######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_002765
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الأنصاري
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1281
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: حاشية على القوانين
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند الشيعة
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_002765
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2765_حاشية-على-القوانين-الشيخ-الأنصاري
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: إعداد : لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: ربيع الأول 1415
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير
~~خلقه محمد وآله المعصومين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين PageV00P018
# [تعريف الاستصحاب] [قوله]: استصحاب الحال.
# [أقول]: الاستصحاب لغة: الملازمة، واستصحاب الشئ: أخذه مصاحبا، فعن
~~الصحاح: " كل شئ لازم شيئا فقد استصحبه " (1)، وعن القاموس: " إستصحبه:
~~دعاه إلى الصحبة ولازمه " (2)، وعن المجمع:
# " إستصحبه: لازمه، واستصحبت الكتاب: حملته على صحبتي " (3).
# وفي اصطلاح الأصوليين قد يطلق على ما حاصله: إبقاء ما كان على ما كان -
~~كما يظهر من تعاريف جلهم له - وقد يطلق على نفس الكلية
# PageV00P019
# المأخوذة من العقل أو الاخبار، كما في قولهم: الاستصحاب حجة أم لا؟
# قال العضدي: " معنى استصحاب الحال: أن الحكم الفلاني قد كان ولم يظن
~~عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء، وقد اختلف في صحة الاستدلال به "
~~(1) انتهى. فعرفه بنفس القضية الكلية، فتأمل (2).
# وقال السيد صدر الدين في شرح الوافية - عند تعريف الماتن للاستصحاب بأنه
~~التمسك بثبوت ما ثبت -: " هذا التعريف كأكثر التعاريف لا يخلو عن مسامحة،
~~لان الاستصحاب هو المتمسك به، وليس هو التمسك أو الاثبات أو مشاكلهما (3) "
~~ثم قال بعيد هذا: " ولقد عبر شارح المختصر عن المبحث بما هو أوضح من تعبير
~~غيره " (4) فنقل ما نقلناه عنه، فتأمل.
# والحق أن كلا من الاطلاقين إطلاق حقيقي في عرفهم، فإن الظاهر أن لفظ "
~~الاستصحاب " نقل إلى الابقاء الخاص، وبهذا الاعتبار اخذ منه المشتقات -
~~كقولهم: يستصحب ومستصحب - وإلى الكلية المشهورة.
# فتعريفه بكل من المعنى المصدري والقاعدة تعريف له بالمعنى الحقيقي.
# ثم هل حقيقيته في المعنيين اتفقت في مرتبة واحدة؟ بأن استعمل لفظ "
~~الاستصحاب "، من أول الامر في كل من المعنى المصدري والقاعدة حتى صار حقيقة
~~فيهما، أو على الترتيب؟ بأن صار حقيقة في المعنى المصدري ثم صار حقيقة في
~~القاعدة، وجهان، الظاهر: الثاني، وعليه: فهل صيرورته (5)
# PageV00P020
# حقيقة في القاعدة مع بقائه على الحقيقية في المعنى المصدري، حتى يكون
~~اللفظ مشتركا تعينيا فيهما؟ أو مع هجره عن المعنى المصدري، حتى يكون منقولا
~~عنه إلى القاعدة، فوقع في لفظ ms001 " الاستصحاب " عند أهل الأصول نقلان مرتبان؟
# يحتمل الأول، نظرا إلى أصالة عدم الهجر، مضافا إلى تبادر المعنى المردد
~~بين المعنيين من لفظ " الاستصحاب "، وهو أمارة الاشتراك اللفظي.
# ويحتمل الثاني، نظرا إلى ترجيح المجاز على الاشتراك، مضافا إلى ندرة
~~المشتركات التعينية.
# والأقوى الأول، للأصل والتبادر المذكورين.
# وأما ترجيح المجاز على الاشتراك: فإن كان مستنده أصالة عدم الوضع، فقد
~~عرفت أن الأصل هنا على الخلاف، لان الأصل بقاء آثار الوضع، وبعبارة أخرى:
~~ترجيح المجاز على الاشتراك إنما هو عند الشك في حدوث الحقيقية لا في
~~بقائها، وما نحن فيه من قبيل الثاني.
# وإن كان مستنده غلبة المجاز على الاشتراك، ففيه: أنها - على مرجوحيتها
~~بالنسبة إلى التبادر الذي ذكرنا - معارضة في المقام بغلبة أخرى، وهي: أن
~~الغالب في المعاني العرفية - سيما الخاصة - عدم هجرها في ذلك العرف، فتأمل.
~~وهذه إن لم تقدم على تلك - من جهة أنها أخص بالنسبة
# PageV00P021
# إليها - فلا أقل من التعارض الموجب للتساقط، فليرجع إلى الأصل الذي
~~ذكرنا.
# وبهذا يذب أيضا عما ذكر أخيرا: من ندرة المشتركات التعينية، فتأمل.
# ثم إن كون هذه الكلية من الأدلة، على فرض استفادتها من العقل واضح، لان
~~الأدلة العقلية - على ما صرح به بعضهم (1) - هي القواعد التي أسسها العقل.
# وأما على فرض استفادتها من الاخبار، فالظاهر أنها قاعدة مستفادة منها -
~~كسائر القواعد المستفادة من الأدلة، مثل قاعدة نفي الضرر، وقاعدة نفي
~~الحرج، وقاعدة حمل فعل المسلم على الصحة، وغيرها - لا أنه دليل كالكتاب
~~والاجماع.
# ويؤيد ذلك أن الشهيد في قواعده عبر عنه ب " قاعدة اليقين " (2).
# وتعبيرهم في عناوينهم بقولهم: " الاستصحاب حجة أم لا " وإطلاق الدليل
~~عليه، إما جري على ممشى القدماء - حيث تكلموا في كونها من الأدلة العقلية -
~~وإما مسامحة، ومرادهم: أن هذه القاعدة معتبرة ومأخوذة من دليل أم لا؟
# وعلى فرض الدليلية فهو دليل مستقل، لا أنه داخل في السنة، لاخذه منها،
~~كما يظهر من المصنف أعلى الله مقامه في أول الكتاب حيث قال رحمه الله بعد
~~ذكر الأدلة الأربعة: " وأما الاستصحاب فإن ms002 أخذ من الاخبار فداخل في السنة،
~~وإلا في العقل " (3). إذ لا يخفى أن كل دليل ثبت حجيته بدليل فلا يدخل هذا
# PageV00P022
# الدليل الثابت الحجية في عنوان الدليل المثبت لحجيته، فلا يقال في الخبر
~~الواحد - على تقدير استفادة حجيته من الكتاب -: إنه داخل في الكتاب.
# ثم: إن مسألة الاستصحاب هل هي من المسائل الأصولية، أو الفرعية، أو قاعدة
~~مشتركة كلية يدخل فيها المسائل الأصولية والفرعية، بل وغيرها؟
# لا سبيل إلى الاحتمال الأوسط.
# وأما الأول والثالث: فالظاهر أنه إن جعلنا الاستصحاب من الأدلة فيتعين
~~الأول منهما، وإن جعلناه من القواعد فالظاهر الثالث، ولكن المقام بعد يحتاج
~~إلى تأمل تام، فإن تشخيص المسائل الأصولية وتمييزها عن غيرها من مزال
~~الاقدام، ومزالق الافهام، ومتشاجر الاعلام.
# [قوله] قدس سره: " هو كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق، مشكوك
~~البقاء في الآن اللاحق ".
# [أقول]: يرد عليه أمور:
# الأول: أن الاستصحاب - على ما عرفت سابقا - هو: إما الابقاء والاثبات وما
~~شاكلهما، أو القاعدة. وأما نفس " كون الشئ يقينيا في الآن السابق مشكوكا في
~~الآن اللاحق " فهو ليس باستصحاب، بل هو مورده ومحله.
# قال في المعالم: " اختلف الناس في استصحاب الحال، ومحله أن يثبت حكم في
~~وقت ثم يجئ وقت آخر ولا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه
~~على ما كان؟ وهو الاستصحاب " (1) انتهى.
# PageV00P023
# فانظر كيف جعل رحمه الله ما جعله المصنف نفس الاستصحاب، محلا له!
# وجعل الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء هذا المتيقن سابقا المشكوك لاحقا،
~~لا نفس كونه متيقنا سابقا مشكوكا لاحقا!
# والحاصل: أن المتصدين لتعريف الاستصحاب طرا بين معرف له بما يرجع حاصله
~~إلى إبقاء ما كان على ما كان - وهم الأكثرون - وبين صرف له بنفس القاعدة،
~~كما اختاره شارحا الوافية (1) والمختصر (2).
# اللهم إلا أن يؤول كلام المصنف بما يرجع - بالآخرة - إلى ما عرفه به
~~الأولون، أو يوجه تعريف الآخرين على وجه ينطبق معه تعريف المصنف.
# أما الثاني: فسيأتي عند نقل المصنف لتعريف العضدي (3).
# وأما الأول، فبأن يقال: إن لفظة ms003 " الكون " تامة بمعنى الثبوت، وقوله:
# " يقيني الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء " - بالجر - صفتان لقوله:
# " حكم أو وصف "، وقوله: " في الآن اللاحق " متعلق بالكون.
# هذا كله مع جعل الاستصحاب المحدود مصدرا مبنيا للمفعول مضافا إلى النائب
~~عن الفاعل، فيصير المعنى: أن استصحاب الحال - أي مستصحبيته - هو ثبوت الحكم
~~أو الوصف الكذائي في الآن اللاحق، فإن الاستصحاب بالمصدر المبني للفاعل لما
~~كان هو إثبات الحكم الكذائي في الآن اللاحق، كان بالمصدر المبني للمفعول
~~ثبوت الحكم الكذائي في الآن اللاحق، وهذا بعينه هو الذي أراده القوم، إلا
~~أنهم عرفوا الاستصحاب بالمصدر المعلوم الذي هو فعل الشخص، والمصنف عرف
~~الاستصحاب الذي هو صفة
# PageV00P024
# للحال.
# لكن هذا التأويل بعيد، ونسبة الخطأ إلى المصنف أبعد.
# الثاني: أن الظاهر تعلق الظرف أعني: " في الآن السابق " باليقيني، وكذا
~~تعلق قوله: " في الآن اللاحق "، بالمشكوك، فيصير المعنى: أن الاستصحاب هو
~~أن يتيقن في الآن السابق بحصول حكم أو وصف ويشك في الآن اللاحق في بقائه.
# وهذا التعريف مختل عكسا وطردا.
# أما الأول: فلانه لا يعتبر في الاستصحاب أن يتيقن في السابق بشئ ويشك في
~~الزمن اللاحق، بل ربما يحصل اليقين والشك في الزمان اللاحق، كما إذا قطعنا
~~الآن بحياة زيد أمس وشككنا في هذا الآن بموته، فإنه محل الاستصحاب قطعا، مع
~~أنه لا يحصل اليقين في السابق بشئ. وربما يحصل اليقين والشك في الآن
~~السابق، كما إذا قطعنا الآن بحياة زيد وشككنا الآن أيضا في موته غدا، فإنه
~~محل الاستصحاب، مع أنه لم يحصل الشك في الآن اللاحق.
# وأما الثاني: فلانه يدخل في الحد ما إذا قطعنا في السابق بدخول زيد في
~~الدار، ثم في الآن اللاحق شككنا في دخوله السابق، أنه في السابق دخل أو لم
~~يدخل، وإنما كان قطعنا جهلا مركبا، وعلى فرض الدخول فهل هذا الدخول باق أم
~~مرتفع؟ فيصدق على هذا " أنه تيقن في السابق بشئ وشك في اللاحق في بقائه "
~~مع أنه ليس باستصحاب قطعا، وسيأتي تفصيل ذلك.
# اللهم إلا أن يجعل قوله: ms004 " في الآن السابق " متعلقا بالحصول لا باليقيني،
~~وكذا قوله: " في الآن اللاحق " متعلقا بالبقاء، فيصلح الطرد والعكس.
~~PageV00P025
# ويمكن أن يصلح الطرد أيضا، بأن نقول: المتبادر من " الشك في البقاء " هو
~~أن يكون الحدوث يقينيا والشك في البقاء والارتفاع، بأن يكون للشك طرفان:
~~بقاء الشئ وارتفاعه، لا أن يشك في الحدوث والبقاء كليهما، بأن يكون للشك
~~أطراف ثلاثة: عدم حدوثه أصلا، وحدوثه مع بقائه، وحدوثه مع ارتفاعه.
# الثالث: أن المراد بالشك في قوله: " مشكوك البقاء " إن كان هو الاحتمال
~~المساوي فيلزم اختلال التعريف عكسا، لان صورة مرجوحية البقاء يجري فيها
~~الاستصحاب على مسلك المصنف ومن وافقه في استفادة اعتبار القاعدة من
~~الاخبار، والحال أنه يخرج عن التعريف، بل يلزم اختلاله طردا أيضا، إذ يدخل
~~فيه ما إذا وجد دليل تعبدي لا يرفع الشك الواقعي على خلاف الحالة السابقة،
~~فإنه يصدق عليه التعريف، مع أنه ليس باستصحاب، لأنه مأخوذ فيه " عدم الدليل
~~على انتفاء الحالة السابقة " كما تقدم في عبارة المعالم (1).
# وإن كان هو الاحتمال المطلق - مساويا أو راجحا أو مرجوحا - فيلزم
~~الاختلال الطردي فقط، إذ يدخل فيه ما إذا قام ظن معتبر على الخلاف، فإنه
~~يصدق عليه الحد، مع أنه ليس باستصحاب.
# والقول بأن الظن المعتبر بمنزلة القطع - بل هو قطع في مرحلة الظاهر - لا
~~يجدي فيما نحن بصدده، لأنه لا يرفع الاحتمال الواقعي الموهوم.
# الرابع: أن التعريف غير منعكس، لخروج الاستصحاب القهقري، فإنه وإن لم يكن
~~حجة إلا أنه لا يخرج بذلك عن اسم الاستصحاب.
# PageV00P026
# اللهم إلا أن يمنع صدق اسم الاستصحاب عليه في الاصطلاح وإن أطلق عليه
~~لغة، فان القدر المتيقن من المعنى المنقول إليه هو " إثبات ما ثبت في
~~السابق، في اللاحق " ويعبر عنه بالابقاء، لا " إثبات مطلق ما ثبت في زمان،
~~في زمان آخر " وكما أن الأوضاع الأولية توقيفية، فكذلك الأوضاع الثانوية
~~يقتصر فيها على القدر المتيقن.
# مضافا إلى أنه يمكن إدعاء العلم بعدم كونه استصحابا في الاصطلاح من جهة
~~تبادر الغير وصحة السلب، فتأمل.
# والأولى في ms005 تعريف الاستصحاب، أن يقال: إنه إبقاء ما ثبت في زمان في ما
~~بعده مع عدم الدليل.
# والقيد الأخير للتنبيه على أن عدم الدليل مأخوذ في مفهوم الاستصحاب، كما
~~صرحوا به، لا أنه معتبر في اعتباره، كما يظهر من بعض (1) حيث عده من شروط
~~العمل بالاستصحاب، إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا.
# ثم، إن المراد بالدليل المعتبر عدمه في الاستصحاب، هو مطلق ما يزيل الشك
~~في مرحلة المواقع أو الظاهر " ولو كان استصحابا آخر، فعند تعارض استصحابين
~~يكون أحدهما - باعتبار مستصحبه - رافعا للشك في الاخر ومزيلا له، لا يجري
~~الاستصحاب المزال في الحقيقة، لا أنه يجري ولكنه يطرح لمكان المعارضة.
# كما أن تقديم المزيل من جهة أنه سليم عن المعارض، لا لأنه أقوى من
~~معارضه، فإذا غسل ثوب متنجس بالماء المستصحب الطهارة، أو لاقى ثوب طاهر
~~للماء المستصحب النجاسة، فلا يجري استصحاب نجاسة الثوب في
# PageV00P027
# الأول، ولا استصحاب طهارته في الثاني. وسيوضح لك هذا في مبحث تعارض
~~الاستصحابين (1) بما لا مزيد عليه، فانتظر.
# قوله قدس سره: " والمراد بالمشكوك أعم من المتساوي الطرفين، ليشمل مظنون
~~البقاء وغيره، وإن كان مراد القوم هنا هو الاحتمال المرجوح في الواقع ".
# [أقول]: لا شك أن الشك الذي أخذه من أخذه من القوم في تعريف الاستصحاب،
~~هو الشك الذي يكون من أركان الاستصحاب ومحققا لمورده، ويعبرون عنه بالشك
~~البدوي، فلا ضير في أن يريدوا به الاحتمال المساوي، فإنه إنما يصير راجحا
~~بملاحظة الاستصحاب، كما في إلحاق المشكوك بالأعم الأغلب.
# ثم لو سلمنا أن المراد به الاحتمال بعد ملاحظة الاستصحاب، فلا يخفى أن
~~مرادهم هو الاحتمال الراجح لا المرجوح، إلا أن يضاف إلى الارتفاع لا
~~البقاء، لكن المصنف في مقام تفسير المضاف إلى البقاء، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " لان بناءهم في الحجية على حصول الظن ".
# [أقول]: هذا هو الظاهر من أكثر استدلالاتهم، ولكن لا يظهر من بعضها الاخر
~~إناطة الاعتبار على الظن، مثل ما استدل به المحقق في المعارج من " أن
~~المقتضي للحكم الأول ثابت، والمعارض لا يصلح ms006 رافعا... إلى آخر الدليل (2).
~~فراجعه.
# ثم إن حجيته عند هؤلاء، هل هي من باب مطلق الظن، أو من جهة
# PageV00P028
# قيام الدليل الخاص من الشارع على اعتباره، وبعبارة أخرى من باب الظن
~~المخصوص؟
# يظهر من جمهورهم: الأول، ومن نادر منهم: الثاني، حيث قال - بعد الاستدلال
~~على الحجية بما حاصله: " إن الاستصحاب مفيد لرجحان البقاء، والعمل بالراجح
~~واجب "، مجيبا عما أورد عليه: من أنه إن أريد أن العمل بمطلق الراجح واجب
~~فهو ممنوع، للأدلة الناهية عن العمل بغير العلم، وإن أريد أن العمل بهذا
~~الراجح الخاص واجب فما الدليل عليه؟ - ما حاصله:
# " إن العمل بهذا الراجح الخاص واجب للاخبار الواردة في الباب... فذكر
~~بعضها " (1).
# ثم على التقديرين: هل اعتباره مشروط بحصول الظن منه في أشخاص الوقائع، أو
~~يكفي فيه كونه مفيدا للظن من حيث الطبيعة؟ يعني أنه لو خلي وطبعه يفيد
~~الظن، فلا يقدح في ذلك التخلف لامر خارجي، كما في الخبر الصحيح، فإنه قد لا
~~يفيد الظن، كما إذا عارضه قياس.
# وبعبارة أخرى: هل يكون حجيته من باب الظن الشخصي كالشهرة والاستقراء
~~والأولوية الاعتبارية - على القول باعتبارها -، أو من باب الظن الطبعي،
~~كالخبر الصحيح؟
# وتظهر الثمرة في ما إذا عارضه قياس أو غيره من الظنون الغير المعتبرة،
~~فتأمل.
# الظاهر من كلماتهم: الأول، كما هو صريح المصنف هنا. وممن صرح بذلك شيخنا
~~البهائي طاب ثراه. في الحبل المتين، فقال - في مسألة " من تيقن
# PageV00P029
# الطهارة وشك في الحدث " بعد كلام له في تقرير الاستصحاب - ما هذا لفظه:
# " ثم لا يخفى أن الظن الحاصل بالاستصحاب - في من تيقن الطهارة وشك في
~~الحدث - لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا، بل قد يزول
~~الرجحان ويتساوى الطرفان، بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا - كما إذا توضأ
~~عند الصبح مثلا وذهل عن التحفظ، ثم شك عند الغروب في صدور الحدث منه، ولم
~~يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت - والحاصل: أن المدار على
~~الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه وإن هذا، ms007 ثم قال: " وقد ذكر العلامة في
~~المنتهى: أن من ظن الحدث وتيقن الطهارة لا يلتفت، لان الظن إنما يعتبر مع
~~اعتبار الشارع له، ولان في ذلك رجوعا عن المتيقن إلى المظنون " (1)، انتهى.
# ثم قال: " وفيه نظر يعلم به المتأمل في مما تلوناه " (2)، انتهى.
# أقول: ولعل نظر العلامة إلى الأخبار الواردة في من تيقن الطهارة ولم
~~يتيقن الحدث، فإنها عامة للشاك والظان، وليس مدرك المسألة منحصرا في
~~الاستصحاب المفيد للوصف، فإن من مداركها قوله عليه السلام في موثقة بكير بن
~~أعين: " إذا استيقنت أنك أحدثت فتوضأ، وإياك أن تحدث وضوء حتى تستيقن أنك
~~قد أحدثت " (3) وغيرها من الاخبار.
# هذا، ومما يؤيد ذلك: أن العلامة في المنتهى قد استدل أولا على أن من ظن
~~الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، بالاخبار مثل صحيحة زرارة
# PageV00P030
# وغيرها.
# ومما يؤيد الاحتمال الأول - أيضا -: أن جملة من هؤلاء فرضوا - في
~~استدلالهم على إفادة الاستصحاب للظن - عدم الظن بارتفاع الحال السابق.
# قال شيخنا المتقدم - في أثناء الاستدلال -: " إن العاقل إذا التفت إلى ما
~~حصل بيقين ولم يعلم ولم يظن طرو ما يزيله، حصل له الظن ببقائه " (1)،
~~إنتهى.
# وبمثل ذلك صرح العضدي (2) وغيره في استدلالاتهم.
# ثم على التقادير السابقة إذا عارض الاستصحاب دليل ظني، فهل يعامل معهما
~~معاملة المتعارضين، أم يطرح الاستصحاب؟
# يظهر من جملة من مشايخنا المعاصرين (3): الأول، حيث قالوا: " إذا بني على
~~اعتبار الاستصحاب من جهة حصول الظن، فإذا عارضه ظن آخر فلا بد من ملاحظة
~~التعارض والترجيح ".
# وهذا (4) إنما يفيد إذا وجدت صورة يكون الاستصحاب مفيدا للظن مع وجود
~~دليل ظني هنا، والظاهر عدم وجود هذه الصورة، بل كلما وجد في مورد الاستصحاب
~~دليل ظني على الخلاف فلا يفيد الاستصحاب ظنا، ولذا أخذوا في الاستدلال على
~~إفادة الاستصحاب للظن: قيد عدم الظن بالخلاف.
# نعم، لو استدل على ذلك بالغلبة، وأن الغالب في الموجودات البقاء - كما
~~فعله بعض المحققين (5) - فالانصاف أنه يمكن حصول الظن منه على
# PageV00P031
# خلاف الدليل الظني المعارض له، فإن الظن الحاصل من الغلبة ms008 قد يكون أقوى
~~من معارضها، ويصير المعارض موهوما، كما لا يخفى. وستتضح لك هذه المقامات
~~فيما بعد، فانتظر.
# [قوله] قدس سره: " إلا أن يدعى أن الاخبار مبتنية على الظن الحاصل... الخ
~~".
# [أقول]: هذا الادعاء أنما يتطرق في الاخبار لو كان موردها مختصا بصورة
~~حصول الظن، وليس كذلك، لأنها بين ناه (1) عن نقض اليقين بغير اليقين، وبين
~~ناه عن نقضه بالشك.
# أما عموم الأول، فواضح.
# وأما الثاني، فنقول: إن الشك فيها أريد به مطلق الاحتمال، لأنه المتبادر
~~عرفا.
# ولولا يكن التبادر، فيكفينا كونه - في اللغة - لمطلق الاحتمال، ونثبت
~~مطابقة العرف معهما بأصالة عدم النقل.
# ولو قطعنا بمخالفة العرف، فيرجع الامر إلى تعارض اللغة والعرف.
# ولو سلمنا تقديم العرف على اللغة، أو قطعنا بتطابقهما في كونه للاحتمال
~~المساوي، فنقول: لا يضرنا، إذ غاية الامر عدم موافقة هذه الجملة من الاخبار
~~للجملة الأولى، لكن ليس بينهما تعارض يوجب حملا، لأنهما من قبيل العام
~~والخاص المنفيين، كما في قولك: " لا تكرم العلماء "، و " لا تكرم زيدا
~~العالم ".
# نعم، قد يتصور التعارض بين مفهوم بعض هذه الجملة مع مناطيق
# PageV00P032
# الجملة الأولى، وهو مقوم الخبر المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "
~~من كان على يقين فشك، فليمض على يقينه " (1) وبين مفهوم هذا الخبر وتلك
~~المناطيق عموم من وجه، لكن الترجيح مع المناطيق من وجوه:
# الأول: أن الظاهر من نفي الشك المأخوذ في المفهوم هو صورة العلم، وليس له
~~ظهور في مورد التعارض وهو الظن.
# الثاني: أنه على فرض الظهور فهو ظهور إطلاقي، لا يعارض الظهور العمومي،
~~وبعبارة أخرى: التقييد أولى من التخصيص.
# الثالث: أنه مفهوم، وهو لا يعارض المنطوق.
# الرابع: أنه واحد، والمناطيق كثيرة.
# الخامس: أن من عمل بالاستصحاب لم يفرق بين حصول الظن على الخلاف وعدمه،
~~وبعبارة أخرى: عمل بالمناطيق وطرح المفهوم.
# هذا كله مضافا إلى أمور اخر.
# [قوله] قدس سره: " لان ما يفعل في الوقت فهو بحسب الامر ".
# [أقول]: إن أراد من " الامر " الدليل الدال على التكليف، ففيه: أنه قد
~~يكون شموله للآن الثاني ms009 غير معلوم، مثلا قام الاجماع على وجوب شئ وشك في
~~توسعته وتضييقه، وعلى فرض العلم بشموله فقد يقع الشك في كون شئ غاية ومزيلا
~~له. وعلى فرض العلم بالغاية والمزيل، فقد يقع الشك في حدوثه.
# ففي هذه الصور أين الدليل الدال على ثبوت الحكم في الآن الثاني،
# PageV00P033
# حتى يجب الامتثال بحسبه؟
# وإن أراد من " الامر " نفس التكليف الموجود سابقا، ففيه: أن القائل
~~بالاستصحاب لا يقول بأن الاستصحاب محدث للحكم الشرعي ومنشئ له في الآن
~~الثاني، بل يقول: إن التكليف الموجود سابقا المشكوك في بقائه من الجهات
~~السابقة باق من حكم الاستصحاب، فإذا كان باقيا فلا بد من امتثاله، فهذا
~~الامتثال ليس إلا للتكليف السابق.
# وسيجئ تمام الكلام معه إن شاء الله تعالى.
# [قوله] قدس سره: " إذ الشك قد يحصل في التكليف في الموقت، كمن شك في وجوب
~~إتمام الصوم لو حصل له المرض في أثناء النهار " وأنه هل يبيح الفطر، أم لا؟
~~" [أقول]: لا يقال: إن الحكم بوجوب الصوم ليس من جهة استصحاب وجوبه أو من
~~جهة استصحاب حرمة الافطار، بل إنما هو من جهة بقاء شرط الصوم أو عدم حدوث
~~المانع، فيثبت وجوب الصوم تبعا، وسيأتي أن هذا القائل يقول بالاستصحاب في
~~الأمور الوضعية - كالأسباب والشروط والموانع - فيثبت الاحكام الطلبية تبعا
~~لها.
# لأنا نقول: استصحاب بقاء الشرط، أو عدم المانع لا يجري هنا، فإن حكم
~~بوجوب الصوم فليس إلا من جهة استصحاب نفس الوجوب وحرمة الافطار.
# أما وجه عدم جريان استصحاب الشرط، فلانه لا شك أن هذا الشخص قد ارتفعت
~~عنه حالة قطعا، وبقيت له حالة، بل حالات، ولا يعلم أن الشرط هو الحالة
~~المرتفعة أو الحالة الباقية، فكما تقول: الأصل بقاء الشرط - يعني الحالة
~~التي هي شرط - فنقول: إن الأصل بقاء غير الشرط، PageV00P034
# مثلا: لو جعل المولى وجود زيد في الدار شرطا لوجوب إكرام عمرو، فخرج شخص
~~من الدار ولا يعلم أنه زيد أو غيره. فلا يمكن التمسك بأصالة بقاء الشرط.
# والحاصل: أن الشك في أمثال المقام إنما ms010 هو الشك في اتصاف الباقي بالشرطية
~~أو المرتفع، ولا يجري الاستصحاب في الشك في الاتصاف مع القطع بارتفاع أمر
~~مردد بين الموصوف وغيره.
# فجرى استصحاب الشرط هو: ما إذا وقع الشك في أصل البقاء والارتفاع، لا في
~~أنه الباقي أو غيره، ففي المثال المذكور، لو شككنا في خروج زيد من الدار مع
~~عدم القطع بخروج شخص مردد، لحكمنا باستصحاب الشرط.
# ومن هذا علم وجه عدم جريان استصحاب عدم المانع، لان المفروض هو وجود شئ
~~وهو المرض، وشككنا في مانعيته، نظير ما إذا وقع الشك في أن المذي - الموجود
~~يقينا - هل هو مانع أم لا؟ فلا يمكن الحكم بأصالة عدم المانع، لأنه شك في
~~الاتصاف. نعم يجري الاستصحاب في الآثار السابقة كالطهارة وغيرها.
# والحاصل: أن في مسألة الصوم لا يمكن التمسك باستصحاب سوى استصحاب وجوب
~~الصوم وحرمة الافطار، ولا يجري استصحاب الشرط ولا عدم المانع، فافهم
~~واغتنم.
# ثم إنه يمكن الخدشة في جريان استصحاب وجوب الصوم وحرمة الافطار، نظرا إلى
~~أن التكليف بالصوم - يعني الامساك عن الأمور المخصوصة من أول طلوع الفجر
~~إلى المغرب - تعلقه على الشخص في متن الواقع مشروط بعدم اتفاق مانع من
~~الموانع الشرعية أو العقلية في هذا البين، فاتفاق PageV00P035
# واحد منها في أثناء النهار كاشف عن عدم حدوث التكليف بالصوم ابتداء، لا
~~أنه حدث وارتفع، كما أن المذي على تقدير مانعيته إنما يمنع من بقاء
~~الطهارة، لا حدوثها، فليس هو من هذا القبيل.
# فالشك في أن المرض الكذائي مانع عن الصوم أم لا، يرجع إلى الشك في أن
~~التكليف بالصوم مع علم الامر بأنه سيتفق هذا المرض في أثناء النهار، هل حدث
~~أم لا؟ لا إلى الشك في أن ذلك التكليف هل ارتفع بعد الحدوث أم لا؟ حتى يكون
~~من قبيل الشك في مانعية المذي، فإذا رجع الشك إلى الشك في الحدوث، فمقتضى
~~الاستصحاب: عدم الحدوث، وهو عكس المطلوب.
# والحاصل: أنه لما كان من الموانع ما يمنع عن حدوث الشئ كالحيض للصوم،
~~ومنها: ما يمنع من بقائه ms011 كالبول للطهارة، فكلما شك في كون شئ مانعا بالطور
~~الثاني - كالمذي - فيجري فيه الاستصحاب، لان مرجعه إلى الشك في البقاء.
# وكلما شك في كون شئ مانعا على النهج الأول فلا يجري فيه الاستصحاب، لان
~~مرجعه إلى الشك في الحدوث، بل الأصل: عدم الحدوث.
# فإن قلعت: لا شك أن هذا الشخص كان قبل عروض المرض مكلفا في مرحلة الظاهر
~~بالصوم وحرمة الافطار، لعدم علمه بأنه سيصير مريضا، فنستصحب هذا التكليف
~~الظاهري.
# قلت: لا ريب أن هذا التكليف الظاهري إنما كان لاعتقاده أنه مكلف به في
~~الواقع، والآن قد زال الاعتقاد، فيزول ما كان منوطا به.
# نظير ما إذا اعتقدنا أولا بأن هذا المائع خمر، فكان حراما علينا من جهة
~~الاعتقاد، ثم شككنا في أنه نهر أو خل، فلا يمكن استصحاب الحرمة السابقة،
~~لان الحرمة الواقعية مشكوكة الحدوث من أول الامر، والظاهرية PageV00P036
# مقطوعة الانتفاء، لانتفاء مناطها، وهو الاعتقاد.
# ونظيره في الأحكام الشرعية: ما إذا حكم المجتهد بحرمة العصير العنبي
~~لدليل، ثم شك في حجية ذلك الدليل، وحصل له تردد فيها في المسألة الأصولية،
~~فحينئذ لا يجوز أن يستصحب الحرمة السابقة.
# وتمام الكلام في ذلك سيجئ عند الكلام فيما يتراءى استصحابا وليس
~~باستصحاب، إن شاء الله.
# وقد فصل بعض هذا الكلام في مبحث الاجزاء عند الكلام في أن الامر الظاهري
~~العقلي لا يقتضي الاجزاء.
# فإن قلت: لعل الشارع حكم في مسألة الصوم بأن المكلف الجامع للشرائط عند
~~أول الوقت يجب عليه الصوم إلى أن يعلم بوجود مانع.
# قلت: فعلى هذا لا يحتاج الحكم بوجوب الاتمام إلى الاستصحاب، لان الفرض
~~عدم العلم بالمانع، فيحكم بالوجوب بنفس الحكم الشرعي المذكور.
# ثم إنه لو فرضنا مانعية المرض للصوم على نهج رافعية البول للطهارة - بأن
~~يكون المرض عند حدوثه رافعا لوجوب الصوم المتحقق سابقا - أمكن استصحاب
~~الوجوب في ما إذا شك في رافعية مرض.
# [قوله] قدس سره: " ثم إن الاستصحاب في الأحكام الوضعية - على ما ذكره
~~المتوهم - لا يجري في كان من قبيل الموقت كالحيض، أو التأبيد ms012 والدوام
~~كالزلزلة، ويجري في بعض المطلقات كالتغير بالنجاسة، الذي هو سبب لتنجس
~~الكر، والطهارة التي هي شرط لجواز المضي في الصلاة ".
# [أقول]: هذا المتوهم هو الفاضل التوني في الوافية، وعبارته لا تخلو عن
~~اغتشاش، قال - بعد الاستدلال على عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الطلبية
~~الابتدائية، بما نقله المصنف بالمعنى هنا -: " وأما الاحكام PageV00P037
# الوضعية: فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الأحكام الخمسة كالدلوك
~~لوجوب الظهر، والكسوف لوجوب صلاته، والزلزلة لصلاتها، والايجاب والقبول
~~لإباحة التصرفات والاستمتاعات في الملك والنكاح، وفيه (1) لتحريم أم
~~الزوجة، والحيض والنفاس لتحريم الصوم والصلاة، إلى غير ذلك، فينبغي أن ينظر
~~إلى كيفية سببية السبب، هل هي على الاطلاق؟ كما في الايجاب والقبول، فإن
~~سببيته على نحو خاص وهو الدوام إلى أن يتحقق مزيل، وكذا الزلزلة. أو في وقت
~~معين؟ كالدلوك ونحوه مما لا يكون السبب وقتا، وكالكسوف والحيض ونحوهما مما
~~يكون السبب وقتا للحكم، فإنها أسباب للحكم في أوقات معينة.
# وجميع ذلك ليس من الاستصحاب في شئ، فإن ثبوت الحكم في شئ من الزمان -
~~الثابت فيه الحكم - ليس تابعا للثبوت في جزء آخر، بل نسبة الحكم في اقتضاء
~~السبب للحكم (2) في كل جزء نسبة واحدة. وكذا الكلام في الشرط والمانع.
# فظهر مما مر: أن الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلا في الأحكام الوضعية ،
~~أعني الأسباب والشرائط والموانع للاحكام الخمسة من حيث إنها كذلك، ووقوعه
~~في الأحكام الخمسة إنما هو بتبعيتها، كما يقال، في الماء الكر المتغير
~~بالنجاسة إذا زال تغيره من قبل نفسه: بأنه يجب الاجتناب منه في الصلاة،
~~لوجوبه قبل زوال تغيره، فإن مرجعه إلى أن النجاسة كانت ثابتة قبل زمان
~~تغيره، فيكون كذلك بعده.
# PageV00P038
# ويقال في المتيمم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إن صلاته كانت صحيحة
~~قبل الوجدان، فكذا بعده. أي كان مكلفا ومأمورا بالصلاة بتيممه قبله، فكان
~~متطهرا قبل وجدان الماء، فكذا بعده، والطهارة من الشروط.
# فالحق - مع قطع النظر عن الروايات - عدم حجية الاستصحاب، لان العلم بوجود
~~السبب أو الشرط أو المانع ms013 في وقت، لا يقتضي العلم ولا الظن بوجوده في غير
~~ذلك الوقت، كما لا يخفى، فكيف يكون الحكم المعلق عليه ثابتا في غير ذلك
~~الوقت؟
# فالذي يقتضيه النظر - بدون ملاحظة الروايات -: أنه إذا علم تحقق العلامة
~~الوضعية تعلق الحكم بالمكلف، وإذا زال ذلك العلم بطرو شك - بل وظن أيضا -
~~يتوقف عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أولا.
# إلا أن الظاهر من الاخبار: أنه إذا علم وجود شئ فإنه يحكم به حتى يعلم
~~زواله " (1) انتهى كلامه.
# ثم إنه وقع الاختلاف في استفادة مراده من عبارته، وها نحن حاصرون للجهات
~~التي يتصور الاستصحاب من أجلها في الأحكام الوضعية ، ثم نشير إلى ما هو
~~الجواب عن هذا القائل بأي احتمال أراد.
# فنقول: إذا ثبت من الشارع حكم وضعي، بأن قال مثلا: " إن تغير الكثير
~~بالنجاسة سبب لتنجسه " فالاستصحاب هنا يتصور من جهات:
# الأولى: نفس الحكم الشرعي الوضعي - أعني: سببية التغير للتنجس - بأن نشك
~~في بقائها وزوالها، إما لاحتمال النسخ أو غيره من موجبات الشك.
# الثانية: موضوع هذا الحكم الوضعي، وهو نفس السبب والشرط، بأن
# PageV00P039
# يشك في بقائهما وزوالهما، كأن ثبت التغير في زمان، فشككنا في زمان آخر في
~~بقائه.
# الثالثة: في نفس المسبب والمشروط، بأن يقال: إنا وجدنا الأسباب بين ما
~~يبقى المسبب مع زواله - كالايجاب والقبول للآثار المترتبة عليهما، والزلزلة
~~لصلاتها - وبين ما لا يبقى مع زواله - كالحيض والجنابة لحرمة المس - فنشك
~~في أن التغير هل هو من قبيل الأول؟ حتى يبقى التنجس مع زواله أيضا، أو من
~~قبيل الثاني؟ حتى لا يبقى، فيمكن جريان الاستصحاب في نفس المسبب، وهو
~~التنجس.
# الرابعة: الحكم التكليفي المترتب على الحكم الوضعي - كوجوب الاجتناب -
~~بأن نشك في بقائه لاحدى الجهات المذكورة، فنقول: الأصل بقاؤه.
# فهذه جهات أربع يتصور منها الاستصحاب فيما إذا ثبت حكم وضعي من الشارع.
# ففهم بعض الناظرين في العبارة المذكورة - على ما حكي (1) - أن مراده جواز
~~إجراء الاستصحاب من الجهة الأولى، فاعترض على القائل بقلب الدليل الذي
~~استدل به على عدم جريان الاستصحاب في ms014 الطلبيات الابتدائية عليه في هذا
~~المقام: بأن سبيبة شئ لشئ أو شرطيته له، إما أن يثبت في وقت ويكون موقتا...
~~إلى آخر الدليل الذي ذكره.
# ولا يخفى أن هذا خلاف ظاهر العبارة، بل خلاف صريح آخر العبارة - فراجعها
~~-، وإن كان لما فيه ظهور بدوي، نظرا إلى أن ظاهر قوله: " إن
# PageV00P040
# الاستصحاب يجري في الأحكام الوضعية " هو ذلك، فإن الحكم الوضعي ليس إلا
~~سببية التغير للنجاسة، لا نفس التغير ولا نفس النجاسة.
# وأما المصنف قدس الله روحه فظاهر عبارته - بعد ملاحظتها إلى الاخر - أنه
~~فهم من العبارة واحدة من الجهة الثانية والثالثة، ولا يستفاد منها تعيين
~~إحداهما، وإن كان لما ظهور في الجهة الثالثة (1) ويشهد له تقسيم ذلك الفاضل
~~السبب إلى ما يكون من قبيل الايجاب والقبول والزلزلة، وما يكون من قبيل
~~الكسوف والحيض.
# ولكن الحق - وفاقا لبعض المعاصرين - كما هو صريح آخر العبارة المتقدمة:
~~أن مراده الجهة الثانية. وكيف كان، فليست عبارته متن حديث حتى يجب الاهتمام
~~في فهم مراده منها.
# بل التحقيق: جريان الاستصحاب عند ثبوت حكم وضعي من الشارع من جميع الجهات
~~الأربع المذكورة مع الاحكام الطلبية الابتدائية أيضا، كما ستعرف.
# وأما الجواب عما هو ظاهر مراد الفاضل من جريان الاستصحاب في
# PageV00P041
# نفس الأسباب والشروط - على ما عرفت أنه المراد لا غير - فأمور:
# الأول: أن هذا ليس قولا بجريان الاستصحاب في الأحكام الوضعية، بل في
~~موضوعاتها.
# الثاني: أن الاخبار التي استدل بها للجريان في الموضوعات تدل على الجريان
~~في الاحكام، لان شمولها لها ليس بأدون من شمولها لها، حتى قال بعض: إنها لا
~~تشمل الموضوعات، بل تختص بالاحكام. كما ستعرف (1)، فتأمل.
# فالقول بأن الاستصحاب إنما يجري في وجوب الاجتناب تبعا لجريانه في
~~النجاسة، تحكم بحت، لتساوي الاخبار من حيث الشمول بالنسبة إلى الكل.
# الثالث: أن لازم القول بجريان الاستصحاب في نفس الأسباب والشروط، وأن
~~جريانه في الاحكام الطلبية من باب التبعية لها، هو لزوم الجريان في نفس
~~المسبب - أعني الجريان من الجهة الثالثة - ولزوم الجريان في نفس الحكم ms015
~~الوضعي - أعني نفس السببية والشرطية - وهو الجريان من الجهة الأولى، فلا
~~وجه لتخصيص الجريان بموضوعات الأحكام الوضعية، دون أنفسها ودون المسببات.
# بيان الملازمة: أنه إذا جعل الشارع - مثلا - النجاسة سببا لوجوب
~~الاجتناب، وشك في بقاء النجاسة - ولذا يستصحبها - فقد يكون الشك في البقاء
~~من جهة الشك في أن التغير الذي هو سبب لها هل هو من قبيل الايجاب والقبول؟
~~حتى لا يزول المسبب - أعني النجاسة - بزواله، أم من قبيل
# PageV00P042
# الحيض والجنابة، حتى تزول النجاسة بزواله؟
# فاستصحاب النجاسة استصحاب للمسبب بعد زوال سببه، وإن كانت هي أيضا -
~~باعتبار - سببا لوجوب الاجتناب، فرجع استصحاب السبب إلى استصحاب المسبب.
# فثبت بذلك: أن الاستصحاب في نفس السبب قد يرجع إلى استصحاب المسبب،
~~باعتبار كون السبب مسببا عن سبب، كما أن النجاسة سبب لوجوب الاجتناب ومسببة
~~عن التغير.
# وأما رجوع استصحاب نفس السبب إلى استصحاب نفس الحكم الوضعي - أعني
~~السببية - فبأن نفرض كون الشك في بقاء النجاسة - التي تكون سببا لوجوب
~~الاجتناب - ناشئا عن الشك في بقاء سببية التغير، بأن نقطع أن التغير في
~~زمان كان سببا للتنجس دائرا معه وجودا وعدما، ثم باعتبار تبدل بعض حالات
~~الماء أو قيود سببية السبب، شككنا في بقاء سببية التغير مع القطع ببقائه.
# فالشك في بقاء النجاسة - أعني سبب وجوب الاجتناب - ناش عن الشك في بقاء
~~سببية التغير، فنقول: الأصل بقاء السببية، فإذا ثبت بقاء السببية ثبت
~~النجاسة، فاستصحاب النجاسة راجع إلى استصحاب سببية التغير.
# ثم إن هذا المثال مثال فرضي، فلا يناقش فيه، بأنه ليس في الفقه من هذا
~~عين ولا أثر.
# فان قلت: لا نسلم أن استصحاب نفس السبب - أعني النجاسة - راجع إلى
~~استصحاب سببية التغير. بل هنا شكان: شك في بقاء النجاسة، وشك في بقاء سببية
~~التغير " وإن كان الثاني منشأ للأول، لكن القائل يقول باستصحاب PageV00P043
# النجاسة من حيث الشك في بقائها، لا باعتبار رجوعه إلى استصحاب السببية.
~~ولا ضير في أن يكون في موضع شكان، يكون أحدهما ناشئا عن الاخر، ومع ذلك
~~يجري الاستصحاب ms016 في الناشئ لا المنشأ.
# كما أن القائل بحجية الاستصحاب في الاحكام - دون الأمور الخارجية - إذا
~~اتفق له شك في بقاء الحكم، ونشأ شكه من جهة الشك في بقاء أمر خارجي، يقول
~~باستصحاب الحكم دون الامر الخارجي.
# قلت: فلم لا يقول الفاضل بمثل ذلك في استصحاب وجوب الاجتناب؟ إذ كما أن
~~الشك في بقاء وجوب الاجتناب عن الماء ناش عن الشك في بقاء نجاسة الماء -
~~ولذا يقول: بأن استصحاب وجوب الاجتناب راجع في الحقيقة إلى استصحاب بقاء
~~النجاسة، كما عرفت من كلامه - فكذلك الشك في بقاء النجاسة ناش عن الشك في
~~بقاء سببية التغير، فلم لا يقول: إن استصحاب بقائه راجع في الحقيقة إلى
~~استصحاب سببية التغير؟
# فظهر مما ذكرنا: أنه لا فرق بين الجهات الأربع التي ذكرناها في ما إذا
~~ثبت حكم وضعي من الشارع في شمول الأدلة لما، وليس بعضها لاخر وراجعا إليه،
~~وإن كان شكه ناشئا عن شكه، فاضبط واغتنم. PageV00P044
# [تقسيمات الاستصحاب] [قوله] قدس سره: ثم إن الاستصحاب ينقسم إلى أقسام
~~كثيرة: فتارة من جهة الحال السابق أنه الوجود أو العدم، وأنه ما ثبت من
~~الشرع أو العقل أو الحس، وأن ما ثبت من الشرع وضعي أو غيره.
# [أقول]: اعلم أن منشأ تكثر أقسام الاستصحاب - غالبا - أمران:
# الأول: اعتبار المستصحب، والثاني: اعتبار منشأ الشك.
# أما تقسيمه بالاعتبار الأول:
# فنقول: إن المستصحب إما حكم شرعي أو من متعلقاته، والحكم الشرعي: إما
~~تكليفي أو وضعي.
# والمتعلق: إما أن يكون في الموضوعات الاستنباطية - كالوضع والقرينة
~~والنقل -، أو من غيرها - كالرطوبة واليبوسة ونحوهما -.
# وأما الطهارة والنجاسة: فإن لوحظا من حيث إنهما وصفان فهما من المتعلقات،
~~وإن لوحظا من حيت حكم الشارع بثبوتهما لمحل فمن الاحكام. PageV00P045
# وكذا نحو الحرية والعبدية والمالكية والزوجية.
# ثم إن جعل الموضوعات الشرعية - كالصلاة والصوم وغيرها - قسما مستقلا
~~مقابلا للغوي والخارجي لا يوجب ثمرة، لأنه إن لوحظ الاستصحاب فيها باعتبار
~~تشخيص أوضاعها أو المرادات منها فيدخل في الموضوعات الاستنباطية، وإن كان
~~باعتبار نفس معانيها فيدخل في الأمور الخارجية، كأن ms017 يشك في فعل الصلاة
~~فيستصحب عدم فعلها.
# وعلى التقادير الأربعة: إما أن يكون أمرا وجوديا - كالوجوب والصحة والوضع
~~والرطوبة - أو يكون أمرا عدميا - كعدم هذه المذكورات -.
# وأما تقسيمه بالاعتبار الثاني:
# فنقول: إن الشك في بقاء الحالة السابقة، إما أن يكون من جهة الشك في
~~مقتضيها - بحيث لا نعلم أن ثبوت الحكم في الزمان السابق كان على وجه له
~~استعداد للبقاء في هذا الزمان - أو نقطع بذلك ونشك في البقاء من جهة.
# أما الشك الأول، فلا يخلو غالبا عن أن ينشأ عن أمور:
# الأول: تبدل الزمان، بأن يكون سبب الشك مجرد ذلك.
# الثاني: تبدل وصف من أوصاف الموضوع غير مقطوعة المدخلية في موضوعية
~~الموضوع أو حال من أحوال الحكم.
# الثالث: تردد الموضوع بين أمرين، نقطع بعدم استعداده للبقاء إلى هذا
~~الزمان على فرض كون الموضوع أحدهما، وباستعداده كذلك على فرض كون الموضوع
~~أحدهما الاخر.
# ثم إن الأول - أعني تبدل الزمان - على قسمين، لان مضي الزمان إما أن يوجب
~~الشك في بقاء أصل الحكم وارتفاعه كليا ورأسا، وإما أن يوجب الشك في بقاء
~~الحكم الخاص في الواقعة الخاصة. PageV00P046
# مثال الأول: الشك في نسخ الحكم الفلاني في الشريعة.
# ومثال الثاني: بقاء خيار الغبن، أو بقاء الخيار المسبب عن العيوب الموجبة
~~لفسخ النكاح في الزمن الثاني.
# والثاني - أعني تغير الوصف - أيضا على قسمين، لان الشك إما أن يكون في
~~أصل مدخلية الحال أو الوصف وعدم مدخليته رأسا، وإما أن نقطع بأصل المدخلية،
~~لكن الشأن في كيفية المدخلية وأن المدخلية في الحدوث فقط - بحيث يبقى الحكم
~~وإن زال الوصف -، أو في الحدوث والبقاء كليهما - بحيث يزول الحكم بزواله -.
# مثال الأول: ما إذا قطعنا في حال حياة مجتهد بصحة تقليده، بل وجوبه، ثم
~~مات فشككنا في بقاء الصحة والوجوب، من جهة أن حياة المجتهد هل لها مدخلية
~~في الحكم المذكور، أو لا مدخلية لها أصلا، بل يجوز تقليد الميت ولو بدوا؟
# ومثال الثاني: هو هذا المثال، إلا أنه نفرض أن للحياة مدخلية في الحكم
~~المذكور في ms018 الجملة ولا يصح تقليد الميت بدوا، لكن شككنا في أن مدخليتها في
~~الحدوث فقط، فيجوز الاستمرار على تقليد المجتهد بعد موته، أو في الحدوث
~~والبقاء، فيدور الحكم مدار الحياة حدوثا وارتفاعا.
# هذا خلاصة الكلام في أقسام الشك من جهة المقتضي، وهي خمسة حاصلة من ضم كل
~~من قسمي كل من تبدل الزمان وتبدل الوصف، إلى القسم الثالث، أعني تردد
~~الموضوع.
# وأما الشك من جهة المانع فهو أقسام - أيضا -:
# لأنه إما أن يكون الشك في وجود أمر معلوم المانعية - كالشك في حدوث البول
~~بعد الطهارة - وإما أن يكون الشك في مانعية الامر المعلوم PageV00P047
# الوجود، وهذا على أقسام:
# لان الشك إما من جهة اشتباه الحكم الشرعي، كالشك في كون المذي مانعا.
# وإما أن يكون من جهة الشك في المسألة اللغوية، مثل أنا نعلم أن النوم
~~ناقض للوضوء، لكن نشك في أن الخفقة والخفقتين من أفراده، أو قطعنا فرضا
~~بمانعية المذي لكن معناه مجمل.
# وإما أن يكون الشك من جهة اشتباه الامر الخارجي، كما إذا قطعنا بحدوث ما
~~يشك في كونه وذيا أو بولا، وكالرطوبة الواقعة على الثوب المشكوك كونه بولا
~~أو ماء.
# وإما من جهة الشك من جهة تردد الآلة السابقة بين أمر يكون هذا رافعا له،
~~وأمر لا يكون هذا رافعا له، كما إذا تيقنا انتقال ملك عن واحد إلى آخر بعوض
~~ثم فسخ أحدهما، فنشك في أن الفسخ رافع للمعاملة السابقة أولا، للشك في كون
~~العقد الواقع في السابق من العقود اللازمة أو من الجائزة. وكالشك في كون
~~الصلاة بدون السورة رافعة للاشتغال السابق، من جهة الشك في أن الاشتغال كان
~~بالصلاة معها أو لا؟
# فهذه - أيضا - خمسة أقسام، يحصل من ضمها إلى الخمسة السابقة:
# عشرة، لا أظن استصحابا يخلو منها.
# وقد يقسم الاستصحاب بالنظر إلى مدرك ثبوت الحكم السابق، إلى استصحاب حال
~~العقل والشرع، ويقسم الثاني إلى استصحاب حال الاجماع وغيره.
# [قوله] قدس سره: " قال العضدي: " معنى استصحاب الحال: أن الحكم الفلاني
~~قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما ms019 كان كذلك فهو مظنون البقاء PageV00P048
# واختلف في صحة الاستدلال به... الخ (1) ".
# [أقول]: قد وعدناك سابقا (2) أن نرجع حاصل كلام العضدي وغيره - ممن يظهر
~~منه تعريف الاستصحاب بالقاعدة - إلى تعريف المصنف السابق، فنقول:
# قد رأيت أن كلام العضدي قياس من الشكل الأول مشتمل على صغرى وكبرى، فلا
~~يخلو: إما أن يكون العضدي جعل الاستصحاب عبارة عن نفس الصغرى، وأتى بالكبرى
~~لبيان الحكم تطفلا، دون الموضوع.
# وإما أن يكون قد جعله عبارة عن مجموع القياس، كما هو الظاهر.
# فعلى الأول: موافقته لتعريف المصنف ظاهرة، لأنه جعل الاستصحاب عبارة عن "
~~كون الشئ كائنا في الزمن الماضي غير مظنون العدم " وهذا بعينه تعريف المصنف
~~(3)، إلا أنه رحمه الله قد أخذ " الشك " والعضدي أخذ " عدم الظن بالعدم ".
# وعلى الثاني، نقول: لا ريب أن مناط الاستدلال بالقياس ليس إلا الأوسط،
~~فإنه هو الدليل والعلة لحمل الأكبر على الأصغر، لما تقرر من أن حقيقة
~~البرهان وسط يستلزم مطلوبا.
# فالاستصحاب - الذي هو دليل لبقاء الحكم - إذا جعل عبارة عن القياس، فهو
~~يرجع في الحقيقة إلى أنه وسط القياس، لما عرفت أنه الدليل حقيقة.
# مثلا، إذا قلنا: إن الطهارة قد كانت ولم يظن عدمها، وكل ما كان
# PageV00P049
# كذلك فهو مظنون البقاء، واستنتجنا من هذا أن الطهارة باقية ظنا، فالدليل
~~حقيقة للبقاء، هو " كون الطهارة كائنة في السابق، غير مظنونة الارتفاع في
~~اللاحق " ولا يعرف المصنف رحمه الله الاستصحاب إلا بهذا، غير أنه بدل " غير
~~مظنون الارتفاع " بقوله: " مشكوك البقاء "، فهو رحمه الله قد عرف الاستصحاب
~~- الذي هو من الأدلة - بحاصل تعريف العضدي - الذي هو الدليل في الحقيقة -.
# وكأن شارح الوافية - السيد صدر الدين - فهم هذا من كلام العضدي، حيث قال
~~- بعد تعريف صاحب الوافية للاستصحاب، بأنه التمسك بثبوت ما ثبت في وقت على
~~بقائه في غير ذلك الوقت (1) -: " لا يخفى أن هذا التعريف كأكثر التعاريف لا
~~يخلو عن مسامحة، لان الاستصحاب ليس نفس التمسك، بل هو المتمسك به " ثم نقل
~~تعريف العضدي واستجوده (2).
# أقول: لا يخفى أن المتمسك به ms020 - الذي جعله السيد معنى الاستصحاب - ليس إلا
~~ثبوت ما ثبت في السابق، لان صاحب الوافية، قال: " هو التمسك بثبوت ما ثبت
~~على بقائه " بأن يقال: إن الحكم الفلاني قد كان ولم يعلم عدمه، وكل ما كان
~~فهو باق، فجعل المتمسك عليه هو البقاء، والمتمسك به هو ثبوته سابقا.
# فاستجواده تعريف العضدي يدل على أنه فهم منه ما ذكرنا من أنه - أي العضدي
~~- أراد أن الاستصحاب هو كون شئ في السابق وعدم الظن بعدمه في اللاحق، لأنه
~~المساوق للمتمسك به الذي هو ثبوت ما ثبت.
# PageV00P050
# [الأقوال في الاستصحاب] [قوله]: " وأكثر الحنفية على بطلانه " فلا يثبت
~~به حكم شرعي ".
# [أقول]: قال التفتازاني في شرح الشرح: " كأنه يشير بذلك إلى أن خلاف
~~الحنفية في إثبات الحكم الشرعي، دون النفي الأصلي، وهذا ما يقولون: إنه حجة
~~في الدفع (1) لا في الاثبات، حتى إن حياة المفقود بالاستصحاب يصلح حجة
~~لبقاء ملكه لا لاثبات الملك له في مال مورثه " (2) انتهى.
# ووجه المصنف هذا القول منهم - في مبحث أصل البراءة - بأن أصالة عدم
~~انتقال المال إلى المفقود ينافي ما يقتضيه استصحاب البقاء، فيحتاج في إثبات
~~الانتقال إلى المفقود إلى دليل آخر.
# PageV00P051
# أقول: هذا الوجه - لعدم صحة التمسك بالاستصحاب في إثبات الحكم الشرعي -
~~إن كان مستفادا من كلمات الحنفية فلا كلام لنا معهم، وإن كان توجيها من
~~المصنف رحمه الله عنهم، فهو منه رحمه الله غير وجيه.
# أما أولا: فلعدم جريان أصالة عدم الانتقال إلى المفقود في المقام حتى
~~ينافي مقتضى استصحاب البقاء، لان انتقال المال بعد موت المورث إلى شخص -
~~ولو كان هو الامام - مقطوع، لعدم كون الملك، بلا مالك، وإنما الشك في
~~المنتقل إليه هل هو هذا المفقود أو غيره؟ فكلما تقول: الأصل عدم انتقال
~~المال إلى المفقود، فنقول: الأصل عدم انتقاله إلى غيره " فيبقى استصحاب
~~بقاء المفقود - المقتضي لانتقال المال إليه - سليما عن المعارض.
# وأما ثانيا: فلانا لو سلمنا عدم معارض لأصالة عدم انتقال المال إلى
~~المفقود، فنقول: إن هذا الأصل لا يقوى على معارضة ms021 استصحاب البقاء، نظرا إلى
~~أن استصحاب البقاء استصحاب في الموضوع، وذلك استصحاب في الحكم، والأول مقدم
~~على الثاني، نظرا إلى أن الشك في الثاني مسبب وناشئ عن الشك في الأول، وأن
~~ثبوت الأول مستلزم لخلاف الثاني، إذ بعد ثبوت حياة المفقود بالاستصحاب،
~~فيستلزم (1) ذلك ثبوت الانتقال.
# بل نقل الاجماع على تقديم الاستصحاب في الموضوع عليه في الحكم.
# والظاهر أن الوجه في الاجماع ما ذكرنا، وحاصله: أن استصحاب الموضوع مزيل
~~بالنسبة إلى استصحاب الحكم.
# بل يمكن أن يقال: إن استصحاب الحكم غير جار هنا، نظرا إلى أن الشك في
~~الانتقال - ظاهرا وواقعا - لا يوجد في زمان، لما عرفت في تعريف
# PageV00P052
# الاستصحاب من أن المعتبر فيه: هو عدم دليل يزيل الشك واقعا أو ظاهرا.
# بل يمكن أن يقال: إن الجاري هنا هو استصحاب الانتقال، لا عدم الانتقال،
~~نظرا إلى أنا كنا قاطعين - قبل الشك في حياة المفقود - بأنه إذا مات قريبه
~~المورث، فماله ينتقل إلى المفقود، وليس لعدم الانتقال بالفعل وجه إلا عدم
~~موت المورث، فإذا شك في حياة المفقود ومات المورث، فمقتضى القضية التعليقية
~~المذكورة - أعني تعليق الانتقال على موت المورث - ليس إلا هو تنجز
~~الانتقال، نظرا إلى وجود المعلق عليه، فاضبط هذا واغتنم.
# وسيجئ زيادة توضيح لذلك في باب تعارض الاستصحابين إن شاء الله تعالى.
# وأما ثالثا: فلانا لو سلمنا تعارض استصحاب عدم الانتقال مع استصحاب
~~البقاء - المقتضي للانتقال - وتساقطهما، فنقول: إن عدم العمل بدليل لمكان
~~التعارض الموجب للتساقط " ليس قولا بعدم حجية ذلك الدليل وبطلانه، فإن
~~الحجية بالشأن لا يستلزم الحجية بالفعل، ومعنى البطلان هو نفي الأولى لا
~~الثانية.
# وبالجملة: معنى أنه لا يثبت به حكم شرعي: أنه ليس من شأنه ذلك، لا أنه لا
~~يثبت لمكان المعارضة.
# [قوله] قدس سره: " بل يمكن إدراج استصحاب بقاء غير الحكم الشرعي -
~~كالرطوبة واليبوسة - أيضا فيه، لان استصحاب البقاء لا يتم إلا باعتبار
~~استصحاب عدم المزيل، فتأمل ".
# [أقول]: كأن وجه التأمل أمور:
# الأول: أنه قد يمكن استصحاب بقاء المذكورات مع عدم إمكان ms022 PageV00P053
# استصحاب عدم المزيل، كما إذا وجد أمر وشككنا في كونه مزيلا لليبوسة
~~السابقة - نظرا إلى الشك في أنه ثلج أو حجر -، ومن المعلوم عدم جريان
~~الاستصحاب في نفس المزيل، لان الشك في مانعية الموجود، لا في وجود المانع،
~~فيختص استصحاب بقاء اليبوسة بالجريان.
# الثاني: أنه لو سلمنا عدم افتراق بين الاستصحابين وعدم انفكاك الأول عن
~~الثاني، لكن من المعلوم أنهما أمران مستقلان لا يتوقف أحدهما على الاخر،
~~فإن استلزام الشئ للشئ لا يوجب توقفه عليه.
# الثالث: لو سلمنا التوقف، لكنه لا يلزم من توقف الاستصحاب الوجودي على
~~العدمي دخوله فيه، بحيث يندرج تحت مفهومه ويفهم من لفظه.
# هذا كله لو أراد العقد السلبي من الحصر في قوله: " لا يتم إلا بكذا " بأن
~~جعل وجه اندراج الاستصحاب الوجودي تحت النفي الأصلي - الذي وقع في كلام
~~العضدي - هو عدم إمكانه بدونه وتوقفه عليه، كما هو الظاهر من العبارة.
# وإن أراد العقد الايجابي من الحصر، بأن جعل وجه اندراج الاستصحاب الوجودي
~~تحت النفي الأصلي، كون العدمي مستلزما للوجودي، فيكون القائل باعتبار
~~الاستصحاب في النفي الأصلي - أعني عدم المزيل - يلزمه القول بالاستصحاب
~~الوجودي - أعني الرطوبة - فمن هنا يندرج استصحاب بقاء مثل الرطوبة واليبوسة
~~تحت النفي الأصلي في كلام العضدي والحاجي، ففيه:
# أولا: إن إبقاء الرطوبة السابقة من جهة استصحاب عدم المزيل ليس استصحابا
~~لها، إن الاستصحاب ليس مطلق إبقاء الشئ في زمان PageV00P054
# الشك، بل هو إبقاؤه فيه من جهة نفس الشك فيه، لا من جهة إبقاء ما يوجب
~~بقاؤه لبقائه، فيمكن أن يقول أحد باستصحاب عدم المزيل، ولا يقول باستصحاب
~~الرطوبة وإن استلزم الاستصحاب الأول بقاءها.
# ومن هنا ترى بعضهم يقولون باستصحاب الأمور الخارجية، ولا يقولون باستصحاب
~~نفس الحكم، وإن كان لازم استصحاب الامر الخارجي - إذا كان من متعلقات الحكم
~~- بقاء نفس الحكم إذا كان الشك فيه من جهة الشك في بقاء الامر الخارجي، لكن
~~قد عرفت أن مطلق بقاء الشئ في زمان الشك ليس استصحابا.
# وثانيا: أنه لو تم هذا فغاية ما يثبت ms023 هو أنه يلزم القائل بحجية الاستصحاب
~~في النفي الأصلي القول بحجيته في الوجودي في ما إذا كان الاستصحاب العدمي
~~جاريا، كما إذا شك في وجود المانع. وأما في ما لم يكن جاريا - كما إذا شك
~~في مانعية الموجود - فلا يلزمه القول بها، فافهم واغتنم.
