة في بغداد كرجل عادي بشرط أن يحافظ على الهدوء والسكينة. وقد كنا ~~نرى خلال فترة الصباح والنهار كله أن الناس كانوا يمرون حاملين أسلابهم ~~فكان أحدهم يسحب خروفا وراءه ، وآخر يحمل شدة من الدجاج المشدود إلى بعضه ~~بالأرجل ، وثالث يحمل كثيرا من القدور والأواني والفراش أو السجاد ، وكان ~~الرابع قد وجد طريقه إلى مخادع النساء في البيوت المنهوبة وجاء يمسك بيده ~~حزمة من لوازم النساء وملابسهن. وجاء أحد جنود النظام بفرس للبيع وهو يقول ~~إنه غنمها في المعركة ms147 ، فتعجب لا متناعنا عن شراء مثل هذه الصفقة. وكان ~~الآخر يسوق أمامه حمارين أو ثلاثة محملة بأكياس كبيرة تحتوي على خليط من كل ~~شيء. ولا يزال النهر مكتظا بالقفف. # والظاهر أن الپاشا قد جعل مقره في المقهى الكائن في الطرف الآخر من الجسر ~~، الذي كان الأعراب يطلقون النار منه في أثناء المعركة ، لغرض إيقاف السلب ~~والنهب عند حدهما على الأقل على ما قيل لنا في الصباح. لكن هذا يعد خطأ منه ~~على ما يقال ، لأنه المزعوم الآن أنه كان يشجع الجنود على التمادي في ~~تجاوزاتهم بتصرفاته هذه وقوله مثلا للسكان المنهوبة بيوتهم على سبيل ~~التقريع وهو يهز كتفيه «هل ترون ماذا فعلتم بأنفسكم؟ إنها غلطتكم وليست ~~غلطتي». # وما زالت أخبار الخسائر مشوشة بحيث لا يمكن الاعتماد عليها. لكن المعركة ~~لا بد أن تكون قد أخذت مأخذها من «النظام» والألبانيين ، لأن أحد PageV01P189 # موظفي المقيمية كان في ديوان الپاشا يوم أمس أثناء احتدام المعركة ، فجاء ~~رجل من الجانب الآخر يطالب بقماش قطني لتكفين أربع وعشرين جثة ، وهو عدد ~~القتلى العائد لمفرزة واحدة فقط. وقد تناهى إلينا أن قائد الهجوم الجريء ~~على الجسر قد أصيب برأسه فقتل ، كما قتل وجرح بجروح بليغة عدد من رجاله. ~~ولا بد أن تكون الخسارة في الجنود باهظة بالنسبة لما وقع في باب الحلة ، ~~لأنهم وقفوا هناك معرضين لنيران الأعراب الذين كانوا يقاتلون من وراء أسوار ~~حجرية. فلم يحاول أحد تقدير خسائرهم هذه ، على أن أشد الضرر قد وقع في ~~البلدة نفسها. فإن فظاعات الجنود ، على كونها لا يمكن أن تكون أعظم مما ~~يقترفه الجنود الأوربيون حينما يستولون على بلدة من البلدان بهجوم صاعق ، ~~كانت مفجعة بمقدار غير يسير. فقد أسيئت معاملة النساء بشكل مرعب ، وجيء في ~~هذا اليوم بجثة امرأة أقدم على قتلها وحش ألباني بينما كانت تقاوم تجاوزه ~~عليها بشدة. وقد ألقيت على عتبة مرقد الشيخ ، فأمر النقيب بأن تدفن كما ~~يدفن الشهداء. وبينما كان شرير آخر من هؤلاء الأشرار ينهب حرم أحد بيوت ~~العرب أزعجه ms148 صراخ طفل من الأطفال فيه فحمله من مكانه وألقى به في البئر على ~~ما كان يعتقد. وراح يتبجح بفعلته الشنيعة هذه في الخارج ، فوصل الخبر إلى ~~أسماع أمه المسكينة وتجرأت على العودة إلى البيت علها تعثر على جثة طفلها. ~~فنزحوا البئر من أجل ذلك ولكن من دون جدوى ، وبينما كانوا يهمون بالخروج ~~بعد أن يئسوا من العثور على شيء سمعوا صراخا خافتا تعقبوا أثره في كل مكان ~~، فعثروا على الطفل ملقى في التنور. والظاهر أن الوغد اللئيم قد توهم ~~بالتنور فحسبه بئرا فألقاه فيه. فأخرج الطفل من دون أن يكون قد تضرر بشيء ~~يذكر. وهنا يمكنكم أن تتصوروا مقدار الفرح الذي استولى على الأم المسكينة! # وليس بوسع المرء أن يتصور مقدار النفوس التي كانت تحتشد في الجانب الغربي ~~خلال الأيام الاعتيادية. فإن الأسواق يكاد يستحيل المرور فيها من جراء ~~البغال والحمير الكثيرة التي تمر مع سائقيها محملة بالأثاث ، مع أن ~~الدكاكين ما زالت مغلقة من الرعب والفزع المستولي على أصحابها. أما الجسر ~~فيكون من أوله إلى آخره منظرا بالغ الروعة ، إذ تراه مكتظا بالناس من PageV01P190 # جميع الأنواع والأشكال وهم يستعجلون في رواحهم وغدوهم. وقد كان ساحل ~~الضفة الشرقية بأجمعه مغطى بجماعات الناس الذين كانوا يصلون إليه من الجانب ~~المقابل. ويعد الهايتة سواقا سباحين للبغال والحمير التي تساق لتعبر النهر ~~سباحة عند الضرورة ، ولذلك نراهم الآن وهم لا يزالون يسوقون هذه الحيوانات ~~إلى ضفافه في الجانب الآخر. والمنظر في الساحل على جانبي النهر خيط عجيب ~~غريب ، إنه منظر يمكن أن يكون مضحكا إلى آخر حد لو لا الشقاء والبؤس ~~المقترنين به. إذ يرى الرائي هنا رجلا ينقض على خروف فيأخذه بينما يكون ~~صاحب الخروف المسكين قد هرب مع الحمل إلى الجانب الآخر. وقد تسمع امرأة في ~~زاوية من الزوايا وهي تمزق الهواء بصراخها وعويلها من أجل طفلها أو زوجها ~~الذي قتل أو أغرق في النهر لأن كثيرا من القفف قد غرقت فابتلعها النهر ~~بأحمالها. وقد تجد كذلك امرأة أخرى وهي تندب ms149 حظها بلهجة لا تقل إيلاما عن ~~صاحبتها الأولى وتتحسر على ضياع ممتلكاتها وأثاث بيتها على يد وغد لئيم سرق ~~بيتها على منظر منها ، وربما يكون واقفا على مقربة منها. والخلاصة ، أن ~~السلب والانتهاك هما اللذان يستوليان على المدينة بأجمعها الآن ، ولا يعاني ~~من ذلك إلا الضعيف في كل مكان. PageV01P191 ### ||| * (10) # وصول الشيخ وادي وسليمان غنام زيارة لحومة المعركة المنظر هناك مخيم شيخ ~~زبيد اللباس سلاح الأعراب سرقة الخيول وعواقبها معسكر الهايتة رحيل عنزة ~~ترتيبات الباشا شرطة بغداد وعدالتها شيخ وادي الكاظمية. ### ||| ** 6 كانون الأول # وصل في صباح هذا اليوم إلى ضواحي المدينة وادي (1) شيخ زبيد ، مع لفيف من ~~رجال قبيلته ، وسليمان غنام بناء على استدعائهما بمناسبة الحوادث الأخيرة. ~~وسليمان غنام ، الذي كنت قد أشرت من قبل إلى كونه