######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011079 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس الملقب بـ"أبابطين" (المتوفى: 1282هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1282 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011079 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11079 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11079 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام بن برجس العبد الكريم #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى 1422هـ -2001م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله، نحمده ونس تعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. # أما بعد، فإنه قد قدم علينا في أثناء عشر ستين بعد المائتين والألف 1 رجل ~~اسمه داود بن سليمان البغدادي ومعه شيء من كتب المذهب، وجلس عندنا مدة وطلب ~~مني إجازة في الفتيا في المذهب، وكتبت له، ثم بعد ذلك بنحو أربعين سنين قدم ~~حاجا، وذكر لي أن معه ورقة فيها عبارات من كلام الشيخ تقي الدين يشبه بها ~~على الناس، يضع كلام الشيخ على غير موضعه فأحضرته وباحثته فإذا حقيقفة أمر ~~دعواه: استحالة وقوع الشرك في الأمة المحمدية، ويزعم أن دعاء الأموات ~~والغائبين والذبح والنذر لغير الله ليس بشرك، ويقول: إن الطلب من الأموات ~~والغائبين لا يسمى دعاء بل نداء، ويقول: الشرك هو السجود لغير الله فقط، ~~وسألته عن معنى لا اله الله وما معنى الإله فارتبك وتحير، فقلت أخبرني عن ~~حقيقة الشرك الذي حرمه الله وأخبر أنه لا يغفره؟ فقال: هو السجود لغير ~~الله. # فقلت: نهى الله عن السجود لغيره، لكن ما دليلك على أنه شرك؟ فلم يكن عنده ~~جواب، فلما أوردت بعض الأدلة على بطلان دعواه ودحضت حجته أظهر الموافقة ~~قصدا لقطع الكلام لا للموافقة باطنا فيما أظن، وكتبت على ورقته التي معه ~~نحو ثلاثين ورقة سماها بعض الطلبة "الانتصار". PageV01P019 ### | تأسيس التقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس # ... # وبعد ذلك طلب مني بعض الإخوان بيان معنى بعض أبيات في البردة وتشطيرها ~~للرجل المذكور، فكتبت عليها قدر ورقتين فأشمأز بعض المخالفين لزيغ في قلبه، ~~واعترض على ما كتبته بكتابة ورقة متضمنة شركا عظيما، فكتبت على كلامه قدر ~~ثلاثة كراريس وهم قد رفعوا جوابي الأول والثاني إلى كبيرهم داود المذكور، ~~مستنصرين به، فقام وقعد، وجد ms001 واجتهد في البحث عن الأوراق التي اعترض فيها ~~أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمة الله عليه – فيما دعا إليه من ~~التوحيد، فحصل فيما بلغني جملة منها فاستمد منها وزاد من عنده فضائح وضعها ~~في تسويده هذا الذي عثرنا عليه، فيه ترويج على الجهال. # فرأيت أنه يتعين على مثلي بيان تلبيسه وتمويهه لعل الله أن يحشرنا في ~~زمرة الذين ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين. # ذكر المعترض في أول تسويده بأنا نكفر من كانت البردة عنده ومن قرأها ومن ~~سمعها، وأننا نبيح قتله، وهذا من أول كذبه وافترائه. # وزعم أن ما كتبناه متضمن لتنقص الرسول صلى الله عليه وسلم، وسلفه في ذلك ~~عباد المسيح، لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادته قالوا تنقص ~~المسيح عليه السلام، ونحن إنما نهينا عن الغلو فيه صلى الله عليه وسلم الذي ~~حذر منه بقوله:" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم". 1 قوله: "ما أحب أن ~~ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله". 2 # وقوله: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد"، 3 وقوله للذي PageV01P020 # قال ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا". 1 # وأما ما ذكره هذا من مدحه نفسه وتزكيتها بدعوى العلم، وذمه المخالف ~~وتجهيله فالعاقل مايغتر بذلك بل يقوم لله وينظر لنفسه ويتأمل ما يورده من ~~الحجج ولا يقلد فإن التقليد لا يجوز 2 في هذا الأصل العظيم. # قال وقد روى هذه القصيدة مع الهمزية جماعة من العلماء وشرحها بعضهم ولم ~~يفهموا منها محذورا. # فنقول كما قال الأئمة الأعلام: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأيضا لا يلزم أن كل من روى كتابا أو قصيدة أن يكون ~~مستصوبا لكل ما روى. # وذكر ممن روى البردة أبو حيان، والبيضاوي، والمحلي، وابن حجر العسقلاني، ~~وكذا القسطلاني. # فيقال له: تفسير الثلاثة للقرآن موجود، وكذا شرح البخاري، هل تجد في شيء ~~منها ما يمكن تشبيهك به على الناس بما يوافق دعواكم الباطلة من أن ms002 علم ~~اللوح والقلم من علوم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يخفى عليه شيء من ~~أدواء القلوب كما في بيت الهمزية من قوله: وليس يخفى عليك في القلب داء، ~~وأن الدنيا والآخرة من جوده صلى الله عليه وسلم وأنه يطلب منه اليوم ~~الإنقاذ من عذاب الله والألم، وأن ما جاز طلبه منه في حياته جاز طلبه منه ~~بعد موته، وأن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بطلب حاجاتهم من الأموات ~~والغائبين PageV01P021 # وغير ذلك من دعاويكم الباطلة، ولن تجد في كتب المذكورين وغيرهم من ~~العلماء المحققين إلا ما يبطل حجتك، بل يوجد في كلام كثير ممن ليس من أهل ~~العلم المعروفين به شيء كثير تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~". 1 # قال المعترض: وعصر الناظم متقدم على عصر ابن تيمية ولم ينقل عن ابن تيمية ~~الإنكار عليه. # قلنا: إن كان نظمه هذا قد بلغ الشيخ فهو ممن عنى بقوله: "والاستغاثة به ~~صلى الله عليه وسلم بعد موته موجودة في كلام بعض الناس مثل يحيى الصرصري ~~ومحمد بن النعمان وأمثالهما. قال: وهؤلاء لهم صلاح لكن ليسوا من أهل العلم ~~بل جروا على عادة كمن يستغيث بشيخه عند الشدائد ويدعوه"، وقد يكون البوصري ~~وغيره ممن أراد بقوله وأمثالهما. # وقد صنف شيح الإسلام -رحمه الله- كتابا في الرد على من جوز الإستغاثة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وقرر أن ذلك من الشرك قال -رحمه الله- "وقد طاف ~~هذا بجوابه -يعني الذي أجاز فيه الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم- على ~~علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي ~~كتبته فما خالفوه مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك ~~قياما عظيما واستعانوا بمن له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة ~~جمعهم وقوة سلطانهم ومكايد شيطانهم". انتهى. # فهؤلاء علماء مصر في ذلك الزمان لم يخالفوا ما كتبه الشيخ فعدم مخالفتهم ~~دليل الموافقة ms003 لا سيما وحال أكثر أهل ذلك الزمان مع الشيخ ومخالفتهم له في ~~أشياء غير ذلك معلومة، فلو رأوا لمخالفته في هذه المسألة PageV01P022 # مساغا لبادروا وأظهروا ذلك. # قال البغدادي معترضا على ما كتبناه على قول الناظم: فإن من جودك الدنيا ~~وضرتها. قال: وهو قال لك إن الدنيا والآخرة لغير الله أفلا يجوز أن الله ~~يعطي الدنيا لأحد وهو يجود بها أو منها، أو ليس كل الوجود لله وقد ملكه ~~لعباده، فما هذا الاعتراض الفاسد. # قال: وقد ورد أن الدنيا والآخرة خلقتا لأجله، وورد في البخاري أنه أكرم ~~من الريح المرسلة، فماذا يضر لو كرم بما لربه 1 وهو حبيبه الأعظم. انتهى. # فنقول: هل يشك أحد في جوده صلى الله عليه وسلم، فهو أجود الناس، وأجود من ~~الريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليه، والمعترض حرف قول الصحابي وهو ابن ~~عباس في قوله -رضي الله عنه-: "فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه ~~جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ". 2 فحرفه المعترض وقال إنه أكرم من ~~الريح المرسلة. وقوله: أفلا يجوز أن الله يعطي الدنيا لأحد وهو يجود بها أو ~~منها. # يعني أنه يجوز أن الله يعطي الدنيا كلها لإنسان، وذلك الإنسان يعطي من ~~يشاء ويمنع من يشاء، وهذا لا يليق به سبحانه أن يجعل رزق العباد عند غيره ~~بحيث يصير ذلك الغير هو مقصودهم الذي يرغبون إليه ويسألونه قضاء حوائجهم، ~~ومقتضى قو ل الناظم فإن من جودك الدنيا وضرتها أنه صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي جاد بهما لأن الله أعطاه ذلك ليجود به على عباده، بل مقتضى كلامه وإن ~~لم يرده أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جاد على أهل الدنيا بإعطائهم ~~ما يحبون ويجود على أهل الجنة بها. # وقوله: أوليس كل الوجود له وقد ملكه لعباده. PageV01P023 # فهذا كلام باطل؛ لأن الوجود يتناول كل موجود من ذلك الجنة والنار والسماء ~~والأرض والعرش والكرسي والحجب وغير ذلك من العالم العلوي والسفلي مما لا ~~يعلمه إلا الله، ولم يملكه لأحد ms004 من عباده، بل لم يملك من الوجود إلا النزر ~~القليل. # قوله: وقد ورد أن الدنيا والآخرة خلقتا لأجله 1 صلى الله عليه وسلم. # فهذا حديث لا يصح، والله سبحانه قد أعلمنا بالحكمة في خلق هذه المخلوقات ~~كما في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني} [الذاريات: 56] . ~~وقال تعالى {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] . وقال تعالى {الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك:2] . وقال تعالى {الله الذي خلق سبع سماوات ~~ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] .وقال تعالى {جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} ~~[المائدة:97] . فأخبر الله سبحانه بالحكمة في خلق هذه الأشياء، وأنه إنما ~~خلقها لحكم التي ذكرها لا لأجل أحد من عباده، مع أن هذا الحديث لو صح لم ~~يكن فيه حجة ولا شبهة يستأنس بها لما ادعاه، مع أنه أكرم الخلق على ربه ~~وأقربهم إليه وسيلة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، ~~لكنه نهى عن الغلو فيه فقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما ~~أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" 2. PageV01P024 # وقول المعترض: فماذا يضره لو كرم بما لربه. # مقتضى هذه العبارة أنه يتصرف في خزائن الرب سبحانه، لأن التصرف والتكرم ~~بما في يده ليس مختصا به صلى الله عليه وسلم، لأن كل أحد يتصرف فيما أعطاه ~~الله وملكه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يتصرف فيما في يده يضعه حيث ~~أمره ربه. قال صلى الله عليه وسلم: "إني لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما ~~أنا قاسم أضع كما أمرت" 1 # وقال: في حكم الزكاة: "إن الله لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو ~~فيها فجزأها ثمانية أجزاء ". 2 # وقول ms005 الناظم: إن من جودك الدنيا وضرتها: أي من عطائك وإنعامك وإفضالك ~~الدنيا والآخرة، وهذا كلام لا يحتمل تأويله بغير ذلك، ووازن بين قول الناظم ~~من جودك الدنيا وضرتها وبين قوله تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} ~~[الجن:21] . وقوله: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} ~~[الأنعام: 50] . # قال ابن كثير 3 "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله أي خزائن رزقه فأعطيكم ~~ما تريدون "ولا أعلم الغيب" فأخبركم بما غاب ممامضى وما سيكون "ولا أقول ~~لكم إني ملك"؛ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا ~~يشاهده الآدمي. # وقوله تعالى {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} [الأعراف: 188] . PageV01P025 # قال ابن كثير: أمرا لله نبيه أن يخبر بتفويض الأمور إليه، وأن يخبر عن ~~نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل إلا ما أطلعه الله عليه كما قال تعالى: ~~{عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26،27] ~~. فإنه يطلعه على من يشاء من غيبه. قال: والأحسن في قوله: {ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير} [الأعراق:188] . ما رواه الضحاك عن ابن عباس "لا ~~ستكثرت من الخير " أي من المال، وفي رواية لعلمت إذا اشتريت رخيصا ما أربح ~~فيه فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير – رحمه ~~الله تعالى -: وقال آخرون معنى ذلك ولوكنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة ~~من السنة المخصبة ولوقت الغلاء من الرخيص. وقال ابن زيد-رحمه الله-: {وما ~~مسني السوء} لا اجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته 1. وقال تعالى: ~~{ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران:128] . # قال المعترض على ما كتبناه على قول الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم. ~~فقال: قد قال الشراح: المراد باللوح ما يكتب فيه الناس، وبالقلم ما يكتبون ~~به. قال: ويحتمل أن يكون ms006 المراد باللوح اللوح المحفوظ ولا يلزم على هذا ~~الاعتراض الذي قاله هذا الرجل لأن مراده علم اللوح غير الفواتح الخمس. قال ~~على أن قوله علم اللوح، الإضافة فيه جنسية أي بعض علم ما في اللوح، والجنس ~~يصدق على بعض الأفراد -إلى أن قال-: بل ولو لم نقل هذا لم يلزم هذا ~~الاعتراض؛ لأن فواتح الغيب الخمس لا يلزم أنها في اللوح المحفوظ، بل هي في ~~أم الكتاب وهي غير اللوح -إلى أن قال-: فتبين من هذا أن أم الكتاب غير ~~اللوح المحفوظ بل هي أصل اللوح. انتهى. # قوله: إن الشراح قالوا المراد باللوح ما يكتب فيه الناس وبالقلم مايكتبون ~~به. PageV01P026 # فيقال: هذا بعيد من مراد الناظم ومن مقتضى لفظه لأن أل في اللوح والقلم ~~للعهد الذهني، لا يقع في ذهن السامع غير اللوح المحفوظ والقلم الذي جرى ~~بالمقادير وكونه بعيدا من مراد الناظم في هذه الحال لأنه بالغ في مدح النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإطرائه، فلما وصفه بكون الدنيا والآخرة من جوده فتعدى ~~في وصفه بالجود ناسب أن يصفه بسعة العلم، ولو أراد أقلام الناس لم يخص ~~الألواح بل يأتي بلفظ يعم ما يكتبون فيه من لوح وقرطاس وغيره. وأيضا فالناس ~~يكتبون بأقلامهم الحق والباطل، ويكتبون الكفر والسحر والشعر وجميع العلوم ~~الباطلة مما ينزه الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضافته إليه، ويكتبون بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم الرسائل والمداينات وغير ذلك مما يقع في غد وذلك ~~من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، وقد قالت عائشة أم المؤمنين -رضي الله ~~عنها-: "من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: {وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا} . 1 # وقوله: ويحتمل أن المراد اللوح المحفوظ، ولا يلزم على هذا اعتراض المعترض ~~لأن المراد علم اللوح غير الفواتح الخمس. إلى قوله: وهذه الفواتح لا يلزم ~~أنها في اللوح المحفوظ بل هي في أم الكتاب وهي غير اللوح. إلى قوله: فتبين ~~بهذا أن أم الكتاب غير اللوح بل ms007 هي أصل اللوح. # لم يذكر ما يبين ذلك وإنما هو مجرد دعوى كاذبة. وذكر ما ذكره البغوي عن ~~عكرمة عن ابن عباس، قال: هما كتابان سوى أم الكتاب. وهذا حجة عليه لأنه ذكر ~~كتابين غير أم الكتاب بل كلامه يدل على أن اللوح الذي ذكر صفته هو أم ~~الكتاب لأنه لما ذكره قرأ {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] . فالظاهر أن هذا ~~إشارة إلى أن هذا اللوح الذي وصفه هو أم الكتاب، لم يقل إن اللوح المحفوظ ~~غير أم الكتاب. وما ذكره عن عطاء عن ابن عباس لم يقل PageV01P027 # فيه إن اللوح المحفوظ غير أم الكتاب. والمعترض يرى أن البغوي قد جزم عند ~~قوله سبحانه: {وعنده أم الكتاب} بأن أم الكتاب هي اللوح المحفوظ. وقال ~~البغوي أيضا في قوله سبحانه: {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} ~~[البروج:21،22] قال هو الذي يعرف باللوح المحفوظ وهو أم الكتاب ومنه تنسخ ~~الكتب، محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان. وقال أيضا في قوله ~~-سبحانه وتعالى- {وإنه} يعني القرآن {في أم الكتاب} في اللوح المحفوظ. قال ~~قتادة -رحمه الله تعالى-: أم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله. قوله # {لدينا} أي القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: {بل هو قرآن ~~مجيد * في لوح محفوظ} [البروج:21،22] . وقال البغوي أيضا في قوله سبحانه: ~~{وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس:12] . هو اللوح المحفوظ. وقال الواحدي ~~{وإنه في أم الكتاب} [الزخرف:4] .أي في اللوح المحفوظ. قال الزجاج: أم ~~الكتاب أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه. قال: والقرآن مثبت عند الله في اللوح ~~المحفوظ كما قال: {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} [البروج: 21،22] وقال ~~الواحدي على قوله: # {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} عند الله وهو أم الكتاب منه نسخ القرآن ~~والكتب وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه ~~والنقصان. # وقال ابن كثير -رحمه الله-: {وإنه} أي القرآن {في أم الكتاب} أي اللوح ~~المحفوظ قاله ابن عباس ومجاهد {لدينا لعلي حكيم} ms008 وقال في قوله –سبحانه-: ~~{وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} أي وجميع الكائنات مكتوب مسطور في لوح ~~محفوظ. والإمام المبين هنا هو أم الكتاب قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن ~~زيد بن أسلم. انتهى. # وقال البيضاوي {وعنده أم الكتاب} أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من ~~كائن إلا وهو مكتوب فيه. وقال في قوله سبحانه: {وإنه # PageV01P028 # في أم الكتاب} في اللوح المحفوظ فإنه أصل لكل الكتب السماوية {لدينا لعلي ~~حكيم} . # وقال النسفي: أم الكتاب أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب # فيه. انتهى. # والمراد بذكرنا كلام المفسرين -رحمهم الله تعالى- وبيان إجماعهم على أن ~~اللوح المحفوظ هو أم الكتاب وهو نص حديث عمران بن حصين الآتي قال: " وكتب ~~في اللوح المحفوظ كل شيء " 1 تبين كذب هذا وجراءته في جزمه بأن أم الكتاب ~~غير اللوح المحفوظ مع أن هذا لا ينفعه لو سلم له لأن الكل جرى به القلم ~~فيدخل في قول الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم. # وقوله: إن الإضافة في قوله علم اللوح والقلم جنسية أي بعض علم ما في ~~اللوح والجنس يصدق على بعض أفراده. # فيقال علم بعض ما في اللوح لا يختص به صلى الله عليه وسلم بل يشاركه في ~~ذلك غيره من الأنبياء وغيرهم من آحاد الناس من كل من علم شيئا مما جرى به ~~القلم، مع أنه لا يصح حمل كلام الناظم على ذلك ولا يحتمله، لأنه قال ومن ~~علومك علم اللوح والقلم. " فمن " في كلام الناظم للتبعيض فمقتضى اللفظ أن ~~علم اللوح والقلم بعض علومك، وزعم بعض المنازعين أن من في قول الناظم من ~~جودك ومن علومك إلخ، أنها لبيان الجنس، وبينا غلطه في جوابنا السابق، ولو ~~سلم أنها لبيان الجنس مع أنها لا تصلح لذلك فالمعنى على ذلك أن علومك هي ~~عين علم اللوح والقلم لا تقصر عنها لأن هذا هو معنى من البيانية. وكلام ~~الناظم خطأ على كلا التقديرين، ومما يبين أن مراد الناظم إحاطة النبي صلى ~~الله ms009 عليه وسلم بعلم الغيب قوله في الهمزية في حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم: وليس يخفى عليك في القلب داء. فوصفه صلى الله عليه وسلم بالعلم بجميع ~~أدواء القلوب PageV01P029 # وعللها لأن قوله داء نكرة في سياق النفي فتعم جميع ما احتوت عليه القلوب، ~~وهذا مما اختص به الرب سبحانه قال تعالى: {يعلم السر وأخفى} [طه:7] وقال: ~~{واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} [البقرة: 235] . وقال: {ويعلم ~~ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} [التغابن: 4] . والآيات في ~~هذا كثيرة معلومة وقد قال سبحانه وتعالى في آخر ما نزل من القرآن: {وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم} [التوبة:101] . # وقال: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال:60] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ". 1 # قال القاضي عياض في الشفا على هذا الحديث: وتجرى أحكامه عليه السلام على ~~الظاهر، ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته -إلى أن ~~قال-: وكل ذلك من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول فيعلمه منه ما شاء ويستأثر بما شاء، ولا يقدح ~~هذا في نبوته، ولا يفصم عروة من عصمته 2، وخفي عليه صلى الله عليه وسلم حال ~~أهل الإفك حتى جاءه الخبر من الله، ويخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمور ~~كثيرة يطول عدها، حتى يأتيه الوحي بخبرها. # وقال صلى الله عليه وسلم: " إنه سيجاء برجال من أمتي يوم القيامة فيؤخذ ~~بهم ذات الشمال فأقول أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " 3 ~~PageV01P030 # ثم قال المعترض: وهو -أي الناظم- أثبت للنبي صلى الله عليه وسلم علم ~~اللوح والقلم، ومراده بتعليم الله له. # ثم قال بعد ذلك: ما المانع أن يكون من علوم النبي صلى الله عليه وسلم علم ~~اللوح والقلم. # فالعجب من تناقض هذا المبطل، ادعى ms010 أولا أن المراد باللوح والقلم ألواح ~~الناس وأقلامهم، ثم ادعى أن الإضافة جنسية، ثم اعترف بأن الناظم أثبت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم علم اللوح والقلم، ثم قال: فماالمانع أن يكون من علوم ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم اللوح والقلم. # قال: وهذا الذي قررناه بناء على أن الله تعالى يطلع نبينا وغيره على ~~الخمس. # قال: فهناك نقول من أطلعنا على كلامه. # وذكر أشياء ليس فيها ما يستأنس له به فضلا عن أن يكون حجة، وإنما أكثر من ~~النقول للتمويه والترويج على الجهال، ومنها ما هو حجة عليه كنقله عن شرح ~~المشكاة لعلي القاري على قوله صلى الله عليه وسلم: "مفاتح الغيب خمس" 1 أي ~~لا يعلم تفصيله إلا هو ولا يعلم مجمله بحسب خرق العادة إلا من قبله. # وقال في شرح قوله: {في خمس لا يعلمهن إلا الله} فإن قلت قد أخبر الأنبياء ~~بكثير من ذلك فكيف الحصر، قلت الحصر، باعتبار كلياتها دون جزئياتها، قال ~~تعالى {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول} [الجن: ~~26،27] . انتهى. # وهذا حجة عليه لأننا لا ننكر أن الله يطلع الأنبياء على أشياء من الغيب ~~معجزة لهم ويكشف لبعض أتباعهم شيئا من ذلك كرامة لهم، وإنما ننكر القول بأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ. # ومن ذلك مفاتح الغيب الخمس، وأنه صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما احتوت ~~عليه القلوب بقوله: وليس يخفى عليك في القلب داء. PageV01P031 # واستدل المعترض بقوله سبحانه وتعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~* إلا من ارتضى من رسول} [الجن:26،27] . وبقوله {وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران: 179] . وليس في ذلك حجة ~~له بل هي حجة عليه، ومعنى الآيتين عند جميع المفسرين: أن الله سبحانه يطلع ~~رسله على ما يشاء من الغيب آية لهم ومعجزة، ولنبينا صلى الله عليه وسلم من ~~ذلك ما لا يحصى ولا يشك ms011 فيه مسلم. # واحتج المعترض بما نقله عن المدابغي فقال: قال العلامة المدابغي في ~~حاشيته على شرح الأربعين لابن حجر: والحق كما قال جمع إن الله لم يقبض ~~نبينا عليه الصلاة والسلام حتى أطلعه على كل ما أبهمه عنه إلا أنه أمر بكتم ~~بعض وإعلام بعض. انتهى. # قلت: قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن بعض ضلال أهل ~~زمانه أنه ادعى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه دعوى عظيمة تعارض نصوص ~~القرآن والسنة الصحيحة الصريحة وتخالف ما عليه الصحابة والتابعون والعلماء ~~بعدهم، يحتاج مدعيها إلى دليل واضح ولن يجد إلى ذلك سبيلا، ولا شبهة معه، ~~وإنما هي مجرد دعوى كاذبة جمع مدعيها بين رد نصوص الكتاب والسنة وإجماع ~~العلماء وبين افتراء الكذب على الله # {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين} [الأنعام:144] . # قال المموه: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصارع القتلى يوم ~~بدر، وكل منهم صرع في ذلك المكان، فقد علم أن هذه الأنفس بأي أرض تموت وهي ~~من الخمس، وأخبر عن أشياء تقع بعده إلى يوم القيامة فوقعت كما أخبر وهذا ~~مما لا تدري نفس ماذا تكسب غدا. انتهى. # فانظر أولا إلى هذه العبارات الركيكة، وقوله: وأخبر عن أشياء تقع بعده ~~إلى يوم القيامة فوقعت كما أخبر. مقتضى هذه العبارة أن جميع ما أخبر # PageV01P032 # بوقوعه بعده إلى فناء الدنيا قد وقع، وليس كذلك وإنما وقع منه ما وقع إلى ~~زمان هذا الرجل، وأخبر عن وقوع أشياء لم تقع بعد وهي واقعة بلا شك، والمراد ~~أن هذا الرجل يأتي بعبارات فاسدة. # ويقال ثانيا هل ينكر ذلك مسلم، وهذا ونحوه مما أخبر به من الغيب الذي ~~استثناه سبحانه في قوله {إلا من ارتضى من رسول} [الجن:27] . فإنه يطلعه على ~~ما يشاء من غيبه. # واستدل بقول المسيح -عليه السلام-: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم} [آل عمران:49] . # فنقول وهذا من معجزات المسيح -عليه السلام-. # وأورد ما ms012 روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أن الملك الموكل بالرحم يقول ~~أي رب مخلقة أو غير مخلقة فإن كانت مخلقة قال ذكر أو أنثى شقي أم سعيد ما ~~الأجل ما الأثر بأي أرض تموت. فيقال اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه ~~النطفة ". 1 # قال: فهذا يدل على أن الله يطلع بعض خلقه على شيء من الخمس وهو الملك. # قال: والنبي صلى الله عليه وسلم أولى لأنه منصوص عليه في قوله {فلا يظهر ~~على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول} [الجن:26،27] . # فقوله إنه منصوص عليه. الذي يظهر من كلامه أنه منصوص عليه بأنه يعلم ما ~~في الأرحام، وهذا كذب منه وإنما النص في أنه سبحانه يطلعه على ما يشاء من ~~غيبه، ومن ذلك إطلاعه سبحانه رسوله على ما يشاء إطلاعه عليه مما في الأرحام ~~إن كان قد وجد من ذلك شيء، لا أنه يعلم جميع ما في الأرحام، وجميع ما أورده ~~المعترض في هذا المحل من خبر المسيح وأثر ابن مسعود وأمر قتلى بدر وغير ذلك ~~مما يعلم هو أنه لا حجة له فيه وأننا لا ننكره، إنما أراد التجهيم على ~~الجهال وتكثير السواد في القرطاس. PageV01P033 # وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال في الساعة لا يجليها لوقتها ~~إلا الله، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته ~~الملائكة الموكلون بذلك وما شاء الله من خلقه. # وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، لكن إذا أمر ~~بكونه ذكرا أو أنثى أو سعيدا أو شقيا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء ~~الله من خلقه، وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت. # قال المعترض: وقد أخذ جمع من العلماء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل: # "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" 1 أن المعنى أنا وأنت في العلم بها ~~سواء فكما تعلمها أنت أعلمها أنا. # فالعجب من ms013 هذا التحريف لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شابه فيه ~~اليهود الذي يحرفون الكلم عن مواضعه مع معارضته لنص الحديث نفسه حديث جبريل ~~من رواية أبي هريرة في الصحيحين لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الساعة قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها، إذا ~~ولدت الأمة ربتها فذلك من أشراطها، وإذا رأيت الحفاة العراة رؤوس الناس 2 ~~فذالك من أشراطها وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذلك من أشراطها في خمس ~~لا يعلمهن إلا الله ثم تلا رسول الله: {إن الله عنده علم الساعة وينزل ~~الغيث ويعلم ما في الأرحام} 3 الآية وقوله: في خمس لا يعلمهن PageV01P034 # إلا الله 1 أي هي من الخمس المذكورة في الآية التي اختص الله بعلمها ولا ~~أظن هذا التأويل يصدر ممن عنده علم لأن نص الحديث يكذبه واحتجاج المعترض ~~بما حكاه في تأويل هذا الحديث وبما نقله عن المدابغي صريح في أنه يقول بذلك ~~وهذا كفر صريح لمعارضته نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. # واستشهد هذا على دعواه بما نقله عن علي القارئ في شرح المشكاة أنه قال: ~~ما التوفيق بين قوله تعالى {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان:34] وبين ما ~~اشتهر عن العرفاء من الأخبار الغيبية كما قال الشيخ الكبير أبو عبدا لله في ~~معتقده أنه قال: ونعتقد أن العبد يتنقل في الأحوال حتى يصير إلى نعت ~~الروحانية فيعلم الغيب وتطوى له الأرض، ويمشي على الماء، ويغيب عن الأبصار، ~~فالجواب: أن للغيب مبادئ ولواحق فمباديه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل وأما اللواحق فهو ما أظهره الله على بعض أحبابه من لوحة علمه وخرج دلك ~~عن الغيب المطلق فصار غيبا إضافيا وذلك إذا تنورت الروح 2 القدسية وازداد ~~نورها وإشراقها والمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية حتى ~~يقوى النور وينبسط في فضاء قلبه فتنعكس فيه النقوش المرسمة في اللوح ~~المحفوظ ويطلع على المغيبات ويتصرف في أجسام العالم السفلي. انتهى. # مراده بالنقوش المرسمة في اللوح ms014 المحفوظ الكتابة التي جرى بها القلم في ~~اللوح المحفوظ. # أورد المعترض هذا الكلام بعد قوله وهذا قررناه بناء على أن الله سبحانه ~~يطلع نبينا وغيره من المقربين على الخمس، فاحتج بقول هذا الضال على دعواه ~~الباطلة من أن الله يطلع نبينا وغيره على الخمس، فمن ادعى أنه إذا أراض ~~نفسه يرى ما كتب في اللوح المحفوظ ويعلم الغيب PageV01P035 # فهو كافر، فإذا ضم إلى ذلك دعوى أنه يحصل له من القدرة ما يتصرف به في 1 ~~العالم السفلي ازداد كفرا. # ثم قال المعترض: ويحتمل أن هذه الخمس لم تكتب في اللوح المحفوظ وأنها في ~~غامض علم الله وما استأثر الله به، وقد قال قبل ذلك وهذه الفواتح لا يلزم ~~أنها في اللوح المحفوظ بل هي في أم الكتاب وهي غير اللوح. وهنا قال إنها في ~~غامض علم الله، وكذب نفسه بذكره بعد ذلك الأثر المروي أن الملك الموكل ~~بالرحم يقول أي رب مخلقة وغير مخلقة -إلى أن قال- فيقال اذهب إلى الكتاب ~~فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. # فانظر إلى تناقص هذا، تارة يقول إن الناظم أراد بقوله اللوح والقلم ألواح ~~الناس وأقلامهم، وتارة يعترف بأن الناظم أراد اللوح والقلم الذي جرى ~~بالمقادير 2، ولكن هذه الخمس لم تكتب فيه، بل 3 هي في غامض علم الله، وتارة ~~يقول هي في أم الكتاب يعني الخمس 4 وهي غير اللوح المحفوظ ويجزم بذلك، ~~وتارة يقول في أثناء كلامه وهذا بناء على أن الله يطلع نبينا وغيره على ~~الخمس، ويحتج على ذلك بما نقله عن المدابغي والقاري والشيخ الضال الذي يدعي ~~أن الإنسان قد يطلع على اللوح المحفوظ ويعلم الغيب ويتصرف في العالم ~~السفلي. # وقوله إنها في غامض علم الله يعني الخمس وأنها لم تكتب في اللوح المحفوظ. # يكذب هذا القول نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {ألم تعلم أن الله ~~يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} ~~PageV01P036 # [الحج:70] قال ابن كثير في الآية: يخبر -سبحانه وتعالى- عن كمال ms015 علمه ~~بخلقه فلا يعزب عنه مثقال ذرة وأنه سبحانه علم الكائنات كلها قبل وجودها ~~وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" 1. وفي السنن من حديث ~~جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أول ما خلق الله ~~القلم قال له اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى القلم بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة} 2، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال ابن ~~عباس -رضي الله عنهما-: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة 3 مائة عام. وقال ~~للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى اكتب، قال: وما أكتب؟ ~~قال علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله ~~تعالى إلى يوم القيامة، فذلك قوله تعالى {ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [الحج:70] . # وجميع المفسرين على أن المراد بالكتاب في الآية هو اللوح المحفوظ، وأن كل ~~شيء من الكائنات مكتوب فيه، وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد:22] ~~.وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إقبلو البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، قال: إقبلوا البشرى ~~يا أهل اليمن، قالوا: قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان ~~الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح PageV01P037 # المحفوظ كل شيء ثم خلق السموات والأرض" 1. # فهذا الحديث شاهد للمفسرين في تفسيرهم الكتاب في الآيات باللوح المحفوظ، ~~وأن كل شيء مكتوب فيه وأنه أم الكتاب. والمراد بيان كذب هذا وبيان تناقضه ~~وهو لا ms016 يشعر بذلك بل هو خابط خبط عشواء، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر ~~-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفاتح الغيب خمس ~~لا يعلمها إلا الله لا يعلم أحد ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في ~~غد إلا الله، ولا يعلم متى ياتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض ~~تموت، ولا يعلم 2 متى تقوم الساعة أحد إلا الله" 3. وتقدم حديث أبي هريرة، ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس لا يعلمهن إلا الله" 4. # أفيظن مسلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثون الأمة بهذه ~~الأحاديث المصرحة بتفرد الله سبحانه بعلم هذه الأمور المذكورة في هذه ~~الأحاديث، وأن عندهم ما يخالف ذلك فيكتمونه فيحصل التلبيس على الناس في هذا ~~الباب، فيلزم من ذلك اعتقاد الباطل حقا والحق باطلا، والصواب خطأ والخطأ ~~صوابا، صانهم الله عن ذلك. # أم يظن مسلم أنه خفي على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ~~ما ادعاه هؤلاء الضلال وعلموه هم، هذا من أبطل الباطل، ويزيد ذلك وضوحا ما ~~ثبت في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: {من زعم أن محمدا يخبر بما ~~في غد فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت: "وما تدري نفس ماذا تكسب ~~PageV01P038 # غدا" 1 هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري: "من حدثكم أن محمدا يعلم ما في غد فقد ~~كذب ثم قرأت "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" 2. ومرادها رضي الله عنها نفي ~~ذلك عنه صلى الله عليه وسلم في حال 3 حياته. # وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أوتي نبيكم مفاتيح كل ~~شيء غير خمس ثم قرأ " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} . الآية 4. # وفيما ذكرنا من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة كفاية في بيان بطلان دعاوى ~~هذا البغدادي ومن نقل عنه كالمدابغي والقاري وغيرهما كمحرف قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" 5. # وأورد المعترض حديث المنام وقوله صلى ms017 الله عليه وسلم: "رأيت ربي في أحسن ~~صورة، # فقال يا محمد فيم يختصم الملأ 6 الأعلى إلى -أن قال- فتجلى لي كل شيء ~~وعرفت -وفي رواية- فعلمت ما في السماء والأرض -وفي رواية- فعلمت ما بين ~~المشرق والمغرب" 7. # وليس في ذلك ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم علم على ما جرى به القلم ~~في اللوح المحفوظ، ولا أنه علم مفاتيح الغيب. قال غير واحد ممن شرح الحديث: ~~يحمل ذلك على أن الله سبحانه كشف له عن الأعيان الموجودة إذ ذاك. وهذا ~~PageV01P039 # هو الظاهر وهو صريح رواية "فعلمت ما في السماء والأرض" ورواية "فعلمت ما ~~بين المشرق والمغرب" وما موصولة، أي فعلمت الذي بين المشرق والمغرب، أي ~~الموجود بينهما 1، يوضح ذلك لو 2 قلت: دخلت دار فلان فعلمت ما فيها، إنما ~~يتناول علمك الموجود فيها من الأشياء حين دخولك، لا ما يوجد فيها بعد ذلك ~~والله أعلم، ولما ذكر ابن كثير قول بعض المفسرين على قوله سبحانه وتعالى: ~~{وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام:75] . أنه فرجت له ~~السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون ~~السبع فنظر إلى ما فيهن، قال 3: فيحتمل هذا أنه كشف له بصره حتى رأى ذلك ~~عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ~~ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما روي الإمام أحمد والترمذي ~~وصححه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن ~~صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى -فذكر الحديث- ثم تلا وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين " 4. انتهى. # وذكر المعترض حديث حذيفة أنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا ~~عن كل ما يقع إلى يوم القيامة حتى دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~حتى إنا لنرى الطائر يقلب جناحيه فنذكر منه علما ". هكذا أورده البغدادي، ~~جعل ذلك كله من قول حذيفة، وحرف اللفظ والمعنى، فأول هذه الجملة من كلام ~~حذيفة، ms018 وآخرها من قول أبي ذر، لكنه غير الكلام فأفسد اللفظ والمعنى. فنميز ~~قول حذيفة من قول أبي ذر رضي الله عنهما ليتبين للناظر PageV01P040 # تخبيط هذا الجاهل، ففي صحيح البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قام ~~فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك ~~إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، فقد علمه أصحابي ~~هؤلاء، وإنه ليكون من الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إ ذا ~~غاب عنه ثم رآه عرفه" 1. # قال حذيفة: "ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة ~~فصاعدا إلا سماه لنا باسم أبيه وقبيلته" هذا لفظ حذيفة. # وقال أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب ~~جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما" 2. انتهى. # فانظر إلى تخبيط هذا وتحريفه الفاحش، يقول أبو ذر "وما طائر يقلب جناحيه ~~في السماء إلا ذكرنا منه علما" يعني إلا ذكر لنا النبي منه علما، وهذا ~~يقول: "إنا لنرى الطائر يقلب جناحيه فنذكر منه علما" أي نذكر نحن من الطير ~~علما. فغير كلام الصحابي وأبدله بكلام لا معنى له. # وقول أبي ذر وحذيفة يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأمور جزئيات ~~من الغيب تحدث بعده أطلعه الله عليها، وهل في ذلك ما يدل على أنه أخبرهم ~~بوقت الساعة؟ # أو أنه أخبرهم بما في أرحام نسائهم ودوابهم؟ أو أنه أخبر كل واحد بأي أرض ~~تموت؟ أو بما يحدث له من الذرية، ومتى يموت هذا؟ مما يعلم قطعا أنه لم يكن ~~منه شيء. # وكذلك حديث المنام ليس فيه ما يستأنس به لهذا المبطل، وما ذكرنا من قول ~~عائشة وابن مسعود كاف في بطلان دعوى من قال: إن الله لم يقبض PageV01P041 # نبيه حتى أطلعه على جميع ما كتمه عنه. وكذلك ما حدث به أصحاب رسول الله ms019 ~~صلى الله عليه وسلم عنه صلى الله عليه وسلم مثل قوله: "مفاتح الغيب خمس لا ~~يعلمها إلا الله" وقوله عن الساعة:" في خمس لا يعلمهن إلا الله" 1 يخبر ~~الصحابة التابعين بذلك؛ والتابعون يخبرون من بعدهم، وأهل الحديث يرون هذه ~~الأحاديث ويثبتونها في كتبهم ولا يذكرون ما يخالفها مما هو الحق في زعم ~~هؤلاء الملحدين حتى يجيء هؤلاء المفترون على الله الكذب وعلى رسوله فيبينون ~~للناس ما خفي على الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين!! هذا مما يقطع ~~ببطلانه كل عاقل، وأبلغ من ذلك إخبار الله سبحانه في كتابه بتفرده بعلم ~~الغيب ونفيه عن غيره حتى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. والمفسرون من ~~الصحابة ومن بعدهم يقررون ما دلت عليه الآيات ولم يذكر أحد منهم خلاف ~~مدلولها وهذا ظاهر ولله الحمد، لكن لأجل ترويج الكذبة على الجهال يحتاج إلى ~~إيضاح ذلك. # واعترض هذا على ما كتبناه على قول الناظم: # يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك -إلى قوله مع قول المشطر # إن لم تكن في معادي آخذ بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم # أو شافعا لي مما قد جنيت غدا ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم # قال: هذا الاعتراض باطل من وجوه. الأول: أن هذا الرجل يزعم أن قول الناظم ~~إن لم تكن في معادي آخذا بيدي. وقول المشطر، ومنقذي من عذاب الله والألم. ~~أو شافعا لي إلى آخره أن هذا الإنقاذ بالفعل، وأنه غير الشفاعة وأنه إن لم ~~يحصل بالفعل فبالشفاعة. وليس كما زعم لأن الإنقاذ والأخذ باليد هو أيضا ~~بالشفاعة لأن غير الشفاعة يكون استقلالا من دون الله ولا يتصور اعتقاد هذا ~~من مسلم ولو كان بدويا جاهلا، والمراد تنوع الشفاعة فالنوع الأول هو الأخذ ~~باليد والإنقاذ، وقد ورد هذا في الأحاديث PageV01P042 # الصحيحة في الشفاعة " فأقول يا رب أمتي، فيقال انطلق فاخرج من في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان، فأنطلق فأفعل. فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقال انطلق ~~فأخرج من في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة ms020 خردل من إيمان، فأنطلق فأفعل. فأقول ~~يارب أمتي أمتي، فيقال اانطلق فأخرج من في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل ~~من إيمان فانطلق فأخرجهم من النار" 1. -إلى أن قال- فما المانع من إطلاق ~~هذا اللفظ؟ وهل هذا الإخراج إلا الإنقاذ من العذاب؟ . الوجه الثاني: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المعاد وهو يوم القيامة حي كحاله في الدنيا هو ~~وجميع الخلائق فلا ما نع ذلك اليوم من أن يتسبب ويخرج وينقذ من الشدة لأنه ~~حي حاضر. قال: وعند هذا الرجل وأشياعه أن الحي الحاضر له قدرة بنفسه، قال ~~ابن عبد الوهاب في "كشف الشبهات" في جواب الحديث الصحيح: "أن الناس يوم ~~القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى حتى ينتهوا ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين فيقول أنا لها أنا لها" 2. قال: ~~فأجاب عن هذا بالاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة كما قال تعالى في ~~قصة موسى 3: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} وكما يستغيث ~~الإنسان بأصحابه في الحرب وغيره في أشياء يقدر عليها المخلوق. انتهى. قال: ~~فإذا كان الحي الحاضر عند هؤلاء ينسبون له الفعل لأنه يقدر عليه، وصاحب ~~البردة يخبر أنه إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في معادي وهو يوم ~~القيامة آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم، والنبي وجميع الخلائق ذلك ~~اليوم أحياء حاضرون لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية، ~~ونسبة الأفعال إلى فاعلها وأسبابها جائزة شرعا وعرفا، فكيف ينكر إنقاذ ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمته من العذاب ويجعله ممتنعا وأنه خلاف الشفاعة! ~~مع أن النبي PageV01P043 # حينئذ حاضر، له قدرة فيما يقدر عليه ذلك اليوم، ويقدر على ذلك كما هو في ~~حال الحياة الدنيا، كما كان يرمي العدو وهم ألوف بكف من تراب فيعميهم، ~~ويروي الألوف العطاش ويشبعهم بقليل من الماء والطعام، وفي الحديث: "إنكم ~~تتهافتون في النار تهافت الفراش، وأنا آخذ بحجزكم لئلا تقعوا فيها" (1) . ~~وأعظم من هذا أن الله ms021 نسب إخراج الكفار من النور إلى الظلمات إلى الطاغوت ~~وهي الأصنام، مع أنها لا قدرة له بوجه، لكن لما كانت سببا للإخراج نسب ~~الإخراج إليها وكذلك هنا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم سببا للإنقاذ من ~~العذاب نسب الإنقاذ إليه. وفي دعاء الاستسقاء "اللهم أغثنا غيثا مغيثا" (2) ~~قالوا: معناه منقذا من الشدة، مع أن الغيث جماد لا قدرة له، لكن لما كان ~~سببا للإنقاذ والإغاثة نسب الإنقاذ إليه، وقد اشتهر عند العلماء أنبت ~~الربيع البقل ومنع البقاء تقلب الشمس، مع أن المنبت في الحقيقة هو الله ~~والمانع للبقاء هو الله، وقال: {فوكزه موسى فقضى عليه} [القصص:15] . مع أن ~~القضاء من الله، وقال في حق نبيه: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم} [الأعراف:157] مع أن الواضع هو الله، لكن لما كان سببا للفعل نسب ~~الفعل إليه، بل جميع الأفعال تنسب إلى فاعلها فيقال: فلان أعطي وفلان منع، ~~وفلان نفعني وفلان ضرني، ويلزم على قول هذا ألا تنسب الأفعال إلى فاعلها ~~ولا قائل به. قال: وورد نسبة الإنقاذ من النار إلى PageV01P044 # المعاني من الأعمال، وقد ورد في حديث صحيح قال: "رأيت رجلا من أمتي عذب ~~في قبره، فجاءته صلاته فأنقذته من العذاب، والآخر أنقذه حجه، والآخر صيامه" ~~1. فإذا جاز نسبة الإنقاذ من النار إلى المعاني لكونه أسبابا فنسبتها إلى ~~الذوات من باب أولى، خصوصا أشرف الذوات من المخلوقين. انتهى. # وجوابه أن يقال: أولا وازن بين قول يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك، ~~وبين قول الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني لله ندا حيث قال ~~له ما شاء الله وشئت" 2. فهذا لو قال ما لي من ألوذ به إلا الله وأنت، لكان ~~أقبح من قول القائل ما شاء الله وشئت، لأن الله أثبت للعبد مشيئة يقوله: ~~{لمن شاء منكم أن يستقيم} [التكوير:28] . {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} ~~[الإنسان:29] فكيف إذا أفرد الرسول باللياذ والالتجاء من عذاب ذلك اليوم ~~الذي لا تكلم فيه نفس إلا ms022 بإذنه! # وقد ذكرت في الجواب السابق الفرق بين قول هذا في تشطيره ومنقذي من عذاب ~~الله والألم، وبين قوله: أو شافعا لي، لأن المعترض الأول ادعى بجهله أن عطف ~~الشفاعة على الإنقاذ عطف تفسير ومعنى الكلمتين واحد، وبينا بطلان قوله هذا ~~وأن قوله أو شافعا لي لا يصلح كونه عطف تفسير لأنهم ذكروا أن عطف التفسير ~~إنما يكون بالواو خاصة، وممن ذكر ذلك ابن هشام، وأما العطف يأو فهو نص في ~~أن المعطوف غير المعطوف عليه، مع أن العامي فضلا عن العالم يفرق بين ~~اللفظين، فلو قصد إنسان إنسانا وقال PageV01P045 # قصدتك لحاجة 1 كذا، فإما أن تقضيها أو تشفع لي عند فلان في قضائها فكل ~~أحد يعرف الفرق بين العبارتين كما فرق القرآن بينهما في قول صاحب يس {أأتخذ ~~من دونه آلهة إن يردني الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذوني} ~~[يس:23] .فالإنقاذ هو بالنصرة والمظاهرة، والشفاعة بالجاه والمكانة. # قال ابن القيم بعد كلام سبق على الآية: إن العابد يريد من معبوده أن ~~ينفعه وقت الحاجة دائما، وإن أرادني الرحمن الذي خلقني بضر لم يكن لهذه ~~الآلهة من القدرة ما تنقذني بها من ذلك الضر، ولا من الجاه والمكانة ما ~~تشفع لي إليه لأتخلص 2 من ذلك الضر فبأي شيء تستحق العبادة، إني إذا لفي ~~ضلال مبين إن عبدت من دون الله 3 من هذا شأنه. انتهى. # وقال البيضاوي: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردني الرحمان بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذوني} [يس:23] . أي لا تنفعني شفاعتهم، ولا ينقذون ~~بالنصر والمظاهرة: {إني إذا لفي ضلال مبين} [يس:24] .فإن إيثار من لا ينفع ~~ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال ~~مبين لا يخفى على عاقل. انتهى. # وقوله: إن الإنقاذ والأخذ باليد هو أيضا بالشفاعة لأن غير الشافع يكون ~~استقلالا من دون الله ولا يتصور اعتقاد هذا من مسلم. # قلت: ولا يتصور ذلك من أحد من مشركي العرب الذي بعث إليهم ms023 محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنهم كلهم معترفون بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تدبر شيئا ~~من دون الله، ونصوص القرآن كثيرة في ذلك كما قال تعالى: {قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من المي ت ~~PageV01P046 # ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} ~~[يونس:31] . أي أفلا تتقون الشرك في الألوهية إذا أقررتم بالربوبية. وقال ~~تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * ~~سيقولون لله قل فأنا تسحرون} [المؤمنون:84-89] . {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} [الزخرف:9] . واعترفوا أيضا ~~بصفة العزة 1 والعلم لله، والآيات في هذا كثيرة معلومة عند الجميع يحتج ~~سبحانه عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على إشراكهم في توحيد الألوهية كما ~~قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:106] . قال ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما: إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السموات والأرض والجبال ~~قالوا الله وهم يعبدون معه غيره! ولهذا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وقال عطاء في الآية: إيمانهم وإخلاصهم ~~الدعاء لله في الشدائد وينسون في الرخاء كما قال تعالى: {فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت:65] .الآية. # والآية تعم ذلك كله فهذه نصوص القرآن صريحة في أن المشركين يعترفون ~~بتوحيد الربوبية اعترافا جازما غير مترددين ولا متوقفين، بل يقرون بجملة من ~~صفات الرب سبحانه وتعالى ينكرها كثير من المسلمين المنحرفين كإقرارهم بصفة ~~العزة والعلم، ويقرون أيضا بعلوه فوق سمواته كما في حديث حصين بن المنذر ~~لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " كم إلها تعبد؟ قال: سبعة، ستة في ~~الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك PageV01P047 # ورهبتك؟ قال الذي في السماء" ms024 1 وكما في شعر أمية بن الصلت وغيره. # وأخبر الله عنهم أنهم ما أرادوا من آلهتهم إلا الشفاعة عند الله في أمور ~~دنياهم، وكذا من يعترف منهم بالآخرة، فإذا طلبوا من آلهتهم حاجة من حوائجهم ~~من رزق أو نصر على عدو ونحو ذلك لم يقولوا إن آلهتهم تحدث شيئا من مطلوبهم ~~من دون الله وتستقل بذلك، لم يقل هذا أحد منهم، وإنما كانوا يقولون إننا ~~إذا طلبنا حاجتنا من هذا الوجيه عند الله حصل مطلوبنا لوجاهته عند الله، ~~ولهذا يخلصون الدعاء لله في الشدائد وينسون الوسائط كما قال تعالى: {وتنسون ~~ما تشركون} [الأنعام:41] . # إذا تبين هذا فإذا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأموات ~~والغائبين بلفظ من ألفاظ الاستغاثة أو طلب منه حاجة بقول أغثني، أو أنقذني ~~من كذا، أو خذ بيدي، أوأقض حاجتي، أو أنت حسبي، أو أشكوا إليك حاجتي، أو ~~نحو ذلك، يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك فهذا شرك العرب الذين بعث ~~إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقول المستغيث خد بيدي، أو أنقذني، من أبلغ ألفاظ الاستغاثة فلو اعتقد ~~الداعي أن من دعاه وطلبه يقضي حاجته استقلالا من دون الله كان هذا شركا في ~~توحيد الربوبية والألوهية. # قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله سبحانه أن ~~PageV01P048 # الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره إن يفعل، أو دعائه إن يدعوا، ونحو ذلك لا ~~يحصل غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة، فأما ~~الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه ~~هذا الشرك، قال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون} [الأنعام:40-41] .وقال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل ~~من تدعون إلا إياه} [الإسراء: 67] .وقال: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أئله مع الله} [النمل:62] . وقال: {أم اتخذوا ms025 من ~~دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة ~~جميعا} [الزمر:43-44] . فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو ~~سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به. # قال رحمه الله: وجماع الأمر أن الشرك نوعان: # شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبير ما، كما قال تعالى: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} [سبأ:22] . فبين أنهم لا يملكون ~~مثقال ذرة استقلالا، ولا يشركون في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، فمن ~~لم 1 يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فقد انقطعت علاقته. # وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال ~~تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} فكما أن إثبات المخلوقات سببا لا يقدح في ~~توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعي ~~المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة 2 PageV01P049 # كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابا لا تقدح في توحيد ~~الألوهية، ولا تمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا توجب أن ~~تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط ذلك ويعاقب عليه، ~~ويكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في ألا نعبد ~~إلا إياه ولا نستعين إلا به. # قال: وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة ~~بدون إذنه كقوله سبحانه: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} . وقال: {وأنذر ~~به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم ~~يتقون} [الأنعام:51] . وقال: {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع} [الأنعام:70] . وقال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ms026 ~~أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام:94] . ~~وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان، وكذلك قوله: {ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة:4] . وقال: {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر:3] . ~~وقال: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر:43،44] . وسورة الزمر أصل عظيم في ~~هذا. # قال: والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل ~~الأصول. انتهى. # وما احتج به هذا الملحد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمتي أمتي ~~فيقال انطلق فأخرج من في قلبه كذا وكذا من إيمان" 1 وقوله: فما المانع من ~~إطلاق هذا اللفظ -يعني لفظ الإنقاذ- وطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم وهل ~~هذا الإخراج إلا PageV01P050 # الإنقاذ من عذاب الله. # فالعجب من هذا التمويه، فهل فعل هذا صلى الله عليه وسلم بنفسه أو بأمر ~~الله له بذلك؟! فالله سبحانه هو الذي أكرمه بهذه الشفاعة فهو صلى الله عليه ~~وسلم عبد مأمور لا يشفع إلا بإذن ربه فيمن أذن الله له أن يشفع فيه فقط، لا ~~يتجاسر أن يشفع في غير من أذن له فيه ربه. # ثم انظر قول هذا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حي كحاله في الدنيا هو ~~وجميع الخلائق فلا مانع في ذلك اليوم من أن يتسبب ويخرج وينقذ من الشدة ~~لأنه حي حاضر، والنبي وجميع الخلائق ذلك اليوم أحياء حاضرون لهم قدرة فيما ~~يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية. # قال: وعند هذا الرجل وأشياعه أن الحي الحاضر له قدرة بنفسه، فكيف ينكر ~~إنقاذ النبي أمته من العذاب ويجعله ممتنعا مع أن النبي حينئذ حاضر له قدرة ~~فيما يقدر عليه ذلك # اليوم، ويقدر على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، كما كان يرمي العدو ~~وهم ألوف بكف من تراب فيعميهم، ويروي الألوف العطاش ويشبعهم بقليل من الماء ms027 ~~والطعام. # فلينظر المنصف إلى تقرير هذا المبطل وجعله النبي بل وغيره يتصرفون في ذلك ~~اليوم كتصرفهم في الدنيا، وأنه صلى الله عليه وسلم يخرج وينقذ من الشدة، ~~ويقرر ذلك من هذا التقرير، وأنه صلى الله عليه وسلم يقدر على ذلك أي ~~الإنقاذ، وتعجبه ممن ينكر ذلك فقال وكيف ينكر إنقاذ النبي أمته من العذاب، ~~ويحتج علينا بأنا إذا قلنا إن للحي 1 الحاضر قدرة في الدنيا على التصرف ~~بالفعل بنفسه يقول 2 فيلزمكم أن تثبتوا ذلك في الآخرة لا فرق-ثم قال- ويقدر ~~على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، وقوله والنبي وجميع الخلائق ذلك ~~اليوم لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية، والمراد ~~بالأمور العادية الأشياء PageV01P051 # التي يفعلها الحي في العادة، والحسية الأفعال المشهودة بالعيان مثل إعطاء ~~بعضهم بعضا ومعاونة بعضهم لبعض وكذا جناية بعضهم على بعض، والعجب من هذا ~~الضال سوى في هذه الأمور بين الدنيا والآخرة ولم يجعل لإخباره سبحانه ~~بتفرده بالملك والأمر في ذلك اليوم فائدة ولا معنى، وأي محادة لله ورسوله ~~أكبر من هذا؟ ‍‍! وهذه نصوص الكتاب والسنة نذكر بعضها فيعرض المصنف كلام ~~هذا الرجل عليها. # قال تعالى: {مالك يوم الدين} قال ابن كثير: إنما أضيف الملك إلى يوم ~~الدين لأنه لا يدعي أحد هناك شيئا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه 1 {يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا} ~~[النبأ:38] . وقال: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود:105] . وقال: ~~{وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا} [طه:108] . وقال الضحاك عن ابن ~~عباس: {مالك يوم الدين} يقول لا يملك أحد في ذلك اليوم حكما كملكهم في ~~الدنيا –قال- ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم يدينهم بأعمالهم إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر إلا من عفي عنه –قال- وكذا قال غيره من الصحابة ~~والتابعين والسلف وهو ظاهر 2. # وقال البغوي: {مالك يوم الدين} إنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا ~~للأيام كلها، لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا ms028 أمر إلا له، قال تعالى: ~~{الملك يومئذ الحق للرحمان} [الفرقان:26] . وقال: {لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار} [غافر:16] . وقال {والأمر يومئذ لله} . انتهى. # وقال تعالى {وإلى الله ترجع الأمور} [فاطر:4] .وقال: {وإليه يرجع الأمر ~~كله} [هود:123] .وهذا معنى قوله {والأمر يومئذ لله} [الإنفطار:19] وقال ~~تعالى {قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور} PageV01P052 # [الأنعام:73] . وقال: {الملك يومئذ لله يحكم بينهم} [الحج:56] . وقال: ~~{الملك يومئذ الحق للرحمان} [الفرقان:26] . وقال: {واتقوا يوما لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا} [البقرة:48] . # قال البيضاوي في هذه الآية: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} قال: ~~وإيراده شيئا منكرا مع تتنكير النفسين 1 للتعميم والإقناط الكلي انتهى. # وما ذكره البيضاوي من أن النكرة في سياق النفي تعم مجمع عليه عند ~~البيانيين والأصوليين وعليه جميع المفسرين والفقهاء. # وقال تعالى: {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا} [لقمان:33] . وقال: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} ~~[الدخان:41] . وقال: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} [الإنفطار:19] . فنكر ~~النفسين وشيئا، وهذا من أبلغ صيغ العموم في النفي كما قال البيضاوي، فيعم ~~جميع الأنفس وكل ما يقع عليه اسم شيء، ثم أكد بقوله: {والأمر يومئذ لله} . # وقال ابن كثير: {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين} ~~[الإنفطار: 17،18] . تهويل لشأن ذلك اليوم ولهذا قال: {يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا} [الإنفطار:19] . أي لا ينفع أحد أحدا ولا يدفع أحد عن أحد شيئا ~~ولهذا قال: {والأمر يومئذ لله} كقوله: {الملك يومئذ الحق للرحمان} ~~[الفرقان:26] . وقوله: {لمن الملك اليوم} وكقوله: {مالك يوم الدين} قال ~~قتادة: {والأمر يومئذ لله} قال: والأمر والله لله اليوم ولكن لا ينازعه ~~يومئذ أحد ولا يصنع أحد شيئا إلا رب العالمين. # وقال الزمخشري: {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين} ~~[الإنفطار:17،18] . يعني أن أمر يوم الدين عظيم بحيث لا PageV01P053 # يدرك كنهه في الهول والشدة وكيفما تصورت فهو فوق ذلك وعلى أضعافه، ~~والتكرير لزيادة ms029 التهويل، ثم أجمل القول عن وصفه فقال: {يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا} أي لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه ولا أمر إلا الله ~~وحده 1. # وفي تفسير الجلالين: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} من المنفعة {والأمر ~~يومئذ لله} # لا أمر لغيره معه أي لم يمكن أحدا من التوسط فيه 2 بخلال الدنيا 3. # وقول المعترض: إن البغوي قال في قوله تعالى: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} ~~إن هذا في النفس الكافرة. # وكذب في نسبة ذلك إلى البغوي، فإن البغوي حكى ذلك عن مقاتل، فيحتمل أن ~~مقاتلا خص بعض ما تناولته الآية لمعنى ما، والظاهر أن مراده أن غير الكافر ~~يشفع فيه الشافعون ويرى 4 أن من أذن له في الشفاعة يملك ما أذن له فيه كما ~~قال بعض المفسرين في قوله سبحانه: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمان عهدا} [مريم:87] . وقوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف:86] بناء على أن الاستثناء في ~~الآيتين متصل، وأن من أذن له في الشفاعة يصدق عليه أنه ملك الشفاعة فيمن ~~أذن له فيه فقط، والشفاعة المأذون فيها هي من الأمر 5 الذي اختص الله به ~~سبحانه في قوله: {والأمر يومئذ لله} والألف واللام في الأمر تفيد العموم ~~عند الجميع كقوله: {وإليه يرجع الأمر كله} PageV01P054 # {وإلى الله ترجع الأمور} 1 فهو سبحانه الآمر والآذن فله الأمر كله وله ~~الملك كله. {قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} {يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه} {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمان وقال صوابا} [النبأ:38] . والعموم في قوله سبحانه وتعالى: {يوم ~~لا تملك نفس لنفس شيئا} [الإنفطار:19] .