######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008571 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1285 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المورد العذب الزلال في كشف شبه أهل الضلال (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجية، الجزء الرابع، القسم الأول) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008571 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8571 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8571 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، بمصر 1349هـ، النشرة الثالثة، 1412هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # بسم الله الرحمن الر حيم # الحمد لله، معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ~~ومستدرج العاصين بمكره، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده ~~فلا يمانع، الظاهر على خلقه فلا ينازع، الحكيم فيما يريد فلا يدافع. # أحمده على إعزازه لأوليائه، ونصرته لأنصاره، وخفضه لأعدائه، حمد من ~~استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ شهادة من طهر ~~بالتوحيد قلبه، وأرضى بالمعاداة فيه والموالاة ربه، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، رافع الشك، وخافض الشرك، وقامع الكذب والإفك، اللهم صل على محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # (وبعد) : فاعلم أيها الطالب للسلامة، الساعي في أسباب تحصيل الفوز ~~والكرامة، أني وقفت على رسالة لمن لم يسم نفسه، مشعرة بأنه من بلاد الخرج1 ~~متضمنة لأنواع من الكذب والمرج، جامعة لأمور من الباطل، لا يسع مسلما ~~السكوت عليها خشية أن يفتن بها بعض الجاهلين فيعتمد عليها، فإن كل عصر لا ~~يخلو من قائل بلا علم، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم. # وقد جعل الله في كل زمان فترة، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى ~~الهدى، ويبصرون بدين الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، فكم من ~~قتيل لإبليس قد أحيوه، وتائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما ~~أقبح أثر الناس عليهم، PageV01P288 # وقد عن لي الجواب؛ لتمييز الخطأ من الصواب، فلا بد من ذكر مقدمة نافعة ~~لتكون هي المقصودة بالذات، رجاء أن تكون سببا موصلا إلى رضوان الله، يستبصر ~~بها طالب الهدى من عباد الله، وذلك بتوفيق الله الذي لا إله سواه، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله. # اعلم أيها المنصف أن دين الله القويم، وصراطه المستقيم، إنما يتبين ~~بمعرفة أمور ثلاثة، هي مدار دين الإسلام، وبها يتم العمل بأدلة الشريعة ~~والأحكام، ومتى اختلت وتلاشت وقع الخلل في ذلك النظام: # (الأمر الأول) : أن تعلم أن أصل دين ms01 الإسلام وأساسه، وعماد الإيمان ~~ورأسه، هو: توحيد الله -تعالى- الذي بعث به المرسلين، وأنزل به كتابه ~~المحكم المبين، قال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} 1، وهذا هو مضمون شهادة أن ~~لا إله إلا الله؛ فإن أصل دين الإسلام: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد ~~الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع. # وقد قال شيخنا -رحمه الله تعالى- إمام الدعوة الإسلامية، والداعي إلى ~~الملة الحنيفية: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأمر بعبادة الله وحده، ~~والتحريض على ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه. والنهي عن الشرك بالله في ~~عبادته، والتغليظ فيه والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. والمخالف في ذلك ~~أنواع، ذكرها -رحمه الله تعالى-. # نواقض التوحيد # وهذا التوحيد له أركان وفروع، ومقتضيات وفرائض، ولوازم، لا يحصل الإسلام ~~الحقيقي على الكمال والتمام إلا بالقيام بها علما وعملا. # وله نواقض ومبطلات تنافي ذلك التوحيد، فمن أعظمها أمور ثلاثة: # (الأول) : الشرك بالله في عبادته كدعوة غير الله، ورجائه والاستعانة به، ~~والاستغاثة به، والتوكل عليه، ونحو ذلك من أنواع العبادة، فمن صرف منها ~~شيئا لغير الله كفر، ولم يصح له عمل، وهذا الشرك هو أعظم PageV01P289 # محبطات الأعمال كما قال تعالى: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} ~~1. وقوله: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} 2، ففي هذه الآية: نفي ~~الشرك وتغليظه، والأمر بعبادة لله وحده. ومعنى قوله: {بل الله فاعبد} 3 أي: ~~لا غيره، فإن تقديم المعمول يفيد الحصر عند العلماء قديما وحديثا. # (الأمر الثاني من النواقض) : انشراح الصدر لمن أشرك بالله وموادة أعداء ~~الله 4 كما قال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب عظيم} 5 الآية، إلى قوله: {أن الله لا يهدي القوم الكافرين} 6. فمن ~~فعل ذلك فقد أبطل توحيده ولو لم يفعل الشرك بنفسه. # قال الله –تعالى-: {لا تجد قوما يؤمنون ms02 بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله} 7 الآية؛ قال شيخ الإسلام: أخبر –سبحانه- أنه لا يوجد مؤمن ~~يواد كافرا، فمن واده فليس بمؤمن. قال: والمشابهة مظنة الموادة، فتكون ~~محرمة. # قال العماد ابن كثير في تفسيره: قيل: نزلت في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم ~~بدر، {أو أبناءهم} في الصديق يومئذ هم بقتل ابنه عبد الرحمن، {أو إخوانهم} ~~في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، {أو عشيرتهم} في عمر قتل قريبا له ~~يومئذ أيضا، وحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ~~يومئذ. # قال: وفي قوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} سر بديع، وهو أنهم لما ~~PageV01P290 # سخطوا على القرائب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضى عنهم، ورضاهم عنه ~~بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم، ونوه بفلاحهم ~~وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة في مقابلة ما ذكر عن أولئك من أنهم حزب ~~الشيطان: {ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} 1. # (الأمر الثالث) : موالاة المشرك، والركون إليه، ونصرته وإعانته باليد، أو ~~اللسان، أو المال كما قال تعالى: {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} 2. وقال: {رب ~~بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} 3. وقال: {إنما ينهاكم الله عن ~~الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ~~ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} 4. وهذا خطاب من الله –تعالى- للمؤمنين في ~~هذه الأمة؛ فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات. # ولما أعانت قريش بني بكر على خزاعة سرا، وقد دخلوا في صلح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، انتقض عهدهم وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غضبا ~~شديدا، وتجهز لحربهم، ولم ينبذ إليهم؛ لما كتب لهم حاطب كتابا يخبرهم بذلك ~~إخبارا أنزل الله –تعالى- في ذلك هذه السورة بكمالها، ابتدأها بقوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} 5 ~~إلى قوله: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} 6. # موالاة المشركين من نواقض الإسلام # ثم أمر تعالى بالتأسي بخليله ms03 -عليه السلام- وإخوانه من المرسلين بالعمل ~~بدينه الذي بعثهم به فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} ~~7 أي: من إخوانه المرسلين: {إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده} 8. # فذكر أمورا خمسة لا يقوم التوحيد إلا بها علما وعملا، وعند القيام بهذه ~~الخمسة ميز الله الناس لما ابتلاهم بعدوهم، كما قال تعالى: {الم أحسب الناس ~~أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون? ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا PageV01P291 # وليعلمن الكاذبين} 1. # وحذر تعالى عباده عن توليهم عدوهم. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} 2. # وقال تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} 3 الآية. ~~وقال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} 4. # فتأمل ما في هذه الآيات، وما رتب الله -سبحانه وتعالى- على هذا العمل من ~~سخطه، والخلود في عذابه، وسلب الإيمان وغير ذلك؛ وذكر ابن جرير –رحمه الله ~~تعالى- في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فليس من الله ~~في شيء} 5 أنه ردة عن الإسلام. وفي سورة محمد –صلى الله عليه وسلم- ما يدل ~~على ذلك؛ قال الله -تعالى-: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} 6 إلى قوله: ~~{ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} 7. # والسين: حرف تنفيس؛ تفيد استقبال الفعل، فدل على أنهم وعدوهم ذلك سرا ~~بدليل قوله تعالى: {والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} 8 والآيات ~~في ms04 هذا المعنى كثيرة؛ والمقصود بيان عظم هذا الذنب عند الله، وما رتب عليه ~~من العقوبات عاجلا وآجلا. نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان، ونعوذ ~~بالله من الخيبة والخذلان. # وقد ذكر شيخنا -رحمه الله تعالى- في مختصر السيرة له: ذكر الواقدي أن ~~خالد بن الوليد لما قدم العارض قدم مائتي فارس، فأخذوا مجاعة بن مرارة في ~~ثلاثة عشر رجلا من قومه بني حنيفة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما تقولون في ~~صاحبكم؟ فشهدوا أنه رسول الله، فضرب أعناقهم، حتى إذا بقي سارية بن عامر ~~قال: PageV01P292 # يا خالد، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرا أو شرا فاستبق مجاعة، وكان ~~شريفا، فلم يقتله وترك سارية أيضا، فأمر بهما فأوثقا في مجامع من حديد، ~~فكان يدعو مجاعة، وهو كذلك، فيتحدث معه، وهو يظن أن خالدا يقتله، فقال يا ~~ابن المغيرة: إن لي إسلاما، والله ما كفرت، فقال خالد: إن بين القتل والترك ~~منزلة، وهي الحبس حتى يقضي الله في أمرنا ما هو قاض. ودفعه إلى أم متمم ~~زوجته، وأمرها أن تحسن إساره، فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه ليخبره عن ~~عدوه، وقال: يا خالد قد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس. فإن يك كذاب قد ~~خرج فينا، فإن الله يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 1. فقال: يا مجاعة تركت ~~اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه، وأنت من ~~أعز أهل اليمامة إقرارا له ورضاء بما جاء به، فهل أبديت عذرا، فتكلمت فيمن ~~تكلم؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت: أخاف قومي، فهلا ~~عمدت إلي أو بعثت إلي رسولا؟ # فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجاعة رضى بما جاء به مسيلمة وإقرارا، فأين هذا ~~ممن أظهر الرضاء، وظاهر، وأعان وجد، وشمر مع أولئك الذين أشركوا مع الله في ~~عبادته، وأفسدوا في أرضه؟ فالله المستعان. # لا يثبت الإسلام ولا يتحقق إلا بالعمل بشرائعه # (الأمر الثاني) : من ms05 الأمور التي لا يصلح الإسلام إلا بها: العمل بشرائعه ~~وأحكامه، وبالقيام بذلك يقوم الدين وتستقيم الأعمال كما قال تعالى: {ولو ~~أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} 2 الآية، وقال تعالى: ~~{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ?يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} 3، وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} 4 ~~الآية. # وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا PageV01P293 # مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص ~~الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} 1. وقال تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه ~~مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل ~~أولئك هم الظالمون} 2 وقال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم} 3 الآية، وقال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا} 4. # وفي هذا المعنى قال أبو تمام: # بالدين مثل عبادة الأوثان # وعبادة الأهواء في تطويحها # هذا هو الغالب على كثير من الناس: رد الحق؛ لمخالفة الهوى ومعارضته ~~بالآراء، وهذا من نقص الدين وضعف الإيمان واليقين. # مما يثبت به الإسلام أداء الأمانات واجتناب المحرمات # (الأمر الثالث) : أداء الأمانات، واجتناب المحرمات والشهوات، والجد في ~~أداء الفرائض، والعبادات الواجبات، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكرات، وقد وقع الخلل العظيم في ذلك كما قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} 5 الآية، وبذلك وقعت الغفلة ~~والإعراض عن كتاب الله -تعالى- واشتغل أكثر الناس بدنياهم عن طاعة مولاهم، ~~وزهدوا في ms06 كل ما يعود نفعه إليهم في دنياهم وأخراهم مما يوجب رضى ربهم ~~ومولاهم؛ فيجب على من نصح نفسه ممن جعل الله له القدرة والسلطان ونفوذ ~~الكلمة أن يهتم بحفظ هذه الثغور الثلاثة، فإنها ثغور الإسلام، وقد سعى في ~~خرابها من ليس من أهلها. # ومن أسباب حفظها: الإخلاص لله، والصدق، واللجء إليه، وتعظيم أمره ونهيه، ~~والتوكل عليه، وتمييز الخبيث من الطيب. فإن الله -تعالى- ميزهم لعباده؛ لما ~~ابتلاهم؛ فعليك ببغض أعداء الله، والاهتمام بما يرضيه، ومحبة ما يحبه، ~~وكراهة ما يكرهه، وخشيته ومراقبته، والله المستعان. PageV01P294 ### | المورد العذب الزلال في كشف شبه أهل الضلال # ... # فصل: في الإشارة إلى ما تضمنته لا إله إلا الله من نفي الشرك وإبطاله، ~~وتجريد التوحيد لله تعالى والإشارة إلى بعض ما تنتقض به عرى الدين الذي بعث ~~الله به المرسلين # والباعث لذلك: ما بلغني عن رجل كان قبل طروق الفتن يغلو في التكفير، ~~ويكفر بأشياء لم يكفر بها أحد من أهل العلم، ثم إنه بعد ذلك قال: من قال: ~~لا إله إلا الله فهو المسلم المعصوم، وإن قال ما قال. # فأقول -وبالله التوفيق-: اعلم أن لا إله إلا الله: كلمة الإسلام، ومفتاح ~~دار السلام، وقد سماها الله –تعالى- كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وهي كلمة ~~الإخلاص التي جعلها إبراهيم الخليل