######OpenITI# #META# URI: 1290MuhammadAhmadCabdRazzaq.KhulasatTarikhCarab.Hindawi86061691 #META# Tags: history #META# ID: 86061691 #META# Title: خلاصة تاريخ العرب #META# AuthorID: 61848528 #META# Author: لويس سيديو #META# EditorID: 79680427 #META# Editor: علي مبارك #META# TranslatorID: 94627317 #META# Translator: محمد أحمد عبد الرازق #META# Related_books: 1292LouisSedillot.HistoireGeneraleDesArabes (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # المقالة الأولى‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # المقالة الثانية‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # المقالة الثالثة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # الباب الخامس‏ # المقالة الرابعة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # المقالة الخامسة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # المقالة السادسة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # المقالة السابعة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # مقدمة‏ # المقالة الأولى‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # المقالة الثانية‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # المقالة الثالثة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # الباب الخامس‏ # المقالة الرابعة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # المقالة الخامسة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # الباب الرابع‏ # المقالة السادسة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # الباب الثالث‏ # المقالة السابعة‏ # الباب الأول‏ # الباب الثاني‏ # | خلاصة تاريخ العرب # | خلاصة تاريخ العرب # تأليف # لويس سيديو # ترجمة # محمد أحمد عبد الرازق # مراجعة # علي مبارك # بسم الله الرحمن الرحيم # حمدا لمن أرشد الإنسان إلى اقتناص شوارد الأخبار، وشوقه إلى الاطلاع على محاسن ومساوئ الآثار، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنزل عليه # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ~~، وعلى آله وصحبه الفائزين بالسبق. # أما بعد: فيقول الفقير إلى الله تعالى «علي باشا مبارك»: كل إنسان مشغوف بمعرفة حوادث سلفه، لا سيما حوادث قومه وعشيرته، ونحن - أبناء الأمة العربية - مشغوفون بمعرفة ما كان للعرب من الأعمال والنتائج التي مهدت للنوع الإنساني طرق السعادة باتساع دائرة معلوماته، وارتقائه إلى ذروة الرفعة والثروة، بعد أن كان بحضيض الضعة والفاقة. # وأما ما زعمه ناس ودون في كتب قديمة وحديثة بلغات متنوعة من أن العرب لم يأتوا بشيء يذكر، نائين عن التمدن المرفوعة أعلامه زمن الرومانيين الوارثين له عن الروم، بل كانوا سببا في إخماد نار الغيرة وإطفاء نور العلم، حتى خيم الجهل وعم التوحش بقاع الأرض، وفي فقد الحرية الإنسانية بتوالي غاراتهم وعدم مبالاتهم بالحقوق؛ فهو أراجيف مبتدعة دعاهم إليها حب إطفاء نور الحق، ويأبى الله إلا أن يتم ms001 نوره ويظهره كالشمس في رابعة النهار، فانتشر - والحمد لله - ببقاع الأرض حتى تمسك به نحو سدس سكان المعمورة من غير محرض لهم على اتباعه، وما زال في ازدياد حتى تمسك به في هذا الزمان فرق من الفرنج، فبنوا مساجد في المدن الشهيرة. # ومما يدل على أن هذه مفتريات: ما قاله المؤرخون العارفون بحقائق الحوادث التاريخية من أن العرب لم يقصدوا بأعمالهم غير نشلة الخلق من قبضة الظلم، وتخليتهم من التوحش والعوائد الذميمة، والمحافظة على حقوقهم بقوانين العدل الموافقة للقرآن الناطقة آياته بالحث على اكتساب الفضائل والأخذ بالعزم في اتساع دائرة العلم، ولم يعلم ذلك من قبل الأمم الغربية وغيرها؛ فإن تواريخهم تدل على أنهم كانوا - قبل أن يسطع نور الإسلام، وتمتد الشوكة العربية - غرقى في بحار الجهالة والظلم، مكبلين بقيود الاسترقاق، لا يدري أحدهم حقه، بل يتصرف فيه الظالم حسب ما سولت له شهواته، وكان أكثرهم يعيش في الأكواخ والكهوف، أو يهيم في الغابات، وما زالوا على ذلك حتى دخل العرب، فبثوا فيهم العدل والعلم والفضائل والاكتسابات الزراعية والتجارية، وفن العمارة وسائر الصنائع والحرف، فعرفوا التمدن والسياسة المنزلية والمدنية. # وبالجملة: فضل العرب على سائر نوع الإنسان، كفضل هذا النوع على سائر الحيوان، لا يمكن جهله - بل تجاهله - لمن ضل سواء السبيل. # وقد كتب السلف من رجال الأمة العربية كتبا كثيرة في المسائل الاعتقادية والعملية، وتواريخ أسهبوا فيها الكلام على الحوادث التاريخية، وما لأهلها من العوائد والأخلاق، ولم يقتد بهم الخلف في ذلك مع أنهم جديرون بنشر فضائل العرب والشريعة الغراء لتمام درايتهم باللغة العربية، بل سكنوا، فأسند الأمر إلى غير أهله، وهم الفرنج الذين ظنوا معرفتهم أساليب اللغة العربية، فأضاعوا فضائل العرب وأخذوا يركبون متن العمياء، ويخبطون خبط العشواء، فكم من حكمة حولوها عن حقيقتها، وكم من آية ترجموها على غير المقصود منها، فشاعت الأباطيل المضرة بشبابنا في دينهم ودنياهم. # ولم أجد من المؤرخين من تصدى لتبديد هذه المفتريات، سوى العالم «سيديو # Sedillot ~~» أحد مشاهير علماء الفرنج المولود بباريس في ms002 23 يونية سنة 1808 الموافقة سنة 1223 هجرية؛ فقد جمع في عشرين سنة تاريخا في سفر من مؤلفات من يوثق بهم من العرب والفرنج، وبث فيه الفضيلة المحمدية والمآثر العربية، وأثبت ذلك ببراهين أدحض بها ما ادعاه المبغضون من نسبتها إليهم، فتحول الناس عما رسخ في أذهانهم، وأخذوا يقدرون الكتب العربية وعلماء العرب حق قدرهم، وظهر فضل العرب لدى الفرنج، وأنشئوا في ممالكهم مدارس لتعلم اللغة العربية، وأخذوا يسارعون إلى حيازة الكتب العربية في سائر الفنون والمعارف ويبذلون فيها النفيس. ولم يقتصروا على ذلك، بل رغبوا أيضا في الاستحواذ على صور مبانيهم وجميع ما كان لهم من نحو الزينة والزخرفة وآلات الملاهي والمطاعم والملابس؛ ولذا أخذ السياحون يجوبون البلاد الدانية والقاصية ليعثروا على ذلك، غير مبالين بما يلقون من المشاق الهائلة؛ فتحصلوا على ما في بيوت التحف والآثار من الأمثلة المتنوعة بقدر تنوع الحرف والصنائع، وعلى ما في خزائنهم من الكتب التي في جميع ما كتبه الإنسان من هزل وجد. # وقد رتب هذا الكتاب على سبع مقالات، تتضمن أبوابا مشتملة على مباحث: # فالمقالة الأولى: # في جغرافية بحيث جزيرة العرب وتاريخهم قبل البعثة، وفيها بابان في طباع العرب وميلهم إلى الوحدة السياسية واجتماعهم بسوق عكاظ للتفاخر بالقصائد الشعرية. # والثانية: # في الكلام على النبي # صلى الله عليه وسلم # وما تضمنه القرآن المجيد من الآداب والفضائل، وفيها ثلاثة أبواب. # والثالثة: # في الأمة العربية الفاتحة، وفيها خمسة أبواب في الخلفاء الراشدين، ومحاربة العرب البلاد الأجنبية عن بحيث جزيرتهم، والحالة السياسية ببلادهم وقت وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وإغارتهم على غربي آسيا وعلى مصر وفارس وإفريقية وإسبانيا وفرنسا، وآسيا الصغرى وشواطئ نهر السند. # والرابعة: # في قوة شوكة العرب وانحطاطها بالمشرق، وفيها أربعة أبواب في حدود مملكة العرب وقتال الأموية والعباسية، وخلافتي المشرق والمغرب ورفعة وانحطاط الشوكة العباسية والدولة الفاطمية والسلجوقية، وغارة المغول والأتراك وزوال حكم العرب من آسيا. # والخامسة: # في رفعة وانحطاط سلطنة العرب في الأقطار الغربية وطرد النصارى للمغاربة من إسبانيا، وفيها أربعة ms003 أبواب في الملوك الأغلبية والإدريسية والفاطمية بشمال آسيا، والأموية بإسبانيا، وفي توقيف حزبي المرابطين والموحدين تقدم نصرات النصارى على مسلمي إسبانيا، وتحكم الدولة العلية على مدينتي الجزائر وتونس، وإنشاء سلطنة الأشراف في مراكش. # والسادسة: # في وصف التمدن العربي في الزمان الأول، وفيها ثلاثة أبواب في أن مدرسة بغداد خلفت مدرسة الإسكندرية، وفيما كان عند العرب من العلوم الطبيعية والفلسفية والإلهية والفقه والمعارف الأدبية ومخترعاتهم. # والسابعة: # في أحوال العرب في هذا الزمان - زمن مؤلف الأصل - وفيها بابان في الكلام على عرب المشرق وإفريقية وبلاد مراكش وإيالة الجزائر. # وبالجملة هذا الكتاب على صغر حجمه، جمع زبد التواريخ المتفرقة في خزائن الأقطار الدانية والقاصية بعبارة سهلة سالمة من الزخرف والحشو الذي ملئت به تلك التواريخ فصعب فهم خلاصتها التاريخية، على أن بعضها لا يمكن تحصيله لكثير من الناس فضلا عن كلها، لتباعد أقطارها مع احتياجها إلى أثمان باهظة قل من يقدر عليها. # ولنفاسة هذا الكتاب، أردت نشره بين أبناء الوطن، فأمرت بترجمته - وأنا ناظر ديوان المعارف سنة 1285 هجرية - المرحوم محمد أفندي بن أحمد عبد الرازق، أحد المترجمين بقلم ترجمة الديوان ومعلمي اللغة الفرنساوية بالمدارس الملكية المصرية فترجمه، ثم أمرت أساتذة بقراءته فقرءوه وأعلنوا بفائدة طبعه، فأمرت بطبعه ثم تخليت عن نظارة الديوان، فوقف الطبع، وحفظت الترجمة في الكتبخانة الخديوية. # ثم عدت إلى نظارة الديوان عام 1305 فوجدت به أبوابا لم تترجم وأخرى لم تستوف حقها في الترجمة، فترجمنا ذلك وصححنا الكتاب، وقابلناه على الأصل كلمة كلمة، ثم كلفنا به العالم الضرير الشيخ عبد الرحمن ابن العلامة المرحوم الشيخ السيد الشرقاوي الشرشيمي المتوفى سنة 1288، وأمرناه أن ينشئه إنشاء عربيا فصيحا، فأخذ ينشئ ويقرأ علينا ما كتبه بخطه، ثم صححنا أسماء البقاع والرجال، وقابلناها على أصلها الإفرنجي، وسميناه «خلاصة تاريخ العرب»، فجاء بحمد الله كتابا مبارك الطالع ترتاح له المسامع، كما أن شموس النجاح عليه طوالع، لم يدع كبيرة ولا صغيرة من تاريخ العرب إلا أحصاها، ولا شاردة من شوارد فضلهم إلا ردها لأهلها ms004 وكشف القناع عن محياها مع النزاهة عن وصمة العيب، والتبرئة عن مثل ما يأتي به الكثير من المؤرخين رجما بالغيب. # ورجائي به أن يكون لأبناء الشرق وعلى الخصوص المصريين دليلا مرشدا، يروي لهم من محاسن آبائهم الأولين حديث مجد، لا يزال مدى الأيام مخلدا في عز أمير البلاد المحفوف من الرحمن بالأماني، سمو خديوي مصر «عباسنا الثاني» من لا يزال طالع سعده كوكبا دريا، ومجد سموه بين الملوك مرتفع القدر عليا، أدام الله عدله وأيد بالنصر والتعزيز فعله وقوله. # هذا، ولما كان المؤلف مصدرا كتابه هذا بمقدمة جليلة بين فيها مآخذ كتابه، وما ينبأ عن علو شأن الأمة العربية مع إقامة البرهان على صدق قوله، وصحة صوابه، قد جعلناها صدرا لهذا الكتاب؛ حرصا لما فيها من الفوائد لذوي الألباب. # | مقدمة # ما زلت منذ نيف وعشرين سنة أبين ما للعرب من توسيع نطاق العلوم، والتقدم في القرون التي بين عصر يونان إسكندرية مصر، وأعصر الدولة الحديثة الإفرنجية، ورأيت أن أذكر مجمل أخبار هذه الأمة المحتقرة لدى الفرنج من أمد بعيد، وأن أضاهي ما جمعته بما أذاعه غيري لأكون أول من دون تاريخا عاما في أخبار العرب، وهو ميدان واسع المجال، ربما كان فوق طاقة الواحد من الرجال. # ويلزم قبل الشروع أن أذكر ما يوجب التفات القارئ إلى علو شأن هذه الأمة العربية الفاتحة للممالك الأجنبية بدون أن يتغلب عليها أجنبي، مع اتصافها منذ أربعة آلاف سنة بما انفردت به من جيل الأخلاق والعوائد، فنقول: # كانت منذ نشأة أقدم الدول مدبرة لأمورها متأهبة للإغارة على مجاورها، أخذت مملكتي مصر وبابل قبل الميلاد بتسعة عشر قرنا، ثم أخذ منها ما ملكته من البلاد الأجنبية وانحصرت سطوتها في بلادها العربية، فأخذت تقاتل الفراعنة وملوك العراق، ونجت من تسلط «كيروش # Cyrus ~~» ملك الفرس، وإسكندر # Alexandre ~~«بن فيليبش ملك اليونان»، وبقيت على استقلالها زمن أخذ الرومان الدنيا القديمة. ثم أتى النبي # صلى الله عليه وسلم # فربط علائق المودة بين قبائل بحيث جزيرة العرب، ووجه أفكارها إلى ms005 مقصد واحد؛ فعلا شأنها حتى امتدت سلطنتها من نهر التاج - المار بإسبانيا وبرتغال - إلى نهر الكنج - أعظم أنهار الهندستان - وانتشر نور العلوم والتمدن بالمشرق والمغرب وأهل أوروبا إذ ذاك في ظلمة جهل القرون المتوسطة، وكأنهم نسوا نسيانا كليا ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان، واجتهد العباسية ببغداد والأموية بقرطبة والفاطمية بالقاهرة في تقدم الفنون، ثم تمزقت ممالكهم وفقدوا شوكتهم السياسية فاقتصروا على السلطة الدينية التي استمرت لهم في سائر أرجاء ممالكهم، وكان لديهم من المعلومات والصنائع والاستكشافات ما استفاده منهم نصارى إسبانيا حين طردوهم منها، كما أن الأتراك والمغول بعد تغلبهم على ممالك آسيا استفادوا معارف من تغلبوا عليهم، وأدوا إليهم مرتبات. # ولما انحصرت العرب في بحيث جزيرتهم وصحاري إفريقية، عادوا إلى عيشتهم البدوية، مستقلين عمن عداهم حتى ألزمتهم الدولة العثمانية الانقياد وأجحفت بهم، فانقادوا منتظرين فرصة أراد الوهابية انتهازها في غرة هذا القرن التاسع عشر من الميلاد لعتق رقاب الأمة العربية من تسلط الأجانب عليهم، فلم ينجمعوا ولبثوا مستعدين للعصيان بإشارة من كبرائهم، ولا مانع من حصول ذلك في ممالك تونس ومراكش وكذا الجزائر التي حكمتها الفرنساوية؛ فإن جميعهم على غاية من الاستعداد لإجابة رؤسائهم. # والمؤرخون من الفرنج اقتصر بعضهم على أخبار ما قبل الإسلام كالمؤلف «بوكوك Pococke ~~»، و«شولتنس # Schultens ~~» وغيرهم. وبعض آخر على السيرة النبوية ومعاني القرآن العظيم، وبعض كالمؤلف «ملس # Mills ~~» على تاريخ الأقوام التركية والتتارية وطرف وجيز من سيرة الخلفاء المشرقية والمغربية. وبعض كالمؤلف «كند # Conde ~~» على تاريخ عرب إسبانيا، وبعض ألف في تاريخ العرب العام أنموذجات بقيت ناقصة كتأليف «أكله # Ockley ~~» البالغ آخر سنة 705 ميلادية وتأليف «ماريني # Marigny ~~»، و«دسورجرس # Desvergers ~~» الواصلين إلى آخر سنة 1258. ولم يتم تاريخ المؤلف «ويل # Weil ~~». # وبالجملة كان من علماء الفرنج جم غفير دونوا أخبار جميع الممالك التي تغلب عليها العرب، فخلفوا لنا من مدوناتهم أنفع المواد التاريخية المتعلقة بآسيا وإفريقية، وكذا أوروبا التي ساعدتنا كتبها على تدوين هذا الملخص العام، لا سيما تأليف «جستاو هبرد # Gustave Hubbard ~~» أحد ms006 تلامذتنا وأصدقائنا الأقدمين؛ فقد سهل لنا إتمام هذا الملخص بتأليفه الأولي في التاريخ الذي طبعه سنة 1852 ميلادية ، وضمنه تنظيم جمعيات تعاون الإحسان والتبصرة في تدارك أمر من اعتدت عليه محن الزمان، والمستمدات الأصلية المشتملة على سير العرب لم تزل إلى الآن كنوزا مغلقة، فإنا معشر الفرنج وإن وقفنا على حقيقة تواريخ أبي الفداء وأبي الفرج وألمسين - النصراني المعروف بين أهل المشرق بابن العميد - لكن ليس عندنا الآن إلا تراجم قطع من تواريخ ابن خلدون والمقريزي وابن الأثير وتواريخ كثير من المؤرخين من العرب والفرس، ولعلنا نحوز جميعها مترجما باللغة الفرنساوية، ومع ذلك يكفينا ما لدينا من تواريخ السلف في ضبط الحكايات الكاذبة وتحقيق الحق فيها، بل نقتدر بها على فهم ما كان عليه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، غير مغترين بما اعتاده المؤلفون من ستر خلقه الباطني كالقائل إنه كان رجلا مجذوبا محتالا طماعا يتعذر حصر هواتفه، والقائل إنه كان ذا قريحة لا نظير لها، وأنه من نوادر الوجود التي يحدثها الله لإصلاح الدنيا؛ فإن هذين القولين لا يلتفت إليهما، بل يجب رفضهما. والمعول عليه في وصفه # صلى الله عليه وسلم # ما قاله العلامة «أولسنير # Elsner ~~»؛ فإنه فهم حقيقة الرسول وحكم دين الإسلام على جميع الممالك التي انتشر فيها على ما قاله في تذكرته التي وقعت موقع القبول سنة 1809 ميلادية؛ لاشتمالها على المأمول لدى أرباب مدرسة العلماء المشتغلين بالعناوين والكتابات على الآثار القديمة ثم بالعلوم الأدبية. # وأما تواريخ الخلفاء الراشدين، وكذا الأموية في دمشق وقرطبة والعباسية ببغداد والفاطمية بمصر، ووصف تمزيق الممالك الإسلامية المشرقية التي أغار عليها الأتراك ثم المغول، فدونها الفرنج تدوينا حسنا وأضفنا إليها ما تركوه من أصولها، وهو وصف التمدن العربي الذي تمكنت أصوله في آفاق الدنيا القديمة أقوى تمكن، ولا نزال إلى الآن نرى آثاره حين نبحث عن مستمد مبادئ ما نحن عليه من المعلومات الأوروباوية؛ فإن العرب في غاية القرن الثامن بعد الميلاد فقدوا الحمية الحربية، وشغفوا بحوز المعارف حتى أخذت عما قليل ms007 مدائن قرطبة وطليطلة والقاهرة وفاس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند تفاخر بغداد في حيازة العلوم والمعارف، وقرئ ما ترجم إلى العربية من كتب اليونان في المدارس الإسلامية، وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجميع ما ابتكرته الأفهام البشرية من المعلومات والفنون، وشهروا في غالب البلاد - خصوصا البلاد النصرانية من أوروبا - ابتكارات تدل على أنهم أئمتنا في المعارف، ولنا شاهدا صدق على علو شأنهم الذي تجهله الفرنج من أزمات مديدة؛ الأول: ما أثر عنهم من تواريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والأسفار وقواميس ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثير من الفنون الفاخرة، والثاني: ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والمباني الفاخرة والاستكشافات المهمة في الفنون، وما أوسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم الصحيحة التي مارسوها بغاية النشاط من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر من الميلاد (من سنة 288 إلى سنة 907 هجرية)، وزعم المؤلف «شليجل # Schlegele ~~» (سنة 1832 ميلادية الموافقة سنة 1248 هجرية) أن الهنود والصينين أعلم من العرب، وأخبر أنه سيقف على كنوز معارف هاتين الأمتين، مع أنه لم يحصل بعد دعواه بعشرين سنة أجل الفوائد الفلكية والرياضية والجغرافية إلا من الكتب العربية القديمة، نعم ألف الفرنج الباحثون عن الأمور الهندية كتبا كثيرة لكن لم يحصل منها أدنى تقدم فيما هي بصدده، كما أن الفرنج المستخرجين فوائد من تواريخ المملكة الصينية التي هي أقدم الدول، لم يتجمعوا إلا في إشهارهم الصينيين بأنهم أجهل أهل الأرض كالترك، كما قاله المؤرخ أبو الفرج. # وأما المدرسة البغدادية المدونة للمعلومات التمدنية في الفترة التي بين عصر يونان الإسكندرية والأعصر الأخيرة، فكانت مساعدة على استيقاظ أهل أوروبا من رقدة الجهالة، ونشر أنوار المعارف في جميع ممالك آسيا؛ فقد انتشر علم العرب «الفلك» في الهندستان بواسطة العلامة البيروني المغمور بمكارم السلطان محمود الغزنوي حين انتقل إليها سنة 1016 ميلادية الموافقة لسنة 407 هجرية، كما نشره بين السلجوقيين العلامة عمر خيام سنة 1076 ميلادية الموافقة لسنة 469 هجرية، وبين المغول العلامة نصير ms008 الدين الطوسي مؤسس الرصد خانة بمدينة المراغة سنة 1260 ميلادية الموافقة سنة 659 هجرية، وانتشر بين العثمانيين سنة 1337 ميلادية الموافقة سنة 738 هجرية، ونشره بين الصينيين العلامة «كوشيوكنغ # Co-Chéon-King ~~» تلميذ الأستاذ جمال الدين سنة 1280 ميلادية الموافقة سنة 679 هجرية في عهد السلطان كوبلاي خان كبير عائلة الملوك اليوانية، وشيد «أولوغ بغ # Oloug Beg ~~» لعلم الفلك رصد خانة بسمرقند سنة 1437 ميلادية الموافقة سنة 841 هجرية، وانتهى اشتغال المشرقيين بالعلوم والفنون عقب زمان ألوغ بغ، ثم اطلع أهل الغرب من أوروبا على أسرار تلك العلوم فأخذوا يشتغلون بها حتى جددوا في البلاد الإفرنجية التمدن واللغة العربية وفنونها الأدبية التي أخذت كل يوم في زيادة الانتشار بين الفرنج، وما زلنا إلى الآن نستكشف أمورا مهمة من الكتب العربية القديمة، وإن عزي ابتكارها زورا إلى بعض المتأخرين من الفرنج. # ولا شك أن فتح أمتنا الفرنساوية إيالة الجزائر المغربية وكثرة علائقها بمسلمي إفريقية «ممالك المغرب»، يزيد فيما اهتم به الفرنج المولعون باللغات والآثار المشرقية من البحث عن كتب المعلومات العربية، التي لم يحسن سلف الفرنج استخراج ما فيها من جواهر المعارف الثمينة. # وما أعظم اشتغالنا بتلخيص جميع تاريخ الأمة العربية التي ظهرت أخبارها أعجب مظهر، وبهرت أنباؤها دون غيرها من التواريخ كل من قرأ وتبصر! ولذا نستلفت أبناء أوروبا على ممر الزمان إلى تلك الآثار الجليلة التي خلفتها هذه الأمة. # | المقالة الأولى # في جغرافية بحيث جزيرة العرب وفي تاريخ العرب قبل البعثة وفيها بابان # | الباب الأول # في جغرافية بحيث جزيرة العرب وفيه ستة مباحث # المبحث الأول: في آراء القدماء في حقيقة بحيث جزيرة العرب # بلاد العرب واسعة سطحها، ضعف سطح مملكة فرنسا تقريبا، قدره علماء هذا العصر من أوروبا بمائة وستة وعشرين ألف فرسخ مربع محاطة بالماء في ثلاث جهات، ومتصلة في الجهة الرابعة بإفريقية وآسيا، وحدودها في الشرق والجنوب والغرب الخليج الفارسي وبحر الهند والبحر الأحمر، وفي الشمال الغربي برزخ السويس - كان ذلك قبل فتح القنال - وخط نهايتها من الشمال مبدؤه ms009 غزة، ويمر بجنوب بحيرة البحر الميت وبشرق نهر الأردن، ويمتد من دمشق إلى نهر الفرات حتى ينتهي إلى الخليج الفارسي. # ولم يعرف القدماء صفة داخل بلاد العرب، بل لم يكن لليونان والرومان دراية تامة بتقسيمها؛ ولذا اقتصر على عبارات قليلة في بحيث جزيرة العرب المؤرخ «هيرودوطوس # Hérodote ~~» اليوناني الذى ساح وجمع فوائد في أخلاق المصريين وأهل أذربيجان وأتى بعده «إيراتستينس # Eratosthéne ~~»، و«أغاتارشيد # Agatarchide ~~»، و«بليناس # pline ~~»، و«أريان # Arrien ~~»، و«استرابون # Strabon ~~»، و«ديودور السيسيلياني # Diodore de sicile ~~»، فدونوا في فوائدها أكثر مما قاله ذلك المؤرخ، لكنهم نسبوا إلى بلاد العرب في غالب عباراتهم ما يجلب إليها من الهندستان للتجارة. # ويظهر أن «بطليموس Ptolémée ~~» الفالوذي كان أعلم القدماء بحقيقة بلاد العرب، ومع ذلك لم يكن تقسيمه لها إلا اجتهاديا؛ ولذا لم يعتمده علماء الجغرافية من العرب، قسم بلاد العرب إلى ثلاثة أقطار كبار، الحجاز ونجد واليمن، وجعل الحجاز شاملا لبحيث الجزيرة التي بين الخليجين المتفرعين من البحر الأحمر في نهايته الشمالية وجعل نجدا ممتدا من شرقي هذين الخليجين إلى حدود الشام وجزيرة دجلة والفرات، ومن الجهة الشرقية من مبدأ طول الخليج الفارسي إلى بحر الهند، وجعل اليمن الجزء الجنوبي من بلاد العرب، وعد فيه من الأقوام ستة وخمسين ومن المدن والقرى والمينيات ستا وستين ومائة، منها ست مدائن كبيرة، وخمس مدائن ملوكية. ولم تتفق كلمة المؤلفين في تحديد امتداد هذا القسم الثالث؛ فقد بالغ فيه بعضهم بما يخرج عن حد القياس، وحصره آخرون بين الجبال المجاروة للأقيانوس الهندي، وآراء العرب في تقسيم بحيث هذه الجزيرة أحسن، لموافقتها شكل البلاد وجميع ما دون من تواريخ العرب في سائر الأعصر. # وأما حدودها العامة فهي التي أسلفناها، إلا أنها لا تشمل على رأيهم بحيث جزيرة طور سينا ولا صحاري كلدة والشام، كما يعلم من ترجمة جغرافية الإدريسي. # المبحث الثاني: فيما اختاره العرب في تقسيم بلادهم وفي بحيث جزيرة طور سينا وصحاري الشام وكلدة وغيرهما وبلاد العرب الحقيقية # بحيث جزيرة طور سينا منحصرة بين خليج السويس وخليج أبلة، ms010 وتمتد في الشمال إلى البحر الميت، سكن العبريون براريها الرحبة بعد خروجهم من مصر، ثم صارت إقليما رومانيا يسمى فلسطين الثالثة، وكرسي حكومته مدينة بترة وجبال طور سينا وخور وغريب محال لوقائع وحوادث ذكرت في التوراة، وصحاري الشام والجزيرة وكلدة المعروفة بصحاري دمشق وحلب وبغداد وبصرى، تمنع سكان آسيا الصغرى وبلاد الفرس من الوصول إلى بحيث جزيرة العرب، وقفارها تزهد فيها الملوك الفاتحين لو لم تكن طريقا مختصرا للمتاجر الآتية من الهندستان إلى أوروبا ومن اليونان وإيطاليا إلى المشرق؛ فإن المسافر من مصب نهر الفرات على طريق مستقيم إلى دمشق يصل بسهولة إلى مينيات البحر الأبيض المتوسط بخلافه إذا صعد في هذا النهر إلى جهة جبال أرمينية، فإنه يجبر على اجتيازها والمرور بطول جميع الأناضول؛ وبذا يتكبد مشاق ومصاريف جسيمة، وهذا هو السبب الأكبر في أن مدينة تدمر المبنية بتلك الصحراء كانت ذات أهمية، لحمايتها القوافل التجارية، ثم خربتها الجيوش الرومانية، فحكم العرب بالتدريج على تلك الطرق التي بين المشرق والمغرب، ولتعودهم على المعيشة البدوية من الحط والترحال ومعرفتهم بقواهم الحربية، صاروا ملوكا يتصرفون في تلك البقاع بلا منازع، ثم ظهر في تلك الأقطار تدريجيا مملكة الحيرة والأنبار وقبيلة النبط وقبائل غسان. # وفي خلف تلك البراري من الجنوب بلاد العرب الحقيقية المنقسمة ثمانية أقاليم: # الأول: # الحجاز الواقع في الجنوب الشرقي من بحيث جزيرة طور سينا وفي طول ساحل البحر الأحمر. # الثاني: # اليمن الذي في جنوب الحجاز. # الثالث: # حضرموت الواقع في ساحل بحر الهند وفي شرق اليمن. # الرابع: # إقليم مهرة في شرق حضرموت. # الخامس: # إقليم عمان المتصل في الشمال بالخليج الفارسي، وفي الجنوب والشرق ببحر الهند، وحده من الجنوب الغربي إقليم مهرة. # السادس: # الحساء المسمى أيضا بالبحرين لأهمية الجزائر التي تجاوره، ولامتداده بطول الخليج الفارسي من ابتداء إقليم عمان إلى نهر الفرات. # السابع: # نجد في جنوب صحاري الشام، شاغل جميع الجزء الأوسط من بحيث جزيرة العرب وهو ما بين الحجاز والحساء وإقليم اليمامة، أو العروض الذي كانت به مدينة هجر وغالبه ms011 هضاب رملية. # الثامن: # إقليم الأحقاف بين عمان والحساء ونجد وحضرموت ومهرة. # وإنا نعرف الآن وصف جميع هذه الأقاليم على السواء، وأما السياحون من الفرنج فخططوا بعض تلك الأقاليم، ولم يجدوا سبيلا إلى تخطيط البعض الآخر، وعملوا في أيامنا هذه لبلاد الحجاز واليمن رسوما خالية عن مواطن كثيرة، وجهلوا في هذا العصر بلاد عسير التي تتصل بهذين الإقليمين، ويعمرها قوم أولوا عزم وإقدام في الحروب. # وإذا كان هذا حال معرفتهم بسواحل البحر الأحمر الذي يسهل الدخول فيه بسبب وضعه الطبيعي، فما بالك بداخل بلاد العرب الذي لم يطلع على جميع طوله إلا إفرنجي واحد مرة وهو الخواجه «سيتزان # Seetzen ~~» جابه من الخليج الغربي إلى الخليج الشرقي؛ أي من سواحلها الجنوبية والشرقية التي شرع الإنكليز الآن في رسمها. # المبحث الثالث: في تخطيط الحجاز # وصفه يجذب النفوس؛ لاشتماله على أعظم مدائن العرب، وهما مكة المشرفة والمدينة المنورة. فأما مكة ففيها مولد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكانت تسمى قديما مكورابة، وهي منذ قرون تحجها الناس، وتقصدها للسجود في الكعبة وأمام الحجر الأسود كما حجتها الملائكة على ما قيل. وأما المدينة فتسمى قديما يثرب، ولا بد من أن تكون مقارنة لمكة وليس لهاتين المدينتين من الأرض المحيطة بهما ما يكفي سكانهما؛ ولذا استمدت المدينة من ينبع ومكة من جدة، وبخلال أرض الحجاز كثبان رمال وآكام خصبة، وهي مساكن القبائل وحولها قرى وضياع، وفي تلك الآكام قلاع يلجأ إليها عند هجوم الأعداء، وبمنحدراتها بعض حبوب وثمار وكلأ للمواشي وعيون ماء، وبقرب أحد تلك الآكام مدينة الطائف، وهي بستان مكة، ولفواكهها شهرة، ويلحق بالحجاز أرض تهامة، وهي البلاد الممتدة من سفح الجبال إلى البحر، وفيها مدينة قنفذة. وعلماء الجغرافيا لا يطلقون تهامة إلا على الساحل لمقابلته بنجد الذي معناه المحل المرتفع، ويقولون تهامة الحجاز غير تهامة عسير وتهامة اليمن الممتدتين من خولان إلى عدن. # المبحث الرابع: في وصف إقليم اليمن # سمي بذلك ليمنه وبركته، وهو الجزء الجنوبي من جزيرة العرب، وفي شماله بلاد عسير، وسكانه يسمون ms012 لدى القدماء بني حمير، خالطوا المصريين والإثيوبيين والفرس وجميع الأمم التي تسافر في بحر الهند، فانتظمت حكومتهم منذ أحقاب، ولم يكن لهم اشتغال بالفلاحة والتجارة وزرعوا البن آخر الزمان، ولم يمهروا في الفلاحة وطريقة ري الأرض، وإلا لزاد البن الذي هو ينبوع غناهم، خصوصا مع اعتدال ذلك القطر وارتفاع أراضيه ورطوبته المساعدة على نمو تلك الشجرة، وفيه الآن عدة مدن رفاهيتها من تجارة البن، وهي مخا وجديدة ولدية وعدن، ومن هذا الإقليم مدينة سبا المسماة أيضا مأرب ومدينة صنعاء المنافسة لمكة عدة قرون في التلقب بتخت جزيرة العرب؛ ولذا اتخذها التبابعة ومن خلفهم عليها من عمال الفرس والحبشة دار إقامة، وهي الآن دار إقامة أقوى أمراء اليمن شوكة، وكان ينقل من جزيرة العرب إلى البلاد الأجنبية تبر ومواد عطرية، وتستمد العرب من جزائر بحر الهند معظم المعادن النفيسة والبهارات الذكية التي يبعثون بها في الخليج الغربي والخليج الفارسي إلى البلاد الأجنبية. # المبحث الخامس: في وصف أقاليم حضرموت ومهرة وعمان والحساء والأحقاف ونجد # إقليم حضرموت - الذي منه مدينتا ظفار وشيبان - متصل باليمن ومشابه له في المزاج والمزايا الطبيعية، ومنه العود القاقلي، وإقليم مهرة أقل منه خصبا؛ ولذا استمد سكانه وسائل معيشتهم من البلاد الأخر. والبحر عندهم كثير السمك يقتاتون به هم ومواشيهم، وإقليم عمان تجاه الهندستان وبه قليل من النحاس والأسرب والتمر والبقول؛ ولذا حرم من المظهر التجاري ولم يجلب إليه محصول الهندستان لعدم شيء فيه يصلح للتبادل، وإقليم الحساء شامل لجميع ساحل الخليج الفارسي من ابتداء أرض عمان إلى بصرى، ويبدو للمسافرين في البحر كآبة وخراب سواحله، حتى يجيء فصل غوص البحر لإخراج اللؤلؤ، فيتغير منظره ويصير مركز تجارة لوفود الناس إلى سواحل البحر؛ ليعاملوا سكان السواحل وجزائر البحرين، وينزل إذ ذاك أفواج من ذوي الحاجات والهرج وقلة النظام في بلاد القطيف والحساء والقطا وجريب، ثم يذهبون بعد ذلك الفصل بمتاجرهم إلى أسواق الهندستان وبلاد الفرس، فيصبح إقليم الحساء بلقعا رحبا. # وإلى هنا تم الكلام على الأقاليم الستة البحرية من ms013 بحيث جزيرة العرب، وهي الحجاز واليمن وحضرموت مهرة وعمان والحساء، وبقي إقليمان ممتدان في داخلها، وهما: # إقليم الأحقاف: وهو إيالة مقفرة يلحق به في بعض الكتب أرض اليمامة، وحاله مجهول عند الفرنج. # وإقليم نجد: وفيه كثير من الواحات ومراع نفيسه، وخيله وجماله مشهورة بالقوة، ولم يصفه أحد من السلف وصفا تاما. # المبحث السادس: في وصف المنظر العام لبحيث جزيرة العرب وريح السموم ورمال الصحراء والندى والأمطار الدورية ومعيشة العرب البدوية # يعلم من التقسيم السابق أن بحيث جزيرة العرب كواد مثلث الشكل، زاوية رأسه تنتهي بجبل طور سينا بين نهري اللاذقية والفرات، وله ثلاثة أضلاع؛ أحدها: سلسلة جبال تمتد وسط الشام وفلسطين، وهي المسماة جبل لبنان، ثم ترجع إلى داخل بحيث جزيرة العرب، فتمتد على ساحل البحر الأحمر إلى بوغاز باب المندب. وثانيها: سلسلة أخرى توازي مجرى نهر الفرات والخليج الفارسي، وتنتهي إلى بوغاز هرمز. وثالثها: ممتد بين البوغازين، ويتم بخط من أراض مرتفعة. وأما داخل ذلك الوادي فسهل في غاية الانخفاض، حره أشد ضررا من حر السواحل لمقاومة حرها بالأمطار بخلافه، وجوه مملوء في الغالب بالأبخرة والعفونات المتصاعدة من البحر الميت «بحيرة أسفلتيت»، ومن بحيرات أخرى ملحة، وتهب فيه ريح السموم التي تعرفها العرب برائحة كبريتية تفوح منها فتتلف النبات الذي لم يتم يبسه بأشعة الشمس، وتخنق الإنسان وسائر أنواع الحيوان عند عدم الاحتراس منها، وتغطي جثث الموتى بالرمال، ولا وجود لها قرب سواحل الأقيانوس الهندي، لا سيما في اليمن؛ فإن الهواء هناك نقي دائما وفصل الحرارة غير فصل الأمطار، التي إن عدمت خلفها ندى غزير. والأرض مرتفعة تدريجيا من ابتداء شواطئ البحر، وبحسب تفاوت الارتفاع يتنوع مزاج الحر ويسهل ري المزارع، وأشعة الشمس التي تسقط في الصيف عامودية تتلطف بعوارض كثيرة أرضية. # وهذه الفوائد الطبيعية قاضية بأن يتوطن سكان بحيث جزيرة العرب هذه السواحل اليمانية دون غيرها، لكن معيشتهم البدوية لما فيها من المحاسن جذبت قلوبهم إلى هذه الصحراء ذات الرمال المحرقة التي لا تنبت ذرة شامية ولا أرزا ms014 ولا برا، وبها مراع ونخيل سريعة النفاد وصهاريج وآبار يغيض ماؤها كل وقت. قال المؤلف «هردر # Herder ~~»: # إن بحيث جزيرة العرب التي هي من أشهر الإيالات على الكرة الأرضية يتراءى منها أنها معدة بالفطرة الإلهية لأن تكسب أقوامها طبعا مخصوصا؛ فإن صحراءها الكبرى - المشابهة لبلاد التتار الجنوبية والممتدة من حلب إلى نهر الفرات، ومن مصر إلى الشام - تبدي كثيرا من الفلوات الواسعة والقفار الرحبة لأقوام البدو والرعاة الرحالة النزالة. ولم تزل من منذ أقدم الأحقاب يسكنها عرب دأبهم الحط والترحال. وإذا تأملت في عيشة هذه الأمة التي ترى كل مدينة سجنا، وفي تكبرها المؤسس على أقدمية أصلها وعلى عظمة إلهها وسعة لغتها وأشعارها وخفة خيلها، وعلى بارق شواكيها وسمهري رماحها التي تعتقد أنها متوارثة لديها، وأنها كالأمانة المقدسة عندها؛ قلت إن جميع هذه الأشياء قد أعدتها قديما لأن تظهر بالمظهر العظيم في ثلاثة أقسام من الدنيا ظهورا مغايرا لظهور التتار من شمال آسيا. انتهى. # | الباب الثاني # في العرب قبل البعثة وفيه مباحث # المبحث الأول: في طباع العرب وأخلاقهم وطبقاتهم وانقسامهم إلى قبائل # العرب أسسوا - زمن الجاهلية - ممالك صغيرة في العراق والشام، وانتشروا خلف بحيث جزيرتهم ساكنا بعضهم بوادي مصر، مالكين بالإرث جميع صحاري إفريقية، منفصلين عن أعلى شمال آسيا برمال كالبحار أمنوا بها من دهمات الملوك الفاتحين، وانفردوا بحريتهم وتكبرهم لجلالة أصلهم وشهامتهم وفصاحة لغتهم الباقية على نقائها، واتجروا مع من يأتي إلى مركزهم من تجار الجنوب والمشرق، واكتسبوا معارف من جاروهم من الأمم، فوجد عندهم ممارسة عقلية حدث بها في لغتهم العبارات المجازية والحكم التهذيبية التي لم يظهر مثلها في جبال «أورال # Ourals ~~»، ولا جبل «التايي # Altaï ~~»، وعلى جبلهم المسمى بطور سينا نزلت ألواح الشريعة على موسى بن عمران المبعوث للعبرانيين الذين سكنوا مع قبائل العرب في أغلب الأزمان. # وكان قدماء العرب محافظين على أخلاق أجدادهم الدينية، ولكنهم وهبوا شبيبة مؤيدة واقتدارا على أعظم الأمور، فتغيرت طباعهم؛ فكانوا سريعي الغضب، أقوياء الجراءة، سفاكين للدماء، معتقدين الأوهام الكاذبة، كثيري المشاجرة ms015 كراهية في مطلق التحكم عليهم؛ لما جلبوا عليه من حب الاستقلال الذي يظنونه الخير الوحيد من بين ما متعوا به مع ما هم عليه من كثرة السعي والجهد في الضرورات المعاشية المصحوبة بصعوبة المعاملة وقسوة القلب وشدة الحرص على الانتقام، إلا أنهم كانوا ذوي حرية وعزة نفس وكرم، بل كانوا يعتبرون قرى الضيف قانونا جامعا لقوانين الإنسانية؛ ولذا كانوا يفخرون به مع السيف الكفيل بإثبات حقوقهم، والفصاحة المستعملة في فصل خصوماتهم التي لا تنهيها المحاربات، وكان تحت حكم كل رئيس - يسمى الشيخ أو السيد - قبيلة أو عدة قبائل، تنفد معيشة بعضها بالحروب فتنضم إلى قبيلة أخرى قادرة على حمايتها؛ فيكونان قبيلة واحدة تحت رياسة كبير القبيلة ذات الشوكة؛ وبذا يعلم سبب أن كثيرا من أسماء القبائل لم يبق ذكره إلى الآن، وكان سائر مشايخ القبائل تحت حكم شيخ قائد للجيش ملقب في بعض الأحيان بالأمير، موكل بجميع مصالح القبائل، لا يقدر على تمييز مصلحته عن مصالحها؛ لأن سائرها منسوب إليه، وهو الذي يباشر بت الحكم في جميع الدعاوى العظيمة بعد إصغائه إلى آراء المشايخ؛ ولذا كان مقيدا في حكمه، لا ينجو من الاقتصاص منه بمثل جنايته على ما عرف في القوانين القديمة من القضاء بقتل القاتل أو تغريمه الدية. # ولم تزل العرب على هذا النظام ما ألفوا العيشة البدوية، وإن أنشئوا ببلادهم مدائن لإطلاق تصرف المشايخ فيها، بدليل أن من دخل منهم المدائن لم يتغير عن حالته الأصلية. # المبحث الثاني: في الروايات القديمة من ابتداء القرن المتمم للعشرين إلى القرن العاشر قبل الميلاد العيسوي # أعلم أن العرب يعزون أنفسهم إلى إبراهيم الخليل - عليه السلام - وقد عمر شمال بحيث جزيرة العرب بنو إسماعيل، وجنوبها بنو قحطان الذين سكنوا اليمن، وأسسوا فيه عائلتين ملوكيتين، عائلة ملوك سبأ، وعائلة ملوك بني حمير، وهذان غير العرب العرباء الذين بقي لسانهم - وهو اللغة العربية الحقيقية - مستعملا الآن في الحجاز ونجد تتكلم به سكان البيد والفلوات، إلا أن سكان مدائن اليمن تكلموا باللغة الحميرية التي تعلمها ms016 بنو قحطان من آبائهم الأولين. # وكان وجود بني إسماعيل بعد بني قحطان بزمن مديد، وقد أوحى الله إلى الخليل - عليه السلام - أن يبني في مكة معبدا، فرحل إليها من الشام وبنى الكعبة التي تعظمها العرب من أمد بعيد بأنواع التعظيم الديني، ومكث في بنائها سنين طويلة، وعاونه في البناء ابنه إسماعيل - عليه السلام - المولود في أرض مكة، والذي جاء إليه جبريل بالحجر الأسود، الذي لم يزل موضوعا فيها من قديم الزمان، وسيشهد يوم القيامة لمن عبد الله أمامه، ووالدته هاجر هي التي عثرت على بئر زمزم. # وورد في الروايات القديمة التي حفظتها العرب آيات أخر تدل على رعاية الله لهم وعنايته بهم، وأقل ما ثبت في عقولهم أن نسلهم كنسل بني إسرائيل في الامتياز على الغير. # وكان في بحيث جزيرة العرب غير بني قحطان وبني إسماعيل بقايا قليلة من الأقوام الأولية، ولا يوثق بما ورد في حقهم من الروايات المبهمة وغاية ما يعلم، بل غاية ما يفرض أن قوم عاد جابوا بلاد العراق والهندستان تحت قيادة شداد ولقمان قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة، وأنهم استولوا على مدينة بابل سنة 2218 قبل الميلاد، وتغلبوا على مصر في ذلك العصر، وكانوا يسمون برعاة الإبل أو الإكسوس - بكسر الهمزة - وذهب بعضهم إلى أنهم حين طردهم بعد ذلك بنو قحطان من أرض اليمن، ذهبوا إلى الحبشة تاركين آثارا تدل على مرورهم من بلاد العرب، ولا يزال يشاهد فيها إلى الآن أبنية منسوبة لقوم عاد تشبه أبنية الصقالبة في الأحقاب الخالية. # وطبقات العرب ثلاث: عاربة ومستعربة وتابعة للعرب. # فالعاربة # شعوب منها عاد وعبيل وعبد بن ضخم وثمود وجديس وطسم، # 1 # والعمالقة وأميم وجرهم وحضرموت وحضورا والسلف. # فأما عاد بن عوص بن إرم بن سام فأول من ملك من العرب، ومواطن بنيه بأحقاف الرمل بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشحر، عبدوا الأوثان فبعث لهم هود - عليه السلام - فكان له معهم ما في القرآن الكريم، وغلبهم على الملك يعرب بن قحطان؛ فاعتصموا بجبال حضرموت حتى انقرضوا. ms017 # وعبيل إخوان عاد أو أبيه وديارهم بالجحفة بين مكة والمدينة أهلكهم السيل، وعبد بن ضخم بن إرم، مسكن بنيه الطائف، وهم أول من كتب الخط العربي. # وثمود بن كاثر بن إرم، ديار بنيه بالحجر ووادي القرى فيما بين الحجاز والشام، طالت أعمارهم فنحتوا بيوتا في الجبال، وبعث لهم صالح - عليه السلام - فكان ما قصه القرآن العظيم. # وجديس لإرم بن سام وديارهم باليمامة، وطسم للاوذ بن سام وديارهم بالبحرين، وقيل هما معا للاوذ وديارهم اليمامة. # والعمالقة بنو عمليق بن لاوذ بن سام المضروب بهم المثل في الطول والجثمان، والمعدودون عند بعض المؤرخين من جملة رعاة الإبل أو الإكسوس الذين أغاروا على مصر كما سلف، ومنهم أهل المشرق وأهل عمان البحرين وأهل الحجاز وفراعنة مصر وجبابرة الشام والمسمون بالكنعانيين، ومع انتشارهم ببلاد العرب وملكهم للديار المصرية، لم يؤسسوا مباني مخلدة البقاء، وآل أمرهم إلى انحيازهم في شمال بلاد العرب واختلاطهم بالأيدومية والموابية والأمونية، ومنعوا حين نزولهم بسهول الحجاز ونجد العبرانيين من دخول كنعان، فدام الحرب بينهما حتى غلبهم طالوت ملك اليهود، ثم أدخلهم داود - عليه السلام - في حكمه الساري فيما بين البحر الميت والخليج الأيلانيتي - لعله خليج أيلة - وخلفه ابنه سليمان - عليه السلام - فلم يكتف بحكمه البحر الأحمر الطائفة أساطيله بسائر جهاته، بل جمع بين تجارتي الهند والهندستان بإلزامه العرب المتنقلة في براري كلدة أن يؤدوا له الجزية، ثم توفي سنة 976 قبل الميلاد - قبل الهجرة بألف وخمسمائة وثمانية وتسعين سنة - فانفصلت مملكة يهودا عن مملكة إسرائيل وانقطع الارتباط بين القدس ومدائن العراق، وأبت العرب أن تؤدي الجزية، وأخذت العمالقة والأيدومية والموابية في الاستقلال عن اليهود. # ولقوة شوكة سليمان - عليه السلام - وعظم ملكه في جميع بحيث جزيرة العرب، اعتبرت سلطنته مبدأ تاريخ للحوادث المهمة من تاريخ العرب؛ ولذا جاءت ملكة سبأ لتتحقق ما سمعته من قوة شوكته، فوجدت فخامة ديوانه فوق ما اشتهر من الأخبار، فازداد عجبها من علو شأن سليمان - عليه السلام - الذي خاف منه العرب على حريتهم، ثم اطمأنوا عليها ms018 بضعف شوكة خلفائه وعدم كفاءتهم للسلطنة. # وأميم بن لاوذ أخو عملاق وديارهم بأرض فارس، وهم أول من بنى البيوت والآطام من الحجارة وسقفوا بالخشب. # وجرهم وحضورا وحضرموت والسلف من بني أرفخشذ بن يقطن يسمون العرب البائدة لعدم بقائهم، وجرهم أمة كانت على عهد عاد، وحضورا ديارهم بالرس وهم عبدة أوثان، بعث إليهم شعيب - عليه السلام - فكذبوه وهلكوا، وحضرموت منها الملوك التبابعة. # وأهل التوراة لا يعرفون أخبار أحد من العرب العاربة؛ لأنهم إنما يعرفون أخبار من ذكر في عمود النسب بين موسى وآدم، ولا ذكر فيه لأحد من آباء هؤلاء الأجيال، الذين علمت أخبارهم من مهاجرة بني إسرائيل؛ لأنهم أقرب إليهم عصرا، وأما من كانوا قبل هؤلاء العرب فلا طريق لعلم أخبارهم إلا القرآن المجيد؛ لتطاول الأحقاب وانقطاع السند. # والعرب المستعربة # بنو قحطان أبي سائر اليمنيين بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، ظاهر بنوه العرب العاربة على أمورهم، وكانوا مبعدين عن رتبة الملك والترفه التي لأولئك، حتى كثرت أفخاذهم وعشائرهم، فأخذ يعرب بن قحطان اليمن من عاد والحجاز من العمالقة، فولى أخوته جرهما على الحجاز، وعادا على الشحر وعمان على بلاد عمان وحضرموت على جبال الشحر وهؤلاء غير جرهم وعاد وحضرموت السالفة في العاربة. # ولم يزل بنو قحطان على حضارتهم باليمن إلا جرهم، فهاجرت إلى مكة وهي بيد إسماعيل - عليه السلام - فحالفته ونزلت بها، ثم اقتضى الحال أن يعينوا رئيسا يدخل تحت لوائه جميع الرجال عند هجوم العدو ومركزا من المدن تدور عليه أمور الأمة العربية، فاختار بنو إسماعيل أن تكون الرياسة لهم والمركز مكة لشرفها بالبيت المطهر، وبنو جرهم أن يكون الرئيس منهم والمركز صنعاء لغنى اليمن وأقدمية أهله. فقام بذلك بين الفريقين حرب امتدت إلى القرن السادس بعد الميلاد، كانت النصرة فيها لبني إسماعيل، وذلك زمن استعداد النبي # صلى الله عليه وسلم # لتأسيس الوحدة الدينية. # والعرب التابعة للعرب # من ولد إسماعيل - عليه السلام - تزوج بنت مضاض سيد جرهم فأتت منه بأولاد، وكانوا قبيلة تحت رياسة واحد حتى ms019 كثروا فتفرقوا قبائل ذهب أكثرها إلى البادية تحت الخيام، فاعتادوا المعيشة البدوية، واعتادوا في أسفارهم حمل أحجار من الحرم يطوفون بها إذا نزلوا؛ تبركا بأثر البيت، حتى أفضى بهم ذلك إلى عبادة الأحجار، واعتادت مشايخهم عند تملك مرعى أن يستنبحوا كلابهم ليكون مدى صوتهم المعلم بالحيازة كراسم دائرة على المرعى تمتنع بها مواشي القبائل المجاورة من النزول فيه. # وفي زمنهم كان تدويخ بختنصر للعرب وقتلهم؛ وذلك أن الملك استفحل أمره في الطبقة الأولى للعمالقة، وفي الثانية للتبابعة وانتشروا باليمن والحجاز والعراق والشام، وقتل أهل الوبر بناحية عدن اليمن نبيهم شعيبا - عليه السلام - فأوحى الله إلى أرمياء وبرخيا أن ينقلا عدنان إلى بلادهما، وأن يأمرا بختنصر بقتل ما عدا عدنان من العرب، ويعلماه أن الله سلطه عليهم، فقبض على من ببلاده من تجار العرب وأنزلهم الحيرة، ثم نظم ما بين أيلة والأبلة خيلا ورجلا خرج بهم، فانقاد إليه من العرب قبائل أنزلهم على شاطئ الفرات فبنوا الأنبار، وسار إلى الباقين وقد اجتمعوا للقائه بجزيرتهم فهزمهم بذات عرق، وقتلهم أجمعين ورجع إلى بابل بالغنائم والسبايا، فألقاها بالأنبار، ومات عدنان عقب ذلك، وأخرج بختنصر من أسكنهم بالأنبار إلى الحيرة، وبقيت بلاد العرب خرابا حقبا من الدهر حتى مات بختنصر، فتراجعت العرب من الشواهق إلى أماكنهم، وخرج معد بن عدنان وأنبياء بني إسرائيل، فجمعوا جميعا وأخذ معد يسأل عمن بقي من ولد الحارث بن مضاض الجرهمي، فقيل له بقي جرهم بن جلهة، فتزوج بنته وولدت له نزار، ثم كثر نسل معد في ربيعة ومضر وإياد، وتدافعوا إلى العراق والشام، ثم كان لهم بالعراق والشام والحجاز دولة بعد التبابعة ودروس الأجيال السابقة، فكانت الدولة في يد اليمانية أزمنة وآمادا وأحياء مضر وربيعة تبع لهم، فكان الملك بالحيرة للخم في بني المنذر، وبالشام لغسان في بني جفنة، وبالمدينة لغسان في الأوس والخزرج ابني قيلة، وماسوي هؤلاء ظعانون بالبادية في بعضهم رياسة بدوية ترجع في الغالب إلى أحد هؤلاء، ثم نبضت عروق الملك في مضر وظهرت قريش ms020 على مكة ونواحي الحجاز أزمنة دانت فيها الدول لتعظيمهم، ثم جاء صبح الإسلام واختص الله بالنبوة مضر، فكانت فيهم الدول الإسلامية. # المبحث الثالث: في تهديد الفاتحين من آسيا للعرب بالتغلب عليهم من سنة 976 إلى سنة 323 قبل الميلاد # لتوسط سهول نجد والحجاز بين مصر وكلدة، كانت مطمح أنظار هاتين الإيالتين المريدتين في آن واحد التسلطن على كل من نهري الفرات والنيل، بل طمحت إليها أنظار الملوك النماردة أصحاب نينوى وبابل المتشوفين كل التشوف إلى سعة ملكهم والاقتراب من سواحل البحر الأبيض المتوسط، فلم يبادر لصدهم إلا العرب، فقاوموهم أنجح مقاومة ومنعوهم التغلب على بني إسرائيل، ولم يهجم عليهم بعد ذلك كيروش ملك الفرس لعلمه انهزام من قبله من الملوك، بل صد عن حدود ممالكه من هدده من العرب بالإغارة، ثم سار ابنه قمبيز للتغلب على مصر، فعقد مع عرب الحجاز معاهدة واقتدى به من بعده، فبقي العرب موفين بالعهد معافين من الجزية حتى انقرضت دولة الفرس من أذربيجان، وأغار إسكندر ذو القرنين على مملكة دارا الثالث الملقب بقزمان، فانتصرت العرب لدارا، بل رتب «بطيس # Bétis ~~» محافظ غزة دراهم لجمع حالفوا دارا، ومنعوا جيوش إسكندر من دخول غزة ومنعها آخرون من الدخول إلى مصر، فسار بجيوشه إلى بلاد كنعان ومر منها إلى وادي مصر محاذيا لساحل البحر الأبيض، ثم رجع إلى بابل وتفكر بعد وصوله إلى خلف نهر السند فيما صنعه العرب معه، ورأى أن فتحه بحيث جزيرة العرب يحقق له السلطنة بسائر الممالك الغربية من آسيا، فبعث ضباط أساطيله لاستكشاف سواحل الخليج الفارسي والبحر الأحمر حين تجهيز قواد عسكره الجيوش بمصر والشام، ثم فجأه الموت وله أربع وثلاثون سنة تقريبا، فنجت العرب منه ومن رؤساء عسكره لاشتغالهم بعده بمصالحهم الخصوصية، ثم وجه «أنتيجون # Antigone ~~» و«ديمتريوس # Démétruis ~~» وكل من البطالسة والسلجوقية والرومانيين هممهم إلى دخول العرب تحت طاعتهم، فعجزوا ثم بايعهم الرومانيون. # المبحث الرابع: في الكلام على قبيلة النبط # هم من ولد إرم - خامس أولاد سام - أو شاميون أتوا من ms021 شواطئ دجلة والفرات، فسكنوا مدينة أوبترة زمن بختنصر الثاني، ولم يكن لهم ذكر زمن محاربة بني إسرائيل العرب، بل كان مبدأ ظهورهم في ميدان الوقائع بعد غزوة إسكندر الأكبر، حكموا بالقتل على من يزرع منهم قمحا أو يغرس شجرا مثمرا أو يبني بيتا؛ محتجين بضياع الحرية بحفظ تلك الأمتعة، فسكنوا البراري، مشتغلين بما يرد لهم على سواحل البحر الأحمر من متاجر المر والبخور والعطر، فينقلونه إلى مينيات البحر الأبيض المتوسطة، وكانوا إذا دهمهم عدو أقوى منهم أدخلوه بسياستهم براريهم المنفردة، ثم صعدوا صخرة عظيمة منيعة مشهورة، وكأنها التي شيدت عليها مدينة أوبترة، فلا يزالون عليها حتى يكون لعدوهم من الجوع والعطش ما يحمله على طلب السلم، وكانوا مهرة في فن تعبئة الجيش؛ فلذا قاوموا جميع أعدائهم. # وقاسى الرومانيون في فتح اليمن أهوالا شتى، فقد سار إليها سنة أربع وعشرين قبل الميلاد «أليوس جالوس # Ælius Gallus ~~» بأمر القيصر «أغسطوس # Auguste ~~» ومعه دليل نبطي تاه به في القفار، فعاد بعد نصرات قليلة قوبلت بأتعاب كثيرة أيست بها الرومانيون من فتح بحيث جزيرة العرب ثم غزاها «قسيوس # Cassius ~~» تحت قيادة «ماركوريل # Marc-Auréle ~~» سنة 170 بعد الميلاد ولم ينجح، وكذا انهزمت جيوش القيصر «قومود # Commode ~~»، ثم غزاها «مكرين # Macrin ~~» سنة 217 بعد الميلاد، وأخذها بعد سفك دماء كثيرين من رجاله فانضمت الأقطار الحجازية إلى الدولة الرومانية وجعلت فلسطين الثالثة، # 2 # واتخذت مدينة أوبترة ذات الأبنية الفاخرة والملاعب والهياكل مركزا تجاريا، ثم آل أمر النبط إلى السقوط بعد قليل حتى فقدت أسماؤهم من الكتب التاريخية. # المبحث الخامس: في أن قتال الرومانيين للبرطيين كان نافعا للعرب # كان الرومانيون متسلطين على البحر الأحمر، مسافرين فيه، عاجزين عن الإضرار بالعرب، خاشين من البرطيين أن يسطوا على العرب، فألهوهم بحرب انتهز العرب في زمنها الفرصة لتأسيس مملكة الحيرة أو الأنبار سنة 195 بعد الميلاد، ومملكة غسان سنة 292 بعد الميلاد وهما في الحدود الشمالية من بحيث جزيرة العرب. # ولتوضيح حالة بحيث جزيرة العرب قبل بعثة النبي # صلى الله عليه ms022 وسلم ~~، أردنا أن نذكر كل انقلاب على حدته من الانقلابات الأصلية التي طرأت في شمال بلاد العرب وجنوبها ووسطها، فنقول: # المبحث السادس: في الكلام على شمال بلاد العرب من ابتداء القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن السابع بعده الذي هو زمن البعثة وعلى مملكة الحيرة والأنبار والغسانيين # كانت البلاد المجاورة لبحيث جزيرة العرب منذ وفاة الإسكندر الأكبر إلى زمن الرومانيين والبرطيين خالية عن حكومة قاسرة؛ فإن المملكة السلجوقية نهكت بالفتن الداخلية، فلم تستطع أن تمنع نشأة الممالك المستقلة في الأناضول، ولا أن تنقذ ملوك اليهود من إتلافات العرب المتعودين إذ ذاك العدوان على ممالك أكبر الملوك، وكانوا لا يتمكنون من الإغارة على المملكة السلجوقية من جهة الفرات لقرب مدينة هؤلاء السلجوقية، وأخذوا يرتقبون كل سنة اشتغال جيوش السلجوقية بالحروب في البلاد القاصية، فيسيرون من جهة الشام شاهرين السيوف، ثم يعودون بالغنائم الجسيمة بلا انتقام ولا قصاص، وما زالوا على ذلك حتى عدمت سلطنة السلجوقية، فاجتهد الرومانيون والبرطيون في إزالة ذلك التعدي بتشييد القلاع والحصون بحدود البلاد وترتيب عساكر لملاحظة حركات هؤلاء، بل استمال الرومانيون جمعا من مشايخ العرب بالعطايا وتلقيبهم بأمراء العرب فكفوهم عدوان تلك القبائل. # وانضم إلى البرطيين من مشايخ العرب جمع منهم «أريامنس # Ariamnes ~~» الذي أظهر للقائد «كراسوس # Crassus ~~» الروماني أنه محب ومنتصر لهم، حتى حول ذلك القائد جيوشه من البلاد الجبلية التي يود التمنع بها إلى سهول واسعة خالية من الشجر والماء، فحمل إذ ذاك البرطيون بخيلهم ورجلهم وظفروا بهذا القائد كل الظفر. # وليس ذلك بأول وآخر دخول للعرب بين فريقين؛ فقد فعلوا مثل ذلك فيما اتقد من الفشل في مدينة رومية التي بالمدائن مع بعد المسافة بينهما، وانضموا إلى الملكة الزباء المتسلطنة بعد زوجها أذينة زمن محاربتها الرومانيين من سنة 267 بعد الميلاد إلى سنة 272، وتعدوا على سكان آسيا الصغرى، وتولى منهم فيليبش القيصرية سنة 642 بعد الميلاد لابسا ملابس القيصر الأرجوانية، # 3 # فنسي وطنه ولم ينفعه بشيء وأتى إليهم «أوريليان # Aurélien ~~» بالجيوش الرومانية سنة 271 ms023 بعد الميلاد، فدمر مدينة تدمر وحل بالعرب من المصائب ما لم يقم لهم بعده جاه ولا سطوة. # ومن أمراء العرب الذين ملكوا الجهة الشرقية من الشام وجزأ من جزيرة دجلة والفرات الملوك الأذينية المعاصرون لأوائل ملوك الحيرة والأنبار، وزعم بعض الفرنج أن آخرهم أذينة زوج الزباء الذي قتل سنة 267 بعد الميلاد في معركة بينه وبين جذيمة بن الأبرش، أحد ملوك الحيرة التنوخيين، فخلفته الزباء في السلطنة وقتلت جذيمة الذي خلفه عمرو بن عدي أول العائلة الملوكية اللخمية أو النصرية، فبعث إلى الزباء قصير بن سعد المعروف عند الفرنج بزبير الثاني، فهجم عليها في قصرها، فهمت بالفرار وعبرت سردابا صنعته تحت أخدود الفرات فقتلها، فولت الرومانيون سنة 272 على عرب الشام تنوخية، ثم صالحية، أزال حكمهم الغسانيون سنة 292 بعد الميلاد. # وكان الفرع الأصلي من بني قضاعة - الذين هم ملوك الحيرة التنوخية - متوطنا بتهامة والبحرين، ملكوا الحيرة وأغاروا على العراق سنة 192 بعد الميلاد ثم على بلاد الأنبار وكان رئيسهم سنة 228 جذيمة بن الأبرش المعترف بتبعيته لأردشير بن ساسان ملك الفرس، خلفه في الملك كما سبق عمرو بن عدي أول العائلة الملوكية اللخمية أو النصرية التي امتد حكمها إلى سنة 605 بعد الميلاد، الذي لم يساعد عرب مدينة حضر المؤسسة بين دجلة والفرات بصحراء سنجار، قاوم أهلها القيصرين «تراجان # Trajane ~~» سنة 116 و«سيوير # Sévére ~~» سنة 201 والملوك الساسانية سنة 221 بعد الميلاد، وأخذها من ملوك الفرس سابور الأول سنة 240 بعد الميلاد. # وكان بين الفرس واليونان في حكم الفرات تنازع أدى إلى اتقاد نار الحرب بينهما كما كان بين البرطيين والرومانيين، مع عناد شديد اغتنم به ملوك الحيرة اتساع مملكتهم بسواحل الفرات، وكانوا لجيوش الفرس طلائع تغلبوا سنة 272 بعد الميلاد على جزيرة دجلة والفرات، وتوغلوا في التغلب حتى بلغوا مدينة أنطاكية، لكن تعذر عليهم إدارة الحكومة فيما فتحوه من البلاد، فلزموا المقاتلة للنهب والسلب، وكانوا مدبرين في الحروب يطمعون العدو بفرار يعود منه في الغالب الظفر بسبب رخاوة ms024 اليونان، واستقلوا بمحاربتهم حتى حولوا جميع خزائن الأناضول إلى تخت ملوك الحيرة، فساغ لهم أن ينافسوا بالزينة والزخرفة ملوك المدائن وقياصرة القسطنطينية الذين نقموا منهم هذه الغزوات، حتى انتقموا من العرب سكان شمال بحيث الجزيرة المسمون عندهم بالشرقيين؛ فقد قاتلوهم بعد الميلاد في سني 289 و353 و363 التي أخذوا فيها الأنبار و373 و411، وهزموا سنة 421 الملك المنذر الأول هزيمة سفكت فيها دماء كثيرة؛ لمساعدته الملك بهرام جور في عوده إلى الجلوس على سرير سلطنة الفرس، وأغرقوا - على ما قال المؤرخ سقراط - مائة ألف من العرب في الفرات سنة 448، لكن القيصر «أنسطاس # Anastase ~~» انهزم سنة 498، وجدد العداوة والحرب مع الفرس، فكادت جزيرة دجلة والفرات تذهب منه بأسرها سنة 502. وشارك النعمان الثالث الفرس في محاربة الرومانيين، وصد عنهم من وسط بلاد العرب سنة 503 القبائل التغلبية أو البكرية مع رئيسهم الحارث بن عمرو المقصور على ملك الحيرة المتظاهرة بنصرة ديانة مزدك المانوي، الذي عزل المنذر الثالث من السلطنة سنة 518، ثم قتله كسرى بعد خمس سنين وأعاد المنذر الثالث إلى سلطنته وسائر حقوقه الملوكية. # ونقل أن هذا المنذر مكث سلطانا من سنة 513 إلى سنة 562 بعد الميلاد نافذ الكلمة على العرب التابعين للفرس، يشن الغارات من سائر الجهات على اليونان، فلا يستطيعون رده، فظهر رونق المملكة الحيرية حتى كان ذلك العصر أزهر أعصرها، وما زالت كذلك حتى ملك النعمان الخامس من سنة 583 إلى سنة 605 بعد الميلاد، فكان آخر ملوك العائلة اللخمية، وتولى سائر المملكة بعده الملوك الساسانية، فلم يكتفوا بأخذ جزيرة منها ولا بعلامات تفيد تبعيتها لهم، ونصرت القبيلة البكرية السابقة سنة 116 بعد الميلاد على الفرس في واقعة ذي قار، فاستقلت بالبحرين، وولي مملكة الحيرة من حينئذ عمال من قبل ملوك الفرس، وفي ذلك الزمن ظهر النبي # صلى الله عليه وسلم # بما جاء به من الجهاد وتأسيس الدين. # وقد اعترف عرب العراق وجزيرة دجلة والفرات بحكم ملوك الحيرة والأنبار عليهم منذ سنة 272 بعد الميلاد، وانقاد عرب الشام ms025 في ذلك الزمن لملوك بني غسان، وأما الأزد اليمنيون فرحلوا من اليمن ونزلوا سنة ثماني عشرة ومائة بعد الميلاد ببطن مر # 4 # قرب مكة، ثم تمزق شملهم بعد مائة سنة، وسكنت عدة قبائل منهم قرب عين ماء تسمى بركة غسان فسموا الغسانية، ثم توالت عليهم نصرات اتسع بها حكمهم، فتوطنوا في برة، وتقلد منهم ثعلبة الإمارة على عرب تلك الجهة من قبل الرومانيين، وخلفه في الحكم جفنة الأول أصل العائلة الغسانية التي آخرها جبلة السادس، الذي امتد حكمه إلى سنة 637 ميلادية وأسلم في ذلك العصر، ومن الغسانية ملكتان شهيرتان «ماوية # Mawia ~~» التي نصرت زوجة القيصر «ولنس # Valnes ~~» بعد موته، حين حاصرها في تخت ملكها قوم «الويزيغوط # Wisigoths ~~»، و«مارية # Maria ~~» الملقبة بذات القرطين؛ لإهدائها إلى الكعبة حين تنصرت لؤلؤتين لا تعرف قيمتهما، وكان الغسانيون في تلك المدة مساعدين لقياصر القسطنطينية على الفرس، وبعد تنصرهم في نصف القرن الرابع محاربين لملوك الحيرة، تلقب منهم الحارث الخامس الأعرج بن أبي شمر بلقبي البطريق والملك من طرف القيصر «بوستينان # Justinien ~~»، وشهد سنة 531 واقعة قالينيقة التي انهزم فيها القائد «بليزير # Bélisair ~~» الروماني أمهر قواد بوستينان الثاني، وكذا انهزم من المنذر الثالث سنة 539، إلا أنه عوض خسائره في سنين قلائل، وغزا بعد ذلك بلاد العرب غزوة انتصر فيها على يهود خيبر، وسافر إلى القسطنطينية سنة 562 ومات سنة 572، وساعد الغسانيون أيضا القيصر «موريق # Maurice ~~» المتعاهد معهم من سنة 584 إلى سنة 588، والقيصر هرقل المتعاهد معهم من سنة 610 إلى سنة 641، وقاتلوا في واقعة مؤتة سنة 629، وانهزموا فيمن انهزم في واقعة اليرموك سنة 634، وانقادوا للخلفاء الراشدين بعد ذلك بثلاث سنين. # وكان شمال بلاد العرب منحصرا - في ابتداء القرن السابع بعد الميلاد - بين ممالك الفرس واليونان المتغلبين على مصر وفلسطين وبحيث جزيرة طور سينا، وبين مملكتين تدفع إحداهما الجزية إلى الرومانيين بالقسطنطينية، والأخرى إلى ملوك المدائن. وكان لهاتين المدينتين تغلب كلي على صحاري الشام والعراق وجزيرة دجلة والفرات. # المبحث السابع: في بلاد العرب الجنوبية من سنة ms026 167 قبل الميلاد إلى سنة 597 بعده وفي التبابعة وملوك الحبشة # بعد انقراض ملوك سبأ المؤسسين لمدينة مأرب وظفار وعدن ونجران وغيرها، أحدثت الحميرية من بني قحطان التابعون لسلطنة الملوك التبع عمارات كثيرة في جنوب بلاد العرب، وأولهم الحارث الرائش المتسلطن سنة 167 قبل الميلاد على ما يظهر، وأما ما زعمه بعض متأخري الفرنج أن هذه العمارات لم تحدث إلا بعد سنة 794 قبل الميلاد فتوهم لا يسعنا الحكم بصحته، وقد تغلب هذا الملك على حضرموت ومهرة وعمان زيادة على اليمن، وبقيت سلطنة التبابعة حتى تغلب عليهم ملوك الحبشة سنة 525 بعد الميلاد. # ونقل أن الخط القديم الحميري المسمى مسندا كان يتركب من حروف متقطعة، ولا مانع أن يعتبر ما استكشفه بعض الفرنج من العنوانات القديمة نموذجا لذلك الخط. # وكان التبابعة ذوي شوكة مكينة، وأرضهم خصبة مع طيب الهواء وكثرة الماء، واشتغال الرعية بالفلاحة والتجارة فيما ينقل من بلادهم من البهار والعطر والبخور، وحسن طرقهم في توزيع مياه الري المستمدة من سد مأرب، وهو جسر جسيم بين جبلين تجتمع إليه الأمطار المنحصرة بينهما حتى يتكون ما يكفي ري زراعتهم، فيصرفوه من منافذ ذلك الجسر على حسب احتياج زراعتهم، ثم غلبت المياه الجسر سنة 120 بعد الميلاد فأتلفته وأغرقت مزارعهم، ولم يصلحوا الجسر فبقيت بلادهم معرضة كل سنة للغرق بتلك المياه الدورية، فرحل أغلبهم عن اليمن، فأسس بعضهم مملكة الحيرة، وبعض آخر مملكة غسان، وصرفت التبابعة هممهم في إدخال ما خرج عن بحيث جزيرة العرب في ملكهم فعجزوا، فحافظوا على حدود مملكتهم حتى انقرض ملكهم سنة 525 بعد الميلاد، التي أغار فيها ملوك الحبشة والفرس على اليمن، فنزلوه بلا صعوبة ووجدوه خاليا عن الحكم والثروة الأصلية لارتحال الزارعين، بعد أن كان لملوكه أعصر معروفة بالفخار والعز، حتى غالى مؤرخو العرب وجعلوهم نموذجا للدول العظيمة؛ حيث ادعوا أن أحدهم سلك مسلك إسكندر ذي القرنين، وفتح مثل فتوحاته وأن إفريقش المنتصر سنة خمسين قبل الميلاد العيسوي على البربر - الذين هم أصل المغاربة - سار ms027 إلى غرب إفريقية حتى بلغ سواحل الإقيانوس الأطلنطيقي، وأن منهم شمرا المؤسس لسمرقند، وغير ذلك من الترهات الناشئة عن توالي نصرات العرب زمن البعثة المحمدية، الذي هو عصر عظمتهم وشوكتهم، فإن ذلك بعثهم على دعواهم أن آباءهم الأول كانوا ملوكا فاتحين متسعي الممالك؛ إعلاء لنسبهم الأصلي. وحفظت تلك الدعوى ببلادهم، ونقلها المؤرخون، مع أن آباءهم ربما لم يخرجوا عن بحيث جزيرة العرب، ولم يوقعوا إلا سلسلة حروب وسطوات على العرب الأخرى داخل بلادهم، وقد نسبت إليهم حوادث أخرى بعيدة عن الصواب غير مطابقة للحوادث التاريخية التي بين قطع سد مأرب، وإغارة ملوك الحبشة على اليمن، وأعظمها ما قيل من أن التبع أبا كرب غزا الفرس سنة 206 بعد الميلاد فغلبهم، ورجع بوافر السلب والغنائم، ثم استولى على الحجاز وحاصر المدينة ثم حج الكعبة ودخل في دين اليهودية ونقل التدين به إلى اليمن وأغلبه وثنية، ثم بعث الإمبراطور قسطنطين سنة 343 بعد الميلاد «تيوفيل # Tehéophil ~~» ليدعو أهل اليمن إلى دين النصرانية، وتهود أبو نواس المتسلطن على الحميرية آخر القرن الخامس، ودعا إلى دين اليهودية نصارى نازلين بنجران سنة 524 بعد الميلاد فأبوا، فأمر بقتلهم. ووصل هذا الخبر إلى العاهل # 5 ~~«جوستين # Justin ~~» الأول، فأمر النجاشي صاحب الحبشة المتدين بدين النصرانية بالانتقام من أبي نواس فبعث القائد «أرياط # Aryat ~~» بسبعين ألف مقاتل فدخل اليمن بلا مشقة، وانهزم أبو نواس فألقى نفسه في البحر سنة 525 بعد الميلاد، ومات خليفته «علس ذوجدن» # 6 # فتولى أرياط اليمن نيابة عن النجاشي ونفذت كلمته، فغار منه الضابط المسمى أبرهة الأشرم فقتله غدرا، وتوله بدله نيابة عن النجاشي بعد أن جعل سائر الحبشة تحت قيادته، وحارب عدة حروب كان له فيها الظفر، وكتب بأمره «غريجنطيوس # Gregentuis ~~» أسقف مدينة ظفار قوانين نسختها الأصلية المدونة باليونانية محفوظة بكتبخانة ويانة. # وبنى أبرهة بصنعاء كنيسة في غاية الزخرفة؛ ليصرف العرب إلى حجها بدل الكعبة المشرفة التي سار بعد إلى هدمها، فخذل ومات عقب هزيمته، وخلفته أولاده فعسفوا وجاروا، وعجز اليمنيون عن ms028 كفهم فاستغاثوا بقيصر القسطنطينية فأبى؛ حيث كانوا وثنية وهو نصراني، واستغاث ملك الحيرة بكسرى أبرويز، فتوقف ثم أجابه وبعث سنة 575 بعد الميلاد أسطولا هزم الحبشة وأجلاهم من اليمن سنة 597 بعد الميلاد، فانقاد اليمنيون للفرس كما كانوا منقادين للحبشة، غير أن الفرس لم يجبروهم على أعمال دينية، ثم تغلبوا على حضرموت وعمان والبحرين. # المبحث الثامن: في الكلام على وسط بلاد العرب من سنة 206 إلى سنة 620 بعد الميلاد وعلى مكة والمدينة وشوكة قريش # كانت بلاد العرب في القرن السابع من الميلاد في أخطار عظيمة من الإمبراطور اليوناني وملك الفرس المتمكنين بحدودها؛ فإن كلا منهما أخذ إقليما ألحقه بمملكته، فالتجأت الأمة العربية إلى نجد والحجاز السالمين من تغلب الأجانب عليهما، لتظهر بعد على البلاد الأخرى مع خلو هذين الإقليمين عن دولة منتظمة كدولة التبابعة، بل هما في ذلك الوقت وما قبله في قبضة قبائل متحدة الأخلاق والعوائد، تخاطر بإتلاف أموالها وأنفسها حفظا لحريتها، فبقي منظر وتاريخ هؤلاء الأقوام الكثيرون مدة قرون كمنظر وتاريخ جماعات قليلة متحدة الكلمة لما بينهم من الترتيب السياسي المؤدي إلى اتحادهم على غيرهم، وإن كان بعضهم منفصلا عن بعض بما يقع بينهم من المنافسات والمشاجرات المقرونة بسفك الدماء. وكانوا متساوين تقريبا في الأموال لتماثلهم في وسائلها الحربية، ومن استغنى منهم بالتجارات ألجأته العلائق والمخالطات إلى أمور عادلوا بها غيرهم في الغنى. # وأعظم تلك القبائل رتبة ذوو السطوة في أعظم مدائن الحجاز وهما المدينة ومكة. # وكان المهاجر إلى الحجاز عدة عشائر من بني قحطان اليمنيين، فنزلت جرهم ببطحاء مكة وعاهدوا إسماعيل - عليه السلام - ثم غلبوا ولده فأخذوا منه سدانة الكعبة زمنا طويلا حتى طردوا عن بطحاء مكة سنة 206 بعد الميلاد؛ لعبادتهم الأوثان المخالفة لما لولد إسماعيل من عبادة الإله الذي اهتدى إليه الخليل - عليه السلام - ونزلت قضاعة في شمال المدينة، ونزل الأزد في منزلة بطن مر التي أسسوها سنة 180 بعد الميلاد، ثم نزلوا البحرين والعراق، وخلفت خزاعة - التي هي فرع من الأزد - بني جرهم ms029 في سدانة الكعبة سنة 207 بعد الميلاد، فأحدثوا بمكة أوهاما باطلة منها عبادة هبل أحد 306 صنما داخل الكعبة حتى ارتحلوا، ونزلوا في منزلة بطن مر حين ظهرت قريش وتولى الحكم رئيسهم قصي سنة 440 بعد الميلاد، فجمع القبائل القرشية تحت يده وجعل الحكومة في أيدي جمهور من العرب، وقسم الوظائف المتعلقة بسدانة الكعبة بين فروع العائلة القرشية، وخص هاشما بالرفادة والسقاية اللتين هما أكبر تلك الوظائف، واشتهر بتوزيعه على العرب كل يوم الدشيشة المعروفة بالشربة، واتسعت مكة في زمنه، ثم خلفه المطلب ثم عبد المطلب جد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # ونقل أن العمالقة بنوا المدينة فكانت في حيازتهم، ثم في حيازة أقوام من اليهود، منهم بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع، ثم نزلها قبيلتان من الأزد سنة ثلاثمائة وأخذاها سنة 492 بعد الميلاد، وقاوما تبابعة اليمن حين هجموا عليهما، ثم تفاشلا وضعفا بحروب داخلية في سني 497 و520 و583 و615 بعد الميلاد ، ثم تحابا بعد ذلك بخمس سنين، وبايعا النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وكانت قبائل اليهود بالمدينة مشتغلة بالتجارة مع الجد والاهتمام؛ حتى كانت المدينة منافسة في ذلك العصر لمكة التي حجت إليها العرب واحترمتها لاختصاصها بالبيت المقدس حتى بنى أبرهة الأشرم بصنعاء الكنيسة السابقة، وأطاع تبالة # 7 # والطائف وأغار على الحجاز لهدم الكعبة بأربعين ألف مقاتل فخذلوا، فتوغل القرشيون حماة مكة إذ ذاك في الأوهام الفاسدة ونسبوا نجاة مكة من أبرهة إلى الأصنام التي يعبدونها، فازداد احترامهم مكة، وصارت إذا ذاك التخت الحقيقي للبلاد العربية، إلا أن الأحكام السياسية لقريش لم تسر حينئذ إلى عرب نجد والحجاز الحاكمين أنفسهم بلا اهتمام بالمصالح الوطنية العامة، مع علمهم بما وقع من القرشيين للنبطيين والحميريين من الإساءة التي لم يروا طريقا للنجاة منها سوى اتحادهم التام. # المبحث التاسع: في ميل العرب إلى الوحدة السياسية وفي اجتماعهم بسوق عكاظ ومنازلاتهم بالقصائد الشعرية # كان بين الإسماعيلية والقحطانية تنافس المعاصرة المؤدي إلى اختلاف الكلمة، ثم مالوا إلى الوحدة السياسية لتوفر أسبابها من ms030 إغارة الحبشة عليهم بمكة واتحادهم في الأخلاق والعوائد؛ فإن سائرهم تمسك بأوهام العبادة الوثنية والعوائد الجاهلية؛ كمعاملة النساء معاملة الرقيق، ووأد البنات، مع التكبر الوحشي وحب الانتقام والمقاصة وإجازة النهب بعد الانتصار، وإقامة القوة مقام الحق وقرى الضيف مع حرمان النفس؛ تشوفا إلى السمعة بين القبائل، وحب شرف النفس الموجب البسالة والحماسة والمحاماة عن المظلوم وتقديم الوفاء بالوعد على الحياة، ويزيد على ذلك شهواتهم النفسية فإنها أكبر تلك الخصال غلبة وظهورا، ومن ذلك يعلم أنه متى اتجهت عقولهم الهائجة المخاطرة إلى شيء وثبوا إليه وثبة واحدة، وذلك يوجب الوحدة في اللغة المتيسر بعضها بواسطة اختلاط القبائل. # ورأوا الأشعار وسيلة لانتشار فخارهم في بحيث جزيرة العرب، وسبيلا لوصول أعمالهم العجيبة ومآثرهم إلى ذراريهم، فأحبوها وعكفوا عليها، لكن كلام مؤلفي نجد والحجاز لم يفهمه مؤلفو اليمن، بل لم تتفق قبائل بلد واحد على لغة واحدة، إلا أن شعراء العرب الموكول إليهم اختراع لغة أعم من تلك اللغات رويت أشعارهم في كل جهة، فتعينت الألفاظ المعدة للدلالة على الأفكار والتصورات، فإن العشائر المستعملة للعبارات المختلفة للدلالة على فكرة واحدة متى سمعت قول الشاعر اختارته في ذلك الموضوع، وفهمت مع ذلك فوائد التمدن؛ فلذا قابلت الأمة العربية هذه الابتكارات العقلية بالاعتبار، وأنشئوا في عكاظ والمجنة وذي المجاز للمفاخرة بالشعر مجالس حافلة خالية من التحكم على النفوس، يقوم أمامها شجاع يمشي مشية المتكبر والأبصار شاخصة إليه حتى يقف على مرتفع من الأرض، فينشد مع إنصاتهم قصيدة بصوت رنان يستعين فيها بروية حافظته الواسعة الاقتراح، فتارة ينشد أعماله العظيمة ووقائعه الجسيمة وشرف قبيلته، وطورا يصف لذائذ الانتقام، وتارة لطائف إكرام الضيف وطورا الشجاعة، وفي كل لا يغفل عن مدح شرف النفس والعرض، وقد يقتصر على وصف العجائب المشاهدة والعزلة عن الناس في الصحاري وخفة عدو الظباء، والسامعون في كل ذلك ناظرون إلى فه مستحسنون جميع الأخلاق التي يود أن يوزعهم إياها، مرتسما على وجوههم ما يقع بنفوسهم من تعظيم الشجاع واحتقار الجبان عند النزال، حتى إذا ms031 أتم قوله أظهروا ما عندهم من الاستحسان أو الاستقباح، فإذا شهدوا له عاد إلى قول أبدع مما أبداه بحماس جديد. # ولاعتماد أخبار الشعراء وسداد رأيهم، كانوا المدونين لتاريخ بلادهم قبل البعثة والرافعين أو الخافضين شأن القبائل المختلفة كما يستصوبون؛ ولذا كانوا مهابين محترمين عند الجميع، وكان المقبول من قصائدهم يكتب بالذهب على نفيس القماش، ثم يعلق على الكعبة، ليحفظ حتى تطلع عليه الذرية، فوصل إلينا المعلقات السبع: لامرئ القيس المتوفى سنة 540 بعد الميلاد، والحارث بن حلزة المولود في هذه السنة، وطرفة المتوفى سنة 564، وعنترة بن شداد المتوفى سنة 615 الذي فاق غيره في إتقان جميع أنواع الشعر الجاهلي، وعمرو المتوفى سنة 622 التي كانت فيها الهجرة، وزهير المتوفى سنة 627 بعد الهجرة بنحو خمس سنين، ولبيد المتوفى سنة 662 التي هي عام ثلاث وأربعين من الهجرة. # وكانت العرب تجتمع كل ليلة بخيامهم؛ ليسمعوا هذه المعلقات الجامعة بين محاسن الترنم وحلاوة التوقيع بلا تكلف، مع اشتمالها على السجايا العربية المثيرة للحماسة. # وكان هؤلاء الشعراء السبعة وآخرون - كالمرقشين، والنابغة الذبياني، ودريد بن الصمة، وحاتم، والأعشى - يشيرون في أشعارهم إلى وقائع القبائل الساكنة وسط بلاد العرب، وأولها واقعة البيضاء سنة 354 بعد الميلاد التي منعت غارات ملوك اليمن، ثم فتوحات ملوك كندة الأوائل وفتوحات الحارث ملك الحيرة سنة 518، ثم نصرات سلان سنة 481 ونصرات خزاز # 8 # سنة 492 التي فاز بها ربيعة وابنه كليب على العرب الحميرية، وحرب البسوس بين آل بكر وتغلب الممتدة من سنة 494 إلى سنة 534، ونصرات زهير أمير غطفان على هوازن سنة 567، وحرب داحس الممتدة من سنة 568 إلى سنة 608 بعد الميلاد بين عبس