# [قوله] قدس سره: " ولكن المحقق الخوانساري في شرح الدروس (1) في مبحث
~~الاستنجاء بالأحجار قال:... الخ ".
# [أقول]: هذا استدراك مما استفاده رحمه الله من ظاهر كلام العضدي - بعد
~~تعميم النفي الأصلي في كلامه لجميع الاستصحابات العدمية - من أن كل من قال
~~بالاستصحاب لم يفرق بين النفي الأصلي - يعني العدمي بجميع أقسامه الشامل
~~للبراءة الأصلية ونفي الأمور الخارجية - وبين الحكم الشرعي.
# وجه الاستدراك: أن الظاهر من كلام العضدي عدم المفصل في الاستصحاب من جهة
~~المستصحب، وظاهر كلام المحقق وجود المفصل بين
# PageV00P055
# الشرعيات وغيرها.
# أقول: يمكن أن يكون المقسم في كلام المحقق الخوانساري، هو الاستصحاب
~~الوجودي، حيث قال: إنه ينقسم باعتبار الحكم ان المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره.
# وحينئذ فوجود القائل بعدم اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجية - يعني
~~الوجودية منها - لا ينافي ما مر من عبارة العضدي: من نفي الفرق عند القائل
~~بالاستصحاب بين النفي الأصلي والحكم الشرعي، إذ لم يكن بين في كلامه ما يدل
~~على التعميم، بحيث يشمل الأمور الخارجية الوجودية.
# وأما إدراجها تحت النفي الأصلي الأعم من الحكم وغيره - بناء على أن
~~استصحابها لا يتم إلا باعتبار استصحاب عدم المزيل - فقد عرفت أنه لا وجه
~~له. مع أن المصنف رحمه الله - أيضا - أمر بالتأمل (1).
# [قوله] قدس سره: " وهو يستلزم كون مثل أصالة عدم النقل وأصالة بقاء
~~المعنى اللغوي أيضا خلافيا ".
# [أقول]: يمكن أن يقال: إن نقل المحقق المذكور للخلاف في المسألة إنما هو
~~بعد اخراج الأصول المتفق عليها، مثل أصالة عدم النقل، وأصالة عدم القرينة،
~~وأصالة بقاء المفقود ونحوها، فلا يلزم من وجود القائل بعدم حجية الاستصحاب
~~في غير الشرعيات، وجود القائل بالعدم في الأصول المذكورة من جهة أنها من
~~غبر الشرعيات، لخروجها عن محل النزاع ms024 أولا.
# على أنه يمكن أن يقال: إن كلام المحقق في نقل الأقوال في الاستصحاب من
~~باب التعبد، كما هو المعروف بين متأخري المتأخرين،
# PageV00P056
# فتأمل.
# ويدلك على هذا: استدلال هذا المحقق - في أثناء كلامه على عدم حجية
~~الاستصحاب في الأمور الخارجية من قبل القائل به - بمنع شمول الاخبار لها؟
~~لبعد بيان ذلك عن منصب الشارع (1).
# فحينئذ لا ضير في أن يقال: بعدم حجية الاستصحاب في هذه الأصول المتفق
~~عليها من باب التعبد. بل مال إليه بعض مشايخنا (2)، بل لا يبعد الميل إليه.
# هذا على أنك قد عرفت إمكان أن يكون المقسم في كلام المحقق، الاستصحاب
~~الوجودي، فلا يلزم أيضا ما ذكر المصنف.
# لكن يشكل ذلك في أصالة بقاء المعنى اللغوي. اللهم إلا أن يقال: بأن
~~اعتبارها لرجوعها إلى أصالة عدم النقل المتفق عليها.
# [قوله] قدس سره: " واستدل عليه (3): أولا بأنه لو كان أمر أو نهي بفعل
~~إلى غاية مثلا، فعند الشك لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظن
~~بالامتثال، وما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال ".
# [أقول]: يستفاد من عبارة هذا المحقق أمور:
# الأول: أن في صورة عدم الظن والعلم بالامتثال لا يحصل الامتثال في
~~الواقع، وإن فرضنا وجود الغاية واقعا في زمان شكه، وأنه أتى بما أمره به
~~المولى إلى الغاية الواقعية، وهو التحقيق، نظرا إلى [أن] الامتثال ليس
~~عبارة عن مجرد إتيان ما أمر به المولى، حتى يدور مدار الاتيان الواقعي، بل
~~هو
# PageV00P057
# إتيان المأمور به، لأنه المأمور به، وهذا فرع العلم أو الظن المعتبر بأن
~~ما أتى به هو المأمور به، ولا تكفي الموافقة الاتفاقية في صدق الإطاعة
~~عرفا.
# ومن هنا اتفقوا على أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، لا مجرد
~~حصول المأمور به في الخارج ولو مع جهل المأمور بكونه المأمور به أو بعضه،
~~أو غيره.
# الثاني: يستفاد من إطلاق الظن في كلامه حكمه بكفاية الظن بالامتثال
~~المسبب عن الظن بوجود الغاية، وبه صرح في شرح الدروس - على ما حكي - حيث
~~نقل عنه ما حاصله: أنه ms025 إذا ورد دليل على ثبوت حكم إلى غاية معينة، فلا بد
~~من الحكم ببقائه إلى أن يحصل العلم أو الظن بوجود الغاية (1) انتهى.
# أقول: هذا الظن إن استفيد من دليل معتبر من الشارع فلا كلام، وإلا فهو
~~مبني على حجية مطلق الظن في الموضوعات الخارجية للأحكام الشرعية ، وهو محل
~~تشاجر بين العلماء.
# والظاهر عدم اعتباره، سيما في المقام، في مقابل هذه القاعدة - يعني قاعدة
~~الاشتغال واستصحابه - كما سيجئ اللهم إلا مع عدم التمكن من العلم.
# وللكلام مقام آخر.
# الثالث: ان صريح دليل المحقق هذا ودليله الثاني هو أن مراده إجراء
~~الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي، لا في الامر الخارجي - أعني عدم وجود
~~المزيل - ثم إبقاء الحكم الشرعي لاجله، كما احتمله بعض المعاصرين (2)
# PageV00P058
# في كلامه بعدما اختار هو هذا المذهب - يعني إبقاء الحكم في أمثال المقام
~~من جهة استصحاب عدم الغاية، لا من جهة استصحاب نفسه - وسنشير إليه مع جوابه
~~إن شاء الله تعالى.
# [قوله] قدس سره: " وثانيا بما ورد في الروايات من: أن اليقين لا ينقض إلا
~~باليقين ".
# [أقول]: الفرق بين هذا الدليل وسابقه: أن مرجع ذلك الدليل إلى قاعدة
~~الاشتغال، أعني ما اشتهر بينهم، وادعى هذا المحقق عليه الاجماع:
# من أن الشغل اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.
# ومرجع هذا الدليل إلى استصحاب الاشتغال، ولكل منهما مفهوم مبائن لمفهوم
~~الاخر.
# نعم، الغالب عدم انفكاك الثاني عن الأول. وقد يتعارضان، كما إذا تردد
~~الامر بين كون واجب مضيقا أو موسعا، فإن مقتضى قاعدة الاشتغال:
# الأول، ومقتضى استصحابه: الثاني، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " وحينئذ فلا ظهور في عدم نقض الحكم وثبوت استمراره ".
# [أقول]: قال بعد ذلك معللا له - على ما حكي - ما هذا لفظه:
# " إذ الدليل الأول ليس بجار فيه، لعدم ثبوت حكم العقل في مثل هذه الصورة،
~~خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالة على عدم المؤاخذة بما لا يعلم.
# والدليل الثاني الحق أنه لا يخلو من إجمال. وغاية ما يسلم منه إفادة
~~الحكم في الصورتين اللتين ذكرناهما، وإن كان فيه أيضا بعض ms026 المناقشات،
~~PageV00P059
# لكنه لا يخلو من تأييد الدليل الأول، فتأمل " (1)، انتهى.
# واعلم: أن صريح عبارته المذكورة في هذا المقام وإن كان حصر الاستصحاب في
~~صورتي الشك في وجود المانع والشك في صدق المانع المعلوم المانعية. إلا أنه
~~يظهر مما حكي عنه - في حاشية شرح الدروس - عند شرح قول الشهيد نور الله
~~مضجعه: " ويحرم استعمال الماء النجس والمشتبه " اعتبار الاستصحاب في صورة
~~ثالثة، وعبارته - على ما حكيت - هي هذه:
# " وتوضيحه: ان الاستصحاب لا دليل على حجيته عقلا. وما تمسكوا به ضعيف،
~~وغاية ما يتمسك فيها ما ورد في بعض الروايات الصحيحة: " أن اليقين لا ينقض
~~بالشك أبدا، وأنه ينقضه بيقين آخر مثله " (2).
# وعلى تقدير تسليم صحة الاحتجاج بالخبر في مثل هذا الحكم وعدم منعها -
~~بناء على أن الحكم الظاهر أنه من الأصول، ويشكل التمسك بالخبر الواحد في
~~الأصول، إن سلم جواز التمسك به في الفروع - نقول:
# الظاهر أولا: أنه لا يظهر شموله للأمور الخارجية، مثل رطوبة الثوب
~~ونحوها، إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور التي ليست
~~حكما شرعيا، وإن كان يمكن أن تصير منشأ لحكم شرعي بالعرض، ومع عدم الظهور
~~فلا يمكن الاحتجاج به فيها، وهذا ما يقال: إن الاستصحاب في الأمور الخارجية
~~لا عبرة به.
# ثم، بعد تخصيصه بالأحكام الشرعية، الامر على وجهين:
# PageV00P060
# أحدهما: أن يثبت حكم شرعي في مورد خاص باعتبار حال نعلم من الخارج أن
~~زوال تلك المحال لا يستلزم زوال الحكم.
# والاخر: أن يثبت باعتبار حال لا يعلم فيه ذلك.
# مثال الأول: إذا ثبت نجاسة ثوب خاص باعتبار ملاقاته للبول - بأن يستدل
~~عليها بأن هذا الثوب شئ لاقاه البول، وكل ما لاقاه البول نجس - والحكم
~~الشرعي النجاسة، وثبوته باعتبار حال هو ملاقاة البول. وقد علم من الخارج -
~~لضرورة أو إجماع أو غير ذلك - بأنه لا يزول النجاسة بزوال الملاقاة فقط.
# ومثال الثاني: ما نحن بصدده، فإنه ثبت وجوب الاجتناب عن الاناء المخصوص -
~~باعتبار أنه شئ يعلم وقوع النجاسة فيه بعينه، وكل شئ كذلك ms027 يجب الاجتناب عنه
~~- ولم يعلم بدليل من الخارج أن زوال هذا الوصف الذي يحصل باعتبار زوال
~~المعلومية (1) بعينه لا دخل له في زوال الحكم.
# وعلى هذا نقول: شمول الخبر للقسم الأول ظاهر، يمكن التمسك بالاستصحاب
~~فيه، وأما القسم الثاني فلا، فالتمسك فيه مشكل.
# فإن قلت: بعد ما علم في القسم الأول ان الحكم لا يزول بزوال الوصف، فأي
~~حاجة إلى التمسك بالاستصحاب؟ وأي فائدة في ما ورد في الاخبار من: " أن
~~اليقين لا ينقض إلا بيقين مثله "؟
# قلت: القسم الأول على وجهين:
# أحدهما: أن يثبت أن الحكم - مثل النجاسة - حاصل بعد الملاقاة ما لم يرد
~~عليها الماء على الوجه المعتبر في الشرع، وفائدته - حينئذ - أن عند
# PageV00P061
# حصول الشك بورود الماء لا يحكم بزوال النجاسة.
# والاخر: أن يعلم ثبوت الحكم في الجملة بعد زوال الوصف، لكن لم يعلم أنه
~~ثابت دائما، أو في بعض الأوقات إلى غاية معينة محدودة، وفائدته: أنه يثبت
~~الحكم في الجملة، فيستصحب إلى أن يعلم المزيل " (1) انتهى.
# ثم اعلم أن جملة الصور التي يجرى هذا المحقق الاستصحاب فيها - على ما هو
~~ظاهر كلام المحكي - خمس:
# الأولى: إذا شك في وجود المانع.
# الثانية: إذا شك في فردية شئ للمانع المعلوم المانعية.
# الثالثة: إذا تردد المانع المعلوم المانعية بين شيئين، بأن يكون من قبيل
~~المشترك اللفظي ونحوه من المجملات اللفظية أو اللبية، كما إذا وقع الاجماع
~~على كون الشئ غاية، وتردد أمره بين شيئين.
# الرابعة: ما إذا شك في رافعية شئ للاشتغال، من جهة الشك في التكليف،
~~لتردده بين أمرين - وهو القسم الخامس من أقسام الشك في المانع الذي ذكرناه
~~سابقا (2) عند تقسيم الاستصحاب باعتبار سبب الشك -.
# الخامسة: ما إذا ثبت حكم باعتبار حال يعلم أنه لا يزول بزوال الحال، لكن
~~لا يعلم أنه يبقى بعده مستمرا في جميع الأوقات، أو في بعضها إلى غاية
~~معينة.
# بقي شئ، وهو أن الفرق بين الشك في صدق المزيل - الذي أجرى هذا المحقق
~~الاستصحاب فيه - وبين الشك في كون الشئ مزيلا - الذي ms028 لم يجره
# PageV00P062
# فيه - مع رجوع كل منهما إلى الشك في ثبوت وصف الإزالة له والشك في دخوله
~~تحت مفهوم المزيل، هو: أن الشك في الأول متعلق أولا وبالذات بدخول الشئ تحت
~~العنوان الذي حكم الشارع عليه بالمزيلية، وهذا الشك مع قطع النظر عن اتصاف
~~ذلك العنوان بالمزيلية، ثم يعرض الشك في مزيلية هذا المشكوك، بعد جعل ذلك
~~العنوان - الذي شك في دخول هذا الشئ تحته - متصفا بالمزيلية.
# مثلا: الشك في كون الخفقة والخفقتين من أفراد النوم ثابت مع قطع النظر عن
~~كون النوم مزيلا أم لا. نعم، بعد ما جعل مزيلا فيقع الشك في كون الخفقة
~~مزيلا - يعني من أفراد هذا المزيل -.
# والحاصل: أن الشك في هذا القسم متعلق - أولا وبالذات - بمعنى هذا
~~العنوان، ويرجع بالآخرة إلى الشك قي ثبوت وصف الإزالة له شرعا.
# وأما الشك في الثاني: فهو متعلق أولا وبالذات بنفس الحكم الشرعي - يعني
~~ثبوت الإزالة لهذا الشئ - وليس شكا في صدق المزيل عليه، بمعنى أن يشك أن
~~العنوان الذي جعل مزيلا هل يصدق عليه؟ نعم، بمعنى أن مفهوم المزيل - يعني
~~المزيلية - يوجد فيه أم لا؟
# مثال ذلك: المذي، فإن الشك في ثبوت المزيلية له، لا في صدق العنوان -
~~الذي جعل مزيلا - عليه.
# نظير الأول: ما إذا حرم الشارع الغناء، وشك في صدقه على الصوت المرجع فيه
~~الخالي عن الطرب، من جهة الاجمال في معنى الغناء.
# ونظير الثاني: ما إذا شك في تحريم صوت بالخصوص من الشارع.
# وهذا الفرق بين الشكين وإن كان في غاية الظهور، إلا أن الغرض من ذكره
~~التنبيه على أن ما ذكره المصنف فيما سيجئ - عند ذكر أمثلة أقسام
~~PageV00P063
# الشك في المانع التي ذكرها المحقق السبزواري (1) من التمثيل للشك في صدق
~~المانع بالشك في كون المذي حدثا، وتبعه عليه بعض المعاصرين (2) - ليس على
~~ما ينبغي.
# بيان ذلك: أن الشارع لم يحكم في مقام بيان روافع الطهارة بأن الحدث رافع،
~~حتى يقع الشك في صدق الحدث على المذي، فإن المراد بالحدث في أحد استعماليه
~~هو ms029 أحد الأمور الرافعة للطهارة، فمهما ثبت من الشارع أن الشئ الفلاني رافع
~~للطهارة، فإذن يدخل في الحدث.
# فالحدث في كلام الشارع ليس موضوعا لحكمه عليه بالرافعية، لان هذا الحكم
~~مأخوذ في مفهوم هذا الموضوع، فالرافعية في كلام الشارع إنما حكم بها على
~~خصوص النوم والبول والغائط وغيرها، لا على الحدث.
# ولعل منشأ ما صدر من المصنف ومن تبعه من هذا التمثيل، هو ورود بعض
~~الاخبار، مثل قوله عليه السلام: " إياك أن تحدث وضوء حتى تستيقن أنك قد
~~أحدثت " (3)، وأن الاجماع وقع على ثبوت الطهارة إلى زمان الحدث.
# وأنت خبير بأن ذلك كله ليس في مقام بيان الروافع، بل مرتبة مثل هذا الخبر
~~وهذا الاجماع متأخرة طبعا عن الأدلة الواردة في مقام بيان الروافع، بمعنى
~~أن بعد ما ثبت من تلك الأدلة أن البول مثلا ناقض، فسمي باسم الحدث، وأن
~~النوم مثلا ناقض، فصار حدثا، وهكذا، ثم قال المعصوم - بعد معرفة الاحداث -:
~~" لا تحدت وضوء حتى تستيقن أنك قد أحدثت "
# PageV00P064
# - أي صدر منك بعض الأمور التي تعلم أنها في الشريعة ناقضة -.
# وكذلك ما ورد في الاخبار من أنه " لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث "
~~(1)، فإنه أيضا في مقام الرد على العامة القائلين بأن النوم ليس بنفسه من
~~الاحداث، فتأمل.
# نعم، لو فرض أن الحدث لم يؤخذ في مفهومه رافعية الطهارة - كما يدل عليه
~~قوله عليه السلام " لا ينقض الوضوء إلا حدث " (2) إذ لا معنى للحكم بناقضية
~~الرافع، فيجعل تعريف الفقهاء للحدث بالرافع تعريفا له بلازمه - أمكن أن
~~يكون موضوعا للحكم بالرافعية. ومع ذلك أيضا لا يثبت المطلوب، نظرا إلى أن
~~الأدلة وردت في بيان رافعية خصوصيات هذا المفهوم، فكل فرد من أفراده حكم
~~عليه بخصوصه أنه رافع.
# فالشك في رافعية المذي شك في الحكم الشرعي بالخصوص له، لا شك في دخوله.
~~تحت العنوان الذي حكم عليه الشارع بالرافعية، فالشك في رافعية المذي نظير
~~الشك في مطهرية الاستحالة للكلب، لا نظير الشك في رافعية الخفقة والخفقتين،
~~ومطهرية الغسل بماء السيل، للشك ms030 في أنه ماء أم لا؟
# فثبت من جميع ذلك: أن المحقق الخوانساري لا يجري الاستصحاب في مثل الشك
~~في رافعية المذي، لأنه شك في كون المذي أيضا كالبول مزيلا، لا في صدق
~~المزيل عليه، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " وعلى الأول، فالشك في رفعه أقسام " (3).
# PageV00P065
# [أقول]: هذه الأقسام الأربعة لا يجري الاستصحاب عند المحقق السبزواري،
~~إلا في الأول منها (1). وأما عند المحقق الخوانساري (2)، فيجري في الأول
~~والثاني منها، ويجري عنده أيضا في قسم خامس من أقسام الشك في المانعية، وهو
~~ما إذا كان المانع مترددا بحسب المفهوم بين أمور، فيستصحب الحكم عنده إلى
~~القطع بوجود المانع النفس الأمري.
# وهذا في الحقيقة داخل في القسم الثاني من الأربعة، لان إجمال معنى المانع
~~قد يكون بحيث يتردد بين أمرين فصاعدا - كالمشترك اللفظي - وقد يكون معينا
~~في الجملة وشك في فردية بعض الأمور له وصدقه عليه.
# إلا أن المحقق السبزواري خصه بالثاني - كما حكاه في المتن - فارجع.
# [قوله] قدس سره: " ويظهر منه في غير هذه المواضع نفي حجية الاستصحاب في
~~الأمور الخارجية ".
# [أقول]: قد عرفت من عبارة المحقق الخوانساري أن له أيضا تأملا في حجية
~~الاستصحاب فيها.
# ثم: إن المحقق الوحيد البهبهاني بعد ما قسم الاستصحاب إلى قسمين:
# الأول: استصحاب متعلق الحكم الشرعي - كالرطوبة واليبوسة وعدم النقل، وغير
~~ذلك - والثاني: استصحاب نفس الحكم الشرعي، وجعله على ضربين:
# الأول: أن يثبت به حكم شرعي لموضوع معلوم، كما إذا شك في ناقضية المذي.
# الثاني: عكس الأول، أعني أن يثبت حكم شرعي لموضوع معلوم،
# PageV00P066
# لكن لا ندري هل تحقق الموضوع أم لا؟ مثلا: نعلم بأن البول ناقض، لكن نشك
~~في تحققه، قال: " والأخباريون أيضا صرحوا بحجية استصحاب موضوع الحكم الشرعي
~~- على ما ذكره الشيخ الحر (1) - فهم يقولون بحجية القسم الأول والضرب
~~الثاني. والفاضل صاحب الذخيرة صرح بحجية الضرب الثاني (2)، ولعله موافق
~~للأخباريين " (3) انتهى كلامه رفع مقامه.
# والظاهر من هذه العبارة: أن المحقق السبزواري إنما يقول بالاستصحاب في
~~الضرب الثاني، لأنه يرجع إلى الاستصحاب في الأمور الخارجية - أعني ms031 عدم تحقق
~~المانع -.
# كما أن الأخباريين لما قالوا بحجية الاستصحاب في الموضوع لزمهم القول
~~بحجيته في الضرب الثاني، وإلا فالشيخ الحر لم يحك عنهم إلا حجيته في
~~الموضوع الشرعي، وهذا بظاهره ينافي ما استظهره المصنف هنا من المحقق.
# وسيأتي ما يوضح لك مذهب الأخباريين ومراد العلماء من الأحكام الشرعية ،
~~والأمور الخارجية، فانتظر.
# [قوله] قدس سره: " فحاصل الأقوال يرجع إلى ثمانية ".
# [أقول]: هذا الحاصل محصود من الاختلافات التي ذكرها من العلماء الاعلام
~~في هذا المقام.
# والقول الأول: محكي عن أكثر المحققين، كالمفيد (4) والمحقق في
# PageV00P067
# المعارج (1) والعلامة (2) والشهيدين (3) وشيخنا البهائي (4) ونسب إلى
~~الشيخ في العدة (5) وعن أكثر العامة، كالشافعية قاطبة (6) وقيل: أكثرهم
~~(7).
# والقول الثاني: محكي عن أكثر المتكلمين (8) وحكي عن السيد (9) والشيخ
~~(10) وذهب إليه صاحب المعالم، ونسبه فيه إلى المحقق (11)، وسيأتي ما فيه.
# والقول الثالث: إشارة إلى ما حكاه المحقق الخوانساري في شرح الدروس من أن
~~بعضهم يقول بحجية الاستصحاب في الشرعيات - كالطهارة - دون غيرها - كالرطوبة
~~(12) - وعرفت أيضا ميله إلى الجزء الثاني والتفصيل في الجزء الأول من هذا
~~القول.
# والقول الرابع: لم يسبق من المصنف ما يكون إشارة إليه، لكنه محكي عن
~~الأخباريين (13).
# PageV00P068
# ثم، إن تعبير المصنف عن القول الثالث باعتبار الاستصحاب في الأحكام
~~الشرعية دون الأمور الخارجية، وعن القول الرابع بعكس ذلك، لا يخلو عن تأمل.
# بيان ذلك إنما يحصل بعد بيان المراد من الأحكام الشرعية والأمور
~~الخارجية، وأن المراد من الاستصحاب في الحكم الشرعي ماذا؟ فنقول:
# يحتمل أن يراد بالحكم الشرعي: كل ما يكون في ثبوته محتاجا إلى الاستفادة
~~من الشارع، سواء كان من الأحكام التكليفية الخمسة، أو الوضعية، أعني:
# السببية والشرطية والمانعية والجزئية والصحة والفساد، أو غيرها كالطهارة
~~والنجاسة والحرية والعبدية والزوجية والملكية، ونحوها.
# وحينئذ يكون المراد بالخارجية غيرها - كالرطوبة واليبوسة، ونحوهما - وهذا
~~ظاهر بعضهم (1).
# ويحتمل أن يراد بالحكم الشرعي: خصوص الأحكام التكليفية والوضعية، وأما
~~غيرها فيدخل في متعلق الحكم الشرعي كالطهارة وما ذكر بعدها، وهو ظاهر بعض
~~آخر.
# ثم على التقديرين، يحتمل أن يراد بالاستصحاب في الحكم الشرعي: ms032
# إثبات الحكم الشرعي الكلي في زمان الشك والشبهة في نفس الحكم، مثل:
# أنا لا ندري أن المذي ناقض أم لا؟ وإن الشخص بعد نزول المذي منه محكوم
~~شرعا بالتطهر أم لا؟ فهذه شبهة حكمية يكون من شأن الشارع إزالتها.
# وأما مثل الشك في الطهارة، للشك في تحقق البول، فاستصحابها ليس
# PageV00P069
# استصحاب الحكم، إذ الشك ليس شكا وشبهة في نفس الحكم، بل هو في موضوعه،
~~وليس إزالة هذه الشبهة من شأن الشارع، وإن كان من شأنه بيان حكمها - من حيث
~~إنها شبهة في الموضوع - نظير اللحم المشتبه المردد بين المذكى والميتة.
# ويحتمل أن يراد بالاستصحاب في الحكم الأعم من هذا، حتى يكون استصحاب
~~الطهارة عند الشك في تحقق البول استصحابا في الحكم.
# والظاهر من الأخباريين - النافين لحجية الاستصحاب في الحكم - هو الأول،
~~كما ستعرف، وظاهر بعض الثاني.
# فهذه احتمالات أربعة، حاصلة من ضرب احتمالي المراد بالحكم الشرعي في
~~احتمالي المراد من الاستصحاب في الحكم الشرعي.
# إذا عرفت هذا فنقول: إن كان مراد المصنف رحمه الله من الاستصحاب في الحكم
~~الشرعي - الذي حكى حجيته في القول الثالث، وعدمها في القول الرابع - هو
~~الأول من الاحتمالات الأربعة.
# ففيه: انك قد عرفت أن القول الثالث إشارة إلى ما حكاه المصنف [عن المحقق
~~الخوانساري] في شرح الدروس (1)، وظاهر على من نظر في تضاعيف كلام هذا
~~المحقق الحاكي أن الشك في الطهارة إذا نشأ عن الشك في تحقق البول داخل في
~~استصحاب الحكم الشرعي، وأهل القول الثالث يجرون الاستصحاب فيه، مع أنه على
~~الاحتمال الأول ليس استصحابا في الحكم الشرعي، لعدم الشبهة في نفس الحكم.
# وإن كان المراد الاحتمال الثاني، ففيه: أنه وإن كان مستقيما في طرف
# PageV00P070
# القول الثالث، إلا أن عكس هذا القول - أعني عدم حجيته في الأحكام الشرعية
~~بهذا المعنى - لا يكاد يوجد قائل به، لما ستعرف: من أن الأخباريين أيضا
~~يقولون بحجية الاستصحاب فيما شك في بقاء وجوب شئ أو طهارة شئ من جهة الشك
~~في تحقق المانع، مع أن هذا على هذا ms033 الاحتمال داخل في الأحكام الشرعية.
# وإن كان مراده هو الاحتمال الثالث من الاحتمالات الأربعة، بأن يكون
~~المراد من الحكم الشرعي خصوص الأحكام التكليفية والوضعية، دون مثل الطهارة،
~~ويكون المراد باستصحابه إبقاء الحكم إذا كان الشبهة فيه نفسه، لا في
~~الموضوع، ففيه: أنه يلزم أيضا أن لا يقول هذا القائل - بالقول الثالث -
~~بحجية الاستصحاب في الشك في الطهارة، إذا نشأ من الشك في تحقق البول، لعدم
~~كون الشبهة في الحكم نفسه، بل لعدم كون الطهارة من الأحكام الوضعية .
# بل يلزم أن لا يقول هذا القائل بحجية الاستصحاب في صورة الشك في الطهارة
~~من جهة الشك في ناقضية المذي، لان الطهارة والنجاسة على الاحتمال الثاني
~~ليستا من الاحكام، وإن كانت الشبهة في نفس الحكم على فرض كونهما من
~~الاحكام، مع أن صريح كلام نفس المحقق الحاكي هو حجية الاستصحاب في الطهارة
~~والنجاسة.
# وإن كان مراده الاحتمال الرابع، ففيه: أنه يلزم منه أيضا أن لا يقول
~~أرباب هذا القول الثالث باستصحاب مثل الطهارة، لأنها ليست حينئذ من الأحكام
~~الشرعية، وقد عرفت أن صريح كلام المحقق الحاكي، هو حجية الاستصحاب المذكور
~~عندهم.
# ويلزم أيضا أن يكون الأخباريون - القائلون بعكس هذا القول - PageV00P071
# قائلين بحجية الاستصحاب لو شك في الطهارة من جهة الشك في ناقضية المذي،
~~لان الطهارة على هذا الاحتمال ليست من الأحكام الشرعية، حتى لا يقولوا
~~بحجية الاستصحاب فيها، مع أنك قد عرفت من عبارة المحقق الوحيد: أنهم لا
~~يقولون بذلك.
# فالتحقيق: أن القائلين بالقول الثالث لا شك في إجرائهم الاستصحاب في مثل
~~الشك في الطهارة مطلقا، سواء كانت الشبهة في الحكم - كما إذا كان هذا الشك
~~لاجل الشك في ناقضية المذي - أو كانت في الموضوع - كما إذا كان الشك لاجل
~~الشك في - تحقق البول - وهذا منهم قطعي.
# وحينئذ، فإن قلنا بأن الطهارة والنجاسة ليستا من الأحكام الشرعية، بل هما
~~من الأمور الشرعية - وكذا الحرية والعبدية والزوجية والملكية - فلا بد من
~~التعبير عن قولهم: " بأنه حجة عندهم في الأمور الشرعية دون غيرها " كما
~~فعله ms034 بعض المعاصرين (1)، لا في الأحكام الشرعية دون غيرها.
# وإن قلنا بكونهما من الاحكام، فتعبير المصنف عن قولهم بما ذكره حسن، إلا
~~أن التعبير عن مذهب الأخباريين بعكس هذا غير حسن، لان الأخباريين أيضا
~~يقولون - على ما حكى عنهم بعض رؤسائهم، وستعرف حكايته (2) - بأن الاستصحاب
~~إنما لا يجري في كل حكم يكون ثبوته مستفادا من الشرع " إذا كان الشك
~~والشبهة في الزمان الثاني في نفس الحكم الشرعي، كالشك في ناقضية المذي، لا
~~إذا كانت الشبهة في الموضوع، كالشك في تحقق المانع للحكم الشرعي، فهم أيضا
~~يقولون: باستصحاب وجوب الشئ
# PageV00P072
# والطهارة والنجاسة إذا شك في تحقق المانع، فهم متفقون مع أصحاب القول
~~الثالث في أمثال هذه، فلا وجه لجعل كل عكس الاخر في القول.
# ثم: إن بعض المعاصرين (1) حكى قولا آخر للأخباريين، وجعله تاسع الأقوال،
~~وهو القول بالحجية في غير الحكم الشرعي - بالمعنى الذي ذكرنا - مع القول
~~بالحجية في الشك في النسخ - من بين صور الشك في الحكم الشرعي -.
# وبعبارة أخرى: القول بالحجية في غير الحكم الشرعي وفرد واحد من الشك في
~~الحكم الشرعي - أعني الشك في النسخ -.
# لكن الظاهر أن هذا ليس قولا مستقلا، بل جميع الأخباريين متفقون على
~~الاستصحاب في النسخ، كما ستعرف من الفاضل الاسترآبادي (2).
# فحاصل القول الثالث: هو إجراء الاستصحاب في جميع ما من شأن الشارع ثبوته،
~~سواء في ذلك الوجوب والحرمة، والطهارة والنجاسة والزوجية والملكية، وغيرها،
~~سواء كان الشك والشبهة في نفس الحكم الشرعي، كالشك في ناقضية المذي، أو في
~~موضوعه، كالشك في تحقق المانع.
# والقول الرابع: هو عدم إجراء الاستصحاب في الحكم الشرعي بالمعنى الأعم من
~~الطهارة وما ذكر بعدها، لكن إذا كان الشك والشبهة في نفس الحكم، وأما إن
~~كان في موضوعه، فيجرون.
# نظير ذلك: قول أكثرهم - بل كلهم - في مسألة أصل البراءة إذا شك في تحريم
~~شئ وإباحته، حيث فصلوا بين كون الشك والشبهة في نفس الحكم - كشرب التتن
~~والعصير مثلا - فلا يحكمون بالبراءة، وبين كون الشك والشبهة
# PageV00P073
# في الموضوع، كاللحم المردد بين المذكى ms035 والميتة من جهة الموضوع، لا من جهة
~~الشك في الحكم، بأن يشك في قابلية التذكية أو كيفيتها، والظاهر أن مدركهم
~~في المقامين واحد، كما ستعرف.
# فلنشرع في حكاية ما حكي عن الفاضل الاسترآبادي، ليتضح جميع ما قلنا في
~~بيان مذهبهم، فنقول: حكي عنه أنه قال في الفوائد المدنية في مقام بيان
~~أغلاط المتأخرين من الفقهاء بزعمه، قال: ومن جملتها: أن كثيرا منهم زعموا
~~أن قوله عليه السلام: " لا تنقض اليقين بالشك أبدا، وإنما تنقضه بيقين آخر
~~" (1) جار في نفس أحكامه تعالى.
# ومن جملتها: أن بعضهم توهم أن قوله عليه السلام: " كل شئ طاهر حتى تعلم
~~أنه قذر " (2) يشمل صورة الجهل بحكم الله تعالى، فإذا لم نعلم أن نطفة
~~الغنم طاهرة أو نجسة، يحكم بطهارتها (3)، إنتهى.
# وحكي عنه: أنه قال في موضع آخر - بعد إبطال الاستصحاب في إثبات نفس
~~الحكم، إذا اشتبه في الآن الثاني - بما حاصله: أن الحكم الشرعي إذا ثبت
~~لموضوع في حال من أحواله، فبزوال الحالة المذكورة يتبدل الموضوع ويختلف،
~~فما سموه استصحابا راجع إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع آخر يتحد معه
~~بالذات ويغايره بالقيد والصفات، ومن المعلوم عند الحكيم أن هذا المعنى غير
~~معتبر شرعا، وأن القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة.
# قال - مبطلا للاستصحاب بوجه آخر، غير هذا الذي ذكرناه عنه -:
# " إن استصحاب الحكم الشرعي والأصل - يعني الآلة التي لو خلي الشئ
# PageV00P074
# ونفسه كان عليها - إنما يعمل بهما إذا لم يظهر مخرج منهما.
# بيان ذلك: أنه تواترت الاخبار عنهم بأن كل ما يحتاج إليه إلى يوم القيامة
~~ورد (1) مخزون عند أهل الذكر عليهم السلام بحصر الأمور في ثلاثة: بين رشده،
~~وبين غيه - أي مقطوع به لا ريب فيه - وما ليس هذا ولا ذاك.
# وحكم بوجوب التوقف في الثالث (2) إنتهى.
# وحكي عنه في موضع آخر من الفوائد، أنه قال: " اعلم أن للاستصحاب صورتين
~~معتبرتين باتفاق الأمة، بل أقول: اعتبارهما من ضروريات الدين.
# إحداهما: أن الصحابة وغيرهم كانوا يستصحبون جميع ما جاء به النبي صلى
~~الله عليه وآله ms036 وسلم حتى يجئ صلى الله عليه وآله وسلم بنسخه.
# والثانية: أنا نستصحب كل أمر من الأمور الشرعية، مثل كون الرجل مالك أرض،
~~وكونه زوج امرأة، وكونه عبد رجل آخر، وكونه على وضوء، وكون ثوبه طاهرا أو
~~نجسا، وكون الليل باقيا، وكون النهار باقيا، وكون ذمة الانسان مشغولة بصلاة
~~أو طواف، إلى أن يقطع بوجود شئ جعله الشارع سببا لنقض تلك الأمور.
# ثم ذلك الشئ قد يكون شهادة العدلين، وقد يكون قول الحجام المسلم، أو من
~~في حكمه، وقد يكون قول القصار المسلم أو من في حكمه، وقد يكون مبيع (3)
~~يحتاج إلى الذبح والغسل في سوق المسلمين، وأشباه ذلك
# PageV00P075
# من الأمور الحسية " (1) انتهى كلامه.
# ولا يخفى: أن بعض هذه الأمثلة من الأمور الخارجية، كالليل والنهار.
# وبعضها من الاحكام، مثل كونه على وضوء، وكون ذمة الانسان مشغولة بصلاة أو
~~طواف، لكن الاشتباه فيه من جهة الموضوع لا من جهة الشبهة في أصل الحكم
~~الشرعي.
# ثم إن قوله: " إلى أن يقطع بوجود ما جعله الشارع سببا لنقض تلك الأمور "
~~الظاهر أن مراده منه: أن مع عدم القطع نستصحبها مطلقا، سواء كان الشك في
~~أصل حدوت أحد هذه الأمور - كما إذا شككنا في أصل ملاقاة الثوب للنجاسة - أو
~~قطعنا بحدوث شئ وشككنا من جهة الاشتباه الخارجي أنه الناقض أو غيره، كما
~~إذا لاقى الثوب مائع وشككنا في أنه البول أو الماء.
# وعلى هذا، فيكون المحقق السبزواري مخالفا لهم أيضا، حيث إنه لا يعتبر
~~الاستصحاب في الصورة الثانية من هاتين الصورتين.
# مضافا، إلى ما نقله المصنف من أنه يظهر منه في مواضع عدم حجية الاستصحاب
~~في الأمور الخارجية. وقد عرفت أن الفاضل ادعى كون الاستصحاب في الليل
~~والنهار من الاتفاقيات، بل من الضروريات (2).
# فقول هذا المحقق أخص من جميع أقوال المثبتين، بل جميع الأقوال، إذ لا أظن
~~النافين ينفون هذا الذي يثبته.
# اللهم إلا أن تخص العبارة المذكورة بالصورة الأولى، فحينئذ يكون قول هذا
~~المحقق موافقا للأخباريين، ويستقيم ما ذكره المحقق الوحيد
# PageV00P076
# البهبهاني قدس سره ms037 - على ما نقلنا عنه - من أن هذا المحقق لعله موافق
~~للأخباريين (1).
# فلنرجع إلى بيان القائلين بالأقوال الأربعة الأخرى، فنقول: إن القول
~~الخامس (1) محكي عن الغزالي (3)، وحكي أنه نسبه في النهاية إلى الأكثر (4)،
~~والظاهر أن المراد بالأكثر، المركب من القائلين بنفي الاستصحاب سنخا وبعض
~~مثبتيه، لا أكثر المثبتين، وسيأتي عبارة الغزالي في مقام رده إن شاء الله
~~تعالى (5).
# والقول السادس: للفاضل التوني في الوافية (6)، وقد عرفت أن ظاهر كلامه:
~~إجراء الاستصحاب في موضوعات الأحكام الوضعية - أعني نفس السبب والشرط
~~والمانع - لا في نفس الأحكام الوضعية، من السببية والشرطية والمانعية، ولا
~~في مسببات الأسباب بعد زوالها عند الشك في أن السبب سبب الحدوث كالملاقاة
~~للتنجس، أو سبب في البقاء فيرتفع بارتفاعه، كالجنابة لمس خط المصحف.
# نعم، كان قائلا بالجريان في الاحكام، بتبعيته في الأسباب، وقد عرفت
~~الاحتمالات في كلامه وردها مشروحا، فراجع.
# والقول السابع: للمحقق الخوانساري (7)، وقد عرفت أنه يجري
# PageV00P077
# الاستصحاب في صور اخر، كما يظهر من تضاعيف عباراته المحكية عنه.
# والقول الثامن: للمحقق السبزواري (1)، لكن مخالفته للأخباريين إذا كان لا
~~يجري الاستصحاب في الأمور الخارجية - كما استظهره المصنف منه - في مواضع،
~~أو كان الأخباريون يجرون الاستصحاب في مثل الطهارة إذا شك في بقائها للشك
~~في رافعية أمر مقطوع الوجود، كالمائع الواقع على الثوب، المشكوك كونه بولا.
# وإلا فليس قول هذا المحقق قولا برأسه، بل هو قول الأخباريين، على ما عرفت
~~من الفاضل الاسترآبادي، وعرفت من حكاية المحقق الوحيد البهبهاني عن الشيخ
~~الحر العاملي قدس سره بقي في المقام شئ، وهو: أن الاستاد مد ظله نقل عن
~~أستاده السيد الطباطبائي (2): أن محل النزاع في الاستصحاب هو في غير
~~العدميات، وأما فيها: فيحكى عن السيد أن حجية الاستصحاب فيها اتفاقي.
# وأيد ذلك بأنهم لا يزالون يتمسكون بكثير من الأصول العدمية، مثل أصالة
~~عدم النقل، وعدم القرينة، وعدم موت زيد ونحو ذلك، من غير نكير.
# وباستدلالاتهم على حجية الاستصحاب بعدم احتياج الباقي إلى المؤثر، وأن
~~المقتضي موجود، إلى غير ذلك من الأدلة الظاهرة في ms038 اختصاص محل النزاع
~~بالوجوديات.
# وقد عرفت من عبارة التفتازاني في شرح الشرح أن قول العضدي - في مقام
~~حكاية قول الحنفية المنكرين للاستصحاب -: " إنه لا يثبت به عندهم
# PageV00P078
# حكم شرعي " (1) إشارة إلى أن خلاف الحنفية إنما هو في إثبات الحكم به، لا
~~في النفي الأصلي، وأنهم يقولون به فيه.
# وعرفت من المصنف: أن النفي الأصلي في كلام العضدي أعم من البراءة الأصلية
~~ويعم جميع العدميات - حكما أو غيره - خلافا لمن خصه بها.
# أقول: وهذا كله لا بأس به، إلا أنه قد يقع الاشكال بدوا في تمييز
~~الاستصحاب العدمي المتفق عليه عن غيره، إذ ما من استصحاب وجودي إلا ومعه
~~استصحاب عدمي، وأقله استصحاب عدم ضده، فلو كان مطلق الاستصحاب العدمي حجة
~~بالاتفاق كفانا مؤونة الكلام في حجية الاستصحاب الوجودي.
# ولو كان المتفق عليه بعض أفراده فلا بد من معيار يميزه عن غيره.
# والذي يمكن أن يقال في حل الاشكال هو أن المتفق عليه من الاستصحابات
~~العدمية، هو استصحاب العدم الأصلي الأزلي - الذي يكون الشئ عليه لو خلي
~~وطبعه - وأما غير هذا فهو محل النزاع وجوديا كان أو عدميا، مثل عدم الوجوب،
~~وعدم الموت، وعدم الوضع، وعدم القرينة، وعدم البول، لا مثل عدم الطهارة في
~~النجاسة - بناء على أن الحالة الأصلية في الشئ الطهارة - وعدم اليبوسة في
~~الرطوبة، من الاعدام المسبوقة.
# بيان ذلك: أن كل شئ من الأشياء عرفت له حالة عدمية أو وجودية يكون عليها
~~لو خلي وطبعه، فلا بد من الحكم بكونه عليها دائما إلى أن تنقطع، فما لم
~~يحصل القطع بانقطاعها فلا بد من الحكم بها.
# وهذا الأصل - يعني أصالة العدم - متفق عليه بين جميع العقلاء، فإن
# PageV00P079
# شئت سمه استصحابا، وإن شئت سمه قاعدة عقلية عقلائية.
# ثم إذا قطعنا بحدوث قاطع من الزمان فنحكم بانقطاعها، ثم إذا شك في بقاء
~~هذا القاطع، فمع قطع النظر عن استصحابه لا يلتفت إليه، بل لا يبعد رجوع (1)
~~الحالة الأصلية سيما في الشرعيات.
# إلا أن بعد ملاحظة وجود القاطع في السابق والشك في ms039 بقائه نحكم باستصحابه
~~لو قلنا بالاستصحاب.
# خلافا لبعض مشايخنا المعاصرين (2) حيث حكم فيما إذا كان القاطع للحالة
~~الأصلية العدمية أمرا جعليا شرعيا بتعارض الاستصحابين وتساقطهما. إلا أن
~~يوجد مرجح لاستصحاب القاطع - من استصحاب ثالث أو غيره -. فقال: في ما إذا
~~قطع بوجوب شئ بزمان (3) - كوجوب الجلوس في المسجد - وشككنا في أنه إلى
~~الزوال أو الغروب " فمقتضى استصحاب الوجوب وإن كان بقاؤه إلى الغروب، ولكن
~~مقتضى استصحاب حال العقل عدمه، لان هذا الحكم قبل حدوثه كان معلوم العدم
~~مطلقا، وعلم ارتفاع عدمه في الزمان الأول فيبقى الباقي.
# نعم، يحكم في مسألة الشك في الطهارة - للشك في " تحقق البول، أو في كون
~~ما لاقى الثوب بولا، أو قي ناقضية المذي - باستصحاب الطهارة، بل يقول (4):
~~إن الطهارة إنما قطعت الحدث أو الخبث في الجملة، بل باعتبار استصحاب عدم
~~تحقق البول وعدم منجسية الملاقي وعدم ناقضية [المذي]
# PageV00P080
# وسيجئ الجواب عنه مفصلا.
# إذا عرفت هذا، فنقول: إن المجامع لهذا الموجود - أعني الامر العدمي الذي
~~توهم أن استصحابه كلية ومطلقا، لكونه عدميا متفقا على اعتباره، مغن عن
~~التشاجر في اعتبار استصحاب ذلك الموجود - لا يخلو: إما أن يكون حالة أصلية،
~~مثلا فرضنا عدم النجاسة المجامع للطهارة حالة أصلية، بفرض أن الأصل في الشئ
~~عدم النجاسة، أو لا يكون حالة أصلية.
# وعلى الأول: فإما أن يكون نفس الامر الوجودي المجامع له أيضا حالة أصلية،
~~بأن فرضنا أن الحالة الأصلية للشئ الطهارة، أو لا يكون هذا الوجودي المجامع
~~لذلك العدم [حالة أصلية] (1) بأن كان كلاما مخالفا للحالة الأصلية، كما لو
~~فرضنا أن الحالة الأصلية عدم الطهارة أيضا، كما أنها عدم النجاسة، بل يكون
~~الطهارة والنجاسة كلتاهما خلاف الحالة الأصلية.
# وعلى الثاني، فإما أن يكون نفس الضد - الذي يكون الكلام في استصحاب عدمه
~~- حالة أصلية، أو لا.
# والثاني من هذين يرجع إلى الثاني من قسمي الأول، فيكون الأقسام ثلاثة.
# فعلى الأول: نعترف بأن استصحاب هذا العدم من الاتفاقيات، ومغن عن الكلام
~~في استصحاب الوجودي، وإن كان هذا الامر الوجودي ms040 - نظرا إلى كونه من الحالات
~~الأصلية - لا خلاف ظاهرا في الرجوع إليه.
# وعلى الثاني: فاستصحاب عدم الضد وإن كان جاريا واتفاقيا، إلا أنه قد لا
~~يغني عن استصحاب الوجودي، لأنه معارض باستصحاب عدم
# PageV00P081
# الطهارة الأصلي أيضا، لان المفروض هو أن الأصل عدم الطهارة والنجاسة
~~كلتيهما، فما لم يثبت حجية استصحاب الطهارة الحادثة بعد عدمها الأصلي، فلا
~~يثبت المطلوب.
# نعم، قد يغني عنه، كما في استصحاب عدم النقل المغني عن استصحاب بقاء
~~الوضع الأول، وكما في استصحاب عدم حدوث المنجس في الصورة الأولى، لا
~~استصحاب عدم النجاسة، إذ قد عرفت أنه معارض.
# وأما على الثالث: فالحال أظهر، نظرا إلى أن المفروض هو أن الحالة
~~الأصلية: النجاسة، فكيف يستصحب عدمه؟
# فإن قلت: إن النجاسة قد انقطعت بعدمها في الآن اللاحق - وهو آن الطهارة
~~-.
# قلنا: إن الشك في استمرار عدمها - القاطع لها -، وهذا العدم القاطع
~~المجامع للطهارة حاله معها في وقوع الاختلاف في حجيته واحد، وليس اتفاقيا
~~حتى يغني عن الكلام في الاستصحاب الوجودي، لما عرفت من أن العدم الذي اتفق
~~على اعتبار استصحابه، هو العدم الأصلي الأزلي لا المسبوق بحالة أصلية، فإنه
~~مع الوجودي في مرتبة واحدة.
# فعلم من جميع ذلك: أن كل استصحاب عدمي ليس متفقا عليه، كما في الصورة
~~الثالثة، وأن كل متفق عليه ليس يغني عن الاستصحاب الوجودي المجامع له، كما
~~في بعض صور الصورة الثانية.
# نعم، بعض المتفق عليه مغن، كما في الصورة الأولى وبعض صور الصورة
~~الثانية.
# فإن قلت: مقتضى ما ذكرت هو أن بعض الاستصحابات الوجودية أيضا متفق عليها،
~~وهو ما كان الامر الوجودي حالة أصلية للشئ. PageV00P082
# قلت: نعم، لا مضايقة في ذلك، إذا ثبت أن الحالة الأصلية في الشئ - لو خلي
~~وطبعه - هو الامر الوجودي الفلاني، ثم شك في بقائها وارتفاعها، فلا أظن
~~أحدا ينكر وجوب الحكم ببقائه عليها.
# وكذا إذا انقطعت تلك الحالة بقاطع ثم شك في بقاء القاطع.
# فمن لم يقل بحجية الاستصحاب فالظاهر أنه يرجع إلى الحالة السابقة
~~الأصلية. وهذا أيضا أحد ms041 الاستصحابات العدمية المختلف فيها، فإن قطع الحالة
~~الأصلية الوجودية معناه عدمها، لكن لما كان الغالب في الحالات الأصلية هو
~~العدم اكتفوا بذكر الاتفاق في الاستصحابات [العدمية] (1).
# هذا ما وصل إليه الفكر الكليل عند التأمل البدوي والنظر الجليل (2)، ولكن
~~لا بد من النظر الدقيق للوصول إلى الحق والتحقيق.
# PageV00P083
# أدلة الاستصحاب PageV00P085
# [الأول: الوجدان السليم] [قوله] قدس سره: " الأول: أن الوجدان السليم
~~يحكم بأن ما تحقق وجوده أو عدمه في حال أو وقت ولم يحصل الظن بطرو عارض
~~يرفعه، فهو مظنون البقاء، وعلى هذا الظن بناء العالم ".
# [أقول]: ما ذكره المصنف من حكم الوجدان وبناء العقلاء على ذلك، وإن خدش
~~فيه بعض (1)، من حيث احتمال كون ذلك من جهة القرائن الخارجية، إلا أن
~~الانصاف: أنه لو قطع النظر عن جميع الأمور الخارجية فالظاهر أن الوجدان
~~يترجح عنده البقاء، وكذا بناء العقلاء على مراعاة الحالة السابقة.
# بل لو اعتذر أحدهم عن ترك ترتيب أحكام الحالة اليقينية السابقة في صورة
~~الشك في بقائها: بأني احتملت عدمها وما تيقنت ولا ظننت ببقائها،
# PageV00P087
# لعد هذا الاعتذار أقبح من الترك المعتذر عنه، إلا أن يكون هناك أمور توهن
~~العمل بالحالة السابقة.
# قال بعض الفحول (1): " لا يجوز لعاقل أن يدعي أن نسبة وجود (2) قرية رآها
~~على ساحل بحر - كان احتمال خرابها وبقائها متساويين - إلى عدمها عنده،
~~كنسبة وجود قرية أخرى إلى عدمها عنده، مع تساوي احتمالي بنائها وعدمه، كيف،
~~وهو يسافر بقصد التجارة إلى الأولى دون الثانية؟ " (3) انتهى.
# فان قلت: إن أولوية البقاء عند الوجدان لعلها لأنسه بالشئ الموجود في
~~الزمان السابق وإلفته به، حيث وجده قبل ذلك موجودا فيصعب عليه احتمال
~~العدم، لكونه غريبا وأجنبيا بالنسبة إليه.
# قلت: إنا ندعي بداهة رجحان البقاء عند الوجدان، فإن أردت أن علته الانس
~~والألفة، فلا مضايقة في ذلك، ولسنا في مقام تعيين علة هذا الرجحان.
# وإن أردت أنه لا رجحان، بل هو محض المؤانسة، فمع أنا لا نتعقل شيئا آخر
~~غير الرجحان، ربما يحكم الوجدان بالبقاء حكما راجحا مع عدم الانس ms042 والألفة
~~أصلا، كما لو فرضنا: أنا شاكون في زمان طويل في تولد ولد لزيد، أو قاطعون
~~بعدمه، أو لم نلتفت إلى ذلك أصلا، ثم نفرض أن في الزمان اللاحق قطعنا
~~بتولده له سابقا، وشككنا في زمان حدوث هذا القطع من غير تراخ في بقاء ذلك
~~الولد، فحينئذ لا يخفى على ذي وجدان أنه يترجح عنده
# PageV00P088
# البقاء، والمفروض عدم انس الذهن وإلفته مع الوجود في السابق، لان المفروض
~~فيه: إما الشك في الوجود، وإما القطع بعدمه " وإما عدم الالتفات إليه.
# وكيف كان، فلا مجال لانكار كون حكم الوجدان وبناء العقلاء على مراعاة
~~الحالة السابقة.
# وأما كون هذا البناء مسببا عن حصول الظن لهم بالبقاء فغير معلوم، لجواز
~~أن يكون لمحض استقرار العادة على ذلك، وبسبب الجبلة الانسانية التي قررها
~~الله لعمارة العالم، من غير ملاحظة ظن البقاء، كما قاله بعض الاجلاء (1)،
~~فتأمل.
# بل، قد يستشكل في كون هذا البناء ناشئا عن ظن البقاء بوجهين:
# الأول: أنا نرى كثيرا ما يكون بناء العقلاء على مراعاة الحالة السابقة،
~~مع امتناع حصول الظن بسبب ثبوت علم إجمالي في المقام يستحيل معه حصول الظن
~~بالبقاء، فتراهم يبنون على بقاء أحبائهم في بلد مع العلم الاجمالي بموت
~~كثير من أهله، فمع هذا العلم لا يمكن حصول الظن ببقاء الكل، لان القطع
~~بالسالبة الجزئية يناقض الظن بالموجبة الكلية، كما يناقض القطع بها، ولا
~~ببقاء البعض، لعدم المرجح بين الأبعاض، لتساويهم في تيقن الوجود سابقا.
# لا يقال: لو تم هذا لمنع عن عملهم بالاستصحاب في الصورة المذكورة مطلقا،
~~سواء كان من جهة حصول الظن بالبقاء، أو من محض الاتكال على الوجود السابق.
# PageV00P089
# أما من جهة حصول الظن: فلما ذكرت من استحالة حصوله.
# وأما من الجهة الأخرى: فلانه إذا فرضنا أن في البلد آلاف شخص وقطع بموت
~~بعضهم، فلو بنى على الحياة في الكل لزم مخالفة العلم الاجمالي، وإن بنى على
~~حياة البعض فترجيح بلا مرجح، فكلما يمكن أن يقال: الأصل بقاء هذا البعض،
~~يمكن أن يقال: الأصل بقاء ms043 ذلك البعض، وهكذا.
# وبالجملة: العلم الاجمالي مانع عن العمل بالاستصحاب مطلقا من أية جهة
~~كان.
# لأنا نقول: مانعية العلم الاجمالي عن العمل بالاستصحاب مطلقا، إنما هو
~~إذا وقع في المحصور، وأما إذا اتفق في غيره فيمكن العمل بالاستصحاب من
~~الجهة الأخرى، لعدم الاعتناء بشأن العلم الاجمالي بالخلاف المتفق في أمور
~~غير محصورة في العرف فإن قلت: إذا بني لم الامر على عدم الاعتناء بالعلم
~~الاجمالي وفرض وجوده كعدمه، فلا مانع من حصول الظن أيضا.
# قلت: مانعية العلم الاجمالي عن العمل بالاستصحاب من جهة حصول الظن إنما
~~هي لاستحالة حصوله معه، فمجرد وجوده كاف في الاستحالة، قطع النظر عنه أو لم
~~يقطع.
# وأما مانعيته عن العمل به من الجهة الأخرى فليس إلا من جهة لزوم طرحه لو
~~عمل بالاستصحاب في كل تلك الأمور، ولزوم ترجيح أحد المتعارضين بلا مرجح لو
~~عمل في بعضها كما مر، ومع عدم الاعتناء به فلا مانع من طرحه وعدم الاعتناء
~~بشأن التعارض الحاصل بواسطته.
# مع أن طرحه ليس إلا إذا أراد الشخص ترتيب آثار الحالة السابقة على الكل،
~~وهو لا يتفق غالبا في غير المحصور، ولو اتفق فلا بأس PageV00P090
# بالاعتراف بعدم جواز الطرح في هذه الصورة.
# فظهر الفرق بين وجه منعه هناك ووجه منعه هنا، فافهم واغتنم.
# الثاني من وجهي الاستشكال: أن عمل العقلاء بالاستصحاب في أمورهم لو كان
~~من جهة حصول الظن منه وكان الاستصحاب عندهم إحدى الامارات المفيدة للظن
~~لوجب أن يكون بحيث إذا عارضته أمارة أخرى يقوى على معارضتها، إما بأن يترجح
~~عليها ويجعل مقتضاها موهوما، أو يرفع ظنها، وإن لم يحصل الظن منه أيضا،
~~فيرجع أمرهما إلى الشك، والحال أنه ليس كذلك، بل كلما حصلت أمارة على خلافه
~~أوجبت رجحان الخلاف وجعلت مقتضى الاستصحاب موهوما.
# وهذا - أيضا - مسلم عند القائلين بإفادته للظن، حيث اعتبروا في الإفادة
~~عدم طرو الظن بالارتفاع.
# ودعوى: أن هذا من جهة كون الظن الحاصل منه أضعف من جميع الامارات ولا
~~توجد أمارة تساويه في الضعف، ظاهرة الفساد، بل ms044 قيل بالقطع بفساد هذه
~~الدعوى، فتأمل.
# ولكن يمكن دفع الاشكالين:
# أما الأول: فلان المستحيل إنما هو حصول الظن ببقاء الجميع في الصورة التي
~~ذكرت، أو ببقاء البعض مع عدم وجود مرجح يصرف العلم الاجمالي إلى البعض
~~الاخر. وأما حصول الظن ببقاء البعض مع المرجح المذكور فغير مستحيل.
# فنقول: في ما إذا قطع بموت بعض مجمل من أهل بلد، لا ندعي أن الشخص الواحد
~~من العقلاء يبني على بقاء الجميع، ويترتب آثار البقاء عليهم، كلا! بل يبني
~~على بقاء بعضهم - أعني أصدقائه مثلا، أو من له غرض PageV00P091
# متعلق به من أهل ذلك البلد - لكن مع مرجح يتخيله (1) ويزعم بسببه أن
~~البعض الميت هو غير هؤلاء من المشايخ والمرضى وغير ذلك مما يتخيله (2)، ولو
~~من الخيالات الفاسدة، فإنا لسنا إلا في صدد أن بناءه على بقاء البعض ليس
~~إلا مع مرجح رافع للترجيح بلا مرجح، ولسنا في مقام أن ذلك المرجح صحيح أو
~~فاسد.
# وأما الثاني: فبمنع أنه لا يقوى على معارضته أمارة من الامارات، ولو بحيث
~~يرجع أمرهما إلى الشك، سيما إذا جعل منشأ حصول الظن منه الغلبة، فإن الظن
~~الحاصل منها قد يكون أقوى من الحاصل من غيرها.
# وعلى تقدير تسليم ذلك، فنمنع فساد كونه أضعف من سائر الامارات، إذ لا
~~دليل على استحالة ذلك، فتأمل.
# والحاصل: أنه لا وجه للاستشكال في ما ادعوه - من كون بناء العقلاء على
~~العمل بالاستصحاب من باب الظن - بهذين الوجهين المذكورين، وإن كان ذلك
~~الادعاء - في نفسه - غير ثابت علينا، بل القدر الثابت هو محض بنائهم على
~~العمل بالاستصحاب. وأما كونه من باب الظن فلم يثبت، بل الظاهر أنهم كثيرا
~~ما يبنون على الحالة السابقة مع وصف الشك، كما في الأصول العدمية.
# وكيف كان، فهذا البناء منهم حجة من أي جهة كان، وذلك لأنه ليس مختصا
~~بأمور معاشهم، بل تراهم بانين على ذلك في تكاليفهم الشرعية ولا يتأملون في
~~ذلك، وهذه سجية أهل كل شريعة وملة في كل زمان، ولم ينقل ردع الحجة إياهم ms045 عن
~~ذلك، مع توفر الدواعي عليه
# PageV00P092
# الموجب لاطلاعه عليه السلام وكيف كان، فلا شك في حجية هذه السيرة، إلا
~~أنها إنما تثبت حجية الاستصحاب في الجملة " لا كلية، فتدبر.
# [قوله] قدس سره: " وهذا الظن ليس من محض الحصول في الآن السابق، لان ما
~~ثبت جاز أن يدوم وجاز أن لا يدوم، بل لأنا لما فتشنا الأمور الخارجية...
~~الخ " [أقول]: إعلم: أن كثيرا من أرباب هذا المسلك - أي مسلك العمل
~~بالاستصحاب من باب إفادته لظن البقاء - استندوا في حصول الظن إلى مجرد وجود
~~الشئ في الآن السابق، ولكن بعض المتأخرين كالسيد الصدر - في شرح الوافية
~~(1) - والمصنف هنا استندوا في حصول الظن إلى الغلبة.
# إذا عرفت هذا فاعلم: أن كلهم أخذوا - في إفادة الاستصحاب للظن - عدم طرو
~~الظن بارتفاع الحالة السابقة، كما عرفت من قول المصنف.
# وهذا الاعتبار من الأولين حسن، إذ لهم أن يقولوا: إن الوجود السابق لا
~~يفيد الظن بالبقاء إلا إذا خلي المورد عن ظن الارتفاع. وأما من مثل المصنف
~~رحمه الله فغير وجيه ظاهرا، نظرا إلى أن حصول الظن من الغلبة ليس مشروطا
~~بعدم الظن على خلافها، فرب ظن تجعله الغلبة وهما، وهو كثير.
# فعلى هذا يكون الاستصحاب عند المصنف من الأدلة الاجتهادية، فقد يرجح على
~~بعض الظنون، وقد يرجح عليه.
# لا يقال: لعل خصوص هذه الغلبة المدعاة في الاستصحاب كذلك - أي مشروطة
~~بخلو المورد عن الظن بالخلاف -.
# PageV00P093
# لأنا نقول: هذا فاسد، نظرا إلى أن الظن الحاصل من الغلبة لا يختلف بحسب
~~الموارد إلا بقوة الغلبة وضعفها، أو بمعاضدة الأمور الخارجية ومعارضتها، لا
~~بكون المورد بقاء الحالة السابقة أو غيره، فتأمل.
# ثم: إن مراده رحمه الله من الأمور الخارجية هو القار منها، فلا يرد النقض
~~بأن كثيرا من الأمور غير قارة، كالأقوال والأفعال والحركات والسكنات.
# [قوله] قدس سره: " ففيما جهل حاله من الممكنات القارة يثبت ظن الاستمرار
~~في الجملة، بملاحظة حال أغلب الممكنات مع قطع النظر عن تفاوت أنواعها وظن
~~مقدار خاص من الاستمرار بملاحظة حال النوع الذي ms046 هو من جملته ".
# [أقول]: هذه الغلبة لا يثبت بها إلا قليل من موارد الاستصحاب.
# بيان ذلك: أنه بعدمها ثبت كون الشئ من الممكنات القارة القابلة للبقاء في
~~الآن المتأخر عن آن حدوثه، فإذا شك في بقائه في زمان بعد القطع بوجوده
~~وقراره في السابق، فالشك فيه يتصور على قسمين:
# الأول: أن يكون الشك فيه من جهة الشك في مقدار استعداده، بأن لا نعلم هل
~~فيه من حيت الذات استعداد البقاء إلى هذا الزمان أم لا؟
# الثاني: أن يكون الشك فيه من جهة الشك في طرو المانع، بأن نقطع أن له
~~استعداد البقاء من حيث الذات إلى هذا الزمان، لكن نشك في ارتفاعه من جهة
~~احتمال طرو المانع، سواء كان الاحتمال في وجود المانع كالبول، أو مانعية
~~الشئ الموجود كالمذي.
# والقسم الأول على ضربين:
# الأول: أن يكون للشئ المشكوك البقاء نوع يعلم له استعداد خاص.
# الثاني: أن لا يكون له نوع كذلك، إما بأن لا يكون له نوع أصلا
~~PageV00P094
# بالفرض، أو يكون له نوع لكن لا يعلم مقدار استعداد ذلك النوع، أو يعلم أن
~~ليس له استعداد معين خاص، بل يختلف الافراد بعضها مع بعض في الاستعداد وليس
~~للنوع استعداد خاص، أو بأن يكون له نوع، لكنه تردد بين نوعين مختلفي
~~الاستعداد، كما إذا علمنا أن مقدار استعداد الفرس كذا ومقدار استعداد
~~الحمار قدر آخر، لكن نشك في أن الحيوان الغائب عنا المشكوك في بقائه من
~~أيها.
