######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_000363
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الأنصاري
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1281
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: القضاء والشهادات
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة من القرن الثامن
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_000363
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/363_القضاء-والشهادات-الشيخ-الأنصاري
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: تحقيق : لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: ربيع الأول 1415
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد
~~وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. PageV00P024
# كتاب القضاء وهو بالمد والقصر لمعان، أنهاها بعضهم (1) إلى عشرة، ولا
~~يبعد ارجاع الكل إلى معنى واحد، وهو: إتمام الشئ والفراغ عنه - كما اعترف
~~به الأزهري على ما حكي عنه (2) - أو فصل الأمر قولا أو فعلا، كما في كشف
~~اللثام (3).
# وشرعا - كما في المسالك (4) والكشف (5) وغيرهما (6) -: ولاية الحكم شرعا
~~لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين على أشخاص معينين من البرية بإثبات
~~الحقوق، واستيفائها للمستحق.
# والظاهر أن ادراج الولاية مبني على جعل القضاء من المصادر
# PageV00P025
# المستعملة في شأنية المبدأ ومنصبه - كما في لفظ الحكومة والإمارة
~~والوزارة ونحوها - لا في نفس المبدأ، فالمنصب في هذه المبادئ نظير الملكة
~~في الكتابة ونحوها. وهذا الاستعمال وإن كان شائعا في كثير من المصادر،
~~وملحوظا في لفظ القاضي، إلا أنه قليل في خصوص لفظ القضاء، بل يعبر عنه عرفا
~~بالقضاوة، وإن لم يسمع هذا الوزن في كلام أهل اللغة.
# وعلي أي حال، فظاهر التعريف خروج مثل الحكم بثبوت الهلال، فإنه وإن كان
~~منصبا للقاضي إلا أن صدق المبدأ ليس باعتباره، فهو نظير ولايته على أشخاص
~~خاصة وأعيان خاصة.
# وقد عرفه في الدروس بما يشمل الكل، أعني ولاية شرعية على الحكم، وعلى
~~المصالح العامة من قبل الإمام عليه السلام (1)، والأول أوجه.
# وعلى أي حال، فالظاهر تعريفهم للصحيح من القضاء.
# والظاهر بل المقطوع عدم ثبوت الحقيقة الشرعية لهذا اللفظ وما يشتق منه،
~~بل ولا الحقيقة المتشرعية إلا في خصوص لفظ " القاضي "، فلا يبعد أن يراد
~~بقولهم: " شرعا " فن علم الشريعة، يعني اصطلاح الفقهاء، والأمر في ذلك كله
~~سهل.
# وهذا الباب (2) (فيه مقاصد):
# PageV00P026
# المقصد الأول في صفات القاضي وآدابه التي يستعملها عند التصدي للقضاء
~~وهذا فيه مطلبان PageV00P027
# [المطلب] الأول (يشترط فيه: البلوغ والعقل والايمان والعدالة وطهارة
~~المولد) بالاجماع المحقق والمنقول (1) في الجميع.
# (و) كذا يشترط فيه (العلم) بما يتصدى له من القضاء، علما ناشئا عن الأدلة
~~المتعارفة، ms001 أعني: الكتاب والسنة والعقل، فلا يكفي العلم من أي سبب كان وإن
~~كان حجة على نفسه، إلا أن اطلاق لفظ " العلم " و " العالم " في أدلة اشتراط
~~هذا الشرط من الاجماع والنص، مثل قوله عليه السلام: " رجل قضى بالحق وهو
~~يعلم " (2) ومثل أدلة نصب الفقهاء (3)، وغير ذلك، منصرف إلى غيره، بل هذا
~~شئ معلوم من حال الشارع ضرورة.
# PageV00P029
# ويدخل في العلم: الظن الاجتهادي الحاصل من الظنون المعتبرة، لانتهائه إلى
~~العلم.
# ولا فرق في المجتهد بين المطلق والمتجزي على الأقوى، وفاقا للمصنف (1)
~~والشهيدين (2) وغيرهم (3) قدس الله أسرارهم لاطلاق بعض أدلة النصب في حال
~~الغيبة كما سيجئ، ولأن الظاهر بل المقطوع أن المنصوبين في زمن النبي
~~والأمير صلوات الله عليهما وآلهما لم يكن لبعضهم ملكة استنباط جميع
~~المسائل، فتأمل.
# ولمرفوعة أبي خديجة: " ولكن انظروا إلى رجل يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه
~~قاضيا " (4)، فإن ظاهرها كفاية العلم بالقضية المحتاج إليها في القضاء.
# ولا يعارضها قوله عليه السلام - في مقبولة ابن حنظلة -: " انظروا إلى رجل
~~منكم، قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به
~~حكما " (5)، بناء على إفادة الجمع المضاف للعموم، لا لما توهمه بعض (6) من
~~عدم التنافي بين نصب المطلق ونصب المتجزي، لأن المقبولة واردة في مقام بيان
~~المرجع وتعريفه، فالقيود فيها احترازية، وتفيد حصر
# PageV00P030
# المرجع في المتصف بتلك الصفات، بل لأن حمل الجمع على العموم غير ممكن مع
~~إبقاء قوله: " عرف " على ظاهره من المعرفة الفعلية، للاجماع، بل الضرورة
~~على عدم اعتبار العلم الفعلي بجميع الأحكام، فحمل الفعل الماضي على إرادة
~~الملكة ليس بأولى من حمل الجمع المضاف على الجنس، بل هو أولى بمراتب، ومع
~~التساوي فيسقط الاستدلال، مع احتمال حمل القيد على ما هو الغالب في ذلك
~~الزمان من عدم تجزي ملكة الاستنباط، لكن هذا لا يقدح في اطلاق رواية أبي
~~خديجة (1)، كما لا يخفى.
# وربما يرد الاستدلال بالمرفوعة بأن غايتها إفادة الظن، واعتماد المتجزي
~~عليه يوجب الدور، لأن الكلام في حجية ظنه.
# وفيه: إن هذا الاستدلال إنما هو ms002 من المطلق على حجية ظن المتجزي، ليفتي
~~مقلده بالرجوع إليه، وأما المتجزي فلا بد له من أن ينتهي بظنه إلى العلم
~~بحجيته، ولا يكفيه التمسك بالمرفوعة إلا إذا قطع بحجيته على نفسه من حيث
~~السند والدلالة وعدم المعارض، بل الحال كذلك في المطلق أيضا.
# وأما الكلام في سند المرفوعة، فحقيق بالاعراض عنه بعد اطلاق " المشهورة "
~~عليها، وركون المشهور إليها ولو في غير المقام، بل في المقام حيث إن الظاهر
~~أن المشهور صحة التجزي، بل القول بعدمها لم نعرفه من الإمامية قبل صاحب
~~المعالم (2)، وإن لم يستلزم صحته مضي حكمه على الغير، إلا أن الظاهر ندرة
~~القائل بالفرق.
# PageV00P031
# وعلى أي حال، فما نسبه بعض (1) إلى صاحب المسالك، من دعواه الاجماع في
~~المقام على اعتبار كون القاضي مجتهدا مطلقا، محل نظر يظهر لمن لاحظ عبارة
~~المسالك، كما أن ما فهمه صاحب المسالك من قول المحقق في الشرائع: ولا بد أن
~~يكون عارفا بجميع ما وليه (2)، من اعتبار الاجتهاد المطلق في القاضي (3)،
~~أيضا محل تأمل، ولذا عبر بهذه العبارة المصنف في القواعد (4) والتحرير (5)
~~مع قوله بالتجزي، مع أن المعرفة الفعلية بجميع المسائل غير ميسر غالبا،
~~وإرادة العلم بالقوة، لعله خلاف الظاهر.
# وحينئذ، فلا يبعد أن يكون المراد: اعتبار معرفته فعلا بجميع ما وليه من
~~المنصب، ويكون معرفته بحسب ولايته من حيث العموم والخصوص، ولا يقصر علمه عن
~~ذلك، فإنه قد يولى أمرا خاصا كأمر الديون أو المواريث، وقد يولى جميع
~~الأمور في خصوص بلدة أو قرية معينة، أو مطلقا. وحينئذ فلا يبعد استظهار صحة
~~التجزي من هذا الكلام، مع اعتبار المعرفة الفعلية، وعدم كفاية القوة.
# ثم هل يمضي حكم المتجزي مطلقا، أو يشترط عدم التمكن من المطلق؟ لا اشكال
~~في الأول لو قلنا بعدم تعين الأعلم، ولو قلنا بتعينه فوجهان:
# PageV00P032
# من أن الاطلاق لا يستلزم الأعلمية، لجواز أن يكون المتجزي أقوى ملكة.
# ومن صدق الأعلم عليه عرفا، أما لأن الإحاطة مستلزمة عادة لقوة الملكة،
~~وأما لأن الظاهر من التفضيل في العلم: أكثرية المعلومات، ms003 كما في كثير من
~~أسماء التفضيل.
# ثم الظاهر أن المقصود من اعتبار العلم: اخراج المقلد وبيان عدم كفاية
~~القضاء عن تقليد، كما هو المشهور، وفي المسالك أنه موضع وفاق (1)، بل عن
~~الروضة الاجماع عليه في حال الحضور والغيبة (2)، وعن الخلاف دعوى الاجماع
~~على أنه لا يجوز أن يقلد غيره ثم يقضي به، دليلنا على ذلك اجماع الفرقة
~~وأخبارهم (3)، بل هو الظاهر من عبارة المبسوط (4) وإن نسب إليه أنه نقل في
~~المسألة أقوالا ثلاثة ولم يجزم بشئ، لكن النسبة في غير محلها، فلاحظ.
# وهو ظاهر الغنية (5)، بل صريحه، بل المحكي عن المصنف قدس سره في المختلف
~~(6) - في مسألة احضار القاضي من ينبهه - أنه قال: قد أجمعنا على
# PageV00P033
# أنه لا يجوز أن يلي القضاء المقلد (1)، بل هذا اجماع المسلمين قاطبة، فإن
~~العامة أيضا يشترطون في القاضي الاجتهاد، وإنما يجوزون قضاء غيره بشرط أن
~~يوليه ذو الشوكة وهو السلطان المتغلب، وجعلوا ذلك ضرورة، فالقول بجواز
~~القضاء لمن قصر عن الدرجة من غير تولية ذي الشوكة - كما هو الواقع - مخالف
~~لاجماع المسلمين (2)، انتهى.
# ويكفيك في تحقق هذا الاجماع دعوى صاحب المفاتيح (3) له - على ما حكي - مع
~~أنه ممن لا يعتني بالاجماعات.
# والأصل في المسألة - بعد الأصل وقبل الاجماعات المذكورة -: ما دل على حصر
~~منصب القضاء في النبي والوصي والشقي (4)، خرج المأذون عن الأولين بالنص
~~والاجماع الدالين على الإذن في المجتهد، وقوله عليه السلام - في التوقيع
~~الرفيع -: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا:
# فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " (5) عين المرجع في مقام جواب السؤال
~~عنه في الرواة، فيدل على الحصر وعلل الرجوع إليهم بكونهم حجة منه على الناس
~~فيدل على انتفائه عمن لم يكن حجة منه عليهم.
# PageV00P034
# ونحوه في التعيين والتعليل مقبولة ابن حنظلة (١)، ومشهورة أبي خديجة (٢).
# وبعد ذلك كله فلا أرى وجها لميل بعض متأخري المعاصرين - تبعا لبعض من
~~تقدم عليه (٣) منهم - إلى تقوية الجواز، مستظهرا ذلك من الاطلاقات الدالة
~~على حسن القضاء بالحق ورجحانه، مثل اطلاقات الأمر بالمعروف، وقوله تعالى: ms004
~~﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا
~~بالعدل﴾ (٤)، وقوله: ﴿ومن لم يحكم
~~بما أنزل الله﴾ (5)، وقوله عليه السلام " القضاة أربعة: واحد منها في
~~الجنة، وهو الذي قضى بالحق وهو يعلم) (6)، وغير ذلك مما سبق أكثره لبيان
~~حكم آخر، وقيد جميعه بما تقدم من الأدلة، لفساد توهم حكومة هذه عليها، بزعم
~~كونها مفيدة للإذن العام في قضاء كل من يقضي بالحق.
# هذا كله، مضافا إلى امكان منع دلالة جميع ما ذكر من الآيات، إذ المراد
~~(بما أنزل الله) و (بالمعروف) و (العدل) و (الحق) في الآيات والروايات إن
~~كان هو الواقعي المشترك بين جميع المكلفين على اختلاف اجتهاداتهم
~~وتقليداتهم، فلا ريب في أن المقلد لا يمكنه الحكم بكون ما يقضي به تقليدا
~~حقا واقعيا، غاية ما ثبت بالأدلة أنه حق بالنسبة إليه ومن يوافقه
# PageV00P035
# في التقليد.
# ومن هنا استدل في الخلاف (١) والغنية (٢) على عدم الجواز بقوله تعالى:
# ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ (3)
~~وقوله عليه السلام: " القضاة أربعة.. منها:
# رجل قضى على جهل فهو في النار ". واستدل به كاشف اللثام (4) أيضا.
# واستدل عليه في محكي السرائر بأن الحاكم إذا كان مفتقرا إلى مسألة غيره
~~كان جاهلا، وقد بينا قبح الحكم بغير علم (5).
# وفي محكي الغنية (6): أن الأصل في اعتبار أهلية الفتوى في صحة القضاء -
~~بعد الاجماع - الأصول والعمومات من الكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة،
~~الناهية عن العمل بالمظنة، ومن ليس له الأهلية لا يحصل له سوى المظنة -
~~غالبا - المنهي عن العمل بها، بل من له الأهلية كذلك، إلا أن حجية ظنه
~~مقطوع بها، مجمع عليها، فهو ظن مخصوص في حكم القطع كسائر الظنون المخصوصة
~~كظاهر الكتاب والسنة المتواترة القطعية والأنساب والسوق واليد وغيرها. ولا
~~كذلك ظن من ليس له الأهلية، إذ لا دليل على
# PageV00P036
# حجيته قطعيا ولا ظنيا، ولو سلم الأخير فغايته اثبات الظن بمثله، وهو غير
~~جائز بإطباق العقلاء، انتهى.
# وحاصل كلامهم: أن المقلد جاهل ms005 بالحكم الواقعي، ولو حصل له ظن به من
~~التقليد، فليس حجة له، نظير حجية ظن المجتهد له، ولهذا يحرم عليه الاخبار
~~عن حكم الله تعالى في المسألة من دون الحكاية، واستند فيه بعضهم إلى أنه
~~قول بما لا يعلم، بأن يقول: يجب كذا، ويحرم كذا (1).
# ودعوى أن حرمة ذلك عليه لأجل التدليس اعتراف بما ذكرنا، إذ لو لم يكن
~~الاخبار عن حكم الله حراما على المقلد، لم يكن في اخباره دلالة على
~~الاجتهاد حتى يكون تدليسا.
# وبالجملة، فالمعلوم عند المقلد وجوب البناء في أعمال نفسه على فتوى
~~مجتهده، وبه يندفع ما ربما يورد على ما ذكروه في الاستدلال من أن فتوى
~~المقلد أيضا حجة على المقلد كأدلة الفقه بالنسبة إلى المجتهد.
# نعم، لو فرضنا المتخاصمين قد قلدا في حكم وافقهما (2) مجتهد ذلك المقلد،
~~كما لو قلد الزوجان في مسألة نكاح البكر البالغة بغير إذن أبيها ذلك
~~المجتهد الحاكم بصحة العقد، ولم نجوز لهما الرجوع، كان لذلك المقلد الذي
~~ترافعا عنده أن يلزمهما على العمل بمذهب مجتهدهما، لأنه هو المعروف بالنسبة
~~إليهما، فيجب أمرهما به.
# لكن هذا الأمر والالزام ليس مختصا بمقلد ذلك، بل يجب على كل أحد
# PageV00P037
# - مجتهدا أو مقلدا، موافقا في الفتوى والتقليد للمتخاصمين أو مخالفا
~~لهما، أو لا مجتهدا ولا مقلدا - أن يلزمهما على الحكم الذي التزما به من
~~باب الأمر بالمعروف، ومن المعلوم أن هذا ليس قضاء قطعا، وإلا فمجرد وجوب
~~عمل مقلد على فتوى مجتهد لا يوجب الزام غيره عليه مطلقا من باب الأمر
~~بالمعروف أو الحكم بما أنزل الله.
# وهذا بخلاف المجتهد، فإنه إذا صح له الاخبار عن حكم الله الواقعي في
~~المسألة بقوله: يجب كذا ويحرم كذا، ويصح ذا، كان له الزام الناس عليه مع
~~التخاصم وبدونه، إلا أن يكونوا أو يصيروا ملتزمين بغيره اجتهادا أو تقليدا.
# وبالجملة، فالتمسك بما ذكر من الاطلاقات، مع ما عرفت من حالها في مقابل
~~ما عرفت من الأدلة، ضعيف جدا.
# وأضعف منه دعوى أنه وإن لم يجز للمقلد ms006 الاستقلال في القضاء، إلا أنه يجوز
~~للمجتهد أن يأذن له فيه، وينصبه للحكومة، نظرا إلى أن للمجتهد من الولاية
~~ما للإمام عليه السلام إلا ما خرج، والظاهر ثبوت هذه الولاية له عليه
~~السلام بأن ينصب عاميا للحكومة، لعدم الدليل على عدم جوازه له، مع ما علم
~~له عليه السلام من الولاية العامة والرئاسة المطلقة، وما دل بظاهره من أدلة
~~نصب الفقهاء على انحصار المرجع في المجتهد، فالمراد به المرجع على الاطلاق
~~في جميع الأمور والوقائع، فلا ينافي جواز نصب الإمام للعامي في خصوص خصومات
~~بلدة، بل يدل على وقوعه أن الظاهر قصور كثير من المنصوبين في زمان النبي
~~والوصي صلوات الله عليهما وآلهما عن درجة الاستنباط.
# وفيه، أولا: أن ظاهر نصب أدلة الفقهاء تعليل الأمر بالرجوع إليهم
~~PageV00P038
# في الخصومات بكونهم حكاما على الاطلاق وحججا كذلك، فيدل على انحصار
~~مباشرة فصل الخصومات في من هو مرجع على الاطلاق في جميع الوقائع والأمور،
~~فما استظهره من تلك الأدلة من كونها في مقام بيان المرجع المطلق، يضره ولا
~~ينفعه.
# وثانيا: أن مجرد عدم الدليل على عدم الجواز لا يكون دليلا على الجواز،
~~لأن المقام ليس من قبيل الحكم التكليفي حتى يتمسك فيه بأصالة الإباحة، بل
~~أصالة فساد الحكومة تكفي في الحكم ظاهرا بعدم جواز نصب العامي للحكومة.
# وأما ما استظهر منه وقوع ذلك من النبي والوصي صلوات الله عليهما وآلهما
~~من نصب القاصرين عن درجة الاستنباط، ففيه: أن المقصود في هذا المقام عدم
~~جواز نصب المقلد في الواقعة التي يقضي فيها، لا وجوب كون المنصوب مجتهدا
~~اصطلاحيا في تلك الواقعة، فلو سمع رجل عامي في غاية قصور الفهم أحكام
~~المواريث من الإمام عليه السلام، فولاه لقطع خصومات المواريث في بلد جاز،
~~وليت شعري هل كان واحد من المنصوبين في عصر النبي والوصي صلوات الله عليهما
~~وآلهما مقلدا لمجتهد؟
# هذا كله، مع أن ما ذكر من ولاية المجتهد في جميع ما للإمام عليه السلام
~~الولاية فيه محل كلام، فلو سلم فلا ريب في أن ms007 إطلاق ما تقدم - من الاجماعات
~~في عدم مباشرة القضاء للمقلد - كاف في عدم جواز إذن المجتهد، فالمتجه ما
~~عليه المشهور.
# ثم لو فرض أن قضى بإذن من يجوز الإذن في القضاء، فهل ينفذ حكمه بحيث يجب
~~على مجتهد آخر إنفاذه؟ وجهان، الأقوى العدم، إلا أن يحكم المجتهد الآذن
~~بإمضائه وإنفاذه، فيجب إنفاذه على غيره، إلا أن PageV00P039
# يمنع عموم وجوب انفاذ جميع ما يحكم به المجتهد حتى مثل هذا الامضاء.
# ثم الظاهر أنه لا فرق فيما ذكرنا من عدم جواز حكومة المقلد بين حالتي
~~التمكن من المجتهد وعدمه، لاطلاق الأدلة من النصوص والاجماعات، بل في معقد
~~بعضها التصريح بعدم الفرق.
# وربما يحكى الجواز عند عدم التمكن عن حاشية مكتوبة في هامش الدروس منسوبة
~~إلى ابن فهد، وهذا شك في شك، فالأقوى المنع.
# ولا فرق - أيضا - في إطلاقات النصوص ومعاقد الاجماعات بين كون واقعة
~~القضاء مما يحتاج إلى اجتهاد أو تقليد كالمسائل الخلافية، وكونها مما لم
~~يقع فيه خلاف، كمسألة أن الحكم للمدعي إذا أقام بينة عادلة، بأن فرضنا أن
~~أحد المتخاصمين ادعى على غيره فأقام عليه بينة عادلة واضحة العدالة، فإن
~~كون الحكم للمدعي مما لا يحتاج إلى اجتهاد أو تقليد.
# نعم، لو كان ذلك مع عدم التمكن من المجتهد أمكن جوازه، نظرا إلى عموم
~~أدلة الحكم مع البينة وأدلة الأمر بالمعروف، السليم عن التقييد بما دل على
~~أن الحكومة للإمام عليه السلام أو نائبه (1)، بناء على أن المراد به
~~الولاية والتسلط على احضار المدعى عليه، وإلزام المحكوم عليه بالعمل على
~~طبق الحكم، وما دل على وجوب الرجوع إلى رواة الحديث (2) أو الناظرين في
~~الحلال والحرام (3)، بناء على ظهوره في صورة التمكن، ومع ذلك فالحكم لا
~~يخلو عن نظر.
# (و) يشترط في القاضي أيضا (الذكورة) فالمرأة لا تولى
# PageV00P040
# القضاء، كما في النبوي (1) المطابق للأصل المنجبر بعدم الخلاف في
~~المسألة.
# (و) يشترط أيضا (الضبط) فيما يحتاج إليه من مقدمات القضاء.
# (و) يشترط (الحرية) أيضا (على رأي) مشهور بين الأصحاب، سيما الشيخ (2)
~~وأتباعه ms008 (3)، بل جزم في الروضة (4) بندرة القائل بخلافه.
# ويدل [عليه] (5) - بعد وجوب الاقتصار في الحكومة المختصة بالنبي والوصي
~~صلوات الله عليهما على من علم إذنهما له، والإذن للعبد غير متيقن، لأن
~~إطلاق أدلة نصب فقهاء الغيبة وارد مورد الغالب - أن الوالي أجل قدرا من أن
~~يكون مملوكا، بل ربما قيل بعدم جواز شهادته (6)، مع أنه لا يقدر على شئ [و]
~~ليس له من الأمر شئ، خلافا للشرائع (7) وشرحه (8) وشرح الكتاب (9) بل
~~حاشيته (10)، للاطلاقات الحاكمة على الأصل، السليمة عن
# PageV00P041
# معارضة شئ بعد فرض إذن المولى له.
# (و) يشترط (البصر) أيضا (على رأي) محكي عن الأكثر (1)، بل عامة من تأخر
~~(2)، وعن الإسكافي (3) والشيخ (4) وابن سعيد (5) والمصنف (6) والشهيدين
~~(7)، بل عن الرياض: أن شهرة هذا القول بالغة حد الاجماع، لعدم معروفية
~~القائل بالخلاف من الأصحاب وإن أشعر بوجوده بعض العبارات (8).
# واستدلوا عليه بالأصل (9)، وبتوقف القضاء على تمييز الخصوم (10) والشهود،
~~ولكن الأصل مورود بالاطلاقات، ودعوى انصرافها إلى غير الأعمى ممنوعة جدا
~~كما يشهد له الانصاف، كدعوى توقف تمييز الخصوم على البصر.
# ولو فرض التوقف في مقام خاص التزمنا به، فالأقوى عدمه، وفاقا
# PageV00P042
# للمحكي عن بعض (1)، وتبعه صاحب الكفاية (2)، وغير واحد ممن تأخر عنه (3).
# (و) يشترط فيه أيضا (العلم بالكتابة على رأي) محكي عن الشيخ (4) وأتباعه
~~(5) وابن سعيد (6) والمحقق (7) والمصنف (8) والشهيدين (9)، بل عن عامة
~~متأخري أصحابنا (10)، بل استظهر من السرائر دعوى الاجماع عليه، حيث نسبه
~~إلى مقتضى مذهبنا (11)، ولعلها الحجة بعد الأصل المؤيد بافتقار القاضي إلى
~~معرفة الوقائع والأحكام التي لا تنضبط غالبا إلا بالكتابة.
# PageV00P043
# ويرد الأصل بالاطلاقات، والشهرة بعدم بلوغها حد الاجماع.
# واستظهار الاجماع من السرائر فيه ما فيه. والتوقف المدعى ممنوع، والحاجة
~~تندفع بتفويض ضبط الوقائع إلى كتاب ثقات، فالأقوى عدمه وفاقا للمحكي عن بعض
~~(1)، واختاره بعض مشايخنا (2).
# واعلم أنه لا يبعد أن يكون مراد القائلين باشتراط البصر والضبط والكتابة،
~~اشتراطها في تولية الشخص ولاية عامة في صقع من الأصقاع، بحيث نعلم أن فقدان
~~هذه الأمور موجب لاختلال قضائه في بعض الوقائع - كما هو كذلك ms009 بمقتضى
~~الانصاف - فهذه من شروط تولية الإمام له، وليست شروطا في صحة كل فرد فرد من
~~أقضيته.
# فهذه الشروط نظير اشتراط جماعة كونه عالما بجميع ما وليه (3)، حيث إنه
~~شرط للمجموع لا لكل فرد، نظير اشتراط بعضهم البصيرة باللغات، والتدبير،
~~واجتماع العقل والرأي، وغير ذلك من الصفات المعتبرة في كمال الرئاسة.
# ويشهد لما ذكرنا دعواهم في الاستدلال غلبة توقف مقدمات القضاء على
~~الكتابة (4)، لا أن الأمر كذلك دائما.
# ومنه يعلم اشتراط عدم الخرس فيه، بل عدم الصمم أيضا، نعم ربما يقال
~~باشتراط شروط القضاء في الفتوى أيضا. وهو ضعيف، لعدم
# PageV00P044
# الدليل عليه بحيث يقيد إطلاق أدلة التقليد من الكتاب والسنة ومعاقد
~~الاجماع.
# (و) اعلم أنه لا يكفي في ولاية القضاء اجتماع ما ذكرنا من الشروط، بل لا
~~بد مع ذلك من (إذن الإمام عليه السلام أو من فوض إليه (1) الإمام) الإذن،
~~بلا خلاف ظاهر، بل في الرياض (2) دعوى اتفاق النص والفتوى عليه.
# واستدل عليه بقوله عليه السلام: " اتقوا الحكومة، فإنما هي للإمام العالم
~~بالقضاء، العادل في المسلمين كنبي أو وصي " (3)، وقوله عليه السلام لشريح:
# " جلست مجلسا لا يجلس فيه إلا نبي أو وصي أو شقي " (4)، وما تقدم من
~~تعليل الرجوع إلى رواة الأحاديث بقوله عليه السلام: " فإني قد جعلته عليكم
~~قاضيا " (5) أو " حاكما " (6)، وقوله عجل الله فرجه: " فإنهم حجتي عليكم "
~~(7).
# (و) يترتب عليه أنه (لو نصب أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته، و) لم يلزم
~~العمل بحكمه، نعم (لو تراضى خصمان بواحد من الرعية، وحكم
# PageV00P045
# بينهما، لزم الحكم) بلا خلاف، قيل (1): للعمومات الدالة على القضاء مثل
~~قوله: " رجل قضى بالحق وهو يعلم " (2) وأدلة الأمر بالمعروف، خرج منها:
~~الحكم الصادر بغير رضى المتحاكمين.
# ولا يقيد هذه بما تقدم من اعتبار إذن الإمام عليه السلام، لأن ما يعتبر
~~فيه الإذن هو نفوذ الحكم مطلقا، ويعبر عنه بولاية الحكم وبالحكومة، فتأمل.
# واستدل جماعة (3) - تبعا للمبسوط (4) - بالنبوي: " من حكم بين اثنين
~~تراضيا به فلم يعدل بينهما، فعليه لعنة الله " (5) وفي دلالته تأمل، وإن
~~كان ms010 المحكي عن الإيضاح تقريبها بوجوه (6).
# وهل يعتبر رضاهما بعد الحكم؟ قولان، اختار أولهما في المبسوط (7)، أخذا
~~بالمتيقن. والأقوى العدم، لاطلاق ما مر، واستشكل في القواعد في ثبوت الحبس
~~له، واستيفاء العقوبة، قال: ولا ينفذ في حق غير المترافعين حتى لا يضرب
~~الدية على عاقلة الراضي بحكمه (8)، وهو حسن إن استند في مشروعيته إلى
~~النبوي المنجبر بالشهرة، لا إلى عمومات الحكم والقضاء
# PageV00P046
# بالحق.
# (و) اعلم أن قاضي التحكيم لا يتصور في زمان [الغيبة] (1)، بناء على ما
~~أجمعوا عليه ظاهرا - كما في الروضة (2) - من أنه (يشترط فيه ما يشترط في
~~القاضي المنصوب (3))، لأنه حينئذ يكون في زمان الغيبة منصوبا بالنصب العام،
~~لما دل من الاجماع والنص على أن (في حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء
~~الإمامية، الجامع لشرائط الفتوى) والقضاء، إلا أنا لم نجد مستندا لاعتبار
~~تلك الشروط في قاضي التحكيم، وإن لم نجد أيضا دليلا يعتد به في صحته على
~~وجه الاطلاق، بحيث لا يحتاج في جبر سنده أو دلالته إلى فتوى الأصحاب،
~~المفقودة مع اختلال بعض الشرائط.
# ثم إن ثبوت الإذن للفقهاء في القضاء مما لا شك فيه، ولا يبعد وصوله إلى
~~حد ضروري المذهب، ولعل الأصل في ذلك مقبولة ابن حنظلة: " انظروا إلى رجل
~~منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فارضوا به حكما،
~~فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فبنا استخف (4)
~~وعلينا قد رد، والراد علينا راد على الله " (5).
# وقوله في مشهورة أبي خديجة: " انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من
# PageV00P047
# قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه " (1).
# وقوله عجل الله تعالى فرجه، في التوقيع الرفيع - الصادر في أجوبة مسائل
~~إسحاق بن يعقوب، المروي في كتاب الغيبة وكمال الدين والاحتجاج - وفيه: "
~~وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا
~~حجة الله " (2).
# بل لولا الأخبار المذكورة لاستدل على ذلك بالعمومات المتقدمة في القضاء،
~~وخصصنا اعتبار الإذن بحال التمكن، نظير ما ذكره بعضهم (3) في ms011 صلاة الجمعة،
~~فتأمل.
# ثم إن الظاهر من الروايات المتقدمة: نفوذ حكم الفقيه في جميع خصوصيات
~~الأحكام الشرعية، وفي موضوعاتها الخاصة، بالنسبة إلى ترتب الأحكام عليها،
~~لأن المتبادر عرفا من لفظ " الحاكم " هو المتسلط على الاطلاق، فهو نظير قول
~~السلطان لأهل بلدة: جعلت فلانا حاكما عليكم، حيث يفهم منه تسلطه على الرعية
~~في جميع ما له دخل في أوامر السلطان جزئيا أو كليا.
# ويؤيده: العدول عن لفظ " الحكم " إلى " الحاكم "، مع أن الأنسب بالسياق -
~~حيث قال: " فارضوا به حكما " - أن يقول: " فإني قد جعلته
# PageV00P048
# عليكم حكما ".
# وكذا، المتبادر من لفظ " القاضي " عرفا: من يرجع إليه وينفذ حكمه وإلزامه
~~في جميع الحوادث الشرعية كما هو معلوم من حال القضاة، سيما الموجودين في
~~أعصار الأئمة عليهم السلام من قضاة الجور.
# ومنه يظهر كون الفقيه مرجعا في الأمور العامة، مثل الموقوفات وأموال
~~اليتامى والمجانين والغيب، لأن هذا كله من وظيفة القاضي عرفا.
# وأما التوقيع الرفيع، فصدره وإن كان مختصا بالأحكام الشرعية الكلية، من
~~حيث تعلق حكم الرجوع إلى رواة الحديث، فدل على كون الرجوع إليه فيما لرواية
~~الحديث مدخل فيه، إلا أن قوله عجل الله تعالى فرجه في التعليل: " إنهم حجتي
~~عليكم " يدل على وجوب العمل بجميع ما يلزمون ويحكمون، فكما أنه لو حكم بكون
~~شخص سارقا بعلمه أو بالبينة وجب قطع يده والحكم بفسقه، فكذلك إذا قال:
~~اليوم عيد أو أول الشهر، أو قال:
# إن الشخص الفلاني حكمت بفسقه أو بعدالته.
# وإن شئت تقريب الاستدلال بالتوقيع وبالمقبولة بوجه أوضح، فنقول:
# لا نزاع في نفوذ حكم الحاكم في الموضوعات الخاصة إذا كانت محلا للتخاصم،
~~فحينئذ نقول: إن تعليل الإمام عليه السلام وجوب الرضى بحكومته في الخصومات
~~بجعله حاكما على الاطلاق وحجة كذلك، يدل على أن حكمه في الخصومات والوقائع
~~من فروع حكومته المطلقة وحجيته العامة، فلا يختص بصورة التخاصم، وكذا
~~الكلام في المشهورة إذا حملنا القاضي فيها على المعنى اللغوي المرادف لفظ "
~~الحاكم ". وسيجئ تمام الكلام في مدلول هذه الروايات وفي كيفية نصب الفقهاء، ms012
~~وأنه هل هو من قبيل الإذن والاستنابة، أو أنه يشبه إنشاء الحكم الشرعي -
~~مثل الحكم بوجوب العمل بقول البينة، PageV00P049
# وبإخبار ذي اليد - إلا أن الذي يظهر من كلام الأصحاب في المنصوب الخاص
~~والعام كونه نائبا عن الإمام عليه السلام في القضاء، وهو بظاهره مناف لما
~~اتفقوا عليه ظاهرا من أنه (واجب (١) على الكفاية)، فإن اللازم كون كل قاض
~~أصيلا في امتثال الواجب، لا نائبا عن غيره. غاية الأمر توقفه على إذن الغير
~~- مثل توقف تجهيز الموتى على إذن الولي - مع عدم كون المأذون نائبا عن
~~الولي في الصلاة وغيرها، ولهذا لا ينوي النيابة، ويصلي الولي معه.
# فالمناسب للنيابة كون الخطاب بالقضاء متوجها إلى خصوص الإمام على وجه
~~التخيير بين مباشرته والاستنابة، كما لا يبعد المصير إليه، واستقربه غير
~~واحد من المعاصرين (٢) وهو الظاهر من عبارة السرائر (٣)، ويشعر به تفريع
~~وجوب الحكم على الخلافة في قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس
~~بالحق﴾ (4) إلا أن يقال: إن المتفرع على الخلافة وجوب كون الحكم بالحق،
~~فتأمل.
# هذا كله، مضافا إلى المنافاة بين وجوبه كفاية (و) بين ما ذكروه أيضا من
~~أنه (يستحب للقادر عليه): لأجل الوثوق على نفسه بالقيام بشرائطه وآدابه،
~~حيث إن الوجوب الكفائي لا يجتمع مع الاستحباب العيني، وإن أمكن توجيهه -
~~نظير ما يوجه به اجتماع الوجوب التخييري
# PageV00P050
# مع الاستحباب العيني - إلا أنه لا دليل هنا على ثبوت مزية زائدة توجب
~~الاستحباب العيني، فإنه لم يستدلوا عليه إلا بما ورد من فضيلة قطع الخصومات
~~بين الناس (1) الباعثة لوجوبه كفاية، (و) لذا (يتعين عليه، إن لم يوجد
~~غيره) وإلا فالمزية الغير المانعة من النقيض في حد ذاته لا يوجب تعيين
~~الفعل عند عدم قيام الغير به.
# هذا كله مع أن الحكم باستحبابه عينا لكل من يثق من نفسه غير صحيح، لأن
~~القضاء في كل واقعة فعل واحد لا يطلب عينا من متعدد.
# اللهم إلا أن يدفع اشكال اجتماع النيابة مع ms013 الوجوب الكفائي بأن الواجب هو
~~القدر المشترك بين إيقاع الفعل أصالة أو نيابة فيجب على الإمام المباشرة أو
~~الاستنابة، وعلى غيره الاستنابة. فالنيابة إنما تعرض الفعل قبل ملاحظة تعلق
~~الوجوب به، والتنافي أنما هو بين الوجوب كفاية على جماعة، وكون بعضهم نائبا
~~عن بعض في فعل الواجب وإسقاط الأمر.
# وبالجملة، فوصف النيابة سابق في العروض على صفة الوجوب.
# ويمكن أن يراد بالاستحباب العيني في حق من يثق به (2) مجرد سلامة الرجحان
~~الحاصل من الوجوب الكفائي عن مزاحمة فعل مرجوح مقارن معه - كتعريض النفس في
~~الهلكة، الحاصل بالنسبة إلى من لا يثق من نفسه -
# PageV00P051
# فالقضاء في حقه مكروه، بمعنى رجحان التقاعد عنه ووكوله إلى غيره، نظير
~~كراهية تغسيل المخالف على القول بوجوبه كفاية.
# وأما استحبابه عينا لكل من يثق به، فالمراد استحباب تصديهم له في الموارد
~~المتعددة.
# ثم إن مقتضى الوجوب الكفائي على كل من الإمام والرعية إن الواجب على
~~الإمام إذا علم خلو بلد عن القاضي نصب قاض لهم. ويجب على القابلين للقضاء
~~استنابته، وإعلامه بالحال لو فرض عدم اطلاعه.
# فإن ولى واحدا بالخصوص تعين عليه إن كان تعينه لمصلحة ترجع إلى الدين،
~~وإن فرض كونه اقتراحا فالظاهر أيضا تعينه عليه، لوجوب طاعة الإمام عليه
~~السلام، ولو في غير ما أمر الله به، فإنها ليست بأدون من طاعة الأب والسيد.
# وظاهر المحقق قدس سره المنع من ذلك، محتجا بأن الإمام لا يلزم ما ليس
~~بلازم (1).
# وفيه: أنه لا مانع من أن يأمر على وجه عدم الرضى بأمر غير لازم شرعا،
~~لمصلحة شرعية غير بالغة حد الالزام، راجعة إلى نفسه أو إلى غيره.
# وإن ولى واحدا من جماعة وجب عليهم كفاية إذا استووا في العلم، (و) مع
~~التفاوت (يتعين) على الإمام تقليد الأعلم منصب القضاء، كما يجب على الناس
~~(تقليد الأعلم) في الفتوى (مع) استجماعه (الشرائط) المذكورة للقضاء على
~~المشهور بل لا خلاف يوجد إلا عن
# PageV00P052
# بعض من عاصرناه (1)، وفي منية المريد: لا نعلم فيه مخالفا (2)، وفي
~~المعالم نسبه إلى بعض ms014 الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم (3)، وفي شرح الكتاب
~~أنه نقل عليه الاجماع (4)، وفي الرياض دعوى الاجماع عليه من السيد (5)،
~~ولعلها الحجة في مثل المسألة التي هي من مسائل الفروع - على ما حققناه في
~~الأصول - مضافا إلى الأصول السليمة عما يتوهم وروده عليها - كما سيجئ (6) -
~~وإلى ما هو المجبول في العقول من تقديم الأعلم من أهل الخبرة في جميع
~~أمورهم. ولولا ما قرع سمعهم من مخالفة بعض العلماء في المسألة لم يأخذوا في
~~مسألة من فنون علم الدين بقول غير الأعلم مع تيسر الأخذ بقول الأعلم.
# مضافا إلى مقبولة عمر بن حنظلة (7) المجبورة قصور دلالتها - من حيث
~~اختصاصها بموردها - بالاجماع المركب الظني وتنقيح المناط القطعي.
# مع أن الرواية - عند التأمل - ظاهرة في أن ترجيح حكم الأعلم من أحد
~~الحاكمين على الآخر من جهة رجحان فتواه، بل من جهة رجحان روايته التي هي
~~مأخذ فتواه، ولذا كان مورد السؤال والجواب في باقي
# PageV00P053
# الرواية في تعارض روايتهما.
# وبالجملة، دلالة الرواية على ترجيح فتوى الأفقه واضحة عند التأمل، غير
~~محتاجة إلى ضميمة، ولذا ادعى الشهيد الثاني (1) - فيما حكي عنه - أن
~~الرواية نص في المدعى، وفي معناها رواية داود بن الحصين (2) ورواية موسى.
# ابن أكيل (3).
# وقد يستدل أو يؤيد الدليل بما عن نهج البالغة في كتابه عليه السلام إلى
~~الأشتر رحمه الله: " اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك " (4)، وفيه
~~تأمل.
# كل ذلك مضافا إلى أن الظاهر أن حجية فتوى الفقيه إنما هو لكونها من
~~الظنون الخاصة، التي لا يعتبر إفادتها للظن الشخصي، كأصالة الحقيقة والخبر
~~الصحيح عند جماعة (5)، ومن المعلوم أن مثل هذه إذا تعارضت يجب الرجوع إلى
~~الأقوى منهما في ذاته وإن لم يفد الظن الشخصي، ولا يلتفت إلى الأخرى وإن
~~أفادت الظن من جهة المرجحات الخارجية التي لم يثبت الترجيح بها.
# وإذا ادعوا الاجماع على وجوب الأخذ بما هو الأقوى في نفس المتشرعة من
~~الأمارة، فهذا هو الأصل في تعارض الأمارات المعتبرة عند
# PageV00P054
# الشارع لحكمة كشفها عن الواقع لو خليت وطباعها ms015 وإن لم يكن اعتبارها منوطا
~~بالكشف الفعلي.
# وبه يندفع ما اشتهر بين المعاصرين (1) تبعا للشارح (2) من الايراد على
~~الاستدلال المشهور في المقام، المصرح به بل المقتصر عليه في كلام جماعة (3)
~~من قوة الظن بقول الأعلم بأن الظن قد يقوى في فتوى غير الأعلم في خصوص
~~المقام لبعض الأمور كموافقتها لفتوى الأعلم من المتقدمين بل للمشهور، إذ
~~بعد إهمال الشارع لتلك الخصوصيات المرجحة بالنسبة إلى المقلد يكون وجودها
~~كعدمها، فهو نظير ما إذا قلنا بحجية قول العادل من جهة حصول الوثوق به لأجل
~~عدالته ثم تعارض خبرا عادل وأعدل، واحتف خبر العادل بخصوصيات غير معتبرة
~~أوجبت الظن الشخصي في المحتف بها.
# وبالجملة، فبعد ما ثبت من أن المرجحية كالحجية مخالفة للأصل، لا بد من
~~الاقتصار فيها على المقدار الثابت، فكل أمارتين تعارضتا يقدم أقواهما من
~~حيث نفسه، لا بملاحظة المرجحات الخارجية.
# نعم، هذا كله حسن على تقدير اعتبار الأمارة من حيث مطلق الظن.
# هذا كله، مع أنه إذا ثبت وجوب الأخذ بقول الأعلم مع عدم اعتضاد فتوى غير
~~الأعلم بما يوجب الظن في جانبها، ثبت ذلك في موضع الاعتضاد
# PageV00P055
# بالاجماع (1)، إذ لم يقل أحد بتعيين الرجوع إلى غير الأعلم في هذه
~~الصورة.
# فغاية الأمر - هنا - عدم المرجح لقول الأعلم، ولذا احتجنا فيها إلى اثبات
~~الترجيح بالاجماع المركب، فتأمل.
# وعلى كل حال، فلو لم يكن في المقام إلا الأصل لكفى (2)، لفقد ما يرد
~~عليها (3)، عدا ما يتوهم من استصحاب التخيير فيما إذا فرضنا متساويين فثبت
~~التخيير ثم صار أحدهما أعلم فيستصحب التخيير، ولا يعارض باستصحاب تعيين
~~المجتهد إذا انحصر ثم حدث بعده من هو دونه كما لا يخفى، مضافا إلى أنه إن
~~أريد بذلك الأصل أصالة الاشتغال، فهو لا يتمشى على مذهب من يحكم [بالبراءة
~~- ظ] (4) في مثل المقام.
# وإن أريد أصالة عدم حجية قول المفضول، ففيه: أنها إنما تجري فيما شك في
~~أصل حجيته في ذاته ومع قطع النظر عن المعارض، وأما إذا فرض حجية شئ في حد
~~ذاته ومع قطع ms016 النظر عن المعارض، - كما في المقام - ثم شك في ثبوت الترجيح
~~الشرعي لمعارضه فمقتضى توقيفية الترجيح بالأمارات كنفس حجيتها، الحكم بعدم
~~كون الشئ مرجحا إلا أن يدل عليه الدليل، والكلام ليس إلا في ذلك.
# ومن (5) اطلاق أدلة التقليد واستمرار السيرة خلفا عن سلف.
# PageV00P056
# ثم (1) إن الظاهر المطابق للأصل كون الأعلمية كنفس الاجتهاد وسائر
~~الشروط، شرطا واقعيا لا عمليا، فلو لم يطلع على الأعلم واعتقد عدمه ثم بان
~~خطأه استأنف التقليد بعد المرافعة. نعم، لو لم يوجد الأعلم واقعا أو لم
~~يتمكن منه إلا بعد قضاء غيره لم يستأنف الترافع، وهل يستأنف التقليد فيجب
~~الرجوع عن قول غير الأعلم إليه وإن عمل بقوله في الواقعة - نعم، تمضي نفس
~~تلك الواقعة الشخصية لا أمثالها - أم لا؟ وجهان:
# من عدم جريان عمدة الأدلة المتقدمة إلا في التقليد الابتدائي، لأن الأصول
~~مدفوعة باستصحاب التقليد السابق، واطلاقات الفتاوى ومعاقد الاجماع منصرفة
~~إلى التقليد الابتدائي، أعني غير المسبوق بتقليد آخر في تلك الواقعة، كما
~~أن مقبولة ابن حنظلة (2) نص فيه.
# ومن عدم جريان الاستصحاب المذكور، لا بالنسبة إلى أصل التقليد ولا
~~بالنسبة إلى المسألة الفرعية فيها، كما بين مبسوطا في مسألة الرجوع عن
~~التقليد.
# والتحقيق في المقام هو دوران الأمر في المقام بين وجوب البقاء، ووجوب
~~الرجوع من غير أصل يقتضي أحدهما.
# لكن الانصاف يقتضي منع الانصراف المذكور في اطلاقات وجوب تقليد الأعلم،
~~مضافا إلى بناء العقلاء على ترجيح الأعلم على الاطلاق،
# PageV00P057
# وحكم العقل بترجيح إحدى أقوى الأمارتين، وإن حصلت القوة بعد الأخذ
~~بأحدهما.
# بقي هنا شئ، وهو أن الظاهر أدلة المختار وجوب ترجيح الأعلم مع الاختلاف
~~في الفتوى دون ما إذا اتفقا، فيجوز الترافع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم
~~إذا كان فصل المنازعة لا يحتاج إلى الفتوى في مسألة خلافية كما إذا كان
~~المدعي ممتازا عن المدعى عليه وكان للمدعي بينة عادلة بعدالة الملكة (1)،
~~فإن الحكم هنا لا يحتاج إلى أعمال مسألة خلافية، فالأقوى عدم وجوب الرجوع
~~إلى الأعلم هنا، وإن كان علم المترافعين ms017 بذلك في أول الأمر نادرا.
# ومما ذكرنا ظهر عدم تعين الأعلم في مناصب الحاكم مثل الولاية على الأيتام
~~وأموال الغيب إذا لم يكن هنا مسألة اختلف فيها الأعلم وغيره، وكذلك قبض مال
~~الإمام عليه السلام إذا كان مذهبهما متحدا في المصرف، وكذلك تولي الأوقاف،
~~ونحو ذلك.
# (و) اعلم أنه ذكر المصنف وغيره (2) أنه (لا ينفذ حكم من لا تقبل شهادته)
~~على المحكوم (كالولد على والده، والعبد على مولاه، والخصم على عدوه)، لأن
~~مناط عدم قبول الشهادة على هؤلاء موجود في الحكم عليهم على وجه آكد. وفي
~~الاعتماد على مثل هذا الوجه اشكال، خصوصا بعد عموم أدلة نصب الفقهاء وكونهم
~~حجة على الخلق شبه حجية الإمام عليه السلام.
# PageV00P058
# أو أجازه، لما تقدم سابقا.
# (ولا) ينفذ (حكم من لا يستجمع الشرائط) وإن أذن له المستجمع (وإن اقتضت
~~المصلحة توليته) مع فقده للشرائط، فإن كانت المصلحة في علم الإمام عليه
~~السلام راجحة على المصلحة الداعية للشارع على اعتبار ذلك الشرط المفقود
~~جاز، بل يخرج حينئذ الشرط عن الشرطية في حق هذا المنصوب كما في تقرير أمير
~~المؤمنين عليه السلام لقضاوة شريح (1)، بناء على أنه لم يثبت أنه عليه
~~السلام نهاه عن إمضاء حكم من دون أن يعرضه على الإمام كما في بعض الروايات
~~(2).
# وإن لم تكن المصلحة بتلك المرتبة (لم تجز)، لأن فيه إهمال أقوى المصلحتين
~~لأضعفهما، بل لا يعد الضعيف حينئذ مصلحة، ولعل من نظيره عدم تقرير أمير
~~المؤمنين عليه السلام لخلافة معاوية، وإن ترتب على رده ما ترتب في أيام
~~حياته صلوات الله عليه إلى انقراض ملك بني أمية (3).
# PageV00P059
# وعلى (1) أي تقدير، فالمصلحة المقتضية لنصب الفاقد إن كانت مصلحة
~~اختيارية كان حكم المنصوب نافذا، وإن كانت راجعة إلى الضرورة والتقية فهو
~~كغير المنصوب.