وذبيان اللتين هما أعظم قبائل غطفان، وحرب بني تميم وبني عامر سنة 579، والقتال المشهور بمعركة الرقم والنبعة واللوى وسلي وحوراء الممتدة من سنة 609 إلى سنة 615 بعد الميلاد بين بنى عبس وبني ذبيان، مع هوازن وبعض قبائل من نسل خصفة، وحرب بني تميم وبني بكر المنتهية سنة 630 بعد الميلاد التي أسلم ms032 فيها هاتان القبيلتان. # ومن عادة عرب البادية التي وجدت بأشعار العرب، أن يعقدوا بعد مقاتلاتهم منازلات للفخار والتظاهر بالكرم يسمونها المنافرة، كما وقع لعلقمة وعامر بن الطفيل من بني عامر سنة 620؛ فإنهما كانا شاعرين شجاعين يزعم كل منهما استحقاقه المشيخة، فحكما في تنازعهما شيخا على غير عشيرتيهما فأجل الحكم إلى سنة أظهرا فيها شجاعتهما وفضائلهما، ثم حكم ذلك الشيخ في مجمع حافل على العادة باستحقاق كل منهما الرياسة على العشيرة فاشتركا في الحكم واتحدا كل الاتحاد، ومن ذلك ما كان في بني طيئ من التنافس بين حاتم وزيد الخيل المضروب بكرمهما المثل في ابتداء القرن السابع من الميلاد في سائر بحيث جزيرة العرب. # المبحث العاشر: في الحركة الدينية التي ظهرت في بحيث جزيرة العرب # كانت آلهة اليونان والرومان موجودات معنوية مصورة بصور جسمانية، وآلهة العرب كقدماء المصريين بهائم ونباتات وغزلانا وخيلا وجمالا ونخلا وأعشابا، وأجساما معدنية غير منتظمة الأعضاء، وصخورا وأحجارا وأصناما كهبل واللات والعزى، ونجوما كالدبران والشعرى اليمانية وسهيل، وما زال العرب على ذلك حتى نبغت فيهم الشعراء، فبينما هم يعودونهم على الاتحاد في استعمال اللغة العربية؛ إذ أشرقت بعقولهم تفكرات دينية ترك بها بعضهم عبادة الأوثان، فتجدد ببلاد العرب عدة أديان غير عبادة الأوثان واشتهر بها دين اليهودية؛ فإن السريانيين واليونان طردوا اليهود من بلادهم، فقابلهم بنو إسماعيل بالترحيب، وتهود منهم كثير لما رأوه في كتب اليهود القديمة من التعظيم للإله الذي اهتدى الخليل - عليه السلام - إلى عبادته - سبحانه - وانتشر هذا الدين بالجهات، لا سيما الحجاز ونواحي خيبر والمدينة بين قبائل قريظة والنضير ذوات الشوكة المتأصلة هناك من زمن مديد، كما اشتهر بجزء عظيم من قبائل اليمن بعد أن نقله التبابعة إلى ممالكهم في سني 225 و301 و495 بعد الميلاد، واشتهر في ذلك العصر دين البراهمة في سكان عمان، وتمسك بدين النصرانية بنو غسان من سنة 330 بعد الميلاد، وعدة قبائل من عرب العراق والبحرين وصحراء فاران ودومة الجندل وجزيرة دجلة والفرات، وتعاون النجاشي وقيصر القسطنطينية على نشره، ms033 فانتشر وتليت أناجيله في اليمن، وتمسك به عدة من ملوك الحيرة، وساعدوا على انتشاره في سني 395 و513 و582 بعد الميلاد، ثم جاء أبرهة وفعل ما سلف، ومع ذلك كان الغالب في العرب عبادة الأوثان، إلا أنهم كانوا يعبدونها لا لأنها الإله الفرد، بل لتقربهم إلى الله زلفى، وكانوا يعتقدون الجن والغيلان والسحر والكهانة والقربان للآلهة وهواتف الأصنام، وكانوا يقرعون بسهام لا سن لها تسمى القداح أو الأزلام، ومع تفرق أهوائهم اتفقوا جميعا على إعلاء قدر الكعبة على سائر هياكل عباداتهم، ورأوها هدية من الله إليهم إعلاما بفضلهم، ووضعوا فيها الثلاثمائة والستين صنما، فصارت عندهم بمنزلة «البنتيون Panthéon ~~» عند قدماء اليونان، وأظهرت الصابئة واليهود وسائر العرب تعظيمها، وبذلوا جهدهم في زخرفتها، بل رغبوا فوقانها سائر مباني الدنيا؛ ولذا كانت روايات شرفها أحب الأحاديث عندهم، وعلقوا عليها المعلقات السبع رغبة في أن يعلق عليها سائر أنواع الشهرة. # وكان لقريش سدنة الكعبة ضرب من التحكم الديني اعترف به سائر العرب؛ ولذا كان لهم الحق في تعيين الأشهر الحرم التي يمتنع فيها القتال بين جميع قبائل العرب، ويلقي أمامهم السلاح من يحضر بسوق عكاظ قبل الدخول للجلوس لئلا يقع بينهم سفك الدماء. # وكان عبد المطلب بن هاشم المولود سنة 497 بعد الميلاد ممارسا للحكومة العظمى في مكة من سنة 520 إلى سنة 579، خلص وطنه من غارة الحبشة، وأقرع بين أولاده حين بلغ عددهم 18 سنة 569 لذبح أحدهم قربانا لأصنام الكعبة وفاء بنذره، فوقعت القرعة على عبد الله أحبهم إليه وعمره إذ ذاك خمسة وعشرون سنة تقريبا، فهم بذبحه فأنكر عليه قريش وأجمعوا على مشاورة كاهنة تعرف بالعرافة، فأخبرت أن يفتدى بعشر جمال دية النفس بعد عمل قرعة أخرى، فكتب على سهم عدد عشر وعلى آخر اسم عبد الله واقترعوا، فوقعت القرعة على عبد الله، فزادوا عشرا في عدد الجمال، ولم يزالوا يقترعون ويزيدون كل مرة عشرا حتى بلغوا تسع مرات وقعت فيها القرعة على عبد الله، ثم وقعت على الجمال في العاشرة، ms034 فذبحوا مائة جمل فدية، فاعتبر هذا العدد من ذلك الوقت مقدارا للدية بين قريش. # وتزوج عبد الله بعد نجاته بقليل السيدة آمنة بنت وهب شيخ بني زهرة، فأتت منه بالنبي # صلى الله عليه وسلم # في ثاني عشر ربيع الأول الموافق أغسطس سنة 570 بعد الميلاد. # | المقالة الثانية # في الكلام على النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن وفيها ثلاثة أبواب # | الباب الأول # في حالة بلاد العرب آخر القرن السادس من الميلاد وفيه مبحثان # المبحث الأول: في المجددين الأول لأمور العرب # كان تنافس المعاصرة بين عشائر العرب في بحيث الجزيرة، حتى هجم عليهم اليونان من الشمال والفرس من المشرق والحبشة من الجنوب، فاتحدوا وصاروا أمة واحدة، وأخذوا يضعفون قوى أعدائهم بإغراء بعضهم على بعض، فأغروا الفرس المالكين للمدائن واليمن، والبلاد التي بشواطئ الخليج الفارسي على صد الحبشة المحالفة لليونان، المتغلبين على أرض الحجاز، ثم ساعدهم حسن حظهم على بلوغ أربهم فصدوا أبرهة، وسعى عبد المطلب في ربط العلائق بين القبائل المستقلة بحكمها وبين أهل مكة، وذهب إلى صنعاء ليهنئ الملك الحميري الذي أعاده جيش الفرس إلى الجلوس على سرير الملك نيابة عن بني قريش، وكان العرب إذ ذاك متحابين مكتسبين الوحدة اللغوية دون الوحدة الدينية، إلا أن عقائدهم القديمة اضمحلت وكره بعضهم عبادة الأوثان والتزوج بزوجات الآباء ووأد البنات، وأشرف على الزوال غير ذلك من الأوهام الفاسدة، ولم يميلوا إلى النصرانية لانقيادهم إلى أنفسهم فيما تأمرهم به من الشهوات الجسمانية، مع تأسس آداب الإنجيل على عصيانها، وقد تحصل كل من ورقة بن نوفل وعثمان بن حريث وعبيد وزيد بن عمرو وغيرهم على معلومات استفادوها من مخالطات اليهود والنصارى، فاجتهدوا في إبطال دين الجاهلية ودعوا إلى التمسك بشريعة الخليل، وادعوا أنهم مجددون للدين، فعجزوا، فأخبروا أن رسولا سيظهر وينصر على الشيطان وحزبه. # المبحث الثاني: في انحطاط الدول المجاورة للعرب في ذلك العصر # بينما العرب على التحاب والميل إلى الاختلاط العام؛ إذ حدث بين كسرى وهرقل حرب عظم أمرها في ابتداء القرن السابع، أخذ ms035 فيها كسرى جزيرة دجلة والفرات والشام وفلسطين ومصر، ثم أخذها هرقل ملك القسطنطينية، وانقضت الحرب بصلح بينهما بعد ذهاب شوكتي الدولتين، وتهدم القلاع والحصون، وتضعضع حال الرعايا بالإفراط في الخراج وغيره، وتمادى بهم العجز حتى نبغ دين الإسلام، وكتب النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى كسرى: من محمد بن عبد الله نبي الله إلى كسرى بن هرمز ملك الفرس، وكسرى إذ ذاك دهش بفخامة سلطنته وجلالة قدره، يرى نفسه ملك الملوك مع غلبة هرقل إياه يصدر باسمه في سائر الكتابات إليه ومنه إعلانا بشرفه على ما اعتاده المشرقيون، ولذاكره قراءة كتاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومزقه وداسه برجليه حين رأى تأخر اسمه، وما زال في ملكه متعجبا من سرعة تقدم الدعوة الإسلامية حتى ذهبت دولته عن قرب. # | الباب الثاني # في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من سنة 570 إلى سنة 633 ميلادية وفيه ثلاثة عشر مبحثا # المبحث الأول: في مولده وبداية أمره # توفي والده عبد الله قبل مولده # صلى الله عليه وسلم # بشهرين، تاركا خمسا من الجمال وبركة الحبشية المكناة بأم أيمن، ثم توفيت أمه آمنه وعمره ست سنين، وكفله جده عبد المطلب قائلا: ليكونن لابني هذا شأن حين ولد مختونا مسرورا. مات سنة 579، فكفله عمه أبو طالب، ثم خرج به حين بلغ ثلاث عشرة سنة في تجارة له إلى الشام حتى بلغ بصرى، فلقيه الراهب بحيرى، فقال: ارجع بابن أخيك واحذر عليه من اليهود فسيكون له شأن عظيم. فرجع به إلى مكة حيث فرغ من تجارته وأحضره معه وله أربع عشرة سنة، حرب الفجار بعكاظ بين قريش وكنانة وبين هوازن. # وشب # صلى الله عليه وسلم # حتى بلغ، فكان أعظم الناس مروءة وحلما وأمانة، وأحسنهم جوابا وأصدقهم حديثا، وأبعدهم عن الفحش حتى عرف في قومه بالأمين، وبلغت أمانته وأخلاقه المرضية خديجة بنت خويلد القرشية، وكانت ذات مال، تاجرة كسائر قريش فعرضت عليه خروجه إلى الشام في تجارة لها مع غلامها ميسرة، فخرج وربح كثيرا وعاد إلى مكة وأخبرها ms036 ميسرة بكراماته، فعرضت نفسها عليه وهي أيم لها أربعون سنة، فأصدقها عشرين بكرة وتزوجها وله خمس وعشرون سنة، فبقيت معه حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين وكان قومها تجارا ذوي رفعة وشأن. # المبحث الثاني: في خلقه # صلى الله عليه وسلم # ومقاصده # كان # صلى الله عليه وسلم # أميا، أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا، دائم البشر، مطيل الصمت، لين الجانب، سهل الخلق، يكثر الذكر ويقل اللغو، يستوي عنده في الحق القريب والبعيد والقوي والضعيف، يحب المساكين، لا يحقر فقيرا لفقره ولا يهاب ملكا لملكه، يؤلف أصحابه ولا ينفرهم ويصابر من جالسه أو قاومه أو صافحه، ولا يحيد عنه حتى يكون الرجل هو المنصرف، يتفقد أصحابه، يجلس على الأرض ويخصف النعل ويرقع الثوب، وضع الحجر الأسود في موضعه بيده الشريفة حين هدم قريش الكعبة سنة 605 لقصر بنائها وبنوها حتى بلغوا موضع الحجر واختصموا فيه، فحكموا أول داخل من باب الحرم، فكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أول داخل فحكموه، فأمر أن يضعوا الحجر في ثوب، تمسك كل قبيلة بطرف منه ورفعوه حتى بلغ موضعه، فوضعه في موضعه، وعمره 35 سنة. # وكان عمه أبو طالب كثير العيال وأصابت قريشا أزمة شديدة، فقال # صلى الله عليه وسلم # لعمه العباس: إن أخاك أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا لنأخذ من بنيه ما يخفف به عنه، فأتيا أبا طالب، فقال: اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما، فأخذ العباس جعفرا والنبي # صلى الله عليه وسلم # عليا سنة 606 فقام بتربيته، واشترى زيدا مولاه وأعتقه. ناهز الأربعين وليس له ما يشهره عند العرب سوى تأليفه من أشراف قريش حزبا يسمى حزب الفضول لدرء المظالم. # المبحث الثالث: في مبعثه # صلى الله عليه وسلم # وتبليغه الرسالة سنة 611 ميلادية # حبب إليه # صلى الله عليه وسلم # الخلاء، فأخذ يخلو شهرا من كل سنة بغار حراء حتى نزل عليه الوحي، وبعث حين بلغ الأربعين، وكان من أمره ما في حديث بدء الوحي، ودعا إلى الإسلام، فأسلمت خديجة فعلي فزيد مولاه فأبو ms037 بكر الذي دعا عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبد الرحمن، وأتى بهم إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأسلموا، ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد بن عمرو وابن نفيل بن عبد العزى، وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر. # وكانت دعوته # صلى الله عليه وسلم # إلى الإسلام سرا ثلاث سنين، ثم أمر بإظهار الدعوة ونزل: # وأنذر عشيرتك الأقربين ~~، فقال لعلي بن أبي طالب: اصنع طعاما واجمع بني طالب لأبلغهم ما أمرت به، فحضر أربعون أو واحد وأربعون، فيهم أبو طالب وحمزة والعباس وكذا أبو لهب الذي ابتدر بعد الأكل بقوله: لشد ما سحركم صاحبكم. فتفرق القوم وصنع علي في الغد طعاما جمعهم عليه ثانيا وأكلوا، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم، قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم جميعا، قال علي: فقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليهم. فأخذ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # برقبة علي قائلا: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب مستهزئين قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ثم عاب # صلى الله عليه وسلم # آلهتهم ونسبهم إلى الكفر والضلال، فعادوه إلا من عصم بالإسلام وقالوا لأبي طالب: إن ابن أخيك قد عاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل أبناءنا، فانهه عنا أو خل بيننا وبينه. فردهم ردا حسنا حتى عظم عليهم أمر النبي فأتوه ثانيا قائلين: إن لم تنهه نازلناك وإياه حتى يهلك أحد الفريقين. وأخبر أبو طالب بذلك النبي، فظن أن عمه خاذله وقال: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر. وولى، ms038 فقال عمه: أقبل يا ابن أخي، وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا. فأخذت كل قبيلة تعذب من أسلم منها، وحفظ الله رسوله بعمه أبي طالب. # المبحث الرابع: في أذى قريش للنبي # صلى الله عليه وسلم # وتزوجه # أخذ قريش يعذبون من أسلم بمكان أعدوه لذلك، ويسمعون النبي # صلى الله عليه وسلم # السب والوعيد عند طوافه بالبيت، ويعاقبون من أصغى لقوله أشد العقاب ويقولون إن جابرا النصراني بمكة يمليه آيات من القرآن، فنزلت آية # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~. واشتد الأذى فأذن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لمن ليس له عشيرة تحميه بالهجرة إلى الحبشة، فتتابعت جموع مجموعها ثلاثة وثمانون رجلا وثماني عشرة امرأة سوى الصغار، فبعثت قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدية إلى النجاشي ليمكنهما من المهاجرين، فأبى، فقال له ابن العاص: سلهم عما يقولون في عيسى. فسألهم فقالوا ما في القرآن من أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم العذراء، فلم ينكر النجاشي ذلك وأبقاهم في جواره آمنين وأعاد هذين بالهدية، فعلمت قريش أن الإسلام آخذ في الازدياد، فتعاهدت على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها بالكعبة وأسلم حمزة عم النبي # صلى الله عليه وسلم # وشج بالقوس أبا جهل لشتمه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم أسلم عمر، فارتاعت قريش وعز به الإسلام بعد أن كان شديد العداوة للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وقدم من مهاجري الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلا بلغهم خبر إيمان أهل مكة، وعلموا كذبه حين قربوا فدخلوا مستخفين، وما زال أبو طالب يدافع عن رسول الله حتى مات في شوال سنة عشر من النبوة ثم توفيت السيدة خديجة هذه السنة، فتتابعت على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بموتهما الشدائد، ونالت منه قريش خصوصا أبو لهب والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط، فإنهم كانوا جيرانه يؤذونه بإلقاء القاذورات عليه وقت صلاته ms039 وطعامه، وسافر إلى ثقيف بالطائف ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به حتى ألجئوه إلى حائط، وعادوا فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، على من تكلني، إن لم تكن علي غضبانا فلا أبالي.» ثم قدم إلى مكة وقومه على أشد مما كانوا عليه من الخلاف. # وتزوج # صلى الله عليه وسلم # قبل الهجرة بعد وفاة السيدة خديجة السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق، ودخل بها بعد الهجرة بثمانية أشهر ولها تسع سنين وكانت نساؤه خمس عشرة، دخل بإحدى أو ثلاث عشرة، وأولاده من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، ولدته في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي سنة عشر، وأولاده الذكور من السيدة خديجة القاسم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر ماتا صغيرين، والإناث فاطمة زوج علي رضي الله عنهما، وزينب زوج أبي العاص، فرق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بينها وبين زوجها بالإسلام، ثم ردها إليه بالنكاح الأول حين أسلم، ورقية وأم كلثوم المتزوج بها عثمان بعد الأولى. # المبحث الخامس: في معجزاته # صلى الله عليه وسلم # المختلف فيها بين أهل السنة والمعتزلة وتكسير الأصنام وإسلام عمر # أسري بجسده أو روحه # صلى الله عليه وسلم # قبل موت عمه أبي طالب أو بعده في سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وأشهر معجزاته القرآن الكريم لاشتهار البلاغة والفصاحة في زمانه عند قريش الذين كانوا يفتخرون بحسن الكلام، ويتغالبون فيه كما كان إحياء الموتى لعيسى زمن اشتهار الطب، والثعبان لموسى زمن اشتهار السحر، والنفس الطيب لداود زمن اشتهار المويسيقى. # وتلا # صلى الله عليه وسلم # على عباد الأصنام أول سورة فصلت، وبلغ آية # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا # إلى أن قال: # ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم ~~، وكان من أراد الله هدايته يسمع القرآن فيسلم كعمر - رضى الله عنه - فإنه توجه بسيفه لقتل النبي، فقيل له ms040 لا تفعل لئلا يقتلك بنو عبد مناف، ولكن اردع خبابا وأختك وابن عمك سعيد بن زيد فإنهم أسلموا، فقصدهم عمر وهم يتلون سورة طه فسكتوا، فسألهم عما سمعه، فأنكروه فضرب أخته فشجها قائلا: أريني ما كنتم تقرءونه. وخافت على الصحيفة، فعاهدها على أن يردها إليها، فدفعتها وقرأها فقال: ما أحسن هذا وأكرمه! ثم توجه إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فأسلم. # المبحث السادس: في عرض رسول الله نفسه على القبائل وابتداء أمر الأنصار وبيعتي العقبة # أخذ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج حتى أراد الله إظهار دينه، فخرج في الموسم يدعو إلى الإيمان، فلقيه عند العقبة ستة رجال من الخزرج، تلا عليهم القرآن فآمنوا، وانصرفوا إلى المدينة فأخذوا يدعون إلى الإسلام، وخرج # صلى الله عليه وسلم # في العام التالي إلى الموسم، فبايعه اثنا عشر رجلا من الأنصار، وهذه بيعة العقبة الأولى، فبعث معهم إلى المدينة مصعب بن عمير، الذي جعل يتلو عليهم القرآن حتى كان سائر دور الأنصار مسلمين إلا دار أمية بن زيد. وعاد مصعب إلى مكة سنة ثلاث عشرة من البعثة بمسلمين من الأوس والخزرج، ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، وكفار مستخفين حتى اجتمعوا برسول الله ليلا أيام التشريق بالعقبة فقالوا: مالنا إن قتلنا دونك؟ قال: الجنة. فبايعوه وعادوا إلى المدينة، وهذه بيعة العقبة الثانية، ثم أمر # صلى الله عليه وسلم # أصحابه بالهجرة فهاجروا إلى المدينة، وأقام مع علي وأبي بكر منتظرا الإذن في الهجرة. # المبحث السابع: في هجرة النبي # صلى الله عليه وسلم # لما علمت قريش أن لرسول الله بالمدينة أنصارا، وأن أصحابه بمكة لحقوا بهم، خافوا خروجه إلى المدينة، فاجتمعوا ليتشاوروا فيه، فاجتمع الرأي على أن يضربوه ضربة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل، فنزل جبريل، فأعلم النبي # صلى الله عليه وسلم # بذلك، فأمر عليا أن ينام على فراشه متشحا ببرده ليؤدي ما عنده من الودائع إلى أربابها، وخرج وهم يرصدونه بالباب وهو يتلو «يس» إلى أن وصل إلى قوله: ms041 # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # فجعل يكررها، ووضع على رءوسهم التراب ولم يشعروا به، وتوجه إلى دار أبي بكر، فأعلمه أن الله تعالى أذن له في الهجرة، فتوجها إلى غار بجبل ثور وخرجا منه بعد ثلاثة أيام إلى المدينة يوم الاثنين خامس ربيع الأول من السنة الأولى، ومعهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعبد الله بن أريقط، وهو كافر استأجره ليدلهما على الطريق، فبعثت قريش سراقة في أثره فنجا منه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقدم المدينة ظهر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، فنزل بقباء وأسس به المسجد المؤسس على التقوى، ولحقه علي بن أبي طالب، ثم خرج من قباء يوم الجمعة، فما مر على دار أحد من الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله. واعترضوا ناقته. فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فتركوها حتى بركت في موضع المسجد، فأقام النبي # صلى الله عليه وسلم # عند أبي أيوب الأنصاري حتى بنى مسجده ومساكنه بالموضع الذي اشتراه، وغير اسم يثرب إلى المدينة، وسمى الأوس والخزرج بالأنصار، والمسلمين من أهل مكة بالمهاجرين، واتخذ عليا أخا وآخى بين المهاجرين والأنصار، ولبث بينهم يعلمهم شرائع الدين ويقتدون به في الأقوال والأفعال، ويرجعون إليه في حكم كل حادثة، وبايعهم قبل سنة ثلاث من الهجرة أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم، وأن يتعاملوا بالمعروف ويذروا اليهود، آمنين على أموالهم وأسلم سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام، فزاد الإسلام عزة، ولكن اليهود تحزبوا مع المنافقين. # وأخذت قريش تشدد على المسلمين وأغروا شعراءهم على الهجو، فرتب # صلى الله عليه وسلم # من الخزرج حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة للرد عليهم، وشرع الصوم والزكاة، وحولت الصلاة إلى الكعبة وورد الوحي بالأذان في سنة اثنتين من الهجرة، التي بعث فيها النبي عبد الله بن جحش الأسدي في ثمانية إلى نخلة بين مكة والطائف ليتعرفوا أخبار قريش، فمر بهم عير لهم فغنموها وأسروا اثنين في آخر يوم ms042 من جمادى الآخرة، والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله، فنزلت # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه # إلى # والفتنة أكبر من القتل ~~. # المبحث الثامن: في غزوة بدر وأمر رسول الله بالغزو # كان أول غزواته غزوة بدر، ومن خبرها أن قدم أبو سفيان بن حرب وثلاثون رجلا بعير لقريش وندب النبي الناس إليهم، فبعث أبو سفيان بذلك إلى مكة، فقدم منها أبو جهل بتسعمائة وخمسين رجلا فيهم مائة فارس، وخرج النبي # صلى الله عليه وسلم # من المدينة لثلاث خلون من رمضان سنة اثنتين من الهجرة بثلاثمائة وثلاثة عشرة رجلا فيهم فارسان، ومعهم من الإبل سبعون يتعاقبون عليها ونزل بهم بدرا، وجلس هو وأبو بكر على عريش بني لهما، وأتى أبو جهل بمن معه وبرز منهم عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، فأخرج النبي لهم عمه حمزة وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فقتل حمزة شيبة وعلي الوليد، وكرا على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله ثم مات، وانتشبت الحرب صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، فخرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من العريش يحرض الناس على القتال، وأخذ من الحصباء حفنة رمى بها قريشا قائلا: شاهت الوجوه، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم. فهزموا قريشا وقتلوا سبعين، منهم أبو جهل، وأسروا سبعين، منهم عم النبي العباس وابنا أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقذف في قليب بدر بعد القتال أربعة وعشرون من صناديد قريش، وفي هذه الغزوة نزل قوله تعالى: # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~. # غزوة بين قينقاع # وهم يهود نقضوا عهد رسول الله، فخرج إليهم نصف شوال سنة اثنتين، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، ونزلوا على حكمه. # غزوة السويق # حلف أبو سفيان بسبب قتلى بدر أن لا يمس الطيب ولا النساء حتى يغزو النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فبعث إلى المدينة رجالا قتلوا رجالا من الأنصار، ثم خرج في مائتي راكب، فركب النبي في ms043 طلبه حتى هرب بمن معه وألقوا جرب السويق فسميت غزوة السويق. # المبحث التاسع: في عدة غزوات # غزوة أحد # نزل أبو سفيان بذي الحليفة يوم الأربعاء لأربع ليال مضين من شوال سنة ثلاث من الهجرة بثلاثة آلاف من قريش، وامرأته هند بنت عتبة في خمس عشرة امرأة معهن دفوف، يضربن بها، ويبكين على قتلى بدر، ويحرضن المشركين على قتال المسلمين. وخرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ألف رجل منهم عبد الله بن أبي المنافق بثلاثمائة من المنافقين، ومضى رسول الله بسبعمائة نزل بهم في شعب أحد الذي جعل ظهره إليه، وكان بين الفريقين يوم السبت لسبع مضين من شوال وقعة، قتل فيها حمزة أرطأة حامل لواء المشركين واشتغل بقتل سباع بن عبد العزى، فقتله وحشي الحبشي عبد جبير بن مطعم، وقتل ابن قمئة الليثي مصعب بن عمير حامل اللواء ظانا أنه رسول الله، فأعطى النبي الراية لعلي، فانهزم المشركون وطمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان المأمورين بملازمته، فأتاهم خالد بن الوليد بخيل المشركين من خلفهم وصيح إن محمدا قتل. وانهزم المسلمون وأصيبت رباعية رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وشج وجهه، وكلمت شفتاه وجرح علي وأبو بكر وعمر ، ومثلت هند وصواحبها بالشهداء فجدعن الآذان والأنوف واتخذن منها قلائد وبقرت هند بطن حمزة ولاكت كبده، وقتل فيها من المسلمين سبعون ومن المشركين اثنان وعشرون، وفيها نزل قوله تعالى: # ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~. # غزوة بئر معونة # قدم المدينة في صفر سنة أربع من الهجرة أبو براء بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة وهو على دينه، فقال للنبي: لو بعثت رجالا يدعون أهل نجد إلى الإسلام رجوت أن يستجيبوا لك. فبعث # صلى الله عليه وسلم # سبعين نزلوا بئر معونة على أربع مراحل من المدينة، وبعثوا كتاب النبي إلى عامر بن الطفيل، فقتل الذي حضر بالكتاب وتوجه بجموع قتلوا الصحابة عند هذه البئر، إلا كعب بن زيد، توارى بين القتلى ثم لحق بالنبي. # غزوة بني ms044 النضير من اليهود # نقض بنو النضير العهد، وأجمعوا على اغتيال النبي فسار # صلى الله عليه وسلم # إليهم وحاصرهم في ربيع الأول ست ليال، فسألوه الخروج من المدينة بما حملت إبلهم من الأموال إلا السلاح، فخرج بعض إلى خيبر وآخر إلى الشام، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وهذا أول حشرهم المراد في قوله تعالى: # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~، وآخر حشرهم إجلاء عمر لهم من خيبر إلى الشام. # غزوة ذات الرقاع # سار # صلى الله عليه وسلم # إلى نجد، فلقي جمعا من غطفان بذات الرقاع في جمادى الأولى من هذه السنة وتقارب الجمعان ولم يكن بينهما حرب. # غزوة بدر الثانية # ثم سار # صلى الله عليه وسلم # في شعبان هذه السنة إلى بدر منتظرا قدوم أبي سفيان الذي خرج من مكة، وعاد فانصرف رسول الله بالناس. # غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب # وبلغه تحزب قبائل العرب فحفر حول المدينة خندقا، وأتت قريش ومن تبعها من كنانة في عشرة آلاف وغطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وانضم إليهم بنو قريظة ناقضين للعهد فعظم الخطب على المسلمين، ولبث الفريقان بضعا وعشرين ليلة يترامون بالنبل بلا قتال، وخرج علي بن عبد ود من ولد لؤي بن غالب فخرج إليه علي وذبحه، ثم هبت الصبا، فأكفأت قدور الأعداء وطرحت آنيتهم، ورمى الله الاختلاف بينهم، فرحلوا بعد أن استشهد من المسلمين ستة، وفيها نزل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ~~، وكانت هذه الغزوة سنة أربع أو خمس. # غزوة بني قريظة # انصرف رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من الخندق إلى المدينة، فأمر بالمسير إلى بني قريظة، فسار إليهم وحاصرهم بالمدينة خمسا وعشرين ليلة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، فسبى الذراري والنساء وأسر الرجال - وكانوا سبعمائة يزيدون أو ينقصون - حبسهم في دور الأنصار حتى حفرت لهم خنادق ضربت أعناقهم فيها. # غزوة ms045 ذي قرد # خرج # صلى الله عليه وسلم # في ربيع الأول سنة ست إلى ذي قرد على ليلتين من المدينة، فاستنقذ بعض لقاحه التي أغار عيينة بن حصن الفزاري عليها وهي بالغابة. # غزوة بني المصطلق # سار رسول الله في شعبان سنة خمس أو ست إلى بني المصطلق وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، فقاتلهم على ماء لهم يقال له المريسيع وهزمهم فقتل وسبى وغنم، ووقعت جويرة بنت قائدهم في سهم ثابت بن قيس؛ فكاتبته على نفسها فأدى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عنها كتابتها وتزوجها، فأعتق مائة أهل بيت من قومها بني المصطلق لكونهم أصهاره. # المبحث العاشر: في عمرة الحديبية وبيعة الرضوان والهدنة مع كفار قريش # خرج النبي # صلى الله عليه وسلم # من المدينة يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة ست معتمرا في ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار، وساق الهدي حتى بلغ ثنية المرار مهبط الحديبية أسفل مكة، فبعث قريش إليه عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف؛ فقال: إن قريشا عاهدوا الله أن لا تدخل عليهم مكة عنوة ورجع إليهم؛ فقال: جئت كسرى وقيصر في ملكهما فوالله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه. فبعث النبي عثمان بن عفان ليخبر أبا سفيان وأشراف قريش أنه # صلى الله عليه وسلم # لم يأت محاربا، بل زائرا معظما لهذا البيت، فقالوا: إن أحببت أن تطوف بالبيت فطف. ~~ فقال: لا إلا أن يطوف رسول الله. فحبسوه وبلغ رسول الله أنه قتل، فدعا من معه إلى البيعة فبايعوه بيعة الرضوان تحت الشجرة، ثم علم أن عثمان لم يقتل، وبعث قريش إليه سهيل بن عمرو، فأجابه # صلى الله عليه وسلم # إلى ما أراد، ثم نحر هديه وحلق رأسه، وفعل أصحابه مثله ثم عاد إلى المدينة. # غزوة خيبر # حتى خرج في نصف المحرم سنة سبع من الهجرة إلى خيبر المالك أهلها أزمة تجارة الحجاز ونجد، وفي هذه الغزوة أكل رسول الله من الشاة المسمومة التي أهدتها إليه زينب بنت الحارث اليهودية أكلة لم تزل تعاوده ms046 حتى مات منها، وأخذ أبو بكر الصديق الراية فقاتل قتالا شديدا ورجع فأخذها عمر بن الخطاب فقاتل أشد من الأول ورجع، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: أما والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فاستشرف إليها المهاجرون والأنصار، وجاء علي من المدينة أرمد، فتفل # صلى الله عليه وسلم # في عينه فبرئ وأعطاه الراية فسار وقاتله أهل الحصن وضربه أحدهم فسقط ترسه من يده، فتناول من عند الحصن بابا تترس به حتى فتح الله عليه في صفر بعد الحصار بضع عشرة ليلة، فألقى من يده الباب الذي اجتهد بعد ذلك ثمانية من الصحابة أن يقلبوه فما قدروا، وسأل أهل خيبر وفدك رسول الله الصلح على أن يساقيهم بنصف الثمار ويخرجهم متى شاء، ففعل، فكانت خيبر للمسلمين وفدك لرسول الله خاصة لأنها فتحت بلا إيجاف. # غزوة وادي القرى # ثم انصرف # صلى الله عليه وسلم # إلى وادي القرى فحاصره وفتحه عنوة، ثم سار إلى المدينة فقدم من الحبشة بقية المهاجرين، ومنهم جعفر بن أبي طالب؛ فقال: ما أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أو قدوم جعفر؟ # رسل النبي إلى الملوك # في سنة تسع بعث # صلى الله عليه وسلم # إلى كسرى أبرويز عبد الله بن حذافة بكتاب مزقه، وكتب إلى باذان عامله باليمن أن يكتب إلى النبي أن يسير إلى كسرى وإلا حاربه، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: مزق الله ملكه. فسلط الله شيرويه على أبيه كسرى فقتله، وكتب إلى باذان بذلك، وأن يتعرض للنبي فأسلم باذان وناس من فارس، وبعث دحية بكتاب إلى قيصر الروم فاحترمه ورد دحية ردا جميلا، وإلى المقوقس صاحب مصر حاطب بن أبي بلتعة فأكرم حاطبا وأهدى إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # بغلة وحمارا وجاريتين إحداهما مارية القبطية والدة إبراهيم ابن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وإلى النجاشي عمرو بن أمية بكتاب قبله وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وكان عنده. وإلى الحارث بن أبي شمر الغساني شجاع بن وهب الأسدي بكتاب قرأه فقال: ms047 أنا سائر إليه. فقال النبي: باد ملكه. وإلى هوذة ملك اليمامة سليط بن عمرو فقال: إن جعل الأمر لي بعده سرت إليه وأسلمت ونصرته وإلا حاربته. فقال النبي: اللهم اكفنيه. فمات بعد قليل، وإلى المنذر ملك البحرين العلاء بن الحضرمي، فأسلم وتبعه جميع العرب بالبحرين. # المبحث الحادي عشر: في عمرة القضاء وإسلام خالد ومن معه وفتح مكة وغزوات مؤتة وحنين والطائف # عمرة القضاء # خرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بألفين من المسلمين في ذي القعدة سنة سبع معتمرا عمرة القضاء، وساق البدن حتى قرب من مكة، فخرج له قريش وتحدثوا أن النبي في عسر وجهد، واصطفوا عند دار الندوة، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: رحم الله امرأ أراهم اليوم قوة. ورمل في أربعة أشواط من الطواف ثم سعى بين الصفا والمروة. # إسلام خالد بن الوليد ومن معه # في سنة ثمان أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن عبد الدار. # غزوة مؤتة # هي أول غزوة بين المسلمين والروم بعث رسول الله الحارث بن عمير بكتاب إلى عمرو بن شرحبيل الغساني ملك بصرى، فقتل الحارث في مؤتة، فبعث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في جمادى الأولى سنة ثمان ثلاثة آلاف بلغوا مؤتة بأرض الشام، فأتاهم الروم والعرب المتنصرة في نحو مائة ألف وولى راية المسلمين زيد بن حارثة مولى النبي فجعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة، كما أمر رسول الله أن يليها اللاحق بعد قتل السابق، ثم قتل ابن رواحة؛ فاتفق العسكر على خالد بن الوليد فأخذ الراية وفتح الله على يديه ورجع بهم إلى المدينة. # نقض الصلح بين قريش والنبي وفتح مكة سنة ثمان # كان في عهد قرش بنو بكر وفي عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # خزاعة، فقتل بنو بكر من خزاعة في هذه السنة بإعانة جمع من قريش؛ فانتقض العهد فأتى أبو سفيان لتجديده، فما أجيب بشيء فعاد. # وخرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من المدينة باثني عشر ألفا من ms048 المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب حتى قارب مكة، فركب العباس عم النبي ليخبر قريشا فيأتوا إلى النبي ويستأمنوه، فوجد أبا سفيان فأتى به إلى النبي وأسلم وعرضت عليه قبائل الجنود. # ثم أمر النبي الجنود بدخول مكة من أسفل مكة، ومن كداء وثنية كداء، فدخلوها يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان هذه السنة واطمأن الناس، فخرج النبي وطاف بالبيت ودخله فصلى فيه، وكسر الأصنام قائلا: قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. ثم بعث سرايا يدعون من حول مكة إلى الإسلام بلا قتال. # منهم سرية خالد بن الوليد # نزل بها على ماء لبني جذيمة ودعاهم إلى الإسلام، فتكلموا بكلام فهم منه عدم الانقياد فقتلهم، وبلغ ذلك النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (حيث بادر إلى القتل ولم يتثبت) ثم أرسل عليا بمال أدى به ديات القتلى، وفضل معه مال دفعه إليهم تطييبا لخاطرهم. # غزوة حنين # بعد فتح النبي مكة أتى لحرب النبي هوازن بحريمهم وأموالهم معهم ثقيف أهل الطائف وبنو سعد بن بكر الذين ارتضع عندهم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فخرج النبي من مكة لست خلون من شوال سنة ثمان باثني عشر ألفا حتى بلغ حنينا، وهو واد إلى الطائف أقرب منه إلى مكة، ونزل المشركون بأوطاس ثم التقى الجمعان فانهزم المسلمون لا يلوي بعضهم على بعض، وثبت رسول الله في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته حتى تراجع المسلمون ونصروا على المشركين وتبعوهم يقتلون ويأسرون، وكان في السبي الشيماء أخت رسول الله من الرضاعة، فإنها بنت حليمة السعدية مرضعته، فأكرمها # صلى الله عليه وسلم # وزودها وردها إلى قومها حسبما سألت. # وفي هذه الغزوة أعجبت المسلمين كثرتهم، وقال أحدهم: لن نغلب اليوم عن قلة. فنزل: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~... إلخ. # حصار الطائف # انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، فسار إليهم النبي وحاصرهم سنة ثمان نيفا وعشرين يوما، وقاتلهم بالمنجنيق وقطع أعناقهم. # ثم انصرف إلى الجعرانة وبها غنائم هوازن، وكانت أربعة ms049 وعشرين ألف بعير وأكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة فرقها على غير الأنصار؛ فوجدوا في أنفسهم فدعاهم فقال: أوجدتم يا معشر الأنصار على لعاعة # 1 # من الدنيا ألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالعير والشاء وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ أما والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. # وأتى إليه بعض هوازن فرد عليهم نصيبه ونصيب بني المطلب وأطلق السبي، وكانت عدته ثمانية آلاف وأسلم مالك بن عوف مقدم هوازن، فاستعمله النبي على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل. # المبحث الثاني عشر: في غزوة تبوك وانقياد من في بحيث جزيرة العرب للشريعة الإسلامية # عزم النبي على غزو الروم في رجب سنة تسع مع إيناع الثمار الباعث على حب المقام وشدة الحر وجدب البلاد وعسر الناس، وأمر المسلمين بالصدقة فتصدق أبو بكر بجميع ماله وعثمان بألف دينار وثلاثمائة بعير طعاما، وأعلم الناس مقصدهم لبعد الطريق وقوة العدو بعد أن كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ثم خرج بثلاثين ألفا منهم عشرة آلاف فارس حتى بلغ تبوك بعد مقاساة شدائد بالحر والعطش، فأقام به عشرين يوما وقدم إليه يوحنا صاحب أيلة فصالحه على جزية بلغت ثلاثمائة دينار. # وصالح أهل أذرح على مائة دينار في كل رجب، وبعث خالد بن الوليد فأتى بأكيدر دومة صاحب دومة الجندل، فصالحه النبي على الجزية، ثم قدم إلى المدينة في رمضان، وبها من الأنصار ثلاثة متخلفون: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، واعتذروا إليه، ونهى # صلى الله عليه وسلم # عن مخاطبتهم فاعتزلهم الناس خمسين ليلة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت إلى أن نزل قوله تعالى: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ms050 الرحيم ~~. # وقدم عليه # صلى الله عليه وسلم # وفد ثقيف، فأسلموا وبعث معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان ليهدما اللات، ثم جاءه وفود العرب قاطبة سنة عشر، وأسلموا كما قال تعالى: # إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~، وبعث عليا إلى اليمن بكتاب قرأه عليهم، فأسلمت همذان كلها في يوم ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام، وكتب بذلك إلى النبي فأمره أن يأخذ صدقات نجران وجزيتهم، ففعل وعاد إلى مكة وبها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يؤدي حجة الوداع؛ لأنه لم يحج بعدها ثم عاد إلى المدينة. # المبحث الثالث عشر: في وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأقام بها حتى مرض في أواخر صفر سنة إحدى عشرة، وخرج في أثناء مرضه بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب من بيت عائشة حتى جلس على المنبر، فحمد الله ثم قال: أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد مني، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني. ونزل فصلى الظهر ورجع إلى المنبر فعاد إلى مقالته فادعى عليه رجل ثلاثة دراهم فأعطاه بدلها. # واشتد به المرض فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة فأذن له، وتأخر عن الصلاة بالناس ثلاثة أيام قال في أولها: مروا أبا بكر فليصل بالناس. ثم توفي ضحوة أو نصف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وغسله علي وهو يقول: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا. وأسامة بن زيد وشقران يصبان الماء عليه والعباس وابناه الفضل وقثم يقلبونه، وكفن في ثلاثة أثواب وحفر له أبو طلحة الأنصاري تحت فراشه الذي مات عليه، ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس ودفن ليلة الأربعاء، وله ثلاث وستون سنة؛ فإنه بعث لأربعين سنة ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة وكسرا وبالمدينة قريبا من عشر سنين. # جهز # صلى ms051 الله عليه وسلم # مولاه أسامة بن زيد بجيش إلى الشام، وحث حال مرضه على مسيره فخرج الجيش إلى المعسكر وتوفي # صلى الله عليه وسلم # فرجع الجيش حتى جهزه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعن سائر الصحابة والتابعين. # | الباب الثالث # في القرآن # هو كتاب مجيد واجب التعظيم لا يمسه إلا المطهرون، أبان ما لله على عباده وما لهم عليه من الحقوق، ضرب فيه من كل مثل وما فرط فيه من شيء، جمع فأوعى فضائل ورذائل وحقائق وطاعات ومعاصي، نزل على رسول الله منجما حسب الوقائع، فكان رابطة بين قبائل العرب مؤسسا للوحدة الدينية، سوره أربع عشرة ومائة تختلف طولا وقصرا ولا تتجاوز السور الأربعون الأخيرة خمسين آية، ولا تنقص عن ثلاث، وهو مكي إلا ثمان عشرة سورة فمدنية، وأقدم المصاحف مكتوب بالخط الكوفي على رق غزال، وأما المكتوبة بالخط النسخ فلا يتجاوز تاريخها القرن الثالث من الهجرة. # دين الإسلام # جاء جبريل في زي أعرابي، فقال للنبي: علام بني الإسلام؟ فقال: # صلى الله عليه وسلم ~~: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا . فقال جبريل: لقد صدقت إنه لهو كذلك. وكان جبريل ينزل إلى النبي بأمر ربه، فإذا نزل غشي عليه # صلى الله عليه وسلم # وتحدر منه العرق، وكانت الصحابة يمتثلون أمره # صلى الله عليه وسلم # ويجتنبون نهيه ويعظمونه ويوقرونه حتى توفي وبويع بالخلافة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فصعد المنبر وقال: أيها المسلمون من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، واذكروا قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~، وقوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون ~~، وقوله تعالى: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ~~، وقوله تعالى: # قل إنما أنا بشر مثلكم # الآية. # ونزل القرآن منجما على حسب مقتضيات الأحوال كما ms052 سلف، فما نزل ردا لقول الكفار: # لست مرسلا # قوله تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # إلى # ولكن الله يفعل ما يريد ~~. ونزل ردا لقول النصارى إن عيسى ابن الله، قوله تعالى: # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا # إلى # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ~~. ونزل في أنصاري له ابنان أراد إكراههما على الإسلام قوله تعالى: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي # إلى # والله سميع عليم ~~. ونزل في اليهود والنصارى والصابئين قوله تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين # إلى # ولا هم يحزنون ~~. # ذكر الله والملائكة والأنبياء في القرآن # نزل قوله تعالى: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ~~... إلخ؛ إشارة إلى طريق علم الرسول ما أوعدهم به من قيام الساعة أو إهلاك الله إياهم الدال عليه قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه ~~. ونزل في توسط الملائكة بين الله وأنبيائه في تبليغ الرسالات قوله تعالى: # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا # إلى # على كل شيء قدير ~~. ومن أفضل الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ومن مواضع ذكر الجن قوله تعالى: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # إلى # ولن نشرك بربنا أحدا ~~، وهم مثل الأنس يحاسبون يوم القيامة. ~~ وورد في حق إبليس قوله تعالى: # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال # إلى قوله: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ~~، وقوله تعالى: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ~~، وقوله تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ~~، وقوله تعالى: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # إلى # بئس للظالمين بدلا ~~. # ومن الإخبار بالغيب في القرآن قوله تعالى: # غلبت الروم * في أدنى الأرض # إلى # وهو العزيز الحكيم ~~، ونزل في الإسراء: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # إلى # إنه هو السميع البصير ~~. # ذكر الثواب ms053 والعقاب في الدار الآخرة # قال تعالى في ذلك اليوم: # لا أقسم بيوم القيامة # إلى قوله: # إلى ربك يومئذ المستقر ~~، وقد أعد الله من الملائكة منكرا ونكيرا للسؤال، وجبريل لوزن الأعمال بميزان عرضه السموات والأرض، يؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم إن كانت له حسنات وإلا ضم إليه من سيئات المظلوم؛ فيثاب العبد أو يعاقب على حسب رجحان حسناته أو سيئاته، ويساق المجرمون على الصراط وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف، فينبذون في النار والمؤمنون الناجون يجوزونه مختلفين في السرعة على اختلاف مراتبهم، وأسرعهم من يجوزه في أقرب من لمح البصر، وفي ذلك قوله تعالى: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم # إلى قوله: # عربا أترابا * لأصحاب اليمين ~~، والثواب والعقاب يعم الذكر والأنثى لقوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~، ولقوله تعالى خطابا للنبي # صلى الله عليه وسلم # حين طالبته أزواجه بما ليس عنده من زينة الدنيا: # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ~~. # الوضوء والصلاة والصوم والزكاة # الصلاة من أركان الإسلام الخمسة، وأركانها وشروطها كالوضوء وغيره مقررة في الفقه، ونزل في وجوب المحافظة عليها قوله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ~~، وقوله تعالى: # فإذا قضيتم الصلاة # إلى قوله: # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~، وقوله تعالى: # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ~~. # ويؤذن للصلاة خمس مرات في اليوم على مكان مرتفع أو مئذنة، وكان أول إنشائها فوق المساجد زمن الوليد، وفرضت صلاة الجمعة في هذا اليوم بنص قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع # وليس المأمور به مجرد الأعمال الظاهرة، بل هي مع موافقة الباطن؛ لها لقوله تعالى: # والبدن ms054 جعلناها لكم من شعائر الله # إلى قوله: # لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ~~، وقوله تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر # إلى قوله: # وأولئك هم المتقون ~~، والصوم من تلك الأركان وزمنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا لقوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس # إلى # ولعلكم تشكرون ~~. # والزكاة واجبة على الحر، وهي ما يخرج من نفس أو مال بشرائط معلومة، ويجب أن لا تتبع بأذى لقوله تعالى: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ~~، وفيها ورد قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم # إلى # واعلموا أن الله غني حميد ~~، وقوله تعالى: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي # إلى # والله بما تعملون خبير ~~، ونزل في مؤديها رياء قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس # إلى # والله بما تعملون بصير ~~. # الآداب المأمور بها في القرآن # منها في الوالدين ما في آية: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ~~(نسخت بآية الميراث وحديث لا وصية لوارث)، وآية: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا # إلى # وأنتم معرضون ~~. # ونزل في أداء الشهادة: # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم # إلى # فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~، وفي حق مال اليتيم آية: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده # إلى # لعلكم تذكرون ~~، وفي إقامة الوزن بالقسط آية: # ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون # إلى # أنهم مبعوثون * ليوم عظيم ~~، وفي النفاق: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف # إلى # ولهم عذاب مقيم ~~، وفي الاستغفار: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ~~. # وما فرط القرآن من شيء من تلك ms055 الآداب التي قوامها الحكمة وأسها العدل والإحسان، وغايتها قصد سبيل الحق، والصد عن محجة الضلالة، والخروج من ظلمات الرذائل إلى أنوار الفضائل، والتطهر من شوائب النقص، والتحلي بزينة الكمال. # وما قصدنا بإيراد ما سلف إلا أن يكون لهذه الشريعة دليل على تقدس غايتها وحرمة مذهبها ورفعة حكمتها وموافقتها لما أنزل من قبل على الرسل الكرام، فبذلك يهتدي البصير إلى فضل القرآن المجيد؛ إذ جمع فأوعى ما أوتيه النبيون قبل من البينات. # إقامة الحجة على من رموا دين الإسلام بالوحشية وسرد شواهد على كرم أخلاق النبي # صلى الله عليه وسلم # وسخائه ومضاء عزيمته وثبات جنانه وزهده وشظف عيشه # مما يدل على عمى بصائر هؤلاء وصمم آذانهم عن الحق وزلل أقدامهم عن سبيل الصدق والرشد: ما في القرآن الكريم من الآيات الناسخة لما ألفته العرب من القبائح؛ كالأخذ بالثأر والتظاهر بالعدوان مثل ما كان ولا يزال شائعا في أوروبا من التبارز والتفاخر، وكقتل البنات درءا للعار أو حذرا من الفقر؛ فمما يدل على نسخ الأول قوله تعالى: # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم # إلى # وما الله بغافل عما تعملون ~~، وقوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # إلى آخر سورة النحل. وعلى نسخ الثاني قوله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ~~، وقوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ~~. # وأما أخلاقه وأفعاله # صلى الله عليه وسلم # فكانت غاية في الكمال، منها عفوه عن ألد أعدائه بعد فتح مكة، وحلمه في الأخذ بحقوق الحرب من القبائل، وأسفه على قضائه على بعض، وعدم استعانته بما له من عظيم السطوة والسلطة على إجابة داعي القسوة؛ ولذا كان يحاول بالحث العود بمن خرج عن الحد من أصحابه إلى حدود الاعتدال، ومنها إباؤه إشارة عمر عليه بقتل ms056 الأسرى بعد واقعة بدر وصفحه عمن قتل عمه حمزة، وقوله: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد. حين أخذ بثأر قريبه من بني جذيمة. # ومما يدل على جراءته قتاله بعزم وقوة في غزوة بدر بعد أن شج وجهه وكسرت رباعيته، وخوضه عباب الحرب قبل الصحابة في واقعة حنين، وحضه لهم على القتال حتى كانت الغلبة لهم. # وأما زهده # صلى الله عليه وسلم # فلا يختلف فيه اثنان؛ فإنه لم يتحول عن شظف العيش مع ما طالت يده من الأموال والخيرات، رأى الملوك ولم يتخذ أبهتهم مع ما بلغ من السلطان الذي لا يبارى والشوكة التي لا ترام، وكان # صلى الله عليه وسلم # نافذ الأمر والنهي بشوشا حسن المعاملة مع الرفيع والوضيع حليما، لا سيما عند السؤال. # مناسك الحج التي قام بها النبي # صلى الله عليه وسلم # في حجة سنة 632 تشريفا لأمته # سافر # صلى الله عليه وسلم # من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة هجرية الموافق للثالث والعشرين من فبراير سنة 632، معه تسعون أو مائة وأربعة عشر ألفا من المؤمنين، ونساؤه في الهوادج ومعه الهدي حتى بات في ذي الحليفة وأحرم واقتدى به المسلمون ولبوا معه، ثم سار متزرا مرتديا حتى بلغ مكة صبيحة رابع ذي الحجة الموافق ثالث مارس؛ فطاف بالبيت سبعا رمل في ثلاث منها وصلى عند مقام الخليل، ثم ختم يومه بالسعي بين الصفا والمروة، وأمر من لم يكن معه هدي بالحل، وأقبل علي - رضي الله عنه - من اليمن معه الهدي فبقي على إحرامه، ثم سافر بقومه # صلى الله عليه وسلم # في ثامن ذي الحجة الموافق سابع مارس إلى منى، فأقام بها في خيام ضربت له حتى طلعت شمس الغد، فامتطى ناقته القصواء وسار حتى بلغ عرفات فخطب الناس وهو على متن راحلته، ثم ترجل وصلى الظهر والعصر، ونزل عليه في هذا اليوم وهو على الجبل قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~، ثم مضى حين غربت الشمس إلى المزدلفة ms057 فبات فيها حتى طلع فجر عاشر ذي الحجة الموافق تاسع مارس فصلى الفجر ثم وقف بالمشعر الحرام ثم جاوز بطن المحسر مسرعا، ثم أتى منى بعد رمي الجمرات فنحر هديه وكذا علي - رضي الله عنه - ثم حلق فأخذ الصحابة يلتقطون ما تساقط من شعره، ثم عاد إلى مكة وطاف بالبيت وصلى الظهر. وتسمى هذه الحجة بحجة البلاغ وحجة الإسلام وحجة الوداع؛ لما فيها من تبليغ المناسك للمسلمين وحصولها بعد عزة الإسلام وشيوعه، وتوديع النبي فيها المسلمين ومكة؛ لأنها آخر حجاته، وما زال المسلمون يقتدون به # صلى الله عليه وسلم # في ذلك فيهرعون كل سنة إلى مكة ويؤدون مناسك الحج حسب الشروط والآداب المعلومة من الشرع الشريف. # في أن ما كتب من الفرائض لا يخلو عن حكمة # منها الوضوء؛ فإن أصول تدبير الصحة تستدعيه، وفيه فوائد لا يحيط بها إلا ذو دراية بقانون الصحة، وهو فرض بنص قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # إلى # لعلكم تشكرون ~~. # في حكمة تحريم بعض المحرمات # كالخمر فإن تحريمها لضررها، أما البدني فلأنها ترعى الأحشاء وتنخر العظم وتفتت الكبد وتحرق الجوف، وأما المالي فلأن من البين أن المنكب عليها لا ينتهي عنها ولو أصبح خالي الوطاب لا يملك مضغة، فإذا يموت أهله وبنوه في مسغبة لو أن لهم ما أنفقه في سبيل الهوى ليلة لكفاهم شهرا، وكذلك الميسر فإنه لا ينقص عن الخمر في الضرر المالي، وهما محرمان بنص قوله تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر # الآية. # | المقالة الثالثة # في الأمة الفاتحة من سنة 632 إلى سنة 713 ميلادية الموافقة سنة 11 إلى 125 هجرية # | الباب الأول # في انتظام العرب واستعدادهم للمحاربة في غير بحيث جزيرتهم وفي الخلفاء الأربع الراشدين وفيه أربعة مباحث # المبحث الأول: فيما وصلت إليه أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # من العظمة والسلطنة # كانت العرب قبل البعثة عظيمة الكبرياء والتفاخر، منفردة بحكم أنفسها شديدة الغيرة على الاستقلال، حتى بعث النبي # صلى الله عليه وسلم # ودعاهم فاهتدوا إلى ms058 الإسلام وصاروا أمة واحدة مركبة من قبائل شتى، متناسين حب الرياسة وعوائد الجاهلية لظهور الحركة الدينية التأليفية، حتى توفي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فعادوا إلى ذلك لعدم تمكن الإيمان عندهم فاتفق معظم الصحابة على اختيار خليفة يقوم بحفظ الشريعة بإصدار الأوامر بالضبط العام والقوانين النظامية اللازمة للعسكر وغيرها، متبعا في ذلك القرآن والسنة؛ فكان بذلك للدين قوة انقادت بها العرب إلى الإسلام بلا نزاع بينهم وبين الخليفة لاقتفائه أثر الكتاب والسنة، ثم قسطت الخلفاء بعد الصحابة فلم ينالوا غرضهم من غير قيام الأمة عليهم، ومنع المفتين خروجهم عن الشريعة الإسلامية. # المبحث الثاني: في الخلفاء الراشدين # تولي الخلافة أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - سنة إحدى عشرة من الهجرة إلى سنة ثلاث عشرة، ثم عمر إلى سنة أربع وعشرين، ثم عثمان إلى سنة ست وثلاثين، ثم علي بن أبي طالب إلى سنة إحدى وأربعين متبعين النبي # صلى الله عليه وسلم # في عصمة النفس من دهشة الشوكة والتشبث بحب الملاذ والزخارف واقتناء الأموال، وفي إطعام الفقير ونصر المظلوم والخطبة والصلاة بالناس في المساجد والزهد والقناعة والتقشف. # فقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يأخذ كل يوم بإذن الصحابة خمسة دراهم من بيت المال حتى توفي تاركا ثيابه وعبدا وبعيرا، وتوجه عمر بن الخطاب لفتح بيت المقدس من المدينة إلى فلسطين بلا خفراء معه، وكان ينام على مدرج الكعبة مع الفقراء، وحكم على جبلة بن الأيهم ملك غسان حين ضرب صحابيا أن يستسمحه أو يدعوه ليقتص منه؛ فقال جبلة: كيف وأنا ملك وهو من آحاد الأمة؟! وأبى عمر إلا ذلك، ففر جبلة إلى هرقل بالقسطنطينية. # واتهم عثمان نصرانيا بسرقته أسلحته، ولم يأب الحضور معه إلى المحكمة الشرعية للتقاضي في ذلك، وأدى حساب ما في بيت المال من النقود، وكان في إمكان كل شخص أن يطلبه إلى المحكمة للتحاكم، وكان علي بن أبي طالب يفرق على المساكين كل يوم جمعة ما بقي معه من الدراهم، وكانت الأحكام الصادرة من القضاة نافذة على أرباب ms059 المناصب وآحاد الناس؛ ولذا لم يعف أحد من هؤلاء الخلفاء الراشدين عن أحد من المذنبين بعد صدور حكم القضاة بعقابه إلى غير ذلك من الفضائل التي لا تحصى. # المبحث الثالث: في ملحوظات في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم # لما توفي النبي # صلى الله عليه وسلم # تهيأ أمراء الأنصار لانتخاب سعد بن عبادة الخزرجي خليفة؛ فبادرت الصحابة إلى انتخاب أبي بكر الصديق، فبايعه أولا عمر وتبعه من بعده، فخطبهم بما معناه: أيها الناس إنكم قد قلدتموني الحكم عليكم، فإن فعلت خيرا فعاونوني عليه أو شرا فردوني عنه، وإن قول الحق لخليفة النبي على الأمة لمنبئ عن غيرة قائله على الإسلام وكتمان الحق عنه خيانة، وإني أرى الضعيف والقوي متساويين في الحقوق أحكم بينهما بلا ميل، وإلا فلا حق لي في طاعتكم. # أحس - رضي الله تعالى عنه - بالوفاة بعد سنتين من مبايعته؛ فاستخلف ابن الخطاب الذي لم يقف أثره في تعيين واحد للخلافة حين وفاته، بل اختار من كبار الصحابة ستة اتفقوا على انتخاب عثمان، فولي الخلافة، وجدد فتوحات ازدادت بها الثروة الإسلامية، إلا أن توليته أقاربه الأموية المناصب كانت سببا في الفتنة الكبرى التي قتل فيها، فإن ذلك بعث القرشيين المنتشرين في جميع خدم المملكة على بث خطباء في الكوفة والبصرة ومصر بالخروج عليه، الذي أفضى إلى قتله سنة 655 ميلادية الموافقة سنة 36 هجرية. # المبحث الرابع: في خلافة على بن أبي طالب وما كان بينه وبين معاوية من سنة 656 إلى سنة 661 ميلادية الموافقة سنة 37 إلى سنة 42 هجرية # لم يتحصل قتلة عثمان على الخلافة لاتقاد نار الفتنة في جميع الجهات، وكان علي - رضي الله عنه - قبل خلافته مشتغلا بمعيشته المنزلية، وقد يحضر مشورات أهل المدينة. انعقد الرأي بعد عثمان على خلافته لتأثل مجده، فبايعه كثيرون منهم طلحة والزبير، ثم سارا إلى موسم الحج بإذنه فوافيا السيدة عائشة المتوجهة معتمرة إلى مكة قبل قتل عثمان بعشرين يوما، فتشاورا معها في الأخذ بدم عثمان من رؤساء ms060 قوم علي، ورجواها أن تسير معهما إلى البصرة؛ ليكون أهلها ومن يسير معهم من الحجازيين حزبا واحدا. فسارت وانضم إليها أهل البصرة، وبلغ ذلك عليا وهو مسافر إلى العراق فعاد إلى البصرة ودعا قوم عائشة إلى ترك القتال فأبوا؛ فكان بين الفريقين قتال نصر فيه علي لكنه لم يهن السيدة عائشة، بل احترمها وبعثها إلى المدينة في نساء ذوات شرف، وبعث معها ولديه الحسن والحسين وأخاها محمد بن أبي بكر، وسار إلى الكوفة فاتخذها دار خلافته فوفد إليه المبايعون من العراق وخراسان وبلاد الفرس وبحيث جزيرة العرب، ثم ظهر بالشام أمر معاوية مع عمرو بن العاص، فنازعاه في الخلافة وأتيا إلى صفين بثمانين ألفا كان بينهم وبين جيش علي في مائة وعشرة أيام تسعون معركة، قتل فيها خمسة وأربعون ألفا من جند معاوية وخمسة وعشرون ألفا من جند علي من غير أن يظفر أحدهما بالآخر؛ فحكم الجيشان على معاوية وعلي أن يحكما أناسا بينهما، فحكما جمعا قضوا أن لا حق لعلي وشهروا معاوية خليفة، فأبى علي والحكم واشتكى من غدر وكيله، وعاد إلى تشهير السلاح فأصر ثلاثة من الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص لتنقطع الحروب الداخلية، فتوجه أحدهم إلى معاوية فضربه ضربة غير قاتلة، والآخر إلى ابن العاص فقتل كاتب سره ظانا أنه هو، والثالث إلى علي فقتله؛ فاختار الكوفيون ابنه الحسن خليفة، ومعاوية إذ ذاك خليفة الشام ومصر وبحيث جزيرة العرب، وهو أول من جلس من الأموية على كرسي الخلافة. # قال المؤرخ السنير النيمساوي: قد زالت عادة الأمة المحمدية من الساذجية في الضروريات منذ جلس معاوية على كرسي الخلافة، وأما الفقه الديني والعوائد التي ورد بها القرآن فقد بقيا بعد الخلفاء الأربعة، كما بقي عند الأمة المحمدية، وعساكر الإسلام طرف من تلك الطباع الجمهورية والسجايا العلوية التي من شأنها أن تجعل الدول الصغيرة عظيمة، وتزيد الدول العظام قوة وشوكة حتى في الأيام التي استولى فيها الأجانب الظلمة على تلك الأمة. # | الباب الثاني # في الحالة السياسية ببلاد ms061 العرب وقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي قمع المتنبئين وإغارة المسلمين على غربي آسيا من سنة 632 إلى سنة 690 الموافقة سنة 11 إلى سنة 71 هجرية وفيه ثمانية مباحث # المبحث الأول: في عصيان بعض العرب وفتوحات خالد بن الوليد وعكرمة وغيرهما وكتابة القرآن # لما توفي النبي # صلى الله عليه وسلم # ارتدت قبائل عمان والبحرين ومهرة وحضرموت، وظهر مدعو النبوة طليحة في نجد ومسيلمة في اليمامة وقيس قاتل الأسود في اليمن، وهم بالعصيان أهل مكة والطائف وسائر إقليم الحجاز فوجه أبو بكر همته لقمع هذه الفتنة، وبعث أسامة بن زيد إلى البلاد الشامية بجيش هائل أوقع الرعب في قلوب العرب، إلا أن غطفان وقبائل نجد رأوا المدينة خالية حينئذ من المقاتلة فشنوا الغارة عليها فصدهم أبو بكر مرتين، فرجعوا وقتلوا من ببلادهم من المسلمين، وانضموا إلى حزب طليحة الكذاب، ثم قدم أسامة مؤيدا رابحا بجزيل الغنائم بعد وقوع فشل في حزبي طليحة ومسيلمة بمسير سجاح المدعية النبوة ببني تغلب من جزيرة الدجلة والفرات إلى نجد، فبايعها بنو تميم قوم طليحة وانتصروا، ثم توجهت إلى اليمامة بطامة كالريح القاصف فبادرها مسيلمة بالقتال، وعرض عليها في أثنائه أن يتزوجها ولم ترحل عنه إلا بعد أن أخذت نقودا كثيرة. # ولم تدخل دومة الجندل تحت طاعة أسامة - رضي الله عنه - واتخذها العصاة والمرتدون ملتجأ؛ فوجه أبو بكر - رضي الله عنه - خالد بن الوليد إلى نجد، وأوصاه بما أوصى به أسامة من أن يطلب من الأعداء الإسلام أو تأدية الجزية، فإن أجابوا وإلا قاتلهم بشدة عزم وصدق نية من غير أن يقطع أعضاء المغلوبين أو يقتل النساء والأطفال أو يتلف زرعا أو شجرا مثمرا، ثم قدم خالد إلى بلاد نجد فانقاد إليه طيئ وبنو أسد وغطفان وهوازن وسليم، وهزم طليحة في واقعة بزاخة ففر إلى صحاري الشام وقبض - رضي الله عنه - على من قتل مسلما أو ساعد على قتله من غطفان ونجد، فكانوا ما بين مرجوم وملقى من شواهق الجبال ومحرق وغريق؛ فامتلأت ms062 القبائل رعبا، ثم سار إلى بني حنظلة - وهم بطن من تميم تابعون لسجاح - فشتت شمل من لم يبايعه، وقتل رئيسهم مالك بن نويرة وتزوج امرأته؛ فليم على ذلك، وجاء متمم أخو مالك إلى أبي بكر وطلب الانتصاف من خالد فأيده عمر، فقال أبو بكر: لا أقتل سيفا سله الله على المشركين. ~~ ودفع عنه دية مالك لأخيه. # ووجه أبو بكر - رضي الله عنه - إلى اليمامة سريتين إحداهما مع عكرمة بن أبي جهل والأخرى مع شرحبيل بن حسنة فغلبهما مسيلمة، فأمر أبو بكر بتوجه عكرمة إلى عمان وخالد إلى اليمامة، فانقاد بنو حنيفة لخالد وسلموه مدينة هجر بعد قتل مسيلمة بواقعة عقرباء التي قتل فيها كثير من القراء؛ فأمر أبو بكر بجمع القرآن خشية ضياعه بقتل أهله، ووضعه - رضي الله عنه - بعد جمعه تحت يد السيدة حفصة بن عمر بن الخطاب إحدى أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - واستولى عكرمة على مدينة دابا قاعدة عمان، وشتت أحزاب المتنبئ لقيط ذي التاج بن مالك الأزدي، وانقاد إليه إقليم مهرة وبنو كندة في إقليم حضرموت وانضم إلى المهاجرين بن أبي أمية أحد رؤساء المجاهدين، وقطع دابر من بقي من حزب الأسود باليمن. # ووجه - رضي الله عنه - إلى أهل الردة بالبحرين وعمان وغيرهما العلاء بن الحضرمي؛ فجاب بجنوده صحراء الدهناء وهزم أمام بلدة جؤائي بني بكر المتولي عليهم أحد عائلة المنذر ملك الحيرة، وفتح جزيرة دوينة فأطفأ نار الخروج بالكلية، وبذلك صار من في بحيث جزيرة العرب الحقيقية معترفا بالطاعة للأوامر البكرية. # المبحث الثاني: في شدة ميل العرب المسلمين إلى الجهاد وتكثير المسلمين # عود النبي # صلى الله عليه وسلم # الصحابة على الجهاد، وأعلمهم بنحو حديث: جعل رزقي تحت ظل رمحي أن الدنيا تصيب المؤمنين بقوة عزائمهم. فغلب عليهم في الجهاد هيام ديني، لا سيما إذا حثهم الرؤساء حين تقوم الحرب على ساقها، بقولهم: إن الجنة أمامكم والنار خلفكم. فإنهم بهذه الموعظة المبشرة بالجنة والحماسة المثيرة طباع الحرب وشدة الضرب والطعن يلقون أنفسهم وسط المعركة؛ فيفوزون في ms063 أكثر المقاتلات بالنصر بعد أن ينازل رئيسهم أشجع الأعداء قبل انعقاد الواقعة، إلا أنهم كانوا يجهلون تعبئة الجيش العلمية فاعتنوا بمعرفة استعدادات أعدائهم الحربية وانتظاماتهم العسكرية؛ فأخذوا يقلدونهم حتى عودوا عساكرهم الانتظام، وعرفوا كيف ينتفعون بفرسانهم بوضعهم على ميمنة الصفوف وميسرتها وقت القتال. # وبالجملة توالت للعرب نصرات ضعفت بها الفرس، وكذا الروم المنقسمون إلى أحزاب متعادية لاختلاف أديانها، المتعودون أن يستأمنوا على مملكتهم للحماية عنها غرباء مؤجرين لا يعرفون قوة عزائم الأمة العربية، ظانين أن حربها كالحروب القديمة التي كان يئول أمرها إلى الاتفاق والصلح مع الأعداء، فضيعوا بذلك زمنا نفيسا لم يتداولوا فيه مع هؤلاء الرجال الذين كانوا إذا نصروا أو انهزموا لا يزالون مصرين على إلزام العدو إما الدخول في الإسلام أو دفع الجزية مع الصغار. على أن الرعايا الرومية كانت فرحة بحكم الإسلاميين لما رأت من صدقهم في المعاهدات والمعاملات وعدم تعسفهم وإجحافهم؛ فأخذ الروم يسلمون وكل من نطق منهم بالشهادتين تثبت له الحقوق الإسلامية، ثم تكامل اختلاط الروم بالعرب فأخذ كل عربي يتزوج بروميات في آن واحد. # المبحث الثالث: في إغارة أهل الإسلام على العراق العربي من سنة 633 إلى سنة 634 ميلادية الموافقة سنة 12 إلى سنة 13 هجرية # كان غرض أبي بكر - رضي الله عنه - من بعث أسامة بن زيد بجيشه استكشاف ما عليه سكان العراق، ثم قصد الجد في فتحه، فأوصى عياض بن غنم وخالد بن الوليد بما تطيب وتقوى به نفوس الأمة البدوية، ثم بعثهما إلى غربي العراق، ففتح عياض دومة الجندل وبلغ العراق من طريق المضيخ قبل خالد الذي سافر من بلاد اليمامة، فسلك طريق أبلة قرب الخليج الفارسي، واجتمع مع عياض قرب الحيرة وحارب من بجزيرة دجلة والفرات، فنصر عليهم ثلاث مرات وهدم مدينة أمغيشيا، وفشا قتله الذريع لكل مبارز فوقع الرعب في قلوب العراقيين مسيرة أيام؛ فأخذ بلا قتال الحيرة والأنبار وعين التمر وديوان المدائن تخت مملكة الفرس الفاشية بها إذ ذاك أنواع الفشل والفتن، وسار إلى إغاثة عياض ms064 حين أوقفته الأعداء عن المسير أمام مدينة دومة الجندل، فأنجده ورجع إلى الحيرة فجدد الحرب مع العراقيين، وهزم قرب فراض التي على ميمنة الفرات الروم المنضمين إلى الفرس والعرب التغلبيين لصد المسلمين عن العراق، ثم ترك جيشه وتوجه سنة ثلاث عشرة إلى مكة فحج، وعاد متأهبا لاجتياز حدود مملكة الفرس والجولان في أرض فارس؛ إذ ورد إليه من أبي بكر كتاب بتوجهه إلى الشام. # المبحث الرابع: في فتح الشام من سنة 633 إلى سنة 638 ميلادية الموافقة سنة 12 إلى سنة 17 هجرية # كان العرب يطلقون الشام على بلاد سورية غير مريدين به ما بين حدود طور سينا وغرب الفرات إلى منابع نهر الأردن، بل مريدين جميع ما تحده براري بحيث جزيرة العرب، وبرزخ السويس من الجنوب والبحر الأبيض المتوسط من الغرب، وطور سينا الأقصى من الشمال والفرات من الشرق. # وقد صرف أبو بكر - رضي الله عنه - همته في فتح الشام، فقد بعث سرايا وصلت إلى مدينتي صور وعكا والجزء الأعلى من مجرى نهر الأردن، وإلى داخل إقليم فلسطين الحقيقي، إلا أن واقعة عقدت بعيدا عن دمشق فعادت على السرايا الإسلامية بهزمية بعث بها أبو بكر إلى أبي عبيدة مددا، وقلده ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل قيادة الجيش، على أن يكون الأخيران تحت يده عند الاجتماع، فقسم أبو عبيدة جيشه ثلاثة أقسام دهموا في آن واحد بصرى ودمشق وطبرية فلم يظفروا بالأعداء لتفرق القوة، وأما خالد بن الوليد فامتثل أبا بكر وسار بتسعة آلاف من الحيرة إلى الشام، فنزل جهة تدمر وحوران منتظرا وفود المدد إليه من غير أن يحارب هاتين الجهتين؛ لعلمه أنهما يوصلانه إلى نهري الأردن وأنطاكية. # المبحث الخامس: في فتح بصرى ودمشق وواقعة أجنادين سنة 633 ميلادية الموافقة سنة 12 هجرية # لما وفدت الوفود إلى خالد نزل بالجيش أمام بصرى فحاصرها وقاتلها قتالا شديدا، فأسلم محافظهم «رومانوس # Romanus ~~» ثم أخذت، فقرر خالد عليهم الجزية حين سألوه ذلك، مع منع الجيش من اغتنام أموالهم، ثم سار إلى دمشق ms065 فحاصرها، وقد بعث إليها هرقل خمسة آلاف رومي، وأقام بأنطاكية، فبعث من في دمشق جوابا بذلك إلى هرقل بأنطاكية، وهو إذ ذاك كثير الأسلحة والمدائن الحصينة حاكم على بحر الروم، لكن عزيمته انحلت باستكثاره الرجال الإسلامية مع استعظامه شدة بأسهم، فبعث قائدا بستين ألف رومي قابلهم خالد على أجنادين بسائر من معه، وهم عشرون ألفا قتلوا من الروم خمسين ألفا، وفر من بقي إلى دمشق وحمص وأنطاكية، فرجع خالد وحاصر دمشق من جهة وأبو عبيدة من أخرى، فتكلم أهل دمشق مع أبي عبيدة لحلمه وسعة أخلاقه في تسليمهم المدينة على أن يرتحل كل منهم ببعض ماله، ولا يقتفي المسلمون أثرهم إلا بعد ارتحالهم بثلاثة أيام، وفتحوا له أبواب المدينة على ذلك فدخلها وبلغ رحبتها، فوجد جنود خالد فتحوا جهتهم عنوة وذبحوا سائر من رأوه من الروم، فمنعهم عملا بالشروط حتى انقضت الأيام الثلاث، فتبعهم خالد أسرع من البرق فشتت شملهم ورجع غانما. # المبحث السادس: في عزل خالد من قيادة الجنود وواقعة اليرموك وانقياد بني غسان سنة 636 ميلادية الموافقة سنة 15 هجرية # بينما خالد بدمشق؛ إذ بلغه وفاة الصديق وجلوس عمر بن الخطاب المشهود له بالاعتناء بالضبط والربط، فقد كان يسهر الليل في خفارة المدينة المنورة لئلا يصل إلى أغنياء الغرباء أذى، وشكا إليه يهودي من عامل فكتب إليه: إما أن تعدل حتى لا يحصل شكوى، وإما أن تدع الحكم. وكان في نفسه - رضي الله عنه - شيء من خالد منذ قتل مالك بن نويرة السالف؛ فلذا عزله عن إمرة الجنود حين استخلف، فامتثل خالد لأن يكون تحت إمرة أبي عبيدة بن الجراح المعترف له بالشهامة وحسن خدمته الحربية ومستشيره في كل ما يقتضي الاستشارة، واستمر - رضي الله عنه - مع أبي عبيدة مشتغلا بالحروب المفيدة، فقد أنجد سرية ذهبت إلى سوق آبل الموسمي