# والضرب الأول على وجهين:
# الأول: أن يكون الشك في بقاء الشئ من جهة الشك في أن استعداده هو استعداد
~~نوعه الغالب، أو هذا الفرد استعداد خاص أقل من استعداد نوعه لاجل خصوصية،
~~كما إذا علمنا أن مقدار استعداد نوع الانسان المتعارف الغالب تسعون سنة،
~~لكن لا ندري أن زيدا الغائب هل هو بهذا المقدار من الاستعداد، أو أقل منه
~~استعدادا لاجل خصوصية كضعف البنية مثلا، لاجل ذلك نشك في بقائه قبل إكمال
~~تسعين.
# الثاني: أن نقطع بأنه بهذا الاستعداد الذي ثبت لنوعه، لكن نشك ms047 في بقائه
~~في زمان من جهة الشك في انقضاء ذلك المقدار، كما إذا رأينا زيدا في وقت ثم
~~غاب عنا مدة عشرين، فشككنا في بقائه وموته من جهة الشك في أنه وقت رؤيتنا
~~إياه كان في سن الثمانين، حتى يكون قد انقضى مقدار استعداده - أعني التسعين
~~- أو كان في سن الستين، فلم ينقض مقدار استعداده.
# والقسم الثاني - أعني الشك في طرو المانع - أيضا على ضربين:
# الأول: أن يكون المانع الذي شك في وجوده من الأمور الخارجة عن اختيار
~~المكلف. وبعبارة أخرى: من الأمور التي يمكن ملاحظتها باعتبار كثرة الوقوع
~~وندرته، من حث يمكن ادعاء غلبة وقوعها أو عدم وقوعها. PageV00P095
# والثاني: أن يكون المانع المشكوك الوجود من الأمور التي هي باختيار
~~الشخص، بحيث يختلف كثرة وقوعها وندرته باختلاف الدواعي المتفقة للشخص ولا
~~ضبط لها، كروافع الطهارة والنجاسة، ودخول زيد في الدار وخروجه، والملكية،
~~واشتغال الذمة وبرائتها، ونحو ذلك، فإن الشخص قد يدعوه الداعي إلى إيجاد
~~تلك الأمور، وقد يدعوه إلى رفعها بروافعها، فإن الطاهر قد يصير نجسا،
~~والنجس طاهرا، والذمة المشغولة بريئة، والبريئة مشغولة، ولا يمكن إدعاء
~~غلبة الوقوع أو عدم الوقوع في شئ من ذلك، بل. يختلف بالنسبة إلى أحوال شخص
~~واحد في وقت واحد، فكيف بالنسبة إلى الاشخاص المتعددة والأوقات المتعددة.
# إذا عرفت هذا فاعلم: أن ما ذكره المصنف قدس سره من الغلبة إنما يثبت به
~~ظن البقاء في الوجه الأول من الضرب الأول من القسم الأول، والضرب الأول من
~~القسم الثاني. ولا يثبت في غير ما.
# أما عدم ثبوته في الوجه الثاني من ذلك الضرب، فلان المفروض العلم بثبوت
~~الاستعداد الثابت للنوع لهذا الفرد، فلا حاجة إلى الغلبة المثبتة للظن به،
~~إنما الشك في أن مقدار الاستعداد المعلوم بقي في هذا الشخص أم انقضى عنه.
# وأما في الضرب الثاني من ذلك القسم: فلان الغلبة لا يفيد إلا إلحاق هذا
~~المشكوك بنوعه في الاستعداد، والمفروض أن النوع هنا مشكوك الاستعداد، أو
~~معلوم عدم ثبوت استعداد خاص له، أو متردد ms048 بين نوعين مختلفي الاستعداد، فأي
~~فائدة في الالحاق في الصورتين الأوليين؟ وبأي النوعين يلحق في الصورة
~~الثالثة؟
# وأما الضرب الثاني من القسم الثاني، فلان المفروض العلم بمقدار
~~PageV00P096
# الاستعداد، وإنما الشك قي البقاء من جهة المانع، ولا يمكن أن يدعى غلبة
~~عدم الموانع، إذ لا ضابطة هناك، بل وقوعها تابع للدواعي الحاصلة في نفس
~~الشخص، فقد تكون كثيرة فيكون الوقوع كثيرا، وقد لا، فلا.
# مع أن ادعاء غلبة عدم وجود المانع في الضرب الأول منه أيضا، محل كلام.
# بل يمكن أن يقال: إن ثبوت هذه الغلبة في الضرب الأول من القسم الأول أيضا
~~ليس مطردا، نظرا إلى أن تعيين مقادير استعدادات الأمور الخارجية ليس مبنيا
~~على التحقيق - بحيث تكون مضبوطة محفوظة عن الزيادة والنقيصة ولو يسيرة - بل
~~مبناه على التخمين والتقريب.
# فمعنى أن مقدار استعداد الانسان تسعون ليس أن منتهاه هو اليوم الآخر من
~~الشهر الاخر من السنة الأخيرة من التسعين، حتى لو شككنا في بقاء زيد بعد
~~العلم ببلوغه النصف الأول من السنة الأخيرة أو أزيد، فنقول:
# مقتضى الغلبة المذكورة هو بقاؤه، لعدم تمام مقدار استعداده.
# بل المراد: هو أن مقدار الانسان تقريبا هو بهذه المرتبة من العمر وما
~~قاربها، فلو شككنا في بقاء زيد بعد بلوغ الستين يمكن الحكم بالبقاء.
# وكذا الكلام في الرطوبة بالنسبة إلى الصيف والشتاء، فإنا لا نعلم إلا أن
~~استعدادها في الصيف أضعف منه في الشتاء، وأما تحقيق مقدار الاستعدادين فغير
~~معلوم، فلو شككنا في بقائها في آن قريب من آن القطع بالارتفاع، فلا يمكننا
~~الحكم ببقاء الاستعداد من جهة الغلبة.
# فالحاصل: أن ما ذكره المصنف - من الحكم ببقاء الشخص المشكوك - بقاؤه
~~بمقدار استعداد نوعه من جهة الغلبة المذكورة مسلم، لكنه إنما يجري في بعض
~~موارد الاستصحاب. PageV00P097
# فان قلت: إنا نرفع اليد عن اعتبار كل جزئي مشكوك البقاء بالإضافة إلى
~~نوعه، بل ندعي غلبته في جنس الموجودات على وجه الكلية، بأن نقول عند الشك
~~في بقاء شئ: إنا تتبعنا الأمور الموجودة في السابق حين وجود ms049 هذا المشكوك،
~~فوجدناها - على اختلاف استعداداتها وتفاوت مراتبها في القرب والبعد عن معرض
~~الارتفاع بالروافع - باقية في هذا الزمان، فنلحق هذا المشكوك بها في
~~البقاء.
# ثم إذا اعتبرنا هذا الجزئي بالقياس إلى نوعه، فوجدنا غلبة أخرى موجبة لظن
~~الارتفاع فنأخذ بهذه الغلبة، نظرا إلى أن الغلبة النوعية مقدمة على الغلبة
~~الجنسية عند التعارض.
# وإن لم نجد غلبة كذلك في النوع فنعتبره بالقياس إلى صنفه، فإن وجدنا غلبة
~~معارضة للغلبة الجنسية السابقة فنأخذ بها أيضا، نظرا إلى أن الغلبة الصنفية
~~مقدمة عند التعارض على الغلبة النوعية - التي هي مقدمة عند التعارض على
~~الغلبة الجنسية - فتقديمه عليها أولى.
# وإن لم نجد غلبة معارضة للغلبة الجنسية - لا في النوع ولا في الصنف -
~~فنحكم بمقتضى الغلبة الجنسية، مثلا: إذا شككنا في بقاء زيد فبعد ملاحظة أن
~~غالب الأمور الموجودة معه في السابق تكون باقية، فنلحقه بها في البقاء.
# ثم إذا اعتبرناه بالقياس إلى نوع الانسان، فقد يكون مقتضى الغلبة فيه على
~~العكس - بأن يكون زيد المشكوك بقاؤه في سن المائة والعشرين، فإن الغالب في
~~الانسان بعد المائة والعشرين عدم البقاء - فنحكم بأن زيدا غير باق، نظرا
~~إلى الغلبة النوعية.
# وقد لا يكون غلبة في النوع معارضة مع الغلبة الجنسية - كأن يكون زيد
~~الغائب في سن الستين - فان لم يكن هناك أيضا غلبة صنفية - بأن يكون
~~PageV00P098
# زيد المذكور من صنف المدقوقين (1) الغالب فيهم عدم البقاء في مدة طويلة
~~عن زمان دقهم - فيكون الغلبة الجنسية سليمة عن معارضة النوعية والصنفية،
~~فنعمل بها.
# فحاصل الكلام: أنه لا حاجة إلى ملاحظة الجزئي المشكوك البقاء مقيسا إلى
~~نوعه - من حيث الاستعداد - حتى يرد عليه: أنه قد لا يكون نوعه معلوما
~~لتردده بين نوعين، كالحيوان المشكوك البقاء المتردد بين نوعين مختلفي
~~الاستعداد.
# وقد يكون نوعه معلوما، ولكن استعداده غير معلوم.
# وقد يكون استعداده أيضا معلوما، لكن شك في انقضاء مقدار الاستعداد عن هذا
~~الجزئي.
# وقد يكون عدم انقضائه أيضا معلوما، لكن يشك في وقوع المانع مع فرض كون
~~هذا المانع ms050 من الأمور التي لا انضباط لها ولا اعتناء بعدمها، بل قد يتجدد
~~منها أفراد كثيرة في أزمنة متعاقبة.
# وقد لا، بل نلاحظ الجزئي بالنسبة إلى الموجودات السابقة المشتركة معه في
~~الوجود السابق المتميز عنها بالشك في البقاء، فنجد الأغلب باقيا، وإن كان
~~ما ارتفع منها كثيرا في نفسه، لكنه بالإضافة إلى الجميع كالقطرة بالإضافة
~~(2)، فنلحق هذا الجزئي بالغالب إلى أن نجد غلبة معارضة لهذه الغلبة
# PageV00P099
# أخص منها، فنقدمه عليها.
# ففي جميع الصور المذكورة - التي أوردتها نقضا على غلبة المصنف - نحكم
~~بالبقاء، للغلبة الجنسية التي أثبتناها، إلا أن يمنع عنه غلبة معارضة أخص.
# وحاصل هذه الغلبة هو: أن كل زمان نشك في بقاء شئ فنقول:
# إنا تتبعنا الموجودات في الزمان السابق، فنجد الباقي منها إلى هذا الزمان
~~أغلب من المرتفع منها فيه بأضعاف غير محصورة، فنلحق هذا المشكوك بها إلى أن
~~يوجد المعارض.
# قلت: تقرير الغلبة بهذا التقرير لا يجدي في دفع النقض بالصور المذكورة.
# أما أولا: فلانه إن أريد أن يثبت بها استعداد البقاء للمشكوك فيه إلى هذا
~~الزمان - أي زمان الشك -، فمع أنه لا يجدي إلا لدفع النقض بالصورة الأولى
~~من الصور المنقوض بها - أعني صورة الشك في مقدار الاستعداد بأقسامها - لا
~~الشك في انقضاء مقداره بعد القطع بالمقدار، أو في طرو المانع مع عدم انضباط
~~في المانع.
# لا يخفى: أن المقدار المشترك من الاستعداد بين الموجودات المستقرء فيها
~~ليس إلا الأقل بالنسبة إلى الجميع، مثلا: الاستعداد المشترك بين الفيل
~~والانسان والذباب والرطوبة الصيفية ليس إلا استعداد الرطوبة، لأنه مشترك
~~بين الجميع، وإثبات هذا القدر للمشكوك غير مجد، إذ وجوده له معلوم، بل قد
~~يعلم أزيد منه. PageV00P100
# وإن أريد أن يثبت بها (1) بقاء ذلك المشكوك إلى هذا الزمان، مع قطع النظر
~~عن تشخيص مقدار الاستعداد، بأن يقال: إن الغالب باق فهذا باق، فنقول:
# لا يخفى أن اتصاف الغالب بالبقاء ليس لامر واحد مشترك بين الجميع، حتى
~~يظن ثبوت هذا الامر في المشكوك فيحكم عليه بالبقاء، بل لأمور مختلفة وهي ms051
~~استعداداتها وقابلياتها المختلفة، وإنما اجتمعت في هذا الزمان بضرب من
~~الاتفاق، نظرا إلى تفاوت مبادئ حدوثها في التقدم والتأخر.
# مثلا: للفيل استعداد، وللفرس آخر، وللإنسان آخر، وللذباب آخر، وللرطوبة
~~آخر، ولكن اتفق هذا الزمان مجمعا لوجود الجميع، فاتصف الجميع بالبقاء، فإذا
~~شككنا في بقاء شئ مشكوك مقدار استعداده مع القطع بزيادته عن استعداد بعض
~~هذه البواقي ونقصانه عن استعداد بعضها الاخر، أو شككنا في بقاء شئ معلوم
~~مقدار استعداده مشكوك في انقضاء هذا المقدار، فبأي شئ يلحق؟
# ولنأت لهذا بمثال ليتضح به الحال، فنقول: إذا بنى الأمير على أن يضيف
~~جميع أهل البلد في الليالي، لكن مع الاختلاف في عدد الليالي - بحسب
~~اختلافهم في الضعة والشرف - بأن يضيف بعضهم ليلة، وبعضهم ليلتين، وبعضهم
~~ثلاثا، وبعضهم عشرا، وهكذا، فأضاف في عدة ليال جمعا، وأضاف زيدا أيضا عدة
~~ليال من تلك الليالي، ثم فرضنا أنه اتفق في ليلة إضافة أغلب أهل البلد
~~لتصادف استعداداتهم اتفاقا فيها، فإذا شك في أن زيدا أضيف في هذه الليلة أم
~~لا - من جهة الشك في مقدار قابليته، هل هو ممن
# PageV00P101
# يضاف في ثلاث ليال أو في عشر أو في شهر؟ - فلا يمكن أن يقال: إن زيدا
~~مضاف في هذه الليلة: من جهة أن أغلب أهل البلد مضافون، فافهم واغتنم.
# فان قلت: هذا كله يدل على عدم جواز التمسك بهذه الغلبة في صور الشك في
~~الاستعداد من الصور المنقوض بها، أما الصورة الأخيرة منها - وهي صورة الشك
~~من جهة طرو المانع، مع كون المانع مما لا ينضبط من حيت كثرة الوقوع وقلته -
~~فلا مانع من التمسك بهذه الغلبة فيها، بأن يقال عند الشك في بقاء شئ
~~وارتفاعه من جهة طرو المانع الكذائي: إنا وجدنا أغلب الموجودات المشاركة مع
~~هذا المشكوك في الوجود السابق لم يطرء عليها رافع، فهذا المشكوك كذلك. ولا
~~يرد على هذه الغلبة ما ذكرت من الايراد المستشهد عليه بالمثال العرفي.
# قلت: نعم لا يرد ذلك، إلا أن بناء العرف ليس على الالحاق في مثل ms052 هذه
~~الصورة، مثلا إذا فرضنا أن أغلب أهل محلة بناؤهم على القرار في بيوتهم
~~ليلا، لكن فرضنا أن زيدا منهم ليس له انضباط وحد في هذا الامر فقد يكون وقد
~~لا يكون.
# وأما ثانيا: فنقول - على فرض صحة الغلبة المذكورة وسلامتها من الايراد
~~الذي ذكرنا -: لا يخفى أن كون غالب الافراد على صفة إنما يوجب إلحاق
~~المشكوك بها في الاتصاف بتلك الصفة إذا كان الافراد الغير المتصفة في نهاية
~~القلة وغاية الندرة، ليحمل المشكوك على الأعم الأغلب ويجعل النادر
~~كالمعدوم، وفي ما نحن فيه ليس كذلك، نظرا إلى أن غالب الموجودات السابقة
~~وإن كانت باقية، إلا أنا نقطع أيضا بارتفاع كغير غير محصور منها، فليس غير
~~الغالب بحيث يجعل كالمعدوم، فلا تفيد مثل هذه الغلبة ظن اللحوق.
# وأما ثالثا: فنقول - على فرض تسليم ثبوت الغلبة الجنسية في المقام
~~PageV00P102
# وإفادتها الظن -: لا يخفى أن العمل عليها والاخذ بها كما أنه مشروط بعدم
~~كون الغلبة في النوع أو الصنف على خلافها - كما اعترفت به - فكذلك مشروط
~~بعدم كون النوع - يعني نوع هذا المشكوك - مختلفة الافراد في الاتصاف بتلك
~~الصفة وعدمه.
# مثلا، لو فرضنا أن الغالب في جنس الانسان البياض، لكن وجدنا نوعا من
~~أنواعه، بعض أفراده متصف بالبياض وبعضها متصف بغيره، وليس أحد البعضين
~~غالبا بالنسبة إلى الاخر، فإذا شككنا في فرد من هذا النوع أنه أبيض أو غير
~~أبيض، فلا يلحق بنوع الانسان في البياض، لعدم حصول الظن في هذا الفرض.
# فنقول في ما نحن فيه: إذا كان الشئ المشكوك البقاء داخلا في نوع مختلف
~~الافراد - في البقاء إلى هذا الزمان - مع التساوي، فلا يظن إلحاق هذا
~~المشكوك بجنس الموجودات في البقاء. وهذا الفرض وإن كان نادرا، إلا أنه كاف
~~في نقض الكلية.
# فان قلت: إذا كانت الغلبة الجنسية ليعمل بها عند معارضة الغلبة النوعية
~~أو الصنفية، وكذا لا يعمل بها عند وجدان النوع أو الصنف مختلف الافراد في
~~الاتصاف بتلك الصفة - كما ذكرت من المثال - فأين - يعمل بها؟
# وما الفائدة ms053 فيها؟
# قلت: إذا لم يكن في النوع والصنف غلبة معارضة، ولا وجد أفرادهما مبعضة في
~~الاتصاف بالصفة مع تساوي البعضين في القدر تحقيقا أو تخمينا.
# توضيح ذلك: أنه إذا شككنا في اتصاف فرد بصفة وتتبعنا في جنس هذا المشكوك،
~~فرأينا الغالب فيه الاتصاف بتلك الصفة، فلا يجوز المبادرة إلى إلحاق
~~المشكوك بجنسه بمجرد ذلك، بل ينبغي أن يلاحظ نوع هذا المشكوك PageV00P103
# وصنفه، فإن وجد في أحدهما غلبة معارضة فيؤخذ بها، لأنها كالنص بالنسبة
~~إلى الغلبة الجنسية لأنها أخص، وهي كالظاهر بالنسبة إليها لأنها أعم.
# وإن لم يوجد في أحدهما غلبة معارضة، فان وجدت غلبة معاضدة فنعم الاتفاق،
~~وإن لم توجد غلبة أصلا - بأن كان أفراد النوع أو الصنف مبعضة، بعضها متصفا
~~بالصفة المذكورة وبعضها غير متصف بها من غير غلبة أحدهما على الاخر غلبة
~~يعتنى بها - فإن وجدنا البعضين متساويين أو كالمتساويين تحقيقا أو تخمينا،
~~فلا يلحق الفرد المشكوك من هذا النوع أو الصنف بالجنس، لان تساوي أفراد هذا
~~النوع يكشف عن تغاير حكم أفراد لافراد سائر أنواع ذلك، ولو لم يكشف عن ذلك
~~فلا أقل من أنه يمنع عن ظن الاتحاد كما في المثال السابق.
# وإن لم نجد البعضين كذلك، بل شككنا في التساوي والغلبة، أو قطعنا بالغلبة
~~وشككنا في أن الغالب موافقة الجنس أو مخالفته، ففي هاتين الصورتين نلحق
~~الفرد بالجنس، فتأمل.
# ثم اعلم أنه يمكن تقرير الغلبة بنوع آخر، بأن يقال عند الشك في بقاء شئ:
~~إنا تتبعنا الأمور المشكوكة البقاء فوجدنا - بعد استكشاف الحال في ما يمكن
~~فيه الاستكشاف من تلك الأمور، أو انكشافه في ما لا يمكن فيه منها - أن
~~الغالب البقاء، مثلا: شككنا في بقاء الشئ الفلاني، والفلاني، وكذا وكذا
~~وكذا وهكذا، ثم استكشفنا الحال في ما يمكن الاستكشاف فيه من الأمور
~~المذكورة، فوجدنا أن الباقي منها أغلب في الغاية من المرتفع، فكلما شككنا
~~في شئ فنلحقه بالغالب، وإن كان المشكوك مما لا يمكن الاستكشاف فيه مع كون
~~المستقرء فيها مما يمكن فيه الاستكشاف، ms054 للقطع بعدم مدخلية إمكان الاستكشاف
~~في ذلك. PageV00P104
# فعلى هذا التقرير: لا حاجة إلى ملاحظة أن الشك في البقاء من جهة الشك في
~~الاستعداد بأقسامه المذكورة آنفا، أو من جهة الشك في طرو المانع بقسميه
~~المذكورين. ولا يرد النقض بالصور المذكورة الواردة نقضا على السابق.
# ولعل هذا هو السر في لزوم اختلال نظام العالم لو ترك العمل بالاستصحاب،
~~فإنه إذا شك أحدنا في بقاء أمر مترتب عليه أحكام المعاش، فلم يرتب عليه
~~آثار البقاء، وشك أيضا في بقاء أمر آخر من الأمور المذكورة فلم يرتب عليه
~~آثار البقاء، وفعل ذلك مرارا بالنسبة إلى الأمور المذكورة، فلما كان الغالب
~~انكشاف البقاء فيوجب ذلك فوات كثير من مقاصد هذا الشخص. فإذا فعل شخص آخر
~~كذلك وشخص آخر، وبالجملة لو بنى جميع الناس على أن لا يرتبوا آثار البقاء
~~على مشكوك البقاء مع كشف البقاء غالبا - إما بالاستكشاف أو بالانكشاف -
~~فيوجب ذلك فوات أغلب مقاصدهم، وينجر إلى الاختلال، فتأمل.
# ويمكن استفادة ذلك من تقرير المصنف، المذكور في المتن.
# [قوله] قدس سره: " وإذا رأينا منه في مواضع غير عديدة (1) أنه اكتفى -
~~حين إبداء الحكم - بالأمر المطلق القابل للاستمرار وعدمه، ثم علمنا أن
~~مراده كان من الامر الأول: الاستمرار، فنحكم في ما لم يظهر مراده - من
~~الاستمرار وعدمه - بالاستمرار ".
# [أقول]: لا يخفى أن هذا الاستقراء إنما يثبت ظن البقاء في ما إذا شك في
~~بقاء أصل الحكم الكلي الذي ألقاه الشارع إلى العباد وارتفاعه.
# PageV00P105
# وأما إذا قطع ببقاء ذلك الحكم الكلي، وشك في بقاء الحكم الجزئي المتعلق
~~بمورد خاص - إما من جهة تبدل وصف من أوصاف الموضوع شك في مدخليته في ثبوت
~~الحكم، أو قطع بمدخليته لكن شك في أن لحدوثه دخلا أو لحدوثه وبقائه كليهما
~~مدخلا في حدوث الحكم وبقائه، وإما من جهة الشك في وجود الرافع للحكم الجزئي
~~المذكور، أو رافعية شئ له - فلا يثبت ظن بقائه بالاستقراء الذي ذكره قدس
~~سره.
# مثلا: إذا شككنا في أن الماء المتغير النجس بعد زوال تغيره باق ms055 على
~~النجاسة أو لا - من جهة الشك في مدخلية التغير في موضوعية الموضوع - فلا
~~يجدينا الظن، بل القطع بأن الحكم الذي أبداه الشارع مستمر، لان استمراره لا
~~دخل له في بقاء النجاسة في الماء المذكور وارتفاعها، إذ لو ارتفعت فإنما
~~ارتفعت بارتفاع موضوعها - وهو الماء المقيد بتلبسه بالتغير - وليس هذا
~~ارتفاعا للحكم الذي أبداه الشارع وقطعا لاستمراره، إذ ارتفاع الحكم الخاص
~~عن مورد لعدم موضوعه ليس ارتفاعا لأصل الحكم الشرعي، فإذا ارتفعت النجاسة
~~عن كلب لاستحالته ملحا، لم يرتفع الحكم الشرعي، أعني نجاسة الكلب.
# وكذا الكلام في ما لو شك في بقاء الطهارة من جهة الشك في الحدث، أو في
~~بقاء وجوب شئ من جهة الشك في وجود غايته، أو في كون الشئ غاية له.
# والحاصل: أن إثبات استمرار الأحكام الكلية التي أبداها الشارع
~~بالاستقراء، إنما يجدي لو كان الشك في استمرار حكم من هذه الأحكام الكلية،
~~ولا يجدي إذا كان الشك في بقاء تعلقاتها الخاصة بالموارد الخاصة.
# وظن استمرار الحكم الكلي لا يعالج به الشك في بقاء التعلق الخاص، بل
~~PageV00P106
# القطع به كذلك أيضا، كما في الأمثلة المذكورة.
# اللهم إلا أن يتمسك في كل مقام باستقراء ملائم لذلك المقام، بأن يقال
~~مثلا في مسألة الشك في أن تغير الماء هل يكون زواله موجبا لزوال النجاسة؟:
~~إن أغلب الأحوال العارضة للماء المذكور - من الوجوديات والعدميات - وجدناها
~~غير موجبة لزوال الحكم، فهذا أيضا كذلك.
# وهكذا يفعل في ما إذا كان حاضرا ودخل عليه وقت الصلاة فلم يصل وسافر، أو
~~كان بالعكس، وهكذا في المقامات الاخر. لكن أنى توجد تلك الاستقراءات؟
# ثم إن الغرض من هذه الغلبة المدعاة في مسألة الماء المتغير هو محض
~~التمثيل، وبيان أنه إن كان ولا بد من التمسك بالاستقراء فليدع في كل مقام
~~استقراء ملائم له، وإلا فتلك الغلبة في غاية الفساد ونهاية البعد عن
~~السداد؟
# نظرا إلى أن التغير من الأوصاف التي لها مدخل في حدوث الحكم - أعني
~~النجاسة - ولم يثبت بالاستقراء أن غالب الأوصاف التي ms056 لحدوثها مدخل في حدوث
~~الحكم لا مدخل لزوالها في زواله، بل يمكن ادعاء العكس.
# نعم: الأوصاف التي لا مدخل لحدوثها في الحكم لا مدخل لزوالها أيضا في
~~زواله.
# [قوله] قدس سره: " وكذلك الكلام في موضوعات الاحكام من الأمور الخارجية،
~~فإن غلبة البقاء يورث الظن القوي ببقاء ما هو مجهول الحال ".
# [أقول]: هذا الكلام يشعر بأن مراده من الاستقراء هو تتبع المشكوكات وكشف
~~بقاء أغلبها - إما بالاستكشاف في ما يمكن فيه ذلك، أو بالانكشاف - نظير
~~الاستقراء في أحكام الشارع على ما سبق منه رحمه الله.
# وهذا هو التقرير الذي ذكرناه أخيرا. PageV00P107
# [قوله] قدس سره: " ولا يهمنا إثبات الباعث على الظن ".
# [أقول]: لو تنزل إلى هذا من أول الامر كفاه وإيانا مؤونة الكلام، فان
~~إثبات الغلبة في أكثر موارد الاستصحاب دونه خرط القتاد.
# [قوله] قدس سره: " قد بينا في مباحث الاخبار حجية ظن المجتهد مطلقا إلا
~~ما أخرجه الدليل ".
# [أقول]: ما سبق منه قدس سره في مبحث أخبار الآحاد من الأدلة على حجية ظن
~~المجتهد - على فرض تسليم دلالتها على حجية كل ظن يحصل له من أي سبب كان عدا
~~ما خرج بالدليل، حتى مثل هذا الظن الضعيف الحاصل في المقام من الغلبة
~~المثبتة باللتيا والتي - فإنما يثبت حجية الظن الاستصحابي إذا كان المستصحب
~~من الأحكام الشرعية الكلية - التي يكون استنباطها من شأن المجتهد - وما
~~يتعلق بها، كالموضوعات اللغوية.
# وأما غير ذلك من الموضوعات الخارجية - كبقاء كرية الماء ورطوبة الثوب
~~وموت الصيد الواقع في الماء القليل به، ونحو ذلك، والأحكام الجزئية كبقاء
~~وجوب الصوم عند الشك في تحقق الغروب، والطهارة عند الشك في الحدث أو
~~التنجس، ونحو ذلك - فلا يثبت حجية الظن فيها بحجية ظن المجتهد، إذ لا دخل
~~للاجتهاد فيها، لان تشخيصها ليس من شأن المجتهد، ولا يحصل للمجتهد الظن بأن
~~زيدا إذا شك في تحقق الغروب فوجوب الصوم باق بالنسبة إليه، وكذا إذا شك زيد
~~في بقاء طهارته، فلا يحصل للمجتهد ظن ببقائها، ولو حصل فليس معتبرا في حق
~~زيد. ms057
# نعم، شأن المجتهد المحكم بأن الظن الحاصل لزيد في الموضوعات والأحكام
~~الجزئية يجب عليه اتباعه لو كان مذهبه جواز العمل بالظن في أمثال ذلك، أو
~~لا يجب عليه اتباعه لو كان مذهبه عدم جواز العمل بالظن PageV00P108
# فيها، كما هو التحقيق.
# والحاصل: أن الدليل الدال على حجية ظن المجتهد الحاصل له في المسائل
~~الاجتهادية - وبعبارة أخرى: في المسائل التي يجوز تقليده فيها - غير الدليل
~~الدال على حجية الظن الحاصل للمقلد في الأمور غير الاجتهادية التي لا يجوز
~~تقليد المجتهد فيها من حيث إنه تقليد، وإن كان بيان كليهما وظيفة المجتهد.
# والذي سبق من المصنف قدس سره -. بيانه هو الأول، والذي يجدي في حجية الظن
~~الاستصحابي في الموضوعات والأحكام الجزئية هو الثاني.
# اللهم إلا أن يقال: إن المقصود من عقد بحث الاستصحاب - الذي جعلوه من
~~الأدلة على الأحكام الشرعية الاجتهادية - لما كان هو بيان جواز إثبات تلك
~~الأحكام به وعدم جوازه وأن البحث عن جواز إثبات غيرها به إنما وقع تطفلا،
~~اكتفى المصنف قدس سره -. بمجرد إقامة الدليل على جواز إثبات الاحكام
~~الاجتهادية به بأنه يفيد الظن بالحكم الشرعي الفرعي الاجتهادي، وكل ما يفيد
~~الظن بالحكم الاجتهادي فهو حجة.
# أما الصغرى فلما ذكره هنا، وأما الكبرى فلما بينه في مبحث أخبار الآحاد.
# فثبت من ذلك مطلبه الأصلي، وهو كون الاستصحاب من أدلة الأحكام الشرعية
~~الاجتهادية، وإن لم يثبت طلبه التطفلي.
# لكن. ينافي ذلك أن المصنف قدس سره. بصدد إثبات حجية الاستصحاب مطلقا في
~~جميع الموارد، لا في خصوص الاحكام، كما هو أحد الأقوال في المسألة، الذي
~~اختاره وشرع في الاستدلال عليه.
# والمقصود الأصلي من عقد بحث الاستصحاب وإن كان هو إثبات كونه PageV00P109
# دليلا من أدلة الاحكام أو عدمه، لكن المبحوث فيه بالأصالة في هذا المبحث
~~ليس خصوص تلك الأحكام سيما بين المتأخرين. ولا تنافي بين كون الداعي على
~~عقد مبحث شيئا وكون المبحوث فيه أعم من ذلك الشئ بالأصالة، فتأمل (1).
# PageV00P110
# [مبحث استطرادي حول أصالة حرمة العمل بالظن] [قوله] قدس سره: " وأن ذلك ms058
~~الأصل غير مسلم، فإن الدليل عليه إن كان... الخ ".
# [أقول]: إن كان مراده قدس سره من عدم تسليم أصالة حرمة العمل بالظن: عدم
~~تسليمها مع قطع النظر عن الانسداد - وبعبارة أخرى: مع قطع النظر عن لزوم
~~محذور، وبثالثة: مع قطع النظر عن الاضطرار إليه، ورابعة:
# بالنظر إلى الأصل الأولي - فستعرف ضعفه وأن الحق حرمة العمل به مع فرض
~~عدم الاضطرار إليه.
# وإن كان مراده قدس سره: عدم تسليم حرمة العمل به مع فرض الانسداد
~~والاضطرار ولزوم المحذور بالترك - وإن كان حرمة العمل به مع قطع النظر عن
~~ذلك مسلمة عنده - ففيه: أن المناسب حينئذ هو الاستدلال على إثبات الاضطرار
~~ولزوم المحذور والاكتفاء بقوله: " وقد بينا في مباحث الاخبار PageV00P111
# حجية ظن المجتهد " (1) لا مطالبة الدليل على ثبوت حرمة العمل بالظن، إذ
~~هو رحمه الله - بعد تسليم أصالة حرمة العمل بالظن مع فرض عدم المحذور -
~~مطالب بدليل الجواز في حال الانسداد.
# والحاصل: أنه على هذا التقدير يحسن المطالبة منه، ولا يحسن منه المطالبة.
# ثم: إنه لما اشتهر أنه قدس سره قائل بالاحتمال الأول، يعني أنه لا يسلم
~~أن الأصل الأولي أيضا حرمة العمل بالظن - وإن كان لي في صحة هذه النسبة
~~إليه تأملا - فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى إثبات ذلك الأصل في هذا المقام
~~" وإن كان خارجا عن المرام، لكن تعرض المصنف قدس سره له يكفي في الالتئام.
# فنقول - مستمدا للتوفيق من الملك العلام -:
# إن الأصل الأولي - مع قطع النظر عن الدليل الوارد - هو عدم حجية الظن من
~~حيث هو ظن وحرمة العمل به كذلك، يعني أنا لو فرضنا عدم لزوم محذور خارجي من
~~عدم العمل عليه، وعدم الاضطرار بواسطة الدليل الخارجي إليه، وعدم ثبوت
~~الدليل على جواز العمل به عموما أو خصوصا، فمقتضى القاعدة المستفادة من
~~العقل والنقل هو عدم حجيته وحرمة العمل، لا حجيته ووجوب العمل به ولو
~~تخييرا.
# بل مقتضى بعض الأدلة - كالآيات والاخبار - حرمة العمل به، ولو مع ثبوت
~~الدليل على جواز العمل، بمعنى أنه يقع التعارض ms059 بينه وبين الدليل الدال على
~~الجواز، بحيث لابد في إثبات الجواز من تخصيص دليل المنع
# PageV00P112
# أو تقييده..
# نعم، مقتضى بعض آخر - كالاجماع والعقل - هو المنع بشرط انتفاء الدليل على
~~الجواز، بحيث لو قام الدليل على الجواز فلا يقع تعارض، لانتفاء موضوع دليل
~~المنع.
# ثم، إن العمل بالظن إما أن يكون المراد منه بناءنا وتوطين أنفسنا على أن
~~المظنون حكم الله في حقنا، والحكم بذلك وأخذه متبعا، والاستقرار عليه
~~والتكلف بمقتضاه.
# وإما أن يكون المراد منه ترتيب آثار الحجية، أعني العمل في الفروع على
~~طبقه بالاتيان بما ظن وجوبه والاجتناب عما ظن حرمته.
# والحق حرمته وعدم حجيته بكلا المعنيين.
# أما بالمعنى الأول: فالدليل عليه هو الكتاب والسنة والاجماع والعقل.
# أما الكتاب: فآي:
# منها: قوله: ﴿وأن تقولوا على الله
~~ما لا تعلمون﴾ (١).
# وقوله تعالى - في موضع آخر -: (أم تقولون على الله ما لا تعلمون) (٢).
# وقوله مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا تقف ما ليس لك به علم)
~~(٣).
# وقوله تعالى فيه أيضا صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل في * لاخذنا منه باليمين
~~* ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (4).
# PageV00P113
# وهذان وإن كان من قبيل " إياك أعني واسمعي يا جارة " لكنه يكفي هذا
~~القدر.
# وقوله تعالى: ﴿إن هم إلا يظنون﴾
~~(١)، و ﴿إن الظن لا يغني من الحق
~~شيئا﴾ (2)، وأمثال هذه، حتى أن ببالي أن بعض الفضلاء المعاصرين (3) صرح
~~هو - أو حكى عن غيره - أن المجتمع من الآيات الدالة على حرمة العمل بالظن -
~~الأعم من الدلالة المطابقية والتضمنية والالتزامية - يقرب من مائة.
# ثم، إن بيان خدشات الاستدلال بهذه الآيات واصلاحها يوجب الخروج عما
~~اقتضاه وضع التعليقة من الاختصار في ما كان خارجا عن المقام، مربوطا به
~~بأدنى مناسبة والتيام.
# وأما السنة، فأخبار كثيرة:
# منها: قوله عليه السلام: " إياك وخصلتين، ففيهما هلاك من هلك: إياك أن
~~تفتي الناس برأيك، وتدين بما لا تعلم ms060 " (4).
# وعن الباقر عليه السلام: " من دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله، حيث
~~أحل وحرم في ما لا يعلم " (5).
# وعنه عليه السلام: " من شك أو ظن فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إن حجة
~~الله هي الحجة الواضحة " (6).
# PageV00P114
# وعنه عليه السلام: " حق الله على العباد: أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عما
~~لا يعلمون " (1).
# وعنه عليه السلام: " القضاة أربعة: ثلاثة في النار، وواحد في الجنة "،
~~وعد من الثلاثة " الذي يقضي بالحق وهو لا يعلم " (2).
# إلى غير ذلك من الاخبار. حتى إن بعض الفضلاء المعاصرين - المشار إليه
~~سابقا (3) - صرح أو حكى عن غيره: أن المجتمع من الاخبار الدالة بإحدى
~~الدلالات الثلاث نحو من خمسمائة.
# وأما الاجماع: فقد ادعى كثير من معاصرينا كونه من الضروريات والبديهيات،
~~فضلا عن كونه من الاجماعيات. والظاهر أنه كذلك.
# قال رئيس المجتهدين العلامة البهبهاني - في رسالته المعمولة في الاجتهاد
~~والاخبار - بعد ذكر نبذ من الآيات والاخبار: " وهو - يعني عدم حجية الظن -
~~محل اتفاق جميع أرباب المعقول والمنقول، إذ كل من قال بحجية ظن في موضع قال
~~به بدليل اقتضاه " (4) انتهى.
# وبمثله صرح الآخرون من مشايخنا المعاصرين (5)، بل لعل هذا مسلم
# PageV00P115
# عند العامة، فإنهم لم يقولوا بحجية مطلق الظن - ولو مثل القياس
~~والاستحسان - إلا بعد إقامة الدليل (1). ولم يقل بعضهم ببعض الظنون، لعدم
~~ثبوت الدليل عنده.
# وأما العقل، فبيانه يحتاج إلى مقدمات:
# الأولى: أن الامر في المقام دائر بين حرمة العمل بالظن ووجوبه - ولو
~~تخييرا بينه وبين متبع آخر - وأما إباحته بالمعنى الأخص فلا معنى له، اللهم
~~إلا أن يكون بمعنى أنه يباح العمل في أول الامر مع عدم وجوب له أصلا حتى
~~التخييري، لكن بعد العمل يجب عليه الاخذ ويحرم عليه الرجوع، ولو في خصوص
~~المسألة التي أخذ به فيها.
# الثانية: أن الكلام في هذا المقام في وجوب العمل بالظن أو حرمته، مع قطع
~~النظر عن موافقة المظنون مع أحد مقتضيات الأصول - كالاحتياط والبراءة
~~وغيرهما من الأصول - فإياك أن تورد على دليلنا الآتي بصورة تعلق الظن بوجوب ms061
~~شئ " وتقول: إن دفع الضرر المظنون لازم، لأنه من باب الاحتياط، أو بصورة
~~تعلق الظن بعدم وجوبه، فنقول: إن مخالفة هذا الظن - يعني الحكم بالوجوب -
~~يحتاج إلى دليل، لا موافقته، لأنه من باب البراءة. وهذه الموافقة اتفاقية،
~~فليفرض الكلام مع قطع النظر عن جميع ذلك.
# الثالثة: أن المقصود تشخيص حكم العمل بالظن مع قطع النظر عن لزوم محذور
~~خارجي من عدم العمل به - من لزوم الخروج عن الدين بإجراء البراءة، أو الحرج
~~الشديد بالاحتياط، أو محذورات اخر باحتمالات اخر - فافرض الكلام عند خلو
~~المقام عن جميع المحاذير اللازمة من ترك العمل
# PageV00P116
# بالظن، لأنا في مقام بيان الأصل الأولي، فلعلنا نقول بحجية الظن بملاحظة
~~تلك المحاذير.
# الرابعة: أن مفاد دليلنا العقلي الآتي ليس كمفاد الآيات والاخبار
~~السابقة، بحيث يمنع عن العمل بالظن مطلقا، حتى لو قام دليل على حجية ظن كان
~~اللازم تخصيص تلك العمومات أو تقييد تلك المطلقات " بل مفاده كمفاد الاجماع
~~السابق في منعه عن العمل عند عدم الدليل على وجوب العمل.
# إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: العمل بالظن بالمعنى الأول - يعني أخذه متبعا
~~من غير دليل من الشارع على أنه متبع، وبناءنا على أن المظنون حكم الله في
~~حقنا، والحكم بذلك وتكلفه - إن لا نقل بأنه مقطوع الحرمة عند العقل، فلا
~~أقل من أنه مظنون الحرمة والضرر، ولا أقل من أنه محتمله، ودفع الضرر
~~المحتمل واجب عند العقل، بمعنى أنه لو لم يوجد دليل أقوى من العقل أو وارد
~~من الشرع على الإباحة فيحكم بوجوب الترك وكون الشئ على الحظر.
# وبعد الالتفات إلى ما ذكرنا في المقدمة الثانية، لا أظنك تتوهم أن التمسك
~~بدفع الضرر المظنون على حرمة العمل بالظن، تمسك بنفس الشئ على إبطاله، فإنه
~~تمسك بالاحتياط على حرمة العمل بالظن.
# مضافا إلى أن الشك في الضرر يكفينا، بل الوهم به إذا لم يكن بحيث لا
~~يعتني به العقلاء لغاية ضعفه.
# فإن قلت: كما أن الضرر يحتمل في الفعل، فكذلك يحتمل في الترك، فلا بد من
~~التوقف، ms062 أو التخيير بين الوجوب والحرمة، أو طرحهما والرجوع إلى الإباحة.
# قلت: هذا فاسد من وجوه: PageV00P117
# أما أولا: فلانه بعد ما ذكرنا لك في المقدمة الثالثة أن الكلام في حكم
~~العمل بالظن، مع قطع النظر عن لزوم محذور في ترك العمل به من الخارج، فلا
~~مجال لاحتمال وجوبه تعيينا - بحيث يترتب على تركه الضرر -، غاية الامر
~~احتمال الوجوب التخييري، ومن المعلوم أنه لا ضرر في تركه، فاحتمال الضرر في
~~الفعل سليم عن المعارض.
# وبعبارة أخرى: لا فرق في حكم العقل بوجوب الترك بين دوران الامر بين
~~الحرمة والإباحة، أو بين الحرمة والوجوب التخييري، لعدم ضرر على الترك
~~فيهما.
# وأما ثانيا: فلانا لو سلمنا أن في تركه أيضا احتمال الضرر، لكن نقول:
# إن احتماله في الفعل أقوى من احتماله في الترك، سواء قلنا بأن احتماله في
~~الفعل مظنون أو مشكوك أو موهوم، لتفاوت مراتب الظن والوهم، وترك الأقوى
~~احتمالا للضرر متعين بحكم العقل.
# وأما ثالثا: فلانا لو سلمنا تساوي الاحتمالين في القوة والضعف - بأن
~~فرضناهما مشكوكين أو مظنونين بمرتبة واحدة من الظن، أو موهومين كذلك - لكان
~~غاية ذلك: دوران الامر بين الوجوب والحرمة، ونحن وإن كنا لا نقول بترجيح
~~جانب الحرمة عند دوران الامر بينها وبين الوجوب بقول مطلق، إلا أنا نقول به
~~في ما إذا علمنا بأن الأثر المترتب على الفعل - على فرض الحرمة - هو لزوم
~~المفسدة، والأثر المترتب على الترك - على فرض الوجوب - هو فوت المنفعة، أو
~~شككنا في أنه فوت المنفعة أو لزوم المفسدة، كما في ما نحن فيه، فإن العقل
~~يحكم بأولوية دفع المفسدة على جلب المنفعة عند احتمالهما، وبأولوية ترك ما
~~يحتمل فيه المفسدة على فعل ما يحتمل في تركه لزوم المفسدة أو فوت المنفعة.
~~PageV00P118
# نعم، لو علمنا بأن كلا من الأثرين المحتملين - على فرض الحرمة أو الوجوب
~~- هو لزوم المفسدة أو فوت المنفعة، أو احتملنا الامرين في كل من الأثرين،
~~لم نقل بترجيح الحرمة، وإن قال به كثير في الصورة الأخيرة، نظرا إلى أن
~~الغالب أن ms063 أثر فعل الحرام لزوم المفسدة، وأثر ترك الواجب فوت المنفعة.
# وأما رابعا: فلانا لو لم نقل بحكم العقل - بالخصوص - بترجيح جانب الحرمة
~~على جانب الوجوب عند احتمالهما، لكن غاية ذلك: دوران الامر بين أن يحكم
~~بالتخيير بينهما، وبين أن يحكم بتعيين الحرمة، لعدم الدليل على واحد منهما،
~~فيدور الامر بين التخيير والتعيين، ونثبت بحكم العقل التعيين، لأنه لو كان
~~الحكم في الواقع التخيير بين الوجوب والحرمة فأخذ الحرمة لا ينافيه.
# وإن كان الحكم في الواقع تعيين الحرمة فقد أخذنا بها.
# وحاصل ذلك: أنا نقول في أصل مسألة دوران الامر بين التخيير بين الوجوب
~~والحرمة وبين تعيين الحرمة: أن العقل يحكم بترجيح التعيين من باب لزوم دفع
~~الضرر المحتمل، إذ لا ضرر في، ترجيح تعيين الحرمة أصلا، بخلاف التخيير بين
~~الوجوب والحرمة، فإنه يحتمل فيه الضرر بأن يكون الحكم: التعيين.
# وأما العمل بالظن بالمعنى الثاني - وهو ترتيب الآثار على الظن بالاتيان
~~بما ظن وجوبه والترك لما ظن حرمته، وحاصله: العمل في المسائل الفرعية على
~~طبقه، سواء كان في العبادات أم في المعاملات أو في غيرهما من أبواب الفقه
~~-، فنقول في إثبات أن الأصل مع عدم الدليل حرمته - مضافا إلى ما مر من
~~الآيات والاخبار والاجماع -: إن الظن إذا تعلق بأحد طرفي المسألة - من أي
~~باب كانت من أبواب الفقه - فإما أن يكون دليل من الأدلة PageV00P119
# أو أصل من الأصول الأربعة الجارية في جميع أبواب الفقه - وهي البراءة
~~والاحتياط والتخيير والاستصحاب - موافقا له، بأن كان المظنون موافقا
~~للبراءة أو الاحتياط أو غيرهما أو لدليل من الأدلة المعلومة الحجية.
# وإما أن يكون دليل أو أصل مخالفا له، بأن اقتضى الظن شيئا والاحتياط
~~الواجب شيئا، أو البراءة شيئا، أو اقتضى الظن شيئا واقتضى الديل الموجود في
~~المسألة شيئا آخر.
# والمنفصلة المذكورة حقيقية، فلا يمكن الجمع في مورد بين قسميها ولا خلو
~~مورد عن أحدهما، نظرا إلى أن كل مسألة فإما أن يوجد فيها دليل، أو يوجد
~~فيها أصل من الأربعة المذكورة - على سبيل منع ms064 الخلو - فإذا لم تكن خالية عن
~~أحدهما، فإما أن يكون الموجود فيها موافقا لمقتضى الظن، أو مخالفا له - على
~~سبيل المنفصلة الحقيقية -.
# فإن كان الموجود في المسألة - من الأصل أو الدليل - موافقا لمقتضى الظن،
~~بأن كان وجوب السورة مثلا مظنونا، والاحتياط الواجب - على القول بوجوبه في
~~مثل هذا - يقتضيه أيضا، أو ظن حلية شرب التتن والبراءة - على القول بها في
~~مثلها - يقتضيها أيضا، أو ظن وجوب النية، والخبر المتواتر - أعني قوله صلى
~~الله عليه وآله وسلم: " الأعمال بالنيات " (1) يقتضيه أيضا - وغير ذلك من
~~الأمثلة.
# فلا شك أنه لا يترتب في هذه الصورة ثمرة عملية على العمل بالظن وعدمه،
~~لاجتماعه مع الأصل أو الدليل، مثلا: لا بد من الحكم بحلية شرب التتن سواء
~~قلنا بحجية الظن أو لا.
# PageV00P120
# نعم، يكون بينهما ثمرة ترجع إلى المعنى الأول للعمل بالظن الذي ذكرناه
~~سابقا (1) وهي: أنه لو قلنا بالظن فنحكم بالحلية من جهة اتباع الظن وأنه
~~أدى إليها، ولو قلنا بعدم حجيته فنحكم بها، لا من الجهة المذكورة، بل من
~~جهة اقتضاء البراءة إياها، فالثمرة تظهر في جهة العمل، لا نفسه.
# فإن قلت: قد توجد ثمرة أخرى عملية، وهي: أنه لو كان الظن في مسألة شرب
~~التتن حجة، فلو فرضنا العثور على دليل محرم له، فيقع التعارض بينهما. وإن
~~لم يكن حجة، بل حكمنا بالحلية للأصل، فعند العثور على المحرم فلا بد من
~~العمل عليه، لارتفاع الأصل به.
# قلت: قد غفلت هنا، فإن الامر رجع حينئذ إلى وجود الدليل المخالف للظن في
~~المسألة، فيخرج من هذه الصورة ويدخل في الصورة الثانية.
# والحاصل: أن في صورة موافقة الظن لدليل من الأدلة أو أصل من الأصول، فليس
~~هناك ثمرة تظهر في العمل.
# وإن كان الموجود في المسألة - من الأصل أو الدليل - مخالفا للظن، فنحكم
~~حينئذ بحرمة العمل بالظن المفروض عدم الدليل على حجيته.
# والدليل على حكمنا هذا، نفس الدليل الدال على اعتبار ذلك الدليل الموجود
~~في المسألة، أو الأصل الموجود فيها، لأنها تدل على اعتبارها ما ms065 لم يقم دليل
~~على خلافها، والمفروض عدم الدليل على خلافها، إذ لم يوجد إلا الظن على
~~خلافها، والدليلية لم تؤخذ في مفهوم الظن، والمفروض أيضا عدم صيرورته دليلا
~~بعد، فيصدق مع وجود الظن عدم الدليل على خلافها، فالعمل بالظن حينئذ طرح
~~لمقتضى الأصول والأدلة من غير دليل، وطرحها
# PageV00P121
# من غير دليل طرح للأدلة الدالة على اعتبارها من غير دليل، ولا شك في
~~بطلان هذا وحرمته.
# مثلا: إذا ورد خبر معلوم الحجية بوجوب السورة مثلا، وحصل ظن من الظنون
~~التي يكون محل نزاعنا هنا - يعني لي يقم على اعتبارها ولا على عدم اعتبارها
~~دليل - بعدم وجوبها، فلا شك أن مقتضى الدليل الدال على حجية ذلك الخبر
~~الدال على الوجوب هو حجيته ووجوب العمل في الفروع بمقتضاه كلية، لكن العقل
~~يحكم بأنه إذا ورد في مقابله دليل معلوم الدليلية فلا يتعين العمل بمقتضى
~~الخبر الأول مطلقا وكلية، لأنه قد يكون ترجيحا بلا مرجح، فليلاحظ ما بينهما
~~من التعادل والترجيح.
# وأما إذا ورد في مقابله ما لم يقم دليل على كونه دليلا، فلا شك أن طرح
~~الخبر الأول بذلك، أو ملاحظة ما بينهما من التعادل والترجيح، طرح للدليل
~~الدال على حجية ذلك الخبر من غير ضرورة عقلية ولا نقلية.
# وهكذا الكلام في الأصول المعارضة كذا الظن الكذائي، فإن الدليل دل على
~~وجوب العمل إلا مع الدليل على الخلاف، فلو طرحت مع عدم الدليل على الخلاف
~~لطرحت أدلتها في الحقيقة.
# فإن قلت: إن القدر المسلم من حجية الأصول الأربعة المذكورة هو ما لم يكن
~~الظن على الخلاف، ففي صورة الظن على الخلاف كما أن الظن غير ثابت الحجية،
~~فكذلك الأصول، وكذا الأدلة الاخر الغير المفيدة للعلم، إذ الكلام ليس في
~~المفيدة للعلم، لعدم تصور ثبوت الظن معها أو ثبوتها مع الظن حتى يتصور
~~مخالفتهما. فنقول: إنها أيضا لم يثبت حجيتها في صورة وجود الظن على الخلاف،
~~فمن أين نحكم بحرمة العلم بالظن في مقابلة الأصول والأدلة بنفس أدلة اعتبار
~~تلك الأصول والأدلة، ومن أين ms066 تعلم أن أدلة PageV00P122
# اعتبارها تشمل اعتبارها في هذا الموضع؟
# قلت: هذا الكلام فاسد بالنسبة إلى أدلة الأصول والأدلة معا.
# أما بالنسبة إلى أدلة الأصول: فلانها تفيد التعبد بتلك الأصول مع عدم
~~الدليل، فكلما صدق عدم الدليل ثبت حجيتها، والمفروض أن كون الظن الكذائي
~~المعارض للأصول دليلا، ليس بينا ولا مبينا.
# نعم، هذا لا يتمشى في أدلة التخيير، لأنها تدل، عليه عند فقد المرجح،
~~والظن لو لم يكن دليلا فلا أقل من كونه مرجحا، فينتفي التخيير في موضع
~~الظن.
# لكن ذلك لم يثبت كون الظن معمولا به في هذه الصورة - بمعنى كونه دليلا -
~~بل ثبت كونه مرجحا، مع أنه لابد أيضا من إقامة الدليل على صلاحية الظن
~~للترجيح، إذ كما أن كونه دليلا يحتاج إلى الدليل، ولا يكفي فيه عدم الدليل
~~على عدم كونه دليلا، فكذلك كونه مرجحا، فبعد الدليل على صلاحيته للترجيح
~~يرفع اليد عن التخيير، لا بمجرد كونه ظنا.
# وأما بالنسبة إلى أدلة اعتبار الأدلة المعارضة مع الظن في الموارد: فلان
~~الامر لا يخلو عن أحد أمرين: لان تلك الأدلة الدالة على اعتبار الأدلة
~~المعارضة مع الظن، إما أن تكون قد دلت على اعتبارها مطلقا - أي ولو كان في
~~مقابلها ظن غير ثابتة الحجية - أو تكون قد دلت على اعتبارها بشرط عدم كون
~~ظن في مقابلها.
# إن كان الأول: فلا يتوجه إيرادك قطعا، ووجهه ظاهر، لان الدليل حينئذ
~~معتبر حتى في هذه الصورة التي يكون الظن في مقابله.
# وإن كان الثاني: فغاية الامر عدم العمل بالدليل المذكور في هذه الصورة،
~~لكن لا يعمل بالظن، بل يتوقف ويرجع إلى الأصول، فنهاية الامر PageV00P123
# صيرورة الظن موهنا للدليل لا دليلا، ألا ترى إلى صاحب المدارك: أنه يعمل
~~بالاخبار الصحيحة، لكن إذا خالف الأكثر لمقتضى خبر صحيح فيتوقف في العمل
~~به، ولا يلزمه القول بحجية ذهاب الأكثر، فتدبر.
# ثم إنه قد يورد على جواز العمل بالظن بما حاصله: أن العمل بالظن إما جائز
~~أو غير جائز، [ف] إن كان غير جائز فهو المطلوب، ms067 وإن كان جائزا فنقول: إن
~~من جملة الظنون الظن الحاصل من آيات تحريم العمل بالظن وأخباره بحرمة العمل
~~بالظن، فيجب الحكم بالحرمة لاجل الظن.
# ولا يخفى ما في هذا الايراد، فإن من يقول بجواز العمل بالظن، يمكن أن
~~يدعي عدم حصول الظن من الآيات والاخبار بعدم جواز العمل بالظن في المسائل
~~الشرعية العملية.
# لا أقول: إن هذا الادعاء له وجه، بل أقول: لعل الخصم يدعي هذا الادعاء
~~الفاسد، فلا يمكن لك رده بما ذكرت من الايراد.
# ويمكن - أيضا - أن يسلم حصول الظن منها بحرمة العمل بالظن - ولو في
~~الأحكام الشرعية العملية - لكن يدعى جواز العمل بالظن في المسائل الفرعية
~~فقط، وحرمة العمل بالظن الحاصلة من الآيات والاخبار مسألة أصولية.
# ولكن هذا الادعاء لا يصح من المصنف قدس سره، لأنه يدعي (1) جواز العمل
~~بالظن في جميع الاحكام - فرعية كانت أو أصولية - بل ربما يدعي جوازه في
~~أصول الدين وموضوعات الاحكام الخارجية (2).
# ويمكن أيضا أن يسلم حصول الظن منها بالحرمة، ويدعى جواز العمل
# PageV00P124
# بالظن في المسائل الفرعية والأصلية إلا هذه المسالة الخاصة - يعني مسألة
~~حرمة العمل بالظن - من جهة اختصاص دليله الدال على الجواز بما عداها.
# نعم، لو أتى بدليل ونظرنا فيه فرأيناه شاملا - بالقابلية - لجواز العمل
~~بالظن في هذه المسألة أيضا، أمكن رده بما ذكرت.
# وإن كان في جواز رده حينئذ أيضا بما ذكرت - من الاستدلال - تأملا، بل
~~منعا، ليس هنا موضع تفصيل الكلام فيه، ولكن لا بأس ببيانه هنا، لمسيس
~~الحاجة إليه، وكونه محل الالتباس غالبا.
# فنقول: إذا ثبت حكم عام بحسب أصل القابلية لافراد، فصار ذلك منشأ لمدافعة
~~بعض الافراد بعضا في ثبوت الحكم - بأن كان ثبوت الحكم لبعضها موجبا - ولو
~~بواسطة - لعدم ثبوته للاخر - كما إذا قال المولى لعبده:
# " اعمل بخبر كل عدل " ومن جملة أخبار العدول: أن المولى قال: " لا تعمل
~~بخبر زيد العادل " بحيث لا يحتمل أن يكون نسخا بالفرض، أو أن المولى قال:
# " لا تعمل بخبر عادل " أو قام الاجماع على حجية كل خبر، ومنها ms068 نقل السيد
~~المرتضى الاجماع على عدم جواز العمل بخبر الواحد (1). وهكذا غيره من
~~الأمثلة.
# فنقول: إن هذا ينقسم - أولا - إلى قسمين، لان المثبت لذلك الحكم العام
~~إما أن يكون لفظا، كما في المثالين الأولين، وإما أن يكون غير لفظ، كما في
~~المثال الثالث.
# PageV00P125
# فإن كان لفظا: فإما أن يكون التعارض الناشئ من عموم الحكم ظاهرا بين بعض
~~أفراد العام وبعض الباقي - كما في المثال الأول - فإن العمل بالخبر الدال
~~على عدم جواز العمل بخبر زيد ينافي جواز العمل بخبر زيد فقط.
# وإما أن يكون التعارض بين بعض أفراده وبين جميع الباقي، بأن يكون ثبوت
~~الحكم لذلك البعض منافيا وغير مجامع لثبوته لجميع ما سواه من الباقي - كما
~~في المثال الثاني - فإن وجوب العمل بخبر من أخبر بأن المولى قال:
# " لا تعمل بخبر عادل " ينافي وجوب العمل بغيره من الافراد.
# فإن كان الأول: فلا يخفى أن الحكم التوقف والرجوع إلى الخارج، نظرا إلى
~~أن نسبة العام إلى المانع - أعني الخبر الدال على المنع عن العمل بخبر زيد
~~-، والممنوع عنه - وهو نفس خبر زيد - على السواء، فلا يمكن أن يكون أحدهما
~~دليلا على خروج الاخر.
# وإن كان الثاني - يعني يكون التنافي بين بعض أفراد [ه] وجميع ما سواه من
~~الباقي - فهو على ضربين، لان هذا البعض المنافي لجميع ما سواه، إما أن لا
~~يكون منافيا لنفسه - ولو في بادئ النظر -، وبعبارة أخرى: كان النسبة بين
~~بعض الافراد وبين أصل الحكم عموما مطلقا، كما إذا قال المولى لعبده:
# " اعمل بخبر العلماء " والمفروض أن كلهم فقهاء إلا واحد هو أصولي، وكان
~~من خبر الأصولي أن المولى قال: " لا تعمل بخبر الفقهاء " فإن وجوب العمل
~~بخبر الأصولي المستفاد من عموم قول المولى ينافي وجوب العمل بخبر جميع ما
~~سواه، ولا ينافي وجوب العمل بنفسه.
# وإما أن يكون منافيا لنفسه أيضا - ولو في بادئ النظر - كما في المثال
~~السابق، وهو: ما إذا كان من خبر العادل أن المولى قال: " لا تعمل بخبر عادل
~~" فإن وجوب العمل ms069 به ينافي نفسه أيضا - ولو في بادئ النظر -، لأنه
~~PageV00P126
# عادل. وبعبارة أخرى: يكون النسبة بين هذا الفرد وبين العام تباينا كليا.
# فإن كان الضرب الأول: فالحكم فيه بالنظر إلى نفس قابلية العام وإن كان هو
~~التوقف، نظرا إلى أنه لا يجوز أن يكون بعض أفراد العام مخصصا له بالنسبة
~~إلى البعض الاخر، لان الافراد متساوية الاقدام في المدلولية للعام، لكن إذا
~~عرض ذلك على العرف يفهمون خروج الفرد المنافي للباقي، لا الباقي ففي المثال
~~المذكور يفهمون خروج الأصولي، لاستهجان أن يقول: " اعمل بخبر كل العلماء "
~~ويكون مراده " إعمل بخبر واحد منهم " فتأمل.
# وإن كان الضرب الثاني: مثل ما إذا قال المولى: " إعمل بكل ظن " وكان من
~~جملة الظنون: الظن بحرمة العمل بالظن، فهاهنا يحكم بخروج الفرد المبائن،
~~لان شمول العام له يستلزم ارتفاع العام رأسا بالنسبة إلى نفس هذا الفرد
~~والافراد الاخر، فيلزم التناقض.
# وإن شئت فقل: لان ثبوت الحكم لهذا الفرد يوجب عدم ثبوته له فيمتنع ثبوته.
# ثم، إذا كان دلالة هذا الفرد على رفع حكم العام دلالة لفظية، كما إذا قال
~~المولى: " اعمل بكل خبر " وكان من جملتها الاخبار بأن المولى قال:
# " لا تعمل بخبر " فهل يدل هذا العموم بلفظه على رفع حكم العام حتى
~~بالنسبة إلى نفسه؟ أو يدل على ارتفاعه بالنسبة إلى ما سوى نفسه، فلا يدل
~~على رفع حكم العام عن نفسه؟ أو تفصيل في ذلك بين الموارد؟
# الحق هو التفصيل. لكن يظهر من بعض (1) " عموم الحكم (2)، بأن في مثل
# PageV00P127
# هذا يفهم عرفا عدم رفع نفسه - حيث إنه بعدما أورد على من جوز العمل بالظن
~~بالايراد الذي ذكرناه، وحاصله: أنه لو جاز العمل بالظن، لجاز العمل بالآيات
~~والاخبار المانعة عن العمل بالظن، فيلزم من جواز العمل بالظن عدم جواز
~~العمل به - قال ما حاصله: " فإن قلت: إن الظن الحاصل من الآيات والاخبار لا
~~يجوز العمل بها، وإلا لزم عدم جواز العمل بها، لأنها لو دلت على تحريم
~~العمل بالظن - والمفروض أن أنفسها ظنية - فتدل على ms070 عدم حجية أنفسها.
# قلت: إن العرف يفهم خروج أنفسها عن مدلولاتها كما في " كل كلامي هذا
~~اليوم كاذب " وكما إذا قال المولى لعبده: " لا تعمل بشئ مما أكلفك هذا
~~اليوم " فإنه يفهم خروج نفس هذا التكليف عن مدلوله ".
# أقول: والتحقيق أن القول بالخروج كلية محل نظر. بل التحقيق: أنه لا بد من
~~ملاحظة المقامات.
# فكل مقام ثبت فيه المانع عن الدخول - من فهم العرف: الخروج أو غير ذلك -
~~فيحكم بالخروج. مثلا في المثال السابق - أعني " كل كلامي في هذا اليوم كاذب
~~" - يفهم العرف خروج نفس هذا الكلام، فتأمل.