# ثم إن من لا ينفذ حكمه لا يجوز له التعرض، لأنه غير نائب عن
# PageV00P060
# النبي والوصي عليهما وآلهما السلام، فيكون شقيا، ويحرم التحاكم إليه مع
~~التمكن من غيره، لكونها (1) إعانة على الإثم، بل هي (2) كبيرة لو كان
~~الحاكم ms018 من المخالفين، بل عن ظاهر المسالك (3) والروضة (4) دعوى الاتفاق
~~عليه، ولعله لما دل على أن المأخوذ بحكمهم سحت كما في مقبولة ابن حنظلة
~~(5)، ولظاهر المنزلة فيها، وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام:
~~" أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه
~~ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله
~~تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من
~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) " (6)،
~~وبمضمونه خبر آخر لأبي بصير (7).
# وللحكم بكونه شريكا مع الحاكم في إثم حكمه في صحيحة ابن سنان " أيما مؤمن
~~قدم مؤمنا في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد
~~شركه في الإثم " (8).
# PageV00P061
# وتوهم اختصاص الإثم إذا قضى بغير حكم الله مدفوع بأن الفاقد لشرائط
~~القضاء قاض دائما بغير حكم الله، لأن ثبوت أسباب الحكم عند الفاقد لا يوجب
~~عند الشارع سلطنة المدعي على المدعى عليه فالحكم بثبوتها عليه ووجوب خروجه
~~من حقه حكم بغير ما أنزل الله.
# هذا، مع أن الاقدام على الترافع إلى من لا يؤمن منه الحكم بغير ما أنزل
~~الله اقدام على الكبيرة، وتجر عليها فلا يبعد أن يكون كبيرة.
# ومما ذكرنا يظهر أنه لا يبعد أن يستظهر من الصحيحة كون الترافع إلى مطلق
~~الفاقد كبيرة، كما هو ظاهر معقد اتفاق المسالك من كون المضي إلى قاضي الجور
~~كبيرة عندنا.
# وعلى أي حال، فهل يستبيح المحكوم له ما يأخذه بحكم الجائر أو لا؟ ظاهر
~~قوله عليه السلام في مقبولة ابن حنظلة: " إن ما يأخذه بحكمه فإنما يأخذه
~~سحتا وإن كان حقه ثابتا، لأنه إنما أخذه بحكم الطاغوت " (1).
# والتحقيق أن يقال: إن كان المأخوذ عينا شخصية يعتقد المدعي استحقاقها فلا
~~يحرم، لعدم خروجها عن ملكه بمجرد حكم القاضي بالاستحقاق، والرواية غير
~~ظاهرة في ذلك. ولا ينافيه كون السؤال عن المنازعة في دين أو ms019 ميراث، كما لا
~~يخفى. مع احتمال أن يكون المراد أن أخذه كأخذ السحت، لا أن المأخوذ كهو.
# وإن لم يعلم بالاستحقاق لم يجز أخذها إلا إذا كان المدعي والحاكم كلاهما
~~من أهل الخلاف فيرى الحاكم استحقاق المدعي لملك العين في مذهبهم، فيجوز
~~الأخذ هنا، بناء على ما ورد من قوله عليه السلام: " ألزموهم
# PageV00P062
# بما ألزموا به أنفسهم " (1) ونحو ذلك، لكن المسألة تحتاج إلى نظر تام.
# وإن كان دينا أو عينا غير شخصية كالإرث، فالظاهر عدم جواز الأخذ وإن علم
~~بالاستحقاق، إذ المقبوض لا يتعين ملكا له، لأن الدافع منكر لاستحقاقه فلا
~~يعقل منه تعيين حقه.
# ولو فرضنا اعترافه بثبوت الحق ظاهرا، أو علمنا باعترافه باطنا لم ينفع
~~ذلك أيضا، لأنه زمان الدفع غير قاصد للابقاء.
# نعم، لو فرضنا أن المدعى عليه معتقد لحقية الحاكم، وأن حكمه نافذ، ولم
~~يعلم بعدم استحقاق المدعي منه شيئا، وعلم المدعي بالاستحقاق أمكن قصد
~~الايفاء والتعيين حينئذ، بل لو كان المدعى عليه مخالفا كالحاكم جاز الأخذ
~~وإن لم يعلم المدعي بالاستحقاق، بل وإن علم بعدمه، فيجوز له مطالبتهم في
~~الإرث بمقتضى مذهبهم في العول والعصبة والحبوة، بناء على ما ذكرنا.
# هذا كله مع الاختيار، وأما مع الاضطرار - وفسروه بعدم التمكن من أخذ الحق
~~إلا بالترافع إلى الجائر - فالمشهور الجواز، بل عن الرياض (2) استظهار
~~الوفاق عن بعض، لأدلة نفي الحرج (3) والضرر (4).
# وربما يعارضان بإطلاقات أدلة المنع (5) وحرمة المعاونة على الإثم
# PageV00P063
# والعدوان (1)، وربما يرجح أدلة الحرج بكونها أقوى، مضافا إلى أصالة
~~البراءة.
# وفي المعارضة والجواب نظر، أما في المعارضة، فأولا: بانصراف أدلة المنع
~~إلى حال الاختيار، كما صرح به في رواية أبي بصير (2)، وأما حرمة المعاونة
~~فهي فرع تحققها الممنوع فيما نحن فيه.
# وثانيا: بأن أدلة نفي الحرج والضرر حاكمة على تلك العمومات، وغيرها من
~~العمومات المثبتة بعمومها للتكليف في موارد الحرج.
# وأما في الجواب بكون أدلة الحرج أقوى، فبمنع ذلك، كيف؟! وحرمة المعاونة
~~ثابتة بالعقل والنقل، فلا وجه للتقديم غير ما ذكرنا من الحكومة.
# وأما التأييد ms020 بأصالة البراءة، ففيه: إن الاستصحاب قد يقتضي الحرمة كما
~~فيما إذا كان مسبوقا بعدم الانحصار، فتأمل.
# فالعمدة ما ذكرنا من دعوى الانصراف في إطلاقات المنع وحكومة أدلة الحرج،
~~لكن تحقق الحرج في جميع الموارد لا يخلو عن تأمل.
# (ولو تجدد مانع) أصل (الانعقاد) بفقد أحد الشروط المتقدمة (انعزل) (3)
~~بنفسه من دون حاجة إلى عزل، لأن النصب إنما كان باعتبار استجماعه للشروط
~~الظاهرة في الشرطية ابتداء واستدامة، فكأن القضية مشروطة عامة.
# وهذا مما لا إشكال فيه، إنما الاشكال في عود الولاية بعد زوال المانع،
# PageV00P064
# من أن الأصل عدم حدوثها بعد ارتفاعها، ومن أن المرتفع أثر الولاية
~~والمنصب لا نفسهما، مع إمكان دعوى كون قضية النصب هو دوران النصب (1) مع
~~الشرائط، وأن احتمال إرادة توليته ما دام، خلاف الظاهر، بل الظاهر توليته
~~ما دام هذه الأوصاف موجودة فيه، فكأنه قال: نصبتك في جميع أزمان استجماعك
~~للشروط.
# ويضعف الدعويان بخلوهما عن البينة، والشك كاف في استصحاب العدم، مع أن
~~التزام بقاء أصل الولاية للمجنون ومن صار عاميا بعد الاجتهاد خلاف الظاهر
~~بل المقطوع، كيف؟! ولو جاز بقاء الولاية مع الجنون وعدم الاجتهاد لجاز
~~تولية المجنون والعامي والصبي، ثم لا يجوز تصرفهما إلا بعد الكمال
~~والاجتهاد.
# نعم، لا يبعد استظهار الدوران المذكور في بعض الفروض، كمن علم الإمام
~~عليه السلام أن له جنونا إدواريا يعتريه أحيانا في المدة التي تشهد الحال
~~ببقاء الولاية إلى تلك المدة، كما لو جن في كل يوم مرة، أو في كل أسبوع، أو
~~شهر، إذا علم عدم قصور مدة التولية عن الأسبوع والشهر. ولعله مبنى ما في
~~المسالك (2) من الفرق بين ما يزول سريعا كالاغماء، وبين غيره كالجنون، بأن
~~يدعى ظهور دليل النصب في كون المانع القصير غير رافع لأصل الولاية، وإلا
~~فمجرد سرعة الزوال وبطئه غير مؤثر.
# وبالجملة، فالمتبع ما يظهر من دليل النصب، ولذا لا ينبغي الاشكال في حدوث
~~ولاية المنصوب العام بعد زوال المانع، لأن دليل نصبه بمنزلة
# PageV00P065
# حكم كلي لموضوع كلي متصف بصفات خاصة يدور ms021 الحكم مع ذلك الموضوع، وليس
~~نفسه بإنشاء خاص لموضوع خاص.
# (و) اعلم أنه لا إشكال في أنه ينبغي (للإمام) عليه السلام (ونائبه عزل
~~جامع الشرائط لمصلحة) دينية، وهل يجوز (لا) لها، بل (مجانا)؟
# الأقوى: نعم، لأن التولية حق له فهو مسلط عليه.
# ودعوى كونها حقا لله تعالى جعل الإمام عليه السلام ناظرا فيه، فليس له
~~عزل من ثبت ولايته شرعا إلا بإذن من الله ومصلحة تعود إلى دين الله،
~~ممنوعة، ولو سلمت فلا تقتضي إلا وجوب نصب واحد من الرعية على سبيل التخيير
~~ابتداء واستدامة، غاية الأمر عدم جواز العزل مع اقتضاء المصلحة للابقاء كما
~~لم يجز في الابتداء نصب واحد مع كون غيره أرجح.
# وبالجملة، فحال استدامة هذا المنصب كابتدائه.
# واعلم أن المقصود من البحث في أمثال هذه المسائل تشحيذ الذهن باستخراج
~~تكليف الإمام عليه السلام ونائبه من القواعد التي بأيدينا، وإلا فلا يترتب
~~عليها ثمرة عملية له.
# (وينعزل) المنصوب بالخصوص (بموت الإمام و) بموت (المنوب) الناصب له إذا
~~كان نائبا عنه لا عن الإمام. أما انعزاله بموت الإمام، فلانعزال ناصبه
~~بذلك، لأن التولية يتضمن الإذن والاستنابة المرتفعين بفقد المستنيب، وهذا
~~الانعزال ليس لأجل عدم سلطنة الإمام عليه السلام بالنسبة إلى الأزمنة
~~المتأخرة عن زمانه - حتى يقال: بأن إمام كل عصر له النصب في الأزمنة
~~المتأخرة، فإن الزمان بأجمعه لجميعهم، ويفصل حينئذ بين ما إذا فهم من دليل
~~النصب توقيته بمدة حياته، وبين ما إذا فهم منه أزيد من ذلك فينعزل في الأول
~~دون الثاني، ويجعل نصب الصادق عليه السلام للفقهاء من قبيل PageV00P066
# الثاني، ولذا لا ينعزلون - بل لعدم قابلية الإذن والنيابة للبقاء بعد موت
~~الآذن والمستنيب، إلا أن يدعى أن موته عليه السلام كحياته وليس كموت أحدنا
~~في العجز عن التصرف في الأمور حتى لا يعقل تصرف نوابه بعنوان النيابة، لكنا
~~بمعزل عن هذه الدعوى، فإنا لا نقول فيهم إلا بما صح لنا عنهم.
# وكيف كان، فلا إشكال في انعزال القضاة بموت الإمام عليه السلام، سواء
~~قلنا: إن ms022 ذلك لاقتضاء الاستنابة والإذن الارتفاع بعد الموت، على ما هي
~~قاعدة الوكالة، وإما لانفهام كون النصب مقيدا بمدة الحياة.
# وربما يحكى عن الشيخ في المبسوط عدم الانعزال، لأن ولايتهم ثابتة شرعا
~~فلا يزول إلا بدليل، والذي وجدناه في المبسوط (1) في باب كتاب قاض إلى قاض
~~- موافقا للخلاف (2) -: " إن الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة بموت الإمام
~~". نعم حكي عدم الانعزال عن بعض العامة (3) مستدلا بما ذكر.
# هذا كله في منصوب الإمام، وأما منصوب النائب، فإما أن يكون منصوبا
~~للقضاء، أو يكون منصوبا لأمور عامة مثل تولي الأوقاف والأيتام، أو يكون
~~منصوبا لأمر معين كبيع مال يتيم وإحراز غلة وقف ونحو ذلك.
# أما الثالث، فلا ريب في انعزاله، بل ادعى عليه الوفاق في المسالك (4)،
~~لأنه من باب الوكالة، وكذا الثاني على ما يقتضيه قاعدة الاستنابة، إلا أن
# PageV00P067
# المحكي عن الإيضاح (1) دعوى الاتفاق عليه، للحوق الضرر واختلال نظام تلك
~~الأمور بذلك. فلو ثبت الاجماع، وإلا ففي نهوض ما ذكر من لحوق الضرر لرفع
~~اليد عن القاعدة، نظر.
# وأما المنصوب للقضاء فالأشبه أنه ينعزل، لما عرفت في نواب الإمام.
# وبما [يقال] (2) بعدم انعزال (نائب المنصوب بموته) (3) لأنه في الحقيقة
~~منصوب من قبل الإمام، وفيه نظر.
# ومثل موت المنوب: عزل الإمام له، فينعزل نائبه إن كان نائبا عنه وإن كان
~~بإذن الإمام صريحا في الاستنابة، بل استنابة هذا الشخص المعين.
# إلا أن يدعى أن المفهوم - من قوله " استنب فلانا " - كونه مأذونا، بل
~~منصوبا من قبل الآمر، وحينئذ فلا ينعزل بانعزال المستنيب المأمور، بل ولا
~~بعزله وإن كان هو الناصب له، فتأمل.
# وهل للمنصوب على وجه الاطلاق عزل قضاة الإمام، بناء على أن عزله كعزل
~~الإمام، كما أن نصبه كنصبه؟ الأقوى ذلك، فيجوز لكل من المنصوبين على وجه
~~الاطلاق عزل صاحبه.
# وهل يجوز لكل منهما عزل وكيل الآخر من دون عزله؟ الأقوى ذلك، لرجوعه إلى
~~عزل الناصب في خصوص توكيل هذا الشخص.
# هذا كله بحسب ما يقتضيه النصب المطلق، إلا أن الظاهر من إطلاق
# PageV00P068
# النصب توليته ms023 فيما لا مدخل فيه للمنصوب الآخر فليس له التعرض له ولا
~~لمنصوبه.
# هذا كله في المنصوب الخاص، أما المنصوب العام أعني الفقيه الجامع
~~للشرائط، فربما يقال: إن ما ذكر في حكم المنصوب الخاص يقتضي انعزاله أيضا
~~لو [لا] (1) الاجماع. قال في المسالك - بعد الحكم بانعزال القضاة بموت
~~الإمام -: إنه قد يقدح هذا في ولاية الفقيه حال الغيبة، فإن الإمام الذي
~~جعله قاضيا وحاكما قد مات، فيجري في حكمه ذلك الخلاف المذكور، إلا أن
~~الأصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية، فإنها ليست كالتولية الخاصة، بل
~~حكم بمضمون ذلك، فإعلامه بكونه من أهل الولاية على ذلك كإعلامه بكون العدل
~~مقبول الشهادة وذي اليد مقبول الخبر وغير ذلك، وفيه بحث (2)، انتهى.
# أقول: إذا كان الإمام الذي مات نصب فقهاء (3) زمان الغيبة حال حياته وعدم
~~وجود المنصوب ولا المنصوب عليهم، فانتصابه بعد موت الإمام، فكيف يعقل
~~انعزاله بالموت حتى يقدح الحكم بانعزال القضاة بعد الإمام في ولاية الفقهاء
~~المفروض حدوثها بعد الإمام؟!
# هذا، إذا قلنا بأن قوله عليه السلام - في مقبولة ابن حنظلة (4)، ومرفوعة
# PageV00P069
# أبي خديجة " فإني قد جعلته عليكم حاكما وقاضيا " (1) إنشاء لنصب جميع
~~الفقهاء من الموجودين والمعدومين على جميع الرعية كذلك، على ما هو ظاهر من
~~فهم الأصحاب، حيث استدلوا بنفس تلك الأخبار على نصب الفقهاء.
# وأما إذا قلنا: إن ظاهر اللفظ يختص بالفقيه الموجود حال الخطاب للرعية
~~الموجودة في تلك الحال، وأما حكم غير الحاضرين فإنما فهم من دليل دل على
~~منصوبية الفقهاء في كل زمان عن إمام ذلك الزمان، فلا إشكال أيضا سواء قلنا
~~بكون هذا الدليل هو الاجماع، أم قلنا بأنه إخبار الصادق عليه السلام - في
~~المقبولة - بأنه " إذا حكم بحكمنا فلم يقبل فبحكمنا قد استخف، وعلينا قد رد
~~" (2)، حيث دل على أن مناط تحريم الرد هو [كون] (3) الحكم حكمهم فيكون الرد
~~ردا عليهم، أم قلنا بأن الرخصة وصلت من كل إمام إلى فقهاء عصره، وقد وصل
~~[ت] إلينا من إمام زماننا عجل الله فرجه بما رواه الصدوق والشيخ ms024 والطبرسي
~~في كمال الدين وكتاب الغيبة والاحتجاج في قوله عليه السلام في أجوبة مسائل
~~إسحاق بن يعقوب (4) فيما خرج على يد العمري: " وأما الحوادث الواقعة
~~فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم "
~~(5).
# PageV00P070
# (ويجوز) للإمام وللمأذون عنه في النصب (نصب قاضيين في بلد) واحد، بحيث
~~(يشتركان في ولاية واحدة) فيجوز لكل منهما الحكم وإن خالف الآخر، فيكونان
~~كوكيلين مستقلين في أن الحكم لسابقهما، (أو يختص) ولاية (كل) واحد (بطرف)،
~~كأحد طرفي بغداد والحلة، أو بطائفة كالعرب والعجم، أو بزمان، أو بدعوى
~~كدعوى المال دون غيرها.
# والظاهر عدم الخلاف في شئ مما ذكر مع موافقته للأصل.
# أما (لو شرط) في صورة التشريك (اتفاقهما في كل حكم) فإن كان مرجعه إلى
~~وجوب اتفاقهما في حكم جميع الدعاوي المرفوعة إليهما (لم يجز) لأنه ليس
~~مقدورا لهما.
# وإن كان مرجعه إلى التولية في قطع الدعاوي التي لا يختلفان في حكمها دون
~~ما اختلفا فيه فيجب الرجوع فيه إلى الناصب، أو إلى ثالث نصبه لقطع الدعاوي
~~المختلف فيها بين الأولين، فلا ينبغي الاشكال في الجواز، ومرجع الوجهين إلى
~~كون الاتفاق في الحكم شرطا للواجب أو للوجوب.
# ولو كان عبارة النصب ظاهرا في الأول وجب صرفه إلى الثاني لوجوب تصحيح
~~الفعل.
# ولو دار الأمر بين الاستقلال والاشتراك، اتبع ظاهر عبارة النصب، وإن أجمل
~~عمل على المتيقن.
# وحيث ثبت الاستقلال (فإن تنازع الخصمان في الترافع، قدم اختيار المدعي)
~~لأن له الاستعداء على خصمه عند كل واحد منهما، فيجب عليه إعداؤه باحضار
~~خصمه، أو الحكم عليه غائبا إن كان بعيدا.
# ولو أنكر المدعى عليه ولاية مختار المدعي كاجتهاده أو عدالته أو غيرهما،
~~لم يكبر عليه. PageV00P071
# (وإذا) نصب الإمام أو نائبه أحدا و (أذن له في الاستخلاف) عن الإمام أو
~~نفسه لنفسه أو للإمام (جاز)، فيكون المستخلف في الأولين خليفة المنصوب وفي
~~الثانيين خليفته، لكن في جواز عزله له في الصورة الأولى منهما إشكال، وفي
~~الثانيين خليفة الإمام يجوز له عزله فيهما، (وإلا) يأذن في ms025 الاستخلاف (فلا)
~~يجوز: (إلا مع وجود الأمارة) الدالة عرفا على الجواز (كاتساع الولاية)
~~فيجوز.
# والظاهر أنه حينئذ خليفة عن المنصوب يجوز له عزله، واحتمل في المسالك (1)
~~جواز الاستخلاف مع الاطلاق، لأنه ناظر في المصالح وأن الإمام قد وثق بنظره،
~~إلا أنه أحسن في تضعيفه بمنع ثبوت النظر له إلا في مباشرة القضاء، وهو
~~واضح.
# ثم إن ما ذكر من الاستخلاف إنما يتصور في المنصوب الخاص، وأما المنصوب
~~العام، وهو الفقيه الجامع للشرائط، فلا يتصور في حقه الاستخلاف بعدما تقدم
~~من اعتبار الاجتهاد في الحاكم، لأن المجتهدين جميعا في مرتبة واحدة من جهة
~~المنصوبية عموما، فواجد الشرائط لا يحتاج إلى استخلافه، وفاقده لا يجوز
~~استخلافه.
# نعم لو لم يثبت وجوب كون المباشر للحكومة مجتهدا، وكان القدر الثابت وجوب
~~كون الحكم حقا وانتهاء الحاكم في حكومته إلى إذن الإمام عليه السلام، جاز
~~للمجتهد المتولي عن الإمام بالولاية العامة نصب مقلد لمباشرة القضاء. لكنك
~~قد عرفت ظهور النص والاجماع بخلافه واعتبار الاجتهاد في مباشرة القضاء.
# PageV00P072
# نعم، يمكن القول بجواز توكيل المجتهد مقلده أو غيره في إنشاء الحكم في
~~واقعة خاصة، نظير التوكيل في سائر الايقاعات، وإن كان ينافيه ظاهر اتفاقهم
~~على عدم دخول النيابة في القضاء، لكن الظاهر إرادتهم نفس فعل القضاء بحيث
~~يستند إليه أصالة لا مجرد كونه آلة لاجراء الصيغة، لكن ينافيه تمثيلهم لما
~~يدخل فيه النيابة بالطلاق، فتأمل.
# (و) اعلم أنه (تثبت الولاية) لمدعيها (بشاهدين) مقبولي الشهادة، وإن لم
~~يحكم بها حاكم، لعموم أدلة قبول الشهادة في جميع الأمور إلا ما خرج.
# (و) تثبت أيضا (بالاستفاضة) وهو شياع الأخبار عن طائفة يمتنع عادة
~~تواطؤهم على الكذب، ولا إشكال في ذلك، لأن حصول العلم منتهى دلالة كل دليل.
# ولو أفادت الظن ففي حجيتها وعدمها وجوه بل أقوال، ثالثها: الحجية إن بلغ
~~الظن إلى حد يقرب العلم بحيث تثق به النفس وتطمئن.
# وذكر الشارح: أن الشياع إذا أفاد الظن الغالب المتاخم للعلم - بل هو
~~العلم العادي العرفي الذي لا يضره الاحتمال البعيد ms026 الذي هو مجرد التجويز
~~العقلي - فلا ينبغي النزاع في ثبوت الولاية به ولا في ثبوت غيرها من
~~الأحكام إلا ما نص الشارع، انتهى (1).
# وفي ظاهره تدافع، حيث جمع بين جعل الظن المتاخم للعلم مقابلا للاستفاضة
~~العلمية، وبين كونه علما عاديا، لكون احتمال الخلاف بمجرد تجويز العقل، ثم
~~حكمه بحجيته في جميع الأحكام إلا ما خرج بالنص.
# PageV00P073
# وكيف كان، فلم تجد لحجية الاستفاضة الغير العلمية دليلا يطمأن به، ولذا
~~اختار في المبسوط (1) عدمها، وإن قال بها في الوقف والعتق والنكاح (2).
# نعم لو ثبت أن الولاية مما ينسد فيها غالبا باب العلم القطعي والظن الخاص
~~الحاصل من شهادة العدلين، أمكن اعتبار الاستفاضة فيها، بناء على أن كل مل
~~كان كذلك وجب بحكم العقل أن يعتبر فيها الأمارة المفيدة لوثوق النفس
~~بمضمونها، سيما إذا تحقق في الخارج غلبة مطابقتها للواقع وقلة تخلفها، كما
~~هو الشأن في الاستفاضة.
# بل هذا شئ ثابت بحكم الشرع المستفاد من تتبع موارد كثيرة علل فيها اعتبار
~~بعض الأمارات بأنه لولاه للزم إبطال الحقوق، أو لم يقم للمسلمين سوق (3)،
~~مثل ما دل على حجية اليد وكونها أمارة للملك (4)، ومثل ما دل على اعتبار
~~شهادة الذمي في الوصية (5)، ومثل ما دل على جواز شهادة النساء فيما لا
~~يستطيع الرجال النظر إليه (6)، وما دل على حكمة جعل اليمين في دعوى الدماء
~~على المدعي (7) ونحو ذلك.
# ومن هنا يقوى ثبوت النسب والوقف والنكاح بالاستفاضة، كما تقدم
# PageV00P074
# من الشيخ (1)، لأنها مما لا سبيل غالبا إلى إثباتها بالبينة، وهذا غير
~~ثابت في مثل ولاية القاضي، لأن العلم فيها سهل الحصول من جهة الأمارات،
~~وقيام العدلين عليها كذلك، بل هما أسهل من الاستفاضة، بل لو حصلت الاستفاضة
~~لم تنفك عن العلم من جهة الأمارات والقرينة، فإن نفس دعوى الولاية من طرف
~~الإمام يحصل منها ظن قوي بالصدق، بل ربما يحصل منها القطع، كما نشاهد في
~~حكومة الحكام العرفية من قبل سلاطينهم.
# وربما يستدل لاعتبارها فيما نحن فيه - تبعا لكاشف اللثام (2) - بقوله
~~عليه السلام في مرسلة ms027 يونس: " خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر
~~الحكم: الولايات والمناكح والذبائح والشهادات والأنساب " (3)، بناء على أن
~~المراد ب " ظاهر الحكم " هو ما ظهر بين الناس من الحكم، يعني:
# نسبة المحمول إلى الموضوع في الأمور المذكورة، إذ هو معنى الشياع
~~والاستفاضة المذكورين، كما أن المراد من الاكتفاء به [في] (4) الشهادات أنه
~~يجوز الشهادة بما يحصل منه، كما يقول: دار زيد وقف، وعمرو ابن خالد، ونحو
~~ذلك مما هو متعارف بين الناس من الحكم في ذلك، إذا كان شائعا.
# وفيه - مع عدم جريان ما ذكره من معنى " ظاهر الحكم " في الذبائح، بل ولا
~~في الشهادات إلا بارتكاب التفكيك، كما لا يخفى - أن تفسير ظاهر
# PageV00P075
# الحكم بذلك يتوقف على قرينة مفقودة.
# هذا، مع أن ما ذكره في الشهادات ينافيه قوله عليه السلام بعد ذلك مفرعا
~~(1) عليه: " فمن كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه "
~~(2).
# والذي ينبغي أن يستظهر من الرواية، بل يجزم به أن يراد ب " ظاهر الحكم "
~~الحكم الذي يقتضيه الظاهر، كما يؤيده إبدال ذلك في بعض كتب الروايات ب "
~~ظاهر الحال " (3).
# فالمراد وجوب العمل بمقتضى الظاهر، وجعله بمنزلة الواقع، ويكون المراد من
~~الولايات: التصرفات الظاهرة في سلطنة المتصرف، فيجب الحكم بصحة سلطنات
~~الناس وذبائحهم وأنسابهم ومناكحهم وشهاداتهم، بمعنى تصديقها وعدم الفحص عن
~~باطن الشاهد، فلا دلالة في الرواية على حكاية الاستفاضة، ولا تعرض فيها
~~لحكم ولاية القاضي.
# ويتلوه في الضعف: الاستدلال على قبول الاستفاضة بما رواه الكليني في
~~الحسن، في قصة إسماعيل بن الصادق عليه السلام، حيث أراد أن يستبضع (4) رجلا
~~من قريش، فشاور في ذلك أباه عليه السلام، فقال: " يا بني أما بلغك أنه يشرب
~~الخمر؟ قال: يا أبت هكذا يقول الناس. قال: يا بني لا تفعل، فعصى أباه، فدفع
~~إليه دنانيره فاستهلكها، ولم يأت بشئ منها، وقضى أن
# PageV00P076
# أبا عبد الله عليه السلام حج وحج إسماعيل في تلك السنة فجعل يطوف ويقول:
# اللهم آجرني واخلف علي. فلحقه أبو عبد الله عليه السلام فهمزه بيده ms028 من
~~خلفه، وقال له: مه يا بني، فلا - والله - ما لك على الله هذا ولا لك، أو
~~يؤجرك ولا يخلف عليك وقد بلغك أنه يشرب الخمر فائتمنته؟ فقال إسماعيل:
# يا أبت إني لم أره يشرب الخمر [إنما] (١) سمعت الناس يقولون. فقال: يا
~~بني إن الله عز وجل يقول: في كتابه: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ (٢) يقول:
# يصدق الله ويصدق للمؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم، ولا تأمن شارب
~~الخمر، فإن الله يقول: ﴿ولا تؤتوا السفهاء
~~أموالكم﴾ (3)، فأي سفيه أسفه من شارب الخمر، لا يزوج إذا خطب ولا يشفع
~~إذا شفع ولا يؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي
~~ائتمنه على الله أن يؤجره ولا يخلف عليه " (4)، بناء على أن الشياع من أعلى
~~أفراد قول الناس وشهادة المؤمنين، بل ظاهره حجية الشياع وإن لم يفد الظن
~~أيضا.
# وفيه، أولا: أن الرواية لا تدل على حجية الاستفاضة بالخصوص، وإنما تدل
~~على وجوب قبول شهادة جنس المؤمن، واحدا كان أو أكثر، فإن عمل على هذا
~~الاطلاق فلا يبقى عنوان للاستفاضة، بل الحجة شهادة المؤمن.
# ودعوى تقييد إطلاقها بأحد أمرين: عدالة الشاهد أو كثرة الشهود،
# PageV00P077
# مما يأبى عنه سوق كلام الإمام عليه السلام في جواب إسماعيل واستشهاده
~~بالآية.
# هذا، مع أن الايمان غير شرط في الاستفاضة.
# ولو حمل الجمع فيها على إرادة جنس الجمع، ففيه: مع مخالفته لظاهر الجمع
~~المحلى إذا تعذر حمله على العموم. ومع مخالفته للاستشهاد بقوله تعالى:
# ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ (1)
~~مخالفة للاجماع في مورده، فإن الظاهر انعقاد الاجماع على عدم ثبوت الفسق
~~بالاستفاضة الظنية، كما سيجئ.
# مع أن الرواية معارضة برواية أظنها عن " أبي بصير " (2)، وفيها:
# " يا أبا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال
~~قولا، وقال لم أقله، فصدقه وكذبهم " (3) فإن تكذيب السمع كالصريح في مخالفة
~~ما دلت عليه الصحيحة، فالظاهر لزوم الجمع بينهما ms029 بتكذيب السمع عنه في عدم
~~سوء الظن به، والمراد من تصديق المؤمنين إذا شهدوا عليه: أن لا يكذبهم ولا
~~يعتني بقولهم وينزل خبرهم منزلة المعدوم، بل يجب عليه أن لا يسئ الظن
~~بالقائل ولا بالمقول فيه، وحاصله الأخذ في أفعاله في مجامع الاحتياط ليسلم
~~على كل من تقديري صدق القول وكذبه، وعليه يحمل لوم الإمام عليه السلام
~~لإسماعيل، حيث كان اللازم عليه بعد ملاحظة ما ورد في ذم شارب الخمر وعدم
~~ائتمانه أن لا يطرح قول من شهد على الرجل بشرب الخمر، بل يحتاط في ذلك ولا
~~يستبضعه
# PageV00P078
# ولا يأتمنه.
# وبالجملة، فلم نعثر على دليل على حجية الاستفاضة الظنية في المقام، وأضعف
~~ما يقال - هنا -: أن الظن [الحاصل] (1) من الاستفاضة إذا كان غالبا فهو
~~أولى بالاعتبار من شهادة العدلين كما في المسالك (2)، فالأقوى أن المعتبر
~~العلم أو البينة.
# (ولا يجب) على الناس (قبول قوله من دونهما) لتطابق العقل والنقل على حرمة
~~العمل بما لا ينتهي إلى العلم (وإن حصلت الأمارة) التي لا دليل على حجيتها.
# (ولو كانت الدعوى على القاضي) فإن كان في غير ولايته رفع إلى حاكم تلك
~~الولاية، وإن كان (في ولايته) فإن كان له خليفة فيها أو مشارك في الولاية
~~(رفع إلى خليفته) أو مشاركه، وإلا رفع الأمر إلى الإمام أو حاكم ولاية
~~أخرى. وفي سماع الدعوى عليه محررة أو غير محررة خلاف يأتي.
# PageV00P079
# المطلب الثاني في الآداب التي ينبغي على القاضي رعايتها (يستحب سكناه في
~~وسط البلد): ليرد الناس عليه متساوين، وربما علل بأنه أقرب إلى التسوية بين
~~الخصوم، وفيه ما لا يخفى.
# (والاعلام بقدومه) بأن ينادى به، إذا كان البلد وسيعا.
# (والجلوس) للقضاء (بارزا) بأن يجلس في رحبة أو مسجد:
# ليسهل الوصول إليه.
# ويكون (مستدبر القبلة): ليكون وجه الخصوم إليها.
# (واستعلام حال بلده) مما يحتاج إليه من مراتب الناس في العلم والصلاح ممن
~~يثق به (من أهله) أو من الأجنبي المطلع.
# (والبدأة بأخذ الحجج) التي للناس على معاملاتهم، من البيع والمداينة
~~والمصالحة والعتق والمناكحة (من ms030 المعزول)، وكذا غير الحجج من ديوان الحكم،
~~وهي - كما في كشف اللثام (1) - الخرائط والصناديق ونحوها، أو البيت المعد
~~لذلك أن كان وقفا أو رضي المالك، وكذا وثائق الناس أعني رهونهم، والمحاضر
~~وهي نسخ ما ثبت عند الحاكم، والسجلات وهي نسخ ما حكم به.
# PageV00P081
# ويدخل فيها كتب نصب الأولياء على الأيتام والأوقاف والصدقات ونحو ذلك.
# (و) كذا (الودائع) الثابتة للغيب المدفوعة إلى الحاكم.
# ثم يستحب له - مع عدم فوات حق واجب عليه لأحد - النظر في حال المحبوسين
~~(والسؤال عن سبب الحبس) لأن الحبس عقوبة، فلعل بعضهم لا يستحقها أو انقضى
~~زمان استحقاقها (و) ليكن ذلك بعد (إحضار غرمائهم) بأن ينادى في البلد إلى
~~ثلاثة أيام بأن القاضي ينظر في حال المحبوسين يوم كذا، فمن كان له خصم
~~محبوس فليحضر، ويكتب أسماء المحبوسين في رقاع، فإذا حضر الزمان الموعود
~~للنظر صب الرقاع بين يديه، فإذا خرجت واحدة باسم محبوس نادى خصمه، ثم سأل
~~المحبوس عن سبب حبسه دون الخصم، قيل: لأن الظاهر أن الحاكم لا يحبسه إلا
~~بحق (1) فليس على الخصم بيان سبب الحبس (و) إنما (النظر في صحة السبب)
~~للحبس (وفساده) مراعاة لجانب المحبوس، فينبغي أن يكون هو المسؤول، فلعله
~~يدعي ظلما، فإن اعترف بأنه حبس بحق رده إلى الحبس، وإن ادعى أنه معسر عن
~~الحق المحبوس له، فإن اعترف به خصمه أطلقه، وإلا عامل معه بما سيأتي من حكم
~~مدعي الاعسار.
# وإن ادعى أنه حبس ظلما، فإن علم بذلك أو ظهر ولو باعتراف الخصم أطلقه،
~~وإلا طولب خصمه بالبينة فإن أقامها وإلا أحلفه بالتماس الخصم وأطلقه بعد
~~الاستظهار وتحصيل الظن بعدم ثبوت خصم آخر له.
# (ولو لم يظهر لأحدهم غريم) وادعى الظلم، فظاهر فعل الحاكم الأول
# PageV00P082
# يقتضي أنه لا يطلق إلا (بعد الإشاعة) لحاله والفحص عن غريمه، ثم يحلفه
~~على أنه لم يحبس بحق، فإن حلف (أطلقه) وفاقا للشيخ (1) والمصنف في القواعد
~~(2) وكاشفه (3)، لأن رفع اليد عن ظاهر فعل الحاكم المعزول بدعوى المحبوس
~~قدح فيه، وظاهر المصنف هنا - تبعا للشرائع ms031 (4) - عدم الحلف، ولعله لأصالة
~~البراءة، وعدم الخصم، وفيه: أنها لا تعارض أصالة صحة الحبس، فالجمع بينهما
~~يقتضي الاحلاف، فتأمل. ولكن الظاهر عدم سقوط الدعوى بهذا الحلف.
# ولو علم أن له خصما غائبا، ففي جواز إطلاقه بالحلف إشكال، واستقرب في
~~القواعد (5) أنه لا يحبس ولا يطلق، ولكن يراقب إلى أن يحضر خصمه، ويكتب
~~إليه ليعجل الحضور.
# ثم يستحب - بعد الفراغ عن أمر المحبوسين - السؤال (عن أولياء الأيتام)
~~الذين ولاهم عليهم آباؤهم وأجدادهم (واعتماد ما ينبغي) اعتماده (من عزل) من
~~لا يليق ذلك (أو ضم) معاون إلى من يعجز عن الاستقلال (أو تضمين) لمن أتى
~~بما يوجب الضمان منهم (أو إبقاء) لمن كان قابلا مستقبلا، أو أخذ المال عنه
~~إذا بلغ ورشد.
# (و) أما السؤال (عن أمناء الحاكم) المعزول، والنظر في أحوالهم
# PageV00P083
# فالظاهر وجوبه، بل (و) كذا السؤال عن (الضوال، وبيع ما يراه منها)،
~~لاشرافه على الضياع أو لاستيعاب نفقته لقيمته، ونحو ذلك، بناء على انعزالهم
~~بعزل الحاكم السابق فيحتاج تقريرهم على ولايتهم من الفحص عن أحوالهم من حيث
~~العدالة والأمانة وعدمهما.
# [(وتسليم المعرف حولا إلى ملتقطه إن طلبه، وإحضار العلماء حكمه، ليرجع
~~إذا نبهوه على الغلط، فإن أتلف خطأ فالضمان على بيت المال، ويعزر المعتدي
~~من الغريمين إن لم يرجع إلا به.
# ويكره الحاجب وقت القضاء، والقضاء وقت الغضب والجوع والعطش والغم والفرح
~~والوجع ومدافعة الأخبثين والنعاس، وأن يتولى البيع والشراء لنفسه)] (1) (و)
~~أن يتولى (الحكومة) أي التحاكم مع الخصم إلى قاض، لسقوط محله بذلك عن
~~القلوب، ولما روي من أن أمير المؤمنين عليه السلام وكل عقيلا في خصومته،
~~وقال: " إن للخصومة قحما، وإني لأكره أن أحضرها " (2) والرواية تدل على
~~كراهة مباشرة الخصومة مطلقا.
# (و) يكره استعمال (الانقباض)، لاحتمال منعه عن تحرير المدعي لدعواه
~~والجواب، واحتمال الذهول عن حجته لهيبة القاضي (و) كذا استعمال (اللين)
~~المفرط الموجب لسقوط محله عن القلوب وهو موجب لفوات القصود أحيانا.
# PageV00P084
# (و) يكره أيضا (تعيين قوم) مخصوصين لأجل التحمل (للشهادة)، لايجابه الحرج
~~على الناس، أما تعيين ms032 قوم لها تحملا وأداء بحيث لا يقبل شهادة غيرهم مع
~~استجماعه لشروط القبول، فمرجعه إلى الحكم بين الناس بغير ما أنزل الله.
# (و) يكره أيضا (أن يضيف أحد الخصمين)، لأنه قد يوجب الميل معه فلا يسوي
~~بينهما، خصوصا مع الأمر بإكرام الضيف زائدا على غيره من الحضار، وروي: " أن
~~رجلا نزل بأمير المؤمنين عليه السلام فمكث عنده أياما فقدم إليه في خصومة
~~لم يذكرها لأمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخصم أنت؟
# قال: نعم. قال: تحول عنا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أن يضاف
~~خصم إلا ومعه خصمه " (1).
# (و) يكره له (الشفاعة) إلى أحد الخصمين (في إسقاط) شئ من حقه الثابت أو
~~دعواه، (أو إبطال) أصل حقه من المال أو البينة ونحو ذلك ولو بالصلح، لأنه
~~منصوب لاستيفاء الحقوق وسماع الدعاوي، ولا ينافي ذلك استحباب طلبه الصلح
~~منهما.
# (و) يكره (توجيه الخطاب إلى أحدهما) دون الآخر، لمنافاته للتسوية، لكن
~~مقتضى ما سيجئ من وجوبها: الحرمة، فتأمل.
# ويكره الجلوس لسماع الدعاوي (والحكم في المساجد دائما على رأي) المحقق
~~(2) والمصنف (3) قدس سرهما، لقوله عليه السلام: " جنبوا مساجدكم البيع
~~والشراء
# PageV00P085
# والصبيان والمجانين والأحكام والحدود ورفع الصوت " (1).
# وقوله صلى الله عليه وآله: " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم
~~ورفع أصواتكم " (2).
# وقوله صلى الله عليه وآله: " إنما المساجد لذكر الله والصلاة " (3)، وفي
~~دلالته نظر، لا لأن القضاء ذكر الله، بل لعدم دلالته على كراهة غيرهما،
~~ولذا لم يحكموا بكراهة ما عداهما من الأفعال.
# ثم ظاهر هذه الأخبار الكراهة مطلقا، فلعل الحكم بأنه (لا يكره متفرقا)
~~لما روي من فعل النبي (4) والوصي صلوات الله عليهما وآلهما، ودكة القضاء
~~بجامع الكوفة معروفة، ولكن المنقول فعل في واقعة لعله وقع على جهة الوجوب
~~أو الاستحباب لخصوصية، ولعله لذا أفتى في محكي الفقيه (6) والمقنع (7)
~~بالكراهة مطلقا، وعن المبسوط (8) والخلاف (9) عدم الكراهة مطلقا،
# PageV00P086
# ولعله لقصور دلالة ما تقدم من الأخبار، بل عن ظاهر المقنعة (1) والنهاية
~~(2) والمراسم (3) والسرائر (4) الاستحباب، لأن القضاء من أفضل الطاعات،
~~والمسجد من أشرف البقاع، ولمعروفية دكة ms033 القضاء بجامع الكوفة.
# وفي الكشف (5) عن بعض الكتب: أنه بلغ عليا عليه السلام أن شريحا يقضي في
~~بيته، فقال: " يا شريح اجلس في المسجد فإنه أعدل بين الناس، وأنه وهن
~~بالقاضي أن يجلس في بيته " (6).
# ويرد على الأول: التزام عدم كراهة القضاء بنفسه في المسجد، كما إذا تمت
~~مقدمات الحكم في غيره ووقع إنشاء الحكم فيه، فالمراد الجلوس لترافع الناس
~~إليه.
# ولا حجة فيما روي عن بعض الكتب، مع احتمال أن يراد من قوله:
# " فإنه أعدل بين الناس "، أنه أرفق بهم من جهة أنه ربما لا يعرف بعضهم
~~بيت القاضي.
# وأما معروفية دكة القضاء، فلعلها لوقوع بعض الأقضية الغريبة كما في قصة
~~بيت الطشت (7) ونحوها (8)، فلا تدل على مداومة الإمام عليه السلام
# PageV00P087
# على ذلك، والمسألة محل إشكال، إلا أن الترك أولى.
# (و) يكره له (أن يعنت الشهود) أي: يوقعهم في مشقة من جهة المداقة في
~~الاستفسار عنهم والتفريق بينهم، والسؤال عن مشخصات القضية إذا كانوا من
~~(العارفين الصلحاء) المبعدين عن التهمة والسوء والخطأ.
# (نعم) لو كان الشهود من غيرهم (وارتاب) بهم القاضي (فرق بينهم) وسألهم عن
~~مشخصات القضية من حيث لا يطلع الآخر، فإن اتفقوا فيها حكم، وإن اختلفوا بما
~~يوجب الطرح أطرح شهادتهم، وهذا الحكم ذكره الشيخ (1) ومن تأخر (2) عنه،
~~واستدل (3) لهم عليه بأن فيه نوع استظهار وتثبت، وبما حكي من فعل داود (4)
~~ودانيال (5) وأمير المؤمنين صلوات الله عليه وعليهم (6).
# أقول: وفي النفس من هذا الحكم شئ وإن كان مشهورا، لمنع كونه استظهارا
~~وتثبتا، لأنه إن أريد التثبت والاستظهار بالنسبة إلى الواقع فلا يعلم أنه
~~يحصل من التفريق انكشاف الواقع لا ظنا ولا قطعا، إذا كما يحتمل أن يظهر
~~اتفاق كلمة الشهود بعد الاستفسار فيحصل الوثوق والاطمئنان بصدقهم فيكون
~~حكمه الظاهري مقرونا بالاطمئنان الواقعي، كذا
# PageV00P088
# يحتمل اختلافهم بعد الاستفسار فيسقط قولهم عن الاعتبار فيحكم باليمين من
~~دون اطمئنان، فإن الاختلاف لا يوجب الظن بالكذب فضلا عن الاطمئنان به، ومع
~~ذلك يكون فيه تزكية إبطال لسبب الحكم للمدعي حتى لو ms034 قلنا بأن محل الاستفسار
~~قبل تزكية الشهود كما صرح به في المسالك (1).
# لكنه لا يخلو عرفا من تعريض حق المدعي للسقوط، ومن صدق أن القاضي يريد
~~عدم ثبوت [الدعوى] (2) لأجل مداقته في الشهود، ولذا استحب التفريق في شهود
~~حدود الله المبنية على الستر والتخفيف مطلقا ولو مع عدم الريبة.
# نعم، لو علم أن بالتفريق يحصل انكشاف الواقع على وجه العلم أو الاطمئنان
~~المعتبر الذي لا يفيده قول الشهود قبل الاستفسار جاز، كما فعل أمير
~~المؤمنين عليه السلام في الرجل الذي قتله رفقته في السفر وأخذوا ماله،
~~فاستعدى ولده عليهم إلى شريح ثم إلى أمير المؤمنين عليه السلام ففرقهم
~~واستعمل عليه السلام بعض الحيل حتى رجع بعض الشهود بظن رجوع بعض آخر،
~~واعترف بقتل الرجل وأخذ ماله (3)، وكذا فعل داود (4) ودانيال على نبينا
~~وآله وعليهما السلام (5)، مع أنها أفعال في قضايا شخصية لا يقاس عليها
~~فلعلهم علموا بالقضية وأرادوا بما فعلوا التوصل إلى إثباتها بالطرق
~~الظاهرية.
# PageV00P089
# وبالجملة، فالتفريق حسن مع حصول التبين فيه على كل تقدير، لا على التوافق
~~المعارض بتقدير التخالف الموجب لاسقاط البينة والحكم باليمين من دون ظن
~~بالواقع، مع استلزامه لتفويت حق المدعي عرفا.
# ومما يؤيد ما ذكرنا من عدم وضوح مدرك لحسن المداقة في أسباب الحكم: أنه
~~لو كان حسنا من باب الاستظهار لم يفرق فيه بين ثبوت الريبة وعدمها إذا
~~فرضنا عدم حصول عنت للشهود بالمبالغة في السؤال عن المشخصات.
# ويؤيده أيضا ما اشتهر من قولهم: " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر
~~" ومثل قوله: " إنما أقضي بينكم بالبينات، ولعل بعضكم ألحن بحجته، وإنما
~~أقضي على نحو ما أسمع، فمن اقتطعت له قطعة من مال أخيه فإنما أقطع له قطعة
~~من النار " (1) فإن المستشم من ذلك عدم المداقة في سؤال المتداعيين أو
~~الشهود عن الخصوصيات التي يتغير الحكم بها، ولذا لو بالغ القاضي في
~~الاستفسار عن الشهود يتهمه المدعي بإرادة إبطال حقه.
# وكيف كان، فالظاهر عدم جواز ذلك بعد تحقق شرائط قبول الشهود لتحقق سبب
~~الحكم شرعا ms035 فيثبت للمدعي حق الحكم، ولذا لو التمس من الحاكم الحكم وجب
~~عليه، فالاستفسار معرض لحقه للسقوط، (وتحرم الرشوة (2)).
# PageV00P090
# [مسألة] .. وأراد (1) أن يحكم بعلمه لم تحتج إلى مطالبة المدعى عليه
~~بالجواب، لعدم الفائدة في سماع الجواب. والأخبار المتقدمة ظاهرة في غير
~~صورة علم القاضي بالحق، واحتمال توقف الحكم مطلقا على جواب المدعى عليه
~~بعيد.
# واعلم أن المصنف قدس سره لم يتعرض في هذا الكتاب لقضاء الحاكم بعلمه،
~~فينبغي لنا أن نتعرض له في الجملة، فنقول:
# لا ينبغي الاشكال في أن للإمام عليه السلام، بل عليه أن يقضي بين الناس
~~وعليهم بمقتضى علمه الحاصل له بالفعل، وجعله في المبسوط (2) قضية مذهبنا،
~~وعليه الاجماع في محكي الانتصار (3) والغنية (4) ونهج الحق (5)
# PageV00P091
# والايضاح (1) وغيرها (2). وهي الحجة فيه.
# مضافا إلى أن معلومه هو الحق، والقسط الذي أمر الله به، وخلافه هو
~~الباطل.
# ويؤيده ما عن الكليني بسنده إلى الحسين بن خالد عن أبي عبد الله عليه
~~السلام: " الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب خمرا، أن يقيم
~~عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، وإذا نظر
~~الإمام إلى رجل يسرق، فالواجب عليه أن يزبره وينهاه، ويمضي ويدعه، قال:
~~فقلت: كيف ذاك؟ قال: لأن الحق إذا كان لله تعالى فالواجب على الإمام
~~إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس " (3).
# ومقتضى التعليل بقوله: " لأنه أمين الله في خلقه " عدم الفرق بين حقوق
~~الله وحقوق الناس.
# وتوهم دلالة ذيل الرواية على الفرق، مدفوع بأن الفرق المستفاد من الذيل
~~إنما هو في الإقامة وعدمها قبل مطالبة من له الحق، فلا ينافي الحكم بمقتضى
~~العلم إذا فرض مطالبة من له الحق.
