######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011354 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1285 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011354 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11354 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11354 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبدالعزيز بن عبدالله الزير آل حمد #META# 041.EdNUMBER :: 1193هـ - 1285هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دارا العاصمة للنشر والتوزيع #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي وعليه اعتمادي (1) الحمد لله معز التوحيد بنصره، ومذل الشرك ~~بقهره، ومصرف الأحوال بأمره، الذي أظهر دينه على الدين كله. أحمده على ~~إعزازه لأوليائه، وخفضه لأعدائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~شهادة من طهر بالإخلاص قلبه، وأرضى بالمعادات فيه والمولاة ربه، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله؛ رافع الشك، وخافض الشرك، ومانع الكذب والإفك اللهم صل ~~على محمدالنبي الكريم والرسول الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا (2) . # وبعد: # فإنه قد بلغني أنه قد ورد على بعض الإخوان مكاتبة من داود بن جرجيس ~~مملوءة بالكذب والتلبيس، ولا ريب أنه مما أوحاه الشيطان وزخرفه إبليس، ~~فاعجب لاتفاق الاسمين وزنا؛ وموافقته له في كل حركة وسكون، فالأول منهما ~~مكسور، والثاني ساكن، والثالث مكسور، والرابع ساكن، والخامس متحرك بالضمة، ~~وفي هذا بعض حروف هذا، وهي الياء والسين، كالاشتقاق الأكبر، فحصل بين ~~الاسمين من الاشتقاق ما لا يخفى، فأعجب لذلك يا مننظر فيه. PageV01P045 # وأما المشابهة في المعنى فقد سود القرطاس بضروب من الوسواس، إذا تأمله ~~الموحد الأريب، سليم الطوية صحيح الروية، وجد أقواله كلها تدور على جحود ~~التوحيد، ومصادرة (1) محكمات القرآن المجيد كذبا وتأويلا، وتحريفا وتبديلا، ~~كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} (2) الآية (3) ؛ فمن الواجب على من ~~عرف الحق بدليله أن يسعى فيما يبطل دعواه، ويهدم ما أسسه من الزيغ وبناه، ~~ويبين ما فيه من المكابرة وما أتى به من المماحلة تعمدا ومجاهرة (فيما ~~يناقض حكم الله في قوله تعالى) (4) {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه} . فأما قوله: إنه على معتقد الإمام أحمد وشيخ الإسلام وابن القيم: ~~فهذا أول ما أبداه من الكذب والتمويه. فأيم الله لقد خالف هؤلاء الأئمة # (ومن قبلهم ومن بعدهم من أمثالهم فيما اعتقدوه من الإخلاص والتوحيد، الذي ~~بعث ms001 الله به رسله وأنزل به كتبه، فلقد صرح هؤلاء الأئمة) (5) وغيرهم ~~بالإنكار والبراءة ممن يدعو مع الله غيره، أو يستغيث به، أو يتوسل [به] (6) ~~في الرغبات والرهبات من الغائبين والأموات. في كل كتاب كتبه هؤلاء وألفوه، ~~وفي كل ما PageV01P046 # ردوا به كل صاحب بدعة وصنفوه، كما سأذكر بعضه إن شاء الله تعالى في هذا ~~الجواب. فأما الإمام أحمد –رحمه الله – فهو إمام السنة، ومن أجل حفاظ ~~الأمة، وفقهاء الأئمة فله "المسند" (1) الذي جمع فيه من الأحاديث في أصول ~~الدين والأحكام/ ما لم يجتمع في غيره، ونقل المفسرون وغيرهم عنه من أدلة ~~التوحيد ما يكفي ويشفي طالب الحق، فلو ذهبنا نسوق الأحاديث التي رواها ~~بالأسانيد (2) في هذا المعنى، كحديث ابن مسعود: "من مات (3) وهو يدعو لله ~~ندا دخل النار" (4) ، وكحديث جابر: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل ~~الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" (5) ،ونحو هذه الأحاديث التي ~~يستدل بها # أهل التوحيد (6) في محل النزاع، لطال الجواب. وله التصانيف الشهيرة في ~~بيان السنة، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وبيان ما خالفوا فيه ~~أهل الأهواء والبدع، فمن استقرأ ما في مصنفاته -رحمه الله تعالى (7) - عرف ~~منها ما هو الحق، وأنه عدو من ألحد في دين الله PageV01P047 # وخرج عن الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسله وأنبيائه؛ ورد على ~~الزنادقة، وغيرهم ممن ابتدع في دين الله. (وقد نص الإمام أحمد على أنه لا ~~يجوز الاستعاذة (1) بالمخلوق، وأن ذلك شرك بالله) (2) ، وقد استدل الإمام ~~أحمد –رحمه الله تعالى (3) – بحديث خولة بنت حكيم (4) أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ~~خلق لم يضره شيء حتى يرحل (5) من منزله ذلك" (6) . # على أن كلام الله ليس بمخلوق إذ لو كان مخلوقا لما جاز الاستعاذة به؛ لأن ~~الاستعاذة بالمخلوق شرك، وهذا العراقي المبهرج الكذاب يجادل بقوله إن ~~الاستغاثة بغير الله ليست بشرك، فإن الكل عبادة (7) . وهذه الاعتقادات في ~~الأموات إنما حديت ms002 بعد الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء ~~والمفسرين وأما شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله – فأقامه الله سبحانه في ~~زمانه بتحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة؛ كما أقام الإمام أحمد –رحمه الله ~~تعالى (8) – في زمانه بذلك من توحيد الصفات، فبين هذا PageV01P048 # الشيخ رحمه الله (1) نوعي التوحيد بأتم بيان: توحيد المعرفة والإثبات، ~~وتوحيد الطلب والقصد، ورد على من عارض أدلة التوحيد بشبهة أو تحريف، فهذه ~~كتبه موجودة، وكلها متفقة على هذا المعنى، كالاقتضاء والمنهاج (2) ، وكتاب ~~العقل النقل. وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ورده على ~~ابن الأخنائي ودره على السبكي في مسألة الزيارة، ورده على ابن البكري في ~~مسألة الاستغاثة، وسيأتيك جمل منه إن شاء الله تعالى، وكلامه في أصول الدين ~~مطرد في جميع كتبه لا اختلاف فيه بحمد الله. فمما نقل عنه أصحابه –رحمه ~~الله –كصاحب الفروع، وكذلك من بعده من الحنابلة المصنفين في مذهب أحمد، ~~كصاحب الإنصاف والتنقيح، وكذا من بعده من المصنفين، كصاحب الإقناع ~~والمنتهى، وقد نقل هؤلاء وغيرهم في باب حكم المرتد عن شيخ الإسلام أحمد بن ~~تيمية –رحمه الله – أنه قال: (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ~~ويتوكل عليهم كفر إجماعا؛ وهذا هو مذهب أحمد عند أصحابه كلهم) (3) ، وسيأتي ~~كلامه هذا في مسألة الوسائط إن شاء الله تعالى. فصار اعتماد الحنابلة ~~وغيرهم من أهل السنة على اعتقاد ما ذكره (4) شيخ الإسلام –رحمه الله –من ~~الإجماع – [مستنده ما ستذكره في الآيات المحكمات إن شاء الله]- (5) ، لأنه ~~هو الذي اتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم PageV01P049 # وهو الذي خلق الله تعالى (1) الخلق لأجله، وهو نفي الشرك في العبادة بأن ~~لا يصرف شيء من أنواعها (2) لغير الله كائنا من كان، وهو الذي دل عليه ~~القرآن من أوله إلى آخره، ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه أجاز ~~دعوة الأموات والغائبين والاستغاثة (3) والاستشفاع/بهم، وقد تواتر النهي عن ~~ذلك في الآيات المحكمات كما سنذكر بعض ذلك إن شاء الله تعالى. وبما ذكرناه ~~من الإجماع، وما ms003 دل عليه الكتاب والسنة من قصر العبادة بجميع أنواعها على ~~الله تعالى، وأن من صرف منها شيئا لغير الله فاستغاث بغيره من الأموات ~~والغائبين (4) فهو كافر، يبين أن هذا العراقي قد خالف الكتاب والسنة ~~والإجماع-، ومن المحال أن يوجد عن سلف الأئمة وأئمتها ما يخالف هذا الإجماع ~~(5) -، وخالف العلماء من أهل السنة من كل مذهب؛ فما أبعده عن هذا الدين ~~الذي أجمعوا عليه كما قال الشاعر: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # ويكفيك في تقرير (6) ما ذكروه عن شيخ الإسلام من الإجماع، وأنه هو الحق ~~الذي يجب اعتقاده، والدين الذي يدان الله به ما استند إليه من محكم القرآن، ~~كقوله تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} (7) ، ~~PageV01P050 # وقال: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين} (1) والمخاطب بهذا سيد المرسلين، وهو لجميع الأمة. وانظر إلى ما ~~ترتب على دعوة غير الله من الوعيد الشديد، والخبر الأكيد، والآيات في هذا ~~المعنى لا تكاد تحصى إلا بعد الاستقراء والاستقصاء، ويأتيك لهاتين الآيتين ~~نظائر من محكم القرآن في ضمن كلام العلماء. # قال شيخ الإسلام رحمه الله (2) في "الرسالة السنية" (3) : # (فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ممن انتسب إلى الإسلام من ~~مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق ~~من الإسلام لأسباب، منها الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي ~~طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام، وكل من غلا في نبي أو رجل صالح، ~~وجعل # فيه نوعا من الآلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان (4) انصرني وأغثني ~~وارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب ~~صاحبهفإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتاب ليعبد ~~وحدهلا شريك له ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله إلها آخر، مثل ~~المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق وتنزل ~~المطر ms004 وتنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم (5) أو يعبدون ~~PageV01P051 # من النهي عن (2) أن يدعى أحد من دون (3) الله وبين رحمه الله تعالى كيفية ~~الدعاءالذي لا يجوز (4) أن يصلح منه شيء لغير الله؛ وأنه نوعان، وفيه بيان ~~الشرك الذي نهت عنه الرسل، ومنه الاستشفاع بالشفعاء؛ كما هو بين في الآيتين ~~المذكورتين، فهذا الكلام بحمد الله يقضي ويأتي على جميع ما ذكره هذا ~~العراقي من الاستشفاع/ بالأموات ونحوهم بالفساد، بل بالبطلان. ويبطل ما ~~افتراه على شيخ الإسلام رحمه الله (5) . # قال شيخ الإسلام: (وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة ~~متضمن لدعاء العبادة، قال الله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين} (6) ، وقال: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~PageV01P052 # أغير الله تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون} (1) . وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع ~~الله أحدا} (2) ، قلت: # و"أحدا" نكرة في سياق النهي وهي تعم كل مدعو من دون الله. وقال تعالى: ~~{له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} إلى قوله: {وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال} (3) . قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- على ~~قوله تعالى: {له دعوة الحق} : (والله سبحانه صاحب دعوة الحق في ذاته وصفاته ~~وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا، فإنه يستحقها لذاته، فهو أهل أن يعبد وحده ~~ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ~~ويصمد إليه فتكون الدعوة الآلهية الحق له وحده، ومن قام بقلبه بهذا معرفة ~~وذوقا وحالا صح له مقام التبتل والتجريد المحض، وقد فسر السلف دعوة الحق ~~بالتوحيد، والإخلاص فيه، والصدق، ومرادهم هذا المعنى، فقال علي رضي الله ~~عنه: "دعوة الحق" التوحيد، وقال ابن عباس: "شهادة أن لا إله إلا الله"، ~~وقبل الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله، ودعوة الحق # دعوة الآلهية، وحقوقها، وتجديدها، وإخلاصها) (4) . انتهى من "المدارج". ~~ومن ذلك قوله تعالى: # {قل إني نهيت أن أعبد الذين ms005 تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ~~PageV01P053 # ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين} (1) } (2) فتضمنت هذه الآية حقيقة دين ~~الإسلام وهو إخلاص نوعي التوحيد لله وحده (3) كالآيات قبلها، وأمثال هذا في ~~القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن تحصى، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأن ~~السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر لله (4) ، ~~والتالي لكتابه. ونحوه طالب من الله في المعنى، فتكون داعيا عابدا (5) . ~~وللعلامة ابن القيم مثل ذلك. فلم يبق بعد لهذا المشرك حجة يحتج بها على ~~جواز شركه بدعائه غير الله واستغاثته بغيره (6) من أي (7) وجه كان، وهذا ~~أيضا يأتي داعيا على جميع ما ذكره هذا العراقي بالمنع والبطلان. وقال (8) ~~–رحمه الله تعالى-: وذكر زيارة القبور الشرعية- ثم قال: (وأما الزيارة ~~البدعية فمن جنس زيارة النصارى المشركين. مقصودها # الإشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه والتمسح بقبره وتقبيله، والسجود له ~~PageV01P054 # ونحو ذلك، وهذا ونحوه لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة # المسلمين ولا كان أحد من السلف يفعله لا عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا عند قبر غيره، بل أجدبوا واستسقوا، ولم يكونوا يأتون عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدعون عنده لا في ذلك الوقت ولا غيره، بل ثبت في ~~"الصحيح": "أنهم لما أجدبوا في خلافة عمر رضي الله عنه استسقوا بالعباس، ~~فقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" (1) ، وكانوا في حياته يتوسلون إلى ~~الله (2) بدعائه وشفاعته، فلما مات صلى الله عليه وسلم بقوا يتوسلون بدعاء ~~العباس، ولم يكونوا يقسمون على الله بأحد من خلقه؛ لا نبي ولا غيره؛ ولا ~~يسألون ميتا ولا غائبا ولا يستعينون بميت (3) ولا غائب، سواء كان نبيا أو ~~غير نبي. وهذا لأن جماع الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما ~~شرع لا يعبد بالبدع، كما قال الفضيل بن عياض في قوله (4) عز وجل: {ليبلوكم ~~أيكم PageV01P055 # أحسن عملا} (1) ، قال أخلصه وأصوبه قالوا: ms006 يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ ~~قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم ~~يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. فالخالص أن يكون لله. # والصواب أن يكون على السنة) انتهى. # /فتأمله يكشف عنك شبهات الشرك إن شاء الله. وقال –رحمه الله تعالى- وذكر ~~أهل الخلوات من الصوفية قال (2) : (وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن ~~التي ليس فيها أذان ولا إقامة؛ ولا مسجد يصلي فيه الصلوات الخمس (3وأما غير ~~المساجد3) (3) مثل الكهوف والغيران والمقابر، ومثل المواضع التي يقال إن ~~بها أثر نبي أو رجل صالح؛ [ولهذا] (4) يحصل لهم في هذه المواضع أحوال ~~شيطانية، يظنون أنها كرامات رحمانية. فمنهم من يرى أن صاحب القبر قد جاء ~~إليه، ويقول له: أنا (5) فلان؛ أو ربما قال له: نحن إذا وضعنا في القبر ~~خرجنا، والشياطين تتصور بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن لا ~~يعرف (6) فتقول: أنا الشيخ فلان، أو العالم فلان، وربما قال: أنا أبو بكر ~~أو عمر، وربما أتى في اليقظة دون المنام (7) PageV01P056 # فقال: أنا المسيح، أو أنا موسى (1) ، وقد جرى من ذلك أنواع أعرفها؛ وثم ~~من يصدق بأن الأنبياء يأتون في اليقظة في صورهم (2) ، وثم شيوخ لهم زهد ~~وعلم ودين يصدقون بمثل هذا، ومن هؤلاء من يظن أن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] (3) يخرج من قبره في صورته فيتكلم، وفيهم (4) من يظن أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج من الحجرة وكلمهم فجعلوا هذا من كراماته، وفيهم من ~~يعتقد أنه سأل المقبور فأجابه، وبعضهم كان يحكي أنه إذا أشكل عليه حديث جاء ~~إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه، وآخر من ~~أهل المغرب (5) حصل له مثل ذلك، وجعل هذامن كراماته) (6قلت: وهذه الأمور ~~التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام وهي أحوال شيطانية هي التي أوقعت عباد القبور ~~في عبادتها، وصرف خالص العبادة إليها وقد رده العلماء من أهل السنة6) (6) . ~~قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: (ويحك ترى هذا أفضل ms007 من السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~[بعدالموت] (7) فأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوه فأجابهم ~~وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه؛ فهلا سألته فأجابها) انتهى. PageV01P057 # فأنكر العلماء رحمهم الله ما حدث في هذه الأمة من البدع والضلالات التي ~~اغتر بها أكثر الجهال، ولو تتبعنا ما في كتب شيخ الإسلام في معنى ما ذكرنا ~~لاحتمل كثرة من الأوراق (1) تفضي إلى التطويل، والمقصود ذكر ما تقوم به ~~الحجة على من أشرك مع الله غيره في عبادته. # وأما صاحبه العلامة محمد (2) بن القيم رحمه الله (3) فأكثر مصنفاته في ~~أصول الدين؛ وما بعث الله (4) به المرسلين. قال في "إغاثة اللهفان" (5) : ~~(والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح كان أبغض # الأشياء إلى الله، وأشدها مقتا لديه وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ~~ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع المولاة بينهم وبين ~~المؤمنين؛ وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل ~~التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم (6) ، وأن يتخذوهم عبيدا، وهذا لأن الشرك ~~هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسواء ظن برب العالمين، كما قال ~~تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن ~~السوء عليهم/ دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت ~~مصيرا} (7) فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة PageV01P058 # ما جمع على أهل الشرك (1) ، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو ~~أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر سبحانه أنهم ما قدروه حق قدره ~~في ثلاثة مواضع من كتابه (2) ، وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا ~~يحبه ويخافه ويرجوه، ويذل له ويخضع له (3) . قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} (4) ، وقال (5) : {ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون} (6) أي: يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة والتعظيم، وهذه ~~هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في ~~النار أنها كانت ضلالا وباطلا يقولون (7) لآلهتهم وهي ms008 في النار: {تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين} (8) ومعلوم أنهم ما ساووهم به ~~في الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا: أن آلهتهم خلقت السموات والأرض، ~~وإنما ساووهم به بمحبتهم لها وتعظيمهم وعبادتهم إياها كما ترى عليه أكثر ~~(9) أهل الشرك ممن ينتسب إلى الإسلام، ومن العجب PageV01P059 # أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، # وما ذنبهم إلا أن قالوا إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا ~~نفعا، ولا # موتا ولا حياتا ولا نشورا؛ وأنهم (1) لا يشفعون لعابديهم أبدا، بل حرم ~~الله # شفاعتهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة # فليس لهم من الأمر شيء؛ بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، # والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع. # فالمشرك إما أن يظن أن (2) الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه # من وزير أو ظهير (3) ، أو عوين (4) ، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ~~ما # سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. # (5 وأما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك5) (5) . # وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أولا يرحم حتى يجعله # الواسطة يرحم؛ أو لا يكفي وحده؛ أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده # الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته # إلى الشافع، وانتفاعه به، وتكثر به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا ~~يجيب # دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه كما هو حال ملوك # الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءه (6) لبعده عنهم ~~حتى PageV01P060 # يرفع الوسائط إليه ذلك. أو يظن أن للمخلوق عليه حقا، فهو يقسم عليه بحق ~~ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر ~~والملوك بمن يعز عليهم، ولا يمكنهم مخالفته (1) ، وكل ذلك تنقص للربوبية، ~~وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله، وخوفه، ms009 ورجائه، والتوكل ~~عليه، والإنابة إليه، من قلب المشرك بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه، وبين من ~~أشرك به، فيضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف ~~أكثره/ أو بعضه إلى من عبده من دون الله. # فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم ~~أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره (2) ، وأن يخلد ~~صاحبه (3) في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو ~~متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه معظم له بذلك) انتهى. # هذا ما قرره العلامة ابن القيم في "إغاثة اللهفان"، وذكر في "المدارج" ~~(4) وغيره من كتبه ما هو مثل ذلك أو أبسط. فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما ~~أحسن ما قال –رحمه الله تعالى (5) - في "الكافية الشافعية" (6) : ~~PageV01P061 # والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان # ويرده المحروم من خذلانه ... لا تشقنا اللهم بالخذلان # ولكن هذا العراقي (1) اعتاد لهذه الأمور الشركية التي يجادل عنها، ونشأ ~~عليها، وتمكنت من قلبه فلم يعرف غيرها، كما قال الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # فيأتي (2) بأدلة يزعم أنها له وهي عليه. من ذلك: استدلاله على جواز # دعاء الأموات والغائبين بقول سليمان عليه السلام (3) : {أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} (4) . فهذا حجة عليه لا له، فإن سليمان عليه ~~السلام ملك نبي (5) يأمر رعيته بما يقدرون عليه، وهكذا حال الأنبياء (6) ~~والملوك وغيره، خصوصا إذا كان مما يحبه الله ويرضاه (7) ، فهذا مما أوجبه ~~الله تعالى على الراعي لرعيته أن يأمرهم بما ينفعهم وما يتعدى نفعه إلى ~~غيرهم. والرسل عليهم الصلاة والسلام يأمرون الأمم بما أمرهم الله تعالى به، ~~وأوجبه عليهم، وينهونهم عما حرم الله تعالى عليهم من الشرك فما دونه، # (9 فهذا (8) الرجل دعى بما علمه الله، والله سبحانه هو المستجيب دعوته9) ~~(9) فأين PageV01P062 # هذا من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم ما لا يقدر عليه إلا الله. من ~~قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات؟ وقد أخبر الله تعالى أن ~~استجابتهم ms010 للداعي ممتنعة؛ لأنهم يسألونهم ما لا يجوز أن يسأل إلا من الله # القريب المجيب الذي أمر عباده بدعائه والرغبة إليه، ووعدهم على ذلك ~~الاستجابة، كما قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (1) فرغبة هذا ~~المشرك في دعاء الميت أو الغائب الذي أخبر تعالى أنه لا يستجيب له؛ وأنه ~~غافل عن دعائه، وأنه لا يرضى بذلك منه، بل يبرأ إلى الله مما فعل، ويعاديه ~~عليه، كما دلت على ذلك الآيات المحكمات، فما خيبة من رغب عن سؤال الحي ~~القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إلى سؤال ميت ~~أو غائب لا يسمع ولا يستجيب (2ولا قدرة له2) (2) . ولم يشرع لنا تعالى أن ~~نتوسل بذات أحد من خلقه، بل أرشدنا إلى أعظم الوسائل إليه (3) ، وهو أسماؤه ~~الحسنى. قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} (4) وأما سؤال الحي الحاضر أن يدعو لأخيه ~~المسلم فليس من هذا الباب، لأن الله تعالى أقدره على الدعاء، وأرشد العباد ~~إلى أن يدعو بعضهم لبعض (5كما ورد في دعاء الغائب لأخيه الغائب5) (5) ؛ لأن ~~الله تعالى أقدره عليه، وهذا من جنس أن PageV01P063 # يعطيه مما أعطاه الله من المال ما ينتفع به لقدرته على ذلك، فهذا من باب ~~الإحسان من بعض المسلمين لبعض. # وأما أهل الشرك (1) بالله فدهاهم عدم/ الفرقان (2) بين ما شرعه الله وما ~~لم يشرعه من دعاء من لا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وقد بين الله (3) تعالى ~~ذلك في كتابه بيانا (4) مفصلا، وأنكر على من اتخذ من دون الله شفعاء، وبين ~~أن هذا هو الشرك الذي لا يغفره (5) الله (6) ، كما قال تعالى: {أم اتخذوا ~~من دون الله PageV01P064 # شفعاء} ، إلى قوله: {قل لله الشفاعة جميعا} (1) . # وقال: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} إلى قوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} (2) . فسبحان من ~~حال بين قلوب المشركين عن فهم القرآن؛ حتى صار هدهد سليمان أعرف منهم ~~بالشرك، وهو السجود ms011 للشمس، وأنكره على من فعله. # فقال: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم} (3) فأنكر الشرك بالله في العبادة وهو طير من جنس الطيور، وبين أن ~~الشيطان صدهم عن السبيل، وأنهم ليسوا على هدى، ولا ريب أن السجود نوع من ~~أنواع العبادة كالدعاء ونحوه، وقد ذكرها تعالى في كتابه وتعبد عباده بها ~~وهي أنواع كثيرة، ومن أعظمها الدعاء سماه الله عبادة في مواضع من كتابه، ~~كما في السنن من حديث النعمان بن بشير بأسانيد صحيحة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال "الدعاء (4) هو العبادة" ثم قرأ قوله تعالى: {وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم PageV01P065 # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (1) # قال ابن الجزري (2) في تفسير (3) الحصن الحصين: {إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي} أي عن (4) دعائي وصرح به غيره من المفسرين – (6كأبي جعفر بن جرير6 ~~(5)) (6) - وغيرهم. # وقال تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا} (7) بحذف الياء أي يا ربنا، ومعناها أدعو وهو العامل للنصب ~~في # المضاف، ثم قال في آخر الآية {قد أجيبت دعوتكما} (8) ، فعلم يقينا أن # المراد بقوله {دعوتكما} قول موسى {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا} وموسى يدعو وهارون يؤمن، وهذا هو حقيقة الدعاء ~~في الكتاب والسنة واللغة والعرف والاستعمال مطرد (9) ، وهذا في القرآن أكثر ~~من أن يحصى. PageV01P066 # وقال عن الخليل عليه السلام (1 في دعوته لأبيه وقومه1) (1) {وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله} إلى قوله: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله} (2) # فسمى دعاءهم لغيره عبادة فما عرفوا من الشرك ما عرف هدهد سليمان؛ فإنه ~~أنكر الشرك وهؤلاء قبلوه واتخذوه دينا، ومعلوم أن الدعاء والاستغاثة ~~كالسجود وأعظم، وقد تقرر (3) بالكتاب والسنة أنه عبادة، فجحد هذا العراقي ~~ما كان معلوما من الدين بالضرورة مكابرة وعنادا. وقد تقدم لشيخ الإسلام ابن ~~تيمية، والعلامة ابن القيم أن الدعاء نوعان لا تخرج العبادة (4) عنهما: ~~دعاء مسألة ودعاء عبادة، فدعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة ~~يستلزم دعاء ms012 المسألة (5) . وهذا العراقي (6) جهل هذه العلوم النافعة، فصار ~~في ظلمة الجهل، فلم يعرف المعروف من المنكر، ولا عرف الحق من الباطل، فما ~~وجدنا عنده إلا الخبط والعناد، والمرء عدو ما جهل. وفي هذه القصة ما ذكره ~~الله تعالى (7) عن بلقيس لما جاءت سليمان عرفت من التوحيد ودعوة الرسل ما/ ~~أوجب أن قالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} (8) ~~ولم تقل: أسلمت لسليمان، بل PageV01P067 # قالت: {وأسلمت مع سليمان} . عرفت دعوة الرسل بشواهد الأحوال، وأن الإسلام ~~هو إخلاص الوجه والقلب وجميع الأعمال لله تعالى لا يصلح أن يقصد بشيء (1) ~~منها أحد دون الله عز وجل، كما قال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من ~~دونه لا يستجيبون لهم بشيء} ، إلى قوله: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ~~(2) . (4 وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} (3) 4) (4) ~~. # فتأمل ما ذكر الله تعالى (5) في كتابه في الدعاء، والتشديد في صرفه ~~لغيره، # واختصاصه به تعالى خلقه وقد قال تعالى: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا} نعوذ بالله من صرف القلوب عن الحق إلى الباطل كما ~~هو حال هذا المماحل (6) المعاند المجادل. PageV01P068 ### | ### | فصل # (1) # وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب ~~والأعمال. قال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} (2) . # وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه (3) أنه ~~قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن (4) لا ~~أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ ~~قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي ~~الزكاة المفروضة" (5) . # وقال تعالى (6) : {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك ~~PageV01P069 # بالعروة الوثقى} (1) لا إله إلا الله، وإسلام الوجه هو إخلاص القول (2) ~~والعمل لله وحده لا شريك له باطنا وظاهرا. # قال أبو جعفر بن جرير (3) في قوله تعالى: {فإن حاجوك فقل ms013 أسلمت وجهي لله ~~ومن اتبعن} : (4) (أي: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع (5) جوارحي، ~~وإنما خص الوجه (6) ؛ لأنه أكرم جوارح ابن آدم (7) فإذا خضع وجهه لله (8) ~~فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة من جوارح بدنه) انتهى. # وأنت ترى هذا العراقي الجاهل يدعو الناس بشبهاته وضلالاته إلى أن يقصدوا ~~بدعائهم واستغاثتهم عبدا من عباد الله، وذلك العبد يدعو الأمة إلى أن ~~يخلصوا أعمالهم لله ويسلموا له قلوبهم وجوارحهم، رغبة إليه ورهبة منه ومحبة ~~له، وهذا هو التوحيد الذي (9) دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب. # ثم إن هذا الجاهل يقول: (إن هذا الطلب والسؤال الذي يصرف لغير الله، ليس ~~بدعاء بل هو نداء) . فكابر المعقول والمنقول، وقد سمى الله تعالى السؤال ~~والطلب دعاء في PageV01P070 # كثير من (1) الآيات كما قال تعالى: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه ~~نداء خفيا} إلى قوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} (2) ، (5 وقال تعالى (3) : # {هنالك دعا زكريا ربه} (4) 5) (5) سمى النداء دعاء لأن مدلولهما واحد، من ~~باب الترادف على معنى واحد، وهذا ظاهر جلي لمن تدبر (6) ، وعلى كل حال ~~فتسميته نداء لا يخرج عن كونه عبادة كما تقدم. # قال الله (7) تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء} (8) فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف، وقد تقدم أن الدعاء هو ~~العبادة (9) ، وفي حديث أنس الذي في السنن "الدعاء مخ العبادة" (10) ، وقد ~~قصر الله تعالى العبادة على نفسه، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب: ~~PageV01P071 # {إياك نعبد وإياك نستعين} (1) ، وفي الحديث المتفق عليه: "فإن حق الله ~~على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" (2) ، فالعبادة بجميع أنواعها ~~مادق منها وجل حق الله تعالى على عبادهن لا يصلح منها شيء لغيره كائنا من ~~كان، فمن صرف من العبادة شيئا لغير الله فقد جعله شريكا لله في حقه. وذلك ~~ينافي التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات. # ومما (3) يوضح ترادف النداء والدعاء، وأنهما بمعنى واحد: ما أخبر الله ~~تعالى عن نوح (4) عليه السلام بقوله تعالى (5) : {ونوحا إذ ms014 نادى من قبل ~~فاستجبنا له} (6) فأخلص القصد لله بندائه فاستجاب الله له، وقال في الآية ~~PageV01P072 # الأخرى: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} (1) فسماه تعالى دعاء (2) . ولا ريب ~~أن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع ~~العبادات، والنداء كذلك (3) ، كتوجه الوجه والقلب واللسان للمدعو، تذللا له ~~(4) وخضوعا/ واستكانة ورغبة، وهذا هو العبادة؛ لأن أصل العبادة وأساسها أن ~~يخضع غاية الخضوع والتذلل للمعبود، ولا بد مع ذلك من المحبة، وأنت ترى ما ~~يفعله المشركون من إقبالهم على الأموات بسؤالهم ما لا قدرة لهم عليه، وتجد ~~عندهم من الخضوع والتذلل وإسلام الوجه والقلب والجوارح لسؤال صاحب القبر ما ~~لا يوجد مثله (5) في المساجد، وهذا لا يخفى على من عرف حال هؤلاء المشركين ~~مع من كانوا (6) يقصدون (7) لإغاثة لهفاتهم وتفريج كرباتهم، فيقع منهم من ~~الشرك بالله ما يجل عن الوصف (8 فعبدوا غير الله بالقول والاعتقاد، وأقبلوا ~~عليه بقلوبهم وألستنهم وجوارحهم، وهذا الواقع لا يقدر أحد أن يجحده، فقد ~~عمت به البلوى في الأمصار، وأكثر الأقطار والله أعلم8) (8) . وأما قول (9) ~~هذا الجاهل العراقي: (وكذلك المسلمون يذكرون أن طلبتهم PageV01P073 # من غير الله إنما هي من باب التسبب) . فالجواب: أن نسبة الطلب من غير ~~الله إلى المسلمين من أمحل المحال، وأبطل الباطل، فإن المسلم لا يطلب من ~~غير الله ما لا يقدر عليه (1) ، فإن من طلب وسأل حاجته من ميت أو غائب، فقد ~~فارق الإسلام؛ لأن الشرك ينافي الإسلام؛ لما تقدم من أن (2) الإسلام هو ~~إسلام الوجه، والقلب، واللسان، والأركان لله وحده دون من (3) سواه. # فالمسلم (4 مخلص يخلص دعاءه لله، والمشرك يصرف جل الدعاء والعبادة أو ~~بعضه لغير الله4) (4) . وقد عرفت مما تقدم أن الدعاء هو العبادة، وقد نهى ~~سبحانه وتعالى (5) نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو غيره، فقال: {ولا تدع ~~من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} (6) ، ~~وهذا خرج مخرج الخصوص وهو عام لجميع الأمة، وكذلك قوله تعالى: {فلا تدع مع ms015 ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين} (7) ، وقال تعالى: {ولا تدع مع الله إلها ~~آخر لا إله إلا هو} (8) فظهر PageV01P074 # من هذه الآيات (1) أن الدعاء تأله للمدعو، فإن المألوه هو المعبود ~~والعابد آله (2) له (3) ، ومصدره الآله (4) والآلهة، وقرأ (5) ابن عباس رضي ~~الله عنهما: {ويذرك وإلهتك} بكسر الهمزة وفتح اللام قال: "لأن فرعون يعبد ~~ولا يعبد" (6) . وفي هذه الآيات التي ذكرنا هنا وقبل ما يبين أن الله تعالى ~~زجر الأمة وأبلغ في الزجر والوعيد لمن دعا معه غيره، (7 وبين أنه شرك ~~والاستغاثة دعاء ويختص بالمضطر7) (7) . # وقول هذا العراقي الجاهل المماحل: (أن طلبتهم من غير الله إنما هي من باب ~~السبب) . فيقال: هذا من باب التلبيس والتمويه على الجهال، وهذا من مصائد ~~الشيطان ووحيه، معارضة لما دلت عليه الآيات المحكمات من بيان الشرك والوعيد ~~عليه، فإذا اعتقد المشرك أن هذا من باب التسبب فليس كل ما اعتقده [هو] (8) ~~أو غيره سببا يكون مشروعا، يجوز فعله، وقد قال الخليل عليه السلام: {إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة ~~يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} (9) . ~~PageV01P075 # وقال (1) تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله} إلى قوله {ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} (2) ، قال المفسرون: # "الأسباب"هي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، وقال تعالى: {ويوم يحشرهم ~~جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الأنس وقال أولياؤهم من الأنس ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (3) وما تضمنته هذه الآيات هي ~~أسباب لأهل الإشراك يعتقدون أنها سبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم، ~~فخانتهم هذه الأسباب أحوج ما كانوا إليها؛/لأنها شرك وضلال، وهي من مصائد ~~الشيطان التي صاد بها قلوب الجهال، فمن أطاع الشيطان ندم ومن عصاه سلم، وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وأعظم الأسباب النافعة الجالبة ~~لرضى الله، المنجية من عقابه وعذابه: ms016 إخلاص العبادة لله تعالى بجميع ~~أنواعها؛ والاستعانة على ذلك، والعمل بطاعته والتباعد عن معصيته. قال شيخ ~~الإسلام ابن تيمية (4) رحمه الله تعالى: (والتوكل والاستعانة للعبد؛ لأنه ~~هو الوسيلة؛ والطريق الذي به ينال مقصوده، ومطلوبه من العبادة؛ فالاستعانة ~~كالدعاء والمسألة) . # فإذا عرفت بصحيح المنقول، وصريح المعقول أن الدعاء عبادة، وأن مدلوله ~~السؤال، والطلب فمن صرف من هذه العبادات شيئا لغير الله فقد أشرك ~~PageV01P076 # مع الله غيره في عبادته كائنا من كان، لعموم النهي عن دعوة غير الله في ~~القرآن كله من أوله إلى آخره، فمن ادعى أنه يصرف منه شيء لأحد سوى الله، ~~فقد صادم الكتاب والسنة، وخالف ما اجتمعت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم فيما دعوا إليه أممهم بقولهم: {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ~~(1) .ومما يدل على أن السؤال والطلب عبادة: ما صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (2) ، وقال: "الدعاء سلاح ~~المؤمن وعماد الدين PageV01P077 # ونور السموات والأرض" (1) ، وعماد الدين بلا ريب، لا يشك في هذا من له ~~أدنى مسكة من عقل، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى (2) . وأما (3) قول هذا ~~العراقي: (إن أهل السنة لا يكفرون المعتزلة) . فالجواب (4) : أولا أن يقال: ~~الكلام معك في أصل الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى بالعبادة، الذي أرسل ~~الله تعالى (5) به رسله، وأنزل (6) كتبه في بيانه والدعوة إليه، والنهي عما ~~ينافيه من الشرك بالله، وهو الذي أهلك الله الأمم لما لم يقبلوا ما جاءت به ~~الرسل من هذا (7) التوحيد، وأبو إلا أن يجعلوا لله (8) شريكا في العبادة ~~فأهلكوا بعذاب الاستئصال، وأما هذه الأمة فمن لم يقبل التوحيد الذي بعث ~~الله به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فإن دماءهم وأموالهم حلال، ~~PageV01P078 # وكذلك سبي نسائهم وذراريهم، فمن أنكر هذا التوحيد أو شك فيه من مشرك أو ~~منافق كفر بإجماع المسلمين كما ذكره شيخ الإسلام –رحمه الله (1) - في ~~مواضع2) (2) . # وأما البدع التي حدثت في هذه الأمة، فإن سببها أن أهلها أخطأوا ms017 في فهم ~~الكتاب والسنة في بعض الأصول، وصاروا هم وأهل السنة في طرفي نقيض لخفاء ~~الأدلة عليهم، وعدم التوفيق بينها (3) في محل النزاع، كما جرى من الخوارج، ~~كما قال العلامة ابن القيم –رحمه الله- تعالى فيهم (4) . # ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان # وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان # فكلامنا (5) مع هذا العراقي في أصل الدين الذي لا يصلح قول ولا عمل إلا ~~به، وبضده تفسد الأقوال والأعمال. # وأما قول الجهمية والمعتزلة فهو إلحاد في أسماء الله وصفاته، فاختلفوا في ~~القدر نفيا وإثباتا (6 وجحدوا معنى الأسماء والصفات التي دلت عليه6) (6) ، ~~وأهل السنة كفروا/ كل داعية إلى هذه البدع ونحوها، وقد ذكر ابن القيم- رحمه ~~الله تعالى- قول أهل السنة فيهم فإنه قال (7) : PageV01P079 # ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان # إلى أن قال: # أهل العناد فأهل كفر (1) ظاهر ... والجاهلون (2) فإنهم نوعان # متمكنون من الهدى والعلم ب ... بالأسباب ذات السير والإمكان # لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان # لم يبذلوا المقدور في إدراكهم ... للحق تهوينا بهذا الشان # وهم الأولى لا شك في تفسيقهم ... والكفر فيه عندنا قولان # وأما قوله (3) : (إن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة) . # فهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن ~~الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} (4) فلم يجعلهم تعالى (5) ~~سواء، بل فرق بين الأحياء والأموات، وشبه بهم ما لم ينتفع بسماع الهدى. ~~وقال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. أموات ~~غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} (6) وليست هذه الآية في الأصنام كما ~~يزعمه من لم يتدبر؛ لأن الأصنام لا يحلها الموت من الأخشاب، والأحجار ولا ~~شعور لها، وقد قال تعالى: {وما يشعرون أيان يبعثون} (7) ، فهذه الآية فيمن. ~~PageV01P080 # يموت ويبعث (1 من أهل الكرامات والمعجزات وغيرهم1) (1) ، كما لا يخفى على ~~من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: {وما يشعرون [أيان يبعثون] (2) } ، وهذا إنما ~~يستعمل فيمن يعقل، كما لا ms018 يخفى على من له معرفة باللغة العربية (3) . # فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة. # وحقيقة أمر (4) هذا العراقي مصادمة ما في القرآن من النهي عن دعوة غير ~~الله، والقرآن ينهى عن دعوة كل ما سوى (5) الله، وهذا يقول: (يجوز (6) أو ~~يستحب أن يدعى، أو يستغاث (7) مع الله غيره) . (9 فليس (8) عنده إلا تشكيك، ~~وتخمش، وتغيير على التوحيد، ونصرة للشرك والتنديد9) (9) . ولا يخفى أن جل ~~(10) شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء ~~حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، فإن أردت أيها الموحد-وفقك الله للتمسك بدين ~~الإسلام- حقيقة ما اشتملت (11) عليه أوراق هذا PageV01P081 # العراقي (1) طول ما طول، وبهرج ما بهرج، لكن (2) حقيقة ما فيها: الخروج ~~عن الصراط المستقيم إلى سبيل الشيطان الرجيم، واتباع غير سبيل المرسلين (3) ~~والمؤمنين، وإيمانا بالجبت والطاغوت، والجهل بالتوحيد وجحوده، والكفر به، ~~والإيمان بالشرك بالله، ونصرته، والدعوة إليه، ومسبة أهل التوحيد، وتحريف ~~الكلم عن مواضعه، ومصادمة أدلة الكتاب والسنة، وتقليب الحقائق بجعله الحق ~~باطلا والباطل حقا، وتكثير الكذب على العلماء، ونسبتهم (4) إلى ما هم ~~بريئون منه، منكرون له، وملأ أوراقه بالمخرقة (5) والبهرجة، والتخليط ~~والتخبيط، والسفسطة والمغالطات، والتمويه على الجهال وغير ذلك. وحقيقة ~~أمرهم: أنهم شبهوا الأنبياء والصالحين بالأصنام من حيث اتخاذهم لهم شركاء ~~لله في العبادة، وذلك غاية المسبة لهم، فعظموا الأنبياء والصالحين من حيث ~~أهانوهم (6) ، وفعلوا معهم من الشرك بهم ما دعوا الأمم إلى تركه، وهذا ظاهر ~~لمن تدبر أدلة القرآن الذي أنزله الله تعالى/ نورا وشفاءا لما في الصدور، ~~ولا يمكن أن يعارض بالبهرجة والمغالطات، ولا يفعل ذلك إلا من أعمى الله ~~قلبه، وأذهب عقله، فإن العاقل من يفعل الخير، ويترك PageV01P082 # الشر (1) ، وهذا الرجل صار معكوس العقل، يقبل الشرك ويرضاه؛ ويترك الخير ~~ويأباه كما هو حال الكثير من هذه الأمة وقبلها، كما قال تعالى: {سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن ~~يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك ~~بأنهم ms019 كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} (2) ، وقال تعالى: {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} (3) . # وأنت ترى هذا العراقي ينصب العداوة لكل من آمن بالله، ودعا إلى توحيده ~~وهو عدو كل موحد ونصير (4) كل (5) ملحد، وهؤلاء هم (6) أعداء الرسل في كل ~~زمان ومكان، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون} (7) والبصير إذا نظر في أوراق هذا العراقي علم أن ما ذكره الله ~~تعالى في هذه الآيات (8) لا يعدوه – بل هذه حالة وأمثاله وهم كثيرون لا ~~كثرهم الله فكم صرفوا PageV01P083 # ضعفاء العقول عن الإيمان، وعن أدلة القرآن (1) –وذلك أنه يحاول بشبهاته ~~وترهاته أن يجعل الميت أو الغائب شفيعا يسأله ويقصده، ويرغب إليه بالدعاء ~~والاستغاثة (2) ، والتذلل والخضوع له بما لا يصلح إلا لله تعالى (3) ، وقد ~~أخبر (4) تعالى (5) أن اتخاذ الشفعاء من دين المشركين، كما قال تعالى: {أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء} إلى قوله: {قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض} (6) ، والشفاعة كذلك لا يملكها غيره، ولا تحصل إلا بشروط ~~(7) إذن الله للشافع رحمة (8) للمشفوع له، وكرامة للشافع، ولا يقع الإذن ~~إلا في حق من رضي الله دينه وهم أهل التوحيد والإخلاص، الذين لم يتخذوا من ~~دونه شفيعا [والمدعو لا يشفع لمن دعاه، كما دل عليه الآيات المحكمات] (9) ، ~~كما قال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع} (10) PageV01P084 # فسبحان الله أين ذهب عقول هؤلاء الغلاة المشركين عن هذه الآيات المحكمات ~~البينات؟ # وقد أخبر تعالى (1) أن اتخاذ الشفعاء هو دين أهل الشرك بالله من عبدة ~~الأوثان، كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} إلى قوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} (2) ~~فأخبر أنه شرك ونزه نفسه عنه، وأخبر أن قولهم: ms020 {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} ~~(3) يمنع حصول/ الشفاعة لهم بطلبها من غير من يملكها، وقال تعالى: {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (4) فأخبر ~~تعالى أنهم تولوهم من دون الله بالعبادة؛ وأنهم إنما أرادوا بذلك أن ~~يقربوهم (5) إلى الله بشفاعتهم لهمن فأخبر تعالى أن هذا هو الكفر بالله، ~~بقوله: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} (6) و "كفار" صيغة مبالغة أبلغ ~~من كافر. وهذا الذي ذكره الله تعالى (7) عن المشركين هو الواقع من كثير من ~~هذه الأمة في حق أرباب القبور، جهلا منهم بحقيقة الشرك؛ حتى إن ذلك قد وقع ~~من كثير ممن ينتسب إلى العلم، وذلك ينافي الإخلاص في العبادة الذي هو ~~PageV01P085 # دينه الذي بعث الله (1) به رسله وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: {إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص} ~~(2) # فالإخلاص هو دينه الذي لا يقبل دينا سواه. وهو الذي أمر الله به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم كما قال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} ~~(3) والدين هو العبادة، لا اختلاف (4) بين علماء التفسير وغيرهم في ذلك، ~~وقال تعالى: {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين، الحمد لله رب ~~العالمين} (5) ، # وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} (6) ، ~~والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، كقوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (7) . # وقد تقرر في كلام العلماء، بل (8) في الآيات والأحاديث أن الدعاء صلاة، ~~وهو كذلك لغة وعرفا، والصلاة الشرعية قد اشتملت على نوعي الدعاء؛ دعاء ~~المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام وابن القيم –رحمهما ~~(9) الله تعالى-إن دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة يستلزم ~~دعاء PageV01P086 # المسألة، وقد اشتملت الصلاة الشرعية على النوعين فلا تصح إلا بهما، ~~وكلاهما عبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، فلا يجوز أن يدعى غير الله، كما ms021 ~~لا يجوز أن يتقرب بالنسك إلى غيره فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله فقد خرج ~~من دين الله الذي شرعه وأمر به، وبلغه عنه رسوله (1) صلى الله عليه وسلم؛ ~~وجاهد من تركه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "وإذا سألت ~~فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (2) ، فلو كان سؤال غير الله جائزا ~~لما قصر ابن عمه عبد الله بن عباس على سؤال الله وحده دون غيره، بل أمره ~~بتوحيد السؤال والاستعانة، PageV01P087 # وقصر ذلك على الله، وذلك في فاتحة الكتاب: {إياك نعبد وإياك نستعين} (1) ~~، أي: إياك نعبد لا غيرك، وإياك نستعين لا بغيرك، ولا يخفى أن تقديم ~~المعمول يفيد الحصر، فاشتملت هاتان الكلمتان على نوعي التوحيد؛ توحيد ~~الإلهية، وهو الغاية وهو فعل العبد {وإياك نستعين} هو الوسيلة والمعين هو ~~الله وحده. فالاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية ~~والربوبية، وقوله: {ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له} (2) ، أي: ~~في ذلك كله. قال العماد ابن كثير في تفسيره (3) : (أي قصدي ونيتي وعزمي) . # قلت: فتناول هذه الآية أعمال العبد باطنها وظاهرها، وإن ذلك كله لله وحده ~~لا يستحق غيره منه (4) قليلا ولا كثيرا. قال الله (5) تعالى: {ضرب الله ~~مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله} ~~(6) . # قال العماد ابن كثير (7) –رحمه الله – في تفسيره: {متشاكسون} ، أي: ~~متنازعون (8) في ذلك العبد المشترك بينهم، {ورجلا سلما (9) لرجل} خالصا ~~PageV01P088 # لرجل لا يملكه أحد غيره، {هل يستويان مثلا} أي: لا يستوي هذا وهذا؛ /كذلك ~~لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا ~~الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟ # قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: (هذه الآية ضربت مثلا للمشركين والمخلصين ~~(1) ، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال: {الحمد لله} ، أي: على ~~إقامة الحجة عليهم {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: فلهذا يشركون بالله) . ~~PageV01P089 ### | ### | فصل # (1) # وقد أنكر الله تعالى (2) في محكم كتابه على من ms022 دعا الأنبياء والصالحين ~~والملائكة. فقال تعالى (3) : {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (4) . # نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير ~~(5) ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد ~~في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون ~~كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من ~~الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (6 ~~التي تقرب إلى الله6) (6) إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ~~ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله. PageV01P091 # ومما يتوسل به إلى الله تعالى ذكر (1) أسماؤه وصفاته، كما قال تعالى: # {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (2) ، وقد علم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه (3) أن يتوسلوا إلى الله في دعائهم بحمده والإخلاص له، كما في ~~الحديث الصحيح: # "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات ~~والأرض يا ذا الجلال والإكرام" (4) ، وحديث "اللهم إني أسألك بأني أشهد (5) ~~أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد والصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد" (6) PageV01P092 # وأمثال هذا في الأحاديث كثير. وأما ما ادعاه المنحرفون عن الإيمان م أن ~~الوسيلة هي (1) التوسل إلى الله تعالى بذوات (2) الأنبياء والصالحين، فهذا ~~باطل يناقض ما ذكره الله تعالى في أول الآية: من تهديد من دعاهم، وإنكاره ~~عليهم دعوتهم، وقد تقدم ما يدل على (3) أن هذا الدعاء (4) هو بعينه دين ~~المشركين والمتخذين الشفعاء يسألونهم أن يشفعوا لهم عند الله، ويقربوهم ~~إليه زلفى، والقرآن كله من أوله إلى آخره يبطل هذه الوسيلة ويبين أنها شرك ~~وكفر، كما قال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} (5) ، وقوله: {ومن أضل ممن يدعو من ~~دون الله من لا يستجيب ms023 له إلى يوم القيامة} (6) # الآية (7) ، وقوله: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} إلى قوله: ~~{ويوم القيامة يكفرون بشرككم} (8) . PageV01P093 # فتظاهرت الآيات والأحاديث على أن هذه الوسيلة التي يدعيها أولئك الضلال؛ ~~من التعلق بالأموات والغائبين برغبة أو رهبة (1) أن هذا هو (2) الشرك ~~الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى (3) ، كما تقدم ذلك صريحا في كلام ~~العلماء، والاستدلال على ذلك بهذه الآيات ونظائرها. وهؤلاء الجهلة (4) ~~الضلال قلبوا الحقائق، ودعوا الخلق إلى أن يجعلوا لله أندادا يصرفون لهم من ~~العبادة ما لا يستحقه إلا الله تعالى، فخالفوا الرسل والكتب، فأنكروا (5) ~~[التوحيد] (6) الذي تضمنته دعوة الرسل والكتب، ودلت عليه كلمة الإخلاص لا ~~إله إلا الله (7) ، وأجازوا الشرك الذي هو أعظم المنكرات، واتفقت الرسل/ ~~والكتب على إنكاره والنهي عنه، والتحذير منه ومن عقوباته، وهذا بين واضح ~~لمن ألهمه الله رشده، ووقاه شر نفسه، وأحياالله قلبه. # وليس عند هذا العراقي –وأمثاله من المشركين (8) – ما يدفع حجج الله ~~وبيناته، حاش وكلا. # وغاية ما يستدل به: إما حديث مختلق مفترى، والأحاديث لا يقبل منها ~~PageV01P094 # إلا ما رواه العلماء من أهل الحديث بالأسانيد المتصلة وليس فيها من يتهم ~~بالكذب، [أو النسيان] (1) ، أو غير ذلك من العلل التي ذكرها المحدثون. (2 ~~وعلى كل حال فالحديث لا يخالف ما صرح به القرآن من النهي عن الشرك قليله ~~وكثيره، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد 2) (2) . # وقد صنف بعضهم في الموضوعات، وأفردها بالتصنيف؛ لئلا يغتر بها جاهل، ومما ~~بهرج به ما ينسبه إلى بعض العلماء، وهو إما أن يكون كذبا عليهم، أو أنه ~~أخطأ والخطأ جائز عليه (3) ؛ ولهذا ورد في كلام بعض الصحابة التحذير من زلة ~~الحكيم، (6 وفي الحديث "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين (4) ، وهذا يدل ~~على أنه قد يوجد في الأمة من هو كذلك، بل قد وجد في كلام كثير جهلا منهم، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما 6) (5) (6) كل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول ~~صلى الله عليه وسلمن فإن الله ms024 تعالى عصمه وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى، وأيضا فكل هذه الحكايات منقطعة لا يجوز الاحتجاج PageV01P095 # بها، ولو لم تعارض نصوص الكتاب والسنة، فكيف إذا عارضت أصل (1) الإسلام ~~الذي أكمله الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فلا ~~تجد حكاية من الحكايات إلا وهي منقطعة، والناقل مجهول الحال أو متهم بالكذب ~~(2) ، وبكل وجه اعتبرته يفسد به الاستدلال. # فلا يروج ما لبس به هذا العراقي إلا على جاهل لا بصيرة له في معرفة الحق ~~من الباطل. # ولا خلاف بين العلماء –رحمهم الله تعالى- أن أدلة الشرع المتفق عليها ~~ثلاثة: آية محكمة، أو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه العلماء ~~بالأسانيد المتصلة، ويحتجون به على محل النزاع، والثالث: الإجماع، وهو ~~إجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من المجتهدين. # وأما القياس: ففي الاستدلال به نزاع بين العلماء، ومن قال منهم: إنه ~~دليل، فلقبوله شروط مذكورة في كتب العلماء من الأصوليين وغيرهم (3 فإن خالف ~~نصا، أو ظاهرا فسد اعتباره بالإجماع 3) (3) ، فإذا كانت هذه الحكايات التي ~~يذكرها هذا العراقي لا يدل عليها نص كتاب ولا سنة ولا قياس، ولا أجمع عليها ~~من يعتد بإجماعه ممن ذكرنا، ومع هذا فقد صادمت الأدلة كلها، فإذا كان الأمر ~~كذلك –كما لا يخفى – علم يقينا أنها من وحي الشياطين (4) ، وتلبيس الجاهلين ~~المنحرفين عن الحق المبين. PageV01P096 # وقد ذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- حكايات ذكر أنه (1) اغتر (2) بها ~~عباد القبور، وأجاب عن ذلك بم يكفي ويشفي، وسنذكر إن شاء الله (3) تعالى في ~~هذا الجواب بعض ذلك. # وقال العلامة ابن القيم (4) –رحمه الله تعالى-: (والمقصود أن الشيطان ~~بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبور، وأنه أرجح منه في المسجد، ثم يدعوه إلى ~~درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام به على الله تعالىن ثم ~~ينقله إلى دعاء الميت نفسه من دون الله، ثم ينقله إلى أن يتخذ قبره معتكفا، ~~/ ويوقد عليه القناديل، ويضع عليه الستور، ويعبده بالسجود له والطواف، ~~والتقبيل والاستلام، ms025 والحج إليه، والذبح له (5) ، ثم ينقله إلى دعاء الناس ~~إلى عبادته، واتخاذه معبودا، ثم إلى الإنكار على من أنكر شيئا من هذه ~~المفاسد، والحكم عليه بالضلال البعيد. # وأعظم الفتنة بالأنصاب فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام، ~~كما ذكره السلف من الصحابة والتابعين. # فمن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبرا معظما معبودا، ثم يوحي ~~إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه وثنا فقد تنقصه وهضمه، فيسعى ~~الجاهلون والمشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه يأمر ~~PageV01P097 # بما أمر الله به ورسوله من توحيده، وينهى الله عنه ورسوله من اتخاذ ~~القبور أوثانا وأعيادا وإيقاد السرج عليها وبناء القباب، وغير ذلك مما ~~تقدمت الإشارة إليه من فنون الشرك الذي كان يفعله المشركون مع أرباب ~~القبور. # فقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسله من ~~تجريد التوحيد، فإذا نهى الموحد عن الشرك بالأموات [والغائبين] (1) إشمأزت ~~قلوبهم؛ وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية؛ وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا ~~قدر، ويسري (2) ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم ~~والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم؛ ونفروا الناس عنهم ووالوا ~~أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ويأبى الله ورسوله ~~ذلك، وما كانوا أولياؤه إن أولياؤه إلا المتقون (3) الداعون إلى توحيده على ~~بصيرة، لا لابسوا ثياب الزور الذين يصدون الناس (4) عن سبيل الله، ويبغونها ~~عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط ~~المستقيم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأعيادا (5) ، وإيقاد السرج ~~عليها، والسفر إليها ودعائها، والنذر لها واستلامها وتقبيلها، وتعفير ~~الوجوه في عرصاتها ونحو ذلك: غضمن قدر أصحابها، كما يحسبه أهل الإشراك ~~والضلال، بل ذلك من إكرامهم PageV01P098 # ومتابعتهم فيما يحبونه، وتجنب ما يكرهونه، بل أنت والله وليهم ومحبهم، ~~وناصر طريقتهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم، وهؤلاء المشركون من أعصى الناس ~~لهم، وأبعدهم من هديهم، كالنصارى مع المسيح والروافض مع علي، فأهل الحق ~~أولى بأهل الحق ms026 من أهل الباطل، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ألياء بعض، ~~والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. # فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء ~~العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وسنته، مشتغلين بقبره عما دعا ~~إليه وأمره به. # فتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم ~~النافع، والعمل/ الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقهم، دون عبادة قبورهم ~~والعكوف عليها، وقد أرسلوا إلى أممهم بالنهي عن ذلك، فنهوا عنه أشد النهي، ~~فكيف يتقرب إليهم بما قد حرموه ونهوا عنه، ونصبوا العداوة لمن فعلهن # وتبرأوا منه؟ # وإنما اشتغل كثير من الناس بكثير من أنواع العبادة المبتدعة التي حرمها ~~الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع؛ وإن قاموا بالصورة الظاهرة، فقد حرموا ~~المقصود منه، ومن أصغى إلى كلام الله ورسوله بقلبه وتدبره (1) بكليته، وحدث ~~(2) نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، أغناه عن البدع، والآراء، والتخرصات، ~~والشطحات، والخيالات، التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها) PageV01P099 # انتهى (2كلام العلامة –رحمه الله (1) –وهو يحكي ما وقع في هذه الأمة من ~~الشرك العظيم كما لا يخفى على ذوي البصاير2) (2) . # ومما يقرر ما قدمناه –من أن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة ~~(3) أو مجموعهما –ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى وغيره من المحدثين ~~والمفسرين فإنه قال في صحيحه: كتاب الدعوات، باب (4) قول الله تعالى: # {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (5) # ولكل (6) نبي دعوة مستجابة. # حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه (7) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة (8) بها، ~~وأريد أن أختبأ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (9) زاد مسلم" وهي (10) ~~نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" (11) وذكر ~~–رحمه الله- (12) PageV01P100 # أحاديث في هذا المعنى كغيره من المحدثين والمصنفين في الأذكار والدعوات؛ ~~مما لا يقدر مبطل على دفعه ومنعه، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. # PageV01P101 ### | ### | فصل # (1) # في بيان أمور من الشرك الأكبر ms027 – (2يشبه ما قدمناه2) (2) - الذي وقع فيه ~~من وقع من هذه الأمة. قال العلامة ابن القيم (3) رحمه الله: # (ومن أنواعه-أي الشرك –طلب الحوائج عن الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه ~~إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ~~نفعا ولا ضرا (4) ، فضلا لمن أستغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا ~~من جهله بالشافع والمشفوع عنده) . # قلت: وهذا الجهل قد عمت به البلوى (5 في زمن العلامة ابن القيم – رحمه ~~الله- وقبله وبعده 5) (5) ، قال في الكافية الشافية (6) : # ولقد رأينا من فريق يدعي الإ ... سلام شركا ظاهر التبيان # جعلوا له شركاء والوهم وسا ... ووهم به في الحب لا السلطان # إلى آخر الأبيات. PageV01P103 # وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي الحنبلي في رده على السبكي (1) ، في ~~قوله: (إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة) : (إن ~~أريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما، حتى الحج إلى قبره والسجود ~~له، والطواف به؛ واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويملك لمن استغاث به من ~~دون الله الضر والنفع، وأنه/يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، ~~وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل، الجنة من يشاء: فدعوى المبالغة في هذا التعظيم ~~مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين) . وفي "الفتاوى البزازية" (2) من ~~كتب الحنفية: (من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر) . وقال الشيخ صنع ~~الله الحلبي الحنفي في كتابه "الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا (3) في ~~الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة" (4) : (هذا وإنه قد ظهر الآن فيما ~~بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، ~~ويستغاث بهم في الشدائد والبليات؛ وبهممهم تكشف المهمات؛ فيأتون قبورهم ~~وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، قالوا: منهم ~~أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو ~~الغوث للناس، وعليه PageV01P104 # المدار بلا التباس وجوزوا لهم الذبائح والنذور وأثبتوا لهم فيهما الأجور) ~~. قال: (وهذا كلام (1) في تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب ~~السرمدي، لما فيه ms028 من روائح الشرك المحقق، ومصادرة (2) الكتاب العزيز ~~المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: {ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (3) . ثم قال: (فأما قولهم: إن للأولياء ~~تصرفات في حياتهم وبعد الممات (4) ، فيرده قوله تعالى: {أإله مع الله} (5) ~~، {ألا له الخلق والأمر} (6) ، {لله ملك السماوات والأرض} (7) ، ونحوه من ~~الآيات الدالة (8) على أنه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا ~~شيء (9) لغيره في شيء بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره: تصرف وملكا، ~~وإحياء وإماتة وخلقا، وتمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه كقوله (10) ~~: {هل من خالق غير الله} (11) PageV01P105 # {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} (1) وذكر آيات في هذا المعنى. ~~ثم قال: (فقوله في الآيات كلها {من دونه} أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه ~~من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده (2) ، فإنه من لم يقدر على نصر نفسه كيف ~~يمد غيره؟) . # إلى أن قال: (إن هذا القول وخيم؛ وشرك عظيم) . # إلى أن قال: (وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول ~~بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره {إنك ميت وإنهم ميتون} (3) ، وقوله: {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} (4) الآية، وقوله: {كل نفس ذائقة الموت} (5) ~~الآية، {كل نفس بما كسبت رهينة} (6) ، وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله إلا من ثلاث" (7) -الحديث، وجميع ذلك، وما هو نحوه دال على انقطاع ~~الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن ~~زيادة/ونقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره، فإذا ~~عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟ PageV01P106 # فالله (1) سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن ~~الأرواح مطلقة (2) متصرفة، {قل أأنتم أعلم أم الله} (3) ؟ # قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو من أعظم المغالطة؛ ~~لأن الكرامة (4) شيء من ms029 عند (5) الله يكرم بها أولياءه وأهل طاعته (6) ، لا ~~قصد لهم فيه ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، ~~وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني) .قال: (وأما قولهم: فيستغاث بهم في ~~الشدائد ... فهذا أقبح مما قبل (7) وأبدع لمصادمته (8) قوله: {أمن يجيب ~~المضطر إذا دعاه} (9) الآية، وقوله: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} ~~(10) وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: (فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر ~~لا غيره، وأنه المنفرد بإجابة المضطرين (11) ، وأنه المستغاث به لذلك كله، ~~وأنه القادر على دفع PageV01P107 # الضر القادر على إيصال الخير فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج ~~غيره من ملك ونبي وولي) .قال: (والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية ~~من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد؛ يا ~~للمسلمين بحسب الأفعال (1) الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة ~~والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد؛ كالمرض، وخوف الغرق، والضيق، ~~والفقر، وطلب الرزق، ونحوه، فمن خصائص الله، لا يطلب فيها غيره) . # قال: (وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله ~~جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من ~~المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي، أو ولي (2) ، أو روح، أو غير ذلك ~~في كشف كربة، أو قضاء حاجة تأثيرا فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا ~~حفرة (3) من السعير. # وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء ~~الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كما (4) أخبر الرحمن: {هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} (5) ، {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (6) ~~{أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا} (7) ، ~~فإن ذكر ما PageV01P108 # ليس من شأنه النفع، ولا دفع الضر، من نبي أو ولي وغيره على وجه الإمداد ~~منه (1) : إشراك (2) مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا ~~خيره) . # قال: (وأما ما قالوه: إن منهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، ms030 وسبعين ~~وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ~~ذكره القاضي المحدث في "سراج المريدين"، وابن الجوزي، وابن تيمية) انتهى ~~باختصار. # فرحم الله علماء السنة فلقد كفونا مؤنة كشف ما أورده المشركون من شبهات ~~المبطلين؛ وإلحاد الملحدين، فلله الحمد/ والمنة على عظيم النعمة. # فتبين (3) لمن له عقل بطلان ما بهرج به هذا العراقي من كرامات الأولياء ~~مستدلا بذلك على جواز جعلهم لله أندادا. # ومما يبين ذلك: أنه وقع لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه في ~~غزوة خيبر من الكرامات ما لا يقع لغيره، ولما بلغه عن أناس نزلوا بالكوفة ~~أنهم أعتقدوا فيه الألهية خد لهم الأخاديد، وجعل فيها الحطب، وأوقدها ~~بالنار وقذفهم فيها، إعظاما لهذا الأمر، وهو بالنسبة إلى ما وقع من عباد ~~القبور في هذه الأزمنة وقبلها قليل من كثير. # والكرامة: أمر يجعله الله لا صنع للبشر فيه فالذي أوجد الكرامة لمن شاء ~~من عباده هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، فإن الكرامة إنما تقع ~~PageV01P109 # لبعض الموحدين المخلصين، بسبب توحيدهم وإخلاصهم لله (1) ، كما قال تعالى ~~في حق المسيح ابن مريم وأمه (2) والعزير والملائكة، بعد التهديد والوعيد ~~لمن دعاهم: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} (3) ~~ولهم العجزات العظيمة. # ومن العجب استدلال هؤلاء المشركين بما ظهر من آثار تحقيق التوحيد فيمن ~~(4) ظهر فيه شيء من ذلك على أن يجعله لله شريكا في عبادته (5) ، وقد قال ~~تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} (6) ، وهو صاحب المعجزات صلى الله عليه وسلم، وقد قال لمن ~~قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" (7) . ~~PageV01P110 # وقال (1) تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون} (2) ، وما أعطى ms031 أحد من هذه الأمة نبيها ما أعطى عيس بن ~~مريم PageV01P111 # عليه السلام، كما قال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي ~~عليك وعلى والدتك} (1) إلى قوله: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} ~~(2) فما أوجب ذلك أن يعبد بشيء من أنواع العبادة؛ بل أنكر تعالى # على النصارى اتخاذهم له إلها بالعبادة، كما قال الله (3) تعالى: {وإذ قال ~~الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟} ~~إلى قوله: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} (4) ~~الآية. # والكرامة قد تقع للمفضول دون الفاضل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إنه كان في الأمم [قبلكم] (5) محدثون، فإن يكن أحد (6) في أمتي ~~فعمر" (7) . # قال العلامة ابن القيم (8) : # (فجزم بوجود المحدثين في الأمم، وعلق وجوده في أمته بحرف الشرط، فليس هذا ~~بنقصان لأمته عمن قبلهم، بل هذا من (9) كمال أمته على من قبلها. ~~PageV01P112 # فإنها لكمالها وكمال نيتها وكمال شريعته لا تحتاج (1) إلى محدث؛ بل إن ~~وجد فهو صالح للاستشهاد والمتابعة، لا أنه عمدة؛ لأنها في غنية بما بعث ~~الله به نبيها صلى الله عليه وسلم عن كل مقام أو مكاشفة أو إلهام أو تحديث، ~~وأما من قبلها فللحاجة إلى ذلك جعل فيهم المحدثون) . /قلت: فعلى هذا لا ~~مزية لمن ظهر له شيء من هذه الكرامات ولو صحت، وقد يجريها الله لبعض الناس ~~ابتلاء وفتنة واختبارا، فارجع إلى التمسك بأدلة الكتاب والسنة، وتمسك ~~بالوحيين، وخذ بهما تسلم من الشبهات الفاسدة، التي لا تشفي عليلا، ولا تروي ~~غليلا. # ولا يخفى أن أكثر (2) ما يقع لبعض المتأخرين مما يظن الجاهلون (3) أنها ~~من الكرامات أكثرها أحوال شيطانية (4) ، وإن ذكرت عن بعض من له زهد وعبادة ~~كما يذكر ل "عبد القادر الجيلاني" _رحمه الله وأمثاله- (5) ، وكثير منها لا ~~يعلم له صحة؛ للجهالة بالناقل لذلك (6) ، وللجهالة بمن ينقل عنهن فإنها نقل ~~مجهول عن مجهول، وعلى كل حال فلا تفيد شيئا فضلا أن تعارض أدلة الكتاب ~~والسنة. # فأين ms032 هؤلاء الذين تذكر عنهم هذه الأحوال من السابقين الأولين، كأهل بيعة ~~العقبة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وأكثرهم قد شهد المشاهد كلها ~~PageV01P113 # مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أفضل الأمة على الإطلاق، ولم يذكر (1) ~~لهم من هذه الأمور شيء إلا نادرا، وما عد أحد منهم ذلك فضيلة لمن وقعت له، ~~وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها قد تقع لعمر خاصة، بقوله: "فإن يكن ~~أحد في أمتي فعمر" (2) ، ولا ريب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أفضل من ~~عمر رضي الله عنه، فلم يقع له شيء من ذلك كغيره من السابقين الأولين؛ فلا ~~حجة لأحد فيما يدعي أنه كرامة من كل وجه من الوجوه كما تقدم. # وقد تقدم أن المعجزات التي وقعت للرسل أعظم وأعظم، فصارت إعلاما على ~~صدقهم فيما دعوا إليه من تجريد (3) التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده لا ~~شريك له، فلم تكن دليلا على أنه يجوز أن يستغاث بهم أو يعتقد فيهم بما لا ~~(4) يجوز اعتقاده في أحد سوى الله من نفع أو ضر، أو رغبة أو رهبة (5) ، ~~والقرآن ينادي بهذا في كل سورة. # ونذكر هنا ما ذكره العماد ابن كثير (6) في هذا المعنى في أول تفسير سورة ~~البقرة فإنه –رحمه الله تعالى-قال: # (وذكر القرطبي هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا –رحمهم الله-من أظهر الله ~~على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته، ~~خلافا لبعض الصوفية والرافضة. PageV01P114 # وهذا لفظه؛ ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع لهذا الذي جرى الخارق على ~~يديه (1) أنه يوافي الله بالإيمان؛ وهو لا يقطع لنفسه بذلك، والولي هو الذي ~~يقطع له بذلك في نفس الأمر. قلت (2) : وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد ~~تكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضا بما ثبت عن ~~ابن صياد أنه # قال: "هو الدخ" (3) حين خبأ له (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم {فارتقب ~~يوم تأتي السماء بدخان مبين} (5) ، وبما كان يصدر عنه أنه ms033 كان يملأ الطريق ~~إذا غضب، حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت (6) به الأحاديث/ عن الدجال ~~بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة، من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ~~والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل: اليعاسيب (7) ، وأنه يقتل ~~ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة. PageV01P115 # وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي (1) : قلت للشافعي: كان الليث بن سعد ~~يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به، حتى ~~تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي: إذا (2) رأيتم الرجل يمشي ~~على الماء أو يطير (3) في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على ~~الكتاب والسنة) انتهى. # وذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- (4) في الاقتضاء (5) كلاما نافعا لمن ~~شرح الله صدره للإسلام، وصار الحق ضالته يطلبها إلى أن يجدها. # فقال –رحمه الله تعالى-: # (ولو تحرى الدعاء عند صنم، أو صليب، أو في كنيسة، يرجو الإجابة بالدعاء ~~في تلك البقعة لكان هذا من العظائم، فقصد القبور للدعاء عندها من هذا ~~الباب، بل هو أشد (6) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها ~~مساجد، واتخاذها عيدا؛ وعن الصلاة عندها (7) ، وما يرويه بعض الناس أنه ~~قال: إذا تحيرتم بالأمور فاستغيثوا بأهل القبور ونحو هذا، فهو كلام موضوع ~~مكذوب باتفاق العلماء يبين ذلك أمور: PageV01P116 # أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك، بالعكوف عليها، ~~وتعلق القلوب بها؛ رغبة ورهبة، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد ~~نزلت به نازلة فيدعو باستجلاب خير كالاستسقاء، أو لدفع شر كالاستنصار، ~~فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال من يؤدي الفرض ~~عندها في حال العافية، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدا، فإذا ~~كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهى عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء ~~كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد، وهذا واضح لمن فقه في دين ms034 الله، وتبين له ما ~~جاءت به الحنيفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في ~~تحقيق (1) ، التوحيد ونفي الشرك بكل طريق. # الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة هنالك (2) أمر لم ~~يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة ~~المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ~~ينقل ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية، وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب غير ذلك؛ فهلا جاءوا فاستسقوا (3) ~~واستغاثوا (4) عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل خرج عمر بالعباس ~~فاستسقى به، ولم يستسق (5) بقبر (6) PageV01P117 # النبي صلى الله عليه وسلم وقد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات ~~يونس بن بكير (1) عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا/ أبو العالية قال: "لما ~~افتتحنا تستر (2) وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه ~~مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر رضي الله عنه، فدعا له كعبا فنسخه ~~بالعربية؛ وأنا أول رجل من العرب قرأه مثل ما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي ~~العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، ولحون كلامكم، وأموركم وما هو كائن بعد، ~~قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما ~~كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها؛ لنعميه على الناس لا ينبشونه (3) ، ~~قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، ~~فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه ~~مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا ~~شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع" (4) ~~. ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به ~~الناس، وهو إنكار منهم لذلك، وقد كان من قبور أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم [بالأمصار] (5) عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما ~~PageV01P118 # استغاثوا عند ms035 قبر صاحب (1) ولا استسقوا عنده ولا به، لا استنصروا عنده ~~ولا به. # ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على ما ~~هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعا أن القوم ما كانوا ~~يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا، بل كانوا ينهون عن ذلك ~~من يفعله من جهالهم. # وهذا [الدليل] (2) قد دل عليه كتاب الله في غير موضع كقوله: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (3) ، فإذا لم يشرع الله ~~سبحانه الدعاء عند المقابر، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ~~وقد قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} (4) وهذه العبادة عند المقابر نوع من الشرك (5) بالله ~~ما لم (6) ينزل به سلطانا؛ لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء ~~عند القبور، ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا (7) يعلم، وما ~~أحسن قول الله تعالى: {ما لم ينزل به سلطانا} لئلا يحتج بالمقاييس ~~والحكايات. PageV01P119 # فإن قيل: قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف (1) : الترياق المجرب (2) . ~~وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في ~~"قصص من هجرة أحمد" رضي الله عنه: أن بعض المهجورين كان يجيء إلى قبر ~~ويتوخى الدعاء عنده، ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبر جماعات من الأنبياء ~~والصالحين من أهل البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من ~~الناس. وقد ذكر المصنفون في مناسك الحج: إذا زار قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة/ عند قبره ودعا ~~استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنها بقعة ~~يجوز السلام والدعاء والذكر عندها، فجازت ms036 القراءة كغيرها، وذكر بعضهم ~~منامات في الدعاء عند قبر بعض المشايخ، وجرت قوم (3) استجابة (4) الدعاء ~~عند قبور معروفة؛ كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي والمقدسي وغيره، وقد ~~أدركنا في زماننا وما قاربها من ذوي الفضل علما وعملا من كان يتحرى الدعاء ~~عندها؛ والعكوف عليها، وفيهم من كان بارعا في العلم، وفيهم من كان له ~~كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم ~~والدين لأنه غالبا ما يتمسك به القبوريون (5)) . PageV01P120 # قلت: الله أكبر كيف يؤخذ هذا بدلا عن نصوص الكتاب والسنة {أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} (1) وقدأحسن من ~~قال: # تخالف الناس فيما قد رأو ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر # فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر # ثم قال رحمه الله تعالى: # (قلنا الذي ذكرنا لا ينقل في استحبابه فيما علمناه شيء ثابت عن القرون ~~الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "خير أمتي ~~القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (2) مع شدة ~~المقتضي فيهم لذلك، # فلو كان فيه فضيلة، فعدم أمرهم، وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو (3) كان ~~فيه فضل يوجب القطع بأنه لا فضل فيه) . # إلى أن قال: # (وإذا اختلف (4) المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب والسنة، وإجماع ~~المتقدمين نصا واستنباطا، فكيف والحمد لله لا ينقل هذا عن إمام معروف ولا ~~عالم متبع، بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه، مثل ما حكى ~~بعضهم عن الشافعي أنه قال: إذا نزلت بي شدة أجيء فادعو عند قبر أبي ~~PageV01P121 # حنيفة فأجاب، أو كلاما هذا معناه، وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من ~~له معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب ~~للدعاء عند البتة، بل (1) ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى ~~الشافعي بالحجاز، واليمن، والشام، والعراق، ومصر من قبور الأنبياء والصحابة ~~والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي ms037 حنيفة وأمثاله من ~~العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده، ثم أصحاب أبي حنيفة الذين ~~أدركوه مثل أبي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وطبقتهم لم يكونوا ~~يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره، ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ~~ثابت في كتابه من كراهة تعظيم المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل ~~هذه الحكايات من يقل علمه ودينه. وأما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن ~~مجهول لا يعرف، ونحن لو روى لنا مثل هذه الحكايات المسيبة (2) أحاديث عمن ~~لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك (3) بها حتى تثبت، فكيف بالمنقول عن غيره. ~~ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب (4) ، أو قاله ~~بقيود أو شروط كثيرة على وجه (5) / لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، كما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (6) لما أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم ~~المبطلون أن ذلك هو PageV01P122 # الزيارة التي يفعلونها، من حجمها للصلاة عندها، والاستغاثة بها. ثم سائر ~~هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب ~~العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها، وتركه مع قيام المقتضى ~~للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من ~~غير نقل عن الأنبياء والنصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات أحكام ~~[الله] (1) : كلام (2) الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسبيل السابقين ~~الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا ~~بحال. والجواب عنها (3) من وجهين: مجمل، ومفصل. # أما المجمل: فالنقض: فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من ~~هذا النمط كثير، بل المشركون (4) الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء ~~أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا ~~على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض. ثم إنك تجد ~~كثيرا من هؤلاء ms038 يستغيثون عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به ~~الظن، وأساء الظن بآخر (5) ، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب ~~عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح ~~بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين PageV01P123 # الأضداد، فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على ~~وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف ~~التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا وهذا ~~لم يكن تأثير الحسن الظن بواحد دون واحد آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان. # ثم قد استجيب لبلعم بن باعوراء (1) في قوم موسى وسلبه الله الإيمان، ~~والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون) . # قلت: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- (2) إنما (3) يقع لهم ~~استدراجا، كما قال تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين} (4) ، وقال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون} (5) . PageV01P124 # ثم قال –رحمه الله تعالى-: # (وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبه على أصلين: منقول، وهو ما ~~يحكى من فعل هذا الدعاء عند (1) بعض الأعيان، ومعقول، وهو ما يعتقد من ~~منفعته بالتجارب والأقيسة (2) . # فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن ~~يقتدى به بخلاف ذلك. # وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين ~~يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر؛ بل يدعو ~~الرجل منهم ما شاء الله من دعوات (3) فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير ~~منهم فيستجاب للواحد بعد الواحد، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات ~~الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلواتهم، وفي بيوت الله؟ / فإن ~~هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابرين لم تكد لهم دعوة إلا لمانع. # بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون (4) إذا فعله المخلصون، ms039 لم ~~يرد المخلصون إلا نادرا، ولم يستجب للمقابريين إلا نادرا، والمخلصون كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ~~ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله فيها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له ~~دعوته، أو يؤخر له من PageV01P125 # الخير مثلها، أو يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا يا رسول الله: إذن نكثر ~~قال: "الله أكبر" (1) . # فهم في دعائهم لا يزالون بخير، وجميع الأمور التي تظن أن لها تأثيرا في ~~العالم، وهي محرمة في الشرع، كالتمريجات (2) الفلكية؛ والتوجيهات (3) ~~النفسانية، كالعين والدعاء المحرم؛ والرقى المحرمة والتمريجاب (4) الطبيعية ~~PageV01P126 # ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من منفعتها، حتى في نفس ذلك المطلوب، فإن هذه ~~الأمور لا يطلب بها غالب إلا أمورا دنيوية فقل أن حصل لأحد بسببها أمر ~~دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة، دع الآخرة، ثم إن فيها ~~من النكد والضرر ما الله به عليم فهي نفسها مضرة؛ ولا يكاد يحصل الغرض بها ~~إلا نادرا، وإذا حصل فضرره أكثر من منفعته. # والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة [أو] (1) المستحبة (2) ، ~~سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة، أو كانت دينية كالتوكل على الله ~~والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي ~~فضلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم، ~~والصدقة وفعل المعروف –يحصل بها (3) الخير أو الغائب، وهذا الأمر كما أنه ~~قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضا معقول بالتجارب المشهورة ~~والأقيسة الصحيحة. # فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير ~~ويدفعان كل شر إذا ثبت ذلك: فليس علينا من سبب التأثير (4) أحيانا فإن ~~الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء، لا يحصيها على ~~الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب، وكذلك أنواعها أيضا لا يضبطها ~~المخلوق؛ لسعة ملكوت الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم ~~السلام أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه PageV01P127 # فسادهم، ولا يشغلونهم ms040 بأسباب الكائنات كما تفعل الفلاسفة، فإن ذلك كثير ~~التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. # والكلام (1) في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف ~~عقله ودينه، بحيث (2) يختطف عقله فيتألهه (3) إذا لم يرزق من العلم ~~والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين، ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى ~~المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه أو إنه إن أثر فضرره أكثر من نفعه، ~~كما أن ثعلبة لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال ~~ونهاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة، فلم ينته حتى دعا له، فكان ~~ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة (4) ، وكم من عبد دعا PageV01P128 # دعاء غير مباح حاجته في ذلك الدعاء، فكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، ~~كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيه جرأة على الله واعتداء لحدوده، ~~وأعطوا طلبتهم فتنة؛ ولم يشاء الله/ سبحانه، بل أشد من ذلك، # ألست ترى السحر، والطلسمات (1) والعين، وغير ذلك من المؤثرات في العالم ~~بإذن الله؟ قد يقضي بها كثير من أغراض النفوس ومع هذا فقد قال تعالى: # {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} إلى قوله: {ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} (2) . # ومن هنا يغلط (3) كثير من الناس: يبلغهم أن بعض الأعيان (4) عبدوا عبادة ~~أو دعوا دعاء وجدوا أثر تلك العبادة [وذلك] (5) الدعاء، فيجعلون ذلك دليلا ~~على استحباب (6) ذلك، فيجعلونه سنة كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، وقد علمت ~~جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين. وليس ذلك ~~بشرع يتبع ولا سنة، وإنما يثبت استحباب الأفعال (7) واتخاذها PageV01P129 # دينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون ~~الأولون، وما سوى ذلك (1) من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانا ~~على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها. ثم من غرور هؤلاء ~~وأشباههم: [اعتقادهم] (2) أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى، ~~وليس ms041 في الحقيقة كرامة، وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو ~~نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هي بمنزلة ما ينعم به الكفار ~~والفساق من الرياسات والأموال [في الدنيا] (3) ، ولهذا اختلف أصحابنا ~~وغيرهم من العلماء: هل ما ينعم به الكافر نعمة، أو ليس (4) بنعمة؟ وإن كان ~~الخلاف لفظيا. # قال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات ~~بل لا يشعرون} (5) ، وقال تعالى: (6) {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء [حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم] (7) مبلسون} ~~(8) . PageV01P130 # ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركا، كدعاء غيره أن يفعل، أو ~~دعائه أن يدعو، ونحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض، إلا في ~~الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف ~~العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال تعالى: {قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} (1) . # وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم وكان الأنسان كفورا} (2) . # وقال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} ~~(3) # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا} إلى قوله: {محذورا} (4) . # وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعا} (5) . PageV01P131 # فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده، ~~وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك [أن] (1) ما دون هذا أيضا من الإجابات ~~إنما فعله هو وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما ~~أن خلقه السموات، والأرض، والرياح، والسحاب، وغير ذلك من الأجسام العظيمة، ~~دال على وحدانيته سبحانه، وأنه خالق كل شيء، وأن ما دون هذا ms042 بأن يكون خلقا ~~له أولى، إذ هو منفعل عن مخلوقاته/ العظيمة (2) ، فخالق السبب التام خالق ~~للمسبب لا محالة. جماع الأمر: أن الشرك نوعان: # شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرا ما (3) ، كما قال سبحانه: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} (4) ؛ فبين أنهم لا ~~يملكون مثقال ذرة استقلالا، ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ~~ملكه، ومن لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا (5) فقد انقطعت علاقته. وشرك ~~(6) في الألهية: بأن يدعي (7) غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة؛ كما ~~PageV01P132 # قال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (1) ، فكما أن إثبات المخلوقات ~~أسبابا لا يقدح في توحيد الربوبية ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا ~~يوجب أن يدعي المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة (2) ، كذلك إثبات بعض ~~الأفعال المحرمة من شرك أو غيره، أسبابا لا تقدح في توحيد الإلهية، ولا ~~يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن يستعمل الكلمات ~~والأفعال التي فيها شرك، إذا كان الله يسخط ذلك، ويعاقب العبد عليه، ويكون ~~مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أن لا نعبد إلا ~~إياه، ولا نستعين إلا إياه، وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى إنه ~~سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه. # كقوله سبحانه: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (3) . وكقوله سبحانه: ~~{وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} ~~(4) . وقوله تعالى (5) : {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع} (6) . وقول (7) {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا ~~يضرنا..} الآية (8) ، PageV01P133 # وقوله سبحانه: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة (1) وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} ~~الآية. # وقوله: {ثم استوى على العرش ما لكم ms043 من دونه من ولي ولا شفيع} (2) . # وقوله: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} (3) . # وقوله: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون، قل لله الشفاعة جميعا} (4) . # وسورة الزمر أصل عظيم في هذا (5) ، ومن هذا قوله تعالى: {ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف} إلى قوله: {ولبئس العشير} (6) . # وكذلك قوله: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا} إلى قوله: {لو كانوا يعلمون} (7) والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا ~~الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله في تحريم هذا ~~الدعاء، ولا (8) تغتر بكثرة العادات PageV01P134 # الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتاب الذي أخبرنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كائن في هذه الأمة. # وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا ~~الاعتقاد بالقلوب انمحى ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد (1 ~~كان حراما، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا/ لباب الشرك ~~وإغلاقا لباب الإيمان1) (1) . PageV01P135 ### | ### | فصل # (1) # وقال شيخ الإسلام أيضا: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، ~~وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بينا أن نفس بناء ~~المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ~~ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند ~~بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله، بل حرمة ذلك ~~المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من ~~بيوت الله التي (2) أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى ~~من الله ورضوان. # وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم من كثير من الناس، حتى إن ~~منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور، إما لنبي، أو شيخ، أو بعض ms044 ~~أهل البيت: أفضل من حج البيت الحرام، ويسمى زيارتها الحج الأكبر، ومنهم من ~~يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت؛ ~~وبعضهم إذا وصل إلى المدينة رجع، وظن أنه حصل [له] (3) المقصود، وهذا لأنهم ~~ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه، ~~ولهذا كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب كما يسأل ربه، وكثير من ~~PageV01P137 # الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه، كما ~~تفعل الشياطين بعبدة الأصنام. وأعظم من قصد الصلاة عنده، النذر (1) له، أو ~~للسدنة، أو المجاورين (2) عنده من أقاربه، أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له ~~قضيت الحاجة، وكشف البلاء. # واعلم أن أهل القبور المدفونين من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يفعل ~~عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى به، ~~وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله (3) الأتباع) . # (11 قلت: (فمن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكره ما كرهه (4) ~~المسيح- عليه السلام (5) -وتبرأ منه فقد سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعظم السب، وصار بهذا كافرا؛ لكونه نسب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~الرضاء بما نهاه الله تعالى (6) عنه في مواضع (7) من كتابه، والنبي (8) صلى ~~الله عليه وسلم بلغ عن الله وحيه، واشتدت عداوته لمن ارتكب ما نهى الله عنه ~~من هذا (9) الشرك العظيم، وقاتل من لم يتب منه، واستحل دمائهم، وأموالهم، ~~ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى (10)) 11) : PageV01P138 # (فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا غض من ~~أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن ~~السنن (1) فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور ~~وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، ومن كرامة الأنبياء ~~والصالحين أن يتبع ما ادعوا إليه من العمل الصالح؛ ليكثر أجرهم بكثرة أجور ~~من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" (2) . # وإنما اشتغلت طوائف من الناس ms045 بنوع من العبادات المبتدعة، لإعراضهم عن ~~المشروع أو بعضه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه؛ عاقلا لما ~~اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح؛ فاهتم بها كل # الاهتمام، أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها، ومن/أصغى إلى كلام ~~الله ورسوله بعقله وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة ~~والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته ~~(3) ، كالأسحار وإدبار الصلوات والسجود أغناه عن كل دعاء مبتدع، فعلى ~~العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء، فإنه من يتحر الخير يعطه ومن ~~يتق (4) الشر يوقه) . PageV01P139 ### | ### | فصل # (1) # ثم ذكر –رحمه الله – (2) تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين ~~عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من ~~علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما ~~عدا قباء وأحدا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى ~~اتخاذها أعيادا، وإلى التشبه بأهل الكتاب. # وما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء ~~الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار، أنه كان يتحرى قصد الأمكنة ~~التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم. # والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون ~~بطاعة أمره، وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا ~~قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر ~~والمساجد، وأما إذا نزل في مكان (3) بحكم الاتفاق، لكونه صادف وقت النزول ~~أو غير ذلك فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من ~~المدينة إلى مكة PageV01P141 # حجاجا وعمارا أو مسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في ~~مصليات النبي صلى الله عليه ms046 وسلم. # ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم الناس ~~بسنته، واتبع لها من غيرهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (1) ، ~~وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما (2) ابتدع، وقول الصحابي ~~إذا خالفه نظيره ليس بحجة. فكيف إذا انفرد (3) به عن جماهير الصحابة؟ ~~PageV01P142 # وأيضا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل ~~الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع ~~قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي ~~عن اتخاذ القبور مساجد. # ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، ~~أو قبر نبي (1) أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته (2) ، ~~ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدا (3) ، فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى. # شرك مبني على إفك" انتهى ما نقلته عن اقتضاء الصراط المستقيم (4) . وفي ~~هذا القدر المنقول عن شيخ الإسلام كفاية، لأنه واف في (5) المقصود، ويكشف ~~ما يلبس به كل مصدود، ولا يرده إلا من استحوذ عليه # الشيطان، وأنساه ذكر الرحمن، وصد عن معرفة/ الإسلام والإيمان، كما قال ~~تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~PageV01P143 # الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} (1) . ~~فلله الحمد على بيان الحق، وإزاحة الكذب عن الصدق، حمدا كثيرا طيبا مباركا ~~فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا (2) . # وأما العلامة ابن القيم – رحمه الله – (3) فله في بيان التوحيد وتحقيقه، ~~وكشف ما ينافيه أو يضعفه فصول كثيرة في مصنفاته، فتذكر من كلامه البعض على ~~نحو ما ذكرنا من كلام شيخه. # قال –رحمه الله تعالى- في كتابه"الصواعق المرسلة على ms047 الجهمية والمعطلة" ~~(4) : # (فصل (5) عظيم النفع جليل القدر، ينتفع به من عرف نوعي: التوحيد القولي ~~العلمي، الخبري، والتوحيد القصدي، الإرادي، العملي، كما دل على الأول سورة: ~~{قل هو الله أحد} (6) ، وعلى الثاني سورة: {قل يا أيها الكافرون} (7) ، ~~وكذلك دل على الأول قوله: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} (8) الآية، ~~وعلى الثاني: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} (9) ~~الآية، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين في سنة ~~PageV01P144 # الفجر (1) ، وسنة المغرب (2) ، ويقرأ بهما في ركعتي الطواف (3) ، ويقرأ ~~بالآيتين في سنة الفجر (4) ؛ لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي. # والتوحيد العلمي أساسه: إثبات الكمال للرب تعالى؛ ومباينته لخلقه، ~~وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل. # والتوحيد العملي أساسه: تجريد القصد بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، ~~والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح ~~لله وحده. # فمدار ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه على هذين التوحيدين، وأقرب ~~الخلق إلى الله أقومهم بهما علما وعملا؛ ولهذا كانت الرسل صلوات الله ~~وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله، وأقربهم إليه وسيلة أولو العزم، وأقربهم ~~الخليلان، وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله؛ لكمال عبوديته وتوحيده ~~لله (5) . PageV01P145 # فهذا الأصلان هما قطب رحى القرآن، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم ~~الأمور، والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق العقلية والنقلية (1) ، ~~والفطرية والنظرية، والأمثال المضروبة، ونوع سبحانه الطرق بإثباتهما أكمل ~~التنويع، # بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة، الفطر السليمة لهما بمنزلة رؤية الأعين ~~المبصرة التي لا آفة بها (2) للشمس، والقمر، والنجوم، والأرض، والسماء، ~~فذلك للبصيرة بمنزلة هذه (3) للبصر، فإن سلط (4) التأويل على # التوحيد الخيري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي (5) أسهل، ~~وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك. # ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين لا ينفك أحدهما عن صاحبه، وإمام ~~المعطلين المشركين فرعون، فهو إمام كل معطل ومشرك إلى (6) يوم القيامة، كما ~~أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد عليهما السلام (7) إلى يوم القيامة"انتهى. # فأعجب لهذين الإمامين رحمهما الله تعالى (8) : تشابهت قلوبهما في العلم ~~والإيمان، وألسنتهما في بيان الحق وإيضاحه، وكشف ما لبس ms048 به الملبسون، ~~واعتمده المشركون، من المنامات والحكايات، التي اغتر بها PageV01P146 # الجاهلون، وضل بها الأكثرون./ وبما بيناه –رحمهما الله-وأوضحاه يتبين به ~~(1) الفرقان (2) بين أهل الشرك وأهل الإيمان، وبه يبطل كل ما زعمه هذا ~~المماحل الفتان من أكاذيبه التي صادم بها الإيمان والقرآن، وجحود (3) ما ~~بعث الله به المرسلين من توحيد رب العالمين، وما أنزله في كتابه المبين من ~~قواطع الحجج والبراهين، التي دحضت حجج المشركين والمبطلين كما قال تعالى: ~~{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} (4) . فلقد ترامى بهذا ~~العراقي (5) ما خامره من داء الشرك العضال، حتى هام في كل واد من البهرج ~~والمحال، وأطنب في المماحلة وسيء المقال، حتى زعم أن عنده كثير من الأدلة ~~على جواز أنواع الشرك والضلال، وهيهات هيهات. إذ لا صواب ولا هدى إلا فيما ~~نطقت به السنة والكتاب، الذي أنزله الله هدى لأولي الأبصار والألباب؛ تنزيل ~~من حكيم حميد. # فالدعاء الذي ينازع (6) فيه المبطلون وفيه يلحدون؛ وبه يشركون: هو من ~~أشرف أنواع العبادة إذا قصر على الله الذي لا يستحقه أحد سواه، وقد قال ~~تعالى: {له دعوة الحق} (7) ، فهي له وحده ليس لغيره منها ولا مثقال ذرة، ~~PageV01P147 # ومدلولها الطلب والسؤال، كما دل عليه قوله: {والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال} (1) . # فأنكر تعالى (2) على من صرف شيئا من الدعوة (3) لغيره، وأنه يكون بذلك ~~كافرا، وهو نص في دعاء المسألة بدليل قوله: {لا يستجيبون لهم بشيء} (4) ، ~~وقد قال تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا} إلى قوله: {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} (5) ، تبين ~~بهذه الآية ونظائرها أن كل مدعو من دون الله لا ينفع داعيه ولا يضره، وأن ~~دعوة من يدعي من دونه تنافي الإسلام، لأن أساسه التوحيد والإخلاص، وهذا ~~الشرك ينافيه. # وقد وقع في هذه ms049 الأمة من هذا الشرك الذي بينه الله تعالى، وبين ضلال من ~~فعله ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة، ومعرفة بالإسلام والإيمان، والناصح ~~لنفسه لا يغتر بما زخرفه المشركون، ولبس به الملحدون. قال تعالى: {قل إني ~~نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} الآية (6) ، PageV01P148 # فما أوضحها من آية في بيان أن جل شرك (1) المشركين إنما هو بدعاء من ~~أشركوا مع الله في العبادة. # قال (2) العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (3) : "فالخطاب من الله تعالى ~~في كتابه هو حجة على أجل (4) وجوه الحجاج (5) ، وأسبقها إلى القلوب، ~~وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها عن (6) الشكوك والشبه، في أوجز لفظ، ~~وأبينه، وأعذبه، وأحسنه، وأشرفه، وأدله على المراد؛ كقوله تعالى فيما حاج ~~به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك، وقطع أسبابه، وحسم مواده كلها: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} (7) . # فتأمل كيف أخذت هذه الآية (8) إلى المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها ~~إلى الشرك، وسد بها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود ~~لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق به قلبه (9) ، ~~PageV01P149 # وحينئذ (1) فلابد/ أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي يقع بها عباده (2) ~~، أو شريكا لمالكها، أو ظهيرا أو وزيرا معاونا (3) ، أو وجيها ذا حرمة وقدر ~~يشفع (4) عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه، وبطلت (5) ، ~~انتفت أسباب الشرك، وانقطعت مواده. # فنفى سبحانه عن آلهتهم ملك مثقال ذرة في السموات والأرض، وقد يقول ~~المشرك: هي شريكة المالك الحق فنفى شركتها (6) له، فيقول المشرك: قد يكون ~~ظهيرا، ووزيرا ومعاونا، فقال: {وما له منهم من ظهير} (7) فلم يبق إلا ~~الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهو الذي ~~يأذن للشافع، وإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، (8 كما يكون لأحد ~~المخلوقين 8) (8) فإن ms050 المشفوع عنده (9) يحتاج إلى الشافع، ومعونته له، ~~فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته، ~~وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه ~~كانوا يعترفون أنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه، فلو كانوا آلهة كما ~~يقولون [لعبدوه و] (10) PageV01P150 # تقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم [من] (1) دونه؟ وقد أفصح ~~سبحانه بهذا بعينه بقوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه} (2) ، أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني ~~هم عبيدي، كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي كما أنتم ترجون رحمتي، ويخافون عذابي ~~كما تخافون أنتم عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟ ومن ذلك قوله تعالى: {هذا ~~خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} (3) فلله (4) ما أحلى هذا الكلام، ~~وأوجزه وأدله على بطلان الشرك، فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئا مع الله ~~طولبوا بأن يروه إياه؛ وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت ~~إلهيتها باطلا ومحالا. وقال تعالى: {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل ~~أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} (5) الآية. فاحتج ~~على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق، وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن ~~الخلق، وعلى أنه واحد بأنه (6) قهار والقهر التام يستلزم الوحدة، فإن ~~الشركة تنافي تمام القهر. # قال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} إلى قوله: {ما قدروا الله حق قدره ~~PageV01P151 # إن الله لقوي عزيز} (1) .فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه، ~~فمن لم يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان، في ~~أوجز عبارة وأحسنها وأجلاها، وأسجل (2) على جميع آلهة المشركين أنهم لو ~~اجتمعوا كلهم في صعيد واحد، وساعد بعضهم بعضا وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا ~~عن خلق ذباب واحد، ثم بين ضعفهم وعجزهم (3) عن استنقاذ ما يسلبهم (4) ~~الذباب إياه (5) ، فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ms051 ومن عابده الطالب ~~نفعه (6) ، فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها؟ # فأقام سبحانه/ حجة التوحيد؛ وبين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب الألفاظ ~~وأحسنها، لم يستكرهها غموض، ولم يشنها (7) تطويل، ولم يعيبها تعقيد، ولم ~~تزر بها (8) زيادة ولا تنقيص، بل بلغت في الحسن والفصاحة والإيجاز ما لا ~~يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها، وتحتها من المعنى ~~الجليل القدر، العظيم الشرف (9) ، البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ) ~~انتهى من "الصواعق المرسلة". PageV01P152 # وقال (1) –رحمه الله تعالى-: # (والشرك تشبيه للمخلوق بالخالق (2) تعالى (3) وتقدس في خصائص الإلهية، من ~~ملك الضر والنفع والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء ~~والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله تعالى وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد ~~شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا (4) ولا حياة ~~ولا نشورا شبيها بمن له الخلق كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، ~~فأزمة الأمور كلها بيده سبحانه، ومرجعها إليه، فما شاء كان؛ وما لم يشأ لم ~~يكن، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ~~ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، فأقبح التشبيه ~~تشبيه العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات. # ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من ~~الوجوه (5) ، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم، والإجلال، ~~والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والتوبة، والاستغفار، وغاية ~~الحب مع غاية الذل كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن تكون لله وحده، ويمتنع ~~عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل ذلك بغيره فقد شبه ذلك (6) الغير ~~بمن لا شبيه له، ولا مثل له ولاند له، وذلك PageV01P153 # أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره، مع ~~أنه كتب على نفسه الرحمة) . # هذا معنى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. # وأما ما يزعمه هذا العراقي من ms052 أن طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد وفاته مجمع عليه. # فالجواب (1) أن نقول (2) : الله أكبر!، ما أعظمها من فرية على الله، وعلى ~~كتابه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى السلف، وأئمة الدين، فانظر إلى ~~هذه الجرأة العظيمة جعل ما أجمع عليه الرسل، والكتب، والسلف، والمسلمون من ~~تحريم دعوة غير الله والنهي عنها، واتخاذ الشفعاء جعل ذلك المحرم الذي هو ~~دين أهل الجاهلية مجمعا عليه، ووضع الشرك موضع التوحيد، والباطل موضع الحق، ~~نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومسخ العقول، فإن هذا لا يقوله إلا من زاغ قلبه، ~~ومسخ عقله. # كيف ينسب الأمة إلى الإجماع على ما نفاه الكتاب والسنة، من الشرك الذي هو ~~دين المشركين؟ وقد أخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا الشفعاء في مواضع من كتابه، ~~وأنكر ذلك عليهم غاية الإنكار، قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم [ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله] } (3) الآية، وقوله: ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (4) ~~الآية. PageV01P154 # وقد حذر الله الأمة عن هذا الشرك، وبلغهم نبيهم ما أنزل عليه في ذلك ~~الشرك، وحذرهم منه غاية التحذير في حق كل أحد كائنا من كان، وهو يناقض ~~الدين الذي اختاره (1) لنفسه، وهو إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى ~~(2) ، وبعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزله في كتابه، ودعى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الأمة إليه، وأخبرهم أنه هو دينه، وجاهدهم عليه، وأجمع ~~عليه سلف الأمة، وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فإنهم أجمعوا ~~على ما أنزله (3) الله تعالى في كتابه، واختاره لنفسه، وبعث به نبيه، قال ~~الله (4) تعالى: {ألا لله الدين الخالص} (5) ، وقال (6) تعالى: {وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله [مخلصين له الدين] } (7) الآية، # وقال تعالى: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} (8) ، ونهى فيما أنزل في كتابه ~~عن اتخاذ الشفعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله وحيه [وقد ~~نهاه عن دعوة غيره في مواضع كثيرة من القرآن] (9) ، ونهى (10) عما ms053 نهى الله ~~عنه، فهو يدعو الأمة إلى تركه، ويدعو إلى ما شرعه الله لأنبيائه (11) ورسله ~~من الإخلاص، وأخبر أنه لا ينتفع إلا من تخلى عن الشفعاء رأسا. PageV01P155 # فالإجماع إنما هو على ما يحبه الله ورسوله، ويأمر به من دينه، والنهي عما ~~نهى عنه من دين المشركين من أهل الجاهلية، ومن قبلهم من مشركي العرب، كما ~~(1) ورد عن مشركي قوم نوح أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون ~~شفاعتهم عند الله. # وقد أبلغ تعالى في كتابه في البيان بقوله في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ~~{قل إني (2) لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} إلى قوله: {إلا بلاغا من الله ~~ورسالاته} (3) ، وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} (4) الآية، وقال ~~تعالى (5) : {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا} (6) الآية. # فيقال لمدعي الإجماع: صحح لنا القول بجوازه عن واحد من سلف الأمة ~~وأئمتها، ومن المحال أن يجد ذلك، والقرآن ينادي بالنهي عنه، وتكفير من فعله ~~وظلمه وضلاله. # فسبحان الله! كيف ينسب هذا العراقي، وأمثاله إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يرضى في حقه ما (7) ينافي ما اختاره الله لنفسه من الإخلاص، فقد ~~افترى على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وبدل دينه الذي بعث به ~~الأنبياء والمرسلين، واختار لنفسه دين المشركين مع الكذب والزور والإفك ~~والفجور. PageV01P156 # وما ذكره من هذا الإجماع باطل من وجوه: # الأول: أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو أحدا من دونه، ووجه ~~الخطاب إليه بالنهي عن هذا الأمر في مواضع من كتابه، تعظيما لهذا المنهى ~~عنه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغه أمته، فقال (1) : {قل إني نهيت ~~أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم ~~لرب العالمين} (2) وهذا عام يتناول كل مدعو، حتى الأنبياء والملائكة ~~والصالحين، كما قال تعالى:/ {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} (3) . # اتفق المفسرون والأئمة أن هذه الآية نزلت فيمن ms054 يدعو الأنبياء والصالحين ~~والملائكة، فانظر إلى هذا التهديد والوعيد الشديد فيمن يدعو مع الله غيره ~~من الأنبياء والملائكة والصالحين، فمن المحال أن يرضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بفعل ما نهاه الله (4) عنه: من دعوة غير الله، فمن (5) ادعى ذلك ~~فقد افترى على الله، وعلى رسوله بما لم ينزل الله به سلطانا. # ومن المحال أيضا في حق من بلغه القرآن من سلف الأمة وأئمتها أن يرضى أن ~~تقلب حقيقة الدين التي أحقها الله تعالى (6) في كتابه: من تحريم الشرك به ~~(7) بدعوة الأموات والغائبين، وتعلق القلوب في خصائص الإلهية بغير ~~PageV01P157 # رب العالمين، وهذا هو الباطل المحض، والاجتراء على الله وعلى كتابه وعلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. # سبحان الله! كيف يخفي هذا على من سمعه؟ وكيف تخفى حال من وضعه هذا (1) ~~الوضع وبدل دين الله، وأقام الشرك مقام التوحيد، والتوحيد مقام الشرك؟. # وهذا القول ينبئك عن فساد ما سود به (2) القرطاس، من وسواس الخناس، الذي ~~يوسوس (3) في صدور الناس. وهذا (4) الذي ادعاه هذا العراقي هو عين المحادة ~~لله ولرسوله وللمؤمنين، PageV01P158 # ولا ريب أن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ~~واللغة والفطرة والعقول وإن جحد ذلك من جحده، وقد أمر الله تعالى عباده ~~بسؤاله فقال: {واسألوا الله من فضله} (1) ، وقال صلى الله عليه وسلم لابن ~~عباس: "إذا سألت فسأل الله" (2) . # وقد قصر صلى الله عليه وسلم ابن عمه في سؤاله على ربه تعالى، ولا ريب أن ~~ذلك من أنواع العبادة التي لا يصلح أن يصرف منها شيء لغير الله كائنا من ~~كان، والدعاء هو العبادة في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، شاء ~~المشرك أم أبى. # الوجه الثاني: أن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من الصحابة، حتى من هو ~~أفضل منه من الخلفاء الراشدين، ومن في طبقة ابن عباس كابن عمر وغيره، ومن ~~دونهم: لم يعهد عن أحد منهم أنه أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "يا رسول الله (3) اشفع ms055 لي أو أسألك الشفاعة"، ولو كان خيرا سبقوا ~~إليه، ولما أجدبوا خرج عمر فاستسقى بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وجعله إماما يدعو ويؤمنون فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك ~~بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون" (4) . # فسبحان الله! كيف يجوز على أفضل الصحابة بعد أبي بكر أن يعدل عن ~~PageV01P159 # النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل في حال الحاجة والضرورة إلى عمه ~~العباس (1وهو يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم هذا محال1) (1) . # هذا والسابقون الأولون متوافرون، لم ينكر ذلك على عمر أحد منهم (2) ، ولو ~~كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عندهم جائزا لما جاز على ~~عمر والسابقين الأولين أن يعدلوا عنه إلى العباس. # والميت قد غاب عن الدنيا وأهلها، وأفضى إلى الذي بيده ملكوت السموات ~~والأرض، وفي سؤال الميت تنزيل له منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور، وفيه تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص # الآلهية، وهي تجريد القصد، والإرادة، والطلب، والنية لله وحده، كما قال ~~تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} (3) ~~وهي "لا إله إلا الله". # وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا} (4) "والحنيف" هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه. # والمقصود أن من أقبل على غير الله بقلبه ووجهه/ ولسانه وسائر (5) جوارحه ~~رغبة ورهبة إليه، فقد أعرض لذلك القصد والإرادة، وقد قال تعالى: ~~PageV01P160 # {قل إن صلاتي ونسكي [ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له] (1) } ~~فإن كانت الصلاة الشرعية هي مدلول الآية، فقد تضمنت نوعي الدعاء: دعاء ~~المسألة، ودعاء العبادة، فالصلاة لا تصلح إلا باجتماعهما فيها، ومعلوم أن ~~ما اشتملت عليه الصلاة الشرعية فهو عبادة، تعبد الله به العباد، وكذلك ~~قوله: {ومحياي ومماتي} (2) فما أبقت هذه الآية في العبد نصيبا لغير الله في ~~كل ما يحبه (3الله من عبده ويرضاه3) (3) . # وقد تقرر هذا التبيان من محكم [القرآن] (4) فيما أسلفته في ms056 أول الجواب، ~~ولله الحمد والمنة، وبه الحول والقوة. # ولا ريب أن اتخاذ الشفعاء والتوجه إليهم بالقلب واللسان ينافي إسلام ~~القلب والوجه لله [وحده] (5) ، وقد قال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} (6) . # أخبر الله تعالى أن النذارة بالقرآن لا ينتفع بها إلا من تخلى عن الشفعاء ~~في دار العمل، وعلق رغبته ورهبته وسؤاله وطلبه بمن له الملك كله، وله الحمد ~~كله، وبيده الخير كله؛ وإليه يرجع الأمر كله، وهذا هو الذي دعا إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفي تحقيقه وتقريره من الآيات ما لا يحصى. # فمن تدبر القرآن والسنة عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى حمى ~~التوحيد، وأبطل وسائل الشرك، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ~~الذي رواه PageV01P161 # الطبراني وغيره (1) أنهم لما قال بعض الصحابة لبعض: قوموا بنا نستغيث ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، قال صلى الله عليه وسلم: ~~"إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" (2) فهذا في حال حياته (3) صلى الله ~~عليه وسلم نهاهم سدا للذريعة، وأن لا يجعلوا PageV01P162 # استغاثتهم بأحد دون الله عز وجل. # وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد ~~الله ورسوله" (1) ، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (2) . # ويأتي من زيادة البيان في هذا المقام من كلام السلف والعلماء ما يكفي ~~طالب الحق {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (3) . # الوجه الثالث (4) : أن النبي صلى الله عليه وسلم في حال نزول الموت به ~~قال: "اللهم الرفيق الأعلى" (5) ، ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن ~~الدنيا PageV01P163 # وأهلها (1) ، كما قال تعالى في حق المسيح ابن مريم: {وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} (2) ، ~~فأخبر عليه السلام أنه لما كان بين أظهرهم كان شهيدا عليهم؛ فلما غاب عنهم ~~كان الشهيد هو الله، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في ms057 السموات ولا في الأرض، ~~فكيف ينزل الغائب منزلة من لا يخفى عليه شيء في الأرض (3) ولا في السماء؟. # الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته كل خير يعلمه لهم، ~~وحذرهم (4) عن كل شر يعلمه لهم، كما في حديث سلمان: "علمكم نبيكم كل شيء ~~حتى الخراءة؟ قال: أجل" (5) الحديث، والخراءة آداب التخلي. # وعلمهم نبيهم كيفية الصلاة عليه والسلام (6) ، لما فيه من أداء حقه عليهم ~~ونفعه لهم، ولو كان الاستشفاع به بعد وفاته ينفعهم ويجوز منهم لما ترك ~~تعليمهم ذلك وإرشادهم إليه، فلما لم يفعل ذلك علم أنه مما لا يجوز منهم، ~~كما دل عليه ما تقدمت الإشارة إليه/ من آيات الشفاعة، وأن الله أنكر على ~~المشركين اتخاذهم الشفعاء، بسؤال الشفاعة، وطلبها منهم، وأخبر أنها منتفية ~~في حق من طلبها من غير الله، وبين أن ذلك شرك نزه (7) تعالى نفسه عنه، ~~PageV01P164 # سبحان الله عما يشركون، وهذا الحكم عام لا تخصيص فيه لأحد أصلا. فتأمل ~~هذه الأوجه يتبين لك خطأ هذا العراقي المغرور، وأنه عكس الإجماع، كما قد ~~تبين من حاله، والإجماع الصحيح هو ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- ~~وتلقاه (1) عنه الفقهاء في كتبهم، فإنه قال: "من جعل بينه وبين الله وسائط ~~يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا" وقد تقدم (2) . # (4 وتأمل قول الله تعالى: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا ~~هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون، ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون} (3) ، ونظائر هذه ~~الآية كثير، ويدركها من تدبر 4) (4) . # فمن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والأمة عرف أن هذا هو ~~الإجماع الصحيح، المستند إلى ما لا يحصى من أدلة الكتاب والسنة، ولو ذكرنا ~~مستند هذا الإجماع من الكتاب والسنة لطال الجواب، وقد تقدم الكثير من ذلك: ~~{فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم} (5) والحق عليه نور وله ظهور، والباطل عليه ظلمة ودثور. # فتدبر قوله تعالى: ms058 {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} (6) ، ~~PageV01P165 # وقوله: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} (1) ~~فإن قوله: {له دعوة الحق} يفيد الحصر؛ أي: فدعوة الحق له لا لغيره، فدعوة ~~غيره ليست من الحق في شيء، وقوله: {والذين يدعون من دونه} ، فهذا الاسم لا ~~يستعمل إلا في حق من يعقل، كما هو معروف عند النحاة، وقوله: {لا يستجيبون ~~لهم بشيء} ، فيه دليل على أن المراد دعاء المسألة، فأخبر سبحانه أنهم لو ~~دعوهم فإجابتهم لهم فيما سألوهم ممتنعة منتفية بالكلية، وقوله: {إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ~~(2) ؛ لأنهم لم يجدوا مما طلبوه وأملوه منهم شيئا، وبين تعالى أن دعوة غيره ~~كفر وضلال. # وهذه الآية وأمثالها تقطع كل من دعا غير الله، من ميت أو غائب ولهذا أعدت ~~الاستدلال بها، فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا ~~بما شرع، لا بالأهواء والبدع، وليس في الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة ~~من أجاز أن يسأل ميت أو غائب من دون الله؛ لأنه لا قدرة له على شيء من أمر ~~الدنيا، ولا من أمر الآخرة، مع غفلتهم وعدم استجابتهم لمن دعاهم، وكراهتهم ~~لذلك، وقد تقدم التصريح بذلك في الآيات المحكمات، ولم ينقل عن أحد من علماء ~~الصحابة والتابعين والأئمة أنه استغاث بنبي أو غيره، أو استشفع به بعد ~~وفاته، ولما أعتقد أناس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الألهية، كاعتقاد ~~كثير من هؤلاء في أرباب القبور خد الأخاديد وأضرمها PageV01P166 # بالنار (1) وقال: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري، ودعوت قنبرا # وهذا هو الشرك الأكبر، وهو أعظم ذنب عصى الله به، وهو الذي بعث # الله [به] (2) رسله بإنكاره، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل/ أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (3) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ~~جدا. # وقد تقدم قول الإمام مالك وغيره: (إن الطاغوت ما عبد من دون الله) . # وقد حده العلامة ابن القيم ms059 بحد جامع مانع، فقال: (الطاغوت: ما تجاوز به ~~العبد حده: من معبود، أو متبوع، أو مطاع) (4) . # فلا ذنب أعظم من أن يعتقد أحد أنه إذا دعا ميتا أو غائبا أو استشفع به ~~أنه يشفع له، وقد أبطل الله هذا الزعم الكاذب في الآيات المحكمات وفي ~~الآيات التي ذكر فيها الشفاعة، وبين تعالى الشفاعة المثبتة، ونفى كل شفاعة ~~فيها شرك تطلب من غيره، كما تقدم من أنه شرك ينافي الإخلاص هو # دينه الذي لا يرضى من أحد دينا سواه، كما قال تعالى: {فاعبد الله مخلصا ~~له الدين، ألا لله الدين الخالص} (5) . ولا ريب أن الاستشفاع بالأموات ~~يتضمن أنواعا من العبادة سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دون الله، ~~ورجائه، والرغبة إليه، والإقبال عليه بالقلب PageV01P167 # والوجه والجوارح واللسان، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في مسألة الوسائط: وقد سئل ~~عن رجل قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله تعالى. # فأجاب: # (الحمد لله رب العالمين إن (1) أراد أنه لا بد لنا من واسطة تبلغنا أمر ~~الله، فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به ونهى ~~عنه (2) ، ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى (3) ، ~~وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده) . # -إلى أن قال-: # (وإن أراد بالواسطة: أنه لابد من واسطة يتخذه (4) العباد بينهم وبين الله ~~(5) في جلب المنافع، ودفع المضار، يسألونه ويرجونه (6) ، فهذا من أعظم ~~الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء ~~يجتلبون بهم المنافع، ويستدفعون (7) بهم المضار. # لكن الشفاعة لمن أذن (8) الله له فيها. قال الله تعالى: {الله الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه ~~PageV01P168 # من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} (1) ، وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون ~~أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} (2) ، وذكر قول الله ~~تعالى (3) # {قل ادعوا الذين زعمتم ms060 من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} (4) وقد تقدم. # فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا ~~تحويله، وأنهم يتقربون إليه بما يحبه ويرضاه (5) ، ويرجون رحمته، ويخافون ~~عذابه، وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (6) فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة ~~والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويسألهم ~~جلب المنافع، وسد الفاقات (7) ، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين) ~~انتهى (8) . # قلت: فتفطن لقوله –رحمه الله تعالى-: (يدعوهم ويسألهم) . PageV01P169 # وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (1) قال: حدثني سعيد بن جبير أو ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود/ ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان ~~إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا، فأنزل الله فيهم: ~~{يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والأنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون} إلى قوله: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين} (2) ، فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا ~~محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى (3) ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى ~~نجران: وذلك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر ~~بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني". فأنزل الله في ذلك: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة} إلى قوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (4) انتهى ما ~~رواه ابن إسحاق (5) . وذكر شيخ الإسلام أيضا- بعد كلامه الذي سبق – في (6) ~~مشايخ العلم PageV01P170 # [والدين] (1) ، جعلهم الله ms061 وسائط بين الرسول وبين (2) أمته (3) ، يبلغون ~~عنه، ويقتدون به فمن جعلهم وسائط بين الرسول وبين (4) أمته (5) في البلاغ ~~عنه فقد أصاب؛ وهم إذا اجتمعوا فاجتماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، ~~وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على ~~الإطلاق، بل كل أحد (6) يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء، وإن ~~الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظ ~~وافر" (7) . PageV01P171 # وأما جعل الوسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، ~~بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم ~~يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، ~~والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو أن طلبهم من الوسائط ~~أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم ~~وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ~~وهؤلاء شبهوا (1) الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله PageV01P173 # أندادا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى) -إلى أن ~~قال- رحمه الله تعالى-: # (والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين، ~~قال الله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} (1) ، (3وقال تعالى عن صاحب يس: {وما لي ~~لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر ~~لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون، إني إذا لفي ضلال مبين} (2) 3) (3) ، ~~وقال (4) تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ~~ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} (5) -إلى أن قال: # (وقد (6) قال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس ms062 كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة/ والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (7) ، فبين سبحانه أن اتخاذ ~~الملائكة والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء (8) وسائط ~~يدعوهم، ويسألهم PageV01P174 # جلب المنافع، ودفع المضار، وسد الفاقات، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع ~~المسلمين، ومن ذلك اتخاذهم شفعاء) (1) . # وقد تقدم ما يدل على ذلك صريحا، ويأتي هذا الكلام عنه-رحمه الله- مبسوطا. # وذكر قول الله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ~~ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} (2) . ثم قال رحمه الله تعالى: (نفى ~~الله عما سواه كل ما يتعلق به (3) المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط ~~منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن ~~له الرب، كما قال تعالى (4) : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (5) فهذه الشفاعة ~~التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده" لا يبدأ بالشفاعة أولا، ~~ثم يقال له: PageV01P175 # "ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع" (1) ، وقال له أبو هريرة ~~(2) : من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصا من ~~قلبه" (3) ، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك ~~بالله. # وحقيقته (4) : أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم ~~بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة ~~التي نفاها القرآن: ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، ~~وقد بين (5) النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد ~~والإخلاص) (6) انتهى كلامه رحمه الله تعالى. # وقال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى-في معنى حديث أبي هريرة: # (تأمل هذا الحديث، كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال ms063 شفاعته: تجريد التوحيد ~~عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعباداتهم ومولاتهم، ~~فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب ~~PageV01P176 # الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ (1) يأذن الله للشافع أن يشفع، ومن جهل ~~المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليا، أو شفيعا أنه يشفع له، وينفعه عند الله، ~~كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عنده ~~أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى ~~في الفصل الأول: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذن} (2) . # وفي الفصل الثاني: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (3) . # وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع ~~رسوله (4) صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من ~~دعاها وعقلها) . انتهى (5) . # قلت: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام، وابن القيم –رحمهما الله تعالى- هو ~~الذي أجمع عليه أهل الحق سلفا وخلفا، كما قال تعالى: {فلولا نصرهم الذين ~~اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} ~~(6) وقد (7) تقدم لشيخ الإسلام أن هذا مجمع عليه. # فلا يلتفت إلى ما أحدثه المشركون، وزخرفوه/ من الأكاذيب والأباطيل، وإن ~~اعتمدها من زاغ قلبه عن الهدى، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: PageV01P177 # "بدأ (1) الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" (2) ، وصح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ "قال: فمن" ~~(3) . # وقد ذكر تعالى ما وقع من اليهود والنصارى من التغيير للحق والتبديل؛ كما ~~قال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} (4) الآية، وقال تعالى: {وقالت اليهود عزير ~~ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول ~~الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ms064 ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (5) . # وقد جرى في طوائف من هذه الأمة ما جرى من أهل الكتاب من الشرك بالأخبار ~~والرهبان، وغيرهم من الأموات والغائبين ما لا يخفى على من له بصيرة يعقل ~~بها ما ذكره الله تعالى في كتابه، وما حدث في الأمة من مشابهة اليهود ~~PageV01P178 # والنصارى من الشرك والتبديل والتحريف، وقد صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في عدة أحاديث أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا (1) " (2) . # وقد ذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-طرفا مما شابه فيه أهل الكتاب ~~كثيرا من هذه الأمة، وما شابهوا فيه أعداء الرسل من الأمم، فإنه قال (3) : ~~(وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون والضلال، كقوم # نوح وعاد وثمود، وهكذا تجد من فيه شبه (4) بهم، إذا رأى من يدعو إلى ~~توحيد الله، وإخلاص الدين له؛ وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا ~~عليه: # استهزؤا ذلك لما عندهم من الشرك، وكثير من هؤلاء يخربون المساجد (5) ، ~~فتجد المسجد الذي بني للصلوات الخمس معطلا مخربا، والمشهد (6) الذي بني على ~~الميت عليه الستور والزينة والرخام، والنذور تغدو/ وتروح إليه، فهل هذا إلا ~~لاستخافهم (7) بالله، وباياته، ورسوله، وتعظيمهم للشرك؟ PageV01P179 # فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد أنفع لهم (1) من دعاء ~~الله والاستغاثة به في البيت الذي بني لله عز وجل، وإذا (2) كان لهذا وقف، ~~ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم منه (3) ؛ مضاهاة لمشركي العرب الذين ~~ذكر الله حالهم في قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} (4) . # يجعلون لله زرعا وماشية ولآلهتهم زرعا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم ~~أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني وآلهتنا فقراء (5) ، ~~وهكذا هذه الوقوف والنذور التي تبذل عندهم ms065 للمشاهد هي عندهم أعظم (6) مما ~~يبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي ~~يعظمه بكى عنده، وخضع ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والعبودية وحضور ~~القلب ما لا يحصل مثله في الصلوات الخمس والجمعة (7) # وقراءة القرآن، فهل هذا (8) إلا من حال المشركين المبتدعين، لا من حال ~~الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله (9) وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P180 # ومن هؤلاء: من إذا كانوا في السماع (1) فأذن المؤذن قالوا: نحن في شيء ~~أفضل مما دعانا إليه، والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والملائكة (2) ~~والشيوخ أفضل من دعاء الله أنواعا متعددة. # ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله ~~فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو ~~دعا الله فلم يخرجه، ودعا بعض المشايخ الموتى فجاء فأخرجه إلى بلاد ~~الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك حاجة إلى الله (3) ~~؛ فتعال فقف (4) إلى قبري (5) ، وتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو ~~الترياق المجرب، فهؤلاء وأشباههم يرجحون/ هذه الأدعية على أدعية المخلصين ~~لله مضاهاة لسائر المشركين) . # قلت: وهذا مما شابهت فيه هذه الأمة من قبلهم من أهل الكتاب والمشركين، ~~ويأتي في كلام شيخ الإسلام كثير من هذا الضرب، مما اختلقه المشركون من هذه ~~الأمة أسوة بأمثالهم (6) ممن ألحد في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين، ومن ~~كذب على الله وافترى ونبذ الكتاب وراء ظهره واجتراء، وقد قال الله عز وجل: ~~{وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. ~~وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت PageV01P181 # بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ~~وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم ~~رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} (1) . # وقد بين الله تعالى في كتابه هذا الشرك الذي انتحله هؤلاء المشركون بيانا ~~شافيا، وقد تقدم في الآيات المحكمات ما يبينه ويوضحه، وما ms066 يترتب على فعله ~~من التهديد، والوعيد الشديد وتكفير (2) من فعله، فأخذ هؤلاء ما زخرفوه من ~~الترهات والخيالات والشبهات، بدلا عن الآيات المحكمات، وصريح السنة ~~وصحيحها، فلا محال أبين من هذا المحال؛ ولا ضلال أبعد من هذا الضلال، ألم ~~يسمعوا إلى قول الله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين} (3) . # وقوله (4) تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ~~ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} (5) . PageV01P182 # وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه إنه لا يفلح الكافرون} (1) ، وقد تقدمت هذه الآيات وبعض نظائرها من ~~الآيات المحكمات. # وقد عرفت أن كل داع قد أقبل قلبه (2) على المدعو، ووجه وجهه إليه، ورغب ~~إليه ورجاه، وأحبه مع الله، وتوكل عليه، وخضع له وأناب إليه؛ وغير ذلك، وكل ~~هذا عبادة لا تصلح إلا للحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في ~~السموات وما في الأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في /الأرض، ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. # وسبحان الله! أين ذهبت عقول (3) المشركين عن عبادة الذي خلقهم ورزقهم؛ ~~ويحييهم ويميتهم، ويتصرف فيهم بمشيئته وإرادته؟ ولا نفع ولا ضر إلا بمشيئته ~~وقدرته (4) وحكمته (5) ، وقد قال الله (6) تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون} (7) ، وقال (8) : {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون. أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون. إلهكم إله واحد ~~فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} (9) . PageV01P183 # ثم أخبر تعالى أن العلة التي صرفتهم عن قبول الحق، الإنكار والاستكبار، ~~فأخذوا الضلال عوضا عن الهدى، وقد أنذرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم غاية ~~الإنذار، كما قال تعالى: {قل إنما أنا منذر وما من ms067 إله إلا الله الواحد ~~القهار. رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار. قل هو نبأ عظيم. ~~أنتم عنه معرضون} (1) ، وقال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير العباد} (2) ، وقال تعالى: {قل إنما ~~أدعو ربي ولا أشرك به أحدا. قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا. قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا. إلا بلاغا من الله ورسالاته ~~ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} (3) . # فسبحان الله! كيف جاز في عقول هؤلاء أن يتقربوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالشرك الذي بعثه الله بإنكاره، والإنذار عنه، وعداوة من فعله ~~(4) ، وأصر عليه، وقتاله، وإباحة دمه وماله؟ كما دلت عليه هذه الآيات ~~المحكمات ونظائرها. # قال الله (5) تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ~~(6) والفتنة: الشرك بالله في العبادة، كما قال تعالى: {قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا PageV01P184 # ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (1) . والعجب أن كثيرا من هؤلاء لم يفهموا من ~~هذه الآية إلا الشرك الأصغر، كيسير الرياء، وهذا من فساد العقول، والجهل ~~بمضمون الدال والمدلول. # (4 والشرك بأرباب القبور والغائبين هو الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، و ~~[هو] (2) شرك مشركي قريش والعرب، بل هو في أواخر هذه الأمة، فلا ينفع معه ~~صلاة ولا عمل، وقد قال تعالى في حق المشركين: {ثم قيل لهم أين ما كنتم ~~تشركون. من دون الله قالوا ضلوا عنا} (3) الآية، فكفرهم تعالى بالشرك ~~بالدعاء الذي جحده كذبا على الله4) (4) . # وتأمل قوله: {يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} فلا تصلح الإلهية إلا له ~~وحده. و"الإله" هو الذي تألهه القلوب بأي نوع كان من أنواع العبادة كما ~~تقدم، فمن صرف من العبادة شيئا لغير الله، كالدعاء ونحوه فقد ألهه ~~بالعبادة، واتخذه إلها من دون ms068 الله، ولا يختلف كلام أهل اللغة وأهل السنة ~~سلفا وخلفا عن هذا المعنى (5) . # وقد تقدم في هذا الجواب نحو (6) مما ذكرناه هنا، ولو ذهبنا نذكر جميع ~~الأدلة على هذا الأصل العظيم لاحتمل عدة أجزاء، والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم. PageV01P185 # /ومن أعظم أسباب (1) الوقوع في الشرك: استصحاب العوائد وإلفها، وكثرة من ~~ضل عن الحق إما جهلا وإما عنادا، وبهذه الأسباب ونحوها كثر اللبس الذي نهى ~~الله تعالى عنه اليهود في قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون} (2) ذكره تعالى في أول سورة البقرة تحذيرا لهذه الأمة أن ~~يشابهوا أهل الكتاب فيما ذمهم تعالى به، ونهاهم عنه. # وقد عمت البلوى بذلك، ولم يستندوا فيه إلا إلى خيالات شيطانية، كما قال ~~تعالى: {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} (3) . # قال العلامة ابن القيم (4) –رحمه الله تعالى –لما ذكر سبب عبادة الأصنام ~~التي صورها قوم نوح على صور الصالحين قال: # (وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف ~~عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ~~ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بهم (5) ، والأقسام بهم (6) على الله، ~~فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك ~~عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة، واتخاذ قبره وثنا تعلق ~~عليه القناديل والستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح ~~PageV01P186 # عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه ~~عيدا ومنسكا (1) ، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. # وكل (2) هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم، من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله. # فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب ~~العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، ~~وأشمأزت قلوبهم، كما ms069 قال تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} (3) # وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم ~~والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ~~ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ~~ويأبى الله ذلك: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} (4) انتهى ~~كلامه-رحمه الله تعالى- (5 وقد تقدم، وقد كرره في مواضع فأتبعناه، وهو ~~كلام/ عظيم مطابق لما يقع من المشركين في كل زمان ومكان 5) (5) . # وليتأمل ما ذكره العلماء –رحمهم الله تعالى (6) - في قوله تعالى (7) : ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} إلى قوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن PageV01P187 # أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير} (1) . # قال ابن عطية (2) في هذه الآية: (في الكلام حذف دل عليه الظاهر، كأنه ~~قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم، بل عبدة (3) مسلمون أبدا، يعنى ~~منقادون) . # وقال أبو حيان (4) : (وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآية تتسق ~~هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم} لم (5) تتصل له هذه الآية بما قبلها) . # وقال مقاتل بن حيان (6) في قوله تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله ~~إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره} (7) الآية. # قال: (فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا أي: لأنهم يعتقدون ذلك ~~فيها، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط، وشفعاء عند الله، لا أنهم ~~(8) يكشفون الضر ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قال ~~تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون. ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق ~~PageV01P188 # منكم بربهم يشركون} (1) . انتهى (2) . # ولا عجب من وقوع الكثير من الناس في الجهل بالتوحيد، ووقوعهم في الشرك ~~الأكبر الذي لا يغفره الله، مع انتسابهم إلى الإسلام، وقراءتهم القرآن، ~~وانتسابهم إلى شريعة الإسلام، فقد روى ms070 الإمام أحمد وابن ماجه عن زياد بن ~~لبيد-رضي الله عنه-قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: "ذلك عند ~~أوان ذهاب العلم" قلت: يا رسول الله وكيف يذهب ونحن نقرأ القرآن ونقرؤه ~~أبناءنا، ويقرؤه أبنائنا (3) ، أبناءهم؟، قال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت ~~لأراك من أفقه رجل في المدينة، أوليس هذه (4) اليهود والنصارى يقرأون ~~التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيها؟ " (5) . # وعن علي –رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن ~~يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا ~~رسمه، PageV01P189 # مساجدهم (1) عامرة، وهي يومئذ (2) خراب من الهدى، علماؤهم أشر من تحت ~~أديم السماء [من] (3) عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود" (4) أخرجه البيهقي في ~~"شعب الإيمان". # قلت: وقد ظهر الشرك والبدع في هذه الأمة بعد القرون المفضلة، بظهور الدول ~~بالمشرق والمغرب، / كالأزارقة، وبني بويه، والقرامطة، ونبي عبيد القداح، ~~والإسماعيلية ونحوها، فاشتدت غربة الإسلام، وصار أهل السنة غرباء كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى ~~للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس أو يصلحون ما أفسد الناس" (5) ، وقد ~~تقدم PageV01P190 # هذا، وأعيد لئلا ينسى كنظائره، فإن الحق يحلو مع التكرار والبيان. وقد ~~أشار إلى ما وقع في هذه الأمة من مصداق هذا الحدث كثير من العلماء، قديما ~~وحديثا، فمن ذلك ما ذكره يحيى بن يوسف (1) الصرصري قال: PageV01P191 # نح وابك، والمعروف أقفر رسمه ... والمنكر استعلى وآثر وسمه (1) # لم يبق إلا بدعة فتانة ... بهوى مضل مستطير سمه # هذا الذي (2) وعد النبي المصطفى ... بظهوره وعدا توثق (3) حتمه # هذا لعمر إلهك الزمن الذي ... تبدو جهالته ويرفع علمه # ذهب النصيح لربه ونبيه ... وإمامه نصحا تحقق عزمه # لم يبق إلا حاكم هو مرتش ... أو عالم تخشى (4) الرعية ظلمه # والصالحون على الذهاب تتابعوا ... فكأنهم عقد تناثر نظمه # لم يبق إلا راغب، هو مظهر ... للزهد، والدنيا الدنية همه # لولا بقايا سنة ورجالها ... لم يبق نهج (5) واضح نأتمه # (8 وقد قال العلامة ابن القيم ms071 –رحمه الله تعالى (6) -: وأي اغتراب (7) ~~فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم (8) # قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-في "الاقتضاء" أيضا: "ولم ~~يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو (9) غير نبي لأجل الدعاء PageV01P192 # [له] (1) ، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون عليهم ويسلمون على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، فاتفق الأئمة على أنه إذا دعي (2) ~~في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يستقبل قبره. وتنازعوا عند السلام ~~عليه، فقال مالك وأحمد وغيريهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره ~~أصحاب (3) الشافعي، وقال مالك –فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في "المسبوط" ~~والقاضي عياض وغيريهما-: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولكن يسلم/ ويمضي، وقال في "المبسوط": (لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج أن ~~يقف على النبي صلى الله عليه وسلم (4 ويصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم4) (4) ، ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة ~~يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني ~~[هذا] (5) عن أحد من أهل الفقه (6) ببلدنا، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة ~~وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، إلا من جاء من سفر أو أراده) . # قال: (وقد تقدم من الآثار عن السلف ما يوافق هذا من أنهم إنما كانوا ~~يستحبون عند قبر (7) النبي صلى الله عليه وسلم ما هو من جنس الدعاء له، ~~كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده، وليس في أئمة المسلمين ~~من استحب PageV01P193 # للمرء أن يستقبل قبره (1) ويدعو. وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين ~~(2) ضعف ما ينقله المحرفون عن مالك ونحوه، مما يخالف ذلك مما هو خلاف مذهبه ~~المعروف بنقل الثقات من أصحابه، وهو نص على أنه لا يقف عند قبره للدعاء ~~مطلقا، ولم يذكر أحد من الأئمة أن أحدا منهم استحب أن يسأل ms072 أحدا (3) بعد ~~الموت، وإنما يعرف ذلك في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي ~~أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # فاحتجوا بهذا الحكاية التي لم (4) يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا ~~الأمر الذي لو كان مشروعا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل (5) . ~~PageV01P194 # وذكر أن معاوية [رضي الله عنه] (1) استسقى بيزيد بن الأسود (2) ، قال: ~~ولم يذكر عن أحد من الصحابة أنه أتى إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا ~~به، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة (رضي الله عنه) (3) [عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم] (4) أنه قال: "ما من رجل يسلم على إلا رد الله علي روحي حتى أرد ~~عليه السلام" (5) ، وفي PageV01P195 # "سنن النسائي" وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله وكل بقبري ~~ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام/ والصلاة على" (1) فما أمر الله به ورسوله ~~وشرعه لنا عند زيارة قبور (2) الأنبياء والصالحين هو من جنس المشروع عند ~~جنائزهم، كما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له. # والمقصود (3) بزيارة قبره الدعاء له، كما ثبت في الصحيح والسنن والمسند ~~أنه صلى الله عليه وسلم "كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور [أن يقولوا] (4) ~~: السلام PageV01P196 # عليكم (1) دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (2) ، ويرحم ~~الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم ~~لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم" (3) . # وأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت والأقسام على الله به أو استجابة (4) ~~الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا الصحابة ~~ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يوجد في عصرهم من يستشفع بالأموات ويتوسل ~~بهم، وإنما الثابت عنهم ترك ذلك، كما فعل عمر ومعاوية رضي الله عنهما، ~~فإنهم عدلوا في التوسل إلى دعاء الأحياء (5) ، لحضورهم وقدرتهم على الدعاء؛ ~~لأنهم في دار ms073 العمل، وأما الأموات فانتقلوا عنها، وقد فارقت أرواحهم، ~~[وأجسامهم] (6) تحت الثرى، وأرواحهم في الرفيق الأعلى. # فسبحان الله، والله أكبر‍‍‍‍ ‍ فكيف جاز في عقول من جعل الله له عقلا أن ~~يعدل عن سؤال (7) القريب المستجيب- وقد وعد من سأله الإجابة، وهو القادر ~~على كل شيء، العليم (8) بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أقوال خلقه ~~PageV01P197 # وأعمالهم وإرادتهم – إلى ميت غائب (1) لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يعطي ~~ولا يمنع، في تلك الحال؟ ولا ريب أن هذا من أبطل الباطل عقلا، ونقلا، ~~وفطرة، وقد قال الله (2) تعالى محتجا بصفاته-التي دلت على كماله تعالى – ~~على (3) أنه تعالى هو المدعو وحده المعبود (4) وحده، فقال تعالى: # {هو الحي لا إله إلا هو (5) فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب ~~العالمين} (6) فأمر تعالى بإخلاص الدعاء له وأنه المستحق له دون كل ما ~~سواه. PageV01P198 ### | ### | فصل # (1) # وقال شيخ الإسلام (2) –رحمه الله تعالى-: # (ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ~~ولا روى في ذلك لأهل الصحيح ولا السنن والأئمة المصنفين في المسند (3) ، ~~وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. # وأجل حديث وري في ذلك ما رواه الدارقطني –وهو ضعيف باتفاق أهل العلم-بل ~~الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله: "من زارني وزار أبي الخليل في عام ~~واحد ضمنت له على الله (4) الجنة" (5) ، /"ومن زارني بعد مماتي فكأنما ~~PageV01P199 # زارني في حياتي" (1) ، "ومن حج ولم يزرني فقد جفاني" (2) ، ونحو هذه ~~الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص زيارة ~~القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها (3) لتذكر الآخرة؛ والدعاء للميت أو ~~للأموات والاستغفار لهم، فهذا هو المشروع، وهو سبب الإذن في زيارة القبور، ~~لا لدعائهم (4) والاستشفاع بهم. # فإن هذا لم يشرعه الله ولا رسوله [صلى الله عليه وسلم] (5) ، بل نهى عنه ~~وحرمه؛ كما تقدم في الآيات المحكمات، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل ~~لهم، فإن أهل (6) القبور لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون ولا يستجيبون بنص ~~القرآن PageV01P200 # العزيز، الذي ms074 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم ~~حميد. # وقال جل ذكره: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} (1) . # وقال أيضا (2) شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-: (فمن جعل الملائكة ~~والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، # ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين، فإن الله ~~جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ~~ووعيده، فليس لأحد طريق إلى الله (3) إلا بمتابعة الرسول بفعل ما أمر وترك ~~ما حذر، وأما إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فهذا لله وحده لا يشركه فيه ~~أحد؛ ولهذا فرق سبحانه وتعالى في كتابه بين ما فيه حق للرسول وبين ما هو ~~لله وحده (4) ، كما في قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون} (5) . # فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله، وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك لله وحده، وكذلك قوله تعالى (6) : ~~PageV01P201 # {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} (1) ، فجعل الإيتاء لله وللرسول، وأما ~~التوكل والرغبة فله (2) وحده، كما في قوله تعالى (3) : {وقالوا حسبنا الله} ~~ولم يقل: ورسوله وقال: {نا إلى الله راغبون} ولم يقل: وإلى رسوله، وذلك ~~موافق لقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب} (4) فالعبادة ~~والخشية والتوكل والدعاء والرجاء/ والخوف لله وحده لا يشركه فيه أحد، وأما ~~الطاعة والمحبة والإضاء فعلينا أن نطيع الله ورسوله، ونحب الله ورسوله، ~~ونرضى الله ورسوله؛ لأن طاعته طاعة لله (5) ؛ ورضاه إرضاء لله (6) ، وحبه ~~من حب الله. # والله سبحانه لم يجعل أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من ~~الربوبية والإلهية. قال تعالى (7) : {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (8) ~~، وقال تعالى (9) : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (10) ، وقال تعالى (11) : ~~{وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا ms075 من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء PageV01P202 # ويرضى} (1) ، وقال تعالى (2) : {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (3) فبين سبحانه أن اتخاذ ~~الملائكة والنبيين أربابا كفر) . # وقال –رحمه الله تعالى- (4) : (والأعمال الدينية لا يجوز أن تتخذ سببا ~~إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن ~~(5) يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن (6) ذلك سبب لحصول بعض أغراضه، وكذلك ~~لا يعبد الله بالبدع والمخالفة للشريعة؛ وإن ظن ذلك، فإن الشياطين قد تعين ~~الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك. # فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة. # والمقصود هنا: أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون ~~بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، وهو من ~~الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (7) . PageV01P203 # ثم ذكر-رحمه الله تعالى-نحو ما تقدم من قوله: "فإن الله تعالى (1) جعل ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ~~وليس لأحد طريق إلى الله إلا بمتابعة الرسول للخاصة أو العامة فهو كافر ~~بالله ورسوله، مثل من زعم أن من خواص الأولياء والعلماء والفلاسفة وأهل ~~الكلام والملوك من له طريق إلى الله غير متابعة الرسول [صلى الله عليه ~~وسلم] (2) ، ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو من أعظم الكفر ~~والكذب، كقول بعضهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن على أهل الصفة ~~فقالوا: اذهب إلى من أنت رسول إليه، وقال بعضهم إنهم/ (4 لما (3) أصبحوا ~~(4) ليلة المعراج؛ فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به، وأن الله أعلمهم بذلك ~~بدون إعلام الرسول، وقال بعضهم: أنهم قاتلوا في بعض الغزوات مع الكفار، ~~وقالوا من كان الله معه كنا معه، وأمثال هذه الأمور (5) التي هي من أعظم ~~الكفر والكذب. # ومثال احتجاج بعضهم في قصة ms076 الخضر وموسى عليهما السلام على أن من الأولياء ~~من يستغني عن محمد صلى الله عليه وسلم كما استغنى (6) الخضر عن موسى، ومثل ~~قول بعضهم: أن خاتم الأولياء له إلى الله طريق يستغني به عن خاتم ~~PageV01P204 # الأنبياء، وأمثال هذه الأمور التي كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد ~~والفقه والتصوف والكلام، وكفر هؤلاء قد تكون من جنس كفر [اليهود] (1) ~~والنصارى وقد تكون أعظم، وقد تكون أخف بحسب أحوالهم) . # قلت: والمقصود بما ذكرنا عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (2) : بيان ما ~~وقع في الأمة مما يناقض ما جاءت به الرسل، من توحيد العبادة الذي أرسلوا به ~~ودعوا الناس إليه. # وقال –رحمه الله- (3) في كتاب الاستغاثة (4) في الرد على ابن البكري قال: # (وسؤال الله بالميت، والأقسام على الله به، واستحباب (5) الدعاء عند تلك ~~البقعة لم يكن هذا من فعل أحد من سلف الأمة لا الصحابة ولا التابعين له ~~بإحسان، وإنما حدث بعد ذلك. # وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا. قالت عائشة رضي الله عنها: ~~ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا" (6) . # وفي "الصحيح"أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر له حسنها وتصاوير فيها ~~فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا ~~PageV01P205 # فيه تلك الصور (1) ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (2) (3وهذا ~~في الصحيح3) (3) وفي "صحيح مسلم"عن جندب بن عبد الله، قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون ~~لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت ~~متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبابكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ~~ذلك" (4) . # وفي "السنن"عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا؛ وصلوا ~~علي حيثما (5) كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (6) . # (1) في "م" و"ش": "التصاوير" ms077 وهو تحريف والمثبت هو موافق للصحيحين. # (2) أخرجه البخاري في الصلاة باب هلي تنبش قبور مشركي الجاهلية (ح/427) ، ~~ومسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح/528) من حديث ~~عائشة –رضي الله عنها, # (3) ما بين القوسين سقطت من (المطبوعة) . # (4) أخرجه مسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح/532) ~~. # (5) في "م" و"ش": "حيث". # (6) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده": (2/367) ، وأبو داود في "المناسك" باب ~~زيارة القبور (ح/2042) ، عن أبي هريرة وفي إسناده عبد الله بن نافع الصائغ، ~~قال الحافظ في "التقريب ": "ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين". # وقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الحديث: "هذا إسناد حسن فإن رواته كلهم ثقات ~~مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا ~~يقدح في حديثه قال يحيى بن معين: هو ثقة وحسبك بابن معين موثقا. وقال أبو ~~زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ وهو لين تعرف حفظه ~~وتنكر فإن هذه العبارات تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن إذ لا ~~خلاف في عدالته وفقهه وأن الغالب عليه الضبط لكن قد يغلط أحيانا ثم هذا ~~الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر لأنه سنة مدنية" انظر "اقتضاء الصراط ~~المستقيم": (654-655) . # وقال ابن الهادي في "الصارم المنكي"ص 414 "حديث حسن جيد الإسناد وله ~~شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة. # قلت: ومن شواهد الحديث: # * حديث علي بن الحسين: # أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير": (2/186) ، وإسماعيل القاضي في فضل ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (20) ، وأبو يعلى (1/245) ، والضياء ~~في "المختارة" كما في "الاقتضاء" ص 298، و"الرد على الإخنائي" ص 92 عن علي ~~بن الحسين عن أبيه عن جده وفيه قصة. # قال شيخ الإسلام في "الرد على الإخنائي" ص 92: "وهذا الحديث مما خرجه ~~الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث ~~الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح ~~الحاكم، وهو قريب ms078 من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما..". # * حديث الحسن بن علي: # أخرجه أبو يعلى كما في "جلاء الأفهام": (ص 41و 42) ، وفي سنده عبد الله ~~بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيف، وموسى بن محمد بن حبان وقد تركه أبو زرعة ~~"الجرح والتعديل": (4/161) . # تنبيه: وقع في "الميزان": "ابن جيان"، وفي "اللسان": "بن حسان" وكلاهما ~~خطأ فليتنبه. # * حديث الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: # أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (30) ، ~~وسعيد ابن منصور كما في "الاقتضاء "ص 299، و"الرد على الأخنائي"ص 93، وزاد ~~في آخره: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء"، وابن أبي شيبة (3/345) ، وفيه ~~قصة عن الحسن بن الحسن مرسلا. # * أبي سعيد مولى المهري: # أخرجه سيعد بن منصور كما في "الرد على الأخنائي"ص 93، و"الاقتضاء" ص 656 ~~فقال: حدثنا حيان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد المهدي مرسلا، ~~وأبو سعيد هذا قد وثقه ابن حبان فقط، وقال ابن حجر في "التقريب": "مقبول". # PageV01P206 # وفي "الموطأ" وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:/ "اللهم لا تجعل ~~قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (1) . # وفي "المسند" و"صحيح أبي حاتم" عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور ~~مساجد" (2) . # ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وكذلك ~~عن الصحابة. # وهذا الذي نهى عنه من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه، من ~~السلام على الموتى والدعاء لهم، فالزيادة المشروعة من جنس الصلاة على ~~PageV01P208 # الجنازة، والزيارة المبتدعة من جنس الأول. فإن نهيه عن اتخاذ القبور ~~مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما ~~منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل ~~صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص. # واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل ms079 ~~أحد من أئمة المسلمين: أن الصلاة والدعاء عندها أفضل منه في المساجد ~~الخالية، بل هو مكروه باتفاقهم. # والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة (1) الصلاة في المقبرة علتين: # إحداهما (2) : نجاسة التراب؛ لاختلاطه بصديد الموتى، وقد ثبت في "الصحيح" ~~أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان حائطا لبني النجار، وكان فيه قبور من ~~قبور المشركين، ونخل وخرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت، ~~وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت، وجعل النخل في صف القبلة (3) ، فلو كان ~~تراب قبور المشركين نجسا لأمر بنقل ذلك التراب، فإنه لابد أن يختلط بغيره. # والعلة الثانية: ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور (4) ؛ ~~لما يفضي إليه من الشرك، وهذه العلة صحيحة باتفاقهم. PageV01P209 # والمعللون بالأولى-كالشافعي وغيره- عللوا بهذه أيضا، وكرهوا ذلك لما فيه ~~من الفتنة، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك –كأبي بكر الأثرم وغيره- ~~وعللوا بهذه الثانية أيضا. # وقد قال الله (1) تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم [ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا. وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا] (2) } ~~(3) ، ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم ~~نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصورا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد ~~فعبدوهم، # وقد ذكر هذا البخاري في "صحيحه" (4) ، وأهل التفسير، كابن جرير (5) وغيره ~~من المفسرين. # ويبين صحة هذه العلة أنه صلى الله عليه وسلم: "لعن من يتخذ (6) قبور ~~الأنبياء مساجد" (7) ، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش، ولا يكون ترابها ~~نجسا، وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "اللهم لا تجعل قبري (10وثنا يعبد" ~~(8) . وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا" (9) ، 10) (10) ~~فمعلوم أن نهيه [عن] (11) ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند PageV01P210 # طلوع الشمس، وعند غروبها، لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة ~~وحسم المادة، (1لئلا يصلى1) (1) في هذه الساعة (2) ، وإن كان (3) المصلى لا ~~يصلي إلا لله تعالى، ولا يدعو إلا الله، وكذلك نهيه (4) عن اتخاذ القبور ~~مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا ms080 يدعو إلا الله لئلا يفضي ~~ذلك إلى دعائها (5) ، والصلاة عندها (6) ، وكلا الأمرين وقع، فإن من الناس ~~من يسجد (7) للشمس وغيرها من الكواكب، ويدعو [لها بأنواع] (8) الأدعية ~~والتسبيحات، ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبتها لها في زعمه، ~~وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأوليين والآخرين، وصنف فيه ~~بعض المشهورين كتابا سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" على مذهب ~~المشركين من الهند والصائبين والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم الهندي، ~~وملك شاه البابلي، وابن (9) وحشية، وأبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، ~~وأمثالهم ممن دخل في الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، كما قال تعالى: {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون PageV01P211 # بالجبت والطاغوت} إلى قوله: {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} (1) ، وقد ~~قال غير واحد من السلف (2) : الجبت السحر، والطاغوت الأوثان، وبعضهم قال: ~~الشيطان، وكلاهما حق. # وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر، والشرك الذي هو عبادة الطاغوت، ~~كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين ~~الإسلام –بل هو (3) دين جميع الرسل-أنه شرك محرم، بل # هو من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه، ومخاطبة إبراهيم ~~الخليل لقومه كانت في نحو هذا الشرك، كما (4) قال تعالى: {وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} إلى قوله: {إن ربك حكيم ~~عليم} (5) . # فإن إبراهيم عليه السلام سلك السبيل؛ لأن قومه كانوا يتخذون الكواكب ~~أربابا يدعونها ويسألونها، ولم يكونوا هو ولا أحد من العقلاء يعتقدون أن ~~كوكبا من الكواكب خلق السموات والأرض، وإنما كانوا يدعونها من دون الله على ~~مذهب هؤلاء المشركين؛ ولهذا قال الخليل عليه السلام: {أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} (6) ، وقال: ~~PageV01P212 # {إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} (1) ، والخليل-صلوات ~~الله وسلامه عليه- أنكر شركهم بالكواكب العلوية، / وشركهم بالأوثان التي هي ~~تماثيل وطلاسم لتلك، أو هي تماثيل لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، ~~وكسر الأصنام [كما] (2) قال تعالى (3) [عنه] (4) : {فجعلهم جذاذا ms081 [إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون] (5) } (6) . # والمقصود هنا أن الشرك واقع كثيرا، وكذلك بأهل القبور من دعائهم والتضرع ~~إليهم، والرغبة إليهم، ونحو ذلك. # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله ~~وحده خالصا عند القبور؛ لئلا يفضي ذلك إلى نوع (7) من الشرك بهم، فكيف إذا ~~وجد (8) ما هو نوع شرك من الرغبة: سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج ~~الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله؟ بل لو أقسم على الله ببعض ~~خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، ولو (9) لم يكن عند قبره، ~~كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، ~~وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ أصحهما أنه تحريم. PageV01P213 # ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن ~~فيه قولين في مذهب أحمد، لكن القول الذي عليه الجمهور جمهور الأئمة، كمالك ~~والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم ~~بمخلوق البتة وهذا هو الصواب، واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه ~~وصفاته، كالأدعية المعروفة، كما (1) في السنن " اللهم إني أسألك بأن لك ~~الحمد لا إله إلا أنت، أنت [الله] (2) المنان بديع السموات والأرض، يا ذا ~~الجلال والإكرام" (3) ، وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله ~~(4 لا إله إلا أنت4) (4) الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد" (5) ونحو ذلك، فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء. # وفي الحديث الذي رواه أهل السنن "الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ قوله تعالى ~~(6) : {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (7) ، وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب} (8) الآية، وقد روي أن بعض الصحابة قال: # "يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه ~~الآية" (9) ، فمن PageV01P214 # استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه. ~~والمقصود هنا أن دعاء الله قد يكون عبادة لله يثاب العبد عليه في الآخرة مع ~~ما يحصل ms082 له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته (1) ، ثم (2) قد ~~يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، فالوسيلة ~~التي أمر الله بابتغائها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، وقول عمر –رضي ~~الله عنه-: "إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنينا فتسقينا، وإنا نتوسل ~~إليك بعم نبينا" (3) معناه (4نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك ~~بدعاء عمه وشفاعته 4) (4) ليس المراد نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى، ~~مما يفعل بعد موته، وفي مغيبته، كما يقول (5) بعض (6) الناس: أسألك بجاه ~~فلان عندك، ويقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه (7) ، ويروون ~~حديثا موضوعا "إذا سألتم الله فسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض" (8) ، ~~فإنه لو كان هذا هو PageV01P215 # التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، -كما ذكر عمر رضي الله عنه-لفعلوا ذلك ~~بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو ~~مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي ~~يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره. # وكذلك حديث الأعمى (1) ، فإنه طلب (2) من النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعو له، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول ~~شفاعة نبيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه، وأن قوله: ~~"إنا [كنا] (3) نتوسل إليك بنبينا" (4) ، فلفظ التوجه والتوسل في الحديث ~~بمعنى واحد، ثم قال: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي بحاجتي ليقضيها، اللهم ~~شفعه في" (5) ، فطلب من الله أن يشفع فيه PageV01P216 # نبيه، وقوله: "يا محمد" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في ~~القلب، كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" ~~والإنسان يفعل مثل هذا يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في # الخارج من يسمع الخطاب. # فلفظ التوسل بالشخص فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود ~~الصحابة: يراد به التسبب [به] (1) لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو ms083 لكون (2) ~~الداعي محبا له، مطيعا لأمره مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له ~~واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الأقسام به والتوسل ~~بذاته، فلا يكون التوسل لا شيء منه، ولا شيء من السائل، بل ذاته (3) ، أو ~~مجرد الأقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. # ومن الأول حديث الثلاثة الذين –آووا إلى الغار، وهو في الصحيحين وغيرهما، ~~فإن الصخرة انطبقت عليهم، فقالوا: "ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله" (4) وذكر ~~الحديث، فهؤلاء دعوا الله سبحانه (5) بصالح الأعمال، لأن PageV01P217 # الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به [العبد] (1) إلى الله تعالى، ويتوجه ~~به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ~~ويزيدهم من فضله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (2) ، وهؤلاء دعوه بعبادته، ~~وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وهذا كما قال المؤمنون: {ربنا إننا سمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان} (3) إلى قوله: {إنك لا تخلف الميعاد} (4) . فسؤال ~~الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وفعل ما يحبه من العبودية ~~والطاعة هو (5) من جنس فعل ذلك، رجاء لرحمة الله، وخوفا من عذابه، وسؤال ~~الله بأسمائه وصفاته، ونحو ذلك يكون من باب التسبب. # والمقصود هنا أنه إذا كان / السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ~~ذكرنا (6) ، [فكيف] (7) بسؤال (8) المخلوق الميت، سواء سأل أن يسأل الله، ~~أو يسأل قضاء الحاجة، ونحو ذلك؟ مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت، ~~وإما عند غيبته، وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة، وسد الذريعة ~~بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها –وإن كان ~~(9) PageV01P218 # لا يسأل إلا الله – وحذر أمته ذلك، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك ~~وأسباب الشرك؟ فتبين (1) أن أحدا من السلف لم يفعل (2) ذلك (3) . # قلت: وقد تقرر بما تقدم أن سؤال الميت والغائب والاستشفاع به إلى الله ~~أنه هو دين المشركين من العرب ومن قبلهم، فإن (4) الله تعالى بعث رسله إلا ~~به، وتقرر ذلك في آيات الشفاعة وما في معناها من ms084 الآيات وما فيها من سيد ~~المرسلين: {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا. (5 قل إني لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا5) (5) . قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا. ~~إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا} (6) . # فتأمل ما في هذه الآيات، وما رتب سبحانه على مخالفة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فيما وعد إليه، وبلغه عن الله من توحيده، بالوعيد بالنار والخلود ~~فيها، والقرآن كله من أوله إلى آخره يقرر هذه الدعوة، ويرشد إليها، وينهى ~~عن كل ما ينافيها من قول أو فعل أو اعتقاد، ويحذرهم نفسه وينذرهم بأسه. ~~PageV01P219 # وقد قال الله (1) تعالى في وصف القرآن المجيد: {قد جاءكم من الله نور ~~كتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (2) *) ، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} (3) ، وقد صح عنه ~~(4) صلى الله عليه وسلم بالإسناد المتصل الصحيح أنه قال: "لا تطروني كما ~~أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (5) . # قال ابن الأثير (6) وغيره في معناه: (أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما ~~غلت النصارى في عيسى (7) عليه السلام، فادعوا فيه الآلهية، إنما أنا عبد، ~~فصفوني بذلك (8كما وصفني ربي8) (8) "فقولوا: عبد الله ورسوله"، فأبى ~~المشركون أن يقبلوا ما أمرهم به (9) ، وأن (10) يتركوا ما نهاهم عنه، ~~وناقضوه أعظم مناقضة، PageV01P220 # وشاقوا (1الله ورسوله1) (1) أعظم مشاقة، (2 وأتوا بما هو أعظم من ذلك من ~~الشرك الذي لا يغفره الله2) (2) . # وذلك أن الشيطان أظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعث الله به رسله في ~~قالب التنقص للنبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر لهم ما نهاهم النبي صلى ms085 الله ~~عليه وسلم عنه في قالب محبته وتعظيمه. # وتأمل (3) ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وما نهى عنه تعلم (4) ~~يقينا أن هؤلاء (5) المتنقصون الناقصون أفرطوا في تعظيمه بارتكاب ما نهى ~~الله عنه (6) في كتابه، في مواضع (7) لا يمكن حصرها، من (8) دعوة غيره ~~خصوصا وعموما، ثم أن هؤلاء فرطوا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ~~(9) أخذوا بقوله/ وفعله، بل ولا رضوا بحكمه وأمره، ولا سلموا له، وهذا الذي ~~تركوه هو الذي يحصل به تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيعظم أمره ويقبل، ~~ويعظم نهيه ويترك، ويكون هو المتبع والمطاع، ويدعو إلى دينه الذي دعا إليه ~~من إخلاص العبادة لله وحده، وينصره بنصرة ما بعث به من الحق، ويواليه ~~بالمتابعة والاقتداء بهديه، ويعادي من خالفه بارتكاب ما نهى عنه. ~~PageV01P221 # وأنت ترى ما وقع اليوم وقبله من كثير الجهال، من الإفراط والتفريط، فقال ~~(1) صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (2) ~~، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد، والترمذي (3) ، وابن ماجه بالأسانيد ~~المتصلة عن ابن عباس. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4) : (وهذا عام في جميع أنواع الغلو ~~بالاعتقادات والأعمال، ثم إنه علله بما يقتضي مجانبة هدى من كان قبلنا، ~~إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن (5) المشارك لهم في بعض هديهم يخاف ~~عليه من الهلاك) انتهى. PageV01P222 # قلت: وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أعظم تحذير من الغلو ~~وأسبابه الموصلة إلى الشرك بالله، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين في كتبهم (1) ، بأسانيد صحيحة عن عائشة ~~أم المؤمنين رضي الله عنها "أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم ~~الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق ~~عند الله" (2) وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور. يحقق ذلك أنه صلى ~~الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك. # قال شيخ الإسلام ms086 (3) : (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلى الله عليه ~~وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في ~~الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل ~~الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر ~~الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر (4) ، ولهذا ~~تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا ~~يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من ~~بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، (5 حتى نهى5) (5) عن الصلاة في المقبرة ~~مطلقا، / وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد في صلاته بركة ~~المساجد، كما PageV01P223 # نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها ~~الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ما قصده المشركون، ~~سدا للذريعة. # وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة، ~~فهذا عين المحادة لله ورسوله (1) ، والمخالفة لدينه، وابتداع (2) دين لم ~~يأذن الله به. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها؛ وأنه لعن من ~~اتخذها مساجد. # فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء ~~المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ~~ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، ~~متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك ~~والشافعي بتحريم ذلك) . # قلت: والأحاديث الصحيحة تدل على ذلك بلا ريب، كما في "الصحيحين"عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح ~~خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها"، فقال-وهو كذلك- "لعنة (3) الله ~~على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما ms087 فعلوا" (4) . ~~PageV01P224 # ومن المعلوم أن اللعنة إنما تقع على من فعل ذلك الاتخاذ؛ لأنه من فعل ~~اليهود والنصارى، فمن فعل فعلهم وقع به ما وقع بهم؛ لأنه من أعظم الذرائع ~~الموصلة إلى الشرك، وهذا الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم (1 اليهود ~~والنصارى1) (1) على فعله قد وقع من كثير من هذه الأمة بعد القرون المفضلة. # قال القرطبي في معنى هذا الحديث: (وكل ذلك لقطع الذريعة (2) المؤدية إلى ~~عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام. قال: ولهذا بالغ المسلمون ~~في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خافوا أن يتخذ قبره ~~قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فنبوا ~~جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ~~ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره) . # وفي "الصحيح" (3) عن ابن عباس رضي الله عنه (4) في قول (5) الله تعالى: ~~{وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا} (6) الآية، قال: "هذه ~~أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا/ أوحى الشيطان إلى قومهم أن # انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا، وسموها بأسمائهم: ~~ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ (7) العلم عبدت" (8) . ~~PageV01P225 # وقال العلامة ابن القيم (1) رحمه الله تعالى: # "وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف ~~عليها من محبة أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها ~~مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، ~~فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه (2) ، أو يسأل بأحد من خلقه. فإذا تقرر ~~ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ ~~قبره وثنا تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ~~ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، ~~واتخاذه (3) عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. # وكل هذا مما قد (4) علم بالاضطرار من دين الإسلام ms088 أنه مضاد لما بعث الله ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم: من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله، ~~فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب ~~العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أن لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، ~~واشمأزت # قلوبهم، كما قال تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} (5) ، وسرى ذلك في نفوس ~~كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا ~~PageV01P226 # أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك ~~وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك، وما ~~كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون"انتهى. وقد تقدم وأعيد ليستحضر. # قال شيخ الإسلام (1) رحمه الله تعالى (2) : # (والذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد ثبت في الطرق ~~المتعددة أن ما يشرك به من دون الله من (3) صنم ووثن، أو قبر قد يكون عنده ~~شياطين تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين [لا] (4) يقضون بعض أغراضهم، ~~وإنما يقضونها إذا حصل منه الشرك والمعاصي، ومنهم من يأمر الداعي أن يسجد ~~له؛ وقد/ ينهاه عما أمره (5) الله به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس ~~وقراءة القرآن، ونحو ذلك، وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم ~~نصيب من الدين والزهاد والعبادة، ولعدم (6) علمهم بحقيقة الدين الذي بعث ~~الله به رسله طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة، ~~وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ يستغيث بأحدهم بعض أصحابه (7) ، فيرى ~~(8) الشيخ جاء في اليقظة حتى قضى ذلك المطلوب، وإنما هي شياطين تتمثل للذين ~~يدعون غير الله، فالكافر للكافر، PageV01P227 # والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل) . # وقال رحمه الله (1) : (وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص (2) –يعني ابن ~~البكري الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما ~~يستغاث بالله- إلى أنه كان يقول: النبي صلى الله عليه وسلم علم ms089 مفاتيح ~~الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "خمس لا يعلمهن (3) إلا ~~الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت [إن الله عليم خبير] " ~~(4) ، ذكر (5) عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبره أنه لا PageV01P228 # يعلمها إلا الله. # وأخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي # صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، ~~وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي ~~الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع) . # قلت: وهذا الذي ذكر (1) شيخ الإسلام هو مضمون أبيات البردة التي نصرها ~~داود وأمثاله، ممن استحسن الشرك بالله، وأجاز أن يدعى مع الله غيره، ~~ويستغاث بغيره، ولا ريب أن المفتتن بهذه الفتن الشركية كثير في هذه الأزمنة ~~وقبلها، فسلكوا سنن من كان قبلهم من المفتونين الذين نقلنا عن شيخ الإسلام ~~رحمه الله (2) بعض ما جرى منهم، نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن ~~فتنة المسيح الدجال. # فما أكثر من فتن في هذه الأزمنة وقبلها بمثل فتنة المسيح الدجال، بما ~~غرتهم به الشياطين من الإنس والجن، الذين قال الله تعالى فيهم: {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه/ فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} (3) . # وقال رحمه الله تعالى (4) : (وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم ~~بالجنون والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود عليهما ~~PageV01P229 # السلام: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده} (1) فأعظم ما سفهوه لأجله، ~~وأنكروه هو التوحيد، [وهكذا] (2) تجد من عليه شبه من هؤلاء إذا رأى من يدعو ~~إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله (3) ، وأن لا يعبد الإنسان [إلا الله] ~~(4) ولا يتوكل إلا عليه، استهزؤا بذلك، لما عندهم من الشرك، وأنهم (5) ~~اعتقدوا أن ms090 دعاء الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء ~~الله والاستغاثة به في البيت الذي نبي لله عز وجل، ففضلوا البيت الذي بني ~~لدعاء الميت. # وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم منه (6) ، مضاهاة ~~لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} ~~(7) . # وهكذا هذه النذور والوقوف التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم ~~للمساجد، ولعمار (8) المساجد، والجهاد في سبيل الله، وهؤلاء إذا قصد أحدهم ~~القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع (9) ، ويدعو ويتضرع، PageV01P230 # ويحصل له من الرقة والتواضع والتذلل والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل ~~مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا إلا من ~~حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين، المتبعين لكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم) . # إلى أن قال رحمه الله تعالى (1) : # (والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعاء ~~الله؛ أنواع متعددة، منهم من تقدم. # ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات كحكاية (2) أن بعض المأسورين في بلاد ~~العدو دعا الله فلم يخرجه؛ ودعا بعض المشايخ الموتى فأخرجه إلى بلاد ~~الإسلام. # ومن هؤلاء من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد ~~لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه. # فإذا كان دعاء الموتى (3) مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا/ الاستهزاء ~~بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله (4) ~~: من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من ~~الاستهزاء بالله وآياته ورسوله (5) ، أو من (6) كان يأمر بدعاء الله وحده ~~لا شريك له، كما أمر PageV01P231 # بطاعته (1) ، ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء؟) . # إلى أن قال: # (وأما أولئك الضلال أشباه المشركين النصارى، فعمدتهم أحاديث (2) ضعيفة، ~~أو موضوعة، أو منقولة (3) عمن لا يحتج ms091 بقوله، إما أن تكون كذبا عليه؛ وإما ~~أن يكون غلطا منه؛ إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، # وإن عصموا بشيء مما ثبت عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (4) ، حرفوا ~~الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمشابهه، وتركوا محكمه، كما يفعله (5) النصارى، ~~وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي ~~والميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما (6) يقدر عليه وما لا يقدر عليه، فجعل ~~حكم ذلك (7) واحدا، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة (8) ~~PageV01P232 # أيضا، ولم يكفه (1 ذلك حتى1) (1) جعل الطالب منه إنما يطلب (2) من الله ~~لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح ~~(3) جائزة. # فدخل عليه الخطأ (4) من وجوه: # منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغيثا به، وهذا لا ~~يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازا، مع دعواه الإجماع على ذلك، ~~فإن (5) المستغاث هو المسئول المطلوب منه لا المسئول به. # الثاني: ظنه أن توسل الصحابة [به] (6) في حياته كان توسلا بذاته، لا ~~بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط. # الثالث: أنه أدرج السؤال أيضا في الاستغاثة به (7) ، وهذا صحيح جائز في ~~حياته، وهو قد سوى (8) في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ ~~الاستغاثة، لكنه (9) أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته # ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل (10) الشيخ ~~PageV01P233 # يحيى الصرصري، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب ~~"المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام" وهؤلاء ليسوا من ~~العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين (1) يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ~~ومعرفة الحلال والحرام، وليس/ لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل ~~عادة جروا # عليها، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر، ~~خطا إلى الشيخ (2) عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به، وهذا يفعله كثير ~~من الناس؛ ولهذا لما ms092 نبه من نبه (3) [من] (4) فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما ~~كانوا عليه ليس من دين الإسلام، بل مشابهة لعباد الأصنام) . # قلت (5) : وهذه الطريقة التي سلكها هذا، هي طريقة أهل البدع –كداود بن ~~جرجيس – الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة (6) مخالفة للكتاب ~~والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم من بدعتهم، # كالخوارج المارقين، لكن الخوارج كفروا الصحابة بالذنوب، وهؤلاء كفروا أهل ~~الإسلام بالإخلاص والتجريد، كما قال العلامة ابن القيم (7-رحمه الله-7) (7) # في الخوارج: # ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان PageV01P234 # وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان (1) # إلى أن قال: # (وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم أني أتوجه إليك بنبينا (2) ~~محمد نبي الرحمة" (3) ، وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: # أحدهما: أنه ليس استغاثة، بل توجها به. # الثاني: أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم الدعاء، وقال في آخر دعائه "اللهم فشفعه في"، فعلم أنه شفع له، فتوسل ~~بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، وكما ~~توسلوا بدعاء العباس بعد مماته، وكذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعو له. فدل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شفع له (4) ودعا له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن (5) يدعو الله، ~~وأن يسأله (6) قبول شفاعته النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: "يا محمد إني ~~أتوجه بك إلى ربي في حاجاتي هذه لتقضي" (7) خطاب لحاضر (8) في قلبه، كما ~~نقول في صلاتنا؛ "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وكما يستحضر ~~الإنسان في قلبه من يحبه أويبغضه ويخاطبه، وهذا كثير. PageV01P235 # وما ذكره (1) من توسل آدم، وحكاية المنصور، فجوابهما (2) من وجهين: # أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك (3) . # الثاني: لو دل على التوسل بذاته فلا يدل على الاستغاثة. # وأما اشتكاء البعير [إليه] (4) ، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، وقد قلنا إنه ~~إذا طلب منه مما يليق بمنصبه فهذا لا ms093 نزاع فيه، والاستغاثة به في حياته ~~فيما يقدر عليه لا ينازع (5) فيها أحد، ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها ~~العام، فجعل PageV01P236 # يتشبث به (1) ، / ولكن النهي (2) عاد (3) إلى شيئين: إلى الاستغاثة به ~~بعد الموت، وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وأما قول (4) ~~هؤلاء الجهال: فيستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين، ولا ريب أن ~~أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله، الذي هو الكفر، الذي لا يغفره ~~الله؛ فإن الله سبحانه يقول في كتابه: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا. وقد أضلوا كثيرا} (5) . # وقد قال غير واحد من السلف: إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم (6) ، وقد ~~ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير، وقصص الأنبياء، كما ~~ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث، وقد تقدم (7) في كلام # شيخ الإسلام أيضا، فأعدناه لعظيم فائدته. # (وقد أمر الله نبيه أن يقول: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} (8) ، فيقول أهل الضلال: هذا يقوله في نفسه، وأما نحن فليس لنا أن ~~PageV01P237 # نقول هو بشر، بل نقول كما قال فلان وفلان، ومن زعم أن محمدا بشر كله فقد ~~كفر، وهذا يقوله طائفة منهم، وهو يشبه قول النصارى في المسيح، ونحن نعلم ~~بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأحد أن يدعو أحدا من ~~الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا ~~بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت (1) ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى ~~عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم ~~يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفها) ms094 (2) . # إلى أن قال (3) رحمه الله تعالى: (وهؤلاء يدعون الميت أو الغائب (4) ، ~~يقول أحدهم: بك أستغيث، بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ~~ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب علي، ونحو ذلك، ومن لم يقل ذلك ~~من عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك عدوي، أشكو إليك ظهور البدع أو جدب الناس، ~~أو غير ذلك (5) ، فيشكو إليه ما حصل من ضرر/ في الدين والدنيا، ومقصوده ~~بالشكوى أن يشكيه، فيزيل ذلك الضرر، وقد يقول مع ذلك للميت: أنت تعلم ما ~~فعلته من الذنوب، فيجعل الميت، أو الحي، أو الغائب عالما بذنوب العباد ~~وجزئياتهم التي يمتنع أن يعلمها بشر، حي أو PageV01P238 # ميت، ثم منهم من يطلق سؤاله إليه والشكوى ظانا أنه يقضي حاجته، كما يخاطب ~~ربه بناء على أنه يمكن ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب، وإن كان ~~السائل لا يعلم وجود ذلك. وعقلاؤهم يقولون: مقصودها أن يسأل الله لنا، ~~ويشفع لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم، فإنه يسأل ~~ويشفع، كما يسأل ويشفع (1) ، وكما تسأله الصحابة الاستسقاء وغيره، وكما ~~يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة، ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب غير ~~مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه ~~إلى سؤال غيره وطلب الدعاء منه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم (2) وسائر ~~الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يطلب (3) من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان ~~يطلب منه في حياته والله أعلم) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى (4) . ~~وقال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحافظ (5) رحمه الله تعالى: (ومن ~~جعل زيارة الميت من جنس زيارة الفقير للغني، لينال من بره وإحسانه، فقد أتى ~~بما هو من أعظم الباطل المتضمن لقلب الحقيقة والشريعة، ولو كان ذلك مقصود ~~الزيارة لشرع [من] (6) دعاء الميت، والتضرع PageV01P239 # إليه، وسؤاله ما يناسب هذا المطلوب، ولكن هذا يناقض ما دعا إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد، وتجريده مناقضة ظاهرة، ولا ينبغي ~~الاقتصار ms095 على ذلك بأنه بدعة، بل فتح لباب الشرك، وتوسل (1) بأقرب وسيلة إلى ~~الشرك". # قلت: ولا ريب أن هذا الذي ذكره هذا الإمام مطابق لحال داود، فإنه قلب ~~الحقائق، وفتح باب الشرك والأكبر. ثم قال الحافظ-رحمه الله - (2) : # (وهذا أصل عبادة الأصنام كما قال ابن عباس –رضي الله عنهما – في قوله ~~تعالى (3) : {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا (4) ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا} (5) قال هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح؛ فلما ماتوا ~~عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم (6) ، ~~فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام. يوضحه: أن ~~الذين تكلموا في زيارة الموتى من أهل الشرك صرحوا بأن # القصد انتفاع الزائر بالمزور، وقالوا: من /تمام الزيارة أن يعلق همته ~~وروحه بالميت وقبره، فإذا فاض على روح (7) الميت من العلويات الأنوار فاض ~~منها على روح الزائر بواسطة ذلك التعلق والتوجه إلى الميت، كما ينعكس النور ~~PageV01P240 # على الجسم المقابل للجسم الشفاف (1) ، بواسطة مقابلته-وهذا من زخرف ابن ~~سينا لعنه الله، فما أعظم هذا من فرية وضلال وإلحاد ومحال –وهذا المعنى ~~بعينه ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور، وتلقاه عنهم من تلقاه ممن لم يحط ~~علما بالشرك وأسبابه ووسائله. # ومن هنا يظهر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تعظيم القبور، واتخاذ ~~المساجد عليها، ولعنه فاعل ذلك، وإخباره بشدة غضب الله (2) ، ونهيه عن ~~الصلاة إليها، ونهيه عن اتخاذ قبره عيدا، وسؤاله ربه أن لا يجعل قبره وثنا ~~يعبد، فهذا نهيه عن تعظيم القبور، وذلك تعليمه وإرشاده (3) للزائر أن يقصد ~~نفع الميت والدعاء له والإحسان إليه، لا الدعاء به ولا الدعاء عنده) انتهى ~~كلامه رحمه الله تعالى. وهذا الذي ذكره عن المشركين هو قول ابن سينا تلقاه ~~عنه (4) من تلقاه، وكلام العلماء في ذلك أكثر مما ذكرنا عن بعضهم بأضعاف. ~~وما ذكرنا هنا ففيه (5) ما يكفي المستفيد الذي قصده تمييز الحق من الباطل، ~~وأما من قصده الشقاق والعناد فلا حيلة فيه. # واعلم أن هذا المعترض لو نوقش ms096 على جميع ما يقع في كلامه من الدعاوي ~~والخلل لطال الجواب، ولكن التنبيه على بعض ذلك كاف لمن له أدنى فهم، أو ~~عنده أدنى علم. PageV01P241 # قال العلامة ابن القيم (1) رحمه الله تعالى (2) في "الكافية الشافية في # الانتصار للفرقة الناجية" (3) : # يا من له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل زمان # لكننا قلنا مقالة صارخ ... في كل وقت بينكم بأذان # الرب رب، والرسول فعبده ... حقا. وليس لنا إله ثان (4) # فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر ... حمن، فعل المشرك النصراني # كلا ولم نغل الغلو كما نهى ... عنه الرسول مخافة الكفران # لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق، هما حقان # لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان # /فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذا القربان # وكذا، السجود، ونذرنا، ويميننا ... وكذا متاب العبد من عصيان (5) # وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء، وخشية الرحمن # وكذا العبادة واستغاثتنا به ... إياك نعبد، ذان توحيدان # وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان # وكذلك (6) التسبيح والتكبير والت ... هليل حق إلهنا الديان # لكنما التعزير والتوقير ... حق للرسول بمقتضى القرآن PageV01P242 # والحب والتصديق والإيمان لا ... يختص؛ بل حقان مشتركان # هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجملوها يا أولي العدوان # حق الإله: عبادة بالأمر، لا ... بهوى (1) النفوس، فذاك للشيطان # من غير إشراك به شيئا هما ... سبب النجاة؛ فحبذا السببان # ورسوله فهو المطاع، وقوله ال ... مقبول، إذا هو صاحب البرهان # والأمر منه الحتم لا تخيير ف ... يه عند ذي عقل وذي إيمان # فهو المطاع وأمره العالي على ... أمر الورى وأوامر (2) السلطان # وهو المقدم في محبتنا على ... الأهلين والأزواج والولدان # وعلى العباد جميعهم، حتى على ... النفس التي قد ضمها الجنبان # ونظير هذا قول أعداء المسيح ... من النصارى عابدي الصلبان # أنا تنقصنا المسيح بقولنا ... عبد، وذلك (3) غاية النقصان # لو قلتموا: ولد إله خالق ... وفيتموه حقه. بوزان # وكذاك أشباه النصارى من (4) غ ... لوا في دينهم بالجهل والطغيان # صاروا معادين الرسول ودينه ... في صورة الأحباب والإخوان # وانظر إلى تبديلهم توحيده ... بالشرك والتوحيد ms097 (5) بالكفران # وانظر إلى تجريده التوحيد من ... أسباب كل الشرك بالرحمن # واجمع مقالتهم وما قد قاله ... واستدع بالنقاد والوزان PageV01P243 # عقل (1) وفطرتك السليمة ثم زن ... هذا وذا (2) لا تطغ في الميزان # /فهناك تعلم أي حزبينا هو ال ... متنقص (3) المنقوص ذو العدوان (4) # رامي البرىء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الحيوان # كمعير للناس (5) بالزغل الذي ... هو ضربه، فاعجب لذا البهتان # والله ما قال الشيوخ وقال ألا ... كنتمو معهم بلا كتمان # والله أغلاط الشيوخ لديكم ... عين الصواب ومقتضى البرهان # تبا لكم ماذا التنقص بعد ذا؟ ... لو تعرفون العدل بالنقصان # والله ما يرضيه جعلكم له ... ترسا لشرككم وللعدوان # وكذاك جعلكم المشايخ جنة ... لخلافه والعقصد ذو تبيان # والله ما عظمتوه طاعة ... ومحبة يا فرقة العصيان # أني؟ وجهلكم به وبدينه ... وخلافكم للوحي: معلومان # [والله أمركم عجيب معجب ... ضدان فيكم ليس يتفقان] (6) # تقديم (7) آراء الرجال عليه مع ... هذا الغلو، فيكف يجتمعان؟ PageV01P244 # كفرتم من جرد التوحيد ... جهلا منكم بحقائق الإيمان # لكنكم تجردتم لنصر الشرك وال ... بدع المضلة في رضى الشيطان # والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... إياه بادرنا إلى الإذعان # (والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... كنا نخر له على الأذقان) (1) # والله ما يرضيه منا غير إخ ... لاص وتحكيم لذا القرآن # ولقي نهى ذا الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان # ولقد نهانا (2) أن نصير قبره ... عيدا حذار الشرك بالرحمن # ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمنه وثنا من الأوثان # فأجاب رب الرحمن دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران # حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... باللعن يصرخ فيهم بأذان # ولقد غدا عند الوفاة مصرحا ... في عزة وحماية وصيان # وعنى (3) الأولى جعلوا القبور مساجدا ... وهم اليهود وعابدوا الصلبان # والله لولا ذاك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان # قصدوا إلى تسنيم حجرته ... ليمتنع السجود له على الأذقان # /قصدوا موافقة الرسول وقصده ... التجريد للتوحيد للرحمن # يا فرقة جهلت نصوص نبيهم ... وقصوده وحقيقة الإيمان # فسطوا على أتباعه وجنوده ... بالبغي والعدوان والبهتان # لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا ... فمصابكم ما فيه من جبران # قلنا الذي قال الأئمة قبلنا ... وبه النصوص أتت على التبيان ms098 PageV01P245 # القصد حج البيت وهو فريضة الر ... حمن واجبة على الأعيان # ورحالنا شدت إليه من بقا ... ع الأرض قاضيها كذاك (1) الدان # من لم يزر بيت الآله فما له ... من حجة سهم ولا سهمان # وكذا نشد (2) رحالنا للمسجد ... النبوي خير مساجد البلدان # من بعد مكة أو على ألا ... طلاق؛ فيه الخلف منذ زمان # وصلاتنا في بألف في سواه ... ما خلا ذا الحجر والأركان # وكذا صلاة في قبا فكعمرة ... في أجرها والفضل للمنان # ثم ذكر –رحمه الله (3) – الزيارة الشرعية التي (4) تقدمت في كلام شيخه ~~شيخ الإسلام ابن تيمية –رضي الله عنهما (5) وأرضاهما- والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # فإذا تأمل الناصح لنفسه الطالب لتمييز (6) الحق من الباطل، وعرف ذلك مما ~~تقدم من الآيات المحكمات، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما قرره ~~العلماء المحققون، في بيان توحيد العبادة، وما ينافيه من الشرك بالله، ~~فليعلم أن هذا المجادل المماحل أتى فيما كتبه (7) وأتعب نفسه فيه، ضروبا ~~(8) من لبس الحق بالباطل، وإيقاع المغرورين في الشرك الأكبر الذي يطلبه وهو ~~يحاوله PageV01P246 # قال (1) بعض السلف في قوله تعال: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (2) قال: السبل: البدع والشبهات ذكره ~~مجاهد وغيره، وقد قال تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم ~~إلا نفورا} (3) . # وليعلم أن هذا العراقي سود الأوراق، بأمور حاول بها (4) الصدف عن الدين/ ~~الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وثبت وتقرر في كتاب الله العزيز الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: من الأمر ~~بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه وضرب الأمثال # في ذلك. # فاشتمل ما سوده في معارضته (5) للحق على أمور: منها: أنه أكثر (6) ~~السباب، والكذب والافتراء على المسلمين من أهل نجد، ونسب إليهم أمورا ~~كثيرة؛ قد اختلقها هو وأمثاله تنفيرا منهم (7) للجهال عما كانوا يدعون إليه ~~من توحيد تعالى، وإخلاص العبادة له. # وتأييدا لما انتحله هو وغيره من الأمور الشركية التي أظهر الدعوة إليها ~~في ms099 تسويده، وأتى فيها بضروب من المحال، وقلب المعاني، وصرف اللفظ عن ~~PageV01P247 # مدلوله الذي وضع له، وهذا [هو] (1) الأمر الثاني. فإن ساعد القدر تتبعت ~~ما افتراه بالنقض والأبطال. # ومنها: أنه ينقل عن بعض العلماء، وينسب إليهم نقيض ما كانوا يعتقدونه، ~~فيكثر الكذب عليهم، وينسبهم إلى خلاف ما هم عليه من الحق الذي قرروه في ~~كتبهم، وأعلنوا به على رؤوس الأشهاد. # [الأمر] (2) الرابع: أنه ينقل أمورا عن بعض من يجوز عليه الخطأ من أهل ~~العلم، لم يثبت عنهم ما نسبه إليهم، فلو قدر ثبوته فليسوا ممن تقوم ~~بأقوالهم الحجة، وعلى كل حال فلا حجة فيه، لمصادمته الوحيين، كما قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: "ما من أحد إلا ويؤخذ (3) من قوله ويترك إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم". # وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى (4) : (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ~~يذهبون إلى رأي سفيان، والله (5) يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (6) أتدري: ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، ~~لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) . # فإذا كان هذا في حق سفيان الثوري، وهو من أئمة المسلمين ومن أتباع ~~التابعين، فأقوال من بعده ممن لا يشق غباره، أولى بأن يؤخذ بقوله (7) ، ~~ويترك PageV01P248 # فما وافق أدلة الكتاب والسنة أخذ وقبل، وما خالف الكتاب والسنة رد على ~~قائله. # ولا خلاف بين العلماء من المجتهدين/ أن القياس –وهو من الأدلة عند جمهور ~~العلماء- إذا خالف نصا، أو ظاهرا من كتاب أو سنة، ترك وفسد اعتباره، فكيف ~~ما خالف جميع أدلة الكتاب والسنة في الأصل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به ~~كتبه، وخالف الفطر (1) السليمة، والعقول الصحيحة، من تسوية المخلوق ~~بالخالق، والمربوب بالرب، والإله بالمألوه، والعابد بالمعبود؟ فإنها مصيبة ~~ما أعظمها، فإنا لله وإنا راجعون. # وخالف صريح الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد؛ كما تقدم من الآيات المحكمات (2) . # والأمر الخامس: أنه يأتي ببعض أحاديث لا يعرف ms100 لها صحة؛ ولبست في دواوين ~~أهل الإسلام، ولم يذكر له سند (3) حتى يكشف عنه، ويحتمل أن تكون مما وضعه ~~الواضعون، وقد صنف العلماء كتبا في الموضوعات. # وعلى كل حال فما ناقض أدلة الكتاب والسنة، فلا يجوز الأخذ به، بل يجب ~~تركه وعدم الالتفات إليه. # ولا خلاف بين العلماء أن المتشابه يرد إلى المحكم، وإن كان صحيحا، فكيف ~~إذا كان ضعيفا أو موضوعا، فلا يجوز الاحتجاج به في معارضة ما ثبت ~~PageV01P249 # به الكتاب (1) والسنة. # ومن أصول أهل العلم التي لا يمكن أحد أن ينازع فيها: أنه إذا تعارض ~~دليلان، وصار أحدهما أصح من الآخر أخذ بالصحيح وترك ما دونه، كما إذا تعارض ~~الصحيح والحسن فكيف إذا عارض الصحيح، الضعيف، والمنقطع، أو الموضوع، أو ~~المعضل (2) ، أو الحكايات المكذوبة، والهفوات المنسوبةإلى من لا تقوم بقوله ~~حجة؟ فيتعين (3) الأخذ بالصحيح عند جميع العلماء. وهذا الذي يورده هذا ~~المماحل قد عارض القرآن كله من أوله إلى آخره، وعارض ما في الصحاح والسنن ~~والمسانيد: من تقرير الإخلاص والتوحيد، وإبطال الوسائل والوسائط (4) بين رب ~~العالمين وعباده، فإنه تعالى أرشدهم إلى أعظم ما يتوسلون به إليه في رغبتهم ~~ورهبتهم، كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (5) ، وقال: ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} (6) ، فأخبر أن ~~الملائكة والأنبياء والصالحين الذين يدعوهم من يدعوهم إنما كانت وسيلتهم ~~إلى الله في طلب (7) قربهم منه ورجاءه وخوفه إنما هو بالإخلاص/ له (8) ~~والتوحيد، كما قرره أئمة التفسير من السلف PageV01P250 # والخلف، وهو أصل الدين: أن لا يعبد إلا الله، بأي نوع (1) من أنواع ~~العبادة، ولا يعبد (2) الله إلا بما شرع؛ لا بالأهواء والشبهات والخيالات ~~والباطلة، التي تعب فيها من تعب ممن خرج عن الصراط المستقيم. # وهذا العراقي إنما ساق [هذه] (3) الأمور التي أكثر فيها الكذب، وقلب ~~الحقائق، ليتوصل بها إلى أن يعبد مع الله غيره، من ميت أو غائب، لا ينفع ~~ولا يضر، ولا يسمع الداعي، ولا يستجيب، غافلا عمن دعاه ورغب إليه ورجاه، ~~نعوذ بالله من زيغ القلوب وعقوبات ms101 الذنوب. # وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه إلى ما يجب علينا من حق نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، من محبته واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه، والصلاة عليه في نفس ~~الصلاة، وبعد الأذان، وعند ذكره، وأن نسأل (4) له الوسيلة والفضيلة التي لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وإكثار الصلاة عليه والتسليم عند كل حديث ~~يرفع إليه، فهذه هي أسباب حصول شفاعته يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه، ~~وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، والتابعين (5) ، ~~وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين. # فلا تتعب ذهنك بهذيان الملحدين، فإنها عند من عرفها من وسواس الشياطين، ~~وخيالات (6) المبطلين؛ وإذا طلع فجر الهدى، وأشرقت أنوار النبوة ~~PageV01P251 # فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين؛ والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون. # وبهذه الأمور التي ذكرناها عنه ينسخ العلم؛ ويغلب الجهل، كما ذكره (1) ~~البخاري في صحيحه عن قوم نوح (2) ، أنهم لما صوروا صور الصالحين بما أوحاه ~~الشيطان إليهم من قولهم (3) : "لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة. # قال: فلما هلك أولئك، ونسخ العلم عبدت" (4) فما أشبه الليلة بالبارحة، ~~فلو تتبعنا ما في القرآن من أوله إلى آخره من الأمر بإخلاص الدعاء لله ~~وحده، والنهي عن دعاء غيره الذي هو مخ العبادة، لاحتمل عدة أوراق كثيرة، ~~ولو تكلمنا على الآيات بتفسير السلف لها والأئمة، لاحتمل مجلدا ضخما. # فسبحان من طبع على قلوب أعدائه بحكمته وعدله (5) ، وهدى إلى دينه- الذي ~~خلق الخلق/ لأجله –من شاء من عباده برحمته وفضله. # وقد تقدم من (6) الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة ما يبين الحق، ويبين ~~ما ينافيه من الباطل، ولكنه كما قال القائل: # لقد أسمعت (7) لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي # فلو نارا (8) نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت (9) تنفخ في رماد PageV01P252 # ونذكر طرفا من كلام العلماء بأن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب. # قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-في شرح البخاري، في أول كتاب ~~الدعوات (1) من الصحيح: # (الدعوات بفتح المهملتين، جمع دعوة بفتح أوله، وهي المسألة الواحدة، ~~والدعاء والطلب (2) ، والدعاء إلى ms102 الشيء الحث إلى (3) فعله، دعوت (4) فلانا ~~سألته، ويطلق أيضا (5) على العبادة. # ويطلق الدعاء على التسمية، كقوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا} (6) . # وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في شرح الأسماء الحسنى ما ملخصه: منها ~~العبادة: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} (7) . # ومنها الاستغاثة: {وادعوا شهداءكم} (8) . # ومنها السؤال: {ادعوني أستجب لكم} (9) . PageV01P253 # ومنها: {دعواهم فيها سبحانك اللهم} (1) . # ومنها النداء: {يوم يدعوكم} (2) . # ومنها: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} (3) . # قوله وقول الله تعالى: {ادعوني أستجب لكم} وهذه الآية ظاهرة على ترجيح ~~الدعاء على التفويض. # وقال طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء. وأجاب الجمهور: على أن ~~الدعاء من أعظم العبادة، فهو كما في الحديث "الحج عرفة" (4) ، أي: معظمه ~~وركنه الأكبر، ويؤيده: ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: "الدعاء مخ ~~العبادة" (5) . PageV01P254 # وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء، ~~والحث عليه، كحديث أبي هريرة (1) رفعه: "ليس (2) شيء أكرم على الله من ~~الدعاء" (3) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحديث: ~~"من لم يسأل الله يغضب عليه" (4) أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، ~~وابن ماجه، والبزار، كلهم من رواية أبي صالح الخوزي (5)) انتهى. وقال (6) ~~شيخ الإسلام ابن تيمية (7) : (ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ~~ويتضمن من قوله تعالى (8) : {ضرب الله/ مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما PageV01P255 # لرجل} (1) فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما ~~سواه، وهذا حقيقة قولنا: "لا إله إلا الله" فمن استسلم لله ولغيره، فهو ~~مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم فهو مستكبر (2) عن عبادته، ~~وقد قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (3) . # إلى أن قال (4) : (ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله ~~البتة. قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (5) (6فأمر ~~الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه6) (6) . # وقال ms103 تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (7) ، فأهل الإشراك متفرقون، وأهل ~~الإخلاص متفرقون، [وقد] (8) قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم} (9) فأهل الرحمة متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا ~~PageV01P256 # دينهم وكانوا شيعا؛ ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع بتفرق أهله) . إلى ~~أن قال (1) : (وأهل التوحيد يعبدون الله في بيوته التي أذن (2) أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد (3) جعلت له الأرض مسجدا وطهورا، والله عز وجل ~~هو معبودهم، إياه يعبدون، وعليه يتوكلون، وله يخشون (4) ويرجون، وبه ~~يستغيثون ويستعينون، وله يدعون ويسألون، فإن خرجوا إلى المساجد كانوا ~~مبتغين فيها (5) فضلا من الله (6) ورضوانا، كما قال تعالى في نعتهم: {تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} (7) ، وكذلك إذا سافروا إلى ~~المساجد الثلاثة، لاسيما المسجد الحرام الذي أمروا بالحج إليه، فهم يؤمون ~~بيته يبتغون (8) فضلا من ربهم (9) ورضوانا، لا يرغبون إلى غيره، ولا يرجون ~~سواه ولا يخافون إلا إياه. وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم (10) ~~، واستزلهم (11) عن (12) PageV01P257 # إخلاص الدين لله؛ إلى نوع من الشرك (1) ، فيقصدون بالسفر والزيارة رجاء ~~غير الله (2) والرغبة إليه، ويشدون الرحال/ إلى قبر (3) نبي، أو صاحب، أو ~~صالح (4) ، داعين له راغبين إليه، ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، ~~فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور، ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من الحج ~~إلى البيت، ومن جهالهم من يتوهم أن زيارة القبر واجبة، ومنهم من يسأل ~~المقبور الميت كما يسأل الحي الذي لا يموت. يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، ~~وارحمني، وتب علي، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك أو جوارك. # وقد ينذرون أولادهم للقبور، ويسيبون لهم السوايب من البقر وغيرها، كما ~~كان المشركون يسيبون لطواغيتهم. قال الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ms104 ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم ~~لا يعقلون} (5) .انتهى. # فإذا جوز هؤلاء-كالعراقي وأمثاله-الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد وفاته، (6 وخالفوا نهيه الصريح الصحيح 6) (6) ، وخالفوا ما كان عليه ~~الخلفاء الراشدون والسابقون الأولون، فليعلم أن في ذلك من المفاسد العظيمة، ~~وفتح باب (7) PageV01P258 # الشرك من كل أحد، ومع كل أحد (1) ، كما هو الواقع الموجود، فصاروا لا ~~يفرقون بين الصالح والطالح في اعتقاد الربوبية والإلهية (2) ، كما كان (3) ~~يفعله (4) بعض الناس بمصر والشام والعراق، مع ما كانوا يعبدونه من دون ~~الله، كفعل أهل مصر مع أحمد البدوي ونحوه، وقد صح عنه أنه لا يصلي، ويبول ~~في المسجد، ولا يتطهر، ذكر ذلك السخاوي عن أبي حيان مشاهدة منه لذلك، وقد ~~افتتن أهل مصر به وبأمثاله من الأموات، فاعتقدوا فيه أن يفك الأسير إذا ~~دعاه، وهو في أيدي الكفار، وينجي من أشفى على الغرق في البحار، ويطفئ ~~الحريف إذا أضطرمت فيه النار، وينادونه من مكان بعيد، وهم لا يعتقدون أن ~~حيا من الفضلاء فيهم يسمع ويبصر، [يسمع من] (5) ينادونه (6) من فرسخ فأقل، ~~فصار هذا الميت المدفون في قعر (7) الأرض الذي تقطعت أوصاله، وصار (8) في ~~اعتقادهم أنه يسمع مناديه من البحور، ومن هو عنه بمسافة شهور، كما كان أهل ~~العراق يعتقدون ذلك في عبد القادر وغيره. وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه يعلم ~~الغيب، ويضر وينفع، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله (9 وقد كانوا 9) ~~(9) يفعلون في مولد البدوي من عظائم الشرك PageV01P259 # والفساد/ما يطول تعداده؛ أنه (1) يتحمل عن الزناة واللوطية في مولده ~~ذنوبهم، بمعنى أنه يكفرها عنهم (2 وقد كان2) (2) بعضهم يسجد على باب حضرته. # (3 وقد كان3) (3) بعض المؤذنين بالقاهرة إذا فرغ من الأذان ينادي بأعلى ~~صوته قائلا: يا أبو (4) فراج، يعنون بهذه الكنية أن يفرج الكربات، ولا يخفى ~~ما بين القاهرة وقبره من البعد، فإنه كان (5) في قرية في غربي مصر اسمها ~~طنطا، وهذا وأمثاله تفرع عن [دعوى] (6) من جوز (7) أنه يستغاث بنبي أو ~~صالح. ms105 ومن ذلك ما يفعله (8) أهل الشام عند قبر (9) ابن عربي الاتحادي صاحب ~~الفصوص (10) الذي يقول في فصوصه: # (وكنت امرءا من جند إبليس فارتمى ... بي الدهر حتى صار (11) إبليس من ~~جندي) # وهو إمام الاتحادية، فيعتقد (12) فيه بعض أهل الشام مثل ما كان (13) ~~PageV01P260 # يعتقده أهل مصر في أحمد البدوي على مثل ما ذكرناه عنهم. وكذلك ما كان (1) ~~يفعله أهل العراق، والمغرب، والسواحل، من البناء على قبر عبد القادر ~~الجيلاني، وبناء المشاهد لعبادة عبد القادر، كالمشهد الذي في أقصى المغرب، ~~وينادونه من (2) مسافة أشهر؛ بل سنة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ~~ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه. يقول قائلهم: إنه ~~يسمع ومع سماعه ينفع، وهو لما كان حيا يسمع ويبصر، لم يعتقد أحد فيه أنه ~~يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم ما صار، وهل هذا (3) إلا ~~لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله؟ فلو جاز في ~~حق عبد القادر لجاز في حق من هو أفضل منه بإضعاف، من الخلفاء الراشدين، ~~والسابقين والأولين، (6 والأئمة المهتدين (4) أن يدعي من تلك المسافة، ~~ويستجيب، لكن الله تعالى (5) صان أولياءه6) (6) ، وخيار أهل الإيمان أن ~~يفعل معه مثل هذا، فأين هذا من اعتقاد من اعتقد في أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب الإلهية، فخد لهم الأخاديد، وألقى فيها من الحطب، وأضرم فيها ~~النار فقذفهم فيها (7) . PageV01P261 # قال (1) ابن عباس: "إنهم يقتلون بالسيف"، وفعله أمير المؤمنين لشدة غيرته ~~على التوحيد، وشدة إنكاره للشرك والتنديد. وهذا الذي يفعله هؤلاء مع من (2) ~~ذكرنا إنما هو من تأله القلوب بهم، وشدة اعتقادهم فيهم، وصرف خصائص ~~الربوبية والإلهية لهم. # وعبد القادر –رحمه الله –لا شك أنه (3) له فضل ودين، وهو/حنبلي المذهب، ~~وأكثر أصحاب الإمام أحمد أفضل منه في العلم، وكذلك الإمام أحمد، ومن في ~~طبقته من أئمة المحدثين والفقهاء أفضل من عبد القادر بالاتفاق، فلو جازت ~~هذه الأمور في حق عبد القادر لجاز أن تفعل في [حق] (4) أحد من هؤلاء، بل ~~وفي ms106 حق من هو أفضل من الكل، كأعيان التابعين ومن قبلهم من (5) الصحابة ~~كالخلفاء الراشدين. # وعبد القادر من سائر أهل مذهبه، وله كتاب "الغنية" في مذهب أحمد، وله زهد ~~وعبادة، وليس أفضل من الفضيل (6) بن عياض، وبشر الحافي والجنيد، بل أهل ~~العلم يعلمون أن هؤلاء أفضل منه، فهو فاضل بالنسبة إلى من دونه، مفضول ~~بالنسبة إلى من ذكرنا من الأئمة قبله، وإن كان يذكر له كرامات الله أعلم ~~بصحة ذلك، وما آفة الأخبار إلا رواتها، فإن صح منها شيء فكرامات الصحابة ~~أعظم، كما وقع لعمر وعلي وغيرهما، فلم يعبدوا لأجل ما وقع لهم من الكرامات. ~~PageV01P262 # والكرامة فعل الله تعالى، وليست فعلا لمن وقعت له، ومن أحين مناقب عبد ~~القادر أن إبليس تراءى له في غمامة فقال: أنا ربك وقد أبحت لك المحارم، ~~فقال له (1) : اخسأ أنت إبليس، إن الله لا يأمر بالفحشاء، أو قال (2) : {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} (3) فرحم الله عبد القادر، فلقد ~~كان لا يرضى بما (4 قد كانوا 4) (4) يفعلونه معه، ولا بمثل قطرة منه. # وأعظم المحارم التي ينكرها ما كان يفعل اليوم وقبله عند ضريحه من الشرك ~~الذي لا يغفره الله، فإنه أعظم ذنب عصى الله (5) به، لا يرتاب في هذا مؤمن ~~(6) . # وهذا الذي ذكرناه على سبيل التمثيل، وإلا فبناء المساجد، والمشاهد على ~~القبور وعبادتها، قد عمت به (7) البلوى في كثير، وقد (8) لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من فعل ذلك، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعنة ~~الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" (9) ، ~~وقال لأم سلمة لما ذكرت له كنيسة رأتها (10) بأرض الحبشة، وما فيها من ~~الصور قال: "أولئك إذا مات فيهم PageV01P263 # الرجل الصالح أو العبد الصالح (1) بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك ~~الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (2) . # فما أعظم ما وقع من الشرك في كثير من هذه الأمة، فقد ربا على شرك أهل ~~الجاهلية، فإن أولئك أقروا بتوحيد ms107 الربوبية/ وجحدوا توحيد الإلهية، وهؤلاء ~~صرفوا خصائص الربوبية لغير الله، فالله المستعان. وهذا باب دخل فيه أهل ~~الشرك ما فتحه لهم من ينتسب إلى العلم بحكايات تحكي لا تقوم بها حجة ولا ~~عليها تعويل، وغايتها التحريف التبديل والتهويل والتضليل، وصدف الجهال عن ~~سواء السبيل، حتى وقع الشرك في هذه الأمة جيلا فجيل، فجادل به من جادل وما ~~حل به من (3) ماحل، كما (4) يعلمه الله من هؤلاء الملحدين وأمثالهم. فإن ~~هؤلاء المجادلين الجاحدين المبين قد ما حلوا بقلب الحقائق، حتى جعلوا ما ~~تنزه الله عنه من اتخاذ الشفاء والشركاء [هضما] (5) من حق الرسل والأنبياء؛ ~~وهو هضم لربوبية (6) الله، وسلب لإلهيته (7) ، وسواء ظن به، وقد نزه نفسه ~~عن ذلك في الآيات المحكمات التي أنزلها (8) على رسوله الصادق PageV01P264 # المصدوق؛ ودعا الأمة إلى أن يؤمنوا بها ويقبلوها. فمن ذلك قوله تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} (1) إلى قوله: {سبحانه ~~وتعالى عما يشركون} (2) ، فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك المقتضى لوضع حقه ~~تعالى (3) في غير محله، ومسبتهم (4) له بهذا الشرك (5) . # ولا ريب أن متخذي الشفعاء إنما كانوا يطلبونهم (6) ويسألونهم أن يشفعوا ~~لهم، كما كان يفعله المشركون مع الأموات والغائبين، فهذا الطلب والسؤال ~~والقصد والإرادة، من توجيه الوجه والقلب إلى غير الله تعالى رجاء لهذا ~~الغير ورغبة إليه (7شرك عظيم 7) (7) ، قال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت ~~وجهي لله ومن اتبعن} (8) ، وقال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} ~~(9) الآية فإسلام الوجه (10) ينفي الشرك بنوعيه (11) ، والإحسان ينفي البدع ~~في الدين PageV01P265 # كلها، وقد قال أمام الحنفاء (1 في قوله1) (1) : {إني بريء مما تشركون. ~~إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} (2) . # فتبين بهذه الآية أن توجيه الوجه (3) والقلب [إلى] (4) الله دون من سواه ~~(5) . # قال في "الشرح الكبير"لعبد الرحمن بن أبي عمر رحمه (6) الله تعالى: ~~(الإخلاص عمل القلب وهو أن يقصد بعمله الله (7) دون غيره) انتهى (8) . # وقال شيخ الإسلام: (الإخلاص/ محبة الله، وإرادة وجهه، وقد تقرر في الجواب ~~أن الشفاعة ms108 التي أثبتها الله في كتابه بإذنه ورضاه إنما تقع لأهل الإخلاص ~~خاصة، فمن طلبها من ميت أو غائب فقد وقع في الشرك الذي لا # لا يغفره الله، وحرم نفسه الشفاعة بطلبها ممن لا يملكها، وإعراضه عن ~~طلبها ممن يملكها (9) سبحانه وتعالى عما يشركون) . # وهذا العراقي من جهله وضلاله يدعي أن هذا الشرك (*مجمع على جوازه. # قلت: بل الإجماع منعقد على أنه الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ~~(10) ، ومستند هذا الإجماع الآيات المحكمات، وما فيها من التصريح ~~PageV01P266 # بتحريمه*) (1) كما (2) في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~[كان] (3) يقول في دبر كل صلاة: "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له ~~النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو ~~كره الكافرون" (4) فإخلاص العبادة له هو الدين (5) الذي بعث الله به رسله، ~~وأنزل به كتبه، وأمر به عباده، كما قال تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين. ~~ألا لله الدين الخالص} (6) . # ثم ذكر تعالى ما ينافي الإخلاص من شرك المشركين، فقال (7) : {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (8) وهذه ~~السورة كلها كأمثالها من القرآن، فيها بيان الإخلاص والأمر به؛ وبيان ما ~~ينافيه من الشرك في العبادة والنهي عنه، وتغليظ أمره، وحبوطه للأعمال، ~~فتدبر وتذكر وتفكر، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. PageV01P267 ### | فصل # (1) # وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر ~~فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام ~~الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. # (3 [فبين] (2) ما وقع فيها من البدع3) (3) ، فبين –رحمه الله –لمن حضره ~~(4) ما جهله أكثر الناس من وجوب إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، ~~وبين ذلك بالأدلة (5) من الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمتها: من ~~تجريد العبادة لله تعالى، وترك عبادة ما يعبد من دونه، ونهاهم عن دعوة ~~الأموات ms109 والغائبين، وأخبرهم أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، ~~فعارضه ابن البكري المصري على حسب ما اعتاده من هذا الشرك وجهله بأنواع (6) ~~التوحيد، /وكتب في المعارضة كثيرا من الشبهات الفاسدة الباطلة، وقلب ~~الحقائق، مع سوء الفهم، وعدم العلم، فهجم على دين الإسلام فيما أبداه من ~~الشبهات والضلالات. PageV01P269 # وأخذها شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله – (1) فأجاب عنها بصريح المنقول ~~وصحيح المعقول، فردها ردا شافيا بالأدلة والبراهين، فصار علما لأهل ~~التوحيد، وحجة على أهل الشرك والتنديد. # فرأيت هذا العراقي – الذي نحن بصدد الرد عليه- قد تلقى كثيرا من تلك ~~الشبهات والخيالات والأباطيل والترهات، فرأيت أن أكتب في آخر الرد جملا من ~~كلام شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى (2) -وإن كان فيه نوع تكرار، مع ما ~~قدمناه له، فإنه يشتمل على مزيد فائدة، فإن الحاجة إليه ماسة، والمنفعة به ~~عظيمة، والمكرر أحلى؛ لما فيه من الرد على كل ملحد ومبطل ومعاند، فرحم الله ~~ذلك الشيخ، فلقد صارت كتبه سلاحا للموحدين، وحجة على جميع المبطلين. # قال رحمه الله تعالى (3) : # (الوجه الخامس: أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب ~~والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي ~~لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت # أو غائب من البشر، بنبي أو غير نبي، كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر ~~والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى (4) ؟ ومن الذي شرع ذلك ~~وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ ~~PageV01P270 # فإن المقام يحتاج إلى مقدمتين: # إحداهما (1) : أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلاالله. # والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة، لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان ~~سببا كونيا يجوز تعاطيه، فإن [قتل] (2) المسافر قد يكون سفره (3) سببا لأخذ ~~ماله، وكلاهما-أي المقدمتين – محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سببا ~~لمال يعطونه وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببا لمال (4) يؤخذ من المشهود ms110 ~~له، وهو حرام، كثير من الفواحش والظلم قد يكون سببا لنيل مطالب وهو محرم،/ ~~والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب ~~والشياطين، وعبادة البشر، قد يكون سببا لبعض المطالب وهو محرم. فإن الله ~~تعالى حرم من الأسباب ما كانت (5) مفسدته راجحة على مصلحته، كالخمر والميسر ~~(6) ، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانا. # وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا، فإنهم مطالبون ~~بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا، أو ~~يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره، أو لم يكن عند قبره، وهم لا يقدرون ~~PageV01P271 # على ذلك، بل نقول: # في الوجه السادس: سؤال الميت والغائب: نبيا كان أو غيره: من المحرمات ~~المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله (1) ، ولا ~~فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة ~~المسلمين، وهذا [مما] (2) يعلم بالاضطرار من دين المسلمين (3) ، فإن أحدا ~~منهم ما كان يقول إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا ~~في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقول هؤلاء المشركون لمن يدعونهم من الموتى ~~والغائبين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ~~ولا بغيره من الأنبياء، لا عند (4) قبورهم، ولا إذا (5) بعدوا عنها، بل ولا ~~أقسموا بمخلوق على الله أصلا، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ~~ولا قبور (6) غير الأنبياء، ولا الصلاة عندها، وقد كره العلماء كمالك وغيره ~~أن يقف الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا ~~من البدع التي لم (7) يفعلها السلف. # وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، وقول بعضهم: ~~فلان يدعي عند قبره، وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة إلى PageV01P272 # الله فاستغث بي، أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع عند ~~(1) كثير من المتأخرين وأتباعهم، وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى ms111 ~~صورته، وربما قضى بعض حاجته، فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور /على ~~صورته، وأن هذا من كراماته، ولا يعلم (2) أن هذا من جنس ما يفعله (3) ~~الشياطين بعباد الأوثان، بحيث تتراءى (4) أحيانا لمن يعبدونها، تخاطبهم ~~ببعض الأمور الغائبة، وتقضي لهم بعض الطلبات؛ ولكن هذه الأمور كلها بدع ~~محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على ~~القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث (5) في ~~الإسلام، لم يكن (6) شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا" (7) قالت عائشة: "ولولا ذلك ~~أبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا"، وثبت في الصحيح عنه أنه قال، قبل أن ~~يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (8) . PageV01P273 # وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه (1) -: "لما أجدبوا ~~استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" (2) فلم يذهبوا إلى ~~القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، وتوسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان توسلهم به توسلهم بدعائه، كالإمام مع ~~المأموم، وهذا تعذر بموته. # فأما قول القائل، عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان، ~~[أو بجاه فلان] (3) أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا عن أصحابه، ولا (4) عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه ~~لا يجوز، ونقل بعضهم جوازه. # قلت: لكن بغير مستند، فكيف يقول (5) القائل للميت: إني أستغيث بك، أو ~~أستجير بك، أو أنا في حسبك، أو أسأل لي الله، ونحو ذلك. # فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قدر أن له تأثيرا، فكيف إذا لم ~~يكن له تأثير صالح، بل مفسدته راجحة على مصلحته: كأمثال (6) من دعا ms112 غير ~~الله؟ # وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت من تتمثل (7) لهم ~~PageV01P274 # الشياطين، وربما كانت [على] (1) صورة الغائب، وربما كلمته، وربما قضت /له ~~أحيانا بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام، وهذا مما جرى لغير واحد، ~~فينبغي أن يعرف هذا. ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه أعظم مما يؤذيه ~~لو كان حيا، وربما قضيت (2) حاجته مع ذم تلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحيانا فيعطيه، ويقول: "إن أحدكم يسألني المسألة فيخرج ~~بها يتأبطها نارا" (3) ، وقال PageV01P275 # صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا" (1) ، وقال: "اللهم لا تجعل ~~قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (2) ~~الحديث. قال غير واحد من السلف في قول الله (3) : {وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا} (4) الآية "هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد ~~فعبدوهم" (5) ؛ ولهذا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يتخذون قبور ~~الأنبياء [والصالحين] (6) مساجد. # وهذا مما تقدم في أول الجواب، والمكرر أحلى. # إلى أن قال رحمه الله تعالى (7) : # الوجه الثاني: أن يقال: التحقيق في هذا الباب إن (8) كان المنفى لا يصلح، ~~لمخلوق فذكره الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام، فهذا من أحسن ~~الكلام، كما يقال: لا يجوز العبادة إلا لله تعالى، لا لملك مقرب، ولا لنبي ~~مرسل، فينبه (9) بنفيها عن الأعلى عن انتفائها عمن هو (10) دونهم بطريق ~~الأولى PageV01P276 # وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن (1) قد حصل فيه غلو، كما يقال: ليس في ~~الصحابة معصوم لا علي ولا غيره، وليس في النبيين إله لا المسيح ولا غيره، ~~فهذا حسن (2) ، ومنه قوله تعالى (3) : {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} (4) (6 تنبيها بذلك ~~[على] (5) أن من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم شيئا6) (6) {ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ms113 الله} إلى قوله: ~~{سبحانه وتعالى عما يشركون} (7) . # وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا. ~~لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} (8) الآية. / ~~PageV01P277 # (2 فإنه لما كان الكلام في إثبات توحيد الله تعالى، والنهي عن (1) الغلو ~~في الدين فيه تشبيه المخلوق بالخالق قال: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون} 2) (2) ، وأبلغ من هذا قوله تعالى (3) : {لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن ~~أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} (4) فخص المسيح ~~وأمه بالذكر (5) ؛ لأن المسيح وأمه اتخذا إلهين فكان التخصيص بالذكر؛ لنفي ~~الشرك والغلو الذي وقع في المسيح وأمه، ولم يكن ذلك من باب التنقيص للمسيح ~~وأمه. # وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله} إلى قوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (6) فتخصيص ~~الأنبياء والملائكة (7) بالذكر تنبيه على من دونهم. # ومنه قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} إلى ~~قوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون. ومن يقل PageV01P278 # منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} (1) فذكر هذا ~~الوعيد في الملائكة تنبيها على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، ~~لا ملك ولا غيره، وأنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه ~~جهنم، فكيف من دونهم؟ وهذا التخصيص لإفراد الله بالإلهية. # ومنه قوله تعالى: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم. ذلك هدى الله يهدي به من ms114 يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعملون} (2) ، والأنبياء معصومون من الشرك، لكن (3) المقصود بيان ~~أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟ # وكذلك قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين} (4) مع أن الشرك منه (5) ممتنع، لكن بين بذلك أنه إذا قدر وجوده ~~كان مستلزما لحبوط عمل (6) المشرك وخسرانه/ كائنا من كان، وخوطب بذلك أفضل ~~الخلق لبيان عظم [هذا] (7) الذنب، لا لحط قدر المخاطب، كما قال تعالى: {ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين} (8) . # ليبين أنه ينتقم ممن يكذب بالرسالة كائنا من كان، وأنه لو قدر أنه ~~PageV01P279 # غير الرسالة لا نتقم منه، وهذا باب واسع. فمن (1) غلا في طائفة من الناس، ~~فإنه يذكر له من هو أعلى منه، ويبين أنه لا يجوز هذا الغلو فيه، فكيف يجوز ~~الغلو في الأدنى، كما قال بعض الشيعة لبعض شيوخ أهل (2) السنة: نقول إن ~~مولانا أمير المؤمنين عليا كان معصوما، فقال: أبو بكر وعمر: عندنا أفضل ~~منه، وما كانا معصومين. # وكما يقال لمن يعظم شيخه أو أميره، بأنه يطاع في كل شيء، وأنه لا ينبغي ~~مخالفته: أبو بكر الصديق (3) أفضل منه، وقد قال: "أطيعوني ما أطعت الله، ~~فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، إنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن أحسنت ~~فأعينوني وإن زغت فقوموني" (4) (5) . # وكما إذا ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم، لاعتقاده أن ذلك نقص ~~فيهم، وأنهم قادرون على دفع كل أذى؛ فيقال: أفضل الخلق محمد صلى الله عليه ~~وسلم قد أوذي وعودي، وقد جرح يوم أحد، وذلك كرامة له من الله تعالى (6) ، ~~ليعظم أجره، ويزيده رفعة بالصبر على الأذى. # وكذلك لو حلف بشيخه، فقيل له: لا تحلف بغير الله، فمن حلف بغير الله فقد ~~أشرك. PageV01P280 # وكذلك إذا اعتقد معتقد في شيخه أنه يشفع (1) لمريديه، أو أنه راية في ~~الآخرة يدخل تحتها مريده الجنة، فيقال: [له] (2) : المرسلون أفضل منه؛ وسيد ~~ولد آدم صلى الله عليه ms115 وسلم إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله، ويحمد ربه ~~بمحامد فيقال له: "ارفع رأسك؛ وقل يسمع؛ وسل تعطه؛ واشفع تشفع، فيقول: يا ~~رب أمتي، # فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة" (3) فهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بعد ~~أن يؤذن له، بل يبدأ بالسجود لله والثناء عليه، ثم إذا أذن له في الشفاعة ~~وشفع حد له حدا، يدخلهم الجنة (4) . # فليست الشفاعة مطلقة في حقه؛ ولا يشفع إلا بإذن الله، فكيف يكون الشيخ ~~إذا (5) كانت له شفاعة؟ وكذلك إذا / قيل عن بعض الشيوخ: إن قبره ترياق ~~مجرب، فيقال له: إذا كانت قبور الأنبياء –عليهم السلام-ليست ترياقا مجربا؛ ~~فكيف تكون قبور الشيوخ ترياقا مجربا؟. # وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره، ويقسم به على الله؛ ~~ويعرف عنده عشية عرفة ونحو ذلك. قيل له: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~سيد الخلق لم يستق الصحابة –رضوان الله عليهم-عند قبره، ولا أقسموا به على ~~الله؛ ولا عرفوا عند قبره فكيف بغيره؟ PageV01P281 # وكذلك إذا قيل: إنه يسجد لقبر الشيخ أو يستلم ويقبل (1) ، قيل له: إذا ~~كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يسجد ولا يقبل باتفاق الأئمة، فكيف ~~بقبر غيره؟. # [وكذلك إذا قيل: الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلى فيه] (2) ~~احتراما له قيل له: إذا كان الصحابة –رضي الله عنهم-لم يصلوا في الموضع ~~الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، فكيف لا يصلى في موضع مصلى ~~غيره؛ وهو أحق بالاحترام من كل أحد؟ وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يدعى، ~~ويسأل، ويستغاث به، قيل: إذا كان الأنبياء بعد موتهم لا يدعون، ولا يسئلون؛ ~~ولا يستغاث بهم؛ فكيف بمن دونهم؟ وإذا قيل: يطلب من الشيخ كل شيء. قيل: ما ~~لا يقدر عليه إلا الله، لا يطلب من الأنبياء، فكيف يطلب ممن دونهم؟ # وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا ألفين (3) أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له ms116 رغاء؛ فيقول: يا ~~رسول الله أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله شيئا (4) -الحديث" ~~فقد أخبر أنه يستغيث به أهل الغلول يوم القيامة فلا يغيثه، بل يقول: "لا ~~أملك لكم من # الله شيئا" كما قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا، يا ~~صفة PageV01P282 # عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا عباس عم رسول الله لا أغني ~~عنك من الله شيئا (1) . # وحينئذ (2) فإذا قدر أن سائلا (3) سأل: هل يستغاث بميت من الأنبياء ~~والصالحين؟ فقيل [له] (4) : لا تستغيث بأحد منهم، لا نبي ولا غيره، أو قيل: ~~لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه (5) ؟، أو قيل: أفضل ~~الخلق لا يستغاث به، ونحو ذلك من/ العبارات التي يفهم منها (6) عموم النفي ~~(7) ؛ وأنه (8) ذكر الأفضل تحقيقا (9) للعموم: كان هذا من أحسن الكلام، كما ~~تقدم. # كما إذا قيل: لا يسجد لقبر؛ ولا يتمسح به ولا يقبل؛ ولا يتخذ وثنا يعبد ~~ونحو ذلك. # وكذلك لو كان الخطاب ابتداء في سياق التوحيد، ونفى خصائص الرب ~~PageV01P283 # عن العبد، وقيل: ما لا يقدر عليه إلا الله (1) لا يطلب إلا منه، لا من ~~نبي ولا غيره، وقيل: ما لا يستغاث فيها إلا بالله، لا يستغاث فيه بنبي ولا ~~غيره: كان حسنا. # فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ~~إلا الخالق. # وليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر (2) عليه إلا الله لا نبي ولا ~~غيره، وليس لأحد أن يسأل غير الله أو يستغيث به في شيء من الأشياء، سواء ~~كان نبيا أو غيره، وإذا كان كذلك، فكثير مما وقع هو من هذا الباب. وأما ~~قوله: فمن خص الرسول والملائكة بنفي خاص، يفهم منه طرح رتبهم، وعدم ~~صلاحيتهم للأسباب [فقد نقصهم بعبارته] (3) . # فيقال له: قولك: "خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم ~~للأسباب"لفظ مجمل، أتريد صلاحيتهم للأسباب التي أثبتها الله لهم، مثل عدم ~~صلاحية الملائكة للنزول بالوحي والعذاب، وعدم صلاحية الرسول لتبليغ (4) ~~رسالات الله، ms117 ونحو ذلك، مما أثبته الله لهم، أو عدم صلاحيتهم لما اختص الرب ~~(5) تبارك وتعالى به، مثل أن يطلب منهم الأمور التي لا يقدر عليها غيره، ~~وعدم صلاحيتهم لكونهم يسألون ويدعون بعد PageV01P284 # موتهم، أو يطلب منه كل ما يطلب من الله؟ فإن عنيت الأول (1) فقائله أعظم ~~جرما [من] (2) أن يقال: تنقصهم بعبارته (3) ، إذ قد يكون كافرا؛ مثل أن ~~يتضمن نفيه مثل جحد رسالة الرسول، أو جحد ما يدخل في الإيمان، من الإيمان ~~بالملائكة، ولكن ما نحن فيه ليس من هذا الباب. # وإن أردت الثاني، فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجيب ~~تنزيهه عنه، فضلا عن أن يجب نفيه [عنه] (4) فمن قال: لا إله إلا الله، لم ~~يكن قد تنقص (5) الملائكة والأنبياء بنفي الإلهية عنهم، ومن قال: إن # الأنبياء والملائكة ليسوا أربابا ولا آلهة، ولا يعبدون ولا يطلب منهم ما ~~لا يقدر عليه إلا الله، كان قد نفى عنهم ما يختص به الرب تبارك وتعالى [ولم ~~ينف عنهم الأسباب] (6) . # قلت (7) : وهذا النفي هو الذي خلقوا له، وهو دينهم الذي كانوا عليه وهو ~~الذي يرضيهم من أتباعهم، وهو كمال في حقهم كما قال تعالى: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله} (8) PageV01P285 # الآية ونظائرها (1) . # [قال شيخ الإسلام] (2) : وإنما (3) يكون نافيا للأسباب إذا قال: لا شفاعة ~~لهم، أو قال: إنه لا يتوسل/ إلى الله بالإيمان بهم ومحبتهم وطاعتهم، ولا ~~يتوسل إليه بدعائهم (4) ، فهذا باطل، بل كفر. # وأما من قال: إنه لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، أو قال: [إنه] ~~(5) لا يسأل بعد موته كما كان يسأل في حياته، فهذا قد أصاب، ومن قال: إنه ~~لا يقسم على الله بمخلوق، ولا يتوسل [بميت، ولا يسأل] (6) بذات مخلوق، فإن ~~الصحابة إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، ولما مات لم يتوسلوا بذاته، إذ لم ~~ينقل عن أحد من السلف أنه توسل إلى الله بميت في دعائه، ولا أقسم على الله ~~به (7) . # قال أبو ms118 حنيفة وأبو يوسف وغيرهما: أنه لا يجوز أن يقال: أسألك بحق ~~الأنبياء. # وكذلك قال أبو محمد بن عبد السلام: إنه لا يقسم عليه بحق الأنبياء، وتوقف ~~في نبينا لظنه أن في ذلك خبرا يخصه (8) ، وليس كذلك. PageV01P286 # وقد تنازع العلماء في القسم به (1) ، هل تنعقد به اليمين؟ على قولين: ~~أشهرهما: أنه لا تنعقد (2) به، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وأحد ~~القولين في مذهب أحمد. والثاني: تنعقد اليمين به، وهي الرواية الأخرى عن ~~أحمد، اختارها طائفة من أصحابه. # والصواب، ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين (3) بمخلوق لا النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولا غيره. ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة، فإن ~~الاستغاثة [به] (4) طلب منه لا طلب به، وهذا اعتقد جواز هذا بالإجماع (5) ، ~~وسماه استغاثة، فلزم جواز الاستغاثة به بعد موته بالإجماع، فجوز أن يتوسل ~~به في كل شيء. ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة، بل جعل الاستغاثة ~~الطلب منه أيضا فكان لا يميز بين هذا المعنى وهذا المعنى، بل يجوز عنده أن ~~يستغاث به في كل ما يستغاث الله (6) فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله ~~في طلب الغوث، وهذا ثابت عنده للصالحين، ولو كان هذا حقا لم يقل النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل" (7) ~~PageV01P287 # فدخل عليه الخطأ من وجوه: منها: أنه جعل المتوسل (1) به بعد موته بالدعاء ~~مستغيثا، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، [لا] (2) حقيقة ولا مجازا، مع ~~دعواه الإجماع على ذلك، فالمستغاث (3) به هو المسئول المطلوب منه، [لا] (4) ~~المسئول به. # والثاني: ظنه أن توسل الصحابة به (5) في حياته كان توسلا بذاته، لا ~~بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط (6) . # الثالث: أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، ~~وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته، فأخطأ في التسوية بين المحيا والممات، ~~وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء (7) ، لكنه موجود في كلام ms119 بعض الناس، ~~مثل الشيخ يحيى الصرصري في شعره قطعة منه، ومحمد بن النعمان كان له كتاب ~~"المستغيثين بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام". # /وهؤلاء ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم ~~في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس معهم (8) دليل شرعي ~~PageV01P288 # ولا نقل عن إمام (1) مرضي؛ بل عادة (2) جروا عليها، كما جرت عادة (3) ~~كثير (4) من الناس أن يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وهؤلاء ليس لهم ~~مستند شرعي من كتاب أوسنة، أو قول من الصحابة والأئمة، وليس عندهم إلا قول ~~طائفة من الشيوخ: إذا كانت لكم حاجة فاستغيثوا بي، وتعالوا إلى قبري، ونحو ~~ذلك مما فيه تصويب (5) لأصحابه بالاستغاثة به حيا وميتا، وإن كان له نوع من ~~العلم والعبادة. # فليس معهم بذلك حديث يروى، ولا نقل عن صحابي (6) ولا تابعي، ولا قول عن ~~إمام مرضي؛ ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما هم عليه ~~ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعباد الأصنام. # لكن هؤلاء كلهم ليس فيهم من يعد (7) نفي هذا، والنهي عنه، كفر إلا # مثل هذا الأحمق الضال الذي حاق به وبيل النكال، فإنه من غلاة أهل البدع ~~الذين يبتدعون القول، ويكفرون من خالفهم فيه، كالخوارج، والروافض، ~~والجهمية، فإن هذا القول الذي قاله لم يوافقه عليه أحد من المسلمين الأولين ~~والآخرين (8) ، وما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي (9) وغيره من ~~PageV01P289 # المخلوقين لا تجوز. # وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع، الذين يجمعون ~~بين الجهل والظلم، فيبتدعون (1) بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ~~ويكفرون من خالفهم في بدعتهم (2) ، كالحلولية، والمعطلة في الذات والصفات، ~~يكفر كثير منهم من خالفهم، والذين يقولون ليس كلامه إلا معنى واحدا قائما ~~بذاته: ومعنى التوراة والإنجيل واحد، والقرآن العزيز ليس هو كلامه؛ بل كلام ~~جبريل وغيره، فمنهم من يكفر من خالفه، ونظائر هذا متعددة. # وأما أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل ~~والرحمة، فيعلمون الحق الذي (3) يكونون به موافقين للسنة، / سالمين ms120 من ~~البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: {كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى} (4) ويرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون ~~الشر لهم ابتداء بل إذا (5) عاقبوهم، وبينوا خطأهم، وجلهم، وظلمهم كان ~~قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق، والأمر بالمعروف PageV01P290 # والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين (1) كله لله، وأن تكون (2) كلمة الله ~~هي العليا. # وقوله: إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته؛ لأنه عند الله ~~في مزيد دائم لا ينقص جاهه. فيقال (3) : إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب ~~منه، فما الدليل [على] (4) أن الطلب منه شيئا كالطلب منه حيا؟ وعلو درجته ~~بعد الموت لا يقتضي أن يسأل، كما لا يقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحدا أن ~~يذكر دليلا شرعيا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع ~~(5) ، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة، كما لا يجوز دعاء الملائكة ~~وإن [كان] (6) الله وكلهم بأعمال يعملونها؛ لما في ذلك من الشرك. # وهو يحتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك ~~محمد (7) نبي الرحمة". # وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: # أحدهما: أنه ليس هو استغاثة به (8) بل توجه به. PageV01P291 # والثاني: أنه (1) إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي صلى الله ~~عليه وسلم الدعاء، وقال في آخره "اللهم فشفعه في"فعلم أنه يشفع (2) له، ~~فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، ~~وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته. # وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين: على أنهم توسلوا (3) ~~بذاته، وأن ذلك يسمى استغاثة به (4) ، فلزم من ذلك (5) جواز ذلك بعد موته، ~~وفساد إحدى المقدمتين يبطل كلامه (6) ، فكيف إذا بطلتا؟ وما ذكره من توسل ~~آدم وحكاية المنصور، /فجوابها من وجهين: # أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك. # والثاني: أنه (7) لو دل لدل (8) على التوسل بذاته، لا على الاستغاثة به. # وأما فتح الكوة ms121 لينزل المطر، فهذا (9) أيضا باطل، كما تقدم التنبيه عليه، ~~ومع هذا فليس من هذا، وكذلك استسقاؤهم بدعائه ليس من هذا الباب. # وأما اشتكاء البعير إليه، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه (10) ، وما زال الناس ~~PageV01P292 # يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة، وقد قلنا أنه إذا طلب ~~منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والطلب منه في حياته والاستغاثة به ~~في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيه، فما ذكره لا يدل على مورد (1) ~~النزاع. # وأما قوله: ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل، وأجمع السلف والخلف على وجوب ~~(2) تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال (3) والأفعال. # فيقال: هذا حق لكنه كما قال علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] (4) : # (كلمة حق أريد بها باطل) (5) . # وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء وأمواتا، فقد آذاهم واعتدى ~~عليهم، فهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله، بل من سألهم ما لا يريدون ~~فعله حتى فعلوا (6) ما يكرهونه فهو مستحق للذم والمقت. # ومن ابتدع في دينهم ما لم يأذن به الله وما يخالف ما جاءوا به، لزم أن ~~يكون دينهم ناقصا، وأنهم أتوا بالباطل، وهذا مناقض بلا ريب لما يجب من ~~الإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومن خالف ما جاءوا به من توحيد الله، ~~وإفراده بالدعاء، فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقادا وقولا وعملا. # فإن أعظم ما دعوا إليه التوحيد، فالمخالف له (7) من أعظم الناس مخالفة ~~PageV01P293 # لهم، وقد بينا "بالصارم (1) المسلول"أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازما، ~~وكل أمة لا تصدق الرسل فلا تكون إلا مشركة، وكل مشرك فإنه مكذب للرسل، فمن ~~دخل فيه نوع من الشرك الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم، مخالف لموجب ~~رسالاتهم (2) . # وإن (3) كان كذلك فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل، ~~لو لم يرد ما يتضمن (4) النهي عنها، فكيف إذا علم أنه نهى عنها؟ # أما/ المقام الأول: فإنه لا يمكن أحدا أن يقول إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شرع لأمته أن يستغيثوا بميت ولا غيره، لا في (5) جلب منفعة، ms122 ولا دفع ~~مضرة (6) ، لا بهذا (7) اللفظ ولا بمعناه، فلا شرع لهم أن يدعوا ميتا ولا ~~يسألوه، ولا يدعو به (8) ، ولاأن (9) يستجيروا به ولا يدعوه؛ لا رغبة ولا ~~رهبة (10) ، ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك، أو أنا في جوارك، أو أنا أريد ~~أن تفعل كذا وكذا، ولا أن يخطو إلى قبر ميت خطوات، وأن يتوجه إلى جهة قبره ~~ويسأله، كما يفعل كثير من (11) PageV01P294 # النصارى وأشباه النصارى، من ضلال (1) هذه الأمة، بكثير من شيوخهم وغير ~~شيوخهم، ولا يشرع لأحد أن يقول لميت: سل لي الله أو ادع لي، ولا يشرع لهم ~~أن يشكوا إلى ميت، فيقول أحدهم مشتكيا إليه: علي دين، أو آذاني فلان، أو ~~(2) قد نزل بي العدو، أو أنا مريض، أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوي؛ سواء ~~كان هذا السائل عند قبر الميت، أو كان بعيدا منه، وسواء كان الميت نبيا أو ~~غيره، بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحد (3) حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح ~~فيدعو لنفسه، ظانا أن الدعاء عند قبره يجاب، ولا يشرع (4) لأمته أن يتوسلوا ~~إلى الله بذات نبي أصلا، بل ولا بذات حي، إلا أن يكون مما أمر الله به من ~~الإيمان به وطاعته أو بدعاء المتوسل وشفاعته، فأما إذا (5) لم يكن المتوسل ~~يتوسل بما أمر الله به، ولا بدعاء الداعي له، فليس هناك وسيلة شرعها الله ~~ورسوله، فإذا كان النبي (6) والرجل الصالح له (7) عند الله من الجاه، ~~والقدر، والحرمة، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهذا ~~لا ينتفع المتوسل به إلا بأحد وجهين: # إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به، ومحبته (8) ، ~~وطاعته، وموالاته، والصلاة عليه والسلام، ونحو ذلك: فهذه هي الوسيلة التي ~~أمر الله PageV01P295 # بها في قوله: {اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} (1) فالوسيلة تجمعها ~~طاعة الرسول، فكل وسيلة طاعة، وكل طاعة للرسول وسيلة: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} (2) ، {ومن يطع الله/ والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين ms123 والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} (3) . # والوجه الثاني: أن يدعو له الرسول، فهذه أيضا مما يتوسل به إلى الله ~~تعالى فإن دعاءه وشفاعته (4) عند الله من أعظم الوسائل. # فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل واجب أو مستحب، ولا الرسول دعا له، فليس في ~~عظم قدر الرسول ما ينفعه، ولكن بعض الناس الذين دخلوا في دين الصابئين ~~والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه، بل الرحمة ~~التي تفيض على الرسول تفيض على المستشفع، من غير شعور من الرسول، ولا دعاء ~~منه، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا (5 وقع على جسم صقيل ثم انعكس على ~~غيره فإن5) (5) الشمس إذا وضعت على ماء، أو مرآة، وانعكس شعاعها على حائط ~~أو غيره، حصل النور في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة. ~~قالوا: فهكذا (6) : الرحمة تفيض على النفوس الفاضلة، كنفوس الأنبياء ~~والصالحين، ثم تفيض بتوسطهم على PageV01P296 # نفوس المتعلقين بهم، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة، فكذلك ~~الفيض لابد فيه من وتوجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة. # وجعل هؤلاء الفائدة في زيارة القبور من هذا الوجه، وقالو: إن (1) الأرواح ~~المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرهما (2) . # وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم، كابن سينا وأبي حامد ~~وغيرهم. # وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام، وهي من [المقاييس ~~الفاسدة] (3) وهي من أقوال من قال: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف ~~في العالم (4) ، لا بكون الله هو يجيب الداعي، وهي مبنية على أن الله ليس ~~بفاعل مختار؛ يحدث الحوادث بمشيئته واختياره. # وقول هذا المفتري وأمثاله يجر (5) إلى مثل هذا، لكنهم لا يعرفون أصل ~~قولهم ولوازمه، إتباع لشيوخ لهم (6) نوع من علم ودين، وليس لهم خبرة بما ~~جاء به الرسول. # وعندهم تعظيم الأنبياء والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين، ~~يعظمونهم تعظيم ربوبية، من جهة ما يرجونه في حصول PageV01P297 # مطالبهم، لا يعظمونهم/ لكونهم رسل الله الذين أمر (1) بطاعتهم، فيجب أن ~~يطاعوا فيما أمروا به، (3 وأن يقتدي بهم فيما ms124 يشرع التأسي فيه بهم، بل هم ~~(2) يعرضون عن بعض طاعتهم، والتأسي بهم3) (3) ، ويقبلون على نوع من دعائهم، ~~وسؤالهم والإشراك بهم، وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة (4) الفلاسفة، ~~لكن الجميع فيهم شرك. # وهذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن ~~النفع والضر يحصل لهم بتوسطهم، كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس. # ونحن نقول: إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله، لكن ~~دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله، فليس من الوسائل، كذلك سؤال أحدهم ~~ما لا يقدر عليه إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وما ذكره هؤلاء يتضمن ~~عبادة غير الله. # المقام الثاني: أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل، فقد ثبت في الصحاح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: "لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" (5) ، وقال: ~~"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (6) . PageV01P298 # فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة؛ لكان قصدها ~~للدعاء (1) عندها مشروعا لم ينه أن يتخذ مسجدا، فإن اتخاذ القبور مساجد ~~يدخل فيه الصلاة وغيرها، ويدخل فيه بناء المساجد [عليها] (2) ، وكلاهما ~~منهي عنه، بل محرم كما صرح به غير واحد من العلماء، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعن من فعل ذلك تحذيرا، وهذا يقتضي توكيد التحريم، فإن الدعاء في ~~الصلاة أجوب منه في غيرها، كالدعاء في دبرها، / كما جاءت به السنة في ~~الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة، كذلك الدعاء عقب الصلاة، ~~وأفضل الدعاء دعاء (3) يوم عرفة، وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر، ~~والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر، والطواف يجري مجري الصلاة، ولهذا ~~يستحب الدعاء في آخره، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين الركنين ~~{ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب [النار] } (4) ، ~~والطواف PageV01P299 # تحية المسجد الحرام (1) ، وأما منى فعبادتها رمي الجمار، ولهذا يرجمونها ~~يوم النحر ثم ينحرون، فليس بمنى (2) صلاة عيد، بل رمي جمرة ms125 العقبة لهم ~~كصلاة العيد لغيرهم، وسائر الجمرات ترمى بعد الزوال، قبل صلاة الظهر، وفي ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما جعل السعي بين الصفا ~~والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (3) فلما كان هذا (4) من شعائر ~~الصلاة والطواف كان كالدعاء عندها مشروعا؛ كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله ~~عليه وسلم: "كان يدعو بين الجمرتين بقدر (5) سورة البقرة" (6) . ~~PageV01P300 # ففي الجملة: أحق البقاع بذكر الله فيها المساجد التي يصلى فيها، والمشاعر ~~التي [شرع الله] (1) فيها الذكر، وأمر أن يكون الدين خالصا له، كما قال ~~تعالى (2) : {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين. لا شريك له} (3) فإذا كانت (4) الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ~~ذلك مشروعا عند قبر، كما لا يذبح للميت ولا عند قبره، بل نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن (5) العقر (6) ، وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة، ~~فإنها شبه ما ذبح لغير الله. # فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها، لكانت إما من ~~المساجد، وإما من المشاعر [التي] (7) يحج إليها، وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا وهذا، بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد، وقال في الحديث ~~الذي PageV01P301 # رواه أبو داود وغيره: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث كنتم (1) ، فإن ~~صلاتكم/ تبلغني" (2) فنهى أن نتخذ (3) قبره عيدا، والعيد اسم للوقت والمكان ~~(4) الذي يعتاد الاجتماع (5) فيه. # وقد ثبت عن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] (6) أنه: "رأى رجالا ينتابون ~~مكانا يصلون فيه فقال (7) : ما هذا؟ قالوا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان ~~قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه (8) فليصل وإلا فليمض" (9) فقد نهاهم عن ~~اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد (10) . # وأما نقل عن ابن (11) عمر أنه كان يتحرى النزول في مكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم (12) ، PageV01P302 # فهذا أمر انفرد به ابن عمر ms126 –رضي الله عنه- (1) ، والخلفاء الراشدون (2) ~~من الأكابر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك، ~~وهم أفضل من ابن عمر وأعظم اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا ~~مستحبا لفعله هؤلاء. # وأيضا فلما فتح المسلمون تستر وجدوا فيه قبر (3) دانيال، وكان أهل البلد ~~يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: # "أن احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وادفنه بالليل في واحد منهما؛ لئلا يفتن ~~(4) به الناس فيستسقون به" (5) . # فهذه كانت سنة الصحابة رضوان الله عليهم. # ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين لهم بإحسان (6) ، على وجه الأرض ~~في ديار الإسلام مسجد (7) على قبر؛ ولا مشهد يزار، لا في الحجاز، ولا في ~~اليمن، ولا الشام، ولا مصر، والعراق، ولا خراسان. # وقد ذكر مالك –رحمه الله (8) – أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بدعة لم يفعلها الصحابة والتابعون، وقال: "لا يصلح آخر هذه ~~الأمة إلا ما أصلح أولها". PageV01P303 # وأما دعاء الميت، وسؤاله بلفظ الاستغاثة وغيرها، فهذا مما نهى عنه # القرآن، قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (1) . # وفي/ التفسير الصحيح عن مجاهد {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} قال: "عيسى ابن ~~مريم وعزير والملائكة" (2) . # وكذلك عن إبراهيم قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى: {أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} "هو عزير والمسيح والشمس والقمر". # وكذلك رواه شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: # "عيسى وأمه والعزير في هذه الآية" {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة} . # وروى قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن ابن (3) مسعود قال: "كان ~~قبائل من العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن يقولون: هم بنات ~~الله، فأنزل الله تبارك وتعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة} . # وفي رواية الزماني عن عبد الله بن ms127 عتبة بن مسعود عن عبد الله قال: "نزلت ~~PageV01P304 # في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فاسلم الجنيون (1) ، والأنس ~~الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت: {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} . # وكذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال (2) : الذين يدعون ~~الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا. قال: "وهؤلاء (3) الذين عبدوا الملائكة من # المشركين". # وكذلك ذكر (4) العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال: "يقولون: نعبد الملائكة ~~والمسيح وعزيرا". # وثبت أيضا في الصحيح للبخاري (5) عن ابن مسعود قال: "كان ناس يعبدون قوما ~~من الجن. فأسلم الجن، وبقي الأنس على كفرهم، فأنزل الله تعالى: {أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} يعني الجن" وهذا # معروف عن ابن مسعود من غير وجه. # وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدا لله؛ سواء ~~كان من الملائكة، أو من (6) الجن، أو [من] (7) البشر. PageV01P305 # والسلف –رض الله عنهم- في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع ~~التمثيل، كما/ يقول الترجمان لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفا، فيقول: هذا، ~~فالإشارة إلى نوع لا إلى عينه. فالآية خطاب لمن دعا من دون الله مدعوا، ~~وذلك المدعو يبتغي إلى ربهالوسيلة ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، وهذا (1) ~~موجود في الملائكة والجن والإنس. # والاستغاثة هي طلب كشف الشدة، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء ~~والصالحين، أو دعا الملائكة، أو دعا الجن، فقد دعا م لا يغيثه، وقد قال (2) ~~تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} (3) . # وقد نص الأئمة، كأحمد وغيره على (4) أنه لا يجوز الاستعاذة (5) بمخلوق، ~~وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا لأنه ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله التامات، من غضبه، وعقابه، [وشر ~~عباده] ، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" (6) . PageV01P306 # وقال (1) : "أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من ~~شر ms128 ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما ~~يلج في الأرض، وما يخرج منها، ومن شر فتن (2) الليل والنهار، ومن شر كل ~~طارق يطرق (3) إلا طارقا يطرق بخير يارحمن (4) ". PageV01P307 # قالوا: والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق، وقول القائل: "أعوذ بالله" معناه ~~أستجير بالله، فإذا لم يجز أن يستعاذ بمخلوق؛ لا نبي ولا غيره، فإنه لا ~~يجوز أن يقال أنت خير معاذ (1) يستعاذ به، بطريق الأولى والأحرى (2) ، كقول ~~القائل لمن مات من الأنبياء وغيرهم: بك استجير من كذا، وكذا كقوله: بك ~~أستعين، وقوله: بك أستغيث في معنى ذلك إذا كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها، ~~والمستعيذ بطلب منع المستعاذ منه أو رفعه، فإذا كان مخوفا طلب منعه؛ كقوله: ~~أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وإذا كان حاضرا طلب رفعه، كما في ~~الحديث الصحيح: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (3) فتعوذ من ~~شر الموجود، وشر المحاذر. # والداعي يطلب حصول (4) أحد شيئين: إما حصول منفعة، أو دفع مضرة، ~~فالاستعاذة (5) والاستجارة والاستغاثة # /كلها من نوع الطلب والدعاء. ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرتها، وأنها ~~كما قيل: "سفينة نوح من PageV01P308 # ركبها (1) نجا ومن تخلف عنها غرق" إن الذين خرجوا عن المشروع، زين لهم ~~الشيطان أعمالهم، حتى خرجوا إلى الشرك. # وطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت ويقول: اغفر لي ~~وارحمني. ومنهم من يستقبل (2) القبر، ويصلي إليه، مستدبر (3) الكعبة، ~~ويقول: القبر قبلة الخاصة والكعبة (4) قبلة العامة، وجمهور هؤلاء المشركين ~~يجدون عند (5) عبادة القبور من الرقة، والخشوع، والدعاء، وحضور القلب ما لا ~~يجده أحدهم في مساجد الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وآخرون ~~يحجون إلى القبور. # وطائفة صنفوا كتبا وسموها "مناسك حج المشاهد"، كما صنف محمد بن النعمان ~~الملقب بالمفيد، أحد شيوخ الإمامية كتابا في ذلك، وذكر فيه من الحكايات ~~المكذوبة عن أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل، وآخرون ~~يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموا ms129 (6) ذلك منسكا وحجا، والمعنى واحد. # ومن هؤلاء من يقول: حق النبي الذي تحج إليه المطايا، فيجعل الحج إلى ~~النبي لا إلى بيت الله عز وجل. PageV01P309 # وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصده قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~حج البيت) . # وذكر –رحمه الله-كثيرا من هؤلاء ما هو من جنس ما تقدم، وأعظم –إلى أن قال ~~(1) : (ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج، ~~ويقول أحد المريدين للآخر وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق: أتبيعني ~~زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ؛ فقال: لو بعت لكنت مغلوبا. # ومنهم من يقول: من طاف بقبر الشيخ سبعا كان حجة، وذكر عن أمثال هؤلاء ~~كثيرا من هذا الضرب) . # ثم قال: (وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا ~~على ملة إبراهيم إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد (2) الله الذين قال ~~الله فيهم: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} (3) [فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله] ~~(4) ، وعمار مساجد المقابر يخشون غير الله، ويرجون غير الله. # وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به كالنبي، فمن ~~الميت يطلب قضاء (5) الحاجات، وتفريج الكربات، وأما الحي فالحلال ~~PageV01P310 # ما أحله، والحرام ما حرمه، وكانوا في أنفسهم/ قد عزلوا الله عن أن يتخذوه ~~إلها، وعزلوا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن أن يتخذه رسولا. # وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام، أو التابع لهم الحسن الظن بهم، أو غيره ~~(1) يطلب من الشيخ الميت إما (2) دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه، أو غير ذلك، ~~فيدخل ذلك السادن فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول ~~لله، والله قد بعث رسولا للسلطان (3) فلان، فهل هذا إلا دين المشركين ~~والنصارى؟ وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني، ولا يروج ~~عليه. # ويأكلون من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين ms130 آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} (4) والله تعالى لم يذكر في كتابه ~~المشاهد، بل ذكر المساجد، قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} (5) ، قال تعالى: {ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} إلى قوله: {إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} (6) . PageV01P311 # لم (1) يذكر بيوت الشرك؛ كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار، ~~ولا ذكر بيوت الصائبة المشركين، كالذي يسمونه هيكل العلة الأولى، هيكل ~~العقل، هيكل النفس، (2 هيكل زحل2) (2) ، هيكل المشترى، هيكل المريخ، هيكل ~~الشمس، هيكل عطارد، هيكل الزهرة، هيكل القمر، فإن هذه البيوت ليس في أهلها ~~مؤمن، ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم: أنه لم ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر حسنها، وتصاوير فيها (3) ، ~~فقال: "أولئك (4) إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا ~~(5) فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (6) . # وفي الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي (7) علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: "ألا أبعثك (8) على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته (9) ، ولا تمثالا إلا طمسته" (10) . ~~PageV01P312 # إلى أن قال (1) : # (الوجه الرابع أن يقال: الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما ~~يستحقونه من التعظيم؛ دون الأمة الوسط أهل التوحيد، المتبعين لشريعة/الرسل. # وبيان ذلك بأمور: # منها أنهم يقولون: إن النصارى يعظمون المسيح، وكذلك الغالية في علي، أو ~~الأئمة (2) أو الشيوخ أو غيرهم، وهم في الحقيقة متنقصون لهم، فإن المسيح ~~عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأخبرهم أنه عبد الله؛ فهم ~~إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كما ~~في الصحيح عن النبي صلى الله ms131 عليه وسلم أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له ~~(3) من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص (4) من أجورهم شيء" (5) ~~وإذا غلوا فيه، واتخذوه ربا انقطع (6) العمل الصالح الذي كان يحصل بالتوحيد ~~والطاعة، وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم. PageV01P313 # وأما أهل الاستقامة (1) ، فهم إذا وحدوا الله وعبدوه (2) ، كما شرعته لهم ~~(3) الرسل، وأطاعوهم صاروا أولياء الله مستحقين لثوابه، وحصل للرسول الذي ~~دعاهم مثل أجورهم، وكان في هذا من التعظيم للرسول (4) ما ليس في طريق ~~الغلاة. # الثاني: أن الغلاة يحرمون ثواب الدعاء لمن كانوا يعبدونه من الأنبياء ~~والصالحين، فيشغلهم عن الدعاء لهم، فيحرمون ثواب ذلك. # الثالث: أن أهل (5) التوحيد والسنة يصدقون الرسل فيما أخبروا، ويطيعونهم ~~فيما أمروا، ويحفظون ما قالوا، ويفهمونه ويعملون به، وينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويجاهدون من خالفهم، تقربا إلى ~~الله، وطلبا للجزاء من الله لا منهم، وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما ~~أمروا به ونهوا عنه، ولا بين ما صح عنهم، ولا ما كذب عليهم (6) ، ولا ~~يفهمون حقيقة مرادهم، ولا يتحرون طاعتهم بل هم جهال لما أتوا به، معظمون ~~لأغراضهم، فالسدنة الذين هم (7) عند القبور ونحوهم: غرضهم تعظيم أنفسهم عند ~~الناس؛ وأخذ أموالهم بهم، فأي الفريقين أشد تعظيما؟ أولئك أو هؤلاء؟ ~~PageV01P314 # حتى إن بعض أصحابنا لما بلغه أني أنهي (1) عن ذلك صار عنده شبهة، قال ~~لبعض أصحابنا شرا: أنا (2) جربت إجابة الدعاء عند قبر (3) بالقرافة، فقال ~~له ذلك الرجل: أنا أذهب معك إليه، لأعرف قبر من هو، فذهبنا إليه فوجدا ~~مكتوبا عليه: / عبد علي، فعلموا أنه إما رافضي، وإما إسماعيلي، وكان بالبلد ~~جماعة كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله صالحون. # وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال أنه قبر كافر، كالمشهد الذي ~~بسفح جبل لبنان، فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك (4) ~~مشهد الحسين في القاهرة، وقبر أبي بن كعب بدمشق، اتفق العلماء أنه كذب. # وكثير من المشاهد عندها (5) شياطين تضل بسببها من تضل، ومنهم من ms132 يرى في ~~المنام شخصا يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته، أو بغير ~~صورته، كالشياطين الذين [يكونون (6) بالأصنام، وكالشياطين الذين] (7) ، ~~يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين) . # وذكر –رحمه الله تعالى-من هذا الضرب-إلى أن قال: (والمقصود أن هؤلاء بهم ~~الأمر أن يسووا بين الأنبياء والكفار، PageV01P315 # ويطلبون من هذا ما يطلبون من هذا، فأي الفريقين أشد تعظيما للأنبياء (1) ~~، هؤلاء [أو] (2) من يوجب تعظيمهم باتباع شريعتهم، ويفرق بين الحق الذي ~~جاؤا به وبين غيره، ولا ينزل أحدا منزلتهم، ولا يشبه بهم من ليس منهم، ولا ~~يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، فإن المبتدع من شرع دينا لم يأذن به ~~الله؛ لا من أمر بما أمر الله به ونهى عن ما نهى الله عنه. ومن أعظم ~~المبتدعين من جوز أن يستغاث بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه الله ~~عز وجل، بل [من] (3) جوز أن يسأل الميت، ويدعى على أي وجه كان، بل من حمل ~~ألفاظ الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم على التوسل، وجعل توسل الصحابة ~~به (4) هو توسلهم بذاته، أو الأقسام به على الله تعالى. # ومن أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفرا والشرك إيمانا، وكفر من هو (5) ~~أحق بالإيمان من طائفته، ونفى الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن ~~كفروه) . # /إلى أن قال: (الثالث: أن قول المجيب؛ ليس هو قوله وحده، بل هو قول جميع ~~أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فليس في (6) علماء المسلمين من يقول: إنه ~~يستغاث بمخلوق في كل ما يستغاث الله به، ولا من يقول إن الميت يستغاث ~~PageV01P316 # به، وما علمت إلى ساعتي هذه أحدا من علماء المسلمين الذين يستحقون ~~الإفتاء نازع في هذا، وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ~~ممن يرجع المسلمون إلى فتياه، فلهذا قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل ~~الفقيه، ولكن اسأله يصدقك) . # ثم قال رحمه الله تعالى (1) : # (فإذا قيل لا يعبد إلا الله، لا الأنبياء ولا غيرهم، ونحو ذلك، كان ذلك ~~(2) تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم، ms133 وتبيينا (3) أنه لا أحد أرفع منه من ~~الخلق، وخصائص الرب عز وجل منتفية عنه؛ فعن غيره بطريق الأولى، كقوله ~~تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون} (4) . وقوله تعالى (5) : {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله} (6) . وقوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} (7) ~~فإن الحاجة داعية إلى ذكر (8) المسيح، لوقوع النزاع (9) فيه. PageV01P317 # فلو (1) تنازع اثنان: هل يخص النبي (2صلى الله عليه وسلم2) (2) بالحلف ~~(3) به دون سائر الأنبياء؟ فقال أحدهما (4) : لا يحلف به؛ لم يكن هذا ~~تنقصا، بل هذا قول الجمهور، وهو الصواب. # وكذلك إذا تنازع اثنان، [هل يخص] (5) الاستغاثة به، أو بالإقسام على الله ~~به بعد موته، فقال أحدهما: لا يستغاث، ولا يقسم به، فليس هذا (6) من ~~خصائصه، لكان من هذا الباب. # قال أبو يزيد (7) : استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة الغريق بالغريق، ~~(8 وما قاله أبو يزيد رحمه الله تعالى8) (8) تلقاه الناس بالقبول، وقاله ~~بعده أبو عبد الله القرشي، قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة ~~المسجون بالمسجون، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا ~~سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" (9) ، وقوله لطائفة من أصحابه ~~(10) : "لا تسألوا الناس PageV01P318 # شيئا" (1) ومنه قوله تعالى: {وإلى ربك فارغب} (2) ، / ومنه قول (3) النبي ~~صلى الله عليه وسلم في وصف السبعين ألفا: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ~~ولا يتطيرون" (4) ، فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق. وقد تقدم أن دعواه ~~أن الميت هو عين المنفي في كلام الله ورسوله خطأ، بل ما نفاه الرب عن غيره ~~لم يثبته له، والمنفي عن المخلوق ما اختص الرب به. والمقصود أن كثيرا من ~~الضالين الجاهلين، يستغيثون بمن يحسنون به الظن من الأموات والغائبين، في ~~كل ما يستغاث الله فيه، ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم مطالبهم كلها (5) ، ~~ولا أكثرها (6) ، بل غاية ما يطلبونه منهم من جنس تحصيل المنافع ودفع ~~المضار لا يحصل، بل قد يحصل بعض المطالب، كما يحصل لعباد الأصنام، ~~والكواكب، وغيرهم من المشركين، ويكون [ما] (7) يخبرون به ms134 ويفعلونه شبهة ~~للمشركين، كما أن ما يخبر به الكاهن ونحوه، فإنه يصدق في واحدة ويكذب في ~~مائة. PageV01P319 # فهذا القول الذي يقوله هذا هو (1) مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين، ~~وهذا ليس يقوله مسلم، ولا عاقل يتصور ما يقول، بل هو من جنس قول النصارى: ~~دعاء المسيح دعاء الله (2) ؛ لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد، ~~وأما بدون هذا فهو كلام غير معقول، فإن الله تعالى أمر أن يدعى هو ويسأل ~~هو، ولم يجعل دعاء أحد المخلوقين دعاء له؛ بل قد نهى الله عن دعائه، ولو ~~كان هذا حقا لكان من دعى (3) الملائكة والأنبياء دعى (4) الله (5) ، فلا ~~يكون شركا) # قلت: فيلزم على (6) هذا أن من سجد للشمس يكون ساجدا لله، ويلزم على هذا ~~أيضا أن كل مشرك بعبادة غير الله عابدا لله، واللازم باطل، فيبطل الملزوم ~~(7) . # (والله قد جعلهم مشركين، قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب} (8) الآية. PageV01P320 # فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله سبحانه كالوكيل مع موكله، فإذا ~~طلب من الوكيل الدعاء (1) كانت المطالبة للموكل في المعنى، لكن هذا ليس من ~~أقوال الموحدين، بل هو من أعظم شرك الملحدين، والرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يضمن للخلق أن يرزقهم، ويحاسبهم، ولا يجيب (2) / دعاءهم، بل أخبر أن (3) ~~هذا كله لله وحده. # قال تعالى: {فإنما (4) عليك البلاغ وعلينا الحساب} (5) . # وقال تعالى (6) : {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي} (7) . # وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا (8) إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} (9) . وقال تعالى (10) : {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} (11) ~~. PageV01P321 # فبين تعالى أن التحسب بالله وحده، والرغبة إلى الله وحده، وأما (1) ~~الإيتاء فلله ms135 وللرسول؛ لأن الحلال ما حلله الرسول، والحرام ما حرمه الرسول، ~~كما قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (2) . # فالله تعالى قد جعل الرسول مبلغا كلامه الذي هو أمره ونهيه، ووعده ~~ووعيده، وهؤلاء يجعلون الرسل (3) والمشايخ يدبرون العالم، بالخلق، والرزق، ~~وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل النصارى تقول هذا في المسيح # وحده، لشبهة الاتحاد والحلول؛ ولهذا لم يقولوا هذا في إبراهيم وموسى ~~وغيرهم من الرسل، مع أنهم في غاية الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها ~~موسى أعظم) . إلى أن قال رحمه الله تعالى (4) : (فما الدليل على جواز ~~السؤال لله بذوات (5) المخلوقين مطلقا، أو بعد (6) موتهم؟