# وكذا لو كان مراده أن هذا الكلام أيضا كاذب لكان ذلك في قوة أن يقال: "
~~ليس كل كلامي في هذا اليوم كاذبا (1) " لان هذا لازم كذب الخبر المذكور،
~~فتأمل.
# وكذا في قوله: " لا تعمل بشئ مما أكلفك به هذا اليوم "، فإنه لو كان
~~مراده حتى هذا التكليف، فيكون الكلام في قوة أن يقال: " لا تعمل بهذا
# PageV00P128
# التكليف أيضا " - أعني به: عدم العمل بتكليف هذا اليوم - فقد أباح له
~~العمل بتكليفات هذا اليوم بقوله: " لا تعمل بما أكلفك اليوم " فيلزم إفادة
~~الكلام نقيض المقصود منه.
# والحاصل: أن الموجب للخروج أمران، أحدهما: فهم العرف. والثاني:
# لزوم التناقض. والأول أعم، فإنه قد يوجد فهم العرف الخروج، ولا يلزم
~~التناقض. كما في " كل كلامي اليوم صادق ".
# وأما إذا لم يوجد شئ من الموانع، فلا ضير في دخوله تحت حكم مدلوله. مثلا:
~~لو فرضنا أن المولى قال لك مشافها: " لا تعمل بخبر يجيئك عني إذا لم يفد
~~القطع " وفرضنا أن جميع العبيد مشاركون لك في تكاليفك، ثم وصل ذلك الخبر
~~إليهم على وجه لا يفيد القطع، فلا ضير في أن يحكموا بعدم العمل بهذا الخبر،
~~بأن يقولوا: إن هذا الخبر إما أن يكون قد صدر في نفس الامر من المولى أو لم
~~يصدر، [ف] إن كان لم يصدر فعدم العمل به ظاهر، وإن صدر فهو بنفسه دال على
~~عدم جواز العمل به حينئذ - أي حين صار خبرا ms071 غير مفيد للقطع - إذ لا ضير في
~~أن يكون المولى قد أراد من قوله لذلك المشافه: " لا تعمل بخبر لا يفيد
~~القطع " أنه حتى لو جاءكم هذا الذي أقوله شفاها على طريق الاخبار ولم يفد
~~القطع فلا تعملوا به ولا تحكموا بحرمة العمل بالخبر الغير المفيد للقطع، بل
~~توقفوا في هذه المسألة. لا أنه يجوز لكم العمل بالخبر الغير المفيد للقطع،
~~إذ ليس معنى عدم جواز الحكم بالحرمة جواز الحكم بالإباحة، حتى تقول: إنه
~~مناف لغرضه، بل يكون أمرا بالتوقف والتماس الدليل من الخارج.
# ففي هذا المثال لا مانع من دخول نفس الشئ تحت مدلوله، ولا يلزم منه أن
~~يكون الشئ رافعا لنفسه. PageV00P129
# والآيات والاخبار الناهية عن العمل بالظن من هذا القبيل، بمعنى أنه يجوز
~~أن يخاطب الله ورسوله المشافهين بأنكم: " لا تعملوا بالظن، ويحرم عليكم
~~العمل بالظن "، حتى أنه لو صار هذا ظنيا لم يجز لمن صار هذا عنده مظنونا أن
~~يعمل به ويحكم لاجله بحرمة العمل بالظن، بل لابد أن يتوقف حينئذ عن الحكم
~~بالحرمة، ويلتمس الدليل من الخارج على الحرمة أو الحلية، لا أنه يباح له
~~حينئذ العمل بالظن، حتى يلزم خلاف مقصوده من الكلام المنساق لإفادة مقصوده،
~~كما لزم في مثال " لا تعمل بشئ مما أكلفك ".
# والفرق بينهما: هو أن نفس هذا القول الصادر - أعني " لا تعمل بما أكلفك "
~~- داخل في عموم " ما أكلفك " في أن الصدور، بخلاف قوله:
# " لا تعمل بالظن "، فإن هذا الكلام الشفاهي الملقى إلى المخاطب - المفروض
~~حصول العلم منه بالحكم - ليس داخلا في الظن حتى يرفعه مدلوله، بل قد يصير
~~بعد ذلك ظنا، فارتفاعه بنفس مدلوله بعد صيرورته ظنا لا يوجب تناقضا في
~~الكلام، وأما فهم العرف فليس هو الخروج أيضا.
# فحصل من جميع ذلك: أن الفرد المنافي بعمومه اللفظي لباقي الافراد - الذي
~~يتراءى منافاته لنفسه أيضا - قد يكون منافيا لنفسه عند التأمل، وقد لا يكون
~~" فكلما كان منافيا لنفسه، فيحكم بعدم دخوله تحت العموم وعدم ثبوت الحكم
~~العام له، إذ لو ms072 ثبت حكم العام له - والمفروض أنه رافع لنفسه كما أنه رافع
~~لغيره من الافراد - فيلزم من ثبوت الحكم له عدم ثبوت الحكم له، فيسلم
~~الافراد الباقية عن المعارضة، كما في مسألة جواز العمل بالظن، فإن عموم
~~جواز العمل بالظن لو شمل الآيات والاخبار الناهية وثبت جواز العمل بظنها
~~فيلزم ثبوت عدم جواز العمل بظنها، لأنها تحرم العمل بكل PageV00P130
# ظن - وقد عرفت: أنه لا مانع من شمولها لنفس الظن الحاصل منها - وما يلزم
~~من ثبوته عدمه امتنع ثبوته، فيسلم سائر الظنون عن المعارضة.
# وأما ما لم يكن منافيا ورافعا لنفسه - كما إذا قال العادل: " لا تعمل
~~بخبر عادل " إذ هو نظير المثالين السابقين، أعني " كل كلامي " و " لا تعمل
~~بما أكلفك " - فالتحقيق أن حكمه أيضا حكم الضرب الأول - الذي كان الفرد
~~المنافي لسائر الافراد غير رافع لنفسه، ولو في بادئ النظر (1) - كما في قول
~~المولى: " اعمل بخبر العلماء " مع خبر العالم الأصولي بأن المولى قال: " لا
~~تعمل بخبر الفقهاء ".
# بل الحكم بخروج ذلك الفرد المعارض هنا أقوى، لاستلزام دخوله وخروج سائر
~~الافراد كمال اللغوية.
# مثلا، إذا قال المولى: " إعمل بكل خبر عادل " وكان من جملتها قول عادل: "
~~لا تعمل بخبر عادل " فحكمنا بانحصار مراد المولى من العموم في هذا الخبر،
~~والمفروض أن الخبر المقبول من هذا العادل منحصر في هذا الخبر الناهي عن
~~العمل بكل خبر عادل، إذ لو أخبر بخبر آخر فلا يقبل منه بنفس خبره. وإنما
~~قبل منه هذا الخبر، نظرا إلى فهم العرف خروجه وعدم إمكان دخوله، فكان مقصود
~~المولى من قوله: " اعمل بكل خبر عادل " لا تعمل بخبر عادل، والتعبير عن هذا
~~المقصود بهذا الكلام لا يخفى استهجانه، بل قبحه.
# بخلاف مثال الضرب، فإنه لو انحصر مراد المولى من العموم في قوله:
# " إعمل بخبر العلماء " خصوص العمل بخبر الأصولي، فلا يخفى أن خبر
# PageV00P131
# الأصولي غير منحصر بهذا الخبر - أي بقوله: " لا تعمل بخبر الفقهاء " -
~~حتى يلزم القبح والاستهجان، بل يتصور للأصولي أخبار اخر - ولو فرضا - وكلها
~~مقبولة، ms073 إذ لا يدل هذا الخبر على ردها.
# وأما في المثال السابق فالاخبار الاخر من ذلك مردودة بنفس ذلك الخبر منه
~~في ذلك المثال.
# وأما إذا كان المثبت للحكم العام غير لفظ كالاجماع، فنقول: إنه ليس
~~كاللفظي قي صلوحه بحسب الظاهر لكل من المتنافيين، بل لا يتعلق إلا بأحدهما،
~~فإذا كان أفراد متعددة يكون ثبوت الحكم لبعضها مانعا عن ثبوته للاخر، فهو
~~ينقسم حال لفظه إلى: ما يكون ثبوت الحكم لبعض تلك الافراد مانعا عن ثبوته
~~لبعض الباقي، وما يكون ثبوت الحكم لبعضها مانعا عن ثبوته في جميع الباقي.
# مثال الأول: ما إذا انعقد الاجماع على حجية خبر العادل، ومن جملتها:
~~إخبار عمرو بمنع العمل بخبر زيد.
# والثاني على قسمين:
# الأول: أن يكون الفرد الذي يكون ثبوت الحكم [له] رافعا لجميع الباقي،
~~بحيث لا يدفع نفسه، كما إذا انعقد الاجماع على حجية أخبار العلماء،
~~والمفروض أن كلهم فقهاء إلا واحد أصولي، فأخبر الأصولي بالمنع عن العمل
~~بقول الفقهاء.
# الثاني: أن يكون بحيث يدفع نفسه، إما حقيقة وفي الواقع، أو في بادئ
~~النظر، لكن عند التأمل يعلم - إما بفهم العرف أو بلزوم التناقض - بأنه لا
~~يدفع نفسه.
# فالأول: كما إذا انعقد الاجماع على حجية ظواهر الكتاب [و] من PageV00P132
# جملتها ظاهر آيات التحريم بالنسبة إلى ظواهر الكتاب، ونفس الآيات من
~~جملتها، وكما لو فرضنا انعقاد الاجماع على جواز العمل بالظن، ومن جملتها ظن
~~آيات التحريم بحرمة العمل بالظن الذي من جملته ظن آيات التحريم.
# والثاني: كما إذا انعقد الاجماع على حجية أخبار الآحاد التي من جملتها
~~خبر السيد بعدم حجيتها، فإنه وإن كان يشمل عدم حجية نفسه بحسب ظاهر اللفظ،
~~إلا أن عند التأمل وعرضه على العرف وملاحظة لزوم التناقض في كلام العاقل -
~~على فرض الدخول - يحكم بالخروج.
# فهذه أقسام أربعة.
# [قوله] قدس سره: " فإن دليله إن كان هو الاجماع فهو في ما نحن فيه ممنوع
~~".
# [أقول]: قد عرفت (1) أن مراد المصنف إن كان منع حرمة العمل بالظن مع
~~الاضطرار إليه، لفرض انسداد ms074 باب العلم ولزوم المحذور من عدم العمل بالظن،
~~فهو في غاية الجودة. إلا أنه لا يحسن منه حينئذ مطالبة الدليل على دليل
~~الحرمة في الزمان المفروض، لان الأصل الأولي فيه الحرمة أيضا، فلا بد له
~~رحمه الله من أن يثبت الاضطرار الموجب للجواز. وقد أثبته سابقا وأشار إليه
~~هنا فليكتف به.
# وإن كان مراده: منع أن الأصل الأولي أيضا حرمة العمل بالظن، فقد عرف أنه
~~الحرمة، وأن ذلك كاد أن يعد من البديهيات، فضلا عن الاجماعيات.
# إذا عرفت هذا، فنقول: قوله " في ما نحن فيه " إن كان إشارة إلى ظن
# PageV00P133
# المجتهد في حال الانسداد، فلا يخفى أن الاجماع المدعى على عدم العمل
~~بالظن، إنما هو مع عدم الدليل المجوز.
# وبعبارة أخرى: إن الاجماع على حرمة العمل بالظن تعليقي مشروط بعدم
~~الدليل. يعني أن الظن الذي لم يقم على حجيته دليل عدم حجيته إجماعي. وليس
~~كالآيات الناهية عن العمل بالظن في إفادة الحرمة مطلقا - بحيث لو جاء
~~الدليل على الحجية يكون مخصصا لها -.
# ففي زمان الانسداد: إن كان لك دليل على الحجية، فهو المخرج عن الأصل
~~الأولي. ولم يدع أحد الاجماع [على] عدم الحجية في صورة وجود الدليل على
~~الحجية حتى تمنعه، كيف! وهو غير معقول.
# وإن لم يكن لك دليل فالاجماع ثابت، ولا فرق بين حال الانفتاح والانسداد،
~~ولا بين المجتهد وغيره مع عدم الدليل.
# فإن منعت الاجماع فامنعه مطلقا، لا في خصوص زمن الانسداد وظن المجتهد.
# وإن كان إشارة إلى مطلق مسألة حرمة العمل بالظن - بأن يكون مراده منع كون
~~الأصل الأولي حرمة العمل - فقد عرفت أنه ادعى جمع أنه من الضروريات، فضلا
~~عن الاجماعيات.
# [قوله] قدس سره: " وإن كان ظواهر الآيات والاخبار، فإن كان دليل حجية تلك
~~الظواهر الاجماع، فحجيتها في ما نحن فيه أول الكلام ".
# [أقول]: إن كان رحمه الله لا يسلم أن دليل حجية مطلق ظواهر الآيات هو
~~الاجماع، بل يقول: إن دليلها هو كونها من ظنون المجتهد فلا يصح الاستدلال
~~بها على حرمة العمل بالظن، ms075 ففيه:
# أولا: أن الظاهر أن الدليل هو الاجماع، وقد ادعاه جمع كثير، ويؤيده
~~PageV00P134
# عمل كل من عمل به - ولو كان ممن لا يعمل بالظن المطلق - إلا الأخباريين
~~منا. اللهم إلا أن يمنع ظهورها في المدعى.
# وثانيا: لو سلمنا عدم الدليل الخاص على حجية الآيات أو عدم ظهورها في
~~المدعى، لكن نقول: ظهور الاخبار لا يقبل الانكار، والاتفاق على حجية
~~ظواهرها من جميع العلماء كالشمس في رابعة النهار.
# فإن قلت: لو ثبت الاجماع على حجية ظواهر الآيات والاخبار الناهية للزم
~~عدم حجيتها، نظرا إلى أنها ناهية عن العمل بالظن حتى الظن الحاصل من نفسها،
~~ولو قيل: إن الظن الحاصل من أنفسها خارجة عنها للفهم العرفي أو لزوم
~~التناقض، فأنت أنكرت ذلك سابقا وقلت: إن هذا ليس من قبيل " كل كلامي اليوم
~~كاذب " وقول المولى: " لا تعمل بما أكلفك به اليوم ".
# قلنا: نعم أنكرنا كون هذا من ذلك القبيل، ولا ندعي أنها بحسب اللفظ غير
~~شاملة للظن الحاصل من أنفسها، لكن نقول: قد عرفت فيما سبق أنه إذا كان هنا
~~أفراد يكون ثبوت حكم معين لبعضها مانعا عن ثبوت ذلك لبعض آخر، فلا يكون
~~الاجماع من قبيل اللفظ في صلوحه بدلالته اللفظية لثبوت الحكم المعين لجميع
~~الافراد حتى نرتكب مؤونة الكلام في تخصيصه إما لفهم العرف أو للزوم
~~التناقض، بل الاجماع أمر معنوي يستلزم حصول القطع، فلا يمكن إدعاؤه لثبوت
~~الحكم لجميع الافراد، للزوم تناقض القطعين، فإذا ادعاه مدع فليس إلا على
~~أحد البعضين المتنافيين.
# إذا عرفت هذا نقول: من يدعي الاجماع على حجية ظواهر الكتاب والاخبار فلا
~~شك في أنه لا يمكن أن يدعي ذلك في جميع الظواهر حتى ظهور آيات التحريم في
~~حرمة العمل بظواهر الكتاب، لعدم إمكان حصول ذلك له، بل لابد إما أن يحصل له
~~الاجماع بحجية جميع الظواهر ما عدا ظاهر PageV00P135
# هذه الآيات بالنسبة إلى حرمة العمل بظواهر الكتاب فقط، لا بالنسبة [إلى]
~~حرمة غيرها من الظنون، لعدم تنافي حرمتها مع سائر الظواهر.
# وإما أن يحصل له ms076 الاجماع بالنسبة إلى ذلك الظاهر فقط، يعني ظاهر آيات
~~التحريم بالنسبة إلى حرمة العمل بظواهر الكتاب.
# لكن هذا الثاني لا معنى له، إذ هذا يرجع إلى ادعاء الاجماع على عدم حجية
~~ظواهر الكتاب لا على حجيتها، فتعين الأول.
# وحاصله: أن الاجماع انعقد على حجية ظواهر الكتاب غير آيات التحريم وظواهر
~~آيات التحريم، لكن بالنسبة إلى غير تحريم العمل بظواهر الكتاب، فإن الاجماع
~~المدعى على حجية ظواهر الكتاب لا يمكن أن يكون أزيد من ذلك، بل يستحيل.
# والغرض من هذا التطويل (1) والتفصيل دفع. توهم من يتخيل أن المستدل بهذا
~~الاجماع يدعي الاجماع كلية على حجية ظواهر الكتاب، ثم يخرج الظن الحاصل من
~~آيات التحريم بحرمة العمل بظواهر الكتاب عن عموم ذلك الاجماع، بجعل دليل
~~الاخراج الاجماع على حجية ظواهر الكتاب، فيورد عليه إيرادان:
# الأول: أن الاجماع إذا قبل التخصيص يكون ظنيا فيطالب بدليل والثاني: أن
~~الاجماع الدال على الاخراج هو نفس الاجماع العام، فيلزم اتحاد المخصص
~~والمخصص.
# وقد عرفت مما ذكرنا: أنه لا تخصيص فلا إيراد، بل الاجماع لا يقبل
# PageV00P136
# أزيد مما ذكره بل لو قلنا بأن الاجماع المدعى المذكور كاشف عن قول فيكون
~~كاشفا عن قول الشارع: " إعمل بكل ظاهر من [ال] ظواهر " ليقبل التخصيص.
# فنقول: لا يخفى أن خروج الظن الحاصل من آيات التحريم بحرمة العمل بظواهر
~~الكتاب من عموم القول المذكور لا يحتاج إلى مخصص، بل الدليل عليه هو عدم
~~جواز إرادة هذا الفرد من العموم، لما عرفت من أنه إذا ثبت باللفظ حكم عام
~~بحسب القابلية اللفظية لافراد يكون ثبوت الحكم لبعضها مناقضا ومبائنا
~~لثبوته للباقي، بل مناقضا لثبوته لنفس ذلك الفرد بحيث كان النسبة بين مقتضى
~~هذا الفرد وبين أصل الحكم العام تباينا، فالعرف والعقل - الحاكم بقبح
~~التعبير عن مقصود بعبارة نقيضه - يحكم. بخروج ذلك الفرد عن العام ولا يحتاج
~~إلى مخصص، وما نحن فيه من هذا القبيل. نعم يرد على مثل هذا الاجماع أنه ظني
~~لقبوله التخصيص لا لفعلية تخصيص هذا الفرد.
# [قوله] قدس سره ms077 ": " وأما ما استدل به الآخرون من أن ما ثبت دام، فهو
~~كلام خال عن التحصيل. وغاية توجيهه ما ذكره المحقق، قال: المقتضي للحكم
~~الأول ثابت " (1).
# [أقول]: يمكن توجيه هذا الدليل منهم بالدليل الاخر الذي ذكره المحقق في
~~المعارج - بعد هذا الذي نقله المصنف عنه - قال: " الثابت أولا قابل للثبوت
~~ثانيا، وإلا لانقلب من الامكان الذاتي إلى الاستحالة، فيجب أن يكون في
~~الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان أولا، فلا ينعدم إلا لمؤثر، لاستحالة
~~خروج الممكن عن أحد طرفيه إلى الاخر لا لمؤثر، فإذا كان التقدير تقدير عدم
~~العلم بالمؤثر، يكون بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد
# PageV00P137
# المجتهد، والعمل بالراجح واجب " (1) انتهى.
# فعلى هذا يشترك ذلك لدليل مع استدلال المصنف في التعلق بظن البقاء. لكن
~~المصنف استند في حصول الظن إلى الغلبة، وهم لم يستندوا فيه إلى شئ.
# فإن قلت: إن قولهم: " ما ثبت دام " ليس فيه دلالة على التعلق به، فلا
~~يناسب هذا الذي ذكرته عن المحقق، لأنه تعلق فيه بالظن ورجحان الاعتقاد، بل
~~المناسب لتوجيهه هو الدليل الذي نقله المصنف عن المحقق رحمهما الله حيث خلا
~~عن حيث التعلق بالظن.
# قلت: يظهر من المحقق قدس سره - في آخر كلامه في المعارج (2) - أن مرجع
~~جميع أدلته إلى التعلق بالظن والرجحان.
# [قوله] قدس سره: " وأنت خبير بما فيه، إذ المقتضي للحكم الأول إن سلم
~~كونه مقتضيا حتى في الآن اللاحق فلا معنى للاستصحاب، بل هو محض النص " (1).
# [أقول]: لا شك أن حكم النص بوجود الحكم في جميع الأزمنة لا يوجب عدم وقوع
~~الشك في ارتفاعه بسبب الشك في وجود المانع أو في مانعية الموجود، حتى ينتفي
~~الاحتياج إلى الاستصحاب.
# بيان ذلك: أن قول الشارع: " وقوع عقد النكاح بين الرجل والمرأة يوجب حل
~~الوطء مطلقا " مع ما استفيد من كلامه، من " أن الطلاق موجب للبينونة وحرمة
~~الوطء وارتفاع سائر الآثار " يكون بمنزلة كبرى لصغرى
# PageV00P138
# يحصلها المكلف من نفسه، بأن يوقع العقد ولا يحدث الطلاق. فيقول حينئذ:
# إني أوقعت النكاح ولم أحدث الطلاق، ms078 وكل من كان كذلك يحل له الوطء وسائر
~~إلاستمتاعات، فالصغرى محصلة للمكلف، والكبرى مستفادة من حكم الشارع بكون
~~العقد مؤثرا في الحل والطلاق رافعا له، ومن المعلوم: أن قطع هذا الشخص
~~بالنتيجة - وهي حل المرأة المعينة له - ليس بمجرد القطع بالكبرى، بل لا بد
~~من القطع بالصغرى أيضا، بأن يقطع بأنه أوقع العقد ولم يوقع الطلاق.
# فإذا شك في الصغرى، بأن شك في إحداث الطلاق بالصيغ المتفق على كفايتها
~~فيه، أو شك في أن الصيغة التي أتى بها للطلاق كقوله: أنت خلية أو برية أو
~~نحوهما، هل تكفي في الطلاق أم لا؟ فهل يكون قاطعا ببقاء حل الوطء بمجرد
~~النص الدال على الكبرى، أو يكون شاكا فيه؟
# إن قلت: إنه قاطع بالبقاء، فقد قلت ما لا ينبغي أن تقول، وإن قلت:
# إنه شاك في البقاء، فنقول: فأين فائدة النص؟ وهل ينفعك إلا الاستصحاب؟
# والغرض من هذا التوضيح: هو دفع ما اعتذر به بعض المنكرين للاستصحاب، عن
~~تمسكهم به في أمثال هذه المواضع: من أن هذا تمسك بعموم النص لا بالاستصحاب.
# وأقول مضافا إلى ما قلت: إنه إذا قال الشارع: " إن عقد النكاح يوجب حل
~~الوطء "، وقال أيضا: " إن صيغة الطلاق يوجب حرمة الوطء " فإذا قال شخص
~~لزوجته: أنت خلية، والمفروض الاختلاف بين العلماء في أن هذه الصيغة يقع بها
~~الطلاق أم لا؟ فلا شك أن دخول هذا الشخص في موضوع قوله: " عقد النكاح يوجب
~~حلية الوطء " ليس بأولى من دخوله في موضوع قوله: " إيقاع صيغة الطلاق يوجب
~~حرمة الوطء " فنسبة هذا PageV00P139
# الشخص إلى العامين المذكورين واحدة، غاية الامر دخوله سابقا في مدلول
~~العام الأول وثبوت حكمه له، وأما بعد التلفظ باللفظة المذكورة فلا يقطع
~~بالدخول ولا بثبوت حكم العام له، بل ولا يظن، فأي عموم يبقى بعد ذلك؟
# وبأي دليل يثبت الحلية؟ إلا باستصحاب الدخول في مدلول العام، أو استصحاب
~~ثبوت الحكم له؟
# لكن الاستصحاب الأول فاسد، كما يظهر وجهه بأدنى تأمل، فبقي استصحاب ثبوت
~~الحكم وهو المطلوب.
# وما أحسن ms079 ما قاله رئيس المجتهدين العلامة البهبهاني - في رسالته المعمولة
~~في الاستصحاب -: " إن هؤلاء يتمسكون بالاستصحاب من حيث لا يشعرون، ويسمونه
~~تمسكا بعموم الدليل " (1).
# والعجب من المصنف قدس سره -. حيث وافقهم هنا في ذلك. اللهم إلا أن يكون
~~رحمه الله حمل كلام المحقق على صورة كون الشك في بقاء الحكم بسبب الشك في
~~دلالة النص على الاستمرار واقتضائه إياه، دون صورة الشك في وجود المانع أو
~~مانعية الموجود، وحينئذ فيتوجه عليه ما ذكره رحمه الله: من أنه لو علم
~~اقتضاء المقتضي حتى في الآن الثاني لم يحتج إلى الاستصحاب، لان المفروض أن
~~الشك في البقاء ليس إلا من هذه الجهة دون المانع.
# لكنك بعد ملاحظة كلام المحقق في المعارج (2) - حيث إنه مثل للاستصحاب بما
~~ذكرنا من الطلاق والعقد - تعلم أن هذا الحمل غير صحيح.
# هذا كله إن حمل رحمه الله " المقتضي " في كلام المحقق، على الدليل الدال
# PageV00P140
# على الحكم، كما يفهم من قوله (1): " بل هو محض النص ".
# وإن كان قد حمله على العلة المقتضية للحكم الأول المكشوف عنها بالدليل،
~~ففيه أيضا: أن مجرد وجود المقتضي واقتضائه حتى في الآن الثاني لا يوجب رفع
~~الاحتياج إلى الاستصحاب، لان المحقق رحمه الله لم يرد من المقتضي العلة
~~التامة، وإلا فكيف فرض الشك مع فرض ثبوته حيث قال:
# " لأنا نتكلم على هذا التقدير " أي تقدير ثبوت المقتضي (2).
# مع أن رد جماعة لدليله هذا ب " أن مجرد وجود المقتضي مع عدم العلم بعدم
~~المانع لا يوجب العلم بالمقتضى، بل لابد فيه من العلم بعدمه " أصدق شاهد
~~على أنه لم يرد من المقتضي العلة التامة.
# [قوله] قدس سره: " وإن فرض كونه مقتضيا للآن الأول فقط، فلا معنى
~~لاقتضائه في غيره ".
# [أقول]: إن حمل " المقتضي " في كلام المحقق على العلة المقتضية للحكم
~~المكشوف عنها بالدليل فهو حسن، وإن كان ذلك مفسدا لقوله في السابق:
# " إن المقتضي لو سلم... إلى آخره " (3).
# وإن حمله على الدليل، فلا يخفى أن اختصاص اقتضائه بالآن الأول وإن لا يكن
~~معنى لاقتضائه في ms080 غيره، إلا أنه لا يوجب عدم جريان الاستصحاب ولا رد
~~المحقق.
# أما عدم كونه موجبا لعدم جريان الاستصحاب، فلانه لا يشترط فيه جريان دليل
~~المستصحب في الآن الثاني، ولهذا هو رحمه الله يقول بحجية
# PageV00P141
# الاستصحاب إذا ثبت الحكم في الآن السابق بالاجماع، مع القطع بانتفاء
~~الاجماع في الآن اللاحق.
# وأما عدم كونه موجبا لرد المحقق: فلانه صرح (1) بأن الكلام على تقدير
~~ثبوت المقتضي في الآن الثاني.
# [قوله] قدس سره: " وإن أخذ كونه مقتضيا في الجملة، فتساوي احتمال الرافع
~~وعدمه وتساقطهما لا ينفع في إثبات الحكم في الأوان اللاحقة من جهة المقتضي،
~~بل عدم المقتضي هو مقتضي العدم ".
# [أقول]: قد عرفت أن صريح كلام المحقق هو ثبوت المقتضي للحكم الأول في
~~الآن الثاني واقتضائه له فيه " وإنما فرض الشك في بقاء المقتضي من جهة
~~احتمال الرافع وعدمه.
# فالأحسن في الجواب عنه ما أجاب به الآخرون، وهو: إما منع أن المقتضي
~~للحكم الأول ثابت في الزمن الثاني، إذ عدم العلم بعدمه ليس علما بثبوته،
~~وهل هو إلا مصادرة على المطلوب؟ وإما منع صحة الحكم ببقاء المقتضي وأثره مع
~~الشك في وجود المانع، لعدم الدليل على ذلك، فيجب التوقف.
# والجواب الأول مبني على حمل المقتضي - في كلام المحقق - على العلة
~~التامة، أو على أنا نفرض الكلام في ما كان الشك في الحكم من جهة الشك في
~~بقاء المقتضي.
# والحمل الأول فاسد، إذ لو فرض المحقق بقاء العلة لم يحتج إلى دفع احتمال
~~المعارض بمعارضته مع احتمال عدمه الموجبة لتساقطهما وسلامة
# PageV00P142
# المقتضي عن المعارض.
# وأما الحمل الثاني: فهو إنما يتم لو كان مذهب المحقق العمل بالاستصحاب
~~كلية، وليس كذلك، بل إنما يعط به في ما إذا كان المقتضي للحكم يقتضيه
~~مطلقا، بأن كان الشك في البقاء منحصرا في الشك في المانع، صرح رحمه الله
~~بذلك في آخر كلامه في المعارج حيث قال فيه - بعد ما اختار حجية الاستصحاب
~~عند تحرير النزاع - ما هذا لفظه:
# " والذي نختاره نحن أن ننظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم، ms081 فإن كان
~~يقتضيه مطلقا، وجب القضاء باستمرار الحكم، كعقد النكاح مثلا، فإنه يوجب حل
~~الوطء مطلقا، فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق كقوله:
# " أنت خلية وبرية " فإن المستدل على أن الطلاق لا يقع بهما لو قال: " حل
~~الوطء ثابت قبل النطق بهذه، فيجب أن يكون ثابتا بعدها " لكان استدلالا
~~صحيحا، لان المقتضي للتحليل - وهو العقد - اقتضاه مطلقا، ولا يعلم أن
~~الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيكون الحكم ثابتا عملا بالمقتضي "
~~(1) انتهى كلامه رفع مقامه.
# وهو كما ترى صريح في اختياره حجية الاستصحاب في ما إذا كان الشك في بقاء
~~الحالة السابقة من جهة الشك في طرو المانع، دون ما إذا كان الشك فيه من جهة
~~الشك في ثبوت المقتضي في الآن اللاحق أيضا.
# هذا، ثم إن صاحب المعالم - بعد ما نقل العبارة المذكورة - قال: " وهذا
~~الكلام جيد، لكنه عند التحقيق رجوع عما اختاره أولا ومصير إلى القول الاخر
~~- يعني نفي الحجية - كما يرشد إليه تمثيلهم لموضع النزاع بمسألة المتيمم
# PageV00P143
# وتفصح عنه حجة المرتضى (1)، فكأنه رحمه الله استشعر ما يرد على احتجاجه
~~بهذه (2) المناقشة، فاستدرك بهذا الكلام، واختار في المعتبر (3) قول
~~المرتضى رحمه الله وهو الأقرب " (4) انتهى.
# والظاهر: أنه خصص موضع النزاع في الاستصحاب بما إذا كان المقتضي للحكم في
~~الآن السابق غير مقطوع الجريان في الآن اللاحق، ويدعي أن الصورة التي ذكرها
~~المحقق لا خلاف في ثبوت الحكم فيها في الآن اللاحق، واستشهد على ذلك
~~بأمرين: الأول: تمثيلهم لموضع النزاع بمسألة المتيمم، الثاني: إفصاح حجة
~~المرتضى عن ذلك.
# ومحل الاستشهاد: قول السيد في أثناء الاحتجاج على ما صار إليه - من عدم
~~الحجية - قال: " وإذا كنا قد أثبتنا الحكم في الحالة الأولى بدليل، فالواجب
~~أن ننظر، فإن كان الدليل يتناول الحالين سوينا بينهما فيه، وليس هاهنا
~~استصحاب، وإن كان تناول الدليل للحال الأولى فقط والثانية عارية من دليل،
~~فلا يجوز إثبات مثل الحكم لما من غير دليل، وجرى هذه الحالة مع الخلو عن
~~الدليل مجرى الأولى لو خلت ms082 عن دلالة، فإذا لم يجز إثبات الحكم للأولى إلا
~~بدليل فكذلك الثانية " (5) انتهى كلام السيد قدس سره.
# أقول: المخصص المذكور ومن وافقه - كصاحبي المدارك (6) والحدائق (7) -
# PageV00P144
# إنما يعملون بالاستصحاب في غير ما جعلوه محل النزاع، ويسمونه بالتمسك
~~بعموم النص وإطلاقه إلى أن يثبت المخصص والمقيد، وقد عرفت قبيل ذلك (1) أن
~~ذلك في الحقيقة تمسك بالاستصحاب لا بعموم النص.
# مثلا: إذا قال: " الوضوء سبب للطهارة، والبول ناقض لها " فشككنا بعد
~~الطهارة في حدوث البول، فلا شك أن نسبة أحد العمومين إلينا كنسبة الاخر،
~~فالحكم بالدخول تحت الأول دون الثاني ترجيح بلا مرجح. إلا أن يقال: إنا قبل
~~ذلك كنا محكومين بالطهارة، والأصل بقاؤها، وليس هذا إلا استصحابا.
# وأما تخصيص النزاع بما ذكره فهو مخالف لظواهر كلمات كثير ممن تقدم على
~~المخصص رحمه الله (2) ومن تأخر عنه.
# وأما تمثيلهم لموضع النزاع بمسألة المتيمم، فلا يدل على تخصيص محل النزاع
~~بمثل تلك المسائل، إذ لا يجب أن يمثلوا لكل صنف من أصناف محل النزاع بمثال،
~~فإن هذا غير معروف، مضافا إلى أنه يمكن تطبيق ما ذكره المحقق - من مسألة
~~العقد والطلاق - مع مسألة المتيمم، فتأمل (3).
# وأما السيد رحمه الله فلم يزد في كلامه على " أن الدليل إن كان يتناول
~~الحالين سوينا بينهما، وليس هاهنا استصحاب " (4) ونحن أيضا معترفون بأن محل
~~النزاع مختص بما إذا لم يكن الدليل الدال على الحكم الأول مقطوع
# PageV00P145
# الشمول للآن الثاني، وإلا فلا استصحاب، فإن الدليل على " أن من أوقع عقد
~~النكاح ولم يوقع صيغة الطلاق فيحل له الوطء " الدال على حلية الوطء في
~~الزمن السابق لو شمل هذا الشخص في الآن اللاحق لم نحتج إلى الاستصحاب.
# وكذا الدليل الدال على " أن من توضأ فهو متطهر إلى أن يحدث منه أحد
~~الروافع " الشامل للذي توضأ ولم يحدث رافعا لو شمله في الآن اللاحق - بأن
~~كان في الآن اللاحق أيضا داخلا في موضوع " من توضأ ولم يحدث رافعا " - لم
~~نحتج إلى الاستصحاب.
# فإن قلت: إن الدليل الموجب للحكم ليس إلا " أن ms083 من توضأ فهو طاهر " وكذا "
~~أن صيغة النكاح موجبة لحلية الوطء " وهذا الدليل موجود في حق الشخص في الآن
~~اللاحق.
# قلت: ليس كذلك، فإن كون الشخص متطهرا في الآن السابق لم يثبت بمجرد قوله:
~~" من توضأ فهو متطهر "، بل منه ومن عدم حدوث الروافع، فالعلة في ثبوت
~~طهارته أمران: التوضي وعدم حدوث رافع، لان من أجزاء العلة التامة عدم
~~المانع، فمحض قوله عليه السلام: " من توضأ فهو متطهر " لا يثبت طهارة هذا
~~الشخص إلا إذا لم يكن حدث منه رافع، ولهذا إذا شككنا في حدوث البول مثلا
~~نشك في الطهارة، مع عدم شك في قوله: " من توضأ فهو متطهر " لأنا توضأنا
~~قطعا ويشملنا هذا القول جزما، فما بالنا لا نقطع بالطهارة؟
# فإن قلت: إن كلام السيد في دليل الحكم الأول، لا في علته التامة.
# قلت: قد عرفت أن كلما شك في حدوث مانع للحكم الأول أو مانعية حادث، فيكون
~~ذلك مانعا لشمول الدليل لهذه الحالة.
# وحاصل ذلك: أنه كما أن الدليل الدال على ثبوت الحكم يفيد ثبوت
~~PageV00P146
# الحكم لكل فرد من أفراد موضوعه، فكذا الدليل الدال على مانعية الشئ للحكم
~~المذكور يفيد نفي الحكم عن كل فرد من أفراد موضوعه، فإذا شك في موضوع أنه
~~داخل في موضوع دليل ثبوت الحكم أو في موضوع دليل مانع الحكم، فكيف يحكم
~~بدخوله في الأول ويحكم عليه بحكمه؟ وكلما يشك في حدوث المانع عن الحالة
~~السابقة يكون من هذا القبيل، أي من قبيل تردد موضوع بين دخوله في عاملين
~~متنافيين، فتدبر.
# والحاصل: أن ما ذكره المحقق قدس سره وحكم بإجراء الاستصحاب فيه - أعني ما
~~إذا دل الدليل على استمرار الحكم وثبت المقتضي له على الاطلاق، ثم وجد شئ
~~وشك في كونه رافعا للحكم المستمر بالذات ومزيلا له، كالمثال الذي ذكره -
~~داخل في محل النزاع وليس خارجا، كيف والمحقق السبزواري أنكر حجية الاستصحاب
~~في هذه الصورة؟ (1).
# فإن قلت: إنه متأخر عن صاحب المعالم.
# قلت: الظاهر أن الأخباريين أيضا منكرون لحجية هذه الصورة، وإن وافقوا ms084 في
~~ما إذا كان الشك في وجود المانع، حيث سموه استصحاب حكم العموم إلى ثبوت
~~المخصص، وقالوا: أنه متفق عليه، وإنه راجع إلى التمسك بالعموم لا
~~بالاستصحاب.
# وقد عرفت أن إرجاعه إلى التمسك بالعموم فاسد، فإن ثبت الحكم فيها فليس
~~إلا من جهة الاستصحاب.
# ومما يؤيد أن النزاع ليس مختصا بما ادعاه صاحب المعالم - بل يجري في
~~أمثال ما ذكره المحقق من المثال الراجع إلى الشك قي بقاء الحالة السابقة من
# PageV00P147
# جهة الشك في مانعية الامر الموجود، بل وفي أدون منه، وهو الشك في بقاء
~~الحالة السابقة من جهة الشك في وجود المانع - أنه حكى الشيخ في العدة - على
~~ما حكي عنه (1) - أن بعض من نصر حجية استصحاب الحال - وكأنه أراد به الشيخ
~~المفيد رحمه الله - استدل عليه بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، سلم
~~أنه قال: " إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه، فلا ينصرف حتى يسمع
~~صوتا أو يجد ريحا " (2). وبأن الاتفاق واقع على أن من تيقن الطهارة ثم شك
~~في الحدث، فعليه أن يستصحب الحالة الأولى.
# ثم حكى أن النافي للاستصحاب - وكأنه السيد رحمه الله - رد هذا الاستدلال
~~بأنه: إنما قلنا به في هذين الموضعين لقيام دليل، وهو قول النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم وتسويته صلى الله عليه وآله وسلم بين الحالين، وكذلك
~~الاتفاق على أن حال الشك في الحدث مثل حال اليقين بالطهارة.
# فننتظر أن يقوم في كل موضع دليل على أن الحالة الثانية مثل الحالة الأولى
~~حتى نصير إليه (3) انتهى.
# وهذا الاستدلال كما رأيت ظاهر في دخول مثل اليقين بالطهارة والشك في حدوث
~~الرافع في محل النزاع، إذ لو كان خارجا عنه لا يكن إثبات الحكم فيه مجديا
~~لثبوت الحكم في محل النزاع. وهذا أظهر موضع يقول صاحب المعالم ومن تابعه:
~~بأنه ليس من الاستصحاب المختلف فيه.
# PageV00P148
# وأصرح من استدلال المستدل جواب المجيب: بأنا إنما قلنا بالاستصحاب في هذه
~~الصورة لقيام الدليل على التسوية بين الحالين، ولم يقل: إن هذا خارج عن ms085 محل
~~النزاع، ونحن أيضا نقول بالاستصحاب فيه.
# هذا، وقد كنت سابقا أظن أن مثل مورد استدلال هذا المستدل - مما كان الشك
~~فيه في طرو المانع - خارج عن محل النزاع، لما استظهرته من كلام بعض
~~كالعلامة البهبهاني - في رسالته المعمولة في الاستصحاب (1) - وكالفاضل
~~الاسترآبادي (2)، حيث ادعى أن الاستصحاب في مثل ذلك من الاجماعيات، بل من
~~الضروريات.
# ثم لما اطلعت على هذا الكلام المحكي عن العدة، وأن الصورة المذكورة وقعت
~~موردا للاستدلال والرد بين الخصمين استظهرت دخوله.
# وأما أمثال ما ذكره المحقق - مما شك فيه في مانعية الامر الموجود، وأنكر
~~صاحب المعالم دخوله في محل النزاع - فلم أزل مستظهرا لدخوله.
# نعم، يمكن أن يستشهد لخروج الصورة الأولى - أعني الشك في طرو المانع - عن
~~محل النزاع، بأنه قد وردت الأخبار المستفيضة - كما ستقف عليها - في حكم
~~الاستصحاب، ومورد أكثرها - كما ستعرف - هي الصورة المذكورة، ولا شك أن
~~القدماء من أصحابنا الباحثين عن هذه المسألة. اطلعوا عليها، بل هم شكر الله
~~سعيهم أوقفونا عليها بتدوينها في كتبهم، فلو كان مورد هذه الأخبار محلا
~~لنزاع لم يعدلوا عنها إلى التمسك بالأدلة العقلية الظنية التي لا تسمن ولا
~~تغني من جوع.
# PageV00P149
# فإن قلت: لا شك أن الحكم في تلك الأخبار عام - وإن كان موردها خاصا - فلم
~~لم يستدلوا بها في ما هو محل النزاع؟ - أعني غير الصورة المذكورة التي هي
~~موارد تلك الأخبار - فالاستبعاد مشترك، سواء أدخلت مواردها في محل النزاع
~~أو أخرجتها.
# قلت: يمكن دفع الاستبعاد - على تقدير اخراج مواردها عن محل النزاع - بأن
~~نقول: لعلهم لم يفهموا عموما من هذه الأخبار بحيث تشمل غير مواردها، بل
~~فهموا منها اختصاصها بأمثال مواردها دون غيرها الذي هو محل النزاع.
# فإن قلت: لعل عدم تمسكهم بالاخبار إنما هو لاجل كونها من الأئمة، ولما
~~كان غالب خصومتهم وتشاجرهم مع العامة وكانت نسجهم في تأليفاتهم على منوال
~~العامة وكان تكلمهم معهم في كون الاستصحاب من الأدلة العقلية أم لا، لم
~~ينفع تمسكهم بأخبار أئمتهم، ولهذا تمسكوا ببعض ما ورد ms086 عن النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم كما عرفت سابقا.
# والحاصل: أن عدم تمسكهم بالاخبار الآتية لم يكن لاجل فهمهم اختصاصها
~~بمواردها، حتى يكشف ذلك عن عدم كون مواردها الكائنة من الصورة المذكورة -
~~أعني صورة الشك في طرو المانع - داخلة في محل النزاع.
# قلت: هذا الاحتمال فاسدة أما أولا: فلان من الأخبار الواردة في الباب هو
~~الخبر المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام (1) ولا شك أن التمسك به ينفع
~~في مقابلة العامة أيضا. واحتمال عدم اطلاعهم على خصوص هذا الخبر
# PageV00P150
# - مضافا إلى بعده غاية البعد - مدفوع بأن هذا في مروي في الخصال (1) وصرح
~~العلامة المجلسي قدس سره بأن أجزاء هذا الخبر متفرقة أوردها الكليني في
~~الكافي (2).
# وأما ثانيا: فلان ما ذكرته: من أن كلامهم كان في حجية الاستصحاب من باب
~~العقل، مضاف لما عرفت من حكاية الشيخ في العدة: أن بعضهم - وكأنه المفيد
~~رحمه الله - استدل على الاستصحاب، بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله
~~(3)، فتأمل.
# وأما ثالثا: فلان ما ذكرته إنما يرفع استبعاد عدم تمسكهم بتلك الاخبار،
~~لكن نقول: إن المنكرين منهم للاستصحاب هل عملوا به في الأحكام الفرعية أم
~~لا؟ إن قلت: إنهم عملوا به فيها لاجل تلك الأخبار وإن أنكروه في عنواناتهم
~~في الأصول، فهذا خلاف الظاهر، بل المقطوع.
# وإن قلت: لم يعملوا، فنقول: ما وجه عدم عملهم مع وجود تلك الأخبار ؟ غاية
~~الامر عدم صلاحية التمسك بها في مقابلة العامة، وهل له وجه؟ إلا أنهم لم
~~يفهموا منها عموما بالنسبة إلى محل إنكارهم ونزاعهم، وفهموا اختصاصها
~~بالصورة المذكورة الخارجة عن محل نزاعهم.
# وبعد ذلك كله، فلا بد أيضا من التأمل التام في فهم ما منع قدمائنا رضوان
~~الله عليهم عن التمسك بتلك الاخبار.
# فإن قلنا: إنهم لم يطلعوا عليها، فشأنهم أجل من ذلك، بل هم أوقفونا
# PageV00P151
# وإن قلنا: إن كلامهم في حجية الاستصحاب من جهة العقل، وإن كان بناؤهم على
~~حجيته من باب الاخبار - كما ادعاه بعض (1) -، فالواجب عمل المنكرين له به
~~في المسائل الفرعية، ms087 ولم يعملوا به.
# وإن قلنا: إنهم فهموا منها اختصاصها بمواردها - وهي من قبيل الشك في وجود
~~المانع، ولا خلاف في حجية الاستصحاب فيه - فما وجه تمسك بعضهم بما روي عن
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة اليقين بالطهارة والشك في الحدث؟
~~(2).
# مضافا إلى أن الظاهر عموم الاخبار، والمورد لا يخصص عموم الحكم.
# مضافا إلى أن بعض الاخبار ابتدائية لم يرد في مورد خاص كالخبر المروي في
~~الخصال (3).
# فلا بد من التعمق في هذا المجال، والله هو العالم بحقيقة الحال.
# PageV00P152
# [الثاني: الاستدلال بالاخبار] [قوله] قدس سره: " الثاني: الأخبار
~~المستفيضة الدالة على حجيته عموما ".
# [أقول]: صحة الاستدلال بهذه الاخبار في المسألة بناء على حجية الاخبار
~~الآحاد - إما من جهة الظن المطلق مع فرض القول بكفايته في المسائل
~~الأصولية، وإما من جهة قيام الدليل الخاص على حجيتها مع عموم ذلك الدليل
~~بحيث يشمل الحجية في المسائل الأصولية - ظاهرة، وبدونه مشكلة.
# إلا أن يقال بعدم كون المسألة - مطلقا - من الأصول، بل هي مسألة مشتركة
~~بين الأصول والفروع، والغرض إثبات بعض جزئياتها بتلك الاخبار.
# ثم إما أن يكتفى بذلك، لأنه المقصود الأصلي من عقد البحث. وإما أن يتم
~~المطلب في غيرها بالاجماع المركب. أو يدعى تواتر تلك الأخبار معنى
~~PageV00P153
# - كما ادعاه بعض المعاصرين (1) - أو لفظا بادعاء حصول القطع - بعد ملاحظة
~~المجموع - بصدور بعضها عن المعصوم إجمالا، كما ادعاه الاستاد (2) مد ظله.
# لكن الانصاف، أن دعوى التواتر المعنوي، بحيث يدعى حصول القطع من هذه
~~الأخبار بهذا المطلب - أي حجية الاستصحاب عموما وفي جميع موارده - في غاية
~~البعد. نعم، لا بعد في دعوى التواتر اللفظي الاجمالي.
# ثم، إن التواتر مطلقا إنما يجدي في المقام بعد ثبوت دلالة كل منها على
~~المطلب - أعني الحجية عموما - وإلا فالمتواتر هو القدر المشترك المتفق عليه
~~بين الكل.
# [قوله] قدس سره: " واليقين والشك (3) محمولان على العموم ".
# [أقول]: يمكن أن يستدل على عموم اليقين والشك بطرق ثلاثة:
# أحدها: ما اختاره المصنف قدس سره، من أن الحكم إذا تعلق بطبيعة اقتضى
~~وجود ms088 الحكم كلما وجدت الطبيعة (4).
# الثاني: ما اختاره آخرون (5): من أن الحكم لما لم ينجز تعلقه بالطبيعة مع
~~قطع النظر عن الوجودات، فإما أن يكون مراد المتكلم تعليقه عليها باعتبار
~~جميعها، وهو المطلوب، أو بعض معين عند الله غير معين عند المخاطب، فيلزم
~~الاغراء بالجهل، أو الاجمال في كلام الحكيم المنافي للبيان المقصود غالبا،
~~أو بعض معين عند المخاطب أيضا، والمفروض عدم التعيين.
# PageV00P154
# وهذا لا يتوقف على جعل المفرد المحلى حقيقة خاصة في تعريف الجنس.
# الثالث: أن اليقين والشك مفردان معرفان وقعا في حيز النفي، فلو لم نقل
~~باستفادة العموم من المفرد المحلى بلام الجنس في الاثبات بأحد الطريقين
~~المذكورين، فلا مجال للتأمل في استفادته منه إذا وقع في حيز النفي.
# ثم، إن الحاجبي عد اسم الجنس المحلى باللام من ألفاظ العموم التي اتفق
~~على عمومها - بعد ثبوت أن للعام ألفاظا حقيقة - ولم ينقل خلافا في ذلك
~~وتبعه العضدي في شرحه (١)، متمسكين بأن العلماء لم يزالوا يحتجون بقوله: ﴿السارق والسارقة...﴾ (٢).
# وقال نجم الأئمة - على ما حكاه غير واحد (٣) - في أوائل المعرفة والنكرة:
~~" فكل اسم دخله اللام ولا يكون فيه علامة [هي] كونه بعضا من كل... فينظر في
~~ذلك الاسم، فإن لم يكن معه قرينة [لا] حالية ولا مقالية دالة على أنه بعض
~~مجهول من كل - كقرينة الشراء في قوله: " اشتر اللحم " الدالة على أن
~~المشتري بعض من اللحم - ولا دالة على أنه بعض معين - كما في فوله تعالى: ﴿أو أجد على النار هدى﴾ (4) - فهي
~~اللام التي جئ بها للتعريف اللفظي، والاسم المحلى بها لاستغراق الجنس ".
# ثم شرع في الاستدلال على وجوب حمله على الاستغراق، ثم قال:
# " فعلى هذا قوله: " الماء طاهر " أي كل ماء، و " النوم حدث " أي كل نوم،
# PageV00P155
# إذ ليس في الكلام قرينة البعضية - لا مطلقة ولا معينة - " (١) إنتهى.
# وقال التفتازاني في المطول (٢) - على ما حكي (٣) - في بحث تعريف المسند
~~إليه: " اللفظ إذا دل على الحقيقة باعتبار وجودها في ms089 الخارج، فإما أن يكون
~~لجميع الافراد أو لبعضها، إذ لا واسطة بينهما في الخارج. فإذا لم يكن
~~للبعضية، لعدم دليلها، وجب أن يكون للجميع.
# وإلى هذا ينظر صاحب الكشاف، حيث يطلق لام الجنس على ما يفيد الاستغراق،
~~كما ذكر في قوله تعالى: ﴿إن الانسان لفي
~~خسر﴾ (٤) أنه للجنس (٥). وقال في قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ (6): " إن اللام للجنس،
~~فيتناول كل محسن " (7) انتهى.
# وهذه الكلمات من هؤلاء الاعلام صريحة في أنه يجب حمل اسم الجنس المحلى
~~على الاستغراق، إلا أن يدل دليل على إرادة البعض.
# لكن الكلام في أن كلام غير الحاجبي ممن ذكر، هل هو راجع إلى حمل المفرد
~~المحلى على العموم من باب تعلق الحكم بالطبيعة الغير المقيدة؟ - وهو الطريق
~~الأول من الطرق الثلاثة التي ذكرناها - أو من باب لزوم خروج كلام المتكلم
~~عن الفائدة المعتنى بها، مع فرض عدم القرينة على البعضية المطلقة أو
~~المعينة، فيرجع إلى الطريق الثاني من الطرق المذكورة.
# PageV00P156
# وأما رجوعه إلى دلالته على الاستغراق وضعا، فهو خلاف ظاهر كلماتهم
~~المحكية سابقا، وإن لم أجد منهم غير ما حكينا، ولم يحضرني الآن كلامهم.
# فإن كان راجعا إلى الطريق الأول فهو، وكذا لو كان راجعا إلى الدلالة
~~الوضعية.
# وأما إن كان راجعا إلى الطريق الثاني - الذي سلكه صاحب المعالم في حمل
~~المفرد المحلى على العموم (1) وتبعه المحقق جمال الدين الخوانساري على ما
~~حكي (2) - فيشكل أن يكون مجديا في هذا المقام، لان من مقدمات هذا الطريق
~~لزوم اللغوية أو الاجمال في كلام الحكيم لو حمل على البعض الغير المعين،
~~ويشكل جريانه هنا، نظرا إلى أنه لو حمل " اليقين " على البعض الغير المعين
~~فلا شك في دخول مورد السؤال ومحل حاجة السائل فيه، وهذا القدر كاف في
~~اخراجه عن اللغوية والاجمال، إذ لو سلمنا وجوب كون كلام الشارع مبينا غير
~~مجمل، فلا نسلم وجوب كونه مبينا من جميع الجهات، بل لا يقدح فيه الاجمال،
~~سيما إذا ms090 لم يكن في مورد حاجة السائل، فإذا لم يكن محذور في إرادة البعض في
~~الواقع، كان هو والاستغراق سواء في احتمال الإرادة، فكما أن حمله عليه
~~يتوقف على قرينة، فكذا حمله على الاستغراق.
# نعم، هذا الطريق إنما ينفع في مثل " الماء طاهر " وشبهه مما إذا حمل
~~اللفظ على بعض غير معين يلزم اللغوية والاجمال رأسا، فتأمل.
# وكيف كان. فمع وجود الطريقة الأولى والثالثة، فلا نحتاج إلى الكلام في
# PageV00P157
# جريان الطريقة الثانية في هذا المقام.
# [قوله] قدس سره: " ولا يرد عليه حينئذ أنه يصير من باب رفع الايجاب
~~الكلي، لوقوعه في حيز النفي، لأنه بعيد عن اللفظ، وينفيه التأكيد بقوله:
# " أبدا " فيصير من باب ﴿لا يحب كل مختال
~~فخور﴾ (1).
# [أقول]: هذا الايراد محكي (2) عن العلامة المجلسي، حيث إنه قدس سره منع
~~أولا: إفادة لفظي " اليقين " و " الشك " للعموم، مستندا إلى أن اللام حقيقة
~~في الجنس والعهد الخارجي، مجاز في الاستغراق والعهد الذهني.
# وثانيا: بأن هذا رفع للإيجاب الكلي، ويتحقق في ضمن الايجاب الجزئي.
# وبعبارة أخرى: التمسك بالعموم مخل بمقصودكم، لان المعرفة في سياق النفي
~~لا يفيد العموم، بل لابد لكم من إثبات النكارة حتى يفيد ذلك، اللهم إلا أن
~~يقال: إن التأكيد بقوله: " أبدا " ينفي ذلك (3)، انتهى.
# أقول: لا شك في أن النكرة إنما تفيد العموم في سياق النفي، لان نفي الفرد
~~المنتشر لا يتحقق إلا بنفي جميع الافراد، ولا شك أن وقوع اسم الجنس المحلى
~~باللام الدال على الطبيعة بعد النفي يفيد نفي الحكم عن الطبيعة، ولا يتحقق
~~إلا بعد نفيه عن جميع الافراد، فهو يفيد نفي الحكم عن الافراد بنحو أبلغ.
# وأما كونه حينئذ لرفع الايجاب الكلي فمما لا يحتمله أحد، نظرا إلى أن
~~إفادة رفع الايجاب الكلي إنما يكون في ما إذا ثبت العموم بنفس اللفظ مع
# PageV00P158
# قطع النظر عن تعلق الحكم، كما. في لفظ " كل " والجمع المحلى، والمضاف،
~~والفرد المحلى إذا استعمل في الاستغراق مجازا. وأما إذا ثبت العموم
~~بملاحظة:
# أن ms091 الحكم الايجابي أو السلي إذا تعلق بالطبيعة، فيفيد ثبوت الحكم أو نفيه
~~للطبيعة وعنها - ولا يكون ذلك إلا بثبوته لجميع الافراد أو نفيه عنها - فلا
~~يحتمل هذا الاحتمال.
# ولعل المورد لما زعم أن التمسك بالعموم من جهة ادعاء استعمال نفس المفرد
~~المحلى باللام في الاستغراق يجعل اللام للاستغراق - ولهذا منع أولا كون
~~اللام حقيقة في الاستغراق - أورد بأنه: لو سلمنا كون اللام للاستغراق،
~~فيصير النفي الوارد عليه دالا على رفع الايجاب الكلي، كما في قولك: " لم
~~آخذ كل الدراهم " وقوله: " ما كل عدد زوجا " و " ما كل ما يتمنى المرء
~~يدركه " (١) كما صرح به بعض أهل المعاني.
# وقد عرفت أن حملنا لفظي " اليقين " و " الشك " على العموم ليس لادعاء كون
~~اللام فيهما للاستغراق - لا حقيقة ولا مجازا - حتى يرد علينا منعه الأول،
~~بل لأنهما مستعملان في نفس الطبيعة، لكن الحكم الايجابي أو السلبي إذا تعلق
~~بطبيعة فيلزمه وجود الحكم في جميع محال وجود تلك الطبيعة، ولا عموم وكلية
~~مع قطع النظر عن الحكم، حتى يحتمل توجه الحكم السلبي إلى نفس العموم
~~والكلية فيفيد سلب العموم ونفي الشمول - كما في الأمثلة المذكورة - فنحتاج
~~إلى جعل المقام من قبيل: ﴿لا يحب كل مختال
~~فخور﴾ (2) - كما فعله المصنف - أو القول: بأن جعله من باب رفع الايجاب
# PageV00P159
# الكلي. موجب للاجمال بل اللغوية - كما فعله السيد صدر الدين (1) - فيرد
~~عليه ما أوردنا على استفادة العموم بالطريق الثاني من الطرق الثلاثة:
# من أن اللغوية تدفع بدخول مورد سؤال السائل ومحل حاجته في المجمل، ولا
~~دليل على وجوب البيان أزيد من ذلك، مع احتمال وجود المجمل واختفائه.
# [قوله] قدس سوه: " مع أن قوله عليه السلام: " ولا ينقض اليقين أبدا بالشك
~~" في قوة الكبرى الكلية لاثبات المطلوب ".
# [أقول]: كونه في قوة الكبرى لا يحتاج إلى أزيد من عمومه على وجه يشمل
~~الصغرى، وهذا القدر يحصل بجعل " اليقين " فيه عاما لكل يقين بالوضوء
~~السابق، لا لكل يقين متعلق بأي شئ كان.
# اللهم إلا ms092 أن يقال: إنه إذا كان في قوة الكبرى، فيستفاد منه بفهم العرف
~~العموم بالنسبة إلى كل يقين.
# [قوله] قدس سره: " وجعل الكبرى منزلة على إرادة يقين الوضوء بعيدة لاشعار
~~قوله: " فإنه على يقين من وضوئه " بذلك، فيكون الكبرى حينئذ بمنزلة التكرار
~~".
# [أقول]: لا يخفى أن التصريح بالكبرى مع إشعار الصغرى بها - لكونها في
~~مقام التعليل - لا يكون تكرارا، بل تصريح بما كان اللفظ السابق مشعرا به.
# بل نقول: إن في التصريح فائدة مهمة، وهي: أنه لو لم يصرح بالكبرى لكان
~~الصغرى الواردة في مقام التعليل من باب منصوص العلة - الذي اختلف
# PageV00P160
# في حجيته بالنسبة إلى غير مورد التعليل - وقال بعض المحققين (1) بعدم
~~جواز التعدي فيه عن الموردة نظرا إلى أنها لا تدل على كبرى كلية دالة على
~~شمول الحكم لغير المورد من محال وجود العلة.
# فالأولى: التمسك بفهم العرف العموم على فرض كونها كبرى، كما ذكرنا (2).
# [قوله] قدس سره: " إلا أن يرتكب فيه نوع استخدام، وهو خلاف الظاهر ".
# [أقول]: لان الامر المذكور المعهود سابقا بالنسبة إلى مدخول لام العهد
~~كمرجع الضمير بالنسبة إليه، فيمكن أن يراد بنفس الامر المذكور شئ، وبمدخول
~~لام العهد ما يلابسه وما له ارتباط به، فاليقين السابق وإن كان شخصا، إلا
~~أن المراد باليقين نوع هذا الشخص، هذا في قوله: " ولا ينقض اليقين ".
# وأما في قوله: " ولكن ينقضه " فإن كان راجعا إلى اليقين المعرف فلا
~~استخدام، وإن كان راجعا إلى اليقين المنكر الشخصي فهو استخدام [قوله] قدس
~~سره: " وكذلك لفظ الشك، لأنه تابع لليقين ".
# [أقول]: هذا إنما ينفع لدفع احتمال اختصاص الشك بالوضوء فقط، وهو حق، إذ
~~لا معنى لان يقول المعصوم عليه السلام: كل يقين لا ينقضه شك.
# مع أنه لو كان كذلك لزم - كما قيل - أن يقول: ولكن ينقضه بيقين
# PageV00P161
# أو شك آخر، فليتأمل.
# وأما احتمال اختصاص الشك بالشك في خصوص طرو الرافع لليقين السابق، فلا
~~يدفعه كون الشك تابعا لليقين، إذ لا يخصص الشك ببعض موارد اليقين، بل نقول:
~~مراد المولى: أن كل ms093 يقين في أي مورد كان - وضوء أو غيره - فلا ينقضه الشك
~~في طرو الرافع له.
# والحاصل: أنه يمكن أن يقال: إن معنى قوله: " وإلا فإنه على يقين... الخ "
~~أنه إن لم يستيقن أنه قد نام - يعني شك في حدوث النوم له - فلا يجب عليه
~~الوضوء، لأنه كان على يقين من وضوئه فشك في وجود الرافع له، ولا ينقض
~~اليقين - بأي شئ تعلق - بالشك في وجود الرافع له.
# فإذا ادعى أصحاب القول باختصاص حجية الاستصحاب بصورة الشك في وجود الرافع
~~هذا الاحتمال، فلا يمكن نفيه بأن الشك تابع لليقين، فيحتاج إلى إثبات عموم
~~الشك بالنسبة إلى جميع أفراده، حتى يكون المراد أن كل يقين سابق لا ينقض
~~بالشك في انتفائه - أي انتفاء أثره - وأما ثبوت عمومه بالنسبة إلى موارد
~~اليقين - بعد عموم اليقين - فهو أمر بديهي، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " ولما كان من البديهيات الأولية عدم اجتماع اليقين
~~والشك في شئ واحد، بل ولا الظن ولا الشك ".
# [أقول]: لما كان ظاهر الخبر هو النهي عن نقض اليقين بالشك، والنقض لا
~~يتصور إلا عند التعارض - والمعلوم امتناع تعارض الشك واليقين، لان عدم كل
~~منهما مأخوذ في الاخر وبمجرد عروض الشك يرتفع اليقين، فلا يتصور قدرة
~~المكلف على النقض أو عدمه، فلا يصلح أن يكون متعلقا للتكليف - احتاجوا إلى
~~صرفه عن ظاهره.
# فقال الشهيد في الذكرى: قولنا: " اليقين لا يرفعه الشك " لا نعني به
~~PageV00P162
# اجتماع اليقين والشك في زمان واحد، لامتناع ذلك، ضرورة أن الشك في أحد
~~النقيضين يرفع يقين الاخر، بل المعني به " أن اليقين الذي في الزمان الأول
~~لا يخرج عن حكمه بالشك في الزمان الثاني "، لأصالة بقاء ما كان، فيؤول إلى
~~اجتماع الظن والشك في زمان واحد، فيرجح الظن عليه، كما هو مطرد في العبادات
~~(1) انتهى.
# وأورد عليه شيخنا البهائي في الحبل المتين: بأن قوله: " فيؤول إلى اجتماع
~~الظن والشك في الزمان الواحد " محل كلام، إذ عند ملاحظة ذلك الاستصحاب
~~ينقلب أحد طرفي الشك ظنا والاخر وهما، فلا يجمع الشك ms094 والظن في مكان واحد "
~~وكيف يجتمعان؟ والشك في أحد النقيضين يرفع ظن الاخر، كما يرفع تيقنه، (2)
~~انتهى.
# فقول المصنف: " بل ولا الظن والشك " تعريض على الشهيد في الذكرى، وموافقة
~~لما ذكره شيخنا البهائي.