حليفا من حلفاء علي پاشا ~~، وغد عربي يرجع إلى قبيلة الجربا في أصله. وكان قبل مدة غير يسيرة قد ~~استخدم لحراسة القوافل وتوصيلها عبر البادية إلى دمشق في أثناء شجار حصل مع ~~عقيل. لكن هؤلاء الذين كانوا قد ذاقوا حلاوة هذا الاحتكار PageV01P193 # وفوائده اتخذوا الإجراء الذي ذكرته في الرسالة السابقة ، وهو التصدي ~~لقافلة كان مسؤولا عن توصيلها هو والاشتراط على الپاشا بإعادة إشرافهم على ~~توصيل القوافل وحراستها جريا على القاعدة القديمة ، على ما أحسب ، وهي «كلف ~~اللص بالقبض على اللص». أما زبيد فهم عشيرة عربية تملك قسما من البلاد ~~الكائنة في أسفل الطريق الذاهب إلى الحلة. وقد كانوا في يوم من الأيام ~~أقوياء الشكيمة لكنهم أخذوا بالانحطاط والتأخر في الوقت الحاضر لمختلف ~~الأسباب. ولما كان كلا هذين الشيخين من خصوم العقيل فقد لبيا عن طيب خاطر ~~نداء الپاشا الذي صدر إليهما جريا على السياسة التي يتبعها في مثل هذه ~~الظروف عادة والآن بعد أن انتفت الحاجة إلى خدماتهما فإن الجميع باتوا ~~ينتظرون نتيجة التدبير الذي سيتخذه في هذا الشأن. # وقد عبرنا النهر قبل الظهر لنشاهد المنظر الذي خلفه النزاع الأخير. فكانت ~~التأثيرات لأول وهلة أقل ألفاتا للنظر مما كنت أتوقعه ، لأن القسم الغربي ms150 ~~من المدينة (الكرخ) كان في الحقيقة قذرا خربا بحيث يندر أن يوجد شيء يمكن ~~أن يجعله على أسوأ مما هو عليه. لكنك حينما تأتي إلى الأسواق والأزقة ~~المناطق المأهولة تجد فيها العبث والضرر الذي حصل في الحقيقة. فقد كسرت كل ~~باب من الأبواب وفتحت ، وخلعت بصورة عامة عن مصاريعها. وكان يجلس على ~~الكثير من هذه الأبواب قليل من العجائز اللواتي كن يضربن على صدورهن وهن ~~ينظرن إلى بيوتهن المنهوبة التي كان منظرها المظلم الخاوي ، يعلم الله ، ~~باعثا على ما يكفي من الانقباض في النفس. كما كان الرجال الذين ظلوا يحومون ~~حول بيوتهم يجلسون على جانبي الطريق من دون حركة وهم يحدقون فيها بفتور ~~وهمة خائرة. وكانت بعض المقاهي ، التي أفرغت مما كان فيها ، يشغلها أناس ~~تمكنت من الحكم عليهم من مظهرهم بأنهم تجار وأصحاب دكاكاين خسروا جميع ما ~~كانوا يملكون. وكانت البغال والحمير المحملة لا تزال تمر في الشوارع ، ~~يسوقها الهايتة في الغالب ، كما كانت الشوارع والأزقة نفسها ملأى بالأثاث ~~المتكسر ، وريش المخاد والوسائد التي انتزعت أوجهها المطرزة ، وبقطن وصوف ~~الحشايا التي يصعب حملها ، وبمقادير غير يسيرة من الحبوب والمؤونة التي ~~رميت في عرض الطريق. PageV01P194 # وكانت الأسواق تنم على أكثر أمارات العنف إيلاما وإثارة للحزن. فقد سقطت ~~السقوف المحروقة واختلط رمادها بالحبوب والتمور والعطاريات والرقي والقرع ~~وسائر الخضراوات أي جميع الأشياء غير الثمينة التي لا تستحق الأخذ. وديس ~~حطام ما أتلف خلال النهب بالأقدام أو ترك مع قطع وكسر الأواني والأوعية ~~التي كان يحفظ فيها فأصبح ذلك كله كتلة كريهة واحدة من الوساخة والقذارة ~~التي كان ينبش فيها ويتسكع بينها عشرات من الأطفال العرايا تقريبا ، للعثور ~~على شيء يأكلونه بلا شك. أما الحجر والدكاكين فقد كانت كلها مفتوحة خاوية ، ~~وقد خلعت أبوابها وشبابيكها ومن حسن حظ المدينة أن القسم الأعظم من هذه ~~مبني بالطين والآجر ، ولو لم يكن الأمر كذلك لأتت النار التي أضرمها الجنون ~~الطائش على كل شيء. # ثم ذهبنا لمشاهدة الأماكن المهمة التي وقعت فيها المعارك. فكان التخريب ms151 ~~الحاصل في رأس الجسر أقل مما كنت أتوقعه لأن مدفعين كانا يصبان نيرانهما ~~على تلك النقطة طوال النهار. وقد كان باب الحلة يمكن أن تشاهد فيه آثار ~~القتال جميعها ، لأن القتال معظمه كان قد حصل هنا ، وهنا كذلك اختلط الحابل ~~بالنابل ودخل الجنود في قتال مرير مع الأعراب المتقهقرين. إذ توجد هنا فسحة ~~مكشوفة في داخل السور ، فاتخذ الجند مواقعهم فيها مع المدافع بينما هرب ~~الأعراب إلى المنازل والبساتين المحيطة بها ، ومن وراء جدرانها كانوا ~~يمطرون الجنود بنيرانهم الحامية وهو عمل يجيدونه تمام الإجادة. هذا في ~~الوقت الذي كان الجنود قد أطلقوا فيه على ما يقال من مدفعيتهم خمسمئة قذيفة ~~على عدوهم غير المنظور. ولذلك تجد الأسوار والبيوت ملأى بآثار هذه القذائف ~~، كما امتلأت الباب بآثار الرصاص الذي كانت تمطره عليها البنادق. لكن ~~الجنود هم الذين كابدوا ويلات المعركة في الغالب ، وكانوا على وشك أن ~~يتقهقروا بعد أن استنفدوا ذخيرتهم لو لا أن تصلهم في الوقت المناسب الذخيرة ~~التي نقلها عبر النهر زورق المقيمية مع النجدة من الرجال فزودتهم بوسائل ~~جديدة وشجاعة متجددة. # ومن منظر الخراب هذا ذهبنا لزيارة مخيم زبيد ، الذي كان منظره شيئا PageV01P195 # يستحق المشاهدة بالتأكيد. ففي خلال خبرتي كلها مع التركمان والأكراد أو ~~العشائر المتنقلة معظمها لم أجد أناسا متوحشين تبدو عليهم مثل هذه الهيئة ~~الهمجية. إذ يتدلى شعرهم السبط الأسود منتشرا من حول أوجههم الداكنة ، ~~والنقاط الوحيدة التي يمكن أن يرتاح لها المرء في تقاسيمهم الوحشية التي ~~تتجهم عابسة من تحت لباس رأسهم الغريب هي العيون السود النفاذة والأسنان ~~البيض. وقد كان هناك في المخيم ألف من الجياد على الأقل ومثل هذا العدد من ~~الرجال الذين يختلطون كلهم معا لتتكون منهم كتلة هائلة ، من ذوات الأربع ~~وذوات الرجلين ، تبرز من بينها غابة كثة من الرماح. أما لباس هؤلاء الأعراب ~~، إذا كان من الممكن أن يسمى لباسا ، فقد كان لباس البدو الاعتيادي المألوف ~~في البادية أي الغترة الحمراء