# وربما يستدل بقول أمير المؤمنين عليه السلام لشريح - في حديث درع طلحة
~~الذي استرده عليه السلام ممن أخذه غلولا يوم البصرة -: " ويلك إمام
~~المسلمين
# PageV00P092
# يؤمن من أمورهم على أعظم من هذا " (1)، وهو حسن إن كان مناط الاستدلال ما
~~يفهم منه من كون إمام المسلمين مأمونا على أمورهم وإلا فأخذه عليه السلام
~~الدرع ms036 المأخوذ غلولا كان عملا بعلمه، لا قضاء به.
# وكيف كان، فالمحكي عن الإسكافي (2) من عدم تجويز ذلك ضعيف مخالف لجميع
~~الأدلة التي علق فيها الأحكام على موضوعاتها الواقعية.
# وأضعف منه استدلاله (3) بعدم حكم النبي صلى الله عليه وآله بكفر من كان
~~يبطن الكفر ويظهر الاسلام، ليمتنع الناس عن مناكحته ومشاورته وأكل ذبائحه
~~وتوريثه من قريبه.
# وقد حكي عن سيدنا المرتضى قدس سره (4) الجواب عنه، أولا: بمنع علم النبي
~~صلى الله عليه وآله بهؤلاء المنافقين بأعيانهم، وإن أخبره الله تعالى
~~بوجودهم إجمالا. وفي هذا الجواب نظر.
# وثانيا: بأن تحريم المناكحة والمشاورة ونحوهما، لعله مما يترتب على إظهار
~~الكفر، لا تحققه واقعا وإن أظهر الاسلام.
# وهذا الجواب وإن كان غير مطابق لما هو المقرر في الشريعة، من عدم جواز
~~ترتيب أحكام الاسلام على من أظهر الاسلام وعلم بكفره، إلا أن الحكم به في
~~صدر الاسلام مما يمنع تقوية الاسلام بهؤلاء وبذراريهم.
# ويمكن الجواب - أيضا - بأن الكلام في العلم العادي المسبب عن
# PageV00P093
# الأسباب العادية، كالحس والتواتر ونحو ذلك، لا في العلم الغيبي المسبب عن
~~أسباب غير عادية.
# ولكن فيه نظر، فإن ظاهر الأدلة وفتاوى الأصحاب عدم الفرق بين العلمين،
~~ويبعد عدم اطلاع الإسكافي والسيد بمحل الكلام.
# وأما غير الإمام، فالأقوى أنه كذلك يقضي بعلمه مطلقا، في حقوق الله وحقوق
~~الناس، لما تقدم من أن معلوم القاضي هو الحق والقسط والعدل الواقعي فلو حكم
~~بخلافه كان جائرا في الحكم، ولو توقف عن الحكم كان جائرا في حكومته، لأنه
~~حبس الحقوق، وهو معنى ما في المبسوط (1) والسرائر (2): " أنه لو لم يقض
~~بعلمه أفضى إلى ايقاف الأحكام أو فسق الحكام ". نعم ذكر أن في بعض
~~الروايات: أنه ليس له أن يقضي بعلمه، لمكان التهمة (3).
# أقول: وهو المحكي عن الإسكافي (4)، حيث منع عن عمله بعلمه في شئ من
~~الحقوق والحدود، وقد بالغ السيد قدس سره في رده مدعيا أنه مسبوق بالاجماع
~~وملحوق به، قال: " وكيف يخفى إطباق الإمامية على وجوب الحكم بالعلم وهم
~~ينكرون توقف أبي بكر ms037 عن الحكم لفاطمة صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها
~~وبنيها وذريتها بفدك، لما أنحلها أبوها، ويقولون: إذا كان عالما بعصمتها
~~وطهارتها وأنها
# PageV00P094
# لا تدعي إلا حقا، فلا وجه لمطالبتها بإقامة البينة، لأن البينة لا وجه
~~لها مع العلم بالصدق " (1)، انتهى. وتبعه غيره (2) في الانكار على
~~الإسكافي.
# لكن يمكن أن يقال: إن الانكار على أبي بكر، لأجل انتزاع فدك من فاطمة
~~صلوات الله عليها مع علمه بانتقالها إليها، وبصدقها في دعواها التملك لها،
~~ولم لها عليها السلام مدع غير أبي بكر يزعم تولي ذلك عن المسلمين، فالطعن
~~عليه من جهة ترك عمله بعلمه، لا ترك الحكم بعلمه، فهو - بلا تشبيه - نظير
~~انتزاع أمير المؤمنين عليه السلام (3) درع طلحة من زيد من يد من أخذه غلولا
~~يوم البصرة.
# هذا، مع أن ظاهر الرواية المروية في الاحتجاج (4)، أن الطعن عليه في طلب
~~البينة من جهة كون فاطمة عليها السلام ذات يد، وذو اليد لا يطالب بالبينة.
# ثم إن المحكي عن السيد (5) نسبة القول بعدم جواز الحكم بالعلم مطلقا إلى
~~الإسكافي، وفي المسالك أن ذلك لعله في غير مختصره الأحمدي، وإلا فالمذكور
~~فيه التجويز في حقوق الله دون حقوق الناس. وحكى
# PageV00P095
# عكس ذلك عن الحلي (1).
# أقول: والموجود في السرائر (2) في كتاب القضاء، وفي كتاب آخر منه (3)
~~موافقته للمرتضى قدس سره.
# ثم ذكر بعضهم (4) أنه يستثنى من منع الحكم بالعلم على القول به أمور:
# منها: تزكية الشاهد وجرحه، وهو حسن، لا لأجل الدور، لاحتمال حصولها
~~بالاستفاضة العلمية، والظاهر أنه ليس موردا للنزاع، بل لأجل تحقق الاجماع
~~عليه قولا وعملا.
# ومنها: ما لو علم الحاكم بخطأ الشهود أو كذبهم، ولعله لأن الحكم بالبينة
~~حينئذ لا يجوز، فيرد البينة بمجرد علمه.
# ومنها: ما لو أقر المدعى عليه في مجلس القضاء، ووجهه: إن ذلك عمل بعلمه
~~في طريق الحكم، فهو نظير سماع البينة، وربما لحق به الاقرار ولو في غير
~~مجلس الحكم.
# ومنها: تعزير من أساء الأدب بحضرته، لأن تعطيله مناف لأبهة القضاء.
# ومنها: ما لو شهد واحد ms038 بحق (5)، فإنه لا يقصر عن شاهد واحد،
# PageV00P096
# وفيه تأمل، وإن كان غير بعيد.
# واعلم أن المخالف في المسألة قد استدل بوجوه ضعيفة من الأخبار والاعتبار،
~~فلا تقاوم أدلة المختار (1).
# داعيا للحاكم على الحكم له.
# ثم أن المصنف قدس سره لم يتعرض لحكم أخذ القاضي الجعل على القضاء، ولا
~~لحكم ارتزاقه من بيت المال.
# أما حكم الجعل، فنقول: أن القاضي إما أن يتعين عليه القضاء وإما لا
~~يتعين، فإن تعين لا يجوز له أخذ الجعل بلا خلاف، على الظاهر المصرح به في
~~كشف اللثام (2) وعن الكفاية لا أعرف فيه خلافا (3) وعن المعتمد للفاضل
~~النراقي وغيره (4) الاجماع عليه، وهي (5) الحجة مضافة إلى عدم جواز أخذ
~~الأجر على الواجب العيني، لعدم سلطنة الفاعل على علمه وعدم استحقاقه إياه
~~ليملك عليه العوض، إذ لكل أحد أن يجبره عليه مع الامتناع.
# PageV00P097
# وأما جواز أخذ العوض في مثل سقي المرأة اللبأ (1) وإعلاف الملتقط الضالة،
~~فالفرق - مع كون العوض فيهما لعلف واللبن - إن الواجب فيهما ليس عنوان
~~السقي والاعلاف، بل العنوان هو وجوب حفظ النفس المتحقق بالمعاوضة على السقي
~~والاعلاف [ولذا لا يجوز إجبارهما على ذلك مجانا.
# وبالجملة، فرق بين بين الأمر بالسقي وبين الأمر بحفظ النفي] (2) ولذا لو
~~وجب بعض الصنائع كالخياطة والحجامة ونحوهما على شخص لعدم وجود غيره، لم
~~يحرم عليه أخذ الأجرة عليها، لأن حفظ النفس لا يتوقف على التبرع بهذه
~~الأعمال، بل يحصل بها وبالمعاوضة عليها. ولو فرضنا امتناع المعمول له عن
~~المعاوضة لم يجبر العامل على التبرع، وإنما يجبر الممتنع على المعاوضة أو
~~يعاوض عنه وليه الخاص أو العام، لأن المعاوضة واجبة عينا على المعمول له
~~دون العامل (3).
# فتأمل في المقام، حتى لا يختلط عليك ما ذكرنا بما ذكره بعضهم من أن كل
~~واجب قد فهم من دليله المجانية لم يجز أخذ الأجرة عليه. وذلك لفساد هذا،
~~أولا: بأن جميع الأدلة الدالة على وجوب العنوانات الخاصة مساوية في انفهام
~~ذلك منها وعدمه، والمتحقق عدم انفهام ذلك في شئ منها للقطع أو الظن ms039 بعدم
~~ملاحظة الآمر لهذه الصفة عند الأمر كما يستفاد من الأوامر العرفية.
# PageV00P098
# وثانيا: بأن صفة المجانية إذا اعتبرت في الواجب كان غايته عدم تحقق
~~الامتثال لو فقدت هذه الصفة، لا عدم سقوط الأمر ولا حرمة أخذ الأجرة عليه.
# ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين كون القاضي ذا كفاية وعدمه، لأن عدم
~~الكفاية سبب لوجوب إعانته كفاية لو لم يكن هناك مال للفقراء ولا يوجب حل
~~الأجر له على الواجب.
# وبهذا يندفع ما اشتهر من نقض الحكم المشهور بحرمة أخذ الأجرة على الواجب
~~بجواز أخذها على الحرف والصنائع.
# هذا، مع أن حكمة إيجابها إنما اقتضت ايجابها على وجه المعاوضة، إذ لو لك
~~يصح المعاوضة عليها ووجب التبرع بها لترك أكثر الناس أكثر الحرف ولزم من
~~ذلك فوات الغرض المقصود من ايجابها كما لا يخفى، ومن هنا شرع أخذ الأجرة
~~على الجهاد الواجب كفاية، إذ لولا ذلك تواكله الناس، بعضهم على بعض، لما
~~فيه من المشقة، ولزم فوات الغرض، بل لولا الاجماعات المنقولة (1) على عدم
~~جواز أخذ الأجرة على تجهيز الموتى لاتجه القول بجوازه، لأنه من جهة تنفر
~~الطباع لو لم يكن بإزائه أجرة تواكله الناس وتقاعدوا عنه، ولعل هذا هو
~~الوجه في ذهاب السيد المرتضى (2) إلى جواز أخذ الأجرة على ذلك، لا ما ذكروه
~~من بناء ذلك على قوله بوجوب التجهيز على الولي، فافهم.
# PageV00P099
# ويؤيد ما ذكرنا من اطلاق الحكم في المسألة، بل يدل عليه: رواية يوسف بن
~~جابر عن أبي جعفر عليه السلام: " لعن رسول الله صلى الله عليه وآله من نظر
~~إلى فرج امرأة لا تحل له، ورجلا خان أخاه في امرأته، ورجلا احتاج الناس
~~إليه لفقهه فسألهم الرشوة " (1)، فإن الظاهر أن المراد بالرشوة المسؤولة هو
~~الأجر على الفتوى والقضاء.
# ونحوها صحيحة ابن سنان: " عن قاض يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، قال:
~~ذلك السحت " (2) بناء على أن المراد بالرزق على القضاء الأجر عليه، وأن
~~القاضي يشمل القاضي الجامع للشرائط، لا ما هو الغالب في قضاة ذلك الزمان. ms040
# والمروي في الخصال أن السحت أنواع كثيرة، وعد منها: أجور القضاة (3).
# ثم ظاهر اطلاق ما تقدم: حرمة الجعل، حتى فيما إذا لم يحصل له كفاية من
~~محل آخر - كتبرع متبرع أو بيت مال موجود أو مال آخر للفقراء - ولو يوجد من
~~يجبره الحاكم على الانفاق عليه، لكن يعارض وجوب القضاء حينئذ وجوب التكسب،
~~والترجيح لوجوب التكسب.
# وهل يجوز حينئذ أن يأخذ الجعل جمعا بين الواجبين؟ وجهان:
# من إطلاق ما ذكر من الوجوه، ومن أن القضاء حينئذ غير متعين عليه
# PageV00P100
# قطعا، لأنه إما مخير بين القضاء والكسب، وإما أن يتعين عليه التكسب.
# والأقوى جواز أخذ الجعل حينئذ على وجه الاستنقاذ لا المعاوضة، بل يمكن
~~القول بجواز المعاوضة أيضا، لأن الفرض قابلية الفعل للتملك به ذاتا، وعدم
~~جريان ما ذكرنا من الموانع حتى إطلاقات الاجماعات والأخبار، لاختصاص معاقد
~~الاجماع بصورة التعين وإن كان مرادهم به مقابل الكفائي لا التخييري،
~~وانصراف الأخبار إلى غير الفرض.
# ومما ذكرنا يظهر إمكان الفول بجواز أخذ الجعل فيما إذا لم يتعين عليه إذا
~~لم يقدر على كفاية له كما هو أحد القولين، بل عن بعض شراح المفاتيح (1)
~~نسبة الجواز إلى المشهور مطلقا حتى مع الكفاية، وعن المفيد (2) والقاضي (3)
~~إطلاق الجواز مع الكراهة، ولعله لما ذكرنا من عدم الدليل على المنع عن أخذ
~~الجعل على الواجب إذا لم يتعين، لأنه لعدم تعينه كالمباح، ولذا جاز أخذ
~~الجعل على الجهاد، والرواية الأولى من الروايات ظاهرة بل صريحة في صورة
~~تعين القضاء، والثانية منصرفة منصرفة إليه كالثالثة الضعيفة.
# وربما يستدل على الجواز بأنه لو تعدد القاضي واشتركوا في الضرورة فإن لم
~~يجز لهم الأخذ لزم تعطيل الأحكام إن امتنعوا من الحكم واشتغلوا بالتكسب
~~لمعاشهم، وإن اشتغلوا أو بعضهم بالقضاء عن التكسب لزم الضرر أو التكليف بما
~~لا يطاق.
# وفيه: أن فرض اشتراك الكل في الضرورة مستلزم لايجاب القضاء
# PageV00P101
# على أحد المضطرين، فإن كان جائزا لم يجز تعليل ترك الأخذ بالضرر، وإن لم
~~يجز لم يجز ايجاب القضاء مضطر معين فيلزم ms041 جواز أخذ الجعل مع التعين، وهو
~~مراد كاشف اللثام حين أجاب عنه بأنه لو تم جاز الأخذ مع التعين بطريق أولى،
~~إذ مع التعدد ربما أمكن الجمع بين القضاء والتكسب (1).
# إلا أن يقال: إن المنع من أخذ الجعل مع التعين هو ما تقدم سابقا من عدم
~~سلطنة الانسان على ما يجب عليه عينا.
# ويرد عليه - حينئذ - وقوع التعارض بين أدلة نفي الضرر وبين أدلة وجوب
~~القضاء، فإما أن يجمع بينهما بأخذ الجعل وإما أن يحكم بعدم وجوب القضاء،
~~فيجوز أخذ الجعل حينئذ، لعدم تعينه.
# وعلى أي تقدير، فلا وجه للتفصيل بين المعين وغيره من جهة الضرر.
# هذا، إذا كان الضرر مما لا يجب تحمله، وأما إذا كان مما يحرم تحمله،
~~تعارض وجوب التكسب ووجوب القضاء. كلن هنا يمكن أخذ الجعل على وجه الاستنقاذ
~~من المتحاكمين، لوجوب دفع ضرر القاضي على كل أحد سيما المتحاكمين.
# وكيف كان، فلا دليل يطمأن به على المنع عن أخذ الجعل في صورة عدم التعين
~~وعدم الكفاية. نعم، لو قام اجماع في خصوص المسألة كما حكي عن بعض (2)، أو
~~كيلة على عدم جواز أخذ الجعل في الواجب الكفائي، أو على أن الأصل في الواجب
~~الكفائي ذلك إلا إذا اقتضت الحكمة الموجبة له ذلك، كان هو المتبع.
# PageV00P102
# ومنه يعلم قوة القول بالجواز مع وجود الكفاية كما تقدم القول به لولا
~~الاجماع كلية أو في خصوص المقام، فإن القضاء الواجب كفاية إن كان يجوز أخذ
~~الجعل عليه لم يمنع ذلك وجود الكفاية للقاضي وإن لم يكن كذلك لم يجوزه فقر
~~القاضي، كما في سائر الواجبات الكفائية التي منها ما يجوز أخذ الأجر عليه
~~مطلقا كالجهاد، ومنها ما لا يجوز كذلك كأكثر الواجبات الكفائية، والاحتياط
~~مما لا يترك.
# ولو فرض عدم الكفاية لجميع أفراد الواجب الكفائي ولم يتمكنوا من الجمع
~~بين القضاء والتكسب على وجه التناوب فمقتضى ما ذكرنا من أدلة نفي الحرج
~~وحرمة الضرر عدم وجوب التعرض مجانا لواحد منهم، وجواز أخذ الجعل على
~~القضاء، جمعا بين الحقوق ms042 والأدلة، أو منعا لانصراف الأدلة المانعة (1).
# ومما ذكرنا ظهر فساد الاستدلال للقائلين بالجواز مع عدم التعين بأنه لو
~~تعدد القاضي واشتركوا في الضرورة فإن لم يجز لهم الأخذ لزم تعطيل الأحكام
~~إن امتنعوا من الحكم واشتغلوا بالتكسب، وإن اشتغلوا أو بعضهم بالقضاء عن
~~التكسب لزم الضرر أو التكليف بما لا يطاق.
# ثم إن ما ذكرنا في المسألة ليس إحداث قول فيها، بل هو إما راجع إلى القول
~~بعدم جواز الجعل مطلقا إلا أن صورة لزوم الحرج الشديد، بل الضرر المنهي
~~خارج عن إطلاق كلماتهم كخروجه عن إطلاقهم في أكثر المسائل، وإما راجع إلى
~~التفصيل بين وجدان الكفاية وعدمها، فإن الظاهر من بعض تحقق القول بجواز
~~الأخذ في الثاني بقول مطلق.
# PageV00P103
# وأما حكم الارتزاق، فنقول: الظاهر أنه لا خلاف في جوازه له إذا كان
~~فقيرا، ومع الغنى فيه قولان، ظاهر جماعة منهم المصنف (1) والشهيد (2) في
~~بعض كتبهما: العدم، وإليه ذهب جمع من المتأخرين (3)، ولعله لأن الأخذ منه
~~(4) مع الغنى لا مصلحة فيه فهو تضييع له (5)، مع أنه إذا لم يدخل في باب
~~الحسبة لرفع حاجة القاضي، دخل في باب الأجرة المحرمة بما تقدم من صحيحة ابن
~~سنان (6).
# وفيه: منع ذلك، لأنه يوجب زيادة الرغبة فيه وعدم التقاعد عنه، والاشتغال
~~بغيره، حيث لا يجب إلا كفاية فالأقوى جواز أخذه مع عدم الحاكة بما يراه
~~الإمام عليه السلام أو من هو وكيله على بيت المال، حتى أنه لو كان بيد نفس
~~القاضي جاز له أن يأخذ منه مقدارا يعلم أنه لو كان في يد غيره لم يقنع منه
~~بما دون ذلك.
# قال في المبسوط: إن القاضي الذي لا يتعين عليه القضاء إن لم يكن له
~~كفاية، جاز له أخذ الرزق، وإن كان له كفاية فالمستحب أن لا يأخذ، فإن أخذ
~~جاز، ولا يحرم عليه بل كان مباحا، وجواز اعطاء الرزق للقضاة إجماع، ولأن
~~بين المال معد للمصالح - إلى أن قال -: هذا إذا لم يتعين عليه
# PageV00P104
# القضاء، فإن تعين عليه حرم مع الكفاية، لأنه ms043 يؤدي فرضا قد تعين عليه، وإن
~~لم يكن له كفاية حل له، لأن عليه فرضا وهو التكسب وفرضا آخر وهو القضاء،
~~فإذا أخذ الرزق جمع بين الفرضين، لأن الرزق يقوم مقام التكسب، فكان الجمع
~~بين الفرضين أولى من اسقاط أحدهما (1)، انتهى.
# وظاهر إطلاق الاجماع الذي ادعاه: عدم الفرق بين وجدان الكفاية وعدمه، بل
~~استشهاده يدل على القطع بإرادة هذا الفرد من معقد الاجماع.
# وأما عدم الجواز مع الغنى والتعين، فلعدم المصلحة فيه، لعدم جواز التقاعد
~~عنه حتى يكون الرزق داعيا إليه، بل التقاعد عنه إلى أن يعطى الرزق حينئذ
~~موجب للفسق المخرج عن أهلية القضاء.
# وكذا يجوز إعطاء القاضي الغني إذا علم أن يتطوع بالقضاء من دون التماس
~~رزق، فإن وجد متطوعا لم يجز له اعطاء من يطلب عليه الرزق، كما صرح به في
~~المبسوط (2) والسرائر (3)، فإطلاق بعضهم جواز إعطاء الغني محمول على ذلك.
# ومما يدل على جواز إعطاء الرزق للقضاة: رواية حماد الطويلة الواردة في
~~الخمس وغيره من حقوق الله وفيها: " وأما الأرضون التي أخذت عنوة فهي موقوفة
~~متروكة في يد من يعمرها أو يحييها - ثم ذكر الزكاة وحصة العمال، إلى أن قال
~~-: ويؤخذ الباقي فيكون أرزاق أعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينويه من
~~تقوية الاسلام وتقوية الدين في
# PageV00P105
# وجوه الجهاد وغير ذلك، ثم قال: إن الله تعالى لم يترك شيئا من الأموال
~~إلا وقد قسمه فأعطى كل ذي حق حقه، الخاصة والعامة والفقراء والمساكين، وكل
~~صنف من صنوف الناس.. الخبر " (1).
# وعن نهج البلاغة: " واعلم أن الرعية طبقات، منها: جنود الله، ومنها: كتاب
~~العامة والخاصة، ومنها: قضاة العدل - إلى أن قال -: وكل قد سمى الله به
~~سهمه ووضعه على حده وفريضته، ثم قال: ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه، ثم
~~قال: واختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا يضيق به الأمور.. ثم
~~ذكر صفات القاضي، ثم قال: وأكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيح
~~علته وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه ms044 من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه
~~غيره.. الخبر " (2).
# ثم إن الفرق بين الرزق والأجر واضح عرفا وشرعا، فإن الرزق بمنزلة الوظائف
~~التي يأخذها أهل المناصب في زماننا، كالقاضي وشيخ الاسلام من السلطان
~~الجائر، فإنه لا يسمى أجرا قطعا، ولذا لو فرضنا أنه لم يقع في تلك السنة
~~مرافعة كثيرة، بل مرافعة أصلا لم يسترد منه شيئا.
# ثم إنه ذكر الشيخ قدس سره في موضع (3) من المبسوط ضابطا لما يجوز أخذ
~~الأجرة أو الرزق عليه وما لا يجوز. فقال: كل عمل جاز أن يفعله الغير عن
~~الغير تبرعا جاز بعقد إجارة كالخياطة والبناء، وكل ما لا يجوز
# PageV00P106
# أن يفعله الغير عن الغير، ولكنه إذا فعله عن نفسه عاد نفعه إلى الغير جاز
~~أخذ الرزق، ولا يجوز أخذ الأجرة، كالأذان والإقامة والإمامة والقضاء
~~والخلافة. وكل ما لا يجوز أن يفعله الغير عن الغير، وإذا فعله عن نفسه لم
~~يعد نفعه إلى الغير لم يجز أخذ الرزق عليه ولا الأجرة، كصلاة الفرض وصلاة
~~التطوع، وحجة الفرض (1)، انتهى.
# PageV00P107
# المقصد الثاني في كيفية الحكم وبعض آدابه PageV00P109
# في كيفية الحكم وبعض آدابه (إذا حضر الخصمان) عند القاضي، جلسا (بين
~~يديه) استحبابا، كما عن التحرير (1) وغيره (2)، لما روي في المبسوط من أنه:
~~" قضى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي " (3)،
~~ولرواية شريح الآتية (4).
# ويجوز القيام - أيضا - كما عن التحرير (5).
# وكيف كان، فإذا حضرا (سوى بينهما في السلام) عليهما، ورده لو سلما عليه.
~~ولو لم يمكن التسوية في جوابهما ابتداء، بأن سبق أحدهما بالتسليم صبر رجاء
~~أن يسلم الآخر فيجيبهما معا. فإن طال الفصل بحيث يخرج عن كونه جوابا للأول
~~فيرد فبله على المسلم، كذا في المسالك (6).
# PageV00P111
# (و) في (الكلام) بأن يبدأ أحدهما بالكلام منفردا كما عن النهاية (1)
~~والسرائر (2).
# (و) في (القيام) لهما إذا قام (و) في (النظر) إليهما بأن لا يكون نظره
~~إلى أحدهما أكثر.
# (و) كذا سائر (أنواع الاكرام) من طلاقة الوجه وطرز الكلام والمجلس.
# وهل التسوية المذكورة على سبيل ms045 الوجوب - كما عن الصدوقين (3) والمحقق (4)
~~والمصنف (5) والشهيد (6)، بل عن المشهور (7) - أو على الاستحباب كما عن
~~المختلف (8) والسرائر (9) وشرح الكتاب (10) والكفاية (11)
# PageV00P112
# وكشف اللثام (1) والرياض (2)؟ قولان، أقواهما: الثاني، للأصل السليم عما
~~ينهض للورود عليه، عدا رواية سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين عليه السلام،
~~أنه قال لشريح: " ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتى لا يطمع
~~قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوك من عدلك " (3).
# وفي النبوي: " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في نظره
~~وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحدهما ما لا يرفع على الآخر " (4).
# وفي العلوي: " من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة وفي النظر وفي
~~المجلس " (5).
# وعن الرضوي: " واعلم أنه يجب عليك أن تساوي بين الخصمين حتى في النظر
~~إليهما، حتى لا يكون نظرك إلى أحدهما أكثر من نظرك إلى الثاني " (6).
# والروايات ضعيفة السند، وإن كان ابن محبوب في طريق الأولى، مع أن ذيلها -
~~الدال على كون الغرض من ذلك رفع التهمة، وسوء ظن الصديق والعدو - مشعر
~~بالاستحباب.
# هذا، مضافا إلى كون ذلك حرجا على القاضي، بل على أحد الخصمين
# PageV00P113
# غالبا.
# (و) أما (الانصات (1) وهو الاستماع للمتكلم منهما، فلا إشكال في وجوبه،
~~لتوقف العدل في الحكم عليه.
# (و) لا كلام في أنه (لا يجب التسوية) بينهما (في الميل القلبي)، لأنه غير
~~مقدور للانسان إلا بعد المجاهدة ليرى الناس كالأباعر.
# نعم، يكره حب توجه القضاء لأحدهما على صاحبه، وإظهار ذلك ولو لله سبحانه
~~بالدعاء، كما في رواية الثمالي عن الباقر عليه السلام، قال:
# " كان في بني إسرائيل قاض يقضي بالحق فيهم، فلما حضره الموت قال لامرأته:
~~إذا أنا مت فاغسليني وكفنيني وضعيني على سريري وغطي وجهي، فإنك لا ترين
~~سوءا، فلما مات فعلت ذلك، ثم سكنت (2) بذلك حينا، ثم إنها كشفت عن وجهه
~~لتنظر إليه فإذا هي بدودة تقرض منخره، ففزعت من ذلك، فلما كان الليل أتاها
~~في منامها فقال لها: أفزعك ما رأيت؟ قالت:
# أجل، لقد فزعت. فقال لها: أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت ms046 إلا في أخيك
~~فلان، أتاني ومعه خصم له، فلما جلس إلي قلت: اللهم اجعل الحق له ووجه
~~القضاء على صاحبه، فلما اختصما إلي كان الحق له، ورأيت ذلك بينا في القضاء،
~~فوجهت القضاء له على صاحبه، فأصابني ما رأيت لموضع هواي كان مع [موافقة]
~~الحق (3).
# PageV00P114
# (ولا) يجب التسوية أيضا في المجلس (بين المسلم والكافر، فيجوز إجلاس
~~المسلم وإن كان الكافر قائما)، ولذا لما ترافع أمير المؤمنين عليه السلام
~~مع يهودي إلى شريح، فقام شريح وجلس الأمير عليه السلام مكانه، وجلس شريح
~~واليهودي بين يديه، فقال عليه السلام: " لولا أنه ذمي لجلست معه بين يديك،
~~غير أني سمعت النبي صلى الله عليه وآله: لا تساووهم في المجلس " (1).
# والظاهر أن وجوب التسوية بينهما في سائر الأمور أيضا ساقط، لأن العمدة في
~~هذا الحكم رواية سلمة بن كهيل المتقدمة (2)، وهي مختصة بالمسلمين، بل
~~الثانية كذلك أيضا، بل الثالثة والرابعة، حيث دلتا - بالظهور أو النصوصية -
~~على رجحان التسوية في المجلس المفقودة في الذمي، فيكشف عن اختصاصه
~~بالمسلمين، إلا أن الحكم بالاستحباب لا يخلو عن وجه، لرفع التهمة.
# (ويحرم عليه تلقين أحد الخصمين) ما فيه ضرر على صاحبه، بأن يعلمه دعوى
~~صحيحة مع عدم إتيانه بها، كأن يكون مترددا أو ظانا، فيلقنه أن يوقع الدعوى
~~بصورة الجزم، لتسمع (وتنبيهه على وجه الحجاج)، بأن يدعي عليه قرض فيريد أن
~~يجيب بالايفاء، فيلقنه الجواب بإنكار الاشتغال، ونحو ذلك.
# قيل، لأنه نصب لصد المنازعة، وفعل هذا يفتح بابها (3)، وفيه تأمل،
# PageV00P115
# ولذا تأمل في الحرمة، بل مال إلى عدمها جماعة، أولهم الشارح قدس سره (1).
# نعم، لو قلنا بوجوب التسوية أمكن تحريم ذلك بالفحوى، ويشعر به أيضا قوله
~~صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما أنا بشر أقضي بينكم بالبينات، ولعل بعضكم
~~ألحن بحجته، وإنما أقضي على نحو ما أسمع " (2).
# ويؤيده ما ورد من أن " يد الله ترفرف فوق رأس القاضي، فإذا حاف وكله الله
~~إلى نفسه " (3)، فإن الظاهر أن هذا حيف.
# وذكر في المسالك، أنه لا بأس بالاستفسار، وإن أدى ms047 إلى صحة الدعوى، بأن
~~يدعي دراهم فيقول: أهي صحاح أم مكسورة؟
# إلى غير ذلك، ويحتمل المنع أيضا (4)، انتهى.
# أقول: والمنع محكي عن الحلي، حيث قال في السرائر: إن لم يحرر الدعوى ولم
~~يحسن ذلك، فلا يجوز للحاكم أن يلقنه تحريرها (5)، انتهى.
# وكيف كان، فلا ينبغي الاشكال في جواز التلقين إذا علم الحاكم حقية دعواه،
~~ولم يرد العمل بعلمه، لكون المقام محل التهمة، أو لأنه لا يرى العمل
# PageV00P116
# بعلمه، كأن يعلم بإيفائه للدين فأراد أن يجيب بالايفاء فيلقنه الجواب
~~بإنكار الاشتغال.
# والظاهر عدم حرمة التلقين من غير الحاكم.
# (و) إذا حضر خصمان وزعم كل منهما أنه المدعي، فإن سبق أحدهما صاحبه
~~بالدعوى، فلا اشكال في أنه (يسمع) الحاكم (من السابق بالدعوى)، لما سيجئ من
~~لزوم تقديم الأسبق فالأسبق، ولأنه لولا ذلك لم ينته التداعي والمزاحمة ولم
~~يحصل الفصل (فإن اتفقا) من دون سبق (ف) يسمع (من الذي عن يمين صاحبه) عند
~~الجلوس بين يدي القاضي على المشهور، بل عن الشيخ دعوى الاجماع عليه
~~والأخبار (1)، وعن السيد أنه مما انفردت به الإمامية (2)، والأصل فيه - كما
~~في المسالك (3) - رواية ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: " أن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله قضى أن يقدم صاحب اليمين في المجلس بالكلام " (4)،
~~ويمكن تأييده برواية ابن سنان: " إذا تقدمت مع خصم إلى وال - أو إلى قاض -
~~فكن عن يمين خصمك " (5)، بناء على أنه لا فائدة فيه إلا تقديمه في سماع
~~الدعوى، وفي دلالتهما على المدعى نظر، كما اعترف به غير واحد (6). فالقرعة
~~- كما قواه
# PageV00P117
# الشيخ رحمه الله، وحكاه عن بعض العامة - أولى، وأقوى منه بحسب القاعدة
~~كما سيجئ تخيير القاضي، كما حكاه عن بعض آخر من العامة (1)، وعن الإسكافي
~~(2) حمل صاحب اليمين على المدعي، لأنه هو الذي يطلب الحلف من المنكر،
~~فالرواية دالة على تقديم المدعي، وفيه ما لا يخفى (ولو تضرر أحدهما
~~بالتأخير قدمه (، إذ لا ضرر ولا ضرار.
# (ولو تعدد الخصوم) وترتبوا في الادعاء على خصومهم (بدئ بالأول فالأول)
~~اتفاقا، على ما ms048 استظهره بعض (3)، لأن تقديم المتأخر ميل، بل حيف منهي عنه،
~~ولأحقية السابق في جميع الحقوق المشتركة.
# وفي كلا الوجهين نظر.
# (فإن وردوا دفعة) أو اشتبه السبق أو السابق (أقرع) بينهم، على المشهور
~~ظاهرا، بل عن السرائر (4) نسبته إلى رواية أصحابنا، لعموم قول أبي الحسن
~~عليه السلام في رواية محمد بن حكيم: " كل مجهول ففيه القرعة " (5)، وعن
~~الشيخ في النهاية: إنه روي عن أبي الحسن عليه السلام وعن غيره من أبنائه
~~وآبائه عليهم السلام " كل مجهول فيه القرعة، فقلت: إن القرعة تخطئ
# PageV00P118
# وتصيب. فقال: كل ما حكم الله به فليس بمخطئ " (1)، وعن الخلاف أنه مذهبنا
~~في كل أمر مجهول (2)، وظاهر المجهول في الرواية ومعقد الاتفاق:
# الموضوع المشتبه المندرج واقعا تحت أحد عنوانين علم حكمهما، فيختص فيما
~~تحقق السبق واشتبه السابق، أما مع العلم بعدم السبق فلا اشتباه، إلا أن
~~يراد من المجهول ما يعم ما جهل حكمه الخاص الثابت في الموضوع الخاص من جهة
~~المصالح الجزئية، فإن الواردين دفعة وإن علم بعدم مرجح لأحدهما من حيث
~~العنوانات الكلية المتعلقة للأحكام الكلية الشرعية، ولذا كان الحكم فيها
~~التخيير الواقعي للحاكم، لولا أدلة القرعة - إلا أن المرجحات الجزئية
~~الموجودة في الموارد الجزئية غير معلومة الانتفاء، بل معلومة التحقق عادة،
~~فالقرعة لاستخراج الراجح بهذه التراجيح الخفية، فهي نظير الاستخارة في
~~الأمور الخالية عن المرجح الظاهر الشرعي لبعضها على بعض، كما يشير إليه
~~دعاء القرعة بعد التسمية: " اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب
~~والشهادة، الرحمن الرحيم، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون،
~~أسألك بحق محمد وآل محمد، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تخرج لي خير
~~السهمين في ديني ودنياي وآخرتي وعاقبة أمري، في عاجلة (2) أمري وآجله، إنك
~~على كل شئ قدير، ما شاء الله لا قوة
# PageV00P119
# إلا بالله وصلى الله على محمد وآله " (1).
# هذا، مضافا إلى ما دل على عموم مشروعية القرعة فيما كان من هذا القبيل،
~~ففي صحيحة حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه ms049 السلام
~~في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث ثلاثة.
# قال: " يقرع بينهم فمن أصابته القرعة أخرج (2)، قال: والقرعة سنة " (3).
# ثم إن الظاهر من اطلاق القرعة في النصوص والفتاوى لزوم الاقراع في كل
~~واقعة، بأن يقرع لكل من الخصوم قرعة مستقلة، بأن يكتب أسماء الخصوم ويجعلها
~~في بنادق (4) من طين أو شمع ويجعله عند من لم يحضر، فيقال له: أخرج، كما
~~صرح به كاشف اللثام (5) وتبعه غيره (6).
# وهذا قيد يؤدي إلى مشقة القاضي، ولذا قيده في المبسوط بما إذا كان العدد
~~قليلا يمكن الاقراع بينهم، قال: وإن كثروا وتعذرت القرعة كتب الحاكم
~~أسماءهم في رقاع وجعلها بين يديه ومد يده فأخذ رقعة بعد رقعة كيف ما اتفق،
~~لأن القرعة تعذرت (7)، انتهى.
# PageV00P120
# وتبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه (1)، والظاهر أن القرعة يصدق على هذا
~~أيضا، كما اعترف به بعض (2)، سيما إذا جعل الرقاع في بنادق.
# وذكر في المبسوط أيضا: أنه إذا قدم رجلا بالسبق أو القرعة أو الرقعة فحكم
~~بينه وبين خصمه، فإذا فرغ صرفه وقال: قم حتى يتقدم من بعدك، فإن قال: لي
~~حكومة أخرى لم يلتفت إليه، لأنه لو قضي بينه وبين كل من يخاصمه أفضى إلى أن
~~يستغرق المجلس لنفسه (3) انتهى. وظاهره عدم الحكومة بين الأول وبين خصم
~~آخر.
# ولو كان له حكومة أخرى مع الخصم الأول، ففي تقديمه على غيره وجهان، من
~~اقتضاء القرعة تقديمه، ولهذا قال بعض (4) - على ما حكي - بوجوب كتابه أسماء
~~الخصوم أيضا، بل عن السرائر نسبة ذلك إلى رواية أصحابنا (5)، ومن اختصاص
~~القرعة بما إذا لم يدل على خلافها دليل شرعي ظاهر، مثل لزوم تعطيل أحكام
~~الناس، فلعل له مع خصمه حكومات لا تنقضي في يوم واحد.
# ولعل الأنسب قصد الحكومة الواحدة للشخص الواحد حين الاقراع مع كتابة خصمه
~~أيضا، فإن كان له خصم آخر أو حكومة أخرى مع خصمه الأول، كتب ثانيا على
~~النهج السابق وجعل في الرقاع. وهنا فروع غير مهمة
# PageV00P121
# اشتغلنا عنها بما هو أهم.
# (و) اعلم أنه (إذا ms050 اتضح الحكم) ولم يبق فيه اشتباه حكمي ولا موضوعي بحسب
~~الأدلة المقررة من الشارع (وجب) الحكم، إذا التمسه من هو له، وهو المدعي مع
~~البينة، والمنكر مع اليمين.
# (و) لكن (يستحب) للحاكم (الترغيب) لمن له الحكم (بالصلح)، وفاقا للمحكي
~~عن المبسوط (١) والسرائر (٢) وكثير (٣)، لكون الصلح خيرا، ولصحيحة هشام بن
~~سالم: " لئن أصلح بين خصمين، أحب إلي من أن أتصدق بدينارين " (٤)، ورواية
~~أبي حنيفة سائق الحاج، قال:
# مر بنا المفضل وأنا وختني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا:
# تعالوا إلى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمئة درهم، فدفعها إلينا من
~~عنده، حتى إذا استوثق كل منا من صاحبه، قال: أما إنها ليس من مالي، ولكن
~~أبو عبد الله عليه السلام أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا لشئ أن أصلح
~~بينهما وأفتديهما من ماله " (٥).
# قال في محكي السرائر: وله أن يأمرهما بالصلح ويشير بذلك، لقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ (6)، وما هو خير
~~فللانسان فعله، بغير خلاف من
# PageV00P122
# محصل. وقد يشتبه هذا على كثير من المتفقهة، فيظن أنه لا يجوز للحاكم أن
~~يأمر بالصلح، ولا أن يشير به، وهذا خطأ من قائله " (1) انتهى.
# وعن تفسير العسكري عليه السلام الحاكي لكيفية قضاء رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، أنه بعد ثبوت جرح الشهود: " أنه لم يهتك ستر الشاهدين ولا
~~عابهما ولا وبخهما ولكن يدعو الخصم إلى الصلح، فلا يزال بهم حتى يصطلحوا..
~~الخبر " (2).
# لكن الظاهر منه اختصاص الترغيب بصورة ثبوت جرح البينة عنده صلى الله عليه
~~وآله، وعدم اطلاع المتداعيين على ذلك، وإلا فصدره وذيله دال على الحلف بعد
~~عدم البينة، أو جرح المدعى عليه لها، من غير تعرض للحلف، وظاهر الروايتين
~~المتقدمتين أيضا رجحان الصلح قبل ثبوت الحجة لأحدهما، وإن كان ظاهر أولهما
~~مطلقا، مع أن الحكم حق لمن هو أهله، فيجب فورا عند مطالبة صاحبه، كغيره من
~~حقوق الناس (3).
# [(وإن أشكل أخر إلى أن يتضح.
# ولو سكتا استحب أن يقول: ليتكلم المدعي، أو يأمر به إن ms051 احتشماه.
# وإذا عرف الحاكم عدالة الشاهدين حكم بعد سؤال المدعي، وإلا طلب المزكي)]
~~(4).
# PageV00P123
# (ولا يكفي) في ثبوت عدالة الشاهد (معرفته بالاسلام) كما عن الإسكافي (1)
~~والمفيد (2) والشيخ في الخلاف (3)، وقواه في السرائر (4)، وهو الظاهر من
~~الوسيلة (5). إما بناء على ما تقرر في الشريعة من أصالة الصحة، لأجل أن
~~الاسلام ملكة رادعة عن المعاصي، أو لما دل على حمل أمور المسلمين تركا
~~وفعلا وقولا على الصحة (6)، فلا يترك واجبا ولا يفعل محرما، وإما لأن
~~المستفاد من الأدلة كون الفسق مانعا، فيدفع عند الشك بالأصل، وإما لما دل
~~على كفاية مجرد الاسلام وعدم ظهور الفسق في ثبوت العدالة، مثل قوله عليه
~~السلام لشريح - في رواية سلمة بن كهيل -: " واعلم أن المسلمين عدول بعضهم
~~على بعض، إلا مجلودا في حد لم يتب منه، أو معروفا بشهادة زور أو ظنين "
~~(7).
# وقوله عليه السلام في رواية علقمة الآتية: " فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا
~~ولم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة وإن كان
~~في نفسه مذنبا، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله،
# PageV00P124
# داخل في ولاية الشيطان.. الحديث " (1).
# وإما لما دل على قبول شهادة المسلمين مع عدم العلم بفسقهم، مثل قوله عليه
~~السلام: " إذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم " (2) خرج منه من علم فسقه.
# ومثل مصححة حريز - في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنى فعدل منهم اثنان
~~ولم يعدل الآخران - قال: فقال: " إذا كانوا أربعة نفر من المسلمين ليس
~~يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا، وأقيم الحد على الذي شهدوا عليه،
~~إنما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا به وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم
~~جميعا، إلا أن يكونوا معروفين بالفسق " (3).
# ورواية علقمة قال: قال الصادق عليه السلام - وقد قلت له: أخبرني عمن تقبل
~~شهادته ومن لا تقبل؟ فقال: " يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت
~~شهادته، فقلت له: تقبل شهادة مقترف للذنوب؟ فقال:
# يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لم تقبل إلا شهادة الأنبياء
~~والأوصياء، لأنهم هم ms052 المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب..
~~إلى آخر ما تقدم " (4).
# لضعف الكل، أما أصالة الصحة، فلمنع كون الاسلام رادعا عن
# PageV00P125
# المعاصي، كيف؟! وما ركب في النفوس من قوتي الشهوية والغضبية مقتض لها.
~~ومجرد وجوب حمل أمورهم على الصحة لا يوجب الحكم بوجود العدالة المخالفة
~~للأصل، وحمل قولهم على الصحة لا يوجب الحكم بقول بعضهم على بعض.
# وأما دعوى مانعية الفسق لقبول الشهادة، فيكذبها الأدلة الكثيرة من الكتاب
~~والسنة على كون العدالة شرطا، مثل قوله تعالى: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٢)، فإن
~~الأمر هنا للوجوب الشرطي، فدل على اشتراط الطلاق بشهادة عدلين فليس التمسك
~~بمفهوم الوصف كما زعم، وقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل
~~وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ (٣)، خصوصا بملاحظة ما ورد في تفسيره
~~عنه عليه السلام بقوله: " ترضون دينه وأمانته وصلاحه " (٤)، فلا حاجة إلى
~~تقييدها بالآية السابقة كما يزعم، إلا أن الظاهر أن الأمر للارشاد، فيسقط
~~الاستدلال به كما هو واضح، وقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما
~~بجهالة﴾ (5)، الدال بهموم التعليل على مانعية خوف الوقوع في الندم
~~بقبول الخبر، فيشترط فيه زوال الخوف، المشترك بين خبر الفاسق وخبر مجهول
~~الحال، فاندفع توهم مانعية خصوص
# PageV00P126
# الفسق. والأخبار الدالة على اشتراط العدالة أو ما هو مساوق لها متواترة
~~جدا، فلا بد من إحراز الشرط، ولا يكفي عدم العلم بعدمه.
# ثم لو سلمنا مانعية الفسق، منعنا عن اعتبار أصالة العدم قبل الفحص في مثل
~~المقام، وإن كان الشبهة في الموضوع، لأن اللازم منه تضييع حقوق كثيرة، بل
~~الهرج والمرج في الأنفس والأموال والأعراض، فتأمل.
# وأما رواية سلمة بن كهيل (1)، فهي على تقدير سلامة سندها تدل على خروج
~~الظنين، وهو المتهم، ومجهول الحال متهم، فتأمل. مع أن سوق الرواية اعتبار
~~العلم أو الظن بعدم كونه مجلودا ms053 أو معروفا بشهادة الزور أو ظنينا، إلا أن
~~هذه موانع تدفع عند الشك بالأصل من دون فحص، وقد دل غير واحد من الأخبار
~~(2) على كون الفاسق داخلا في الظنين.
# وأما رواية علقمة (3)، فالظاهر أن المراد منها بقرينة قوله عليه السلام:
# " فهو من أهل العدالة والستر " من لم تره بعد المباشرة والفحص في الحال
~~يرتكب ذنبا، وإلا فكيف يمكن الحكم على مجهول الحال الذي ما رأيناه إلا في
~~مجلس المرافعة أنه من أهل الستر؟ ويؤيده قوله: " وإن كان في نفسه مذنبا "
~~يعني فيما بينه وبين الله تعالى، فالرواية في مقام أن مجرد المعصية ولو في
~~الباطن لا يقدح، كما يشعر به قوله عليه السلام: " وإلا لم تقبل إلا شهادة
~~الأنبياء والأوصياء " فإن هذه الملازمة لا تستقيم إلا إذا كان مجرد الذنب،
~~ولو في الباطن قادحا.
# PageV00P127
# وأما مصححة حريز (1) فيرد عليها ما ذكرنا أخيرا في رواية سلمة بن كهيل،
~~وأما صدر رواية علقمة فيعرف المراد بقرينة ذيلها الذي عرفت المراد منه.
# ثم إن بعض ما ذكرنا في دلالة هذه الروايات وإن كان محلا للتأمل، إلا أنه
~~لا تأمل في أنه لو سلم ظهور بعضها وسلامة سنده وجب رفع اليد عن إطلاقها -
~~وإن بعد - بالأخبار الكثيرة الظاهرة، بل الصريحة في عدم قبول قول مجهول
~~الحال.
# منها: ما روي عن تفسير (2) مولانا العسكري عليه السلام من مداومة النبي
~~صلى الله عليه وآله على استزكاء الشهود المجهولين على أبلغ الوجوه وأدقها،
~~والرواية طويلة ذكرناها في باب الجماعة.
# ومنها صحيحة ابن أبي يعفور: " بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل
~~شهادته لهم وعليهم؟ "، جعل قبول الشهادة غاية لمعرفة العدالة.
# ومنها: ما دل على عدم قبول شهادة السائل بكفه، معللا بأنه لا يؤمن على
~~الشهادة (4).
# ومنها: ما دل على عدم قبول شهادة القابلة إذا سئل عنها فعدلت (5).
# PageV00P128
# ومنها: ما دل على عدم قبول شهادة الظنين والمتهم (1).
# ومنها: ما دل على أن من كان على فطرة الاسلام وعرف بالصلاح في نفسه جازت
~~شهادته.
# [(ولا البناء على حسن ms054 الظاهر، ولو ظهر فسقهما حال الحكم نقضه، ويسأل عن
~~التزكية سرا)] (3).
# (ويفتقر المزكي) في التزكية (إلى المعرفة الباطنة المستندة إلى تكرار
~~المعاشرة)، لأن الملكة من الأمور الباطنة، والغالب التستر بالمعاصي فمعرفة
~~وجودها موقوفة على الخلطة التامة والصحبة المتأكدة. نعم، قد تحصل المعرفة
~~بأدنى خلطة، لكن الكلام مبني على الغالب.
# وكيف كان، فظاهره اعتبار العلم بالملكة في مستند الشهادة بها وعدم كفاية
~~الظن بها في التعديل، وهو ظاهر غيره أيضا (4)، وصرح في القواعد بأنه لا
~~يجوز الجرح والتعديل بالتسامع (5)، بل ربما يظهر من هذا وغيره عدم جواز
~~العمل في طريق العدالة إلا بالعلم أو البينة كما في الجرح، وهو مشكل، للزوم
~~اختلال أمر الحكام، ولزوم الحرج على الناس في أمورهم
# PageV00P129
# من المرافعات وغيرها.
# والظاهر من كلماتهم الاتفاق على عدم كفاية مطلق الظن بالعدالة سيما
~~للحاكم، ولذا اعتبروا في المعدل: العدالة والتعدد والاستناد إلى العلم،
~~مضافا إلى عدم الدليل على اعتبار مطلق الظن، لأن انسداد باب العلم بها
~~غالبا، ولزوم الحرج - من الاقتصار على العلم أو البينة - لا يوجب العمل
~~بمطلق الظن إلا إذا لم يثبت من الشرع اعتبار خصوص مرتبة منه، وقد ثبت في
~~المقام من الأخبار المتكاثرة كفاية الظن البالغ حد الوثوق، حتى يصح عرفا أن
~~يقال: أنه عفيف صائن صالح، ويصدق عليه أن ظاهره ظاهر مأمون، وأنه يوثق
~~بدينه وأمانته، وأنه مرضي وممن يرضى، وغير ذلك من العناوين المذكورة في
~~النصوص (1). وكما يجوز العمل بهذا الظن يجوز الاستناد إليه في التعديل، كما
~~صرح به الشارح قدس سره (2).