عليه السلام كلمة باقية في عقبه. # ومضمونها: نفي الإلهية عما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أفرادها لله ~~وحده، كما قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ~~إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} 1، وقال عن يوسف -عليه السلام-: {واتبعت ملة ~~آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} 2 وقال ~~بعدها: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} 3. وقال تعالى لخاتم رسله: {قل إنما أمرت أن أعبد ~~الله ولا أشرك به} 4 الآية، وقال: {أن لا تعبدوا إلا الله} 5. وقال: {إن ~~إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق} 6. # وقد تفاوت الناس في ms07 هذه الكلمة بحسب حالهم علما وعملا، فمنهم من يقولها ~~وهو يجهل مدلولها ومقتضاها، فلا يعرف الإله المنفي بأداة النفي، ولا ~~الإلهية المثبتة لله –تعالى-، فهذا لا تنفعه بلا ريب، تجده يأتي بما ~~يناقضها وهو لا يدري. # شروط كلمة التوحيد # واعلم أن لها شروطا ثقالا: (منها) : العلم بمدلولها ومقتضاها وحقوقها ~~ولوازمها ومكملاتها. ومن شروطها: الصدق واليقين، وإرادة وجه الله، والكفر ~~بما يعبد من PageV01P295 # دون الله كما قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} 1 قال ابن جرير: ~~يعلمون حقيقة ما شهدوا به. وقال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} 2 وصحت ~~الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هذه الشروط كلها، ومن لم يكن ~~كذلك لم تنفعه لا إله إلا الله؛ لأن القول بلا علم هباء. # قال شيخ الإسلام: ومن فقد الدليل: ضل السبيل، وكذلك من يقولها، وهو لا ~~يجهل مضمونها ومقتضاها، لكن يمنعه من قصد ذلك واتباع الحق، والعمل به موانع ~~من آفات النفوس. فتجده ينكر التوحيد تارة، ويبغض أهله، ويحب الشرك وأهله، ~~كحال الذين قالوا: {قالوا نشهد إنك لرسول الله} 3 قال الله -تعالى-: {والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} 4. # فلو أن مجرد القول ينفع بدون الإخلاص والصدق واليقين القلبي لنفع هؤلاء، ~~فكذلك من يقول ظانا أنه أتى بمضمونها ومقتضاها، ويأتي بما يناقضها من ~~موالاة المشركين، ومظاهرتهم على المسلمين والاستبشار بنصرهم وظهورهم، وغير ~~ذلك من الأمور التي عدها العلماء من نواقض الإسلام. # قال الله تعالى: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} 5 ~~الآية، وقال تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا ~~تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ~~ربك ولا تكونن من المشركين} 6، ومعنى: {وادع إلى ربك} 7 أي: إلى توحيده ~~واتباع أمره وترك نهيه، ثم قال: {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو ~~كل شيء هالك إلا وجهه} 8. # بعض أعمال المنافقين وأقوالهم التي عدت كفرا ms08 # فذكر أمورا أربعة، كلها تنافي قول لا إله إلا الله. يحقق ذلك نهي الله ~~-تبارك وتعالى- عباده المؤمنين عن موالاة أعدائه في أول سورة الممتحنة وفي ~~غيرها، وقال: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} 9. # وتدبر تلك الآيات، وما رتب الله –تعالى- من الوعيد الأكيد والعذاب الشديد ~~PageV01P296 # ونفي الإيمان، وحبوط الأعمال على هذه الأمور التي لا يعدها من وقعت منه ~~كبير ذنب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # وبالجملة فلو بقي لهؤلاء دين -مع ذلك- لسلموا من العقوبات؛ لأن الإيمان ~~أمن، والإسلام سلامة، كما قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} 1؛ فإن تدارك الله من شاء منهم بتوبة نصوح فهو ~~فضله سبحانه وإلا فيا خسرهم. # وقد بين الله –تعالى- في كتابه كثيرا من نواقض الإسلام والإيمان؛ فإن سبب ~~نزول قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} 2 أن أناسا كانوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يجاهدون عدوه، فقال رجل منهم: ~~ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء، ~~فأنزل الله هذه الآية. # والقصة مشهورة في التفسير وكتب الحديث، فانظر كيف أبطلوا إيمانهم وكفروا ~~بربهم، فلم ينفعهم قول لا إله إلا الله، ولا صلاتهم، ولا جهادهم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقال تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم} 3 نزلت -على ما ذكره المفسرون- في الجلاس بن عمرو، قال: إن كان ما ~~يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، ولو يقولها أحد في زماننا هذا لم يعد ~~كافرا ولا عاصيا. ولا ريب أن هؤلاء كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، ويصلون ويزكون ويجاهدون، ولم يظاهروا على المسلمين عدوا. # وكذلك أهل مسجد الضرار كانوا من جملة الأنصار، وفعلوا ما هو في الظاهر ~~قربة، فلما أضمروا خلاف ما أظهروا أنزل الله في شأنهم: {والذين اتخذوا ~~مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من ~~قبل} 4، وهو أبو ms09 عامر الفاسق. # قال الله –تعالى-: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى PageV01P297 # والله يشهد إنهم لكاذبون} 1. # إلى قوله تعالى: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم} 2 أي: بالموت. # أيظن من عرف موقع كتاب الله وآياته أنه ينفع من أحب المشركين قول يقوله، ~~أو عمل يعمله؟ وهو يعلم ما وقع بهؤلاء من عقوبة الله على ما أسروه؟ هذا لا ~~يظنه من له مسكة من عقل؛ لأن ما كلف به عوقب به من بعدهم على مثل ما عوقبوا ~~به بلا ريب، اللهم إلا أن يتدارك الله -تعالى- من شاء بتوبة ماحية، وإلا ~~فالخطر عظيم. # وكذلك قوله تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} 3 وسبب ~~نزولها، ومن نزلت فيه معروف في كتب التفسير. # دعوة الرسل والأنبياء أقوامهم إلى عبادة الله وحده # ومن زعم أن المراد من لا إله إلا الله: مجرد القول، فقد خالف ما جاءت به ~~الرسل والأنبياء من دين الله، واتبع غير سبيل المؤمنين، قال الله –تعالى- ~~عن نوح -عليه السلام- أنه قال لقومه: {إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون} 4، فأجابوه بقولهم: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا} 5 الآية. علموا- على كفرهم وضلالهم- أنه لم يرد منهم مجرد الإقرار، ~~وإنما أراد منهم الاتباع، والعمل، وترك عبادة الأصنام، وأخبر تعالى عن هود ~~-عليه السلام- أنه قال لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} 6، وذكر ~~تعالى عنهم في جوابهم له: {أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ~~آباؤنا} 7؛ علموا أنه أراد منهم قصر العبادة على الله، وترك عبادة من سوى ~~الله، وهذا هو مضمون لا إله إلا الله ومعناها. # ولما دعا الخليل -عليه السلام- أباه إلى التوحيد بقوله: {يا أبت لم تعبد ~~ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} 8، أجابه بقوله: {قال أراغب أنت عن ~~آلهتي يا إبراهيم} 9. عرف أنه أراد ترك عبادة ما سوى الله، والرغبة عن ذلك ~~إلى إخلاص العبادة لله وحده، ثم قال الخليل -عليه السلام-: # {وأعتزلكم وما تدعون