لتنال منه غنيمة، ثم فتح حمص ومدينة «أريطوس # Arethus ~~» التي على نهر أنطاكية المسمى العاصي ومدينة حماة وغيرهما بعد أن هزم الروم وبني غسان، ثم فتح قنسرين عنوة ms066 فبعلبك ثم سار سنة أربع عشرة مع أبي عبيدة لفتح أنطاكية، فبلغهما أن هرقل جهز من أنطاكية جيشا يمنع الجنود الإسلامية من بلوغ أنطاكية ومن فلسطين جيشا آخر يأتيهم من خلفهم؛ فرجعا لصد جيش فلسطين عن المرور إلى أنطاكية، وعسكرا على شاطئ نهر اليرموك الذي يصب في نهر الأردن بجنوب بحيرة طبرية، وقدم قسطنطين بن هرقل بمائة وأربعين ألفا يقدمهم الغسانيون تحت قيادة شيخهم جبلة بن الأيهم المرتد عن الإسلام؛ لينتقم من عمر - رضي الله عنه - لحكمه عليه بما سلف، وذهب قسطنطين إلى قيسارية وفرق كتائبه على مدائن الساحل من غزة إلى طرابلس، فكان بين الفريقين الحروب أياما انهزم فيها المسلمون ثلاث مرات، ثم أيد الله خالدا بالظفر بهم وأسلم الغسانيون، ما عدا جبلة فما زال مصرا على ردته إلى أن مات بالقسطنطينية التي كانت بها ذريته حتى فرت من الملوك العثمانية إلى جبال الجراكسة في القرن الخامس عشر من الميلاد. # المبحث السابع: في فتح القدس وحلب وأنطاكية ومدن السواحل وجزيرة دجلة والفرات # حاصر عمرو بن العاص مدينة القدس والبطرك «سوفرونيوس # Sophronius ~~» يحامي عنها، ثم حاصرها أبو عبيدة مع خالد حتى بلغ أهلها الجهد، فرضي سوفرونيوس بشرط عقد الشروط مع الخليفة عمر، فسافر - رضي الله عنه - إلى القدس وأمضى الصلح، وألزمهم دفع الجزية وبنى بموضع المعبد الذي بناه سليمان - عليه السلام - مسجدا عرف بمسجد عمر، ثم عاد سنة ست عشرة معه عمرو بن العاص الذي أعده لفتح الديار المصرية. # وبلغ ابن الخطاب - رضي الله عنه - فتح خالد لمدينة الرملة، فرضي عن خالد وأعاده أميرا على المجاهدين، فسار لفتح أنطاكية وحلب من وسط سهول دمشق، وأبقى في فلسطين يزيد ومعاوية ابني أبي سفيان، ليأخذا قيسارية وسائر مدائن الساحل من قسطنطين بن هرقل، فأهلكا أكثر جيش قسطنطين حتى خرج هو من قيسارية، فأخذها يزيد ومعاوية مع عسقلان وغزة ونابلس وطبرية وعكا ويافا وبيروت وجبلة واللاذقية بلا قتال. # وأما خالد وأبو عبيدة فأخذا مدنا وحصونا تركاها حين تقهقرهما إلى بحيرة طبرية في المرة ms067 السالفة، وحاصرا مدينة حلب أربعة أشهر منعهم فيها الدخول جندي رومي يسمى «يوقينا # Youkina ~~» بحصن قريب منها، ثم اهتديا إلى طريق وسط صخور فأخذا المدينة، وارتحل هرقل عن أنطاكية وترك بها جيشا هزمه خالد وأبو عبيدة، وهجما على حصن أورال سنة سبع عشرة، فانقاد أهل أنطاكية لتسليمها على أن يدفعوا للمسلمين ثلاثمائة ألف من نقود الذهب ليعفوا عن قتلهم ونهبهم؛ فكان ذلك. ثم وجه أبو عبيدة سرايا أخذت منبج وصور وطرابلس وغير ذلك من المدن التي بها عساكر رومية، وكان بذلك استيلاؤهم على سائر البلاد الشامية. # ونقل بعض المؤرخين أن هرقل أراد سنة سبع عشرة هجرية أخذ البلاد الشامية، فبعث أسطولا إلى أنطاكية، وهجم روم وعرب جزيرة دجلة والفرات على حمص، فعصت أنطاكية وقنسرين وحلب والقريتان المسميتان بالحاضرتين بجوار حلب وقنسرين مع بقاء قيسارية تحت سلطنة الروم، وجمع أبو عبيدة جنوده في مركز واحد، وبعث له عمر بن الخطاب جنودا تغزو جزيرة دجلة والفرات لتتحول الأعداد عن الشام، إلا أن عرب الجزيرة والحاضرتين انقادوا إلى خالد وسالموه فولت الروم الأدبار. # وأخذ المسلمون ثانيا قنسرين وحلب وأنطاكية بلا حرب، وأسلم بنو تنوخ وجرهم المنتشرون في تلك البلاد إلى نواحي تدمر. # ولكثرة ثمرات البلاد الشامية توطن بها معظم الفاتحين، ثم انتشر بها سنة ثمان عشرة هجرية طاعون مات به أكثر من خمسة وعشرين ألفا منهم أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان، ونجا منه خالد واتهمه ابن الخطاب في بيت مال المسلمين، فعزله عن الإمارة على الجنود فصبر - رضي الله عنه - حتى مات سنة إحدى وعشرين هجرية، فما وجد بتركته سوى جواده وأسلحته وجاريته. # وقلد ابن الخطاب - رضي الله عنه - عياض بن غنم حكومة حمص وشمال بر الشام، وأمره أن يفتح جزيرة دجلة والفرات المتهدمة قلاع وأسوار مدنها منذ حرب الروم وفارس، ففتح فيها بلا قتال سنة عشرين الرقة وسروج وحران وأرفة موطن الخليل - عليه السلام - وقسطنطينية ونصيبين والموصل وآمد ودارارسعني (نسبة إلى رأس عين) ثم أسلم عرب الجزيرة، ما عدا التغلبيين ms068 ملتزمين الجزية وأما بنو إياد فلم يسعفهم هرقل لضعفه حتى يتحصنوا ببلاد «قبادوث # Cappadoce ~~»، فأسلموا واجتمع سائر القبائل العربية آخر سنة عشرين هجرية على الإسلام. # وسمى المسلمون بلاد ميزو بوتاميا بالجزيرة وقسموها أربعة أقسام: ديار الجزيرة وقاعدتها الموصل على نهر الدجلة بإزاء نينوي، وديار بكر بشواطئ الفرات وقاعدتها آمد الرومية، وديار مضر الشاملة للبلاد التي تسميها الروم أوشروين وقاعدتها الرقة، وديار ربيعة الشاملة للأخطاط التي بين الفرات وأعلى الدجلة وقاعدتها نصيبين. # المبحث الثامن: في إغارة المسلمين على أرمينية وأناضول والسواحل والجزائر البحرية والقسطنطينية وما كان من ملوك الروم في حق النصارى المردائية # لما فتح المسلمون جزيرة النهرين أغاروا على إيالة أرمينية، فهزموا أهلها وألزموهم تأدية الجزية سنة 646 ميلادية الموافقة سنة ست وعشرين هجرية لشقاق بينهم أنساهم الحب الوطني، وتقدموا إلى جبال الجراكسة، ففتحوا بلاد أيبرية التي هي جزء من بلاد شروان، وصدهم الخزر ببلاد جرجستان، فساروا إلى بلاد أناضول من جهة إقليمي قبادوث وفريجيا؛ فأخذوا عمورية من اليونان ثم خرجت عن الحكم سنة 667 ميلادية الموافقة سنة ثمان وأربعين هجرية، فلم يغيروا على تلك البلاد إلا بعد نصف قرن. # وأنشأ معاوية بن أبي سفيان عامل الشام أسطولا سافر به في البحر، فأخذ سنة سبع وعشرين هجرية جزيرة قبرص، وضرب عليها جزية تساوي نصف إيراد الشام وسنة تسع وعشرين جزيرة قريطش وجزيرة كوس وجزيرة رودس، ثم انفرد بالخلافة وحارب سنة ست وثلاثين الروم بحرا ، وأهلك جزءا من سفن قسطنطين الثاني في خليج إيصالوق بسواحل إقليم «ليسيا # Lycie ~~» من أناضول في سفح جبل فينكس، ثم صنع أساطيل سار بها زمن الربيع سنة ثلاث وخمسين حتى بلغ سواحل بحر مرمرة، فنزل غرب القسطنطينية، ومكث محاصرها ست سنين يؤخر كل سنة في تشرين الثاني أساطيله إلى مبنى سيزيقة التي استولى عليها ثم يعود للحصار زمن الربيع، فاخترع ملك القسطنطينية قسطنطين الرابع الملقب «بوغانات Poganat ~~» نارا أحرقت سفن المسلمين فعادوا سنة ستين إلى الشام، وفي أثرهم جيش رومي أخذ يسطو عليهم، فأمنت القسطنطينية والأناضول ms069 إغارة المسلمين، بل أراد بوستينان الثاني ملك الروم أن يأخذ البلاد الشامية سنة سبع وستين فبعث له عبد الملك - وهو الخليفة الرابع بعد معاوية - عطايا وعاهده؛ لاشتغاله بمن ينازعونه الخلافة، ثم تمكن حكمه في مملكته، فأظهر على الروم من الكبرياء ما لم يقع مثله وانتصر وأيد الإسلام في البلاد الشامية، فانحاز إلى جبل لبنان من النصارى جمع تسموا بالنصارى المردائية، وأخذوا يتقدمون في الإغارات على البلاد الشامية حتى بلغوا دمشق مع تمسكهم بعقائد الكنيسة اللاتينية ومخالفتهم عقيدة الروم، فبعث إليهم بوستينان الثاني قائدا أوهمهم أنه يريد التداول مع رئيسهم، ثم فتك به وهجم عليهم الروم بخيلهم سنة إحدى وسبعين هجرية، فبعثوا منهم ألفا ومائتين إلى بلاد أناضول، وبقيت بلادهم مفتحة للمسلمين من ذلك الوقت، وهو سنة 690 ميلادية الموافقة سنة 71 هجرية. # | الباب الثالث # في فتح مصر وفارس وإفريقية وما وراء نهر جيحون من سنة 638 إلى سنة 680 ميلادية الموافقة 17 إلى سنة 61 هجرية، وفيه ثمانية مباحث # المبحث الأول: في فتح مصر وحالها حين ملكها ابن العاص # كان في القسطنطينية وكل إقليم تابع لها أحزاب من الروم ذوو ديانات مختلفة أبدت ضغائن بينهم، إلا أن من في القسطنطينية كانوا يسترون مقاصدهم الباطنية بمناظرات في العلم اللاهوتي، بخلاف من في تلك الأقاليم؛ فإنهم كانوا يتحولون من النزاع في العقائد الدينية إلى مسألة اختلاف جنسية أممهم الموجب لإشهار السلاح بينهم، كما شوهد ذلك في مصر؛ فإن فيها إذ ذاك أناسا من الأروام متغلبين عليها متدينين بمذهب الرومانيين وآخرين من ذرية الأمة المالكة لمصر في عهد البطالسة متدينين بمذهب «أوتوقيس # Entychès ~~» من اعتقاد أن عيسى إله تجسد، وليس بشرا. انضم إلى هذا الحزب يعقوب البرادعي أسقف مدينة إيدسة التي محلها الآن يافا، فأغراهم على إشهار السلاح على الحزب السالف، فاتبعوه ثم مات سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بعد الميلاد فارتاح منه المصريون الذين رضوا رياسة المقوقس عليهم لما له من المهارة والحيل وولايته مصر زمن إغارة أنوشروان عليها، فأخذ يجبي الخراج لنفسه ms070 من غير أن يبعث منه شيئا إلى ملوك القسطنطينية ولا إلى ملوك المدائن، فكثر ماله وغمر أبناء وطنه بالعطاء، فازداد نفوذ كلمته عليهم، وأتى إليه من النبي # صلى الله عليه وسلم # سفير فبعث هدايا قبلها # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ولذا كان حليفا نافعا للمسلمين. # وقد أسلفنا أن ابن الخطاب - رضي الله عنه - رجع بعد فتح المقدس بعمرو بن العاص ليوجهه إلى مصر؛ لما له من العزم والحزم والشجاعة في فتح الشام ووقائع الإسلام الأولية، ثم أذن له في التوجه إلى الديار المصرية، فسافر من غزة بأربعة آلاف مقاتل بلغوا مدينة بيلوزة قرب الطينة بناحية دمياط، وهزم المصريين في مدخل برزخ السويس، وسار فعسكر أمام مدينة فامية مفتاح إقليم الوجه البحري من مصر، وأخذها بعد شهر سنة ثمان عشرة من الهجرة، فكان له سلوك طريق الساحل الموصلة إلى جميع المدن حتى إسكندرية، إلا أنه توجه في الصحراء الممتدة من النيل إلى السويس حتى بلغ قصر الشمع، فلبث يعاني فتحه سبعة أشهر لم يحصل فيها على طائل لاتفاق الروم والقبط المحاربين بها تحت قيادة المقوقس، الذي غرهم بعد وجبرهم على ترك القلعة على أن يعترفوا بحكم المسلمين عليهم ويدفعوا لهم في كل سنة دينارين ويبقى على دينه من أراد منهم، ثم دخل ابن العاص القصر سنة عشرين واتخذه تخت حكومته. # المبحث الثاني: في فتح الإسكندرية # لما دخل ابن العاص القصر تشتت الروم ثم اجتمعوا في كوم شريك، فسار إليهم وهزمهم واقتفى أثرهم حتى اجتمعوا بالإسكندرية ، فحاصرها حتى ملكها 21 دسمبر سنة 641 ميلادية الموافقة 21 هجرية، بعد أربعة عشر شهرا من حصارها، وفر حزب من الروم إلى السفن وبقي داخل المدينة حزب آخر أرادوا الفتك بالمسلمين؛ فأخرجهم ابن العاص وتبعهم حتى شتت شملهم وعاد إلى الإسكندرية، فوجد من فروا إلى السفن عادوا إليها، وقتلوا محافظا عليها من رؤساء المسلمين، فأخرجهم وتردد في أن يغنم ما في الإسكندرية ويهدمها أولا، وكتب بذلك كتابا إلى ابن الخطاب - رضي الله عنه - فلامه على ذلك فوضع ms071 الجزية والخراج، ورتب لتحصيل ذلك رجالا من القبط لمعرفتهم درجات الناس ولغتهم، فتحصلت أموال كثيرة صرف معظمها في مصالح الديار المصرية، كتجديد بحر القلزم العتيق الذي كان يصل النيل بالبحر الأحمر، وهم بحفر برزخ السويس ليصل بحر دمياط بالبحر الأحمر، فمنعه ابن الخطاب لئلا يفتح للروم طريقا إلى مكة والمدينة، وبنى الفسطاط بدل منف التي انهدمت. وكان المصريون يضطربون إذا لم يبلغ النيل الارتفاع المعلوم زمن الفيضان فنقص ابن العاص أذرع المقياس. # ونقل عن بعض المؤرخين أن ابن العاص شاور ابن الخطاب - رضي الله عنه - فيما يفعل بكتبخانة سرابيون الشهيرة التي بالإسكندرية، فأمره بإحراقها قائلا إن كانت مخالفة للقرآن فمضرة أو موافقة فغير نافعة. وهو بعيد عن الصدق؛ فإنه فعل وحشي لا يصدر حال الهدوء والسكون. على أن دعوى عدم نفعها إذا كانت موافقة ضعيفة أو باطلة لا يصح نسبتها إلى هذا الخليفة المشهود له بوفور العقل لدى سائر الأمة؛ ولذا لم يذكرها أحد من المؤرخين المعاصرين له - رضي الله عنه - ولو فرض صدور أمره بإحراقها فما كان إلا لمقدار قليل؛ فإن معظمها أحرق في عهد الملك تيودوس سنة ثلاثين وتسعمائة بعد الميلاد. # وأتلف ابن العاص سور الإسكندرية عند قيام سكانها على المسلمين؛ فإن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عزله عن مصر حين ولي الخلافة، فعز ذلك على المصريين لحسن تدبيره، ثم هجم الروم على الإسكندرية وأخذوها؛ فخاف القبط أن ينتقم الروم منهم على ما كان من جبنهم وخيانتهم، فبعثوا إلى عثمان - رضي الله عنه - سفراء يرجونه إعادة ابن العاص إلى ولاية الديار المصرية، فعاد وحاصر الإسكندرية، وأريقت دماء كثيرين من المسلمين حال هجومهم على السور، فحلف ليهدمنه، فهدمه وبنى الموضع الذي أوقف فيه عساكره جامعا سماه جامع الرحمة. # المبحث الثالث: في غزو المسلمين بلاد النوبة وبلاد برقة وسائر فتوحاتهم الواصلة إلى صوفيطولة المعروفة بصفطورة # لما فتح ابن العاص مصر وجه سنة 643 ميلادية، الموافقة سنة ثلاث وعشرين جيشا ملك بلاد النوبة وضرب عليها جزية، ثم سار ابن العاص ms072 بجيش ملك به «سيرينة # Cyrênaïqu ~~» وسائر الإيالة حتى برقة، ثم رجع إلى مصر ليستعد لفتح شمال إفريقية، فعزله عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بعبد الله بن سعد الذي فتح فتوحات شمال إفريقية سنة أربع وعشرين، وحاصر سنة سبع وعشرين طرابلس فقابس، ثم رفع عنهما الحصار لفتور همة من معه بالتفاتهم إلى المغانم بعد أن كان القصد توسعة الدائرة الإسلامية، لكن ابن سعد أمر بعد ذلك الزبير فسار بجيش قابله البطريق «غريغوار # Grégoire ~~» حاكم جميع الأقاليم الرومية التي في غرب إفريقية بمائة وعشرين ألفا من البربر والروم قرب مدينة يعقوبة، فهزمه الزبير بعد أيام وقتله وسبى ابنته وأغار على إقليم بيزاسنة - المسمى الآن بلاد النخل أو الجريد - وعلى البلاد التي كانت تحت يد القنصل الروماني وتحتها مدينة قرطاجنة، وعلى إقليم «نوميدية # Numidie ~~» (المسمى الآن إقليم قسطنطينة)، وعلى موريتانية القيصرية وموريتانية السيتفية اللتين من جملتهما إقليما مدينة الجزائر ومدينة تلمسان، ثم أغار على الجزء الذي لم يكن تحت أيدي «ويزيغوط # Wisigoths ~~» إسبانيا من إقليم موريتانية الطنجية (المعروف الآن ببلاد مراكش وفاس وطنجة)، وأغار على مدينة صوفيطولة (المعروفة بصطفورة)، وانقاد له جميع بلاد طرابلس، ولم تبق مدينة من ابتداء صحراء برقة إلى بوغاز جبل طارق إلا أسلمت لأمر الزبير، وأدت إليه الجزية التي كانت تدفعها لقيصر الروم، وقد فرق من الغنيمة على كل فارس ثلاثة آلاف دينار وعلى كل راجل ألف دينار، فبعثه ابن سعد ليبشر أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالنصر، فأصعده منبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ليقص ذلك على الناس، ثم أخذ ابن سعد من روم قرطاجنة وغيرها مليونين وخمسمائة ألف دينار جزية، وعاد بجيوشه إلى مصر، فتعجب سلطان القسطنطينية من دفع الروم هذا المقدار، وادعى أن نوابه بتلك البلاد خانوه، فطلب منهم خراجا أكثر مما أخذه منهم أولا. ثم طلب الإمبراطور «قونستانت # Constant ~~» الثاني من حاكم ذلك الإقليم الإفريقي مثل ما أخذه ابن سعد، فأبى والتجأ إلى معاوية وقد آلت إليه الخلافة، فحرضه على فتح هذا الإقليم ms073 وأراه ضعف الروم وخصوبة الإقليم. # وكانت الجزية التي أخذها ابن الزبير من سكان هذه البلاد في مقابلة حمايتهم من غارات البربر المستقلين بحكم أنفسهم؛ فإنهم كانوا ينزلون على حين غفلة من جبل أوراسيوس (المعروف الآن بجبل أوراس)، فينقضون على المدائن الحصينة، فيذبحون الجنود المنعزلة عن الجموع وينهبون المواشي ومحصول الأراضي، ثم يعودون إلى جبالهم التي لم تقدر قواد عساكر الروم على اقتفاء أثرهم فيها، بل حاولوا منع تلك الغارات الدورية فلم يجد ذلك شيئا، فأخذوا يسالمونهم، وعقدوا مبايعة معهم حتى انقادوا لابن الزبير بعد تلك النصرة التي أبدى فيها من الشجاعة ما أخذ بألباب جميع الناس. # المبحث الرابع: في الإغارة الثانية للمسلمين على شمال إفريقية ومآثر معاوية بن حديج وعقبة بن نافع # لما أظهر حاكم إفريقية ما سبق إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وجه - رضي الله عنه - سنة خمس وأربعين معاوية بن حديج والي الديار المصرية بجيش فتح إقليم بيزاسينة وجميع سواحل البحر الأبيض، ثم عدة مدائن منها جلولاء التي فرق من غنيمتها على كل مجاهد ثلاثمائة دينار، فولى الخليفة على ما فتح من أقاليم إفريقية لتدبير أمورها الداخلية وتوسعة دائرة الفتح عقبة بن نافع؛ لما له من الشجاعة المخبورة وسلامة الطوية والكرم وشرف النفس، فتوجه وأخذ يجاهد بجنوده شمال إفريقية حتى بلغ المحيط الأطلنطي، فقال: اللهم رب محمد لولا أن أمواج هذا البحر تعوقني لذهبت لأنشر مجد اسمك العظيم في أقصى حدود الدنيا. وبنى قرب مدينة قرطاجنة مدينة سماها القيروان، فخلفت قرطاجنة المعاصرة لرومية المدائن، وصارت كرسي إفريقية. ثم عمل بإفريقية غزوات سريعة التقدم منها غزوة بعيدة عاد منها متخلفا عن جيشه في أكابر رجاله، فانقض عليه البربر كالجراد فقاتلهم بأصحابه حتى استشهدوا، فسار البربر إلى القيروان وطردوا منها المسلمين، فتقهقروا إلى مدينة برقة سنة 681 ميلادية الموافقة سنة اثنتين وستين هجرية. # المبحث الخامس: في أخبار الفرس وفتح بلادهم # انتشر الإسلام بمشارق الأرض حين انتشاره بمغاربها؛ فإنه لم يتجاوز سنة ثلاث عشرة شواطئ الفرات، فما أتى بعد ذلك ms074 أربعون سنة حتى ظهر في شرق الفرات وبلغ نهري جيحون والسند. # وأول إقليم طمحت إليه أنظار العرب إقليم كندة؛ لاشتماله على مدخرات الملوك السلجوقية والفارسية ونضارته بالمياه والسهول الخصبة والبساتين النضرة، لكنهم لو ملكوا هذا الإقليم وسلكوه إلى جهة نهر السند، ورأوا ما فيه من الجبال المقفرة والرمال المجدبة والمساكن المتباعدة لزالت رغبتهم فيه. # وبعث خالد وهو بالعراق إلى المدائن تخت مملكة الفرس كتابا بتهديدهم، فأمره أبو بكر بحصار دومة الجندل ثم بمسيره إلى الشام، فأبقى بالعراق المثنى بن حارثة في جمع قليل لا يقدر على حفظ ما فتحه خالد من البلاد المشرقية المأخوذة من الفرس، فطلب من المدينة حين وفاة أبي بكر مددا يحفظ ذلك، وإن كان بمملكة الفرس عقب جلوس ابنتي كسرى أبرويز اضطراب يمنعهم استنقاذ ذلك من المسلمين. # ثم قلد عمر بن الخطاب أبا عبيدة قيادة الجيش ووجهه إلى الفرس ومعه المثنى بن حارثة دليلا، فانتصر على الفرس في وقعات نيماريك وسقاطية وقسياطة، فبعث رستم نائب بنت كسرى جيشا قاتل أبا عبيدة في قس الناطف وهزمه، ورأى رستم قلة نفوذ كلمته فأشرك معه في الكلمة فيروزان، فوقع بينهما فشل انتهز به المثنى نصرته على الفرس في واقعة مهران قرب الموضع الذي بنيت فيه الكوفة بعد، وجال في بلاد الحيرة وعبر الفرات وجزيرة دجلة والفرات، وهزم أمام تكريت نمير وتغلب المعاهدتين للفرس فولى رستم وفيروزان يزدجر الثالث بن شهريار بن أبرويز السلطنة، فزال التحزب وتفرق الكلمة بوحدتها التي أخرجت المثنى من العراق إلى الصحراء، ثم مات أبو عبيدة - رضي الله عنه - في قس الناطف لجراح أصابته، ونجا من بقي من العسكر لفتن بين أكابر دولة فارس ولولاها ما نجا منهم أحد. # المبحث السادس: في واقعة القادسية # تولى يزدجر الثالث السلطنة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ميلادية في سادس عشر حزيران المعتبر مبدأ لتاريخ الفرس، وأراد الانتقام من الأمة العربية، فبعث سنة أربع وثلاثين وستمائة الموافقة سنة ثلاث عشرة هجرية رستما بمائة وعشرين ألفا قاتلوا بقرب القادسية سعد بن أبي ms075 وقاص متولي الجنود من قبل ابن الخطاب، فكان بين الفريقين ثلاث وقائع: واحدة في يوم أرماث لم ينصر فيها أحد، وأخرى في يوم أغواث انتصر فيها العرب، وثالثة في يوم عماس قتل فيها رستم وانهزمت الفرس وغنمهم المسلمون، فجعل ابن أبي وقاص خمس الغنيمة لبيت المال، وأعطى من الباقي ستة آلاف درهم للفارس وألفين للراجل فرأى ابن الخطاب توزيع الخمس على الجنود، ونفل القراء في العطاء على حسب درجاتهم. # المبحث السابع: في إنشاء العرب الكوفة والبصرة وأخذهم المدائن تخت مملكة الفرس وواقعتي جلولاء ونهاوند وهرب يزدجر ومقاومة هرمزان للعرب # أخذ سعد بن أبي وقاص الحيرة فأنشأ المسلمون بعد سنة الكوفة على ثلاثة أميال من الحيرة في الجنوب الشرقي، فصارت مركز الحكومة وأخذ إذ ذاك عتبة بن غزوان مدينة أبلة قرب الخليج الفارسي، فاختط البصرة على أربعة فراسخ منها، فكانت مركزا لمتاجر الهند وآسيا الشرقية، وأخذ ابن أبي وقاص أيضا ساباط ونهرشير وكذا المدائن سنة 637 ميلادية، الموافقة سنة ست عشرة هجرية، فبعث إلى ابن الخطاب تاج كسرى الأكبر وعلم دولته. # وقد فر يزدجر من المدائن إلى حلون عقب واقعة القادسية، وجمع جيشا هزمه المسلمون في واقعة جلولاء مجتمع دجلة والفرات، ففر إلى مدينة اصطخر، وأخذ ابن أبي وقاص بلاد بابل المعروفة بالعراق العربي، ثم سار إلى إقليم كردستان بشاطئ الدجلة، فأخذ تكريت والموصل ثم حلوان، فحاربه يزدجر بجهة نهاوند فأثخنهم المسلمون قتلا، ثم ساروا إلى العراق العجمي وأذربيجان الواقعين بالساحل الجنوبي الشرقي من بحر جرجان المسمى بحيرة الخزر فأخذوا أصفهان فهمدان فقزوين فتوريز، وساروا إلى بلاد خيروان وإقليم أرمينية، فمنعهم بأرمينية الرومانية نصارى هاجروا إليها من الشام وبشمال أذربيجان خزر أزالوا تحصينات بإقليم كوكار، وخربوا إقليمي جرجستان وأرمينية الفارسية، فرجع العرب إلى ناحية كردستان وعبروا دجلة من تجاه الموصل وذهبوا لمساعدة جيش الشام، وفتحوا إقليمي خوزستان وفارسيستان، وأخذوا الأهواز ومدينتي شتر وجنديسابور، وطردوا يزدجر من مدينة جهل منار فهرب بعد مناوشات إلى مرو بخراسان، ونقل إليه النار التي كان يعبدها. ms076 # واستعد المرزبان هرمزان لقتال العرب في إقليم سوزيانة الذي فرق في حصونه عساكره، وقاتلهم زمنا طويلا حتى بلغه الجهد فسلم نفسه إلى المسلمين، فبعثوه إلى ابن الخطاب - رضي الله عنه - فتعجب منه حين رآه مضطجعا مع الفقراء على درج المسجد الكبير على ما له من شوكة الملك والخلافة، فاشتكى الظمأ لينال العفو على عادة العرب من عفوهم عمن شرب مياههم، ففهم عمر ما أراد وحلف أن لا يقتل إلا إذا شرب الماء، فكسر المرزبان قدح الماء فعفا عنه وأسلم، ووقعت مملكة الفرس في قبضة الخليفة. # المبحث الثامن: في أخذ العرب إقليمي كرمان ومكران وخراسان وزوال سلطنة الفرس وانقطاع فتوحات العرب في آخر القرن السابع من الميلاد الموافق لسنة ثمانين هجرية # توجهت الجنود الإسلامية قبل فتح شمال مملكة الفرس إلى إقليمي كرمان ومكران اللتين على ساحل بحر الهند، وصدوا نجدة من الهنود إلى خلف نهر السند، ثم توجهوا إلى الري الموصل إلى أقاليم هراة ومازندران ومرجيان بشمال خراسان وبلخ وإقليم باروباميزوس وإقليم أراخوسيا (هو الآن بلاد كوكر)، ثم ساروا إلى سجستان، فقاتلهم بها يزدجر بجنوده، وأمده «تايي تسنغ # Taï-Tsong ~~» سلطان بلاد الصين والتتار إلى بحر جرجان بخمسين ألفا غضبوا من يزدجر لفخره بقوته، فكان بينهم وبينه قتال انتصر فيه المسلمون عليهم وأخذوا سجستان، وأخذ الأحنف مرو وهراة وبلخ ونيسابور حين أمره ابن الخطاب بفتح خراسان، وما زال يحارب الفرس حتى أزال بعد شهرين سلطنتهم سنة 652 ميلادية، الموافقة سنة ثلاث وثلاثين هجرية؛ فالتجأ يزدجر إلى تابي تسنغ فسلط عليه من قتله على شواطئ نهر مرغال، فانقرضت عائلة أزدشير بن بابك بعد ثلاثمائة وتسع وعشرين سنة شمسية من سلطنتها، ثم ساروا إلى الجهة الشرقية وراء نهر جيحون فلم يملكوا لشدة منازعة الأعداء إلا مدينة ترمذ في أثناء سنتي 673 و674 من الميلاد، الموافقتين لسنتي أربع وخمسين وخمس وخمسين هجريتين. نعم أخذوا في الجهة الغربية وراء جيحون كرسي خوارزم، وفرضوا الجزية عليها وعلى مدينتي قط وزمخشر سنة 680 ميلادية الموافقة سنة إحدى وستين، ms077 وشغلوا إقليمي جرجان ومازندران، إلا أن البربر طردوهم من القيروان سنة اثنتين وستين هجرية إلى بلاد برقة. # | الباب الرابع # في خلفاء الممالك الإسلامية من سنة 660 إلى سنة 705 الموافقة سنة إحدى وأربعين هجرية إلى سنة سبع وثمانين، وفيه ثلاثة مباحث # المبحث الأول: في زوال قوة الحزب العلوي # كانت سادات قريش تبغض النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم دخلوا في الإسلام لحمله عليهم، فكانوا ذوي شرف وأنفة بين العرب حتى ولي الخلافة ابن الخطاب، وأزال أنفتهم فأجمعوا بعد وفاته على تولية عثمان وأخذوا يظهرون شرفهم بتنفيذ كلمتهم على عثمان، فتخلص من تغلبهم فتخلوا عن تعضيده وحرضوا الناس بخطبهم في الممالك الإسلامية على العصيان حتى قتل، فأخذوا يقاتلون ابن أبي طالب محتجين بأخذ الثأر حتى عجزوا، فسلطوا عليه من قتله غدرا فانتقلت الخلافة إلى ابنه الحسن، ثم تنازل عنها سنة اثنتين وأربعين إلى معاوية الذي انفرد بها، فقمع الخوارج وجازى ابن العاص على انتصاره له بإعادته إلى ولايته الديار المصرية، واتخذ دمشق تخت الممالك الإسلامية، فشق ذلك على أهل مكة والمدينة محتجين بأن لهم انتخاب الإمام من عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكذا أهل الكوفة، محتجين بأنهم أكثر عددا وأكبر شجاعة مع إقامة علي - رضي الله عنه - بينهم المقتضية لشرفهم، فقام زياد بن أبي سفيان فقتل في أقل من نصف سنة من البصرة أكثر من ثمانية آلاف رجل ومن الكوفة حجرا أتقى رجالها لتعظيمه علي بن أبي طالب، وقتل الحسن بن علي في المدينة بسم سنة اثنتين وأربعين، وعبد الرحمن بن خالد مروع بني أمية بشجاعته وآخرين، وحكم بقتل السيدة عائشة فرعب الحجازيون والعراقيون وصبروا، وأراد معاوية أن يجعل الخلافة وراثية لعائلته بأن يعهد بها إلى ابنه يزيد، فعارضه زياد ابن أبيه حتى مات، فاعترف الناس بالخلافة ليزيد بعد أبيه حتى توفي معاوية، وجلس يزيد سنة ستين، فأراد العراقيون إعطاء الخلافة لنسل علي؛ حيث كانوا أقرب الناس للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وطردوا الحاكم الذي بعثه يزيد، وأرسل أعيان العراق ms078 إلى الإمام الحسين ليولوه الخلافة؛ فسار إلى العراق بسبعين نفسا بلغ بهم شواطئ الفرات، وبعث له عبيد الله نائب يزيد بن معاوية شمرا الخبيث ليقتله، فطلب منه الإمام الحسين أن يسير معها إلى يزيد في أمن أو يعود إلى المدينة، فأبى شمر، فقاتله الحسين بمن معه حتى أحدق به عساكر يزيد وضربوه، فوقع مضرجا بالدم على أصحابه الذين رمتهم الأعداء، ولم يبقوا إلا أخوات الحسين وولده زين العابدين - وكان صغيرا - فأمر يزيد بإعادته مع السيدات إلى المدينة، ولم يجد الكوفيون رئيسا يولونه الخلافة بعده، فصبروا حتى بلغوا أمنيتهم سنة إحدى وستين، وقد ظنوا أن تبجيله - رضي الله عنه - بعد وفاته ينفي عنهم عار جبنهم المخلد، واتخذت شيعة العجم إلى زمننا هذا يوم موته - وهو عاشر المحرم - موسما لجنازته يظهرون فيه الحزن على موته. # المبحث الثاني: في خلافة عبد الله بن الزبير بمكة مخالفا لبني أمية وظهور آخرين يدعون الخلافة وتسكين الحجاج الثقفي ما بداخل المملكة الإسلامية من الفتن # تفجع الحجازيون على قتل الحسين وأصحابه، فعصى عبد الله بن الزبير بني أمية وحرض عليهم قبائل قريش، فدعاه أهل المدينة للإقامة بينهم، وطردوا والي المدينة من قبل يزيد بن معاوية، فاقتدى بهم أهل مكة والمدن القريبة منها، وتلقب ابن الزبير بالخليفة، فبعث له يزيد جيشا هجم على المدينة، ثم حاصر مكة سنة أربع وستين وأشرف على فتحها، وإذا يزيد قد مات بحوران في رابع ربيع الأول من هذه السنة، فرجع الجيش إلى الشام. # وأعلنت جزيرة العرب ومصر والعراق وخراسان بالانقياد لابن الزبير، الذي تأخر مع ذلك عن إزالته الخلافة الأموية من دمشق حتى عينوا معاوية الثاني بن يزيد، فتقلدها بعد امتناع وتنازل عنها بعد ستة أسابيع، فخلفه مروان بن الحكم مشترطا تولية خالد بن يزيد بعده، ثم هزم جيوش ابن الزبير وانقاد له حمص وجزء من جزيرة دجلة والفرات، فصرف همته إلى مصر فأخذها ممن ولاه ابن الزبير عليها، وترك بها بعض أولاده يأخذ الخراج والجزية، وحرم مكة والمدينة من القمح الذي ms079 كان يرسل إليهما في بحر السويس المسمى القلزم، فتبدلت أحوال خلافة ابن الزبير، وذهب أخوه مصعب لأخذ دمشق، فهزمه الأموية إلى البصرة. ثم مات مروان سنة 684 ميلادية الموافقة سنة 65 هجرية، فخلفه ابنه عبد الملك في ثالث رمضان من هذه السنة غير مكترث بعهد والده إلى خالد بالخلافة؛ فاستبد بحكم الشام ومصر، ورأى عدم تمكن أحزابه من الحج فزين لهم بيت المقدس ليزوروه، وصرف همته أولا إلى العراق المضطرب منذ قتل الإمام الحسين؛ فقد كان به حزب متعصب للعلوية يأبى الانقياد لغير أئمتهم سار به سليمان بن صرد إلى الشام لصد جيش عبيد الله بن زياد عن العراق، فقابله عبيد الله بحدود الشام فمزق شمله، وحزب آخر معترف بخلافة ابن الزبير سار به المختار إلى مكة، فنصر ابن الزبير ولم يكافئه على نصره له، فخالفه وجمع من بقي من جيش ابن صرد وتلقب بالخليفة، وأظهر الأخذ بثأر علي وولديه، فقتل في غير الوقائع نحو خمسين ألف رجل منهم شمر قاتل الحسين وسائر من اشتهر معه في يوم كربلاء، وعبيد الله بن زياد. # ثم أخذ الكوفة والعراق البابلي، ثم سار إلى مصعب بن الزبير والي البصرة فحاصر الكوفة، ثم قتله بقلعتها سنة 686 ميلادية الموافقة سنة 67 هجرية، وقتل جميع أحزابه بالسيف، وكانوا سبعة آلاف؛ فعظمت المصائب بتلك الحروب الداخلية، إلا أن عبد الملك كان يفرح لها لتقليلها أعداءه وتقريبها انتصاره؛ إذ لم يبق له إلا عدوان: عمرو بن سعيد بدمشق ومصعب بن الزبير، فقتل ابن سعيد ثم مصعبا في واقعة مسكن، ووضعت أمامه رأس مصعب في قلعة الكوفة، فقال بعض الحاضرين لعبد الملك: إني رأيت بهذه القلعة رأس الحسين أمام عبيد الله بن زياد ورأس ابن زياد أمام المختار، ورأس المختار أمام مصعب، ورأس مصعب أمام أمير المؤمنين. فتشاءم عبد الملك وهدم القلعة ومحا أثرها، وانقاد له الكوفيون وجنود مصعب بالبصرة والموصل وبلاد الفرس وسائر الأقاليم الشرقية من المملكة الإسلامية، ثم بعث أعظم قواد عساكره الحجاج بن يوسف الثقفي ms080 بجيش حاصر به مكة ثمانية أشهر، وقتل ابن الزبير وأعيان رجاله على عتبة الكعبة التي تهدمت من مجانيقه، فبناها هذه السنة بعد أن بناها ابن الزبير سنة 683 ميلادية الموافقة سنة 64 هجرية، فاستقل بالولاية والتصرف في بحيث جزيرة العرب، وعامل أهل المدينة بالقسوة لكونهم أول من قام على الأموية، ثم بدت فتن بجهة العراق، فنقله عبد الملك من ولاية بلاد العرب إلى ولاية العراق وخراسان وسجستان، فأظهر دعوة الإسلام ورأى العراقيين متأهبين للخروج عن الطاعة، فقتل رجالهم ومنهم قرشيون أعانوا على قتل عثمان - رضي الله عنه - وبالعراق إذ ذاك من الخوارج جموع الأزارقة الفار بهم إلى نواحي الأهواز المهلب أحد قواد مصعب بن الزبير، وهم أعداء للحكومة خلافية كانت أو ملوكية، وظهر منهم شبيب وصالح بأحزابهم الملقبين بالصفرية لمبارزة الحجاج، وعقدا بقرب آمد واقعة لم يظفر فيها أحد بالآخر، ثم نصرا عليه في عدة وقائع، ثم قتل الحجاج صالحا قرب الموصل على غفلة. وأما شبيب فأخذ الكوفة حين كان الحجاج بالبصرة، فعاد إليه وهزمه من موضع إلى آخر حتى دخل بلاد الفرس وكرمان، ثم مات قرب دجيل الأهواز سنة 696 ميلادية الموافقة سنة 77 هجرية، ثم خرج على الحجاج عبد الرحمن بن محمد سنة 701 ميلادية الموافقة سنة 82 هجرية، فأخذ منه البصرة والكوفة، ثم انهزم، فقتل نفسه لئلا يقع في يد الحجاج، فكان ذلك آخر فتنة بالمملكة العربية. # المبحث الثالث: في سوء عواقب تلك الحروب الداخلية # حقق الثقفي للأموية الانتصار على أعدائهم الذين كانوا ينازعونهم في الخلافة، وعادت بلاد العرب إلى خمول الذكر، ونشأ من ذلك ذهاب شهرة البلاد العربية إلا بموسم الحج، وعود سكان نجد والحجاز إلى ما كان عليه آباؤهم من الاستقلال في المعيشة عن غيرهم، وانعزالهم عن الانتظام في سلك الجيوش الإسلامية، وتخلق خلفاء الأموية بأخلاق الملوك الذين غلبوهم، فإنهم رأوا دناءة النفوس في رعاياهم، فداخلهم ما كان عند إمبراطرة القسطنطينية والفرس من الكبرياء مع استقلالهم بالسياسة دون الديانة، وجراءتهم على تعدي الحدود الشرعية، وإعراضهم ms081 عن حث الوعاظ بإحياء القرآن واعتباره دستور الأحوال، بل كانت خلفاء الأموية قدوة لغيرهم في المخالفات كشرب يزيد بن معاوية الخمر، ورسم عبد الملك صورته مقلدة بسيف على نقود ضربها؛ ولذا ذهبت الحمية الدينية التي هي السبب الأقوى في تقوية عزائم الجيوش الإسلامية؛ فظهرت فرق ادعت أنها متمسكة بالعروة الوثقى داعية إليها، فتمادت في التعصب للدين حتى اتخذت قتل النفوس ذريعة إلى نصر معتقداتها، كالخوارج الذين توجهوا لقتل علي ومعاوية وابن العاص ظانين أن في ذلك هدوا للناس، والمعتزلة المتظاهرين بثأر عثمان، والأزارقة الذين لم يبقوا صغيرا ولا كبيرا مع إدامتهم التهليل والتكبير، بل كان بين تلك الفرق حروب في جزيرة دجلة والفرات وأذربيجان، لا سيما العراق العجمي. # ولم يؤخر غير تلك الفرق عن الانتقام منها إلا خشية سطوتها، فإنها طالما بارزت وهي مائة أو مائتان آلافا ربما نصرت عليهم؛ ولذا نفذت أوامرها بالقتل لدى نواب الأموية خشية منها. # وبالجملة كانوا هم وغيرهم على غاية من الإفساد كما فعل الحجاج؛ فإنه ذبح مائة وعشرين ألف نفس ومات وبحبوسه أكثر من خمسين ألفا يكابدون الذل والهوان. هذا ما كان بالجهة المشرقية، وأما المغربية فلم يظهر بها شيء من ذلك، بل ازداد فيها التمسك بالدين الإسلامي. # | الباب الخامس # في إغارات العرب على شمال إفريقية وعلى إسبانيا وفرنسا وآسيا الصغرى وما وراء جيحون وشواطئ نهر السند، وفيه تسعة مباحث # المبحث الأول: في حيازة الأموية أقوى ما يكون من الشوكة # نجت نصرات الحجاج عبد الملك من أعدائه حتى توفي سنة 705 ميلادية الموافقة سنة 87 هجرية، ولا اضطراب في مملكته؛ فخلفه الوليد أكبر أولاده عشر سنين من سنة سبع وثمانين إلى سنة سبع وتسعين، فخلفه إخوته الثلاثة سليمان ويزيد وهشام من سنة سبع وتسعين إلى سنة 126 هجرية الموافقة سنة 715 إلى سنة 743 ميلادية، وتخلل خلافتهم عمهم عمر بن عبد العزيز؛ فإنه تولى بعهد من سليمان سنة تسع وتسعين؛ فسلك أحسن المناهج حتى مات مسموما سنة اثنتين ومائة الموافقة سنة 720 ميلادية؛ فخلفه ms082 يزيد الثاني إلى سنة ست ومائة، فخلفه هشام إلى سنة ست وعشرين ومائة الموافقة سنة 743 ميلادية. وقد عانى من قبلهم من الأموية فتح القارة الأوروباوية سنة ثلاث وخمسين، فمنعهم الروم بالقسطنطينية من الجهة الشرقية، وما زالت كذلك حتى تولى هؤلاء بعد أبيهم عقب نصرات أدت إلى زعم أن عز المملكة الإسلامية منوط بعائلتهم، فأخذوا يبثون في الناس الحمية الحربية حتى أخذوا بعض البلاد المشرقية والإفريقية، ثم أغاروا على أوروبا من الجهة الغربية وبلغوا بوغاز جبل الطارق، ثم سطوا على إسبانيا وفرنسا ونزعوهما من الجرمانيين الحاكمين عليهما منذ ثلاثة قرون، فظهر شرفهم بالممالك الإسلامية على ما فيهم من عدم السياسة؛ حيث اكتفوا من الجزية بقليل احتاجوا معه عند غزوهم الممالك القاصية إلى أموال يؤدون بها لوازمهم، ولم يقع في زمنهم فتن داخلية لظهور سطوتهم وقوة بأسهم. نعم كان إذ ذاك علوية يضمرون الخروج على الأموية، ويلومون أهل السنة على إبعادهم عليا وولديه من الخلافة، واختاروا زيدا حفيد الحسين إماما، ثم تخلوا عنه لطيشهم المعتاد، وهم ثلاثة أحزاب تعصب أحدهم لذرية علي من فاطمة الزهراء، وثانيهم لذريته من غيرها، وثالثهم لبني العباس، زاعما أن ذريته من غير الزهراء تنازلوا عنها للعباسية، وما زالوا مضمرين الخروج على بني أمية حتى أظهروه سنة اثنتين وعشرين ومائة هجرية مع تفرق أحزابهم وعدم انضمامهم إلى رئيس جدير بالخلافة، فلم تخش الأموية بأسهم واكتفوا بإثارة البغضاء بينهم، ثم قوي حزب العباسية وجعل تحت ألويته من كانوا معضدين للآخرين. وبالجملة فبولاية هؤلاء الأنجال الخلافة عقب نصرات الحجاج المتوالية وفتحهم لهذه البلاد الشاسعة وبثهم البغضاء بين العلوية، كان لهم المجد الباذخ والشرف الأكبر. # المبحث الثاني: في فتح المسلمين شمال إفريقية من سنة 704 إلى سنة 708 ميلادية الموافقة سنة 75 إلى سنة 90 هجرية # سلف أن عقبة بن نافع بلغ بالجنود الإسلامية أقصى سواحل البحر الأطلنطيقي، ثم انضم البربر والروم فطردوه من القيروان إلى بلاد برقة، تاركا ما فتحه من إفريقية حتى نصر عبد الملك على منازعيه في ms083 الخلافة، فأمر الحسن والي الديار المصرية بالمسير إلى شمال إفريقية، فسار وأخذ القيروان التي بناها ابن نافع، ثم حاصر مدينة قرطاجنة ذات الحصون المنيعة، فأخذها وفر من بها من الروم إلى سفن بميناها وإلى صقلية والأندلس إلا أناسا استوطنوا مدينتي سطفورة وبيزرت، حتى أتى إليهم من القسطنطينية مدد خرج على السواحل وعاد بلا حرب سنة 704 ميلادية الموافقة سنة خمس وثمانين هجرية، وجمع الحسن من إفريقية غنائم خاف أن يضعها بالقيروان، فتسطو عليها قبائل البربر الساكنة بجبل أوريس تحت حكم كاهنة متنبئة تدعي أن لها مددا إلهيا ونصرا سماويا، وأخبرت بأشياء فوقعت؛ فانتشر صيتها سريعا، ولم تر العرب إلا نهابين، فأقامت عليهم سائر قبائل البربر؛ ولذا خشي منهم الأمير حسن، فعاد إلى مصر ليضع بها تلك الغنائم، ويستعد لهؤلاء البربر الذين خربوا زمن عوده جميع ما فتحه، وهجموا على العرب واليونان، فسار هذا الأمير بجيش هائل، وأخذ يحتال على قتل تلك الكاهنة، فأعدمت الزرع والمدائن؛ لتكون سواحل البحر الأبيض قفارا تهلك فيها الجنود الإسلامية جوعا، فأخذ هذا الأمير يخاطر بنفسه حتى قاتلها وقتلها في الحرب، فأخذ بلاد السواحل وداخل البلاد الإفريقية سنة 708 ميلادية الموافقة سنة 90 هجرية، وقدر على البربر جزية وعاد إلى مصر بعد أن ولى على تلك البلاد موسى بن نصير، فبث بينهم سنة إحدى وتسعين إلى سنة ثلاث وتسعين من العدالة وحسن التدبير ما نظمهم في سلك جيشه وجبرهم على اتباعه حيث شاء، فنوى أن يجتاز بوغاز الطارق ليغير على إسبانيا. # ولكثرة غنائم إفريقية التي أتى بها الحسن ارتحل كثير من العرب إلى إفريقية لاكتساب الثروة، فبثوا هناك القرآن المجيد، ووافقوا البربر في حب الحرية والاستقلال والعيشة البدوية والحط والترحال والسلب والنهب مع عزة النفس وإكرام الضيف، فكان البربر أقوى المعضدين للعرب حتى حاربوا إسبانيا فأبى بعض البربر معاشرتهم، وذهبوا إلى جبال إيالة الجزائر، فلم تزل بها ذريتهم المسماة بالقبائل إلى الآن. # المبحث الثالث: في إغارة المسلمين على إسبانيا سنة 711 الموافقة سنة 93 هجرية # ملك ms084 بحيث جزيرة إسبانيا قبل الهجرة بمائتين واثنتين وعشرين سنة رجال يعرفون ب «الويزيغوط # Visigoths ~~»، ملكوا بلاد طنجة وسبتة، وهزموا موسى بن نصير حين حاصر سبتة سنة 64 هجرية الموافقة سنة 683 ميلادية، كما هزمه الملك «ويطيزا # Vizila ~~» الويزيغوطي سنة 91، ثم أخذ الملك «رودريق # Roderic ~~» المملكة واسعة الأرض كثيرة الرجال على ما فيها من ضعف الشوكة؛ لتألفها من جموع متعادية وجهلهم بالتدبير العسكري، ومطالبة القسس لهم بأموال باهظة، وعدم انتظام شريعتهم المؤلفة من شريعة الرومانية وعوائد الجرمانية، وتأخر من في البلاد المنتظمة عن إمداد السلطنة، واستعباد الرعايا بالفلاحة التي تطفئ من القلوب حب الوطن وشرف الأمة، واضطهادات اليهود التي بعثت فيهم البغضاء والحقد على الويزيغوط، وضم رودريق إلى ذلك إساءته الكونت «جوليان # Julien ~~» التي كانت سببا في استيلاء العرب على إسبانيا؛ فإن الوزير موسى بن نصير بعث إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك كتابا وصف فيه إسبانيا وغزارة خيراتها؛ فأذن له في فتحها، مشيرا إليه بتقديم بربر إفريقية حذرا من الغدر؛ فبعث إلى إسبانيا اثني عشر ألف بربري مع شجاع مسمى بطارق عارف بسواحل إسبانيا الجنوبية المشرفة على بوغاز الجبل الذي حل فيه هذا الشجاع فسمي بجبل طارق؛ فأرشده جوليان ذو الممالك الواسعة بإسبانيا، وسلم إليه قلعة الجزيرة الخضراء، فجمع رودريق مائة ألف مقاتل قاتل بهم العرب سبعة أيام في سهل غواداليط قرب مدينة كزيريس، مع تزينه حال الحرب الذي قلده فيه أهل ديوانه، وتركوا القتال على أرقاء أغبياء كالبهائم يقاتلون مكرهين، بخلاف جيش طارق؛ فإنهم لتعودهم القتال وعلمهم أن من استشهد دخل الجنة نسوا قلتهم في جانب مائة ألف، وتأهبوا لقتالهم كتأهبهم لاستقبال النعمة، قال لهم طارق: إن العدو أمامكم والبحر خلفكم، فأين تذهبون؟! ثم حمل على العدو فاخترق جيشهم، فانضم بعساكره إلى المسلمين إياس أسقف إشبيلية - وكان من حزب جوليان - فانهزم رودريق ، وألقى نفسه في نهر الوادي الكبير سنة 711 ميلادية الموافقة سنة ثلاث وتسعين هجرية، فأخذ طارق تخت سلطنة الويزيغوطية، وبعث جموعا أخذوا غرناطة وقرطبة وويرة وملقة واستجة، ms085 وسار هو إلى طليطلة فأتى إليه من موسى بن نصير أمر بأن يقف منتظرا لقدومه؛ فأبى خشية أن تجتمع الأعداء وينتخبوا سلطانا يجدد لهم قوة، وسار حتى بلغ طليطلة فأخذها بلا قتال، وترك بها عساكر محافظين، وسار إلى شمال إسبانيا؛ فانقاد له جميع البلاد الممتدة من جبل طارق إلى جيحون. # المبحث الرابع: في انتقال موسى بن نصير إلى إسبانيا وترتيبها وعزله وقتل ولده عبد العزيز # حاز طارق من نصراته بإسبانيا فخرا فحنق منه ابن نصير، وسار إلى إسبانيا بعساكر فتح بهم مدينتي كرمونة وإشبيلية، وحاصر مريدة وبها شجعان ويزيغوط حتى أسعفه ولده عبد العزيز بسبعة آلاف فأخذها، ثم سار ابنه عبد العزيز إلى مرسية، فضرب الجزية فيها على «تيودومير الغوطي # Thédemir ~~» المستقل فيها بالإمارة، وسار هو إلى طليطلة حين أخذ طارق إقليمي استريمادور ولوزيطانيا، ثم قابل طارقا فضربه بالدرة وسجنه وجرده من قيادة العسكر، فأمره الخليفة الوليد بإطلاقه وإعادته للقيادة، ونسب فتح إسبانيا إليهما خشية أن يستقل موسى بعائلته الكثيرة عن حكم الأموية، ثم فتح موسى أقاليم استورية وطارق البلاد التي خلف نهر ابرة، إلا أنهما تعاونا على فتح سراقسطة لقوة من بها، وفتحا جميع إسبانيا إلى جبال البرانس المسماة أيضا بجبال الأبواب، ثم لبث ابن نصير يرتب إسبانيا ويجبي جزيتها على المقدار المؤدى سابقا إلى الغوطيين، مظهرا فيها العدل، حتى عادت إليها رفاهيتها القديمة التي لم تتحصل عليها زمن الغوطيين، ثم وضع لها قوانين مخالفة للقوانين الشرعية التي وكل إليه العمل بها مريدا قطع ارتباطها بالخلافة الأموية؛ فبعث سليمان بن عبد الملك بعد أن ولي الخلافة إليه وإلى طارق، فحضر طارق فقيرا غير متهم باختلاس شيء من الأموال، فأثنى عليه الخليفة بما حازه من النصرات، وحكم عليه بالإقامة عنده في آسيا خشية أن ينضم إليه من البرابرة جموع لشهامته وعظيم فخاره، وحضر ابن نصير إلى دمشق بجمع من الأسرى، فضربه سليمان ونفاه إلى مكة، وولداه عبد العزيز وعبد الله حاكمان إذ ذاك بإفريقية وإسبانيا؛ فخاف سليمان أن يستعينا بما ms086 في أيديهما على الانتقام منه، فأمر بقتلهما فقتلا سنة 716 ميلادية الموافقة سنة ثمان وتسعين هجرية؛ فمات والدهما حزنا. # المبحث الخامس: في التقسيم السياسي لإسبانيا وعزها ومبادئ انحطاط العرب # قسمت إسبانيا أولا إلى أربعة أقسام: # الأول: # الشامل لبلاد الأندلس ما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الوادي الكبير، ومن مدنه: قرطبة وإشبيلية وملقا واستجة. # الثاني: # الشامل لجميع البلاد الوسطى من إسبانيا، يحده من الشرق البحر الأبيض المتوسط ومن الغرب حدود لوزيتانيا المعروفة بالبرتغال، ومن الشمال نهر دويرو، ومن مدنه: طليطلة وبلنسية وقرطاجنة ومرسية والبيضاء. # الثالث: # شامل لبلاد غاليسيا ولوزيتانيا، ومن مدنه: مريدة إيغورا وكوامبره وزمورة وسلمكية. # الرابع: # يمتد من نهر دويرو إلى جبال برينات على شاطئ نهر ابرة، وينتهي في الغرب بحدود غاليسيا، ومن مدنه: سرقسطة وطرطوشة وطركونة. # ثم ألحق بهذه الأقسام إقليم خامس خلف جبال برينات، وهو عبارة عن بلاد سبتيمانية، ومن مدنه: نربونة وكركاسون وماجلون ولوريفيا. # وقد رتب عبد العزيز بن موسى بن نصير على كل قسم حاكما كبيرا يخبره بما تعزم عليه الويزيغوط من الفتن ليتداركه، ووضع عساكر دمشق في قرطبة، وحمص في مدينتي إشبيلية ونيبلة، وعساكر قنسرين في جهن، وفلسطين في صيدونية والجزيرة الخضراء، وبلاد فارس في كزيريس، واليمن في طليطلة، والعراق في غرناطة، ومصر في مرسية ولسبونة وغير ذلك من الجنود المحافظين، وعمل بمقتضى الشروط المنعقدة مع الويزيغوط من تسليمهم الأسلحة والخيل للفاتحين، وارتحال من أراد منهم بعد تخليته عن سائر أمواله وأمتعته، وبقاء من شاء مع حفظ مالهم من المنقولات والعقارات والكنائس بشرط أن لا يبنوا غيرها، وأن يدفعوا خراجا لا يزيد عن عشر محصولهم. # ولما للعرب من حسن المعرفة بالزراعة وتدبير التجارة نشروا في بلاد إسبانيا من الفلاحة طرائق مبنية على التجربة والمشاهدة؛ فزرعوا فلواتها، وعمروا مدائنها، وربطوا بينها علائق تجارية؛ فظهرت بها الرفاهية، وصفا العيش حتى كان بين العرب والبربر بغضاء أدت إلى أن إحدى قبائل البربر تقوم للمدافعة عن واحد منها، فإذا بعث الحاكم عساكر من المشرقيين لإطاعة تلك القبيلة استعانت بسائر ms087 قبائل البربر للمدافعة عنها، فنسي المشرقيون ما بينهم من الشقاق، وخيف أن تكون مقاتلة عامة بين الجنسين، وانضم إلى ذلك أن شاميين هاجروا إلى إسبانيا وطلبوا للتوطن أمكنة لم يعطوها، فملكوا بأسلحتهم مدينة، وحارب قوم من هؤلاء الغرباء في إسبانيا قبائل البربر العاصية بإفريقية زمنا طويلا، ثم نزلوا بإسبانيا سنة 742 ميلادية الموافقة سنة 125 هجرية، وخربوا إقليم الأندلس وأمر الأمير بصدهم، فنصروا عليه وملئوا بحيث جزيرة إسبانيا مفاسد انتهت بعد قدوم وال من دمشق سنة 742 إلى سنة 746 ميلادية الموافقة سنة 125 إلى سنة 129 هجرية بتحويله همة هؤلاء إلى الحرب في غير إسبانيا، على العادة التي استعملها ولاة إسبانيا بعد عبد العزيز فمكثت هادئة خمس عشرة سنة. # المبحث السادس: في إغارة عرب إسبانيا على فرنسا من سنة 719 إلى 732 ميلادية الموافقة سنة 101 إلى سنة 114 هجرية # كان موسى بن نصير متأهبا للإغارة على الأمم التي بين بلاد فرنسا التربونية وخليج القسطنطينية، فعزله خليفة دمشق من حكم إسبانيا، فلم تتقدم الفتوحات الإسلامية في غرب أوروبا، وانحلت عزائم العرب وتجردوا عن الحماسة والحمية، فانتهز الفرنج الاسترازيون الفرصة بائتلاف بعضهم ببعض ومقابلتهم طوفان إغارة العرب بسد مانع لا يمكن اجتيازه. # وكانت العرب أخذت جزءا من جنوب فرنسا تابعا لمملكة ويزيغوط، وأخذ الأمير علقمة إقليم سبتمانية سنة إحدى ومائة هجرية، وأنزل في تربونة جمعا من المسلمين واتخذها مركز أعمال حربية وتوجه العرب إلى إقليم برغونيا، وبلغوا مدينة طلوشة تخت تلك البلاد سنة ثلاث ومائة، فهزمهم أميرها «الدوق أودس # Le due Eudes ~~»، فعدلوا إلى شواطئ نهري الرون والسون وأخذوا مدينة بونة، وانقاد للجزية من في سنس وألبيجو ورويرغ وجفوادن وفيلاي، وأخذ عنبسة خليفة علقمة في الإمارة مدينتي قرقشونة ونيمة، وسار حتى بلغ إقليم برغونية ونهب ما في مدينة أتون سنة سبع ومائة، وأخذت مدينة أوينيون سنة اثنتي عشرة ومائة. # وعزم الأمير عبد الرحمن على فتح سائر فرنسا، فسار إلى إقليم طركونة وجبر حاكمه على أن قتل نفسه حين حاصره في ms088 مدينة «بويسردا Puycerda ~~»، ثم أغار على إقليم «أكستانة # Aquitaine ~~»، وأخذ مدينة بردو عنوة بعد أن هزم الدوق أودس على شاطئ نهر غارون وعبر نهر دردونية فنصر، وذكر له كثرة ما في دير ماري من الأموال فسار إلى مدينة نوبرة للاستيلاء على هذا الدير. # وما زال الفرنج إلى الآن ينسبون إلى العرب جميع التخريب الذي يرون الآن آثاره في الأقاليم التي أغاروا عليها، وهؤلاء العرب الذين هم أقل اغتيالا وخشونة طباع من الأقوام الهونية أو النرتمانية قد هولت الفرنج في شأنهم، مع أنهم كانوا في جميع الوقائع ذوي لطف عند الانتصار، وسبب ذلك ما ارتسخ في عقول الفرنج من الخوف والنفرة من العرب؛ فإنهم كانوا ذوي وجوه كالحة من حر الشمس، وأعينهم مخيفة مع شدة عدو خيلهم وغرابة ملبسهم، وتجريدهم سيوفهم وتكلمهم بلغة لا يعرفها أهل تلك البلاد لنشر دين جديد عند هؤلاء النصارى المملوءة قلوبهم بتعليمات أساقفتهم، الذين كانوا لا يتفوهون إلا بالألفاظ الدالة على البغضاء والعداوة لهؤلاء العرب، المنكرين ألوهية عيسى بن مريم على خلاف ما يعتقده هؤلاء النصارى من التثليث. # المبحث السابع: في انتصار كرلوس مرتيل ملك فرنسا على المسلمين في واقعة بواتيه سنة 732 ميلادية الموافقة سنة 114 هجرية # دعا هذا الملك أكابر أمته لحمل السلاح وجميع رعاياه لأن يكونوا جنودا، وسار إلى الأمير عبد الرحمن بعد أن ارتحل عن شاطئ نهر لوار، ووقف بين مدينتي تور وبواتيه منتظرا لأعدائه، فكان بين الجيشين سنة أربع عشرة ومائة هجرية مناوشات في ستة أيام كان النصر فيها للمسلمين، وهجم كرلوس بمن معه في السابع فسفك كثيرا من الدماء، وقتل الأمير عبد الرحمن فلقب ب «مرتيل # Martel ~~» لنصرته. وفشت بين قبائل المسلمين باليمن ودمشق وإفريقية وإسبانيا فتن حملتهم على فتك بعضهم ببعض؛ فتشتت الباقي وبادروا بالرجوع، ومنعوا من اجتياز الجبال، فسلكوا طريق سبتيمانية وشارل مرتيل وأخوه «شيلد براند # Chlidebrand ~~» أخذا من المسلمين مدينة أوينيون، وغلباهم في واقعة بشاطئ نهر بيره، ولم يقدروا على أخذ مدينة نربونة فهدما ما بشمال نهراود ms089 من الحصون ليكون مقفرا فلا يسكنه العرب، وشن قواد الأمير عبد الملك الغارات سنة سبع عشرة ومائة هجرية في إقليم بروونسية حتى أخذوه سنة عشرين ومائة من «مورنت # Mauronte ~~» حاكم مرسيلية، فاتفق مرتيل و«لويتبراند # Luitprand ~~» ملك اللمبردية الذي أغارت العرب على سواحل بلاده «الليغورية # Ligurienne ~~»، فألزما العرب التخلي عن تلك البلاد والعود إلى إسبانيا سنة 739 ميلادية الموافقة سنة 122 هجرية، فعدل المسلمون إلى غزوة نصروا فيها بجزيرة سيسيليا. # المبحث الثامن: في حروب بالمشرق وتجديد المسلمين حصار القسطنطينية سنة 707 ميلادية الموافقة سنة 87 هجرية # في عهد الملك أبسيمار كان بين العرب والروم من الاغتيال وسفك الدماء ما لم يسمح الدهر بمثله، وعم أخوه هرقل بلاد الشام بالتخريب والقتل وذبح سكان أرمينية الصغرى من بها من المسلمين المحافظين، فدهمهم من العرب المشرقيين جيش ذبح من ظفر به في طريقه من سكان تلك البلاد وأحرق ساداتها أحياء. # وحاز عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين هجرية نصرات في وقعات عديدة بسيسيليا، منها الواقعة التي بجزيرة إيلوزا المشئومة على الروم لخيانة عساكرهم المستأجرين من «الإسكلاوون # Esclavon ~~»، ثم كانت سنة أربع وثمانين هجرية ميدان حروب أخرى، وقد أسلفنا أن العرب حاصروا القسطنطينية سنة ثلاث وخمسين هجرية ولم ينجحوا، ثم حاصروها في خلافة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، فقابلهم «ليون # Lêon ~~» الثالث المعروف بالإيزوري وأحرق سفنهم، فعادوا في البر ونزلوا في هضاب أبيدوس، وأخذوا مدائن بسواحل مرمرا إلى القسطنطينية، فقاتلهم ليون وتسلط عليهم القحط والطاعون وبرد الشتاء؛ فتركوا ما فتحوا من تلك البلاد التي نزل إليها النصارى المردائية من جبلي لبنان وطور سيناء، فقاتلوا ملكها السيئ التدبير بوستينان الثاني المعزول سنة 695 ميلادية الموافقة سنة 76 هجرية، ثم ولي السلطنة سنة ست وثمانين مريدا شفاء غليله بالانتقام من العرب، والأمير مسلمة أخو الخليفة الوليد قد ظهر إذ ذاك صيته وانتشر فخاره بغاراته على آسيا الصغرى، أخذ داتيان قاعدة إقليم قبادونة الثانية، وبعث لإحراق جميع الأناضول جمعا بلغوا مدينة اسكودار المصاقبة للقسطنطينية، ms090 وأوقدوا النار في السفن التي بالمينا وعادوا. # وأغار مسلمة سنة 711 ميلادية الموافقة سنة 93 هجرية في عهد الملك «فليبيق Philêpique ~~» على بلاد يونت وليكاوونيه ومدينة أنطاكية الإبيسيدية المسماة الآن آق شهر، وحاز العرب جزءا عظيما من بلاد الأرمن، فحصنوا دروب جبل دربند لصد الأتراك الخزر الممتدة غاراتهم في بعض الأزمنة إلى الموصل، وحاصروا في بلاد بيتينيا مدينة آموريون ويرجام ونيسة، ثم ساروا حتى بلغوا سواحل بحر مرمرا وبوغار القسطنطينية، فقابلتهم الروم بقوة أرجعتهم عن مقاصدهم لاستدعائها عظيم الاتحاد وكثير الجيوش، وكان بذلك فخار للروم؛ حيث دافعوا العرب عن القسطنطينية والمدائن التي في بحيث جزيرة الأناضول والجهة الشرقية من ممالك أوروبا. # المبحث التاسع: في فتح العرب ما وراء نهر جيحون والأقاليم الغربية من الهندستان وما كان للعرب من تأخر فتوحاتهم بسوء تدبير الخليفة سليمان بن عبد الملك من سنة 707 إلى سنة 712 ميلادية الموافقة سنة 89 إلى 94 هجرية # خرج من عمان لفتح الهندستان أساطيل إسلامية سنة ست عشرة هجرية، فأخذت جزيرة طناح القريبة من مدينة بمباي، ومن جزيرة البحر من أساطيل أخرى دهمت في خليج كامبي مدينة بارود، وخرجت أساطيل ثالثة إلى مصاب نهر السند، ثم أخذ عبد الله بن عامر سنة ثلاث وعشرين بلاد كرمان وسجستان، ثم حارب والي إقليم مكران وملك السند المتعصبين عليه فغلبهما، وأخذ عبد الرحمن بن سمرة بعد ذلك بسنين قليلة إقليم داور ومدينة بوست، فكان مملكتا قبول والسند حدود الممالك العربية حتى غلب المهلب بن أبي صفرة ملك قبول، وألزمه دفع الجزية وعاد منصورا سنة أربع وستين في عهد معاوية بن أبي سفيان، وخربت أراضي قصدار القريبة من مدينتي كلات وقندابيل، وبعث الحجاج سنة تسع وستين محمد بن قاسم بجيوش إلى شاطئ نهر السند فهزمه الملك الظاهر، وأخذ مدائن ديبل وبيرون وبهمن آباد وألور، واقترب من جبال هماليا وتأهب للإغارة على مملكة قنوج، وبعث الحجاج أيضا الأمير قتيبة بجيوش هزم بها الترك، وأخذ بلاد خوارزم وما وراء النهر ومعظم مملكة التتار، وأحرق ms091 أصنام مدينة فرغانة ونخشب وبيكند وبخارى وسمرقند سنة أربع وتسعين، ومدينة كشغر وأقصوا وخوطان، وبعث إلى ملك الصين اثني عشر سفيرا هددوه بالإغارة، فغمرهم بعطايا الذهب الوافرة اتقاء لشرهم، وحكم قتيبة مملكة قبول بشرق سجستان وأخذ منها الجزية، ثم توجه بأساطيله في نهر السند إلى داخل البلاد فلحقه جيش في أرض مكران، وانتشر في سهول مدينة كشمير، ودافعته مدن على شواطئ السند فهزم هؤلاء. # وانتشرت هناك اللغة العربية ودين الإسلام بالتدريج حتى زالت ديانة البوذية. وقد ظهرت الجيوش الإسلامية على شواطئ نهر الكنج، ولم تحفظها كغيرها من الأقاليم؛ حيث لم يكن منها سوى المرور بها. # وإلى هنا وقفت الفتوحات العربية لزوال الميل إلى تكثير الدين من خلفاء بني أمية، بل كانوا يخشون اتساع الأقاليم لإنتاجه طمع قواد الجيوش؛ ولذا فتك الخليفة سليمان بالأمير موسى بن نصير كما سلف وبالأمير قتيبة الذي ضم إلى المملكة الأموية أقاليم كثيرة، وبالأمير محمد بن قاسم الذي أدخل جاهلية الهنود تحت حكم الأموية بحسن تدبيره وسياسته. وبفقد هؤلاء القواد ذهبت قوة الدولة التي بها حفظ وحدتها، وأخذت شوكة أولاد عبد الملك من ذلك الوقت في الانحطاط. # | المقالة الرابعة # في قوة شوكة العرب وانحطاطها بالمشرق سنة 742 إلى 1258 ميلادية الموافقة سنة 656 إلى 945 هجرية وفيها أربعة أبواب # | الباب الأول # في حدود مملكة العرب سنة 743 ميلادية الموافقة سنة 126 هجرية وفي قتال الأموية والعباسية وخلافتي المشرق والمغرب، وفيه أربعة مباحث # المبحث الأول: في شوكة بني أمية # كانت كلمة العرب نافذة في ثلاثة أقسام من الأرض: آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ فقد ملكوا في آسيا من براري جبل الطور إلى قفار ما وراء النهر، ومن وادي كشمير إلى منحدر جبل طوروس على البحر الأبيض، وملكوا أطراف الأناضول كسيسيليا وقبادوقة ونبطش، وكذا سائر مملكة الأكاسرة، بل ملكوا ما عجزت عنه الأكاسرة الساسانية بسرعة حين بعثوا قوادا فتحوا ما وراء نهري جيحون والسند وبلاد بخارى وصغد وجعلوهما إقليما واحدا، ثم إقليم ما وراء النهر، وأطاعوا على بحر جرجان إقليم ms092 خوارزم، وملكوا في أوروبا جميع بحيث جزيرة إسبانيا ما عدا بوغازات بجبل أستورية، وملكوا إقليم سبتيمانية وجزيرة قبرص وجزائر بلياره وجزيرتي أقريطش ورودس وشمال إفريقية وجميع البلاد الممتدة من بوغاز جبل الطارق إلى برزخ السويس، وقسموا سواحل البحر الأبيض إلى حكومتين إحداهما بالمغرب تشتمل على الأقاليم القديمة اليونانية، وهي أقاليم بيزاسين وإفريقية القنصلية ونوميديه والبربر الرومانية والسيتينية ومولاتيانيا الطنجية، والأخرى بالمشرق، وهي عمالة مصر وبرقة البحرية يأخذ صاحبها الجزية التي رتبها ابن العاص على من ببلاد النوبة، ويبعث كل سنة إلى بلاد السند سفراء يطلبون مع الشمم والأنفة الخراج السنوي، وكان تخت هذه المملكة المساوية تقريبا مملكة قياصرة رومية المدائن في إيطاليا مدينة دمشق، التي بنى فيها الوليد الأول ذلك المسجد الذي عد من عجائب المصنوعات الدنيوية وهدمه تيمورلنك سنة سبعمائة هجرية. # المبحث الثاني: في العلوية والعباسية # أسلفنا أن للحجازيين والعراقيين مقالا في اختصاص بني أمية بالخلافة حتى تأهب سكان الجهة المشرقية من آسيا للتعصب مع أهل الكوفة والبصرة اللتين كانتا ميدانين لعصيان الأموية، فسفك فيهما دماء كثيرة، وكانت العلوية أحزابا متفرقة الكلمة يدعو كل منها إلى رئيس ويخطئ الحزب الآخر، وما زالوا كذلك حتى ظهر عليهم بنو العباس مدعين أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية أوصى إليهم بالخلافة قبل أن يموت مسموما بإذن سليمان بن عبد الملك؛ فانضم إليهم حينئذ من العلوية من يودون زوال بني أمية، واستعد العراق كله لحمل السلاح نصرة إلى بني العباس الذين بانت مقاصدهم منذ نازع زيد هشام بن عبد الملك في الخلافة. # المبحث الثالث: في سيرة متأخري بني أمية ونصرة العباسية على مروان الثاني # ولي الوليد الثاني الخلافة بعهد من هشام، فلم يعترف بحكمه الدمشقيون لسوء أخلاقه، وولوا بدله يزيد الثاني سنة 743 ميلادية؛ فحاول الوليد دخول دمشق وقاتلهم حتى قتل، فالتجأت أحزابه إلى حمص، وقاتلوا أهل فلسطين الذين حرضهم أحد أقارب يزيد ولم ينل كل منهما ظفرا، ورأى مروان الثاني سوء تدبير يزيد ms093 الثاني، فطمح إلى الخلافة، وشد أهل الجزيرة أزره، وسار بهم إلى دمشق، فقاتله يزيد ومات موتة عادية سنة 744 ميلادية ، فأراد أحد إخوته أن يديم القتال، ولم يجد نفعا فتولى مروان الخلافة والعباسيون إذ ذاك قد ضموا إليهم جميع الأحزاب التي كانت مخالفة لهم، وبعثوا رجالا حذاقا جابوا بلاد خراسان ودعوا إلى مبايعة محمد ابن حفيد العباس عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فبايعوه حتى مات فخلفه ابنه إبراهيم. وبلغ ذلك مروان فقبض على إبراهيم بن محمد وقتله، فنهض أبو العباس عبد الله أخو إبراهيم إلى خراسان فبايعه أهلها بمرو بدل أخيه، ثم سار في موكب إلى المسجد، فتلا عليهم خطبة حافلة، فقدم مروان إلى خراسان بجيش هائل قاتل به أبا العباس على نهر الزاب، ونزل حين القتال عن جواده ففزع الجواد وخاض وسط المقاتلين؛ فظنوا أن مروان قتل، فاختلت صفوف العساكر الشامية؛ فهرب مروان واجتاز بسرعة جزيرة النهرين وفلسطين وسار إلى الديار المصرية، وأعداؤه يقتفون أثره حتى قتلوه في كنيسة قبطية وحملوا رأسه إلى الكوفة، فعرضت على من بها فعلموا انقراض العائلة الأموية، وأصر أبو العباس على أن ينتقم من الأموية دفعة واحدة أخذا بثأر أخيه وإراحة لعائلته مما كابدوه من المشاق؛ فأغمد الخناجر في بطون آلاف من الأموية، وخدع منهم بدمشق تسعين أميرا عمل لهم ضيافة الصلح، وأكمن لهم عساكر طرقوا رءوسهم على حين غفلة بدبابيس، فوضعت عليهم ألواح فرشت فوقها بسط جلس عليها أبو العباس الملقب من ذاك بالسفاح مع جميع أمراء جيشه يأكلون طعاما وتحتهم من يكابد خروج الروح من بني أمية الذين قصد السفاح استئصالهم، ونجا منهم عبد الرحمن الأموي فجدد خلافة بالأندلس، وكان المؤسس لدعوة العباسية أبا مسلم الخراساني الذي ولي إقليم خراسان، فنصب على قصره بمدينة مرو علما أسود مخالفا للأموية ذوي العلم الأبيض إشارة إلى حزب العباسية؛ فقامت الحروب الداخلية على ساق. # المبحث الرابع: في خبر أبي العباس السفاح والمنصور وإنشاء بغداد # لما قام الخراسانيون والعراقيون بنصرة العباسية لم يتوطنوا الشام بل ms094 توطنوا بابل المعروفة بالعراق، واتخذ السفاح الأنبار دار خلافته حتى مات سنة 754 ميلادية، فخلفه أخوه المنصور، وأراد الإقامة بالكوفة، ثم أبى لميل أهلها إلى ذرية فاطمة الزهراء؛ فوضع أساس بغداد سنة 763 ميلادية على شاطئ الدجلة بقرب سلجوقية العتيقة حول هضبة كان ينصب عليها العلم العباسي، وحصنها بسور عليه مائة وثلاثة وستون برجا، واستحسن المشرقيون استبدال دمشق ببغداد لقربهم، بخلاف المغربيين كأهل إسبانيا والمغرب، فلم يستحسنوا ذلك لبعدهم ولبثوا يدفعون الجزية منتظرين فرصة الاستقلال الذي لم يكن أضر منه على عظمة الإسلام، ثم تحصلوا على ذلك بلا إراقة دماء لرضا المشرقيين بذلك على ما يظهر، ثم انضم الإسبانيون إلى عبد الرحمن الأموي سنة خمس وخمسين وسبعمائة ميلادية، ورضي أهل المغرب فعل حاكمهم عبد الرحمن بن حبيب منفصلين عن خلافتي المنصور ببغداد وعبد الرحمن الأموي بقرطبة، ومنقسمين إلى قبائل على كل منها رئيس مخصوص، وبذلك كان بين المملكة الإسلامية الشرقية والأقاليم الغربية انفصال؛ ولذا وجب علينا أن نقسم تاريخ العرب إلى قسمين؛ بأحدهما حوادث الخلافة المشرقية والإيالة المصرية، وبالآخر أخبار عرب آسيا وإفريقية الحقيقية. # | الباب الثاني # في رفعة وانحطاط جاه العباسية واجتهادهم في جمع قوتهم بمركز واحد من سنة 752 إلى سنة 846 الموافقة سنة سبع وثلاثين ومائة إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين هجرية، وفيه ثمانية مباحث # المبحث الأول: في عظمة العباسية وسيرة هارون وابنه المأمون # تولى السفاح أول العباسية الخلافة، وخلفه أخوه أبو جعفر الذي قاتل وهو شاب مع أعيان عائلته، فلقب بالمنصور، ثم ولي الخلافة وحكام الأقاليم على عادتهم من تصرفهم كيف شاءوا في القوة العسكرية وخزينة المملكة؛ فإنهم كانوا يصرفون خزائن الخراج في لوازم الأقاليم ومصالحها ثم يرسلون ما زاد عن ذلك إلى الخليفة؛ فأبطل ذلك وجعل من أصول حكومته استبدال العمال بغيرهم حينا بعد حين، وعزل ذوي العشائر عن القيام بتدبير المصالح، ولم يكترث بصداقة الناس، بل أضاع كل من خشي طمعه في الخلافة ولو خدمه سابقا كالأمير عبد الله وأبي مسلم الخراساني المدمرين لبني أمية؛ ms095 فانقاد إليه الناس واحترموه كما شاء، وحصل من الأموال نحو سبعمائة وخمسين مليون فرنك. # خلفه الهادي والمهتدي اللذان بالغ المؤرخون في حسن سيرتهما وسيرهما ، وأعقبهما هارون فمحا ذكر محاسنهما بما جبل عليه من الشجاعة، والكرم، وعلو النفس، واتباع الحق والرجوع إليه حيث أخطأ، وتدبير مصالح الأمة، ومحبة الوقوف على أحوالهم وأمانيهم لتوصيلها إليهم. أضاء في زمنه فخر البرامكة الذين هم من الفرس، وحرضوه على إحياء الفنون والتجارات والصنائع، ثم وشي بهم إليه فقتل أعظم وزرائه الفضل وجعفرا البرمكي كسائر العائلة التي مكث فخرها ظاهرا نحو قرن، ومع اتصافه بشريف الخصال الذي أبقى له الذكر بالبلاد المشرقية، خلفه ابنه الأمين خاليا عن فضيلة ما من فضائله؛ فنفر الناس عنه ورأوا ما لأخيه المأمون في حكمه بخراسان من العدل وحسن السياسة؛ فأقبلوا عليه، وتولى الخلافة سنة 813 ميلادية، ورأى التعلم سبيل النجاة من المخاوف، فلم يرتض أن يكون تقدم الفنون منوطا بسخاء الخليفة، بل قرر لها أموالا، ووقف عليها أوقافا دائمة فتحت بها مدارس في جميع جهات المملكة، وأحضر لديه كثيرا من علماء اليونان والفرس والقبط والكلدانيين، وأباح لهم الاستخدام في الوظائف الأميرية، ومحا بذلك ما اعتيد من إبعاد الأجانب كالمعتزلة عن مجالس المؤمنين، ثم عاد الناس إلى ذلك زمن المتوكل؛ فأثار إذ ذاك علماء الإسلام ببغداد الغارات على ما نشأ بخراسان من مذهب الزنادقة المؤلف من عقائد مجوسية وإسلامية، وكان الهادي قتل كثيرا من أهل هذا المذهب الذي اتهم به المأمون، فأخذ يشدد العقوبة على المعتزلة لتسكن أعداؤه عنه. # وبالجملة: المأمون وإن كان أقل شهرة من والده هارون إلا أنه أعلى منه رتبة بمعارفه وعلو قريحته، غير أنه جازى طاهرا على حسن خدمته بإعطائه خراسان وراثة، فخلفه ذريته وتعدوا منكرين نعمة بني العباس على أبيهم، فكان ذلك أول تمزيق لشمل الخلافة المشرقية؛ فإن ذلك بعث حكام الأقاليم الأخرى على أن يماثلوهم في الاستقلال بكل حيلة ووسيلة. # خلفه المعتصم سنة 833 ميلادية، فكان محسنا كريم النفس، غير أنه اتخذ من غلمان الترك ms096 حرسا جددوا بعد في الدواوين إفراطات، وخلفه الواثق سنة 842 ميلادية، وكان شجاعا محاميا عن الفنون يحرض الناس على الصنائع، ويحب الخير لسائرهم، اهتدى بعقله إلى القول بأزلية القرآن التي أقام أحمد بن نصر الحجة عليها، ولم تتكدر خلافته إلا بمشاجرات في العقائد الدينية. # وبالجملة قد استعمل صدر الخلفاء العباسية شوكتهم في تذكية عقول العرب وتنمية معيشتهم؛ فقد أحدثوا كثيرا من المكاتب والمدارس التعليمية والمحال الإحسانية، وأنشئوا مدائن بجوار بغداد وطرقا وخانات وأسواقا وخلجانا وفساقي مياه، وحضوا على اكتساب التجارة وسائر الفنون حافظين الأمم المجاورة لممالكهم من الاضطرابات التي كانت زمن التعصب الإسلامي. # حاصروا سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ميلادية مدينة دوريلة بإقليم فريجيا، فهزمهم اليونان وطردوهم في السنة التالية عما ملكوه بإقليم سليسيا من المدن اليونانية؛ فقابلهم المنصور بجيوش أخذوا مدينة مليتينة بإقليم قبادوقة، وخربوا جميع بلاد سليسيا، وهزموا جيوش اليونان على نهر ميلاس في إقليم بمفليا، ثم سقاهم المهدي مصائب وهزائم أخرى من سنة خمس وسبعين وسبعمائة إلى سنة خمس وثمانين وسبعمائة ميلادية، وبعث ابنه هارون بجنود ظهروا أمام القسطنطينية وبها الملكة إيرينة # Irêne # وصية قسطنطين قبرونيم أيست من نجاة المدينة، فرضيت برجوع مدائن سليسيا إلى الخلفاء ودفعها كل سنة ستين ألف دينار جزية، ورجع الرشيد بغنائم عظيمة وأكثر من ستة آلاف أسير، ثم ولي الخلافة وأرادت إيرينة قتاله سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ميلادية؛ فأرسل جيوشا إلى أقاليم أناضول، وبعث سفنا لتخريب جزائر اليونان التي في البحر الأبيض المتوسط؛ فأخذوا هذا البحر وخربوا أرخبيل جزائر اليونان وأقاليم فريجيه وبيتينيه وليديه، وأعدموا السفن البحرية من خليج سطالية، فرضيت الملكة بدفع الجزية، وفادت أسراها بأسرى المسلمين على شاطئ نهير بإقليم سليسيا، ثم خلفها في المملكة «نيسيفور # Nicéphore ~~»؛ فعزم على محاربة العرب وبعث إلى هارون كتابا يدل على تكبره فأجابه بما نصه: # بسم الله الرحمن الرحيم # من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى الملك نيسيفور كلب الروم، قرأت كتابك يا ابن الكافر، والجواب ما ترى لا ما تسمع. # فانقاد لدفع الجزية المقررة، ونصر ms097 عليه هارون في عدة محاربات خرب فيها بلاد اليون، وأحرق هرقلة، ونهب سواحل أقاليم بمفيليه وميزية وليدية، وأشرف على أخذ جزيرة رودس فدافعه سكان قاعدتها. # ولما ولي المأمون الخلافة استدعى من القسطنطينية عالما يسمى «ليون # Léon ~~»، فأبى «توفيل # Théophile ~~» ملك القسطنطينية، فكان بينهما سنة 825 ميلادية حرب نصر فيها توفيل، وطمع في إعادة ما أخذه المسلمون من بلاد القسطنطينية، فصمم سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ميلادية على حرب العرب، وحارب المعتصم زمنا طويلا، وأخذ سنة ست وثلاثين وثمانمائة مدينة سوزوبترا مسقط رأس المعتصم، فهدم مبانيها وذبح جميع رجالها واسترق نساءها وأطفالها، فحلف المعتصم لينتقمن منه، وسار بجيش هائل أخذ به مدينة عمورية سنة أربعين وثمانمائة ميلادية، وفعل بأهلها ما فعله توفيل بأهل سوزوبترا، ومكث إلى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة ميلادية يحارب اليونان ويجول في دولتهم فيحكم على المدن بأداء الجزية. # خلفه الواثق فكان لليونان معه من هذه السنة إلى سنة ست وأربعين وثمانمائة محاربات استنقذوا فيها ما أخذه هارون الرشيد من المدن في أقاليم سليسيا، وقد قفلت العرب بوغازات جبل قوقاز سنة سبع وثمانين وثمانمائة لمنع الأتراك الخزر الذين أغاروا زمن هارون على بلاد أرمينية، فأخذوا منها مائة ألف أسير. # المبحث الثاني: في اهتمام العباسية بنشر التمدن في الممالك المشرقية # لم تهتم العباسية بممالكها المغربية، وهي إفريقية وآسيا، وتركوا من بشمال إفريقية يدبرون أحوالهم كما شاءوا، بل أطلقوا للعائلة الأغلبية التصرف في إفريقية مكتفين بذكر أسمائهم في خطبة الجمعة وقبل ذلك إبراهيم بن الأغلب من هارون الرشيد، فاستولى جميع بلاد المغرب وكأنهم لم يلتفتوا إلى إسبانيا مؤملين رجوعها إليهم لما فيها من الفتن؛ ولذا ربط الرشيد علائق المودة مع «شرلمانيه # Charlmagne ~~» ملك الفرنسيس، وأخذ كل منهما يهادي الآخر، ولم ينتقم المأمون من لصوص أندلسيين أتوا بسفنهم فنهبوا سواحل الإيالة المصرية سنة عشرين وثمانمائة ميلادية، وأحرقوا الإسكندرية وذبحوا كثيرا من أهلها. # وبالجملة لم تلتفت العباسية إلى خلفاء الأموية بقرطبة لاشتغالهم بتدبير النظام، وإنشاء المحاكم الشرعية، وربط العلائق التجارية بين الأقاليم المختلفة، ونشر ms098 سائر العلوم والصنائع حين رأوا ميلا إلى ذلك من عرب الممالك الشرقية الذين أخذوا يعرفون التمدن وفوائده. # المبحث الثالث: في شكل الحكومة العباسية وإيرادها # كان للعباسية ديوانان: ديوان وارد وصادر أموال المملكة، وديوان النظر في مصالح الرعية وأحكام الدولة يصدق على الأحكام الصادرة من الخلفاء، ثم استبدلوا الأول بأربعة دواوين لمرتبات العسكر، والخراج، وتولية أرباب الوظائف الصغار، ومقابلة الحساب وتعديله. ثم اتخذوا حاجبا يدخل سفراء الملوك إلى الخليفة ويحكم في القضايا المهمة عند رفعها إلى الخلفاء؛ ليريحهم من النظر فيها، واتخذوا وزيرا ينظر في القضايا قبل بتهم الحكم فيها، ثم جددوا خراجا على أراضي المسلمين وكذا اليهود والنصارى، مع جزية مقدارها من الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط أربعة وعشرون والفقير اثنا عشر، سوى ما يرد من عوائد الجمارك، واستخراج المعادن، وإجارة أراض، وإرث من لا وارث له وغير ذلك. # بلغ وارد المملكة سنة في زمن الرشيد أربعة ملايين وأربعمائة وعشرين ألف دينار ومائتين واثنين وسبعين مليونا وثلاثمائة وخمسة آلاف وثمانمائة درهم، والدينار إذ ذاك يساوي مثقالا أو اثني عشر فرنكا إلى ثلاثة عشر، والدرهم يساوي ستة دوانق، وكل ستة دراهم تساوي سبعة مثاقيل. # المبحث الرابع: في