# ويمكن أن يراد من " المعرفة " في المتن ما يعم هذا، إذ يصدق عليه عرفا
~~أنه عرف بالعدالة، مع احتمال أنه لا يبعد أن يراد معرفة الأمور الباطنة
~~التي يستدل بها ولو ظنا على ثبوت العدالة لا معرفة نفس العدالة.
# ويؤيد ذكرنا من جواز العمل بهذا الظن والاستناد إليه في الشهادة ما في
~~صحيحة ابن أبي يعفور، من قوله عليه السلام - بعد ذكر ما يثبت به العدالة -:
~~" والدليل على ذلك كله أن يكون ms055 ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين
~~تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، ويجب عليهم تزكيته
# PageV00P130
# وإظهار عدالته " (1).
# وقوله عليه السلام في هذه الرواية - بعد الحث على فعل الصلوات الخمس
~~جماعة -: " ولولا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد لأحد بالصلاح ".
# وقوله عليه السلام في الرواية المحكية عن الخصال: " ثلاث من كن فيه أوجبت
~~(2) له أربعا على الناس: إذا حدثهم فلم يكذبهم، وإذا وعدهم فلم يخلفهم،
~~وإذا خالطهم فلم يكذبهم، وجب عليهم أن يظهروا في الناس عدالته، ويظهر فيهم
~~مروته، ويحرم عليهم غيبته، ووجبت أخوته " (3).
# ولا ريب أن المذكور فيها وفي الرواية السابقة من موجبات اظهار العدالة
~~والصلاح لا يوجب سوى الظن البالغ حد الوثوق.
# ويؤيده أيضا - بعد ما ذكرنا من الأخبار (4) المتقدمة الدالة على جواز
~~العمل في قبول الشهادة بقول من وثق بثبوت الملكة [فيه] (5) - ما سيأتي في
~~باب الشهادات من القاعدة المستفادة من بعض الأدلة، أن كلما جاز العمل به من
~~الطرق الشرعية الظاهرية جاز الاستناد إليه في الشهادة، ومنه يظهر
# PageV00P131
# جواز استناد المعدل إلى شهادة العدلين، فتأمل.
# والظاهر جواز استناده إلى الاستصحاب، وسيأتي تفصيل الكلام في مستند
~~الشهادة في باب الشهادات إن شاء الله تعالى (1).
# (و) كيف كان، فالظاهر أنه (لا يجب) على الشاهد في التزكية (التفصيل) لما
~~له ملكة تركها من الكبائر، وفاقا للمشهور، لا لأن أسباب الفسق غير محصورة
~~الأنواع، ولا متناهية الأفراد، ولا لأن العدالة هي الأصل والفسق طارئ، ولا
~~لأن التعديل يرجع إلى الشهادة بأنه لم يشاهد الفسق منه مع طول الصحبة فهي
~~شهادة على النفي، لأن جميع ذلك محل نظر.
# والتحقيق أن يقال: إن أريد من تعرضه للتفصيل تعرضه بقوله:
# لم أشاهد منه بعد المعاشرة كذا وكذا.. إلى آخر المعاصي، بأن يشهد بترك
~~الكبائر عن ملكة، فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوب التفصيل، لأن المقصود من
~~الاستزكاء استكشاف وجود الملكة الباعثة على ترك ما يوجب فعله الفسق، وأما
~~تركه بالفعل فإنما يستفاد من الملكة المانعة بمعونة أصالة العدم، كما في
~~مستصحب العدالة. ms056 كيف؟! ولولا الأصل لم يثبت ذلك بقول الشاهد: " لم أر منه
~~ذلك " لأن عدم الرؤية لا يعلم منه عدم الوجود، بل ولا يظن منه ذلك، لأن
~~كثيرا مما يوجب الفسق مما لم تجر العادة بفعلهما (2) إلا في الخلوات. وترك
~~المعاصي الظاهرة لا تدل على ترك مثل ذلك إلا إذا أوجب علما أو ظنا بالملكة،
~~فالأمارة على الترك في الحقيقة هي الملكة، وقد شهد بها الشاهد.
# PageV00P132
# وإن أريد تفصيل الكبائر التي يشهد له بملكة تركها بأن يقول: أشهد أن له
~~ملكة المواظبة على الواجبات، وترك كذا وكذا.. إلى آخر الكبائر، من دون أن
~~يشهد بتركها فعلا، فربما يرجح في النظر عدم الفرق بين التعديل والجرح في
~~ذلك، لما ذكره المصنف قدس سره في المختلف حيث قال: " إن الوجه التسوية
~~بينهما، يعني الجرح والتعديل. لنا أن المقتضي لتفصيل الجرح ثابت في
~~التزكية، فإن الشئ قد لا يكون سببا للجرح عند الشاهد ويكون جارحا عند
~~الحاكم، فإذا أطلق الشاهد التعديل تعويلا منه على عدم تأثير ذلك الشئ فيه
~~كان تغريرا للحاكم، بل الأحوط أن يسمع الجرح مطلقا، ويستفصل عن سبب
~~التعديل، لأنه أحوط للحقوق " (1)، انتهى.
# إلا أنه يرد عليه، أولا: أن المزكي لا بد أن يمشي في الكبائر على مذهب
~~الفاعل دون مذهبه أو مذهب الحاكم، كما هو المتعين إذا اختلف مذاهبهم في أصل
~~المعصية، فما يعتقده الفاعل صغيرة أو يعتقده مباحا لا يعتبر ملكة تركه فيه
~~وإن كان عند المزكي والحاكم كبيرة، فيتوقف التعديل حينئذ على معرفة مذهب
~~الشاهد في الكبائر، ولا يحتاج إلى تفصيل الكبائر أصلا، بل التفصيل لا ينفع،
~~إذ لا يجوز للحاكم جرحه بما يكون كبيرة عنده، إذ لعله مباح أو صغيرة عند
~~الفاعل.
# فما استند إليه المصنف قدس سره في لزوم التفصيل من احتمال اختلاف المزكي
~~والحاكم، محل نظر.
# نعم يستقيم ذلك في الذنوب التي يراها الحاكم كبيرة والفاعل صغيرة، إذا
~~قلنا بأن ذلك أيضا يوجب التفسيق، لكنه محل نظر، بل الأولى هنا
# PageV00P133
# أيضا: الاعتبار بحال الفاعل، نظير ms057 ما إذا اختلفا في أصل كون الفعل معصية
~~وثانيا: لو سلم أن العبرة في ذلك بمذهب الحاكم لم ينفع تفصيل الكبائر، بل
~~على ما عرفت - من قوله في المختلف: من أنه يحتمل أن يكون شئ غير مؤثر عند
~~المزكي مؤثرا عند الحاكم، فيكون الاطلاق تغريرا للحاكم - يكون اللازم ذكر
~~جميع ما يحتمل أن يكون كبيرة أو صغيرة ليشهد له بترك الأولى والاصرار (1)
~~على الثانية أو بثبوت ملكة ذلك له، وهذا مما يعجز فحول العلماء عن استحضاره
~~حين الزكية فضلا عن العوام، فلو أهمل شيئا منها ولم يذكر تركه أو ملكة
~~تركه، احتمل أن يكون عند الحاكم كبيرة أو صغيرة يكون الاصرار عليه كبيرة.
# نعم، لو ذكر الحاكم له أولا جميع ما هو كبيرة عنده وما هو صغيرة عنده،
~~ليشهد بترك الأولى وترك الاصرار على الثانية صح. لكن لا يخفى ما فيه أيضا.
# فحاصل ما ذكرنا، أن المزكي إذا قال: لفلان ملكة العدالة، فلا بد من حمله
~~على ملكة ترك ما هو كبيرة عند الفاعل، لا ما كان كبيرة في الواقع باعتقاد
~~الشاهد أو الحاكم، ولا يحتاج إلى تفصيل الكبائر، ولا ينفع تفصيلها.
# نعم، يحتاج إلى علم المزكي بوجود ملكة ترك جميع المعاصي، أو علمه بمذهب
~~الفاعل في الكبائر ليعلم منه ملكة تركها بالخصوص، فافهم.
# فتحصل مما ذكرنا: عدم وجوب التفصيل في التعديل (و) إن قلنا:
# إن العبرة (في) أسباب (الجرح) بمذهب الحاكم.
# PageV00P134
# نعم، يصلح هذا مبنى للحكم بأنه (يجب) في الجرح (التفصيل (1) على) ما هو
~~(رأي) المشهور، لكنك قد عرفت أن العبرة بمذهب الفاعل في تحقق أصل المعصية
~~اجماعا، وفي تحقق الفسق بها على الأقوى، فحينئذ لا يجوز له تفسيقه مستندا
~~إلى سبب حتى يعرف منه اعتقاد كونه معصية كبيرة، وإلا فإذا احتمل في حقه أن
~~يكون قد اعتقد بالتقليد أو الاجتهاد أن الفعل الفلاني مباح أو صغيرة لو
~~يتوعد عليه بالخصوص، فضعف داعي تركه لظن أنه من الصغائر المكفرة، لم يجز
~~تفسيقه به.
# نعم، لو كان كان جميع المعاصي ms058 عند الحاكم كبيرة مفسقة، ولم يكن الأمر
~~كذلك عند الفاعل، لم يبعد اعتبار مذهب الحاكم، لكن الاختلاف في هذه المسألة
~~لا يوجب وجوب التفصيل، لأن الجرح إن كان مستندا إلى ما يكون معصية عند
~~الفاعل كان فسقا عند الحاكم، وإلا لم يجز جرحه، لما عرفت من أن العبرة في
~~تحقق المعصية مذهب الفاعل اجماعا.
# فظهر مما ذكرنا: عدم الفرق بين التعديل والجرح في صحة الاطلاق وعدم وجوب
~~[التفصيل] (2)، وإن القول المشهور بالتفصيل - في التفصيل بين الجرح
~~والتعديل - لم يقم عليه دليل، وأن ما ذكره في المختلف (3) أولا من التسوية
~~في لزوم التفصيل، وما جنح إليه أخيرا - وفاقا لبعض العامة (4) - من عكس
~~التفصيل، كلاهما عليل، خصوصا بعد التعليل بما ذكره في الأخير
# PageV00P135
# من إنه أحوط للحقوق.
# وربما يستدل للمختار بأن من المعلوم المقرر في الشريعة حمل المشهود به في
~~جميع الشهادات على الأمر الواقعي، وإن كان مما اختلف في أسباب تحققه بين
~~العلماء، كما إذا شهد الشاهد بالملك أو بالنجاسة أو بغيرهما، مع احتمال
~~استناده إلى ما لا يكون سببا للمشهود به عند الحاكم.
# وهذا حسن، لأن ما دل على وجوب تصديق قول العادل ظاهره وجوب حمل مضمونه
~~على ما هو المطابق للواقع، فإنه ليس بأدون مما دل على وجوب تصحيح فعل
~~المسلم، إلا أنه لا حاجة إليه فيما نحن فيه، بناء على ما ذكرنا من كون
~~العبرة بمذهب الفاعل، إذ العدالة والفسق الواقعيان - حينئذ - يدوران مدار
~~اعتقاد الفاعل، فليسا من قبيل الملكية والطهارة والنجاسة.
# نعم، يحتاج إلى هذه القاعدة بناء على ما ذكروه من أن العبرة بمذهب
~~الحاكم.
# وكيف كان، فالظاهر أنه لا يجب تعرض المزكي لما سوى العدالة من شروط قبول
~~الشهادة، مثل انتفاء الأبوة والرقية والعداوة، بل ولا منافيات المروة، بناء
~~على كونها شرطا في قبول الشهادة لا مأخوذة في العدالة، لأن جميع هذه الأمور
~~مندفعة بالأصل، سواء جعلناها من قبيل الموانع أم جعلنا عدمها شروطا، لأن
~~الشرط إذا كان أمرا عدميا صح احرازه بالأصل، فابتناء جريان الأصل ms059 في هذا
~~المقام على كونها موانع، ضعيف.
# ويظهر من المسالك اعتبار تعرض المزكي لذلك كله، ولذا اعتبر معرفة
~~PageV00P136
# المزكي بنسب الشاهدين ونسبتهما مع المتداعيين من حيث العداوة وعدمها (1)
~~وفيه نظر، لما عرفت.
# بل الظاهر كلماتهم - حيث عنونوا المسألة بالتزكية والجرح - عدم وجوب
~~التعرض من المزكي بقبول شهادته في هذه الواقعة الخاصة، بل ولا يجب ذلك على
~~الحاكم أيضا، لاندفاع ذلك كله بالأصل الجاري من دون اعتبار الفحص.
# ولو ادعاه المشهود عليه أيضا، لم يسمع منه إلا بالبينة، إذ القول فيها
~~قول المشهود له.
# ومن هنا ظهر أن الأقوى كفاية أن يقول المعدل: " إنه عدل "، ولا يعتبر ضم
~~قوله: " لي وعلي " ولا ضم " أنه مقبول الشهادة " دفعا.
# لاحتمال عدم قبول شهادته بكثرة غفلته أو بموانع أخر، لأن كل ذلك مندفع
~~بالأصل، إلا أن تقوم بها البينة.
# ثم إذا شهدت البينة بالتعديل، فإن لم يقم المشهود عليه بينة بالجرح فهو،
~~(ولو) أقام بينة بالجرح (واختلف الشهود [في الجرح والتعديل] (2) قدم الجرح)
~~إن لم يعارض مضمون شهادته المعدل، كما إذا أسند التعديل إلى عدم رؤية الفسق
~~منه بعد المعاشرة التامة، وشهد الجارح بصدور الفسق منه في زمان يبعد مراقبة
~~المعدل له في ذلك الزمان.
# (وإن تعارضا) فإن كان أحدهما كالنص بالنسبة إلى الآخر قدم، كما لو أطلقا
~~الجرح والتعديل، فإنه يقدم الجرح، لا لعدم التنافي بين وجود
# PageV00P137
# الملكة وصدور الكبيرة فيكون من القسم الأول، لأن الشهادة بالعدالة
~~الواقعية يتضمن اثبات الملكة مع تحقق الترك فعلا وإلا فالملكة المجامعة مع
~~الكبيرة ليست عدالة، بل السبب ابتناء التعديل - غالبا - على الاطلاع على
~~الملكة مع تحقق الترك فعلا، ولعدم الاطلاع عليه بعد المراقبة التامة
~~الظاهرة في الدلالة على الترك الواقعي.
# ومثله ما لو استند المعدل إلى مشاهدته مواظبا للعبادة، وشهد الجارح بفساد
~~عباداته الواجبة والمندوبة، لخلل لم يطلع عليه المعدل، فإنه يقدم الجرح.
# وينعكس الأمر لو استند الجارح إلى مصيبة كبيرة، بناء على حصول القطع له
~~من ظاهر الحال مع عدم تفطنه بالاحتمال، وعدله المعدل مع ms060 اطلاعه على ذلك
~~الفعل، بحيث يكون ذلك إما لتوجيه ذلك الفعل على وجه لا يوجب الفسق، وإما
~~لاطلاعه على التوبة عنه في الزمان المتأخر، كما لو قال الجارح: أنه عشار
~~يأخذ العشور كل يوم، وشهد المعدل بأنه عادل، فإن الظاهر أن المعدل مع ظهور
~~اطلاعه على كونه عشارا لم يعدله إلا لأجل أنه علم منه أن أخذ العشور لضرورة
~~مسوغة كالتقية، أو لأجل أنه علم منه التوبة.
# وإن كانا كالنصين، كما لو ذكر الجارح أنه قتل فلانا بالأمس، وذكر المعدل
~~ملاقاته للمقتول اليوم، ونحو ذلك (وقف) الحكم عند المصنف وغيره (1)، لعدم
~~ثبوت التعديل، ولا بد من حمل ذلك على ما إذا لم يعلم الحاكم حالة سابقة له،
~~فإن علم عدالته فأتى المشهود عليه بالجارح فكذبه
# PageV00P138
# الشهود ببينة، أو علم الفسق فأتى الشهود ببينة حدوث الملكة، وكذبه
~~المشهود عليه ببينة، كان الحكم - بعد التساقط - الرجوع إلى الحالة السابقة.
# وربما يضعف التوقف مع عدم العلم بالحالة السابقة من جهة أصالة عدم صدور
~~الفسق، فإن الجارح لا يكذب المعدل في ثبوت الملكة، وإنما يدعي صدور الفسق
~~منه، فإذا كذبه العادل (1) في ذلك أيضا تساقطا من جهة صدور الفسق، والملكة
~~غير مكذبة.
# [وفيه: أن العدالة إن كانت هي الملكة المجامعة لترك الكبائر فعلا فلم
~~يتحقق] (2) وهو حسن لو كان الجارح مكذبا للمعدل في دعوى ما زاد على ملكة
~~العدالة، لكون تكاذبهما في أمر خارج عن ملكة العدالة كما في المثال
~~المتقدم، لكنه في الحقيقة خارج عن مسألة تكاذب الجارح والمعدل، وإن اشتهر
~~التمثيل له بما هو من قبيل ذلك المثال، لأن معنى تكاذب الجارح والمعدل أن
~~يكون الجارح بجرحه مكذبا للمعدل بتعديله وبالعكس، لا أن يتكاذبا في شئ خارج
~~عن ملكة العدالة.
# فالأولى التمثيل له بما إذا استند الجارح إلى أنه وجده من أول الشهر
~~الماضي إلى آخره مشغولا بالملاهي والفسوق ببغداد، واستند المعدل في تعديله
~~إلى أني رافقته من أول الشهر الماضي بعينه إلى آخره في حجرة من حجرات
~~المشهد المقدس فوجدته ذا ms061 ملكة قوية في المواظبة على الطاعات والكف عن
~~المناهي جميعا.
# (ويحرم الشهادة بالجرح إلا مع المشاهدة) لسببه الذي يستند إليه
# PageV00P139
# عادة، ولو في ظاهر الحال، مع عدم تطرق الاحتمال المعتد به عرفا، (أو)
~~العلم به، لأجل (الشياع الموجب للعلم).
# وأما مطلق الظن فلا يجوز الجرح به اجماعا، على ما يظهر من بعضهم، لأنه
~~كالعدالة في كونه أمرا باطنيا لا يحصل العلم به غالبا، بل هي حسي، فهو
~~كسائر الموضوعات التي قيل فيها: " على مثل الشمس فاشهد أو دع " (1)، بل هذا
~~أولى لمثل قوله عليه السلام: " كذب سمعك وبصرك عن أخيك " (2) وغيره (3) مما
~~دل على حرمة سوء الظن، فضلا عن إظهاره للناس، خصوصا حكام الشرع.
# نعم ربما يستفاد من بعض الأخبار المتقدمة في ثبوت الولاية بالاستفاضة
~~(4): جواز الجرح بالاستفاضة، ولعله تردد في المسالك في جواز الاستناد إلى
~~الشياع الموجب للظن المقارب للعلم، وإن جعل المنع أولى (5)، وقد تقدم لك
~~النظر في الخبر المذكور (6).
# نعم، ربما يحتمل جواز الاستناد في الشهادة بالجرح بالبينة، كما يجوز
~~الاستناد فيها إلى الاقرار على ما صرح (7) به الشارح، وإلى الاستصحاب،
# PageV00P140
# إذ لولاه لما أمكن الشهادة بالفسق، لاحتمال التوبة (و) حسن الحال، كما أن
~~(مع ثبوت العدالة) عند الحاكم في زمان بالعلم أو بالبينة (ويحكم
~~باستمرارها) للاستصحاب المتفق على جريانه، بل لولاه لا نسد باب التعديل.
# وفي اعتبار ظن الشاهد أو الحاكم ببقائها وجهان، أحوطهما ذلك، ولعله لذا
~~حكي عن بعض (1) تجديد النظر إذا مضت مدة يمكن فيها التغيير.
# (ولو طلب المدعي) بعد إقامة البينة (حبس المنكر إلى أن يحضر المزكي لم
~~يجب) لأن الحبس عقوبة لم يثبت موجبها.
# ولا فرق في ذلك بين كون العدالة شرطا أو كون الفسق ما نعا، لفقد شرط
~~الحكم على القولين، أما على الأول فواضح، وأما على الثاني فلأن المفروض
~~اشتراط العمل على الأصل بالفحص وإلا لم يوقف الحكم.
# ومما ذكر يظهر ما في المسالك من ابتناء الحكم المذكور على كون العدالة
~~شرطا، وابتناء قول الشيخ بالحبس (2) على كون الفسق مانعا، ms062 مع أنه استدل
~~لقول الشيخ بأن الأصل في المسلم العدالة (3)، الظاهر في أنها شرط مطابق
~~للأصل، إلا أن يوجه الابتناء المذكور بأنه على القول بمانعية الفسق يتم سبب
~~الحكم بإقامة البينة ولو لم تعدل، وإنما يتفحص عن المزكي مراعاة لجانب
~~المنكر، ولذا لو اعترف بالتزكية لم يجب الفحص،
# PageV00P141
# فإذا تم سبب الحكم ثبت حق المدعي، فإيقاف الحكم لحق المانع (1) ففي الحبس
~~جمع بين الحقين، وفي الاطلاق تضييع لحق المدعي، كما أن في الحكم إضاعة حق
~~المنكر.
# وأما على القول بشرطية العدالة، فلم يتم ما على المدعي من إقامة سبب
~~الحكم.
# وأما ما ذكره للشيخ من الاستناد إلى أصالة العدالة، فهو حسن على مذهب
~~الشيخ، لتمام سبب الحكم وبقاء حق المنكر، والابتناء الذي ذكره إنما هو على
~~المذهب المشهور في العدالة.
# فحاصل ما ذكره: أنا لو قلنا بأصالة العدالة صح قول الشيخ وإن كانت
~~العدالة شرطا، ولو قلنا بعدمها فالمسألة مبتنية على كون العدالة شرطا أو
~~مانعا. فقد أتى قدس سره في المسألة بما لا مزيد عليه، غير أن المختار هو
~~القول المشهور إن (2) قلنا بمانعية الفسق، لأن تمام السبب لا يحصل إلا برفع
~~المانع فهو أيضا لحق المدعي، وسقوطه مع الاعتراف لو قلنا به فليس لكونه حقا
~~للمنكر.
# (و) اعلم أنه (لا تثبت التزكية) في ظاهر الشريعة للحاكم (إلا بشهادة
~~عدلين)، للأصل وظهور الاجماع. [) وكذا الترجمة.
# ويجب في كتاب القاضي العدالة والمعرفة، ويستحب الفقه)] (3).
# (وكل حكم ظهر) واتضح (بطلانه) إما لمخالفته لطرق قطع
# PageV00P142
# الدعوى المقررة في الشريعة، كأن حكم بالبينة أو اليمين أو القرعة في غير
~~محالها، وإما لمخالفته للحكم الشرعي الواقعي في تلك القضية، كأن حكم بالعول
~~أو العصبة، أو للحكم الاجتهادي فيها بأن تبين فساد اجتهاده لغفلة عن معارض
~~أو لغلط في رواية أو توهم صحة سندها أو نحو ذلك، (فإنه) يجب عليه في هذه
~~الموارد أن (ينقضه).
# أما في الأولين، فلكونه حكما بالجور، فلو أنفذه كان ممن قضى بالجور وهو
~~يعلم.
# وأما في الثالث، فلأن المفروض فساد ms063 الاجتهاد، وعدم صيرورة الحكم ظاهريا
~~في حقه، فهو كحكم العامي وإن لم يعلم مخالفته للواقع، بل لو علم موافقته
~~للواقع أيضا، فاللازم تجديد الحكم به، لأن السابق كالعدم (سواء كان هو
~~الحاكم) (1) به، (أو) كان الحاكم به (غيره، وسواء كان مستند الحكم) في
~~المسألة (قطعيا) كأن كان عليه نص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع (أو) كان
~~اجتهاديا) كسائر ظنون المجتهد.
# ثم إن الظاهر أن المراد بظهور البطلان هو العلم به، وحصوله فيما إذا كان
~~مستند الحكم قطعيا، ظاهر. وأما إذا كان ظنيا فلا يحصل القطع بالبطلان إلا
~~إذا وقع التقصير في الاجتهاد وبين فساده ولو لغفلة.
# وحينئذ فالنقض في صورتين، إحداهما: صورة العلم بمخالفة الحكم للواقع،
~~والأخرى صورة العلم بمخالفته لمقتضى (2) الاجتهاد الصحيح عند الحاكم به،
~~وحينئذ فيوافق ما في القواعد من أنه إذا خالف دليلا قطعيا
# PageV00P143
# وجب عليه، وعلى غير الحاكم نقضه، وإن خالف به دليلا ظنيا لم ينقض إلا أن
~~يقع الحكم خطأ، بأن حكم بذلك لا لدليل قطعي ولا ظني أو لم يستوف شرائط
~~الاجتهاد (1)، انتهى (2).
# ويمكن رد الصورتين إلى صورة التقصير في الاجتهاد، إذ مع وجود الدليل
~~القطعي لا يعدل إلى غيره إلا غفلة أو اشتباها.
# فالمراد بظهور الخطأ: ظهور التقصير في الاجتهاد وفساده، كما فسره به
~~المحقق الشارح (3)، واستظهره من عبارة الشهيد في الدروس، حيث قال:
# " ينقض الحكم إذا علم بطلانه، سواء كان هو الحاكم أو غيره وسواء أنفذه
~~الجاهل به أم لا، ويحصل ذلك بمخالفة نص الكتاب أو المتواتر من السنة أو
~~الاجماع أو خبر واحد صحيح غير شاذ أو مفهوم الموافقة أو منصوص العلة عند
~~بعض الأصحاب، بخلاف ما تعارض فيه الأخبار وإن كان بعضها أقوى بنوع من
~~المرجحات، أو ما تعارض فيه عمومات الكتاب أو السنة المتواترة أو دلالة
~~الأصل إذا تمسك الأول بدليل مخرج عن الأصل فإنه لا ينقض " (4)، انتهى.
# بناء على أن المعيار في النقض وجود دليل في المسألة، قطعي أو ظني لا
~~يتعداه المجتهد إلا غفلة أو اشتباها. ms064
# PageV00P144
# ولا فرق في ذلك بين الغفلة عن نفس ذلك الدليل الموجود كما إذا غفل عن
~~وجود الخبر الصحيح، وبين الغفلة عن دليل اعتباره كما لو أنكر أحد حجية
~~الخبر الصحيح في مثل هذا الزمان، مقتصرا في الفقه على الكتاب والسنة
~~المتواترة والاجماع، مستندا في غير مواردها إلى الأصول العملية ونظيره
~~إنكار مفهوم الموافقة، بل منصوص العلة في بعض المقامات، بخلاف ترجيح أحد
~~المتعارضين على الآخر، أو الاجتهاد في مقابل أصل البراءة، فإن خطأ المجتهد
~~في ذلك لا يعد تقصيرا واشتباها، وإن كان قد يتفق الاشتباه والتقصير في ذلك
~~أيضا، إلا أنه لا يعلم ذلك إلا إذا كان هو الحاكم الثاني، أو أقر به الأول
~~عند الثاني. وهذا بخلاف القسم الأول فإن مجرد وجود ذلك الدليل الواضح دليل
~~على تقصيره في الاجتهاد.
# وقد حمل في المسالك (1) على ما ذكرنا من الصورتين السابقتين عبارة
~~الشرائع، وهي: " أنه إذا قضى الحاكم الأول على غريم بضمان مال فأمر بحسبه،
~~فعند حضور [الثاني] (2) ينظر فإن كان موافقا للحق ألزم (3)، وإلا أبطله
~~سواء كان مستند الحكم قطعيا أو اجتهاديا (4)، انتهى.
# وكأن الداعي على هذا الحمل ما اشتهر بين المتأخرين عن المصنف قدس سره من
~~أن الحكم الناشئ عن الظن الاجتهادي لا ينقض به
# PageV00P145
# الحكم الأول، إذا صدر عن اجتهاد صحيح، كما عرفت من صريح القواعد (1)
~~والدروس (2)، فجمع بذلك الحمل بين كلماتهم وبين كلمات من تقدمهم ممن أطلق
~~النقض، كالمحقق في الشرائع (3) وقبله ابن سعيد على ما حكي عنه (4)، وقبلهما
~~ابن حمزة (5)، وقبلهم الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7).
# قال في الوسيلة في آداب الحاكم الثاني: " وهو بالخيار في تتبع أحكام
~~الحاكم الأول إلا أن يستعدي المحكوم عليه، فإذا تتبع وكان قد حكم بالحق
~~أمضاه، وإن حكم بالباطل نفاه " (8)، انتهى.
# وأنت خبير بأن حمل هذا الكلام - كعبارة الشرائع المتقدمة - على ما إذا
~~علم البطلان بالدليل القطعي تقييد بلا شاهد، وإهمال لحكم ما إذا ثبت
~~البطلان بالدليل الظني الاجتهادي، فإن ابن حمزة وإن كان ممن يعمل
~~بالقطعيات، إلا أن العمل ms065 بالظن عنده في ترجيح الأدلة المتعارضة من حيث
~~الدلالة غير عزيز.
# فالظاهر أن مراده ومراد المحقق أنه إن أداه (9) نظره الصحيح علما
# PageV00P146
# أو ظنا إلى كون الحكم الأول حقا أنفذه، وإلا أبطله.
# ويؤيده في عبارة الشرائع أنه لو أريد صورة التقصير لم يناسب قوله: " فإن
~~كان موافقا للحق لزم " (1) لأن الحكم الناشئ عن الاجتهاد لا يلزم وإن وافق
~~الحق.
# وقال في الخلاف: " إذا قضى الحاكم بحكم فأخطأ فيه، ثم بان أنه أخطأ، أو
~~بان أن حاكما كان قبله قد أخطأ فيما حكم به وجب نقضه، ولا يجوز الاقرار
~~عليه بحال، وقال الشافعي: إن أخطأ فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد، بأن خالف نص
~~كتاب أو سنة أو إجماعا أو دليلا لا يحتمل إلا معنى واحدا - وهو القياس
~~الجلي على قول بعضهم، والقياس الجلي الواضح على قول الباقي منهم - فإنه
~~ينقض حكمه، وإن أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم ينقض حكمه.. إلى أن قال:
~~دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فقد ثبت عندنا أن الحق في واحد، وأن
~~القول بالقياس والاجتهاد باطل. فإذا ثبت ذلك، فكل من قال بذلك قال بما
~~قلناه، وإنما خالف في ذلك من جوز الاجتهاد " (2)، انتهى.
# ولا يخفى أن الظاهر منه - حيث ابتنى مسألة النقض على التخطئة والتصويب -
~~أنه أراد الأعلم من الحكم القطعي والظني الثابت بالاجتهاد الصحيح. فاندفع
~~توهم ظهور لفظ " بان " في القطع الواقعي، مع أنه كيف يجوز الفصل فيه بين ما
~~يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ؟! فإن تبين الخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد
~~ليس إلا بالظن.
# PageV00P147
# هذا، مع أن اللازم من حمل التبين على القطع، إهمال الشيخ لحكم (1) صورة
~~حصول الظن الاجتهادي المعتبر بخطأ الأول.
# ودعوى قطعية جميع الأدلة عند الشيخ رحمة الله عليه - مع بعدها في نفسها -
~~تنافي ابتنائه المسألة على مسألة التخطئة والتصويب المعقودة في المسائل
~~الظنية.
# فالمراد بتبين الخطأ ظهوره ولو بمقتضى الأمارة الشرعية.
# وقد ذكر نظير هذا العنوان في موضع من المبسوط (2)، وذكر تفصيل العامة بين
~~تبين الخطأ فيما لا يسوغ ms066 فيه الاجتهاد، وتبينه فيما يسوغ فيه.
# وقال في موضع آخر: " إذا حكم حاكم باجتهاده ثم ولي غيره، هل ينقض
~~بالاجتهاد ما حكم فيه بالاجتهاد؟ على قولين: أحدهما لا ينقضه، بل [عليه أن]
~~(3) يقره ويمضيه، لأنه ثبت بالاجتهاد، فلا ينقض بالاجتهاد حكما ثبت
~~باجتهاد، كاجتهاد نفسه، والقول الثاني [لا] (4) ينقضه [لأنه ثبت بالاجتهاد]
~~(5) ولا يمضيه، لأنه باطل عنده. إلى أن قال: وهذا لا يصح على مذهبنا، لأن
~~الحكم بالاجتهاد لا يصح، وإنما يحكم الحاكم بما يدل الدليل عليه " (6)،
~~انتهى موضع الحاجة.
# وقال في مسألة احضار من يشاوره من العلماء: " إنه إذا حكم بحكم، فإن وافق
~~الحق لم يكن لأحد أن يعارضه فيه، وإن أخطأ وجب عليهم أن
# PageV00P148
# ينبهوه، وقال المخالف: ليس لأحد أن يرد عليه وإن حكم بالباطل عنده، لأنه
~~إذا كان حكمه باجتهاده وجب عليه العمل به، فلا يعترض عليه بما هو فرضه، إلا
~~أن يخالف نص الكتاب أو سنة أو اجماعا أو قياسا لا يحتمل إلا معنى واحدا فإن
~~ذلك ينكر عليه، وقد قلنا ما عندنا أنه إن أصاب الحق نفذ حكمه ولا يعترض
~~عليه، وإن أخطأ وجب على من حضره أن ينبهوه على خطأه، ولا قياس عندنا في
~~الشرع ولا اجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبا " (1)، انتهى.
# ويكفيك فيما ادعيناه من الظهور ابتناؤه مسألة النقض على مسألة التخطئة
~~والتصويب، وهذا الابتناء يظهر أيضا من كلام المحقق رحمة الله عليه في
~~الشرائع، حيث قال في آداب القضاء: " ويحضر من أهل العلم من يشهد حكمه، فإن
~~أخطأ نبهوه، لأن المصيب عندنا واحد " (2)، انتهى.
# وقد حمل في المسالك الخطأ في كلامه على الغفلة، فأورد عليه بأنه لا يبتنى
~~هذا على مسألة التخطئة والتصويب (3)، ولكنك خبير بأن ظاهر كلامه الخطأ في
~~الاجتهاد الصحيح، كما عرفت من عبارة الشيخ، فيكون فائدة الاحضار هو أن لا
~~ينقض الحكم بعد زمان فيصعب تدارك ما فات.
# والحاصل، إنا لم نعرف قبل المصنف قدس سره من يفصل في مسألة النقض بين
~~الحكم الثابت بالدليل القطعي والثابت بالدليل الظني، ms067 ولم نجد أحدا يدعي
~~الاجماع على عدم النقض في الدليل الظني.
# PageV00P149
# نعم، هو مشهور في ألسنة المعاصرين ومن يقرب منهم، فالتمسك بالاجماع
~~المنقول في المسألة مما لا ينبغي، فضلا عن المحقق.
# وحينئذ فلا مانع من إبقاء كلام المحقق كعبارة الكتاب - الذي هو آخر كتب
~~المصنف، وموافق لآخر عبارة ذكرها في باب نقض الحكم من القواعد (1) - على
~~ظاهرهما، من إرادة الأعم من تبين البطلان بالقطع أو بالظن الاجتهادي، مع
~~كون الاجتهاد الأول صحيحا أيضا.
# بقي الكلام في حكم النقض بالاجتهاد بناء على ثبوت الخلاف في المسألة،
~~فنقول: الأقوى حرمة نقض الحكم الأول بالاجتهاد، لا لما قيل (2) من لزوم
~~الهرج والمرج، لضعفه بقلة نظر الحكام في أحكام غيرهم، بل أحكام أنفسهم، ولا
~~لقوله عليه السلام في المقبولة: " فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فبحكم الله
~~قد استخف وعلينا قد رد " (3)، لأن المفروض إن الحكم الثاني هو حكمهم عليهم
~~السلام لا الحكم الأول، ولذا لا يجوز أن يحكم به في الزمان الثاني، بل يجب
~~رده وعدم قبوله، بل لما تقرر في محله من أن كل عمل أتى به بحسب الاجتهاد
~~الأول، فلا يجب إعادته لو ظهر فساده بالاجتهاد الثاني، لأن وجوب إعادته
~~واستدراكه إن كان بالأمر الواقعي، وهو ايجاب الحكم بالحق الواقعي فهو غير
~~ممكن، لعدم العلم بكون ما فهمه حكما واقعيا.
# PageV00P150
# وإن كان بالأمر الثانوي - وهو ايجاب الحكم بمقتضى الطرق المجعولة شرعا
~~للحق الواقعي - فهذا الأمر قد امتثل مرة واحدة وحصل المطلوب في الحكم
~~السابق، ولا مزية للحكم الثاني عليه، لأن كلا منهما إنما أمر به، لكونه
~~مؤدى الطريق الظاهري.
# إلا أن يقال: أن الدليل إنما أوجب الحكم بالحق الواقعي، ولما تبين بالظن
~~الاجتهادي - الذي هو بمنزلة العلم - إن هذا الحكم الثاني هو الحق الواقعي
~~دون ما حكم به أولا، تعين الحكم به.
# وهذا الكلام يجري في كل واجب أتى به أولا بظن اجتهادي ثم تغير الظن.
# والأصل في المسألة: أن الظن الاجتهادي موجب لانقلاب التكليف، أو أنه طريق
~~صرف ومرآة محضة ms068 للواقع؟ والأظهر هو الثاني، وإن كان عمل العلماء، بل سيرة
~~المسلمين في بعض المقامات يقتضي العمل على الأول.
# فالأولى الاقتصار على مقامات الاجماع والسيرة، وقد أشبعنا الكلام في هذه
~~المسألة في الأصول في باب الرجوع عن الفتوى (1).
# ومما ذكرنا ظهر أنه لو سلم عدم نقض الحكم بالاجتهاد من جهة الاجماع أو
~~السيرة أو لزوم الهرج، فإنما هو في الحكومة المأمور بها في قطع الخصومات،
~~وأما الحكم الناشئ من غير خصومة على القول بصحته ووجوب الالتزام، بحيث يحرم
~~بعده الخصومة وجر المحكوم له إلى حاكم آخر - من جهة عموم (2) ما دل على
~~وجوب قبول حكم الحاكم، لأنه حكمهم
# PageV00P151
# فالرد عليه رد عليهم - فلا دليل على حرمة نقضه بحكم آخر من نفس الحاكم أو
~~من غيره إذا تبين بعد النظر فيه خطأه بالاجتهاد، بل مقتضى وجوب الرجوع إلى
~~الحق نقض الحاكم له، لأن الحكم الثاني يصير حكم الإمام عليه السلام، وغيره
~~حكم الجور.
# وبالجملة، فحال هذا الحكم حال الفتوى التي يرجع عنها المفتي، كما إذا وقع
~~معاملة بالاجتهاد ثم تغير الاجتهاد، وهو المسمى ب " نقض الفتوى بالفتوى "،
~~وقد علمت أن الأظهر فيه بحسب الأدلة النقض، وللمتأخرين هنا تفصيلات ليس هنا
~~محل ذكرها.
# وأولى منه: نقض الفتوى بالحكم، والظاهر أنه اتفاقي إذا كان الحكم في مقام
~~فصل الخصومة، لأن مقتضى أدلة نصب الحاكم وكونه حجة كون حكمه نافذا على
~~المتحاكمين وإن كان حكمهما بحسب الفتوى خلافه.
# وظاهرهم عدم الفرق بين مخالفة المحكوم له للحاكم في الفتوى، وبين مخالفة
~~المحكوم عليه إلا أن الحكم في الصورة الأولى لا يخلو عن اشكال، بل منع، لأن
~~ظاهر أدلة حجية الحاكم حرمة رده ممن حكم عليه، ولو كان مقتضى فتواه بطلان
~~حكمه.
# أما جواز عمل المحكوم له بحكمه مع مخالفته لفتواه، فهو محل كلام، بل لا
~~يجوز له الترافع إليه، مثل إذا تنازعا في بيع وقع على بعض المسوخات فحكم
~~بالصحة، بناء على طهارتها، فإذا فرض اعتقاد أحد المتداعيين فنجاستها وفساد
~~البيع، فكيف يجوز أكله الثمن بمجرد ms069 حكم الحاكم بالصحة؟! بل يحرم حينئذ
~~مطالبة المشتري بالثمن والترافع به إلى من يرى طهارتها وصحة البيع، وسيأتي
~~في كلام المصنف الجزم بالتحريم فيما إذا اعتقد PageV00P152
# المدعي حرمة الشفعة مع الكثرة (1)، وأما في غير مقام فصل الخصومة فالظاهر
~~عدم نقض الفتوى به.
# وأما نقض الحكم بالفتوى، فيعرف حاله مما ذكرنا في نقض الحكم بالحكم، وإن
~~الحكم الذي لا ينقض هو الحكم في مقام الخصومة، وأما غيره فلا دليل على حرمة
~~نقضه بالحكم ولا بالفتوى، خصوصا على ما ذكره الشهيد قدس سره (2) من أن
~~الحكم أعم من القول بأن يقول: حكمت بصحة هذا البيع، ومن الفعل بأن يباشر
~~ايقاع العقد بنفسه.
# ثم إن بعض المعاصرين (3) قد استثنى من صورة نقض الحكم ما لو جدد
~~المترافعان التحاكم إلى الحاكم الثاني برضى منهما، وحكم بجواز نقض الحكم
~~السابق ولو بالاجتهاد بناء منه على أن التراضي منهما على رفع اليد عن الحكم
~~الأول جعله كأن لم يكن، بل ربما حمل عليه العبارة المتقدمة من الشرائع (4)
~~المشتملة على وجوب النظر في أمر المحبوس الذي قضى عليه بضمان مال، وجعل هذا
~~وجها للحكم بوجوب النظر، مع أنه ليس بواجب، إلا إذا ادعى المحكوم عليه
~~الجور في الحكم.
# وأنت خبير بما في جعل تجديد المرافعة برضى المتداعيين سببا لوجوب النظر،
~~لعدم الدليل على دوران الأمر مدار تشهي المترافعين، والأصل بقاء أثره، مع
~~منافاته لأدلة وجوب الرضى بالفقيه حكما، مع أن حكم الحاكم في
# PageV00P153
# الواقعة الشخصية والعمل فيها ليس بأدون من العمل في الواقعة الشخصية
~~بفتوى المفتي، وقد ادعوا الاجماع على عدم جواز رفع اليد والرجوع عنه في نفس
~~تلك الواقعة الشخصية، وإن جوز بعضهم الرجوع عنه في مثلها (1).
# فالأقوى أن تجديد المرافعة غير مشروع.
# وأبعد من ذلك: حمل عبارة الشرائع على هذا المعنى، وأبعد من الكل تجويز
~~النقض حينئذ حتى بالظن الاجتهادي، لأن هذه الصورة ليست بأولى من صورة دعوى
~~المحكوم عليه بالجور، فتأمل.
# وبالجملة، فلا ينبغي الاشكال في عدم جواز تجديد المرافعة.
# (ولا يجب) بمجرد تشهي ms070 المترافعين (تتبع الحكم السابق)، نعم، له أن يتتبع
~~بلا خلاف يظهر، للأصل، وإذا تتبع فلا يجوز النقض (إلا مع علم الخطأ)، بناء
~~على ما تقدم من التفصيل المعروف بين المتأخرين بين العلم والظن الاجتهادي
~~(2)، فينقضه مع العلم بالخطأ وإن كان في حقوق الناس، ولم يطالب
~~[المتداعيين].. (3).
# المخالفين (4) فلا يفتى به، (فإن زعم الخصم) المحكوم عليه (البطلان) (5)
~~المدعى بالبينة وإلا أحلف الحاكم.
# PageV00P154
# وإن ادعى الجور، أي بطلان الحكم الكلي الذي حكم به عليه، لا الجور في
~~كيفية فصل الخصومة، فإنهما دعويين أخريين لا دخل للنظر في صدقهما وكذبهما،
~~بل الحكم هناك بالبينة واليمين.
# نعم، يحتمل أن يراد به الأعم من لزوم النظر وجوب النظر في أمرهما وتتبع
~~حال الحاكم في الإصابة والخطأ بما يقتضيه دعوى مدعي البطلان، فإن ادعى جوره
~~في كيفية الفصل.. (1) أو أحلف المنكر مع وجود البينة وذلك أحضر (2) القاضي
~~بينهما على التفصيل الآتي.
# وإن ادعى خطأه في الحكم الكلي الذي أمضاه في الواقعة، نظر في تلك المسألة
~~وأدلتها.
# وبالجملة، فالمقصود هنا بيان وجوب التتبع في مقام عدم وجوبه إذا لم يدعي
~~المحكوم عليه شيئا، لكن المعنى الأول أظهر (3)، (نظر) الحاكم الثاني (فيه)،
~~لأن ذلك مما لا مدخل للبينة فيه، فوجب على الحاكم تحصيل العلم به، فإن علم
~~صدق المدعى نقض الحكم ولو قلنا إن الحاكم لا يحكم بعلمه، لأن ذلك في
~~الشبهات الموضوعية.
# وإن لم يعلم صدقه أمضى الحكم الأول، وليس له على الحاكم الأول يمين إلا
~~إذا ادعى علمه بذلك، مع احتمال ثبوت اليمين على أنه لم يعلم ببطلان حكمه.
# PageV00P155
# ولا فرق فيما ذكرنا بين حكام حال الحضور، وحكام زمان الغيبة، ويحتمل
~~الفرق بناء على ظهور أدلة نصب حكام الغيبة في وجوب القبول عنهم وعدم جواز
~~الرد عليهم (1).
# وفيه: أن الواجب قبول حكم الله وعدم رده، والمفروض أن المحكوم عليه يدعي
~~أن هذا ليس ذاك. غاية الأمر أن الحاكم أمين في إجراء حكم الله، وهذا
~~المقدار لا يوجب عدم جواز هذه الدعوى.
# نعم، يمكن الاستشكال في وجوب ms071 النظر في حكم الحاكم مطلقا بمجرد الدعوى
~~أولا بعدم الدليل على سماع هذه الدعوى إن كانت على الحاكم الأول، إذ لا
~~يلزم من ثبوتها ضمان عليه ولهذا لو اعترف الحاكم به لم يلزمه شئ، لأن
~~الموجب للضمان هو تعمد الحكم بالجور، وأما الخطأ في الحكم فلو حصل بسببه
~~إتلاف فإنما هو في بيت المال، مع أنه قد لا يوجد سبب الضمان، كما لو كانت
~~دعوى الجور قبل ترتيب الأثر على الحكم.
# ولو أرجعت هذه الدعوى إلى الدعوى على المحكوم له، بأنك لا تستحق شيئا
~~لأجل هذا الحكم لم ينفع، لأن النافع له علم المحكوم له بذلك (2).
# PageV00P156
# ومما ذكرنا ظهر أن المقصود منها رفع أثر الحكم الأول بالنسبة إلى المحكوم
~~عليه، فعلى تقدير كونها مسموعة لا مخلص لها إلا وجوب نظر الحاكم الثاني في
~~المسألة، ولذا لم يذكر أحد هنا في علاج هذه الدعوى غير النظر.
# وليست هذه المسألة من جزئيات مسألة دعوى الجور على الحاكم التي يترتب
~~عليها احضار الحاكم، أو مطالبة المدعي بالبينة، أو الحاكم باليمين، بل
~~بإقامة البينة على أنه حكم بالعدل، وقد وقع التعبير عن هذه الدعوى بدعوى
~~الجور في عبارة الشرائع (1) والقواعد (2)، فزعم بعض (3) شراحهما تبعا لكاشف
~~اللثام، أنها من جزئيات مسألة الدعوى على القاضي، فذكر كاشف اللثام بعد
~~التردد في احضار القاضي قبل إقامة البينة أنه " إذا نظر فيه وثبت الجور
~~ضمنه ما تلف بحكمه. وإن لم يثبت، هل عليه اثبات أنه هل حكم بالعدل، أو
~~القول قوله؟ " (4) وتبعه في ذلك بعض شراح الكتابين (5)، مع استشكال بعضهم
~~في ذلك بأنه كيف له أن يقيم البينة المطلعة على الحكم الشرعي ليشهد أنه حكم
~~بالعدل؟!
# واستشكل آخر (6) فيه، تارة بعدم الدليل على سماع هذه الدعوى على
# PageV00P157
# الحاكم، خصوصا في زمان الغيبة، مع كونه كالولي بالنسبة إلى المترافعين
~~فلا يسمع دعواهما عليه، لأنها نظير دعوى المولى عليه على الولي حال ولايته،
~~فالمناسب تخصيص الحكم بالقاضي المعزول الذي تزول ولايته.
# وأخرى بأن سماعها لا يوجب وجوب النظر، بل يحصل ms072 التخلص عنها ببينة المدعي
~~أو يمين المنكر، وإلى غير ذلك مما ذكر في المقام.
# وأنت خبير بأن منشأ ذلك كله تعبير الشرائع والقواعد عن هذه الدعوى بدعوى
~~الجور، وعدم تفطن الشراح لكون الحكم بوجوب النظر فيها وعدم التعرض فيها
~~للبينة واليمين، قرينة على إرادة دعوى بطلان الحكم، ليرتفع أثره عن المحكوم
~~عليه، لا ليضمن القاضي شيئا.
# فالأحسن في التعبير: ما ذكره المصنف هنا من دعوى البطلان، وأحسن منه
~~تعبير الدروس بقوله: " لو ادعى الخصم موجب الخطأ لزم النظر " (1)، لأن
~~المتبادر من الجور - كما ذكرنا - الجور في كيفية فصل الخصومة، كأن يعمل
~~بالبينة في غير محلها أو يهملها في محلها (و) كما (لو ادعى) أنه حكم عليه
~~بشهادة (فاسقين (2)) مع عدم ثبوت عدالتهما عنده، أو غير ذلك مما لا مدخل
~~للنظر في صدقه وكذبه، توجه بعض ما ذكروه (3) من التردد في احضاره قبل إقامة
~~البينة، وإن جزم المصنف هنا بأنه (وجب احضاره، وإن لم يقم [المدعي] (4) قبل
~~الاحضار (بينة)
# PageV00P158
# تشهد له بعد الاحضار، بل وإن اعترف لعدم ثبوت البينة له، لاحتمال اقراره
~~بعد الحضور أو الاكتفاء بيمينه، بناء على سقوط اليمين عنه، هذا هو المحكي
~~(1) عن الأكثر، وهو الأوفق بقاعدة سماع الدعوى.