# أقول: يمكن أن يكون مراد الشهيد من " الشك " محض الاحتمال الموهوم،
~~فتأمل.
# وكيف كان: فالمراد بعدم نقض اليقين السابق لابد أن يكون عدم نقض آثاره
~~المترتبة عليه، ومعنى عدم نقضها من المكلف هو ترتيبها في زمان الشك وعدم
~~رفع اليد عنها في مرحلة الظاهر، وإلا ففي نفس الامر إما أن تكون باقية أو
~~مرتفعة.
# أو يكون المراد من " اليقين " نفس المتيقن السابق، فمعنى عدم نقضه هو
# PageV00P163
# إبقاؤه والحكم ببقائه في مرحلة الظاهر، مجعل عروض الشك كعدم عروضه.
# لكن يحتاج هذا إلى صرف " الوضوء " عن ظاهره، بأن يجعل المراد منه هو
~~الحالة الحاصلة بعد الفراغ - وهي الطهارة - إذ لا معنى لابقاء نفس الوضوء،
~~فالأول أولى، والله هو العالم بحقائق الأمور.
# بقي هاهنا شئ، وهو أن مورد الحكم المذكور في الرواية - أعني عدم جواز نقض
~~اليقين بالشك - هو صورة الشك في حدوث النوم، لا الشك في رافعية الخفقة
~~والخفقتين للطهارة وكونهما من موجبات الوضوء.
# وبعبارة أخرى: مورد الرواية الشك في حدوث الرافع، لا في رافعية الحادث،
~~خلافا لبعض مشايخنا المعاصرين (1) حيث جعل مورد الرواية هو الشك في رافعية
~~الحادث، ورد بذلك المحقق السبزواري القائل بعدم حجية الاستصحاب في هذه
~~الصورة، لوجوه منها: عدم عموم في الحديث بحيث يشمل هذه الصورة، بل المتيقن
~~منها الصورة الأولى - يعني صورة الشك في حدوث المانع -.
# وما فهمه المحقق من مورد الرواية هو الحق، كما ذكرنا، والدليل عليه
~~أمران:
# الأول: تصريح قوله عليه السلام: " حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك
~~أمر بين، وإلا فإنه على يقين... الخ " بذلك، فإن السائل بعد ما بين له
~~المعصوم عليه السلام أن النوم الموجب للوضوء هو الغالب على الاذن والقلب
~~دون الغالب على العين فقط " سأل عن أن مجرد تحريك شئ إلى جنبه مع
# PageV00P164
# عدم ms095 شعوره هل يكون أمارة للنوم المذكور، يعتنى بها في وجوب الوضوء؟
# فقال عليه السلام: " لا حتى يستيقن أنه قد نام " يعني حدوث النوم. " حتى
~~" يجئ من ذلك أمر بين " أي يحصل له دليل علمي على حدوث النوم. " وإلا " أي
~~وإن لم يستيقن حدوث النوم - بأن شك فيه - فلا يلتفت إلى شكه، " لأنه كان
~~على يقين... الخ "، فحذف جواب الشرط وأقيم علته مقامه، كما في قوله:
# و ﴿إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى﴾
~~(١)، وقوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد
~~كذبت...﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ (3).
# وأمثال ذلك.
# والحاصل: أن الرواية أظنها صريحة في ما قلنا.
# الثاني: أنه لو كان الحكم الاستصحابي المذكور حكما في مسألة كون " الخفقة
~~والخفقتين " أو " تحريك الشئ إلى الجنب مع عدم الشعور " من موجبات الوضوء،
~~لم يصلح لان يجيب به المعصوم عليه السلام السائل عنها، بل كان ينبغي أن
~~يجيبه بالحكم الواقعي للخفقة والخفقتين، نظرا إلى أن إجراء الاستصحاب في
~~صورة الشبهة في الحكم الشرعي إنما هو للجاهل الغير القادر على استعلام
~~الحكم الواقعي للمسألة ولو بعد الفحص - بحيث يحس عن نفسه العجز - فكيف يصح
~~للمعصوم عليه السلام أن يجعله حكما لمن يستعلم الحكم الواقعي منه؟
# والحاصل: أنا نقول: إذا سئل المعصوم مثلا عن أن المذي ينقض الوضوء أم لا؟
~~فلا ينبغي للمعصوم عليه السلام أن يجيبه بإجراء الاستصحاب في
# PageV00P165
# المسألة - الذي هو حكم المكلف في الظاهر بعد العجز عن الواقع - وهذا ظاهر
~~لا شبهة فيه، فتدبر.
# ثم إن أبيت إلا عن أن الحكم المذكور متعلق بمسألة الخفقة والخفقتين،
~~فنقول حينئذ: ليس شك الراوي في كون " الخفقة والخفقتين " بنفسهما من موجبات
~~الوضوء حتى يرجع إلى صورة الشك في رافعية الحادث، بل شكه في أنهما -
~~باعتبار إيجابهما للشك في تحقق النوم الحقيقي العرفي الغالب على الحاستين -
~~هل يوجبان الوضوء أم لا؟ كما أن شكه في كون " تحريك ms096 شئ إلى الجنب مع عدم
~~الشعور به " موجبا للوضوء إنما هو من جهة إيجابه الشك بل الظن بالنوم، لا
~~من جهة الشك في حكمه من حيث نفسه.
# ويؤيده ما روي عن البجلي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام:
# عن الخفقة والخفقتين، فقال عليه السلام: ما أدري ما الخفقة والخفقتان، إن
~~الله عز وجل يقول: ﴿بل الانسان
~~على نفسه بصيرة﴾ (1) إن عليا عليه السلام كان يقول:
# من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء " (2).
# فإن ظاهر هذا الجواب - حيث وكل المعصوم تحقق النوم وعدمه بالخفقة
~~والخفقتين إلى نفسه - يعطي أن السؤال (3) لم يكن عن كونهما بأنفسهما عند
~~الشارع من موجبات الوضوء، لدخولهما في النوم الناقض، أو لكون حكمهما حكم
~~النوم في النقض وإن لم يكونا منه عرفا.
# [قوله] قدس سره: " ثم إنك إذا تأملت في فقه الحديث تعلم أن نظر الإمام
~~عليه السلام إلى نفي تحقق النوم في الخارج ليس أقل من نظره إلى إثبات
# PageV00P166
# الطهارة... الخ ".
# [أقول]: ها هنا مقامان من الكلام:
# الأول: أن الخبر المذكور - كما أنه يظهر منه حكم المعصوم باستصحاب
~~الطهارة - هل يظهر منه حكمه عليه السلام باستصحاب عدم النوم؟ حتى يكون
~~الاستصحاب في الامر الخارجي كالاستصحاب في الحكم الشرعي من موارد هذه
~~الرواية، فلا يمكن القول بخروج الاستصحاب في الأمور الخارجية عن عموم "
~~اليقين "، - نظرا إلى أن بيان الأمور الخارجية ليس من شأن المعصوم وإن كانت
~~منشأ للأحكام الشرعية - أم لا؟
# الثاني: أنه - بعد ما لم يثبت من أصل الرواية التفات المعصوم إلى استصحاب
~~عدم النوم - هل يصلح دخول الأمور الخارجية في عموم الحديث؟ أو لا يصلح؟
~~نظرا إلى ما ذكرنا من عدم كون بيان ذلك من شأن المعصوم " (1).
# وكلام المصنف هنا في المقام الأول.
# والانصاف: أنه لا يفهم من متن الرواية إلتفاته عليه السلام إلى استصحاب
~~عدم النوم، بل لا يفهم منه سوى استصحاب الطهارة.
# مضافا إلى أنه لو ثبت ذلك فلا يثبت مقصود المصنف ms097 من دلالته على الاستصحاب
~~في الأمور الخارجية - التي هي محل مخالفة الخصم القائل بعدم حجية الاستصحاب
~~فيها - لان محل الخلاف ظاهرا إنما هو في استصحاباتها الوجودية - كبقاء
~~الرطوبة واليبوسة والكثرة والقلة ونحوها - لا في العدمية، كعدم النوم وعدم
~~البول ونحوهما.
# PageV00P167
# إلا أن يدعى: أن هذه أيضا من محل الخلاف، نظرا إلى أن الدليل الذي استدل
~~به المخالف - من أن شأن المعصوم ليس بيان الأمور الخارجية - يشمل الوجوديات
~~والعدميات، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " وأما ما ذكره المحقق الخوانساري (1): من أن الرواية لا
~~تدل إلا على ما ثبت استمراره إلى غاية من جهة الشارع، تمسكا بأن عدم نقض
~~اليقين بالشك هو عدم النقض عند التعارض، ومعنى التعارض هو أن يكون شئ موجبا
~~لليقين لولا الشك ".
# [أقول]: تبعه على هذا التفسير للخبر بعض المعاصرين (2) إلا أنه فرع عليه
~~عدم دلالتها على حجية الاستصحاب في ما إذا ثبت استمرار حكم في الجملة، وقال
~~بدلالته على الحجية في ما إذا ثبت الاستمرار وشك في البقاء من جهة المزيل،
~~سواء كان من جهة الشك في حدوث المزيل، أو في صدق المزيل، أو في مزيلية الشئ
~~لتردده بين المزيل وغيره - كالرطوبة المشتبهة الموجودة في الثوب - أو
~~للشبهة في كونه شرعا مزيلا للحكم (3) المستمر، كالمذي.
# وأما المحقق: فلا يرى دلالة الخبر - على هذا التفسير الذي ذكره له - إلا
~~على حجية الاستصحاب في القسمين الأولين، أعني الشك في حدوث المزيل، أو في
~~صدق المزيل على شئ.
# PageV00P168
# قال هذا الفاضل المعاصر (1) في تفسير الخبر - تبعا للمحقق الخوانساري -
~~ما هذا لفظه: " فمقتضى نقض اليقين بالشك ترك حكم اليقين ومقتضاه، أو ترك
~~الامر المتيقن؟ استنادا إلى الشك، أي تمسكا باحتمال عدمه.
# ولا يخفى أن نقض اليقين بالشك بهذا المعنى يستلزم: أنه لو لم يطرء الامر
~~الموجب للشك - أي احتمال زوال الامر المتيقن - ولا أمر حادث آخر أيضا مضاد
~~لليقين السابق - وإلا لارتفع اليقين السابق قطعا - لكان اليقين السابق
~~باقيا من دون احتياج إلى دليل آخر، أي بمجرد الدليل الدال على الوجود
~~السابق، ms098 وإلا لم يكن نقضا بالشك، إذ لولاه أيضا لكان اليقين منتفيا أيضا.
# وهذا اللازم هو بعينه مراد من قال: إن المراد من عدم نقض اليقين بالشك
~~عدمه عند التعارض - أي تعارض الشك مع اليقين - أي كان المورد بحيث لو لم
~~يطرء احتمال الزوال الموجب للشك لكان اليقين السابق باقيا من غير احتياج
~~إلى علة أخرى.
# وعلى هذا، فلا يدل على حجية الاستصحاب في ما علم استمراره في وقت ولم
~~يعلم بعده، إذ عدم طريان احتمال زوال الحكم فيه من غير تجدد دليل آخر
~~ممتنع، وكلما فرض عدم طريان احتمال الزوال فيه، فلا محالة يكون من جهة علة
~~أخرى " (2) انتهى كلامه.
# ويظهر من المحقق السبزواري أيضا اختيار ما اختاره هذا الفاضل المعاصر -
~~من عدم دلالة الخبر على حجية الاستصحاب في ما إذا ثبت
# PageV00P169
# الاستمرار في الجملة - حيث قال في جملة كلام له في الذخيرة - على ما حكي
~~عنه -: " إن الخبر بظاهره مختص بحكم يكون له استمراره لان الظاهر من النقض
~~ذلك " (1) انتهى.
# والحاصل: أن هؤلاء الاخلاء الثلاثة ينفون دلالة الخبر على ما إذا ثبت
~~الحكم في الجملة - من غير استمرار إلى غاية معينة - وإن افترقوا في دلالته
~~على جميع ما سواه من أقسام الشك أو على بعضه.
# وكيف كان، فلا بد من ملاحظة أن ما ذكره المحقق الخوانساري في تفسير الخبر
~~وتبعه عليه بعض - من أن المراد بالنقض كذا وكذا - ينطبق على استصحاب القوم
~~أيضا، أو لا؟
# وعلى فرض عدم الانطباق فهل ينطبق على استصحابه أو لا ينطبق عليه أيضا،
~~فإن جماعة ممن تأخر عنه - كالسيد صدر الدين في شرح الوافية (2)، والعلامة
~~البهبهاني في رسالته المعمولة في الاستصحاب (3)، ومنهم المصنف - أجابوا عنه
~~بأن ما ذكر في تفسير الخبر جار في استصحاب القوم ومنطبق عليه أيضا. وهو
~~الذي ذكره المصنف في ما بعد بقوله: " وأورد عليه ".
# أقول: ويمكن الجواب عنه، بأن ما ذكر - من أن المراد بالتعارض هو أن يكون
~~شئ يوجب اليقين لولا الشك - لا ينطبق على استصحابه أيضا، وإن أراد ms099 معنى
~~آخر، فهو مشترك بين استصحابه واستصحاب القوم.
# ولنقدم لذلك مقدمة، وهي: أنه يتصور في استصحاب المحقق يقينان:
# الأول: اليقين بالحكم الكلي، وهو أن الطهارة مثلا مستمرة إلى أن
# PageV00P170
# يحدث الرافع، وهذا اليقين إنما يحصل بمجرد قول الشارع وحكه بأن الوضوء
~~إذا حصل فالطهارة مستمرة إلى زمان حدوث البول، أو كذا، أو كذا، فالدليل
~~الشرعي علة تامة لحصول هذا اليقين، ولا يحتاج معه إلى وجود شئ آخر، أو
~~ارتفاع شئ آخر.
# الثاني: اليقين بالحكم الجزئي وهو كون نفسه متطهرا، وهذا اليقين لا يحصل
~~بمجرد قول الشارع، بل لابد - مضافا إلى قول الشارع - من اليقين بتحقق موضوع
~~حكم الشارع، فإذا حكم الشارع بأن الوضوء إذا حصل، فالشخص المتوضئ متطهر إلى
~~أن يحدث منه أحد الروافع، فبمجرد هذا لا يقطع الشخص بتطهره، بل لا بد من
~~أن. بقطع بأنه متوضئ ولم يحدث منه أحد الروافع.
# فاليقين بالحكم الجزئي لا يتحقق إلا بعد تحقق اجتماع يقينين: اليقين
~~بالحكم الكلي، واليقين بتحقق موضوعه.
# فاليقين بالحكم الكلي يقين بالكبرى، واليقين بتحقق موضوعه يقين بالصغرى،
~~والمركب منهما ينتج اليقين بالحكم الجزئي، فكل من اليقينين جزء المقتضي له.
# ومما ذكرنا ظهر: أن بين اليقين بالحكم واليقين بالحكم الجزئي عموم مطلق
~~بحسب التحقق، فكلما تحقق اليقين بالحكم الجزئي تحقق اليقين بالحكم الكلي،
~~وربما يتحقق اليقين بالحكم الكلي ولا يتحقق اليقين بالحكم الجزئي، بل يتحقق
~~الشك، كما إذا لم يتحقق الجزء الاخر من مقتضيه، وهو اليقين بتحقق الموضوع،
~~كما إذا شك في أنه حدث منه الرافع أم لا.
# بل قد يتحقق اليقين بالكلي مع تحقق اليقين بعدم الحكم الجزئي، كما إذا
~~قطع بعدم تحقق الموضوع بان قطع بحدوث البول، فإنه قاطع بالحكم الكلي
~~PageV00P171
# - يعني أن الشخص إذا توضأ فطهارته مستمرة إلى حصول الرافع - لكن لما علم
~~بعدم حصول الموضوع - أعني عدم حصول الرافع - يقطع بعدم الحكم الجزئي،
~~فاليقين بعدم الحكم الجزئي لا ينافي اليقين بالحكم الكلي. بل يؤكده.
# فإن الشارع إذا حكم بأن المكلف بعد التوضي متطهر إلى حال ms100 حدوث الحدث،
~~فهذا الكم هو المقتضي - بمفهومه - لليقين بعدم ثبوت الطهارة لمن حدث منه
~~الحدث.
# وإذا شك في حدوث الحدث، فالحكم الكلي بالطهارة لا يقتضي في حقه شيئا، بل
~~هو بالنسبة إلى منطوق الحكم " الدال على طهارة المتوضئ الغير المحدث "
~~ومفهومه " الدال على عدم طهارة غير المتوضئ أو المتوضئ الذي حدث منه الحدث
~~" سواء.
# وهذان اليقينان حاصلان في استصحاب القوم أيضا، لان اليقين بالحكم الجزئي
~~لا يحصل إلا بهما، لاستحالة اليقين بالنتيجة بدون اليقين بالكبرى والصغرى.
# إلا أن الفرق بين استصحاب القوم واستصحاب المحقق الخوانساري، هو أن
~~الموجب لليقين بالحكم الكلي في استصحاب القوم ليس موجودا في أول الامر،
~~بمعنى أنه لا يفهم من الدليل الأول، ولهذا يشك في ثبوت الحكم الجزئي فالشك
~~في ثبوت الحكم الجزئي، من جهة الشك في جزء مقتضيه، وهو الحكم الكلي الذي
~~يكون بمنزلة الكبرى له. نعم، اليقين بتحقق الموضوع الذي هو له بمنزلة
~~الصغرى موجود.
# وأما استصحاب المحقق، فالامر فيه بالعكس، يعني أن اليقين بالكبرى - أعني
~~الحكم الكلي - موجود، واليقين بتحقق الموضوع له - الذي هو بمنزلة الصغرى
~~لثبوت الحكم الجزئي - غير موجود، ولهذا يشك في ثبوته، فلو وجد PageV00P172
# هذا اليقين لم يحتج ثبوت الحكم الجزئي بعد إلى دليل من جانب الشارع.
# فكل من استصحاب القوم واستصحاب المحقق مشترك مع الاخر في فقدان جزء من
~~جزئي المقتضي لليقين بالحكم الجزئي الحاصل في السابق، بحيث لو ارتفع الشك
~~فيه وتبدل باليقين به لم يحتج إلى شئ.
# نعم، قد يكون الشك في ثبوت الحكم الجزئي من جهة فقدان اليقين بالحكم
~~الكلي الذي هو بمنزلة الكبرى، واليقين بتحقق الموضوع الذي بمنزلة الصغرى،
~~كليهما، كما لو حكم الشارع في زمان باستمرار حكم إلى غاية، مع الشك في ثبوت
~~أصل هذا الحكم الشرعي - أعني كون الحكم المذكور مستمرا إلى غاية - في
~~الزمان الاخر، ثم الشك في هذا الزمان المشكوك في وجود الغاية أيضا، فالشك
~~من جهة الصغرى والكبرى كلتيهما، فالقوم يستصحبون، والمحقق لا يستصحب، نظرا
~~إلى الشك في الكبرى.
# والأصل: ms101 المقصود من جميع ما ذكرنا من التكرارات والتوضيحات، هو أن العلة
~~الموجبة للحكم الكلي بالطهارة لا يقتضي هو بنفسه الحكم الجزئي، بل هو جزء
~~المقتضي. فاجعله في ذكر منك.
# إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: قول المحقق: " إن معنى التعارض، هو أن يكون شئ
~~يوجب اليقين لولا الشك " إن أراد من " اليقين " اليقين بالحكم الكلي، ففيه:
~~أن اليقين في الرواية - الذي نهى المعصوم عن نقضه - هو اليقين بالحكم
~~الجزئي، لا اليقين بالحكم الكلي؟ لأنه غير قابل للنقض إلا بعروض النسخ،
~~ولان الموجب له هو الدليل الدال عليه. وإيجابه له لا يتوقف على رفع الشك،
~~بل يجامع القطع بالحدث.
# ولا تعارض بينه وبين الشك ولا بين القطع بارتفاع الحالة السابقة، فإن
~~العلم بالحكم الكلي - الذي هو أن من توضأ فهو متطهر إلى حدوث PageV00P173
# الحدث - يجامع العلم ببقاء الحالة والشك فيه والقطع بعدمه.
# والحاصل: أن المراد باليقين في عبارته لا يجوز أن يكون: اليقين بالحكم
~~[الكلي] (1) ولا يبعد دعوى القطع بعدم إرادته أيضا.
# وإن أراد منه اليقين بالحكم الجزئي - كما هو الظاهر، بل المقطوع. لأنه
~~الذي يعارض مع الشك - ففيه أولا: أنه لا شئ يتصور كونه موجبا له إلا الدليل
~~الدال على الاستمرار، وقد عرفت: أنه إنما يوجب اليقين بالحكم الكلي الذي هو
~~جزء موجب لهذا اليقين بالحكم الجزئي، فالموجود هو جزء الموجب لليقين بالحكم
~~الجزئي، لا نفسه. والدليل الدال على الاستمرار هو دليل أحد جزئي الموجب
~~لليقين بالحكم الجزئي، وجزؤه الاخر ليس موجودا، وإنما يوجد بانتفاء الشك في
~~وجود المزيل، بشرط أن لا يتبدل بالقطع بوجوده، فأين الشئ الذي يوجب اليقين
~~لولا الشك؟
# فكما أن في استصحاب القوم لا يوجد ما يوجب اليقين، فكذلك في استصحاب
~~المحقق لا يوجد ما يوجبه، إذ قد عرفت: أن الموجود في استصحابه هو الدليل
~~الدال على الحكم الكلي والموجب لليقين به ليس إلا، وهو ليس مقتضيا لليقين
~~السابق، بل هو جزء المقتضي، وما يحدث بسبب ارتفاع الشك - من اليقين بعدم
~~وجود المزيل - جزؤه الاخر.
# نعم، لو ms102 فرض أن الدليل الدال على الاستمرار مقتض لليقين، والشك مانع،
~~لتصور ما ذكره المحقق - من وجود ما يوجب اليقين لولا الشك - في استصحابه،
~~دون استصحاب القوم.
# لكنك قد عرفت: أن الدليل الدال على الاستمرار ليس إلا جزء
# PageV00P174
# ما يوجب اليقين، والشك ليس من قبيل المانع، بل هو سبب لارتفاع أحد جزئي
~~المقتضي، وهو اليقين بعدم حدوث المزيل، لما عرفت - في المقدمة (1) - من أن
~~اليقين بالحكم الجزئي مركب من يقينين، أحدهما: اليقين بالحكم الكلي،
~~والثاني: اليقين بتحقق موضوعه، أعني وجود سبب الحكم وارتفاع مزيله.
# ومما يؤيد ما ذكرنا: قوله عليه السلام في ما بعد: " ولكن ينقضه بيقين آخر
~~" ولا شك أن معنى نقض اليقين باليقين ليس أن يكون في آن اليقين بالخلاف أمر
~~موجب لليقين السابق لولا اليقين، ضرورة أنه لا يوجد في ذلك الآن هذا الشئ.
# مثلا إذا قطع المكلف بحدوث البول، فلا شك أنه ليس هنا ما يوجب اليقين
~~بالطهارة لولا هذا اليقين، إذ لا يتصور ذلك الشئ إلا الدليل، ومعلوم [أنه]
~~(1) لا يوجب الحكم بالطهارة في زمان اليقين بالبول لولا اليقين بالبول.
# وكذا ورد في بعض الاخبار: " أن اليقين لا ينقض بالشك، بل الشك ينقض
~~باليقين " (3) فمقتضى الفقرة الأخيرة - على ما قاله المحقق - هو أن يكون شئ
~~يوجب الشك لولا اليقين، وهو كما ترى.
# فإن قلت: إن المراد باليقين في قوله: " أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك
~~" هو المتيقن السابق، أو الآثار المترتبة على اليقين السابق، ولا شك أن
~~الدليل الدال بعمومه على استمرار الحكم إلى حدوث ما جعل مزيلا يشمل ثبوت
~~الحكم في هذا الآن لولا الشك، فالمقتضي لثبوت الحكم في الآن الثاني
# PageV00P175
# موجود، وهو الدليل الدال على الاستمرار المقتضي بعموم دلالته لثبوت الحكم
~~في هذا الآن، إلا أن الحال طرو المزيل منع من حصول اليقين به.
# قلت: هذا - بعينه - هو الذي دعى جماعة إلى القول بأن مرجع التمسك
~~بالاستصحاب في أمثال هذه الموارد إلى التمسك بعموم النص، فمنعوا الاستصحاب
~~وعملوا بمثل هذا زعما منهم ان ms103 هذا ليس باستصحاب، بل تمسك بعموم النص، ونحن
~~وإن بينا بطلان هذا سابقا، لكن نكرر القول هنا في بطلانه، ونقول: لا شك أن
~~الدليل الدال على استمرار حكم إلى حدوث ما جعل مزيلا له مركب من قضيتين
~~مختلفتين بالايجاب والسلب، فإن معنى " ثبوت الحكم مستمرا إلى حدوث المزيل "
~~هو الحكم بوجود الحكم عند عدم حدوث المزيل وانتفائه عند حدوثه " لأنه معنى
~~مزيلية المزيل.
# لا أقول: إنه من باب مفهوم الغاية، بل إنه مأخوذ في معنى المزيل والغاية
~~والرافع.
# فإذا جعل الشارع الوضوء سببا للطهارة والبول مزيلا، وحكم بأن الوضوء إذا
~~حصل فالطهارة مستمرة إلى زمان حدوث البول، فمعنى ذلك: أن كل من توضأ ولم
~~يبل فهو باق على الطهارة، وكل من بال بعد التوضي فطهارته مرتفعة. فإذا شك
~~بعد الطهارة في حدوث المزيل - وهو البول - فهل يوجد لعموم القضية الكلية
~~الأولى اقتضاء للحكم بكون هذا الشاك متطهرا؟
# أم يكون نسبته إلى القضية الدالة على ثبوت التطهر لمن لم يبل وإلى القضية
~~الدالة على ارتفاعه عمن بال بعد التطهر على السواء؟
# لا أظنك تقول بالأول وترتكب الترجيح بلا مرجح فتعين الثاني، فإذا لم يوجد
~~في الدليل الدال على الاستمرار اقتضاء لثبوت الحكم بالنسبة إلى الشك، فأين
~~الذي يوجب الحكم المتيقن في السابق؟ PageV00P176
# فإن قلت: إن هذا لاجل الشك.
# قلت: يعني عدم كون الدليل مقتضيا لاجل الشك؟ أو أنه مقتض لكن الشك يمنع
~~من المقتضى، كما هو الشأن في الموانع مع المقتضيات؟
# فإن قلت: عدم كونه مقتضيا لاجل الشك.
# قلت: فهو المطلوب، لأنا نقول أيضا: إن مع الشك لا يبقى للدليل الدال على
~~الاستمرار اقتضاء، بل يكون وجوده كعدمه، فيكون هذا الاستصحاب مع استصحاب
~~القوم واحدا، حيث إن الدليل لا يقتضي الحكم في الآن الثاني لاجل الشك.
# وإن قلت: إن الدليل يقتضي الحكم في الثاني، لكنه يمنع من ظهور أثره الشك.
# قلنا: رجعت إلى الترجيح بلا مرجح، فإن القول: بأن القضية الدالة على " أن
~~من توضأ ولم يبل فطهارته باقية " تقتضي الحكم ms104 بالطهارة في الآن الثاني لكن
~~الشك يمنع من ثبوت المقضى، ليس بأولى من أن تقول: إن القضية الدالة على: "
~~أن من توضأ ثم بال بعده فطهارته مرتفعة " تقتضي الحكم بعدم الطهارة في الآن
~~الثاني لكن الشك يمنع من ثبوت المقتضى.
# والحاصل: أن القول بأن للدليل الدال على استمرار الحكم إلى حدوث المزيل
~~اقتضاء لثبوت الحكم المستمر - وهو المتيقن السابق - في الآن الثاني، لا
~~يخفى ما فيه.
# فإذن لا فرق بين أن لا يكون الدليل الدال على الحكم في الآن الأول شاملا
~~للآن الثاني، يعني لا يدل الدليل على الاستمرار - كما في استصحاب القوم -
~~وبين أن يكون الدليل دالا على الاستمرار، لكن يكون مغيى بغاية، وشك في الآن
~~الثاني في وجود الغاية، أو شك في صدق الغاية على شئ، في PageV00P177
# عدم اقتضاء الدليل للحكم في الزمان الثاني.
# فلم يبقى إلا مجرد كون الحكم المذكور يقينيا في الآن السابق، وهذا مشترك
~~أيضا بين الاستصحابين.
# فإن كان هذا القدر كافيا في صدق تعارض الشك واليقين، فليكتف به في
~~الاستصحابين، فلا وجه لرد استصحاب القوم بأن اليقين بحكم في زمان ليس مما
~~يوجبه في زمان آخر، كما قاله هذا المحقق.
# وإن لم يكن هذا القدر كافيا، فقد عرفت أنه لا يبقى في استصحابه أزيد منه.
# ومن هنا ظهر أن ما تمسك به المحقق في رد استصحاب القوم، بأن نقض اليقين
~~في الآن الثاني في استصحابهم ليس بالشك، بل هو بعدم الدليل الذي هو دليل
~~العدم، مقلوب عليه في استصحابه، لما عرفت من عدم الدليل على الحكم في صورة
~~الشك فيه أيضا.
# وأعلم: أن المحقق الخوانساري صرح في موضع من حاشيته على شرح الدروس
~~بجريان الاستصحاب في ما إذا ثبت الاستمرار في الجملة، وقد ذكرنا عبارته
~~سابقا (1).
# ثم إنه قد ظهر مما ذكرنا ما في عبارة الفاضل المعاصر المتقدم ذكرها (2)
~~فإن قوله: " ولا يخفى أن نقض اليقين بالشك بهذا المعنى يستلزم: أنه لو لم
~~يطرء الامر الموجب للشك ولا أمر حادث آخر مضاد لليقين السابق، ms105 لكان اليقين
~~السابق باقيا من دون احتياج إلى دليل آخر، بل بمجرد الدليل
# PageV00P178
# الدال على الوجود السابق " فيه: أن حدوث اليقين السابق إنما كان لامرين:
# اليقين بالحكم الكلي الحاصل من جهة الدليل الشرعي، واليقين بتحقق موضوع
~~ذلك الحكم الكلي، أعني كون الشخص قد توضأ ولم يحدث له المزيل.
# ولا شك أن اليقين الأول - أعني اليقين بالحكم الكلي - باق أبدا ببقاء
~~دليله. وأما اليقين بتحقق الموضوع الذي هو جزء آخر من المقتضي لليقين
~~السابق، فإن تحقق أيضا فيتحقق اليقين السابق، وإلا فلا يتحقق، فعند الشك في
~~حدوث الغاية لما لم يمكن تحققه لم يتحقق اليقين السابق، ولو فرض عدم طرو
~~الشك.
# فتحقق اليقين السابق إنما هو لتحقق هذا الجزء الاخر من المقتضي، لا لمجرد
~~الدليل الدال على الوجود السابق، فعدم تحقق اليقين السابق في آن الشك ليس
~~لوجود المانع وهو الشك، بل لعدم جزء من جزئي مقتضيه، وهو اليقين بتحقق
~~الموضوع للحكم الكلي.
# والحاصل: أن [ه] بعد ما عرفت في المقدمة من أن اليقين السابق المتعلق
~~بالكم الجزئي - وهو كون هذا الشخص طاهرا - لما كان حاصلا بحصول يقينين، كل
~~منهما جزء مقتض له، فعدم اليقين في زمان الشك - سواء كان في استصحاب القوم
~~أو في استصحاب المحقق - لا يكون إلا لفقد أحدهما أو كليهما. لكن المفقود في
~~استصحاب القوم اليقين بالكبرى - أعني الحكم الكلي الشرعي - أو هو مع اليقين
~~بالصغرى - أعني تحقق موضوع ذلك الكلي - أيضا، كما عرفت من المثال في
~~المقدمة. وأما المفقود في استصحاب المحقق فهو اليقين بالصغرى فقط، فكلاهما
~~يشتركان في احتياج كمال المقتضي لليقين فيهما إلى انتفاء الشك الذي يتحقق
~~في ضمنه وجود الجزء الاخر من المقتضي. PageV00P179
# والحاصل: أنا نمنع كون بقاء اليقين السابق من أجل مجرد الدليل، بل هو من
~~أجل الدليل والقطع بالصغرى فهو يحتاج - مضافا إلى الدليل - إلى القطع
~~بالصغرى.
# هذا كله إن أراد باليقين السابق - الذي ادعى بقاؤه بنفس الدليل - نفس
~~اليقين نفسه، أو الامر المتيقن بوصف أنه متيقن.
# وإن أراد نفس الامر ms106 المتيقن مع قطع النظر عن تيقنه، ففيه: أن نفس ذلك
~~الامر لا يحتاج بقاؤه إلى فرض انتفاء الشك، بل لو بقي بقي مطلقا - شككت أو
~~لم تشك - ولو انتفى انتفى كذلك.
# فإن قلت: إن المقصود أن بارتفاع الشك يكشف عن أنه كان في نفس الامر باقيا
~~بنفس الدليل الأول.
# قلنا: فكذلك في استصحاب القوم، إذا ارتفع الشك الناشئ عن الشك في شمول
~~الدليل للآن الثاني، فيكشف ذلك عن بقاء الحكم بنفس الدليل الأول.
# ومن جميع ما ذكرنا يظهر ما في قوله في مقام تفسير كلام المحقق
~~الخوانساري: " أي كان المورد بحيث لولا يطرء احتمال زوال الامر الموجب
~~للشك، لكان اليقين السابق باقيا من غير احتياجه إلى علة أخرى " (1).
# فإنه إن أراد أن اليقين السابق لا يحتاج مع وجود الدليل الأول إلى شئ
~~أصلا، فقد عرفت أنه يحتاج إلى اليقين الذي يتحقق في ضمن ارتفاع الشك.
# وإن أراد أنه مضافا إلى هذا لا يحتاج إلى شئ آخر، ففيه: أن في
# PageV00P180
# استصحاب القوم أيضا لا يحتاج اليقين السابق إلى شئ سوى اليقين الذي يتحقق
~~في ضمن ارتفاع الشك، لكن المحتاج إليه في استصحاب المحقق هو اليقين
~~بالصغرى. وفي استصحاب القوم هو اليقين بالكبرى، ولا يوجب هذا تفاوتا.
# قوله: " إذ عدم طريان الحال زوال الحكم - في استصحاب القوم - من غير تجدد
~~دليل ممتنع، فكلما فرض عدم طريان احتمال الزوال فيه، فلا محالة يكون من جهة
~~علة أخرى " (1).
# فيه: أن عدم طريان احتمال زوال الحكم - في استصحاب المحقق - من غير تجدد
~~يقين بالصغرى ممتنع، كيف! والشك لا يحصل إلا من جهته، فكلما فرض عدم طريان
~~احتمال زوال الحكم فيه، فلا محالة يكون من جهة دليل موجب لليقين بالصغرى.
# فإن قلت: لا نقول: إن الشك لو حصل ثم ارتفع فلا يحتاج إلى شئ في استصحاب.
~~بل نقول: لو فرضنا عدم طروه من أول الامر، وأن الامر كان كما كان، لم يحتج
~~إلى شئ.
# قلنا: قد سمعت مرارا أن اليقين بالحكم السابق في كل آن فرض ms107 لا يكون إلا
~~بعد حصول يقينين - اليقين بالصغرى واليقين بالكبرى - ففي الآن السابق لما
~~اجتمع اليقينان حصل ذلك اليقين، وفي لان الثاني اليقين بالكبرى باق ببقاء
~~دليله الشرعي، وأما اليقين بالصغرى: فإن فرض أيضا سبب جار في الآن الثاني
~~فلا يشك في بقائه أيضا، فيحصل اليقين السابق في هذا الآن أيضا. وإن لم يكن
~~له سبب جار في هذا الزمان سار إليه، فنقول: مجرد كون
# PageV00P181
# شئ يقينيا في السابق لو كان عندك موجبا للحكم ببقائه في اللاحق، فما بالك
~~لا تقول به في استصحاب القوم؟ فإن اليقين بالحكم الجزئي كان في السابق
~~لوجود يقينين، والآن لا يوجب لأحدهما - وهو اليقين بالكبرى - أو لكليهما،
~~فاحكم ببقائه لتحكم ببقاء اليقين السابق.
# وإن لم يكن مجرد وجود شئ في السابق موجبا لبقائه، فنقول: إن اليقين
~~بالصغرى كان موجودا في السابق لامر غير جار في الآن الثاني، فكيف تقول: لو
~~فرض عدم طريان الشك لكان اليقين السابق باقيا من غير احتياج إلى شئ آخر؟
# والحاصل: أنه لا فرق بين استصحاب القوم واستصحاب المحقق في الاحتياج إلى
~~تجدد ما يوجب اليقين، إما بالكبرى كما في استصحاب القوم، أو الصغرى كما في
~~استصحاب المحقق.
# وأما ما ذكره المحقق السبزواري " من أن الظاهر من النقض هو أن يكون للحكم
~~استمرار " (1).
# فإن استند في الظهور إلى مثل ما ذكره المحقق الخوانساري من أن النقض إنما
~~يتصور عند تعارض اليقين والشك، والمراد بالتعارض أن يكون شئ يوجب اليقين
~~لولا الشك - وأوضحه الفاضل المعاصر - فقد عرفت:
# أنه لا يتصور في آن الشك إلا الدليل الدال على الاستمرار، وهو لا يوجد له
~~اقتضاء لليقين السابق حتى يعارضه الشك، كما لا اقتضاء له، له في زمان
~~اليقين بوجود الغاية. بل مقتضى نفس ذلك الدليل الدال على الحكم إلى حدوث
~~المزيل هو الحكم بابطال أثر اليقين السابق.
# PageV00P182
# مع أن المعصوم عليه السلام أطلق " النقض " على ذلك، فيكشف ذلك عن أن
~~المراد بالنقض المنهي عنه، هو مجرد ترك اليقين السابق والاعتناء بالشك
~~اللاحق.
# وإن ms108 استند في الظهور إلى التبادر وفهم العرف، بأن يدعي أن المتبادر من
~~نقض اليقين بالشك هو ما إذا كان دليل هذا اليقين له استمرار إلى زمان
~~المزيل، بأن يكون الدليل بعقديه - الايجابي الحاصل من المنطوق، والسلبي
~~المأخوذ في مفهوم مزيلية المزيل - شاملا لحالتي المكلف الواقعتين - قبل
~~المزيل وبعده - فنقول:
# مقتضى الانصاف أن هذا حق، لكن في الجملة، أي في بعض موارد صورة وجود
~~الدليل على الاستمرار، لا في جميعها.
# بيان ذلك: أن الحكم المدلول عليه بذلك الدليل قد يكون مما علم من الخارج
~~أنه إذا تحقق فلا يرتفع إلا برافع له، ولا يكون ارتفاعه من جهة اختصاص
~~استعداده ببعض الزمان دون بعض، كالطهارة - مثلا - والزوجية الدائمة والرقية
~~والملكية، فإنها كلما تحققت فهي بحسب الاستعداد قابلة للبقاء أبدا ولا
~~ترتفع إلا برافع ينقض استعدادها.
# وقد يكون مما لم يعلم من الخارج له ذلك، كالوجوب والتحريم ونحوهما، فإنها
~~ليست كالأمور السابقة في أنها إذا تحققت لا ترفع إلا بالرافع.
# بل قد يكون من قبيل العقد المنقطع، والتحليل - مثلا - في ارتفاعها
~~بانقضاء استعداداتها، ولا يكون هنا نقض ورفع، بل انتقاض وارتفاع، بل هما
~~غير موجودين، لأنهما فرع الأولين.
# فإذا دل دليل على ثبوت حكم يكون من القسم الأول إلى غاية، فيعلم أن تلك
~~الغاية إما رافعة أو كاشفة عن رافع، بحيث يكون ناقضا PageV00P183
# للحكم المغيى، فيكون المعصوم قد نهى عن نقض ذلك الحكم بمجرد الشك في تلك
~~الغاية، وأمر بأن لا ينقض إلا بالناقض والرافع اليقيني.
# وأما إذا دل الدليل على استمرار حكم يكون من القسم الثاني إلى غاية،
~~فيمكن أن تكون تلك الغاية رافعة أو كاشفة عن رافع، ويمكن أن تكون آخر زمان
~~استعداد الحكم أو كاشفا عن آخره، فلا يتصور هنا نقض ورفع حتى ينهى عنه.
# وبالجملة: نقض اليقين بالشك إنما يصدق - عرفا - إذا صدق " النقض " في حال
~~العلم بالغاية، كما يصدق أن الطلاق ناقض للزوجية، ولا يصدق إذا لم يكن نقض
~~في حال العلم بالغاية، كما لو كانت من قبيل ms109 حدوث آخر مدة العقد المنقطع أو
~~التحليل.
# فكل حكم يكون الغاية له من قبيل الطلاق - مثلا - فيصدق النقض في حالتي
~~الشك واليقين، فيتصور نهي المعصوم عنه في حالة الشك، كالأمثلة المذكورة في
~~القسم الأول. وكل حكم يحتمل أن يكون الغاية له من قبيل انتهاء مدة التحليل
~~والتمتع، فلا يصدق فيه النقض.
# فعلم من ذلك: أن مطلق الحكم الذي دل الدليل على استمراره إلى غاية لا
~~يستقيم فيه دعوى التبادر والظهور العرفي في صدق النقض هناك.
# فإن أراد هؤلاء الاجلاء من الحكم المستمر إلى الغاية - الذي يخصون مدلول
~~الرواية به - ما كان من قبيل القسم الأول، بأن تكون الغاية مزيلة له، فيمكن
~~أن يصدقهم الفهم العرفي.
# وإن أرادوا مطلق ما إذا ثبت حكم إلى غاية - ولو كان الغاية له من قبيل
~~الكاشف عن انقضاء مقدار الاستعداد - فلا نسلم الفهم العرفي.
# ولكن الأولى - بل المتعين - هو تفسير النقض بمجرد ترك الامر المتيقن
~~PageV00P184
# والاعتناء بالشك، وهذا هو المعنى العرفي للنقض أيضا، لا ما ذكروه من
~~التدقيق، سيما بملاحظة ما ورد عنهم عليهم السلام في بعض هذه الروايات من: "
~~أن الشك ينقض باليقين " (1) فإن المعنى الذي ذكروه للنقض لا يستقيم هنا،
~~فليحمل على مجرد الترك والاعتناء بالخلاف.
# [قوله] قدس سره: " وأورد عليه ".
# [أقول]: هذا المورد هو السيد صدر الدين في شرح الوافية، حيت إنه بعد ما
~~ذكر صورا لا يحتاج إلى الاستصحاب في بعضها ولا يجري في بعضها الاخر، قال: "
~~وبقيت صور اخر:
# منها: أن يعلم من دليل وجود الشئ في زمان أو على حالة، مع احتمال أن لا
~~يدوم، ويزول بانقضاء الزمان وتغير الحالة، وأن يدوم مع الانقضاء والتغير،
~~مع احتمال أن يكون له مزيل وغاية في الواقع، وأن لا يكون، فعلى التقدير
~~الأول قد يعلم وجود ما يحتمل أن يكون غاية ومزيلا، وقد يشك فيه.
# ومنها: أن يعلم وجوده واستمراره إلى غاية أو إلى حدوث مزيل، ولم يعلم متى
~~هي؟ وهل حدث أم لا؟
# ومنها: أن يعلم وجوده واستمراره إلى غاية معينة ms110 أو إلى حدوث مزيل معلوم،
~~ولم يعلم هل تحققت الغاية وحدث المزيل أم لا؟
# ومنها: أن يعلم وجوده واستمراره في الجملة، ولم يعلم أنه ثابت دائما أو
~~في بعض الأوقات إلى غاية أو حدوث أمر، ثم وجد شئ ولم يعلم هل هو غاية ومزيل
~~أم لا؟ وهل يصدق عليه الغاية والمزيل أم لا؟
# PageV00P185
# وجميع هذه الصور مشتركة في حصول رجحان البقاء بعد ملاحظة الوجود المتقدم
~~المتيقن، فيمكن لمن عول على مثل هذا الظن إثبات الحكم بتوسطه في الزمان
~~الثاني، وإن جاز إثباته بغيره أيضا من دليل عقلي أو نقلي، كما يأتي بيانه
~~(1).
# وكذا كلها مشتركة في أن الشك لو فرض عدم عروضه في الزمان الذي عرض فيه -
~~أو عند الحالة التي فرض عروضه عندها - لكنا قاطعين بالبقاء، لان عدم العروض
~~إنما يكون عند القطع بأن جزء من أجزاء علة الوجود لم يرتفع، ومع عدم
~~ارتفاعه يحصل اليقين بوجود المعلول، لما مر من أن بقاء المعلول إنما هو
~~ببقاء العلة التامة، وزواله إنما هو بعدمه.
# وتفاوت الوجودين - في أن أحدهما قطعي الوجود في قطعة قصيرة من الزمان
~~بحيث لا يصدق على الوجود فيها أنه مستمر، والاخر قطعي الوجود في قطعة طويلة
~~ويصدق على الوجود فيها أنه مستمر - لا يصير منشأ للاختلاف، حتى يقال: إن
~~الشك لو لم يعرض في الثاني لكان هناك شئ موجب لليقين، بخلاف الأول.
# والدليل - مثل النص - لابد أن يكون في كل من هذين الشقين محتملا لان يراد
~~منه الدوام - بحيث يشمل ما بعد القطعة الصغيرة والكبيرة - وأن يراد منه عدم
~~الدوام، أعني اختصاص الوجود بنفس القطعتين " (2) انتهى موضع الحاجة من
~~كلامه زيد في علو مقامه.
# وفي موضع آخر - عند رد ما قاله المحقق الخوانساري في مقام رد
# PageV00P186
# استصحاب المشهور: من " أن اليقين بحكم في زمان ليس مما يوجب اليقين به في
~~زمان آخر لولا عروض الشك " (1) - قال: " اليقين بوجود الشئ يدل على وجود
~~جميع ما يتوقف عليه ذلك الشئ، فلولا عروض الشك في ارتفاع جزء من أجزاء ms111 ما
~~يتوقف عليه لكنا قاطعين بوجود علته التامة " (2) انتهى.
# ووافقه في هذا الايراد العلامة البهبهاني - في رسالته المعمولة في
~~الاستصحاب - قال قدس سره -. في مقام رد المحقق الخوانساري - بعد كلام طويل
~~له في الرد -: " إن ما ذكره - يعني المحقق - في منع دلالة الاخبار على
~~مطلوب القوم قد عرفت فساده: من أن مطلوبهم وثمرة نزاعهم ليس في الحكم
~~الاني، بل الذي يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك، الحاصل من تغير العلة " (3)
~~انتهى كلامه رفع مقامه. والمصنف قدس سره. وافقهما على الايراد المذكور.
# وحاصل هذا الايراد: هو ادعاء أن ما ذكره المحقق الخوانساري في تفسير "
~~النقض " جار في استصحاب القوم أيضا، كما هو جار في استصحابه - عكس ما ذكرنا
~~من الجواب - حيث إن حاصله كان منع جريان التفسير المذكور في استصحابه، كما
~~هو غير جار في استصحاب القوم إلا أن يراد به شئ يجري فيهما، وقد اتضح سابقا
~~بما لا مزيد عليه.
# ولكن الحق أن ما ذكره هؤلاء الاجلاء لا ينهض جوابا لما ذكره هذا المحقق،
~~نظرا إلى أنه قد فسر التعارض اللازم من النقض، بأن يكون شئ يوجب اليقين
~~لولا الشك، بمعنى أنه لو لم يكن الشك لثبت اليقين بنفس ما أوجب اليقين
~~السابق، وهو الدليل الدال على الحكم الأول، ومعلوم أن
# PageV00P187
# المفروض أن الدليل على الحكم في الزمان الأول - في استصحاب القوم - لا
~~يدل على الاستمرار، بل يحتمل أن يكون قد أريد منه الاستمرار، ويحتمل أن
~~يكون قد أريد منه بيان الحكم في الزمان الأول فقط.
# وعلى التقدير الأول: فيحتمل أن تكون العلة للحكم في الزمان الأول هي
~~بنفسها علة للحكم في الزمان الثاني. ويحتمل أن تكون غيرها.
# وعلى التقدير الثاني: فيحتمل أن يثبت الحكم في الزمان الثاني بدليل آخر
~~غير هذا الدليل الأول المسوق لبيان الحكم في الزمان الأول، ويحتمل أن لا
~~يثبت الحكم في الزمان الثاني، كما لم يكن الدليل الأول شاملا له أيضا.
# فهذه أربعة احتمالات، يكون الحكم في الزمان الثاني في الثلاثة الأولى
~~منها هو نفس ms112 الحكم في الزمان الأول، وحينئذ فنقول:
# القطع الذي يحصل - بفرض ارتفاع الشك في زمانه - بثبوت الحكم كما كان في
~~السابق قد يحصل بكشف كاشف عن أن الدليل الأول كان دالا على الاستمرار، وقد
~~يحصل بكشف كاشف عن ثبوت الحكم في الثاني - وإن لم يكن المقصود من الدليل
~~الأول ذلك - وكذلك قد يحصل بالكشف عن بقاء نفس علة الوجود في الأول إلى
~~الزمان الثاني، وقد يحصل بالكشف عن تجدد علة أخرى غير الأولى، ولو كانت
~~المغايرة بتبدل جزء من أجزاء العلة الأولى.
# ولا شك أن هذا القطع الحاصل على فرض ارتفاع الشك بجميع أطواره المذكورة
~~لم يكن له موجب في الآن الأول، إذ لم يوجد في الآن الأول إلا أمور ثلاثة:
~~الدليل الذي دل على الحكم في الزمان الأول، واليقين بنفس الحكم المدلول
~~عليه بذلك الدليل، واليقين بوجود العلة لهذا الحكم المكشوف عنها بذلك
~~الدليل، ومعلوم أن لا شئ من هذه الثلاثة يوجب القطع المذكور PageV00P188
# لو ارتفع الشك.
# أما الدليل الدال على الحكم الأول: فلان المفروض أنه لا يدل إلا على
~~الحكم في الزمان الأول، وإن احتمل أن يكون قد أريد به في متن الواقع
~~الاستمرار، بل وإن كان القطع الحاصل - عند فرض ارتفاع الشك - بالكشف عن
~~دلالته على الاستمرار، لكن هذه الدلالة تتجدد له بعد هذا الكشف، ففي
~~الحقيقة تجدد الدليل على الحكم في الزمان الثاني بوصف كونه دليلا وإن كان
~~ذات هذا الدليل مجردة عن وصف الدلالة موجودة في السابق، لكن الموجب لليقين
~~هو الدليل بوصف الدليلية لا بذاته المجردة عن هذا الوصف.
# وأما الأخيران - يعني اليقين بالحكم في الزمان الأول واليقين بوجود العلة
~~- فلا يوجبان أيضا القطع الحاصل عند فرض ارتفاع الشك لما ذكره هذا المحقق
~~في استدلاله: من " أن اليقين بوجود شئ في زمان لا يوجب اليقين به في زمان
~~آخر لولا عروض الشك ".
# والحاصل: أن الفرق بين استصحاب هذا المحقق وبين استصحاب القوم بما ذكرناه
~~هنا وأشرنا إليه سابقا (1) مما لا يمكن انكاره، فالمناسب للجواب عنه ms113 ما
~~ذكرنا سابقا، وحاصله: إن أريد بثبوت الموجب لليقين في آن الشك ثبوت تمام
~~المقتضى له فلا يوجد في استصحابه، وإن أريد به جزء الموجب فلم يحصل التعارض
~~الذي ذكره في تفسير النقض، مع أنه قد يوجد جزء الموجب في استصحاب القوم،
~~كما لو قطع بتحقق صغرى الحكم، وكان الشك في ثبوت الحكم الكلي الذي هي
~~الكبرى، عكس مورد استصحاب المحقق، حيث إنه يوجد فيه أن الشك القطع بثبوت
~~الكبرى من جهة الدليل
# PageV00P189
# الدال على الاستمرار، ويكون الشك في صغراه.
# نعم، يمكن أن يفرض انتفاء الشك في استصحاب القوم، بحيث يتحقق اليقين
~~بالحكم من جهة نفس الدليل، في ما إذا كان الشك في بقاء الحكم من جهة الشك
~~في كون الحالة الحادثة - كوجدان الماء للمتيمم مثلا - مغيرة للحكم، بأن
~~نفرض انتفاء الشك بفرض انتفاء الوجدان، لا بفرض اليقين بعدم كونه مغيرا
~~للحكم، وذلك لان فرض انتفاء الشك في الآن الثاني، قد يكون بفرض تحقق القطع
~~بعدم كون الحالة الحادثة فيه مغيرة، وحينئذ يحصل اليقين بالحكم السابق من
~~نفس سبب القطع المتجدد ودليله، لا من الدليل الأول.
# وقد يكون بفرض انتفاء نفس الحالة أعني الوجدان - وحينئذ يكون اليقين
~~بالحكم بنفس الدليل الأول -.
# فإن قلت: إن المقصود هو إثبات الحكم في زمان الوجدان، فلا بد أن يكون هو
~~مورد الشك واليقين المتحقق بفرض انتفاء الشك.
# قلت: استصحاب المحقق أيضا كذلك " فإن المفروض أن زمان الشك في وجود
~~المزيل هو زمان الشك في بقاء الحكم، فلا بد أن يكون هو مورد الشك واليقين
~~المتحقق بفرض انتفاء الشك.
# مع أن فرض انتفاء الشك لا يمكن إلا بإرجاعه إلى زمان عدم تحقق الشك في
~~المزيل، فلا بأس بفرض انتفاء الشك في استصحاب القوم، بحيث يرجح إلى زمان
~~عدم تلك الحالة.
# هذا، مع أنه لا يوجب التسوية بين استصحابهم واستصحاب المحقق في جميع فروض
~~انتفاء الشك، الظاهر أنه خلاف مقصود الموردين، فإن مقصودهم من فرض انتفاء
~~الشك في كون الحالة مغيرة مع بقائها، كما ينادي بذلك ms114 عبارة السيد الصدر،
~~حيث قال: " إن الشك لو فرض عدم عروضه PageV00P190
# عند الحالة التي فرض عروضه عندها، لكنا قاطعين بالبقاء " (1).
# إذا عرفت ما تلونا، فلنرجع إلى ما في كلام السيد (2) فنقول:
# أما قوله: " وكلها مشترك في أن الشك لو فرض عدم عروضه في الزمان الذي عرض
~~فيه، أو عند الحالة التي فرض عروضه عندها لكنا قاطعين ".
# ففيه: أنه لا كلام في أن ارتفاع الشك - يعني احتمال زوال الحكم السابق -
~~مستلزم للقطع بالبقاء، لكن الكلام في أن الموجب لهذا القطع موجود في السابق
~~من جهة الدليل الدال على الحكم الأول، بحيث ينتظر في حصول موجبه ارتفاع
~~الشك، أم لا؟ ومعلوم أن ذلك موجود في استصحاب المحقق، دون استصحاب القوم،
~~كما عرفت.
# وأما قوله: " لان عدم العروض إنما يكون عند القطع بأن جزء من اجزاء علة
~~الوجود لم يرتفع ".
# ففيه، أولا: منع الحصر، إذ قد يكون عدم عروض الشك بسبب القطع بانتفاء علة
~~الوجود الأول كلا أو بعضا مع تجدد أخرى مقامها أو جزء آخر مقام المرتفع.
# وثانيا: أن هذا القطع بعدم ارتفاع جزء من أجزاء العلة السابقة لا يوجد ما
~~يوجبه، إذ لم يوجد في السابق إلا القطع بوجوده في ذلك الوقت، وقد قال
~~المحقق: " إن القطع بوجود شئ في آن، لا يوجب القطع بثبوته في آن آخر لولا
~~الشك " (3) نعم، يكشف هذا القطع المتجدد عن ثبوت علة
# PageV00P191
# الوجود الثانوي في الآن الأول في نفس الامر، لكن ثبوته في نفس الامر لا
~~يجدي في إيجاب القطع به في الآن الثاني.
# فإن قلت: استصحاب المحقق كذلك أيضا، لان في زمان الشك لا يوجد ما يقتضي
~~اليقين بثبوت الحكم في الآن الثاني، بل القطع المتجدد عند ارتفاع الشك بعدم
~~حصول الغاية يكشف عن دخول هذا الزمان في نفس الامر في عموم الحكم الثابت
~~لما قبل الغاية.
# قلت: هذا رجوع إلى جوابنا السابق، الراجع إلى منع جريان ما ذكر المحقق من
~~تفسير النقض والتعارض في استصحابه أيضا.
# وأما قوله: (1) " وتفاوت الوجودين في أن أحدهما ms115 قطعي الوجود في قطعة
~~قصيرة من الزمان... الخ ".
# فإن أراد به الرد على المحقق أيضا، فلا يخفى أن المحقق لم يستند في ما
~~ادعاه - من الفرق بين استصحابه واستصحاب القوم - إلى تفاوت زمان ثبوت الحكم
~~السابق فيهما في القصر والطول، بل استند فيه إلى تحديد الزمان في استصحابه
~~وعدم تحديده في استصحاب القوم.
# وإن أراد به التفرقة بين الصورة الأولى من الصور التي ذكرها.
# والصورة الأخيرة منها، فله وجه لو ادعى أحد الفرق بينهما، فتأمل.
# وأما قوله: " والدليل - كالنص - لابد أن يكون في كل منهما محتملا لان
~~يراد... الخ ".
# ففيه: أن كون الدليل محتملا لإرادة الاستمرار " بل كونه مرادا منه في متن
~~الواقع، بكشف القطع الحاصل عند فرض ارتفاع الشك عن ذلك،
# PageV00P192
# لا يوجب وجود الموجب لليقين، فإن الدليل لا يكون دليلا في كل آن إلا
~~بالنسبة إلى ما يدل عليه بطور القطع أو الظن.
# هذا إن أراد بالفقرة المذكورة رد المحقق، وإن أراد به شيئا آخر فلا
~~يمكننا تسليمه.
# ومن جميع ذلك يظهر ما في كلام العلامة البهبهاني، فإن محل النزاع وإن لم
~~يكن في الحكم الاني، إلا أنه ليس منحصرا في الحكم المحدود الذي يكون دليله
~~موجبا لليقين لولا الشك، فتأمل.
# ثم، يجوز أن يكون مراد هؤلاء الاجلاء - مما ذكروه في الرد - هو أن الذي
~~أراده المحقق من كلامه الجاري في استصحابه جار في استصحاب القوم، فلا ينافي
~~ذلك ما أجبناه به من أن ظاهر كلامه لا يجري في استصحابه أيضا.
# [قوله] قدس سره: " لضرورة عدم الواسطة بين الشك واليقين السابق ".
# [أقول]: قد عرفت أن عدم الواسطة بين اليقين والشك ليس محل كلام لاحد، لكن
~~هذا المحقق يقول: إن اليقين المتحقق عند فرض ارتفاع الشك قد يكون بنفس
~~الدليل الدال على الحكم في الآن الأول - أي بنفس تلك الدلالة وبذلك المقدار
~~منها - وقد يكون بسبب. تجدد أمر موجب له، ولو بالكشف عن إرادة الاستمرار من
~~الدليل الأول.
# [قوله] قدس سره: " فإن المراد بالشك هنا ما ينافي اليقين السابق... ms116 إلى
~~قوله: مع أن ذلك يضر المستدل أيضا، فإن الشك في ما فرضه على هذا التقدير
~~إذا فرض انتفاؤه فلا يثبت استصحابه، لاحتمال تحققه في ضمن القطع بعدم الحكم
~~السابق لا بانسحابه ".
# [أقول]: أورد عليه المحقق المعاصر السابق - الموافق للمحقق PageV00P193
# الخوانساري في نفي دلالة الخبر على حجية استصحاب القوم - ب " أن سبب
~~الشك في هذا القسم الثالث - يعني به استصحاب القوم - هو عدم دليل على شئ من
~~البقاء والعدم، وفرض انتفائه لا يكون إلا بوجود الدليل على أحدهما، ومن أين
~~علم أن بانتفائه يتحقق الدليل على الوجود؟ ومتى وقع الفراغ عن احتمال
~~العدم؟
# وذلك بخلاف الأولين، فإن دليل البقاء موجود، فلو فرض عدم طرو موجب الشك
~~ولا حدوث أمر مضاد للسابق لبقي اليقين السابق قطعا، لكونه إما مستمرا أبدا،
~~أو مغيى بغاية لا بد من حدوثها في انتفائه، بخلاف القسم الثالث، فإنه غير
~~معلوم البقاء ولو لم يحدث أمر مضاد أصلا، لكون ذاته كذلك "، (1) إنتهى.
# ومراده من الأولين: ما ثبت استمراره أبدا ولم يعلم له مزيل، وما ثبت
~~استمراره إلى غاية، وضابطهما: ما كان الدليل الدال على الحكم الأول جاريا
~~إلى زمان الشك لولا الشك، ولم يكن الشك من جهة الشك في دلالة الدليل عليه
~~بالذات.
# ومراده من القسم الثالث: استصحاب القوم، أعني ما كان الشك في الآن اللاحق
~~من جهة الشك في شمول الدليل له.
# أقول: فيه أولا: أن كلام المصنف إنما هو مع المحقق الخوانساري، حيث إنه
~~ادعى في استصحابه " أنه لولا الشك لثبت اليقين " ولم يكن في كلامه قوله: "
~~ولا حدوث أمر مضاد للسابق ". فحينئذ لا شك في أن مراده من " الشك " مجرد
~~احتمال الزوال، لأنه لو كان مراده منه الترديد - المركب من
# PageV00P194
# احتمالي الزوال والبقاء - لتوجه عليه ما أورده المصنف، من أن انتفاء
~~الترديد لا يلازم حصول اليقين ببقاء الحالة السابقة، بل قد يكون في ضمن
~~اليقين بعدم البقاء.
# نعم، حيث اقترن مع انتفاء الشك انتفاء حدوث أمر مضاد للسابق - كما فعله
~~الفاضل المعاصر - أمكن أن ms117 يراد من الشك الترديد أيضا.
# لكن مع هذا الاقتران أيضا يرد عليه: أن المراد من " الامر المضاد " -
~~الذي اقترن انتفاؤه مع انتفاء الشك في ثبوت اليقين - إن كان هو اليقين
~~بالخلاف، ففيه: أن هذا لم يجد فرقا، لان في استصحاب القوم أيضا إذا فرض
~~انتفاء الشك واليقين بالخلاف معا لثبت اليقين.
# فإن قلت: إن اللازم من فرض انتفاء الامرين في استصحابنا بقاء اليقين
~~السابق - كما عرفت من العبارة - واللازم من فرض انتفائهما في استصحاب القوم
~~تجدد موجب لليقين، لا بقاء نفسه بالموجب السابق.
# قلت: قد عرفت سابقا أن اللازم من انتفائهما في استصحابك أيضا تجدد موجب
~~لليقين، لا بقاؤه بالموجب السابق، نظرا إلى ما عرفت في مقدمة جوابنا: من أن
~~الموجب لليقين السابق جزءان، اليقين بالكبرى الحاصل من الدليل الشرعي،
~~واليقين بتحقق الموضوع وهي الصغرى الحاصل من الخارج، ولا ريب أن اليقين
~~بالكبرى ولو كان باقيا حال الشك فالشك بتحقق الصغرى غير باق، ومن البين أن
~~مجرد كونه يقينيا في السابق لا يجدي في كونه يقينيا في اللاحق، لعين ما
~~قلتم في استصحاب القوم، من أن اليقين بحكم في زمان لا يوجب اليقين به في
~~زمان آخر، فلم يبقى إلا أنه يتجدد الموجب لهذا اليقين عند فرض ارتفاع الشك،
~~وتجدد الموجب لجزء المقتضي يستلزم تجدد المقتضى وإن كان جزؤه الاخر باقيا
~~غير متجدد. PageV00P195
# فثبت من جميع ذلك: أن اللازم في استصحابكم أيضا هو تجدد الموجب لليقين
~~السابق حيث ينتفي الشك في وجود المزيل والقطع بوجوده، ويوجد القطع بعدمه،
~~لان هذا القطع بالعدم - الحاصل من انتفاء الامرين - هو جزء الموجب لليقين
~~السابق، وجزؤه الاخر الدليل الشرعي، وقد أوضحنا لك هذا بما كاد يشمئز
~~الطباع من طوله.
# وإن كان المراد من " الامر المضاد " هو نفس ذلك الامر المزيل المشكوك
~~الوجود، فإن أراد به عدم حدوثه في نفس الامر، ففيه: أنه لا يجدي في
~~استلزامه لليقين السابق، إذ مع عدم حدوثه في نفس الامر، فقد يكون انتفاء
~~الشك في ضمن القطع بعدم حدوثه ms118 - كما هو كذلك في نفس الامر - وقد يكون في
~~ضمن القطع بحدوثه مخالفا لما هو في نفس الامر.
# وإن أراد به عدم حدوثه مع القطع بعدم الحدوث، ففيه: أنه راجع إلى
~~الاحتمال الأول، لان معنى الكلام حينئذ: لو لم يحدث شك في حدوث المزيل وقطع
~~بعدم حدوثه لتحقق اليقين السابق، وقد عرفت أن مثله جار في استصحاب القوم،
~~إذ هناك أيضا لو لم يحدث الشك في ارتفاع علة الوجود - كلا أو جزء - أو قطع
~~بعدم ارتفاعه لتحقق اليقين السابق أيضا.