الأعمال العامة والإدارة زمن العباسية # لما كانت عليه مالية العباسية من حسن الانتظام شرعوا في أعمال مهمة؛ فرتبوا ببغداد ديوان ضبط يمنع عدوان بعض الناس على بعض، ويحفظ الأملاك لأربابها، ونظموا عساسين يطوفون ليلا لمنع الشر، ورأوا عرب البادية عادوا بعد انقطاع الحروب إلى العيشة في البيداء مع النهب والسلب، فرتبوا لقافلة الحج أميرا يحفظها. # ورتبوا أوقافا لإحياء المساجد والمدارس، وبنى الهادي في الدرب الممتد من بغداد إلى مكة خانات وصهاريج تلجأ إليها الحجاج والقوافل من الحر والعطش، ورتب بين الحجاز واليمن من الخيل والجمال بريدا يوصل الأخبار إليها، كما رتب معاوية بن أبي سفيان بين بنادر المملكة العربية سعاة لذلك. # وابتكر المهدي تولية محتسب يؤتمن على الضبط والربط البلدي، يطوف بالأسواق حينا بعد حين بجنود، ينفذ بهم أوامر ديوان الضبطية، ويحقق أوزان ومكاييل ms099 البياعين؛ فإن وجد مخالفا أدبه فورا أمام حانوته. وقد جمعت العباسية ما ببغداد من الدفاتر المشتملة على أوامر أسلافهم ليرجعوا إليها. # وبالجملة قد أبدوا أولا الحمية في الحروب، ثم عدلوا عنها إلى تحقيق العز والرفاهية لمملكتهم؛ حيث أخذوا يحرضون الناس على استعمال أذهانهم في الأمور النافعة حتى وصلوا سريعا إلى درجة علية في التمدن،وتقدموا على اليونان في التجارة والصنائع والفنون الأدبية وغيرها التي ظن اليونان أن لا مسابق لهم فيها. # المبحث الخامس: في الفلاحة والصنائع زمن العباسية # استخرجت العباسية معادن الحديد في خراسان والرصاص في كرمان، ونسجوا الأقمشة في مدائن العراق والشام، لا سيما الموصل وحلب ودمشق، واستخرجوا الغاز والنفط وطينة الأواني الصينية ورخام طوريس والملح الأندراني والكبريت، وأظهر ذوو الفنون الميكانيكية تقدمات يشهد بها ما بعثه الرشيد إلى شرلمانيه ملك الفرنسبس من الساعة الكبيرة الدقاقة التي تعجب منها أهل ديوانه، ولم يمكنهم معرفة كيفية تركيب عدتها، ومع ذلك لم يكن في عصر العباسية أهم من صناعة الفلاحة التي بمهارتهم فيها أظهروا مزايا فواكه الفرس وأزهار إقليم مازندران. # المبحث السادس: في الفنون الأدبية والصناعية زمن العباسية # كان فنا النقش والحفر متقدمين لدى العرب الجاهلية الصانعين التصاوير الإنسانية والتماثيل الإلهية، حتى جاء القرآن الكريم بمنعهما، فوقفا عن التقدم حتى اشتغل بهما العباسية في غير تلك التصاوير، فتقدموا فيهما كفني المويسيقى والعمارة؛ فقد بنوا مباني فاخرة ببغداد والبصرة والموصل والرقة وسمرقند، وشغفوا مع ذلك بالعلوم الأدبية، فأحضروا من القسطنطينية أحسن الكتب اليونانية وترجموها إلى العربية، وفتحوا ببغداد مدرسة ألسن لتربية المترجمين تحت نظارة طبيب نسطوري، ورتبوا خمسة عشر ألف دينار لمدرسة يتعلم بها مجانا ستة آلاف تلميذ من الفقراء والأغنياء، وأنشئوا كتبخانات رخصوا الدخول فيها لمن أراد، فانتشرت اللغة العربية في سائر جهات آسيا حتى تكلموا بها بدلا عن لغتهم، واعتاد المأمون ومن اقتدى به بعده حضور الدروس العامة التي يلقيها المدرسون، وأطلعوا شموس العلوم الرياضية، وبنوا أرصادا بها آلات عجيبة للاستكشاف الفلكي ومستشفيات يمتحن فيها من أراد أن يوظف عدة امتحانات ms100 ومعامل كيماوية لاستكشاف النباتات، إلا أنهم وقعوا في ضلالات بتصديقهم بمظنونات التنجيم وبالمسائل النظرية المتعلقة بعلم كيمياء الفضة والذهب المسماة بالصنعة الإلهية وعلم جابر، لكنها ساعدتهم على التقدم في علوم مكتسبة بالمشاهدة . # ومكثت المدرسة البغدادية على رونقها الباهر نحو مائتي سنة تقريبا، فكان العباسيون في ذلك أسعد حظا من شرلمانيه الذي أراد أن ينقذ مملكته من الخشونة والجهالة بتنوير عقولهم بأعلم من في عصره من الفرنج؛ فإن ذلك عدم بعد هلاكه. # المبحث السابع: في فخامة العباسية # لاستحواذ العباسيين على أموال كثيرة مع عدم جيوش دائمة ينفقون عليها، أبدوا من الزينة والزخرفة أعجب المناظر، ومنحوا منحا وافرة، وعملوا أعمالا فاخرة؛ نثروا الذهب في قصورهم وبساتينهم ومساجدهم، وأنفق المهدي في حجه ستة ملايين من الدنانير، وصرفت زبيدة زوجة الرشيد مليونا وسبعمائة ألف دينار على حفر مجرى يوصل إلى مكة المياه من الجبال المجاورة لها، وكان لباسها من الديباج المبطن بالسمور أو الأقمشة المنسوجة بخيطان الفضة، ونعالها مزركشة باللآلئ الثمينة، وفرق المأمون في يوم أربعمائة ألف دينار، ونصب في مجلسه عند قدوم سفير اليونان شجرة ذهب حاملة لؤلؤا على هيئة الثمار، ورتب مقترعا به سهام أكثر من مائتي شخص يأخذ كل منهم سهمه فيجد به أرضا جسيمة مع ما يلزم لزراعتها من العبيد، ويقال كان بقصره ثمانية وثلاثون ألف بساط منها اثنا عشر ألفا وخمسمائة مزركشة بالذهب، وبه أيضا سبعة آلاف خصي منها ثلاثة آلاف من الزنج وسبعمائة خفير وعساكر تحمي الحواشي الخارجة عنه، ووضع المعتصم أساس سامرا قرب بغداد على أرض أعلاها بمصاريف هائلة، وبنى بها إصطبلات تسع - على ما قيل - مائة ألف جواد. ولما بلغه العباسية من الفخامة وقوة الشوكة بعث شرلمانيه إلى هارون هدايا ليحمي النصارى الذاهبين إلى بيت المقدس، فأجابه إلى ما طلب، وبعث له أقمشة نفيسة وعطرا وخشبا ذكيا وفيلا وخيمة عظيمة على هيئة خيام العرب، ثم بعث الساعة الدقاقة السالفة. # المبحث الثامن: في مبادئ انحطاط العباسية # لما لم يكن قانون قاض بتوارث الخلافة هم عبد الله عم ms101 المنصور بتولي الخلافة عند موت السفاح وعهد المهدي بها إلى ابنه الأكبر وهو الهادي، ثم عهد بها للرشيد، وحاول تقديمه على أخيه الأكبر الذي عهد إليه أولا فلم يمكنه، ووليها الرشيد حتى مات فتنازعها ولداه الأمين والمأمون مع تجديد العلوية دعوى الخلافة في عهد الهادي والرشيد، حتى كان هذا التنازع الذي أراد المأمون قطعه بصرف الخلافة إلى العلوية الذين لم يهملوا إذ ذاك شيئا من أنواع الفشل والاختلاف، فتحزب من العلوية ثلاثة وثلاثون ألف رجل جبروه على العدول عن ذلك، وقد مال إلى المعتزلة وأراد العدول عن القرآن إلى قوانين يرى مناسبتها للأطوار والأحوال، وتبعه في ذلك المعتصم والواثق، وقام أهل السنة وانتصروا عليهم؛ فأخذت الدولة في الانحطاط حتى تنقلت المماليك الترك في المناصب، وتولوا المملكة مع عدم فطانتهم وغلظ طباعهم، فنظروا للرعايا بعين الاحتقار، واشتغلوا بما يخصهم حتى بلغ عدم الحكم وسوء النظام الغاية القصوى. # | الباب الثالث # في طلب الأمم الاستقلال عن العباسية وانحطاط حكمهم وتأسيس الدولة الفاطمية من سنة 846 إلى سنة 1055 ميلادية الموافقة سنة 232 إلى سنة 447 هجرية، وفيه تسعة مباحث # المبحث الأول: في الاضطرابات الداخلية وعجز المتوكل وخلفائه عن منع مفاسد العساكر التركية # كان أهل الصين يغيرون من جهة الشرق على الترك، فيبددون شملهم، ثم يغيرون على حدود المملكة العربية كإقليم ما وراء النهر وخوارزم، فيفتك بهم حكام تلك الأقاليم، ويأسرون منهم رجالا من الترك، فيبعثون بهم إلى بغداد فقربهم المعتصم، واتخذهم عسكرا وخفراء عليه تحت نظر ضباط منهم، مريدا بذلك تعظيم شوكته، فكان أول مفتوك به؛ فإنهم أخذوا يفسدون حتى ترك لهم بغداد وسكن سامرا، وازداد عددهم وفسادهم زمن الواثق الذي كانت المملكة من ابتداء خلافته فوضى لا رئيس لها حتى مات، فأجلس هؤلاء في دست الخلافة المتوكل أكبر الظلمة من الخلفاء لشدة قسوته وتجاوزه الحد؛ أساءه وزير فأحرقه حيا في وجاق نار مملوء قطع حديد، وأطلق بقصره أنواع الحيوان المفترس على من أراد الفتك به، وخشي أن يتحزب عليه ضباط ديوانه فدعاهم ms102 إلى طعام، وأحضر لهم من ذبحوهم جميعا؛ ففزعت منه القلوب، وطلب الترك منه عطاء منعه، فأعانوا ولده المستنصر على قتله وولوه الخلافة، وألزموه أن يعهد بالخلافة للمستعين ويحرم إخوته منها لئلا يغدروا بهم، ثم مات في سنته ندما على قتل والده، فقدموا حفيد المعتصم، وهو المستعين بالله سنة 248 هجرية على إخوته الأربعة الذين ولي منهم الخلافة بعد ذلك المعتز والمعتمد، ثم انقسموا حزبين بين المستعين والمعتز الذي كان معه حزب العرب الذين ولوه الخلافة سنة 252 هجرية؛ فأخر مرتبهم عن زمن الصرف المعتاد، فألزموه فخلعها سنة خمس وخمسين ومائتين على المهتدي بن الواثق الذي أراد الضغط عليهم فقتلوه في قصره سنة ست وخمسين ومائتين التي تولى فيها المعتمد الخلافة إلى سنة تسع وسبعين ومائتين، والفضل في تلك السنين لأخيه الموفق؛ حيث بذل روحه، ولم يبق شيئا من عزائم أهل الفتن، وصرف عقول العساكر التركية عن إضرام نيران الفتن في القطر باستعمالهم في حروب بعيدة عن المملكة. # المبحث الثاني: في استقلال عائلات ملوكية عن الخلفاء في الأقاليم الشرقية من آسيا وهي الطاهرية والصفرية والسمانية وغيرها # لما اضطربت الحكومة البغدادية، أخذ حكام الأقاليم يضيعون احترامها، ويتأسفون على ما يؤدونه من الخراج، ويطمعون عند عزل خليفة في الاستقلال، فلا يدخلون تحت طاعة المتولي إلا بشروط يأخذونها عليه، ولم يزالوا كذلك حتى قويت شوكتهم، فكان لهم من الخلافة مسماها وللخلفاء اسمها. # ثم ظهر بالاستقلال عن الحكومة البغدادية العائلات الطاهرية والعلوية والصفرية والسمانية وغيرها، فيما بين سنة أربع عشرة وثمانمائة وسنة خمس وخمسين وألف ميلادية، الذي ظهر فيه بالمملكة الفرنساوية عائلات، استقلت بالحكم في إيالات عظيمة. # وأول الطاهرية إبراهيم بن الأغلب الذي ولاه الرشيد الأقاليم المغربية لئلا تضيع من يده بالكلية، وخلفه من بعده حتى تولاها الأمير الرابع طاهر الذي قاد جيوش المأمون، وبذل النصح في خدمته، فكافأه بإعطائه إقليم خراسان وراثة سنة أربع عشرة وثمانمائة ميلادية، مع ذكر اسم الخليفة العباسي في الخطبة؛ فساس طاهر الرعية حتى جنحت إليه، وأفردت اسمه بالذكر في ms103 الخطبة، وخلفه الأمير محمد سنة اثنتين وستين وثمانمائة ميلادية. # وتملك العلوية السيد حسن بن زيد الديلم وجرجان وطبرستان المجاورة لبحر جرجان، واستقل بالحكم سنة أربع وستين وثمانمائة ميلادية. # واشتغل من الصفرية يعقوب بن ليتس بصناعة الصفر - وهو النحاس - مدة، ثم التحق بالعسكر ونجح في معرفة فن العسكرية، ثم دخل سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة ميلادية في خراسان بجيش هائل فتح إقليم سجستان، وقطع دابر الطاهرية هذه السنة، وسلب من العلوية إقليم طبرستان، وأخذ يقيم تارة بمرو وأخرى بنيسابور، وأراد الفتك ببغداد سنة أربع وسبعين وثمانمائة ميلادية، فتقدم إليه الموفق بالله وهزمه قرب مدينة واسط، فرجع إلى ممالكه، وأخذ في السنة التالية يهدد الموفق بإعدام الدولة، ثم مات سنة تسع وسبعين وثمانمائة ميلادية، فخلفه أخوه عمر فبايع المعتمد هذه السنة على تملكه لما تحت حكمه. # وولى المأمون سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ميلادية على سمرقند وفرغانة وبلخ أولاد أسد، الذي هو ابن جمال يسمى سمعان أو سمان، منهم أحمد الذي خلفه في الشوكة ولده الأكبر ناصر، الذي باستيلائه على بخارى تم له ملك ما وراء النهر، فأخذ يدافع عنه الأتراك والصفرية حتى استعان بأعدائه أخوه إسماعيل سنة ثمان وثمانين وثمانمائة ميلادية، وهجم عليه تأسره ثم أبقاه على مملكته مع التعظيم اللائق بمنصبه إظهارا لعظمة خلقه وطبعه حتى مات الناصر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ميلادية، فقام هو بالمملكة وطرد التركمان خلف سيحون، وأسس العائلة السمعانية أو السمانية، وأظهر الاستقلال بالحكم على إقليمي خوارزم وما وراء النهر. # المبحث الثالث: في عصيان العباسية في الأقاليم الغربية والإيالة المصرية وذكر عائلتي الزنجيين والطولونيين # جمع رجل من أهل الغارات زنجيين من زنجبار ملك بهم البصرة ومعظم العراق العربي وبعض إقليمي أهواز وخوزستان، وما زال يقاوم دهمات العرب زمن خلافة المعتز والمعتضد حتى استخلف المعتمد على الله، فسار أخوه الموفق بجيوش أخذ بها من الزنجيين البصرة والعراق العربي والأقاليم الفارسية سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة ميلادية، وتولى إذ ذاك الديار المصرية والشامية أحمد بن طولون أحد الترك العتقى المرتبين بدواوين ms104 الخلفاء. كان محبا للعلوم كريما بارا برعيته، وسع الفسطاط وبنى مسجده الموجود الآن سنة ثمان وثلاثمائة وألف في أواخر «الصليبة»، وأظهر الاستقلال عن الحكومة العباسية بمنع الخراج سنة سبع وسبعين وثمانمائة ميلادية. # ولاشتغال الموفق بحرب الزنجيين أغرى أمراء الشام على عصيان ابن طولون الذي نجا منه حتى مات سنة أربع وثمانين وثمانمائة ميلادية، فخلفه ابنه خمارويه، واعترف بسلطنته أهل دمشق، فاتخذها دار إقامة ونصر على أعدائه المتحزبين على عزله سنة تسع وثمانين وثمانمائة ميلادية. بنى بالفسطاط حوشا واسعا به جميع أصناف الحيوان العجيبة لكل منها مسكن وحوض ماء من رخام، شغف بالخيل والصيد وزخرفة القصور، ووضع سريره ببركة ملأها زئبقا يهتز به اهتزازا لطيفا لينام. مات قتيلا فزال عز هذه العائلة. # المبحث الرابع: في نصرات العباسية آخر القرن التاسع وأول العاشر # لما نشأ بالمشرق ممالك الصفرية والسمانية والطولونية، بقي للعباسيين بحيث جزيرة العرب وبلاد جزيرة النهرين والعراق العجمي والعربي وأذربيجان وأرمنستان والأقاليم التي على بحري جرجان والهند. # وولي المعتضد الخلافة سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ميلادية، فانقاد له خمارويه بن أحمد بن طولون على أن يوليه مصر والشام ويأخذ منه كل سنة مليونا من الدنانير، ثم مات خمارويه فقامت الحرب بين ولديه جيش وهارون، فألزم المعتضد سنة تسع وتسعين وثمانمائة ميلادية من انتصر منهما أن يزيد في المرتب أربعمائة وثمانين ألف دينار، وطرد من الجزيرة عربا وكردا رحلوا عن صحاري الشام مريدين الاستيلاء على الموصل. ~~ وقمع الأمير همدان الذي أعلن في هذه الجزيرة بالاستقلال، وخلفه المقتفي سنة اثنتين وتسعمائة، فدهم هارون بن خمارويه برا وبحرا بجيوش انقاد لهم جميع أمراء هارون بلا حرب سنة خمس وتسعمائة ميلادية، وأوقد بين الصفرية والسمانية حروبا نصر فيها السمانية وضموا إلى ما وراء النهر أقاليم خراسان وطبرستان وسجستان، وبعثوا إلى بغداد آخر ملوك الصفرية، وبالجملة لم يحصل في المملكة من سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ميلادية تمزيق حتى ولي المقتدر الخلافة سنة ثمان وتسعمائة ميلادية، فتحزب عليه أحزاب قاموا عليه مرات، فضعفت شوكته في سائر نواحي ms105 المملكة التي أخذت من سنة ثلاث عشرة وتسعمائة ميلادية في الاستقلال، واستمر التمزيق فيها حتى زالت الحكومة البغدادية سنة خمس وأربعين وتسعمائة ميلادية زوالا كليا. # المبحث الخامس: في اقتصار العباسية على الرياسة الدينية بعد أن كانت لهم الرياستان وفي اختراع منصب أمير الأمراء وتأسيس شوكة البويهيين # ما زال الخلفاء يبعثون أميرا يحكم بمصر والشام حتى بعثوا مملوكا تركمانيا يدعى أبا بكر محمدا الإخشيد، علم أنه سيغضب عليه الخليفة ويعزله عن منصبه، فألف أحزابا عصى بهم الخلافة لضعف شوكتها، واستقل بالحكم سنة ست وثلاثين وتسعمائة ميلادية، وخلفه في الاستقلال بحكم مصر والشام أبو القاسم محمود ثم أبو الحسن علي، فكافور فأبو الفوارس. وقد نصب بالجزيرة رجل من ذرية الأمير همدان راية الاستقلال زمن المعتضد سنة ثلاثين وتسعمائة ميلادية، وأخذ عدة مدن بهذه الجزيرة وجال برجاله فيما جاوره حتى في الشمال الشرقي من بر الشام سنة سبع وثلاثين وتسعمائة ميلادية، واتخذ مدينة الموصل تخت مملكته التي خلفه فيها ناصر الدولة المتوسط في تسكين الفتن البغدادية وسيف الدولة المظهر في حربه مع اليونان الشجاعة والشهامة. # وأخذت هذه العائلة الهمدانية تنازع العائلة الإخشيدية في حكم الشام، ودخلوا مرات دمشق وملكوا حلب واستقل بالحكم حزبا الرائقية والباريدية، وتنازعا سنة أربعين وتسعمائة ميلادية في الاستيلاء على مدينتي البصرة وواسط وإقليم الأهواز، وكذلك استقل أرمنستان وجرجستان وصارتا حكومتين، وأشهر السلاح رئيس من أعيان إقليم جيلان يسمى مرداويج بن بويه فأخذ على بحر جرجان أقاليم مازندران وجيلان وشروان وجرجان، وأخذ إيالة طبرستان من السمانية ومعظم إقليم أذربيجان، فكان مؤسسا للعائلة البويهية، إلا أنه لم ينل فخارا؛ حيث نازعه إخوته الثلاثة الذين كانوا في جيشه، زاعمين أنهم من نسل الأكاسرة بني ساسان مع أن أباهم بويه كان صياد سمك فقيرا، ضموا إلى ممالك مرداويج أقاليم كرمان ومكزان والعراق العجمي وسورستان وخوزستان من سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة إلى سنة أربعين وتسعمائة ميلادية، وأحيطت بغداد بالولايات المستقلة من ابتداء هذا الزمن الذي استمر فيه القتل في القواد والوزراء والملوك المستقلين بالحكم، ms106 وكذا الخلفاء؛ فقد قتل من التسعة والخمسين خليفة ثمانية وثلاثون، وعذبوا بالجوع أو إدمان السجن أو الرمي في وعاء كبير مملوء ثلجا؛ ولذا خرج القاهر من السجن مفقوء العينين عليه ثياب بالية يسأل الناس على أبواب المساجد، وتغلب على الراضي ضابط العساكر التركمانية، وتصرفوا كما شاءوا في سائر فروع المملكة، فاخترع منصب إمارة الأمراء، وأعطاه ابن رائق فتولى قيادة الجيوش وخزينة المملكة وسائر أمور الرعية، وقرن اسمه باسم الخليفة في الخطبة، وما زال متصرفا بالمملكة حتى حنق منه جندي يسمى ياقم، فحاصر بغداد وقبض على الراضي سنة أربعين وتسعمائة ميلادية، وألزمه أن يوليه إمارة الأمراء فولاه وحكم حتى مات في خلافة المتقي سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة ميلادية، فتنازعها بنو رائق ونبو بريدة أصحاب واسط وبنو همدان أصحاب الموصل، وتردد المتقي فيمن يوليه إياها، واستحسن أن ينضم إلى الإخشيديين، ثم نصر رئيس التركمانية على هؤلاء فأمر بقتل المتقي لتردده في إعطاء الإمارة وولى بدله المستكفي، وحنق البغداديون من مفاسد التركمانية فاستغاثوا بالبويهيين المستقر حكمهم إذ ذاك في أقاليم مملكة الفرس القديمة، فأتوا للإغاثة بجيوش فتح لهم أهل بغداد الأبواب سنة خمس وأربعين وتسعمائة ميلادية، وتقلد معز الدولة إمارة الأمراء، وعزل الخليفة بآخر كان باذلا نفسه في نجاح مصلحة المعز أول الأمراء البويهية المستمرين في ذلك المنصب أكثر من مائة سنة، واقتصر الخلفاء داخل قصورهم يسلون أنفسهم بمجالسة العلماء، ثم مات الراضي آخر من اتخذ أرباب المعارف أخص جلسائه؛ فأخذ البويهيون ينشرون العلوم ويوسعون علم الفلك والعلوم الرياضية، وأحضروا من الأقاليم التي تحت حكمهم عساكر أسكتوا بها أحزابا تعصبوا عليهم واختصوا بالحكم. وأما المطيع والطائع والقادر والقائم فجردوا عن الحكم، ولم يكن عند كل منهم إلا كاتب واحد، ومع ذلك كان أغلب العائلات المتحكمة في أقاليم آسيا يقلدون الحكومة من قبل هؤلاء الخلفاء؛ لما عليه أهل السنة من أن العباسية أحق بالخلافة، ولكن أهل الطمع تغلبوا على الحكم السياسي وتركوا لهم الحكم الديني. # المبحث السادس: في فرق الزيدية والإسماعيلية والكرمانية وغيرها # ظهر ms107 زمن الأموية عدة فرق دينية تعبوا في إزالته كالخوارج والقدرية والأزارقة والصفرية. وفي عصر العباسية فرقة المعتزلة وفرقة الراوندية الزاعمة أن الخلفاء يعبدون كعبادة الإله، وتعتبر دورهم كعبة جديدة؛ قاتلهم المنصور، فقابلوه بأعظم ما يكون من الشجاعة والبأس ليعبدوه قهرا عنه، وظهرت أيضا فرقة الزيدية القائلة بحرمة أكل لحوم الحيوان وتملك الإنسان شيئا لخاصة نفسه. # وأسس بابك في إقليم أذربيجان سنة أربع وثلاثين وثمانمائة ميلادية فرقة الإسماعيلية المعتقدة مذهب الدهرية، وقاومت عساكر المعتصم أربع سنين، وملأت الكرمانية في القرن العاشر من الميلاد بلاد العرب، وأخذت من العباسيين الأقاليم الشرقية من بحيث جزيرة العرب، ولم يبقوا لهم فيها حكما دينيا ولا دنيويا. ~~ وكان كرمان منكرا للنبوة ووجود الله تعالى، وعظ بإبطال العبودية فتبعه كثيرون نصروه واغتنوا بالنهب والسلب، فعكفوا على أعظم المفاسد ونهبوا الكوفة في خلافة المعتضد سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وأغاروا في خلافة المكتفي على فلسطين والشام، وهددوا دمشق بالهجوم عليها وتعرضوا لنهب القوافل الذاهبة إلى مكة، وأوقفوا في آن واحد تجارة العراق والحجاز، واتخذوا مستقر مذهبهم صحاري الشام وكلدة واليمامة والبحرين، وهجم بهم رئيسهم أبو طاهر على مكة، فحاصروها قبل سنة ثلاثين وتسعمائة، فأخذوها عنوة وذبحوا من أهلها أكثر من ألفين، وهدموا الكعبة، وأزالوا الحجر الأسود، وردموا بئر زمزم، ثم بعثوا إلى مكة الحجر، فأمر الخليفة بوضعه ثانيا، وكسر منه قطعة وضعها على باب مسكنه؛ فكان ذلك سببا في الجثي على الركب حين دخول بيوت الملوك، وفي قولهم الباب العالي للدلالة على مسكن الخليفة، ثم أطلق على باب سلاطين القسطنطينية. # وقد ظهرت شوكة هؤلاء الكرمانية حتى أخذوا الجزية من القاهر والراضي، ثم هزمتهم الملوك الهمدانية والإخشيدية، فذهبت شهرتهم شيئا فشيئا، وظهر مع هؤلاء علماء مفتون وفلاسفة وصوفية أداموا توجه أرواحهم إلى الله بواسطة إعدام جميع الشهوات. ~~ انتشر مذهبهم خصوصا بين الفرس، وانتصر في الهندستان على مذهب البرهمانية، إلا أن شقاق الشيعة والسنية أضر بالتقدمات الدينية، وعجز الخلفاء وأمراء الأمراء أن يجمعوا الناس على عقيدة واحدة، وفشت الاضطرابات الدينية، وفرض ms108 بعض أهل البدع على نفسه سب معاوية كلما ذكر اسمه، ورتب احتفالات لتعظيم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. # وتظاهر بعض آخر بالصداقة والتعصب لمذهب أهل السنة مريدا أن يتبع سائر الناس الأحاديث والمواعظ بغاية الدقة، ولخوف العباسية من تسلط العلوية انضموا إلى أهل السنة، واضطهدوا من لم يشاركهم في هذا الرأي. # المبحث السابع: في تجديد العلوية دعوى الخلافة وتأسيس الفاطمية خلافتهم بالقاهرة وتحريضهم الناس على ممارسة العلوم وسيرة الحاكم وأمة الدروز # لما لم تنل العلوية الخلافة بدل العباسية وجهوا فكرتهم إلى إنشاء حكومة في الممالك المنفصلة عن المملكة العباسية، فملك أحدهم طبرستان زمنا يسيرا، وجمعت العائلة الإدريسية في إقليم موريتانيا أقواما على حب ابن أبي طالب، وادعى الإمامة أبو عبيد الله الفاطمي، ونصره أهل المغرب على العائلة الأغلبية التي أزالها سنة ثمان وتسعمائة ميلادية، ثم نفذت أحكامه بجميع سواحل البحر الأبيض المتوسط، وأسس شوكة الفاطمية بقيروان ومهدية، وأخذ يهدد حكام الديار المصرية بالاستيلاء عليها؛ فمات وخلفه ابنه القائم بأمر الله من سنة ثلاث عشرة وتسعمائة إلى سنة ست وأربعين وتسعمائة ميلادية، التي خلفه فيها المنصور، ضعفت قوتهما في محاربة الإخشيد، فاتخذوا بالحجاز واليمن أحبة كثيرة ببذل العطايا الجزيلة، ثم مات المنصور سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة وخلفه المعز لدين الله، ومات الإخشيد فكان في حكم الديار المصرية والشامية تنازع اغتنم به المعز الفرصة؛ حيث جال في بلاد الإخشيد وانقادت له الأمراء، فكان أول خليفة فاطمي بالديار المصرية سنة ثمان وستين وتسعمائة ميلادية، ثم أخذت الفاطمية تنازع العباسية في أمور دينية، وبنوا القاهرة سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة وفتحوا الشام وجزءا من الجزيرة، واعترف بخلافتهم في بحيث جزيرة العرب جزء عظيم أمل فيهم الإنجاد على من يظهر في بلادهم من الكرمانية، واجتهدوا في تقدمات التجارة والصنائع والفلاحة والعلوم، وبنوا المساجد الفاخرة ورصد خانة لابن يونس مثل ما كان للفلكيين في المملكة العباسية، وحسنوا إدارة الخراج وكيفية تحصيله وساوى وارد المملكة السنوي وارد المملكة العباسية زمن الرشيد، وذكرت أسماؤهم مع اسم علي ms109 بن أبي طالب في سائر خطب مملكتهم التي كانت هي ومملكتا البويهيين والسمانين جميع مملكة العرب الشرقية في غاية القرن العاشر من الميلاد. # وذهب ملك البويهية فانتقل التمدن إلى القاهرة، وفاقت مدارسها رونقا على المدارس البغدادية لاجتهاد الفاطمية في التقدمات العلمية كغيرها، إلا أن الحاكم ظهر على سرير الخلافة سنة ست وتسعين وتسعمائة ميلادية ظهور إبليس، فأخذ يعاقب رعاياه بغاية الفظاعة ويمشي وراءه مماليك بأسلحة لذبح كل من يكدره ولو بأدنى شيء، ويرمي من قصره ورقات في كل منها أمر بتقديمها إلى أمير معين يذهب إليه من وقعت في يده فيعامله ذلك الأمير بما فيها من إعطائه دراهم كثيرة أو عقابه بأشنع الإساءات، وأخذ يعذب اليهود والنصارى حتى يسلموا فيأذن لهم في العود إلى ما كانوا عليه، رتب أعينا يخبرونه بكل حادثة ولو واهية، فزعم بعض الناس أنه يرى ويعلم كل شيء فعبدوه كعبادة الإله، وأخذ يحضر أي مجلس على حين غفلة مختفيا، فقويت دعواه الألوهية عند عباده حتى نادوا عند غيبته عنهم أنه صعد حيا إلى السماء وسيعود. # أخبر حمزة الفارسي ابن عبد الهادي بن علي الترزي أن الله تعالى ظهر بالصورة البشرية فيما مضى عدة مرات، وظهر الآن في صورة الحاكم بأمر الله؛ فغضب عليه أهل القاهرة وطردوه ففر إلى الشام وأخذ ينشر مذهبه الذي سماه دين الوحدانية لدى الأقوام المسمين بالدروز. وكان الحاكم مع ذلك يحترم العلماء ويشوقهم بإحسانه إلى إحياء العلوم. أهدى إليه ابن يونس أزياجا نسبت إليه، وقد قتلته أخته وولت بدله ابنه الظاهر وهو طفل سنة عشرين وألف ميلادية، ثم خلفه سنة ست وثلاثين وألف المستنصر الذي اعترف بخلافته أهل إفريقية الشمالية، وبحيث جزيرة العرب، وعمت خلافته البلاد الإسلامية، واعتبره البغداديون إمامهم في الدين، ساخطين على القائم بأمر الله لاستعانته بطغرلبك التركماني السلجوقي، إلا أنه فقد بعد ذلك أحسن الأقاليم الشامية، وبقي في حكمه إقليم فلسطين بغاية المشقة. # المبحث الثامن: في الملوك البويهية والسمانية والغزنوية # أخذ البويهيون مملكة الفرس سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة ميلادية، ms110 وطردوا الهمدانيين من الجزيرة، وكذا الموصل تخت مملكتهم وأعدموا العساكر التركمانية، واختصوا في بغداد بإمارة الإمراء، فكان لهم في النصف الأخير من القرن العاشر الميلادي بالعراق العربي، وبغداد، وسائر قسم آسيا من السلطان الأعظم وجلالة الشأن ما لم ينافسهم فيه منافس. # واقتدى عضد الدولة بالمأمون فغمر العلماء والشعراء بالإنعام، وحرض الناس على اكتساب العلوم، وأحيا مدرسة بغداد بعد دروسها، وحفر قرب شيراز نهرا به حفظت المزارع من الفيضان السنوي، وسهل ربط العلائق التجارية، ونهج شرف الدولة نهجه في إحياء المدرسة البغدادية التي نبغ منها في عهدهما علماء، منهم ابن الأعلم وعبد الرحمن الصوفي وأبو الوفاء الفلكي. # وبنى هؤلاء الملوك للمرضى مستشفى بمهرجان عظيم بقيت ذكرته في الصحف التاريخية المشرقية، لكنهم وضعوا قوانين في انتقال ممالكهم إلى ذراريهم، وقسموها عليهم تقسيما غير سياسي به فتحت أبواب الحروب الداخلية وتمزق ما أسسوه من الممالك. # وحكم السمانية في المشرق سنة أربع وسبعين وثمانمائة حتى انقرض حكمهم سنة تسع وتسعين وتسعمائة ميلادية التي انحطت فيها دولة الأمراء البويهية؛ فإن مملوكا تركمانيا يسمى ألب تجين ترقى في عهد سيده عبد الملك إلى منصب الوزارة حتى مات سيده، وأرد أن يخلفه في الحكومة فلم ينلها، وأخرج من بخارى فتوطن غزنة ست عشرة سنة، قاوم فيها السمانية التي بذلت جهدها في إزالة جاهه وإمارته، وخلفه سنة خمس وتسعين وتسعمائة ميلادية صهره سبكتكين الذي كان قائد جنوده ومشيره، فاستمال رعيته، وأغار على الهند، ونشر فيه الإسلام، وخرب إقليم بنجاب، وأنشأ مدينتي بسط وقصدار، وتعاهد مع نوح حفيد عبد الملك، فمنع عن السمانية إغارة التركمان الذين أغاروا على بلاد ما وراء النهر، ثم خلفه إسماعيل أصغر أولاده، فنازعه أخوه محمود لكبره عنه وقاتله، ثم غلب السمانية وأخذ إقليم خراسان سنة ألف ميلادية، واستقل بمملكته مستغنيا بما حازه من الغنائم، فبعث إليه الخليفة العباسي تقليدا بحكومة خراسان، وأمره أن لا يتوجه إلى بلاد الأمراء البويهية فلم يصغ لقوله، ودهم البويهيين فأخذ منهم بلاد جرجان والعراق الفارسي، ودخل مملكة هراة وبلوجستان ms111 تحت حكمه الساري من منابع نهري السند والكنج إلى بحر الخزر، وهو أول من تلقب من أصحاب الدول المشرقية بالسلطان. اتخذ غزنة كرسي مملكته وأذاع في سائر الجهات الدين الإسلامي محاميا عن الأمة العربية، وأخذ الجزية مما فتحه في الهند من قنوج ولوهور ودلهي ومطرة، وخرب في غرب الهندستان مملكة جوزارات، وفعل بالهند ما اشتهر به من الغزوات التي انتهى فيها إلى هيكل سومنات الفائق ما عداه زخرفة وحسنا، كانت قبته مغطاة بصفائح ذهب مرصعة بأحجار قديمة ثمينة والصنم الموضوع فيه حجر طوله خمسون ذراعا، وهو أكبر أصنام الهندستان وبه ألفا خادم من البراهمة الذين عرضوا على هذا السلطان أكثر من مائتي مليون، فأبى وكسر ذلك الصنم، فوجد من الأحجار واليواقيت أكثر مما عرضوه عليه. # وبالجملة كان هذا السلطان ذا غيرة وحماسة دينية مقتديا بخلفاء النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ولذا بعث إليه الخليفة القادر بالله كتابا لقبه فيه بالمحامي عن المؤمنين. # المبحث التاسع: في إزالة السلجوقية الدولة الغزنوية وحكم اليونان في الشام # نشر السلطان محمود الغزنوي عساكره في الهند، وترك إقليم ما وراء النهر في قبضة قبائل تركستان المعروفة بمملكة التتار، وأدخل الأتراك السلجوقية في خراسان حين أسلموا وسألوه أرضا يسكنون وينتفعون بها. # خلفه ابنه مسعود سنة ثلاثين وألف ميلادية، فاجتهد في أن يتخلص من مجاورة هؤلاء الأتراك فغلبوه؛ فبقي محترسا منهم حتى لبس طغرلبك السلجوقي تاج الملك في مدينة نيسابور، ثم نصر على الغزنوية وطردهم من بلادهم إلى الهند، ثم أغار على أقاليم خوارزم وجرجان والعراق العجمى، وحاصر البويهية أمراء بغداد المتسلطن بها إذ ذاك سوء الانتظام بما دهم خليفتها القائم بأمر الله من وزرائه العصاة والخلفاء الفاطمية وأمراء الشام. # ولطغرلبك السلجوقي إذ ذاك الشوكة على جميع الممالك الإسلامية التي بنى بكل مدينة منها مسجدا، وأحضره القائم إلى بغداد، فولاه السلطنة على بلاد العرب وبلاد الفرس، وألبسه تاجين ونجاد سيف فاخر وسبعة أقبية من ملابس الشرف، وأهدى إليه سبع جوار حسان كل منها بإحدى الممالك السبعة، ثم زوجه ms112 أخته وقرن اسمه باسمه في الخطبة، ثم رحل طغرلبك بالسلجوقية عن بغداد، فعصى أهلها القائم بأمر الله، ونادوا بخلافة المستنصر الفاطمي بدل القائم، فعاد طغرلبك إلى بغداد، وأجلس القائم على سرير الخلافة التي أخذت في التقهقر، فشرع اليونان في إعادة ما أخذه الخلفاء منهم؛ فقد نهبوا دمياط سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ميلادية، وجالوا بعد ذلك بقرن في الأناضول والشام حتى وصلوا إلى مدينة حلب، ونهبوا خزائن سيف الدولة الهمداني، وانتشر بالفرات والجزيرة جيوش القيصرين «نيسيفور فوقاس # Nicéphore Phocas ~~»، و«حنا زيمبسيس # Jean Zimiscés ~~»، الحاكمين من سنة ثلاث وستين وتسعمائة إلى سنة ست وسبعين وتسعمائة ميلادية. وأخذ الثاني بالجزيرة مدائن كثيرة وأنطاكية وجميع إيالة سيسيليا وجزيرة قبرص، واجتمع قبائل التركمانية تحت رياسة واحد من أمراء السلجوقية مستعدة للتغلب على الأقاليم الغربية من قسم آسيا، مع عجز الخلفاء العباسية عن مقاومتها ومقاومة اليونان. # | الباب الرابع # في دولة السلجوقية وانعدام التحكم الديني الذي كان للعباسية، وغارة المغول والأتراك المشرقية وزوال حكم العرب من قسم آسيا، وفيه عشرة مباحث # المبحث الأول: في طباع السلجوقية وفتوحاتهم # تبع طغرلبك أقوام من الأتراك مثل السرمانية الذين جالوا في غرب أوروبا، واخترقوا إسبانيا حتى وصلوا إلى بوغاز جبل طارق، ومثل الأقوام البلغارية والأوارية والمجرية والخزارية والبتشينجية والقومانية والمغولية، الذين خربوا مرات كثيرة بلاد أوروبا والأقاليم الغربية من قسم آسيا، سموا بالسلجوقية تبعا لرؤسائهم السلجوقية، وكان عصر غارتهم الذي هو أبهى أعصرهم من سنة خمس وخمسين وألف إلى سنة اثنتين وتسعين وألف ميلادية، وما زالوا معترفين بالطاعة لطغرلبك المتقدم في فتوحاته إلى داخل إقليمي الجزيرة وأرمينية حتى مات سنة اثنتين وستين وألف. # فخلفه ابن أخيه المسمى ألب أرسلان فحذا حذوه في الفخار والظفر، واستولى على إيالة سيسيليا وأسر السلطان «ديوجين # Diogène ~~» الروماني، وأخذ منه الأقاليم التي افتتحها حنا زيميسيس فأحسن معاملته بتعظيمه اللائق به. # فذكر بخطبة مكة اسمه مع اسم الخليفة العباسي بدل الخليفة الفاطمي، وأخذ جرجستان وانقاد له معظم آسيا، وبلغت عساكره مائتي ألف والرؤساء تحت يده ألفا ومائتين، ms113 وهم بالإغارة على مملكة تركستان، وإذا رجل من خوارزم قتله بخنجر فخلفه ابنه جلال الدين ملك شاه. # وكان التتار والمغول في أطراف آسيا حافظين لطباعهم الأصلية باقين على حالتهم الخشنة، لا يعرفون ناصرا غير السيف المسلول، والأقوام الأخر من التتار والمغول الذين يقتربون كثيرا من غربي آسيا والمعروفون في التاريخ من ابتداء القرن الخاص بعد الميلاد باسم الأتراك، تغيرت إذ ذاك أحوالهم؛ لممارستهم التمدن ومخالطتهم للنسل العربي، حتى ذهبت الأوصاف الثقيلة التي كان عليها السيتيون الأقدمون، واشتغلوا بالفلاحة والتجارة، ولكنهم كانوا متكبرين شديدي الحب للقوة الحاكمة؛ ولذا أضاعوا كل شيء، وارتضوا أن يكونوا أرقاء لأجل تحكمهم على عقل سيدهم بنوع من الحصر والقسر الجسماني الذي يخمل الفطنة العقلية. # وقد أغار هؤلاء السلجوقية على مملكة الفرس، فوجدوا في جميع جهاتها إخوانا لهم من جنسهم في صفوف العدو، وأخذوا يسألون بني العباس أن يقلدوهم حكم ما فتحوه من البلاد، وكانوا مائلين للحرب ذوي حمية وحماسة حين إرادة العرب الاستراحة وممارسة الفنون التي يناسبها الهدو والصلح؛ ولذا كانوا متمكنين من الاستقلال بالسلطنة؛ فإنهم حين انتصروا على اليونان، وأخذوا منهم آسيا الصغرى، وأوسعوا ممالكهم حتى كانت من نهر السند إلى بوغاز القسطنطينية، ولكنهم لم يعرفوا تنظيم دولتهم؛ فإن غالب جهاتها كان خاليا من الحكام المدبرين مع ما انضم إلى ذلك من تنازع الرؤساء المستقلين في تقسيم السلطة الملوكية، وكان ذلك سببا في تمكين المغول منهم حين انقض جنكزخان على الأقاليم الغربية من آسيا في ابتداء القرن الثالث عشر بعد الميلاد. # المبحث الثاني: في سلطنة الملك شاه وتقسيم ممالكه بعده وانحطاط دولة السلجوقية # إلى هذا السلطان ينسب التاريخ الجلالي، وهو رزنامة فارسية صححها له عمر الفلكي، فكانت أصح من الرزنامة الإفرنجية المسماة بالرزنامة الغريغوارية. # تسلطن سنة اثنتين وسبعين وألف ميلادية؛ فأخذ يوسع مملكته، وخطب باسمه في مكة والمدينة وبيت المقدس وبغداد وأصفهان والري وسمرقند وبخارى وكشغار والجزيرة والشام وفلسطين، أمر قريبه الأمير سليمان فجال برجال فتح بهم أرمينية الكبرى وجرجستان والبحر الأسود والبحر الأبيض وإيالة ms114 البانية وإيالة أرمينية الصغرى سنة 1081 ميلادية، وسار حتى بلغ بوغاز القسطنطينية المسمى بسفور، وفر اليونان من بلاد آسيا التي افتتحها الأمير سليمان وجال الملكشاه في أقاليم تركستان، وبلغ قائد جيوشه أتزيز الخوارزمي شواطئ نهر النيل وصده المستنصر بالله، فهجم على مدينة بيت المقدس ونهب ما فيها، وامتدت مملكة هذا السلطان من بوغاز القسطنطينية إلى نهر السند، وأسر في إحدى غزواته مع رثاثة هيئته التي أدرجته في زمرة الأسرى، فدبر خروجه وزيره نظام الملك الذي أنشأ في أيامه ببغداد المدرسة الحنفية والمدرسة النظامية، وعمل عدة مساجد وطرقا وخلجانا سهل بها الارتباط بين جميع أهل المملكة التي ما زال هذا الوزير بها مدبرا ساعيا في نشر العلوم وتقدمها، حتى وشى فيه بعض أعدائه إلى هذا السلطان، فعزل هذا الرجل الجليل القدر الذي كان عامود المملكة، ثم قتله الإسماعيلية وسنه ثلاثة وتسعون سنة. # مات السلطان ملكشاه سنة اثنتين وتسعين وألف ميلادية، فقسم أولاده الأربع: محمود وبارقيا روق وسنجار ومحمد المملكة إلى ممالك أربع: بلاد الفرس وكرمان والشام والأناضول، بعد أن كانت بينهم من سنة اثنتين وتسعين وألف إلى سنة أربع وخمسين ومائة وألف ميلادية حروب أفنت رجالهم بلا فائدة وعصتهم حكام المدائن، ثم توطن الأمير أرطق سنة ست وتسعين وألف ميلادية مدينة بيت المقدس متأملا فيما يوصله إلى السلطنة، ثم هيأ سلطان الموصل الشوكة لابنه نور الدين، ثم أخذ حاكم من خوارزم بيت الفتن في البلاد السلجوقية حتى استقل بحكمها سنة سبع وعشرين ومائة وألف ميلادية قهرا عن سنجار سلطان بلاد الفرس الذي كان آخر العائلة السلجوقية، وفتح خلفاء هذا الحاكم أقاليم ما وراء النهر وخراسان والعراق الفارسي وكرمان، فجددوا المملكة الغزنوية وبقي تحت أيديهم الأقاليم الملاصقة لشاطئ نهر السند، حتى جعلت الغورية كرسي السلطنة المحمدية ببلاد الهند في مدينة لاهور من سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف إلى سنة خمس ومائتين وألف ميلادية، ثم في مدينة دلهي، ونهبوا مدينة بينارس، وأخذوا إقليم بنغالة، ووجد من عائلتهم ملوك الأفغان في إقليم باروباميزوس القديم. ms115 # المبحث الثالث: في شوكة الأمير محمد بن الملكشاه وسلطان خوارزم وفي سلطنة العرب إذ ذاك وإحياء الخلفاء العباسية بعض ما كان لهم من الحكم # أخذت الغورية مملكة الغزنوية، ولبثت تحت أيديهم خمسا وعشرين سنة؛ فأغار عليهم السلطان محمد وسلبهم الأقاليم الغربية، فعلا شأنه حتى أغار عليه المغول من سنة ثمان ومائتين وألف إلى سنة ثماني عشرة ومائتين وألف، وقويت شوكة السلجوقية في القرن الحادي عشر بعد الميلاد، ففوض القائم الحكم لهم من سنة خمس وخمسين وألف إلى سنة أربع وسبعين وألف، وبقي في بغداد لا حكم له خارجها. # وخلفه المقتدي إلى سنة أربع وتسعين وألف، ثم المستظهر إلى سنة ثماني عشرة ومائة وألف، فبعثا إلى ملوك أصفهان تيجانا وأطواقا وأساور وسلطات تشريف؛ إشارة إلى تقليدهم السلطنة على بلاد الفرس، ثم ولي المسترشد الخلافة إلى سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، وضعفت شوكة السلجوقية إذ ذاك قصد المسترشد بجيوشه سلجوقيا، أراد أن يتولى السلطنة قهرا وخلفه الراشد إلى سنة ست وثلاثين ومائة وألف، فأراد مسعود السلجوقي حفيد الملكشاه أن يتولى السلطنة، فأخذ الراشد يدافعه حتى مات وخلفه المقتفي الثاني إلى سنة ستين ومائة وألف، ولم يدافع هذا السلجوقي خشية من سطوته القوية حتى مات، فهزم هذا الخليفة السلجوقية عن بغداد، وانقاد له أهل العراق العربي، فذكروا اسمه في الخطبة مع السلطان السلجوقي الذي لبث هو ومن بعده يدبرون المملكة من سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف إلى سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف. # وليس للخلفاء المستنجد والمستضيء والناصر والظاهر والمستنصر المتولين من سنة ستين ومائة وألف إلى سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف تدبير في المملكة. نعم كان لهم المحاماة عن التجارة والصنائع والعلوم بلا تعرض لهم. # وبنى الظاهر مساجد ومدارس ومارستانا ومستشفيات، وبالجملة كان للسلجوقية الشوكة التامة في أواخر القرن الحادي عشر، وضعفت في الثاني عشر ضعفا بينا بالأقاليم الشرقية من المملكة العربية، وفي غرة القرن الثالث عشر كان ولاة أذربيجان ولارستان وفرسيستان مقتسمين للسلطنة بينهم وبين سلاطين خوارزم وخلفاء بغداد. # وأغارت العرب على ms116 الأتراك المعروفين بالتتار المتولين الحكم السياسي حتى انقادوا، فتمسكوا بالإسلام، وتكلموا بالعربية، واحترموا العلماء، وحاموا عن المعلومات لئلا تضيع، واستمدوا أفكارهم. # المبحث الرابع: في حال الأقاليم الغربية من آسيا في غاية القرن الحادي عشر بعد الميلاد وفي الحرب الصليبي المسمى لدى معاشر المسلمين بالجهاد الأول في نصارى أوروبا الصليبية الراسمين الصليب على لباسهم وبيارقهم # أدخل الملكشاه السلجوقي أقاليم الجزيرة والأناضول والشام تحت طاعته، ثم مات سنة اثنتين وتسعين وألف ميلادية، فانقسمت مملكته إلى ثلاثة ممالك لا ارتباط لها ببلاد الفرس قواعدها حلب ودمشق، وكذا قونية الممتدة سلطنتها إلى الأناضول، ثم كان بين ملوك حلب ودمشق تنازع في أخذ مدن بإقليمي الجزيرة والشام مع عجز الفاطمية إذ ذاك عن إعادتهما تحت حكمهم لانحطاط شوكتهم؛ فإن السلجوقية أخذوا منهم الأقطار الحجازية. # وأعرض المستعلي متولي الخلافة الفاطمية من سنة أربع وتسعين وألف إلى سنة إحدى ومائة وألف ميلادية عن محاربة السلجوقية، بل أخذ يلقي بين ملوكهم لنيل المال دسائس دام بها القتال بينهم حتى أخذت بطارقة رومية المدائن تقول لمن في أكناف بلادهم القائوليقية إن الأتراك لوثوا قبر المسيح معدن الديانة الواجب حفظه مما لا يليق، فأجابهم من النصارى آلاف كثيرة قدموا تحت قيادة بطرس و«غوتيه # Gautier ~~»؛ فهلك من الجيشين كثير ببلاد المجر والبلغار، وقتل سائر من بقي بمملكة قونية، فعاد السلجوقية إلى حروبهم الداخلية حتى قدمت كتائب أخرى صليبية عبرت بوغاز البوسفور وهزمت السلجوقية، واجتازت جبال إيالة سيسيليا، وأخذوا أنطاكية، وتداولوا مع أمراء الشام، وساروا إلى إقليم فلسطين، فانضم العرب إلى الأتراك، وأظهروا الحماسة الدينية للذب عن بيت المقدس، وقاتلوا مع الخليفة الفاطمي الذي أخذ المقدس من الأتراك الأرطقية سنة تسع وتسعين وألف، ثم انهزموا وسكن الصليبيون بالمقدس وجوانبه؛ فقل تقدم فتوحاتهم، وتقدم منهم إلى جهة بغداد القائد «بودوين # Baudouin ~~»؛ فأخذ من الجزيرة مدينة أيدسة العتيقة المعروفة الآن بأرفة. # المبحث الخامس: في سيرة أواخر الفاطميين من سنة أربع وتسعين وألف إلى سنة إحدى وسبعين ومائة وألف ميلادية وسيرة زنكي ونور الدين وصلاح ms117 الدين # ما زالت الحروب الداخلية بين المسلمين الفاطمية والسلجوقية زمن المستعلي متولي الخلافة سنة أربع وتسعين وألف، ومن بعده من الخلفاء الفاطمية إلى سنة إحدى وسبعين ومائة وألف بدون تفكر من هؤلاء الخلفاء ووزرائهم في اتحادهم بحكام البلاد الشامية لينصروا بهم على أهل الصليب ، بل أداموا قتال السلجوقية الذين اشتهر في دواوينهم بالموصل وحلب عماد الدين زنكي الذي لقب نفسه بالأتابك، وأنشأ له سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف مملكة مستقلة بين إقليمي الجزيرة والعراق العربي، وأخذ الموصل ثم دهم السلجوقي صاحب حلب فأخذها منه سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ثم أحيا بين المسلمين بغضاء الفرنج، وأخذ منهم مدينة إيدسة فاستنجد من في القدس، وأتى إليهم من أوروبا الملكان لويز السابع الفرنساوي «وقنراد # Conrade ~~» الثالث الإنكليزي، فبذلا وسعهما في أخذ دمشق ولم يفد ذلك شيئا، وقد مات إذ ذاك عماد الدين زنكي، وخلفه ولداه سيف الدين، وكذا نور الدين الذي تمم مقاصد والده الحربية؛ حيث أكثر من الإغارة على أهل الصليب، ثم أغار على دمشق، فأخذها من السلجوقية لضعف من بها بالحرب السابقة، ثم استنجده وزير الديار المصرية لمقاتلة الخليفة الفاطمي، فأنجده على شروط لم يف بها، فبعث قائده شيركوه بجنود تغلب بهم على الديار المصرية، وتقلد الوزارة من قبل الخليفة الفاطمي جبرا، ثم مات وخلفه في الوزارة ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، وهو كردي شجاع معروف بعزة النفس والذكاء والأمانة والوفاء بالعهود والتقوى والعدل والرفق حال الانتصار وحيازة المعلومات العربية قرنت سلطنته بأعلى درجات التمدن العربي. # عزل العاضد آخر الخلفاء الفاطمية سنة إحدى وسبعين ومائة وألف ميلادية، وأزال من مصر مذهب الشيعة بمذهب أهل السنة، ولم يأذن بالتدريس في المدارس إلا للشافعية، إلا أنه هم بعصيان نور الدين بن زنكي والاستقلال بحكم الديار المصرية، ثم بلغه موت ابن زنكي فسار إلى الشام، وملك من سنة أربع وسبعين ومائة وألف إلى سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف دمشق وحمص وحلب؛ فكان أول من له اليد على الديار المصرية والشامية والفرنج إذ ذاك ms118 متنازعون في حكم المدائن والحصون الحصينة، سار أحدهم مخالفا لرأي الآخرين إلى مكة والمدينة بعساكر نهب بهم قافلة مارة بالبيداء، ومات أكثرهم بصحاري بلاد العرب، فكان لهم بذلك ضعف انتهز به الفرصة صلاح الدين بأخذ إقليم فلسطين ثم طبرية، ثم سار إلى المقدس ففتحه عن قرب، فبدل جميع هياكلها النصرانية بمساجد إسلامية، وحاصر مدن الفرنج على البحر الأبيض المتوسط، إلا أن المسلمين انهزموا أمام مدينة صور فقوي عزم الفرنج وانتظروا مجيء الملكين «ريشارد # Richard ~~» الإنكليزي و«فيلبس أغسطوس Philihpe Auguste ~~» الفرنساوي، وحصل منهم في الغزوة الثالثة للأمة المحمدية من سنة سبع وثمانين ومائة وألف إلى سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف قوة جأش بعد اضطراب، وبذل ريشارد ملك الإنكليز وسعه في تخليص المقدس من سلطان الديار المصرية، فلم يتيسر له ذلك فعاد إلى أوروبا. # المبحث السادس: في وفاة صلاح الدين وبقاء السلطنة في خلفائه مع علو الشأن حتى جاءت دولة المغول # بعد سفر ريشارد مات صلاح الدين وأعداؤه يعجبون من علو همته والمسلمون يأسفون على فقده، ثم اقتسم أولاده الثلاثة مملكته، فكان لأحدهم مصر وللآخر دمشق وبيت المقدس ووهاد الشام، وللثالث حلب وهضاب الشام، ثم نهب عمهم الملك العادل سيف الدين أبو بكر مصر ودمشق، وتولاهما من سنة مائتين وألف، وأخذ من الصليبية مدينة طرابلس، وغزا الغزوة الخامسة حين أتوا إلى دمياط، وخلفه ابنه الملك الكامل على مصر وابنه مولى الدين على دمشق، ثم أتى الملك «فريديريق # Frédéric ~~» الثاني رئيس الغزوة السادسة إلى إقليم فلسطين، وأهدى إلى مولى الدين هدايا قبلها منه، وترك له سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف بيت المقدس بعد أن سفكت فيه دماء كثيرة، وبذل المسلمون عظيم العزائم في المحاماة عنه، وكانت هذه الغزوات من الفرنج مشتملة على الأهوال وسوء المقاتلة، ثم أخذت في التلطف؛ ولذا لا يحكم على غزوات «ماري لويز # Saint Louis ~~» سلطان فرنسا بما خطر في بال أهل أوروبا من موازاتها لتلك الحروب. # ورأت سلاطين الأيوبية بعد مولى الدين أن الفرنج أكبر أعدائهم، فطردوهم من جميع ms119 ممالك آسيا، وأبقوا لهم على البحر الأبيض المتوسط يافا وعكا وقيسارية وأرسوف وأنطاكية، وأخذوا بيت المقدس ثانيا فكان تارة تحت حكم سلطان مصر وأخرى تحت حكم سلطان دمشق. وبالجملة كان لأحد ذرية نور الدين جزء من الجزيرة، وكان للأيوبية في ابتداء القرن الثالث عشر من الميلاد اليد على الشام ومصر وبعض إقليم فلسطين وبعض أقاليم بحيث جزيرة العرب، كاليمن الذي فتحه أخو صلاح الدين سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ميلادية، وخلفه فيه أولاده إلى غارة المغول سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، والخطبة مع ذلك باسم الخلفاء العباسية. وأما الفاطمية فلم يكونوا في عصر الأيوبية إلا فرقة ذات اعتقاد مخصوص لا اتحاد بينها. # المبحث السابع: في حزب الباطنية وشيخ الجبل # كان لأبي عبد الله آخر رؤساء الكرمانية التصرف المطلق في المتعصبين لمذهبه، فنهج نهجه رجل يسمى حسن الصباح، سافر كثيرا وتبحر في العلوم وعرف فرق الدين المحمدي، وأخذ في غاية القرن الحادي عشر من الميلاد يعظ الناس، ويحثهم على اتباع مذهب جديد يغلب على الظن أنه قريب من مذهب الكرمانية، فتبعه جموع ملك بهم عدة قلاع وحصون، واستوطن حصن الموت المشيد على هضبة قرب قزوين فلقب بشيخ الجبل، وأعلن بالعداوة للنصارى والمسلمين، ورأى نفسه بينهم بمنزلة الإله الثاني الذي شغله الاقتصاص من الظالمين للمظلومين، ونفذت أوامره فيمن معه، فكان إذا أمر بقتل أحد منهم بادر بإلقاء نفسه من شاهق جبل على أسنة الرماح أو طعن بطنه بخنجر، أو بقتل أحد من غيرهم بادروا بقتله ولو وزيرا أو سلطانا أو خليفة عباسيا، أخبر قومه أن شارب الحشيش يذوق جميع لذات الفردوس، فكانوا كالبهائم بسبب السكر بالحشيش مستعدين لارتكاب أكبر الكبائر؛ ولذا سماهم المؤرخون بالحشاشين لا بالحساسين؛ أي القتالين كما زعم الفرنج، وأذن لهم في النهب فنهبوا وجالوا بأسلحتهم في الشام حتى بلغوا جبل لبنان، وبنوا في الشام أماكن محصنة ونهبوا جميع القوافل التي تمر بأرضهم وقطعوا الطرق، وملكوا في غرة القرن الثالث عشر من الميلاد كثيرا من المنازل في العراق والشام وحصونا ms120 أخرى قرب دمشق وحلب، وتوطنوا من ابتداء سنة إحدى وستين ومائة وألف ميلادية بالعراق الفارسي، فبذل الملكشاه عزائمه في إعدامهم ولم يبالوا بذلك، بل يقال إن نظام الملك الذي كان الوزير الأعظم لهذا السلطان قتله أحدهم لشدة تعصبه وغيرته على مذهبه الديني، وكان هؤلاء الحشاشون مع الفاطمية كحزب واحد لشدة مخاصمتهم وإدمان مشاجرتهم مع أهل السنة. # المبحث الثامن: في إغارة المغول وإظهار الملك جلال الدين كبير العزم في مقاومتهم وانقضاء الخلافة العباسية # كان السلطان محمد ملك خوارزم ذا جلالة وشوكة فزع منها الخليفة العباسي الناصر لدين الله؛ فأغرى ملوك الغورية، فحاربوا السلطان محمدا الذي جمع بعد ذلك في قصره أرباب الفتوى والعلماء، فأخذ آراءهم وأعلمهم أن العباسية تعدوا في الخلافة على بني الحسن بن علي بن أبي طالب، وأشهر من ذرية علي بن أبي طالب خليفة مقيما في إقليم ما وراء النهر يسمى علاء الدين، وجهز لغزو بغداد جيشا عظيما، وإذا قوم من العائلة السيتية محافظون في بلادهم التتارية على ما كان عليه آباؤهم من الدين والعوائد والعيشة البدوية والحكومة والانقسام إلى قبائل والطاعة لمشايخهم وحب النهب والحرب، استولى كبيرهم جنكزخان على بلاد التتار والأقاليم الشمالية من مملكة الصين، ثم قصد الاستيلاء على الأقاليم الغربية من آسيا، وهدد إقليم ما وراء النهر بالتغلب عليه سنة تسع عشرة ومائتين وألف ميلادية، فعدل السلطان محمد عن توجيه جنوده إلى بغداد، وبعثهم إلى ما وراء النهر، فهزمهم المغول ومزقوهم كل ممزق؛ فهرب السلطان محمد وعبر جيحون والتجأ إلى بحيرة الخزر في بحر جرجان سنة مائتين وألف ميلادية، وترك ابنه جلال الدين يدبر في مقاومة هؤلاء، ثم فجع بما رآه من فرار قومه وانقضاض المغول على ما وراء النهر وبلاد خوارزم وخراسان وجيلان وأذربيجان، وملكهم في تلك البلاد ألفا وسبعمائة فرسخ، ورجع رئيسهم جنكزخان إلى مدينة كراكوروم تخت وطنه المبنية قرب صحراء شاموا، وأقام فيها من سنة عشرين ومائتين وألف إلى سنة سبع وعشرين ومائتين وألف، فعاد جلال الدين إلى بلاده بعد أن توجه ms121 إلى الهندستان للاحتماء فيها، ثم انضم إليه جموع لم ينقادوا للمغول، وجدد من بقايا مملكة أبيه مملكة تمتد من منبع نهر الكنج إلى أبواب مدينة الموصل بالجزيرة. # ثم ولى جنكزخان ابنه الأمير أقطاي الخانية العظمى على المغول، فأمر رجاله فأغاروا على مملكة جلال الدين فهرب ثانيا وقتل في ديار بكر ، وأخذ أقطاي يقاتل من سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف إلى سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف سلطان قونية والخليفة العباسي المستنصر بالله، ولم يعد عليه من ذلك كبير ظفر، وخلفه الخان جايوك سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف. ولم تتقدم فتوحاته، واكتفى بطرد سفراء خليفة بغداد وشيخ الجبل والملوك السلجوقية من ديوانه، وخلفه منجوخان سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف، فكلف أخويه كوبلاي وهولاكو بتوسعة دائرة مملكته، وبعث كوبلاي فأخذ يفتح في الصين حتى أشرف على إتمامه، وإذا أخوه هولاكو متوجه من مدينة كراكوروم بجيش عظيم إلى غرب آسيا؛ فأعدم في أقل من سنتين ما بقي من آثار حكم العرب في بلاد الفرس وصاحب بعض أهل بغداد، وكاتبهم سرا ثم حاصرها، وظن الخليفة المستعصم أن لا قدرة له على مقاومة هولاكو، فأراد التداول معه فيما يرضيه فلم يصغ له، وفتح بغداد سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف ميلادية الموافقة 656 هجرية. ولبث المغول ينهبون في المدينة سبعة أيام، وأحرقوا جانبا عظيما من أنفس الكتب المكتوبة بخط القلم، ورموا في الدجلة من الكتب ما سود ماءها على ما بالغ به بعض المؤرخين، وتعجبوا من أموالها الغزيرة مع أنهم نهبوا قبلها بخارى وسمرقند ومرو ونيسابور وغيرها، وخنقوا المستعصم وجروه بين أسواق بغداد وأسوارها مضرجا بالدماء؛ فكان آخر الخلفاء العباسية. # المبحث التاسع: في عدم تغلب المغول على مصر والشام، وعزل المماليك الملوك الأيوبية ثم عزل العثمانية هؤلاء المماليك # أدخل خلفاء صلاح الدين الأيوبي في قصورهم أرقاء جددوا بالقاهرة من المفاسد والفتن ما جدده عساكر الأتراك غير المنتظمة، وهؤلاء هم المماليك الذين منعوا المغول بعد استيلائهم على بغداد من استيلائهم على مصر والشام. # وفرت الخوارزمية من جنكزخان، وأغاروا ms122 على الشام، فاستنجد سلطان دمشق بالصليبية فأنجدوه، فأعطاهم طبرية والمقدس وعسقلان، فانضم المماليك وسلطان مصر إلى الخوارزمية، وقاتلوا سلطان دمشق زمنا أخذوا فيه المقدس مرات، ثم حاربت المماليك الخوارزمية من سنة أربعين ومائتين وألف إلى سنة خمس وأربعين ومائتين وألف ميلادية، فمزقوا شملهم كل ممزق، وصدوا بعد ذلك بثلاث سنين عدوان سنت لويز ملك فرنسا في واقعة المنصورة وأسروه، وعقد معه سلطان مصر الكردي شروطا لم يرضوها؛ فعصوا سلطانهم وولوا أحد رؤسائهم أيبك المعز لدين الله وجميع وسائل المملكة ووارداتها تحت تصرفهم، فلم ينازعهم أحد، وأخذوا إقليم الجزيرة، وكذا الشام بعد أن أخذه هولاكو سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف ميلادية، ثم ذهب من الصليبية ما كان بأيديهم من البلاد الإسلامية، وذهب سنت لويز إلى إقليم فلسطين، فأخذ يتودد مع خان المغول وشيخ الجبل ليستعين على هؤلاء المماليك فلم يجد ذلك نفعا. # وبعد أن أخذ المغول بغداد أتى إلى القاهرة من الخلفاء العباسية عائلة لا دخول لها في الأحكام السياسية، بل في الأحكام الدينية كتقرير حكم سلاطين مصر، ولبثوا كذلك من سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف إلى سنة سبع عشرة وخمسمائة وألف، ثم تغلبت العثمانية وقطعوا دابر المماليك، ونفذوا حكمهم على جميع الإيالات المعروفة في الخرائط الجغرافية بتركية آسيا. # المبحث العاشر: في أن تمدن العرب لم يذهب بذهاب دولهم # لا خفاء أن شوكة العرب أخذت تزول شيئا فشيئا حتى زالت خلافتهم، وفقدوا حكمهم السياسي في غير بحيث جزيرتهم، وزال ذكرهم من تاريخ الأمم المشرقية زمن تقدم الأتراك والمغول الذين أغاروا من شمال آسيا على غربها وشرقها. نعم التمدن العربي لم يزل ظاهرا بعد الخلافة، بل كانت التقلبات في بلاد آسيا معضدة لتمدن العرب؛ فقد أحضر السلطان محمود الغزنوي إلى ديوانه العلامة البيروني الذي أحاط بكل فن واشتهر على أبناء عصره. واستمد الملكشاه من مدرسة بغداد الإصلاح الذي أحدثه في رزنامة الحساب والتقويم الفارسي، وبنى هولاكو رصد خانة فلكية لنصير الدين الطوسي الشهير بالعلوم الرياضية، ونقل أخوه كوبلاي العلوم والفنون من الأقاليم ms123 الغربية من آسيا إلى الصين حين تسلطن عليه، ثم كان بعد قرنين عائلة تيمورلنك فكان ولده شاه روخ وحفيده أولوغ بيك وارثين لما في المدرسة البغدادية العربية من العلوم والفنون، ثم كان زمن الأولين من السلاطين العثمانية علماء برعوا وألفوا كتبا باللغة العربية والفارسية، فكان لديهم آخر أشعة شموس العلوم التي ختم بها ذلك العصر المديد. # | المقالة الخامسة # في عظمة سلطنة العرب ثم انحطاطها في الأقطار الغربية من ابتداء محاربة الأموية العباسية إلى استيلاء الدولة التركية على شمال إفريقية وطرد النصارى المغاربة من إسبانيا # | الباب الأول # في سيرة الملوك الأغلبية والإدريسية والفاطمية والزيرية الحاكمين في الأقاليم الشمالية من آسيا، ثم في سيرة الخلفاء الأموية حكام إسبانيا بعد انقراض الأموية بالممالك المشرقية من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة إلى سنة تسع وستمائة وألف ميلادية الموافقة سنة 125 إلى سنة 399 هجرية، وفيه خمسة عشر مبحثا # المبحث الأول: في حالة إسبانيا وسير عبد الرحمن الأموي إليها وتأسيسه الخلافة الأموية بقرطبة # أسلفنا أن نتيجة حرب الأموية والعباسية انقسام ممالك العرب المسلمين إلى قسمين: أحدهما بالمشرق، وهو الممالك الإسلامية في آسيا والإيالة المصرية، وقد سبق الكلام على تقلباته وثانيهما بالمغرب، وهو مملكة إسبانيا والإيالات الشمالية في إفريقية، وسنورد لك حوادث هذا القسم المقارنة للحوادث المشرقية بادئين بحالة إسبانيا، فنقول: كان ولاة إسبانيا وأصاغر مشايخها يكلفون أهلها تأدية مطالب شاقة غير مبالين بخلفاء العباسية لبعدهم عن إسبانيا التي كان من بها من القبائل الحميرية والعراقية والشامية يخاصم بعضهم بعضا، ويرون قبائل البربر في إفريقية بعين الغيرة والحسد، فعظم بإسبانيا سوء الانتظام، ولم يبال أهلها بما يلزمهم به حكامهم من التكاليف الشاقة، فكان كل ذلك باعثا لحزب جسيم على إحداث حكومة جديدة. # ثم شاع لديهم نجاة الأمير عبد الرحمن حفيد الخليفة هشام الأموي من ذبح السفاح، والتجاؤه إلى بعض أقاليم إفريقية لدى القبيلة المسماة بالزناتة أعظم قبائل إفريقية لبلوغ كتيبتها سبعمائة وخمسين فارسا، فبعثوا إليه ثلاثة سفراء ركب معهم في سفينة إلى إسبانيا حتى بلغ مينا على ms124 نحو خمسة عشر فرسخا من غرناطة؛ فقابله الناس بالترحاب، ثم دخل مدينة إشبيلية وبقرطبة الرئيسان من طرف العباسية يتنازعان قيادة العسكر والسلطنة، ثم اتحدا على ذلك الأموي حين رأيا ميل أهل قرطبة إليه، فسلماها إليه، ونصر عليهما في واقعة موزارة فاستقل بالحكم وانتصر على أعدائه مرة أخرى وظفر بهم، ثم أطلقهم وأبقى إليهم أملاكهم وأموالهم، ثم أدخل جميع المدن تحت حكمه وبايعه أهل إسبانيا سنة ست وخمسين وسبعمائة ميلادية، فانفصلت من ذلك الوقت الخلافة المغربية عن الخلافة المشرقية ببغداد. # المبحث الثاني: في اضطرابات الإيالات الشمالية من إفريقية يتخاصم العرب والبربر وفي سلطنة الملوك التغلبية # كان بالإيالات الشمالية من إفريقية مغاربة مسلمون مسمون بالبربر مختصون بالحرية السياسية لعدم حاكم عليهم، حتى ذهب إليهم من آسيا عرب أجروا عليهم حكم الخلفاء العباسية، ثم أخذ عبد الرحمن بن حبيب يستميل العرب والبربر حتى اتخذ منها أحزابا زمن محاربة الأموية والعباسية من سنة ست وأربعين وسبعمائة إلى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة ميلادية، واستقل بالحل والعقد لاشتغال العباسية، ثم انتصروا فانقاد لهم سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، حتى كلفه الخليفة المنصور سنة خمس وخمسين وسبعمائة بمطالب أفضت به إلى الإعلان بالاستقلال والخطبة باسمه في مسجد مدينة القريوان، ثم طمع أخوه إلياس وأوقع بين العرب والبربر فتنة أثارت حربا سفك فيها كثير من الدماء، حتى انتهت سنة سبعين وسبعمائة ميلادية بنصر العرب، فاجتهد أميرهم أغلب وجبر الجميع على الانقياد للمنصور، ثم عصت البربر المهدي والرشيد عدة مرات خسر فيها العباسية خسارات عظيمة صمم بها الرشيد سنة ثمانمائة ميلادية على خلع حكم الإيالات المغربية على إبراهيم بن الأغلب، فاستقلت الأغلبية بالحكم من هذه السنة إلى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وخلطوا دم البربر بدم العرب بالتصاهر، فاتحدا أخلاقا ودينا، وزال ما بينهما من التباغض، وانقاد لحكم إبراهيم بن الأغلب ما بين ابتداء سواحل الأقيانوس الأطلنطيقي وحدود إيالة مصر الغربية، وخطب فيه باسمه مع اسم الخليفة العباسي. # المبحث الثالث: في استيلاء الإدريسيين على تلمسان وإنشائهم مدينة فاس ومساعدة بني الأغلب ms125 على التقدم في الفنون والصنائع # بعد زوال الشحناء بين أهل الإيالات الغربية من شمال إفريقية، ظهر من العلوية رجل جليل يسمى إدريس، اتخذ من تلك الإيالات حزبا قوي الشوكة، واستولى على تلمسان وجميع المغرب الأقصى سنة ثلاث وثمانمائة ميلادية، وأقام بمدينة واليلي وأزال من تلك الإيالات الحكم السياسي للتغلبية والديني للعباسية، وأثبتهما للإدريسية المنشئين مدينة فاس ومسجدها ومدارس وكتبخانات، وبها ظهرت الحركة العلمية التي حث عليها العباسية في الممالك المشرقية، ثم اتخذوا فاس تختا جديدا لمملكة المغرب ومركز تجارة بين عرب إسبانيا وعرب إفريقية، واجتهد كل من العباسية والأغلبية في إزالة حكم الإدريسية عن المغرب الأقصى فلم يحصلا نتيجة، وأخذت الأغلبية تحامي عن بلاد المغرب الوسطى وبلاد إفريقية، ونصرت في غزوات بالممالك النصرانية التي على سواحل البحر الأبيض المتوسط، وأدخلوا في الأقاليم الإفريقية جميع مبادئ التمدن الإسلامي التي كانت بالشام والعراق، وأنشئوا مدينتي القصر القديم ورصادة، وأخذوا يقيمون في تونس والقيروان وطرابلس، فامتلأت تلك المدن مباني أبدت للناظرين الأقواس الحادة والدعامة المزخرفة على حسب فن العمارة الروماني، وبنوا قناطر على مجاري سيول أمطار سريعة التيار، واجتهدوا في إحياء العلوم والصنائع والتجارة والفلاحة، وأنشئوا مراكز تجارية سهلت مخالطة سكان الصحراء بسكان السواحل، وجددوا طرقا أبدوا فيها الأمن، وجعلوا نظارة محال البوستة في أيدي أعيان البلاد، ورتبوا بتلك المحال ملاحظين لإبقاء التواصل التام بواسطة السعاة والبريد الخيالي من ابتداء حدود المغرب إلى حدود مملكة مصر، وعمروا سفنا بحرية حكموا بها على البحر الأبيض المتوسط. # المبحث الرابع: في الغزوات البحرية لبني الأغلب واستيلائهم على جزيرة سيسيليا وبلوغها شأو التقدم زمن تحكمهم عليها # أخذ بنو الأغلب يغزون في سائر القرن الثامن من الميلاد سواحل البحر الأبيض المتوسط، ويبعثون في السفن رجالا يخربون سواحل مملكتي إيطاليا وفرنسا وجزائر قرسقة وسردينيا وسيسيليا، وبالغ مؤرخو الفرنج في الحكايات المتعلقة بتلك الغارات، واضطربت أقوالهم في أزمنة الغارات. وقال مؤرخو الإسلام: إن بني الأغلب غزوا بعد جلوسهم على سرير السلطنة جزيرة قرسقة في سني 710 و713 و772 ميلادية، وجزيرة ms126 سردينيا في سنتي 724 و739، وجزيرة سيسيليا في سني 720 و724 و743 و747 و773 ميلادية، ثم غزوا جزائر لورنس ومالطة وغزوا سواحل إقليمي بوليا وقالبره، وترك اليونان جزائر بليارة وقرسقة وسردينيا حين هجم عليها هؤلاء، فطلب بطرك رومية المدائن من ملوك الفرنج أن يجعلوها تحت حمايتهم؛ فجهز شرلمانيه ملك فرنسا سفنا حفظت تلك المدائن من صولة العرب حتى مات سنة 814، فعاد العرب إلى غاراتهم زمن المقاتلات الداخلية في عهد ملك فرنسا «لويز # Louis # الهادي»، فتعدى عرب إسبانيا على سواحل فرنسا وجزيرة قرسقة أكثر من غيرها وعرب مغرب إفريقية على سواحل إيطاليا وجزيرتي سردينيا وسيسيليا التي شتم حاكمها ضابطا يونانيا يسمى «أوفيميوس # Euphémios ~~»؛ فأخذها ذلك الضابط قهرا وغار منه ضابط معه، فأخذ منه مدينتي بالرمة وسيراغوسة؛ فذهب أوفيميوس إلى زيادة الله خليفة إبراهيم بن الأغلب، فأنجده بجيش تحت قيادة القاضي أسد مؤلف الأسدية، سار بسفن من مينا سوس حتى بلغ مينا مزارة سنة 827، فحارب هو والضابط، ونصرا على العدو بالبيداء وعجزا عن فتح المدن، خصوصا بالرمة وسيراغوسة وقصرياني، ومات القاضي أسد وأراد جيشه العود إلى بلادهم بإشارة الضابط اليوناني، فرأوا أمامهم سفنا يونانية تمنعهم المرور، فأحرقوا سفنهم سنة 828 وأقسموا ليأخذن سيسيليا. ثم مات الضابط، فأشرفوا على الهلاك حتى قدم محمد بن الأغلب وأتى سيسيليا بثلاثمائة سفينة أغاثتهم، وأخذت مدينتي جرجنتي ومزارة ثم بالرمة سنة 831، فأيقن الناس بفتح سائر الجزيرة التي أمدها إمبراطور القسطنطينية اليوناني سنة 836 بجيش هزمه العرب قرب قصرياني التي قاومت العرب ولم تسلم إليهم إلا سنة 859، وتبعها في المقاومة مدائن أوتو وطارومينة وقطانة وسراقسطة، ولم تسلم لهم إلا في سنة 878. # وآخر انتصار العرب على جميع أهل هذه الجزيرة ما كان بها من الفشل الداخلي، وتعدد الولاة عليها من سنة 871 إلى سنة 873 ميلادية؛ فقد تولى في تلك المدة سبعة ولاة على تلك الجزيرة التي لم ينتشر بها المسلمون لقلتهم، بل سكنوا مدنها بعد أن استسلموا النصارى، ونهبوا كثيرا من الكنائس والديور، وقدروا الخراج؛ فانتفت التغيرات والزيادات ms127 التي كان وزراء السلاطين اليونانية يتخذونها لأنفسهم، وقسموا تلك البلاد إلى إقليمين السراغوسي والباترميتاني. # وتولى في مدائن مزارة ونوتو ومونة ثلاثة ولاة تحت يد كل وال حاكم فوق القائدين الموكلين بإدارة المصالح في الخطط التي دون تلك الولايات. وبالجملة أجاد العرب في ترتيب وتقسيم تلك البلاد، وقدموا فيها الفلاحة والصنائع، نقلوا إليها شجرات القطن من الشام وقصب السكر من طرابلس الغرب ولسان العصفور والفستق، واستخرجوا ما فيها من معادن الفضة والحديد والنحاس والكبريت والملح الأندراني، واستعملوا أنواع الرخام والفرفيري والصوان واليشم في المباني الموجود منها في ضواحي بالرمة عدة قلاع تؤذن بمهارتهم في فن العمارة، وفشا نسج الحرير بجزيرة سيسيليا، ومنها انتشر في أوروبا في القرن الثاني عشر بعد الميلاد على ما قيل. # المبحث الخامس: في جولان الأغلبيين في ممالك إيطاليا وتأسيسيهم عدة نزلات إسلامية على سواحل البحر الأبيض المتوسط # لما أخذت العرب جزيرة سيسيليا وخربوا جزيرتي بنزا وإيشيا، ونهبوا سواحل إقليم قالبرة، وأغاروا على مصب نهر التبر، وأخذوا مدينة بالرمة سنة 836، تقدموا إلى إيطاليا فحاربوا ملك فرنسا بعد شرلمانيه، كما حاربوا اليونان بإقليم أبوليا والأمراء اللمبردية أصحاب مدينة بنيوان، وأخذوا مدينة برندس ثم مدينة باري سنة 839، وأخذوا المينا التي بالبحر الأدرياتيقي، فتمكنوا أن يخربوا سواحل دلماسيا وسواحل الأقاليم الشرقية من إيطاليا، ويهددوا بلاد بيولوبونيسة والجزائر اليونانية بالتغلب عليها؛ حيث تركها سلاطين القسطنطينية بلا إغاثة، وأخذوا مدينة ترنتة سنة 844 زمن الفشل بإيطاليا، وأغاروا على دوقة بنيوان وخربوا الدير الكبير الكثير الأموال المسمى دير جبل قسين، وأغاروا على مدينتي غابيطة وأماقي، فقابلهم أهلهما بعظيم البسالة ومدينتا سالرنة ونابلي إذ ذاك في خطر عظيم، وبنى العرب قلعة على مصب نهير غار يليانون ثم أرادوا السفر في نهر التبر إلى داخل البلاد؛ فأمر البابا برومة أن يعلوا الناس سور مدينة أستيه، فأغاروا على ضواحي مدينة رومة، ونهبوا كنيستي ماري بولص وماري بطرس، وعادوا بالغنائم سنة 846، فهدموا الاستحكامات الحربية في سويطا ويكشيا، ثم عادوا للإغارة على أقاليم إيطاليا سنة 848، فوجدوا سلسلة حديد معترضة ms128 بنهر التبر وجميع البلاد شاهرة أسلحتها تحت قيادة البابا ليون الرابع، فذهبوا إلى جارجليانو. # وقد حرك ما كان بمدينة رومة من الأخطار غيرة ملك إيطاليا لويز الثاني؛ حيث تصدى للمحاماة عن النصارى، ونزل في إقليم بوليا، وقاتل العرب سنة 868 في نواحي مدينة لوسيرة سنة 867، فغلبهم وقاومهم ثلاث سنين حتى أخذ مدينة باري سنة 871، ثم استعان باليونانية وغلب العرب بمدينة سالرمة سنة 875، ولم يترك بأيديهم من إيطاليا إلا مدينة ترنتة، ثم تعاهد العرب بعد خروجهم من إيطاليا مع أهل مدائن نابلي وأمالقي وسالرنة، وتوجهوا إلى ممالك الكنيسة الكبرى الرومانية، وهددوا البابا حنا، وتغلبوا على بلاده حتى على مدينتي رومة وراوينة، فأبعدهم عن بلاده بوعدهم جزية قدرها خمسة وعشرون ألف رطل فضة كل رطل ثماني أواق، ثم ذهب سنة 880 إلى ملك فرنسا ثم ملك ألمانيا يستنجدهما، إلا أن العرب انكفوا بعد مشارطته على هذه الجزية عن الغارة على إيطاليا، وكان نهبهم مدينة قابو آخر غاراتهم حتى انتهى القرن التاسع من الميلاد. # وقد بدا في تلك الفترة الزمانية اختلال الأحكام والحوادث التي دبرها كل من «تيودورة وماروزيه # Téodora Marozi ~~»، مع تفاشل العرب وتمزق الأقاليم الإفريقية التي هي مركز شوكتهم بالمقاتلات الداخلية. ولقد كانت المنشآت العربية بسواحل البحر الأبيض المتوسط مهمة نظرا إلى المقاصد السياسية، وكذا التجارية؛ حيث كان بجوار قلعتها مكتب تجاري بين العرب واللمبردية، وعقد جمهور أملغي مع العرب شروطا أخذوا بها ناحية من نواحي مدينة بالرمة. # وقد كابد أهل مدينة البنادقة مشاق كثيرة من العرب، واستعانوا سنة 870 باليونانية، فغلبهم العرب، وتمكنوا من أخذهم مدينة غرادو، وتسلطنوا في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي على سواحل البحر الأبيض المتوسط، وملكوا غير جزيرة سيسيليا جزائر مالطة وغزو وكامينوا وبنتلاريه، وأخذوا بعد مدينة بالرمة جزيرة سردينيا، وأخذوا أيضا بقرب مدينة سنت ترويز محطة مهمة تعرف بمحطة فركسينيت التي سهلت للعرب الطريق إلى جبال ألبه بلا منازع، وذلك سوى ما أخذوه من جزيرة قرسقة والجزائر البليارية. # وبذلك يعلم أن ما حازه العرب ms129 من الفتوحات بالبحر الأبيض المتوسط تعلو فتوحات عرب إفريقية وعرب إسبانيا. # المبحث السادس: في سلب الفاطمية السلطنة من الأغلبية وتداخل خلفاء قرطبة بينهما # قد حسن الأغلبيون سياستهم بحسن معاملتهم ورفقهم بالناس، وصدوا الطولونية المغيرين عليهم حين استقلوا بأحكام الديار المصرية، ثم تسلطن منهم أبو إسحاق من سنة 877 إلى سنة 902، وفعل مظالم أبغضت بها الناس عائلته، فأخذ العلوية يثيرون الناس عليه، وبعثوا في البلاد رسلا يخبرون أن السلطنة ستنقل إلى مهدي ثان أخبر النبي بظهوره سنة ثلاثمائة هجرية، ووجوب المسارعة إلى طاعته، وما زالوا كذلك حتى بثوا هذه الدعوة لدى الرعايا، وقام على أبي النصر زيادة الله الأغلبي شقيقه وطرده من القيروان، ففر إلى مصر ثم إلى العراق العربي، ولقب عبيد الله الفاطمي نفسه بأمير المؤمنين بعد أن كان مكتفيا بلقب المهدي، وأمر ببناء المهدية ليتخذها تختا ويهجر القيروان، وشرع حين أشرفت على التمام في فتوحات انقاد له فيها جزيرتا سيسيليا وسردينيا، وسار برجال أخذ بهم صحاري برقة، وأخذ الجزية سنة 931 ممن استقلوا بالحكم كالملك الإدريسي سلطان المغرب الأقصى وعائلة مكناز في مكناسة والمدرارية في سجلماسة والرسطامية في طهرت وغيرها، ثم بعد عن تلك البلاد فعاد من بها إلى الشقاق، وأغار أمير مكناسة، فطرد أمير فاس الإدريسي الذي بذل عرب زناتة نفوسهم له واستنجدوا الخليفة الأموي صاحب إسبانيا؛ فبعث كتائب مكثت بمدينتي طنجة وسبتة زمنا عملوا فيه استحكامات حربية، ثم أغاروا على الفاطمية بفاس سنة 933، فأخذوا فاس وتولى الإدريسي على جميع المغرب الأقصى من طرف الخليفة الأموي، ثم هجم في سنة 954 قائد من قواد العساكر الأموية على تونس، فضرب عليها غرامات لنهبهم منه قبل ذلك سفينة بها أرقاء لخليفة قرطبة الأموي، فسار عبيد الله الفاطمي بجيش من كتامة وصنهاجة مزق بهم سنة 960 شمل والي طهرت من قبل الخليفة الأموي؛ ففتحت له مدينتا فاس وسلجماسة أبوابهما، وتبعهما سائر المدن إلا مدائن سبتة وطنجة وتلمسان؛ لاشتمالها على بقايا جيش والي طهرت، ثم ترك المعز لدين الله تلك البلاد، فعادت ms130 خطبتها إلى الخليفة الأموي. # المبحث السابع: في ترك