أو الصفراء المشدودة حول قمة الرأس بحبل سميك ~~من ms152 الوبر و «الدشداشة» المصنوعة من الشعر الخشن أو الخيش (البشت) والعباءة ~~التي تكون عادة من كل جنس ونوعية. وقد كان معظمهم قذرا رثا. ولم يكن البعض ~~منهم يرتدي «اللباس» ، وبعضهم الآخر لم يكن يملك ما يغطي به نفسه على ما ~~يظهر سوى العباءة الخلقة المشدودة حول المحزم بقطعة من حبل الشعر وكان شعر ~~البعض منهم سبطا منثورا على طبيعته ، وشعر البعض الآخر مضفورا بضفائر طويلة ~~، كما كانت سيماء الجميع حادة تنم عن كثير من الشموخ. وكانوا كلهم عجفا ~~طوالا ، يبدون وكأنهم جياع للفريسة. لكنه لم يسمح لأي شيء يشتم منه رائحة ~~هذا الاستعداد بالظهور أمامنا ، مع أنهم في لحظة واحدة تجمعوا حولنا ~~بالمئات حالما ظهرنا بينهم. ومع أنهم أبدوا كثيرا من حب الاستطلاع ، فإن ~~ذلك لم يكن مشوبا بالخشونة. لا بل كان الأمر بالعكس ، فحينما كان بعضهم ~~يقترب منا اقترابا زائدا كان الآخرون يعتذرون عنه فيتراجع الجميع ليفسحوا ~~لنا المجال بمشاهدة الشيء الذي كنا نتظاهر بالنظر إليه. وهنا كان يظهر ~~الفرق بين عربي البلدة أو الفلاح وعربي البادية أو البدوي. # فالأول جلف فظ والثاني «جنتلمن». والحقيقة ، انهم على جميع ما في مظهرهم ~~من وحشية وشراسة كان في عملهم وتصرفهم نوع من الأدب PageV01P196 # الفطري. ولا شك أن أبرز ما في هذه المقارنة ينشأ عن روحية الاستقلال ~~الجموحة التي تولد نفس التأثير في الهنود الحمر الذين يقطنون أمريكا ~~الشمالية. # وقد تحدثنا حديثا وديا للغاية ما بيننا لوقت ما ، وسألناهم عن المعاملة ~~التي قد يعاملوننا بها إذا ما شاءت الصدفة أن يعثروا علينا في طريقهم ، وهل ~~يعمدون إلى سلبنا أم لا. فأظهروا أنهم قد صدموا لمجرد الفكرة نفسها ، ~~وصرحوا وهم يضعون أيديهم على رؤوسهم وأعينهم بأننا أعزاء عليهم بقدر أهمية ~~هذه الأعضاء للإنسان. # ومع أن الجو كان باردا ، ولا سيما في الليل ، فقد كان هؤلاء الرجال ~~مخيمين كلهم على الأرض الجرداء من دون غطاء سوى العباءة التي كانوا ~~يرتدونها. ولم تكن هناك أية خيمة سوى خيمة الشيخ ، وهذه كانت صغيرة جدا. ~~ولذلك كان ms153 كل منهم ينام ، أينما اتفق ، فيبدون وكأنهم حزم من الخرق القذرة ~~سودت وجه الأرض. وقد كان معظمهم مسلحا بسيوف من نوع السيوف العربية الحدباء ~~والخناجر المعقوفة المعلقة من المحزم. وكان عند بعضهم صوالج حديد ثقيلة ، ~~كما كانت عند الكثيرين منهم حراب يبلغ طولها خمسة أو ستة أقدام للرمي. ~~وهناك الجريد ، أو الحراب الأصغر منه ، المصنوع من الحديد والمعلق بالكثير ~~من السروج بمقدار يصل أحيانا إلى ستة في كل جانب ، وهذا يرمونه عند الحاجة ~~بخفة وقوة عظيمة. وقد كان بعضهم يحمل مطارق صغيرة ، كما كان لقليل منهم ~~أعواد يبلغ طول الواحدة منها ياردة واحدة ، وتجهز بكلاليب من الحديد ، ~~يستطيعون أن يلتقطوا بواسطتها أي شيء يقع على الأرض أو أن ينتزعوا رجلا من ~~سرجه حينما يغيرون بسرعة تامة. وقد كان هناك أيضا عدد قليل من البنادق ~~البالية. لكن سلاحهم الأعظم على كل حال هو الرمح الذي قلت من قبل إنه كانت ~~توجد غابة كثيفة منه تغطي الأرض ، والذي لا يشعر أي أعرابي أنه رجل كامل ~~بدونه. إذ كان كل منهم يغرز رمحه بالقرب من جواده بوجه عام. # أما خيولهم فقد خيبت أملي كثيرا ، فإنني لم أر إلا في النادر جوادا ذا PageV01P197 # منظر أصيل بين جميعها. ولا شك أن أحسنها كان قد ركبها أناس اصطحبهم الشيخ ~~معه حينما ذهب في خدمة الپاشا ، لكنني كنت أتوقع أن أرى مزيدا من الخيول ~~التي تستحق أن ينظر إليها. # فلم تكن هزيلة وصغيرة فحسب ، بل كانت قبيحة الشكل وتنقصها جميع الصفات ~~المهمة التي يتميز بها الجواد العربي. والحقيقة أن قبيلة زبيد لم تكن على ~~ما يبدو مشتهرة بالخيول الأصيلة. وإذا سألتهم عن سبب ذلك يردون عليك بقولهم ~~«إننا إذا أردنا أن نحصل على الأصائل من الخيول نذهب إلى عنزة فننهب منها ~~ما نريد». وقد فعلوا هذا في الحقيقة ذات يوم ، لكنه كاد يكلفهم وجودهم ~~كقبيلة محترمة بين القبائل. # فقد أرادوا في يوم من الأيام على ما يبدو أن يحصلوا على عطف مير آخور ~~الپاشا ، أو رئيس الخيلية ms154 التابع للپاشا ، بأن يقدموا له هدية محترمة. ~~لكنهم وقد كانوا لا يملكون أنفسهم الجياد الأصيلة اللائقة ، عمدوا إلى سرقة ~~دزينة من أحسن خيول عنزة التي كانوا على وفاق تام معها في ذلك الوقت. على ~~أن هؤلاء سرعان ما اكتشفوا السرقة ، ولم يفتهم أن يعينوا السراق أنفسهم. ~~فبعثوا إلى زبيد يحملونها وزر الجريمة ، وهم يقولون «لقد كنا إخوانا لكم ~~وهكذا نرغب أن نكون. وقد سرقت خيولنا وأنتم سراقها نحن نعلم ذلك ولا يجديكم ~~الإنكار شيئا ، بل أرجعوها لتكونوا إخوانا لنا كما كنتم من قبل ، وإلا فنحن ~~أعداء لكم منذ الآن». فحلفت زبيد بكل ما هو مقدس بأنهم واهمون فيما ذهبوا ~~إليه وأنها لا تعلم شيئا عن الموضوع ، ودعت عنزة أن تأتي فتفتش عن خيولها ~~عندهم. ولا شك أن العرب لا يجاريهم أحد في إخفاء الخيل المسروقة ، وقد ~~نجحوا نجاحا غير يسير في هذا الحادث بحيث لم تستطع عنزة تمييز خيولها من ~~بين الخيول الأخرى. لكن رجال عنزة ظلوا غير مقتنعين بالنتيجة ، وقال «إن ~~هذا لا يدل على شيء في الحقيقة ، أنتم السراق وليس غيركم. ولما كنتم قد ~~اخترتم أن تؤذوننا وتهينوننا ولا تلتفتون إلينا ، فليكن الأمر كذلك ، ونحن ~~أعداؤكم». # وقد برت عنزة بوعدها هذا. ولما كانت على جانب أكبر من القوة PageV01P198 # والمنعة بين القبائل فقد دبرت في الحال أن تضايق زبيدا وتؤذيها