كالعموم في نظائرها من الآيات التي ~~قدمنا ذكرها كقوله: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} {2} وقوله: {لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} [لقمان:33] .وما رأينا ~~أحدا من المفسرين قال في هذه الآيات ms030 بالخصوص بل قرروا عمومها على مقتضاه، ~~ولم يقل أحد منهم في شيء منها إنه مختص بالكفار سوى ماذكره البغوي عن مقاتل ~~في قوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} وليس هو بالصواب وهو مخالف لما عليه ~~المفسرون وأهل العربية والأصوليون {3} والفقهاء في قولهم بعموم النكرة في ~~سياق النفي، فمن له نظر في كتب الجميع وجد ذلك صريحا. # قال في شرح مختصر التحرير: ومن صيغ العموم نكرة في نفي، صرح به أهل ~~العربية. وكذا قال العراقي في شرح جمع الجوامع إن النكرة في سياق النفي تعم ~~ولم يذكر خلافا، وهذا يفهمه كل أحد من مثل قوله تعالى {ولا يظلمون نقيرا} . ~~{ولا يظلمون فتيلا} {لا تخفى منكم خافية} {إن الله لا يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء} . {فلا يخاف ظلما ولا هضما} . فمن سمع هذه الآيات ~~ونحوها لم يشك في عمومها، كيف وفي قوله سبحانه وتعالى: {يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا} زيادة تأكيد للنفي لأنه نكر النفسين PageV01P055 # وشيئا فهو كما قال البيضاوي في قوله: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} إذ قال: ~~وإيراده شيئا منكرا مع تنكير النفسين 1 للتعميم والإقناط الكلي. ولا ريب أن ~~الشفاعة الحاصلة بإذنه سبحانه وتعالى ليست داخلة تحت النفي حتى يقال إن هذا ~~مخصوص بالكافرة، وإنما المنفي نفع أحد أحدا بشفاعة أو غيرها بدون إذنه ~~سبحانه كما قال قتادة: وليس أحد يصنع يومئذ شيئا إلا رب العالمين. ومما ~~يوضح خطأ من خص الآية بالكافرة ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من ~~الله شيئا إلى أن قال: يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك ~~من الله شيئا" 2. وفي واية الترمذي لحديث أبي هريرة: "يامعشر قريش أنقذوا ~~أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا إلى أن قال: يافاطمة بنت ~~محمد ms031 أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا، إن لك رحما سأبلها ~~ببلالها" 3. وفي صحيح سلم من طريق آخر عن أبي هريرة قال: "لما نزلت {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص فقال: ~~"يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من ~~النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا انفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي ~~نفسك من النار فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ~~ببلالها" 4، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نزلت وأنذر ~~عشيرتك الأقربين PageV01P056 # قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت ~~عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما ~~شئت م"1، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني ~~فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة ~~على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من ~~الله شيئا قد بلغتك" 2 الحديث. # فأخبر الصادق المصدوق أنه لا يملك لابنته سيدة نساء الأمة وعمه وعمته ~~والمهاجرين والأنصار من الله شيئا ولا يغني عنهم من الله شيئا، فهذه ~~الأحاديث ونحوها شاهدة للعموم في قوله سبحانه وتعالى: {يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا} مع أن الآية صريحة في ذلك، فهذه الأحاديث تزيد الواضح وضوحا ~~ولله الحمد، مع أن قول مقاتل ليس فيه حجة لهذا المبطل لأننا نقطع أن مقاتلا ~~لم يرد أن أحدا يفعل في ذلك شيئا من دون الله سبحانه، أو أن أحدا يشفع عنده ~~بغير إذنه، وإنما أراد نفي الشفاعة في الكافر. ms032 # وليتأمل المنصف ما ذكرنا من الآيات والأحاديث المصرحة بتفرد الله سبحانه ~~بالملك والأمر في ذلك اليوم، وأنه لا حاكم ولا متصرف هناك سواه سبحانه، ~~ويعرض قول هذا الملحد المشرك بين الله وبين رسوله، بل وغير الرسول في ~~التصرف والأمر في ذلك اليوم العظيم # بقوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقدر PageV01P057 # على إنقاذ أمته من العذاب في ذلك اليوم، وإنه يقدر على ما كان يقدر عليه ~~في الدنيا، وإنه يتصرف في ذلك اليوم هو وغيره كما كانوا في الدنيا، فيعرض ~~كلامه هذا على ما ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله ليتبين الهدى لمن أراد ~~الله هداه. # قال المعترض: وصاحب البردة يخبر أنه إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في معادي آخذا بيدي وإلا فقل يا زلة القدم. # فيقال له قول صاحب البردة وقولك ليس إخبارا بل هو استغاثة 1 بل من أبلغ ~~ألفاظ الاستغاثة، كقول الأبوين {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين} [الأعراف:23] . وقول نوح: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين} [هود:47] . وقول بني إسرائيل: {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين} [الأعراف:149] . أترى أن الأبوين وجميع المذكورين ~~يخبرون الله بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون وأن هذا منهم مجرد ~~إخبار، بل كل أحد يعرف أن هؤلاء الذين أخبر الله عنهم بهذا الكلام يسألون ~~الله ويرغبون إليه في أن يغفر لهم ويرحمهم ومعترفون بأنه إن لم يغفر لهم ~~ويرحمهم فهم خاسرون وهذا الجاهل لا يفرق 2 بين نوعي الكلام من الإنشاء ~~والخبر. # فالكلام عند علماء البيان نوعان: خبر وإنشاء، فالخبر ما احتمل الصدق ~~والكذب، أي ما احتمل أن يكون قائله صادقا ويحتمل أن يكون كاذبا كقوله: جاء ~~زيد وقدم عمرو، فهذا قول يحتمل أن يكون صدقا وأن يكون كذبا، فهذا تعريف ~~الخبر، وما سواه يسمى إنشاء. # وأما قول صاحب البردة وقول المشطر: # يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به # سواك 000000000000000 PageV01P058 # إلى قولهما: # إن لم تكن في معادي ms033 آخذا بيدي # ومنقذي من عذاب الله والألم ### | ........................ # فضلا 1 فقل يا زلة القدم # أي وإن لم تأخذ بيدي وتنقذني من عذاب الله فقل يا زلة القدم. أي فأنا ~~خاسر # أو هالك، فهو كقول الأبوين: {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} [الأعراف:23] . وقول نوح: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين} [هود:47] . وقول بني إسرائيل: {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين} [الأعراف:149] . # ثم أورد المعترض أشياء يستدل بها لقوله: ومنقذي من عذاب الله والألم. # وليس فيها ما يستأنس له به فضلا عن أن يكون حجة، وإنما أراد الإكثار من ~~الكلام إيهاما للطغام. # وقد قدمنا جملة من شبهه حقيقتها نسبة المسبب إلى سببه منها قوله: {فوكزه ~~موسى فقضى عليه} [القصص:15] . قال: مع أن القضاء من الله، يعني أن القضاء ~~في هذا الموضع هو فعل الرب سبحانه الذي بمعنى التقدير كما يقال قضى الله ~~كذا أي قدر كذا، وقد أخطأ في معنى هذه الكلمة، وإنما المراد بالقضاء في ~~قوله {فقضى عليه} القتل الذي هو فعل موسى لا فعل الرب، يقول فوكزه موسى ~~فقضى عليه أي قتله. هذا هو المراد عند جميع المفسرين، تقول العرب: قضى فلان ~~على فلان إذا قتله، ويقال قضى فلان أي مات. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "وأنا آخذ بحجزكم عن النار" 2 المراد تحذيرهم ~~عن الأعمال التي توجب غضب الرب وتورد النار. PageV01P059 # وقوله: إن الله نسب إخراج الكفار من النور إلى الظلمات إلى الطاغوت وهي ~~الأصنام. # فأخطأ في قوله إن المراد بالطاغوت هنا الأصنام، وأكثر المفسرين يقولون ~~المراد بالطاغوت هنا الشياطين، وقيل المراد كعب بن الأشرف وأشباهه من علماء ~~اليهود، ولم نر من فسر الطاغوت هنا بالأصنام، ولهذا قال: {يخرجونهم} فأتى ~~بضمير العقلاء. # فلو ذهبنا نتتبع خطأه وتخبيطه في نحو ذلك لطال الكلام. # وذكر قول الشاعر: منع البقاء تقلب الشمس. وقولهم: أنبت الربيع البقل. # ومن استدل بنحو ذلك على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره ~~من الأموات والغائبين بطلب الحاجات منهم، ثم ms034 طلب الإنقاذ من عذاب يوم ~~القيامة وشدائده فقد أتى بما ينكره العامي السليم الفطرة ولكن الهوي يعمي ~~ويصم. # ونحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها ولكن الله سبحانه هو خالق ~~الأسباب والمسببات ولا يلزم من ذلك أن نعتمد على الأسباب فضلا عن أن نسألها ~~ونرغب إليها وهي # مخلوقة، بل يتعين على العباد أن يعتمدوا على خالق الأسباب ويرغبوا إليه ~~ويستعينوا به ويعبدوه وحده {إياك نعبد وإياك نستعين} . # وقال شيخ الإسلام تقي الدين في أثناء كلام له: إن إثبات المخلوقات أسبابا ~~لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء ولا يوجب أن ~~يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة. انتهى، وقد تقدم. # وهذا المبطل يقول إذا كان الله قد جعل النبي سببا للإنقاذ من النار من ~~أراد الله هدايته جاز أن يطلب الإنقاذ من النار منه صلى الله عليه وسلم ~~فطرد هذا الأصل الباطل أن يجوز ذلك في جميع الأسباب، وقد قال الله تعالى: ~~{الله الذي يرسل # PageV01P060 # الرياح فتثير سحابا} [الروم:48] . فيلزمه أن يجوز للناس أن يطلبوا من ~~الريح أن تثير 1 لهم سحابا ماطرا، وقال تعالى في حق نبيه: {كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم:1] . والمراد بالظلمات ~~ظلمات الجهل والكفر والشك إلى نور العلم والإيمان، فيجوز على أصل هذا أن ~~يقال: يا رسول الله أخرجنا من الظلمات إلى النور، وهذا حقيقة هداية الصراط ~~المستقيم فيقال: يا رسول الله اهدنا الصراط المستقيم، وهذا لازم لهذا ~~المبطل على أصله الباطل لا محيد له عنه ولا أستبعد التزامه ذلك لجهله ~~وعناده، وقد قال الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص:56] . # قوله: وقد ورد نسبة الإنقاذ إلى المعاني من الأعمال.. إلى آخر كلامه. # هذا مما احتج به لقوله: ومنقذي من عذاب الله والألم، فانظر هذا القياس ~~الفاسد وجعله هذا من باب أولى، وقياسه هذا أقبح من قياس الذين قالوا إنما ~~البيع مثل الربا، لو أنه ساوى بين الأمرين فكيف وهو يقول هذا من باب ms035 أولى. # فكذب على الله وعلى رسوله في زعمه إن ذوات المخلوقين تنقذ من عذاب الله ~~كما تنقذ الأعمال الصالحة بل هي أولى في زعمه. # ومراده طلب الإنقاذ من المخلوقين لأنه أراد بذلك الاحتجاج لطلبه الإنقاذ ~~من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ومنقذي من عذاب الله والألم، ويقوله إن ~~الله أمر بطلب الحاجات من الأموات والغائبين، وهذا من الكذب على الله، وشرع ~~دين لم يأذن به الله حيث زعم أن الله يحب من عباده أن يطلبوا من غيره أن ~~ينقذهم من عذابه، وأنه يحب من المؤمنين طلب الحاجات من الأموات والغائبين ~~{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى:21] . وقال ~~تعالى: {قل قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا PageV01P061 # تعلمون} [الأعراف:33] . والله سبحانه جعل دخول الجنة والنجاة من النار ~~معلقا على الأعمال الصالحة، لا على الالتجاء إلى المخلوقين والاستغاثة بهم ~~والتوسل بذواتهم، قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن} [الصف:10-12] الآيتين 1. # فعلق سبحانه النجاة من عذابه ومغفرة ذنوبهم ودخولهم الجنة والنصر على ~~الأعداء على الإيمان بالله وبرسوله والجهاد في سبيله. # وقال: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} [البقرة:25] . وقال: {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا} [الكهف:2،3] # وقال: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر] . # كما جعل سبحانه اتباع رسوله سببا لمحبته ومغفرة الذنوب والفلاح في الدنيا ~~والآخرة، # قال سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} [آل عمران31] . وقال: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ms036 ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف:157] . # وهذا المفتري على الله الكذب يزعم أن التقرب إلى الله بذوات المخلوقين ~~أولى من التقرب إليه بالأعمال الصالحة وبإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. # فيا سبحان الله كيف يروج تمويه هذا على من يسمع هذه الآيات ونحوها مما لا ~~يحصى من آي القرآن، وعلى من يسمع قول الله سبحانه {مالك يوم الدين} {يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} . {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} ~~ونحو هذه الآيات مع قول النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P062 # لابنته وعمته والمهاجرين والأنصار: " لا أغني عنكم من الله شيئا، لا أملك ~~لكم من الله شيئا" 1 ويؤكد ذلك بحلفه لابنته وعمته أنه لا يغني عنهم من ~~الله شيئا. # وقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا} ~~[الحن:21،22] . أي لا اجد من التجىء إليه واعتمد عليه، وصاحب البردة يقول ~~فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا. يعني أنا في ذمته وجواره لموافقة اسمي اسمه، ~~وهذا يقتضي أن كل من سمى محمدا فهو في ذمته صلى الله عليه وسلم، وقوله في ~~الهمزية الأمان الأمان، أي أسألك الأمان، فأكده تأكيدا لفظيا، فهو يطلب من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمنه ويجيره من عذاب الله، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم:" لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا ولا انت يا رسول ~~الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" 2، وكان أكثر دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار" 3، ومن دعائه صلى الله عليه وسلم:" رب قني عذابك يوم ~~تبعث أو تجمع عبادك" 4،وفي دعاء الخروج إلى الصلاة " أسألك أن تنقذني من ~~النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" 5. PageV01P063 # فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله ms037 أن يقيه عذابه وعذاب النار ويسأله ~~أن ينقذه من النار وهذا يطلب الإنقاذ من النبي صلى الله عليه وسلم. ما ~~أعظمه من ضلال. # وفي بعض أدعيته صلى الله عليه وسلم:" أسألك الفوز بالجنة والنجاة من ~~النار" 1. # وقال للذي قال لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ "إني أسأل الله الجنة وأعوذ ~~به من النار حولها ندندن" 2. ومن دعائه صلى الله عليه وسلم:" لا ملجأ ولا ~~منجا منك إلا # إليك" 3. "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ~~ثناء عليك" 4. # فالتجأ إلى الله منه واستعاذ به منه. وصاحب البردة والمشطر التجيا إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من عذاب الله، وعاذا به منه وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للذي # قال: اللهم إني أتوب إليك لا إلى محمد "عرف الحق لأهله" 5. # وزعم هذا المتخبط أن الشفاعة نوعان: أحدهما الأخذ باليد والإنقاذ. # والثاني معنى قولي أو 6 شافعا لي 7 باستغفاره. فالأولى شفاعة فعلية بأن ~~PageV01P064 # يخرجه من العذاب بعد وقوعه فيه. والثانية شفاعة قولية بأن يحال بين ~~المذنب وبين المؤاخذة 1انتهى. # فانظر إلى هذا التقسيم الباطل، وهل يعقل الناس شفاعة إلا بالكلام من ~~الشافع كما في حديث الشفاعة الطويل: "حتى استأذن على ربي فإذا رأيته وقعت ~~له أو خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله ثم يقال ارفع محمد، قل يسمع ~~واشفع تشفع وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي ~~حدا فأدخلهم الجنة" 2. وذكر الثانية كذلك والثالثة والرابعة. # وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إخراج ناس من النار يقال له ~~انطلق فأخرج # من قلبه كذا من إيمان. # فالعجب من ترويج هذا المبطل وهل يسمى الفعل المجرد عن القول شفاعة عند ~~عالم أو جاهل؟! إنما الشفاعة بالكلام وقبولها بالفعل من الشافع فيما أذن له ~~فيه، فإدخاله صلى الله عليه وسلم الجنة من أمره الله بإدخاله وإخراجه من ~~النار من أمره بإخراجه هذا حقيقة قبول الشفاعة، لا أن ذلك شفاعة أخرى. # وهل يوجد في ms038 حديث أنه صلى الله عليه وسلم أدخل أحدا الجنة أو أخرج أحدا ~~من النار بغير أمر الله؟ وهذا أمر واضح ما يحتاج إلى توضيح لكن ربما يحصل ~~بكلامه تشبيه على الجاهل فلو ذهبنا نتتبع ما في كلامه من الركاكة والتناقض ~~والعيب لاحتمل مجلدا. # من ذلك قوله على قوله في القصيدة: أو شافعا لي مما قد جنيت: فمراد إخباره ~~عن نوع آخر من الشفاعة وهو كونه شافعا لي باستغفاره أو بدعائه لا بفعله، ~~فيشفع لي شفاعة ثانية مما جنيت من الذنوب فلا يؤاخذني بها فلا أرى العذاب ~~بالكلية أو يزيد في درجاتي. PageV01P065 # ثم قال بعد ذلك: وقولي ثانيا أو شافعا لي مما قد جنيت غدا فهي شفاعة أخرى ~~غير شفاعة الإنقاذ بالاستغفار للذنب، قال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات} [محمد: 19] . وقال: {أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء:64] . فالأولى شفاعة ~~فعلية بأن ينقذه من العذاب بعد وقوعه فيه، والثانية شفاعة قولية بأن يحال ~~بين المذنب وبين المؤاخذة -قال- وهذا ظاهر. انتهى. # أقول بل كله كلام باطل متناقض، من ذلك كونه جعل قوله في خطابه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعا لي إخبارا فهذا باطل، ~~بل هو استغاثة به صلى الله عليه وسلم لا خبر وقد قدمنا -عند قوله فيما ~~تقدم: وصاحب البردة يخبر أنه إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم آخذا بيده ~~وإلا فقل يا زلة القدم- إيضاح ذلك ولكن لو سلم أنه خبر مع استحالة كونه ~~خبرا فهو إخبار منه للنبي صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب معه فهو يخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يشفع له شفاعتين قولية وفعلية، # فهو يخبر النبي بما لا يعلمه لأنه لو كان يعلم ذلك لم يحتج إلى إخباره له ~~بذلك. # وحقيقة كلامه إذا جعله خبرا أنه يقول أنت يار سول الله تشفع لي شفاعتين ~~فعلية وقولية. فهل يوجد كلام أسمج من هذا الكلام؟! مع تضمنه الكذب على الله ms039 ~~وعلى رسوله وتزكية نفسه بحصول شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له، فهو ~~والحالة هذه شاهد لنفسه بأنه من أهل الجنة، وجعله الشفاعة الأولى بأن ينقذه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من العذاب بعد وقوعه فيه، والشفاعة الثانية ~~استغفار النبي صلى الله عليه وسلم له ما أعجب هذا!! # هل في الآخرة توبة واستغفار؟! وإنما الواقع من الأنبياء وغيرهم الشفاعة، ~~ولم يأت أهل الموقف إلى الأنبياء يقولون استغفروا لنا بل بقولون اشفعوا ~~لنا. # وأيضا إذا حصلت لهذا الشفاعة الفعلية بزعمه، وهي الإنقاذ من العذاب فقد ~~سلم من المؤاخذة بذنبه فلا يحتاج أن يشفع له ثانيا بأن لا يؤاخذ # PageV01P066 # بذنبه، ومن له أدنى نظر تبين له فساد كلامه وتناقضه في أكثر المواضع من ~~تسو يده هذا. والله الهادي إلى سواء السبيل. # وذكر المعترض أني استدللت بقول الله سبحانه: {أفأنت تنقذ من في النار} ~~ولا أذكر ذلك ولا وجدته في المسودة عندي، ولا شك أن معنى الآية أن من كتبه ~~الله شقيا لا تنقذه مما هو قيه من الضلالة لأن من يهده الله فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادي له، # هذا مع أني أقول الاستدلال بعموم الآية على ما نحن فيه سائغ ومازال ~~العلماء يستدلون بآيات نزلت في أمور خاصة على ما يتناوله اللفظ بعمومه، ~~والعبرة عند العلماء بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لا سيما والمستدل بهذه ~~الآية عليه ثابت حكمه بنصوص آيات وأحاديث كقوله سبحانه: "مالك يوم الدين} ~~"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} وكقوله صلى الله عليه وسلم ~~لسيدة نساء الأمة ولقرابته: "أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من ~~الله شيئا". وقوله للمهاجرين والأنصار: "لا أملك لكم من الله شيئا" 1 ومعنى ~~لا أملك لكم من الله شيئا: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا كما في رواية الترمذي ~~للحديث. # قال البغدادي: وهذا الرجل ينكر نسبة الإنقاذ من النار بالفعل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويذكر الأحاديث التي فيها نسبة الإنقاذ من النار ~~إلى ms040 قريش ولا يدري أنها رادة عليه مدعاه الذي يدعيه، إذ يقال كيف نفى الله ~~الإنقاذ عن نبيه ويثبته لأقاربه من قريش بقوله: "أنقذوا أنفسكم من النار"؟ ~~فإنه نسب الإنقاذ من النار لهم. فإن قلت أراد أنكم تتسببون في إنقاذ أنفسكم ~~بالإسلام. قلنا وكذلك إطلاق كلامنا ككلامه فإن مرادنا بقولنا: ومنقذي من ~~عذاب الله والألم أي متسببا في إنقاذي أو منقذي بفعله. انتهى. # فانظر إلى هذا الكلام الباطل والقياس الفاسد، يقول كيف ينفي PageV01P067 # الإنقاذ عن نبيه ويثبته لأقاربه من قريش، وقوله وإطلاق كلامنا ككلامه ### | .... # الخ. # قلنا: أما الاتفاق في الحروف فنعم وأما في المعنى فبين الكلامين من ~~التباين ما لا نهاية له، # فالعجب من هذا التلبيس الذي لا يخفى على العامي السليم الفطرة. # ويقال له أيضا كذبت في قولك كلامنا ككلامه، فهو صلى الله عليه وسلم يقول ~~أنقذوا أنفسكم من النار بطاعة الله ورسوله فهذا السبب الذي أمرهم به صلى ~~الله عليه وسلم في دار العمل، وأنت تطلب الإنقاذ من النار من النبي صلى ~~الله عليه وسلم في دار الجزاء، فسببك الذي تعتمد عليه الشرك وهو الاستغاثة ~~به صلى الله عليه وسلم لينقذك من عذاب الله يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله، والسبب الذي أمر به صلى الله عليه وسلم التوحيد ولزوم ~~طاعة الله ورسوله، فالسبب الذي أمر به صلى الله عليه وسلم يوصل إلى رضى ~~الله والجنة والسبب الذي تدلي به يبعد عن الله غاية الإبعاد وهل قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لابنته وعمه وعمته والمهاجرين والأنصار أنا أنقذكم من ~~عذاب الله أو أتسبب في إنقاذكم فلا تخافوا، فلو كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيء من هذا الأمر ذلك اليوم لكان هؤلاء أحق من غيرهم. # وقوله كيف ينفي الإنقاذ عن نبيه ويثبته لقريش. # قلنا: لم ننف الإنقاذ عنه صلى الله عليه وسلم، بل هو الذي نفاه عن نفسه ~~بقوله: " لا أملك لكم من الله شيئا". "لا أغني عنكم من الله شيئا " ~~فالإنقاذ الذي أمرهم به ms041 غير الإنقاذ الذي نفاه عن نفسه. # قال المعترض: وأما استدلاله بقوله سبحانه عن صاحب يس: {أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردني الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذوني} [يس:23] . ~~فإن هذا في الأصنام التي اتخذها الكفار آلهة وأربابا من دون الله – قال - ~~فهل يستدل من له أدنى تمييز على عدم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنقاذه لأمته بمثل هذا الدليل الباطل الذي ساوى فيه الأصنام بسيد الأنام # PageV01P068 # بعدما أخبر الله عنه بقوله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى:5] . قال: ~~وظاهر كلام هذا الرجل إنكار الشفاعة بالكلية لقوله وهذا نص في أن من أراده ~~الله بضر فلا منقذ له ولا شفيع – قال - ومعلوم أن من استوجب العذاب من ~~المسلمين أو دخل فيه وشفع فيه الأنبياء أو الملائكة أو المؤمنون لا شك أن ~~الله أراده بضر ونفعه 1 شفاعة الشافعين، فكيف يجوز لمسلم إنكار الشفاعة وهو ~~يدعي أنه من أهل السنة والجماعة ويستدل عليها بآية الأصنام المتخذة أربابا. ~~انتهى. # قوله: إن هذه الآية أعني آية يس في الأصنام خاصة فهو كاذب ضال في قوله ~~هذا، بل الآية عامة في كل ما عبد من دون الله، لأن من أراده الله بضر لم ~~يغن عنه معبوده شيئا سواء كان معبوده ملكا أو نبيا أو غيرهما فلا يكشف عنه ~~ضرا أراده الله به ولا يجلب له نفعا، وأتى سبحانه في الآية بضمير العقلاء ~~بالواو والميم فهي عامة في كل معبود من دون الله سواء كان عاقلا أم جمادا، ~~يوضح ذلك قوله {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا} [الإسراء:56] . قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما هم الملائكة والمسيح ~~وأمه وعزير. وقال ابن مسعود نزلت في أناس يعبدون ناسا من الجن فأخبر سبحانه ~~أن هؤلاء لا يملكون كشف الضر عمن عبدهم ولا تحويلا من موضع إلى موضع. وقال ~~تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} [الأنعام:17] . وهذا ~~المعترض يقول هذه الآية آية يس فيمن عبد الأصنام، ms042 ومقتضى كلامه أن من عبد ~~غير الأصنام أن معبوده ينفعه بشفاعة وغيرها، ومن المعلوم بالسنة المتواترة ~~وإجماع أهل السنة بل الأمة أن من مات مشركا لا شفيع له، وأخبر سيد الشفعاء ~~صلوات الله وسلامه عليه أن شفاعته لمن مات لا يشرك بالله شيئا، فمن عبد غير ~~الله من ملك أو نبي أو صالح أو صنم أو غير ذلك فإنه لا يشفع فيه شافع ~~PageV01P069 # ولا يدفع عنه دافع قال الله تعالى {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} ~~[غافر:18] . وقال: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر:48] . وقال {وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى} [النجم:26] . {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ~~[الأنبياء:28] . وانظر إلى إنكار هذا المعترض قولنا إن من أراده الله بضر ~~فلا منقذ له ولا شفيع كما هو نص الآية بقوله ظاهر كلام هذا الرجل إنكار ~~الشفاعة بالكلية لقوله وهذا نص في أن من أراده الله بضر فلا منقذ له ولا ~~شفيع فيا عجبا من جرأة هذا، وهل قلت من عند نفسي إن من أراده الله بضر فلا ~~شفيع له ولا منقذ، أو هذا قول الله سبحانه وتعالى لا قول غيره؟! وزعم أن ~~استدلالنا بالآية إنكار منا للشفاعة وهو يعلم أننا لا ننكر الشفاعة الواقعة ~~بإذن الله، وإنما ننكر الشفاعة الشركية التي يثبتها هو وأشباهه. # قوله: وهل يستدل من له أدنى عقل على عدم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنقاذه لأمته بمثل هذا الدليل الباطل. # فوصف الخبيث كلام الله بالبطلان مما يبين جهل هذا وفجوره، فلو قال ~~الاستدلال الباطل لكان أخف إثما لأن وصف الدليل بالبطلان كفر صريح لأن ~~القرآن هو الدليل، قال الإمام أحمد: الدال الله والدليل القرآن والمبين ~~الرسول، والمستدل أولو العلم، هذه قواعد الإسلام. والمقصود بذكر كلام ~~الإمام أحمد بيان أن الذي يوصف بالدليل هو القرآن، فقول المعترض مثل هذا ~~الدليل الباطل وصف للقرآن بالبطلان. # وانظر قوله: ومعلوم أن من استوجب العذاب ms043 أو دخل فيه وشفع فيه الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم لا شك أن الله أراده بضر ونفعه شفاعة الشافعين. # فصريح كلامه هذا تكذيب لصاحب يس - الذي صدقه الله فيه، ويشهد له من نصوص ~~القرآن ما لا يحصى إلا بكلفة - في قوله: {إن يردني الرحمان بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذوني} [يس: 23] . فيقال # PageV01P070 # لهذا المتخرص: إنما تكون الشفاعة لمن أراد الله رحمته وإن كان قد عذبه ~~قبل ذلك، فإذا أراد الله سبحانه رحمة إنسان قد استجوب العذاب أو قد دخل ~~النار أخرجه منها برحمته، أو أذن لمن يشاء من عباده أن يشفع فيه كما في بعض ~~أحاديث الشفاعة "أن الله سبحانه إذا أراد رحمة من شاء ممن في النار أذن في ~~الشفاعة فيه} 1 وأما من أراد الله ضره في الآخرة أو في الدنيا فلا منقذ له ~~ولا شفيع، قال الله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} ~~[الأنعام: 17] . # وقوله: لا شك أن الله أراد بضر ونفعه شفاعة الشافعين. # فنقول لا شك في بطلان هذا الكلام، بل هو كفر، لأن حقيقة كلامه هذا أن ~~شفاعة الشافعين منعت من نفوذ إرادة الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # قال المعترض: وأما استدلاله بقول الله سبحانه وتعالى: {ليس لك من الأمر ~~شيء} [آل عمران 128] . فيقال هذه نازلة في أناس مخصوصين من الكفار آذوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم بالهلاك وكان علم الله فيهم من يؤمن ~~فقال: {ليس لك من الأمر شيء} فهذه الآية في أناس مخصوصين، ونحن كلامنا في ~~نفع النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالشفاعة فقد أخبره الله بقوله: {ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى} وأنزل له جبريل يقول الله2 {نرضيك في أمتك ولا نسوءك} 3 ~~ولم يقل هنا ليس لك من الأمر شيء. انتهى. # يزعم المعترض أن قوله سبحانه: {ليس لك من الأمر شيء} في أناس مخصوصين، ~~ونحن كلامنا في نفع النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالشفاعة وقد أخبره ~~بقوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ولم يقل ms044 هنا ليس لك من الأمر شيء. ~~PageV01P071 # فيقال وهل في قوله سبحانه: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} معارضة لقوله: {ليس ~~لك من الأمر شيء} فالأمر كله له وحده ووعد نبيه أنه سيرضيه، وقوله إن الآية ~~في أناس مخصوصين، مراده أن حكمها لا يتعداهم، ليس مراده أنهم سبب النزول ~~فهو يقول إن غير هؤلاء المخصوصين للنبي من أمرهم شيء، فيكون شريكا لله في ~~أمر غير هؤلاء المخصوصين، ولهذا احتج بقوله سبحانه: {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى} قال: ولم يقل هنا ليس لك من الأمر شيء. فجعل قوله سبحانه: {ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى} معارضا لقوله: {ليس لك من الأمر شيء} لأنه عارض هذه الآية ~~بتلك الآية وضرب كلام الله ورسوله بعضه ببعض، مع أنه ليس بين الآيتين ما ~~يوهم التعارض فالذي له الأمر كله وعد نبيه أن يعطيه فيرضى، وإنما مراده ~~بإيراد الآية التلبيس والإيهام للجهال، والله سبحانه لم يقل ليس لك من أمر ~~هؤلاء المخصوصين شيء وإنما قال: {ليس لك من الأمر شيء} والألف واللام تفيذ ~~العموم عند الأصوليين، وقال تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} وقال تعالى: ~~{قل إن الأمر كله لله} وقال: {بل لله الأمر جميعا} . # قال ابن كثير على قول سبحانه: {ليس لك من الأمر شيء} بعد الكلام على أول ~~الآية قال: ثم اعترض بجملة دالة على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا ~~شريك له فقال: # {ليس لك من الأمر شيء} بل الأمر كله لي كما قال تعالى1: {فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب} وقال: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} قال ~~محمد بن إسحاق: ليس لك من الأمر شيء} أي ليس لك شيء من الحكم في عبادي إلا ~~ما أمرتك به فيهم. انتهى. # قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} أورد ابن جرير عند تفسير هذه ~~PageV01P072 # الآية حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: من زعم أن الله ~~جعل للعباد شيئا من الأمر فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: {ألا ~~له الخلق والأمر} ms045 فله سبحانه الأمر كله وله الملك كله والحمد كله وإليه ~~يرجع الأمر كله، فالأمر كله له سبحانه في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم ~~القيامة في نحو قوله تعالى: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} ~~[الانفطار 19] . لتفرده سبحانه في ذلك اليوم بالتصرف والحكم والتدبير، فليس ~~لأحد معه في ذلك اليوم تصرف ولا تدبير ولا أمر ولا نهي، بخلاف الحال في ~~الدنيا فإن الله سبحانه ملك أهلها ما خولهم فيها، فهم يتصرفون فيما أعطاهم ~~بحسب اختيارهم مع كون الملك والأمر في الحقيقة لله وحده في الدنيا والآخرة ~~وقد قال الله سبحانه لنبيه لما قال في شأن عمه أبي طالب: {لأستغفر ن لك ما ~~لم أنه عنك} 1 {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة:113] .