######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007567 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1293 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007567 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7567 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7567 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1410هـ _ 1989م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الهداية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | نص الكتاب # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله # الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد. # فإن قد وقفت على أوراق كتبها بعض الملحدين يرد فيها بزعمه ما دل عليه ~~الدليل من وجوب إخلاص الدعاء لله وترك مسألة ما سواه من الأنداد والأموات، ~~وكذلك جحد فيها ما قام عليه البرهان ونطق به القرآن من اختصاصه تعالى من ~~علم الغيب، وزعم أن للأولياء والصالحين بعد الممات تصرفا وأنهم يجيبون من ~~قصدهم بالاستغاثة والدعاء (وإعطاء ما اختص به الباري لغيره ورد الشيخ على ~~ذلك) . # (قال الناقد الشيخ عبد اللطيف رحمه الله) : وهذه الأقوال التي أوردها ~~والشبه التي صدرها يعلم بطلانها وفسادها بالاضطرار من دين الإسلام وما جاءت ~~به الرسل الكرام ولكن غربة الدين وقلة من يعرفه من المنتسبين قد يروج ~~بسببها الباطل والشرك على الأكثرين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (إنما ~~تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) . # فإذا كان عدم معرفة الجاهلية سببا لنقض العرى الإسلامية فما ظنك بمن لا ~~يعرف الإسلام ولا الجاهلية كما هو الغالب في هذه الأوقات. # PageV01P041 # عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أخذ (1) حصاة بيضاء فوضعها في كفه ثم ~~قال: هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه ثم أخذ كفا من التراب فجعل يذره على ~~الحصاة حتى واراها ثم قال: والذي نفسي بيده ليجيئ أقوام يدفنون هذا الدين ~~كما دفنت هذه الحصاة ولتسلكن طريق الذين كان من قبلكم حذو القذة بالقذة ~~وحذو النعل بالنعل. يشير رضي الله عنه إلى جنس هؤلاء الذين يلقون على عوام ~~الناس وضعفاء البصائر من الشبهات ما يستميلونهم به إلى دعاء غير الله ~~والالتجاء بسواه والاعتماد والتوكل على الأولياء والصالحين، حتى ينسلخ من ~~استجاب لهم من حقائق الملة والدين، ويصير في زمرة الجاهلية والمشركين. # وفي حديث ثوبان: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) (2) PageV01P042 # (رمى أهل التوحيد بالاعتزال جهلا منه) : قال: وقد زعم أن من آمن بإخلاص ~~الدعاء لله وآمن ms01 بأنه علام الغيوب وأنكر أن يكون لأحد من الأموات تصرف في ~~ملك الله يصير معتزليا (وقال) : وكأن الرجل لا يعرف الاعتزال بالمعنى ~~الاصطلاحي. # فإن أصل الاعتزال هو القول بالمنزلة بين المنزلتين ثم انضاف إلى هذا ~~القول ما كانت عليه المعتزلة من تعطيل الصفات وجحدها والقول في القدر ~~والجبر ونحو ذلك مما هو معروف عنهم (1) PageV01P043 # وأصل التسمية أن عمرو بن عبيد وأصحابه اعتزلوا مجلس الحسن البصري رحمه ~~الله وأظهروا مخالفته. # هذا أصل الاعتزال في اصطلاح الفقهاء والمتكلمين، والنظار، وهذا هو الذي ~~يطلق عليه عندهم الاعتزال بالمعنى الاصطلاحي. # وأما اعتزال من دعا غير الله والتجأ واعتمد على ذلك الغير لحصول مطلوبه ~~أو دفع مرهوبه فإن اعتزال من فعل هذا والبراءة منه هو دين الإسلام الذي جاء ~~به الرسل الكرام قال تعالى عن خليله إبراهيم: {وأعتزلكم وما تدعون من دون ~~الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} (1) . # ولله در الإمام الشافعي رحمه الله، حيث يقول: # يا راكبا قف بالمحصب من مني # ... # واهتف بجانب خيفها والناهضي # إن كان رفضا حب آل محمد # ... # فليشهد الثقلان أني رافضي (2) # وكانت الجاهلية تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصابيء وتقول صبأ ~~محمد لما فارق دينهم وما هم عليه من عبادة الملائكة والصالحين والأوثان ~~وكان أبو PageV01P044 # جهل يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم وهو يدعو الناس إلى أن ~~يمنعوه (1) لئلا PageV01P045 # يبلغ كلام ربه ويقول: لا تطيعون هذا الصابئ، ومعنى الصابئ قريب من معنى ~~المعتزلي. # (قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله) : # قال المعترض: فصل ونحمدك يا واجب الوجود، (وقال الراد رحمه الله) : هذا ~~القول الذي صدر به رسالته وهذه العبارة لا تعرف في كلام الله الذي لا يضل ~~من اتبعه ولا يشقى ولا في كلام رسوله الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام والهدى وإنما أخذها بعض ~~المصنفين عن أهل الكلام. والمناطقة الذين أعرضوا في باب معرفة الله وإثبات ~~وجوده وربوبيته عن الكتاب ms02 والسنة وما درج عليه أهل العلم والإيمان من سلف ~~الأمة واعتمدوا في هذا الباب على مجرد الأقيسة الكلامية والمقدمات ~~المنطقية، وأول من عرفت عنه هذه العبارة هو ابن سينا الطبيب المتكلم وخالف ~~سلفه (1) في التعبير بهذا فإنه قسم الوجود إلى واجب PageV01P046 # وممكن وجعل الممكن مستلزما للواجب لكنه قال: الواجب لا يكون إلا ~~PageV01P047 # واحدا فلا يكون له صفة ثبوته فسلبه صفات الكمال ونعوت الجلال ونعته هو ~~ومن وافقه بالسلوب التي تقتضي أنه واجب العدم وهؤلاء أصابهم في لفظ واجب ~~الوجود ما أصاب القدرية في القديم (1) والحادث والفلاسفة الذين يسندون ~~الحوادث إلى الفلك يقولون بواجب الوجود، لكنه عندهم علم كل حال واحد في ~~الأزل إلى الأبد يمتنع أن يصدر عنه حادث. PageV01P048 # والواجب في هذا الباب وغيره اتباع ما جاء في كتاب الله والتعبير بالعبارة ~~الشرعية التي دل عليها الكتاب والسنة وترك المتشابه من الكلام، ونحن لا ~~ننكر أن العقل يوجب وجود رب قادر قاهر حكيم خلاق رزاق وهذا تقتضيه العقول ~~السليمة وتوجبه الفطر المستقيمة كما دل عليه كتاب الله في غير موضع. # وهؤلاء لا يعنون هذا بل يوافقون ابن سينا وشيعته على سلب الصفات، ومن صح ~~قصده فعليه أن يعبر بالعبارة الشرعية ويختار الوصف الذي اختاره الرب لنفسه ~~والتعبير بالاسم الكريم المتناهي في التنزيه والتقديس (1) المستلزم لجميع ~~صفات الكمال ونعوت الجلال. # قال الله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} (2) وقال جلا وعلا: {الحمد لله ~~الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون} (3) وقال: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ~~أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء ~~قدير} (4) ونحو ذلك كثير مما يدل على تعليق الحمد بهذا الاسم الأقدس ~~الموصوف بجميل الصفات والنعوت وقد يعلق الحمد بغيره سواء كان جملة إسمية أو ~~فعلية وما جاء في كتاب الله أكمل وأتم. # (قال الناقد رحمه الله تعالى) : # (فصل رمي أهل التوحيد الذين أنكروا الاستغاثة بغير الله بالاعتزال) . # (قال الناقد رحمه الله تعالى) ms03 : # قال المعترض: اعلم أن المنكرين للاستمداد من أهل القبور أهل PageV01P049 # الاعتزال مطلقا وبعض الفقهاء من أهل السنة فيما عدا الأنبياء عليهم ~~السلام وقد ظهرت طائفة أفرطوا في الإنكار فأردت أن أورد في هذه الأوراق ~~شبهاتهم الدائرة على ألسنتهم مع الأجوبة وأورد أدلة لإثبات ما ينفونه (قال ~~الشيخ عبد اللطيف رحمه الله) والجواب عن هذا أن يقال: هذا الكلام يشهد ~~بجهالة قائله وضلاله وإفلاسه من العلم والهدى فإن هذه العبارة لا تصدر عمن ~~عرف الإسلام والتوحيد ولا من عرف الاعتزال والسنة، وما يراد بهما عند أهل ~~العلم، فإن الاستمداد من الأموات ودعائهم هو طلب المدد بما شأنه أن يستمد ~~ويطلب فيدخل تحت هذه العبارة كل مطلوب ومرغوب من أمر الدنيا والآخرة وهذا ~~هو دين المشركين من الكتابيين والأميين، قال تعالى فيمن دعا الأنبياء ~~والملائكة والصالحين واستمد منهم: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} (1) ~~. # قالت (2) طائفة (3) من السلف: نزلت هذه الآية فيمن يدعوا الملائكة ~~والمسيح وأمه وعزيرا وصالح الجن فأخبرهم تعالى أن هؤلاء المدعوين عبيده كما ~~أن الداعين لهم كذلك يرجون رحمته ويخافون عذابه، ومن كانت هذه حاله وهذا ~~نعته فلا يدعي مع الله ولا يرجى من دونه لأن الدعاء هو العبادة PageV01P050 # وهي حق الله لا يليق صرفها لغيره لكمال غناه، وعلمه وقدسيته ورحمته ~~وقيوميته وانفراده بالتأثير والتدبير وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من ~~شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} (1) . # (قال الشيخ رحمه الله تعالى) : قال بعض السلف: هذه الآية تقطع عروق الشرك ~~فإنه تعالى نفى عمن دعاه المشركون أن يكون له من الملك شيء ولو مثقال ذرة ~~ونفى ms04 مشاركته ولو قلت ونفى أن يكون له ظهير يعاونه ويؤازره لكمال غناه ~~وعلمه ورحمته وعموم قيوميته ثم نفى الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ففي هذا من ~~صرف الوجوه إليه وترك التعلق على غيره (2) كائنا من كان ما لا يخفى على من ~~عقل عن الله، وقال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} (3) . # فذكر عجزهم عن خلق الذباب الذي هو من أضعف المخلوقات وأخبر أنه لو سلبهم ~~شيئا لم استطاعوا استنقاذه منه وهذا غاية في الحجة والبيان وتقرير ضعف من ~~دعا مع الله ممن يستمد منه عباد القبور ومن يدعوا الأموات لأن العجز عن خلق ~~الذباب وصف مشترك بين جميع المخلوقات، فدلت هذه الآية الكريمة مع اختصار ~~لفظها على إبطال دعوة كل مخلوق وقررت دليله بذكر العجز عن خلق الذباب ~~واستنقاذ ما سلب فأي شيء يستمد ويطلب ممن هذا حاله؟، فالحمد لله الذي جعل ~~كتابه تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة PageV01P051 # وبشرى للمسلمين، وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} ~~(1) . # وطلب الاستمداد دعاء بإجماع أهل اللغة والمفسرين قال تعالى: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} (2) فأمر بدعائه وندب عباده إليه، كما ~~قال في الآية الأخرى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (3) . # ومن دعا الناس إلى الاستمداد من الأموات ودعاءهم فقد شاق الله ورسوله ~~وسعى في صرف الوجوه عن مسألة باريها وفاطرها إلى مسألة مخلوق ضعيف لا يملك ~~ولا يستطيع لنفسه نفعا ولا ضرا وكيف يجيز لاستمداد من الأموات؟ (4) والرغبة ~~إليهم من يؤمن بما أنزل الله من الكتاب والحكمة؟ قال تعالى: {وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (5) ~~قيل معناها: سلوني أعطكم، وقيل معناها: اعبدوني أثبكم، والقولان متلازمان ~~لأن كل سائل عابد وكل عابد سائل، وقال تعالى: ms05 {يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له ~~الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ~~ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} ~~(6) فنفى عنهم الملك لشيء وإن قل كالقطمير الذي هو قشر النواة، وذكر أنهم ~~لا يسمعون دعاءهم (7) وأنهم لو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ما استجابوا ~~لداعيهم، فأي استمداد يبقى بعد هذا لو كانوا PageV01P052 # يعلمون فكل من سمع هذا وله قلب يعقل به لابد أن يعرف ويستيقن أن هذا غاية ~~في البيان والكشف عن حال من استمد منه المشركون أو زعموا أن له تصرفا أو ~~شفاعة ترجى منه وتطلب، وقال تعالى: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره ~~الكافرون} (1) فأمر عباده بإخلاص الدين له والدعاء، وطلب الاستمداد من أكبر ~~أصول الدين، فمن صرفه لغيره تعالى فهو غير مخلص له الدين لأن الدعاء من أجل ~~العبادات وأفضل الطاعات كما في حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" (2) وفي حديث أنس: "الدعاء مخ ~~العبادة" (3) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد ~~الدين" (4) ، وبهذا نعلم أن من أجاز صرفه للأموات فهو ممن يجيز دين ~~المشركين وأن يعدل (5) لله رب العالمين. # وذكر البخاري رحمه الله وغيره أن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس في ~~خلافته ولم يستمد السقيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم أقره ورضيه ~~ومضت السنة على ذلك سلفا وخلفا ولم ينقل عن أحد ممن يعتد به عند المسلمين ~~حرف واحد يدل على جواز الاستمداد من الأموات بل لما وقع بعد القرون المفضلة ~~من العامة استمداد الأموات كفرهم أهل العلم والإيمان وأنكروه أشد ~~PageV01P053 # الإنكار وذكروا أنه فعل عابد الأصنام قال الإمام ابن عقيل (1) في (فنونه) ~~: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم ~~أوضاع وضعوها هم لأنفسهم فسهلت عليهم إذ ms06 لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم وهم ~~عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وتخليقها وطلب الحوائج من الموتى، ~~ودس الرقاع في القبور، فيها يا مولاي افعل بي كذا، وقال شيخ الإسلام ابن ~~تيمية: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر ~~إجماعا فحكى الإجماع على كفر من فعله. # وقال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في رده على السبكي: قوله أي قول ~~السبكي: المبالغة في تعظيمه أي تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة، ~~يريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما حتى الحج إلى قبره والسجود ~~له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به ~~من دون الله الضر والنفع وأنه يقضي الحوائج للسائلين ويفرج كربات ~~المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل من يشاء الجنة، فدعوى المبالغة في ~~هذا التعظيم مبالغة في الشرك (2) PageV01P054 # PageV01P055 # وانسلاخ من جملة الدين، وهذا اعتقاد عباد القبور فيمن هو دون الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فضلا عن # الرسول، والأمر أعظم وأطم من ذلك. # وفي الفتاوى البزازية من كتب الحنفية قال علماؤنا من قال: أرواح المشايخ ~~حاضرة تعلم يكفر، فإن أراد بالعلماء علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع على ~~كفر معتقد ذلك وإن أراد علماء الحنفية خاصة فهو حكاية لاتفاقهم. # وفي شروح الدر المختار الذي هو عمدة الحنفية في هذه الأعصار: التشنيع ~~والتشديد في ما أحدثه العامة عند قبر أحمد البدوي (1) من التعظيم وطلب ~~الحوائج وإرخاء الستور وقال صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه الذي ألفه في ~~الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم ~~في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء ~~حوائجهم (2) مستدلين على أن ذلك منهم كرامة، وقالوا: PageV01P056 # منهم الأبدال ونقباء وأوتاد، ونجباء وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، ~~والقطب هو الغوث للناس وعليه المدار بلا التباس وجوزوا لهم الذبح والنذور، ~~وأثبتوا فيهما الأجور وقال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك ~~الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من ms07 روائج الشرك المحقق ومضادة الكتاب ~~العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة. # وفي التنزيل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (1) إلى أن قال: (الفصل ~~الأول فيما انتحلوه من الإفك الوخيم والشرك العظيم، إلى أن قال: فأما ~~قولهم: (إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات) فيرده قوله تعالى: ~~{أإله مع الله قليلا ما تذكرون} (2) وقوله: {ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين} (3) ولله ملك السماوات والأرض ونحوه من الآيات الدالة ~~على أنه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير ولا شيء لغيره في شيء ~~بوجه من الوجوه فالكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا وإحياء وإماتة وخلقا ~~وتمدح الرب بانفراده في ملكه بآيات من كتابه كقوله تعالى: {هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} (4) {والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} (5) ، وذكر آيات في هذا المعنى ثم قال: ~~فقوله تعالى في الآيات كلها: {من دونه} أي من غيره فإنه عام يدخل فيه من ~~اعتقدته من ولي، وشيطان تستمد، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره؟ ~~إلى أن قال: فكيف يتصرف لغيره من لا يمكن أن يتصرف لنفسه؟ إن هذا من ~~السفاهة لقول وخيم وشرك عظيم إلى أن قال: وأما القول: بالتصرف بعد الممات ~~فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في PageV01P057 # الحياة، قال جل ذكره: {إنك ميت وإنهم ميتون} (1) وقال جل وعلا: {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (2) . # {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (3) ، {كل نفس بما ~~كسبت رهينة} (4) ، وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ~~صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح ms08 يدعو له (5) . # فجميع ذلك هو ونحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، فإن أرواحهم ~~ممسكة، وإن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف ~~في ذاته فضلا عن غيره بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر ~~فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟ فالله سبحانه يخبر أن الأرواح ~~عنده وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة، {قل أأنتم أعلم أم ~~الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون} (6) ~~قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغلطة لأن ~~الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أوليائه لا قصد لهم فيه ولا تحري ولا ~~قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد بن خضير وأبي مسلم ~~الخولاني (7) PageV01P058 # قال: وأما قولهم يستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله، وأبدع ~~لمصادمة قوله جل ذكره: {من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} (1) . # وقال جل وعلا: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ~~لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين} (2) وذكر آيات في هذا المعنى ثم ~~قال: فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف PageV01P059 # للضر لا غيره وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب، وأنه المنفرد بإجابة ~~المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر والقادر على ~~إيصال الخير فهو المنفرد بذلك فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي ~~وولي، قال: الاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في ~~قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوهم كقولهم يا لزيد ويا لقوم للمسلمين (1) ، ~~كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة ~~بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد من المرض وخوف الغرق ~~والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله فلا يطلب فيها غيره. # قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما ms09 تفعله جاهلية ~~العرب والصوفية الجهال وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات إلى أن ~~قال: من اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة ~~وقضاء حاجة تأثيرا فقد وقع في واد جهل خطير فهو على شفا حفرة من السعير. # وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشا لله أن يكون أولياء ~~الله بهذه المثابة فهذا ظن أهل الأوثان كذلك أخبر الرحمن: {هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون} (2) . # وقال أيضا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم ~~PageV01P060 # في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} (1) . # {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} (2) ، فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي ~~وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره ولا ~~خير إلا خيره، قال: وأما ما قالوه: من أن منهم أبدالا ونقباء وأوتاد ونجباء ~~وسبعين وسبعة وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس فهذا من موضوعات إفكهم ~~كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في سراج المريدين، وابن الجوزي، وابن ~~تيمية انتهى باختصار. # ومثل هذا يوجد في كلام غيرهم من العلماء، والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ~~ينكرون هذه الأمور ويبينون أنها شرك، وإن كان بعض المتأخرين ممن ينسب إلى ~~العلم والدين ممن أصيب في عقله ودينه قد يرخص في بعض هذه الأمور وهو مخطئ ~~في ذلك، ضال مخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~المسلمين فكل واحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا قول ربنا وقول رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فإن ذلك لا يتطرق إليه الخطأ بحال، بل واجب على الخلق إتباعه في ~~كل زمان، على أنه لو أجمع المتأخرون على جواز هذا لم يعتد بإجماعهم المخالف ~~لكلام الله، وكلام رسوله ms10 في محل النزاع لأنه إجماع غير معصوم، بل هو من زلة ~~العالم التي حذرنا من اتباعها. # وأما الإجماع المعصوم فهو إجماع الصحابة والتابعين وما وافقه وهو السواد ~~الأعظم الذي ورد الحث على اتباعه وإن لم يكن عليه إلا الغرباء الذين أخبر ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا كما بدا فطوبى للغرباء" (3) لا ما كان عليه العوام والطغام، والخلف ~~المتأخرون الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. PageV01P061 ### | تنبيه # اعلم أن المشركين الأولين لا يقولون بجواز الاستمداد في كل شيء، وكل ~~مطلوب كما تقتضيه عبارة هذا المعترض لأن الله تعالى حكى عنهم في كتابه أنهم ~~يخلصون الدعاء والطلب في الشدة والضراء كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الأنسان ~~كفورا} (1) وقال: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} (2) . # وبهذا نعلم أن قول هذا المعترض شر من قول المشركين الأولين والله تعالى ~~المستعان وسيأتي مزيدا لهذا عند الكلام على مسألة التصرف إن شاء الله ~~تعالى، وقوله إن المنكرين للاستمداد مطلقا معتزلة ومن قصره على الأنبياء ~~ليس معتزليا، وأظنه سمع إنكار المعتزلة للكرامات وإثبات بعضهم المعجزات فقط ~~فظن أن هذه هي مسألة الاستمداد، وهذا جهل عظيم وخلط وخيم، بل مسألة ~~الاستمداد من الأموات نوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفر ولم يجزه أحد ممن ~~ينتسب إلى الإسلام لا المعتزلة ولا غيرهم بل كلهم مجمعون على تكفير من فعله ~~كما تقدمت حكاية الإجماع عن شيخ الإسلام PageV01P063 # وليس هذا من المسائل التي تختلف فيها الأمة سنيهم وبدعيهم بل هذه من أكبر ~~دعائم الملة وأعظم أركان الإسلام لا يخالف فيها من عرف الإسلام وما جاءت به ~~الرسل الكرام ولكن الرجل غلبت عليه العجمة فلم يفرق بين الاعتزال وبين ~~الشرك الذي هو الاستمداد من غير الله، قال الحسن رحمه الله: دهمتهم العجمة ~~(1) ، وقال أبو عمر وابن العلاء ms11 لعمر وابن عبيد: لما قال له: إن الله لا ~~يخلف وعده قال له: من العجمة أتيت إن هذا وعيد لا وعد وأنشده: # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # قال المعترض: الشبهة الأولى أن الموتى لا سماع لهم) ، لقوله تعالى: {وما ~~أنت بمسمع من في القبور} (2) وقوله تعالى: {إنك لا تسمع PageV01P064 # الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} (1) . # وإذ لا سماع لهم فلا استمداد، وهكذا نقل المعترض ثم قال: وأجيب على أن ~~الآيتين لا تدلان على نفي السماع من الأموات لأن مبناهما على التشبيه ~~والتمثيل والمراد هنا الكفار حقيقة، ووجه الشبه عدم الانتفاع بالسماع، وعدم ~~الإجابة، فكما أن الأموات لا ينتفعون بسماع ولا يجيبون كذلك الكفار لا ~~ينتفعون بسماع الموعظة، ولا يجيبون للحق فيتبعونه فكأنهم أموات، قال صاحب ~~معالم التنزيل (2) في تفسيره قوله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى} أي الكفار، ~~وقال القاضي في تفسيره في سورة النمل: إنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم ~~لما يتلى عليهم كما شبهوا بالصم في قوله تعالى: {ولا تسمع الصم الدعاء} # فإن إسماعهم في هذا الحال أبعد. # ثم ساق حديث قتادة في سماع أهل القليب، وحديثا في سماع الميت كقرع النعال ~~وحديث بريدة، وحديث ابن عباس في التسليم على الموتى. # وأطال الكلام بما لا طائل تحته، وكلامه يدل على عدم علم قائله وعدم شعوره ~~بأدلة خصمه، فإن نفي الاستمداد من الموتى ودعائهم عليه من الأدلة ما لا ~~يمكن حصره ولا استقصائه. # وعبارته التي ساقها في نفي انتفاع الموتى بالسماع، وبما يتلى عليهم ~~PageV01P065 # كافية في إبطال الاستمداد من الموتى، وطلبهم، والاستعانة بهم وهذا والله ~~أعلم هو مراد من نفي السماع عنهم ممن حكى قولهم الفارسي وتصدى للرد عليهم، ~~ولا نعلم قائلا ينفي سماع الموتى إلا بهذا المعنى. # وما حكي عن أم المؤمنين في إنكار السماع ثبت رجوعها عنه لما بلغتها ~~الأحاديث المثبتة فإذا عرفت أن نفي السماع يطلق على من لم ينتفع ولا يجيب ~~وعرفت أن هذا هو الوجه في تشبيه من لم ينتفع ms12 بسماع آيات الله من الكفار ~~والفساق بالموتى عرفت حينئذ وتبين لك أن عدم انتفاع الأموات بالسماع من ~~أوضح الحجج والبيانات على أن الميت لا يدعى ولا يستمد منه لأنه إذا ثبت أنه ~~لا ينتفع وأنه هو المشبه به بطل استمداده، واستحالة إجابته. # وفي الحديث الصحيح: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية ~~أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) فإذا انقطع عمله وكسبه لنفسه ~~وعجز عن ذلك، وحيل بينه وبينه فكيف يمد غيره؟ ويتصرف في شيء من ملك الله: ~~{سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا ~~يكفرون} (2) . # واعلم أن مسألة السماع فيها كلام للمحققين لا يحيط به علما إلا من فقه عن ~~الله قلبه ودق في باب العلم نظره، وفهمه، وأما غليظ الطبع، قليل العلم ~~باللسان فهو بعيد عن إدراك هذا الشأن، فتأمل قوله تعالى: {والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا ~~لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} (3) PageV01P066 # فإن هذا فيه دعوى نفي الإجابة فقط مع بقاء أصل السماع لئلا يتحد فعل ~~الشرط وجوابه، والأظهر أن سماع الميت مقيد بحال دون حال لا في جميع حالاته ~~كما يشير إليه قول قتادة من أهل القليب، وحال الأموات يختلف اختلافا كبيرا ~~(1) . # وللأرواح بعد مفارقة هذا الجسم شأن لا يحيط بتفصيله إلا الله تعالى، ~~وأيضا فالفرق بين القرب والبعد ثابت عند الأئمة (2) القائلين بسماع الموتى، ~~ومن زعم أم الاستمداد منهم جائز لا يفرق بين القريب والبعيد كما هو مشاهد ~~ممن يدعوا الأنبياء والصالحين ويستمد منهم، وأفضل الخلق صلى الله عليه وسلم ~~قد ثبت أنه يبلغ صلاة أمته مع البعد عن قبره ولا يسمعه فكيف بغيره؟ ~~والاستمداد من الأموات هو ms13 أصل شرك العالم وضلالهم (3) كما ذكر غير واحد في ~~تفسير قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا} (4) . # فإن هذه الأسماء رجال صالحين كانوا في قوم نوح فماتوا فعكفوا على قبورهم ~~وصوروا تماثيلهم بقصد التشويق إلى العبادة ومحبة الصالحين فلما مات أولئك ~~ونسي العلم قال من بعدهم إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم. # وهو كما ترى صريحا (5) في أنهم عبدوا لأجل الاستمداد واستسقاء ~~PageV01P067 # المطر، وذكر أبو الجوزاء عن ابن عباس (1) في قوله تعالى: {أفرأيتم اللات ~~والعزى} (2) قال كان اللات رجل يلت السويق للحجاج فعكفوا على قبره انتهى، ~~ولم يقصد هؤلاء سوى الاستمداد بالموتى والصالحين، وطلب جاههم وشفاعتهم، ~~ولولا ذلك لم تعبد وهذا مطلوب كل مشرك كما قال الفرابي وابن سينا وغيرهما ~~من أكابر المشركين: إن الميت المقرب يفيض على روحه إفاضات فإذا علق الزائر ~~قلبه وهمته به فاض على روح الزائرين من روح المزورين تلك الإفاضات كما ~~ينعكس النور والشعاع من الجسم الصافي في المقابل، وهذا محض الشرك والكفر ~~فإن تعليق القلب والهمة بغير الله والإقبال على سواه تعالى هو عين الشرك ~~الأكبر الذي أنكره القرآن وكفر أهله وأباح دمائهم وأموالهم لأهل التوحيد ~~والإيمان قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} (3) وقال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} (4) وقال عن شعيب: # {عليه توكلت وإليه أنيب} (5) والفرابي (6) وابن سينا من عباد الكواكب ومن ~~الدعاة إلى دين الصابئة المشركين الذين بعث فيهم إبراهيم الخليل كما يعرف ~~ذلك من وقف على كلامه. PageV01P068 # تتمة # ما تقدم لك من حكاية قول المشركين واستمدادهم بالموتى والصالحين أخف ضررا ~~وأقل كفرا ممن قال: يستمد من الأولياء والصالحين كما زعمه الفارسي فإن هذا ~~شرك في الربوبية والتدبير وذاك شرك في الألوهية والعبادة فلا تغفل عن غليظ ms14 ~~شركهم وعظيم إفكهم. # فصل # قال الفارسي: الشبهة الثانية أن الموتى لا علم لهم بأحوالنا لأن العلم ~~بالغيب مختص به تعالى ليس لغيره لقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (1) وقوله تعالى: {قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} (2) وقوله تعالى: ~~{قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} ~~(3) ، وقوله تعالى: {ولو كنت أعلم الغيب PageV01P069 # لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} ~~(1) ، إلى غير ذلك من الآيات مما يدل على نفي الغيب عما سواه تعالى. وإذا ~~كان كذلك فكيف يستمد مما لا علم له بأحوالنا خصوصا بعد الموت؟ " قال الشيخ ~~المحقق عبد اللطيف ". # قال المعترض: وأجيب بأنها إنما تدل على ثبوت العلم بالغيب له تعالى لذاته ~~بذاته بمعنى أنه لا يحصل له من غيره ولا تدل عن نفيه من عباده مطلقا بل ~~يجوز أن يحصل لهم مستفادا من الله بأن يخلقه تعالى فيهم بلا سبب أو ~~بالأسباب الخفية كالوحي والإلهام والرؤيا الصالحة والمشاهدة الحقة كما يدل ~~عليه الاستثناء في قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع ~~كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (2) . # وقوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} (3) قال القاضي في تفسيره (4) الأول ~~إلا بما شاء أن يعلم وقال في تفسيره الثاني من رسول بيان لمن، قال: واستدل ~~به على إبطال الكرامات وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير ~~واسطة، وكرامات الأولياء بإطلاعهم على المغيبات إنما يكون تلقيا من ~~الملائكة كاطلاعنا على أحوال الآخرة بواسطة الأنبياء عليهم السلام ms15 انتهى. # ثم ساق الفارسي ما جاء في مناقب عمر رضي الله عنه أنه رأى سارية من مسافة ~~بعيدة لا يرى ولا يسمع من مثلها في العادة فناداها يا سارية الجبل، ثم قال: ~~إذا علمت أن العلم (5) قد يحصل لعباد الله الصالحين PageV01P070 # بإعطائه إياه، والعلم صفة للنفس ينعم الله تعالى عليهم بها وهي باقية بعد ~~مفارقة البدن فيجوز أن يكون حاصلا لهم بعدها على وجه أتم وأكمل لأنها بعد ~~المفارقة تتخلص عن الكدورات البدنية وتنقشع عنهما الظلمات الجسمية، {ذلك ~~بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله ~~سميع عليم} (1) . # فكيف بقوم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم حتى اشتعلت في قلوبهم من ~~كثرة الذكر نار الشوق والمحبة واشتد حبهم يوما فيوما فزادوا حبا على حبهم ~~وشوقا على شوقهم فيصيروا فانين في الله باقين به فبالله يسمعون وبه يبصرون ~~وبه يبطشون ذلك فض الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # وإذا كان حالهم في الحياة كما ذكرنا فأي سبب حدث وأزال عنهم كراماتهم؟، ~~قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (2) أي ~~الذين يتولونه بالطاعة، ويتولاهم بالكرامة لا يلحقهم مكروه ولا يفوتهم ~~مأمول، هكذا فسره القاضي في تفسيره ثم ساق الفارسي آثارا تروى منها حديث ~~أنس في عرض أعمال الأحياء على أقاربهم وعشائرهم من الموتى، وحديث أبي أيوب، ~~وحديث جابر، وحديث النعمان. # والمعنى متقارب، ثم ذكر عن المشكاة: إذا قال العبد: السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، ثم قال الملا قاري ~~(3) في المرقاة في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تجعلوا قبري عيدا فإن ~~PageV01P071 # صلاتكم تبلغني حيث كنتم" إنه قال القاضي: وذلك أن النفوس الزاكية القدسية ~~إذا تجردت عن العلائق البدنية عرجت واتصلت بالملأ الأعلى ةلم يبقى لها حجاب ~~فترى الكل كالمشاهدة بنفسها أو إخبار الملك من السر له وأيضا قال في ~~المرقاة في شرح حديث: "إن من أفضل أيامكم يوم ms16 الجمعة فأكثروا علي فيه من ~~الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي": يعني على وجه القول فيه وإلى فهي دائما ~~تعرض عليه بواسطة الملائكة إلا عند روضته فيسمعها بحضرته ثم قال في شرح آخر ~~الحديث: وأما على ما قدمه الطيب فإنما يفيد حصر العرض والسماع بعد الموت ~~بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وليس المر كذلك فإن سائر الأموات أيضا ~~يسمعون السلام والكلام وتعرض عليهم أعمال أقاربهم في بعض الأيام انتهى ~~المقصود من كلامه (قال المدرك رحمه الله) : # والجواب وبالله التوفيق أن يقال: هذه المسألة بينها الله تعالى في كتابه ~~بيانا شافيا بنصوص صريحة لا تحتمل التأويل ولا تقبل التحريف والتبديل، ~~وتأويل هذا الفارسي لتلك النصوص من جنس تأويل الجهمية لآيات الصفات ~~وأحاديثها، ومن جنس تحريف القرامطة والباطنية لآيات الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد ومتى سلط التأويل على أديان الرسل وما جاؤوا به من عند الله لم يبق ~~شيء منها فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلال بعد الهدى ومن الغي ~~بعد الرشاد قال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} (1) الآية، ~~وقال جل وعلا: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} (2) الآية، ~~وقال سبحانه: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} (3) الآية ~~PageV01P072 # وقال لنبيه: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} (1) ، وقال: {ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح ~~البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير} (2) ، وقال جل وعلا: {ولله غيب ~~السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما ~~تعملون} (3) ، وقال: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته ~~فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} (4) ، ~~وقال تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ms17 ~~ذلك على الله يسير} (5) . # فمدح الله تعال نفسه وأثنى عليها بانفراده واختصاصه بعلم الغيب دون خلقه ~~فإن كمال العلم وإحاطته بجميع المعلومات كلياتها وجزئياتها وصف كمال استحق ~~به تعالى أن يطاع ويتقى ويرجى ويعبد. # وعلم الخلائق أجمعين بالنسبة إلى علمه تعالى كنسبة ما يأخذه العصفور في ~~منقاره من البحار كما في قصة موسى والخضر أنهما لما ركبا في السفينة جاء ~~عصفور فنقر في البحر فقال الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما ~~ينقص هذا العصفور من البحر فمن تقرر هذا لديه وآمن بما دل عليه لم يلتفت ~~إلى تحريف معطل ولا إلى رأي مجادل مبطل. # فقول هذا الفارسي وأمثاله إنها إنما تدل على ثبوت العلم بالغيب له تعالى ~~لذته بذاته بمعنى أنه لا يحصل له من غيره ولا تدل على نفيه من عباده ~~PageV01P073 # مطلقا قول باطل وتحريف عاطل فإن بعض هذه الآيات صريحة في النفي عن غيره ~~تعالى وإثبات ذلك له تعالى فدلت على أمرين نفي وإثبات وحق وعدل كما دلت ~~عليه كلمة الإخلاص ومن قال: إن المعنى أنه يعلم بنفسه وليس في ذلك نفي عمن ~~سواه تعالى فهو كمن يقول: إن لا إله إلا الله دلت على إثبات إلهيته وليس ~~فيها نفي لإلهية غيره تعالى الله عن قول هؤلاء علوا كبيرا، وهذا التحريف من ~~وحي الشيطان الذي قصد به رد ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله، ومن دان به ~~فقد انسلخ من الإسلام والعياذ بالله ولا يمر على سمع الموحد أسذج من هذا ~~التحريف وأشنع منه. # ومن الذي ادعى أن علمه تعالى حاصل له من غيره؟ حتى يقصد رد قوله بهذه ~~الآيات؟ هذا لا يقوله أحد ممن أثبت للعالم صانعا مدبرا وأين قوله تعالى: ~~{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} (1) ، من هذا المعنى الذي أورده ~~الفارسي؟ فإن صريح الآية نفي علم مفاتح الغيب عن غيره وكذلك قوله تعالى: ~~{قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} (2) ، فيه نفي علمه عن ~~كل من ms18 في السماوات والأرض الغيب إلا الله تعالى، وهي صريحة في النفي عن ~~غيره كالتي قبلها فكلاهما دل على معنيين: ثبوت علمه بذاته ونفي ذلك عمن ~~سواه، وأبطل شيء قول الفارسي بأنها لا تدل على نفيه عن عباده وكذلك قوله ~~لنبيه: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} (3) الآية صريحة ~~في نفي علم الغيب عن سيد ولد آدم فضلا عن غيره وكذلك قوله تعالى: {ولله غيب ~~السماوات والأرض} (4) ، تقدم الجار والمجرور يفيد الحصر والاختصاص فعلم ~~الغيب له لا لسواه. # وقوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب ~~إن ذلك على الله يسير} (5) هذا يفيد اختصاصه تعالى وانفراده بعلم الغيب لأن ~~السياق لبيان الكمال والمدح والثناء على نفسه تعالى ولو ثبت ذلك ~~PageV01P074 # لغيره لفات المقصود من السياق وكذلك قول المسيح يشير إلى هذا كما يدل ~~عليه إقحام (1) الضمير بين خبر إن واسمها وكما يفيد التأكيد بإن. # وفي الخبر عن جويرية رضي الله عنها: تغنت بقولها- والصحيح أنها لم تغن ~~ولكن جاريتين تغنتا عندها كما في صحيح البخاري-: " وفينا رسول الله يعلم ما ~~في غد فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: دعي هذا وقولي غيره " ~~وفي حديث عمر في سؤال جبريل (2) عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له في خمس لا يعلمهن إلا الله وتلا قوله ~~تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} (3) ~~PageV01P075 # وقالت عائشة رضي الله عنها: (من زعم أن محمد رأى ربه فقد كذب ومن زعم أن ~~أحد يعلم الغيب فقد كذب) (1) وما دلت عليه الآيات من الاستثناء في بعضها ~~كقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} (2) وقوله جلت قدرته: ~~{عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} (3) الآية، فهذا ~~يدل على أمرين: تأكد النفي ms19 وتحققه، وإخراج بعض الأفراد التي يعلمها من شاء ~~الله كما يعلم بالوحي ونحوه (4) . # والواجب على الناس اتباع ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الكتاب PageV01P076 # والحكمة وترك من انتحله المبطلون من رد النصوص بأنواع التحريفات ~~والتأويلات المصادمة لمدلول النصوص، وتأمل قوله تعالى: {الحمد لله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ~~ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو ~~الرحيم الغفور} (1) ، كيف تجد تحته من إثبات الحمد والثناء المطلق على نفسه ~~المقدسة بما دلت عليه هاتان الآيتان الكريمتان (2) ، ولو قيل بمشاركة غيره ~~في ذلك لفات الحمد المقصود ولما تأتى هذا الثناء بما يشاركه فيه مخلوق ضعيف ~~قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما ~~نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم أو كما قال: وقد ذم الله اليهود ~~بتحريف الكلم عن مواضعه فقال تعالى: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في ~~الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن ~~لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} (3) . # وفي الحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم خذوا القذة بالقذة حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى قال: (فمن) ؟ " (4) ~~PageV01P077 # فهذا التحريف إنما عرف عن اليهود، وأن ما جاء من الاستثناء في بعض الآيات ~~كقوله: في آية الكرسي: # {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض} (1) ، ~~وقوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} (2) ، ~~وكذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن أشياء وقعت فيما مضى، إخباره عن أشياء ~~تقع في أمته فهذا ونحوه أمر جزئي بالنسبة إلى ما اختص الله بعلمه كما مر في ~~حديث موسى وقول الخضر له: ما نقص علمي وعلمك من علم الله ms20 إلا كما نقص هذا ~~العصفور من البحر، وهذا بالنسبة إلى علم الله وإن كثر واتسع بالنسبة إلى ~~علوم الخلق فإن ما يحصل لرسول الله من العلوم والمعارف لا نسبة بينه وبين ~~علم الله الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، وهذا الجزئي لا يفيد ~~أن من علمه فقد علم الغيب أو أنه ناسخ للنصوص العامة المطلقة: غاية ما هناك ~~إثبات ما دل عليه استثناء في الآيات كبعض الأفراد الجزئية وهو لا يمنع ~~العموم بل العام باق على عمومه (3) كما لا يخفى على من له أدنى فهم، وبهذا ~~تعلم PageV01P078 # بطلان دعوى هذا الفارسي وأمثاله أن الأموات يعلمون الغيب فإن هذه الدعوة ~~مصادمة ومصادرة لما مر من النصوص ولأن الغيب اسم يقع على كل ما غاب عن ~~الخلق من العلوم والمعارف، وما كان وما يكون وما لم لكن كيف يكون كما قال ~~العلامة ابن القيم في معنى اسمه العليم شعرا: # وهو العليم أحاط علما بالذي ... في الكون من سر ومن إعلان # وبكل شيء علمه سبحانه ... فهو المحيط وليس ذا نسيان # وكذاك يعلم ما يكون غدا وما ... قد كان والموجود في ذا الآن # وكذاك أمر لم يكن لو كان ... كيف يكون ذا إمكان # فمن عرف هذا عرف أنه لا يجوز إطلاق القول بجواز حصول علم الغيب لأحد من ~~الخلق، ومن المستحيل عقلا وشرعا وجود من يعلم كعلم الله: {ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير} (1) ، ومن جهل هؤلاء القبوريين إطلاق هذه العبارة ~~الموهومة والترويج على العوام بأن الاستثناء يدل على أن الأولياء يعلمون ~~الغيب، وهذا كما ترى من أعظم الجهل وأقبحه، قال العماد ابن كثير في تفسير ~~قوله تعالى: {قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب} ~~(2) ، في هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله الكثير من ~~الجهلة من أنه عليه الصلاة والسلام (لا يؤلف تحت الأرض) كذب لا أصل له ولم ~~نره في شيء من الكتب وقد كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن ms21 الساعة فلا يجيب ~~عنها فلما تبدا له جبريل عليه السلام في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: ~~يا محمد أخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل: وقال في ~~قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} (3) ~~هذه كقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} (4) ، وهكذا قال ~~ههنا إنه يعلم الغيب والشهادة حتى أنه لا يطلع PageV01P079 # أحد من خلقه على شيء من علمه إلا بما أطلعه تعالى عليه ولهذا قال: {فلا ~~يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} (1) ، وهذا الرسول ملكي وبشري ~~(2) ، ثم قال تعالى: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا} ، أي يختصه بمزيد معقبات من الملائكة ليحفظوه من أمر الله ويساوموه ~~على ما معه من وحي الله ولهذا قال: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط ~~بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ، ثم ذكر الأقوال في مرجع الضمير في قوله: ~~{ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} ، قلت: فتأمل سياق الآية فإنه بدأ (3) ~~الكلام بقول: {قل إن أدري أقريب ما توعدون} ، فنفى من علمه بقرب ما يوعدون ~~وهو الساعة وذكر بعد هذا علمه تعالى، وأنه لا يظهر عليه أحدا من خلقه إلا ~~من ارتضى من رسول ملكي أو بشري، وذكر الحرس والرصد الذين يكونون بين يديه ~~ومن خلفه وهم المعقبات الذين يحفظونه من أمر الله، ثم قال: {ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم} ، فعقد السياق فيه دلالة وبيان للمعنى المراد من ~~الاستثناء وأن ذلك هو وحيه الذي يوحيه إلى رسله من كلامه ورسالته وهي ~~بالنسبة إلى علم الله كنقطة من بحار الدنيا في جنب تلك البحار. # وأعظم من ذلك قوله تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} (4) . ~~PageV01P080 # فإذا كان هذا الحال بكلامه فما ظنك بعلمه تبارك وتعالى، فمن زعم أن أحدا ~~يعلم جميع الغيب ms22 فقد أساء الأدب على الله تعالى وتقدس وما قدروا الله حق ~~قدره. # وكذلك كرامات الأولياء دون ما ثبت للأنبياء بكثير بل لا نسبة بينها وبينه ~~لا في الكمية ولا في الكيفية. # وقول الفارسي نقلا عن البيضاوي (1) واستدل به على إبطال الكرامات وجوابه ~~يختص الرسول بالملك، والإظهار إنما يكون بغير واسطة، وكرامات الأولياء ~~باطلاعهم على المغيبات إنما يكون تلقيا من الملائكة كاطلاعنا على أحوال ~~الآخرة بواسطة (2) الأنبياء عليهم الصلاة والسلام انتهى. # وهذا الكلام فيه نظر ظاهر فإن الرسول أعم من الملكي والبشري وعبارة السلف ~~دالة على ذلك، والإظهار أعم من أن يكون بواسطة أو بغيرها وأكثر الرسل إنما ~~يظهرهم على ذلك بالوسائط كما قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} (3) ~~. # واطلاع الأولياء على شيء من الغيب هو من الإلهام الذي تضمنه الوحي لا ~~يتقيد بالتلقي عن الملك كما قال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ~~فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه PageV01P081 # إليك وجاعلوه من المرسلين} (1) ، وهو أعم من أن يكون بواسطة أو بغيرها ~~فكلام البيضاوي مردود، والمعروف في حد الكرامة أنها خرق الله العادة لوليه ~~من غير ادعاء التحدي كما في قصة عمر وقصة آصف وقصة مريم وكما يذكر عن أبي ~~إدريس الخولاني وعن أبي العلاء الحضرمي وأمثالهم (2) PageV01P082 # وذلك ونحوه داخل في عموم قوله تعالى: {إلا بما شاء} ، وقد دخل فيه ما ~~يحصل للأنبياء بواسطة وبغير واسطة، وكذلك لا يقال: إن أحدا ثبت له هذا ~~بجميع أنواع الغيب كلية وجزئية لأن ذلك لا يكون إلا لله كما قال عن ~~الملائكة: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} (1) ، ~~وقال عن المسيح: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب} (2) ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم ms23 الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ~~إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} (3) . PageV01P083 # ولا عبرة هنا بالمكابرة والدعوى المجردة عن الدليل والبرهان كقول بعض ~~الضالين إن ذلك يتأتى للأولياء على سبيل الكرامة فإن هذا لا دليل عليه من ~~كتاب ولا من سنة بل ولا قاله من يعتد به من هذه الأمة، وإنما يعرف عمن غلظ ~~عن معرفة الله ومعرفة حقه حجابهم وكثر في دينه وخبره ريبهم واضطرابهم وعجزت ~~عن معرفة قدره وعظمته وعموم علمه ألبابهم. # (قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله) : وأما قول الفارسي: العلم صفة للنفس ~~أنعم الله بها وهي باقية بعد مفارقة البدن فيجوز أن يكون حاصلا لهم بعدها ~~على وجه أتم وأكمل إلى آخر عباراته. # فيقال: هذا من عجائب جهلهم فإن الذي خلق الروح وصورها وعلمها وقبضها ~~وخلصها من الكدورات البدنية وقشع عنها الظلمة الجسمانية هو الذي أخبرنا أن ~~{عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر} الآية (1) ، ~~وأنه لا يعلم من في السموات وأرض إلا الله، وهو القائل لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك} ،وهو المخبر عن الملائكة الذين خلصوا من الكدورات وخلقوا من النور، ~~{قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} (2) وهو المخبر عن عبده ورسوله ~~المسيح بن مريم عليه السلام أنه يقول يوم العرض الأكبر: {وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} (3) ~~، وهو جل ذكره القائل: {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ~~فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون} الآية (4) ، فسبحان الله ما ~~أجهل من زعم علم الغيب لغيره تعالى من حي أو ميت PageV01P084 # وما أضله عن سواء السبيل، كيف يعارضون النصوص بهذا الكلام المموه المزخرف ~~ويعتمدون عليه؟ وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم؟ ويقال لهذا: قد تقدم من ~~الآيات والأحاديث ما يدل على أن الحي لا يعلم جميع الغيب وأن علمه ms24 وإن عظم ~~قدره بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما يأخذه العصفور في منقاره من البحر وإذا ~~كانت هذه حاله في الحياة فكيف بحاله بعد الممات وإطلاعه على بعض الجزئيات ~~لا يدل على علمه بجميع المغيبات، وأيضا فالذي ذكره الفارسي لا ينتج الدعوى ~~لأنها وإن تخلصت من الظلمات الجسمانية والكدورات البدنية فلم تخلص من ~~التبعات الكسبية وما اجترحته في الحيلة الدنيوية، وإن تخلصت على وجه الكمال ~~فهي مشغولة بما هي فيه من العالم الأخروي واللذة الحاصلة بالنعيم والجنة ~~والكرامة، وعالم الأرواح عالم عظيم وحالها فيه حال لا يدرك بمجرد العقل ~~والقياس وإنما يعرف بالنصوص الواردة في ذلك والدالة عليه. # (قال الشيخ عبد اللطيف) : وأما قوله (1) : {ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (2) إلى آخر ما قال من ذكرهم ~~الله واشتعال نار الشوق والمحبة في قلوبهم وأنهم يصيرون فانين في الله ~~باقين به، به يسمعون وبه يبصرون ونحو ذلك، فمن احتج بهذا على أنهم يعلمون ~~الغيب فهو كمن يحتج بهذا على أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون ويدعون لذلك، ~~ويقال لهذا المشبه: متى ثبت أن الله أعطى أحدا من خلقه علم الغيب كليه ~~وجزئيه في حياته أو بعد مماته ومن الذي أثبت هذا؟ حتى يقال: إن ذلك باق لهم ~~لا يغير مع أن بعض التغير وجنسه يحصل بالموت كالتغير من الحياة إلى الممات ~~ومن الوجود إلى الفناء، قال تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والأكرام} (3) ، وطرد كلام الفارسي أن يقال: إنهم باقون لأن الله لا ~~يغير PageV01P085 # نعمته عليهم، هذا لو فرض ثبوت ذلك في حال الحياة فكيف ذلك (1) ، قد ردته ~~النصوص والبراهين وكونهم يذكرون الله قياما وقعودا ويفنون به عما سواه ~~ويسمعون به ويبصرون ويبطشون فهذا يفيد تحقيق التوحيد ون أعمالهم وحركاتهم ~~خالصة لله وقعت بالله ولله فهم قد حققوا معنى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~(2) ، وهذا هو محض الإسلام وجزيل الفضل والإنعام. # وأصحاب هذه الأحوال وهذه المقامات تبقى كرامتهم في الدار الآخرة بمعنى ms25 ~~إثابتهم وعلو درجتهم ولذتهم بما حصلوه من حقائق المعارف ولطائف الكرامة (3) ~~وقوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (4) يدل على ~~هذا كما ذكره البيضاوي ونقله عنه الفارسي لكنه وضعه في غير موضعه واستدل به ~~على غير ما سيق له فإن المعنى الذي دل عليه كلام السلف أنهم لا خوف عليهم ~~مما أمامهم يقدمون عليه ولا يحزنون على شيء مما خلفوه وهذا لا دليل فيه على ~~أن أحدا يعلم الغيب، ثم ساق الفارسي آثارا تروى في عرض بعض أعمال الأحياء ~~(5) على أقاربهم وعشائرهم، من الموتى كحديث أبي أيوب وحديث جابر وحديث ~~النعمان والمعنى متقارب، وهذا لا يدل على الدعوى بوجه من الوجوه لأنه من ~~جنس اطلاع الحي على بعض الجزئيات، والكلام والبحث إنما هو في الكل والجميع ~~لا في بعض الجزئيات وليس هذا الجزئي ثابتا لكل أحد من الأموات فإن الأحاديث ~~لا عموم فيها ولا تدل عليه بل هي خاصة باطلاع البعض على بعض الأعمال لا ~~كلها. PageV01P086 # وأما فقر العبد وحاجته، ومصلحته، ومفسدته، وغير ذلك، وظاهر أمره وباطنه ~~وشاهده وغائبه فلا يعلمه إلا الله الذي يعلم السر وأخفى، ومن العجب استدلال ~~هؤلاء بما هو حجة عليهم لا لهم فإن هذه الأحاديث فيها أنه يعرض على الميت ~~عمل قريبه وولده وإذا كان يعرض عليه فعلمه قاصر على نفس المعروض لا يتعداه ~~إلى غيره وإذا اختص بالقريب ففيه التنبيه على أنه لا يعلم عمل غير قريبه ~~وإذا اختص بالعمل دل أنه لا يعلم غيره من عموم الأحوال، فالأحاديث والقرآن ~~حجة عليهم لا لهم والحمد لله. # وأما كلام الملا قاري في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري ~~عيدا فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"، قال نقلا عن القاضي: وذلك أن النفوس ~~الزكية القدسية إذا تجردت عن العوائق البدنية عرجت واتصلت بالملأ الأعلى ~~ولم يبق لها حجاب فترى الكل كالمشاهد بنفسها أو بإخبار الملك من السر له ~~فلعل هذا مبني على كلام ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة ms26 القائلين بأن الكتب ~~المنزلة فيض فاض من العقل (1) الفعال على النفس المستعدة الفاضلة ~~PageV01P087 # الزكية فتصورت تلك المعاني وتشكلت في النفس بحيث يتوهمها أصواتا تخاطبه ~~وربما قوي هذا الوهم حتى يراها أشكالات نورانية تخاطبه وربما قوي ذلك ببعض ~~الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج وهذا ~~يكون عندهم بتجرد النفس عن العلائق واتصالها بالمعارفات من العقول والنفوس ~~المجردة، وهذه الخصائص تحصل عندهم بالاكتساب ولهذا طلب النبوة من تصوف على ~~مذهب هؤلاء. # (وأقوال (1) هؤلاء دخلت على كثير من الناس) إما باطني ملحد أو جاهل ~~PageV01P088 # لا يدري أصول الأقوال ومذاهب الناس كشارح المشارق، وإذا كان هذا قولهم في ~~النبوة وأنها مكتسبة على هذا الوجه فلا يبعد أن يقولوا بأن الأرواح إذا ~~تجردت أدركت علم الغيب وصار الكل لها كالمشاهدة، فنعوذ بالله من زيغ ~~الزائغين وضلال الضالين وتحريف الملحدين وانتحال المبطلين، والذي جاء في ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الروح إذا تجردت عن الجسم حال ~~موته يعرج بها فإن كانت روحا طيبة فتحت لها أبواب السماء وعرج بها إلى الله ~~تعالى ثم تكون طائرا يعلق في شجر الجنة وأرواح الشهداء في جوف طير خضر تسرح ~~في الجنة، هذا الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله يعرف ذلك من عرفه من أهل ~~العلم والإيمان. # وأما هذه الأقوال المبتدعة التي لم تصدر عن معصوم بل ربما صدرت عمن لا ~~يحكم بإسلامه كابن سينا وأمثاله من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام وهم من ~~أبعد الخلق عنه وقد يقولها من يحسن الظن بهؤلاء ممن يخفى عليه حالهم ولا ~~دراية له بأقوال الخلق ومذاهبهم، والعصمة والسلامة في الاعتصام بحبل الله ~~الذي هو كتابه ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك أو خالفه ~~فلسنا منه في شيء. # قال الفارسي: الشبهة الثالثة أن الأنبياء لا تصرف لهم يعني لا قدرة لهم ~~على إيصال الخيرات ودفع المضرات في الحياة لقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} (1) ، {وإن ms27 يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور ~~الرحيم} (2) . # وإذا (3) كان حالهم هذا في الحياة فما ظنك بهم أو بغيرهم في الممات. ~~PageV01P089 # قال الفارسي: أجيب بأن المراد نفي المالكية الاستقلالية والقدرة الذاتية ~~الكاملة عن غيره تعالى لا مطلقا كما يدل عليه الاستثناء، وقال صاحب معالم ~~التنزيل: إلا ما شاء الله أن أملك فالآيتان ونحوهما تدل على أن ثبوت القدرة ~~الكاملة لله تعالى بذاته لا من غيره ولا تدل على النفي مطلقا بل يجوز أن ~~تكون حاصلة لعباده مفاضا منه ويجوز أن يكون للنفوس الكاملة تصرف في العالم ~~من جهته تعالى بأن يجعلهم متصرفين مدبرين بإذنه ويستجاب لهم دعائهم وتقبل ~~شفاعتهم وينفذ لهم تصرفاتهم، والمدبر المتصرف حقيقة هو الله، والأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام والأولياء في صدور التصرفات والكرامات عنهم في الظاهر ~~مظاهر لتصرفاته تعالى كالمرآة المجلوة المتصلة إذا استنارت من الشمس صارت ~~منورة للأجسام المظلمة ويجوز أن تكون حالهم بعد مفارقة أرواحهم عن الأبدان ~~في التصرفات كحالهم قبلها بل أتم وأصفى وأكمل وأجلى. # (قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله) : # والجواب عن هذا الكلام أن يقال: إن التصرف لفظ عام وعبارة مطلقة يدخل ~~فيها التدبير والتغيير وسائر أنواع الإيجاد والإحداث والإبداع والتأثير ~~والتسخير وغير ذلك من أفعال الربوبية التي تختص به تعالى وكذلك الأسباب ~~العادية التي تقع في عموم الخلق. # والأول هو الذي قصده بقوله: ودعوى حصول هذا لمخلوق مصادمة ومصادرة لنصوص ~~الكتاب العزيز المصدق وفتح لباب الإلحاد والشرك المحقق فإن هذا الأصل أعني ~~اختصاصه سبحانه بالخلق والإبداع والتدبير والتصريف هو أكثر أصول الإسلام ~~وجلها وقاعدته العظمى التي تدور عليها جميع الأحكام وجميع القرآن من أوله ~~إلى آخره يدل على هذا الأصل ويقرره وقد احتج به تعالى على وجوب عبادته ~~وطاعته وأنه الإله الحق دون ما سواه. PageV01P090 # وقال تعالى: {الحمد لله رب العالمين} (1) فأثنى على نفسه بعموم ربوبيته ~~المتضمنة لخلقه وتدبيره وإلهيته، وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ms28 ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء ~~بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله ~~أندادا وأنتم تعلمون} (2) . # وتأمل هاتين الآيتين كيف استدل فيهما بفعله وتدبيره وخلقه وتصريفه على ~~وجوب عبادته وتحريم اتخاذ الأنداد له وخص ما ذكر في الآية (الأخيرة) لأنه ~~أصل يندرج تحته ما سواه من الجزئيات ولأنه مشاهد محسوس يدركه كل أحد حتى ~~البليد الذي لا يدرك سوى الحسيات ولما في ذلك من بديع الصنع والإتقان وظهور ~~القدرة والشأن فجعل الأرض فراشا والسماء بناءا مع عظمهما وسعتهما وما أودع ~~فيهما من الآيات عجائب المخلوقات وأنواع التدبيرات الكليات والجزئيات ما ~~يدل على انفراده تعالى واختصاصه بهذا الأصل العظيم. # وفي (3) ذلك من إنزال المطر من السماء على التصريف المخصوص والتدبير ~~المتقن المحكم وجعله أصلا لمادة أرزاق المخلوقات على اختلاف أجناسها ~~وأنواعها وتباين أصنافها وأشكالها ما يدل على أن الله هو المنفرد بالتصريف ~~والتدبير وحده لا شريك له فبطل بنص هذه الآية وعمومها ما زعمه هذا الملحد. # أما السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات والأرزاق فبطريق التخصيص ~~والعموم وما عداهما فبطريق الفحوى والأولى وقال تعالى: {قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من PageV01P091 # تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} (1) فإن فيها من الرد ~~على من قال بأن أرواح المشايخ تتصرف ما لا تتسع لبسطه هذه الفتاوى، ولكن ~~نشير إلى ذلك إشارة فإن إعطاء الملك ونزعه والعز والذل يدخل تحتها من أفراد ~~الكائنات والجزئيات في الدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلا الله وفي قوله، ~~(بيدك الخير) ما يدل على أن جميع الخير كليه وجزئيه بيده سبحانه لا بيد ~~غيره كما يفيده الجار والمجرور فأي فرد يخرج عن هذا؟ ويبقى للمشايخ وغيرهم ~~وفي قوله: {تولج الليل في النهار} (2) ما يدل على أنه المختص بتصريف ~~الأعصار والدهور ليس لأحد معه شركة، وفي قوله تعالى: {وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج ms29 الميت من الحي} (3) ما يدل على أنه المختص بإخراج الأشياء وإيجادها ~~فيخرج الضد من الضد والجنس من الجنس والمشاكل من (2) المشاكل، وقوله: ~~{وترزق من تشاء بغير حساب} (5) فيه اختصاصه بالتصرف في أرزاق عباده الباطنة ~~والظاهرة وأن مصدر ذلك مشيئته النافذة فأي شيء يبقى بعد هذا للأنبياء ~~والمشايخ؟ لو كانوا يعلمون؟ وقال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} (3) وهذه الآية ~~الشريفة عامة لكل تدبير وتصريف في الدنيا والآخرة من جميع الخيرات وسائر ~~الرحمات فهو الذي يمن بذلك ويفتحه لمن يشاء من عباده وما يمسك فلا وجود ~~لمرسل له من بعده، وقوله تعالى وهو العزيز الحكيم فيه تنبيه على مورد ~~التدبير والتصريف ومصدرهما وأنه اختص بذلك لأنه المتفرد بالعزة والحكمة كما ~~يعلم من تعريف الجزئيين، وإذا اختص به ولم يتصف به غيره فبأي شيء يتصرف ذلك ~~الغير ويدبر؟ قال تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق ~~غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} (4) فأمر ~~عباده PageV01P092 # جل ذكره أن يذكروا هذه النعمة العظيمة وهي اختصاصه وتفرده بخلقهم ورزقهم ~~من السماء والأرض. # والرزق والخلق يدخل تحتهما كل تدبير وتصريف من الأمور الباطنة والظاهرة ~~ولذلك قال بعده هذا: {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} فاستدل بربوبيته وعمومها ~~وعلى إلهيته ووجوب عبادته وطاعته ثم قال: (فأنى تؤفكون) إنكارا عليهم فيما ~~صنعوه من الإعراض عن عبادته والاعتراف بإلهيته مع قيام برهانها الأكبر ~~ودليلها الأعظم وهو ما ذكر في صدر الآية وهو سبحانه كثيرا ما يستدل ~~بربوبيته وخالقيته ورازقيته على ألهيته وعبادته كما قال تعالى: {أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون} (1) وقال جلت قدرته: {والذين يدعون من دون الله ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} (2) ، وقال تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا ~~وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون} (3) ، فلو قيل: بأن ~~غيره يتصرف لكان هدما لهذا الأصل وإبطالا لهذا البرهان، وقال تعالى ms30 عن ~~خليله إبراهيم أنه قال لقومه: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو ~~يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين} (4) . # أنظر إلى ما تضمنته هذه الآيات (5) الكريمة من تقرير بعض أفراد ربوبيته ~~تعالى لخليله إبراهيم أفضل الرسل بعد نبينا عليهما الصلاة والسلام من خلقه ~~وهدايته واختصاصه تعالى بإطعامه وإسقائه وما معنى إقحام (6) ضمير الفصل في ~~هذه PageV01P093 # الجملة دون غيرها من الجمل وكذلك شفاؤه إذا مرض واختصاصه بإماتته وإحيائه ~~بعد الموت وتعليق الطمع به تعالى وحده في مغفرة خطيئته يوم الدين، هذا ~~الكلام صدر عن خليله أعلم العالمين به مستدلا به على إلهيته تعالى وحده ~~والبراءة مما عبد من دونه من الأنداد والآلهة على اختلافها وتنوعها وحكاه ~~الله تعالى عنه مثنيا عليه به مقررا له راضيا به عنه فهذا حال أنبياء الله ~~وأوليائه عليهم الصلاة والسلام، فليت شعري ماذا يقول الملحدون في مثل هذه ~~الآيات الكريمة؟ وسيأتيك إبطال تأويله الفاسد الذي مر في حكاية كلامه آنفا ~~وقال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} (1) ~~وقال تعالى: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون} (2) إلى قوله تعالى: {إلهكم إله واحد} فإن في هذه الآيات من تقرير ~~الاختصاص بالتدبير والتصريف في الكليات والجزئيات مع اختلاف أنواعها ~~والاستدلال بذلك عل إلهيته وحده لا شريك له ما لا يتسع لتقريره هذا الموضع ~~واللبيب يدرك ذلك بمجرد تلاوة هذه الآيات وكذلك الحال في قوله في سورة ~~الواقعة: {أفرأيتم ما تمنون} إلى قوله: {نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} ~~(3) ، وكذلك قوله: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} (4) ففي هذه الآية أعظم دليل وأقوى حجة على إبطال من زعم أن ~~أرواح ms31 الأنبياء والمشايخ تصرفا وتدبيرا وذلك من وجوه ظاهرة متعددة في ~~الآية، وكذلك قوله تعالى: PageV01P094 # {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (1) # فقف عند هذه الآية وتدبر فيها من العلوم والمعارف فإنها أصل عظيم وبرهان ~~ظاهر مستقيم يكفي من أراد الله هدايته، قال بعض السلف وهو ابن سميط: دلنا ~~ربنا على نفسه بهذه الآية يشير إلى أن أفعاله شاهدة بربوبيته وألهيته دالة ~~على ذلك ولو لم يكن في هذه الآية إلا قوله: {ألا له الخلق والأمر} لكان ~~كفيفا في رد قول هؤلاء الملاحدة وقال تعالى لنبيه: {ليس لك من الأمر شيء} ~~وقال جل شأنه: {لله الأمر من قبل ومن بعد} وألا (2) للاستغراق المفيد لعدم ~~خروج فرد من الأفراد لسواه وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور ~~الرحيم} (3) وقال تعال لنبيه: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} (4) ، ~~وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل ~~إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (5) وقال جلت قدرته: {قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} (6) فهذه الآيات ~~تقطع أصول شجرة الشرك والإلحاد وترد مذهب أهله القائلين بأن لأرواح المشايخ ~~تصرفا وتدبيرا في الكون، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وفي الحديث ~~القدسي الذي رواه أبو PageV01P095 # ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ~~"يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم جائع إلا ~~من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا ~~أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم" ms32 الحديث (1) # وفي حديث التنزل الإلهي إذا بقي ثلث الليل أن الله تعالى يقول: "لا أسأل ~~عن عبادي غيري" ويروى: أن الله أوحى إلى داود أنه لا يعتصم بي عبد من عبادي ~~دون غيري أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات والأرض إلا جعلت له فرجا ومخرجا ~~ولا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب ~~السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالي بأي واد هلك (2) قال ~~الشيخ رحمه الله: وقول المعترض في الجواب عن الآيتين إن المراد نفي ~~المالكية الاستقلالية والقدرة الذاتية الكاملة عن غيره PageV01P096 # تعالى لا مطلقا كما يدل عليه الاستثناء إلى آخره: # فالجواب أن هذه الشبهة إنما نشأت من الجهل بمعاني كلام الله وباللغة ~~العربية التي نزل بها القرآن العظيم فإن قوله: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا} (1) عام لكل فرد من الأفراد وجزئي من الجزئيات لا يخرج عنه شيء وإن قل ~~لا على سبيل الاستقلال ولا غيره وكذلك فيه نفي القدرة العامة المطلقة ولم ~~يقل أحد من الخلق بإثبات الملك المستقل والقدرة الذاتية لغير الله تعالى ~~إلى من عطل الصانع ولم يثبت للعالم ربا مدبرا، والآية سيقت لخطاب من يعترف ~~بالربوبية ويثبت الصانع ولا يقول بالملك الاستقلالي ككفار العرب المقرين ~~بالربوبية المشركين في العبادة