######OpenITI# #META# URI: 1290FransisMarrash.GhayatHaqq.Hindawi83858057 #META# Tags: novels #META# ID: 83858057 #META# Title: غابة الحق #META# AuthorID: 90906851 #META# Author: فرنسيس فتح الله مَرَّاش #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - الحلم‏ # 2 - الهواجس‏ # 3 - مملكة الروح‏ # 4 - السياسة والمملكة‏ # 5 - التمدن‏ # 6 - قواد الشر‏ # 7 - المحاكمة‏ # 8 - اليقظة‏ # مقدمة‏ # 1 - الحلم‏ # 2 - الهواجس‏ # 3 - مملكة الروح‏ # 4 - السياسة والمملكة‏ # 5 - التمدن‏ # 6 - قواد الشر‏ # 7 - المحاكمة‏ # 8 - اليقظة‏ # | غابة الحق # | غابة الحق # تأليف # فرنسيس فتح الله مراش # | مقدمة # إنني بينما كنت ذات ليلة ضاربا في أودية التأملات العقلية، وطائرا على أجنحة الأفكار ~~المتبلبلة في جو الهواجس والأحلام التخيلية، وإذا قد انفتح لدى أعين خواطري مشهد عجيب ~~تلعب فيه أشباح الأعصار السالفة، وترن في هوائه نغمات الشعوب الغابرة من وراء حجب ~~التواريخ الخالدة؛ فرأيت ممالك العالم القديم تتعالى إلى أوج العظمة والكرامة، وترتقي إلى ~~سدرة الآداب والتهذيب حيثما ينتهي مجد الإنسان النازل من الخليقة منزلة الأول من ~~العدد. # فبينما كنت أرى المصريين مشتغلين بتهذيب الفلاحة والزراعة وتربية العلم وصناعة الأيدي، ~~والآثوريين مجدين في اختراع ظرافة المشادات والأبنية، والفينيقيين آخذين بتوسيع المتاجر ~~وشق عباب البحار وتقريب صلة الهيئة الاجتماعية؛ وإذا راية فارس مقبلة من بعيد حاملة شمسها ~~الساطعة وأسدها الزائر، وهي تخفق على رءوس جيش عرمرمي يتموج فوق صهوات الخيول الصاهلة ~~التي كلما كانت تضرب بحوافرها أديم الأرض، كانت تثير غبارا يلقي وخط الشيب على هامة الزمان ~~وينسج برده الأشهب لجسد التاريخ. # وهكذا لم يزل يتقدم ذلك الجيش الجرار تحت الراية الخافقة، إلى أن مد بساط سطوته على كل ~~أولئك الشعوب الذين كانوا يرفلون في حلل الثروة والنعيم؛ فأحنى كل ركبة لدى تلك النار ~~الفارسية، وأهال كل قلب بطلعة ذلك الأسد السائد. # وما برحت دولة فارس ممتعة بتلك الأراضي المحروسة وذاك الغنى الوافر، حتى برزت عساكر ~~مكدونية وأحدقت من كل جانب تحت بيارق الإقدام والبسالة، مثيرة لهب الحروب الهائلة، إلى أن ~~ظفرت بجميع هاتيك الممالك، وأخمدت نار فارس، ولم يزل الصولجان المكدوني يفرع تقدما ~~ونجاحا، وميدان ملكه يتسع بالسطوة والاقتدار إلى أن رأيت نسر الرومانيين صاعدا من الشمال ~~وهو يخفق بأجنحة النصر والظفر، منقضا على جميع ما امتلكه المكدونيون من ms01 تلك الممالك ~~الواسعة والبقاع الشاسعة؛ وهكذا قد بسط جناحيه وخيم على العالم؛ فانتصب لدى أعيني حينئذ ~~قوس النصر الروماني في وسط ساحة الدنيا، وعدت أرى جميع شعوب الأرض تتقاطر أفواجا أفواجا، ~~وتمر تحت ذلك القوس العظيم إشارة للخضوع والطاعة، وما برحت تلك الدولة العجيبة تمتد وتتسع ~~بالغلبة والجبروت إلى أن انفطرت إلى شطرين عظيمين؛ فكان الأول شرقيا، والثاني غربيا، ~~فأخذ ذاك يتعاقب بين ارتفاع وهبوط تحت رحمة الأقدار، وهذا يتشعب ويتفرع إلى جملة ممالك ~~وولايات تحت اختلاف الأطوار، ولم تزل تحصحص لأعين فكرتي تلك الظواهر، إلى أن انفتح أخيرا ~~لدى أبصار بصيرتي باب رحب مكتوب على قنطرته: «العقل يحكم» ومنه عاينت برية فسيحة ~~جدا. # ولاح لي عن بعد بيرق يخفق مقتربا؛ فوضعت نظارة الاختبار وأمعنت النظر فرأيت مكتوبا به ~~«العلم يغلب»، وظهر لي حينئذ من ورائه جيوش التمدن الزاهر ممتطية متون الاختراعات ~~العجيبة والمعارف الكاملة، وهي تخطر متموجة بأنوار أسلحة الحكمة والعدل، متدرعة بدروع ~~الحرية الإنسانية والخلوص المحض، ورأيت أمام هذه الجيوش المظفرة تتراكض ممالك الظلام مع ~~كافة أجنادها، ناكصة على أعقاب القهقرة والانكسار، وهي تزاحم بعضها البعض إلى الهبوط في لجج ~~العدم والاضمحلال حيثما لا حركة ولا صوت؛ وهكذا مدت دولة العقل قوتها على كل بقعة ومكان، ~~وعم السلام على كافة المسكونة. # وبينما أنا مشمول بشمول هذه المرئيات التصورية في هذا العالم الفكري، ثمل بما أشاهد في ~~هذا المرسح الجديد الذي تتلامع به شموس هذا العصر الحديث، وإذ قد ظهر لي من وراء الأفق ~~الغربي دخان كثيف مدلهم، وأخذت آذاني تسمع لغطا آتيا من بعيد يشبه لعلعة رعد شاسع، ~~وكادت حينئذ نواظري تستلمح تلامع أسلحة الحرب، وإذ داخلني روح العجب لما عاينت من ~~المنقلب، نادتني أصوات الأخبار الشائعة قائلة: هو ذا العالم الجديد (أمريكا) قد رفض قبول ~~شريعة التعبد؛ ولذلك قد نهض ضد هذه العادة الخشنة بالأسلحة والنار إذ لم يعد يحتمل وجود ~~بقية لدولة التوحش على سطح الأرض، وها دخان المواقع يبرقع وجه السماء، وتموجات رعود المدافع ~~تنفتح ms02 في كتلة الهواء. فعندما استوعبت هذه الحوادث ووفيت التمعن حقه؛ تلاعبت يد الاضطراب في ~~جهاز الحياة ، ومالت الأعضاء إلى الارتياح، ولم أزل فريسة ترتعد بين مخالب تلك الانفعالات ~~إلى أن أخذتني سنة المنام، وانفتح لدى أعيني مرسح الأحلام. # الفصل الأول # | الحلم # ولما غمرتني لجج الرقاد؛ وجدت ذاتي أتخطر في برية واسعة، وكان يظهر لي عن بعد غابة عظيمة ~~ذات أشجار ضخمة عالية، بأغصان متكاثفة الأوراق ملتفة بعضها على بعض، بنوع أنه لا يمكن ~~لأشعة الشمس أن تخترق قبابها الشاهقة إلى كبد السماء لكثرة تلبدها الشديد، وهي تفرش على ~~الأرض بساطا ثخينا من ذلك الظل الذي لا يتقلص. # وبعد أن أجهدت المسير إلى أن تبطنت هذه الغابة، رأيت نفسي من ثم محاطا بسكوت عميق ~~يتخلله من فترة إلى أخرى هدير مبهم يشبه دوي غدير متدفق ممزوج ببعض زمرات من وحوش الغاب، ~~أو تغريدات من طائر السماء؛ فأخذت أتتبع هذا الصوت الذي يظهر كأنه ينعي ألم الوحدة أو يبث ~~شكوى الفراق، ولم أزل مهتديا به إلى أصله وأنا أركض تارة وأتوقف أخرى إلى أن انتهى بي ~~الجد إلى فسحة فسيحة واقعة في جوف تلك الغابة، ومحاطة بسياج من أعظم الأشجار، وهناك رفعت ~~نظري فرأيت السماء حينئذ واقعة على تلك الفسحة المحاطة بذلك الشجر الهائل وقوع قبة من زجاج ~~على عمد وقناطر من زبرجد، وإذ أطلقت نظري قليلا وجدت صخرة منفردة القيام مائلة على ناحية ~~يتدفق من أسفلها غدير عظيم تدفقا يسابق الطير سرعة، وهو يتشعب إلى جوار تذهب متشتتة في ~~أقطار ذلك الحرش تاركة عند انفصالها صياحا وأنينا موجعين. # وبينما كنت شاخصا في هذا المشهد البهيج، ومتأملا بما تصنعه الطبيعة من الفلتات الغريبة؛ ~~وإذا بعاصف من الريح قد نهض من سكناته، وهب هبوبا كاد أن يقتلع جميع الغابة ويطير بها إلى ~~أعالي الجبال الشامخة. # نفضت نواظري إذ ذاك لدى تلك الزوبعة الطائرة خوفا من لذع غبارها الثائر، ولما فتحت ~~أجفاني رأيت عرشين منتصبين أمامي على الفور كأنهما مصاغان من الذهب الإبريز، وهما ms03 ~~مرصعان بأفخر الأحجار الكريمة، ووضعهما كان قريبا من تلك الصخرة وذلك الغدير، وفي كل ~~منهما لمحت شخصا جالسا وعليه من اللياقة والكمال ما لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب ~~بشر. # أما الشخص الأول: فكان رجلا مكتسيا حلة أرجوانية تتلامع كأنوار الضحى، وفي يده اليمنى صولجان ~~طويل، وقابض باليسرى على رقعة مطوية بغير نظام وهو معتقل سيفا ذا شفرتين، ~~وعلى رأسه تاج مكتوب على إكليله: «يعيش ملك الحرية.» وكانت عيناه تتناثر شررا ~~وهو عاقد الحاجبين مقطب الوجه؛ بحيث يتضح للناظر كونه منفعلا بنوبة عظيمة من ~~الغضب لأمور تدخل في سياسته، وكان شاخصا في نقطة من الأفق يتصاعد منها دخان ~~وقتام. # وأما الشخص الثاني: فكان امرأة، وعلى ما بان لي أنها زوجة الأول، وهذه المرأة قد كانت ذات وجه ~~بيضي الشكل، يلوح عليه حسن بلغ أعلى درجة من سلم الجمال، بأعين تتلامع بأنوار ~~الحور على سواد الكحل، وأجفن كأنها سكرى بخمرة الفتور ومأخوذة بسحر الغزل، ~~وحواجب كأنها صورت بقلم رافائيل أو نقشت بإزميل ميخائيل قد جمعت بين ~~الاقتران والزجج، جمع جبينها بين السعة والبلج، ورأسها متوج بشعر مسترسل ~~يترامى على أقدامها كطالب شفاعة بهيئة تكل عن إحاطة تشخيصها الصناعة، وسواد ~~يتموج بسنا الصقال اللامع كالليل الذي يخامره ضياء الفجر الساطع وهو مزنر ~~بإكليل من الذهب والغار علامة للظفر والانتصار، وكأن وجنتيها صفحتا لجين ~~قد اندفع إليهما نور الشفق، وكأن جيدها ومباسمها كشقيق أخذ ينفتح إذا ما الصبح ~~انفلق، وكأن جيدها صيغ من بلور لطيف يعلو على صدر يحمل كرتي مرمر نظيف. أما ~~معاصمها فقد كانت لدوائر الأساور مراكز ترسل أقطارا متساوية الاتصال، وكذلك ~~أرساغ أقدامها كانت تملأ الخلخال. أما لباسها فقد كان جامعا لكل الاحتشام؛ ~~بحيث لم يكن سوى جلباب عريض حريري النسج يحيط بجميع قوامها من العنق إلى ~~الأقدام، مزرورا على صدرها، ومستدقا عند معاطفها المحاطة به كنطاق، ومن هناك ~~يأخذ بالاتساع إلى أسفل بدون أن يبدي مشهد قبة عظيمة. # وبينما كنت أنظر إليها نظر المندهش الحيران؛ مأخوذا بخمرة ms04 ذلك الجمال البديع، مضطربا ~~بوقوع تأثيراته على قلبي الذي كنت أضغطه بيدي خوفا لئلا يطير شعاعا ؛ إذ لاح لي سطر من ~~أحرف نارية على إكليلها الذهبي يعلن: «هكذا تحيا ملكة الحكمة.» # وإذ شرعت أتأمل بعد تلاوة تلك الأحرف في أبهة هذه الملكة المتواضعة رأيت جبينها زاهرا ~~بأنوار النباهة والذكاء، وأعينها متقدة بأشعة التعقل والفطنة، وأصداغها منتفخة بالحزم ~~والرشد وهي تبتسم بالبشاشة والوقار، ملتفتة إلى ذلك الملك الغضبان التفاتا يرسم شكل القمر ~~في الليلة الإحدى عشر، ومنحنية أمامه بأيد منبسطة تستميل خاطره وتستعطف قلبه بكلام يقع في ~~السمع وقوع الدر في الصدف، فسمعتها تقول له هكذا: نعم يجب التغاضي عن هذا الملك الظالم ~~الذي لا يبرح مجتهدا في زرع زوان الخشونة والتوحش في حقل مملكتنا ذات التمدن والتهذيب، ~~ولا ينبغي الإضراب عن استئصال كل أعوانه وأنصاره الذين يلبسون جلود الحملان، وينشرون ما ~~بين خراف رعايانا كلما غفلت عنهم أعين التيقظ والانتباه، واضعين على وجوههم براقع المكر ~~والخديعة حتى إذا ما تمكنوا من استعطافهم بقوة الاحتيال يأخذون حينئذ بإفساد ضمائرهم ~~السليمة، مظهرين لهم شرف التعبد لملكهم وما به من الفوائد والمنافع إلى أن يطرحوهم ~~أخيرا بأيدي ذئاب عبوديته، ولكن مع ذلك لا ينبغي معاملة ذلك الملك العنيد وأولئك الأعوان ~~المردة إلا بما يقتضيه قانون شريعتنا العادلة؛ أي بالأناءة والحلم والتدقيق حذرا لئلا ~~تحسب من الأجانب ظلاما أو حمقى. ~~- كيف يمكنني أن أعامل هؤلاء القوم بما تقتضيه نواميسنا حسبما تشورين، مع أنني قد أفرغت ~~جهدا طويلا وتكلفت تعبا ليس بيسير حتى أوقعتهم أخيرا في قبضتي؟ أفما يخشى من هربهم ~~بواسطة الحيل والخدع إلى حيث لا نعود نظفر بهم ثانية؟ فها أنا قد اعتمدت على شنق هذا الملك ~~الخبيث وسجن جميع حفدته وعبيده مؤبدا، تدير مملكة العبودية بكل سرعة، ولم يعد لي حاجة لما ~~كانت تدفعه هذه الدولة من الخراج؛ لأن جميعه آت من مال الظلم. ~~- إياك تصنع هكذا يا أيها الملك العظيم لئلا نفتح سبيل التمرد والعصيان إلى شعوب ~~مملكتنا، وتعود الثورات الأهلية ms05 قائمة؛ لأنه معلوم لديك كم وكم من الناس يميلون طبعا إلى ~~تلك الدولة ما عدا الذين قد مالوا إليها بقوة الفساد والغش؟ فإذا - لا سمح الله - أخذت الحروب ~~الأهلية بالانتشاب نعدم راحتنا ونقع في وجل عظيم، فتصير المصيبة الأخيرة شرا من الأولى؛ ~~إذ نكون كالطبيب الذي يسرع إلى سفك الدم حالا في الحميات الخبيثة بدون ملاحظة المزاج ~~والبنية؛ فيهلك المريض بشدة انحطاط القوى الحيوية. # فأشور عليك إذن يا أيها الملك المهاب، وأرجو أن تتنازل إلى قبول مشورتي بأن تستحضر لديك ~~ذلك الملك العنيد مع أهم أعوانه، وتضع عليهم شرائع وقوانين جديدة يسلكون بموجبها، وتشدد ~~ذلك الوضع بالصرامة اللازمة بعد توبيخهم وتبكيتهم، ثم تجعل لكل منهم مناظرا من طرفك، ~~وكذلك يجب أن تكون أكثر عساكرهم من جنس عساكرنا؛ كي لا يعود لهم مقدرة على مخالفة الناموس ~~أو العصيان والتمرد، ولكي يعلموا أنك أنت هو الملك الأكبر مقدارا والأشد عزيمة والأوسع ~~مملكة وأجنادا، وأنه بأي وقت تشاء يمكنك شن الغارة عليهم وأسرهم حسبما فعلت الآن. ~~- قد ظهر لي الآن من كلامك يا أيتها الملكة السعيدة أنه يجب إرجاع هؤلاء الظلمة إلى ~~مملكتهم بعد تلك الحروب التي أثرناها عليهم، وكل ذلك التعب؛ فأنا أتعجب منك! كيف مع كونك ~~بهذا المقدار حكيمة تشيرين علي بهكذا مشورة ولا تشورين باستئصالهم عن آخرهم لكي نأمن ~~غوائلهم ومكايدهم؟! # فقاطعته الملكة قائلة: إن إشارتي إليك يا أيها الملك الجليل بوضع شرائع جديدة على أولئك ~~القوم أصحاب تلك المملكة المشئومة، وبإرفاقهم بمناظرين عليهم من طرفنا وبجعل أكثر عساكرهم ~~من جنس عساكرنا، إنما هو عين استئصالهم وإبادتهم؛ لأنه بذلك يمكننا وضع الأيدي على مملكتهم ~~وضمها إلى مملكتنا بكل سهولة وبدون أدنى انزعاج لداخليتنا، ولكن مع طول الزمان والصبر الأمر ~~الذي به قد نجحت أكثر ممالك العالم حسبما تخبرنا التواريخ، ولكن إذا أوقعت بهم الآن حد ~~السيف بدون التبصر بعواقب العجلة، فأخشى عليك من الوقوع في بلبلة البال والندم على ~~المحال. # وبينما كانت هذه الملكة الحكيمة تبسط أفكارها لذلك الملك الجليل، ms06 وإذا برجلين ~~مقبلين من جوف الغابة بأقدام مهرولة، وبوجوه عليها سيماء الانشغال، ولم يزالا يتقربان ~~إلى أن وصلا أمام المظهر الملوكي وسجدا هنالك بكل احترام ووقار، وكانا متدرعين بأسلحة ~~الحرب، وأعينهما ملتهبة بضرام المواقع، وأحذيتهما متوشحة بما نسجه النقع، والدماء سائلة على ~~حد ظباهما ومضمخة ثيابهما العسكرية، وكان مكتوبا على خوذة أحدهما: «هذا قائد جيش التمدن.» ~~وعلى منكب الآخر: «هذا وزير محبة السلام.» # وعندما وقعت من الملك التفاتة إليهما حياهما بالإكرام، وقال لهما: هات أخبراني بما ~~فعلتما شفاها. فأخذ الأول يسرد الحوادث هكذا: إن نصرتنا الكاملة على الأعداء لم تحتمل أكثر ~~من موقعتين: أما الأولى فكان حدوثها على هذا الوجه، وهو أن هؤلاء الأخصام عندما شاهدوا جيوش ~~آدابنا المستظهرة مقبلة عليهم فرقا فرقا؛ عدوا حالا على قتالنا منظمين صفوف أجناد ~~مقاومتهم، وأخذوا يدافعون هجومنا عليهم بنيران مدافع العناد بدون أدنى اكتراث بنا، وكان ~~حامل بيرقهم رجلا يسمى بالبغض. # فعندما لاحظنا قحتهم هذه زمرنا حالا ببوق النار الدائمة، ورفعنا بيرق النزال، فكنت ترى ~~حينئذ جيوشنا تلك الغضنفرية غائصة في سحب دخان الغيرة، متلامعة ببروق سحيق التعاليم على ~~صهوات جياد المدارس التي كانت تحمحم طلبا للهجوم وشوقا للاقتحام، ولم تزل قنابر براهيننا ~~تنقض على صفوف الأعداء كالصواعق من أفواه مدافع استظهاراتنا التي كانت ترعد تحت سماء حرب ~~الحرية، ولم تبرح بنادق ألفاظنا تمطر عليهم رصاص العزيمة إلى أن رأيت تلك الصفوف أخيرا ~~متفرقة كبنات نعش، ومنهزمة أمام نظام فيلقنا الذي كان يحكي الثريا شملا والجوزاء مسيرا، ~~وهكذا لم نزل هاجمين عليهم وهم ناكصون على أعقابهم حتى ظفرنا بالغلبة والانتصار، وتركنا ~~أكثرهم بين قتيل وجريح، والبقية أدبروا وتحصنوا في معاقل الآراء السابق تصديقها. # أما الواقعة الثانية فكان وقوعها على هذه الكيفية، وهي أن أولئك الأعداء قد أرسلوا إلينا ~~رسولا حاملا من طرف ملكهم رقعة بها يعدنا أنهم يتركون الأسلحة بشرط أن تنحي عنهم قليلا ~~عساكرنا، فوعدهم سعادة رفيقي هذا - وأشار إلى وزير محبة السلام - أن يجري شرطهم، وكتب لهم ~~بذلك رقعة ودفعها للرسول ms07 فأخذها وذهب، وهكذا أتممنا الوعد. # ومذ شاهدوا تنحينا عن معاقلهم طمعوا بتغاضينا، وأخذوا يجمعون عساكر جديدة مجددي العزم، ~~واندفعوا علينا ثانية كالوحوش الضارية تحت إدارة سبعة قواد تسمى بالأرواح الشريرة، وكان ~~حامل سنجقهم جنديا يقال له: «الخيانة». # فعندما رأينا تأهبهم للقتال وهجومهم علينا اغتيالا ومفاجأة تحت لواء الخيانة هرعنا ~~حالا إلى أسلحتنا القاطعة وقابلناهم بأمواج كتائبنا المنتصرة، وأخذنا نصادمهم مصادمة بني ~~أسد لبني كلب، وكنت أنا وهذا الوزير نخترق صفوف أجوقهم شاهرين سيف الهمة والمسعى، ونضرب ~~يمينا وشمالا بكل عزائمنا لكي نشد قلوب الجنود المنقضة عليهم كالنسور، وكان دخاننا ~~يبتلع دخانهم ورعود مدافعنا تخرس مدافعهم، ولم نزل نجزر مدهم ونفل حدهم حتى استظهرنا ~~عليهم مليا وأوضحنا تقهقرهم جليا، ولم نرجع عنهم حتى أوقعنا جميع عساكرهم وقوادهم في ~~قبضتنا بعد حرب أقوم من ساق على قدم، وأشهر من نار على علم. # ولم نكتف بهذه الغلبة فقط، بل دخلنا أيضا إلى معاقلهم السخيفة لكي نستخرج ما فيها من ~~القوات، وبينما كنا نتجسس ونبحث في تلك الحصون واحدا فواحدا وجدنا في أحدها رجلا هرما ~~قد نفضت أقدام الأيام على هامته غبار الشيب، وهو مختبئ في إحدى زوايا حجرة ناكس الرأس ~~مكفهر الوجه منحط العزائم والقوى ذارف الدموع منحني الظهر، حتى يرى كأنه صنم لا ~~يمكنه أدنى حراك؛ فقبضنا عليه أيضا وأخرجناه إلى الخارج وربطناه مع سبعة قواده ~~المذكورين ومن يحمل بيرقه بسلسلة حديدية، ووضعناهم في سجن عندنا تحت الأسر، وحالا أخذت ~~قلما وقرطاسا وسطرت به هاتين الواقعتين كواحدة على وجه الاختصار وأرسلت الأسطر إلى عظمتكم ~~مع بريد مخصوص. # أجاب الملك: قد وصلتني رقعتكم مع البريد المذكور، ولكني لم أستوعب كل الحوادث حسب الواجب؛ ~~ولذلك رددت إليكم البريد لكي يدعوكم إلى هنا وأفهم الأمر منكم مشافهة، فمن الرقعة التي ~~أبرزتموها لي لم أعلم سوى موقعة واحدة وأنكم موعودون من الأعداء بالتسليم وترك الأسلحة ~~عندما كان نظري يسبق ويرى من بعيد دخان وغبار معركة مهولة، وأذني كانت تسمع لغطا يشبه دوي ~~رعود من أفق شاسع، ms08 ولم ألبث أن أغرقتني لجة البلبال؛ لأنني لم أعلم النصر لمن يكون. ~~- نعم، إن هذه المعركة التي هي الثانية ربما كانت جارية حينما كنتم تشرفون معروضنا ~~بتلاوته؛ لأننا بعد برهة قليلة من نهاية الكفاح الأول أسرعنا إلى إخبار عظمتكم وشرعنا في ~~الاعتراك الأخير ونلنا النصر والظفر من حيث لا تعلمون. # ومع ذلك كنا نقتصر على إنجاز تلك الموقعة الأولى حسب المرغوب لو لم يدخل غش هؤلاء المردة ~~على سلامة قلب وزير محبة السلام. وأشار إليه، أما هذا الأخير فقد كان مطرقا في الأرض غير ~~متحرك وكأنه واقع في هواجس كثيرة، فالتفت الملك إليه، وقال له: بالحقيقة إن سلامة قلبك قد ~~صارت السبب الوحيد لانتشاب تلك الموقعة الثانية؛ لأنه لو كنت تعرض عن تصديق دعواهم ~~بالتسليم عالما أن الحرب خدعة لكانت جيوشنا أنهت الموقعة الأولى حسبما اقتضت الثانية، وكنا ~~اغتنينا عن ثقلة هذه الأخيرة ووفرنا رجالا ومالا. # فأحنى الوزير رأسه لدى الملك، وقال: إنه لم يخطر بي البتة إمكان هجوم هؤلاء البرابرة ~~علينا مرة ثانية بعد أن شاهدوا ما شاهدوه من بسالة أجنادنا الأقوياء في الحروب، وتيقنوا ~~جيدا عجزهم وضعفهم بالنسبة إلى ثباتنا وقوتنا؛ فقد جرت الأقدار بما لم يخطر بالأفكار، ومع ~~ذلك فليست إجابتي لطلبهم كانت مبنية على اقتناعي فقط بكونهم لا يجسرون على محاربتنا ثانية، ~~بل وعلى طمعي بحقن الدم أيضا؛ إذ قد خطر لي أنه إذا لم نجب طلبتهم وواصلنا الحصار ~~والمهاجمات فقد يمكن أن يجري نهر من الدماء حسبما جرى ذلك في كثير من مواقع العالم منذ يشوع ~~أريحا إلى تيطس أورشليم وما بعده ... # فقاطعه الملك قائلا: إنه يوجد في طريق الإنسان كثير من الموانع التي لا يمكن الحصول على ~~رفعها إلا بسفك الدماء، وكذلك قد يصيب الإنسان كثير من الحوادث التي لا يمكنه دفاعها إلا ~~ببذل الروح، وعلى كل حال: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم ~~- ولكن يا أيها الملك المعظم ليس بجيد للإنسان أن يسرع حالا إلى إهراق الدماء على ms09 نزر ~~الأشياء، وليس جميع الحوادث والأحوال تساوي الدم الإنساني الذي لا يوجد أثمن منه، ولا يجب ~~مضارعة أولئك الشعوب الذين يبادرون إلى شن الغارات وفتك بعضهم بعضا على أقل أرب لا يعتد ~~به، أو أدنى خرافة لا بيت لها في رقعة التمدن؛ بحيث لا يئول صنيعهم هذا إلى دمار ودثار ~~أخصامهم فقط، بل وإلى انحطاط وخراب هيئتهم أيضا؛ إذ إن الرجل الظالم يرتد وجعه على رأسه، ~~وعلى هامته يهبط ظلمه؛ فلا برهان إذن على سمو عقل الإنسان وتروض أخلاقه ودعة سجيته ~~أعظم من محبته للسلم ونفوره عن الحرب والخصومات، على أنه بالسلامة تنمو الهيئة الاجتماعية ~~وتتسع دائرة تقدمها بالثروة والمعارف والآداب. # بالسلامة تخصب الحقول وتغطي الأرض غلاتها وتجود الفلاحة ويكثر الحصاد. # بالسلامة تعمر البلاد والقرى وتتسع التجارة التي عليها يقوم مدار الاشتراك مع كافة ~~العالم. # بالسلامة تتقوى الممالك وتعظم رجالا ومالا. # وبالإجمال إنه بالسلامة يقوم شرف البلاد ومصالح العباد. # ولكن إذا أخذنا نتصفح الحروب وغوائلها إنما نرى العكس تماما. # على أنه بالحرب تتبدد الهيئة الاجتماعية وتضيق دائرة تقدمها ونجاحها حينما يرسل إليها ~~مركز الجهل أقطار الخراب. # بالحرب تمحل الأرض وتضن بإنتاجها وتتقهقر الفلاحة ويقل الحصاد. # بالحرب تنهدم البلاد وتغور المتاجر في أودية الاضمحلال، وتنقطع الشعوب عن مشاركة بعضهم ~~بعضا. # بالحرب تضعف الممالك وتقل رجالا ومالا. وبالجملة إنه بالحرب تذل البلاد وتبيد القبائل ~~ويصفر الخراب. # ومع كل ذلك فقد تلد السلامة حروبا والحروب سلامة. # بناء على أن زيادة الراحة تنشئ أضرارا جمة لا تذهب إلا بواسطة التعب والرياضة. وأيضا ~~زيادة التعب قد تسبب جملة أعراض رديئة لا يمكن إخضاعها إلى الزوال إلا تحت سلطنة الراحة ~~والسكون. # أما ترى حينما تمردت علينا مملكة العبودية وأخذت تفسد في الأرض بواسطة أعوانها وتعيث ~~بسذاجة شعوبنا كيف نهضنا ضدها ابتدارا، وأشهرنا أسلحة الحروب حذرا من أن يبتلعنا القعر ~~وتطبق البئر علينا فاها؟ # وهكذا أتممنا تشتيت شمل العدو، وصحنا عليه بصافور الغلبة والظفر، ضاربين بطبول الحرية ~~التي نحن أولادها. وحينئذ فأنا الذي تدعونه وزير محبة السلام ms10 قد اخترقت بذاتي جماهير معسكر ~~هذه الأعداء، واقتحمت قلاعهم ناضيا سيف الهمة والمسعى، حتى أنزلت بهم النكال دفعا لوقوع ~~القلق والاضطراب في بلادنا، ورفعا لتسلط القبائل الأجنبية علينا؛ الأمر الذي يفعل الخراب ~~أكثر مما تفعله الحروب، فهنا نرى أن السلامة قد أنشأت حربا. # وعندما تسترجع هذه الحروب راحتنا السابقة وهدوءنا الاعتيادي منادية بكون سيف السلطان ~~طويلا؛ نقول من ثم إن صخرة الحرب قد أفاضت مياه السلامة الدائمة التي بها يتمتع كل آت ~~بعدنا، كما يتمتع بماء هذه الصخرة التي فجرتها العناية بعصا موسى الإعتاق كل سارح في برية ~~الحرية أو غابة الحق. وأومى إلى الصخرة التي يتدفق منها الماء وأحاط بالإيماء جميع ~~الغابة. # وبينما كان هذا الوزير يتكلم كانت الملكة الآخذة وضع الجلوس المحتشم متكئة على ساعد العرش ~~السامي ومزهرة راحتها بوردة خدها الأزهر، وعلى مباسمها تقرأ الحلاوة آية الكوثر، وهي تهز ~~رجلها اللطيفة إشارة لاستيعاب الخطاب متوسمة بوجه محبة السلام بأعين تفيض جمالا وكمالا ~~على طلعة تنفث في العقول سحرا وتدير على القلوب خمرا؛ فهي ترمي فؤاد فانوس - إلهة العشق - ~~بنبال الفتور، وتأخذ قلب باكوس - إله السكر - بنشوة الخمور، مع أنها تخلق في مينارفا - ~~إلهة الحكمة - مهابة واحتراما، وتجري في روح المريخ - إله الحرب - بردا وسلاما. # فما أتم الوزير كلامه إلا ورأيت زنجيين مهرولين من بعد إلى ساحة هذا المرسح ولم تزل ~~بطون الأدغال تبتلعهما تارة وتتقاياهما أخرى حتى أدركا أخيرا هذا المحط، وسجدا على الفور ~~تجاه المشهد الملوكي مكشوفي الرأس مطرقي الأعين، قد عبثت بأنفاسهما غصص الرعشة والهلع. وغب ~~سجودهما أبرز أحدهما من جيبه درجا مطويا، ورفعه منشور لدى العظمة الملوكية مطأمن الظهر ~~منحل العزائم. # فألقت عليهما الملكة لمحة عين، ثم أمرت قائد الجيش بحركة الإيماء أن يتناول الدرج ويتلوه ~~عليا؛ فالتفت القائد وأشار إلى حامل هذا الدرج بالدنو، فدنا وألقى بين يديه الكتاب ونكص، ~~فتلاه ذاك بصوت عال، وإذا مكتوب به هكذا: # إلى العظمة الملوكية # إن تقادير النحس والتعاسة قد حركتنا - نحن معشر الأشقياء - إلى رفع الأسلحة ms11 إزاء ~~وجه عظمتكم الملوكية بحيث لم نكترث بيدكم القوية وساعدكم الرفيع؛ وهو الأمر الذي ~~جلب علينا من لدن ملوكانيتكم غضبا لا يخفى وسخطا لا يطفى، فسقتم علينا جيوشكم ~~الزاخرة، وصيرتمونا كالهباء الذي تذريه الريح عن وجه الأرض، فلبسنا اللعنة كالثوب؛ ~~لأنه لم نعلم - لكثرة جهالتنا - أن كل سلطة هي من الله؛ ولذلك قد منعنا رب الحكمة ~~كل حركة وأبقانا لديكم كعمود لوط، حاملين على عاتقنا رجسة الخراب، مسودي الوجه ~~مضطربين بين يدي الغضب الآتي. # فإذا كان لم يزل يوجد في قلوبكم نحونا ذرة رحمة فاقبلوا من عبيدكم إعلان الندم ~~على ما فات، وأطلقونا من سجن الحماقة وأسر الجهالة. ونحن نعدكم وعدا ثابتا أننا ~~نجري جميع أوامركم وقوانينكم في كافة ولاياتنا الصغيرة، ولا نعود لوضع أدنى خلل في ~~نظام مملكتكم ذات الاتساع والعمار، عالمين أن سيف السلطان طويل، وأن الذي يعصي ~~السلطان أو الشريعة تكون نهايته الدمار والدثار، وأنه لا يمكن قط لأي ملة كانت أو ~~أمة قهر الصولجان الملوكي، أو مجاوزة قوانين السياسة، وأنه واجب على كل إنسان أن ~~يخضع خضوعا مطلقا لعظمة السلطان عالما أن الله قد جعله على الأرض قهرمان، وسلمه ~~مقاليد الشريعة ذات الأمان. # فحينما أتم القارئ تلاوة الدرج طرحه على الأرض مرتعدا بثوران الحمية وصرخ: «يا ~~للمكيدة!» فتناوله وزير محبة السلام وتلاه بفم الضمير ثانية، بينما كانت الملكة مشرئبة ~~والبهتة شاملة وجهها وصارخة: «يا للحيرة!» وبعد برهة صمت تكفي تكرارا لتلاوة السرية رفع ~~الوزير عينيه بحياء إلى حضرة الملكة واضعا الدرج جنبه برفق، وأخذ يستميل بلحظاته قلبها إلى ~~إجابة أولئك المسجونين، ويحركها بظرافة تبسماته إلى الشفقة عليهم. # فانعطفت هذه السيدة إلى الجانب الملوكي ورمقته بأعين رطبها الإشفاق، وقالت له بتبسم ~~يطفح بأنوار الحنو: دعهم يحضروا إلى المحاكمة عسى يفلحون. ~~- أخشى وقوع المكيدة. ~~- أنا أكفل ذلك والحكمة تعرف طريقها. ~~- ليكن لك حسب قولك. # فالتفتت الملكة إلى الوزير وقالت له: قم فاذهب بذاتك واستحضر المسجونين إلى هنا كي ~~نحاكمهم. فنهض الموما إليه للوقت وجاز مسرعا، ثم قالت الملكة ms12 لقائد الجيش: اكتب رقعة إلى ~~الفيلسوف واستعجله بالحضور إلى هنا. ففعل، فقالت له: أرسلها مع هذين العبدين. فدفع لهما ~~الرقعة حالا بعد أن أطلعهما على محلته في مدينة النور؛ فذهبا يذرعان الأرض، والقائد راح ~~يتخطى في ناحية، وأخذ المظهر الملوكي يضرب في أغوار التفكرات. وما عدت أرى سوى هيبة السكوت ~~المتعمق، ولا أسمع سوى هدير الماء المتدفق. # الفصل الثاني # | الهواجس # وبينما كنت أجول في مراسح الأوهام العقلية، وأطوف في مسارح الخيالات الفكرية، إذ استلمحت ~~شبحا يتقارب من بعد، وهو يخب في بطن الغاب غائصا في غمر الظلال المتكاثف، وما زال يعسف ~~على قدم الإقدام حتى نفذ من تلك الغمرات المدلهمة، وظهر في مرسح الأحلام ظهور القمر من كبد ~~الغمام. # وما برح يتردد قدوما ويتحذر هجوما حتى رأيته خر لدى العرشين بأسلوب ما به شين، ~~وإذا هو رجل أحرز سمة الوقار، وعلى وجهه تلوح حذاقة الأفكار، فهو ذو جبهة تشير برحابتها إلى ~~تمام العلم والعمل، ونظرات أشد نفوذا من نبال بني ثعل، وكان لباسه جامعا بين المهابة ~~والاحتشام جمع الحرف بين الصحة والإشمام، ذو قامة لا تغرب عن العامة، ورشاقة تتوقد بها ~~النامة. أما سنه فلم تتجاوز آحاد الخمسين على ما كان يلوح لي ويستبين. # فلما صادفته لحظات الجالسين على مقام السلطنة، بثته أشاير التحية مظهرة دلائل الابتهاج ~~بقدومه، ثم أومأت إليه الملكة أن يجلس حذاها، فتقرب وجلس مستريحا على ركبتيه، فأوعزت إليه ~~براحة الجلوس ففعل. # وبعد فترة من السكوت التفتت إليه هذه السيدة وقالت له: هل عرفت كيفية نهاية الحرب؟ ~~- نعم قد بلغني أن النهاية كانت انتصارا لكم، والله يعطي النصر لمن يشاء. ~~- ولكن بعد موقعتين يحكيان العويرض بما تكلفناه من تعب شاق، لا راحة إلا بعد ~~تعب. ~~- ولا نعيم إلا بعد شقا. ~~- وهل بلغك أن ملك العبودية وأعوانه قد أسروا وطرحوا في السجن تحت سطوتنا بعد أن ~~أدرنا عليهم رحى المنايا وأمطرنا على هامهم البلايا؟ ~~- لا، لم يبلغني أمر الأسر. # أجاب بدون عبء: نعم هكذا تم الأمر. وقد أنفذوا ms13 إلينا عرض حال ينطوي على ترك التمرد ~~والعصيان، والوعد بعدم الرجوع إلى زرع الخلل في نظام مملكتنا، نادمين على ما اجترموه ضدنا، ~~ومسترحمين منا أن نطلق سجنهم ونفك أسرهم. ~~- لا شك أنه يجب إجابة استرحامهم. أجاب الفيلسوف رافعا كتفيه: ولا ينبغي معاملتهم ~~بالقساوة حذرا من ملامة العموم. # فقاطعه الملك بعد صغي وإمعان قائلا: إن الأمارات التي بها نهجوا سبل التوحش والعبودية ~~في مملكة التمدن والحرية تستحق النهوض ضدهم بكل قساوة؛ لأنهم أخذوا يسلبون حرية الناس ~~ويزرعون بينهم الخصومات والخرافات، فلو لم تستدركني هذه السيدة بمشورة حكيمة لكنت أنفذت ~~أمرا بشنق ملكهم وسجن أعوانه وأنصاره مؤبدا. # هكذا تم الأمر. أجابت الملكة: أما المشورة التي تنازلت عظمة الملك بقبولها هي أننا نستحضر ~~أولئك الأثمة، ونضع قوانين وشرائع جديدة يسلكون بموجبها، ونرفقهم بنظار من طرفنا، ونمزج ~~عساكرهم بعساكرنا؛ وبذلك نأمن غوائلهم ونستولي على ولاياتهم بالتدريج بدون إثارة الحروب وشن ~~الغارات؛ فنخلص من فخاخ دولة العبودية. # فأطرق الفيلسوف ساعة ثم رفع عينيه إلى السماء وأخذ يتأمل قليلا، ثم أدار رأسه يمينا ~~ويسارا، وأحاط جميع الغابة بنظره وهو يهمهم بكلام مترادف، ثم أعاد الأطراف ثانية وأسدل على ~~عينيه براقع الجمود حتى صار لبواشق الأفكار فريسة. # فشرعت الملكة تتأمل في هذه الظواهر مندهشة كأنها ترى مشهدا عجيبا، وأخذ الملك يفاوض ~~العدل والحلم، وما كان إلا كلمح البصر حتى نبر الفيلسوف من هواجسه، وقال: لم أفهم معنى ~~الخلاص من دولة العبودية، وهل يمكن أن يوجد لأحد خلاص منها؟ # أجابت الملكة: كيف لا يمكن ذلك؟ وهل يخفاك فعل المدافع والبنادق؟ # إنني لا أرى وسيلة يمكن بها الخلاص لأحد من لزوم التعبد، على أنني أرى جميع الطبيعة ~~مربوطة بسلسلة الاستعباد بعضها لبعض، أجاب الملك: وكيف ذلك؟ وهلا يوجد حرية في ~~العالم؟ ~~- لا. ~~- ولا يوجد طريقة بها يحصل الإنسان على شبه الحرية لكي ينال لذة؟ ~~- نعم يوجد. ~~- أوضح لنا ذلك. # فأطرق الفيلسوف برهة، ثم أخذ يتكلم هكذا: إننا إذا تتبعنا الإنسان منذ ولادته إلى نهاية ~~أمره؛ إنما نرى حياته تجري ms14 خاضعة إلى ما لا ينتهي من العبوديات، وهكذا نرى في جميع ~~المخلوقات؛ فالطفل المولود عندما يسقط على الأرض يصرخ وينتحب علامة لإشعاره بوقوع سلطان ~~المحيطات به عليه. ولم يزل عبدا طبيعيا لأمه ما دام يتغذى من لبنها، إلى أن تضع له ~~المر على الثدي إشارة لطرده من حلاوة الحياة القاصرة إلى الدخول في مرارة الحياة ~~المستقلة؛ وحينئذ يميل بوجهه إلى مواجهة عالم الغلبات، فتدفعه شرائع الاستقلال الحيوي في ~~عبودية الموجودات، وتعصف به زوابع الأقدار في مفازة الطبيعة، فيعود مدافعا ومحاذيا جميع ~~الكائنات أملا في الخلاص من فواعلها وتأثيراتها الطارئة عليه، فيخضع للحرارة ليستعين بها ~~على الفرار من سلطة البرد. ويميل إلى هذا الأخير ليدفع عنه غلبة تلك الأولى، ويبسط يديه لدى ~~مكارم المملكة الآلية # 1 # علنا ليسترجع منها ما اقتنصته من بنيته بالانحلال أو التنفس خفية. ويبتني من ~~الجوامد بيوتا لتحميه من حوادث الجو وهجير الشمس، ويستنجد المعادن لوقاية أبنيته من ~~غوائل الصواعق المنقضة، ويستخدم أجنحة البخار ليطير بها إلى كل فسحات الأرض. # وهكذا لا تبرح طيور أفكاره تحوم على دوحة الطبيعة، وأقدام آماله تعدو في ميادين العالم ~~حتى تنتصر أخيرا على جميع قواته كل تلك الأكوان، وتزجه في أودية العدم حيثما تحيط به ظلمات ~~الفناء وتكتنفه غمرات السكوت، بعد حياة قد تقضت بالتعبد لكافة الحادثات، وجرت تحت رق ~~المصائب والأتعاب والأمراض، خاضعة لقوي مقتدر أو ضعيف مستتر حسبما تقتضي الغاية أو ~~الضرورة؛ فلا حرية إذن للإنسان. # وهكذا تجري على هذا المجرى سائر الموجودات، أما ترى الحيوان القوي كيف يستعبد الضعيف؟ أما ~~ترى أن كل الحيوانات كيف تسترق لخدمتها جميع جماهير الوجود النباتي؟ أما ترى كيف تجمع ~~القوات الجاذبة ما بين المفترقات العنصرية وتخضعها لسلطان الاجتماع والتراكم تحت عبودية ~~الفواعل الكيماوية وأسر قوات التماسك؛ بحيث لو أمكن للعناصر الهيولية أن تأخذ حرية الانفراد ~~لما أمكن قيام النظام الطبيعي أصلا؟ أما ترى كيف تدخل السيارة في سلطة الثوابت؟ # قم بنا لنطير في أجنحة التصورات ونرتفع ببخار الأفكار إلى سماء الحقيقة. وهناك ms15 أريك كيف ~~أن هذه الكرة الأرضية تظهر لنا عن بعد سابحة في أعماق الفضاء وهي تدور منحنية على نفسها ~~كشيخ أحنت ظهره أثقال السنين، وكيف أن هذا الجرم العظيم منقاد بسلاسل سرية إلى الخضوع ~~لنظام الفلك الشمسي بحيث لا يمكن له الخروج عن حدود دائرته المضبوطة بأقطار من تشعشع ~~جاذبية ذلك المركز الثابت. وكيف أن جميع الأجسام المنتشرة على سطحه خاضعة لحكم تقلب ~~الفصول والأوقات حسبما يقتضي حلوله في إحدى جهات تلك الدائرة المنطقية، وكيف أن كل تلك ~~الأجسام نراها ثائرة على بعضها لتدفع عبودية التغلبات حتى نشاهد بينها معامع مهولة؛ فهناك ~~تسمع ضوضاء حرب الجو تضج ضد غلبة المؤثرات، وترعد في آذان الأرض التي نراها تقذف السماء ~~بلهيب غضبها. وعجيج عالم المتحركات يصدع رءوس الجبال العالية؛ إذ تشاهد كلا من أنواعه يشن ~~الغارة الشعواء على ضده حتى يهلك الجنس ويباد. فترى أسلحة تتلامع في الشمس وتقعقع في ~~الهواء، وجيوشا تتضارب على صهوات الخيول تاركة سحب غبارها تغشي وجه السماء، وأيادي تتجالد ~~وتتقارع، ومخالب تخلب وتجرح، وأظافر تنشب وتهشم، وحوافر ترفس وتصدع، وأجنحة تخفق وتلطم، ~~وذنابات وأفواها تلدغ وتلسع. # وكذلك نرى مملكة الحياة النباتية مشتغلة بدفاع غارات # 2 # الطقوس بوسائط وطرق لا ينجلي غموضها، ولا يحصى عددها، وهي تضج وتئن ليلا ~~ونهارا مما تفعله بها لطمات الأرياح الهائجة التي تخطف ورقها وتنثر ثمرها. ونرى أيضا ~~عالم السوائل يقاسي تبديد التبخير تحت أحكام الحرارة فيهب إلى العلا وينضم هناك إلى بعضه ~~على أشكال متخالفة، ثم يهبط غائرا في بطون الجوامد فيصادمها وتدفعه ثم تقذفه إلى حيث يذهب ~~آنا مضطربا منذعرا مما قاسى. فكيف لا يمكن والحالة هذه أن يقال لا حرية في الخليفة ولا ~~خلاص من العبودية؟! # ومع ذلك فقد يمكن للإنسان أن يحصل على شبه الحرية ويتمتع بلذة الحياة على نوع ما. أما ~~حصوله على الحرية فلا يمكن إلا إذا أدرك أن سني وجوده مهما كانت عديدة بالنسبة إلى ما سبقه ~~من العدم وما سيرد عليه ليست إلا كبرق طفيف ms16 لمع في ليل دامس. وأن جميع مصائب الدنيا ~~وأكدارها تحيط بهذه الفترة الحقيرة من الحياة التي يجب أن يستثني منها أوقات نومه وطفوليته ~~وشيخوخته، وهي الأوقات التي تعتبر عدما. وأن جميع المحيطات به تجتهد في هدم بنيته لتسترد ~~منه ما سرقه من موادها بالاغتصاب، ولا تغفر السرقة إلا بالرد الذي هو حكم المغتصب. # فإذا عرف هذا جميعه يعود متحررا من سلطان الوقائع ومعتوقا من عبودية الزمان؛ فلا يلبث ~~معرضا للأكدار والأحزان لعدم ميلانه إليها، ولا يوجد هائما بالمسرات والملذات لكونه لا ~~يعتبرها، بحيث يرى الجميع بخارا يتصاعد قليلا ثم يضمحل. ومن لا يبالي بالألم لا يشعر ~~بمضضه، ومن لا يعبأ باللذة لا يدرك بهجتها. # إذا كان وقع السيف ليس يمضني # فعندي سواء غمده وغراره # وإن كان جمر الخطب ليس يصيبني # فلا خوف لي مهما يهب شراره # أنا لا أرى في الأرض شيئا يروقني # لذلك نور العمر عندي ناره # أيطربني هذا الزمان وكله # عراك على الدنيا يثور غباره # أما حصول الإنسان على لذة الحياة فلا يقوم إلا إذا طرح ثقل العالم عن ظهره وارتضى بما قسم ~~له من الله لقيام وجوده، خالعا كل أمارة تجعله عبدا وأسيرا لمن يتعالى عليه، وذلك كالحسد ~~والطمع والكبرياء والحقد ... وهلم جرا. موجها أقدامه على هذه الأرض حسبما يهديه الصواب ~~والاختبار، منعزلا عن الناس ما أمكن، واضعا لأفكاره ناموسا يحفظها في قيود الاستقامة ~~والرشد، لاجما لسانه عن كثرة الكلام لئلا يحسب تكلمه هذيانا، راكضا وراء الحكمة ~~والعلم، معرضا عما يئول إلى خراب بصره وبصيرته، كالتهافت على اللذات الجسدية والتمرغ ~~في أوحال التهافت والفساد. ناظرا في كل لحظة إلى الموت الذي يتهدده على ممر اللحظات، ~~عالما أن كل نفخة من نفسه مأخوذة من روحه، عارفا أن القوة الضابطة لأقدامه على سطح الأرض ~~ستكون يوما ما سببا لابتلاعه إلى عمقها. # فبهذا جميعه قد يحصل الإنسان على لذة قصوى في مسير حياته؛ إذ يشاهد ذاته محلولا من جميع ~~وثاقات الأكدار والآلام الأدبية والطبيعية، ومنقطعا عن كل عالم العبوديات اللازمة ms17 ~~والمتعدية. # وإذا تحركت به الأميال إلى مخالطة أشباهه بالنوعية، فعليه باختيار من حسن وطاب ~~واجتناب من قبح وخبث . على أنه بذاك تنفسد الفطرة السليمة التي هي أصلية في الإنسان؛ ~~وبهذا تصلح وتجود وتسمو إلى أوج الكمال. # وإذا اتفق وجوده في مركز بعيد عن دائرة المخالطة الحسنة فعليه بالانفراد بذاته ومخالطة ~~العوالم المحيطة بحواسه حيثما ينال لذات لا مزيد عليها ويغتني بها عما سواها. # فإن الإنسان المثقف لا يدرك لذة أعظم اعتبارا من تلك الملذات التي يدركها عندما ينشر ~~شراع التعقل لسفينة أفكاره، ويطلقها في بحور هذه الموجودات لدى مهب أرياح الحوادث. # هناك نرى غزالة العالم تبرز يومئذ من كناس المشارق الذهبية ناشرة أنوار بهجتها على وجه ~~السماء حيثما تعود كافة الخليقة مستبشرة بلقاها وتخطراتها؛ فالجبال تتمنطق بمناطق ~~لجينية، وترفع قممها الغاطسة في غمرات الظلام فاتحة باعاتها لاعتناق طفحات الضوء. ~~والمياه تتموج بلمعان الأشعة المنبعثة من لدن أبي الأنوار كأنها متسربلة بدروع نارية. ~~والأشجار تمرجح رءوسها لدى بشائر النسيم كذي طرب متموجة بأكاليلها العسجدية ذات المنظر ~~البديع. والأزهار تبتسم إزاء وجه الطبيعة نافحة بأطيابها التي تذهب مبشرة سائر الخلائق ~~بثوران حركة الحياة. والأطيار تغرد وتصيح مهللة ومكبرة على أدواحها العديدة ومنازلها ~~المتفرقة، وسائر الحيوانات تأخذ بالحركة والانتعاش. # هناك نشاهد هذه الغزالة # 3 # مائلة على خط الزوال بوجه يقدح شررا، حتى إذا ما بلغت الطفل # 4 # وأوشكت الفراق صبغت بدموعها الدموية وجنات المغرب وغارت في كهف الأفق، سادلة ~~على المسكونة ستار الظلام، تاركة العالم في حالة سكون الموت، منهضة الخمود العميق في جميع ~~البنية الآلية، سالبة من جميع المواد المظلمة ما أفاضته عليها من الصور الجلية حيثما ~~تتبلبل الأرض مع السماء، وتضيع الجبال في الأودية، ولا يعود يقال سوى: ما هذا السكوت ~~العظيم؟ # هناك تحوم عقولنا على كل حادثة طبيعية وظاهرة أدبية، فترتقب طيور السماء متبصرة ~~باجتماعاتها وانفراداتها واختلاف أصواتها وحركاتها، وتتبع مسير وحوش الغاب متأملة في ~~فرائسها المرتعدة وحروبها المتقدة، وتهب مع الرياح الأربع إلى حيث لا يعرف إلى أين ~~ذهابها ms18 ولا من أين إيابها. وتقف حائرة عند نهوض الزوابع وانتشاب الأنواء وتراكض البروق ~~وانقضاض الصواعق وهدير الرعود، حيثما لا يدرك الباحث من الأسباب سوى ما يظن به ولا يعلم من ~~الحقائق سوى ما يراه ماديا. فيغرق في بحور الاندهاش والذهول ملتطما بأمواج الهذيان والبحران، # 5 # مأخوذا بخمرة الهواجس والأوهام إلى أن يصبح كريشة تتجاذبها رياح الأحكام ~~المضطربة، ويأخذ في تصوير الغيوم إلى أشكال وصور تتجدد على ممر الدقائق والأوقات خالعة كل ~~هيئة حقيقية. # هناك نهجس بهذه المواد الكونية من أسمى جرم إلى أدنى ذرة، باحثين عن أصولها وفروعها ~~وعلاقاتها ونسب بعضها إلى بعض وغاياتها وأحكامها، ناظرين في كل من أجناسها حركة متوزعة ~~على سائر أنواعه تحت ناموس المناسبة. فالبعض يجمد متصلبا، والبعض يسيل مائعا، والبعض ~~ينتشر طائرا، وهذا ينمو بلا حياة ولا انتقال، وذا يتمتع بالنمو والحياة ولا يتحرك، وذاك ~~يفاخرهما بأسلوب نموه وحياته وحركته المطلقة والإرادية. # هناك نتصفح هذه الأشياء وتلك الحوادث فنقول إن كلا منها له حياة خصوصية تقوم بتدبير ~~وظائفه وحركاته الذاتية، وحياة عمومية تشركه مع بقية الأشياء وتربطه بعللها. ثم لا نرضى ~~فنقول إن الكهرباء هي السبب الوحيد لجمع وتحريك كل العناصر بما أنها روح العالم. ثم لا نرضى ~~فنقول إن سيال الحرارة هو عنصر جميع الحركات والمتحركات، وعليه مدار سببية الحياة ~~والتقنم. ثم لا نرضى فنقول إن النور ذاته هو القائم بإحياء وتحريك كل مادة مؤلفة أو ~~بسيطة. ثم لا نرضى فنقول إن شريعة التثاقل التي تثبت أقدام الأكوان في مراكزها وأوضاعها ~~وترشد جميع خطواتها إلى سواء السبيل هي هي ذاتها سبب القيام العام ومبدأ الحركة. ثم لا نرضى ~~فنقول إن الفضاء الغير المتناهي هو ينبوع البداية والنهاية، ومنه أخذت كل الأصول العالمية ~~وإليه سترجع ثم لا نرضى فنقول إنه يوجد رب متنزه عن إدراك الأفهام، ذو عناية دائما ~~بتدبير عموم تلك المخلوقات، ومنه الحياة كانت وكل به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كون، وهو ~~محرك الحركات وأصل الكائنات، وإليه مصير الأشياء جميعها، لا ms19 إله إلا هو ولا معبود سواه. ~~فحالا نرضى بهذا المقال ونسحب جميع أفكارنا من مواقع الأوهام والوساوس الغريبة، معانقين ~~عروسة الحقائق وبكر كل برية متمتعين بلذة الحياة وحرية المعيشة. # وبينما كان الفيلسوف مواصلا خطابه، كان الملك والملكة شاخصين فيه بأعين يخامرها الذكاء ~~والإصغاء، مستوعبين معانيه بكل اتضاع ودعة، وغب نهاية مقالته جعلت الملكة تقول له هكذا: ~~إننا قد عرفنا عدم إمكان وجود حرية للإنسان، بل ولا لسائر الأنواع، وإن جميع الأشياء لكونها ~~مرتبطة بخدمة بعضها البعض، فهي مقيدة أيضا بعبودية بعضها للبعض، ولكن عندما تكون هذه ~~العبودية غريبة عن الفائدة أو مضرة لصالح الأمور، فالاجتهاد بإبطالها ضرب من اللزوم ~~وقانون صوابي؛ وبناء على ذلك: عندما نظرنا دولة الاستعباد تتداخل ما بين شعوبنا تحت طرق ~~مختلفة حيثما لا ينجم عن هذا التداخل سوى الإضرار بهم وفساد طبائعهم السليمة، نهضنا حالا ~~ضدها وسطونا عليها سطوة إسكندر على داريوس وسجناهم كما علمت. # أما حصول الشخص على لذة الحياة معتوقة من كل حاكم وصافية من كل مكدر، فهو أمر لا يمكنه ~~البتة ولو تطبع على تتبع تلك النواميس التي ذكرتها، والتي تصعب في الإجراء بمقدار سهولتها ~~في التصور حسب كل الأعمال الفلسفية؛ لأن التطبع لا ينقلب طبعا، وما كان هكذا فهو غير ~~لذيذ عند الطبيعة وبعيد عن السهولة، وإذا أمكن الإنسان السلوك - كما أشرت - فلا يكون ذلك ~~إلا لمن وسمته العناية بسمة الانفراد وهذا شاذ، وليس حكم الشاذ إلا الحفظ وعدم القياس ~~عليه. # وعلى كل حال إن الإنسان إذا كان متعبدا لأحكام دولة التمدن والصلاح، يكون داخلا في ~~حقيقة الحرية التي تطلبها الواجبات الإنسانية، على أنه إذا كان التعبد لازما فتلك الحرية ~~ملزومة؛ لأن اعتناق الإنسان واجباته لا يدعى عبودية، ولكن إذا كان الشخص معتوقا من رق تلك ~~الدولة فهو يكون بالضرورة داخلا في عبودية ضدها تبعا لمقتضى الحال. # ولكون الدخول في أحكام دولة الخشونة والبربرية يفسد أحوال البشر وينثر نظام جمعيتهم، ~~نازعا عنهم كل الصفات الحميدة والسلوك السليم - وذلك هو الأمر الذي لا ms20 يوجد أضر منه لمملكة ~~التمدن والصلاح - وجب علينا دفعا لوقوع البلبال والوبال فيما بين رعايانا أن نثور على تلك ~~الدولة الآبقة التي إذا لم نمح آثارها لم تقم حرية الإنسان المطلوبة أصلا، وهي الحرية ~~التي لا يمكنك إنكارها مهما رددت الهواجس والأوهام الفلسفية التي لا وجود لها إلا في العقل ~~الذي قد يخطر فيه ما لا حقيقة له في الظاهر. # فأردف الفيلسوف كلامه قائلا: أنا لم أمنع إمكان الحرية الأدبية بل الطبيعية، ولا شك ~~إنا إذا أطلقنا أنظارنا إلى عالم الآداب وتبصرنا بشرائع الحكمة، نعاين أقواما أحرارا ~~وآخرين عبيدا حسبما تقتضي أحوالهم وكيفياتهم. وعلى كل حال إن الاجتهاد في عتق العبيد وهدم ~~مباني العبودية هو أمر ضروري وواجب. # فطرح الملك أنظاره على الفيلسوف، وقال: إذن مشروعنا في محاربة مملكة العبودية واستنقاذ ~~شعوبنا من قيودها لا يستحق الملام. ~~- كلا، بل هو حسن وواجب يا أيها الملك المعظم؛ لأن الاستعباد مكروه عقلا وطبعا، وقد نهض ~~العالم بأسره ضد هذه العادة المستهجنة وما سواها؛ فحاربوا من ظلم واعتدى وأعدوا له سلاسل ~~وأغلالا. # الفصل الثالث # | مملكة الروح # وإذ كان التمدن والحكمة يناقشان الفلسفة، رأيت جمهورا آتيا من شاسع وما زال يحجل ~~متقربا تحت كراديس الأغصان، حتى بزغ من أفق الغاب وانتصب أمام المشهد المهاب. وبينما كان ~~يظهر لي أن الشمس مالت إلى الطفل، وعاد الغروب يطوي ذلك الشراع الذهبي الذي نشرته أيدي ~~الأصيل على هام الشجر لم أعد أرى حينئذ سوى أشباح ضئيلة تتنحنح في الفسحة، ولا عاد يمكن ~~تمييزها لاندفاع تيار الظلام عليها؛ بحيث أوشكت جميع الغابة أن تنمحي تحت أقدام الظلال، أو ~~تغور في غمر الظلمات المتراكمة. # وما كان إلا فترة قصيرة حتى رأيت نارا لمعت عن بعد فجأة، وصارت تتقرب تاركة خلفها ~~مصابيح مضيئة. ولم تزل تتكاثر هذه النبارس ممتدة إلينا وراء العرشين حتى ملأت ميدان النظر. ~~ولما خزقت الأضواء جلباب الظلام رأيت رجالا كثيرة عليهم أبهة العسكرية، بارزين كمن كمين ~~وهم يوقدون ما لا يحصى من تلك القناديل التي كانت ms21 معلقة على الأغصان، وما برحوا يتمون ~~مسعاهم حتى ملئوا الغابة جميعها أنوارا؛ فأخذت تتموج بالأضواء الساطعة وصارت شعلة واحدة ~~حتى أظهرت مشهدا عجيبا لم أشاهد أبهج وأسنى منه. فصار يظهر لي كأن الأرض أخذت تقذف السماء ~~ليلا بما طرحت عليها من شهب الرمضاء نهارا، أو كأن جميع عرائس الغاب جعلت ترشق علينا ~~بروق نظراتها، وعدت حينئذ أخال نفسي كأنني قائم في وسط فلك يتشعشع بالنجوم والكواكب التي ~~لا عدد لها. وما زلت أتبع بأنظاري هؤلاء الرجال الذين زرعتهم الهمم في جميع أقطار الغابة ~~لكي يذيعوا آثارهم ويبثوا أنوارهم اللامعة، حتى رأيتهم يرجعون منضمين أجواقا أجواقا، ~~ويعسكرون وراء المحفل الملوكي مثنى وثلاث ورباع حيثما كان يحثهم الصوت العالي قائلا: أتموا ~~الصفوف؛ فإني أراكم خلف ظهري. # وإذا أمعنت النظر في هذه الصفوف الملوكية رأيت على صدر كل منهم لوحا مكتوبا به: هذا ~~جندي التمدن دام كاسرا. وما لبثت أن أخذت بمجامع حواسي جلالة هذا المشهد اللامع بالأنوار ~~والساطع بالبهجة والازدهار، حيثما كان الملك نازلا في عرشه نزول الشمس في الحمل مغمورا في ~~أشعة الهيبة والوقار، والملكة بازغة من سماء مجدها بزوغ الزهرة من أفق الصباح مكتسية بحلل ~~الكمال وحلى الجمال، والفيلسوف جالسا قبالتهما جلوس الدعامة على أساسها موثق الأعين بسلاسل ~~الأفكار والهواجس، وقائد جيش التمدن متخطرا في محله تخطر الأسد في عرينه، وأجواق الجنود ~~مصطفة حول المرسح كالزرازير على الآجار، بينما كان الليل ناشرا شراع الهدو على جميع ~~حركات الطبيعة، وضاغطا بكل ثقله على الهواء كي لا يخترقه صوت آخر سوى تكتة المصابيح أو ~~تغريد البلابل. # ولما أخذ السكوت قراره طفق الملك يناجي الفيلسوف هكذا: إنه يوجد مملكة كبيرة جدا وقوية ~~إلى الغاية يقال لها «مملكة الروح»، وهي ليست بعيدة عن تخومنا، فهل تعرفها؟ ~~- نعم، إنه توجد هذه المملكة وأنا أعرفها حق المعرفة، فما سبب سؤال العظمة عنها؟ ~~- لأنني أريد شن الغارة عليها أيضا. ~~- وما الداعي إلى ذلك؟ ~~- هو سماعي عنها أنها تتصرف كثيرا بما يضاد سياستنا، وأن ملكها الجالس على العرش ms22 القديم ~~كثيرا ما يجتهد بخراب شرائعنا واضمحلال كل مملكة لا تخضع لنواميسه. # فهز الفيلسوف رأسه وأجاب هكذا: لا تعط صغيا لكل محدث أيها الملك المعظم؛ لأن أكثر ~~خراب العالم ينشأ عن أحاديث ذوي الغرض، وكثيرا ما يتكلم الناس بلغة من لا ينتظر، وحقيقة ~~الأمر هي بخلاف ما بلغ أذنيك؛ لأن العالم لم يدخل في دائرة التهذيب، ولم تقم مملكتكم هذه ~~إلا منذ قيام تلك المملكة القديمة، وإذا كان البعض من رعاياكم ينسبون إليها بعض أراجيف، ~~فهذا ناجم عن الصالح الخصوصي الذي من شأنه أن يهدم بناء الصالح العام. # فأرشق الملك نظره وقال: إن كثيرين من ذوي الصدق والثقة قد أخبروني عن جملة أمور خشنة ~~تواظبها مملكة الروح؛ فهي على ما يقولون: إنها لا تفتر عن بث التصورات الباطلة في عقول ~~الناس لكي تنهض بذلك تصديقات سخيفة تؤسس عليها أقيسة دعواها بالسياسة المطلقة؛ وعلى هذا ~~الأساس قد شيدت قوس نصرها في ساحة العالم ونشرت عليه راية سلطانها. ثانيا: لم يكفها ~~التسلط المطلق على الأنفس والأجساد حتى جعلت تمد سلاسل سطوتها إلى أعماق القلوب أيضا لكي ~~تجتذب السرائر والضمائر إلى ميدان أحكامها وعبوديتها. ثالثا: لا تكل أعوانها وأنصارها من ~~الجولان في كافة المسكونة لأجل زرع الشقاق والفتن حتى إن أكثر الحروب التي جرت في الدنيا ~~كانت مسببة من أطوارهم على ما قيل. فهل يسوغ لنا الصمت عن هذه المملكة إذا كان هذا ~~شأنها؟! # وبعد برهة من السكوت وثب الفيلسوف على قدميه، وأحنى رأسه أمام الملك، وقال: اسمح لي أيها ~~الملك أن أجاوب عظمتك بالتفصيل عما شرفت به آذاني. ~~- قل ما تشاء. ~~- أولا: إن هذه المملكة ما علمت قط - ولن تعلم - إلا بما يقود الناس إلى نوال ~~السعادة الحقيقة كما يظهر لنا ذلك تدقيق الاستقصاء والفحص بدون التفات إلى ما يهذر به أهل ~~الغرض الأعمى. وجميع تعليماتها مأخوذة من الكتاب المعصوم الذي لا ينكره إلا أهل الضلال ~~المبين، ولو لم يرتفع قوس نصرها في ساحة العالم وتخفق رايتها على كافة الأقطار لكان النوع ms23 ~~البشري يقع في هاوية الفساد، ويعم الخراب على جميعه، سيما في هذه الأجيال الأخيرة حيثما ~~انتبهت الطباع الخبيثة من غفلات السذاجة لدى ارتفاع نهار التمدن الذي لا يوجد عنده لجم ~~لرد جماح تلك الطباع سوى ما تعلمه مملكة الروح. فإذا رغبت عظمتكم في خرابها تكون هذه الرغبة ~~واقعة على نفس مملكتكم أيضا؛ فلا تنقموا على ذواتكم. # ثانيا: إذا كانت تمد سلاسل سطوتها إلى أعماق القلوب فلا يكون ذلك إلا لإيقاع التهديد ~~والخوف على السرائر والضمائر الشريرة لا للاستيلاء عليها، فلو لم تكشف هذه المملكة حجاب ~~غفلات البشر عن المستقبل وتظهر لهم ما يكمن فيه من المخاوف المستعدة لابتلاعهم، من كان ~~يمكنه ردع الفقير عن الغني؟ من كان يستطيع رد جماح المغتال؟ من كان يحسن تقييد رجل السارق؟ ~~من كان يقدر على قمع ثوران الزاني؟ من كان يمكنه قطع لسان شاهد الزور؟ وبالإجمال من كان ~~يمسك العالم البشري عن تمزيق بعضه البعض ويحفظ نظامه من الانتثار؟ # ثالثا: إن الإنسان لانطباعه على السوء ينسب جميع المعاصي والقبائح لمن ينهى عنها ويوبخ ~~مرتكبيها؛ وبناء على ذلك قد توهم البعض من الأشرار كون جولان خدام مملكة الروح في ~~الأقطار المسكونة هو لأجل غرس الخصومات والقلاقل بين الناس، مع أن الأمر بالعكس؛ أي إنهم ~~يتهمون دائما بنشر الاتفاق والسكينة في العالم، ولو اضطرتهم الحال أحيانا إلى ترك السلم ~~وإشعال نيران الحروب يجب أن لا تقتصروا على أن تتركوا هذه المملكة وشأنها، بل ينبغي أن تكون ~~مملكتكم موجهة كل قوتها إلى مساعدة مسراها وانتشارها. # على أنه إذا كانت دولتكم قائمة بالأبدان فتلك ثابتة بالأرواح. ومن المستحيل قيام البدن ~~بدون الروح؛ فمن الجهالة تغافل ذاك عن هذه. وإذا خامر أفكاركم الميل إلى محاربتها، فلا ~~يخطر لكم إمكان الانتصار عليها، بل يجب أن تعلموا أنكم سترجعون القهقرى ناكصين على أعقاب ~~الندم؛ لأن يد القدرة ممتدة دائما إلى مساعدتها وإغاثتها، حتى لا يمكن لنفس أبواب سقر أن ~~تقوى عليها. وطالما اجتهدت ملوك قبلكم بدثارها وإسقاطها ولم ينجح لهم اجتهاد، ms24 وبمقدار ما ~~كانت الاضطهادات ثائرة عليها كانت هي تزداد قوة وامتدادا إلى أن استغرقت في حضنها العالم ~~وأخضعت كل ملوك الأرض تحت موطئ قدميها. وما ذاك إلا لكون العناية العلوية قد سلمتها زمام ~~السياسة ورافقتها في كل المسالك، ولن تزال هكذا تنمو وتكثر وتشحن الأرض إلى أن تتم ~~المشيئة. # فبعد أن استوفى الملك كلام الفيلسوف ووجده في غاية الصواب، أيقن ببطلان فكره وخطأ ~~اعتماده، وعلم أن ما كان يبلغه البعض من أهالي مملكته ضد مملكة الروح هو ناشئ عن روح ~~التغرض والتعرض. وهكذا عزم على تقديم الإعانة والإغاثة بدل المضاربة والمحاربة، وبعد فترة ~~من الصمت التفت إلى ملكة الحكمة، وقال: إن جميع كلام هذا الرجل صواب، وليس فيه أدنى ارتياب. ~~وكل ما كنا نسمعه كان باطلا ولا حقيقة له، وإذا افترضنا عدم صحته وأشهرنا الحرب، فلا نرجع ~~إلا خائبين، وربما نقع في خطر اضمحلال كل مملكتنا وسياستنا؛ لأن ما يساعده الروح لا يغلبه ~~الجسد. # فأجابت الملكة بتواضع: لا شك فيما تكلم الفيلسوف، ولا ريب أن الاعتماد كان باطلا؛ لأن ~~السياسة العلوية منتصرة دائما على السفلية، وما يكون هابطا من الأعالي يسطو مطلقا على ~~ما ينهض من الأسفل، وما تفعله الصدف لا يغلب مفاعيل القصد. ~~- لعل سياستنا ودولتنا وجدتا على سبيل الصدفة والاتفاق. ~~- إذا تتبعنا شجرة امتداد السياسة والتملك في العالم من حيث الأصل، إنما نراها باسقة من ~~جرثومة المصادفات والتقادير. # فالتفت الملك إلى الفيلسوف، وقال له: ماذا تقول أنت؟ # فأطرق الفيلسوف قليلا ثم أجاب: لا شك فيما قالته حضرة ملكة الحكمة. ~~- هات فصل لنا ذلك. ~~- إن تفصيل هذا الأمر يعسر جدا، ولا يوجد نور واضح نستهدي به إلى الحقيقة، وإنما يمكنني ~~أن أورد على ذلك ما أتناوله من الاستقراء والاستنتاج التاريخي. ~~- لا بأس، خذ راحة الجلوس، وقل ما يخطر لك. # فامتثل الفيلسوف الأمر وجلس، وبعد إطراق قليل رفع رأسه، وجعل يقول ... # الفصل الرابع # | السياسة والمملكة # كما أن نظام هذه الكرة الأرضية لا يمكن قيامه بمجرد حركتها اليومية على نفسها فقط، ms25 بل ~~يحتاج إلى الحركة الشمسية حول فلكها أيضا، هكذا الإنسان بما أنه محمول على ظهر تلك الكرة ~~وآخذ جميع مواده ومقوماته منها، فهو تابع بجميع أطواره لأحوالها. فلا يمكنه القيام بمجرد ~~اقتصاره على ذاته فقط؛ وذلك لعدم مقدرته على حفظ نظام حياته الشخصية، بل يحتاج إلى الدوران ~~حول مركز المجموع الإنساني، وكما أن القوة الجاذبة التي تتبادلها جميع الأجرام السماوية لا ~~تسمح بوقوع خلل في نظام الفلك العام، هكذا يحتاج ذلك المجموع الإنساني إلى قوة تحفظه من ~~الوقوع في الخلل والتبديد. وإذا أخذنا نفتش على قوة مثل هذه، فلا نراها سوى في السياسة ~~والشريعة، على أنه بذلك يوجد الإنسان محافظا على التئام شمل جمعيته. # أما ينبوع ظهور السياسة والسيادة والشرائع، فهو جار من تغلب الناس بعضهم على بعض منذ ~~القديم، وهو الأمر الذي أنتج التملك والمملكات على وجه الأرض؛ فلا سبيل لمن يرغب الاطلاع ~~على حقائق الحوادث البشرية وطرائق حدوثها إلا في إطلاق طيور التبصرات الدقيقة لتحوم باسطة ~~أجنحة البحث والاستقصاء على شواجن التاريخ العام، حيثما يشتبك شجر المواقع في منحدرات ~~الأجيال الغابرة وتهوي غدران الوقائع من شواهق القدمية العالية. # فلا ريب أنه إذا تطلبنا معرفة أصل انتماء وانقياد العالم البشري بعضه إلى بعض، وكيفية ~~انتشار السيادة والشريعة فيه، إنما يدعونا الأمر إلى التوغل في أودية التواريخ الفسيحة. ~~وهناك تبرز لدينا عروسة غابة الحقائق من خباء الأزمنة السالفة مقدمة لنا بين أناملها زهرة ~~المراد، فنعلم حينئذ أن الإنسان لم يسد في أول أمره إلا على عيلته ومتعلقاتها فقط، ثم ~~آلت به حركات الظروف إلى أن يسود ويسطو على قبيلة، ثم أفضت به تلك السيادة والسطوة إلى ~~التسلط على شعوب مختلفة وقبائل متنوعة حيثما نودي به: يعيش الملك. # فهات بنا لنهبط بأقدام الاستقراء في أعماق القدمية الغامضة حيثما قد ابتدأت تلك الحركات ~~وأخذت بالصعود إلى قمة التمام الأقصى، حتى إذا ما بلغنا سدرة التتبع مخترقين فلوات ~~الأدهار المتراكمة نجد أنفسنا منتصبين على عرفات البداية؛ إذ نشاهد الإنسان القديم يهرع ~~إلينا شاهرا ms26 حسام السيادة هكذا. إنه لما كان النوع البشري تائها في البراري وثقوب الأرض ~~لا يجد له مقرا في بطون الأودية التي كانت تهدده بانقضاض قمم الجبال الشامخة عليه، ولا ~~راحة في فسحات القفر الذي كان يقذفه بثوران العواصف القاصفة، ويلذعه بلهبات الهجير ~~المستعر بين أثافي الجنادل والآكام. ولا مفر من زوابع الجو التي كانت ترشقه بمعجزاتها؛ إذ ~~ترسل بروقها لدى أعينه فتخطفها دهشة، وتطلق صواعقها في آذانه فيرتعد جزعا، وتسكب أنواءها ~~على هامته فيخر ساجدا لديها طالبا رحمة كأنه يطلبها من إله يستحق العبادة، كانت الأرض ~~وقتئذ غير محروثة ولا مزروعة وعديمة كل فلاحة، ومع ذلك فقد كانت تزهو ببساطها السندسي الذي ~~بسطته عليها يد الطبيعة تحت مضارب السحاب منسوجا من كل شجر عظيم ونبات وسيم. # فبينما كان أحد أفراد هذا النوع العظيم مضطجعا على كثيب مرتفع في فلاة قفرة الأديم تحت ~~سماء وضيئة الأثير رائقة النسيم، محفوفا بنسائه وبنيه؛ وإذا بنسمة هبت عليه عند انتصاب ~~عمود الصباح، منطوية على نفحات زهور متنوعة الأطياب، وحاملة صرخات المواشي التي كانت ~~تسبح رب الفلق، فأرشدت لحظاته الزائغة إلى أفق شاسع يترعرع بجلباب خضل الاخضرار، ~~ويترقرق تحت مساحب ذيول الغمام ومساقط أنداء الفجر. # فعندما بدا لديه ذلك المشهد الناضر وثب على قدميه في الحال، وصاح بلفيف عيلته المقرون وهو ~~باسط يد الإيماء قائلا: أما تنظرون ذلك الأفق البعيد الذي يتبين لنا من خلال البزوغ كيف ~~هو بهج المنظر وحسن المظهر؟! قوموا بنا لنذهب إليه ونتجسسه عله يكون صالحا لإقامتنا؛ ~~فنتخلص من هذه الأرض الممحلة وتعب تلك الحياة التائهة، ونتمتع برغيد العيش. فما أتم كلامه ~~إلا ورأى أقدام جميع تبعته تهرول أمامه إلى المحل الموما إليه. # ولم يزل هذا المهاجر يطوي أديم الثرى حاديا رحل رفاقه، آخذا هدير الحيوانات دليلا إلى ~~حيث المناخ، حتى انتهى به المسير أخيرا إلى بقعة رحبة الأرجاء؛ فوقف للحين واستوقف وأطلق ~~نظرات التأمل ليرى جليا ما كان يلحظه عن بعد خفيا، وإذا هو منتصب في غوط قد كسته ~~العناية ms27 بوشاح الجمال العجيب، وكللته الطبيعة وأنوار الفصل الرطيب؛ فهناك كانت الشمس تسبل ~~أشعة ضحاها على طلعة ذلك الروض الأزهر فيزدهي بألوان أجنحة الطاووس. هناك كانت الأنداء ~~تتراقص على ثغور الزهر الأنور فتمثل تراقص الحبب في أفواه الكئوس. هناك كان الجو الصافي ~~يتعطر بأنفاس السحر فتهب نسماته ناشرة على الدنيا أطياب البشرى. هناك كانت عرائس الربيع ~~ينثرن من رءوسهن لآلئ النور على حدائق الرياض، ويرسلن نظراتهن الصاحية إلى آفاق الأرجاء ~~الغراء، هناك كانت رءوس أشجار الخمائل تحرق بنيران أنوار المشرق، وأقدامها الثابتة تغرق ~~في مسيل الماء المتدفق، وقدود أغصانها تترنح تحت عقود الزهور لدى خطرات الرياح، وصفحات ~~أوراقها تتلامع بطفحات النور تلامع الأسنة والصفاح. هناك كانت الأطيار تصدح باختلاف ~~الألحان، هناك كانت المواشي تسرح متنوعة الأبدان. # فلما شاهد هذا الإنسان سمو تلك البقعة الزاهرة، وكيف أن الطبيعة قد توجتها بكل أكاليل ~~الجمال، وسكبت عليها مياه البهجة والازدهار، والتفت إلى جمهور ذريته وقال: هو ذا مدبر ~~العالم ومديره قد أرشدنا إلى مقر الراحة في مكان خضرة حيث لا بكا ولا تنهد؛ فهلموا لنمكث ها ~~هنا تحت هذه الأفياء الممتدة بين الزهور والينابيع، ونستريح مما قاسيناه من النصب والوصب ~~في تلك البرية الجدباء. فأحنى كل منهم رأسه امتثالا وساروا جميعا تحت إيعاز إشارته إلى ~~حيث المحط. فكان حلولهم تحت ظلال دوحة لا تلتفحها لفحة الرمضاء، ولا تخترقها أشعة ~~البيضاء. # ولما استروح الكل ريح الارتياح، وطفحت على شفاههم تبسمات الأفراح، جعلوا يتبادلون ~~أحاديث البارحة، ويتذكرون كل غادية ورائحة. أما ربهم فقد كان شاخصا في الأفق حيثما كانت ~~تتراقص بنات الصباح ذوات الأكاليل الذهبية أمام ملكة الشرق الراكبة على عجلة نارية، ~~ومندهشا بما كانت الأنوار ترسمه على وجه الطبيعة ذات الحلل السندسية، وكأن لسان حاله ~~يقول: # هو ذا الصباح بدا وبالأنوار # طبعت وجوه الكون في الأبصار # والشمس قد نشرت بيارقها على # قمم الجبال أمام جيش نهار # وعلى عمود الصبح قد شاد الضحى # برج النهار مسلحا بالنار # والشرق أوتر قوس نور وانثنى # يرمي على الدنيا سهام ms28 شرار # وغدا يزج على الرياض أشعة # كالنار تحرق أرؤس الأشجار # والفجر مد على السما بحر السنا # فهوت دراري الأوج في التيار # والليل مزق ثوبه حزنا على # فقد النجوم وغار في الأغوار # ما زال مد النور يدفع في العلا # جزر الظلال كعاصف لغبار # حتى امتلا جوف الفضاء من الضيا # وزهت بذلك كافة الأقطار # والنهر أصبح بالسنا متموجا # فجرى يرد الضوء للنظار # فترنم القمري فوق غصونه # طربا وفاحت نسمة الأسحار # والنسر هب إلى العلا كأنه # يبغي المسير مع السحاب الجاري # ومن الغمام الشمس حين بدت حكت # وجه الحبيبة لاح تحت خمار # وإذ أفاق من غفلات هواجسه نظر إلى أولاده ونسائه، فرآهم جالسين حوله كغروس الزيتون وهم ~~يتعاطون كئوس الحديث، فأخذ يخاطبهم هكذا: ها إن معارض الصدف قد دفعتنا إلى هذا المكان ~~الفاخر، فلنلبث به ولا نحد عنه. وعلى ما أرى إنه لا يعوز شيء ها هنا مما تحتاجه ~~حياتنا؛ فها أشجار تطرح علينا أفياءها وتنثر أثمارها، وينابيع تدفق لنا مياهها، ومواش تسمح ~~لنا بألبانها ولحومها. وإذا أرعد البرد فرايصنا وغرقتنا الأنواء نصنع من صوف هذه ~~الحيوانات ثيابا تدفينا ومضارب تقينا. فاشربوا هنيا وكلوا مريا في جنات تجري من تحتها ~~الأنهار، حيث لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. # فولين كان التاريخ يعجز عن تمزيق حجاب القدمية القصوى ليكشف لنا تفصيل ما أحدثه الزمان ~~مع تلك العيلة هناك، إلا أنه مع ذلك قد ينهج لنا طريقا نسير به على قدم الاستقراء إلى حيث ~~نقول: إن هذه العيلة قد اغتنمت لذة العيش في ذلك المحل الخصيب، فتمكنت به آمنة وصارت تعيش ~~بنتاج الأرض وحواصل الحيوانات المنفردة هناك، وتسلك تحت إرشاد الكبير منها خلفا فخلفا، ~~ولم تزل مع تقدم الزمان تنمو وتتسع بانضمام آخرين إليها، حتى صارت جمهورا غفيرا يجري ~~تحت سياسة ذلك الكبير الذي كان يخترع شرايع وقوانين يلتزم باعتناقها كل من هذا الجمهور ~~لدفع وقوع الخلل في نظام الجمعية، وبناء على ذلك سموه أميرا. ولكون المواشي والأنعام ~~قد كثرت أيضا وتعاظمت هناك لتواصل الداخلة ms29 وانقطاع الخارجة كما تطلب طبيعة حيوان الكلاء ~~حيث يوجد الإنسان، لم تعد من ثم تلك البقعة كفوا لإشباع الجميع بدون توجيه الاعتناء ~~إليها فصارت القطعان تتشتت؛ ولذلك بادر الناس إلى فلاحة الأرض وتهذيبها، بعد أن تعلموا ~~العملية الإنباتية من نفس الطبيعة؛ لأنهم كانوا يراقبون كيفية هذه العملية من السنابل أو ~~القصلات التي كانت تطرح الحبوب أو البذور في التراب بعد النضج، فتندفن هناك ثم تنهض نامية ~~على شكل الأصل. # ولتسهيل إجراء التقليد للطبيعة بالفلاحة شرعوا يستخلصون المعادن الصلبة من مدافنها، ~~ويعاملونها على النار الموقدة من حطب الغاب، فيسكبونها آلات ويستخدمونها لحرث الأرض وتحريك ~~الأثقال آخذين الثيران أعوانا لهم. # وعلى هذا النمط: أخذوا يتمتعون مع مواشيهم بغلات الأرض وأثمارها مضاعفة، فصاروا يدفعون ~~الأعشار لأميرهم أجرة لما كان يعانيه لأجلهم؛ لأنه كان يحمي برجاله مزارعهم وحقولهم، ويمنع ~~تعدي هذا على أمتعة ذاك، مدافعا عن تخومهم هجوم المغتصب، ساهرا على جميع أحوالهم ~~السياسية بدون أدنى خلل في ترتيب الجمهور، حاكما ما بينهم بالعدل، قاضيا بالإنصاف ناشرا ~~على الجميع راية شريعة واحدة، غير ملتفت إلى الامتيازات الأدبية ما لم يكن لأربابها نفع ~~الصالح العام، مجتهدا بكل إمكانه في راحة شعبه ورفاهيتهم، عارفا أن من يأخذ أجرته يطالب ~~بالعمل، وإذا لم يعمل يسقط من عين ذاته بحيث من لا يؤثر أن يعمل فلا يأكل، عالما أن ~~السياسة أو الرياسة إذا وقعت في غير محلها تطلب من الشعب إنقاذها، غير مأخوذ بخمرة حب ~~الرياسة التي متى خامرت العقل منعت بأبخرتها الكثيفة نفوذ أشعة الصواب فيه. متيقظا لكل ~~واجباته، صاحيا في كل أعماله، ذا سلوك حسن مع الجميع، محبا للغرباء، قادرا على السياسة، ~~لا سكيرا ولا ضرابا ولا طماعا، وبعد مضي فترة من الزمان صار أولئك القوم ينحتون من ~~الجبال حجارة ويشوون من التراب قرميدا ويوقدون من خشب الشجر نارا. # ولما رأى أولئك القوم أن هيئتهم الاجتماعية قد انطوت على كل شروط الأمن والسلام، وصارت ~~حديقة حياتهم تزهو بأثمار الدعة والسكون تحت سياسة أميرهم واعتنائه، أعلنوا جميعهم ms30 وجوب ~~الطاعة والانقياد له، دافعين قلوبهم إلى محبته، وصاروا يسمون ذواتهم عبيده، ويحامون عن ~~حقوقه وبيته بكل مقدرتهم، وهو كان يضاعف اهتمامه بجميع صوالحهم العامة والخاصة، غير مفتكر ~~إلا في دوام راحتهم، ولا ملتفت إلا إلى وقايتهم من كل المزعجات، مسميا إياهم شعبه ~~وأولاده. # ولما كان لا يمكن لنظر الراوي أن يدرك جليا كيفية امتداد تلك السياسة على العالم، ولا ~~أن يستوضح حقيقة المسلك الذي نهجته لها الأقدار لما يعارضه هناك من ظلمات الأحقاب والأعصار، ~~وجب عليه حينئذ أن يستخدم العقل كمصباح لكي يمكن لأعينه بواسطة أشعة الانتقالات الفكرية أن ~~تنفذ في تلك الظلمات الدامسة فتفوز بمشاهدة ما وراء ذلك. # فهلم إذن يا أيها الراوي واتل علينا بقية ما جرى هنالك، وأخبرنا عما عثرت عليه من ~~المواقع بعد أن استطلعت العقل نيرا في أوج الغوامض. # إنني بعد أن أولجت نظري طويلا في بحر زاخر من الظلام الهائل حيثما كانت أمواج التيه ~~والمعاثر تتلاطم تحت مهب عواصف الأيام والليالي، أنفذته أخيرا من هذه اللجج العميقة ~~إلى سهل فسيح الأمد يعانق بباع نهايته أفق البداية، وإذا مرسح عظيم قد انفتح أمامي؛ وإذ كنت ~~عاجزا عن استجلاء الأشباح اللاعبة فيه تماما لشدة توغلهم في عباب القدمية، وضعت على ~~أعيني نظارة الاستقراء وجعلت أتأمل. # فرأيت جموعا عديدة من الناس قائمين بمهمات عظيمة، ومقيمين ضوضاء حافلة وهم يصيحون بعضهم ~~على بعض قائلين: هلموا نبتني لأميرنا برجا يبلغ رأسه إلى السماء؛ فكان البعض يقطع من ~~الجبال حجارة، والبعض يصنع طينا، وآخرون يشوون لبنا، وغيرهم يسرد ترابا، وما برحوا ~~يحفلون بموسم البنيان حتى انتصب برج عظيم وصارت تخفق عليه راية أمير القبيلة. # وهكذا شرع كل من الناس يبني له بيتا ولمواشيه مذودا حتى قامت مدينة عظيمة المشاد، يضج ~~في شوارعها أفواج وافرة من العباد. ولما صارت الأسواق تطن بمطارق معامل المعادن، والشوارع ~~ترن بأصوات الصنائع والأشغال، والساحات ترتجف تحت أقدام المحافل والمعامع، والمراسح تتموج ~~لدى لطم أمواج الأصوات الاحتفالية الآتية من أفواه آلات الطرب، صار يدوي في ms31 آذان الشعوب ~~المتفرقة صوت ذلك الضجيج المرتفع واللغط الهادر، فكانوا يتقاطرون أجواقا أجواقا، ~~ويخيمون في ظلال المدينة طالبين من سكانها أن يقبلوهم في الجوار لكي يتخلصوا من مشاق ~~البادية ويفوزوا براحة الحضر. # وهكذا كانت تلك المدينة تقبلهم بكل إكرام على شرط أن يخضعوا لأحكامها وشرائعها ويؤدوا ~~الأعشار لأميرها؛ فلم تلبث أن تعاظمت جدا، وتضاعفت مساحة وسكانا، وصارت محاطة بأسوار ~~رفيعة وحصون منيعة، حتى أضحت مركز رهبة يدور عليه احترام القبائل وموضوع عظمة يحمل عليه ~~حسد البشر. # وبينما كانت هذه المدينة الزاهرة رافلة بأذيال اليمن والكرامة، مختلة بسربال الهدو ~~والسلامة، تطفح في حاناتها كاسات السرور، وتشدو في حدائقها بلابل الحبور، وإذا عجاج يثور ~~عن بعيد، ونقع غبار يتصاعد إلى الجو، حتى عاد يظن أن زوبعة شديدة قد نهضت من جوف الثرى ~~وهمت أن تكحل أعين السماء بإثمد تراب الأرض، وكانت أصوات كهدير هجمات المياه تهب من تلك ~~الجهة، فصليل تمازجه قعقعة اللجم وصهيل تتخلله نقرات حوافر الخيل. وما كان إلا كتردد ~~الفكر بين شك ويقين، حتى أسفر ذلك الغبار عن جيش جرار يتموج على الصهوات ويفري بطون ~~الفلوات. # فلما نظرت عينا الأمير ذلك العجاج الثائر وسمعت أذناه تلك الأصوات الضاجة، لم يعد ~~عنده ريب أن عدوا سمع بجلال مدينته فدفعه لهيب الحسد إلى إشهار الحرب وإيقاع ~~الحصار. # ولما ثبت عنده ذلك الغضب المقبل، أخذته ثورة الحمية ودارت في رأسه حرارة الوطن، ونادى ~~في جميع المدينة معلنا صوت الحرب حيثما صارت كافة الأهالي فريسة ترتعد بين مخالب الجزع ~~والهلع لما عاينوا مما لم يعاينوا؛ فأوعز إليهم أن يجتمعوا في إحدى الساحات الفسيحة رؤساء ~~ومرءوسين، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، أغنياء وفقراء، بدون أدنى امتياز أو مميز؛ لكون ~~الجميع يلزمهم أن يحاموا عن حقوق الوطن ويقتسموا مطاليب محبته سوية لوجوب حقه على كل من لا ~~ينكر عليه حق التمتع بخيراته. # وعندما تم الاجتماع وشملت النخوة كل الجموع وقف ذلك الأمير على محل عال وأنشأ يقول: # هو ذا الغربا قد أحدقوا بنا فدونكم والطراد، الأعداء ms32 قد هاجمونا فعليكم بالجلاد، ~~أنتم الأسود وهم الكلاب، فوا عجبا لكلب يقتحم الغاب! هيا إلى النزال هيا إلى ~~القتال، أنزلوا بهم الحسام المسنون، وانظروا أي منقلب ينقلبون. # ولما فرغ الأمير من مقاله برز رجل عليه سيما الفصاحة والحماسة ورفع صوته في وسط الجمع ~~وجعل ينشد: # الحربية # فيقوا من الغفلات يا أهل الوطن # إن العدو دنا وها نقع الفتن # حتام أنتم يا بزاة روابض # هبوا فقد حام الغراب على الدمن # هجم العدو وها الغبار وأنتم # من فا الغبار ستنسجون له كفن # لا تحجل الغربان في سعة الفلا # يوما إذا نهض العقاب من الوكن # ناداكم الوطن الذي قد ضمكم # في حضنه وسقاكم لبن المنن # كروا على الأعداء كر الأسد يا # أسد الوفاء فهم ثعالبة الخون # فاصغوا لصوت أب لكم يرجو الحمى # منكم فهيا طاردوا عنه المحن # أوما ترون الدمع منه لأجلكم # يهمى فقوموا نشفوا دمع الوطن # لا يحسن الموت الزءوم لدى امرئ # لكن فدى الأوطان موتكم حسن # فتقلدوا عدد السلاح وبددوا # جيش العدى وخذوا أمامكم الزمن # فما فرغ من إنشاده الحربية حتى صارت أعين القوم تنثر شرر نيران الحمية التي كانت ~~تتوقد في القلوب؛ فأخذ جميع الرجال يتراكضون إلى الأسلحة أفواجا، ويندفعون من أبواب ~~الأسوار كاندفاع الصواعق من بطون السحب وهم يصرخون: لا جبن إلا وراء السور. وكان الأمير ~~ساعيا أمامهم كأحد الجنود. # أما النساء فكن يحافظن على الأولاد ويجهزن أدوات الحرب، وهكذا أخذت الحرب تنتشب بين ~~الجيوش؛ فكانت أصوات المقاليع ترن بين الأودية، والحجارة تترامى بين الصفوف، وعمد الحديد ~~تتساقط على الرءوس، ولم يزل حتى صارت الصدور تتلاطم والأيدي تتقاوم، وكان الغبار يتصاعد من ~~الأرض كتصاعد الدخان من فم الأتون. وما برحت هذه الملحمة حتى أخذ جيش العدو يتقهقر إلى ~~الخلف ناكصا على الأعقاب، وصارت جيوش المدينة تنادي خلفه بالغلبة والظفر، ولم تلبث أن ~~شتت شمل الأعداء ونثرت نظام صفوفهم واستأسرت أكثر أجنادهم فوقعت خشية الأمير في قلوب سائر ~~الأخصام، وعمت هيبته على كافة الصقع وازدادت محبته في نفوس شعبه الخاص ms33 وصار الجميع يقدمون ~~له الخراج ويقولون: ليعش الملك ولتدم المملكة. # وهكذا لم تزل هذه المملكة تنمو وتتسع ويمتد سلطانها إلى الأباعد ، حتى صارت أخيرا واسعة ~~السياسة قائمة الشرائع والروابط؛ بحيث لم يمكن لأحد أن يعيش إلا تحت ذلك النظام. # فحينئذ يظهر لنا مما تقدم أنه قد كان ظهور السيادة والسياسة على هذا النمط في العالم ~~القديم وعلى ذلك المنوال كان قيام الممالك. فمن يعلم أن مملكة آثور أو فينيقية لم يكن ~~ظهورها وامتدادها على النسق المذكور، ومن يعلم أن مكدونية التي ابتلعت تينك الأمتين لم تكن ~~هكذا، ومعلوم أن رومية التي خفق نسرها على المسكونة قد كانت أكواخا. # 1 # ولما فرغ الفيلسوف من مقالته هذه نظر إليه الملك نظرة المندهش وقال له: ولئن كان خطابك ~~هذا مبنيا على نتائج الوساوس والظنون مفعما من أحلام المخيلة وأوهام الفكر، إلا أنه مع ~~ذلك لا يخلو من رائحة الصواب وسمة الحقيقة فلا بأس فيه. # وهكذا رمقته ملكة الحكمة بمقلة المرتضي واستصوبت خطابه، وبعد وقوع السكوت في مرسح ~~المطارحة برهة زهيدة وخلو الكلام من الموضوعات، أخذ الملك يناجي الملكة بصوت سري لم ~~أعلم من موضوعه سوى الأهمية. # وإذ رأى الفيلسوف أن بواعث المناقشة صارت تحول بينه وبين الخواطر، نهض مخليا لهما ساعة ~~المناجاة وسار قاصدا جهة قائد جيش التمدن الذي كان يتخطر على مسافة، ولما دنا منه ~~وتلاطمت النظرات تبادلا مصافحة الأكف وسلما على بعضهما، ثم جلسا معا على جذع شجرة ~~عظيمة قد أضجعها الزمان. # ولما مكن الفيلسوف نظره من القائد وجد عينيه متقدتين بلهيب الغضب، ووجهه مبرقعا بسحابة ~~الغيظ، وأثوابه مضمخة بالدماء، علم أن هذه الظواهر ناجمة عن مواقع الحروب؛ فأخذ يطيب ~~خاطره بعبارات لطيفة، ويبشره باقتطاف ثمرة مشروعه قائلا: ما لي أرى دخان الهيجاء يتصاعد ~~إلى الآن من منخريك يا أيها القائد الشجاع؟ # ولماذا يتناثر شرر السخط من عينيك؟ ولم لم تلق عن وجهك لثام الكمود وأنت الظافر ~~بالعدو والقاهر صفوف المردة والمنادي في مرسح الكفاح: ها أنا الغالب؟ هل الغضب لا ms34 يرحل بعد ~~حلول الانتقام؟ وهل الانتقام لا يروي لدى فيضان نهر الانتصار؟ وكيف لا يتبسم الانتصار عندما ~~يظهر إكليل الغار؟ رحب سعة صدرك؛ فقد أنزلت بالأعداء نكبات الضيق. شد حقويك بالقوة فقد ~~ضعفت عزائم الأخصام، أنقذ أطوار وجهك من أسر الغيظ فقد سقطت دولة العبودية، كيف يزأر الأسد ~~والفريسة ترتعد بين يديه؟ كيف يعتكر البحر والرياح قد سكنت أمامه؟ كيف يدلهم الصباح ~~والليل يتمزق إزاء وجهه؟ # نعم قد بذرت الحروب ولكن حصدت السلامة، نعم قد غرست القتال ولكن جنيت الظفر، نعم قد ~~أمت العبودية ولكن أحييت الحرية، نعم قد قيدت البربرية ولكن أطلقت التمدن، فاحكم بما ~~شئت واقض ما أنت قاض، فأجابه القائد مبتسما وكأنه دخل في خلق جديد: إن دوام لوائح الغضب ~~والكآبة على وجهي إلى الآن ليس مسببا عن تلك الحروب والمواقع التي ملكنا بها الغلبة ~~والنصر، والتي تستدعي ظهور لوائح الفرح والابتهاج، بل عن سبب مهم جدا. أجاب الفيلسوف: وما ~~هذا السبب؟ ~~- هو اعتماد الحضرة الملوكية على إرجاع العصاة إلى أوطانهم ومملكتهم. ~~- نعم، قد بلغني ذلك، ولكن على شروط كثيرة منها إرفاقهم بجماعة من طرف دولتكم كنظار على ~~كل أحوالهم وأحكامهم، ومنها إلزامهم باتباع شرائع التمدن وقوانينه. ~~- إن أولئك القوم هم محتالون منافقون، وليس لهم ذمم ولا عهود تربطهم، يقولون ما لا يفعلون ~~وفي كل واد يهيمون أما تعلم أنه لا يوجد لجماعة الخشونة والبربرية ميثاق سوى الكذب، ولا ~~شريعة غير الاحتيال والمكر، ولا حكم عدا التعدي والظلم، ولا حاكم خلاف الرشوة؟ ومن أصعب ~~الأمور إخضاعهم بدون تبديد شملهم وهتكهم عن آخرهم. ~~- نعم، كل ذلك هو أكيد ولا ريب فيه، ولكن متى شاعت بينهم شرائع التمدن وطفقوا يتعلمونها ~~من نعومة أظفارهم، وقامت عليهم نظار ومساعدون من طرفكم، لا يعودون لابثين على تلك الخصال ~~التي ذكرتها ويصيرون بعد قليل من الزمان طبق المراد. ~~- نعم، ربما يتم ذلك ولكن بعد ألف عام. ولماذا كل هذه المدة؟ لأنهم شعب مجموع من كل قبيلة ~~وملة تحت السماء؛ فكل حزب منهم يبغض ms35 الآخر ويجتهد في خرابه ودثاره بناء على أن المحبة لا ~~تقوم في اختلاف الأجناس، ومتى بطلت المحبة زال التمدن؛ لأنها الأساس الأول له، ومتى زال ~~التمدن تمزقت أحشاء الوطن وخفقت سناجق العبودية، فلا يمكن رفع كل هذه الصعوبات ما لم يمر ~~زمان طويل جدا. إنه ولئن كانت كل هذه المبادئ صحيحة فقد لا يمتنع نهوض التمدن في وسطها؛ ~~لأن قوة انتشاره تغلب كل تلك الصعوبات كما جرى ذلك في أقوام كثيرين مختلفي الأصل والفصل، ~~أظن أنه بدون قوة المعجزات لا يقوم انتشار التمدن بين هذه القبائل. وإذا كان جرى ذلك ما بين ~~أقوام متعددين مختلفين أصلا وفصلا، فهم قد كانوا متفقين ميلا ورأيا. لا يجب عمل ~~المعجزات هنا ولا الآيات؛ إذن بأي قوة ينتشر التمدن؟ بقوة دعائمه المرتكزة على قلب الإنسان ~~طبعا قبل انحرافه إلى الفساد. ~~- كم دعامة يوجد للتمدن؟ ~~- خمس دعائم. ~~- هل يمكنك تعديدها لأنني أفتكر أنه يوجد أكثر من ذلك؟ ~~- نعم، يوجد ولكن ينحصر الكل في تلك الخمس. ~~- فاشرح إذن لي ذلك. # الفصل الخامس # | التمدن # قال الفيلسوف: إن التمدن في اللغة: الدخول في المدينة، وفي الاصطلاح: ناموس يرشد الإنسان ~~إلى تجويد أحواله الطبيعية والأدبية، وهذا الناموس يبنى على خمس دعائم، وهي أولا: تهذيب ~~السياسة، ثانيا: تثقيف العقل، ثالثا: تحسين العادات والأخلاق، رابعا: إصلاح المدينة، ~~خامسا: المحبة. # الدعامة الأولى: تهذيب السياسة # إنه لما كان نظام العالم الإنساني لا يمكن قيامه محفوظا من كل خلل إلا بسياسته، كانت ~~هذه الشريعة تقتضي تمام الالتفات إلى تهذيبها وتحسينها لكونها محورا يدور عليه عالم ~~كبير يستحق كل الالتفات إلى نظامه، ولا يوجد لهذا التهذيب أساس آخر سوى توطيد الحق ~~وتحسين الهيئة؛ لأنهما المركز الأول الذي يتوقف عليه مدار السياسة العامة. ومتى طرأ على ~~الأساس خلل ما لحق ذلك الخلل بكل ما بني عليه، ولا يمكن استمرار ذلك الأساس وطيدا ~~إلا تحت جملة أحوال وهي: # أولا: # حالة الشخص الذي يتعاطى السياسة؛ فهو يجب أن يكون رجلا من أصل كريم ~~وموسر؛ لأنه متى كان هكذا ms36 يوجد ذا تربية حسنة وصالحة، فيكون ذا صفات ~~حميدة وأخلاق راضية حسبما يستلزم حسن التربية ويقتضي صلاح الأحكام. ثم ~~يجب أن يكون مروضا بالعلوم الرياضية والأدبية ومثقفا بمعرفة واجبات ~~الشرائع والقوانين؛ لأنه إذا كان جاهلا هذه الأمور لا يكون قادرا على ~~تتميم خدمته ويعود حينئذ مضطرا إلى الاسترشاد من الأجانب أو ~~تحكمهم، وهم ربما يضلونه أو يخونونه لأغراض ذاتية لهم؛ فتصير كل ~~أحكامه عبثا ويقع في نتائج اشمئزاز الجمهور. ثم ينبغي أن يكون فطنا ~~نبيها لأنه إذا كان خاملا لا تجد دقائق السياسة محلا في عقله فيضيع ~~الحق وتضطرب الأحكام، ويروح المحقوق غالبا والمحق مغلوبا. ثم يقتضي ~~أن يكون عادلا؛ لأن العدل يثبت الحكم ويوطده ويجعل الحاكم محبوبا من ~~جميع الناس ممدوحا من الأخيار مهابا ومخافا من الأشرار الذين لا ~~لجام لجماح شرهم سوى هيبة الحاكم. وخلاف ذلك الظلم لكونه يهدم بناء ~~السياسة ويعارض اتجاهات الحق ويلقي المقت والكراهية في قلوب الشعب، ~~وينهج سبيلا رحبا لهجوم العصاة وتمزيق الهيبة، ثم يجب أن يكون ~~قنوعا؛ لأن الطمع نتيجة التوالع بالمال، وحيثما وجد الولع بالأموال ~~يوجد الاحتشاد والارتشاد وهما الصفتان اللتان متى باشرتا قلب الحاكم ~~أراغتاه عن الحق وجعلتا بينه وبين الصالح العام حجابا كثيفا، ثم أن ~~يكون ذا أناة لأن الأناة هي الآلة الوحيدة لاستقصاء الحقائق من صدور ~~الدعاوى حيث يقوم العلاج، أما العجلة فعليها يسافر الصواب. # ثم ينبغي أن لا يكون سكيرا؛ على أنه لا يوجد أعظم طارد للرشد ~~والنباهة من مداناة الدن ومخامرة الخمر، فمتى ذهب رشد الحاكم فسدت ~~الحكومة وبطل الحق. # ثم من الواجب أن يكون شجاعا؛ لأن الشجاعة درع للرؤساء ودرع ~~للمرءوسين، ولا عار أعظم من جبانة الرئيس؛ لأنها تبقيه عاجزا عن ~~اقتحام صعوبات الرياسة وتصيره ريشة ترتجف لدى هبوب كل ريح. # ثم من الضرورة أن يكون غير ممازح؛ لأنه متى لازم المزاح سخرت به ~~الناس واستهجنته، وربما استقلت بعقله فلا يعود أحد يعتبر أحكامه مهما ~~كان حازما. # ولا شك أن وجود صفات كهذه في الشخص الذي ms37 يتناول زمام الحكومة قد ~~يستلزم وجود نتائجها ما بين تبعته وحواشيه، وهو الأمر الذي له دخل كبير ~~في واجبات السياسة. أما العكس فبالعكس، وذلك كالمركز الذي تتوقف ~~استقامة أقطاره على استقامة وضعه، فبمقدار كونه مستقيما تستقيم، ~~وبمقدار كونه منحرفا تنحرف. # ثانيا: # حالة الاستواء؛ إن أعظم المقومات لصحة السياسة وإقامة الحق هو مجرى ~~شرائعها متساوية على كل أبنائها بدون أدنى امتياز بين الأشخاص أو تفريق ~~بين الأحوال. فلا يجب الأخذ بيد الكبير ودفع الصغير، ولا الالتفات إلى ~~الغني والإعراض عن الفقير، ولا مؤازرة القوي ومواراة الضعيف، بل يجب ~~معاملة الجميع على حد سواء كي لا يقع خلل في نظام الحق؛ لأن كل فئة ~~من الناس لها منزلة في طريق السياسة تستدعي النظر إليها، فكما أن ~~العظماء والأغنياء هم القوة الواصلة، كذلك الصغار والفقراء هم الآلة ~~الموصلة، فلولا يد الصغير لم يطل ساعد الكبير، ولولا تعب ذوي ~~الفاقة لم تسهل متاجر أرباب الغنى ولم تحرس أموالهم ولم تقم قصورهم ~~العالية وسرادقهم المشيدة. لعل ذلك الغني عندما يأتي من محل ملاهيه ~~ومراسحه إلى مسكنه الوسيع، ويضجع على فراشه المصنوع من ريش النعام، ~~وينظر إلى رقوش حجرته ونقوشها، لا يفكر في ذاك المسكين الذي بعد أن ~~يكد ويكدح طول النهار مقاسيا حر صيفه، ومتكبدا برد شتائه لأجل ~~تشييد ذاك المسكن وتنميق تلك الحجرة، يذهب إلى كوخه الحقير ويأكل خبزته ~~اليابسة مع أولاده العراة الجائعين، ثم يضجع على طراحته المنخرقة تحت ~~لحاف الإعياء والوصب، فهل كل هذا التباين لا يكفيه حتى يرغب إيقاعه ~~أيضا في موقف الحق الذي يستوي عنده الجميع؟ وهل يسوغ لأرباب السياسة ~~أن يقبلوا وقوع هذا التباين ويجحفوا بذلك المسكين الذي بدونه لا تصل ~~قوتهم إلى مواقعها فلا يخافون من وثوب التسعة والتسعين وفرط عقد ~~الجمعية؟ # ولماذا يوجد حق لأصوات الأغنياء فترن في قاعات السياسة، ولا يوجد ~~هذا الحق لأصوات بقية الشعب الذين هم الجانب الأكبر والأهم، والذين ~~بواسطتهم تقوم سطوة الممالك وقوات الملوك، وعليهم يتوقف مدار السياسات؟ ~~فلا شك لسان السياسة ms38 نفسه ينادي بوجوب حالة الاستواء ويصرح ضد ~~الضد. # ثالثا: # حالة المطابقة؛ إن منزلة السياسة من الهيئة الاجتماعية هي كمنزلة ~~الدم من الجسد ، فكما أن هذا السائل يقوم بتغذية الجسد وبدونه لا تثبت ~~الحياة، هكذا السياسة تقوم بعول تلك الهيئة، وبدونها لا يثبت النظام. ~~وكما أن الدم يجب أن يكون مطابقا في مقداره ونسب أجزائه لما يحتاجه ~~الجهاز العضوي بحيث إذا لم تحصل هذه المطابقة بزيادة أو نقصان أن لا ~~تلبث الأعضاء على صحتها، وتقع في حالة الاضطراب الوظيفي. هكذا ينبغي أن ~~تكون السياسة مطابقة بقوانينها وشرائعها لما يقتضيه واقع الحال بدون ~~زيادة ولا نقصان، ومتى عدمت تلك المطابقة زاغت الهيئة عن واجباتها ~~واضطرب كل نظامها، وكما أن السائل الدموي يستلزم التنقيص عند زيادته ~~استدراكا لوقوع الأمراض الالتهابية والزيادة عند نقصانه دفعا لنهوض ~~العاهات الافتقارية، هكذا يجب أن تعامل الأحكام السياسة في محكوماتها ~~حذرا من وقوع البلبال؛ فلا يستعمل الصرامة والقساوة والجور والانتقام ~~مكان الرفق والشفقة والحلم والإغضاء، وبالعكس. بل يجب توقيع كل في ~~محله مطابقا؛ بحيث إذا زاد أو نقص يجب تعديله لإخلاله بالواجب ~~السياسي. # ولما كانت حوادث الهيئة الاجتماعية تختلف جرما وموقعا كان لكل ~~منها شأن يستوجب حكما يلائمه ويطابقه، ولكل حكم قوانين تناسبه ~~وتشاكله. وهكذا تكون الأحكام وقوانينها مختلفة اختلاف الحوادث الجارية، ~~فمتى استعمل الواحد محل الآخر نشأ خلل عظيم في نظام السياسة يستدعي خلل ~~الهيئة جميعها؛ فلا يسوغ تنزيل واجبات الكبائر منزلة واجبات الصغائر، ~~ولا يجوز إيقاع الحوادث العظيمة موقع الحوادث الحقيرة، بل يجب إعطاء ~~كل حكمه ليستوفي كل حقه. # وبما أن الأحكام والقوانين تعتبر كأجزاء تؤلف جسم الشريعة في عالم ~~السياسة، وجب أن يكون كل من هذه الأجزاء ثابتا على نقطة وضعه؛ ~~وبناء على ذلك نرى أنه متى زاغ أحدها عن الوضع المعين له، يقع حالا ~~في حركة الاضطراب ويستفز البقية إلى مشاركته في تلك الحركة، ولم يرجع ~~إلى سكونه ويسترجع ما لم ينقطع تأثير الفاعل؛ بحيث إذا دام متواصلا ~~ينهدم بناء ذلك الجسم ويتشتت شمل ms39 أجزائه حسبما يتم في الأجسام ~~الرنانة. # ثم ولا يستعمل الحرب مكان السلامة ولا السلامة مكان الحرب؛ لأن ~~الواحد يبدد والآخر يجمع، ومتى نزل أحدهما منزلة الآخر تزعزعت أساسات ~~الهيئة. # رابعا: # حالة الصالح العام؛ إن أهم دواعي السياسة وأعظم بواعثها هو النظر ~~الدائم إلى الصالح العام وتواصل السهر عليه، بحيث مهما أتقنت السياسة ~~نظامها وأحكمته ولم تلتفت إلى هذا الصالح أو تغافلت عنه، فلا تعتبر إلا ~~كمساعد على نثر عقد الهيئة الاجتماعية الذي لا يمكن دوامه منظوما ما ~~لم تكن الملاحظة السياسة عاصمة له؛ إذ إن إهمال ما يسبب العمار هو ~~تسبيب لوقوع الخراب، وهذه الملاحظة تنحصر جميعها في توقيع ما يئول ~~نفعه إلى العامة إجمالا وإفرادا، ودفع ما يقضي إلى الضرر. # وذلك يستريح على خمسة أركان؛ وهي: تمهيد سبل العلوم، وتسهيل طرائق ~~التجارة، وتقوية وسائط الصنائع والأشغال، ومساعدة الزراعة والفلاحة، ~~وقطع أسباب التعدي. # أما الركن الأول: الذي يناط بتمهيد سبل العلوم: فهو يتضمن المساعدة على ~~تشييد المدارس وتسهيل الدخول فيها لأجل كل من يرغب، وترقية ~~الناجحين بالدراسة على قدر الاستحقاق. # وأما الركن الثاني: الذي يلاحظ تسهيل طرائق التجارة: فهو يتوقف أولا: على ~~تقريب أبعاد الأسفار بواسطة إصلاح الطرقات. ثانيا: على ~~إزالة مخاوف ومعاثر الطريق وإيقاع الأمان والسهولة. ~~ثالثا: على وضع حدود ونظامات تجري على كل أرباب هذه ~~الحرفة؛ بحيث لا يمكن أحدا تجاوزها، رابعا وهو الأخير: ~~على منع كل الصعوبات التي يمكنها صدم تقدم التجارة وإبطال ~~كل عائق لسيرها. # والركن الثالث: الذي يخص تقوية وسائط الصنائع والأشغال: فهو يتأسس ~~أولا: على إثارة هم ذوي الاختراعات بتعظيم جوائزهم ورفع ~~شأنهم وتثبيت ما به يمكنهم اقتطاف ثمرات أتعابهم، ثانيا: ~~على توسيع دوائر الأدوات الصناعية وتضييق مساحة التلف ~~والمصاريف، ثالثا: على رفع كل ما يوقف الخطوات عن الهجوم ~~إلى معاناة الأشغال، أخيرا: على المساعدة في تكثير ~~المعامل وتسهيل مجراها. # وأما الركن الرابع: الذي يتعلق بمساعدة الزراعة والفلاحة: فهو يقوم برفع ~~الجور عن الفلاح وفتح الطريق للزراع، وتعجيل خطوات ~~الحصاد ومنع حشر العشار واحتشاد ms40 الخزان، وبملاشاة كل موانع ~~البدار وتسديد جميع مطاليب الأرض. # وأما الركن الخامس: الذي يشمل رفع أسباب التعدي: فهو يستوي على ثلاث قضايا ~~فقط، وهي: حماية المتاع، وصيانة الاعتبار، ووقاية ~~الأرواح. # الدعامة الثانية: تثقيف العقل # إنه إذا فحص الجوهر الإنساني من حيث فطرته الأولى وأصله الطبيعي، إنما يشاهد لامعا ~~بكل الصفات الساذجة والخصال البسيطة حسبما يتبين ذلك من كل إنسان يتربى منفردا عن ~~ازدحامات عالم المخالطة. ولما كان عظم لطافة هذا الجوهر وشدة احتياجه إلى وقاية نفسه ~~سببا فعالا لقبوله التأثر بكل صورة تلوح له، والتخلق بكل سمة يحافظ بها على ذاته؛ ~~كان انضمامه في سلك الجمعية إذ ذاك موجبا لانطباع صور الحوادث الاجتماعية والوقائع ~~الأدبية على ستائر قلبه وتطبعه بأخلاق وطباع بها يمكنه أن يعارك ويزاحم أمواج العالم ~~البشري تحت لواء حوادثه. # غير أن كثرة تقلبات الأحوال والأجيال تأدت به إلى أن يفقد كل أطوار تلك الفطرة ~~الأولى، ويصير من أشر المخلوقات وأوحشها؛ ومن ثم لم يعد الإنسان قادرا على ~~الدخول في دائرة التمدن الذي يطلب سذاجة الصفات وسلامة الطباع إلا إذا كان متزينا ~~بتثقيف العقل الذي يعتبر كآلة عظيمة بها يمكن لكل من البشر أن يسترجع إلى طبيعته ما ~~أفقدها التوحش. # ولا يتم هذا التثقيف إلا بالتروض في العلوم والفنون ودراسة المعارف الطبيعية ~~والأدبية. ومن المعلوم أن العلم يخلق في الإنسان قلبا نقيا وروحا مستقيمة، ويجعله ~~ظافرا بكل الصفات الصافية ونافرا عن كل ما يشين الجوهر الإنساني، ولا يترك له سبيلا ~~إلى التفكر في الأمور الدنية والأميال المنحرفة؛ وهو الأمر الذي تشتق منه كل أفعال ~~الشر، وعليه تبنى كل دعائم التوحش. فكيف يفكر الإنسان مثلا في دناءة السلوك عندما ~~يكون الفلك طائرا به إلى أعالي الإجرام السماوية حيثما يرى ألوف ألوف وربوات ربوات من ~~النجوم التي هي شموس هائلة الحجم، وكل منها جالس على عرش الفضاء ثابت في مركزه، وتدور ~~حوله كواكب سيارة مختلفة الأبعاد والأشكال، وجميع ذلك له من السمو والعظمة ما يخبر ~~بعظم أعمال الله. وكيف يأخذ ms41 بذهنه الهتك بالقريب بينما تكون الطبيعة هاتكة له أسرارها ~~ومبدية لديه غوامضها؛ فإذا نظر إلى الأرض يراها تدعوه إلى تمييز تراكيب طبقاتها وتعديد ~~مفردات عناصرها ومعرفة نسبة كل من موادها إلى غيره. وإذا تأمل في الحيوان يراه باسطا ~~أنواعه لدى حكمه وطالبا منه فصل كل عن الآخر، وإذا لحظ النباتات يراها كأنها تدعوه ~~إلى معاينة عجائب نموها وماهية جوهرها وكيفية تغذيتها وعملية إنتاجها وتأثير ~~خاصياتها، وكأنها تكلفه إحصاء كل من أنواعها وتحديده تكليفا فوق وسعه. # وكيف يرتضي بعمل المنكرات حينما تكون الكيمياء مقدمة له مشكلاتها وطارحة عليه مسائل ~~غوامضها، فما ينتهي من معرفة صفات عنصر منها وإدراك نسبة اتحاده بغيره وكيفية قوامه إلا ~~ويبرز لديه عنصر آخر ويدعوه إلى تفنيده فيذهب خابطا في عباب المشكلات حيثما يقابله ~~مولد الحوامض بإيقاده وإنارته، ويطارحه مولد الماء برشاقته ولهيبه، ويناقشه حامل ~~الأنوار بلمعانه وإضاءته، ويدهشه الذهب بثباته، وتذهله الفضة بوضاءتها ونقاوتها، ويلطمه ~~الحديد بكثافته وصدئه، ويحيره الزئبق بفراره ونفاره. # وكيف يسمح لأمياله أن تسرح في عالم الشرور والمعاصي حيثما تكون الجغرافية سارحة به ~~على ظهر هذه الكرة الأرضية المملوءة من عجائب الخليقة وغرائب الحوادث. فتارة تطير به ~~إلى قمم الجبال العالية فيرى ما بها من الأودية العميقة والسلاسل المستطيلة والينابيع ~~الجارية؛ فيفكر فيما سبب المرتفعات وما أحدث المنخفضات وما جمع المياه. وأحيانا تمر ~~به على السهول الواسعة والبحار الشاسعة والأنهار المتدفقة؛ فيقف متفكرا فيما جمد ~~اليابسة وجمع السوائل إلى مكان واحد. وأوقاتا تسيح به في الأقاليم والأقطار فيستوقفه ~~اختلاف العرض والطول في ميدان التأمل لتباين المناخات والأهوية، وطورا تترحل به إلى ~~بلاد لا عدد لها وأماكن لا تحصى، وجميعها تختلف باختلاف المواقع والوقائع؛ فيقف ~~متحيرا بما تحويه الأرض من الأمم والقبائل المختلفة بالمذاهب والمشارب والهيئات. ~~ومندهشا لما يراه من أحوال البلدان والسياسات والشرائع، وممعنا فيما يعاينه من ~~الصنائع المتنوعة الأشكال والتجارات المتشكلة الأحوال، وهكذا يطوف به هذا العلم إلى ~~أقاصي العالم بدون أن يترك له سبيلا للجولان في عالم المآثم وهو جالس على ms42 وسادته غير ~~مبارح صديقا ولا مفارق حبيبا. # وكيف لا يبدل الأعمال الرديئة بالصالحة عندما يكشف له التاريخ حجب الأجيال الغابرة ~~ويطلعه على كثيرين من البشر الذين كانت أعمالهم سببا لأحوالهم إن رديئة فرديئة أو ~~صالحة فصالحة. ويظهر له كثير من الناس الذين بواسطة سمو أفعالهم قد بلغوا أسمى ~~المراتب وأعلى المنازل، وكم وكم من الناس الذين بواسطة دناءة أفعالهم قد هبطوا إلى ~~الحضيض، لا بل يظهر له أن كثيرا من الممالك العظيمة القوة والراسخة الأركان قد أفضت ~~بها قبائح السلوك إلى الاضمحلال والملاشاة، وكثيرا من الولايات الصغيرة قد آلت بها قوة ~~الأطوار الحميدة إلى الاتساع والامتداد ورفعتها إلى سماء المجد والكرامة، وخاصة يظهر ~~له أن أفعال الخشونة والتوحش ليس كانت تبدد الممالك وتستأصل الملوك فقط، بل كانت ~~أيضا تشتت العباد وتهدم البلاد مهما كانت حصينة وغنية. أفلا يشعر بحركة غامضة في أعماق ~~قلبه تدعوه إلى احتقار العظمات الإنسانية والفخفخات # 1 # الكاذبة وتجذبه إلى الاتصاف بالصفات السليمة والتخلق بالأخلاق الحميدة؛ ~~وذلك حينما تمتطي تأملاته السرية خيول التاريخ، وتجري في برية سوريا مثلا حيثما ~~يشاهد أن عظمة ذلك الإقليم القديم العهد والكريم التربة والأصل قد استحالت بفعل الأجيال ~~الخشنة إلى دمار مهول؛ حيث لا يرى سوى خرابات تلقي الكآبة على الأبصار، وعدد قليل من ~~الشعوب المفتقرة بدل تلك العظمات السابقة والمجد الزاهر والغنى الوافر. # أفلا يطرق تأسفا إذ يرى صور مدينة الفينيقيين التي كانت مركز تجارة العالم ومحط ~~رحال الآمال قد صارت نسيا منسيا ولم يبق فيها سوى شباك الصيادين؟ أفلا يرتعد لدى ~~سطوة الحدثان حينما يرى أورشليم مدينة داود ومحل عظمة سليمان قد أصبحت قرية لا يذكر ~~منها سوى المحلات التي لم يحفظها سوى يد القداسة؟ أفلا يضطرب مخافة من بوائق الزمان ~~عندما يرى أنطاكية مدينة الله العظمى ذات الأسوار العالية والحصون المنيعة قد أضحت ~~رمة مضجعة في قبر أنوبال؟ أفلا يرتجف لدى هيبة الأيام إذ يرى مدينة تدمر التي كانت ~~مبنية بالصفاح والعمد قد صارت أطلالا دارسة ورسوما بالية حتى ms43 لا يشاهد فيها سوى ~~عواميد هابطة وعضايد ساقطة وهياكل مهدومة؟ أفلا يهجس كربا إذ يعاين أن منبج ذات الصيت ~~الرنان قد غدت كالسمك الذي لا صوت له؟ أفلا يقف متحيرا عندما يصعد على رأس سمعان ويرى ~~أن جميع ما كان يحويه من المدن العظيمة والقرى الخصبة والمزارع الناضرة والأديرة ~~العامرة والكنائس الرحبة قد صار خرابا تاما ودمارا لا مزيد عليه بحيث لم يبق سوى ~~بعض رسوم وأشكال؟ وبعد هذا فلا تسحقه صواعق الاشمئزاز عندما يتأكد أن جميع هذا الخراب ~~هو نتيجة الجهل والتوحش؟ # فبالإجمال نقول إن العلم هو الفاعل الأعظم لتثقيف العقل والمروض الأكبر لجماح ~~الطبائع، والسبب الأهم لتشييد التمدن والعمار إذ هو يرفع أفكار الإنسان إلى الحقائق ~~السامية فلا تعود دائرة على مستحقرات الأشياء، ويرسم في مرآة ذهنه صور الكائنات ~~الدقيقة فلا يعود هاذيا بخزعبلات الأمور فتنطفي من قلبه توقدات الحسد بنظره إلى زوال ~~المحسودات، ويطرد من صدره ضواغط الطمع بإدراكه حقيقة المطموعات، وتتلاشى من روحه بقية ~~الأطوار المنتجة رجسه الخراب كالقساوة التي غرقت مراكب مصر، والالتطاخ الذي هدم قصور ~~آثور، والتغفل الذي كسف شمس فارس، والطمع الذي كسر صولجان مكدونية، والضغينة التي ~~مزقت أحشاء فلسطين، والكبرياء التي ثلت عرش الروم، والخيانة التي قلبت ممالك ~~الرومانيين، والبغض الذي شتت شمل لبنان وزعزع أركان دمشق. # ثم تنمو به الصفات الداعية إلى جلالة العمار كالشجاعة والنباهة والمحبة والاتضاع ~~والدعة والإحسان والوفاء والأمنية؛ إذ يعود خبيرا بغوائل تلك الأطوار الطالحة، وعليما ~~بنتائج هذه الصفات الصالحة. # فبدون تثقيف العقل إذن لا يعد الإنسان إلا مع البهائم التي لا عقل لها ولا يمكن ~~أن يدعى متمدنا قط. # الدعامة الثالثة: تحسين العوائد والأخلاق # إن النظر إلى عوائد البشر وأخلاقهم يعتبر كأعظم دليل على حالة تمدنهم ومقامه، فكلما ~~كانت هذه العوائد والأخلاق جيدة كان تمدن أربابها جيدا وعاليا، وكلما كانت قبيحة ~~كان قبيحا؛ ولذلك يجب على الشعب الداخل في دائرة التمدن أن يبذل الاعتناء كثيرا في ~~تحسين عاداته وأخلاقه كي لا يكون تمدنه من باب الدعوى ms44 لا الحقيقة كما يشاهد ذلك في ~~كثير من الأمم، ولما كانت العوائد والأخلاق تارة تعتبر في الخصوص وأخرى في العموم وجب ~~أن يكون كلامنا عليها خاصا وعاما. # أولا «الخاص»: # إن المراد هنا هو النظر إلى تحسين العادات والأخلاق الشخصية؛ أي التي ~~تخص الشخص المفرد، وهي إما طبيعية أو أدبية؛ فالطبيعية تدعى ملكات، ~~والأدبية عادات. وجميعها يرجع إلى التطبع لأنه الأصل لجميع هذا الباب؛ ~~ولذلك يجب عليه أن يكون المدار. فنقول إن الإنسان حينما يولد على الأرض ~~يكون خاليا من جميع العوائد والأخلاق جيدة كانت أو رديئة، ولا يوجد ~~فيه شيء سوى الاستعداد إلى التطبع، فإذا كان استعداده جيدا مال إلى ~~قبول الجيد، وإذا كان رديئا مال إلى قبول الرديء. فلا يوجد لتحسين ~~العادات والأخلاق الشخصية أهم من إخضاع الاستعداد الإنساني منذ نعومة ~~الأظفار إلى التطبع بالطبائع الحسنة والتخلق بالأخلاق الجيدة. على ~~أنه في هذه المدة من الحياة تكون الطبيعة شديدة الخضوع لقبول التأثيرات ~~والانفعالات؛ فلذلك كل عادة وجدت في الحداثة ولم تستدرك طبعت أثرها ~~على الفطرة وكانت ملكة عند الكبر لا تسمح باستئصالها إلا تحت مشاق ~~التعب الزائد وهكذا كل خلق. ومتى حصل الانتقال إلى سن البلوغ فصاعدا ~~صار التطبع صعبا جدا على الطبيعة ولا يعود للملكة سلطان عليها، ~~بل تصير خاضعة لغلبة العادة التي ليس لإزالتها صعوبة. # أما كيفية ذلك الإخضاع للاستعداد الإنساني، فهي تتم بإمالة الأميال ~~عن التطبعات بالعوائد والأخلاق المنكرة وإلحاقها بالمقبولة، ولا يمكن ~~التسليم بكون الشخص متمدنا ما دامت عوائده وأخلاقه غير موافقة لما ~~يقتضيه التمدن من التعود والتخلق. # فلا يتفق التمدن مع ملكة السكر؛ لأن ذاك يطلب تقوية أفعال العقل ~~بتصحيح التصور وإصلاح الحكم وتنشيط الذكر، وهذه تقتضي إضعاف الأفعال ~~العقلية بإيقاع الخمول وإفساد الأحكام وإلقاء الهذيان. ذاك يستلزم حسن ~~الصفات كالأناسة واللطافة وعزة النفس، وهذه تستدعي قبح الأوصاف كالتوحش ~~والكثافة والدناءة. ذاك يطلب الالتفات إلى الأعمال والأشغال والنشاط، ~~وهذه تطلب البطالة والتواني والكسل. ذاك يستميل إلى المحافظة على الصحة ~~ورفع أسباب الأمراض، وهذه تطرد ms45 كل قانون صحي وتفتح سبيلا عظيما لنهوض ~~كل مرض عضال كالحدار والتيبس وسوء الهضم والاستحالات الآلية ونحو ~~ذلك. # ولا يتفق التمدن مع عادة النهم؛ لأن ذاك يطلب الاقتصار على كفاية ~~الطبيعة طبق إنسانيتها، وهذه تطلب تحميلها فوق طاقتها فتكسيها الأخلاق ~~البهيمية. ذاك يطلب الترتيب في المعيشة حذرا من وثوب الاحتياج، وهذه ~~تقتضي كثرة الانهماك فتكون داعية إلى الحاجة. # ولا يتفق التمدن مع ملكة الفجور؛ لأن ذاك يستلزم الطهارة والعفة، ~~وهذه تستجوب الدنس والشهوة. ذاك يلتمس الدعة والتعقل، وهذه تبغي ~~الشراسة والحمق. ذاك يطلب الاستحياء والأدب، وهذه تقتضي الوقاحة ~~والعهارة. # ولا يتفق التمدن مع خلق الكذب؛ لأن ذاك يطلب الاستقامة والحقيقة، ~~وهذا يقتضي الاعوجاج والتزوير. ذاك يستلزم الأمانة والثقة، وهذا يستدعي ~~الخيانة والنكث. ذاك يدعو إلى النصيحة والتحريض، وهذا يستميل إلى ~~الخديعة والغش. ذاك يجعل الإنسان مكرما محبوبا، وهذا يصيره مهانا ~~مبغوضا. ذاك ينهج بصاحبه طرق السعادة والغنى، وهذا يطرحه في وهاد ~~النحس والفقر. # ولا يتفق التمدن مع عادة النميمة؛ لأن ذاك ينادي بقبح الكشف عن ~~الأعمال السرية للبشر، وهذه تصرخ بإعلانها لدى الآفاق. ذاك يسدل ستارة ~~الخفاء على كل النقائص والعيوب، وهذه مهتمة بخرق كل ستارة. ذاك يفتح ~~صدر الإنسان لدخول الأسرار فيه، وهذه تغلقه وتجعل صاحبها مجتنبا من ~~جميع الناس وممقوتا. # ولا يتفق التمدن مع خلق الغضب؛ لأن ذاك يطلب الهدو والتأني في ~~الأمور، وهذا يطلب الضوضاء والعجلة. ذاك يطلب إرضاء الناس واستمالتهم، ~~وهذا يستلزم إسخاطهم وتنفيرهم. ذاك يقتضي البشاشة والطلاقة، وهذا ينتج الوجوم # 2 # والقنوط. ذاك يجذب بركات الجماعة إلى وجه صاحبه، وهذا يسبب ~~اللعنات. # ولا يتفق التمدن مع الجبن؛ لأن ذاك يطلب الثبات والصبر على الأهوال ~~والمصايب، وهذا يطلب التقلقل لدى كل حادثة. ذاك يقتضي الإقدام على ~~تشتيت المخاوف والمزعجات، وهذا يقتضي الفرار من كل شيء. ذاك يستوجب ~~استصغار المستكبرات، وهذا يقتضي استكبار المستصغرات. # فجميع هذه العادات والأخلاق الشخصية وأشباهها مما لم يذكر لا يمكن ~~اتفاقها مع قوانين التمدن؛ ولذلك يجب استئصالها من الناس وتربيتهم على ~~أضدادها ms46 ولو دعا الأمر إلى صعوبة قصوى، وبهذا يقوم التحسين المطلوب هنا ~~في الكلام الخاص. # ثانيا «العام»: # إن كرور أزمنة الجهالة على بعض البشر وتقلبات الظروف فيما بينهم قد ~~أحدثت فيهم كثيرا من العوائد والأخلاق التي تنكر عليهم إذا دخلوا في ~~نظام التمدن؛ ولذلك يجب أن يجتهدوا كثيرا في إزالتها ويستبدلوها بما ~~يناسب روح العصر. # فلا يعتبر أولئك المدعون بالتمدن إذا كانت بيوتهم مشحونة بالأثاث ~~العقيم كالفضة والنحاس وأنواع الخزف والأقمشة، ولم يوجد فيها كتاب أو ~~مياومة ولا أدنى آلة للعلم. لكنما اعتبارهم يقوم إذا كانوا يعلمون ~~أن زينة العقل تفوق زينة المسكن، وأن هذه نتيجة الأجيال المظلمة التي ~~كانت تنطبق على الفخفخات والعظمات الفارغة، وتلك نتيجة الجيل المتنور ~~الذي لا يقبل ما لا نفع فيه. # ولا تعتد بهؤلاء المتظاهرين بالتمدن إذا كانت رءوس نسائهم ~~تتشعشع بأنوار الأحجار الكريمة ذات الثمن الوافر والعديمة الثمرة، ولم ~~يكن في تلك الرءوس أدنى شعاع للعقل والآداب، بل يعتد بهم إذا رفعوا ~~جميع تلك الظواهر الخيالية وأثبتوها للنفقة على تعليم نسائهم وتهذيبهن، ~~كما أنهم لا يعتبرون أصلا مهما ضيقوا أثوابهم وأطالوا خيزراناتهم ~~وهرولوا مسرعين إذا لم يوسعوا أفكارهم ويقيدوا جماح أميالهم ~~المنحرفة. # ولا اعتبار لأولئك الذين ينفقون المبالغ الوافرة على تجهيز المآدب ~~الفاخرة والولائم الحافلة في أيام المواسم والأعياد. ولا يدفعون فلسا ~~واحدا لعمل الخير، لكنهم يعتبرون إذا جعلوا ذلك الإنفاق مخصوصا ~~للأعمال الخيرية وعلموا أن عظمات المآدب والولائم إنما كانت معتبرة في ~~هياكل الوثنيين عند تقديم الضحايا لآلهتهم يوم الموسم أو العيد. # ولا يعد مع المتمدنين أولئك الذين يتسابقون مسرعين إلى منازل ~~بعضهم في الأيام الموسومة عندهم بالرسمية خابطين تحت شمس الصيف وغباره، ~~وخائضين في أمطار الشتاء وأوحاله. ولا يوجه أحد منهم خطوة واحدة إلى ~~فعل الجميل، وإذا وجد منهم من يقصد ذلك الفعل سد الآخرون طريقه ~~بحجارة الملامة، كما يرجمونه بها لو تأخر في مسابقتهم إلى قضاء تلك ~~الرسوم الباطلة. # ولا يقبل التمدن من تثور في أعراسهم صيحات زغاريت النساء وصراخات ~~جوقات الرجال، ms47 خصوصا حينما يكون صدوح آلات الطرب داعيا إلى الهدو ~~والسكوت، فهم يجمعون بين المتضادات؛ إذ يتركون الآذان مصدوحة ومرتاحة ~~معا فلا يشتمون رائحة التمدن ما داموا معتنقين هذه العادة ~~الخشنة. # ولا ينخرط في سلك المتمدنين كل أولئك الذين متى دخلت المنية بيت ~~أحدهم نهضت ضوضاء الولاول وطارت صراخاتها الذريعة إلى قبة السماء؛ بحيث ~~تقشعر الأبدان انفعالا منها ويستولي الكمود والانزعاج على كل ~~سامعيها. ولكن قد يضمون إلى عقد التمدن بشرط أن يبطلوا هذه العادة ~~القبيحة ويعلموا أنها موروثة من أزمنة عرب الجاهلية الذين كانوا يكلفون ~~الطبيعة الإنسانية في هذا الأمر ما تستعمله بعض الحيوانات، ويتحققوا أن ~~إنسانيتهم تكون ساقطة سقوطا حقيقيا حتى إنها لم ترث من أولئك ~~القبائل سوى تلك العادة المستقبحة، وتركت كل ملائحهم الجليلة مثل الكرم ~~والنخوة والحماسة وحماية الجار وقبول الضيف وهلم جرا. # وهكذا لا يدعون متمدنين كل الذين يجعلون الحزن شريعة ظالمة إلى حد ~~أنها لا تسمح قط لمن يدخل تحت لوائها أن يستعمل أدنى شيء من لوازم ~~الطبيعة إلا بعد بضع سنين؛ فلا يمكنه أن يخفف عنه حرارة الصيف بلبس ~~الثياب البيض ولو اقتضى ذلك إلى الإضرار بصحته، ولا يقدر على تنقية ~~جسمه من الأوساخ وتنشيط وظيفة التبخير في ذهابه إلى الحمام ولو افترس ~~القمل جلده وأهلكه الاستقساء، ولا يستطيع الخروج إلى البستان لأجل ~~استنشاق الهواء النظيف ولو تسرطن جميع دمه، ولا يؤذن له بسماع آلات ~~الطرب أو أصوات الغناء ولو أوقعته الأكدار في داء المراق، ولا يسوغ له ~~أن يصنع في بيته شيئا من المأكولات الطيبة عند إحساسه بقبولها حذرا ~~من قول الناس عنه إنه قليل الحس، ولكنهم قد يحسبون من أرباب التمدن ~~متى علموا أن الحزن شريعة تطلب عكس ما ينسبون إليها، وأنه انفعال كلما ~~حدث في النفس لا يكف عن استنهاض ضده إيقاعا لرد الفعل، وكلما كان وقوع ~~الفعل شديدا أو سريعا كان رده شديدا أو سريعا. # وهيهات أن يحسبوا متمدنين كل أولئك الذين يشرعون إذلال النساء ~~وتحقيرهن وإهانتهن وربما ضربهن أيضا؛ ms48 بناء على أن هذا الجنس ساقط ~~ولا يستحق أدنى اعتبار، مع أن الأمر على خلاف ما يظنونه؛ فإن الجنس ~~النسائي جوهر لطيف للغاية وأهل لكل كرامة ويستحق كل الالتفات إليه، ~~والطبيعة نفسها تدعو إلى إكرامه ومداراته؛ إذ إنه الجزء الأهم في ~~الإنسانية، والمساعد العظيم لقيام الجنس البشري والينبوع الأول لتغذية ~~الحياة ومواساتها في زمن قصورها. # ولا يحسب متمدنا ذلك الرجل الذي يزعم أن الإفراط في معاشرة النساء ~~ومخالطتهن من واجبات التمدن غير عالم أن كثرة التهافت على المرأة ~~تجعل الرجل ذليلا لديها، وكلما عز نفسا ارتفع عندها مقاما. # ولا تخلو سيماء التمدن على أولئك الذين عندما يتكلمون أو يتخاصمون ~~يفغرون أفواههم ويرفعون أصواتهم إلى درجة تمزيق أوتار حناجرهم، حتى ~~يكادوا يشاركون الجمل بجعجعته والثور بعجعجته والحمار بنهيقه. مع أن ~~غاية التمدن هي نزع كل سمة بهيمية عن الإنسان. ولا تحسن ثياب التمدن ~~على كل أولئك الذين ينزلون الخرافات منزلة الحقائق وينذرون بها على ~~الآفاق غير عالمين أنه لا شيء يدنس تلك الثياب النقية ويلطخها نظير ~~اعتناق الأكاذيب والأباطيل وإشاعتها. فهم تارة ينسبون إلى بعض ~~الحيوانات خاصيات لو أمكن وجودها لكان الإنسان خليقا بها، وكذلك ~~كنباح الكلب دلالة على حدوث مصيبة، ونعق البوم إشارة إلى وقوع خراب، ~~وهروب الطيور علامة على قدوم وباء. وتارة يتهمون الأفلاك بما تفعله ~~الظروف والأقدار؛ إذ ينسبون إليها كل الحوادث التي تتم على الأرض ~~عموما وخصوصا؛ فيعطون الحرب للمريخ والسعد للمشتري والنحس لزحل ~~والذكاء لعطارد وخفة الروح للزهرة والصقاعة للقمر وطبخ المعادن للشمس. ~~هذا عدا أمور لا تعد ولا تحصى ينسبونها إلى كل من هذه الأجرام التي ~~تقسم بذواتها إنها لا تعرفهم، ولم تطرح عليهم قط لا حربا ولا سلامة ~~ولا سعدا ولا نحسا ولا غير ذلك فضلا عما ينسبونه إلى العين من ~~التأثيرات وإلى الأحلام من التفسيرات. # فلا يمكن لأحد أن يحسن عوائده وأخلاقه التمدنية إلا إذا رفع من فكره ~~الاعتقاد بمثل هذه الأكاذيب عالما أنها واصلة إليه من خرافات ~~اليونانيين الذين كانت عباداتهم ورسومهم ms49 تسمح لهم أن يعتقدوا بمثل هذه ~~الأضاليل. # وبالإجمال نقول: إنه يوجد شوارد شتى مما يقتضيه مقام هذا الكلام ~~العام قد عدلنا عن جمعها حبا في الاختصار، إلا أنا نختم سياقنا هذا ~~قائلين: إنه لا يمكن للتمدن أن يقبل في نظامه أدنى عادة قبيحة أو خلق ~~رديء، ولا يقدر أحد على الدخول تحت ألويته ما لم يحسن عاداته ~~وأخلاقه. # الدعامة الرابعة: صحة المدينة # إن أول شيء يستدل به على تمدن أمة ما أو توحشها هو النظر إلى حالة مدينتها، فكلما ~~كانت المدينة صحيحة كان التمدن صحيحا، وكلما كانت سقيمة كان سقيما، أما كيفية هذه ~~الصحة المدنية فهي تقوم تحت جملة أحوال، وأخصها ثلاث: # أولا «النظافة»: # إنه لا مناص للمتمدنين من بذل مزيد من الاجتهاد والاعتناء بتنظيف ~~أسواقهم ومنازلهم تسديدا لطلب الطبيعة نفسها؛ لأن المراد من ذلك ليس ~~نوال الغاية الأدبية وحدها، بل الغاية الطبيعية أيضا وهي إراحة ~~الطبيعة الحيوية مما يقلق نظامها ويزعج وظائفها، ولا يوجد خطب أشد ~~تأثيرا على هذه الطبيعة من دخول المواد الغريبة عنها إليها لا سيما ~~إذا كانت مفسودة، فكما أن بعض الجواهر المعدنية لغرابة تركيبه يزعزع ~~أركان البناء العضوي للجهاز الحيواني ويسلب مجموع حياته متى دخل إليه؛ ~~هكذا تفعل الانبعاثات الفاسدة بالأوخام والأقذار عندما يحملها الهواء ~~ويدفعها إلى عضو التنفس حيثما يتناولها الدم ويمر بها إلى مواقع ~~التغذية. # فكم تقاسي الطبيعة من الاضطرابات المرضية المميتة؟ وكم تلتمس الإنقاذ ~~بلسان حال الانزعاج الوظائفي عندما تمازجها هذه المواد الغريبة؟ فهي ~~السبب الأعظم لتهييج الحميات الخبيثة كأنواع التيفوس والتيفوئد، كما ~~أنها سبب قوي لتمهيد طريق الوافدات الوبائية المهلكة كأنواع الطاعون ~~والهواء الهندي. # وبالإجمال نقول: إن الغاية الوحيدة للطبيعة هي قبول ما يناسبها لقيام ~~حياتها ودفع ما يستنزل عليها صاعقة الموت بمغايرته لها ولو كان صادرا ~~عن ذات فعلها. ألا ترى كيف أنها تجتهد في طرد التراكيب الصديدية ~~التابعة لالتهاب ما عضوي إلى الخارج بواسطة النفث أو الغائط أو ~~الاستطراق من المركز الانفعالي إلى بعض جهات المحيط البدني، حتى إذا ms50 لم ~~يمكنها تتميم هذه العملية ودخل الصديد الفاسد إلى التيار الدموي ألقى ~~عليها رعدة الاضطراب بإفساد جميع كتلة الدم وأماتها بعد نزاع ~~شديد. # فإذا كانت الطبيعة لا تقبل ما يغرب عنها ولو كان آخذا صدوره من ذات ~~أجزائها لعدم نفعه لها، فكيف تقبل ما يكون غريبا وأجنبيا معا، ومن ~~حيث إن الأقذار والأوساخ لها أشد الأفعال السمية كما سبق. فلا يسوغ - ~~والحالة هذه - تغافل أرباب التمدن عن ملاشاتها، ويجب الاعتناء الوافر ~~بحفظ النظافة العامة للأسواق والشوارع، والخاصة للبيوت والمساكن فرارا ~~من تلك التأثيرات الرديئة ومراعاة لحق المدينة. ولا شك إذا نظرنا إلى ~~العمل البديهي الذي تصنعه الحيوانات بتنظيف ذواتها نأخذه دليلا على ~~ضرر القذارة ووجوب النظافة ومثالا يقتدي به كل متغافل؛ إذ إن الحيوان ~~لا يفعل إلا ما ترشده الطبيعة إليه طلبا لما يصلح شأنها ودفعا لما ~~يفجع بها. # ثانيا «تمهيد الشوارع والأزقة»: # إنه مما يستدل أيضا على الحالة التمدنية لقوم ما هو ملاحظة كيفية ~~الشوارع والأزقة، فمن أهم الواجبات للداخلين في التمدن إذن إفراغ الهمة ~~في تحسين هذه الكيفية وإتقانها، على أنه لا يسمح لهم التمدن قط بترك ~~الشوارع والأزقة ضنكة معوجة رديئة التبليط والتخطيط، بل يطلب منهم ~~دائما أن تكون مستقيمة عريضة ممهدة البلاط والخط؛ وذلك لأن الشارع أو ~~الزقاق إذا كان ضنكا يمنع سهولة تجدد الهواء ويعوق امتداد النور إلى ~~مخادع الناس أو حوانيتهم؛ فيجلهم مستعدين للآفات الليمفاوية والدرنية ~~كالسرطان والخنازير والسل والأورام الباردة والحدار واكمداد البشرة ~~ونحو ذلك. وإذا كان معوجا فإنه يعسر انطلاق خطوات الناس فتتعثر ~~أرجلهم وتتلاطم صدورهم وتتقارع جباههم؛ وحينئذ يكون السير في الزقاق ~~عراكا لا انتقالا، وإذا كان وعرا مستويا فإنه يصدع أقدام الماشين ~~ويسبب سقطات البهائم تحت أحمالها الثقيلة؛ فتتهشم حوافرها وتتكسر ~~أرساغها، وذلك ينافي ما تطلبه الشفقة على البهائم التي لا نطق لها ~~لتشكو مصابها وتندب عذابها، هذا ما خلا المؤيدات التي يجدها الشتاء ~~هناك لأن يصنع بحيرات من الأوحال والأطيان بحيث يعود الناس ملتزمين ~~لقوارب يخوضون بها ولا يبقى ms51 سبيل لسلوك العميان. # ثالثا «ترميم الأبنية»: # ومما يتخذ دليلا على تمدن المدينة أو خشونتها هو ملاحظة أمر ~~أبنيتها؛ ولذلك يقتضي لقاصدي التمدن وفور الاهتمام في إصلاح شأن ~~الأبنية والمشيدات، وهذا يتوقف على فحصها كل مدة لاستعمال حالة متانتها ~~وثباتها فرارا من حدوث الأخطار؛ لأنه متى ترك الناس جسرا لعبور ~~السنين بدون ملاحظة أمره أحدثت فيه طول الزمان تقلقلا ووهنا فيعود ~~خطر هبوطه قريبا، وخصوصا في أيام الشتاء عندما يصبح عرضة لصدم ~~الرياح واندفاق الأمطار فإن سقوطه إذ ذاك يكون عظيما. # ولما كان تعرض الناس إلى اقتبال هذا الخطر كثيرا وجب على جميعهم ~~تواصل التدقيق على حالة الأبنية من الداخل والخارج لكي يمنعوا بذلك ~~أخطارا عظيمة تنهددهم على ممر الدقائق ويدخلوا إلى منازلهم بسلام ~~آمنين. # الدعامة الخامسة: المحبة # هو ذا رنين صوت الكون العالي يدوي في أعماق العالم العقلي ليستفز سكون الأرواح ~~الفكرية إلى التطاير بأجنحة التخيلات السرية على دوح الوجود العام، حيثما يمكنها ~~اختطاف تصورات تدعو القوة الحاكمة إلى أن تحكم بأن الناموس الذي جعلته حكمة العناية ~~ضابطا لمجموع نظام الخليقة هو المحبة نفسها التي يختلف اسمها باختلاف موقعها. فها هي ~~هذه المحبة قد صعدت على منبر ذلك النظام العظيم، وشرعت تنادي بصوت الغوامض هكذا: اسمعي ~~أيتها السماء فأتكلم وأنصتي أيتها الأرض. أنا التي قد جمعت شمل الذرات الأولية فكانت ~~أجراما تتلامع في قبة السماء، فلماذا دعيت التصاقا؟ أنا التي قد أوثقت هذه الأجرام ~~برباط الانضمام فكانت أفلاكا تدور حول بعضها، فلماذا سميت تجاذبا؟ أنا التي قد ~~ألفت بين العناصر المختلفة فكانت مملكات تزهو بمجد الارتباط، فلماذا لقبت تماسكا؟ ~~أنا التي قد فتحت في أجناس الحياة مسالك الميل إلى أن تحافظ على أنواعها، فلماذا دعيت ~~تناسلا؟ أنا التي قد جمعت أشتات البشر إلى هيئة واحدة فكانوا متعاضدين في حروب ~~الحوادث فلماذا سميت اغتصابا؟ أنا التي قد قفلت مصارع البحر وأتخمت كبرياء لججه، ~~فلماذا أدعى جزرا ومدا؟ أنا التي حيثما نزلت عمرت وحيثما رحلت خربت، فلماذا لا ~~يكترث بأمري؟ أنا التي ms52 لا تغتني الطبيعة عني ولو طاردتني فلتات الأقدار، فلماذا ينكرني ~~البعض؟ أنا التي اتخذني التمدن دعامة قوية له وبدوني لا يثبت له بناء، فهل يهدمني ~~إلا كل متوحش؟ # ها قد عظمت دعوى المحبة وتفاقمت إلى الغاية؛ لأنها قد جعلت لنفسها ربط العالم بأسره، ~~وجعلت جميع الأسماء المستعملة في التعبير عن القوة المؤلفة مترادفة على معناها، حتى ~~كأنها تود أن تشرح بذاتها معنى تلك المحبة الجوهرية التي قد أنشأها الباري بذاته ~~أزليا، وأصدرها كلمة لتدبير الأكوان التي بها كانت وبغيرها لم يكن وبغيرها لم يكن شيء ~~مما كون. # مهلا مهلا، فلا عاد يقدر هذا الكلام على إتمام سيره؛ فقد حاولت الاستطراق إليه ~~أشواط المنتقدين، وها غبار أغراضهم بدأ يتصاعد عن بعد، وكل منهم فاغر أتون فاه ليقذف ~~دخان التفنيد، فالبعض يعبسون وجوههم ويقولون هو ذا يستنتج من هنا ألوهية حركة ~~الموجودات، وآخرون يرفعون أنوفهم ويقولون: ها. ها. إنما يستفاد من هذا الكلام كون ~~الكلمة ممتزجة ماديا في عموم الموجودات. وغيرهم يحملقون بأعينهم ويصيحون: هذا تعليم ~~الماديين نفسه. وهذا فضلا عمن سيبسط عثنونه ويقول: كيف يسوغ لمن لم يسلم على عتبة ~~مدرسة أن يتكلم عن اللاهوتيات بشيء لم يسعه إدراكه؟ وعلى أي قاعدة أثبت حكم القوة ~~الفاعلة للقوة المنفعلة وضعضع الروحيات بالماديات؟ ثم يشهر المدرسية سيوف الشتائم مجردة ~~من أغماد شهادات مزورة، ولكن ليأخذ حذره من انتقام الشبل عن الأسد. # أما لسان الصواب فيقول لذوي الدقة في التأمل هكذا: إن المراد من دعوى المحبة العامة ~~ليس أن تكون هي نفس الذات الإلهية منبثة في جزيئات الخليقة، بل إنها هي القوة التي ~~جعلها الله لتحريك الخلائق وتدبير الكائنات تحت أشكال مختلفة تدعى الناموس العام، وإذ ~~ذاك فيكون المراد هو الإشارة إلى أن الإنسان إذا كان يحب نفسه فهو ملزوم تبعا لهذه ~~المحبة أن يحب شبيهه بالإنسانية تسديدا لحق كماله الطبيعي؛ وذلك اقتداء بخالقه الذي ~~عندما رأى ذاته ملء الكمال أحب ذاته وبمحبته هذه خلق العالم محبوبا منه وجعل يدبر هيئة ~~نظامه بما لم ms53 تدركه أفكار الطبيعيين؛ فأعطوا لكل حركة اسما مبهما. فينتج إذن أنه ~~بالمحبة قد قام العالم جميعه، وبالمحبة تتحرك جميع الأشياء، وبالمحبة يثبت كل من ~~المخلوقات على حدته، وبالمحبة يحافظ الكل على أجزائه وهكذا. فبدون المحبة بين البشر ~~المطبوعين على فطرة الله لا يمكن قيام نظامهم الاجتماعي على الوجه المطلوب؛ إذ إن ~~المحبة هي القوة الوحيدة للتأليف بين أفرادهم المتفرقة على وجه الأرض، والضابط الأول ~~لنظام عالم تمدنهم، بخلاف البعض الذي ينزل منزلة القوة الدافعة بين الأجسام فيبعدهم ~~عن بعضهم ويشتت شمل هيئتهم ويسلبهم راحة الحياة المحبوبة لهم بالظفرة الأصلية. # فلا يخطئ من يسمي المحبة إلهة الهيئة الاجتماعية بناء على ما يصدر عنها من ~~المفاعيل الغريبة والتأثيرات العجيبة بين البشر، فلو أقيم لها وثن في هيكل الذهن لكان ~~على شكل غادة كلها جميلة وليس فيها معاب إذ تجمع من الصفات ما يتقرر في هذه ~~الأبيات: # على وجهها نور الصلاح يلوح # ومن ثغرها عطر الفلاح يروح # وبرق الهدى من لحظها متألق # ومبسمها بالطيبات يفوح # وفي خدها ورد المسرة ينجلي # لنا وبه قطر الهناء صريح # وقد لها يهتز عن طرب كذا # على غصنه طير السلام صدوح # رعى الله قلبا فيه قد صاح صوتها # وقاتل قلبا فيه ليس تصيح # هي الأصل في الأكوان فهي مثابة # لكل قلوب العالمين تريح # بها تحسن الدنيا بها تفضل الورى # بها كل شيء صالح ومليح # لدى وجهها تجثو القبائل كلها # وكل سجود لا يعاب صحيح # بها كافة الأجيال غنت وقد أتى # لها من جميع المنذرين مديح # هي الكوكب السيار في فلك الدنا # به السعد يغدو والنحوس تروح # فلا يسمح التمدن بالدخول تحت لوائه لأحد ما لم ينصب في هيكل قلبه تمثال المحبة مقدما ~~بخور الأفكار الطيبة والعواطف الجيدة وصارخا بلسان الروح هكذا: ها هنا يجلس التمدن على ~~عرش الكمال فتتخذق أمامه بيارق الخشونة ويمزق التوحش ثوبه. هنا تخب بلابل السكون على ~~منابر شجر السلامة فيصمت صياح القلق ويخفي الإضراب صوته، هنا ترن صنوح الأفراح وتضرب ~~طبول البشائر فتخرس صرخات ms54 الأكدار ويتلاشى ذوي المصائب. هنا يشرق صباح الأعضاء ~~ويتلامع شعاع التغاضي فيغور ديجور الضغينة وتنجاب الظلمة عن الحق، هنا يتبدد دخان ~~الانتقام ويتقشع ضباب الغضب فيتضح أثير الصفح ويتلألأ ضوء الرضا، هنا تنفطر صخور ~~القساوة وتمور جبال الجفاء فيجري سلسبيل الشفقة وتتمهد سهول الوفاء، هنا ثغر الابتسام ~~ويضحك محيا الندى فيجم جبين الاكتئاب ويبكي وجه القتار، هنا يفرع غرس التمني، هنا يثمر ~~غصن الرجاء، هنا تدور الهيئة على مركز التمام والكمال، هنا ينثل عرش العبودية وترفع ~~الحرية بيارقها. # فإذا كان يوجد للمحبة أثمار طيبة المخبر وشهية المنظر كهذه الثمرات، فكيف لا تحسب ~~إذن دعامة راسخة للتمدن؟ نعم إن التمدن لا يستغني عن هذه الدعامة أصلا، ولا يمكن ثباته ~~بدونها كما لا يمكن وقوف قناطر الهيئة إلا عليها، وبعد ذلك فلا بد من وجوب حد للمحبة لا ~~تتجاوزه لئلا تجانس ضدها في النتائج القبيحة، على أنه ولو كانت المحبة تحسب روح ~~الانتظام البشري وحياته، لكن يوجد للإفراط فيها كثير من النتائج المضرة؛ وذلك كمعارضة ~~السلامة مثلا لمشروعات الحرب حيثما تكون هذه المشروعات واجبة لإصلاح حالة ما أدبية. ~~وكالمعاملة بالشفقة إذ تكون الصرامة واجبة وكإيقاع الأعضاء والصفح موقع الانتقام الذي ~~ربما يوجد لازما للتعليم، وكالإسفار عن الرضا بينما تكون لوائح الغضب مطلوبة ~~للتهديد. # هذه عدا ما ينتج عن إفراط المحبة الخصوصية في قلب شخص خصوصي لمحبوب ما فإنه وإن كان ~~أصلا تتفرع عنه جملة غصون صالحة لتمدن صاحبه كتلطيف الروح وتهذيب الطبع وترفيع العقل ~~والذوق وحسن المعاشرة، إلا أنه إذا بلغ أشده يترك وراءه جملة آفات تنكد عيش المعترى به ~~وتسلبه كل راحته كقهر الحرية الذاتية مثلا، والاضطرار إلى البطالة، وإهانه الدراهم ~~التي يدعوها البعض إله العيشة، وتسليم النفس إلى تأثير ثوائر الانفعالات الشاقة ~~وتعاقبها؛ كالحزن فالفرح، والخوف فالجراءة، والتعب فالراحة. وهذا ما خلا التأثيرات ~~الكثيرة التي تفترسه على ممر الأوقات، فلا يبرح قلبه في حضرة المعشوق هدفا لنبال ~~العيون وموقد الجمرات الخدود وموقعا لرمح القوام وقدرا لغليان ماء المحيا. ولا ~~تزال ms55 روحه في الغيبة أتونا لارتفاع لهيب الأشواق والأتواق، ومحلا لتناثر شرر الأفكار ~~والتصورات، وميدانا لمسابقة خيول الأميال والعواطف؛ فيجيء الليل سهرا وأرقا، ويقضي ~~النهار تعبا وقلقا؛ إذ يرى ذاته ضاربا في أودية الوحدة والانفراد حيثما يشاهد قلبه ~~طائرا على أجنحة شياطين الوساوس والأوهام، خائضا في بحور الآمال والمطامع، وهكذا يرى ~~العالم بأسره كأنه مرسح للغرام ويخال الكائنات جميعها تصور لديه ملعب الهوى وتتنفس ~~بأماراته وخواطره؛ فيظن الشمس ممثلة لديه أشعة جمال الحبيب، ويحسب القمر رسم وجهه ~~مطبوعا في مرآة الفلك ويخال الأهلة قلامات من ظفره، ويزعم الكواكب أعينا ترشق نظرات ~~الرقيب، ويفترض الجبال منطوية على معنى أثقال الجوى، أو يظنها أوتاد التمكين خيمة ~~السماء على عالم الهوى، ويرى السحاب سارقا دموعه والضباب ممثلا ولوعه. لا بل يرى ~~طوفان نوح كعبرته ونار الخليل كزفرته، ويتخذ الريح رسولا لتبليغ الأشواق، ويرى الماء ~~مقلدا له أنين العشاق، ويعاين الأغصان مترنحة بأعطاف المحبوب، والأطيار شاكية لوعة ~~فراقه، والأزهار نافحة بعطر نفثاته، والغزلان تغزل بنظراته وتفك طلاسم لفتاته ونفراته. ~~وهاك هذا القصيد شرحا للعشق العنيد: # ماذا ترى في العشق ماذا تزعم # يا أيها الصب الكئيب المغرم # هل فيه غير المؤلمات فدونه # مقل تسيل وأكبد تتضرم # إني نفقت العمر في سوق الهوى # بخسا ولم أربح سوى ما يؤلم # كم ليلة قضيتها وظبا الجوى # تدمي الحشى فيسيل من عيني الدم # وكأن صوت خفوق قلبي مزعج # صمت الظلام فيدلهم ويدهم # أصبو إلى برق الربوع إذا بدا # وأضج ما لمعت لدي الأنجم # أبكي لدى خطرات كل تذكر # والأفق يعبس والكواكب تبسم # والليل بحر هاج في عمق السما # فغدا به زبد المجرة ينجم # والشرق يلقي الشهب في جوف الدجى # والغرب يبتلع الجميع ويهضم # وأنا أحير كأنني ضب وفي # دوح الحشى طير الهوى يترنم # في كل جارحة تدب صبابة # وبكل عضو للغرام بدا فم # يا أيها الحب الذي تخفى لدى # أصواته كل الحواس وتبلم # كم راح يخبط فيك يا وادي البكا # قلب وكم سحقت بسيلك أعظم # ما أنت إلا دولة غزت ms56 الورى # وبظلمها كل امرئ يتظلم # أي السعادة في الغرام لربه # وسحابة البلوى عليه تغيم # فحياته مسلوبة ودموعه # مسكوبة وفؤاده متكلم # أيرق رب الحب نقطة لذة # وعليه بحر المؤلمات عرمرم # إني أرى وقت النعيم كخلب # يمضي وأوقات الشقاق تخيم # يا ويح من للحب عرض نفسه # جهلا فسوف يذوب فيه ويعدم # سلني أيا باغي الهوى أخبرك عن # أحواله فأنا به متقدم # إني علقت بذات حسن ما بدت # إلا وعنها البدر راح يترجم # خود إذا نضت اللثام بدا لنا # قمر بليل ذوائب متلثم # قد كلمت أحشاي بالمقل التي # فيها الجمال مسلم ومكلم # مقل لعيني نرجس أو أكؤس # لكن لقلبي أسيف أو أسهم # من وجهها نور الحياة لأعيني # يجلي ونار فنا لقلبي تضرم # لم ألق نفسي مفردا أو مصحبا # إلا وشوقي نحوها مستلزم # شوق يمثلها لطرفي كلما # غابت فينعم حيثما لا يغنم # فهي النسيم تطيب كيف سرت ولا # عين ترى خطراتها إذ تقدم # ماذا على عيني فؤادي قد جنى # حتى تعاقبه عقابا يعظم # طبعت عليه خيال غالبة النهى # فأحاطه لهب ودمع يسحم # فأنا بروح الحب مسكون فلم # للنار أو للماء رحت أسلم # من لي بها غيداء فوق جبينها # نور المحاسن والتعقل يرسم # وبسيف صاعقة الهوى ألحاظها # قامت تحاربني فأني أسلم # أنا لست أنعم في الحياة ولا أرى # حظا سوى معها ففيها أنعم # وكذاك لا أهنأ بكل تكلم # إن لم أكن معها بها أتكلم # فإذا نأت عني أعود على لظى # وأروح في خرس وعقلي يعقم # أترقب الطرقات علي ألتقي # معها وإن لمع التلاقي أبكم # ترنو إلي كذاك أرنو نحوها # والوجد في نظراتنا متبسم # ونصافح الأيدي وألسنة الهوى # تروي أحاديث اللقا وتترجم # تمضي فأرقب خطوها ونواظرى # تجثو لدى أقدامها إذ تقدم # وأعود في كبد تذوب ومقلة # عبرى وما عندي لسان أو فم # أقضي الدجى وأنا أحن إلى غد # وكذا يجيء غد وعمري يصرم # يا أيها الغد كم غليت دمي على # نار الرجا وإلى متى أتتيم # ولكم أحاطت بي تباريح الجوى # وغدا يساعدها القضاء المبرم # فهرعت نحو ms57 الروض معدوم القوى # أبكي وأفواه الأزاهر تبسم # أترقب البلوى وقلبي راقب # عددا من الآمال لا يترقم # قلب به استهوى الهوى عنفا إلى # وادي العنا فغدا يهيم ويلطم # وهاك هذه الأبيات الأخر تبيانا لما ينجم عن الهوى وما يعانيه أخو الجوى: # إلام ذاوت الخدر يجذبن أميالي # وحتام أهوى من تدافع آمالي # عيون المها بالله كفي فلم تذر # لكن بقلبي موقعا ربة الخال # ويا ظبيات الأنس نفرا عن الذي # يحب التي من حبه قلبها خالي # صريع بأدبار التي هدرت دمي # فلا حظ لي منكن قط بإقبال # مهفهفة تدنو الغصون لقدها # ويعنو لسامي وجهها القمر العالي # ولما تلاقينا معا بعد هجعة # من البين أورث في الحشى كل تشعال # لبثنا وكل مطرق دهشة اللقا # وصوت خفوق القلب مستنطق البال # وما بيننا الأشواق تلعب في الخفا # وتعرب عن الحال الهوى ألسن الحال # يود التقاء العين بالعين شوقنا # ويمنعه دمع لأعيننا مالي # فوا عجبا من عاشق رغب اللقا # ومذ ناله لم يغتنم غير بلبال # ولكنني لما تنهدت حسرة # وحاولت إطلاقي لتيار أقوالي # تحرك في أحشائها ساكن الولا # فألقت علي نظرة تنعش البالي # وقالت بصوت أرجفته يد الهوى # ولفظ كدر زان مبسمها الحالي # لك الله من صب حوى الصبر كله # فليتك لي أبقيت وزنة مثقال # فليس يليق الصبر إلا بمغرم # إلى غير ما يهواه ليس بميال # أقلت الهوى عند السوى فلك الهنا # ولو مضنى فالقصد بسطك يا قالي # فقلت يمين الله لم أذكر السوى # وحسبك تبريرا شواهد أفعالي # أنا لست ممن ينشئ الهجر والقلى # ولكنما أنت المقيلة إيصالي # غزوت جميع العقل مني والقوى # فلم يبق لي نطق لأشرح أحوالي # فقد سكنت دون الهوى ألسن النهى # كما حط عن إدراكه الزكن العالي # أراك فيعروني جمود وبهتة # ولا عجب فالسحر في وجهك العالي # على عدد الأنفاس ذكرك في فمي # وشخصك في قلبي وعهدك في بالي # أبات الليالي والشئون سواكب # على ما أقاسي من شجون وأهوال # على فرط أتواقي على عظم لوعتي # على طول أشواقي على سوء إقبالي # كذا يحكم ms58 العشق الظلوم بأهله # ويفتنهم فليحذر الرجل الخالي # فينبغي استعمال المحبة إذن على قدر الواجب وحسب الظروف التي تدعو إليها بدون زيادة ~~ولا نقصان، أما ترى كيف أن الرئتين اللتين هما عضوا التنفس لا يتناولان من الهواء ~~الذي به تقوم الحياة إلا ما يكفي لقيام هذه الحياة وما لا يؤثر عليهما ضررا بحيث لو ~~عرضتا بأجمعهما إليه لفتك بهما وبكل الأعضاء عموما؛ فلمنع هذا الفتك الشديد تحفظتا منه ~~ضمن حجاب متين وأخذتا تفتكان به رويدا رويدا. # فهكذا كل إنسان يجب عليه اعتناق المحبة عامة وخاصة وتحريكها حسب الاقتضاء بدون تسليم ~~ذاته لجميع قواتها حذرا من فتكها به وتمزيقها جلباب راحته؛ وبذلك تقوم هذه الدعامة ~~الخامسة للتمدن أو السلك الذي به تنضم فرائد البشر بعضهم إلى بعض. # وبعد أن ختم الفيلسوف مقالته هذه أثبت عينيه في الأرض قليلا كأنه يقصد إراحة فمه من ~~كثرة التكلم، وجعل يخط في الثرى. ثم نظر إلى الذي كانت سحنته مرآة ترتسم عليها علامات ~~صغيه وارتياح نفسه، وقال له: هاك دعائم التمدن، فإذا كان الإنسان قد خلق كاملا في ~~الإنسانية متخلقا بصفات خلقته ومشبها بكمالاته لا يكون عندنا شك إذ ذاك في كون هذه ~~الدعائم مرتكزة في قلبه حاملة اسم الناموس الطبيعي حسب تعليم الأيتيكا (الفلسفة ~~الأدبية)، ولا يعود لنا ريب بكون تقلبات الظروف وكرور الأزمان قد قلقلت تلك الدعامات ~~وأفسدت ذلك الناموس؛ وبناء عليه لا يكون عسرا تثبيت قلقلة الثابت وإصلاح فساد ~~الصالح، ولا يحتاج هذه الأمر إلى مضي أجيال وقرون. # فتنحنح القائد ونظر إلى الفيلسوف بدعة وقال له: إن جميع ما شرحته عن التمدن وكيفية ~~أصوله وواجباته أعلمه جيدا، وطالما أتعبت ذاتي في نشره بين الآفاق ورفع رايته، ومع ذلك ~~أشكر فضلك على توضيحك إياه لي، ولكنني لا أزال أرى انتشاره بين شعوب مملكة العبودية ~~عسرا وشاقا إلى الغاية ولو كانت دعائمه مرتكزة على قلب الإنسان الطبيعي. ومن ~~المعلوم أن الفساد إذا أخذ سعته في محل ما ومكن ذاته خاصة تحت مجرى سنين كثيرة فلا ms59 يعد ~~إصلاحه إلا ضربا من العبث، كيف تنصلح الخمر إذا صارت خلا؟ كيف يحيا العضو إذا تغنغر ~~(أي أصابته الميتوتة)؟ كيف يرجع الحديد إذا صار صدئا؟ # إن الخمر تنصلح باقتلاع الاستحالة الخلية منها بواسطة شيء من القلويات، ويحيا ~~العضو المتغنغر بإرسال المنبهات والمنقيات إليه كأملاح النوشادر والكلس، ويرجع الحديد ~~بتصعيد العنصر الهوائي منه. # وبينما كان الفيلسوف يجاوب القائد على قواعد فن الكيمياء؛ لمع جمهور يتسرب إلى جهة ~~المحفل النوراني، وهو يتشكل بكتلته ويسرع تارة ويبطئ أخرى حسب أهواء عوارض الشجر، وكان ~~يأتي منه صوت صليل حديد، ولم يزل متقربا حتى نفذ في المرسح الملوكي واستقبل بوجهه ~~طفحات الأشعة، وهناك توقف عن التقرب، وعندما أجلت فيه طرفي وجدته مركبا من تسعة أشخاص ~~مقيدين من أرجلهم بسلسلة حديد وزنجيين يجرانها من كل جهة، وجملة أشخاص لم أعلم شأنهم، ~~ونظرت رجلا يتقدم الجمع وهو يعجل بخطواته ويستعجل. # ثم رأيت هذا المتقدم قد انفرد عن الجمهور وسار يطلب جهة العرشين، وإذ وصل جثا على ~~ركبتيه خطفا ثم نهض وحناها منه بوقار ويداه مضجعتان على جنبيه. فأمعنت النظر فيه وإذا ~~هو وزير محبة السلام، وإذ رآه الملك قال له: هؤلاء جمهور المردة. فأمال الوزير رأسه ~~وأجاب بصوت منتصر: نعم، حل وثاقهم واجعلهم أمامي صفا. فنكص الوزير إلى الوراء ثم ~~التفت للزنجيين وأشار إليهما بحل الوثاق ففعلا، وبينما كان الصف يتركب والأشخاص ~~اللاحقون يبعدون إلى الخلف انحدر القائد والفيلسوف وجلسا حذاء عرش الملكة. # الفصل السادس # | قواد الشر # أما أنا فرأيت المحل الذي أشغله لم يعد مناسبا لحق المعاينة والاستماع لكون أنظاري لا ~~يعود أن يمكنها الإحاطة بجميع الأشباح، وآذاني صارت تعجز عن إيفاء حق السمع لما استجد من ~~الضوضاء؛ فتركت هذا المحل وأطلقت خطوات التجسس حتى بلغت الجمهور المحتفل وانخرطت في سلك ~~الأشخاص اللاحقين من حيث لم يشعروا بقدومي. فرأيت الجوق الذي كان موثقا بالأداهم قد صار ~~صفا منتظما إزاء العرشين، والقائد والفيلسوف لم يزالا جالسين حذاء الملكة يخاطبانها ~~بحديث لم أسمعه، ووزير محبة السلام واقفا ms60 بجانب العرش الملوكي وتلوح على وجهه سحنة التفكر ~~العميق، والملك مرسلا نظراته لفحص الجمهور وعلى وجهه تتلاعب أطوار الغضب، وما لبث السكوت ~~برهة أن التفتت إليه الملكة وقالت له بصوت احتفالي: قد استصوب الفيلسوف والقائد ما تناجينا ~~به منذ هنيهة في أمر كيفية محاكمة هؤلاء الأسرى. ~~- فليذهب القائد إذن وليحضر الأشخاص الذين عيناهم إلى المرسح. فما أتم الملك كلامه ~~إلا ورأيت القائد قد وثب وثوب الجواد وطلب موقف الأجناد. وإذ أسدل السكوت ستاره ونشر ~~الهدو شراعه، أخذت أتأمل الصف المأسور وأنتقد كلا منه وأنا ملتطم بين موجتي التعجب ~~والارتياع وواقع في بحراني التكذيب والتصديق، فكان الشخص الذي هو مقدام الجوق رجلا حليف ~~الشيخوخة قد امتصت الأيام ماء وجهه المصفوع بكفي الزجر والانتقام، وحرثت السنون سهلة ~~جبينه، وندف الزمان على لحيته قطن الشيب، ولا يقدر على نصب قامته من ثقل الحوادث المتراكمة ~~على ظهره، وكان جميع حرارة أعضائه قد تجمعت في حدقتيه اللتين كانتا تنثران شررا ودخانا، ~~أما رأسه فكان متوجا بإكليل عتيق الزي قد نخره صداء القدمية، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: ~~هذا ملك العبودية. # أما الشخص الأول: بعد ذاك المقدام فكان رجلا ضخم الجثة، غليظ العنق، مفرطح الرأس ~~والجبهة، أفطس الأنف، ثخين الشعر، سميك الشفاه، وكانت أرواح التبسم البهيمي تتراقص على ~~وجهه، وضباب الجمود الحيواني مخيما على عينيه، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد ~~الجهل. # أما الشخص الثاني: فلئن كان منظره جميلا إلا أنه لا يخلو من جملة أطوار لا تلذ الناظر؛ ~~فقد كانت سعة جبينه مضنوكة بغضون العبوسة، وبياضه مبلبلا بظلمة الشكاسة. وكان أنفه الأقنى ~~مرتفعا ومحصورا كذي اشمئزاز، وأنفه وحواجبه المقرونة مزررة كذي غضب وسخط، وأعينه السود ~~المبرقعة بنظر المحتقر والمستصغر، وفمه الأقاحي مفترا بابتسام العجب والتيه، وعلى صدره ~~لوح مكتوب فيه: هذا قائد الكبرياء. # يا قاتل الله الجمال فإنه # ما زال يصحب باخلا متكبرا # أما الشخص الثالث: فقد كان رجلا تعجز عن تشخيص أمارات وجهه دقائق الفراسة؛ فأعينه الزرق ~~قد كانت حادة الشخوص جدا حتى ms61 إنها إذا نظرت إلى شيء تكاد أن تجحظ من الحجاج وتطير إليه، ~~وكان وجهه الأعبس يظهر كأنه مصاب بالاستسقاء لما فيه من انتفاخ الرياء ، وكانت جوارح بلبال ~~التفكر حائمة على جوانحه. وهيئة بكاء الطفل ما كانت تبارح شفتيه، هذا عدا أهبة الهجوم التي ~~لم تكن مفارقة عموم هيئته الضخمة، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الحسد والطمع. # أما الشخص الرابع: فقد كان رجلا كهلا وعلى رأسه عمامة قد مزقتها مخالب الدهور وغيرت ~~ألوانها صباغات الأقذار، وعلى بدنه ثوب أنكرت نسجه جميع الأقمشة لما أودعت فيه الأوساخ من ~~الزركشة، فإنه شبعان من الدسم وريان من الوخم، ويعلو هذا الثوب وشاح قد توشح بالغثة ~~ونهشت أقطاره أنياب العثة، فلا يحصى إلا مع الأحلاس ولا يعتبر إلا اعتبار الأدران والأدناس. ~~أما وجه هذا الرجل فقد كان بيضيا، ومشهده دريا، ونظره لا يفتر واقفا على ما يلائمه ~~وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه. ويداه قد كانتا منقبضتين بانقباض يد النخيل على ذهب ولجين. ~~وهما مموهتان بالأوزار ومطليتان بالأقذار، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد ~~البخل. # رأى الصيف مكتوبا على باب داره # فحفه ضيفا فقام إلى السيف # فقلنا له خيرا فظن بأننا # نقول له خبزا فمات من الخوف # أما الشخص الخامس: فقد كان رجلا ذات طلعة صفراء، وحلة سوداء، وأسنان مكزوزة، وأصداغ ~~مهموزة. وكانت جبهته تسبح في الكدر، وأعينه تنثر الشرر، وكأنه مشمول بهم عظيم، ومأخوذ ~~بغم أليم، وعلى صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الضغينة. # أما الشخص السادس: فقد كان إنسانا صغير الرأس متطاوله، كبير الفم فاغره، ظاهر الشدق قصير ~~القامة، وكان على صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد النميمة. # أما الشخص السابع: فقد كان رجلا ذا أعين صغيرة التناسب، كروية الشكل، مضغوطة القزحية، ~~متجاوزة حد البروز، وذا وجه متطاول مبطن ببشرة كثيفة مدلهمة، يعلوه أنف كالهرم المنبط ذو ~~جناح منفرجة، وفمه كقطعة جلمود، على صدره لوح مكتوب فيه: هذا قائد الكذب والنفاق. # أما الرجل الثامن: فقد كان حامل بيرق الخيانة حسبما ms62 في لوحه مسطور. # وكل من هؤلاء الأشخاص كان مترديا بزي خاص؛ فهذا سابح في ثياب عريضة، وذا محشور في ضيق ~~الملبوس، وذاك عارج على الركبتين؛ فلم أشاهد شبها بين الواحد والآخر. ثم بعد هجعة من الوقت ~~رأيت القائد مقبلا وثمانية أشخاص يهرعون وراءه، ولم يزالوا حتى انتصبوا أمام العرشين وخروا ~~ساجدين لدى العظمة الملوكية حيثما فصلوا بين المحفلين، وغب فترة ألقى الملك عينيه على ~~القائد وقال له: أهؤلاء المعينون؟ ~~- نعم (وحنا رأسه مع الجميع). ~~- دع كلا منهم ينتصب أمام ضده لأجل الشروع في المحاكمة. # فأوعز القائد إلى المعينين بما أمر الملك فذهب ووقف حيث الإشارة. وإذ أثبت نظري على هذا ~~السرب الجديد رأيت كلا مكللا بالغار واسمه مرسوما على جبهته بأحرف نارية؛ فكان الأول ~~يسمى العلم، والثاني الاتضاع، والثالث الرضا والقناعة، والرابع الكرم، والخامس الصفح، ~~والسادس الكتمان، والسابع الصدق والحق، والثامن الأمنية. وجميعهم كانوا متردين بزي ~~واحد. # فما لبث السكوت فترة أن صرخت الملكة بصوت عال وقالت: تعال يا أيها الفيلسوف. # فوثب المذكور على قدميه وامتثل أمام الملكة وقال: مري العبد. ~~- اصعد على قمة هذه الصخرة واشرع في الخطاب علنا، وليرن صوتك في جميع المرسح. أما أنت ~~يا قائد جيش التمدن فتمنطق بسلاح العدل واذهب فقف على رأس ملك العبودية وتقو ولا ~~تجزع. # الفصل السابع # | المحاكمة # ففعل القائد حسب الأمر، وأسرع الفيلسوف وصعد على قمة الصخرة ووجه خطابه إلى ملك ~~العبودية، وأنشأ يقول: أصغي أيتها العبودية لكلمات فمي، وأنصتوا يا جميع قواد الشر، هو ذا ~~ملك التمدن قد انتصب على عرش جلاله، فلتنخفض دولة التوحش، وها ملكة الحكمة قد أبدت صوتها، ~~فلتخرس أفواه الجهالة. أين شوكتكم يا مستعبدي البشر وأسنة الحرية لمعت في الآفاق؟ أين ~~صولتكم يا عاملي الظلم وألوية العدل خفقت في الأعالي؟ زولوا فقد دهمتكم الغلبة، حولوا فقد ~~أخذتكم الرعدة. ها قد هبت بكم عواصف القضاء المبرم إلى غاية الحق حيثما تصدح بلابل ~~العدل وتتراقص أغصان الأمان تحت سماء التمدن العظيم؛ فلا عاد لسيوفكم مواقع ولا لنبالكم ~~مرام. ms63 # العبودية # فاعلم يا ملك العبودية أن جميع شرائعك وأحكامك التي كنت توسوس بها في صدور الناس قد ~~سقطت الآن مبانيها، ودثرت أصولها، ولم يبق لها مدخل في جميع العالم، وكل ملوك الأرض قد ~~نهضوا ضدها، ولكن لم يزل بعض الناس إلى الآن متمسكا ببقية خبيثة من نواميسك التي قد ~~نشرتها بينهم منذ ثلاثة آلاف وخمسمائة واثنتين وسبعين سنة، وهي استعباد بني ~~البشر. # فمن المعلوم لدى العموم أن الطبيعة البشرية قد خلقت في كمال الحرية الأدبية وأن ~~خالقها ذاته - عز وجل - قد منحها هذه السيماء الجليلة عندما أطلق لها عنان الاختيار بين ~~الماء والنار، واضعا فيها معرفة الخير والشر ومبدعا في سجيتها حركة الانعكاف على هذا ~~والانكفاف عن ذاك. فمن أين يسوغ لبني هذه الحرية الإنسانية أن يبيحوا تمزيق جلبابها ~~بأنياب الأغراض لبعضهم بعضا؟ وكيف قد أمكن للإنسان منذ القديم أن يستحسن هذه الزلة ~~القبيحة لدى الخالق والمخلوقات وأن يسلك في شأنها رغما عن كراهية نفس غريزيته لهذا ~~السلوك؛ لأنه إذا دخل كل من الناس إلى مخدع ضميره إنما يرى ذاته نافرا كل النفار عن ~~ارتباطه بعبودية غيره، ومتوجعا كل التوجع لمن دفعته الأقدار في فخاخ هذه العبودية ~~الأدبية الخاصة، زيادة على تلك الطبيعة العامة السابق ذكرها. وليس الإنسان وحده ينفر ~~طبعا عن هذه الغلبة بل أكثر الحيوانات أيضا، على أنه متى عارض حركة أميالها مانع ما ~~ظهرت عليها حالا دلائل الانزعاج وأشائر المدافعة، فلا يبرح الأسد الواقع في القنص يزأر ~~ويضج حنينا إلى الغاب والعرين، ولا يزال النمر الموثق بالسلاسل يصرخ ويعج رغبة في ~~الوثوب إلى أعالي الجبال، ولا يفتر الكلب يهر وينبح طالما يكون مسجونا، ولا ينفك ~~الطائر المأسور في القفص يخفق ويصيح شوقا للطيران إلى رءوس الشجر وهلم جرا. # فإذا كان الحيوان العديم النطق لا يحتمل مضض الرق، ولا يصبر على ضنك الاستعباد، فكم ~~يكون الإنسان الناطق خليقا بعدم احتمال هذه المشاق عندما يقع في شراكها، وجديرا ~~بطلب المناص. وكم يكون خشنا بربريا من يهجم على باعة الأسرى ms64 ليتعاطى بيع أو شراء ~~أشباهه في الطبيعة وعدلائه في الحد والرسم؟! وكيف يمكن الإنسان الطبيعي أن يشاهد ~~إنسانا نظيره مغلولا بقيود التعبد والأسر ولا يجم غضبا ويؤخذ بخواطر الشفقة ~~والحنانة، لا سيما إذ يرى ذلك العبد الوجع القلب والمنكسر الخاطر مرتعدا إزاء مولاه ~~الأليم القاسي كالفريسة بين مخالب الوحش الضاري؟! وربما أفضت قساوة ذلك المولى إلى ربط ~~هذا المخلوق بالحبال وجلده بالسياط تحت مواقع العنف الشديد بدون أدنى رفق أو خشية آثام ~~أيان دعا الداعي، وربما كانت هذه الحالة حتى إن هذا المسكين يعود صارخا ولا مجاوب ~~مستجيرا ولا مجير مستغيثا ولا منقذ. # فهل يوجد قلب مستقيم لا يلعن عادة اتخاذ العبيد بين الناس حينما يعاين إنسانا ~~يحوي كل الأخلاق الإنسانية متخذا له أسيادا من جنسه ومقدما كل حياته ضحية في ~~هياكل أوامرهم المظلمة حيثما لا يجازى بسوى الضرب والشتم واللعنات، فلا يأكل خبزه ~~الدنيء إلا بالتنهد والحسرات، ولا يشرب ماءه العكر إلا بالدموع والعبرات، ولا ينام على ~~فراشه الحجري إلا قلقا بالأوجاع والأوصاب، وربما لا تكاد أهداب أجفانه أن ترتجف بمرور ~~نسيم النعاس إلا ويهب من مضجعه هبوب العاصفة إذ يتخيل رنين صوت في أذنه أو هفيف وسواس ~~ظانا أن سيده يدعوه لقضاء حاجة، أو سيدته أتت تنبهه ليأتي فيغير لها رفائد الولد أو ~~يلهيه عنها إذا كان باكيا لكي يمكنها استيفاء لذة النوم، وهكذا فلا يعطس أنف الصباح أو ~~يسيل مخاط الشيطان إلا على يقظته. # فهات أعرب لنا يا أيها السيد عن الامتياز الطبيعي الحاصل بينك وبين عبدك البائس، وقل ~~لنا ما هو الفرق بينكما من حيث الشعور والإحساس. أخبرنا، هل تظن أن جلده الأسود لا يشعر ~~بالفواعل عليه كنفس جلدك الأبيض؟ وهل تزعم أن شفاهه الغلاظ لا ترتاح إلى مناولة الأطعمة ~~اللذيذة كعين شفاهك الرقاق؟ وهل تخال أن عينه المستديرة لا تشتاق إلى التمتع بطيب الكرى ~~كذات عينك المستطيلة؟ وهل تفترض أن أنفه الأفطس لا يحس بالمشمومات الذكية نظير أنفك ~~الأقنى؟ وبالإجمال نقول: هل تتوهم أن وجوده ms65 في بيتك تحت سلطان دراهمك التي بها اشتريته ~~يجعله غريبا عن جنسك ومميزا عن نوعك وبعيدا عن حواسك؟ حاشا وكلا. إن جميع أعضاء ~~هذا الأسير وطبيعته هي نظير أعضائك وطبيعتك، ولا يوجد بينكما أدنى اختلاف بسوى جلده ~~الأسود الذي ربما يكون زاهيا ببياض الأفعال، وبجلدك الأبيض الذي ربما يكون مدنسا ~~بسواد الأعمال. # فمن أين أبيح لك شراء الإنسان وعذابه وقهره يا أيها الظالم العنيت؟ وكيف تمكنك ~~الطبيعة الإنسانية من مجاوزة حدودها وشرائعها بمثل هذه الأفعال الشريرة؟ ألم تتحرك في ~~باطنك جوارح الشفقة عندما يكون هذا الغريب المسكين واقفا بين يديك القاسيتين مرتعدا ~~مذعورا وعيناه مغرورقتان بالدموع، ويداه مبسوطتان لديك بكل ذل وهوان عسى يتقبلان منك ~~العفو والرأفة على ذنب ربما يكون حسنة؟ أطلق هذا العبد الغريب فلا يسوغ لك استعباد ~~الجنس البشري. أطلق هذا العبد الغريب فلا عاد يحتمل أثقال تهافتك ومضض خدمتك. أطلق ~~هذا العبد الغريب فقد بح حلقه من الصراخ وذبلت عيناه من كثرة الرجاء، أطلق هذا ~~العبد الغريب فقد تناثرت لحومه من مقارعك وخفقت قواه من أحمالك، أطلق هذا العبد الغريب ~~فقد أجمع على إطلاقه كل ممالك العالم، وها رائحة بارود أميريكا منتشرة إلى الآن في آفاق ~~المسكونة مما أثاروا من الحروب على مستعبدي البشر، أطلق هذا العبد الغريب أو يطلق ~~ذاته رغما عنك آخذا الإسعاف من جميع الناس ومساعدا من نفس الحكومة المدنية بعد أن ~~يستعطيك أجرة المثل. أطلق هذا العبد الغريب ولا تقل إن وجوده عندي خير له وماذا يعمل ~~خارجا؟ لأن الله يدبره، وحسبه امتلاك بغية الطبيعة. أو خذه مستأجرا وارفع عنه ثقل ~~سلطانك، أطلقه أطلقه فلا عاد يمكنك استئسار الإنسان، وسوف ترى أن نفس حضرة قيل مصر ~~سيبرز أمرا بإبطال اقتناص العبيد من أعماق أفريقيا، وسيلاشي هذه العادة المذمومة من ~~بلاده حسبما يقتضي اجتهاده بتقديم التمدن وتمهيد سبل خطوره مقتديا بولي نعمته جلالة ~~السلطان العثماني الأعظم ذي الشوكة والاقتدار عبد العزيز خان، دام ملكه مدى ~~الدوران. # وإذ كان الفيلسوف مسترسلا كلامه هذا كان ms66 الجوق القائم ورائي يعوج ويموج بين الطرب ~~والكرب ضاجا بأصوات السلب والإيجاب، فكان هذا يقول: نعم، إن العبودية لا تحتمل ولا ~~يوجد أصعب على الطبع البشري منها ولا أشنع من عادة اتخاذ العبيد. وذا يقول: لا، لا، ليس ~~الأمر كذلك لأن الله خلق مولى وخلق عبدا؛ إذ جعل إناء للكرامة وإناء للإهانة، ~~والكتاب نفسه قد أمر بطاعة العبد لمولاه وصرح بدعوى هذا ودعوى ذاك؛ فعلى أي أساس نبني ~~بطلان العادة الآخذة مبدأها من سالف الحقب. وذاك يقول: بكل حق يجب نسخ هذه العادة ~~الخشنة التي ينفر منها الطبع الإنساني، ولا يجوز التعبد لسوى الله الذي هو قال: «للرب ~~إلهك تسجد وله وحده تعبد.» وما ورد من ذكر عبد أو أمة في الكتاب يأخذ مفهوم الخادم أو ~~السرية أخذا يتضمن الانتماء البسيط من الفقير الباذل تعبه بحريته إلى الغني الدافع ~~فضته بإرادته منتخبا هذا ومرذلا ذاك. وذلك يقول: إن هذا الكلام هذيان، كيف نترك ~~عبيدنا الذين قد اشتريناهم بالذهب والفضة وأنفقنا عليهم كذا مصاريف من أكل وشرب وكسوة؟! ~~(اسمعوا يا ناس، هل يطاق هذا الفشار العمي؟) ويقول الآخر: ليس الهاذي سوى من ينزل ~~الإنسان منزلة البهيمة بالبيع والشراء والعلف، زاعما أن الزنجي أو المملوك الكرجي هو ~~حمارنا ناطق، ولا يوجد فيه أدنى إحساس إنساني (ما شاء الله على النتائج ~~الذهنية). # وبينما كان هذا الجوق المتجاذب يتبادل النضال، وإذا إيماء وزير محبة السلام يستوقف ~~خطاب الفيلسوف المنتصب على الصخرة كأرز لبنان، وصوته يقول للزنجي الواحد هكذا: اشرح يا ~~ياقوت هنا علنا ما رويته لي خفية. فتردد العبد خجلا ومهابة فأعيد عليه الأمر، فتقدم ~~حينئذ هذا العبد الأسود قليلا وحنى رأسه أمام المظهر الملوكي، ثم نكص إلى الوراء ~~والتفت إلى الحاضرين وافتتح كلامه بصوت منخفض يصعب استماعه، فناداه الوزير قائلا: اجهر ~~صوتك، فجعل العبد يقص بكلام جهوري هكذا: إنه منذ خمس عشرة سنة بينما كنا ذات يوم أنا ~~وأخي هذا مرجان (وأومأ إلى الزنجي الآخر) نسرح مع والدتنا في برية السودان على نحو ms67 غلوة ~~من قريتنا، وكانت سني لم تتجاوز العشر، وسنه لم تبلغ الثماني. وإذا بقافلة من فلاحي ~~مصر نظرناها تخب في القفر بين الأمواج الرملية المستعرة بإيقاد الهجير آخذة طريق جبال ~~القمر حيثما يتوهم انبعاث النيل. فعندما نظر إلينا بعض الركاب أخذوا يعرضون علينا عن ~~بعد قطعا كانت تتلامع بأشعة الشمس مظهرين قصد دفعها لنا، فهرعنا إليهم حالا رغما ~~عن ممانعة والدتنا وقتئذ المشتقة عند حدس القلب. وإذ دنونا منهم على أمل قبضوا علينا ~~سريعا وأردفونا على الإبل وأطلقوا الوخد ضاربين في أودية الرمال، فطفقنا نتباكى ~~ونتصايح باسطين أيدينا إلى والدتنا التي كانت تولول وتنوح عن بعد بحنين يجرح الفؤاد، ~~وتنسف الرمل على رأسها وهي تركض لتدركنا زاعمة إمكان إنقاذنا. # أما نحن فكنا نزيد في العويل ونبالغ في استنجادها كلما كانت تقرب منا. ولم تزل هذه ~~المسكينة تجهد خطواتها حتى أدركت محلنا فأخذت تترامى على أقدام مقتنصينا سافحة دموعها ~~السخنة وتتململ وتترجى بلغتنا التي لا يفهمونها صارخة بصوت يحرك الجلمود: أستحلفكم بما ~~تعبدونه ردوا علي ولدي كرما لرب النيل، أعطوني ولدي ولا تتركوني أمت بفراقهما ~~كمدا، ردوا علي ثمرة أحشائي وأنا أعطيكم كل ما أملكه من الخرز والقزاز. أما مقتنصونا ~~فكانوا يزدادون قساوة كلما ازددنا بكاء وازدادت والدتنا انتحابا وململة؛ فكانوا ~~يضربوننا ويزجرونها ويلطمونها في صدرها ويرفسونها بأرجلهم ويلقونها على الأرض، وهي لم ~~تزل تندب وتذرف العبرات وتتوسل وتتضرع بأيديها وبكل أطوار وجهها، وهم لم يزالوا ~~يلطمونها ويصرعونها حتى غشي عليها وانطرحت على وجهها معفرة وكأن لم يكن بها نفس، وما ~~كادوا يبعدون عنها قليلا حتى أنعشتها أرواح الحنية وضوضاء عويلنا؛ فوثبت على أقدامها ~~منهتكة وأطلقت المسير إلينا ثانية؛ فإذ رأوها قاصدة عادة الماضي مد أحدهم على هذه ~~الأم المنكسرة الخاطر بندقية وأطلق الرصاص في أحشائها فسقطت على البساط المقفر وتلوت ~~قليلا بتنهدات متقطعة وسلمت الروح متكفنة بالرمال. # وعندما وقعنا في اليأس من الخلاص صمتنا آخذين الصبر الذي هو سند المصابين عونا لنا. ~~وأخذت الأباطح تسيل بأعناق المطايا التي كانت حاملة ms68 كثيرين من بني جنسي قنصا. ولم نزل ~~نفري بطون السباسب والقفار حتى بلغنا الرستاق المصري. أما أنا فلم أعلم ذاتي بعد إلا ~~مسلما بيد أحد تجار العبيد ومنادى على بيعي في سوق القاهرة؛ فاشتراني رجل من ~~الأغنياء وأدخلني في داره للخدمة، وأما أخي فما كنت عالما ما تم به وكأنه صار نسيا ~~منسيا، فجعل هذا الرجل يعاملني بأقسى المعاملات، وأخذت أطيعه الطاعة العمياء، ولكن ~~لسوء حظي لم تكن طاعتي موجبة لراحتي؛ لأنني كلما كنت أزداد نشاطا وهمة في خدمته كان ~~يزداد صرامة وقساوة، حتى إنه مرارا عديدة كان يربطني بالحبال ويجلدني بالسوط لأقل سبب، ~~كعدم طيراني كالباشق حينما يدعوني، أو عدم إجرائي ما يكون في ضميره كالواجب، وطالما كان ~~يقول لي: أما تعلم إرادتي؟ أما فهمت مزاجي؟ هذا وقد كنت في سن لا تسمح لي بعلم ~~الضمائر الخاص بالله، ولا بفهم الأمزجة المنوط بالأطباء. # ولم أزل صابرا على هذا العذاب الأليم ومقاسيا صعوبات هذا المولى الظالم، حتى بلغت ~~الثمانية عشر عاما وخرجت من مجزرته. وكان سبب خروجي أنه أرسلني ليلة ما لاستدعاء أحد ~~جلسائه عنده فخرجت مسرعا لقضاء أمره، وكنت في أثناء طريقي أرفع نظري إلى الجو ~~لأستعلم ابتداء هبوط الأمطار؛ لأن السماء قد كانت في تلك الليلة موشحة بالغيوم ~~الكثيفة ومدلهمة على شكل مريع جدا، وكانت البروق تتلوى كالحية الرقطاء، وتنسحب من ~~سحابة إلى أخرى مخترقة أعماق الفلك. # فما بلغت نصف الطريق حتى انفتحت ميازيب السماء، وانحل وكاء السحاب، وابتدأ يهبط برد ~~عظيم كالحجارة؛ بحيث صرت أظن أن السماء شرعت ترجم الأرض، أو الضربة السابعة نهضت من ~~كمين القدم. وكانت أصوات الرعود تزلزل أساسات المسكونة، وانتشاب الرياح ينسف الجبال ~~نسفا؛ فأخذتني الدهشة والرعدة مما لم تتعوده عيني في تلك الديار لندرة حدوثه، فما كنت ~~أشك حينئذ أن الخليقة جميعها تموج هلعا. ولما لم يعد يمكنني المسير خوفا من سحق ~~حجارة البرد رأسي وتهشيمها عظامي، تواريت في إحدى الزوايا وصرت من جملة ~~الخبايا. # وعندما انفطر كبد الغادية وأسفر البدر عن ms69 الأضواء لدى ساعة من هيجان الطبيعة، أطلقت ~~أقدامي إلى تتميم الرسالة فلم أجد الرجل في بيته، فرجعت إلى سيدي وأخبرته بذلك فأزبد ~~وأرغى واخرنطم وبرطم وحملق عينه الأتونية، وقال: لماذا تأخرت إلى هذا الوقت وتركتني ~~أموت خوفا؟ ~~- لأن هبوط المطر أدركني في نصف الطريق لذهابي. ~~- ولماذا لم تعصه كما تعصيني وترتد حالا يا خبيث؟ ~~- لأنه يكسر رأسي ويهشم عظامي، ومتى عصيتك يا مولاي؟ وكيف أرتد راجعا بدون تتميم ~~أمرك؟! ~~- إذن أنا لا أقدر على كسر رأسك وطحن عظامك أكثر من البرد، وهل جسدك الذي هو ملكي ~~أفضل من إرادتي يا عبد السوء؟ ثم هجم إلى العصاء مكفهر الوجه والأعين وهو يردد هذا ~~البيت البربري ماضغا ألفاظه: # لا تشتر العبد إلا والعصا معه # إن العبيد لأنجاس مناكيد # ووثب علي كالوحش الضاري، وصار يضربني ضربا عنيفا حتى إنه مزق جلدي وكاد ينثر لحمي ~~وهو يقول لي بصوت أبج: هربت من غضب الله فأبشر بغضبي. وأخيرا قلت له: اتق الله يا ~~ظالم، أي ذنب جرى مني يستحق هذا القصاص؟! فأجابني: أتعنفني يا أسود الوجه؟! اخس واخرس. ~~ثم ذهب فأتى بمسد عازما على ربطي وتجديد الضرب، فلما رأيت حياتي وقعت في الخطر ~~رفعت مهابته من قلبي وهجمت عليه غائبا عن الرشد والحس وواقعا في اليأس؛ فمسكت يديه ~~بقبضتي ودفعته على الحائط دفعا شديدا، ورفست بطنه برجلي حتى كدت أخترط أمعاه، وقلت ~~له: أقتلك أو تطلق سبيلي يا أسود الطبع. ولما أخذ يعاركني وهو في غليان الهيجان وإغراق ~~الافتتان تناولت الحبل المعد لي وشددت به يديه ورجليه وألقيته موثقا بدون حراك. ~~وإذ نظرت ذلك امرأته وأولاده أخذوا يصيحون ويضجون ليجمعوا الجيران؛ ففتحت الباب وطلبت ~~الفرار وأبقيتهم في طغيانهم يعمهون. # وما زلت أركض هائما على وجهي حتى بلغت دسكرة فدخلتها وطلبت حجرة للنوم فأجيب طلبي، ~~فتوغلت في هذه الحجرة وأغلقت الباب، ثم انطرحت على الفراش كالقتيل، ولم يكن ما ~~يستنار به سوى سراج طفيف، ومن حيث إن أوجاعي وأفكاري كانت في غاية الثوران لم يمكن ~~للغمض ms70 أن يمر بأجفاني، ولم يقدر الارتياح أن ينبث في عظامي. وبينما كنت أتأمل السراج ~~الذي كان موضوعا نصب عيني وأنا مشمول بشمول السدر إذ رأيته يتراقص كفرائصي ويخفق ~~كقلبي، وما لبث هكذا أن سلم روحه فاختطفتني موجة الظلام وابتلعني غمر الدجى وأطبقت ~~البئر علي فاها، وما كنت أرى سوى ظلمة الموت، ولا أسمع سوى رمز الرياح المتلاطمة بين ~~الأبنية؛ فصارت هوام الأوهام تتطاير في حرش مخيلتي تطاير الشرر المنتثر، وعادت غربان ~~الوساوس تحوم على خربة رأسي من كل جهة حتى صرت أخال نفسي قائما في وسط جهنم. # ولم أبرح متقلبا على فراش القلق والأرق ضاربا في أودية الويل خابطا في لجج الليل ~~إلى أن تبلجت كوة الحجرة بشعاع السحر؛ إذ علمت أن النجم قد غار على جواده الأدهم، ~~والصبح قد أقبل على صهوة أشقر؛ فقفزت من مضجعي قفز الغزال المذعور، ووقفت في وسط المخدع ~~لأجمع شوارد أفكاري وأنتخب منها ما يرشدني إلى سواء السبيل، وإذ أولجت يدي في جيبي على ~~غير قصد إيفاء لما تطلبه بديهة الهجس فعثرت على بعض قطع الدراهم كانت مذخورة لمصروف ~~بيت مولاي؛ فشملني الفرح للحال وقلت في نفسي: ها قد تسلمت زمام المستقبل. ففتحت المغلق ~~وأطلقت عنان المسير، وإذ بلغت باب الدسكرة وجدت الرئيس مدلجا هناك فطلب مني أجرة ~~المعرس، فأعطيته شيئا من الدراهم وواصلت الجري حتى أصبت الجسر، فما لبثت برهة أنتقد ~~ذاتي أن رأيت ذهبية قاصدة الإسكندرية فركبتها وأخذت تفرط زرد الماء لدى مهب ~~الهواء. # وبعد ثلاثة أيام بلغنا الإسكندرية فصعدت إلى البر وطلبت جانب المينا فصرت هناك ~~عتالا، وبعد مضي خمسة أشهر خلعت أبهة العتالة وصرت ملاحا في إحدى المراكب العربية ~~التي تشتغل في بحر الروم، ولكن بعد بضعة أشهر خطر لي أن أترك الملاحة وأدخل في إحدى ~~المدارس التركية، وما ذاك إلا لأنني صرت أسمع شتيمة الجنس العربي واحتقاره من جميع ~~الإفرنج الذين كانوا يصادفون مركبنا أو أحد ملاحيه، حتى إن أولادهم يظنون العرب هم نوع ~~منقطع عن الجنس البشري، ولا ms71 يحسب إلا من جملة الحيوانات؛ لكثرة ما سمعوه من عبارات ~~الازدراء والتحقير من آبائهم. فقلت في نفسي إن الجهل الفاشي في هذا الجنس أوجب انحطاط ~~شأنه لدى هذه القبائل، ولو كان عنده مدارس كما عندهم ومساعدون على تقديم العلم ومحبة ~~وطنية منزهة عن أغراض الدين لما أصبح أضحوكة عندهم، بل ربما يكون أرقى من جميع العالم ~~علما لشدة حذقه الطبيعي وحزمه، ولا ينكر الغرب فضل العرب عليه. ولما تمكن من فكري خاطر ~~الدخول إلى المدرسة بناء على أن كلا يعمل على شاكلته، تركت مركبنا وركبت بخاريا ~~وقصدت الآستانة العلية دار السلام فوصلت إليها. وبعد قليل من وصولي طلبت الدخول في ~~المدرسة العسكرية؛ ففتحت لي الأحضان وشرعت في الدراسة ناسيا كل ما جرى على ~~رأسي. # وبينما كنت ذات يوم أتمشى على الكبري وقت الراحة، وإذا عبد نظيري يقول لي: نهارك سعيد ~~همشري. ~~- نهارك سعيد ومبارك. # وبعد أن تأملته بإمعان شعرت بشرارة كهربائية طارت من دمي وسرت في جميع مفاصلي فسألته: ~~ما الاسم؟ ~~- مرجان. # فازددت حنوا. ~~- وكيف كان مجيئك من بلادنا؟ ~~- بقوة الاختطاف. ~~- وهل خطفوك وحدك أم خطفوا غيرك معك؟ ~~- خطفوا معي أخي أيضا؛ لأنني كنت أتمشى معه في البرية وإذا جماعة من المصريين دنوا ~~منا وخطفونا وقتلوا والدتنا لأنها رغبت إنقاذنا. # فما عاد لي شك أن هذا العبد هو أخي ذاته، وصارت عيني مغرورقة بالدموع وقلبي خافقا ~~بأجنحة الأشواق والفرح، ولكنني اجتهدت في إظهار الجلد لأستتم التأكيد؛ فسألته: وما اسم ~~أخيك؟ ~~- ياقوت، وهو أكبر مني. # فقبضت على يده وقلت له: اتبعني لأريك أخاك. فأخذته إلى حجرتي على انفراد وقلت له: ~~أنا هو أخوك ياقوت. فتعانقنا وتباكينا ساعة حتى أطفأنا بماء الآماق نار الأشواق، ثم ~~قصصت عليه جميع ما جرى لي من الأول إلى الآخر، وبعدما بلغته ذلك طلبت منه أن يروي علي ~~ما جرى له وكيفية وصوله إلى الآستانة، فقال: إن تاجر العبيد في القاهرة باعني إلى رجل ~~إسكندراني، فذهب بي إلى الإسكندرية وجعل يستخدمني في بيته وأنا صغير لا أعرف ms72 شيئا سوى ~~اللعب مع الأولاد، ولما بلغت أشدي باعني لأحد الأتراك فأخذني هذا الرجل وسافر بي إلى ~~إسلامبول، وأبقاني عنده مدة سنة ثم باعني إلى رجل من كبار هذه المدينة، وها أنا منذ سبع ~~سنين عنده. ~~- وكيف معاملته لك؟ ~~- بغاية الرقة واللطافة حسبما تقتضيه طبيعة أهالي الآستانة. ولكن مع ذلك أرغب جدا ~~إعتاقي؛ لأن الفكر وحده بوجودي عبدا أو بكوني أنا وملك يدي لسيدي، وبأن حياتي ~~وموتي بين شفتيه أو يديه ومتى شاء باعني ومتى شاء اشتراني؛ بحيث لا يوجد لي أدنى حرية ~~معتوقة ولا حركة مطلوقة، يجعلني مائلا كل الميل إلى الحرية والانعتاق، ولو صرت خادما ~~بأجرة حياتي فقط عند الرعاع. ~~- إذن تشتهي الانعتاق؟ ~~- نعم بكل قلبي. ~~- فلماذا لا تطلب من سيدك ورقة إعتاقك؟ ~~- وهل يسمح لي بذلك؟ ~~- نعم؛ لأنه يعلم أن الحكومة لا تسمح بأخذ العبيد، وبأنها تلزمه بتحريرك إلزاما، ~~فاذهب وخذ منه ورقة الإعتاق، وإذا منع ذلك فأنا المسئول. # فذهب من عندي، وبعد ثلاثة أيام أتاني ومعه ورقة الإعتاق، فأدخلته معي المدرسة، وبعد ~~مرور خمس سنين خرجنا منها ودخلنا في خدمة دولة التمدن تحت راية جانب السلطان الأكبر. ~~وها نحن بين أيديكم نرى أخصامنا بأعيننا ووثاقهم بأيدينا فأعز الله أنصار الحرية وأيد ~~دولة الرفاهية. # وبعد تتميم الزنجي روايته التي كانت مؤثرة في جميع المحفل، جاذبة كل الالتفات إليها، ~~أخذ السكوت موقعا نحو دقيقة؛ إذ كانت الملكة تمسح أعينها من الدموع التي استقطرتها ~~رواية العبد، ثم التفت وزير محبة السلام إلى الفيلسوف الذي كان مضجعا على الصخرة بدون ~~حراك، وأوعز إليه بإشارة أن يرجع إلى كلامه. ففرك الفيلسوف جبهته المرتفعة وأنشأ يقول: ~~هذا ما يجب تبليغه لآذان ملك العبودية الذي إذا لم يسلك حسب مضمون ما تقرر لديه فلا ~~قيام لمملكته إزاء تقدم هذا العصر الجديد، فليسمع قواده وأنصاره ما سيرد عليهم ~~وليركنوا إلى الحق. # ثم التفت إلى قائد الجهل مبتدئا منه وجعل يقول: # الجهل # أما أنت يا أيها الجهل فمن أخبث الأرواح الشريرة التي تفسد في الأرض ms73 وتعضد يد ~~العبودية وتخرب أبنية العلم. فما أنت إلا السبب الأعظم لأكثر الوبال الذي جرى ويجري ~~وسيجري في المسكونة، والأصل الأول الذي منه قد نشأت فروع البدع والخرافات التي تجعل ~~البشر عبيدا لأهوائهم وأباطيلهم وتحرمهم لذة حرية الحياة، فإذا كانت المسببات تستوجب ~~مقدارا من الجزاء فالأسباب تستلزمه مضاعفا، فتكون إذن يا أيها الجهل مستلزما صرامة ~~الحكم بمقتك من الناس وتبديدك وكسر شوكتك والنفار عنك؛ فإنك تعتبر كسبب موجب لتلك ~~الآفات المحكوم عليها بالمقت والكراهية منذ بدء الخليقة، ويجب على البشر أن يعتنوا ~~بإخضاع مملكتك لدولة العلم الذي حيثما نزل أنزل المجد والعظمة والكرامة. فبالعلم يجلس ~~الإنسان على قمة كماله الطبيعي، ويعمل حسب استحقاق إنسانيته، وبالجهل يهبط أسفل ~~السافلين ويتصرف كسائر الحيوانات؛ بذاك تعظم قوة الممالك وتتبين حدود الملوك، وبهذا ~~تسقط القوات ويمد التعدي باعه، بذاك يقوم اعتبار الشعوب وتنتشر ثروة القبائل وبهذا يخفق ~~جناح الاحتقار وينعق غراب الإقلال. بذاك قد تلألأ محيا الغرب، وبهذا قد أظلم جبين ~~الشرق. # فكأن الشرق باب للدجى # ما له خوف هجوم الصبح فتح # ومع ذلك لا يجب على التمدن أن يستأصل جميع جذورك من أرضه يا أيها الجهل؛ فإنه لا بد ~~من بعض دخل لك في غوطته استدراكا لشيوع الدعوى بتمام العلم مع ما بين غير أهله شيوعا ~~لا ينكر ضرره؛ لأن الإنسان المدعي بالمعارف على غير أصل إنما ينشئ أضرارا جمة؛ إذ ~~يزرع في عقول أصحابه ورفقائه الذين يثقون به قواعد وحقائق كاذبة باطلة، وهم ينقلونها ~~إلى غيرهم إلى أن تشيع وتذيع، وربما صارت أساسات يبني الناس عليها ما يفضي بهم إلى ~~الضلال والطغيان، فيعود مقتضيا لنفوذ أنوار الحقائق في أبصار بصائرهم عناء عظيم، ويكون ~~سبب ذلك هذر الجاهل المدعي. فيجب إذن للتمدن أن يترك يدا لقائد الجهل في دائرته لكي ~~يوحي إليه بواسطة تغلب العلم أن يلطم أفواه تبعته، ويضع أقفالا عليها؛ فلا يعودون ~~يفوهون بما يؤذي؛ إذ يصيرون خاضعين لتبعة العلم ومجتهدين في نوال الحقائق قدر الإمكان، ~~وعارفين أنفسهم أنهم منتسبون إلى ms74 الجهل. حتى إن المتوغلين في بواطن الأشياء أيضا ~~كثيرا ما يلتجئون إلى حكم الجهل لكثرة ما يرون من المجهولات التي يفوتهم إدراكها، ~~وكلما ازداد الإنسان علما ومعرفة وجد لحكم الجهل عليه اتساعا وغلبة؛ لأن نسبة ~~ما يمكن علمه إلى عالم المجهول هي كنسبة ما يمكن للنظر إحاطته من البحر إلى ساحة المياه ~~جميعها أو ما يمكن رؤياه من النجوم الظاهرة القليلة إلى بقية الأجرام المختلفة الممتنع ~~عددها، فكما أن كروية البحر ورحابة الفلك تقدمان للنظر أمدا وعددا أكثر كلما ارتفع ~~الناظر وقوى أسطرلابه إلى أن يحكم أخيرا أخيرا بعدم إمكانية الإدراك العام فيرجع ~~بصفقة المغبون. هكذا العلم يعرض للدارس حقائق ومبادئ أكثر كلما ازداد توغلا فيه إلى ~~أن يجزم أخيرا بامتناع الاطلاع المطلق، فيرتد ضاربا أسدريه آخذا الجهل عذرا ~~له. # فعلى كل حال إذن يجب أن يكون العلم والجهل مترافقين في خدمة مملكة التمدن، ولكن ~~بشرط أن يكون الثاني مردودا إلى الأول؛ وهكذا يكون كل منهما عارفا بواسطة رفيقه ~~حقيقة حدوده، فيلبث الواحد مجدا في تمهيد مسالك العمار والطلب، ويرجع الآخر عن ~~المعارضة إلى توقيف خطوات الخراب والدعوى؛ بحيث يصير هذا مدركا حده وذاك عارفا ~~نفسه. # الكبرياء # أما أنت يا أيها الكبرياء فمن أدهى الأرواح التي تتعب في مرادها الأجسام، ومن أعظم ~~القوات التي تجعل البشر سالكين تحت نير العبودية؛ لأنك تتركهم عديمي الحرية في تتميم ~~مقاصدهم وواجباتهم. فتعدم كلا منهم جزءا كبيرا مما يخصه من الحقوق على الهيئة ~~التي هي أيضا تفقد أهم حقوقها على أبنائها؛ بحيث يصير هذا محروما من التمتع بتمام ~~الألفة والمخالطة، وتلك معاقة عما تطلبه من الانتظام والالتئام. # فهل دخلت يا أيها الروح الشرير في أحد إلا وتركته خابطا في لجة البلبال والتعب، ~~وجعلته مرذولا ومبغوضا من جميع بني نوعه، فحيثما جلس رأى نفسه أرقى من محله وأعز من ~~جلسائه، وإذا ألقى سلاما على أحد أو تكلم معه زعم أنه صنع تنازلا عظيما أو منح الفوز ~~الكبير وإن اقتضته الحاجة إلى السؤال على أمر أو ms75 استفادة شيء ما من أحد الناس يقع في ~~حيرة عظيمة واضطراب لا مزيد عليه، ويصير محلا لتنازع عوامل الطلب والترك؛ إذ يرى ~~لسانه منبسطا إلى المطلوب وقلبه منقبضا عنه، فتثور في جوانحه نار الألوهية، ويأخذ في ~~ضرب الرموز والإشارات على مقصده، عسى ينال الجواب والفائدة بدون تصريحه بسؤال رسمي. ~~وإذا أعياه بلوغ المراد حاول أن يسبك السؤال في قالب قصد التنكير لمعرفة لا طلب التعريف ~~لنكرة دفعا لنسبة الجهل أو الوقوع تحت المنة واختلاسا للفائدة. وإذا أوقعته الصدف ~~بمرافقة أحد إلى الدخول في مكان ما حاول كل المحاولة أن يتقدم عليه ويبقيه خلفه. وهكذا ~~لا يزال هذا المستكبر معجبا بنفسه عاقدا حواجبه، إذ يظن أن السماء تعنو لديه والأرض ~~تجثو لأقدامه، مع أنه يكون بمقتضى هذه الأطوار مبغوضا وممقوتا من الجميع ومحلولا من ~~وثاق الهيئة الاجتماعية التي تتأسف عليه جدا، كما أنه هو نفسه يندب ذاته ويتأسف على ~~حياته المقيدة بسلاسل العبودية لكبريائه؛ إذ يرى حاله مقهورا لطبعه ومحروما من لذات ~~الخليقة ومرذولا لدى الخلائق ومدانا من الخالق، فلا يعتبر إلا كورقة الخريف المستعدة ~~للهبوط من أعاليها لدى أوهى حركة. # فقل لنا يا أيها الروح المتعجرف: من أنت وما أنت لنعطيك حقك؟ فإن كنت بشرا فما فضلك ~~على البشر؟ وإن كنت ملاكا فأنت إبليس الاستكبار؛ إذ لم تسجد لآدم متواضعا. وإن كنت ~~ملكا فأنت خادم الناس ما دمت كبيرهم، ولا تنفعك كبرياؤك عليهم، وستحل في قبر النسيان ~~قبل حلولك في قبر الأبدان، وقد قال قبلك الملك والنبي داود: أنا داود ولست إنسانا. وإن ~~كنت نبيا فما عندك آية سوى الكبرياء وهذه سيماء الدجال. وإن كنت رسولا فقد كذبت ~~رسل من قبلك، وإن كنت من ذوي الفضل والإحسان فهذا من الواجبات البشرية ولا يسمح لك ~~واجبك بالعجب والتكبر على غيرك، وإن كنت غنيا فثروتك لنفسك ولا تنفع بها أحدا ما ~~لم تنتفع منه أولا، على أن الأغنياء والفقراء متبادلون حقوق المعيشة سواء. وإن كنت ~~حيوانا فأنت مخضع تحت قدمي الإنسان؛ إذ ms76 تكون نعجة أو بقرة أو إحدى بهائم ~~البقاع. # ومع ذلك لا ينبغي الرفض المطلق لقائد الكبرياء من مملكة التمدن حذرا من حصول ~~الدناءة التي لا تليق بالبشر، بل يجب تركه مقيدا بحكم الاتضاع حتى يستوفي كل ~~منهما حقه حسبما يقتضي الحال، فتكون النتيجة حصول عزة النفس المقبولة في شرائع التمدن، ~~وزوال عبودية الاستكبار عن الأنفس. # تواضع تكن كالنجم لاح لناظر # على صفحات الماء وهو رفيع # ولا تك كالدخان يرفع نفسه # إلى طبقات الجو وهو وضيع # الحسد والطمع # ها قد وصلنا إلى هذا الروح الذي كثر شره وعظم ضره منذ البدء إلى الآن؛ أعني به ~~قائد الحسد والطمع كعبة الشقاء وركن الفساد، فما أنت يا أيها الروح الشرير إلا آلة بها ~~يفتك الناس ببعضهم، وبها نشأ كل كريهة وعدوان. فكم كنت سببا لسقوط ممالك وزوال ملوك ~~وعظماء! فبك تشتت قايين إذ أوقعته في معصية القتل، وبك جمدت امرأة لوط إذ أطعمتها بسبر ~~غضب الله، وبك طردت هاجر إذ نزلت في قلب سارة، وبك طلب يعقوب الفرار إذ أثرت سخط ~~العيس، وبك سقط يوسف في البئر وبيع وأسر إذ فشيت في أرواح إخوته، وبك زهقت روح شاول إذ ~~ملأته حنقا على داود، وبك تبلبلت دولة المكدونيين إذ أفرغت فيها سمومك، وبك قتل ~~يوليوس قيصر إذ دخلت في قلوب أصحابه، وبك وبأفعالك قد رجمت الفلاسفة ورذلت العلماء ~~وانخذلت الأمة. # فكم يجب على البشر أن ينفروا عنك ويبغضوك يا أيها الحسد والطمع؛ لأنك تجتهد على ~~الدوام في إلقاء الحقد والبغض ما بينهم وفي تفريق شملهم؛ إذ تجعلهم أخصاما وأعداء ~~لبعضهم إفرادا وإجمالا، فمتى دخلت في قلب إنسان جعلته عدوا مبينا لأنداده، ونازعته ~~الراحة والحرية، فإذا كان ملكا أخذ يضارب الملوك ويشن الغارات عسى ينال المرتبة الأولى ~~على الجميع. وإذا كان وزيرا جعل يناكد الوزراء ويوشي بهم عند الملك رغبة في الارتقاء ~~عليهم، وإذا كان شريفا شرع ينم على الأشراف ويستهجنهم إزاء العامة ويقذفهم بكلمات ~~الاحتقار أملا في أن يعمي عيون الناس عن أن ترى ms77 شريفا سواه. وإذا كان غنيا تاجرا ~~طفق يسخر بالأغنياء التجار ويشنع بهم ويشيع عنهم أخبار الإفلاس لكي يفتك باعتبارهم ~~مؤملا أن ينحط عمود ثقتهم بقوة ذلك التشنيع والإشاعة؛ فيسر فرحا، وإذا ساقه الحديث ~~أخذ يسند غناهم إلى عامل الشح والبخل وإن كان هو أشح وأبخل، ولم يزل يتزايد حسدا حتى ~~إنه ربما لا يعود يمكنه النظر إلى ثوب جديد غير ثوبه أو طعام لذيذ غير طعامه، وإذا كان ~~عالما أو شاعرا أخذ يزدري بمؤلفات العلماء ويهزأ بقصائد الشعراء باذلا جهده في تحصيل ~~زلاتهم وغلطاتهم على خطأ كان أو صواب، حتى إذا عثر على شيء من ذلك أخذ بوق الانتقاد ~~وجعل ينشر بصراخه كل أموات الغفلة. وربما أفضى به الحال إلى أن يطرح من يده كل مؤلف أو ~~قصيدة ممن سواه من العلماء والشعراء ولا يتنازل إلى القراءة حذرا من أن يرى فكرا ~~أجل من أفكاره أو قاعدة لا يعرفها، وبقدر ما يرى من سمو أفكار غيره وجمالها يكون ~~إشعاره بثوران لهيب غضبه وهيجان بركان انتقاده، وهكذا فقد لا يعود لفمه إمكان أن يلفظ ~~بسوى الشتائم والمسبات التي أخفها قوله: بجق، علك، ركاكة. وذلك بدون إبراز أقل حجة ~~يحتج بها. هذا إذا لم يطرح قياد العلوم والقرائح في عهدة الجنس أو المذهب، وقس على ذلك ~~سائر المراتب والصنوف من البشر الذين يأخذهم روح الحسد والطمع. فكم يستفز هذا الروح ~~شرورا وبغضا بين البشر! وكم يهتك بحرمة هيئتهم ويخترق ستار اعتصابهم! # فماذا ينفعك الحسد يا أيها الحاسد الجاهل؟ وهل تظن أن هذه السيماء توصلك إلى أوطارك ~~وآمالك؟ حاشا لله. إن هذه السيماء لا تسديك سوى التقلب على النار الدائمة في ~~الدارين، ولا تجديك سوى قلق الفكر وعذاب النفس والتنهدات والحسرات، وتجعلك مضغة في ~~أفواه الناس ومهملا من الجميع. # ولا يخفى ما يترك الحسد والطمع من الشوائب الذميمة في الإنسان، وذلك نظير البغض ~~والحقد والحنق والاختلاس وحب القتل والإضرار. وكل من هذه الأطوار الرديئة يترك وراءه ~~أطوارا أخر أشد رداءة، إلى أن يصبح ms78 الحاسد مؤلفا من كافة الأرواح الخبيثة. فلا بدع ~~إذا كان الحسد يشبه الشجرة الهندية التي كلما وصل غصن منها إلى الأرض نبت وصار الشجرة ، ~~وهكذا إلى أن تنقلب أخيرا إلى غابة عظيمة تعشو إليها طيور السماء والهيرودي يسكن في ~~مقادمها. # فلا يوجد شيء أشد مقدرة على استعباد النفس من الحسد والطمع؛ فإن هذا الروح إذا تمكن ~~من الأنفس أوثقها بجندل العبودية القصوى لسلطان الانفعالات، وقيدها عن التمتع بأدنى ~~لذة أدبية، فتبقى مرتجفة بين فواعل الشهوات كارتجاف العصفور بين مخالب العقاب، فاقدة ~~كل سلامة الحواس؛ إذ لا تعود ترى سوى تناثر شرر الاضطراب والطموح، ولا تسمع سوى دوي ~~أصوات القنوط والأكدار، ولا تذوق سوى حرارة الأميال والآلام، ولا تشم سوى رائحة الزهاق ~~العصبي، ولا تلمس سوى خشونة الأشياء التي ليست بقبضتها. # ومع ذلك فلا بأس من ترك بعض دخل لقائد الحسد والطمع في أحكام التمدن؛ لأن هذا الروح ~~يقود الناس إلى الغيرة والتنافس التي ينجم عنها فوائد جزيلة لترقية الجمعية، كالهجوم ~~على درس العلوم، وتنشيط الأشغال، وتنبيه القوى الاختراعية ونحو ذلك، ولكن يجب أن يرفق ~~هذا القائد بالرضا والقناعة، ويكون خاضعا له لكي يمتنع ضرر ذاك ويقوم نفع هذا؛ ~~فتحصل المغايرة. # البخل # هو ذا ضجيج عظيم آت من كافة أقطار الأرض، صراخ شديد يدوي تموجه في المسامع، ~~فأميلوا آذانكم يا قاصدي التفتيش. وأصغوا لنرى ما هذه الضوضاء الآتية من بعيد، وعلام ~~ذلك الصباح المرعد، ها قد بدا يلوح لي أن فتنة كبرى تثور في العالم. نعم، فتنة كبرى ~~آخذة في الثوران؛ لأن أصوات لعنات وشتائم تتوارد إلى آذاني محمولة مع طلقات الضجيج، ~~فما سبب هذا الافتتان العظيم؟ وعلى من يدور مداره؟ لعل ذلك على البخل لأن أكثر تلك ~~اللعنات والمسبات تنطق على اسمه كما تسمعون. بلى، على البخل على البخل، ولا يوجد ما ~~يستحق نهوض العالم لضده نظير البخل؛ لأنه يجتهد على الدوام أن يحتشد أرزاق البشر ويحشر ~~قوت العباد احتشادا وحشرا يوجبان خلل النظام العام واستعباد الأنام. # وهاك قائد البخل ms79 منتصبا لدينا تجاه الكرم وهو قابض بيديه على ساعد دولاب المعاملات ~~ومساعد قيام الحياة، فلنوجه خطابنا إليه قائلين: ها قد نهضت المسكونة عليك يا أيها ~~الروح الخبيث قائد البخل والشح، وها جميع الناس يقذفونك باللعنات والمسبات؛ فأنت ~~مستوجب أن يحكم عليك بالخذل والرذل بدون تردد؛ لأنك تود أن ينغلق كل باب لتقدم ~~الخلائق وتفتح كل سبل التقهقر؛ فتخزن الأموال ولا تدع لها منفذا. أما تعلم أن العطاء ~~ينهج طرق الخير ويسند أخاك الجائع، وتكنز الدنانير والدراهم في أعماق الصناديق حذرا من ~~أن يلامسها الهواء أو يمسها الضياء. أما تدري أن الدراهم قد صارت الآن محورا لمدار ~~عالم المعاطاة، وأن حجزها يضيق دائرة العلاقات البشرية ويعيق تبادل المعاملات، وتطرد كل ~~سائل ومحتاج ولو على فلس، وتميل عن كل عمل كريم أو سمة تقتضي بذل الورق؟ أما تعرف أن ~~العضد الأعظم لترتيب حياتك يؤخذ من مثل السائلين والمحتاجين؟ فهم يبنون دارك وحانوتك، ~~وهم ينسجون ثوبك ورداءك، وهم يجهزون كل أدوات طعامك وشرابك، وهم يتسارعون إليك من كل ~~الجهات ليحرسوك من وثبات المختلس وهجمات العدو، وهم يمدون أيديهم ليرفعوك لئلا تعثر ~~رجلك بحجر، وإذا انتشبت حريقة في منزلك ألقوا أرواحهم لينقذوك وأولادك ويحموا أمتعتك. ~~فلماذا تدوس في أعناقهم إذا انطرحوا تحت قدميك يطلبون إسعافا؟ ولماذا تعرض عنهم ~~وتشتمهم إذا مدوا أيديهم إليك ليطلبوا سداد رمقهم، حتى إذا أمكن للإلحاح أن يقتلع من ~~فولاذ يدك بارة واحدة استشعرت بألم اقتلاع الضرس. # ولماذا تعصي الآمر بإشباع الجائع وستر العريان؟ أما تخشى وقوع في ثورتي الدنيا ~~والآخرة؟ وكم تهجس على مضجعك في أمر التوفير وتتصل به إلى حسابات وكميات تفوق طور ~~الإدراك مرتقيا في سلسلة التضعيف والضرب حيث تقول في ضميرك: إنني من الغد سأشرع في ~~تنقيص كمية اللحوم والبقول والزيوت، وفي إجهاد الأولاد في تتميم الأعمال الخدمية ~~استغناء بهم عن الخدم. ولم أزل أنقص مقدار الطعام وأعود الأولاد على الخدمة حتى نصير ~~أخيرا قابلين أن نعيش على النزر من الخبز والقليل من الجبن أو الزعتر، ms80 وقادرين على ~~قضاء كل الأعمال الشاقة. وبهذا العمل يمكنني أن أجمع كل مال العالم؛ لأن درهما ودرهما ~~درهمان، ودرهمين ودرهمين أربعة دراهم، وأربعة دراهم في أربعة دراهم ستة عشر درهما، و16 ~~× 16 = 256، و256 × 256 = 65536. وهكذا ترتقي من المضروب إلى المضروب فيه إلى أن تبلغ ~~الحاصل الأعلى حيثما لا يوجد رقم ولا يجري قلم. وحينئذ تأخذ نفسا، وتقول: ها أنا ~~مزمع أن أملك العالم بأسره وأوقف كل دواليب الأشغال وأجعل الناس عبيدا لي. # نعم ستفعل هكذا يا هذا البخيل، ولكن بعد ألوف من السنين إذا لم تمت بداء التكميل. ~~فليعش رأسك الكريم ولينجح مقصدك العظيم، ولا عتب عليك إذا فكرت في نفسك هكذا؛ لأنك ~~ترافق القمر في مشروعه، فكما أن هذا الجرم يخال أنه سيوقف دوران الأرض بعد عدد من ألوف ~~ألوف من السنين لا يحصى؛ وذلك بتأخير جاذبيته لحركتها ست ثوان في كل جيل، هكذا تخال ~~أنت أيضا أنك ستوقف حركة الأشغال بجذبك كل الأموال من أيدي الناس وتعود منفردا ~~بالسطوة والغنا بعد العمر الطويل. # فتبا لهواجسك وبعدا لمقاصدك وسحقا لك، أما ترى كيف تخفق على البشر أجنحة الموت ~~بينما يكونون غارقين في لجج مطامعهم وتأهباتهم، وراتعين في حدائق أفراحهم ومسراتهم؟ أما ~~تعلم أن السارق قد يأتيك من حيث لا تعلم؟ أما يلوح في رأسك الممتلي من أفكار الثراء ~~مساء فكر واحد بإمكان انحداره في حفرة الثرى صباحا؟ ولماذا هذا البخل الكثير وذاك ~~العناء الغزير؟ وهبك ملكت خزائن الملوك وجمعت كل ثروة العالم، أليس مصيرك إلى ~~الزوال والفناء وأنت حامل على ظهرك كل تلك الأحمال الثقال؟ وهل يمكنك أن تمد عمرك إلى ~~أمد أطول مما تقتضيه الطبيعة؟ وهل يمكنك أن تمد عمرك إلى أمد أطول مما تقتضيه الطبيعة؟ ~~وهل تستطيع أن تردع بقوة أموالك مسير المركبات إلى الانحلال؟ فسوف توجد راحتاك ~~المنقبضتان على كل تلك الكنوز التي جمعتها بالوهم منبسطتين إشارة إلى خروجك من هذه ~~الدنيا بلا شيء، وربما لا تجزى ممن يرثك بسوى اللعنة ولو كان ابنك الحبيب الذي ms81 به ~~سررت. # فلا يعتب العالم إذن إذا أثار عليك الفتن يا قائد البخل، وارتفعت أصواته ضدك وتبادرت ~~قواته إلى الفتك بك؛ لأنك أنت العدو المبين له ولكل صوالحه ، وأنت المصر على هتك ~~ستار هيئته واستعباد قلوب أبنائه بحشرك أهم أدوات مداره، ومع كل هذا فلا بأس من ترك ظفر ~~لك في جسد التمدن لتكون مانعا لهجوم التبذير الكثير الضرر، ولكن يجب أن تكون ملحوقا ~~بأوامر الكرم لكي تحصل الرتبة المطلوبة ما بين التبذير والبخل. # الضغينة # من هذا الرجل المنتصب تلقاء عرش التمدن ذو الأسنان المكزوزة والأعين المتوقدة ~~بالشرر؟ من هذا الواقف وقوف النمر المستعد للوثوب على الفريسة؟ هل هذا هو قائد ~~الضغينة؟ نعم، هذا هو قائد الضغينة المستعد لأن يغدر بكل من يمحضه السلام ويركن ~~إليه. # فما أنت يا أيها الروح الحقود سوى عذاب أليم للأرواح؛ لأنك متى أوقعت أماراتك في ~~أحد أعدمته الراحة والسكون وجعلته كالوحش الحائم على ما يفترسه؛ فلا ينام إلا على فراش ~~الغضب، ولا يستيقظ إلا بأعين الانتقام، ولا يروي إلا بكرع الدماء، ولا يجد في نفسه حركة ~~لأنه يقضي الليل والنهار مملوكا لخلقه ومأسورا لحب انتقامه وواقعا في خطر مبدآت ~~كفايته. وهكذا فيعيش عبدا وأسيرا لأطواره ومعادى ومباعدا من معاشرة الذين يستلمحون ~~طلائع هجماته فيجتنبونه. # فلا ريب إذن في أضرار هذا الروح لائتلاف البشر؛ إذ إنه يوقع النفار ما بينهم ويبعد ~~بعضهم عن بعض خلافا لما يطلبه ميلهم إلى الالتئام في دائرة التمدن توطئة للاعتضاد في ~~الانتفاع، فمن الواجب والحالة هذه أن يكون الصفح مرافقا قائد الضغينة ورادعا جماحه، ~~كما يجب على الضغينة أيضا أن ترد اندفاع الصفح في بعض الظروف حذرا من انغلاق أبواب ~~السلام أو انطلاق أشواط التهافت، ولكل وقت وأوان. # النميمة # ما لي أرى هؤلاء القوم يرشقون هذا الشخص السابع بنظرات النفور والاشمئزاز؟ ويبعدون ~~عنه كأنه جيفة نتنة أو جرب معد؟ وجميعهم يومئون إليه بالبنان ويتوامرون؟ ولماذا ~~كل يظهر إشارات الخوف منه والابتعاد؟ ولماذا قد أطبق الجمع على اجتناب هذا الرجل ~~المسكين، ms82 حتى لم يعد أحد راضيا أن يكلمه أو يلقي عليه السلام، فليت شعري هل هذا رجل ~~النميمة حيث لا يوجد من يستحق معاملة كهذه سوى النمامين؟ # نعم، هذا هو رجل النميمة وقائدها؛ ولذلك يتحاشاه جميع الناس ويبتعدون عنه غاية ~~الابتعاد حذرا من آثاره الرديئة وأطواره الذميمة؛ لأن دأبه أن يهتك حرمة الأسرار ويكشف ~~الستر عن معائب البشر، ويظهر كل الأعمال الصائرة منهم سرا، حتى إنه يفعل هذا مع أخص ~~أصدقائه، وربما تعمد أن يصاحب أحدا ليطلع على خفياته بالاستيداع ثم يذيعها بالنميمة. ~~ولا يبالي من ارتداد وجعه على رأسه في أحوال شتى، وذلك عندما تستقر الخيانة فيه فيستوجب ~~لعنة الجماعة ويعاقب بالصد والجفاء مثل الأفعوان الأسود الذي إذ يلسع تنسحق أنيابه ~~ويسيل منها سم فيمتصه فيموت. # فلا شك إذن في عظم أضرار هذا الروح الخبيث، وبكل عدل يجب طرده من عالم الآداب ~~والتهذيب وكسر شوكته، وبكل حق يتعين النفار عنه واجتنابه على من ليس يرضى بهتك أسراره ~~وخفياته، ولا يوجد أصعب على الإنسان من وقوع أعماله السرية في السنة العامة وإظهار ~~عيوبه. ولو أمكن وجود إنسان خال من النقيضة لحق له أن ينتقد نقائص غيره، ولكن ~~يمتنع وجود ذاك فلا حق في الانتقاد لهذا. # ولما كان السقوط المطلق لقائد النميمة قد يفتح طريقا لهجوم الأشرار على عمل العيوب ~~بدون خشية كشف النقاب الذي يردع كثيرين عن الكبائر بلجمه جماح الشهوات، كان الأفضل ~~أن يبقى له صوت في آذان العموم لأجل التهديد، ولكن بشرط أن يكون زمامه محفوظا في يد ~~الكتمان. # الكذب والنفاق # أما أنت يا قائد الكذب والنفاق فلا تعتبر إلا كهادم لمباني الآداب الإنسانية، ومفسدا ~~لصلاح الغريزية ومستعبدا لحرية الفطرة؛ لأنك متى أوقعت أحكامك على أحد أحدثت فيه ~~بلبالا عظيما ظاهرا وباطنا إذ تجعله الخصم الألد لضميره كلما فتح فاه. وتبقيه ~~أضحوكة في أفواه سامعيه فتكسبه العار والفضيحة، حتى إنه يعود متقلبا على جمر الندم ~~ومشمولا بقنوط النفس كلما خلا في نفسه وتبصر بما أنشأ لسانه من الأكاذيب والنفاق ms83 في ~~مسامع الناس، وبما سيرد عليه من التكذيب والإذلال، فيثني مصمما أن يحفظ لسانه من شين ~~المين، ولكن غلبة الملكة لا تسمح له بذلك ما لم يحتمل مشقة عظمى؛ فيعيش أسيرا وعبدا ~~لك يا قائد الكذب والنفاق. # ولما كان الطبع البشري يأنف ويستنكف جدا من تكلم الخلاف، ولا يميل إلا إلى صدق ~~المقال وإثبات الحقيقة، كان الإنسان الذي لا يصدق بلسانه ولا يستقيم بجناحه مكروها حتى ~~من نفس طبعه أيضا، على أنه يرى طبعه مضادا طبيعته فيكره نفسه. # فيجب على كل من الناس أن لا ينقاد إلى حكم هذا الروح الشرير منذ نعومة أظفاره عندما ~~يكون التعود سهلا، وأن يرفض كل تلفظ ينسب إليه مهما كان وهنا؛ لأن الذي يبتدئ ~~بالصغائر قد تهون عليه الكبائر، والذي يفكر في القليل يتصل إلى الكثير؛ لأن الفكر من ~~شأنه أن يطير بأجنحة أدنى تصورا إلى قبة فلك التصورات حيثما لا يوجد نهاية ولا ~~قرار. # وهكذا فلا جناح على ملك التمدن إذا كان يهلك كل الذين يتكلمون بالكذب؛ لأنهم يسعون في ~~خراب مملكته بما تترك ألسنتهم المنافقة من الأضرار الكلية والجريئة؛ كإثارة الفتن ~~وإلقاء الفساد وتبغيض المحبين وإغراء ذوي الغفلة والسذاجة ونحو ذلك، فهذه جميعها ~~أطوار تعارض سير التمدن وتباين آرابه ولا تتفق مع نزاهة الطبع الإنساني بما فيها من ~~الآثار الذميمة، فلا ظلم إذا طرد قائد الكذب والنفاق طردا مطلقا لعدم نفعه في شيء، ~~وإقامة الصدق والحق مكانه. # ولما كانت الخيانة قائدة كل هؤلاء القواد وحاملة بيرقهم الأسود وأصلا تتفرع عنه أكثر ~~الخصال الناقصة والصفات غير الصافية، كان الواجب أن يحكم عليها كما حكم على أولئك ~~القوم، وإن تعامل بالطرد المطلق نظير قائد الكذب. # لا عاش من للعهد خان خونا # وبئس وغد لا يصون صونا # جرى أمامي الدهر فاتبعته # عسى أرى خلا فما وجدته # صحبت نذلا يستدر ودي # وهو مولع بنكث عهدي # قد كان يدعو نفسه رب الوفا # والآن في ذكري يهز الكتفا # أظهر لي الود ليجني زهري # ومذ تولاه لوى بالظهر # فصار ms84 قمحي عنده زوانا # ودرري أضحت له أدرانا # عن مثل ذا داود قد تنبا # قد أكلوا خبزي وداروا العقبا # لا بارك الله لذي الخيانة # ولا رعى من لا له أمانة # الفصل الثامن # | اليقظة # وإذ أتم الفيلسوف كلامه حنى رأسه لدى المنتصب الملوكي، ونزل من فوق الصخرة، وبينما كان ~~السكوت يحكم في المرسح لمعت بارقة تخطف الأبصار وأعقبها رعد يزعزع أركان القلوب، فسقطت على ~~الأرض ارتياعا ودهشة. وبعد زوال هذه الوثبة الجوية نهضت من سقطتي لأرى ماذا جرى، ~~فغشى نواظري ضباب التحير، ولبثت عديم الحركة؛ لأنني لم أعد أشاهد شيئا مما كان إذ وجدت ~~نفسي منفردا في برية منخفضة لا نبات فيها ولا حيوان. # وعندما أجلت نظراتي في أقطار هذه الفلاة المقفرة أخذتني رعدة الخوف والهلع، وشملتني ~~شمول الكمود والكآبة، وعدت حائرا في أمري؛ فسكوت الموت كان يحوم على هذا القفر الوجوم، ولم ~~يوجد فيه من الكائنات سوى أتربة تبعذرها أرجل الرياح. وحصباء توهم فراش بحر جاف، وصخور ~~تشهد على قساوة الزمان، وكان الشفق كالحديد المحمي يتطفا على كور المغرب بمنظر يستفز ~~الكروب ويستهز الرعشة، ولم يكن مسموعا في هذا الغور الراسخ في حضن الوحدة سوى تعب البوم ~~وصراخ ابن آوي، وكلما كنت أثبت تأملي كان يتزايد في باطني حراك الكمد والكرب، وكلما أطلقت ~~أنظاري إلى السماء لأنال تعزية رددتها ممتلئة من البهتة والجمود؛ لأنها ما كانت ترى سوى ~~سحابات متوقدة تندفع من الجنوب إلى الشمال، طارحة على الأرض نارا ودخانا، وبينما كنت ~~أردد أفكاري في هذا المشهد الصامت وأسرح نواظري في هذه البيداء المجدبة، وإذا تل مرتفع ~~يلوح لي فسرت إليه وصعدت على قمته ووجهت وجهي إلى جهة المشرق حيثما كان القفر يسبح تحت ~~أعيني في تيار الظلام، وإذ أعطيت صغيا سمعت صوتا ينادي من بعيد هكذا: هذه برية الشهباء ~~فلتبشر بقدوم الخير. # فقلت في نفسي: من أين سيأتي الخير إلى هذه القفار المجدبة والساقطة من أعين العناية منذ ~~ألف سنة فأكثر؟ إن في هذه البشرى ضربا من المحال، ثم التفت ms85 إلى جهة الغرب لعدم اهتمامي ~~بما سمعته، وإذا مد من الاخضرار يتموج من جانب الأفق وكأنه يهم أن يندفق على كل تلك ~~القفار اليابسة، فشملني العجب للحال وأخذت أشخص في هذا المظهر العجيب ذي الجمال الغريب، ~~وبعد أن تفرست قليلا سمعت صوتا يدوي من خلال الغمام وينادي قائلا: أبشري أبشري يا ~~برية أرام القديمة، وافرحي وابتهجي يا شهباء سوريا، فها العناية الملوكية مقبلة إليك، ~~والمراحم السلطانية هاجمة عليك؛ فلا عاد يفترسك المحل أو يهتك بك الإهمال. فلما سمعت هذا ~~النداء الكريم طفقت أرجف من شدة سروري وفرحي، وقلت: لا شك ولا ريب في قدوم الخير والرخاء ~~إلى هذه الديار المستعدة لقبول كل إصلاح؛ لأنها قد وقعت تحت أنظار عناية حضرة ذي الشوكة ~~والاقتدار عبد العزيز خان دام ملكه مدى الدوران، وقد تشرفت بنعمته وجودته. ومما شملني من ~~الاندهاش أثبت نواظري في متن الأفق، وبينما كنت مشخصا فيه رأيته قد استحال إلى بحر من ~~النور الساطع وأخذ يتلألأ كالشمس. الضاحية في السماء الصاحية، وإذ لم يعد يمكنني النظر إلى ~~هذا المشهد المنير أغمضت أعيني على غشاوة الانبهار، وأخذت أضرب في أودية الهواجس، ولما فتحت ~~أجفاني وجدت نفسي مضجعا على فراش النوم تحت سماء اليقظة. ms86