من دون ms10 PageV01P298 # الله وأدعو ربي} 1 فذكر مضمون لا إله إلا الله ولازمها. # كما ذكر تعالى مثل ذلك عن أهل الكهف في قولهم: {وإذ اعتزلتموهم وما ~~يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من ~~أمركم مرفقا} 2؛ وقال تعالى عن صاحب ياسين: {يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا ~~من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~إني إذا لفي ضلال مبين} 3. # وتأمل أيضا قوله تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} 4. عرفوا- وهم كفار- أن ~~مطلوب النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: "لا إله إلا الله"، أنه ترك ~~عبادة الأوثان، فيا له من بيان ما أوضحه! # القرآن تحقيق لمعنى كلمة التوحيد # والمقصود أن القرآن من أوله إلى آخره يحقق معنى لا إله إلا الله بنفي ~~الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه. لكن لما اشتدت غربة الدين بهجوم ~~المفسدين وقع الريب والشك بعد اليقين، وانتقض أكثر عرى الإسلام، كما قال ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة ~~عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. # ومما انتقض من عراه: الحب في الله، والبغض في الله، والمعاداة والموالاة ~~لله، كما في الحديث الصحيح: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في ~~الله" 5. وأنت ترى حال الكثير حبه لهواه وبغضه لهواه، فلا يسكن إلا إلى ما ~~يلائم طبعه، ويوافق هواه، ولو غره وأغواه، فتأمل: تجد هذا هو الواقع، فلا ~~حول ولا قوة إلا بالله. # والحاصل أن كل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه: فهو من مدلول كلمة ~~الإخلاص، فدلالتها على الدين كله إما مطابقة، وإما تضمنا، وإما التزاما، ~~يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى، والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه ~~بترك الشرك والمعاصي وإخلاص العبادة لله واتباع أمره على ما شرعه، وقد ~~فسرها ابن ms11 مسعود PageV01P299 # رضي الله عنه"أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن ~~تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله". # وقد أخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به ~~حذرا مما به بأس" 1. # وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية -رحمه الله تعالى- في قوله ~~تعالى:? {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} 2. قال أبو بكر الصديق: ~~فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، أي لم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه، لا ~~بالحب ولا بالخوف ولا بالرجاء، ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله، ~~ولا يحبون إلا لله. اه. # من يقاتل الوهابية ومن يكفرون # وقال شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله تعالى-: سألني ~~الشريف عما نقاتل عليه وما نكفر به؟ فقلت في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ~~ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر. ~~فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع: # الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، وأن هذه الاعتقادات في الحجر ~~والشجر والبشر الذي هو دين غالب الناس اليوم، أنه الشرك الذي بعث الله ~~رسوله بالنهي عنه، وقتال أهله ليكون الدين كله لله، ولم يلتفت إلى التوحيد، ~~ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك فيه الشرك، فهذا كافر نقاتله؛ لأنه عرف ~~دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين المشركين فلم يتركه، مع أنه لم يبغض دين ~~الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه. PageV01P300 # النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكن تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه ~~عامل به وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر وأبي علي والخضر، وفضلهم على من ~~وحد الله وترك الشرك، فهذا أعظم كفرا من الأول، وفيه قوله تعالى: {فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به} 1 الآية. وممن قال الله فيهم: {وإن نكثوا أيمانهم ms12 ~~من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} 2 الآية. # النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه وعرف الشرك وتركه، لكن يكره ~~من دخل في التوحيد ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا كافر وفيه قوله تعالى: ~~{ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} 3. # النوع الرابع: من سلم من هذا كله لكن أهل بلده يصرحون بعداوة التوحيد ~~واتباع أهل الشرك ويسعون في قتالهم، وعذره أن ترك وطنه يشق عليه فيقاتل أهل ~~التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضا كافر؛لأنهم لو أمروه ~~بترك صيام رمضان ولا يمكنه ذلك إلا بفراق وطنه فعل، ولو أمروه أن يتزوج ~~امرأة أبيه ولا يمكنه مخالفتهم إلا بذلك فعل. # وأما موافقته على الجهاد معهم بماله ونفسه مع أنهم يريدون قطع دين الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم فأكبر مما ذكرنا بكثير، فهذا أيضا كافر ممن قال ~~الله فيهم: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم} 4 الآية، والله -سبحانه وتعالى- أعلم وصلى الله على محمد وآله ~~وصحبه وسلم. PageV01P301 # فصل # في إيذاء أهل الباطل لأهل الحق # وهذا شروع في الجواب المشار إليه سابقا، وقد كنت عزمت أن أتتبع كلامه ~~وأجيب عنه تفصيلا، ثم إنه عرض لي ما يجب أن يكون هو المقصود بالذات مما ~~قدمته حماية لجانب التوحيد والشريعة. # ثم بدا لي أن أقتصر في جواب الرجل لما في الاقتصار من رعاية الصبر ~~والاصطبار؛ لأنا لو أجبناه بكل ما يليق في الجواب لم نسلم من أمثاله ممن ~~ينسج على منواله، كما هو الواقع من أكثر البشر قديما وحديثا مع كل من قام ~~بالحق أو نطق بالصدق. فكل من كان أقوم في دين الله كان أذى الناس إليه أسرع ~~والعداوة له أشد وأفظع. وأفضل خلق الله رسله وقد عالجوا من الناس أشد ~~الأذى، حكمة بالغة. قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا} ms13 1 والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدا. ينبئك عن ~~تفصيل هذا ما ذكره الله تعالى في كتابه عن أنبيائه لما دعوا أممهم إلى ~~التوحيد كيف قيل لهم؟ وما خوطبوا به؟. # وتأمل ما جرى لخيار هذه الأمة كالخلفاء الراشدين وسادات أصحاب سيد ~~المرسلين من أعدائهم كالرافضة والخوارج ونحوهم، وما جرى لأعيان التابعين ~~ومن بعدهم من أعيان الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر ~~الخزاعي وأمثال هؤلاء ممن لا يمكن حصرهم، ولو ذكرنا جنس ما جرى لهم من ~~الأذى لطال الجواب. والقصد هو الاقتصار، ومن أراد الوقوف على ذلك فعليه ~~بالسير والتاريخ ولله در أبي تمام حيث يقول: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # وقال أبو الطيب: # وشأن صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل؟ PageV01P302 # إذا علمت ذلك، فإن هذا الرجل ذكر عن الشيخ عبد الرحمن بن حسين أنه لا ~~يصلي بهم، ولا يقدم من يهوونه، ولا يقطع خصومة، وعدوه من نظر في كتاب أو ~~نطق بصواب. هذا كلامه فيه. عد هذه الأمور من المثالب. # والبصير إذا تأمل رآها من المناقب؛ لأن المسلم لا يجوز أن يحمل إلا على ~~الخير فيما خفي عذره فيه حتى يتبين ما يرفع الاحتمال. وهذه العيوب الخمسة ~~محتملة لأمور: # (الأول) : منها يحتمل أنه فعله تأثما من الصلاة بالناس لعذر خفي يوجب ~~ذلك، فإن الأعذار عن الإمامة كثيرة. # (الثاني) : يحتمل نصحه لهم فيختار لهم من يصلح لذلك المقام، ونظره لهم ~~خير من نظرهم لأنفسهم. # (والثالث) : فيه التثبت في الفتيا بالنظر والتأمل والمراجعة في كتب ~~الأحكام، وهذا مطلوب من كل مفت لا سيما في هذا الوقت. # (والرابع والخامس) : فيه حماية جانب العلم عمن يجهل، ولا يدري أنه يجهل، ~~والمطلوب سد أبواب الاختلاف في أحكام الدين، فإن الله ذمه في كتابه، فإذا ~~حمل مثله على غير ذلك أوقع في اغتياب المسلم، وقد حرمه الله في كتابه، فإن ~~عده المغتاب له نصيحة فقد أحل ما حرمه الله ورسوله، وهو أمر عظيم، وفيه ms14 ~~تشيين المسلم بما يحتمل ضد ذلك. # الرد على من طعن في الشيخ عبد الرحمن بن حسين # وأما تحذير هذا الرجل للإمام من أولاد الشيخ كلهم وأنه لا يجوز له أن ~~يصغي إليهم ولا يدين لهم جانبا. # (فالجواب) : نعم هذا رأيه للإمام وهو الذي يحبه له ويرضاه، لكن رأي ~~المسلمين خصوصا من ينسب منهم إلى الدين، والحب في الله والبغض فيه، وكذلك ~~العقلاء، يخالفونه في ذلك. وفي نصيحة المسلمين للإمام الحث على طاعة أولئك # PageV01P303 # والأخذ منهم، وقبول نصيحتهم ورأيهم كما هو الواقع من الإمام. # فلا يخلو إما أن يكون الصواب مع هذا الرجل، وأما أن يكون مع أعيان ~~المسلمين وأهل الدين الذين لهم لسان صدق ومحبة في الناس {والله يعلم المفسد ~~من المصلح} 1. # حل جوائز السلطان # وأما قوله: إن ابن ثنيان يلقمهم الحرام. # (فالجواب) : أن يقال: وهل شاهدت ذلك وعرفت أن ما أعطاهم حرام بعينه، أو ~~رأى ذلك من يوثق بخبره؟ هذا أمر لا يقدر هو ولا غيره أن يثبت ذلك لكنه كما ~~قيل: # يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا # والذي يأخذون منه ومن غيره من الأئمة هو مما أفاء الله على المسلمين ~~المسمى بيت المال أو من الزكاة ونحوها، وهذا لا يقول أحد من العلماء أنه ~~حرام. والذي نص عليه الفقهاء من أهل الحديث وغيرهم أنه يجوز الأخذ لمن ~~يستحقه ما لم يعلم أنه حرام بعينه، ذكره ابن رجب عن الزهري ومكحول، قال: ~~ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام، ما لم يعلم أنه حرام ~~بعينه. # قال: وروي في ذلك آثار كثيرة عن السلف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام ~~كله. # قال: وروى الحارث عن علي رضي الله عنه أنه قال- في جوائز السلطان-: لا ~~بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام، وقال ابن مسعود: ~~إنما الهناء لكم والوزر عليهم. # وذكر في المغني أن الحسن البصري أخذ جائزة ms15 عمرو بن هبيرة وردها ابن ~~سيرين، فعتب الحسن عليه ذلك. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: جوائز السلطان ~~PageV01P304 # أحب إلي من الصدقة. يعني أن الصدقة أوساخ الناس صين عنها آل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يصانوا عن جوائز السلطان. # وذكر عنه أيضا أنه احتج بأن جماعة من الصحابة تنزهوا عن مال السلطان، ~~منهم حذيفة وأبو عبيدة ومعاذ وأبو هريرة وابن عمر، قال: ولم ير أبو عبد ~~الله ذلك حراما، فإنه سئل فقيل له: مال السلطان حرام؟ قال: لا. وفي رواية ~~قال: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم حق، فكيف أقول سحت؟ وقد ~~كان الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكثير من الصحابة يقبلون جوائز ~~معاوية. # قال: ولأن جوائز السلطان لها وجه في الإباحة والتحليل، فإن لها جهات ~~كثيرة من الفيء والصدقة وغيرهما اه. # أخذ العلماء أرزاقهم من بيت المال # (قلت) : وما زال العلماء في كل عصر يأخذون أرزاقهم من بيت المال ولم ينكر ~~ذلك أحد من أهل الورع ولا غيرهم، ويرونه حلالا. # أما أولئك الظلمة الذين جاروا على أهل نجد بغيا وعدوانا، فلا ريب أن ما ~~أخذوه كله ظلم؛ لأنهم إنما جاؤوا بالباطل والظلم والعدوان، فلا يسوغ لهم ~~أخذ شيء مما أباح الله لولاة أهل الإسلام أخذه من زكاة وفيء أو غير ذلك، ~~فما أخذه أولئك ظلم بحت. فلينظر في حال هذا الطاعن على أهل العلم وأمثاله، ~~فإن كانوا قد كرهوا ما أخذه هؤلاء المسرفون المعتدون ولم يقبلوا شيئا منه ~~ولم يبق إلا أنهم جهلوا حكم أموال الفيء، فالمصيبة أهون. # وأما إذا كانوا أخذوا من أولئك من تلك الأموال على الوجه الذي ذكرناه، ~~فالمصيبة أعظم، وذلك أنهم حرموا على علماء المسلمين أن يأخذوا ما حل لهم، ~~ويأخذونه من أولئك ويأكلونه حراما صرفا من غير تأويل. # وعلى كل حال؛ فإنهم لما رأوا هؤلاء الأشياخ من أقرب الناس دعوة إلى ~~التوحيد وإرشادا إلى طاعة ربهم واتباع نبيهم، فتوصل شرار أهل نجد بمسبتهم ~~إلى مسبة # PageV01P305 # الدين لمخالفته أهواءهم، ms16 ولا ريب أن هذا تحته كل عيب، ويستدل به العارف ~~على أنه إنما صدر منهم عن شك في حقيقة الإسلام وريب. # الوهابية لا يكفرون إلا بما أجمع العلماء على أنه كفر # ثم إن هذا المعترض قال في سبابه لأهل العلم المشار إليهم سابقا: إنهم ~~نظروا إلى سد باب القبلة ومصر ولم ينظروا إلى أبواب السماء. يشير إلى أنهم ~~وسعوا للمتولي أمرهم في مداهنة تلك الجهات. # (فالجواب) : إنه لا يخلو إما أن يكون هذا الرجل من أشد الناس غباوة ~~وأجهلهم بأحوال الناس، ولا معرفة له بالواقع أصلا، وإما أنه تعمد الكذب ~~والتشيين لأولئك الأئمة وهو يعرف أنه قد كذب عليهم وافترى، فإن من المعلوم ~~من طريقتهم ورأيهم ونصحهم أنهم لا يجوزون المداهنة في الدين، ولا يرضون ذلك ~~من كبير ولا صغير. # ولهذا صار الأعداء يطعنون عليهم بذلك عند مبغضيهم ويقولون: إنهم ~~يكفرونكم، وحقيقة أمرهم أنهم لا يكفرون أحدا إلا بعمل صرح القرآن بتكفير ~~فاعله، ولا يقولون على شخص بعينه إنه كافر ولا على جماعة إنهم كفار إلا إذا ~~ارتكبوا أعمالا من المكفرات وثبت ذلك بطريق من طرق العلم، إما مشاهدة أو ~~سماعا أو تواترا. وقد تقدم عن شيخنا إمام الدعوة الإسلامية أنه قال في ~~جوابه للشريف: إنا لا نكفر إلا بما أجمع العلماء عليه أنه كفر. # وعلى هذا فيقال لهذا الرجل: إذا كان هذا الذي تنسبه إليهم من مداهنة أهل ~~القبلة ومصر عيبا يعاب به من فعله، فأنت ممن داهنهم وأطاعهم وتابعهم ~~وخدمهم، فهلا عبت على نفسك هذا الذي اعترفت بأنه عيب كبير؟ وما مثلك إلا ~~كما قيل في المثل: رمتني بدائها وانسلت. # فيقال لإمام المسلمين -أعزه الله بالدين-: تأمل ما ذكره الله في كتابه ~~المبين، واتبعه، فإن هذا هو الواجب على كل أحد، لا سيما من ولاه الله أمر ~~الناس، فإن الله # PageV01P306 # افترض عليه أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه ~~لا صلاح لهم بدون ذلك أصلا، علما وعملا. وعليه أن يصلح نفسه بما يرضي ms17 الله ~~من إقامة دينه وأن لا يخاف في الله لومة لائم، وأن يحب في الله ويبغض فيه ~~ويوالي لله ويعادي فيه، وأن يميز الناس بتمييز الله، فإن الله ميز أولياءه ~~من أعدائه. # ولا شك أن هذا من فرائض التوحيد، وليكن على حذر من الناس وأهوائهم؛ فإنهم ~~لا يرضون إلا بمتابعة أهوائهم، وقد قال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} 1. # واعتبر بما جرى من أكثر الناس من أنواع الشرك والظلم والفساد كما قد جرى ~~فيما مضى، كما ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث يقول: # إسلام شركا ظاهر التبيان ... ولقد رأينا من فريق يدعي ال # ووهم به في الحب لا السلطان ... جعلوا له شركاء والوهم وسا # زادوا لهم حبا بلا كتمان ... والله ما ساووهمو بالله بل # فشو الشرك بالدعاء والاستغاثة بغير الله # وهذا وأمثاله هو الواقع في هذه الأزمنة، يعرفه من تدبر القرآن وفهم أدلة ~~التوحيد، فلقد كثر هذا الشرك بنوعيه من دعوة غير الله والاستغاثة به ~~وتعظيمه والحلف به، حتى إن بعض الجهال يستنكفون من قول القائل: محمد عبد ~~الله ورسوله فينكرون قوله: عبد الله. ولا ريب أن الله -تبارك وتعالى- شرفه ~~بعبوديته له الخاصة والرسالة. # وأما أهل الإسلام على الحقيقة والإيمان فيخلصون إرادتهم وأعمالهم لله ~~-تعالى- وحده دون من سواه، فلا يدعون ولا يرجون ولا يستغيثون ولا يتوكلون ~~ولا يتقربون بنوع من أنواع العبادة إلا إلى ربهم ومليكهم وخالقهم والقائم ~~عليهم والمتصرف فيهم بمشيئته وإرادته، ويعملون بما شرعه لهم في كتابه، وسنه ~~لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم من شريعته، معتصمون PageV01P307 # بحبل الله متعاونون على طاعة الله. # فاعرف كلا من الفريقين بشواهد الأحوال والأعمال، واستشهد على كل من ~~الفريقين بصريح القرآن وصحيح الأخبار، واستدع بكتب العلماء المحققين العدول ~~الأخيار، فإن البهرج لا يميزه إلا أولو البصائر والاستبصار؛ ومن لم يميز ~~الناس بتمييز الله لهم عظمت مصيبته ودامت حسرته. ms18 # امتحان الله الناس في الفتن للتمييز بينهم # فإن الله- وله الحمد- أجرى العادة بمقتضى الحكمة البالغة أن يبتلي عباده ~~بوقوع الفتن ليميز الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، بما يضمرونه ~~ويظهرونه من ترك طاعته والعمل بمعصيته، ومن هو بخلاف ذلك {ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} 1. قال الله تعالى:? {الم ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} 2 إلى قوله: {ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} 3 – إلى ~~آخر السياق-. # وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب} 4. وقال تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله ~~خبير بما تعملون} 5. # وقد بلا الله أخبار الناس بما جرى في هذه الأعوام وميز بها من قاتل أهل ~~الإسلام وسبهم، ممن والاهم وأحبهم، والله يعلم أنا لم نرد بهذا تشيين أحد ~~أو عداوته، ولكنا تأثمنا من كتمان العلم، ورغبنا في إرشاد العباد إلى طاعة ~~ربهم ومعبودهم، لما ابتلينا بأناس من أهل نجد يقولون على الله بلا علم، ~~ويتكلمون في أشياء من غير رواية ولا فهم. # فكان الواجب على من منحه الله علما أن ينشر منه ما تيسر وقت الاحتياج ~~إليه، وخصوصا في هذه الأزمنة لما قل العلم وكثر الجهل وغلبت الأهواء اشتغل ~~الناس فيه بمحبة دنياهم، وإيثارها على طاعة مولاهم والعمل لأخراهم ~~PageV01P308 # والله تعالى هو المرجو المسؤول أن يرفع عنا وعن المسلمين العقوبة، وأن ~~يكتب لنا المثوبة بتحري رضاه، وأن يوفقنا للاستقامة على طاعته وتقواه، وأن ~~يحقق لنا وإخواننا ما طلبناه ورجوناه إنه هو البر الرحيم. وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # دعاء النبي للمؤمنين الذين عجزوا عن الهجرة معه # واعلم أن هذا الرجل وأمثاله لما امتلأت قلوبهم بالعداوة والبغض وظهرت على ~~صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم، وأتوا بكل بلية ms19 ورمية- كما تقدم- طمعوا فيما ~~هو أعظم من ذلك، وأكبر ضررا مما هنالك. فأوردوا على الجهال شبهات تحسينا ~~لما قد فعلوه، وتزيينا لسبيلهم الذي سلكوه. # والعارف إذا نظر إليها علم أنهم قد أقروا على أنفسهم وعلى الذين والوهم ~~وآووهم بما قد لا يصرح به غيرهم فيهم ابتداء فمن ذلك قول بعضهم: إن الله ~~تعالى يقول: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم} 1 الآية. # يشير إلى أنه معذور بإقامته مع هؤلاء كما عذر من أقام من المؤمنين بمكة ~~مع المشركين، فيقال له (أولا) : إن هؤلاء الذين سماهم الله مؤمنين لم ~~يظاهروا على المؤمنين مشركا ولا منافقا ولا باغيا ولا ظالما ولا سبوا مؤمنا ~~ولا عادوه. # ومنهم من قيده أهله بمكة ومنعوه من الهجرة كأبي جندل بن سهيل. فإنه خرج ~~يوم الحديبية من مكة يرسف بقيوده، فلو أن أحدا منهم سب المسلمين أو عابهم ~~أو أعان عدوهم انتقض إسلامه بلا ريب، لكن الله تعالى حفظهم من هذه الأمور ~~وعذرهم باستضعافهم وعجزهم، ولهذا ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يدعو لهم في الفريضة، كما أخرج البخاري -رحمه الله ~~تعالى- في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، وربما قال ~~إذا قال سمع الله لمن حمده: "ربنا ولك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد، ~~وسلمة بن هشام، وعياش PageV01P309 # ابن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين" 1. # وقوله: والمستضعفين من المؤمنين هو من عطف العام على الخاص بلا ريب، ومن ~~المحال أن يسميهم الله ورسوله مؤمنين، وقد وقع منهم ما ينافي الإيمان قال ~~الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} 2، فعلم من هذه ~~الآية أن أولئك المستضعفين من المؤمنين لما كانوا بمكة مع قريش أنهم لم ~~يتخذوهم أولياء من دون ms20 المؤمنين ولم يطمعوا منهم بموادة ولا ركون، وحاشاهم ~~من ذلك، فلهذا وصفهم الله بالإيمان وقد أخبر تعالى أن الإيمان ينتفي ~~بموالاة أعدائه كما قال تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} 3. # الظالمون لأنفسهم بترك الهجرة وحالهم عند الموت # قال بعض المفسرين- في الآية الأولى-: من الممتنع أن تجد قوما من المؤمنين ~~يوادون من حاد الله ورسوله. ويقال أيضا: إن الله تعالى بين حال الذين عذرهم ~~عن الهجرة وميزهم بالوصف ممن لم يعذرهم فقال تعالى: {إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} 4 قال في شرح البخاري: والسؤال ~~للتوبيخ، أي: لم تركتم الجهاد والهجرة والنصرة؟ {قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا} 5. # وروى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن الأسود قال: "قطع على أهل ~~المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيني عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي وقال: ~~أخبرني ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد ~~المشركين يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله، فأنزل الله ~~تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة} 6 الآيتين. PageV01P310 # فتأمل كيف ترتب عليهم هذا الوعيد وأوجب لهم النار؟ وقد ورد أنهم كانوا ~~مكرهين على تكثير سواد المشركين فقط، فكيف بمن كثر سوادهم بغير إكراه وأعان ~~وظاهر، وقال وفعل من غير استضعاف ولا إكراه؟ أترى بقي مع هذا شيء من ~~الإيمان والحالة هذه؟. # وعيد من ترك الهجرة إلا المستضعفين # ثم إن الله تعالى بين في هذه الآية من خرج من هذا الوعيد بأوصاف لا تخفى ~~على البليد فقال: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون ~~حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} ~~1، فذكر أنهم الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} 2، وهم العاجزون ~~عن الهجرة من كل وجه، وهؤلاء هم ms21 الذين دعا لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم، بخلاف من لم يعجز عن الهجرة، بل اختارهم ~~ورغب إليهم وسكن إليهم ووافقهم وتأيد بهم واستنصر مثل عبد الله بن أبي سرح ~~ومقيس بن صبابة الليثي وأمثالهما مما تزين له الباطل، كجبلة بن الأيهم ~~الغساني، وأمثال هؤلاء كثيرون. نسأل الله الثبات على الإسلام والعفو ~~والعافية في الدنيا والآخرة. # والأمر الثاني: استدلالهم على جواز الإقامة مع المشركين أو تركهم الهجرة؛ ~~لأن الصحابة هاجروا إلى الحبشة وفيها نصارى. # فيقال: (أولا) : لا يجوز عند من له أدنى معرفة أن يستدل على ترك الهجرة ~~بأن الصحابة هاجروا، وكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل أن يستدل ~~لترك شيء بأن ذلك الشيء الذي تركه قد فعله غيره؟ # وقد عرفت أن الله سجل على من ترك الهجرة بالوعيد الشديد وبرئ منه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأثنى على من هاجر، ووعدهم على الهجرة بخيري ~~الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} 3. # وقال: {فالذين هاجروا وأخرجوا من PageV01P311 # ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب} 1، ~~وأي جهل أعظم من جهل من يسوي بين حسنات المقربين الأبرار، وسيئات العصاة ~~الأشرار؟ {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} 2. # هجرة الصحابة إلى الحبشة وإكرام النجاشي لهم # وهذا سياق قصة مهاجرة الحبشة. قال أبو نعيم في منتقاه من سيرة ابن هشام: ~~قال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " لما نزلنا ~~أرض الحبشة جاورنا بها خير جار- النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا ~~نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى ~~النجاشي فينا رجلين جلدين، ms22 وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع ~~مكة. # وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من ~~بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة ~~وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته ~~قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم اسألاه أن ~~يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده ~~بخير دار عند خير جار ... ى أن قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب. # وقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ~~ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، وكنا على ~~ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا ~~إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة ~~والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، ~~والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، ~~وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك PageV01P312 # به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. # قالت: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به ~~من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ~~ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا وعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة ~~الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل من الخبائث ما حرم الله علينا. فلما ~~قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من ~~سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. # قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال ~~جعفر: نعم، فقال له النجاشي: اقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من {كهيعص} قالت: ~~فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ~~ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا ms23 والله والذي جاء به موسى ليخرج من ~~مشكاة واحدة، انطلقا فلا–والله- لا أسلمهم إليكم ولا أكاد" ثم ساقت القصة. # قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: لما مات ~~النجاشي كان يتحدث: أنه لا يزال على قبره نور. انتهى. # (قلت) : وقد أنزل الله في النجاشي وأصحابه آيات في سورة المائدة من قوله: ~~{ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} 1 إلى قوله: ~~{وأنهم لا يستكبرون} 23. # وكل من له أدنى معرفة لا يفهم من هذه القصة إلا أنها حجة عظيمة على ~~الهجرة الواجبة من وجوه لا تخفى على البليد، اللهم إلا من ابتلي بسوء الفهم ~~وفساد التصور وكابر العقل والشرع فلا حيلة فيه، يا ربنا نسألك الثبات على ~~الإسلام. # حال المسلم الذي يقيم بين المشركين المعادين للإسلام # وأورد أيضا حديث: "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين، لا تراءى ~~ناراهما" 4، والحجة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه مسلما، فيفيدان ~~إقامته بين أظهر المشركين لا تخرجه عن الإسلام PageV01P313 # (فالجواب) : أن براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن جلس بين ظهرانيهم ~~إنما كان عقوبة له على مجرد الإقامة بين أظهرهم. وأما إيواؤهم ونقض العهد ~~لهم ومظاهرتهم ومعاونتهم والاستبشار بنصرهم وموالاة وليهم ومعاداة عدوهم من ~~أهل الإسلام، فكل هذه الأمور زائدة على مجرد الإقامة بين أظهرهم، وكل عمل ~~من هذه الأعمال قد توعد الله عليه بالعذاب والخلود فيه وسلب الإيمان، وحلول ~~السخط به وغير ذلك مما هو مضمون الآيات المحكمات التي قد تقدمت، وكل ذنب من ~~هذه الذنوب له عقوبة تخصه، كلما ازداد منه زاد الله له في العقوبة. # فإن لم يؤمن بتلك الآيات المحكمات ويعترف بصدور تلك الأعمال منه فما أشبه ~~حاله بحال من قال الله فيهم: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء ~~من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا ~~بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ms24 ينصرون} 1. # واعلم أن هؤلاء المشركين لا يرضون من هذا وأمثاله بمجرد الموالاة والنصرة ~~دون عبادتهم وتسويتهم لهم بالله في التعظيم والإجلال والتودد إليهم. فمن ~~ذلك الانحناء لهم والإشارة باليد إلى أشرف أعضاء السجود وهو الجبهة والأنف. # وكل ذلك من خصائص الإلهية، وذلك أمر لا محيد لهم عنه، كما قال تعالى عن ~~أهل الكهف: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا ~~إذا أبدا} 2. ولهذا لم يجدوا من مفارقتهم بدا، حتى ذهبوا إلى غار في رأس ~~جبل خوفا من ذهاب دينهم فآثروا الله على كل ما سواه. # قال شيخنا -في هذه القصة-: فيه اعتزال أهل الشرك واعتزال معبوداتهم ~~وقوله: {فأووا إلى الكهف} 3 فيه شدة صلابتهم في دينهم حيث عزموا على ترك ~~الرياسة الكبرى والنعمة العظيمة واستبدلوا بها كهفا في رأس جبل. # (قلت) : ومثل ذلك ما ذكره الله عن سحرة فرعون لما استنارت قلوبهم ~~PageV01P314 # بالإيمان قالوا لفرعون لعنه الله: {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من ~~البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} 1. # واعلم أن حقيقة حال هؤلاء المشبهة أن الله تعالى أمر بقتال المشركين ~~فقاتلوا معهم، وأمرهم بالبعد عنهم فآووهم وقربوا منهم، وأمر بمعاداتهم ~~فوالوهم، وأمرهم ببغضهم فوادوهم، وأمرهم بأن ينصروا أهل الإسلام فاستنصروا ~~بالكفرة عليهم، ونهوا عن مداهنتهم فداهنوهم. # ونهاهم عن كتمان ما أنزل الله من هذا وغيره فكتموه وشبهوا كما قال تعالى: ~~{إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم} 2. وقال: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} 3 الآية. ~~فجمعوا بين الكتمان والرد على من بين ولم يكتم، والتشبيه والجدال بالباطل، ~~فتركوا ما أوجب الله عليهم وارتكبوا ما حرم عليهم. وهذا ظاهر جدا لا يرتاب ~~فيه من له أدنى معرفة بالناس وما وقع منهم، فلا يأمنهم ويقربهم بعد هذه ~~العظائم إلا من سفه نفسه. # شبهة استئجار أبي ms25 بكر لعبد الله بن أريقط والرد عليها # ولهم شبهة أخرى، وهي أن أبا بكر استأجر عبد الله بن أريقط في طريق الهجرة ~~إلى المدينة وكان هاديا خريتا يدلهم على الطريق، فأحسن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صحبته؛ فتكون صحبة العسكر وإعانتهم على المسلمين ونصرتهم لا بأس ~~بها. # فيقال: (أولا) : قد ذكرت في الشبهة التي قبل هذه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين" 4 وهذا يناقض ما ~~استدللت به هنا، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتبرأ من صاحب عمل ~~وهو يفعله، ومثل هذا قوله: "من جامع المشرك أو ساكنه فهو مثله" 5. # والآيات المحكمات صريحة في التحذير من موالاتهم ناطقة بالوعيد الشديد على ~~موادتهم ونصرتهم، إذا عرف هذا فالفرق بين الدليل والمدعى أبعد مما بين ~~المشرق والمغرب PageV01P315 # وذلك أن ابن أريقط أعان رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبر البر بعد ~~الإسلام، وأفرض الفرائض بعد الإيمان، وسعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مصالحه التي يتوصل بها إلى رضاء مولاه، ومراغمة أعدائه. # ولا ريب أن هذا لو صدر من ابن أريقط بنية لكان من أفضل الأعمال، فإذا ~~أسلم كتب له ذلك من أفضل حسناته على حديث حكيم: "أسلمت على ما أسلفت من ~~خير"، بخلاف من آوى المشركين ورضي بهم بدلا من المسلمين وأعانهم، واستنصر ~~بهم وفرح بنصرهم وظهورهم، ودعا الناس إلى متابعتهم. # فالفرق بين الفعلين كالفرق بين فعل أبي طالب من النصرة والحياطة ~~والحماية، وفعل أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، فلو أسلم أبو ~~طالب لكان فعله من أعظم القربات، وفعل أبي جهل وأمثاله من أعظم الكفر ~~الموصل إلى الدركات في العذاب وحلول المثلات، فأين من أعان الباطل وواد ~~أهله ونصرهم وظاهرهم ممن أعان المسلمين وسعى في مصالحهم وراغم عدوهم؟ # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # فابن أريقط فعل خيرا جره إلى الإسلام كما جر سراقة بن مالك، وقد فعل من ~~النصيحة ms26 في حال كفره ما يحمد به باطنا وظاهرا، بخلاف من والى المشركين ونصح ~~لهم فإنه قد وقع في الوعيد والسخط والمقت وفساد الدين، ومفارقة المؤمنين، ~~والله أعلم بما يؤول إليه حال أعيان أولئك الضلال، لكنه يخشى عليهم أن ~~يصيبهم مثل ما قصه الله في شأن بلعام، وكذلك أهل مسجد الضرار، وقد كانوا ~~قبل ذلك في عداد الأنصار. فيا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على الإيمان. # ولا ريب أن عدول هذا المستدل عن الآيات المحكمات وصحيح الأخبار ترك ~~للمحكم واتباع للمتشابه، وقد قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون # PageV01P316 # ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} 1 الآية. # وعن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعا " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه ~~منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" 2. # وحاصل ما قدمنا من الجواب على ما أورده المشبه هنا يتضمن خمسة أوجه: # (الأول) : أن ابن أريقط أجير ومن شأن الأجير أن يخدم المستأجر؛ لأنه ملك ~~منافعه بعقد الإجارة، والأجير تحت المستأجر. # (الوجه الثاني) : أن ذلك مستأجر في مصلحة دينية هي من أكبر مصالح الدين، ~~فإعانته للمسلم وقت الحاجة إليه لا محذور فيها لكونها مصلحة محض، فكيف يجوز ~~أن يستدل بذلك على ما هو أعظم المفاسد في الدين من موالاة المشركين ~~وإعانتهم على باطلهم والصد عن سبيل الله؟ # جمعا فما الضدان يجتمعان # شتان بين الحالتين فمن يرد # (الوجه الثالث) : أن استئجار الكافر للمصلحة نظير استرقاق الكافر، وذلك ~~جائز بخلاف العكس، فإنه لا يجوز؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وهذا ~~المشبه كأمثاله صاروا لأهل مصر 3 كالمماليك في طاعتهم، ومتابعتهم، وإعانتهم ~~اختيارا منهم لا اضطرارا. (الوجه الرابع) : أن ما فعله ابن أريقط لا يعاب ~~عليه عقلا ولا شرعا بل قد يثاب عليه في حال كفره في الدنيا، وربما صار سببا ~~لإسلامه لقربه من الإسلام بإعانة أهله على طاعة ربهم، بخلاف من أعان على ~~معصية الله والصد عن سبيله، فأين من كان مع أهل الحق ممن كان مع عدوهم؟ وهل ~~سمعت بتفاوت أعظم من هذا التفاوت؟ # والله ما اجتمعا ms27 ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان PageV01P317 # (الوجه الخامس) :أن ما فعله ابن أريقط يغيظ كفار قريش، وإغاظة الكفار ~~يحبها الله تعالى، بخلاف من يفعل معهم ما يسرهم ويغيظ عدوهم من المؤمنين، ~~فأين هذا من هذا لو كانوا يعلمون؟ # والبصير يعلم أن هذا التشبيه من هؤلاء على العوام صد لهم عن سبيل الله، ~~وأنه من آثار عقوبة تلك الأعمال # اللهم إنا نعوذ بك أن نفتن عن ديننا، وأن نرد على أعقابنا، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى ~~آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما. # وهذا آخر ما تيسر جمعه، والله أسأل أن يعمم بنفعه. # أملاه وجمعه الفقير إلى الله تعالى عبده عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد ~~بن عبد الوهاب. # وكتبه الفقير إلى الله عبده علي بن عبد الله البواردي. # وذلك في سنة 1261 من هجرته صلى الله عليه وسلم. # وكتبه من قلم كاتبه حرفا بحرف عبده الفقير إليه عبد الله بن إبراهيم ~~الربيعي. # وذلك في 25 صفر سنة 1346 وصلى الله على محمد # وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # آمين. PageV01P318 ms28