######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012094 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1293 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012094 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12094 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12094 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الهداية للطبع والنشر والترجمة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين وعليه نتوكل ونعتمد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليه آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. ويسر لهم من معالم ~~الدين ومواهب اليقين ما فضلهم به واصطفاهم على العالمين. وفتح لهم من حقائق ~~المعارف ومعارف الحقائق ما امتازوا به على من قبلهم من سائر الأمم الماضين. ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله وخليله الصادق الأمين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ~~والتابعين وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فإن الله قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وكان الناس قبل مبعثه على أديان ~~متفرقة ونحل متباينة، وطرائق مختلفة، وضلال مستبين، كما في صحيح مسلم من ~~حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله نظر إلى أهل ~~الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" فقام صلى الله عليه ~~وسلم بأعباء النبوة والرسالة، وصدع بالإنكار على كافة أهل الجهالة والضلال، ~~ودعا الناس إلى معرفة الله وتوحيده، وأمرهم بإخلاص الدين لله وتجريده. ولم ~~يزل صلى الله عليه وسلم إلى الله داعيا وإلى سبيله هاديا، حتى أظهره الله ~~على سائر فرق المشركين الأميين منهم # PageV01P007 # والكتابيين، واستعلن الدين واستنار، وقهر الإسلام كل مشرك جبار فأكمل ~~الله للأمة الدين، وأتم النعمة بما جاء به رسوله الأمين؛ فدخل الناس في دين ~~الله أفواجا، وأشرقت الأرض بنور النبوة واهتزت طربا وابتهاجا، ومحا الله ~~آثار الأصنام والأوثان، وخمدت معابد الصلبان والنيران، ورفعت أعلام السنة ~~والقرآن حتى تركهم صلى الله عليه وسلم على البيضاء ليلها كنهارها لا يضل ~~سالكها، ولا تلتبس عليه مناهجها ومسالكها. ولم يزل خلفاؤه الراشدون ومن ~~بعدهم من أهل تلك الأعصار الفاضلة والقرون، على هذا المنهج المنير متفقون، ~~وبعروته مستمسكون، فاستمر الأمر على ذلك، ومضى الصالحون على ms001 تلك المناهج ~~الواضحة والمسالك؛ ثم نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ولم يميز بين ~~شعب الشرك والأصول الإسلامية، فانتقضت من الدين عراه، وعز خلاصه وعظمت ~~بالجهل محنته وبلواه، وآلت الرياسة إلى الجهال والأغمار، وجاءت دولة غربة ~~الدين واشتد الإدبار، فوقع الشرك بالصالحين وغيرهم صرفا لم يشب؛ هرم عليه ~~الكبير ونشأ الصغير وشب، واستحكم الأمر استحكاما لا مزيد عليه. حتى جزم ~~الأكثر بكفر من أنكر ذلك وأشير به إليه. وهذا من أعلام نبوة نبينا المصطفى ~~زاده الله صلاة وسلاما وشرفا، فقد روى الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن ~~الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. ~~قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ". وجاء نحوه عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما وفيه زيادة: "وباعا بباع" وفيه: "حتى لو أن أحدهم دخل جحر ~~ضب لدخلتموه، وحتى لو أن أحدهم جامع أمه في الطريق لفعلتموه" وفي الباب عن ~~أبي هريرة وشداد بن أوس وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم. ~~فصار الأمر طبق ما أخبر به هذه الأمة نبيها، وظهر وجه الشبه بينهم وبينها، ~~وانتهى الحال إلى أن قبل بالاتحاد والحلول، وكثرت في ذلك إشارات القوم ~~والنقول، وصار هو مذهب الخاصة والخلاصة عند الأكثرين. ومن أنكره فهو عندهم ~~ليس على شيء من العلم والدين. # PageV01P008 # وعبدت الكواكب والنجوم. وصنف في ذلك مثل أبي معشر وصاحب السر المكتوم (1) ~~، وعظمت القبور، وبنيت عليها المساجد وعبدت تلك الضرائح والمشاهد، وجعلت ~~لها الأعياد الزمانية والمكانية؛ وصرفت لها العبادات المالية والبدنية. ~~ونحرت لها النحائر والقرابين؛ وطاف بها الفوج بعد الفوج من الزائرين ~~والسائلين، وحلقت لأربابها رؤوس الوافدين؛ وهتف بدعائها ورجائها من حضر ~~وغاب من المعتقدين والمحبين. واعتمدوا عليها في المهمات من دون الله رب ~~العالمين وانتهكت بأعيادها وموالدها محظورات الشريعة والمحرمات، واستبيح ~~فيها ما اتفقت على تحريمه جميع الشرائع والنبوات. وكثر المكاء والتصدية ~~بتلك ms002 الفجاج والعرصات. وبارزوا بتلك القبائح والعظائم فاطر الأرض والسموات. ~~وصنف في استحبابه بعض شيوخهم كابن المفيد وظنه الأكثر من دين الإسلام ~~والتوحيد وأشير إلى من أنكره بالكفر الشديد، وقد ضمن الله تعالى لهذه الأمة ~~أن لا تجتمع على ضلالة، وأن لا يزال فيها من يعبد الله قائما على أي وصف ~~وحالة. وجاء الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يبعث لهذه الأمة على ~~رأس كل قرن من يجدد لها أمر الدين، ويقوم من الحجة بالواضح المستبين. فمنهم ~~من قص علينا نبؤه ووصل، ومنهم من انقطع عنا خبره وما اتصل. وأحق أهل القرن ~~الثاني عشر عند من خبر الأمور وسبر، ووقف على ما قرره أهل العلم والأثر: من ~~حصول الوصف الكاشف المعتبر شيخ الإسلام والمسلمين المجدد لما اندرس من أصول ~~الملة والدين، السلفي الأول وإن تأخر زمانه عند من عقل وتأمل، الشيخ محمد ~~بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى وأجزل له الثواب. # وكان قيامه رحمه الله بعد الخمسين ومائة وألف؛ من سني الهجرة المحمدية. ~~وايتداء التواريخ الإسلامية، فشمر رحمه الله عن ساعدي جده واجتهاده، وأعلن ~~بالنصح لله ولكتابه ولرسوله، وسائر عباده، وصبر على ما PageV01P009 # ناله من أعباء تلك الرتبة والدعوة، وما قصد به من أنواع المحنة والجفوة. # وقرر رحمه الله أن الواقع الذي حكينا والصنيع الذي رأينا وروينا، عن عباد ~~القبور والصالحين، هو بعينه فعل الجاهلية الوثنيين. وهو الذي جاءت الرسل ~~بمحوه وإبطاله وتكفير فاعله ورد باطله ومحاله: وقال: إن حقيقة دين الإسلام ~~وزبدة ما جاءت به الرسل الكرام، هو إفراد الله بالقصد والعبادة، وإسلام ~~الوجه له بالعمل والإرادة، وترك التعلق على الأولياء من دونه والأنداد. ~~والبراءة من عبادة ما سواه من سائر المخلوقات والعباد. وهذا معنى كلمة ~~الإخلاص والتوحيد. وهو الحكمة المقصودة بخلق جميع الكائنات والعبيد، وقرر ~~رحمه الله أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادة مع مخالفة ما دلت عليه من الأصول ~~المقررة؛ ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام. إذ ~~المقصود من الشهادتين حقيقة الأعمال التي ms003 لا يقوم الإيمان بدونها. كمحبة ~~الله وحده، والخضوع له والإنابة إليه، والتوكل عليه، وإفراده بالإستعانة ~~والاستعانة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من ~~العبادات، كالذبح والنذر والتقوى والخشية، ونحو ذلك من الطاعات. # واستدل لذلك بنصوص قاطعة وبراهين واضحة ساطعة، وحكي الإجماع على ذلك عن ~~الأئمة الفضلاء والسادة النبلاء، من سائر أهل الفقه والفتوى، وذكر عبارة من ~~حكى الإجماع من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وألف في ذلك التآليف، وقرر ~~الحجة وصنف التصانيف، وقد عارضه من الغلاة المارقين ومن الدعاة إلى عبادة ~~الأولياء والصالحين، أناس من أهل وقته، فباءوا بغضب الله ومقته. وأظهره ~~الله عليهم بعد الامتحان. وحقت كلمة ربك على أهل الكفر والطغيان. وهذه سنة ~~الله التى قد خلت من قبل، وحكمته التي يظهر بها ميزان الفضل والعدل. # وقد جمع أعداؤه شبهات في رد ما أبداه، وجحد ما قرره وأملاه، # PageV01P010 # واستعانوا بملئهم من العجم والعرب، ونسبوه إلى ما يستحي من ذكره أهل ~~العقل والأدب فضلا عن ذوي العلم والرتب، وزعموا أنه خارجي مخالف للسنة ~~والجماعة، كمقالة أسلافهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صابئ صاحب إفك ~~وصناعة. # ومن سنة أربع وخمسين ومائتين يبلغنا ويرفع إلينا عن رجل من أهل العراق ~~أنه تصدى لجمع تلك الشبه من أماكنها وتتبعها من مظانها فصار يبدي من ~~الشبهات ما يمج سماعه، ويكفي الناقد في رده نظره واطلاعه؛ ويظهر بطلانه ~~ببدائه العقول ولا يتوقف الحكم بفساده على نظر في المعقول والمنقول. وقد ~~رفع إلي رسالة سماها "صلح الإخوان" فيها من تحريف الكلم عن مواضعه والكذب ~~على أهل العلم وعدم الفقه فيما ينقله ويحكيه من كلامهم ما يحصيه إلا الله. ~~ورأيته قد زاد على من قبله من المعارضين بزيادات وضلالات تليق بتلك الفهوم ~~والقلوب والمقفلات {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: من الآية8] والمؤمن إذا ~~وقف على كلام هذا الرجل عرف قدر ما هو فيه من نعمة ms004 الإسلام، وما اختص به من ~~حلل الإيمان والإكرام. فازداد تعظيما لربه وتمجيدا، وإخلاصا في معاملته ~~وتوحيدا. # لوشاء ربك كنت أيضا مثلهم ... فالقلب بين أصابع الرحمن # وقد عن لي أولا أن أطرح هذر كلامه وأن لا أعرج على رد إفكه وآثامه، لظهور ~~هجنته في نفسه، وأنه مما يتنزه العاقل عن إفكه وحدسه. ثم بدا لي أن لكل ~~ساقطة لاقطة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما قال أبو ~~سفيان يوم أحد: أفيكم محمد أفيكم أبو بكر، أفيكم ابن الخطاب؟ "لا تجيبوه" ~~تهاونا به وتحقيرا لشأنه. فلما قال: اعل هبل، قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "قولوا: الله أعلى وأجل" ولما قال: لنا العزى ولا عزى لكم قال ~~لهم: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" والبلاغة كما قيل: مطابقة الكلام ~~لمقتضى الحال. # PageV01P011 ### | ### | فصل # # اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج وعرف ماهيته ~~بأوصافها الخاصة عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده. وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى ~~الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين. ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما ~~لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر. وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة ~~الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة. مثال ذلك: أن ~~الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. والجهل بالحقيقتين أو ~~إحداهما أوقع كثيرا من الناس في الشرك وعبادة الصالحين، لعدم معرفة الحقائق ~~وتصورها، وأن لساعد الجهل وقصور العلم عوائد مألوفة استحكمت بها البلية ~~وتمكنت الرزية. وصار الانتقال عن العوائد والمشتهيات أعز شيء في الوجود ~~وأصعب شيء على النفوس، مالم يعارض ذلك معارض قوي في نفسه، عظيم الصولة ~~والقوة، سواء كان أمرا خارجيا كالقهر والغلبة والقتال والأسر "عجبت لقوم ~~يدخلون الجنة بالسلاسل" أو أمرا باطنيا أو وازعا إلهيا كالتوفيق وقذف النور ~~في القلب، وتصريف كصرف القلوب. وهذا النوع أقل مما قبله، كما في حديث ابن ~~عباس في عرض الأمم وأنه صلى الله عليه وسلم "رأى النبي وليس معه ms005 أحد، ~~والنبي معه الرجل والرجلان، والنبي ومعه الرهط" الحديث بطوله. # PageV01P012 ### | ### | فصل # # اعلم أن العبد به فقر ذاتي وضرورة ذاتية لا تنفكان بحال إلى معرفة فاطره ~~وبارئه وعبادته وحده لا شريك له. وهذا الفقر والضرورة لا مثل له فيقاس عليه ~~فإن فقد معرفة باريه وعبادته وحده لا شريك له هلاك كلي أبدي، لا خير ولا ~~سرور معه البتة بوجه من الوجوه. لكنه يشبه من بعض الوجوه فقر العبد إلى ما ~~يقوم بدنه وتسلم به صحته من الطعام والشراب، والأمر أجل من ذلك وأعظم، ~~فينبغي لكل عبد أن يهتم بذلك غاية الاهتمام. ولا يرضى لنفسه أن يعيش كسائمة ~~الأنعام. قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها} إلى قوله: {أولئك هم الغافلون} [لأعراف: 179] والكلام في هذا ~~المبحث ليس كغيره، فربما خرج الإنسان من الإسلام بشبهة تحول بينه وبين ما ~~يحب لله من التوحيد والإخلاص والبراءة من عبادة ما عبد معه من الأوثان ~~والأصنام. # PageV01P013 ### | ### | فصل # # قال العراقي في أول رسالته: # يقول داود بن العالم المتضلع في سائر العلوم سليمان بن جرجيس: # أقول: قد اشتهر المثل السائر: كل فتاة بأبيها معجبة. أين آثار العلم في ~~جهل هذا وأبيه بالتوحيد، فضلا عن سائر العلوم؟ أيضا ففي الحديث "من بطأ به ~~عمله لم يسرع به نسبه" هذا لو سلم له علم أبيه فكيف والمنع أوجه {ائتوني ~~بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الاحقاف: من الآية4] . # ودعوة المرء تطفئ نور بهجته ... هذا بحق فكيف المدعي زللا؟ # وانظر لتسمية جده بجرجيس؟ ومعلوم أن جرجس وبطرس ليسا من أسماء المسلمين، ~~فما وجه التسمية بذلك؟ # PageV01P014 ### | ### | فصل # # قال العراقي: قد اشتهر أن الشيخ ابن تيمية وابن القيم يحكمان على أهل ~~السنة والجماعة ممن يتوسل بالأنبياء والصالحين من أهل القبور، ويناديهم ~~ويستغيث بهم إلى الله، ويحلف بغير الله أو ينذر لأنبياء الله وأوليائه وما ~~أشبه ذلك بالكفر والشرك المخرجين من الملة، وأنهما يحكمان بالتأثيم لفاعل ~~ذلك، أخذا من ms006 ظاهر كلامهما، حتى حصل بذلك فتن وتفريق بين المسلمين. ثم إني ~~أمعنت النظر فوجدتهما قد تبرآ من ذلك، بل رأيتهما عذرا فاعل ذلك، إذا كان ~~مجتهدا أو مقلدا وله حسن قصد. وربما قالا: مأجور في فعله. قال: وهما وإن ~~أطلقا في كتبهما وشددا لكنهما خصصا في بعضها وقيدا. فالذي لا يمعن النظر في ~~كلامهما يحكم بأنهما قائلان بالتكفير. وأطال الهذيان. # والجواب أن يقال: # (أولا) تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله ~~على رسوله وقلب للمسميات الشرعية، وما يراد من الإسلام والإيمان. والشرك ~~والكفر. قال تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله} [التوبة: من الآية97] وهذا وأمثاله أجدر من أولئك ~~بالجهل وعدم العلم بالحدود، لغربة الإسلام وبعد العهد بآثار النبوة. وأهل ~~السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في # PageV01P015 # العقائد والنحل، والعبادات الباطنة والظاهرة الذين لم يشوبوها ببدع أهل ~~الأهواء ولا بزيغ أهل الكلام: في أبواب العلم والاعتقادات. ولم يخرجوا عنها ~~في باب العمل والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرق في مبتدع العبادات فإن ~~السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سنه ~~أو أمر به من أصول الدين وفروعه. حتى الهدي والسمت، ثم خصت في بعض ~~الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافا للجهمية ~~المعطلة النفاة. وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافا للقدرية النفاة ~~وللقدرية الجبرية العصاة. وتطلق أيضا على ما كان عليه السلف الصالح في ~~مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته، لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق ~~التنبيه على أن المسمى ركن أعظم، وشرط أكبر كقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"الحج عرفة" أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم. لذلك سمى العلماء ~~كتبهم في هذه الأصول: كتب السنة، ككتاب السنة للآلكائي، والسنة لأبي ms007 بكر ~~الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة، والسنة لعبد الله بن أحمد، ~~ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم. # وإذا كان الحال كما ذكرنا فقوله: اشتهر أن الشيخ ابن تيمية وابن القيم ~~يحكمان على أهل السنة والجماعة بالتكفير والإشراك: كذب ظاهر، وبهت جلي، ما ~~قيل ولا صدر، فضلا عن كونه عرف واشتهر. وآحاد العامة فضلا عن الخاصة لا ~~يخفى عليهم أن هذين الشيخين من أكابر أهل السنة والجماعة، لا ممن يكفر أهل ~~السنة والجماعة، وأنهما تصديا للرد على المبطلين والمشركين من اليهود ~~والنصارى والصابئة والفلاسفة؛ وعباد القبور والمشايخ، ولم يكفرا غير هذه ~~الطوائف ومن ضاهاهم، كغلاة الجهمية والقدرية والرافضة، هذا يعرفه كثير من ~~العوان. وهذا العراقي بلغه ذلك، ولكن ظن أن عباد القبور أهل سنة وجماعة، ~~فأخذ في تحريف كلام الشيخين. والإلحاد في ذلك، بل وألحد في نصوص الكتاب ~~والسنة، كما # PageV01P016 # سيأتيك عنه مفصلا إن شاء الله. قال تعالى {إن الذين يلحدون في آياتنا لا ~~يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما ~~شئتم إنه بما تعملون بصير} [فصلت:40] . # وقوله: ممن يتوسل بالأنبياء والصالحين من أهل القبور ويناديهم، ويستغيث ~~بهم إلى آخره. # يريد به: ما سيأتي في كلامه من أن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا ~~يقدر عليه إلا الله يسمى توسلا عنده وتشفعا. وهذا