# وقيل: لا يجب احضاره، بل لا يجوز، لأن فتح هذا الباب موجب لهتك القاضي
~~الموجب لزهد القضاة في القضاء (2). وفيه ما لا يخفى.
# نعم، ينبغي أن يعتبر في سماع الدعوى، دعوى علم القاضي بفسقهما أو عدم
~~استزكائهما مع جهالة حالهما عنده، وإلا فمجرد حكمه بفاسقين واقعيين لا يوجب
~~ضمانه، ولو اعترف به، فكيف يسمع دعوى ذلك عليه؟!
# ثم إذا حضر (فإن اعترف بالدعوى (3)) على وجه يوجب الضمان (ألزمه) بما
~~يقتضيه اعترافه من تضمينه المال المستوفي بحكمه إذا لم يعترف المحكوم له
~~بفسق الشهود.
# (وإلا) يعترف، فإن قام عليه البينة على ذلك الوجه أيضا ضمن، وإلا حلف على
~~أنه لم يحكم عليه بشهادة فاسقين غير ظاهري العدالة عنده.
# وقيل (4) بعدم اليمين عليه، لما يظهر من الشرع من أمانته وحرمة اتهامه، ms073
~~ومنافاة ذلك لحكمة نصب الحكام، وفيه ما لا يخفى.
# هذا، لو لم يعترف بأصل الحكم، ولو اعترف بالحكم وأسنده إلى
# PageV00P159
# شهادة عدلين، فهل عليه البينة - كما عن المبسوط - (1) لصيرورته مدعيا
~~والأصل عدم حكمه شهادة عدلين، أم يقتصر على يمينه كما عن الأكثر (2)، لأنه
~~أمين في فعله، فما عليه عند دعوى الخيانة عليه إلا اليمين، مع أنه قد يعلم
~~هو عدالة الشهود ولا يعلمها غيره فيعجز عن إقامة البينة مع أنه لا اشكال في
~~تقديم مدعي الصحة أم لا يفتقر إلى اليمين أيضا، كما رجحه في محكي الإيضاح
~~(3) بعد اختياره القول الثاني؟ وجوه، خيرها أوسطها.
# (فالقول قوله في الحكم بشهادة عدلين على رأي) الأكثر لأنه أمين، وفي
~~المبسوط يقيم البينة، لاعترافه بنقل المال وادعائه المزيل الشرعي (4)،
~~وفيه: أن هذا شأن كل من يدعي سببا صحيحا من العقود والايقاعات.
# ثم هل يفتقر (مع) ذلك إلى (يمينه) أم لا؟ قولان: أقواهما الأول، لهموم: "
~~اليمين على من ادعى عليه " (5)، وعن بعض العامة الثاني (6).
# وحكي عن الإيضاح ترجيحه (7)، ومال إليه الشارح (8)، لما تقدم مع تضعيفه.
# PageV00P160
# وفي المسالك (1): أنه لا يعلم به قائل من أصحابنا.
# [(ويحرم عليه أن يتعتع الشاهد بأن يداخله في التلفظ بالشهادة أو يتعقبه،
~~بل يكف حتى يشهد، فإن تلعثم صبر عليه، ولو توقف لم يجز له ترغيبه في
~~الإقامة ولا تزهيده فيها، ولا ايقاف عزم الغريم عن الاقرار إلا في حقوقه
~~تعالى)] (2).
# (وإذا سأل الخصم الحاكم احضار خصمه مجلس الحكم، أجيب) التماسه (مع حضوره)
~~في البلد (وإن لم يحرر الدعوى) عند علمائنا، كما في المسالك (4)، وعن ظاهر
~~المبسوط أيضا الاجماع عليه (5)، ولعله لأنه المتعارف في أعداء المستعدي
~~وانتصار (6) المظلوم وإحقاق الحقوق الذي أمر به القاضي، فإن المتبع في مثل
~~ذلك هو الطريق المتعارف المعمول بين الحكام العرفية، مع أن تحرير الدعوى في
~~غياب المدعى عليه لا فائدة فيه، بعد لزوم إعادتها إذا حضر ليستمعها ويجيب
~~عنها، فاحتمال أن يكون دعواه دعوى غير مسموعة، فيكون احضار الخصم لغوا، جار
~~في صورة تحرير الدعوى ms074 في غيابه أيضا، إذ لعله يحررها بعد الحضور على وجه لا
~~تسمع، فتأمل.
# PageV00P161
# فما ذكره في الشرح من التأمل في لزوم الاحضار قبل تحرير الدعوى لولا
~~الاجماع - لأنه لم يثبت تسلط المدعى عليه مطالبة الجواب (1) - مدفوع بما
~~ذكرنا من الوجهين، والاشكال عن أولهما، فإن ما ذكر أخيرا جار مع عدم الحضور
~~في البلد، مع أنه قد صرح المصنف قدس سره (و) غيره (2) بأنه (لا يجاب)
~~التماسه (في الغائب) عن البلد (إلا مع التحرير) لدعواه، معللين له بثبوت
~~المشقة في ذلك، فلا يكلف به إلا بعد معرفة كون الدعوى مسموعة المتوقفة على
~~تحريرها. واحتمال أن يحررها بعد الحضور على وجه لا تسمع احتمال بعيد لا
~~يعبأ به، وعن المصنف قدس سره في المختلف (3) والشيخ (4) في الخلاف وابن
~~سعيد (5)، والإسكافي (6) أنه لا يحضر بعد التحرير، إلا أن المحكي عن ظاهر
~~الأخيرين أنه يحضر بعد اثبات المدعي حقه (7)، وعن المصنف (8): أنه لا يحضر
~~إلا بعد عجز المدعي عن الاثبات وطلبه احلاف المدعى عليه فيحضر للحلف أو بعد
~~الاثبات وكون المال عنده، وإلا فإذا أثبت المدعى باع الحاكم ماله ودفعه إلى
~~المدعي.
# PageV00P162
# هذا كله، إذا كان المدعى عليه في ولايته التي يباشر أمورها، وإن كان في
~~ولاية خليفته سمع بينته وأرسل إلى خليفته، وله أيضا احضاره، وأن يستخلف
~~هناك من يحكم عليه، وله أيضا ارسال المدعي إلى خليفته ليثبت عنده ويحكم له،
~~لكن قيده بعض برضى المدعي (1).
# (وإن كان في غير ولايته) لم يكن له أن يحضره، كما في المسالك (2)، إذ لا
~~سلطنة له عليه وإن كان من أهل تلك الولاية، لأن العبرة في تولية البلاد بمن
~~حضر الولاية وإن لم يكن من أهلها، بل (أثبت الحكم عليه) بالحجة ويكون
~~الغائب على حجته، ولا منافاة بين نفوذ حكمه عليه إذا كان المحكوم له حاضرا
~~في ولايته وعدم تسلطه على احضار المحكوم عليه، إذ يكفي في نفوذ الحكم جواز
~~مباشرة القضاء، ولا ريب في جوازها إذا حضر عنده المدعي ولا سلطنة له على
~~الغائب عن ms075 ولايته.
# ثم إن ظاهر تفصيلهم بين كون المدعى عليه في ولايته وبين كونه في غيرها،
~~وجوب الاحضار في الأول قبل التحرير أو بعده، مع أن القضاء على الغائب عن
~~مجلس الحكم ثابت عندهم، فإما أن يحمل وجوب الاحضار على ما إذا التمس المدعي
~~ذلك، وإما أن يراد الوجوب التخييري بينه وبين الحكم على الغائب في مقابل من
~~خرج عن ولايته، حيث يتعين فيه القضاء على الغائب (3).
# PageV00P163
# [(وإن كانت امرأة برزة كلفت الحضور، وإلا أنفذ من يحكم بينهما.
# ويكتب ما يحكم به في كتاب، ولا يجب عليه دفع القرطاس من ماله، بل يأخذه
~~من بيت المال أو الملتمس.
# ولو اعتقد تحريم الشفعة مع الزيادة لم يحل له أخذها بحكم من يعتقدها، لكن
~~لا يمنعهم من الطلب بناء على معتقده.
# ولا يحل له أن يحكم بما يجده مكتوبا بخطه من دون الذكر - كالشهادة - ولو
~~كان الخط محفوظا عنده وأمن التزوير.
# ولو شهد شاهدان بقضائه ولم يذكر، فالوجه القضاء، ولو تمكن المدعي من
~~انتزاع عينه ولو قهرا فله ذلك من دون الحاكم مع انتفاء الضرر.
# ولو كان الدعوى دينا والغريم باذل مقر لم يستقل من دون تعيينه أو تعيين
~~الحاكم مع المنع، ولو كان جاحدا وهناك بينة ووجد الحاكم فالأقرب جواز الأخذ
~~من دونه، ولو فقدت البينة أو تعذر الحاكم جاز الأخذ إما مثلا أو بالقيمة،
~~فإن تلفت العين قبل بيعها، قال الشيخ: لا ضمان ولو كان المال وديعة كره
~~الأخذ على رأي ولو ادعى ما لا يد لأحد عليه فهو أولى.
# ولو انكسرت سفينة، فما أخرجه البحر فلأهله، وما أخرج بالغوص فلمخرجه)]
~~(1).
# PageV00P164
# المقصد الثالث في الدعوى وفيه مطالب: PageV00P165
# المطلب الأول في تحقيق الدعوى والجواب [(يشترط في المدعي: التكليف، وأن
~~يدعي لنفسه أو لمن له ولاية عليه - كالأب والوصي والوكيل والحاكم وأمينه -
~~ما يصح تملكه)] (1).
# واعلم أنه لا يعتبر في صحة الدعوى وسماعها كون المدعى معلوما، بل يسمع
~~(وإن كان مجهولا (2))، وفاقا لأكثر المتأخرين (3)، بل قيل (4) كلهم عدا
~~نادر، لعمومات وجوب الحكم، و ms076 " أن البينة على المدعي واليمين على من ادعي
~~[عليه] (5) " (6)، ولأن الحاجة قد تمس إلى سماعها، لعدم علم المدعي به
# PageV00P167
# وعجزه عن بيانه (1)، فلو لم تسمع لضاع حقه.
# خلافا للمحكي عن الشيخ (2) وابن زهرة (3) وابن حمزة (4) وابن إدريس (5)
~~وأبي الصلاح (6) والمصنف في التذكرة (7) والشهيد في الدروس (8) فلم
~~يسمعوها، ولعله لعدم ثبوت شئ من أجلها بالبينة والاقرار، لعدم العلم
~~بمطابقة ما أقر به أو قام به البينة لما ادعاه المدعي، فيكون كالاقرار
~~والبينة الغير المسبوقين بالدعوى، ولامتناع الحكم بالمجهول، فلا فائدة في
~~سماعها.
# ودعوى أن الفائدة هي الزام المدعى عليه بعد الاقرار بالتفسير، لا تجدي،
~~لأن ما يثبت حينئذ إنما يثبت بالتفسير الذي هو خارج عن جواب المدعي لا
~~بالاقرار.
# والظاهر من أدلة قطع الخصومات هو قطعها بنفس الأسباب الشرعية، مثل قوله
~~تعالى في الحديث القدسي مخاطبا لبعض أنبياء بني إسرائيل: " إقض
# PageV00P168
# بينهم بالبينات " (1)، وقوله صلى الله عليه وآله: " إنما أقضي بينكم
~~بالبينات " (2)، وقوله عليه السلام: " استخراج الحقوق بأربعة: بينة عادلة
~~ويمين قاطعة.. " (3).
# ودعوى أن إلزام المدعى عليه بالتفسير لا يثبت به شئ، وإنما هو من باب
~~المقدمة للخروج عن الحق المجهول الذي ثبت بالاقرار، مدفوعة بما تقدم من
~~امتناع الحكم بالمجهول، ولذا صرح جماعة كالشيخ (4) والحلي (5) وابن زهرة
~~(6) في باب الاقرار: أن المقر بالمبهم إذا لم يفسره جعلناه ناكلا، فإن حلف
~~المقر له، وإلا فلا حق له، وصرح جماعة (7) بوجوب حبسه حتى يفسر، وصرح في
~~الروضة (8) بأنه إذا مات طولب وارثه بالتفسير.
# ولكن التحقيق الحكم بالسماع، وإلزامه بالتفسير بعد الاقرار،
# PageV00P169
# فإن أبى حكم عليه بمسمى المدعى. وامتناع الحكم بالمجهول ممنوع وإن استدل
~~به بعضهم (1)، إذ لا مانع من أن يقول له: أخرج عما اعترفت من الحق. وكذا لو
~~أقام المدعي البينة، بناء على سماعها هنا، كما يظهر من الشارح (2).
# نعم، لو قام إجماع على عدم الالزام بالمجهول، وأن المقر مطالب بتفسيره
~~حتى يموت، أو أنه يجعل ناكلا فيرد اليمين على المدعي إذا عينه، فإن حلف
~~وإلا فلا حق له، كان عدم ms077 السماع غير بعيد، لما عرفت من انصراف الأدلة إلى
~~الحقوق القابلة للاستخراج والدعاوي القابلة للفصل بالبينة والاقرار، حتى
~~يترتب على ذلك احلاف المدعى عليه عند الانكار.
# وأما دعوى عدم العلم بالمطابقة بين الاقرار والبينة عند قيامها وبين
~~المدعي فمكذبة بحكم العرف، وإن سلمنا صدقها عند التدقيق، مع أنه قد يقر أو
~~تقوم البينة على وجه يصدق المدعي، فتأمل.
# ثم الظاهر اتفاقهم على صحة دعوى الوصية بالمجهول أو الاقرار به (3)، لصحة
~~تعلقهما بالمجهول. وكما يسمع دعوى المجهول كذلك يسمع دعوى الفرد الشائع في
~~جنسه، كأن يدعي عليه فرسا على سبيل البدلية، لاحتمال استناده في ذلك إلى
~~نذر أو وصية (4).
# PageV00P170
# [(فلا تسمع دعوى الهبة مجردة عن دعوى القبض، ولا دعوى أن هذه بنت أمته أو
~~ضم: ولدتها في ملكي، ما لم يصح بدعوى ملكية البنت، ولا تسمع البينة إلا
~~بذلك، وكذا: هذه ثمرة نخلتي، ولو أقر الخصم بذلك لم يحكم عليه، ويحكم له لو
~~قال: هذا الغزل من قطنه أو الدقيق من حنطته، ولو قالت: هذا زوجي، كفى في
~~دعوى النكاح من غير توقف على ادعاء حقوقها.
# ولو ادعى علم المشهود له بفسق الشاهدين أو الحاكم أو الاقرار أو أنه قد
~~حلف، ففي اليمين اشكال، لأنه ليس عين الحق بل ينتفع فيه، وليس له تحليف
~~الشاهد والقاضي وإن نفعه تكذيبهم أنفسهم، وتسمع الدعوى بالدين المؤجل، ولا
~~تفتقر الدعوى إلى الكشف إلا في القتل، فلو ادعى فرسا سمعت)] (1).
# (وهل (2) يشترط) في سماع الدعوى كونها على وجه (الجزم، أو يكفي الظن) بل
~~الاحتمال، مثل قوله: أظن أو أتوهم كذا؟ (إشكال) وخلاف.
# فعن جماعة (3)، بل عن المشهور (4) اعتباره، للأصل، ولأن المتبادر من
~~الدعوى - لغة وعرفا - ما كان بصيغة الجزم، لأن مرجعها إلى مطالبة الحق
~~الظاهرة في الجزم بالاستحقاق، فحينئذ لا تسمع بينته، لأن الثابت هو سماع
~~بينة المدعي المفروض عدم صدقه هنا. وكذا لا يحلف الخصم، لعدم كونه
# PageV00P171
# ممن ادعى عليه، وعنوان المنكر وإن صدق عليه إلا أن مقابلته بالمدعي في
~~النبوي المشهور (1) كالصريح في ms078 أن المراد به من ادعي عليه لا كل من أنكر.
# ولأن القضاء بمجرد النكول أو يمين المدعي من لوازم الدعوى وفصل الخصومة،
~~إذ ربما ينكر المدعي عليه ولا يحلف ولا بينة، ولا يمكن ذلك مع عدم الجزم،
~~أما الثاني: فواضح، لعدم جواز اليمين مع الاحتمال.
# وأما الأول: فلأنه لا يجوز للمدعي أن يستبيح بمجرد حكم الحاكم - الذي لا
~~يغير الواقع - شيئا لا يعلم استحقاقه، بل يعلم استحقاق المنكر له في ظاهر
~~الشرع قبل حكم الحاكم.
# ويرشد إلى ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وآله - في مقام قطع الخصومة -:
# " فمن اقتطعت له من مال أخيه شيئا فقد اقتطعت له قطعة من النار " (2).
# خلافا لجماعة، فحكموا بالسماع، إما مطلقا (3) أو مع التهمة (4) أو فيما
~~يعسر الاطلاع عليه (5)، لعمومات وجوب الحكم، ومنع عدم صدق الدعوى - ولذا
~~يقال دعوى ظنية أو احتمالية - ولمسيس الحاجة إلى سماعها كثيرا
# PageV00P172
# وإلا لزم تضييع الحق سيما فيما يعسر الاطلاع عليه غالبا، ومنع رد اليمين
~~هنا على المدعي وإن قلنا به في غيره، وكذا القضاء بمجرد النكول، فيكون
~~القضاء بالنكول أو برد اليمين من لوازم الدعوى العلمية.
# ويكتفى هنا بالبينة في اثبات الحق، وما ورد من أن استخراج الحقوق بأربعة
~~وعد منها يمين المدعي مع شاهد واحد أو اليمين المردودة (1)، فليس المراد به
~~اعتبار قابلية كل دعوى لهذه الأمور الأربعة، بل معناه: إنها لا يخلو
~~اثباتها عن واحد من تلك الأربعة.
# هذا، مع أنه ربما يمنع من حرمة أخذ المدعى مع النكول الذي هو كالاقرار أو
~~البينة في إباحة الأخذ، ولأنه لو كان الجزم شرطا لوجب الاستفسار من المدعي
~~- إذا ادعى - هل هو جازم أو لا؟ لوجوب احراز شرط سماع الدعوى.
# وفي الجميع نظر، لأن أدلة الحكم بين الناس - مع فرض وجود مطلق فيها يشمل
~~ما نحن فيه - مقيدة بما دل على وجوب القضاء بينهم بالبينة واليمين، وقد خص
~~الشارع البينة بالمدعي واليمين بالمدعى عليه، وقد عرفت عدم تحقق الدعوى إلا
~~بالجزم، إلا أن يقال: إن حصر البينة واليمين ms079 في كل من المدعي والمنكر إضافي
~~بالنسبة إلى الآخر.
# فالعمدة منع العموم في أدلة الحكم بين الناس أو أدلة القضاء بينهم
~~بالبينات والأيمان.
# ثم إن دعوى ظهور الدعوى فيما يعم الشك والظن مكابرة، يكذبها
# PageV00P173
# الرجوع إلى فهم العرف من قولك: ادعى فلان على فلان.
# ودعوى أنه يلزم من ذلك عدم سماع البينة لو أقيمت على هذه القضية وعدم (1)
~~سقوط الحق عن المنكر لو حلف، مسلمة أولا، مع منع بطلان التالي، فإن الدعوى
~~إذا لم تسمع لم ينفع إقامة البينة ولا بذل المنكر لليمين.
# نعم، إذا سمعها الحاكم لا على وجه الوجوب واستفسر من الخصم لا على وجه
~~المطالبة، فإن أقر حكم عليه، وإن أنكر وقامت البينة حكم عليه أيضا، من جهة
~~عمومات وجوب الحكم بثبوت الحق عند قيام البينة أو الاقرار وسقوطه عند يمين
~~المنكر، مثل قوله عليه السلام: " استخراج الحقوق بأربعة شهادة رجلين.. الخ
~~" (2)، وقوله عليه السلام: " أحكام المسلمين على ثلاثة:
# بينة عادلة ويمين قاطعة.. " (3).
# نعم، لو بذل المنكر اليمين لم ينفع، لعدم كونه مدعى عليه.
# وبالجملة، فالفرق واضح بين وجوب فصل الخصومات بالبينة واليمين المتوقف
~~على مطالبة المنكر بالجواب ثم الزامه بمقتضى اقراره أو انكاره إن لم يقم
~~البينة، وبين وجوب حكم الحاكم في كل قضية اتفق قيام البينة عليها.
# فإن الأول يحتاج إلى تحقق عنوان المدعي والمدعى عليه بخلاف الثاني، ولذلك
~~ذكرنا عدم سقوط الحق عن المنكر لو بذل اليمين.
# PageV00P174
# وأما منع لزوم القضاء بالنكول أو اليمين المردودة لمطلق الدعوى، ففيه أنه
~~إن أريد من ذلك وجوب الزام المنكر بالحلف وحبسه عليه إلى أن يموت، فلا يخفى
~~أنه مخالف للدليل من غير تقييد، وليس بأولى من عدم سماع هذه الدعوى، حيث لا
~~يمكن فصلها على طبق الأدلة، فتأمل.
# وإن أريد أنه لو لم يحلف المنكر لم يلزم به ولم يحكم عليه بالنكول، ففيه:
~~أن الخصومة لا تنقطع بذلك، لأنه إذا لم يحكم عليه بالنكول بالانكار لم يحكم
~~عليه إذا سكت فينتفي فائدة السماع رأسا.
# وأما منع حرمة ms080 الأخذ بمجرد قضاء القاضي بالنكول، تنزيلا له منزلة الاقرار
~~أو البينة، ففيه - بعد تسليمه -: أنه بمنزلة أحدهما في الأحكام الوضعية
~~المترتبة عليهما في مقام فصل الخصومة لا مطلقا، فيكون دليلا شرعيا للمدعي
~~إذا كان شاكا.
# هذا، ولكن الانصاف امكان التفصي عن الوجه الثاني بجميع الوجوه المذكورة
~~في منعه.
# أما حبسه ليحلف (1)، إلى أن يموت، كما عن الصيمري، فهو غير بعيد بعد فرض
~~وجوب الحكم بين الناس إذا توقف قطع النزاع عليه، ومنه يظهر صحة الوجه
~~الثاني، وهو فصل الخصومة بالبينة فقط وعدم الزام المنكر بالحلف، فلو لم
~~يحلف لم يرد اليمين على المدعي ولم يقض بالنكول، بل توقف
# PageV00P175
# الدعوى، كما عن جماعة (1).
# وأما الوج الثالث، فلا ضير في التزامه أيضا بعد فرض دلالة الدليل على
~~وجوب القضاء بالنكول، كما صرح به في المسالك (2)، إلا أن يدعى اختصاص أدلة
~~القضاء بالنكول بصورة جزم المدعي، كما هو الظاهر [فيسقط الوجه الثالث،
~~ويبقى فصل الخصومة] (3) بأحد الأولين.
# ثم إنه ربما يستشهد لإباحة الأخذ بالمدعى مع الشك بوجود نظيره في
~~الشريعة، مثل ما دل على أن الأجير كالغسال والصباغ والمكاري إذا ادعوا
~~التلف ولم يقيموا بينة، حل تغريمهم المال، وإن لم يعلم بكذبهم (4).
# وفيه - بعد تسليم اطلاقها بحيث يشمل صورة عدم اطلاع صاحب المال بالحال،
~~وبعد الغض عما سيجئ من منع ظهور تلك الأخبار في الزام هؤلاء بالمال عند عدم
~~إقامتهم البينة -: أنه يحتمل أن يكون ذلك لإذن الشارع في التعويل على أصالة
~~بقاء المال، فإن الأجير مدع وصاحب المال منكر، فلا بأس بأن يجيب: ب " لا
~~أدري "، فيكون البينة على المدعي فإذا لم يقمها سقط دعواه التلف وألزم
~~بالمال أو قيمته، مع أنه ليس في تلك الأخبار - كما سيجئ - ظهور في الزامه
~~بالمال عند عدم إقامته البينة.
# PageV00P176
# ومما ذكرنا يظهر ضعف التمسك بهذه الأخبار ونحوها على سماع دعوى التهمة،
~~ففي رواية بكر بن حبيب: " أعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه، قال: إن
~~اتهمته فاستحلفه، وإن لم تتهمه فليس عليه شئ " (1). ونحوها روايته الأخرى. ms081
# ومصححة أبي بصير: " عن قصار دفعت إليه ثوبا فزعم أنه قد سرق من بين
~~متاعه، فقال: عليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه " (3).
# وفي أخرى: " لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك، إلا أن يكونوا
~~متهمين، فيخوف بالبينة أو يستحلف لعله يستخرج منه شيئا " (4).
# وفي رواية - في حمال معه الزيت، فيقول: قد ذهب أو أهريق (5) أو قطع عليه
~~الطريق -: " فإن جاء ببينة عادلة أنه قطع عليه الطريق أو ذهب فليس عليه شئ،
~~وإلا ضمن " (6).
# ومصححة الحلبي: " عن جمال استكري منه إبل وبعث معه بزيت إلى أرض، فزعم أن
~~بعض الزقاق انخرق فاهريق (7) ما فيه، فقال: إن شاء أخذ
# PageV00P177
# الزيت، وقال: انخرق، ولكنه لا يصدق إلا ببينة عادلة " (1). إلى غير ذلك
~~من الروايات الظاهرة في تضمينهم مع عدم قيام البينة بمجرد احتمال كذبهم،
~~كما يشهد به قوله في الرواية الأخيرة: " لا يصدق إلا ببينة عادلة ".
# والجواب عن الكل: أن موردها من عكس المسألة، وهو جزم المدعي وترديد
~~المدعى عليه، فأجاب الإمام عليه السلام في بعضها بلزوم إقامة البينة، وفي
~~بعضها بالاكتفاء عنه باليمين إن كان متهما، وتصديقه إن كان مأمونا.
# ثم إن المراد بضمانهم عند عدم إقامة البينة ليس الزامهم بالمال.
# كيف، وهو موقوف اجماعا على حلف صاحب المال، إما على عدم التلف أو على عدم
~~العلم به، إذا كان الجواب: " لا أدري "؟!
# فالمراد بالضمان هو كونهم في معرضه، من جهة كون القول قول صاحب المال،
~~وكذا ما دل على وجوب احلافه مع التهمة لا يدل على الحكم بضمانه إذا لم
~~يحلف، بل لا يبعد أن يكون الغرض من عرض الحلف عليه أن يخاف من اليمين
~~الكاذبة فيرد ما أخذه على وجه لا يكذب نفسه، كما يدل عليه قوله عليه
~~السلام: " فيخوف بالبينة أو يستحلف لعله يستخرج منه شيئا " (2).
# ثم لو سلمنا ظهور هذه الأخبار في سماع دعوى التهمة فلا ظهور فيها في كون
~~ايراد الدعوى بطرق غير الجزم، بل يحتمل أن يراد منها أنه إذا اتهم الأجير
~~يجوز ms082 الدعوى الجزمية عليه بمطالبة المال، وإن كانت مستندة إلى التهمة، ولا
~~دليل على حرمة ايراد الدعوى بصيغة الجزم مع عدم الجزم
# PageV00P178
# واقعا، سيما إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما يشعر به التعليل في قوله عليه
~~السلام:
# " فيخوف بالبينة أو يستحلف لعله يستخرج منه شيئا ". خصوصا إذا جعلنا
~~المراد من تخويفه بالبينة اظهار بينة تشهد ببقائه عندك، لا أن المراد
~~مطالبته بالبينة.
# هذا، مع إمكان حرمة ايراد الدعوى بصيغة الجزم مع الظن، فإن الاخبار
~~بمقتضى الظن لا دليل على حرمته في نفسه، وكيف كان، فالاستدلال بتلك
~~الروايات في غير محله.
# وأضعف منها: الاستدلال بحكاية قضاء أمير المؤمنين عليه السلام في الرجل
~~الذي خرج إلى السفر مع رفقة له فقتلوه، فاتهمهم ولد المقتول، فترافع بهم
~~أولا عند شريح فحكم بحلفهم له، ثم جاء بهم عند الأمير صلوات الله عليه،
~~فحكم بهم بحكم داود على نبينا وآله وعليه السلام " (1).
# وجه ضعفه: أن فعل شريح لا حجة فيه، وأما فعل علي عليه السلام فهو في قضية
~~خاصة، وقد صرح عليه السلام بكونه حكم داود.
# نعم، هنا أخبار أخر ظاهرة في سماع الدعوى إذا كانت على وجه التهمة:
# منها: الرواية الواردة في الرجل الذي أخرجه رجلان من منزله ليلا، فادعى
~~عليهما وليه على وجه التهمة (2).
# ومنها: ما ورد في باب الوصية فيمن حضره الوفاة فاستودع ماله من
# PageV00P179
# نصرانيين، فخانا شيئا من المال فادعى عليهما الوارث على وجه التهمة (1)،
~~إلا أن في الاعتماد عليهما اشكال، بل نظر ومنع.
# ثم إن مقتضى الوجه الثاني من وجهي عدم السماع - وهو عدم جواز رد اليمين
~~ولا القضاء بمجرد النكول - يقتضي اعتبار كون المدعي جازما في الواقع، ليجوز
~~له الحلف إذا رد اليمين عليه، وأكل المال إذا قضينا بمجرد النكول، لكنك
~~عرفت سابقا أن ذلك الوجه لا ينهض لاثبات المطلب، فيبقى الوجه الأول، وهو
~~منع صدق الدعوى، مع منع عموم في أدلة الحكم بين الناس. ومقتضاه: كفاية
~~ايراد الدعوى بصيغة الجزم، كما هو ظاهر الشرائع (2) وصريح المسالك (3)
~~وغاية المراد (4) وحكي عن ms083 الصيمري (5).
# وقد تعجب الشارح من صاحب المسالك، حيث جمع بين كفاية ايراد الدعوى بصيغة
~~الجزم وإن لم يكن جازما في الواقع، وبين استدلاله له بأن الدعوى يلزمها أن
~~يعقبها يمين المدعي أو القضاء بالنكول، وهما غير ممكنين مع عدم العلم بأصل
~~الحق، واعترض عليه أيضا، بأنه كيف يورد الدعوى بصيغة الجزم مع عدم جزمه
~~واقعا، وذلك كذب وتدليس،
# PageV00P180
# ولا ضرورة حتى يجوز التورية (1). وتبعه في ذلك صاحب الكفاية (2).
# أقول: قد عرفت أنه لا مانع من ايراد الدعوى بصيغة الجزم، خصوصا فيما فرضه
~~في المسالك (3) من صورة وجود بينة تشهد له بحقه، خصوصا مع التورية، ومنع
~~الضرورة المسوغة لها محل نظر.
# هذا كله مع أن الكلام ليس في مقام الجواز التكليفي وعدمه للمدعي، وإنما
~~الكلام في سماع دعواه، وأما قوله: " أن الدعوى يلزمها أن يعقبها يمين
~~المدعي " (4) فليس معناه لزوم تعقبها له فعلا، كيف ورب دعوى لا تنجر إليه،
~~بل المراد أن الحاكم إذا رأى أن الدعوى ليس من شأنها أن يعقبها يمين المدعي
~~أو القضاء بالنكول لا يسمعها. ويكفي في شأنية الدعوى لذلك كونها بصيغة
~~الجزم.
# نعم، لو فرض علم الحاكم بأن المدعي غير جازم في قلبه، توجه عدم سماعها.
~~لكن الظاهر أن كلام المسالك ومثله محمول على الغالب.
# ثم إن ظاهر المحكي عن الرياض (5) أن محل الخلاف إنما هو في صورة التهمة -
~~المفسرة في كلام بعض (6) بما يعسر الاطلاع عليه - وأما القول
# PageV00P181
# بالسماع مطلقا لم يعرف لأحد من علمائنا، وإن حكاه في المسالك (1) بلفظ "
~~قيل "، والظاهر أنه كان كذلك إلى زمان المحقق الشارح (2)، فمال إلى السماع
~~مطلقا (3) وتبعه جماعة ممن تأخر عنه (4)، واختاره جماعة (5) من المعاصرين،
~~بل صرح بعضهم (6) بعدم الفرق بين الدعوى المظنونة والمشكوكة والموهومة،
~~بناء على شمول لفظ التهمة في كلامهم للوهم، وتعويلا على عبارة الدروس حيث
~~قال: " وأما الجزم فالاطلاق محمول عليه. ولو صرح بالظن، أو الوهم، فثالث
~~الأوجه: السماع فيما يعسر الاطلاع عليه " (7).
# أقول: أما من عبر بالتهمة فالظاهر أنه لا يشمل مطلق الوهم، وهو ms084 الاحتمال
~~المرجوح، كما يعلم من قوله: " اتقوا من مواضع التهم " (8).
# وما ذكروه من كراهة سؤر الحائض المتهمة، بل جعلوها أخص من غير المأمونة.
~~وقولهم: إن التهمة من موانع قبول الشهادة.
# والظاهر أن لفظ " الوهم " في كلام الشهيد أيضا يراد به مبدأ الاتهام،
# PageV00P182
# لا مطلق الاحتمال المرجوح، فتأمل.
# وظاهر عبارة المصنف هنا عدم سماع غير المظنونة.
# ويتفرع على ما ذكر - من سماع الدعوى المشكوكة والموهومة - سماع الدعوى
~~على أزيد من واحد إذا ادعى على كل منهم بالاستقلال، سواء ادعى العلم
~~الاجمالي بثبوت الحق على بعضهم أو لا.
# وأما لو قال: " أحدكما لي عليه كذا "، فالظاهر عدم السماع، إذ لا مدعى
~~عليه معينا، حتى يطالب بالجواب، ولعدم سماع البينة على أحدهما الغير
~~المعين، وعدم جواز حلفه، واستحقاق احلاف كل منهما ليس عين حلف المنكر.
# إلا أن الظاهر من الرواية المتقدمة - في هذه المسألة - في نصرانيين
~~استودعهما الميت عند وفاته مالا فادعى عليهما الوارث على وجه التهمة
~~الخيانة في ذلك المال (1) استحقاق الحلف عليهما وإن تردد المدعي بينهما،
~~إلا أن يحمل على كون الدعوى عليهما على وجه الاشتراك (2).
# [(ولو أحاط الدين بالتركة فالمحاكمة إلى الوارث فيما يدعيه للميت)] (3).
# (وإذا ادعى) المدعي وحرر الدعوى على وجه يستحق الجواب،
# PageV00P183
# (فإن سأل المدعي (1)) الحاكم (المطالبة بالجواب) فلا إشكال ولا خلاف في
~~وجوب مطالبته به، لتوقف قطع الدعوى على النحو المتعارف عليه، ولما سيجئ.
# وإن لم يسأله المطالبة فليس عليه، بل ولا له مطالبته به، كما هو ظاهر
~~المصنف هنا، كالمحكي عن موضع من المبسوط (2) والسرائر (3) وعن المهذب (4)
~~والشرائع (5) والدروس (6)، خلافا للمحكي عن ظاهر النهاية (7) والغنية (8)
~~وصريح التحرير (9) والمختلف (10) والكامل (11) وموضع آخر من السرائر (12)،
~~وقواه في محكي المبسوط (13)، بعد أن جعل الأول هو الصحيح عندنا.
# وكأن الجميع متفقون على أن الجواب حق للمدعي لا يطالب المدعى عليه
# PageV00P184
# به إلا بعد مطالبة المستحق. إلا أن الآخرين يكتفون - كما عن المبسوط (1)
~~والتحرير (2) والدروس (3) والمسالك (4) - بأن شاهد الحال يدل على سؤال
~~المدعي المطالبة بالجواب، للعلم العادي بأن الانسان لا يحضر ms085 خصمه مجلس
~~الحكم وينصرف من غير جواب.
# والأولون إما أن لا يقنعوا بشهادة الحال، لاعتبار القول الصريح في مطالبة
~~الحق، كما لا يجوز الاكتفاء في احضار الخصم بشهادة حال المدعي قبل التصريح
~~بالاستعداء، أو لعدم إفادته القطع بالمطالبة بمجرد تحرير الدعوى، فلعله لا
~~يلزم المدعى عليه بالمبادرة. وإما لأنهم أرادوا من المطالبة الأعم من
~~القولي والحالي، فيكون مقصودهم بيان أن الجواب حق المدعي ليس للحاكم
~~مطالبته من دون التماس المدعي حالا أو مقالا، يريدون بذلك دفع توهم كون ذلك
~~واجبا على الحاكم، لتوقف فصل الأمر عليه، كما احتمله الشارح المقدس قدس سره
~~حيث قال: " قد يقال: إن كون الحق للمدعي لا يستلزم توقفه على طلبه، أو أنه
~~بعد الاحضار كان حقا للحاكم " (5)، انتهى.
# وجزم به بعض المعاصرين (6) مستندا إلى أنه منصوب لقطع الخصومات، وضعفه
~~واضح، فإن قطع الخصومة قبل جواب المدعى عليه
# PageV00P185
# - لحق المدعي على عدم المطالبة - لا يجوز التصدي له (1)، كما لا يجوز
~~التصدي له قبل الادعاء. ودعوى شهادة الحال بطلبه قطع الخصومة رجوع إلى ما
~~ذكره الجماعة من حصول المطالبة بشهادة الحال.
# فالتحقيق: أن مطالبة الحاكم للمدعى عليه الجواب ليس لأدلة قطع الخصومات،
~~لأن الخصومة لا تحصل إلا بعد الجواب، بل هي لأدلة إحقاق الحقوق، نظير وجوب
~~احضار المدعى عليه عند استعداء المدعي عليه في كونها من مقدمات إحقاق
~~الحقوق الواقعية لمستحقها الواقعي.
# فحينئذ لا يعقل كونه حقا للحاكم بل هو واجب عليه لحق المدعي.
# نعم، ما ذكره الجماعة من حصول المطالبة بشاهد الحال حسن لو فرض شهادتها
~~بسؤال مطالبة الجواب فورا عقيب تحرير الدعوى.
# وربما يستدل بذلك بالأخبار الواردة في سؤال النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام المدعى على الجواب من دون مسألة المدعي
~~ذلك (2)،
# PageV00P186
# بل يدعى أن تتبع قضاياهم يوجب القطع بذلك (1).
# وفيه: أنه يحتمل أن يكون على وجه الاستفهام من دون مطالبة والزام
~~بالجواب، فإن الظاهر جواز ذلك من الحاكم ومن الأجنبي.
# ثم إنه لو أجاب من دون مطالبة فلا إشكال، ms086 وكذا إن سأله الحاكم من دون
~~مسألة المدعي، والظاهر أنه لا إثم على الحاكم ما لم يلزمه عليه، كما عرفت.
# ولا ينافي ذلك كونه حقا للمدعي، لأن سؤال الحاكم ليس تصرفا في حق المدعي
~~واستيفاء له، بل هو كسؤال الأجنبي.
# ثم إنه لو أجاب بالانكار أو الاقرار صح الحكم بشروطه.
# وربما يتخيل أنه لو أجاب بمطالبة الحاكم من دون مسألة المدعي بالانكار،
~~لم يتوجه عليه اليمين بل يعيد السؤال، وفيه نظر.
# وإن سكت لم يجر عليه أحكام السكوت الآتية، لأن المفروض عدم وجوب الجواب
~~عليه قبل مطالبة المدعي.
# فهنا تظهر ثمرة القولين، لا فيما سبق توهمه عن بعض.
# ثم إن ظاهر كلماتهم الاتفاق على عدم جواز الحكم من دون جواب المدعى عليه،
~~فلو أقام المدعي البينة قبل الجواب لم يجز للحاكم الحكم.
# وقد يشكل بعموم أدلة القضاء بالبينة، ولذا يقضى على الغائب.
# اللهم إلا أن يستظهر منها صورة التخاصم الفعلي، ويكون القضاء على الغائب
~~خارجا بالنص (2).
# PageV00P187
# هذا، مع استفاضة الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله بأنه إذا تقاضى
~~عندك رجلان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر (١)، وفي بعضها:
# " حتى تسأل الآخر " (٢).
# وفي بعضها التعليل بأنه أجدر أن تعلم الحق (٣)، وفي بعضها قال علي عليه
~~السلام: " فما شككت في قضاء بعد ذلك " (٤). وعن مولانا الرضا عليه السلام:
# " إن هذه خطيئة داود على نبينا وآله وعليه السلام في قضية الخصمين، حيث
~~قال: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾
~~(5) ولم يسأل المدعي البينة، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول "
~~(6) (7).
# وكيف كان، فإذا (طولب الخصم) بالجواب فإما أن يجيب أو يسكت. وربما يجعل
~~السكوت أيضا جوابا، لرتب بعض أحكام الانكار عليه، إذ لا يعد انكارا
~~وامتناعا عرفا، والجواب إما اعتراف وإما إنكار.
# (فإن اعترف) بالمدعى وكان جامعا لشرائط قبول الاعتراف، ثبت
# PageV00P188
# عليه في ظاهر الشرع ما اعترف به وإن لم يحكم عليه الحاكم، لأن اقرار
~~العقلاء على أنفسهم جائز من دون تقييد بحكم ms087 الحاكم، مع استمرار سيرة
~~المسلمين على معاملة المقر بإقراره من دون مراجعة الحاكم.
# نعم، لو كان دلالة كلامه على الاقرار أو استجماع إقراره لشرائط القبول
~~نظريا موقوفا على النظر، لم يلزم عليه إلا بعد الاجتهاد أو التقليد في كونه
~~اقرارا جامعا للشرائط. وفي الحقيقة السبب لثبوت الحق هو الاقرار المستجمع
~~للشرائط الواقعية، إلا أن تشخيص ذلك قد يكون بالاجتهاد وقد يكون بالتقليد.
# وبالجملة، فالاقرار معرف ظاهري لثبوت الحق، نظير الأسباب الواقعية له،
~~فكما يصح دعوى نفس الحق واثباته بالبينة والاقرار به والانكار له والحلف
~~والاحلاف عليه، كذلك يصح دعوى الاقرار واثباته [بالبينة] (1) والاقرار به
~~والانكار له والحلف والاحلاف عليه. وهذا بخلاف البينة المجردة عن الحكم
~~فإنها بنفسها لا توجب ثبوت الحق ظاهرا على المدعى عليه (بل هي سبب لحكم
~~الحاكم الذي هو سبب لثبوت الحق " (2)، وذكر الشهيدان في وجه الفرق بينهما "
~~أن البينة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها وردها وهو غير معلوم بخلاف
~~الاقرار " (3).
# ويشكل بأنه إن أريد من ذلك اختصاص قبول البينة إذا استجمعت
# PageV00P189
# الصفات، وردها إذا لم تستجمعها بالحاكم - كما فهمه منه الشارح المحقق (1)
~~- أمكن أن يقال: إن مقتضى إطلاق أدلة شهادة العدلين جواز العمل بها لكل
~~أحد، وإن لم يحكم بمقتضاها الحاكم، بل حكم الحاكم أيضا بمقتضاها نوع من
~~العمل بها قد استفيد من تلك الأدلة ومن غيرها، ودعوى اختصاص أدلة حجيتها في
~~الحقوق بغير صورة الخصومة بعيدة.
# وإن أريد من ذلك أن البينة إن كانت حجة لكل من قامت عنده، إلا أن تشخيص
~~استجماعها للشرائط وعدمها منوط باجتهاد الحاكم، في أنها استجمعت للشرائط أو
~~لا، كما فهمه بعض آخر (2) من العبارة المذكورة.
# ففيه: - مع امكان دعوى مثل ذلك في الاقرار في كثير من عباراته المشكلة
~~وشرائطه المختلف فيها - أن إناطة قبول البينة وردها باجتهاد الحاكم إنما هي
~~لأجل حكمه الذي هو نوع من عمله بها، فإذا فرضنا جواز عمل الغير أيضا بها
~~اعتبر استجماعها للشرائط في نظره، وإن لم يكن كذلك في نظر الحاكم، إذ لا ms088
~~يصح أن يكون الحجة لغير الحاكم البينة الجامعة للشرائط عند الحاكم وإن كان
~~فاقدا عند ذلك الغير، مع أنه قد يكون قبول الحاكم للبينة معلوما، لكنه لم
~~ينشئ الحكم بعد ذلك لانتظار التماس المدعي أو غيره مما لا مدخل له في قبول
~~البينة.
# وأما ما تقدم من كون الاقرار بالحق كنفس الحق قابلا للدعوى والانكار
~~والاقرار والاحلاف عليه، فالبينة وإن لم يكن كذلك، إلا أن ذلك لأجل عدم
~~سببية البينة لثبوت الحق وقابليته لحكم الحاكم على طبقها إلا إذا
# PageV00P190
# قامت على وجه خاص، فدعوى المدعي قيام البينة المقبولة له في زمان من
~~الأزمنة الماضية عند حاكم آخر لا يجدي لحكم هذا الحاكم، ولو ادعى قيامها
~~عند هذا الحاكم أيضا لم ينفع لاشتراط تذكر الحاكم للبينة حين الحكم، فتأمل.
# هذا، ولكن لا يبعد أن يكون مراد الشهيدين المعنى الأول، وهو عدم جواز
~~العمل بالبينة في الخصومات إلا أن يلحقه حكم حاكم، ومحصله أن المرجع في
~~الخصومات للجاهل بالحق هو حكم الحاكم ليس إلا، حتى أن الحاكم بنفسه قبل
~~حكمه لا يجوز له أن يعمل بالبينة، إلا أن يكون نفس عمله حكما. وإنما ذكروا
~~الوجه المذكور في كلام الشهيدين من باب حكمة الحكم، وحاصله أن قبول البينة
~~لما كان متوقفا على خصوصيات كثيرة نظرية لم يكن من شأن كل أحد العمل بها،
~~أناطه الشارع بحكم الحاكم، كما أناط الشارع الحكم بالبينة واليمين بصدوره
~~من المجتهد، مع قدرة المقلد عليه أيضا فيما لا يحتاج إلى اجتهاد في تمييز
~~المدعي والمنكر وتعيين وظيفتهما.
# ويؤيد ما ذكرنا - من إرادتهم الحكمة لا العلة - أنه ذكر في المسالك من
~~فروع كون يمين المدعي كالبينة أو كإقرار المنكر أنه على الأول يحتاج إلى
~~حكم الحاكم بخلاف الثاني (1)، إذ لا يخفى أن ما ذكره من الوجه في توقف
~~البينة على الحكم لا يجري في يمين المدعي.
# وإلى ما ذكرنا يمكن أن ينظر من قال في وجه الفرق بين الاقرار والبينة: إن
~~الاقرار لا يتحقق معه خصومة حتى يحتاج إلى ms089 حكم الحاكم (2).
# PageV00P191
# وقد حمله (1) بعضهم (2) على إرادة أنه لا مجال لحكم الحاكم معه، لعدم
~~خصومة يقطعها الحاكم بحكمه، فاعترض عليه باتفاقهم على صحة الحكم مع
~~الاقرار، بل وجوبه إذا التمسه المدعي.
# وكيف كان، فإن (ألزم) المقر بالحق (3) بإنشاء الحكم (بأن يقول الحاكم:
~~حكمت أو قضيت أو أخرج عن (4) حقه) أو أد أو ادفع إليه حقه أو نحو ذلك مما
~~يعد عرفا إنشاء لفصل الخصومة انقطعت الخصومة بحيث لا تعود أبدا.
# نعم، يمكن حينئذ حدوث خصومة أخرى في أصل الحكم وعدمه.
# هذا (مع التماس المدعي) للحكم، إما بالقول أو بدلالة الحال دلالة عرفية،
~~وإلا فلا يجوز، لأن الحكم حق للمدعي فلا يستوفي إلا بإذنه، فيقع الحكم
~~بدونه لغوا.
# والفرق بينه وبين جواب المدعى عليه - حيث لا بقع لغوا بدون مطالبة المدعي
~~- هو أن الجواب ليس لمجرد حق المدعي، بل مشترك بينه وبين المجيب، إذ
~~للانسان أن يجيب من ادعى عليه بشئ، فإذا امتنع عنه ألزم عليه، لحق المدعي.
~~وهذا بخلاف حكم الحاكم على المدعى عليه للمدعي فإنه محض حق للمدعي، فلا
~~يستوفى من دون إذنه، كما أن الحكم بعد يمين المنكر
# PageV00P192
# ببراءة ذمته حق للمنكر، فلا يجوز إلا بالتماسه.
# (وإلا) يحكم الحاكم - لعدم التماس المدعي أو لمانع آخر - لم تنقطع
~~الخصومة، فلو أنكر لم يجز الزامه بما أقر به سابقا من دون حكم حاكم آخر
~~عليه، وإن (ثبت الحق) بمجرد الاقرار، لما تقدم.
# وقد صرح الشهيدان (1) بأن فائدة الحكم هو انفاذ حاكم آخر إياه.
# وربما يشكل بأنه إن أريد إنفاذ حاكم آخر له إذا فرض إنكار المحكوم عليه
~~ومرافعة المدعي إياه إلى حاكم آخر، ففيه: أنه لا فرق بين أن يثبت عند ذلك
~~الحاكم حكم الحاكم الأول أو اقرار المدعى عليه، فكما يثمر ثبوت الحكم عند
~~عدم ثبوت الاقرار، كذا يثمر ثبوت الاقرار عند عدم ثبوت الحكم، فمع ثبوتها
~~عند الحاكم الثاني لا فائدة في الحكم تزيد على الاقرار (2).
# [(ولو طلب أن يكتب عليه أجيب إن عرفه الحاكم أو عرفه عدلان، ms090 وله أن يشهد
~~بالحلية. ويطالب السيد بجواب القصاص والأرش لا العبد)] (3).
# (فإن ادعى) المقر (الاعسار وعرف) الحاكم (صدقه) بنفسه أو (بالبينة)
~~المطلعة على باطن أمره (أو اعترف (4) خصمه) بالاعسار المستلزم لعدم التسلط
~~عليه في الحال (انظر) ولم يطالب بأداء المال في
# PageV00P193
# الحال.
# وهل يلزم بالتكسب؟ قولان، أقواهما ذلك، لكونه مقدمة للواجب المطلق، وهو
~~ايفاء الدين الواجب بالعقل، لكون تركه ظلما عرفا وشرعا، لقوله عليه السلام:
~~" مطل الغني ظلم " (1) والقادر على التكسب غني عرفا، ولهذا يمنع عن الزكاة،
~~ألا ترى أنه لا يفرق في تحقق الغنى عرفا ولا في صدق ظلم الغريم بين قدرة
~~الانسان على إجارة نفسه وبين قدرته على إجارة الدار التي لا يملك إلا
~~منفعتها؟ ومجرد كون منفعة الدار مالا، ومنفعة نفسه غير مال - وإنما يعوض
~~بالمال - لا يوجب الفرق في العرف بالبداهة.