# وإن كان المراد من " الامر المضاد " أمرا مضادا آخر غير هذا المزيل
~~المشكوك الوجود - الذي فرض ارتفاع الشك في وجوده - فنرجع الكلام السابق،
~~وهو: أنه هل المراد من فرض ارتفاع الشك في هذا المزيل المشكوك الوجود
~~ارتفاعه في ضمن القطع بالعدم أو القطع بالوجود؟ فكلما تقول هنا فنقول به في
~~استصحاب القوم.
# هذا كله، مضافا إلى أن ما ذكره منقوض بما إذا شك في صدق المزيل على الشئ
~~الحادث في الزمان الثاني، فإنه يرى دلالة الخبر على حكم الشك PageV00P196
# في بقاء الحالة السابقة الناشئ عن هذا الشك، كما إذا غسل الثوب النجس
~~بماء السيل المشكوك صدق الماء عليه، فإن بعد الغسل المذكور الموجب للشك في
~~بقاء النجاسة، نقول: إذا فرض انتفاء الشك في صدق الغسل الشرعي عليه وعدم
~~حدوث أمر مضاد للسابق، لا يعلم منه بقاء اليقين السابق أصلا، لاجتماعه مع
~~اليقين بعدم الصدق أيضا، فلا بد إما أن يقيد انتفاء الشك المفروض بعدم كونه
~~في ضمن القطع بعد الصدق، أو تقول: إن المراد بالشك - المفروض الانتفاء - هو
~~احتمال عدم الصدق الموجب لاحتمال زوال اليقين السابق - أعني النجاسة - ولما
~~لم يقيده المحقق الخوانساري بالأول، فلا محالة لابد أن يكون قد أراد منه
~~الثاني، فتأمل.
# والحاصل: أن ما ذكره المصنف هنا حق، وإن كان أصل الجواب الذي ذكره رحمه
~~الله تبعا للسيد الصدر والعلامة البهبهاني - كما عرفت (1) - لم ينهض ردا
~~على المحقق، من جهة أنه لم يكن موجبا للتسوية بين استصحاب ms119 القوم واستصحاب
~~المحقق، إلا في بعض صور فرض انتفاء الشك، كما عرفت سابقا.
# [قوله] قدس سره: " لا يقال: إن الشك قد يوجبه نفس الدخول في الآن الثاني
~~".
# [أقول]: هذا الاعتراض في غاية الفساد، لما عرفت من أن مراد الموردين على
~~المحقق - من ادعاء التسوية بين استصحاب القوم واستصحابه - هو أنه لو فرض في
~~استصحاب القوم انتفاء الشك في الزمان الذي عرض فيه أو عند الحال التي عرض
~~عندها لكنا قاطعين بالبقاء، وليس مرادهم أنه لو فرض انتفاء نفس الشئ الذي
~~شك في كونه مغيرا للحكم، أعني نفس
# PageV00P197
# الآن الثاني أو الحالة الحادثة فيه.
# والحاصل: أن الشك في بقاء الحكم الأول لما كان حاصلا من اجتماع أمرين:
~~أحدهما: حدوث الزمان الثاني وانقضاء الزمان الأول. أو حدوث الحالة الثانية
~~المغايرة للحالة التي كان الحكم عندها متيقنا، والثاني:
# هو الشك الكلي في أن حدوث الزمان الثاني أو الحالة المغايرة للأولى مغير
~~للحكم، وهذا الشك كان متحققا قبل حدوث الشك الأول الفعلي - كما ستعرف في ما
~~بعد - ففرض انتفاء الشك الفعلي المتولد من الامرين، قد يكون بفرض انتفاء
~~الأول، وقد يكون بفرض الثاني. وغرض الموردين على المحقق - المدعين لعدم
~~الفرق بين استصحاب القوم واستصحابه - هو الثاني واعتراض المعترض باختلاف
~~مورد الشك واليقين إنما هو على الأول، يعني فرض انتفاء الشك الفعلي بانتفاء
~~نفس الزمان.
# نعم، للمعترض أن يقول: إن هذا لا يوجب التسوية أيضا بين استصحاب القوم
~~واستصحاب المحقق، بل هو عين التفرقة، نظرا إلى أن في استصحاب المحقق كلما
~~فرض انتفاء الشك وبأي نحو فرض يحصل اليقين في نفس مورد الشك، بخلاف استصحاب
~~القوم، فإنه قد يفرض انتفاء الشك على نهج يوجب اليقين في نفس مورد الشك
~~فيتحد مورد الشك واليقين، وقد يفرض على نحو لا يتحقق اليقين في مورد الشك،
~~بل يختلف موردهما.
# لكن فيه: أنا نقول أيضا: إنه كلما فرض انتفاء الشك في زمانه في استصحاب
~~القوم يتحقق اليقين في ذلك الزمان، ففي صورة فرض انتفاء الشك بانتفاء نفس
~~الزمان لم ms120 يفرض انتفاء الشك في زمانه، فإن زمان الشك الذي فرض تحقق الشك
~~فيه لم يفرض تحقق انتفائه أيضا في هذا الزمان، لان المفروض فرض انتفاء نفس
~~الزمان، فلم يفرض انتفاء الشك فيه، إذ لابد حينئذ من PageV00P198
# تحققه ليفرض فيه الانتفاء، فثبت الكلية من جانب استصحاب القوم أيضا،
~~فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " وفرض انتفاء الشك يحصل بملاحظة عدم اعتبار ثانوية الآن
~~الثاني، ولا يحتاج إلى اعتبار عدم الآن الثاني حتى ينتقل إلى الآن الأول ".
# [أقول]: قال في الحاشية: " يعني أن الفرض بيد الفارض، فليفرض انتفاء الشك
~~مع قطع النظر عن ثانوية الآن الثاني ومع عدم اعتبارها، وحينئذ فلا يلزم منه
~~انتقال اليقين إلى الآن الأول، بل يثبت في الآن الثاني (1). ولا يلزم فرض
~~انتفاء الشك بفرض انتفاء الآن الثاني (2) حتى يلزم اختلاف المحل، إذ
~~المفروض أنه لم يثبت أن الشارع خص الحكم بالآن الأول ونفاه عن الآن الثاني
~~والثابت (3) إنما هو ثبوته في الآن الأول لا بشرط كونه فيه فقط ولا بشرط
~~عدم كونه في الآن الثاني - كما ذكرناه (4) - فلم يلزم اختلاف مورد الشك
~~واليقين، فتأمل (5) " انتهى.
# أقول: الظاهر أن مراده قدس سره من ثانوية الآن الثاني - الذي فرض انتفاء
~~الشك بفرض عدم اعتباره وعدم كونه مغيرا للحكم - هو ما به مغايرته للآن
~~الأول.
# فلا يرد عليه أنه يمكن للمعترض أن يقول: إني أفرض نفس ذات الآن الثاني
~~المغاير للآن الأول موجبا للشك مع قطع النظر عن ثانويته، فإنها
# PageV00P199
# أمر اعتباري.
# مع أنه لو قال، فنجيبه - كالسابق - بأن المراد فرض انتفاء الشك في البقاء
~~بانتفاء الشك في كونه مغيرا للحكم لا بانتفاء، نفسه، كما مر.
# [قوله] قدس سره: " مع أنه يرد النقض فيما لو فرض في ما فرضه المستدل أيضا
~~أن يصير الآن المتأخر سببا للشك... الخ ".
# [أقول]: لا يخفى أن المستدل لا يقول بحجية هذا الاستصحاب من جهة هذا
~~الشك، يعني أنه لو فرض أن الحكم باستمرار حكم إلى غاية معينة مردد - لاجمال
~~دليله بين كونه في جميع الآنات أو ms121 في الآن المتقدمة على الحالة الحادثة
~~الموجبة للتردد - فلا يجري الاستصحاب في هذه الحالة، لان هذا عين استصحاب
~~القوم إن كان الشك فيه من جهة الشك في بقاء أصل الحكم المغيى.
# وإن كان الشك فيه من جهة الشك في بقاء مزيلية المزيل إلى ذلك الزمان، فهو
~~- باعتبار ملاحظة حكم المزيلية - يرجع إلى استصحاب القوم، لان الشك في أن
~~الحكم بكون الشئ الفلاني مزيلا ثابت دائما أو في بعض الأوقات - أعني الآنات
~~المتقدمة - وباعتبار ملاحظة الحكم السابق يرجع إلى الشك في كون الشئ مزيلا.
# ولنوضح ذلك بمثال، فنقول: إذا علم من المولى وجوب إكرام زيد عند مجيئه
~~إلى حال كذا - بمعنى أنه مستمر إليه وهو مزيل له - فامتثل العبد هذا
~~التكليف في مدة ثم شك في بقاء ذلك الحكم، فقد يكون شكه في أن ذلك التكليف
~~هل هو جار إلى هذا الآن أم لا؟ نظرا إلى إجمال دليله وكونه قابلا للاستمرار
~~وللاختصاص بالآنات السابقة، وقد يكون قاطعا ببقاء وجوب الاكرام لكنه شاك في
~~أن مزيلية حال كذا هل هي ثابتة إلى هذا الآن PageV00P200
# أو مختصة بالآنات السابقة؟
# فهذا الشك بالنسبة إلى نفس الحكم بالمزيلية من قبيل الأول، لان المزيلية
~~حكم ثبت عن المولى، يشك في أنه مستمر أو مختص ببعض الآنات.
# وأما بالنسبة إلى بقاء وجوب الاكرام عند حصول هذا الامر المشكوك المزيلية
~~فهو من قبيل الشك في بقاء الطهارة بعد حصول المذي.
# ولا ريب أن المحقق لا يجري الاستصحاب في شئ من هذه الشكوك.
# وإنما يجري عنده الاستصحاب في ما إذا علم بجميع ما ذكر من بقاء وجوب
~~الاكرام وبقاء مزيلية المزيل، لكن شك في حدوث ذلك المزيل المعلوم المزيلية
~~أو في صدقه على شئ، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " وأما قوله في جملة ما نقلناه عنه سابقا:، قلت: فيه
~~تفصيل، فمرجعه ليس إلى القول بعدم التفرقة ".
# [أقول]: ما فهمه المصنف قدس سره وإن كان هو الظاهر من كلامه فراجعه، إلا
~~أن ما فهمه المتوهم - من أن مرجع هذا التفصيل هو ms122 ما ذكره سابقا من أن الحكم
~~إذا كان مستمرا إلى غاية فيجري فيه، وإذا لم يكن فيه استمرار فلا يجري، وأن
~~حكمه بعدم جريان الاستصحاب في صورة الشك في كون الشئ مزيلا إنما هو من جهة
~~أنه من قبيل استصحاب القوم - حق أيضا، فإن ما ذكره من تفسير التعارض ب "
~~أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك " إنما يجري في صورة الشك في المزيلية
~~إذا كان الشك في صدق المزيل، إذ يصدق هناك " أنه لولا هذا الشك لحصل اليقين
~~بنفس الدليل الدال على الحكم في الزمان الأول "، لأنه إذا حصل اليقين بصدق
~~المزيل على هذا المشكوك، فالدليل يفيد الحكم في هذا الآن من غير احتياج إلى
~~شئ آخر ولو بأن يكشف عن دلالته على الحكم في هذا الزمان. PageV00P201
# بخلاف ما إذا كان الشك في أن هذا الشئ مزيل بالخصوص أم لا؟
# فإن مرجعه إلى الشك في عموم الدليل بالإضافة إلى إفادة الحكم في زمان
~~حصول هذا الشئ، سواء كان ظاهره الاستمرار أبدا أو كان مغيى بغاية.
# وكأن منشأ تخطئة المصنف لذلك المتوهم هو: أنه لما رأى بعض أمثلة الشك في
~~الصدق الذي اعتقد أنه مثال له - كالشك في مانعية المذي - لا يجري دليل
~~المحقق الخوانساري فيه، فحكم بأن حكمه بجريان الاستصحاب في صورة الشك في
~~الصدق وبعدم جريانه في صورة الشك في كون الشئ مزيلا بالخصوص، ليس راجعا إلى
~~ما سبق منه في رد استصحاب القوم وإثبات استصحابه من الدليل. وليس الفرق
~~بينهما راجعا (1) بين استصحاب القوم وصورة الشك في وجود الغاية. وستعرف أن
~~الشك في المذي ليس شكا في صدق المزيل، [بل] هو شك في المزيلية بالخصوص. لكن
~~الانصاف ظهور عبارة المحقق في ما ذكره المصنف.
# فإن قلت: إن الشك في الرافعية مرجعه إلى الشك في تخصيص العام، إذ لا
~~يتصور الرافعية إلا إذا ثبت للشئ استمرار بدليل.
# قلت: نحن أيضا نعترف بأنه شك في التخصيص، فإنه إذا دل الدليل بظاهره على
~~الاستمرار - إما دائما، أو إلى غاية معينة، ms123 أو إلى إحدى غايات معلومة -
~~فالشك في كون هذا الشئ غاية ومزيلا شك في أن عموم ثبوت الحكم أبدا أو إلى
~~أن توجد تلك الغاية المعينة أو إحدى الغايات المعينة باق، أو خصص بصورة عدم
~~حدوث هذا الامر المشكوك في كونه مزيلا.
# لكن نقول: إنه لا يخلو الامر، إما أن يكون هذا الشك معتبرا في مقابل
~~PageV00P202
# ما دل بظاهره على العموم، أو لا. [ف] إن كان غير معتبر فيخرج عن مجرى
~~الاستصحاب ويتعين العمل بالعموم. وإن كان معتبرا فلازم ذلك عدم جواز العمل
~~بعموم دلالة الدليل على صورة حدوث هذا الامر، فيسقط العام عن هذه الدلالة،
~~فيصير هذا الدليل بعينه بالنسبة إلى هذه الحالة مثل دلالة الدليل الدال
~~[على] (1) الحكم في الزمان الأول لا بشرطه في استصحاب القوم.
# وهكذا الكلام لو حكم باعتبار العموم لكن أريد فرض قطع النظر عنه وإجراء
~~الاستصحاب، إذ مع قطع النظر عن العام لا دليل يدل على ثبوت الحكم في زمان
~~حدوث ذلك الامر، بل يتجدد الدليل لو فرض ارتفاع، ولو كان بطريق الكشف عن
~~إرادة الاستمرار من الدليل، فافهم.
# والعجب من بعض المشايخ المعاصرين (2)، حيث وافق المحقق الخوانساري في ما
~~ذكر من التفسير لمورد النقض وادعاء عدم جريانه في استصحاب القوم، ومع ذلك
~~حكم بجريانه في هذه الصورة - أي صورة الشك في المانعية -.
# ثم: إن الشك في المانعية - الذي لا يجري فيه المحقق الاستصحاب - إنما هو
~~إذا كان الشك في سنخ مانعية شئ مع عدم ثبوت حكم قطعي إجمالي من الشارع بأن
~~للشئ الفلاني رافعا.
# وأما إذا علم من الشارع إجمالا أن الحكم الفلاني مستمر إلى غاية،
~~والمفروض أنه غير معين، فالذي ذهب إليه هذا المحقق وارتضاه المصنف - كما
~~سيجئ - هو أنه: إن علم أن الحكم باستمرار الحكم المذكور إلى الغاية
# PageV00P203
# غير مشروط بالعلم به، فلا بد من الحكم ببقاء ذلك التكليف إلى أن يحصل
~~العلم بوجود الغاية الواقعية، ولا يرفع اليد عن الحكم السابق بمجرد تحقق ما
~~هو مشكوك الغائية، والحاصل: أنه لا ms124 بد من تحقق الامرين.
# وإن لم يعلم أنه غير مشروط بالعلم، فلا يجب الحكم باستمرار الحكم
~~المذكور. وهذا [هو] الذي ارتضاه المصنف غير أنه قدس سره يدعي ندرة الفرض
~~الأول. هذا، وسيجئ الكلام في ذلك مفصلا.
# بقي شئ آخر: وهو أنه إذا كان الشك في مزيلية الشئ من جهة الاشتباه
~~الخارجي، كالرطوبة الواقعة على الثوب المشكوك كونه (1) بولا أو ماء، فهل
~~يحكم هذا المحقق بجريان الاستصحاب أو لا؟ وبعبارة أخرى:
# هل يرى حكمه حكم الشك في صدق المزيل أو حكم الشك في كون الشئ مزيلا
~~بالخصوص؟
# مقتضى ما فهمه المتوهم السابق من كلامه - الذي حكم المصنف بعدم كونه
~~مرادا له - هو الأول، لان هذه الصورة. تشترك مع الشك في الصدق، في صدق
~~التفسير الذي ذكره المحقق لمورد النقض عليه.
# وأما على ما ذكره المصنف، فيكون كلام المحقق [خاليا] (2) عن بيان حكم هذه
~~الصورة.
# والتحقيق: أن مقتضى التفسير المذكور هو جريان الاستصحاب فيها، فإن كان
~~مذهب المحقق هو اعتباره فيها فهو، وإلا يكون النسبة بين دليله ومطلبه عموما
~~مطلقا.
# PageV00P204
# بل بناء على ما ذكره في حاشية شرح الدروس عند كلام الشهيد:
# " ويحرم استعمال الماء المشتبه بالنجس " من جريان الاستصحاب في بعض موارد
~~استصحاب القوم، يكون النسبة بين دليله ومطلبه عموما من وجه، فيعمل
~~بالاستصحاب في ما لا يجري دليله فيه، وهو ما يظهر مما ذكر في حاشية شرح
~~الدروس، وقد نقلنا عبارته في أول المبحث عند حكاية المصنف لعبارته في شرح
~~الدروس، فراجع (1).
# ولا يعمل بالاستصحاب في ما يجري فيه دليله، أعني صورة الشك في المزيلية
~~من جهة الاشتباه الخارجي، ويعمل بالاستصحاب في ما يجري فيه دليله، وهو الشك
~~في وجود المزيل أو صدقه.
# ولكن مع ذلك كله، فالمهم هو فهمي القاصر، وإدراكي الفاتر، والله هو
~~العالم بالسرائر.
# [قوله قدس سره: " ومثال الثاني: استمرار الطهارة إلى زمان الحدث مع الشك
~~في كون المذي حدثا، إذا حصل المذي، من جهة تعارض الأدلة "] (2).
# [أقول]: قد عرفت في أول المبحث: أن الشك في كون ms125 المذي رافعا ليس من قبيل
~~الشك في صدق المزيل، لان الشارع لم يحكم برافعية مفهوم كلي - هو الحدث - في
~~مقام بيان الروافع، بل حكم - مثلا - بأن البول ناقض، والريح ناقض، والنوم
~~ناقض. وأما المذي فقد تعارضت فيه الاخبار، فهو مثال للقسم الرابع.
# ولا فرق بين الشك في كون استحالة الكلب مطهرا والشك في كون
# PageV00P205
# المذي رافعا وحدثا، وإلا فيمكن أن يقال في الشك في مطهرية الاستحالة:
# إنه شك في أنها فرد من المطهر أم لا، فكلما هو المناط في كونها من القسم
~~الرابع فهو بعينه موجود في المذي، وكذلك كلما يمكن أن يقال في المذي لجعله
~~مثالا للقسم الثاني فيمكن أن يقال فيه.
# نعم، الفرق بينهما هو: أنه ليس في مثال الاستحالة أمر آخر يعلم كونه طهرا
~~سوى الاستحالة، فإذا قيل: إن الشك في فردية الاستحالة للمطهر، لا يوجد فرد
~~آخر، فانحصر أن يحكم الشارع على خصوصها بالمطهرية. بخلاف مثال المذي، إذ
~~هناك أمور اخر مقطوعة الرافعية، فيمكن أن يحم الشارع على القدر المشترك
~~بينها بالرافعية، فيشك في فردية المذي لهذا القدر المشترك، فتأمل جدا (1).
# PageV00P206
# [قوله قدس سره: " فيه: أن ما كان حاصلا من قبل هو الشك... الخ "] (1).
# [أقول]: حاصل ما ذكره المصنف قدس سره:. في الجواب هو أن لنا في تلك الصور
~~شكين ويقينا. أما اليقين: فهو بوجود ما يشك في كونه مزيلا. وأما الشكان:
~~فأحدهما الشك في كونه عند الشارع مزيلا، وأما الاخر فهو الشك في بقاء الامر
~~المتيقن السابق الذي شك في ارتفاعه بذلك المشكوك، وهذا الشك الاخر متولد من
~~الامرين السابقين، أعني اليقين بوجود ما يشك في كونه مزيلا والشك في كونه
~~مزيلا.
# لكن الامر الثاني من هذين الامرين - وهو الشك في مزيلية ذلك الشئ - كان
~~حاصلا من قبل، ولم يكن بسببه نقض لليقين السابق، لاجتماعه معه في السابق،
~~إذ في حال القطع بالطهارة - مثلا - كنا شاكين في كون المذي مزيلا، فلما وجد
~~الامر المشكوك في كونه مزيلا بعد الطهارة - والمفروض وجود الشك في كونه
~~مزيلا ms126 - أوجبا شكا فعليا في بقاء الطهارة، فالذي يعارض اليقين السابق هو
~~هذا الشك، ولا شك أن زمانه متأخر بالطبع عن زمان الجزء الأخير من علته
~~التامة - وهو اليقين بوجود ما شك في كونه مزيلا - فلو نقضنا اليقين السابق
~~فليس إلا من جهة هذا الشك المتولد من شك ويقين، لا بنفس اليقين، كما زعمه
~~المحقق السبزواري.
# ثم إن ما ذكرنا من الجواب جار في جميع الصور الأربع الباقية من الصور
~~الخمس التي ذكرها المحقق وحكم بجريان الاستصحاب في واحدة منها. " وهي الشك
~~في وجود الرافع من الأقسام الأربعة للشك في طرو
# PageV00P207
# المانع " وبعدم جريانه في الأربع الباقية " وهي ثلاث صور من صور الشك في
~~الرافع " وصورة واحدة " وهي صورة عدم دلالة الدليل على الاستمرار "، لما
~~ذكره من أن نقض اليقين في هذه الأربع باليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا
~~في الصور الثلاثة من الشك في الرافع، أو بوجود ما يشك في استمرار الحكم معه
~~في صورة عدم دلالة الدليل على الاستمرار.
# ويظهر من بعض (1): اختصاص الجواب المذكور عن المحقق بصور الشك في الرافع
~~- الثلاث - دون صورة عدم الدليل على الاستمرار.
# وهو فاسد، لان الجواب المذكور جار في الكل، فلاحظ.
# ومنشأ زعمه - هذا - زعم أن كلام المحقق السبزواري إنما هو في التفصيل بين
~~صور الشك في الرافع من غير تعرض لرد الاستصحاب في صورة عدم الدليل على
~~الاستمرار.
# ولا يخفى أن عبارته صريحة في رد هذه الصورة أيضا بما ذكره من الدليل، فإن
~~حاصل عبارته هو: أن الدليل للحكم الأول إما أن يدل على الاستمرار أو لا،
~~وعلى الأول فالشك في رفعه على صور، ثم عد الصور، ثم قال: " إن الاستصحاب
~~يجري في الصورة الأولى من هذه الصور دون غيرها، لان في غيرها من الصور نقض
~~الحكم باليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا، أو باليقين بوجود ما يشك في
~~استمرار الحكم معه " (2) هذا مضمون عبارته المحكية سابقا في كلام المصنف.
# ولا يخفى أن قوله: " أو باليقين بوجود ما يشك في ms127 استمرار الحكم
# PageV00P208
# معه " تصريح برد الاستصحاب في صورة عدم الدليل على الاستمرار.
# وأما الجواب المذكور عنه، فهو أيضا دافع لدليله في جميع الصور.
# هذا، ثم إنه يمكن أن يجاب عن المحقق - مضافا إلى ما ذكر من الجواب -
~~بوجهين آخرين:
# أحدهما: النقض بصورة الشك في وجود الرافع التي قال بجريان الاستصحاب
~~فيها، فإن نقض اليقين فيها أيضا إنما هو باليقين بوجود ما شك بسببه في وجود
~~الرافع، فإن الشك في وجود الرافع لابد وأن ينشأ من سبب يقيني الوجود، فلو
~~كان مجرد اليقين بوجود شئ له مدخل في الشك في بقاء الحالة موجبا لعدم صدق
~~نقض اليقين بالشك، فهو في تلك الصورة أيضا موجود.
# فإن قلت: إن سبب النقض في هذه الصورة ليس هو ذلك الامر اليقيني الذي صار
~~منشأ للشك في وجود الرافع، بل هو معلوله ومسببه، أعني نفس الشك.
# قلنا: ففي غيرها من الصور أيضا سبب النقض هو نفس الشك الحاصل من اليقين
~~بوجود ما يشك في كونه مزيلا، لأنه الجزء الأخير من العلة التامة للشك - كما
~~عرفت - لا نفس ذلك الامر اليقيني.
# الثاني: أن الظاهر من الأخبار الواردة في الباب هو النهي عن نقض اليقين
~~إلا باليقين على الخلاف، ومعلوم أنه لا واسطة بين اليقين بالخلاف وعدم
~~اليقين به، ففي غير صورة الشك في وجود الرافع من الصور لا شك في عدم اليقين
~~بالخلاف، فيشملها النهي المذكور، سواء قيل: إن النقض فيها نقض بالشك، أو
~~باليقين بوجود ما يوجب الشك.
# وبتقرير آخر: إما أن تقول: إن نقض اليقين في الصور الباقية نقض
~~PageV00P209
# لليقين بالشك، أو تقول: بأنه نقض له باليقين على الخلاف، أو تقول: بأنه
~~نقض له، لا بالشك ولا باليقين على الخلاف، فلا يشمله النهي عن الأول ولا
~~الامر بالثاني.
# إن قلت: بالأول ثبت المطلوب.
# وإن قلت بالثاني فهو خلاف المفروض في تلك الصورة لان المفروض فيها عدم
~~كون الامر الحادث اليقيني قطعي الرفع، وإلا فكيف تكون مجاري للاستصحاب؟
# وإن قلت بالثالث، فنقول: إن الاخبار بعد ما ms128 دلت على النهي عن نقض اليقين
~~بغير اليقين على الخلاف، فيكون هذا أيضا داخلا في النقض المنهي عنه.
# ولا تتوهم أن هذا الجواب مبني على دلالة الاخبار على الاستصحاب تعبدا،
~~سواء حصل الظن [ب] الخلاف أم لا، فتمنع ذلك وتقول: لا نسلم أن مدلول
~~الاخبار النهي عن نقض اليقين بغير اليقين، وإن كان هذا المنع أيضا فاسدا.
# لكن الجواب ليس مبنيا على ذلك، فإنا إذا قلنا: بأن حجية الاستصحاب مشروطة
~~بإفادة الظن، وقلنا - بالفرض -: إن مدلول الاخبار هذا، فيتم الجواب أيضا،
~~نظرا إلى أن المفروض في تلك الصورة عدم الظن بالخلاف أيضا، فنقول على هذا
~~الفرض: إن الاخبار ناهية عن نقض اليقين بغير اليقين والظن، فتشمل حرمة
~~النقض فيها أيضا، لان المفروض عدم الظن يكون ذلك الامر اليقيني فيها رافعا،
~~ولو ظن بذلك فيها فتخرج عن محل الاستصحاب على فرض حجيته من باب الظن.
~~PageV00P210
# ثم، إنه قد يجاب (1) عن المحقق بأن بعض الأخبار الواردة - كالخبر السابق
~~- مورده الشك في كون الشئ رافعا، فإن السؤال في الخبر السابق كان عن كون
~~الخفقة والخفقتين من موجبات الوضوء. وكذا قول الراوي:
# " فإن حرك إلى جنبه شئ وهو لا يعلم " فكيف يمكن خروج مورد السؤال عن عموم
~~الجواب.
# وقد عرفت فساد هذا سابقا، وأن الظاهر من الجواب الذي ذكره المعصوم عليه
~~السلام بقوله: " لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين " أن
~~سؤال الراوي كان عن الشك أو الظن في وجود النوم، وعن أن تحريك الشئ إلى جنب
~~المضطجع مع عدم شعوره يكون أمارة على النوم، فيجب الوضوء، أم لا يعتد بها؟
~~فأجاب المعصوم بأنه لا يجب الوضوء حتى يستيقن أنه حدث منه النوم ويدل على
~~ذلك دليل قطعي، لا مثل هذه الامارة التي تفيد الظن أو لا تفيد.
# هذا، مضافا إلى ما عرفت سابقا: من أن سؤال السائل إذا كان عن رافعية شئ
~~للوضوء في الشريعة، فكان ينبغي أن يجيبه المعصوم بحكم ذلك الشئ في الواقع
~~أنه رافع أو ms129 غير رافع، لا أن يجيبه بالاستصحاب، فافهم.
# [قوله] قدس سره: " وصحيحة أخرى مذكورة في زيادات كتاب الطهارة من التهذيب
~~(2) - وهي طويلة - وفيها مواضع من الدلالة ".
# [أقول]: هي ما رواه الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، قال: "
~~قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، أو شئ من مني،
# PageV00P211
# فعلمت أثره إلى أن أصيب له [من الماء] (1) فأصبت، وحضرت الصلاة ونسيت أن
~~بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك؟
# قال عليه السلام: تعيد الصلاة وتغسله.
# قلت: فإن (2) لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنه قد أصابه، فطلبته فلم أقدر
~~عليه، فلما صليت وجدته؟
# قال: تغسله وتعيد.
# قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت
~~فيه فرأيت فيه؟
# قال: تغسله ولا تعيد.
# قلت: ولا ذلك؟ (3) قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت (4) فليس
~~ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا.
# قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه، ولا أدر أين هو فأغسله؟
# قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من
~~طهارتك.
# قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه (5) شئ أن أنظر فيه؟
# قال: لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك.
# PageV00P212
# قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟
# قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته. وإن لم تشك ثم
~~رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته، ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعله شئ
~~أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك ".
# هذا، وهذه الرواية وإن كانت مقطوعة، إلا أن القرينة قائمة على أن مثل
~~زرارة لا يسأل غير المعصوم، مضافا إلى ما قال في الوافي: " إنها متصلة بأبي
~~جعفر عليه السلام في كتاب علل الشرائع للصدوق طاب ثراه " (1).
# وأما مواضع دلالتها على المطلوب:
# فمنها: قوله عليه السلام في مقام تعليل عدم وجوب الإعادة: " لأنك كنت على
~~يقين من طهارتك فشككت، وليس ينبغي... الخ "، فإن الفقرتين في ms130 قوة صغرى
~~وكبرى يلزم منهما بعد إلغاء خصوصية المورد - أعني الطهارة - بفهم العرف: أن
~~من كان على يقين من شئ فشك في زواله، فلا ينقض يقينه السابق بالشك.
# ومنها: قوله عليه السلام في الجواب عن سؤال زرارة - حيت سأل عما إذا علم
~~إجمالا إصابة النجاسة ولم يعلم تفصيلا موضع الإصابة -: " حتى تكون على يقين
~~من طهارتك " فإن فيه دلالة على أن النجاسة إذا كانت متيقنة فلا بد من تحصيل
~~اليقين برفعها، ولا يكتفى فيه بالشك. وكلمة " حتى " مشعرة بالتعليل بالعلة
~~الغائية، فالمعنى: أن المطلوب في صورة سبق العلم بالنجاسة هو حصول اليقين
~~بارتفاعها.
# PageV00P213
# ومنها: قوله عليه السلام أخيرا: " لأنك لا تدري لعله لشئ أوقع عليك، فليس
~~ينبغي لك... الخ " فإن هذا إشارة إلى استصحاب تأخر الحادث، ومرجعه إلى وجوب
~~إبقاء الحالة اليقينية إلى زمان اليقين بارتفاعها. PageV00P214
# [الثالث: الروايات الكثيرة] [قوله] قدس سره: " الثالث: الروايات الكثيرة
~~الدالة باجماعها، فإنها وإن كانت واردة في موارد خاصة، لكن استقراءها
~~والتأمل فيها يورث الظن القوي بأن العلة في تلك الأحكام هو الاعتماد على
~~اليقين السابق ".
# [أقول]: أورد عليه أولا: أنه إن أريد فهم العلة من اللفظ - صريحا أو
~~إيماء - فلا مشعر في ألفاظ تلك الأخبار بها، وإن أريد فهمها من الخارج ظنا
~~فهو قياس مستنبط العلة مردود باجماع الشيعة، وإن أريد قطعا حتى يرجع إلى
~~تنقيح المناط فهو ممنوع جدا.
# وثانيا: أنه لو كان في اللفظ إيماء بالعلية فإنما يفهم علية اليقين
~~المخصوص، كعلية اليقين بالنجاسة للحكم ببقائها، وكذا اليقين بالطهارة.
# وثالثا: أن للاستصحاب أقساما مختلفة، وتلك الموارد مختصة ببعض الأقسام،
~~فإن سلم ثبوت الحجية فتختص بتلك الموارد.
# أقول: إذا ادعى المستدل حصول الظن من اجتماع الايماءات المفهومة
~~PageV00P215
# من الدلالات اللفظية لتلك الاخبار، فلا يمكن أن يقال في مقابله إلا: أن
~~العهدة على المدعي.
# لكن الانصاف، أنه لا يفهم من تلك الأخبار الخاصة إلا حجية الاستصحاب في
~~ما إذا شك في وجود الرافع - كما هو موردها - أو شك في رافعية الشئ من جهة
~~الاشتباه ms131 الخارجي - كالرطوبة المشتبهة الواقعة على الثوب - وأما غيرهما
~~فلا.
# [قوله] قدس سره: " إذا عرفت هذا وظهر لك الفرق بين المعاني عرفت: أن
~~المعاني متغايرة متباينة، لا يجوز إرادتها جميعا في إطلاق واحد... إلى قوله
~~رحمه الله: مع تفاوت إضافة الطهارة والقذارة إلى الأشياء، وكذلك سبب العلم
~~".
# [أقول]: لا يخفى أن كل معنى من المعاني الثلاثة المذكورة بنفسه معنى تام
~~لا يوجب تخصيصا في عمومات الرواية، نظرا إلى أن عموم " كل شئ " تابع لما
~~أريد من الحكم في قوله: " طاهر حتى تعلم " وكذا عموم العلم، فإن كان المراد
~~بالرواية بيان حكم مشكوك الطهارة في متيقن الطهارة فيكون المراد من قوله: "
~~طاهر حتى تعلم أنه قذر " (1) الحكم ببقاء الطهارة إلى الغاية المذكورة،
~~فالمقصود بالذات الحكم ببقاء الطهارة لا ثبوتها في الجملة، لأنه معلوم
~~للمخاطب حينئذ، فيكون المراد ب " كل شئ ": كل شئ شك في طهارته من حيث
~~البقاء، وليس عمومه حينئذ أزيد من ذلك، نظرا إلى أن المراد من الشئ هو
~~المشتبه بقرينة قوله: " حتى تعلم "، وأن المعصوم عليه السلام في مقام بيان
~~الحكم الظاهري، وحينئذ فجهة الاشتباه في الشئ مكشوف عنها بالحكم بالطهارة،
~~فإذا فرض أن المراد الحكم ببقاء الطهارة فيكشف عن أن المراد كل
# PageV00P216
# شئ مشتبه البقاء على الطهارة.
# وكذا يكون المراد من قوله: " حتى تعلم أنه قذر "، حتى تعلم حدوث القذارة
~~له وتجددها.
# وإن كان المراد بها بيان حكم مشكوك الطهارة من حيث الثبوت لا البقاء -
~~سواء كان من جهة الشك في أصل الحكم أو من جهة الشك في الموضوع - فالمراد
~~بقوله: " طاهر حتى تعلم أنه قذر " الحكم بثبوت الطهارة له إلى حين العلم
~~بثبوت القذارة له بنفسه، أو ثبوت كونه من مصاديق القذر، فالمراد بقوله: "
~~كل شئ ": كل شئ مشكوك الطهارة من حيث الثبوت، وليس عمومه أزيد من هذا القدر
~~حينئذ.
# وعلى هذا المعنى فالحكم بالبقاء ليس مقصودا أولا وبالذات، نعم بعد ما قيد
~~الثبوت إلى حين ثبوت العلم فيفهم البقاء إليه.
# ولا شك في أنه لا يلزم ms132 من استعمال قوله: " طاهر حتى تعلم " في كل واحد من
~~المعنيين السابقين منفردا تخصيص ولا تقييد، وكذا من استعمال قوله: " حتى
~~تعلم أنه قذر " في كل من المعاني المذكورة، أعني حتى تعلم حدوث القذارة، أو
~~حتى تعلم ثبوت القذارة بنفسه، أو حتى تعلم ثبوت مصداقيته للمفهوم الذي حكم
~~بقذارته.
# إذا عرفت هذا، فنقول: إن حمل هذا الكلام على ما يفيد الحكم لجميع
~~المشكوكات المذكورة بحيث يحكم على كل شك بحكم مطابق لحيثية ذلك الشك - بأن
~~يحكم على مشكوك البقاء على الطهارة بالبقاء عليها، وعلى مشكوك الطهارة من
~~حيث الثبوت بثبوتها له إلى حصول العلم بحدوث القذارة في الأول، والعلم
~~بثبوت القذارة له في بعض أفراد الثاني وهو الشك في الحكم الشرعي، والعلم
~~بثبوت فرديته للقذر في البعض الاخر منه وهو PageV00P217
# الشك في الموضوع، والحاصل: أن يفيد حكم جميع الشكوك على النهج الذي أفاده
~~لو اختص به، بأن يراد من " كل شئ " كل مشكوك الطهارة، سواء كان من حيث
~~البقاء أو من حيث الثبوت - لا يحصل إلا بحمل قوله: " طاهر " على معنيين:
# أحدهما: أنه باق على الطهارة، فيحمل باعتبار هذا المعنى على طائفة من
~~أفراد الموضوع، وهو الأشياء المشكوكة البقاء على الطهارة، ولابد حينئذ في
~~هذا الاستعمال من حمل قوله: " تعلم أنه قذر ": تعلم أنه حدث له القذارة، إذ
~~لا يخفى ركاكة حمله حينئذ على مطلق الثبوت.
# والاخر: أنه ثابت له الطهارة، فيحمل بهذا الاعتبار على الطائفة الأخرى من
~~الأشياء المشكوكة الطهارة من حيث الثبوت، لكن يستعمل حينئذ قوله: " تعلم
~~أنه قذر " في معنيين: يناسب أحدهما: الشك في الحكم الشرعي وهو ثبوت القذارة
~~للشئ بنفسه، والاخر: الشك في الموضوع وهو ثبوت كونه من مصاديق القذر، فيكون
~~نظير قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم
~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ (1) حيث أريد من
~~لفظ الصلاة معنيان: نفس الأركان المخصوصة، وبهذا الاعتبار حرم الدخول فيها
~~عند السكر، ومحلها - أعني المسجد - وبهذا الاعتبار حرم الدخول ms133 فيها جنبا
~~إلا عابري سبيل.
# فحاصل الكلام: أن حمل الخبر على معنى عام يشمل جميع المعاني الثلاثة -
~~بحيث يفيد حكم كل من الشكوك على النهج الذي كان يفيده
# PageV00P218
# لو استعمل فيه مستقلا ومنفردا - لا يحصل بمجرد إرادة جميع الأشياء من لفظ
~~" كل شئ " مع تفاوت نسبة الطهارة والقذارة إلى الأشياء، فإن نسبة الطهارة
~~إلى مشكوك البقاء على الطهارة إنما هي على وجه البقاء، وإلى مشكوك الثبوت
~~على وجه الثبوت، وكذا نسبة القذارة إلى مشكوك البقاء على الطهارة على وجه
~~الحدوث، وإلى مشكوك الطهارة من حيث الحكم الشرعي على وجه الثبوت، وعلى
~~مشكوك الطهارة من حيث الفردية للطاهر على وجه الفردية.
# نعم، يمكن حمله على معنى آخر يفيد الحكم بالطهارة في جميع الشكوك، لكن لا
~~على وجه كان يفيد كلا منها لو استعمل فيه منفردا، بان يقال: إن جميع هذه
~~الطوائف الثلاثة - أعني الأشياء المشكوكة الطهارة من حيت البقاء، والمشكوكة
~~الطهارة من حيث أنفسها، والمشكوكة الطهارة من حيث فرديتها للطاهر - مشتركة
~~في أن الشك في ثبوت الطهارة لها، فإن ما شك في بقاء طهارته يكون في أن الشك
~~- مع قطع النظر عن كونه طاهرا في السابق - يشك في ثبوت الطهارة، وإن كان
~~هذا الثبوت المشكوك إذا لوحظ معه الثبوت أولا يسمى بقاء.
# وكذا إذا حصل العلم بقذارة هذا الشئ فقد حصل العلم بثبوت القذارة، وإن
~~كان هذا الثبوت إذا لوحظ معه عدمه في السابق يسمى حدوثا.
# وكذا ما شك في كونه فردا للطاهر إذا حصل العلم بكونه قذرا، فباعتبار تعلق
~~علمه أولا بفردية هذا المشكوك للقذر يحصل العلم بالفردية، وباعتبار أن هذا
~~العلم مستلزم للعلم بثبوت القذارة الكائنة للمفهوم الكلي وسرايتها منه إليه
~~يكون قد حصل العلم بثبوت القذارة لذلك المشكوك.
# فإذا قلنا: إن معنى الخبر هو: أن كل شئ شك في ثبوت الطهارة له
~~PageV00P219
# - من أي جهة كان - فهو ثابت له الطهارة إلى أن يحصل العلم بثبوت القذارة
~~له - من أي جهة كان - فقد ش حكم جميع الشكوك، لكن لا ms134 على النهج الذي كان
~~يفيد حكم كل منها لو استعمل فيه منفردة إذ لا يخفى ركاكة أن يقول في مقام
~~حاجة المخاطب إلى حكم الشك في البقاء: " كل شئ مشكوك البقاء على الطهارة،
~~فالطهارة ثابتة له إلى حين العلم بثبوت النجاسة له " وكذا في الشبهة في
~~الموضوع، كما لا يخفى. (1)
# PageV00P220
# [الاستصحاب في الأمور الخارجية] وأصالة (1) عدم الاشتراك، أو في تشخيص
~~المراد من الألفاظ كأصالة عدم القرينة ومنه أصالة عدم السقوط والزيادة، فإن
~~جميع ذلك مشترك مع الموضوعات الصرفة في جريان ما ذكره من بعد بيانها عن
~~منصب الشارع.
# والجواب الذي ذكرناه هو أيضا مشترك بين الكل.
# فالظاهر دلالة الاخبار على حجية الاستصحاب في الموضوعات المستنبطة، لعين
~~ما ذكرنا من وجه دلالتها على حجيته في الموضوعات الصرفة، إذ الفارق غير
~~ظاهر، فتدبر.
# PageV00P221
# خلافا لبعض مشايخنا (1) حيث منع من ظهورها بالنسبة إلى الموضوعات
~~المستنبطة، وادعاه بالنسبة إلى الموضوعات الصرفة فقط من الأمور الخارجية،
~~مستندا إلى أن ارتباطها بالأحكام الشرعية قريب، فلا. ببعد بيان حكمها عن
~~منصب الشارع، فإن الحكم بوجوب إبقاء زيد - المفقود - في قوة حكمه بحرمة
~~التصرف في ماله، بل المقصود الذاتي من ذلك الحكم هذا الحكم - على ما عرفت
~~سابقا - بخلاف ارتباط الموضوعات المستنبطة بالاحكام، فإنه بعيد.
# مثلا إذا حكم الشارع في ضمن قوله: " لا تنقض اليقين بالشك " بوجوب إبقاء
~~اللفظ على ما كان من اتحاد المعنى وأن لا يحكم عليه بنقل أو اشتراك، فلا
~~يفهم من ذلك أن مقصوده الذاتي من ذلك هو الحكم في مرحلة الظاهر بأن السورة
~~واجبة، نظرا إلى أن الامر الوارد بالسورة في الرواية الفلانية - المشكوك في
~~كونه موضوعا للوجوب فقط أو له وللاستحباب - يجب بمقتضى الاستصحاب الحكم
~~باتحاد معناه وكونه حقيقة خاصة في الوجوب، فيترتب على ذلك وجوب حمل الامر
~~المجرد عليه، فيترتب على ذلك وجوب الحكم بإرادة المعصوم عليه السلام "
~~الوجوب من الامر بالسورة، فيترتب عليه وجوب السورة على المكلف.
# أقول: وفيه نظر، أما أولا: فلان ارتباط الموضوع الصرف - الذي يحكم
~~المعصوم بوجوب ms135 إبقائه حين الشك - قد يمكن أن يفرض أبعد من ارتباط الموضوع
~~المستنبط بالحكم، كما لا يخفى، فإن من قال بدلالة الروايات على حجية
~~الاستصحاب في الموضوعات الصرفة لم يفصل بين كون ارتباطها
# PageV00P222
# بالحكم الشرعي قريبا أو بعيدا، فإذا فرضنا أن بقاء زيد - المشكوك البقاء
~~- يترتب عليه أمر خارجي آخر ويترتب على هذا الامر الخارجي أمر آخر، وهكذا
~~إلى عشر وسائط، ثم يترتب على الواسطة العاشرة حكم شرعي، فلم يقل من قال
~~بالاستصحاب في الموضوعات الصرفة بخروج مثل ذلك.
# فإن قلت: ليس الفارق هي قلة الواسطة وكثرتها، وليس هذا مقصودنا من قرب
~~الارتباط بالحكم الشرعي وبعده، بل المقصود هو أن حكم المعصوم عليه السلام
~~في ضمن عموم " لا تنقض " بوجوب إبقاء زيد لا معنى له يستقيم عقلا وعرفا ولا
~~يكون معه الكلام لغوا، إلا وجوب ترتيب آثار البقاء الشرعية عليه، فيكون
~~الكلام دالا على الترتيب المذكور بدلالة الاقتضاء، سواء كان ترتب الآثار
~~الشرعية بلا واسطة، أو مع واسطة واحدة أو متعددة، قليلة أو كثيرة، بخلاف
~~حكمه عليه السلام " في ضمن العموم المذكور بوجوب إبقاء اللفظ على ما كان
~~عليه والحكم بكونه غير منقول ولا مشترك، بل متحد المعنى، فإن مثل هذا الحكم
~~له معنى مستقل وهو حكم لغوي، وإن كان يترتب على هذا الحكم اللغوي حكم شرعي،
~~كما أن المسألة الأصولية - كحجية خبر الواحد - مسألة مستقلة، ومع ذلك يترتب
~~عليها الأحكام الفرعية.
# فبعد ما علم بالاستقراء أن شأن الشارع هو بيان الحكم الشرعي لا الحكم
~~اللغوي وإن كان يترتب عليه حكم شرعي، فلا يظهر من الاخبار شمولها لحكم
~~الموضوعات المستنبطة.
# قلت: أولا: إن هذا منقوض بمثل استصحاب عدم القرينة وعدم السقوط والزيادة،
~~إذ الحكم بجميع ذلك ليس أمرا يمكن أن يكون مقصودا بالذات، وليس هذه الأحكام
~~أحكاما لغوية، وإن سلمنا كون الحكم بعدم PageV00P223
# النقل والاشتراك حكما لغويا.
# وثانيا: إنه كما أن حكم الشارع بوجوب إبقاء زيد ظاهرا عند الشك في بقائه
~~على أن يكون المقصود بالذات هو هذا القدر لا فائدة ms136 فيه، فكذلك حكمه بوجوب
~~إبقاء اللفظ في مرحلة الظاهر على ما كان عليه من عدم الوضع للمعنى الفلاني
~~على أن يكون هذا الحكم مقصودا بالذات أيضا لا فائدة فيه.
# وكما أن حكم الشارع بوجوب ترتيب جميع آثار البقاء على زيد - حتى الآثار
~~التي لا يختلف حكمها الشرعي بوجود زيد وعدمه - أيضا غير مقصود، فكذلك حكمه
~~بوجوب ترتب آثار عدم النقل والاشتراك على هذا اللفظ - حتى الآثار التي لا
~~يختلف حكمها الشرعي بنقل اللفظ إلى المعنى المبحوث فيه وعدمه - أيضا غير
~~مقصود، فإن حمل اللفظ الوارد في كتب التاريخ على هذا المعنى المبحوث عن نقل
~~اللفظ إليه، أو على المعنى الاخر الذي شك في نقل اللفظ عنه إلى المعنى
~~المبحوث عنه لا يختلف حكمه الشرعي في حالتي النقل وعدمه، لأنك على أي تقدير
~~بالخيار - شرعا - في حمل اللفظ الوارد في ذلك التاريخ على أي معنى شئت، ولا
~~يترتب على هذا الحمل شئ من الشارع، سواء نقل هذا اللفظ إلى المعنى المبحوث
~~أو لم ينقل، نظير إرسال الكتابة إلى زيد.
# فانحصر الامر في أن يكون المقصود الذاتي من حكم الشارع بوجوب بقاء اللفظ
~~على ما كان عليه (1) ترتيب الآثار المترتبة على بقائه التي رتبها الشارع
~~على البقاء، كما كان كذلك في الموضوعات الصرفة.
# PageV00P224
# وبالجملة: فلم نجد فرقا بين الموضوعات الصرفة والموضوعات المستنبطة،
~~والظاهر أن من قال بشمول الاخبار للأمور الخارجية لا يفرق بين القسمين.
# [قوله] قدس سره: " مع أن عدم جواز نقض اليقين في كلامه عليه السلام كما
~~يرجع إلى الطهارة عن الحدث والخبث... إلى قوله رحمه الله: فيرجع إلى عدم
~~النجاسة وعدم وصول المنجس (1) وعدم حصول ما يرفع الطهارة، كالنوم...
# الخ ".
# [أقول]: أما رجوع عدم جواز نقض الطهارة بالمعنيين إلى عدم النجاسة وعدم
~~المحدثية، فيسلمه الخصم، لكنهما أيضا استصحابان في الشرعيات لا الأمور
~~الخارجية.
# وأما رجوعه إلى عدم وصول النجس وعدم حصول ما يوجب الحدث: فإن أريد به
~~اتحاد مفادهما مع مفاد الطهارة، فليس محلا للكلام، لأنه لا يوجب تعلق حكم ms137
~~الشارع بالاستصحاب فيهما، بل لما حكم الشارع باستصحاب الطهارة وكون الشخص
~~متطهرا في آن الشك، فيلزمه - من باب عدم اجتماع الشئ مع ملزوم ضده - كونه
~~محكوما في مرحلة الظاهر بعدم وصول النجس وعدم حصول الرافع، فإن الخصم وإن
~~كان لا يقول بالاستصحاب في الأمور الخارجية، إلا أنه يقول باستصحاب آثارها
~~المجامعة معها في الآن السابق، فإنه يحكم أيضا بحرمة التصرف في مال
~~المفقود، نظرا إلى استصحابها، فيلزم [من] ذلك في مرحلة الظاهر فرض زيد
# PageV00P225
# موجودا، ويتحد مفاد استصحاب حرمة التصرف مع استصحاب زيد، وإن كان هذا
~~الخصم يقول بالأولى ولا يقول بالثاني.
# وإن أريد به أن الشارع لما حكم باستصحاب الطهارة فهذا راجع إلى حكمه عليه
~~السلام باستصحاب الامر الخارجي - أعني عدم حصول الرافع في الخارج - فهو
~~ممنوع عند الخصم.
# [قوله] قدس سره: " مثل ما في صحيحة زرارة " (1).
# [أقول]: محل استشهاد المصنف بهذه الرواية هو قوله عليه السلام: " لأنك لا
~~تدري لعله شئ وقع عليك " يعني في أثناء الصلاة، ولم يكن موجودا عند افتتاح
~~الصلاة، فكأنه عليه السلام اعتبر استصحاب تأخر الحادث عند القطع بحدوث شئ
~~والشك في مبدئه. ولا يخفى أن هذا الاستصحاب في الأمور الخارجية.
# لكن التحقيق والانصاف: أن هذا الكلام لا يصلح شاهدا للمصنف، إذ كما يحتمل
~~أن يكون قوله عليه السلام: " لأنك لا تدري لعله... الخ " بيانا ومحققا
~~لمورد استصحاب تأخر رطوبة الثوب بالشئ النجس، كذلك يحتمل أن يكون بيانا
~~ومحققا لمورد استصحاب بقاء الطهارة، لان الشك في بقاء الطهارة ناش عن الشك
~~في مبدء حدوث الرطوبة، فإن الشك في بقاء الامر الشرعي قد يكون مسببا عن
~~الشك في بقاء أمر خارجي أو في حدوث أمر خارجي - كالشك في بقاء حرمة التصرف
~~في مال زيد الناشئ عن الشك في بقاء زيد، وكالشك في بقاء الطهارة الناشئ عن
~~الشك في حدوث الرافع أو ملاقاة النجاسة " فهذا القائل يقول بالاستصحاب في
~~نفس الامر الشرعي، لا في
# PageV00P226
# الامر الخارجي وإن كان الشك في الأول ناشئا عن الشك في الثاني. ms138
# فرب شك ينشأ عن شك لا يجوز الاستصحاب فيه ويجوز في الناشئ عنه باعتراف
~~الخصمين، كالشك في بقاء طهارة الثوب الناشئ عن الشك في أن الرطوبة التي
~~لاقته قطعا بول أو ماء، فإنه لا يمكن حينئذ التمسك باستصحاب عدم ملاقاة
~~البول، ويمكن التمسك باستصحاب الطهارة، فافهم.
# [أقوله] قدس سره: " بل قال المحدث البارع الحر العاملي في كتابه الفصول
~~المهمة في أصول الأئمة... الخ " (1).
# [أقول]: لا يخفى أن ما ذكره هذا المحقق لا ينفع المصنف، نظرا إلى أن
~~مقصود المحقق هو أن هذه الروايات لا تدل على الاستصحاب في نفس الحكم، وقد
~~عرفت سابقا (2): أن مقصود الأخباريين من الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي -
~~الذي لا يرون حجيته وينفون دلالة الاخبار عليه - هو ما إذا كان الشك
~~والشبهة في نفس الحكم الكلي ومسببا عن اختفاء الأدلة الشرعية، كالشك في
~~بقاء جواز المضي في الصلاة بعد رؤية الماء في أثنائها، والشك في بقاء
~~النجاسة في الماء بعد زوال تغيره، والشك في بقاء الطهارة بعد وقوع المذي
~~والشك في رافعيته.
# وضابطه: كل شك لابد في رفعه وإزالته في مرحلة الواقع من الرجوع إلى
~~المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين أو إلى أخبارهم، لا ما إذا كان الشك في
~~بقاء الحكم الجزئي المتعلق بموضوع خاص من جهة الشك في أمر خارجي، كشك زيد
~~في بقاء طهارته أو طهارة ثوبه من جهد الشك في حصول الرافع أو
# PageV00P227
# وصول المنجس، أو الشك في بقاء وجوب شئ على المكلف من جهة الشك في وجود ما
~~جعل مزيلا له، بل استصحاب مثل الطهارة والوجوب - المذكورين - قد ادعى بعض
~~فحولهم - كالمحقق البحراني في الحدائق (1) والفاضل الاسترآبادي في الفوائد
~~المكية (2) - الاتفاق على حجيته وخروجه عن محل النزاع بل ادعى الثاني كون
~~إعتبار مثله من ضروريات الدين.
# فمراد المحقق الحر هو: أن الروايات لا تدل على الاستصحاب في ما إذا كان
~~الشك من جهة نفس الحكم الشرعي، وإنما تدل على اعتباره في ما كان الشك من
~~جهة موضوعاته ومتعلقاته، وإن كان هذا المشكوك ms139 من الأمور الشرعية كالطهارة
~~والنجاسة.
# والحاصل: أن مراد المحقق ليس نفي دلالة الاخبار على اعتبار استصحاب مثل
~~الطهارة - التي هي من الأمور الشرعية - وإثبات حصر دلالتها على اعتبار
~~الاستصحاب في مثل عدم وقوع الحدث، وعدم تجدد طهارة أو ملك أو نكاح - التي
~~هي من الأمور الخارجية -.
# وأما ذكر الأمثلة التي هي من الأمور الخارجية في كلامه، فالظاهر أنها
~~أمثلة لأسباب الشك لا للمستحبات، وكأن هذا واضح لمن تتبع كلام الأخباريين
~~في هذا الباب، فتأمل.
# ثم إن قول المحقق الحر في آخر كلامه: " كما هو ظاهر أحاديث المسألتين "
~~(3) الظاهر أنه أراد بالمسألة الأخرى مسألة أصالة البراءة عند الشك في
~~تحريم شئ، حيث إن الأخباريين ذهبوا في تلك المسألة إلى أن
# PageV00P228
# الشبهة إن كانت في نفس الحكم الشرعي ومسببا عن اختفاء الأدلة الشرعية فلا
~~بد من التوقف في الفتوى والاحتياط في العمل، وإن كانت في موضوع الحكم
~~الشرعي فيحكم بالبراءة والإباحة.
# [قوله] قدس سره: " ومما ذكرنا يظهر حجة القول بالعكس وجوابه أيضا ".
# [أقول]: قد عرفت أن القول الذي ذهب إليه الأخباريون وظهر دليله من كلام
~~الشيخ الحر هنا - وحاصله: عدم دلالة الاخبار على اعتبار الاستصحاب في الحكم
~~الشرعي - ليس عكسا للقول الذي ذكره المحقق الخوانساري من عدم اعتبار
~~الاستصحاب في الأمور الخارجية، بل بين القولين عموم من وجه، كما أشرنا إليه
~~سابقا، فراجع.
# ثم إنه زاد بعض الأخباريين (1) في الاستدلال على قولهم المذكور: بأن
~~الحكم الشرعي يطلب فيه العلم واليقين، ولابد فيه من الرجوع إلى كلام
~~المعصوم عيه السلام، فإن لم يستعلم منه فلا بد من التوقف، لما دل على وجوب
~~التوقف عند الشبهة وأنه خير من الاقتحام في الهلكة (2).
# وأما إذا كان الشك في الموضوع والمتعلق، فلما لم يمكن استعلامه بالرجوع
~~إلى المعصومين أو كلامهم - ضرورة أنه لا يسئل المعصوم عليه السلام هل
~~توضأت؟ أو هل أحدثت؟ - فلو لم يعمل فيها بالاستصحاب يلزم التكليف بما لا
~~يطاق.
# مضافا إلى دلالة الاخبار على اعتبار الاستصحاب فيها، بل اعتباره فيها
~~ضروري، هكذا حكي ms140 الاستدلال عنهم.
# PageV00P229
# أقول: وفيه ما لا يخفى، فإن دلالة الاخبار عامة للموضوعات والاحكام، كما
~~أشار إليه المصنف بقوله: " وجوابه يظهر مما ذكرنا ".
# وأما لزوم التكليف بما لا يطاق: فلعمري أن دعواه أغرب دعوى!
# نظرا إلى إمكان الاحتياط، كما يصنعون في الشبهة في نفس الحكم ويحكمون
~~بوجوبه فيها.
# وأما دعوى الضرورة الدينية على حجية الاستصحاب في الموضوعات: فهي أيضا
~~دعوى لا شاهد عليها، يظهر ذلك مما ذكرناه سابقا في محل النزاع عند حكاية
~~قول صاحب المعالم، حيث ادعى أن المحقق قد رجع في آخر كلامه في المعارج عن
~~القول بحجية الاستصحاب (1).
# قال الفاضل المولى محمد أمين الاسترآبادي في الفوائد المدنية - على ما
~~حكى عنه صاحب الوافية -: إن من جملة أغلاط المتأخرين من الفقهاء أن كثيرا
~~منهم زعموا أن قوله عليه السلام: " لا تنقض اليقين بالشك وإنما تنقضه بيقين
~~آخر " جار في نفس أحكامه تعالى (2) انتهى.
# وقال في الفوائد المكية بعد إيراد الأخبار الواردة في الباب - على ما حكى
~~عنه صاحب الوافية أيضا -: " لا يقال: هذه القاعدة تقتضي جواز العمل
~~بالاستصحاب في أحكام الله، كما ذهب إليه المفيد والعلامة من أصحابنا،
~~والشافعية قاطبة.
# لأنا نقول: هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الأصوليين والفقهاء، وقد
~~أجبنا عنها في الفوائد المدنية تارة بما ملخصه: أن صور
# PageV00P230
# الاستصحاب المختلف فيها عند النظر الدقيق، والتحقيق راجعة إلى أنه إذا
~~ثبت حكم بخطاب شرعي في موضع في حال من حالاته، نجريه في ذلك الموضع عند
~~زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه، ومن المعلوم: أنه إذا تبدل قيد
~~موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين، فالذي سموه استصحابا
~~راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم موضوع إلى آخر يتحد معه بالذات ويغايره
~~بالقيد والصفات، ومن المعلوم عند الحكم: أن هذا المعنى غير معتبر شرعا وأن
~~القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة له.
# وتارة أخرى: بأن استصحاب الحكم الشرعي وكذا الأصل - يعني الحالة التي إذا
~~خلي الشئ ونفسه كان عليها - إنما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما، ms141 وفد ظهر
~~في محل النزاع.
# بيان ذلك: أنه تواترت الاخبار عنهم بأن كل يحتاج إليه (1) إلى يوم
~~القيامة ورد مخزونا عند أهل الذكر عليهم السلام " بحصر المسائل في ثلاث:
~~بين رشده، وبين غيه - أي مقطوع به لا ريب فيه - وما ليس، هذا ولا ذاك،
~~وبوجوب التوقف في الثالث (2) " (3) انتهى كلامه بألفاظه.
# وقد أجيب عن جوابه الأول: بأن الحكم الثابت، في موضع في حال، إن كان
~~ثبوته للموضع مقيدا بتلك الحال فلا خلاف في عدم جريان
# PageV00P231
# الاستصحاب فيه عند زوال تلك الحال، وإن لم يكن مقيدا بها فلم يختلف
~~الموضوع، إذ المفروض أنه هو ذلك الموضع بدون مدخلية تلك الحال (1).
# وفي هذا الجواب نظر، إذ بعد ما فرض اختلاف الحالين وثبوت الحكم في الحال
~~الأول لا بشرط الموجب للشك في أنه ثابت في الحال الثاني أيضا حتى يكون
~~موضوع الحكم هو القدر المشترك بين الحالين فيتحد الموضوع، أو غير ثابت فيه
~~حتى يكون موضوع الحكم هو خصوص الأحلة الأولى فيختلف الموضوع، فيحتاج ثبوته
~~فيه إلى دليل موحد للموضوع.
# ومجرد عدم العلم بالاختلاف لا يلزم منه العلم بالاتحاد، كيف!
# ولو علم الاتحاد لم يحتج إلى الاستصحاب، كما أن في صورة العلم بالاختلاف
~~لا يجري.
# فالأحسن في الجواب عنه وجهان: الأول: النقض بالصور التي يعترف هذا الفاضل
~~بجريان الاستصحاب فيها، كما إذا شك في نسخ حكم شرعي، وكما إذا شك في الحكم
~~الجزئي المتعلق بالموضوع الجزئي من جهة الشك في حدوث مزيله، كشك المكلف في
~~بقاء طهارته من جهة الشك في حدوث البول عنه، ونحو ذلك.
# بيان النقض: هو أنه لا فرق في عدم جواز تعدية الحكم الشرعي عن موضع ثبوته
~~فيه إلى ما لم يثبت فيه، بين أن يكون اختلافهما في الحال أو في الزمان أو
~~غير ذلك، فكما أن تعدية الحكم بجواز المضي - للمتيمم - في الصلاة قبل رؤية
~~الماء إلى جواز المضي بعد رؤيته في الأثناء يحتاج إلى دليل، ومع عدمه لا
~~يمكن التعدي، فكذلك تعدية الحكم الثابت في زمان مع ms142 عدم
# PageV00P232
# العلم بثبوته في الزمن المتأخر إلى هذا الزمن المشكوك يحتاج إلى دليل،
~~لتساوي التعديتين في كونهما خروجا عن مورد العلم واليقين. وتعديا عنه إلى
~~موضع الشك والتخمين.
# فإن قلت: اختلاف الزمان لا يوجب تكثر الموضوع، فاسراء الحكم الثابت في
~~الزمن الأول إلى الزمن الثاني ليس إسراء لحكم موضوع إلى موضوع آخر.
# قلت: من المعلوم أن عدم جواز إسراء حكم موضوع إلى موضوع ليس إلا لوجوب
~~الاقتصار والوقوف على ما وصل من الشارع وعدم جواز التعدي عنه بمقايسة ما لا
~~يعلم على ما يعلم والعمل بغير المعلوم، ومن البين وجود جميع ذلك في إسراء
~~حكم علم ثبوته في زمان إلى زمان آخر لم يعلم ثبوته فيه.
# فإن قلت: إن جواز الاسراء هنا للاجماع، بل الضرورة على وجوب إبقاء الحكم
~~الثابت في الزمان الأول إلى أن يعلم بنسخه.
# قلت: لا شك أن الاجماع على وجوب الابقاء لا يوجب العلم بوجود الحكم في
~~الزمان المشكوك ثبوته فيه في الواقع، وإنما يدل على أنه يجب إسراء الحكم
~~الثابت في زمان إلى الزمان المشكوك بوصف كونه مشكوكا وأنه يجب إلحاق هذا
~~المشكوك بذلك المعلوم.