حتى ~~أضجرتها ونغصت عليها عيشها ، فقررت أن تحسم المشكل مع عنزة بقدر الإمكان. # ولذلك بعثت زبيد إلى المير آخور ترجوه ان يعيد لها الخيول بأي شرط كان. ~~فتم لها ما أرادت وأعيدت إلى عنزة خيولها المسروقة مع اعتراف متواضع بالخطأ ~~، ورجاء بإعادة الصداقة إلى ما كانت عليه من قبل بين العشيرتين. فأبت عنزة ~~ذلك قائلا «كلا ، لقد أثبتم أنفسكم بأنكم أناس لا عقيدة لهم أيها الأوغاد ~~والمساكين الذين يعد من الخزى والعار الاتصال بهم. لقد وجدتم من المناسب أن ~~تعيدوا ما نهبتموه ، لكنكم هيهات أن تستعيدوا تقديرنا لكم سنبقى على عدائنا ~~لكم». والحق أن هذا النزاع مع عنزة قد ms155 عجل بالقضاء على مكانة زبيد بين ~~العشائر. # ومن مخيم زبيد العاري ذهبنا إلى معسكر الهايته (1) الكائن على بعد غير ~~يسير منه ، فكان هذا منظر طريف آخر ، فقد كان ممتلئا بالمنهوبات التي كان ~~ناهبوها يرزمونها ويؤمنون عليها بقدر ما يمكن. إذ كانت كل خيمة ممتلئة ~~بكميات من الحاجات والأشياء غير المتجانسة ، فالأسرة المصنوعة من جريد ~~النخل والأفرشة والقدور وأواني الطبخ والطسوت والأباريق ، وألبسة النساء PageV01P199 # والرجال وغير ذلك ، كانت كلها مكدسة في كل زاوية ومكان ومجموعة بأكوام في ~~أماكن استراحة الرجال بينما كانت قطع الأشياء المكسورة تغطي الأرض. وكذلك ~~كان عدد كبير من الحيوانات المسروقة يتمرغ في أكداس التبن المنهوب ، الذي ~~كانت تصف إلى جانبه أكياس كبيرة من الحبوب. فلم تطعم تلك الحيوانات بمثل ما ~~أخذت تطعم به الآن. وقد كان أحد الهايتة يسوق عددا من حمير الحمل الحردة ، ~~التي كانت على ما يبدو غير مرتاحة مطلقا لتبدل الأصحاب. وكان آخر قد استحوذ ~~على بغلين كبيرين ، وكان عدد آخر غيرهما يسحبون خيولا يركض وراءها أصحابها ~~المساكين وهم يستعطفون سراقها بإعادتها إليهم ولكن من دون جدوى ، غير أنهم ~~كانوا محظوظين لأن الرد على توسلاتهم لم يكن مصحوبا بضربهم باليطقان. # ولم نلاحظ في هذا المعسكر شيئا يدل على الضبط أو النظام العسكري إلا في ~~النادر. فقد كان كل فرد منصرفا إلى شؤونه الخاصة ، وكان الضباط على ما يبدو ~~لا يمارسون أدنى سلطة على جنودهم. فالحقيقة أن نصفهم كانوا لا يزالون خارج ~~المعسكر يفتشون عن المزيد من النهب ، أو يقومون ببيع ما كانوا قد حصلوا ~~عليه من قبل. وقد كان بوسع أي جماعة قوية فعالة من الأعراب أن تفاجىء هذا ~~المعسكر فتقضي عليه كله ، إذ لم يكن هناك ولا حارس واحد لا هنا ولا في باب ~~المدينة نفسها. وحتى في معسكر قوات «النظام» الذي كان يجري تشييده ، كان ~~هناك شيء مماثل من عدم وجود أي نوع من الحراسة والتيقظ. # وفي خيمة قائد الهايتة تناولنا القهوة ودخنت الشطوب. وقد كان على ما يروي ~~هو نفسه بطل ms156 المعركة كلها ، لكن الحقيقة أن كل من تحدثنا إليه كان هو البطل ~~الضرغام أيضا. والظاهر أن صديقنا هذا لم يستسغ الثناء الذي أثنينا به على ~~قوات «النظام» ، ولم يكن يعترف حتى بالبسالة التي أبداها أصدقاؤه هو في ~~الهجوم على طول الجسر. فقد أكد لنا أن رجال «الدستة» التابعة له هم الذين ~~اضطلعوا بالعمل جميعه ، ولذلك أضاع منهم ستة عشر أو ثمانية عشر رجلا خلال ~~المعركة. على أنه اعترف ، كما اعترف كل فرد آخر ، بأن الأحوال كانت PageV01P200 # ستسوء جدا لولا النجدة من الرجال والذخيرة التي عبرها زورق المقيمية إلى ~~الجانب الثاني ووصولها في الوقت المناسب. وقال لنا إن ما يقرب من مئتي شخص ~~قد قتلوا وجرحوا من الطرفين ، ولما كان هذا الرقم مع الروايات التي سمعناها ~~من مختلف المصادر فإنه قد يكون قريبا من الحقيقة والواقع. ### ||| ** 11 كانون الأول # لقد تأيدت هذا اليوم الأخبار التي تناهت إلينا من قبل حول انقسام عنزة ~~على نفسها وفي جناح الجزيرة. ويقال بصورة جازمة إنهم قد رحلوا من هنا ، ~~وبعد أيام قلائل يؤمل أن تفتح الطرق المحيطة بالعاصمة وتخلو من قطاع الطرق ~~والسلابين. وقد رتب الپاشا أموره مع قبيلة عقيل بتنصيب سليمان غنام ، الرجل ~~المغامر الذي أشير إلى تنصيبه في المشيخة من قبل ، لقيادة القوافل ~~وحراستها. بينما منح شيخ عقيل الأصلي الرخصة اللازمة بالإقامة هنا بشرط أن ~~يوافق على المعيشة كشخص اعتيادي لا غير. وهذا ترتيب يتفق تمام الاتفاق مع ~~التدابير التي يتخذها الپاشا عادة. لأن سليمان غنام هذا لما كان سليلا غير ~~شرعي لرجل من عرب شمر (1) وأم عبدة زنجية فليس هناك عربي حقيقي يود من كل ~~قلبه أن يرضخ لطاعته أو ينضم إليه. أضف إلى ذلك أنه ، كما قلت من PageV01P201 # قبل ، كان قد أخفق في مناسبة سابقة حينما أعطيت له نفس الصلاحية والمنصب. ~~وقد كان هؤلاء العقيل أنفسهم هم الذين طردوه حينما كانت بعهدته قافلة كبيرة ~~مهمة على مقربة من بغداد نفسها. لكن هذا كله قد لفه النسيان ، وصرف النظر ~~عن العواقب فاللحظة ms157 الحالية وحدها هي التي تلاحظ وتؤخذ بنظر الاعتبار. # لقد قرر المستر فنلي ، الذي كان نزيلنا المؤنس ورفيقي في جميع جولاتي ~~وركوبي ، أن ينفذ فكرة القيام برحلة عن طريق النهر بعد أن مل الانتظار إلى ~~حين افتتاح الطريق. وبعد أن أجرى التحضيرات اللازمة استقل مركبا كان متوجها ~~إلى البصرة. لكن المستهل الأول للرحلة كان شيئا غير مشجع ، لأن المركب لم ~~يقطع خمسة أميال حتى أوقف بحجة وجود خيول فيه لم تدفع عنها الرسوم الحكومية ~~المطلوبة. وقد حصل بهذه المناسبة منظر تختص به هذه الجهات ، حيث تبين أن ~~الرسوم المطلوبة كانت قد دفعت ولكن ليس إلى الشخص المختص نظرا لحصول بعض ~~التغييرات والتبدلات الرسمية. وعلى