الفاطميين بلاد المغرب للزيرية وتوطن العائلة الحمادية في مدينة بجاية # طمع عبيد الله الفاطمي في إعدام الشوكة الدينية لبني العباس في المشرق، فوجه إلى الديار المصرية عدة جيوش آخرها جيش جوهر القائد الذي فتحها سنة 969 ميلادية، فأسس بالقاهرة الخلافة الثالثة للفاطمية الذين ذكروا من ذلك الوقت بالتواريخ المشرقية، وأعرضوا عن الالتفات إلى ممالكهم المغربية، فعرضوا سنة 971 على يوسف بن بلقين بن زيري شيخ قبيلة صنهاجة أن يخلفهم في الحكم عليها مع الاعتراف بسلطنتهم؛ فقبل وأسس عائلة حكمت أكثر من قرن ونصف تحت يد الأموية أصحاب إسبانيا لانفصال الإيالة المصرية عن الأقاليم الغربية، وهو إذ ذاك مجتهد في الاستقلال بالحكم حتى يئس فانضم إلى الإدريسية وبني زناتة، وأثارهم على الأموية الذين بطشوا بعد ذلك بالإدريسية، وأزالوا ملكهم من سنة 976 إلى سنة 985 وبابن بلقين وابنه الأمير منصور، فنكصت الزيرية عن توسيع ملكها سنة 1005، ولم يحفظوا فتوحات الأغلبيين في البحر الأبيض المتوسط؛ وذلك أن ملوك الجرمانية ملكوا معظم ممالك إيطاليا، فانضمت الزيرية إلى اليونان وصدوا من ملوك إيطاليا «أوثون # Othon ~~» الأكبر سنة 972 وأوثون الثاني في واقعة بازنتلوا سنة 982، ثم هزم أوثون الثالث الزيرية واليونان، ولم يبق لهم بإيطاليا إلا مدينة ترنتة، وكان ولاة جزيرة سردينيا يفزعون من مدينتي جنويزة وبيزة لعلو شأنهما وتقدم عماراتهما البحرية، وهجموا على جنويزة سنة 936 فأخذوها عنوة؛ فاحترس أهلها من مثل ذلك، وغاب عن بيزة شبانها، فهجم عليها الزيرية سنة 1005، وكادوا يأخذونها لولا امرأة شجعت الناس فنجت بها المدينة من الزيرية الذين لم يكن لهم في داخل بلادهم شوكة، وقصر حكمهم على إقليم تونس والساحل ومدينة الجزائر ومدينة بجاية ونحوهما، وأبت كتامة الانقياد لابن بلقين شيخ صنهاجة، وساعدت الأموية على قبائل زناتة، وكان من الزيرية أمير يسمى حمادا استقل في جنوب سهول بجاية بالحكم على مدينة أشير وأمراء آخرون بعضهم متوطن بمدائن مختلفة وبعض يحكم قبائل في البراري. وبالجملة كانوا محصورين في قواعد بلادهم، منهمكين ms131 في إفناء أموالهم الوافرة في زخارف قصورهم وأوطارهم البهيمية وأحوالهم الفاسدة التي ظن بها الناس أن لا يبقى التمدن في عصر هؤلاء على ما كان عليه في إفريقية أيام الأغلبية، إلا أن اتصال الإيالة المصرية وما فيها من ارتفاع منار العلم منع ما تقتضيه تلك الأحوال الفاسدة. # هذا ما كان عليه عرب إفريقية في ابتداء القرن الحادي عشر بعد الميلاد من أخذهم في الانفصال واقترابهم من الانحطاط، وكذلك كان عرب إسبانيا بعد أن مضى عليهم عصر طويل نالوا فيه عظيم الفخار والسلطان. # المبحث الثامن: في عز إسبانيا وجلالتها من الأموية وخلافة عبد الرحمن الأموي الأول # لبث هذا الخليفة بجزيرة إسبانيا على حالة التمدن مفارقا للجهالة والخشونة التي كان عليها الأمم الغربية ثلاثمائة سنة، خضع فيها من في أوروبا من المسيحيين لسلطان القوة، وعنيت فيها العرب بتحصيل العلوم والفنون اختيارا لا جبرا كما فعل الفرنج امتثالا لملكهم شرلمانيه، وشاركت الخلفاء الرعايا في الآراء العامة، واشتياقهم إلى تقدم المعارف والصنائع، وظهرت في إسبانيا مبادي التمدن العربي من سنة 711 بسبب نظامات أحدثتها الفتوحات الإسلامية، ثم كان بها حروب أوقفت إدراتها السياسية حتى جلس عبد الرحمن الأول الأموي على سرير الخلافة سنة 755، فأزالها واتبع الشعائر الدينية، فأثبت في عقول رعاياه احترام عائلته الأموية والشعائر الدينية، فنمت في أسرع وقت جميع وسائل السعادة العامة، وذهب من إسبانيا ما كان بإفريقية والممالك الشرقية من التعصب الديني الموجب إراقة كثير من الدماء؛ لانعزال فرق العقائد عن السياسة وانحصارها في علمي الآداب الدينية والفلسفة، ولم يخرج جدالها عن منهج الاعتدال، ولبث عبد الرحمن الأول في الخلافة إلى سنة 787 حسن النظر السياسي لطيف الطبع شجاعا يؤثر ما تنتجه الفنون والصنائع من الأعمال الجليلة، وما تبتدعه العقول السليمة من الأشياء التي ترفع العقل وترقيه عن الزينة والتحلي بالجواهر الثمينة، لقبته رعاياه بالعادل لما يرون من أن العدالة أول الفضائل. # المبحث التاسع: في اقتفاء خلفاء عبد الرحمن الأول آثاره وفي فخامة عبد الرحمن الثالث # ولي الخلافة بعد عبد الرحمن ms132 الأول ولده هشام سنة 787، غلب عليه الحلم والإحسان؛ فأحبته رعاياه، وأنشأ عدة عمارات اكتسب فيها الفقراء والمساكين، فضلا عما يفيضه عليهم من بحار زكاته وصدقاته، نصح قبل وفاته ولده الحاكم بقوله: يا بني، إن الممالك ملك لله، وهو يؤتيها من يشاء وينزعها ممن يشاء كما يختار، وحيثما إنه قد أجلسنا على سرير سلطنة إسبانيا، فلنشكره جزيل الشكر الأبدي، ولنصنع الخير بخلقه لنكون عاملين طبق أوامره المقدسة؛ فإنه تعالى لم يجعل فينا الشوكة العظمى إلا لنفعل الخير بعباده، فلتجعل عدلك مستقيما بين الغني والفقير، وعامل جنودك برفق وبر، وأمرهم بالحماية عن البلاد وانههم عن الظلم والجور بين العباد، وحام عن الفلاحين الذين نقتات من نتائج أشغالهم، واستلفت نظرك نحو مزارعهم ومحصولاتهم؛ حتى تكون الرعية سعيدة الحال في ظل سلطنتك، ولتتمتع الرعية في الأمن بخيرات الحياة ونعيمها. توفي سنة 795 فخلفه ابنه الحاكم، وكان متكبرا قاسيا غليظ الطبع معتزلا عن الناس، فأضاع بذلك بهجة علمه وشجاعته. اعتراه عند كبره خبل حمله على الانتقام حتى غلبت عليه الحسرات عند موته سنة 821. # فخلفه ابنه عبد الرحمن الثاني المعاصر للمأمون العباسي، وكان كجده هشام في الحلم والإحسان زائدا عليه بشدة رغبته في الفنون، حف بالشعراء والبارعين في المويسيقى، فأحدث في أخلاق عرب إسبانيا عظيم الرقة حتى اختص ذلك بعد بالطائفة الشوالية، عاقب جارية فعلت غير مراده بسد باب مكانها بقطع من فضة، وكلفها هدم ذلك بيدها. مات سنة 852. # فخلفه محمد الأول إلى سنة 886 والمنذر إلى سنة 888، وعبد الله إلى سنة 912 سلكوا المسالك الحميدة في تدبير الممالك ولزموا العدل، غير أنهم لم ينشئوا مباني لمقاتلات داخلية. # ولي بعدهم الخلافة عبد الرحمن الثالث سنة 912، فأدخل في إسبانيا علوم بغداد، واجتهد في تقديم العلوم والفنون، وجمل قرطبة ومدائن الأندلس بالمباني الفاخرة، وبنى قرب قرطبة لجاريته زهرة قصرا وصفته التواريخ العربية بما لا يتصوره الذهن، وكان عصره أزهر أعصر خلفاء الأموية في إسبانيا لذهاب الشقاق والمخاصمات التي أطفأ نارها قريبه الأمير المظفر، وانقاد له المغرب الأقصى في ms133 إفريقية. وبالجملة كان حائزا للنصر الحربي والعلم الفائق والمال الوافر والزينة وجميع أسباب الاشتهار الدنيوي، إلا أنه كان سيئ البخت؛ حيث قتل من أولاده واحدا، كان يحزب الناس عليه ليتولى الخلافة بعده، ثم كف نفسه عن جميع الملاذ حتى مات سنة 961، فوجد في بعض أوراقه ما نصه أنه قد مضت خمسون سنة من منذ ما توليت الخلافة وتمتعت بعلو الشأن وكثير من خزائن الأموال والملاذ والحظوظ حتى أنفدت كل ما ظفرت به منها، وإن الملوك المقارنين لي في عصري يعتبرونني ويخشونني ويغبطونني، وجميع ما تشتهيه الرجال قد أنعم به الله علي من فضله. وقد أحصيت في مدة خلافتي التي قضيتها في العز والسعادة الظاهرة الأيام التي ظننتني فيها سعيدا فرأيتها أربعة عشر يوما؛ فيا أيها الناس قدروا بعقولكم ما قيمة عظمة الملوك والدنيا والحياة. # المبحث العاشر: في محمد الحاكم الثاني وهشام الثاني وحكم المنصور # تولى الحاكم الثاني الخلافة سنة 961، فأعمل فكره فيما فيه سعادة الرعية وتكثيرا لأشغال العامة النفع، وعدل عن الزخرفة فكثرت الأموال فنقص الخراج، ثم مات بعد 15 سنة وابنه هشام الثاني طفل، فتولى حكم إسبانيا المنصور الذي كان مقلدا بحماية الخليفة حتى مات سنة إحدى وألف، فخلفه ابنه عبد الملك الملقب بلقب أبيه والجاري على نهجه حتى مات سنة ثمان وألف، فتولى الخلافة هشام الثاني، وعجز عن مقاومة الأعداء لسوء تدبيره؛ فأخذت الدولة في الانحطاط. # المبحث الحادي عشر: في سياسة الأموية بإسبانيا واضطرابات تلك المملكة زمن خلافتهم # تولى الأموية الخلافة بقرطبة ثلاثة قرون فعلوا فيها فوائد نفيسة، منها أنهم لم يصرفوا إيراد إسبانيا في الغزوات البعيدة، وأضمروا بغض بني العباس الذين قتلوا الأموية بدمشق وسلبوا الخلافة منهم، وأراد الأمير يوسف أن يحكم إسبانيا نائبا عن خلفاء العراق العربي، فصدت الأموية غارة معاهده علي بن مغيث والي قيروان من غير أن يشهروا سلاحا، واستمالهم اليونانية في سني 823 و841 و849 إلى قتال عرب ممالك الإسلام المشرقية، فقبلوا ذلك ووعدوهم المساعدة، ولكن لم يفعلوا من ذلك شيئا، وكان بالمغرب ms134 الأقصى قبائل الزناتة عاصين ففتحوه سنة 931 بعد ذهاب كثير من الرجال والنقود، ولم يحدثوا نزلات إلا في إفريقية، بل اقتصروا منها على المغرب الأقصى لسهولة بعث جيوشهم إليه، وأوقفوا بفتحهم المغرب تقدمات الفاطمية العازمين إذ ذاك على الإغارة على إسبانيا قبل الديار المصرية، ولم تزل قرطبة مركز حكومتهم ثلاثمائة سنة تخلفوا فيها مع انحصار القوة النافذة الحكم في رجل واحد منهم، إلا أن الفتن ما زالت تشتعل بينهم ويطفئونها، ومنها ما كان في ابتداء القرن الثامن الميلادي؛ فإن عبد الرحمن الأول عهد بالخلافة لابنه الثالث هشام الأول فشق ذلك على ولديه الأول والثاني، وهما سليمان وعبد الله اللذان حاربا أخاهما سنة 789 ليسلباه الخلافة أو يستقلا ولو في إقليمي مريدة وطليطلة، فهزمهما في واقعة بلش، ثم انقادا له وعفا عنهما، ثم مات سنة 796 ميلادية، وخلفه ابنه الحاكم فثار عليه عماه سليمان وعبد الله في كثير من ولاة البلاد طالبين قسمة إسبانيا أثلاثا، فهزمهم الحاكم في واقعة لرقة، ثم في واقعة أخرى بسهول مدينة مرسية سنة 800 التي مات فيها سليمان، وقد عفا عن عبد الله ثم مات سنة 812، فخلفه ابنه عبد الرحمن الثاني، وسارع يجيش إلى مدينة والنسة التي وثب إليها عبد الله عم أبيه في كثير استأجرهم من رجال إفريقية فخيره بين الحرب والانقياد إليه، فاختار الحرب ثم نكص عنها لأمر رآه وألقى نفسه بين الخليفة عبد الرحمن سنة 821، فقابله بالاحترام وأباح له التصرف في أمواله الخاصة، ثم سعى أولاد الأمير عبد الله سنة 895، والخليفة عبد الرحمن الثالث سنة 949 في تقويم الرعية، فأخمدا نار تلك الفتنة بتدبيرهما، ولم يكن بين الخلفاء الأموية غير هذه الحرب إلى القرن الحادي عشر بعد الميلاد، وأما ولاة الأقاليم الإسبانية فقد أبدوا للخلفاء معارضة، ولم يمتثلوا أوامرهم إلا خوف أن يسلبوا مناصبهم، بل طمعوا في الاستقلال حين رأوا أنفسهم ذوي قوة، واستعدوا للإعلان بالاستقلال إذا رأوا خليفة حلت به مصيبة. وأما الولاة الذين أوقعوا المسلمين في أكبر الورطات بعد تشتيت أحزاب ms135 الأمير يوسف فهم ولاة كارمونة وبايظة المعينين لعلي بن مغيث على غزواته سنة 761، ووالي طرسوس المساعد للأمير سليمان وأخيه عبد الله على عصيانهما مرات، ثم أضرم القتال في شمال إسبانيا مدة سنة ولاة سراقسطة ومريدة وطليطلة وحوسقة حين حثهم على ذلك رجلان لا يعرف أصلهما، وهما عمر بن حسن وابنه كالب، وكان عمر لصا يقطع الطريق، ثم سار بولده إلى بلاد بين بلاد النصارى والمسلمين مظهرا أن يسكن بلادا حائرة عن الفريقين يعتبر فيها الدينين على السواء، ثم عضده كثير من الولاة والقواد وحكم من سنة 863 إلى سنة 866 أكثر إقليم أراغون، ثم غلبه الخليفة محمد، فالتجأ إلى جبال برينة بين إسبانيا وفرنسا، وألف جموعا فتحوا بمساعدة ملك إيالة نوارة إقليم أراغون ثانيا من جبال برينة إلى نهر إبرة، ثم قتل في واقعة أيبر، فأخذ ولده كالب بثأره وشد عزمه لمقاومة المنذر، وأخذ طليطلة وكذا قونسة سنة 886 بعد أن فتحت له أبوابهما، ثم سار بجيوشه حتى قرب من الوادي اليانع ومن الوادي الكبير، وهو يثير أعداء الخلفاء عليهم في سائر الجهات من سنة 888 إلى سنة 889 ميلادية وملك جميع البلاد من مدينة طالورة إلى منبع نهر التاج، وكذا إيالة أراغون وجزء من إيالة قطالونية والسواحل من مدينة طرسوس إلى مدينة مرسية، وارتاح من مناوشات المسلمين، فأصر على الإغارة على النصارى، فانهزم في واقعة زامورة سنة 891، وتعصب عليه الخلفاء الأموية وملوك مملكة ليون؛ فانتصر عليه الخليفة عبد الرحمن الثالث سنة 913، فانقاد له جميع الجهات الشرقية من إسبانيا، ورجع إليه بعد شهر مائتا مدينة، فلم يبق بيد كالب إلا طليطلة ومدن قليلة من إيالة أراغون، وبقي بعد ذلك عشر سنين مقاوما لأعدائه المذعورين من بطشه الشائع، ثم مات بعد سنة 922 فتفرق حزبه إلا طليطلة؛ فإن سكانها يهود ونصارى كانت لهم الغلبة السياسية في إسبانيا، ثم انقادوا للحكم الإسلامي قهرا حتى انتهزوا فرصة عصيان الأموية، فما زالوا كذلك مرتقبين أن يعود إليهم ما ذهب حتى كابدوا بعد موت كالب ms136 أهوال المجاعة، فانقادوا سنة 927 وكانوا قبل حزب كالب مجبورين على الانقياد للحاكم سنة 800، وعبد الرحمن سنة 828 إلى سنة 838، ومحمد الأول سنة 853 إلى سنة 859. # وكان في هذه المدينة من أنواع العصيان الهائلة ما لم يوجد في عصيان مدينة مريدة سنة 827، وعصيان جبال الويرة سنة 926 الناشئين عن التشديد في تحصيل الخراج، وأن ترتب عليهما مقاتلات في نواحي البكزرا وشواطئ نهر التاج، كما عصت قرطبة الحاكم بن هشام سنة 817 ميلادية حين رتب لحفظه خفراء جعل لهم جمارك المتاجر المجلوبة من البلاد الأجنبية، فكان بذلك في سائر الجهات ثورة أراد الخليفة العقاب عليها، فانقض الناس على خفرائه وذبحوا منهم كثيرا، فسار بمماليكه وعبيده لقمع أهل قرطبة فهرب من وجد له مفرا، ونهبت بيوتهم في ضواحي المدينة، وارتحلوا بعائلاتهم من إسبانيا، وتوجه بعض إلى ناحية فاس فأكرمه أميرها إدريس بن إدريس، وصار الباقي لصوصا بحرية نهبوا الإسكندرية وفتحوا سنة 820 جزيرة كربد، ثم أنشئوا فيها مدينة قندية سنة 843. # وكان الأوائل من خلفاء عبد الرحمن الأول يتخذون خفراءهم من مغاربة الزناتة، ثم أحضر عبد الله من القسطنطينية سنة 900 من الميلاد ومن بعده أرقاء من سلاوونية، وعلموهم حركات السلاح، واتخذوهم خدما انتفت بهم المشاجرات بين العرب وبربر إفريقية من سنة 755 إلى سنة 1008 ميلادية، ولم يكن لهم دخول في السياسة لقوة الخلفاء حتى أخذت الدولة في الانحطاط في ابتداء القرن الحادي عشر، فظهر تداخلهم في الأمور السياسية. # المبحث الثاني عشر: في حروب المسلمين مع النصارى بإسبانيا # كان عرب إسبانيا متوطنين في أقاليم سبتيمانية خلف جبال برينة لديهم مخاصمات واضطرابات، مع احتياجهم إلى مقاومة النصارى بأقاليم استورية وبلاد الغالة وجبال برينة وجبال مملكة أوقييد، وكذا بحدود إيالة جاليسة؛ فإن الأمير ببلاد الغوطي ألزم أمراء إسبانيا قبل عبد الرحمن الأول أن يتركوا بهذه الحدود إمارة صغيرة تأوي إليها النصارى. # ثم ولي عبد الرحمن الأول الخلافة، فوجد هذه الإمارة ثابتة الأساس في شمال نهر منهو وسكان جبال برينة يمنعون الجيوش الإسبانية من المرور ms137 بإقليم قطالونية إلى بلاد سبتيمانية، حين حاصر مدينة تربونة الفرنساوية والملك «بيبين Pépin ~~» القصير سنة 756 ميلادية، فضم هذا الخليفة إليه ملوك أوفيد، وأوقع الرعب في قلوب هؤلاء النصارى حتى انقادوا لأن يؤدوا الجزية كل سنة عشرة آلاف أوقية ذهب، وعشرة آلاف رطل فضة وعشرة آلاف فرس، وعشرة آلاف بغل وألف ذراع من الزرد، ومثلها من الرماح والسيوف، ثم بلغه تسليم مدينة تربونة لمحاصريها وضياع جميع إقليم سبتيمانيا من العرب 760 ميلادية، وظن أن لا قدرة له على فتح الدرب لتمر جيوشه من جبال برينة، ثم خلط شرلمانيه ملك فرنسا الرومانيين بالجرمانية، ثم أغاروا على إيالتي قطالونية وأراغون، وخربوا جميع ما مروا عليه من البلاد حتى بلغوا شواطئ نهر إبرة، ثم غدر بهم حين رجوعهم من جبال برينة النواريون والوسقونيون المنضمون إلى العرب، وقتلوا «رولند # Roland ~~» ابن أخي شرلمانيه، وأخذوا غنائمهم وعاد لعبد الرحمن الأول إيالتا قطالونية وأراغون إلا مدينة جيرونية، فدخلت سنة 793 تحت طاعة ابنه هشام الذي بعث جيشا يفتح سبتيمانية ثانيا فأخذ تربونة، فكلف شرلمانيه ولده لويز ملك إيالة أكيتانيه أن يحارب العرب، فكان بينهما بحدود جبال برينة من سنة 796 إلى سنة 812 ميلادية حرب أخذ فيها لويز بلاد نوارة وما بين ابتداء السجر إلى ساحل البحر من بلاد قطالونية، وانضم إلى الفرنساوية نصارى أستورية في أكثر غزواتهم فامتنعوا من تأدية الجزية، وشهروا السلاح وعساكر المسلمين مفرقة أقساما مع ضعف شوكتهم بعدم امتثال الولاة والقواد، فاحتموا من النصارى. # وملك القس الثاني المتسلطن سنة 793 إلى سنة 842 ما بين ابتداء نهر منهو وشواطئ نهر الدويرو، وحصر مقاتلته العرب في حوالي مدينة زامورة، ومات الملك شرلمانيه فاستقل ولاة البلاد بالحكم، وقاتلوا الجيوش الإسلامية عند مرورها بإسبانيا، وتلقب والي نوارة سنة 835 بالملك، وأخذ يغير على بلاد قسطيلة وأراغون، فكان إذ ذاك بين النصارى والمسلمين حرب عمت دماؤها الأرض؛ فإن الخلفاء وملوك النصارى وإن تهادنوا مرات على ترك الحرب إلا أن سكان الحدود الفاصلة بين البلاد الإسلامية والنصرانية ms138 لم يكن بينهم مهادنة، بل كانوا دائما يتواعدون الملاقاة في تلك الحدود، ثم كان سنة 872 واقعة على شواطئ نهر صهاجون الملتقى بنهر الدوير، وقاتل فيها عساكر ملوك نوارة وليون تحت لواء واحد، وسفك فيها كثير من الدماء، ولم يظهر أحد الفريقين على الآخر وسنة 878 واقعة في سهول مدينة زامورة نصر فيها الملك ألفنس الثالث المشهور بالأكبر، وملك في هذه الواقعة زامورة، وتيسر له السبيل إلى البلاد المروية بنهر التاج؛ فأغار أهل غاليسة على مدن ويزو ولاميغو وقومبرة وسالمنك حتى مدينة طالورة، فظهر كمتات قسطيلة، وانتهزوا الفرصة بعصيان عمر بن حسن وابنه كالب في توسيع دائرة شوكتهم. # ولم تزل الأموية مشغولين بما بينهم من المشاجرات الداخلية عن محاربة النصارى الذين تقدموا في غزواتهم، حتى كان بين كمتات قسطيلة وملوك نوارة وليون تنازع انتهز به الخليفة عبد الرحمن الثالث الفرصة في إعادة عصاة المؤمنين إلى طاعته، وقد حرض أولاد كالب رامير الثاني، فجال في البلاد حتى بلغ طالورة ففتك بها ضربا بالسلاح، وإحراقا بالنار، فبعث عبد الرحمن جيشا هائلا إلى بلاد غاليسة ومملكة ليون، فهزموا ملك ليون على شواطئ نهر الدوير وسنة 929، ثم سار النصارى سنة 934 في بلاد لوزيتانيا حتى بلغوا مدينتي بداجوز وإسبونة، ورجعوا خوفا من الجيوش الإسلامية. # واستنفر الخليفة عبد الرحمن الناس للجهاد سنة 938 ميلادية، وحاصر زامورة محصنة بسبعة أسوار وخندقين مملوءين ماء، وهجم عليه رامير الثاني بعساكره، ثم انهزم فدخل جيش المسلمين زامورة بعد أن هدموا جانبا من سورها، فرأوا خندقا أرادوا اجتيازه، ففتك بهم النصارى، وقتلوا منهم كثيرا جعلهم من بقي من المسلمين كالقنطرة، وعبروا عليهم إلى الجانب الآخر من الخندق، ثم دخلوا المدينة، ولبثوا بعد ذلك سنتين يحاربون النصارى وينصرون عليهم حتى طلب رامير الثاني سنة 941 الهدنة خمس سنين، فامتدت حتى مات الحاكم سنة 976 ميلادية. ومع ضعف النصارى عن تجديد حرب المسلمين لاضطرابات في مملكة ليون أثارها كمتات قسطيلة، وملك نوارة، ولم يدهمهم الخليفة عبد الرحمن مع استعداده لاستحسان تمتعه بفوائد ms139 الصلح، ثم عقد مودة مع «شنس # Sanche ~~» ملك قسطيلة، ثم ولي هشام الخلافة وله 11 سنة تحت وصاية امرأة، فخشي المسلمون من النصارى حتى ولي الصدارة محمد بن عبد الله بن علي المشهور في جميع الأندلس بشدة العزم وغزارة المعارف، ففرحوا لهذا الوزير الذي استنفرهم للجهاد وأعلنهم أنه يريد فتح جميع إسبانيا، وحلف ليؤبدن البغضاء للنصارى كما حلف في الأزمان السالفة القائد عنبال ليؤبدن البغضاء للأمة الرومانية، وأخذ يقود كل سنة جيشا يجول به في بلاد ليون وغاليسة وقسطيلة ونوارة وقطالونية، ثم يعود إلى محطاته الإسلامية ليقتسم الغنائم، خرب سنة 978 بلاد غاليسه؛ فلقب بالمنصور الذي غلب عليه من ذلك الوقت، وأخذ فيما بين هذه السنة وسنة 983 مدينتي ليون واسترغة، وتوجه سنة 984 إلى بلاد قطالونية فحارب «بوريل # Borel ~~» والي برسلونة من طرف فرنسا، وهزمه فوجب على سكان بلاد قطالونية أن يفتدوا أنفسهم وأموالهم، ثم أغار الوزير المنصور من سنة 986 إلى سنة 994 على بلاد غاليسة عدة مرات وصل في إحداهما إلى مدينة فمبستللة، وأحرق فيها الكنيسة المشهورة للقديس يعقوب وأخذ نواقيسها فوضعها بمسجد قرطبة، وهزم في سنة 995 ملك غرسية، ثم توجه لقمع الزناتة الإفريقية فعاد النصارى إلى المحاربة، وعاد بوريل المطرود من برسلونة إلى ممالكه بمساعدة فرنسا، ثم عاد هذا الوزير بعد إطاعته الزناتة إلى إسبانيا، فهزم النصارى في واقعة سرورة سنة ألف ميلادية، فاتفق شنس الأكبر وملك قسطيلة وألفنس الخامس ملك ليون، وحاربوا هذا الوزير سنة 1001 في نواحي قلعة النسور يوما لم يظهر فيه أحد الفريقين على الآخر، ثم هجم المتدرعون من الجيوش النصرانية، واخترقوا الجنود الإسلامية طولا وعرضا، وذبحوا منهم كثيرا، ثم فر بهم هذا الوزير مصابا بجروح، ولم تتبعه النصارى لخمود قوتهم، ولبث مدة لا يداوي جروحه كراهة له في الحياة بعد هذه الهزيمة التي كانت أول هزيمة له، ثم مات فأظهر المسلمون عظيم الأسف عليه. # وخلفه في الوزارة ابنه عبد الملك وأخذ يحارب النصارى في سهول قطالونية وليون من سنة 1001 ms140 إلى سنة 1058، وكان النصارى يفوقون عرب إسبانيا في معرفة الفنون الحربية وعلى شريفهم ووضيعهم اتباع الملك في الغزوات بخلاف عرب إسبانيا فمخيرون في السفر للجهاد إلا إذا استنفروا فينفرون جميعا مدة محدودة؛ ولذا كان للنصارى الفوقان عليهم في المعارك الحربية. وأما نصرات الوزير المنصور فلحمية كان يثيرها في عساكره الذين كان اندفاعهم على الأعداء لا يقاوم. # نعم كان للعرب في المعارك البحرية قوة لا تعادل ما كان لهم في مينيات قادس والجزيرة والمنقار والمرية وطرطوس وطراغونة من السفن المصنوعة بالمدن الثلاثة الأخيرة ومدينتي قرطاجنة وإشبيلية، وكان من الرعية كثير يجهز سفنا تجارية ينقل فيها تجارات المشرق إلى إسبانيا، ومنهم من يصنع للسرقة سفنا يغير بها على سواحل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وتعود عرب إسبانيا لبس الدروع والزرد، وقضى رؤساؤهم شبيبتهم في تعلم حركات المزاريق والسيوف التي استعملوها حين فتكهم بالنصارى الذين لم يعرفوا ذاك أن يقدموا تعلم الفنون الحربية على الفلاحة أو التمتع بالملاذ الذي استلزمه تقدمهم في التمدن. # المبحث الثالث عشر: في إنشاء عرب إسبانيا نزلات ومحال إسلامية في جزائر البحر الأبيض المتوسط اقتداء بما فعله الأغلبيون وفي دهمهم إقليم برونسة وإنشائهم نزلة في مدينة أفركسينيت وفي غارات القوم النرثمانية # توطن العرب سنة 820 ميلادية في جزائر بليارة، وأخذوا سنة 840 جزيرة قرسقة، فبقيت مستقلة عن غيرها بالحكم إلى سنة 850، وخربوا نواحي مدينتي مرسيليا وأرلس مرات، ووجدوا في نواحي مدينة سنترويز بقعة يمكنهم أن ينقضوا منها على جميع إقليم برونسة، فنزلوا في محطة أفركسينيت سنة 889، ومكثوا فيها جميع القرن العاشر. تزوج بعضهم نساء تلك الجهة، واشتغل بفلاحة أرضها، واشتغل بعض بقطع مرور الناس من فرنسا إلى إيطاليا، ثم جال سنة 935 في إقليمي تارنتيزة ووالس، ثم في بلاد سويسة التي نهبها المجر قبل ذلك، وألزموا سكان مدينتي فريجوس وطولون سنة 942 بالمهاجرة منهما. ~~ وقد همت مملكة سويج ونرويج المسماة أيضا بالمملكة الإسكنديناوية بالغارة على إسبانيا؛ حيث أخرجت سنة 843 في أرض لوزيتانيا المسماة الآن بمملكة البرتغال في غرب إسبانيا جيشا ms141 من النرثمانية للاستيلاء على مدينة لسبونة التي استنجد واليها جيرانه لصدهم، فذهبوا إلى مدينة صيدونة بإقليم الغرب ودهموها، وساروا سنة 844 في نهر الوادي الكبير حتى بلغوا إشبيلية، فنهبوا نواحيها، وأرادوا التوطن بها فأجلتهم مشايخ القبائل العربية، وأرسوا سفنهم قرب مدينتي ملاغة وقرطاجنة، فنهبوا المسجد الشهير بمدينة الجزيرة، ثم ارتحلوا وأفرطوا في النهب والتخريب، فحافظت الخلفاء بالسفن في جميع جهات السواحل، وبعثوا لطرد هؤلاء النرثمان سفنا حربية طردتهم وبعدت، فقد شوهد منها سفينة في مصب نهر لوارة غرب فرنسا على ما هو مدون في التواريخ القديمة باللغة الإنكليزية. # المبحث الرابع عشر: في اتساع أفهام العرب الإسبانية وحسن أخلاقهم واستعدادهم العقلي # فاق عرب إسبانيا الفرنج في العلوم والصنائع والأخلاق كبذل النفس والكرم، مع ما امتازوا به من معرفة قدرها وعزتها الناشئة عما اعتيد عندهم من تلاقي الخصمين بالسلاح؛ ولذا حلف بعض قواد العساكر أن لا يعود إلى مقابلة الخليفة عبد الله حين سخر من لحيته، وقد أبر في يمينه وأيقنت الفرنج ملوك قسطيلة ونوارة بصداقة عرب إسبانيا وإكرامهم للضيوف، فذهب عدة منهم إلى قرطبة يستشيرون حكماءها المشتهرين بالطب، وكان هؤلاء العرب في سائر الجهات منقادين لأبي العائلة، مبجلين للشيوخ، ذوي غيرة شديدة على مراعاة العدل، أفقرهم كأكبرهم في الاعتناء بحفظ العائلة من العار، لا يمنع خمول أصل أحدهم من الوصول إلى أرقى المناصب، غير معولين في اعتبار الشخص على شرف حسبه ونسبه فقط، بل مع اعتبار فضائله وأخلاقه؛ لأنهم لم يكونوا إذ ذاك باقين على ما كانوا عليه زمن فتح إسبانيا من الإضرار بالحرية البشرية لتغلب الدين على عقولهم، بل كانوا متفنين في الفهم والعمل بالقرآن الدال على أهمية اكتساب الفضائل والأعمال الصالحة؛ ولذا كان الخلفاء يشوقون الناس إلى الشغل ووقاية الأملاك من العدوان، وكان قضاتهم يرون أنفسهم كالمحكمين بين الخصوم لا قضاة، ولا يتجاوزون الرفق بالناس إلا نادرا. # والذي ساعد هؤلاء العرب على بلوغهم شأو العظمة اتساع العلوم والفنون والفلاحة والصنائع. ذاق جميعهم لذة المعارف وتنافسوا في ابتكار ما يمتازون ms142 به، وكان اقتراحهم الشعر يرفع قدر نفوسهم، ولا بد لقضاتهم من حوز معلومات غويصة حتى يعتبرهم الناس زمن قيامهم بوظائفهم، وكانوا يكتبون على جميع المباني الجليلة اسمي المهندس والآمر بالتشييد ويجزلون الثناء على كل ماهر في فن، وقد بلغوا الدرجة العلية في فنون العمارة والمويسيقى والقريض؛ ولذا اقتفى الفرنج أثرهم في أساليب أبنيتهم وزخارفها. # وأتقن علي بن زناب أجناس الأصوات وما في الصوت البشري من الوسائل والطرق النغمية. ~~ أنشأ في قرطبة مدرسة وركب للعود وترا خامسا بعد أن كان بأربعة، ومارسوا ضروب الشعر خصوصا نظم الحكايات المشتملة على نكت مشوقة، فبرع فيها كثير من الرجال وبعض النساء، وتعلموا في المدارس علوم الفلك والجغرافيا والمنطق والطب والنحو والهندسة والجبر ومبادئ علم الطبيعة والكيمياء الطبية والتاريخ الطبيعي، وهو علم المواليد الأرضية الثلاثة. # ملئت كتبخاناتهم نسخا منقولة من كتب قدماء العلماء اليونانيين ومن كتب فلاسفة الإسكندرية، واستمد جوبرت بابة رومية المدائن آخر القرن العاشر من إسبانيا معارف عجب منها أبناء عصره من النصارى فاتهموه بالسحر. # المبحث الخامس عشر: في صنائع عرب إسبانيا وتجارتهم وفلاحتهم ومبانيهم وأشغالهم العامة # فاق عرب إسبانيا غيرهم في الصنائع، عثروا على معارف الرومان والفينيقيين، فاستخرجوا بها المعادن المطروقة وعلى معادن أخرى كمعادن الزئبق، وكذا معادن الياقوت التي وجدوها قرب مدينتي ملقا وبجاديكاميريس، واستخرجوا من البحر بقرب سواحل الأندلس المرجان وبقرب طراغونة اللؤلؤ، وأتقنوا صناعة الدباغة ونسج القطن والكتان والتيل، وبلغوا أقصى الغايات في صناعة الأقمشة الحرير والصوف، ولم يتحدث الناس بالمشرق وسواحل إفريقية إلا في حسن صناعة نصال السلاح بطليطلة والحرير بغرناطة، والسروج والجلود السختيان بقرطبة. ورغب جميع أهل أوروبا كل الرغبة في الجوخ الأزرق والأخضر المصنوع بقونسية والبهارات والسكر بوالنسة، واتجروا مع ذلك في نحو الزيت ودودة الصباغة والعنبر الخام والبلور المعدني، وهو بلور الصخور والكبريت والزعفران والزنجبيل، ولا مانع أن يكونوا استعملوا أوراق الحوالة المسماة بين التجار بالكمبيالة التي عزي ابتكارها إلى الأمة اللمبردية، أو استعملوا طريقة تماثلها. # وكانوا يرسلون بضائع إلى تجار بالممالك الشرقية، فيرسلون إليهم ms143 بدلها نحو العود القافلي والكافور وأكراك السمور الخراسانية والبسط الفارسية، وبذلوا غاية عنايتهم في الفلاحة التي أدوها، وبقيت آثارها في سهل هوسطاة بالنسبة وسهل ويغات غرناطة الواصلين بالري إلى أقصى درجات الخصوبة، وقد أبدعوا في طريقة ري سهل هوسطاة الذي يقسمه إلى نصفين نهر طونة الذي يصب في البحر قرب والنسية؛ فإنهم أوقفوا ماء هذا النهر بجسر مانع على فرسخين من مصبه، ثم قطعوا منه سبعة جداول ثلاثة في شاطئ وأربعة في آخر، يفتح كل فرع منها في يوم من الأسبوع بحيث يرتفع الماء إلى المستوى الضروري، وقسموا كل جدول من تلك إلى جداول ثانوية صغيرة يفتح كل منها في ساعة بعد حصول ذلك الارتفاع حتى يصل الماء إلى أصغر مربع من الأرض؛ فكان كل جدول مع فروعه على هيئة مروحة، ولعدم انحدار ذلك السهل انحدارا هندسيا تدريجيا رتبوا له مساقي صغيرة وقناطر عليها مجاري مياه موزعة على المزارع، وبالجملة فعلوا بذلك السهل ما استحق به أن يلقب ببستان إسبانيا، وصنعوا لما لا يمكن سقيه بهذه الكيفية ما يسمى لدى العامة بالسواقي، وحفظوا مياهها في حياض أو جداول يصرف منها عند الاحتياج، ونقلوا إلى إسبانيا الزراعة بقواعدها العلمية من آسيا وكلدة والشام، وأخذوا يبذرون الحب في الأرض بمجرد حصاد ما فيها ويأخذون منها كل سنة ثلاث حصائد، وزرعوا بها الأرز والقطن والتوت وقصب السكر والنخل والفستق والموز ودوحة الكاملياء الحمراء والبيضاء وأزهارا وبقولا، نقلت بعد إلى جميع البلاد الغربية من أوروبا وورد بابونيا. # وكان في الجزء الذي يملكه المسلمون من إسبانيا ست تخوت وثمانون مدينة كبيرة وثلاثمائة مدينة أقل مما قبلها، وما لا يحصى من الضياع والقرى والكفور، وفي قرطبة وحدها 200000 بيت و600 مسجد و50 مستشفى للمرضى، و80 مدرسة كبرى عامة، و900 حمام سوقي، وعدد ساكنيها مليون. وبذلك يعلم أنها ليست الآن على حالتها القديمة، وأنه لا وجه لاستغراب ما كانت عليه من عظيم الثروة والزخرفة اللتين تنافس في إظهارهما عليها الخلفاء، الذين وصلوا إلى حيازة ما في المملكة ms144 من الأموال بترتيب العشور والخراج والجمارك وفردة التجار. ويؤخذ من ذلك أن وارد هؤلاء الخلفاء كل سنة يبلغ 12 مليونا و45000 دينار من الذهب سوى خمس غنائم الحرب وجزية اليهود والنصارى، ومع ذلك كله لا يزال العقل متعجبا من كثرة ما بذله عرب إسبانيا في مبانيهم؛ فإن مسجد قرطبة الباقي الآن يضاهي في الفخامة المسجد الأموي بدمشق طوله 600 قدم وعرضه 250 قدما، وفي عرضه الأيمن 38 صحنا، والأيسر 29 صحنا، وفيه 1093 عامود رخام، وفيه من جهة الجنوب 19 بابا مبطنة بصفائح من نحاس النوج (نحاس المدافع)، وأوسطها مرصع بصفائح ذهب، وبأعلاه 3 أكر مذهبة فوقها رمانة من العسجد وقناديله 4700 أحدها في المحراب من الذهب الإبريز، ويصرف عليه كل سنة 24000 رطل زيتا و120 رطلا من العنبر والعود القاقلي، وكانت هذه المدينة تصبح مضيئة وحاراتها مطيبة بما يلقى فيها من الزهور مع استعمال الألحان المطربة في المتنزهات والميادين العامة. # وقد أسلفنا الكلام على مدينة زهرة وقصرها الذي بناه الخليفة عبد الرحمن الثالث على شواطئ نهر الوادي الكبير على فراسخ قليلة من قرطبة، ولم يبق له أثر وحكى فيه مؤرخو الإسلام ما نصه أن قباب القصر المذكور كانت على 4300 عامود من أنواع الرخام كلها منقوشة بالمزينات على حد سواء، وكانت أرضه ومواطنه مرخمة بترابيع الرخام المختلف الألوان بأظرف وأجمل تشكيل، وكانت حيطانه مبطنة أيضا بتلك الكيفية وسقوفة منقوشة باللازوردي والذهب، وكان في مساكنه العظيمة فساقي مياه عذبة تنصب وتغيب في أحواض من الرخام الأبيض واليشم المتنوعة أشكاله، وكان يشاهد في قاعة جلوس الخليفة فسقية يخرج من وسطها صورة بجعة من ذهب معلقة فوق رأسها لؤلؤة عظيمة، وكانت تلك البجعة قد صنعت في مدينة القسطنطينية. وأما اللؤلؤة فهي هدية أهدى بها السلطان ليون حضرة الخليفة، وكانت قد أنشئت حول القصر بساتين واسعة وبني في وسطها أيضا قصر منفرد لكي يستريح فيه الخليفة بعد رجوعه من القنص. وكان هذا القصر المعد للاستراحة مبنيا على أعمدة من رخام ذوات تيجان مذهبة، ms145 وكان ينبع في وسطه عين ماء صاف كالزئبق بياضا، وتنصب من فم الفسقية على هيئة جرزة القمح في إناء مستدير مصنوع من الفرفيري. ا.ه. # ولم يصرف جميع أموال خلفاء إسبانيا في المباني الفاخرة لتزيين المملكة فقط، بل صرف بعضها في عمارات نافعة؛ فقد بنى الخليفة الحاكم قناطر، وفتح طرقا أنشأ فيها محطات للسياحين، وبنى في قرطبة مسجدا سماه باسمه، وكان إنشاؤه باهتمام المقلد في هذه المدينة بالضبط والربط وقيادة جيوش المملكة، وبالتأمل فيما أسلفناه يعلم أن عرب إسبانيا أول الأمم المتمدنة في القرن الحادي عشر بعد الميلاد، بل كانوا يفوقون في ذلك العصر جميع أمم أوروبا، إلا أن ميلهم إلى الشقاق أثار بينهم نار الحرب، وعجل دمار سلطانهم في ذلك الزمان المحتاجين فيه إلى نفوذ كلمتهم؛ ليتمكنوا من مقاومة نصارى إسبانيا. # | الباب الثاني # في توقيف حزبي المرابطين والموحدين تقدم نصرات النصارى على عرب المغرب (مسلمي إسبانيا) من سنة 1008 إلى سنة 1232 ميلادية الموافقة سنة 399 إلى سنة 629 هجرية، وفيه اثنا عشر مبحثا # المبحث الأول: في انحطاط الخلفاء الأموية في إسبانيا وتمزيق خلافتهم المؤسسة بقرطبة # ولي هشام الثاني الخلافة وليس أهلا للقيام بتدبير المملكة فولي الصدارة المنصور، وكانت له نصرات ود بها المسلمون أن تخلد الحكومة في أيدي ذريته وخلفه ابنه عبد الملك إلى سنة 1008، ولم يكن لهشام الثاني أولاد، فحضه حزب العمريين على أن يعهد بالخلافة للأمير عبد الرحمن أخي عبد الملك بن المنصور، فأبت الأموية ذلك، وكان بين الحزبين تنافس به اتقدت الحرب ست سنين نهب فيها ما في قرطبة مرات، وعزل هشام فولي الخلافة محمد بن المهدي الأموي سنة 1008 إلى سنة 1010، ثم هشام الثاني من هذه السنة إلى سنة 1012، ثم الأمير سليمان أمير العرب الإفريقيين، ولم يره المسلمون أهلا للخلافة فتجددت خصومات بعد سنتين، وازداد هولها بظهور علي بن حامد في عائلة بني حامد المنتسبة إلى علي بن أبي طالب من جهة فرع الإدريسيين، وكان رئيسها علي بن حامد حاكما على المغرب من طرف هشام ms146 الثاني، فما زال كذلك حتى ولي الخلافة سليمان السالف، فأثبت نسبه وزعم أنه الأحق بأن يخلف بني أمية في الخلافة، فأخذ وارد إقليم المغرب وأحضر من داخل إفريقية كثيرا من الزنج، وجند منهم ومن العرب والبربر جنودا سار بهم إلى إسبانيا، فسهل له النزول فيها وفي مدينتي ملاغة والجزيرة أخوه القاسم، ثم عزل سليمان في أسرع وقت عن الخلافة لكراهة الناس له، وولى ابن حامد الخلافة مع بقاء الأندلس بيد بقية من الأموية لو اتحدت كلمتهم لأمكن أن يظفروا به، لكن عبد الرحمن الرابع والخامس ومحمد الثاني، وهشام بن محمد المتولين الخلافة من سنة 1017 إلى سنة 1029 ساء حظهم بحروب قتل فيها إخوتهم وعدم مالهم من بقايا الوسائل الحربية. # ثم مات علي بن حامد، فاستقل كل من أخيه القاسم وابنه يحيى بجنود أوقفهم إزاء الآخرين سنة 1029، وأصبحت بلاد إسبانيا الإسلامية فوضى لا رئيس لها. # وبالجملة ضعف هشام عن تدبير المملكة أفضى إلى تداخل أرباب المطامع في تدبيرها، فكان بينهم من الحروب الداخلية ما لم يفض إلى ابتكار قوة سلطانية، بل إلى انفصال الأقاليم المنقادة للعرب وصيرورة كل واحد منها مملكة مستقلة . # وبالتأمل فيما سلكه ولاة الأقاليم مع الخلفاء الأموية يعلم ما كانوا يستفيدونه في قتال الأموية مع العلوية؛ فإنهم كانوا يعقدون كما يشاءون شروطا مع أحد المتسابقين إلى الخلافة قاصدين بقاء حكومتهم بأيديهم زمن حياتهم أو بعد مماتهم في عائلاتهم، بل ألزموا العلوية والأموية أن ينزلوا بهم عما كان بأيديهم من الأقاليم التي كان بها التنازع في مقابلة تشكرهم تشكر عبودية أو حلفهم لهم على مصادقتهم؛ وذلك سبب إحداث الحكومة السيادية الولائية في إسبانيا، ولم يكونوا منفردين بحب الاستقلال، بل مثلهم الوزراء والقواد الذين اشتغلوا بمصالحهم الخاصة معرضين عن المصالح العامة بلا تبصر في العواقب، فحدث سنة 1029 ميلادية بالأندلس سوى الإمارات الصغيرة ست ممالك، وهي: مملكة قرطبة، ومملكة إشبيلية، ومملكة كرمونة، وأيسيجة، ومملكة ملقا، ومملكة الجزيرة، ومملكة غرناطة. وأما طليطلة فصارت تخت مملكة مستقلة عن تلك الممالك، وكذا ms147 إقليما الجرف ولوزيتانيا كان لهما ملك في مدينتي لسبونة وباداجوز. # وحدث بالساحل الشرقي من إقليم المرية إلى مدينة مروييد وثلاث ممالك؛ مملكة مرسية: بين المرية ونهر سيجورة، ومملكة دنيا: من نهر سيجورة إلى نهر إكسوكار، ومملكة بالنسيا: من نهر إكسوكار إلى مرويبدو. وأما الأقاليم الشمالية من بحيث جزيرة إسبانيا فمنقسمة بين ملوك سراقسطة وطرطوس، وهو سعه ولو بقي مع هؤلاء الولاة الحكومات الأربع على حدودها الأصلية، وهي حكومات قرطبة وطليطلة ومريدة وسراغوسة، لما كان انحطاطهم سريعا بتلك المثابة أو أنشئوا قبل عصيانهم الخلفاء معاهدة بينهم لبقي لكل ما بيده، وأمكنهم مقاومة النصارى الذين أحدثوا إذ ذاك ببلادهم ممالك صغيرة، إلا أن كل واحد استقل بالحكم على جهة مدعيا استحقاقه السلطنة على جميع إسبانيا، فأغار كل على الآخر، فحل بالأمة العربية الدمار بذهاب شجعانها وجيوشها التي كانت تقاوم بها النصارى. # المبحث الثاني: في توسيع ملوك إشبيلية حكمهم حتى عم إسبانيا الإسلامية وعدم نجاحهم في ذلك وفي شقاق العرب الذي تقدمت به فتوحات النصارى في إسبانيا # لما تمزقت مملكة الأموية بإسبانيا اكتفى ملوك النصارى ذوو الشوكة والمجاورون لهم - وهم ملوك سراغوسة وباداجوز - بحكمهم ما جاورهم من العرب إلى إيالتي أراغون والجرف، واشتد حرص ملوك طليطلة على إعلاء شأن الخلافة، وكذا ملوك إشبيلية المؤسس لهم الخلافة ابن عباد المسمى أيضا بابن عاضد؛ فإنه أشاع بجميع إسبانيا أن هشاما الثاني ظهر، واعترف له بين الناس أنه الوارث للخلافة في مدينة قرطبة، ثم مات ابن عباد فخلفه ملوك إشبيلية التي هي من أحسن المدن وضعا، وفيها من وسائل العظمة والغنى ما لم يكن في غيرها، ولبثوا غير متعرضين للملوك الأصاغر بالأندلس حتى ضعفت قوتهم بالحروب الداخلية، فأضرم ملوك إشبيلية حينئذ نار الوغى، وأخذوا مدائن جبل طارق ونيبلة وهولقة وكرمونة. # ثم وجد ملك إشبيلية - وهو المعتضد الأول المسمى ابن عباد الثاني - أن ملك طليطلة هزم ملك قرطبة سنة 1060 ميلادية في واقعة الجوطور، وحصره بقرطبة، فسارع المعتضد الأول إلى نجدته وطرد عنه الأعداء، ثم قبض على ms148 هذا الملك وأخذ ممالكه، ثم أراد التغلب على مدائن ملاغة وغرناطة وإيسيجة؛ فصده ملك ملاغة المنتسب لعائلة بني حامد بجيوش كثيرة، ثم خلفه المعتضد الثاني المسمى ابن عباد الثالث، فأخذ منه ملك طليلطة مدينتي قرطبة وإشبيلية بمساعدة ألفنس السادس ملك قسطيلة، ثم أخذهما ثانيا لمحبة سكانها له، ومزق ممالك طليطلة التي اتسعت بانضمام مدينة قونسة وعدة خطط، وهي خطط مرسية ووالنسة واليقنتة، ثم دهم الملوك المتحكمين على الممالك بعد التمزيق، فغلبهم واحدا بعد آخر، وأزال السلطنة من مدينة مرسية، ثم أخذ مدينتي ملاغة والجزيرة وانتقل منهما الملوك الإدريسيون إلى طنجة أو سبتة سنة 1079، وبلغ ذلك ملوك سراغوسة وباداجوز، فتعصبوا عليه، فضم إليه سنة ثمانين وألف ألفنس السادس ملك قسطيلة على أن يعطيه من الفتوحات ثلاث مدائن: باداجوز وغرناطة والمرية، وأبى إعطاءه طليلطة، ثم حاربا فلم يفتحا إلا طليطلة سنة 1085، فأخذها ألفنس فقام جميع الأندلس على ابن عباد، وألزموه رفض تلك السياسة الذميمة المؤدية إلى أن يملك النصارى جميع إسبانيا، ولم تكن عاقبة تلك الحروب الداخلية التي أخذ فها النصارى طليطلة مجرد تعطل الأشغال والصنائع وخراب المزارع وذهاب عظمة مدينة قرطبة التي لا تخلفها مدينة إشبيلية، بل مع حيازة النصارى نصرات جبروا بها ما حصل لهم من الهزائم في الحقب الماضية، وتقدموا شيئا فشيئا حتى بلغوا وسط بحيث الجزيرة. # وقد تداخل كونت قسطيلة وكونت برسلونة من سنة 1008 إلى سنة 1014 فيما كان بين محمد المهدي وسليمان من الحروب التي أخذ فيها هذان الكونتان مدنا جليلة وحصونا في حدود بلاد العرب، ثم أخذ ألفنس الخامس مملكة ليون زمن تخاصم الأموية والعلوية، وشرع في فتح الجزء الذي في جنوب نهر الدويرو، ثم مات سنة 1026 وهو محاصر لمدينة ويزو وخلفه ابنه برمود الثالث، وخاف أن يعدو عليه ملك نوارة؛ حيث ضم إلى ممالكه كونتة قسطيلة فوجه برمود عسكره إليه، وكان بينهما حرب انقسم بها سنة 1035 ممالك نصارى إسبانيا؛ حيث اختص مملكتا أراغون وقسطيلة بعقد الحرب مع المسلمين، وصارت مملكة نوارة تشبه ms149 جمعا من عساكر احتياطية، وانضمت مملكة ليون سنة 1037 إلى مملكة قسطيلة التي صارت إذ ذاك خفراء على بلاد النصارى بإسبانيا، وأخذ الملك فرينند الأول من سنة 1035 إلى سنة 1044 أقاليم استورية وغاليسة وبسقاية وليون وقسطيلة، وأخذ في إيالة البرتغال مدائن ويزو ولاميغو وقومبرة، وقوي سلطانه حتى خشي المسلمون بأسه، وضم ملك أراغون إليه كونت برسلونة، وأغار على ملكي سراقسطة وهوسقة، فانقادا ودفعا الجزية إليه من سنة 1063 إلى سنة 1066. # وكان ما سلف نتيجة المشاجرات التي اتقدت بين عرب إسبانيا، ثم كان بين النصارى ببلاد قسطيلة سنة 1066 إلى سنة 1073 حروب داخلية خربت تلك البلاد، ونجت بها المسلمون من استيلاء النصارى عليهم، ومات فرينند فتنازع أولاده الثلاثة في تقسيم مملكته، فطرد سنش - وهو الأكبر - أخويه غرسيه وألفنس من بلاد غاليسة وليون، فاستعان غرسية بملك إشبيلية المسمى بالمعتضد وألفنس بملك طليطلة المعروف في تواريخ الإفرنج القديمة بالمأمون، ثم مات سنش زمن حصاره مدينة زامورة التي كانت تحت يد أخته الست أوراقه (براء مشددة بعد همزة مضمومة)، فأحضرت رعيته أخاه ألفنس من بلاد الإسلام سنة 1073، فتولى جميع ما كان لوالده فرينند، وبعث جيشا ساعد ملك طليطلة على أخذه مدينتي قرطبة وإشبيلية من المعتضد الثاني مكافأة له على إكرامه له زمن ضيافته، ولبث مسالما له حتى مات فعاد لمحاربة المسلمين برجال ذوي شجاعة وإقدام منهم سيد (بسكون الياء) وكذا «ردريغ دوبيوار # Le Cid Rodrigue be Bivar ~~» الذي أخذ يخرب السهل الممتد من حدود قسطيلة القديمة إلى شواطئ نهر التاج من سنة 1081 إلى سنة 1085 ميلادية، وحاصر هذا الملك طليطلة فساعده المعتضد، ومال إليه سكان هذه المدينة الذين أكثرهم يهود ونصارى، فألقوا إليه مفاتيحها بعد مبايعته على أن يحترم المساجد ويبقي حكم القضاة بين المسلمين على ما هو عليه، وخرج ملكها المسلم بالإشراف، فتوطنوا بمدينة والنسة وانقاد للفنس بفتحه هذه المدينة جميع الحصون التي أمام نهر التاج، وهي مقدة ومدريد وغواد الكسارة وقورية، وأما بلاد الوادي اليانع فأخذها بالسيف. # المبحث الثالث: ms150 في ترك المسلمين جزءا من أملاكهم في البحر الأبيض المتوسط # كما أخذ النصارى من المسلمين بلادا بإسبانيا أخذوا منهم بلادا في جزائر البحر الأبيض المتوسط؛ فقد خرج أهل جنويزة وبيزة في جزيرة سردينيا، وطردوا منها الحاكم عليها من طرف الزيرية الذين أرادوا فيما بعد الاستيلاء على تلك الجزيرة ثانيا، فبعثوا جيشا من إفريقية فصدهم أهل بيزة، وقتلوا سائرهم قرب مدينة كالياري. # وأخذ أهل جنويزة جزيرة قرسقة من لصوص الأندلس المتحكمين عليها حين تخلى المسلمون عنها، وكان العرب إذ ذاك يغيرون على بلاد إيطاليا، فوجدوا سنة ألف ميلادية في مدينة سالرنة أعداء مهاجرين من بلاد النرمندية عاهدوا اليونان وساعدوهم على أخذ مدينة ترنتة من المسلمين سنة 1035، ثم دهم اليونان جزيرة سيسيليا سنة 1043 ليأخذوا من المسلمين فعجزوا لتنازع بينهم وبين النرمنديين إذ ذاك. # ولم تقدر جماهير إيطاليا على أخذ الجزائر البليارية التي أخذها والي مدينة دنيا من لصوص بحرية توطنوا فيها وجعلوها مركز أعمالهم، وهو جد الولاة الذين استقلوا بالحكم في إسبانيا. # وشغل الزيرية عن منع تلك المصائب ما كان في بلادهم الإفريقية من الفشل والفتن التي لم تنتج غير استبدال حاكم ظالم بآخر، مع ما كان من بني حماد المتوطنين في مدينتي أشير وبجاية من نهبهم الحدود المجاورة لهم، وإرسال الفاطميين من القاهرة جيوشا تدهم طرابلس، وامتناع قبائل البادية من تأدية الخراج، مع اتساع دائرة غاراتها باقترابها من سواحل البحر المتوسط. # المبحث الرابع: فيما يتعلق بحزب المرابطين # لم يهتم عرب الأقاليم الشرقية في آسيا بما حل بإفريقية وإسبانيا من عدوان النصارى، بل قام بذلك سكان براري المغرب، وهم القبائل الإفريقية المتوحشة التي تأبى أن يحكمها أجنبي، وينتسب منها إلى بني صنهاجة الكبرى قبيلتا لمطونة وغوادلة اللتان أغراهما عبد الله بن تشفين أحد فقهاء مدينة سوس، وأخذ يثير فيهم الحمية الدينية حتى انقادوا إليه، وتلقبوا بالمرابطين، وجعل قائدهم ابن أخته أبا بكر، ففتحوا مدينة سلجلمش، ثم بلاد دهرة، وأنفذوا حكمهم على قبيلة معمورة إحدى القبائل الخمس العظام النازلة في شمال إفريقية، ms151 ثم اجتازوا سنة 1068 جبل أطلس ليتوطنوا في نواحي مدينة أجمة التي بين الجبال والبحر الأبيض المتوسط، فنزل بهم قائدهم أبو بكر بالأجمة أياما يسيرة، ثم أسس مدينة سماها مراكش، ثم ولي الحكم خاله يوسف بن تشفين، وكان تقيا سياسيا ذا جلالة ووقار وصفات قاهرة ألزمت الرعية بالطاعة، ثم اختاره المرابطون قائدهم، فرتب خفراء كثيرة من عبيد اشتراهم من بلاد الأندلس وسواحل بلاد غينة، ثم سار بهم فأخذ مدينتي فاس ومكناس من العرب والبربر (أي المغاربة)، ثم اشتغل بعض عساكره بالفلاحة وبقي معه الأكثر، فأخذوا على التوالي مدائن سبتة وطنجة وصالة التي التجأ إليها بنو حامد حين طردوا من مدينتي ملاغة وفاس، فاعترف جميع المغرب بسلطنة يوسف بن تشفين سنة 1084 ميلادية. # المبحث الخامس: في انتقال يوسف بن تشفين إلى إسبانيا # لما اشتد الخطب بعرب إسبانيا هرع ملوك إشبيلية وباداجوز وغرناطة إلى يوسف بن تشفين، فاستنجدوه على النصارى، وأعطى له المعتضد ملك إشبيلية مدينة الجزيرة، فارتحل وعبر البحر في بحيث جزيرة إسبانيا سنة 1086 بجيش جرار عمت بهم الحماسة والنشاط جميع بلاد الأندلس، ونصروا في عدة واقعات منها الواقعة المهمة التي عقدت في جهة زلاقة. # ورأى ابن تشفين جمال السهول الإسبانية فتاقت نفسه لأخذها وأدرك منه الأندلسيون ذلك، فانحلت بينه وبينهم عرى الاتفاق، وأخذوا في أسباب خيبة مقصده، فانتهز الفرصة الملكان ألفنس السادس وسنش صاحب إيالة أراغون؛ حيث جمعا رجالا عادا بها إلى المحاربة، فجال البطل سيد برجاله في إقليم مرسية، وأخذ سنة 1087 مدينة اليد الحصينة، وأخذ سنش مدينة هوسقة عنوة سنة 1088، وأبقى ألفنس حدود مملكته آمنة من العدوان عليها، بل وجه من طليطلة عساكر خربت سنة 1090 من البلاد الإسلامية إلى شواطئ الوادي اليانع، ولم يبق من سنة 1090 إلى سنة 1094 في جميع البلاد الإسلامية التي في جنوب إسبانيا سلطنة غير سلطنة المرابطين الذين أخذوا مدن قرطبة وكرمونة وبيظة، وممالك المرية وملاغة وغرناطة، ونهبوا إشبيلية فسلم ملكها نفسه إليهم دفعا لغوائل النهب، ثم أخذوا مدن كزاطيورة ودنيا ms152 ووالنسة والجرف ولوزيتانيا، ولم يبق على استقلاله إلا مدينة سراغوسة سنة 1094. # وقد ظهر أن السير الذي سلكه ابن تشفين لم يكن لتعصب ديني؛ حيث أبقى سنة 1095 القائد النصراني المسمى سيد يتوطن برجاله في مدينة والنسة، وتفرغ من الحرب للتمتع بالملاذ، فأخذ ينتقل من قرطبة إلى مراكش ومن إفريقية إلى بحيث جزيرة إسبانيا، غير مهتم بما حصل للدين الإسلامي من الخطوب، وعرب إسبانيا مهتمون في إعدام تصرفه المطلق الذي أنفذه عليهم، فاتفق جمع من الولاة بنواحي مدينة والنسة وشيمينة زوجة القائد سيد على المدافعة عن هذه المدينة التي افتتحها زوجها، هذا هو السبب في بقاء والنسة بأيدي النصارى سنة 1099 لا جيش المرابطين؛ فقد هددوا شيمينة بالتغلب عليها، ثم مات سنة 1107 رئيسهم يوسف بن تشفين الذي تحصل من الخليفة العباسي ببغداد على تقليده حكومة إسبانيا لينفي به عدوانه عليها؛ حيث كان بإذن الإمام، خلفه ابنه علي في هذه السنة، ونصر في واقعة أوقلس على ألفنس السادس، لكنه دهم أهل الأندلس وملك سراغوسة الذي ضعف حاله بدهمات المرابطين وعساكر ملك أراغون، ثم انضم كوالده إلى النصارى الذين استولوا سنة 1118 ميلادية على مدينتي قلعة أجود وداروكة، وكان كرسي مملكته مدينة قرطبة التي عامل من معه من المرابطين أهلها معاملة أمة مغلوبة لا معاملة الأخوة الإسلامية، فعصى أهلها سنة 1121 ولم تكد عساكره تكفي في إلزام أهل هذه المدينة الطاعة له إلا بغاية الجهد، أدخل في بحيث جزيرة إسبانيا قبائل جمة من أهل إفريقية، وأعطاها أسلاب وأملاك القبائل العربية القديمة التي كانت في بحيث تلك الجزيرة؛ فجدد ما كان سببا في تنازع قبائل العرب في آسيا وقبائل العبدارية من ضروب البغضاء التي نشأ عنها عود المسلمين بإسبانيا إلى الحروب الداخلية وانقسامهم إلى عسكريين متعادين، وخلفه ابنه تشفين سنة 1144 فسلك مسلكه في تزعزع الحكم واضطرابه. # المبحث السادس: في تجديد ملوك النصارى الحرب مع المسلمين بإسبانيا # كان النصارى منذ غارة المرابطين لا يعدون على المسلمين بل يدافعون عن بلادهم، حتى كان هذا ms153 التنازع بين المسلمين، فعادوا إلى قتالهم واضطرب جميع أوروبا بعظيم حركة الحرب، وهرع إلى إسبانيا من الشوالية (الفداوية) جم غفير لمساعدة النصارى، وأدى كل من «ريمند البرغوني # Raymonde de Bourgogne ~~» و«هنري البزنسوني # Heuri de Besançon ~~» خدما حربية شكرهما عليها الملك ألفنس، وزوج ريمند ابنته الأميرة أوراقة وهنري ابنته الأميرة طيريزة، وأعطى هنري جميع ما فتحه من إيالة لوزيتانيا صداقا لطيريزة، ولبث ريمند يؤمل أن تكون له السلطنة على بلاد قسطيلة، ثم ملك قسطيلة وليون. # وكان نصارى إسبانيا سنة 1120 ميلادية حاكمين على البلاد الممتدة من طليطلة إلى نهر إبرة، ثم أغار ألفنس صاحب إيالة أراغون على مدينة والنسة وغلب المتعصبين عليه من الولاة الإفريقية، وفتح سهول الأندلس، ودخل تحت ألويته العرب الذين كانوا في نواحي غرناطة، وكانوا اثني عشر ألفا، ثم أغار على مملكة مرسية سنة 1125، ونهب ما في خلوات غرناطة، وأخذ معه من العرب كثيرا توطنوا في مدينة سراغوسة، وقد أمر ملك المرابطين عساكره أن يقبضوا على النصارى الذين في حدود البلاد الإسلامية ويشتتوهم في داخلها، ففعلوا أكثر من ذلك؛ حيث ألزموا النصارى المهتمين بمراسلة العدو أن يبيعوا أملاكهم، ثم نقلوهم إلى بلاد إفريقية (المغرب)، لكن ألفنس ريمند ملك قسطيلة وليون لم يخف من ذلك، بل أغار سنة 1133 بجيش عظيم على بلاد الأندلس، فخرب ضواحي إشبيلية وقادس، واستحق بغزواته وتوسطه بين ملكي نوارة وأراغون تلقيبه بالإمبراطور (ملك الملوك)، وكذلك الملك هنري غزا جهة الجرف، فجمع ولاة مدائن باداجوز وبجا واقورة والواز رجالا وقاتلوه، فهزمهم قرب هضاب أوريقة فتأيدت شوكته وتسلطن على تلك البلاد. # المبحث السابع: في ضياع جزيرة صقلية من المسلمين وطردهم منها إلى المغرب # سكن الشوالية النرمنديون روبرت جسقارد وأخوه روجير في كمته (إمارة) أورسة (بفتح الهمزة وكسر الواو)، وإمارة قابو، وأنشئوا في جنوب إيطاليا مملكة مستقلة مع معارضة كل بابا برومية المدائن واليونان والألمانيين، ثم رأى جسقارد وروجير تنازع الأمراء الخمسة حكام مدائن بالرمة وبيرانيزة ومسينة وتراباني وباتي فعبرا بوغاز جزيرة سيسيليا سنة 1064 ميلادية، فتداخل ms154 بين هؤلاء الأمراء روجير، ثم ترك صفوف المسلمين وجمع لديه نصارى الجزيرة سنة 1068، وحارب المسلمين زمنا طويلا لم يمده فيه أخوه فاحتمى في مسينة وأخذ يدافع عن نفسه، وكاد أن تقتله العساكر التي بعثها الزيريون من إفريقية، ثم أتى أخوه جسقارد بالمدد فغير صورة الأحوال التي كانت، فانقاد له مدينتا قطانة وبالرمة وقهقر جيش المسلمين سنة 1071، فثبتت سلطنة النرمنديين على جزيرة سيسيليا، وخافوا أن يذهب ما فيها من العرب والمغاربة بالعلم الفلاحي والصناعي الذي حقق لهذه الجزيرة العز والرفاهية، فجادوا على من بقي فيها بأمور كثيرة، ثم أراد روجير أن يسلب سلطنة العرب على البحر الأبيض المتوسط، فتبع أثرهم أولا على صخر جزيرة مالطة التي خفق عليها علمه سنة 1098، ثم هدد ولده روجير الثاني بلاد إفريقية واستولى من سنة 1125 إلى سنة 1143 على الجزائر التي بقرب سواحلها، وظهر بجيشه سنة 1146 أمام مدينة طرابلس زمن اتقاد المشاجرات بين الزيريين، فأخذها ثم أخذ مدائن سفكس وسوس ومهدية وقيروان وتونس سنة 1148، فترك الزيريون هذه المدن في أيدي النصارى وفروا إلى داخل البلاد؛ وبذلك يعلم أن الأمة الإسلامية كانت وسط القرن الثاني عشر في حالة انحطاط كلي بالممالك الغربية، وإن حكمها على البحر الأبيض المتوسط وجزائره قد ضاع، فرجعت إلى إسبانيا التي كان تأخر زوال الدولة الإسلامية منها نتيجة سلطنة المرابطين بها الذين لم تخرج سلطنتهم عنها، ولم يشرعوا في غزوة بحرية بالبحر الأبيض المتوسط خلف جزائر بليارة التي انتهبوها سنة 1096 من وال أندلسي، ولم يأخذوا جزيرة قندية ثانيا من أهل مدينة ونديق التي أخذوها من المسلمين، وظهر بعد هؤلاء المرابطين حزب ظهر من براري المغرب، فنهجوا نهجهم، وأعادوا لدين الإسلام رونقه يسيرا من الزمن. # المبحث الثامن: في ظهور الموحدين بدل المرابطين وتحكمهم في بلاد كثيرة بشمال إفريقية (بلاد المغرب) # اعلم أن بعض الأقوام المنقادين لرجال قبيلتي لمطونة وجودرة الملقبتين بالمرابطين كانوا يرونهم بعين الحسد، ويشتهون أن يحوزوا لأنفسهم مثل ما حازوه من الأموال، وقام بتنجيز ذلك رجل يسمى محمد بن ms155 عبد الله أحد أصاغر الخدم بمسجد قرطبة، اطلع في صباه على مبادئ العلوم، ثم سار إلى بغداد فأخذ فيها العلم عن الإمام الغزالي، وفهم ما يمكن أن تناله العلماء من التحكم بالعقائد الدينية على حكومة الأمم، وجاء المغرب لنشر عقيدة أستاذه الإمام الغزالي، فنزل بمراكش وشرع بمحض قوة فطنته في زوال سلطنة المرابطين، فأخذ ينتقد كل ما رآه من رؤسائهم مغايرا لما أمر في القرآن باتباعه وسب نساء علي بن تشفين لخروجهن سافرات الوجوه، فطرد من مراكش فأعلن الأمة أن هذا أوان إحياء الآداب الدينية، وأنه المهدي الجديد المعيد للفضائل والعدل، واستصحب رجالا ذوي همة أخذوا ينصحون وينذرون، فهرع جم غفير من مراكش وأجمة إلى استماع نصحهم وإنذارهم مستحسنين قصدهم تجديد دين الأمة، ثم رأى هذا الرجل كثرة حزبه وخوف ملوك تلك البلاد منه ووقوع أبصارهم عليه، فرحل إلى بلدة تنمال بإقليم سوس، وضم إليه رجالا لقبهم بالموحدين، وأمرهم أن يبنوا بذلك المحل قلعة لا يمكن العدو الهجوم عليها، وجعل أمور هذا الحزب شورى بين عشرة من أفطن تلامذته أجلهم رجل يقال له عبد المؤمن، وبين سبعين رجلا، ثم انضم إليه أعداء المرابطين، ومنهم قبائل حنطوطة وهرجة وجدموية، ثم وجد حزبه كافيا في بلوغ مراده، فبدأ سنة 1112 في محاربة المرابطين ونصر عليهم في ثلاث وقائع، ثم حاصر سنة 1123 مراكش التي هي مركز شوكة عائلة المرابطين في الأقاليم الشمالية من إفريقية فنصر في بعض وقائع، ثم غدر به وسفك دم كثير من عساكره سنة 1125. # وبلغ به الخطب حد اليأس حتى ترك دعوى العظمة، فابتكر له تلميذه عبد المؤمن وسائل حربية جديدة، وأخذ يثير الحمية في قلوب الرجال حتى جبر سنة 1130 جميع الخسارات فصمم رأيه على العود إلى الحرب وعهد إليه شيخه بالخلافة، ثم توفي بعد أربعة أيام فقام بأعباء الخلافة التي هو حقيق بها، فإنه كان متعودا أكثر من شيخه على الحرب وقيادة الجيوش، مجبولا على عظيم المواظبة، وأكيد النية تام الجلالة والاعتبار، يخترع المقاصد التي تعد من ms156 قبيل المجازفة فينفذها، ففرح به الموحدون، وتحقق لديهم ما أملوه فيه بتحصيله في زمن يسير مملكة تفوق مملكة المرابطين بكثير؛ حيث أدخل تحت حكمه جميع القبائل الممتدة من مدينة تنمال تخت بلاده المطيعة له إلى مدينة صالة. ثم أخذ بلاد فاس وبلاد طاسة سنة 1137، ثم سار إلى تلمسان الباقية مع مدينة عران وبعض أقاليم مجاورة لمراكش بيد تشفين بن علي رئيس المرابطين، فصف عساكره بقرب تلمسان على هيئة شكل مربع مركب من أربعة صفوف: صف متسلح بالمزاريق الطوال التي تركز في الأرض مائلة، وهو أشجع الصفوف وأولها، وصف متترس بالتروس الحامية من نبال الأعداء، وصفان رثماة بالقسي ورماة بالمقاليع، وهما وراء الأولين. وبين هذه الصفوف خيالة تثب على العدو من منافذ ثم تدخل في ذلك المربع فتلتئم المنافذ، وأخذ يقاتل بهم على هذا الوصف حتى هزم جيش المرابطين وهم أكثر من جيشه، وفر رئيسهم تشفين إلى تلمسان، ثم إلى عران فصادفته نكبة مات بها سنة 1145 ميلادية، ثم انقاد لعبد المؤمن مدن وقاومته مدينة حصينة يمر بها نهر، فجعل له جسرا متينا حتى ارتفعت مياهه، ثم أزال ذلك الجسر على حين غفلة، فأسقطت المياه أسوار المدينة على ما قاله بعض مؤرخي الإسلام، ولم يبق بيد المرابطين بعد هذه الحوادث إلا مدينة مراكش سنة 1146 فأخذها عبد المؤمن عنوة. # وقد أمره شيخه المهدي أن يضم المسلمين الذين في الجهات الغربية من الدنيا إلى بعض تحت حكم رئيس واحد، ويجعلهم ذوي أفكار واحدة، فأدخل تحت حكمه من سنة 1146 إلى سنة 1158 مدينة سلجلمش وقبائل بين مدينتي عران وتلمسان، وأزال من بقي من عائلة بني حماد، فانضموا إلى الزيريين المنحازين إلى الصحراء، ورأى النصارى النرمنديين الممدوحين لديه بالشجاعة متوطنين بإفريقية منضمين إلى ملوك بجاية لئلا يعدو عليهم، فأمر بالسفر من مدينة صالة صباحا، فضرب طبل عمقه خمسة عشر ذراعا يسمع صوته من نصف مرحلة، وسار إلى تونس وسط السهول التي بساحل إفريقية الشمالي محفوفا بقواد الرجال وأكابر المشايخ راكبين خيولا بسروج مرصعة ms157 ذهبا وفضة بأيديهم سمهريات كعوبها من عاج، وبحديدها رايات وأربطة ذوات ألوان ووراءهم المويسيقيون بالآلات المطربة كالأبواق والكاسات والجيش يسير إلى الظهر ويستريح الباقي، وهو أربعة أقسام لكل منها علم ومهمات ودواب مخصوصة يقف كل عند الوصول إلى المعسكر في أسرع وقت بموضعه على حسب رتبته معه زاده وما يلزمه، ثم حارب بهذا الجيش النرمنديين، فأخذ من ابتداء سنة 1148 على التوالي مدائن تونس وطرابلس وسفكس ومهدية وقابس وقيروان ومدنا أخرى، ثم صد عدوان قبائل الصحراء الممتنعة من تأدية الخراج المضروب عليها، وصد ملك جزيرة سيسيليا الذي كان يود إلى سنة 1180 أن يعيد إليه ما أخذه المسلمون منه، ولم يرجع عن مقصده إلا بعد شروط عقدها مع خليفة عبد المؤمن، ثم طلع من جزائر بليارة رئيس من المرابطين برجال نزل بهم قريبا من بجاية سنة 1184، فملك بجاية وقابس وسفكس، وذكر في الخطبة اسم خليفة بغداد العباسي فصده هؤلاء الموحدون، وأعادوا إليهم ما أخذه من المدن، واقتفوا أثره في كل جهة حتى جزائر بليارة التي أدخلوها تحت حكمهم سنة 1125. # ودهم صلاح الدين الأيوبي هؤلاء الموحدين سنة 1172، ففتح طرابلس، ولم يقدروا على الانتقام من الأيوبية؛ لكونهم أعظم ملوك المشرق شوكة. # المبحث التاسع: في خروج المسلمين بإسبانيا على الملوك المرابطين # دهم الموحدون في أقاليم المغرب المرابطين الذين عجزوا عن بعث مدد إلى والي مدينة باداجوز ووالي مدينة ألواس، فوثب أهل الأندلس على الرؤساء الذين نصبهم علي بن يوسف ونصر ألفنس هنريقة في واقعة أوريقة على المرابطين سنة 1143، وخرب الملك ألفنس الثالث ملك قسطيلة وليون مدينتي أندوجار وبائطة خلف نهر الوادي اليانع وجبال سيرا مورينة سنة 1146 ومدينة قالطراوة سنة 1147، وحاصر مدينة المرية في البحر ثلاثة أشهر، ثم أخذها ولم يمكنه أخذ قرطبة، وحاصر ملك البرتغال مدينة لسبونة، وانفتح له بأخذها طريق إلى الجرف، وأمكنه السفر في نهر التاج، فسافر فيه بمساعدة سفن المقاتلين من الإنكليز والفلمنك التي ألقت مراسيها في مصب ذلك النهر سنة 1147، وخرب سنة 1152 نواحي قرطبة التي عجز ألفنس ms158 الثالث عن أخذها. # ولو جدد عرب إسبانيا وحدة لحكومتهم وجعلوا لوسائلهم الحربية مركزا كليا لأمكنهم مقاومة النصارى، إلا أنهم لم يتفكروا إلا في عصيان ملوك المرابطين لا في اختيار ملك آخر، فطمحت إلى منصب السلطنة سنة 1144 أنظار أهل المدن المعتبرة كمرسية ووالنسة وغرناطة وإشبيلية وقرطبة وغيرها، فادعى كل هذا المنصب بلا حق، وانفصل عن الآخر، فذهب المرابطون من إسبانيا سنة 1146، فتوطنوا في إفريقية وجزائر بليارة تاركين بالأندلس جيشا ضعيفا تحت قيادة عبد الله بن غانية الذي اتحد بالنصارى وبعث إلى بلاد القصبة عساكر قليلة حققت له حكم غرناطة، ثم أخذ مدينتي قرطبة وإشبيلية حتى جاء عبد المؤمن بالموحدين إلى إسبانيا، فقتل ابن غانية الذي لم يبق بعده للمرابطين أثر في بحيث جزيرة إسبانيا. # المبحث العاشر: في غارة الموحدين واستيلائهم على إسبانيا # كان بإقليم الجرف من إسبانيا وال متحزب للعقيدة الدينية التي نشرها الغزالي وتلميذه محمد بن عبد الله، دعا هذا الوالي الموحدين إلى الغارة على إسبانيا، فبعث عبد المؤمن جيشا فتح جزءا عظيما من إقليم الجرف، وأوقف سير ملك البرتغال النصراني سنة 1147، ثم جيشا آخر حارب من سنة 1152 إلى سنة 1156 مدينة المرية، وأخذها من ألفنس السابع، وجيشا ثالثا فتح من سنة 1156 إلى سنة 1160 غرناطة والبلاد الممتدة إلى الوادي اليانع، وكذا مدينة والنسة من ملكها المعاهد للنصارى، والمستولي على جميع ساحل إسبانيا الشرقي، ثم قاوم أهل والنسة عبد المؤمن وأخرجوها من حكمه، ثم مات وخلفه ابنه يوسف فبدأ بقتالها قبل محاربته نصارى إسبانيا، وأخذها بعد قتال شديد من عرب الأندلس الذين أبدوا في المدافعة عنها أعظم بسالتهم في واقعة الغلاب، وكذلك أخذ مدينة مرسية، فانقاد له من سنة 1165 إلى سنة 1172 ولاة دنيا واليقنطة ومدن أخر. # المبحث الحادي عشر: في محاربة الموحدين نصارى إسبانيا وفيما كان من الشوكة للأميرين يوسف ويعقوب # مكث الموحدون مقتصرين على منع غارات النصارى على البلاد والمدن الإسلامية حتى كانت الحوادث المذكورة أخيرا، فأرادوا محاربة النصارى، فوجدوا مملكتي أراغون وقطالونية متحدتين ms159 ومملكتي قسطيلة وليون منفصلتين بعد موت الملك ألفنس، وأن ملك البرتغال أشد ملوك النصارى بأسا على المسلمين؛ حيث لم يزل يوسع مملكته غير مريد وضع السلاح، فوجه الأمير يوسف إليه جميع جيوش الموحدين، فأخذ طراغون من أهل أراغون، ثم سار بجيوشه إلى مدينة سنتارم المستولي عليها أهل البرتغال سنة 1184 وحاصرها، فوثب عليه أهلها فقتلوه وهزموا جيشه، فخلفه ابنه يعقوب، وهجم على تلك المدينة وملكها وأخذ بثأر والده، وحاز لعظيم فضله كسالفيه يوسف وعبد المؤمن مملكة رحبة ممتدة من طرابلس في شواطئ نهري إبرة والتاج، ثم أخذ من سنة 1184 إلى سنة 1195 يحارب النصارى الإسبانيين وسار بجيش عرمرم دهم به الملك ألفنس الثالث قرب مدينة العرقوص، فهزمه وأسر منه عشرين ألف رجل أطلقهم سنة 1195، وأخذ بهذه النصرة مدائن قالتراوة وغواد القصارة وإسقالونة ومدريد، ثم اجتهد سنة 1197 في أخذ طليطلة، ولم يقدر فتسلى عنه بذبح سكان مدينة سلامنقة ومروره ممن ممالك قسطيلة وليون مع إتلاف البرتغال كل ما قدروا عليه بالسلاح والنار. # وقد جدد هؤلاء الموحدون لإسبانيا الرونق الذي كان لها زمن الأموية؛ فقد جدد كل من عبد المؤمن ويوسف ويعقوب حب التزين والأعياد الفاخرة وحاموا عن العلوم والصنائع، وعملوا بالشريعة الإسلامية، وأسسوا مدارس عامة وأخرى للشبان، وغمروا بعطائهم علماء الإسلام، واشتهر في زمنهم بالطب والفلسفة وقرض الشعر ابن رشد وابن زهر، وأنشأ الأمير يوسف بإشبيلية عمارات فاخرة ومسجدا وقنطرة من سفن على نهرها، وأصلح أسوارها وأوصل إليها مياها غزيرة في مجار أنشأها مع رصيفين بنهر الوادي الكبير، وأسس يعقوب لتخليد ذكر نصره في واقعة العرقوص مسجدا ارتفاعه 721 قدما، متوجا بكرة حديد مذهبة قيمتها مائة ألف دينار موضوعة على قائم زنته وحده عشرة قناطير، ثم أزيلت تلك الكرة وبقي من هذا المسجد إلى الآن برج زيد في ارتفاعه 86 قدما، ونصب عليه تمثال جسيم بهيئة دالة على الإيمان (في علم الرموز الاصطلاحية)، وأنشأ هذا الأمير أيضا في جميع جهات مملكته مارستانات للمرضى وتكايا للفقراء والجرحى في الحرب، وحفر ms160 آبارا في الصحاري وخانات في الطرق للمسافرين وزاد مرتبات القضاة والفقهاء للاستعانة بالقضاة على فتن الأغنياء وعصيانهم، وانفراد الفقهاء للاشتغال بالشريعة. # المبحث الثاني عشر: في مقاتلات بعد السالفة وفي واقعة طولوسة وزوال سلطنة الموحدين من إسبانيا # استفاد عرب إسبانيا من نصرة الموحدين هدوا لم يقدروا على إيجاده، وانقادوا لهؤلاء الموحدين لإظهارهم بذل نفوسهم في مصلحة الدين بإذلال ملوك النصرانية الذي قام به الأمير يعقوب حتى مات، فخلفه ابنه محمد الناصر في الجلوس على كرسي السلطنة سنة 1199، فغزا جزائر بليارة سنة 1205 وهو يستعد لمحاربة النصارى من منذ تسلطن حتى رحل سنة 1210 من مراكش دار إقامته، بجيش قال بعض المؤرخين: إنه ستمائة ألف رجل من خمسة أقسام برابرة ومغاربة ومتطوعة من سائر الجهات وموحدون وعرب إسبانيا، فحل بالنصارى رعب أذكرهم مصائب واقعة العرقوص، والتخريبات التي أعقبتها فتحالفت جميع ملوكهم على التعاون على المسلمين، وشهر البابا إينوسان الثالث الاستنفار إلى الغزو، وأخذ رودريغ رئيس أساقفة طليطلة يمر في إيطاليا وفرنسا، وينشئ خطبا يحث فيها الفرنج على محاربة المسلمين، وبعث إلى الفرنج الساكنين بشرق أوروبا يرجوهم المساعدة، وحضر إلى إسبانيا بعدد كثير، واجتاز جبال البرينات إلى إسبانيا 60000 نصراني، ثم اجتمع الفريقان في سفح جبال سيرامورينة بالسهول المسماة لاس نواس بقرب مدينة طولوسة، فنشر الأمير محمد أمام صفوف عساكره علما أحمر محاطا بسلسلة حديد موكلا بخفارته نخبة جنوده الذين وقف أمامهم بإحدى يديه سيفه وبالأخرى القرآن الشريف المشتمل على آيات الثواب الأبدي، فأثار بهذا الوقوف أعظم الحماسة والحمية في قلوب جنوده الذين فاقهم النصارى في الحمية وحسن التدبير؛ حيث وثب سنتش ملك نوارة، فقطع سلسلة الحديد وهزم الخفراء سنة 1212، وأخذت من المسلمين مدائن طولوسة وبليش وبائظة وعبيدة سنة 1213 ومدينة القنطرة سنة 1216، وبعض مدن في إقليم الجرف، قال بعض المؤرخين: استشهد في واقعة طولوسة المسماة يوم العقاب نحو مائتي ألف مجاهد، ولكن لا نحكم به بل بالنتائج التي يعرف منها قدر أهمية الواقعة من اضمحلال مملكة الموحدين، وانقطاع محاربتهم بعد ذلك للنصارى ms161 الذين قوي سلطانهم في إسبانيا بهذه الواقعة التي عاد منها الأمير محمد إلى مراكش، فخلع السلطنة على ولده أبي يعقوب وهو غير كفؤ لها، فأبت طاعته حكام أقاليم إسبانيا وإفريقية، ثم توفي سنة 1223، فاتقدت نار الشقاق الداخلي الذي كان سببا في زوال دولة الموحدين، ولبث النصارى مشغولين عن المسلمين بشقاقهم الداخلي منذ وقعة طولوسة حتى انقطع هذه السنة، فجلس فيها أحد الملكين جاك (يعقوب) الأول وفرينند الثالث على كرسي مملكة أراغون والآخر على كرسي مملكة قسطيلة، وولاة والنسة وطليطلة وإشبيلية ومرسية معلنون بالاستقلال بالحكم وموقدون لنيران الحرب بينهم مع التنازع بين ذرية الملك عبد المؤمن في إقليم الأندلس. # وكان أرباب المشورتين اللتين أنشأهما المهدي سابقا متشوقين إلى الاختصاص بالحكم، فهددهم المأمون الذي شهر سلطنته سنة 1227 حزب ذو قوة، فعارضوه ونصبوا له قرينا وهو يحيى بن ناصر الذي مات في سهول صيدونية، فقتل المأمون هؤلاء المشايخ وعلق رءوسهم على أسوار مراكش، وألغى المشورتين، ونسخ سياسة المهدي، ومنع ذكره في الخطب، وجعل من نجا من المشايخ نواب القضاة في الدعاوى الخصوصية، وعامل أهل المغرب بقسوة أعدمتهم سنة 1228 الميل إلى العصيان وبالأندلس حينئذ من ذرية قدماء ملوك سراقسطة محمد بن هود أثار لدى مغاربة إسبانيا بغضاء مغاربة إفريقية، وأخذ منهم جيشا جرارا هزم به المأمون قرب مدينة طاريفة سنة 1229، وألزم المأمون الإقامة بمراكش وأخذ مدائن مرسية ودنيا وجراطبورة من سنة 1230 إلى سنة 1232، وأخذ بإسبانيا غرناطة وقرطبة وإشبيلية ومريدة، وأما والنسة فبيد جميل بن زياد قبل ذلك بكثير وما جاورها من البلاد بيد محمد بن الحمار، واستقل إقليم الجرف بالحكم فلم يبق سنة 1232 بيد الموحدين إلا الجزائر البليارية، وأخذ ملك البرتغال سنة 1227 مدينة الواس المجاورة للوادي اليانع، وهدم ملك إيالة ليون مدينة باذاجوز، وتقدم فملك إلى الوادي الكبير، وبلغ الملك فرينند الثالث وسط الأندلس وفتح قرب غرناطة مدينتي لوجة والحمراء التي فر أهلها إلى غرناطة فسكنوا منها خطة سموها باسم بلدهم الحمراء، وأخذت عساكر الموحدين تخرب في حدود إيالة ms162 قطالونية، فحاربهم الملك جاك (يعقوب) الأول وهزمهم وأغار على جزائر بليارة، فأخذ جزيرة مايورقة عنوة، وانقاد له جزيرتا أيويسة ومينوركة سنة 1232، فعدم حكم الموحدين من إسبانيا هذه السنة، وبقي حكمهم بعد ذلك في المغرب مدة اعترف فيها واليا تونس وتلمسان بالاستقلال عن الموحدين. # | الباب الثالث # في انحطاط سلطنة العرب في الممالك الغربية، وتحكم الدولة العلية على مدينتي الجزائر وتونس، وإنشاء سلطنة الأشراف في مراكش من سنة 1232 إلى سنة 1609 ميلادية الموافقة سنة 629 إلى سنة 1018 هجرية، وفيه أربعة مباحث # المبحث الأول: في عصيان رعايا المغرب ملوك الموحدين وفي سلطنة عائلة أبي حفص في تونس وسلطنة بني زيان في تلمسان وبني مرين في مراكش # كان بهزيمة محمد الناصر في واقعة طولوسة اضمحلال سلطنة الموحدين؛ فقد عصت بها رجال إسبانيا وانحطت سلطنته بالمغرب الذي لم يدخل من ذلك الوقت مع إسبانيا تحت حكم واحد، لكن كان بينهما ارتباط به ساعد الإسبانيون قبائل المغرب اللاتي كافأتهم على ذلك بالتحكم الجوري، فلم يقبلوا منها مساعدة إلا مع الحذر. نعم عبرت تلك القبائل بوغاز جبل طارق مرات من سنة 1232، فعملت بإسبانيا غزوات لم تنتج إلا ظفر النصارى لشدة التئامهم. وقد أبطل المأمون قوانين المهدي، فأضر بملوك الموحدين وردفه خلفاؤه المجردون عن السياسة الآخذة بألباب الرعية، فعصاهم والي تونس سنة 1242 ميلادية، واستقل بالحكم الذي استمر في عائلته المعروفة بعائلة أبي حفص. # وأسس بنو زيان سنة 1248 في مدينتي تلمسان والجزائر سلطنتهم الممتدة إلى نواحي فاس، ورفع أبو يوسف في قبيلة بني مرين ببلاد المغرب لواء العصيان، وهدد الموحدين بالتغلب على مدائن فاس وطازة ومراكش، وحاربهم من سنة 1250 حتى نصر عليهم سنة 1270، وانقاد له عرب المغرب وهم البرابرة القاطنون بغرب إفريقية، وقد بقي الحكم متوارثا للحفصية بتونس والزيانية بتلمسان والمرينية بمراكش من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر بعد الميلاد. # ولا يمكن الآن أن نبين حدود تلك الممالك الثلاثة بغاية الضبط