# فإن أريد أن إسراء الحكم الثابت في موضع إلى موضع لا يثبت ذلك الحكم فيه
~~لا يمكن أن يقع في الشرعيات - على ما هو الظاهر من كلامه، حيث ذكر هذا في
~~مقام منع شمول الاخبار للاستصحاب في نفس الحكم - فننقضه بما ذكرنا من إسراء
~~الحكم إلى الزمان الثاني عند الشك في النسخ.
# وإن أريد أنه جائز لكنه موقوف على ثبوت الدليل، ففيه - مضافا إلى
~~PageV00P233
# أن هذا لا يصلح جوابا عن دلالة الاخبار -: أن من يقول بالاستصحاب وإسراء
~~الحكم الثابت في حال إلى حال لم يعلم ثبوته عنده فإنما يقول به لدليل، وهي
~~الاخبار.
# الثاني: الحل، بيان ذلك: أن الحكم الثابت عند الحالة الأولى: إما أن يعلم
~~أن موضوعه هو الحالة الأولى، أو يعلم أن موضوعه هو القدر المشترك بين
~~الحالين، أو لا يعلم أحد الامرين.
# فإن علم الأول، فلا خلاف ms143 لاحد في عدم جريان الاستصحاب، وإن علم الثاني،
~~فلا حاجة إلى الاستصحاب.
# وإن لا يعلم أحد الامرين، فمع قطع النظر عن الأخبار الواردة في الباب وإن
~~كان لا يجوز الحاق الحالة الثانية بالحالة الأولى في ثبوت الحكم عندها، إلا
~~أنه بعد ورود الاخبار في الباب فنحكم لاجلها بأن الحكم الظاهري في الحالة
~~الثانية هو الحكم في الأولى.
# وبعبارة أخرى: يصير موضوع المسألتين بالنسبة إلى الحكم الظاهري واحدا
~~بدلالة تلك الأخبار، وإن احتمل في الواقع أن يختلف موضوعهما.
# فما ذكره - من أن مرجع الاستصحاب إلى إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر - إن
~~أراد به أن الاستصحاب إسراء للحكم الثابت لموضوع كل يقطع بأنه الموضوع لا
~~غير إلى موضوع آخر يقطع بعدم كونه موضوعا لذلك الحكم الأول، ففيه: منع
~~واضح، لأنا لو علمنا أن للحالة السابقة مدخلا في الحكم فلا نحكم
~~بالاستصحاب.
# وإن أراد به أنه إسراء حكم من محل إلى محل آخر ومن صورة إلى أخرى لا يعلم
~~اشتراكهما في موضوعية الحكم - ويحتمل أن يكون للمحل الأول مدخلا في الحكم -
~~ففيه: أن المنع عن ذلك إنما هو مع عدم الدليل PageV00P234
# المجوز، وأما معه فليس به بأس، فإن كان ولا بد من الانكار فليتكلم قي
~~دلالة الاخبار.
# وأما الجواب عن الوجه الثاني - الذي ذكره في الجواب عن الاخبار من دلالة
~~أخبار التوقف على وجوب التوقف عما لا يعلم -: فهو أن الأخبار الواردة في
~~الباب قد أدرجت مورد الاستصحاب في قسم البين رشده، فيجب اتباعه، لا التوقف
~~فيه.
# على أن المراد بالتوقف في أخباره يمكن، أن لكون هو التوقف عن الحكم
~~الواقعي للواقعة وعدم الافتاء فيها بغير العلم، ولا ينافي ذلك ثبوت حكم
~~ظاهري للواقعة باعتبار كون الحكم فيها مقطوع الثبوت في السابق مشكوك البقاء
~~قي اللاحق، مضافا إلى أجوبة اخر مذكورة في باب أصالة البراءة.
# [قوله] قدس سره: " حجة القول بنفي الحجية في الحكم الشرعي إذا ثبت
~~بالاجماع... الخ ".
# [أقول]: اعلم أن الدليل الدال على تحقق الحكم في الآن السابق يتصور -
~~بحسب ms144 ملاحظته بالنسبة إلى إفادته للحكم في الزمان اللاحق وعدمها - على
~~وجوه:
# الأول: أن يدل على الحكم في الآن السابق واللاحق معا.
# الثاني: أن يدل على ثبوت الحكم في الآن السابق ولا يدل على ثبوته في الآن
~~اللاحق، وهذا على وجوه:
# الأول: أن يكون - مضافا إلى عدم دلالته فعلا على ثبوت الحكم في الآن
~~اللاحق - غير قابل لان يراد منه في الواقع ثبوت الحكم في الآن اللاحق بأن
~~يكون محتملا لذلك، وبعبارة أخرى: نقطع بأن المتكلم لم يرد منه ثبوت
~~PageV00P235
# الحكم في الآن اللاحق.
# الثاني: أن لا يكون كذلك، بأن يكون محتملا لان يكون المتكلم قد أراد منه
~~ثبوت الحكم [في الآن] اللاحق أيضا، ويكون أيضا محتملا لان يكون المراد منه
~~هو ثبوت الحكم في الآن الأول لا غير.
# والأول من هذين، على وجهين:
# أحدهما: أن يكون الدليل - مع عدم دلالته على ثبوت الحكم في الآن الثاني،
~~ومع القطع بعدم إرادة ذلك منه في الواقع - دالا على نفي الحكم عن الآن
~~الثاني، فيكون منحلا إلى حكمين: ثبوتي بالنسبة إلى الزمان السابق، وسلبي
~~بالنسبة إلى الزمان اللاحق.
# والاخر: أن يكون غير دال على نفي الحكم عن الزمان الثاني، بأن يكون
~~مدلوله منحصرا في إثبات الحكم في الزمان الأول ولا يدل على حكم الزمان
~~الثاني إيجابا ولا سلبا.
# فهذه أربعة وجوه بالنظر إلى دلالة الدليل، سواء كان هذا الدليل نصا أو
~~إجماعا، إذ قد يتصور هذه الوجوه في الاجماع على بعض الوجوه، فتأمل.
# وهنا وجه خامس: وهو أن يتردد الدليل بين بعض هذه الوجوه وبعضها الاخر.
# إذا عرفت هذا، فنقول: إن كان دلالة الدليل على النهج الأول فلا حاجة إلى
~~الاستصحاب، كما أنها إن كانت على الوجه الثاني فلا يجري، لان المفروض أن
~~نفس الدليل الدال على ثبوت الحكم في الزمان الأول دل على نفيه في الزمان
~~الثاني. كما لو قال: " الماء المتغير بالنجس نجس ما دام متغيرا ".
# وإن كانت على الوجه الرابع - بأن يكون محتمل الدلالة على ثبوت
~~PageV00P236
# الحكم في الزمن الثاني ms145 - فهناك يجري الاستصحاب بالاتفاق.
# وأما إن كانت على الوجه الثالث، فإن كان ذلك الدليل إجماعا، فهو الذي وقع
~~فيه الخلاف، وحكي عن الغزالي (1) عدم حجية الاستصحاب هناك، بل حكي عن
~~الأكثر (2)، ولكن الظاهر من كلام بعض هو المخالفة في مطلق هذا الوجه
~~الثالث، سواء كان الدليل إجماعا أو نصا.
# قال في جملة كلامه: " والحاصل: أنه لابد أن يكون الدليل بحيث يمكن أن
~~يراد منه ثبوت الحكم في الزمن الأول أو الحالة الأولى، وأن يراد منه شموله
~~لما بعد ذلك وفي غير تلك الحالة، حتى يكون المدلول إن فرض تحققه في ما بعد،
~~كان الدليل على تحققه في متن الواقع هو الدليل الأول من كتاب أو سنة أو
~~غيرهما " (3) انتهى كلامه رفع مقامه.
# ولازم هذا الكلام: المخالفة في حجية الاستصحاب إذا كان دلالة الدليل على
~~الوجه الخامس إذا كانت مترددة بين ما وراء الوجه الأول وبين الثلاثة الاخر.
# هذا، إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: لا يخفى أن بعد تسليم دلالة الاخبار على
~~الاستصحاب في الحكم الشرعي، لا يستقيم منها تفرقة بين الموارد باعتبار
~~الدليل الدال على ذلك الحكم، فالقائل بحجية الاستصحاب في غير ما ثبت فيه
~~الحكم بالاجماع وبعدمها في ما ثبت فيه الحكم بالاجماع، إن استند إلى ما
~~حكاه المصنف قدس سره في المتن عنه: من أن الحكم إذا ثبت بالاجماع فلا يكون
~~الدليل موجودا في الآن الثاني لمكان الخلاف، فيكون
# PageV00P237
# إثباته فيه إثباتا للحكم بغير دليل (1).
# ففيه: ما ذكره المصنف (2) من أنه يستلزم عدم حجية الاستصحاب رأسا من غير
~~اختصاص بما إذا ثبت الحكم بالاجماع، لان المفروض في جميع موارد الاستصحاب
~~عدم ثبوت دلالة الدليل - الدال على الحكم في الزمان الأول - عليه في الزمان
~~الثاني، وإلا لم يحتج إلى الاستصحاب.
# مضافا إلى أنه إن أريد بإثبات الحكم بغير دليل إثبات الحكم الواقعي بغير
~~دليل ففيه: أنا لا نثبت الحكم الواقعي ولا ندعيه في الآن الثاني، بل نعترف
~~بعدم ثبوته، لعدم الدليل عليه.
# وإن أريد به إثبات الحكم الظاهري بغير ms146 دليل، ففيه: أن الدليل موجود، وهو
~~الأخبار الواردة في الباب الدالة على أن الحكم الظاهري في ما إذا ثبت حكم
~~في الزمان السابق ولم يقطع بانتفائه في اللاحق هو إبقاء ذلك الحكم.
# مضافا إلى أنه لو تم ما ذكره هذا القائل لامتنع العمل بجميع الأصول
~~المثبتة للاحكام الظاهرية، لان المعتبر في مواردها كلا هو عدم الدليل على
~~الحكم.
# وان استند إلى اشتراط قابلية دلالة الدليل على الحكم في الآن الثاني،
~~ففيه - مضافا إلى أنه لا وجه حينئذ لتخصيص المنع بصورة كون الدليل إجماعا،
~~فليعمم المنع في كل دليل لا يحتمل دلالته على ثبوت الحكم في الزمان الثاني
~~-: أنه إن كان هذا الاشتراط لاجل أن لا يكون الحكم على
# PageV00P238
# تقدير ثبوته في الآن الثاني في متن الواقع خاليا عن الدليل، فلا يخفى أن
~~هذا الغرض حاصل في ما إذا كان الدليل هو الاجماع، نظرا إلى أن الاجماع وإن
~~قطعنا بعدم جريانه في الآن الثاني، لكن لسنا قاطعين بعدم وجود دليل آخر
~~مثبت للحكم في الآن الثاني فقط، أو فيه وفي الآن الأول أيضا، كيف!
# ولو قطعنا بذلك العدم لم نشك في عدم الحكم في الآن اللاحق.
# وإن كان هذا الاشتراط من جهة أنه لا بد من أن يكون الحكم على تقدير ثبوته
~~قي الآن اللاحق ثابتا بنفس هذا الدليل الدال على الحكم الأول، وهذا لا
~~يتصور عند ثبوت الحكم في الآن الأول بالاجماع، ففيه، أولا: أنه ما الدليل
~~على هذه اللابدية؟ وأي قبح شرعي أو عقلي يتصور في عدم ذلك؟
# وثانيا: أنه لا شك أن الاجماع كاشف عن قول المعصوم عليه السلام أو فعله
~~أو تقريره، فنفرض أن نكون قاطعين بأن الحكم لو كان ثابتا في الآن الثاني
~~فليس إلا بدلالة نفس ذلك القول أو الفعل أو التقرير الذي كشف الاجماع عن
~~بعض مدلوله.
# وإن كان هذا الاشتراط من جهة أنه لو لم يكن نفس الدليل الأول قابلا
~~للدلالة على الحكم في الزمان الثاني واختص مدلوله بالحكم في الزمان الأول،
~~فينفي ms147 ذلك الحكم في الآن الثاني بأصالة عدم الدليل عليه، بخلاف ما إذا كان
~~نفس الدليل الأول قابلا لذلك، فلا يمكن إجراء أصالة عدم الدليل، لان الشك
~~في مقدار دلالة الدليل ومدلوله، وأنه هل يكون ثبوت الحكم في الآن الأول فقط
~~أو مطلقا؟ ومن المعلوم عدم جواز إجراء الأصل في مثله.
# ففيه: أن حكم الزمان الثاني في ما نحن فيه لا محاله يحتاج إلى دليل
~~PageV00P239
# - سواء كان هو نفس الحكم الثابت في الزمان الأول أو خلافه - فوجود دليل
~~مبين لحكم الزمان الثاني معلوم إجمالا، إنما الشك في أن مدلوله هو الحكم
~~الثابت في الزمان الأول أو خلافه، فكما تقول: الأصل عدم الدليل على ثبوت
~~الحكم الأول في الزمان الثاني، فنقول: الأصل عدم الدليل على خلاف الحكم
~~الأول في ذلك الزمان، فيتعارضان ويتساقطان.
# مضافا إلى أنه كثيرا ما يكون خلاف الحكم الأول في الزمان الثاني محتاجا
~~إلى الدليل، لا ثبوت نفسه، كالحكم بانتقاض التيمم والصلاة عند رؤية الماء
~~في الأثناء، فتأمل، والحكم بانتقاض الطهارة بخروج الخارج من غير السبيلين،
~~فإن المحتاج إلى الدليل كون هذا من النواقض، لا عدم كونه منها وبقاء
~~الطهارة السابقة.
# بل قد استدل بعضهم - وهو الشيخ قدس سره، في العدة ظاهرا على ما هو ببالي
~~- على حجية الاستصحاب: بأنه لما لم نجد في الآن الثاني دليلا يدل على
~~مخالفة الحال الثاني للأول، وعلى كونه مؤثرا في الحكم ومغيرا له، فالأصل
~~يقتضي التسوية بين الحالين (1).
# وهذا كما تراه ينادي بأن المحتاج إلى الدليل هو مخالفة الحكم في الزمان
~~الثاني له في الزمان الأول، لا موافقته، وليس هذا الاحتياج من جهة دلالة
~~الدليل الأول على الحكم في الزمان الثاني أيضا، وإلا لم يحتج إلى
~~الاستصحاب، بل من جهة أن كون الحالة الثانية مغيرة يحتاج إلى دليل.
# وهذا الاستدلال وإن لم يكن مرضيا في النظرة نظرا إلى أن المنكر للاستصحاب
~~لا يدعي كون الحالة الثانية مغيرة ومؤثرة في اختلاف الحكم،
# PageV00P240
# بل يدعى عدم العلم بكون الحكم في الآن الثاني هو الحكم ms148 في الآن الأول،
~~فالتسوية بينهما يحتاج إلى دليل، كما أن الفرق بينهما أيضا يحتاج إلى ديل.
# فاحتياج الفرق، وكون الحالة الثانية مغيرة إلى دليل، لا ينفي احتياج
~~التسوية بينهما وعدم مدخلية الحالة الثانية في الحكم إلى دليل، فكل منهما
~~يحتاج إلى الدليل " ولأجل ذلك يجب التوقف والرجوع إلى سائر الأصول.
# لكن الغرض من ذكره التنبيه على عدم جواز التمسك في انتفاء الحكم الأول في
~~الزمان الثاني بأصالة عدم الدليل عليه، فتدبر.
# والحاصل: أنا لم نجد في حجية الاستصحاب فرقا بين وجوه دلالة الدليل
~~الأول. إلا أنه لابد أن لا يكون مصرحا بثبوت الحكم في الآن الثاني، وإلا لم
~~يحتج إلى الاستصحاب، ولا بنفيه فيه، وإلا لم يجر، وبعد ملاحظة عدم كونه
~~كذلك فيجري الاستصحاب مطلقا.
# اللهم إلا أن يكون ثبوت الحكم في الآن الثاني راجعا إلى تعدد الحكم، بأن
~~يرجع الشك في دلالة الدليل على الحكم في الزمان الثاني وعدمها إلى الشك في
~~إفادته لحكمين أو لحكم واحد.
# كما إذا وقع أمر بفعل، والمفروض الشك في إفادته للمرة والتكرار، مع فرض
~~أنه على تقدير إفادته للتكرار ينحل إلى تكاليف متعددة بحسب تعدد المرات، لا
~~بأن يكون المجموع المركب تكليفا واحدا، وحينئذ فلا يمكن جريان الاستصحاب
~~بعد إتيان الفعل في المرة الأولى والشك في وجوب الزائد، نظرا إلى أن الحكم
~~الثابت أولا قد أرتفع قطعا بامتثاله، فالشك في ثبوت الحكم في الآن الثاني
~~شك في حدوث حكم آخر من أول الامر، لا في بقاء الحكم السابق.
# لكن عدم الاجراء في هذه الصورة ليس لاجل خلل في الدليل، بل PageV00P241
# لاجل أن المدلول - وهو الحكم الثابت في الزمان الأول على فرض وجوده في
~~الآن الثاني - ليس باقيا بوجوده الأولي السابق، بل هو موجود آخر يكون على
~~تقدير وجوده في متن الواقع موجودا مغايرا للموجود السابق مجامعا معه في
~~الزمان السابق.
# فالشك في المثال السابق ليس في أن الحكم المتحقق سابقا قطعا، هل هو باق
~~أم لا؟ بل هو شك في أن حكما آخر ms149 - وهو وجوب الفعل في هذا الزمان الثاني -،
~~هل حدث من أول الامر مع الحكم السابق - وهو وجوب الفعل في الزمان الأول -
~~أم لا؟
# ومن هذا القبيل: ما إذا شك في أن صيغة الامر على القول بإفادتها للفور -
~~أو عند إفادتها له بالقرينة - هل تدل على وجوب الفعل في ما بعد أول أزمنة
~~الامكان إذا لم يفعله فيه، أو لا؟ فشك من أجل ذلك في الزمان اللاحق في وجوب
~~الفعل وعدمه.
# ومنه: ما إذا شك في أن القضاء بالأمر الأول أو بفرض جديد، فافهم [قوله]
~~قدس سره: " وأما في الإباحة وما يستلزمها من الأحكام الوضعية، فلان عدم
~~اعتقاد إباحته يوجب عدم امتثال أمر الله، فإن الاعتقاد بما سننه واجب،
~~واجبا كان أو مباحا أو غيرها ".
# [أقول]: توضيحه: أن الدليل إذا دل على إباحة فعل إلى غاية معينة من غير
~~اشتراط بالعلم بالغاية، فلما كان هذا الحكم مستلزما لوجوب اعتقاد إباحة ذلك
~~الفعل إلى تلك الغاية، نظرا إلى الأدلة الخارجية الدالة على وجوب الاعتقاد
~~بجميع ما شرع الله لعباده على الوجه الذي شرع فيحدث هنا بالاستلزام تكليف
~~طلبي وجوبي لا بد من امتثاله على وجه القطع PageV00P242
# أو الظن.
# فإذا شك في زمان وجود تلك الغاية، فلو لم يعتقد إباحة ذلك الفعل في هذا
~~الوقت، لم يحصل القطع ولا الظن بامتثال التكليف الوجوبي المذكور، إذ قد وجب
~~عليه اعتقاد الإباحة إلى وجود الغاية، وحيث لا يعلم ولا يظن بوجود الغاية -
~~كما هو المفروض - فلو لم يعتقد بعد إباحة ذلك الفعل لم يعلم ولم يظن أنه
~~اعتقد إباحته إلى وجود الغاية.
# أقول: وفي هذا نظر، لان القدر اللازم من وجوب الاعتقاد بما سننه الشارع
~~هو وجوبه في زمان العلم أو الظن المعتبر بتحقق ما سننه. وأما إذا لم يعلم
~~أو لم يظن بالظن المعتبر تحققه، فلا يجب الاعتقاد، لو لم نقل بأنه لا يجوز،
~~نظرا إلى الأدلة الدالة على وجوب التوقف عند الشبهة المحمولة على لزوم
~~التوقف عن الحكم الواقعي، لئلا تنافي العمل بالأصول ms150 المثبتة للحكم الظاهري.
# فإذا شككنا في وجود الغاية التي غيى الشارع الإباحة بها، فنشك في ثبوت
~~الإباحة في متن الواقع، فلا يجب الاعتقاد بإباحته حينئذ أيضا - نعم، بعد ما
~~دل دليل على بقاء إباحته ظاهرا بحسب الاعتقاد بإباحته ظاهرا - لا واقعا -
~~لكن المفروض أن الكلام بعد في هذا الدليل.
# وتحقيق الكلام في ذلك: أنه إذا دل الدليل على إباحة شئ إلى غاية معينة
~~فيحدث هناك أمران:
# الأول: الحكم الشرعي الكلي، وهو كون الشئ مباحا إلى الغاية المعينة: وهذا
~~هو الذي يجب الاعتقاد به، ووجوب الاعتقاد به ليس مغيى بغاية، بل هو ثابت
~~دائما وفي جميع الأوقات، سواء لم يوجد زمان تحقق الإباحة بعد أو وجد، وعلى
~~تقدير وجوده: سواء قطع بعدم حدوث الغاية PageV00P243
# المعينة، أو شك في حدوتها، أو قطع بحدوثها.
# والحاصل: أن المكلف يجب عليه دائما الاعتقاد بالحكم المذكور على الوجه
~~الذي صدر من الشارع، فالغاية المعينة غاية للمعتقد، لا لوجوب الاعتقاد.
# والثاني: تنجز هذا الحكم الكلي وتحققه في الزمان الذي حكم بوجوده فيه،
~~وهو مجموع الأزمنة التي مبدؤها الزمان الذي حكم الشارع بحدوثه فيه، وآخرها
~~زمان حدوث الغاية.
# ووجوب الاعتقاد بثبوت الحكم في كل جزء زمان من هذه الأزمنة يدور مدار
~~اندراج هذا الجزء من الزمان تحت الزمان الذي حكم الشارع - حكما كليا -
~~بثبوت الإباحة فيه مثلا، وهو زمان عدم حدوث الغاية.
# فإذا قطعنا بأن هذا الجزء من الزمان داخل في أزمنة عدم حدوث الغاية،
~~فيلزم من الاعتقاد بذلك الحكم الكلي الشرعي - وهو إباحة الشئ ما لم توجد
~~الغاية -: الاعتقاد بأن الحكم المذكور متحقق في هذا الزمان.
# وإذا قطعنا بعدم اندراجه فيها فيلزم من ذلك الاعتقاد، الاعتقاد بعدم تحقق
~~الحكم المذكور فيه.
# وإذا شككنا في اندراجه فيها من جهة الشك في حدوث الغاية، فلا يلزم
~~الاعتقاد بتحقق هذا الحكم فيه، وإن كنا معتقدين في نفس هذا الزمان - أي
~~زمان الشك في حدوث الغاية - بذلك الحكم الشرعي الكلي، وهو إباحة الشئ
~~الفلاني ما لم توجد الغاية، بل في زمان ms151 القطع بحدوث الغاية أيضا نعتقد
~~وجوبا بذلك الحكم الكلي الشرعي، لما عرفت من أن وجوب الاعتقاد بالحكم الكلي
~~الشرعي ليس موقتا بوقت، بل هو ثابت دائما. PageV00P244
# فعلم من جميع ذلك: أن في زمان الشك في حدوث الغاية لا يجب الاعتقاد إلا
~~بكون الشئ مباحا إلى حدوث الغاية، وهذا الاعتقاد واجب أيضا عند القطع بحدوث
~~الغاية. وأما الاعتقاد في زمان الشك بأن الإباحة متحققة ومنجزة في هذا
~~الزمان فليس بواجب.
# بل يمكن أن يقال بعدم جوازه، نظرا إلى أن الدليل المذكور كما أنه يدل على
~~إباحة الشئ الفلاني إلى حدوث الغاية، فكذلك يدل - بالالتزام - على عدم
~~إباحته بعد حدوثها، وإلا لا يكن غاية ومزيلة للحكم.
# فكما يجب الاعتقاد بإباحة الشئ عند عدم حدوث الغاية، فكذلك يجب الاعتقاد
~~بعدم إباحته عند حدوثها، ففي زمان الشك في حدوث الغاية لا يكون الحكم بوجوب
~~اعتقاد إباحة الشئ فيه أرجح من الحكم بوجوب اعتقاد عدم إباحته فيه، لان
~~احتمال اندراج هذا الزمان تحت أزمنة عدم حدوث الغاية - التي يجب الاعتقاد
~~بإباحة الشئ فيها -، واحتمال اندراجه تحت أزمنة حدوثها - التي يجب الاعتقاد
~~بعدم إباحته فيها - متساويان بالفرض.
# هذا كله حال الاعتقاد بالإباحة الواقعية في زمان الشك في حدوث الغاية،
~~وأما وجوب الاعتقاد بالإباحة الظاهرية فلا يخفى أنه إنما هو بعد ثبوتها،
~~والمفروض أن المستدل الآن في صدد الاستدلال على ثبوتها، فافهم واغتم، وتدبر
~~واستقم.
# [قوله] قدس سره: " ولعل نظره (1) إلى أن اشتغال الذمة مستصحب، وشغل الذمة
~~اليقيني مستدع لحصول البراءة اليقينية بالاجماع كما ادعاه،
# PageV00P245
# ... الخ ".
# [أقول]: لا يقال: إن هذا الدليل أخص من المدعى، نظرا إلى أن المدعى هو
~~إثبات وجوب الحكم ببقاء التكليف في كل ما ثبت من الشارع حكم إلى غاية ثم شك
~~في وجود تلك الغاية، وقد يكون تقييده بالغاية بحيث نعلم أن بعد حدوث الغاية
~~يتبدل الوجوب السابق بالتحريم أو التحريم السابق بالوجوب، ومن المعلوم
~~حينئذ أنه عند الشك في وجود الغاية يدور الامر بين الوجوب والتحريم، فكيف
~~يتأتى إجراء قاعدة الاشتغال؟ ms152 مثلا إذا أوجب الشارع فعلا إلى غاية معينة
~~نعلم أنه بعد حدوث الغاية يصير حراما، فكما أن الذمة مشغولة بفعله في زمان
~~عدم حدوث الغاية ويجب تحصيل البراءة اليقينية عنه، فكذلك الذمة مشغولة
~~بتركه في زمان حدوثها، ولا بد من تحصيل البراءة اليقينية عنه، فلا وجه
~~لترجيح الوجوب في زمان الشك، اللهم إلا باستصحاب ثبوته، لكنه غير هذا
~~الدليل، بل هو دليل آخر للمحقق. وكذا التمسك باستصحاب عدم حدوث الغاية.
# لأنا نقول: كأنك غافل عن فرض المستدل! فاعلم: أن فرض المستدل - الذي يجري
~~فيه الحكم ببقاء التكليف عند الشك في وجود غايته المعينة - هو ما إذا ثبت
~~أن ثبوت ذلك التكليف واستمراره إلى الغاية المذكورة ليس مشروطا بالعلم بتلك
~~الغاية، بحيث لو ترك الامتثال في جزء من الزمان لا يعلم بوجود الغاية
~~وعدمها فيه، واتفق قي الواقع عدم حدوث الغاية بعد، فيعاقب هذا الشخص، نظرا
~~إلى كونه مكلفا بالتكليف المذكور ما لم يحدث الغاية في الواقع، علم بعدم
~~حدوثها أو لم يعلم.
# إذا عرفت هذا، فنقول: إن الفرض الذي فرضته - من كون التكليف مغيى بغاية،
~~بحيث نعلم أن بعد حدوث الغاية يتبدل ذلك التكليف بخلافه، PageV00P246
# فإن كان وجوبا فبالحرمة وإن كانت الحرمة فبالوجوب، - لا يخلو: إما أن
~~يكون التكليفان كلاما غير مشروطين بالعلم، بأن كلف الشخص بإتيان الفعل
~~الفلاني ما لم يحدث الغاية الفلانية وإن لم يعلم بعدم حدوثها، بحيث لو ترك
~~الامتثال في زمان لا يقطع بحدوث الغاية ولم تحدث الغاية في الواقع يكون (1)
~~معاقبا، وكلف أيضا بترك ذلك الفعل عند حدوث الغاية كذلك، - أي غير مشروط
~~بالعلم بحدوثه - بحيث لو ترك امتثال هذا التكليف التركي في زمان لا يقطع
~~بحدوث الغاية وعدمه واتفق حدوثها فبه يكون (2) معاقبا.
# وإما أن يكون التكليف الأول فقط كذلك - أي غير مشروط بالعلم - ولا يكون
~~التكليف الثاني كذلك، بمعنى أنه لم يقم دليل على أنه لو ترك امتثاله في
~~زمان لا يعلم بحدوث الغاية وعدمه فيه واتفق حدوثها فيه يكون (3) معاقبا، بل
~~القدر ms153 الثابت هو وجوب الامتثال إذا علم بحدوث الغاية لا إذا حدثت في
~~الواقع.
# وإما أن يكون الامر بالعكس.
# وإما أن لا يكون واحد من التكليفين مشروطا بالعلم، بأن يكون القدر الثابت
~~من الأول هو وجوب الفعل عند العلم بعد حدوث الغاية، ومن الثاني وجوب الترك
~~عند العلم بحدوثها.
# أما الشقان الأخيران فخارجان عن محل كلام المستدل، لان المفروض عدم ثبوت
~~كون التكليف المغيى بالغاية فيهما غير مشروط بالعلم، بل الشخص مخير في زمان
~~الشك في الغاية بين الفعل والترك على الشق الأخير منهما، ويجب عليه امتثال
~~التكليف الثاني على الشق الأول منهما، لان
# PageV00P247
# المفروض أنة غير مشروط بالعلم دون التكليف الأول.
# وأما الشق الأول فالتكليف بمثله لا يصح عن الحكيم، لأنه إلقاء في العقاب،
~~لعدم التمكن من التحفظ عنه.
# مثلا: إذا شك في زمان في حدوث الغاية وعدمها فلا يتمكن من التحفظ عن
~~مخالفة التكليفين، إذ لو أتى بالفعل فلعل الغاية قد حدثت في الواقع فيعاقب
~~على الفعل، ولو ترك الفعل فلعل الغاية لم تحدث فيعاقب على الترك.
# فلم يبق إلا أن يكون فرض كلام المستدل منحصرا في الشق الثاني.
# ولا يخفى أن حكمه فيه بوجوب امتثال التكليف عند الشك في وجود الغاية جيد،
~~لان الفرض هو أن هذا التكليف غير مشروط بالعلم، فيجب عليه الامتثال ما دام
~~يحتمل عدم حدوث الغاية، تحصيلا للقطع بالبراءة.
# وأما احتمال كون زمان الشك في وجود الغاية من أزمنة وجودها في الواقع فلا
~~يقدح، نظرا إلى أن المفروض أن التكليف الثابت في حال حدوث الغاية - المخالف
~~للتكليف الأول - لم يثبت كونه غير مشروط بالعلم، بل قد عرفت أنه لا يجوز
~~كونه غير مشروط بعد كون التكليف الأول غير مشروط.
# مثلا: إذا ثبت وجوب شئ إلى غاية ونعلم بحرمته بعد حدوث الغاية، والمفروض
~~أن التكليف الوجوبي غير مشروط بالعلم بخلاف التكليف التحريمي، فعند الشك في
~~وجود الغاية يجب امتثال التكليف الوجوبي تحصيلا للقطع بامتثاله، وإن احتمل
~~أن تكون الغاية قد حدثت في الواقع، لان مجرد ms154 حدوثها في الواقع مع عدم علم
~~المكلف لا يكفي في التحريم، لان المفروض أن هذا التحريم لم يثبت كونه غير
~~مشروط بالعلم. PageV00P248
# فظهر من جميع ذلك: أنه إذا ثبت حكم إلى غاية وعلمنا بأن بعد حدوث الغاية
~~يحدث حكم مخالف للأول بحيث لا يمكن اجتماع امتثالها - كأن يكون الأول
~~الوجوب والثاني الحرمة أو بالعكس - فكلام المستدل إنما هو في فرض واحد من
~~الفروض المتصورة فيه، وهو أن يكون التكليف الأول غير مشروط بالعلم دون
~~الثاني، وفي هذا المفرض ليس الاحتياط ممتنعا، فانحصر مدعى هذا المستدل في
~~صورة إمكان الاحتياط، فيكون دليله - أعني حكم العقل بالاشتغال - مساويا
~~لمدعاه، لا أخص.
# وأما إذا ثبت حكم إلى غاية ونعلم أن بعد حدوثها يحدث تكليف لا يمتنع
~~اجتماعه مع الحكم الأول في الامتثال - كأن يكون الأول الوجوب والثاني
~~الاستصحاب أو الإباحة - فيجري ادعاء المستدل من وجوب الاحتياط يحكم العقل
~~في جميع الفروض الأربعة السابقة المتصورة فيه، لامكانها وإمكان الاحتياط في
~~جميعها، فتأمل.
# [قوله] قدس سره: " ولا (1) يرد عليه ما قيل: إن هذا جار،... الخ ".
# [أقول]: هذا المورد القائل هو السيد صدر الدين في شرح الوافية، حيث قال:
~~" إن هذا الدليل جار في ما إذا ثبت تحقق حكم في الواقع مع الشك في تحققه
~~بعد انقضاء زمان لابد للتحقق منه، وهذا هو الذي أجرى القوم الاستصحاب فيه.
# بيانه: أنا كما نجزم في الصورة التي فرضها المستدل بتحقق الحكم في قطعة
~~من الزمان ونشك حين القطع في تحققه في زمان يكون حدوث الغاية فيه وعدم
~~حدوثها متساويين، كذلك نجزم بتحقق الحكم في زمان لا يمكن
# PageV00P249
# تحققه إلا فيه، ونشك أيضا حين القطع في تحققه في زمان متصل بذلك الزمان،
~~لاحتمال وجود رافع لجزء من أجزاء علة الوجود.
# وكما أن في صورة الشك في الصورة الأولى يكون الدليل محتملا لان يراد منه
~~وجود الحكم في الزمان الذي يشك في وجود الحكم فيه، وأن يراد منه عدم وجوده
~~فيه، كذلك حال الدليل في الصورة التي فرضناها.
# وعلى هذا ms155 نقول أيضا: لو لم يحتمل التكليف المذكور لم يحصل الظن بالامتثال
~~والخروج عن العهدة، ولو امتثل لحصل القطع به، لان في زمان الشك إن كان
~~الواقع وجود الحكم فقد فعلنا ما كان علينا، وإن كان الواقع عدمه فقد خرجنا
~~بما فعلنا في زمان القطع من العهدة " (1) انتهى كلامه رفع مقامه.
# أقول - وبالله ثقتي -: إن القول الفصل الذي ليس بالهزل في هذا المقام، هو
~~أن يقال: إنه إذا تحقق حكم - كوجوب الصوم في أيام - فامتثلنا الحكم المذكور
~~في مدة، ثم شككنا في بقاء الحكم بعدها، بأن قطعنا بأن الصوم الواجب لا ينقص
~~عن ثلاثة أيام، فصمنا أياما ثلاثة، وشككنا في أن الصوم هل يجب أزيد من ذلك،
~~فلا يخلو الامر من أنه: إما أن يكون الصوم الزائد الذي شك في وجوبه يكون -
~~على تقدير وجوبه - واجبا مستقلا لا ارتباط له بالصوم السابق، فيرجع الشك
~~حينئذ إلى ثبوت واجب آخر في الذمة مع القطع بارتفاع الوجوب السابق، من جهة
~~حصول الامتثال به والبراءة عنه.
# وإما أن يكون الصوم الزائد المشكوك في وجوبه - على تقدير وجوبه - يكون
~~جزء من الواجب السابق ومرتبطا به بأن يكون التكليف - على تقرير
# PageV00P250
# وجوبه - تكليفا واحدا متعلقا بصوم مجموع الأيام. وبعبارة أخرى: شك في أن
~~ما أتى به من الصوم في الثلاثة تمام الواجب أو جزؤه.
# فإن كان على الوجه الأول، فالظاهر أنه لا يحكم بوجوب إتيان الزائد أعني
~~الصوم في أيام اخر، نظرا إلى القطع بارتفاع تكليف بالامتثال به وكون الشك
~~في تكليف آخر، ولا فرق في ذلك بين كون الشك المذكور ناشئا عن كون وجوب
~~الصوم مغيى إلى غاية وشك في حدوثها - كما هو فرض المستدل - بأن قال المولى:
~~ص إلى دخول زيد في البلد، ونعلم أن صوم كل واحد من الأيام تكليف مستقل لا
~~ربط له بالاخر، فشككنا في زمان في دخول زيد.
# وبين كون الشك المذكور ناشئا عن إجمال دلالة الدليل، بأن ورد الامر
~~بالجلوس في المجملة ولا ندري أنه إلى هذا الزمان أو ms156 إلى ما بعده أيضا، كما
~~هو المفروض في استصحاب القوم.
# فإن قلت: إذا قال المولى: ثم إلى كذا، وشك في زمان في حدوث ذلك، والمفروض
~~أن التكليف أيضا غير مشروط بالعلم - بمعنى أنه لو ترك الصوم ولم يحدث
~~الغاية في الواقع لاستحق العقاب - فلا وجه للتأمل في حكم العقل بوجوب الصوم
~~حين هذا الشك، وإن كان هذا التكليف المستمر إلى كذا تكليفات متعددة.
# قلت: لو سلمنا ذلك، فنقول: إن العقل لا يحكم حينئذ بعدم حصول الامتثال في
~~السابق وبقاء التكليف السابق، كما هو مطلب المستدل - حيث إنه يريد إثبات
~~لزوم استصحاب التكليف السابق بحكم العقل - لان المفروض إذا كان تعدد
~~التكاليف فيرتفع التكليف السابق ويشك في ثبوت آخر.
# ولو سلمنا حكم العقل بثبوت تكليف آخر، نظرا إلى إلزامه هذا PageV00P251
# الاحتياط، فليس هذا إبقاء للتكليف السابق، للقطع بارتفاع ما كان موجودا
~~سابقا بالامتثال، بل هذا إثبات للتكليف بدليل العقل.
# والحاصل: أن هذا المورد ليس موردا للاستصحاب، والكلام فيه لا في غيره.
# فإن قلت: إن هذا الدليل منه دليل آخر غير الاستصحاب، ودليله الثاني هو
~~الاستصحاب.
# قلت: نعم، ولكن كلا الدليلين استدل بهما على إبقاء التكليف، فموردهما
~~مورد الاستصحاب.
# وإن كان على الوجه الثاني، بأن يكون الصوم الزائد المشكوك في وجوبه - على
~~تقدير وجوبه في متن الواقع - جزء من المكلف به ومرتبطا بالصوم السابق "
~~بحيث كان المجموع من حيث المجموع تكليفا واحدا، فالتحقيق حينئذ هو لزوم
~~الحكم بوجوب الزائد واستصحاب التكليف، سواء كان في فرض المستدل - وهو ما
~~إذا كان الوجوب مغيى بغاية ونشأ الشك في وجوب الزائد من الشك في حدوث
~~الغاية - أو كان في فرض القوم، بأن كان دلالة الدليل على وجوب الزائد
~~مشكوكا فيها وحصل الشك في وجوب الزائد من إجمال ذلك الدليل.
# والوجه في ذلك: رجوع هذا الوجه في الفرضين إلى الشك في المكلف به مع
~~القطع بالتكليف وعدم ثبوت القدر اليقيني في البين.
# فإن قلت: القدر المتيقن في فرض القوم موجود، وهو المقدار الذي بين دلالة
~~الدليل ms157 وتحققت بالنسبة إليه - وهو صوم ثلاثة أيام - والباقي مشكوك، فيدفع
~~بالأصل.
# قلت: ليس القدر المتيقن موجودا، إذ صوم الثلاثة واجب أصلي على
~~PageV00P252
# تقدير عدم وجوب الزائد، وتبعي على تقدير وجوبه، لأنه حينئذ يصير جزء
~~الواجب فيجب من باب المقدمة، لا أصالة.
# والمراد بالقدر المتيقن الذي يجري في ما سواه - من المشكوك - الأصل، هو
~~الذي تيقن الامتثال به وسقوط تكليف واستحقاق به، وبعبارة أخرى: يقطع بكون
~~إتيانه رافعا لتكليف، فيشك في تكليف زائد على ذلك المرفوع.
# وفي ما نحن فيه لا يعلم بسقوط التكليف بالصوم ثلاثة، على كل تقديره إذ
~~على تقدير وجوب الزائد فلا ينفع صوم الثلاثة فقط شيئا.
# نعم هو القدر المتيقن، بمعنى أنه نقطع بأنه تعلق به وجوب مجمل مردد بين
~~الأصلي والتبعي المقدمي، بحيث نقطع أن بالاتيان به حصل واجب مردد بين
~~الواجبين وسقط وجوب مردد بين الوجوبين.
# لكن لا يخفى: أن هذا لا ينفع في سقوط التكليف المستقل علم بتحققه ووجب
~~التخلص عنه وإبراء الذمة منه يحكم العقل والاجماع والكتاب - أعني الآيات
~~الدالة على وجوب الإطاعة التي لا تتحق إلا بالعلم بكون المأتي به هو الذي
~~طلبه وأمر به المولى - والسنة " أعني الاخبار الدالة على عدم جواز نقض
~~اليقين بغيره.
# وبتقرير آخر: قولك: " والزائد مشكوك فيدفع بالأصل " إن أريد من الأصل
~~أصالة عدم الديل، فلا شك أن الشك في ما نحن فيه ليس في وجود الدليل، بل في
~~مقدار المدلول بعد القطع بوجود الدليل.
# وإن أريد أصالة البراءة فإن أريد استصحابها، فلا شك أن وجوب الزائد -
~~لكونه مقدميا - ليس أمرا حادثا بحدوث زائد على وجوب ذيها.
# ولا حاجة أيضا إلى ملاحظة الشارع له بالاستقلال ولا جعل له كذلك، بل
~~PageV00P253
# الملاحظ المجعول هو أمر واحد. والصادر طلب واحد مردد بين تعلقه بهذا
~~الناقص أو بهذا الزائد، فالزيادة والتعدد والكثرة في أجزاء الواجب، لا في
~~الوجوب ولا في الجعل ولا في الملاحظة.
# وإن أريد القاعدة المستفادة من الاخبار الدالة على البراءة ما لم يعلم
~~التكليف، ففيه:
# أولا: أن ms158 التكليف معلوم ولو إجمالا، والعلم الاجمالي كاف، وإلا لم يجب
~~تحصيل العلم التفصيلي على أحد، إذ هو بعد تحقق التكليف بالمعلوم - لأنه
~~مقدمة له - فلو لا يكف العلم الاجمالي لم يحدث التكليف بالشئ إلا بعد العلم
~~التفصيلي، فلم يكن تحصيله واجبا، لكونه شرط الوجوب لا الواجب.
# وإن أريد القاعدة المستفادة من العقل، فإن كان من جهة حكم العقل بقبح
~~التكليف بما لا يعلم، ففيه، أن قبحه مع عدم العلم رأسا، لا مع وجود
~~الاجمالي وعدم التفصيلي.
# وإن حان من جهة حكمه بقبح التكليف بالمجمل، ففيه أولا: اختصاصه بالمجمل
~~الذاتي، والاجمال في المقام عرضي على الظاهر أو المحتمل، وهو يكفينا في عدم
~~جواز الحكم بالقبح.
# وثانيا: أنه إذا لم يمكن الاتيان بما يقطع معه بإتيان ذلك المجمل.
# هذا كله، مضافا إلى أن غالب ما أوردت وارد في فرض استصحاب المحقق، فما هو
~~الجواب فهو الجواب.
# فإن قلت: إن المفروض في استصحاب المحقق هو ثبوت الدليل على أن التكليف
~~غير مشروط بالعلم، ومع مثل هذا الدليل لا يقبح العقل هذا التكليف، لان ذلك
~~بمنزلة التصريح ب " أني أريد منك هذا المجمل بوصف أنه مجمل " والذي يحكم
~~العقل به هو قبح التكليف بشئ غير معلوم تفصيلا PageV00P254
# ولا يدل دليل على كونه مطلوبا بوصف الاجمال أيضا.
# قلت: نحن نفرض في استصحاب القوم أيضا وصول مثل هذا الدليل، مضافا إلى ما
~~سيجئ من أنه لا يجب وجود الدليل على ذلك، بل نفس الدليل الدال على أصل
~~التكليف بالنسبة إلى المشافهين كاف في وجوب الامتثال ولو جهل تفصيلا.
~~PageV00P255
# متن قوانين الأصول مبحث الاستصحاب PageV00P257
# قانون (1) استصحاب الحال (2): وهو كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن
~~السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق. (3) والمراد من المشكوك أعم من
~~المتساوي الطرفين (4) ليشمل المظنون
# PageV00P259
# البقاء وغيره وان كان مراد القوم من الشك هنا هو الاحتمال المرجوح في
~~الواقع (1)، لان بنائهم في الحجية على حصول الظن، ونحن إنما عممنا الشك
~~لأنا لا ننقض اليقين إلا بيقين مثله بسبب الاخبار الآتية فلا ms159 يضرنا تساوي
~~الطرفين، بل كون البقاء مرجوحا أيضا.
# فالاستصحاب عندنا قد يستند في حجيته إلى الظن الحاصل من جهة اليقين
~~السابق، وقد يستند في حجيته إلى الاخبار، وهو لا يستلزم حصول الظن إلا أن
~~يدعى أن الاخبار أيضا مبتنية على الاعتماد بالظن الحاصل من الوجود السابق
~~(2)، وهو مشكل.
# واعلم: أن الاستصحاب إنما يجري فيما حصل فيه الاحتمال، فما علم استمراره
~~أو عدم استمراره فليس باستصحاب، ولا فرق في ذلك بين الموقت وغير الموقت،
~~ولا بين الاحكام الطلبية والوضعية.
# وربما قيل بعدم جريانه في الاحكام الطلبية، لأنها إما أمر أو نهي، وكل
~~منهما موقت (3) أو غير موقت، وعلى التقديرين إما أن يقال بدلالتهما على
~~التكرار أو لا، وكذلك الفور وعدمه. ولا معنى للاستصحاب في شئ منها، لان ما
~~يفعل في الوقت فهو (4) بحسب الامر (5)، وما يفعل خارج الوقت فهو بفرض جديد،
~~وفي غير الموقت، فإن قيل بالتكرار فهو من مقتضى التكرار، وإن لم يقل فهو من
~~مقتضى الامتثال اللازم للطبيعة بعد حصول
# PageV00P260
# الاشتغال (1) بها المستلزم لوجوب إبراء الذمة، فهو من غرائب الكلام، إذ
~~الشك قد يحصل في التكليف في الموقت (2)، كمن شك في وجوب إتمام الصوم لو حصل
~~له المرض في أثناء النهار، مع شكه في أنه هل. يبيح له الفطر أم لا؟ وكذلك
~~في صورة الدلالة على التكرار وغيره، وهو واضح.
# ثم إن الاستصحاب في الأحكام الوضعية على ما ذكره المتوهم لا يجري فيما
~~كان من قبيل الموقت كالحيض " أو التأبيد كالزلزلة، ويجري في بعض المطلقات
~~كالتغيير بالنجاسة الذي هو سبب لتنجيس الكر، والطهارة التي هي شرط لجواز
~~المضي في الصلاة (3).
# وأنت خبير بأن الكلام في الأول يظهر جوابه مما ذكرنا سابقا، لامكان حصول
~~الشك فيها والاحتياج إلى التمسك بالاستصحاب.
# وأما الأخير فالجريان فيه واضح، وهو إما باجرائه في نفس السبب، كما لو شك
~~في بقاء التغيير، مما لو مزج المتغير جسم طاهر له لون. أو في مسببه،
~~والمسبب إما هو الحالة الحاصلة من النجاسة المتغيرة، وإما الحكم الشرعي
~~الذي ms160 هو وجوب الاجتناب عنه. وقس عليه حال الطهارة.
# فظهر مما ذكرنا: أن الاستصحاب يجري في الاحكام الطلبية، والتخييرية
~~الابتدائية، والوضعية، وما يستتبعها من الاحكام الطلبية اللازمة لها.
# PageV00P261
# [تقسيمات الاستصحاب] ثم إن الاستصحاب ينقسم على أقسام كثيرة (1):
# فتارة من جهة الحال السابق أنه الوجود أو العدم، وأنه ما ثبت من الشرع أو
~~العقل أو الحس، وان ما ثبت من الشرع وضعي أو غيره، وهل (2) يثبت بالاجماع
~~أو غيره من الأدلة؟
# وتارة من جهة المزيل فقد يكون المزيل ثابتا، بمعنى أنا نعلم أن له مزيلا
~~في نفس الامر من شأنه إزالته، وهو قد يكون ماهيته معلومة لنا ولكن وقع الشك
~~في حصوله. وقد يكون معلوما ويحصل الشك في صدقه على الشئ الأصل. وقد لا يكون
~~لنا معلوما أصلا ونشك في حصوله، أو في صدقه على شئ حاصل. وقد لا يكون
~~ثابتا، بل نشك في أن الشئ الفلاني
# PageV00P263
# هل هو مزيل أم لا؟ وسيجئ أمثلتها.
# وتارة من جهة حصول الحكم السابق، فقد يثبت الحكم في الجملة، ولا يعلم شئ
~~من الاستمرار وعدم الاستمرار أصلا. وقد يثبت الحكم مع الاستمرار في الجملة.
~~وقد يثبت الحكم مع الاستمرار المقيد إلى غاية معينة.
# واختلف كلام القوم في حجيته وعدمها في المقامات الثلاث. PageV00P264
# [الأقوال في الاستصحاب] قال العضدي: معنى استصحاب الحال: إن الحكم
~~الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما هو كذلك فهو مظنون البقاء (1).
# وقد اختلف في صحة الاستدلال به لافادته ظن البقاء، وعدمها لعدم إفادته
~~إياه، فأكثر المحققين كالمزني والصيرفي والغزالي على صحته. وأكثر الحنفية
~~على بطلانه (2)، فلا يثبت به حكم شرعي.
# ولا فرق عند من يرى صحته بين أن يكون الثابت به نفيا أصليا، كما يقال
~~فيما اختلف في كونه نصابا: لم تكن الزكاة واجبة عليه، والأصل بقاؤه، أو
~~حكما شرعيا، مثل قول الشافعية في الخارج من غير السبيلين: إنه كان قبل خروج
~~الخارج متطهرا والأصل البقاء حتى يثبت معارض، والأصل
# PageV00P265
# عدمه... إلى آخر ما ذكره ".
# ويظهر منه: أن من قال بالحجية لم ms161 يفرق بين استصحاب حال الشرع وغيره.
~~والنفي الأصلي الذي ذكره أعم من البراءة الأصلية التي يسمى استصحابها "
~~استصحاب حال العقل ". بل يمكن إدراج استصحاب بقاء غير الحكم الشرعي،
~~كالرطوبة واليبوسة أيضا فيه (1)، لان استصحاب البقاء لا يتم إلا باعتبار
~~استصحاب عدم المزيل، فليتأمل.
# ولكن المحقق الخوانساري رحمه الله في شرح الدروس في مبحث الاستنجاء
~~بالأحجار - قال (2): " وهو ينقسم إلى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ
~~فيه إلى شرعي وغيره - ومثل للأول بنجاسة ثوب أو بدن، وللثاني برطوبته، ثم
~~قال -: وذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه، وبعضهم إلى حجية القسم الأول فقط ".
# أقول: ويدخل في غير الشرعي جميع ما يتعلق بالحكم وغيره مثل مطلق أصالة
~~العدم التي هي أصل في كل حادث، بل في كل ممكن.
# ومنها: عدم نقل اللفظ عن المعنى اللغوي، وعدم تعدد الوضع، وعدم التغيير
~~في الماء المتلون، وعدم التذكية في الجلد المطروح.
# ومثل: أصالة بقاء المعنى اللغوي على حاله، وأصالة بقاء المفقود. وهو
~~يستلزم كون مثل أصالة عدم النقل وأصالة بقاء المعنى اللغوي أيضا خلافيا
~~(3).
# وبعضهم فرق في استصحاب حال الشرع بين ما ثبت بالاجماع
# PageV00P266
# أو بغيره، فنفى الأول دون الثاني كالغزالي.
# وذهب المحقق الخوانساري رحمه الله إلى منع حجية الاستصحاب بالمعنى
~~المشهور - يعني إثبات حكم في زمان، لوجوده في زمان سابق عليه بكلا قسميه
~~اللذين نقلناهما عنه - ثم قال: نعم الظاهر حجية الاستصحاب بمعنى آخر، وهو
~~أن يكون دليل شرعي على أن الحكم الفلاني بعد تحققه ثابت إلى حدوث حال كذا
~~ووقت كذا مثلا، معين في الواقع بلا اشتراطه بشئ أصلا.
# فحينئذ إذا حصل ذلك الحكم، فيلزم الحكم باستمراره إلى أن يعلم وجود ما
~~جعل مزيلا له. ولا يحكم بنفيه بمجرد الشك في وجوده.
# واستدل عليه، أولا (1): بأنه إذا كان أمر - أو نهي - بفعل إلى غاية مثلا
~~فعند الشك بحدوث تلك الغاية، لولا يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظن
~~بالامتثال والخروج عن العهدة، وما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال والخروج
~~عن العهدة، فلا بد من بقاء ذلك ms162 التكليف حال الشك أيضا، وهو المطلوب وثانيا:
~~بالروايات الآتية.
# ثم قال: فان قلت: هذا كما يدل على حجية ما ذكرت، كذلك يدل على حجية ما
~~ذكره القوم، لأنه إذا حصل اليقين في زمان، فينبغي أن لا ينقض في زمان آخر
~~بالشك، نظرا إلى الرواية، وهو بعينه ما ذكروه.
# قلت: الظاهر أن المراد من عدم نقض اليقين بالشك، أنه عند التعارض لا ينقض
~~به. والمراد بالتعارض أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك. وفيما ذكروه ليس
~~كذلك، لان اليقين يحكم في زمان ليس مما يوجب حصوله في زمان آخر لولا عروض
~~شك، وهو ظاهر.
# PageV00P267
# ثم قال: فإن قلت: هل الشك في كون الشئ مزيلا للحكم مع اليقين بوجوده
~~كالشك في وجود المزيل " أو لا؟
# قلت: فيه تفصيل، لأنه إن ثبت بالدليل أن ذلك الحكم مستمر إلى غاية معينة
~~في الواقع، ثم علمنا صدق تلك الغاية على شئ، وشككنا في صدقها على شئ آخر أم
~~لا، فحينئذ لا ينقض اليقين بالشك. واما إذا لم يثبت ذلك، بل إنما ثبت أن
~~ذلك الحكم مستمر في الجملة، ومزيله الشئ الفلاني، وشككنا في أن الشئ الاخر
~~أيضا مزيله أم لا، فحينئذ لا ظهور في عدم نقض الحكم وثبوت استمراره (1)،
~~انتهى.
# فظهر مما ذكره، المخالفة في المقامين الآخرين (2).
# وقال المحقق السبزواري في الذخيرة - بعد نقل الاستدلال على نجاسة الماء
~~المطلق الكر الذي سلب الاطلاق عنه بعد ممازجته بالمضاف النجس -:
# بأن الماء المضاف قبل امتزاجه بالكر كان نجسا فيستصحب فيه الحكم المذكور
~~إلى أن يثبت الرافع، لان اليقين لا ينقض إلا باليقين، وإذا ثبت نجاسته بعد
~~الامتزاج يلزم منه نجاسة الجميع، لان الكر المفروض بعد سلب اسم الاطلاق عنه
~~ينفعل بذلك المضاف الممتزج به.
# ويرد عليه: أن التحقيق أن استمرار الحكم تابع لدلالة الدليل الدال على
~~الحكم، فإذا دل الدليل على الاستمرار كان ثابتا، وإلا فلا. فها هنا لما دل
~~الاجماع على استمرار النجاسة في الماء المضاف النجس إلى زمان ملاقاته مع
~~الماء الكثير حكمنا به، وبعد ms163 الملاقاة فالحكم مختلف فيه، فإثبات
# PageV00P268
# الاستمرار يحتاج إلى دليل.
# لا يقال: قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة: " ليس ينبغي لك أن
~~تنقض اليقين أبدا بالشك، ولكن تنقضه بيقين آخر " يدل على استمرار أحكام
~~اليقين ما لم يثبت الرافع.
# لأنا نقول: التحقيق أن الحكم الشرعي الذي تعلق به اليقين، إما أن يكون
~~مستمرا - بمعنى أن له دليلا دالا على الاستمرار بظاهره - أم لا.
# وعلى الأول، فالشك في رفعه على أقسام (1):
# الأول: إذا ثبت أن الشئ الفلاني رافع للحكم، لكن وقع الشك في وجود
~~الرافع.
# والثاني: ان الشئ الفلاني رافع للحكم، لكن معناه مجمل، فوقع الشك في كون
~~بعض الأشياء هل هو فرد له أو لا؟
# والثالث: ان معناه معلوم وليس بمجمل، لكن وقع الشك في اتصاف بعض الأشياء
~~به وكونه فردا له لعارض، كتوقفه على اعتبار متعذر، وغير ذلك.
# الرابع: وقع الشك في كون الشئ الفلاني هل هو رافع للحكم المذكور أم لا؟
# والخبر المذكور إنما يدل على النهي عن النقض بالشك، وإنما يعقل ذلك في
~~الصورة الأولى من تلك الصور الأربعة دون غيرها من الصورة لان في غيرها من
~~الصور لو نقض الحكم بوجود الامر الذي يشك في كونه رافعا لم يكن النقض
~~بالشك، بل انما حصل النقض باليقين بوجود ما يشك في كونه
# PageV00P269
# رافعا، أو باليقين بوجود ما يشك في استمرار الحكم معه، لا بالشك، فإن
~~الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل ولم يكن بسببه نقض. وإنما حصل النقض
~~حين اليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا للحكم بسببه، لان الشئ إنما يستند
~~إلى العلة التامة أو الجزء الأخير منها، فلا يكون في تلك الصور نقض للحكم
~~اليقيني بالشك، وإنما يكون ذلك في صورة خاصة غيرها، فلا عموم في الخبر...
~~إلى آخر ما ذكره ".
# وهو أيضا يدل على أنه لا يجوز العمل بالاستصحاب إلا في بعض الصور، الذي
~~هو ما علم الرافع ولكن شك في وجوده.
# ويظهر منه رحمه الله في غير هذا الموضع نفي ms164 حجية الاستصحاب في الأمور
~~الخارجية مطلقا (1).
# فحاصل الأقوال يرجع إلى ثمانية (2):
# الأول: الحجية مطلقا.
# الثاني: عدمها مطلقا.
# الثالث: الحجية في نفس الحكم الشرعي، دون الأمور الخارجية.
# الرابع: العكس.
# الخامس: الحجية في نفس الحكم الشرعي إذا ثبت بغير الاجماع.
# السادس: الحجية فيه إذا كان وضعيا دون غيره.
# السابع: الحجية فيه إذا كان مستمرا إلى غاية معينة، وحصل الشك في حصول
~~الغاية.
# PageV00P270
# الثامن: الحجية فيه إذا كان الشك في حصول الرافع المعلوم الرافعية لا
~~غير.
# والأظهر: هو القول بالحجية مطلقا كما هو ظاهر أكثر المتأخرين.
~~PageV00P271
# [أدلة الاستصحاب] لنا وجوه من الأدلة:
# الأول إن الوجدان السليم يحكم (1) بأن ما تحقق وجوده أو عدمه في حال أو
~~في وقت، ولم يحصل الظن بطرو عارض يرفعه، فهو مظنون البقاء وعلى هذا الظن
~~بناء العالم وأساس عيش بني آدم، من الاشتغال بالحرث والتجارة، وبناء الدار
~~والبستان، وإرسال المكاتيب إلى الأمكنة البعيدة، والمسافرة إلى الجزائر،
~~والبلاد الواقعة في السواحل، والقراض، وغير ذلك مما يرتكبه العقلاء
~~الأذكياء من دون لزوم سفه أو منقصة عليهم.
# وهذا الظن ليس من محض الحصول في الآن السابق (2)، لان ما ثبت
# PageV00P273
# جاز أن يدوم، وجاز أن لا يدوم، بل لأنا لما فتشنا الأمور الخارجية - من
~~الاعدام والموجودات - وجدناها باقية مستمرة بوجودها الأول غالبا على حسب
~~استعداداتها وتفاوتها في مراتبها فنحكم فيما لم نعلم حاله بما وجدناها في
~~الغالب إلحاقها بالأعم الأغلب.
# ثم إن كل نوع من أنواع الممكنات يلاحظ فيه زمان الحكم ببقائه بحسب ما غلب
~~فيه أفراد ذلك النوع، فالاستعداد الحاصل للجدران القويمة يقتضي مقدارا من
~~البقاء بحسب العادة، والاستعداد الحاصل للانسان يقتضي مقدارا منه، وللفرس
~~مقدارا آخر، وللحشرات مقدارا آخر، ولدود القز والبق والذباب مقدارا آخر،
~~وكذا للرطوبة في الصيف والشتاء، وهكذا.
# فهنا مرحلتان، الأول: إثبات الاستمرار في الجملة. والثانية: إثبات مقدار
~~الاستمرار. ففيما جهل حاله من الممكنات القارة يثبت ظن الاستمرار في الجملة
~~بملاحظة حال أغلب الممكنات مع قطع النظر عن تفاوت أنواعها، وظن مقدار خاص
~~من الاستمرار بملاحظة حال ms165 النوع الذي هو من جملتها (1)، فالحكم الشرعي -
~~مثلا - نوع من الممكنات، قد يلاحظ من جهة ملاحظة مطلق الممكن، وقد يلاحظ من
~~جهة ملاحظة مطلق الاحكام الصادرة عن الموالي إلى العبيد، وقد يلاحظ من جهة
~~ملاحظة سائر الأحكام الشرعية، فإذا أردنا التكلم في استصحاب الحكم الشرعي
~~فنأخذ الظن الذي ادعيناه من ملاحظة أغلب الأحكام الشرعية، لأنه الأنسب به
~~والأقرب إليه، وإن أمكن ذلك بملاحظة أحكام سائر الموالي وعزائم سائر العباد
~~أيضا.
# ثم إن الظن الحاصل من جهة الغلبة في الأحكام الشرعية محصله: أنا
# PageV00P274
# نرى أغلب الأحكام الشرعية مستمرة بسبب دليلها الأول، بمعنى أنه ليس
~~أحكامه آنية مختصة بآن الصدور، بل يفهم من حاله من جهة أمر خارجي عن الدليل
~~أنه يريد استمرار ذلك الحكم الأول من دون دلالة الحكم الأول على الاستمرار،
~~وإذا رأينا منه في مواضع غير عديدة أنه اكتفى حين إبداء الحكم بالأمر
~~المطلق القابل للاستمرار وعدمه، ثم علمنا أن مراده كان من الامر الأول
~~الاستمرار، فيحكم فيما لم يظهر مراده من الاستمرار وعدمه بالاستمرار (1)،
~~ونقول: إن مراده هنا - أيضا - من الامر، الاستمرار الحاقا بالأغلب، فقد حصل
~~الظن بالدليل، وهو قول الشارع بالاستمرار.
# وكذلك الكلام في موضوعات الاحكام من الأمور الخارجية، فإن غلبة البقاء
~~يورث الظن القوي ببقاء ما هو مجهول الحال (2)، ولما لم يمكن وجود الممكن
~~إلا بوجود علته التامة، فيعلم أن غالب الموجودات المستمر علتها موجودة، إما
~~بكون علة الوجود هي علة البقاء - على حسب معتاد المعلولات -، أو بتجدد
~~العلة للبقاء، بل يمكن أن يقال ذلك قي الحكم الشرعي - أيضا -، فإنه كما
~~يمكن أن يكون علة البقاء هو الامر الأول وكانت القرائن الخارجية كاشفة عنه،
~~يمكن أن يكون علة الاستمرار شيئا آخر وهو نفس القرائن الخارجية من تنصيص
~~آخر أو اجماع على الاستمرار، أو نحو ذلك.
# والحاصل: أن العمدة هو إثبات الظن بالبقاء في كل ما ثبت وقد أثبتناه من
~~الضرورة والوجدان، ومنكره مكابر، ولا يهمنا إثبات السبب
# PageV00P275
# الباعث على الظن (1) وإن كان الظاهر أنه هو الغلبة ms166 على حسب تفاوت العادة
~~المستندة خصوصا إلى علل تلك الافراد الحاصلة، وإنما اللائق بالبحث، إثبات
~~حجية هذا الظن، نظرا إلى أن الأصل حرمة العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل.
# وقد بينا سابقا في مباحث الاخبار، حجية ظن المجتهد مطلقا إلا ما أحوجه
~~الدليل (2)، وأن هذا الأصل غير مسلم (3)، فإن دليله إن كان هو الاجماع فهو
~~فيما نحن فيه ممنوع (4)، إذ هو أول الكلام، وإن كان ظواهر الآيات والاخبار،
~~فإن كان دليل حجته تلك الظواهر الاجماع، فحجتها فيما نحن فيه أول الكلام
~~(5)، وإن كان غيره فإن كان هو دعوى القطع بسبب تواترها، ففيه: أن غايته
~~تواتر معنى اللفظ في الجملة لا عموما، إذ دعوى القطع بالمعنى، كليته فيما
~~نحن فيه ممنوع. وإن كان دعوى الظن والظهور فأي ديل على حجيته إلا حجية ظن
~~المجتهد، وهو موجود فيما نحن فيه، وفيما ذكرنا ثمة غنية عن الإعادة
~~فراجعها.