هذا حضر اثنان من الهايتة يمثلان الموظف ~~المختص ، ومن دون سؤال أو رحمة انهالا على بحارة المركب والركاب بالضرب ~~والإهانة وأمراهم بإخراج جميع الخيول الموجودة فوق ظهر المركب. فتدخل ~~الدكتور روص ، الذي كان قد رافق المستر فنلي لمسافة في المركب ، في قضية ~~جواد المستر فنلي نفسه وأرجع ذينك الرجلين إلى صوابهما. وعلى أثر إشعار ~~أرسل إلى المقيم أوفد رسول في الحال إلى محل الحادث ، وبكل برودة وهدوء صرف ~~الرجلين الخبيثين من دون أي سؤال آخر. ولو لا أن تهيىء الصدفة وجود رجل ~~إنكليزي في المركب لنهب المركب على وجه التأكيد ، وأضاع أصحاب الخيل ما ~~يملكون ، أو أجبروا على دفع مبالغ غير يسيرة لاستعادتها. هذه هي شرطة بغداد ~~، وهذا عدلها!! ### ||| ** 17 كانون الأول # وصلت من إنكلترة هذا اليوم رزم ورسائل وأخبار إلى حد اليوم التاسع PageV01P202 # عشر من تشرين (1) الأول ولكن لم يكن فيها شيء لي بطبيعة الحال ، فمن هو ~~الذي يستطيع أن يمسك قطرة زئبق مثلي ويعرف عنوانه؟ فأنا اليوم هنا وغدا في ~~مكان آخر ، ومضطر إلى التأخر الآن لسوء الحظ. ومع ذلك لم أستطع أن أكبح ~~التأثر الذي شعرت به ، والحسد الذي ساورني ، لأني وجدت الآخرين يقرأون ~~رسائل من أصدقائهم بينما حرمت أنا منها. على أنني تصفحت بشره قوائم الوفيات ~~فحمدت الله على عدم وجود شخص أعرفه ms158 فيها. # لقد عاد المستر فنلي أدراجه لأن المركب لم يستطع السير نظرا لهبوط مستوى ~~الماء في النهر ، الذي يتذبذب منسوبه على الدوام في مثل هذا الوقت من السنة ~~تبعا للأمطار التي تهطل في الجبال. وهو قد يرافقني أنا والدكتور روص في ~~سفرتنا التي نعتزم أن نزور فيها سوق الشيوخ وواسط. # وفي هذا اليوم زرنا شيخ زبيد ، الذي كنت آمل أن أحصل منه على دليل ~~للقافلة يأخذنا في مستهل رحلتنا على الأقل إلى المناطق العربية. فقد تأكد ~~تنحي عنزة وانسحابهم إلى بعد كاف لا يجعل منهم مصدر خطر عاجل على الأقل ~~ولما كانت هناك قافلة تستعد للتوجه إلى الحلة ، فقد كنا نأمل أن نتحرك إلى ~~الجزيرة بسلم وأمان. وقد وجدنا الشيخ في بيت محمد أغا حاكم الحلة ، فكان ~~رجلا وسيم الطلعة خفيف الروح ، أشد سمنة من المظهر الذي كان يظهر به العرب ~~، وأكثر انهماكا بالمعيشة الطيبة مما يكونون عليه في العادة. والحقيقة أن ~~السبب الوحيد الذي كان يحول دون التقائنا بهذا الشيخ من قبل هو عدم تمكنه ~~من مواجهتنا نظرا لانهماكه بالفسق والمشروب. فهو في كل ليلة ضيف على أحد ~~الناس في بغداد ، وهناك يعب من الخمرة ما يشاء حتى يصل إلى أقصى درجات ~~السكر ، ولذلك كان يندر أن يرفع رأسه ويرى الناس قبل عصر اليوم التالي. PageV01P203 # ولم تصبح رذيلة السكر شيئا اعتياديا في بغداد فقط بل أصبحت شيئا عاما ~~تقريبا. فقد كانت على أيام داود پاشا شيئا مخفيا يتكتم به الناس على الأقل ~~، غير أن الپاشا الآن يقود طبقة السكارى بنفسه ، ويرى عادة وهو لا يكاد ~~يقدر على السير حينما يعود مساء من حفلاته الداعرة في البساتين. ويبدو أن ~~شيخ زبيد قد تعود على هذا النوع من العيش ، ولم يكن حديثه معي على ما تدل ~~عليه الترجمة بيننا رقيقا حتى ولا محتشما على وجه التأكيد. على أنه وعدنا ~~بالمساعدة والأمان التام في داخل ديرته هو ، وبالأدلاء والحراس إذا ما ~~احتجنا إليهم في المناطق الأخرى. # وقد ركبنا في المساء إلى الكاظمية ms159 ، وهي قرية تقع على بعد ثلاثة أميال ~~تقريبا من شمالي بغداد ، حيث يوجد ضريح الإمام موسى الكاظم إمام الشيعة ~~الذي قطع هارون الرشيد رأسه على ما أعتقد. وكان قد حبس في جب لا يزال يرى ~~إلى يومنا هذا ، وهرب منه بمعجزة على ما يقال. ويزعم آخرون أن رأسه قد قطع ~~بأمر من الخليفة ومع هذا يمكن أن يرى في بعض الأحيان حتى في هذه الأيام ~~جالسا في مكانه القديم في الجب (1). والظاهر أن هذا المزار واسع PageV01P204 # جدا ، وله قبتان مطليتان بالذهب وأربع منارات رشيقة. وقد طليت القبتان ~~بالذهب من قبل نادر (1) شاه ، الذي يبدو انه قد التجأ إلى هذا الأسلوب في ~~تزيين قبور الأئمة والأولياء تكفيرا عن شناعاته الأخرى. وهذا مزار عظيم ~~يقصده الزوار الإيرانيون بكثرة أي أن جميع الذين يزورون كربلاء لا بد أن ~~يأتوا لزيارة هذا المكان أيضا. وهو مثل سائر الأماكن الشبيهة به يزدهر بما ~~ينفقه هؤلاء الزوار فيه ، ويمتلىء بالمتشردين والمنبوذين الذين يلوذون ~~بحمايته. ولم أحاول الدخول فيه لأني قد رأيت الكفاية من هذه الأشياء ، ~~وأريد أن أتحاشى اللغط الذي يثار حينما يحاول الغرباء زيارته أيضا. ### ||| ** 19 كانون الأول # علمنا في هذا اليوم أن محمود شاه قد زحف بالتأكيد من تبريز على طهران ~~باثني عشر أل سرباز وعشرين ألف جندي غير نظامي هذه مبالغة بالأرقام دون شك. ~~وحينما علم أمير فارس بهذا الزحف هرب من أصفهان إلى بلاده ، لكننا لم نسمع ~~شيئا حتى الآن عن الادوار التي لعبها الإنكليز (2) والروس في هذا النزاع ~~ومع هذا كم في كل هذا من طرافة بالنسبة لنا! PageV01P205 ### ||| * (11) # قبائل العرب في ما بين النهرين أخلاق الأعراب وأذواقهم ضغائن الدم والأخذ ~~بالثأر قصتان من قصص الثأر عند العرب ### ||| ** 22 كانون الأول 1834 م # وأخيرا ، فقد أكملنا استعداداتنا للرحلة التي نعتزم القيام بها إلى ~~الجزيرة ، أو ما بين النهرين السفلى. ونظرا لأنك سوف تصاحبينا الآن خلال ~~تجوالنا في أرض تقطنها عشائر عربية بالكلية ، فقد يسرك ان تكوني على مزيد ~~من الاطلاع على طبيعة ms160 هؤلاء الناس وأخلاقهم قبل أن أقدمهم لك. # فأنت تعلمين على ما أعتقد أن