# ولقد كفانا المحكي عن المصنف قدس سره في المختلف توضيح المطلب حيث إنه -
~~في تقريب ما ذكره في الوسيلة من أنه إذا كان ذا حرفة دفعه إليه ليستعمله،
~~فما فضل عن قوته وقوت عياله بالمعروف أخذ بحقه (2) - قال:
# وما ذكره ابن حمزة ليس بعيدا من الصواب، لأنه متمكن من أداء ما يجب عليه،
~~وايفاء الدين واجب فيجب عليه، كما يجب عليه السعي في المؤونة كذا يجب أداء
~~الدين. قال: ونمنع اعساره لأنه متمكن.
# ولا فرق بين القدرة على المال والقدرة على تحصيله، ولذا منعنا القادر على
~~التكسب بالصنعة والحرفة عن أخذ الزكاة، باعتبار الحاقه بالغني القادر.
# قال: والآية (3) متأولة بالعاجز عن التكسب والتحصيل، وكذا ما ورد من
# PageV00P194
# الأخبار (1)، انتهى (2).
# وحكي عن الحلبي في الكافي قريب ما تقدم من الوسيلة، حيث قال:
# لم يحبس ولكن يقرر عليه ما يفضل من مكسبه عن قوته وعياله لغريمه (3).
# وفي المسالك - بعد حكاية ما عن المختلف - ما حاصله: أن هذه الأدلة لا بأس
~~بها، إلا أنها لا تدل على مذهب ابن حمزة من تسليمه إلى الغريم ليستعمله
~~وتسلطه على منافعه بإجارة ونحوها (4).
# أقول: ويمكن أن يراد من دفعه إليه جعله ms091 مراقبا له لئلا يتلف الزائد عن
~~النفقة الواجبة عليه، والمقصود من استعماله هو العمل للغريم، بل لا يبعد أن
~~يراد به الالزام بأصل العمل من دون خصوصية في المعمول له.
# وكيف كان، فلا اشكال في أن ما ذكرنا هو المتعين، إلا أن يدعى أن المستفاد
~~من الروايات، كون التسلط على المديون مشروطا بتملك عين ما في ذمته أو بدله.
# منها: رواية سلمة بن كهيل - وفيها ابن محبوب -، قال:
# " سمعت عليا عليه السلام يقول لشريح: انظر إلى أهل المعك (5) والمطل ودفع
~~حقوق الناس من أهل المقدرة واليسار ممن يدلي بأموال الناس إلى الحكام، فخذ
# PageV00P195
# للناس بحقوقهم منهم، وبع فيها العقار والديار، فإني سمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم، ومن لم يكن له عقار
~~ولا دار ولا مال فلا سبيل عليه.. الخ " (1).
# فإن في إطلاق نفي السبيل على من لا مال له بالفعل - مع اقتضاء المقام
~~للبيان - دلالة واضحة على عدم وجوب الزامه بالتكسب.
# ومنها: رواية أصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه " قضى في
~~الدين أنه يحبس صاحبه، فإن تبين إفلاسه والحاجة خلي سبيله حتى يستفيد مالا
~~" (2). فإن الظاهر كون " حتى " للغاية، وجعله للتعليل بالعلة الغائية - مع
~~مخالفته للظاهر - لا يوجب ظهوره في وجوب الاستفادة، مع أنه لو وجب
~~الاستفادة لم يفد حبسه حتى يتبين إفلاسه، بل ألزم بالمال ولو بإيجاره إن لم
~~يدفع من ماله.
# ومنها: أنه عليه السلام " قضى في الرجل يلتوي على غرمائه أنه يحبس، ثم
~~يؤمر به فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص، فإن أبى باعه فقسمه بينهم " (3)،
~~فإن السكوت عن بيان اجباره على التكسب ظاهر في عدمه.
# ومنه يظهر دلالة صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " كان علي
~~عليه السلام لا يحبس في الدين إلا ثلاثة: الغاصب، وآكل مال اليتيم ظلما،
# PageV00P196
# ومن ائتمن بأمانة فذهب بها، وإن وجد [له] (1) شيئا باعه، غائبا كان أو
~~شاهدا " (2).
# وضعف سند الجميع لو سلم - كقصور دلالة البعض - مجبور بالشهرة المحققة ms092
~~والمستفيضة والاجماع المحكي عن ظاهر الغنية (3)، مضافا إلى أصالة عدم
~~التسلط، بناء على أن المسلم من الأدلة السابقة وجوب التكسب، وهو لا يوجب
~~إلا الزام الحاكم له من باب الأمر بالمعروف مع تحقق شروطه، ولا يثبت به
~~تسلط الغريم على إلزامه بذلك، أو تسلط الحاكم عليه لأجل الغريم.
# نعم، لو تمت دعوى الظلم المتقدمة ثبت التسلط، إلا أن صدق الظلم عرفا لا
~~اعتبار به بعد الشك في استحقاق الغريم للمطالبة.
# وأما قوله عليه السلام: " مطل الغني ظلم " (4) وقوله عليه السلام: " لي
~~الواجد يحل عقوبته " (5) فلا دلالة فيهما، لأن الظاهر من " المطل " و "
~~اللي ": المدافعة، لا التصريح بالعجز وعدم التمكن في الحال مع العلم بصدقه،
~~فتأمل.
# ويؤيد الحكم ما عن المبسوط من عدم الخلاف في عدم اجباره بقبول الهبات
~~والوصايا والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والاغتنام والتلصص
# PageV00P197
# في دار الحرب، ولا تؤمر المرأة بالتزويج لتأخذ المهر وتقضي الدين، ولا
~~الرجل بخلع زوجته فيأخذ عوضه. قال: لأنه لا دليل على شئ من ذلك، والأصل
~~براءة الذمة (1)، وإن أمكن منع التأييد بذلك، لأن ما هو اكتساب من هذه
~~الأمور كالاحتشاش وأخويه لا نسلم الاجماع على عدم وجوبه، وهل النزاع إلا
~~فيه وفي أمثاله؟! وأما غيرها، فالفرق بينهما وبين القدرة على التكسب صدق
~~الاعسار مع التمكن منها، ولذا لا يمنع الرجل عن الزكاة لمجرد القدرة على
~~خلع زوجته أو التلصص من (2) دار الحرب، فتأمل.
# وبالجملة، فما اختاره المصنف من إنظاره (حتى يوسع الله عليه) لا يخلو من
~~قوة وإن كان ما قويناه (3) أولا أيضا غير بعيد.
# وعلى أي تقدير، فلا ريب في ضعف ما نسب إلى الشيخ في النهاية (4) من مضمون
~~رواية السكوني المتضمنة لدفع أمير المؤمنين صلوات الله عليه المعسر إلى
~~الغرماء، وقوله لهم: " اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم آجروه، وإن شئتم
~~استعملوه " (5)، لضعف الرواية في نفسها ومخالفتها للقواعد، ولعمل جل
~~الأصحاب بل كلهم، فإن الشيخ لم يفت به في النهاية على ما قيل (6)، وإنما
~~ذكرها على وجه الرواية، مع أن فتاويه في ذلك ms093 الكتاب نقل للروايات
# PageV00P198
# بالمعنى، وأما ابن حمزة والحلبي فقد عرفت (1) إمكان توحيه كلامهما، ولذا
~~استقربه العلامة (2) بما يرجعه إلى القول الآخر الذي اخترناه أولا، تبعا
~~لجماعة من المعاصرين (3) وغيرهم، كصاحب التنقيح (4) والشارح المقدس (5).
# (وإلا) يثبت إعساره بأحد الوجوه المتقدمة (طولب بالبينة) إن ثبت عند
~~الحاكم أنه (كان له) قبل ذلك (مال ظاهر) يوجب اليسار، (أو كان أصل الدعوى)
~~التي أقر بها (مالا) موجبا لليسار لا مطلق المال، فإن بقاءه لا ينافي
~~الاعسار، لأنه حينئذ مدع لأصالة بقاء يساره وعدم اعساره، ولعموم قوله عليه
~~السلام - في الرواية السابقة - أنه عليه السلام كان يحبس في الدين فإذا
~~تبين افلاسه والحاجة خلى سبيله (6). ومقتضى القاعدة أنه لو لم يقم البينة
~~توجه الحلف على المدعي المقر له إن أنكر إعساره على وجه الجزم، فإن نكل
~~أجرى حكم النكول، وإن أنكره على وجه عدم العلم لم يتوجه عليه اليمين، ففي
~~حلف مدعي الاعسار اليمين المردودة فيخلى سبيله، أو حبسه مع عدم البينة،
~~وجهان مبنيان على حكم المجيب ب " لا أدري وسيجئ ".
# PageV00P199
# وكيف كان، فظاهر المصنف هنا، والمحقق في الشرائع (1) بل نسبه الشارح (2)
~~إليهم بلفظ الجمع، أنه يحبس حتى يقيم البينة أو يخرج عن حق المقر له يبرئه
~~صاحب الحق.
# نعم، حكي عن المصنف في التذكرة (3) أنه لو لم يقم بينة أحلف المدعي المقر
~~له. وزاد كاشف اللثام أنه يحلف أو يقيم بينة على عدم التلف، فإن لم يثبته
~~ولا حلف احتمل الاكتفاء بحلف المدعى عليه (4)، انتهى.
# وحينئذ فيمكن أن يكون اهمالهم لذكر اليمين تعويلا على ما علم من الخارج،
~~من أن ثبوت البينة على المدعي لا ينفك عن توجه اليمين على المنكر إذا أنكر
~~على وجه الجزم، فيكون قولهم - هنا -: " طولب مدعي الاعسار بالبينة " نظير
~~قولهم - في غير المسبوق باليسار -: " إنه يحلف "، ونظير قولهم: " أن القول
~~قول فلان بيمينه " ومرادهم مجرد بيان المدعي أو المدعى عليه وتميزه عن
~~صاحبه، وليسوا في مقام استيفاء أحكام الدعوى.
# ويحتمل أن يكون مفروض كلامهم فيما هو الغالب في انكار ms094 الاعسار من عدم
~~كونه على وجه الجزم بقوله: " لم يثبت عندي اعسارك " وقوله: بين اعسارك عند
~~الحاكم " وقد عرفت عدم توجه اليمين حينئذ.
# ويحتمل أن يكون ذلك منهم حكما بعدم اليمين، وتعيين الحبس تبعا
# PageV00P200
# لظاهر الرواية (1)، لكنها ضعيفة سندا، بل قاصرة دلالة، لظهورها في التبين
~~العرفي الأعم من العلم والظن، ولذا تأمل الشارح قدس سره في أصل الحكم
~~بالحبس مع العجز عن اثبات الاعسار، بأنه لم يعلم كونه مماطلا ظالما حتى يحل
~~عقوبته، ومجرد وجود مال عنده لا يستلزم بقاءه حتى يحبس لاعطائه، قال: "
~~والرواية المذكورة مع ضعفها ليست بظاهرة، فإن الحبس - خصوصا إذا كان ظاهر
~~حاله اتلافه إلى غير ذلك مما ذكره - مبعد لهذا الحكم " (2).
# وهو وإن كان محل نظر إلا أنه حسن فيما إذا علم تعذر إقامة البينة، لفقد
~~من يطلع على حاله. ولذا ذكر المصنف في محكي التذكرة أنه " إذا حبسه فلا
~~يغفل عنه بالكلية، ولو كان غريبا لا يتمكن من إقامة البينة وكل به القاضي
~~من يبحث عن منشئه ومنتقله، ويتفحص عن حاله بقدر الطاقة، فإذا غلب على ظنه
~~إفلاسه شهد به عند القاضي، لئلا يتخلد عليه عقوبة السجن (3)، انتهى.
# وقد لا يتمكن الحاكم من توكيل من يتفحص عن حاله، أو يكون الفحص عن حاله
~~موقوفا إلى (4) مسافرة، فالاكتفاء بظن الحاكم بالاعسار لا يخلو عن قوة،
~~ويمكن أن يؤخذ الكفيل من الغرباء ليثبت اعساره في بلده أو يعطى الحق.
# ثم إن بينة الاعسار إن شهدت بتلف المال الذي كان موجبا ليساره
# PageV00P201
# - مع تسالمهما على عدم مال سواه - فلا إشكال. وإن لم يتسالما على ذلك فإن
~~ادعى عليه مالا آخر أثبته أو أحلفه.
# وإن شهدت بالاعسار فهل عليه يمين بعد البينة؟ فيه وجهان. قال في المبسوط:
~~أقواهما أن عليه اليمين لأنه يجوز أن يكون له مال باطن لا يعرفه الشهود
~~(1)، انتهى.
# وهو حسن لو ادعى عليه ذلك، لكنه أحوط مطلقا.
# هذا كله إن علم له يسار سابق. وإن لم يعلم ذلك فإن أثبت عليه يسار حالي
~~حبس ms095 على المقر به (وإلا أحلف) فإن نكل أحلف المدعي وحبس، كل ذلك للقاعدة
~~السالمة عن معارضة الرواية (2) المتقدمة، لأن موردها الدين المنصرف إلى ما
~~تعلق بذمته لقرض أو ثمن مبيع أو نحو ذلك، لا مثل نفقة زوجة أو صداقها أو
~~أرش جناية أو نحوها.
# وربما يستشكل بمنع القاعدة، لأن عدم المال الثابت بالأصل لا يثبت
~~الاعسار، لأنها صفة وجودية لا تثبت بعدم المال، لأن عدم الشئ لا يثبت ضده،
~~مضافا إلى اطلاق الرواية الشامل لمثل مهر الزوجة، لكنك عرفت ظهور الرواية
~~فيما ذكرنا.
# وأما الأصل، فالمراد به أصالة عدم القدرة على بذل المال التي هي المناط
~~في تخلية السبيل، لا مجرد صفة الاعسار وإن كان ظاهر الآية (3) ذلك.
# ومرجع هذا إلى أن اليسار شرط لا أن الاعسار مانع، مع أن الاعسار
# PageV00P202
# مفسر في كلام غير واحد (1) بالعجز عن أداء الحق، لعدم تملكه ما زاد على
~~المستثنيات. مع أن الحكم بتخلية السبيل معلق في رواية سلمة المتقدمة (2)
~~بمن لم يكن له مال ولا دار ولا عقار، فعدم هذه الأمور إما نفس المناط أو
~~معرف له.
# ثم إن الحكم - هنا - بإحلاف مدعي الاعسار لا ينافي مطالبة مدعي اليسار
~~أولا بالبينة، كما تقدم في نظيره - أعني: مطالبة مدعي حدوث الاعسار البينة
~~(3) - أنه لا ينافي توجه اليمين إلى منكره عند عدم البينة.
# ثم إن ما ذكر كله حكم اعتراف المدعي عليه، (وإن أنكر) ما ادعي عليه (طولب
~~المدعي بالبينة) إذا قال ابتداءا أو في جواب الحاكم:
# " لي بينة أريد أن أقيمها "، وأما مطالبته بالبينة ابتداءا فلا وجه له
~~وإن سمعت لو أحضرها، لأنه قد لا يريد إقامتها.
# نعم، لو شهد الحال بأنه يريد قطع الدعوى فللحاكم أن يقول له:
# " أقم بينة أو أحلف المنكر "، فإن أقام بينة فسيأتي حكمها.
# (وإن قال: لا بينة لي) واقتصر على ذلك عرف أن له احلاف المنكر إن لم يعرف
~~ذلك، فإن لم يطلب احلافه أعرض الحاكم عنهما واشتغل بغيرهما. وليس للحاكم
~~احلافه، لأن الحلف مسقط لحق المدعي فلا ms096 يصح من دون إذنه، فإنه قد يتحرى له
~~وقتا صالحا لا يجترئ المنكر فيه على الحلف، وقد ينتظر تذكر البينة.
# PageV00P203
# هذا مضافا إلى ما سيجئ من الأخبار (1) الظاهرة في أن سقوط الحق إنما هو
~~بعد استحلاف المدعي لا مطلقا ولذلك كله اتفقوا هنا على عدم جواز تبرع
~~الحاكم هنا بذلك، دون ما تقدم في مسألتي مطالبة المدعى عليه بالجواب والحكم
~~عليه من دون التماس المدعي، فإن كلا منهما أداء لحق المدعي وإن كان الثاني
~~منهما مختصا به، ولذا كان يلغو بدون إذنه، بخلاف الأول كما مر، وحكى كاشف
~~اللثام أن أبا الحسين بن أبي عمر القاضي أول ما جلس للقضاء ارتفع إليه
~~خصمان، وادعى أحدهما على صاحبه دنانير فأنكره، فقال القاضي للمدعي: ألك
~~بينة؟ قال: لا، فاستحلفه القاضي من غير مسألة المدعي. فلما فرغ قال له
~~المدعي: ما سألتك أن تستحلفه لي، فأمر أبو الحسين فأعطى الدنانير من
~~خزانته، لأنه استحيى أن يستحلفه ثانيا (2).
# وهل يكتفى هنا بشاهد الحال؟ ظاهر النص والاجماع: العدم.
# وربما يستظهر من الأخبار (3) الآتية في مسألة عدم سماع البينة على الحالف
~~وعدم جواز المقاصة منه كفاية مجرد الرض باليمين، فيتجه حينئذ الاكتفاء
~~بشهادة الحال إن أفادت العلم به.
# وفيه: أن المسقط للدعوى والمانع عن المقاصة هي نفس اليمين
# PageV00P204
# لا محالة (1).
# وفيه: أن المراد بالرضى باليمين في تلك الأخبار هو الاكتفاء والقناعة بها
~~من المدعى عليه عن البينة بأن يحلفه ويتركه، وهذا لا يدل على جواز حلفه من
~~دون استحلاف المدعي.
# وأضعف من ذلك، ما ربما يقال: إن الاحلاف من نصب الحاكم المنصوب لقطع
~~الخصومة بين المتخاصمين.
# وفيه: ما عرفت في مسألة اشتراط التماس المدعي في مطالبة الجواب أنه منصوب
~~لاستيفاء حقوق الناس عند مطالبتهم لها.
# نعم، ربما يشكل بأن ترك مطالبة المدعي باليمين ربما يوجب توجه الضرر على
~~المنكر بابقاء الخصومة ورفعه عند الحاكم كل يوم.
# واعلم أنه كما لا يجوز احلاف الحاكم له من دون التماس المدعي، كذلك لا
~~يجوز احلاف المدعي له من دون ms097 إذن الحاكم، بلا خلاف ظاهر، كما اعترف به
~~جماعة (2)، واستظهر بعضهم (3) الاجماع، للأصل بعد ظهور كون الاطلاقات مسوقة
~~لبيان حكم آخر، وهي كيفية فصل الخصومة من دون
# PageV00P205
# تعرض لمن يباشر ذلك، وللأخبار المستفيضة (1) الحاكية للحديث القدسي حيث
~~اشتكى إليه نبي من بني إسرائيل وقال: " كيف أقضي فيما لم تره عيني؟ فقال:
~~إقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به ".
# وفي صحيحة سليمان بن خالد: " وأضفهم إلى اسمي فحلفهم به " (2).
# ويؤيد ما في تفسير العسكري (3) عليه السلام: من مداومة النبي صلى الله
~~عليه وآله على مباشرة إحلاف المنكر، مع أنه لا يخلو عن مرجوحية لولا
~~الحاجة، لأنه في كثير من الأحيان تلقين لليمين الكاذبة، ولذا ينفر الطباع
~~عن حضور مجلس الحلف.
# ثم إن ظاهر بعض الأخبار (4) كفاية الحلف عند القضاة المخالفين في ترتب
~~آثار اليمين عليه، من سقوط الدعوى وحرمة المقاصة، فلعلها محمولة على
~~التقية، أو على أن التحاكم إليهم عند عدم التمكن من غيرهم أو عند التقية،
~~يوجب ترتب أحكام القضاء الصحيح عليه، أو على كون الشيعة مأذونين من طرف
~~الإمام عليه السلام في الترافع إليهم وقبول حكمهم إذا لم يخالف الحق، مثل
~~الحكم بالبينة العادلة وباليمين وبالنكول وغير ذلك.
# ويمكن منع ظهور تلك الأخبار أيضا في نفوذ حكمهم وصحة احلافهم،
# PageV00P206
# ويحمل الاطلاق فيها بل التصريح في بعضها (1) بالاحلاف عند الوالي على ما
~~إذا كان الحاكم من الإمامية، وإن كان منصوبا من سلطان الجور، فتأمل.
# (و) كيف كان، فإن (طلب) المدعي (إحلاف) الحاكم (المنكر أحلف وبرئ) من
~~الحق ظاهرا، فلا يتسلط المدعي عليه، بل (يأثم لو أعاد المطالبة) باتفاق
~~علمائنا بل المسلمين، كما حكي (2)، لأنها ظلم، إذ لا معنى لاستحقاقه عليه
~~اليمين إلا أن له الاكتفاء منه بها، فلا يجمع بين استحقاقه احلافه، وكونه
~~بعد اليمين كما كان قبله.
# هذا، مع أن الاستحقاق الواقعي لا يوجب التسلط إلا بتسليط الشارع،
~~والمفروض المنع عنه في الأخبار الكثيرة، ففي موثقة ابن أبي يعفور:
# " إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف ms098 أن لا حق له قبله،
~~ذهبت اليمين بحق المدعي فلا حق له، قلت: وإن كان له بينة عادلة؟
# قال: نعم وإن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامة ما كان له، وكانت
~~اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما استحلفه عليه، قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله: من حلف لكم على حق فصدقوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ذهبت
~~اليمين بدعوى المدعي ولا دعوى له " (3).
# PageV00P207
# (و) من دلالة الرواية على وجوب تصديق المدعي له يعلم أنه (لا يحل له
~~مقاصته)، لمنافاتها تصديقه، والأخبار المعتضدة بالأصل وبعدم ظهور الخلاف.
# ففي رواية النخعي في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده، قال: " إن
~~استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه " (1)،
~~وزاد في رواية الصدوق: " وإن احتبسه فليس له أن يأخذ شيئا " (2).
# ورواية ابن وضاح: " كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني ألف
~~درهم، فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف، وقد علمت أنه حلف يمينا فاجرة، فوقع
~~له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة، فأردت أن أقتص الألف درهم التي كانت
~~لي عنده، فكتبت إلى أبي الحسن عليه السلام فأخبرته أني قد أحلفته فحلف، وقد
~~وقع له عندي مال، فإن أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت،
~~فكتب: لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا رضيت بيمينه فحلفته
~~لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، وقد ذهبت اليمين بما فيها.
~~فلم آخذ منه شيئا، وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن عليه السلام " (3).
# PageV00P208
# ومصححة سليمان بن خالد: " عن رجل وقع لي عنده مال وكابرني عليه وحلف، ثم
~~وقع له عندي مال فآخذه لمكان مالي الذي أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع؟
~~فقال: إن خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عبته عليه " (1).
# ولا يعارض ما ذكر رواية الحضرمي: " رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها،
~~يجوز لي أن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟
# قال: نعم " (2) لمخالفة الأصل ms099 والشهرة، مع قابلية حمله على الحلف الغير
~~المعتبر، كما هو الغالب من مقارنة الجحد بالحلف سيما إذا كان الجاحد كاذبا.
# ثم لا فرق في اطلاق الروايتين الأخيرتين بين كون دينا أو عينا وإن كان
~~مورد غيرها (3) الحق الظاهر في الدين.
# وربما يستفاد من الأخبار حرمة أخذ نفس العين المملوكة للمدعي، وهو في غير
~~محله، لما عرفت من ظهور الأخبار، كصراحة كلام الأصحاب في المقاصة لا في أخذ
~~نفس المدعي.
# نعم، في بعض الأخبار (4) وجوب الرضى بحلف الحالف من غير تقييد بالدين ولا
~~ظهور فيه. إلا أنه لقصور دلالته ومخالفته للأصل وعدم مقاومة قاعدة تسلط
~~الناس على أموالهم، تعين (5) حمله على الاستحباب أو على صورة
# PageV00P209
# عدم العلم بكذب الحالف، لأن الأصل في يمين المسلم الصدق.
# نعم، في بعض النسخ ذكر ذيل صحيحة ابن أبي يعفور - المروية عن الفقيه -
~~هكذا: " من حلف لكم بالله فصدقوه " (1) وهو مع صحة سنده وعدم قابليته لأحد
~~الحملين المتقدمين - لوقوعه في مقام الاستشهاد لما قبله - حاكم على قاعدة
~~التسلط.
# ويمكن أن يجعل محل استشهاد الإمام عليه السلام الفقرة الأخيرة وهي قوله
~~صلى الله عليه وآله: " ذهبت اليمين بدعوى المدعي " (2) فلا مانع من أحد
~~الحملين المتقدمين، مع أنه لا مناص عنه، وإلا لزم تخصيص الأكثر.
# ومنه يظهر أن اللازم ارتكاب كلا الحملين، إذ لا يحصل الفرار من ذلك
~~المحذور إلا بهما.
# ويشهد لإرادة الاستحباب عطف الجملة الأخرى عليها، وهو قوله:
# " من سألكم بالله فأعطوه ".
# هذا كله مع احتمال أن يكون هذه الفقرة مرسلة مستقلة في الفقيه، لا من
~~تتمة صحيحة ابن أبي يعفور.
# ثم إن مقتضى إذهاب اليمين للحق ووجوب تصديق الحالف، حرمة استيفاء الحق
~~بأنحاء الاستيفاءات، فلا يجوز احتسابه زكاة أو خمسا ولا المصالحة عليه.
~~نعم، يجوز الابراء عنه، لأنه ليس استيفاء وإنما هو إسقاط يتبع ثبوت الحق
~~واقعا.
# ومنه يعلم أنه لو ارتكب المحرم وقاصه بشئ
# PageV00P210
# ثم أتلفه فاستقر عليه مثل ماله على المنكر وقع التهاتر قهرا، لأن ذلك من
~~آثار الاستحقاق الواقعي المفروض تحققه بمقتضى ms100 علمه، إنما الممنوع منه
~~استيفاء الحق.
# ثم ظاهر الروايات كفاية مجرد الحلف في سقوط الدعوى وإن لم يحكم الحاكم،
~~بل قيل (1): إنه ظاهر اطلاق الفتاوى.
# ويؤيده أن الشارح المقدس (2) ذكر من جملة وجوه عدم احتياج ثبوت الحق
~~باليمين المردودة إلى حكم الحاكم إن سقوط الحق بيمين المنكر لا يحتاج إليه
~~فكذا ثبوته بيمين المدعي، فإن الظاهر من ذلك كون القيس عليه مفروغا عنه
~~فيكون كالاقرار، لكن الحكم به لا يخلو عن اشكال، لأن الاطلاقات - كما تقدم
~~- مسوقة لبيان أسباب الحكم، لا أسباب نفس قطع الدعوى، ولذا لم يذكر اعتبار
~~حكم الحاكم في شئ من أدلة البينة، ولذا قيل: إن التحقيق حاجة اليمين إلى
~~الحكم أيضا (3).
# ثم إن امتنع المنكر من اليمين (فإن رد) اليمين على المدعي (أو نكل) ولم
~~يقض بالنكول (حلف المدعي) إن أراد إثبات حقه.
# وهل للمنكر الرجوع إلى اختيار الحلف بعد الرد؟ قولان أقواهما ذلك، لأصالة
~~بقاء حق التخيير، وفاقا لبعض (4) من عاصرناه، تبعا لكاشف اللثام (5)
# PageV00P211
# وللمحكي عن الدروس (1) وكذا التحرير (2)، لكن قبل قول الحاكم للمدعي:
# إحلف، خلافا للمحكي عن الشيخ (3) رحمه الله فليس له ذلك إلا برضى المدعي.
# واستشكل ذلك في القواعد (4) من حيث إن الرد تفويض لا اسقاط.
# وكيف كان، فاشتراط ثبوت حق المدعي بيمينه مما لا خلاف فيه فتوى ونصا، ففي
~~صحيحة ابن مسلم: " فإن رد اليمين على صاحب الحق ولم يحلف فلا حق له " (5).
# للمدعي، قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق، فإن لم يفعل فلا حق له
~~" (6).
# وفي حسنة هشام - بابن هاشم - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " ترد
~~اليمين على المدعي " (7).
# وفي مرسلة أبان: " في الرجل يدعى عليه الحق وليس لصاحب الحق بينة، قال:
~~يستحلف المدعى عليه، فإن أبى أن يحلف وقال: أنا أرد اليمين
# PageV00P212
# على صاحب الحق، فإن ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف ويأخذ ماله " (1).
# وفي رواية جميل: " إذا أقام المدعي البينة فليس عليه يمين، وإن لم يقم
~~بينة فرد الذي ادعى عليه اليمين فأبى فلا ms101 حق له " (2). ونحوها رواية أبي
~~العباس (3).
# وفي مرسلة يونس: " استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن
~~لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، فإن لم يكن رجل وامرأتان، فرجل ويمين
~~المدعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه، فإن لم يحلف ورد اليمين
~~على المدعي فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه، فإن أبى أن يحلف فلا شئ له "
~~(4).
# [وظاهر عموم نفي الحق في هذه] (5) الروايات بطلان حق المدعي بالنكول في
~~ذلك المجلس وغيرها.
# ويؤيده أنه لولا ذلك لترافع الخصم كل يوم فإذا رد عليه اليمين أبى أن
~~يحلف، وهذا وإن كان لا يخلو عن نظر، إلا أنه لا يخلو عن تأييد،
# PageV00P213
# مضافا إلى أن سقوط الحق في مجلس الحلف اتفاق من المسلمين - كما عن
~~الإيضاح (1) - فيستصحب، إلا أن يقال: إن الإباء عن الحلف قيد للموضوع لا
~~علة محدثة للحكم يحتمل كفايته في بقائه فلا استصحاب، بل المحقق أصالة بقاء
~~حق الحلف للمدعي وعدم سقوطه بمجرد الإباء في زمان، وما عن الإيضاح والمهذب
~~(2) من اتفاق المسلمين فلعل معقده مجلس الإباء عن الحلف.
# وأما التأييد، فمع انتقاضه بامتناع المدعي عن إحلاف المنكر يمكن حله بأن
~~يسأله الحاكم عن سبب الإباء، فإن لم يعلل بشئ أو قال: لا أريد أن أحلف، حكم
~~عليه بسقوط حقه. وإن ذكر سببا وقال: أريد أن آتي بالبينة أو أتفحص عنها أو
~~أسأل الفقهاء أو أنظر في الحساب أو غير ذلك، سمع منه ذلك مطلقا - كما هو
~~ظاهر القواعد (3) - أو مع ضرب مدة لزوال عذره.
# وأما الأخبار، فظاهرها أنه لا حق لمن أبى عن اليمين إذا استمر على
~~الإباء، لا مطلقا وإن بذله بعد ذلك، خصوصا إذا أظهر عذرا في التأخير.
# ويؤيد ذلك ذكر يمين المدعي في مرسلة يونس (4) من الوجوه الأربعة التي
~~يستخرج بها الحقوق متى ما أقامها صاحب الحق.
# وبالجملة، فإما أن نقول: إن نفي الحق لمن أبى عن اليمين في الأخبار
# PageV00P214
# من باب عدم السبب لحقه، لا من باب كون ذلك سببا لبطلان الحق، ms102 وإما أن
~~نقول: إن سبب البطلان هو الاستمرار على الإباء.
# ويدل على ما ذكرنا - أيضا - أخبار حصر أسباب قطع الخصومة التي لا يعلم
~~الواقع فيها بالبينات والأيمان، خرج منه استمرار المدعي على الإباء عن
~~اليمين المردودة، مثل قوله صلى الله عليه وآله: " إنما أقضي بينكم بالبينات
~~والأيمان " (1) والمستفيضة الحاكية للحديث القدسي، الوارد جوابا للسؤال عن
~~كيفية القضاء فيما لم تشهده العين: " إقض بينهم بالبينات وأضفهم إلى اسمي
~~يحلفون به " (2).
# هذا، مع أن يمين المدعي عندهم إما كالاقرار وإما كالبينة، وينبغي على كل
~~تقدير صحتها متى ما تحققت وكيف كان.
# وحينئذ (3)، فلا يبعد القول ببقاء حق المدعي من الحلف مطلقا، وعدم سقوطه
~~بالإباء إلا في بعض صور الاجماع على السقوط، أو تحقق الحرج على المدعى
~~عليه، وقد حكى كاشف اللثام (4) عن المبسوط (5) والمصنف (6) قدس سره
# PageV00P215
# سماع دعواه في مجلس آخر.
# وربما يحكى (1) تفصيل في السماع بين ما إذا حكم الحاكم وما إذا لم يحكم.
~~وفيه: أن الكلام في صحة حكم الحاكم بالسقوط بمجرد إباء المدعي، وإلا فلا
~~كلام في عدم جواز إعادة الدعوى بعد الحكم إلا أن يدعى كون هذا من قبيل
~~القضاء على الغائب، ويكون المحكوم عليه على حجته.
# لكن هذا مخالف للأصل، ولا يجوز قياسه على المنصوص.
# هذا كله في بقاء حقه من اليمين، وأما بقاء حقه من البينة، فالأقوى أنه
~~كذلك، وفاقا للمحكي عن المفيد (2) والحلبي (3) والمصنف في التحرير (4)
~~والشهيدين (5) وغيرهم، بل عن الروضة: أنه المشهور (6).
# وفي الحكاية نظر، فإنه لم يزد فيها على أن قال - في شرح قول الماتن:
# " فإن امتنع سقطت دعواه " -: في هذا المجلس قطعا وفي غيره على قول مشهور،
~~إلا أن يأتي ببينة، للأصل، بعد كون (7) سبب البطلان الاستمرار على الإباء
~~مع عدم حجة أخرى.
# PageV00P216
# ودعوى أن نكول المدعي إما كإقراره بعدم الحق أو كيمين المنكر، وعلى كل
~~حال فلا يسمع البينة بعده، ممنوعة، لامكان كونه سببا مستقلا يلزم من
~~انتفائه انتفاء المسبب إذا لم يقم مقامه سبب آخر.
# ومثلها في المنع ما اشتهر ms103 من التردد بل الخلاف في أن (1)...
# ثم (2) إن هذه الروايات (3) وإن دلت على اعتبار حلف المدعي في ثبوت الحق
~~اعتبارا مطلقا غير مقيدة بتمكن المدعي من الحلف إلا أن إطلاق المدعي فيها
~~منصرف إلى المدعي لنفسه الجازم بدعواه، لما عرفت في مسألة سماع دعوى التهمة
~~من أن الادعاء مختص وضعا أو انصرافا بصورة الجزم (4)، ولإضافة الحق إليه في
~~جميع تلك الروايات على وجه يشغر بعدم كونها لأدنى ملابسة، نعم قوله عليه
~~السلام في رواية جميل (5) برد اليمين على المدعي مطلق، مع الاغماض عن دعوى
~~انصرافه إلى صاحب الحق.
# ولعله لأجل ما ذكرنا أو لأجل فهم كون تخيير المنكر بين حلفه وإحلافه
~~مختصا بصورة إمكان الأمرين شرعا وعقلا، استثنى الأصحاب
# PageV00P217
# - كما قيل (1) - من رد اليمين على المدعي موارد، مثل دعوى التهمة على
~~القول بسماعها، ومثل دعوى الوصي - بل مطلق الولي - مالا لمن ولي عليه على
~~آخر، أو دعوى الوصي على الورثة أن الميت أوصى للفقراء بخمس أو زكاة أو حج
~~ونحو ذلك مما لا مستحق له بخصومة، بحيث يدخل في اطلاق المدعي في الأخبار
~~ليحكم بحضوره وحلفه، نظير الموكل في الادعاء، فإنه يحضر ويحلف، لأنه المدعي
~~في الحقيقة، بخلاف المدعي عن الصغير فإنه لا يؤخر الدعوى إلى بلوغه، لأن
~~المدعي في الحقيقة هو الولي وليس نائبا كالوكيل، إلا أن يكون المدعى عليه
~~أيضا صغيرا، فإنه لا يمكن حلف الولي، ولذا ذكر في المسالك (2) أنه يؤخر إلى
~~بلوغه.
# ولو ادعى المدعي أن دعواه ظنية أبزرها بصورة الجزم، فالقول قول منكر ذلك
~~بيمينه. كذا قيل (3)، وهو حسن على القول بوجوب حبس المنكر في الدعوى
~~المظنونة إلى أن يحلف أو يقر، كما عن الصيمري (4)، وأما على القول بإيقاف
~~الدعوى لو نكل المنكر عن اليمين ولم تقض بالنكول، فدعوى عدم الجزم راجعة
~~إلى الاعتراف بعدم التسلط على المنكر في الحال لو نكل، وأما لو قلنا بعدم
~~سماع الدعوى المظنونة فلا اشكال في رجوعها إلى الاعتراف بسقوط الدعوى.
# ولو انعكس الفرض بأن ادعى دعوى مظنونة، فادعى ms104 المنكر إبرازها
# PageV00P218
# بصورة الظن ليدفع عن نفسه اليمين المردودة، وقلنا بحبس المنكر لو لم
~~يحلف، فإن ادعى علمه بثبوت الحق فلا يبعد احلافه على عدم العلم، وإن ادعى
~~علمه بالعدم فالظاهر أنه غير مسموع، وإلا لسمع العلم بالعدم على هذه
~~الدعوى. وهلم جرا.
# ولو ادعى كون المال لمولى عليه المنكر، فإن لم يحلف قيل له:
# رد اليمين على المدعي، ويشكل بأن ثمرة هذا اليمين اسقاط اليمين على أصل
~~الحق عن نفسه ليلزم المنكر باليمين أو بالحق فهو حلف لاثبات مال الغير (1).
# [(فإن نكل بطل حقه، ولو حلف المنكر من غير مسألة المدعي الاحلاف وقعت
~~لاغية، وإن كانت بأمر الحاكم)] (2).
# (ولو أقام المدعي بينة بعد احلاف) الحاكم (الخصم) بالتماسه فالمشهور، بل
~~عن الخلاف (3) والغنية (4) الاجماع على أنها (لا تسمع وإن لم يشترط سقوط
~~الحق باليمين) وأولى بعدم السماع الشاهد المنضم مع اليمين، لما تقدم (5) من
~~دلالة الأخبار على وجوب تصديق الحالف وابطال يمينه لكل ما ادعي عليه
~~وذهابها لدعوى المدعي التي يتفرع عليها سماع البينة التي هي
# PageV00P219
# على المدعي، ولخصوص رواية ابن أبي يعفور المتقدمة (1).
# وربما يستدل عليه بأنه كما لا تسمع حجة المنكر التي هي اليمين بعد حجة
~~المدعي التي هي، فكذلك العكس.
# وفيه: أن حجة المنكر تعليقية موقوفة على عدم البينة كما يستفاد من ظاهر
~~كثير من الأخبار (2)، فوجود البينة يكشف عن عدم وقوع اليمين موقعها، ولعله
~~لذلك حكم في موضع من المبسوط (3) بسماعها، لكن يرده صريح صحيحة ابن أبي
~~يعفور المتقدمة (4).
# نعم، يمكن حملها على صورة التزام المدعي لسقوط حقه باشتراط المنكر ذلك
~~عليه، كما عن المفيد (5) والقاضي (6) وسلار (7) وابن حمزة (8)، بناء على أن
~~القناعة والاجتزاء بها عما عداها مما يستحقه المدعي (9) فمعنى الرواية أن
~~المدعي إذا قنع واجتزأ ورضي باليمين والتزم بأن ليس له غيرها لا ينفعه
# PageV00P220
# إقامة البينة بعد ذلك. لكن الانصاف، أن المراد بالرضى باليمين في مقابل
~~عدم إقامة البينة بالفعل أو تأخير الدعوى إلى حين وجدان البينة أو التمكن
~~من المقاصة بناء على أن ms105 الشارع خيره بين هذه الأمور، لا الرضى بمعنى
~~الالتزام بسقوط حقه عما عداها بعد اليمين، فالرواية هي المنشئة للحكم لسقوط
~~ما عداها بعد تحققها، لا أن ذلك بمقتضى الالتزام بسقوطه، ولذا نسب الإمام
~~عليه السلام إبطال الدعوى واذهاب الحق إلى نفس اليمين. ومنه يعلم أنه لو
~~اشترط المنكر هذا الشرط على المدعي كان شرطا مؤكدا للحكم، كما أنه لو شرط
~~المدعي بقاء حقه لو أقام البينة كان شرطا مخالفا للشرع فيلغو.
# ومما ذكرنا يظهر وجه ما عن جماعة (1) من سقوط حقه عن البينة إلا أن لا
~~يعلم بها (أو) يكون قد علمها و (نسيها). وعن المصنف دقس سره في المختلف (2)
~~تقويته، بناء على أن اليمين حجة تعليقية، إلا أنه إذا طلب اليمين مع
~~الالتفات إلى البينة والتمكن من إقامتها ولو بتأخير الدعوى فقد قنع باليمين
~~ورضي بها واجتزأ، بخلاف ما إذا نسيها أو لم يعلم فإنه لما اعتقد أن حقه
~~منحصر فيها وليس له غيرها لم يصدق عليه أنه قنع ورضي واجتزأ بها.
# PageV00P221
# وهذا الوجه في الرواية (1) أوضح من الوجه المقدم في تقريب قول المفيد
~~رحمه الله (2)، إلا أن يدعى أن المراد الرضى باليمين ولو في مقابل تأخير
~~الدعوى إلى أن يتمكن من البينة أو من المقاصة.
# هذا، مع أنه يكفي - في المطلوب - قوله عليه السلام في تلك الصحيحة حكاية
~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من حلف لكم على حق فصدقوه، وأن
~~اليمين ذهبت بدعوى المدعي " (3) فإن وجوب التصديق مناف لإقامة البينة، وكذا
~~ذهاب الدعوى وصيرورتها كالمعدومة، إذ لا معنى لسماع البينة بعد سقوط الدعوى
~~وصيرورتها كالمعدومة.
# (نعم، لو) رجع و (أكذب الحالف نفسه) في حلفه بأن أقر بالحق (طولب) بالحق
~~بلا خلاف ظاهر، بل عن المهذب (4) والصيمري (5) الاجماع عليه، لأن الاقرار
~~ليس كالبينة محتاجة في الحكم بمقتضاه إلى دعوى مسموعة، فذهاب الدعوى
~~باليمين لا ينافي ثبوت المدعى بالاقرار، لعموم دليل الاقرار (6)، ولا
~~يعارضه عموم (7) وجوب تصديق الحالف وإبطال اليمين
# PageV00P222
# لكل ما ادعاه قبله، لأن المتبادر منه ms106 ما إذا لم يكذب نفسه كما لا يخفى،
~~مع أن الترجيح مع عموم الاقرار (1) لقلة وقوع التخصيص عليها بل عدمه، بخلاف
~~المعارض (2).
# هذا كله مضافا إلى رواية مسمع: " إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فحلف
~~لي، ثم أنه جاء بعد ذلك بالمال الذي كنت استودعته إياه، وقال: هذا مالك خذه
~~وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك في مالك واجعلني في حل، فأخذت
~~المال منه وأبيت أن آخذ الربح منه، وأوقفت المال الذي كنت استودعته حتى
~~استطلع رأيك. قال: خذ نصف الربح وأعطه نصف الربح وحلله، إن هذا رجل تائب
~~والله يحب التوابين " (3).
# إلا أنه يمكن منع دلالتها بأن غايتها جواز القبول إذا بذل الحالف المال،
~~فلا يدل على جواز المطالبة بعد الاقرار وإن امتنع أو أنكر بعد الاقرار.
# وأيضا، فإن الرواية تدل على ما لا كلام في جوازه حتى مع عدم الاقرار كما
~~عرفت سابقا، وهو جواز أخذ عين المدعى أو عوضه الذي صار له بإحدى المعاملات،
~~فإن الحكم في الرواية باستحقاق الربح إما محمول على كون المعاملة الموجبة
~~لحدوث الربح فضوليا قد أجازه المالك، وإما على أن المعاملة بالمال المغصوب
~~- كالمعاملة على مال الطفل - موجب لانتقال العرض في صورة تحقق الربح إلى رب
~~المال، وإن وقعت المعاملة حينئذ على
# PageV00P223
# الذمة، فتأمل.
# (و) [حيث ثبت الحق بالاقرار لزمه أنه لو امتنع عن الحق (قوصص) لعموم أدلة
~~المقاصة (1) السليمة عن مزاحمة] (2) ما دل على حمة المقاصة بعد الحلف (3)
~~[لأنه] (4) لا يشمل هذا، كما يظهر بالتأمل في قوله عليه السلام: " إن ظلمك
~~فلا تظلمه " وقوله: " إن خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عبته عليه " (5).
# PageV00P224
# مسائل مستقلة PageV00P225
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد
~~وآله المعصومين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
# [مسألة] (1) NoteV00P227N01 القضاء لغة يستعمل في معان كثيرة، منها
~~الحكم، وفي عرف الفقهاء استعمل تارة: في الحكم بين الناس على الوجه مخصوص،
~~وأخرى: في الولاية الشرعية على الحكم المذكور، ولذا عرف في كلام بعض ms107 -
~~كالروضة (2) - بالأول، وفي كلام آخرين (3) بالثاني.
# وهو بالمعنى الأول واجب كفائي بالأدلة الأربعة، وأجره عظيم،
# PageV00P227
# وخطره جسيم، وهو وظيفة النبي والوصي صلوات الله عليهما، لقوله عليه
~~السلام لشريح:
# " جلست مجلسا لا يجلس فيه إلا نبي، أو وصي نبي، أو شقي " (1).
# وقوله عليه السلام: " إياكم والحكومة، فإنها للإمام العالم بالقضاء
~~العادل بين المسلمين " (2).
# وللأخبار المعللة لوجوب الرضى بحكم الفقيه والتحاكم والرجوع إليه بكونه
~~منصوبا من قبل الإمام وحجة من قبله عليه السلام على جميع البرية.. (3)، ففي
~~مشهورة أبي خديجة: " فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته عليكم قاضيا " (4)،
~~وفي مقبولة عمر بن حنظلة: " فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما "
~~(5)، وفي توقيع العمري: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة
~~حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " (6).
# PageV00P228
# [مسألة] NoteV00P229N02 يشترط في القاضي: البلوغ والعقل والايمان
~~والعدالة والعلم اجماعا، فتوى ونصا، وإذن النبي أو الإمام عليهما الصلاة
~~والسلام، لما عرفت من أنه وظيفتهما، فلا يجوز مباشرته إلا بإذنهما.
# وأما طهارة المولد والذكورة، فقد ادعى غير واحد (1) عدم الخلاف في
~~اعتبارهما، ولولاه قوي المصير إلى عدم اعتبار الأول مع فرض استجماع سائر
~~الشرائط، بل إلى عدم اعتبار الثاني، وإن اشتمل بعض الروايات (2) على ذكر
~~الرجل، لامكان حمله على الورود مورد الغالب، فلا يخصص به العمومات.
# وشرط جماعة (3) مضافا إلى ما ذكر " الحرية "، ولا دليل على اشتراطها بعد
~~اعتبار إذن المولى إذا لم يجب.
# PageV00P229
# وأما الضبط والبصر والعلم بالكتابة وعدم الصم والخرس، فالأقوى أيضا عدم
~~اعتبارها، إلا إذا توقف الحكم عليها. PageV00P230
# [مسألة] NoteV00P231N03 وينفذ في حال غيبة الإمام عليه السلام أو قصور يد
~~قضاء الفقيه الجامع للشرائط المذكورة، لما عرفت من المعتبرين المذكورين
~~(1)، والتوقيع الرفيع (2) وغيرها (3)، مضافا إلى العمومات الدالة على وجوب
~~الحكم بما أنزل الله من الآيات (4)، وعلى رجحان القضاء بالحق مع العلم،
~~ويثبت وجوبه ونفوذه بعدم القول بالفصل، خرج من هذه العمومات من لم يستجمع
~~الشرائط المذكورة، وبقي الباقي.
# ومما ذكرنا يعلم أن الأقوى جواز القضاء للمتجزئ - أعني: من له
# PageV00P231
# ملكة استنباط ms108 بعض المسائل دون بعض - إذا كانت المقدمات التي أعملها
~~لاستنباط المسألة كلها علمية أو ظنية أقام الدليل القطعي على اعتبارها، كما
~~قد يتفق للمستنبط.
# وجه الجواز - حينئذ - ما مر من الأدلة العامة والخاصة، عدا ما يتوهم من
~~مقبولة ابن حنظلة (1) من اعتبار المعرفة بكل الأحكام، بناء على حمل الجمع
~~المضاف على العموم، فيخصص به - من حيث المفهوم المستفاد من كون المقام تعين
~~المرجع في القضاء وتحديده - عموم رواية أبي خديجة والتوقيع الشريف (2)، لكن
~~فيه: أن إبقاء الجمع المضاف على ظاهره مستلزم لصرف قوله: " عرف " - الظاهر
~~في المعرفة المتحققة بالفعل - إلى إرادة ملكة المعرفة، لأن المعرفة الفعلية
~~غير موجودة في أعاظم المجتهدين، وليس هذا أولى من ابقاء الفعل على حاله،
~~وصرف الجمع المضاف إلى إرادة الجنس، كما هو شائع ذائع، كما في تعريف الحكم
~~بأنه " خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين "، وقوله في التوقيع المتقدم: "
~~فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ".
# وأما إذا كانت المقدمات التي يعملها للاستنباط كلها أو بعضها ظنية لا
~~دليل على اعتبارها، عدا الدليل الدال على جية الظن في الجملة للمجتهد، بحيث
~~لم يعلم شموله للمتجزئ، فالظاهر عدم جواز القضاء له، ولا الترافع إليه، إلا
~~بإذن المجتهد الذي يرى جواز ذلك له، لعموم ما دل على حرمة الحكم والافتاء
~~من غير علم عموما (3)، ومفهوم الروايات
# PageV00P232
# المتقدمة (1) المستفاد منها بقرينة المقام خصوصا.
# ثم في صورة جواز الرجوع إلى المتجزئ فهل يختص بما إذا تعذر الوصول إلى
~~المطلق أو تعسر، أو يجوز مطلقا؟ قيل بالأول (2)، لما في مقبولة ابن حنظلة
~~من وجوب الأخذ PageV00P233
# [مسألة] NoteV00P234N04 إذا رفع المدعي خصمه إلى قاضي الجور - ونعني به
~~هنا من لم يستجمع الشرائط المذكورة - فإن كان مع التمكن من الترافع إلى
~~الجامع، فعل حراما سواء كان المدعى عينا أم كان دينا، وسواء جزم المدعي
~~بكونه محقا في نفس الأمر، وسواء كان القاضي فاقدا للايمان أو لغيره من
~~الشرائط.