والإلهية. # وعبارات المفسرين تدل على هذا أنه في نفي جميع أنواع الملك وإن لم يكن ~~استقلالا والعربي يدرك ذلك بذوقه وعربيته ولا يحتاج فيه إلى برهان وكذلك ~~قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} (2) الآية، فإنها دلت ~~نصا على انتفاء وجود كاشف لما يمسه الله به مكن الضر وعلى انتفاء راد ومانع ~~لما أراده الله تعالى به من خير وفضل، وهذا أعم من أن يكون بطريق القدرة ~~الذاتية أو بغير ذلك كما هو صريح الآية، وقد تقدم لهذه الآيات نظائر تدل ~~على اختصاصه تعالى بالأمر والتدبير والنفع والضر وإنما شاء كان وإن لم يشأ ~~الناس وما لم يشأ لم يكن ms33 وإن شاء الناس. # وقوله: يجوز للنفوس الكاملة تصرف في العالم من جهته تعالى إن أراد أن ذلك ~~يحصل بغير الأسباب العادية كما يدعيه هو وأمثاله لأرواح المشايخ والصالحين ~~فهذا كذب وتجويز للشرك والباطل والضلال، وقد تقدم رده وإن أراد الأسباب ~~العادية في الحياة الدنيوية كالذي يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر ~~والإنس والجن فهذا النوع لا يطلق عليه إن جعلهم متصرفين مدبرين PageV01P097 # وهذا جهل عظيم ومع هذا فلا يجوز أن يطلب منهم كل شيء ويقصدوا بما لا يقدر ~~عليه إلا الله، وأما قوله: والأنبياء والأولياء في صدور التصرفات والكرامات ~~عنهم في الظاهر مظاهر لتصرفاته تعالى كالمرآة المجلوة المتصلة إذا استنارت ~~من الشمس صارت منورة للأجسام المظلمة، فهذه العبارة تمويه وترويج للباطل، ~~وحقيقتها أن العباد يتصرفون في العالم ويدبرون أمره وتصدر الأمور عنهم ~~لأنهم مظاهر، والقائلون بأن الخلق مظاهر لذاته هم أهل الحلول المعطلة لوجود ~~الصانع وربوبيته ومباينته لمخلوقاته وهم من أكفر خلق الله وأضلهم سبيلا ~~فإنهم يعبدون كل ما استحسنوه ومالت نفوسهم إليه لظنهم أنه من مظاهر الحق. # والقائلون بأن لأرواح الأولياء في صدور التصرفات عنهم مظاهر لتصرفاته ~~تعالى فيهم مشابهة قوية للحلولية ولعل هذه العبارة إنما أخذت عنهم يبين ذلك ~~أنهم إن أراد الأسباب العادية الحسية فهذا لا يختص بالأنبياء والأولياء وإن ~~أراد ما هو أعم من ذلك من الأمور الباطنية والتدبير بالقوة المؤثرة فهو ~~شبيه بالقول الأول مشتق منه {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت ~~قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون} (1) . # وقوله: ويجوز أن تكون حالهم بعد مفارقة أرواحهم عن الأبدان في التصرفات ~~كحالهم قبلها بل أتم وأصفى: فجوابه أن حالهم قبل المفارقة حال عبد لا يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موت ولا حياة ولا نشورا كما قال تعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} (2) وقال له أيضا: {ليس ~~لك من الأمر شيء} (3) وقال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء وهو أعلم بالمهتدين} ms34 (4) . PageV01P098 # فإذا كانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم فما ظنك بغيره من سائر الخلق وإذا ~~اتحدت الحالة بعد المفارقة وقبلها فليس فيه حجة للمعترض لأنه لا يملك ولا ~~يتصرف لا في حياته ولا في مماته هذا إن سلم أن الحال مستوية في الحياة وبعد ~~الممات والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة أن الحال بعد ~~مفارقة الأرواح للأبدان ليست كحال الحياة من وجوه كثيرة لا يمكن استقصاؤها، ~~ويكفي للمؤمن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ~~ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" (1) فهذا الحديث ~~يدخل تحته جميع أعماله الباطنة والظاهرة وأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ~~وأن الأسباب العادية الحسية تزول بالموت فكيف بغيرها؟ وإذا كان لا يملك ~~لنفسه شيئا وعمله قد اقطع فكيف يتصرف ويدبر ويستمد منه وتطلب منه الحوائج؟ ~~إن هذا لهو الضلال المبين والجهل الواضح المستبين وقد تقدم في الحديث أن ~~نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة فإذا كانت في الجنة تعلف بأشجارها فأي ~~دليل دل على أنها تدبر وتتصرف وتتجاوز هذه الحالة التي ذكرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى التدبير والتصريف؟ ولقد كنا غنيين عن رد هذا القول ~~لظهور بطلانه وضلال قائله ولكن غلبة الجهل على الجمهور دعت إلى الجواب. # وأما ما نقله عن البيضاوي، واعتمده من أن أرواح الأولياء تتصرف فهو دليل ~~على جهله وعدم معرفته بأخذ العلم من محله وذلك أن البيضاوي قال في قوله ~~تعالى: {والنازعات غرقا} إنها صفات ملائكة الموت فإنها تنزع أرواح الكفار ~~من أبدانهم (بشدة) وتنشط أرواح المؤمنين أي تخرجها برفق ويسبحون في الإخراج ~~ويستبقون بالأرواح إلى مقرها وما أعد لها وتدبر ذلك الأمر المعد هذا هو ~~الذي قدم وأيد وهو الموافق لعبارات السلف، والمحققون من المفسرين جزموا ~~بأنها صفات الملائكة واقتصروا عليه ولم يذكروا سواه وما وقفت على قول أحد ~~حكى هذا الذي ذكر عن البيضاوي سوى البيضاوي PageV01P099 # مع أنه قدم سواه وأخره ms35 بل قدم عليه القول بأن هذه صفات للنجوم وذكر وجهه ~~فإن كان قول البيضاوي حجة فقد قدم على هذا أنها صفات للنجوم. # وعلى قول هذا المعترض واحتجاجه بعبارة البيضاوي يطلب من النجوم ويستمد ~~منها ويقال بأنها تتصرف لأن البيضاوي ذكر أنها من المدبرات أمرا بل يرجع ~~حينئذ إلى عبادة النجوم وما كانت عليه الصابئة في زمن إبراهيم الخليل عليه ~~السلام وكذلك قال في تفسيره أو صفات أنفس الغزاة أو صفات خيلهم وعلى هذا ~~يطلب منهم ومن خيلهم ويستمد لأنها من المدبرات أمرا سبحان الله ما أجهل هذا ~~الرجل وأقل علمه بدين الإسلام الذي اتفقت عليه دعوة الرسل بل ما أجهله ~~بتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون من سائر الأمم الذين آمنوا بربوبية ~~الله وأشركوا في عبادته. # وأما ما نقله عن الشافعي أنه قال: الدعاء عند قبر الكاظم (1) ترياق ~~PageV01P100 # مجرب فهذا حال أهل الجهل والضلال يعتمدون الأكاذيب ويحرفون النقل الصحيح ~~ومن عرف الشافعي وعرف علمه ومذهبه عرف أن هذا من أوضح الكذب وأظهره ولا يشك ~~في ذلك إلا جاهل فإن الشافعي منع من استقبال القبر الشريف قبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند الدعاء وأمر باستقبال القبلة عند ذلك، كما حكاه شيخ ~~الإسلام ابن تيمية بل حكى الإجماع عليه وهو من أعلم الناس بأقوال العلماء ~~ومذاهبهم وحكاه غير واحد من أهل العلم كابن القيم الجوزية، والشافعي رحمه ~~الله من أشد الناس متابعة للسنة ونهيا عن البدع فكيف يجيز ما دلت الأحاديث ~~على المنع منه كحديث علي بن الحسين عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث كنتم"، والعيد ~~اسم لما يعتاد مجيئه والتردد إليه لدعاء أو سلام، ووجه الدلالة من هذا أنه ~~صلى الله عليه وسلم منع من تحري الدعاء واعتياده عند أشرف القبور وأفضلها ~~منبها على ما دونه بطريق الأولى وذكر العلقمي عن الشافعي أنه قال: أكره أن ~~يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه ms36 وعلى من بعده وبهذا تعلم ~~فقه الرجل ودينه، وهذه العبارة، وهي قولهم: الدعاء عند قبر فلان ~~PageV01P101 # ترياق مجرب قد تنازعها عباد القبور والمتبركون بها فمنهم من يدعي ذلك ~~لقبر أبي حنيفة ومنهم من يدعيه لقبر معروف الكرخي، وعباد عبد القادر وأحمد ~~البدوي والحسين عندهم ما هو أعظم من ذلك وأطم، وبعضهم يفضل الدعاء عندها ~~على الدعاء في المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وبهذا ~~وأمثاله عمرت المشاهد وعطلت المساجد وبنيت القبور وأرخيت الستور على ~~التوابيت مضاهاة لبيت الله والله نسأل وإليه نرغب أن ينصر دينه ويظهره على ~~سائر الأديان ويقيم له أنصارا وأعوانا يدعون إليه ويجاهدون فيه. # وأما قوله: قال حجة الإسلام محمد الغزالي (1) : كل من يستمد به في ~~PageV01P102 # الحياة يستمد به بعد الوفاة، فالجواب: أن هذا من جنس ما قبله نقل غير ~~صحيح عن قائل غير معصوم لا يحتج به بإجماع المسلمين، وقول الناقل قال حجة ~~الإسلام مجرد تمويه وتخييل، وحجة حجة الإسلام في كلام الله وكلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وما عدا ذلك فيؤخذ منه ويترك كما قال مالك وبقوله يقول ~~علماء الإسلام: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر يعني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حامد قد دخل في الفلسفة واعتنى بكتب ~~الفلاسفة ودخل عليه من الشر بسبب ذلك مالا يحصيه إلا الله ومن تأمل كتبه ~~وكلامه في الإحياء وفي غيره عرف ذلك إن كان ممن له ممارسة في العلوم ~~الشرعية قال الفقيه ابن العربي المالكي: دخل شيخنا أبو حامد في جوف الفلسفة ~~ثم أراد أن يخرج فلم يحسن الخروج، هذا كلام تلميذه (1) وهو من أعرف الناس ~~به، هذا إن صح النقل وما أظن هذا ثبت عنه. # وأما قوله: قال بعض من المشايخ العظام: رأيت أربعة أشخاص من الأولياء ~~يتصرفون في قبورهم كما تصرفوا في حياتهم أو أزيد الشيخ عبد القادر وعن ~~اثنين آخرين إلى آخره ... # فالجواب أن مشايخ الضلال وجهلة الصوفية الذين لا دراية لهم بدين الله ms37 ~~وشرعه قد يصدر منهم هذا ونحوه بل قد حكي عن بعضهم القول باتحاد PageV01P103 # الخالق والمخلوق والقول بحلول الخالق في خلقه والقول بتعطيل الصفات ~~الثبوتية وكل هذه الأقوال حكيت واشتهرت وخلدت في الدفاتر عن أشياخ يعتقد ~~كثير من الناس أنهم أهل معرفة وتحقيق وأنهم من المشايخ العظام. # ومن بنى دينه على هذا رجع إلى ما عليه النصارى من تقديم أقوال أحبارهم ~~ورهبانهم على ما بأيديهم من كتب الله وعندهم من هذا النوع شيء كثير وحكايات ~~معروفة، وقد عاب الله ذلك عليهم وفرهم به، قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} (1) . # وقد فسر صلى الله عليه وسلم هذه العبادة بطاعتهم في تحريم ما أحل الله ~~وتحليل ما حرم الله كما في حديث عدي بن حاتم وهو حديث صحيح مشهور اعتمده ~~المفسرون وأهل الحديث، وقد رأينا بمصر من يقول: بأن البدوي وزينب والدسوقي ~~يتصرفون وبعضهم يزيد إلى سبعة وبعضهم إلى سبعين، وكل هذه من أقوال عباد ~~القبور، وقد أبطلها القرآن وسائر الكتب السماوية وما جاءت به النبوات بل ~~بطلانه معلوم بالضرورة من دين الإسلام. # وأما قول ابن زروق: إن إمداد الميت أقوى من إمداد الحي لأنه في بساط أقرب ~~الحق وحضوره، فهذا القول كما سبق قول عمن لا يرتضي ولا يؤخذ بقوله ولا ~~يهتدي ونحن لا نمنع أن أقوال الضالين في هذا المعنى كثيرة (2) ولكن ليست ~~بشيء، ومعنا أصل عظيم لا يضل من اتبعه ولا يشقى وهو كتاب الله وسنة نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقرب العبد من الحق وحضوره لا يفيد هذا فإن جميع ~~الخلق قريب بالنسبة إلى علم الحق وخواصه لهم قرب خاص PageV01P104 # بالنسبة إلى الحفظ والإعانة والنصرة والتأييد والتسديد، والملائكة لهم ~~قرب أخص والأرواح الطيبة كذلك، ومع هذا فقد قيل لأفضلهم وسيدهم (ليس لك من ~~الأمر شيء) (إن عليك إلا البلاغ) وتقدم ما فيه كفاية لأهل الحق. # وأما علم الأرواح بالزائرين ms38 وأحوالهم فلا دليل فيه لأن كونه يعلم الزائر ~~ويرد عليه سلامه لا يدل على أنه يعلم حاله مطلقا ويتصرف ويدبر الأمر هذا لا ~~مناسبة بينه وبين ما قبله بوجه من الوجوه وأي تلازم بينهما؟ وقد يعرف ~~الكافر من يزوره وهو فيما هو فيه من العذاب. # وأما قوله: هكذا في شرح المشكاة فقد تقدم أن الحجة ليست في قول مثل هذا. # وأما قوله: وليت شعري ما أراد المنكرون للاستمداد إن أرادوا أن الأولياء ~~لا تصرف لهم أصلا (لا) في الحياة ولا في الممات فهو بعينه مذهب أهل ~~الاعتزال، والجواب أن يقال: قد تقدم أن الرجل لا يعرف معنى الاعتزال، ويسمي ~~المؤمنين الذين يعتزلون الشرك وأهله ويجتنبون الأقوال المكفرة الشركية ~~معتزلة لجهله بالاعتزال. والقول بأن الأولياء لا تصرف لهم أصلا لا في ~~الحياة ولا في الممات بغير الأسباب العادية الحسية هو مذهب أهل الإسلام ~~قاطبة الذين اعتزلوا الشرك وأهله. # وقوله: وإن أرادوا أن لا تصرف لهم حقيقة في الحالتين بل المتصرف والمؤثر ~~حقيقة هو الله تعالى، وينسب إليهم مجازا فهو بعينه اعتقادنا، والجواب أن ~~يقال: لا تصرف لأحد من الخلق بدون الأسباب العادية لا حقيقة ولا مجازا، ~~وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم من ~~الآيات والأحاديث. # وأما الأسباب العادية الحسية فهي تضاف إلى العبد حقيقة بمعنى أنها صدرت ~~منه وقامت به وحصلت بمشيئته وكسبه ولا يمنع من إطلاق هذه الأفعال حقيقة ~~عليه وإن كان الله هو الخالق له ولعمله كما قال تعالى: {والله # PageV01P105 # خلقكم وما تعملون} (1) . # ومن قال: لا تضاف إليه هذه الأفعال إلا مجازا فهو من جنس قول المجبرة (2) ~~ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن كسب العبد وأفعاله الحسية تضاف إليه حقيقة، ~~وأما أفعال الله التي ليست من جنس أسباب العباد ولا في قدرتهم فهذه لا تضاف ~~إلى العبد أصلا لا حقيقة ولا مجازا. ولكن المعترض خلط هنا ولم يميز وقوله: ~~إن أرادوا أنه لا تصرف ولا كرامة لهم بعد الوفاة أصلا بناء ms39 على أنه لا حياة ~~لهم فهذا مع ما فيه من إنكار عذاب القبر باطل لما ذكرناه من السماع والعلم ~~لهم ولا شك أنهما يتفرعان على الحياة، فالجواب: يعلم مما تقدم وهذا كله حشو ~~وتكرير ليس تجديا للدليل هو مجرد تكرير الدعوى ولا يخفى أن الملحدين وعباد ~~القبور القائلين بالتصرف يموهون على الناس بأن تصرف الأولياء كرامة وأن من ~~نفاه فقد نفى الكرامة، وهذا المعترض زاد في التمويه بقوله: بناء على أنه لا ~~حياة لهم وأن هذا يلزم منه إنكار عذاب القبر، وكل هذا تشبيه وترويج للباطل ~~وتمويه على الجهال. وأهل الحق لا ينكرون الكرامة التي جاء بها القرآن ~~الكريم كما في قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} (3) وقوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} (4) ~~وقوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون} (5) وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (6) PageV01P106 # وكذلك يثبتون خرق العادة للأولياء في بعض الأحيان كما في قصة آصف صاحب ~~سليمان عليه السلام وكما في قصة أصحاب الكهف وكما تقدم في قصة عمر رضي الله ~~عنه، ولكن ليس في هذا دليل على أنهم يتصرفون ولا تلازم بين التصرف والكرامة ~~لأن الكرامة خرق الله العادة لوليه من غير فعل من ذاك الولي (1) . # وقول هذا الجاهل: إن ذلك بناء على أنه لا حياة لهم فهذا جهل عظيم وخلط ~~ذميم، فالمسلمون متفقون على إثبات عذاب القبر ونعيمه وإن أريد بالحياة تنعم ~~الأرواح والأجساد وعذابها وإحساسها ونحو ذلك كما ورد فهذا ثابت لا شك فيه ~~لكنه لا يسمى حياة (2) وإنما يطلق اسم الحياة على غير PageV01P107 # الأموات، والحياة البرزخية الثابتة للشهداء ونحوهم مقيدة لا مطلقة. # وعلى كل فهذا الفارسي لم يفرق بين الحياة وبين الإحساس بالألم والعذاب ~~ولذلك استشكل وأثبت حياة البرزخ للكفار والفساق ms40 كما ثبت للشهداء وأمثالهم ~~وزعم أن نفي التصرف في والتدبير عن الميت نفي للحياة يلزم منه نفي الإحساس. ~~وإن أريد أن لهم حياة مساوية للحياة الدنيوية الحسية، وإن حال البرزخ كحال ~~الدنيا، فهذا كذب بحت ومكابرة للعقل والحس بل ولكتاب الله وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، قال تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} (1) وقال تعالى: {كل من ~~عليها فان} (2) وقال جلت قدرته: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون} (3) وقال: {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة وإلينا ترجعون} (4) والآيات في هذا كثيرة. # وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ~~ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" وقد تقدم الحديث.5 # فأي فائدة لخلط هذا المعترض وتشبيهه مع وجود هذه النصوص؟ وما أظن أنه فعل ~~هذا إلا لقصد الخديعة والتمويه على الجهال أو هو من أصحاب الجهل المركب ~~الذين وصف الله أعمالهم بقوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب} (6) PageV01P108 # وما نقله عن القاضي في الكلام على قوله تعالى: {ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم} يؤيد ما قلناه ويرد على من قال: إن الروح عرض يفنى ~~بفناء البدن. # وأما قوله: وإن أرادوا وقالوا بكرامتهم تصرفاتهم في النشأة الأولى وأما ~~بعد مفارقة الأرواح لا تصرف لهم ولا كرامة وعليهم البيان، فنقول: قد تقدم ~~البيان، والفرق بين التصرف المثبت وهو ما جرت به العادة من أعمال العباد ~~وكسبهم (1) وتقدم الكلام على الكرامة وأنها ليست كما يظنه الجاهلون أنهم ~~ينفعون ويضرون ويتصرفون وتقدم من الأدلة ما فيه الكفاية لمن أراد الله ~~هدايته، ومن يضلل الله فلا هادي له. # ومن عجائب جهله أنه يقول: ليس لهم دليل على هذا لا في الكتاب ولا في ~~السنة وأقوال السلف انتهى. # والجاهل يخفى عليه ms41 الحق ولو كان واضحا في نفسه. # ثم قال المعترض: من الشبهات التي تدور على ألسنة المنكرين أن العبد لابد ~~له أن لا يستعين بغيره تعالى ففي الفاتحة {إياك نعبد وإياك نستعين} لأن ~~معناها نخصك بالعبادة والاستعانة فكما يجب على العباد تخصيصه تعالى ~~بالعبادة كذلك يجب عليهم تخصيصه بالاستعانة فلا يعبدوا إلا إياه ولا ~~يستعينوا إلا به (2) تعالى، هكذا زعم هذا المعترض أن هذه شبهة وكذب في ذلك ~~فإن هذا هو الحق الذي نطق به القرآن في مواضع وجاءت به السنة وعلم وجوبه ~~بالضرورة من دين الإسلام وبالفطر المستقيمة، لكن هؤلاء اجتاحتهم ~~PageV01P109 # الشياطين وصرفتهم عن أصل الفطرة فصاروا في شك وريب نسأل الله الثبات على ~~دينه. # قال المعترض: ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه ذكر منها أن الفاتحة مقروءة على ~~ألسنة العباد تعلما للسلوك والوصول أي ينبغي أن يحمدوا الله ويذكروه ~~بالصفات الجليلة مع الحضور والإخلاص ونفي الخواطر والوساوس مجتهدين في ~~دفعها حتى تندفع بالكلية ولا يبقى في ملاحظتهم إلا الله فحينئذ يستحقون أن ~~يخاطبوا الله ويقولوا: {إياك نعبد وإياك نستعين} (1) . # وقصد هذا أن تخصيصه بالاستعانة في حال السلوك والخطاب وعدم وجود السوي ~~وارتفاع الوسائط، ومراده أن في غير تلك الأحوال تباح الاستعانة بغير الله ~~وتجوز فنعوذ بالله من الجهل المعمي. # ويقال لهذا: إن الله تعالى ذم المشركين وكفرهم مع إخلاص الدعاء ~~والاستعانة به في حال ارتقاع الوسائط والسوي لإشراكهم في حال وجود ذلك كما ~~قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى ~~البر أعرضتم وكان الأنسان كفورا} (2) وقال: {وإذا مس الأنسان ضر دعا ربه ~~منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} (3) ، ويقال ~~هذه الآية دلت على أصلين عظيمين ألا يعبد إلا الله ولا يستعان إلا به، كما ~~قال تعالى عن شعيب: { عليه توكلت وإليه أنيب} (4) وقال: {عليه توكلت وإليه ~~متاب} (5) ، ونحو هذه الآيات ms42 التي فيها PageV01P110 # الجمع بين التوكل والاعتماد والعبادة والإنابة. وإذا كان التوكل ~~والاعتماد في العبادات وغيرها شرطا (1) في حصول الإيمان كما في قوله تعالى: ~~{وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} (2) . # فالاستعانة به في نيل المطلوب ودفع المرهوب أصل وشرط في حصول الإيمان ~~المطلق لما بينها وبين التوكل من التلازم فتسلم أن الفاتحة فيها التعليم ~~للسلوك والوصول وهذا هو دين الإسلام ومعرفة سلوك الصراط والوصول إلى الله ~~هو أصل الدين الذي يجب التزامه، ومتى جاز للعبد أن يخرج عن هذا السلوك وطلب ~~هذا الوصول في حال من الأحوال؟ حتى يقال: إن هذا مخصوص فإن العبد كلف بطريق ~~السلوك وطلب الوصول إلى الممات كما قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين} (3) ومتى بقي في قلب العبد ملاحظة واستعانة بالوسائط فهو على ~~درجتين إما أن يلاحظ ما جرت به الأسباب العادية مما هو في طاقة الخلق ~~وقدرتهم فالاعتماد على هذا والتعلق به ينقص الإيمان الكامل وتنحط به درجة ~~العبد لكن لا يخرج به عن الإسلام إذا كان أصل اعتماده وتوكله على الله لا ~~على غيره. # وأما ملاحظة السوي والوسائط في غير الأسباب العادية كالذين يلاحظون أرواح ~~الأنبياء والأولياء ويرجونهم ويستمدون منهم هذا هو الشرك الأكبر الذي لا ~~يجامع أصل الإيمان ولا يطابق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} والبراءة من ~~هذا ونفيه هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله وإلى جنته ومرضاته. # وعبارة البيضاوي التي نقل هذا عنه تدل على هذا وتقرره لأنه ذكر أن الله ~~تعالى خوطب بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} بعد ذكر الحقيق بالحمد ووصفه ~~بما تقدم من الصفات التي اختص بها، فلهذا خوطب بذلك أيا من PageV01P111 # هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة ليكون أدل على الاختصاص والترجي من ~~البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود وكان المعلوم صار عيانا ~~والمعقول مشاهدا والغائب حاضرا إلى آخر عبارته. وأراد بهذا توجيه الالتفات ~~إلى الخطاب من الغيبة وهو صريح في أن العبد يطلب منه هذا ويجب عليه لأن ms43 ~~تخلف المدلول إخلال بهذا الواجب ونقض لهذا العهد. # وقول الجاهل: إن هذا تعليم بطريق السلوك والسلوك مبدأ ومنتهى ففي المبدأ ~~ذكر الله عبادته وطاعته وفي الانتهاء فناء عما سواه وعن فنائه فلم يبقى إلا ~~الله وجميع الأشياء الكونية يردها العارف الواصل إن أراد بهذا الكلام ~~ونحوه. إن هذا خاص بأناس أهل السلوك وأرباب الطرائق، وإن غيرهم من الخلق ~~وسائر المسلمين لا يجب عليهم تخصيصه بالعبادة والاستعانة فهذا جهل يضحك منه ~~العقلاء ولم يقل هذا أحد ممن يعرف ما يخرج من بين شفتيه إلا أن يكون مكذبا ~~متلاعبا. وكلام المفسرين وأهل العلم يرد ما قال هذا المعترض، ويدل على ما ~~قاله المسلمون من وجوب عبادته تعالى وحده ووجوب الاستعانة به وحده في هذه ~~الآية وعلى زعم هذا يقال في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} (1) ، إن ~~العبادة تخصه تعالى في حال دون حال لأن هذا مقام تعليم لطريق السلوك وفيه ~~فناء عن السوي، وهذا انسلاخ من الدين وتكذيب لنص الكتاب المبين. وأما قوله: ~~فلأن حق العابد أن لا يلاحظ وقت العبادة غير معبوده فالاستعانة لغيره تعالى ~~فيها ممنوعة ولكن لا تدل على أن PageV01P112 # الاستعانة ممنوعة مطلقا كيف والمؤمنون يتعاونون بعضهم بعضا قال الله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب} (1) فيقال: هذا كلام قريب مما قبله إلا أنه خص ~~الاستعانة به تعالى في حال العبادة وعلى كلامه أن في غير العبادة يجوز أن ~~يستعين بغيره ويستمد منه سواه تعالى. # وهذا القول فيه حل لربقة العبودية وخروج عن الأحكام الشرعية ومنع لكتاب ~~الله أن يعمل به إلا في حال دون حال وما رأيت من عباد القبور من بلغ جهله ~~إلى هذه الغاية وتصرف في كلام الله بمقتضى رأيه ومذهبه، وأين هذا عن معنى ~~الحصر والاختصاص المستفاد من تقديم المعمول على العامل وأين هو عن العموم ~~اللفظي الذي اعتبر أهل العلم والتأويل بل تعرفه العامة من المسلمين وتقر ~~به. # وأما قوله:- كيف والمؤمنون يتعاونون بعضهم بعضا- فهذا ms44 من غباوته فإن ~~التعاون بين المؤمنين لا يدل على أنهم يتعاونون فيما هو من خصائص الربوبية ~~بالقدرة والتأثيرات الباطنية وإنما ذلك خاص بالأسباب العادية والفعال ~~المشاهدة الحسية ومن لم يفرق بين هذا وما قبله فهو ممن طبع الله على قلبه. # وما ذكره من الحصن الحصين من طلب الإعانة إذا انفلتت الدابة ليس هو من ~~جنس الاستعانة الشركية فيما لا يقدر عليه إلا الله بل هو من جنس الأسباب ~~العادية لأنهم حاضروه فخاطبهم من جنس خطاب الحي الحاضر وأين هذا؟ من ~~الاستعانة من أصحاب القبور من الأولياء والمشايخ. # وقال المعترض: وقد يجاب عن هذه الشبهة بأن الاستعانة طلب المعونة وهي ~~بالأسباب التي يسهل بها الفعل وتقرب الفاعل وبالأسباب التي PageV01P113 # يتوقف عليها الفعل المسمى بالاستطاعة، فمرجع الاستعانة هنا طلب التوفيق ~~والهداية ولا شك أنهما فعلان لله مختصان به انتهى كلامه. # والجواب: أن هذا الرجل لا يدري ما يقول، فإن عبارته متناقضة، فأولها فيه ~~جعل الاستعانة بالأسباب التي يتوقف عليها الفعل والأسباب التي يسهل الفعل ~~وهذا عام، وفي آخرها قال: ومرجع الاستعانة هنا إلى طلب التوفيق والهداية ~~وهي أخص من الأسباب التي يتوقف عليها الفعل والتي تسهله فقد يوجد السبب ولا ~~يوجد المسبب وليس بين السبب والمسبب تلازم أصلا ومراده بهذا الكلام المختلف ~~أن: التوفيق والهداية مختصان بالله وما عداهما فمستعان به غيره ويستمد ممن ~~سواه تعالى الله عن هذا القول وأي دليل؟ دل على أن المقصود بالآية نوع من ~~الاستعانة خاص دون سائر الأنواع ثم من جهله ساق بعد هذا الكلام عبارة ~~البيضاوي فيها تقسيم المعونة إلى ضرورية وغير ضرورية وهي حجة عليه فإن ~~البيضاوي أدخل جميع الأقسام في الآية وبين أن هداية الصراط المستقيم هي ~~الإعانة المطلوبة وهذا عام في كل ما يستعان به تعالى عليه من أمر الدنيا ~~والآخرة فإن الصراط المستقيم لا يخرج عنه إلا أفعال المغضوب عليهم والضالين ~~فهو لفظ عام يدخل تحته من المقصود والإرادات والأعمال الباطنة والظاهرة ~~والغايات والوسائل كل (1) ما أريد به وجهه تعالى وكان ms45 صوابا على المنهاج ~~المحمدي وعبارة البيضاوي ترد قول هذا المعترض وتشهد لما قلناه ولكنه نظر ~~إلى ما فيه من التقسيم فظن أن ذلك حجة له وهو عليه. # وأما قوله: فأن قيل ما معنى الاستمداد والاستعانة من الأنبياء والأولياء ~~قلنا معناه الذي نريد به التوسل بهم إلى الله في المهمات فقط بأن يقول ~~المتوسل: اللهم إني أسألك حاجتي هذه وأتوسل بهذا العبد المقرب المكرم عندك ~~أن تعطيني كذا وكذا بلطفك وكرمك. PageV01P114 # فيقال لهذا: هذا الكلام ينافي ما قبله وما بعده لأنك صرحت أولا بأنه ~~يستمد منهم ويستعان بهم ويقصدون في الحوائج ويعلمون الغيب ويتصرفون ~~ويدبرون، ولا يصلح تفسير هذا بأن المراد أن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك ~~حاجتي هذه بهذا العبد ونحو هذا الكلام، فإن الأول صريح في سؤال العباد وليس ~~فيه تعرض لسؤال الله بهم والقولان متنافيان. # فإما أن يكون الرجل مصابا في عقله أو قصد التمويه والمغالطة والشقشقة ~~ترويجا على العوام وهي مما يزري عند ذوي الأفهام، ويقال أيضا: قولك بعد هذه ~~العبارة: أو يقول: يا عبد الله يا ولي الله اشفع لي صريح في منافاة هذا ~~ويطابق الأول من بعض الوجوه ولكنه يخالفه من حيث أنك هنا ذكرت الشفاعة وفي ~~الأول جزمت بالتصريف والتدبير، والشافع لا يكون متصرفا مدبرا وإنما ينال ~~بجاهه عند المتصرف المدبر إذا تبين