، ومن قال هذا من ~~الصحابة، والتابعين لهم بإحسان؟ والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه ~~وشفاعته؛ ولهذا توسلوا بعده بالعباس، ولو كان التوسل بذاته ممكنا بعد موته ~~لم يعدلوا إلى العباس، والأعمى إنما توجه بدعائه وشفاعته، وكذلك الناس يوم ~~القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله، فهم يتوسلون بشفاعته؛ أما بمجرد ~~الذات بعد الممات فلا PageV01P322 # دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك، وقد نص ~~غير واحد من العلماء أن هذا لا يجوز، وإن نقل عن بعضهم جوازه، وقد قال ~~تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (1) . # وإن أراد بقوله: لا يكون وسيلة، أي: لا يكون الإيمان به، ومحبته، وطاعته، ~~وموالاته، واتباع سنته، والمجاهدة في دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله تعالى، ~~فهذا لم ينفه أحد، ونفى الاستغاثة به (2) لا ينفي هذه/الوسائل. قوله: وهذا ~~نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له صلى الله عليه وسلم. # فيقال له: لا نسلم أن هذا النفي لشيء من صفات الكمال، [بل] (3) ولا نفي ~~لشيء موجود، بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر. # ويقال أيضا: ليس كل (4) من نفى وصفا من أوصاف الكمال يكون كافرا، وقد قال ~~ابن عباس وطائفة: إنه رأى ربه، ونفى ذلك آخرون من الصحابة وغيرهم، بل نفس ~~المعراج قال الجمهور: إنه كان ببدنه، وآخرون من السلف والخلف قالوا: ms136 إنه ~~كان بروحه فقط، وقال أكثر المنتسبين إلى السنة: إن الأنبياء أفضل من ~~الملائكة، وآخرون قالوا: الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء إلى غير ذلك. # وقال بعض الغلاة: إنه كان يعلم علم الله؛ ويقدر قدرته، وكفر المسلمين من ~~قال ذلك. # وهذا باب واسع، فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات ~~PageV01P323 # الكمال، ولا يقول المثبت للنافي: إنك كفرت، فإن الكمال الثابت ليس محدودا ~~يعلمه الناس كلهم، والكمال المطلق الذي لا غاية فوقه لله تبارك وتعالى، وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: "كمل من الرجال كثير" ~~(1) وهؤلاء الكاملون بعضهم أكمل من بعض. # فإذا قال قائل: إذا كان الرسول الذي هو أفضل الخلق لا يضر ولا ينفع، فكيف ~~بمن دونه؟، ونحو ذلك، فهذا مثل (2) قوله: لا يضر ولا ينفع (3) إلا الله، ~~وهو نظير أن يقال: الرسول لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله، والمراد به (4) ~~بعد وفاته؛ كما قال تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا. قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا. إلا بلاغا من الله ورسالاته} ~~(5) ، فأخبر أنه لا يملك من الله لا ضرهم ولا رشدهم.:وقال تعالى: {ليس لك ~~من الأمر شيء} (6) ، وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: "يا فاطمة بنت محمد لا ~~أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا" ~~(7) ، فهذا تخصيص له بنفي ذلك، وهو الصادق PageV01P324 # ومن صدق الرسول فيما (1) قاله فهو مؤمن ليس بكافر. # فإذا قال قائل: الرسول (3 لا يغني عن بنته (2) 3) (3) ، ولا عمه، ولا ~~عمته من الله /شيئا، فكيف بمن دونهم؟، فهذا من أحسن الكلام وأصدقه. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في دبر كل صلاة يقول (4) : "اللهم لا ~~مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (5) وكان ~~يقول في رقيته: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك" ~~(6) . # وما يظنه المشركون (7) ، والغلاة من النصارى، ms137 وأشباههم أن الأنبياء ~~والصالحين بعد موتهم، أو في حياتهم ينزلون المطر، ويدفعون العدو، ويشفون ~~المرضى، ونحو ذلك من الحوادث، فهذا (8) معلوم البطلان، وهو # شرك عظيم، كما تقدم بيانه بالأدلة والبراهين، وقد قال تعالى: {وعلمك ما ~~لم PageV01P325 # تكن تعلم} (1) ، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} ~~(2) ، وقال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ~~وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (3) ، وقال تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} (4) ~~فهذا المعنى ليس بكفر، بل هو صحيح. # (6 وقد يكون في سياق أن الله هو المختص بكمال السمع والعلم، وأن غيره لا ~~يبلغ مبلغه (5) وهذا أيضا صحيح6) (6) ؛ ولهذا يقول المسلم لا ينفعني ولا ~~يضرني إلا الله، ويقول: لا يعلم ما في نفسي إلا الله، ولا يسمع كلام العباد ~~إلا الله، وأدلة هذا في القرآن كثيرة (7) ، كقوله: {إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء} (8) . # فإذا كان هذا (9) يدعي أن ما يدل على تجريد التوحيد من هذه الألفاظ سوء ~~عبارة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك كفر، فسوء العبارة في حق ~~الله أعظم PageV01P326 # كفرا، كقولهم: إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه بالخالق (1) ، ~~فهذا يشعر أنه جعل المخلوق ندا للخالق، وما يفهم الشرك كان من سوء (2) ~~العبارة، فيجب أن يكون كفرا يلزم هذا القائل، وقد قال رجل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله ~~وحده" (3) ، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (4) ، ومثل هذا كثير كقوله ~~تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين} (5) ، فمن جعل الرسول (6) صلى الله عليه وسلم يطلب منه الناس ما ~~يطلبونه من الله، فقد عصى الله ورسوله، وآذى الرسول، وأساء في حقه، وسلط ~~عليه العامة على اختلاف أغراضهم: هذا يطلب منه الولد؛ وهذا يطلب [منه] (7) ~~/ جارية ms138 حسنة؛ وهذا يشتكي إليه (8) ظهور البدع، فنزلوا المخلوق منزلة ~~الخالق، وطلبوا منه من جلب المنافع ودفع PageV01P327 # المضار ما لا يقدر عليه إلا الله. # فمن سلط الناس على الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون هذا كله منه، فهو من ~~أعظم الناس إساءة إليه. # ثم إنه إذا كان الكلام في توحيد الرب، ونفى خصائصه عما سواه لم يجز أن ~~يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة؛ فإن المقام ~~أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده (1) ، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريرا لهذا، كما في الصحيحين من حديث ~~الإفك: "لما نزلت براءة عائشة من السماء أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ~~والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي" (2) ، وفي رواية: ~~"نحمد الله ولا نحمدك" (3) ، فأقرها (4) النبي صلى الله عليه وسلم على هذا ~~الكلام الذي نفت به أن يحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يحمد إلا ~~الله؛ ولم PageV01P328 # يقل أحد هذا سوء أدب عليه وسوء الأدب عليه كفر. # قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله (1) الحافظ- وساق السند إلى حبان (2) ~~صاحب ابن المبارك-قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة: "بحمد الله لا ~~بحمدك، إني لأستعظم هذا القول، فقال عبد الله: ولت الحمد (3) أهله"، وكذلك ~~الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتي بأسير فقال: "اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد"، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "عرف الحق لأهله" (4) . # وأيما أبلغ؟ قول عائشة: "لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله"، وقول (5) ~~الأسير: "أتوب إلى الله لا إلى محمد"، وقول القائل: لا يستغاث بالرسول بل ~~PageV01P329 # بالله تعالى، أو (1) ما يدعى (2) الرسول وإنما يدعى الله تعالى (3) ، ~~ونحو ذلك؟ # وهذا الرجل لا تمييز له في أقوال الناس، وبيان حقها من باطلها، ولا له ~~معرفة بطرق الاستدلال ms139 فلا ذاكر (4) لكلام منقول، ولا مبين لمعنى مقبول (5) ~~، ولا أثر منقول (6) . # العلم شيئان: إما نقل مصدق، وإما بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق، ~~وكثير من كلام هؤلاء فهو (7) من الهذيان، وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا ~~يميز صحيحه من فاسده، وفيه ما لا ينقله على وجهه، ومنه ما لا /يضعه (8) في ~~غير موضعه، ولا يحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل، ولهذا كان ~~أصول الفقه مقصودها معرفة الأدلة الشرعية، وقد قيل إن ما يفسد الناس نصف ~~متكلم؛ ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان (9) ، وهذا يفسد ~~البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان، لاسيما إذا خاض هذا في ~~المسألة التي لم يسبقه إليها عالم، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء، ~~فيختار أحد القولين؛ بل يهجم على ما يخالف دين الإسلام بالضرورة. ~~PageV01P330 # وقد علم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا ~~الأنبياء، ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ (1) الاستغاثة، ولا بلفظ (2) ~~الاستعانة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت ~~ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه ~~الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من ~~المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، (3 حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم3) (3) ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لم يعرف أصل الإسلام ~~إلا تفطن، وقال: هذا أصل دين الإسلام. # وكان بعض الأكابر العارفين يقول: هذا أعظم من بينته لنا، لعلمه أن هذا ~~أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدعون الأموات ويسألونهم، ~~ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، فيدعونهم دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم ~~بدعائه أو بالدعاء به) (4) . # وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وهو الظلم المذكور في قوله ~~تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} (5) . قالوا: "يا رسول الله، ~~وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنما هو الشرك، ألم ms140 تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ~~إن الشرك لظلم عظيم" (6) وهذا الذنب العظيم الذي هو أعظم ذنب عصى الله به، ~~PageV01P331 # فمن فعله ولم يتب منه ارتفع الأمن والاهتداء في حقه؛ فلم يبق له أمن ولا ~~اهتداء، وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة على النهي عنه، والوعيد عليه (1) ~~بالنار. # وقد تقدم من الأدلة على ذلك ما يكفي ويشفي لمن أراد الله هدايته، ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور. # ولنختم الجواب بآيتين عظيمتين: # الأولى: قوله تعالى (2) : {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي ~~عزيز} (3) . # حقيق على كل عبد أن يستمع/ لهذا المثل؛ ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد ~~الشرك من قبله. # وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما ~~يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لا (4) تقدر على خلق ذباب، ~~ولو اجتمعوا (5) كلهم على خلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون ~~PageV01P332 # على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه، فلا هم ~~قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان ولا على الانتصار منه، ~~واسترجاع ما سبلهم. # فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون ~~الله؟ ‍‍‍ # وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه وتعالى (1) في بطلان الشرك، ~~وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم؛ وأن الشيطان قد تلاعب بهم مثل (2) تلاعب ~~الصبيان بالكرة. # كيف أعطوا الإلهية التي من بعض لوازم القدرة على جميع المقدورات، ~~والإحاطة بجميع المعلومات، والغني عن جميع المخلوقات؟ وأن يعمدوا (3) إلى ~~الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات؟ ~~فأعطوها صورا وتماثيل تمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإله الحق، ~~وأذلها، وأصغرها، وأحقرها، ولو اجتمعوا على الذباب، وتعاونوا عليه لدل ذلك ~~على عجزهم، وانتفاء آلهتهم، ثم سوى بين ms141 العابد والمعبود في الضعف والعجز، ~~بقوله: {ضعف الطالب والمطلوب} (4) قيل: الطالب العابد، والمطلوب المعبود، ~~فهو عاجز متعلق بعاجز. # فمن جعل هذا إلها مع القوي العزيز؛ فما قدره حق قدره، ولا عرفه حق ~~معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه) (5) انتهى. PageV01P333 # وتأمل قول الله تعالى: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون. وألقوا ~~إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون} (1) ، فرجع الأمر يوم ~~القيامة إلى أن كل معبود ينكر عبادة من عبده، ويكذبه فيما قصده. # فرحم الله هذا الشيخ فلقد أتى بما يشفي العليل، ويروي الغليل، ويهدي ~~ببيانه وكشفه إلى سواء السبيل. PageV01P334 ### | خاتمة # تقدم في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما يكفي ويشفي في الرد على من ~~غلا في الدين، وأشرك مع الله في ربوبيته وإلهيته، ونزل (1) المخلوق منزلة ~~الخالق، والعبد منزلة المعبود، والمربوب منزلة الرب العظيم، الذي له الأمر ~~كله، وله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر ~~كله، فعظم هؤلاء المشركون (2) المخلوق بما نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعظم به أحد غير الله، وسد الذرائع الموصلة إلى هذا الشرك بقوله ~~صلى الله عليه وسلم لمن/ قال له: # "أنت سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا" قال: "قولوا بقولكم، أو بعض ~~قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ~~ترفعوني فوق منزلتي التي (3) أنزلني الله" (4) ، وقال: "لا تطروني كما أطرت ~~PageV01P335 # النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (1) ، وقال: ~~"إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل" (2) وأمثال هذا في السنة ~~كثير. # وكان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس (3) عبودية لله، وخضوعا، وتذللا، ~~ومحبة، وكلما كان العبد أعظم محبة لله (4) ، وعبودية، وتذللا فهو إلى سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أقرب، وبالعمل بالسنة أكمل. PageV01P336 # فأبي هؤلاء المشركون الناقصون المنقوصون إلا الوقوع في الغلو الذي أخبر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في ms142 النصارى، ونهى عنه أمته بقوله: ~~"إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (1) . # فصار في هؤلاء المجادلين في الدين شبه من النصارى في الغلو الذي نهى الله ~~عنه أهل الكتاب بقوله: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} (2) [الآيات] (3) . # وقوله تعالى (4) : {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} إلى قوله: {قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} (5) . # وهذا في سياق النهي عن عبادة المسيح وأمه عليهما السلام، كما في قوله ~~تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا} (6) ، وقد تقدم في (7) هذا أن المعني (8) بهذا عيسى، وأمه، ~~والعزير، والملائكة. # (1) سبق تخريجه. # (2) سورة النساء، الآية: 171وفي هامش (الأصل) زيادة قوله تعالى: {وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا ... ~~} الآية. # (3) ما بين المعقوفتين إضافة من: "م" و"ش". # (4) سقطت "تعالى": من "م" و"ش". # (5) سورة المائدة، الآيتان: 75و 76، وسقطت: "قل"من النسخة (الأصل) . # (6) سورة الإسراء، الآية: 56. # (7) في "ش": "أن هذا". # (8) في "م": "المعين". # PageV01P337 # ومقام الربوبية (1) والإلهية لله وحده لا يشركه فيه أحد من خلقه، وكل هذا ~~هو الذي (2) دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب. # ومعلوم أن الدعاء والاستغاثة من أعظم العبادات؛ ولا يجادل فيها إلا مماحل ~~مكابر معاند. # إذا عرفت ذلك فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بدأ الإسلام غريبا ~~(3) ، وسيعود غربيا كما بدأ، فطوبي للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس" ~~(4) ، وهم طائفة من ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة، كما في الحديث، ~~وستفترف هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة (5) ، وتقدم الحديث من أوله، وهم ~~أهل السنة والجماعة وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان: "وحتى تعبد ~~فئام من أمتي الأوثان" (6) . PageV01P338 # وقد ذكر العلماء –رحمهم/ الله (1) – أن (2) غربة الإسلام استحكمت في ~~القرن السادس وما بعده، حتى آل الأمر ms143 إلى أن ناسا (3) ممن يشار إليهم ~~بالعلم والفهم، قد وضعوا تصانيف في جواز الشرك في العباد، وغلطوا في مسمى ~~التوحيد، وظنوا أن الغاية في التوحيد هو ما أقر به مشركوا قريش والعرب ومن ~~بعدهم، كلهم أقروا بهذا التوحيد الذي (4 هو توحيد الربوبية الذي4) (4) ظن ~~من ظن أنه هو الغاية في التوحيد. # إذا تبين أن الإسلام عاد غريبا كما بدأ، كما أخبر به الصادق المصدوق ~~صلوات الله وسلامه عليه، قلنا جواب ما تقدم عما (5) أدعاه (6) هذا العراقي ~~من الإجماع على (7) الاستشفاع بالأموات والغائبين. # فنقول: نعم (8) أجمع على هذا الشرك، وما هو أعظم منه، الهمج الرعاع، ~~أتباع (9) كل ناعق، يميلون مع كل ريح (10) ، لم يستضيئوا بنور العلم ~~PageV01P339 # ولم يلجؤا إلى ركن وثيق، كما أخبر عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه (1) فيما رواه عنه كميل بن زياد وشبههم بالأنعام السائمة. # فليس إجماع هؤلاء حجة، وليسوا من أهل الإجماع الذي يحتج به في الأحكام؛ ~~لمخالفتهم (2) ما جاءت به الرسل من توحيد الله، وما بعث (3) به خاتم ~~النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم من النهي من الشرك، وقتال أهله واستحلال ~~دمائهم وأموالهم، (7 وخالفهم أتباع الرسل فعرفوا ما جهلوه (4) من التوحيد، ~~وأنكروا ما وقعوا فيه من الشرك، وهم الفرقة الناجية، والطائفة التي لا تزال ~~على الحق ظاهرة (5) ، وما أجتمع (6) عليه7) (7) [سلف] (8) [هذه] (9) الأمة ~~وأئمتها من إنكار الشرك، ومعادات أهله، وقتالهم، فإجماع الرسل، وأتباعهم من ~~سلف الأمة وأئمتها هو الإجماع الصحيح، وما خالفه فباطل لا يلتفت إليه، ولا ~~يحتج به ولو لم يخالف هذا الإجماع الذي ادعاه هذا المفتري إلا مصادمة ~~الوحيين، ومخالفته لما جاءت به الرسل من دين الله لكفى به بطلانا. ويبطل ~~أيضا- (ما ادعاه من الإجماع) (10) -ببقاء الفرقة الناجية التي أخبر ~~PageV01P340 # النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال على الحق إلى قيام الساعة (1) ، ~~فهم أتباع الرسل، وإجماعهم هو الحجة أيضا وإن كانوا هو الأقلون عددا، فهم ~~الأعظمون قدرا (2) عند الله؛ وأما الهمج الرعاع الذين اشتدت بهم غربة ~~الإسلام، ms144 الذين وقع فيهم من الشرك ما وقع (3) ، وإن كانوا الأكثر (4) عددا ~~فهم الأقلون قدرا عند الله؛ لظهور الشرك فيهم والبدع؛ كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "فطوبى للغرباء (5) /الذين يصلحون إذا فسد الناس" (6) ، ~~فسماهم غرباء لقلتهم، وقلة أتباعهم على الحق، كثرة معاديهم، كما قال ~~الشاطبي (7) . # وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... كقبض على جمر؟ فتنجو من البلاء # فكم من جاهل اغتر بما عليه الهمج الرعاع، وظن أن كثرتهم تدل على صحة ما ~~كانوا عليه من الشرك والبدع على اختلاف آرائهم ومذاهبهم، فالاحتجاج بهم، ~~والاقتداء بهم يشبه ما ذكره الله تعالى (8) عن المشركين بقولهم: {إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} (9) الآيتين. PageV01P341 # فما احتج به المشركون من أعداء الرسل، احتج به هؤلاء على ما أحدثه ~~الجاهلون، فما أشبه الليلة بالبارحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" ~~(1) ، وفي رواية: "شبرا بشبر وذراعا بذراع"، وفي رواية: " [حتى] (2) لو كان ~~فيهم من أتى (3) أمه علانية، لكان في أمتي من يفعل ذلك" (4) فوقع ما أخبر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم، PageV01P342 # وصار علما من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "افترقت اليهود ~~على إحدى وسبعين فرقة؛ وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه ~~الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". قالوا من (1) هي يا ~~رسول الله؟ # قال: "ما كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (2) . # وفي (3) الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما هلك ~~من كان PageV01P343 # قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" (1) . PageV01P346 # وهذا الذي ذكره هذا العراقي من أن الاستشفاع بالأموات مجمع عليه، ليس في ~~شريعة أحد من الأنبياء جوازه، وأما شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ففي ~~الكتاب وفي السنة (1) من النهي عن ذلك، وأنه هو الشرك الذي كان يفعله أهل ~~الجاهلية ومن قبلهم من الأمم المكذبة للرسل. # ومما يدل على فساد هذا الإجماع الذي ms145 حكاه ما رواه الدارمي في مسنده: # قال حدثنا سعيد (2) بن منصور حدثنا أبو عوانة عن بيان هو [ابن] (3) بشر ~~الأحمسي عن قيس عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يذهب الصالحون أسلافا؛ ويبقى حثالة كحثالة الشعير" (4) . # وقد أخبر العلماء –رحمهم الله تعالى-كالصرصري- كما تقدم في شعره، وغيره ~~من العلماء أن ذلك وقع في زمنهم، وهم كانوا في القرن السادس قبله وبعده: إن ~~الصالحين مضوا، وذهبوا، وبقيت الحثالة التي اشتدت بها غربة الإسلام؛ وعاد ~~المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا ~~الصغير؛ وهدم عليه الكبير؛ وهؤلاء هم الذين ذكر/ العراقي إجماعهم، وبهم ~~اشتدت غربة الإسلام. # وبهذا يحصل الجواب عما ذكره هذا العراقي: أن فلانا وفلانا شرحوا البردة، ~~وهؤلاء كلهم ليسوا من أهل العلم، ولا من أهل السنة، وإن كان لهم درايات (5) ~~في علم المعقول، فليسوا من أهله. PageV01P347 # وقد أخطأ في هذا الأمر أناس لهم ذكاء ومصنفات، ظهر فيها خطؤهم، كالفخر ~~الرازي، وأبي معشر البلخي، وابن الأخنائي، وابن البكري، والمفيد (2 محمد ~~ابن النعمان ذكره (1) شيخ الإسلام2) (2) ، وقبلهم الغزالي وغيره من أكثر ~~المتكلمين، كأبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والآمدي، وغيرهم من ~~المتكلمين. # وقد اشتدت بهم غربة الإسلام لإعراضهم عن الوحيين، كما لا يخفى على من عرف ~~أحوالهم، وما ذكروه في مصنفاتهم، وخالفوا أهل السنة في توحيد الأسماء ~~والصفات، وأيضا فإذا كان (3الخطاء في أمر3) (3) التوحيد الذي بعث الله به ~~رسله، وأنزل به كتبه قد أخطأ في معرفته من هو أفضل من هؤلاء المتأخرين، ~~الذين هم حثالة الحثالة، فكيف يحتج بهم؟ وقد قال ابن عباس: # "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال الأئمة ~~كذلك، فلا حجة في قول أحد ولا فعله ممن يجوز عليه الخطأ، فكيف إذا تبين ~~خطأه، ومخالفته للكتاب والسنة في هذا الأصل العظيم؟. # فمن تتبع ما ذكره هذا العراقي لم يجد فيه كلمة تقوم بها حجة، بل ما ذكره ~~مردود بصريح القرآن والسنة وما عليه سلف الأمة ms146 وأئمتها، وكل من خالف الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف الصالح-وهم الذين إجماعهم حجة –فقوله مردود عليه في أي ~~مسألة كانت، فكيف إذا كان في أصل دين الإسلام الذي بعث الله به المرسلين؛ ~~وأظهر براهينه في كتابه المبين، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~الصادق الأمين. PageV01P348 # فما أشبه هذا المجادل المماحل بمن قال الله فيهم: {إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع البصير} (1) ، وقال تعالى: {فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} (2) . # فيا خيبة من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، واتبع الأغلوطات والشطحات. ~~PageV01P349 ### | تتمة # قال أبو جعفر بن جرير –رحمه الله تعالى- في تفسير قوله الله (1) تعالى: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (2) قال: (وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها ~~الناس في هاتين الآيتين، من قوله {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} (3) ~~وأمركم بالوفاء به هو صراطه/يعني طريقه، ودينه الذي ارتضاه لعباده مستقيما، ~~يعني قويما لا اعوجاج به عن الحق {فاتبعوه} يقول (4) : فأعملوا به. واجعلوه ~~لأنفسكم منهجا (5) تسلكونه {ولا تتبعوا السبل} يعني لا تسلكوا طريقا سواه، ~~ولا تركبوا منهاجا (6) غيره، ولا تتبعوا دينا خلافه: من اليهودية ~~والنصرانية والمجوسية، وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل (7) ، فإنها بدع ~~وضلالات {فتفرق بكم عن سبيله} [يقول] (8) : فتشتت بكم إن اتبعتم السبل ~~المحدثة، التي ليست لله بسبل (9) ، ولا طرق ولا أديان. PageV01P351 # {عن سبيله} يعني: طريقه، ودينه الذي شرعه لكم، وارتضاه (1) ، وهو الإسلام ~~الذي وصى به الأنبياء، وأمر به (2) الأمم قبلكم {ذلكم وصاكم به} يقول تعالى ~~ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم [من قوله: {وأن هذا صراطي مستقيما] فاتبعوه ~~(3) ولا تتبعوا السبل} [وصاكم به] (4) {لعلكم تتقون} يقول: لتتقوا الله في ~~أنفسكم فلا تهلكوها، وتحذروا (5) ربكم فيها. فلا تسخطوه [عليها] (6) ، فتحل ~~بكم نقمته وعذابه. # وذكر عن مجاهد: أن السبل هي البدع والشهوات، وذكره (7) عن ابن ms147 أبي نجيح، ~~وعن ابن عباس: "ولا تتبعوا (8) الضلالات". # ثم قال: حدثنا المثنى (9) حدثنا (10) الحماني (11) قال: حدثنا حماد عن ~~عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، يعني ابن مسعود قال: "خط لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطا، فقال: "هذا سبيل الله"؛ ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن ~~شماله خطوطا فقال: "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها"، ثم قرأ ~~هذه PageV01P352 # الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله} (1) . # وذكر بالإسناد عن ابن زيد قال: "سبيله: الإسلام، وصراطه الإسلام، نهاهم ~~(2) أن يتبعوا السبل سواه، فتفرق بكم عن سبيله عن الإسلام". # وبسنده أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: "تركنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم في (3) أدناه وطرفه في الجنة؛ وعن يمينه جواد، وعن ~~يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى ~~النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما} الآية) انتهى (4) . # فتأمل هذه الآيات، وما دلت عليه، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~من اتباع السبل، والخروج بها عن الصراط المستقيم. # ومن تدبر أحوال الأمة بعد القرون الثلاثة علم أن السبل تفرقت بالأكثر (5) ~~من هذه الأمة وتشعبت بهم، حتى (6) إن منها ما وقع في القرن الأول والثاني ~~والثالث، لكن (7) الإسلام في هذه الثلاثة أظهر؛ وأهل السنة والجماعة فيها ~~PageV01P353 # /أكثر؛ وهم للبدعة (1) أنكر، ولأهلها أهجر، كبدعة الخوارج والرافضة ~~والجهمية، يعرف ذلك من له اطلاع على ما ذكره أهل السير والتاريخ وغيرهم من ~~أهل الحديث والتفسير. # فإذا كانت مبادئ هذه الأمور قد وقعت في القرن الثلاثة، ففي ما بعدها ~~أعظم، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ~~ويفعلون ما لا يؤمرون" (2) الحديث، والواقع يشهد لذلك، كما في حديث أنس: ~~"لا يأتي PageV01P354 # على الناس ms148 (1) زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم سمعته من ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم" (2) . # وقد علم ما آلت إليه (3) تلك السبل بكثير من الأمة، حتى عاد المعروف ~~منكرا؛ والمنكر معروفا، فنشأ (4) على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير. # وقد حفظ الله على الأمة دين نبيها محمد (5) صلى الله عليه وسلم، وشرعه ~~الذي بعث (6) به، بطائفة الحق، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~بعد إخباره بما يقع من الأمة: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا ~~يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم (7) حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك" (8) . ~~PageV01P355 # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق لا يزال (1) في طائفة من ثلاثة وسبعين ~~فرقة، كلها من هذه الأمة، وكل هذه الفرق قد وجدت، كما أخبر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما صح عنه من طرق معروفة، وكلها في النار إلا فرقة أهل ~~السنة؛ وهي الفرقة الناجية، وذلك علم (2) من أعلام نبوته صلى الله عليه ~~وسلم، كما ترى ذلك في أكثر من ينتسب إلى الإسلام، وقد خرجوا من الإسلام ~~رأسا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- في هذا الضرب: ~~"اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح (3) -وفي لفظ مع كل صاح – لم يستضيئوا ~~بنور العلم، ولم يلجؤا إلى ركن وثيق" (4) أي من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء ~~دعاهم إلى هدى أو ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحق هو أم باطل؟ ~~فهم مستجيبون (5) ، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عددا ~~الأقلون عند الله قدرا، وهم حطب كل فتنة؛ بهم توقد ويشب ضرامها، فإنها ~~تعتزلها أولوا الدين ويتولاها الهمج الرعاع. # قال (6) ابن القيم رحمه الله تعالى: # (فما سلم من الأمة إلا من سلم له دينه، وقوى إيمانه ويقينه، من المتمسكين ~~بالكتاب والسنة، المتبعين (7) للحق، الداعين إليه، وهم الأقلون PageV01P356 # عددا الأعظمون عند الله قدرا، فمن (1) كان كذلك فما أعطى أحد نعمة/ أعظم ~~مما أعطى، فلا سلامة للعبد إلا ms149 بالعلم، والعمل به (2) ، وهو معرفة الهدى ~~بدليله) . # نسأل الله (3) الثبات والاستقامة على الإيمان الذي هو مركب الأمان، وعلى ~~الإسلام الذي هو مركب السلامة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ~~(4) . # ولا يخفى أنه قد حدث في أواخر القرون المفضلة دول شرعوا في (5) الدين ما ~~لم يأذن به الله وألحدوا، وبدلوا التوحيد بالشرك، والسنة بالبدعة. # فمنها دولة الروافض في المشرق، ودولة القرامطة، ودولة بني عبيد القداح في ~~مصر والمغرب وظهرت فيها الإسماعيلية والنصيرية (6) . # وكل هذه الدول أظهروا من الشرك ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، كما بين ~~ذلك أهل السير والتاريخ (7) ، من علماء المسلمين، وظهرت فيها الفلاسفة، ~~وألقوا من الشبهات ما تلقوه عن الصائبة والمشركين، فاشتدت غربة الإسلام بما ~~أظهره هؤلاء من البدع والشرك. PageV01P357 # وأما أهل الكلام ممن ينتسب إلى السنة، فاختلفت أقوالهم، وتشتت آراؤهم ~~وصنفوا كتب الكلام، وفيها من الانحراف عن التوحيد ما لا يخفى على من له ~~معرفة بالسنة، فاستحكمت الغربة، وبنيت المساجد على القبور، وحدث من البدع ~~والشرك (1) بأهل القبور (2) ما لا يخفى على من له عقل ودين، واتخذوا ذلك ~~دينا وقربة، وزعم أكثر هؤلاء أن الغلو في الأنبياء والصالحين وعبادتهم هو ~~الدين الذي يحبه الله ويرضاه، واشتد تكفيرهم (3) على من دعاهم إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له، وترك ما كانوا عليه من الشرك الذي لا يغفره # الله. # كل (4) العداوة قد (5) ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين # وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة تأخذ مأخذ ~~القرون (6) قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وأخبر أنهم فارس والروم، وفي ~~حديث آخر: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة (7) ، حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن". # وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما قدمنا الإشارة إليه ~~وأعظم، وقد أخبر PageV01P358 # علماء [أهل] (1) السنة من المتقدمين والمتوسطين أن هذه الأمور التي أخبر ~~بها الصادق المصدوق قد وقعت في تلك القرون المتقدمة، ms150 وقد قال عبد الله بن ~~المبارك رحمه الله تعالى: # وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها # وباعوا النفوس ولم يربحوا ... /ولم يغل في البيع أثمانها # لقد رتع القوم في جيفة ... يبين (2) لذي العقل (3) إنتانها # وفي حديث علي بن أبي طالب المتقدم ما يشير إلى ذلك (4) . # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له (5) : "أنهلك ~~وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" (6) . # وقد تقدم من (7) كلام شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- (8) في حقيقة ~~الشفاعة، ونرجع إلى ما ذكره مبسوطا من (9) كتاب الإيمان فإنه قال: # "قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~PageV01P359 # في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير. ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} (1) ، فنفى عما سواه كل ما يتعلق به ~~المشركون. فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط من (2) الملك، أو يكون عونا لله، ~~ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال ~~تعالى (3) : {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (4) ، وقال عن الملائكة: ~~{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (5) ،وقال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} (6) فهذه الشفاعة ~~التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. # وأما ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون، فأخبر أنه: "يأتي ~~فيسجد لربه ويحمده" (7) لا يبدأ بالشفاعة أولا، فإذا سجد حمد ربه بمحامد ~~يفتحها عليه، [ثم] (8) يقال له: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعطه، ~~واشفع تشفع، فيقول: أي رب أمتي فيحد له حدا، فيدخلهم الجنة"، وكذلك في ~~الثانية، وكذلك في الثالثة، وقال له (9) أبو هريرة: "من أسعد الناس ~~بشفاعتك؛ يوم القيامة؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" فتلك ~~الشفاعة هي لأهل PageV01P360 # التوحيد والإخلاص (1) ، بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن ~~الله. ms151 وحقيقته: أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة ~~دعاء (2) الشافع الذي أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود الذي ~~يغبطه به (3) الأولون والآخرون صلى الله عليه وسلم، كما كان في الدنيا ~~يستسقى لهم، ويدعو لهم، وتلك شفاعة منه لهم، فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته. # وإذا كان كذلك فالظلم/ ثلاثة أنواع، فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه، ~~وظلم الناس بعضهم بعضا لابد فيه من إعطاء المظلوم حقه، لا يسقط حق المظلوم ~~لا بشفاعة ولا بغيرها، ولكن قد يعطى (4) المظلوم من (5) الظالم، كما قد ~~يغفر الظال (6) نفسه بالشفاعة. # فالظالم المطلق ما له من شفيع مطاع، وأما الموحد فلم يكن ظالما مطلقا، بل ~~هو موحد مع ظلمه لنفسه، وهذا إنما نفعه في الحقيقة إخلاصه لله، فبه (7) صار ~~من أهل الشفاعة. # ومقصود القرآن بنفي الشفاعة (8) : نفي الشرك، وهو أن أحدا لا يعبد إلا ~~الله، ولا يدعو ولا يسأل غيره، ولا يتوكل على غيره؛ لا في شفاعة ولا غيرها، ~~فليس لأحد أن يتوكل على أحد في أن يرزقه، وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب ~~PageV01P361 # يتوكل على غير الله في أن يغفر له، ويرحمه في الآخرة، وإن كان الله يغفر ~~له، ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها. # فالشفاعة (1) التي نفاها القرآن مطلقا (2) : ما كان فيها شرك (4 وتلك ~~منفية مطلقا، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع (3) 4) (4) وتلك قد بين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، فهي من ~~التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد". # إلى أن قال –رحمه الله – (5) في قوله تعالى: {إذ نسويكم برب العالمين} ~~(6) : (لم (7) يريدوا بهم أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه، فإن هذا لم ~~يقله أحد من بني آدم؛ ولا نقل عن قوم من المكذبين، وكذلك مشركوا العرب ~~كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق السموات والأرض، بل ~~كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وما بينهما، كما أخبر الله ~~عنهم بذلك (8) في غير (9) آية، كقوله (10) [تعالى] (11) : {ولئن سألتهم ms152 من ~~خلق PageV01P362 # السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (1) . الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} (2) . # وقال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم. ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون} (3) # الآيات. # وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما ~~تشركون} (4) # وكذلك قوله: {آلله خير أما يشركون (5) . أمن خلق السماوات والأرض وأنزل ~~لكم (6) من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان/ لكم أن تنبتوا ~~شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون. أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها ~~أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله} (7) وهذا ~~استفهام إنكار، وهم مقرون بأنه لم (8) يفعل هذا إله أخر مع الله. # ومن قال من المفسرين إن المراد: هل مع الله إله آخر، فقد غلط، فإنهم ~~كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: {أإنكم لتشهدون أن مع الله ~~PageV01P363 # آلهة أخرى قل لا أشهد} (1) . وقال تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي ~~يدعون من دون الله من شيء} (2) . وقال تعالى عنهم: {أجعل الآلهة إلها واحدا ~~إن هذا لشيء عجاب} (3) . # وكانوا مقرين (4) بأن آلهتهم لم تشارك (5) الله في خلق السموات والأرض؛ ~~ولا خلق شيء بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط كما قال تعالى: {ويعبدون من ~~دون (6) الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم (7) ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} ~~(8) # وقال [عن] (9) صاحب يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون. أأتخذ ~~من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} (10) ~~، وقال تعالى (11) : {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} (12) ، وقال: {الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من PageV01P364 # دونه من ولي ms153 ولا شفيع أفلا تتذكرون؟} (1)) انتهى كلامه رحمه الله تعالى. # وقد أتى على كشف كل شبهة يوردها مبطل، فيما ينافي التوحيد والإخلاص، كما ~~قال تعالى: {أقم (2) وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين. ولا تدع من ~~دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين. وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء ~~من عباده وهو الغفور الرحيم. قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن ~~اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل.واتبع ~~(3) ما يوحى إليك واصبر/ حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} (4) . # وبهذه الآيات العظيمة حصل الختام، فلله الحمد لا نحصي يناء عليه والله ~~أسأل أن يجعل ما كتبناه من هذا الرد وغيره خالصا لوجهه الكريم، موجبا للفوز ~~بجنات النعيم، (5 وصلى الله على سيدنا المرسلين، وإمام المتقين، # وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا (5) . PageV01P365 ms154