######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000189 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط، الشهير باليازجى، نصراني الديانة (المتوفى: 1287هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1287 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مجمع البحرين لليازجي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000189 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-189 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/189 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الرابعة، 1302 هـ - 1885 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة الأدبية، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقامة الأولى وتعريف بالبدوية # حكى سهيل بن عباد قال: مللت الحضر، وملت إلى السفر. فامتطيت ناقة تسابق ~~الرياح، وجعلت أخترق الهضاب والبسطاح. حتى خيم الغسق، وتصرم الشفق. فدفعت ~~إلى خيمة مضروبة، ونار مشبوبة. فقلت: # من يا ترى القوم النزول ههنا ... هل بهم الخوف أم الأمن لنا؟ # قد كان عن هذا الطريق لي غنى # وإذا رجل من وراء الحجاب، قد استضحك وأجاب: # إني ميمون بني الخزام ... وهذه ليلى ابنتي أمامي # نعم وهذا رجب غلامي ... من رام أن يدخل في ذمامي # يأمن من بوائق الأيام # قال: فسكن مني ما جاش، من الجاش. ودخلت فإذا رجل # PageV01P004 # أشمط الناصية، يكتنفه الغلام والجارية. فحييت تحية ملتاح، وجثمت جثمة ~~مرتاح. وبات الشيخ يطرفنا بحديث يشفي الأوام، ويشفي من السقام. إلى أن رق ~~جلباب الظلماء، وانشق حجاب السماء، فنهضنا نهيم في تلك الهيماء. حتى إذا ~~أشرفنا على فريق، يناوح الطريق. عرض لنا لصوص قد أطلقوا الأعنة، وأشرعوا ~~الأسنة. فأخذ الشيخ القلق، وقال أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق. ولما التقت ~~العين بالعين، على أدنى من قاب قوسين. قال: يا قوم هل أدلكم على تجارة، ~~تقوم بحق الغارة؟ قالوا: وما عسى أن يكون ذاك؟ حياك الله وبياك! فقال: يا ~~غلام اهبط بهم إلى مراعي الريف، وأنا أقف هنا أراعي كاللغيف. قال سهيل: ~~فلما توارى بهم أوفض الشيخ على ناقته القلوص، حتى أتى الحي فنادى اللصوص. ~~وطلب المراعي فانهالت في أثره الرجال، وإذا اللصوص قد ساقوا # PageV01P005 # قطعة من الجمال. فأطبقوا عليهم من كل جانب، وأخذوهم أسرى إلى المضارب. ~~حتى إذا أثخنوهم شدوا الوثاق، وقد كادت أرواحهم تبلغ التراق. ثم أدخلونا ~~إلى بيت طويل الدعائم، في صدره شيخ. كأنه قيس بن عاصم. فقال: أحسنت أيها ~~النذير فسنوفي لك الكيل، ونعطيك ما لهؤلاء اللصوص من الأسلاب والخيل. ~~فابتسم الشيخ من فوره، وقال: جدح جوين من سويق غيره. قال: قد رأيت ما لا ~~يرى، فعند الصباح يحمد القوم السرى. ولما كان الغد أهاب بنا داعي الأمير، ~~ونفحنا بصرة من الدنانير، فضممناها ms001 إلى أسلاب # PageV01P006 # اللصوص وخرجنا نجد المسير. ولما استوى الشيخ على القتب، أخذته هزة الطرب. ~~فأنشأ يقول: # أنا الخزامي سليل العرب ... أذهب بين الناس كل مذهب # وألبس الجد ثياب اللعب ... وأستقي من كل برق خلب # وأتقي باللطف كل مخلب ... وألتقي الرمح بلدن القصب # ولا أبالي بالفتى المجرب ... لو أنه عمرو بن معدي كرب # علي درع من نسيج الأدب ... تكل عنها ماضيات القضب # ولي لسان من بقايا الحقب ... يقنص بالمكر أسود الهضب # والصدق، إن ألقاك تحت العطب، ... لا خير فيه فاعتصم بالكذب # بمثل هذا كان يوصيني أبي # قال: فلما فرع من إنشاده، تزمل ببجاده. وقال: يا قوم اتبعوا من لا يسألكم ~~أجرا، ولا تستطيعون بدونه نصرا. ثم انطلق بين أيدينا كالدليل، وهو يمزج ~~الوخد بالذميل، إلى أن نشرت راية الأصيل. فنزلنا وارتبطنا الأنعام، وأضرمنا ~~النار للطعام. وقال # PageV01P007 # الشيخ حتى دنا من ناقتي فحل العقال، وأخذ يتخطى ويتمطى ذات اليمين وذات ~~الشمال. فنفرت الناقة في مجاهل تلك الأرض، وجعل يستوقفها زجرا فتشتد في ~~الركض. فبادرت أعدو إليها حتى استأنست من النفار، ورجعت بها أتنور تلك ~~النار، وإذا الشيخ قد أخذ كل ما هناك وسار. فصفقت صفقت الأواه، وقلت: لا ~~حول ولا قوة إلا بالله. ثم عمدت إلى عقال ناقتي المجفلة، وإذا طرس قد عقل ~~به مكتوبا فيه بعد البسملة: # قل لسهيل: لست بالمغبون، ... لولاي ذقت غصة المنون # فأنت والناقة في يميني ... ملك بحق ليس بالمنون # لكن عفوت عنك كالمديون ... وهبته الدين لحسن الدين # فقدم الشكر إلى ميمون! # قال: فعجبت من أخلاقه، وأسفت على فراقه. ووددت على ما بي من الفاقة، ولو ~~مكث واستتبع الناقة. ### | المقامة الثانية وتعريف بالحجازية # PageV01P008 # حدث سهيل بن عباد قال: نهضت من الأهواز، أريد قطر الحجاز. فخرجت أطوي ~~السباسب والبسابس، في عصبة من أولي الخلابس. فكنت أتفكه منهم بالحديث، ~~وأنتقل منه بالقديم إلى الحديث. وما زلنا نظعن في المفاوز ونضرب، حتى دخلنا ~~مدينة يثرب. فأقمنا بها غرار شهر، كغرة في جبين الدهر. وبينما نحن في ليلة ~~بين الرحال، إلى جيرة ms002 بمكان الكليتين من الطحال. سمعنا زفرة متنهد، يليها ~~صوت كئيب ينشد: # يا من يرد علي ما فقدت يدي ... هيهات ليس يرد أمس إلى الغد! # فقدت يدي طيب الحياة! وهل ترى ... لي مطمع في الغابر المتجدد؟ # ماذا يفيد العيش صاحب كربة ... لهفان يمسي في الهموم ويغتدي؟ # الموت أطيب من حياة مرة ... تقضى لياليها كقضم الجلمد! # مضت الليالي البيض في زمن الصبا ... وأتى المشيب بكل يوم أسود # PageV01P009 # يا حبذا ما فر من أيامنا ... لو كان يمسك عندنا كمقيد! # أنفقت صفو العيش حتى إنه ... لم يبق لي إلا ثمال المورد # يا ليت ذي الأكدار أول معهد ... كانت، وذاك الصفو آخر معهد # ويحي! متى أمسي ولي نفس بلا ... صعد وأنفاس بغير تصعد؟ # ما كنت أحسد سيدا في ملكه ... واليوم أحسد عبد عبد السيد! # قال: فلما سمع القوم لهجته الشجية، ورأوا ما له من سلامة الشجية. رقت ~~أفئدتهم عليه، وصبت عواطفهم إليه. وقالوا: هل لنا من يطرق مضجعه، ويؤنسنا ~~بالتمازج معه؟ فما عتم الرجل أن وقف بنا منتصبا، وأنشدنا مقتضبا: # أنا الذي ساح البلا في ساحتي ... أباح سري واستباح باحتي! # روحي كريحاني، وراحي راحت ... ريحا، فراحت راحتي من راحتي! # فاستحلى القوم هذا التجنيس، وأحلوا الرجل محل الأنيس. ثم استطلعوه طلع ~~أمره، وما ذاق من خله وخمره. فقال: يا كرام العرب، وكعبة الأرب. إني لقد ~~كنت أفري وأقري وأفدي وأسدي. وما زلت ألبس وأطعم، وأجيز وأنعم. حتى ذهب ما ~~في السفط جزافا، # PageV01P010 # ونفد ما في الكظيمة استنزافا. فصرت أجوع من ذؤالة، وأعطش من ثعالة. وإني ~~لطالما كانت تصدع وطأتي الصفا، ويخدش براجمي السفا. فصرت أمشي بقدم الأخنب. ~~وأبسط راحة الأكنب. ولم يبق لي الدهر سوى ولد، أذل فلما حان الهداء وآن ~~البناء. قال ذووها: لا صهار، إلا بالإمهار. فنقدتهم ما راج، وخرجت أسعى بما ~~غير كجابي الخراج. وقد أبرزت لكم حضيضتي، وبضيضتي. وأطلعتكم على عجري ~~وبجري. فإن أحسنتم فأنا من الشاكري، وإلا فإني من العاذرين. فاستحسنوا ~~إشارته، واستلطفوا عبارته. وقالوا: رحبت بك الدار، وحباه كل واحد ms003 # PageV01P011 # بدينار. فانثنى وهو يثني جميلا، ويمشي ذميلا. فلما أصبحت قصدت مثواه، ~~لأصطبح بنجواه. وإذا هو صاحبنا ابن الخزام، وقد قام لديه ذاك الغلام. فقلت: ~~أهذا الخطيب المعهود، فأين الملاك المشهود؟ قال: أرجو أن يكون خطيبا، فإني ~~أراه لبيبا. ثم قال: يا بني إن الرامي بعلة الورشان، يأكل رطب المشان، وهذه ~~إحدى حظيات لقمان، فإن رأيت ما سيكون ذهلت عما كان. واعلم أن العيش نجعة، ~~والحرب خدعة. فإذا لم تغلب، فاخلب. وإذا # PageV01P012 # بليت بسوء المصير، فعليك بحسن التدبير. فلبثت عنده يومي أجمع، أتمتع ~~بالمنظر والسمع. وهو يطرفني بما مر برأسه من العبر، ويحدثني بما ختل وختر، ~~والخبر عندي يعضد الخبر. إلى أن زالت الشمس أو كادت تزول، فاستلقى على ~~وسادته وأنشأ يقول: # أعوذ بالمهيمن الفياض ... من أهل هذا الزمن المهتاض # أسلمهم كالأرقم اللضلاض، ... يلسع كل قادم وماض! # إياك يا صاح من التغاضي ... واحذر ولو من طلحة الفياض # من عاشر الخلق بخلق راض، ... وباشر الجفون بالإغماض # هيهات أن يخلو من انقباض، ... ما الختل يا بني من أغراضي! # لكن تصدى الظلم لانتهاضي ... أن أدفع الأمراض بالأمراض # والظلم من خبائث الحياض ... يلجى إلى تدنس الأعراض # لو أنصف الناس استراح القاضي # PageV01P013 # قال: ولما فرغ ارتجازه دعا بالطعام، وقطع الكلام. فجلسنا نتناول ما حضر، ~~ثم قمنا نتذاكر السمر، في ظل القمر. إلى أن تهافت الليل، وما علي الكرى كل ~~الميل. فأوغلت في النوم حتى حذتني قارصة الشمس، وإذا الشيخ قد ارتحل فساءني ~~اليوم أكثر مما سرني أمس. ### | المقامة الثالثة وتعريف بالعقيقة # حكى سهيل بن عباد قال: بكرت يوما بكور الزاجر، في معمعان ناجر، خوفا من ~~اصطكاك الهواجر. فأمعنت في السياحة، وجعلت أقطع ساحة بعد ساحة. حتى إذا ~~تخللت بعض الغيطان، وقد سال عليها مخاط الشيطان. رأيت كتيبة من الرجال، على ~~كثيب من الرمال، فبذلت في شاكلة الجواد المهماز، ورددت # PageV01P014 # صدور الأرض على الأعجاز. حتى أدركت القوم، في منتصف اليوم. وإذا جنازة قد ~~أودعوها التراب، وشيخ على دكة قد افتتح الخطاب. فقال: يا كرام المعاشر ~~والعشائر، وأولي ms004 الأبصار والبصائر، أرأيتم ما أحرج هذا البيت، وأسمج هذا ~~الميت؟ طالما جد وكد، واشتد واعتد. وركب الأهوال، واحتشد الأموال. فانظروا ~~أين ما جمع، وهل أتى بشيء منه إلى هذا المضجع. وطالما شمخ، وبذخ. وأسرف، ~~واستطرف. وتأنق في الطعام والشراب، واستكرم المهاد والثياب، وتضمخ بالعبير ~~والملاب. فاعتبروا كيف صار جيفة لا تطاق، وكريهة لا تستطيع أن تلحظها ~~الأحداق. فإن كنتم قد ضمنتم الخلود، وأنتم اللحود. فتمتعوا بشهواتكم مليا، ~~واتركوا ما رأيتم نسيا منسيا. وإلا فالبدار البدار، إلى طرح العالم الغرار. ~~فإن السعيد من نظر إلى دينه دون دنياه، وأخذ الأهبة لأخراه قبل أولاه ~~والشقي من نظر قريبا، فبات خصيبا، وعاش رحيبا، وغفل عن يوم يجعل الولدان ~~شيبا. ثم فاضت عيناه بالدموع، وأطرق برأسه من الخشوع. وأنشد: # PageV01P015 # واها لمن خاف الإله واتقى ... وعاف مشترى الضلال بالهدى # وظل ينهى نفسه عن الهوى ... إن إلى الرب الكريم المنتهى # وليس للإنسان إلا ما سعى ... نعم! وإن سعيه سوف يرى # ما هذه الدنيا سوى طيف كرى ... فانتبهوا يا غافلين للسرى! # وشمروا الذيل وبادروا الوحى ... من قبل أن يدعوكم داعي الردى # واطرحوا كل نعيم وغنى ... واستهدفوا لوقع أسهم البلى # وأقرضوا الله فنعم من وفى ... ما أجهل الناس وأذهل النهى # لو أن هذا المال في هذا الورى ... قال: ألست ربكم؟ قالوا: بلى # ولما فرغ من أبياته زفر زفرة الضرام، وقال: "كل من عليها فإن، ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام"، ونزل وهو يمسح عبراته بفضلة اللثام. فخيل للقوم ~~أنه قد هبط من السماء، وقالوا هذا ممن يمشي على الماء. ثم أقبلوا يهرعون ~~إليه، وطفقوا يقبلون يديه، ويتبركون بمس برديه. وأتحفه كل منهم بما شاء، ~~وقالوا له: الدعاء الدعاء! فلما أحرز المال هب إلى الفرس، بأسرع من رجع ~~النفس. وقام القوم فودعوه، ثم # PageV01P016 # تطرقوا فشيعوه. فلما أبعد عن الربوة، قيد غلوة. إذا امرأة كأنها من حور ~~الجنان، تنتظره على المكان. فتأفف وقال: يا لكاع! لولا حاجة الرفاق، لأشهدت ~~عليك بالطلاق. فقالوا: ما هذه الجارية، يا مبارك الناصية؟ قال: هي ms005 امرأة لي ~~صحبتها في هذه الرحلة، لتخفف عني بعض الثقلة. فأنضاها الكلال حتى لا تستطيع ~~أن تمشي فنذهب، ولا أستطيع أن أترجل لتركب. فتقدم إليها فتى ببرذونة قد ~~امتطاها، وقال: اركبي باسم الله مجراها. فقال الشيخ: جزاك الله خير الجزاء ~~وجزاء الخير، ثم أقسم على القوم فعادوا وكأن على رؤوسهم الطير. قال سهيل: ~~وكنت قد عرفت حين أماط اللثام، أنه ميمون بن خزام. فقلت: إن الشيخ قد أتى ~~الله بقلب سليم: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. بيد أني طويت عنه ~~كشحي، لأعلم هل أصاب # PageV01P017 # قدحي. فتراجعت مع الراجعين، وتوليت عنه حتى حين. فمكثت هنيهة أترقبه، ثم ~~انبعثت أتعقبه. حتى انتهى إلى دسكرة في الطريق، بجانب العقيق. فنزل عن ~~الحجر. واعتزل إلى حجرة، وافترش اريكته في ظل حجرة. فاعتسفت إليه من بعض ~~الجوانب، وكمنت له كالضاغب. وإذا به قد احتجر دستجة من الراح، كزجاجة فيها ~~مصباح. وأخذ يتعاطى الأقداح، ويغازل تلك الخود الرداح. فلما لعبت بعطفيه ~~الشمول، مال على أحد جانبيه وأنشأ يقول: # سقى الغمام ترب ذاك القبر ... فقد سقاني من لذيذ الخمر # ما لم أذق نظيره في العمر ... أفادني في اليوم قبل العصر # ما لست أستفيده في الشهر ... وإن أكن ركبت إثم السكر # فقد أفدت القوم عند الذكر ... مواعظا تلين صلد الصخر # فنلت من ذاك عظيم الأجر ... وصرت أرجو أن يقوم عذري # عند الإله في مقام الحشر ... بأنني كفرت قبل الوزر # PageV01P018 # قال: فلما فرغ من إنشاده المريب، طلعت عليه طلعت الذيب، وقلت: السلام على ~~الخطيب. فأجفل إجفال الحمل، وقال: سبق السيف العذل. إذا كنت طفيليا، فلا ~~تكن فضوليا. قلت: فمن التي تشرب الكأس من يديها؟ أحليلة بنيت بها أم خليلة ~~أنست إليها؟ قال: إن بينهما نقطة فلا تحاسب عليها. والآن قد غلبتني سورة ~~المدام، وتلعثم لساني عن الكلام، فاذهب الليلة بالسلام. وإذا التقينا غدا ~~برزت لك المكنون، ودرأت عنك الظنون. قال: فعلمت أنها # PageV01P019 # من خزعبلاته، لكنني أجريته على علاته. فثنيت عنه عناني، وانثنيت لشاني. ### | المقامة الرابعة وتعرف بالشامية ms006 # أخبر سهيل بن عباد قال: دخلت يوما على صاحب لي بالشام، أعوده من داء ~~البرسام. فجلست بإزائه، وأنا أستخبره عن دائه. وبينما هو يبث شكواه، ويتأوه ~~لبلوه. إذا قيل: قد جاء الطبيب، فقلت: قطعت جهيزة قول كل خطيب. ونظرت فإذا ~~رجل قد أقبل يجر ذيل طيلسانه، ويقرع أديم الأرض بصولجانه. حتى دخل فسلم، ثم ~~جلس معرضا ولم يتكلم. فتوسمته وإذا هو شيخنا ابن خزام، فاحتفزت للقيام، ~~وأردت أن أستأنف السلام. فأومض إلي بجفنيه، واستوفقتي عن التسليم عليه. ~~فقال له المريض: يا مولاي أرى أن # PageV01P020 # صدري قد ضاق، وتواتر علي الفواق. فقال: ذكر الأستاذ بقراط، أن ذلك يدل ~~على نضج الأخلاط. وقد وصف له الإمام ابن عاتكة، أن يسقى شراب الملائكة. ~~لكنه لا يشترى إلا بمائة درهم، فإن بذلتها نجوت من البلاء الأدهم. فدفعها ~~إليه وقال: حبا وكرامة، إن ظفرت بالسلامة. قال: وكان أهل المريض قد ~~استضعفوا رجاء الشفاء، ورأوا طبيبهم كالكاتب على صفحات الماء، فاستحضروا ~~بعض نطس الأطباء. ووافق تلك الساعة وفده عليه، فدخل وهو يتهادى بين برديه، ~~ثم جلس والشيخ يصوب طرفه ويصعده إليه. فقال: إن شئت أن تتحفنا بمعرفتك، ~~فذلك من عارفتك. قال: أنا من أطباء جزيرة العرب، كنت قد انتصبت للتدريس حتى ~~انقطع الطلب. فاعتزلت عن مزاولة العلاج واصطناع الأدوية، وخرجت أتفقد ~~العقاقير في الجبال والأودية، فعظم الشيخ في عين الطبيب، وأراد أن يسبر ~~غوره ليرى أيخطئ ظنه أم يصيب. فقال: يا مولاي إني رجل من المتطببين، # PageV01P021 # وقد عثرت على مسائل أنا منها بين الشك واليقين. قال: على الخبير بها ~~سقطت، فسل عما التقطت. فإن وجدت لذلك عبرة، أعطيتك الجواب صبرة. قال: كيف ~~يتركب السرسام، مع البرسام؟ وما هي مقادير الأخلاط بالنسبة إلى بعضها في ~~الأجسام؟ وما هو المراد عند الأول، بقسمة الطب إلى علم وعمل؟ وما هي ~~الكيفية المنفعلة والكيفية الفاعلة؟ وما هي الأسباب السابقة والبادية ~~والواصلة؟ فقال: الله أكبر إن الحديث ذو شجون، وإن لك أجرا غير ممنون. لقد ~~ذكرتني مائة من المسائل، جمعتها في ms007 بعض الرسائل. وهي مما يشكل على # PageV01P022 # الألباء، وتناقش به فحول الأطباء. فإن شئت جعلنا الساعة موعدا، وأتيناك ~~بها غدا. قال: ذاك إليك، فنهض وقال: السلام عليك. وخرج وهو قد اعتضد ~~الصولجان، وانساب انسياب الأفعوان. قال سهيل: فابتدرت الخروج على الأثر، ~~قبل أن يتوارى عن النظر. فأدركته عن أمد يسير، وهو ينشد كحادي البعير: # الحمد لله وللفرار ... فقد نجوت من فضوح العار! # أفلت من جرادة العيار ... ما لي وللنضال والحوار # ما أنا بالرازي ولا البخاري ... وليس لي في الطب من أسفار # أدرسها في الليل والنهار ... وسائل مماحك مهذار # يسألني عن غامض الأسرار ... جعلت مثل الخادع الغرار # موعده الساعة فوق النار ... فقل له: صبرا على انتظاري! # PageV01P023 # قال: فما استتم الإنشاد، حتى وقفت له بالمرصاد. وقلت: عهدتك بالأمس ~~خطيبا، فمتى صرت طبيا؟ فقال: ألبس لكل حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها. ~~دخلت يا ابن أخي هذا البلد، وأنا غريب لا سيد لي ولا # PageV01P024 # لبد. فرأيت الأديب عند أمته، أهون من قعيس على عمته. فلما رأيتهم معارج ~~لا ترتقى، وأراقم لا تقبل الرقى، جردت المبضع والمشراط، وسأستغفر الله لي ~~ولهم إذا وقفنا على الصراط. قال: وبينما نحن كذلك إذ صاحت الصوائح، وعلا ~~ضجيج النوائح. فقلت له: قاتلك الله ما أقتلك، وأحبط علمك وعملك. قد كنت ~~أهون من قعيس، فصرت أشأم من طويس. لو رمى الله بك أصحاب الفيل، أغنيت عن ~~الطير الأبابيل. # فنظر إلي شزرا، وأنشد يقول شعرا: # لا خير في الناس دعني ... أفتك بهم، يا فلان # PageV01P025 # فليس فيهم رجاء، ... وليس منهم أمان # يا ليت ألف طبيب ... مثلي يسوق الزمان! # فكلما قصر العيش ... يقصر العصيان! # فخف عنهم عذاب ال ... أخرى وقل الهوان! # ثم قال: هذه معذرتي فإن شئت القبول، وإلا فدع عنك الفضول، وإذا فارقتني ~~فقل ما شئت أن تقول. ثم ولى يهرول، والنائحات تولول. وهو يقول: لو قدرت أن ~~أدفع الموت لبقيت إلى الأبد، ولو شفى الطبيب كل مريض لم يمت أحد. فرجعت ~~أقول: ههنا كل العجب، لا بين جمادى ورجب. # PageV01P026 ### | المقامة الخامسة ms008 وتعرف بالصعيدية # أخبر سهيل بن عباد قال: دخلت مجلس قاضي الصعيد، وقد جلس للتهنئة بالعيد. ~~فبينما دنوت إليه، وسلمت عليه. دخلت امرأة غضة، كأنها برج فضة. وقالت: ~~السلام عليك أيها المولى، ولا زلت بالكرامة أولى فأحسن رد السلام، وقال: ما ~~وراءك يا عصام؟ قالت: إنني امرأة من كرائم العقائل، وكرام القبائل. قد ~~خطبني إلى والدتي العجوز، رجل يدعي أنه من أصحاب الكنوز. وقد جعل كل ماله ~~لي # PageV01P027 # وقفا، وصرفني في بيته عينا ووصفا. فلما حضرت إلى بيته وجدته كبيت ~~العنكبوت، لا شيء فيه من الأناث والقوت. وهو قد أمسكني جبرا، وكلفني ما لا ~~أستطيع عليه صبرا. فمره إن شئت بالإنفاق، وإلا فالطلاق. فأشار القاضي إلى ~~الغلام بإحضاره، والمرأة دليلة له في آثاره. فما كان إلا كقراءة هل أتى، ~~حتى عادت المرأة والفتى. وبين أيديهما رجل طويل القامة، كبير العمامة. ~~فتقدم إلى القاضي وهو يقول: أيد الله الجالس على بساط الرسول. قال: أيد ~~الله الحق المبين، وعصمنا وإياك بحبله المتين. ما تقول في دعوى هذه ~~الجارية؟ وما أدراك ما هيه. قال: هي فرية وسوس بها إليها الشيطان، ومرية ما ~~أنزل الله بها من سلطان. قال: فادفع عن نفسك بالتي هي أحسن، ولا تجادل في ~~أشياء إن تبد لك تسوؤك فتحزن. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~ثم أشار إلى القاضي وأنشد بصوت رخيم: # أنا أبو ليلى أخو العجاج ... وصاحب الأرجاز والاحاجي # عندي من العلم لدى المناجي ... كنز، ومن مطارف الديباج # PageV01P028 # ما ليس من صناعة النساج، ... لكنني من قلة الرواج # قد اشتريت دملجا عن عاج ... بدرهم كالقمر الوهاج # كنت أصونه إلى احتياج ... إذ لم أكن لغيره براج # فذاك مالي، يا أبا فراج، ... جعلته في يد بنت الناجي # وقفا لها، فلست بالمداجي ... وهي على بيتي كالحجاج # تحكم في الإدخال والإخراج ... من غير عرضة ولا حجاج # مصونة في أحصن الأبراج ... آمنة من طارق مفاج # مرتاحة من كل ذي إزعاج ... لا تحمل الزيت إلى السراج # ولا تعاني الرحض للسناج ... وطاجن الفالوذ والسكباج ms009 # وعرن الكباش والنعاج ... فلم تزل صحيحة المزاج # نقية من وضر الأمشاج ... غنية عن خطر العلاج # والمرء لا يرضى ولو بالتاج # PageV01P029 # قال: وكان المجلس حافلا بأهل العيد، ومزدحما بالأحرار والعبيد. فعجبوا من ~~بداهة الرجل وفكاهته، ونزهة لفظه ونزاهته. وقالوا: ما نراه أخطأ في الدعوى، ~~لكنها أخطأت في الفجوى. فليجبر قلبها كل واحد بدينار، ولنجعلها زكاة عيد ~~الإفطار. ثم حصبها كل بدينار حسب وعده، وقالوا لها: أنفقي مما رزقك الله ~~حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده. فاستشاط الرجل وقال: أراكم قد ~~أمرتموها بالإنفاق فقد جعلتموها لي بعلا، وجعلتموني لها أهلا. فلا تلبث أن ~~تقول: قد استنوق الجمل، وتطلقني البتات لعكس العمل. قالوا: لله درك أيها ~~الجندلة، فما تقول في المسألة؟ قال: قد رأيتم في الكتاب رأي العين، أن ~~للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن أحسنتم فإليكم، وإلا فكتاب الله عليكم. قالوا: ~~قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فقد أحسنت وما جزاء # PageV01P030 # الإحسان إلا الإحسان. فاشرأب الرجل واستطال، وأقبل على القاضي وقال: # إن أخطأت جارية في الفهم ... لا يخطئ القاضي المتين العلم # في فهم شكواي وفرض السهم # فقال القاضي: شهد الذي أخرج المرعى، أنك تريد أن تلسع الأفعى. فخذ هذه ~~الجدوى، على أن لا تحضرني بدعوى. فلما أحرز الرجل ما أعطاه، برزت المرأة ~~كالسعلاة. وقالت: أيد الله القاضي إن الدعوى من قبلي، فقد كان ذلك لي. ~~فأطرق القاضي إطراق المشفق، وقال: إن البلاء موكل بالمنطق. ثم قال # PageV01P031 # الشرطي: إني أراهما يتداولان مكر الليل والنهار، ويصلان الدرهم بالدينار. ~~فخذهما بهذه السفتجة، واكفني كربة الحشرجة، وأربة السمرجة. قال سهيل: ولما ~~أراد الرجل الخروج عطف إلي، وقد أغمض إحدى عينيه لتخفى معرفته علي. وقال: ~~أعيذك بالله أن لا تكون من الناس، فإن اعتذرت فلا باس. قلت: ليس معي إلا ~~دينار واحد فاقتسماه، وإلا فنظرة إلى ميسرة من رزق الله. قال: نعم ولكن إذ ~~تخلصت قائبة من قوب، فإياك مطل عرقوب. ثم خرج فانطلقت في أثره، لأقف على ~~كنه خبره. فلما أبعد عن دار القضاء، واقتضى # PageV01P032 # سفتجته ms010 البيضاء، فتح الشعرى الغميضاء. فإذا هو صاحبنا ميمون بعينه، وقد ~~انتفض العور من عينه. فابتهجت بمرآه، وابتهجت بملتقاه. وقلت له: ما خطبك ~~وهذه الجارية، ومتى تزوجت في البادية؟ قال: هي في البيت ابنتي، وفي المحكمة ~~زوجتي. ثم أنشد: # خبث الدهر، فصارت ... أنفس الناس بخيله # وإذا حالك ساءت، ... فليكن عندك حيله # ثم غمز بأناملة مرفقي، وقبل مفرقي، وقال: أستودعك الله إلى أن نلتقي. ### | المقامة السادسة وتعرف بالخزرجية # قال سهيل بن عباد: دخلت بلاد العرب، في التماس بعض الأرب. # PageV01P033 # فقصدت نادي الأوس والخزرج، لأتفرج وأتخرج، وآخذ من ألسنتهم بعض المنهج. ~~فلما صرت في بهرة النادي، أخذ بمجامع فؤادي. فجلست بين القوم ساعة، وأنا ~~أحدق إلى الجماعة. وإذا شيخنا ميمون بن خزام، قد تصدر في ذلك المقام. وهو ~~يقول: من أراد أن يعرف جهينة، أو شاعر مزينة. فليحضر ليسمع ويرى=فإن كل ~~الصيد في جوف الفرا. فعمد إليه رجل وقال: أطرق كرى، إن النعامة في القرى. ~~فقال الشيخ: كل فتاة بأبيها معجبة، فكن سائلا أو مسؤولا لنرى ما في القداح ~~من الأنصبة. قال: إنما يسأل العالم، فما هي # PageV01P034 # أسماء المطاعم؟ قال: لبيك وسعديك! وأنشد كهزار الأيك: # للنفساء الخرس والعقيقه ... للطفل عند عارف الحقيقة # كذلك الإعذار للختان ... وذو الحذاق حافظ القرآن # للخطبة الملاك والوليمة ... للعرس والميت له الوضيمه # وللبناء جعلوا الوكيره ... ولهلال رجب العقيره # وقيل تحفة لزائر يرد ... وشندخ لما يضل إذ وجد # كذا نقيعه القدوم من سفر ... ثم القرى للضيف عندما حضر # وحيثما لم يك من ذاك سبب ... فإنها مأدبة عند العرب # وإن تعم دعوة فالجفلى ... تدعى وإن خصت فتلك النقرى # قال: أحسنت يا ضريب الضرب، فما هي نيران العرب؟ فأنشد: # أول نار عندهم نار القرى ... وذكر نار الوسم بعدها جرى # ونار الاستسقاء والتحالف ... والصيد والحرب لدى التزاحف # PageV01P035 # ونار غدر وسلامة تعد ... ونار راحل كذا نار الأسد # والنار للسليم والفداء ... فجملة النيران هؤلاء # قال: أعتقك الله من النار! فهل تعرف ساعات النهار؟ فأنشد: # أول ساعة من النهار ... هي البكور والبزوغ طار # والرأد والضحى المتوع ms011 بعد ... ظهيرة ثم الزوال عدوا # فالعصر فالأصيل ثم الطفل ... وبالحدور والغروب تكمل # قال: قد أسبغت الذيل، فهل تعرف ساعات الليل؟ فأنشد: # أول ساعة من الليل الشفق ... وبعدها العشوة يتلوها الغسق # فهدأة ثمت شرع ثم قل ... جنح وزلفة هزيع يا رجل # وبعد ذاك غبش وسحر ... والفجر والصبح الذي ينفجر # قال: قد درأت الشبهات، فهل تعرف رياح الجهات؟ فأنشد: # ما هب من شرق فذلك الصبا ... ثم الجنوب عن يمين ذهبا # ثم الشمال والدبور، وجرت ... نكباء بين كل ريحين سرت # فذلك الأزيب ثم الصابيه، ... فالهيف ثم الجربياء آتية # PageV01P036 # قال: قد جلوت الرموز، وفتحت الكنوز، فهل تعرف أيام برد العجوز؟ فأنشد: # صن وصنبر ووبر يذكر ... وبعده الآمر والمؤتمر # كذا معلل ومطفي الجمر ... هاتيك أيام العجوز فادر # قال: حييت يا قطب للعراق، فما أسماء خيل السباق؟ فأنشد: # أول سابق هو المجلي ... ثم المصلي بعده المسلي # تال ومرتاح عليه يقبل ... والعاطف الحظي والمؤمل # كذلك اللطيم والسكيت ... فاحفظ فما أعطيت قد أعطيت # قال: لله درك! لقد جمعت فأوعيت، وقدحت فأوريت. فإن شئت فسل، قال: أجل، ~~ولكن خلق الإنسان من عجل. فإن أبطأت في الجواب فلي عليك ناقة حمراء، وعلى ~~قومك فرس غراء. قال: هات # PageV01P037 # وبالله التوفيق، إلى سواء الطريق. فقال: ما هي برق العرب المذكورة ~~وداراتها المشهورة؟ فضاق الرجل ذرعا في الجواب، وقال: اللهم اهدنا صراط ~~الحق والصواب. ثم قال: قد وجبت راحلة الشيخ علينا، ليسهل وفده إلينا. فقال ~~الشيخ: قد علمتم يا قوم أن لخير معقود بنواصي الخيل، وهي التي ينجو بها ~~الوافد من جوارح النهار وطوارق الليل. قالوا: كلاهما وتمرا، فقد فرضنا لكل ~~بيت صلة أخرى، على أن تكتبها لنا سطرا فسطرا. ففعل وقال: الشرط أملك، عليك ~~أم لك. فجاؤوا بناقة وجناء وفرس كميت، وشاة لكل بيت. فأنكر الشيخ الشويهات، ~~قد اذخرت شيئا فأنشده لنجيزه سريعا. فضحك الشيخ # PageV01P038 # على الأثر، وقال أريها الشهى وتريني القمر. إن هذه الأبيات مشطورة توهم ~~الأنصاف، لكنها تحسب أبياتا عند الإنصاف، وإلا لما جاز في قوافيها ما رأيتم ~~من الخلاف. ms012 فإن تمسكتم بالعروة الوثقى، وإلا فالله خير وأبقى. فقالوا: لله ~~درك ما أقواك في الحجة، وأهداك إلى المحجة! وقد رضينا بما حكمت، فخذ ما ~~احتكمت. قال: فاعتمد على عصاه وقال: رب ثبت قدمي، واشد عصاي التي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي. ثم أشار إلى المشهد وأنشد: # من كان يبغي السير في المنهج ... فليأت نادي الأوس والخزرج # يلق الغطاريف الألى همهم ... رب القنا لا ربة الهودج # PageV01P039 # يدكون نيران القرى في الدجى ... وينحرون الكوم في السجسج # إذا دعا الداعي استقامت له ... خيل نسبناها إلى أعوج # فقد جزيناهم بما ذكره ... يبقى بقاء الجبل الأصلج # فقالوا: قد تفضلت علينا في الثناء، فلك اليد البيضاء. وهذه نفقة لسفرك، ~~فسر مسرورا بظفرك. قال: فلما فصل عن النادي، قفوته إلى الوادي. وقلت له: ~~هنيا مريا، لقد جئت شيئا فريا. فأنى لك هذا السجال، وكيف أجبت كل سؤال ~~بالارتجال؟ قال: يا ابن أخي الحق أولى أن يقال. شهدت سوق عكاظ، وتخللت تلك ~~الأوشاظ، فسمعتهم يتناشدون القطعة والبيت، # PageV01P040 # ويتذاكرون من كيت وذيت. فالتقطت منهم ما التقطت، وسقطت به على من سقطت. ~~ثم أشار إلي بعصاه، وأنشد وهو يسوق الشياه: # ترى عيني تقر وعين ليلى ... تراقب عودتي حينا فحينا # تسائل عن أبيها كل ركب ... فلا تدري له خبرا يقينا # نذرت لها الفراهيد اللواتي ... أعود بها وأحرجت اليمينا # تضيف بها بنات الحي يوما ... كما قد كنت أصنع للبنينا # ولما فرغ من إنشاده، تمطى في بداده، على جواده، ثم ودعني وانطلق، وأودعني ~~القلق. فأتبعته عيني إلى أن غاب، ورجعت أستمطر له السحاب. ### | المقامة السابعة وتعرف باليمنية # حكى سهيل بن عباد قال: لفظتني أحداث الزمن، إلى مشارف اليمن. فحللتها ~~أنكر من شيء، وأنقل من فيء. لا أعرف بها جليسا، ولا أجد لي أنيسا. فلما ~~مللت الإقامة فيها، هممت بالرحيل عن # PageV01P041 # فيافها. فرأيت رجلا في الرحال، يطالب شيخا بمال. والشيخ يتبرأ من طلبه، ~~ما لم يحكم الشرع به، فتنافذا إلى القاضي بسببه. قال: وكنت قد تبينت أن ~~الشيخ صاحبنا ميمون، فابتهجت كأني أوتيت ms013 مال قارون، وتبعته إلى دار القضاء ~~لأنظر ماذا يكون. فلما دخلا على القاضي حياة الشيخ بالسلام، وقال: أيد الله ~~شرع الإسلام. فكأن القاضي نظر إلى رثاثة برديه، فلم يحفل بالرد عليه، فأخذت ~~الشيخ الحمية، حمية الجاهلية. وقال: أراك قد ارتكبت الخلة المنهي عنها، فقد ~~قال الكتاب: إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها. فإن كنت تعتبر الخرق دون ~~الأخلاق، فتلك مدارج الخز في الأسواق، وإلا فانظر إلى الألباب دون الجلباب. ~~فإن المرء بأصغر به، لا بثوبيه، قال: فخجل القاضي واعتذر إليه، وقد عظم في ~~عينيه. وقال هل للشيخ دعوى ترفع؟ قال: لا بل لصاحبنا دعوى لا تسمع. فأشار ~~القاضي إلى الرجل، وقال: تقدم فقل. فقال: يا مولاي لا تطعم العبد الكسراع، ~~فيطمع في الذراع. إن هذا الشيخ استأجر مني ناقة # PageV01P042 # مهرية، في الديار المصرية. وقال: إذا بلغنا اليمن لا أسلمك الزمام، حتى ~~أسلمك الأجرة عن تمام. فرخصت له في النسيئة، وغفلت عن الخبيئة. فلما بلغنا ~~موطىء القدم، إذا هو أضبط من عائشة بن عثم. فأمسك المطية، فضلا عن العطية. ~~فقال القاضي: ما تقول يا أيها الشيخ في دعواه؟ فضحك حتى استلقى على قفاه. ~~وقال: قد جعلت تسليم الأجرة موعدا لتسليم الزمام، فأنا لا أسلمه الأجرة ~~والسلام. فعجب القاضي لافتنانه، وأعجب بسحر بيانه، وخاف من ظبة لسانه. فقال ~~للرجل: نجعلها بين بين، خذ العين، واترك الدين، فويل أهون من ويلين. فقال: ~~إذا لم يكن غير هذا عند المولى، فالرضى به أولى. ولما خرج الرجل لشانه، ~~أشار القاضي إلى بعض غلمانه. وقال له: شيع الشيخ إلى بحبوحة الربع، وخذ منه ~~دينار المنع، فقال الشيخ: أراك أيها الإمام، قد جعلت زادك مخ النعام. ولقد ~~بلوتك لأرى هل تحكم # PageV01P043 # بالقسط بين الناس، فوجدتك تميل إلى حيث ترجو ثمالة الكأس، أو تجهل إخراج ~~القضايا على مقتضى القياس. فلأهجونك بما لم يهج به قاض من قبل، ولأشكونك ~~إلى من يؤدبك بالعزل، أو تشتري عرضك مني ولي عليك الفضل. فندم القاضي على ~~قضائه الخاسر، وقال: هذا جزاء مجير ms014 أم عامر. ثم أقبل على الشيخ وقال: قد ~~فرضت في مالي من الزكاة نصابا، فخذه وسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا. ~~قال: فلما قبض الشيخ الذهب، نهض وقال لي: يا رجب، خذ من القاضي دينار ~~الأدب. فقال القاضي: إنني بحكمك راض، فاقض ما أنت قاض. فتلقفت الدينار ~~وخرجنا للحين، والقاضي يقول: إن الله لا يضيع أجر المصلحين. ولما فصلنا عن ~~المكان، دعوت الشيخ إلى منزلي بالخان. فقال: إن نفسي لا تطيب بمقام، حتى ~~أفتقد الناقة والغلام. قلت: وما ذاك يا حمة العقرب؟ فضحك حتى استغرب. وقال: ~~أما الناقة فركوبتي التي جرت على أجرتها المخاصمة، وأما الغلام فخصمي الذي ~~رأيته في المحاكمة. فقلت: وماذا حملك، على أن تحبط عملك؟ قال. وصلت إلى # PageV01P044 # هذه البلاد، وقد خلت وفضتي من الزاد، فتوصلت إلى القاضي بسبب لعلمي أنه ~~أطغى من فرعون ذوي الأوتاد، وأبخل من كلاب بني زياد. ورصدت له حتى طلب ~~دينار القضاء، فكان عليه أشأم من رغيف الحولاء. فقلت له: لله درك ما أطول ~~باعك، وأهول قاعك! قال: من ليس يؤخذ بالبنان، فخذه بالسنان. ثم انساب بي ~~إلى منزله كالحباب، وإذا غلامه الذي كان يخاصمه بالباب. فأشار إليه وأنشد: # هذا غلامي الذي خاصمته ... إني لمثل ذلك استخدمته # حتى إذا الصيد أتى قاسمته ... بما كسوته وما أطعمته # وإن تمادى الدهر بي علمته ... ما قد أذعته وما كتمته # وهو مقام ولدي أقمته ... فإن ذخرت عنه أو حرمته # عاقبني الله فقد ظلمته # قال: فعجبت من أفانينه في المكر، وأساليبه في النظم والنثر. وعدلت إذ ذاك ~~عن الرحيل إلى المقام، حتى أراد الشخوص إلى الشام، فانطلق # PageV01P045 # إلى دار الحرب وانطلقت إلى دار السلام. ### | المقامة الثامنة وتعرف بالبغدادية # قال سهيل بن عباد: حللت بالزوراء في بعض الأسفار، وأنا غريب الدار، بعيد ~~المزار، فكنت أتردد فيها سحابة النهار، وأتفقد ما بها من المشاهد والآثار. ~~حتى دخلت يوما بعض المدارس، وإذا شيخنا الخزامي هناك جالس. والطلبة قد ~~أقبلوا عليه، وأحدقوا به وإليه. فسلمت عليه تسليم المشوق، وابتهجت به ms015 ~~ابتهاج العاشق بلقاء المعشوق. وجلسنا نتشاكى النوى، ونتباكى للجوى.. وإذا ~~امرأة تنادي يا شاري اللبن، الرخيص الثمن. وهي في أثناء الكلام، تتلاعب في ~~الإعراب على الثلاثة الأحكام. فعجبوا لافتنانها، وتاقت أنفسهم إلى استنباط ~~بيانها. # PageV01P046 # فدعتها ألسنتهم للشراء، وأفئدتهم للمراء. فجاءت حتى وقفت بالباب، وأرسلت ~~النقاب، وقال: السلام يا أهل الكتاب، قالوا: سلام يا كريمة الأعراب! فما ~~بالك تلحنين في الإعراب؟ قالت: أما سمعتم أن خير الكلام ما كان لحنا، أو لم ~~تيأسوا أن الكتاب قد أقام له وزنا؟ قالوا: أعييتني بأشر، فكيف بدردر؟ إن ~~كنت ممن يفسر الماء بالماء، فما نحن ممن يستجير بالنار من الرمضاء. قالت: ~~شهد من # PageV01P047 # رفع القبة الخضراء، أني ما جئتكم إلا بالحنيفية البيضاء. لكنكم تشترون در ~~الضوامر، وتستوهبون در الضمائر. فلما رأوا منها دهاء لقمان بن عاد، علموا ~~أنها صخرة واد. فرضخ كل لها بدرهم، وقالوا: إن أعربت عن المعجم، نفحناك ~~بالمشوف المعلم. قال: والشيخ بين ذلك يقلب وجهه في السماء، ويقول: سبحان من ~~علم آدم الأسماء. فلما جلت المكنون، واجتلت الموزون. قال: يا أولي الألباب، ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. وإلا ففوق كل ذي علم عليم، # PageV01P048 # وإن الفضل بيد الله يؤيته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قالوا: إن هذا ~~لهو الحق المبين، فأت بآية من مثل ذلك إن كنت من الصادقين. قال: قد جاء من ~~أمثال ذلك في كلام القوم، قولهم: لا صمت يوم. فإن شئتم ما فوقه من تصاريف ~~العرب، فقولهم: هذا يسر أطيب منه رطب. فإن استزدتم فقولهم في المثل: لا ~~ناقة لي في هذا ولا جمل. قال: وما فرغ الشيخ من الكلام، حتى ابتدر القيام. ~~فتعلقوا به وقالوا: لات حين مناص، فإن دواء الشق أن يحاص. ولقد أتيت من حيث ~~أيس، فلا تذهب من حيث ليس. فعاد إلى المقام، وقال صبرا: على مجامر # PageV01P049 # الكرام. ثم اندفع في شرحه كاليعبوب، حتى ملأ العيون والقلوب، فانهالت ~~عليه الجوائز حتى لم تبق حاجة في نفس يعقوب. ولما قضى الوطر، نهض على ms016 ~~الأثر، فقام القوم يودعونه، وهم يودون لو يتبعونه. وقالوا: بأنفسنا نفديك! ~~لقد سعد بك ناديك، فلا تجعلها بيضة الديك. قال: نعم لي صبي ليس كمثله في ~~بغذاذ، أريد أن أجره يوما إلى الأستاذ. قالوا: نراك قد جررته مذ الآن، فهل ~~تفيدنا بشيء من البيان؟ قال: إذا عدنا، أفدنا. لكنني لا أرى لقاء مثله من ~~ذوي الشان، حتى يستر أطماري الطيلسان. قال سهيل: ولم يكن بعد # PageV01P050 # انصرافه إلا كلمح البصر، حتى دخل الأستاذ فأطرفوه بالخبر. فقال: صبر ~~جميل، نام عصام ساعة الرحيل، والله حسبي ونعم الوكيل. ثم ألقى بطيلسانه إلي ~~وقال: هل لك أن تلقاه به فترده علي فقرعت الساق حتى أدركته بالسوق، وأبلغته ~~سياق الخبر المسوق. فقال: إن ليلى قد فصلت عن مجلسنا المعهود، ولنا موعد ~~أنتظرها به أن تعود، فإذا لقيت الأستاذ فقل له المعذرة، وإن غدا لناظره ~~قريب فمن # PageV01P051 # يعش يره. قلت: أوهي ذات اللبن قال: إن لم تكن فمن قلت: # PageV01P052 # إنها لنعم البنية! قال: وإن العصا من العصية. ثم جلس على عرفة هناك، وجعل ~~يقلب طرفه بين هذا وذاك. فلما طال أمد الانتظار قال: أظنها تنتظرني في ~~الدار. فهل لك أن تصحبني إلى الرصافة، وتؤنسني الليلة بالضيافة فقلت: إني ~~على ما تريد، وسرنا وهو يقول: أسعد أم سعيد، حتى انتهينا إلى باب حديد، ~~وإذا ليلى بالوصيد. فلما رآها تهلل وجهه بشرا، وأنشد يقول شعرا: # حييت يا ليلى ابنة الخزام ... كريمة الأخوال والأعمام # PageV01P053 # أصبحت في مدينة السلام ... غريبة الموطن والكلام! # ما زلت لي عونا على الأيام ... تمهدين سبلي أمامي # وتنفرين الصيد في الآجام ... حتى يكون غرض السهام # وإن كنت من ربائب الخيام ... فالسر في الشراب لا في الجام # رب ابنة أنفع من غلام # قال: ولما فرغ من أبياته أدخلنا إلى البيت، وأفاض في حديث أشهى من # PageV01P054 # حلبة الكميت. فبتناها ليلة كأنها ليلة القدر وأحييناها بالحديث حتى مطلع ~~الفجر ومازلنا كذلك حتى فرق بيننا الدهر. ### | المقامة التاسعة وتعرف بالحلبية # أخبر سهيل بن عباد قال: كان لي صديق بظاهر الشهباء ms017 ينتمي إلى العرب ~~العرباء. وكنت وإياه كالماء والراح، أو كنديمي جذيمة الوضاح. فحضرتني منه ~~ذات يوم بطاقة، يطالبني فيها بحق # PageV01P055 # الصداقة. ويطلب أن أبادر إليه ببعض الأشربة مما وصفه له بعض أهل التجربة. ~~فساءني ما به من توعك المزاج، وأشفقت من تأخر العلاج، فبادرت برقعته ~~الواصلة، إلى سوق الصيادلة. وأخذت له ما أراد كما يريد، وانطلقت إليه أعدو ~~كخيل البريد. وبينما أنا أجري مليحا، وأقعد طليحا. لمحت شيخنا الخزامي ~~وابنته بجانب الطريق، ولديهما فتى قد لبس البياض وتختم بالعقيق. فوثبت ~~كالظبي المقمر إليه، حتى أقبلت عليه. فتقدمت، ثم سلمت. فأجابني بالفارسية، ~~وأعرض عن تمام التحية. فقلت هذه إحدى مكايده. قد جعلها من مصايده. وطويت ~~عنه كشحا، وضربت صفحا. فتماشيت القهقرى، وتواريت بحيث أرى ولا أرى. فرأيت ~~الشيخ قد أشاح بوجهه عن الجارية والغلام، وجعل يدمدم بلغة الأعجام. والفتى ~~يخالس الجارية النظر؛ ويغازلها على حذر. فقالت: إن صاحبنا أعجم طمطم، لا ~~يفهم ولا يفهم. وقد لقيته وفاقا. لكنني أرى عينه قد # PageV01P056 # طمحت إلي، فلا يزال حوالي. وهو يعرض لي طورا بصرة، وتارة بدرة. وأنا أنفر ~~منه كالناقة الهوجاء، ولا أنبس له بحوجاء ولا لوجاء. فقال: ساء فأل المخنث! ~~إنه لأحمق من شرنبث. أفلا نصرفه إلى حيث يعود الذيب ونرفع ثقل منظره ~~المذيب؟ فقال: أشار إلي بأنه قد أعياه الصداع، ولو كانت لي سكاب لما قلت لا ~~تعار ولا تباع. فأشار إلى برذون له أطير من عنقاء مغرب وقال: نعم القتيل ~~بجير إن أصلح بين بكر وتغلب. فأركبته ذلك البرذون # PageV01P057 # الأدهم وقالت: اذهب إلى حيث ألقيت رحلها أم قشعم. فلما خلا الفتى ~~بالجارية قال لها: أبشري، خلا لك الجو فبيضي وأصفري. لكنني قبل ذلك أريد أن ~~أطلع طلع حالك. فقالت إنني فتاة كريمة الأصل، قليلة الأهل لا أب لي ولا ~~بعل. وقد سئمت من طول حبسي، وتولي أمر نفسي، فإن كان لك أرب في النساء، ~~فاتبعني لآخذ ما لي من الأشياء، وأتبعك إلى حيث تشاء. قال: أفعل وكرامة، ~~ونهض معها راكبا جناحي ms018 النعامة. قال سهيل فأذهلني ذلك الطويل العريض، عن ~~الدواء والمريض. ورجعت أدراجي في أثر الصاحبين حتى دخلا البيت البيت ~~كالفرقدين. فأخذ الفتى يرزم ما لها # PageV01P058 # من الحطام، وخرجت لتحضر ما تيسر من الطعام. وإذا بأبيها قد هجم هجوم ~~الأسد، على النقد. وقال: ويلك يا عدو الله ما كفاك أن تكون فاسقا حتى صرت ~~سارقا فلأقيمن عليك الحد والقطع، ولأجعلنك عبرة إلى يوم الجمع! فطارت نفس ~~الفتى شعاعا، واستطار فؤاده ارتياعا! وجعل يتهطر لديه بالسؤال، ويدمث له ~~المقال والشيخ يشمخ بأنفه، ويهز من عطفه، ويرمح برجله ويشير بكفه فكاد ~~الفتى يذوب من الحياء، وظن أن صاعقة هبطت عليه من السماء، فانقاد إليه ~~انقياد الأسير، وقال: قد فديت نفسي بهذه الدنانير قال: قد قبلتها منة ~~الكرام، على أن لا تتعرض لبنات الأعجام. فذهل الفتى عن معرفته بالتلميح، ~~وما صدق أن أطلق ساقيه للريح، فمضى ينهب الطريق، والشيخ من خلفه يهدر ~~كالفنيق. حتى إذا ثاب إلى الوقار، وقف بعرصة الدار. وأنشد: # يا هل ترى أين سهيل يطلع ... يا ليته كان يرى ويسمع # PageV01P059 # يرى الفتى مهرولا يندفع ... تكاد تذريه الرياح الأربع # أعطاني البرذون وهو يطمع ... في وصل ليلى، لا هناه المضجع! # سبقته عليه فهو أسرع ... لكنه بالماء ليس يقنع # فقمت أبتغي له ما يشبع ... لكن بدون المال ماذا أصنع؟ # وإن يكن نال الفتى ما يجزع ... منه فقد نال به ما يردع # والنصح من وصل البنات أنفع # قال سهيل: فبرزت من الوكنة التي كمنت فيها، وأنشدت بديها # هذا سهيل طلعا ... وقد رأى وسمعا # أنسيته المريض وال ... دواء والداء معا # أنت صديق لم يدع ... لمن سواه موضعا # فقال: أهلا بأبي عبادة، متى عهدك بالشهادة؟ قلت: منذ عهدك بالفارسية التي ~~نلت منها السعادة. أفلا تعلمني هذا اللسان، لأستغني معك عن ترجمان؟ قال: ~~أراك تستبيح قطع الأرزاق، فليس لك عندي من خلاق، يعدو كالبرق أو كالبراق. # PageV01P060 ### | المقامة العاشرة وتعرف بالكوفية # حكى سهيل بن عباد قال: كلفت منذ الصبا بعلم الأدب، وشغفت باستقراء لغة ~~العرب. فكنت أنضي إليها المطايا، ms019 وأتفقد الخبايا في الزوايا. حتى كنت يوما ~~بالكوفة وأنا أتعهد معاهدها المألوفة وأشهد مشاهدها الموصوفة فمررت بعصبة ~~من العلماء كأنهم من بني ماء السماء. وهم قد جلسوا إلى شيخ أغبر الشيبة، ~~أبلج الهيبة. وهو يشير تارة بالبنان، وطورا بالصولجان. فجعلت أروح تلقاءهم ~~وأجي، وأقول ليس هذا بعشك فادرجي. حتى حذتني القطربية، # PageV01P061 # على الأشعبية. فألقيت دلوي في الدلاء طمعا في اجتلاء الجلاء. وتطفلت على ~~تلك الحصرة الجلى وإن كنت ممن عبس وتولى. فلما تخللت المقام حييت القوم ~~بالسلام، وتفرست في الشيخ فإذا هو ميمون بن خزام. فقلت: لله الأمر كله، قد ~~عرف النخل أهله! وجعل القوم يخوضون في حديث العربية، ومسائلها الإعرابية. ~~حتى حلت الحبى، وبلغ السيل الربى. والشيخ ينظر من طرف خفي إلى الناس، ~~والقلم في يده يجري على قرطاس. إلى أن نفد ما عند الجماعة من أسرار ~~الصناعة. وهم يرون أن يلتقط اللآلي، وينظم في سمط الأمالي. فقالوا: أيها ~~الشيخ نراك تجمع، مما تسمع قال: إن لكل ساقطة لاقطة. # PageV01P062 # ولكن أريد أن تنظروا ما كتبت، لتروا هل أخطأت أم أصبت. فتناولوا الرقعة ~~بديها، وإذا هو يقول فيها: ما الفرق بين التمييز والحال، وبين عطف البيان ~~والإبدال وأين يستوفى حق الإسناد، ولا يخرج يركنيه عن حكم الإفراد؟ وأي ~~الضمير، يتردد بين التعريف والتنكير وأين يراعى ما يقدر، ولا يبالى بما ~~يذكر؟ وأي اسم يجتمع فيه خمس من موانع الصرف، وأي لفظ يشارك الاسم والفعل ~~والحرف؟ وفي أي # PageV01P063 # الأماكن، يجتمع ثلاثة من السواكن؟ وأي فعل يعطى ما للأسماء ويمنع مما ~~للأفعال؟ وأي اسم يجري مع قبيلته على هذا المنوال؟ قال: فلما وقفوا على تلك ~~المسائل، رأوها من المشاكل. فقالوا له: لله أنت، فقد أحسنت ولكن لو أبنت ~~فعبس، حتى ما نبس، وصارت مقلتاه كالقبس، فأشفقوا من غضبه، وسألوه عن ~~محتضبه. فقال: قد تكلفت لكم الخطاب، ثم أتكلف الجواب، والعلي فوق ذلك أتكلف ~~لكم الثواب. قالوا: لا وأيدك الله بل إن جئت بالبينة السافرة، وجلوت الشرود ~~النافرة، فالنقد عند الحافرة. فلما آنس ms020 الندى، ووجد على النار هدى. فتح ~~خزانة أسراره، وسمع بمكنونات أفكاره. حتى امتلأت حقائب الملا، وقالوا: هكذا ~~هكذا وإلا فلا بيد أنهم مالوا إلى استملاء ما أبان، حرصا على ثباته في ~~الأذهان. فقال: اكتب يا سهيل، واندفق في إملائه كالسيل. حتى إذا أترع # PageV01P064 # الكؤوس، وقاد الشموس بالشموس قال: لا مخبأ لعطر بعد عروس. ثم أشار إلي ~~وأنشد: # العلم خير من صلاة النافلة ... به إلى الله العباد واصله # فاحرص عليه والتقط مسائله ... ودع كنوز المال فهي باطله # ولا تبع آجلة بعاجلة ... ولا تضع واصلة بحاصلة # واعرض عن الليلة نحو القابلة ... فذاك مشرب الثقات الكاملة # وليس خير في النفوس العاقلة ... إن غفلت عن القلوب الغافلة # والناس إن كانت طغاما جاهلة ... فما يكون الفرق يا ابن الفاعلة # بين الرجال وبغال القافلة # PageV01P065 # قال: فلما فرغ من سحره السحري، انهال عليه الشمسى والقمري، فأشار نحوي ~~وقال: اسق أخاك النمري. قالوا: علم الله أن سيكون ولكن السابقون السابقون. ~~حتى إذا قضوا فريضته المكتوبة، عادوا إلى سنتي المندوبة. فخرجنا نجر ~~الذلاذل، ونحمد البذل والباذل. ### | المقامة الحادية عشرة وتعرف بالعراقية # حدثنا سهيل بن عباد قال: دخلت مجلس أمير العراق، وقد # PageV01P066 # غص حتى التفت الساق بالساق. فسلمت تسليم الأريب، ووقفت موقف الغريب. حتى ~~إذا ركد النسيم، وصفت الكأس للنديم. دخل شيخ أغبر الناصية، عليه شعار ~~البادية، وهو قد أخذ بيد فتى ترف البنان كأنه من ولدان الجنان. وقال: أيد ~~الله الأمير، وأبد له السرير. إن هذا الغلام سرق نصف أبيات مدحت بها بعض ~~الأمراء، فتحول المديح فيها إلى الهجاء. ولما بلغته أمر بحبسي إلى أن يسر ~~الله لي بالإطلاق وقد كدت أقتل نفسي. فعليه حق الجناية وقطع السارق وعليك ~~تأديب كل طاغ وفاسق. فقال الأمير: يا هذا قد تقرر في علم الأصول، أن الدعوى ~~لا تصح في المجهول فهات أبياتك التي أغار عليها، فأنشد يقول: # إذا أتيت نوفل بن دارم ... أمير مخزوم وسيف هاشم # وجدته أظلم كل ظالم ... على الدنانير أو الدراهم # وأبخل الأعراب والأعاجم ... بعرضه وسره المكاتم # لا ms021 يستحي من لوم كل لائم ... إذا قضى بالحق في الجرائم # PageV01P067 # ولا يراعي جانب الكارم ... في جانب الحق وعدل الحاكم # يقرع من يأتيه سن النادم ... إذ لم يكن من قدم بقادم # إن الشقي وافد البراجم ... وضيف نوفل كضيف حاتم # قال: فكيف سرق وعلى أي نسق قال: قد أخذ أصحاب الشمال ونبذ أصحاب اليمين ~~فقال كمن يقرأ مشجر الصين: # إذا أتيت نوفل بن دارم ... وجدته أظلم كل ظالم # وأنجل الأعراب والأعاجم ... لا يستحي من لوم كل لائم # ولا يراعي جانب المكارم ... يقرع من يأتيه سن النادم # إن الشقي وافد البراجم # PageV01P068 # فقال الأمير: أولى لك يا غلام كيف سللت الملح من الطعام؟ قال: كلا إنني ~~ما أنشدت إلا لنفسي، ولا جنيت إلا من غرسي. فإن سلم بتوارد الشاعرين، فقد ~~سقطت الدعوى عن الفريقين. وإلا فلا يتعين السارق حتى يتعين السابق. قال: ~~فأنف الشيخ من ذلك المراء. وقال: ويحك هل أنت من الشعراء؟ قال: عند ~~الامتحان، يكرم المرء أو يهان. قال: إن كنت من أهل الأدب، فما هي أبحر ~~الشعر عند العرب؟ فأنشد: # أطل مد وابسط فر وكمل كهازج ... وأرجز برمل وأسرع اسرح مخففا # وكن ضارعا واقصب من اجتث واقترب ... برمز لنا عن أبحر الشعر قد كفى # PageV01P069 # قال: قد وفيت الفروض، فهل تعرف أجزاء العروض؟ فأنشد: # جميع أجزاء العروض حاصلة ... من سبب ووتد وفاصله # يصاغ منها كلمات أحرف ... تجمعهن معلنات يوسف # قال: قد جئت بالجواب الشافي، فهل تعرف ألقاب القوافي؟ فأنشد: # إن رمت ألقاب القوافي كلها ... فهناك خمس لا يليها سادس # هي عندهم: مترادف متواتر ... متدارك متراكب متكاوس # قال: وهل تعرف ما للقوافي من الأجزاء وما لأجزائها من الأسماء؟ فأنشد: # إذا رمت أجزاء القوافي فسل بها ... خبيرا يجيد القول حين يقول # PageV01P070 # روي ووصل والخروج وراءه ... وردف وتأسيس يليه دخيل # قال: وهل تعرف حركات القافية، ما هيه؟ فأنشد: # حركات قافية نظير حروفها ... ست: بها المجرى عددنا أولا # ثم النفاذ وحذوها والرس وال ... إشباع والتوجيه فاحفظها ولا # قال: حياك عالم الغيوب فهل تعرف ما للقوافي من ms022 العيوب؟ فأنشد: # عاب القوافي إكفاء وإقواء ... إجازة ثم إصراف وإيطاء # كذاك تضمينها التحريد مجتنب ... ومثل ذاك سناد وهو أنحاء # PageV01P071 # قال: أراك تحسن الجواب في الحال، فما أبرئك من انتحال. فإذا كنت شاعرا ~~فقل أبياتا تمدح الأمير فيها، قال: بل أهجوك: وأنشد بديها: # قل لهذا الشيخ الخزامي: صبرا ... قد توسدت من هجائي جمرا # ذلك الخمر بيننا صار خلا ... وبعيد أن يرجع الخل خمرا # يا خزام البعير ليس خزام ال ... روض إن الخزام يعبق نشرا # أنت ميمون أمة الترك لا ميمو ... ن عرب فاليمن منك تبرا # كنت ترجو من الأمير هبات ... وأنا قد أخذتها منك جبرا # لا ترم بعدها خضابا لشيب ... فالمخازي تسود الشيب دهرا # PageV01P072 # إن رأيت الغلام يسحب ذيلا ... من غناه، وأنت تسحب فقرا # لا تقل أنت سارق لي مالا ... مثلما قلت سارق لي شعرا # فأقسم الأمير بالسقف المرفوع، أن الغلام لشاعر مطبوع. وقال: أشهد أن هذا ~~الشيخ قد تجنى عليك، وأساء بما نسبه إليك. فخذ هذه الدنانير، جبرا لقلبك ~~الكسير، وإن شئت أن تقيم بداري فأنت أكرم أنصاري. قال: أنا على ما تروم، إن ~~انتصفت لي من هذا الظلوم، بأن لا يفوه بعدها بمنظوم، فلما رأى الشيخ صبح ~~ليلته ومساءها، ظن أن وراء الأكمة ما وراءها. فانتصب كثالثة الأثافي، وقال: ~~أريد أن أودع القوافي. وأنشد: # PageV01P073 # قد فسد الدهر لطول الأمد ... فلا يسود فيه غير الأمرد # إن الفتى قد جد لي في اللدد ... إذ ليس لي من سند أو عضد # شكوته إلى أمير البلد ... وقد رجوت أن يكون منجدي # فكان خصما مثله لم أجد ... كأنما قطعت رأسي بيدي # لئن منعت عن قريض المنشد ... فالنثر أشفى لغليل الكبد # وإن تجاوزت العراق في غد ... فكن لركبان السرى بمرصد # إن حملت شعري لأهل المربد # قال: فكأن الأمير أفاق، وأشفق من التنديد به في الآفاق. فقطع لسان الشيخ ~~بنصاب، وقال: هذا أيسر ما به نصاب. ثم قال له: دع التهم بينك وبين الفتى، ~~فليذهب أمامك من حيث أتى. فانصرف الشيخ والفتى يتضاحكان، كأن لم يكن ms023 بينهما ~~شيء مما كان. قال سهيل: وكنت قد تبينت أن الشيخ صاحبنا ابن الخزام، فهرعت ~~على أثره لأنظر ذلك الغلام. وإذا به قد ناوله الدنانير، وقال: اشكر نعمة ~~الأمير، # PageV01P074 # فعجبت من استحالة تلك الحالة. وقلت: سرعان ذا إهالة. فابتدرني الشيخ ~~بالسلام وهنأني بالسلامة وقال: أهلا بأبي عبادة الذي لا تفوته مقامة! قلت: ~~بل أهلا بالمقعد المقيم، فما هذا الملك الكريم؟ فاهتز اهتزاز المهند، وتبسم ~~لي وأنشد: # هذا غلامي بل أنا غلامه ... يا طالما أفادني استخدامه! # ينفعني في منزلي قيامه ... وفي الدجى يؤنسني كلامه # وفي السرى يسعفني اهتمامه ... حتى إذا أعوزني طعامه # سعى بسد خلتي خصامه # ثم قال: أنت راويتي وشاهدي، وجليسي في مشاهدي. فلك أن تشاركني في العطاء ~~ولكن عليك أن تحمل عني شطر الهجاء. قلت ليس من هجاك إلا كمن هجاء الورد، ~~فعليه كل هجائه ولا شريك له من بعد. قال: قد أحسنت الجواب وإن لم يصب ~~موضعه، فخذ هذه # PageV01P075 # النحلة وادع لي بالفلاح والسعة. فودعته مطنبا بشكره متعوذا من مكره. ### | المقامة الثانية عشر وتعرف بالأزهرية # حكى سهيل بن عباد قال: شخصت إلى القاهرة من بلاد الشام، في ركب فيه ميمون ~~بن خزام. فكان يحملنا بحديثه في المراحل، وينسينا لغب السير في المنازل، ~~حتى تبطنا السرى في ليلة حالكة الأديم، وقد قدرنا القمر منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم. فشمذنا إزار السفر، وأوغلنا في تلك القفر. وما زلنا نخبط ~~في ذلك الديجور الأربد، حتى تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فمالت ~~أعناق الناس، من النعاس. وأشفق الشيخ من # PageV01P076 # طوارق البادية، فأراد تنبيه الأعين الساهية. فانتدب سجيته السيطرة، ورفع ~~عقيرته الضبطرة. وأنشد يقول: # أيها الراكب الميم مصرا ... ألق سمعا فللحديث فنون # دون مصر عين وعين وعين ... قام فيها نون ونون ونون # قال: فطارت السنة من الجفون، بين تلك العين والنون وتحدث القوم بما يكون ~~وما لا يكون. هذا وقد أخذت المطايا في الذميل، وهي تقطع ميلا بعد ميل، حتى ~~وردت ماء النيل، فتهلل وجه الشيخ ميمون، وقال: هذه عين يشرب ms024 بها عباد الله ~~ويسبح فيها النون. فقال القوم: قد فتح الشيخ لنا الباب، فليتذكر أولو ~~الألباب. قال: إذا ألقينا العصا فسنفتح أبوابا أخرى. وسنجعلها للناس تبصرة ~~وذكرى. قال: وما زلنا نستقبل المقبلة ونستدبر الدابرة، حتى دخلنا مدينة ~~القاهرة. فلما أصبحنا دعاني الشيخ إلى ما أراد، وخرجنا نستن كخيل الطراد. ~~حتى أتينا الجامع الأزهر، فأوحى إلي ما أوحى وقال: اصدع بما تؤمر. فمكثت # PageV01P077 # ريثما دخل المقام، وفرغ من السلام. ثم دخلت فحييت القوم، فقام مسلما علي ~~كأن لا عهد بيننا مذ اليوم. ولما استقر بي القرار أشار إلي، وقال: مهيم يا ~~بني؟ قلت: قد هجمت بي على هذا المجلس، رقعة كصحيفة المتلمس. فإن كشف لي هذا ~~النادي حجابها المستور، وإلا فقد يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور. قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فكم ركب هنا مثلها طبقا عن طبق. ~~فقرأتها أقول: # سمحت في الشام بألف كامل ... مقتبسا مسألة من سائل # يقول: أي اسم بغير طائل ... يركب في التركيب متن الباطل # ليس بمعمول ولا بعامل ... وربما أفاد غير العاقل # فوق إفادة اللبيب الفاضل ... وقد جعلت مثل ذالك النائل # لمن يجيء بالجواب الفاصل # قال: فأطرق كل من حضر، ولم يقفوا على خبر ولا خبر. وجعل الطلبة # PageV01P078 # هنالك، يخبطون في ليلها الحالك. والشيخ يعجب منها ويعجب، ويعظم أمرها ~~ويطنب. فقال الأستاذ: إني قد جعلت على نفسي ما جعل هذا الشاعر، فإن الفوائد ~~تشترى بالذخائر. فترنحت أعطاف الشيخ ابتهاجا بالظفر، وقال: إن الناس ~~يستنزلون البدر بالبدر، ثم أنشد يقول على الأثر: # قل يا ابن عباد لهذا السائل ... ذاك اسم صوت شاع في القبائل # وهو من الأغفال والعواطل ... لا يبتنى منه كلام قائل # وإنما تركيبه في الحاصل ... مزج بما قدم في الأوائل # فهو مع التركيب غير قابل ... لنحو مفعول به أو فاعل # ويستفيد منه قلب صاهل ... ما ليس قلب ناطق بشاغل # فلا تكن عن حفظه بغافل # قال: فعظم الشيخ في أعين الجماعة، لما رأوا عنده من البراعة. وقالوا: لقد # PageV01P079 # حق لك الثواب، إن ms025 كنت مبتكر الجواب. فاستشاط من الغضب، حتى كاد يخرج عن ~~الأدب. وقال: يا هؤلاء قد رميتموني بسهم إن أصاب جرح، وإن أخطأ فضح. ~~فلأركبن معكم ما شئتم من المسائل، ليحق الله الحق ويبطل الباطل. فقال ~~أحدهم: إنني مشتغل بعلم العروض فهل لذلك عندك من عروض؟ قال. اللهم نعم ما ~~الفرق بين المعاقبة، والمكاتفة والمراقبة؟ وما الفرق بين ما تم من الأبيات ~~وما وفى، وبين المصرع منها والمقفى؟ وأي بحر يستبيح أجزاء صاحبه ولا حرج ~~عليه، فإن اختلس منه صاحبه جزءا سيق برمته إليه؟ فأجاب الرجل # PageV01P080 # بعض الإجابة وهو يمزج الخطأ بالإصابة. ولما رأى الأستاذ عكس القضية، ثارت ~~به الحمية. فقال للشيخ: إن كنت من علماء اللغة فكم هي مخارج الحروف، وما هي ~~صفاتها التي يتميز بها الموصوف؟ وماذا يمنع # PageV01P081 # الإدغام والإعلال، بخلاف القياس في الأفعال؟ ولماذا يكتب نحو اصطفى ~~بالياء، وقد كتب مجردة بالألف الملساء؟ فقال الشيخ: إن أخطأت في الجواب ~~فليس لي عندكم شيء، وإن أصبت زتموني أرش جنايتكم علي. قال: قد أحسنت في ~~الشرط والجزاء فأنا على ما تشاء. فأفاض الشيخ في شرحه حتى شرح الصدور، ~~وقال: هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور؟ ثم اعتمد على ~~عصاه، وقال: أستودعكم الله! فنهض إلى وداعه الأستاذ الكبير، وألقى في ردنه ~~صرة من الدنانير. فخرج يجر الذيل، وقال: هلم يا سهيل. فلما صرنا بمعزل قال: ~~قد حملت رقعة المسألة، واستفدت حل المعضلة! أفتبغي أن يبذل كل لصاحبه ما ~~عليه، أم نطرح الحساب من طرفيه؟ قلت: كلاهما خطر، فلك النظر. قال: أنت ضيفي ~~ما دمنا في هذه البقعة، # PageV01P082 # فلا حاجة لك بدينار ولا قطعة. قال سهيل: فمكثت حينا من الدهر وإياه، ~~أتيمن بهلال محياه، وأتعلل بزلال حمياه. إلى أن حلت الشمس برج الأسد، ~~ففارقني فراق الروح للجسد. ### | المقامة الثالثة عشرة وتعرف بالتغلبية # قال سهيل بن عباد: شخصت في نفر من أهل العالية، إلى أطراف تلك البادية. ~~فسرنا لا نألو جهدا، ولا نعلو مهدا. حتى تبطنا مفازة قد ضربت أساهيجها ms026 ~~الريح، كأنها أهاجيج شق أو سطيح. فأرسلنا إبلنا العراك، وأخذنا في الرسيم ~~الدراك. # PageV01P083 # وبينما نحن كذلك إذا فرسان قد أشرعوا العوامل، ونادوا: يا لتغلب ابنة ~~وائل! فما كان إلا كرجع النفس، أو لمع القبس. حتى أحاطوا بنا إحاطة الأسورة ~~بالمعاصم، وقالوا: لا مانع لكم اليوم من أمر الله ولا عاصم. فسرنا بينهم ~~كالنعاج بين الذئاب، حتى انتهينا إلى حلة كثيرة الخيام والقباب، مكتظة ~~بالخيل والركاب. فطرحونا إلى سرادق كقبة نجران، فيه شيخ كعبد المدان، على ~~قصعة # PageV01P084 # كجفنة عبد الله بن جدعان. وحواليه حلقة من ذوي البوسى، كأنهم من بقايا ~~قوم موسى. فبتنا نجص في الرباط عند القوم، وأنا لم تأخذني سنة ولا نوم. حتى ~~أوشك صبغ الليل أن يحول، وإذا بجانبنا قائل يقول: # يا ليل قد طلت فهل مات السحر ... أم استحالت شمسه إلى القمر؟ # طلت على شيخ قليل المصطبر ... قد بات في القيد، كما شاء القدر! # يا ليت قومي يعلمون بالخبر ... وليت ليلى نظرت هذا النظر # يا أيها الظالم كن على حذر ... كل صغير وكبير مستطر # من شاء فليؤمن ومن شاء كفر # قال: فلما توجست هذا الكلام، تنسمت منه نسيم الخزام. فقلت: # PageV01P085 # قد سطعت ريح الخزام ليلا ... فأدركت من فورها سهيلا # عسى تفيد بعد ذاك سيلا # فقال: الله أكبر، قد هان علي الموت الأحمر. قلت: نفسي فداء نفسك، فكيف ~~أمر حبسك؟ قال: أخذت من أرض الجزيرة، على غير جريرة، والله أعلم بالسريرة. ~~وإذا رجل قد تخلل إليه الأسرى، كأنه من آيات ربه الكبرى، وقال: هيهات لا ~~تغني نفس عن نفس شيئا ولا تزر وازة وزر أخرى. ثم أخذ بيده وقاده كالبعير، ~~حتى وقفه بحضرة الأمير. فتلقاه الأمير بالوجه العبوس، وقال: أف لك يا أشأم ~~من البسوس! أتهجو # PageV01P086 # العرب الذي منهم أخذ الشعر والخطاب؟ وعلى كلامهم بني التصريف والإعراب. ~~ومنهم تعلمت الناس الفصاحة، واجترأت الكرام على # PageV01P087 # السماحة. وهم ضراب السيوف، وشراب الحتوف، وقراة الضيوف، وحباة الألوف، ~~وحماة السجوف. وآثارهم في الحذاقة والكرم، وحفظ الجوار والذمم، أشهر من نار ~~على علم. ms027 فكيف استطعت أن تقول للصبح يا ليل، وللشمس يا سهيل؟ قال سهيل: ~~وكنت بمرأى من ذلك ومسمع، فقلت للحارس: إن الأمير يدعوني فلا تمنع. فأطلقني ~~وهو يرعاني حتى دخلت في الجماعة، وإذا الأمير يقول: هات أبيات الشيخ يا أخا ~~قضاعة. فقام فتى بين المحشد، ونظر إلى الشيخ وأنشد: # من رام أن يلقى تباريح الكرم ... من نفسه فليأت أجلاف العرب # ير الجمال والجلال والخشب ... والشعر والأوبار كيفما انقلب # أسرق أهل الأرض عن أم وأب ... وأسمج الناس وأخزى من نهب # PageV01P088 # لا تعرف الأقدار فيهم والرتب ... ولا يبالون بأحرار النسب # لكن يغرون على حفظ النشب # قال: فصفق الشيخ عجبا وأقسم بتربة نزار أنهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويبدلون الجنة بالنار. قال: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر، فهات ما ~~صح عندك من الأثر. فأنشد يقول: # من رام أن يلقي تباريح الكرب ... من نفسه فليأت أحلاف العرب # ير الجمال والجلال والحسب ... والشعر والأوتار كيفما انقلب # أشرف أهل الأرض عن أم وأب ... وأسمح الناس وأجرى من يهب # لا تعرف الأقذار فيهم والريب ... ولا يبالون بإحراز النشب # لكن يغارون على حفظ النسب # قال: فسرى غضب الأمير وأمسك عن التعنيف، وجعل يعجب من # PageV01P089 # ذلك التصحيف والتحريف: فقال: يا مولاي حاشا أن أهجو قومي الذين منهم ~~حسبت، إليهم نسبت. وبهم يشد أزري، ويستقيم أمري. قال: فما أنت وعرب القفار، ~~وما عندك لهم من الآثار؟ قال: عندي ما أحببت، فلا تسأل عن شيء إلا أجبت. ~~قال: هل تعرف مشاهير العرب الذين ترسل بهم الأمثال؟ قال: اللهم نعم، وأنشد ~~في الحال: # من أشهر الأمثال في القبائل ... عزة ذي الحمى كليب وائل # وطلب الثأر إلى المهلهل ... ينسب كالوفاء للسموأل # PageV01P090 # ورأي قيس مثل جود حاتم ... شاع وفتك الحرث بن ظالم # PageV01P091 # وحلم معن وهو ابن زائده ... وقس ذو الفصاحة ابن ساعده # PageV01P092 # وشاعت الحكمة عن لقمان ... وهكذا الخطبة عن سحبان # واشتهرت فراسة الأفراس ... عن عامر والحذق عن إياس # PageV01P094 # والحضر يعزى لسليك السلكه ... وحيلة القصير نعم الملكه # PageV01P095 # وهكذا رواية ابن أصمع ... تذكر ms028 والجمال للمقنع # واشتهر الحزن عن الخنساء ... مثل اشتهار بصر الزرقاء # PageV01P096 # قال: حياك من كور النهار على الليل، فهل تعرف مشاهير الخيل؟ فأنشد: # أشهر خيل العرب: المشهر ... ثم النعامة التي لا تنكر # وداحس منهن والغبراء ... كذلك الخطار والحنفاء # وأعوج ولاحق سكاب ... كذلك العبيد والعقاب # كذا العصا وأمها العصيه ... وكم لهم أما وكم بنيه # قال: قد أحسنت في الإعراب، فهل تعرف أبيات الأعراب؟ فأنشد: # خباء صوف ويجاد الوبر ... وقشع جلد سترة من مدر # وخيمة الغزل وفسطاط الشعر ... وقبة اللبن حظيرة الشجر # وهكذا الطراف من أديم ... تنزلها العرب من القديم # PageV01P097 # قال: إن كنت من أهل هذا المقام، فهل تعرف ما لهم من ألوان الطعام؟ فأنشد: # بعض طعام العرب الرغيده ... رهيدة لهيدة نهيده # وضيعة ربيكة لبيكه ... حريقة سهيكة وديكه # وزيمة سخينة فيحاء ... حريرة خزيرة حساء # مضيرة عبيثة ثريد ... وحسبنا هذا فلا نزيد # قال: وهل تعرف ما لهذه الأطعمة، من الآنية المفعمة؟ فأنشأ يقول: # آنية الطعام عند العرب ... أعظمها دسيعة في الرتب # فجفنة فقصعة تعد ... فصفحة مثكلة من بعد # ففيخة لواحد مقدره ... وفوقه ما فوقها للعشرة # PageV01P098 # قال: وهل تعرف هذه المسألة الباقية، عن أزلام الميسر في البادية؟ فأنشد: # فذ وتوأم قيب نافس ... والحس والرابع قيل الخامس # كذلك المسبل والمعلى ... مما على النصيب قد تولى # ثم السفيح والمنيح الرغد ... ليس لها إلى النصيب رشد # قال: فعجب الأمير من جريه هذا المجرى، وقال: قد كذبت من قال صاحب البيت ~~أدرى. فلا جرم أنك من صميم العرب العرباء، وأبلغ من تحت الجرباء. ولقد ~~جنينا عليك بما أسرناك، فاعذرنا كما # PageV01P099 # عذرناك، ثم أمر بالطعام، وقال: كيف أنت والمدام؟ قال: إذا أصابت الظباء ~~الماء فلا عباب، وإذا لم تصبه فلا أباب. على أني لا أزدرد الطعام السلجلج، ~~ولا أسيغ اللبن السملج. ما لم تكن يد غلامي قبل يدي، فإنه بمثابة ولدي. قال ~~سهيل: وكنت قد أضمرت الفرار، إذا تعذر القرار. فلما آنست صفو الكأس، برزت ~~من موقفي بين الناس. فدعاني الأمير إلى بساطة، وأقبل علي بانبساطه. وأقمنا ~~عنده ثلاثا من ms029 الليالي، أنقى من اللآليء. حتى إذا أزمعنا السفر، ودعنا ~~النفر. قال للشيخ: نحملك كما حملناك على الأدهم، فدونك هذا الجواد المطهم. ~~قلت: مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب، فإني أذهب كما يذهب. قال: قد ~~رجبت لكما العطية، # PageV01P100 # فضلا عن المطية. فخرجنا بالخيل والمال والزاد، ونحن نذم المبدأ ونحمد ~~المعاد. ### | المقامة الرابعة عشرة وتعرف بالهزلية # حكى سهيل بن عباد قال: كان لي زوجة صناع اليدين، كريمة النبعتين. فحسدتني ~~عليها المنون، وخانني فيها الدهر الخؤون. فلبثت بعدها طويلا، أردد زفرة ~~وعويلا، وأنوح بكرة وأصيلا. حتى حال عليها الحول. وآلت الفريضة إلى العول. ~~فناجتني الحوباء، أن أستبدل ما طالب لي من النساء. ولما لم أجد في الحي، من ~~تروق بعيني. أزمعت الاغتراب، وبكرت بكور الغراب. # PageV01P101 # فهملجت سحابة النهار، على هملعة عبر اسفار. حتى إذا جنح الظلام رفرف، ~~نزلت بقاع صفصف، في خلال نفنف. فبينما ألقيت وسادي، وتلقيت مائي وزادي. ~~سمعت غطيطا كأطيط البعير، وزفرات تتصاعد كالزفير. فجنحت عن القمر، إلى ~~السمر وأخذت لنفسي الجذر. ولبثت أتنكب الغمض، وأقلب طرفي بين السماء ~~والأرض. وإذا جارية قد تنهدت، ثم أنشدت: # هل من سبيل لي إلى العتاق ... من رق ظلم أو إلى الإباق # ما زلت من ذلك في وثاق ... تكاد روحى تبلغ التراقي # أطوي على الطوى من الإملاق ... حتى إذا امتدت دجى الأغساق # أضوى إلى شيخ جو خفاق ... واهي القوى منهتك الصفاق # PageV01P102 # ذي الحية أثيثة الأعراق ... تضربها الرياح في الافاق # تلبدت طاقا وراء طاق ... كأن فيها مربض النياق # منها دنار الليل حتى الساق ... وظلة النهار كالرواق # يجري عليها رمض الآماق ... ووضر المخاط والبصاق # حتى ترد المشط بالإزلاق ... فهل كريم النفس والأخلاق # يحتال لي بفرجة الطلاق ... وهبته ما لي من الصداق # وزدته ثوبي إلى النطاق # قال سهيل: فافتتنت بفصاحتها، ولم ألتفت إلى قيد ملاحتها. وقلت: لا جرم ~~أنه قد خازمني التوفيق، من معاجيل الطريق. فأنشدت: # الحمد لله وبالله الثقة ... قد صادق الكحل سواد الحدقة # واها لهذي الطرفة المتفقة ... إن لم نقل وافق شن طبقة # فإننا أحمق ms030 من هبنقة # PageV01P103 # قال: وإذا بالشيخ قد استوى، وقال: ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن ~~الهوى. ثم أنشد يقول: # قد علم الله الذي له البقا ... لو ترك الدهر لكفي رمقا # PageV01P104 # لم تبق إلا ريث أن تطلقا ... ولم تجد عندي فؤادا شيقا # ولا ذكرت جيدها المطوقا ... ولا جبينها النقي اليققا # ولا سواد عينها ذات الرقى ... ولا محياها الجميل الطلقا # ولا حديثها وذاك المنطقا ... لكن لها علي مهر سبقا # ومهر أخرى بعدها قد لحقا ... فإنما الإنسان زوجا خلقا # فإن أر المهرين عندي غسقا ... طلقتها والصبح لم ينبثقا # لا عيش للزوجين لم يتفقا ... ومن تراه معرضا قد وثقا # بالهجر فاهجره إلى يوم اللقا # قال: فاستفزتني أبيات الشيخ فرحا، حتى كدت أصفق مرحا. ولم # PageV01P105 # أتمالك أن دلفت إليه دلفة من تيمن، وقلت: حيا الله الشيخ فمن أنت وممن؟ ~~قال: أنا المبارك بن ريحان، من بطون قحطان. وإني لأرى الفتاة قد شغفتك حبا، ~~وخلبت منك لبا. فإن كنت تملك النقدين، فابذل اللجين، واغتنم قرة العين. ~~قال: فهل علي الوجد بذل الجدة، ونفحته بما معي حتى أفعم ردنه ويده. فأشهد ~~عليه الله والملائكة المقربين وقال لي: بالرفاء والبنين! فلما طرحت النقد، ~~واستبحت العقد، أردت أن أتحول بأهلي، إلى رحلي. فقال: حاشا لك أن تتركني ~~الليلة سمير الفرقدين، ولكن غدا تذهب أنت بالعروس وأنا بخفي حنين. فبت عنده ~~بليلة # PageV01P106 # الملسوع، وعيني لا يأخذها الهجوع، حتى آذن الصبح بالطلوع. فتبينت وإذا ~~الفتاة ليلى الخزامية والشيخ أبوها ميمون، فقلت أنا لله وأنا إليه راجعون. ~~ما أرى بعل هذه الصبية، إلا كعكاش بعل طمية. فاستغرب الشيخ في الضحك، ثم ~~أنشد غير مرتبك: # سلاما يا ابن عباد سلاما ... أكهلا قمت فينا أم غلاما؟ # أريتك إن ملكت طلاق ليلى ... فهل عقد ملكت به الزماما؟ # عروس ليس تخلو من خداع، ... وقد لا تعدم الحسناء ذاما # فطلقها، كما طلقت، واعلم ... لقد جعلت على كل حراما # PageV01P107 # عرفت وقائعي في كل أرض ... ولكن لست تعرفها تماما # ولست ترى سقاما في مريض ... فتعرفه كمن ذاق السقاما ms031 # رزأتك يا أعز الناس عندي ... لشدة فاقة برث العظاما # ورب كريمة أكلت بنيها ... إذا جاءت، ولم تجد الطعاما! # قال: فقلت له شهد الله أنك لأمكر أهل الخافقين، وأقدرهم على الزين ~~والشين. قال: يا بني إن الخلة، تدعو إلى السلة. والصدق خمر مزاجها الكذب، ~~والجد ثوب طرازه اللعب. ورب طرفة، خير من تحفة. فإن كنت قد ظمئت إلى الضحل، ~~ونسيت أن لا بد دون الشهد من إبر النحل. فهب المال عندي كإحدى القرض، ريثما ~~أرزأ من أستنض لك منه العوض. قلت: قد علم من عنده # PageV01P108 # علم الغيب أن هذه الطرفة عندي خير نخل هجر وعرائض الحصيب. فاعتنقني كمن ~~تملق، وقال: كلانا أفلس من ابن المذلق، فمن أحرز المال فعليه الإنفاق يعلق. ~~قلت: أنا والمال في يديك، وكلانا لك وإليك. قال: حياك الله فسنستبدل الجمر ~~بالتمر، ولكن اليوم خمر، وغدا أمر. فقضيناه يوما صفا زلاله، وغاب عذاله. ~~إلى أن آذنت الشمس بالأفول، وهم النجم بالقفول. فجلسنا على الطعام معا ثم ~~أخذ كل منا مضجعا. وطفق الشيخ يطرفنا من القصص، بما يسيغ الغصص. وما زال ~~كذلك مذ أطبقت الجونة على الصمير، حتى أقبل فحمة بن جمير. فران على جفني ~~الكرى، حتى سقطت # PageV01P109 # على الثرى محلول العرى، لا أسمع ولا أرى. فلم أنتبه إلا وقد ذر قرن ~~الغزالة الضاحي ولا رجل ولا امرأة في تلك الضواحي. فاستعذت بالله من مكره ~~ونكره، وثرت إلى الناقة لأرتحل في إثره. فلما دنوت من قتبها، إذا رقعة قد ~~كتب بها: # قل لسهيل إذ يهب في السحر: ... إعذر فخير الناس عندي من عذر! # خلقت مطبوعا على كيد البشر ... وليس للإنسان تغيير الفطر # ولا يعاند القضاء والقدر ... إلا الذي عصى الإله أو كفر # وإن تجد سيئة في ما ندر ... فكم وكم حسنة في ما عبر! # وإن يكن غرك منها ما ظهر ... فتلك لا علم لها ولا خبر # إلا الذي علمتها في ما استتر ... فإن ترد صاحب هذه الغرر # فخذ أباها! إنه أم العبر ... والمهر من أمس إليه قد حضر # جريا ms032 على المفروض من حظ الذكر # PageV01P110 # فلما قرأت تلك الرقعة، عجبت من تلك الرقاعة، وعلمت أنه لا يحول عن هذه ~~الصنعة ولا يترك هذه الصناعة. فشكرت نعمته إذ لم يأخذ الناقة، ورجعت أدراجي ~~لما اعترض دون سفري من الفاقة. ### | المقامة الخامسة عشر وتعرف بالرملية # قال سيهل بن عباد: حللت بالرملة لوطر أقضية، ودين أقتضيه. فأقمت بها شهرا ~~وكنت أحسبه دهرا. حتى إذا بلغت اللدنة، خرجت تحت الدجنة. وكان الشهر قد وقع ~~في الأنين، فاعتسفت بين الشك واليقين أتجانف تارة ذات الشمال وأخرى ذات ~~اليمين. وما زلت أخبط الظلماء، حتى أقمرت السماء. # PageV01P111 # فتبينت وجه الهدى وإذا أنا أمشي على مثل المدى، من حرار تلك الكدى. فوقفت ~~كالحائر اللهف، لا نظر من أين تؤكل الكتف. وإذا ركب يضربون أكباد الإبل، ~~وفي صدرهم شيخ ينشد بصوت زجل: # يا من يرى ما لا يرى ولا يرى ... ويعلم السر وأخفى في الورى # دعوتك اللهم إذا طال السرى ... ومالت الأعناق من خمر الكرى # يسر لنا رزقا من العرش جرى ... أو فاهدنا لباب رزق يعترى # نعد إليه مثل عدو الشنفرى # PageV01P112 # قال: فلما سمعت ذلك الدعاء خشيت أن يستجاب وأكون أنا ذلك الباب. فوقعت في ~~حيص بيص. إذ لم أجد لي من محيص. ولم يكن إلا كنغبة طائر حتى حمل علي ~~كالثائر. وقال: قد أنجح ربك الطلب، فخل عن السلب. حتى إذا كاد يدركني ~~بسنانه، أخذت جارية بعنانه، وقالت: بتربة خزام دعه يمضي لشانه. فلما آنست ~~ريا الخزام، تفرست فإذا ميمون وليلى والغلام. فاطمأن هنالك قلبي، وانفثأت ~~لوعة كربي. ونزلنا جميعا على تلك السلام، وتطارحنا السلام بالسلام. وقضينا ~~ثميلة ليلنا البارح، إلى أن صدح الصادح، وسكت للنابح. فقال أنا نريد ~~الرملة، فهل أنت في الجملة؟ قلت: إن العود مع مثلك أحمد، ولو إلى برقة ~~ثهمد. وقمنا # PageV01P113 # نسير الوحى، فدخلناها رائعة الضحى. وإذا أنا قد كنت أمشي مشية الرحى، ~~ولما ألقينا العصا، أخذ الشيخ يتجهز لطرق الحصى. ثم قام بي يتفقد المعاهد، ~~ويتعهد المشاهد. حتى انتهينا إلى مكتبة مكتظة بالطلبة ms033 فتخللنا المقام، ~~وقلنا: سلاما! قالوا: سلام. وكان بينهم شيخ قد لبس العمائم الثلاث فأشار ~~إلى بعض أولئك الأحداث. وقال: هل تذكر الأبيات العواطل، أم ذهبت عنك ~~بالباطل: فأنشد ولم يماطل: # ألحمد لله الصمد ... حال السرور والكمد # الله لا إله إلا ... الله مولاك الأحد # لا أم لله ولا ... والد لا ولا ولد # أول كل أول ... أصل الأصول والعمد # الواسع الآلاء وال ... آراء علما والمدد # الحول والطول له ... لا درع إلا ما سرد # PageV01P114 # كل سواه هالك ... لا عدد ولا عدد # صاح ادع مولاك لما ... أوعد واسأل ما وعد # واصدع رداء اللهو وال ... مكر ودع سوء اللدد # واسل المدام والمها ... وارم المراء والحسد # وامح رسوما ما لها ... حد ولا لها عدد # وسامح المرء سها ... لما رماك أم عمد # واردع هواك كارها ... ما ود واعكسي ما طرد # واعلم وعلم واطرح ... أحكام عاد وأدد # ودر مع الدهر كما ... دار ولو طال الأمد # وسر مع الرود ودع ... حر السموم والومد # PageV01P115 # واعدد دواء الداء لل ... دهر وأكحال الرمد # واسل وراء ماطر ... لماطل ولو رعد # للمرء سهم مرسل ... وهما وكم سهم صرد # وكم وكم حلو له ... مر وكم وار صلد # هول الحمام طالع ... مطلع روع كالأسد # كأس لكل دورها ... والكل للكأس ورد # وكل عمر كالكلا ... والدهر للكل حصد # وكل رسم دارس ... وماهد وما مهد # ألله أهل الله، را ... ع كل عدل وأود # كل هواه عامل ... والله لكل رصد # فقال: أحسنت يا بجير، يا سلافة الدير. ثم نادى: عكرمة، # PageV01P116 # هات أبياتك المعجمة. فبرز غلام أنقى من العاج، وأجمل من نصر بن حجاج. ~~وأنشد: # بشجي يبيت في شجن ... فتن ينتشبن في فتن # شيق تيق تجنب في ... نفق ضيق بقي ففني # شغف شفني بذي تقة ... نجب شن جيش ذي يزن # شيبة في شيبة خضبت ... بشقيق غضن ينض جني # PageV01P117 # بين جني شقة خشنت ... في قضيض تبيتني خشن # قضت جفني بيقظة ثبتت ... غب بين فبت في غبن # بي شقيق يغيب غيبة ذي ... ضغن بين تجنبني # شيخ فن فتي شنشنة ... شب في بيت نخبة ms034 فبني # ينتقي زين جنة جنيت ... يتقي شين ضنة بغني # غيث فيض يفي فينبت في ... في قنن بغتة بذي فنن # فقال: حياك الله يا بني، وأقر بك عيني. ثم نادى: يا صلمعة بن # PageV01P118 # قلمعة، أين الأبيات الملمعة؟ فوثب يافع من الأنباط معتدل الشطاط. وأنشد: # أسمر كالرمح له عامل ... يغضي فيقضي نخب شيق # مسك لماه عاطر ساطع ... في جنة تشفي شج ينشق # أكحل ما مارس كحلا له ... جفن غضيض غنج ضيق # در دموع حوله كاسد ... في جنب زيف بين ينفق # لا لعهود الود راع ولا ... في شجن ذي فتنة يشفق # ما مال إلا راع أحلامه ... خفة شنف خنث يخفق # PageV01P119 # ولاح سطر الآس أكمامه ... بين شقيق غضة تفتق # فقال: عشت ونعشت، يا زهرة البنجكشت. ثم قال: قم يا أبا الهيفاء، وأنشد ~~الأبيات الخيفاء. فقام فتى ميمون النقيبة، أنقى من مرآة الغريبة. وأنشد: # ظبية أدماء تفني الأملا ... خيبت كل شجي سألا # لا تفي العهد فتشفيني ولا ... تنجز الوعد فتشفي العللا # غضة العود تثنت مرحا ... بضة اللمس تجنت مللا # تقضي أحكام بغي طالما ... نفذت أحكامها بين الملا # بجبين كهلال فتنت ... كل ذي علم يزين العملا # في لماها بنت كرم تختشي ... سكر جفن حكمه نقض الولا # PageV01P120 # بين ورد شفة واردها ... يبتغي الماء فيجني العسلا # درر بيض لها في أحمر ... في سواد بين مسك في طلا # فتنة صماء يثني وصلها ... فتنة الداء فتبغي حولا # شنفت سمع شجي كلما ... قبضت عودا فغنت رملا # قال: عافاك وشفاك، ولا فض فاك. ثم نادى: يا أبا الشمطاء، علي بأبياتك ~~الرقطاء. فوثب غلام من الخواص، كدرة الغواص. وأنشد: # ونديم بات عندي ... ليلة منه غليل # خاف من صنع جميل ... قلت: لي صبر جميل # قرة لي ميل قلب ... منك يا غصنا يميل # سيدي رق لذلي ... سيدي عبد ذليل # PageV01P121 # قلبه قد ذاب من وجد ... به ظل يسيل # لذ لي حجر قديم ... تحت هجر يستطيل # قاتلي وجه بديع ... زاجري عنه قليل # فلما استتم الإنشاد، وقف الشيخ بالمرصاد. وقال: أعيذكم بالله من أعين ~~الإنس وأنفس الجان. فقد ms035 خرج من أفواهكم اللؤلؤ والمرجان. ولقد أباهي بكم كل ~~من نطق بالضاد، حتى يقال أين العين من الصاد. قال سهيل: فلما انتهت الكنانة ~~إلى الأهزع، ولم يبق في القوس منزع. وثب الشيخ ميمون، كأنه ريب المنون. ~~وقال: ما بالك ذكرت اللجين وتركت اللجين. أين عاطل العاطل الذي لا نقطة في ~~اسمه ولا مسماه كالدال دون العين؟ # PageV01P122 # قال: هيهات ذلك مما يخال، ولا يقال، حتى يصاغ من الخاتم خلخال، فإن ~~استطعته جعلناك حالي الحالي في الحال. فصوب الشيخ نظره وصعد، ثم اقعنسس ~~وأنشد: # حول در حل ورد ... هل له للحر ورد # لحصور حلو وصل ... ورده للصحو طرد # وله صول وطول ... وله صد ورد # دهره حر صدور ... هل له لله حد # قال: فلما اعتبر الجماعة سر تلك الصناعة، تكأكأوا عليه من الأمام والخلف، ~~وقالوا رب واحد يعدل بألف. وإنا لنراك شاسع الوطن، # PageV01P123 # واسع الفطن. فخذ هذه النفقة عدا، وإن شئت أن تقيم معنا أجرينا عليك ماء ~~عدا. قال: حبذا لولا دين أثقل حاذي وحال دون نفاذي. وهذا غريمي قد لصق بي ~~كالقار، ولو هبطت إلى النار حتى أسعى له بمائة الدينار. قال: فنقدوني مائة ~~ندرى، وقالوا: قد صادفت قدرا، فاتخذ لوردك صدرا. فشكر الشيخ ذلك الامتنان، ~~وأنشد بصوت مرنان: # ساعدوني على جميل الثناء ... عن جميل أضاع حق الوفاء # وهبوني قلبا يقوم أمامي ... فأنا قد تركت قلبي ورائي! # بشروا زوجتي وأمي وأختي ... وغلامي براحة وهناء! # فعلى الرملة ابتنيت عهودي ... وعلى الدرس قد عقدت ولائي # PageV01P124 # قال: فأعجب القوم بأبياته المخيلة، ولم يأبهوا لما فيها من الدخيلة. ثم ~~ضرب الشيخ لهم موعدا، وودعهم مرتعدا، وخرج من بينهم وعدا. فلما بنا وأمنا. ~~قال: يهنئك المغنم البارد، فرب ساع لقاعد. وإن الحسنات يذهبن السيئات ~~فاغتفر ما فات. لكن اغرب إلى حيث لا مناقش، لئلا يفرط منك بادرة فتجني على ~~أهلها براقش. وأنا غداة غد أخرج من المحيط، وأدع القوم ينتظرون حتى يرجع ~~نشيط، ثم كبر واستغفر وأنشد حين أدبر: # PageV01P125 # رأيت الناس قد قاموا ... على زور وبهتان! # فلا ms036 يرعون ميثاقا، ... ولا حرمة إحسان! # فإن راعيت إنسانا ... فما أنت بإنسان # قال سهيل: فتركته وانطلقت من هناك ولم أدر ماذا فتك بعد ذاك. ### | المقامة السادسة عشرة وتعرف بالصورية # قال سهيل بن عباد: لفظتني الثغور إلى مدينة صور، فحللتها شهرا أجرد، في ~~سنة جرداء، وكنت يومئذ فتى أمرد، فطفت كل شجراء ومرداء، حتى دخلت يوما إلى ~~حديقة في إبان وديقة. وإذا القاضي جالس على قطيفة كأنه الإمام أبو حنيفة. ~~فبينما طارحته تحية الأدباء، وأخذت مجلسا على تلك الحصباء. # PageV01P126 # إذ دخلت امرأة سادلة القناع، سابغة اللفاع، فاسترعت السماع، وقالت: # يا قاضي العدل الكريم المنصفا ... إن أبي في جوره قد أسرفا! # أقعدني عن الزواج عنفا ... وليس يكفيني لو تقشفا # فانظر لنا حكما إلى الله صفا ... أولا، فإن الله حسبي وكفى! # قال: وكانت بين ذلك تخطر كالسمهري، وتفتن في إنشادها كالبحتري. ففتنت ~~بافتنانها من حضر، واستهوت القاضي فجعل يخالسها النظر. فلما فرغت من ~~إنشادها أطرق إطراق المرتاب، وقال: شر أهر ذا ناب، فمن هذا الظالم الذي لا ~~يعرف السنة والكتاب؟ قالت: هو شيخ يفن، قد صار جلده كالسفن، يضمني إلى ~~أضلاع له كالنعش فتعشاني لحيته كالكفن. ولقد خطبني كرام # PageV01P127 # الأصهار، فأبى إلا أن أكون منه معقد الإزار. وهو فقير يتمنى الفلس، ~~وتغلبه عزة النفس. فيعتفد، ولا يسترفد. ويذوب غليلا، ولا يستقي خليلا. ~~ويغضي على القذى، ولا يشكو الأذى. ويتبلغ بالثويناء، على الهويناء. ويقنع ~~من الشراب، بالسراب. فتراه يكظم الغيظ، ويتبرد بالقيظ، ويرضى من البيض ~~بالبيظ. وأنا فتاة غضة الشباب، لا تشبعني كشى الضباب ولا أرضى بخلق ~~الجلباب. ولطالما حرصت على بره فطويته على غره، وكلفت نفسي كتم سره. حتى ~~صرت أهزل من الجوزل، وأجوع من كلة حومل. فاعتبر ما جرى، واحكم بما # PageV01P128 # ترى. فأكبر القاضي شكواها، وأوى لبلواها. وقال: يا أمة الله صبرا! فإن مع ~~العسر يسرا، وما أتم كلامه إلا وأبوها قد أقبل، وقال: يا مولاي لا تكن ~~كقاضي جبل. وأنشد: # ما كذبت وما بها من عار! ... لكن ذاك ليس باختياري # فإنها من ms037 أحسن الجواري ... بديعة في أعين النظار! # كالشمس في رائعة النهار ... فصنتها كدرة البحار! # حتى أرى كفأ من الأصهار ... وإنني شيخ غريب الدار # صفر من الدرهم والدينار ... أنتظر العفو من الأحرار # وأحسن الصبر على الأقدار ... فاحكم بما ترى ولا تمار! # ولما فرغ الشيخ من أبياته قال: شهد الله أن موت الذليل خير من حياته. ~~وأنني قد كنت نشبة، فضرت عقبة. وطالما كنت اكلل القصاع، وأجم الكيلجة ~~والصاع. حتى استولت النحوس، وخلت # PageV01P129 # قدر بني سدوس. فأنكرني الصميم والحميم، وجفاني السمير والنديم فيا ليتني ~~مت قبل هذا البلاء العظيم. قال: وكان القاضي قد أشرب قلب حب فتاته، لما رأى ~~من بلاغتها وسمع من صفاته. فقال: يا هذا إنك قد أثمت بحبسك هذه الحرة! أما ~~سمعت أن امرأة دخلت النار في هرة؟ فخذ هذه الخمس المئين، ودع الفتاة عندي ~~في قرار مكين، إلى أن يأتي الله بالفتح المبين. فأذعن الشيخ لحكمه، على ~~رغمه. وقال علم الله أني ما كنت الأرضى بدون، ولكن إذا لم يكن ما تريد فأرد ~~ما يكون. ثم انثنى إلى وداع ابنته، ودمعه يسيل على وجنته. وأنشد: # لله يا ليلى اذكري أباك ... إذا رأيت فقرة أغناك # أثني على القاضي الذي أحياك ... بلطفه، فإنه مولاك! # وأنني هيهات أن أراك! # PageV01P130 # قال سهيل: وكان الشيخ قد تنكر فاشتبهت، إلى أن ذكر ليلى فانتبهت. لكنني ~~ضربت عنه صفحا، لعلي أرى لذلك المتن شرحا. فلما انصرف أشار القاضي إلى بعض ~~حشمه، أن ينطلق بالفتاة إلى دار حرمه. فبوأها صهوة مهرة غراء، وأخذ بها ~~يخترق الغبراء. حتى إذا مرت على دسكرة وقفت مستنكرة. وقالت: يا فل قد ~~أنهكني اللغب. وأهلكني السغب. فهل تتركني ريثما أستجم من القلق، وتدركني ~~بما يمسك الرمق! فلبى وانطلق. قال: وكنت قد تبعتها بناقتي عن كثب، حتى لم ~~يكن بين السرج والقتب، إلا كما بين الرتب والعتب. فلما لوى عذاره قالت: يا ~~سهيل تلقف مني، وأبلغ الغلام عني: # PageV01P131 # شيخ أشد جنونا ... من دقة بن عبابه # قد خاتلته فتاة ... واستجهلته صبابة # فحي شيخك عني، ms038 ... وقل متى جئت بابه: # ثم عصفت بمطيتها كما انتشب السهم، أو كما خطر الوهم. فعلقت الأبيات في ~~رقعة، وأودعتها تلك البقعة. وانطلقت في أثر الفتاة إحضارا، فلم ألحق لها ~~غبارا، ولا عرفت لها قرارا، فخرجت من الديار الشامية، وأنا أحتسب الله على ~~الفتن الخزامية. ### | المقامة السابعة عشرة وتعرف بالحكمية # أخبر سهيل بن عباد قال: خرجت في قافلة، بعصابة حافلة. # PageV01P132 # فكنا نصل الإسآد بالتأويب ونراوح بين الإهذاب والتقريب. حتى أفضت بنا ~~الرحلة إلى شاطئ دجلة. فنزلنا القض والقضيض، في أكناف ذلك الحضيض. فراقتنا ~~فاكهته وفكاهته، وشاقتنا نزهته ونزاهته. فأقمنا ثلاثا نجتني قطوف أفنانه ~~الميلاء، ونشرب صافي تلك الحجيلاء. حتى إذا أزف الرحيل، وزمت الهجمة ~~والرعيل. قيل هذا يوم النيروز. ولا بد للناس من البروز. فلبد القيروان ~~عجاجته وبلد لجاجته. ولما ألقت الغزالة لعابها، وضربت الضحى أطنابها. نقر ~~القوم ثبات في تلك الرباع، وانتشروا مثنى وثلاث ورباع. فلما انتظمت # PageV01P133 # الفئام، وجلست القيام في الخيام. نحرت الجزر وشبت النار، وفاح العثان ~~والقتار. وأخذ القوم في تداول الألحان وتناول بنت الحان. إلى نثر الأصيل ~~على نور الشمس نور البهار، وكاد جرف النهار ينهار. فنهضنا، من حيث ربضنا، ~~وأقبلنا إلى حيث قابلنا. وإذا موكب من الرجال، قد ازدحموا على شيخ بال رث ~~الجسم والسربال، وهو قد أن من شدة الكلال، وشرع يوصي رجلا بين بديه فقال: ~~يا بني لا تسلم نفسك إلى هواك، ولا تستودع سرك سواك. ولا تفوض أمرك، إلا ~~لمن يعرف قدرك. ونزه نفسك عن الخسائس، وقلبك عن الدسائس. واحفظ لسانك من ~~الخلل، قبل أن تحفظ رجلك من الزلل. واقتصد في ما تعتمد. ولا تستعجل، في ما ~~تستعمل. ولا تهرف، بما لا تعرف. ولا تطمع، في ما تجمع، ولا تصدق كل ما ~~تسمع. ولا تنقل القدم، إلى # PageV01P134 # ما يعقب الندم. ولا تمش في الأرض مرحا، ولا يستفزك الدهر فرحا أو ترحا. ~~ولا تمتهن الضعيف الساقط، ولو كان ماقط بن لاقط. ولا يكن حبك كلفا، ولا ~~بغضك تلفا. وإذا استغنيت فلا تبطر، وإذا افتقرت ms039 فلا تضجر. وإذا ابتليت ~~فاصطبر، وإذا رأيت العبرة فاعتبر. وإذا أردت أن تطاع، فسل ما يستطاع، وإذا ~~حدثت فعليك بالإيجاز، ولا تلبس الحقيقة بالمجاز. ولا تعد إلا وأنت قادر على ~~الأنجاز. ولا تبادر بالجواب قبل استيفاء الخطاب. ولا تقض الدين بالدين، ولا ~~تطلب أثرا بعد عين. واعلم أن # PageV01P135 # لكل صارم نبوة، ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة. ولكل مقام مقال، ولكل ~~دهر رجال. ولكل قضاء جالب، ولكل در حالب. ومن حسنت سريرته حمدت سيرته. ومن ~~أطاع غضبه، أضاع أدبه. ومن تأنى، نال ما تمنى. ومن سعى، رعى. ومن جال، نال. ~~ومن قل، ذل. والحرحر، وإن مسه الضر. والكذب داء، والصدق شفاء. وطعن اللسان، ~~كوخز السنان. وظن العاقل، أصح من يقين الجاهل. والظمأ القامح، خير من الري ~~الفاضح. وعليك بالمحاجزة، قبل المناجزة. وبالإيناس، قبل الإبساس. وبالعتاب، ~~قبل العقاب. واستعذ بالله من الشيطان # PageV01P136 # الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس. قال: فلما استتم كلامة قال: أنه من ~~سليمان، وأنها لمن وصايا لقمان. فادرسها كلما شهدت الشهر واذكر شيخك الذي ~~اعترك الدهر، وقلب أهله البطن الظهر، فعرف منهم السر والجهر. ثم ثاب إليه ~~بعض الرمق فتجلد، ورأرأ بحدقتيه وأنشد: # إني لقد جربت أخلاق الورى ... حتى عرفت ما بدا وما اختفى # كل يذم الناس، فالذي نجا ... من ذمه يدخل في ذم الملا # والمرء مطبوع على البخل إذا ... جاد فجوده عن العرض فدى # يريد أن يغترف البحر ولا ... يترك منه قطرة تروي الظما # ينسى من المحسن طودا قد رسا ... وليس ينسى ذرة ممن أسا # ولا يحب غير نفسه فما ... أحبه فهو إلى النفس انتهى # PageV01P137 # يعرف كل حاله في ما مضى ... إلا الذي كان دنيا فارتقى # وكل علم يدرك المرس سوى ... عرفان قدر نفسه كما اقتضى # بالعقل والدين له كل الرضى ... أما بماله وجاهه فلا # وكلما عقل الفتى قل اكتفى ... به كما ظن فسر وازدهى # قد طبع الناس على الظلم! فما ... سلم أمر لامرئ إلا بغى! # يؤذي الجهول نفسه، فإن جنى ... يوما عليك لا يلام بالأذى # ويذخر ms040 الشيخ لدهر، ويرى ... بعينه الموت لدى الباب استوى # ينعم البعض بمال يختبى ... وبعضهم ببذله في ما اشتهى # من عاش بالتقتير من ذوي الغنى ... فإنه أفقر من فوق الثرى # كل يعد نفسه نعم الفتى ... فمن هو اللثيم منا يا ترى! # لو عرف الإنسان عيبه، لما ... رأيت عيبا فيه، ما طال المدى # PageV01P138 # وكل عيب كان من طي الحشى ... في المرء، ينمو فيه كلما نشا # لا يشعر الجاهل بالجهل، كما ... لا يشعر السكران إلا إن صحا # لا يعرف الصحيح قيمة لما ... كان من الصحة حتى يبتلى # لا يحمد القوم الفتى إلا متى ... مات، فيعطى حقه تحت البلى # لو كان كل يعرف الحق سوى ... لكان كل الناس أهلا للقضا # من قال: لا أغلط في أمر جرى ... فإنها أول غطة ترى # وقلما أبصرت نعمة على ... شخص، ولا تقول: قد ضاعت هنا # وقلما كان شجاعا في اللقا ... إلا عزيز النفس والجود كذا # وكل ما في غير مثواه ثوي ... يسمج في العين ويؤذي من رأى # وكل ما عن منهج الطبع التوى ... تنكره النفس ولو نفعا جنى # وكل من تاه دلالا وادعى ... مستكبرا، فذاك ناقص الحجى # PageV01P139 # وكل من شاب على خلق فلا ... تنصحه، فهو ليس من أهل الهدى # وكل من لا خير منه يرتجى ... إن عاش أو مات على حد سوا # فلما فرغ من أبياته استهلت دموعه من المآقي، وقال سبحان الحي الباقي، ثم ~~سجا على مضجعه حتى خيل أن روحه قد بلغت التراقي. فأخذت القوم الشفقة، ~~وقالوا لغلامه: خذ هذه الصدقة، إن مات فللتجهيز، وإن عاش فللنفقة. ثم ولوا ~~الأدبار، وهم يضجون بالدعاء له والاستغفار. قال سهيل: فلما خلونا وانتفت ~~التقية، نفض عن نفسه غبار المنية. وقال: يا غلام اذهب بهذه الدستجة، فجثنا ~~بما نشرب الهفتجة. فابتهجت # PageV01P140 # بإرجاء حينه، وتأملته فإذا هو الخزامي بعينه، فعجبت من ريائه وميه. وقلت. ~~يا أبا ليلى: كيف تعظ الناس بما ذكرت، وتصف الناس بما أنكرت؟ فأشاح بوجهه ~~خجلا، ثم أنشد مرتجلا: # وصفت الناس بالنكر ... وإني لست بالناسي # ولكن نسي الغافل ... أني ms041 أحد الناس # ثم قال: يا أبا عبادة ليس من العدل سرعة العذل. ومن لا يؤخذ بالأشعبية، ~~فخذه بالشفربية. وإني قد أفدت من الحكم والأمثال، ما لا يعادل بدرهم ولا ~~مثقال. فإما أن تبذل كما بذل القوم، وإلا فالسكوت عن اللوم. قال: فأمسكت عن ~~معاذير الملفقة، وإن لم يضل دريص نفقه. ولبثت في صحبته بالعراق، إلى أن قضى ~~الله بالفراق. # PageV01P141 ### | المقامة الثامنة عشرة وتعرف بالرجبية # حكى سهيل بن عباد قال: نزبت يقوم من العرب، في أثناء رجب. وكانوا قد ~~ارتبطوا القنابل، واعتزلوا الصوارم والذوابل، واجتمعوا حتى اختلط الحابل ~~بالنابل. فرأيت جيشا كأولاد فارز وعقفان. قد تألف من أسود بيشة وظباء ~~عسفان. فلبثت عندهم بضعة أيام، في بعض أطراف الخيام. وكنت كلي يوم أشهد ~~المحافل، وأتخلل الجحافل. وأسمع الشاعر، والناثر. وأطرب للشادي، والحادي. ~~حتى إذا كنت يوما ببعض الأندية، وقد سالت الشعاب # PageV01P142 # والأودية. أقبل شيخ ضئيل، تليه امرأة أكبر من عجوز بني إسرائيل. فلما وقف ~~بنا قال: حيا الله الموالي، وأعز بهم المعالي والعوالي. أنني طالما أيمنت ~~وأشأمت، وأنجدت وأتهمت وأحجزت وأعرقت، وغربت وشرقت، وشهدت الولائم ~~والوضائم، وشاهدت العزائم والعظائم. ورضت الرجال، وخضضت الآجال. ولقيت ~~السراء والضراء، ومارست الحسناء والخثناء. وأترعت العساس والجفان، وملأت ~~الثبن والأردان. وأجزت الخطباء والشعراء، وأحسنت إلى العفاة والفقراء. وها ~~أنا الآن قد صرت نحسا مستمرا، لا أملك نفعا ولا ضرا، ولا أذكر مما لقيت ~~حلوا ولا مرا. حتى كأني الآن قد ولدت على هذا البساط، تدرجني هذه الحيزبون ~~بالقماط. فاعتبروا بما رأيتم وسمعتم وخذوا الأهلة لأنفسكم ما استطعتم. فإن ~~الزمان، ليس فيه أمان. والدنيا الغرور، لا يتم فيها سرور. والحياة ظل زائل ~~والنعيم لون حائل. والسعيد من نظر لنفسه، قبل # PageV01P143 # حلول رمسه.. وكفر عن ذنبه، قبل لقاء ربه. فلما فرغ الشيخ من كلامه اعتمد ~~على عصاه، وبرزت العجوز كالسقلاة. وقالت: يا كرام العرب إن الله قد أمر ~~بالمعروف عباده، كما أمر بفروض العبادة. فعليكم بالمروءة والكرم، ورعاية ~~الذمم والحرم. وحافظوا على الوفاء ولو أفضى إلى الخسف، واحد ms042 سوا لوفدكم ولو ~~بمطفئة الرضف. فإن بئس الردف لا بعد نعم، والكثير خير من القليل والقليل ~~خير من العدم. قال: فرضخوا لهما بما حضر، وقالوا: خير الناس من عذر فتناول ~~الشيخ ميسورهم وقال: إني قد قبلت بركم بالجنان، لا بالبنان، وحق علي مدحكم ~~بالقلب لا باللسان. ثم دنا فتدلى، وأنشد وهو قد ولى: # حلموا فما ساءت لهم شيم ... سمحوا، فما شحت لهم منن # سلموا، فلا زلت لهم قدم ... رشدوا، فلا ضلت لهم سنن # PageV01P144 # قال: وكان في الموقف فتى شديد الخنزوانة قد انتصب كالأسطوانة. فلما أدبر ~~الشيخ قال: إني لأعرف هذا الخبيث، وقد رابني ذكره القلب في الحديث. فاقلبوا ~~البيتين، لعل بهما شيئا من الشين. فابتدر رجل إلى قلبهما، بعد كتبهما، وإذا ~~هو يقول بهما: # منن لهم شحت، فما سمحوا ... شيم لهم ساءت، فما حلموا # سنن لهم ضلت، فلا رشدوا ... قدم لهم زلت، فلا سلموا # فلما سمع القوم ذلك استشاطوا غضبا وقالوا: من لنا برد هذا الرجيم فنجعله ~~للناس أدبا؟ أنا لها فإني أعلم بمهب ريحه ومدب طليحة. فأركبوه متن طمرة، ~~وقالوا: هلا يا ابن الحرة! قال سهيل: وكنت عرفت سريرة تلك الصناعة، فانسللت ~~في أثر الفتى من بين الجماعة. فما أدركته إلا على بريد، وإذا هو قد جلس بين ~~الخزامي وابنته على ذلك الصعيد، فلما رآني وثب إلي وقال: لا يفل الحديد إلا ~~الحديد. فاهتز الشيخ تيها، وأنشد بديها: # PageV01P145 # هذا غلامي لا تسل عن خيمة ... أن الشراك قد من أديمه # لما رأى الحي إلى زعيمه، ... قصر في الوفاء عن تعليمه # تلقف المهرة لا من شومه، ... لكن ليقضي الدين من غريمه # ثم قال يا أبا عبادة إن الله لم يختص برزقه، أحدا من خلقه، فمن ظفر بشيء ~~فقد أخذه بحقه. لكن أخاف أن القوم لا يأخذون بهذه الفتوى، فلننصرف قبل أن ~~تحل بنا البلوى. ثم نهض إلى بعيره المعقول، وهو يقول: # أنا ابن أم الدهر يا ابن المنجبة ... رزقت بين الناس حظ الغلبة # بكل واد أثر من ثعلبة # PageV01P146 # قال سهيل: فسرت ms043 في صحبته على حذر، ولبثنا في اجتماعنا إلى أن فرقنا ~~القدر. ### | المقامة التاسعة عشرة وتعرف بالخطيبة # حدثنا سهيل بن عباد قال: ارتبعت ربيعا باليادية، أصفى من ماء غادية. فما ~~تركت حيا ولا ناديا، ولا جبلا ولا واديا، وإلا سعيت إليه على قدمي، وخاطرت ~~في اعتماره بدمي. فبينما أنا في حلة إذ قام مناد على كثيب يقول: حي هل على ~~الخطيب. فوفدت إليه في من وفد، وإذا شيخ أكبر من لبد، عليه حلة من سبد. ~~فلما تألب الجيش، وسكن الطيش. كبر واستغفر، وقرأ ما تيسر. ثم قال: الحمد ~~الله الذي جعل العرب في وجنة العباد شامة، كما جعل أرضهم على # PageV01P147 # بدن البلاد هامة. أما بعد فإنكم يا معاشر العرب أكرم للناس نسبا، وأفضلهم ~~حسبا. وأفصحهم لسانا، وأثبتهم جنانا، وأضر بهم بالسيوف، وأقراهم للضيوف. ~~وأكثرهم ابتذالا للمكارم واحتمالا للمغارم، واعتقالا بالرماح واشتمالا ~~بالصوارم. ولكم حفظ العهود وإنجاز الوعود. ومراعاة الجوار، والفرار من ~~العار. وحماية الأرباض، وبذل النفوس دون الأعرض. وخوض الليل بالرجل والخيل. ~~ولكم الخطاب المفعم، والجواب المفحم. والنظم البديه، والنثر النبيه. ~~والقلوب الجرية، والنفوس الأبية. ولا تدينون لسلطان، ولا يتيمكم هوى ~~الأوطان. ولا ترتكبون الدنايا، ولا تبالون بالمنايا. ولا تروعكم الأهوال، ~~ولو أنها من الأغوال. ولا تقبلون الهوان، ولو جاء بالهيل والهيلمان. بلادكم ~~أفضل الأرض # PageV01P148 # تربة، وأرفعها هضبة. وأحلاها ماء، وأصفاها هواء. وأطيبها جرعى، وأخصبها ~~مرعى. وأطولها نخلة، وأسمنها رخلة وسخلة. وغلامكم أحكم من كهول الناس، ~~وأفتك من فتيانهم صبيحة الباس. وفتاتكم أحذق من فحول الرجال، وأفصح منهم في ~~المقال. وشاعركم المرتجل، ابلغ من شاعرهم المحتفل. وصعلوككم المعسر، أجود ~~من أميرهم الموسر. وفيكم الكاهن والعائف، والحكيم والقائف. والفقيه ~~والخطيب، والمنجم والطبيب. ومنكم التبابعة والمناذرة، والأبطال والجبابرة. ~~والكرام الذين تسير بهم الأمثال، ويعز لهم المثال. فجدوا في جدد الفخر، ~~وتواصوا بالصبر، أعلى نوائب الدهر. وحافظوا على مالكم من # PageV01P149 # المآثر والآثار، واشطروا شطر من تقدمكم من خوالي الأعصار، واذكروا أيامهم ~~المخلدة في بطون الأسفار، لتكون لأنفسكم كالريحان. ولعزائمكم كالمضمار. ~~قال: فانبرى له شيخ ms044 كالأفعوان، عليه حلة أرجوان. وقال: يا مولاي قد مدحت ~~فأكرمت، ونصحت فأحكمت. ولكن ما هي أيام العرب التي أشرت إليها، ومواقعها ~~المنصوص عليها؟ ففكر، ثم قدر، ثم قال: قد أنسانيها الشيطان فذكر إن كنت ممن ~~تذكر. فأطرق برهة وهو ينكت في الأرض، ثم قال: تعالوا أتل عليكم ما يبقى ~~ذكره إلى يوم العرض. وأنشد: # قد ذكر القوم لأيام العرب ... مواقعا تدعى بهن كاللقب # من ذلك: الكديد والبيداء ... بعاث والفترة والهيماء # كذا كلاب منعج الجفار ... والحجر والزخيخ والستار # شمطه والزور غبيط المدره ... كذا الغبيطان اللوى وبئره # جو نطاع ذو طلوح والعنب ... درنى الكحيل والغدير ذو نجب # نخلة فيف الريح قرن فلج ... طوالة وقبى زرود المرج # عويرض الحدائق النسار ... قشاوة كفافة سنجار # PageV01P150 # ذرحرح خو خولي داب ... عين أباع قادوم إراب # عراعر النهي الربيع ملهم ... نجران والعينان غول رقم # ذو الأثل ذات الرمرم النشاش ... عنيزة عقبة أعشاش # وواردات الجنو رحرحان ... والدرك السوبان والسلان # شعب خزازى والعظالى حاطب ... قراقر الدثينة الذنائب # جبلة القرعاء والصليب ... ظهر وذات الحرمل الكثيب # أوارة لهابة ذو قار ... أقرن وج حيرة سفار # شعواء والهباءة المرتقب ... قطن ذو حسى الفروق يحسب # يسيان والهرير ذو أحثال ... وما عسى نحصي من الرمال # PageV01P151 # قال سهيل: فكبر القوم وقالوا: حدث عن البحر ولا حرج، إنك لأحفظ من حماد ~~وأجمع من أبي الفرج. قال: علم الله أني لست من الأفاضل الكملة، ولكن عرف ~~حميق جمله. فسقط في يد الخطيب واستكان، وقال: قد قدر فكان. ولقد أبنت ~~فأحسنت، فمن وممن أنت؟ قال: إن كنت لا ترى، أن تأكل الجبن عرضا. فأنا سرندل ~~ابن عرندل، # PageV01P153 # من بني الشمردل. فعجب القوم من براعته ورقاعته، وأكبروا سر صناعته. ~~وقالوا: هل تملي علينا ما أنشدت، وسنجزيك بما أفدت. قال: إن لي كاتبا أجرى ~~من السيل، في الليل، ثم قال: هلم يا سهيل. فلما أقبلت عليه قال: اكتب يا ~~بني، وأخذ يملي علي. فلما فرغنا من الإملاء والتعليق، أفرغوا علينا ما ~~يليق، واعتذروا من الإجحاف بالخليق. قال: وكنت قد عرفت أن الشيخ ms045 صاحبنا ابن ~~الخزام، فما صدقت أن أفلت من الزحام، حتى تعقبته وهو يعدو في أخريات ~~الخيام. فاستوقفته فأبى، وقال موعدنا مهب الصبا. فرجعت بين الخيبة والظفر، ~~إذ حرمت صحبته ورزقت نفقة السفر. ### | المقامة العشرون وتعرف بالبصرية # PageV01P154 # حدثنا سهيل بن عباد قال: قدمت البصرة ذات العويم، في ركب من بني الهجيم. ~~فجعلت أطوف بها ما أطوف حتى انتهيت إلى مربدها الموصوف. وإذا في ساحته قوم ~~قد توسدوا ثراها، وهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. فطارحتهم سنة ~~التسليم، وقلت: هل في الكاس حظ لنديم؟ قالوا: لقد أتيت أهلا، ونزلت سهلا. ~~فجلت لديهم جلوس التلاميذ، بخصرة الأساتيذ. وأخذوا يتداولون الفنون، ~~ويبرزون كل مكنون. حتى خاضوا في فن البديع، وأفاضوا في التجنيس والتنويع. ~~كان في صدر الحلقة شيخ أفطس العرتبة، كأنه أحد الأغربة. فقال: قد علمتم ~~أيها الناس، أن أعظم # PageV01P155 # الجناس، ما لا يستحيل بانعكاس. فمن ظفر بفرائده الحسنى، فاز بالمقام ~~الأسني، وسلم له البديع لفظا ومعنى. قالوا: تراك من أهل الدار، وفرسان ~~المضمار. فحدث بنعمة ربك، ولا تكتم ذخيرة لبك. قال: نعم كنت قد نظمت أبياتا ~~منه في الصباء، وهي معجزة عند الأدباء. قالوا: إن رأيت أن تنشدنا إياها فلك ~~المنة، وقد دفعت عن نفسك الظنة. فتلا: "إن بعض الظن إثم"، ثم قال اسمعوا يا ~~أولي العلم. وأنشد يقول: # قمر يفرط عمدا مشرق ... رش ماء دمع طرف يرمق # قرطة يقدي جلاه أيمن ... من مياه الجيد فيه طرق # PageV01P156 # قبس يدعو سناه إن جفا ... فجناه أنس وعد يسبق # قد حلا كاذب وعد تابع ... لعبا تدعو بذاك الحدق # قرحت ذا عبرات أربع ... عبرات أربع إذ تحرق # قلق يلثم نادي عبلة ... لبعيد، إن مثلي قلق # قفرة الربع أهالت فتية ... فتلاها عبر لا ترفق # قد حماها ركب ليل حافظ ... فاح ليل بيكراها محدق # قر في إلف نداها قلبه ... بلقاها دفن لا يفرق # PageV01P157 # قطنت هيفاء فيه آمنا ... إنما هيفاء فيه تنطبق # قف ألا قاض فإني ضاق بي ... ريب قاضينا فضاق الأفق # قلم يجري سيلقى ضرما ... مر ضيق ليس ms046 يرجى ملق # قيل: إفتح باب جار تلقه ... قلت: راج باب حتف أليق # قل طعم دونه رد بكم ... كبيد رهن ودمع طليق # فلما فرغ من أبياته صفق القوم، وقالوا: لا عهد لنا بمثل هذه قبل اليوم. ~~فإن هذا الجناس كالعدد المعدول، لم يتجاوز أربعة من المنقول. قال # PageV01P158 # سهيل: فانبرى له رجل أشمط العارضين، يكاد الشرب الرافدين. وقال: يا هذا ~~إن الفجر بالأثير، لا بالكثير. وإنما ينافس في الثمين، لا في السمين، فكم ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. قال: صدقت إن خير ~~الكلام ما قل وجل، ولكن من ادعى بلا بينة فقد زل وذل. قال: أعوذ بالله من ~~زله العمد، وسفاهة العبد. إني نظمت بيتين لبعض الأمراء، طردهما مديح ~~وعكسهما الهجاء. فكان ينظر إليهما بعين الأحول، ويقصر عنهما الباع الأطوال. ~~قال: فهلم بما فتح الله عليك، قال: لبيك وسعديك! وأنشد: # باهي المراحم لابس ... كرما قدير مسند # PageV01P159 # باب لكل مؤمل ... غنم لعمرك مرفد # ثم عمد إلى قلبهما، فإذا هو يقول بهما: # دنس مريد قامر ... كسب المحارم لا يهاب # دفر مكر معلم ... نغل مؤمل كل باب # قال: فاستفزت القوم تلك الصناعة العذراء وقالوا: علم الله أنها لأغراب من ~~العنقاء. ثم أقبلوا على الرجل يرجمونه بالأحداق، وقالوا: فداك أهل العرق! ~~فمن أنت ومن أي الآفاق؟ فتنهد، ثم أنشد: # أقبلت من أرض اليمامة ... أبغي العراق على استقامة # جبنت الدلامس بالعرا ... مس في النعامة كالنعامة # زرت الكرام لأنني ... قد كنت من أهل الكرامة # أتلفت مالي في الندى ... لا في الصبابة والمدامة # PageV01P160 # أقري الضيوف وأقتري ... حمل الحمالة والغرامة # وأسد خلة مقتر ... وأرد لهفة ذي ظلامه # وأجيز كل مقرظ ... عن كل شعر أو مقامه # قسمت مالي في الملا ... ونسيت سهمي في الحتامة # وسقيتهم مائي فرح ... ت كأنني كعب بن مامه # برح الخفا فندمت ل ... كن حيث لا تجدي الندامة # درج الصبا والمال وال ... نفس العزيزة والشهامة # عذبت نفسي بالقنو ... ط وعذبتني بالملامة # قد كنت أطمع في الغنى ... واليوم أقنع بالسلامة # فلما انتهى إلى هذا ms047 البيت أن كالمريض وقال حال الجريض، دون القريض، وأثرت ~~شؤونه تفيض. فرثى القوم لبلواه، # PageV01P161 # وفثأوا ما جاش من جواه. وقالوا: جمع الله شملك فأين خلفت أهلك؟ قال: قد ~~خلفت الجربة، في الشربة، لا يملكون حبة. وهم ينتظرون إيابي على الأثر، كما ~~تنتظر الأرض وسمي المطر. فجمعوا له قبصة من العين، وقبضة من اللجين. ~~وقالوا: إن الكريم أولى بالكرم، قال: نعم، وأهل الحرمة يرعون الحرم، قال ~~سهيل: وكنت قد عرفت أنه الخزامي عند نظري إليه، لكنني أنكرت اغبرار عارضيه. ~~فلما فصلنا عن المكان قلت: حيا الله أبا ليلى! قال: وميمون يفدي سهيلا! ~~قلت: عهدي بك شيخا فكيف رجعت كهيلا؟ فأنشد: # لا تنكرن ما ترى من الشمط ... إن السواد والبياض إذ وخط # من طرف الأمور فاخترت الوسط # فانعكفت عليه انعكاف المغرم الكلف واعتنقته اعتناق السلام للألف. فأخذ ~~يسايرني على رسله، حتى انتهى بي إلى رحله. وأقمت # PageV01P162 # في صحبته قرير العين، إلى أن نعب بيننا غراب البين. ### | المقامة الحادية والعشرون وتعرف بالدمشقية # أخبر سهيل بن عباد قال: نحوت من بعض الأنحاء، نحو دمشق الفيحاء. فجعلت ~~أتتبع الرياح الدوارس، وأتفقد الآثار الطوامس، وأتعهد الأندية والمجالس، ~~حتى انتهيت إلى إحدى المدارس. فتخللت حلقة الطلبة، وقد سكنت الأبصار وسكنت ~~الجلبة. وأخذ القوم يتذاكرون هنالك، حتى جرى ذكر خلاصة ابن مالك. فقال ~~الأستاذ: لا جرم إنها لإحدى الكبر، وعبرة العبر. ولكن قد كان ذلك إذ الناس ~~ناس، لا يلجهون بعذار الآس، وحبب الكاس. قال: وكان شيخنا ميمون بن خزام قد ~~ربض في ذلك المقام، فانتدب من مجثمه كالصمصام. وقال: يا قوم إن المعترف ~~بالفضل لهذا الإمام المشهور، # PageV01P163 # كالمعترف للشمس بالنور، أو للطود بالظهور. وأما في هذا الزمان فقد بقي من ~~إذا سئل يجيب، وإذا تجشم الإنشاء يصيب، فللأرض من كأس الكرام نصيب. قالوا: ~~ما نرى ذلك إلا كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر. فإن لم يكن ذلك حديثا ~~يفترى، لا تطمئن قلوبنا حتى نرى. قال: أشهد لله إنكم لمن المنصفين، والله ~~يشهد أني لست من المرجفين. أن عندي ms048 أبياتا معتاصة جامع الباكورة والخصاصة، ~~خليقة بان تدعى خلاصة الخلاصة! قالوا: إننا نتوقع سماع مثلها، فإن شئت ~~فاستجلها. فهب كعاصفة القبول، واندفع يقول: # بسائط الكلام حين يبنى اسم ... وفعل ثم حرف معنى # والحرف واسما مثله والفعل لا ... كاسم بنوا وأعربوا ما فضلا # PageV01P164 # واسما كفعل مثل كاسم ... إفتح لمنع صرفه وضم # ركب وزن واعدل وأنث واجمع ... وزد وصف واعجم وعرف تمنع # وأطلق المصروف ثم نون ... والجزم خذ للفعل واترك ما بني # وكل إعراب بلفظ حاصل ... أو نية حيث دعاه العامل # فالرفع في اسم للذي قد أسندا ... إليه والمسند منه اعتمدا # وهو إذا جرد لفظا يعتبر ... بالمبتدا والمسند منه اعتمدا # PageV01P165 # أو لا فإن كان أقام فعله ... ففاعل أو لا فنائب له # والنصب للملابس الفعل على ... ما دون إسناد إليه جعلا # فإن يكن نفس الذي تعلقا ... به فمفعول يسمى مطلقا # أو إن يصبه فهو مفعول به ... أو لا فمعه أن يكن من صحبه # أو لا ففيه أو له أو دونه ... إن كان ذاك وبه يدعونه # أو لا فما يبين الصفات ... حال وتمييز مبين الذات # والخفض قد خصص بالمضاف ... إليه مطلقا بلا خلاف # وتابع ما مر إن يقصد حصل ... بالحرف عطف وبلا حرف بدل # PageV01P166 # أو لا فتأكيد لتقرير ومن ... وصف لكشف صف ومن ذات أبن # ويرفع الفعل إذا تجردا ... وهو جميعا عامل مطردا # وحيثما اختص بجمله نصب ... ما بعد مدفوع له كيف انقلب # فإن كفاه واحد فهو خبر ... أو لا فمفعول على نسخ الأثر # والحرف عامل إذا اختص فما ... بمفرد اسم خص جرا لزما # أو جملة فإن يكن كالفعل ... ينصب فيرفع بخلاف الأصل # PageV01P167 # وشبه فعل التفي مثله جعل ... فإن نفي الجنس على العكس حمل # وما يخص الفعل مما غيرا ... زمانه وليس كالجزء يرى # إن يكفه مستقبل دون طلب ... ينصب، وباقية به الجزم وجب # والاسم إن ضمن معنى عامل ... سواه يعمل مثله كالحامل # وربما أعمل بالتشبيه ... ما ليس للإعمال حق فيه # PageV01P168 # وجملة حلت محل المفرد ... لها بإعراب محلا قلد # وقل ما ند، وهذا يعتمد ... كأحرف ms049 الهجاء حتى في العذد # قال: فعجب القوم من ذلك الجمع الضابط، والسرد الرابط. وقالوا: علم الله ~~الذي أنزل الفروض، أنها الأجمع من قولهم كل شرفاء ولود وكل سكاء بيوض. فمن ~~ضارب هذه الحديقة، وناسج هذه البردة الصفيقة؟ قال: هو صاحبكم الذي لا يصحب ~~بنات غير. وقد صرفت عليها سنة كحوليات زهير. ولكنني طالما كتمتها عمن لا ~~يعرف # PageV01P169 # قدرها ولا يؤدي مهرها. قالوا: قد استكرمت فارتبط، وفلجت سهامك فاغتبط. ~~لكن ذلك يرتب، على أن تمليها فتكتب. قال: نعم فاكتب يا بني، واندفق في ~~إملائها علي. حتى إذا فرغنا من تعليق الأساطير، انهالت علي الدراهم وعليه ~~الدنانير. فلما أفعم الإناء ودع القوم وأحسن الثناء، فشيعوه إلى الفناء. ~~وخرج بي يعدو كالطريد، حتى انتهينا إلى باب البريد، فقال: كيف أنت وقصعة من ~~ثريد؟ قلت: على ما تريد. فدخل بي إلى غرفة أبهى من قصر غمدان، على ودفة ~~أبهج من شعب بوان. وقال: يا ليلى الهاجدة، قد تلوت لك سورة النجم فعليك ~~بسورة المائدة. فقال: # أهلا بمن زار دار أهل، ... وهو لنحر الجزور أهل # PageV01P170 # تطابق الضيف مع قراه ... ذاك سهيل وذاك سهل # قال: فابتدرتها بالتغلية، وقلت من غير تروية: # بعض السهيلين زار ليلى ... في الليل، والبعض زار ليلا # فذا سهيل وذا سهيل، ... وذاك ليل وتلك ليلى # قالت: حياك الله يا أبا عبادة، ومتعنا منك بالوفادة. أنت في ضيافة الوالد ~~والولد، ما دمت حلا بهذا البلد. فمكثنا ريثما انقضى شهرا قماح، وقال السفر: ~~حي على الفرح. فاستوى كل على مطيته، وعاد لطيته. ### | المقامة الثانية والعشرون وتعرف بالسروجية # أخبر سهيل بن عباد قال: أردت الخروج إلى سروج. لعلي # PageV01P171 # أجد لأبي زيد أثرا أتيمن به أو أعثر على أحد من عقبه. فحسرت عن ساقي ~~ويدي، وقلت: سروج يا ناق فسيري وخدي. وما زلت أستغرق اليوم رملا، وأتخذ ~~الليل جملا. حتى كنت في ليلة أغير وأنجد، وأسترشد ولا مرشد، وإذا راكب ~~ينشد: # أيتها الناقة إن طال السفر ... لا تجزعي منه فق طال الحضر # أقمت شهر صفر حتى صفر ms050 ... وقد أتى شهر ربيع واشتهر # فبادري لا تقفي إلى السحر ... وصابري فإنني ممن صبر # سيان عندي كل ورد وصدر ... وكل نوم عند جفني وسهر # أطوى وليس للطوى بي من أثر ... وأخبط الليل على غير حذر # يؤنسني سهيل إن غاب القمر # قال: فلما سمعت هذه الأبيات الحماسية، استشيت منها الفحة الخزامية. فقلت: # PageV01P172 # سهيل أرض أم سهيل الفلك ... يا أيها اللابس ثوب الحلك # إنك عندي ملك في ملك # فنزل الرجل وقال: ما لنا وسرى الليل، إذا طلع سهيل، رفع كيل ووضع كيل. ~~فوثبت إليه كأبي فراس، وإذا كلنا في فراسته إياس. وقضينا غابر ليلتنا في ~~تلك البطاح، إلى أن تبلج وجه الصباح، فنهض وقال: أين الوجهة يا صاح؟ قلت: ~~قد ملكت دهرا، فأدلني شهرا. قال: أنا إمعة لك في هذه المرة، ولو نزلت بي ~~على أبي مرة! فسرت بين يديه كالدليل، وسار في إثري كالضليل. وأخذنا نخترق ~~الأدغال والشواجن، ونرد العذب والآجن، حتى # PageV01P173 # دخلنا سروج في صبحة يوم داجن. فترجلنا عن أنضائنا الطليحة، ونزلنا في ~~غرفة فسيحة. ولبثنا هناك بضعا من الليالي، نتفقد البرج المشيد والطلل ~~البالي، ونلتمس آثار من كان في العصر الخالي. حتى كان يوم المهرجان، فضبثت ~~مخالب الشيخ بالصولجان، وقال: هذا يوم يجتمع فيه الإنس والجان. وخرج بي في ~~صدر ذلك اليوم، حتى انتهينا إلى منتدى القوم. فوجدنا هناك فجاجا، وماء ~~ثجاجا، وناسا يدخلون أفواجا. فتوسم الشيخ أوجه الناس، وجلس عن جانب أوجه ~~الجلاس. فلما سكنت الضوضاء، أعرض بوجهه إلى الفضاء. وقال: يا أبا عبادة إني ~~قد أزمعت السفر، ولا أدري هل يجمع بيننا القدر. فخذ عني ما ألقيه إليك، ~~والله خليفتي عليك. قلت: أطرف بما عندك، لا ذقت فقدك، ولا حييت بعدك! فقال: ~~يا بني إذا ركبت متن الصحراء، فاطلب خد # PageV01P174 # العذراء. وإذا نمت فاعتنق الصبي ولا تصل على النبي. واقنع بالسمراء، إذا ~~عزت البيضاء. واشرب من كأس الفاجر، لا من كأس التاجر. وتصدق على الأمير، ~~بجنى غرس الفقير. وإذا كلفت حمل الجنازة، فاطلب المفازة. وإذا اعتمدت السلب ms051 ~~في الليل، فعليك بنهب الخيل. وإذا دخلت الحلقة فاحذف السلام، واقتصر على ما ~~كذب من الكلام. وحرم الصبر على الأسير، والجبر على الكسير. واقطع السواعد ~~ولا تتبع القواعد. واختر من النساء العليلة المتنصفة، أحذر المتجملة # PageV01P175 # المتعففة. وأعرض عن الشافع، إلى الدافع، وانحر الشاري كالبائع. واضرب ~~الساعي، بعصا الراعي. وفضل القوافل، على النوافل. والغريب، على النسيب. ~~والإجارة، على الإمارة. وقدم زيارة الميت، على حج البيت. أحذر لنفسك من ~~الصوم وادخل السوق عند النوم. واتبع ملاح الجواري. ولا تتبع الكاتب ~~والقاري، واطرد اللابس وأكرم العاري. وافترس الليل والنهار، حتى يتيسر لك ~~الفرا. واحرص على الأعراض دون الجواهر، واعدل على المسلمات إلى الكوافر. # PageV01P176 # وكن من العواطل، ولا تحاول قطع خيط الباطل. وأنكر الشهادة، حيث لا ترى ~~الإفادة. واضرب كبد الإمام، واستعد الله ما بقيت والسلام. قال: وكان القوم ~~قد أرعوه سماعا فأنكروا عليه إجماعا. ولكنهم اعتصموا بالحزم، فصبروا كما ~~صبر أولو العزم. حتى إذا فرغ من توصيته، أخذوا بناصيته. وقالوا: أولى لك يا ~~شولة عدوان، وهيلة غطفان، قد أمرت بالسوء ونهيت عن الإحسان! فأرغى الشيخ ~~وأزيد، وقال: ما أشبهكم بولد الخليل بن أحمد. لو كنتم # PageV01P177 # تعلمون ما وراء الفدام، من صفوة المدام، لنكص عليكم الملام. قالوا: فارفع ~~الغشاء، ولك عندنا ما تشاء. قال: علم الله أنكم لو دخلتم البيوت من ~~أبوابها، لكنتم أهلها وأولى بها. أما الآن وقد لقيت منكم الأمرين، وجاوز ~~الحزام الطبيين، فلأصلينكم بنارين، ولا أبيعكم العبارة إلا بدينارين. فأذعن ~~القوم لحكمه، إذ رأوا طليعة علمه، وقالوا: قد كثبك الصيد فارمه. حتى إذا ~~فتق ما كان قد رتق. صاحت الجماعة: الله أكبر! قد نشر السروجي قبل يوم ~~المحشر. قال: إنا قد أحصينا كل ذلك عددا، ولو شئنا لجئنا بمثله مددا. ~~فنفحوه بالدنانير، وألقوا إليه المعاذير. قال سهيل: فلما تلقف المال أشار ~~إلي، وقال: إن كنتم قد نسيتم الراشن فعلي. # PageV01P178 # فحصبوني بدريهمات، وقالوا: لا تأس على ما فات. فخرجنا نجر الذيول، وراح ~~الشيخ يقول: # يا رب يوم قد قرعت الظنبوب ... مندفقا فيه ms052 اندفاق الشؤبوب # أشرب بالزق وأسقي بالكوب، ... والناس بين غالب ومغلوب # أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب # فقلت: # أنت الخزامي الذي يشفي الضنى ... طاف بك المدح، فمن رام الثنا # PageV01P179 # لقب أو سمى وإن شاء كنى، ... أرسلك الله حديقة لنا # فيها نزاهة وظل وجنى! # قال: أكرمت يا سهيل، فشمر الذيل، وبادر الليل. قلت: إني لك أطوع من ثواب، ~~وأتبع من البادية لمواقع السحاب. وخرجت في صحبته تلك الليلة إلى السواد، ~~وكنت أود لو أصحبه إلى برك الغماد. ### | المقامة الثالثة والعشرون وتعرف بالموصلية # قال سهيل بن عباد: شخصت من حلب الشهباء، إلى الموصل الحدباء حتى إذا ~~دخلتها أتيت الخان، وإذا شيخنا الخزامي في حجرة على الخوان. فلما رآني وثب ~~عن الطعام، وابتدرني بالسلام. # PageV01P180 # فابتهجت به ابتهاج الساري بالقمر، ونسيت ما مر بي من بوارح السفر. ثم ~~جلسنا نتناول ما طهت ليلى من الألوان، وهي تختلف إلينا باللحوم والألبان. ~~فقال الشيخ: قد جمعنا بين ليلى وعمها، أفلا نجمع بين ليلى وأمها؟ فما لبثت ~~أن جاءت بزجاجة بيضاء، فيها سلافة سوداء. وقالت: ما أحسن الليل إذا اجتمع ~~بسهيل! قال: وكان في الخصرة فتى من ركب القيروان، عليه مطرف من الأرجوان. ~~فعلق الجارية وافتتن بها، لما رأى من ظرفها وأدبها. فقال: ليس في الموصل إن ~~شاء الله إلا صلة الحبل، واجتماع الشمل. فقالت: إذا اجتمع الرجل بأهله، ~~فسيغنيه الله من فضله. ففطن الشيخ ذو الهول والغول، لما دار بينهما من لحن ~~القول. وقال: قد قضى الله باليسرى، فلك البشرى. واعلم أنه قد خطب إلي أكرم ~~الأصهار، على مهر ألف دينار. فلم يسمح بفراق جنتي جناني، ولم يطب عن روحي ~~وراحي وريحاني. # PageV01P181 # غير أن البيع مرتخص وغال، فلا يحول بيننا المال. قال: إن في يدي مائة ~~دينار إن كانت تكفيها، فبورك لك فيها. قال: هيهات، ولكن هات! فلما قبض ~~المال قال: جعل مباركا أينما كان، ولكن تنظرني هنيهة من الزمان. فتواعدا ~~إلى أجل مسمى، وذهب الفتى جذلان بكشف الغمى، وانكشاف المعمى. قال: فلما حان ~~أجل الزفاف، أقبل الفتى ms053 كالغداف. فوجد الشيخ يتأهب للرحيل، ويودع من هناك ~~من أبناء السبيل. فأجفل الفتى أي إجفال، وقال: ما بالكم تزمون الجمال؟ قال: ~~يا بني إني صرفت الدنانير بين الجفان والكؤوس، فلم يبق لي ما يقوم بتجهيز ~~العروس. فأردت أن أتحول إلى الحلة إذ ذاك، لأقضي حقها بتلية لي هناك. فأشهد ~~الفتى أن ليس له عنده # PageV01P182 # عرض ولا نقد، وقال: هلم إلى القاضي لإمضاء العقد. فانطلق معه الشيخ ~~والجارية، وهو يريد أن يأخذها ولو بقرطي مارية. فلما دخلوا على القاضي قال ~~الشيخ: يا مولاي إن هذا الفتى قد خطب امرأتي إلي، وهي غير مطلقة من عصمتي ~~ولا مطلقة من يدي. فاعقد له عليها إن رأيت، وإلا فق له: اذهب من حيث أتيت! ~~فقال الفتى: كلا يا مولاي إنها سليلته، لا حليلته. فقال القاضي: إن جئت ~~ببينة لذاك، وإلا فقد سقطت دعواك. ولما نظر القاضي إلى توقفه، أمر بطرده عن ~~موقفه، وأخذ يعنف الشيخ سوء تصرفه. فتباكى الشيخ وتنهد، ثم أشار إلى القاضي ~~وأنشد: # قد رجم الدهر بشهب النحس ... حتى هممت بفراق عرسي # خوفا عليها من حلول الرمس ... لشدة العيش وضنك النفس! # ما برحت، مذ أربع أو خمس، ... تصبح في مجاعة وتمسي! # ولا أرى في راحتي من فلس ... يقوم بالطعم لها واللبس # PageV01P183 # وهي فتاة من سراة عبس، ... أخوالها من آل عبد شمس # معتادة نحر المهى بالأمس، ... وشرب ألبان العشار الدخس # وملبس السندس والدمقس، ... لكنها من طيب ذاك الغرس # قد أنفت ارتكاب الرجس ... فأنكسرت خروجها من حبسي # وقد شكوت علتي للنطس ... عساه يسقيني شراب الورس # فيكتفي الناقه شر النكس # ولما فرغ الشيخ من الإنشاد رق له القاضي حتى استهل دمعه أو كاد. وقال: ~~أيها الشيخ لا عجب، إذا أدركتك حرقة الأدب. فاعتثم الآن بهذه الدريهمات على ~~أمر نفسك، وأنفق مما رزقك الله حلالا طيبا واتق الله في أمر عرسك. فأخذ ~~نحلة القاضي وأثنى عليه # PageV01P184 # بما استحق، وقال: مثلك من قضى الحق، وقضى بالحق قال سهيل: فلما فصلنا عن ~~باحة القضاء، وحصلنا في ساحة الفضاء. ms054 قال: يا بني أقرب وخذ هذه الرقعة ~~واكتب: # قل للذي رام الفتاة المحصنة: ... إن كنت تبغي شركة عن بينه، # فلنتهايا سنة بعد سنة ... لكن هذا العام يقضى لي أنه # إذ قد بدأت فيه بعض أزمنه ... حتى إذا ما نفدت هذه الهنة # زفقتها حالية مزينة ... إليك إذ تبغي، بأي الأمكنة # لكن على شريطة معينة ... تبذل لي من مهرها نصف الزنة! # ثم قال: يا فلان، قد استحيت من دخولي الخان. فأرى أن تترك الجواد وتنساب ~~وتأخذ ما لي هناك من الأسباب، وتلصق هذه # PageV01P185 # الرقعة بالباب. ثم توافيني إلى باب المدينة، لنرحل من هناك بالظعينة. ~~قال: فعلت كما أمر، لكنني لم أجد إلا خفا باليا فوافيته به على الأثر. حتى ~~إذا أفضيت إلى الميعاد، لم أجد الشيخ ولا الجواد. فانثنيت أريد الدخول، ~~وإذا رقعة على الرتاج قد كتب فيها يقول: # ألا قل لابن عباد بن صخر ... عليك تحية، ولك البقاء # تركت ركوبة وأخذت أخرى ... فراحلة براحلة سواء! # قال: فرجعت حينئذ بخف ميمون، واستعذت بالله من مكر كل خوون. ### | المقامة الرابعة والعشرون وتعرف بالمعرية # حدثنا سهيل بن عباد قال: أتيت معرة النعمان، في ما مر من الزمان. فطفقت ~~أجوب في شوارعها وأجول بين أجارعها. وأنا أتنسم أخبار العلماء والشيوخ، ~~وأتفقد آثار بني تنوخ. حتى # PageV01P186 # دفعت إلى ضريح أبي العلاء، وإذا حوله جماعة من الفضلاء. وهم يحدقون إلى ~~شيخ عليه شارة الجلال كأنه من بقية الأبدال. فجعلت أخترق الجمع وأسترق ~~السمع. وإذا هو قد بسط ذراعيه، وخلل عذاريه. وقال: الحمد لله الذي جعل ~~الحياة الدنيا، طريقا إلى جنته العليا. أما بعد يا أهل الكتاب، أفتعلمون ما ~~تحت هذا التراب؟ إن تحته رمم الأمراء والكبراء والعلماء والعظماء. وذوي ~~الجاه والسطوة وأرباب السعة والثروة. وذوات الحسن والجمال، وربات الفضل ~~والكمال. فإذا رفعتم هذه الرضام، واستنبثتم هذا الرغام. فهل لكم أن تمسوا ~~تلك الجماجم، بإحدى البراجم؟ أو تتأملوا تلك الضلوع بقلب لا يخامره الهلوع ~~أو تنظروا بقايا تلك الأعضاء، بعين لا يغلبها الإغضاء؟ وهل تعرفون المالك ~~من المملوك ms055 والغني من الصعلوك؟ والبهيج من المسيج؟ والكريم من اللثم؟ وهل # PageV01P187 # تميزون أبا العلاء، من راعي الإبل والشاء؟ وماذا ترون من عهده، بلزومه ~~وسقط زنده؟ وأين صحة فكره، وسلامة ذكره؟ بل أين عزة لسانه القائل: إني لآت ~~بما لم تستطعه الأوائل؟ هيهات قد صار الجميع قوما بورا، وجعلهم الدهر هباء ~~منثورا! فاضمحلت محاسنهم، واشمعلت خزائنهم ونثلت كنائنهم، وأصبحوا لا ترى ~~إلا مساكنهم فلينتبه الغافل ولا يشتبه العاقل. وليعتبر كل جبار عنيد ويذكر ~~من كل له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. واعلموا أن الله قد أرسلني إليكم ~~نذيرا، وأقامني بينكم سراحا منيرا لأذكركم يوما عبوسا # PageV01P188 # قمطريرا. فلا تغفلوا عن ذكر شرب تلك الكأس، وهو ذلك اليوم المجموع له ~~الناس. واتعظوا بمن تقدمكم من القرون والأقران، ومن درج أمامكم من العيون ~~والأعيان وتوبوا إلى بارئكم واندموا على ما فات، فإن الله يقبل التوبة عن ~~عباده ويعفو عن السيئات. واعتمدوا حفظ الفروض والسنن ولا تلووا على خضراء ~~الدمن. فإن المحافظة على الصلوات لا تفيد من يتبع الشهوات. في الخلوات. ~~ومكابدة الصوم لا تنفع من يؤذي القوم. وتجشم الحج والعمرة لا يزكي شارب ~~الخمرة. فليس البر أن تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، ولكن البر من اتقى ~~والسلام. ثم أطرق وتنهد، وكبر وتشهد، وأنغض رأسه وأنشد: # قد غفل الناس عن اليقين، ... وأخذوا بالوهم والظنون! # لا يذكرون غمرة المنون، وموقف الحساب يوم الدين # وهول ذلك العذاب الهون ... يلهون بالغادة والميسون # PageV01P189 # وبالجزور والودك السمين، ... والراح والقينة والقانون # يا أيها الناس انهضوا في الحين، ... واصغوا لنصح المنذر المبين # لا تشتروا دنياكم بالدين، ... ولا تباهوا بالحما المسنون! # وليدع كل خاشع رزين ... بقلب عبد خاضع حين # يا رب خذ مني باليمين، ... وامنن بروح القدس الأمين # علي، واقبل توبة المسكين # قال: فلما فرغ من أبياته نكس القوم الرؤوس والأبصار، وخضعوا بين يديه ~~كالأسرى بين أيدي الأنصار. فتهلل الشيخ بوجه صبوح وصدر مشروح، وقال: الله ~~أكبر قد تنزلت الملائكة والروح. فالطف، اللهم بعبادك وكن لهم هاديا ونصيرا، ~~وحاسبهم حسابا يسيرا واكفهم خطب ms056 يوم كان شره مستطيرا. فازداد القوم على ~~وهنهم وهنا، وصارت جبال قلوبهم عهنا. حتى إذا أزمع المسير عن أمد يسير، ~~نبذوا إليه صرة من الدنانير، وبسطوا لديه المعاذير، وقالوا: # PageV01P190 # إننا ممن يطعم الطعام على حبه، ويكرم الكريم على ربه. فشكر وأثنى، فرادى ~~ومثنى، وانصاع وهو يدعو بالأسماء الحسنى. قال سهيل: وكنت قد عرفت الخزام ~~بأنفاسه وإن كان قد نكر من لباسه. فقفوته حتى أدركته عن كثب، وإذا به قد ~~جلس بين ليلى ورجب وهو يقسم دنانير الذهب. فيقول: هذا للجزور وهذا للشراب، ~~وهذان للعود والرباب! فقلت: تأمرون الناس بالبر والله يعلم السر؟ فنظر إلي ~~بعين دحرش، وزجرني بصوت دهرش. وقال: قد أردت أن أودع الدنيا، فإني قلما ~~أحيا وأما أنت ففي ريعان الصبا وصحة المزاج، فاقضم الصلصال وتوجر الأجاج. ~~فأمسكت عنه مستكفيا شره، وسدكت به حتى خرجنا من المعرة. # PageV01P191 ### | المقامة الخامسة والعشرون وتعريف بالتميمية # حكى سهيل بن عباد قال: رحلت رحلة إلى البادية في مفازة صادلة. فبذلت وجهي ~~للهجير، ونضوي للعجارير. حتى إذا نضب الماء، وقد تهلل وجه السماء، أخذتني ~~رعدة الظماء. فوصلت السير بالسرى لعلي أظفر ولو بالصرى، أو أبلغ بعض القرى. ~~وبينما كنت أخب وأخد وأنا أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد. إذا راكب على ~~أثري يحدو، وهو يشدو: ذكرت ليلى! فاستهل مدمعي=حتى سقى رحلي، وبل مضجعي # ما لي وحمل شكوة الماء معي؟ # فوقع كلامه مني موقع البرء من أيوب، أو بشرى يوسف من # PageV01P192 # يعقوب. فزففت إليه زفيف الرال حتى أدركته على ناقته المرقال، وهو قد ~~التثم بربطة واشتاذ بعقال. فسلمت عليه تسليم الصديق الأخص، وقلت: أغثني ~~بشربة ماء ولا تقل جاوزت شبيثا والأحص. فقال: إن أخا الهيجاء من يسعى معك ~~ومن يضر نفسه لينفعك. واعلم أني لا أريد أن أسومك الأثقال، فاقنع منك ~~للجرعة بمثقال. قلت: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع، فاحتكم بحيث لا تكلفني ~~ما لم أستطع. فلما انعطف إلى الشكوة انحل اللثام، وإذا هو صاحبنا الميمون ~~بن الخزام. فوجدت من الدهش ما أذهلني ms057 عن العطش. واستلمت يده البيضاء ~~استلامن الحجر الأسود وضممته إلي ضم العين للمرود. وبت تلك الليلة تحت ~~رايته متمتعا بروائه # PageV01P193 # ورؤيته وروايته. إلى أن لاح ذنب الشرحان، ونعب غراب الصحصحان. فادلجنا في ~~تلك السباريت، وهو ينزو نزوان المصاليت ويقدم إقدام الخراريت. وما زلنا ~~كذلك حتى أقبلنا على ديار بني تميم، في غسق الليل البهيم. فنزلنا في أطيب ~~خرعى، وتركنا مطايانا ترعى. ثم أفضنا بين الحي واللي، في حديث يذهل غيلان ~~عن مي. حتى لجت السنة وتلجلجت الألسنة. فهجعنا هزيعا من الليل ثم قمنا نشمر ~~الذيل، وإذا ناقة الشيخ قد ندت فدعا بالحرب والويل. فقلت لعلها قد نزعت إلى ~~بعض أعطان القوم، ولعلنا نصيبها قبل انقضاء اليوم. وسرنا نتعاقب مرة ~~ونترادف أخرى. حتى أتينا الحلة وإذا هي بين الإبل شاخصة # PageV01P194 # الذفرى. فلما رآها الشيخ صاح: الله أكبر ووثب إليها وثبة الذئب الأغبر. ~~فدفعه بعض الرعاة وقال: لا تعرض نفسك للهلكة ولو كنت السليك بن سلكة. قال: ~~علم الله أنها ناقتي الشاردة، وغنيمتك الباردة. فقال: كذبت يا شظاظ ~~البادية، بل هي من تلاد صعصعة بن ناجية. فتمادى بينهما اللجاج، حتى كاد ~~يفضي إلى الشجاج. ورأى الشيخ أنه ينفخ في رماد، وأن دون بغيته خرط القتاد. ~~فقال: يا يا أبذل من حاتم، وآبل من حنيف الحناتم. إن لي حاجة # PageV01P195 # بالجفار ولا أتيمن بغير هذه المعشار، فأنا أستأجرها كل يوم بدينار. وهذا ~~غلامي رهن في يديك حتى أردها عليك. قال: أما هذا فعير محظور، على أن ~~تواعدني إلى أجل منظور. فضرب له الأجل، وضرب بها على عجل. قال: وكان قد ~~ألاح إلي فاعتزلت، حتى إذا توارى أقبلت، وأردت الخروج من حيث دخلت فجعجع ~~الرجل بي كصاحب السجن. وقال: هيهات قد غلف الرهن إلى أن يؤب مولاك من ~~الصفن. فقلت: أن صح رهن المرء ما ليس له، فقد رهنتك كل ما في هذه المنزلة. ~~وأصر الرجل على الغي، حتى رافعته إلى أمير الحي. فلما أتيناه سئلت عن ~~المسألة، فقلت: قد رهنني صاحب تلك اليعملة، كما ms058 باع نعيمان سويبط بن حرملة. ~~فهلم بالشيخ ليثبت امتلاكي وإلا فلا سبيل إلى إمساكي. قال الرجل هيهات إنه ~~قد سار أسرع من ظليم الدو، فصار أمنع من عقاب الجو. فقال # PageV01P196 # الأمير: من هذا الشيخ ومن أين؟ فإني أراه أحيل الثقلين. قلت: أبيت اللعن ~~يا مولاي! إني لا أعرف له منبت أسلة، ولا مضرب عسلة. لكنني لقيته سهما ~~حابيا عند إشرافنا على العهد، فحن إليه وأنشد: # هذا حمى قوم تميم فاختلس ... فيه الخطى من هيبة كالمحترس # فقد حماه كل ليث مفترس ... ليس بهياب الوغى ولا نكس # ينسبه العرق الكريم النبجس ... إلى كريم، ذكره لا يندرس # محيي الوئيدات الذي لم يبتش ... بماله المبذول دون الملتمس! # علمت ما مجد تميم ملتبس ... نعم، ولا رفد تميم يحتبس # PageV01P197 # يا نافتي هاتيك نار المقتبس ... فإن بلغت الحي فالبشرى لكس # قال: فاهتز الأمير عجبا وعجبا حتى كاد يصفق طربا. وقال: شهيد الله كأنه ~~أبو فراس، قد قام وعمرا في بردة أخماس. ثم قال للرجل: يا هذا إن اللقطة قد ~~راحت كما جاءت، فهبها لا أحسنت ولا أساءت. والآن فعادو إبلك وأحسن عملك، ~~واقنع بما قسم الله لك. ثم قال: علم الله العظيم، إني لقد وجدت في هذا ~~الشيخ رائحة تميم. فخذ له هذه الناقة الأخرى، واذهب فقد يسرتك لليسرى، لئلا ~~يضيع قول شاعرنا: إننا # PageV01P198 # نفك الأسرى. قال سهيل: فتسنمت تلك الذعلبة القواداء، وضربت بها في عرض ~~البيداء. وكانت ليلة بدرها قد أنار حتى ألبسها جلباب النهار. فبينما أنا في ~~بعض الطريق، إذا الشيخ قد تدثر ببرجد صفيق وهو يغط كالفنيق. فنزلت عن ~~الناقة، وكتبت في بطاقة: # قل لأبي ليلى: أنا فتاكا ... رهنتني في ناقة هناكا # وقد عفا الأمير بعد ذاكا، ... أطلقني بناقة وراكا # PageV01P199 # أهداكها، فنعم ما أهداكا ... لكنني أخذتها فتكاكا # فهي فدائي ... وأنا فداكا # ثم ألقيت البطاقة بين يديه وأوفضت وأنا أتلفت إليه. فنجوت من بنانه، ولم ~~أنج من لسانه. ### | المقامة السادسة والعشرون وتعرف باللغزية # حدث سهيل بن عباد قال: أدنفني هم ناصب، بليت منه بعيش شاصب، ms059 وعزاب واصب. ~~فأجلت القداح في استخارة البراح. وخرجت أعدو الرهقى على فرس زهقى توجعلت ~~أعتست على # PageV01P200 # غير هدى، لعلي أجلو بعض الصدا. فلما تمادى السفر، وأنس ما كان قد نفر ~~نزعت نفس إلى معاودة الحي، ولكن أعيت اللهنة علي. فأخذت أتفقد المشاهد جلاء ~~يومي، لعلي أظفر بما أطرف به قومي. إلى أن سقطت على محفل حافل، يستوقف ~~النعام الجافل. فجلست في أخريات الناس، كأنني طفيل الأعراس، وأجلت طرف طرفي ~~بين الجلاس. وإذا شيخ قد اشتمل الصماء واعتم الميلاء. والقوم قد كاوسوا حول ~~مجثمه حتى حلوا دون توسمه. وبينما هم يتداولون أطراف الأسانيد، ويتناولون ~~ألطاف الأناشيد. إذ دخل غلام أشهل الأحداق كأنه من رهط # PageV01P201 # شنقناق. فألقى رقعة بها كخط ابن مقلة وقال: لا ينبت البقلة، إلا الحقلة. ~~فتصفح الرقعة قاريها، وإذا فيها: # ما اسم ثلاثي به اجتمعت ... كل المقاطع غير ذي جسم # مهما تقلبت الحروف به ... يأتي بمعنى صادق الرسم # وإذا نظرت إليه منتبها ... فجميع ذاك تراه في الحلم # فطفق القوم يصوغون ويكسرون، ويردون ثم يصدرون من # PageV01P202 # حيث لا يشعرون. حتى صفرت الوطاب، واختلط الليل بالتراب. فقالوا قد ~~ابتلانا الخبيث بأحر من دمع الصب، وأعقد من ذنب الضب. فلو أن لنا من يقوم ~~بحلة لعرفنا فضل محله. فبرز ذلك الشيخ المحجب، وقال: أنا عذيقها المرجب. ~~وأنشد: # قد فسر الكاتب في نظمه ... وقصر القارئ في فهمه # لو فطنوا للحلم في قوله ... لعرفوا اللغز على رغمه # فلما رأوا ما خامرهم من تورية الغشاء، وكبروا وقالوا: إن الله يهدي # PageV01P203 # من يشاء، ويضل من يشاء. فاهتز الشيخ عجبا وقال: إنها لإحدى الهنات ~~الهينات! ولو شئت لجئت بما فوق ذلك من الحسنات المحصنات. قالوا: ذاك لك ~~وإليك وفيه منة علينا وعليك. فشمخ بأنفه كأنه ملك أو ملك، وأنشد ملغزا في ~~الفلك: # ما عدم في الحق لكن ترى ... منه وجودا حيثما استقبلك # ذلك لله بإجماله ... فإن قطعنا رأسه فهو لك # ثم حدج القوم بالبصر وأنشد ملغزا في القمر: # ومولود بدون أب وأم ... بلا قوت يعيش ولا يموت ms060 # له وجه وليس له لسان ... فيخبرنا ويلزمه السكوت # ثم قال: دونكم يا بني الخالة وأنشد ملغزا في الهالة: # ما قولكم في محيز حسن ... ليس له أول ولا آخر # في قلبه نقطة مشكلة ... قد جانسته بشكلها الظاهر # PageV01P204 # ثم أشار إلى بعض الصحاب وأنشد ملغزا في قوس السحاب: # ماذا ترى، يا ابن الكرامة، ... في قوس بلا سهم ولا وتر # تلقاه في بعض النهار ولا ... يبقى له في الليل من أثر # ثم جعل ينضنض كالأيم، وأنشد ملغزا في الغيم: # حلل بلا صبغ ملونة ... ترتد عنها كيف لامسها # مرفوءة الأذيال بالية ... في البرد تعرق دون لابسها # ثم رفع طرفه إلى السماء وأنشد ملغزا في الماء: # يميت ويحيي وهو ميت بنفسه ... ويمشي بلا رجل إلى كل جانب # يرى في حضيص الأرض طورا، وتارة ... نراه تسامى فوق طور السحائب # ثم قال: وهذه خاتمة الأسرار، وأنشد ملغزا في النار: # أي صغير ينمو على عجل ... يعيش بالريح وهي تهلكه # يغلب أقوى جسم، ويغلبه ... أضعف جسم بحيث يدركه # قال: فلما فرغ من جلائل الألغاز وألقى عليهم دلائل الإعجاز. # PageV01P205 # تأبط عصا له كالحفض ثم نهض من حيث ربص. فتعلقوا به وقالوا: نراك تزيد أن ~~تجرح وتسرح فهيهات أن تبرح حتى تشرح! فحولق واستتب على ثفناته، وأفاض في ~~شرح نفثاته. فلما كشف الغطاء، مالوا عليه بالعطاء. قال سهيل: وكنت إذ برز ~~لصحيفة الغلام قد عرفت أنه شيخنا ابن الخذام. فهممت بالجنوح إليه، فنهاني ~~برمز شفتيه، ونهنهني عن التسليم عليه. فلما قضى الإبانة، واقتضى اللبانة. ~~أشار إلي وقال: إني لأرى عليك سمة الغريب وكل غريب للغريب نسيب. فخذ هذا ~~الدينار الساعة واشكر نعمة الجماعة. فغلب على القوم الحياء، وتداولوني ~~بالحباء. حتى إذا اجتنينا الفرصاد خرجنا فإذا الغلام بالمرصاد. فوثب إليه # PageV01P206 # الشيخ يعدو الجمزى، وأنشد مرتجزا: # جزيت خيرا يا غلامي رجبا ... دعوتك ابنا لي، فتدعوني أبا # بادر إلى أختك ليلى في الخبا ... وقل: رزقت نزهة ومركبا، # وملبسا ومطعما ومشربا ... وسترين من سهيل كوكبا # فاستقبلي الضيف وقولي: مرحبا # ثم قال: يا بني من حاد ms061 عن الكيد، عاد بلا صيد. فاذهب معي الليلة للمبيت ~~وكن من الشاكرين ما بقيت. فانطلقت أتبع ظله، حتى أتينا المظلمة. وأحيينا ~~ليلتنا بالسمر، حتى انبثق السحر. فودعني وقال: اذهب إلى أهلك باليسرى، وأنا ~~أذهب في ارتياد فترة أخرى. فخلفت في الهم في تلك الديار وعدت إلى أهلي ~~بالدرهم والدينار. ### | المقامة السابعة والعشرون وتعرف بالساحلية # PageV01P207 # قال سهيل بن عباد: ألقتني الرواحل إلى بعض السواحل. وكان عودي يومئذ ~~رطيبا وفودي غربيبا. فطفت المعالم والمجاهل ووردت الحياض والمناهل. وشهدت ~~المحاشد وافتقدت المشاهد. حتى إذا كنت بمجلس بعض الأمراء، وقد حفت به ~~العلماء والشعراء. دخل شيخ عريض اللثام، قد أخذ بتلبيب غلام. وقال: أعز ~~الله الأمير إني ربيت هذا الغلام مذ دب، إلى أن شب. واتخذته لي عمدة وعدة، ~~في كل رخاء وشدة. واستأمنته في كل ملمة على كل مهمة. فلما كان بعض الأيام ~~المواضي أرسلته بتقريظ إلى القاضي. فاستبدل القوافي، وحول ما في الأبيات من ~~المديح الصافي، إلى الهجاء الجافي. فحكم القاضى علي بالحيس، وقال. المال ~~فداء النفس، فخرجت لا درهم معي ولا فلس. فمر الغلام أن يعطيني حق الجناية ~~علي، ويعوضني ما فقد على يده من يدي. فقال الأمير: وماذا كتبت من الأبيات ~~وكيف بدل الحسنات بالسيئات؟ قال: أما المديح المكتوب، فعلى هذا الأسلوب: # PageV01P208 # أرى القاضي أبا حسن ... إذا استقضيته عدلا # وإن جاءته مسألة ... لطالب رفده بذلا # إمام لا نظير له ... نراه بيننا جبلا # قد اشتهرت خلائقه ... فأصبح في الورى مثلا # وأما التبديل الذي طرا، فكما ترى: # أرى القاضي أبا حسن ... إذا استقضيته ظلما # وإن جاءته مسألة ... لطالب رفده لؤما # إمام لا نظير له ... نراه بيننا صنما # قد اشتهرت خلائقه ... فأصبح في الورى عدما # فقال الأمير للغلام: أف لك يا عقق، يا ابن شارب الفلق أتجزي جزاء سنمار، ~~ولا تخاف من العار؟ قال: يا مولاي إني غلام غر، لا أعرف الهر، من البر. غير ~~أن هذا الشيخ قد استخدمني # PageV01P209 # بضع سنين، وهو يطعمني ولا يسقين. فلما أتيت القاضي بكتابه، شكوته إلى بعض ms062 ~~حجابه. فقال: لا ظالم إلا سيبلى بأظلم وأخذ الأبيات فحرفها والله أعلم. فإن ~~شئت فمر بسجني لعلي أملأ بطني. فقال الشيخ: بل فاسجننا جميعا، فإني أشد منه ~~جوعا. وكان بينهما قناة كصدر القناة. فقال: يا مولاي أرى أن تدفع إليهما، ~~ما ستنفقه في السجن عليهما، واغتنم الراحة من كليهما. قال: لا جرم أن ذلك ~~أجزم، وحصب كل واحد منها بمائة درهم، قال سهيل: وكنت قد استروحت ريح ~~الخزام، وعرفت الشيخ والفتاة والغلام. فلما انصرفوا خرجت على الأثر، وإذا ~~الشيخ ينشد على حذر: # هذا أبو ليلى وهذه ليلاه ... يحوم في طلاب رزق مولاه # كطائر وأنتما جناحاه # فزلفت مبتدرا إليه وقبلت مفرقة ويديه. وقلت: يا مولاي ألم يئن لك أن تسلك ~~الجدد، وتترك اللدد؟ فحملق إلي كالغول، # PageV01P210 # وأنشد يقول: # للناس طبع البخل، وهو يقودني ... كرها لخلق عضيهة ونفاق # فدع الجماعة يتركون طباعهم ... حتى تراني تاركا أخلاقي # ثم قال: يا بني ذاك المسجد إن كنت خطيبا وإلا فلا تداو طبيبا. واعلم أن ~~الصيد لا يؤخذ إلا بالختل، ولا يدرك إلا بالنبل. والفرصة لا تضاع، والمتعنت ~~لا يطاع. فراع المصادر والموارد، وكن ماردا على كل مارد ودع الناس يضربون ~~في حديد بارد. قال سهيل: فأمسكت من مرائه وسرت من ورائه، وأنا أعجب من ~~سفاهة رائه. ### | المقامة الثامنة والعشرون وتعرف بالفكية # PageV01P211 # حدث سهيل بن عباد قال: ندت لي ناقة بالبادية في ليلة هادية فخرجت أنشدها ~~تحت الغاسق الواقب، كأنني شهاب ثاقب. وكأنها توارت بالحجاب فوق السحاب، أو ~~تحت التراب. فخفت أن الحق بالقارظ العنزي، أو المنخل اليشكري. ولبثت أحدث ~~نفسي بالإحجام، وهي تحدثني بالإقدام. حتى نصب ضحضاح الرجاء واستبهمت شعاب ~~الأرجاء. فانقلبت على أحد جانبي، وأزمعت الأوبة إلى الحي. فما شعرت إلا ~~وأنا بين قوم ثبين، ينفرون إلى الداعي مهطعين. فقفوتهم إلى المشهد المشهود ~~لأستطلع طلع الأمد المأمود. وإذا شيخ أطول من شهر الصوم، # PageV01P212 # قد قام في صدر القوم. وهو يقسم تارة بالخنس، وطورا بالجواري الكنس. ويلهج ~~مرة بمواقع النجوم وأخرى بفواقع الرجوم. وفي خلال ms063 ذلك يتفقد الغضون ~~والأسارير، ويرجم بغيوب التقادير. فصمد إله رجل أدرم كأنه القضاء المبرم. ~~وقال: الله أكبر، إن البغاث قد استنسر. إن كنت من علماء الفلك، فأفدنا ما ~~سيارة النجوم والفضل لك. فلم يكن إلا كحل عقال، حتى أنشد فقال: # تلك الدراري: زحل فالمشتري ... وبعده مريخها في الأثر # شمس فزهرة عطارد قمر ... وكلها سائرة على قدر # قال: ذلك على أجوبة العلماء، فما هي أبراج السماء؟ فنظر إليه نظرة الصل ~~الأصم، وقال اسمع وخلاك ذم: # من البروج في السماء الحمل ... تنزل فيه الشمس إذ تعتدل # PageV01P213 # والثور والجوزاء نعم المنزلة ... وسرطان أسد وسنبله # كذلك الميزان ثم العقرب ... قوس وجدي دلو حوت يشرب # قال: أراك من أرباب النظر فهل تعرف منازل القمر؟ فأنغض رأسه واستطال، ~~وأنشد في الحال: # الشرطان أول المنازل ... وبعده البطين في القوابل # ثم الثريا الدبران الهقعة ... كذلك الذراع بعد الهنعة # نثرة طرف جبهة غراء ... وزبرة وصرفة عواء # ثم السماك الغفر والزبانى ... كذاك إكليل وقلب بانا # والشولة النعائم البلدة مع ... تلك وسعد ذابح سعد بلع # سعد السعود ثم سعد الأخبيه ... وفرغها المقدم المستتليه # وبعد ذاك فرغها المؤخر ... كذاك بطن الحوت ختما يذكر # PageV01P214 # قال: حياك الذي سواه، فهل تعرف لياليه المسماة؟ فنظر نظرة في السماء، ثم ~~تلا: إن هي إلا أسماء وأنشد: # أما لياليه فتلك الغرر ... ونفل وتسع وعشر # وبعدهن البيض ثم الدرع ... وظلم حنادس تستتبع # وبعدها الدآدئ المحاق ... كل ثلاث في اسمها وفاق # والغرة الأولى وصدر البيض ... عفراء فالبلماء في التبعيض # PageV01P215 # كذا المحاق صدرقه الدعجاء ... وبعدها الدهماء فالدلماء # قال: قد عرفت سعود القمر فهل تعرف السعود الأخر؟ فأنشد: # هاتيك سعد ملك سعد مطر ... سعد الهمام والبهام في الأثر # وسعد بارع وسعد ناشره ... وذاك عدة السعود العاشرة # قال: قد عرفت طوالع الأضواء فهل تعرف غوارب الأنواء؟ فأنشد: # أول نوء السنة البدري ... وبعده الوسمي فالولي # ثم الغمير ثم بسري خوى ... وبارح القيظ وإحراق الهوا # PageV01P216 # قال سهيل: فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم وتيارا مستغرق أنديتهم. قالوا: ~~شهد الله إنك لقطب الأرض والسماء، فانظر لنا ms064 واتق الله إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء. فقام يستقري الصفوف، ويتوسم الجباه والكفوف. ويستطلع ~~الطوالع والمواليد ويفرق بين الشقي والسعيد. حتى خيل للقوم أن عنده علم ~~الغيب فهو يرى، وأنه يعلم ما في السماء وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى. فاحرنجموا عليه بالعطايا كما تحرنجم على الماء المطايا. فلما قبض ~~نهض، ثم نكص فربض. وقال: قد تطيرت من تحس هذا الكابح، فأخرجوه على هذه ~~الناقة الشوهاء فإنها ضريبة له في المقابح. وهو بين ذلك # PageV01P217 # ينظر مرة إلي كالعائف ومرة إلى الأرض كالقائف. فأطلقوا إلي الناقة ~~وقالوا: اغرب عنا إلى النار، وجعل الشيخ يرمي الحصباء في أثري كما ترمى ~~الجمار. فلما صرت بمعزل، عن المنزل. إذا الشيخ في أثري كالغول وهي يقول: # إني خلقت الأحيا ... حتى يشاء القضاء # ولي فؤاد لبيب ... يجول حيث يشاء # إن ضاقت الأرض دوني ... فما تضيق السماء # ثم قال: خذ من جذع ما أعطاك، ولا تقل: كيف ذاك؟ وانطلق # PageV01P218 # ينهب الأرض بجواده حتى غمضت عين سواده. فانثنيت متيمنا بتلك المناحس ~~ومتعجبا مما عنده من ترهات البسابس. ### | المقامة التاسعة والعشرون وتعرف بالمصرية # قال سهيل بن عباد: أزمعت الشخوص إلى الكنانة في ركب من بني كنانة. فلما ~~فرغت من الأهبة أتيت القافلة، في اتخاذ الراحلة فعرض لي رجل أدهم، وقال: ~~آجرتك هذا المطهم كلي يوم بدرهم. فرضيت باشتراطه ولم أبتئس باشتطاكه. ~~وخرجنا نطوي الوهاد والربى، بين الخيزلى والهيذبي. حتى حللنا تلك الديار ~~فنزلنا عن الأكوار، إلى الأوكار. وأحفظني صاحب المطيه، # PageV01P219 # فنقمت منه بهذم العطية. حتى إذا تعذر التراضي ولج في التقاضي، نافذته إلى ~~القاضي. فبينما أتيناه عن كثب، أقبل الخزامي ورجب. فتقدم الغلام، وقال: حيا ~~الله الإمام إن هذا الشيخ أجدب من رحلة وأحرص من نملة. وأسأل من فلحس وأبرد ~~من عضرس. يذخر المرمض ويضن بالغمص. ويتبلغ بالقضاعة في إبان المجاعة. وقد ~~استعبدني لظاظا، لا ألبس له طحربة ولا أذوق له لماظا. وهو يكلفني حمل ~~الأثقال ويسومني ذل السؤال. فأنا أعول نفسي وإياه، حتى كأنني مولاه. ms065 فمره ~~أن يقوم بحقي أو يتخلى عن رقي. وإلا قتلت نفسي وخلصت من حبسي. قال: فلما ~~فرغ الغلام من قصته، مال القاضي على منصته، وجعل يتأفف لغصته. ثم سأل الشيخ ~~فتنهد، واغرورقت عيناه بالدموع # PageV01P220 # وأنشد: # قد صدق الغلام في ما يدعي ... فإنه مذ أشهر لم يشبع # مزمل في السمل المرقع ... موسد فوق الحصى واليرمع # يبيت طول ليله لم يهجع ... يدعو إلى الله بقلب موجع # لكنني شيخ شديد الزمع ... إذ نهضت بكرة من مضجعي، # أمشي كما تمشي ذوات الأربع ... قد بعت حتى إنني لم أدع # سواه عندي من جميع السلع، ... فصرت كالطفل الصغير المرضع # لا زاد في بيتي ولا مال معي، ... فإن أردت بيعه لم يقع # لي في الحيوة بعده من مطمع ... فهو أنيسي في الخلاء البلقع # وسندي في عثرة أو مصرع، ... أراه في حديثه كالأصمعي # وفي الدهاء كقصير الأجدع ... وفي المضاء مثل سيف تبع # يقوم بالأمر قيام المسرع، ... وهو إذا ولى قريب المرجع # ويحفظ الود بلا تصنع ... كحفظه سرائر المستودع # فانظر إلى ما نحن فيه واسمع # PageV01P221 # قال: فلما فرغ من أبياته نظر إليه القاضي شزرا وقال: إن لك في أمر نفسك ~~عذرا، ولكن عليك في أمر الغلام وزرا. فإن رأيت أن تبيعه وتستخدم بثمنه، ولا ~~تبكي على أطلال الربع ودمنه. فليس للمرء ثقه من زمنه. وكان الشيخ قد أغرى ~~بالغلام من حضر، عندما ذكر من صفاته ما ذكر. فقام في المجلس بعض حاضريه، ~~وقال: إن كنت تبيعه فأنا أشتريه. فبكى الشيخ حتى اخضل عارضاه وقال: هل من ~~يبيع روحه برضاه؟ لكني قد سئمت العيش المدير كما سئم لبيد. فضع الفأس، في ~~الرأس، وحيهل بهذه الكأس. فابتدر الرجل صفقة العقد وقفى على أثرها بالنقد. ~~وقال للغلام: هيا، فإن الفرج قد تهيا. فلما نهض به لينطلق أجهش الشيخ بصوت ~~صهصلق. وانعكف على الغلام يودعه، ثم خرج يشيعه. وأنشد: # لا تنسني، يا من له النفس فدى ... فلست أنساك ولو طال المدى # PageV01P222 # إن نكن اليوم افترقنا قددا ... فموعد اللقاء بيننا غدا # والدهر لا يبقى ms066 لحي أبدا # قال: فلما قضى وداعه ذهب الرجل يهرول، وتركه وهو يعول. فرئى له قلب كل ~~جبار، وجبر قلبه كل واحل بدينار. فلما أحرز المال انقلب على عقبيه وهو يمسح ~~مدامع جفنيه، واختلس نفسه بحيث لا أهتدي إليه. فبت تلك الليلة بين شوق إلى ~~نظره، وتوق إلى استطلاع خبره. ولما كان الغد خرجت أتخلل المواكب وأتفقد ~~الدهاليز والمساطب. حتى رأيته والغلام بجانبه، وقد لبس كل منهما بزة صاحبه. ~~فلما رآني هش إلي وبش وأنشد بصوت أجش: # قد خالف الشرع الشريف فاشترى ... حرا بجهل نفسه، وما درى # ففر منه جنح ليل وسرى ... في طاعة الرحمن يمشي القهقرى # وإنني علمته بما جرى ... كيف يداري نفسه بين الورى # فحق لي ما نلته كما رأى # PageV01P223 # قال سهيل: فقلت إن كل العجب بين ميمون ورجب. وانصرفت وأنا أصفق من بلابل ~~سحره وأستعيذ بالله من زلازل مكره. ### | المقامة الثلاثون وتعرف بالطبية # حكى سهيل بن عباد قال: خرجت على فرس جموح إلى نية طروح، فأزعجنى إهماجا ~~وخببا، وأرهقني صعدا وصببا. حتى نهكني اللغوب، وأعياني الركوب. فنزلت ~~لأقيل، وأستقيل. وإذا ناقة ترعى، وهي تنساب كالأفعى. فوقفت أستشرف الهضاب ~~والوهاد، وأنا أريد أن أبد لها بالجواد وإذا شيخ قد انقض علي # PageV01P224 # كنسر لقمان بن عاد، وقال: هلكت ولو كنت سهيل بن عباد. فتوسمته من تحت ~~اللثام، وقلت: قاتلك الله ولو كنت ميمون بن خزام فضحك ثم كبر، وقال: ~~الاجتماع مقدر. ثم قال: الطعام، يا غلام فأحضر ما تسنى ثم اندفع فتغنى. ~~قال: فكان عندي أنس ذلك اللقاء، أطرب من شدو سلامة الزرقاء. وبت معه ليلة ~~من ليالي الدهر أحسبها خيرا من ألف شهر. حتى اشتعل رأسها شيبا، وعط الصباح ~~لديجورها جيبا. فاستوى الشيخ على القتب، وقال: أجيبوا داعي الله إلى ما ~~كتب. فأوفضنا في مقازة صلدة، حتى أفضينا إلى بلدة، بها مدرسة للطب عن الحرث ~~بن كلدة. فحللناها # PageV01P225 # حلول النون في القفار أو الضب في البحار. ولما انجابت وعكة السفر، خرج ~~الشيخ في ارتياد الظفر. حتى أتينا المدرسة وهي ms067 حافلة بالطلبة، وقد قام في ~~صدرها شيخ طويل الأرنبة، عظيم العرتبة. فقال الحمد لله الذي شرف علم ~~الأبدان، حتى قدم على علم الأديان، أما بعد فإن هذا العلم أفضل علوم الدنيا ~~جميعا، لأنه أشرفها موضوعا. وهو أدقها نظرا، وأجلها خطرا، وأقدمها وضعا، ~~وأعظمها نفعا. وأغمضها سريرة، وأوسعها حظيرة. وهو يستطلع الخبايا ويستوضح ~~الخفايا. حتى قيل: إنه وحي قد هبط على الأطباء، كما هبط الوحي على ~~الأنبياء. وصاحب هذه الصناعة، أروج الناس بضاعة. وأربحهم تجارة وأشهاهم ~~زيارة. وأكسبهم أجرة، وأجرا وأنفذهم نهيا وأمرا. وعليه مدار الأعمال ~~والمهن، وقيام الفروض والسنن، فإن كل ذلك لا يتم إلا بصحة البدن. وطالما ~~كان هذا الفن أعز من # PageV01P226 # جبهة الأسد، حتى اغتالته الجهلاء فأوثقوا جيده بحبل مسد. فواها له كيف ثل ~~عرشه وآها لعليلهم كيف قل نعشه قال: وكان في الحضرة فتى باهر اللطافة، ظاهر ~~القضافة. فقال: يا مولاي إني قد منيت بجهل المتطببين الرعاع، الذين لا ~~يعرفون الصافن من حبل الذراع. فلعلك توصيني بما يكون غنية اللبيب، عند غيبة ~~الطبيب. فاطرق هنيهة للتروية، ثم هب في التوصية، فقال: يا بني لا تجلس على ~~الطعام إلا وأنت جائع، وقم وأنت بما دون الشبع قانع. وباكر في الغداء، ولا ~~تتماس في العشاء، والزم الرياضة في الخلاء، واجتنبها عند الامتلاء. ولا ~~تدخل طعاما على طعام، ولا تشرب بعد المنام. ولا تكثر من الألوان، على ~~الخوان. ولإتعجل في المضغ والازدراد، واجتنب كل ما لم # PageV01P227 # ينضج وما بات من الطعام فهو مجلبة للفساد. وإذا أمكنتك الوجبة فهي أفضل ~~نخبة. واقطع العادة المضرة، مرة بعد مرة. وعليك بتنقية الفضول، في معتدلات ~~الفصول وإذا مرضت فقابل السبب، واحرض على القوة فإنها إلى الحيوة سبب. ~~وبالغ في الدواء، وما شعرت بالداء، ودعه متى وثقت بالشفاء. وإذا استغنيت ~~بالمفردات فلا تعد إلى المركبات. وإذا اكتفيت بالأغذية فلا تتجاوز إلى ~~الأدوية. وإذا تعاظم العرض، فاشتغل به عن المرض. واعتمد الحمية الواقية، ما ~~دامت العلة باقية. واحذر دواعي النكس، فإنه شر من العلة بالأمس. واعلم ms068 أن ~~التجربة خطر، فكن منها على # PageV01P228 # حذر، والعلاج بين استفراغ الحاصل، وقطع الواصل. والصحة تحفظ بالشبه ~~وتسترد بالنقيض، والحمية للصحيح كالتخليط للمريض. واستعمال الدواء حيث لا ~~يحتاج، كتركه عند حاجة العلاج. والمضر اليسير، خير من النافع الكثير، وكل ~~ما عسر قضمه، شق هضمه. ومن كثرت تخمه، تفاقم سقمه. وأكثر الأوصاب، يكون من ~~الطعام أو الشراب. فاحفظ عني هذه المواعظ، واحتفظ بها والله الحافظ. قال: ~~فلما فرغ من كلامه الموضون، برز شيخنا الميمون. وقال: إ، ي لأراك من أهل ~~الفضل والفصل، وأرباب العقل والنقل. ولقد عثرت على مسائل، في كتب الأوائل. ~~فهل تأذن بدفع الظنة، ولك المنة؟ قال: حبذا فقل إذا. قال: ما هو الدشبذ؟ ~~وكم هي الدلائل التي تؤخذ؟ وما هو أعدل الأعضاء، بالنسبة إلى بقية الأجزاء؟ ~~فأخذ # PageV01P229 # الأستاذ في تقليب رأيه، حتى أفرط به لأيه. ثم قال: إن الإنسان موضع ~~النسيان، فهل من مسائل أخرى، لعلي أصادف بها الذكرى؟ قال: قد رميتك بالفصيح ~~فاستعجم، فهل تفرق من صوت الغراب وتفرس الأسد المشبم؟ هيهات إن العلم ~~بتحقيق # القضايا، لا يتنميق الوصايا فغلب على الرجل الوجوم، ولعبت بالقوم الرجوم. ~~حتى قالوا للشيخ: مثلك من يستحق الإمامة، فهل لك عندنا من إقامة؟ قال: قد ~~علمتم أ، النقلة، ثقلة. ولا سيما مع تطارح الشقة وتطاوح المشقة. ف'ن خففتم ~~عني بالإمداد، أتيتكم كوري الزناد. فنفحوه بعدة من الدنانير وقالوا: استعن ~~بالله والله على كل شيء قدير. قال سهيل: فلما فصلنا عن المكان أخذ الشيخ ~~مجلسا مكتوما، ثم برز فناولني طرسا مختوما. وقال: إذا أصبت فألقه إلى القوم ~~ولا تثريب عليك ولا # PageV01P230 # لوم. فأجبته إلى ما طلب، وإذا به قد كتب: # أنا ذاك الطبيب وإن طبي ... لنفسي لا لزيد أو لعمرو # وما عالجت سقم الناس يوما ... ولكني أعالج سقم دهري # إذا ما مسني ضنك، فعندي ... جوارش حيلة وشراب مكر # فلما وقفوا على أبياته، تعوذوا بالله من آفاته. وقالوا: إن لم يكن طيبيا، ~~فكفى به لبيبا فهل لك أن ترده علينا لظرفه، إن لم يكن لعرفه؟ ms069 قلت: ذاك مما ~~لا يقرب، فإنه أجول من قطرب. ورجعت إلى موعدنا فوجدت أنه قد أفل قبل الشمس. ### | المقامة الحادية والثلاثون وتعرف بالعبسية # روى سهيل بن عباد قال: ألجئت في الحجاز إلى الهرب، وأنبئت أن بني عبس من ~~جمرات العرب. ففررت إلى ديارهم معتصما بجوارهم. ولبثت عندهم ردحا من ~~الزمان، تحت ظل الأمان. # PageV01P231 # حتى كنت يوما بحضرة الحكم، على بعض الأكم. وإذا الخزامي قد أقبل تزبد ~~شفتاه، وخلفه فتاته وفتاه. فلما وقف بنا استدعى الجمع واسترعى السمع. ثم ~~قال: الحمد الله الذي شرف الحجاز وأهله، وأذل لبني غطفان حزنه وسهله. أما ~~بعد فإنكم يا بني عبس آية البشر في البشر ولنزيلكم حق التيه والأشر. وفيكم ~~المآثر التي تذكر، والآثار التي لا تنكر. ومنكم الرجال الذين سالت بذكرهم ~~البطحاء كقيس الرأي وعنترة الفلحاء والكملة الأصحاء. # PageV01P232 # وعنكم تروى حرب السباق التي بلغ عجاجها السبع الطباق. ولكم الرفعة ~~بمصاهرة الدول، والشركة في شرف السبع الطول. وإنني شيخ كاسف البال، مشارف ~~الوبال. قد سألت الله ولدا حسنا، فكان لي عدوا وحزنا. يوسعني زجرا ولا يطيع ~~لي أمرا، وإذا ضججت # PageV01P233 # زادني وقرا. فلينظر المولى إلي ويحكم لي أو علي. فأقسم الفتى بحرمة ~~الحرمين، لقد نطق الشيخ بالمين. وقال: هو يسألني برامتين سلجما، ثم يفتري ~~علي حديثا مرجما. فأشكل بين القوم ذلك الخصام، وقالوا: قربة شدت بعصام. ~~فإما أن تصرحا لدى المولى، وإلا فالصمت أولى. قال: فحلت الفتاة الحبوة ~~وثارت كاللبوة. وقالت: أنا أجعل خادعتهما رتاجا، وقفلها زلاجا. ثم أفرجت ~~عنها اللفاع وانتفجت كاليفاع. وأنشدت: # هذا البريدي أبو العباس ... قد كان بين الناس كالنبراس # يحف بالقيام والجلاس ... ما زال بين طاعم وكاس # مكلل الجفان صافي الكاس ... حتى دهته ضربة في الرأس # PageV01P234 # رمته بالإقتار والإفلاس ... وحاجة الطعام واللباس # فصار من شدة ما يقاسي ... يكلف ابنه سؤال الناس # فينفر الفتى الشديد الباس ... من ذلك الذل، ولا يؤاسي # وتلك دعواه بلا التباس # فلما أرى الفتى انهتاك سره وانتهاك ستره. نشط من اعتقاله، كما ينشط ~~البعير من عقاله. وقال: أما ms070 وقد برح الخفاء، وطرح الرفاء. فإنني رجل عزيز ~~النفس كأنني من سراة عبس. وقد ربيت في الخير والمير، كأنني مالك بن زهير. ~~وكان هذا الشيخ يقري الضريك، ويعول الضنيك كأنه عروة الصعاليك. فابتزه ~~الدهر الخؤون القاسط، كما فعل بقيس حين لحق بالنمر # PageV01P235 # ابن قاسط. فلما قوض الدهر مناره وأخمد الفقر ناره. أنكرته المعارف، وضاقت ~~عليه المخارفز فداره حابله على نابله، ورضي بالطل وابله. فصار يشتهي نضاضة ~~الجفال ويتمنى نفاضة الثفال، وجعل يسومني ذل السؤال، ويحملني على استسقاء ~~الآل. وقد صارت الفتيان حمما وأصبحت الكرام رمما. فلا يطمع منهم بذبالة ولا ~~يؤخذون بحبالة، وذلك ضغث # PageV01P236 # على إبالة. ولعل الله قد ساقه إلى حماكم، وأحيا سباخه بحياكم. فإنكم غيث ~~الجود، وغياث المنجود. ومحط القوافل والقوافي، فليس القوادم كالخوافي. ثم ~~أنشد: # إذا لؤم الدهر في نفسه ... فللناس في حذوه المعذرة # وإن كان ذلك ذنبا له ... فإن بني عبس المغفرة # قال: فسمد الشيخ كمدا وتنفس الصعداء ومدا، ثم مال على عصاه معتمدا. ~~وأنشد: # أشكو إلى الله صروف الدهر ... فقد رماني بالرزايا الغبر # أصابني بهرم وفقر ... وأخذ الكرام أهل اليسر # فلم أصادف جابرا لكسري ... جزاه مولاي جزاء الغدر # كما جزى البغاة آل بدر ... إذا سفكت دماؤهم في الجفر # PageV01P237 # فأوى القوم لشكيته ورثوا لبليته. وتصدقوا عليه بذود، وأجازوا الفتى بعود. ~~فشكراهم على تلك الجدوى، وانقطعت بينهما الدعوى فهرت الفتاة واكفهرت وأنشدت ~~وقد اسمهرت: # نلوم الزمان إذا ما أخل ... بتسوية الرزق في أهله # وها نحن نفعل فعل الزمان ... فكيف نلوم في فعله؟ # قالوا صدقت أيتها الحرة لقد حقت لك المبرة. وجبروا قلبها بشيء من المال ~~فانقلب الجميع بحسن المآل. ### | المقامة الثانية والثلاثون وتعرف بالعاصمية # قال سهيل بن عباد: جمعتني وأبا ليلى الأقدار في بعض الأسفار. وهو قد لبس ~~الطيلسان ولزم تلاوة القرآن. فسرني ما رأيت به من # PageV01P238 # التقى، أكثر من ذلك الملتقى، وسار القوم يستضيئون بنبراسه، ويتيمنون ~~ببركات أنفاسه. وهو يتداول الأدعية والأوراد، ويقص علينا قصص الأفراد، حتى ~~دخلنا عاصمة البلاد. فنزلنا حيث تنزل أبناء السبيل، وبات ms071 الشيخ يطرفنا ~~بحديث أشهى من السلسبيل. فانعكفت عليه أخلاط الزمر، كأنه بينهم عثمان أو ~~عمر، ولم يصبح إلا وهو أشهر من القمر. وصار ذكره عند دهقان القوم، يتردد ~~اليوم بعد اليوم. حتى حمله الشوق إلى لقائه، على استدعائه. فلما حضر هش ~~إليه هشاشة الصديق، ثم قال: أوصني أيها الصديق. فأطرق برأسه من الخشوع، ~~واستهلت عيناه بالدموع. ثم قال: يا مولاي اشكر نعمة الله لئلا يغيرها عنك، ~~وكن خائفا منه كما تخاف الناس منك. وإياك الكبر والتيه، فإن غضب الله على ~~من يأتيه. وكن في اللين والشدة بين بين، فإن الناس لا يؤخذون بالمحض من # PageV01P239 # الطرفين. وعليك بالصبر في الشدائد، فإنه للفرج نعم القائد. ولا تكن سريع ~~النقم لئلا تسقط في الندم. وبالغ في البحث عما اشتبه، ولا تثق بأحد قبل ~~التجربة. واجتنب الطمع والشراهة واتق البخل فإنه مجلبة الكراهة. واعتزل ~~الشراب، فإنه آفة الألباب. واحذر العجل، فإنه موطن الزلل. وارفع شأن ~~العلماء، فإن لهم شرفا من السماء. واقتصر على مجالسة الحكيم، فإنه يهديك ~~الصراط المستقيم. وكن قليل الصخب، بطيء الغضب. وارحم ذلة الشاكي، وعبرة ~~الباكي واحكم بالحق ولو على نفسك، فضلا عن أبناء جنسك. ولا تفرق بين ~~الأغنياء والصعاليك والسادات والمماليك. ولا تبع الحق بالمال، فذاك بئس ~~الأعمال. والزم الرصانة والوقار، لتهاب في أعين النظار. ولا تكن عبوسا ~~فتنفر منك الناس ولا ضحوكا فتزدري بك الجلاس. ولا تعتد بنفسك في الملمات، ~~ولا تستبد برأيك في المهمات. ولا تغفل عن إصلاح الهنات مما فسد. فإن ~~البعوضة تدمي مقلة الأسد. ولا تشتغل بالدنيا عن الدين واجعل الموت نصب عينك ~~في كل حين. واعلم أن كثرة الحلم، ضرب من الظلم. والرخصة في تأديب العاصي، ~~مساعدة على المعاصي. والإغضاء عن الصغائر توريط في # PageV01P240 # الكبائر. والرحمة للمردة الأشرار، كالجور على العبدة الأبرار. ورفع منزلة ~~اللئام، كخفض شأن الكرام. ورزق من ليس مستحقا، كحرمان من يستحق رزقا. ~~واعتبر أن الرعايا من الإنسان، ليست كالرعايا من سائر الحيوان. فاجتهد في ~~سياستهم بخيلك ورجلك، واعتقد أنك قد خلقت ms072 لأجلهم وهم لم يخلقوا لأجلك. ولا ~~تحسب أن الإنسان يترك سدى، ولن يحاسب غدا والسلام على من اتبع الهدى. فارقم ~~هذه الوصايا على صفحات قلبك واكتب بها إلى أقرانك وصحبك. وأنا زعيم لك بقرة ~~العين، والسعادة في الدارين. قال: فلما سمع الوالي هذه النصائح استجادها ~~واستحلاها ثم استعادها واستملاها. وأمر بتوزيعها في اشتات الجوانب، على كل ~~عامل ونائب. ثم أمر للشيخ بخلعة صوفية، ودنانير كوفية. وقال: اذهب الآن ~~بهذه الجدوى ولا تكن كبارح الأروى. قال سهيل: فلما خرجنا من مجلس الدهقان، ~~وأتينا منزلنا بالخان. جعلت أحمد الله على تلك الهداية، وأغبط الشيخ على ~~حسن النهاية. فضحك بي كالساخر، وقال: ما أشبه الأول بالآخر. ثم أنشد: # علمت أني من رجال الدهر ... أنظر في أمري بعين الفكر # متى فشا ذكري وشاع مكري ... غالطت من يدري كمن لا يدري # PageV01P241 # بآية من الصلاح تسري ... بين الورى مثل نسيم الفجر # ليستقيم في البلاد أمري # قال: فعلمت أنه لا يحول عن شنشنته الأخزمية، ولا يزول عن سنته الخزامية. ~~ولبثت في صحبته ما شاء الله، وأنا أبكي لدينه وأضحك لدنياه. ### | المقامة الثالثة والثلاثون وتعريف بالرشيدية # أخبر سهيل بن عباد قال: بينما كنت يوما في رشيد جالسا في صرح مشيد. إذ ~~لمحت شيخنا الخزامي في بعض الأسواق، فكدت أطير إليه بأجنحة الأشواق. وما ~~لبثت أن بادرت إلى التماسه، لأنقع # PageV01P242 # ظمأي بزلال كاسه. فما وجدت له من أثر ولا رأيت من عليه عثر. وما زلت أجري ~~كأني رميت عن قسي البنادق حتى أفضيت إلى بعض الفنادق. وإذا في عرصة الخان، ~~شيخ أعجز من قتيل الدخان. والناس قد أطبقوا عليه ووقفوا حواليه. فتخللت ذلك ~~الغمام لأنظر ما وراء الصمام. وإذا الخزامي وابنته يشتجران، وهما يستجران ~~ولا يزدجران. فلما رأى تكأكؤ الناس عليه كتكأكؤهم على ذي جنة، خرج عن آداب ~~الكتاب والسنة. قال: شقحا لك يا روق الوعل، وشسع النعل، وغصة الأهل والبعل ~~من أنت من شراة العقائل ومن قومك من سراة القبائل؟ إنك لأخس الناس أجمع # PageV01P243 # أبصع، وأبوك الأم من ms073 ابن القرصع فتقدم إليه رجل كالسارية، وقال: ما خطبك ~~وهذه الجارية؟ قال: هي امرأة جرى لي بها القلم فبدلت لذتي بالألم، ومن ~~استرعى الذئب فقد ظلم قال: أراك قد أكثرت شحنا، وأضمرت لحنا، وإني لأسمع ~~جعجعة ولا أرى طحنا. فأبن عما في نفسك، لننظر بينك وبين عرسك. فقال: إنها ~~هلقامة نهمة، جشعة ملتهمة، مترفهة متنعمة متغطرسة متعظمة. تطلب بيض الأنوق ~~والأبلق العقوق وتحب التبذير والإسراف، كأنها من بنات الأشراف. ويهون عند ~~جوفها دمها # PageV01P244 # وتصبح ظمآنة وفي البحر فمها. فقالت المرأة: يا للفليقة حشف وسوء كيلة ~~وشيخ أكذب من سهيلة. فسلوه ماذا اقترفت وبماذا أسرفت؟ قال: إنها تريد جردقا ~~كل مساء ولا ترضى بالخبز والماء، وتأنف من المشي بلا حذاء، والنوم بلا ~~وطاء، حتى كأنها ماء السماء، أو فاطمة الزهراء. وأنا شيخ فقير أتبلغ بالقوت ~~اليسير. وأنتظر زكوة العيد من أمد بعيد. فلا قبل لي بهذه السعة، لو حكمت ~~بها الأيمة الأربعة. ثم شرق بالبكاء، # PageV01P245 # حتى صار نحيبه كالمكاء. وأنشد: # ألان لي الدهر بأسا شديدا ... فكان كنار ألانت حديدا # وأظمأني كل ظمء فلما ... وردت سقاني ماء صديدا # أحال فطال وصال فهال ... وجال فمال وغال العديدا # وغادرني بعد بذل الصلات ... لقصد الجوائز أنشي القصيدا # فريدا وحيدا طريدا شريدا ... فقيدا عميدا بعيدا حريدا # وأنساني الأمس حتى كأني ... خلقت به اليوم خلقا جديدا # كأني لم أركب الخيل يوما ... ولم أمتلك في العباد العبيدا # ولم أقر ضيفا ولم أنف حيفا ... ولم أنض سيفا ولم أطو بيدا # ولكنني قد أتيت رشيدا ... فألفيت ذاك سبيلا رشيدا # لقيت الكرام الأولى يملأون ... يدا بالندى ويحلون جيدا # PageV01P246 # طوال الأيادي ثقال الغوادي ... ضئال الأعادي غطاريف صيدا # وهبني سفينة نوح، فليس ... على البحر وقر فيمشي وئيدا # فلما فرغ من افتنانه، افتتن القوم بفكاهة لسان ونباهة جنانه، وجعلوا ~~يذمون له صروف زمانه. ثم حباه كل واحد دينارا وبسط له اعتذارا. فأثنى جميلا ~~وشكر وقال الحمد الله إرغاما لمن كفر. ثم انقلبا يتمشيان كنسيم الخزرج، في ~~منابت العرفج. قال: فلما خلا بنفسه وثاب إلى ms074 وقاره وأنسه. دخلت عليه مهللا. ~~وقال: لولا منة الخلاق، ودماثة الأخلاق، لفرطت مني بإدارة الطلاق. ولكن ~~الحلم أهنأ المناهل، وإن كان الحليم مطية الجاهل، قلت: مثلك من يدرك القصى، ~~ولا تقرع له العصا. فاحتمل أوصابك، # PageV01P247 # واصبر على ما أصابك فشمخ واستكبر وأنشد وهو قد أدبر: # أنا السفاح ذو الفتك ... بديع الكر والإفك # أنا النار التي غلبت ... على الجلمود بالسبك # أشد الناس طائلة ... وأشهر من قفا نبك # ولكن الزمان بغى ... فعاض العقد بالسلك # وجار علي مهتضما ... كبيت الشعر بالنهك # تقاذفي له لجج ... كأني نوح في الفلك # على أني حمدت الله ... في سعة وفي ضنك # ومن يرضى بعيشته ... فذلك صاحب الملك # قال سهيل: فلبثت معه برهة من الزمان، كأنني في حديقة من الجنان فيها ~~فاكهة ونخل ورمان. حتى إذا أزمع الفراق تسنم ناقة كالعضر فوط، وقال: موعدنا ~~منفلوط. # PageV01P248 ### | المقامة الرابعة والثلاثون وتعرف بالأدبية # حدث سهيل بن عباد قال: ترامت بي سفرة شاسعة في موماة واسعة. وكنت قد ~~انضويت إلى صحب أحمى من الجمرات، وأكرم من الطلحات. فسرت بينهم ناعم البال ~~آمن البلبال. وما زلنا بين توصيب وإصعاد حتى هبطنا بطن واد. وإذا خيمة ~~شماء، على صفاة صماء. وفيها قوم نسمع لهم ركزا، ولا ندرك منهم رمزا. فنزلنا ~~عن الأقتاد، لنريح الأكتاد ونخمد غليل الأكباد. ثم نصبنا الأطيمة، كما تنصب ~~في الوليمة. وقمنا كالندل حول النار، ونحن نتلهن بالعسم القفار. حتى أنزلت ~~الهيطلة، وأحضر # PageV01P249 # الهجم والنوفلة. فجلسنا نلتهم ما حضر، حتى لم نبق ولم نذر. وبينما فرغنا ~~إذ تراءى لنا شبيح، وهو ينشد من وراء الحجاب بصوت بديح: # كم بطل مدجج غلاب ... قهرته بأسمر صلاب # معتدل الأوصال والكعاب ... لا يعرف الطعان بالأعقاب # ظمآن لا يروى من الشراب ... سنانه أمضى من الشهاب # يخوض في الأحشاء والألباب ... وينفث السموم كالحباب # قال: فأوجسنا خيفة في أنفسنا، وتواصينا بالحرس على معرسنا وبتنا نراعي ~~الجمال والخيل إلى أن مضى ذهل من الليل. وإذا بالرجل يقول: يا غلام ادن مني ~~وخذ الأدب عني. ثم قال: يا بني عامل الناس ms075 ما استطعت بالإحسان، وكن بينهم ~~عفيف الطرف واليد واللسان. وقابل النعمة بالشكر وأحي الجميل بالذكر. وحافظ ~~على الصديق ولو في الحريق. وإياك الغيبة، فهي بئس الريبة. # PageV01P250 # وانظر إلى معايبك قبل معايب صاحبك. واجتنب المزاح فإنه يخفض الجناح. ولا ~~تكن إذا سألت ثقيلا ولا إذا سئلت بخيلا. ولا تطلب ما في يد الناس، ولو طاقة ~~من الآس. وإذا جلست فاعرف مقامك، وإذا حدثت فانتقد كلامك. وإذا تكلمت ليلا ~~فاخفض، وإذا تكلمت نهارا فانفض. وإذا دعيت إلى الولائم، فكن آخر جالس وأول ~~قائم. وأكرم الناس فتكرم، ولا تغتم الزيارة فتسأم. ولا تجالس الخسيس فإنه ~~يزري بالجليس. والزم الوداعة والحياء واجتنب الرياء والكبرياء. واحذر ~~الكسل، فإنه آفة العمل. ولا تطلب الغنى بالمنى. واطلب النوى عن الهوى. ~~واقصر الطماح، إلى الراح. ولا تدخل في الفضول فتخرج عن القبول. وإذا غضبت ~~فاترك بقية من الرضى، ولا يذهلك ما قد حضر عن ذكر ما مضى. واطلب الإفادة ~~جهدك، ولا تدع بما ليس عندك. # PageV01P251 # واعتزل البخل الذميم، والكرم الوخيم. وإذا دعيت فشمر الذيل وحيثما انقلبت ~~فلا تمل كل الميل. ولا تأت ما يلجئك إلى المعذرة، فتسلم من كل خطة منكرة. ~~واعلم أن الأدب أشرف من النسب، واكتساب العلم خير من اكتساب النشب. والعلم ~~بلا علم كالنحل بلا عسل. وصدق يضر، خير من كذب يسر. وانتشاب المنايا، وأيسر ~~من ارتكاب الدنايا. واقتحام النار، أهون من التحاف العار. وداء الأسد أسلم ~~من داء الحسد. والقناعة، نعم الصناعة. وحب السلامة، عنوان الكرامة. والنظر ~~في العواقب، من أحسن المناقب. فأتمر بما أمرناك وأحذر مما حذرناك، واذكرنا ~~كما ذكرناك. قال: فراعتنا آدابه الباذخة، إلا أن تكون كحياء مارخة. وبتنا ~~نعجب من صفته ونهفو إلى معرفته. حتى إذا رقت حاشية الظلماء وشقت غاشية ~~السماء. برز الرجل من حجابه المصون، وإذا هو شيخنا الميمون. فحدق القوم ~~إليه بالنظر، وقالوا: قد عرفناه وهل يخفى القمر؟ # PageV01P252 # ووثب كل إليه وثبة السمع الأزل، وحياه تحية الرئيس الأجل. ثم أهبنا به ~~إلى رحالنا وتربصنا عن ترحالنا. وأقمنا معه ms076 يوما أعذب من معتقة الدير، ~~وأفصر من حسو الطير. فلما تبوأ للرحيل طمرته، اعتقل مخصرته، وقدم بين يديه ~~أسرته. فقلت: يا أبا ليلى أين رمحك العسال، الذي قهرت به الأبطال؟ فأشار ~~إلى قلمه وقال: # ويك هذا رمحي، وهذا سناني ... منذ يومي أعددته للطعان # PageV01P253 # ليس يروى من المداد وقد ... ينفث سم الهجاء كالأفعوان # وهو قد خاص في المحابر حتى ... خضبت رأسه خضاب البنان # قال: فقلت له لله درك ما ألعبك بالقلوب وأبصرك بكل أسلوب. فهل تأذن لي في ~~التحول إلى صحبتك، ولو فاتني وطري في سبيل محبتك؟ قال: يا بني قد وطنت نفسي ~~هذه النوبة على الصراع، وآليت أن لا أترك رأسا بلا صداع، لما رأيت في الناس ~~من لؤم الطباع. فأخشى إذا طمى الوادي أن يطم على القري، فيلتحق ذنب السقيم ~~بالبري. ثم ولى بجواده ينهب الطريق وأذاقني ببعاده عذاب الحريق. ### | المقامة الخامسة والثلاثون وتعرف بالإنطاكية # قال سهيل بن عباد: شخصت إلى إنطاكية الروم، في عصابة كزهر # PageV01P254 # النجوم. فكنا نقطع الأوقات بالنوادر، كما نقطع الطرقات بالبوادر. وما ~~زلنا نطأ الكناس والعرينة، حتى دخلنا المدينة. فأتيت مجلس القاضي إذ ذاك، ~~لمراشة لي هناك. وإذا سيخنا الميمون، تتقدمه ليلى كالناقة الأمون. فد هشت ~~عند إقباله، واحتفزت لاستقباله. فأعرض عني مقطبا، واقتحم الحضرة مغضبا. حتى ~~إذا وقف بالمحراب، انقضت الفتاة كالعقاب. وقالت: يا مولاي إن هذا بعلي شيخ ~~علندى، أظلم من الجلندى وهو فقير وقير، لا يملك شروى نقير. إذا غسل ثيابه ~~لبس البيت، وإذا رأى الجنازة حسد الميت. ولقد أسرني في بيت له كالغار، لا ~~أرى فيه غير الروافد والجدار. وهو ذلك مر المذاق، إلى ما لا يطاق. فيبيت ~~ساغبا، ويصبح # PageV01P255 # غاضبا، ولا يزال عاتبا. يذكرني زمن الفطحل وينجز الوعد بالمطل. وأنا فتاة ~~غريضة الصبا لا أعيش بالهباء، ولا ألبس غزل عين ذكاء. ولقد خطبني كرام ~~الرجال، وبذلوا في مهري غدقا من المال، إذ رأوا علي لمحة من الجمال. فأبى ~~القدر المتاح، إلا أن أحوم على ورد هذا الملتاح. فمره أن يقوم ms077 بأودي أو ~~يطلقني ويطلقني إلى بلدي، وإلا قتلت نفسي بيدي. فثار الشيخ كالمجنون وهو ~~واجف السودل والعثنون. وقال: يا لكاع تذكرين العنوق، وتنكرين النوق. أنسيت ~~أيام السندس والديباج، والفالوذ والسكباج؟ واللحوم والألبان والغوالي ~~والأدهان. والمراجل # PageV01P256 # والموائد، والحنائد والثرائد. أما الآن وقد نصب الغدير وأفقر السدير. ~~وبدل الخورنق، بنسج الخدرنق. فماذا ترين في شيخ قد فلد الدهر كبده، وابتز ~~سبده ولبده؟ وابتلاه بالحور، بعد الكور. ورماه بالغيض، بعد الفيض. حتى صارت ~~ناره شرارا، وعاد طعامه بلغة وشرابه نشحا ونومه غرارا. فإن كنت من رواد ~~الغيث، فاذهبي إلى حيث. وإلا فاثبتي على الحرج، إلى أن يمن الله بالفرج. ~~قالت: معاذ الله لا أفترش ردهة الجندل، ولا أصبر على النار كالسمندل فإما ~~إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، كما # PageV01P257 # نطقت به آية القرآن. قال: فلما وقف القاضي على كنه أمرهما حار بين لومهما ~~وعذرهما. وكانت الفتاة قد هجلته بافتنان كلامها، وتثني قوامها. فتاقت نفسه ~~إلى استخلاصها، بعد خلاصها. وقال للشيخ: قد علمت أن سوء الجوار، أمر من ~~عذاب النار. فأرى أن تستبدل بها من توافق هواك وترثي لبلواك، وفي ذلك صلاح ~~لدينك ودنياك. قال: هيهات من ينزل بقاع صلقع بلقع، أو يتيمن بالغراب ~~الأبقع؟ فدعا القاضي بالهميان، وأبرز له نصابا من العقيان. وقال: أطلق هذه ~~الأسيرة من حبسك، واستعن بهذه الدنانير على أمر نفسك. فأشهد عليه بالطلاق، ~~وقال: حبذا هذا الفراق ولو فعل بي ما فعل الباهلي بعفاق. فأقبلت الفتاة على ~~القاضي بالدعاء، وأجملت له الثناء. فتناولها بيمينه وأولجها إلى عرينه. ~~وانصرف الشيخ بين زفير وشهيق، وهو يرفس برجله الطريق، كأنه الصيلم # PageV01P258 # الخنفقيق. فلما أبعد نحو غلوة، إلى خلوة. قال: موعدنا الخان يا سهيل، ~~والليل أخفى للويل. قال: فلما جن الظلام أتيته في الخان، وإذا ليلى بجانبه ~~وقد لبست ملابس الغلمان. فقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، وقد حق صفع المانويه ~~علينا. فهل ذلك في السفر، قبل السحر؟ قلت: إني لك أتبع من الصفة للموصوف، ~~وألزم من العاطف للمعطوف. وأخذت ليلى تحدثنا باختلاس نفسها بعد ms078 ثقة القاضي ~~بأنسها. فقلت: الله أكبر، إنها من بنات أوبر فتاه الشيخ دلالا وأنشد ~~ارتجالا: # عرج على القاضي وقل ولا حرج ... جمعت مالا بالرياء والعوج # من كل من دب وكل من درج ... والمال لا يخرج حينما خرج # إلا من الباب الذي منه ولج # قال سهيل: ثم هممنا بالزيال، وخرجنا نزف كالرئال فما # PageV01P259 # أصبحنا إلا ونحن على أميال. وما زلت أسير من ورائه مستسقيا بروائه، ~~وأستظل بلوائه، معتصما بولائه. إلى أن بلغنا أرفة العراق، فكانت طرفة ~~الفراق. ### | المقامة السادسة والثلاثون وتعرف بالطائية # حكى سهيل بن عباد قال: حللت بلاد اليمن في سالف الزمن، وأنا غضيض الصباء ~~غريض الفنن. فجعلت أتردد في بواديها، بين شعبها وواديها ومازلت أطوف الحي ~~بعد الحي، حتى دفعت إلى أحياء بني طى. فرأيت بها ما شاء الله من خيام ~~مبثوثة، ونيران # PageV01P260 # مشبوبة، وجفان مصفوفة وخيل مشدودة ورماح مركوزة. وجمال كالربى، وسخال ~~كالدبى، وجوار كالظباء وغلمان كالظبى. فكان الناظر حيثما سمت، يرى عجبا مما ~~صأى وصمت. قال: وكان يومئذ موسم الحجيج، وقد اشتبك الضجيج واحتبك العجيج ~~فبينما القوم في هياط ومياط، على أضيق من سم الخياط. إذا قلصت الزماجر، ~~ونشصت المحاجر. وارفض القوم يفضون كأنهم إلى نصب يوفضون. فسرت كما ساروا # PageV01P261 # إلى أن صرت حيث صاروا. وإذا شيخ في شملة، قد قام على دعص رملة. وقال: ~~الحمد لله ذو رفع الخضراء وبسط الغبراء. والسلام على أنبيائه الأقطاب، ~~الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب. أما بعد يا معاشر جلهمة، فإنكم أرباب ~~الخيل المطهمة، والبرود المسهمة. ولكم الكتيبة السمراء، والراية الصفراء. ~~ومنكم حبيب وحاتم # PageV01P262 # وثعل، الذي يرسل بهم المثل. وإني شيخ قد طعنت في سني حتى وهن العظم مني. ~~وقد قطعت الفدافد والمهامه، وطويت الجداجد واللهاله. وعرفت الشعوب والقبائل ~~والعمائر والفصائل. وأدركت الأحكام والحقائق، وكشفت الأسرار والدقائق. ~~وقيدت الأوابد، وجمعت الشوارد. وأحصيت لغات العرب، واستطلعت ما أغرب منها ~~وما غرب. فكنت من أصحاب الدولة وأرباب الصولة. وكان يثنى إلي العنان، ويشار ~~نحوي بالبنان. وأما الآن وقد فقد من يعرف مساوئ الشعر ms079 من محاسنه، ويفرق بين ~~من يرمي الكلام على عواهنه، ومن يستنبث الركاز من معادنه. فقد # PageV01P263 # ولت المرتبة وحلت المتربة. حتى اضطررت أن أعفر خدي ليجد جدي. وأخلق ~~ديباجتي. قال: فصمد له فتى أجمل من بدر التمام، وأطول من ليل التمام. وقال: ~~شهد رب الكعبة الحرام، لقد تبازى الرهام. وإني لأعجم عودك واستمطر رعودك. ~~فإن كنت أغلط من دالق، قذفتك من حالق. وإلا فأنا زعيم لك عند القوم، أن ~~يكون عليك أيمن يوم. فافتر الشيخ افترار المجون، وقال: قد تحرش الحوار ~~الزفون، بالبازل الأمون. فهات ما ترمي من الحظى وخذ ما ترمى به من اللظى. ~~قال: هل تعرف ما تأتى، من قيود جماعات شتى؟ فأطرق كالشجاع الشجعم، ثم اندفق ~~كالوادي المفعم وأنشد: # PageV01P264 # زجلة ناس حاصب الرجاله ... وهكذا كوكبة الخياله # زهط رجال لمة النساء ... رعيل خيل وقطيع الشاء # وربرب المها صوار البقر ... حيلة معز عانة من حمر # وصرمة من إبل وعرجله ... من السباع قد حكتها النقلة # خيط النعام ومن الجراد ... رجل وسرب من ظباء الوادي # وهكذا عصابة الطير ورد ... وخشرم النحل تتمة العدد # قال: إن كنت سابغ الذيل، فما مراتب عدو الخيل؟ فقال: إيه وأنشد بملء فيه: # أقل عدو الخيل يدعى خببا ... عليه تقريب فإحضار ربا # ثم ابتراك فوقه الإهذاب قد ... رتب والإهماج غاية الأمد # قال: إن كنت من ذوي الكمال، فما مراتب سير الجمال؟ فاهتز وطرب، وأنشد ~~بلسان ذرب: # أوائل السير الدبيب للإبل ... ثم الذميل فالرسيم قد نقل # فالوخد فالعسيج فالوسيج ... ثم الوجيف بعده يهيج # وبعده الإجمار فالإرقال ... والاندفاق جهد ما تنال # PageV01P265 # قال: قد أجدت الوشي، فهل لك في قيود مطلق المشي؟ فخازر جفنيه وأتلع جيده ~~إليه. وأنشد: # قد درج الصبي والشيخ دلف ... وخطر الفتى وذو القيد رسف # ومشت المرأة والمرء سعى ... وقد حبا الرضيع يبغي المرضعا # ودرم الذي علاه الثقل ... وفرس جرى وسار الجمل # وهدج الظليم والغراب ... يحجل حيث حية تنساب # ونقز العصفور حيث العقرب ... دبت، وكلها قيود تكتب # قال: وهل تعرف ما يذكر، من ترتيب جماعات العسكر؟ فروأ ريثما ms080 تفكر. ثم ~~أنشد: # أقل جمع العسكر الجريدة ... وبعدها السرية المزيدة # وفوقها كتيبة تميس ... فالجيش فالفيلق فالخميس # قال: ما أرك في البادية بالدخيل، ولا في الإفادة بالبخيل، فهل تعرف مراتب ~~النخيل؟ فاستطال اختيالا، وأنشد ارتجالا: # فسيلة قيل لصغرى النخل ... وفوقها قاعدة تستعلي # جبارة عيدانة والباسقة ... فوقهما ثم السحوق الشاهقة # قال: أحياك الله السمر والقمر، فهل لك في ترتيب ما للنخل من الثمر؟ # PageV01P266 # قال: اسمع فترشد، ثم أنشد: # أول حمل النخل طلع يبدو ... ثم سياب فخلال بعد # بغو فبسر فمخطم يلي ... ثم موكت بتذنوب تلي # فجمسة فثعدة فرطب ... وبعده التمر أخيرا يحسب # قال سهيل: فلما فرغ الفتى من حواره، وشفى غليل أواره. أقبل على الشيخ ~~وقال: شهد الله أنك علامة الدنيا، وغاية الأدب القصيا. فما برنا في جانب ~~أمرك الجلل إلا رشحة من بلل، أو هبوة من طلل. ثم ألقى دينارا في ردن ~~البجاد، وقال: كل صعلوك جواد وجعل يطوف على القوم كجابي الوضيعة، وهو يقول: ~~الصنيعة، من كرم الطبيعة. فلم يبق في الجماعة إلا من أعجبته صفاته، ونديت ~~له صفاته. فلما أتم مسعاه، تلقى الشيخ وحياه، وقال: قد جئناك ببضاعة مزجاة. ~~فقبل مفرقه وقال: حياك الله لقد انتشلت الغريق ودرأت الخريق، عن الحريق، ~~فهل لك أن تدلني على الطريق؟ # PageV01P267 # قال: أنا أدل من دعيميص الرمل في أخفى من مدارج النمل، فسر والله يجمع لك ~~الشمل. قال: أتبع الفرس لجامها والناقة زمامها، والله يكلأ شيخ البادية ~~وغلامها. قال الراوي: وكنت قد تبينت أنهما الخزامي وفتاه، فلما انصرفا ~~قفوقهما إلى الفرة. وإذا الشيخ ينشد بلسان ذلق، وصوت كصوت المصطلق: # أنا الغملج الذي لا ينكر ... أكون تارة خطيبا ينذر # وتارة زير نساء يسكر ... وتارة مصليا يستغفر # وتارة راصد نجم يسحر ... وتارة شيخ علوم يبهر # PageV01P268 # فقل لمن جاء ورائي يخطر ... إن أهالي عصرنا تقتصر # على المعاصي حيثما تقتدر ... والعبد يصفو تارة ويكدر # فعد إلى القوم بلوم يزجر ... أو لا فدعني إن مثلي يعذر # قال: فانثنيت عنه كما أشار خوفا من لسانه المهذار، وعدت إلى استتمام ms081 ~~السياحة في تلك الديار. ### | المقامة السابعة والثلاثون وتعرف بالعدنية # قال سهيل بن عباد: دخلت بلاد قحطان بين شيبان وملحان. فأصابتنا ديمة ~~مدرار، ألزمتنا الوجار من أوهد إلى شيار. فلما أقلعت السماء، وغيض الماء. ~~خرجنا نتضحى في # PageV01P269 # تلك الضواحي، وتنفكه بابتسام ثغور الأقاحي. وما زلنا نمرح بين الجد ~~والددن، حتى انتهينا إلى أكناف عدن. وإذا قوم قيام، حول شيخ وغلام. والشيخ ~~قد وقف على مويهة، في رديهة وأطرق برأسه بريهة. ثم قال: الحمد لله الذي خلق ~~السموات والأرض، ورفع بعض خلقه درجات فوق بعض. أما بعد يا عشائر اليمن، ~~وبشائر الزمن. فإنكم جرثومة العرب وأرومة النسب. وأسد الدحال، ومحط الرحال. ~~ومعدن العربية والكتابة، والشعر والخطابة. ولكم # PageV01P270 # المشارف المعهودة والمحاجر المشهودة والمخاليف المذكورة والمحاريب ~~المشهورة. ومنكم سدنة المقام، وحماة الكعبة الحرام. وعليكم مدار العزائم، ~~وإليكم محار العظائم. فإنكم أهدى في الخطى، من القطا. وأثبت على السروج، من ~~البروج. وأمضي في المآزم، من اللهاذم. وأصبر على السوافي من ثالثة الأثافي. ~~وإذا ذكرت المفاخر، بين الأوائل والأواخر. فلكم الرتبة الأولى، واليد ~~الطولى. وإذا حل بساحتكم النزيل، فقد ورد ماء النيل. وإذا استجار بكم ~~المرهق، من العدو الأزرق فقد تمرد مارد وعز الأبلق. وإني شيخ قد # PageV01P271 # أداني القنوت والتبلغ بالقوت، إلى أن صرت أوهن من بيت العنكبوت، وأوحش من ~~برهوت، في حضرموت. فتركت وطني القديم، وهجرت السمير والنديم، وهمت على وجهي ~~ابتغاء وجه الله الكريم. وقد اشتريت هذا الغرانق الوضاء، بألف من الرقة ~~البيضاء. فنقدت شطرها، واستأنيت غبرها. فلم يستطع الغريم صبرا، وارتهن ~~الناقة جبرا. فخرجت بالغلام أسعى حتى أفضيت إلى هذه البقعة الوسعى. وهو ~~غلام فاره، أرى منه جنة لم تحف بالمكاره. فإنه ثقف لقف فوق ما أصف. وهو ~~أشعر من نصيب، وأحكم من أبي الطيب. # PageV01P272 # وأحضر من تأبط، وأسرى من ربيعة بن الأضبط. ثم أشار إلى الغلام وقال: يا ~~بني هات ما نظمت اليوم، في مديح القوم. فوثب كالقضاء المنزل وأنشد بنغمة ~~أطرب من عود زلزل: # قل للذي يشكو تصاريف الزمن: ... هلم فورا ms082 نحو أحياء اليمن # PageV01P273 # ترى بها من الفروض والسنن ... نحر العبيطات وتوزيع المنن # والغارة الشعواء تستقصي الدمن ... وليس تبقي هامة على بدن # وتلتقي جنة عدن في عدن ... وقصر غمدان الشبيه بحضن # وأثر الملوك بين ذي يزن ... ومن يلي من قومه كذي يمن # وقد أتينا القوم من أقصى وطن ... نرجو فكاك الرهن أو دفع الثمن # إن لم يكونوا أهل ما نرجو فمن؟ # قال: وكان بين القوم زعيم صلت الجبين، كأنه أحد الذوين. # PageV01P274 # فقال: شهد الله أنك أدهى من جن عبقر، وأسحر من كهان حيد حور. فخذ هذه ~~الناقة الوجناء جائزة الثناء. وسيأتي مولاك حوط المال، فتظفران بحسن المآل. ~~ثم انهال على الشيخ الحباء وانسكب، حتى امتلأ دلوه إلى عقد الكرب. ولما قضى ~~الوطر، ودع النفر، وأنشد على الأثر: # من أيمن الحق أن اليمن في اليمن ... أعطى يميني يمين المال واليمن # قد كنت قبلا لكم عبدا بلا ثمن ... واليوم قد صرت عبد العبد بالثمن # قال سهيل: فخلع الزعيم عليه إحدى بردتيه، وانصرف والغلام بين يديه. وكنت ~~قد عرفت الشيخ والغلام إنهما رجب وابن الخزام. فسعيت من ورائهما، بعد ~~انبرائهما. حتى أدركت الشيخ وهو قد تثبج بعصاه وأخذ يداعب فتاه. فقلت: # PageV01P275 # إلى كم يا أبا ليلى ... تجرد للوغى خيلا؟ # لقد سودت وجه الشي ... ب فانقلب الضحى ليلا # فنظر إلي بعين الأشوص، وأنشد بلسان الأشمص: # إلى كم يا ابن عباد ... تجازف عندنا كيلا؟ # إذا لم تقتبس أدبا ... فشمر للنوى ذيلا # ثم قال: يا أبا عبادة إن الناس قد أنكروا الذمم، ونبذوا الوفاء والكرم، ~~حتى صاروا لحما على وضم. فمتى لم نقض التلنة، أخذتنا اللتنة. والآن فلنقطع ~~هذا الطريق الطامس، قبل أن يدركنا الليل الدامس لئلا نقع في هند الأحامس. ~~وإذا وصلنا رفعت لك المنبر، وأقمتك مقام الخطيب الأكبر. قال: فأوجمني ~~الخجل، وسايرته على عجل. حتى انتهينا إلى دار القرار عند سلخ النهار. فبتنا ~~ليلتنا # PageV01P276 # نتداول الحديث، ونتناول الطيب منه والخبيث. حتى إذا انتهك حجاب الظلام، ~~لم أره ولا الغلام. ### | المقامة الثامنة الثلاثون وتعرف بالحميرية # أخبرنا ms083 سهيل بن عباد قال: شخصنا نحو صنعاء في ليلة درعاء، فسرينا ليلتنا ~~جمعاء. حتى إذا ذر الشفا، وشيب كدر الأفق بالصفا. نظرنا من خلال العثير ~~وإذا نحن قد أشرفنا على أفنية حمير. فأمعنا في التشمير تحت أمانة قطمير. ~~حتى دخلناها بسلام، ونبذنا مخاوف الظلام، تحت تلك الأعلام. وأقمنا بياض ذلك ~~اليوم، في عراص أولئك القوم. ونحن نسمع لغتهم الحميرية # PageV01P277 # ونرى كتابتهم المسندية، ونتفقد آثارهم التبعية. ولما أصبحنا زممنا الدلاث ~~وأممنا الدماث، فجعجعوا بنا وقالوا: الضيافة ثلاث. فنكصنا عما أزمعنا، ~~وتربصنا حيث اجتمعنا. ولبثنا نجوس خلال الديار، إلى أن استقام قسطاس ~~النهار. وإذا بالخزامي وصاحبيه، إلى جانبيه. فقلت: يا بشراي قد أمرعت ~~العجزاء ودرنا حوله كنطاق الجوزاء. فأبرقت أسرته وأشرقت مسرته. وتلقانا بما # PageV01P278 # ينعش الحشاشة، من البشاشة والهشاشة. حتى إذا استقر قراره وانجلى اغبراره. ~~قال: لا يترك الظبي ظله، فانهضوا بنا إلى أمير الحلة. فلما جلسنا في ~~ديوانه، بين أعوانه. قال بعضهم: هذا الخزامي الذي يترامى ذكره، ويتحامى ~~نكره. فلنتوهقه بالمعاياة، ونلق مراديسنا في ركاياه. فوقع ذلك في سماعه، ~~وكان داعية لزماعه إلى محجة أطماعه. فانبرى له كالرئبال، وقال: أما إن بريت ~~النبال وطلبت النزال؛ فما ستة في العربية ليس لها سابع، ومفرد يكرر جمعه ~~إلى الرابع، فوجم الرجل وانصاع، وبرز فتى تحت أنصاع، وقال: إننا نكايل صاعا ~~بصاع. إن كنت من أفراد الإنسان فما # PageV01P279 # قيوده باعتبار الأسنان؟ فاشرأب الشيخ وتعاطى، وأنشد وما تباطا: # هو الجنين في الحشى يقام ... فالطفل فالصبي فالغلام # وبعد ذاك يافع ثم فتى ... ثم طرير ثم شارخ أتى # وبعده عنطنط صمل ... وبعد ذاك أشمط فكهل # وبعد ذاك الشيخ ثم الهرم ... وبعده الهم الذي يختم # قال: فهل لك من جرأة، أن تذكر ما يختص بالمرأة؟ قال: كيف لا، وأنا ابن ~~جلا؟ وأنشد: # أما الذي على النساء يقصر ... فكاعب فناهد فمعصر # فعارك فعانس فشهله ... وبعد ذاك نصف أو كهله # وبعد ذلك العجوز تذكر ... والحيزبون بعدها لا تنكر # قال: إن عرفت قيود الإشارة، فلك البشارة، بأحسن شارة فترنح عطفاه، ثم ms084 ~~فغرفاه. وأنشد: # يقال قد أومأ بالرأس الفتى ... وقد أشار بيد حين أتى # PageV01P280 # أومض بالجفن إلينا، وغمز ... بحاجب، وبالشفاء قد رمز # وهكذا ألمع بالثوب وقد ... ألاح بالكم، فقيد ما ورد # قال: وهل تبلغنا الوطر من ترتيب المطر؟ قال لبيك! فخذ ما يلقى إليك. ~~وأنشد: # أول قطر الغيث حين ينثر ... طل، وبعده الرذاذ يقطر # وبعد ذاك النضح ثم الهطل ... وبعدهن الوابل المنهل # قال: قد سلخت على الليل النهار، فهل تعرف ترتيب الأنهار؟ فأنشد: # أصغر نهر جدول ينحدر ... وبعده السري ثم الجعفر # ثم ربيعا ذكروا فطبعا ... ثم الخليج فوق ذاك يدعى # قال: إن كنت تعرف ترتيب الجبال، فقل ولا تبال. فأنشد: # أصغر نجد الأرض يدعى النبكة ... وفوقه الرابية المنتكبة # أكمة فزبية فنجوة ... ريع فقف هضبة كالفجوة # قرن فدك ثم ضلع فائق ... نيق فطور باذخ فشاهق # قال: قد ملأت الكأس إلى الأصبار، فهل تعرف قيود الغبار؟ فأنشد: # أدع غبار الحرب باسم القسطل ... والعثير اخصص بغبار الأرجل # والنقع ما بحافر يهاج ... وما تثير الريح فالعجاج # PageV01P281 # قال: إن عرفت أنواع الخيوط، فأنت مركز الخطوط. فزمجر كالأسد، وقال: أعوذ ~~بالله من شر حاسد إذا حسد، ثم أنشد: # للخرز السلك كسمط الجوهر ... يذكر، والنصاح خيط الإبر # والزيج للبناء، والسباق ... لرجل طير جارح يساق # كذا لخلف الناقة الصرار ... يشد كي لا يرضع الحوار # وهكذا رتيمة التذكر ... تعقد خوف غفلة في الخنصر # قال: فلما فرغ الفتى من النضال، وشفى الداء العضال. حدق القوم إلى الشيخ ~~بالأبصار، وقالوا: شهد الله أنك نابغة الأعصار، وداهية البوادي والأمصار. ~~وقد حق علينا أن نفرغ عليك قطرا، كلما كتبنا من أبياتك سطرا. فأملها علينا ~~شطرا فشطرا. قال: إن لي كاتبا أجرى من الطمرة، وأحظ من مرامر بن مرة. ثم ~~أشار إلي وقال: اكتب يا أبا عبادة واندفق في الإملاء كالمزادة. فلما # PageV01P282 # فرغنا أفاض عليه الأمير حلة يمانية، وأتاه القوم بنقد ثمانية. ثم جاؤوني ~~بدريهمات وقالوا: صلة الكاتب ثانية المراتب، فلا تكن بعاتب. ولما قضى ~~اللبانة، ثنى عن القوم عنانه. ثم ودعنا وسار، وكان آخر عهدي ms085 به في تلك ~~الأقطار. ### | المقامة التاسعة والثلاثون وتعريف بالأنبارية # روى سهيل بن عباد قال: سافرت ذات الزمين في ركب من بني القين، يملأون ~~الأذن والعين. وما زلنا نقطع المراحل حتى أنضينا الرواحل. فنزلنا في خلاء ~~بلقع، وقلنا: الرشف أنقع. وكان بين القوم رجل واسع الرواية، بعيد الغاية. ~~فبات يجلو علينا خرائد السمر تحت ظل القمر. حتى خاص في حديث علماء الأدب ~~وحكماء العرب. وأخذ يذكر المشاهير والأفراد، كعبيد # PageV01P283 # بن الأبرص ولقمان بن عاد فأخذتني الحمية هنالك، وقلت: ماء ولا # PageV01P284 # كصداء وفتى ولا كمالك أين أنت عن الشيخ الخزامي، الذي ينفر العصامي ~~والعظامي؟ قال: رب صلف تحت الراعدة، وأين باقل بن # PageV01P286 # ربيعة من قس بن ساعدة. فما فتئت أذكر له ملحا من نوادره ولمحا من بوادره. ~~حتى قال لسهمي مرحى، بعد برحى وأوشك أن يذوب من غينه، إلى معرفة عينه. قلت: ~~فلنأكل اليوم من حديثه رغدا وإن مع اليوم غدا. ولما افتر ثغر السحر، حسرنا ~~عن ساق السفر، وضربنا في تلك القفر. فما تصرم النهار، إلا ونحن في الأنبار. ~~فنزلنا بها كالشعرة البيضاء في اللمة السوداء. ولما انجابت وعكة الجهاد، ~~ونسخ الهجوع آية السهاد. بدأت بتعهد مجلس الوالي لأتطرق منه على التوالي. ~~وإذا امرأة سادلة # PageV01P287 # النقاب، قد تعلقت بفتى كالعقاب. وقالت: حي الله الأمير وأحياه، وأصلح ~~دينه ودنياه. إن هذا الفتى قد أخذ أبي احتيالا وفتك به اغتيالا. وتركني ~~وحيدة في دار الغربة، أكابد عرق القربة، وأتكبد شظف الكربة. وقد رفعت إليك ~~القصة، وعليك مساغ الغصة. فأكبر الأمير شكواها، وسألها البينة لدعواها. ~~فانطلقت كزفير اللهب، ثم عادت عن كثب ومعها شيخنا الميمون وغلامه رجب. ~~فأديها الشهادة على وجهها في وجه الفتى، وانصرف كلاهما من حيث أتى. فأمر ~~الأمير باعتقاله، وجعل في أذنيه وقرا عن تنصله وسؤاله. ثم قال: يا أمة الله ~~إن المنايا على الحوايا. وإن ما عند الله خير وأبقى، فإن شئت قبول دية فذلك ~~أبر وأتقى. قالت: لا جرم أن أبي كان غرة الأبين، وعزة البنين وعقال المئين. ~~وما ms086 كنت لأعدل # PageV01P288 # منه سبيدة، بهنيدة. ولا أبدل قلامة، بنخل اليمامة. ولقد كان حية صماء، ~~وداهية دهاء. ولكن إذا جاء الحين حارت العين. وإذا حان القضاء ضاق الفضاء. ~~فإن كنت ترى الدية أولى من القود، وأخلى عن الأود. فذلك أجمل من أن يضيع ~~دمه كسلاغ، وأتبلغ بعده بالنباغ. فأخرج لها الدية من مال القاتل، وحظله أن ~~يبرح البلدة ما أرزمت أم حائل. فلما قبضت الدية أخمدت زفراتها، وأجمدت ~~عبراتها. وأجملت الثناء وأجزلت الدعاء. وأنشدت: # ما اليتم فقد الأب، لكنه ... في الحق فقد الحاكم العادل # ذلك يحي الناس من فيضه ... فيظفر المقتول بالقاتل # قال سهيل: وكانت نفسي قد تاقت إلى سبرها لا كتناه خبرها # PageV01P289 # فلما انصرفت خرجت في إثرها. حتى إذا أفضينا إلى خلاء عطفت إلي، وأقبلت ~~بوجهها علي. وقالت: # هذا سهيل يفاجي ... في كل أرض أباه # وهكذا كل نجم ... حيث التفتنا نراه # فعرفت حينئذ أنها ليلى الخزامية واستنبأتها عن تلك المقالة الحذامية، ~~والفتكة الحسامية. فقالت: إن هذا الكشخان قد طمع منا في السلب، فخلعنا عليه ~~خلة الأدب وتركناه أتب من أبي لهب. ثم انطلقت بي إلى الخان وأنا كشارب ابنة ~~الحان. حتى دخلت على شيخنا الميني، وإذا عنده صاحبنا القيني. فقلت: سبحان ~~من يحيي العظام، # PageV01P290 # قال: ولو ترك القطا ليلا لنام. والآن دعنا نتمتع بالحديث، مع صاحبك ~~الحديث، الذي يميز بين القشيب والرثيث، والسمين والغثيث. فقال الرجل: علم ~~الله لقد رأيت أكثر مما سمعت، ونلت أكثر مما طمعت. فليس عبيد إلا عبدك، ولا ~~لقمان إلا لقمة عندك. فقال: يا بني عند الرهان تعرف السوابق، والامتحان ~~يبين الفائق من المائق. وإنني طالما عركت الدهر وقطفت الزهر عن النهر، فلم ~~يغرب عني سر ولا جهر. ولقد خف وقر العار على متني، لو ذادت سوار # PageV01P291 # لطمتني. ولكن لم يفت، من لم يمت فدعني وشاني، واستعذ بالمثاني، من حمة ~~لساني، قال: فسقط في يد الرجل كما سقط، وندم على ما فرط، وقال: سبحان من ~~تنزه عن الغلت والغلط. ثم أقبل على الشيخ بالإجلال، وتقرب إليه ms087 بلسان ~~الإذلال. فقال: ضيعت البكار على طحال، وهيهات أن تعلق ثقتي بالمحال. فلما ~~أصر الشيخ على الحفظة وأوشك أن يترامى إلى الغلظة. أشفق الرجل لعرضه # PageV01P292 # من العطب وخالج قلبه أن الرثيئة تفثأ الغضب. فأخرج له بردة ممصرة، وقال: ~~إليك المعذرة. فاضطبنها وخرج، وقال: ليس على الأعمى حرج. وكانت تلك البردة، ~~آخر عهدنا به في تلك البلدة. ### | المقامة الأربعون وتعرف بالجدلية # حدثنا سهيل بن عباد قال: أصابتني وعكة شديدة، مدة مديدة. فانعكفت على ~~توفية العلاج وتنقية الأعفاج، من الأمشاج. حتى صرت أوق من العفاص، وأدق من ~~النماص. فلما أمنت مس العرواء، وثاب ألي مرح الغلواء. حملني الخواء على ~~الشراهة، ودعاني الملال إلى النزاهة. فكنت ألتهم التهام # PageV01P293 # الناعط، وأخرج خرج الضافط. حتى دخلت يوما إلى حديقة جميلة ذات جميلة، قد ~~رتعت بها عصابة جليلة. وقد سطع فيها قتار الجزر، حتى غشي الجدر، فقلت: ~~أمرعت فانزل، واقتحمت ذلك الزحام المتعثكل. وإذا رجل عليه رداء، مثل ~~اللواء. وعلى رأسه عمامة مثل الغمامة. وهو قد أقبل على شيخ أدرد، عليه حنبل ~~أجرد وقد التثم حتى صار كالأمرد. فقال: قد علمت أيها الشيخ أن المال زينة ~~الحيوة الدنيا، وعليه نموت ونحيا. فإنه يقضي لبانة الأولى بالمسرة، ويسهل ~~طريق الأخرى بالمبرة. وعليه مدار العيش ونظام الجيش. وبه قيام الممالك ~~وتمهيد المسالك، ودفع المهالك. وهو قاضي الحاجات ورافع الدرجات ومستعبد ~~السادات، وخارق العادات. ومشدد الهمم ومبدد الغمم. وهو الحبيب الذي يفديه ~~بالنفس، كل من تحت الشمس. ويجد لفراقه الكمد، من لا يسوءه فراق الولد. ولا ~~يزال مرفوع الشان، يشار إليه # PageV01P294 # بالبنان في كل مكان وزمان. وإليه تشد الرحال وتنتهي الآمال، ولولاه ~~لتعطلت الأعمال، وحانت الآجال، وانقرضت القرون والأجيال. قال: فانبرى له ~~الشيخ كأويس، وقال: لا أفلحت ما غب غبيس. إني أراك قد أطلقت العنان، حتى ~~جعلت الزج قدام السنان. ويك إن المرء بالعلم إنسان لا بالمال، وهو المرقاة ~~إلى درجات الكمال. وبه تعلم الحقائق، وتدرك الدفائق ويعرف المخلوق حق ~~الخالق. وعليه ينفق الطريف والتالد وصاحبه ينال الذكر الخالد. ms088 فكم من ~~الملوك والأغنياء، الذين كانت مفاتيح كنوزهم تنوء بالعصبة الأقوياء، قد درس ~~ذكرهم وبقي ذكر العلماء. وحسبك أن العلم لا يناله إلا أفاضل الرجال وطالما ~~نجى صاحبه من الأهوال، وقربه إلى ربه في جميع الأحوال. والمال طالما أحرزته ~~رعاع الناس وألقى أهله في # PageV01P295 # المهالك والأرجاس، وأغراهم بالنزاع فكان بينهم دونه عكاس ومكاس. قال: ~~فلما سمع القوم ما دار بين الرجلين، قالوا للشيخ: نرى صاحبك قد أخذ طريق ~~العنصلين وتيمن بغراب البين. وإننا لنراه من الأغنياء والأغبياء، فإنه لا ~~يعرف منزلة العلم والعلماء. فاستشاط الرجل غضبا، وقال: عش رجبا، تر عجبا. ~~كيف يتأتى المراء بين اثنين وقد وضح الصبح لذي عينين. تبا لعلمك أيها الشيخ ~~الباهل الذي بنوه كاليتامى وزوجته كالعاهل. وماذا ترى علمك، إذا كنت تشتهي ~~فومة من الشذام وجرولا من الدرمك؟ أتأكل القضيم # PageV01P296 # إذا طويت؟ وتشر النفس إذا صديت؟ وتلبس القرطاس إذا عربت؟ كان للعلم دولة ~~عند أنماط الكرام، الذي يبنى عليه، والركن الذي لا يلتفت إلا إليه. فهم ~~يحرمون الأديب ولا يحترمون اللبيب. ويصرمون الفقيه ولا يكرمون النبيه. ~~فتضيع بينهم الكلمة كما ضاع الحديث بين أشعب وعكرمة. ولو صح وهمك، وأصاب ~~سهمك. لما برزت بينهم بهذه الغدافل، ولا قمت فيهم مقام الوارش والوغل. فخفض ~~عنك ما أنت فيه ولا تتخلق بأخلاق السفيه. ثم أنشد: # قد عرف الشيخ علوم الورى ... لكن هذا العلم لم يدره # فليته أدرك هذا ولم ... يدرك بواقي العلم في عمره # PageV01P297 # فانكفأ الشيخ بذلة الخائب، وقال: مع الخواطئ سهم صائب. فأنف القوم من ذلك ~~الشجار، وشعروا بما مسهم من نار الشنار فنفحه كل واحد بدينار. قال سهيل: ~~وكان الزحام قد حال بيني وبينهما، فلم أملك أن أتبين عينهما فرصدتهما ~~ارتقابا، حتى لقيتهما نقابا. وإذا هما شيخنا الميمون وغلامه رجب، فكدت أصفق ~~من العجب. فأمرني الشيخ بالقعود، وقال: انتظرنا إلى أن نعود. فكنت كمنتظر ~~القارظين ولم أظفر لهما بأثر ولا عين. ### | المقامة الحادية والأربعون وتعرف بالتهامية # PageV01P298 # قال سهيل بن عباد: نزلت في غور تهامة، بقوم من ms089 أولي الشهامة. فكنا نقضي ~~النهار بالنزاهة، والليل بالفكاهة. حتى إذا كنا في مجلس طرب على صحاف من ~~غرب، فيها أقط وضرب، إذ قيل: قد وفد خطيب العرب. فنزعنا عن لقاء الطيب، إلى ~~لقاء الخطيب. وإذا رجل مقتبل الشباب، على يعبوب يندفق كالعباب. وفي إثره ~~شيخ عليه جبة أتحمية وعمامة عند مية، وهو يرتضخ لكنة أعجمية. فعرفته عند ~~عيانه، على عجمه لسانه. وقلت: هذه فاتحة المساعي وفالية الأفاعي. فلما ~~احتفل النادي جثم شيخنا كأنه صخرة الوادي. وجعل ينضنض كالحية الرقطاء وإذا ~~تكلم يبذل الضاد بالظاء. فاقتحمته أعين الجماعة وعافوا # PageV01P299 # منظره وسماعه. فبات عندهم أهون من درص، وأذل من قيسي بحمص. قال: وكان بين ~~القوم فتنة وشحناء، وضغينة دكناء. فلما أصبحوا قام الخطيب على هضبة واستهل ~~الخطبة. فقال: الحمد لله الذي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ورضي عمن ذكر ~~بآيات ربه وتذكر. أما بعد: فإن الله جلاله وسما، قد نهى عن الفتنة وقتل ~~النفس الذي جعله محرما، وقال: إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما. وها أنتم قد طويتم الأكباد على الأحقاد. وضممتم القلوب، على الفتن ~~والحروب. وأفعمتم الأحشاء من العداوة والبغضاء. هذا وأنتم من صفوة ~~المسلمين، لا من الجاهلية أو المخضرمين تعبدون رب الشعري، دون اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى. وعندكم الكتاب المنزل والحديث المرسل. وليس بينكم ~~أحمر عاد، # PageV01P300 # ولا فرعون ذو الأوتاد. فما هذه الغشاوة التي غشيت أبصاركم حتى زرأتم ~~أولياءكم وأنصاركم. أما علمتم ما جرى بين وائل وعمرو، وما جنى بين تغلب ~~وبكر. أتريدون أن تلحقوا بجديس وطسم، وعاد التي لم يبق لها رسم. وتصبح ~~دياركم كإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد. أما تعلمون أن العود ~~لا ينمو بلا # PageV01P301 # لحاء، وأن ليس الدلو إلا بالرشاء. ومنك أنفسك وإن كان أجدع، وساعدك وإن ~~كان أقطع. وليس النار في الفتيلة بأحرق من التعادي للقبيلة. ومن لا أخا له ~~كساع إلى الهيجا بغير سلاح، وهل ينهض البازي بغير جناح. والآن قد بلغت ~~الدماء الثنن، فلا تجعلوها هدنة على دخن. ms090 واعلموا أن الخضم قد يبلغ بالقضم. ~~وليس للأمور بصاحب، من لم ينظر في العواقب. وإما ينزغنكم من الشيطان نزغ ~~فاستعيذوا بالله إنه هو السميع العليم، ومن عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من ~~بعده وأصلح فإن الله غفور رحيم. فعليكم بالمصالحة قبل المجالحة. وتحمل ~~الجهل بتجمل الخلق السهل. وخذوا بالهواء واللواء فذلك نعم الدواء. ولا يكن ~~عندكم صوت النذير كصوت البعير. والسلام على من ذكر اسم ربه فصلى، والويل # PageV01P302 # لمن كذب وتولى. قال: فلما فرغ من وعظه واستعد القوم على حفظه. دلف إليه ~~ذلك الشيخ المستعجم، وقال بلسان يحتاج من يترجم: يا مولاي إن للأصوات قيودا ~~في الحقائق كهدير البعير وحداء السائق. قال: قد أطلقت الصوت للمشاكلة، وإني ~~لأراك من رجال المناضلة. فإن كنت قد جمعت من ذلك نبذة فاجعلها لمسامعنا ~~كالربذة، قال: اللهم نعم، وأنشد بأشجى النغم: # هزيز ريح وحفيف الشجر ... هزيم رعد ودوي المطر # وسواس حلية صليل النصل ... قلقلة المفتاح ضمن القفل # رنة قوس وصريف الناب ... صرير أقلام على الكتاب # جعجة الرحى وخفق النعل ... غطغطة القدر نقيض الرحل # قعقعة القيد عزيف الجن ... زفير نار نغم المغني # PageV01P303 # غطيط نائم عويل الباكي ... وهكذا قهقهة الضحاك # إهلال مولود أتى من الأثر ... نظيره حشرجة المحتضر # قضقفة العظام نقر الأنمل ... نشيش طاجن أزيز المرجل # معمعة الحريق والحنين ... للنوق والمرضى لها الأنين # صهيل خيل وشحيج البغل ... نهيق عفو وخوار العجل # كذلك الهدير للجمال ... يذكر والصئي للأفيال # يعار معز وثغاء الشاء ... حداء سائق خرير الماس # زئير ليث وضباح الثعلب ... بغام ظبي وضغيب الأرنب # جلجلة السبع عواء الذئب ... مواء سنور نباح الكلب # قباع خنزير وللغربان ... نعب كذا العرار للظلمان # صرصرة الباري صفير النسر ... هدير ورقاء وسجع القمري # بقبقة البط كذا والفقفقه ... للصقر والعصفور يبدي الشقشقة # زقاء ديك ومن الدجاجة ... نقنقة مثل نقيق الهاجه # صئي عقرب فحيح الأفعى ... بالنفخ والكشيش حين يسعى # PageV01P304 # ويذكر الطنين للذباب ... واجعل صدى الوادي ختام الباب # قال: فلما فرغ من كلامه الجرهمي. قال: خذوا لغتكم من رجل أعجمي. فعجب ~~القوم من نجابته على ms091 غرابته. وقالوا: لله درك لقد فتنت بما أبنت، فمن وممن ~~أنت؟ قال: أنا عمرو بن عامرة، من الأحامرة. قد أهلك الدهر كي كل خضراء ~~وغضراء حتى ألقتني إليكم الغبراء. قالوا: إننا قد ذهلنا بعجمتك، عن حكمتك، ~~فلم نقم بحرمتك. والآن قد عرفنا ما اجترأنا، واعترافنا بأننا قد أسانا، فلا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ثم أقبلوا عليه إقبال الطفل على الرضاع، ~~وقالوا: كل علم ليس في القرطاس ضاع. قال سهيل: فأومأ برأسه إلي، وقال: خذ ~~يراعك يا بني، وشرع يملي علي. فلما فرغ منحوه من الشياه ما تيسر، وقالوا: ~~صل لربك وانحر. فانقلب مغطبتا بالحباء وهو يدعو للخطباء. # PageV01P305 ### | المقامة الثانية والأربعون وتعرف بالمضربة # أخبر سهيل بن عباد قال: طرحتني مفاوز الغبراء إلى حواضر مضر الحمراء. ~~فكنت أطوف بها صباح مساء وأتفقد محافل الرجال والنساء. وأنا أسمع المأنوس ~~والغريب، وأتفكه بالغزل والنسيب: حتى جمعت ما استطعت من لغاتهم الجاهلية، ~~وسمعت ما شاء الله من أشعارهم الهوثرية والهوجلية. فبينما دخلت يوما إلى ~~بعض # PageV01P306 # الأحياء وقد مسني لغوب الإعياء. إذا شيخ طويل النجاد، مزمل ببجاد. قد قام ~~على كثيب مقام الخطيب. فغمض عني توسمه وجعلت عيني تعجمه. حتى اذكرت بعد ~~أمة، أنه الخزامي باقعة الأمة، وشيخ الأيمة. فاحتفزت للنهوض إليه ملتاعا، ~~وقد أوشك فؤادي أن يطير شعاعا. فنهاني بإيماض طرفه، وأشار إلى القوم بكفه. ~~وقال: الحمد لله العلي الكبير، الذي أمر بفك الأسير، وجبر الكسير، وكل ذلك ~~يسير عليه غير عسير. أما بعد يا عشائر البشائر وبشائر العشائر. فإنكم معاذ ~~اللاجي وملاذ الراجي. ومورد الصادي، وموعد الرائح والغادي. وبكم يشد الأزر ~~ويمد الجزر. وبعدلكم يوثق الجاني، وبفضلكم يطلق العاني. وإن لي سبية من ~~ربات الحجال قد سبالها بعض زعانف # PageV01P307 # الرجال. وهي بكر رقيقة القوام، كأنها ورد الكمام لها نكهة الخزام وصفاء ~~ماء الغمام، وبهجة بدر التمام. تفتن العقول والألباب، وتستعبد السادة ~~والأرباب. وهي عذبة المراشف، لدنة المعاطف. باردة الرضاب، مقصورة وراء ~~الحجاب تسفر عن مثل السحر، وتفتر عن مثل الدرر، وتسر القلب والنظر. ms092 قد ~~اعتقلها هذا الظلوم على فداء معلوم. قد طال عنده عناؤها وعز علي فداؤها. ~~وأخاف أن يدركها الفساد، إذا طال عليها التماد. فهل من ابن حرة، يسعفني على ~~استخلاص هذه الدرة، ويدرأ عني هذه الفجعة المرة فرثى له من حضر، من سراة ~~مضر. وحصبه كل واحد بدينار، وقالوا: بدار بدار، إلى كشف هذا العار فحمد ~~وشكر وابتدر السفر، على الأثر. قال سهيل: فلما فصل # PageV01P308 # الشيخ إلى العراء، قفوته من وراء وراء. فأخذ يدخل من القاصعاء، ويخرج من ~~النافقاء. حتى انتهى إلى حانة أطيب من ريحانة. وجلس بين البواطي وأخذ في ~~التعاطي. فدخلت عليه بنفس أبية، وقلت أين هذه السبية؟ فقد أشفقت أن تكون ~~الصبية. فأشار إلى دستجة من الراح، وقال: هي هذه الخود الرداح، التي تفدى ~~بالأرواح. فإن كنت من جلوس الحضرة، فهذا الماء والخضرة. وإلا فإياك الدخول ~~في الفضول، ثم أنشأ يقول: # ما لسهيل قد أراه عاتبا ... يظنني في ما ادعيت كاذبا # راجع بما وصفت فكرا ثاقبا ... تجد مقالي في الصفات صائبا # لا تحسب الخمر جمادا ذائبا ... بل هي روح فهي يحيي الشاربا # PageV01P309 # أودعها الخمار سجنا لازبا ... ولم يزل يرد عنها الطالبا # حتى ينال منه حقا واجبا ... وقد أتيت فربضت جانبا # إذا لم يكن لي النضار صاحبا ... فقمت أعدو في الطريق ذاهبا # إلى حمى القوم فقمت خاطبا ... ونلت من كرامهم مواهبا # إن لم تكن حق فداء راتبا ... فهي جزاء مدحهم، لا سالبا # أخذتها أو سارقا أو ناهبا ... وعن قليل ستراني تائبا # فيصفح الرحمن عني ثائبا ... يمحو الذي كان علي كاتبا # قال: فكسرت من حوله في احتياله وغوله في اغتياله. وابتدرت التسليم عليه، ~~والتسليم إليه. فقابلني بوجه طلق وحياني بلسان ملق وقال: أعط أخاك تمرة فإن ~~أبى فجمرة. ثم قال: يا بني قد ورد النهي عن الخمر صرفا، وأنا أشربها بالماء ~~فلا ينكر ذلك شرعا ولا عرفا. فاشرب عن يميني إن كنت على يقيني، وإلا فلكم ~~دينكم ولي ديني. فجاريته خوفا من شر شيطانه الرجيم، وقرأت: "فمن # PageV01P310 # أضطر غير باغ ms093 ولا عاد فإن الله غفور رحيم". وبت معه ليلة أصفى من الزلال، ~~وأرق من السحر الحلال. حتى إذا أصبحنا نهض عن الوسادة، وقال: اكتب يا أبا ~~عبادة: # أبلغ سراة مضر ثنائي ... يوما على تلك اليد البيضاء # من شك في سبيتي العذراء ... فإنها سبية الصهباء # شربتها حمراء كالدماء ... فلا تسؤكم هبة الفداء # عفوا فأنتم مضر الحمراء # ثم ختم الصحيفة واستودعها الخمار، وقال: خذها مغلغلة إلى أحياء مضر بن ~~نزار، وودعنا جميعا وسار. فانقلبت إلى حيث أتيت وكان ذلك من أعجب ما رأيت. ### | المقامة الثالثة والأربعون وتعرف بالبحرية # قال سهيل بن عباد: شهدت وأبا ليلى عيد النحر في بعض # PageV01P311 # أرياف البحر. وكان ذلك المشهد الميمون، حافلا كالفلك المشحون. والناس قد ~~برزوا أفواجا وانتشروا أفرادا وأزواجا. حتى إذا سكن اللجب وتميز اللباب من ~~النجب. جلس المتأدبون منهم على أديم ذلك التراب، وأخذوا يتذاكرون في حقائق ~~العربية ودقائق الإعراب. حتى إذا أوغلوا في تلك اللجج وأمعنوا في البراهين ~~والحجج. طلع شيخ أعمش العين، أعنش اليدين. فمسح بيديه أطراف السبال، وأشار ~~إلى القوم وقال: الحمد لله الذي جعل العربية أفصح اللغات، وجمع فيها أصول ~~البراعات، وفصول البلاغات. أما بعد فاعلموا يا غرة أهل المدر وقرة أهل ~~الوبر. أن هذه اللغة المستحسنة فريدة عقد الألسنة. وهي خلاصة الذهب ~~الإبريز، التي بها ورد الكتاب العزيز. ولها الفنون العجيبة والشجون ~~الغريبة. والألفاظ القائمة بين الجزل والرقيق، والاختصار المؤدي إلى المراد ~~من أقرب # PageV01P312 # طريق. وفيها الاستعارات والكنايات، والنوادر والآيات. والبديع الذي هو ~~حلاوتها وحلاها، والشعر الذي لا نظير له في سواها. فضلا عما بها من الحدود ~~والروابط والقيود والضوابط. والإعراب الذي يقود المعاني بزمام، ويرفع ~~الإبهام، عن الأوهام. وإني لأرى # PageV01P313 # الناس قد نقضوا ذمامها، وقوضوا خيامها ورفضوا أحكامها. فضاع مفتاحها، ~~وانطفأ مصباحها وتكسرت صحاحها. حتى لم تبق لها حرمة ولا شأن، ولم يبق من ~~يتصرف بها من أهل هذا الزمان. فصار عندهم الناحي، كاللاحي. والشاعر، كبعض ~~الأباعر. وعالم اللغة أحمق من دغة. ولقد ساءني ما فعلت بها الأيام، حتى ms094 ~~بكيت على أطلالها التي عفاها عصف السهام، ولا بكاء عروة ابن حزام. # PageV01P314 # فحافظوا على درس طروسها، وجاهدوا في سبيل إحيائها بعد دروسها. فإنها ~~الدرة اليتيمة، والحرة الكريمة. واللهجة التي لم ينطق اللسان بمثلها، ~~والمطية التي لا تذل إلا لأهلها. وعلي أن انتصب لإفادتكم ما أبقى الدهر لي ~~رمقا، ولا أخاف نجسا ولا رهقا. قال: فلما فرغ من خطبته، ونزل من مسطبته. ~~تلقاه الخزامي بثغر باسم وحياه كعادة المواسم. وقال: يا مولاي ما أنا لديك ~~بمن يساجل، فأين الفارس من الراجل والقناة من الزاجل ولكنني رأيتك ابن ~~بجدتها، ورب نجدتها. فأردت أن أستفيدك عما يفيدك الثواب، إن مننت بالجواب. ~~قال: سل، ولا تبل. فقال: كيف يمنع التصغير عمل الصفة، ولا يصرف الأسماء ~~الغير المنصرفة؟ ولماذا لا # PageV01P315 # تمنع العلمية والوصف، وهما الركن في موانع الصرف؟ وكيف تبنى أي في نحو ~~أيهم أشد، ولا تبنى في نحو أيهم يرد؟ ولماذا لا يباح في العلم دخول اللام، ~~فإذا ثني أو جمع دخلت بسلام، ولماذا تسقط نون الإعراب كالتنوين من المضاف، ~~وتثبت في غيره على الخلاف؟ ولماذا يجوز الإخبار بالأعلام مع أن من شرطه ~~الإبهام؟ وبماذا يتعين البدل أو البيان، في نحو قام أخوك عثمان؟ وكيف يتبع ~~اللفظ في نحو يا زيد الصابر، ولا يتبع في نحو مضى أمس الدابر؟ وكيف يكسر في ~~نحو يا زيد الصابر، ولا يتبع في نحو مضى أمس الدابر؟ وكيف يكسر الساكن في ~~القوافي، ولا ساكن بعده يوافي؟ وكيف يصير الجائي، إلى مثال الرائي؟ ولماذا ~~يتغير الفعل المسند إلى الضمير المتصل، بخلاف الظاهر والمنفصل؟ وإلى كم ~~ينتهي عدد الضمائر، عند أولي البصائر؟ قال: فلما سمع الشيخ هذه الأسئلة، ~~قال: إنها لمن المسائل المشكلة فإن كان # PageV01P316 # لك في ذلك يد، فقد أجلتك إلى الغد. قال: بل لا أعدو الساعة، إن تبرأت من ~~الصناعة، بمشهد الجماعة. وأخذ يفض أغلاق ختامها حتى أتى عليها بتمامها، ~~وقال: قد رأيتم من يملك زمامها، ويرفع أعلامها، فدعوا أحاديث طسم وأحلامها. ~~فاستغزروا عارض سيله # PageV01P318 # وتعلقوا بردنه وذيله. ms095 فقال: إن لي أسيرا أسعى في فدائه، قبل أن يهلك في ~~عنائه بدائه. فلينفق ذو سعة من سعته، وكل يعمل على شاكلته. فأولج كل واحد ~~يده في هميانه، وأخرج له ما شاء الله من لجينه وعقيانه. فانثنى بعدما ودع ~~وهو قد أثنى فأبدع. حتى إذا ولى قذاله ورجوت ابتذاله. حلت دون مسيره، أو ~~يعرفني بأسيره. فقال: يا بني قد شربت في حان سويد بن الأضبط فاسترهن مني ~~البربط. وهو ريحان نفسي، وريعان أنسي. فإن شئت أن تصحبني إلى العقبة، ~~وتشركني في تحرير رقبة. وإلا فاذهب بالسلامة، ولا ملامة. قلت: لا جرم أن ~~تقرير الرق، خير من تحرير البربط والزق. وانثنيت عنه فورا، وأنا أمدحه تارة ~~وألومه طورا. ### | المقامة الرابعة والأربعون وتعريف بالحلية # PageV01P319 # حكى سهيل بن عباد قال: نزلت بحلة في ديار الحلة. فلقيت بها شيخنا أبا ~~ليلى يسحب في أكنافها ذيلا، ويخطر ميلا. فابتهجت به ابتهاج المحب بزيارة ~~الحبيب، أو المريض بعيادة الطبيب. وانضويت هناك إلى حرزه وشددت يدي بغرزه. ~~ولبثت في صحبته برهة أجد من حديثه أطرب نزهة، وأطيب نكهة. حتى إذا كان يوم ~~الأضحى استوى على فرس أضحى، وقال: هلم نتضحى. فخرجنا نطس المراكل، بين تلك ~~الشواكل. وما زلنا نتخلل القباب، ونتخطى اللحاء إلى اللباب. حتى مررنا بقوم ~~من العلماء، قد تألفوا تألف الخندريس بالماء. فدخلنا؛ عليهم دخول المفاجي، ~~وإذا هم يتداولون المعميات والأحاجي. فقال الشيخ: ما الذي أنتم فيه؟ لعلنا ~~نقتفيه. فأعرضوا عنه بوجوه بأسرة، وقالوا: إنها لصفقة # PageV01P320 # خاصرة. فمن أنت يا من يركب في غير صهوته، ويشرب من غير ضهوته؟ قال: أنا ~~الرقمع بن أصمع من بني السمعمع. ومن أنتم يا من يأبهون للنسب، ويعمهون عن ~~الحسب؟ فذعروا لجوابه، وشعروا بصوابه. وقالوا: تحسبها حمقاء وهي باخس، فلا ~~بد بيننا من حرب داحس. فنظر إليهم نظرة البازي وصال عليهم صولة الغازي. ~~وقال: أما إن كان قد غركم الهزال، حتى دعوتم نزال. فلأرينكم لمحا باصرا، ~~وفتحتا ناصرا. ثم تخازر كالأرمد وأنشد معميا في محمد: # على من لا أسميه ms096 سلام ... وإن ضاعت تحيتنا لديه # مليح لا أرى لي فيه حظا ... وفي قلبي دم من مقلتيه # PageV01P321 # ثم أدلم شفتيه كالعنبلي وأنشد معميا في علي: # ما لي أنادي يا علي ... ولا تلبي يا علي؟ # للناس نفعك مبصرا ... وإذا عميت فأنت لي # ثم اشرأب كتليع الظلمان، وأنشد معميا في عثمان: # ماذا ترى أصنع في حسد ... قد حجبوا عني بديع الزمان؟ # لهم عيون راصدات لنا ... إذا بدت عين تلاها ثمان # ثم قال: اللهم اهدنا سواء السبيل، وأنشد محاجيا في سلسبيل: # يا لوذعيا نراه ... بكل ففن خليقا # ما ردف قول المحاجي ... إن قال: أطلب طريقا؟ # ثم قال: دونكم أيها الصعافيق وأنشد محاجيا في أباريق: # PageV01P322 # يا من إذا جاءه المحاجي ... أصاب في كل ما أجابا # ماذا تراه يكون ردفا ... لقوله لم يرد رضابا؟ # ثم اندفع كحجر من سجيل وأنشد محاجيا في نار جيل: # ألا يا من أحاجيه ... أدارت خمرة الكأس # أبن لي ما يرادفه ... لظى صنف من الناس # قال: فلما فرع من معمياته وأحاجيه، جعل القوم يخبطون في دياجيه. وقالوا: ~~شهد الله أنك لأعذب من القند وأوسع من هند مند. فأن أنين الثكلى، ورفع طرفه ~~إلى الأفق الأعلى. وقال: اللهم فاطر السموات ومجيب الدعوات. أرفع منار ~~العلم وآله، وأغنني عن منة العبد وسؤاله. وارزقني عمامة مضرجة وحلة مدبجة. ~~حتى إذا دخلت على عبادك يعرون قدري، ويعظمون أمري. ثم اغرورقت عيناه ~~بالعبرات وحشرجت أنفاسه بالزفرات. فأعجب # PageV01P323 # القوم بسلامة فطرته، وخشعوا المذلة هطرته. وقالوا: هذه عمامة فاعتذق، ~~وحلة فالبس وانتطق. فشكر وأثنى، وعلى تلك الحسنى وانثنى يتثنى، وهو يتغنى. ~~وأنشد: # يا طربا لقد شفيت الغلة ... بحلة زهراء تشفي العلة # فحلة في حلة في حلة # ثم انطلق بي أبي وكنة أحرج من الجفن، وأحضر ما تسنى من خبزه اللدن وطعامه ~~الكفن. وقال: إنما الطعام للغذاء، فليأتنا الطاهي بما شاء. وقطعت معه تلك ~~الليلة بالسماع فكانت ليلة الوداع. ### | المقامة الخامسة والأربعون وتعرف بالفراتية # PageV01P324 # حدث سهيل بن عباد قال: نزلنا بشاطئ الفرات، في إحدى السفرات. فراقنا ما ~~هناك من المياه ms097 الخصرة، والخمائل النضرة. ولبثنا أياما نتنقل في تلك ~~المروج، كما تتنقل الكواكب في البروج، ونجتلي مفاكهة السمر، كما نجتني ~~فاكهة الثمر. ونتوسد كل قضة أنقى من الفضة. ونرد كل سبيل أعذب من السلسبيل. ~~حتى إذا أزفف الترحال، وشدت الرحال. قيل: قد فاح نشر الخزام، على الأنام. ~~فنظرت وإذا شيخنا الميمون، والناس إليه بهيمون وعليه يحرمون. فنفرت إليه ~~نفرة الريم، في ثنايا الصريم، وقلت: هذا الحجر الكريم، فكيف نريم؟ فنقضنا ~~غزلنا أنكاثا، وعدنا فأقمنا ثلاثا. قال: وكان في الركب شيخ غضر الناصية، من ~~عاربة البادية. فالتقى الشيخ بالشيخ، لما يلتقي سمهر # PageV01P325 # بفريخ. وطفقا يتساقطان الحديث، ويتلاقطان الشتيت منه والأثيث. حتى ركبا ~~متن اللغة، وأحاطا به كالحلقة المفرغة. فتغافل الخزامي كأنه واسطي، حتى طمع ~~ذلك الشيخ الناعطي. فألقى إليه شيئا من المسائل الدقاق، وتمادى المراء ~~بينهما حتى أفضى إلى الشقاق. فاهتز أبو ليلى كالخليع الماجن، وقال: قبل ~~الرماء تملأ الكنائن. إن كنت من ذوي الحصافة الضابطة، فما عندك من الألفاظ ~~التي تنتابها الظاء القائمة والضاد الساقطة؟ فأطرق برأسه مليا وأمعن النظر ~~جليا. ثم قال: أرك قد أبعدت الخطط وركبت الشطط. # PageV01P326 # فإن كنت ممن يبرز المعصم، لالتماس الغراب الأعصم، فأفض علينا من روائك ~~ونحن تحت لوائك. فلم يكن إلا كر ولا، حتى أنشد مرتجلا: # يدعى نقيض البطن باسم الظهر ... وذروة من جبل بالضهر # والقيظ في الصيف بمعنى حره ... والقيض في البيض لبادي قشره # والغيظ والغيض وقل فاظ إذا ... مات، وهذا الماء قد فاض كذا # ظن وضن باخل والحنظل ... للنبت والظل المديد حنضل # والظب للهاذر ثم الضب ... والظرب نبت عندهم والضرب # وقيل للروض الأثيث معظل ... وهكذا الأمر عليهم معضل # وجاض عنه حائدا حين ضلع ... وجاظ في المشي اختيالا وظلع # والحمض والحمظ لعصر الرطب ... والمظ للوم ومض الخطب # وقارظ على جنى الصبغ عظب ... ملازما وقارض له عضب # PageV01P327 # وأبرق الظرير والضرير ... وهكذا النظير والنضير # وقيل زيد في القتال ظجا ... مستنجدا وفي سواه ضجا # وللآلي في السموط نظم ... وقيل للبر الخصيب نضم # والفض والفظ وقيل ضلمه ... للسهر ms098 الطويل تحت الظلمه # والظعف للنبت وضعف العظم ... ومقبض القوس دعي بالعضم # والبيظ بيض النمل والحظيره ... للشاء والناس لهم حضيرة # كذا الوظيف ووضيف الوقف ... ظل وضل عن سبيل العرف # وعظة الحرب وعضة الأسد ... والحظ والحض وحسبي ما ورد # قال: فلما فرغ من ارتجازه وجلا بدائع إعجازه، في سرده وإيجازه. أعجب ~~القوم بسحر بيانه، وعقد بنانه. وقالوا: مثلك من تلقى إليه المقاليد، وتجفخ ~~به المواليد. فشمخ بأنفه من التيه، # PageV01P328 # وأنشد بغير تمويه: # أنا ابن الخزام أنا ابن الرزام ... أنا ابن اللزام غداة النزال # حديد الشواظ مديد اللحاظ ... شديد الحفاظ سديد المقال # ولكن تجنى علي الزمان ... بنقض الذمام ونكث الحبال # وأغرى بنيه بشد الرحال ... وعد الرخال وصد الرجال # وأخنى علي بإمحال حالي ... وإخمال مالي وبلبال بالي # فرحت أسيفا ضعيفا نحيفا ... قضيفا سخيفا حليف السؤال # على أنني قد تقلدت صبرا ... بديع الجمال كصبر الجمال # فلست أبالي بزج الإلال ... وسلب اللآلي وكيد الليالي # قال: فأوى له من حضر، وحباه كل منهم بقدر. وتقدم إليه ذلك الشيخ الدهري ~~بنجيب مهري. وقال: لا جرم أن الشيخ من تقدم # PageV01P329 # جهده، لا من تقادم عهده. وبتنا تلك الليلة نتفكه بأنفاسه، ونتنزه بصهباء ~~كأسه. حتى إذا غمضت الجفون عن الشفون. أدلج على ذلك النجيب، وترك القوم ~~عليه ألهف من قضيب. ### | المقامة السادسة والأربعون وتعرف بالسخرية # قال سهيل بن عباد: خرجت للصيد في بادية الخلصاء مع بعض الخلصاء الأخصاء. ~~وكنا في عدتنا كنجوم الثريا وفي انتظامنا كحبب الحميا. فاقتنصنا ما شاء ~~الله من سانح وبارح، وقعيد وناطح. # PageV01P330 # ثم أثقبنا النار في ذلك الحضيض وأخذنا بالمل والتعريض. وجعلنا نختزل ~~الخراذل والأوصال، من كل خنساء وذيال. إلى أن صغت الشمس نحو المغربان، ~~وكادت تلبس حلة الأرجوان. فنهصنا نقتضب تلك الأرض، حتى غشيتنا ظلمات بعضها ~~فوق بعض. فجعلنا نخبط خبط عشواء تحت غشاء ذلك العشاء. وبينما نحن كالآرام ~~في القماص، إذ سمعنا مناديا يقول: القرى يا خماص فخف ما نجد من الكرب، ~~وعجبنا من مكارم العرب. وقصدنا ذلك الصوت على السماع، كما تستروح السباع. ms099 ~~فإذا دار قوراء، ونار زهراء، وأوجه غراء. فنزلنا على الرحب والسعة ~~واستقبلنا القوم بالأنس والدعة. وما لبثنا أو وضع الخوان، ورفعت الجفان. ~~فجلسنا مليا. وأكلنا هنيا مريا. وبتنا ليلتنا في ذلك # PageV01P331 # الغور، كأننا جلساء قعقاع بن شور. حتى إذا كانت الغداة وقد تألب الحي ~~بمنتداه. وفد شيخ بال، في رثاث أسمال. فبينما حي وجثم وهو قد اشتمل والتثم. ~~أقبل رجل قد تزمل بكساء خلق واعتم بلفائف مكورة كالطبق، قد جمعت ألوان قوس ~~السحاب في الخرق. وأرخى لعمامته عذبة أطول من قصبة. وهو قد كحل إحدى عينيه ~~ولبس خفا بإحدى رجليه، وأخذ عصا بكلتا يديه. فلما رآه الشيخ ازمهر وامتقع ~~لونه واكفهر. وقال: أخذتك بالفطسة، بالثؤباء والعطسة. فقال القوم: تبارك ~~اسم ربك الأعلى، من هذا الذي منظره يضحك الثكلى؟ قال: هو أحمق مولع ~~بالفشار، كتلفيق الخنفشار. # PageV01P332 # ولسانه لا ينطلق، إلا بمثل الخفشلق. وقد قبض الله لي ملتقاه فحيثما سكعت ~~أراه. وأنا أتعوذ من منظره الذميم، كما أتعوذ من الشيطان الرجيم. وهو ~~يداركني سباقا أو لحاقا ويفاجني عمدا أو وفاقا، فلا يرسل الساق إلا ممسكا ~~ساقا. فاقتحم الفتى وهو يرفس برجله الأرض، # PageV01P333 # ويتهادى بين الطول والعرض. فانتشبت شظية في رجله الحافية، كما أصاب رافس ~~الشنفرى بالبادية. فأعول وولول وحجل بعدما هرول. وقال: قبحك الله يا وجه ~~الغول، وسحنة المغول أتتشاءم بي وبك يتشاءم غراب البين؟ هل تظن أن رزق الله ~~يضيق عن اثنين؟ أم تحسب إن القوم إذا رأوا لين قامتي، ونقش عمامتي. يزدرون ~~بشيبتك، ويعزمون على خيبتك؟ أتخالهم لم يروا بلغتك الزرقاء، والغلماء بين ~~يديك كالأرقاء؟ ولم يشموا عطرك الذي يملأ قطرك؟ ولم ينظروا عمامتك الحانية، ~~وجبتك القانية، # PageV01P334 # وبردتك اليمانية وأظفارك التي كالمناجل وما تحتها من سخام المراجل؟ فلولا ~~حرمة القوم لجعلت في رأسك العشر الشجاج، وحطمتك كقوارير الزجاج فأرغى الشيخ ~~وأزبد وأبرق وأرعد، وثار إليه كالبعير الأقود. فانهزم الفتى كالبحتري وعدا ~~الشيخ في غثره كالصيمري. والناس من ورائهما ينظرون، والصبيان يصفقون # PageV01P335 # وينقرون. فتكبكب الفتى وكبا، وانتقضت عمامته فذهبت أيدي سبا. ms100 فتجارى ~~الغلمان يتخاطفون منها القطع، ويتقاذفون الرقع. وهو من ورائهم يصيح: المدد ~~ويجمع تلك القدد، ويسرد العدد. وهم يطاردونه عن أخذها، وهو يطاردهم عن ~~نبذها. حتى ضاقت عن الضحك الصدور، وبرزت مقصورات الخدور. فالتظى الفتى ~~واضطرب ونادى بالويل والحرب. وقال: ويل لكل همزة لمزة، لا يعرف حق التاج ~~والخرزة أين بقية القطع الحمراء، # PageV01P336 # والشظايا الصفراء والخرق الخضراء؟ قد عدتها تسعين، ولا أجد منها غير ~~سبعين، فأين أضعتم الأربعين؟ فضحك القوم من حسابه الذي يفتن كل حاسب، ويضحك ~~مروان الكاتب. وقالوا: لا بأس يا أخا العرب، سنعوض عليك ما ذهب. فقال: شهد ~~الله ما بي هذا الخراب، ولكن تشاؤم هذا الشيخ بي وهو أشأم من سراب. فإنه قد ~~أضاع بذلك خفي الذي هو أغلى من خف حنين، وعمامتي التي جمعتها من آثار حجاج ~~الحرمين، وكنت لا أسمع أن يمسها الحسن والحسين. قالوا: خذ هذا الخف الدارش ~~والعمامة الموشاة، وتنكب الشيخ أن تغشاه أو تهيجه بما يخشاه. فأخذهما ومشى، ~~وقد لاحت عليه # PageV01P337 # تباشير الرضى. فقال الشيخ: أرأيتم يا كرام الحي، إني كنت فألا على الفتى ~~وكان شؤما علي؟ قالوا: لا طيرة إن شاء ولا شؤم، فما نحن من أهل اللؤم. ثم ~~وصلوه بصلة سنية وقالوا: عليك بحسن الظن وإصلاح النية. قال سهيل: وكنت قد ~~عرفت الشيخ وفتاه، وعجبت من المجون الذي أتاه. فلما انصرف حثني إليه الشوق ~~فأدركته وهو حثيث السوق، وقلت: يا أبا ليلى شب # عمرو عن الطوق. قال يا بني إن المزح في الكلم، كالملح في الطعام. ~~والإلظاظ يورث الملل، ولو كان على العسل. وإني قد مللت الجد واشتقت إلى ~~الهزل، فعسى أن تكون قد مللت اللوم والعذل فاكتفيت من النار بالشرار، ~~وانكفأت على قدم الفرار. ### | المقامة السابعة والأربعون وتعرف بالرصافية # PageV01P338 # حكى سهيل بن عباد قال: سمرت ليلة بالرصافة، مع كرام من أولي الحصافة. ~~فبتنا نتلاعب بأطراف الكلام المشقق، ونتجاذب أعطاف الحديث المرقق. حتى ~~أدانا حصر الحصر إلى ذكر أفراد العصر. فقال بعض القوم: ما أدراكم من وفد ~~اليوم قد ms101 وفد الخزامي الذي إذا انبرى لا يبارى، وإذا جرى لا يجاري وإذا حدث ~~ترى الناس سكارى. فأعجب القوم بارتقائه، وقالوا: من لنا بالتقائه؟ قال: إن ~~شئتم أن تتخذوا إليه سبيلا، فاتخذوني دليلا. فلما أصبحوا قالوا: أنجز حر ما ~~وعد، قال: ومن جد وجد. ثم انطلق بنا كالشملة الرافلة حتى أتينا القافلة. ~~وإذا الشيخ قد ثار كأنه من رضفات العرب، # PageV01P339 # وقال: قد أصابني سهم غرب، فالحرب بيننا والحرب. قال: وكان بين يديه رجل ~~أدرم أثرم، ينزو كالقضاء المبرم ويسطو كأبرهة الأشرم. فقال: قد عرضت فرسينا ~~للرهان، وجعلت مضمارنا البرهان. فإن كنت من طوارق الليل، فما قيود الأسنان ~~والألوان في الخيل؟ فأطرق إطراق الأفعى، ثم قال: خذها حية تسعى، وأنشد: # المهر في حوليه باسم الجذع ... يدعى، وبالثني في التالي دعي # PageV01P340 # ثم الرباعي بعده في الرابع ... وقارح في الحجج التوابع # وهو على اختلاف لون جلده ... يدعي بأوصاف جرت في نقده # فأدهم وأبيض وأحمر ... وأشقر وأصفر وأخضر # حتى إذا اشتد سواد الأدهم ... يقال فيه الغيهبي فاعلم # فإن ينقط ببياض أنمش ... قيل، ومع ذاك سواه أبرش # فإن تكن نقطه تتسع ... فإنه مدنر فأبقع # وإن يشب بعض السواد الأبيضا ... فذاك بالأشهب في الوصف قضى # وإن أصاب الأحمر السواد ... فبالكميت وصفه المعتاد # فإن عرا الكمتة لون أشقر ... فذلك الورد الذي لا ينكر # وإن يك الأشقر فيه خلس ... من السواد قيل هذا أغبس # وإن رأيت أصفرا يمتد ... فيه السواد فهو السمند # فإن عرا الصرة لون شهبه ... فالسوسني وصفه بالنسبة # وإن يك الأخضر فيه يحوى ... شيء من السواد فهو الأحوى # قال: إن كنت من أولي الكمال، فما مثل ذلك في الجمال؟ فاضطرب # PageV01P341 # اضطراب السراب، ثم أنشد وما استراب: # أول نتج الناقة الحوار ... يدعى كما جاءت به الآثار # وهو لعام واحد فصيل، ... وابن مخاض بعده تقول # وابن لبون ثم حق جذع ... ثم الثني فالرباعي يتبع # ثم الديس بعده والبازل ... والعود في العشر رواه الناقل # فإن صفت حمرته فأحمر ... قيل له وهو لديهم يؤثر # فإن تشبها دهمة فأرمك ... والجون ما فيه ms102 السواد أحلك # وذو البياض آدما يلقب ... فإن علته حمرة فأصهب # فإن يكن بياضة يلتبس ... بشقرة، فهو البعير الأعيس # والأخضر المصفر في سواد ... يدعى بأحوى اللون في البوادي # قال: فلما رأى الرجل ما رأى من طوله باعه، وريع رباعه. قال: قد # PageV01P342 # حق علي الخرس وحقت لك الفرس. فهلم إليه وخذها غير مأسوف عليها. فاستعظم ~~القوم أمره، واستهالوا غمره. وقالوا: من تمام العمل، أن نزيدك الجمل. قال: ~~إذا ملكت الخطام، فما أبالي بالحطام. ثم سبح وتشهد وترنح وأنشد: # إذا كان العباد بكل عصر ... شمال غريبة فأنا اليمين # سلوا عما أردتم من فنون ... فعند جهينة الخبر اليقين # PageV01P343 # قال سهيل: فلما انصرف أصحابي قلت هذا مشواي، وقد شغلت شعابي جدواي. قال: ~~أنت على الرحب والسعة، ولك الرغد والدعة. فأقمت في صحبته بأم العراق حتى حم ~~الفراق. ### | المقامة الثامنة والأربعون وتعرف باللاذقية # حدثنا سهيل بن عباد قال: عن لي أرب، في لاذقية العرب. # PageV01P344 # فقصدتها من خناصرة مع رجل صنافرة، يتبرد بالهجرة. فآدتني صحبته الغلوب ~~حتى أدتني إلى اللغوب. فدخلت المدينة، كما تدخل الدلو العدنية. ونزلتها ~~واهن العواهن لا خدن لي ولا عجاهن. وكان بدار منزلي السفلى، مدرسة حفلى. ~~فكنت أزورها لماما، وأقوم بها إماما. حتى إذا كنت يوما بمحرابها، بين ~~أضرابها وأترابها. دخل شيخ كفيف، يقوده غلام خفيف. وهو قد اعتمر بصماد، ~~وسدل له عذبه كالنجاد. فلما وقف بنا لاحت عليه الأريحية، وحيانا بأحسن ~~التحية. ثم قال: حمدا لمن له الحمد والمنة، الذي جعل المدارس أبواب الجنة. ~~أما بعد فإن الله قد أمر بالقراءة وأقسم بالقلم، وهو الذي علم به الإنسان ~~ما لم يعلم. فلا جرم أن هذه الصناعة أرجح الصنائع وأربح البضائع. وعليها ~~مدار # PageV01P345 # السنة والكتاب، وبها حيوة العلوم والآداب، ومنها استنارة العقول ~~والألباب. وهي عنوان السيادة وعنقوان السعادة. وآية الفلاح، وغاية الصلاح ~~والإصلاح. ولولاها لدوست الأخبار، وطمست الآثار. وهلكت أموال التجارة، ~~وضاعت حقوق القضاء والإمارة. فثابروا أيها الولدان المخلدون، ولا ترضوا من ~~الصناعة بالدون. وإذا قرأتم فافتحوا الطرف، وأظهروا الحرف. والزموا الدرس ~~ولا ms103 تكثروا الهمس. وإذا أردتم أن تبروا القلم، فاشحذوا الجلم. وأطيلوا ~~الجلفة وأسمنوها، وحرفوا القطة وأيمنوها واحرصوا على صحة التصوير، وإحكام ~~التحرير، وتقويم الأساطير. وأعلموا أن المناقش، سيتلون عليكم بأبي براقش. ~~فلا تدعوا له سبيلا أن يلوم، ولا تمكنوه من حجة تقوم وعليكم بعفة اليد ~~واللسان، ونقاء الثوب والبنان، وسهولة الخلق بين الأقران، والمذاكرة في ~~آيات القرآن. لتكونوا زينة الحيوة الدنيا، كما أنزل الله كلمته العليا. ~~وأما الأستاذ # PageV01P346 # فليكن عفيقا غيورا، لطيفا صبورا، أديبا وقورا. ماهرا في صناعته، باهرا في ~~وداعته. ليس بالشديد العتي، ولا البليد العيي. يرغب في أن يفيد كما يرغب في ~~أن يستفيد. ويجتهد في تربية من تحت لوائه، كما يجتهد في تربية أبنائه. ~~وليعلم أن التلامذة أمانة الله في يده، ويتأهب في يومه لما سيحاسب عليه في ~~غده. ثم أقبل قبل المشهد، وأنشد وهو قد تنهد: # يا من لهم في السجايا ... عين وجيم وباء # ما طالب لي في سواكم ... نون وعين وتاء # عهودكم ليس فيها ... نون وكاف وثاء # وحظكم كل يوم ... ميم ودال وحاء # وإنني في حماكم ... شين وياء وخاء # لو يبق لي في بلائي ... صاد وباء وراء # أنتم لكل فقير ... كاف ونون وزاء # وفي أكف نداكم ... باء وسين وطاء # هل عندكم نحو شيخ ... لام وحاء وظاء # وحسبه من رضاكم ... عين وطاء وفاء # دياركم للأماني ... واو وجيم وهاء # شين وباء وعين ... فيها وراء وياء # PageV01P347 # قال: فلما فرغ من أبياته الحسان، تعلق به أولئك الغلمان. وقالوا: إنك نعم ~~الأستاذ، والعقوة التي بها يلاذ. فنحن هواك ولا نريد سواك. فأشفق الأستاذ ~~من صرم حباله، هاجت بلابل بلباله. فأسر إلي النجوى وباح لي بالشكوى، من هذه ~~البلوى. وكنت قد عرفت الشيخ أنه حامي الحمى، وإن كان قد تظاهر بالعمى. فقلت ~~للأستاذ: إن كنت قد أجفلت من مواء السنانير، فأعطني له قبضة من الدنانير. ~~وأنا أدرأ ما في نفسه قد أوجس وأدعه لا يأتيك سجيس الأوجس. فناولني ما شاء، ~~وقال: أتبع الدلو بالشاء. فدعوت الشيخ إلى خلوة، وبثثته المرة والحلوة. ~~فقهقه ms104 كما يقهقه الرعد، وقال: بكل واد بنو سعد. فعده وعد السموأل، أن # PageV01P348 # أسامة لا ينزل في وجار جيأل. قلت: فكيف تعاميت وأنت أبصر من فراس في ~~بهماء غلس. فنظر إلي نظرة الضرغام، وأنشد بصوت كالبغام: # تخلق الناس بالأدناس واعتمدوا ... من الصفات الدها والمكر والحسدا # كرهت منظرهم من سوء مخبرهم ... فقد تعاميت حتى لا أرى أحدا # ثم انطلق بي إلى مثواه وقاسمني شطر جدواه. وقال: أنت الليلة ضيفي وأنا ~~غدا ضيف الهجير، فإن الصقر متى صاد بصير. فقضيت معه ليلة أرق من السابرية، ~~وأطيب من الجاشرية. حتى نسخ الصبح آية الظلام، ونشر على الأفق حمر الأعلام. ~~فودعني وذهب وأودعني اللهب. ### | المقامة التاسعة والأربعون وتعرف باللبنانية # PageV01P349 # روى سهيل بن عباد قال: ظعنت في نفر من معد بن عدنان، حتى مررنا بجبل ~~لبنان. فراعنا ما به من الشعاب والأودية والمجالس والأندية. والخمائل ~~والغياض، والمياه والرياض. والقرى والدساكر، والعشائر الملتفة كالعساكر. ~~فلبثنا أياما في جنباته نجول بين رعانه وهضباته. حتى نزلنا بقوم من ~~العظماء، قد أحاطوا بفتى من العلماء. وهو ينشدهم الأبيات، ويطرفهم بالغرائب ~~والآيات. فوقفنا نسترق السمع، في خلال ذلك الجمع. وإذا شيخ من أبناء السبيل ~~قد أقبل في ثوب رعابيل. فتخلل القوم ولم يسلم، ثم احقوقف مشيحا ولم يكلم. ~~فاستثقل القوم ظله، وأنكروا محله. وقالوا: إن هذا الشيخ قد بلغ الحدب، ولم ~~يظفر من الأدب ولا بمثل الكدب. ثم أعرضوا عنه ازورارا، واحتملوا فظاظته ~~اضطرارا. فانتدب له الفتى وقال: من أين أقبلت يا أبا الشقعمق؟ # PageV01P350 # لا كان يومك الشمقمق فزفر كفحيح الأفعى، وقال: استنت الفصال حتى القرعى. ~~فمن أنت يا من لا يعرف الكوع، من البوع؟ قال: بل أنت من لا يعرف الكاع، من ~~الباع إن كنت من أنماط هذا النمط، فما الفرق بين الميت والميت والوسط ~~والوسط؟ وما فرق اليتيم بين الناس والبهائم في الوضع، وفرق الأم بين ~~الفريقين في صيغة الجمع؟ فهمهم الشيخ وجمجم، وغمغم حنقا ودمدم. وقال: ويك ~~يا مرقعان يا أفرة المعمقان. إن كنت ابن مسألة أو كاشف ms105 # PageV01P351 # معضلة. فأنبئني بقيود القطع، وإلا فأعدد قفاك للصفع فرنا بعين المها، إلى ~~السمهى. وأنشد: # يقال: جز الصوف زيد وحصد ... نباته اليابس، والرطب خضد # وجدع الأنف وللأذن صلم، ... وشتر الجفن وللكف جذم # وشرم الشفة إذ قص الشعر ... وقضب الكرم لدى قطف الثمر # وقلم الظفر وحز اللحما ... وحذق الحبل وبت الحكما # وقذ ريش السهم إذ قط القلم ... وعصف الزرع وللنخل جرم # وقيل: قد السير. والنعل حذا ... وجاب صخرا، قطع الثوب كذا # وحذف الذنب والغصن عضد ... وفلح الحديد، فاحفظ ما ورد # قال: إن كنت من رجال العصر، فما هي قيود الكسر؟ فاستضحك طويلا، ثم فكر ~~قليلا. وأنشد: # يقال: شج الرأس والأنف هشم ... ووقص العنق وللسن هتم # وقصم الظهر لدى رتم الحجر ... وحطم العظم كغصن قد هصر # وفضح الجبس، والنوى رضخ ... ورض حبا رأس حية شدخ # وفقس البيض على فدغ البصل ... وهد ذاك الركن من دك الجبل # وهضم القصب والخبز ثرد ... ونقف الحنظل فاستجل الرشد # قال: فهل تعرف قيود الحصص، من مثل هذه القصص؟ فتململ # PageV01P352 # كالأفعوان، ثم نزا كالعنظوان. وأنشد: # كسرة خبز فدرة اللحم ترد ... كتلة تمر فلذة من الكبد # ومن طعام لمظة وكسفه ... من سحب ومن سويق نسفه # كذا صبابة من الشراب ... جذوة نار حثوة التراب # ودرة من لبن فرزدقه ... من العجين غرفة من مرقه # وصبرة من حنطة ونقره ... من فضة ومن حديد زبرة # خصلة شعر كبة من غزل ... فرصة قطن رمة من حبل # خرقة ثوب نبذة من مال ... وهدأة الليل من الأمثال # قال سهيل: فلما أبان الفتى ما أبان، قال القوم: قد ظهر الشجاع من الجبان. ~~فما أشبه هذه الألمعي بأتي عبيدة والأصمعي. ولقد اعتمانا ويمم # PageV01P353 # حمانا. فلنحبه بما هو الخليق به رعاية لحرمة أدبه. ثم أفاضوا عليه حلة من ~~الإستبرق، وقبضة من الذهب الأصفر كبتا لعدوة الأزرق. فطال على الشيخ ~~واستطال، وقال: قد ذل من يصادم الأبطال فاعتصم الشيخ بالهزيمة، واقتفاه ~~الفتى بماضي العزيمة. قال سهيل: فأشفقت على ذلك الشيخ الفاني، من صولة ذلك ~~الفتى الجاني. وخرجت في إثرهما، لترقيح أمرهما. ms106 فإذا هما بجانب العقيق بين ~~الأقحوان والشقيق، والشيخ قد لبس الحلة والفتى قائم لديه كالرقيق. فتوسمتها ~~من كثب، وإذا هما ميمون ورجب، فصحت: يا للعجب! فارتفق الشيخ على يمينه، ~~وأنشد والبشر يلوح من جبينه: # قد لاح صبح الشيب وارفض الدجى ... والعمر ولى والردى قد عرجا # ورجب كالمهر عندي نتجا ... أريد أن أروضه مخرجا # حتى إذا فارقته مندرجا ... رحت قرير العين صادق الرجا # PageV01P354 # لا أختشي معصية أو حرجا # ثم قال: يا بني إني قد عولت أن أركب الفلك، وأذهب إما هلك، وإما ملك. فعد ~~إلى أصحابك بالسلام واكتم حديثي مع الغلام. فانثنيت عنه بين العذر واللوم، ~~وكتمت الحديث حتى وصلت إلى القوم ### | المقامة الخمسون وتعرف بالحموية # قال سهيل بن عباد: لقيت الخزامي في حماة فانضويت إلى حماه، ولبثت نتسم ~~رياه، وأترشف حمياه. وهو يطوف بي على الرياض والغياض ويرد المعين والحياض. ~~ويتفقد الأجارع النضرة، والخمائل الغضرة. حتى دخلنا إلى حديقة # PageV01P355 # بهيجة أنيقة. والدواليب حولها تحن حنين الناقة الرؤوم، وتئن أنين المدنف ~~السؤوم. فجعلنا نتخير الأفياء، حتى انتهينا إلى ظلال لمياء. فجلسنا وقد ~~أطاعنا العاصي، وتسخرت لنا مياهه من الأقاصي. وأخذنا نجتني الثمار الذوابل ~~من الأفنان السوابل، وقد رقص البلبل على نغمات البلابل. وإذا قوم من كرام ~~الوجود سيماهم في ناضرة، إلى ربها ناظرة. وهم يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون ~~لما تقدم وما تأخر من ذنبهم. فلما رآهم الشيخ قال: أعوذ برب الناس، وجعل ~~يضرب أخماسا لأسداس! ثم قال: يا بني كنت قد عزمت أن أنتبذ مكانا قصيا، ولا ~~أكلم اليوم إنسيا. ولكن ما كل رامي غرض يصيب، وكل وافد له نصيب. فلم يكن ~~إلا كتلاوة أم القرآن، # PageV01P356 # حتى تقدم القوم يخطرون كالمران. ولما كانوا منا بمسمع، جلسوا على رصيف من ~~اليرمع. وأخذوا يتداولون الأحاديث المسندة، ويتناشدون الأشعار العربية ~~والمولدة. فقال الشيخ: التجلد، ولا التبلد. ثم أقبل علي كأنما أنشط من عقال ~~وخلل عذاريه وقال: يا بني إنني خضت القفار، وكشفت الأسرار. وشاهدت بين ~~الإدبار والإقبال، في السهول والجبال، ما لم يخطر لبشر ms107 ببال. فكم رأيت إبرة ~~تطلب، وخيطا يهرب. وثعلبا في جبة، وأرنبة في قبة. وغزالة في السماء وجمرة ~~في الماء. وكوكبا في مقلة، وشهابا في حقله. وهلالا في راحة ونجما في ساحة. ~~وقوما يحبسون الناصح، # PageV01P357 # ويكرهون المصافح. ويحتنبون الخاشع ويمتهنون الضارع. ويركبون الشكور ~~ويدوسون الجمهور. ويرون قطع ساق العبد، ألذ من قطف الورد. ويعتقدون أن ~~الكافر هو الظافر. واللعين، نعم الأمين. وأن أكل الأحرار، من شيم الأبرار، ~~وقرة العين لمن علاه الدين. فثق بما أعتمده، وصحح هذا الرأي واعتقده. ~~واستقم ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون، فإن الله إذا أراد شيئا فإنما يقول ~~له: كن فيكون. قال: فلما سمع القوم كلامه رأوا فيه لغوا ولحنا، فعابوه لفظا ~~ومعنى. وقالوا: إن هذا شاعر به جنة، # PageV01P358 # فاجعلوا قلوبكم في أكنة. فثار الشيخ كأنه ليث عفرين، وقال: إني أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين. من أنتم يا سلالة الأنبياء، وثمالة الأولياء. ~~وما بالكم تحكمون بما لا تعلمون وتنكرون من حيث لا تفكرون. أتعلمون اليتيم ~~البكاء والنديم الغناء؟ أم تحسبون أنكم تحسنون صنعا، إذا تحككت عقربكم ~~بالأفعى؟ لقد غركم بالله الغرور، والله لا يحب كل مختال فخور. فليحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين، وستعلمون غدا من الكذاب الذي يراغ عليه ضربا ~~باليمين. فلما رأى القوم ما رأوا من ازدهائه، شعروا بدهائه. وقالوا: لعل له ~~عذرا وأنت تلوم، فلينظر المولى بعلمه الذي فيه حق معلوم، للسائل والمحروم. ~~فلما آنس منهم لين الشرة لاحت على أساريره المسرة. وقال: إذا تلاحت الخصوم، ~~تسافهت الحلوم. ثم أفاض # PageV01P359 # في نقض ما أبرم، وفاض كالسيل العرموم وهو يحرق الأرم. فانقادوا أذل من ~~النقد، وقالوا: نعوذ بالله من شر النفاثات في العقد. ثم قالوا: إنا لنراك ~~غزير السيل، لكنك قصير الذيل يسير النيل. فخذ هذه النفقة، على سبيل الصداقة ~~لا الصدقة. وقد انتهينا عن الصلف، إلى الكلف، فاغفر لنا ما قد سلف. فأبدى ~~الثناء الجميل وأسدى الشكر الجزيل. وانقلب مفتخرا بما فاز، ومغتبطا بما ~~حاز. قال: فلما أتينا المدينة انحدر ms108 عن المطا، ودخل بي إلى مثل أفحوص ~~القطا. فبت معه ليلة أشهى من عصر الصبا. حتى إذا أصبحنا ثار بين النفير، ~~كالعنقفير، وأخذ في التشمير، للمسير. وقال: إني منصرف إلى بلدة أخرى، فإن ~~شئت أن تؤوب إلى أهلك فهو الأحرى. فودعته وداع الهائم المشتاق، وسرت وأنا ~~أحدو بذكره النياق. # PageV01P360 ### | المقامة الحادية والخمسون وتعرف باليمامية # أخبرنا سهيل بن عباد قال: تقلدت السفر طوق الحمامة، منذ اعتجزت بالعمامة. ~~وكنت أهوى ديار العرب العرباء، لما فيها من الشعراء والخطباء والفصحاء ~~والأدباء، والبلغاء والنجباء. فكنت أزجي إليها الركاب، وأتضمخ منها بالعجاج ~~والعكاب. وأتعطر بالعرار والبشام، وأتفكه بالعرفج والثغام. وأطرب للنصب ~~والحداء، وأبتهج بالثغاء والرغاء. حتى إذا كنت يوما بحجر اليمامة، رأيت ~~كتيبة فد أطبقت كالغمامة. فحثحثت الجواد، حتى حصحص لي ذلك السواد. وإذا فتى ~~لاغط، وشيخ ضاغط. # PageV01P361 # والناس حولهما يتفرجون، ولا يفرجون. فانتصبت مع الوقوف، ونظرت من خلال ~~الصفوف. وإذا الشيخ يقول: ويل أمك يا أخبث من الشيطان، وأروغ من الثعلبان ~~إلام تتمادى في العقوق، وتتغاضى عن الحقوق؟ أما تذكر تثقيفي أودك، وتلقيفي ~~رشدك؟ وهل نسيت ما تجشمت من جللك، في مداواة عللك؟ وكم أنفقت عليك في ~~المدارس والمطاعم والملابس؟ فبأي آلاء ربك تتمارى، ولو كنت أبله من ~~الحبارى؟ هذا والغلام يتظلم، ويتململ ويتألم. وهو أحير من ضب وأنفر من بعير ~~أزب. فلما رأى القوم ما رأوا تململه، واصطخابه وتبلبله. قالوا: ليس شكوى ~~بلا بلوى. فأبن أيها الشيخ عذرك وضع عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك. # PageV01P362 # فأرن كما يأرن المهر، وقال: قد تجنى علي هذا الغمر، والله يعلم أن ليس لي ~~ذنب إلا ذنب صحر. إن هذا الفتى عربي الدار، لكنه رومي النجأر. وقد بذلت فيه ~~من الدينار والدرهم، مالا يبذله خالد بن الأيهم. وأفرغت جهدي في تهذيب ~~لسانه، وتعديل ميزانه. فلم يزل يكسر شكيمة اللجام، وينزع إلى ألفاظ ~~الأعجام. فيدعو المعلم، بالمؤلم. ويسمي القلب بالكلب. والحيطان بالخيطان. ~~ويعرف # PageV01P363 # المضاف، ويؤخر الموصوفات عن الأوصاف. وهذا مما تأباه السجية الأدبية، ~~وتستك منه المسامع العربية. وشهد الله ms109 أني أريد تهذيبه، لا تعذيبه. وأرغب ~~في تثقيفه لا تعنيفه. لكنني أجتهد في تسديده فيعثر، وأروم تشديده فينفر. ~~وإن كنتم في ريب من ذلكم فاختبروه، وإلا فأنا أمتحنه لتعتبروه. قالوا: لا ~~جرم أن الموالى، هو الأولى. فأمسك هنيهة عن الكلام، ثم قال قل يا غلام: # أنا الخزامي الرقيق الكلم ... مسحت ركن المسجد المحرم # ولي غلام من نتاج العجم ... يشرق في فؤاده وفي الفم # أوجده باري الورى من عدم ... وحاطه بالقدر المصمم # فلم يزل في حرس متمم # فتعزز الفتى وتمنع، وهو يروغ كالفارس الأهنع. فما زال به القوم حتى أجاب ~~فترحرح، وأنشد بصوت صمحمح: # أنا الخزامي الركيك الكلم ... مسخت ركن المسجد المخرم # ولي غلام من نتاج الأجم ... يشرك في فؤاده وفي الفم # PageV01P364 # أوجده باري الورى من أدم ... وخاطه بالكدر المسمم # قلم يزل في خرس متمم # قال: فلما رأى القوم سقم هذه الألفاظ، وما أدت إليه من المعاني الفظاظ. ~~تعوذوا بالله من سوء تلك اللثغة، وقالوا: ما هذا الغلام الذي لا يشترى ~~بفشغة؟ فتبرم الشيخ وتأفف وتأوه وتسف. وقال: قد علمتم أن عثار اللسان شر من ~~عثار القدم، ولكن ماذا ينفع الندم؟ وإنني طالما حدثت نفسي بعتاقه، وهممت ~~بانعتاقي من وثاقه. ولو وجدت لي عنه غنى أو كان في يدي سعة من الغنى. لبعته ~~بنصف القيمة، واشتريت غيره بضعف السيمة. ولكن قد انقطع السلى، فلا حول ولا. ~~فأجهش الفتى عن كثب، وأخذ رقعة وكتب: # هبوا خطأ اللسان علي عيبا ... أما لي غيره شيء يصيب # أنا ابن اقعد وقم لا في الندامى ... أعد ولا سمير أو خطيب # PageV01P365 # أدير من المعاني كل كاس ... تطيب فخل لفظي لا يطيب # إذا كان الجميل سليم حسن ... فليس يضره ثوب معيب # فلما وقف القوم على شعره، ورأوا انحطاط سعره. قالوا: إن لم يحسن الكر ~~فالحلب والصر. ونقدوا الشيخ بعض المال وقالوا للفتى: دونك الجمال. فسر ~~كلاهما وارتضى، وودعهم الشيخ ومضى. قال سهيل. وكنت قد عرفت ذينك الصاحبين، ~~اللذين سيئاتهما تغلب الكاتبين. فقفوت الشيخ في تلك البقاع، وقلت: يا ms110 فرزدق ~~أين وقاع؟ # PageV01P366 # قال: انزل بنا هنا والليل يواري حضنا. فنزلنا إلى أن استوهن الليل، وإذا ~~رجب على شيظمة من جياد الخيل، تندفق به كعارض السيل. وهو بين ذلك ينادي ~~الليل وأهضام الوادي. واستمر يعدو الهملجة، على مهرته السملجة. فما أدركناه ~~إلا وقد اشمخر الضحى، وكلت الخيل من الوحى. فزلنا جميعا من السروج في بعض ~~تلك المروج. حتى إذا انجاب بهر الأنفاس، وثاب أشر الأفراس. ثار رجب ~~كالرئبال، وقال: لا تقسط على أبي حبال، وترك القوم يكسرون عليه أوعاظ ~~النبال. # PageV01P367 ### | المقامة الثانية والخمسون وتعرف بالعمانية # قال سهيل بن عباد: ألقتني صروف الزمان إلى عمان. فدخلتها وقد آذنت براح ~~بالبراح، وهتف داعي الفلاح. حتى إذا مررت بفناء الجامع، إذا الخزامي هناك ~~راتع. والناس حوله كالحجيج في المزدلفة، أو في موقف عرفة. فابتدرت إليه ~~العبور، وقد استطير فؤادي من الحبور. وجلست للسمر بين تلك الزمر. فقضيناها ~~ليلة أبهج من زهر الربى، وأنفج من نشر الكبا. والشيخ يتلو علينا أساطير ~~الأولين والآخرين، ويطر فنا بحديث العابرين والغابرين. حتى هوم الكرى ~~المفارق، وكدنا نستقبل غرة الطارق. فهجعنا هنالك غبر الليل ذلك. ولما كانت ~~الغداة، # PageV01P368 # وقد انقضت الصلاة. هجم علينا شيخ أرمش أغفش، كأنه أبو الحسن الأخفش. فحيي ~~من حضر، وقال: أرى عمائم البدو على وجوه الحضر، فقال الشيخ: بل ترى تيجان ~~العرب على أعيان مضر. فمن أنت يا من يسلب السيف فرنده، والصريف زبده؟ قال: ~~إن كنت من أهل تلك الأماكن، فما قيود المساكن باعتبار الساكن؟ فتفكر ريثما ~~تذكر. ثم أنشد: # لمسكن الناس يقال الوطن ... ومثل ذاك للجمال العطن # إصطبل خيل زرب شاء وورد ... وجار ضبع والعرين للأسد # ونفق الخلد كناس للظبا ... والنافقاء لليرابيع خبا # PageV01P369 # جحر الضباب قرية للنمل ... وهكذا خلية للنحل # والوكر للطير وأفحوص القطا ... منه وأدحي النعام ارتبطا # والكور للزنبور، والعناكب ... لها البيوت فادرها يا صاحب # قال: حييت وحييت، وأعييت ولا عييت. فما قيود السعة، إن كنت من شوس ~~المعمعة؟ فأهتف كولادة، وأنشد كأبي عبادة: # بيت فسيح داره قوراء ... صدر رحيب مقلة ms111 نجلاء # بطن رغيب وطريق مهيع ... والثوب فضفاض كدرع تمنع # وأرضنا واسعة، والقدح ... يوصف بالرحراح فيما اصطلحوا # PageV01P370 # قال: سقيت الغريض، يا كعبة القريض فما قيود الامتلاء، عند أهل الجلاء؟ ~~فقال: جري المذكيات غلاء. وأنشد: # يقال عين ثرة والبحر ... طام وطافح لدينا النهر # كأس دهاق وجفان رذم ... وزاخر الوادي إناء مفعم # وجفنك المترع والسفينة ... بكل كيس أعجر مشحونه # وقربة متأقة والطرف ... مغرورق إذ غص ناد فاقف # قال: لا شلت أناملك، ولا كلت عواملك. فهل تعرف قيود الخلاء، وتجعلها ~~خاتمة الإملاء؟ قال: سيان الخاتمة والفاتحة، فما أشبه الليلة بالبارحة. ~~وأنشد: # أرض من الناس يقال قفر ... جرز من الزرع إناء صفر # ودارنا من الأهالي خاويه ... مثل البطون من طعام طاويه # والمرء من كل سلاح أعزل ... ورجل من دون سيف أميل # أجم من رمح، ومن قوس رمى ... أنكب، والأكشف من ترس حمى # PageV01P371 # حاف بلا نعل، وحاسر بلا ... عمامة، عار من الثوب خلا # وقلب زيد فارغ من شغل ... وخطه غفل بغير شكل # حاجب أمرط جفن أمعط ... وأصلع الرأس وجسم أملط # وهكذا غيم جهام من مطر ... وقيل: خد أمرد من الشعر # ولبن من زبده جهير ... وطلق من قيده الأسير # وامرأة من الحلي عطل ... زلاء لا يشخص منها الكفل # وعلط من وسمه البعير ... ونزح من المياه البير # وشجرات سلب من ورق ... فاقنع بما ذكرت واترك ما بقي # قال: فلما رأى القوم من ري شراره، وفري غراره، قالوا: نعيذ لك بالله من ~~نفس حرى، وعين شرى فهل لك أن تكون لنا خطيبا؟ وكفى بالله حسيبا. قال: نحن ~~في المشرب شرع، والطيور على أشكالها تقع. فإن رأيت ما يسد الخلة ويرد ~~الغلة، فأنا منكم نسبا وحلة. ورب ظئر رؤم، خير من أم سؤوم. # PageV01P372 # فرضخوا له باحتلاب شطر، وقالوا: أول الغيث قطر. فاتفق على مصلاة، وقرأ: ~~إذا عزمت فتوكل على الله. قال سهيل: ولم يكن إلا بعض خذمة، حتى وفدت امرأة ~~حسنة اللثمة، فقالت للشيخ: هلم بأبي عبادة، فقد كلفت الشهادة. قال: علي أن ~~أشهد بالحق، كما أشهد للحق، ونهض بي ms112 كالسارية، في أثر الجارية. والقوم إليه ~~ينظرون، وله ينتظرون. فلما انتهينا إلى بعض المناصع، سفرت كليمته، وإذا هي ~~كريمته. فوقفت متدهدها فزجرني مقهقها. وأنشد: # لم أرج سد خلتي من النفر ... فقد عزمت بغتة على السفر # متكلا فيه على ردء القدر ... فلم أكن في أمرهم ممن غدر # وأنت يا بني كن ممن عذر # PageV01P373 # ثم قال: إن كنت الرفيق، فهذه الطريق. وإلا فعليك السلام ولا ملام. فخرجت ~~بين الحية والحيية، ولم نفترق إلى ديار طهية. ### | المقامة الثالثة والخمسون وتعرف بالغزية # حدثنا سهيل بن عباد قال: خرجنا من العواصم، نريد غزة هاشم. فأعملنا ~~السنابك والفراسن ووردنا الآجن والآسن. حتى دخلناها بعد الأين، بين ~~العشاءين. وقد علت أوجهنا ولمحة من السفر ولمحة من الكدر. فاتخذنا بها ~~المضاجع واغتنم كل منا دعة الهاجع. # PageV01P374 # فلما انسلخ النهار من الليل، وجرت الغزالة فضل الذيل. خرجنا نتفقد ~~أراضيها الخضراء والبيضاء، حتى إذا مررنا بدار القضاء سمعنا لغطا وضوضاء. ~~فعرجنا على ذلك اللجب، وإذا الخزامي متعلقا برجب. وهو يقول: أيد الله ~~القاضي، وأنفذ حكمه الماضي. كان لي نديم رقيق المباني، دقيق المعاني. ظريف ~~الشكل، حصيف النقل خفيف الوضع والحمل. بديع الفكاهة والبداهة، بعيد السفاهة ~~والفهاهة. يؤنسني الليل والنهار ويغنيني عمن يزور أو يزار. ويخدمني الصباح ~~والمساء، ولا يشرب لي قطرة ماء. ويبذل المعونة، على غير مؤونة. ويسأل فيعطي ~~ويخطو فلا يخطي. طالما أبدى، فأهدى. وأعاد، فأفاد. لا يهزه الدلال ولا ~~يستفزه الملال. ولا يعرف الغضب ولا يسيء الأدب. ولا يكتم عني سرا ولا يعصي ~~لي أمرا. وإذا قطعته انقطع، وإذا استرجعته رجع. وإذا طويته انطوى وإذا ~~زويته انزوى، وإذا ضويته انضوى. يلقاني بصدر مشروح، وباب مفتوح. ووجه طلق ~~ولسان منطلق. فكنت أتخذه أنيسا، ولا أريد غيره جليسا. وأنعكف عليه آناء ~~الصرعين، # PageV01P375 # لما أجد به من طيب النفس وقرة العين. وإن هذا الأحمق، قد مزفه كل ممزق. ~~وتركني ألهف عليه، من النعمان على نديميه. قال: فاضطرب الرجل مرتاعا، ~~وتباكى ملتاعا. وقال: علم الله أني كنت به أبر من العملس، وعليه ms113 أحذر من ~~الذئب الأطلس. فإنه كان راحي ومراحي وصباحي ومصباحي. ولكن قد فرط ما فرط ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا. فإن شاء الشيخ دية أو قودا، أو يسلكني عذابا صعدا. فإني له أطوع من ~~عنانه وأوفق من بنانه. فقال الشيخ: أما وقد كان ذلك من خطا فعله، فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله. ولكن هل بالرمل أو شال، وكيف يرجى الري من ~~الآل؟ قال: أنا أسعى بما تيسر وتحط عني ما تعسر. وأخذ يطوف على الجماعة من ~~فوره، # PageV01P376 # وهو ينشد في أثناء دوره: # آها من الأيام والليالي ... قد علمتني مهنة السؤال # وعارضت الإدلال بالإذلال ... فذقت من لواعج البلبال # ما لم يكن يخطر لي ببال ... لكن قضى لي الله ذو الجلال # برفدكم، يا كعبة الآمال ... فإن عدا الدهر فما أبالي # وجعل يردد الأبيات بين مطافه، ويلين أعطاف استعطافه. فعاد إلى الشيخ ~~بقدر، وقال: هذا ما قيضه القدر. فإن رضيت وإلا ألحقت الحس بالإس، وأغمضتك ~~عمن يجس أو يحس. فانكفأ الشيخ إلى خلفه، وقال: ليس يلام هارب من حتفه. قال ~~سهيل: فلما خرج قفوته أعتقب، إلى حيث لا مرتقب. وقلت: هيهات أن أطلق سبيلك، ~~أو تعرفني قتيلك قال: هو كتاب ألقاه هذا الشيطان، في بعض زوايا الخان، ~~فمزقه الفأر شذر مذر، وعلاه بالرجس # PageV01P377 # والقذر. وتركني أنوح عليه بزفرات تترى، وأبكي بأجفان شكرى. ثم ناولني ~~لفافة سبنية، وقال: إذا أصبحت فخذها إلى القاضي برسم الهدية. وانطلق يعدو ~~في العراء، ولا يلتفت إلى الوراء. قال: ففضضت تلك الغاشية، وإذا الكتاب ~~فيها كالهشيم فضمته الماشية، وقد علق فيه على الحاشية: # هذا القتيل المهتدى بناره ... جئت إلى القاضي لأخذ ثاره # من جرذ الفندق أو من فاره، ... وهو لحب اللبث في جواره # أوصى بأن ندفنه في داره # فائتمرت بإشارته وأطرفت القاضي بعبارته. فضحك حتى هوت قلنسوته، والتوت ~~عنصوته. وقال: هل لك أن ترده فأحتمل من كرامته، فوق ما احتملت من غرامته؟ ~~قلت: هيهات إنه والعقاب، فرخان في ms114 نقاب وكان ذلك بيننا وسيلة الوداد ~~والترداد، حتى خرجت من تلك البلاد. # PageV01P378 ### | المقامة الرابعة والخمسون وتعرف بالسوادية # حكى سهيل بن عباد قال: خرجت على ناقة أجد كأنها طود أحد. فاندفعت بي تنهب ~~الطريق، وتخترق الشيق والنيق، حتى أشرفت على تنوفة حافلة بالأشائب، مشحونة ~~بالركائب والجنائب. وكانت الشمس قد جنحت إلى مغاربها، فألقيت حبل ناقتي على ~~غاربها. حتى إذا أدركت القوم ملت عنهم بعض الميل، وقلت أخوك أم الليل. ~~قالوا: إن أخاك من آساك، فلا تطل أساك. فلما آنست منهم أنسا طبت قلبا ~~ونفسا. فعرجت إلى المعرس، وقمت بينهم أتفرج وأتفرس. وإذا الخزامي بين قوم ~~قد تأزروا # PageV01P379 # كالعيص، وهم يتعاطون رحيقا كالهصيص، برفد كالأصيص. فلما رآني قال: نور ~~على نور، قد التقى سهيل بالشعرى العبور فبتناها ليلة رقيقة الحواشي، صفيقة ~~الغواشي. حتى إذا جشر السحر، تداعى القوم للسفر. وكانت المزاود قد خفت ~~والمزاد قد جفت فجعلوا يمزجون الإسراء بالمسير، ولا يبالون بابن ثمير أو ~~جمير. وما زالوا يضربون في الآفاق، حتى تبطنوا سواد العراق، فنصبوا ~~السرادق، وانتصبوا حوله كالرزادق. قال: وكان هناك شيخ من علماء البلدين، ~~كان يلم بنا في الأبردين. فدخل يوما إلى فناء المسجد، وإذا الحزامي هناك ~~ينشد: # عاتبوني على القطيعة لما ... طال عهد النوى وطال النفار # قل لهم: إن من يزرني أزره ... كل يوم ومن يزور يزار # PageV01P380 # فتلقاه الشيخ متعرضا، وقال له معترضا: إن إخلال مثلك بالإعراب، مما يعد ~~من الأغراب. فوثب شيخنا السرندي كأنه السبندي، وقال: أجل وسقوط مثلك في ~~الوهم، مما يدق على الفهم. إن كنت أنت الفراء، أو معاذ الهراء، فأين يعود ~~الضمير على مطلق التأخير؟ وكم هي أوجه الشبه في بناء الأسماء، وكم أقسام ~~التنوين عند العلماء؟ وأي لفظ يستوي استعماله اسما وحرفا، ويستعمل في ~~حرفيته ظرفا؟ وأي مضاف ينصب المضاف إليه، ولفظهما لا يطرأ التغيير عليه؟ ~~وأي الأسماء يعرب من مكانين؟ وأيها يحتاج إلى معرفين؟ وأيها يكون في ~~الإعراب والبناء بين بين؟ وأيها يعرب أصله ويبنى فرعه؟ وأيها يمنع من الصرف ~~مفرده وجمعه؟ ms115 وأيها يكون ثلثاه زوائد؟ وأيها لا يبقى منه إلا أصل واحد؟ ~~وأين تقوم أربعة أحرف في الحفظ، وتسقط كلها في اللفظ؟ وكم هي طرق الإعلال، ~~في الأسماء والأفعال؟ قال # PageV01P381 # فأخرد الشيخ من الإعياء، وأقرد من الحياء. فقال الخزامي: ويحك إن كنت من ~~حجارة الحرار، فإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ولقد أجلتك إلى قباقب، ~~عسى أن يتراءى لك النجم الثاقب. فاشتد بالشيخ الوجوم، حتى تعذر أن يفوه ولو ~~بمثل نقيق العلجوم. فلما رأى ماءه ينضب ولونه كحرباء تنضب، رقيت له منه ~~بنات ألبب. فأخذ معه في التلطف والتعطف، ونبذ عنه التصلف والتعسف. فلما ~~خمدت جذوته وأنست جفوته. قال: علم الله ما بي أن # PageV01P383 # أرتج علي، في ما ألقي إلي. ولكن أن يتندد ذلك فتسقط حرمتي، وينصرف الناس ~~عن تكرمتي، فإن شئت أن تقبل هذا الطيلسان حني، وتكتم هذا الشأن عني قال: لا ~~خوف، إني أوفى من عوف وحاشا الله أن أنث لك سرا، أو أغمط منك برا. ثم خرج ~~يميس في طيلسانه كالعطبول، وهو يقول: # قل لمن شئت في العراقين: إني ... قد حباني الإمام بالطيلسان # PageV01P384 # مأرب لا حفاوة من حريص ... رام بالطيلسان طي لسان # قال سهيل: فلما فاء الشيخ إلى فسطاطه، وعلموا ما كان من تبريزه واشتطاطه، ~~وانخذال صاحبه وانحطاطه. باؤوا له بحق الزعامة وبوأوة ذروة الكرامة. فلبث ~~في صحبتهم أياما، لا يتجشم نفقة ولا طعاما. حتى إذا أزمع البين، أدلج لا ~~كسعد القين، وهم يفدونه بسواد القلب والعين. ### | المقامة الخامسة والخمسون وتعرف بالدمياطية # قال سهيل بن عباد: أزمعنا الشخوص إلى دمياط، في ركب من # PageV01P385 # الأنباط. فأعددنا النواطق والصوامت، وأغذذنا حتى كلت بنا الشوامت. وما ~~زلنا نطأ الوعث والجدد، حتى أفضينا إلى البلد. فدخلناه على كل طلوح وقد ~~دلكت دلوح، واغبر لوح اللوح. فلما انجابت وعثاء الخلج وانجلت أغثاء الرهج. ~~برزنا نجر الأردية، حتى مررنا ببعض الأندية. وإذا الخزامي ورجب تليهما ~~امرأة بادية الحدق، منادية بالحرب. فتقدم رجب كالأيهم، وهو قد بسر وتجهم، ~~كأنه من جن جيهم. وقال: حي ms116 الله السادة الذين يحمون الحقيقة، وينسلون ~~الوديقة ويسوقون الوسيقة. إن امرأتي هذه عجوز حمقاء قرثع خرقاء. # PageV01P386 # مترهلة خدبة، خنثلة طرطبة. تلقاني بلمة بيضاء وبشرة سوداء، وعين صفراء، ~~ونكهة دفراء. توشك أن تأكل البعير وتشرب الغدير. وهي على ذلك بذية اللسان، ~~عرية من الإحسان. لا تذكر حرمة ولا تشكر نعمة. تهر كالكلاب وتعوي كالذئاب. ~~إذا استقبلتها لطمث، وإذا أدبرت عنها رجمت. تشدخ بظفر كالمخلب، وتنهش بناب ~~كسنان قعضب. ولقد كانت تلطم بكفها، فصارت تلطس بخفها. وكانت تمنحني الدخول ~~إلى الدار، فصارت تمنعني المبيت حول الجدار. وقد منيت منها بالداء العياء ~~والداهية الدهياء. إن هممت بطلاقها، عجزت عن صداقها. وإن تكلفت عليها ~~الجلد، فلا قرار على زأر من الأسد. فثارت تلك المرأة السفيهة، وقالت: يا ~~للعضيهة قد هتك هذا الوغد # PageV01P387 # أستاري، حتى كأنه جردني من أطماري ويلك يا أنقس، يا ابن الفلنقس أما تذكر ~~عيبك، وريبك؟ وشؤمك، ولؤمك؟ وفاقتك المدقعة، وأسمالك المرقعة؟ تأتيني كل ~~يوم بمعتبة، وما في يدك عنظبة. ثم تجلس على التكرمة، وأنت شامخ الهرثمة. ~~فتأخذ في الأمر والنهي والإيجاب والنفي. وتقول: يا حبذا الإمارة، ولو على ~~الحجارة وزوج من عود، خير من القعود. ساء ما تتوهم، وشاه وجهك الأدهم وليت ~~شعري ما أصنع برجل أبرد من عبقر، وأذل من فقع بقرقر. ليس له ثاغية ولا ~~راغية. ولا عنده حضض ولا بضض. وهو على ذلك أظلم من # PageV01P388 # الخيفقان، وأنقص من الزبر قان. يشبب بالملامظ واللواحظ، وهو أقبح من ~~الجاحظ. ويدعي ببداهة ابن جماعة، على بلاهة بني خزاعة، ويقذف بهجو جرول ولا ~~يعرف أدب الأخطل. ولكن قد # PageV01P389 # جرى القلم ومن أشبه أباه فما ظلم. قال: فثار الشيخ كمن مسه الجنون، ودار ~~حولها كالمنجنون. وقال: يا دفار أما اكتفيت بفعلك مع بعلك، الذي وطئته ~~بنعلك حتى تتعرضي لي بجهلك، وتلحقيني بعار أهلك؟ إن كنت ريحا فقد لاقيت ~~إعصارا، ورب قرارة تسفهت قرارا. ثم اقتحمها فاندفعت ورفسها فانصرعت، ثم ~~قامت # PageV01P392 # فوقعت. وهي تشتم بكل شفة ولسان، وتبربر بما لا يفهمه إنس ولا جان. ms117 فأضحكت ~~القوم كما أضحك الصحابة نعيمان، أو الهدهد جنود سليمان. فقال الشيخ ~~لصاحبها: طلقها بتاتا، لا جمع الله له شتاتا وعلي # PageV01P393 # تحصيل ما تخشى منه الأثقال، ولو كان ألف مثقال. فما نشب أن طلقها كما ~~أشار، وأخذ الشيخ يطوف على القوم وهو يقول: النار، ولا العار حتى إذا فرغ ~~من مسعاه، دفع إليها ضغث مرعاه، وقال: اذهبي فقد أينعت دوحة الصبر، وتمتع ~~المهتاض بالحبر. فقالت: هبلتكما الهوابل، ولا بشرت بمثلكما القوابل "هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فدعهم ~~يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يوم الذي يوعدون". ولما أدبرت تلك الدردبيس، ~~أقبل الشيخ على القوم كالعنتريس. وقال: قد غبر من نوالكم قذعملة لا تقضي ~~أشكلة. فإما أن تستردوها، أو تزيدوها. فرشحوا له ببلالة وقالوا: خذ من ~~القطوف مادنا، وقل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. فانقلب لهجا بحمدهم ~~مبتهجا برفدهم. قال سهيل: فلما باء على حافرته، في أثر زفراته. تعقبته ~~لأعرف تلك الشهربة الطالق، فإذا هي ابنته العاتق. وهي قد نقضت عنها # PageV01P394 # الهرم واستوت كبانة العلم. فعجبت من غرابة حاله، وخلابة محال، واغتنمت ~~صحبته إلى أوان ترحاله. ### | المقامة السادسة والخمسون وتعرف بالإسكندرية # حدث سهيل بن عباد قال: نحونا الإسكندرية من القاهرة، في عفرة صاهرة. فكنا ~~نقيل بياض اليوم ونستبدل السرى من النوم. وبينما نحن في ليلة كالحة الإهاب، ~~حالكة الجلباب، عرض لنا شبح اسود على جمل أقود. فتواثب القوم إليه كبنات ~~طبق، وما لبثوا أن جاؤوا به في الربق. فلما أسفر ابن ذكاء، وانتقب وجه ~~الأفق بالأياء. تفرست في أسيرنا الظلامي، وإذا هو شيخنا الخزامي. وقد تلبد ~~عثنونه كالثرب، وعليه خيعل # PageV01P395 # كطيلسان ابن حرب. فقلت: الله أكبر، قد مدرتم المنبر هذا الخزامي الذي ~~يفيد البهج، ويفدى بالمهج. فتأشب القوم حواليه، وأخذوا يتنصلون إليه. فلما ~~سكن جزعه واستكان زمعه. قال: يا بزاة الليل، وغزاة الليل. أهجمتم على دوسر ~~النعمان، أم # PageV01P396 # على مردة عزوان؟ واقتنصتم سليك المقانب، أم طمعتم بفداء حاجب؟ لقد تقلدتم ~~قلائد عوكل، بهجومكم على ms118 هذا الضيكل، ولكن قد كان ذلك في الرق المنشور، وما ~~الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور. فلما انجلى عليهم بدره، علا لديهم قدره. ~~فأحفوا له في التكرمة، وباؤوا من وحشة الغراب إلى أنس العكرمة. ثم أخذوا في ~~السير الضريج على متن كل إضريج، وهو يؤنسهم في التعريس والتعريج. حتى ألقوا ~~عصا السفر في السرار من صفر. فنزلنا في منزل مأهول، قد بني للمعلوم ~~والمجهول. وأقمنا في ذلك الحواء إلى ليلة السواء. وإذا شيخ قد ناهز العمرين ~~كأنه # PageV01P397 # أحد العمرين فجلس مجلس الفقيه وأخذ ينثر الآلئ من فيه. حتى إذا تمادت به ~~الأشواط في شقة بعيدة النياط. تصدى له رجل قصاقص كأنه فرافص. وأخذ يهيم معه ~~في كل واد، ويتلون كأم الحبين في الأعواد. حتى أفضى الأمر إلى الشقاق، ~~والستر إلى الانشقاق. فقال: إني أراك بين الفقهاء، كالمستعصم بين الخلفاء! ~~إن كنت فقيه العصر فأي رجل صح بيعه أباه واستحق الثمن فاستوفاه؟ وأي غاصب ~~لا يبرأ بالرد على المالك، وأي رجل أتلف شيئا فلزمه # PageV01P398 # شيئان هنالك؟ وأين ترد شهادة مسلمين، وتقبل شهادة ذميين؟ فأطرق الشيخ أي ~~إطراق، واحتبكت عليه المسألة كحبك النطاق. فاستطال الرجل واهتز، وقال: من ~~عز بز. قال: فثار الخزامي كالفنيق العذافر، وعمد إلى ذلك الرجل الظافر. ~~وقال: قد علمت # PageV01P399 # يا شيخ الحرم أن انتهاك الحرم من الحرم. ولقد رأيتك تخوض في المعقول ~~والمنقول، وتمزج الفروع بالأصولو. إن كنت من العلماء، فما هي أنواع ~~الإنساء؟ وبماذا يفرق أهل الدرية، بين الاستعارة والتشبيه وبينها وبين ~~الكناية؟ وما هي المقولات العشر والكليات الخمس، وما هو التناقض في القضايا ~~والعكس؟ فارتبك الرجل في تلك المسائل، # PageV01P400 # ولم يكن عنده طائل ولا نائل. قال: إن كنت قد أنكرت هذه النظائر، فكم ~~طائفة في جناح الطائر؟ فإن كنت قد استخشنت الشرس، فكم دائرة في جلد الفرس؟ ~~فإن رأيت التخفيف أحب، فكم عقدة في ذنب الضب؟ فتخازر الرجل وشزر، وقال: عدا ~~القارض فحزر. ثم # PageV01P401 # غلبت عليه الأنفة، فلم يفه ببنت شفة. ثم شمر ذيله وانقلب وقد تحطم ms119 ~~كالمخشلب. فلما انصاع أخبط من عشواء، وأخيب من قابض على الماء. قال الشيخ: ~~زعم هذا الحبنطى، أن يروعنا بالضبغطى. ولم يدر أن دون ما يأمله نهابر، وهو ~~أفوت من أمس الدابر. فثار إليه ذلك الشيخ الموتور، وقد التألم صدع قلبه ~~المبتور. وقال لا جرم أنك باقعة البواقع، وفلك النسر الواقع، وإني لأراك ~~ضيق الحال على سعة النظر، فخذ هذه الجدوى واستعن بها على مؤونة السفر. قال: ~~وهاك مني وصية تعقد عليها بنانك وتروض بها لسانك. إن العلم إن أكرمته ~~أكرمك، والمال إن أكرمته أهانك. فدارت وصيته في تلك العراص، كما دارت كلمة ~~الإخلاص. فلم # PageV01P402 # يبق في القوم إلا من بض له حجره، وغض عليه شجره. فودعهم وانثنى وهو يسحب ~~ذيل الغنى. ### | المقامة السابعة والخمسون وتعريف بالنجدية # قال سهيل بن عباد: عبثت بي لواعج الوجد، إلى زيارة نجد. فتسنمت الأكوار، ~~وطويت الأنجاد والأغوار. حتى نقعت بحلولها غلتي بعد اللتيا والتي. فلما سرت ~~عني وعكة السرى، وقضت أجفاني وطر الكرى. قمت أطوف الحلة بعد الحلة وأتفقد ~~الأحياء المشمعلة. حتى إذا كنت صبيحة يوم، بمنتدى زعيم القوم. وفد شيخ أوهى ~~من الشبام، يليه فتى أشهى من البشام. فجثم الشيخ # PageV01P403 # محقوقفا وانتصب الفتى محصوصفا. وقال: أعز الله الوالي، وأذل له أعناق ~~الموالي، إن هذا الشيخ قد استعبدني منذ عام، كما تستعبد أولاد حام. وهو ~~عبيد فلسه، لا يقوم بميرة نفسه. فتراه ألام من أسلم. وأحمق من عجل، وأقلق ~~من الحجل، في الرجل. بيد أنه ملاق مذاق سفساف شقشاق. لا يزال يهذر ويهذرم، ~~ويبربر ويدمدم. ويلغو بالكلم الجاهلية، ويعبث بالتمويهات الخزعبلية. إذا ~~طلبت منه قطعة، أنشدني أبياتا سبعة. وإذا قلت: لي مسألة، قال: هات الدواة ~~والمرملة. وإذا التمست منه الصرف، جاءني بألف حر. وهو يتأنق بهجن جامدة، من ~~لغة العرب البائدة، # PageV01P404 # ليس لها طلاوة ولا فائدة. فثار الشيخ كالمعتوه، وقد أزبد فوه. وقال: بهرا ~~لك يا عفنقس، يا ماقط الأنقس متى تشدقت بهذه الشغاشغ، وتمطقت بهذه الضغاضغ؟ ~~ذرعنك هاتي الجعظرة الخضمة، والفظاظة المضلخمة. وإلا قفخت ms120 رأسك العفنجج، ~~ولو كنت حفيد العر نجج. قال: فضحك القوم من هذا التنصل، الذي يشهد للتهمة ~~بالتأصل. وكان بينهم رجل أضجم، فتبازخ كالتيار الأعجم. وقال: إني أراك في ~~العربية راسخ القدم، فهل تعرف أيام الأسبوع في القدم؟ فتخازر تخازر القيان، ~~ثم قال: جرى ابنا عيان فاستجل البيان. وأنشد: # لأول الأسبوع قيل أوهد ... في قدم الدهر وأهون الغد # PageV01P405 # ثم جبار بعده دبار ... مؤنس عروبة شيار # قال: لا تربت يداك، ولا طربت عداك إن كنت تعرف ألقاب الشهور، فأنت العلم ~~المشهور. فاكتام واشرأب ثم جثم واستستب. وأنشد: # مؤتمر وناجر خوان ... من لقب الأشهر والصوان # زباء بائد أصم واغل ... وبعد ذاك باطل وعاذل # ورنة وتيرك الختام ... وقيل غير ذاك والسلام # قال: لله درك ما أبعد غورك، وأقرب نورك فاختم بذكر الأشهر # PageV01P406 # الحرم، إن كنت ممن أتم فاكرم. فقال: اللهم اجعلنا ممن حسن ختامه، وانجلى ~~قتامه. ثم أنشد: # ثلاثة من الشهور سرد ... وواحد عقيب ذاك فرد # ذو قعدة وحجة محرم ... ورجب وهي الشهور الحرم # قال: فلما رأى القوم اتساع روايته، وارتفاع رايته. علموا أنه صل أصلال ~~فنظروا إليه بعين الإجلال. ولما رأى إقبالهم عليه، وارتياحهم إليه. قال: يا ~~جهابذة اليلامع، وهرابدة المعامع. علم الله أني لست بجعد الكف، كما يزعم ~~هذا الهجف. ولكن قد أناخ الدهر علي بكلكله، وأخنى علي الهرم بأفكله. فلم ~~يبق لي عافطة ولا نافطة. وصرت أسغب من السيدان، بعدما كنت أقري الهيدان ~~والزيدان. ولو # PageV01P407 # استطعت أن أقوم بأمري، لأطلقت هذا الفتى من أسري. ولكنني ما زلت أعلل ~~نفسي بالمنى، وأمنية بالغنى. لعل الله يقيض لي فتحا قريبا أو يكتب لي ~~بمثلكم نصيبا. قال: استعذب القوم كلامه، واستعذروا غلامه. وقالوا: قد كتب ~~ربك على نفسه الرحمة، لكن ما كل سوداء تمرة ولا كل بيضاء شحمة. فإن الناس ~~قد لؤموا وجشعوا، حتى لو سئلوا التراب أو شكوا أن يملوا ويمنعوا. فإن شئت ~~أن تجاورنا غابر هذه الشيبة، وتكتفي ذل السؤال وغصة الخيبة. وإلا فخذ هذه ~~النحلة، واعتمد الرحلة. قال: حبذا جواركم لولا ms121 ضفف خلفت، وموعد أخلفت. ~~فوصلوه كل واحد بدينار، وارحلوه ناقة ذات سفار. قال سهيل: وكنت قد تنسمت ~~ريح خزامه، وظلفت نفسي عن التزامه. لما شق العصا خرجت في أثره، حتى صرت ~~بمرمى بصره. فقال: أنت من المولدين في هذا الزمان، لا تعرف لغة يعرب بن ~~قحطان، # PageV01P408 # فعد إلى أن يصادفنا ترجمان. ثم انسدر يعدو كالظليم وغادرني كالسليم. فعدت ~~وأنا أعجب من فنونه، في جده ومجونه. ### | المقامة الثامنة والخمسون وتعرف بالعكاضية # قال سهيل بن عباد: خرجت للتجارة في البوادي، مع صاحب كسلام الحادي. فكان ~~يطربني بحدائه الأنيق ويحبب إلي طول الطريق. وما زلنا نطوي بساط الفجاج، ~~وننشر لواء العجاج. حتى أتينا سوق عكاظ، في هاجرة كالشواظ. فانخنا كهشيم ~~المحتظر وإذا الناس كالجراد المنتشر. وقد أخذ بعضهم في المناشدة # PageV01P409 # والملاجزة، وبعضهم في المحاجاة والمعاجزة، وبعضهم في المفاكهة والمجازرة. ~~فجعلنا نطوف بين تلك الطوائف، ونجتني القطائف واللطائف. حتى مررنا بلفيف من ~~نواصي العرب، وإذا الخزامي بينهم ورجب. وهما قد أخذا في المباراة ~~والمحاورة، والمجاراة والمساورة. حتى مالت إليهما كل صاغية، وتفتقت لهما كل ~~فاغية. فلما رأى الشيخ انصباب الناس إليهما، وانصيابهم عليهما. اخرنشم ~~واخرنطم، واندفق على صاحبه كالغطمطم، وقال: ويلك يا أبرد من حرجف، وأيبس من ~~حرشف قد أردت أن تطاول السمهرية، بالسندرية. وتطارد العناجيج، بالحراجيج، ~~فإما أن تسلبي أطماري اليوم، وإما أن أجردك بين القوم. قال: اشحذ غرارك يا ~~شيخ النار، واستهد لسهام العار قال: إن كنت # PageV01P410 # من الأدباء، فما قيود الأبناء، باعتبار ضروب الآباء؟ قال: قد ناديت ~~مجيبا، وعاديت نجيبا. ثم أنشد: # للخيل مهر وحوار للجمل ... والجدي للمعزي وللشاه الحمل # والعجل للثور وللحمير ... عفو، كذا الخنوص للخنزير # وشبل ليث ولضبع رعل ... وجرو كلب ولفيل دغفل # غفر لو عل وفرار للفرا ... كذاك يعفور مهاة ذكرا # وخرنق لأرنب، وتتفل ... لثعلب، ولابن آوى نوفل # طلا الغزال ديسم للدب ... جارن حية وحسل الضب # وشقذ حرباء كذا للنمل ... ذر، وجاء هرنع للقمل # قر الدجاج، الرأل للنعام ... غطريف باز جوزل الحمام # للكروان الليل، والحباري ... قد ذكروا لفرخها ms122 النهارا # وللعقاب ضرم، والحجل ... للفرج منها سلك يستعمل # والدرص للهرة واليربوع ... والفأر جاريا على الجميع # قال: قد أحكمت السداد، وإن كنت سبد أسباد. فما هي أصابع الراحة، وما ~~بينهن من المساحة؟ قال: راجل يسابق الفارس، ومحترس من # PageV01P411 # كيده وهو حارس. ثم أنشد: # قل: أول الأصابع الإبهام ... وبعدها سبابة تقام # وبعدها الوسطى، يليها البنصر ... وبعدها الصغرى أخيرا خنصر # وبين إبهام وصغرى شبر ... وما إلى سبابة ففتر # وبين ذات الفتر والوسطى رتب ... وبين ذي الوسطى وبنصر عتب # والبصم بين خنصر ومايلي ... وبين كلهن فوت الخلل # قال: إن عرفت مراتب النبات، أنت من ثبات الثبات. ضحك حتى زجا، وقال: قد ~~أشرقتني بالشجا. ثم أنشد: # أول نبت الأرض بأرض إذا ... لم يتميز، والجميم بعد ذا # وبعده البسرة الصمعاء ... ثم الكلا، فلتحظ الأسماء # فلما فرغ من إنشاده أحجم الشيخ القهقرى، فازدلف إليه يمشي # PageV01P412 # الخيزري. وقال زعمت يا شيخ مهو، أن البلاغة باللهو، وأن المخدرات ي ~~البهو. فاخلع إذا ما عليك حتى نعليك. وإلا وقصت جيدك حتى الكاهل، ولو كنت ~~من العباهل. ثم أخذ بحبل وريده وأصر على تجريده. فجعل الشيخ يدور كاللولب، ~~ويرفس كالتولب، والفتى يتعلق بثيابه، ويحول دون انسيابه. فأخذت القوم ~~الأنفة، وساءتهم تلك الهجنة المؤتنفة، والمعرة المكتنفة. وقالوا: نحن نفدي ~~هذه الذعاليب، بقشب الجلابيب. فخل عنك العنف، ولا تبله بمطفئة الرضف. قال: ~~علم الله ليس # PageV01P413 # من وسني هذه الأطمار، ولكن أريد تأديبه بالخزي والشنار لا يلج بعد ذلك في ~~مثل هذا الباب، ويلقي نفسه بين المخلب والناب فتصر عليه رجل الغراب. قالوا: ~~إن عندنا من الفروض، شراء الأعراض بالعروض. على أن تكون ناصح الجيب، في ~~الشهادة والغيب، فلا تسود وجه الشيب. ثم جاؤوه بحلة وضرة، وقالوا: إن في ~~ذلك لأعينكما قرة، والله لا يضيع مثقال ذرة. فاضطبنهما وقال: قد دبر القوم ~~تدبير من طب لمن حب، فادرج أيها القرشب، وخل درج الضب. فتعلق به وقال: إنك ~~بي قد وصلت إلى ما وصلت، وحصلت على ما حصلت. فهلم نقتسم شق الأبلمة # PageV01P414 # ولا يسمع الناس ms123 لنا أيلمة. قال: هذا البحر فاغترف، وإلا فانصرف، فانتشب ~~بينهما الجذب والدفع، حتى أفضى ذلك إلى الصفع. فرثى القوم لشيخه الجلحاب، ~~وأمطروه كسفا من سحاب. وقالوا: باءت عرار بكحل، فدونكما الرحل، وحسبكما ~~الضحل. فقالا: شاعكم السلام، وانطلقا بسلام. ### | المقامة التاسعة والخمسون وتعرف بالمكية # حدث سهيل بن عباد قال: قدمت مكة، في ليلة عكة، فنزلت ببكة. ولما أصبحنا ~~كان يوم طلق، حسن الخلق والخلق. فجعلت أتفقد المناسك والمشاعر، وأتردد بين ~~العشائر # PageV01P415 # والمعاشر. فبينما أنا أستشرف وجه الدو، كأنني زرقاء جو. رأيت ركبا يمشون ~~الهرجلة على مطايا همرجلة. فناجتني القرونة أنهم الخزامي وصاحباه، حتى ~~ازدلفوا فإذا هما هما وإذا هو إياه. فوجدت ما يجد من بشر بالماء، على فورة ~~الظماء. وابتدرت إليه كالغداف، فالتقاني كفارس خصاف. واعتنقنا حتى صرنا في ~~التزامنا الدرجي كأننا المركب المزجي. ثم تبوأنا صهوات الخيل، # PageV01P416 # وأتينا المدينة في ناشئة الليل. كان يومئذ قد أذن في الناس بالحج، فأتوا ~~رجالا وعلى كل ضامر من كل فج. فلبثنا يوما أو بعض يوم، نطو بمحافل القوم. ~~حتى مررنا بلفيف مقرون كأمثال اللؤلؤ المكنون. لما وقف الشيخ بهم قال: ~~سلاما، ثم قام أمامهم إماما. وقال: الحمد لله الذي أمر بحج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا، ووعد عباده المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار وعينا تسمى ~~سلسبيلا. أما بعد يا معاشر العرب الكرام، وحجاج البيت الحرام. فإن الله لا ~~يرضى بالوذائم والضحايا ممن أصر على الخطايا. ولا بزيارة الحرمين ممن فاه ~~بالنميمة والمين. ولا باستلام الحجر، ممن طغى وفجر. ولا بالطواف حول البيت، ~~من نشاوي الكميت. ولا برمي الجمار، من ذوي الشحناء والأغمار. إن الله ينظر ~~إلى السرائر المكمنة، لا إلى الشفاه والألسنة. وإن حج القلوب خير من حج ~~الأقدام، ولبس التقوى ذلك خير من لباس الإحرام. فاعبدوا الله مخلصين له ~~الدين، ولا تكونوا ممن يعبده على حر فذلك هو الضلال المبين. # PageV01P417 # واذكروا أن الزمان ريح قلب والدنيا برق خلب. والحياة سحاب جهام، والحمام ~~ليث حمام. فلا تغتروا برهرهة الآل ولا يذهلكم الحال، ms124 عن المآل. وإذا جردتم ~~أنفسكم للاعتكاف وتجردتم للطواف. فقولوا: لبيك يا من يدعو إلى دار السلام، ~~ولك الحمد الذي لا ينفد ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام. اللهم يا مجيب ~~السؤال ورحيب النوال، ومنجح الآمال ومصلح الأعمال. تقبل جدنا وجهدنا، واغفر ~~سهونا وعمدنا. ولا ترض العج والثج ممن حج منا أو دج. واطبع قلوبنا على ~~محبتك المخلصة، وطاعتك المخلصة. واعصمنا بألطافك وقواك، ولا تكلنا إلى ~~أمداد سواك. اللهم يا جزيل الثواب، وقابل كل أواب. ولا تقصنا عن وجهك ~~الميمون، يوم لا ينفع مال ولا بنون. وآتنا كتبنا بأيماننا وكر أعمالنا ~~بإيماننا. ولا تحاسبنا حسابا عسيرا، ولا تجعلنا ممن يضحكون قليلا ويبكون ~~كثيرا. اللهم يا سابغ الآلاء ونابغ # PageV01P418 # الإيلاء. هب لنا قلوبا طاهرة، وعيونا ساهرة. وأنفسا عفيفة وألسنا حصيفة. ~~وأخلاقا سليمة ونيات مستقيمة. ويسر لنا توبة صادقة، وندامة حاذقة. وسيرة ~~هادية، وعيشة راضية. وعاقبة حميدة وخاتمة سعيدة. وأفض علينا نعمتك، ورحمتك. ~~ولطفك، وعطفك. وهداك ونداك. واجعل حجنا مبرورا، وذنبنا مغفورا. وأحصنا مع ~~أصحاب اليمين، في فردوسك الأمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. قال: فلما فرغ ~~من دعائه، انثنى إلى ورائه. فحال القوم دون مسربه، لعذوبة مشربه. وقالوا ~~له: بورك فيك، ما أحلى نفثات فيك! فهيهات أن تبرح من بيننا، قبل بيننا. ~~قال: إني إلى ما تريدون أقرب من حبل الوريد، وأجرى من خيل البريد. ثم انقاد ~~إلى مربضه وعاد إلى معرضه. فتأشب القوم عليه كدوح البريص، وبذلوا ي صحبته ~~جهد الحريص. وأقام يطرفهم بالملح المستعذبة، والنوادر المستغربة. ويجلو ~~عليهم الخطب المنبهة والزواجر المنهنهه. ويقدمهم بالأدعية، وهم يجاوبونه ~~كالمستفقهة. # PageV01P419 # حتى انقضت أيام الشعث وقضوا شعائر التفث. فشرقوا وغرب وتفرقوا تحت كل ~~كوكب. ### | المقامة الستون وتعرف بالقدسية # قال سهيل بن عباد: لقيت أبا ليلى في المسجد الأقصى، بين جمهور لا يحصى. ~~والناس قد تألبوا عليه كالأجربين، وأحاطوا به كالأخشبين. وهو يخاطبهم ~~بالوعظ والإنذار، ويحذرهم عذاب النار وسوء عقبى الدار. حتى صارت مدامعهم ~~تصوب، وكادت أكبادهم تذوب. فلما رآني تحز وهو قد استوفز. ms125 فانقضضت إليه ~~كالأجدل، وسقطت عليه كالجندل. فحياني تحية الأحبة، ثم استأنف الخطبة، فقال: ~~الحمد لله الذي جعل حرمه أمنا للعباد ومقاما للعباد. وهو الذي خلق فسوى ~~وقدر فهدى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيي. والذي جعل الأرض مهادا، والجبال ~~أوتادا # PageV01P420 # وبنى فوقكم سبعا شدادا. والذي مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لم ~~يبغيان وهو كل يوم في شأن. لا إله إلا هو الفرد الصمد الذي لا يلد ولم ~~يولد، ولم يكن له كفؤا أحد. سبحانه وريحانه ما أعظم قدرته وشأنه، وأوسع ~~منته وإحسانه. أما بعد فإنني قد قمت فيكم مقام الفقيه الخاطب، وهي صفقة لم ~~يشهدها حاطب. فإني طالما ارتكبت الأوزار، وتبطنت الأقذار. واجترحت المغارم، ~~واستبحت المحارم. وانتهكت الأعراض فسودت منها كل بياض. وما زال ذلك دأبي مذ ~~شببت، إلى أن دببت. فليس لي أن أعظ أحدا ولا أفوه بخطبه أبدا. وعلي أن أقصر ~~درسي على وعظ نفسي. وها أنا قد اعتمدت الأوبة، واعتصمت بالتوبة. فادعو الله ~~لي أن يأخذني بحلمه، ولا يحكمه. ويعاملني بفضله لا بعدله. ثم أخذ في الأجبج ~~والضجيج، وجعل يراوح بين # PageV01P421 # النحيب والنشيج. حتى أبكى من حضر، من البدو والحضر. فأخذ القوم في تسكين ~~ارتعاشه، وتمكين انتعاشه. حتى خمدت لوعته وهمدت روعته. فحباه كل واحد ~~بدينار، وقال: أدع ربك لي واستغفره بالأسحار. قال إني قد تجردت عن عرض ~~الدنيا، إلى الغاية القصيا، فلا أقبل منه مثقال ذرة ما دمت أحيي. ثم نهض بي ~~مكبرا، وولى مدبرا. فبات بليل أنقد يساهر الفرقد. وهو لا يفتر من ذكر الله، ~~ولا يمل من الصلوة حتى إذا أخذت الدراري في الأفول، قام على مرقبة وأنشأ ~~يقول: # قم في الدجى يا أيها المتعبد ... حتى متى فوق الأسرة ترقد # قم وادع مولاك الذي خلق الدجى ... والصبح وامض فقد دعاك المسجد # واستغفر الله العظيم بذلة ... واطلب رضاه فإنه لا يحقد # واندم على ما فات واندب ما مضى ... بالأمس واذكر ما يجيء به الغد # واضرع وقل يا رب عفوك إنني ... من دون عفوك ليس لي ما يعضد ms126 # أسفا على عمري الذي ضيعته ... تحت الذنوب وأنت فوقي ترصد # يا رب لم أحسب مرارة مصدر ... عن زلة قد طاب منها المورد # يا رب قد ثقلت علي كبائر ... بإزاء عيني لم تزل تتردد # PageV01P422 # يا رب إن أبعدت عنك فإن لي ... طمعا برحمتك التي لا تبعد # يا رب قد عبث البياض بلمتي ... لكن وجهي بالمعاصي أسود # يا رب قد ضاع الزمان وليس لي ... في طاعة أو ترك معصية يد # يا رب مالي غير لطفك ملجأ ... ولعلني عن بابه لا أطرد # يا رب هب لي توبة أقضي بها ... دينا علي به جلالك يشهد # أنت الخبير يحال عبدك إنه ... بسلاسل الوزر الثقيل مقيد # أنت المجيب لكل داع يلتجي ... أنت المجير لكل من يستنجد # من أي بحر غير بحرك نستقي ... ولأي باب غير بابك نقصد # قال سهيل: فلما فرغ من أبياته غاص في التهليل والتحميد، والترتيل ~~والتجويد، حتى تهات من وجده وكاد يغيب عن رشده. عجبت من استحالة حاله ~~وأيقنت بحووله عن محاله. ولبث عنده شهرا، أجتني من روضه زهرا، وأجتلي من ~~أفقه زهرا. إلى أن حم الفراق، وقال ناعبه غاق: فاعتنقني مودعا، ثم سايرني ~~مشيعا. وقال: موعدنا دار البقاء، فكان ذلك آخر عهدنا باللقاء. # PageV01P423 # قال مؤلفه الفقير: # هذا آخر ما علقته من الأحاديث الملفقة كما فتحت علي القريحة المغلقة. ~~وأنا ألتمس ممن سلمت بصيرته وطابت سريرته. أن يغض الطرف عما يرى من الإخلال ~~والإجحاف، وأن ينظر إلي بعين الحلم والإنصاف. فإني قد تلقيت هذه الصناعة من ~~باب التطفل والهجوم، إذ لم أقف على أستاذ قط في علم من العلوم. وإنما تلقفت ~~ما تلقفته بجهد المطالعة وأدركت ما أدركته بتكرار المراجعة. فإن أصبت فرمية ~~من غير رام وإن أخطأت فلي معذرة عند الكرام. والله المسؤول أن يحسن خواتمنا ~~اللاحقة، كما أحسن فواتحنا السابقة. إنه ولي الإجابة، وإليه الإنابة، ~~والحمد لله أولا وآخرا. # وكان الفراغ من تبييضه في شهر نيسان سنة ألف وثماني مائة وخمس وخمسين ~~للمسيح. PageV01P424 ms127