وقال في ~~شأن المنافقين: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم} [التوبة 80] . وقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره} [التوبة 84] . # قال المعترض: وأما استدلاله بقوله لقرابته وبضعته "لا أغني عنكم من الله ~~شيئا" معناه: إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله لا أغني عنكم من الله شيئا بدليل ~~قوله: "أنقذوا أنفسكم من النار" 2. يعني بالإسلام - قال - وفي بعض روايات ~~الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم دعا قريشا فاجتمعوا وقال: "يا بني كعب ~~أنقذوا أنفسكم من النار - إلى أن قال - فإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ~~ولا PageV01P073 # من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله". انتهى. # هذه الجملة من قوله: "لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا ~~إلا أن تقولوا لا إله إلا الله" كل هذه الجملة التي عزاها للصحيحين كذب ~~وافتراء منه، ليس في الصحيحين منها حرف واحد، ما أجرأ هذا على الكذب على ~~الله ورسوله وعلى # العلماء، ثم المعارضة لكلام الله وكلام رسوله في مواضع من أوراقه هذه، ثم ~~العجب ممن تلقى ذلك ms046 كله بالقبول ولم يفطنوا لشيء من فضائحه، فيا أسفى من ~~غلبة الجهل واستيلاء الهوى وعمى التقليد على أكثر النفوس، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون. # ثم كيف يقول إلا أن تقولوا لا إله إلا الله وهو يقول لابنته وعمته ~~والمهاجرين والأنصار: # "لا أغني عنكم من الله شيئا" " لا أملك لكم من الله شيئا" أليس هؤلاء هم ~~أهل لا إله إلا الله الذين هم أحق بها وأهلها، قال الله تعالى في حقهم: ~~{وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} وقد قال تعالى في حق نبيه صلى ~~الله عليه وسلم: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} . [أي لا ~~أملك لنفسي جلب نفع ولا دفع ضرا إلا ما شاء الله] 1 ربي من النفع لي ودفع ~~الضر عني {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} ومن المعلوم يقينا أن من أراد ~~الله به سوءا من أهل التوحيد أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره لا يملكون ~~دفعه عنه كحال أهل الكبائر من أهل لا إله إلا الله الذين يعذبون في النار ~~حتى تدركهم رحمة أرحم الراحمين فيأذن في الشفاعة فيهم لمن أراد إكرامه بها. # ثم انظر إلى قول هذا المفتري إن قوله صلى الله عليه وسلم لابنته وقرابته ~~لا أغني عنكم من الله شيئا إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله! ما أجرأ هذا على ~~الافتراء على الرسول وما أقل حياءه من ارتكاب ما فيه فضيحته، أو ليست ابنته ~~صلى الله عليه وسلم سيدة نساء PageV01P074 # هذه الأمة أو سيدة نساء المؤمنين؟! ثبت ذلك في الصحيحين1.أو ليس ~~المهاجرون والأنصار الذين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من ~~الله شيئا سادات الأمة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟! وهذا يقول المعنى ~~لا أملك لكم من الله شيئا إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله، وأيضا فقوله إذا لم ~~تؤمنوا بالله ورسوله استدراك منه على الرسول صلى الله عليه وسلم فهو صلى ~~الله عليه وسلم قال: "لا أملك لكم من الله ms047 شيئا" فأطلق ولم يقيد بشرط ~~الإيمان بالله ورسوله، ومفهوم الشرط الذي زاده هذا بقوله إذا لم تؤمنوا ~~بالله ورسوله أنه يملك لهم من الله شيئا إذا آمنوا بالله ورسوله، وهذا منه ~~رد على النبي صلى الله عليه وسلم، النبي يقول لسادات المؤمنين لا أملك لكم ~~من الله شيئا وهذا يقول بل يملك من الله شيئا لمن آمن به. # ثم قال المعترض: وكيف لا يغني عن بضعته وقرابته شيئا وقد أنزل الله عليه ~~في حقهم: # {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب ~~33] . # -قال- وكيف لا يغني عنهم شيئا وهو لما أنزلت عليه هذه الآية جمعهم وجللهم ~~بكسائه # وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" 2 هل هذا ~~إلا إغناء وفائدة لهم، بل هو يغني عن كل من آمن به. انتهى. # فانظر قوله كيف لا يغني عن بضعته وقرابته شيئا، فهذا منه استفهام إنكار ~~فهو ينكر على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لا أغني عنكم من الله شيئا، ~~ويكرر الخبيث هذه الكلمة مرتين. النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا أغني ~~عنكم من الله شيئا، وهذا يقول كيف لا يغني عنهم من الله شيئا، فهل يستريب ~~من له أدنى نظر أن كلامه هذا رد على الرسول وإنكار عليه، بل العامي البليد ~~يفهم هذا ومن PageV01P075 # لم يجعل الله له نورا فما له من نور، وهل في قول الله سبحانه: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب 33] . وفي دعائه ~~صلى الله عليه وسلم لهم معارضة لقوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا" ولقول ~~الله سبحانه: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} ? [الانفطار ~~19] . وإنما مقصود هذا بتكثير الإيرادات التي لا شبهة له فيها الترويج على ~~الجهال وكثرة التسويد في القرطاس، مثل كلامه في الشفاعة وذكر بعض ما ورد ~~فيها مع علمه أننا لا ننكر ما ورد في الشفاعة من الأحاديث عنه صلى الله ~~عليه وسلم. # وانظر قوله: فهل هذا إلا ms048 إغناء وفائدة1 لهم. # فنقول: كل خير دنيوي وأخروي حصل لأمته عامة ولأهل بيته خاصة من ربهم فعلى ~~يديه صلوات الله وسلامه عليه، وهل في هذا معارضة لقوله: "لا أغني عنكم من ~~الله شيئا" ولقول الله سبحانه: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن ~~21] . {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار 19] . # قال المعترض: بقي أن يقال: قوله يا أكرم الخلق، فإن هذا عندهم دعاء وهو ~~النداء، ولا وجه للتكفير به، لأن النداء إذا كان ضارا وهو دعاء - كما ~~يزعمون - لزم ألا ينادي أحد لا حي ولا ميت، لأن كون الشيء الواحد بالنسبة ~~للحي يكون طاعة وللميت والغائب يكون عبادة، لم يعهد هذا شرعا ولا عرفا، ~~وإنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها، وهذا لا يقصده ~~أجهل المسلمين فضلا عن أكابر العلماء. والدليل على أن النداء والطلب من ~~الأموات والغائبين ليس بعبادة بل هو مأمور به شرعا آيات وأحاديث وآثار ~~وأقوال العلماء الكبار من الأئمة الأربعة الأخيار.. هذا لفظه. # قوله: فإن هذا عندهم دعاء وهو النداء - يقول - هم يسمونه دعاء ~~PageV01P076 # وليس كما يزعمون وإنما هو نداء لا دعاء - يقول - لو كان دعاء كما يزعمون ~~لزم ألا ينادي أحد لا حي ولا ميت، وهذا الرجل حين واجهني ادعى ذلك، فقال ~~الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل هو نداء، وبينت له بعض الأدلة ~~وأذعن ظاهرا في هذه المسألة وغيرها، وظننت أن مراده قطع الكلام لا ~~الموافقة. # فيقال لهذا: تفريقك بين الدعاء والنداء تفريق باطل مخالف1 للكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة مع مخالفته اللغة، فقد سمى الله سبحانه سؤال عباده له دعاء ~~ونداء، قال تعالى عن # نوح: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر 10] . وقال: {ونوحا إذ نادى من ~~قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الأنبياء 76] . فسماه في ~~موضع دعاء وفي موضع نداء، وقال عن زكريا {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم 3] ~~. وقال في موضع # {هنالك دعا زكريا ربه} [آل عمران 38] . وقال عن أيوب: ms049 {وأيوب إذ نادى ربه ~~أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنباء 83] . وقال: {وذا النون إذ ذهب ~~مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين} [الأنبياء:87] . وقال صلى الله عليه وسلم: "دعوة أخي ذي ~~النون ما دعا بها مسلم إلا استجيب له" 2. وقال بعض الصحابة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم:"أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه" 3 فأنزل الله: {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني} [البقرة:186] . وقد سمى ~~الله سبحانه طلب المخلوق من المخلوق واستغاثته به دعاء واستغاثة ونداء 4. ~~قال سبحانه: {فاستغاثه PageV01P077 # الذي من شيعته على الذي من عدوه} [القصص 15] . وقال الصحابة: "قوموا بنا ~~نستغيث برسول الله من هذا المنافق} 1 # وقال تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} [فاطر 14] . فهذه نص في دعاء ~~المسألة وقال: {إن تدعوهم لا يسمعوا} 2. وقال: {إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} [الأعراف:194] . قوله ~~فادعوهم أي اطلبوا منهم. وقال: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} [الأعراف 193] . فأراد بالدعاء هنا الطلب ~~الذي هو ضد الصمت. # وقال: {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدوني فلا تنظروني} [الأعراف 195] . أي ~~استغيثوا3 بشركائكم. وقال: {وقيل ادعوا شركاءكم} [القصص 64] . أي استعينوا ~~بهم ليخلصوكم من عذابي {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} [القصص 64] . {ويوم يقول ~~نادوا شركائي الذين زعمتم} ليخلصوكم مما أنتم فيه {فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم} فقال في موضع أدعوا وفي موضع نادوا. وقوله فادعوهم صريح في الطلب ~~منهم. وقال: {وادعوا شهداءكم من دون الله} أي استعينوا بهم، وقال: {وادعوا ~~من استطعتم من دون الله} أي استعينوا بهم. فسمى سبحانه استعانتهم بهم دعاء، ~~بل سمى الله نعيق الراعي بالبهائم دعاءا ونداءا فقا ل: {ومثل الذين كفروا ~~كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} [البقرة:171] . # فجميع ما قدمنا صريح في أن سؤال العبد ربه يسمى دعاء ونداءا وأن استغاثة ~~المخلوق بالمخلوق وطلبه منه يسمى دعاء ونداءا. # وقد ms050 قال النحويون: النداء هو الدعاء بأحرف مخصوصة وأن المنادى ~~PageV01P078 # منصوب، لفظا أو محلا بفعل محدوف، فقولك يازيد، أي أدعوا زيدا. ومن أقسام ~~المنادى المستغاث وهو كل من نودي ليخلص من شدة أو يعين على دفع مشقة كقول ~~عمر - رضي الله عنه - يالله للمسلمين، أي أدعوك للمسلمين. # فاتضح بطلان قول هذا في أن طلب المخلوق من المخلوق لا يسمى دعاءا بل ~~نداءا، فهو يقول إن الطلب من الملائكة والمسيح وأمه وعزير والجن نداء لا ~~دعاء، فما أدري ما يقول فيمن طلب من العزى ومناة واللات! فإن قال إن الطلب ~~منها لا يسمى دعاءا بل هو نداء وأن النداء لا يضر عنده افتضح عند العامة ~~والخاصة، وإن قال إنه يسمى دعاء. قيل له نقضت أصلك حيث جعلت الطلب من هذه ~~الأوثان دعاءا ومن غيرها نداءا، فهذا شيء واحد جعلته بالنسبة إلى الأموات ~~والغائبين والملائكة والمسيح وأمه وعزير والجن نداء، وبالنسبة إلى العزى ~~وغيرها من الأوثان دعاء مع أنه يلزمه ألا يسميه دعاء إذا لم يسم مدعوه ربا ~~وإلها لقوله إن الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها. # إذا تبين بطلان قول هذا فالدعاء يكون أيضا أعم من النداء لأنه قد يكون ~~بغير حرف نداء كقول نوح {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود:47] ~~وقول بني اسرائيل: {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} ~~[الأعراف:149] . وقول السائل أشكوا إلى الله حاجتي أو ذنوبي، وأسأل الله ~~كذا أو أعوذ به من كذا، وكل هذا يسمى دعاء، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قول ذي النون: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} دعوة كما ~~تقدم في الحديث، وفي الترمذي: {كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~عرفة لاإله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير} 1. وفي الصحيحين عن ابن عباس PageV01P079 # - رضي الله عنهما -: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا عند الكرب ~~لاإله إلا الله ms051 العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا ~~الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم" 1، فسمى هذا دعاء مع أنه ليس فيه ~~تصريح بالسؤال. # قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله في الكلام على دعوة ذي النون قال: ~~فالسائل تارة يسأله بصيغة الطلب، وتارة بصيغة الخبر، إما بوصف حاله أو حال ~~المسؤول أوبهما، وهو من حسن الأدب في السؤال كقول أيوب مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين، والسؤال بالحال أبلغ من جهة العلم والبيان، وبالطلب أظهر من جهة ~~القصد والإرادة فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني لأن السائل يتصور ~~مراده فيسأله بالمطابقة، فإن تضمن وصف الحال السائل والمسؤول فهو أكمل ~~كقوله: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفرلي ~~مغفرة من عندك وأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فيه وصف لحال نفسه المقتضي ~~حاجته إلى المغفرة ووصف ربه أنه لا يقدر على هذا غيره، وفيه تصريح بالمطلوب ~~وفيه وصف الرب بما يقتضي الإجابة وهو وصفه بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه ~~أكمل الأنواع. انتهى. # قال ابن كثير: وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال ~~موسى {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول ~~كقول ذي النون {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من PageV01P080 # الظالمين} وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول كقول الشاعر: # ءأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # وقول المعترض: إن الشيئ الواحد يكون بالنسبة إلى الحي طاعة وللميت أو ~~الغائب عبادة لم يعهد هذا شرعا ولا عرفا. # يقال لهذا: وهل يوجد شيء واحد يختلف اسمه باختلاف متعلقه وهو قولك إن ~~سؤال الميت والغائب لا يسمى دعاء بل نداء وسؤال العبد ربه يسمى دعاء، ليس ~~معك على هذا إلا مجرد دعوى باطلة قد بينا بطلانها وافتضاحها. # وقوله فيما بعد: بل على قولكم إن الطلب نفسه عبادة يقتضي ألا فرق بين ~~الحياة والممات لأن ms052 العبادة ممنوعة في الحالين. انتهى. # قوله يكون بالنسبة للحي طاعة جعل سؤال الحي طاعة وهو كاذب في جعله طاعة، ~~لأن الله سبحانه لم يأمر مخلوقا قط أن يسأل مخلوقا، بل قد تواترت الأحاديث ~~عنه صلى الله عليه وسلم في ذم السؤال، وبايع صلى الله عليه وسلم جماعة من ~~الصحابة ألا يسألوا الناس شيئا، وفي حديث ابن عباس "إذا سألت فاسأل الله ~~وإذا استعنت فاستعن بالله" 1 أي: إذا سألت فاسأل الله وحده، وإذا استعنت ~~فاستعن بالله2 وحده، وترك سؤال الناس من كمال التوحيد، وهذا المفتري يقول ~~إن الله يقول سلوا عبادي خصوصا الأموات والغائبين واستعينوا بهم، ومسألة ~~الناس قد تكون محرمة، وتكون مكروهة، وتكون جائزة، وتسميتها طاعة خطأ وضلال، ~~وكذا قوله ولا عرفا خطأ لأن العرف لا مدخل له في العبادات. # وأما قوله: إذا جاز سؤال الحي فالميت كذلك، أي يجوز سؤاله، بل ~~PageV01P081 # هو يقول إنه طاعة؛ لأن الله -في زعمه- أمر به. ويقول إذا قلتم إن الطلب ~~عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات وهذه شبهة ربما تدخل في نفوس كثير ~~من الناس. # فيقال أولا ذو الفطرة السليمة وإن كان جاهلا يفرق بين الطلب من الحي ~~الحاضر مما في يده وبين الطلب من الميت والغائب ولا يسوي بين الحي والميت ~~إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة التي فطره الله عليها أو إنسان أعماه ~~الهوى والتقليد، وقد قال تعالى: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} [فاطر:22] ~~. معنى ذلك: أنه لايستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الحي والميت، [شبه ~~المسلم بالحي والميت بالكافر] 1 فلما كان معلوما من المخاطبين أن الحي ~~والميت لا يستويان يقول سبحانه فكذلك المؤمن والكافر، فمن سوى بين الحي ~~والميت بقوله يطلب من الميت ما يطلب من الحي فقد سوى بين ما فرق الله ~~والناس بينهما، حتى المجانين يفرقون بين الحي والميت، فلو قصد مجنون بيت ~~إنسان ليطعمه فوجده ميتا وأهله عنده لعدل إلى الطلب من أهله الأحياء ~~الحاضرين عنده ولم يلتفت إلى الميت. # ومما يوضح بطلان هذه الشبهة ms053 أن الله سبحانه أمر عباده بالاستعاذة به كما ~~في المعوذتين ومواضع من القرآن معلومة، وكذلك في السنة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك كثير، وفعل العبد ما أمره به ربه أمر إيجاب أواستحباب ~~عبادة له بإجماع العلماء، فإذا امتثل العبد أمر ربه فاستعاذ به أو بصفاته ~~فقد عبده، والإستعاذة نوع من الدعاء لأن المستعيذ يلتجئ إلى الله ليدفع عنه ~~ما يحذر وصوله إليه مما يكره أو ليرفع ما قد وصل إليه من ذلك، كما في ~~الحديث "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" 2 وهذا حقيقة الدعاء. ~~PageV01P082 # فلما كان مستقرا عند العلماء أن الاستعاذة بالله عبادة له قالوا لا تجوز ~~الاستعاذة بمخلوق، فلما كان هذا الأصل مستقرا عندهم استدلوا به على أن كلام ~~الله غير مخلوق لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بكلمات ~~الله التامات فعلا منه وقولا، وهذا من حجة أهل السنة على الجهمية القائلين ~~بخلق القرآن - يقولون - لو كان القرآن مخلوقا امتنعت الاستعاذة به، فعلى ما ~~ذكرنا أن الاستعاذة نوع من الدعاء كما قرره شيخ الإسلام تقي الدين، وهو ~~واضح، فالعلماء القائلون بامتناع الاستعاذة بالمخلوق يقولون لا يجوز دعاء ~~المخلوق، لأن الاستعاذة دعاء حقيقة، لأن المستعيذ بربه يطلب منه دفع مكروه ~~أو رفعه وهذا حقيقة الدعاء. # قال شيخ الإسلام تقي الدين - رحمه الله -: فالاستعاذة والاستجارة ~~والاستغاثة كلها نوع من الدعاء، وهي ألفاظ متقاربة، وسمى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الاستعاذة دعاء، كما في السنن أن رجلا قال يا رسول الله علمني ~~دعاء أدعوا به قال: "قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر ~~لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي" 1. # وقال أبو هريرة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا فيقول: اللهم ~~إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست ~~البطانة" 2، رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي السنن عن عائشة رضي الله عنها ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ms054 "كان يدعوا بهؤلاء الكلمات: PageV01P083 # اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، ومن شر الغنى والفقر" 1، ~~وفي صحيح مسلم: "كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك ~~من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك"2. # والمقصود من إيراد هذه الأحاديث بيان أن الاستعاذة تسمى دعاء في كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # فلما قال العلماء إن الاستعاذة لا تجوز بمخلوق بل هي مختصة بالله سبحانه ~~لأنها دعاء فهكذا سائر أنواع الدعاء، إذا تقرر هذا فمن المعلوم بالضرورة ~~أنه لو خاف إنسان من عدو له فالتجأ إلى حي حاضر ليجيره من عدوه لم يكن بهذا ~~بأس عند جميع المسلمين، وليس بداخل تحت قول العلماء إن الاستعاذة لا تجوز ~~بمخلوق، فهذا شيء واحد اختلف حكمه باختلاف متعلقه، فبالنسبة للحي الحاضر ~~جائز وبالنسبة لغيره ممتنع، فكذلك دعاء غير الله بطلب قضاء الحاجات لا يجوز ~~لقوله تعالى: {فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن:18] . ولا يدخل في هذا النهي ~~طلب الإنسان حاجة من حي حاضر مما يدخل تحت قدرة البشر. # ويقال أيضا لهذا المساوي بين الحي والميت لو أعطى إنسان آخر مالا وقال ~~أودعه عند ثقة، فذهب به الوكيل وأودعه عند قبر رجل صالح كالشيخ عبد القادر ~~وقال هذا وديعة عندك لفلان واستحفظه إياه فضاع لعده الناس مجنونا جنونا لا ~~يرفع التكليف وألزموه بالضمان، ويلزم هذا الذي ساوى بين الحي والميت أن ~~يقول هو مصيب فيما فعله ولا ضمان عليه، وربما أنه لا يلتزم هذا خوفا من ~~الفضيحة عند الناس وحينئذ يقول له PageV01P084 # الوكيل في الإيداع أنا ما فرطت على مذهبك في التسوية بين الحي والميت، ~~لأنك تقول ما جاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت، وأنا طلبت من الشيخ عبد ~~القادر حفظ هذه الوديعة وهي حاجتي عنده، وأنت تجوز طلب الحاجات من الأموات ~~فكيف تخطئني؟ # ومما يوضح بطلان شبهته ما لو خرج شخصان من بيتهما وقصد أحدهما رجلا حيا ~~غنيا وقال أشكو إليك الجوع، وقصد الآخر ms055 هبل وقال: يا هبل أشكو إليك الجوع، ~~هل يستوي الشخصان عند جاهل فضلا عن العالم؟! فهذا شيء واحد يختلف حكمه ~~باختلاف النسبة، فالنسبة إلى هبل شرك وبالنسبة إلى الرجل الحي الحاضر الغني ~~جائز، لا يتوقف في هذا عاقل، وعلى مذهب هذا الضال في قوله إن الطلب من ~~المخلوق لا يسمى دعاء بل نداء فلا يضر عنده نداء الطالب من هبل ونحوه؛ لأنه ~~يقول إنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها، فصريح كلامه ~~أنه لو استغاث بالعزى أو مناة أو اللات ونحوها أن ذلك لا يضر، لأنه ليس ~~بعبادة عنده ما لم يسم من دعاه أو استغاث به ربا وإلها. # ومن الفرق بين الحي والميت أن الاستغاثة بالحي إنما تكون في الأسباب ~~الظاهرة [العادية من الأمور الحسية في قتال أو ادراك عدو ونحو ذلك] 1، بحسب ~~الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الميت فحركته منقطعة، وإنما يزعم الذين ~~يدعونهم أن نفعهم بالقوة والتأثير الذي يسميه بعضهم السر، ولا يشك عاقل في ~~انقطاع الحركة من الميت المعهودة من الحي. # فإن قيل هذه الأوثان المعروفة للمشركين جماد كاللات ومناة والعزى ~~والمقبور إنسان فما الجامع بينهما. # قلنا نصوص القرآن في النهي عن دعوة غير الله عامة في كل من دعا من ~~PageV01P085 # دون الله ما لايضر ولا ينفع قال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ~~ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} وقال: {فلا تدعوا مع الله أحدا ~~[الجن:18] . وقال: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض} [الأنعام 71] ~~. وقال: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ~~وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف:5] . قال البيضاوي على هذه الآية: هذا ~~إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر ~~الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا عن أن يعلم سرائرهم ~~ويراعي مصالحهم وهم ms056 عن دعائهم غافلون، لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون ~~مشتغلون بأحوالهم. وقال تعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * ~~إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر 13، 14] . # والذم إنما توجه إلى من دعا من هذه صفته سواء كان بشرا أو ملكا أو صنما ~~وهو من لا ينفع من دعاه ولا يضر من لم يدعه، ومن دعا من لا يسمع دعاءه أو ~~ولو سمعه ما استجاب له لاستحالة الإجابة منه، وهذه صفة الميت. وقال سبحانه: ~~{والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} [الأعراف:197] ~~. وهذه أيضا صفة الميت، ومن المعلوم أن المشركين يعبدون الملائكة والمسيح ~~وأمه وعزيرا والجن، ويعبدون اللات وهو رجل صالح في قول ابن عباس ومجاهد، ~~ويعبدون الأصنام المصورة في زعمهم على صورة من يقصدونه كفعل قوم نوح في ~~تصويرهم على صور الذين ذكرهم الله في سورة نوح. قال تعالى فيمن يعبد ~~الملائكة: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ~~[سبأ:40] . وقال: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا} ~~[الزخرف:19] . إلى أن قال: {وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم} [الزخرف:20] ~~. فهذا صريح في أنهم يعبدون الملائكة، وما قاله # PageV01P086 # الصحابة والتابعون في سورة بني إسرائيل، والمراد بذلك بيان بطلان ما لو ~~قال جاهل إنهم إنما يعبدون الأصنام فقط. # وقال ابن القيم بعد كلام سبق: ومن ها هنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب ~~أصناما زعموا أنها على صورتها، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود ~~غائب، فجعلوا الصنم على صورته وشكله وهيأته ليكون نائبا منابه وقائما ~~مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه ~~إلهه ومعبوده، ومن أسباب عبادتها أيضا أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها ~~وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون ~~الشياطين. انتهى. # والمقصود بيان أن عباد الأصنام إنما قصدوا عبادة من صوروا الصنم على ~~صورته من ملك أو نبي أو صالح أو كوكب، فكل ما ms057 في القرآن من النهي عن دعاء ~~غير الله والإنكار على من دعا غيره يتناول كل معبود للمشركين من نبي وملك ~~وبشر حي أو ميت أو صنم، يوضح ذلك قول الله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه} أي ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن ~~صحت دعواكم، فلا يملكون كشف الضر عنكم1 ولاتحويلا، أي لا يملكون كشف الضر ~~بالكلية ولا تحويله من موضع إلى غيره ولا تغيير صفته. وقد قال المفسرون من ~~الصحابة والتابعين إن هذه الآية نزلت فيمن يعبد الملائكة وعيسى وأمه وعزيرا ~~وفيمن يعبد الجن، وهؤلاء غائبون أحياء وفيهم من هو ميت. فكل من دعا ميتا أو ~~غائبا تناولته الآية. وقال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا ~~يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس:106] . # وأما الطلب من الحي الحاضر مما يدخل تحت قدرة البشر فليس مرادا بالنهي ~~ولا يمنع منه، قال تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من PageV01P087 # عدوه} [القصص:15] . وقال: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} ~~[الأنفال:72] . وقال الصحابة: "قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من هذا المناف" 1 وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} فمن ساوى ~~بين الأحياء والأموات في ذلك بقوله ماجاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت ~~فقد جمع بين ما فرق الله بينه وضل ضلالا بعيدا. # ويقال لهذا المساوي بين الأحياء والأموات: من المعلوم أن أهل الدنيا ~~يستقضون حوائجهم بعضهم من بعض برهم وفاجرهم مسلمهم وكافرهم، وقد استعار ~~النبي صلى الله عليه وسلم أدراعا من صفوان بن أمية وهو مشرك، واستعان في ~~بعض غزواته بأناس من المشركين، وما زال المسلمون يستقضون حوائجهم من المسلم ~~والذمي والبر والفاجر، فيلزم المساوى بين الأحياء والأموات أن يساوي بين ~~أموات المذكورين كما كانوا في الدنيا كذلك. # فإن قال: طلب الحاجات مختص بموتى الصالحين فلا يجوز طلبها من موتى الكفار ~~والفساق. # قيل له: نقضت أصلك حيث فرقت بين أحياء هؤلاء وأمواتهم. # فإن ms058 قال: موتى الصالحين أحياء في قبورهم كما زعم، فهو كاذب في ذلك لم يرد ~~في ذلك حديث إلا ما أخبر الله عن حياة الشهداء، مع أن حياتهم لا تدرك بالحس ~~ولا بالعقل فالله سبحانه أعلم بحقيقتها، وأما سوى الشهداء غير الأنبياء فلم ~~يأت خبر عن الرسول أنهم أحياء في قبورهم، وإنما هو افتراء وكذب من هذا ~~الضال. # فإن قال: إن صالحي الأموات ينعمون في البرزخ. # قيل له: وضدهم يعذبون فيدركون العذاب كما يدرك الصالح النعيم، وهذا إدراك ~~وإحساس لا يعلم حقيقته إلا الله. PageV01P088 # والحاصل أن من سوى بين الحي والميت في أستقضاء الحوائج فقد ضل في عقله ~~ودينه، ونصوص القرآن كثيرة في إبطال هذا القول. والله سبحانه جعل أهل ~~الدنيا فيها وخولهم ما ملكهم فيها، ولا يتم أمرهم إلا بمعاونة بعضهم بعضا ~~ولم يحجر عليهم سبحانه التعاون والتناصر فيما لا يسخطه، والله في عون العبد ~~ما كان العبد في عون أخيه. # يوضح ذلك أن دعاء الإنسان للمسلمين واستغفارهم لهم وقضاء حوائجهم ~~ومعاونتهم عليها من الأعمال الصالحة المرغب فيها، فلو كان هذا يحصل من ~~الميت لم يكن عمله قد انقطع. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أوعلم ~~ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعوا له} 1. فدل على هذه الأشياء التي ~~يطلبها المشركون من الأموات من قضاء حوائجهم أو الدعاء لهم ونحو ذلك التي ~~هي أعمال صالحة من الحي قد استحال وجودها من الميت فطلبها منه طلب مستحيل ~~لعجزه حسا، فلا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولاموتا ولا حياة ولا ~~نشورا فهو داخل تحت قوله {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف:5] . {ولا تدع من دون الله ~~ما لا ينفعك ولا يضرك} [يونس:106] . # والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الحي والميت في الحديث المتقدم آنفا، ~~كما فرق الله بينهما ms059 في مثل قوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} وجميع ~~العقلاء بل مجانين كما قدمنا يفرقون بين الحي والميت، فالميت لا يستجيب ~~لداعيه ولا يسمع دعاءه، ولو فرض سماعه فهو عاجز لا ينفع من دعاه كداعي ~~الجمادات قال تعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم ~~لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} PageV01P089 # [فاطر:13،14] . فالمتصف بعدم سماع الدعاء وعدم الاستجابة أو المتصف ~~بأحدهما ممتنع دعاءه شرعا وعقلا تتناوله هذه الآيات ونحوها من آي القرآن. # فإن قيل: وردت الآثار بسماع الميت. # قلنا: لم تدل على أنه يسمع كل كلام. # قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله: وردت الآثار بأن الميت يسمع لكن لا ~~تدل على أنه يسمع كل كلام، قال ابن عبد البر: صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ~~إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام" 1. فهذا وغيره يدل على أن روح الميت ~~ليست دائما في قبره، وأن لها اتصالا به لا يعلم حقيقته إلا الله، واعتبر ~~هذا بسرعة نزول الملك وروح النائم وشعاع الشمس ونحوه. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة حياة الشهداء بما في صحيح مسلم ~~عن ابن مسعود لما سئل عن ذلك فقال: إنا سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف ~~طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك ~~القناديل"2 الحديث. ففسر حياتهم بذلك. # وثبت في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن كعب بن مالك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه ~~الله إلى جسده يوم يبعثه"3. ورواه الترمذي وصححه. فهذا يدل على أن روح ~~PageV01P090 # المؤمن في الجنة، وتدل الآثار على أن لها اتصالا به في القبر لا يعلم ~~حقيقته إلا الله، قوله "يعلق" روي بفتح اللام وضمها، والمعنى واحد وهو ~~الأكل والرعي، يقول يأكل من ثمار الجنة ms060 ويرعى ويسرح بين أشجارها. # وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله1. وإنما المقصود هنا بيان بطلان قوله ~~في تسويته بين الحي والميت، وتجويزه الطلب من الميت ما يطلب من الحي، وأن ~~ذلك لا يسمى دعاء، - قال- وإنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ~~ربا وإلها. # وقد بينا فيما تقدم بطلان قوله إن ذلك لا يسمى دعاء، وأما كونه يسمى ~~عبادة فقد تقدم ما يدل على ذلك وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. # ومما يوضح ذلك معرفة حد العبادة في الشرع وأنها كل ما أمر الله به ورسوله ~~أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة. # وبعض العلماء يقول العبادة هي الطاعة، فيتناول فعل المأمور وترك المحظور، ~~ومما أمر الله به سبحانه دعاؤه وسؤاله قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف:55] . إلى قوله: {وادعوه خوفا وطمعا} ~~[الأعراف:56] . وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني PageV01P091 # أستجب لكم} [غافر 60] . وقال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~ويدعوننا رغبا ورهبا} [الأنبياء 90] . وقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني} [البقرة 186] . وقال: {واسألوا الله من ~~فضله} [النساء:32] . وقال: {فابتغوا عند الله الرزق} [العنكبوت:17] . أي لا ~~عند غيره لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص عند البيانيين، وفي حديث نزول ~~الرب إلى السماء الدنيا: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن ~~يستغفرني فأغفر له"1 وفي السنة من ذلك ما لا يحصى. # فإذا امتثل العبد أمر ربه فدعاه مخلصا صار ذلك عبادة منه لربه، فإذا دعا ~~غيره فقد عبد ذلك الغير. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم "الدعاء هو ~~العبادة"2. وفي الحديث الآخر: "الدعاء مخ العبادة" 3. فسمى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الدعاء عبادة، فالدعاء في نفسه عبادة فكل مدعو معبود، وما أدري ~~ما يقول هذا الرجل في دعاء العبد ربه واستغاثته به هل هو عبادة أم لا. # فإن قال ليس بعبادة فهذا مكابرة يعرفه كل عاقل، ومخالفة للكتاب والسنة ~~وإجماع # الأمة، وإن أقر أنه عبادة من العبد لربه، ms061 قيل له هل تجد شيئا PageV01P092 # واحدا يكون بالنسبة إلى الله عبادة، وغير عبادة بالنسبة إلى غيره؟ فيظهر ~~حينئذ بطلان شبهته التي اعتمدها في قوله إنه لا يوجد شرعا ولا عرفا. # وهذا الرجل لما قرر أن الطلب من الأموات والغائبين والاستغاثة بهم جائز، ~~بل يقول هو قربة1 كما يأتي في احتجاجه بالآية. ثم قال وإنما الدعاء الذي هو ~~عبادة [فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها فحصر الدعاء الذي هو عبادة] 2 في ~~تسمية المدعو ربا وإلها لأنه يقول إن مجرد الطلب لا يضر مقتضى اطلاقه، وإن ~~كان المطلوب منه صنما أو شجرا أو حجرا، وإن طلب منه مغفرة الذنوب وهداية ~~القلوب وإنزال الغيث وشفاء المرضى، فإن هذا لا يضر عنده إذ لم يسمه أو ~~يعتقده ربا وإلها. # وهذا الرجل لما اجتمع بي قبل تسويده هذا بنحو ثمان سنين ومعه ورقة نقل ~~فيها عبارات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يشبه بها على بعض الناس، ~~فأحضرته وبحثته وإذا هو في هذا الأصل العظيم جاهل جهلا مركبا ومعاند، وإحدى ~~العلتين في المرء تهلكه. # وقلت له أخبرني ما حقيقة هذا الشرك الذي لا يغفر، وصاحبه مخلد في النار. # فقال: الشرك: السجود لغير الله لا غير. فأوردت عليه بعض الأدلة فبهت وأحب ~~قطع الكلام بالموافقة ظاهرا، وكتبت على ورقته التي معه أوراقا سماها بعض ~~الطلبة # {بالانتصار} 3 وما زال من ذلك الوقت يدأب ويبحث في تحصيل ما جمعه في هذه ~~الأوراق التي اطلعنا عليها. # وقوله: إن أجهل المسلمين لا يسمي غير الله ربا وإلها ولا يقصد ذلك. ~~PageV01P093 # فيقال: التسمية لا حكم لها، ولا تتغير حقيقة الشيء بتغير الاسم كما جاء ~~عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه يأتي ناس من أمتي يسمون الخمر بغير اسمها"1 ~~وكذا من سمى الزنا نكاحا، فالتسمية لا تزيل الاسم ولا الحكم؛ ومن عامل ~~معاملة ربوية فهو مرابي وإن لم يسمه ربا، فكذا من ارتكب شيئا من الأمور ~~الشركية فهو مشرك وإن سمى ذلك توسلا # وتشفعا ونحوه. # والشيطان لما علم أن النفوس ms062 تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألها أخرجه ~~في قالب آخر تقبله النفوس، ومما يفضح هذا في قوله إن طلب المخلوق من ~~المخلوق لا يسمى دعاء بل هو نداء، وإنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ ~~غير الله ربا وإلها. # فعلى قوله أن من نادى إبليس وطلب منه قضاء حاجاته وكشف كرباته مع كونه لا ~~يسميه ربا ولا إلها، بل يقول أنا أبغضه ولكن أطلب منه حوائجي وأستنصر به ~~على عدوي لأنه يقوي على ما لا يقوي عليه البشر، ولا يضرني ذلك على مذهب ~~الشيخ # داود، لأني لا أسمي الشيطان ربا ولا إلها ولا أعتقد ذلك فيه [فعلى مذهبه ~~الباطل أن هذا جائز] 2. # يحقق ذلك أن كل أحد يعترف بأن عبادة غير الله شرك. وقد قدمنا تعريف ~~العبادة فمن جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك وإن كان لا يظنه ~~شركا ولا تألها وسماها بأي اسم شاء. فالمشرك مشرك شاء أم أبى، كما أن ~~المرابي مراب شاء أم أبى. # يوضح ذلك أن من أطاع مخلوقا في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ~~فقد اتخذه ربا وإلها من دون الله، قال الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~PageV01P094 # ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا ~~إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة 31] . وروى الإمام ~~أحمد والترمذي وغيرهما أن عدي بن حاتم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان قد تنصر في الجاهلية فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} الآية فقال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إنهم لم يعبدوهم فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم ~~الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"1. # وقال ابن عباس وحذيفة بن اليمان في تفسير هذه الآية: إنهم اتبعوهم فيما ~~حللوا. وقال الربيع بن أنس قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية [في بني ~~اسرائيل؟ قال: كانت الربوبية] 2 أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا ms063 به وما ~~نهوا فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه ~~انتهينا لقولهم. فاستنصحوا3 الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم4. وقال ~~أبو البحتري: أما أنهم لم يصلو لهم ولو أمروهم أن يعبدوهم ما أطاعوهم، ولكن ~~أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. ~~انتهى. # فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسموا أحبارهم ورهبانهم ~~أربا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم ولهذا قال عدي ~~إنهم لم يعبدوهم، وحكم الشيء تابع لحقيقته لا لاسمه ولا لاعتقاد فاعله، ~~فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم لهم في ذلك ليس بعبادة لهم فلم يكن ذلك ~~عذرا لهم ولا مزيلا لاسم فعلهم ولا لحقيقته وحكمه PageV01P095 # فكذلك ما يفعله عباد القبور في سؤالهم من المقبورين قضاء الحاجات وتفريج ~~الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا ~~يسمونه ولا يظنونه عبادة. # ويوضح ذلك أيضا ما روى الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة ~~يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: ~~يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل ~~لموسى {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم"1، فهؤلاء لقرب عهدهم بالكفر ما كانوا يظنون أن الذي طلبوه من التأله ~~لغير الله لأنهم يقولون لا إله إلا الله ويعرفون معناها، وخفي عليهم أن ذلك ~~الذي طلبوه مما تنفيه لا إله إلا الله، فلم يكن ظنهم مغيرا لحقيقة هذا ~~الأمر وحكمه. # ومن له معرفة بما بعث الله به رسوله علم أن ما يفعل عند القبور من دعاء ~~أصحابها والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأقبح ms064 من الذين قالوا اجعل لنا ذات ~~أنواط كما لهم ذات أنواط. # قال ابن القيم رحمه الله: فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة ~~والعكوف عليها اتخاذ إله مع الله مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما ~~الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعائه والدعاء عنده، فأي نسبة للفتنة ~~بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون؟! وقد قال الله ~~تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~PageV01P096 # كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون * إلى قوله مسلمون} [آل عمران:3] # روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس قال قال أبو رافع القرظي ~~حين اجتمعت اليهود والنصارى من أهل نجران عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودعاهم إلى الإسلام أتريد يا محمد منا أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن ~~مريم؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو تريد منا ذلك يا ~~محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " معاذ الله أن نعبد غير الله أو ~~أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " فأنزل الله في ~~ذلك قوله: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله -إلى قوله- مسلمون} 1. # فبين سبحانه وتعالى أن من عبد الملائكة والنبيين فقد اتخذهم أربابا من ~~دون الله، وأنه يكفر بذلك وإن لم يعتقده ربوبية أولم يسمه ربا، وأن من أمر ~~بعبادتهم فقد أمر باتخاذهم أربابا من دون الله فكيف بمن هو دونهم، وهذا ~~الذي يقول أن الله أمر عباده المؤمنين أن يطلبوا حوائجهم من الأموات ~~والغائبين!! ويقول بجواز الذبح والنذر لهم2، وغير ذلك من أنواع العبادات ~~غير السجود لهم!! لأنه حين كلمته قال إن الممنوع منه السجود للميت فقط. ~~فحقيقة قوله إن الله سبحانه أمر عباده أن يتخذوا أهل القبور أربابا من دون ~~الله، وإن من تبرأ من ذلك فهو ms065 حقيقة دعواه. # قوله: والدليل على أن النداء والطلب من الأموات والغائبين ليس بعبادة، بل ~~هو مأمور به شرعا آيات وأحاديث وآثار-قال- الدليل الأول: قوله تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} [المائدة:35] . # فالعجب من هذا الملحد لم يقتصر على الجواز، بل ادعى أن الله أمر ~~PageV01P097 # عباده المؤمنين بذلك، ولعله يري أن الأمر فيما فهمه من الآية للوجوب، لأن ~~الأصل في الأمر الوجوب ما لم يوجد دليل يصرفه إلى الاستحباب، وبكل حال فهو ~~يقول إن الله أمر عباده المؤمنين أن يفزعوا إلى الأموات في قضاء مآربهم ~~وكشف شدائدهم سواء قال إن الأمر للإيجاب أو للإستحباب، ومقتضى كلامه العموم ~~في جميع الأموات صالحهم وطالحهم!! ما أجرأ هذا على الكذب على الله والإلحاد ~~في آيات الله بوضعها1 على غير ما أراد الله. قال تعالى: {إن الذين يلحدون ~~في آياتنا لا يخفون علينا} [فصلت:40] . قال ابن عباس {يلحدون في آياتنا} ~~يضعون الكلام على غير موضعه. # قال الله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} ~~[الأنعام:144] . فعلى قول هذا إن الله يحب من عباده أن يطلبوا حوائجهم من ~~الأموات والغائبين، وأنه ينبغي الإكثار من ذلك والإلحاح في الطلب منهم لأن ~~الله يحب الملحين في الدعاء، ويقتضي أيضا أن يستكثر الإنسان من المدعوين ~~المطلوبين ويعلق قلبه ورجاءه بالكثير منهم بحيث يقول لو لم يجبني بعض ~~أجابني آخرون، فيصير الإستكثار أوثق عنده وأحب إلى الله2 في زعم هذا الضال ~~الباطل فيا سبحان الله!! أءرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟!. # وظاهر كلامه في إطلاقه أنه يطلب من الأموات والغائبين كل شيء. # وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من جوز أن يطلب من المخلوق كل ~~ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد فكفره شر من كفر عباد الأصنام فإنهم لا ~~يطلبون منها كل ما يطلب من الله كما قال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ~~الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون ~~فيكشف ما ms066 تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} [الأنعام:40،41] PageV01P098 # فبين سبحانه أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يطلبون إلا الله في ~~كشف الشدائد وجلب الفوائد. وقال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه} [الإسراء:67] . قال وقد وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة وغيرهم. ~~انتهى. # وافتراء هذا الرجل على الله أعظم من افتراء الذين أخبر الله عنهم بقوله ~~{وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء} [الأعراف:28] نزلت هذه الآية في الذين يطوفون بالبيت عراة ~~اتبعوا في ذلك آباءهم، ويزعمون أنه مستند إلى الله، فقال تعالى مكذبا لهم ~~{إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف:28] . ~~وهذا يقول: إن الله أمر بدعاء الأموات والغائبين ووجدنا الناس على هذا ~~غيركم. # وهذا الأمر الذي ادعى أن الله أمر به، مما بعث الله الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم ينهون عنه. قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] . {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدوني} [الأنبياء:25] . والآيات في هذا كثيرة ~~معلومة. والدعاء من أجل العبادات كما في الحديث المرفوع: "الدعاء مخ ~~العبادة "1 قالو: معناه خالص العبادة، لأن الداعي إنما يدعوا عند انقطاع ~~أمله مما سوى الله وهذا حقيقة التوحيد والإخلاص. وفي الحديث الآخر "إن ~~الدعاء هو العبادة" 2 وفي الحديث الآخر "إن الله يحب الملحين في الدعاء" 3 ~~وفي حديث آخر " من لم يسأل الله يغضب PageV01P099 # عليه"1 وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربيا كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فاستجيب له، من ~~يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" 2. فذكر أولا لفظ الدعاء ثم السؤال ثم ~~الاستغفار، والمستغفر سائل كما أن السائل داع. فطف السؤال والاستغفار على ~~الدعاء من عطف الخاص على العام الذي يتناولهما وغيرهما قاله شيخ الإسلام ms067 ~~تقي الدين رحمه الله تعالى. # والله سبحانه أمر بدعائه في كتابه في مواضع، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يكثر من دعاء الله واستغفاره وأمر بذلك في أحاديث كثيرة. وقال تعالى: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} قال ابن عباس: {إياك نعبد} إياك نوحد ونخاف ونرجو ~~يا ربنا لا غيرك {وإياك نستعين} على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة: ~~يأمركم ربكم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أموركم كلها. وتقديم ~~المعمول في الكلمتين يفيد الحصر والاختصاص عند البيانيين وجميع المفسرين ~~والقاري3 لما ذكر الحقيق بالحمد وصفه بصفات عظام يتميز بها عن سائر ~~المخلوقين. وتعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع ~~والاستعانة في المهمات، خوطب الموصوف بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه ~~صفاته نعبد، وإياك نستعين لا غيرك. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وسر الخلق والأمر والكتب والشرائع ~~والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية ~~والتوحيد، حتى قيل أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في التوراة ~~والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع ~~PageV01P100 # معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، وجمع معاني ~~الفاتحة في {إياك نعبد وإياك نستعين} وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب ~~وبين عبده نصفين فنصفها له وهو {إياك نعبد} ونصفها للعبد وهو {إياك نستعين} ~~انتهى. # فالله سبحانه فرض على العباد أن يعبدوه وحده، وأن يستعينوا به وحده، وهذا ~~الملحد المفتري على الله الكذب يقول إن الله يأمركم أن تستعينوا بالأموات ~~والغائبين وترغبوا إليهم في مهماتكم!! ما أعظم هذه المحادة لله وقد قال ~~تعالى: {وإلى ربك فارغب} أي ارغب إليه لا إلى غيره، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" 1. وقد قررنا ~~فيما تقدم تعريف العبادة وأن كل ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو ~~استحباب فهو عبادة، فإذا دعوت الله فقد عبدته، فإذا دعوت غيره من ميت أو ~~غائب أو حجر أو شجر فقد عبدت ذلك الغير، فإذا سجدت ms068 لله فقد عبدته، [فإذا ~~سجدت لغيره صرت عابدا لذلك الغير، فإذا ذبحت لله فقد عبدته] 2، فإذا ذبحت ~~لغيره صرت عابدا له، وهكذا سائر العبادات، هذا مع أن نصوص القرآن في النهي ~~عن دعاء غير الله وذم من فعل ذلك والإنكار عليه أكثر من النهي عن خاصية ~~السجود لغيره كما هو معلوم عند الخاصية والعامة. # قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله في الكلام على دعوة ذي النون: لفظ ~~الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، وفسر قوله ~~سبحانه: {ادعوني أستجب لكم} بهذا وهذا3. # وقال ابن القيم في بدائع الفوائد بعد آيات ذكرها: وهذا في القرآن ~~PageV01P101 # كثير يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع ~~والضر دعاء المسألة، ويدعى رجاء وخوفا دعاء عباده، فاعلم أن النوعين ~~متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء ~~العبادة -إلى أن قال- وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما ~~ولا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة ~~المتضمنة للأمرين جميعا. انتهى. # فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة ~~حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة، قال تعالى: {والذين تدعون من دونه ~~ما يملكون من قطمير} [فاطر:13] . فهذا يتناول نوعي الدعاء ثم قال: {إن ~~تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} [فاطر:14] . فهذا صريح في دعاء المسألة ولهذا قال ~~{ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر:14] . ومن لا يسمع دعاء من دعاه ليس ~~بأهل لأن يدعى، ومن لا يستجيب له لو سمعه لا يستحق أن يدعى، وهذه حال الميت ~~لا يسمع دعاء من دعاه، ولو فرض أنه يسمعه لم يستجب له لعجزه فقوله سبحانه: ~~{والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر:13] . إن الآيتين ~~تتناولان كل من يدعوه المشركون من دون الله. ومعلوم أنهم يدعون الملائكة1 ~~والمسيح وأمه وعزيرا والجن واللات وغيرهم، وبعض من يدعونه ميت يدخل في ~~العموم. # فإن قيل إن الميت يسمع. قلنا ms069 كما تقدم إنه لم يثبت أنه يسمع كل كلام، ~~فقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى ~~أرد عليه السلام" 2. وكذلك الحديث الذي تقدم "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان ~~يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ~~PageV01P102 # السلام" 1. يدل على أن رد الروح يحصل حين السلام. # وقال الله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء 56-57] . # قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على هذه ~~الآية لما ذكر أن السلف من ذكر أن المراد بهم الملائكة، ومنهم من ذكر معهم ~~الإنس كالمسيح وأمه # وعزير، ومنهم من ذكر أنهم من الجن قال: إن السلف يذكرون جنس المراد من ~~الآية على التمثيل كما يقول الترجمان لمن سأله عن لفظ الخبز فيريد رغيفا، ~~والآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله، فكل من دعا ميتا أو ~~غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته ~~هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن، ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط ~~فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون ~~كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع ~~إلى موضع ومن حال إلى حال كتغير صفته أو قدره، ولهذا قال ولا تحويلا، فذكر ~~نكرة تعم أنواع التحويل وقال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا} [الجن:6] . كان أحدهم إذا نزل واديا قال: أعوذ بعظيم ~~هذا الوادي من سفهائه. فقالت الجن: الإنس تستعيذ بنا. فازدادوا رهقا. قد نص ~~الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا ما استدلوا به ~~على أن كلام الله غير مخلوق لما ثبت عنه ms070 صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ ~~بكلمات الله وأمر بذلك، فإذا كان لا يجوز ذلك فأن لا يجوز2 أن يقال أنت خير ~~معاذ يستعاذ به أولى. فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء ~~والطلب وهي ألفاظ متقاربة انتهى. PageV01P103 # وقد قدمنا بعض الأحاديث التي فيها تسمية الاستعاذة دعاء ولهذا كان الأئمة ~~المصنفون يدخلون أحاديث الاستعاذة1 في أثناء كتاب الدعوات كصاحبي الصحيحين ~~وغيرهما، لأن الاستعاذة عندهم دعاء حقيقة وهذا ظاهر، فقول الإنسان أعوذ ~~بفلان من كذا أو أسأله أن يدفع عني أو يرفع عني كذا فهو في الحالتين سائل ~~طالب داع، فانظر إلى قوله - رحمه الله - فكل من دعا ميتا أو غائبا تناولته ~~هذه الآية، وهو ظاهر لأن هؤلاء غائبون كالملائكة والمسيح، وغائب الملائكة ~~أقرب من غائب البشر ويقدرون على ما لا يقدر عليه البشر وهم يكونون وسائط ~~فيما يقدره الله بأفعالهم، وممن أريد بالآية من هو ميت كمريم وعزير ومن ~~المعلوم يقينا أن أموات البشر وغائبهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا ~~تحويله من حال إلى حال، فالآية تناولتهم قطعا، فيقال لداعيهم أدعوهم2 فإنهم ~~لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. # وقال ابن القيم في المدارج: ومن أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى ~~والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع ~~عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا لمن استغاث به وسأله قضاء حاجته ~~أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم ~~عليه ويستغفر له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور ~~المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون ~~هذا وزاروهم زيارة العبادة واستقصاء الحوائج والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم # أوثانا تعبد، وسموا قصدها حجا، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ~~ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق ~~بالشرك وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم وعيبهم ~~PageV01P104 # ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص ms071 إذ ظنوا أنهم راضون منهم ~~بهذا وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء أعداء الرسل وأهل ~~التوحيد في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم، وما نجا من شرك هذا ~~الشرك الأكبر إلا من جرد توحيد الله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم ~~إلى الله واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده، فجرد حبه وخوفه لله ورجاءه ~~لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله، إذا سأل سأل الله وإذا ~~استعان استعان بالله وإذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله. # وقال في موضع آخر: وهكذا قول عباد المسيح للنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~قال لهم إن المسيح عبد، قالوا تنقصت المسيح وعبته. وهكذا أشباه المشركين ~~لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن ~~الله فيه ورسوله قالوا تنقضت أصحابها، فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم ~~حتى كأنهم قد تواصوا به، ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا. # وقد قطع الله سبحانه في كتابه الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعا ~~يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، فقال ~~تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له} [سبأ:22،23] . فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له ~~به من النفع. والنفع1 لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الخصال الأربع: إما ~~مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا، فإن لم يكن شريكا ~~كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى ~~سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا متنقلا من الأعلى إلى ما PageV01P105 # دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت ~~شفاعة لا نصيب فيها لمشرك ms072 وهي الشفاعة بإذنه، وكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ~~ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواده1، لمن عقلها، والقرآن ~~مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته ~~وتضمنه له ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو ~~الذي يحول بين القلب وفهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ~~ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك2، ~~ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما تنقض عرى الإسلام عروة ~~عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف ~~الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه ~~وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو ~~دونه، فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا والبدعة ~~سنة والسنة بدعة، ويكفر الإنسان بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد ~~متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا ~~والله المستعان. # هذا كلامه رحمه الله في زمانه فكيف لو أدرك هذا الزمان فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون. # وقال ابن القيم أيضا: قال شيخنا وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، ~~أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من ~~الناس –قال- وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في ~~صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من ~~المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه PageV01P106 # فيتمثل له الشيطان أحيانا وقد يخاطبه ببعض الأمور الغائبة، وكذا السجود ~~للقبر والتمسح به وتقبيله. # المرتبة الثانية: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو ~~بدعة باتفاقالمسلمين. # الثالثة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في ~~المسجد فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضا من المنكرات ~~المبتدعة باتفاق المسلمين وهي محرمة، وما علمت ms073 في ذلك نزاعا بين أئمة ~~الدين، وإن كان كثيرا1 من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم قبر فلان ~~الترياق المجرب. والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر ~~أبي حنيفة من الكذب الظاهر. انتهى. # قال ابن القيم: ورأيت لأبي الوفاء ابن عقيل في ذلك فصلا حسنا فذكرته ~~بلفظه قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى ~~أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها2 تحت أمر غيرهم - قال - ~~وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع ~~من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع ~~فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على ~~القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، إقتداء بمن عبد اللات ~~والعزى. انتهى المقصود منه. # وقال شيخ الإسلام وقد سئل عن رجلين تنازعا، فقال أحدهما لابد لنا من ~~واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك. # فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: إن أراد بذلك أنه لابد لنا من واسطة ~~PageV01P107 # تبلغنا أمر الله فهذا حق فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما ~~يأمر به وما ينهى عنه إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهذا ~~مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون ~~الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه ~~قال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج:75] . ومن ~~أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. # وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في ~~جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم ~~يسألونه1 ذلك ويرجعون إليه فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به ~~المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ودفع ~~المضار. فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب ~~المنافع ودفع ms074 المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج ~~الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين -إلى أن قال- فمن أثبت وسائط ~~بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين يكونون2 بين الملك ورعيته، بحيث يكونون ~~هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم ~~بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط يسألون ~~الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا3 منهم أن يباشروا ~~سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم ~~أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك ~~يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق ~~PageV01P108 # وجعلوا لله أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه ~~الفتوى فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان الذين كانوا يقولون إنها تماثيل ~~الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله. انتهى ملخصا. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج قال: ~~فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من قد مرق من الإسلام مع عبادته ~~العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا، وذلك ~~بأمور منها: الغلو الذي ذمه الله، كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل ~~الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح. فكل من غلا في نبي أو رجل ~~صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي ~~فلان أغثني أو أجبرني أو توكلت عليك أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال ~~يستتاب صاحبه فإن تاب وألا قتل، فإن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد ~~وحده ولا يجعل معه إله آخر. والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة ~~والمسيح وعزير والصالحين أو صورهم لم يكونوا يقولون إنها تخلق وترزق، وإنما ~~كانوا يدعونهم يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل تنهى أن ~~يدعى ms075 أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استعانة. انتهى. # ونصوص القرآن كثيرة مصرحة بأن المشركين في الشدائد ينسون آلهتهم من ~~الملائكة والبشر وغيرهم ويخلصون الدعاء لله وحده كما قال تعالى: {قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} ~~[الأنعام:40،41] وقال: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه} [الزمر:8] ~~.الآية. وقال: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس:12] . والآيات في ذلك ~~كثيرة معلومة. فالله سبحانه رضي إخلاصهم في هذه الأحوال. # PageV01P109 # ومقتضى قول هذا المفتري أن الله سبحانه أمر بالطلب من الأموات وغيرهم، ~~وأن الله يحبه ويرضاه، وأن يكون عدم إخلاص هؤلاء المشركين في الشدائد أصوب، ~~وأن الأولى بهم الاستمرار على الطلب من الملائكة والمسيح وعزير وغيرهم، لأن ~~ذلك من الوسيلة التي أمر الله بها في زعم هذا الضال. وكفى بهذا فضيحة له. # ومما يزيد مما قررناه وضوحا أن الله سبحانه سمى الدعاء في كتابه دينا قال ~~سبحانه: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت 65] # وقال: 0 {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} [لقمان 32] . # وقال: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح ~~عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين} [يونس 22] . والمراد بالدين في هذه الآيات الدعاء عند جميع ~~المفسرين، وهو ظاهر مفسر في مثل قوله: # {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} [الإسراء 67] . وفي ~~قوله: {أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون} [الأنعام 4041] . ~~وقال: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية} [الأنعام ~~63] . أي سرا وعلانية. # {لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين [الأنعام:63] . أي يقولون لئن ~~أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. وذكر سبحانه الدين في هذه ms076 الآيات معرفا ~~بالألف واللام وهو الدعاء. وقال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين} [البينة:5] وقال: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} ~~[غافر:14] . وقال: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} ~~[غافر:65] .وقال: {فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص} ~~[الزمر:2،3] . وقال: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر:11] ~~. فلما سمى الله سبحانه الدعاء دينا وأمر بإخلاص الدين له وضد الإخلاص ~~الشرك، ومن جملة الدين الدعاء، فمن جعل شيئا من الدين لغير الله فقد # PageV01P110 # أشرك. وقد قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ~~[الأنفال:39] . أي وحتى يكون الدين كله لله، فمتى كان شيء من الدين لغير ~~الله فالعصمة منتفية، ومن أنواع الدين الدعاء بنص القرآن. # فإن قيل ما معنى الوسيلة في قول الله سبحانه: {وابتغوا إليه الوسيلة} ~~[المائدة:35] . قيل: المراد بالوسيلة التقرب إليه سبحانه بفعل ما أمر به ~~وترك ما نهى عنه. # قال البغوي: الوسيلة القربة. وقال البيضاوي: أي ما تتوسلون به إلى ثوابه ~~والزلفى لديه من فعل الطاعات وترك المعاصي. # وقال ابن كثير: المعنى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه –قال- وهذا ~~إجماع من المفسرين وكذا قوله في الآية الأخرى: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} ~~[الإسراء:57] . [قال البغوي الوسيلة القربة وقيل الوسيلة كل ما يتقرب به ~~إلى الله. وقال البيضاوي: يبتغون إلى ربهم الوسيلة] 1 بالطاعة. أي هؤلاء ~~الآلهة يبتغون إلى الله القربة بالطاعة أيهم اقرب بدل من واو يبتغون أي ~~يبتعي من هو اقرب منهم إلى الله الوسيلة فكيف بغير الأقرب ونحو ذلك. قال ~~ابن كثير: وقيل يحرصون أيهم بكون أقرب إلى الله وذلك بطاعته وازدياد الخير. ~~وقول البغوي ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به هذا لفظ البغوي لا ابن2 ~~عباس، وضل الناقل في عزوه إلى ابن عباس. فان كان معنى هذه الكلمة كما قال ~~البغوي فالمراد بذلك ما كان يفعله الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حياته3 من طلبهم دعاءه لهم واستسقائهم به ms077 في أحاديث كثيرة، وما فعله عمر ~~بعد موته صلى الله عليه وسلم من استسقائه بالعباس في قوله: "اللهم إنا كنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا PageV01P111 # وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"1. وكذلك فعل معاوية مع يزيد بن الأسود ~~الجرشي لما استسقى قال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا يزيد، يا يزيد ارفع ~~يديك إلى الله فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا" 2. فهذا من الوسيلة. # قال شيخ الإسلام تقي الدين: أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال ~~الصالحة التي أمر الله بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم ~~الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم فهذا مما لا نزاع فيه بل هو ~~من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله: {وابتغوا إليه الوسيلة} وقوله: ~~{يبتغون إلى ربهم الوسيلة} فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل به، أي ~~يتوصل به ويتقرب إليه به سبحانه سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال ~~الأمر أو كان على وجه السؤال والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع ~~المضار، ومن ذلك سؤاله بأسمائه وصفاته كقوله: أسألك بأن لك الحمد لاإله ~~إلاأنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام. # واستدل المعترض بقول الله سبحانه {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمان عهدا} . قال: فقد أخبر أن الله ملك المؤمنين الشفاعة، فطلبها ممن ~~يملكها بتمليك الله له لا مانع منه، كمن طلب المال وغيره ممن ملكه الله ~~إياه، ومراد المنادي له صلى الله عليه وسلم والمتوسل به إنما هو الشفاعة. ~~انتهى. # قوله: إن الله ملك المؤمنين الشفاعة كما ملك أهل الدنيا المال وغيره ~~فحقيقة هذا القياس أن الشفعاء يشفعون عنده بغير إذنه وفيمن لا يرضى أن يشفع ~~فيه3، كما أن أهل الدنيا [يتصرفون فيما أعطاهم الله بغير إذنه PageV01P112 # سبحانه وقدر] 1، يتصرفون تصرفا لا يرضاه الله، يتصرفون بحسب اختيارهم لا ~~بأمر الله لهم وإذنه، فقد يعطون من لا يرضى الله إعطاءه [ويمنعون من يحب ~~الله إعطاءه] 2، بل يعطون من نهى الله عن اعطائه ويمنعون من أمر الله ~~بإعطائه ويقربون إليهم ms078 من أمر الله بإبعاده ويبعدون من أمر الله بتقريبه، ~~وليس كذلك حال الشفعاء عندالله. ونصوص القرآن صريحة في أنه لا يشفع عنده ~~أحد إلا بوجود أمرين: إذنه للشافع، ورضائه عن المشفوع فيه فمتى فقد الأمران ~~أو أحدهما لم يوجد شفاعة قال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم:26] . وقال: ~~{من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة:255] وقال تعالى: {ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه} [يونس:3] . وقال تعالى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمان ورضي له قولا} [طه:109] . وقال: {أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} [الزمر:43،44] . # وقياس هذا أقبح من قياس المشركين بالشفعاء عند الملوك3. فالمشركون جعلوا ~~شفعاءهم بمنزلة خواص الملوك عند الملوك يشفعون عندهم بغير إذنهم، وفيمن لا ~~يرضونه، وهذه هي الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن، وأما قياس هذا الجاهل ~~الشفاعة بحال الدنيا وملكهم فيها، فالذي يسأل أهل الدنيا يسألهم مما في ~~أيديهم يقول: أعطوني مما في أيديكم. لا يقول إنهم يشفعون له عند الله ولا ~~يقول اشفعوا لي فتبين بطلان قياس هذا وضلاله. PageV01P113 # قال شيخ الإسلام تقي الدين بعد كلام سبق: ولهذا كانوا في الشفاعة على ~~ثلاثة أقسام: # فالمشركون1 أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق كما ~~يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم ويجيب ~~الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله ~~مشركون كفار، لأن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من ~~خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافع، ولهذا قال {ما لكم من دونه ~~من ولي ولا شفيع} [السجدة:4] إلى أن قال: وأما الخوارج والمعتزلة2 فإنهم ~~أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء ~~مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن ms079 النبي صلى الله عليه وسلم ولإجماع ~~خير القرون. # القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم ~~بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه، ~~فالشفاعة التي أثبتوها، هي الشفاعة التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة ~~التي نفاها القرآن - كما عكسه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة- ~~فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين ~~الغائبين والميتين قضاء حوائجهم، ويقولون إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ~~ويقولون إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، يشفعون بغير إذن الملوك، ~~ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء ~~الملك. والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك. انتهى. # وقوله: إن الله ملك المؤمنين الشفاعة مستدلا بقوله سبحانه: {لا يملكون ~~الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا} [مريم:87] وقوله: PageV01P114 # {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} ~~[الزخرف:86] . بناءا على أحد قولي المفسرين: أن الاستثناء في الآيتين متصل. # فإطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة خطأ، بل الشفاعة كلها لله ~~وحده {قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر:44] . وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، ~~وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء يشفعون والصالحون يشفعون، وعلى ~~هذا فمن أذن الله له في الشفاعة يصح أن يقال أنه ملك ما أذن له فيه فقط، لا ~~ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلق على الإذن والرضا، لا تمليك مطلق كما ~~يزعمه هذا الضال، وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع حتى يقال له ~~إرفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع، قال الله سبحانه لأكرم الخلق عليه {ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة:113] لما قال صلى الله عليه وسلم في ~~حق عمه: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"1 وقا ل في حق المنافقين {استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة:80] ~~. # وقوله: ms080 إن مراد المنادي له صلى الله عليه وسلم والمتوسل به إنما هو ~~بالشفاعة. # فقد تقدم جواب ذلك، وهو أن هذا مراد المشركين مما قصدوه، كما أخبر الله ~~عنهم بذلك كقوله عنهم {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس:18] {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر:3] .لم يقولوا أن أحدا من الملائكة أو ~~المسيح أو عزيرا أو الجن يستقلون بقضاء حوائجهم، وإنما يقولون إنهم يشفعون ~~لنا عند الله في قضاء حوائجنا. # وقوله: إن الصحابة كانوا يطلبون منه صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، ~~ولم يقل أنتم أشركتم لأنكم طلبتم مني قبل الإذن - قال - فدل على أن ذلك ~~جائز في حياته وبعد موته لأنه حي في قبره بالإتفاق - قال - وما جاز أن يطلب ~~منه في حياته PageV01P115 # جاز أن يطلب منه بعد الموت، ومن منع فعليه الدليل، وعلى قولكم أن الطلب ~~عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات انتهى. # أما إستدلاله بطلب الصحابة منه في حياته أن يدعوا لهم، ولم ينكر عليهم ~~ولم يقل أنتم أشركتم، فهذا من المغالطة والترويج على الجهال، يقول إذا ~~أنكرتم طلب الدعاء منه بعد موته لزمكم ألا تجيزوا1 طلب الدعاء منه في ~~حياته!! وإذا قلتم إنه لا يشفع في الآخرة إلا من بعد إذن الله له لزمكم ~~القول إنه لا يدعوا لأحد في الدنيا إلا من بعد إذن الله له في ذلك2!! # ويقول: لما ثبت أن الصحابة يطلبون الدعاء منه في حياته فكذلك يجوز بعد ~~موته. # ويقول: إذا كان يدعوا لهم بغير إذن الله في ذلك جاز أن يشفع لهم في ~~الآخرة بغير إذن الله له هذا حقيقة كلامه. # فيقال لهذا: وهل يقول أحد أنه لا يجوز طلب الدعاء منه في حياته صلى الله ~~عليه وسلم أومن غيره؟ فلا يقول هذا أحد، فقد كان أصحابه يطلبون منه أن يدعو ~~لهم ويستسقي لهم ويستنصرلهم ويستغفر لهم، وأمره الله بذلك فقال: {واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد:19] . وقال: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ms081 توابا رحيما} ~~[النساء:64] فدعاؤه صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل إلى مطلوبهم وقال ~~صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه في العمرة "أشركنا يا أخي في دعائك"3 ~~وما زال المسلمون يطلب بعضهم من بعض الدعاء قال تعالى: PageV01P116 # {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان} [الحشر:10] . # وقوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم طلب الدعاء منه، ولم ~~يقل أنتم أشركتم لأنكم طلبتم الدعاء مني قبل الإذن. # فهذا تهويل منه وتوهيم للطغام، وهل يقول هذا أحد؟ وإنما الذي يتوقف على ~~الإذن من الله سبحانه هو الشفاعة في الآخرة حين يرجع الأمر والملك لله ~~الواحد القهار الذي لا يغلبه غالب ولايقهره قاهر، قال تعالى {يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا} [طه:109] . {يوم يأت لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه} [هود:105] . {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا ~~من أذن له الرحمان وقال صوابا} [النبأ38] . والله سبحانه وتعالى فرق بين ~~أحكام الدنيا والآخرة، فشرع لأهل الدنيا دعاء بعضهم لبعض للأحياء والأموات، ~~وملكهم ما يتصرفون فيه، فهم يتصرفون بحسب اختيارهم، وأما الآخرة فأخبر ~~سبحانه أنه المتفرد بالملك والأمر والتصرف في ذلك اليوم، فلا يصنع أحد ~~شيئا، ولا أمر لغيره معه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} ~~[الإنفطار19] . ولا شفاعة إلا من بعد إذنه {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} ~~[يونس:3] . # فكلام هذا الضال يدور على التسوية بين أحكام الدنيا والآخرة، وهذا من ~~أعظم المحادة والمشاقة لله ولرسوله، {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} ~~[النساء:115] . # وقوله: إنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره بالاتفاق، حكاية الاتفاق1 كذب ~~منه، وهو قد نقض حكاية الاتفاق بما ذكره بعد من الحكاية المروية عن مالك ~~رحمه الله، وقول لأبي جعفر إن حرمته ميتا كحرمته حيا فوصفه مالك بالموت ~~PageV01P117 # حال كلامه مع أبي جعفر، فما ذكره عن ms082 مالك يكذب دعواه الاتفاق. ويأتي في ~~عبارة لهذا وصف فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالموت الآن، فهو متناقض. # وعبارته التي أشرنا إليها قوله في الكلام على حديث: "يا عباد الله ~~احبسوا" 1 فقال: ولكون النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا مع موته شرع لنا ~~خطابه والسلام عليه في الصلاة، وهو قولنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته. # فقوله: حاضرا مع موته، وصف له بالموت الآن. هذا مع أنه لا يمكنه أن يأتي ~~بحرف واحد عن الأئمة الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم ~~على حياته صلى الله عليه وسلم في قبره الحياة التي يشير إليها. # قال ابن القيم: لم يرد حديث صحيح أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره، لكن ~~نقطع أن الأنبياء لاسيما خاتمهم وأفضلهم محمد صلوات الله وسلامه عليه ~~وعليهم أجمعين أعلى رتبة من الشهداء، وقد قال سبحانه عن الشهداء أنهم أحياء ~~عند ربهم يرزقون، فالأنبياء أولى بذلك قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران:169] . ومع ذلك ~~فالشهداء داخلون تحت قوله: {كل نفس ذائقة الموت} [العنكبوت:57] . {إنك ميت ~~وإنهم ميتون} [الزمر:30] . فأثبت سبحانه للشهداء موتا بدخولهم في العموم ~~كالأنبياء وهو الموت المشاهد، ونفى عنهم موتا، فالموت المثبت غير الموت ~~المنفي2، فالموت المثبت هو فراق الروح الجسد وهو مشاهد محسوس، والمنفي زوال ~~الحياة بالجملة عن الروح والبدن. انتهى. # وقال البيضاوي على قوله سبحانه: {بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة:154] ~~. فيه تنبيه على أن حياتهم ليست في الجسد، ولا من جنس ما يحس به من ~~الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي. انتهى. # ومن العجب أنه لو جاء إنسان إلى ميت على وجه الأرض شهيدا أو PageV01P118 # غيره يطلب منه أن يدعو له فضلا أن يطلب منه أن ينصره على عدوه أو يكسوه ~~لقال الناس هذا مجنون، فإذا صار رميما في بطن الأرض زين لهم الشيطان ودعاة ~~الضلال من الإنس الاستغاثة به وطلب الحاجات منه. والعامي ms083 السليم الفطرة ~~يعلم بطلان هذا بفطرته، كما حكي لنا أن رجلا من أهل مكة ينسب إلى علم قال ~~لرجل عامي من أهل نجد: أنتم ما للأولياء عندكم قدر والله يقول في الشهداء ~~إنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال له العامي: هل قال يرزقون يعني بفتح الياء ~~أو قال يرزقون يعني بالضم فإن كان يعني بالفتح فأنا أطلب منهم فإن كان يعني ~~بالضم فأنا أطلب من الذي يرزقهم. فقال المكي: حجاجكم كثيرة وسكت. # ويقال لمن ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره كحياته كما كان ~~على وجه الأرض: [ثبت أنه صلى الله عليه وسلم مات بنص القرآن، فما حجتكم على ~~أنه عاد حيا كما كان على وجه الأرض] 1 قبل موته؟ فلن يجد2 إلى ذلك سبيلا، ~~وليس عندهم إلا مجرد دعوى أو شبهة لا حقيقة لها، ويدل على بطلان هذه الدعوى ~~ما رواه أبوداود عنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد ~~الله علي روحي حتى أرد عليه السلام"3. فهذا يدل على أن روحه الشريفة صلى ~~الله عليه وسلم ليست في بدنه # دائما، وإنما هي في أعلى عليين، ولهذا اتصال بالجسد الله أعلم بحقيقته، ~~لا يدركه الحس ولا العقل، وليس ذلك خاصا به صلى الله عليه وسلم لحديث تقدم ~~عنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في ~~الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" 4. وفي صحيح ~~مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في ~~رياض الجنة حيث شاءت PageV01P119 # ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش"1. الحديث. وقد أخبر سبحانه أنهم في ~~البرزخ أحياء عند ربهم يرزقون. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ولن يجمع ~~الله عليك موتتين} . # وقد قام الدليل القاطع أنه عند النفخة في الصور لا يبقى أحد ms084 حيا، فلو كان ~~الأمر كما يزعمون لكان الله قد يجمع عليه موتتين، ولما قال صلى الله عليه ~~وسلم: " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا: ~~كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يعني قد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض ~~أن تأكل أجساد الأنبياء"2. # ولم يقل لهم أنا حي في قبري كحياتي الآن صلوات الله وسلامه عليه دائما ~~إلى يوم الدين. # قوله: وما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته، ومن منع ~~فعليه الدليل. # ليس هذا خاصا به صلى الله عليه وسلم عند هذا المعارض، بل يزعم كما تقدم ~~أن الله أمر بطلب الحاجات ممن يعترف هذا بموتهم في قوله: إن الله أمر ~~بالطلب من الأموات # والغائبين. وادعى في موضع آخر حياتهم، فهو متناقض كما ترى. # قوله: ومن منع فعليه الدليل. # فنقول: جميع ما تقدم من الأدلة الدالة على أن دعاء الأموات والغائبين ~~وطلب الحاجات منهم من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، يدخل في ذلك الملائكة ~~والأنبياء والصالحون وغيرهم، لأن ذلك عبادة، وهي محض حق الله PageV01P120 # لا يرضى أن يشرك معه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل قال تعالى: {ولقد أوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ~~[الزمر:65] وقال: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام:88] . ~~وقال سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن ~~مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"1، وقال: "ما أحب أن ترفعوني فوق ~~منزلتي التي أنزلني الله"2. # وقول المعترض: وما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته. ~~تقدم الجواب عنه عند قوله: لأن الشيء الواحد يكون بالنسبة للحي طاعة ~~وبالنسبة للميت عبادة.. إلخ. تقدم هناك ما فيه كفاية لمن أراد الله هدايته. # وكلامه في هذا الموضع في حق النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى زيادة ~~بيان وإيضاح، فمن المعلوم بالضرورة أن الصحابة كانوا يطلبون منه صلى الله ~~عليه ms085 وسلم في حياته أن يدعو لهم ويستغفر لهم ويستسقي لهم ويستفتونه، ويطلب ~~الناس منه عرض الدنيا مما أعطاه الله تعالى، ويرجعون إليه فيما أشكل عليهم ~~من أمر دينهم، وهذا كله معلوم بالضرورة وأما بعد موته فلم يأت أحد من ~~الصحابة إلى قبره صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يدعو له، فضلا عن أن يطلب ~~منه شيئا من عرض الدنيا أو نصر على عدو ونحو ذلك، ولا استفتاه أحد منهم ~~فيما أشكل عليهم. فأول ذلك لما أشكل عليهم هل يجردونه من ثيابه عند غسله أو ~~لا، لم يسألوه وهو بين أيديهم. ولما عزم الصديق على قتال مانعي الزكاة وحصل ~~عند عمر توقف في ذلك لم يأت إلى قبره يسأله عما استراب فيه. ولما حضرت عمر ~~الوفاة طلب من عائشة أن يدفن مع صاحبيه ولم يقل استأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك لعلمهم - رضي الله عنهم - أن هذه الأمور مستحيلة منه ~~بعد موته. # واستسقى عمر بالعباس ولم يأت هو والصحابة إلى قبره يطلبون منه أن ~~PageV01P121 # يستسقي لهم كما كانوا يفعلونه في حياته. وحدث في المدينة حوادث عظيمة ~~كوقعة الحرة ولم يأت أحد إلى قبره ليستنصر لهم، فضلا عن أن يطلبوا منه أن ~~ينصرهم، فلو كان هذا جائزا لأتوا إلى قبره، ذكرهم وأنثاهم، لاسيما والمضطر ~~يتشبث بأدنى سبب يظن به النفع، وهذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله لو ~~فعل، لكنهم أعلم بالله ورسوله من هؤلاء الخلوف. وكان الناس يأتون إلى عائشة ~~يستفتونها وهي في بيته صلى الله عليه وسلم فكيف يستفتونها وتفتيهم وهو صلى ~~الله عليه وسلم عندهم يسمع كلامهم ويجيبهم لو سألوه في زعم هذا المبطل. ~~ولما وقع الاختلاف بين علي ومعاوية وأشكل أمرهم على كثير من الناس1 لم ~~يأتوا إلى قبره يستفتونه في هذا الأمر ليزيل الإشكال عنهم. وأشكل على ~~الصحابة مسائل كثيرة يختلفون فيها يوجد في المسألة لهم قولان وثلاثة وأربعة ~~وأكثر. وقال عمر: ثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. ms086 # فأين هذا المفتري عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول لهم ~~كيف تشكل عليكم المسائل وتختلفون فيها2، وهذا نبيكم بين ظهرانيكم حي ما ~~عرفتم # قدره؟! هذه حقيقة دعوى هذا الملبس، تخطئة أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتجهيلهم. وكان ابن عمر يأتي إلى القبر فيقول: السلام عليك يا رسول ~~الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف. وقال سلمة ~~بن وردان3: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ~~ظهره إلى جدران القبر ثم يدعوا. # ونص الأئمة الأربعة على أنه إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد ~~الدعاء أنه يستقبل القبلة ولا يستقبل القبر. # ومن المعلوم أن أعظم مطلوب الأمة منه صلى الله عليه وسلم أخذ العلم عنه، ~~ولم PageV01P122 # يقصد أحد منهم قبره صلى الله عليه وسلم لذلك فالتابعون أخذوا العلم عن ~~الصحابة، وتابعوا التابعين أخذوا العلم عن التابعين، وكذلك كل طبقة يأخذون ~~العلم عمن فوقهم، والعلماء يرحلون إلى الآفاق حجازا وشاما ويمنا وعراقا ~~لطلب الحديث بالأسانيد والوسائط الكثيرة، وتحملوا المشاق العظيمة، فلو كان ~~ما يقوله هذا حقا من أنه يطلب منه صلى الله عليه وسلم بعد موته كل ما يطلب ~~منه في حياته لتزاحموا عند قبره لأخذ العلم عنه على حقيقته ويتركون ~~الوسائط، وهذا أمر ظاهر الفساد، لكن ربما يدخل كلام هذا في نفوس بعض الجهال ~~لظنهم أن عند هذا الرجل علما، فيتفهموا الفطرة التي فطروا عليها حتى يبين ~~لهم بطلانه. # وقوله: فمن منع فعليه الدليل. فأي دليل أبلغ وأوضح مما قررنا من أن ~~الصحابة قبل موته صلى الله عليه وسلم يطلبون منه جميع ما تقدم، وأنهم بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم ما فعلوا معه شيئا مما كانوا يفعلون معه في حياته ~~من طلب الدعاء منه أو استفتائه أو طلب حاجة من حوائجهم أو نصر على عدو، ~~وكذلك التابعون بعدهم، فلا دليل أوضح من هذا على بطلان قوله إنه يطلب منه ~~بعد ms087 موته جميع ما يطلب منه في حياته. # قال ابن القيم رحمه الله1: ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه - ~~إلى أن قال - ومن المحال أن يكون دعاء الأموات أو الدعاء بهم مشروعا وتصرف ~~عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرزقه ~~الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله، ~~وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف ~~أو منقطع أنهم إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا PageV01P123 # عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو ~~يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا على ~~الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ~~ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة حرف واحد من ذلك، بل فيها ~~من خلاف ذلك كثير كما قدمنا من الأحاديث المرفوعة، وأما آثار الصحابة فأكثر ~~من أن يحاط بها. # -وقد ذكر جملة1 مما روي في ذلك منها - ما ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه من ~~زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال حدثنا أبو العالية قال: ~~لما فتحت تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه ~~مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر الخطاب، فدعا كعبا فنسخه بالعربية ~~فأنا أول2 رجل من العرب قرأ مثل ما أقرأ القرآن. قلت لأبي العالية ما كان ~~فيه؟ قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت فما صنعتم ~~بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا فلما كان بالليل دفناه وسوينا ~~القبور كلها لنعميه على الناس لا ms088 ينبشونه. قلت وما يرجون منه؟ قال كانت ~~السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت من كنتم تظنون الرجل؟ ~~قال: رجلا يقال له دانيال. فقلت منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمئة سنة. ~~قلت ما كان تغير منه شيء؟ قال: إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا ~~تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. # ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به ~~الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به هؤلاء المتأخرون ~~لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور ~~PageV01P124 # أوثانا من لا يداني هذا ولا يقاربه وأقاموا لها سدنة، فلو كان الدعاء عند ~~القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون ~~والأنصار هذا القبر علما لذلك ودعوا عنده وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا ~~أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم ~~بإحسان درجوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند ~~قبر صاحب ولا دعا به ولا دعاه ولا دعا عنده أو استسقى به ولا استنصر به، ~~ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما ~~هو دونه. # وذكر ابن القيم أيضا ما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري ~~عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"1. # وروى أبو يعلى عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعوا فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا ~~سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تتخذوا قبري ~~عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"2. رواه ~~أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ms089 المقدسي في مختارته. # وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سعيد مولى المهري قال: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما ~~كنتم فإن صلاتكم تبلغني". PageV01P125 # وروى سعيد أيضا عن سهيل بن أبي سهيل قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء. ~~فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم -ثم قال- إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني ~~حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس سواء". # قلت: ورواه عبد الرزاق في كتابه عن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى قوما ~~عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري ~~عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلو علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني"1. # قال ابن القيم: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت ~~الحديث، لاسيما وقد احتج به من أرسله فهذا يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن ~~روي من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندا. # قال شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه: ووجه الدلالة منه أن قبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا ~~فقبر غيره أولى. انتهى. # ففيما ذكرناه أوضح برهان وأبين دليل على بطلان دعوى هذا المفتري في قوله: ~~إن ما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته صلوات الله ~~وسلامه عليه وعلى سائر النبيين. # وقوله: بل على قولكم إن الطلب نفسه عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة ~~والممات.. # إلخ. # فقد تقدم الجواب عن هذه الشبهة في كلامنا على قوله فيما تقدم: إذا كان ~~النداء دعاء لزم ألا ms090 ينادي أحد لا حي ولا ميت. PageV01P126 # وقوله هنا فعلى قولكم إن الطلب نفسه عبادة. مقتضى كلامه أن الطلب من حيث ~~ليس بعبادة سواء كان الطلب من الله أو من غيره. # فيقال له: إن زعمت أن الطلب من الله ليس بعبادة فهذا معلوم البطلان كما ~~قررناه فيما تقدم وبينا دلائله، من ذلك أن الله أمر بدعائه، وأثنى على من ~~دعاه رغبا ورهبا فقال: # {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} [الأنبياء:90] ، ~~وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء عبادة فقال: "إن الدعاء هو العبادة" ~~1 وقال: "الدعاء مخ العبادة" 2 وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب ~~فهو عبادة عند جميع العلماء. فمن قال إن دعاء العبد ربه ليس بعبادة له فهو ~~ضال، بل كافر، فإن أقر أنه عبادة ولابد أن يقر إلا أن يعاند ويكابر، فإن ~~أقر أن دعاء العبد ربه عبادة فإذا دعا ربه راغبا وراهبا فقد عبده3، فإذا من ~~دعا من لا يسمعه أو لا يستجيب له من ميت أو غائب كان قد دعا من لا ينفعه ~~ولا يضره، ونصوص القرآن صريحة في النهي عنه وذم من دعا من هذه صفته، فيدخل ~~في ذلك الأموات والغائبون كالجماد4، لأن كلا من هؤلاء لا يستجيب لداعيه فلا ~~ينفعه إن دعاه ولا يضره إن لم يدعه. وتقدم حكاية الشيخ تقي الدين إجماع ~~المسلمين على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ~~ويسألهم. وتقدم أيضا قول الله سبحانه وتعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56] . وقول المفسرين: ~~إنها نزلت فيمن يعبد الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والجن، وقول الشيخ تقي ~~الدين: إن الآية تعم من دعا الأموات والغائبين. فكل من دعا ميتا أو غائبا ~~فهو داخل في حكم هذه الآية، وهذا ظاهر لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، والذين هم سبب النزول غائبون، وغائبهم PageV01P127 # أقرب من غائب الإنس، ومنهم الميت كعزير ومريم. # ويقال لهؤلاء الذين يدعون الأموات والغائبين ms091 ادعوهم فيما يهمكم وينزل بكم ~~من الشدائد فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله، فكل من دعا من لا ~~يملك كشف الضر1، ولا تحويله داخل في عموم الآية. وأما طلب الإنسان حاجته من ~~حي حاضر ما2 يدخل تحت مقدور البشر فلم يمنع الله سبحانه من ذلك كما قدمنا ~~مع أن ترك مسألة الناس من تحقيق التوحيد وكماله. فلو أن الله سبحانه أمرنا ~~بطلب حاجاتنا من الأموات والغائبين كما زعم هذا وفعلنا ذلك امتثالا لأمر ~~الله كان ذلك عبادة منا لله لا لغيره، كما أن الله سبحانه لما أمر الملائكة ~~بالسجود لآدم وسجدوا كان ذلك عبادة لله لا لآدم. ولو أمرنا الله بالسجود ~~لنبينا وفعلنا كان ذلك عبادة منا لله لا لنبينا صلى الله عليه وسلم ولو ~~فعلنا ما نهانا الله عنه من السجود لغيره كان ذلك عبادة للمسجود له. # واحتج المعارض بما رواه الترمذي عن أنس أنه طلب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يشفع له. # وهذا لا ينكر كطلب أهل موقف القيامة من الرسل أن يشفعوا لهم، وإنما ننكر ~~الطلب منه بعد موته، وننكر الشفاعة الشركية التي أثبتها هذا بقوله إن الله ~~ملك المؤمنين الشفاعة كما ملك أهل الدنيا ما أعطاهم فيها، فهم كما تقدمنا ~~يتصرفون على حسب اختيارهم. وحقيقة تشبيهه أن المؤمنين يشفعون بحسب اختيارهم ~~من غير إذن من الله كحال أهل الدنيا فيما أعطاهم الله. فهذه هي الشفاعة ~~التي ننكرها كما نفاها القرآن. # واستدل المعترض بحديث الأعمى. # ولا حجة له فيه، وليس فيه ما يوهم جواز دعائنا له3 والاستغاثة ~~PageV01P128 # به. وغاية ما يفهم من حديث الأعمى التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم كما ~~فهمه منه ابن عبد السلام. وقد بين شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى ~~معنى الحديث وأوضحه غاية الإيضاح. # ولفظ الحديث: "أن رجلا أعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري، قال: إن شئت دعوت لك الله وإن شئت ~~صبرت. قال: ادعه. ms092 فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويقول: اللهم إني أسألك ~~وأتوجه إليك بنبيك محمد يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، ~~اللهم فشفعه في" 1 هذا لفظه. وليس فيه حجة لهذا في جواز الاستغاثة به صلى ~~الله عليه وسلم فهو لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه بصره، ~~وإنما طلب منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له، وليس في الحديث صراحة ~~لما فهمه ابن عبد السلام. # قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله بعد كلام ذكره: ومن هذا استشفاع ~~الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، بمعنى أنهم [يطلبون منه أن ~~يشفع إلى الله كما كانوا في الدنيا] 2 يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء ~~وغيره. وقول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا. معناه: نتوسل إليك بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء ~~عمه وسؤاله وشفاعته، وليس المراد أنا نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى ~~مما يفعل بعد موته وفي مغيبه كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك، أو ~~يقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه ورسله وأوليائه. ويرون حديثا موضوعا: ~~"إذا سألتم الله فأسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض" 3، فلو كان هذا ~~التوسل الذي كان الصحابة PageV01P129 # يفعلونه كما ذكر عمر لفعلوا ذلك بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس، مع ~~علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس. فعلم أن ذلك التوسل الذي ~~ذكره عمر هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، ~~فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه دعاء ولا غيره، وكذلك حديث ~~الأعمى فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه ~~بصره، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره أن يسأل الله به قبول ~~شفاعته، وإن قوله: أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أي بدعائه ~~وشفاعته، كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا. ms093 فلفظ التوجه والتوسل في ~~الحديثين بمعنى واحد. ثم قال يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ~~ليقضيها، اللهم فشفعه في، فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. وقوله: يا محمد ~~يا نبي الله، فهذا وأمثاله نداء1 يطلب منه استحضار المنادى في القلب، ~~فيخاطب المشهود بالقلب، كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته. والإنسان يقول مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن ~~لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. انتهى. # وقول المعترض: إن ابن تيمية يقول إن الأعمى صور صورة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وخاطبه كما يخاطب الإنسان من يتصوره في ذهنه ممن يحبه أو يبغضه وإن لم ~~يكن حاضرا - قال - وهذا عجيب من ابن تيمية، فإن نداء الصورة والطلب منها مع ~~كونها وهما خياليا أقوى في الحجة على المانع، فهذا الحديث هو الدليل لمن ~~يجوز نداء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته. والناظم ممن يرى ~~ذلك. انتهى. # انظر كذب هذا على ابن تيمية بقوله: إن ابن تيمية يقول إن الأعمى صور صورة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وليس هذا لفظ ابن تيمية وإنما قال رحمه الله: ~~فهذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود ~~PageV01P130 # بالقلب كقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته -ثم قال- ~~والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج ~~من يسمع الخطاب. هذا لفظه على حديث الأعمى في اقتضاء الصراط المستقيم ~~وغيره، هل قال إن الأعمى صور صورة النبي صلى الله عليه وسلم وقول الشيخ بعد ~~ذلك والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوره في ذهنه، أي من يستحضره ~~في نفسه. # وقوله: وهذا عجيب من ابن تيمية فإن نداء الصورة والطلب منها مع كونه وهما ~~خياليا أقوى في الحجة على المانع. # فيقال: وهل قال ابن تيمية إنه يطلب من الصورة شيء. ولم يذكر ابن تيمية ~~لفظ الصورة، وإنما قال من يتصوره أي يستحضره. # ثم ms094 أتى المعارض بالكذب الصريح في قوله: وذكر ابن تيمية في معنى هذا ~~الحديث قولين. قول بجواز التوسل به، بمعنى طلب دعائه في حياته. وقول بجواز ~~ذلك في حياته ومماته ومغيبه-قال-وقد وافق ابن تيمية ابن عبد السلام بجواز ~~الطلب والتوسل به صلى الله عليه وسلم لحديث الأعمى، فصار ندؤاه والطلب منه ~~محل اتفاق. انتهى. # ففي هذه الجملة من كلامه ثلاث كذبات: # الأولى: قوله إن ابن تيمية حكى قولا في معنى الحديث بجواز الطلب منه صلى ~~الله عليه وسلم في حياته ومماته وحضوره ومغيبه. # الكذبة الثانية: قوله إن ابن تيمية وافق ابن عبد السلام بقوله [إن ابن ~~عبد السلام يقول] 1 بجواز الطلب منه في الحياة والموت. # والكذبة الثالثة: قوله فكان نداؤه والطلب منه محل اتفاق. # وكذبة رابعة على ابن عبد السلام بقوله: إن ابن عبد السلام يقول بجواز ~~الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم والسؤال منه في الحياة والممات. ~~PageV01P131 # أما قوله إن ابن تيمية حكى قولا في معنى الحديث أن المراد طلب الدعاء منه ~~في الحياة والممات والحضور والغيبة، فهو كاذب على الشيخ. والشيخ رحمه الله ~~جزم بأن معنى الحديث: أن الأعمى طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ~~له، وأن ذلك مختص بالحياة ممتنع بعد الموت، كاستسقاء عمر بالعباس. ثم ذكر ~~قول ابن عبد السلام إنه فهم من حديث الأعمى التوسل بجاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يوافقه الشيخ على ذلك، بل منع من التوسل بجاهه صلى الله عليه ~~وسلم وما جزم به الشيخ في معنى الحديث، [وما حكاه عن ابن عبد السلام هما ~~القولان اللذان ذكرهما في معنى الحديث] 1 حديث الأعمى، لا كما زعم هذا ~~الكذاب أن القولين في طلب الدعاء منه، وأن أحد القولين اختصاص ذلك بالحياة، ~~والقول الثاني أن ذلك جائز في حياته ومماته صلى الله عليه وسلم وأن هذا قول ~~ابن عبد السلام وأن الشيخ وافقه على ذلك، فكذب على ابن عبد السلام وعلى ~~الشيخ في زعمه أنهما أجازا طلب الدعاء ms095 منه صلى الله عليه وسلم بعد موته. ما ~~أجرأ هذا على تعمد الكذب!! لأنه يرى كلام الشيخ على هذا الحديث نفسه، ~~وإنكاره طلب الدعاء من الأموات، لاسيما طلب ذلك منه صلى الله عليه وسلم ~~ويقول طلب الدعاء من الأموات شرك. وكتابه في الرد على ابن البكري الذي جوز ~~الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم موجود. وكلامه على حديث استسقاء عمر ~~بالعباس في أن طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم مختص بحياته. وكلامه في ~~هذه المسألة معروف مشهور موجود في كتبه، فكيف يجترىء على الكذب الظاهر. # قوله: فكان نداؤه والطلب منه محل اتفاق، كذب ظاهر وخطأ فاحش. # أما أولا فإنه لو2 يتفق ابن عبد السلام وابن تيمية على قول واحد في مسألة ~~فإنه لا يقال فيه إنه اتفاق. وإنما يقال هذا محل اتفاق فيما اجتمع] ~~PageV01P132 # عليه علماء الأمة الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم في الأحكام. وهذا لم يذكر ~~كلمة واحدة توافق مذهبه عن صحابي ولا تابعي ولا عن إمام من أئمة المسلمين، ~~وإنما حقيقة أمر هذا الرجل كما قال بعض العلماء: شرك مبني على إفك. # كذب على الله في قوله: إن الله أمر بالطلب من الأموات والغائبين، وأن هذا ~~من الوسيلة التي أمر الله بها. وكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في زعمه ~~أن حديث الأعمى وغيره مما أورد يدل على ذلك. [وادعى اتفاق العلماء على حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قبره] 1. وادعى على ابن تيمية وابن عبد السلام ~~أنهما أجازا الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وأن ذلك اتفاق. ~~وكذب2 في قوله إن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا ~~أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا ~~الله. # وكذبه وتناقضه ومعارضته للقرآن والحديث لا يخفى على عاقل منصف نبهنا على ~~بعضه. وأحببت أن أذكر هنا بعض كلام الشيخ رحمه الله في مسألة التوسل وقول ~~ابن عبد السلام. # قال الشيخ تقي الدين رحمه ms096 في رده على ابن البكري: وما زلت أبحث وأكشف ما ~~أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين ~~في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم، فما وجدته. ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي ~~محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأما بالنبي فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك. وذكر القدوري في ~~شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز أن يسأل الله إلا به. ~~انتهى. # وذكر ابن القيم في إغاثة اللهفان3 عن أبي الحسين القدوري نحو PageV01P133 # ذلك، فقال: قال القدوري، قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف قال: قال أبو ~~حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من ~~عرشك، أو يقول بحق خلقك1. وهو قول أبي يوسف. # قال أبو يوسف معقد العز من عرشك هو الله، فلا أكره ذلك، وأكره بحق فلان، ~~أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام. # قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا ~~تجوز يعني وفاقا. # وقال البلدجي في شرح المختارة: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: ~~أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك ونحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على ~~الخالق. انتهى. # وهذه المسألة غير ما نحن فيه لكن ناسب ذكر2 ذلك لمخالفته لما فهمه [ابن ~~عبد السلام من حديث الأعمى، وأن الذي فهم] 3 ابن عبد السلام إنما هو التوسل ~~به صلى الله عليه وسلم في الدعاء، لا دعاؤه نفسه كما زعمه هذا المفتري. # واحتج المعترض بالحديث الذي روي مرفوعا: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض ~~فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن لله حاضرا سيحبسه" 4 وزعم أن سنده ~~صحيح. PageV01P134 # وليس كما ذكر من صحته، لأن في سنده معروف بن حسان وهو منكر الحديث، قاله ~~ابن عدي، وعلى تقدير صحته فليس فيه حجة لهذا المبطل على جواز دعاء الأموات ~~والغائبين، لأنه قال فيه: فإن ms097 الله حاضرا سيحبسه. المعنى: أن لله عبادا لا ~~نعلمهم -وما يعلم جنود ربك إلا هو- قد وكلهم سبحانه بهذا الأمر. وهذا يدل ~~على أن هؤلاء الذين أمر بمناداتهم حاضرون أحياء، جعل الله لهم قدرة على ~~ذلك، فمناديهم ينادي من يسمع ويقدر على ذلك، لقوله: فإن الله حاضرا سيحبسه. ~~وهذا كما ينادي الإنسان أصحابه الذين معه في السفر أن يردوا عليه دابته إذا ~~انفلتت. # وكل عاقل يتيقن أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بمناداة من لا يسمع ~~ولا يعين من ناداه. ومن استدل بذلك على جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين ~~فهو ضال. # قال المعترض -بعد إيراده هذا الحديث-: وأما قول من قال إن هذا نداء لحاضر ~~كذب # ظاهر. فإن عباد الله المدعوين -وإن كانوا حاضرين بالنسبة لعلم الله الذي ~~لا يغيب عنه شيء- فهم غائبون بالنسبة لمن يناديهم، وكذلك الأنبياء ~~والصالحون من أهل القبور، فإنهم أحياء1 في قبورهم، وأرواحهم موجودة، ولهذا ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادوهم ويخاطبوهم كمخاطبة الحاضر، مع ~~أنهم غائبون عن الأعين. انتهى. # فالعجب من تناقض هذا!! يورد هذا الحديث -ونص الحديث: فإن لله حاضرا ~~سيحبسه- ثم يقول: من قال إن هذا نداء لحاضر كذب ظاهر. يورد الحديث ثم ~~يكذبه. # وقوله: فإن عباد الله المدعوين وإن كانوا حاضرين بالنسبة لعلم الله فهم ~~غائبون بالنسبة لمن يناديهم. فيا سبحان الله!! كيف يبلغ اتباع الهوى بصاحبه ~~إلى هذا التناقض ومعارضة الأحاديث التي يحتج بها. PageV01P135 # فإذا أخبر الرسول أنهم حاضرون قادرون بقوله: فإن لله حاضرا سيسحبه. ~~فإخبار الرسول بحضورهم أبلغ من رؤيتنا لهم، كما لو كان الذي انفلتت دابته ~~أعمى ويعلم أن عنده أناسا لا يراهم، فإنه يستعين بهم لعلمه أنهم يسمعون ~~كلامه وإن لم يكن يراهم. # قال المعترض في كلامه على هذا الأثر قال: ولكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~حاضرا مع موته شرع لنا خطابه والسلام عليه في الصلاة. # فقوله: مع موته. إقرار منه بموته في قبره الآن. ثم كابر فادعى أن جميع ~~الصالحين في قبورهم أحياء، وكذب في ms098 هذه الدعوى، والله سبحانه أخبرنا بحياة ~~الشهداء في كتابه، والأنبياء أرفع من الشهداء فهم أولى بذلك من الشهداء، مع ~~أنه لم يأت حديث صحيح بحياتهم. وهذه حياة لا يعلم صفتها وحقيقتها إلا الله ~~لقوله سبحانه: {بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة:154] . # وأما قوله بحياة الصالحين غير الأنبياء والشهداء في قبورهم فكذب منه ~~وافتراء. # وقوله: ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادوهم ويخاطبوهم مخاطبة ~~الحاضر مع أنهم غائبون عن الأعين. # فيقال لهذا المبطل: الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمته وشرعه لهم ~~عند زيارة القبور حجة عليك كافية في إبطال مذهبك، هل فيما شرعه النبي صلى ~~الله عليه وسلم حرف واحد يتضمن دعاءهم والطلب منهم والاستغاثة بهم؟! بل ليس ~~فيها ما يتضمن سؤاله بهم. فليتأمل طالب الحق جميع ما جاء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مما كان يقول إذا زارها، وما أمر به أمته عند زيارتها، هل يجد ~~فيها حرفا واحدا مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم يجدها مخالفة لما هم عليه ~~من جميع الوجوه؟ فمضمون الزيارة التي شرعها صلى الله عليه وسلم تذكر ~~الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال ~~العافية له، فبدل هؤلاء # PageV01P136 # المشركون قولا غير الذي قيل لهم، وغيروا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة ~~الشرك بالميت بالاستغاثة به وسؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات والنصر على ~~الأعداء واستنزال البركات. # وقوله: ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادوهم ويخاطبوهم مخاطبة ~~الحاضر. # فيقال له: وهل في خطابهم لهم طلب حاجة منهم أو طلب الدعاء منهم؟ أو ~~المخاطب الزائر المسلم هو الذي يدعو لهم ويستغفر لهم ويترحم عليهم ويسأل ~~الله لهم العافية. # فهل في ذلك إلا ما هو حجة عليك. # ثم يقال لهذا المتخرص: هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته مع ~~الأموات في دعائه لهم في الصلاة على جنائزهم، وعند دفنهم وعند زيارتهم، هل ~~تجد فيها حرفا واحدا يوافق دعواك في طلب الحاجات من الأموات والغائبين؟ ~~ودعواك أن الله ms099 أمر بذلك بقوله: {وابتغوا إليه الوسيلة} فكأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما علم من معنى الوسيلة ما علمت؟ وأنه علم ذلك ولم يدل عليه ~~بحرف واحد. # وكذلك أصحابه من بعده عند إتيانهم إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه لا ~~يزيدون على مجرد السلام عليه وعلى صاحبيه كما تقدم عن ابن عمر وأنس وغيرهما ~~وما تقدم عن أهل بيته صلى الله عليه وسلم من إنكار علي بن الحسين زين ~~العابدين على الذي يدعوا الله عند قبره صلى الله عليه وسلم وقول الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب للذي قال سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~له: إذا دخلت المسجد فسلم - وفي رواية - فنهاه، واستدل بقوله صلى الله عليه ~~وسلم {لاتتخذوا بيتي عيدا} . الحديث وتقدم. # أفخفي على هؤلاء السادة ما فهمه هذا وأشياعه من قول الله {وابتغوا إليه ~~الوسيلة} وما فهمه من حديث الأعمى وغيره؟! ولكن بهذا ونحوه يظهر مصداق ~~النبي صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن من كان قبلكم"1. وقد أخبر الله تعالى ~~عن أهل الكتاب قبلنا بالغلو والكذب وتحريف الكلم عن موضعه. PageV01P137 # وما ذكره المعترض عن عتبه بن غزوان فهو مثل الذي قبله، لقوله فيه: {فإن ~~لله عبادا لا يراهم} ولفظه: {إذا أضل أحدكم شيئا وأراد عونا وهو بأرض فلاة ~~ليس بها أنيس فليقل يا عبادالله أعينوني؛ فإن لله عبادا لايراهم} 1. # قال المعترض: فهب أن عباد الله المدعوين حاضرون كما قال، ولكن إذا لم ~~يرهم الداعي لهم كيف يهتدي إلى الطريق وهو لم يرهم؟ # فيقال: قولك هذا اعتراض منك على ما استدللت به. # ونقول له قد تحصل الهداية بإشارة أو علامة ترفع له، أو يكونون من جنس ~~الملائكة الذين يلقون في قلب ابن آدم، فكل هذا جائز إن صح الأثر. # فانظر تسميته النداء دعاء في ثلاث مواطن من هذا المحل!! وهو يقول إن طلب ~~المخلوق من المخلوق لا يسمى دعاء بل نداء. فتناقض، وهذا من سنة الله سبحانه ~~في المبطل أنه يتناقض. # واحتج أيضا بما روي ms100 أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكا ~~إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج ~~فيستسقي بالناس. هذا لفظه في اقتضاء الصراط المستقيم. # قال الشيخ رحمه الله: ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأعرف من هذا وقائع. - قال - وليس هو مما نحن فيه - قال - وهذا القدر ~~إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا، ففرق ~~بين هذا وهذا. انتهى. # وهذه الحكاية التي احتج بها هذا المبطل هي حجة عليه في قوله: إن ما جاز ~~أن يطلب منه في حياته صلى الله عليه وسلم جاز أن يطلب منه بعد موته. وهو ~~صلى الله عليه وسلم لما PageV01P138 # كان حيا معهم على وجه الأرض إذا طلبوا منه أن يستقي لهم يستسقي بنفسه، لا ~~يقول اذهبوا إلى فلان ليستسقي لكم. وفي هذه الحكاية لم يقل أنا أستسقي لكم، ~~بل أمر عمر يخرج بالناس يستسقي لهم، فدل على أن هذا متعذر منه بعد موته صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة خرجوا إلى الصحراء مع عمر واستسقوا، ولم يأتوا إلى ~~قبره يطلبون منه أن يستسقي لهم كما كانوا يفعلون في حياته، بل ولا جاءوا ~~يستسقون عند قبره. # وقوله: إن صاحب هذه الحكاية صحابي أعلم من سائر علماء المسلمين. # فقوله هذا كذب ظاهر. وهل يعرف اسمه حتى يعرف حاله؟! والمدينة في ذلك ~~الزمان يردها أهل الآفاق من العرب والعجم والبادية والحاضرة، ولا سمي صاحب ~~هذه الشكوى، ولا يدرى من هو، فكيف يزكيه هذه التزكية البالغة وهو لا ~~يعرفه؟! والشيخ يقول: ومثل هذا إذا وقع لا يدل على حسن حال السائل. # وقوله: إن ابن تيمية ذكر هذه الحكاية -وأنه قال- وهذا حق ومثل هذا يقع ~~كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، والشيخ ذكر جملة من هذا النوع ~~ثم قال وهذا حق، يعني وقوع مثل هذا ثابت، ليس مراده أنه صواب كما زعمه هذا. # والشيخ رحمه الله ms101 لما قرر أن الدعاء عند القبور بدعة يعني قصدها لأجل ~~دعاء الله عندها وأن ذلك منهي عنها، وقرر أن دعاء المقبورين وسؤالهم قضاء 1 ~~الحاجات شرك. قال: ولا يدخل في هذا أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع ~~الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك - إلى أن قال - رحمه الله فإن الخلق ~~لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة PageV01P139 # بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد ~~سببها، فلولا أن يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ~~ذلك. وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور ~~الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين ~~والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها - إلى أن قال - فجنس هذا حق1 ~~وليس مما نحن فيه إلى أن قال وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة عندها ولا ~~قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها ~~الشارع كما تقدم - قال - فذكرت # هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضتها لما ذكرنا، وليس كذلك. # واحتج المعترض بالحكاية التي ذكرها القاضي عياض في الشفاء: أن الإمام ~~مالكا رحمه الله تناظر مع أبي جعفر المنصور، فقال مالك: يا أمير المؤمنين ~~إن الله أدب أقواما فقال {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات:2] . ~~ومدح قوما فقال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى} [الحجرات:3] . # وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله ~~أستقبل القبلة أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال مالك: ولم تصرف ~~وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، بل استقبله وتشفع به. ثم قرأ {ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما} [النساء"64] 2. PageV01P140 # ولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى أشياء ms102 ذكرها عن السلف ~~عامة وعن مالك خاصة، قال: وهذا الذي ذكرنا عن السلف ومالك يبين حقيقة ~~الحكاية المأثورة عنه التي ذكرها القاضي عن محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر ~~إلخ. # قال رحمه الله: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة أو مغيرة، ~~وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه [إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه] 1، ~~المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر ~~عند الدعاء، وقد نص أنه لا يقف عنده للدعاء مطلقا -إلى أن قال- وأما ~~الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله} الآية فهو والله أعلم باطل فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة ~~فيما أعلم. ولم يذكر عن أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت الاستغفار ~~ولا غيره. وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي ذلك، وإنما يعرف مثل هذا في ~~حكاية ذكرها بعض المتأخرين من الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتلا هذه الآية، # وأنشد: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي PageV01P141 # وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لاسيما ~~مثل هذا الأمر العظيم الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون ~~أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء الله حاجة هذا الأعرابي وأمثاله له ~~أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع. وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن ~~يكون ذلك السبب مشروعا مأمورا به. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق ~~السائل، حتى قال: "إني لأعطي أحدهم المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا " ~~قالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: "يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله ~~لي البخل" 1. # قال: وقد يفعل الرجل ms103 العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي ~~عنه، فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه لعدم علم، وهذا باب واسع. # قوله رحمه الله في أول كلامه: وهذا الذي ذكرناه عن السلف ومالك يبين ~~حقيقة الحكاية المأثورة عنه. # فالكلام الذي أشار إليه قوله قبل ذلك: واتفق الأئمة على أنه إذا دعا ~~بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره [وتنازعوا عند السلام عليه، ~~فقال مالك وأحمد وغيرهما إنه يستقبل قبره] 2 ويسلم عليه وهو الذي ذكره ~~أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه. وقال أبو حنيفة بل يستقبل القبلة ويسلم ~~عليه. هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن اسحاق في ~~المبسوط والقاضي عياض وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P142 # ويدعو [ولكن يسلم ويمضي. وقال أيضا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو ~~خرج أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو] 1 له ولأبي بكر وعمر ~~فقيل له: إن أناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك ~~في اليوم مرة وأكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغنا هذا عن ~~أحد من أهل الفقه ببلدنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم ~~يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء ~~من سفر أو أراده. # ثم قال الشيخ: فقول مالك في هذه الحكاية إن كان ثابتا عنه معناه: أنك إذا ~~استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه2 وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم ~~القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاع العبد به في ~~الدنيا هو فعل ما يشفع له به يوم # القيامة، كسؤال الله له الوسيلة. # وكذلك ما نقل من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو ويسلم. يعني دعا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وصاحبيه فهذا هو الدعاء المشروع هناك كالدعاء ms104 عند زيارة ~~قبور المسلمين وهو الدعاء # لهم، فإن أحق الناس أن يصلى عليه ويدعى له بأبي هو وأمي صلوات الله ~~وسلامه عليه. # وبهذا تتفق أقوال مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه ~~وذكر أنه بدعة. انتهى. # ويشهد لذلك ما رواه عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن أيوب عن نافع قال: ~~كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام ~~عليك يا رسول # الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. PageV01P143 # قال معمر وأخبرنا عبيد الله 1 بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال معمر: ~~فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر. # وقال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه "الصارم المنكي في الرد ~~على # السبكي": محمد بن حميد راوي2 هذه الحكاية -أعني حكاية أبي جعفر مع الإمام ~~مالك- هو محمد بن حميد الرازي لا العمري3 كما ظنه السبكي. # قال: وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي هذا غير واحد من الأئمة ونسبه ~~بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة: محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. ~~وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو العباس4 ~~محمد بن أحمد الأزدي: سمعت إسحاق بن منصور يقول أشهد على محمد بن حميد ~~وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وذكر عن جماعة كثيرة نحو ~~ذلك، فهذا يبين عدم صحة هذه الحكاية، والله أعلم. # وذكر المعترض ما روي أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد ثلاثة أيام من دفنه صلى الله عليه وسلم ورمى بنفسه وقال: يا رسول الله ~~قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} الآية. وقد جئتك مستغفرا لذنبي. فنودي من ~~القبر: غفر لك. # فيا سبحان الله يعتمد على حكاية أعرابي بغير إسناد ms105 في هذا الأمر الذي ~~لوكان مستحبا أو جائزا لفعله الصحابة والتابعون، ولو كانوا يفعلون ~~PageV01P144 # شيئا من ذلك لنقل عنهم لا عن أعرابي وغيره ممن لا تعرف حاله. # فلو وجد الناقل لهذه الحكاية1 شيئا من ذلك عن أحد من الصحابة وعلماء ~~التابعين لكان أولى من نقله عمن لا يعرف بصحبة2 ولا علم. # وأيضا فهذه حكايات بغير إسناد معروف، بحيث لو يذكر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحاديث بغير إسناد معروف رجاله لم يلتفت إليها، مع أنه ليس في ~~هذه الحكاية ونحوها أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يغفر له أو أن ~~يدعو الله له. # قال المعترض ويعضد هذا الأثر المتقدم الذي تلقاه الأئمة بالقبول - يعني ~~أثر العتبي - حتى ابن تيمية مع أنه شدد في ذلك. # فكذب على ابن تيمية في قوله إنه تلقاه بالقبول، بل ابن تيمية خطأ من احتج ~~بحكاية العتبي كما قدمنا عنه. وما روي من قول سواد بن قارب. # فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب # فهذا3 بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته كما تقدم من حديث أنس، ~~وكاستشفاع الناس به يوم القيامة. وقوله: أدنى المرسلين وسيلة. فهو كذلك ~~صلوات الله وسلامه عليه، لأن الوسيلة هي القربة، والتوسل إلى الله: التقرب ~~إليه بطاعته وإتباع رسوله والاقتداء به، وهذا هو الوسيلة المأمور بها في ~~قوله سبحانه: {وابتغوا إليه الوسيلة} ومن الوسيلة دعاؤه لهم صلى الله عليه ~~وسلم وطلبهم ذلك منه في حياته كما كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم ويستسقي ~~لهم كقول عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. الحديث. # فهذا من الوسيلة المأمور بها. PageV01P145 # اذكر أحب الناس إليك. وأن ابن عباس قاله لآخر. فقال أحدهما: محمد. وقال ~~الآخر: يا محمد. # وليس له في هذا حجة على طلب الحاجات من الأموات والغائبين. # والقائل لم يقل ادع أحب الناس إليك. والمقول له لم يقل يا محمد أزل خدر ~~رجلي. فإن صح الأثر فلعل المعنى في ذلك أنه ms106 توسل إلى الله بمحبة نبيه. # وأحدهما لم يأت بحرف النداء وذكرها أحدهما، فلعل هذا مثل قولنا: السلام ~~عليك أيها النبي، السلام عليك يا رسول الله. وخدر الرجل من نوع الضر1، ~~والمحتج بذلك يحتج به على جواز طلب كشف الضر من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وغيره وقد قال الله تعالى: # {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن:21] . أي لا أقدر على كشف ضر ~~نزل بكم ولا جلب خير إليكم. أي إن الله يملك ذلك لا أنا. وقال: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} . [الإسراء: 56] ~~. وقد ذكرنا فيما تقدم أن مفسري الصحابة والتابعين ذكروا أن الآية نزلت ~~فيمن يعبد الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والجن. والآية تعم كل مدعو من دون ~~الله. # فإذا كان الملائكة الذين يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم لا ~~يملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا تحويله من حال إلى حال فغيرهم أولى. فإذا ~~كان هؤلاء المذكورون لا يستجيبون لمن دعاهم فهم داخلون تحت قوله تعالى: ~~{ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} ~~[الأحقاف:5،6] وغيرها من الآيات فكيف تعارض نصوص القرآن بمثل ذلك. # ومضمون دعوى المحتج بذلك: أن الشفاء يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان PageV01P146 # في رقية النبي للمريض1: اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك2. 3 # فالمحتج بهذا الأثر على4 ما ادعاه معارض لنصوص القرآن والسنة مكذب لله ~~ورسوله فيما ذكرنا من الآيات والحديث. ولو قال من خدرت رجله أعوذ برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من شر ما أجد صار مستعيذا بمخلوق. ونص العلماء أن ~~الاستعاذة لا تجوز بمخلوق والاستعاذة5 نوع من الدعاء كما أمر تقريره. # فلو قال من أصابه ما يكره أعوذ بمحمد مما أجد وأسأله كشف ما أجد أو أشكو ~~إليه ما أجد كان المعنى في جميع هذه العبارات واحدا إذ المعنى: أطلب إزالة ms107 ~~ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. # وابن القيم ذكر هذا الأثر، فلو كان فيه شبهة تعارض ما كان يقرره من أن ~~دعاء غير الله والاستغاثة به شرك لبين ذلك. # ورأيت من جملة فتاوى للقاضي أبي يعلى منها أنه سئل عمن يقول يامحمد، يا ~~علي، فقال: هذا لا يجوز لأنهما ميتان. # وقول المعترض: أوليس ابن تيمية قد عذر المتأول والمقلد وقال أنه يغفر ~~للجاهل ما لا يغفر لغيره. # فيقال لهذا: إنما يورد من كلام الشيخ هذا من يوافق على تحريم الاستغاثة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات وأن ذلك شرك. ثم يقول لعله ~~يغفر للجاهل ونحوه. # وأما من ينكر قول الشيخ في ذلك ويبدع من قال بقوله أو يكفره فلا يتوجه له ~~القول بعذر المذكورين، لأنه يقول إنهم غير مخطئين، بل PageV01P147 # مأجورين1 لامتثالهم أمر الله في قوله: {وابتغوا إليه الوسيلة} في زعم هذا ~~المحرف لكلام الله فلا وجه لطلب العذر لهم. # وما قاله الشيخ رحمه الله في هذا الباب أعني باب التوحيد ليس باجتهاد منه ~~لكنه بين ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء فرحمه الله ورضي ~~عنه. والشيخ قال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما2 ~~أنه منهي عنه، فيثاب علي حسن قصده ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع. قال ~~ويغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره مراده في الجملة لا في التفصيل، ولهذا قال ~~رحمه الله في شرح العمدة في أثناء كلام سبق: فكل رد لخبر الله أو أمره فهو ~~كفر دق أو جل، لكن يعفى عما قد خفيت فيه طرق العلم وكان أمرا يسيرا في ~~الفروع، بخلاف ما ظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر. # وقد قال رحمه الله: إن الشرك لا يغفر ولو كان أصغر. ونقل ذلك عنه تلميذه ~~صاحب الفروع فيه قال: ذلك والله أعلم لعموم قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به} [النساء:48] . # وقال في الرسالة السنية: فكل من غلا في نبي أو رجل صالح ms108 وجعل فيه نوعا من ~~الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أعثني، أو ~~أجبرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه ~~فإن تاب وإلا قتل. # وكذلك قال في مسألة الوسائط: إن فاعل ذلك يستتاب فإن تاب وإلا قتل. # وعموم قول الله {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء:48] يتناول كل ~~مشرك. والفقهاء من جميع المذاهب يذكرون في باب حكم المرتد أن من أشرك بالله ~~كفر، ويحتجون بهذه الآية ونحوها، ولم يحرجوا الجاهل من PageV01P148 # العموم وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف:103،104] . وقال: ~~{فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون} [الأعراف:30] . قال ابن جرير: وهذا من أبين ~~الأدلة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة ~~اعتقدها إلا أن يأتيها بعلم منه، لأنه لوكان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة ~~الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله بين أسماءها ~~وأحكامها في هذه الآية. انتهى. # وليس كلامنا في هذا الموضع في هذه المسألة وإنما الكلام مع هؤلاء الضلال ~~الدعاة إلى الشرك الملبسين على الناس دينهم المفترين على الله الكذب ~~المضلين للناس بغير علم. # وذكر المعترض أن في تاريخ ابن كثير أن الصحابة كان شعارهم في الحرب يا ~~محمد. وفي تاريخ آخر أن بعض المسلمين من التابعين أسرهم الكفار وألقوهم في ~~القدور فنادوا يا محمداه. وأن خبيبا رضي الله عنه لما مثل به الكفار قال يا ~~محمد. # فهذه هي وأشباهها حجة هذا المبطل وشيعته، وهذه التواريخ وأشباها فيها ~~الصدق والكذب وأكثرها يحكى بغير إسناد، ولو كان ما ذكر في هذه التواريخ ~~ونحوها حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير سند متصل صحيح لم يحكم به ~~في فلس. # والحكاية الأولى أن هذا كان شعارهم في الحرب، لم يقل أنهم ms109 كانوا يستغيثون ~~به في الحرب، ولا أنهم يدعونه، بل قال: هذا [شعارهم في الحرب. فلا شبهة لك ~~فيه لأنهم كانوا يستعملون الشعار في الحرب1 باسم PageV01P149 # أو كلمة ليعرف بعضهم بعضا كما روي أن1 شعارهم] في بعض غزواتهم حم لا ~~ينصرون2 وفي بعضها أمت أمت3. # وما ذكر عن الذين كانوا في زمن التابعين أنهم قالوا يا محمداه. حكاية ~~بغير إسناد عمن لم يعرف من هم. # وما حكي أن خبيبا قال يامحمد. إن صح فهذا ونحوه يقوله الإنسان توجعا ~~لفراق حبيبه، ولا يشك عاقل أن خبيبا وأشباهه لا يستغيثون بالنبي صلي الله ~~عليه وسلم في تلك الحال وهو لا يسمع كلامهم، كيف وقال لهم صلى الله عليه ~~وسلم لما استغاثوا به على رجل عنده في المدينة قال: "إنه لايستغاث بي وإنما ~~يستغاث بالله عز وجل" 4 ولكن صاحب الباطل يروج على الناس ويلبس عليهم بكل ~~ما يقدر عليه، ولولا إتباع الهوى ما عارض بحكاية عن أعرابي، أو عن تاريخ لا ~~يعرف غثه من سمينه، مع أنه ليس له فيما يحكيه حجة على باطله ومع ذلك يعارض ~~به نصوص القرآن كقوله تعالى {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن ~~فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس:106] {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من ~~لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف:5] {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء:56] ~~فإذا كان الملائكة المقربون لايملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا تحويله فنبينا ~~صلى الله عليه وسلم كذلك لا يكشف الضر عمن دعاه ولا تحويله، فلو كان يملك ~~شيئا من ذلك لطلب أصحابه الذين هم أعلم الناس بالله وبرسوله وبدينه ذلك منه ~~مع أن عموم هذه الآيات وغيرها تتناوله كغيره، لايشك في هذا عاقل سليم ~~الفطرة فضلا عن العالم المنصف، هذا مع قوله PageV01P150 # سبحانه في حق نبينا خاصة ماذكره في كتابه كقوله: {قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء ms110 الله} [الأعراف:188] وقوله: {قل إني لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا} [الجن:21] أي لا أقدر على كشف ضر نزل بكم ولا إيصال نفع إليكم، ~~أي لا يملك ذلك إلا الله. فمن زعم أن غير الله يطلب منه فهو مكذب لله وجاعل ~~له شريكا في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # قال المعترض: فدل على أن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد أمر ~~معهود. # يعني الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم وإنما عبر بالنداء طردا لقوله ~~الباطل المتناقض: # إن طلب المخلوق من المخلوق يسمى نداء لا دعاء. وقد بينا بطلان قوله هذا ~~ومخالفته للكتاب والسنة والإجماع العلماء والنحويين، وأن الدعاء بطلب رفع ~~المكروه أو دفعه يسمى استغاثة كما يسمى دعاء. فلما قال: إن نداء النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الشدائد أمر معهود يعني أنه يطلب منه صلى الله عليه وسلم ~~كشف الشدائد، فهذا حقيقة الاستغاثة، فليسميه المبطل نداء أو طلبا أو توسلا ~~أو تشفعا أو ما شاء من الأسماء، فإن ذلك لا ينفعه ولا يغير الحكم، فهذا ~~الضال يزعم أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد بعد موته ~~أمر معهود، يعني معروف مشهور معمول به عند الصحابة # والتابعين. فجعل هذا الصحابة والتابعين أشد غلوا في النبي صلى الله عليه ~~وسلم من المشركين الأولين في الملائكة والأنبياء والجن والأصنام1، لأن الله ~~سبحانه أخبر في كتابه أن المشركين يخلصون الدعاء لله في حال الشدة وينسون ~~آلهتهم من الملائكة والأنبياء والجن والأصنام قال سبحانه {وإذا مسكم الضر ~~في البحر ضل من تدعون إلا إياه} [الإسراء:67] وقال تعالى {فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت:65] وقال: {قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} [الأنعام:40،41] . ~~PageV01P151 # وقال: {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه} [الروم:33] . {وإذا مس ~~الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما} [يونس:12] ms111 . # وقول هذا الرجل فيما تقدم: إن الله أمر بالطلب من الأموات والغائبين عام ~~في الأوقات والأحوال والأشخاص، فيا لله لعقول ضلت حين لم يتبين لها ضلال ~~هذا في غالب كلامه وخاصة1 في قوله: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات ~~والغائبين. فكما قدمنا إذا كان الله يحب ذلك لأمره به في زعم هذا الضال ~~فالأولى ملازمة ذلك في الشدة والرخاء [محافظة على ما يحبه الله في جميع ~~الحالات. والموحدون يقولون الواجب على الناس إخلاص الدعاء لله وحده في ~~الرخاء والشدة] 2،فلا يسأل إلا هو وحده، ولا تطلب الحاجات إلا منه، ولا ~~يرغب إلا إليه وحده. والمشركون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخلصون الدعاء لله في الشدة وينسون غيره3، ونصوص القرآن ناطقة بذلك. # وهذا الملحد يقول: الاستمرار على الطلب من الأموات والغائبين في جميع ~~الحالات أولى، لأن الله يحب ذلك، لأنه من الوسيلة التي أمر الله بها، ~~فالمحافظة على ما يحبه الله أولى من الغفلة عما يحبه سبحانه وتعالى. فيا ~~سبحان الله كيف يتلبس أمر هذا على عاقل سليم الفطرة؟! # وما ذكره من قول صفية ألا يا رسول الله كنت رجاءنا. فهذه حال من يبكي ~~شخصا ويرثيه، يخاطبه مخاطبة الحاضر، وتذكر حاله صلى الله عليه وسلم معهم ~~لأنه القائم بأمورهم فهو أبوهم خاصة وأبو المؤمنين عامة {النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب:6] صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم ~~الدين. # وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد أبلغ حماية حتى قال: " لا ~~تجعلوا PageV01P152 # قبري عيدا"1. وقال: " لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم ~~شاء محمد" 2. وقال للذي قال له ما شاء الله وشئت "أجعلتني لله ندا" 3 فوازن ~~بين قوله لمن قال ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا، وبين قول هذا الضال: ~~إنه يستغاث به في الشدائد. أليس هذا أولى بأن يقال له أجعلتني لله ندا وقد ~~قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ms112 ~~أئله مع الله} [النمل:62] . أي: أءله مع الله يفعل هذا؟ والذي يقول إنه ~~يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد بقوله: إن نداء النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الشدائد أمر معهود، يقول إنه يجيب المضطر ويكشف السوء ~~وإلا كانت الاستغاثة به عبثا باطلا. والمشركون يعترفون بأنه لا ينحي من ~~الشدائد والضرورات إلا الله، ولهذا يخلصون الدعاء لله في هذه الأحوال ~~لعلمهم أنه لا ينجي منها إلا الله قال الله تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل ~~دعوا الله مخلصين له الدين} [لقمان:32] . قال البيضاوي: دعوا الله مخلصين ~~له الدين لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم4 من الخوف ~~الشديد. وقال أيضا على قوله: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين} أي كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكروا إلا ~~الله ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو سبحانه. انتهى. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين بن المنذر: "كم إلها تعبد؟ قال ~~سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ ~~قال: الذي في السماء" 5. ولما أقبل برهة على مكة وهرب أهلها منها خوفا منه ~~PageV01P153 # قام عبد المطلب ونفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة، وأخذ عبد ~~المطلب بحلقة باب الكعبة ويقول: # يا رب لا أرجو لهم سواك ... يا رب فامنع منهم حماك # إن عدو البيت من عاداك ... فامنعهم أن يخربوا قراك # وإخبار الله سبحانه عنهم بالإخلاص في الكرب والشدائد كاف. فيا سبحان ~~الله!! # هؤلاء المشركون الذين نزل القرآن بتكفيرهم وإباحة دمائهم وأموالهم ~~للمسلمين يعلمون بقلوبهم ويقرون بألسنتهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا الله ~~ويفزعون فيما يهمهم إلى الله وحده ويتركون الوسائط الذين اتخذوهم شفعاء لهم ~~عند الله، قال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير ~~الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون} [الأنعام:40،41] . وهذا الرجل الذي يسمى عالما يقول: ms113 إنه ~~يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم كشف الشدائد وإنه يكشفها. فلولا أنه يقول ~~إنه يكشفها لم يجوز طلب كشفها منه؟ وكان طلب ذلك منه عناء بلا فائدة. # ثم زعم أن الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم في الشدائد أمر مشهور معمول ~~به عند الصحابة والتابعين. فنسب إلى خير القرون ما هم أبعد الناس عنه، ~~ويكفي في إبطال شبهه كلها قول الله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شاء الله} {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} وهذا في حال حياته صلى ~~الله عليه وسلم فكيف الحال بعد الموت؟ # وهو أيضا لم يقتصر على النبي صلى الله عليه وسلم كما قرر في أوراقه هذه ~~أن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات وأنهم أحياء في قبورهم، مع ما ضم إلى ~~ذلك من دعواه إثبات التصرف المطلق للنبي وغيره في يوم القيامة، ودعواه علم ~~الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وما تضمنه كلامه من الكذب على الله وعلى ~~رسوله وعلى # PageV01P154 # العلماء كما بيننا بعض ذلك فيما تقدم، وكذا ما في كلامه من التناقض ~~والمعارضة الصريحة لكلام الله ورسوله، ثم العجب ممن تلقى كلامه بالقبول ولا ~~رأوا بعض ما فيه من الفضائح التي ينكرها العامي سليم الفطرة، ولكن الأمر ~~كما قيل باطل وافق هوى، والهوى يعمي ويصم. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. # ولنختم هذا الجواب بتلخيص فصل من "إغاثة اللهفان" لشمس الدين ابن القيم - ~~رحمه الله تعالى - قال بعد كلام سبق: ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في القبور وما أمر به وما نهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما ~~عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له، بحيث لا يجتمعان ~~أبدا. # فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون ~~عندها!! # ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها مساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة ~~لبيوت الله!! ونهى ms114 عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد ~~القناديل عليها!! ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ويجتمعون ~~أياما كاجتماعهم للعيد أو أكثر!! وأمر بتسويتها كما روي مسلم في صحيحه عن ~~أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "ألا أبعثك على ما ~~بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا ~~قبرا مشرفا إلا سويته" 1. وفي صحيحه عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن ~~عبيد بأرض الروم برذوذس، فتوفي صاحب لنا. فأمر فضالة بقبره فسوي. ثم قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها2. وهؤلاء يبالغون في ~~مخالفة هذين الحديثين ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب!! ~~ونهى عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه، ونهى عن PageV01P155 # الكتابة عليها كما روى أبو داود في سننه عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم ~~"نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها" 1. قال الترمذي حديث حسن صحيح، وهؤلاء ~~يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره!! ونهى أن يزاد عليها غير ~~ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "نهى أن يجصص القبر ويكتب عليه أو يزاد عليه" 2 وهؤلاء يزيدون عليه ~~سوى التراب الآجر والأحجار والجص. # إلى أن قال: فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء ~~وقصدوه. # ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العد عن حصره. # فمنها تعظيم الموقع في افتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها ~~وتعليق الستور عليها وسدانتها3، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على ~~المجاورة عند البيت الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد والويل ~~عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها. # ومنها النذر لها ولسدنتها. # ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء ويستنزل ~~غيث السماء وتفرج الكربات وتقضى ms115 الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف إلى ~~غير ذلك. # ومنها الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج. # ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. PageV01P156 # ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل ~~عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة. # ومنها مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها. # ومنها محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. # ومنها إماتة السنن وإحياء البدع. # ومنها أن الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما ~~هو تذكر الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له ~~وسؤال العافية له. # فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت. فقلب هؤلاء المشركون الأمور1 ~~وعكسوا الدين وجعلوا المقصود من الزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به ~~وسؤاله حوائجهم واستنزال البركات منه ونصره لهم على الأعداء ونحوذلك فصاروا ~~مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت. # فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التي شرعها الله على لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الشرك التي شرعها لهم الشيطان ~~واختر لنفسك. # قال عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم ~~اغفر لأهل بقيع الغرقد" 2 رواه مسلم في صحيحه. # وعنها أيضا: "أن جبريل أتاه فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع ~~فتستغفر لهم. قالت: قلت كيف أقول يا رسول الله قال: "قولي السلام على أهل ~~الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، ~~PageV01P157 # وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" 1. # وفي صحيحه أيضا عن سليمان ابن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام على أهل ~~الديار - وفي لفظ - السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا ~~إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" 2. # وعن بريدة ms116 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فمن زارها فليزر ولا تقولوا هجرا" 3 رواه الإمام أحمد والنسائي. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا ~~للذريعة فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي ~~شرعه ونهاهم أن يقولوا # هجرا. فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن ~~زيارتها غير مأذون فيها. ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولا وفعلا. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر ~~الآخرة" 4 رواه # أحمد. # وعن ابن عباس قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل ~~عليهم PageV01P158 # فقال: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم لنا سلف1 ونحن ~~بالأثر" 2 رواه أحمد والترمذي وحسنه. # وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" 3 رواه ابن ~~ماجه. # وروي الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإن فيها عبرة" 4. # فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وعلمهم ~~إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما ~~هم عليه من كل وجه؟ # وما أحسن ما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه ~~الأمة إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص ~~إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك. # ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ms117 ظهره إلى جدار ~~القبر ثم دعا. # قال سلمة بن وردان: رأيت أنس مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو. # ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو ~~عند القبر فإن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره "الدعاء هو العبادة"5 فجرد ~~السلف الصالح العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها PageV01P159 # إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام على أصحابها ~~والاستغفار لهم والترحم عليهم. # وبالجملة فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له. # ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبا أو استحبابا ما لم يشرع ~~مثله في الدعاء للحي. # قال عوف بن مالك "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من ~~دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع ~~مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض ~~من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه ~~وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار". حتى تمنيت أن أكون أنا ~~الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الميت"1 رواه مسلم. # وقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته على ~~الجنازة: "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها ~~وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له"2 رواه أحمد. # وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" 3. # وقالت عائشة وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ميت يصلي عليه ~~أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" 4 رواه مسلم. ~~PageV01P160 # وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم ~~يموت فيقوم على جنازته أربعون ms118 رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله ~~فيه" رواه مسلم1. # فهذا مقصود الصلاة على الميت وهو الدعاء والاستغفار والشفاعة فيه. ومعلوم ~~أنه في قبره أشد حاجة على نعشه، فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "سلوا له التثبيت ~~فإنه الآن يسأل" 2 فعلم أنه أحوج إلى الدعاء بعد الدفن. # فإذا كنا على جنازته ندعو له لا ندعو به ونشفع له لا نستشفع به، فبعد ~~الدفن أولى وأحرى، فبدل أهل الشرك والبدع قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا ~~الدعاء له بدعائه نفسه والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي ~~شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر ~~وتذكيرا بالآخرة سؤال الميت والإقسام به على الله وتخصيص تلك البقعة ~~بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد ~~وأوقات الصلوات. # ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم3 أو الدعاء عندهم مشروعا ~~وعملا صالحا وتصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. # فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وهذه طريقة ~~جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن ~~أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا PageV01P161 # كانت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا ~~عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد ~~أو حرف واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير ~~من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة ~~مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ~~ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بل فيها من خلاف ذلك ms119 كثير كما قدمناه في ~~الأحاديث المرفوعة - قال -1 ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله وما عليه ~~أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبين هؤلاء ~~الخلف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب وأنهم على شيء والسلف على شيء ~~كما قيل: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # والأمر - والله - أعظم مما ذكرنا. # وقد ذكر البخاري في صحيحه عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء ~~مغضبا. فقلت: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون ~~جميعا2. # وروى مالك في الموطأ عن عمر أبي سهيل3 بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف ~~شيئا مما أدكت عليه الناس إلا النداء بالصلاة. يعني الصحابة رضي الله ~~عنهم4. # وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك؟ فقال: ~~ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد PageV01P162 # ضيعت1. ذكره البخاري - وفي لفظ آخر - ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا قد أنكرته اليوم. # وقال الحسن البصري: سأل رجل أبا الدرداء فقال: رحمك الله لو أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان حيا بين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ ~~فغضب واشتد غضبه. فقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ # وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة وجلس يبكي. فقيل له: ما يبكيك ~~يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني2 على البكاء ‍‍‍!! ولو أن رجلا من المهاجرين ~~اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنتم عليه إلا قبلتكم هذه3، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ~~‍‍‍‍ # تم الكتاب PageV01P163 ms120