هذا- وأن الرجل مخلط- فاعلم أن مسألة ~~الله بجاه الخلق نوع ومسألة الخلق مالا يقدر عليه إلا الله نوع آخر. فمسألة ~~الله بجاه عباده منعها أهل العلم ولم يجزها أحد ممن يعتمد به ويقتدى به ~~كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أهل العلم والحديث إلا أن ابن عبد السلام (1) ~~أجاز ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقيده بثبوت PageV01P115 # صحة الحديث الذي جاء في ذلك وهو حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: ادع الله يا محمد أن يرد علي بصري فأمره أن يتوضأ ويصلي ~~ويدعو الله وفي دعائه أسألك بنبيك محمد، قال ابن عبد السلام: إن صح الحديث ~~فيجوز بالنبي ms46 صلى الله عليه وسلم خاصة والحديث في سنده من لا يحتج به عند ~~أهل العلم كما لا يخفى على أهل الصناعة. # وجمهور الناس من أهل العلم يقولون: معنى الحديث إن صح: التوسل بدعائه صلى ~~الله عليه وسلم في حياته كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وفي ~~غيره، وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فليس من هديهم وطريقتهم أن يسألوا ~~الله به، بل لما قحطوا زمن عمر استسقى وتوسل بدعاء العباس كما تقدم، ~~وبالجملة فهذه المسألة نوع ولا يخرج الإنسان عن مسألة الله وإنما الكلام في ~~سؤال العباد وقصدهم من دون الله. كما هو صريح كلام هذا المعترض. # وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي. ولو ~~قال: يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم. وطلب الشفاعة منهم يشبه قول ~~النصارى: يا والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله. # وقد أجمع المسلمون على أن هذا شرك. وإذا سألهم معتقدا تأثيرهم من دون ~~الله فهو أكبر وأطم وهو صريح كلام هذا المعترض فيما تقدم لكنه مخاتل موسوس. # وقوله: وأما ما يريد به العوام فمع اعتقاد التأثير ممنوع بل شرك وكذلك ~~السؤال من الأنبياء والأولياء أمورا مختصة بالله تعالى، وبعض أفعالهم عند ~~زيارة القبور فهو حرام قطعيا. وأما التوسل بالوجه الذي بين فهو جائز ~~بالأخبار والآثار فيقال: أي فرق بين ما ذكرته من أن أرواح الأولياء تتصرف ~~وتدبر وتعلم الغيب ويستعان بها وبين ما ذكرته عن العوام؟ بأن قلت: إن ~~العوام يعتقدون أنها تفعل وتؤثر بغير إذن الله وأنها مستقلة بالربوبية فهذا ~~لا يقوله أحد ممن يعترف بأن الله رب كل شيء. وإن قصدت أنه يقولون إنها ~~مفوضة وتأثر وتتصرف وتعلم فهذا عين قولك سواء بسواء ولا فرق بينك وبينهم. # PageV01P116 # وإنما ذكرك اعتقاد العوام هنا مجرد تلبيس، وكل من نظر في كلامك عرف أنه ~~هو الذي نسبته إلى اعتقاد العوام وقوله: وكذلك السؤال عن الأنبياء ~~والأولياء أمورا مختصة بالله تعالى إن أراد به غير الأسباب ms47 العادية فهذا هو ~~الذي فيه النزاع وهو عين كلامه أن أرواح الأولياء تتصرف ويطلب منها قضاء ~~الحاجات ودفع المهمات وهذا مختص بالله وقد زعمه لغيره، وإن أراد به الأسباب ~~العادية تطلب من غيره تعالى كسؤال المخلوق ما يقدر عليه من دفع العدو أو ~~تعليم ما يعلمه من العلم وما في وسعه من الإطعام والصدقة والدعاء ونحو ذلك ~~فهذا لا يمنع منه، والكلام إنما هو في النوع الأول الذي وقع النزاع فيه. # وأما حديث عثمان بن حنيف وحديث ابن الجوزي وحديث أنس فهذه الأحاديث حجة ~~عليه لا له لأنه ليس فيها استمداد من المخلوق والاستغاثة به بل فيها ~~الاستمداد من ولي المدد ومالكه سبحانه. # واستسقاء عمر ومعاوية بالعباس ويزيد حجة لأهل الحق القائلين أنه لا ~~يستسقى بالأموات ولا يستعان بهم لأن بالمدينة وغيرها من الأنبياء والشهداء ~~والسابقين الأولين من هو أفضل من العباس ومن يزيد بن الأسود ولا استسقى بهم ~~أحد زمن الصحابة ولا في القرون المفضلة فدل على أن ذلك ليس من دين أهل ~~الإسلام وأنه من أبطل الباطلين والسنة أولى بالاتباع وأحق، ثم إن هذا ~~المعترض أتى في آخر كلامه بشبهة سامجة تخالف ما تقدم فقال: إذا تقرر أن ~~أعمالنا تعرض عليهم بواسطة الملائكة أو بواسطتهم فيجوز أن يكون نداؤنا لهم ~~والتوسل بهم يعرض عليهم فيدعوا لنا بالخير ويشفعوا فيشفعوا، والجواب أن ~~يقال: أين الداعي والشافع؟ من المدبر المتصرف؟ وقد تقدم لك وتكرر أنك تقول: ~~بأنهم يدبرون ويتصرفون ويمدون فما بالك رجعت القهقرة وجعلتهم داعين شافعين، ~~والشفيع إنما يشفع بجاهه وكرامته عند من يفعل ولا فعل له هو بنفسه فلا أدري ~~أي المذهبين تختار؟ وأي الطريقتين أرجح عندك؟. # PageV01P117 # أما الطريقة الأولى فطريقة من أشرك في الربوبية وزعم أن ثم مدبرين ~~وفاعلين ومتصرفين. # والطريقة الثانية فطريقة مشركي العرب ومن ضاهاهم وشابههم من عباد القبور ~~الذين يعتقدون أنهم إذا سألوهم وتعلقوا بهم (1) نالوا بجاههم وشفاعتهم، وقد ~~حكى الله عنهم ذلك في قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ms48 ~~ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} (2) وقال تعالى: {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} (3) وبعض ~~الجهال يظن أنه إذا قال: أنا أريد شفاعتهم وجاههم وأعتقد أن الله هو المؤثر ~~أن ينجوا بهذا من الشرك ويكون مسلما وقد عرفت مما تقدم أن هذا هو الذي كانت ~~عليه العرب في زمانه صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يعتقدوا التدبير والتأثير ~~لغر الله تعالى، قال الله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} (4) والآيات في هذا كثيرة فيها أنهم يعترفون ~~لله بالتدبير والتصريف ولكنهم قصدوا من آلهتهم مجرد الجاه والشفاعة وقول ~~هذا قد علم مما ذكرنا أن قول القائل: يا شيخ عبد القادر شيئا لله استمداد ~~منه جائر. فيقال له: تقدم لك أنك تقول: إن الذي نريد التوسل بهم إلى الله ~~بأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك بعبدك وتقدم قولك: بأنهم يدعون لنا ~~ويشفعون. وهذه العبارة الأخيرة صريحة في طلب عبد القادر بنفسه وهذا هو الذي ~~تريدون وهو الذي انطوت عليه PageV01P118 # الضمائر ولكنكم تارة تصرحون وتارة تكتمون وتظهرون عيره وعلى كل فأنتم في ~~قول مختلف يؤفك عنه من أفك كما نعت الله بذلك إخوانكم الأولين. # وأما حكاية اليافعي في تكملة روض الرياحين (1) أن رجلا استغاث بعبد ~~القادر فأغيث ورأى عند ذلك رجلا عليه ثياب شديدة البياض ونحو هذا الكلام ~~فهذا ليس من أدلة أهل الإسلام ولا يثبت به بإجماعهم حكم من الأحكام ويحتمل ~~أن هذا المستغيث رأى خيالا أو جانا فتوهمه عبد القادر وليس كذلك إلا هذا ~~(2) إن صح النقل ولا يمكن تصحيح مثل هذه الحكايات، ولو لم يكن من الموانع ~~إلا جهالة الراوي ms49 لدين الإسلام وعدم معرفته بصحيح الأحكام، والحكاية عن ~~الشيخ عبد القادر أنه يقول: من استغاث بي في كربة ومن ناداني باسمي في شدة ~~فرجت عنه ومن توسل بي إلى الله في حاجة قضية له ومن صلى ركعتين ثم يخطوا ~~إلى جهة العراق إحدى عشر خطوة ويذكر اسمي ويذكر حاجته فإنها تقضى (3) . # وهذا الكلام البشع الخبيث نسبه إلى هذا الشيخ الموحد خطأ عظيم وزلل وخيم ~~وقد ابتلي رحمه الله تعالى بمن يعتقد فيه نوعا من الإلهية ويجعله ندا لرب ~~العالمين كما ابتلي بهذا علي بن أبي طالب وابنه الحسين وغيرهم من سادات ~~المؤمنين، وكل من عرف عبد القادر ووقف على كلامه الذي نقله الثقات عنه يجزم ~~ببراءته من هذا وسلامته من هذه الشركيات والخرافات التي ينزه عنها العاقل ~~فضلا عن العالم الفاضل. # وعند النصارى وأشباههم من هذه الحكايات ما يملأ الدفاتر وكانت العرب في ~~الجاهلية تعج على عبادة اللات والعزى ومناة ونحو ذلك بمثل هذه الحكايات ~~الضالة والأقاويل الباطلة بل ربما سمع بعضهم الخطاب من نفس PageV01P119 # معبوده: قال الله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون} (1) وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} (2) وقال تعالى: {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} (3) وقال تعالى: {قال اهبطا ~~منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (4) . # وقد خرج الطبراني بسنده أنه كان بالمدينة منافق يؤذي المسلمين فقالوا ~~قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال لهم ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل"، فمنع من ~~إطلاق هذا اللفظ حتى في الأسباب العادية سدا للذريعة الشركية وهو سيد ولد ~~آدم صلى الله عليه وسلم ويروى عن أبي عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة ~~أنه قال: استغاثة المخلوق ms50 بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وعن ذي النون ~~استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، ولعبد القادر في ~~كتابه (فتوح الغيب) ما هو قريب من هذا الكلام وهذه هي حال أولياء الله ~~وعباده الصالحين يأمرون الخلق بما يوجب صرف قلوبهم ووجوههم إلى الله وحده ~~لا شريك له والإنابة إليه والاعتماد عليه، كما قال عن إمامهم إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال لقومه: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو ~~يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين} (5) وقال تعالى ~~لنبيه: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} (6) فكيف يقول غير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم استغيثوا بي ومن استغاث PageV01P120 # بي فرجت عنه سبحان الله ما أجهل أعداء الله وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب ~~وإلى ربك فارغب} (1) ، وتقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص وأن العباد لا ~~يرغبون إلا إليه وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (2) وفيه من حديث ~~ابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (3) ، وقال ~~تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (4) . # فلأي شيء يستغاث بغيره؟ ألكون غيره أعلم وأرحم وأحكم ولماذا؟ تعالى الله ~~عن قول الظالمين علوا كبيرا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق وصلى الله على أشرف المرسلين ~~وإمام المتقين نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا غفر الله لكاتبها ~~ولمؤلفها ولوالديهما والمسلمين آمين. # الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات الطيبات وتزداد بشكره العطايا ~~والبركات وتنال الرغبات والخيرات وتدفع بالالتجاء إليه البليات والمضرات لا ~~ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ولا حول ولا قوة إلا به لا إله إلا هو رب الأرض ~~والسموات وما بينهما ورب البريات. PageV01P121 ### | الخاتمة # الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، ~~والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. # ونسأل ms51 الله وهو لطيف بعباده خبير بأحوالهم أن يهب لنا من لدنه رحمة ويهيئ ~~لنا من أمرنا رشدا ويحسن عاقبتنا في الأمور كلها ويجيرنا وإخواننا المسلمين ~~أينما كانوا من ضيق الدنيا وعذاب الآخرة ويرزقنا حسن الخاتمة عند الممات ~~إنه سميع قريب مجيب الدعوات. # وبعد: فإن هذه الرسالة القيمة المفيدة بضاعة ثمينة وسلعة غالية لم يسبق ~~لها رواج بعد، ولكن الباري أراد أن تظهر هذه الجوهرة المكنونة من صدفها ~~لتتلألأ بعد أن خفيت ردحا من الزمن رغم أن مضمونها الذي احتوته سلاح حاد ~~فتاك يجب أن يحمله كل جندي يغامر لإعلاء كلمة الله ورفع راية التوحيد ~~وتقويض صرح الشرك ويدافع عن حوزة الإسلام والمسلمين لأن الغرض الوحيد من ~~تأليفها رد العدوان السافر الذي شنه بعض أهل الشبه الذين انطمست بصائرهم ~~على جمال هذا الدين الحنيف بهائه ونزاهته لتشويهه وتقبيحه ومحو معالمه ~~البراقة التي تتراءى في الآفاق كلها وإيقاع العوام وأمثالهم من مطموسي ~~القلب في شبكات الشرك والوثنية والكفر والإلحاد. # PageV01P123 # ومن هنا ندرك تماما قيمتها العلمية المرموقة وأن من حظي بها وعرف ما حوته ~~من المعاني الروحية والعلوم الخيرة استطاع بعون الله أن يستنير بها وينير ~~الطريق لغيره من التائهين الحيارى، ويقهر عدو الإسلام والمسلمين ويغلبهم ~~بهذا السلاح الفتاك الذي لا يغلب حامله لأنها صناعة من صنع الله الذي أتقن ~~كل شيء، ولا شك أن مالكه يدمر كل ما من شأنه أن يعوق السير الحثيث إلى ~~الغاية المنشودة كي يصل السائرون إلى تلك المعالم الرفيعة دون أن يتعثروا ~~في طريقهم إليها أدنى انزلاق ولذلك أرى لزاما علي أن أوصي بإخواني في الله ~~الدعاة الميدانيين والمفكرين المثقفين الواعين خاصة والمسلمين عامة أن ~~يولوا عناية بالغة لهذه الجوهرة قراءة وتعلما وتعليما ونشرا في المعمورة ~~حتى تكون بعون الله الغالب حربا على أعداء الله وسلما لأوليائه والله ~~الموفق والهادي إلى سواء السبيل وإياه أسأل أن ينفع بها كل من علمها وعمل ~~بها ودعا إلى مضمونها إيجابا وسلبا وجميع المسلمين ويجعل هذه الجهود ~~المتواضعة خالصة لوجه الله ms52 الكريم ويغفر لي ولوالدي ولمؤلفها والحامل على ~~عملها ولجميع المسلمين إنه جواد كريم وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه ومن ~~ترسم خطاهم إلى يوم الدين. # وقد وقع الفراغ من هذا العمل آخر شهر محرم سنة تسع وأربعمائة وألف من ~~الهجرة النبوية يوم الخميس الموافق سبعة وعشرين من المحرم 27/1/1409ه. # كتبه # محمد العارف بن عثمان بن موسى الأرومي الهرري. # PageV01P124 ms53