# وأما ما استند به الآخرون من أن ما ثبت دام فهو كلام خال عن التحصيل (6)،
~~وغاية توجيهه ما ذكره المحقق رحمه الله، قال: " المقتضي للحكم الأول ثابت
~~فثبت الحكم، والعارض لا يصلح رافعا له، فيجب الحكم بثبوته
# PageV00P276
# في الثاني، أما أن مقتضي الحكم الأول ثابت، فلانا نتكلم على هذا التقدير،
~~وأما أن العارض لا يصلح رافعا له، فلان العارض إنما هو الحال تجدد ما يوجب
~~زوال الحكم، لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه، فيكون كل منهما مدفوعا
~~بمقابله، فيبق الحكم الثابت سليما عن رافع "، وأنت خبير بما فيه، إذ
~~المقتضي للحكم الأول إن سلم كونه مقتضيا حتى في الأوان اللاحقة فلا معنى
~~للاستصحاب، بل هو محض النص (1)، وان فرض كونه مقتضيا في الآن الأول فقط فلا
~~معنى لاقتضائه في غيره (2)، وإن أخذ كونه مقتضيا في الجملة فتساوي احتمال
~~وجود الرافع وعدمه وتساقطهما لا ينفع في إثبات الحكم في الأوان اللاحقة من
~~جهة المقتضي، بل عدم المقتضي حينئذ هو مقتض العدم كما مر إليه الإشارة (3).
# PageV00P277
# الثاني الأخبار المستفيضة عن أئمتنا عليهم السلام الدالة على حجيته عموما ms167
~~(1)، مثل صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام، قال: " قلت له: الرجل ينام
~~وهو على وضوء، أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام
~~العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء،
~~قلت: فإن حرك على جنبه شئ وهو لا يعلم به، قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام،
~~حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين
~~بالشك أبدا، ولكنه ينقضه بيقين آخر ".
# واليقين والشك في الحديث محمولان على العموم (2)، أما على ما اخترناه
# PageV00P278
# في محله من كون المفرد المحلى باللام حقيقة في تعريف الجنس، وجواز تعليق
~~الاحكام بالطبائع فواضح، لعدم انفكاك الطبيعة عن الافراد.
# وأما على القول بالاشتراك أو عدم تعلق الاحكام بالطبائع، فعدم القرينة
~~على الفرد الخاص المعين واستلزام إرادة فرد ما الاغراء بالجهل، يعين المحمل
~~على الاستغراق، ولا يرد عليه أنه حينئذ يصير من باب رفع الايجاب الكلي،
~~لوقوعه في حيز النفي، لأنه بعيد عن اللفظ وينفيه التأكيد بقوله:
# " أبدا "، فيصير من باب (لا يحب كل مختال فخور) (1)، مع أن كون قوله عليه
~~السلام: " ولا ينقض اليقين أبدا بالشك " في قوذ الكبرى الكلية لاثبات
~~المطلوب (2) يعين ذلك أيضا، وجعل الكبرى منزلة على إرادة يقين الوضوء بعيد،
~~لاشعار قوله عليه السلام: " فإنه على يقين من وضوئه " على ذلك، فيكون
~~الكبرى حينئذ بمنزلة التكرار (3). ومن ذلك يظهر أن القول بأن سبق حكاية
~~يقين الوضوء يمكن أن يصير قرينة للعهد فيحمل عليه أيضا بعيد، سيما مع
~~ملاحظة أن المعهود هو الشخص لا نوع يقين الوضوء إلا أن يرتكب فيه نوع
~~استخدام وهو خلاف الظاهر (4).
# والحاصل: أنه لا يحسن الاشكال في العموم في اليقين وكذلك لفظ الشك، لأنه
~~تابع لليقين (5). والمفهوم من الكلام أن موضوعهما واحد، هذا ولما
# PageV00P279
# كان من البديهيات الأولية عدم اجتماع اليقين والشك في شئ واحد (1)، بل
~~ولا الظن والشك أيضا (2)، فلا يمكن حمل اللفظ على ظاهره " فعنى عدم جواز
~~نقض اليقين بالشك عدم جواز نقض ms168 حكم اليقين، وفيما كان حكم الوضوء في حال
~~تيقنه هو جواز الدخول في الصلاة مثلا لا يجوز نقضه بالشك في الوضوء.
# ثم إنك إذا تأملت في فقه الحديث تعلم أن نظر الإمام عليه السلام إلى نفي
~~تحقق النوم في الخارج ليس أقل من نظره إلى إثبات الطهارة (3). وتوجهه عليه
~~السلام إلى بيان ما به يتحقق النوم وغلبته باستيلائه على القلب والاذن دون
~~العين فقط، يفيد أنه عليه السلام اعتبر اليقين في الأمور الخارجية أيضا،
~~وإن كان من أسباب الأمور الشرعية فلا وجه للقول بتخصيص دلالة الحديث
~~باستصحاب الأحكام الشرعية دون الخارجية، لان ذلك إنما هو من شأنهم عليهم
~~السلام، ومن قبيل حصول النوم في الخارج حصول الجفاف والرطوبة وأمثال ذلك
~~مما يتعلق بها الأحكام الشرعية.
# وأما ما ذكره المحقق الخوانساري رحمه الله من أن الرواية لا تدل إلا على
~~ما ثبت استمراره إلى غاية من جهة الشرع، تمسكا بأن المراد من عدم نفي
~~اليقين بالشك هو عدم النقض عند التعارض، ومعنى التعارض هو أن يكون الشئ
~~موجبا لليقين لولا الشك " (4).
# PageV00P280
# فقد أورد عليه (1) بأنه كذلك في استصحاب القوم أيضا، يعني ما لم يثبت
~~الاستمرار إلى غاية أيضا، سواء ثبت الاستمرار في الجملة أو ثبت الحكم على
~~الاطلاق، إذ المفروض أن الكلام ليس فيما كان مقيدا بوقت أوما اختص ثبوته
~~بآن، فإن الشك لو فرض عدم عروضه في الزمان الذي عرض فيه أو عند الحالة التي
~~فرض عروضه عندها حينئذ لكنا قاطعين بالبقاء أيضا، لان عدم الروض إنما يكون
~~عند القطع بأن جزء من أجزاء علة الوجود لا يرتفع، ومع عدم ارتفاعه يحصل
~~اليقين بوجود المعلول، لان بقاء المعلول إنما هو ببقاء العلة التامة.
~~وزواله إنما هو بعدمها.
# وحاصل هذا الايراد هو استدلال إني على أن علة الوجود في هذا المعلول هو
~~علة البقاء إلى آن حصول الشك، يعني: يظهر من فرض انتفاء الشك أن العلة
~~الموجدة هي المبقية، فلا يرد الاعتراض على الايراد بأن انتفاء الشك إنما
~~يستلزم ثبوت اليقين ms169 لو ثبت أن علة الوجود في الآن الأول هو علة الوجود في
~~الآن الثاني أيضا، فكما أن انتفاء الشك في الصورة التي فرضها المستدل يوجب
~~اليقين بالحكم بسبب الاستمرار المنصوص عليه من الشارع فكذلك فيما ذكره
~~القوم، انتفاء الشك يوجب اليقين بالحكم، ضرورة عدم الواسطة بين الشك
~~واليقين بالحكم السابق (2)، فإن المراد هنا من الشك ما ينافي اليقين السابق
~~(3)، وهو أعم من الظن والقطع بانتفاء الحكم السابق أيضا، وليس كلامنا فيه
~~حتى يقال: إنه إذا انتفى الشك فقد يثبت اليقين
# PageV00P281
# بالوجود، وقد يثبت اليقين بالعدم، بل الكلام إنما هو في ثبوت الحكم
~~السابق والشك في زواله بحيث لولاه لثبت الحكم السابق مع الفراغ من انتفاء
~~احتمال القطع بالعدم.
# والحامل: أن المراد بالشك هنا احتمال زوال الحكم السابق لا مجرد التردد
~~بين الاحتمالين، فإذا انتفى هذا الاحتمال لا يبقى إلا اليقين السابق مع أن
~~ذلك يضر المستدل أيضا، فإن الشك - فيما فرضه على هذا التقدير - إذا فرض
~~انتفاؤه فلا يثبت استصحابه، لاحتمال تحققه في ضمن القطع بعدم الحكم السابق
~~لا بانسحابه.
# لا يقال: إن الشك قد يوجبه نفس الدخول في الوقت الثاني (1)، وفرض عدمه
~~إنما هو بفرض عدم الوقت الثاني، وهو لا يثبت إلا اليقين (2) في الآن الأول،
~~فلم يتحد مورد الشك واليقين، بخلاف ما ذكره المستدل فإنه إذا فرض انتفاء
~~الشك فيثبت اليقين في محله من جهة نص الشارع على الاستمرار.
# لأنا نقول - مع أن هذا الفرض نادر الوقوع سيما في الأحكام الشرعية -:
~~المفروض عدم ملاحظة اعتبار الآن الأول ولا عدم اعتبار الآن الثاني، غاية
~~الامر حصول اليقين في الآن الأول لا بشرط الآن الأول، فالقدر المتحقق إنما
~~هو ثبوته في ظرف الخارج، وانتفاء الشك يحصل مع ملاحظة عدم اعتبار ثانوية
~~الآن الثاني (3)، ولا يحتاج إلى اعتبار عدم الآن
# PageV00P282
# الثاني حتى ينتقل إلى الآن الأول ويفيد اليقين في الآن الأول (1)، مع أنه
~~يرد النقض فيما لو فرض فيما فرضه المستدل - أيضا (2) - أن يصير الآن
~~المتأخر سببا للشك في ثبوت الاستمرار ms170 المنصوص عليه إلى غاية معينة هل هو
~~ثابت فيه أو ينحصر في الآنات المتقدمة عليه حرفا بحرف.
# والحاصل: أن ما ذكره رحمه الله في معنى الحديث أنه لا ينقض القين المفروض
~~في زمان الشك الذي لولا الشك لكان ثابتا بالشك، وهو - مع أنه يجري في
~~استصحاب القوم - ليس بأولى من أن يقال: المراد بالحديث لا ينقض حكم اليقين
~~الثابت سابقا بسبب الشك كما أشرنا، بل هذا أولى وأظهر وهو المتبادر من
~~الحديث.
# وأما قوله رحمه الله - في جملة ما نقلنا عنه سابقا -: " قلت فيه تفصيل "
~~فمرجعه ليس إلى القول بعدم التفرقة بين الصورتين (3)، وإن الفرق انما يتحقق
~~بثبوت الاستمرار إلى غاية وعدمه، كما اختاره أولا، كما قد يتوهم، بل إلى
~~التفصيل في الصورة الأولى، والفرق بين الشك في كون الشئ فردا من أفراد
# PageV00P283
# المزيل مع العلم بكونه ماهية واحدة، والشك في تعدد ماهية المزيل، ولا
~~يتعرض لبيان الفرق وسنبينه.
# وأما ما ذكره المحقق السبزواري من الفرق بين الأقسام المذكورة في كلامه
~~فهو أيضا لا يرجع إلى محصل، فلنذكر أولا أمثلة للصور المذكورة صم نتعرض
~~لابطال الفرق:
# فمثال الأول: استمرار علاقة الزوجية مع الشك في موت الزوج واستمرار نجاسة
~~البدن والثوب مع الشك في الغسل.
# ومثال الثاني: استمرار الطهارة إلى زمان الحدث مع الشك في كون المذي حدثا
~~إذا حصل المذي من جهة تعارض الأدلة (1) واستمرار نجاسة البدن والثوب إلى
~~زمان التطهير بالماء مع غسله بماء السيل - المشكوك كونه ماء -.
# ومثال الثالث: كل شئ مجهول الحال الذي فيه حلال وحرام فهو حلال، حتى تعرف
~~أنه حرام، فإن الحلال والحرام ماهيتان معلومتان وأفرادهما الواقعية - أيضا
~~- معلومة متعينة في متن الواقع، بحيث لو علم أنه مغصوب يقال: إنه حرام، ولو
~~علم أنه من المباحات الأصلية المحازة من دون تعد يقال: إنه حلال، لكن بسبب
~~الاختلاط والاشتباه الخارجيين - اللذين أوجبا تعذر المعرفة - لا يعلم أن
~~هذا الشخص الموجود المجهول الحال فرد من أي الصنفين ومتصف بأيهما.
# ومثال الرابع: الشك في كون استحالة الكلب بالملح ms171 - إذا وقع في المملحة -
~~مطهرا.
# وأقول: إن دلالة الخبر على الأقسام الأربعة واضحة ولا اختصاص له
# PageV00P284
# بالصورة الأولى، فإن كل ذلك من موارد نقض اليقين بالشك.
# قوله: " بل إنما حصل النقض باليقين بوجود ما يشك... ".
# فيه: أن المتبادر من الخبر أن موضع (1) الشك واليقين وموردهما شئ واحد،
~~فاليقين بوجود المذي - مثلا - لم يرد على اليقين بالطهارة، بل ما أمران
~~متغايران، فالشك واليقين كلاما لابد أن يلاحظا بالنسبة إلى الطهارة، فراد
~~من لا يفرق بين الصور أن وجود المذي بعنوان اليقين لما كان يستتبع الشك
~~بزوال الطهارة التي كانت يقينية فقد صدق تواردهما على موضوع واحد، وهكذا
~~غيره من الأمثلة.
# قوله: " فإن الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل... ".
# فيه: أن ما كان حاصلا من قبل هو الشك في كون نوع هذا الشئ رافعا لنوع ذلك
~~الحكم (2)، وأما الشك في رفع الحكم الخاص فإنما حصل بشخص الشك الحاصل من
~~جهة يقين حصول هذا الشئ الخاص، فإن حصول ما هو مشكوك في كونه من الرافعات
~~مستلزم للشك في رفع هذا الحكم الخاص بحصول الخاص بعد الحكم الخاص وهذا الشك
~~لا يكن من قبل، فصدق أن اليقين انتقض بالشك لا باليقين، وهذا ظاهر.
# ومما ذكرنا ظهر أن العلة التامة أو الجزء الأخير منها هو الشك المسبب عن
~~هذا اليقين لا نفس اليقين.
# وصحيحته الأخرى (3) وهي مذكورة في زيادات كتاب الطهارة من
# PageV00P285
# التهذيب (1)، وهي طويلة، وفيها مواضع من الدلالة مما يقرب من صحيحته
~~المتقدمة. وصحيحته الأخرى - أيضا - وهي مذكورة في باب السهو في الثلاث
~~والأربع من الكافي عن أحدهما عليهما السلام، قال: " وإذا لم يدر في ثلاث هو
~~أو في أربع وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها الأخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض
~~اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالاخر، ولكنه
~~ينقض الشك باليقين، ويتم على اليقين فيبغي عليه، ولا يعتد بالشك في حال من
~~الحالات ".
# وما رواه الشيخ رحمه الله عن الصفار عن علي بن محمد القاساني، قال: ms172
# كتبت إليه عليه السلام وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل
~~يصام أم لا؟ فكتب عليه السلام: " اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وافطر
~~للرؤية ".
# وما رواه العلامة المجلسي رحمه الله في البحار - في باب من نسي أو شك في
~~شئ من أفعال الوضوء - عن الخصال، عن أبيه عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن
~~عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى " عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير
~~ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين
~~عليه السلام: من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا ينقض
~~اليقين ".
# وفي أواخر الخصال في حديث الأربعمائة، عن الباقر عليه السلام " عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام: " من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا
~~ينقض اليقين "،.
# PageV00P286
# وعن البحار - أيضا - أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " من كان على
~~يقين فأصابه الشك فليمض على يقينه، فإن اليقين لا يدفع بالشك ".
# ثم قال: أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة والاعتبار على طريقة القدماء وإن
~~لم يكن صحيحا بزعم المتأخرين، واعتمد عليه الكليني وذكر أكثر أجزائه متفرقة
~~في أبواب الكافي، وكذا غيره من أكابر المحدثين، انتهى.
# ولا يخفى أن ما ذكره مع اعتضادها بغيرها من الاخبار الصحيحة ودليل العقل
~~يجعلها أقوى من الصحيح باصطلاح المتأخرين بكثير. PageV00P287
# الثالث الروايات الكثيرة الدالة عليها باجتماعها، فإنها وإن كانت واردة
~~في موارد خاصة لكن استقراؤها والتأمل فيها يورث الظن القوي بأن العلة في
~~تلك الأحكام هو الاعتماد على اليقين السابق (1)، وهذا ليس من القياس في شئ،
~~بل في كل من الروايات إشعار بالعلية لولا نقل باستقلاله في الدلالة، فلا
~~أقل من أنه يفيد ظنا ضعيفا بها، فإذا اجتمع الظنون الضعيفة فيقوى في غاية
~~القوة، ويصدق عليه أنه ظن حصل من كلام الشارع لا من الترديد أو الدوران
~~ونحوهما، وإن شئت جعلته من عموم ظن المجتهد الذي أثبتنا حجيته.
# والفرق بينه وبين الدليل الأول: ms173 أن المعتمد في الأول الظن الحاصل بسبب
~~وجود الحكم في الآن السابق، وفيما نحن فيه الظن الحاصل من، تلك
# PageV00P288
# الاخبار بأن العمل على مقتضى اليقين السابق لازم، وإن لم يكن مظنونا في
~~نفسه، وبينهما فرق بين.
# فمن الروايات: قول الصادق عليه السلام في موثقة عمار: " كل شئ نظيف حتى
~~تعلم أنه قذر "، وقوله عليه السلام - أيضا - بطرق متعددة: " كل ماء طاهر
~~حتى تعلم أنه قذر ".
# ووجه انطباقهما على الاستصحاب ظاهر إذا جعلنا المراد أن كل شئ أو كل ماء
~~يحكم بطهارته حتى يحصل العلم بإصابة ما يعلم أنه نجس إياه، مثل الشك في
~~إصابة البول للثوب أو الماء.
# وهناك معنيان آخران يمكن حمل الروايتين عليهما، نظير قوله عليه السلام: "
~~كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام ". كما تقدم الكلام فيه.
# فنقول - على حملهما على الشبهة في الموضوع -: إن الأشياء أو المياه بعضها
~~متصف به في الخارج بالنجاسة الواقعية التي يعلم أن ملاقيها نجس وبعضها غير
~~متصف بها، ولكن اشتبه حال فرد من الافراد أنه من أيهما، فنقول: إن الشئ
~~المجهول الحال أو الماء المجهول يحكم بأنه طاهر واقعا من حيث إنه مجهول
~~الحال وطاهرا من حيث هو هذا الفرد حتى يحصل العلم بأنه هو الفرد النجس،
~~وعلى حملهما على الشبهة في الحكم الشرعي، فنقول:
# إن هذا الشئ المشتبه الحكم في أنه نجس أم لا؟ مثل العصير العني بعد
~~الغليان أو الجسم الملاقي له، هل حكمه الشرعي بالخصوص الطهارة أو النجاسة؟
~~فهو طاهر حتى تعلم أنه قذر.
# ومن هذا الباب ما استدل بعضهم على عدم تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة
~~بقوله عليه السلام: " كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر "، وهذا المعنى
~~PageV00P289
# أبعد المعاني الثلاثة من اللفظ.
# وتوضيح المقام: أن قوله عليه السلام " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر "
~~يحتمل معاني ثلاثة:
# الأول، كل جزئي حقيقي من الأشياء علم طهارته سابقا واقعا أو شرعا فهو
~~محكوم بطهارته حتى تعلم أنه صار قذرا بملاقاة ما ينجسه شرعا، كما إذا ms174 شك
~~عند ترشش البول في اصابته الثوب.
# والثاني: كل جزئي حقيقي لم يعلم أنه هل هو من الأشياء التي اتصفت
~~بالنجاسة بسبب ملاقاتها للنجاسة، أم من الأشياء الباقية على طهارتها، فيحكم
~~بكونه من الأشياء الباقية على الطهارة حتى يعلم أنه من الأشياء التي اتصفت
~~بالنجاسة، كما لو اشتبه الثوب النجس بالثوب الطاهر، وكذلك الكلام فيما لو
~~اشتبه الجزئي الطاهر العين بنجس العين، كالعذرة المترددة بين عذرة الانسان
~~وعذرة البقر.
# والثالث: كل مجهول الحكم بكليه وبشخصيه جميعا المحتمل لان يكون حكمه حكم
~~الأعيان النجسة بالذات بكليها، كالكلب والعذرة، أو حكم الأعيان الطاهرة
~~بالذات بكليها، كالغنم والظبي، وذلك مثل ابن آوى فهو طاهر حتى تعلم أنه
~~نجس، وكذلك المعاني الثلاثة في قوله عليه السلام: " كل ماء طاهر حتى تعلم
~~أنه قذر ".
# والفرق بين المعنى الثالث والمعنيين الأولين لزوم اعتبار المفهوم الكلي
~~في ذلك الشئ هنا، إذ الجهالة لم تتعلق بحكم الجزئي من حيث إنه جزئي، بل من
~~حيث إنه كلي أو فرد لكلي، نظير قوله عليه السلام: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه
~~نهي "، بخلاف الأولين، وكذلك يعتبر هنا العلم بالنجاسة من حيث الثبوت من
~~الدليل الشرعي على الوجه الكلي بخلاف السابقين، فإن العلم PageV00P290
# إنما يحصل من الأمور الخارجية، كالبينة والقرائن، فهذا من جملة الشبهة في
~~الحكم، والسابقان من جملة الشبهة في الموضوع.
# إذا عرفت هذا وظهر لك الفرق بين المعاني (1) عرفت أن المعاني متغايرة
~~متبائنة لا يجوز إرادتها جميعا في اطلاق واحد، كما حققناه في أوائل الكتاب
~~والقول بأن " كل شئ " عام قابل لإرادة الكلي والجزئي، وكذلك " العلم " يشمل
~~(2) بالكلي والجزئي، فيصح إرادة معنى عام يندرج الكل فيه، لا يصح مع تفاوت
~~إضافة الطهارة والقذارة إلى الأشياء، وكذلك سبب العلم.
# ولا ريب أن كلام المعصوم منزل على موارد حاجات المكلفين، وقد يختلف موارد
~~الحاجات، فقد يمكن ان يراد بسبب موضع الحاجة أن كل شئ طاهر طاهر باليقين
~~السابق حتى تعلم من الخارج ملاقاته للنجاسة. أو أن كل شئ مشتبه بين أمور ms175
~~طاهرة ونجسة فيحكم بأنه من الأشياء الطاهرة حتى تعلم من الخارج أنه من
~~الأشياء النجسة، أو أن كل شئ يحتمل أن يكون حكمه الشرعي الطهارة أو
~~النجاسة، فيحكم أنه طاهر حتى يعلم من جانب الشرع أن حكمه النجاسة مع أن
~~المعنى الثالث يساوق أصل البراءة، وقد عرفت اشتراط العمل به بالفحص والبحث
~~عن الدليل، بخلاف المعنيين الأولين، والرواية ظاهرة في البناء على الطهارة
~~من دون الفحص وهو يناسب المعنيين الأولين لا المعنى الثالث، لأنه من
~~المسائل الاجتهادية المحتاجة إلى البحث والفحص. وادخال المعنيين الأولين في
~~الثالث - بأن يقال: كل شئ مجهول طهارته ونجاسته سواء كان كابن آوى والفأرة،
~~أو كالجسم الطاهر المشكوك
# PageV00P291
# الملاقاة بالنجس أو كأحد الإنائين المشتبهين، فهو طاهر حتى يعلم من
~~الشارع حكمه، فيصير الكل من باب الجهل بالحكم الشرعي، ولا ينافي شئ منها
~~لزوم الفحص عن الدليل - في غاية البعد من اللفظ والمعنى.
# والأصل: أن الجهالة بالحكم الشرعي إما جهالة به من حيث الخصوص، أو جهالة
~~به من حيث اشتباه الحكم في الخصوص بعد (1) وضوحه في كل من المشتبهين، أو
~~جهالة محضة مطلقة، وكذلك العلم الذي يحصل بالحكم يختلف باختلاف الجهالة،
~~ولابد في إرادة كل منها من ذكر لفظ يدل عليه، فلا بد أن يحمل اللفظ على ما
~~هو الظاهر فيه، فنقول: ظاهر العموم هو العموم الافرادي وإرادة الاشخاص لا
~~الأنواع، فليس بظاهر في إرادة الكلي ولا الجزئي بملاحظة الكلي، فهو يرجع
~~إلى المعنيين الأولين، والثاني أظهرهما.
# فالاستدلال به على المعنى الثالث غير واضح، سيما مع ملاحظة أن المتبادر
~~من العلم هو اليقين الواقعي، والغالب أنه محصل في الموضوع لا الحكم، لان
~~العلم بالحكم الشرعي غالبا إنما هو من الأدلة الظنية، غاية الامر كونها
~~واجب العمل، وهو لا يوجب العلمية الحقيقية، ولذلك قال عليه السلام في بيان
~~الحكم المجهول محضا: " كل شئ مطلق حتى فيه يرد فيه نهي " لا " حتى يعلم أنه
~~حرام ".
# مع أن حمله على المعنى الثالث مع ورود قوله عليه السلام: " كل شئ مطلق ms176
~~حتى يرد فيه نهي "، وكذلك على المعنى الأول مع ما ورد من الاخبار الدالة
~~علن عدم جواز نقض اليقين بالشك يشبه التأكيد، بخلاف إرادة المعنى الثاني،
~~فإنه تأسيس، كبيان الحل في قوله عليه السلام ": " كل شئ فيه حلال
# PageV00P292
# وحرام فهو لك حلال ".
# ومما يبعد إرادة المعنى الأول ويقرب المعنى الثاني، أن الظاهر أن لفظ
~~القذر صفة مشبهة دالة على الثبوت، مناسبة لإرادة ما ثبت قذارته بالذات أو
~~بسبب الملاقاة، لا فعل ماض مفيد لتجدد حصول القذارة، فيفيد أن الشك إنما هو
~~أن الشئ هو الطاهر أو القذر، لا في أن التي حصل له قذارة أم لا.
# وحاصل المقام: أن إرادة معنى عام يشمل المعاني الثلاثة لا يمكن إلا مع
~~التجوز والتكلف الذي لا يناسب الاستدلال والحمل على المعنى الثالث دون
~~الأولين بعيد لفظا ومعنى، وكذلك إرادة المعنى الأول دون الثاني، وفهم هذا
~~المرام يحتاج إلى تأمل تام.
# ثم نرجع إلى ما كنا فيه ونقول: إن انطباق الرواية بالمعنى الأول على
~~الاستصحاب ظاهر، وكذلك على المعنيين الأخيرين (1)، ولكنهما يرجعان إلى
~~استصحاب حال العقل وهو البراءة الأصلية، وأما المعنى الأول فيمكن حمله عليه
~~وعلى استصحاب حال الشرع إذا علم طهارته سابقا شرعا.
# ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على طهارة الثوب الذي أعاره الذمي
~~وعدم وجوب غسله، لأنه أعاره طاهرا ولا يستيقن نجاسته، وقد مر صحيحته الأخرى
~~في شبهة الموضوع وما في معناها... إلى غير ذلك من الروايات.
# PageV00P293
# الرابع أنه ثبت الاجماع على اعتباره في بعض المسائل، كتيقن الطهارة والشك
~~في الحدث وعكسه، وتيقن طهارة الثوب والجسد والشك في نجاستهما، وبناء الشاهد
~~على ما شهد به ما لا يعلم رافعها، والحكم ببقاء علاقة الزوجية في المفقود،
~~وكذا المال في عزل نصيبه من الميراث، وغير ذلك مما لا يحصى، فيكون حجة، لان
~~علة عملهم فيها هو اليقين السابق فيجب العمل فيما (1) تحققت علته، أو لأنه
~~إذا ثبت حجيته في بعض المسائل فلا قائل بالفصل.
# وأورد عليه بأن العلة لعلها كانت في خصوصها ms177 نص أو اجماع أو غير ذلك،
~~فدعوى العلية ممنوعة، وكذا دعوى الاجماع المركب، إذ هي إنما تتم لو ثبت أن
~~عملهم إنما كان من جهة الاستصحاب.
# PageV00P294
# والانصاف أن ملاحظة هذه الموارد الكثيرة يورث الظن القوي لولا نقل بالعلم
~~بأن المناط هو الاستصحاب.
# وبالجملة: الأدلة التي ذكرناها سيما مع اجتماعها لا يبقى معها مجال الشك
~~والريب في حجية الاستصحاب وجواز الاعتماد عليه.
# واحتج النافون بالآيات والاخبار الدالة على حرمة العمل بالظن إلا ما
~~أخرجه الدليل، ولا دليل على حجية هذا الظن، وأنه لا يجوز إثبات المسائل
~~الأصولية بأخبار الآحاد، وربما مع بعضهم حصول الظن عنه أيضا.
# وقد عرفت الجواب عن أدلة حرمة العمل بالظن في باب الخبر الواحد وإثبات
~~حجية ظن المجتهد كما بيناه ثمة، مع أنك قد عرفت دلالة الاخبار عليه أيضا،
~~بل الحق أن حجية الاخبار أيضا لا تثبت إلا بإثبات حجية ظن المجتهد كما
~~بيناه ثمة.
# وأما أن المسألة الأصولية لا تثبت بالظن فقد عرفت أن التحقيق خلافه ثمة
~~أيضا. وأما إنكار حصول الظن منه، فمع أنه مكابرة لا يليق بالجواب، مدفوع
~~بعدم الاحتياج إليه، نظرا إلى الاخبار أيضا.
# حجه القول بالحجية في نفس الحكم الشرعي دون الأمور الخارجية:
# فهو دليل النافين من منع حجية مطلق الظن أو نفي الظن ومنع دلالة الاخبار،
~~فإنه لا يظهر شمولها للأمور الخارجية، مثل رطوبة الثوب ونحوها، إذ يبعد أن
~~يكون مرادهم بيان الحكم قي مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيا وان كان
~~يمكن أن يصير منشأ للحكم الشرعي بالعرض، ومع عدم الظهور لا يمكن الاحتجاج
~~بها. هكذا قرر المنع المحقق الخوانساري في حاشية شرح الدروس، قال وهذا ما
~~يقال: إن الاستصحاب في الأمور الخارجية لا عبرة به. PageV00P295
# أقول: وفيه أن " اليقين " و " الشك " عامان سيما في رواية الخصال، وبعد
~~كون المراد بيان حكم الأمور الخارجية سيما إذا كان مستلزما للأحكام الشرعية
~~ممنوع، مع أن عدم جواز نقض اليقين في كلامه (1) كما يرجع في الطهارة عن
~~الحدث والخبث إلى إبقاء الطهارة ms178 بالمعنيين فيرجع إلى عرم النجاسة وعدم حصول
~~النجس وعدم حصول ما يوجب الحدث أيضا كالنوم وغيره كما لا يخفى على من تأمل
~~في الروايات، مثل ما في صحيحة زرارة (2):
# " قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا
~~شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته
~~ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعله شئ أوقع عليك " فليس ينبغي أن ينقض
~~اليقين بالشك... الحديث ".
# بل قال المحدث البارع الحر العاملي في كتاب " الفصول المهمة في أصول
~~الأئمة " (3) - بعد ما ذكر فرقة من الاخبار التي ذكرنا - أقول: هذه
~~الأحاديث لا تدل على حجية الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي وإنما تدل عليه في
~~موضوعاته ومتعلقاته كتجدد حدث بعد الطهارة، أو طهارة بعد الحدث، أو طلوع
~~الشمس أو غروبها، أو تجدد ملك أو نكاح أو زوالهما ونحو ذلك كما هو ظاهر من
~~أحاديث المسألتين، وقد حققناه في الفوائد الطوسية ".
# أقول: ويظهر مما ذكرنا حجة القول بالعكس وجوابه أيضا (4)، وحجة
# PageV00P296
# القول بنفي الحجية في الحكم الشرعي إذا ثبت من الاجماع (1)، أن ثبوت
~~الحكم في الآن المتأخر يحتاج إلى دليل ولو كان الاجماع ثابتا في الآن
~~المتأخر أيضا لما حصل هنا خلاف، فالخلاف في مسألة المتيمم الذي أصاب الماء
~~في أثناء الصلاة مثلا، كاشف عن أن الاجماع لم ينعقد إلا على وجوب المضي في
~~الحال الأول وهو ما قبل رؤية الماء وإلا لكان المخالف خارقا للاجماع، وإذا
~~لم يثبت الاجماع - والمفروض عدم دليل آخر على الانسحاب - فلا يثبت الحكم
~~السابق في الآن المتأخر.
# وفيه: إن هذا الكلام يجري في غير ما ثبت الحكم من الاجماع أيضا، إذ لو
~~كان النص الدال على ثبوت الحكم في الآن الأول شاملا للآن المتأخر بعمومه،
~~فهذا استدلال بالعموم لا بالاستصحاب، وان لا يكن فيه شمول له فلا دليل على
~~ثبوت الحكم في الآن المتأخر، وهذا الدليل إنما يناسب القول بنفي حجية
~~الاستصحاب مطلقا لا التفصيل.
# والحل: أنا لا ms179 نقول في صورة استصحاب حال الاجماع إن الاجماع موجود في
~~الآن المتأخر، ولا نقول أيضا لابد أن يكون المسألة في الآن المتأخر أيضا
~~إجماعية، بل نقول إن الاجماع أيضا كالنص كاشف من حكمة واقعية أوجبت صدور
~~الحكم عن الشارع بثبوت الحكم ولم يقيد ثبوت الحكم بالآن الأول بأن يكون
~~الاجماع بشرط الآن الأول وعدم انضمام الآن الاخر إليه، وكذلك النص، بل إنما
~~ثبت مطلق الحكم في الآن الأول وهو لا يفيد اختصاصه به، ثم لا نقول بأن علة
~~حصوله في الأوان المتأخرة هو حصوله في الآن الأول، لعدم الدليل على ذلك بل
~~نقول إن الظن حاصل ببقاء
# PageV00P297
# ما ثبت في الآن الأول، نظرا إلى ملاحظة أغلب الموارد فيتبع ذلك الظن ثم
~~يكشف ذلك عن كون مراد الشارع في إثبات الحكم هو إثباته مستمرا كما أشرنا
~~سابقا، ولا يتفاوت الحال في ذلك بين ما ثبت بالاجماع وغيره.
# وحجة التفصيل في الحكم الوضعي وغير الوضعي - مع ظهور وهنه بحيث لا يحتاج
~~إلى البيان - قد ظهر مع جوابه مما مر. وحجة القول بحجيته إذا كان استمرار
~~الحكم ثابتا من الشرع إلى غاية معينة دون غيره: فقد عرفت مما نقلناه عن شرح
~~الدروس.
# وحاصله: أن الدليل على الحجية فيما لو ثبت استمرار الحكم إلى غاية معينة
~~في الواقع بدون اشتراطه بالعلم بها أمران: أحدهما: الاخبار الحاكمة بعدم
~~جواز نقض اليقين بالشك.
# والثاني: أنه لا يحصل الظن بالامتثال إلا باستصحابه إلى حصول اليقين
~~بالغاية، وذلك في الوجوب والتحريم وما يستلزمهما من الأحكام الوضعية ظاهر،
~~وأما في الإباحة وما يستلزمها من الأحكام الوضعية (1) فلان عدم اعتقاد
~~اباحته يوجب عدم امتثال أمر الله تعالى، فإن الاعتقاد بما سننه واجب، واجبا
~~كان أو مباحا أو غيرهما.
# ولعل نظره إلى أن اشتغال الذمة مستصحب (2)، وشغل الذمة اليقيني مستدع
~~لحصول البراءة اليقينية بالاجماع - كما ادعاه بعضهم - ورفع الاشتغال لا
~~يحصل إلا بالاستصحاب إلى الغاية اليقينية، فالمكلف به أمران: نفس المحكم،
~~وإجراؤه إلى غايته، ولا يحصل الامتثال إلا بإتيانهما معا، فلا ms180 يرد
# PageV00P298
# عليه ما قيل (1): إن هذا الدليل جار فيما إذا ثبت تحقق حكم في الواقع مع
~~الشك في تحققه بعد انقضاء زمان لابد للتحقق منه، وهذا هو الذي اجرى القوم
~~فيه الاستصحاب بتقريب أن الدليل للحكم يحتمل أن يراد منه وجود الحكم في
~~الزمان الذي يشك في وجود الحكم فيه، وأن يراد منه عدم وجوده فيه، ولا يحصل
~~اليقين بالبراءة إلا بالامتثال في زمان الشك أيضا، فإن الاتيان إلى الغاية
~~جزء المأمور به - مثلا - فما فرضه، بخلاف فرض استصحاب القوم، ففي استصحابهم
~~لا يثبت شغل الذمة إلا بالحكم في الجملة، ولا ما قيل: إن تحصيل القطع أو
~~الظن بالامتثال إنما يلزم مع القطع أو الظن بثبوت التكليف وفي زمان الشك
~~ليس شئ منهما حاصلا لأنا نقول لا حاجة إلى دليل آخر يدل على ثبوت التكليف
~~في أن الشك، بل التكليف الأول لما كان مركبا، لا يحصل الامتثال به إلا
~~بإتيان جميع أجزائه سواء بقي اليقين بالتكليف أو الظن أو الشك.
# والحاصل: أن الاستصحاب وإن أمكن فرض تحققه فيما نحن فيه لكنه لا حاجة إلى
~~تحققه ولا التمسك به وذلك نظير أصل البراءة فكما أنه - بالذات - يقتضي رفع
~~التكليف حتى. يثبت التكليف سواء اعتبر استصحابه أم لا، فشغل الذمة - أيضا
~~-: يقتضي إبراءها سواء اعتبر استصحابه أم لا، وإنما اكتفى بحصول ظن
~~الامتثال مع أن المعتبر في رفع شغل الذمة اليقيني هو اليقين بالرفع تنبيها
~~على كفاية الظن الاجتهادي الذي هو بمنزلة اليقين، فلو كان حصول الغاية
~~الموصوفة المذكورة بظن معتبر فيكفي في الامتثال، وهذا كلام سار في مطلق
~~التكليف الثابت ولا اختصاص له باستمرار الحكم
# PageV00P299
# وعدمه.
# قال في شرح الدروس بعد كلام في هذا المقام: " والحاصل أنه إذا ورد نص أو
~~إجماع على شئ معين مثلا معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معلومة عندنا فلا
~~بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظن بوجود ذلك الشئ المعلوم حتى يتحقق
~~الامتثال، ولا يكفي الشك في وجوده، وكذا بلزوم الحكم ببقاء ذلك ms181 الحكم إلى
~~أن يحصل العلم أو الظن بوجود تلك الغاية المعلومة، فلا يكفي الشك قي وجودها
~~في ارتفاع ذلك الحكم، وكذا إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين في الواقع
~~مردد في نظرنا بين أمور، ونعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك
~~الشئ مثلا، أو على ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين
~~أشياء، ونعلم أيضا عدم اشتراطه بالعلم، مثلا يجب الحكم بوجوب تلك الأشياء
~~المردد فيها في نظرنا وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الأشياء أيضا، ولا يكفي
~~الاتيان بشئ واحد منها في سقوط التكليف، وكذا حصول شئ وأحد في ارتفاع
~~الحكم، وسواء في ذلك كون ذلك الواجب شيئا معينا في الواقع مجهولا عندنا، أو
~~أشياء كذلك، أو غاية معينة في الواقع مجهولة عندنا، أو غايات كذلك، وسواء
~~أيضا تحقق قدر مشترك بين تلك الأشياء والغايات أو تباينها بالكلية.
# وأما إذا لم يكن كذلك، بل ورد نص مثلا على أن الواجب الشئ الفلاني ونص
~~آخر على أن ذلك الواجب شئ آخر، أو ذهب بعض الأمة إلى وجوب شئ والآخرون إلى
~~وجوب شئ آخر دونه، وظهر بالنص أو الاجماع في الصورتين أن ترك ذينك الشيئين
~~معا سبب لاستحقاق العقاب، فحينئذ لم يظهر وجوب الاتيان بهما معا حتى يتحقق
~~الامتثال، بل الظاهر PageV00P300
# الاكتفاء بواحد منهما سواء اشتركا في أمر أو تباينا بالكلية، وكذلك الحكم
~~في ثبوت الحكم إلى الغاية ".
# أقول: وقد أشرنا إلى بعض هذه المطالب قبل العثور على هذا الكلام في
~~المبحث السابق، وأوردنا على ما نقلنا من بعض كلماته في شرح الدروس ما يدفعه
~~تقييده هنا بقوله: " ونعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك
~~الشئ " فلاحظ وتأمل.
# هذا، ولكن التمييز بين الموارد ومعرفة ما يجري فيه هذا الاستصحاب - أعني
~~لزوم العمل على استمرار الاشتغال حتى يحصل اليقين بالبراءة - وأن المكلف به
~~في المردد بين أمور هل هو أحدهما المعين عند الله المبهم عندنا، أو المكلف
~~به أن لا ms182 يترك مجموع المحتملات فيكفي الاتيان بالبعض أمر مبهم مشكل.
# والحق أن إثبات الأول في غاية الصعوبة ونهاية الندرة إن لم نقل بأنه غير
~~متحقق وكذلك الكلام في الامر المستمر إلى غاية معينة عند الله مبهمة عندنا،
~~وقد ذكرنا بعض الأمثلة في المبحث السابق، ونقول هنا - أيضا -:
# لو استدل، القائل بوجوب ثلاثة أحجار في الاستنجاء بأن حكم النجاسة مستمر
~~إلى حصول المطهر الشرعي بالاجماع، ولم يتحقق المطهر إلا بالثلاثة " فيقال:
~~لا نسلم الاجماع على أن النجاسة ثابتة إلى أن يحصل المطهر الشرعي، بل إنما
~~نسلمه على أن الصلاة لا تصح بعد التغوط إلا مع حصول أحد من أشياء ثلاثة.
~~إما الغسل بالماء أو التمسح بثلاثة أجسام طاهرة أو التمسح بطاهر، فلو قال:
~~الاجماع ثبت على وجوب شئ وهو أحدهما المعين عند الله المبهم عندنا، فيقال:
~~الاجماع على ذلك ممنوع، بل إنما يسلم الاجماع على أن ترك مجموع الثلاثة
~~موجب للعقاب، وهكذا في كل ما يرد عليك، فعليك PageV00P301
# بالاجتهاد في كل مورد خاص والعمل على مقتضاه.
# ثم إن ما ذكرنا عن المحقق الخوانساري هو ظاهر ما اختاره المحقق رحمه الله
~~في آخر كلامه، بعد ما اختار أولا حجية الاستصحاب مطلقا، واستحسنه صاحب
~~المعالم رحمه الله إلا أنه قال: هذا رجوع عن القول بالاستصحاب، فإن أراد
~~الرجوع عن القول بالاستصحاب في جميع الموارد فحسن، وإن أراد أنه رجوع عنه
~~مطلقا كما هو ظاهر كلامه فهو غير صحيح لما ظهر لك أنه أيضا انسحاب الحكم في
~~زمان الشك في الاستمرار، وهذا معنى الاستصحاب.
# وأما حجة القول الأخير وجوابه فيظهر مما ذكرنا مفصلا فلا نعيد.
~~PageV00P302
# وينبغي - ها هنا - التنبيه على أمور:
# الأول إن الاستصحاب يتبع الموضوع وحد في مقدار قابلية الامتداد وملاحظة
~~الغلبة فيه، فلا بد من التأمل في أنه كلي أو جزئي فقد يكون الموضوع الثابت
~~حكمه أولا مفهوما كليا مرددا بين أمور، وقد يكون جزئيا حقيقيا معينا، وبذلك
~~يتفاوت الحال، إذ قد يختلف أفراد الكلي في قابلية الامتداد ومقداره،
~~فالاستصحاب حينئذ ينصرف إلى ms183 أقلها استعدادا للامتداد، وها هنا لطيفة يعجبني
~~أن اذكرها من باب التفريع على هذا الأصل مما ألهمني الله تعالى به بركة دين
~~الاسلام، والصادعين به عليهم الصلاة والسلام، وهو: أن بعض سادة الفضلاء
~~الأزكياء من أصحابنا (1) ذاكرني
# PageV00P303
# حكاية ما جرى بينه وبين أحد من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى، من أنه
~~تمسك بأن المسلمين قائلون بنبوة نبينا ملى الله عليه وآله وسلم فنحن وهم
~~متفقون على حقيته ونبوته في أول الامر فعلى المسلمين أن يثبتوا بطلان دينه،
~~ثم ذكر أنه أجابه بما هو المشهور من أنا لا نسلم نبوة نبي لا يقول بنبوة
~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فموسى أو عيسى الذي يقول بنبوته اليهود أو
~~النصارى نحن لا نعتقده، بل نعتقد بموسى أو عيسى الذي أخبر عن نبوة محمد صلى
~~الله عليه وآله وسلم وصدقه، وهذا مضمون ما ذكره الرضا عليه السلام في جواب
~~الجاثليق، فإنه قال له: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه، هل تنكر منهما شيئا؟
~~قال الرضا عليه السلام: انا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وما
~~أقرت به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد صلى الله عليه
~~وآله وسلم وبكتابه ولم يبشر به أمته.
# قال الفاضل: فأجابني بأن عيسى بن مريم المعهود الذي لا يخفى على أحد حاله
~~وشخصه أو موسى بن عمران المعلوم الذي لا يشتبه حاله على أحد من المسلمين
~~ولا أهل الكتاب جاء بدين وأرسله الله نبيا، وهذا القدر مسلم الطرفين، ولا
~~يتفاوت ثبوت رسالة هذا الشخص واتيانه بدين بين أن يقول بنبوة محمد صلى الله
~~عليه وآله وسلم أم لا، فنحن نقول: دين هذا الرجل المعهود رسالته باق بحكم
~~الاستصحاب فعليكم بإبطاله، وبذلك أفحم الفاضل المذكور في الجواب.
# فتأملت هوينا فقلت في ابطال الاستصحاب - بعد فرض تسليم جواز التمسك به في
~~أصول الدين -: إن موضوع الاستصحاب لابد أن يكون معينا حتى يجري على منواله
~~ولم يتعين هنا إلا النبوة في الجملة وهو كلي قابل ms184 للنبوة إلى آخر الأبد بأن
~~يقول الله أنت نبي وصاحب دين إلى يوم القيامة PageV00P304
# وللنبوة الممتدة إلى زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول له أنت
~~نبي ودينك باق إلى زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولان يقول أنت نبي
~~بدون أحد القيدين، فعلى المخالف أن يثبت إما التصريح بالامتداد إلى آخر
~~الأبد وأنى له باثباته والمفروض أن الكلام ليس فيه أيضا، وإما الاطلاق فهو
~~أيضا في معنى القيد ولا بد من إثباته، ومن الواضح أن مطلق النبوة غير
~~النبوة المطلقة، والذي يمكن استصحابه هو النبوة المطلقة لا مطلق النبوة، إذ
~~الكلي لا يمكن استصحابه إلا بما يمكن من ابقاء أقل أفراده امتدادا
~~واستعدادا كما ذكرنا، ولنأت بمثال لتوضيح المقام، وهو: أنا إذا علمنا أن في
~~هذه القرية حيوانا ولكن لا نعلم أي نوع هو من الطيور أو البهائم أو الحشار
~~والديدان، ثم غبنا عنها مدة، فلا يمكن لنا الحكم ببقائه في مدة يعيش فيها
~~أطول الحيوان عمرا، فترى أن الفرس أطول عمرا من الغنم، والعصافير أطول عمرا
~~من الخطاطيف، والفيران من الديدان، وهكذا، فإذا احتمل عندنا كون الحيوان
~~الذي في بيت خاص، إما عصفور أو فأرة أو دود قز، فكيف يحكم بسبب العلم بحصول
~~القدر المشترك باستصحابها إلى زمان ظن بقاء أطولها أعمارا، فبذلك بطل تمسك
~~أهل الكتاب، إذ على فرض التسليم والتنزل والمماشاة معهم نقول إن القدر الذي
~~ثبت لنا من نبوتهما هو القدر المشترك بين أحد المقيدات الثلاثة، فع امكان
~~كونها النبوة الممتدة إلى زمان نبوة محمد صلى الله عليه وآله كيف يجري
~~الاستصحاب إلى آخر الأبد.
# ثم إنك بعد ما بينا لك سابقا لا أظنك رادا علينا أمر الاستصحاب في الحكم
~~الشرعي بما ذكرنا في هذا المقام، بأن تقول: يمكن أن يرد الاستصحاب فيها
~~بمثل ذلك، ويقال: إن الاحكام الواردة في الشرع إنما يسلم جريان الاستصحاب
~~فيها إن ثبت كونها مطلقات ولم تكن مقيدة إلى وقت خاص PageV00P305
# واختفى علينا، أو ممتدة إلى آخر ms185 الأبد، والذي يجوز إجراء الاستصحاب فيه
~~هو الأول، وذلك لان التتبع والاستقراء يحكمان بأن غالب الأحكام الشرعية في
~~غير ما ثبت في الشرع له حد ليست باقية ولا محدودة إلى حد معين وأن الشارع
~~يكتفي فيها فيما ورد عنه مطلقا في استمراره، ويظهر من الخارج أنه أراد منه
~~الاستمرار، فإن تتبع أكثر الموارد واستقرائها يحصل الظن القوي بأن مراده من
~~تلك المطلقات هي الاستمرار إلى أن يثبت الرافع من دليل عقلي أو نقلي. فإن
~~قيل: فهذا مردود عليك في حكاية النبوة.
# قلنا: ليس كذلك، لان الغالب في النبوات هو التحديد، بل إنما الذي ثبت
~~علينا ونسلمه من الامتداد القابل لان نمده إلى الأبد هو نبوة نبينا صلى
~~الله عليه وآله وسلم مع أنا لا نحتاج في إثباته إلى التمسك بالاستصحاب حتى
~~يتمسك الخصم بأن نبوته أيضا مرددة بين الأمور الثلاثة، بل نحن متمسكون بما
~~نقطع به من النصوص والاجماع.
# نعم لو كان تمسكنا بالاستصحاب في الدوام لاستظهر علينا الخصم بما نبهناه
~~عليه.
# فإن قيل: قولكم بالنسخ يعين الاطلاق ويبطل التحديد، لان اخفاء المدة وعدم
~~بيان الاخر مأخوذ في ماهية النسخ وهو بعينه مورد الاستصحاب.
# قلنا: ما سمعت من مخاصمتنا مع اليهود في تصحيح النسخ وابطال قولهم في
~~بطلانه إنما هو من باب المماشاة معهم في عدم تسليمهم التحديد وابطال قولنا
~~بقبح النسخ، وإلا فالتحقيق أن موسى وعيسى على نبينا وآله وعليهما السلام
~~أخبرا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، سلم، وكتابهما ناطق به لا أن نبوتهما
~~مطلقة ونحن نبطلهما بالنسخ، فلما كان اليهود منكرين لنطق كتابهم ونبيهم
~~بذلك وزعموا PageV00P306
# دوام دينهم واطلاق النبوة وتمسكوا بالاستصحاب من باب المماشاة معنا
~~وتمسكوا ببطلان النسخ بناء عليه أيضا، فنحن نخاصمهم على هذا الفرض في تصحيح
~~النسخ وهذا لا يضر ما أوردناه عليهم في تمسكهم بالاستصحاب.
# فإن قيل: احكام شرع عيسى مثلا مطلقات والنسخ يتعلق بالاحكام.
# قلنا: إطلاق الاحكام مع اقترانها ببشارة عيسى عليه السلام برسول يأتي
~~بعده اسمه احمد لا ينفعهم، لاستلزامه وجوب ms186 قبول رسالته صلى الله عليه وآله
~~وسلم وبعد قبوله فلا معنى لاستصحاب احكامهم كما لا يخفى، فافهم ذلك واغتنم.
~~PageV00P307
# [التنبيه] الثاني قد عرفت أن الاستصحاب المصطلح لا يتحقق إلا مع حصول
~~الشك في رفع الحكم السابق، فأعلم أن ذلك الشك إنما يحصل بسبب حصول تغير ما
~~في الموضوع، إما في وصف من أوصافه مثلا القلة والكثرة في الماء القليل
~~المتنجس إذا تم كرا، أو في سببه كالكر المتغير بالنجاسة إذا زال تغيره من
~~قبل نفسه، أو في حال من أحواله كالإنائين المشتبهين، فإن الاجتناب عن
~~الاناء النجس في حال العلم به كان واجبا وحصل الشك في الوجوب بسبب حصول
~~الجهالة به في وقت الاشتباه.
# وأما مع تغير حقيقته، فظاهرهم أنه لا مجال للاستصحاب، وذلك مناط قولهم
~~بأن الاستحالة من المطهرات، وربما. يستدل على ذلك بأن النجس والحرام - مثلا
~~- إنما هو الكلب والعذرة مثلا، لا الملح والدود أو التراب والرماد - مثلا -
~~إذا انقلب الكلب في المملحة بالملح أو العذرة بالدود أو التراب أو الرماد،
~~ومن هذا القبيل استحالة النطفة بقرا أو غنما والماء النجس PageV00P309
# بولا لحيوان مأكول اللحم، وفيه إشكال من وجهين:
# الأول: أن المناط في الحكم إن كان هو التسمية، فإذا تحول الحنطة النجسة
~~طحينا أو خبزا أو اللبن سمنا، فيلزم طهارتها وهو باطل جزما، وإن كان المناط
~~تبدل القيمة والماهية، فما الدليل عليه؟ ثم ماذا معيار تبدل الماهية
~~والحقيقة فقد تراهم يحكون بطهارة الرماد دون الفحم، وطهارة الخمر بانقلابه
~~خلا، فما الفرق بين الامرين؟ بل تبدل العذرة بالفحم ليس بأحق من تبدل الخمر
~~بالخل، وإن لوحظ فيه تبدل الخواص بالمرة ففي ذلك أيضا عرض عريض لا يمكن
~~ضبطه غالبا، ويمكن أن يقال: المعيار هو تبدل الحقائق عرفا لا محض تغير
~~الأسماء وهذا يتم فيما كان مقتضى الحكم هو نفس الحقيقة كالعذرة والكلب، فإن
~~علة الحرمة والنجاسة في أمثالها من النجاسات عينا والمحرمات عينا هو ذاتها،
~~فيتبع ثبوت الحكم بقاء الحقيقة، ومع انتفاء الحقيقة فلا حكم، فكأنه قال
~~الشارع: الكلب ms187 نجس أو حرام ما دام كلبا والعذرة نجس ما دامت عذرة، فإذا
~~استحال ماهيته فينتفي الحكم.
# وألحق بعض الفقهاء المتنجس كالخشب المتنجس بالنجس بالأولوية، وفيه نظر،
~~فإن من الظاهر أن نجاسة الخشب حينئذ ليس لأنه خشب لاقى نجسا " بل لأنه جسم
~~لاقى نجاسة، وهذا المعنى لم يزل.
# والحاصل: أن الحقائق المتخالفة عرفا كالعذرة والتراب والرماد لها أحكام
~~مستقلة برأسها سواء كانت متوافقة في الحكم أو متخالفة، واما مسحوق ماهيته
~~كالطحين للحنطة أو منضوجها كاللحم المطبوخ والخبز ونحو ذلك فلا يتبدل بذلك
~~حقيقتها عرفا كما لا تتبدل حقيقته أيضا، فما ثبت تبدل حقيقته عرفا فينتفي
~~فيه حكم الاستصحاب لثبوت التعارض حينئذ بين ما دل على حكم حقيقة المستحال
~~إليه، وما يستصحب من حكم المستحيل، PageV00P310
# فعموم ما دل على طهارة التراب أو الدود أو الملح، وحليتها يعارض استصحاب
~~النجاسة، وسنبين أن الاستصحاب - من حيث هو - لا يعارض الدليل من حيث هو، مع
~~أن حصول الظن بالبقاء في مثل ذلك ممنوع، ودلالة الاخبار أيضا غير واضحة، إذ
~~حكم اليقين أنما كان ثابتا لشئ آخر، والذي لا يجوز نقضه بالشك هو الحكم
~~المتعلق بالماهية السابقة ولا تبق بحالها حتى يحكم بعدم جواز نقض حكها، فما
~~حصل الجزم بالاستحالة العرفية فيحكم بانقطاع الاستصحاب فيه وما حصل الجزم
~~بعدمه فيجزم بجريان الاستصحاب فيه، وما حصل الشك فيه فيرجع إلى سائر الأدلة
~~ثم إلى الأصل.
# ومما ذكرنا يعرف الكلام في الانتقال مثل انتقال دم الانسان إلى بطن القمل
~~والبرغوث والبق، وهنا وإن كان تبدل الحقيقة في غاية الخفاء سيما في أول مص
~~هذه الحيوانات للدم، وخصوصا في العلق، ولكن اطلاق دم الحيوان الغير ذي
~~النفس على هذا الدم مع عدم تصور دم لأغلب هذه، إلا ما في بطنها من جهة المص
~~يوجب الحكم بالطهارة ففي الحقيقة يرجع الكلام في أمثال ذلك إلى وجود
~~المعارض لا عدم امكان جريان الاستصحاب، ولذلك توقف بعض المتأخرين في إفادة
~~تغير الموضوع في ترك العمل بالاستصحاب وتأمل في كون تغير الموضوع قاطعا ms188
~~للاستصحاب. PageV00P311
# [التنبيه] الثالث ذكر بعض المتأخرين للعمل بالاستصحاب بعض الشروط، مثل:
~~أن لا يكون هناك دليل شرعي آخر يوجب انتفاء الحكم الثابت أولا في الوقت
~~الثاني وإلا فتعين العمل بذلك الدليل إجماعا، ومثل: أن لا يعارضه استصحاب
~~آخر.
# أقول: إن أراد من الدليل ما ثبت رجحانه على معارضه فلا اختصاص لهذا الشرط
~~بالاستصحاب، بل كل دليل عارضه دليل أقوى منه، فيترجح عليه، فلا حجية فيه
~~ويعمل على الدليل الراجح، فلا مناسبة لذكر ذلك في شرائط الاستصحاب، وإن
~~أراد من الدليل ما يقابل الأصل ففيه: أن الاجماع على ذلك إن سلم في أصل
~~البراءة وأصل العدم، فهو في الاستصحاب ممنوع، ألا ترى أن جمهور المتأخرين
~~قالوا: إن مال المفقود في حكم ماله حتى يحصل العلم العادي بموته استصحابا
~~للحال السابق مع ما ورد من الاخبار المعتبرة بالفحص أربع سنين ثم التقسيم
~~بين الورثة، PageV00P313
# وعمل عليها جماعة من المحققين، فكيف يدعى الاجماع على ذلك.
# وإن أراد أن الاستصحاب من حيث أنه استصحاب لا يعارض الدليل النطقي من حيث
~~هو هو اجماعا، فله وجه، كما إن العام من حيث إنه عام لا يعارض الخاص من حيث
~~إنه خاص، والمفهوم من حيث إنه مفهوم لا يعارض المنطوق كذلك، وذلك لا ينافي
~~تقديمه على الدليل من حيث الاعتضاد الخارجي كما هو كذلك في العام والمفهوم
~~أيضا.
# ثم إن أخذنا كون الحكم مظنون البقاء في تعريف الاستصحاب، فلا معنى لجعل
~~عدم الدليل المعارض شرطا لفقد الظن مع الدليل على خلافه فلا استصحاب، وإن
~~لم نأخذ الظن في ماهيته، فنقول: إن جعلنا وجه حجية الاستصحاب هو الظن
~~الحاصل من الوجود الأول فإذا تحقق دليل بدل الظن بالوهم فهذا يبطل
~~الاستدلال به، ويصح أن يقال: عدم الدليل شرط لجواز العمل به، إذ ليس هناك
~~ظن بالبقاء حينئذ ولكن يرد عليه أنه لا اختصاص له بالاستصحاب - كا أشرنا
~~سابقا - وإن جعلنا مبناه هو عدم جواز نقض اليقين إلا باليقين هو مدلول
~~الاخبار، فإذا ثبت دليل على رفع الحكم، فإن ms189 كان يقينيا واقعيا فهو ليس غير
~~يقين يرفع اليقين، وهو مقتضى مدلول تلك الأخبار، وكذلك إن كان ظنيا واجب
~~العمل.
# ولا ريب أن عدم اليقين بالخلاف شرط في العمل باليقين السابق وهذا أيضا
~~يرجع إلى اشتراط العمل بأحد الدليلين بعدم ما يوجب بطلانه من يقين على
~~خلافه أو ظن أقوى منه، ولا اختصاص له بالاستصحاب، وإن شئت توجيه الكلام على
~~نحو ما ذكرنا فقل: المراد أن الظن الاستمراري لا يقاوم الظن الاطلاقي على
~~الوجه الأول وعدم جواز نقض اليقين الثابت بعموم الاخبار لا يقاوم ما يدل
~~على نقض ذلك اليقين بالخصوص، فضعف PageV00P314
# الاستصحاب إما من جهة كونه انسحابا للحكم لا حكما مستقلا، وإما من جهة
~~أنه عام لثبوته من عموم الاخبار الدالة على عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين،
~~ولا يقاوم ما دل على نفي مورده بالخصوص، وذلك لا ينافي جواز العمل به في
~~بعض موارد الدليل الثاني للحكم بالخصوص من جهة المرجحات الخارجية كما
~~أشرنا.
# ومما ذكرنا يظهر حال اشتراط عدم معارضته الاستصحاب الاخر.
# ثم إن تعارض الاستصحابين قد يكون في موضوع واحد كما في الجلد المطروح،
~~فإن استصحاب الطهارة الثابتة حال الحياة يقتضي طهارته، واستصحاب عدم
~~التذكية يقتضي كونه ميتة المستلزم للنجاسة.
# وقد يقرر: بأن الموت حتف الانف والموت بالتذكية كلاما حادثان في مرتبة
~~واحدة، وأصالة عدم المذبوحية إلى زمان الموت يقتضي النجاسة، لاستلزام
~~مقارنته مع الموت حتف الانف، وأصالة عدم تحقق الموت حتف الانف إلى زمان
~~الموت يقتضي مقارنته للتذكية المستلزمة للطهارة، فإن ثبت مرجح لأحدهما فهو،
~~وإلا فيتساقطان.
# والتحقيق: إن تساقطهما إنما هو في محل التنافي، وإلا فيبقى كل منهما على
~~مقتضاه في غيره وكذلك إذا حصل الترجيح لأحدهما في محل التنافي لا ينفي حكم
~~الاخر في غيره، فيمكن أن يقال في مثله أنه لا ينجس ملاقيه مع الرطوبة، ولكن
~~لا يجوز الصلاة معه أيضا.
# ومما يرجح الطهارة: الأصل واستصحاب طهارة الملاقي وغير ذلك.
# ومما يعاضد عدم جواز الصلاة معه: استصحاب اشتغال الذمة بالصلاة والشك في ms190
~~تحقق الساتر الشرعي، وقد يكون في موضوعين مثل الموضع الطاهر الذي نشر عليه
~~الثوب المغسول من المني ثم شك في إزالة النجاسة فيحكم بطهارة PageV00P315
# الموضع وجواز التيمم والسجود عليه لاستصحاب طهارته السابقة ووجوب غسل
~~الثوب ثانيا وعدم جواز الصلاة فيه.
# لا يقال: إن الثوب حينئذ محكوم بنجاسته شرعا للاستصحاب، وكل نجس لاقى مع
~~الرطوبة ما يقبل النجاسة فينجسه، لأنا نقول: المحل أيضا بعد الملاقاة محكوم
~~بالطهارة شرعا للاستصحاب، فإن كلية الكبرى ممنوعة وإنما المسلم في منجسية
~~المتنجس هو غير ما ثبت نجاسته من الاستصحاب، وكون المحل مما يقبل النجاسة
~~مطلقا - أيضا - ممنوع.
# ومن هذا الباب - أيضا - الصيد الواقع في الماء القليل بعد رميه بما يمكن
~~موته به، واشتبه استناد الموت إلى الماء أو إلى الجرح فيتعارض استصحاب
~~طهارة الماء واستصحاب عدم حصول التذكية أعني الموت المذكي الشرعي المستلزم
~~لنجاسته، والأقرب هنا أيضا العمل بهما في غير مادة التنافي، لاستحالة الحكم
~~بطهارة الماء ونجاسته.
# ولكن يمكن الحكم بطهارة الماء وحرمة الصيد، وأما نجاسة الصيد فيأتي فيه
~~الكلام السابق في الجلد المطروح، وذلك يصير مرجحا آخر لطهارة الماء أيضا مع
~~سائر المرجحات واعمال الأصلين المتنافيين في غير موضع التنافي في الشرع
~~كثير، فقد يحكم بحرمة الجماع لاحد الزوجين وحليته للاخر بأن أقرت على نفسها
~~بما يحرمه عليها وأنكر الزوج ونحو ذلك.# PageV00P316 ms191