بلاد ما بين النهرين ، أي البلاد الكائنة ما ~~بين دجلة والفرات ، تشغلها الآن عشائر عربية على كونها لا تعتبر جزءا من ~~جزيرة العرب. ولا شك أن خصب هذه البلاد هو الذي أغرى هذه العشائر بأن لا ~~تكتسح القسم الأعظم منها فقط بل بالاستيلاء أيضا على معظم الأراضي المنخفضة ~~التي تقع في الجانب الأيسر من دجلة وتمتد من سواحل الخليج حتى الموصل. ~~وهكذا فإن القسم الشمالي من بلاد ما بين النهرين ، أو الجزيرة كما يسميها ~~العرب ، الممتد من نهر الخابور إلى ما يقرب من بغداد تقطنه الآن عشيرة ~~الجربا التي أتينا على ذكرها مرات عدة من قبل. وتنتشر عشيرة الدليم في ~~الأماكن التي تجاور المدينة مباشرة. أما البلاد التي تمتد من هذه المنطقة ~~إلى شط الحي ، الذي يخترق الجزيرة ويوصل ما بين النهرين العظيمين ، فتملكها ~~عدة قبائل تختلف فيما بينها من حيث القوة والاعتبار ، وأبرزها وأكثرها ~~انتشارا قبيلة زبيد. وعلى الشاكلة نفسها ، تشغل البلاد الممتدة من هذا الشط ~~إلى القرنة ، حيث PageV01P207 # يلتقي النهران ، عشائر عديدة أهمها ربيعة ، من أقارب المنتفك. والحقيقة ~~أن جميع القبائل الأخرى هي من متعلقات العشيرتين القويتين الأخيرتين. # وفي الجانب الأيمن من الفرات تقوم عشيرة عنزة ، وهي العشيرة العظيمة التي ~~أصبحت تعرفين الشيء الكثير عنها بلا شك ، بحكم البلاد وحماية عدد من ~~القبائل الصغيرة التي تنتشر على طول النهر من البير إلى عانة ، أو تقوم ~~باضطهادها تبعا لما تقتضيه الأحوال والظروف. وفيما بين الحلة والسماوة ~~تستولي على منطقة الأهوار المتكونة من فيضان الفرات ، وفي ضمنها ما تسمى ~~بأهوار لملوم ، عشيرة الخزاعل الكبيرة التي تستمد قوتها من طبيعة البلاد ~~التي تقطنها. وهؤلاء أناس يمتهنون الزراعة والرعي ، ويعيشون لدرجة كبيرة ~~على ما تنتجه قطعان الجاموس الذي تربى على أدغال الأهوار الكثة ، فضلا عن ~~كونهم متوحشين خاصين وقطاع طرق غادرين. ومن السماوة إلى البحر تعود البلاد ~~كلها من دون منازع إلى عشيرة المنتفك (1) العظيمة التي تمتد أحيانا إلى ms161 هيت ~~وعانة في الشمال متاخمة إلى عنزة ، وتحمي عددا من القبائل الصغيرة التي ~~تعتمد عليها. وجميع هذه العشائر ، عدا عنزة ، من رعايا پاشوية بغداد بالاسم ~~على الأقل. # وفي الجانب الأيسر من دجلة ، إلى شمال بغداد ، تستولي على البلاد عدة ~~قبائل صغيرة عربية وكردية ، كل أفرادها لصوص ينهبون المسافرين ويقترفون كل ~~نوع من أنواع السلب والإغارة. وفي جنوب بغداد ، توجد قبيلة بني لام القوية ~~التي تصل في تجولها من أقسام سوسيانا الجنوبية إلى الكرخة (2). وقد استولى ~~عرب بني كعب (3) على جميع المنطقة الكائنة ما وراء PageV01P208 # نهر الكرخة إلى البحر. ولا شك أن نظرة تلقينها على الخارطة تجعلك قادرة ~~على فهم مواقع هذه القبائل المختلفة. # وجميع أفراد هذه القبائل الصغيرة ، وهي تتحدر من نفس الأرومة التي يتحدر ~~منها إخوانهم في الجزيرة العربية ، أو أي مكان آخر يوجدون فيه ، يشبهون ~~هؤلاء في جميع النواحي الأخلاقية الأساسية. فهم جميعهم يدعون بفضيلة السخاء ~~، وإكرام الضيف ، والعدالة ، وطهارة الذمة ، والوفاء بالعهد ، وبالصفات ~~الحميدة المعروفة كالشجاعة والاستقلال وتعشق الحرية. وهم إذ يعترفون بكونهم ~~قطاع طرق ولصوصا لا يجدون ضيرا في الاستيلاء على ممتلكات الغرباء الذين ~~ربما يكونون غير متفقين معهم على ضمان سلامتهم وأموالهم. والحقيقة أنهم ~~يقفون ضد أي فرد من الأفراد حتى تطلب مساعدتهم أو يشتري تسامحهم أو رفقهم. ~~وهم يحبون التجوال والحياة الرعوية التي ينتقلون فيها من مكان إلى آخر ضمن ~~حدود معينة انتجاعا للكلأ الذي تحتاجه قطعانهم وحيواناتهم. على أنهم في ~~الأيام الأخيرة أخذوا يجدون صعوبة في الحصول على الكفاية من الحبوب بطريقة ~~المقايضة ، ولذلك صار قسم من كل قبيلة ينصرف إلى الزراعة وحراثة قسم من ~~أراضي العشيرة لمنفعة الباقين. على أن هؤلاء الفلاحين أو العرب المزارعين ~~يعتبرون منحطين في نظر إخوانهم البدو المتجولين الذين يستخفون بمثل هذه ~~الأعمال الحقيرة ، ويعتبرونها مهينة لعنصرهم الحر النبيل. # ومهما كان مقدار الفضائل التي كان من الممكن أن يتصف بها العرب الأقدمون ~~فإن قليلا منها فقط قد تحدر إلى ذريتهم الموجودة هذه الأيام ، في الجهات ~~التي تمكن الأوروبيون ms162 أن يصلوا إليها على الأقل. فكما أن المعلومات ~~المكتسبة بالإثم والجور قد فتحت عيون أسلافنا الأولين إلى عريهم وحرمانهم ، ~~كذلك أيقظ الشعور بالفقر النسبي في مخيلة الأعرابي الاشتهاء للثروة والغنى ~~وهو شعور يهدم تعاطي الضيافة أو الكرم تهديما مباشرا ، لأن أسهل طريقة ~~تمكنه من الحصول عليها ، أو الطريقة الوحيدة في الحقيقة بالنسبة لرجل في ~~مثل عاداته وأحواله هي طريقة القوة والاغتصاب ، أي أخذ PageV01P209 # الممتلكات التي تعود للغير. ولذلك يصبح وجود هذه الفضائل شيئا نادرا ~~نسبيا. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الصدق وطهارة الذمة. فإن الرجل الذي لا ~~يهمه نوع الوسيلة التي يحصل بها على الغنى لا يعبأ إلا قليلا بالوعود ~~والمواثيق. وعلى هذا ليس هناك أكثر شيوعا بين الأعراب من الخيانة ونكث ~~العهود. وبذلك تصبح رابطة «الخبز والملح» المقدسة شكلا أجوف يمكن تحاشية ~~بسهولة. فالعهد الذي يعطيه شيخ من الشيوخ يضرب به عرض الحائط حينما يتفق ~~ذلك مع مصلحته هو ، في شخص أخيه أو عمه الذي يعلن استقلاله عن الغير وحقه ~~في السلب والنهب. حتى أننا كثيرا ما نسمع أن المضيف منهم يقوم بواجب ~~الضيافة تجاه المسافرين باعتبارهم من ضيوفه ، ويوصلهم سالمين إلى نقطة متفق ~~عليها ، ثم يتصدى لهم بنفسه فيسلبهم ويجردهم من كل ما يملكون (1). PageV01P210 # والشجاعة ، مثل كثير من الصفات الأخرى ، هي بنت الظروف والأحوال الآنية ~~ولا تنمو وتترعرع إلا تبعا لما تقتضيه تلك الظروف بالذات. فإن المقاومة ~~العنيدة التي أبدتها قبيلة بني بو علي تجاه القوة البريطانية في رأس الخيمة ~~، والشجاعة الفائقة التي أظهرها العرب من الجنود المرتزقة في الهند في ~~مناسبات كثيرة ، ووقفات الوهابيين الجريئة يمكن أن تتخذ كلها ، مع كثير مما ~~يمكن أن يستشهد به من غير هذا ، أدلة واضحة على شجاعة العرب وبسالتهم. # ومع ذلك فإن الحال تنعكس في البلاد التي أتكلم عنها بحيث يصبح خلق ~~الأعرابي الجبان ، على عتوه ، شيئا معروفا. وهناك عدة حوادث يمكن أن تروى ~~من هذا القبيل. فقد حدث في مناسبة معينة ، حينما كان الكولونيل تايلور ~~مسافرا بالزورق من البصرة ms163 إلى بغداد ، أن جماعة من العرب في إحدى القرى ~~القائمة على ضفاف دجلة أزعجها تصرف أحد الرجال الذين كانوا يعملون في ~~الزورق نفسه فاجتمعوا بأعداد كبيرة وأخذوا يقومون بحركات عدائية من دون أن ~~يكون من الممكن تفريقهم بمختلف الوسائل ، ولذلك ارتئي من الضروري أن تطلق ~~بعض الإطلاقات فوق رؤوسهم ، وأن يصليهم الحرس السپاهيون من فوق الزورق ~~بصلية واحدة في الهواء. فكان لذلك تأثير آني فعال ، إذ وقع قسم من الرجال ~~على الأرض ولاذ الآخرون بالفرار. أما نساء القرية ، أو المخيم ، فقد قوضن ~~الخيام في الحال وتراجعن إلى هور صغير بالقرب من الموقع. وحينما استمر وقوع ~~الحركات العدوانية ، وعاد الناس إلى التجمع بعد أن ازداد عددهم ، أنزل إلى ~~البر فريق من الحرس السپاهي. فارتاع الأعراب لهذه التحضيرات المتخذة ~~لمقاومتهم ، برغم تفوقهم الكبير في العدد ، وأخذوا يلوحون باستعدادهم ~~للمفاوضة. وعلى هذا الأساس جرت بعض التفسيرات والتوضيحات فأعيد الصفاء إلى ~~نصابه. وقد اعترفوا بعد ذلك بأنهم كانوا يتصورون بأن زورق المقيم هو من ~~الزوارق الأهلية التي كانوا معتادين على PageV01P211 # بلصها والتحرش بها. وقد حدث الشيء نفسه حينما هاجم بعض الأعراب في النهر ~~صديقا لنا كان مسافرا إلى الجنوب ، وطلبوا منه أن يدفع لهم رسوما اعتباطية ~~، لكن إطلاق النار فوق رؤوسهم وإبداء الحزم والقوة تجاههم كانا كافيين لدفع ~~الشر عنه. # ولا غرو ، فإن إبداء شيء من الحزم لا بد أن يرجع أعراب ما بين النهرين ~~إلى صوابهم في جميع الحالات تقريبا. لكن هذا الحزم يجب أن يصدر عن حكمة ~~وتعقل ، وإلا فإنه قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. فإذا ما سفك أي مقدار من ~~الدم ، وكان الخصم متفوقا في العدد ، لا بد أن تكون العواقب وخيمة والنتيجة ~~مهلكة. وإذا لم تحصل مقاومة في مثل هذه الحالات فيندر أن يعمد الأعراب إلى ~~القتل. وقد دلل على ذلك ما وقع لثلاثة من الإنكليز قبل سنوات قليلة ، حينما ~~كانوا مسافرين في قافلة خرجت من بغداد إلى استانبول ، ففي موقع بالقرب من ~~ماردين أحيطت القافلة بفريق من ms164 الأعراب المسلحين الذين طالبوا القافلة ~~بمبلغ من المال بصفة رسم كمركي. وقد كان من الممكن أن يسوى المشكل تسوية ~~سريعة بدفع قسم من المبلغ المطلوب ، غير أن إخواننا الثلاثة ، الذين كانوا ~~يبعدون عن القافلة بمسافة قصيرة حينما وقع الهجوم ، استهجنوا فكرة الرضوخ ~~للأعراب وسلبهم من قبلهم فتراجعوا إلى مرتفع من الأرض ، وسرعان ما أحاطت ~~بهم هناك ثلة من الأعراب المدججين بالسلاح الكامل. فأعقبت ذلك تهديدات ~~وحركات انفعالية كثيرة ، وفي خلال احتدام الغضب من الطرفين ، وبقدر مؤسف ~~انطلقت إطلاقة من مسدس أحدهم فأصابت ابن الشيخ أو قريبه. وكانت نتيجة ذلك ~~أن شن هجوم عاجل عليهم فقطع المسافرون المنكودو الحظ إربا إربا في لحظة واحدة. # وقد سبق أن عرفت من روايات سابقة أن هذ المعارك لا يكاد يسفك فيها دم ~~فكثيرا ما يتم الظفر ويحصل النصر من دون خسران ولا رجل واحد. لكنه يجب أن ~~يلاحظ أنه ، بالإضافة إلى إحجام الشخص من التعرض إلى المخاطر ، هناك تقدير ~~عام لعواقب سفك الدم وأخذ الثأر الذي يعتبر كابحا قويا ضد أي نزوع طائش إلى ~~العنف. على أن المعركة التي جرت مع عقيل لم تطبق فيها PageV01P212 # هذه القاعدة ، ومع ذلك فقد رأيت ضآلة الخسارة التي حلت بأولئك الأعراب في ~~هذه المناسبة ، وقلة تعريض أنفسهم للخطر. # وحوادث الثأر للدم هذه ، على ما تنطوي عليه من الفظاعات والشناعات ، لا ~~تختلف إلا قليلا في طبيعتها عما هو موجود منها لدى الأمم الأخرى ، بما فيهم ~~حتى سكان بلادنا نحن في الأزمنة القديمة. ومن الممكن أن نكتب مجلدات في ~~تفصيلات هذا الموضوع ، لكنني أستطيع أن أقول إنك ستقتنعين بحادثة واحدة أو ~~اثنتين ، على سبيل تقديم النماذج ، وهناك حادثة واحدة أراني مدفوعا إلى ~~سردها لأنها حدثت بمعرفة رجل من أهالي بلادنا شهد بأم رأسه دورا من ~~أدوارها. # فقد كان فرع من فروع بني لام على خصام مع قبيلة أخرى من العرب ، لا أتذكر ~~اسمها ، وفي خلال هذه الخصومة سفك كثير من الدم بين الطرفين لإشباع الثأر ~~الشخصي والانتقام لشرف الباقين من ms165 الأقارب. فصادف في يوم من الأيام أن رجلا ~~إنكليزيا كان يسيح في عربستان (خوزستان) استضيف في خيمة شيخ القبيلة ~~الأخيرة ، فكانت مضيفته فيها ابنة الشيخ نفسه التي كانت تقوم مقام أبيها في ~~هذا الشأن نظرا لعدم وجود أحد غيرها من الأسرة في ذلك الوقت. وحينما جن ~~الليل لجأ كل فرد إلى فراشه ، بما