اليقيني بل بالظني، فنقول: ملك الحفصية إلى نهاية أرض بجاية والزيانية ms163 أرض تلمسان والجزائر والمرينية جميع البلاد الممتدة من تلمسان إلى الأقيانوس الأطلنطيقي، وكان بين هؤلاء الملوك بحدود ممالكهم حروب توجب تغيرا كليا لكل مملكة هاجرت منها قبائل إلى غيرها. # ولضعف فائدة ذكر سلسلة هؤلاء الملوك وسني توليتهم أعرضنا عنها ملتفتين إلى الوقائع التاريخية، فنقول إن عيشة البدويين أقل الأشياء مواد لبسط القصص التاريخية، ومع ذلك ما رفعوه من المدن إلى درجة علية من العز والرفاهية باق على ما كان عليه من الأهمية والرونق، وقد افتخر أهل تونس وبجاية والجزائر وتلمسان وفاس ومراكش لدى الملوك الحفصية والزيانية والمرينية بذكر علمائها والمشتهرين من أرباب صنائعها، كما افتخروا بذلك زمن الملوك الزيرية والخلفاء الأموية، وقد نظم ملوك الأغلبية الذين كانوا ذوي شوكة في البحر الأبيض المتوسط جيوش لصوص بحرية أتلفوا بلاد النصارى، وأخذوا يخرجون من سفنهم من مينا الأقيانوس الأطلنطيقي، وينحدرون بها في طول سواحل إفريقية، ويقتربون من جهات مداري الجدي والسرطان، واتجروا من ذلك الوقت في الزنج والتبر والصمغ والعنبر، ووصف عرب المغرب بمشاركتهم لغيرهم في المقاتلات التي بين ملوك إفريقية من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر. # وقد غلب المرينية الحفصية والزيانية، وأدخلوا مدينتي تلمسان وتونس تحت حكمهم مرتين: أحداهما سنة 1347 والأخرى سنة 1355، ثم رجعتا إلى ملوكهما فبقيت تحت أيديهم. # وشوهد في أغلب الأزمان بالمغرب ملكان يتنازعان السلطنة في مدينتي فاس ومراكش تختي مملكتيهما، وطمع في سلطنة بني زيان بتلمسان أمراء ذوو قوة مستولون على مدينة الجزائر وتوابعها، وأما ملوك تونس فكانوا ذوي شوكة تامة لم ينازعوا في سلطنتهم، بل أخذوا طرابلس من المماليك البحرية الذين خلفوا الأيوبية في السلطنة المصرية. # المبحث الثاني: في استغاثة عرب إفريقية بملوك الدولة العلية على ملك فرنسا وملوك إسبانيا والبرتغال المغيرين على بلادهم وفي الممالك البربرية # كان العرب الذين ملكوا إفريقية وتوطنوا فيها لم يتفكروا بعد ذلك في نصرة الإسلام، وما قيل من مدهم أيديهم على عرب إسبانيا، فما قصدوا به إلا جمع قبائلهم لا تجديد مقاتلات لعودهم بالتدريج إلى ما كانوا عليه من ms164 المعيشة بالبيداء خاملين؛ ولذا لم يبارزوا الملك ماري لويز حين قاتل المسلمين سنة 1270، ولم ينتهزوا الفرصة بقطع دابر الفرنج المقاسين الأمراض وشدائد القحط تحت أسوار تونس، ولم يدهموا جيش الفرنج حين موت ملكهم الذي فتر همتهم، بل أمضوا مع كرلوس دنجو ملك الصقليين معاهدة التزموا فيها أن تدخل متاجر الطليانية والفرنساوية بلاد المغرب بلا جمرك من غير أن تعافى من ذلك متاجرهم الذاهبة إلى بلاد الفرنج، وأن يبيحوا للنصارى العبادة الكاتوليكية بالبلاد الإسلامية. # وقد فتح نصارى إسبانيا والبرتغال مدنا إسلامية مشرفة على بوغاز جبل طارق من جهة إفريقية والبادئ بذلك البرتغال؛ فإنهم لما ملكوا إقليمي النتجو والجرف المحصورين بين مملكة قسطيلة أملوا جوب الأقيانوسية والبحار لحوز الأموال والشوكة، فأخذوا سنة 1415 مدينة سبتة، وأخذت منهم في عهد ملكهم إدوارد ثاني ملك من عائلة ملوك براجنسة، ثم أعادوها إليهم برهنهم ولدا قاصرا من العائلة الملوكية، ثم أخذ ألفنس الخامس من سنة 1438 إلى سنة 1481 مدينتي طنجة وأرزيلة، ولم يتفكر البرتغاليون في توسعة فتوحاتهم بتلك الجهة المغربية، بل شرعوا في استكشافات بحرية طويلة، وبعثوا سفنا بلغت جزيرة ماديرة وجزائر أصورة وجزائر الرأس الأخضر، وقربوا من رأس عشم الخير الذي في الجنوب الغربي من إفريقية، وقد حلوا في مدائن طنجة وسبتة وأرزيلة ووضعوا أيديهم على بوغاز جبل طارق (الفاصل بين المغرب ومملكتي إسبانيا والبرتغال)، فمنعوا المواصلات بين المغرب وإسبانيا وأنزلوا المصائب بمن في بحيث جزيرة إسبانيا من المسلمين الذين أراد نصرتهم أحد ملوك بني مرين في واقعة ريو (نهير) سلادو سنة 1340، والملوك الكاتوليكية لم يفكروا إذ ذاك في حرب أهل إفريقية، ثم استولوا المينيات العظيمة التي على البحر الأبيض المتوسط، فأكثروا من سفنهم البحرية وجالوا في بلاد المغرب بعد زوال مملكة غرناطة، وسافر دبيجو القرطبي من مينا مدينة ملقا سنة 1504، فاستولى على عدة مدن بين مدينتي سبتة وعران وعلى مدينة بنون وفيلتس ومدينة المرسى ومدينة والس وغيرها من المدن، وغزا بلاد المغرب بعد سنة 1509 الكردينال جزيمنيس وزير الملك فرينند صاحب مملكة ms165 أراغون، ولم يدهم بني واطان وهم الفرع الثاني من بني مرين ملوك مراكش، بل سار بإزاء ممالك بني زيان المؤلفة من مملكتي تلمسان والجزائر، فأخذ مدينة عران، فأبقى فيها عساكر محافظين، وبعث بطرس النفاري سنة 1510 من جزائر بليارة إلى بجاية، فألزم ملك تونس بتأدية الجزية، ولم يظهر من العرب والمغاربة المسمى أوتيمي لصا شهيرا من التفات لصد عدوان الفرنج، فترجى ملك الجزائر لصوص البحر يدعى هروج الميتلاني أن يساعده؛ فأجابه وجمع جيشا خمسة آلاف رجل، ثم تمكن من مدينة الجزائر سنة 1516، فأخذها وقتل أوتيمي، ثم طرد بني زيان من تلمسان، وصد عنها نصارى إسبانيا الذين وفد إليهم مدد سنة 1518 فقاتلوه حتى قتلوه وأخذوا تلمسان، فاستولى على مدينة الجزائر خير الدين أخو هروج المشهور باسم بربروس، وأسس حكمه في بلادها تأسيسا متينا، ثم حصر نصارى إسبانيا المغيرين على عران، ثم خاف من كثرة رجالهم ومن حركات العرب، فرأى أن يدخل ممالكه تحت حماية الدولة العلية، ويدخل عساكرها التركية غير المنتظمين في أقاليم إفريقية؛ حيث كان ذلك العصر أعظم أعصر سلاطين القسطنطينية التي كان بها إذ ذاك السلطان سليمان حاكم مصر وأناضول واليونان والبلغار، ومهدد مملكتي الفرس والمجر بالتغلب عليهما، والمستعد لصد الملك شرلكان كرلوس الخامس عن أقاليم إفريقية؛ ولذا لجأ إليه بربروس وتولى مملكة الجزائر نيابة عنه، وأتى إليه من الدولة عساكر جاروا على العرب وجبروهم بالسيف على الطاعة، ففقدت العرب الطباع الشريفة والهمم الكريمة، واستبدلوا لباس العنفوان الطبيعي بلباس الذلة والمسكنة المضروبة عليهم إلى أيامنا هذه. # ودعا السلطان بربروس باشا لأن يجعله قبطان باشا على السفن الحربية للدولة، فأراد بربروس إبداء خدمة نافعة للدولة التي ميزته بهذه المرتبة، فأخذ أميرا من الحفصية نازلا عنده بمدينة الجزائر معزولا عن ولاية تونس، وسار به إلى تونس مظهرا إعادة هذا الأمير إليها، مع إضماره أن يؤسس فيها حكم الدولة العلية، وعرف السلطان باطنه، فقلد محسوب بربروس حكم إيالة تونس، ثم أمر بإهلاكه سرا، واستولى بربروس على جوليطة وحصنها؛ فعصته الأهالي، فحاربهم ms166 حتى انقادوا للدولة العلية. # المبحث الثالث: في أواخر حروب نصارى إسبانيا والبرتغال مع المسلمين # أسف نصارى إسبانيا على صيرورة الممالك المغربية المسماة أيضا بالممالك البربرية تحت يد سلطنة ذات شوكة متينة، وعلم اللصوص البحرية الذين بالبحر الأبيض المتوسط أن لهم بالمغرب محال يوزعون فيها البضائع والأرقاء، فلم يزالوا على ما كانوا عليه أولا من توسيع دائرة صيالاتهم البحرية وإرجاف أهل السواحل الإسبانية والإيطالية؛ ولذا رأى شرلكان ملك إسبانيا وإمبراطور ألمانية أن يوقف تقدم فتوحات الدولة العلية، فتعصب لعائلة أبي حفص، وأحضر سنة 1535 بمدينة كالياري عساكر من إيالتي نابلس وسيسيليا ومملكة بلجيقة. # ثم سار بهم بحرا وخرج قريبا من قرطاجنة، فأخذ حصن جوليطة من بربروس، ثم أخذ تونس فنهبتها عساكره، وأعاد المعزول عن السلطنة الحفصية إلى ما كان عليه بخمسة شروط: أن يكون نائبا في حكمه عن سلطنة إسبانيا، ويحرر رقاب الأرقاء النصارى بلا فداء، ويبيح للنصارى أن يؤدوا أعمال ديانتهم كما يشاءون، ويضع بحصن جوليطة من نصارى إسبانيا عساكر محافظين يؤدي لهم اثني عشر ألف محبوب من الذهب لمؤنتهم، وتكون جميع مينيات مملكة تونس تحت يد شرلكان الذي أعطى إذ ذاك طرابلس إلى شوالية ماري حنا القاطنين ببيت المقدس الذين طردهم العثمانية من جزيرة رودس. # ولم توقف تلك الغزوة سير ما كان بالبحر الأبيض المتوسط من صيال أهل المغرب مع بقاء حكم الدولة على الجزائر التي وليها حسن أغا خليفة بربروس، واجتهدوا في تقوية ذلك الصيال، ومنع جميع التجارات التي بين بلاد الجزائر وبلاد سواحل ذلك البحر، وألزم أهل السواحل من إيطاليا أو سيسيليا أن يضعوا عساكر بتلك السواحل لصد غارات سكان المغرب، فجهز شرلكان سنة 1541 سفنا حربية لفتح الجزائر، فكانت رياح كسرت سفنه إلا قليلا، فأعادت الدولة إليها تلك الأقاليم الغربية، وبعثت سفنا أخرجت شوالية القديس حنا من طرابلس سنة 1551، وولت علها رجلا شهيرا يسمى دراغوت الذي حاز سنة 1560 نصرة أخرى على النصارى بالبحر الأبيض المتوسط، وحضر دون جوان النمساوي إلى حصن جوليطة بعد واقعة لينتة، ms167 فأخذ تونس بلا ممانع ونأى عنها سنة 1572، فسارع إليها سنان باشا من طرابلس، وأعاد فيها حكم الدولة العلية التي ثبت لها من ذلك الوقت الحكم على مدينتي تونس وطرابلس، ثم همت النصارى بأخذهما من الدولة العلية في عهد الملك لويز الرابع عشر، فصد أهل مدينة الجزائر دوق دي بوفرت سنة 1665 والمركي دومرتل سنة 1670، وأطلق القلل على هذه المدينة القبطان دوقسن من سنة 1682 إلى سنة 1689، وماريشال إسبانيا من سنة 1688 إلى سنة 1689 ميلادية، وحل بطرابلس من النصارى في عهد الملك لويز الخامس عشر سنة 1728 ما حل بمدينة الجزائر من الانتقام. # المبحث الرابع: في بقاء مملكة مراكش على حالها وفي تسلطن عائلة من الأشراف عليها # بقيت مملكة مراكش مستقلة عن الدولة العلية، فتولاها في القرن الخامس عشر بعد الميلاد من بني مرين الفرع الثاني منهم، وهم الملوك الأواطازية، ثم خلفهم سنة 1559 عائلة الأشراف المتسلطنين عليها الآن ابتكروا عظمة شأن هذه المملكة، ورتبوا في قوانينهم أن الذي يخلف السلطان بعد وفاته أخوه لا ابنه، ثم توفي الشريف عبد الله، فتنازع السلطنة ولداه مولاي محمد الذي نصر أولا ونال السلطنة حتى هزمه أخوه مولاي ملوك في ثلاث وقائع، فذهب إلى سيبستيان ملك البرتغال، فاستغاث به على أخيه، ووعده أموالا وأخبره أن له أنصارا بمدينة أرزيلة التي أتى إليها هذا الملك فلم يجد بها أحدا، وقد أعطاه الملك فيلبش الثاني الخوذة والدروع التي لبسها الملك شرلكان (كرلوس الخامس) عند دخوله منصورا مدينة تونس، فظن نصرته مصمما على نصب صليب النصرانية على مساجد فاس ومراكش، ثم تبع بعض كتائب السلطان ملوك، ففرت أمامه حتى بلغت القصر الكبير، فحملت عليه الجيوش العربية، وهزموه، وغرق أحد هذين المتنازعين في السلطنة بنهر موقازن، وتوفي الآخر بحمى مطبقة وقت التحام الحرب، وبلغ ذلك رجال البرتغال، فلم يحددوا غارات على إفريقية، وتفرغ الأشراف ملوك مراكش لحسم الفتن الداخلية، هذا ما كان في مراكش في ابتداء القرن السابع عشر من أحوال العرب الذين حافظوا على ضروب من ms168 علو الشأن في مملكة هذه المدينة. وأما من في الجزائر وتونس وطرابلس، فكانوا تحت قسر جمع قليل من الأتراك يؤدون لهم خراجا ثقيلا لا يتجاسرون على الشكاية من ثقله، ويشهر بعضهم السلاح على بعض بإغراء هؤلاء الأتراك، وكان من العرب قبائل قليلة مستقلة عن الدولة العلية ومنقادة لمن تنتخبه من المشايخ. # | الباب الرابع # في انحطاط دولة العرب بإسبانيا وطردهم منها، وفيه خمسة مباحث # المبحث الأول: في وقوع عدة ممالك إسلامية (من إسبانيا) تحت حكم ملوك النصارى # نعود الآن إلى ما سلف من تاريخ عرب إسبانيا، فنقول: لما أغارت الأهالي على عساكر الموحدين المحافظين بإسبانيا أوقعوا بهم أول نكبة وأخطبها، لكنهم أماطوا عنهم جورا يلزمهم أن يستعدوا عقبه لصد النصارى بتجديدهم للحكومة مركزا عموميا تنبني عليه المصالح العامة، لكنهم عدلوا عن ذلك وأخذ كل ينظر في مصالحه الخاصة؛ ولذا انقسمت الحكومة الإسلامية إلى عدة دول صغيرة مستقلة عن بعضها لم يكن منها ذات شوكة في الجملة إلا مملكتا والنسة والجرو ومملكتا ابن هود ومحمد الحمار، وكان ذلك التفرق مساعدا للفرنج على أخذهم عدة ممالك واحدة بعد أخرى، فقد فتح جاك (يعقوب) الأول جزائر بليارة، ثم شرع في فتح مملكة والنسة الذي اشتغل به سنة 1234 عن تخليصه من تيبوط المنسوب إلى مدينة شمبانية (بأرض فرنسا) سلطنة بلاد نوارة التي يستحقها بطريق الوراثة، وقد اتخذ ملك والنسة المسلم أعظم ما يكون من العزائم لحفظ مملكته، التي أخذ ولاتها بعد ذلك يبحثون عن استقلالهم، ويبيعون البلاد للنصارى ببعض إقطاعات، فسلموا للأراغونيين من سنة 1232 إلى سنة 1238 المدائن التي بضواحي والنسة التي حاصرها جاك الأول برا وبحرا حين لم يبق بها سوى الجنود، وأخذ يشدد في حصارها حتى بايعوه سنة 1238 على أن لا يضر بأنفسهم ولا أموالهم، ورخص لهم في الارتحال بالأموال، وألزم من أقام أن يؤدوا له من الخراج مثل ما كان يأخذه ملك أراغون من رعاياه، وهم بأخذ مدائن ويلنة ودنيا وكزاتيوة ليأخذ بعد ذلك مملكة مرسية، فسبقه إلى تلك ms169 الجهات فرينند الثالث ملك قسطيلة سنة 1241، وأقام بين الأراغونيين والمسلمين الذين بمملكة مرسية المنقسمة بين ولاة أقاليم مرسية واليقنطة وأوريهويلة وشنشلة والجامة، مع انتشار الغيرة والعداوة بين هؤلاء الولاة؛ ولذا بادروا بالانقياد لهذا الملك، مؤملين أن ينالوا منه أحسن ما يكون من المعاهدات، نعم أبى الانقياد لهذا الملك وإلى لرقة الحاكم على مدينتي مولة وقرطاجنة، ثم أخذ فرينند هذه المدائن سنة 1243، وضمها إلى مملكة قسطيلة التي أوسعها سنة 1233 بأخذه من حدود الوادي اليانع إلى الوادي الكبير بعد أن أبدى رئيس عسكره المسمى «ألواربريز # Avar Brez ~~» بشواطئ الوادي اليانع البسالة التامة والهمة العالية، ثم أخذ مدينتي عبدة وإندوجار من ابن هود الذي كان يدهم بلاده محمد الحمار من ناحية وملك الجرو من أخرى، مع أنه كان محفوفا بجنود كثيرة من الموحدين الذين لم يقو بهم على منع هاتين المدينتين من فرينند، بل لم يقدر على ضرب الحصار على قرطبة التي أغار عليها الأراغونيون زمن إغارتهم على مدينة والنسة سنة 1238، وقتل ابن هود وسط تجاهيزه الحربية، فسلم المسلمون قرطبة معدن الفنون والزخارف الإسلامية إلى فرينند الذي نصب الصليب على مآذن مسجدها الأعظم، وبعث إلى «قمبستيل # Compostelle ~~» واقيس كنيسة ماري جاك التي افتتحها الحاجب المنصور، وأخذ النصارى ينجسون محاريب المساجد بلا ظهور حمية إسلامية تصدهم عن ذلك، ثم أخذ فرينند مدائن بايزة واستيبة واسيجة والمودوفار، وحاصر مدينة جان أو ياعان سنة 1245، وهزم محمد الحمار أمام مدينة القالة أو القلعة في واقعة أظهر فيها المسلمون أعظم الشجاعة. # وسلك فرينند مسلك السياسة بتوليته محمدا الحمار على جميع بلاده الرحبة الممتدة من حدود الجزيرة إلى المرية بين جبل طارق وهويسقة، بشرط أن يؤدي له جزية كل سنة وجنودا زمن الحرب، ويذهب إلى المشورة التي تنعقد في قسطيلة، ثم حاصر فرينند ومعه محمد الحمار مدينة إشبيلية التي كانت كرسي سلطنة المراوية والموحدين، فقاومه أهلها زمنا طويلا لورود مدد إليهم من الوادي الكبير وعبورهم قنطرة من سفن على هذا النهر إلى مدينة تريانة المشتملة على لوازمهم، فجهز ms170 فرينند في جون بسقاية ومينيات إقليم جاليسة سفنا صغيرة استولى بها على مصب نهر الوادي الكبير، ثم ألقى سفنا كبيرة كسرت تلك القنطرة بشراعها، فكان لأهل إشبيلية مجاعة سلموا بها المدينة إلى فرينند سنة 1248 بشروط توافقهم، وأخذوا منه ليبيع أملاكهم ميعادا أطول من ميعاد أهل والنسة، وقد تيسر لهم بأخذ مدينة إشبيلية سرعة انقياد جميع البلاد التي على ميمنة نهر الوادي الكبير، وجالوا حين استيلاء البرتغال على مدينتي لولة وأيامنتة سنة 1249 بسواحل البحر التي بين نهر الوادي الكبير والوادي اليانع جولة منتصر مؤيد، فأخذوا مدنا بعضها للمسلمين. # المبحث الثاني: في مقاومة محمد الحمار أفخر مقاومة وفي عظمة شأن غرناطة # ظن النصارى قرب زوال مملكة العرب من إسبانيا، وإذا محمد الحمار أبدى من الفضائل مثل ما كان للوزير المنصور بتأسيسه مملكة أعدم ولاتها الاستبداد، وأفهم رعاياها ضرورية الاتحاد، ورد إليها من الغنى والثروة ما يشبه العرب في بحيث جزيرة إسبانيا بحسن إدارة الفلاحة والصنائع التي سلك فيها مسلك الملك لويز الرابع عشر والملك قلبرت؛ حيث أخذ يثير الغيرة والتنافس بين أهل الصناعات ويشوقهم إلى اختراع لطائف بدفع مكافآت لمن أتى بشيء من ذلك، مع ترك تكاليف واجبة له عليهم؛ فنجحوا في تلك الصناعات، وبرعوا في نسج أقمشة الحرير وغيره، وكذا في البنيان براعة أهل قرطبة، وكفى بقصر السباع المعروف بالحمراء شاهدا على ما كان لأهل غرناطة من الغنى والمهارة في فن البناء، مع ما لهم من الاجتهاد التام بعلوم الفلك والطب والكيمياء والرياضة والنحو والمنطق. # وأخذ هذا الملك يعمل بغرناطة أعيادا لتمثيل الوقائع الحربية وأعيادا لمناضلة الفرسان، ومواسم لمقاتلة الأثوار، وأخرى للتسابق ولعب أخذ الخاتم، ويدعو أعيان الرعية إلى الأعياد والولائم العظيمة، ولم يكن ذلك نتيجة جوره بل رفاهية المعيشة في سائر الرعية؛ ولذا كانت مدينة غرناطة كرسي مملكته مأوى المسلمين المتشتتين لكثرة خيراتها الجاذبة جميع من لم يرد الإقامة تحت حكم نصارى إسبانيا، وكثرت المهاجرة إليها حين أخذ الملك جاك يطرد المسلمين من مدينة والنسة سنة 1249. # ولم يزل ms171 ملوك غرناطة متولين الحكم بها من سنة 1238 إلى سنة 1452 ميلادية محسنين ترتيبهم السياسي؛ فقد رتبوا في كل بلدة خفراء منها، وأعطوا جميع سكانها سلاحا يستعملونه حالة هجوم العدو، فرفعوه مرات على ملوكهم الممتنعين من أداء واجباتهم الملوكية أو الذين لا يعبئون بمشاورة الأمة، وجعلوا للعساكر المحافظين بالثغور إقطاعات من الأرض تكفيهم وعائلاتهم لتبعثهم على الوقاية من الأعداء، وألزموا أنفسهم مثل ملوك الأقاليم المغربية بالقيام بما يلزم طوائف الفقراء من نحو المأكل والمشرب، وأكثروا في الأسواق المبيع الضروري، ورتبوا في غرناطة التي دائرها أكثر من ثلاثة فراسخ ضبطية، وفي كل ثمن منها ضابطا، ورتبوا عساكر تدور ليلا في الأماكن لم يكثر طروقها، وعملوا قوانين لزمن إغلاق المحال العامة كالأسواق، وخصصوا كل حرفة بطائفة وعاقب كثير منهم من أفرط في شرب الخمر، وأمروا اليهود أن يتميزوا بعلامة من غير إساءة معاملتهم، ومنعوا الربا في النقود وابتكروا في كتابة الحجج والصكوك طرائق واضحة تمنع المنازعة، وشغلوا العلماء بتأليف رسائل في الصنائع العملية وإنفاذ الأئمة والفقهاء لقوانينهم النظامية بعد أن كانوا إلى زمن هذه السلطنة مطلقي التصرف يفعلون ما شاءوا، وأحدثوا لتأدية العبادة قوانين تنبئ عن كمال إيمانهم، وعلو أفكارهم وشرف التأديب والتهذيب الديني، منها انعزال النساء عن الرجال في المساجد، وخروجهن قبل الرجال، وإكثار الطاعة في رمضان، وتوزيع الزكاة والصدقات على الفقراء وأهلها أو إبقاؤها لتنفق في عمارات عامة النفع، ومنع اجتماع الناس ليلا، وإبطال الندب على الأموات عند دفنهم بقراءة أدعية على قبورهم، ودفن الموتى عارين عن التمائم وباقات الأزهار المعتادة قبل هؤلاء الملوك، وكان المستعمل في قوانين العقوبات على الجنح والجنايات الضرب بالسوط والنفي عن الأوطان، وإشهار المذنب بوضعه على خشبة، فاستبدل هؤلاء الملوك ذلك بحبس المذنبين في مكان يشتغلون فيه، وأبطلوا رجم المذنبين، وأمروا بدفن من يقتص منه بالقتل مثل دفن سائر المسلمين. # وبما سلف يعلم أن مملكة غرناطة - نظرا لما كانت عليه من الأمور الجليلة - تستحق أن تعتبر في التاريخ من الممالك الشريفة، لكن ساء حظها؛ حيث ms172 لم يكن توارث سلطنتها مقررا على قواعد متينة، فتولاها بعد الملوك الجديرين بتعجب الأجيال المستقبلة من عدلهم وحسن سياستهم ملوك جبابرة ليسوا بكفؤ للسلطنة التي عجلوا زوالها من بحيث جزيرة إسبانيا. # ولنذكر سلسلة هؤلاء الملوك مع الإيجاز، فنقول تولى محمد الأول المعروف بالحمار من سنة 1238 إلى سنة 1273 التي تولى فيها محمد الثاني إلى سنة 1302 التي تولى فيها محمد الثالث إلى سنة 1309، منع الأولان بحسن تدبيرهما مطلق التجارؤ على ما يخل بالنظام العام مع سعد جدهما، بخلاف الثالث فكان دونهما في ذلك؛ حيث أثار عليه أخوه نصار أبو الجيوش ساكني غرناطة، وتولى بدله من سنة 1309 إلى سنة 1313، فجبره إسماعيل بن عمه فرج من ذرية السلطان محمد الحمار على التخلي عن السلطنة، وتولاها من سنة 1313 إلى سنة 1325، وخلفه ولداه محمد الرابع إلى سنة 1333 ويوسف الأول إلى سنة 1354. # وكان السلطان يوسف هو المحدث لترتيب المملكة وقوانينها القديمة، فكان أجل الملوك الغرناطية مع انهزامه في حرب نصارى إسبانيا بواقعة ريوصالادو، وخلفه ابنه محمد الخامس الملقب بجاديس، فعزله أخوه إسماعيل ورجل من أقاربه يقال له أبو سعيد، واستعان كل من أبي سعيد ومحمد الخامس بملك قسطيلة فقتل أبا سعيد ليأخذ ماله وأنجد محمدا فعاد إلى السلطنة سنة 1363 إلى سنة 1390، فخلفه يوسف الثاني إلى سنة 1396 المتولي فيها محمد السادس الذي حكم على يوسف أخيه الأكبر بالحبس المؤبد، ثم أحس هو بقرب وفاته، فأمر بقتل أخيه المحبوس ووجه له جلادا يقتله، فوافاه وهو يلعب بالشطرنج، فاستمهله حتى يتم لعبه فأمهله، وإذا برجال من الديوان يبشرون المحبوس بموت أخيه وتوليه السلطنة بدله، فتولى يوسف الثالث سنة 1409 إلى أثناء سنة 1423، ثم بدت الفتن الداخلية منذ تسلطن هذه السنة إلى سنة 1428 محمد السابع الملقب بالميسر؛ حيث سلك برعيته مسلك الجور، فولوا بدله محمدا الصغير من أقاربه، وعزل بعد سنة بمحمد السابع المعزول، فألبس ملك قسطيلة الذي أغار على غرناطة يوسف الرابع الملقب بالحمار تاج السلطنة الغرناطية، وأغرى سنة 1432 جمعا ms173 شهروا يوسف الرابع الملقب بالحمار سلطانا، ثم عاد محمد المعزول إلى السلطنة في هذه السنة حتى طمع في السلطنة سنة 1445 من أقاربه محمد التاسع الملقب بعثمان أو السمين وإسماعيل الثالث، فعزلاه وتنازعا في السلطنة فنصر محمد وتولاها سنة 1454، ثم غلبه إسماعيل الثالث فتولاها حتى مات، فانتقلت لولده حسن سنة 1465. # المبحث الثالث: في اضطرابات قسطيلة وغارة بني مرين وواقعة ريوصالادو # نعود الآن إلى تكملة ما أسلفناه قبل المبحث السابق، فنقول إن ملوك غرناطة كانوا لا يخشون إلا بأس أهل قسطيلة منذ فتح ملكها فرينند الثالث مدينتي مرسية وإشبيلية، فكانوا يستميلون وزراء وجلساء هذا الملك بنحو العطاء وقبول كلامهم في دعاوى المخاصمة بديوان غرناطة، إلا أن اختلاف أهل هاتين المدينتين جنسا ودينا أحال اتحادهم؛ ولذا كان هذا الملك متشوقا للغارة على غرناطة، فلم يمكنه أهل قسطيلة من ذلك لوقوعهم في فتن داخلية، منها أن ألفنس ولد فرينند الثالث الناشر أزياجه ومعلومات عرب إسبانيا في أوروبا صرف نصف عمره في تطلبه إمبراطورية ممالك ألمانيا، ثم صرف النصف الآخر في قتال ولده الثاني المسمى سنش؛ حيث اختارته الدول ملكا على قسطيلة مع حياة والده، فتطلب سلطنة قسطيلة أولاد الأميرة بلنشة بنت الملك ماري لويز الفرنساوي، وأرادوا إقامة حقوقهم الوراثية بمساعدة فرنسا وإنكلترة، فأوقدوا لذلك نيران حروب أشرفت على الانتهاء، وإذا جور بطرس أثار من سنة 1354 إلى سنة 1370 حزب ترنسطامار، وأوقع إسبانيا في بلايا العدوان عليها من عصابات دوجكلان والأمير نوار، ثم كان بقسطيلة في القرن الخامس عشر حنا الثاني قبل بلوغه وهنري الرابع سخيف الرأي الملقب بالعاجز القوة، فاقتضى قصور الأول وسخافة تدبير الثاني أن لا تحارب مملكة قسطيلة في هذا القرن مملكة أخرى. # وكان محمد الثاني ملك غرناطة زمن اضطراب قسطيلة مشتغلا بالهجوم على مدينة جبل طارق، ومدائن الجزيرة، وطارقة من جهة، وعلى مدائن هويسقة وبائظة، وقادس، والمرية من جهة أخرى، معرضا عن انتهاز الفرصة بالغارة على إسبانيا حين اضطراب مملكة قسطيلة، ثم هم مع أبي يوسف ملك بني مرين ms174 في أواخر القرن الثالث عشر بالغارة على إسبانيا، وأخذا منها مدينتي طاريفة والجزيرة، وأعدما سفن قسطيلة قرب مدينة الجزيرة، وأغارا على بلاد الجرو، فلم يجبن سنش عن صدهما بإعدامهما السفن السابقة، بل أغار على داخل بلادهما سنة 1280 ونصر، وولت الدول ألفنس العاشر السلطنة سنة 1283 ميلادية مكافأة له على شهامته، ثم قام عليه أحد أولاده فاستعان بأبي يوسف المريني على قمع هذا الولد فقبل، ثم عكس أمره؛ حيث أحرقت سفنه الحربية، وأخذ منه أهل قسطيلة مدينة طاريفة، وأخذ منه محمد الثاني مدينة الجزيرة سنة 1296 وجعل فيها محافظين. # واشتهر النصف الأول من القرن الرابع عشر بحروب؛ فإن أهل قسطيلة أخذوا سنة 1309 مدينة جبل طارق، وحاصروا مدينة الجزيرة فأعطاهم المسلمون عدة مدن أقل أهمية منها لإبعادهم عن البلاد الإسلامية، وأسس إسماعيل بن فرج بين أولاد ملوك نصارى إسبانيا البالغين عداوة ينتهز بها الفرصة زمن قصور ألفنس الحادي عشر عن البلوغ، فتيقظ منهم اثنان لذلك، وأزالا ما بينهما من المنافسة في السلطنة، وحاربا غرناطة بلا تدبر، فمزق المسلمون عساكرهما وقتلوهما 1319 بالموضع المعروف بسياراد ولوص أنفته، فقوي عزم المسلمين، وأخذوا سنة 1329 مدائن بائظة ومرطوس وعبدة حتى مدينة جبل طارق، وأمكن الملك محمدا الخامس أن يأخذ من النصارى سوى ذلك لو ساعده أهل إفريقية الذين لم ينتظموا معه، وأخذوا منه الجزيرة ومربلة ووندة، ولم ينتظم المسلمون تحت لواء واحد إلا في عهد الملك يوسف الثاني؛ فإن الملك أبا الحسن المريني نزل بإسبانيا، وأخذت سفنه الحربية تطرد من بوغاز جبل طارق سفن أهل البرتغال وقسطيلة، فلحقه الملك يوسف، وحاصرا جيوش البرتغال وقسطيلة في مدينة طاريفة زمنا طويلا هم فيه تلك الجيوش بالخروج من المدينة، ثم كان بين الفريقين بشواطئ نهر ريوصالادو واقعة هي الثانية من واقعتي طولوزة انهزم فيها أبو الحسن المريني، فعاد إلى فاس سنة 1340، وترك لأهل غرناطة جميع ما يملكه في إسبانيا ليستر عار هزيمته، ثم أعدمت سفنه الحربية سفن جنويرة والبرتغال وأراغون المجتمعة لتحقيق السلطنة على البحر الملح ms175 للنصارى الذين أخذوا مدينة الجزائر سنة 1342، فتجددت لهم مينا حسنة لملاحظتهم جميع السواحل الإفريقية، واستقلوا من ذلك الوقت بجيوشهم بلا احتياج إلى مساعدة، وأخذوا يتفكرون فيما ينسي الأمم فتوحاتهم ومفاخرهم العظيمة، واشتغل القسطيليون بفتنهم الداخلية عن أخذ مدينتي جبل طارق والمرية، ثم ساعدهم البرتغال الفاتحون عدة مدن من إفريقية، ومنعوا مخالطة مسلمي إسبانيا بمسلمي إفريقية. # المبحث الرابع: في إعدام النصارى سلطنة غرناطة من بحيث جزيرة إسبانيا # تنازع السلطنة يوسف الرابع الحمار ومحمد السابع، فاستمد أحدهما دولة قسطيلة الإسلامية، فأمدته بجنود نصروا على خصمه في صحاري غرناطة سنة 1432، فكان ذلك الاتقاد الثاني للحروب بين مسلمي إسبانيا ومراكش، وأما ما كان من سادات أهل قسطيلة ومشايخ العرب الذين يودون إظهار البأس والشهامة الحربية من الغارات على بلاد الأعداء، فكانت منازلات لم تستدع حربا عامة بين هاتين الأمتين. # وتولى سلطنة غرناطة سنة 1465 السلطان حسن المعروف بالشجاعة وحب الوطن، لكن رماه أهل غرناطة بالتكبر والقسوة، وتغلب حب جارية نصرانية على عقله مع اختياره ولدها أن يكون خليفته دون ولده أبي عبد الله ابن السلطانة زوريا، فكان بينهما عداوة ازداد به ضعف هذه المملكة سنة 1476 بخلاف مملكة قسطيلة؛ فإن عظماءها وإن أوصلوا هنري الرابع إلى أقصى درجات الحطة والمذلة، لكنهم انقادوا بعد وفاته سنة 1474 لابنته إيزابلة المتزوجة فرينند ملك مم لكة نوارة والوارث لملك مملكة أراغون، ثم كان لهذين الزوجين سنة 1479 التصرف في الممالك الثلاث كيف شاءا، طلبا من السلطان حسن الجزية التي كان والده يؤديها، فأبى قائلا للسفراء: اذهبوا فقولوا لأسيادكم إن غرناطة ليس لديها ذهب، ولكن حديد لأعدائها، ثم دهم مدينة زهرة وأخذها سنة 1480، فأخذ أهل قسطيلة مدينة الحما المعضدة لغرناطة التي سار عقب ذلك لأخذها، فالتهبت نيران الحرب الداخلية. # وعزل أصحاب الأمير أبي عبد الله أباه حسنا عن السلطنة وولوا ابنه، فأظهر للناس نصرته على نصارى قسطيلة في واقعة لقصة المقتضية أنه أولى بالسلطنة من ولده، ولم يجد ذلك نفعا، فأقام بريف غرناطة، ثم عاد إلى السلطنة يسيرا، ms176 ووقع ابنه عبد الله الجبان في أيدي نصارى قسطيلة وهم يحاربون مع فتور همتهم، وأطلقوه سنة 1484 لعلمهم أن عزله أباه يساعدهم على بلوغ مآربهم أكثر من النصر على أبيه الذي ألزم بخلع السلطنة على عمه المعروف بالزجال، واحتقر أبناء الوطن أبا عبد الله، فترجى فرينند أن ينصره، فأجابه وأغار حالا على مملكة غرناطة؛ فأخذ مدائن الويجا وهزم الرجال أمام مدينة لورقة، فتنازل عبد الله عن غرناطة سنة 1486 لفرينند الذي رخص لأبي عبد الله أن يدهم جميع مملكة الزجال؛ فحاصر أبو عبد الله ملاغة وأخذها، ثم وجه عساكره إلى مدائن المرية وبازه وورا، فبذل الزجال وسعه في القتال حتى يئس، فأمر الناس أن يسلموا إلى نصارى إسبانيا، وسلم هو مملكته إلى فرينند الذي أعطاه بدل ذلك إقطاعات واسعة بسائر مملكته سنة 1490، وألحق أهل غرناطة برعاياه في الاعتبار، وحفظ الحرية والأموال والإعلان بشعائر الدين والخراج الذي كان يؤخذ منهم سابقا، ورأوا من سلوكه دلائل الهدو الدائم، فانقاد لحكمه من حلفوا أن يدافعوا عن أنفسهم حتى تنفذ وسائلهم الحربية، لكن بعض المسلمين حرض على الغدر بالنصارى، وشهروا السلاح، وحصنوا غرناطة مصرين أن يموتوا تحت أطلالها فهرب الملك الزجال إلى إفريقية، فتمثل فرينند في تاسع مايو سنة 1491 بثمانين ألفا أمام أسوارها، ووكل عبد الله رؤساء رجاله في المدافعة عن تلك المدينة التي قاسى الأهوال في حصارها نساؤها وأطفالها وشيوخها، وتنافس جميع أهلها في صد العدو، وبنت الملكة إيزابلة هناك مدينة سنتافية إعلانا بأنها لا ترحل قبل فتح غرناطة، وقطع فرينند اختلاط أهل غرناطة بغيرهم حتى ضاق بهم الأمر، فخرجوا على النصارى مخاطرين بأنفسهم، فهزمهم النصارى بجوار أسوار المدينة، وطلب فرينند من أبي عبد الله أن يسلمه المدينة بعد شهرين إن لم يأت إليها مدد في بر أو بحر، ووضع إمضاءه على شروط بذلك، فاستنجد أهلها سلاطين إفريقية والقسطنطينية، فبعث ملوك القسطنطينية دون غيرهم سنة 1486 سفنا اقتصرت على تخريب سواحل بحيث جزيرة إسبانيا، فخاف أبو عبد الله من قيام أهلها عليه، ms177 وسلمها قبل الميعاد إلى فرينند الذي رتب له إقطاعات كافية في أرض البوقسارة ، ثم أقام أبو عبد الله في صحاري إفريقية لما ركبه من العار والذلة، ونصب النصارى على ذروة قلعتي الحمراء ولابابسين أعلام سلطنة قسطيلة وأعلام سنجاق «ماري يعقوب»، وزينوا مسجدها الأعظم بحلية العبادة النصرانية القاثوليقية، وأمر القائد «كزمينيس # Ximénés ~~» بإحراق الكتب العربية المحفوظة منذ قرون، ووضع فرينند يده بلا ممانع على المحطات المهمة في الجبال وعلى مملكة غرناطة، فانقضى من إسبانيا حكم العرب الممتد من سنة 710 إلى سنة 1493 ميلادية. # وكأن زوال سلطنة غرناطة إعلام بموتهم؛ فإنهم لم يسألوا بعد أخذها عن شروط التسليم المشتملة على تمتعهم بالحرية والمال والسلاح والدين والمساجد والعوائد، وبقاء ترتيب القائدين للجنود والقضاة المكلفين بالحكم في الدعاوى على مقتضى الشريعة الإسلامية، وعدم الجبر على تأدية شيء سوى الخراج والتكاليف التي كانوا يؤدونها لملوكهم المسلمين. # المبحث الخامس: في السياسة التي سلكها ملوك إسبانيا مع المسلمين المطرودين عنها سنة 1609 ميلادية # لم يقصد فرينند بشروط تسلمه غرناطة إلا الحصول عليها لا إجراء تلك الشروط التي منها التمتع بالدين؛ فإنه رأى أن المسلمين بكثرتهم وغناهم وحبهم للاستقلال ربما كانوا مانعين نفوذ حكمه، فصمم رأيه على أن يسلبهم العبادة الإسلامية والأخلاق العربية شيئا فشيئا، ولم يبدل ذلك أول وهلة خشية أن لا ينجح مقصده، فاتخذ متجسسين على التدين بدءوا بمدح أهل قسطيلة وما هم عليه من الصلاح والاستقامة ليأمنهم المسلمون، وينسوا ما كانوا عليه من سوء المعاملة، وأوهموهم أنه يحب عليهم العمل بشروط التسليم بغاية الدقة، وأنهم لا يؤذون إلا اليهود والمالكين لحصة عظيمة من أموال البلاد أو الذين رحلوا من وطنهم «غرناطة» أو تركوا دين آبائهم ودخلوا في دين النصرانية، وأوقعوا سنة 1492 بهؤلاء من العذاب أنواعا أفزعت المسلمين، والمتجسسون إذ ذاك يدعون إلى النصرانية المسلمين الخائفين أن يحل بهم ما حل باليهود من سوء العذاب، ثم أعلنت النصارى بمنع التدين بالإسلام، وأغدقوا بالذهب على من استنصر، ثم حكم فرينند سنة 1499 بطرد من لم ms178 يستنصر من جميع إسبانيا، فانقاد ظاهرا للذهاب إلى الكنائس لعبادة المسيح المسلمون بسائر المدن إلا سكان جبال البوقسارة، فلم يمتثلوا وشهروا السلاح فهزمهم هذا الملك، وأتلف مزارعهم، وأخذ أموالهم، وطردهم من البلاد، نعم تحمل النصارى أن يتدين بدين الإسلام أهل والنسة التي صنائعها أحد الينابيع الأصلية لرفاهية إسبانيا حتى ولي السلطنة شرلكان كرلوس الخامس سنة 1524، فألزم أعيان النصارى المسلمين بالتنصر، فاشتبكوا ذلك إلى شرلكان فلم يصغ لهم وأحالهم على محكمة تحقيق الدين وعقوبة المعتزلة عن طريقة القاثوليقية، فحكم أرباب المحكمة بإكراه المسلمين على التنصر، وسعى رئيس أساقفة إشبيلية لدى هذا الملك حتى حكم سنة 1552 بمنع مسلمي غرناطة في يوم واحد من عوائدهم القديمة ولباسهم والتكلم بلغتهم، ورتب لتحقيق دعاوى المخالفين لذلك الأمر محكمة مخصوصة، ودفع المسلمون سنة 1592 إلى الملك فيلبش الثاني ثمانمائة ألف دوقية (دينار) ليخفف عنهم ذلك، فكفت عنهم أرباب الحكومة، إلا أن الرعية ما زالوا يتمادون في عدم التحمل للتدين بالإسلام، شاهرين السيف باليمين والصليب باليسار، مقتفين أثر المسلمين في كل جهة حتى الجبال. # وبالجملة أخذ رئيس أساقفة غرناطة أمرا من الملك فيلبش الثاني بمنع اغتسال المسلمين من الحدثين، والرقص المغربي، واستعمال اللسان العربي، وخروج النساء مبرقعات، فأبى المسلمون وشهروا السلاح، وعقدوا مودة مع مغاربة إفريقية، فتبعهم المركيز «منديار # Mondejar ~~» القائد النصراني؛ فالتجئوا إلى جبال تابعين قائدهم محمد بن أمية المدعي أنه من نسل بني أمية خلفاء قرطبة الأول، واستمرت الحرب بينهما سنين حتى بدا الشقاق بين المسلمين، وذبح محمد بن أمية، فخلفه عبد الله، فأخذ منه «دون حنا وتريش # Don juau’ dAutriche ~~» سنة 1570 معظم عساكره الذين انقاد بعضهم للنصارى وبعض ذهب إلى إفريقية، ووزع النصارى الساكنين بجبال البوقسارة على استورية وغاليسة وقسطيلة تحت الملاحظة الشديدة، وأمر الملك فيلبش الثالث سنة 1609 بطرد مسلمي والنسة ومرسية، فنقلتهم سفن إلى سواحل إفريقية، وأجاز منهم كثيرون جبال برينة، فقبل نزولهم في فرنسا ملكها هنري الرابع، وجاد على بعضهم بالمسكن والمزرعة وعلى بعض آخر بوسائل السفر في البحر ms179 إلى مينا غينة ومينا لنجدوق. # ووجد بعض المؤرخين المسلمين المطرودين من إسبانيا منذ فتح النصارى غرناطة إلى سنة 1609 ثلاثة ملايين كانوا نخبة المسلمين وأعظمهم صناعة، فدرست معالم عز إسبانيا وكذا فرنسا بطردهم من مدينة ننتس سنة 1689 المعتزلين مذهب القاثوليقية ذوي الصنائع العظيمة. # | المقالة السادسة # في وصف التمدن العربي في الزمان وفيها ثلاثة أبواب # | الباب الأول # في أن مدرسة بغداد خلفت مدرسة الإسكندرية وفيه مقدمة وواحد وعشرون مبحثا # المقدمة # بذل الصحابة الجهد في الفتوحات ونشر الدين، واشتغل من بعدهم بذلك أكثر من اشتغالهم بالمعارف الأدبية حتى حدثت بينهم فتن داخلية ألهتهم عن ذلك، ثم رزقوا غزوات قاصية ونصرات باهرة، خصوصا في سنة 750 بعد زوال الدولة الأموية، وخربوا الشام والفرس إلى نهر السند والي بحر قزوين وجميع شمال إفريقية ومعظم بحيث جزيرة إسبانيا، وهددوا فرنسا بالغارة عليها، فمزق ملكها كرلوس مرتيل جيوش عبد الرحمن الأموي في سهول إقليم لوارة، ثم ذهب الاضطراب الحربي وخلفه التنافس في المعارف اقتداء بالخلفاء الذين بحمايتهم المشتغلين بها زال الجهل والفظاعة، وشوهدت مؤلفات كثيرة فشت بها اللغة العربية لدى الأمم المشرقية وسائر الممالك الإسلامية، ويتكون من معظمها الموجود الآن علم أدبي من أوسع العلوم الأدبية المعروفة في الدنيا. # المبحث الأول: في اكتساب العرب العلوم من ابتداء خلافة المنصور العباسي # اختص المنصور بأنه أول من حث العرب على الاشتغال دون من تقدمه من الخلفاء، بدليل أنه لا يوجد في تاريخ قدماء العرب إلا بعض فوائد في العمليات الفلكية بواسطة منظر السماء الجاذب أذهانهم، كما جذب أذهان سائر الأمم إلى رصد الكواكب والنجوم لطف بلادها وصحة هوائها، وكان هؤلاء العرب عارفين منازل القمر وأحكام التنجيم الفلكية وأسماء الكواكب السيارة وبعض النجوم الزاهرة التي يعبدونها من دون الله معولين في حسابهم على السنة القمرية، لكن لم يؤثر عنهم فكر في تحديد الحركات السماوية ولا في اعتبار مبدأ تاريخ متبع بين سائرهم؛ ولذا استحال ترتيب سلسلة أخبار العرب التاريخية السنوية المستطيلة إلى الوقت الذي فيه زوال عباداتهم المتنوعة ms180 واجتماعاتهم على الدين الإسلامي، وكانوا مستعدين استعدادا طبيعيا لأن يكونوا وسائط بلاغ بين الأمم، ويبثوا ما عندهم إلى الأمم المنحصرة بين نهري الفرات والوادي الكبير وإلى سكان الجزء الجنوبي من وسط إفريقية، مع كثرة أشغالهم التي لم يماثلهم فيها من سبقهم، وكانوا مع عدم احتمالهم التدين بغير دينهم مخالفين لبني إسرائيل بميلهم إلى الاختلاط بالتناسل بين الأمم التي غلبوها، من غير أن يتركوا طبعهم العربي والروايات المذكرة بوطنهم الأصلي بدون التفات إلى تنقلهم الدائم من مملكة أخرى، ولم تبتدئ الأمم الجرمانية في التمدن إلا بعد مهاجرتهم من بلادهم بزمن طويل بخلاف هؤلاء العرب، فإنهم لم ينقلوا الإسلام وحده إلى ما تغلبوا عليه من البلاد، بل مع لغتهم الكاملة ولطائف أشعارهم التي اشتغل بها شعراء الربابة من إفرنج إقليم برونسة والفرنج المغنون على آلات أشعار العشق والخلاعة. # المبحث الثاني: في أن النسطوريين كانوا أساتذة العرب الأول وفي إنشائهم مدرسة ايدسة والمذاهب الهندية التي كانوا يتبعونها # من تأمل كيفية غارة العرب على الشام وفلسطين، ثم على الديار المصرية؛ وجدهم مائلين إلى كسب العلوم وتقدماتها باشتغالهم بها بواسطة استعدادهم الطبيعي، وائتلافهم بما جاور سواحل جزيرتهم من الأمم التي وصلت إلى درجة علية من التمدن، كما نشأ عن ائتلافهم بطائفة النسطورية النصرانية تنور عقولهم بالمعارف التي اكتسبوها قبل دخولهم الإسكندرية من هؤلاء النسطورية الذين لم يفش حينئذ مذهبهم بالممالك المشرقية من آسيا، وأفادوا أهل الشام معارف، وهربوا حين تتبعهم أخصامهم لتباين بينهم في العقائد الدينية، ثم أطلع الشاميون العرب على ما أخذوه عن هؤلاء النسطورية من الأدبيات، وأنشأ النسطوريون في مدرسة ايدسة ببلاد العراق العرب مدرسة تعلم بها من الأطباء جمع كانوا زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وبها كان بدء علم العرب المواد والعقاقير المستفادة من المعدنيات والنباتيات، ثم عدم التعلم بهذه المدرسة زمن الملك اليوناني «زينون الإيزورياني # Zènon l’Isaurien ~~» لتعصب ديني بين النسطوريين الذين نشروا في نصف القرن السابع بعد الميلاد معلوماتهم وعقائدهم الدينية في الهندستان والصين، وانتشروا في بلاد الفرس، فكان ms181 لهم بعد قليل تحكم عظيم سياسي، فأنشئوا في جنديسابور بإقليم خوزستان مدرسة هرع للتعلم بها كثيرون، وكان في أثينة تخت بلاد اليونان مدرسة أفلاطونية نفي منها إلى بلاد الفرس جمع من الفلاسفة في عهد الملك بوستينان، فاجتنى العرب مدة غاراتهم ببلاد آسيا أصول التمدن الفاشية في بلاد الفرس بواسطة هؤلاء العلماء، ومع ذلك لا يعلم أستاذ المنصور في علم الفلك، واستظهار أنه عالم هندي يبعده عدم اعتبار العرب للمذاهب الهندية منذ استحصلوا على الكتب اليونانية. # المبحث الثالث: في مدرسة بغداد وترجمة الكتب اليونانية إلى اللغة العربية ومؤلفات العرب في الفلك زمن المأمون بن هارون الرشيد # اقتدى بالمنصور من بعده في نشر العلوم، وتوسعة دائرتها زمن إهمالها بجميع بلاد أوروبا، بجلبهم من الأقاليم التي افتتحوها علماء لترجمة أعظم كتب اليونان، وإنشائهم كتبخانات ومدارس يتعلم بها الخاص والعام نحو كتب أرسطاليس وسقراط وجالينوس ودسقوريدس وإقليدس وأرشميدس وبطليموس وأبولونيوس، مع تعليم متن القرآن وتدريس تفاسيره، وبإنشاء جمعيات العلماء لتجادلوا في مشكلات المسائل، فقد أغدق المهدي والرشيد على علماء النصرانية المنتشرين ببلاد آسيا، فترجموا الكتب اليونانية والفارسية إلى السريانية والعربية، واشتهر في عصرهما من العلماء ما شا الله الفلكي المؤلف في الأسطرلاب ودائرته النحاسية وأحمد بن محمد النهاوندي، وهما أقدم علماء الأرصاد من العرب وحجازي بن يوسف أول من ترجم كتاب إقليدس إلى العربية، وكفى بالساعة الدقاقة المتحركة بالماء التي بعثها هارون إلى شرلمانية ملك فرنسا شاهدا على رفعة درجة الفنون لدى العرب إذ ذاك، ثم جاء المأمون المعتبر في العرب كأغسطوس في الرومان فخف بأعظم العلماء، وربط علائق المودة بينه وبين اليونانيين ملوك القسطنطينية، فأكمل السعي في تحصيل تلك الفنون بصرف مبالغ من النقود على ترجمة كتب علماء الإسكندرية ومصر وسائر اليونانيين بجميع بلادهم حتى مدينة أثينة، وألف يحيى بن أبي منصور زيجا فلكيا مع سند بن علي الذي ألف في سنة 832 وسنة 833 ميلادية أرصادا أخرى مع خالد بن عبد الملك المروروزي، وقاس سند وخالد بين الرقة وتدمر خط نصف النهار ms182 مع علي بن عيسى وعلي بن البحتري، وألف أحمد بن عبد الله بن حبش ثلاثة أزياج في حركات الكواكب، وحبسوا الخسوف والكسوف والنجوم ذوات الأذناب وغيرها والسوادات التي بقرص الشمس، ورصدوا الاعتدال الربيعي والخريفي ، وقدروا ميل منطقة فلك البروج، وأصلحوا بأمر المأمون غلطات كتاب المجسطي تأليف بطليموس بعد أن شغل يحيى بن خالد البرمكي مترجمين في ترجمته زمن الرشيد، وسبقهم في الاجتهاد بتلك العلوم من العرب محمد بن إبراهيم الفزاري، فقد ضاهى علم الفلك الهندي باليوناني، ورصد أحمد بن محمد النهاوندي السماويات في مدينة جنديسابور، وألف سنة 803 ميلادية أزياجا جديدة سماها المستعمل. هؤلاء هم الذين اشتهروا زمن المأمون بالعلوم الفلكية. وأما محمد بن موسى الخوارزمي ملخص الأزياج الفلكية الهندية للمأمون ومعاصره الكندي المتجر في اللغة اليونانية المستمد من كتب مدارس أثينة والإسكندرية المؤلف أكثر من مائتي كتاب في الحساب والهندسة والحكمة والتنجيم والحوادث الجوية والطب، وغير ذلك؛ فلا يعدان من الفلكيين بل من الرياضيين. وأما أبو معشر تلميذ الكندي فألف أرصادا نافعة حسب عليها الزيج المعروف بزيج أبي معشر وإن لم يشتهر عند الفرنج إلا برسالات ألفها في التنجيم. # المبحث الرابع: في أرصاد العرب الفلكية الجديدة وتكملتهم وإصلاحهم أزياجا مترجمة من اليونانية # ما زالت العرب مشتغلة بعد المأمون بالعلوم خصوصا الفلك؛ فإن محمدا وأحمد وحسنا أولاد موسى بن شاكر بذلوا همتهم فيه، وكملوا الزيج المصحح، وحسبوا الحركة المتوسطة للشمس في السنة الفارسية، وحددوا ميل وسط منطقة البروج المسماة بالإكليتيك في رصد خانتهم المبنية على قنطرة بغداد المتصلة بالباب المسمى بالطاق، وعرفوا فيها فروق حساب العرض الأكبر من عروض القمر، وعول ابن يونس في أرصاده الفلكية على أرصادهم، وعمل أكبرهم محمد لمواضع الكواكب السيارة تقويمات استعملت زمنه وبعده، وترجم تلميذه في الفلك ثابت بن قرة المتوفى سنة تسعمائة ميلادية كتاب المجسطي لبطليموس ثانيا بعد ترجمته زمن الرشيد، وبين تصحيحات المتقدمين لغلطات بطليموس، وزاد من عنده ملحوظات مفيدة، وألف أرصادا فلكية بعد أولاد بني موسى محمد بن عيسى الملقب بالمهاني، وكذلك ms183 أبو العباس فضل بن حاتم النيريزي الذي التفت إلى تصليح غلطات الفلكيين في أرصادهم المتداولة إلى زمن المأمون بلا تدبر فيها رصد السماويات، وألف شرحا على كتاب المجسطي وأزياجا بين فيها الخسوف والكسوف ومحاق الكواكب السيارة، وغير ذلك من الحوادث السماوية التي حصلت في سنة 854 إلى سنة 868 ميلادية، واتبعت هذه الأزياج بعده مائة سنة، لكنه غفل في كثير منها عن غلطات لام عليه فيها ابن يونس صاحب الزيج الحاكمي، وإن شهد له في مواضع كثيرة بما يدل على جلالته، لكن الزوزني في كتابه كتبخانة الفلاسفة عد النيريزي من الرياضيين، وأما المهاني ففلكي. وكان العرب في هذا القرن التاسع متبعين ما بقي بأيدي المتأخرين زمنا طويلا من القواعد التي علمها أساتذة المدرسية البغدادية تلامذتهم، وهي أن ينتقلوا من المعلوم إلى المجهول، ويتحققوا كل التحقق من الحوادث الفلكية، ثم ينتقلوا من النظر في المسببات إلى النظر في الأسباب غير قابلين إلا ما اتضحت صحته؛ ولذا عول من بعدهم على مؤلفات واعترف ثابت بن قرة أن ما في يده من الأرصاد المؤلفة زمن المأمون كافية في تقدمات علم الفلك، وتأسف على عدم استحصال الناس على أكثر مما بأيديهم من كتب السلف. # المبحث الخامس: في مآثر البتاني الفلكي وابني أماجور # ظهر البتاني بعد المهاني فكان رئيس علماء العرب في القرن التاسع، ألف أربعة أرصاد في الشمس والقمر ورسالة في الفلك، ورصد السماء بالرقة سنة 880، وجمع كليات المعارف المكتسبة في عصره، وقالت الفرنج إنه بين المسلمين كبطليموس بين اليونان، توفي سنة 929، وممن اشتهر في الفلك ذاك العصر سهل بن بشار، ومحمد بن محمد بن يوسف السمرقندي، وأبو الحسن علي بن إسماعيل الجوهري، وأبو جعفر بن أحمد بن عبد الله بن حبش، وقسطة بن لوقا البعلبكي قرين الكندي، ومحمد بن الحسين بن حامد بن العظامي، وعلي بن أماجور، وأخوه الراصدان السماء من سنة 885 إلى سنة 933 ميلادية، ودونا زيجا عجيبا وبينا طريقا جديدة لاستكشافات فلكية، وكذا فروقا بينة في حساب حركات القمر كما ms184 حسبها قبلهم اليونان والعرب، وأن حدود أكبر عروض القمر ليست دائما واحدة. # المبحث السادس: في إحياء الملوك البويهية ما ابتدأه المأمون من التعليم والتمدن # بعد وفاة المأمون سنة 833 ميلادية ولي الخلافة اثنا عشر تظاهر كل منهم بحب إحياء العلوم والفنون الأدبية علما بنفعها، وتنافسوا في توظيف الرجال العالمين بها، وإذا عصاة خرجوا عليهم وصاحوا على أبواب قصورهم، فأسرع التمزيق إلى المملكة بسائر الجهات كما أسلفناه، فحكم المكناسيون والإدريسيون والمدراريون في إفريقية ممالك فاس ومكناسة وسلجماسة والرستامية وبنو عبد العاطي طاهرت وتلمسان والأغلبيون بلاد قيروان والفاطميون الديار المصرية بعد سنة 905 ميلادية، والديلمية طبرستان سنة 927، وسبب ذلك أن رجلا يسمى طاهرا صدق في خدم أداها للمأمون في خراسان فجعله متصرفا في هذا الإقليم كما يشاء، فترجى حكام آخرون الخلفاء أن ينعموا عليهم بمثل ذلك حتى استقلوا بالحكم، وانضم إليهم أناس عصوا العباسيين محتجين بإلباس العلوية تاج الخلافة، وتغلبوا على بعض الأقاليم، وخلف الطاهرية في خراسان الملوك الصفرية سنة 872 إلى سنة 905 ميلادية، ثم الملوك السمانية. # وقد قبض الملوك البويهية الحاكمون ببلاد الفرس على أزمة الحكم ببغداد حائزين لإمارة الأمراء، فلم يتركوا للعباسية إلا التحكم الاسمي، وكان في أثناء تلك التقلبات في كل من دمشق وشيراز وسمرقند رجال يحامون عن العلوم ويشجعون على إحيائها، وكان في نيسابور زمن طاهر بن عبد الله رابع الملوك الطاهرية علماء يرصدون السماويات بدائرة أسطرلابية تكلم عليها ابن يونس، ثم تراكمت التقلبات على الدول الإسلامية، وكادت المعارف أن تذهب بالكلية في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي لولا أن تداركها من البويهية عضد الدولة وشرف الدولة، فأخذا يحثان الناس على الاشتغال بها مع مشاركتهما لهم، فخلف ابني أماجور في الفلك أبو القاسم علي بن الحسين بن محمد بن عيسى الملقب بابن الأعلم، فعمل أرصادا كثيرة ودون زيجا وألف عبد الرحمن الصوفي كتابا في أصول علم الفلك، ورصد معه عضد الدولة نجوم السماء، وتعلم منه ومن ابن الأعلم وافتخر بكونهما أستاذيه، واشتهر في زمانه أبو القاسم ms185 عبد الله بن الحسن والخلوصي والموصلي والحسن بن أحمد الهمداني اليمني، وكذا ويحن بن وستم الكوهي وأبو الوفاء اللذان فاق كوكب فضلهما على ثريا هؤلاء العلماء؛ فقد عملا أرصادا كثيرة، وتمما مسائل فلكية تركها علماء مدرسة إسكندرية قبل الإسلام، وأمر أبا سهل الفلكي أن يحدد ثانيا حركات الكواكب السيارة السبعة، وينتقد المسائل الفرضية المأثورة عن اليونانيين واقتدى شرف الدولة بالمأمون في جمع العلماء للتعاون على الأعمال الفلكية، فجمع إلى الكوهي العلماء المعتبرين في عصره كأبي الحسن الخوزي، وأبي إسحاق إبراهيم بن هلال، وأبي سعد الفضل بن بولوص الشيرازي، وأبي الوفاء محمد بن محمد الحاسب، وأبي الحمد بن محمد الصاغاني، وأبي الحسن محمد السمري، وأبي الحسن المغربي، وغيرهم. # المبحث السابع: في استكشافات جديدة وإبداء أبي الوفاء الفلكي الاختلاف الثالث في سير القمر # كان أبو الوفاء متبحرا في علم الميكانيكا، رصد ميل الإكلبتيك سنة 995 ميلادية برفع دائرة نصف قطرها خمسة عشر ذراعا، وترجم كتاب ديوفنط فكان أول من ترجمه، وألف معادلة المركز والاختلاف القمري الذي يحصل كل سنة في سيره، وأبدى في حساب سير القمر اختلافا ثالثا، وهو ما حسبه تيكوبراحة الفلكي بعد ستمائة سنة من وفاة أبي الوفاء الذي صحح الأرصاد القديمة حين رأى شرح بطليموس على القمر غير متقن، وألف كتبا كثيرة أعظمها المجسطي الذي سهل بيان العلائق التي بين أشكال الدوائر بما اخترعه من قواعد الخطوط المماسة، والخطوط القاطعة لخط آخر التي استعملها مهندسو العرب في حساب مساحة المثلثات كما يستعملها المهندسون الآن بعد أن استبدل العرب الأوتار بالجيوب في زمان البتاني السابق على هذا بمائة سنة، وكان بيان تلك العلائق مطولا لا يفهمه أحد بسهولة. # ولد أبو الوفاء في بوزجان سنة 939 ميلادية، وسكن العراق سنة 950 وظهر فضله في جمعية جمهور العلماء بباريس، شرح زيجه المسمى بالزيج الشامل السيد على القوشجي وابن السيد حسن، ولا يخفى أنباء استكشافاته عما كان لعلماء المدرسة البغدادية من بلوغهم النهاية في المعارف التي أمكنهم اكتسابها بلا نظارة ولا أسطرلاب. # المبحث ms186 الثامن: في انتقال مركز الأشغال العلمية في غرة القرن الحادي عشر بعد الميلاد من بغداد إلى مدرسة القاهرة وفي ابن يونس الفلكي والزيج الحاكمي # لما صارت ممالك آسيا ميدان الانقلابات السياسية وسلب السلجوقية السلطنة من محمود الغزنوي وتفاشلوا، وظهر بكل من كرمان وحلب وروم ودمشق سلطنة تابعة لسلطنة الفرس تدفع لها كل سنة مالا، واستمرت الحروب الصليبية مع الأمة المحمدية أكثر من مائتي سنة، وتضاعفت الكروب بغارة المغول؛ أخذت مدرسة بغداد في التقهقر، وكادت المصابيح العلمية أن تنطفئ فيما عدا بلاد المغرب وإسبانيا، حتى كانت القاهرة تختا للسلطنة الفاطمية، فصارت مركزا جديدا للاشتغال بالفنون، واشتهر بها زمن العزيز والحاكم بأمر الله العتقي، وكذا ابن يونس المقتفي في سيره أبا الوفاء، ألف في رصد خانته بجبل المقطم الزيج الحاكمي الذي خلف في جميع البلاد المشرقية المجسطي البطليموسي والرسائل التي ألفها سابقا علماء بغداد، اخترع الربيع ذا الثقب وبندول الساعة الدقاقة، ثم مات سنة سبع وألف ميلادية وظهر زيجه بين الفرس سنة 1079، وخلفه في الاهتمام بعلم الفلك جمع منهم حسن بن هيثم الذي ألف أكثر من ثمانين كتابا ومجموعا في الأرصاد، وتفسير المجسطي، وتفسيرا آخر لتعاريف ذكرت أول مبادي إقليدس، ورسالة في علم النظر والضوء، وموجزا سماه المعلومات الهندسية، وقد رأى ابن النبدي بالقاهرة سنة 1140 ميلادية كتبخانة بها ستة آلاف كتاب في العلوم الرياضية والفلكية وكرتين إحداهما لبطليموس والأخرى لعبد الرحمن الصوفي. # المبحث التاسع: في الفلكيين بإسبانيا وإفريقية الغربية وعدم كفاية ما كان لديهم من مستمدات علم الفلك الأصلية # منهم مسلمة المجريطي المعاصر للمنجم المعروف بابن راجل، ألف مختصر أزياج البتاني، وابن أبي طلحة الذي عمل في ثلاثين سنة أرصادا مشهورة بالصحة، وحذا حذوه في ذلك أرزاقيل الفلكي، فعمل في تحديد أوج الشمس أربعمائة رصد واثنين، وفي التقويم الحقيقي لحركة مبادرة الاعتدالين أرصادا أخرى لم يلتفت الناس إليها، وتعجب أهل طليطلة من ساعاته الدقاقة، وألف الأزياج الطليطلية والأقوال الفرضية في تباعد الشمس عن مركز أفلاك الكواكب السيارة، وجابر بن أفلح الشبلي ms187 ألف رسالة صغيرة ترجمها جيرار الكريموني إلى اللغة اللاتينية، وأبو الوليد محمد بن رشد ألف موجزا فلكيا في مساحة المثلثات الكروية، وعزي إليه شرح على المجسطي ظن أبصاره بقعة سوداء في قرص الشمس يوم عرف من الحساب الفلكي زمن مرور كوكب عطارد كان مشهورا سنة 1150 ميلادية. # وكان بمدائن شبلية وقرطبة وغرناطة ومرسية وطليطلة كتبخانات عظيمة ومدارس جليلة تدرس فيها العلوم الرياضية، وكذا سبتة وطنجة وفاس ومراكش مدارس أنتجت مدرسين بارعين سابقوا علماء قرطبة وشبلية وغرناطة، منهم البتراش المشتهر سنة 1150 رصد ميل الإكلبتيك، وأخذ يطالع المجسطي، فاشمأزت نفسه من عدم انتظام دوائره المتداخلة والمتقاطعة الدائرة حول مراكز الأفلاك، فاخترع في ترتيب الأفلاك والمراكز مذهبا جديدا منبئا عن تجرده من اعتقاد الفرضيات الفلكية الباطلة التي كان عليها أهل الأحقاب الخالية، وأبو الحسن الذي جاب في أول القرن الثالث عشر من الميلاد بحيث جزيرة إسبانيا وجزءا عظيما من شمال إفريقية، وحرر ارتفاع القطب الشمالي في إحدى وأربعين مدينة أولها أفرانة التي على الساحل الغربي من بلاد المغرب، وآخرها القاهرة، وألف كتابه المسمى البدايات والنهايات. # المبحث العاشر: في ممارسة المسلمين علم الفلك بمساعدة من وليهم بعد الخلفاء من الملوك المذعنين لغلبة التمدن العربي على العقول في المشرق # نعود إلى الكلام على الممالك الإسلامية المشرقية التي لم تنقطع منها نار الحرب من ابتداء القرن الحادي عشر بعد الميلاد، فنقول فتوح محمد الغزنوي وغارة السلجوقيين، وحروب أهل الصليب مع المسلمين، وإعدام صلاح الدين الخلافة الفاطمية من القاهرة سنة 1171، وإعدام هولاكو الخلافة العباسية من بغداد سنة 1258؛ غيرت كل التغير الحالة السياسية بآسيا، ومع ذلك ما زال العلم في تقدم باعتناء العلماء وهم: الجزري المتوفى ببغداد سنة 1022 ميلادية، وابن سينا المتوفى سنة 1036، وفتح بن ناجية صاحب الأسطرلابات المتوفى سنة 1058، وأبو الفتح عبد الرحمن الموجود سنة 1064، والغزالي أبو حامد ببغداد سنة 1090، والتوفيقي بدمشق وهبة الله الموجودان سنة 1120، وعبد الله بن شاكر بن علي المطهر المدني الموجود بأصفهان سنة 1170، ومبشر بن أحمد المتوفى سنة 1193، وأبو حنيفة مؤلف ms188 الأزياج سنة 1220، ومحمد بن مبشر المتوفى سنة 1221، ونصير الدين الطوسي، وسيأتي. # وبينما خلفاء المشرق يفقدون أحسن أقاليمهم واحدا بعد آخر كان المنصورون يطالعون كتب من في مملكتهم من العلماء ويستنيرون بما لديهم من المعلومات؛ ولذا أحضر محمود الغزنوي إلى ديوانه من سنة 997 إلى سنة 1030 عالما فلكيا ملأت شهرته المشارق يقال له البيروني، وجمع لديه جلال الدين ملكشاه السلجوقي أفاضل العلماء من سنة 1072 إلى سنة 1092، وإليه ينسب الكتاب المسمى مبدأ حساب التاريخ الجلالي، وأحضر هولاكو خان المغول إلى ديوانه حين تغلب على بغداد سنة 1259 ميلادية نصير الدين الطوسي الذي قلده إدارة الرصد خانة الجديدة بالمراغة، ونقل جمال الدين الفلكي مع الخان كوبلاي علوم العرب إلى مملكة الصين، وحث محمد الناصر بن قلاوون أحد السلاطين المماليك بمصر رعاياه على اكتساب المعارف من سنة 1310 إلى سنة 1341 ميلادية، وأسس ألوغ بيك التتاري في القرن الخامس عشر رصد خانة بدمشق، وأبقى في أزياجه من الآثار الفلكية ما يشهد بعلو همته وحسن قريحته، وشرك أوائل العثمانية هؤلاء الملوك في المساعدة على كسب العلوم وإحياء نتائج الأفكار. # المبحث الحادي عشر: في ملوك الغزنوية والبيروني الفلكي # لا شبهة في أن رؤية التمدن العربي منتصرا على تبرير هؤلاء الفاتحين الشماليين الذين أغاروا على غرب آسيا وجنوبها من المناظر الجليلة الاعتبار؛ ولذا انتهز أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني الفرصة بإفادته واستفادته المعلومات إلى الهنود ومنهم؛ فإنه اكتسب معلوماته من المدرسة البغدادية، ثم نزل بين الهنود حين أحضره الغزنوي، فأخذ يستفيد منهم الروايات الهندية المحفوظة لديهم قديمة أو حديثة، ويفيدهم استكشاف أبناء وطنه، ويبثها لهم في كل جهة مر بها وألف لهم ملخصات من كتب هندية وعربية، وكان مشيرا وصديقا للغزنوي، استعد حين أحضره بديوانه لإصلاح الغلطات الباقية في حساب بلاد الروم والسند وما وراء النهر، وعمل قانونا جغرافيا كان أساسا لأكثر القسموغرافيات المشرقية نفذ كلامه مدة في البلاد المشرقية؛ ولذا استند إلى قوله سائر المشرقيين في الفلكيات، واستمد منه أبو الفداء الجغرافي في ms189 جداول الأطوال والعروض الأرضية، وكذا أبو الحسن المراكشي. # ولم يكن في الهندستان قبل الإسكندر ذي القرنين علم الفلك تاما، وإلا لعرفه أستاذه أرسطاطاليس وأبداه لليونان؛ ولذا كان الكتاب المسمى سند هند المترجم في خلافة المنصور منبئا في بعض المواطن عن حالة ابتدائية في ذلك العلم، وكأن العرب المستمدين أول معلوماتهم الفلكية من رسالة هندية سموا الهندسة بعلم الهند، وآلة تحديد خط نصف النهار المتكلم عليها برقلوس اليوناني بالدائرة الهندية، وطريقة التعداد الأعشاري التي يظهر أنها من مخترعات أهل أوروبا بالأرقام الهندية، ونسبوا ابتداع القول باهتزاز النجوم الثوابت إلى الهنود مع وجوده في كتاب نيون اليوناني؛ لما يحتمل من أن اليونانيين المنفيين من بلادهم إلى آسيا في القرون الأول بعد الميلاد أحدثوا لدى سكان آسيا طرقا تخالف ما في كتاب المجسطي، وأما منطقة البروج القمرية الموجودة في كتب قدماء الهند فلا ينبغي نسبتها لأي أمة لوجودها في سائر الأمم. # المبحث الثاني عشر: في الملوك السلجوقية وعمر الخيام وتصحيح الرزنامة الفارسية # توصل الفرس بالأرصاد التي أمر بها السلطان ملكشاه السلجوقي إلى تصحيح رزنامتهم الفارسية سنة 1709 بعد ذلك بخمسين سنة، فكانت أصح من رزنامة الفرنج الغريغوارية المصححة بعد الأولى بستة قرون؛ فإن العرب المشرقيين التابعين لعمر الخيام وعبد الرحمن إماميهم في التقويم حسبوا تسعا وثلاثين سنة كبيسة في كل مائة وإحدى وستين سنة، لا ثماني سنين كبيسة في كل ثلاث وثلاثين سنة كما فعل الفرنج؛ فوجدوا مقدار السنة المتوسط ثلاثمائة وخمسا وستين يوما منذ ألفين وأربعمائة واثنتين وعشرين سنة، ورأوا أن في حساب السنة الفارسية الجديدة خطأ قدره يومان في كل عشرة آلاف سنة، وفي حساب السنة الغريغوارية خطأ قدره ثلاثة أيام في هذا المقدار. # المبحث الثالث عشر: في ملوك المغول والطوسي ونقل علم الفلك من بلاد العرب إلى الصين # لم يترك المشرقيون الأشغال بالعلوم في أثناء الحروب الصليبية؛ فإن هولاكوا أحضر إلى ديوانه سنة 1259 ميلادية رجالا ممتازين في العلوم الرياضية والفلكية أشهرهم نصير الدين الطوسي، أغدق عليه فجمع الكتب الفلكية ms190 من خراسان والشام والموصل وبغداد، وبنى بالمراغة رصد خانة بقبتها ثقب يعرف بما يدخل فيه من أشعة الشمس درجات ودقائق سيرها اليومي وارتفاعها كل فصل، فكان ذلك منه استعمالا جديدا للربع ذي الثقب الذي استعمله العرب في القرن العاشر، وأودع هذه الرصد خانة دوائر رصد كبارا وأرباع دوائر وكرات سماوية وأرضية وسائر أصناف الأسطرلاب، وعمل لتحقيق الزيج الحاكمي في اثنتي عشرة سنة أرصادا لا تتم على مقتضى الحساب الأول إلا في ثلاثين سنة لاشتغال جمع معه في ذلك، منهم: مؤيد الدين الدمشقي، وفخر الدين الجلاطي، ونجم الدين بن دبيران القزويني، وفخر الدين المراغي الموصلي، ومحيي الدين المغربي، ولم يزل كتابه المعروف بالأزياج الخانية - الذي اختصره على شاه البخاري، ثم النظام، ثم نجم الدين النبودي، وصححه غياث الدين جمشيد بن مسعود الخطيب - معتمدا يدرس في جميع المدارس المشرقية إلى عهد ابن الشاطر الفلكي الذي غير قليلا في نتائج الرصد سنة 1360 ميلادية. # وبما سلف يعلم أن الملوك المغولية أعادوا لمدرسة علماء العرب رونقها القديم، وقد كمل كوبلاي خان المغول أخو هولاكو فتح مملكة الصين، ونقل إليها رسائل ألفها علماء بغداد والقاهرة، وأخذ السلطان كوشيو كنج سنة 1280 ميلادية من جمال الدين الفارسي الفلكي أزياج بن يونس، فطلع جميعها. # المبحث الرابع عشر: في ابن الشاطر # خلف ابن الشاطر الطوسي في الشهرة بعلم الفلك في نصف القرن الرابع عشر من الميلاد، وعمل أزياجا اعتمد عليها في تدوين أزياجهم شمس الدين الحلبي، وشهاب الدين أحمد بن جلال الله بن الحاسب، ومحمد بن إبراهيم الخيري. # المبحث الخامس عشر: في أولاد تيمورلنك وإنشائه رصد خانة بسمرقند وأزياجا فلكية # بينما ابن الشاطر يشهر أزياجه بدمشق بمساعدة السلاطين السلجوقية؛ إذ ظهر تيمورلنك الذي كان أميرا على إقليم كش، فرغ من حروبه الأولية فانتهز الفرصة زمن ضعف الحكومة المغولية بتأسيسه في سمرقند سلطنة اتسعت قريبا، وأخذ ما وراء النهر سنة 1370 وبلاد قبجق وخوارزم وخراسان وأذربيجان وجرجستان، ثم دهم المماليك سلاطين مصر ولم ينتصر، فعاد إلى المشرق، وعزم على ms191 فتح بلاد تركستان والفرس، ثم أخذ مدينة دلهي بعد قليل من السنين، وانقاد له الهندستان فعاد إلى دهم المماليك فانقض على الشام ونهب دمشق وهدم مسجدها وخرب بغداد سنة 1401، ودعاه ميخائيل يلبوغ والأمراء المستقلون حتى هددهم العثمانية، فسار إلى السلطان بايزيد، وهزمه في واقعة أنجورية، وولى على ممالكه ولده السلطان موسى خان، فاتخذ علماء في تخت مملكته، وجمع بسمرقند مشاهير العلماء بالفنون الأدبية والصناعية، وأراد فتح الصين فأخذ يتجهز للغارة على بلاد قطاي ويأخذ بثأر أولاد كوبلاي المطرودين من الصين سنة 1368، فمات سنة 1405 وله تسع وستون سنة فتمزقت ممالكه إلا ما وراء النهر والأقاليم الشمالية من الهندستان فبقيت في يد ولده الرابع شاه رخ خالية من الفتن إلى نصف الخامس عشر، وجمع كتبخانة فاخرة مشتملة على كتب نادرة لما بينه وبين ملوك زمانه من المودة، وأرسل سنة 1420 سفراء إلى الصين وسنة 1442 عبد الرزاق السمرقندي إلى الهندستان سفيرا، وأما ابنه ألوغ بيك الذي ولي ما وراء النهر من قبل والده، فعمل أرصادا، وجمع علماء، منهم الأمير العلامة حسن جلبي المعروف بقاضي زاده، وغياث الدين جمشيد، وعلي بن محمد القوشجي، فعملوا سنة 1437 أزياجا تشتمل على صورة جميع الدنيا أحضر لها الآلات المضبوطة، فكانت تتمة ضرورية للأعمال الفلكية المأثورة عن العرب وشرح أزياجه مريام الجلبي بن قاضي زاده، ثم محمد شاه، وبعث على القوشجي للسياحة في الصين، فحرر قياس درجة من درج خط نصف النهار ومساحة الكرة الأرضية. # وكان ألوغ بيك آخر علماء المدرسة البغدادية، وأتى بعده بقرن ونصف كبلير الذي أبطل جميع المسائل المفروضة المأثورة عن اليونانيين ولذا عد من واضعي علم الفلك الجديد. # المبحث السادس عشر: في اشتغال العرب بالعلوم الرياضية # لما اشتغل العرب بالفلك التفتوا إلى العلوم الرياضية، فأتوا بالعجب العجاب في الهندسة والحساب والجبر وعلم الضوء والنظر والميكانيكا، وترجموا من ابتداء خلافة المأمون هندسة إقليدس وتيودوس وأبولونيوس وإيسيقليس ومينيلوس، وشرحوا مؤلفات أرشميد في الكرة والأسطوانة وغيرها، واشتغلوا قرونا بدقائق الهندسة، وظهرت حميتهم في المناظرات العلمية، ms192 خصوصا في المراسلات الرياضية، وطبقوا الجبر على الهندسة، وترجموا كتب هيرون الصغير في الآلات الحربية وقطيزيبوس وهيرون الإسكندري في الآلات المفرغة للهواء والرافعة للمياه، وألف حسن بن هيثم في استقامة النظر، وانعكاسه في المرايا التي توقد النار، وألف الخازن في علم الضوء والنظر كتابا في انكسار الضوء، وفي المحل الظاهر للصورة من المرايا المنحنية، ومقدار الأشياء الظاهر، وكبر صورتي الشمس والقمر إذا رئيا على الأفق عند الشروق أو الغروب. # ونسب الجبر إلى الهنود؛ ولذا كان كتاب محمد بن موسى في الجبر جاريا على معلوماتهم المخالفة لما وجد من تأليف ديوفنط، إلا أن الظاهر أن الطريقة الجبرية المستعملة في الهندستان من التعليمات اليونانية. وأما الحساب فنعلم أن الهنود لم يستعملوا أرقامه العددية إلا في زمن حديث، بعد أن استفادوها من أهل أوروبا على ما يظهر، ثم أوصلوها إلينا بغير صورتها الأصلية. # وليس للعرب مجرد نقل كتب اليونان حرفيا كما زعم بعض الفرنج؛ فإنا لا نشكر علماء بغداد على حفظهم كتب علماء الإسكندرية فقط، بل مع ما اخترعوه في هذه الفنون نحو ما اخترعه البتاني الملقب ببطليموس العرب من استبدال أوتار الأقواس التي استعملها اليونان في حساب المثلث بأنصاف الأوتار للأقواس المضاعفة، وهي جيوب الأقواس المصورة. قال: إن بطليموس لم يكن يستعمل الأوتار الكاملة إلا لتسهيل الإثباتات والتوضيحات، وأما نحن فقد استصوبنا استعمال أنصاف الأقواس المضاعفة، وقد وصل إلى معرفة القاعدة الأساسية لمساحات المثلثات الكروية، واستعملها في مواضع كثيرة، واخترع أيضا عبارة جيب وتمام جيب التي لم يستعملها اليونان والخطوط المماسة للأقواس، وأدخلها في حساب الأرباع الشمسية، وسماها الظل الممدود، وهو المعروف في كتب المتأخرين بالخط المماس المستعمل في حساب المثلثات، ثم ظهر بعده بقرن استعمال الخطوط المماسة في مساحة المثلثات زمن ابن يونس، وكذا في زمن أبي الوفاء الذي أخذ من سنة 937 إلى سنة 998 ميلادية، يذكر المسائل المتعلقة بالجيوب حتى عرف خطوطا أخر تتعلق بمساحة المثلثات استعملها في كتابه، ليستعين بها على حل نظريات في علم الفلك المطبق على ms193 الكرة، وسمى بظل التفاضل والظل المستقيم أو العامودي ما نسميه الآن بالخطوط المماسة وظل التمام، كما سمى بقطر الظل ما نسميه بالخطوط القاطعة. # ولبث ابن يونس يستعمل من سنة 979 إلى سنة ثمان وألف أظلالا؛ أي خطوطا مماسة وإظلال تمام حسب بها جداول عنده تعرف بالجداول الستينية، واخترع حساب الأقواس التي تسهل قوانين التقويم وتريح من كثرة استخراج الجذور المربعة. # ثم أتى «ريجيومنتات # Régiomontan ~~» بعد أبي الوفاء بخمسمائة سنة ، فنفى العبارات المركبة غير السهلة الدالة على الجيب وتمام الجيب، وابتكر جابر الفلكي المتوفى سنة 1050 ميلادية في مساحة المثلثات الكروية القانون الخامس من القوانين الستة التي تستعمل في حل المثلثات ذوات الزاوية القائمة، وبقي القانون السادس مجهولا حتى اخترعه الخواجه وييط في القرن السادس عشر، وبهذين القانونين حصر الزاويتين المائلتين من المثلث، ولم تعرف اليونان إلا القوانين الأربعة الأول، وكانت تكفيهم في العمليات؛ لأن حالة الزوايا الثلاثة المعلومة لم تكن توجد في طبيعتهم مساحة المثلثات على علم الفلك. # هذه ابتكارات العرب الذين نجحوا في ممارسة علم الفلك، وانقطع إليه منهم كثيرون مؤلفون حسبوا الزمن بإحدى التطبيقات المعروفة بفن صناعة الأرباع التي هي من مسائل الهندسة الحقيقية، وكانوا يرون أهميتها؛ حيث لم يكن لهم غيرها في حساب الزمن، واشتغل بها المهندسون من ابتداء القرن التاسع من الميلاد، وألف الكندي وثابت بن قرة في هذا الفن الذي عرفه الخواجه «موروليقوس # Maurolycus ~~» قبل غيره من فرنج الأعصر الأخيرة؛ ولذا اعتبر كتابه بين أهل عصره. # وأما فن صناعة الأرباع الميقاتية التي كانت تستعملها العرب، فألف فيها أبو الحسن على المهندس الفلكي رسالة بها أول استعمال الخطوط الدالة على الساعات المتساوية؛ فإن اليونان لم يستعملوها قط، وقد فصل صناعة الخطوط الدالة على الساعات الزمانية المسماة أيضا بالساعات القديمة والمتفاضلة واليهودية، واستعمل خواص القطوع المخروطية في وصف أقواس البروج الفلكية. # وحسب خطوط المعادلة ومحاور تلك المنحنيات لمعرفة عرض محل الشمس وانحرافها وارتفاع الربع الميقاتي، وألف في تقسيم الطرح محمد البغدادي المشتهر في القرن العاشر من الميلاد ms194 بالهندسة رسالة موضوعها تقسيم أي شكل إلى أجزاء متناسبة مع أعداد مفروضة بخط مستقيم يرسم، وهي اثنتان وعشرون قضية سبع في المثلث، وتسع في المربع، وست في المخمس. وألف حسن بن هيثم المتوفى بالقاهرة سنة 1308 كتابا على نسق كتاب إقليدس، وإن باينه في أن قضاياه الهندسية دعاوى جديدة لم تعرفها القدماء، وهو كتاب جليل يشبه رسالة إقليدس ويستحق أن يعتبر واسطة بين كتاب القواعد المفروضة والبراهين الاستقرائية لإقليدس، وكتاب المحال المستوية السطوح «لأبولونيوس # Appollonius ~~»، وبين كتابي «سمسن # Simson ~~» و«استيوارت # Stewarat ~~»؛ فإن بمثل تلك الكتب كمال الهندسة الابتدائية المعدة لتسهيل حل الدعاوى النظرية. # المبحث السابع عشر: في تقدمات العرب في الجغرافيا الرياضية ونقصان الرسائل اليونانية التي استفاد العرب منها هذا العلم # كان «إيراتسطينس # Eratosthenès ~~» اليوناني أول عالم في عصره بين اليونانيين، جعل وصف الكرة الأرضية مذهبا له دون غيره، وحسب الأراضي المعمورة من المحيط الأطلانطيقي إلى نهر الكنج، ولم يغلط إلا في نحو ست وعشرين درجة جغرافية تساوي 88 كيلومترا تقريبا، وظن أن هذا النهر يصب في البحر الشرقي، واعتبره الحد الأكبر لقارة آسيا، إلا أن معلوماته الجغرافية كمعلومات معاصريه يسيرة، ثم تقدمت العرب في هذا الفن كالفنون السالفة، وجددوا كتاب المجسطي لبطليموس الذي تنحى اللاتينيون عن طريقته التي وصفها لقلة صدقه حتى تجددت المعلومات. # وكان الأقدمون يستفيدون من جوب الآفاق فوائد مهمة في تقويم البلدان وتحديد المسافات، ومنهم الخواجه مارين الصوري، ألف من رحلته في الجغرافيا العامة كتابا حصر فيه جميع أطوال الأراضي بين خطي نصف النهار المار أحدهما على الجزائر الخالدات وثانيهما على سراطينة، فيكون بينهما 125 درجة جغرافية، وهول في التقويمات الباطلة لإيراتسطينيس؛ حيث جعل ما بين الجزائر الخالدات ومصب نهر الكنج 145 درجة جغرافية بدل جعلها 126 درجة وسبع دقائق وأربعا وثلاثين ثانية، ثم جاء بطليموس فجعل الخمس والعشرين درجة والمائتين اللاتي ذكرهن مارين الصوري ومائة درجة، مع أنه لم يتفحص في كتب السلف، ولم يصحح ما فيها من الغلطات، ولم يؤلف كتابا جديدا، بل اكتفى ms195 بما ذكروه من المفروضات غير محققة، ولم يغير شيئا من مقادير الأطوال التي حددها مارين الصوري، وجعل ما بين ابتداء الجزائر الخالدات وراس كوري 125 درجة وعشرين دقيقة، وما بين راس كوري وسراطينة 45 درجة وأربعين دقيقة لا مائة درجة حتى توصل إلى جعل جميع امتداد القارة القديمة ثمانين ومائة درجة، والعجب منه؛ حيث نسب إليه رسالة جغرافية استرشد فيها بكلام مارين الصوري، وليس له فيها إلا ترك الخرائط المصورة فيها الأرض مبسوطة، واستصواب طريقة إيبرقة التي رسم فيها جميع خطوط أنصاف