# ويحتمل أن يكون التحريم مختصا بالمخالف، لاختصاص الأخبار الدالة على حرمة
~~التحاكم إلى الجائر (1) به، ولا دليل ms109 على حرمة الترافع إلى المؤمن الفاقد
~~لشرائط القضاء. نعم، يكون لغوا، لعدم ترتب أثر على حكمه.
# ومنه بعلم محمل الروايات المتقدمة (2) الآمرة بالرجوع إلى الفقهاء
~~والترافع إليهم، فإن معناها أن من أراد التحاكم وقطع الخصومة، فليرجع إلى
~~هؤلاء، فإنهم الذين يقطع بحكمهم الخصومة، ويجب طاعتهم على المتخاصمين.
# نعم، لو فرض أن الترافع إلى المؤمن الفاقد يكون موجبا لاعلاء
# PageV00P234
# كلمته الباطلة وترويج محاكمته العاطلة فليزم تلبيس الأمر على العوام، فلا
~~مضايقة في تحريمه.
# هذا كله في أصل الترافع إليه، وأما ما يأخذه بحكم ذلك الحاكم فهو حرام
~~مطلقا، إلا أن يكون عينا يجزم المدعي بتملكه، فإنه لا يحرم مطلقا، لأنه صين
~~ماله بالفرض، فيجوز أخذه والتصرف فيه ضرورة.
# وليس في الأخبار ما يوهم خلاف ذلك، إلا ما ربما يتوهم من صدر المقبولة
~~المتقدمة (1)، المسؤول فيها عن التحاكم في الدين والميراث، الظاهر في
~~العين، المجاب فيها بقوله عليه السلام: " وما يحكم له فإنما يأخذه سحتا وإن
~~كان حقه ثابتا "، وليس فيه تصريح بل ولا ظهور في حرمة أخذ العين المجزوم
~~بتملكها، لأن التحاكم في الميراث قد يكون قد يكون بالتنازع والتداعي في عين
~~من باب الإرث، بأن يدعي كل واحد أو أحدهما كونه ملكا لمورثه أو غير ذلك،
~~وقد يكون من بعض مسائله النظرية المحتاجة إلى فتوى المفتي كمسألة الحبوة
~~وسائر المسائل المختلف فيها في باب الميراث، ولا كلام في حرمة أخذ المدعي -
~~على الفرض الثاني - العين التي حكم الحاكم المفروض بكونها ملكا له، وليس
~~مورد الرواية صريحا في الفرض الأول، مع أن قوله: " وإن كان حقه ثابتا "
~~ظاهر في الدين، فيحتمل أن يكون قرينة لإرادة خصوص الدين من قوله: " وما
~~يحكم له فإنما يأخذه سحتا "، فلا يبقى وثوق بعموم الموصول.
# ومع تسليم ظهور الرواية في العموم للدين والعين مطلقا، فلا يخفى أن بهذا
~~العموم لا يرفع اليد عن الأدلة القاطعة الدالة على تسلط الناس على
# PageV00P235
# أموالهم، وجواز تصرفهم فيها، فظهر أن استشكال صاحب الكفاية في العين (1)
~~ليس في محله.
# وإن كان ms110 مع عدم التمكن من الترافع إلى الجامع، فإن لم يجزم المدعي بكونه
~~محقا في نفس الأمر فعل حراما مطلقا، أو إذا كان الحاكم مخالفا - على
~~الاحتمال المتقدم - وحرم ما أخذه بحكمه عينا أو دينا، لأن الشرائط المذكورة
~~شرائط مطلقة للقاضي، وليست مختصة بحال التمكن، فأخذ مال الغير أو ما في يده
~~مع عدم العلم بالاستحقاق بمجرد حكم من لم ينفذ حكمه شرعا غير جائز. نعم، لو
~~تجاسر متجاسر ومنع الشرطية المطلقة فيما عدا العلم بالواقعة - من أي وجه
~~كان - والايمان، بل خصصهما بحال التمكن، صح الترافع إلى فاقد ما عداهما.
# وإن جزم المدعي بكونه محقا في نفس الأمر فالظاهر جواز الترافع إلى
~~الفاقد، فيكون ما يأخذه بدلا عن حقه من مال المحكوم عليه من قبيل المقاصة،
~~وذلك لأدلة نفي الضرر (2) والحرج (3) المرخصة لتوصل ذي الحق إلى حقه.
# وأما صدر المقبولة المتقدم ذكره (4) فلا يبعد دعوى ظهوره في صورة
# PageV00P236
# التمكن من التحاكم إلى الجامع، نظرا إلى أن الذي أوجب عليه في الرواية
~~الرضى بحكومة الراوي للحديث العارف بالحلال والحرام، هو النهي عن التحاكم
~~إلى قضاة الجور، ولا ريب أن وجوب التحاكم إلى القاضي الجامع فرع التمكن،
~~فكذلك حرمة التحاكم إلى الفاقد، فتأمل.
# ولو سلم ظهور الرواية في اطلاق، تعين تقييده بصورة التمكن من جهة أدلة
~~نفي الضرر والحرج المقيدة لجميع المطلقات إذا خلت من المعتضدات الخارجة،
~~وإن كان فيهما عموم من وجه، لقوة تلك الأدلة وكونها حاكمة على الأدلة
~~المثبتة.
# ثم إن صاحب الكفاية استشكل في الحكم المذكور، من جهة أن حكم الجائر
~~بينهما فعل محرم، فالترافع إليه موجب للإعانة على الإثم المنهي عنها (1)،
~~وضعفه في الرياض بأن ما دل على حرمة الإعانة ليس بأقوى مما دل على حرمة
~~التحاكم إلى هؤلاء الظلمة، فكما يخصص بأدلة نفي الضرر والحرج هذه، تخصص
~~تلك، وإنما جعلت أدلة نفي الضرر والحرج مخصصة للأدلة المانعة بنوعيها، مع
~~كون التعرض بينها وبين الأدلة المانعة عموما من وجه لأوفقيتها بأصالة
~~البراءة التي هي حجة مستقلة لو فرض ms111 تساقط الأدلة (2).
# أقول: وفي كل من استشكال صاحب الكفاية وتضعيف صاحب الرياض وما ذكره من
~~الوجه في تقديم أدلة نفي الضرر والحرج على الأدلة المانعة، نظر.
# PageV00P237
# أما فيما ذكره صاحب الكفاية من الاستشكال، فلأنه مبني على كون الترافع
~~إلى الجائر إعانة له على الإثم، وهو ممنوع جدا، إذ ليس مجرد فعل الشخص ما
~~له دخل في تحقق الحرام من الغير إعانة له على المحرم، بل الإعانة عرفا هو
~~أن يفعل الشخص ما له دخل في تحقق الحرام من الغير، بقصد أن يتحقق منه ذلك
~~المحرم. فبيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا، إن كان لأجل أن يعمله خمرا
~~إعانة، وإلا فلا، وهكذا فالترافع إلى الجائر إذا كان لمجرد التوصل إلى الحق
~~ليس إعانة للجائر.
# وأما فيما ذكره في الرياض من تضعيف الاستشكال المذكور مع تسليم صدق
~~الإعانة بأن أدلة حرمة الإعانة ليست بأقوى مما دل بالخصوص على حرمة التحاكم
~~إلى قضاة الجور، فلأنه لا يخفى أن أدلة حرمة الإعانة أقوى من تلك، لكونها
~~مطابقة لحكم العقل بقبح الإعانة على القبيح، فلا تقبل التخصيص بأدلة نفي
~~الضرر والحرج، لأن نفيهما في المقام بالشرع لا باستقلال العقل، فإن العقل
~~لا يأبى في المقام عن أن يجب على المدعى ترك المرافعة إلى أن يتمكن من حاكم
~~عدل، أو يتوصل إلى حقه بطريق آخر.
# وأما فيما ذكره أخيرا من أن الوجه في تخصيص الأدلة المانعة بأدلة نفي
~~الضرر والحرج هو أن أدلة نفيهما موافقة لأصل البراءة فلأن الوجه في تقديم
~~أدلة نفي الضرر والحرج على الأدلة المثبتة للتكاليف ليس مطابقتها للأصول،
~~وإلا لكن اللازم فيما إذا كان مقتضى الأصل هو لزوم الخروج عن عهدة التكليف
~~- كما إذا شك في الجزئية والشرطية للعبادة - تقديم الأدلة المثبتة للتكليف
~~على أدلة الضرر والحرج، وكان اللازم - فيما لم يكن المقام مقتضيا للبراءة
~~والاحتياط - أن يحكم بالتوقف أو التخيير، مع أن التالي بقسميه باطل اتفاقا
~~على الظاهر، حيث إنا لم نعثر على من قدم الأدلة المثبتة PageV00P238
# للتكليف في مورد ms112 يلزم منه الضرر والحرج على أدلة نفيهما، من جهة موافقة
~~قاعدة لزوم الخروج عن العهدة، أو يتخير في مورد يلزم من اثبات الحكم الضرر
~~أو الحرج، من جهة عدم الترجيح بين أدلة الحكم وأدلة نفي الضرر والحرج.
# فالتحقيق أن وجه تقديم أدلة نفي الضرر والحرج على العمومات مع كون النسبة
~~عموما من وجه، هو حكومة الأدلة المذكورة على العمومات، نظرا إلى أن مدلول
~~تلك الأدلة هو أن الأحكام التي جعلها الله وبينها للعباد بالطرق المخصوصة
~~والأدلة المعلومة، ليس فيها ما يستلزم الضرر والحرج، فهي بمدلولها اللفظي
~~كأنها مفسرة للعمومات ومبينة أنها لم يرد منها ثبوت حكمها في مورد الضرر
~~والحرج، فتقديمها على العمومات من جهة حكومتها عليها، لا من جهة تعارضها
~~وتقديمها عليها، والفرق بين الحاكم والمعارض غير خفي. PageV00P239
# [مسألة] [5] إذا وجد بشرائط القضاء شخصان، أحدهما أعلم من الآخر،
~~فالمشهور وجوب الترافع إلى الأعلم، واستدل عليه بقبح العدول إلى المفضول،
~~وبأصالة حرمة العمل بما وراء العلم، وعدم حجية من لم يعلم حجيته بالدليل،
~~وعدم نفوذ حكم من لم يعلم من الإمام نصبه، والمتيقن خروجه من مقتضى هذه
~~الأصول، هو الفاضل.
# ولما دل على وجوب اتباع الأعلم عند حصول الاختلاف بينه وبين العالم في
~~حكم المسألة، ولا ريب أن العلم الاجمالي حاصل بالاختلاف بينهما في كثير من
~~الأحكام، سيما في هذه الأزمان، ثم لا مخرج عن مقتضى هذه الأصول والعمومات،
~~عدا ما يتراءى من اطلاق طائفة من الأدلة، مثل الآيات والأخبار الدالة على
~~وجوب الحكم بما أنزل الله، ورجحان الحكم بالحق والقسط والأمر بالمعروف، إذ
~~المفروض أن المفضول يعتقد ما يفتي به حقا وقسطا أنزله الله، فإذا جاز حكمه
~~بل وجب، جاز التحاكم إليه، لأن القائل بعدم جواز التحاكم إليه يدعي عدم
~~كونه منصوبا من الإمام، فلا يجوز له التعرض لوظيفته عليه السلام.
~~PageV00P240
# ومثل التوقيع المتقدم والمعتبرتين المتقدمتين (1).
# ومثل قول الصادق عليه السلام فيما روي في الاحتجاج عن تفسير مولانا
~~العسكري عليه السلام: " فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا ms113 لدينه،
~~مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه " (2).
# PageV00P241
# [مسألة] NoteV00P242N06 .. الاتباع (1)، كيف ولكن نقول: إن مباشرة فصل
~~الأمور الحادثة المتجددة في كل زمان ونظمها وضبطها وإصلاحها، لما كانت
~~وظيفة وشغلا للإمام الموجود في ذلك الزمان، لاحتياج ذلك إلى الحس والحياة
~~الظاهرتين، فلا معنى لكونها وظيفة للإمام المتقدم أو المتأخر. فإذا أحال
~~إمام الزمان - ذلك الشغل وتلك الوظيفة (2) - أمر ذلك كله أو بعضه إلى واحد
~~من الرعية، واستنابه فيه، على مقتضى العادة الجارية بين الناس في استنابة
~~بعضهم بعضا فيما لهم مباشرته ولا يريدون مباشرتها أو لا تسعهم، فإذا مات
~~الإمام انعزل النائب، وهو المراد بالقاضي في قولهم: ينعزل القضاة.
# وأما من جعل منه عليه السلام وليا لنظم الأمور في زمانه وبعده، فله جهة
# PageV00P242
# أخرى غير النيابة في القضاء الذي هو وظيفة إمام العصر المختصة به، نظير
~~ذلك سائر نوابه في أخذ الأخماس والصدقات التي تتفق في زمانه عليه السلام،
~~ومع ذلك فلو جعل أحدا وليا لأخذها أبدا فلا مفر عن وجوب إطاعته.
# والحاصل أن هنا أمرين: أحدهما - ما هو وظيفة إمام العصر عليه السلام
~~وشغله، وهو مباشرة فصل الأمور الواقعة في زمانه، ولا ريب أنها مختصة في كل
~~زمان بإمام ذلك الزمان، فإذا وكله إلى غيره فهو نائب عنه، ووال فيما هو من
~~وظيفة المنوب، ولازم ذلك أنه إذا انتفت الوظيفة انتفت النيابة والولاية
~~فيها.
# والثاني - ما هو ولي فيه، وله السلطنة عليه، ولا ريب في أن هذه الولاية
~~والسلطنة تعم جميع الأمور إلى يوم النشور، فلو وكله أو بعضا إلى غيره فهو
~~وال عنه فيما له الولاية، فإذا لم يقيد توليته بزمان استمر زمان ولايته
~~تبعا لولاية الأصل، والمفروض أن ولاية الأصل ثابتة حتى في الأمور الواقعة
~~بعده، فولاية الفرع كذلك.
# فإذا عرفت الفرق بين ما هو وظيفة وشغل لإمام العصر، وبين ما له فيه
~~الولاية - وأن الأول مختص بالأمور الحادثة في زمانه، والثاني عام لجميع
~~الأزمنة، فالمنصوب للأول: وال فيما هو الوظيفة، وفي الثاني: وال فيما له ms114
~~الولاية، وأن بموت الإمام يرتفع الأول، لارتفاع المتعلق فيه، دون الثاني،
~~لبقاء المتعلق فيه - فاعلم أن القضاة المنصوبين التي ينصبهم بالخصوص من
~~قبيل الأول، ولهذا اشترطوا فيه البلوغ عند التولية والعقل وغيرهما.
# وأما الفقهاء المنصوبين منه بالتولية العامة فهو من قبيل الثاني، ولهذا
~~لا يشترط وجودهم عند التولية فضلا عن استجماع سائر الشرائط. PageV00P243
# والمراد بالقضاة المنصوبين عن الإمام عليه السلام هم النواب عنه في الأمر
~~الأول، وأما اعطاء شعبة من ولايته لأحد مطلقا أو مطلقا أو مقيدا فلا مجال
~~لأحد فيه، ألا ترى أن ولاية الإمام عليه السلام الباقية إلى يوم القيامة من
~~النبي صلى الله عليه وآله.
# ومن هنا ظهر أن نصب الصادق عليه السلام للفقهاء في زمان الغيبة ليس من
~~قبيل الأول، إذ لا معنى لاستنابة من سيوجد، بل هو من قبيل الثاني، ولهذا لا
~~يعتبر فيه وجود الشخص في زمان التولية، ولو وجد لم ينعزل بموت الإمام عليه
~~السلام، فظهر مما ذكر عدم المنافاة بين حكم الأصحاب (1) - عدا الشيخ في
~~المبسوط (2) - بانعزال القضاة بعد موت الإمام عليه السلام، وحكمهم بولاية
~~الفقهاء - الذين لم يوجدوا في عصر من نصبهم بعد موته - بألف سنة أو أزيد،
~~وأنه لا حاجة إلى التمسك في ذلك بالاجماع أو التوقيع المروي (3) عن مولانا
~~القائم عليه السلام، ورفع اليد عن المقبولة (4) التي عليها تدور رحى
~~استدلال العلماء في ثبوت الولاية والحكومة للفقيه في زمن الغيبة.
# PageV00P244
# [مسألة] NoteV00P245N07 إذا استناب الفقيه أحدا فإن استنابه في شغل خاص -
~~كبيع مال يتيم أو غائب ونحو ذلك - فالظاهر انعزاله بموت الفقيه، وفي كشف
~~اللثام حكى عدم الخلاف فيه (1)، لأنه بمنزلة الوكالة، بل يمكن دعوى جريان
~~عمومات الوكالة هنا، حيث إنها وكالة.
# وإن استنابه في شغل عام كمتولي يتيم أو وقف، ففي الإيضاح: عدم الخلاف في
~~عدم انعزاله، للزوم اختلال أمور الأيتام والأوقاف (2) ويؤيده الاستصحاب.
# ثم هل لأحد الفقيهين عزل نائب الآخر؟ قد يستشكل فيه: من أن ولاية النائب
~~ثبتت بالنصب، ولم يعلم عزله بعزل غير الناصب.
# ومن أن ms115 الفقيه العازل أيضا نائب عن الإمام، فكما أن نصب الناصب بمنزلة
~~نصب الإمام، فكذا عزل العازل بمنزلة عزل الإمام، ولا تعارض بين
# PageV00P245
# النصب السابق والعزل اللاحق، كما إذا نصب الإمام شخصا ثم عزله.
# ويرد عليه: أنه إن أريد من أن نصب الناصب وعزل العازل كنصب الإمام وعزله
~~- حيث إنهما نائبان عنه - أن الناصب نائب في أن ينصب عن الإمام، بأن يكون
~~المنصوب منصوبا عن الإمام بواسطة الناصب، كما لو صرح الإمام وقال: " انصب
~~عني " فهو ممنوع، إذ ثبت من الأدلة كون الفقيه وليا على من يحتاج وما يحتاج
~~إلى ولي وراع ومحام، كأمور الأيتام والسفهاء والأوقاف العامة ونحوها، بمعنى
~~أن هذه الأمور لما احتاجت إلى من يباشرها على الوجه الأصلح، وليس في العباد
~~من هو أولى بذلك من العالمين بالأحكام وحملة أخبار أئمة الأنام عليهم
~~السلام، لأنهم أبصر بذلك من غيرهم، فوض إليه هذه الأمور، فتصرفاته وأفعاله
~~على وجه كونه مأذونا في فعل ما يراه صلاحا من دون أن يوقع على وجه النيابة
~~عن الإمام، نظير أن ولي الميت إذا أذن لأحد في الصلاة عليه، فهو وإن كان
~~مأذونا عنه، لكنه ليس نائبا عنه في الصلاة، ولهذا لا يصح أن تنوى (1)
~~النيابة، ويصلي معه نفس الولي الآذن، ولا ينافي هذا الإذن للوجوب الكفائي
~~على الولي وغيره، فيكشف هذا كله عن أنه ليس نائبا حقيقيا، فكذا الأمور التي
~~يتولاها الفقيه في زمان الغيبة، فإنها ترجع إلى الواجبات الكفائية. لكن
~~يشترط في مضيها من فاعلها إذن الولي العام، أعني الإمام عليه السلام.
# ولو أبيت إلا عن أن الفقيه في أفعاله وتصرفاته نائب حقيقة عن الإمام، فلا
~~بد لك من إثباته، فإن أقصى ما استفيد هو الإذن دون
# PageV00P246
# الاستنابة، وحينئذ فنقول: إذا كان من جملة أفعال الفقيه المأذون فيها أن
~~ينصب وليا على يتيم وشبهه أو متوليا على وقف، فهذا النصب ليس بالنيابة عن
~~الإمام حتى يكون العزل كذلك بالنيابة، بل هو تصرف مأذون فيه، فكان الواجب
~~أن يمضي كسائر الأمور، فلا يجوز ms116 لغيره عزله، نعم، يجوز لنفسه من جهة أنه
~~العاقد للنصب، فيجوز له حله لأنه ليس من الأمور اللازمة.
# فإن قلت: أليس للإمام عزل هذا المنصوب، فكذا الفقيه الآخر له عزله، لأنه
~~مأذون وإن لم يكن نائبا، والحاصل أنا لا ندعي انعزاله من جهة أن العازل
~~نائب عن الإمام في العزل، بل من جهة أنه مأذون من الإمام في العزل وله
~~ولاية العزل، كما أن للناصب كان ولاية النصب.
# قلت: إن عزل ما نصبه الغير نقض لولايته وعزل له من هذه الجهة، لأن مقتضى
~~وجوب إمضاء أحكامه هو إمضاء النصب، فالعزل نقض وعزل له في خصوص هذا الأمر،
~~ولما كان ذلك جائزا للإمام عليه السلام، صح له عليه السلام عزل منصوبه
~~المستلزم لعزله، ونقض ما فعله في هذه الخصوصية، ولما لم يجز لفقيه آخر عزل
~~نفس الفقيه عن الولاية، ولو في خصوص واقعة خاصة للزوم الترجيح بلا مرجح، لم
~~يجز له عزل منصوبه، لأنه مستلزم لعزله في خصوص واقعة نصبه، لأن مقتضى نصبه
~~هو بقاء ولاية المنصوب واستمرارها، فنقض مقتضاه نقض لفعل الفقيه وعزل له من
~~جهة الفعل، ولو من حيث الاستدامة.
# ومن هنا يظهر فساد ما ربما يقال: إن نصب الفقيه وعزل فقيه آخر ليسا
~~متنافيين، حتى يكون فعل العازل ناقضا لفعل الناصب، وعازلا له من حيث هذا
~~الفعل، بل هما من قبيل الإجازة والفسخ، حيث يقدم الفسخ على PageV00P247
# الإجازة، إذ لا يخفى الفرق بين الأمرين، فإن المجيز إنما يلتزم بما فعل
~~نفسه، والفاسخ يهدم ما فعل نفسه، ومن البين أن المعاوضة لا يتقوم بفعل
~~واحد، فلازم هدم أحدهما لما فعله، وحله حل العقد القائم بالطرفين، بخلاف
~~النصب والعزل، فإن مقتضى الأول ثبوت الولاية، ومقتضى الثاني ارتفاعها، فلا
~~محالة يكون الثاني ناقضا للأول، فنظيره في الفسخ والإجازة: ما إذا وكل صاحب
~~المبيع فضولا شخصين في إجازة ما فعله الفضولي وفسخه، فأجاز أحدهما، فإنه
~~ليس للآخر الفسخ قطعا، وكذا العكس.
# ثم إن محل الكلام فيما إذا كان عزل العازل لمصلحة الأمر ms117 الذي نصب له،
~~وأنه هل يجوز عزل فقيه آخر له من غير اعلام الناصب بكون عزله مصلحة ليعزله
~~أو يعلم الناصب بالحال، ويلتمس منه عزله لأجل المصلحة؟
# وأما إذا كان عزله اقتراحا، فالظاهر أنه لا يجوز قولا واحدا، لأن هذا
~~الفعل الاقتراحي ليس مما أذن فيه ولا ولي عليه، وكذا لو كان لمصلحة نفس
~~العازل المتعلقة بأمور دينه أو دنياه، إذ بم يؤذن للفقيه أن يتعرض - ولو
~~بمصلحة دينية - في أمور الأيتام وأشباههم، مع قيام الغير بها على وجه ينقض
~~ما فعله الغير، لأن إذن الإمام للفقهاء في ذلك على طريق الكفاية كما أن
~~وجوبها على طريق الكفاية، فمتى قام أحدهم وتصرف فيما أذن له، فلا دليل على
~~إذن غيره في التصرف فيما تصرف فيه.
# ومنه يعلم عدم جواز التصرف بالعزل، حتى فيما إذا كان فيه مصلحة اليتيم أو
~~الوقف، بل لا بد أن يعلم الفقيه الناصب حتى يعزل من نصب.
# فحصل مما ذكرناه أن الأقوى أنه لا يجوز أن يعزل من نصبه الفقيه الأول مع
~~حياته لوجوه: PageV00P248
# الأول: أن الفقهاء ليسوا بنواب حقيقة بحيث يصدر منهم الأفعال على وجه
~~النيابة، بل يشبه حالهم حال المصلي على الميت بإذن الولي، بل هي هي، فلا
~~يكون الناصب نائبا في النصب والعازل نائبا في العزل، حتى يكون عزل فقيه بعد
~~نصب آخر كالعزل الصادر من الإمام عليه السلام بعد صدور النصب منه.
# الثاني: أنه لو سلم نائبون في الأفعال، لكنهم ليسوا بمأذونين في عزل ما
~~(1) نصبه بعضهم، فليس الفقيه مأذونا في عزل ما نصبه الآخر، لا على وجه
~~النيابة عن الإمام عليه السلام، ولا على وجه الإذن عنه عليه السلام، لأن
~~قيام الفقيه بإصلاح أمور ذلك المولى عليه التي نصب وليا فيها أغنى عن تصدي
~~فقيه آخر لها بالمباشرة أو الاستنابة، فإن إذن الإمام في مباشرة الفقيه
~~للوقائع أو الاستنابة فيها، لا دليل على شموله لما إذا كانت غنية عن تصديه
~~لقيام غيره بها، فهو إذن كفائي، كالوجوب الكفائي، يسقط بقيام من ms118 به
~~الكفاية.
# بل يمكن أن يقال: إن إذن الفقيه في الأمور تابعة (2) لوجوب مباشرتها
~~كفاية، فحيث وجبت كفاية أذن فيها، وحيث قام بها غيره سقط الوجوب وسقط
~~الإذن، لأن عمدة ما ثبت به إذن الفقيه في تلك الأمور هو أنها واجبة كفاية،
~~وليس أحد أولي منه بها.
# وأما التمسك بالعمومات، مثل ما ورد في التوقيع المتقدم، من أن رواة
# PageV00P249
# حديثنا حجة عليكم (19، أو أن العلماء خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله
~~(2)، و " أنهم أمناء الرسل " (3)، و " أن الراد لحكمهم راد على الله " (4)،
~~فلا ينفع فيما نحن [فيه] (5)، لأن هذه إنما تدل على وجوب اتباعهم في
~~الأفعال والأقوال، ولا ريب أن الخطاب باتباعهم ليس مختصا بالمقلدين، بل
~~يشمل مثلهم، إلا ما خرج من عدم جواز اتباع الفقهاء بعضهم لأقوال بعض في
~~الفتاوى، وبقي الباقي، ومنه ما إذا نصب فقيه شخصا لمباشرة بعض الأمور
~~الشرعية، فإن العمومات المذكورة قاضية بوجوب تقريرها واتباعها على الفقيه
~~الآخر، فكيف يعزله؟!
# الثالث: أن الفقهاء لو سلم كونهم مأذونين على وجه العموم بحيث يشمل عموم
~~إذنهم لعزل ما نصبه بعضهم، لكن نمنع كون الإذن في النصب والعزل بطريق
~~الاستنابة، وإن سلمنا ذلك في أفعالهم الآخر، فهم ليسوا بنائبين في نصب
~~المباشر وعزله، حتى يكون منصوبهم منصوبا من الإمام، بل هم نائبون في نفس
~~الأفعال التي ينصب لأجلها، ومأذونون في النصب ارفاقا بهم، نظير ذلك أنه إذا
~~وكل أحدا في أموره واستنابه فيها، ثم أذن له في تفويضها إلى غيره، فحينئذ
~~التوكيل الصادر من الوكيل لم يتعلق به
# PageV00P250
# الوكالة، بل تعلق به الإذن. نعم، لو صرح وقال: " وكل عني " كان توكيلا في
~~التوكيل عنه، والمفروض أنه لم يرد من الإمام عليه السلام الاستنابة في
~~النصب عنه، فإذا ظهر الفرق بين الإذن في النصب والاستنابة فيه، جرى مثله في
~~العزل، فإنه عليه السلام لم يستنب العازل في العزل له، فكيف يكون عزله عزل
~~الإمام. نعم، إذنه في العزل عموما، لكنه (1) إذنه في العزل معارض بإذن
~~الناصب في النصب، ms119 وقد عرفت أن مقتضاهما متنافيان، وليسا مثل الإجازة
~~الصادرة من أحد المتعاقدين، والفسخ الصادر من الآخر في عدم التنافي، فلا
~~يرفع اليد عما ثبت أولا.
# وقد علم مما ذكرنا في الوجه الثاني من عدم الإذن في التصدي مع قيام الغير
~~به، أنه ليس لفقيه التعرض لواقعة تصدى لها فقيه إلا على وجه يرضى به
~~المتصدي الأول، فإذا سلم مال يتيم في يد شخص، فليس لفقيه آخر رأى المصلحة
~~أن يبيعه ليحكم على الشخص الذي بيده المال أن يسلمه إلى مشتريه، لعدم الإذن
~~في التصدي حينئذ، مضافا إلى أنه لا يؤمن مع ذلك من حدوث الشحناء والبغضاء
~~بين الفقهاء، فيسقط بذلك محلهم عن القلوب، ويقل الاعتماد والوثوق بهم، ونحو
~~ذلك.
# PageV00P251
# كتاب الشهادات PageV00P253
# صورة الصفحة الأولى من كتاب الشهادات من نسخة " ق " PageV00P255
# صورة الصفحة الأخيرة من كتاب الشهادات من نسخة " ق " PageV00P256
# صورة الصفحة الأولى من كتاب الشهادات من نسخة " ش " PageV00P257
# صورة الصفحة الأخيرة من كتاب الشهادات من نسخة " ش " PageV00P258
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد
~~وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
# اعلم أن مقتضى الأصل المستفاد من الأدلة الأربعة هو عدم جواز الشهادة إلا
~~مع العلم القطعي بالمشهود به، والمراد من الشهادة مع عدم العلم - التي
~~أطبقت الأدلة (1) على منعها - هو الاخبار بصورة الجزم، وإلا فالشهادة
~~الحقيقية التي هي عبارة عن الاخبار عن جزم لا يعقل حصولها من دون العلم
~~والجزم، وهذا مما لا اشكال فيه ولا ريب يعتريه.
# وإنما الاشكال، بل الخلاف في جواز الشهادة استنادا إلى أمور غير علمية
~~نصبها الشارع طرقا إلى الموضوعات بالنسبة إلى المكلفين فيما يتعلق بأنفسهم
~~كالاستصحاب وسائر الأصول والاستفاضة الغير العلمية وشهادة العدلين ويد
~~المسلم وتصرفه والاقرار، ونحو ذلك.
# PageV00P259
# والمراد من الشهادة استنادا إلى هذه الأمور إما الاخبار عن جزم بمقتضى
~~تلك الطرق وهي الأمور الظاهرية، وإما الاخبار بصورة الجزم عن الأمور
~~الواقعية، كما قد تورد الدعوى بصيغة الجزم مع عدم الجزم في الواقع.
# ولما ms120 كان حكم الاستناد مختلفا في هذه المذكورات جوازا ومنعا لم يكن بد من
~~الكلام في كل واحد مستقلا، وعساك تظفر في تضاعيف كلماتنا بضابطة كلية في
~~بيان ما يجوز استناد الشاهد إليه وما لا يجوز، إن شاء الله تعالى.
# فنقول: أما الاستصحاب وغيره من الأصول فاستناد الشاهد إليها على أحد
~~الوجهين المذكورين يتصور على وجهين:
# الأول: أن يستند إليها في اثبات نفس المشهود به، كأن يشهد لزيد على عمرو
~~باشتغال ذمته بدين في الحال مستندا إلى استصحاب الاشتغال.
# الثاني: أن يستند إليها في إتمام السبب الذي جعله الشارع مثبتا للمشهود
~~به، كأن يشهد لزيد بمالكية دار بمجرد علمه بأنه ورثه من أبيه، مستندا في
~~صحة الإرث إلى أصالة كونه في يد الأب على جهة الملك، وأصالة بقاء الدار على
~~ملك الأب إلى زمان الموت، وأصالة عدم وارث آخر له، وعدم طروء مانع من موانع
~~الإرث في حق زيد، وغير ذلك من الأصول التي يعلمها (1) لتصحيح الإرث الذي هو
~~سبب المشهود به أعني:
# الملكية، وكأن يشهد بزوجية امرأة أو ملكية عبد بمجرد مشاهدة عقد النكاح
~~والبيع مستندا في صحتهما واستجماعهما للشرائط إلى الأصول. إلى غير ذلك من
~~الأمثلة.
# PageV00P260
# والظاهر أن جواز استناد الشاهد في شهادته إلى الأصول على الوجه الثاني
~~مما لا اشكال ولا خلاف فيه، ولولاه لما قام للمسلمين سوق، ولضاعت أكثر
~~الحقوق، إذ عليه تبنى الأحكام، وبه تدور رحى الشهود والحكام.
# وسيجئ السر الفارق بينه وبين الاستناد على الوجه الأول.
# ثم إن ما يستند إليه على الوجه الأول على قسمين:
# أحدهما: ما كلن بحيث لو ظهر لنفس الحاكم لحكم به للمشهود له، كالمثال
~~المذكور في الوجه الأول، وهو ما إذا لم يعلم الشاهد إلا استدانة زيد من
~~عمرو في الزمان الماضي فشهد على زيد باشتغال ذمته في الحال استنادا إلى
~~استصحاب الاشتغال، فإن هذا الاستصحاب لو حصل لنفس الحاكم بأن يقطع
~~بالاستدانة ويشك في الوفاء، حكم على زيد.
# والثاني: ما كان بحيث لو ظهر لنفس الحاكم أو ظهر له ms121 استناد الشاهد إليه
~~لم يحكم به للمشهود له، مثل ما لو تنازعا في صحة معاملة وفسادها وأقام كل
~~منهما بينة وكان الحاكم ممن يذهب إلى ترجيح بينة الداخل، والمفروض أن مستند
~~بينة الداخل في الشهادة بالصحة أصالة الصحة، ولا ريب أن الحاكم لا يحكم
~~لمدعي الصحة بمجرد أصالة الصحة المعارضة ببينة الفساد، بل لو ظهر له استناد
~~بينة الصحة إليها لم يحكم أيضا قطعا.
# والظاهر أن الاشكال متحقق في كلا القسمين وإن كان منع الاستناد في القسم
~~الثاني أسبق إلى الأذهان.
# وكيف كان، فنحن نتكلم في القسم الأول ثم نتبعه بذكر حكم الثاني، فنقول:
~~إذا استند الشاهد إلى الاستصحاب أو غيره من الأصول في اثبات المشهود به
~~بحيث لو ثبت نفس ذلك المستند عند الحاكم حكم للمشهود له، PageV00P261
# فالذي يتراءى في بادئ النظر هو عدم جواز الشهادة، لما عرفت من تطابق
~~الأدلة الأربعة على عدم جواز الشهادة إلا مع العلم القطعي بالمشهود به،
~~والاستصحاب كغيره من الأصول إنما ينزل موردها المشكوك فيه بمنزلة المعلوم،
~~فيترتب عليه جميع الآثار التي كانت تترتب على المشكوك لو كان معلوما، ولا
~~ينزل نفس الشك بمنزلة العلم حتى يترتب عليه آثار العلم.
# ولا ريب أن جواز الشهادة بالشئ من آثار العلم بالشئ لا من آثار نفس ذلك
~~الشئ حتى يلزم من اثباته بالاستصحاب ثبوت جواز الشهادة، نظير ذلك ما لو نذر
~~زيد بأن يتصدق كل يوم بدرهم ما دام متيقنا بحياة ابنه فشك - بعد ذهابه إلى
~~السفر - في حياته وموته، فحكم الشارع باستصحاب حياته لا يترتب عليه وجوب
~~التصدق، لأن وجوب التصدق كان في النذر معلقا على اليقين بحياة زيد، لا على
~~نفس الحياة.
# نعم، لو نذر أن يتصدق ما دام حيا وجب التصدق باستصحاب الحياة.
# وهذا كلام جار في جميع الطرق الغير العلمية، وحاصله أن الأسباب الظاهرية
~~إنما تفيد واجدها وجوب العمل في مواردها كما لو كانت معلومة، وتجعل المشكوك
~~كالمتيقن، لا الشك كاليقين، فافهم واغتنم.
# ومن هنا ظهر فساد ما ربما يتمسك في ms122 اثبات جواز الشهادة الاستصحابية
~~بالاستصحاب، لأن الشخص كان حين العلم تجوز له الشهادة وبعد زوال علمه نشك
~~في الجواز وعدمه والأصل بقاء الجواز.
# وجه الفساد: أن جواز الشهادة مترتب شرعا على العلم بتحقق المشهود به
~~فيزول بزواله، وليس مترتبا على نفس المشهود به حتى يبقى باستصحابه.
~~PageV00P262
# ويؤيد ما ذكرنا ما رواه ثقة الاسلام في الحسن - بابن هاشم - عن معاوية بن
~~وهب، قال: " قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة على أن هذه الدار مات
~~فلان وتركها ميراثا، وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: اشهد بما
~~هو علمك، قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس؟ قال:
# احلف إنما هو على علمك " (1) حيث إن الإمام عليه السلام إنما أذن له في
~~الشهادة بما هو معلوم له ويجوز له الحلف عليه.
# وظاهر العلم: العلم في الحال، مع أن مورد السؤال مما يوجد فيه استصحاب
~~بقاء الدار على ملك المورث إلى حين الموت وأصالة عدم وارث آخر، فتأمل.
# فإن قلت: مقتضى ما ذكرت هو عدم جواز استناد الشاهد إلى الأصول مطلقا،
~~سواء استند إليها في اثبات نفس المشهود به أو في اتمام سببه الشرعي، مع أنه
~~قد مر عدم الاشكال والخلاف في جواز الاستناد إليها في اتمام سبب المشهود
~~به، فما وجه الفرق؟
# قلت: مجمل الفرق أن الشهادة مع الاستناد إلى الأصول في اتمام سبب المشهود
~~به ترجع إلى الشهادة مع العلم القطعي بالمشهود به، بخلاف الشهادة مع
~~الاستناد إلى الأصول في اثبات نفس المشهود به.
# وتفصيل ذلك: أن الأمور المسببة عن الأسباب الشرعية كالملكية والزوجية
~~والنسب ونحوها، وإن كانت أمورا واقعية تابعة لأسبابها الواقعية، أعني البيع
~~الصحيح الواقعي والنكاح الصحيح الواقعي ونحوهما، إلا أن
# PageV00P263
# الواقع منها بين الناس والمتعارف عندهم والمتداول في ألسنتهم، والثابت
~~بأيديهم إنما هي الظاهرية المنوطة بالأسباب الصحيحة ظاهرا بضميمة الأصول،
~~لأن العلم بتحقق الأسباب الواقعية متعسر، بل متعذر.
# أترى من نفسك أن تحصل العلم بملكية شئ واحد لنفسك فضلا عن غيرك، بأن
~~تتحصل العلم بصحة ms123 جميع الأيدي المترتبة عليه والتملكات المتعاورة (1) عليه
~~المنتهية إليك.
# بل لو قلت: إن الملكية والزوجية الواقعيتين ونحوهما هي عبارة عما يترتب
~~على البيع والنكاح المصححين ولو بضميمة الأصول، وليس لهما واقعي وراء ذلك،
~~لم تبعد عن الصواب كثيرا.
# فظهر من ذلك كله إن مورد الدعاوي والانكارات والشهادات والاقرارات
~~والحكومات كلها ليست إلا الأمور المسببة عن الأسباب الظاهرية، فإذا ادعى
~~زيد ملكية دار عمرو فلا يقصد إلا أنه مملوك لي شرعا، باعتبار أنه وقع في
~~الخارج ما جعله الشارع في الظاهر سببا مملكا، وليس مراده أنه ملك نشأ من
~~سبب مملك واقعي، لما عرفت من تعذر العلم بذلك.
# ولا ريب أن الشاهد بالملكية إذا استند في تصحيح سبب الملك إلى الأصول
~~الظاهرية فقد شهد عن علم الملكية على النحو الذي ادعاه المدعي، فلم يشهد
~~إلا مع العلم القطعي بالمدعى (2)، وهذا هو السر في جواز الشهادة مستندا إلى
~~الأصول في تصحيح سبب المشهود به، ويبقى ما مر من لزوم
# PageV00P264
# اختلال النظام مرجحا.
# وهذا بخلاف ما إذا استند الشاهد إلى الأصول في اثبات نفس المشهود به، كأن
~~يشهد بالاشتغال للاستصحاب، فإن مورد الادعاء والانكار ليس إلا هو الاشتغال
~~الواقعي وليس الشاهد عالما به.
# هذا غاية ما يمكن أن يستدل به على عدم جواز الشهادة مستندا إلى الأصول في
~~اثبات المشهود به.
# ولكن الحق الحقيق بالاتباع هو جواز الشهادة مستندا في اثبات المشهود به
~~إلى الاستصحاب وغيره من الأصول، سواء كان على وجه ايراد الشهادة مع الجزم
~~على الأمور الظاهرية الثابتة بالطرق الغير العلمية، أو كان على وجه ايرادها
~~بصورة الجزم على الأمور الواقعية.
# أما الأول، فلأن الأصول الظاهرية وإن كانت لا تفيد العلم بالواقع إلا
~~أنها تفيد العلم بالظاهر، وما اعترفنا به سابقا - من أنها تجعل المشكوك
~~كالمعلوم لا الشك كالعلم حتى يترتب عليه آثار العلم بالشئ - فإنما كان
~~بالنظر إلى الواقع، بمعنى أنه إذا ترتب حكم على العلم بالشئ الواقعي -
~~كالتصدق في المثال المذكور المعلق على اليقين بالحياة الواقعية - لم يحكم
~~عليه ms124 بمجرد ثبوت الشئ بالأصول، ولا يخفى أن جواز الشهادة مطلقا ليس مترتبا
~~على العلم بالشئ الواقعي، بل الشهادة بالشئ الواقعي متفرع على العلم بالشئ
~~الواقعي، والشهادة بالشئ الظاهري إنما تتفرع على العلم بالشئ الظاهري، فإذا
~~علم الشاهد بملكية شئ لزيد سابقا وشك في بقائه على ملكه، فأدلة الاستصحاب
~~وإن لم تفده العلم بالملكية الواقعية ولم تجعل شكه فيها بمنزلة علمه بها -
~~كما اعترفنا سابقا - إلا أنها أفادته العلم بالملكية الظاهرية فيشهد بها عن
~~علم قطعي. PageV00P265
# فإن قلت: من شرط الشهادة موافقتها للدعوى، والمدعي إنما يدعي الملكية
~~الواقعية التي لا يشهد بها الشاهد.
# قلت، أولا: نفرض الكلام فيما لو ادعى المدعي الملكية الظاهرية، بأن يدعي:
~~أني مالك على سبيل الجزم، والحاكم يعلم بأنه ما استند إلا إلى الاستصحاب،
~~أو يقول المدعي، إني أستحقه في ظاهر الشرع. وإذا ثبت الحكم في هذا الفرض
~~ثبت في غيره بالاجماع.
# وثانيا: إن تطابق الشهادة والدعوى إلى هذا الحد مما لا دليل عليه، وإنما
~~المسلم وجوب تطابقهما في أنفسهما لا من حيث ظرف ثبوتهما، ولذا لو انعكس
~~الأمر بأن كان المدعي مستندا إلى الاستصحاب، والشاهد مستندا إلى الواقع
~~سمعت الشهادة قطعا.
# والقول بأن الواقع مستلزم للظاهر فالشاهد يدعي الظاهر وزيادة، فاسد:
# أما أولا: فلأن الظاهر الثابت للشاهد من جهة قطعه بالواقع غير الظاهر
~~الثابت للمدعي من جهة شكه الموجب للاستصحاب.
# وأما ثانيا، فلأنه لو سلم أن الشاهد بالملكية الواقعية شهد بالملكية
~~الظاهرية وزيادة، فكذلك المدعي إذا ادعى الملكية الواقعية فقد ادعى
~~الظاهرية وزيادة، فلا بد من سماع شهادة من يشهد له بالملكية الظاهرية، لأنه
~~قد شهد ببعض دعوى المدعي فيحكم له بالملكية الظاهرية، وهذا يكفيه وإيانا.
# فتبين من جميع ذلك أن لا فرق في الدعاوي والانكارات والشهادات والاقرارات
~~والحكومات بين أن ترد على الأمور الظاهرية أو الأمور الواقعية، فهل ترى من
~~نفسك أن لا تقبل اقرار المدعى عليه للمدعي PageV00P266
# بالملكية الظاهرية، أو يمين المنكر على نفي الملكية الظاهرية؟!
# فإن قلت: هذا كله حسن لو ثبت بالاستصحاب ms125 الملكية الظاهرية، وكانت الملكية
~~الظاهرية أمرا متحققا في الخارج بإزاء الملكية الواقعية، وهو ممنوع، وإنما
~~المسلم من الاستصحاب وجوب ترتيب آثار الملكية الواقعية، ولا ريب أن جواز
~~الشهادة ليس من تلك الآثار كما عرفت واعترفت.
# وكذا الكلام في الزوجية والنسب والحياة والموت وغيرها من الموضوعات التي
~~لا تقبل الجعل الشرعي بجريان الأصول فيها، بل غاية مقتضى الأصول الجارية
~~فيها هو ترتيب آثار الأمر الواقعي.
# قلت، أولا: إن هذا منقوض بما مر من الشهادة بالملكية ونحوها مستندا في
~~إتمام أسبابها إلى الأصول، فإنه إذا شاهد وقوع بيع أو نكاح بين شخصين، فكيف
~~يحكم بمجرد ذلك بالملكية والزوجية ويشهد بهما؟
# مع أنه لم يثبت من البيع والنكاح المصححين - بضميمة الأصول - إلا ترتب
~~آثار الملكية والزوجية لا نفسهما، مع أنك قد عرفت أن جواز الشهادة في هذين
~~وأمثالهما إجماعي.
# وثانيا: إنه ليس المراد من الملكية الظاهرية إلا أمرا منتزعا من حكم
~~الشارع بتحقق أحكام خاصة في موردها من جواز الانتفاع بنفسه وبعوضه والتسلط
~~على اخراجه إلى ملك الغير مجانا.
# ومنع اطلاق الملك على موضوع ثبت له - ولو في مرحلة الظاهر - جميع الآثار
~~المترتبة على الملك الواقعي مكابرة أو مشاحة في التسمية العرفية، فإنه إذا
~~اطلع أهل العرف على حكم الشارع بترتيب جميع آثار الملكية على موضوع بحسب
~~الظاهر فلا يتمالكون في اطلاق الملك الظاهري عليه، وكذا الزوجية والحرية
~~والنسب وغيرهما من الموضوعات. PageV00P267
# والحاصل، أنا لا نقول: إن جريان الأصل في موضوع يوجب جعل الموضوع في
~~مرحلة الظاهر، حتى يقال: إن الموضوعات الخارجية لا تنجعل بجعل الشرع.
# وإنما نقول: أنه إذا ثبت لشئ جميع آثار الملكية في الظاهر مثلا بحيث لا
~~يشذ عنها شئ لم يمنع عرفا ولا شرعا أن يقال له إنه ملك شرعا، بأن ينتزع من
~~حكم الشارع بوجوب ترتيب آثار الملكية أمر يعبر عنه بالملك الظاهري الشرعي.
# وهذا التعبير لا يحتاج إلى توقيف خاص من (1) الواضع أو الشارع كما لا
~~يخفى، وكذا الكلام في الزوجية والنسب والحرية والرقية.
# فإن قلت: إن ms126 الثابت بالاستصحاب هي الملكية الشرعية في حق نفس الشاهد
~~وبالنسبة إلى تكليفه وما يتعلق بنفسه، لأنه الشاك فيها بعد تيقنها فالجائز
~~له أن يقول: هذا ملك شرعي بالنسبة إلي، لا أنه ملك شرعي بقول مطلق. وإنما
~~الأخبار بالملكية المطلقة والشهادة بها وظيفة العالم بها في نفس الأمر،
~~نظرا إلى أن الملكية النفس الأمرية لا تختص بواحد دون واحد، بخلاف الملكية
~~المجعولة ظاهرا فإنها لما كانت أمرا منتزعا من وجوب ترتيب الآثار اختصت بمن
~~وجب عليه ترتيب الآثار، وليس إلا خصوص الشاهد وأمثاله ممن شك في الملكية
~~بعد اليقين بها.
# قلت، أولا: إنه منقوض بحكم الحاكم، فإنه أيضا يحكم بين المتداعيين بمقتضى
~~الأصول، مع أن مقتضاها مختص به وموجبة لثبوت الموضوعات ظاهرا في حق نفسه،
~~وكذا شهادة الشاهد بالشئ مستندا في تتميم سببه
# PageV00P268
# الشرعي إلى الأصول فإنه أيضا يشهد بالملكية المطلقة، مع أن سببها لم يتم
~~إلا بالأصول الثابتة في حق نفسه دون غيره.
# وثانيا: إن الثابت بالاستصحاب ليس إلا الأمر المتيقن سابقا، وهو كون الشئ
~~بحيث حكم عليه الشارع بترتب الآثار عليه بالنسبة إلى كل أحد ويعبر عنها
~~بالملكية، ولا ريب أنه لا يختص بواحد دون آخر.
# نعم، البناء على هذا والعمل عليه عند الشك في البقاء والارتفاع يختص بنفس
~~الشاك.
# ومحصل هذا أنه يجب على خصوص هذا الشخص الشاك في بقاء الملكية أن يبني على
~~أن هذا الشئ ملك شرعي بالنسبة إلى جميع المكلفين كما كان كذلك سابقا حيث لم
~~يعلم ارتفاعه لاحقا، فالمجعول أمر عام لا يختص بواحد دون آخر، والمجعول له
~~خاص، فافهم.
# هذا تمام الكلام في الشهادة الاستصحابية على الوجه الأول، وهو الاخبار
~~الجزمي عن الملكية، مريدا بها الملكية الظاهرية الثابتة بالاستصحاب.