فيهم الضيف الغريب ، لكنه انتبه قبيل ~~الصبح على صوت صراخ عرف منه أنه صوت مضيفته الشابة وهي تستغيث وتقول إنها ~~قتلت! فهم الجميع إلى محل الحادث ، حيث وجدوا البنت المسكينة تعاني سكرات ~~الموت ، لأنها كانت قد طعنت في صدرها بثلاث طعنات عميقة بالخنجر. وحينما ~~كان الجميع ينظرون إلى الضحية المحتضرة ويقدمون الإسعافات الممكنة لها سمع ~~صوت من مكان مرتفع ، على مقربة من محل الحادث ، ينادي قائلا «أنا التي فعلت ~~ذلك ، الحمد لله ، لقد قتلتها». فاستدارت الأنظار كلها إلى ذلك الاتجاه ~~الذي شوهدت واقفة فيه امرأة عجوز تأتي بحركات انفعالية شديدة وحينما هجم ~~الجميع نحوها ركضت إلى حيث كانت الخيام قد نصبت على حافة النهر ، وهناك ~~ضويقت فسقطت فيه واختفت عن الأنظار. PageV01P213 # وقد تبين بعد الاستفسار والتحقيق أن الشيخ الذي فجع بابنته كان له ذات ~~يوم ابن قتله في معركة سابقة «پهلوان» ينتمي إلى القبيلة الأخرى. فكانت هذه ~~حادثة تستوجب كل ما تقتضيه الضغينة والثأر من خلاف. وبعد مدة قصيرة دخل رجل ~~غريب إلى المخيم فقوبل بالترحيب الاعتيادي الذي تقتضيه واجبات الضيافة عند ~~العرب. وكان من سوء الحظ أن يتعرف أحد رجال القبيلة عليه. ويكتشف أنه نفس ~~«الپهلوان» الذي كان قد قتل ابن الشيخ. فما الذي كان يجب أن يصنع؟ فقد كان ~~الرجل ضيفا على القبيلة ، وكانت جميع قواعد الضيافة تقتضي بالنسبة لعرف ~~العرب أن لا يمس بسوء. وكان الشيخ نفسه غائبا في مكان آخر ، وبينما كان حسن ~~النية والرأفة يسودان المجتمعين دخلت البنت الشابة موضوعة البحث وراحت تعنف ~~الرجال وتعيرهم بالجبن والتباطؤ في ثأر شيخهم. ثم قالت «فهل تريدون أن يكون ~~قاتل ابن شيخكم بين أيديكم فيفلت ms166 منها؟ إن هذا يجب أن لا يقال مطلقا ، ~~اقتلوه في الحال أو تخلوا عن اسم الرجال!» على أن الإحجام مع كل ذلك بقي ~~مستحوذا على أيدي الرجال وأسلحتهم فمنعها عن التجاوز على قواعد الضيافة ~~والمضيف بمثل هذه الصراحة ، برغم الحنق الذي يغلي في صدورهم. وعند ذاك ~~أمسكت البنت ، وهي منفعلة لوجود قاتل أخيها بين ظهراني القبيلة وتصور ~~إفلاته منها ، بسيف في يدها وبادرت إلى ضربه. فكان منظر الدم شيئا لم يستطع ~~الرجال مقاومته ، فسلت السيوف كلها في لحظة واحدة وأغمدت في جسم ضيفهم ~~منكود الحظ الذي قطع إربا إربا. # وقد عاد الشيخ فتميز غيظا وغضبا لما اقترفه الفاعلون من انتهاك فاضح ~~لواجبات الضيافة. لكنه فوض أمره لله بعد أن لم يكن بوسعه أن يفعل شيئا ~~لتلافي ما وقع. فتصرمت الأيام وانقضى الزمن ونسيت القبيلة حادثة القتل هذه ~~، كما تنسى غيرها من الحوادث. غير أن أم القتيل لم تنس ذلك مطلقا. وإذ كانت ~~عازمة على الانتقام لابنها ظلت تتعقب المخيم المعادي سنين عديدة وتتحين ~~الفرص بصبر وأناة ، فلم تؤاتها الفرصة إلا في تلك الليلة المشؤومة التي كان ~~فيها الرجل الإنكليزي ، الذي يقص القصة هذه ، ضيفا بطريق الصدفة في خيمة ~~الشيخ ، وشهد تنفيذ انتقامها الوحشي. PageV01P214 # اما القصة التالية من قصص الثأر العربية ، فهي على جانب أكبر من الهول ~~والفظاعة ، وهي مستقاة من بعض يوميات الكولونيل تايلور عن القبائل العربية ~~وتختص بفترة أبعد في القدم. فإن عشيرة المنتفك ، التي أشرت إلى قوتها ~~وسطوتها من قبل ، تستمد قوتها الرئيسة في الأساس من قبيلتين رئيستين هما ~~قبيلتا بني مالك والأجود. وهاتان القبيلتان ، وإن كانتا متحدتين في الوقت ~~الحاضر ، كان بينهما خصام عنيف من قبل. وقد كان سبب النزاع اختلافهما على ~~حق المرعى في مناطق معينة ، وكان بنو مالك هم المسيطرين بينما محقت الأجود. ~~وباستثارة بنات القبيلة وتشجيعهن ، أخذ كل رجل من رجال الأجود يسلح نفسه ~~للمعركة ويقتحم الموت في الذب عن البقعة التي كان آباؤه يرعون فيها ~~قطعانهم. غير أن هذا الظفر الدامي على ما ms167 كان فيه من شدة وبسالة لم يكن ~~كافيا تجاه ما كان يساور سليمان ، رئيس بني مالك ، من تنبؤ مفعم بالحذر. ~~فقد كان يتخوف مما قد يصيب قبيلته من اقتصاص مخيف في المستقبل ، فيما لو ~~بقي حتى ولو شخص واحد وخاصة من الرجال على قيد الحياة من القبيلة الخاضعة. ~~ولذلك اتخذ ترتيبات فظيعة يعمد فيها إلى قتل نساء تلك القبيلة كلهن ، وبذلك ~~يضمن القضاء على نسلها بمثل هذه الوسيلة البشعة. فنفذ هذا العمل الشيطاني ، ~~ولم يسلم من النسوة إلا واحدة ألقت بنفسها على قدمي رئيس من رؤساء بني مالك ~~فأنقذها بعطف منه بعد أن جازف بحياته من أجلها ، لأنه جرح وكاد يتقطع جسمه ~~بالسيوف دفاعا عن محميته. ومن هذه الامرأة الشابة ، التي كانت حاملا في يوم ~~المجزرة ، ولد عبد الله الذي أصبح فيما بعد مؤسسا لقبيلة استمدت اسمها من ~~منشأ رئيسها الخاص فسميت «قبيلة اليتامى (1)». وقد وقعت المجزرة في واد من ~~الوديان الجميلة التي يمكن أن توجد بين الجبال حتى في تجربة الجزيرة ~~العربية الحجرية العقيمة ، حيث يمكن الحصول على الماء من قرب سطح التربة في ~~كل مكان وتغطي الأرض في الربيع وأوائل الصيف بعشب غزير يكون مرعى ممتازا. PageV01P215 # وبقعة مثل هذه هي التي يود العربي الجوال أن ينصب مخيمه فيها. فهي جميلة ~~ممرعة إذا ما قورنت بالبادية المحيطة بها ، وليس من العجب والحالة هذه أن ~~يستثار العربي ويكافح من أجل الحفاظ على حقه في التمتع بمثل هذا الملجأ ~~والملاذ. ويقع هذا الوادي على بعد خمسة عشر ميلا جنوبي البصرة الحديثة ، ~~وهو يحتفظ حتى يومنا هذا بالاسم الذي أطلق عليه في تلك الواقعة المشؤومة ، ~~حيث إنه يسمى اليوم «وادي النسا». PageV01P216 ms168