النهار وموازياتها أجزاء من الدائرة تتقاطع عند تلاقيها، ويتكون منها زوايا قائمة. # واستعمل الجغرافيون تصوير إيبرقة إذا أرادوا وصف أجزاء الأرض المحصورة بين خط الاستواء والقطب، إلا أنهم أخطئوا في قولهم إن بطليموس الذي لا تطير له في التنظيم والترتيب لم يستطع استعمال المبادئ التي بين يديه وقت تصرفه إلا بعد بحث جديد مبني على جميع معلوماته الرياضية والفلكية؛ فإن كتابه على خلاف ما قالوا لاشتماله على جميع الغلطات القديمة، وخلوه عن رائحة الإتقان والإصلاح في تنقيصه درجات الأطوال السابقة؛ ولذا تنحى اللاتينينون والعرب في القرون المتوسطة عن الاشتغال بالجغرافيا حتى تجددت المعارف ثانيا في أوروبا، فتجددت آراء بطليموس، وصارت أزياجه أساسا للعلم ونموذجا لرسم الخرائط، وجهل أعظم علماء الفرنج إصلاحات العرب لمؤلفات بطليموس، واشتغلوا بتآليفه ظانين أنهم سالكون سبيل الهداية، حتى رأوا استحالة تطبيق آرائه؛ فإن «إداجاتودايمون» رسم في الإسكندرية خرائط جغرافية على مقتضى الأطوال والعروض التي ذكرها بطليموس ومارين الصوري منتصرا لمذهبهما المقتضي وجود كثير من القارات المجهولة على الكرة الأرضية، فظهر من المدارس القديمة الموجودة إذ ذاك جغرافيون أبدوا ما في الخرائط المرسومة على رأيهما من العيوب الأساسية، واختاروا أن يجعل شكل الأرض المسكونة كرويا أو بيضاويا أو مربعا، وطبقت النصارى هذه الأفكار على جغرافية التوراة أحسن من تطبيقهم آراء بطليموس ومارين عليها، كما أن تخطيطات ماري جيروم سنة 367 ميلادية وإيتيقوس سنة أربعمائة و«أوروز # Orose ~~» سنة 416 و«يوليوس هونوريوس # Jules Honorius ~~» سنة خمسمائة مباينة ms196 للرواية المعزوة إلى علماء الإسكندرية، وقال قسماس أنديقويلوطيس سنة خمسين وخمسمائة ميلادية: أن الأرض المعمورة مربعة، ولا يعول على هذا المذهب وغيره المخالف لكروية الأرض المقتضية أن يكون بيت المقدس في وسط الدنيا، كما قال أيسيدور الشبلي سنة ستمائة ميلادية. # المبحث الثامن عشر: في رفض مدرسة راونة آراء بطليموس الجغرافية # أخذ الإمبراطور «تيودوز الثاني # Théodose II ~~» ملك القسطنطينية يحث اليونان من ابتداء سنة 435 على الاشتغال بالجغرافيا، وأمرهم أن يجددوا خريطة المملكة اليونانية، فاتخذوا مدينة راونة مركزا لتعلم الجغرافيا وبكتبخانة هذه المدينة رحلات عليها حواش، ولها جداول بها رسم الطرق والدروب بالألوان، وبينما الجهالة منتشرة في القرون الوسطى بأوروبا كان الرهبان في الديور يشتغلون بذلك العلم ويرسمون ما اقتصر علماء مدرسة راونة على ذكر أسماء بلاده؛ ولذا شوهد لدى رئيس دير ماري جاك خريطة ظريفة، وأخذ رهبان جزائر الإنكليز ينقلون لبعضهم أخبار الممالك القاصية وما شاهدوه في أثناء حجهم بيت المقدس، ويكبرون كتبخاناتهم المشتملة إذ ذاك على كثير من المؤلفات الجغرافية، وجمع شرلمانية ملك فرنسا علماء مملكته، فعملوا لجميع الدنيا خريطة مصورة بالحفر في ثلاثة ألواح من فضة قطع، ووزع أحدها على العساكر حين كان لوتير بن الملك لويز الهادي يحارب إخوته سنة 841 ميلادية وكأن اللوحين الآخرين فعل بهما كذلك، وألف الراهب ديقوبل سنة 825 ميلادية في الجغرافيا التخطيطية كتابا يذكر القارئ بما في الخريطة المرسومة زمن الملك تيودوز، ويفيد اهتمام أهل ذلك العصر بمعرفة مثل ذلك التخطيط، وكذلك الملك فريد الأكبر الجدير بالمقارنة لشرلمانية حث رعاياه على اكتساب الجغرافيا، وبعث في السفن من استكشفوا من بحر بلطق إلى مصب نهر وستول وسواحل بلاد نرويجة، وأمر أناسا بترجمة تخطيط الدنيا تأليف بولص أوروز إلى اللغة الدارجة وتكميله بالمعلومات الجغرافية المكتسبة زمن سلطنته، وذلك الكتاب هو المعروف بهرمسطا، وكان آخر الآثار المعتمدة الجغرافيا عند علماء مدرسة راونة كتاب بريسبان وخريطته المنشأة في عهد الملك ألفريد الأكبر، وبما سلف يعلم أن اللاتينيين جهلوا جغرافية بطليموس أو لم يعتمدوها إلى القرن العاشر ms197 من الميلاد. # المبحث التاسع عشر: في تصحيح العرب كتاب بطليموس في العصر الأول سنة 820 ميلادية # لما اشتغل العرب في عهد الخلفاء الأول من بني العباس، واغترفوا من كتب اليونان الرياضية والجغرافية، كان كتاب بطليموس هو المرشد الأكبر لهم، ثم أمر المأمون سنة عشرين وثمانمائة ميلادية بعمل أرصاد فلكية جديدة ببغداد، وتصحيح أرصاد المجسطي بالزيج الجديد المحرر في خلافته وإعادة تحديد الأطوال الأرضية، فعملوا ذلك، وكان بصورة ما حددوه وسموه رسم الأرض تجديد مذهب اليونان في ذلك، وتحسينه عما كان عليه، ولا مانع من نسبة بعض ذلك التحسين إلى العلماء النسطورية الذين حفظوا معلومات المتأخرين من علماء الإسكندرية بلا نقض ولا تصحيح؛ فإن الخلفاء أغدقوا عليهم ليشاركوا العرب في تلك الأشغال التي منها تحديد الأطوال الأرضية المسمى برسم الأرض المدون في آن واحد بالعربية واليونانية، وكان أصح الأقطار تحديدا بلاد العرب والخليج الفارسي والولايات المروية بنهري الدجلة والفرات وبلاد الفرس وسواحل بحر جرجان الجنوبية والبحر الأبيض المتوسط، وكان قياس درجة من خط نصف النهار في سهول صنعاء مساعدا على تصحيح أزياج بطليموس بدليل انطباقه بالأصالة على البلاد المجاورة لبغداد. # ولم يكن من العرب إلى القرن الحادي عشر من الميلاد تقدم في الجغرافيا الرياضية بخلاف الجغرافيا التخطيطية؛ فإنهم حين امتدت مملكتهم من المحيط إلى الأطلانطيقي إلى تخوم مملكة الصين، أنشئوا بالتدريج أربع طرق عظيمة تجارية توصل من مدينتي قادس وطنجة إلى أقصى آسيا؛ إحداها: تخترق إسبانيا وأوروبا وبلاد سلاوونة إلى بحر جرجان ومدينة بلخ وبلاد تجزجز، والثانية: تخترق بلاد المغرب ووادي مصر ودمشق والكوفة وبغداد والبصرة والأهواز وكرمان والسند والهند، والثالثة والرابعة: تعبران البحر الأبيض المتوسط، وتتجه إحداهما من الشام والخليج الفارسي والأخرى من الإسكندرية والبحر الأحمر للتوصل إلى بحر الهند، فكثرت بهذه الطرق السياحات ونقل السياحون إلى أقصى البلاد ما عند العرب من الأفكار والتمدن، واستفاضت الأخبار الجليلة الفوائد فنورت أذهان الملاحين وعرفتهم الأخطار التي يخشى عليهم الوقوع فيها إذا سافروا في ولايات غير مستكشفة حق الاستكشاف، واشتملت الأزياج التي ms198 حررها البتاني بالرقة سنة تسعمائة وابن يونس في القاهرة سنة ألف على كتاب رسم الأرض بلا تغيير كبير. وأما ابن حوقل والإصطخري والمسعودي المشهورون في نصف القرن العاشر من الميلاد، فوصفوا في كتبهم صورة الاستكشاف الجديد، وحسب العلامة الكومي سنة 1067 الأطوال من ابتداء الطرف الشرقي من الأرض القارة. # وزعم بعض الفرنج أن العرب كانوا متبعين في أول أعصر بني العباس الروايات الهندية، مع أن كتاب مبادئ علم الفلك المسمى بسندهند إن صح نقله إلى المنصور سنة 775 لم يكن له عظيم اعتبار عند العرب؛ فإنهم ظفروا عما قليل برسالات يونانية، وتركوه لا يتفوهون باسمه إلا ليبينوا ما فيه من الغلط، ولم يعولوا في شيء من الجغرافيا على كتب الهنود المشاهد فيها أن بحيث جزيرة الهندستان في مركز العالم، وأن خط نصف النهار الذي يبين نقطة وسطها يخترق مدينة أوجين وجزيرة سيلان، وبحث العرب في كتبهم عن خط نصف نهار القبة الأرضية، وهي قبة عرين لتنصيص الأطوال فظن بعض الفرنج أن المراد من عرين مدينة أوجين وهو خطأ؛ فإن القبة المنسوبة إلى عرين هي نقطة تقاطع الدرجة التسعينية من حساب بطليموس مع خط الاعتدال على بعد متساو من الجهات الأربع الأصلية، وليست هي قبة أوجين؛ فإن العرب كانوا يعرفون حق المعرفة محل أوجين الجغرافي. وأما عرين فكلمة اصطلاحية أرادوا بها جزيرة موهومة بين الهندستان وبلاد الحبشة سماها المؤرخ ديودور الصقلي بجزيرة أورانوس، وبدل العرب خط نصف نهار عرين أو قبة الأرض بخط نصف النهار المار بالجزائر الخالدات فاتبع ذلك من ابتداء القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر. # المبحث المتمم للعشرين: في تصحيح العرب كتاب بطليموس في العصر الثاني سنة 1205 ميلادية # افتتح العصر الثاني من أعصر إتقان العرب في أزياج بطليموس بظهور العلامة البيروني الفلكي سنة 1205، ومدرسة بغداد إذ ذاك على ما هي عليه من عظيم الرونق والبهجة، دعاه الملك محمود الغزنوي الفاتح لجزء من آسيا إلى ديوانه، فاستعد لتصحيح الغلطات الباقية في حساب الأطوال المتعلقة ببلاد الروم وما وراء ms199 النهر والسند، ولأن يعمل لممالك المشرق قانونا جغرافيا ألفه، فكان أساسا لأكثر القسموغرافيات، قابله وصحح بعضه خوشيار الفارسي الفلكي، كما أن عمر الخيام الفلكي ضبط حساب الروزنامة السنوية سنة 1076 بأمر السلطان ملك شاه، وحدد بأصح كيفية مدة السنة الفلكية المعروفة بالاعتدالية، وقد أفادنا غاية معلومات العرب فيما يتعلق بقارة آسيا نصير الدين الطوسي وخوشيار الفارسي، ومؤلف زيج الجزائر وكذا كتاب القياس؛ أي زيج التماثل، واشتهر من سنة ألف إلى سنة ثلاثمائة وألف ميلادية جمع من الأفاضل منهم البكري سنة 1067 ترجم كتابه الخواجه كترمير وشهره. # والإدريسي المولود بمدينة سبتة سنة 1099 ميلادية تعلم العلوم بمدينة قرطبة، ثم خدم في ديوان روجير ملك جزيرة سيسيليا، فصنع له من الفضة لوحا مستديرا زنته ثمانمائة رطل إفرنجي (الرطل ثمان أواق إفرنجية والوقية ثمانية دراهم إفرنجية)، وحفر فيه باللغة العربية كل ما عرفه من جميع ممالك الدنيا المعلومة إذ ذاك، وألف في الجغرافيا رسالة لبث رسامو الخرائط الجغرافية من الفرنج ثلاثة قرون ونصف مقتصرين على نقلها، ولم يزيدوا عليها إلا شيئا قليل الأهمية، وأبان في تأليفه عن أول نقطة التماس التي بين جغرافية اللاتينيين وجغرافية المدارس الإسلامية، وترجم كتابه الخواجه بوبرت وياقوت سنة 1225 ميلادية. # المبحث الحادي والعشرون: في تصحيحات العرب في العصر الثالث الذي أوله سنة 1230 ميلادية وفي الكلام على قبة عرين وآخر ما حصل من اجتهاد العرب في هذا العلم من سنة 1250 إلى سنة 1648 ميلادية # علمت مما سلف تبدل حقيقة مركز العالم والمشرق بظهور كتابي رسم الأرض وقانون البيروني. وأما الجزء الغربي من المملكة الإسلامية - وهو ساحل إسبانيا وبلاد المغرب - فلا يزال مشتملا على أقيسة زائدة مع أن أرزاقيل الأندلسي الفلكي سنة ثمانين وألف ميلادية كان عنده رصد مضبوط لطول مدينة طليطلة جعله أربع ساعات وعشر ساعة بعيدا من عرين، وأما طول البحر الأبيض المتوسط الذي جعله بطليموس اثنتين وستين درجة، ثم جعله العرب في كتاب رسم الأرض أربعا وخمسين درجة، فقد قدر بعد ذلك باثنتين وأربعين درجة، ms200 غير أنا لم نستفد من ذلك الرصد بخلاف ما عمله أبو الحسن علي المراكشي المشتهر سنة 1230 ميلادية من التصحيح المهم الذي كان به كتابه من أجل الآثار العلمية فيما عليه العرب من علم الجغرافيا. # وميز العرب فيما سلف المغرب المعمور من المغرب الحقيقي للدنيا بتنقيصهم أول مرة عشر درجات من حساب القدماء، وجعلوا المغرب الحقيقي قريبا من جزائر آسورة، ولم يعرفوا مجمع هذه الجزائر، فاختاروا خط نصف النهار المار بقبة عرين والمتحد مع الدرجة التسعينية من حساب بطليموس، فاستفادوا من ذلك ضبط جداولهم، وكأن أبا الحسن استعمل خريطة رسمت في الزمن الأول غير مضبوطة كما استعمل مثلها جغرافي آخر من أهل المغرب يقال له ابن سيد، غير أن أبا الحسن جدد جزءا من تلك الخريطة بأضبط منه بخلاف ابن سيد ومن نقلوا عمله؛ فإنهم جهلوا ذلك التجديد ونقلوا إلى الجغرافيين من أهل المشرق الخريطة الأصلية على ما هي عليه من الغلط؛ ولذا ترك أبو الفداء الذي لم يطلع على التجديدات المتعلقة بجغرافية بلاد المغرب وإسبانيا مواضع خالية من جغرافيتها في رسالته الكبرى. # وبدأ الانحطاط بعد من أسلفنا من أبي الحسن والجغرافيين من الفرس؛ فإن القزويني الملقب بوجه الحق المتوفى سنة 1283 ميلادية، لم يكن منه غير نقل كلام أسلافه حرفيا، وصرف ذهنه إلى التاريخ الطبيعي، والعلامة النويري المصري المتوفى سنة 1320 لم يحتو كتابه الجامع لعلوم كثيرة على ملحوظات زائدة عما حققه سلفه، وأما ابن بطوطة الذي رحل سنة 1325 من مدينة طنجة وطنه فشاهد الديار المصرية وبلاد الفرس وما وراء النهر والهندستان والصين، ثم طاف بعد عشرين سنة بإسبانيا ومغرب إفريقية، فلا يوثق بكلامه لإملائه سياحته من حافظته بعد المعاينة، مع تصديقه كل ما يلقى إليه من الحكايات التي لا تعقل. # وابن الوردي مؤلف خريدة العجائب المشهور في الزمن السالف عند الفرنج، وكذا بحلب من سنة 1292 إلى سنة 1349 ميلادية لا ينبغي أن يستمد من كلامه إلا مع الاحتراس من الخطأ، وأبو الفداء أمير حماة من سنة ms201 1271 إلى سنة 1331 ميلادية لم يلتفت إلى غلطات أسلافه التي نقلها ولا إلى تغير بعض الأرقام العددية التي أثبتها بلا نظر فيها وصدق بفوائد علمية واضحة البطلان، ونسب إلى من نقل عنهم هفوات تستحيل على مثلهم إلا أنه يفوق ابن الوردي، فإنه وإن لم يكن إلا مختصرا تآليف غيره قد استند إلى المعلومات الرياضية، ولام جميع من اتبعوا غير هذا النهج الرياضي في كتبهم بإهمالهم ضبط الأطوال العروض البلدية، ونقل جداوله من أربعة جداول، فأبقى لنا كنز علم حقيقي، وأتى بعد أبي الفداء فضلاء اشتهروا بالجغرافيا، وهم العلامة الذهبي المتوفى سنة 1347 ميلادية، والبكري المشتهر سنة 1397 والمقريزي المشتهر من سنة 1367 إلى سنة 1443، وابن إياس وكذا ليون الإفريقي المشهور بالحسن المشتهر سنة 1516 ميلادية. # وبعد أن خرب التيمورلنكيون ممالك آسيا شوهدت أشغال علمية في ابتداء القرن الخامس عشر؛ فإن الملك شاه رخ بعد أن استولى على بلاد الفرس وجزء من الهندستان تودد إلى رؤساء الممالك الأخر، وأرسل سفراء كثيرة إلى عامل الصين سنة 1420، ثم عبد الرزاق السمرقندي إلى الهندستان سفيرا إلى ملك كلكتة، وشرع ابنه أولوغ بيك المشهور بأزياجه الفلكية في رسم خريطة جميع الدنيا سنة 1437، واعتمد عليها نصير الدين الطوسي في مؤلفاته وساح علي القوشجي بإذن أولوغ بيك في بلاد الصين فضبط قياس درجة من خط نصف النهار ومقدار مساحة الكرة الأرضية. # وكان لعلم الجغرافيا الإسلامية خرائط بحرية أيضا رأى منها الخواجه واسقوجاما سنة 1497 عند المعلم قنا (أوكنا) المغربي المقيم في الجوزرات (قرب الهندستان)، حين أخذه معرفا لسير السفينة إلى مدينة ميلندة في زنجبار، واستعان البوقرق الأكبر (البرتغالي) في ملاحته ببحر عمان والخليج الفارسي بخريطة أخرى من رسم عمر العربي في سنة 1648، وختمت سلسلة الرسائل الجغرافية اللاتي ألفها المشرقيون بكتاب الخطيب الجلبي المسمى بجهان نامه، المستعين في هذا المؤلف بمؤلفات الفرنج المشتملة على الاستكشافات الحديثة المهمة التي عثر بها البرتغاليون والإسبانيون. # المبحث الثاني والعشرون: في تلخيص الاستكشافات العظيمة التي جاءت بها العرب في علم الفلك والعلوم ms202 الرياضية وعلم الجغرافيا # أدرجنا في الأبحاث السالفة مؤلفي العرب والفرس لانتساب سائرهم إلى مدرسة واحدة، ولأن الاصطلاحات العلمية التي جرت عليها المشارقة كان سائرها ألفاظا عربية لتغير صورة اللغة الفارسية إلى العربية منذ زمان طويل بممارسة القرآن والحركة العقلية الفاشية في القرن الثامن بعد الميلاد، منذ تولى بنو العباس منصب الخلافة، وظهر تحكم التمدن العربي المتسع به نطاق لسان العرب الذي أدخله مترجمو الكتب اليونانية في الاصطلاحات، فسهل انطباقها على المعلومات التصورية التي عزا الفرنج اختراع أكثر استكشافاتها إلى علماء منهم كانوا بالقرن الخامس عشر والسادس عشر، مع أن اختراع أكثرها ما كان إلا للعرب الذين اجتهدوا في تقديم العلوم؟ ونلخص لك اجتهادهم فنقول: # الأول: # إن استبدال الأوتار بالجيوب، وإدخال الخطوط المماسة في حساب مساحة المثلثات، وتطبيق الجبر على الهندسة، وحل المعادلات التكعيبية، وأذكى تصورات العلوم الرياضية شاهدنا جميعها في مؤلفات العرب المكتوبة بخط اليد التي ظفرنا بها. # الثاني: # أن العلماء الفلكيين ببغداد ضبطوا بغاية الدقة حركة أوج الشمس، وتداخل فلك هذا الكوكب في داخل أفلاك أخر ومقدار السنة. # الثالث: # أن تقدم الجغرافيا الرياضية وتصحيح أزياج بطليموس كانا على أيدي العرب. # الرابع: # أن القرن السادس وما بعده إلى السادس عشر كانت خالية من الفلكيين الأوروباوية متحلية بوجود من أسلفناه من أهل الأرصاد العربية؛ ولذا لم يعد الفرنج في كتبهم إلا بعض أرصاد فلكية نصوا عليها في كتبهم نصا ناقصا. # الخامس: # ما تعجب منه فلكيو المشرق، وهو رصد خانة سمرقند التي أنشأ بعدها بقرن الخواجه تيكوبراحة رصدخانة أورانيبرغ سنة 1576 ميلادية. # السادس: # أن الفرنج زعموا أن آلة الأسطرلاب من مخترعات تيكوبراحة، مع أن تلك الآلة والربع ذا الثقب موجودان من قبله في رصد خانة المراغة التي أسسها العرب العارفون للساعة ذات البندول. # السابع: # أن العرب شهروا النقصان التدريجي لميل وسط فلك البروج قبل متأخري الفرنج بزمان طويل. # الثامن: # أن العرب قدروا مبادرة الاعتدال بمقداره الحق من ابتداء القرن الحادي عشر. # التاسع: # أنهم رصدوا اختلافات أعظم عروض القمر قبل تيكوبراحة بأكثر من ms203 ستمائة سنة. # العاشر: # أن تحديد الاختلاف الثالث في عرض القمر وإن كان أكبر استكشاف مثبت فخار تيكوبراحة، لكن لأبي الوفاء الفلكي من منازعته في فخار ذلك الاستكشاف. # ولا يخفى أن الاستكشافات السالفة تفيد علم الفلك المشرقي مزية الأصالة والأولية التي لا يستطيع الإمساك عن الإقرار بها أحد من الفرنج الذين استكشافاتهم لمعلومات الكتب العربية شواهد على تقدم العلوم الرياضية عند العرب الذين استفاد منهم اللاتينيون الاستمدادات الأولية؛ فإن جوبرت الذي كان بابا رومية وملقبا بسلوستر الثاني أدخل من سنة 970 إلى سنة 980 ميلادية عند الفرنج العلوم الرياضية التي اكتسبها من عرب إسبانيا. # و«أدهيلارد # Adhélard ~~» الإنكليزي ساح من سنة 1100 إلى سنة 1120 ميلادية في كل من إسبانيا ووادي مصر، وترجم مبادئ إقليدس من العربية بعد أن ترجمها العرب من اليونانية، وترجم أفلاطون (المنسوب لطيفوليا وهي مدينة قرب رومية) من العربية الرياضيات الكروية المنسوبة إلى «تيودوز # Theodose ~~»، كما أن الخواجه رودلف أحد أهالي بروجس البلجيقية ترجم مسائل بطليموس المتعلقة بالكرة الأرضية أو السماوية المصورة مبسوطة على خريطة وليونرد أحد أهل بيزة ألف سنة 1200 ميلادية رسالة في الجبر الذي تعلمه بلاد العرب، وقمبانوس من أهل نوارة (في إسبانيا) ترجم في القرن الثالث عشر كتاب إقليدس ترجمة جديدة، وشرحه ووبتليون البولندي ترجم كتاب الخازن في علم الضوء والنظر، وترجم جيرارد الكريموني المجسطي، وشرح كتاب جابر وغير ذلك، فانتشر علم الفلك الصحيح، وشهر ألفنس القسطلاني سنة 1250 ميلادية الأزياج الفلكية المنسوبة إليه. # وكان الملك روجير الأول ملك السيسيليين مساعد العلماء العرب بسيسيليا لا سيما الإدريسي، ثم أتى العاهل فردريق الثاني بعد روجير بمائة سنة، فلم يأل جهدا في المساعدة والحث على كسب العلوم والمعارف الأدبية المشرقية، وكان أولاد ابن رشد مستخدمين في ديوانه ويعلمونه التاريخ الطبيعي في النبات والحيوان. # | الباب الثاني # في العلوم الطبيعية التي كانت عند العرب وفيه مقدمة وأربعة مباحث # المقدمة # قد اتسعت العلوم الطبيعية زمن اتساع العلوم الرياضية، ولكن لا نعرف عصر نشأتها لتسلسل التصورات في جميع الأشياء التي ms204 يجول العقل فيها نعم الاشتغال بمعرفة حقائق الكائنات العلوية والسفلية، وتفصيل ما يتعلق بها، وضبط قياس الحركة والفضاء الذي تتم فيه بواسطة التأمل في الطبيعة، حدث زمن أرسطاطاليس، على أن ذلك البحث كان في الغالب متعلقا بالأجسام العضوية، وهي الحيوان والنبات، ثم ارتقى ذلك زمن العرب إلى درجة البحث عن القوى الطبيعية والجواهر الأولية التي تحلل لإدخالها في مركبات أخرى؛ لأنهم كانوا يسكنون بحيث جزيرة العرب ما بين مدينة مسكات ومكة الذي به كثر من البهارات والصموغ البلسمية والجواهر النافعة والضارة بالإنسان، فالتفتوا إلى مزايا ما بأرضهم من النباتات النافعة في الطب والصنائع وزينة المعابد والقصور، ومثلهم من في سواحل مالابار وسرنديب (سيلان) والسواحل الشرقية من قسم إفريقية، فتحصل كل على مزية لم يعلمها الآخر إلا بواسطة تجارات أتت من مخزن جرها الذي بين الخليج الفارسي واليمن، وجابت بحيث جزيرة العرب حتى بلغت كنعان والشام، وأما البحث عن الجواهر الطبية الذي مدحه ديوسقوربدس لأهل مدرسة الإسكندرية فمن مخترعات العرب؛ فإنهم المنشئون للأجزاخانات الكيماوية والموروث عنهم ما يسمى الآن بقواعد تحضير الأدوية الذي انتشر بعد من مدرسة سالرنة في الممالك التي في جنوب أوروبا. # المبحث الأول: في علم الكيمياء # قد أدى إنشاء الأجزاخانات والمادة الطبية - اللتين هما أول ما يلزم لفن الطب - إلى الاشتغال بعلم الكيمياء الذي كان ابتداء العرب في التمدن مبدأ للاشتغال به، وهو عبارة عن مجرد التحليل والتركيب لا تركيب الذهب والفضة المسمى بالكيمياء السرية والإكسير والحجر المكرم. وقد أوصلت العمليات الهرمسية - وهي تراكيب الملاغم والمخلوطات المعدنية التي عملت في المعادن المطروقة - إلى أبدع الاستكشافات المعدنية، وعرف تركيب الكبريتيك والماء المعشر والماء الملكي، وتحضير الزئبق وتخمير الجواهر الكئولية، وغير ذلك من مؤلفات أبي موسى جعفر الكوفي المشتهر في القرن الثامن من الميلاد والفخر الرازي المتوفى سنة 923 من الميلاد. # المبحث الثاني: في علم النباتات والمادة الطبية والاقتصاد الزراعي # لسعة اطلاع العرب على مزايا النباتات، أدخلوا في الأدوية نباتات جهل اليونانيون خواصها كالراوند وشحم التمر الهندي وخيار شنبرو ورق ms205 السنا المكي والإهليليجات والكافور، وعرفوا أنواع الطيب الذكية كجوز الطيب والقرنفل وغرسوا عدة أشجار من ذوات الزهور المذكرة والمؤنثة، وعرفوا ما يتعلق بخصب آلات الذكورة والأنوثة ورأوا استعمالهم السكر في الطب أفضل من استعمال القدماء العسل، فأدخلوه في مركبات كثيرة كشراب الورد وأشربة جلابية (بضم فشد) ومعاجين كثيرة، واشتغلوا بعلم الجيولوجية، وهو معرفة تركيب طبقات الأرض، وتكلم ابن سينا في المادة الطبية على شجرة الأرز المسماة ديودفارة النابتة في جبال هيماليه، وجعلها نوعا من الشجر المسمى جونيبيريس الداخل في تركيب زيت الترمنتينا، وقد أنشأ عبد الرحمن الأول خليفة قرطبة بستان نباتات بقربها، وبعث إلى الشام وغيره من الممالك المشرقية سياحين لجمع البذور النادرة، وكان قد غرس بقرب قصره في الرصافة أول نخلة في قرطبة. # وبالجملة بذل العرب صادق الهمة والعزيمة في تعلم وتعليم جميع فروع العلوم المتعلقة بالمولدات الطبيعية؛ ولذا أنصفهم المؤلف لييل في كتابه الجديد بما حكاه من اشتغالهم بعلم الجيولوجيا ونقل دساسي عدة فصول من كتاب القزويني المشهور باسم يلين المشارقة، واشتهر حياة الحيوان للدميري الذي هو عند العرب بمنزلة بوفون عند الفرنج، وبلغت العرب في علم الزراعة أقصى درج الكمال وأحدثوا في إسبانيا السواقي ذات القواديس المعتادة الآن، وكان عندهم في الاقتصاد الزراعي معلومات شيبت بأوهام فاسدة إلا أنهم كانوا يعرفون طرقا عملية تستحق التفات الفلاحين إليها. # المبحث الثالث: في علم الطب والمدرسة اليونانية العربية والفخر الرازي وابن سينا # أحضر ملوك الفرس الأكاسرة من ابتداء القرن الثالث بعد الميلاد العيسوي أطباء اليونان، فنشروا في البلاد المشرقية آراء أبيقراط الطبية حتى سابقت المدرسة التي بجنديسابور مدينة الإسكندرية أيام البطالسة، ثم فتحت العرب البلاد فكان مركز التعليم أنطاكية وحران، وظهر منهما أطباء جامعون في الغالب بين العلوم الرياضية والفلسفية عارفون باللغة اليونانية كالعربية، التي ترجموا إليها كتب أرسطو وإقليدس وبطليموس، منهم يحيى بن ماسويه طبيب هارون الرشيد، ألف في الطب كثيرا من المؤلفات المعتبرة عند المشرقيين، منها شرحه المشتمل على ثلاثين كتابا، وكتاب في تحضير الأدوية، ورسائل في أصناف ms206 الحمى والأغذية والنزلات والحمامات وأنواع الصداع والشقيقة وغير ذلك، ترجم كثير من مؤلفاته إلى العبرانية، ويوجد بكتبخانات أوروبا كثير منها بالعبرانية والعبرية، مات سنة 855 ميلادية، وله ثمانون سنة فخلفه تلميذه حسين، وأخذ من المأمون على كل كتاب ترجمه من اليونانية إلى العربية زنته ذهبا ترجم كتابي جالينوس وأبيقراط وغيرهما، وألف كتبا كثيرة في الطب والمنطق الفلسفي، واختبره المتوكل؛ حيث سأله عن سم قاتل بمجرد تناوله، فقال: لا أعرف إلا الأدوية الحافظة للصحة. فاتخذه طبيبا وأغدق عليه، توفي سنة 874 ميلادية، ومنهم جبرائيل المشتهر في علاج كثير من الأدواء. # والفخر الرازي محمد بن زكريا قام بإدارة المستشفيات في بغداد والري وجنديسابور، وهو أول من أحدث المسهلات اللطيفة في الأجزاخانات والتراكيب الكيماوية الطبية واستعمال الخزام، وأول من ميز القصب الحنجري عن القصب الراجع الذي يكون أحيانا مضاعفا من جهة اليمين، وكان يرى أهمية التشريح في الطب الذي ألف فيه أكثر من مائة مؤلف، منها كتاب ضخم سماه الحاوي في علم التداوي، ورسالة في الجدري والحصبة استمد منها سائر الأطباء، وأهدى إلى الأمير المنصور حاكم خراسان في القرن العاشر من الميلاد أحد أبناء العائلة السمانية عشرة كتب حسنة الترتيب والأسلوب، طبعت في مدينة ونديق البنادقة سنة 1510 ميلادية، وهي أول ما بحث فيه عن الخمرة عمى كبيرا، فمنع أن يعالجه من الأطباء إلا من عرف عدد أغشية العين، وساح في الشام ومصر وإسبانيا توفي سنة 932 ميلادية، واشتهر بعده بخمسين سنة علي بن عباس الفارسي المجوسي، ألف في الطب كتابا عشرين مجلدا عشرة في قواعد الطب، وعشرة في عملياته سماه الملكي، وأهداه إلى السلطان عضد الدولة البويهي، ترجمه إلى اللاتينية اصطفان الأنطاكي سنة 1127 ميلادية، وطبعه ميخائيل كابلا سنة 1523 في مدينة ليون بفرنسا. # ولم يكن في حكماء العرب مثل الفخر الرازي، وأبي علي الحسين بن سينا المولود في إفشائه من ضواحي شيراز سنة 980 ميلادية، كان والده حاكما على شيراز وتعلم هو الطب في بخارى، وعالج وهو ابن 18 سنة الأمير ms207 نوح السماني وشفي من مرض عظيم، فتقدم عند الملوك السمانية، ووعده محمود الغزنوي الإغداق عليه إن أقام عنده فأبى، ودام على التغرب في البلاد، وأقام عند قابوس حاكم إقليم جرجان، وجدد في ديوانه أعمال الطبيب اليوناني إيراز ستراطس، وجدد له موئلا في مدينة الري حين كان سلطانها مجد الدولة، ثم في مدينة همدان حين اختاره ملكها شمس الدولة أن يكون وزيرا وطبيبا له، ثم دعاه علاء الدولة للقيام بوظيفتي الوزارة والطب بأصفهان، ألف كتبا من أجل المؤلفات، منها القوانين، وهي خمسة كتب ترجمت وطبعت مرارا، وكانت مؤلفاته ومؤلفات الرازي تدرس بمدارس أوروبا نحو ستة قرون تقريبا، مات سنة 1037 ميلادية. # المبحث الرابع: في مدرسة إسبانيا وابن القاسم وابن زهر وابن رشد وغيرهم # ظهر أيضا في مدرسة إسبانيا من الأطباء جمع، منهم أبو القاسم خلف بن عباس المعروف عند الفرنج بالبوقاريس، وضع علم الجراحة ووصف آلاتها وكيفية استعمالها وما يحصل في بعض الكيفيات من الأخطار، وعين لإخراج الحصوة موضع البضع الذي عينه متأخرو الجراحين من الفرنج، ولم تعرف مؤلفاته بين الفرنج إلا في القرن الخامس عشر من الميلاد، مات سنة 1107 ميلادية. # وأبو مروان بن عبد الملك بن زهر ولد في بلدة بنافلور، أدخل في المادة الطبية عدة أدوية، وأحدث في علم الجراحة فتح شعبتي التنفس، ووصف أمراضا لم تكن موصوفة قبل، مثل المرض المعروف بالتهاب الحجاب المنصف للتامور المحيط بالقلب، وتعين لرد العظام المنتقلة إلى مواضعها وجبر المنكسر منها، ترجمت كتبه الكبيرة إلى اللاتينية غير مستوفاة الترجمة، استخدم عند الأمير يوسف بن تشفين صاحب مراكش فأغدق عليه. # ومن تلامذة ابن زهر أبو الوليد محمد بن رشد اتبع أصول الفلسفة الأرسطاليسية، وألف رسالة في الترياق وكتابا في السموم وأنواع الحمى وشرحا على كتاب أرسطاليس، وشرحا على قوانين ابن سينا، وكتابا ضخما مشهورا بالكليات طبع في مدينتي ونديق وليون وغيرهما. # وكان عبد الله بن أحمد بن علي البيطار أعلم الأطباء بعلم النباتات، ساح في البلاد المشرقية زمنا طويلا، وأكرمه السلطان يوسف صلاح ms208 الدين الأيوبي والكامل صاحب دمشق، اشتمل مجموعه المسمى بالأدوية المفردة المقسم أربعة أقسام على وصف جميع النباتات والأحجار والمعادن والحيوانات ذات الخواص الطبية، أصلح فيه غلطات ديوسقوريدس وجالينوس وأوريان. # وبالجملة كان ملوك المشرق يدعون العلماء إلى دواوينهم ويستقبلونهم بأنواع التشريف والأموال الجزيلة، فكان منهم عدد لا يحصى حفظت أسماؤهم في التواريخ، اشتهر منهم في الطب ثابت بن قرة الطبيب الفلكي سنة 850 ميلادية، وأبو جعفر أحمد بن محمد الطالب الذي ألف سنة 970 ميلادية في داء البرسام والسرسام وغيرهما، وعلي بن رضوان سنة 1060 ميلادية، وجزلة بن جزلة سنة 1100، وعبد الرزاق سنة 1150، وهبة الله سنة 1155، والجلدكي الذي ألف سنة 1252 كتابا في الحجر المكرم المسمى أيضا بالكيمياء السرية والصنعة الإلهية، وأبو الفرج سنة 1286، وإسحاق بن إبراهيم سنة 1300. # | الباب الثالث # فيما كان عند العرب من الفلسفة والإلهيات والفقه والمعارف الأدبية ومخترعاتهم، وفيه سبعة عشر مبحثا # المبحث الأول : في عدم اقتصار العرب على شرحهم فلسفة أرسطاطاليس # زعم الفرنج أنه لم يكن فلسفة عربية، وما ذاك إلا لجهلهم بأشغال العرب؛ فإن جميع الدروس بمدارس أوروبا في القرون المتوسطة مستمدة من تآليف العرب الفلسفية، وكانت ترجمة حسين الطبيب ويحيى النحوي كتب أرسطاطاليس مبدأ لاشتغال العرب بالمعلومات الفلسفية التي كان من رجالها الكندي ومحمد بن مسعود وأبو تمام النيسابوري وأبو سهل البلخي والإسفرايني والعميري، ثم ظهر الفارابي وابن سينا، فكانا أشهر رجال الفلسفة لتدوينهما لها على الصورة المذهبية التي نقلها عنهما ابن باجه وأثير الدين الأبهري وعلي الخونجي وابن رشد وأبو الصلت ونصير الدين الطوسي، ثم جالوا في مدارس المغرب، ولا تظن أن العرب اقتصروا على تفسير كتب أرسطو، بل كانوا يعرفون تأليف أفلاطون لا سيما كتابه الأكبر المؤلف في الشرائع وعدة كتب منسوبة إلى فيثاغورس، وكانوا يذكرون من قدماء اليونان كثيرين أورفيه وأوميروس المحتوية أشعاره على الفلسفة الدينية والفلاسفة السبعة، وأنكزاغورس وإيراقليط وديمقراط والألياطية وسقراط وتلامذته وإقليدس والفلاسفة الأسطوانية، وكان عندهم في الجزء الثاني من تاريخ علم الفلسفة مسائل فيمن كمل فلسفة أرسطو ومن ms209 شرحها، وفيما يخص مدرسة الإسكندرية، وكانوا يعتمدون أقوال بلوتين وبرقلوس ويلهجون كثيرا بالقضايا العلمية، وكانوا واسطة بين زمن الفلسفة القديمة والفلسفة المدرسة في أوروبا، وكانت المجادلة بين أهل الظاهر منهم والباطن عدة قرون فضل فيها بعض أهل المدارس المشرقية على بعض، وكان منهم معتزلة بصرية ومعتزلة بغدادية وحكماؤهم الفلاسفة الذين ظهرت فلسفتهم على علماء الفرنج في القرون المتوسطة، بل وعلى أرباب الأسرار الروحانية مثل ماري بونافنطور. # المبحث الثاني: في المعتزلة والمتكلمين والصوفية # المعلومات المستفادة بطريق النظر أو الرياضة، إن لم تقيد بموافقة الدين الإسلامي؛ فحكمة مشائية أو إشراقية، وإن قيدت بذلك واستفيدت بالنظر فكلام أو الرياضة فتصوف، وعلماء الكلام قسمان: معتزلة يجعلون التعقل أساسا للدين، بمعنى أنهم يوجهون عقولهم نحو المطلوب فيحصلونه ثم يؤولون الشرع إلى ما أدركه العقل، وسنية يجعلون الدين أساسا للتعقل وهم أشاعرة وماتريدية. وأما الفلاسفة فمعرضون عن الدين رأسا، ومن رجال أهل السنة فخر الدين الرازي محمد بن عمر المتوفى سنة 1209 ميلادية، وأبو سعيد عبد الله بن محمد بن علي البيضاوي المتوفى سنة 1286، أو سنة 1316 ميلادية، وأبو البركات عبد الله أحمد بن محمد النسفي المتوفى سنة 1310 ميلادية، وشمس الدين الأصفهاني المتوفى سنة 1348 ميلادية. # ومن رجال التصوف أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ولد سنة 1058 ميلادية بطوس التي اتجر فيها والده في القطن المغزول، تعلم العلوم في مدينتي جرجان ونيسابور، ثم درس الإلهيات في بغداد، ثم سكن دمشق وانقطع عشر سنين يتأمل في مصنوعات الله، ثم عاد إلى التعليم في نيسابور، ألف أكثر من مائة كتاب قصد في جميعها رفع شأن الدين، وأهمها الإحياء الذي كان سببا في تلقيبه بحجة الإسلام، واشتهر ولهج كثيرون بأن جميع الكتب الإسلامية لو ضاع لكان شيئا قليلا ما بقي هذا الكتاب، وكان عظيم الحب للآداب التهذيبية؛ ولذا شحن كتبه بالحث على فعل الخير واجتناب الشر والتظاهر بأخلاق التورع وقمع الشهوة النفسية، ومن رجال المعتزلة أبو حذيفة واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، ثم أبو علي الجبائي ms210 وأبو هاشم عبد السلام، وأبو القاسم البلخي، وابن عياش، وأبو يعقوب السهام (بشد الهاء)، وإبراهيم بن سيار وآخرون. # المبحث الثالث: في علم الفقه والحديث وفرق المسلمين الأربع صحيحة العقيدة والدين # علم الفقه أحكام استمدها من الكتاب والسنة الأئمة الأربعة وهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت المولود بالكوفة سنة 699 ميلادية المتوفى ببغداد وله سبعون سنة، والإمام الشافعي المتوفى بمصر سنة 819 ميلادية، والإمام مالك بن أنس المولود في المدينة المنورة سنة 712 ميلادية المتوفى بها سنة 795 ميلادية، والإمام أحمد بن حنبل المتوفى ببغداد سنة 855 ميلادية وله ثمانون سنة. # وأول من ألف في هذا الفن أبو حنيفة الذي ولى الرشيد تلميذه أبا يوسف القضاء سنة 786 ميلادية، ولم يأمن على القيام بوظيفة القضاء في جميع مملكته المتسعة إلا من يعينه أبو يوسف فانتشر مذهب أبي حنيفة بالعراق والهند والصين وخراسان وما وراء النهر وسائر بلاد العجم، وأما مالك فانتشر مذهبه بإسبانيا؛ فإن الحكم المرتضى بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم قام بالحكم بعد أبيه، وتلقب بالمنتصر سنة 180 هجرية، وانتقل من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب مالك؛ فاختص بيحيى بن يحيى بن كثير الأندلسي الذي حج وسمع الموطأ من مالك إلا أبوابا، وأخذ عن ابن وهب وابن القاسم وغيرهما، وعاد إلى الأندلس فولاه المنتصر القضاء، ولم يول قاضيا في الأندلس إلا بإشارته فاتبع أهل الأندلس رأي مالك بعد أن كانوا على رأي الأوزاعي شيخ أبي حنيفة، توفي يحيى سنة 806 ميلادية. # وكان الغالب على أهل المغرب السنن والآثار حتى قدم عبد الله بن فروج أبو محمد الفارسي بمذهب أبي حنيفة الذي أظهره بعد ذلك أسد بن الفرات بن سنان قاضي إفريقية، ثم تولى قضاء إفريقية سحنون بن سعيد التنوخي المولود سنة 776 المتوفى سنة 854 ميلادية فنشر مذهب مالك فتداول أصحابه القضاء حتى تولاه بنو هاشم وكانوا مالكية فتوارثوه كتوارث الضياع، ثم أمر المعز بن باديس أن لا يتولى ms211 القضاء أو الإفتاء بسائر المدن والقرى إلا مالكي. # ولم يزل مذهب مالك منذ تولى سحنون متبعا في بلاد المغرب والسودان وسائر أهل إفريقية إلا مصر؛ فإن الشافعي أتى إليها سنة 197 هجرية، ونزل على بني عبد الحكم فأخذ عنه جمع من بني عبد الحكم والربيع بن سليمان وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي وأشهب وابن القاسم وابن المواز وغيرهم، ثم الحارث بن مسكين وبنوه، وكتبوا عنه ما ألفه وانتشر مذهبه بالديار المصرية؛ فكان مقلدوه بها أكثر من غيرهم وفوض صلاح الدين الأيوبي القضاء لصدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعي فلم يول القضاء بالديار المصرية إلا شافعيا، ثم ولى الظاهر بيبرس البندقداري سنة 665 هجرية أربعة قضاة من المذاهب الأربعة، ثم اختص القضاء بالحنفية تبعا لقاضي القاهرة الآتي من القسطنطينية. # وتفرقت تلامذة مالك إلى العراق ومصر؛ فكان منهم بالعراق القاضي إسماعيل وطبقته كابن خويز منداد، وابن اللبان، والقاضي أبي بكر الأبهري، وبمصر جمع منهم ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم والحارث بن مسكين، رحل من الأندلس عبد الملك بن حبيب، فأخذ عن ابن القاسم وطبقته، وبث مذهب مالك في الأندلس، ودون فيه كتاب «الواضحة»، ثم دون تلميذه العتبي كتاب «العتبية»، فعكف أهل الأندلس على «الواضحة» و«العتبية». ~~ ورحل من إفريقية أسد بن الفرات، وكتب عن أصحاب أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب مالك وكتب عن ابن القاسم في سائر أبواب الفقه كتابا سماه الأسدية، وذهب إلى القيروان فقرأها عليه سحنون، ثم ارتحل إلى المشرق، ولقي ابن القاسم فأخذ عنه وعارضه بمسائل الأسدية، ورجع عن كثير منها فدون سحنون مسائلها، وبين ما رجع عنه ابن القاسم، وكتب إلى أسد أن يأخذ بذلك فأنف فترك أهل القيروان مدونته، وعكفوا على مدونة سحنون على ما فيها من اختلاط المسائل بالأبواب؛ فلذلك سميت المدونة والمختلطة. # ومن كتب الفن المعتبرة «الموضحة» لأبي مروان عبد الملك القرطبي المتوفى سنة 852 ميلادية، و«المجموعة» لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم مفتي قيروان المتوفى ms212 سنة 873 ميلادية، و«المعزية» لمحمد بن المعز المتوفى سنة 894 ميلادية، و«المبسوط» لإسماعيل بن إسحاق قاضي بغداد المتوفى سنة 895. ومن رجال هذا المذهب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المتوفى سنة 970 ميلادية، وابن يونس أبو بكر محمد بن عبد الله الصقلي المتوفى سنة 1059، وأبو الحسن علي بن محمد الربيعي المتوفى سنة 1085، وابن رشد أبو الوليد محمد بن أحمد المتوفى سنة 1126، والمازري أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي ولد في مدينة مازارة بجزيرة صقلية، وتوفي سنة 1141 ميلادية، وابن الحاجب المتوفى بالقاهرة سنة 1248، وابن فرحون المدني المتوفى سنة 1377 ميلادية، وقد جمع المؤلفات العديدة مختصر خليل بن إسحاق بن يعقوب المتوفى سنة 1422 ميلادية، فكان أحسن كتب المالكية ترجمه برون إلى اللغة الفرنساوية بأمر دولته حين نفذ حكمها على عرب الغرب وترجم إلى اللغة الإنكليزية كتابان: «الهداية في فروع الحنفية» ألفها برهان الدين سنة 1180 ميلادية، و«مشكاة المصابيح» جمع فيه أصح الروايات أبو عبد الله محمود سنة 1336 ميلادية على حسب ما اعتمده الإمام حسين الذي اشتهر في بغداد سنة 1220 ميلادية، ومن هذين الكتابين استمد الخواجه ميلس في كتابه المسمى تاريخ دين الإسلام. # وقد اعتنى بجمع الأحاديث النبوية جمع من العلماء أولهم محمد بن شهاب الزهري، وأما أول من بوبها فسعيد بن عروبة والربيع بن صبيح بالبصرة، ومعمر بن راشد باليمن، وابن جريج بمكة، ثم سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، والوليد بن مسلم بالشام، وجرير بن عبد الحميد بالري، وعبد الله بن المبارك بمرو وخراسان، وهشيم بن بشير بواسط، وتفرد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة التصنيف، وألف مالك الموطأ مرتبا على أبواب الفقه، وأتى البخاري في صحيحه بسبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثا من مائة ألف حديث مشكوك فيه، ومن أكثر من مائتي ألف حديث موضوع، والمكرر من أحاديثه ثلاثة آلاف لذكرها في كل باب اشتملت على معنى يليق به، وقد اتفق أهل السنة على صحة هذا الكتاب؛ ms213 فكان وما شابهه من الينابيع الأربعة للتوحيد والفقه، وهي: القرآن والسنة والإجماع وكذا القياس الجاري فيما لم يرد فيه نص عن الشارع، وكان مشابها لما نص عليه في أمر هو منشأ الحكم. # المبحث الرابع: في الفصاحة العربية وحفظ القرآن وحدة اللسان العربي # كان للعرب مزيد اهتمام بتحسين الكلام؛ ولذا افتخروا به وتغالبوا فيه، فأتى إليهم النبي # صلى الله عليه وسلم # بالقرآن الذي أثبت لسانهم وبادرت الأمم الإسلامية إلى التكلم به، فكان مستمدا للقواعد النحوية وقواعد أساليب التأليف واختيار المحسنات والجناسات البيانية وغير ذلك مما يزيد على مائة فن؛ ولذا استمد منه أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 688 ميلادية قواعد نحوية كانت بابا للتوضيحات الكثيرة النحوية، واتسع هذا اللسان العربي لمطالعة أهله الكتب اليونانية المشتملة على العبارات الجديدة حتى صارت اللغة العلمية لأهل المشرق والأدب الفارسي قسما من علم الأدب العربي؛ فإن الكتب العلمية باقية إذ ذاك لدى الفرس والترك على التأليف العربي، كما أن الكتب العلمية كانت ببلاد ألمانيا باقية في القرون المتوسطة على التأليف باللغة اللاتينية حين اخترع المنسنجير نظم الشعر بالألمانية. # ومع تباين الأمم الإسلامية ببلاد آسيا إلى داخل بلاد الهند وإفريقية إلى داخل بلاد السودان في الأخلاق والعوائد واللغات أتى القرآن حافظا للوحدة اللغوية والإحساسات النفسية فعلموا منه الأطفال في المكاتب كلمات من قبيل: إن شاء الله، وما شاء الله، والله أكبر، والله كريم؛ تمرينا لهم، ثم الفاتحة، ثم يعلمونهم في المدارس الآجرومية لمحمد بن داود الصنهاجي، والخلاصة المشهورة بالألفية لجمال الدين محمد بن مالك، ومصباح المطرزي في النحو، وكتاب ابن هشام، وأخذ الفرنساوية يعلمون كتاب دروس في النحو وغيره مشتمل على مراح الأرواح لأحمد بن علي بن مسعود، وتصريف العزى لعز الدين أبي الفضل عبد الوهاب عماد الدين بن إبراهيم السنجاني، وكتاب المقصود المشتمل على طريقة تصريف الأسماء والأفعال ليوسف الحنيفي، وكتاب البناء المفيد طريقة أحكام أجزاء الكلام التي لا تتصرف، وكتاب الأمثال المشتمل على جداول تصريف الأفعال. # وقد أوضح الخواجه دساسي الاصطلاحات النحوية ناظرا للقواعد ms214 المبني عليها لسان العرب ومضاهيا ألفاظ الطريقتين المشرقية والإفرنجية، وأطال فيمن ترجموا الكتب اليونانية إلى العربية، ومن دونوا النحو من العرب بما يغني عن تلخيص مناقبهم ومآثرهم. # المبحث الخامس: في علماء النحو والبيان والشارحين # فتح العرب البلادواشتغلوا بالملك عن العلوم التي أقبلت عليها الأمم المنقادة لهم؛ ولذا كان أعظم علماء التوحيد وأقدم النحويين كسيبويه والفارسي والزجاج من الأمة الفارسية، وظهر على علماء اللغة الذين كانوا أشهر من غيرهم إسماعيل بن محمد الجوهري الملقب بإمام اللغة العربية المولود وسط القرن الرابع من الهجرة بمدينة فاراب فيما وراء نهر جيحون، ألف كتاب الصحاح مرتبا على حروف المعجم باعتبار الحرف الأخير لاحتياج الناس في الأكثر إلى أواخر الكلم، جاب بلاد الفرس والعراق العربي والشام ومصر، ثم رجع إلى خراسان، وأقام في نيسابور التي اشتهر فيها سنة 999 ميلادية، هذا الكتاب الذي شرحه كثيرون، واستمد منه الخواجه غوليوس والخواجه ميتسكي، وكانا يعتبرانه أعظم القواميس التي منها المحكم لأبي الحسن علي بن إسماعيل الملقب بابن سيده المتوفى سنة 1065 ميلادية، والعباب وهو عشرون مجلدا للإمام حسن بن محمد الصاغاني المتوفى سنة 1656 ميلادية، ثم ظهر الفيروزآبادي مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب المولود في قنسرين بضواحي شيراز سنة 1328 ميلادية، فألف من العباب وغيره زمن انحطاط تقدم العرب كتابا في جميع ألفاظ اللغة العربية، وهو ستون مجلدا كل منها في ضخامة صحاح الجوهري اختصر منه ما بين أيدينا من القاموس المحيط، وهو بالنسبة له كواحد من ثلاثين تقريبا ألف أكثر من أربعين كتابا، وأغدق عليه ملك اليمن إسماعيل بن عباس الملقب بالأشرف، وتعجب السلطان بايزيد العثماني وتيمورلنك من عظيم اعتبار الناس له فبعثا له هدايا، ساح في الآفاق، ثم أقام بزبيد حتى توفي فيها سنة 1415 ميلادية، وله ثمانون سنة، وممن استفاد عظيم الشهرة بمؤلفاته أبو القاسم محمود الزمخشري المتوفى سنة 1143 ميلادية ألف المفصل ومقدمة لمطالعة النحو وقاموسا فارسيا وعربيا والكشاف المشتمل على معاني القرآن، وما يتعلق به من اللغة والإعراب والبلاغة المتعلقة ms215 بتأدية المعاني حسب المقاصد المتوقفة على علمي المعاني والبيان المعتبرين في الأدبيات المشرقية المستفادين من مثل الكشاف والجرجاني، وشرح التفتازاني على تلخيص المفتاح لجلال الدين محمود بن عبد الرحمن القزويني وحدائق البلاغة في البلاغة، وضبط نطق اللغة الفارسية تأليف الأمير شمس الدين وأدب الكاتب المشتمل على كيفية أساليب التعبير وأنواع الفصاحة لابن قتيبة المتوفى سنة 890 ميلادية، ومن أشهر علماء البيان ابن السكاكي الفارسي المشبه لدى بعض الفرنج بالخواجه قنتيليان في الاعتناء بوضع القواعد البيانية وصحتها، وبالخطيب سيسيرون (قيقرون الرومي) في الفصاحة وغزارة المحاسن، وأتى العلامة الجزري في كتابه المسمى المنهج الكلي بأنواع المعارف اللازمة للخطيب، وألف السيوطي في هذا الموضوع كتابا تكلم فيه على صحيح اللغة العربية وجودتها، وأيد كل قاعدة بعبارات ثقات المؤلفين، وأما الخليل بن أحمد، فأول من ألف في العروض الذي استمده من كلام قدماء الشعراء. # المبحث السادس: في علم تحرير الأدبيات وتحبير المؤلفات وفي الحكايات والخرافات المسلية والقصص الغريبة # كان العلامة الحريري المولود سنة 1054 ميلادية المتوفى بالبصرة سنة 1121 ميلادية أول علماء تحرير الأدبيات وتحبير المؤلفات فضلا ورتبة، ألف المقامة الحرمية فوقعت في يد شريف الدين أبي نصر أنوشروان بن خالد بن محمد الكاشاني وزير الخليفة المسترشد بالله، ووجدها مستوفاة التحرير والتحبير، فأمر الحريري أن يؤلف مقامات أخرى على نسقها فأتت خمسين مقامة مكونة من منثور ومنظوم على لسان إنسان مفروض الوجود، مشتملة على مقدار عظيم من محاسن اللغة العربية التي لو أتقن معرفتها إنسان لعرف غزارة اطلاع صاحبها الذي أودعها مجازات وألغازا قليلة الاستعمال، ورموزا وأمثالا أبانت صعوبتها؛ ولذا شرحها كثيرون، ومن مؤلفاته المنظومة المسماة ملحة الإعراب وشرحها، وسبقه إلى ذلك النوع من التأليف أبو الفضل أحمد بن حسين الهمذاني المتوفى سنة 1007 ميلادية وله أربعون سنة، كان يسمع القصيدة مرة فينشدها بلا تردد كما هي، وكان يرتجل الشعر بغاية السهولة مع صحة الألفاظ وحسن التعبير، افتخر بابتكاره أربعمائة مقامة. # ومن الأدبيات: الخرافات، والأمثال الحكمية المنسوبة إلى لقمان، وحكايات ابن عرب شاه وابتكاراته ms216 المستورة الحقائق بالكنايات والرموز، وكتاب ابن المقفع المسمى كليلة ودمنة، وكتاب ألف ليلة وليلة الرابط للحقائق التاريخية بمناسبات مبتكرة، ربما كانت لطيفة دقيقة، ولا يعرف له مؤلف. # المبحث السابع: في الأمثال السائرة ومجاميع الأغاني وهو الجزء الأول من الينابيع التاريخية # لا خفاء أن مجاميع الأغاني والأمثال ينبوع للفوائد التاريخية؛ فمن الأول كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن حسين الأصفهاني المتوفى سنة 356 هجرية، بناه على مائة منظوم نظمها لهارون الرشيد إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامي وفليح بن عورة، ثم زاد إسحاق بن إبراهيم على ذلك بإذن الواثق أغاني معبد وابن سريج ويونس ومجموعات أغان لجمع من الخلفاء أو أبنائهم، ثم بعض مقطعات مفيدة للقارئ، ثم جاء الأصفهاني فزاد على ما اختاره من تلك الأغاني ما يوضحها من الأخبار والنكت وترجم الشعراء الناظمين، وأبان تواريخ جزيرة العرب السنوية القديمة؛ فإنه كان متبحرا في الأنساب وسير مشاهير الرجال والمقاتلات الشهيرة والحوادث التي تخص أجداده الأوائل، ولم يلتزم فيه ترتيبا منتظما ترغيبا للقارئ، ولا تظن أن موضوعه مبتذل أخذا من اسمه؛ فإنه يشتمل على فوائد نفيسة في تاريخ العرب المدني والأدبي مع غزارة نوادره المتنوعة المؤثرة في النفس، ولم يعرف هذا الكتاب في أوروبا إلا عند استيلاء الفرنساوية على الديار المصرية. # وممن نقل هذا الفن إلى مكة النضر بن الحارث، ساح في البلاد فتعلم لغات أجنبية وطالع الكتب الأدبية التي عند الفرس واليونان ونقلها إلى مكة وأحدث بين أهلها حب المويسيقى، ولغزارة علومه كان عنده أنفة وتكبر، فظاهر بالعداوة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، حتى انهزم حزبه في غزوة بدر، فأراق دمه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فرثته بنته قتيلة بقولها: # يا راكبا إن الأثيل مظنة # من صبح خامسة وأنت موفق # أبلغ بها ميتا بأن تحية # ما إن تزال بها النجائب تعنق # مني إليك وعبرة مسفوحة # جادت بواكفها وأخرى تخفق # هل يسمعني النضر إن ناديته # أم كيف يسمع ميت لا ينطق # أمحمد يا خير ضن كريمة # في قومها والفحل فحل معرق ms217 # ما كان ضرك لو مننت وربما # من الفتى وهو المغيظ المحنق # أو كنت قابل فدية فلينفقن # بأعز ما يغلو به ما ينفق # فالنضر أقرب من أسرت قرابة # وأحقهم إن كان عتق يعتق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه # لله أرحام هناك تشقق # صبرا يقاد إلى المنية متعبا # رسف المقيد وهو عان موثق # وبلغ ذلك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: «لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته.» # ومن الثاني أمثال الميداني الذي تعلم فيه أشهر العلماء الباحثين عن الأمور المشرقية أكثر فيه من نوادر منها ما هو غريب، كقوله في مثل: «إن من البيان لسحرا.» نطق بهذا المثل النبي # صلى الله عليه وسلم # حين وفد عليه سنة 630 ميلادية السفراء الذين أسلموا، وهم: عمرو بن أحطم والزبرقان بن بدر، وكذا قيس بن عاصم الذي أرى أولاده حين حضرته الوفاة حزمة سهام ليفهمهم فوائد الاتحاد. ~~ وقال في تفسير هذا المثل وهو - راجع أمثال الميداني - يعني أن الشيء العظيم قد يكون ناشئا من شيء حقير، وأتى في مناسبة هذا المثل بتفاصيل استمد منها بعض المؤلفين موضوع ما اشتهر من أن أولاد نزار الأربعة مضر وإياد وربيعة وأنمار لم يتفقوا على تقسيم أموال أبيهم بينهم؛ فذهبوا إلى الأفعى الجرمي قاضي العرب، فوجدوا في طريقهم رجلا يطلب جملا، فقالوا له: هل كان أعور أعرج مقطوع الذنب نفورا؟ فقال: نعم. ~~ وظن أنهم أخذوه، فقالوا: لم نره. وسألهم القاضي الأفعى عن مقالتهم إلى ذلك الرجل، فقال: مضر ظننت عور الجمل من أكله الحشائش من جانب دون آخر، وقال ربيعة: رأيت شدة انطباع أحد خفيه في الأرض بخلاف الآخر؛ فليس بواضح الصورة، فعلمت عرجه. وقال إياد: رأيت روثه غير منتشر في الأرض فعلمت أنه أبتر. وقال أنمار: ظننت نفوره من تركه الكلأ الغزير وذهابه إلى أقل منه. # المبحث الثامن: في أشعار العرب والمعلقات السبع، وهذا القسم هو الجزء الثاني من الينابيع التاريخية # لهجت العرب بالشعر وجعلوه ديوانا لأخبارهم وشرفهم ومحكا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الأساليب؛ ms218 فكانوا أول المؤرخين لحوادث بلادهم؛ فإنهم كانوا يقفون كل سنة بسوق عكاظ فينشد الشاعر ما فعله من معالي الأمور وما لقبيلته من الشرف والشهرة أمام الفحول لانتقاد ما يقول؛ فإن استحسنوه كتبوه بمحلول الذهب وعلقوه على الكعبة، كما وقع لامرئ القيس بن حجر وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد وطرفة بن العبد والحارث بن علقمة بن عبدة وباقي أصحاب المعلقات السبع المشتملة على أنواع التشبيه المبتكرة والاستعارات والجناسات التي اقتفاها المنشئون في الأعصر التالية. # ولد امرؤ القيس سنة 500 ميلادية، وعاش في حط وترحال، مات والده شيخ قبيلة بني أسد قتيلا؛ فأراد الأخذ بثأره وسأل عرب البادية أن يساعدوه فأبوا فسأل ملوك اليمن والإمبراطور بوسطينان عاهل القسطنطينية، ثم مات بقرب أنقرة مسموما، وغضب ملك الحيرة عمرو بن هند والملك المنذر الثالث على طرفة بن العبد فدفن حيا وله عشرون سنة تقريبا، وكان عنترة بن شداد رقيقا تبعا لأمه حتى أعلن عتقه في معركة، وهو من قبيلة نبهان مشتهر بجودة القريحة في قرض الشعر، وكذا بعجائب الفروسية والغزوات التي ألف فيها بعض المتأخرين الحكاية المشهورة بين أهل المشرق، وكان من الوفد الذي بعثه بنو طيئ إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # سنة 629 ميلادية، ثم مات كبيرا، ومعلقات هؤلاء الثلاث مع معلقة لبيد تتضمن صورا فكرية. وأما معلقة الحارث ففي المخاصمة بين آل بكر وبني تغلب والمقاتلات التي انهزم فيها أخصام قبيلته بلا أخذ بالثأر، ومعلقة زهير في صلح عبس وذبيان، ومعلقة ابن كلثوم في مدح التغلبيين عامة وجرهم خاصة، وممن كان ذا قدم في قرض الشعر عمر بن أبي ربيعة كبير قريش الذي كان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عباس فيقف لاستماعه معجبا به، والشنفرى الأزدي وتأبط شرا والنابغة الذبياني الذي نال الرفد من ملوك الحيرة، ثم من أمراء غسان، وعاش إلى غرة القرن السابع من الميلاد، ودريد بن الصمة المتوفى في واقعة حنين وهو هرم. ~~••• # وقد بدأ يهجو الإسلام شعراء مكة كعبد الله بن زياد وأبي سفيان ms219 بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاص بن أمية؛ فأمر النبي # صلى الله عليه وسلم # حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك بالرد عليهم؛ فاشتدت بين الفريقين العداوة التي انقطعت بانتصاره # صلى الله عليه وسلم # على كفار قريش، وممن هجا النبي كعب بن زهير، فحكم # صلى الله عليه وسلم # بإهدار دمه وقتله أينما وجد فأسلم ونظم قصيدة بانت سعاد، وقرأها أمامه # صلى الله عليه وسلم # حتى بلغ: # إن الرسول لسيف يستضاء به # مهند من سيوف الهند مسلول # فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «قل من سيوف الله.» ثم خلع بردته الشريفة جائزة على المدح وعلامة على الصفح والقبول؛ ولذا عرفت بقصيدة البردة، ويقال: إن العباسيين اشتروا هذه البردة، ثم حفظت في القسطنطينية. # وكان رثاء العرب عظيم الشجو، وتنكيتهم قوي الموقع والتأثير، وامتداحهم جيد التعبير، وأقوالهم في الرياض والأزهار معروفة باللطافة والصدق؛ لأنهم لم يتكلفوا شيئا، بل وصفوا المظاهر التي رأوها بأعينهم مع ما لهم من البراعة في الأشعار المويسيقية على الأعواد والأوتار، وكانوا يسمون كل مجموع أشعار قديمة لشاعر أو قبيلة ديوانا، ويعتبرون هذه الدواوين فرعا من الدروس التاريخية، ودام القريض على البلاغة الأصلية في بلادهم دون ما عداها؛ فقد فقد فيها بلاغته وعلو رتبته، واستعمل في الكلام والحكمة والجبر والنحو وسائر الفنون. # وقد ألف أبو الطيب المتنبي في القرن التاسع من الميلاد عدة قصائد في مدح الأمير سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان، وحرر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ديوان الحماسة، ثم استحسن الناس شعر أبي نواس المتوفى سنة 815 ميلادية، وابن دريد المتوفى سنة 933 ميلادية، وأبي العلاء المعري المتوفى سنة 1057 ميلادية، وابن الفارض المتوفى سنة 1235 ميلادية، ونظم الطنطراني سنة 1092 ميلادية رسالة الغزالي في الفقه ونظم قصيدة أخرى في التصوف، وألف كثيرا ظهر عند المشرقيين وجمعه علي تلميذه في ديوان. # ولم تزل العرب تتقرب إلى الخلفاء بالشعر المشتمل على الأخبار واللغة وشرف اللسان، فيجازون بأعظم الجوائز على جودة شعرهم ومكانهم ms220 من قومهم حتى انحطت السلطة العربية فغلب قبح الذوق على الأدبيات وعيبت بقلة حسن ترتيبها وعدم ارتباط بعضها ببعض، وعاب الفرنج الشعر الإسلامي بعدم التطويل إلا قليلا كألف ليلة وليلة، وقصائد أبي تمام التاريخية، وقصائد جمال الدين، وحكايتي المهدار والرجل الذي يخفت صوته تأليف أبي يعلى بن الحبارية، ومحاورات محمد بن محمد الذي أدخل في ميدان التحاور خمسين صناعة يتكلم المتحاورون فيها بلغة أربابها. # وكان أدباء الأندلس يمرنون أذهانهم في القصص والحكايات المتخيلة التي كانوا يجتمعون كل ليلة لاستماعها وضم أهل غرناطة إلى ذلك الآلات المويسيقية والغناء، وكانوا يمارسون ضروب الشعر خصوصا نظم الحكايات المشتملة على نكت مشوقة حتى اشتهر كثير من الرجال وبعض نساء، ونظم أعظم شعرائهم أبو عمر أحمد بن محمد المتوفى سنة 970 ميلادية تاريخ الحوادث السنوية الأندلسية المتعلقة بخلفائها الأموية، واستفاد إقليم بروانسه من دواوين هؤلاء قافية الشعر التي استعملتها العرب منذ أحقاب، وقد أعرب الكتاب المسمى رومنسرو عن أعياد تلك الأزمان، ولعب أهل مراغة ومرماح الأثوار وحروب النصارى والمسلمين والرقص الذي عرفت به فداوية الأندلس المعروفون بالشوالية، وعن الرقة التي اشتهر بها مغاربة الأندلس في جميع أوروبا. # المبحث التاسع: في مؤرخي العرب لا سيما أبو الفداء وأبو الفرج وبهاء الدين # ليس ما أسلفناه من أشعار العرب ومجموعات الأمثال والأغاني مختصا بإفادة التاريخ العربي؛ فقد سرد حاجي قلفه ألفا وثلاثمائة مصنف في التاريخ، وقال يحيى أفندي في كتابه المسمى بالنتائج إن منها خمسة عشر مصنفا حسنة الترتيب قليلة الكلام على الحوادث التاريخية القديمة ينبغي أن تدرس في المداس، لكنها خلت عما يلزم في التاريخ من الربط المعنوي بين الحوادث. # وعد في الطبقة الأولى من مؤرخي العرب أبو الفداء وأبو الفرج وبهاء الدين، وإن كان ابن خلدون والمقريزي وشمس الدين والسيوطي والنويري وأمثالهم ليسوا أقل من هؤلاء في الاعتبار، كان أبو الفداء شجاعا في الحرب ذكيا في المشورة مولعا بمحاسن الفنون الأدبية والعلوم ذا شوكة سلطانية بحماة في ابتداء القرن الرابع عشر من الميلاد، ألف في التاريخ ms221 العام مختصرا استمده من تواريخ متوسطة الاعتبار، لكن لا بأس بمراجعته للحصول على ثمرة التاريخ السياسي والأدبي الإسلاميين، وتاريخ إمبراطرة اليونان أهل القرن الثامن والتاسع والعاشر بعد الميلاد، قسم هذا المختصر خمسة أجزاء ذكر في الأول قصص الرسل والأنبياء والقضاة والملوك من بني إسرائيل، وفي الثاني العائلات الأربع التي منها ملوك الفرس، وفي الثالث فراعنة مصر وملوك اليونان وإمبراطورة الرومان، وفي الرابع ملوك العرب قبل الإسلام، وفي الخامس تاريخ أمم مختلفة كالصابئة والقبط والفرس وغيرهم، ثم الحوادث التي من مولد النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى سنة 1328 ميلادية، ثم توفي بعد ثلاث سنين. # وولد أبو الفرج بمدينة ملطية سنة 1226 ميلادية، وهو من الطائفة النصرانية المعروفة باليعاقبة، تولى أسقفية جوبة فحلب فرياسة النصارى اليعقوبية بالمشرق، ألف عدة كتب في الإلهيات والفلسفة، وألف بالسريانية تاريخا عاما، ثم ترجمه بالعربية إجابة لرجا أحبابه، وهو من ابتداء خلق الدنيا مشتمل على نفائس متعلقة بالعرب والمغول وجنكزخان، توفي سنة 1286 ميلادية. # وولد بهاء الدين في الموصل سنة 1145 ميلادية، واجتهد في الحديث والفقه ودرس في بغداد بالمدرسة النظامية، ثم في الموصل بمدرسة القاضي كمال الدين محمد الشهرزوري، وألف تاريخ السلطان يوسف صلاح الدين الأيوبي الذي تقرب إليه؛ فولاه قضاء الجيش، ثم قضاء بيت المقدس، وكان له التحكم العظيم في أيام أولاد صلاح الدين، وتولى قضاء حلب فبنى مدرسة لتدريس العلماء وأخرى للشبان، ثم ترك القضاء سنة 1231 ميلادية، واشتغل بالتدريس حتى توفي سنة 1235 ميلادية. # المبحث العاشر: في ابن خلدون والمقريزي والسيوطي وأمثالهم # لم يكن لدى مؤرخي العرب الحرية في الإفصاح عن حقائق الوقائع التاريخية؛ خوفا من الملوك والحكام المشرقيين، فإن كلا منهم كان يحذر من كتابة الأحوال السنوية زمن سلطنته، ويحذر من يخالف بالقتل؛ فلذا احترس المؤرخون واقتصروا على ذكر ما يرفع شأن الحاكم، إلا ابن خلدون المولود بتونس سنة 1332 ميلادية لم يحذر بطش الظلمة على ما يظهر، حل وهو شاب وسط انقلابات بلاد المغرب في القرن الرابع عشر من الميلاد ms222 فخدم يسيرا في دولة ملوك فاس، ثم قدم القاهرة ودرس لسائر الناس، وتولى قضاء المالكية بالديار المصرية وعزل، فطلبه سلاطين المغرب لعلمهم بجلالة قدره، ألف تاريخه السير والعبر، فبدأ في مقدمته بالانتقاد التاريخي، ثم بحث عن حال الجمعية التأنسية البشرية في بداية أمرها، وخطط الكرة الأرضية بإيجاز، وبحث عن عظمة تأثير تنوعات الأقاليم في النوع الإنساني، وعن الأسباب الموجبة لعلو شأن الممالك وانحطاطها وعن الشغل من حيث هو وعدد الصنائع العقلية والعملية، وعن ترتيب العلوم حسب موضوعاتها وأيد قوله بأمثلة غريبة استمدها من التواريخ السنوية التي عند الأمم، ترجمها إلى التركية محمد بيرايزاده في عهد السلطان أحمد الثالث، وتكلم في التاريخ على أحوال البربر، وكذا العرب إلى آخر القرن الرابع عشر من الميلاد، توفي سنة 1406 ميلادية وله ست وسبعون سنة. # وكانت عائلة تقي الدين أحمد المعروف بالمقريزي من أصول سكان بعلبك، وولد هو سنة 1364 ميلادية بالقاهرة فتعلم فيها العلوم ولاحت عليه بوارق النجابة والذكاء؛ فتولى نيابة القضاء بالمحكمة الكبرى تحت نظارة القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله العمري، وولي الحسبة مرات ووظائف أخرى دينية، وكان حنفيا فتشفع وذم أتباع أبي حنيفة فلامه العلماء، ألف تاريخ السلاطين المماليك الذي ترجمه الخواجه كترمير إلى الفرنساوية، وكذا الخطط المبينة عن الوقائع التاريخية الإسلامية بوادي مصر وعن سياسة ملوكه وإدارة حكامه وحركة تجارته منذ فتحه الصحابة - رضي الله عنهم - وشرع في تدوين تاريخ عام مشتمل على أحوال سائر من ملك وادي مصر ومن اشتهر به، ومن سكنه من الغرباء أو زاره من السياحين مرتبة أسماؤهم على حروف المعجم، وكان يبلغ لو كمل ثلاثين مجلدا، وهو في كتبخانة باريس الكبرى بخط منبئ عن كليات وجزئيات الطريق الذي سلكه مؤلفه المتوفى سنة 1442 ميلادية. # ومن المصريين المؤرخين جمال الدين بن واصل الموجود سنة 1250 ميلادية، استمد المقريزي كثيرا من كلامه، وأبو المحاسن بن تغري بردي صاحب التواريخ السنوية المصرية من منذ الفتح إلى سنة 1453 ميلادية، وابن إياس محمد بن أحمد الذي تمم ms223 تاريخ أبي المحاسن حتى أوصله إلى سنة 1522 ميلادية؛ فخلفه شمس الدين بن سرور، فأوصل هذا التاريخ إلى سنة 1652 ميلادية. # وجلال الدين عبد الرحمن السيوطي قرين عبد اللطيف البغدادي في الشهرة بتدوينه تاريخ مصر الممتد من خلق الدنيا إلى سلطنة الملك الأشرف قايتباي، ولد بأسيوط سنة 1445 ميلادية، وألف كثيرا، ذكر منه الخواجه أوديفريت في شرحه على السيوطي نحو ستة وخمسين مصنفا، توفي سنة 1505 ميلادية، ولا يخفى عظيم الخدم للمعارف المشرقية الذي أداه الخواجه دساسي المترجم إلى الفرنساوية الخطط المصرية لعبد اللطيف البغدادي المعاصر لصلاح الدين الأيوبي المولود ببغداد سنة 1161 ميلادية، المتوفى سنة 1231 ميلادية. # المبحث الحادي عشر: في المسعودي والطبري وابن الأثير والنويري وأمثالهم # من مؤرخي العرب في أعصر عز الإسلام المسعودي الموجود في القرن العاشر من الميلاد أولع منذ شبيبته بحوز العلوم فتبحر فيها، ثم في الفلسفة، ثم الأدبيات، ثم الجغرافيا والتاريخ وسائر الكتب المختصة بالعرب، وطالع تاريخ اليونان والرومان وجميع الأمم المشرقية متقدمة أو متأخرة، مع كمال معرفته بعقائد اليهود والنصارى والهراطقة والمسلمين والمجوس والوثنيين؛ فعرف بين الخاص والعام بسعة الاطلاع في سائر العلوم التي لم ينلها أحد من مؤرخي العرب، ألف كتابا كبيرا يسمى أخبار الزمان، وكتابا أوسط يبلغ مجموعهما أكثر من عشرين مجلدا في الربع لأعلم أهل أوروبا بهما ، وأما كتابه الأصغر المسمى مروج الذهب ومعادن الجواهر فوصل إليهم وهو مائة وستة وعشرون بابا منها خمسة وستون في التاريخ القديم للعرب والعجم وواحد وستون في النبي وخلفائه، وليس ما في تلك الأبواب تاريخا متسلسلا، بل أخبار متفرقة، ولرغبته في الاطلاع على المحال التي يريد تدوين تاريخها قد لا يلتفت إلى الانتقاد التاريخي، وكثيرا ما كتب حكايات في بيان الأصول الملية، لكن مؤلفاته على ما قال الخواجه كترمير: لا يكاد القارئ يفهم منها شيئا لتنوع موضوعاتها وكثرة حلها لكثير من المسائل الصعبة بتقييدات متنوعة لم يرجع إلى وطنه بالعراق، وتوفي بالقاهرة سنة 956 ميلادية، وكان قبل المسعودي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ms224 المتوفى ببغداد سنة 966 ميلادية وله ثلاث وثمانون سنة، أصله من أهل أمول تخت طبرستان، تبحر في الحديث والفقه وعد من أئمة المسلمين، ألف قبل المسعودي بقرن تاريخه الممتد من خلق الدنيا إلى سنة 302 هجرية الموافقة سنة 914 ميلادية، وزعم بعض الناس أن مؤلفه اختصره من كتاب له أضخم منه وهو جليل القدر مشهور بالصحة عند المشرقيين الذين ترجموه إلى التركية والفارسية، لخصه وذيله الخواجه جرجس بن أميد القبطي الأصل المعروف بالماسين المولود سنة 1223 ميلادية، المتوفى بدمشق سنة 1273 ميلادية، وترجم جزءا من هذا الملخص الخواجه أربينيوس إلى اللاتينية، والخواجه واتيرا إلى الفرنساوية فاستفيد من هاتين الترجمتين أخبار مهمة، وإن شحنتا بالأغاليط. # وولد ابن الأثير الملقب بعز الدين في جزيرة ابن عمر من جزيرة النهرين المعروفة بالعراق العربي، ثم توطن الموصل؛ فكان منزله بها مجمع أهل المعارف، وفيها ألف كتابه المسمى بكمال التواريخ الممتد من نشأة الدنيا إلى سنة 1321 ميلادية، وذيله أبو طالب علي فأوصله إلى سنة 1258 ميلادية، وترجمه إلى الفارسية نجم الدين النزاري في سلطنة ميرزاميران شاه بن تيمور لنك، ومن مؤلفات ابن الأثير تاريخ الأتابكة أصحاب الشام، وتاريخ الصحابة - رضي الله عنهم - ومختصر من رسالة الأنساب لأبي الكريم السمان. # وكان العلامة النويري شافعيا من مؤلفاته تاريخ في عشر مجلدات تشتمل على نفائس في أخبار قدماء العرب، اشتهر بحسن الخط كشهرة ابن البواب ببغداد في غاية القرن العاشر من الميلاد نسخ صحيح البخاري ثماني مرات، وباع كل نسخة بألف درهم، وتوفي سنة 1331 ميلادية، وله خمسون سنة تقريبا فخلفه ابن الفرات المولود سنة 1335 ميلادية، ألف تاريخا خمسة وعشرين مجلدا مبدؤه الهجرة المحمدية الموافقة سنة 622 ميلادية، توفي سنة 1405 ميلادية فخلفه أحمد بن عرب شاه الذي كان يدون سنة 1430 ميلادية أخبار تيمورلنك. # واشتهر في القرن الثالث عشر كل من ابن واصل محمد بن سالم المظنون فيه أنه مؤلف التاريخ القديم المنسوب إلى الطبري زورا، وابن الجوزي المنسوب إليه كتاب مرآة الزمان، اشتهر سنة ms225 1117 إلى سنة 1201 ميلادية بالفقيه المفتي والمؤرخ والخطيب الفصيح، وهو غير رجل آخر معروف بابن الجوزي، وولد العتبي فيما وراء نهر جيحون، وألف سنة 1050 ميلادية تاريخا في أخبار الأعصر القديمة وسيرة محمود الغزنوي، وقد جمع ابن قتيبة البغدادي قبل هؤلاء المؤرخين بكثير مواد مهمة تتعلق بأنساب العرب، وتاريخا في أخبار الشعراء وسيرهم. # المبحث الثاني عشر: في أعظم مؤرخي إسبانيا # كان بإسبانيا مؤرخون كثيرون ذوو فضل منهم ابن الكوتياح المتكلم في فتح العرب بحيث جزيرة إسبانيا، المتوفى بقرطبة سنة 978 ميلادية، والشاعر أحمد بن محمد المدون أخبار إسبانيا وأحوال خلفائها الأموية، وابن الفرضي المتوفى سنة 1012 ميلادية حين أخذ البربر قرطبة ألف تاريخا في سير الشعراء والعلماء، وابن الخطيب المولود بغرناطة سنة 1313 ميلادية، المتوفى سنة 1374 ميلادية، جمع من كلام سلفه أنفس ما يتعلق بخلفاء المغرب وإسبانيا وملوكهما، وأحمد بن محمد المقري المولود بتلمسان المنسوب إلى قبيلة قديمة في ضواحي هذه المدينة ذهب إلى فاس سنة 1600 ميلادية؛ فتخرج على من فيها من العلماء، وعزم على الحج سنة 1618 ميلادية، وتوطن القاهرة، ثم كمل بعد عشر سنين وهو بدمشق تاريخ عائلات السلاطين الإسلامية التي في إسبانيا، وأملى شرحا على مقدمة ابن خلدون، واستعد لتدوين السيرة النبوية، واستمد من تاريخ ابن الخطيب في تاريخه الذي ترجمه وطبعه الخواجه دوجينجوس في القرن الثالث عشر من الهجرة، والقيسي المدون سنة 1125 ميلادية في سير شعراء وعلماء القرن الحادي عشر، وابن حيان المؤلف في مسلمي إسبانيا تاريخا اختصره الأزدي الحميدي سنة 1095 ميلادية، وابن صبيح المؤلف في القرن الثالث عشر من الميلاد تاريخ إسبانيا زمن المراونية والموحدين، وابن حبيب السلمي الذي شهر تاريخا قديما في الخلفاء السبعة الأولى من بني أمية، وابن الحارث الخشني ملخص تاريخ قضاة قرطبة إلى آخر القرن العاشر، وشهاب الدين أحمد الفارسي المدون في جميع الممالك تاريخا اختصره الحاج عاشر الشاذلي. # المبحث الثالث عشر: في مؤرخي الفرس # هم كثيرون من أشهرهم ميرخند المسمى همام الدين خاوند محمد المولود ms226 سنة 1133 ميلادية، المتوفى سنة 1498 ميلادية دون تاريخا عاما ينتهي إلى سلطنة شاه رخ بمساعدة علي شير وزير السلطان التيمورلنكي أبي الغازي حسين بهادر وخندمير الذي اختصر تاريخ أبيه ميرخند، وألف تحرير خلاصة الأخبار، وانتهى فيه إلى سنة 1499 ميلادية، وكتاب حبيب السير المشتمل على حوادث سنة 1525 ميلادية أبدى فيه برهانا على استعمال الورق المصكوك بدل نقود الذهب والفضة من ابتداء غاية القرن الثالث عشر من الميلاد، ولو تكلمنا على تاريخ سير الشعراء لدولة شاه والتاريخ القديم لفرشتاه وسيرة تيمورلنك لشريف الدين علي، وتاريخ المغول الذي ألفه رشيد الدين وترجمه الخواجه كترمير إلى الفرنساوية لكان ذيلا ضروريا لسير مؤرخي العرب، لكنه يؤدي إلى الخروج عما التزمناه من الاختصار. # المبحث الرابع عشر: في قواميس سير مشاهير العرب # منها كتبخانة الحكماء للزوزني، وعيون الأنباء تاريخ الأطباء لابن عصيبة المتوفى سنة 1269 ميلادية، ووفيات الأعيان المشتمل على ثمانمائة وست وأربعين ترجمة لابن خلكان شمس الدين أبي العباس أحمد المولود في أربل سنة 1211 ميلادية، وهو برمكي ولي قضاء القاهرة، ثم قضاء دمشق المتوفى بها سنة 1281 ميلادية، والكتبخانة المشرقية لمصطفى بن عبد الله المشهور بحاجي قلفه الملقب بخطيب جلبي رئيس كتبة أسرار السلطان مراد الرابع ووزير المالية في سلطنته، وهذه الكتبخانة المشرقية مجموع يشتمل على ثمانية عشر ألفا وخمسمائة وخمسين اسما من أسماء الكتب المشرقية مع أسماء مؤلفيها ونبذة في سيرهم، ورسالة في الجغرافيا سماها جهان نامه مرآة الدنيا، والتاريخ الكبير الممتد من خلق الدنيا إلى سنة 1654 ميلادية، توفي بالقسطنطينية مسقط رأسه سنة 1658 ميلادية. # وقد حفظ العرب مؤلفات اليونان واستعدوا لتجديد المعارف في أوروبا؛ فكانوا رابطة بين هذين الزمنين؛ وبذا يثبت فضل العرب على الفرنج الذين حاول بعضهم خفض فضائل العرب الواضحة كالشمس في رابعة النهار، ويعلم أن لا موقع لافتخار المتأخرين من أهل أوروبا بتصورات أكثرها للعرب، وسبق لك ما كان لعلماء المدرسة البغدادية من التحكم النافذ بالمشرق والمغرب. # المبحث الخامس عشر: في اشتغال العرب بتقدم الفنون والصنائع ms227 # زعم بعض الفرنج أن لاجتهاد للعرب في تقدم الصنائع، مع أنهم على ما قال الخواجه هيرودوط: برعوا في جميع الفنون الصناعية واشتهروا عند سائر الأمم بأنهم دباغون سباكون جلاءون للأسلحة، نساجون أصناف الأقمشة، ماهرون في الأشغال التي تصنع بنحو المنقار والمقص، ويؤيد فوقانهم في هذه الفنون تلك السيوف الباترة والدروع الخفيفة المانعة لمروق أي شيء منها، والبسط ذات الوبرة والمنسوجات الرفيعة المتخذة من الصوف والحرير والكتان التي كشامير هذه الأزمان الأخيرة كالنموذج الدال عليها. # وقد زالت ساذجية الخلفاء الأول بحب التجمل