# وأما الشهادة الاستصحابية على الوجه الثاني، وهو الاخبار بصورة الجزم عن
~~الملكية مريدا بها الملكية الواقعية، فنقول: إنها جائزة أيضا، لعدم الدليل
~~على المنع، لأن ما دل على عدم جواز الشهادة مع عدم العلم من الأدلة الأربعة
~~لا يشمل ما نحن فيه.
# أما العقل ms127 والاجماع فظاهر، وأما الكتاب (1) والسنة (2) فلأنهما يدلان
# PageV00P269
# على عدم جواز الشهادة مع عدم العلم به لا ظاهرا ولا واقعا، وأما إذا علم
~~بثبوت الحق ظاهرا ولكن عبر في اخباره بالحق الواقعي - وبعبارة أخرى علم
~~بترتب جميع آثار الشئ الواقعي ظاهرا في مورد فشهد بتحقق الشئ الواقعي نفسه
~~- فلا يدل كتاب ولا سنة على المنع عنه.
# ويدل على (1) ما ذكرناه ما رواه الكليني والشيخ - بسند فيه إرسال - عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قلت له: يكون للرجل من إخواني عندي شهادة
~~وليس كلها يجيزها القضاة عندنا، قال: فإذا علمت أنها حق فصححها بكل وجه حتى
~~يصح له حقه " (2).
# وأصرح منه ما رواه الشيخ رحمه الله بسنده عن داود بن الحصين، قال:
# " سمعت أبا عبد الله عليه السلام [يقول] (3) إذا شهدت على شهادة فأردت أن
~~تقيمها فغيرها كيف شئت وزينها (4) وصححها بما استطعت حتى يصح الشئ لصاحب
~~الحق بعد أن لا تكون تشهد إلا بحقه، ولا تزيد في الحق (5) ما ليس بحق،
~~فإنما الشاهد يبطل الحق ويحق الحق، وبالشاهد (6) يوجب الحق، وبالشاهد يعطى،
~~وأن للشاهد في إقامة الشهادة بتصحيحها بكل ما يجد إليه
# PageV00P270
# من (1) السبيل من زيادة الألفاظ والمعاني والتفسير في الشهادة ما به يثبت
~~الحق ويصححه ولا يوجد به (2) زيادة على الحق، مثل أجر الصائم القائم
~~المجاهد بسيفه في سبيل الله.. الحديث " (3). دل بصريحه على جواز التغيير في
~~الشهادة ما لم يحصل تفاوت في أصل المطلب.
# ولا ريب أن من يعلم بترتب آثار الملكية على شئ في مرحلة [الظاهر] (4) لو
~~عبر بالملكية على وجه يظهر للقاضي أنه جازم بالملكية الواقعية فقد صحح
~~شهادة وأحيى حقا بغير حصول تفاوت.
# والقول بأن الاستصحاب لا يصح أن يكون مستندا للشهادة بنفس ترتب الآثار
~~التي علمت بتحققها ظاهرا في مورد الشك فضلا عن أن يصلح لأن يستند إليه في
~~الشهادة بالأمر المنتزع من الحكم بترتب الآثار، أعني:
# الملكية، كلام تعرف جوابه مما سبق، فإنه راجع إلى بعض الايرادات السابقة.
# ثم إنه يدل على ما ms128 ذكرنا من جواز استناد الشاهد في الشهادة إلى الأصول
~~وجوه أخر سوى ما ذكرنا من اقتضاء نفس أدلة الأصول لذلك:
# الأول: السيرة القطعية الجارية بين الناس في اخباراتهم عن الأمور
# PageV00P271
# المتحققة سابقا، فتراهم يخبرون عنها في الحال على وجه الجزم من دون تردد
~~وتزلزل، ولا يعترض عليهم أحد بأنك لم تخبر عن جزم مع وجود احتمال زوال ما
~~علمت تحققه، ولا يفرقون في ذلك بين اخباراتهم العرفية وشهاداتهم الشرعية.
# لكن الانصاف إن هذه الطريقة مختصة بما إذا كانوا مطمئنين ببقاء الحالة
~~السابقة، ولم يعرض الاحتمال إلا من مجرد الامكان الذاتي، فحينئذ لا بد من
~~التفرقة بين أفراد الاستصحاب فيكون مناط جواز الشهادة الاستصحابية
~~الاطمئنان.
# بل يمكن أن يقال: إن مناط الشهادة في جميع ما يتعذر فيه العلم غالبا
~~الاطمئنان النفسي والجزم الصوري، فاحفظ هذا فإنه سينفعك فيما بعد إن شاء
~~الله تعالى.
# الثاني: ما رواه ثقة الاسلام قدس سره بسند ليس فيه من يتوقف في شأنه عدا
~~إسماعيل بن مرار - الذي حكي عن التعليقة (1) غير واحدة من الأمارات على
~~وثاقته - عن أبي عبد الله عليه السلام " الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنه
~~(2) ثلاثين سنة ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في
~~داره ولا ندري ما حدث له من الولد إلا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا
~~ولا حدث له ولد، ولا يقسم هذه الدار بين ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد
~~شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان بن فلان
# PageV00P272
# مات وتركها ميراثا بين فلان فلان، أفنشهد على هذا؟ قال: نعم.
# قلت: الرجل له العبد والأمة، فيقول: أبق غلامي وأبقت أمتي، فيوجد في
~~البلد فيكلفه القاضي البينة إن هذا غلام فلان فلم يبعه ولم يهبه، أفنشهد
~~على هذا إذا كلفناه ونحن لم نعلم أحدث شيئا؟ قال: فكل ما غاب من يد المرء
~~المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد عليه " (1).
# ولا يخفى أن صدر الرواية صريح في المطلب، وأما ms129 ذيلها المتضمن لحكم العبد
~~والأمة فهو وإن كان يوهم في بادئ الرأي خلاف ذلك إلا أن الظاهر - بل
~~المقطوع به - عدم المخالفة، وأن قوله: " فكل ما غاب.. الخ " استفهام
~~استنكاري بحذف أداة الاستفهام، كما لا يخفى على من تأمل سياق الفقرة، وما
~~يلزم من مخالفات الظاهر في ابقائها على ظاهرها من الأخبار دون الانكار.
# مع أنا لو سلمنا عدم القرينة على ذلك وأن الظاهر منها الأخبار والحكم دون
~~الاستفهام الانكاري، فلا يخفى أن صدر الرواية نص في المدعى، وغاية الأمر
~~على سبيل الفرض أن ذيلها ظاهر في خلافه، ولا ريب أن الأخذ بالنص والتصرف في
~~الظاهر لأجله متعين، فليحمل الدليل على معنى لا يخالف الصدر.
# فإن قلت: إنه يعارض هذه الرواية ما تقدم في مستند منع الشهادة استنادا
~~إلى الاستصحاب من رواية معاوية بن وهب عنه عليه السلام، قال:
# " قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة على أن هذه الدار مات فلان
# PageV00P273
# وتركها ميراثا وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال عليه السلام:
~~اشهد بما هو علمك، قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس؟ قال: احلف إنما هو
~~على علمك " (1) حيث دلت على وجوب الشهادة على العلم في مورد السؤال الذي
~~يجري فيه استصحاب عدم وارث آخر وعدم انتقال الدار إلى غير الميت قبل موته.
# قلت: لا معارضة في البين، وعلى فرضها فالرواية السابقة أولى بالتقديم،
~~توضيح ذلك أن قوله: " اشهد على علمك " يحتمل وجوها.
# الأول: أن يراد به وجوب الشهادة بما هو معلوم للسائل في حال الشهادة، وهو
~~ثبوت الدار للميت قبل وفاته وعدم العلم بانتقاله، وثبوت الوارث السابق وعدم
~~العلم بتجدد وارث آخر بأن يقول: أشهد أنه كانت الدار لذلك الرجل المتوفى
~~وكانت ورثته منحصرة في كذا، ولا أعلم انتقال الدار عن ملك المتوفى قبل
~~وفاته ولا تجدد وارث آخر، وحينئذ فيقضي القاضي بما يراه من سماع الشهادة
~~بالحالة السابقة وعدمه، فإذا وجبت الشهادة على هذا الوجه بمقتضى الرواية لم
~~تجز على وجه آخر، لأن ms130 المقام مقام بيان كيفية الشهادة، كما هو ظاهر السؤال.
# الثاني: أن يراد به وجوب الشهادة بمقتضى العلم السابق وما أوجبه اليقين
~~السابق لولا الشك، وهو انتقال الدار إلى الورثة وانحصارهم في كذا، فيكون
~~الإمام عليه السلام قد جوز الشهادة مستندا إلى الاستصحاب.
# الثالث: أن يراد به وجوب الشهادة بما هو معلوم له في الحال أعني
# PageV00P274
# الملكية الظاهرية للورثة وانحصارهم ظاهرا في كذا، فيكون عليه السلام قد
~~جوز أيضا الشهادة مستندا إلى الاستصحاب.
# والفرق بين هذا الوجه وسابقه: أن المراد بالعلم في الوجه السابق هو العلم
~~السابق، ومتعلقه هو الأمر الواقعي فيكون الرواية مجوزة للشهادة بالشئ
~~الواقعي بصورة الجزم مستندا إلى الاستصحاب وهو الوجه الثاني من الوجهين
~~اللذين جوزناهما في الشهادة الاستصحابية. والمراد بالعلم في هذا الوجه هو
~~العلم الحالي المتعلق بالأمر الظاهري، فيكون الرواية مجوزا للشهادة بالشئ
~~الظاهري عن جزم استنادا إلى الاستصحاب، وهو الوجه الأول من الوجهين اللذين
~~جوزناهما في الشهادة الاستصحابية.
# الرابع: أن يراد به وجوب الشهادة بما هو معلوم للسائل كما ذكرنا في الوجه
~~الأول، لكن تكون هذه الفقرة جوابا لسؤال السائل عن جواز الشهادة على نفي
~~الوارث الآخر غير الورثة المعلومين، كما يشهد به قول السائل: " إن ابن أبي
~~ليلى يسألني الشهادة على أنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له " وهذا يدل على
~~أن الراوي شهد أولا عند ابن أبي ليلى بالوارث المعلوم، لكن سأله الملعون أن
~~يشهد على نفي الغير، فيكون معنى الفقرة أنه إن علمت بعدم وارث آخر فاشهد
~~على النفي، وإلا فلا.
# فهذه احتمالات أربعة في مدلول الفقرة المذكورة، ولعلها تحتمل غيرها أيضا،
~~لكن المعارضة بينها وبين الرواية السابقة لا تقع إلا على الاحتمال الأول،
~~وهو وجوب الشهادة بالحالة السابقة وعدم العلم بالمزيل، لكن هذا الاحتمال
~~ضعيف.
# أما أولا، فلأن الظاهر أن قضاة العامة يومئذ ما كانوا يحكمون في مثل
~~المقام بالاستصحاب ولو حصل اليقين السابق والشك اللاحق لأنفسهم،
~~PageV00P275
# فضلا عما لو ثبت الحالة السابقة لشهادة الشهود، فلا فائدة في ايجاب
~~الإمام ms131 عليه السلام الشهادة بالحالة السابقة وإضافة عدم العلم بالمزيل، ولا
~~في تجويز الحلف عليه، ويشهد بما ذكرنا من طريقة العامة ما تضمنه السؤال في
~~هذه الرواية من أن الراوي شهد أولا للوارث المعلوم، ثم سأله ابن أبي ليلى
~~على نفي الوارث الآخر والحلف على هذا النفي ليرتفع احتمال استناد الشاهد
~~إلى الاستصحاب، ويقطع باستناده إلى العلم الواقعي، وهذا غاية الانكار
~~للشهادة الاستصحابية، ويشهد به أيضا الرواية السابقة (1) حيث ذكر في سؤالها
~~أنه لا يقسم الدار بين ورثة المتوفى الذين تركوا فيها حتى يشهد شاهدا عدل
~~أنه مات فلان وتركها ميراثا بين فلان وفلان، وليس توقفهم عن القسمة من أجل
~~عدم ثبوت موته كما لا يخفى على من لاحظ الرواية، بل من جهة طلب الشهادة على
~~وراثة الورثة وانحصارهم، ولذا قال السائل: لا نعلم بأن المتوفى ما أحدث في
~~الدار وما أحدث من الولد، فإذا ظهر من هذه الرواية أن دأبهم الفاسد ورأيهم
~~الكاسد عدم الاعتماد على أصالة بقاء الدار في ملك المتوفى إلى حين الوفاة،
~~وعدم تجدد وارث آخر له، فكيف يعتمدون على شهادة الشاهد بأن هذا في الزمن
~~السابق كان ملكا للمتوفي، وكان الورثة منحصرة في كذا، ولا نعلم خلاف هاتين
~~الحالتين السابقتين، فإن مضمون هذه الشهادة محسوس لنفس القاضي ولا يعمل به
~~فكيف يعمل بالشهادة عليه.
# PageV00P276
# وأما ثانيا، فلأنه لو كان مراد الإمام عليه السلام من الفقرة هو وجوب
~~الشهادة بمضمون الاستصحاب، أعني تحقق الشئ في السابق وعدم العلم بمزيله في
~~اللاحق لم يكن معنى لقول السائل بعد سماع هذا الجواب:
# " إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس " إذ من الظاهر أن ابن أبي ليلى لم يكن
~~ليحلف كل شاهد، فلا بد أن يكون احلافه هنا من جهة الشهادة بالشئ جزما، مع
~~احتمال استناده في الواقع إلى الاستصحاب من غير أن يبين هذا المستند في
~~شهادته.
# ولعمري إن هذا من أعظم الشواهد على أن ذلك كان شعارا وطريقة إما لجميع
~~الناس، فأبدعت القضاة لعنهم الله شيئا مخالفا لما هو ms132 مركوز في أذهان الناس
~~من الشهادة والاخبار بمقتضى الاستصحاب من غير التنبيه عليه في الكلام. وإما
~~لخصوص الشيعة، فكان القاضي الخبيث يحتمل في أمثال هذه الشهادات منهم
~~الاعتماد على الاستصحاب وكان يحلفهم ليطمئن قلبه النجس بعدم استنادهم في
~~الشهادة إلى العلم بالواقع، وكفى بهذا الوجه - أعني ركوز صحة الشهادة
~~الاستصحابية في أذهان جميع الناس أو خصوص الشيعة ومخالفة العامة في ذلك -
~~شاهدا على الصحة نظرا إلى ما تواتر من الأخذ بخلاف العامة (1) وبما اشتهر
~~بين الأصحاب (2).
# والحاصل، أن من نظر إلى الرواية بنظر الانصاف، ولاحظ القرائن الخارجية -
~~ما ذكرنا وما لم نذكر - علم أنه ليس مراد الإمام عليه السلام
# PageV00P277
# هو وجوب الشهادة بما يعلمه الشاهد من الحالة السابقة مقتصرا عليه أو مع
~~إضافة عدم العلم بالمزيل إليه، بل الظاهر أن مراد الإمام عليه السلام هو
~~أحد الاحتمالات الثلاثة الأخر أقواها أولها.
# ولو تنزلنا عن الظهور فلا أقل من الاجمال، ولو فرضنا ظهوره في الاحتمال
~~الأول فلا ريب في تقديم الرواية السابقة عليها من جهة كونها كالصريح في
~~التجويز، فلتحمل هذه الرواية على الاستحباب أن يشهد الشاهد بالحالة السابقة
~~ولا يتعرض للحال، أو يتعرض لعدم علمه بالمزيل في الحال.
# ويؤيد ذلك أن الراوي في الروايتين واحد، وهو معاوية بن وهب، بل الواقعة
~~أيضا واحدة، وهي مسألة الشهادة الاستصحابية في إرث الدار، فيبعد اختلاف
~~الحكم في الروايتين فليجمع بينهما بما ذكرنا، ولو فرضنا تساويهما في الظهور
~~فالظاهر أن الرواية السابقة موافقة للمشهور ومخالفة للجمهور كما عرفت، وهما
~~من أعظم المرجحات.
# الثالث (1) من الوجوه التي تدل على جواز الشهادة مستندا إلى الاستصحاب:
~~القاعدة المستفادة من بعض الروايات من أنه كل ما جاز للمكلف أن يبني عليه
~~في عمل نفسه يجوز أن يشهد به لغيره.
# ولا ريب أن الملكية المستصحبة أو الزوجية أو نحوهما مما يجوز للشاهد أن
~~يبني عليها في عمل نفسه فيجوز أن يشهد بها لغيره، لما رواه الكليني والشيخ
~~عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال ms133 له رجل: أرأيت إذا
~~رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز لي
# PageV00P278
# أن أشهد أنه له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنه في يده لا أشهد أنه له
~~فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أفيحل الشراء منه؟ قال: نعم،
~~فقال أبو عبد الله عليه السلام: فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه
~~ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز لك أن تنسبه
~~إلى من صار ملكه من قبله إليك؟! ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لو لم
~~يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق " (1).
# وجه الدلالة: أن الإمام عليه السلام قد رد على الرجل المعترف بجواز ترتيب
~~آثار الملك على ما في يد شخص، وعدم جواز الشهادة له بنفس الملك، وتعجب أو
~~استفهم على وجه الانكار أنه كيف يجوز ترتيب آثار الملك ولا يجوز الشهادة
~~على الملك، فقد استدل عليه السلام بما ذكر على عدم قدح الاحتمال.
# فنقول فيما نحن فيه: إنه إذا تيقن الشاهد بثبوت الملكية سابقا وشك في
~~بقائها يجوز له ترتيب آثار الملك بأن يشتريه من الملك أو وارثه ونحو ذلك،
~~فكيف يجوز له هذا ولا يجوز له أن يشهد بالملكية، كما ذكره الإمام عليه
~~السلام في الرواية حرفا بحرف.
# الرابع (2): أنه لو لم تقبل الشهادة المستندة في اثبات المشهود به إلى
# PageV00P279
# الاستصحاب لزم الحرج العظيم واختلال النظام المنفي عموما وخصوصا بقوله
~~عليه السلام: في الرواية السابقة: " لو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق ".
# وذلك، لأن كثيرا من الأمور مما يتعسر أو يتعذر العلم ببقائها في الآن
~~اللاحق مثل: الرشد والعدالة والملكية والزوجية والرقية والحياة واشتغال
~~الذمة والاعسار والوصية ونحو ذلك.
# ولا ريب أن قوام النظام بقطع الخصومات في هذه الأمور، فلو لم يسمع البينة
~~المستندة إلى الاستصحاب فيها لزم إما تعطيل الدعوى أو ايجاب اليمين على
~~المنكر، وفي الأول فوات ما قصد من نصب الحاكم، وفي الثاني فتح لابطال
~~الدعاوي الصادقة بالأيمان الكاذبة.
# ثم إذا ثبت وجوب ms134 قبول الشهادة مع العلم باستناده إلى الاستصحاب ثبت جواز
~~أدائه كذلك.
# فإن قلت: إن اختلال النظام إنما يحصل لو لم يسمع البينة المستندة إلى
~~الاستصحاب أصلا ومطلقا، أما لو قلنا بالسماع إذا ذكر الشاهد وبين مورد
~~الاستصحاب، وهو العلم بالشئ سابقا والشك في بقائه لاحقا بأن يذكر مثلا أن
~~هذا كان ملكا لفلان في السابق ولا أعلم بانتقاله عنه حتى يرتب القاضي عليه
~~الحكم بمقتضى الاستصحاب، فلا يلزم اختلال أصلا.
# قلت: أولا: إن الشهادة بالملكية استنادا إلى الاستصحاب ترجع أيضا إلى
~~الشهادة بالملكية السابقة بإضافة عدم العلم بزوالها فلا وجه لمنعها،
~~وبعبارة أخرى: إذا شهد الشاهد بأنه هذا ملك في الحال لزيد فلا وجه للمنع
~~عنها وسماعها، لأنه إما أن يكون عالما بالملكية الواقعية وإما أن يكون
~~عالما بالظاهرية، وعلى الثاني يكون قد شهد بالحالة السابقة. PageV00P280
# وثانيا: إنه إذا شهد الشاهد بالملكية السابقة وأضاف إليها عدم العلم
~~بالمزيل فلا ريب أن سماع هذه الشهادة لا يوجب الحكم على المدعي عليه
~~بالملكية الحالية إلا بعد استصحاب الحاكم لها، وحينئذ نقول:
# أولا: إن استصحاب الحاكم لا معنى له، لأن المتيقن سابقا الشاك لاحقا هو
~~الشاهد لا الحاكم، والقول بأنه إذا شهد الشاهد بالملكية السابقة فقد ثبتت
~~للحاكم فيستصحبها، لأن ثبوت الملكية السابقة بالبينة كثبوتها باليقين في
~~وجوب استصحابها محل نظر، إذ لو تم ذلك وجب سماع البينة بالملك السابق
~~مقتصرا عليه من دون إضافة عدم العلم بالمزيل، مع أن غير واحد منهم (1) صرح
~~بعدم سماعها، وتوقف السماع على إضافة عدم العلم بالمزيل.
# ولا ريب أن ذكر الشاهد عدم العلم بالمزيل ليس شهادة، وأنما هو لأجل أن
~~بذكره يعلم أن الملكية عند الشاهد مستصحبة ولا يقطع بزوالها، ولذا علل وجوب
~~الضميمة المذكورة بأنه لولاها لاحتمل أن يكون الشاهد قاطعا بزوال الحالة
~~السابقة.
# وحينئذ فسماع قول الشاهد بالملكية السابقة مع إضافة عدم العلم بالمزيل
~~إنما هو لرجوعه إلى الشهادة بالملكية الثابتة بالاستصحاب لا لأجل اثبات
~~الملكية السابقة بقوله فيستصحبها الحاكم، فكيف يسمع شهادة لرجوعها ms135 إلى
~~الشهادة بنتيجة الاستصحاب ولا تقبل الشهادة بنفس النتيجة؟
# نعم، لو ذكر الشاهد استناده إلى الاستصحاب فقد استشكل في السماع، ولعله
~~لبناء الشهادة على ايراد الخبر بصورة الجزم، وإخلائها
# PageV00P281
# عما يدل على الترديد، نظير ما قالوا فيما لو أبدل عدم العلم بالمزيل
~~بالشك في الزوال، وقال: لا أدري زال أم لا، وإن كان الظاهر أن ذلك كله لا
~~يقدح في الشهادة.
# وثانيا: سلمنا أن قبول الشهادة بالملكية السابقة بإضافة العلم بالمزيل من
~~جهة اثباتها للملكية ليستصحبها الحاكم، وليس من جهة أن مرجعه إلى ثبوت
~~الاستصحاب عند الشاهد.
# لكن نقول: إن ما دل على جواز الاستصحاب للحاكم فهو بعينه يدل على جواز
~~الاستصحاب للشاهد، وكما أخذ على الشاهد أن لا يشهد إلا عن علم فكذلك قد أخذ
~~على الحاكم ذلك بوجه آكد، فإنا نعلم قطعا أن مستند حكم الحاكم بثبوت
~~الموضوعات التي يدعيها المدعي وينكرها المنكر ليس إلا أدلة الاستصحاب، وهي
~~مشتركة بينه وبين الشاهد، وليس هنا دليل آخر يختص بالحاكم.
# بل يمكن أن يقال: إن منع الحاكم على الاستصحاب أولى من منع بناء الشاهد
~~عليه، لأن بناء الحاكم عليه يوجب عدم التطابق بين الدعوى والشهادة والحكم،
~~لأن مورد الدعوى الملكية الحالية، ومورد الشهادة الملكية السابقة، ومورد
~~الحكم - أولا - هو الملكية السابقة التي لم يدعها المدعي ولم ينكرها
~~المنكر، بل يمكن أن يكون المدعي منكرا لها والمنكر معترفا بها - وثانيا -
~~هي الملكية الحالية بمعونة الاستصحاب، بخلاف ما لو بنى الشاهد على
~~الاستصحاب وأخبر بالملكية الحالية الظاهرية مع الجزم أو الواقعية بصورة
~~الجزم، فإنه يحصل التطابق بين الثلاثة.
# لكن التحقيق: أن هذا لا يصلح مستندا، لمنع بناء الحاكم على الاستصحاب،
~~لأن التطابق بين الدعوى والشهادة والحكم إنما تعتبر بحسب PageV00P282
# المعنى لا بحسب الصورة.
# فظهر أنه لا اشكال في جواز الشهادة الاستصحابية، ولا في الحكم لأجل
~~الاستصحاب.
# فيجوز للعالم بالملكية السابقة والشاك في زوالها أن يشهد بأن هذا ملك في
~~الحال مريدا به الملكية الواقعية جازما بها بحسب الصورة.
# وأن يشهد بأنه ملك ms136 شرعي ظاهري في الحال جازما به في الواقع.
# وأن يشهد بأنه ملكه بالاستصحاب.
# وأن يشهد بأنه كان ملكا له سابقا ولا أعلم بزواله.
# وأن يشهد بأنه كان ملكا له سابقا وما أدري زال أم لا.
# والاشكال في التعبير الثالث والجزم في الخامس بعدم السماع، لا وجه له
~~بحسب الظاهر.
# وأما اقتصار الشاهد على الملكية السابقة من غير إضافة عدم العلم
~~بالانتقال أو الشك في الزوال فالأقوى أنه لا يسمع، لأن الشاهد لما لم يتعرض
~~للحال لم تطابق شهادته لدعوى المدعي الواردة على الملكية في الحال، لأن
~~الشهادة المذكورة لا تدل على ثبوت الملكية الحالية باعتقاد الشاهد لا في
~~الواقع لعدم دلالة الملكية السابقة بمجردها على الملكية الحالية ولا في
~~الظاهر، لأن ذلك فرع شك الشاهد في البقاء وعدم علمه بالزوال حتى يثبت
~~الملكية الحالية في حق الشاهد ظاهرا بالاستصحاب، فإذا لم يكن في هذه
~~الشهادة ما يدل على عدم علمه بذلك فيحتمل أن يكون قاطعا بالزوال، أما لو
~~أضاف إليه عدم العلم بالانتقال فقد طابقت الشهادة بضميمة هذه الإضافة التي
~~تدل على ثبوت الملكية الحالية بحسب الظاهر لما يدعيه المدعي. PageV00P283
# ومن هنا انكشف لك سر ما ذكرنا سابقا (1) من أن قبول الشهادة بالملكية
~~السابقة مع الضميمة المذكورة ليس لأجل اثبات الملكية السابقة بالشهادة ثم
~~ابقائها في الحال لبناء الحاكم على الاستصحاب، وإلا لوجب قبول الشهادة
~~بالملكية السابقة من دون الضميمة، بل لأجل أن الشهادة المذكورة المنضمة إلى
~~الضميمة إنما تكشف عن ثبوت الملكية الحالية عند الشاهد بالاستصحاب، ولما
~~كانت الشهادة بدون تلك الضميمة لا تكشف عن الملكية الحالية لم تقبل وإن
~~صلحت أن تكون مستندة لاستصحاب الحاكم، لعدم مطابقة الشهادة للدعوى لا ظاهرا
~~ولا واقعا فلا يندرج تحت عموم ما دل على وجوب الحكم بمقتضى الشهادة، وأن
~~البينة على المدعي (2)، وأن الحقوق تستخرج بالبينة (3)، وغير ذلك من أدلة
~~وجوب إقامة البينة وقبولها.
# فإن ظاهرها أن البينة لا بد أن ترد على نفس المدعى أو ما يستلزمه بالكشف
~~أو التسبيب، مضافا ms137 إلى أن الحكم بالحالة السابقة بمقتضى الشهادة حكم في غير
~~موضع التنازع والخصومة.
# اللهم إلا أن يقال: إنه إذا وجب قبول قول العدلين - ولو في غير مقام
~~الخصومة - وجب الحكم بالحالة السابقة ولو لم يسم هذا حكما وقضاء بين
~~المترافعين، فإذا ثبتت الحالة السابقة فيصير القاضي كالمتيقن بها فيحكم على
# PageV00P284
# أحد المترافعين مقتضى ما ثبت عنده سابقا وشك في ارتفاعه لاحقا (1).
# PageV00P285
# الملاحق PageV00P287
# الملحق [1] في الكبائر والتصرف في مال الأيتام وحق الوالد PageV00P289
# صورة الصفحة الأولى مما الحق بكتاب القضاء في الكبائر والتصرف في مال
~~الأيتام وحق الوالد PageV00P291
# صورة الصفحة الأخيرة من الملحق الأول PageV00P292
# بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
~~محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
# في الأخبار الدالة على كون الكبيرة ما أوعد الله عليه النار.
# الأول: ما عن الكافي - في باب الكبائر - عن ابن فضال عن أبي جميلة عن
~~الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام - في قول الله عز وجل:
# ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر
~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ (2) - قال: " الكبائر: التي أوعد
~~الله عز وجل عليها النار " (3).
# الثاني: المروي عن الكافي بسند موصوف بالصحة عن ابن مسكان عن أبي بصير عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: " سمعته يقول: (ومن يؤت
# PageV00P293
# الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) (1)، قال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر
~~التي أوعد الله عليها النار " (2).
# الثالث: المروي عن الكافي بسند موصوف بالصحة عن ابن محبوب قال: كتب معي
~~بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الكبائر، كم هي، وما هي؟
~~فكتب عليه السلام: " الكبائر، من اجتنب ما وعد الله عليه النار، كفر عنه
~~سيئاته " (3).
# الرابع: ما روي عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام،
~~قال: سألته عن الكبائر التي قال الله عز وجل: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون
~~عنه)؟ قال: " التي أوجب الله عليها النار " (4).
# الخامس: ما روي عن العلل بسند موصوف بالصحة عن عبيد ms138 بن زرارة، قال: قلت
~~لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الكبائر؟ فقال:
# هن خمس، وهن ما أوجب الله عليهن النار " (5).
# السادس: ما روي عن عقاب الأعمال وعن الفقيه عن أحمد بن
# PageV00P294
# النضر، عن عباد، عن (1) كثير النوا، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن
~~الكبائر؟ فقال: " كل ما أوعد الله عز وجل عليه النار " (2).
# السابع: ما روي عن الكافي عن عبد الله بن مسكان عن محمد بن مسلم عن أبي
~~عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا،
~~وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم
~~ظلما، وأكل الربا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عليه النار " (3).
# PageV00P295
# فيما وجد من أخبار التصرف في مال الأيتام الأول: ما في الكافي في كتاب
~~المعيشة وعن التهذيب، بالسند الصحيح ظاهرا إلى عبد الله بن يحيى الكاهلي،
~~قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام:
# " ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم ونشرب
~~من مائهم ويخدمنا خادمهم، وربما أطمعنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من
~~طعامهم، فما ترى في ذلك (١)؟ [فقال: إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا
~~بأس وإن كان فيه ضرر فلا، وقال عليه السلام:
# ﴿بل الانسان على نفسه بصيرة﴾ (2)
~~فأنتم لا يخفى عليكم وقد قال الله عز وجل:
# (وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) (3)] " (4).
# PageV00P296
# في أن حق الوالد أعظم من الوالدة عن الكافي في باب حق على المرأة عن مالك
~~بن عطية عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " جاءت امرأة إلى
~~النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله من أعظم الناس حقا على
~~الرجل؟ فقال: والده.
# قالت: من أعظم الناس حقا على المرأة؟ قال:
# زوجها " (1).
# ولا يعارضه ما روي في غير واحد من الأخبار (2) من تكرار الأمر ببر الأم
~~ثلاث مرات ثم الأمر ببر الأب، لأن ذلك لا يدل على كونها أعظم حقا، ms139 فلعله
~~لأمر آخر، مع أن مثل هذه الأخبار معارضة بغيرها مما دل على التسوية في
~~الأمر، بقوله عليه السلام: " أبر والديك " (3). وقوله: " أبرر أمك، أبرر
# PageV00P297
# أمك، أبرر أمك، أبرر أباك، أبرر أباك، أبرر أباك " (1)، وتقديم الأم لعله
~~للإشارة إلى الابتداء في البر بها لنقصان عقلها فتحزن عاجلا.
# ويؤيده ما روي بسند غير صحيح ظاهرا: " من أنه إذا دعى المصلي والده في
~~الصلاة فليسبح، وإذا دعته والدته فليقل: لبيك " (2).
# ويؤيد كون الوالد أعظم حقا ما يستفاد من المزايا التي جعلها الشارع لخصوص
~~الأب، مثل الولاية، ووجوب القضاء عنه، واختلافهم في توقف صوم التطوع على
~~إذن الأب، ولم يعهد منهم الفتوى بتوقفه على إذن الأم، وكذا في توقف نذر
~~الولد، والحج المندوب والاعتكاف، وجواز أخذ الوالد من مال الولد لنفسه
~~وقرضا، ووجوب نفقة الأولاد على الأب مع وجود الأم، وكفاية اتحاد الفحل في
~~الرضاع دون اتحاد المرضعة، وتوقف يمين الولد على إذن الوالد، وعدم نفوذ
~~قضاء الولد على أبيه ونفوذه على أمه، وعدم قتل الوالد بقتل ولده وقتل الأم
~~به، وعدم قطع يد الأب لسرقته مال ولده، بخلاف الوالدة.
# PageV00P298
# الملحق [2] في العقوق ووجوب الوفاء بالوعد والنجاة من تبعات الذنوب
~~PageV00P299
# صورة الصفحة الأولى من الملحق الثاني في العقوق ووجوب الوفاء بالوعد
~~والنجاة من تبعات الذنوب PageV00P301
# صورة الصفحة الأخيرة من الملحق الثاني PageV00P302
# بسم الله الرحمن الرحيم عن الكافي في باب العقوق غير واحد من الأخبار: "
~~إن أدنى العقوق أف، ولو علم الله أهون (1) منه لنهى عنه " (2).
# وفي خبر آخر في ذلك الباب - متصف بالصحة في المطالع (3) - عن سيف بن
~~عميرة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما
~~ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة " (4).
# ويعارضها ما روي في الفقيه في الصحيح عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله
~~عليه السلام - حيث سأله عن إمام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنه يسمع
~~أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقر خلفه؟ - قال:
# PageV00P303
# " لا تقرأ خلفه ما ms140 لم يكن عاقا قاطعا "، نظرا اليان إسماع الكلام الغليظ
~~لا يوجب العقوق، فالتأفيف لا يوجبه بطريق أولى.
# وعن الكافي في باب البر بالوالدين في الموصوف بالصحة، عن أبي ولاد الحناط
~~عن أبي عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ (٢)، فقال عليه السلام: "
~~الاحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه
~~وإن كانا مستغنيين، أليس يقول الله عز وجل:
# ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما
~~تحبون﴾ (٣) قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام:
# وأما قول الله عز وجل: ﴿إما يبلغن
~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ (٤) قال: إن
~~ضجراك فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما وإن ضرباك، قال: ﴿وقل لهما قولا كريما﴾ (٥) وقل لهما غفر الله
~~لكما.
# فذلك منك قول كريم، قال: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ (6) قال:
# " لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق
~~أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدم قدامهما " (7).
# PageV00P304
# واعلم أنه قد تصدر جمع لتوجيه استشهاده عليه السلام للمطلب بقوله تعالى:
~~﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما
~~تحبون﴾ (1) مع عدم ارتباطه به ظاهرا بوجوه:
# منها: إن عموم الآية يشمل الانفاق قبل السؤال، فيدخل فيه الانفاق قبل
~~السؤال وإن كان في حال غنى المنفق عليه.
# منها: إن الانفاق مما يحب المنفق، كما أنه شاق على النفس، ولهذا أمر به،
~~فكذلك قضاء حاجة الوالدين قبل أن يسألا.
# ومنها: إن سرور الوالدين بقضاء حاجتهما قبل الطلب أكثر منه بقضائها بعده،
~~كما أن سرور الفقير بانفاق المحبوب أكثر منه بإنفاق غيره.
# ومنها: إن المراد من الآية " حتى تنفقوا ": من الوجه الذي تحبون أن ينفق
~~عليكم، ولا شبهة أنه الانفاق قبل الاظهار والسؤال، وإن كان هذا المعنى ms141
~~مخالفا للمشهور في تفسير الآية.
# أقول: والكل بعيد، والذي يخطر بالبال في التوجيه وجه آخر يتضح بعد
~~مقدمتين:
# الأولى: إن المراد بما تحبون في الآية: " مما تحبون " ليس خصوص ما يحبه
~~المنفق، ضرورة أنه لا مزية في البر بانفاق الشخص ما يحبه مع العلم بأن غيره
~~من عامة الناس لا يشتاقون إليه كثيرا وإن كان لهذا أيضا مزية من حيث كونه
~~شاقا على النفس، لكن ليس هذا فضيلة في البر بحيث يعد من أفضل البر، وإنما
~~هي فضيلة من حيث مجاهدة النفس ومخالفتها،
# PageV00P305
# بل المراد - والله العالم - هو ما يحبه عامة الناس كالحلوات (1) والطبائخ
~~والثمار اللذيذة، فكل أحد مخاطب مع اليسار بالانفاق مما يحبه الغالب لا أن
~~كل واحد مأمور بالانفاق بما يحب، فمزية الانفاق به على الانفاق لغيره من
~~حيث إنه يحبه المنفق عليه كما يحبه المنفق، لا من حيث إنه يحبه المنفق.
# الثانية: إن الرواية لم يذكر فيها غنى الوالدين وإنما ذكر فيها
~~استغنائهما، والاستغناء عد النفس غنيا ولو مع الاحتياج أو الفقر، ويشهد له
~~قوله عليه السلام: " أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه " (2). فمعنى الحديث
~~- حينئذ -: أنه أنفق على والديك مما يحتاجان إليه ويشتهيانه، حيث إنك تعلم
~~أن كثيرا من الأشياء التي يحبها عامة الناس ويشتهيها وإن تعففا ولم يسألاك
~~إياها لمكان استغنائهما ولا تكلفهما أي: ولا توقعهما في كلفة السؤال وترك
~~التعفف.
# والحاصل، أن ارتكاب تلك التوجيهات من جماعة إنما حصل من أمرين:
# أحدهما: قصر " ما تحبون " في الآية على ما يحبه المنفق، وقد عرفت أن
~~فضيلة البر من حيث كونه برا إنما يحصل بالانفاق بما يحبه الفقير لا بما
~~يحبه المنفق، فكأنه عز وجل قال لكل أحد: أنفق مما يحبون، لا أنه أنفق مما
~~تحب.
# والثاني: حمل " الاستغناء " في الرواية على الغنى، وقد عرفت أنه
# PageV00P306
# لا داعي إليه، بل ينافيه قوله: " أن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه " (1)
~~فافهم، وبعد ذلك فاتهم فهمي القاصر.
# وعن الكافي في باب البر بالوالدين عن ابن محبوب عن خالد بن ms142 نافع البجلي
~~عن محمد بن مروان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
# " إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله أوصني، فقال
~~صلى الله عليه وله وسلم: لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت بالنار وعذبت إلا
~~وقلبك مطمئن بالايمان، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وإن
~~أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإن ذلك من الايمان " (2).
# وفي المطالع عن الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الأربعمائة:
~~" من أحزن والديه فقد عقهما " (3).
# PageV00P307
# [الوفاء بالوعد] في (١) ما يظهر منه وجوب الوفاء بالوعد مضافا إلى قوله
~~تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن
~~تقولوا ما لا تفعلون﴾ (٢) وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ (٣) بناء على شموله للوعد.
# في باب الوعد: ما عن الكافي - في المتصف بالصحة في المطالع - عن هشام بن
~~سالم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: " عدة المؤمن أخاه نذر
~~لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ، ولمقته تعرض، وذلك قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا
~~تفعلون﴾ (4) " (5).
# وعنه - في باب الوعد - عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد الله عليه السلام
# PageV00P308
# قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من كان يؤمن بالله واليوم
~~الآخر فليف إذا وعد " (1).
# وعنه - في باب البر بالوالدين - عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية عن عنبسة
~~بن مصعب عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ثلاث لم يجعل الله لأحد فيهن رخصة:
~~أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر وبر الوالدين
~~برين كانا أو فاجرين " (2).
# وعنه - في باب المؤمن وعلاماته - بإسناده، عن سماعة عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: " من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم
~~يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكلمت مروءته وظهر عدله ووجبت أخوته " (3).
# وهذه الأخبار وإن دلت بظاهرها على وجوب الوفاء، لكن قيل:
# إن الظاهر اطباق كلمات من عدا ms143 قليل من متأخري المتأخرين على عدم الوجوب
~~كما يظهر من اتفاقهم على عدم ووجوب الوفاء بالشرط الغير المشترط في عقد
~~لازم، وما دل من الأخبار على جواز نقض اليمين إذا كان - أو صار - ترك ما
~~حلف عليه راجحا.
# PageV00P309
# بسم الله الرحمن الرحيم عن الكافي في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى عن
~~علي بن الحكم عن فضيل بن عثمان المرادي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه
~~السلام يقول:
# قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " [أربع] (١) من كن فيه لم يهلك على
~~الله بعدهن إلا هالك، يهم العبد بحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب له
~~حسنة بحسن نيته وإن هو عملها كتب الله له عشرا، ويهم بالسيئة أن يعلمها فإن
~~لم يعلمها لم يكتب عليه شئ، وإن هو عملها أجل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات
~~لصاحب السيئات - وهو صاحب الشمال -: لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها،
~~فإن الله عز وجل يقول: ﴿إن الحسنات
~~يذهبن السيئات﴾ (2). أو الاستغفار، فإن هو قال: " أستغفر الله الذي لا
~~آله هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذو الجلال
~~والاكرام وأتوب إليه " لم يكتب عليه شئ، وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها
~~بحسنة واستغفار، قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات: أكتب على الشقي
# PageV00P310
# المحروم " (1).
# وهذا يدل على تكفير الاستغفار والحسنة لمطلق السيئة حتى الكبيرة، ونحو
~~ذلك مما دل على تكفير بعض الأعمال للسيئات.
# وبإزائها ما دل على أنه لا يقبل الطاعة مع الاصرار على السيئة، مثل: ما
~~رواه في الكافي - في باب الاصرار - عن أبي بصير (2)، وما دل على أن تكفير
~~السيئة منحصر بالاستغفار، مثل ما رواه في الكافي في باب الاستغفار (3).
# PageV00P311
# الملحق [3] في شرح بعض مستطرفات الأخبار PageV00P313
# صورة الصفحة الأولى من الملحق الثالث في مستطرفات الأخبار وبعض مواعظ
~~أمير المؤمنين عليه السلام PageV00P315
# صورة الصفحة الأخيرة من الملحق الثالث PageV00P316
# بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
~~محمد وآله أجمعين ولعنة الله على ms144 أعدائهم أجمعين.
# في نهج البلاغة في وصيته عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: " فإنه لم
~~يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عن قبيح " (2).
# وفي تلك الوصية أيضا: " دع القول فيما لا تعرف "، وفيها أيضا:
# " ولا تقل ما لم تعلم وإن قل ما تعلم " (3) وفيه أيضا - بعد قوله عليه
~~السلام مخاطبا لأهل كوفة، سيظهر عليكم بعدي رجل.. الخ -: " ألا وإنه
~~سيأمركم بسبي والبراءة مني، أما السب فسبوني، فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما
~~البراءة فلا تبرؤا مني، فإني ولدت على الفطرة
# PageV00P317
# وسبقت إلى الايمان والهجرة " (1).
# وفيه أيضا: " أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو
~~بحر، إنها تدعوا إلى الكهانة، المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر
~~كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله " (2).
# وفيه أيضا: " وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال،
~~وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد " (3).
# وفيه أيضا: " الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل
~~إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضى به " (4).
# وفيه أيضا: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (5).
# وفيه أيضا - وقد سئل عن الايمان -: " الايمان معرفة بالقلب واقرار
~~باللسان وعمل بالأركان " (6).
# وفيه أيضا: " إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها " (7).
# PageV00P318
# وفي موضع آخر منه: " لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض " (1).
# وفيه أيضا: " إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل
~~لم تظهر منه خزية فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل
~~الظن برجل فقد غرر، لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوء وأنت تجد لها في الخير
~~سبيلا " (2).
# وفيه أيضا: " ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل
~~العلم أن يعلموا " (3).
# وفيه أيضا: " ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل
~~الله أو في أمر تعذر به " (4).
# وفيه أيضا: " وكلف يسيرا ولم يكلف عسيرا " (5).
# وفيه أيضا: " لا ورع كالوقوف عنه الشبهة " (6).
# وفيه أيضا: " لا عبادة كأداء الفرائض " (7).
# وفيه أيضا: " الصلاة قربان كل تقي، ms145 والحج جهاد كل ضعيف،
# PageV00P319
# ولكل شئ زكاة وزكاة البدن الصيام، وجهاد المرأة حسن التبعل " (1).
# وفي العيون: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، عن علي بن إبراهيم عن
~~أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي - في حديث طويل - عن الرضا عليه
~~السلام، قال: قلت له يا بن رسول الله: أخبرني عن الجنة والنار، أهما اليوم
~~مخلوقتان؟ قال: نعم، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ورأي
~~النار لما عرج به إلى السماء، قال: قلت له إن قوما يقولون إنهما اليوم
~~مقدرتان غير مخلوقتين، فقال عليه السلام: ما أولئك منا ولا نحن منهم، من
~~أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي صلى الله عليه وآله وكذبنا، وليس من
~~ولايتنا على شئ، ويخلد في نار جهنم " (2).
# وفيه أيضا: حدثنا أحمد بن هارون الفامي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
~~جعفر الحميري، عن أبيه، قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم، عن علي بن معيد، عن
~~الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام - في حديث طويل - قال عليه
~~السلام: " من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن براء في الدنيا
~~والآخرة منه.
# يا بن خالد، إنما وضع الأخبار في الجبر والتشبيه الغلاة الذين صغروا عظمة
~~الله " (3).
# PageV00P320
# بسم الله الرحمن الرحيم (1) في نهج البلاغة أنه عليه السلام قال لرجل
~~سأله أن يعظه: " لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل ويرجي التوبة بطول
~~الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي
~~منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة
~~فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل
~~عملهم، ويبغض والمذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه ويقيم على ما
~~يكره الموت له، إن سقم ظل نادما ولن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي،
~~ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعى مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا،
~~تغلبه نفسه ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف ms146 على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو
~~لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا
~~عمل ويبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية وسوف التوبة، وإن عرته
~~فتنة انفرج عن شرائط الملة (2)، يصف العبرة ولا يعتبر ويبالغ
# PageV00P321
# في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل، ينافس فيما يفنى
~~ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم (1) مغرما والغرم (2) مغنما، يخشى الموت ولا
~~يبادر الفوت (3)، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر
~~من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مواهن، اللهو
~~مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه وإن كان
~~باطلا ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه فهو يطاع ويعصى، ويستوفي
~~ما له على غيره ولا يوفي ما عليه لغيره، ويخشى الخلق في غير ربه ولا يخشى
~~الله في خلقه " (4) تمت.
# قال السيد الأجل الرضي، الجامع لنهج البلاغة: ولو لم يكن في هذا الكتاب
~~إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة وحكمة بالغة وبصيرة لمبصر وعبرة لناظر
~~مفكر.
# PageV00P322
# الملحق [4] في معنى الايمان والكفر PageV00P323
# صورة الصفحة الأخيرة من رسالة المواريث وفي الهامش ما كتبه المؤلف قدس
~~سره في الايمان والكفر PageV00P325
# بسم الله الرحمن الرحيم (1) يمكن أن يقال: إن الايمان عبارة عن الاعتقاد
~~بالتوحيد والنبوة وتصديق (2) ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله، إذ لا
~~يتحقق التدين بدين إلا بذلك.
# ثم إن ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله إما أن يكون مما يحتاج معرفته
~~للشخص بحسب زمانه ومكانه وحاله من الأمور الضرورية التي لا تخفى على مثله،
~~وإما أن يكون من غير ذلك.
# والثاني مما يكفي فيه التصديق الاجمالي به كخصوصيات المعاد والبرزخ،
~~والجاهل بها معذور، بل لم يكلف المسلمون بتفاصيلها، بل لو نظر بها أحد
~~وخالف الواقع لم يخرج عن تصديق النبي صلى الله عليه وآله، لأنه إنما ينكر
~~كون ذلك من النبي، لا أنه يكذب النبي ms147 صلى الله عليه وآله في ذلك.
# وأما الأول، فلا يكفي التصديق الاجمالي، بل لا بد من معرفته
# PageV00P327
# ليصدق (1)، ولو خالفه لشبهة لم يعذر فيه، لأن ضروريته يكشف عن تقصيره إلا
~~أن يفرض الشبهة على وجه لا ينافي الضرورة بالنسبة إلى هذا الشخص مثال ذلك:
~~أصل المعاد والموت، ومن هذا القبيل مسألة الإمامة، فإن العامة مكلفون
~~بالاعتقاد بها، ولا يعذر الجاهل منهم بجهله - كما لا يعذر اليهودي الجاهل
~~-، لمكان ضرورية الحق الكاشفة عن تقصير المخالف.
# ومن هنا يعلم أن المخالف كافر بالكفر المقابل للايمان، الذي عرفت تفسيره.
~~وإلى هذا يرجع استدلال العلامة في المنتهى (2)، بل المحقق في المعتبر (3)
~~على منع المخالف عن الزكاة، بأنه منكر لما علم من الدين ضرورة.
# وأما الحكم بطهارتهم فلأنهم مسلمون، إذ الاسلام يكفي فيه التصديق
~~الاجمالي بالرسالة وعدم تكذيب النبي في أمر من الأمور الدينية مع العلم
~~بكونه منه.
# ومن أنكر الإمامة من العامة مع العلم يحكم بكفره، بخلاف من أنكر كونه منه
~~صلى الله عليه وآله.
# فمنكر الضروري إنما يكفر في مقابل الاسلام، إذا أنكر ما علم ما هو كونه
~~من الدين، ويكفي في علمنا بعلمه: كون ذلك الأمر ضروريا لا يشتبه عادة،
~~والمخالف [ون] نعلم أنهم ينكرون كون الإمامة من دين النبي صلى الله عليه
~~وآله، وأما القتل فهو من آثار الارتداد لا الكفر.
# PageV00P328
# [وأما الحكم] (1) بكفر منكر الضروري في مقابل الاسلام فالمراد به، إن كان
~~ما كان معلوما عند المنكر كونه من النبي صلى الله عليه وآله، ليرجع إلى كذب
~~النبي، لا انكار كون ذلك منه (2).
# PageV00P329 ms148