والفخامة لدى الأموية، وكذا العباسية التارك لهم المنصور ثمانية ملايين فرنك أو دينار ظهرت بها جلالة المهدي والرشيد والمأمون، وانظر إلى ما كان في زواج المعتضد ببوران من البهجة العجيبة واللآلئ المنتثرة، وما كان زمن المقتدر من تفخيم التعظيمات الديوانية. # وأما عرب إسبانيا فقد أفرطوا في التنعم والفخامة، وكان لنساء غرناطة من الحزم والأوشحة والطواقي المنسوجة بالذهب والفضة وبلوغ الغاية في حسن ملابسهن ما يدل على ثروة الآحاد، وكان خلفاء قرطبة إذ ذاك يصرفون خزائن أموال وافرة في تشييد أبنية عظيمة كمسجد قرطبة الذي بني على شكل مسجد دمشق وفاقه في الفخامة. # وقد بذل همته الخواجه جيرولت دوبرنجه في البحث عن بناء العرب والمضاهاة بين ما بقي من الأبنية الإسبانية والمشرقية، وقسم زمان أبنية إسبانيا ثلاثة أعصر؛ أولها: القرن الثامن إلى العاشر، وهو عصر تقليد العرب النصارى والرومان في أبنيتهم إلا أن مسجد قرطبة بني على شكل مسجد دمشق، كما أن مساجد الشام وفلسطين ومصر مبنية على شكل الكنائس التي قال المؤرخ أوزيبوس أحد أهالي قيصرة في سيرة السلطان قسطنطين إنها ذوات أحواش وأواوين وفساق ومساكن للقسس؛ بدليل أن في تلك المساجد ما كان يضعه البناءون من الخافقي المزوق بأشكال من حصى متنوع الألوان، وكانت طريقة التزويق اليوناني زائدة عن غيرها من التزويقات القديمة، ثم رغبت العرب في التزويقات الباهرة وتكثير التفاصيل وتجميل شكل الأقواس بصور باقات الزهور والمنحنيات المتنوعة فصار التزويق اليوناني من سنة 965 ميلادية غير كاف ms228 في تأدية مطالبهم على ما يظهر. # والعصر الثاني من القرن العاشر إلى الثاني عشر، وفيه اجتهد الملوك المراونية والموحدون في تقدم البنيان المغربي الدال على تنحي العرب عن طريقة البناء المتبعة قبل؛ فقد جرت عادتهم باستعمال الأقواس الستينية والأشكال المتخذة من قطع القيشاني، وأغرب المخترعات من مخيشات الذهب والفضة وأشكال الزينة المصنوعة من الأخلاط المركبة لتقليد الرخام، وأكثروا من النقوش؛ فباينوا أسلوب البنيان القديم، خصوصا بمدينة إشبيلية في عمارة تسمى جيرلده، وأخرى تسمى القصر والمسجد القديم الذي بنيت في مكانه الكنيسة الكبرى الموجودة الآن. # والعصر الثالث بلغ فيه فن البناء أوج التقدم، كما يشهد بذلك عمارة القصر المسمى الحمراء المصنوع ظاهره على أسلوب أهل المغرب، وبابه قوس كبير مزين بعلامات رمزية وعنوان اسم بانيه وحيطانه مبنية بخافقي مخلوط بأحجار دقاق تلونها أشعة الشمس بألوان مختلفة، وبداخل تلك العمارة قيعان واسعة مذهبة ومزينة بقواصر على صور باقات الزهور، وصور مراشح المياه من قباب الكهوف، ومجملة بصور المجدولات المسماة بالشبكية من أخلاط مركبة تقليدا للرخام، وبها ديوان لجلوس سفراء الملوك وآخر لجلوس الأختين، ومكتبة بنات الخلفاء وبرج قومارس وحوش السباع وفسقيته وحوش البركة الذي تحته حمامات على نسق حمامات الأحقاب الخالية، وفيها ماء ينبع من أعمدة منعزلة عن بعضها أو مجتمعة ينتشر منها الماء بعيدا في جداول رخام صغيرة، وينصب تارة على هيئة شلالات وطورا على هيئة فوارات في حياض مصنوعة في الباطيوس محاطة بالأدواح والزهور، وبسائر ذلك القصر خطوط ونقوش تدل على مهارة صانعيها، وقد هدم ملوك النصارى جانبا من هذا القصر ، إلا أن النقوش والتصاوير بجهاته باقية إلى الآن على ما كانت أيام بني سراج من الإتقان الصناعي والحماية من التلف، وأما التزويقات الداخلية بالدواوين الأصلية من تلك الدار القديمة التي كانت محل إقامة الملوك المغربيين فمتخذة من الجبس ورسوم مجسمة بأشكال هندسية تعادل محسنات القصر، ويشاهد ببعض الدواوين المحيطة بحوش السباع ما صنعه العرب في الحقبة الخالية من اللون المركب من الأحمر والأزرق والأصفر والأخضر الباقي على لمعانه إلى ms229 الآن، وحلل بعض الفرنج هذا اللون؛ فرأى أن مواده الزرقاء والحمراء الغالبة عليها مصنوعة من اللازورد والزنجفر. # ويتعذر علينا الآن مضاهاة أبنية بالرمة وزيزة وكوبة وتونس والقيروان والجزائر؛ لقلة ما بها من العمارات المبنية في أعصر تقدم فن البناء، وأما القاهرة فيعلم من مساجدها أن أهلها كانوا أعلم من أهل المغرب في الأعمال الميكانيكية وأذكى منهم في انتخاب مهمات البنيان، لكن ليس بتلك المساجد من التزويق ما يقرب من الرسوم التي بقصر ملوك إسبانيا المسمى بالحمراء، وأما أبنية العرب بالشام والعراق العربي والفرس والهندستان زمن تحكمهم عليها فلم يعرف الفرنج حقائقها إلى الآن، ولعل أناسا علماء بفن العمارة يشتغلون بذلك تحقيقا لما خلا عنه إلى الآن تاريخ العرب. # ولما في ممالك الخلفاء من السعة وغزارة المحصول وتنوع الأقطار، توجه النظر إلى رواج التجارة تتميما للتمدن وامتثالا لأمر الشارع بالتكسب، فاجتهدوا في أمن الطرق وحفروا آبارا وصهاريج في محطات القوافل؛ فانتشرت التجارة، وكان غلات إسبانيا وبربر ومصر والحبشة وبلاد العرب والفرس والروسيا والهند والصين والممالك التي على بحر جرجان تأتي إلى مكة والمدينة والكوفة والبصرة ودمشق وبغداد والموصل والمدائن، وكان بين إسبانيا وآسيا من جهة الشرق علائق تعارف وتجارة، واجتازت سفينة عربية بوغاز جبل طارق فخرجت عليها رياح عاصفة طرحتها على ساحل المحيط الغربي فمنعتها من استكشاف جزيرة أسورة وأمريكا، ولما انحصر المسلمون في القارة القديمة نشروا الصنائع البشرية بجميع البقاع، وكانت مملكة إسبانيا تتحصل على غلات البلاد الآخر بواسطة ما ينتج لها من معاملها وأرضها من قصب السكر والأرز والقطن والزعفران والزنجبيل والمر والعنبر الأزرق والفستق والموز والتوت والحناء والمحلب، مع ما تستخرجه من معادن الكبريت والزئبق والنحاس والحديد، رغب الناس في شراء خوذ ومغافر إسبانيا وأيسطة قرطبة المتخذة من الجلود ونصال أسلحة طليطلة وجوخ مرسية والحرير المنسوج في غرناطة والمرية وإشبيلية والورق المصنوع من القطن في بلدة الصليبة، وكانت ضواحي إشبيلية المستورة بأشجار الزيتون تشتمل على مائة ألف مزرعة كبيرة أو معصرة زيت، وكان إقليم ولنطية يؤدي إلى أوروبا ms230 فواكه ممالكها الجنوبية، وكان أهل إسبانيا يوجهون إلى البلاد الأجنبية متاجر من مينيات ملاغة وقرطاجنة وبرسلونة وقادس، وكانت النصارى تستعير من العرب قوانين الحقوق البحرية. # وكان سكان طليطلة مائتي ألف نفس وإشبيلية ثلاثمائة ألف في عصر ملوكهما المغربيين، وأما الآن فلا يزيد أهل الأولى عن خمسة وعشرين ألفا، وأهل الثانية عن ستة وتسعين ألفا، وكان محيط قرطبة ثمانية فراسخ، وفيها ستون ألف قصر ومائتان وثلاثة وثمانون ألف بيت ولا يبلغ سكانها الآن ستة وخمسين ألفا، وكانت «أبرشية سلامنقه # Le Diocése de Salamanque ~~» تشتمل إذ ذاك على مائة وخمسة وعشرين مدينة أو قرية، والآن على ثلاث عشرة، وكان في إشبيلية ستة آلاف نول لنسيج الحرير وحده، ولم يوجد سنة 1742 ميلادية في جميع بحيث جزيرة إسبانيا إلا عشرة آلاف نول لنسيج الحرير والصوف، وكان في مملكة يعان وحدها أكثر من ستمائة مدينة وكفر تتجر في الحرير على ما أخبر به الإدريسي الجغرافي الذي ساح وسط القرن الحادي عشر من الميلاد في إسبانيا التي كان طرد المغاربة عنها موجبا لتأخرها كتأخر مدينة ننتة بطرد مخالفي ديانة الكاتوليك؛ فإن ذلك أضر بالصنائع الفرنساوية، وتمكن به الكردنيال «كيمينيس # Ximenés ~~» من إعدام جميع آثار المسلمين، وأمر بإحراق ثمانين ألف كتاب عربي بخط اليد في الميادين والرحبات العامة بمدينة غرناطة. # وكذلك اتسعت بالسواحل الشمالية من إفريقية دائرة التجارة؛ فقد كان بها معامل كثيرة وأخذت بلاد موريتانية الطنجيطانية تسابق بحيث جزيرة إسبانيا في الصنائع وفن الزراعة، وكانت بلاد سوس تماثل الأندلس في خصب الأرض وذكاء السكان، واقتدى المشرقيون بالمغاربة في الاشتغال بالصنائع، وأخذوا يستبدلون في مدينتي سيراف وعدن بضائعهم بالبضائع الآتية من بلاد الفرس، وكذا من النوبة والحبشة كالعبيد وجلود الأنمار والحرير والقطن والعاج والتبر والآتية من الهند والصين كالأقمشة ومخيشات الذهب والفضة، والأواني الصينية والأسلحة والوهابيات والصندل والأبنوس والبهارات العطرية واللؤلؤ والجواهر والرصاص والقصدير، وكانت تلك التجارات تنقل من عدن إلى جدة، ثم إلى السويس فتفرق على مينيات وادي مصر والمدن التي على البحر الأبيض المتوسط ms231 من بر الشام. وأما أهل البلاد المجاورة لبحر جرجان فكانوا يتحصلون على لوازمهم من سوق مدينة قبول الدوري، وكانت قوافل التجارة المسافرة من سمرقند إلى حلب توزع على ما تمر به من البلاد مصنوعات الديباج الصينية والكشامير والمسك والعقاقير الطبية الآتية من بلاد توخارستان. # المبحث السادس عشر: في العلائق التجارية بين العرب وأهل المغرب وسكان الممالك الغربية من آسيا # ترك مسلمو المشرق لمسلمي المغرب التجارة في البحر الأبيض المتوسط فوجهوا تجارتهم إلى بوغاز باب المندب، ثم إلى بلاد زنجبار، ثم بلاد الكفرة. وبلغت سفنهم مينا كلكتة وجزيرة سوماطرة والجزائر الكبيرة في الأقيانوس الهندي، وأنشئوا سبع مدائن براوة وممبازة وكلوة وموزنبيق وصوفالة وميلندة وماجادكسو، وتوطنوا جزيرة مدغشقر والجزائر المجاورة للسواحل الإفريقية، وذهبوا إلى داخل الهند والصين، وكثر عددهم سريعا بشرائهم العبيد والتقاطهم أبناء الزناء وإدخال سائرهم في دين الإسلام؛ فكان في ابتداء سنة 850 ميلادية بإقليم قور ومندل في الهند ثمانمائة ألف بعضهم من المغاربة وبعضهم من العرب، وذهب ملك من ملوك جزائر مالابار إلى مكة فأقام بها حتى مات، وسار من سمرقند جمع من الصحابة جالوا من ابتداء سنة 651 ميلادية في شمال مملكة الصين فقطعوها بعد شهرين ثم توطنوها، وأذن لهم سلطان الصين في انتخابهم بمدينة قنتون قاضيا وأسلم أكثر سكان جزائر ماليزيا حتى كان المتوطنون فيما بين ابتداء الخليج الفارسي إلى نهاية حدود آسيا الشرقية يفهمون اللغة العربية ويتكلمون بها، وظهرت شوكة العرب في الصين من سنة 758 ميلادية؛ فنهبوا مخازن قنتون بلا ممانع. # وقد أنشأ العرب في سواحل إفريقية الشرقية غارات دخلوا بها إلى الأقطار الوسطى، وطافو ببلاد السومولية المعروفين بلطف الطبع والكرم، والمنشئين مع أهل سوقطرة مخزن تجارة عام، وطافوا أيضا ببلاد الحبشة وسنار وكردفان ذوات العلائق التجارية بمصر والمفتاح إلى بلاد درفور وبلاد الوادي، وكانوا يسافرون من طرابلس إلى فزان وقوافلهم التجارية تسير من المغرب إلى الأقيانوس الأطلنطيقي فتقطع مائتي ألف فرسخ فرنساوي مربع غير خاشية من سيرها وسط الصحراء الكبرى، أو من انتشارها داخل ms232 بلاد الزنج، وكان هؤلاء العرب أثبتوا مرورهم من وسط الأمم الأفريقية بعلامات لا يستطاع محوها، وقد أجمع السياحون على الاعتراف بالإصلاحات الناتجة من مرور العرب بين تلك الأمم فيما يخص ظاهرها وباطنها وعقولها. # المبحث السابع عشر: في اختراعات العرب واستكشافاتهم وفي بيت الإبرة وصناعة الورق والبارود والأسلحة النارية # أسلفنا لك وصف الأسباب والمسببات المتعلقة بالتمدن المنتشر في الدنيا بانتشار العرب من ابتداء بوغاز جبل طارق إلى نهاية حدود آسيا، وبقي علينا التكلم على ما تغيرت بها الحالة الأدبية والسياسية والعسكرية في جميع الدنيا من اختراع العرب الورق وبيت الإبرة وبارود المدافع، ولا عبرة ببعض الفرنج الذي سلب عن العرب شرف اختراعها وتعليمها لأهل أوروبا، زاعما أن أهل الصين عرفوا تلك الأشياء منذ زمان قديم عملا بما اطلع عليه من نسبتها إلى غيرهم في بعض متون موهومة العز وإلى من نسبت إليه، كما زعم أن المطبعة موجودة لدى أهل الصين منذ القرن الثامن من الميلاد، نعم استفاد العرب عمل الورق من الحرير من أهل الصين الذين لو كانوا يعرفون صناعة الطبع قبل غيرهم لاستفادها العرب منهم، وكيف يظن أنهم استعملوا بيت الإبرة، مع أنهم لم يزالوا إلى سنة 1850 ميلادية يعتقدون أن القطب الجنوبي من الكرة الأرضية سعير تتلظى، وهل عرفوا استعمال البارود تلك الاستعمالات المتنوعة الباقي أثرها لدى العرب المشهود لهم باستعمالهم أصنافا من القلل في حصارهم مكة سنة 690 ميلادية، وباستعمالهم بمصر في القرن الثالث عشر البارود المتخذ من ملح السبخات ليرمى به نحو قلل ذات صوت كالرعد، وذكر استعماله أيضا في معرض وصف البحرية التي عقدها ملك تونس مع أمير إشبيلية في القرن الحادي عشر، كما استعمل في حصار جبل طارق سنة 1308 ميلادية، وحصار إسماعيل ملك غرناطة لمدينة بائظة سنة 1324 ميلادية، وحصار طريفه سنة 1340 ميلادية، وحصار مدينة الجزيرة سنة 1342 ميلادية، وحكى المؤرخ «فراراس # Ferréras ~~» أن الرصاص رمي بالبارود في تلك الحصارات، فابتدأ نصارى إسبانيا من ذلك الوقت باستعماله. # وقد استعمل العرب بيت الإبرة من ms233 ابتداء القرن الحادي عشر في سفر البحر والبر وضبط محاريب الصلاة وصنع الورق من الحرير سنة 650 ميلادية في سمرقند وبخارى، ثم استبدل يوسف بن عمرو سنة 706 ميلادية الحرير بالقطن الذي منه الورق الدمشقي المتكلم عليه مؤرخو اليونان، وأنشئ في إسبانيا معامل ورق من الأقمشة البالية وسابق أهل ولنطية وقطالونية في هذه الصناعة أهل كزاطيوة، واستعمل ورق العرب في القرن الثالث عشر بقسطيلة التي شاع منها استعماله في فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا، لكن ورق الكتب العربية المكتوبة بخط اليد يفوق ورق الفرنج لطافة ولمعانا، كما فاقه بما كان العرب تختاره من تزويقها بأبهج الألوان والأحبار والأزهار. # وما أسلفناه هو كيفية ظهور تحكم العرب على جميع فروع تمدن أوروبا الحديث، ومنه يعلم أنه من القرن التاسع إلى الخامس عشر كان عند العرب أوسع ما سمح به الدهر من الأدبيات، وأن نتائج أفكارهم الغزيرة واختراعاتهم النفيسة تشهد أنهم أساتذة أهل أوروبا في جميع الأشياء كالمواد المختصة بتاريخ القرون المتوسطة وأخبار السياحات والأسفار وقواميس سير الرجال المشهورين والصنائع العديمة المثال والأبنية الدالة على عظمة أفكارهم واستكشافاتهم المهمة؛ ولهذا كله وجب الاعتراف برفعة شأن هذه الأمة المحمدية التي تحتقرها الفرنج منذ أزمان عديدة. # | المقالة السابعة # في أحوال العرب في هذا الزمان # | مقدمة # قدمنا لك تاريخ العرب أيام عزهم وتحكمهم على أهل المشرق والمغرب، وآن لنا التكلم عليهم زمن انحطاطهم؛ فإن مصنوعاتهم الغزيرة مستمرة، وإن عدموا الظهور الدنيوي الذي أزالهم عنه الأقوام الشمالية المتبربرة التي انقادت بعد ذلك إلى العرب، وأدت إليها الجزية، وقد أذن ضياع إسبانيا منهم بفتوحاتهم في تركية أوروبا. # في عود العرب إلى معيشة البادية وتغلب الدولة العلية على من بقي منهم بإفريقية # تأخر العرب الآن عن التداخل في انقلابات الممالك المشرقية وسكنوا البادية والمدن المتباعدة عن بعضها في بحيث جزيرتهم، ولزم عرب الشام ونجد عوائد الأجلاف كأنهم نسوا مآثر آبائهم. وأما سكان الحجاز فمشمولون من ولاة مصر والشام بالحماية الرعاية منذ أخذ بغداد هولاكو خان المغول، وطرد عرب اليمن سنة ms234 1258 ميلادية الأمراء الأيوبية من البلاد التي ضمها صلاح الدين الأيوبي إلى ممالكه وتولوا الإمارات، فارتقت بلادهم إلى حالة الثروة والأمن؛ فقد كانت عدن أغنى مراكز التجارة المشرقية بسبب تحصينها، وأخذ أهل حضرموت وعمان والبحرين يتمتعون بثمرات المعاملات التجارية مع أهل الهندستان ويغوصون على المرجان بقرب سواحل الخليج الفارسي ووفد السياحون وتجار العرب إلى شرقي إفريقية وجزائر بحر الهند وسواحل مالابار والممالك الممتدة إلى ملقا، بل وإلى بلاد الصين، ولم يزالوا إلى الآن ينشرون فيها عقائدهم وعوائدهم وتصوراتهم. # ولما زالت الخلافة العباسية ببغداد ظهر بإسبانيا مدينة غرناطة في أبهج المظاهر إلى سنة 1492 ميلادية، ثم رحلت العرب سنة 1609 ميلادية من إسبانيا إلى الممالك البربرية بالمغرب، فلم تأذن لهم البرابرة في التوطن حتى أخذوا ما معهم، ثم عاملوهم معاملة الأعداء بعد أن كانوا زمن طارق وموسى وأصحابهما تحت لواء واحد، ولم يزالوا كذلك تحت قسر الأتراك المتحكمين منذ غزوات بربروس على طرابلس وتونس والجزائر وتلمسان المتوطن في سائرها من لا مودة بينهم من خسرة سائر الأقطار ويهود ونصارى وكوله متولدين بين أتراك وعربيات أو بربريات، وما زال العرب متوطنين بتلك الجهات التي هم ربع أو ثلث أهلها حتى سكن قليل منهم في مراكش تحت حكم الأشراف، واختار أكثرهم العيشة البدوية والاستقلال بحكم أنفسهم فسكنوا الصحاري. # | الباب الأول # في الكلام على عرب المشرق، وفيه ثمانية مباحث # المبحث الأول: في إعادة الجراكسة الخلافة للعباسية، وما كان لهم من الغلبة والسلطة # أغار المغول على الشام في النصف الثاني من القرن الثالث عشر فقاومهم من ملوك الجراكسة الظاهر بيبرس بجيوش انضم إليها من العرب قبائل كثيرة، ثم سعى في جذب أفئدة الناس إليه فأخذ يرسل إلى مكة والمدينة هدايا، وأمر بكثير من الأبنية الشاهدة لديهم بأنه نقي واستدعى من بني العباس رجلا نجا من واقعة بغداد فعقد له محفلا قلده فيه الخلافة فجذب ذلك عقول الناس، ودعا سكان بحيث جزيرة العرب إلى الأخذ بناصر ذلك السلطان المطلق التصرف في مصر والشام، وإنما اتخذ تلك ms235 الخلافة ذريعة لإثبات مطالبه ومن بعده كالتصديق على ما أخذته المماليك عدوانا بأنه مملوك شرعا. # وقد سلكت السلاطين بعد بيبرس الطريق التي رسمها لهم موقرين قبائل العرب القادرة على إعداد سبعين ألف رجل تحت السلاح للاستنجاد بهم، ثم عصت عرب صحراء السويس سنة 1301 ميلادية، وقطعوا ما بين مصر والشام من الوصلة فاستعد إليهم حاكم تلك السنة وأراق دماءهم بالذبح المهول. # ودعا واحد من أعظم مشايخ اليمن قوة وجموعا سلطان مصر الجركسي سنة 1325 ميلادية لأخذ اليمن من العرب، فصدهم عرب حمير فرجع سلطان مصر بعد أن نهب زبيد وعانة وحديثه، ثم همت المماليك بغزو اليمن سنة 1350 ميلادية فلم ينالوا ظفرا. # واستغاث بهم شيخ العرب الذي نال كل التعب من مقاتلات قبل حكم الجراكسة، وبعده من سنة 1375 إلى سنة 1384 ميلادية، وحل بالعرب في الشام نكبات أكبر من هذه حين أغار تيمورلنك على العراق العربي وجزيرة النهرين سنة 1400 ميلادية، وأخذ بغداد وحماه وحمص وبعلبك ودمشق وقطع ما لا يحصى من رءوس العرب التي بنى منها أهراما تركه في طريقه ليكون علامة نصرته على سلطان مصر الذي أساء سفراءه، وكانت المماليك على وجل من الملوك العثمانية حتى أغار تيمورلنك على أناضول وكسر شوكة العثمانية فسروا بذلك، ثم تمكنت شوكتهم بقتل آلاف من الرجال في واقعة أنجورة وبأسر السطلان بايزيد، ثم بموت تيمورلنك الذي أتى بعد موته سفراء إلى مصر من قبل ابنه شاه رخ لطلب الدعاء في الخطبة لشاه رخ في القاهرة ومكة والمدينة؛ فطردهم السلطان الجركسي أقبح طرد من القاهرة سنة 1425 ميلادية. # المبحث الثاني: في تقدم فتوحات الدولة العلية واستيلاء البرتغاليين على التجارة المشرقية وبيان حالة الجنوب من بحيث جزيرة العرب # نال مماليك مصر غاية العزة والشوكة حتى تولى السلطان محمد الأول بن السلطان بايزيد في ابتداء القرن الخامس عشر، وأراد الانتقام من المماليك على ما أصاب والده من النكبة العظيمة، فأخذ يرسل هدايا إلى مكة والمدينة حتى ملأ صيته بحيث جزيرة العرب الذين رأوا مصلحتهم ms236 في تقدم ملوك الدولة العلية وفتحهم بلاد النصارى؛ ولذا حمدوا الله على أخذ الدولة مدينة القسطنطينية سنة 1453 ميلادية، وتعود الناس تداخل الملوك العثمانية في القضايا الداخلية بالبلاد العربية بسبب سفر الأمير زيزم سنة 1481 ميلادية والمؤن التي بعثها السلطان بايزيد لإصلاح القلاع والصهاريج في طرق القوافل المارة ببلاد العرب والعلائق التي بينه وبين عائلة قتادة التي ينتسب إليها أشراف مكة. # وكانت مصر منذ أخذ المغول بغداد مركزا للمتاجر الهندية والعربية التي انتشرت عقب ذلك في جميع أوروبا بواسطة البحر الأبيض المتوسط، فكان الملاحون في الأقيانوس الهندي والخليج الفارسي والبحر الأحمر يأتون بقماش القطن والحرير، والفلفل والقرفة، والصدف والعاج والصمغ، والألماس واللؤلؤ، الآتية من الهندستان والبخور والمر والبلسان الآتية من بلاد العرب، ويأخذون بدل ذلك أقمشة الصوف والزجاج والخرز والحديد والأسرب والنحاس الآتية من البلاد الغربية كأوروبا، ويضعون جميع ذلك في السويس فينقل منها إلى دمشق والإسكندرية؛ فإن فيهما مراكز تجارية للبيزيين والفلودسيين والقطالونيين والجنويزيين والبنادقة، ثم طاف وسقودوجاما البرتغالي في سفنه برأس عشم الخير، وظهر في بحر الهند لاستكشاف الطريق الموصلة أهل أوروبا من المحيط الأطلنطيقي إلى بلاد الهند الشرقية، وهدد المماليك والبنادقة بتعطيل مصالحهم التجارية فاتحدا وراودا جميع ملوك الهندستان وأثارا بدسائسهما أهل كلكتة الناصرة للمسلمين على البرتغاليين الذين أطلقوا المدافع على هذه المدينة، وأحرقوا جميع السفن العربية التي في ميناها، فبعث البنادقة لسلطان مصر من الخشب والمهمات الضرورية ما أنشئ منه ثنتا عشرة سفينة حربية، سافرت من السويس سنة 1508 ميلادية، فساعدت القوى الحربية لملك قومبايه، ونصرت على البرتغاليين حتى أتى القبطان البوقرق، فحث البرتغاليين على القتال وأعدم تلك السفن الإسلامية، وجعل في جزيرة سوقطرة محطة حصينة للتحكم على بوغاز باب المندب وملاحظة الملاحين في البحر الأحمر وإخماد قوة الجراكسة في البحار، وكان ذلك من سنة 1510 إلى سنة 1515 ميلادية. # وأخذ هذا البوقرق قلاعا في سواحل اليمن وحضرموت، فمنع التجارة البحرية بين هذين الإقليميين اكتفاء بالمخالطات البرية، ثم أخذ من إقليم عمان مدينة مسكان مركز المتاجر ms237 الواردة من بلاد الفرس والعرب والهند، وفتح جزيرة هرمز وبنى على الساحل الشرقي للخليج الفارسي عدة قلاع تحفظ إحداها مينا لندج، وأخرى بندر ريشهر، وأخرى جزيرة قاس، ثم ادعى الانفراد بالحكم على هذا الخليج الساكن فيه من العرب قبائل مستقلة عن مملكة الفرس، وبذل البرتغاليون همتهم في الاستيلاء على عدن مفتاح البحر الأحمر فلم يجد ذلك شيئا، ومكن خلفاء البوقرق البرتغاليين من الصيد والغوص في جزائر البحرين ببناء حصون صغيرة بقيت آثارها إلى الآن في أكبر الجزائر وقرب القطيف بساحل إقليم الحسا، ولما رأت العرب عدم تمكنهم من ركوب البحر الملح تحصنوا بالسواحل مع تفاشل قبائلهم تحت إدارة مشايخ اختاروهم لتدبير أحوالهم. # المبحث الثالث: في إعدام العثمانية سلطنة الجراكسة وفي عجز العرب بشمال بحيث جزيرة العرب عن حفظ ما كان لهم من الاستقلال # كان بمصر والشام زمن الجراكسة عرب حرموا الحظوة بطرف من حكومة البلاد، فغضبوا حتى أتى السلطان سليم الأول إلى مصر، فانضموا إلى جيوشه، وأبى أكثرهم إمداد طومان باي ابن أخي الغوري، مع التزامه لهم بإقالتهم ثلاث سنين من الأموال المضروبة عليهم، فلم يستطع السلطان سليم أن يعاملهم بالقسوة، وإن لم يكافئهم بإحسان، ونصر على المماليك سنة 1516 ميلادية فلقب نفسه بحامي حمى الحرمين مكة والمدينة، ونادى أن لا يغير شيئا من سياسة المماليك التي منها أن الفلاحين بمصر يؤدون خراجا إلى السلطان، وآخر لملاك الأطيان، وينتفعون بما بقي من ثمرات الأطيان في أمورهم الضرورية، مع أن ترتيب الأقاليم العثمانية أن يؤدي ملاك الأطيان إلى خزينة السلطان تكاليف على قدر واردات أطيانهم، فكان من السياسة تحقيق محبة الفلاحين - خصوصا وأكثرهم من ذرية العرب - بترتيب قوانين نظامية عادلة تدور عليها مصالح الفلاحين، إلا أن المقلدين بالحكومة من الرؤساء العثمانية استعيل بعضهم بالهدايا وغلب الرعب على آخرين من تحكم قدماء المماليك. # وتخلى شريف مكة عن الانتصار للخلفاء العباسية والسلاطين الجراكسة، وبعث إلى السلطان سليم أثناء إقامته بالقاهرة سفيرا يسلمه مفتاح الكعبة ويبايعه على الطاعة، فرتب هذا السلطان نفقة لفقراء الحجاز، ms238 وأغدق على مشايخ العرب، وأبقى ما يعمل كل سنة بالقاهرة من الاحتفال لخروج محمل الحج إلى مكة المشرفة، ونزل له المتوكل على الله آخر الخلفاء العباسية عما كان له من الحقوق في الإمامة سنة 1517 ميلادية، وسلمه بيرق النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولما جلس السلطان سليمان الأول على سرير السلطنة سنة 1520 ميلادية همت قبائل من العرب بتعضيد عصيان أهل مصر والشام طمعا في تحصيلهم جانبا من الاستقلال الذي كان لهم؛ فخاب أملهم بقمع هذا السلطان للعصاة. # المبحث الرابع: في انقياد اليمن للدولة العلية # أرسل قانصوه الغوري سنة 1517 ميلادية عساكر إلى اليمن لدفع ما كان بها من تحكم البرتغاليين، ثم ملك السلطان سليم الديار المصرية، وأحضر إلى القاهرة عساكر الغوري المقيمين بزبيد، مع أن الواجب عليه كسائر العثمانية اتباع الغوري في إزالة تحكم هؤلاء الفرنج، لكن ابنه سليمان وجه إلى اليمن القبطان سلمان سنة 1526 ميلادية، فنزل بها وعامل بالقسوة رؤساء لا ينقادون إلى السلطان الذي بعث سنة 1538 ميلادية سليمان باشا إلى سلطان بحيث جزيرة الجوزرات من الهندستان لتأدية أمر، فطلع في اليمن، وغلب أمراء عدن وزبيد، وولى على أرضهم صنجقا، ثم توجه إلى الخليج الفارسي، وأظهر أساطيله أمام القلاع والمحال التي أنشأها البرتغاليون، ولام عليهم في تعليمهم الفرس استعمال الأسلحة النارية وفن سبك المعادن وصب المدافع، ثم عاد إلى جدة فبعث إلى مكة جزءا من الغنائم العظيمة التي اغتنمها، ومن تلك الغزوة أقيم في مينا السويس قبطان باشا لتعضيد تحكم الدولة في بحر الهند، وإلزام البرتغاليين احترام البيرق السلطاني، وإنفاذ سلطنته على جميع العرب الساكنين بالسواحل، وهدم الرئيس بيري سنة 1551 ميلادية مدينة مسكات التي استولى عليها البرتغاليون للتحكم على عمان، ثم حاصر مدينة هرمز، فبذلوا له أموالا جسيمة، فأخذها وانصرف تاركا ما يجب عليه من إدامة الحصار. # وكان القبطان مراد متحكما على الملاحين في الخليج الفارسي زمنا طويلا، وساعد العرب على إعدام الحصون البرتغالية من إقليم الحسا والبحرين وحقق للدولة العلية انفراد الكلمة في شرقي، ms239 بحيث جزيرة العرب، ثم انهزم أمام مدينة هرمز سنة 1553 ميلادية، فكان لذلك أسف شديد أراد القبطان سيدي سنة 1555 ميلادية أن يتداركه فحاز في بداية أمره نصرات، ثم خرجت رياح عاصفة فشتت أساطيله، وألزمه الأمراء النزول بإحدى مينات الهندستان، ثم رجع في البر إلى القسطنطينية. # وبعث الباشوات حاكمو القاهرة في ذلك الزمن عساكر في البر والبحر لغزو اليمن الغاشية بين أهله بغضاء العثمانية التي أبداها بينهم شيعة الفرس، ولبثت الحرب وسفك الدماء بين الفريقين من سنة 1539 إلى سنة 1568 ميلادية، أخذت فيها مرات أكبر مدائن اليمن، وهي صنعاء وعدن ومخا وتعز وزبيد، وقسم حكام القاهرة اليمن إلى حكومتين وهو خطأ؛ فإن عدم الاتحاد عطل حركة العساكر العثمانية، وقوى العرب وأظفرهم بهم حتى استولوا على جميع مدن اليمن ما عدا زبيد، وولوا الإمام مطهرا الخلافة، فأمر السلطان سليم الثاني سنة 1568 ميلادية سنان باشا بالتوجه إلى اليمن لقمع أهله، فتوجه وألقى الفشل بين فرقتي الزيدية والإسماعيلية، ثم ألزم الإمام مطهرا أن يضع إمضاءه على عقد الصلح، بشرط أن الدولة العلية المتسلطنة على جميع الطرف الجنوبي الغربي من بحيث جزيرة العرب لها التمتع في جميع بلاد اليمن بالحقوق السلطانية المقررة في الشرع، وإبقاء طريق التخالط بين أهل الحجاز واليمن مطلقة بلا مانع، وأن الإمام مطهرا يكتفي بالإمارة الصغرى المعروفة بكوكبان. # وكانت هذه الغزوة للطمع في ثروة أهل اليمن بزراعة البن الفاشي إذ ذاك شرب قهوته في جميع ساحل إفريقية وغربي آسيا وبلاد أوروبا، وفتحت أول قهوة في القسطنطينية زمن السلطان سليمان، ثم كثرت بها القهاوي في سنين قلائل. # وعرب حمير الساكنون باليمن ينقسمون كما سلف إلى إسماعيلية وزيدية، إلا أن أكثرهم زيدية تعتقد كالشيعة أن علي بن أبي طالب حرمه أبو بكر وعمر وعثمان من الخلافة بعد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، إلا أنهم لا يقولون باثني عشر إماما كالشيعة، بل بأربعة خاتمهم مؤسس مذهب هذه الفرقة، وهو زيد بن محمد الباقر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ms240 الله عنهم. # المبحث الخامس: في تحسين بلاد العرب في النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي # بلغت الدولة العلية أوج الشوكة في ذلك العصر، وشدد على العرب ولاتها باليمن من جهة، والبرتغاليون النازلون بإقليم عمان من ناحية، والفرس المتحكمون في الخليج الفارسي من أخرى، فلبث هؤلاء العرب على هذا الذل حتى دهمت عرب جهات أخرى البرتغاليين والعثمانيين الذين اشتغلوا بالحرب عن إطاعة بلاد العرب ببعث جنود تحافظ على ما بأيديهم من البلاد، فهجمت قبائل هؤلاء العرب في ابتداء القرن السابع عشر من الميلاد على مراكز التجارات الإفرنجية، فأعدموها واحدا بعد آخر، ولم يبق عما قليل أحد من هؤلاء الغرباء في جنوب بحيث جزيرة العرب، وظهر من أقارب الخليفة مطهر السابق رجل يسمى قاسما، نصب بيرق العصيان وضرب سكة باسمه في إمارة كوكبان، وأظهر عزائم حملت العرب على تلقيبه بأمير المؤمنين، وتزاحمت الزيدية وانتظموا تحت ألويته، واستقل بالحكم على ما أخذه العثمانيون من سنة 1568 إلى سنة 1628 ميلادية، ثم أمر السلطان مراد الرابع أيدين باشا حاكم إثيوبيا سابقا بالتوجه إلى اليمن لقمع هؤلاء العرب، فتوجه وتحصن بمدينة مخا، وأمد من القاهرة بعدة بعوث منعها شريف مكة المساعد للعرب سرا، ثم أتى قوسون باشا بدل أيدين باشا بعساكر جديدة قاتل بهم في وادي الجن وأخذ مدينتي تعر وزبيد، ثم قطع العرب التواصل بين اليمن والحجاز وردموا ما بينهما من الآبار، فتخلى قوسون باشا عن اليمن للإمام الزيدي. # وطرد البرتغاليون في ذلك الزمن إقليم عمان، واستولى العرب سنة 1658 على مدينة مسكات المتجددة أبنيتها بعد سفر بيري سنة 1551 ميلادية، وقبضت عائلة الأعراب الزاعمة أنها من سلاسة قرشيين بمكة على أعنة الحكم الواصل إلى مدينة هرمز وبلاد البحرين والحسا، وكذا إلى مدينتي كلوة وزنزبار. # وكان ديوان القسطنطينية يؤدي كل سنة إلى أمير محمل الحج الشامي ثلاثة وعشرين ألف قرش توزع على عرب البراري الشامية، ثم تأخر الديوان عن تأديتها فنهب هؤلاء العرب قوافل الحج الشامي، وانضموا إلى فخر الدين المشهور بالعصيان وبارزوا ms241 الدولة العلية عشرين سنة من سنة 1623 إلى سنة 1643 ميلادية. # ولإعانة شريف مكة عرب حمير على عصيانهم الجنود التركية لم يكن للدولة بمكة شوكة أكثر مما كانت في اليمن مع اجتهادها في بقاء سكان الحجاز على الصداقة بالعطايا السنوية التي زادت سنة 1624 ميلادية ألفي قرش كان يؤديها قبل ذلك بيك إيالة الجزائر إلى بيك إيالة تونس، وانهدمت الكعبة بالسيول فبناها من الجدران السلطان مراد الرابع سنة 1630 ميلادية بمال الحوالي المضروبة على قبط مصر، وبذل سنة 1651 ميلادية مصاريف لتدارك ما أتلفته السيول، ومع ذلك كله كان عرب الحجاز لا يلتفتون إلى المندوبين من قبل الدولة، ويأبون طاعة الشريف ويتخذون شيخا غيره يعتمده سلطان القسطنطينية قهرا، ويوقعون دائما مع أمراء الحج الشامي والمصري وحكام جدة تنازعا وقتالا يوجب ورطات عظيمة للدولة العلية التي كان لها من الجنود بالمدينة نحو خمسين لخفارة قبر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وبجدة جمع قليل لا يوازي مع جنود المدينة تحكم وسلطة شريف مكة القادر على اتخاذ عشرة آلاف جندي، وعلى الفرار بالبيداء أن هدد بخطر مشرف الوقوع ولعجز السلطان مصطفى الرابع عن قمع الشريف اعترف له بالاستقلال سنة 1695 ميلادية. # وتعدى حاكما بغداد والبصرة على أموال عراق العرب، فبارزوهما بقوة لم تكن أقل من قوة عرب الحجاز على رجال الدولة العلية على استعداد مجاوريهم من الفرس لمساعدتهم على مبارزة الدولة، وكان في سني 1650 و1667 و1695 ميلادية ضروب من العصيان اقتضت بعث جيوش جرارة لإطفائها وسلم عرب الفرات مدينة البصرة إلى شاه أصفهان الذي أمضى الصلح مع الدولة وهم مستمرون في محاربتها إلى سنة 1701 ميلادية، وسفكت دماء كثيرة حين عصت قبيلة منتفق سنة 1706 ميلادية مع قصر زمن عصيانها عن العصيان السابق، واحتمى بعض قبيلة لام سنة 1716 ميلادية بحاكم جزيرة الفارسي، فنصبت قبائل العرب بنجد والبصرة البيرق الأسود، وصدوا ثلاثين ألفا من الفرس أغاروا على أرضها، ومن ذلك الوقت كانت البادية كلها في حيازة العرب دون غيرها. # المبحث السادس: في ms242 خروج الوهابية عن الطاعة # أخذت العرب من ابتداء القرن الثامن عشر في الاستقلال بالحكم لقوتها وضعف أعدائها، ولم تنقص إلا اتخاذ مركزا تجتمع حوله جميع الأذهان، وترجع إليه في تدبير الأمور، فهمت الوهابية سنة 1749 ميلادية فاتخذت منها عبد الوهاب مركزا، وهو من قبيلة تميم اشتغل في صغره بالعلوم المعتادة عند العرب خصوصا الفقه وسافر إلى بغداد والبصرة وبلاد الفرس، ثم أخذ يتفكر فيما يثير الحمية في أبناء وطنه فوجده إحياء الشريعة نقية من جميع البدع كحالتها الأولية فألزمهم المواظبة على العمل بالقرآن، ونهاهم عن الغلو في تعظيم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وعن تقديس الأولياء الذين هدم قبورهم، وعن تعاطي المسكر، وأنكر على الأتراك أخلاقهم الفاسدة. وقال إن الشريعة المحمدية تقضي أن يخرج كل إنسان خمس أمواله زكاة وتحرم الزينة وتلزم القضاة بتحري الصدق. # وأخذ يعظهم بخطب عظم تأثيرها لديهم بموافقتها القرآن، ومقصوده من ذلك كله استميالهم إلى الأمور الحربية ليحيوا ما كان لآبائهم من العظمة، وقد كان؛ فإن أقوى جميع قبائل نجد وفدوا إليه وانتظموا تحت لوائه فجعل محمد بن سعود من قبيلة مصالح قائد هؤلاء الوفود وزوج سعود ابنته وقلده الحكم السياسي على الوهابية لمعرفته بالقوانين العسكرية، ثم أشاع سعود في مكة عقيدة لتوضيح مقصد أستاذه عبد الوهاب ونصها: # أن العلم الديني ينحصر في ثلاث مسائل؛ الأولى: معرفة الله، والثانية: معرفة أركان الدين، والثالثة: معرفة النبي. فأما المسألة الأولى - وهي معرفة الله - فتنحصر في هذه القضية، وهي: لا إله إلا الله. وأما مسألة معرفة الأركان الدينية فتتعلق بالإسلام وبالإيمان وبعمل الصالحات؛ فأما الإسلام فهو عبارة عن خمسة أشياء ممتازة عن بعضها، وهي الأول: أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، والثاني: إقام الصلاة الموقوتة خمس مرات كل يوم، والثالث: إخراج خمس المال زكاة، والرابع: صوم شهر رمضان، والخامس: حج بيت الله بمكة ولو في العمر مرة أقل ما يكون. # وأما الإيمان فهو عبارة عن ستة أحكام؛ الأول: الإيقان بوجود الله، والثاني: الإيقان بوجود الملائكة، والثالث: الإيقان ms243 بالكتب المنزلة من عند الله، والرابع: الإيمان بالنبي، والخامس: الإيمان بصفاته وشمائله، والسادس: الإيمان بالحساب يوم القيامة. # وأما عمل الصالحات فينحصر كله في العمل بهذه الوصية، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.» # وأما معرفة النبي فتلخيصها هو أن النبي محمدا نبي مرسل بإذن الله إلى جميع الأمم وليس في الدنيا دين حق إلا دينه، وأنه ليس من نبي بعده. # وقد جبر الشيخ عبد الوهاب العرب بهذه الكلمات على ترك ما تعودوه من عدم العناية بالدين والاعتقادات الفاسدة، واستخلص آداب القرآن التهذيبية من سائر النقائص المنسوبة إلى القرآن زورا، وخلص العقول من النظر إلى الظواهر التي قصرت عليها التفاسير المطولة إلى قبول مقاصده لتجديد دين الإسلام الذي اكتسب رونقا جديدا بإعمال رئيس الوهابية المحبين للفضائل النائيين عن الشهوات الذميمة بخلاف الكرمانية، وما زالوا يجددون الإسلام حتى تعرض لصدهم باشا الديار المصرية من سنة 1811 إلى سنة 1815 ميلادية. # وبينما الشيخ عبد الوهاب يأمر وينهي إذ كانت الجهة الشرقية من بلاد العرب معرضة للغارات؛ فإن نضير شاه المنتصر على الدولة العلية نوى أن يؤسس سلطنته في الخليج الفارسي، وهم سنة 1730 ميلادية أن يدهم بلاد عمان فلم يقاومهما فجمع خمسا وعشرين سفينة لمحاربتها؛ فأبى المسلمون أن يقاتلوا إخوانهم في الدين فعزم أن ينقل سكان الخليج الفارسي إلى سواحل بحر جرجان، وينقل آخرين إلى ذلك الخليج، ثم مات وأدخل بعض مشايخ العرب رجال الفرس في مدينة مسكات سنة 1740 ميلادية، فانتشروا منها في جميع الأقاليم لعدم إمدادهم، ولم يقدروا أن يصدوا دهمات العرب المستمرة، فرحلوا من تلك البلاد، وظهر بعدهم أعداء أخر الفلمنكيون والفرنساويون والإنكليز الذين دعتهم حاجة التجارة إلى إرساء سفنهم بالسواحل البحرية، وأخذوا يبحثون عن فرصة تمكنهم من التوطن بمدينة مسكات لموافقة وصفها للتجارة البحرية فقاومهم أهلها، وقد استولى الفلمنكيون على جزيرة كرك سنة 1755 ميلادية، وبقيت تحت أيديهم إحدى عشرة سنة، ثم سلبها منهم لص من أكبر لصوص العرب البحرية يسمى ms244 ميرمهنا كان متحكما زمنا طويلا على الملاحين في الخليج الفارسي. # وكانت قبائل العرب في شمال بحيث جزيرة العرب ممتعة في تلك الحقبة بالهدو؛ فإنها رجعت إلى سكنى البراري بعد أن ساعدت في قتال الترك والفرس، وإقليم الحجاز ما عدا جدة التابعة للدولة باق على الانقياد للأشراف واليمن مستغن بمحصول أرضه وصنائعه، غير أنه كابد أهوالا من إطلاق الفرنساوية الكلل على مدينة مخا سنة 1738 ميلادية وطمح الإنكليز في مدن السواحل فتداخلوا في مشاجرات العرب، ولم يبال عرب مصر والشام بالخروج عن حكم الدولة العلية، وكانت قبائل نجد متفاشلة، ثم اتخذت تحت قيادة محمد بن سعود الوهابي وأغاروا على حدود الحجاز وصحاري الشام؛ ليفشوا بين البدويين الانتباه من غفلة الانحطاط، فأمر سلاطين الدولة العلية حكام البصرة وبغداد وجدة وباشا مصر وباشا الشام وشريف مكة باستئصال هذا المذهب الوهابي المسمى لديهم بالضلالة الخطرة، وبعث السلطان محمود الأول والسلطان مصطفى الثالث هدايا فاخرة إلى شريف مكة، ولم يبال محمد بن سعود بتلك الاحتراسات، واستمر في السير إلى تلك الجهات فبايعته العينة والحريملة والعمارية ومنفوده، ووفدت إليه رسل من الأقاليم المجاورة لها تخبره بالانقياد له. وأما والده سعود فكان قائدا لكتائب مبعوثة إلى البلاد القاصية أقام حكمه على بلاد الحجاز كالطائف ومكة والمدينة وجدة، ثم شن الغارة على بلاد عسير، فأخذها واعترف بحكمه بنو شهر وبلقرن وشمران وغامد وزهران، وأخذ مدينة أبي عريش باليمن بعد حرب طويلة وبلاد الحسا والبصرة ورأس الخيمة والبحرين وعنيزة والرسة وبوريده والرياد وجبل شومر، وبالجملة تحكم سعود على بلاد حران التي بين مكة ودمشق وعلى بلاد نجد واليمن إلى مدينة صنعاء. # المبحث السابع: في أن غزو الفرنساوية للديار المصرية ساعد الوهابية على نجاح مقصدهم # أخذ نابليون بونابرتو البلاد الشامية التي نجت منه بمقاومة أهل عكا، وحارب الديار المصرية، فاشتغلت الدولة في غاية القرن الثامن عشر وغرة التاسع عشر من الميلاد بتمكين حكمها في إيالة مصر والشام وبمقاتلة الجبابرة في أوروبا غير ملتفتة إلى ما جرى على بلاد العرب من ms245 تحكم الوهابية التي أنشأ بونابرتو مع كبيرها مودة. # ولما فتح بونابرتو الديار المصرية كتب في تاريخه مقاصده التي منها توصله إلى الهند ليعدم منها ما للإنكليز من الشوكة التامة، ولما ولي إمبراطورية فرنسا أمر الموسيو «لسقاريس» بالسفر إلى بلاد العرب ليعاهد قبائل الشام والعراق وفارس على أن يسهلوا سير جيشه إلى السند ويفتحوا له الطريق التي سلكها إسكندر ذو القرنين، فسافر «لسقاريس» من حلب معه كاتب السر، وقطع فيافي بلاد العرب من جهة تدمر القديمة، فأخبرته أول قبيلة نزل عندها بأن أهل البادية أربعة أحزاب: حزب من أحياء عترة في حدود الشام منقاد للدولة، وحزب من شجعان العرب في مفاوز العراق شديد البغضاء لمن انتسب إلى غيرهم، وحزب من بدو الفرس، وحزب من الوهابية التي أعرض «لسقاريس» عما يجب عليه من معاهدتها مع الحزب الثاني وهو العرب الذي عاهدهم على مقاومة الدولة؛ فكان رئيس هذا الحزب «دريعي» المعروف بالفطنة والدراية في الحرب محل أسرار بونابرتو في مغاور بلاد العرب. # ثم كتب جمع من مشايخ العرب سنة 1811 ميلادية مبايعة مع «دريعي» على أن ينقادوا لأمره ويعادوا العثمانية عداوة مؤبدة، ويحاربوا الوهابية، ولا يخلطون الدين بالسياسة، ويقاتلوا القبائل الممتنعة من الانضمام إليهم، ويقتلوا من نقض منهم هذه المبايعة، وبلغ ذلك الإنكليز، فألفوا قلوب عرب الشام بالعثمانية، وأغروا الوهابية البالغين إذ ذاك سبعة آلاف وستمائة خيمة على أن يفسخوا معاهدتهم مع الفرنساوية، ورتبوا لهم دراهم لذلك، ثم كانت واقعة بقرب حماه بين مائة ألف وهابي وثمانين ألف بدوي تابعين «لدريعي» الذي هزم الوهابية، واقتفى أثرهم حتى بلغ حدود نجد، فأراد سعود وهو بالدرعية تحت حكومته أن يعرف الغرض من المعاهدة مع الفرنساوية فذهب إليه «لسقاريس» «ودريعي»، وأوضحا له الغرض منها فدخل في تلك المعاهدة لشدة بغضائه كالفرنساوية لجنس الترك، إلا أن سعود ما زال يأبى الانقياد في قضايا أخر بسبب معاهدته الإنكليز حتى عرف أن نابليون هو أبو النار، وأنه الذي سأله المساعدة على ذهابه إلى الهند بجيوشه لإعدام شوكة الإنكليز فأجابه ms246 بغاية الرضا، ثم رجع «لسقاريس» من بلاد العرب سنة 1800 ميلادية وقت هرب الجيش الفرنساوي من مدينة مسقوف عائدا إلى وطنه، ورأى «لسقاريس» أن أوراق معاهدته في أيدي أعدائه، وأن سعيه ذهب هباء منثورا فمات حزنا، ولاستيلاء الإنكليز على جزيرة كرك في الخليج الفارسي، ووجود وكلائهم في مخا والسويس وجدة والبحرين، وتشوقهم إلى الاستيلاء على مدينتي مسكات وعدن كانوا يتتبعون بشدة الاهتمام حوادث بحيث جزيرة العرب. # المبحث الثامن: في عود الدولة العلية سنة 1815 ميلادية إلى ما كانت عليه من الشوكة وفي سياسة جنتمكان محمد علي باشا للديار المصرية # لما زالت سلطنة نابليون عن الديار المصرية عادت العساكر العثمانية إلى سيرها المطلق، وشرع محمد علي باشا في أن يعيد لمصر ما كان لها من العز والفخار بقتال الوهابية وإعدام ما لهم من التحكم، فبعث سنة 1811 ميلادية ابنه طوسن باشا بعسكر أخذ بهم ينبع وسويج، ونصر على الوهابية قرب بدر، ثم سار تلقاء الصفراء والوهابية إذ ذاك في مضايق الجبال وأعلى الجبال فظفروا بالجيش المصري ومزقوه كل ممزق، فرجع طوسن باشا إلى ينبع وأتته الأمراء من قبل والده، فدهم الوهابية، واستولى سنة 1812 ميلادية على المدينة المنورة وجدة وبسل والطائف ومكة اللاتي تركها الوهابية بعد أن نهبوا ما فيها ورئيسهم سعود يفعل إذ ذاك الاحتراس من زحف المصريين عليه، ثم دبر سنة 1813 حربا هزم فيها الجيش المصري أمام بلدة طرابة، وحاصر المدينة وضرب أعناق العسكر المحافظين على الحنكية. # واستثار سرا عرب اليمن فثاروا وانتشروا في نواحي مكة وجدة، وقطعوا مواصلتهما لجهات أخرى، فيئس المصريون من الظفر، ثم حضر محمد علي باشا وتولى تدبير الحرب فأخذ يظفر بالوهابية قليلا حتى مات سعود والوهابية محاصرون للطائف، وله اثنا عشر ولدا ليس في أحدهم كفاءة للقيام مقام أبيه، فكانت الغلبة لمحمد علي فخلص الطائف من المحاصرين، وغلبهم في عاشر يناير سنة 1815 ميلادية قرب بلدة خولج، وأخذ قنفدة باشا، وانقاد له عرب عسير، وأملى ابنه طوسن باشا على الجبان عبد الله بن ms247 سعود شروط صلح تحطه عما كان عليه من رفيع الجاه، ولم يصدق في العمل بتلك الشروط فبعث إليه محمد علي باشا سنة 1816 ابنه إبراهيم باشا بجيش أخذ به في أقل من ثمانية عشر شهرا معظم بلاد نجد، فقد استولى على الحنكية والناوية والحبرة وعنيزة وبوريدة وشقرة ودرامة، ونزل بجيشه بجانب مدينة الدرعية في الثاني والعشرين من مارث هذه السنة، فانقاد له في أكتوبر عبد الله بن سعود شيخ الوهابية، فأكرمه وبعثه إلى القسطنطينية والتمس من ديوانها العفو عنه، فتركه أهل الديوان السلطاني ثلاثة أيام ينظر في المدينة، ثم ضربوا عنقه في ميدان آيا صوفية، وبذلك زالت الشوكة الوهابية، إلا أن من بقي منهم كقبائل حرب أوقدوا سنة 1827 ميلادية نار العصيان التي أطفأها المصريون وعادوا سنة 1832 إلى الخروج على الدولة فاجتهد في مقاومتهم تركي يسمى تركجه بلمز، ولم ينجح وطرد من الحجاز فهرب إلى اليمن ولاذ بمدينة مخا، ثم اتقدت نار الحرب بجميع بلاد العرب في سنتي 1836 و1837 ميلادية، فبعث محمد علي باشا في آن واحد أحمد باشا وسليم باشا إلى عسير والحجاز بجيشين ألزما العرب بالطاعة وكوجك إبراهيم إلى اليمن بجيش، فخلع أمام صنعاء الحكم على غالبه قهرا وخورشد باشا إلى بلاد نجد بجيش هزم من ذرية سعود رجلا يسمى فيصل ولحقه في سهول دلام، ثم جال في تلك البلاد حتى بلغ سواحل الخليج الفارسي وهي ضواحي الحسا والقطيف، وبذلك انفرد محمد علي باشا بالحكم على بلاد العرب، إلا أن الإنكليز رأوا أن مصلحتهم في منعه من الاستيلاء على طرق المخالطات، وفي احتكارهم تجارة الهندستان، وعارضوا خورشد باشا حين أراد الاستيلاء على جزائر البحرين بعد واقعة دلام، وهددوه بشنهم الغارة على البلاد الشامية، وظهر لمحمد علي باشا حين ربط علائق المودة بإمام مسكات أن جميع مقاصده كان يعارضه فيها الإنكليز الذين استولوا على عدن، وكان ظهورهم في اليمن موجبا التفات أنظار الدول الأوروباوية إليهم، ويئس محمد علي من خلط عرب مصر بعرب جزيرة العرب، فرد للدولة ms248 حكومة الحرمين بعد أن أنفق فيهما كل سنة نحو ثمانية عشر مليون فرنك، ثم توفي كل من محمد علي باشا وإبراهيم باشا في سنة 1848 ميلادية، فضعفت قوة المصريين، وساغ خروج الوهابية على الدولة واستقلال الأمة العربية بالحكم. # | الباب الثاني # في العرب المتوطنين بإفريقية وفي غربي إفريقية ووسطها وبلاد مراكش وإيالة الجزائر، وفيه مبحثان # المبحث الأول: في العرب المتوطنين بمصر والممالك البربرية بالمغرب وغربي إفريقية ووسطها # شمل حكم الدولة العلية إيالات مصر وطرابلس وتونس والجزائر، ولم تغير شيئا من طباع القبائل العربية من شواطئ النيل إلى المحيط الأطلنطيقي؛ فإنها إذ ذاك باقية على ما كانت عليه أيام الفتوحات الأولية من ملازمة الفضائل والمثالب البدوية والتأهب لتأدية الخراج السلطاني، بشرط بقائهم على ما جبلوا على حبه من المعيشة الاستقلالية، وقد شاهدنا ما امتازت به قدماء العرب كل الامتياز من العقل المذعن للقضاء والقدر والكثير التأمل في المصنوعات لدى المصريين المتأخرين المخبرين لنا أن محمد علي باشا لما أراد بعد نصرته على الوهابية أن يظاهر الدولة بدولته المتنشطة باكتساب تمدن أوروبا، رغب في إحياء الفضائل والتمدن لدى المنقادين لحكمه، فأكثر من ترجمة الكتب الفرنساوية العلمية إلى اللغة العربية، وطبع عدة كتب في مطبعة بولاق، إلا أن الإنكليز سعوا سرا في نقض مقاصده التي عدمت بعد وفاته، ولم تعترف عرب الديار المصرية والإيالات البربرية في المغرب بحكم الدولة إلا اسما ورسما، وظهر تحكم العرب بشمال إفريقية وسواحلها الشرقية، وجال أهل القرآن ونشروه في ابتداء القرن السابع عشر ببلاد السودان، والإمام السياسي والديني إذ ذاك رجل من العباسية يسمى صالح ساح بالوادي الذي أسلم سكانه، واستولى أيضا في هذا العصر السلطان صابون الحاكم الآن في السودان على بلاد بجيرمة، وأدخل أهلها في الدين المحمدي وتقدم حتى بلغ بحيرة شاد، وقد شاهد نشر الدين والحكم العربي في وسط إفريقية سياحو الفرنج المكلفون أنفسهم ما لا تطيق من الجولان في وسط إفريقية باسترشادهم العرب ومرورهم من كردفان ودارفور، أو بحولتهم من طرابلس في الصحراء الكبرى، وبالجملة ms249 كان العرب مجددين للدين في السودان حين تجديد الوهابية له في بحيث جزيرة العرب. # المبحث الثاني: فيما يتعلق ببلاد مراكش وإيالة الجزائر # اكتسب غربي إفريقية بعض التمدن من مملكة مراكش التي بقيت خالية من تسليط الأجانب، فحق لها أن ترفع لواء ظهور الأمة العربية واستقلالها بالحكم، إلا أن الفشل بين العائلة المتسلطنة عليها عجل انحطاطها وسلطانها الآن عبد الرحمن الجالس على سرير السلطنة سنة 1822 ميلادية، ولم تزل مكناسة وفاس ومراكش مشتملة على طرف من العز والجلالة، لا سيما فاس المعتبرة آخر مأوى ثوت فيه المعلومات المشرقية، واشتمل على مدارس كثيرة وكتبخانة مشحونة بأنفس الكتب المكتوبة بخط اليد، ولم تبح علماؤها لأحد من الفرنج أن يطلع عليها، ويمكن أن يكون أهالي مملكة مراكش ستة ملايين من البربر والعرب واليهود والزنج وغيرهم، وقد انتشر البربر على سلسلة أطلس الممتدة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، وبقرب سواحل البحر جبال الريف التي يحمي حماها قبائل مستقلة لا نعرف أسماءها. # وتنقسم أرض تلك الجهات إلى تل وصحراء؛ فطول التل خمسة وسبعون ميريا مترا، وعرضه ثلاثون أو أربعون ميريا مترا، وسطحه ثلاثة آلاف ومائتان وخمسة وعشرون ميريا مترا مربعا، وهو ضعف تل الجزائر والصحراء كصحراء الجزائر في السعة، وبجنوبهما وشرقهما مملكة صغيرة معروفة بمملكة سيدي هشام، أنشئت سنة 1810 ميلادية، وأهلوه عرب وشيلوق وكرسيها طالان مركز قوافل التجارة بين تمبكتو ومراكش. # وجبال تلك الجهة من إفريقية شامخة ومنحدرها على صورة واحدة وأنهارها أكبر من أنهار الجهة الشرقية، ويجري من هذه الأنهر إلى جهة الشمال ملويه ولقوص والعورا والأصبو وأم الربية والبورغراز وإلى جهة الجنوب الغوير والزيز، ووادي دراعة، وتلك البلاد فاخرة ناضرة لا نعرف جميع وسائل قوتها وغناها. # وكان ملوك أوروبا متشوقين لامتلاك بقاع مهمة من ساحل شمال إفريقية، وتأسيس مراكز تجارية، أو إلزام أهل تلك الأقطار احترام بيارقهم الفرنجية، وكان بينهم وبين حكام مراكش والجزائر وطرابلس وتونس علائق نتج منها منفعة تبعية، ثم عادت الفرنساوية إلى الجزائر من سنة 1827 ميلادية حتى أخذوا ms250 الجزائر سنة 1830 ميلادية، فتغير شمال إفريقية تغيرا كليا، وزال عنه علائق الحكومة التركية، ومنع الفرنساوية من توسعة دائرة حكومتها بالأقطار المغربية ما حصل لديها من الانقلاب في شهر يولية سنة 1830 ميلادية، وما كان عليه الترك والعرب من شدة البغضاء للنصارى، وإن كانت المعادات حربية بين رؤسائهم كالحاج أحمد وابن عيسى وابن زامون في الجهات الشرقية، وعلي مبارك والبرقاني وأبي مزراق وأمثالهم في الجهات الغربية، وتنقسم إيالة الجزائر إلى أربعة أقاليم: عران وقسطنطينية وتيتري والجزائر، وكان القائم بتدبير الحكومة بالأقاليم الثلاثة الأول وكيل عن الوالي الكبير وبتدبير إقليم الجزائر آغا العرب الداخل في حكومته بليدة وسهل حمزة حتى أبواب الحديد، وبغربي هذا الإقليم إقليم عران المحصور بجبل أطلس الصغير والمتصل بحدود مملكة مراكش، ويشمل إقليم القسطنطينية ما في شرقه من حوض البلاد المروية بنهر وادي الرمل وبجنوب هذا الإقليم إقليم تيتري المبتدئ من شواطئ نهر الشليف، والممتد طولا على جوانب جبل أطلس الكبير. # وقد زال حكم الوالي الكبير فنفذ حكم الحاج عبد الرحمن في القسطنطينية بلا تعرض من الفرنساوية له، وأراد مشايخ العرب بإقليمي عران وتيتري أن يأخذوا ما كان لهم من علو الشأن ونفوذ الحكم، لكن مال بعضهم إلى معاهدة عبد الرحمن سلطان مراكش الذي بعث كتائب إلى مسقرة وتلمسان، وبعض أخر إلى أن يكونوا تحت حماية الفرنساوية اللابثين بمدينتي بونة والمرسى الكبيرة، ثم جاء السر عسكر «كلوزيل # Clausel ~~» الفرنساوي إلى مدينة الجزائر في سبتمبر سنة 1830 ميلادية، فاجتهد في الاستيلاء على إيالة الجزائر، وشد أزره بمشايخ العرب ذوي البأس، واتبع الفرنساوية رأيه من ذلك الزمن، ثم علموا ما فعله أبو مزراق المنفرد بالقوة في جهة مدية من إقليم تيتري من إظهاره الانقياد إليهم مع تحريضه العرب وأهل مراكش سرا على قتالهم، فقاتلوه وأسروه وولوا بدله مصطفى بن عمر الذي عاهدهم على الصداقة والطاعة. # وكانت طائفة كولة موكلين من الحكومة العثمانية المزالة بالمدافعة عن الحصون الحصينة، فحصرهم العرب، واستغاث حسن بيك بالفرنساوية، فبعث «كلوزبل» عساكر إلى مدينة المرسى ms251 الكبيرة وآخرين إلى مدينة عران، ثم أخذ والي تونس مدينة عران بعد اتفاق بينه وبين الفرنساوية الذين أخذوها بعد ذلك في ثامن عشر أغسطس سنة 1831 ميلادية التي تولى فيها قيادة الجيش الفرنساوي السرعسكر «برتزين # Berthesêne ~~»، وعساكره لا تبلغ تسعة آلاف مع اضطراب العرب بسائر الجهات، ومحاصرتهم بلدة مدية، ونفاد ما عند مصطفى بن عمر من الأقوات والوسائل؛ ولذا أخذ العرب هذه البلدة من الفرنساوية في الخامس والعشرين من يونية وظنوا أن الفرنساوية يخرجون عما قليل من أرض الجزائر. # وكانت أحزاب العرب تتعاقب على مدينتي تلمسان ومستغانم، ومحيي الدين المرابط يمهد طريق الظهور لابنه عبد القادر في بلدة مسكرة التي كانت مركز الحرب بعد ذبح الجنود التركية الغير المنتظمة، فغلب السرعسكر «بواير # Boyer ~~» هؤلاء العرب وادي «أرزوا» المتعاهد مع الفرنساوية إلى العساكر المحافظة على مدينتي عران والمرسى الكبيرة جميع الأقوات الضرورية، وفي أثناء ذلك كان بضواحي مدينة الجزائر تحزب عظيم دخل فيه أهل بليدة وقولية ودخل أهل مدية في حكومة سلطان مراكش فنصر على هؤلاء الجموع السرعسكر «برتزين» وجعل علي مبارك آغا العرب فحفظ عدوهم في السهل لما التزم لذلك القائد. # وجاء الدوق «دي رويجو # Le duc de Rovigo ~~» إلى مدينة الجزائر في نوفمبر سنة 1831 ميلادية، وشرع الفرنساوية بعد أشهر قليلة في تجديد المكافحات الحربية بجيوش أكثر من الأول، ففتح الشيخ فرحات عدو بيك القسطنطينية أبواب مصادمة الفرنساوية، وبعث سفراء قبض عليهم الفرنساوية في أرض قبيلة عوفية، وقتلوهم في عاشر أبريل، فتعصب العرب على الفرنساوية، وعضدهم كراهية علي مبارك للفرنساوية، لكنهم مزقوا كل ممزق في أكتوبر سنة 1832 ميلادية. # وكان ذلك الزمن حوادث مهمة شرقي إيالة الجزائر؛ فإن مدينة بونة التي حلها الفرنساوية يسيرا من الزمن خرجت عن طاعة الحاج أحمد بيك القسطنطينية الذي دهمها بعد ذلك في خامس مارث سنة 1832 ميلادية لاحتياجه إلى مينا، واستولى عليها وأفرط في ذبح من قاومه فيها، فحاز بذلك صيتا كبيرا، ثم أخذتها الفرنساوية في شهر مايو، وبذل عزائم لم تفد في ms252 استنقاذها منهم، وقد استولى ضابط عساكر «أرمندي # Armandy ~~» على القصبة بمساعدة ذوي الجراءة، وفي سنة 1833 ميلادية انقاد مدينة الجزائر وضواحيها والأراضي التي بين نهر العراش ونهر متيجه ومازفران والبحر الملح للفرنساوية الذين كانوا يحلون في مدينة عران وقلعة المرسى الكبيرة، وتعاهد معهم حزب الكولة في تلمسان ومستغانم، وأحس سلطان مراكش بضعف شوكته، فأعرض عن توسيع مملكته، وملك الحاج أحمد بيك مدينة بونة، فطمع في مدينة بجاية، وحاصر مدينة مدية بلا طائل، ثم قاومته مدينة بونة، وأخذ الجنرال «تريزيل # Trèzel ~~» مدينة بجاية في التاسع والعشرين من سبتمبر سنة 1833، وعاقب القبائل التي امتلكها من سنة 1831، وطردت سفن الفرنساوية من الساحل مرات، وجاءت قبائل أخرى أبدت تعضيدا لذلك الجنرال. # وتولى عبد القادر مشيخة العرب بعد وفاة والده محيي الدين، فاستنفر العرب في سائر الجهات، وأضرم على حين غفلة نار جهاد الفرنساوية، ولم يوقف سيره المتزايد نصرات الفرنج، واشتهر أنه بيك إقليم تلمسان، واستولى على مدينة أرزوا، وقطع رأس قاضيها لتحالفه مع الفرنساوية، وهدد مدينة مستغانم بالاستيلاء عليها، فأحاط بها الفرنساوية، وهزموه بمساعدة قبائل الدوير وذميلة، وطردوه من أرزوا غرة أكتوبر في العين البيضاء، وثالث دسمبر في تلمسان، وألزموه في السادس والعشرين من فبراير سنة 1834 ميلادية أن يعقد معهم شروطا انتهت بها المكافحات الحربية، وأصلحت الفرنساوية في سهول مدينة الجزائر قناطر بوفاريق وأسسوا معسكر الدويرة، وانضم إليهم سرا أهل مدينتي مدية وبليدة، فلم يخشوا بأس قبائل متيجة، وعينوا جمعا للنظر في وسائل بقاء ما فتحوه من البلاد على السلم، وصدر لهم في الثاني والعشرين من يولية سنة 1834 ميلادية أمر عال بإجراء السياسة بإيالة الجزائر على نظام جديد، فجعل بها قائدا للجنود ورؤساء في وظائف أخرى ووكيل عام النفوذ، وجميعها تحت يد الجنرال «درويت درلون # Drouet d’Erlon ~~» المقلد بالإدارة العليا للمصالح الذي نقض مصاريف الفرنساوية المقيمين بتلك البلاد، واتخذ جمعا من العساكر البلدية، وأعاد منصب الآغا الملغى منذ نكث علي مبارك عن محالفة الفرنساوية التي احتمى رجالها في المحطة العسكرية الجديدة المسماة ms253 حوش جاويش بقرب بوفاريق، وهادنهم الأمير عبد القادر سنة، قوى فيها شوكته، وأنفذ حكمه في جميع البلاد التي لم يحكمها الفرنساوية، وكثرت خلفاءه في إقليمي عران وتيتري، واعتبر وكيلا عن الأمة العربية في تلك البلاد ووقعت له حادثة تقضي بضعف قوته؛ فكانت تقوية له وهي أن موسى الدرقاوي ذا التعصب الديني هجم بنحو ألفي مسلم على مدينة مدية المعرضة عن التحزب مع عبد القادر، ثم حاصر مدينة مليانة فكافحه عبد القادر وأخذ منه مدية، ثم ولى قوادا على متيجة وغيرها من العرب بجميع الجهات، ورجع من مدينة مسخرة فاستعد للحرب، وأتته ذخرات من بلاد أجنبية بواسطة مصب نهر التفنة وأراد عقاب الدويرة والزميلة لمخالفتهم الفرنساوية، فسار بالعسكر الجنرال «تريزيل» الذي خلف الجنرال «دسميشل # Desmichels ~~» من أول فبراير سنة 1835، ونزل أمام أرض تلك القبائل في أوائل يونية فقاتل المسلمين عدة مقاتلات خالية عن النتائج المهمة، ثم دهمه المسلمون وهزموه على شواطئ نهر المقطة فعاد إلى أرزوا بغاية المشقة، وكان لهم بذلك فرح اعترفوا فيه بالمشيخة لعبد القادر حتى اقتدت مدينة بليدة بغيرها، وقبلت حاكما من قبل عبد القادر وبقيت مدينة قولية على طاعته بسبب معسكر بمتاديست أمام قبيلة الدويرة وغربها، والفرنساوية إذ ذاك في غاية الضيق، فجهز بالعزم على التوجه لمحاربة عبد القادر في بلدة مسكرة مركز شوكنه الجنرال «كلوزيل» المتولي الحكم العام في أغسطس سنة 1835، وأنزل عساكره في جزيرة حشجون المتحكمة على مصب نهر التفنة والمساوي ارتفاعها لارتفاع تلمسان، وتمت استعداداته الحربية في السادس والعشرين من نوفمبر، فسار بجيشه ومعه الدوق «أرليان # Le Duc d’Orléan ~~»، ولم يؤمل عبد القادر مقاومة الفرنساوية، فنقل ماله من قاعدة حكومته وأحرقها، فدخلها الفرنساوية في خامس دسمبر، فأعدموا من فيها من الطوبجية، وعادوا إلى محطتهم الأصلية، وبذلك بطل ما لعبد القادر من الشعوذة الآخذة بعقول العرب، فانضم منهم قبائل إلى الفرنساوية، ثم هم عبد القادر أن يدهم مشوار تلمسان، فهزمه الفرنساوية واقتفوا أثره فنجا بجواده وزالت شوكته، فخلفته قبائل بالشاطئ الأيسر لنهر التفنة وأهل مراكش، ms254 فأبدوا موئلا جديدا لعبد القادر فدهم أعداءه حين عودتهم إلى تلمسان وعران. # وطلب رؤساء العرب من حاكم الفرنساوية الأكبر أن يقلدهم المشيخة وكانوا كثيرين، فتجدد الانتظام والهدو في ضواحي مدينة الجزائر، وزرع خارج التحصينات، وأخذت أحوال جهة الشرق في التحسن كل يوم، وكان بين قبائل بجاية شقاق انتهز فيه الفرنساوية الفرصة بإلزامهم السكوت واتقاء صولتهم، كما كان بين قبائل بونة من التباغض الذي وصل الفرنساوية إلى مآربهم؛ فإنهم اتخذوا من أشياخها خلفاء فتحوا للجيوش الفرنساوية طريقا إلى القسطنطينية، فجدد الأمير عبد القادر في أوائل سنة 1836 دهمات على الفرنساوية سرت بها حركة الاضطراب في الجهة الجنوبية، ففعل الفرنساوية غزوة ثالثة لمدينة مدية فأخذوها، ثم أشيعت أقاويل كاذبة حين حازت عساكرهم مدينة الجزائر، فعصت العرب وشهروا السلاح، وتولى شيخ العرب علي مبارك مدينة مدية في شهر مايو. # وأراد الفرنساوية إغاثة القبائل الدويرية والزميلة من دهمات الحرب، فنزل الجنرال «بريجو Perregaux ~~» على نهير هبرة وفي وادي شليف، والجنرال «درلنج» على نهير التفنة، ودهمه عرب مراكش، فدخل متاريسه في خامس عشر أبريل، واستنجد فجاء الجنرال «بوجود # Bugeaud ~~»، وقام في أوائل يونية بقيادة المقيمين في عران، وصد جيوش عبد القادر مرتين، وهزمها في سادس يولية في مقتلة سقاه، فعاد عبد القادر إلى مدينة مسكرة، فالتزم سلطان مراكش أن يمنع أمام حدود مملكته قبائل همت بنجدة عبد القادر فأملت الفرنساوية ظفرهم بالحاج أحمد بيك القسطنطينية، وتقدم يوسف الذي جعله كاوزيل بيكا على الإقليم برجاله إلى مدينة دربان في جنوب بونة على ستة فراسخ، وضم إليه عدة مشايخ يكرهون الحاج أحمد، ثم أقام في الساحل بمحطة كالة التي كانت مع الفرنساوية من سنة 1520 إلى سنة 1799، ثم تركوها للإنكليز سنة 1807، ثم أخذوها سنة 1816، ثم هدمها والي الجزائر سنة 1827، وتم استعداد الفرنساوية لمحاربة يوسف في ثامن نوفمبر فسار الماريشال والدوق «نمور # Nemours ~~» بسبعة آلاف وصلوا مدينة غلمة في الخامس عشر من هذا الشهر، وكانوا أمام القسطنطينية في الحادي والعشرين، فكان من البرد والمطر ما عطل حركتهم، ويئسوا ms255 من أخذها بعد هجمات كثيرة، فعادوا إلى مدينة بونة وقاوموا يوسف وألجئوه إلى بعض المدن، ثم استعدوا سنة 1837 وتدبروا فيما يبقي العرب على الطاعة، ويبعدهم عن الخروج العام الذي تحدثت به نفس عبد القادر، فسافر من بلدة بوفاريق الجنرال «دمريمون # Damrémont ~~» ثالث من قلد الحكم العام على ما فتح من بلاد الجزائر بسبعة آلاف في السابع والعشرين من أبريل، ونزل في بليدة وقولية، ثم سار من بلدة مليانة ووادي شليف، وغزا العرب غزوة أذعنوا فيها بالعجز عن مقاومة الفرنساوية، وعقد الجنرال «بوجود» في واقعة التفنة شروطا تكفلت بإعادة الهدوء في جميع إيالة الجزائر. # وأفادت هذه الشروط شعوذة عبد القادر واعتراف الفرنساوية له بالإمارة على العرب، وتوجه فكرتهم إلى الاستعداد لأخذ القسطنطينية التي توجه إليها العساكر الفرنساوية، وبلغوا المجاز الأحمر في يولية، وعرفوا طريق القسطنطينية في ثاني عشر سبتمبر، فجازوا رأس العقبة، وقاتلوا في السهل الرحب الذي بنهايته نهير الوادي الزناتي سرية قليلة من فرسان العرب، ورجعوا في الثالث عشر إلى المجاز الأحمر، فدهمهم العرب عدة دهمات بذلوا فيها العزيمة من الحادي والعشرين إلى الثالث والعشرين، ونزل الدوق «نمور» المعسكر في الثامن والعشرين، وسار الجنرال «دمريمون» برجاله في غرة أكتوبر، ونزل بهم أمام القسطنطينية في اليوم السادس، وأخذ يحاصرها وابن عيسى قائد رجال الحاج أحمد يدافع عنها، مع ما كان في اليوم السابع إلى التاسع من انسكاب المطر الذي خشيت به الفرنساوية أن يحل به عليهم من الوبال ما حل بهم في المرة السالفة، ثم اعتدل وذهب المطر، فنقبوا فرجة في أسوار المدينة يوم مات الجنرال «دمريمون» الذي خلفه الجنرال «فاله # Valée ~~»، وأثار موته فيهم حمية أخذوا بها المدينة عنوة في صبيحة الغد؛ ففر واليها أحمد إلى الجنوب، واجتهد في عوده إليه فلم يفد، ثم انقاد إليهم في شهر مايو سنة 1848 فنصب الفرنساوية بيرقهم على أسوار الثلاثة مدن الكبار بإيالة الجزائر، وهي مدينة الجزائر وعران وقسطنطينية وجعلوا بقسطنطينية ثلاثة خلفاء وثلاثة قواد وسلموها لحاكم وقلدوا ابن غانة مشيخة العرب، ms256 وقد أبى عبد القادر تنجيز الاتفاق الواقع في رابع يولية، وانتظر بالشروط المعقودة بعد واقعة التفنة فرصة لقتال الفرنساوية، ثم ظهر برجاله في دسمبر سنة 1837 بحدود إقليم قسطنطينية، وفي أبريل سنة 1838 بجهة مدية، وفي شهر مايو بجهة تجدمت، ثم سار حتى بعد عن ساحل البحر الملح بمائة فرسخ ليدهم في عين ماضي المرابط المسمى تجيني الذي انقاد للفرنساوية في خامس عشر يناير سنة 1839 وقرب بعد ستة أشهر من مملكة مراكش، وجال في أرض الزواوة فأوقد سعير الاضطراب بجميع جهاتها. # وفتح الفرنساوية طريقا من بلدة جميلة إلى ستيف، فأخذوا في مايو سنة 1839 ثلاث مدن: ميلة وجيجلى وجميلة، وانقاد لهم سهل مجانة الذي صد أهله أحزاب الحاج أحمد، ووجهوا من بجاية أناسا يستكشفون مضيق تيزى، ورأوا في آخر سنة 1839 أن يلزموا العرب عدم القيام مع عبد القادر، فوجهوا الغزو أبواب الحديد «الدوق أرليان من ستيف» في ستمبر، فجاز ذلك المضيق المخوف، وعاد إلى مدينة الجزائر بواسطة بلاد حمزة، فظهرت قبائل هاجوط المحالفة لعبد القادر، وقاتلوا الفرنساوية في واقعتي نهر الشفا والوادي العالج، ثم قام جميع القبائل في طول تلك الجهات، وهجموا على مدينة بليدة الحصينة، فانهزموا عنها مرات. # وفي سنة 1840 أكثر الجنرال «لاموريسيير # Lamoriciêre ~~» من النهب والسبي، وأظهر العساكر الفرنساوية مدافعة مازجران الحصينة في ثاني فبراير، وملكوا بلدة شرشل في سادس عشر مارث بعد واقعة مزرغين، وغلب ابن غانة قائدا من قواد عبد القادر بمعركة سلسول في الرابع والعشرين من هذا الشهر، وعاقبوا بني هراقطة وقبائل بني موسى في الثاني والعشرين من أبريل، وحصنوا غلمة ورباط سيدي طمطم خلف الوادي الزناتي، وأنشئوا معسكر عين ترك على سبعة فراسخ من ستيف، وأخذوا مدينة مدية في سابع عشر مايو ومدينة مليانة في ثامن يونية، ولم يكن من عبد القادر بعد ذلك إلا حزب إتلاف ونهب وهجمات على محال قاصية إلا أنه نظم جنودا ظهر فيهم بمظهر الجلال، ثم تولى الجنرال «بوجود» بدل الجنرال «فاله» في الثاني والعشرين من ms257 فبراير سنة 1841، فتوجه لإعدام المركز الأكبر لشوكة عبد القادر، وتبعه الدوق «نمور» في مايو لمساعدته، فتوجه بعساكره جهة الغرب، واستولى على بلدة تجدمت في الخامس والعشرين من هذا الشهر وعلى مسكرة في غايته، ونصر غرة يونية في معركة عقبة جدة، فبقي مستوليا على ما فتحه من تلك البلاد، ووضع الفرنساوية في مدينة مدية ومليانة عددا حربية لفتح مسيلة البعيدة من بلدة ستيف بثمانية وعشرين فرسخا، وهدموا كلا من بوغارة وتعازة، وعملوا في سنتي 1842 و1843 محاربات مكنت في إيالة الجزائر تحكمهم الذي امتد إلى حدود الصحراء الكبرى. # وأخذ عبد القادر في غاية سنة 1841 يدافع عن أقوامه بسائر الجهات، وضم إليه أهل مراكش، ثم أخذ منه الدوق «أومال # Le duc d’Aumale ~~» في رابع عشر مايو سنة 1843 مدينة سمالة التي في ضواحي مدينة تغلين، وأخذت الدولة الفرنساوية في التقدم بإيالة الجزائر من ابتداء سنة 1844 رتبت إدارة القبائل بطريق منتظمة، واتسعت فتوحاتها من جهة الشرق بأخذ مدينة مسكرة وانقياد بني زيبان وقبيلة بلازمة وعريس، ومن جهة الغرب بأخذ مدينة سبدو ونمور واللامغنية ودية والفارة والقصور وغير ذلك، وفي إقليم الجزائر بغزو قبائل لاغوة وعين ماضي وقوم سباعوا، وأخذ مدينة دليس وإنشاء محطة أومال العسكرية، وعرف الدوق «أومال» حاكم قسطنطينية خط التحديد بين إيالتي الجزائر وتونس، وبعدت الفرنساوية عن مدينة الجزائر إلى جهة الجنوب بمائة وعشرين فرسخا، وعاقبوا سلطان مراكش لنقضه شروطهم ومحاماته عن عبد القادر، وعارضوا أهل مراكش بمعسكر اللامغنية في آخر مايو، وملكوا مدينة أشده، وأطلقوا المدافع على طنجة في سادس أغسطس، ونصر الجنرال «بوجود» في واقعة أسلى رابع عشر هذا الشهر، وأطلق في ذلك اليوم أمير يونويل مدافع هدمت أسوار مقدور، فرجاه مولاي عبد الرحمن أن يعفو عنها، وصالح الفرنساوية في ثامن عشر مارث، وفي سنة 1845 اتقد نار العصيان بقيام رجل آخر يسمى أبا معزة جاء من مراكش مستنفرا لعدة قبائل، فغلبه الفرنساوية في عين مران، فسار ليأخذ مدينة أرليانويل، فهزموه عدة مرات، وأخذ يتنقل من مكان ms258 إلى آخر حتى سلم نفسه إليهم في ثالث عشر أبريل سنة 1847. # وأما عبد القادر فلم توافقه العرب على القيام لقوة شوكة الفرنساوية الذين هزموه في سابع مارث سنة 1846؛ ففر إلى جهة الغرب وذبح في تاسع مارث الفرنساوية المأسورين في واقعة ديرة، فدهمه جيش فرنساوي ففر إلى مملكة مراكش، فأعلن سلطانها عبد الرحمن بمعاداته ودهم من سائر الجهات، فانهزم في معركة سيدي إبراهيم وسلم نفسه للجنرال «لاموريسير»، فبعثه إلى فرنسا، وبقي بها أسيرا حتى أطلقه نابليون الثالث سنة 1853، فسكن في مدينة البرصة إحدى قرى تركية آسيا منعزلا عن الأمور السياسية، وقد انقاد سائر إيالة الجزائر للفرنساوية منذ زالت شوكته ودعيت القبائل بغزو الجنرال «بوجود # Bugeaud ~~» للقبيلة الكبرى في مايو سنة 1847، ولم يكن بعدها إلا وقائع جزئية كوثوب الزعاطشة على الفرنساوية في سادس عشر يولية سنة 1849 وانتقام الفرنساوية منهم في سادس أكتوبر، وقمع العسكر بعض قبائل، وسبي قبيلة مزاور المراكشية سنة 1850، وغزوة الجنرال «سنت أرنود # Saint-Arnaud ~~» للقبيلة الكبرى في الجزائر، وانقياد بني فليسه للجنرال «بيليسيه Pélissier ~~» سنة 1851، وكان ولاة الحكم العام بعد الماريشال «بوجود # Bugeaud ~~» مشتغلين بإصلاح الحال، وهم الدوق «أومال # Aumale ~~» المتولي في سابع عشر أغسطس سنة 1847، و«كافنياك # Cavaignac ~~» في الخامس والعشرين من فبراير سنة 1848، و«شنجرنيه # Changarnier ~~» في رابع عشر يونية، و«شارون # Charon ~~» في تاسع سبتمبر، و«هوتبول # d’Hautpoul ~~» في الثاني والعشرين من أكتوبر سنة 1850، و«بيليسيه Pélissier ~~» في عاشر مايو سنة 1851، و«رندون # Randon ~~» في حادي عشر دسمبر، ونظموا إدارة البلاد، وتكفلت القبائل بما يكون من الجنايات في أرضها، وتحدد مقدار غرامات الجنح، وأبقيت الغابات بقوانين نظامية، وتحددت الأقاليم الثلاث؛ وهي أقاليم مدينة الجزائر وقسطنطينية وعران وقسم إقليم مدينة الجزائر ستة أقسام عسكرية صغيرة قواعدها مدن الجزائر وبليدة ومدية وأومال ومليانة وأرلياتسويل وشرشل وبوغار وطناس وبجاية ودليس وفوليه ونحوها، وقسم إقليم عران خمسة أقسام صغيرة: عران ومسكره ومستغنم وسيدي أبو العباس وتلمسان وبنادرها ارزو وغورس وطياره وسيدة ومسرجين ومازجران ودية واللامغنية وسبدو، وإقليم قسطنطينية أربعة أقسام: قسطنطينية وبونة وستيف وبطنه وبنادرها بسكره ms259 وفيلييض وغلمة وجيجلي وكالة وطبسة ونحوها. # وإيالة الجزائر محدودة من الشمال بالبحر الأبيض المتوسط والغرب بمملكة مراكش والشرق إلى الجنوب بباشوية تونس، وتمتد هذه الإيالة إلى غردية بواحة وادي مزاب، وأما أرض القبيلة الكبرى التي يصعب دائما قمعها فمائة وستة وأربعون كيلومترا بساحل البحر الملح بين مدينتي دليس وبجاية، وتمتد من جهة الأرض القادة إلى أبواب الحديد في الجنوب الغربي وإلى ستيف في الجنوب الشرقي، وسكان هذه الأرض من نسل الماسولان والكنكيجنطيين الذين بارزوا الأمة الرومانية في القرون الأول بعد الميلاد، وكانت تسمى بالجبل المدرع بالحديد حتى أظهر العرب الإسلام فسموها أرض العدوة المحاربة وأدخلوا فيها الإسلام بلا حرب، بل بواسطة ما ظهر فيها من المرابطين من أهل التصوف ولم يطل حكمهم فيها، وكذا كان وضع الترك أيديهم عليها، ولا يستطيع أحد أن يدرك ببصيرته أن الفرنساوية المتحكمة عليها الآن أمهر من العرب والترك وأسعد منها خطا أولا. # وقد أخذت إيالة الجزائر في التقدم بمخالطة الفرنساوية أهل التمدن، ولا يبين لنا حقيقة ما يصير إليه هذا التحكم الإفرنجي على عرب إفريقية إلا مستقبل الزمان. # تم بعناية الله وقوته طبع هذا الكتاب المستطاب الموسوم بخلاصة تاريخ العرب، ترجمة العالم سيديو الشهير، وذلك بالمطبعة البهية الكائنة بحوش قدم بمصر المحمية في أواخر شهر ذي الحجة سنة 1309 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. ms260