فرار منه أن يسميه شركا ~~وكفرا وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات. وسيأتيك رد كلامه هناك، وأن ~~التوسل صار مشتركا في عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن ~~الله سمى هذا شركا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه. كل هذا يأتيك مفصلا، ~~فإياك أن تغتر بالإلحاد وتغيير الأسماء؛ فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر ~~بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون، عباد قبور. لا يستريب في ذلك إلا ~~جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت به الرسل الكرام. # وهذا الضرب من الناس أعني عباد القبور يحسنون الظن بأنفسهم ويرون أنهم ~~أهل سنة وجماعة. وهكذا أهل كل ملة ونحلة وبدعة. وقد ms008 قال تعالى: {قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا} [الكهف:103104] ، وقال تعالى: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء ~~من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} [لأعراف: من الآية30] . # وما أحسن قوله تعالى في قضائه بين إبراهيم وقومه: {الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام:82] . # ومن عادة هذا العراقي: أنه إذا رأى عبارة في مدح أهل السنة والجماعة وعدم ~~تكفيرهم ادعاها لنفسه وشيعته من عباد القبور والصالحين، والمتشبع بما لم ~~يعط كلابس ثوبي زور. # PageV01P017 # وأعجب من هذا في الجهالة وأبعد في التيه والضلالة أنه زعم أن هذين ~~الشيخين لا يقولان بتأثيم من دعا الأولياء والصالحين واستغاث بهم من دون ~~الله في حاجاته وملماته، وأنهما عذراه وقالا: هو معذور مأجور. ويل أمه، ما ~~أكذبه، وما أضله عن الفهم الصحيح وأبعده. جميع عباراتهما، وكل مصنفاتهما ~~ضريحة ظاهرة في تضليل فاعل ذلك والحكم عليه بالشرك الأكبر، وأنه ممن عدل ~~بالله وسوى بربه غيره، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا، وأن الله ~~سبحانه بعث جميع رسله وأنزل سائر كتبه ليعبد وحده لا شريك له، ويكفر بما ~~عبد معه من الأنداد والآلهة. وهذا أصرح شيء وأظهره في الكتاب والسنة، وكلام ~~علماء الأمة وفقهائها، لا سيما شيخ الإسلام وتلميذه، فإنهما قد اهتما بهذا ~~الأصل وقرراه ووضحاه وأقاما عليه من الأدلة والبراهين ما يعز جمعه ~~واستفاؤه. # إذا عرفت هذا، فاعلم أن مستند المسلمين في العقائد ومرجعهم في أصول الدين ~~وفروعه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وإجماع من سلف من علماء الأمة. وأن ~~التقليد في باب أصول الدين، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن ~~محمدا رسول الله لا يفيد ولا يجدي عندهم، وإن كان المقلد بفتح اللام فاضلا ~~عالما في نفسه. وهذا العراقي يظن أن المسلمين يكفرون أهل الشرك وعباد ~~الصالحين ويقاتلونهم على التوحيد، تقليدا للشيخ وغيره. وهذا لأنه لا يحسن ~~سوى حرفة التقليد والكتاب والسنة عنده عن الاستدلال والاحتجاج بمكان بعيد، ~~والمسائل ms009 التي يسقط الذم عن المخطئ فيها إذا اجتهد واتقى الله ما استطاع هي ~~المسائل الاجتهادية، أي التي يسوغ الاجتهاد فيها أو ما يخفى دليله في ~~نفسهن, ولا يعرفه إلا الآحاد؛ بخلاف ما علم بالضرورة من دين الإسلام، ~~كمعرفة الله بصفاته وأسمائه وأفعاله وربوبيته ومعرفة ألوهيته وكتوحيده ~~بأفعال العبد وعباداته؛ فأي اجتهاد يسوغ هنا وأي خفاء ولبس فيه؟ # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # PageV01P018 # وجميع الكفار، إلا من عاند منهم، قد أخطأوا في هذا الباب واشتبه عليهم، ~~أفيقال بعذرهم وعدم تأثيمهم أو أجرهم؟ سبحان الله! ما أقبح الجهل وما ~~أبشعه. # هذه أربعة مواضع ضل فيها العراقي في أول بحثه في قدر ثلاثة أسطر من كلامه ~~فسبحان مصرف القلوب. # قال ابن القيم رحمه الله في الكلام على أهل الفترة عند حديث المنتفق، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أباك المنتفق في النار"؛ ولو لم يكن من ~~الأدلة على توحيد الله ومعرفته إلا ما اعترفوا به من ربوبية الله واختصاصه ~~بالخلق والإيجاد والإبداع لكفى بذلك دليلا، أو نحو هذا الكلام. # وغلاة عباد القبور قد أثبتوا لآلهتهم وأوليائهم شركة مع الله في التدبير ~~والتأثير كما قالته غلاة الرافضة. وعلى كلام هذا الضال هم معذرون مأجورون ~~لأنهم اجتهدوا، فسبحان من طبع على قلبه، وحال بينه وبين رشده. وما أحسن ~~قوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولو الألباب} [الرعد:19] بل إطلاق هذا يدخل فيه اجتهاد النصارى فيما أتوا ~~به من القول الشنيع والكفر الفظيع ويدخل في عمومه قول أهل الحلول والاتحاد، ~~كابن عربي وابن سبعين والعفيف والتلمساني وابن الفارض وأمثالهم، ويلزم من ~~هذا العراقي تضليل من كفر المشركين وعباد القبور من علماء الأمة. وتضليل ~~الفقهاء فيما ذكروه في باب حكم المرتد، وأن يخص كلامهم بغير المجتهد ~~والمقلد؛ ومن له حسن قصد. فيجب على هذا تقييد ما أطلقوه وتحرير ما ضيعوه، ~~ولم يضبطوه. وأن يكتب هذا القيد على ذكره الحنفيون والمالكيون والشافعيون ~~والحنبليون في ms010 باب حكم المرتد وما يكفر به المسلم؛ ليظهر الحق إن كان ما ~~زعمه العراقي حقا، أو يشهد كافة أولي الألباب من العلماء والخلق أن هؤلاء ~~قوم لا يعقلون؛ وأنهم في ضلالة عمياء؛ وجهالة صماء؛ وأن لهم نصيبا وافرا من ~~قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها} [لأعراف: 179] . # PageV01P019 # وأما دعواه أنه أمعن النظر في كلام الشيخين فقد يكون ذلك، لكن إنما ينتفع ~~بالبحث والنظر أهل البصائر والأثر، وهل ضل من ضل قديما وحديثا إلا من جهة ~~فساد نظره، وضلال فكره، وغشاوة بصره، وطبع الله على قلبه؟ وعلى الشيخ ~~وأمثاله بيان الحق؛ وكشفه وتقريره؛ وليس عليهم أن يفهم كلامهم كل ناظر فيه ~~مطلع عليه. # عليك في البحث أن تبدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر # قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر كلام الزنادقة المكذبين للنصوص ~~الواردة في عذاب القبر قال: الأمر الثاني أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه إلا على ما يحتمله، ولا ~~يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والتبيان. # قال رحمه الله: فقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن ~~الصواب وما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة ~~وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن ~~أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن ~~قصده وسوء القصد من التابع، فيا محنة الدين وأهله. والله المستعان. وهل ~~أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر طوائف ~~أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو ~~موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور ولا ~~يلتفت إليه، ولا يرفع به هؤلاء رأسا، ولكثرة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ~~ذكرناها لزدات على عشرات ألوف؛ حتى إنك لتمر على ms011 الكتاب من أوله إلى آخره ~~فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مرادا كما ينبغي في موضع واحد، وهذا إنما ~~يعرفه من عرف ما عند الناس، وعرضه على ما جاء به الرسول. وأما من عكس الأمر ~~فيعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن # PageV01P020 # الظن به؛ فليس يجدي الكلام معه شيئا، فدعه وما اختار لنفسه ووله ما تولى؛ ~~واحمد إلهك الذي عافاك مما ابتلاه به. انتهى. # وما أحسن ما قال في الكافية: # فلقد نجا أهل الحديث المح ... ض أتباع الرسول وتابعوالقرآن # عرفوا الذي قد قال مع علم بما ... قال الرسول فهم أولو العرفان # مدوا يدا نحو العلى بتكلف ... وتخلف وتكبر وتوان # أترى ينالوها؛ وهذا شأنهم؟ ... حاشا العلاء من الزبون الفاني # PageV01P021 ### | ### | فصل # # قال العراقي: على أن ما أطلقاه وشددا فيه قد صرحا في مواضع متعددة أنه سد ~~للذريعة، وأن المقصود الشرك أو الكفر الأصغر لا المخرج من الملة. # كما سنقف على عبارتهما في جميع كتبهما. ثم إن هذا الشرك إنما يكون عندهما ~~محرما إذا لم يكن فاعله مجتهدا ولا مقلدا ولا عرضت له شبهات يعذره الله ~~فيها. ولا متأولا، ولا ابتلى بمصائب مكفرة، ولا له حسنات تمحو ذنبه، ولا ~~شفيع مطاع، ولا كان جاهلا. فبعد انتفاء هذه الشروط يحكم على فاعل هذه ~~الأشياء المتقدمة بالشرك الأصغر، ولما نقلت هذا لبعض أهل الدين حثني على ~~جمع هذه العبارات. # والجواب أن يقال لهذا: # كلامك هذا كله باطل، وجهل مركب، وبهت لهذين الشيخين. وليس فيه جملة واحدة ~~توافق الحق أصلا، فالحمد لله الذي خذل أعداء دينه وجعلهم عبرة لأوليائه، ~~وعباده المؤمنين. # وحينئذ فالجواب من طريقين، مجمل ومفصل. # أما المجمل فنقول: قد تقدم أن الأصل المعتمد في هذا الباب وغيره من أصول ~~الدين وفروعه هو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة. هذه هي ~~الأدلة الشرعية بإجماع، والقياس مختلف فيه. والجمهور على قبوله بشروطه، ~~وليس المعول على كلام الآحاد من أهل العلم والدين، وإن علت # PageV01P022 # درجتهم، وارتفعت رتبتهم. ms012 ولا تصلح المعارضة بقول فلان وفلان من أهل العلم ~~والدين، ولا ينتقض الدليل بمخالفة أحد كائنا من كان. # إذا عرفت هذا، فالجواب المفصل أن نقول: قوله إن الشيخ وتلميذه صرحا أن ما ~~قالاه في دعاء الصالحين وعبادتهم مقصودهما سد الذرائع وأنه من الشرك ~~الأصغر، وأنه لا يكون محرما إذا كان فاعله مجتهدا أو مقلدا أو مخطئا. # كلام كذب محض مردود على قائله. وهذه الدعوى من هذا العراقي يكفي في ردها ~~وإبطالها المنع، لأنها عارية عن الدليل والبرهان. والدعوى المجردة يكتفي ~~بمنعها. وما ذكره العراقي فيما سيأتي لم يفقه المراد منه ولم يدر ما قصد ~~به. فوضع كلامه في غير موضعه. وعارض بعضه ببعض, وصادم ما ذكره الشيخ في ~~الشرك الأكبر بما ذكره فيما دونه من الشرك الأصغر والسيئات، والبدع التي ~~فشت في الأمة، وجعل هذا من باب التقييد للمطلق. لجهله بالصناعة. فإن حقيقته ~~تعاؤض محض وتناقض ظاهر على زعم هذا العراقي. وهذا مما ينزه عنه آحاد ~~المسلمين فضلا عن العلماء المحققين. وعلى زعم هذا العراقي أنه أيضا لا يكون ~~شركا أصغر ولا محرما على المجتهد، بل هو مأجور في ذلك، وأن الشرك والكفر ~~والفسوق لا يتحقق مسماها ولا يكون إثما إلا إذا عوقب صاحبه بالنار، فإن منع ~~مانع من العقاب انتفى الاسم والحكم. فسبحان الله والله أكبر؛ ما أقل حياء ~~هذا الرجل وما أغلظ فهمه وما أكثف حجابه، وسيأتيك ما سننقل من كلامهما ~~صريحا واضحا لا يقبل تأويل هذا الملحد بوجه من الوجوه. # وهب أنه لا يعاقب، فما الذي منع تحريمه، وقلب مسماه، وأحاله أن يكون ~~شركا؟ وكلام الشيخ صريح في أن المراد بعباراته ما يقع من ذنوب أهل الإسلام ~~مما دون الشرك وعبادة الصالحين. وعباراته ظاهرة في ذلك، ليست على ما نقله ~~العراقي، بل فرضها في أهل الإسلام، وما حدث من البدع التي على ما نقله ~~العراقي، بل فرضها في أهل الإسلام، وما حدث من البدع التي تنازع الناس في ~~تكفير أهلها، وما وقع من بعض الصحابة مما يدعى ms013 أنه من # PageV01P023 # جنس الذنوب. فإنه لما منع الدعوى وذكر أن الواقع من الفتن والقتال إنما ~~صدر عن اجتهاد ورأي، وأن المجتهد في مثل هذا يعني مسائل الإمامة والطلب بدم ~~عثمان، ونحو ذلك مما يعذر فيه المجتهد إذا كان هذا حاصل علمه واجتهاده ولم ~~يقصد معصية الله ورسوله. # ثم قال بعد ذلك: والعقاب في الدار الآخرة قد يرتفع عن المسلم أو قال ~~المؤمن بأسباب عشرة، فذكر التوبة والاستغفار، والعمل الصالح الذي ترجح به ~~حسناته، والمصائب المكفرة في الدنيا والمصائب المكفرة في البرزخ، والمصائب ~~المكفرة في عرصات القيامة؛ ودعاء المؤمنين واستغفارهم؛ وشفاعتهم له في ~~الدار الآخرة وشفاعة سيد الشفعاء، ومغفرة الله ورحمته. فإن لم تقو هذه ~~الأسباب ومنع مانع من جهة العبد؛ فلا بد من دخوله النار وتطهيره من آثار ~~الذنوب فإذا طهر ونقي دخل الجنة. # وهذا معنى كلام الشيخ في المنهاج وغيره، فمن أراد المراجعة فالعبارة ~~معروفة في محلها. # وقال شيخنا في بعض رسائله: لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان؛ وبإجماع أهل ~~العلم أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى، مع أنهم عثوا في دمائهم. # ومعلوم أن كلام من الطائفتين أهل العراق وأهل الشام معتقدة أنها على الحق ~~والأخرى ظالمة وكان من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم ~~وردتهم وقتلهم، لكن حرقهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف أترى أهل الشام ~~لو حملهم مخالفة علي على الاجتماع بهم والاعتذار عنهم والمقاتلة معهم لو ~~امتنعوا أترى أحدا من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم ولو أظهر البراءة ~~من اعتقادهم؟ وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان. # فتفكر في هذه القصة فإنها لا تبقي شبهة إلا على من أراد الله فتنته ~~انتهى. # PageV01P024 # وهذا العراقي يزعم أنه يقول إن الشرك أو الكفر إنما يكون محرما إذا لم ~~يكن له حسنات تمحوه ولا شفع له شفيع، ولا كان جاهلا. فبعد انتفاء هذه ~~الشروط المتقدمة يحكم عليه بالشرك الأصغر. # فكلام الشيخ وبحثه في ارتفاع العقاب في الآخرة فيما دون الشرك ms014 الأكبر ~~بأحد هذه الأسباب. والعراقي فهم انتفاء الاسم والحقيقة وأنه لا يكون ذنبا. # فاعرف ما في كلام العراقي من الزلل. # ويلزم على هذا أن تنتفي الأحكام المترتبة على الذنوب في الدنيا من ~~الأسماء والعقوبات والحدود، لأن ذلك عنده ليس بذنب ولا يسمى شركا محرما إلا ~~إذا عوقب في الدار الآخرة عليه. فبطل كلام الفقهاء في الفساق وأهل الذنوب. ~~وما ذكروه في أبواب العبادات والولايات والحدود والعقود والأنكحة، فقف هنا ~~تر العجب العجاب من جهل هؤلاء الضلال. # وقول الشيخ: ولم يكن مجتهدا ولا مقلدا؛ ولا عرضت له شبهات يعذره الله ~~فيها ولا متأولا: سيأتيك جوابه في أول نقوله في هذه الرسالة. وقد تقدم بعض ~~ذلك، ويأتي له مزيد، ولكن ينبغي أن يعلم أن كلام الشيخ في مسائل مخصوصة، ~~وأن المراد انتفاء العقاب في الدار الآخرة، وأما الأحكام الدنيوية فيجري ~~على المتأول والمقلد ومن عرضت له شبهات يعذره الله تعالى فيها ما أجراه ~~الشارع من الأحكام الدنيوية، يعذر تارة وتارة لا يقال بعذره، وتجري عليه ~~الأحكام، وقد ذكر هذا العلماء مفصلا في أبوابه. # ومن عجيب أمر هذا العراقي: أنه فهم من قول الشيخ: إن العقاب في الآخرة قد ~~يرتفع عن المسلم بأحد الأسباب العشرة: أنه يتناول أهل الشرك وعباد القبور ~~والله تعالى يقول: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: من الآية48] ~~ويقول: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} ~~[المائدة: من الآية72] وقال تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: من الآية65] فكيف يظن بالشيخ أو من دونه أن ~~يقول بانتفاء العقاب عمن حكم الله بخلوده في النار، وحبوط أعماله. # PageV01P025 ### | ### | فصل # # قال العراقي: وهذه المسائل المطلقة كم استحلت بسببها دماء وأموال، وكم ~~زلت فيها علماء وهلكت رجال، وكم انتهكت فيها حرمة الإسلام وأعراض، وكم ~~استخف فيها بأنبياء الله وأوليائه؟ فهي في القلوب أمراض. # الجواب أن يقال: # قد صدق العراقي في جملة واحدة من هذه الجمل، ,هي قوله: فهي في ms015 القلوب ~~أمراض، ومراده قلوب أمثاله وشيعته من عباد الأولياء والصالحين، فنعم {في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} . # وأما مسائل العلم والعبادة وإفراد الله بالطلب والإرادة وأحكام الشرك به ~~ودعاء الصالحين والاستغاثة بهم ومحبتهم مع الله، واتخاذهم أولياء من دونه. ~~فهذه ليست من المسائل الفرعية الاجتهادية التي قد يخفى دليلها، فيحتاج ~~المسلم فيها إلى التقليد، كما زعم العراقي: أن الدماء والأموال استحلت بسبب ~~كلام الشبخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، بل المعول في هذا على نصوص الكتاب ~~والسنة وإجماع علماء الأمة، لا على كلام عالم أو فقيه غير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # فقول هذا العراقي جهل بأصل هذه الدعوى النجدية؛ وبحال شيخهم رحمه الله. ~~والله تعالى قد حكم في دماء المشركين وأموالهم، وبين ذلك ووضحه في كتابه ~~أتم بيان وأحسن توضيح. قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا # PageV01P026 # تكون فتنة} [البقرة: من الآية193] ، والفتنة الشرك. وقال تعالى: {وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: من الآية36] ، وقال: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: من الآية5] . # ومن نازع في أن دعاء الصالحين وعبادتهم واتخاذهم أندادا لله رب العالمين ~~ليس من الشرك، واعتقد ونازع في عدم دخولهم في مثل هذه الآيات، ورأى أنهم من ~~المسلمين: فهذا رجوع منه إلى أصل المسألة. والنزاع في مسمى الإسلام والشرك، ~~والكلام معه في كشف شبهته وتقرير الدليل على أن هذا هو الشرك المبيح للدم ~~والمال. # وقد عرفت أن هذا هو أصل الإشكال عندهم، وسببه ما عرض لهم من الشبهات ~~المانعة من إدخال الواقع في مسمى الشرك والكفر، كقولهم: نحن نشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونصوم ونصلي، ونؤمن بالبعث، وقولهم: هذا ~~توسل ليس بدعاء، وقولهم: دعاء الصالحين والأولياء ليس كدعاء الأوثان ~~والأصنام. وقولهم في بعض الأدلة والآيات: هذه في الأصنام. وقول بعضهم: ~~المشركون يعتقدون لها التأثير والتدبير، ونحن نجعلها وسائل وشفعاء ونحو ~~ذلك، وقول بعضهم: إن الله أعطاهم الشفاعة، ونريد منهم مجرد الجاه والشفاعة، ~~وقولهم: إن الله أكرمهم ms016 بالكرامات، ولهم ما يشاءون عند ربهم. # وهذه الشبهة كشفها القرآن وبينها، وسجل على جهالة أهلها، وكلها أوردها ~~العراقي هنا مفرقة في كلامه، وسيأتيك ردها وكشفها مفصلا بحول الله ومنته. # وقد تكلم شيخنا في كتابه كشف الشبهات على أكثرها؛ فراجعه إن شئت، فإنه ~~مفيد مع اختصاره ولطافة حجمه. # وأما من سلم هذا ولم ينازع فيه؛ وعرف أنه هو شرك جاهلية العرب، فإنه يعرف ~~حينئذ حكم الأموال والدماء بنصوص الكتاب والسنة الظاهرة المستفيضة، وسيرته ~~صلى الله عليه وسلم في دماء المشركين وأموالهم، والشروط المعتبرة كبلوغ ~~الحجة وتقدم الدعوة، حصلت من شيخ الإسلام رحمه الله، بل من وقف في على ~~سيرته وما ذكره المؤرخون في بدء دعوته، مثل # PageV01P027 # الشيخ حسين بن غنام الإحسائي في تاريخه، عرف أن الشيخ لم يبدأ أحدا ~~بالقتال بل أعداؤهم الذين ابتدأه بذلك، وقتاله كان من باب الدفع والمجازاة ~~على السيئة بمثلها، وما حدث بعده أو في وقته من خطأ أو تعد فلا يجوز نسبته ~~إليه، وأنه أمر به ورضيه، ,قد جرى لأسامة بن زيد في دم الجهني، وجرى لخالد ~~بن الوليد في دماء بني جذيمة وأموالهم ما يجهله أهل العلم والإيمان. وذلك ~~في عهده صلى الله عليه وسلم وقد برئ منه وأنكره، فقال: "اللهم إني أبرأ ~~إليك مما صصنع خالد" وقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ ~~كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة" ومن أشكل عليه أمر القتال ~~في زمن الشيخ وعلى دعوته فهو إما جاهل بحال الأعداء وما قالوه في الإسلام، ~~وما بدلوه من الدين، وما كانت عليه البوادي والأعراب من الكفر بآيات الله، ~~ورد أحكام القرآن والاستهزاء بذلك، والرجوع إلى سوالف البادية، وما كانت ~~عليه من العادات والأحكام الجاهلية، وأمثلهم حالا من عرف أن كتاب الله ~~وأحاديث رسوله عند الحضر، فلم يرفع بذلك رأسا ولم يبال بشيء مما هنالك، أو ~~هو جاهل بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، لا شعور له بشيء من ذلك، ولا ~~يدري ما الناس ms017 فيه من أمر دينهم. # وبالجملة: فالواجب أن يتكلم الإنسان بعلم وعدل، ومن فاته العلم فحسبه ~~السكوت إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر, ومن خلع ربقة الدين من عنقه فليقل ~~ما شاء الله، والله بما يعملون بصير. # وأما قوله: وكم استخف فيها بأنبياء الله؟ # فهذا بحسب ما عنده وما يعتقده، والذي يراه هؤلاء القبوريون أن من من دعاء ~~الأنبياء والصالحين والاستعانة في الشدائد والمهمات، وأنهم لا يدعون مع ~~الله في الحاجات والملمات، ولا يذبح لهم تقربا ولا يطاف بقبورهم ولا يتوكل ~~عليهم: فقد استخف بهم وتنقصهم، ,هضمهم حقهم. # PageV01P028 # وأصل هذا: أنهم لا يفرقون بين حق الله وحق عباده، ولا تمييز عندهم في ~~ذلك، بل يرون استحقاقهم كثيرا من العبادات المختصة بالله، وهذا يشبه غلو ~~النصارى في المسيح وغيره. وقد قالوا لمن أنكر عليهم عبادة المسيح: قد تنقصت ~~المسيح، وقلت فيه قولا عظيما، كما قال عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي لما ~~قدموا عليه بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة، وسألوه أن يخلي بينهم وبين ~~المهاجرين وعنده جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبى النجاشي ذلك فقال عمرو: ~~إنهم يقولون في المسيح قولا عظيما يعني يقولون: هو عبد الله ليس بإله، ~~فأرسل النجاشي لجعفر وأصحابه وسألهم عن ذلك، فقالوا فيه ما قاله الله ~~تعالى، وتلا جعفر صدر سورة الروم، حتى على ذكر المسيح وشأنه فقال النجاشي: ~~والله ما زاد المسيح على هذا. # وبالجملة فمن عرف ما جاءت به الرسل من وجوب توحيد الله وإفراده بالعبادة، ~~عرف وتبين له أن المنع من دعائهم وقصدهم من دون الله في الحاجات والملمات، ~~هو عين تعظيمهم وتوقيرهم وتعزيرهم والإيمان بهم وتصديقهم، وقبول ما جاءوا ~~به، ومنابذة أعدائهم وأضدادهم من المشركين على اختلاف أجناسهم وتباين ~~مللهم. فإن أصل النزاع بينهم وبين أعدائهم في إخلاص عبادة الله وحده، ~~والبراءة من عبادة ما سواه. ولا يحصل ولا يتصور الإيمان بهم إلا باعتقاد ~~هذا وموافقتهم عليه. وأما مخالفتهم فيه ومعصيتهم فهي عين التنقيص لهم ~~والاستخفاف بهم ومت عرف هذا عرف أن الشيخ وإخوانه ms018 المؤمنين من عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة هم المعظمون للرسل الموقرون لهم ~~العارفون بحقوقهم، القائمون بما يجب لله ورسوله وما يجب لعباده الله من ~~الحقوق لا أهل الشرك بهم والمعصية لهم، ونبذ أوامرهم، وترك ما جاءوا به ~~وهجره وعزله عن الحكم به، وتقديم منطق اليونان في باب معرفة الله وصفاته، ~~وتقديم آراء الرجال وحدسهم على النصوص والأحاديث الصريحة، وتقديم غلو ~~النصارى ورأيهم في عبادة الأحبار والرهبان على ما جاءوا به من تجريد ~~التوحيدن وإخلاص الدين لله، # PageV01P029 # هذا هو حقيقة الاستخفاف عند كافة العقلاء، وأما طاعة الرسول في إخلاص ~~الدين لله، وترك دعاء الأنبياء والصالحين، فهو عين التعظيم والتوقير، فظهر ~~أن هؤلاء قوم لا يعقلون. # وقد قرر شيخ الإسلام على قوله تعالى: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ~~إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون} [الانبياء:36] ~~قال: فكانوا ينكرون على محمد صلى الله عليه وسلم أن يذكر آلهتهم بما ~~تستحقه، وهم يكفرون بذكر الرحمن، ولا ينكرون ذلك، قال: وهكذا من فيه شبه من ~~اليهود والنصارى والمشركين، تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة ~~والأنبياء وغيرهم، إذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه. وعادى من فعل ~~ذلك، وهو وأصحابه يستخفون بعبادة الله وحده، وبحقه وبحرماته وشعائره، ولا ~~ينكر ذلك. ويحلف أحدهم بالله ويكذب، ويحلف بمن يعظمه ويصدق ولا يستجيز ~~الكذب إذا حلف به. وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين، وكذا قد يعيبون من نهى ~~عن شركهم، كالحج إلى القبور التي يحجون إليها عادة، وهم يستخفون بحرمة الحج ~~إلى بيت الله، ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه. وقد ينهون عن الحج ~~اعتياضا منه بالحج إلى القبور، ويقولون: هذا الحج الأكبر، وهؤلاء من جنس ~~المشركين وعباد الأوثان. انتهى. # ولو بسطنا الكلام في استخفاف عباد القبور بالأنبياء والصالحين وما جاءوا ~~به من عند الله؛ لطال الكلام، والعاقل يتنبه فينظر. # ومن المحن: أن مشائخ المذاهب الأربعة وفقهاءهم جزموا بوجوب هدم القباب ~~ونهوا عن الطواف بالقبور ودعاء ms019 أربابها، بل ودعاء الله عندها، ومنعوا من ~~الذبح لها والغلو فيها، بل وعن عبادة الله بالصلاة عندها. فإذا عمل بمقتضى ~~أقوالهم عامل وألزم بها الناس نسبه هؤلاء الجهال إلى الاستخفاف بالأنبياء ~~والصالحين وإلى مخالفة العلماء لأن العلم في عرفهم ما # PageV01P030 # هم عليه من أقوال أسلافهم ومشايخهم من المتأخرين الجاهلين. # وقد حدثني من يقبل حديثه أنه سمع هذا العراقي بالمدينة المنورة على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام يوم قدوم الحاج يقول في مجمع من الناس: إنما ~~الرجل من يقول: حدثني سري عن ربي، لا من يقول: حدثنا فلان عن فلان. فانظر ~~هذا الاستخفاف العظيم برسل الله. # ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن من يأخذ عن الأنبياء المعصومين، وعن ~~رسل الله المبلغين أفضل وأكمل ممن يأخذ عن سره ووارده، بل هذه الواردات ~~كلهما موقوفة ومردودة إلا بشاهد عدل عن النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لها ~~بالصحة وأنها حق يؤخذ به، وقد قال شيخ الطريق الجنيد بن محمد: "إنه لتقع في ~~قلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة". # وغالب هذه الواردات التي تخالف الشرعيات ويشير إليها أهل التصوف ~~والتعبدات إنما هي من وحي الشياطين لا عن رب العالمين. # وبهذا تعلم أن هذا العراقي وأمثاله هم أهل التنقص للرسل التاركون لما ~~جاءوا به، وحاصل أمرهم عزل الكتاب والسنة في باب الاعتقادات والعمليات، ~~واتباع ما تهوى الأنفس من الغلو والإطراء والجهل والضلالات. # وهذا الاعتراض محشو من ذلك، لا تكاد تجد فيه كلمة واحدة سيقت على القانون ~~الشرعي والمنهاج المرضي، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام فيما كتب على المحصل ~~للرازي: # محصل في أصول الدين حاصله ... من بعد تحصيله جهل بلا دين # بحر الضلالات والإفك المبين وما ... فيه فأكثره وحي الشياطين # PageV01P031 ### | ### | فصل # # قال العراقي: وإنما قصدت بهذا الإصلاح بين المسلمين واتفاق الفريقين لقول ~~الله تعالى {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: من الآية10] وقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله ~~إخوانا". # والجواب: ms020 أن يقال: # إذا اتحد الدين وحصل الإيمان بالله ورسوله، وعبادة الله وحده لا شريك ~~وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، حصلت الإخوة في الدين، ووجب من حقوق ~~الإسلام والمسلمين بعضهم على بعض ما أوجبه الله ورسوله. وقصد الإصلاح بينهم ~~واجب. لقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: من ~~الآية10] لكن مفهوم هذا أن الأخوة تنتفي بانتفاء الإيمان. وقد صرح الله ~~بهذا المفهوم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} الآية [المجادلة:22] ، وقوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: من الآية1] ، ~~وقوله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} الآية [آل ~~عمران:28] ، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء} الآية ~~[المائدة:57] ، وقال تعالى: {براءة من الله ورسوله} إلى قوله: {وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم} [التوبة:112] ، وهذا في القرآن كثير، ولكن خفي على ~~العراقي أن دعاء الأنبياء والصالحين والاستعانة بهم، وصرف # PageV01P032 # حقوق الله إليهم من الشرك الذي ينتفي معه أصل الإيمان ومسماه، بل ويخفى ~~على هذا العراقي أن الإيمان هو التوحيد كما فسره بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث وفد عبد القيس، وفي حديث معاذ، لما أرسله إلى اليمن. ~~فلذلك قصد بجهله الإصلاح بين الطائفتين واتفاق الكلمتين، ولم يدر شرع الله ~~وحكمه في هذه المباحث، ومثله لا يعذر بالجهل في هذه المباحث والأصول، بل ~~عليه وزره ووزر من اتبعه. من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، وفي الحديث: ~~"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما". # لا أصلح الله منا من يصالحكم ... حتى يصالح ذئب المعز راعيها # PageV01P033 ### | ### | فصل # # قال العراقي في مقدمة رسالته: اعلم أن شيخ الإسلام قال في بعض كتبه كما ~~سيأتي قريبا إن أول من أظهر كفر أهل السنة والجماعة وتشريكهم: هم الخوارج ~~والرافضة والمعتزلة. # والجواب أن يقال: # قد تقدم ms021 جواب هذا، وأن أهل السنة والجماعة هم المتمسكون بما كان عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعتقد والدين الذي خالفوا به أهل البدع ~~وباينوهم، فلم يذهبوا إلى ما ذهبت إليه الجهمية والمعطلة، ولا إلى ما ذهبت ~~إليه القدرية النفاة والقدرية المجبرة، ولا إلى ما ذهبت إليه الخوارج ~~والمعتزلة، ولا إلى ما ذهبت إليه الرافضة والمرجئة، ولم يذهبوا إلى ما ~~افتراه الغلاة في الأولياء والصالحين من عباد القبور، ونحوهم. فإن هؤلاء ~~يسمون عند أهل السنة والجماعة غالية كما سموا به من غلا في علي وزعم أنه ~~الإله الحق، فاستتابهم علي، فأبوا فخد لهم الأخاديد وأوقد فيها النيران، ~~وقذفهم فيها وقال: # إني إذا رأيت أمرا منكرا # ... أججت ناري ودعوت قنبرا # وفي رواية: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا. # PageV01P034 # ومن زعم أن عباد القبور أهل سنة وجماعة فهو إلى أن يعالج عقله أحوج منه ~~إلى أن يقام عليه الدليل. # وفي كلام العراقي لفظة مدرجة ليست من كلام الشيخ، وهي قوله: "وتشريكهم" ~~ظن أنها تنفعه، لأن المسلمين حكموا على عباد القبور بالشرك، فزاد هذه ~~الكلمة، وسيأتيك كلام الشيخ في الغالية وعبارته في الرسالة السنية قريبا إن ~~شاء الله تعالى. # PageV01P035 ### | ### | فصل # # قال العراقي: والخوارج هم كما في البخاري ومسلم وغيرهم من سائر كتب ~~الحديث أناس عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين وأطال ~~الكلام في الخوارج، وذكر بعض النصوص فيهم مع تصرف وعدم تحقيق ومعرفة للنقل ~~إلى أن قال : فتبين لك أن علامة الخوارج تنزيلهم آيات القرآن النازلة في ~~الكفار على المؤمنين من أهل القبلة. ولهذا ما ترى أحدا من أهل السنة يتفوه ~~بذلك ولا يكفر أحدا، ومنشأ هذه البدعة من سوء الظن واتباع العقل ثم ذكر ~~حديث اعتراض ذي الخويصرة التميمي على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما قال له، ثم ذكر قول الخوارج: "لا حكم إلا لله" وقال بعده: وكذلك ~~إخوانهم في هذا الزمان يقولون: "لا يعبد إلا الله" فنقول: صدقتم هذه كلمة ~~حق، ولكن أين الذي ms022 يعبد غيره إذا كان مسلما ناطقا بالشهادتين، ويصلي ويصوم ~~ويزكي ويحج. # والجواب أن يقال: # إن الأحاديث والآثار التي جاءت بها السنة وصحت بها الأخبار في شأن ~~الخوارج ووصفهم وذمهم، فهي معروفة مشهورة عند أهل العلم بالحديث والآثار، ~~وقد ساقها مسلم في صحيحه من نحو عشرة أوجه، وهذا العراقي ليس من رجال هذا ~~الشأن ولا يحسن الحكاية والنقل، ولا تمييز له بين مرفوعها وموقوفها، ~~وصحيحها وسقيمها وغيره. # PageV01P036 # يوضحه قوله: والخوارج هم كما في البخاري ومسلم وغيرهما من سائر كتب ~~الحديث أناس عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. # فهذا كلام غبي غوي لا يدري الصناعة ولا يعرف ما في تلك البضاعة، فإن هذا ~~اللفظ ليس مرفوعا باتفاق، وليس في سائر كتب الحديث والسنن الأربعة وصحيحي ~~البخاري ومسلم، ليس فيها هذا اللفظ، فكلامه كلام جاهل بصناعة الحديث ~~وروايته ولسنا بصدد بيان جهله وإفلاسه من العلوم، وإنما المراد كشف شبهه ~~وردها. # وحاصل مقصوده ونقله: تشبيه أهل الإسلام والتوحيد بالخوارج في تكفيرهم من ~~عبد الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله؛ لأن عباد القبور عنده ~~أهل سنة وجماعة، وأهل الإسلام من جنس الخوارج الذين يكفرون أهل القبلة، هذا ~~حاصل إسهابه ومضمون خطابه، لكنه أطال بما لا طائل تحته. # ونحن نتكلم على بدء أمر الخوارج وحقيقة مذهبهم، ثم نتكلم على مذهب عباد ~~القبور وما هم عليه، ثم نتبع ذلك بفصل نافع في بيان حال الشيخ محمد رحمه ~~الله وتقرير مذهبه، وما كان عليه في المعتقد والدين، ليعلم الواقف على ما ~~قررناه حقيقة المذاهب، وحاصل العقائد، فيما وقعت فيه الخصومة فنقول: # اعلم أنه لما اشتد القتال يوم صفين قال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي ~~سفيان: هل لك في أمر أعرضه عليك، لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا ~~فرقة؟ قال: نعم، قال: نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا ~~وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبها، ~~فتكون فرقة فيهم، فإن قبلوا رفعنا القتال عنا إلى ms023 أجل، فرفعوا المصاحف ~~بالرماح، وقالوا: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم. من لثغور # PageV01P037 # الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس: قالوا: نجيب ~~إلى كتاب الله. فقال لهم علي: عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم، فإنهم ~~ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعلم بهم منكم، والله ما رفعوها إلا خديعة ~~ووهنا ومكيدة. قالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، وقال ~~لهم علي: إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب، فإنهم قد عصوا الله ونسوا ~~عهده. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من ~~القراء: يا علي أجب إلى كتاب الله عز وجل إذا دعيت إليه، وإلا دفعناك برمتك ~~إلى القوم، أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفان، فلم يزالوا به حتى نهى الناس ~~عن القتال، ووقع السباب بينهم وبين الأشتر وغيره ممن يرون عدم التحكيم. ~~فقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما، فجاء الأشعث بن ~~قيس إلى علي، فقال: إن الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن، إن شئت ~~أتيت معاوية، قال على: ائته، فأتاه، فسأله لأي شيء رفعوا المصاحف؟ قال: ~~لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون رجلا ترضون به، ونبعث ~~رجلا نرضى به، فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوان عنه، فعاد ~~إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رضينا. فقال أهل الشام: رضينا عمرو بن ~~العاص، وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: فإنا قد رضينا بأبي ~~موسى الأشعري فراودهم علي على غيره، وأراد ابن عباس، فقالوا: والله لا ~~نبالي أنت كنت حكمها أم ابن عباس، ولا نرضى إلا رجلا منك ومن معاوية سواء، ~~وألحوا في ذلك وأبوا غير أبي موسى، فوافقهم علي كارهها، وكتب كتاب التحكيم ~~(1) ، فلما قرئ الكتاب على الناس سمعه عروة بن أدية أخو أبي بلال. فقال: ~~تحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله، وشد بسيفه فضرب دابة من قرأ ms024 ~~الكتاب، وكان ذلك أول ما ظهرت الحرورية الخوارج وفشت العداوة بينهم وبين ~~عسكر علي، وقطعوا الطريق في إيابهم بالشتائم والتضارب بالسياط، تقول ~~الخوارج: يا أعداء الله PageV01P038 # داهنتم في دين الله. ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا. ولم ~~يزالوا كذلك حتى قدموا العراق، فقال بعض الناس من المتخلفين: ما صنع علي ~~شيئا، ثم انصرف بغير شيء. فسمعها علي، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشام، ثم ~~أنشد: # أخوك الذي إن أحوجتك ملمة ... من الدهر لم يبرح ببابك واجما # وليس أخوك الذي إن تشعبت ... عليك الأمور ظل يلحاك لائما # فلما دخل الكوفة ذهبت الخوارج إلى حروراء فنزل بها اثنا عشر ألفا على ما ~~ذكره ابن جرير (1) ، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، ~~وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة ~~لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلما سمع ذلك علي وأصحابه ~~قامت إليه الشيعة، فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت ~~وأعداء من عاديت. قالت لهم الخوارج: أسبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر ~~كفرسي رهان، أهل الشام بايعوا معاوية على ما أحب؛ وأنتم بايعتم عليا على ~~أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى، يريدون أن البيعة لا تكون إلا على ~~كتاب الله وسنة رسوله، لأن الطاعة له تعالى، وقال لهم زياد بن النضر: والله ~~ما بسط على يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله وسنة نبيه، ولكنكم خالفتموه ~~جاءت شيعته فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. ونحن كذلك وهو ~~على الحق والهدى ومن خالفه ضال مضل. # وبعث علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج، فخرج إليهم فأقبلوا ~~يكلمونه، فقال: ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله عز وجل: {فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها} الآية [النساء: من الآية35] فكيف بأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم؟ # قالوا له: أما ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم. ~~وما حكم هو فيه فأمضاه فليس ms025 للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني ~~PageV01P039 # مائة جلدة، وفي السارق قطع يده فليس للعباد أن ينظروا في هذا. قال ابن ~~عباس: فإن الله تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: من الآية95] ~~. # قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث وما يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في ~~دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص، وهو بالأمس يقاتلنا ~~ويسفك دماءنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول. ونحن أهل حربه، وقد حكمتم في أمر ~~الله الرجل وقد أمضى الله حكمه في معاوية وحربه أن يقتلوا أو يرجعوا. وقبل ~~ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله فأبوه؟ ثم كتبتم بينكم وبينهم كتابا، وجعلتم ~~بينكم وبينهم الموادعة وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ ~~نزلت براءة إلا من أقر بالجزية. # فجاء علي وابن عباس يخاصمهم فقال: ألم أكن نهيتك عن كلامهم حتى آتيك؟ ثم ~~تكلم رضي الله عنه فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه كان أولى بالفلج يوم ~~القيامة وقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء، فقال: فما أخرجكم علينا؟ ~~قالوا: حكومتكم يوم صفين، فقال: أنشدكم الله أتعلمون أنهم حينما رفعوا ~~المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ~~ليسوا بأصحاب دين، وذكرهم مقالته، ثم قال: وقد اشترطت على الحكمين أن يحييا ~~ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن ~~نخالفه، وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء. # قالوا: فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ قال: لسنا حكمنا ~~الرجال إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق ~~وإنما يتكلم به الرجال. # قالوا: فخبرنا على الأجل لماذا جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم ~~الجاهل ويتثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، فادخلوا ~~مصركم رحمكم الله. # فدخلوا من عند آخرهم. # PageV01P040 # فلما جاء الأجل وأراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من ~~الخوارج زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا له: ms026 لا حكم ~~إلا لله، وقالا له: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا ~~نقاتلهم حتى نلقى ربنا. # فقال علي: قد أردتكم على ذلك فصيتموني. قد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا، ~~وشرطنا شروطا، وأعطينا عهودا. وقد قال الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم} [النحل: من الآية91] . # فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. # قال علي: ما هو ذنب، ولكنه عجز في الرأي وقد نهيتكم عنه. # قال زرعة: يا علي لئن حكمت الرجال لأقاتلنك، أطلب بذلك وجه الله. # فقال له علي: بؤسا لك، وما أشقاك، كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح. # قال: وددت لو كان ذلك. وخرجا من عنده يقولان: لا حكم إلا لله. # وخطب علي ذات يوم فقالوها في جوانب المسجد. فقال علي: الله أكبر كلمة حق ~~أريد بها باطل، فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ~~ولا مستغني عنه. اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء ~~الدنية في الدين إذهان في أمر الله وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي ~~أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ~~ثم لتعلم أينا أولى بها صليا. # وخطب علي يوما آخر، فقال رجال في المسجد: لا حكم إلا لله، يريدون بهذا ~~إنكار المنكر على زعمهم. فقال علي: الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، أما ~~إن لكم علينا ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها ~~اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا، ~~وإنا ننتظر فيكم أمر الله. ثم عاد إلى مكانة من الخطبة. # PageV01P041 # ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، ~~فخطبهم وزهدهم في الدنيا، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم ~~قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض ~~هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة. فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع ms027 في ~~هذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك. فلا تدعونكم بزينتها وبهجتها إلى ~~المقام بها. ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم. فإن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون. فقال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم إن الرأي ما ~~رأيتم: قالوا: ولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية ~~تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوا ولايتهم على زيد بن حصين الطائي وعلى ~~حرقوص بن زهير وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبوها، ثم عرضوها ~~على عبد الله بن وهب فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا ~~أدعها فرارا من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال فكان يقال له ذو الثفنات، ~~فاجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة ~~نجتمع فيها وننفذ حكم الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن ~~فننزلها؛ ونأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل ~~البصرة فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتبعوكم، ~~ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين. فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا ~~حتى تنزلوا بجسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا ~~الرأي، فكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم ليعلمهم ما اجتمعوا عليه ~~ويحثهم على اللحاق بهم فأجابوه. فلما خرجوا صار شريح بن أوفى العبسي يتلو ~~قوله: {فخرج منها خائفا يترقب} إلى {سواء السبيل} وخرج معهم طرفة بن عدي بن ~~حاتم إلى عامل على أمير المدائن يحذره، فحذر، وضبط الأبواب، واستخلف عليها ~~المختار بن أبي عبيد وخرج بالخيل في طلبهم، فأخبر ابن وهب خبره، فسار على ~~بغداد ولحقهم سعد بن مسعود # PageV01P042 # بالكرخ في خمسمائة فارس، فانصرف إليهم ابن وهب الخارجي في ثلاثين فارسا ~~له. فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم، فلما جن الليل على ابن وهب عبر دجلة ~~وسار إلى النهروان، وصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه، وتفلت رجال أهل الكوفة ~~يريدون الخوارج، فردهم أهلوهم. ولما خرجت الخوارج ms028 من الكوفة عاد أصحاب علي ~~وشيعته إليه. فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ربيعة بن أبي شداد الخثعمي. فقال له: ~~أبايع على سنة أبي بكر وعمر؟ فقال علي: ويلك، لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير ~~كتاب الله وسنة رسوله لم يكونا على شيء من الحق، فبايعه، ونظر إليه فقال: ~~أما والله لكأني بك قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك قد وطئتك الخيل ~~بحوافرها، فكان ذلك وقتل يوم النهر مع خوارج البصرة. # وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن ~~فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي فلحقهم بالجسر ~~الأكبر، فتوافقوا حتى حجز دونهم الليل وأدلج مسعر بأصحابه، وسار حتى لحق ~~بابن وهب. # فلما انقضى أمر التحكيم وخدع عمرو بن العاص أبا موسى وصرح عمرو بولاية ~~معاوية بعد أن عزل أبو موسى عليا بخدعة عمرو وهرب أبو موسى إلى مكة قام علي ~~فخطبهم، وقال في خطبته: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان ~~الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أما بعد، فإن ~~المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم. وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين يعني ~~أبا موسى وعمرو بن العاص وفي هذه الحكومة أمري ونحلتكم رأي، لو كان لقصير ~~أمر، ولكن أبيتم إلا ما أردتم. فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # PageV01P043 # ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ~~ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من ~~الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم ~~يرشد. فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فاستعدوا وتأهبوا للمسير إلى ~~الشام وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين. # وكتب للخوارج من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله ms029 ~~بن وهب ومن معهما من الناس، أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا ~~حكمين قد خانا كتاب الله واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله فلم يعملا ~~بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما. فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. ~~فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا إلينا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن ~~على الأمر الأول الذي كنا عليه والسلام. # فكتبوا إليه: "أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك. فإن شهدت ~~على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد ~~نابذناك على سواء. إن الله لا يحب الخائنين". # فلما قرأ كتابهم أيس منهم ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى قتال أهل ~~الشام. فقام في أهل الكوفة فندبهم إلى الخروج معه وخرج معه أربعون ألف ~~مقاتل وسبعة عشر من الأبناء وثمانية آلاف من الموالي والعبيد. # وأما أهل البصرة فتثاقلوا ولم يخرج إلا ثلاثة آلاف. وبلغ عليا أن الناس ~~يرون قتال الخوارج أهم وأولى، فقال لهم علي: دعوا هؤلاء وسيروا إلى قوم ~~يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا. # فناداه الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. # ثم إن الخوارج استعر أمرهم وبدأوا بسفك الدماء وأخذوا الأموال وقتلوا عبد ~~الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوه سائرا بامرأته على ~~حمار فانتهروه وأفزعوه ثم قالوا له: ما أنت؟ فأخبرهم، قالوا حدثنا عن أبيك ~~خباب # PageV01P044 # حديثا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله ينفعنا به. فقال: ~~حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ستكون فتنة يموت فيها ~~قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح كافرا ويمسي ~~مؤمنا" قالوا: لهذا سألناك. فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا، ~~فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقا في ~~أولها وآخرها. وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا: إنك تتبع الهوى، ~~وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك ms030 قتلة ما قتلناها ~~أحدا، فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى فنزلوا تحت نخل مثمر، ~~فسقط منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال له آخر: أخذتها بغير ~~حلها وبغير ثمن، فألقاها، ثم مر بهم خنزير فضربهم أحدهم بسيفه، فقالوا له: ~~هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير وهو من أهل الذمة فأرضاه، فلما ذلك ~~ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما رأى فما علي من بأس، إني لمسلم ما ~~أحدثت في الإسلام حدثا، ولقد أمنتموني قلتم: لا روع عليك، فأضجعوه وذبحوه، ~~وأقبلوا على المرأة فقالت: إنما أنا امرأة، ألا تتقون الله؟ فبقروا بطنه ~~وقتلوا أم سنان الصيداوية وثلاثا من النساء، فلما بلغ ذلك عليا بعث الحارث ~~بن مرة العبدي يأتيه بالخبر فلما دنا منهم قتلوه، فألح الناس على علي في ~~قتالهم، وقالوا: نخشى أن يخلفونا في عيالنا وأموالنا فسر بنا إليهم، وكلمه ~~الأشعث بمثل ذلك، واجتمع الرأي على حربهم، وسار علي يريد قتالهم فلقيه منجم ~~في مسيره فأشار عليه أن يسير في وقت مخصوص، وقال: إن سرت في غيره لقيت أنت ~~وأصحابك ضررا شديدا، فخالفه علي، فسار في الوقت الذي نهاه عنه المنجم. فلما ~~وصل إليهم قالوا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم ونترككم. فلعل الله ~~يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه. فقالوا: كلنا قتلهم: وكلنا ~~مستحل لدمائهم ودمائكم. وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فقال: عباد الله ~~أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في # PageV01P045 # هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ~~ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك وتسفكون دماء المسلمين. # فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم، ~~أو تأتونا بمثل عمر. فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ ~~قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني لا أرى الفتنة إلا ~~وقد غلبت عليكم. # وخطبهم أبو أيوب الأنصاري فقال: عباد الله إنا وإياكم على الحال الأولى ~~التي كنا عليها ms031 ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إن ~~بايعناكم اليوم حكمتم غدا، فقال: إني أنشدكم الله لا تجعلوا فتنة العام ~~مخافة ما يأتي في القابل قابل. # وأتاهم علي رضي الله عنه فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء ~~واللجاج وصدها عن الحق والهوى، وطمح بها، وأصبحت في الخطب العظيم. إني نذير ~~لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا، صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضاب هذا ~~الغائط، بغير بينة من ربكم ولا برهان مبين. ألم تعلموا أني نهيتكم عن ~~الحكومة، ونبأتكم أنها مكيدة وأن القوم ليسوا بأصحاب دين، فعصيتموني. فلما ~~فعلتم أخذت على الحكمين واستوثقت أن يحييا ما أحييا القرآن، ويميتا ما أمات ~~القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب، فنبذنا أمرهما، فنحن على الأمر الأول، ~~فمن أين أتيتم؟. # قالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا فإن تبت ~~فنحن معك ومنك، فإن أبيت فإنا منابذوك على سواء. # قال علي: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر، بعد إيماني برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ~~ضللت إذا وما أنا من المهتدين. # وقيل: كان كلامه: يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي بهذه # PageV01P046 # الحكومة التي أنتم ابتدأتموها، وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم إنما ~~طلبوها مكيدة ووهنا، فأبيتم علي إباء المخالفين، وعدلتم عني عدول عيب النكد ~~العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وأنتم معاشر أخفاء إلهام، سفهاء أحلام، ~~فلم آتي لا أبا لكم حراما والله ما خبلتكم عن أموركم، ولا أخفيت شيئا من ~~هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوة، ولا دنيت لكم الضراء، وإن كان أمرنا ~~لأمر المسلمين ظاهرا، فأجمع رأي مثلكم أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن ~~يحكما بالحق ولا يعداونه، فتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما، ~~والتقية دينهما حتى خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف فبينوا لنا بماذا ~~تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا، وتضعون سيوفكم عن عواتقكم ثم تستعرضون ~~الناس تضربون رقابهم؟ إن هذا لهو الخسران المبين. والله ms032 لو قتلتم على هذا ~~دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام؟ # فتنادوا: لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الله، الرواح الرواح ~~إلى الجنة. # فرجع علي عنهم، ثم إنهم قصدوا جسر النهر، فظن الناس أنهم عبروه. # فقال علي: لن يعبروه، وإن مصارعهم لدون الجسر، والله لا يقتلون منكم عشرة ~~ولا يسلم منهم عشرة. # فتعبأ الفريقان للقتال: ورفع علي راية أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو ~~أيوب: من جاء هذه الراية ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف إلى ~~الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، فانصرف فروة بن نوفل ~~الأشجعي في خمسمائة فارس، وخرجت طائفة أخرى متفرقين، فبقي مع عبد الله بن ~~وهب ألفان وثمانمائة، فزحفوا إلى علي، وبدأوه بالقتال، وتنادوا: الرواح ~~الرواح إلى الجنة، فاستقبلهم الرماة من جيش علي بالنبل والرماح والسيوف، ثم ~~عطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة؛ # PageV01P047 # وعليها أبو أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري، فلما عطفت ~~عليهم الخيل والرجال وتداعا عليهم الناس ما لبثوا أن أناموهم، فأهلكوا في ~~ساعة واحدة، فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا. وقتل ابن وهب وحرقوص وسائر ~~سراتهم، وفتش علي في القتلى والتمس المخدج الذي وصفه له النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الخوارج، فوجده في حفرة على شاطئ النهر، فنظر إلى عضده ~~فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى ~~تحاذي يده الطولى، فلما رآها علي قال: "الله أكبر، والله ما كذبت ولا كذبت، ~~والله لولا أتنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لمن قتلهم متصبرا في قتالهم، عارفا للحق الذي نحن عليه" وقال حين ~~مر بهم وهم صرعى: "بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم" قالوا: يا أمير المؤمنين، ~~من غرهم؟ قال: "الشيطان، ونفس أمارة بالسوء غرتهم بالأماني وزينت لهم ~~المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون" هذا ملخص أمرهم. # وقد عرفت شبهتهم التي جزموا لأجلها بكفر علي وشيعته، ومعاوية وأصحابة، ~~وبقي ms033 معتقدهم في أناس متفرقين بعد هذه الوقعة، ثم اجتمعت لهم شوكة ودولة ~~فقاتلهم المهلب بن أبي صفرة، وقاتلهم الحجاج بن يوسف، وقاتلهم قبله ابن ~~الزبير زمن أخيه عبد الله، وشاع عنهم التكفير بالذنوب، يعني ما دو نالشرك. # وبهذا تعرف حقيقة الحال، ويزول الإشكال الذي نشأت منه الشبهة، وما أحسن ~~ما قال العلامة ابن القيم في نونيته: # ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن # أنتم بذا مثل الخوارج إنهم ... أخذوا الظواهر، ما اهتدوا لمعان # وهذا داء قديم من أهل الشرك والتعطيل: من كفر بعبادتهم غير الله وتعطيل ~~أوصافه وخقائق أسمائه، قالوا له: أنت مثل الخوارج، يكفرون بالذنوب ويأخذون ~~بظواهر الآيات. # PageV01P048 # ومعلوم أن الذنوب تتفاوت وتختلف، بحسب منافاتها لأصل الحكمة المقصودة ~~بإيجاد العالم، وخلق الجن والإنس، وبحسب ما يترتب عليها من هضم حقوق ~~الربوبية، وتنقص رتبة الإلهية، وقد كفر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~بكثير من جنس الذنوب كالشرك وعبادة الصالحين وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ~~أكبر الكبائر، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله: ~~"أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك". ~~فأنزل الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق} الآية [الفرقان: 68] ". # فمن أنكر التكفير جملة فهو محجوج بالكتاب والسنة. ومن فرق بين ما فرق ~~الله ورسوله بينه من الذنوب، ودان بحكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة في ~~الفرق بين الذنوب فقد أنصف، ووافق أهل السنة والجماعة، ونحن لم نكفر أحدا ~~بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله، إذا قامت عليه ~~الحجة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، كما حكاه في الأعلام لابن حجر ~~الشافعي. # PageV01P049 ### | ### | فصل # # ونذكر لك هنا طرفا من معتقد عباد القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من ~~الدين، ليعلم الواقف عليه أي ms034 الفريقين أحق بالأمن، إن كان الواقف ممن اختصه ~~الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعا ~~وتوسلا واستظهارا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل ~~الحقائق. # من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في ~~المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلا فاطر ~~الأرض والسموات والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، ~~طلبا للغوث، واستجابة للدعوات وإظهارا للفاقة، وإبداء للفقر والضراعة، ~~واستنزالا للغوث والأمطار، وطلبا للسلامة من شدائد البر والبحار، وسؤالهم ~~تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في ~~المطالب العالية، وتأهليهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك ~~المراتب السامية. وجماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم وفسدت به فطرهم، وعز عنهم ~~امتناعهم، لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين، من قصد ~~الله تعالى والإنابة إليه، بل ليس لذلك عندهم إلا الولي الفلاني ومشهد ~~الشيخ فلان. حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضا عن الخروج للاستسقاء ~~والإنابة إلى الله في كشف الشدائد والبلوى. كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم، ~~وقد حدث الشيخ مصطفة البولاقي أن بعض رؤساء # PageV01P050 # الجامع الأزهر عادة لما اشتكى عينيه، وقال له: هلا ذهبت إلى مولد الشيخ ~~أحمد البدوي فقد حكي أن إنسانا شكا إليه هاب بصره، فسمع قائلا يقول من ~~الضريح: أعطوه عين كذا وكذا. # فانظر إلى ما خطر ببال هذا المتكلم من تعظيم الميت وتأهيله لتلك المطالب ~~التي لا يقدر عليها إلا الله القاهر الغالب. وقصد الوساطة هنا على ما فيها ~~ما أظنها تخطر بباله أصلا. فهل سمعت عن جاهلية العرب مثل هذه الغرائب التي ~~ينتهي عندها العجب؟ والكلام مع ذكي القلب يقظ الذهن قوي الهمة العارف ~~بالحقائق، وأما ميت القلب بليد الذهن وضيع النفس جامد القريحة ومن لا تفارق ~~همته التشبث بأذيال التقليد، والتعلق على ما يحكى عن فلان وفلان من معتقد ~~أهل المقابر والتنديد، فذاك فاسد الفطرة معتل المزاج، وخطابه محض عناء ~~ولجاج. # ومما بلغنا عن بعض علماء زبيد: ms035 أن رجلين قصدا الطائف، فقال أحدهما لصاحبه ~~والمسئول ممن يترشح للعلم : أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن ~~عباس، فأجابه: بأن معرفتهم لابن عباس كافية، لأنه يعرف الله!. # فأي ملة صان الله ملة الإسلام لا تمانع هذه الكفريات ولا تدافعها؟. # وذكر الزبيدي أيضا أن رجلا كان بمكة عند بعض المشاهد، فقال لمن عنده: ~~أريد الذهاب إلى الطواف، فقال بعض غلاتهم: مقامك هنا أكرم. # ومن وقف على كتاب مناقب الأربعة المعبودين بمصر، وهم: البدوي، والرفاعي، ~~والدسوقي، ورابعهم فيما أظن أبو العلا فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة ~~إفكهم. # وبلغنا عن بعض الثقات أن جماعة من المدعين للعلم بزبيد كانوا # PageV01P051 # يقرؤون صحيح البخاري، فإذا فرغوا منه إما أحيانا أو مطلقا ذهبوا إلى قبر ~~البحيرة أو غيره، فوقفوا عاكفين ما شاء الله، وعليهم من السكينة والوقار ~~وضروب الخضوع لنازل الحفرة. قال من نقله: فالله أعلم، أهو شيء وجدوه في ~~صحيح البخاري أو غيره، أو ما هو؟. # ورأيت في حاشية الشيخ إبراهيم الباجوري على السنوسية نقلا عن الدردير ~~فيما أظن عن الشعراني: أن الله وكل بقبر كل ولي ملكا يقضي حاجته من سأل ذلك ~~الولي. # فقف هنا وانظر ما آل إليه شركهم وإفكهم (1) ، فأين هذا من قوله تعالى ~~{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} الآية [البقرة:186] ، وقوله: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية} [الأعراف: من الآية55] ، وقوله: {فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك ~~فارغب} [الشرح:78] ، وقوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} [النمل: من ~~الآية62] ، وقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} الآية [غافر:60] وأي ~~حجة في هذا الذي قال الشعراني لو كانوا يعلمون؟ ولكن القوم أصابهم داء ~~الأمم قبلهم. فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما ~~تتلو الشياطين. # ومن هذا الجنس: ما ذكره الشعراني في ترجمة الملقب بشمس الدين الحنفي أنه ~~قال في مرض موته: من كانت له حاجة فليأت قبري ويطلب مني أن أقضيها له، ~~فإنما بيني وبينه ذراع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس ms036 ~~برجل. انتهى. # وقد اجتمع جماعة من الموحدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر ~~وبقربه رجل يدعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت، فسأله بمسمع من الحاضرين ~~فقال له: كم يتصرف في الكون؟ فقال: يا سيدي، سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان ~~وفلان وعد أربعة من المعبودين بمصر، فقال PageV01P052 # صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بعثت لهذا الرجل وسألته لأعرفكم ~~قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام. أو كلاما نحو هذا. # وباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من ~~أهل البسيطة. وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء وأظلته المحيطة ~~حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي ~~عهود الحمى. وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في منهاجه عن غلاة الرافضة في علي، ~~فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك ~~الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم كانوا يعترفون ~~له بتوحيد الربوبية ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما ~~أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية. # ومن ذلك وهو من عجيب أمرهم ما ذكره حسين بن محمد النعمي اليمني في بعض ~~رسائله: أن امرأة كف بصرها فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق ~~إلا حسابك. انتهى. # وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي رحمه الله أن بعض المغاربة قدموا ~~مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين رضي الله عنه ~~بالقاهرة فاستقبلوا القبر وأحرموا ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر حتى ~~أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين. ~~وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا واقع عندهم. # وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك ~~قال: لا يدق وتد في القاهرة إلا بإذن أحمد البدوي. قال: فقلت له: هذا لا ~~يكون إلا لله أو كلاما ms037 نحو هذا . فقال: حبي في سيدي أحمد اقتضى هذا. وحكي ~~أن رجلا يأل الآخر: كيف رأيت الجمع # PageV01P053 # عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبل عرفات، إلا ~~أني لم أرهم يجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة ثلاثة الأيام، فقال السائل: ~~قد تحملها الشيخ!. قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى ~~وعدن، قد اتسع خرقه وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد وساكن ~~البلد. انتهى. # وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشاهد، وقصد التبرك مع ما فيه لا ~~يمنع حقيقة العبادة الصورية. ومن المعروف عنهم شراء الوالدان من الولي بشيء ~~معين، يبقى رسما جاريا يؤدى كل عام، وإن كانت امرأة فمهرها أو نصف مهرها ~~لأنها مشتراة منه، ولا يماري في هذا إلا مكابر. لأنه استفاض واشتهر. فلا ~~ينكره إلا مكابر في الحسيات، وإن فقد بعض أنواعه في بعض البلاد فكم له من ~~نظائر وهذا أشد وأشنع مما ذكر الله جل ذكره عن جاهلية العرب بقول: {وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} ~~الآية [الأنعام:136] . وكذلك جعل السوائب باسم الولي لا يحمل عليها ولا ~~تذبح، وسوق الهدايا والقرابين إلى مشاهد الأولياء وذبحها حبا للشيخ، وتقربا ~~إليه، وهذا وإن ذكر اسم الله عليه فهو أشد تحريما مما ذبح للحم وذكر عليه ~~اسم غير الله كعيسى مثلا، فإن الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة. # ومن ذلك ترك الأشجار والكلأ والعشب إذا كا بقرب المشهد وجعله حرما له. # ومنها الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبي الله. فيطوفون حول ~~الشريح ويستغيثون ويهدون لصاحب القبر ويذبحون، وبعض مشائخهم يأمر الزائر ~~بحلق رأسه إذا فرغ من الزيارة، وقد صنف بعض غلاتهم كتابا سماه حج المشاهد، ~~ومنها التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور فيصلون عشية ~~عرفة عند القبر خاضعين سائلين. والعراق فيه من ذلك الحظ الأكبر والنصيب ~~الأوفر. بل فيه البحر الذي لا # PageV01P054 # ساحل له ms038 والمهامة التي لا ينجو يالكها، ولا يكاد، ومنحوه درح الكفر وظهر ~~الشرك والفساد، كما يعرف ذلك من له إلمام بالتاريخ. ومبدأ الحوادث في ~~الدين، ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد الحسين ومشهد علي والكاظم عند ~~رافضتهم وعبد القادر والحسن البصري، والزبير وأمثالهم عند سنييهم: من ~~العبادات وطلب العطايا والمواهب والتصرفات وأنواع الموبقات: علم أنهم من ~~أجهل الخلق وأضلهم، وأنهم في غاية من الكفر والشرك، ما وصل إليها من قبلهم ~~ممن ينتسب إلى الإسلام. والله المسئول أن ينصر دينه ويعلي كلمته بمحو هذه ~~الأوثان، حتى يعبد وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كانت ليلها ~~كنهارها. # ومن ذلك وإن كان يعلم مما تقدم: اتخاذها أعيادا ومواسم، مضاهاة لما شرعه ~~الله ورسوله من الأعياد المكانية والزمانية. # ومنها: ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من الفجور والفواحش، وترك الصلوات ~~وفعل الخلاعات التي هي في الحقيقة خلع لربقة الدين والتكليف؛ ومشابهة لما ~~يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج ببلاد فرنسا وغيرها من الفجور ~~والطبول والزمور والخمور. # وبالجملة فما أحدثه عباد القبور يعز حصره واستيفاؤه. # PageV01P055 ### | ### | فصل # # ونقص عليك من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونذكر طرفا من أخباره ~~وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه ~~الشيطان وأغراه، وبالغ في كفره واستهواه. # فنقول: قد عرف واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته ~~المسموعة المقروءة عليه وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره ودعوته وما عليه ~~الفضلاء والنبلاء من أصحابه وتلاميذه: أنه كان على ما كان عليه السلف ~~الصالح وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله ~~ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، ~~وتلقاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم، يثبتونها ~~ويؤمنون بها، ويمرونها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا ~~تمثيل. وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم ~~والإيمان، وسلف الأمة وأئمتها كسعيد بن المسيب، وعروة بن ms039 الزبير، والقاسم ~~بن محمد، وسالم بن عبد الله، وطلحة بن عبيد الله، وسليمان بن يسار، ~~وأمثالهم. ومن الطبقة الثانية: كمجاهد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، والحسن ~~البصري، وابن سيرين، وعامر الشعبي، وجنادة بن أبي أمية، وحسان بن عطية، ~~وأمثالهم، ومن الطبقة الثالثة: علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد ~~بن شهاب الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون، # PageV01P056 # وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، ~~وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس الشافعي، وإسحاق بن إبراهيم، ~~وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، ~~وإخوانهم وأمثالهم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر. # وأما توحيد العبادة والإلهية فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ ~~وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه. # يوضح ذلك: أن أصل الإسلام وقاعدته: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل ~~الإيمان بالله وحده وهي أفضل شعب الإيمان. وهذا الأصل لا بد فيه من العلم ~~والعمل والإقرار بإجماع المسلمين. ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك ~~له والبراءة من عبادة ما سواه كائنا من كان، وهذا هو الحكمة التي خلقت لها ~~الإنس والجن وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل ~~والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم. # وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من ~~الآخرين. فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله ~~وحده. فمن استسلم لله ولغيره كان مشركا. ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن ~~عبادته، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} [النحل: من الآية36] ، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الانبياء:25] ، وقال تعالى عن ~~الخليل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون، لا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين، جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [زخرف:2628] ms040 ، وقال ~~تعالى عنه: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين} [الشعراء:7577] وقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ~~[الممتحنة: من الآية4] ، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف:45] وذكر عن رسله نوح وهود # PageV01P057 # وصالح وشعيب وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره} [لأعراف: من الآية59] وقال عن أهل الكهف: {إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ~~لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ~~لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} ~~[الكهف:1315] ، وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء:48، 116] ~~، في موضعين من كتابه، وقال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار} [المائدة: من الآية72] . # قال رحمه الله: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل في شرك عباد ~~الأنبياء والملائكة والصالحين. فإن هذا شرك العرب الذين بعث الله فيهم عبد ~~الله وسوله محمدا صلى الله عليه وسلم. فإنهم كانوا يدعونها ويلتجئون إليها ~~ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها، لتقربهم إلى الله. كما حكى الله ~~عنهم في مواضع من كتابه. كقوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} الآية [يونس:18] ، وكقوله ~~تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} [الزمر: من الآية3] ، وكقوله تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من ~~دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} ~~[الاحقاف:28] . # قال رحمه الله: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء ~~والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض. واستقلوا بشيء من ~~التدبير والتأثير ms041 والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، قال تعالى: {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر:38] فهم معترفون بهذا ~~مقرون به، لا ينازعون فيه. ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة عليهم ~~واضحة قوية مفحمة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ~~ولا يمسك الرحمة. ولا # PageV01P058 # يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأقل شيء وأدناه، من ضر ~~أو رحمة وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله ~~قل فأنى تسحرون} [المؤمنون:8489] ، وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون} [يوسف:106] ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره: إيمانهم هنا بما ~~أقروا به من ربوبيته وملكه، وفسر شركهم بعبادة غيره. # قال رحمه الله: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك ~~بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب. ~~ومنهم من أشرك بالأصنام. وقد رد الله عليهم جميعهم وكفر كل أصنافهم. كما ~~قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران:80] ، وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} الآية [التوبة:31] ، وقال: {لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} [النساء: من ~~الآية172] ، ونحو ذلك في القرآن كثير. وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء ~~والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام سواء. من حيث الشرك والكفر بعبادة غير ~~الله. # قال رحمه الله: وهذه العبادات التي صرفها المشركون للآلهتهم هي أفعال ~~العباد الصادرة منهم كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستعانة ~~والاستغاثة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق ~~القلوب والآمال بفيضه ومدده وإحسانه وكرمه. فهذه الأنواع وكل عمل يخلو منها ~~فهو خداج مردود على صاحبه، وإنما أشرك من أشرك وكفر من كفر من المشركين ms042 ~~بقصد غير الله بهذا وتأليهه غير الله بذلك. قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون} [النحل:17] وقال تعالى: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون} [الانبياء:43] ، وقال تعالى: ~~{واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} الآية [الفرقان:3] ، ~~وحكي عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع # PageV01P059 # الله {تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين} ~~[الشعراء:9798] ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما ~~كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات. # قال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء ~~والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية. ~~أما ما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة فإنا لا نكفر بها ~~ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام ~~والقبور بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه وعظيم جرم اجترحوه. وغلاة الجهمية والقدرية ~~والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى ~~من سلف هذه الأمة. ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل ~~الذنوب من المسلمين. # قال رحمه الله: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل ~~بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلما بل هو حجة على ابن آدم، خلافا لمن زعم أن ~~الإيمان مجرد الإقرار كالكرامية. أو مجرد التصديق كالجهمية. وقد أكذب الله ~~المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة وسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا ~~بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات. قال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون} [المنافقون:1] فأكدوا بلفظ الشهادة، و"إن" المؤكدة، واللام، ~~والجملة الاسمية، فأكذبهم وأكد تكذيبهم، بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء ~~بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع والعلم البشيع الفظيع، ومن شهد أن لا ~~إله إلا الله وعبد غيره معه فلا شهادة له، وإن صلى وزكى وصام ms043 وأتى بشيء من ~~أعمال الإسلام. قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضا {أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض} الآية [البقرة:85] ، وقال تعالى: {إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر # PageV01P060 # ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} الآية [النساء:150] ، وقال تعالى: ~~{ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه} الآية ~~[المؤمنون:117] . # والكفر نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول، ~~والمقيد أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول، حتى إن بعض العلماء كفر من أنكر ~~فرعا مجمعا عليه، كتوريث الجد والأخت وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين ~~ويصرف لهم خالص العبادة ولبها؟ وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب ~~الأربعة بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال وإن صلى وصام ~~من جرت على لسانه. # قال رحمه الله: والصحابة كفروا من منع الزكاة وقاتلوهم مع إقرارهم ~~بالشهادتين والإتيان بالصلاة والصوم والحج. # قال رحمه الله: واجتمعت الأمة على كفر بني عبيد الله القداح مع أنهم ~~كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها. وذكر ~~ابن الجوزي صنف كتابا في وجوب غزوهم وقتالهم سماه (النصر على مصر) قال: ~~وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين. # فشبه عباد القبور بأنهم يصلون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على ~~العوام، وتلبيس لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك ~~ورسوله والمؤمنون. # وأما مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة والتشيع ونحو ذلك من المقالات ~~والنحل، فالشيخ أيضا فيها على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الهدى والدين ~~يبرأ مما قالته القدرية النفاة، والقدرية المجبرة، وما قالته المرجئة ~~والرافضة، وما عليه غلاة الشيعة والناصبة. ويوالي جميع أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويكف عما شجر بينهم، ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما صدر ~~منهم؛ وأقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم، وما ~~جرى على أيديهم من فتح القلوب بالعلم النافع. والعمل ms044 الصالح. وفتح # PageV01P061 # البلاد ومحو آثار الشرك، وعبادة الأوثان والنيران والأصنام والكواكب، ~~ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام. # ويرى البراءة مما عليه الرافضة وأنهم سفهاء لئام، ويرى أن أفضل الأمة بعد ~~نبيها أبو بكر فعمر فعثمان فعلي رضي الله عنهم أجمعين، ويعتقد أن القرآن ~~الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين وخاتم النبيين كلام الله ~~غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود. ويبرأ من رأي الجهمية القائلين بخلق ~~القرآن، ويحكي تكفيرهم عن جمهور السلف أهل العلم والإيمان، ويبرأ من رأي ~~الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القائلين بأن كلام الله هو المعني ~~القائم بنفس الباري وأن ما أنزل به جبريل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي، ~~ويقول: هذا من قول الجهمية، وأول من قسم هذا التقسيم هو ابن كلاب، وأخذ عنه ~~الأشعري وغيره كالقلانسي، ويخالف الجهمية في كل ما قالوه وابتدعوه في دين ~~الله. ولا يرى ما ابتدعه الصوفية من البدع والطرائق المخالفة لهدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنته في طقوسهم في العبادات والخلوات والأذكار ~~المخالفة للمشروع ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه ومذهب عالم ~~خالف ذلك باجتهاده، بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده من أن تترك لقول أحد ~~كائنا من كان. قال عمر بن عبد العزيز: "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم" نعم عند الضرورة وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن ~~والأخبار وقواعد الاستنباط والاستظهار يصار إلى التقليد لا مطلقا، بل فيما ~~ينعسر ويخفى، ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بدليل تقوم به الحجة من ~~الكتاب والسنة، خلافا لغلاة المقلدين. # ويوالي الأئمة الأربعة ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم من الفضل والفضائل في ~~غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول، ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم من أهل ~~الحديث والفقه والتفسير، وأهل الزهد والعبادة ويرى المنع من الانفراد عن ~~أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدع أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ~~ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال ms045 أهل العلم والأثر، # PageV01P062 # ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحت به الأخبار وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء ~~المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع وأهدره ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى وقال ما ليس له به علم وسيجزيه ~~الله ما وعد به أمثاله من المفترين. # وأبدى رحمه الله من التقارير المفيدة والأبحاث الفريدة على كلمة الإخلاص ~~والتوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، ما دل عليه الكتاب المصدق والإجماع ~~المستبين المحقق من نفي استحقاق العبادة والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك ~~لله سبحانه على وجه الكمال المنافي لكليات الشرك وجزئياته، وأن هو معناها ~~وضعا ومطابقة خلافا لمن زعم غير ذلك من المتكلمين، كمن يفسر ذلك بالقدرة ~~على الاختراع أو بأنه تعالى غني عما سواه مفتقر إليه ما عداه. فإن هذا لازم ~~المعنى، إذ الإله الحق لا يكون إلا قادرا غنيا عما سواه؛ وأما كون هذا هو ~~المعنى المقصود بالوضع فليس كذلك. # والمتكلمون خفي عليهم هذا، وظنوا أن تحقيق توحيد الربوبية والقدرة هو ~~الغاية المقصودة، والفناء فيه هو تحقيق التوحيد وليس الأمر كذلك. # بل هذا لا يكفي في الإيمان، وأصل الإسلام إلا إذا أضيف إليه واقترن به ~~توحيد الإلهية، وإفراد الله بالعبادة والحب، والخضوع والتعظيم، والإنابة ~~والتوكل، والخوف والرجاء، وطاعة الله وطاعة رسوله، هذا أصل الإسلام ~~وقاعدته، والتوحيد الأول توحيد الربوبية والقدرة والخلق والإيجاد، هو الذي ~~بني عليه توحيد العمل والإرادة، وهو دليله الأكبر وأصله الأعظم، كما قال ~~تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة:163] إلى ~~آخر الآيات. # قال العلامة ابن القيم رحمه الله: # إن كان ربك واحدا سبحانه ... فاخصصه بالتوحيد مع إحسان # أو كان ربك واحدا أنشأك لم ... يشركه إذ أنشأك رب ثان # PageV01P063 # فكذلك أيضا وحده فاعبده لا ... تعبد سواه يا أخا العرفان # وهذه الجمل منقولة عن السلف والأئمة من المفسرين وغيرهم من أهل اللغة ~~إجمالا وتفصيلا. # وقد قرر رحمه الله على شهادة أن محمدا ms046 رسول الله من بيان ما تستلزمه هذه ~~الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة والقيام بالحقوق النبوية من ~~الحب والتوقير والنصرة والمتابعة والطاعة، وتقديم سنته صلى الله عليه وسلم ~~على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث وقفت، والانتهاء حيث انتهت في أصول ~~الدين وفروعه باطنه وظاهره خفيه وجليه كليه وجزئيه ما ظهر به فضله، وتأكد ~~علمه ونبله، وأنه سباق غايات، وصاحب آيات، لا يشق غباره، ولا تدرك في البحث ~~والإفادة آثاره، وأن أعداءه ومنازعيه وخصومه في الفضل وشانئيه يصدق عليهم ~~المثل السائر بين أهل المحابر والدفاتر: # حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالكل أعداء له وخصوم # كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم # وله رحمه الله من المناقب والمآثر ما لا يخفى على أهل الفضائل والبصائر. # ومما اختصه الله به من الكرامة تسلط أعداء الدين وخصوم عباد الله ~~المؤمنين على مسبته، والتعرض لبهته وعيبه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ~~"ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ليزيدهم ~~الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم" وأفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ~~وقد ابتلينا من طعن أهل الجهالة والسفاهة بما لا يخفى. # وما حكيناه عن الشيخ حكاه أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة مجملا ~~ومفصلا. # وهذه عبارة أبي الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف ~~المصلين. # PageV01P064 # قال أبو الحسن الأشعري: جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا. والله تعالى إله واحد فرد ~~صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن ~~النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن ~~الله تعالى على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه:5] ، وأن له ~~يدين بلا كيف كما قال: {لما خلقت بيدي} [ص: من الآية75] ، وكما قال: {بل ~~يداه مبسوطتان} [المائدة: ms047 من الآية64] ، وأن له عينين بلا كيف، وأن له وجها ~~جل ذكره كما قال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والأكرام} [الرحمن:27] ، ~~وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، ~~وأقروا أن لله علما كما قال: {أنزله بعلمه} [النساء: من الآية166] ، وكما ~~قال: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} [فاطر: من الآية11] ، وأثبتوا ~~السمع والبصر ولم ينفوا ذلك، كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة، كما ~~قال: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} [فصلت: من الآية15] ~~وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء ~~تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [الانسان: ~~من الآية30] ، وكما قال المسلمون: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" ~~وقالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله، أو يكون ~~أحد يقدر على أن يخرج عن علم الله، وأن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله، ~~وأقروا: أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد يخلقها الله، وأن العباد ~~لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل ~~الكافرين بمعصيته، ولطف للمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف ~~بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم ~~الكانوا مهتدين. وأن الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى ~~يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع ~~على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ويؤمنون بقضاء الله وقدره، ~~خيره وشره، حلوه ومره، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله، كما قال ويلجئون أمرهم إلى # PageV01P065 # الله، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال، ~~ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ من قال ~~باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن ms048 مخلوق ولا يقال ~~غير مخلوق، ويقولون: إن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة، كما يرى ~~القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجبون، ~~قال الله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين:15] ، وإن ~~موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله ~~دكا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة، ولم يكفروا ~~أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من ~~الكبائر. وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر، والإيمان ~~عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره وحلوه ~~ومره، وإن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم. ~~والإسلام هو أن يشهد العبد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث، ~~والإسلام عندهم غير الإيمان، ويقرون بأن الله مقلب القلوب، ويقرون بشفاعة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، ~~وإن الحوض حق، والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق، ~~ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، ~~ويقولون أسماء الله هي الله، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ~~ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله تعالى أنزلهم حيث شاء، ~~ويقولون أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، ويؤمنون بأن الله ~~تعالى يخرج قوما من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة في ~~القدر، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم ~~بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلا عن ~~عدل حتى تنتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقولون: كيف؟ ولم؟ ~~لأن ذلك بدعة، ويقولون: إن الله لم يأمر بالشر، بل نهى عنه، وأمر بالخير، ~~ولم يرض بالشر وإن ms049 كان # PageV01P066 # مريدا له، ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم، ~~ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضي الله عنهم، ويقرون أنهم ~~الخلفاء الراشدون المهديون وأنهم أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ~~الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ " كما جاء في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله تعالى: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: من الآية59] ويرون اتباع ~~من سلف من أئمة الدين وأن لا يبتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، ويقرون ~~أن الله تعالى يجيئ يوم القيامة كمال قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} ~~[الفجر:22] ، وإن الله تعالى يقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال تعالى: {ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: من الآية16] ويرون العيد والجمعة والجماعة ~~خلف كل إمام بر وفاجر، ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر ~~والسفر، ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~إلى آخر عصابة تقاتل الدجال. وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح ~~وأن لا يخرج عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتنة، ويصدقون بخروج ~~الدجال، وإن عيسى ابن مريم يقتله، ويؤمنون بمنكر ونكير والمعراج والرؤيا في ~~المنام، وإن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم، ~~ويصدقون بأن في الدنيا سحرة وأن الساحر كافر، كما قال الله تعالى، وإن ~~السحر كائن موجود في الدنيا، ويرون الصلاة على كل من مات بأجله وكذلك من ~~قتل قتل بأجله، وأن الأرزاق من قبل الله تعالى يرزقها عباده، حلالا كانت أو ~~حراما وإن الشياطين يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه، وإن الصالحين قد يجوز أن ~~يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ القرآن، وأن الأطفال ~~أمرهم إلى الله، إن شاء ms050 عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد، وأن الله عالم ما ~~العباد عاملون وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله تعالى، ويرون الصبر # PageV01P067 # على حكم الله والأخذ بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، ~~وإخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة الله في العابدين ~~والنصيحة لجماعة المسلمين، واجتناب الكبائر والزنا قول الزور، والمعصية ~~والفخر والكبر والإزدراء على الناس والعجب، ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، ~~والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع ~~والاستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة ~~والسعاية، وتفقد المأكل والمشرب. # فهذه جملة ما يأمرون به ويعتقدونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم ونقول ~~وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # PageV01P068 ### | ### | فصل # # قال العراقي: فتبين أن علامة الخوارج تنزيلهم آيات القرآن النازلة في ~~الكفار على المؤمنين من أهل القبلة. # جوابه أن يقال: # ليست هذه علامة على الخوارج والمروق من الدين، فإن جمهور الغلاة من أهل ~~الأهواء يتأولون بعض الآيات التي أريد بها أهل الكفر والشرك في أهل السنة ~~والجماعة، والعلامة تطرد وتنعكس، كما في حديث: "آية الإيمان حب الأنصار، ~~وآية النفاق بغض الأنصار" ولا يصح هنا طردها ولا عكسها. # وهب أنها علامة كما زعمت فمن يثبت لك إيمان عباد القبور؟ بأي كتاب أم ~~بأية سنة تحكم على أنهم من المؤمنين، ومن عباد الله الصالحين؟ بينك وبين ~~إثبات هذا ما يدفع في صدرك؛ ويكبك على أم رأسك، من نصوص الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجل دماء قوم وأموالهم، ولكن ~~البينة على المدعي". # وإنما قيل: علامة أهل الشرك وعباد الأولياء والصالحين: تسمية الرسل ~~وأتباعهم من أهل الإسلام صابئة، كما قاله أبو جهل وأبو لهب وغيرهما من كفار ~~قريش؛ والصابئ بمعنى الخارجي والمعتزلي في عرفهم، فإن الصابئة في الأصل اسم ~~لمن فارق ما عليه جمهور الناس في الديانة، وكان أهل الكفر وأصحاب المذاهب ~~الضالة يرون أنهم أحق بالصواب، وأولى بالآثار والكتاب. # PageV01P069 # قال تعالى حاكيا ms051 عن اليهود والنصارى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~[البقرة:111112] فهذه الآية كما وردت على اليهود والنصارى وأخرجتهم من ~~الوعد والإثابة، فهي رد على عباد القبور والصالحين المستغيثين بغير الله، ~~الداعين لسواه، لأن إسلام الوجه لله وإحسان العمل قد تخلف عنهم وفاتهم. # فما أحسن أحكام القرآن، ما ألطف خطابه وما أهناه وأشفاه في كل مقام وعند ~~كل شبهة وخصام، قال تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه:123] وأي هدى وأي ~~سلطان وأي حجة على دعاء الصالحين مع الله، والاستغاثة بهم في الشدائد ~~والكربات؟ هذا لم تأت به شريعة، ولم يقل بجوازه صاحب عقل يميز أقواله ~~وصنيعه. # وما سيمر بك من الشبه العراقية من جنس شبه القرامطة والباطنية، على ما ~~يزعمونه من الطريقة الخبيثة الكفرية، وسيأتيك رده مفصلا إن شاء الله تعالى. # وقوله: إن قول الشيخ وأتباعه: "لا يعبد إلا الله" من جنس قول الخوارج: ~~"لا حكم إلا لله" وأنه يقال لهم ما قيل لأولئك: هذه كلمة حق، ولكن أين من ~~يعبد غير الله، إذا كان مسلما ناطقا بالشهادتين يصلي ويزكي ويحج؟ # والجواب أن يقال: # الخوارج مخطئون ظالمون فيما نقموا به على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فإن الصحابة ما حكموا سوى القرآن، وإنما الرجال يحكمون بالقرآن، ~~فالتبس الأمر على الخوارج، ولم يفهموا أن جميع الأحكام الشرعية إذا صدرت ~~عما في الكتاب والسنة فهما الحاكمان، ولا ينسب الحكم إلى الرجال إلا بقيد، ~~وجاءت السنة بأن الطاعة في المعروف، وهو ما أمر الله به ورضيه من الواجبات # PageV01P070 # والمستحبات. وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف ~~الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها ~~آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية. فمن استحل الحكم ~~بهذا ms052 في الدماء أو غيرها فهو كافر. قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} [المائدة: من الآية44] ، وهذه الآية ذكر فيها بعض ~~المفسرين: أن الكفر المراد هنا كفر دون الكفر الأكبر، لأنهم فهموا أنها ~~تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مستحل لذلك، لكنهم يتنازعون في ~~عمومها للمستحل، وأن كفره مخرج عن الملة. # إذا عرفت هذا عرفت وجه قول أمير المؤمنين في مقالة الخوارج: لا حكم إلا ~~الله "إنها كلمة حق أريد بها الباطل" وأما قول المسلم الحنيفي: لا يعبد إلا ~~الله، فهي كلمة حق أريد بها حق؛ لأن دعاء الأولياء والصالحين والاستغاثة ~~بهم وتعلق القلوب بهم محبة ورجاء وخوفا وطمعا، هو العبادة بالإجماع. وقد مر ~~لك أنهم صرفوا من العبادات لمعبوداتهم جميع ما يستحقه ذو العرش المجيد تقدس ~~اسمه جل ذكره. # فإذا قال الجاهلون عباد القبور: فأين من يعبد غير الله؟ # قيل لهم: أنتم وأمثالكم من عباد القبور والصالحين جمهور من سكن الغبراء ~~وأظلته الخضراء، لا سيما أهل العراق عباد علي والحسين والكاظم وعبد القادر ~~والحسن والزبير وأمثالهم من الأولياء والصالحين. ولست أعني خصوص الرافضة، ~~بل عبادة القبور والصالحين ليس من خصوص الرافضة في هذه الأزمان، وفي بلاد ~~الفرس ومصر والشام من عبادة القبور ودعائها وجعلها أندادا لله رب العالمين ~~ما لا يخفى على من عرف الإسلام، ولكن قد تقدم غير مرة التنبيه على جهل هذا ~~الرجل وأمثاله بالمسميات والحدود، وعندهم أن العبادة مجرد السجود، مع أنه ~~قد وقع منهم أيضا لأهل القبور، ولكنهم يكابرون في الحسيات، وقد صار من يدعي ~~العلم وينتسب إليه في كثير من البلدان دعاة إلى الشرك والتوسل بدعاء ~~الصالحين وتعظيمهم برفع القبور وتشييدها واتخذاها # PageV01P071 # مساجد، والتوجه إلى من فيها والطواف بقبره، وبعض علمائهم يحتج على تركها ~~مرفوعة أو على رفعها وبنائها بحديث: "سدوا عني كل خوخة في المسجد إلا خوخة ~~أبي بكر" فانظر هذا الجهل المتناهي، جعلوا القباب التي هي من وسائل الشرك ~~وأفعال الجاهلية من جنس ما يخص ms053 به العبد الصالح من ترك خوخة أو نحوها في ~~جدار المسجد. والذي هو نص في المسألة لا يقبل التأويل حديث أبي الهياج: أن ~~عليا قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا إلا سويته" والحديث أشهر من أيذكر وقد ~~عمل به الإمام المفضل الأكبر. ومع هذا فلا يعرجون عليه في الاستدلال، ولا ~~يبالون بما فيه من الأمر الواضح بهدم أماكن الجهل والضلال. وما ذاك إلا ~~لأنهم نشأوا في حجر عباد القبور وحزبهم؛ وغذوا بلبان جهلهم وكفرهم، وألفته ~~طباعهم وأنست به أوضاعهم، ولولا ذلك لما قيس رفع القباب وإبقاؤها على ~~المقابر على إبقاء خوخة الصديق، وترك سدها، مع عدم الاشتراك في العلة ~~والمناط، وبعد ما بينهما وتباينه. # وأما قوله: إذا كان مسلما ناطقا بالشهادتين إلى آخره. # فقد تقدم لك أنه لا يشترط في التكفير أن يكفر المكلف بجميع ما جاء به ~~الرسول، بل يكفي في الكفر والردة والعياذ بالله أن يأتي بما يوجب ذلك، ولو ~~في بعض الأصول، وهذا ذكره الفقهاء من أهل كل مذهب، وهو من عجيب جهل العراقي ~~وأمثاله؛ لأنه يعرفه المبتدئون في الفقه والعلم، ومن أراد الوقوف على ~~جزئيات وفروع في الكفر والردة فعليه بما صنف في ذلك، كالإعلام لابن حجر ~~الهيتمي، وما عقده الفقهاء من أهل كل مذهب في باب حكم المرتد. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة السنية: لما ذكر حديث الخوارج ~~ومروقهم من الدين وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه، مع ~~عباداته العظيمة، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فليعلم أن ~~المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك ~~بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه، # PageV01P072 # حيث قال: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} الآية (النساء:171) ، وعلى ~~بن أبي طالب رضي الله عنه حرق ms054 الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خدت لهم ~~عند باب كندة، فقذغوا فيها واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس كان ~~مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر الصحابة. وقصتهم معروفة عند ~~العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل ~~الغلو في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من ~~الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو ~~اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال، يستتاب ~~صاحبه. فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد ~~وحده، ولا يجعل معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح ~~والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر ~~وتنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو صورهم ويقولون: ~~{ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: من الآية3) ، ويقولون: ~~{هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (يونس: من الآية18) ، فبعث الله رسوله ينهى أن ~~يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. وقال تعالى: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} (الاسراء: 56 57) . قال طائفة من ~~السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة فأنزل الله هذه الآية. ثم ~~ذكر آيات في المعنى. انتهى. # والمقصود منه: أنه جعل عباد القبور من شر الخوارج المارقين، فهم شر أصناف ~~الخوارج، وقد توقف بعض السلف في تكفير الخوارج، قيل لعلي: أكفار هم؟ قال: ~~من الكفر فروا. # وعباد القبور ما رأيت أحدا من أهل العلم الذين يرجع إليهم توقف في كفرهم، ~~غاية ما قالوا: لا يقتل حتى يستتاب، أو لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة أو نحو ~~هذا الكلام. # PageV01P073 ### | ### | فصل # # واستدل العراقي على دعواه أن عباد القبور لا يكفرون بقوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} ms055 (النساء: من الآية94) ، ~~وزعم أن سبب نزول هذه الآية قتل رجل كافر كان قصده الإسلام، ولم يتلفظ ~~بالشهادة. قال: فكيف بمن يتجاسر على خيار الأمة المحمدية وعلمائها ويكفرهم ~~بالتوسل بالأنبياء والصالحين بشبهة هي أوهى من بيت العنكبوت، ولم يكن نية ~~فاعلها إلا خيرا، وهذه الأشياء التي يكفرون بها ما أجمعت الأمة على ~~تحريمها، فضلا عن التكفير بها. # والجواب أن يقال: # زعمه أن سبب النزول قتل رجل كافر كان قصده الإسلام ولم يتلفظ بالشهادة ~~فهو كذب بحت، وقول على الله وعلى كتابه بغير علم. وفي الحديث: "من قال في ~~القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" وفي رواية: "برأيه" وهذا الرجل لا ~~يتحاشى الكذب والترويج على الجهال. قال البيضاوي: " {ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام} لمن حياكم بتحية الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة: ~~{السلم} " وفسره البيضاوي بالاستسلام والانقياد، وفسر به السلام أيضا، وجزم ~~بأنه استسلم وانقاد للإسلام على القراءتين. وقال في قوله: {لست مؤمنا} ~~(النساء: من الآية94) : "أي إنما فعلت ذلك متعوذا، فظهر أنه أظهر لهم ~~الإسلام، وإنما أتوه من جهة ظنهم عدم صدقه". وقال الإمام أحمد في مسنده: ~~حدثنا يحيى بن بكير # PageV01P074 # وحسين بن محمد وخلف بن الوليد حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسوق غنما، فسلم عليهم. فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه ~~فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية". وقال ~~أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثنا يزيد بن عبد الله بن ~~قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد قال: "بعثنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أضم مر بنا عامر بن الأضبط على قعود له، معه متيع له ووطب من لبن، ~~فسلم علينا، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه ~~وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبرناه ms056 نزل فينا: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} الآية، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: "كان رجلا مؤمنا يخفي إيمانه ~~مع قوم كفار فقتله كذلك كنت تخفي إيمانك بمكة" وهذه الجملة الأخيرة من ~~الحديث رواها البخاري في صحيحه تعليقا. # وبهذا يتبين جهل العراقي وكذبه، وجميع كلامه من أول كتابه إلى آخره من ~~هذا القبيل ظلمات بعضها فوق بعض. # وأما قوله: فكيف بمن يتجاسر على خيار الأمة وعلمائها ويكفرهم بالتوسل ~~بالأنبياء والصالحين بشبهة أوهن من بيت العنكبوت؟ # فجوابه: أن خيار الأمة وعلماءها لم يكفرهم أحد من أهل الإسلام، # PageV01P075 # لا من أهل نجد ولا غيرهم، حتى إن المخالف في أصل الملة كاليهودي ~~والنصراني والمجوسي والوثني لا يكفرهم، بل غايته أن يعتقد أنه على حق وأنهم ~~أخطأوا في إنكار دينه وتكفيره، والخوارج كفروا بعض خيار الأمة، وبعض ~~العلماء لم يطلقوا تكفير الخيار والعلماء. هذا لا يعرف عن أحد ولا ادعاه ~~أحد قبل العراقي. لكنه جاهل يخفى عليه ما في عبارته من العموم المستفاد من ~~الإضافة، وأظنه يريد بعض من ينتسب إلى الدين والعلم من عباد القبور. ولذلك ~~قال: بتوسلهم ودعاء الصالحين، وعبادتهم عنده توسل لا يكفر فاعله. وقد تقدم ~~الكلام على رد هذا. ويأتي له مزيد بحث وأن التوسل صار مشتركا، وهو في عرف ~~عباد القبور يستعمل في دعاء الصالحين وعبادتهم، وبيان التكفير بذلك وما ~~يستدل به عليه قد مر بعضه ويأتيك عند كلام العراقي عكس القضية فسمى عباد ~~القبور خيار الأمة وعلماءها، وسمى أهل الإسلام والتوحيد الذين لا يدعون مع ~~الله آلهة أخرى خوارج، يكفرون خيار الأمة!. ومن وصل به الجهل إلى هذه ~~الغاية والحد فقد استحكم عليه الضلال، وفقد إدراكه وإحساسه، ولا علاج له ~~غير الاطراح والتضرع بين يدي الله في أوقات الإجابة وتحري الأدعية الواردة ~~النبوية أن يرده الله إلى الرشد. ولا سبيل إلى ذلك مع اعتقاد أنه من أهل ~~العلم والفضل والدين، وأنه يصلح معلما ومربيا وداعيا. # وقوله: بشبهة هي أوهن من بيت العنكبوت. ms057 # إن كان يريد ما استدل به المسلمون أهل التوحيد من الأدلة القرآنية ~~والأحاديث النبوية في المنع من دعاء الأولياء والصالحين، وتحريم عبادتهم ~~بالحب والخضوع والتوكل والدعاء والنسك والرجاء، ونحو ذلك من العادات، ~~فتسميته أدلة ذلك وأدلة تكفير فاعله: شبهة أوهن من بيت العنكبوت: صريح في ~~كفره؛ لمسبته لآيات الله وحججه وبياته، ولا يخفى كفر فاعل ذلك على أحد من ~~المسلمين، قال تعالى فيمن قال ما دون ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه من القراء: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} الآية (التوبة: ~~من الآية65) ، فكفرهم بما لا # PageV01P076 # نسبة بينه وبين كلمة العراقي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~والمسلمون يحتجون على مثل هذه المسائل بمثل قوله تعالى: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} الآية (البقرة: من الآية21) ، ~~وقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة:5) ، وقوله: {ولا تدع من ~~دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} الآية (يونس: من الآية106) ، وقوله: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} الآية ~~(الاسراء:56) ، وقوله: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} (المؤمنون:117) ، وقوله: {وأن المساجد ~~لله فلا تدعو مع الله أحدا} (الجن:18) ، ونحو ذلك كثير. وبقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" والقول ~~المراد هنا الصادر عن علم بمعناها وانقياد لأصول مقتضاها، لا كما ظنه عباد ~~القبور من أن مجرد اللفظ يكفي مع المخالفة الظاهرة، وعباد الأولياء ~~والصالحين، فإن شهادتهم والحالة هذه وقولهم شبيه بشهادة المنافقين برسالة ~~سيد المرسلين، وقد مر لك ما فيها. # وبالجملة: فأدلة تحريم دعاء الصالحين من دون الله لا يمكن حصرها ولا ~~تستقصى، وقد قال هذا الملحد: إنها شبهة أوهن من بيت العنكبوت، {كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} (الكهف: من الآية5) . # وأما قوله: هذه الأشياء وما أجمعت الأمة على تحريمها، فضلا ms058 عن التكفير ~~بها. # فهذا مبلغ علمه ومنتهى إيمانه وفهمه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. # فيا منكرا هذا تأخر، فإنه # حرام على الخفاش أن يبصرالشمسا # ونقول: اجتمعت الأمة على تحريم هذا وعلى كفر فاعله إجماعا ضروريا، يعرف ~~بالضرورة من دين الإسلام، وبتصور ما جاء به الرسل، واتفاق دعوتهم، فإن كل ~~رسول أول ما يقرع أسماع قومه بقوله: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ~~(لأعراف: من الآية59) ، كما تقدمت أدلة ذلك. # قال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية # PageV01P077 # الحراني رحمه الله ورضي عنه: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل ~~عليهم ويسألهم كفر إجماعا. # قال شارح الإقناع من كتب الحنابلة منصور بن يونس البهوتي المصري: لأنه ~~فعل عابدي الأصنام، قائلين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} الآية ~~(الزمر: من الآية3) ، نعم عباد القبور يخالفون في هذا، كما يخالف الخارجي ~~فيما اجتمعت عليه الأمة من عدم التكفير بالذنوب التي دون الشرك، وكما يخالف ~~القدري أهل السنة في تكفير غلاتهم، وكما يخالف الجهمي معطل الصفات في ~~تكفيره وتبديعه، وكما ينازع الحلولي والاتحادي في التكفير بمذهبه الخبيث، ~~ومن نسب إلى الشيخ رحمه الله تكفير أحد من أهل الإسلام والتوحيد فهو من ~~أعظم الناس كذبا وبهتانا وافتراء وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من ~~المفترين، بقوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وبذلة ~~في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} (لأعراف:152) . # PageV01P078 ### | ### | فصل # # قال العراقي: ويستدلون بأقوال ابن تيمية وابن القيم، وهما لا يلزمان ~~بقولهما ولا بقول أحد من أهل المذاهب الأربعة. # والجواب أن يقال: # قد تقدم أن العمدة عندهم في مسائل أصول الدين وفروعه على كتاب الله وسنة ~~رسوله وإجماع أهل العلم من هذه الأمة، ولا تذكر أقوال أهل العلم إلا تبعا ~~وبيانا. لا إنها المقصودة بالذات والأصالة؛ ثم المسائل التي لا يلزم بها ~~المجتهد غيره ما كان للاجتهاد فيها مساغ، ولم تخالف كتابا ولا سنة صريحة ~~ولا إجماعا، وما خالف ذلك فهو مردود ms059 على قائله. ويلزمه أهل العلم بصريح ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة. # قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "ما منا إلا راد ~~ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأحسن منه قول الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~الآية (النساء: من الآية59) ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ألفين ~~أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، فيقول: بيننا وبينكم كتاب ~~الله، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه". # فإذا كان رد السنة محرما لا يجوز، ولو ردها ظانا أن القرآن لا يدل عليها، # PageV01P079 # فكيف رد الكتاب والسنة، وعدم التزامهما لخلاف أحد من الناس كائنا من كان؟ ~~ومسائل معرفة الله ووجوب توحيده، وإسلام الوجه له وحده لا شريك له، ومسائل ~~ربوبيته واختصاصه بالخلق والإيجاد والتدبير، ونحو ذلك، مما يعلم بالضرورة ~~من دين الإسلام كصمديته تعالى، ونفي الكفء والصاحبة والولد، وغناه بذاته ~~ومباينته لمخلوقات، وعموم قدرته وإحاطة سمعه وبصره وعلمه بجميع المعلومات ~~والمبصرات والمسموعات، ونحو ذلك من أصول الدين. # فكل الرسل متفقون عليه، وجميع الكتب داعية إليه والعقول الصحيحة حاكمة ~~به، فكل اجتهاد خالفه فباطل مردود لا يسوغ العمل به في شريعة من الشرائع، ~~ولا عند عالم من العلماء ولا فقيه من الفقهاء. والعراقي أجنبي عن هذه ~~المباحث والعلوم، ولا يدري الفرق بين مسائل الاجتهاد وغيرها، وكأن الرجل من ~~أهل الفترات لم يأنس بشيء مما جاءت به النبوات. # قال شمس الدين في هدايته: بل جميع النبوات من أولها إلى آخرها متفقة على ~~أصول. # أحدها: أن الله تعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه، ولا ند ولا ضد ولا ~~وزير ولا مشير ولا ظهير ولا شافع إلا من بعد إذنه. # الثاني: أنه لا والد له ولا ولد، ولا كفء ولا نظير، ولا نسب بوجه من ~~الوجوه ولا زوجة. # الثالث: أنه غني بذاته، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج ~~إليه خلقه بوجه من الوجوه. # الرابع: ms060 أنه لا يتغير ولا تعرض له الآفات، من الهرم والمرض والسنة والنوم ~~والنسيان والندم، والخوف والهم والحزن، وتحو ذلك. # الخامس: أنه لا يماثله شيء من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء، لا في ذاته ~~ولا في صفاته، ولا في أفعاله. # السادس: أنه لا يحل بشيء من مخلوقاته، ولا يحل في ذاته شيء منها. # PageV01P080 # بل هو بائن عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه. # السابع: أنه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وعال على كل ~~شيء، وليس فوقه شيء البتة. # الثامن: أنه قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء يريده، بل هو فعال لما يريد. # التاسع: أنه عالم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون وما ~~لم يكن لو كان كيف كان يكون، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ~~الأرض ولا رطب ولا يابس، ولا متحرك ولا ساكن إلا وهو يعلمه على حقيقته. # العاشر: أنه سميع بصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن ~~الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ~~قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، وعلمه بجميع ~~المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، ونفذت مشيئته في جميع البريات، وعمت ~~رحمته جميع المخلوقات ووسع كرسيه الأرض والسموات. # الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحدا على ملكه، ولا ~~يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه أو يستعطفه عليهم ويسترحمه ~~لهم. # الثاني عشر: أنه الأبدي الباقي الذي لا يضمحل ولا يتلاشى ولا يعدم ولا ~~يموت. # الثالث عشر: أنه المتكلم المكلم الآمر الناهي، قائل الحق، وهادي السبيل ~~مرسل الرسل، ومنزل الكتب، قائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي ~~المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته. # PageV01P081 # الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره، فلا أصدق منه قيلا، ولا أصدق منه ~~حديثا، وهو لا يخلف الميعاد. # الخامس عشر: أنه تعالى صمد بجميع معاني الصمدية، يستحيل عليه ما يناقض ~~صمديته. # السادس عشر: أنه قدوس سلام، فهو المبرأ ms061 من كل عيب وآفة ونقص. # السابع عشر: أنه الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه. # الثامن عشر: أنه العدل الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلما. # وهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل وهو من المحكم الذي لا يجوز أن ~~تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر بشيء بخلافه، فتركت المثلثة عباد الصليب هذا ~~كله وتمسكوا بالمتشابه من المعاني والمجمل من الألفاظ، وأقوال من قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سبيل السواء. وأصول المثلثة ومقالاتهم في رب ~~العالمين تخالف هذا كله وتباينه أشد المخالفة والمباينة انتهى. # فقف وتأمل هذه الأصول وأولها، وهو أنه تعالى لا شريك ولا ند ولا شافع إلا ~~من بعد إذنه، ووازن بينه وبين قول العراقي: إن هذه المسائل التي لا تعلم ~~يعذر العلماء في جهلها أحدا، وهل يقول من يعقل إن هذه المسائل من المسائل ~~الاجتهادية، فإن كان هذا القول صحيحا فليهن النصارى عباد الصليب اجتهادهم ~~المنجي عند هذا العراقي، وكذا عباد الأوثان، والجهمية والمعطلة، والقدرية ~~النفاة والقدرية المجبرة، والرافضة المارقة. فإنهم قالوا بتلك الأقوال ~~الضالة واعتقدوها عن رأي لهم واجتهاد وشبهة تصوروها. كما قال هذا الشيخ: ~~فترك المثلثة عباد الصليب هذا كله وتمسكوا بالمتشابه. قال تعالى: {قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا} الآية (الكهف:103) ، وقال: {بل زين للذين كفروا ~~مكرهم} (الرعد: من الآية33) ، وقال: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم} الآية (الأنعام: من الآية137) # PageV01P082 # وقال: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} (الأنعام: من الآية108) ، والتزيين ~~يتناول ما تمسكوا به من الشبه والمتشابه واعتقاد حسنه، وأنه لا ينكر ولا ~~يلزم بسواه. # ثم هذا مخالف للإجماع، ولو في فروع الدين، فإن الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعوا على إنكار على المخطئ المخالف للنص في مسائل كثيرة. # منها ما وقع من قدامة بن مظعون وأصحابه لما استحلوا الخمر باجتهاد تأويل ~~وفهم انفردوا به، في قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا} الآية (المائدة: من الآية93) ، والصحابة أنكروا على من ~~رأى أن ms062 دفع الزكاة لا يجب لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلوا ~~على ذلك واستباحوا الدماء عليه، وإن لم ينكر من قاتلوه غير ذلك من الدين. ~~وقد بعث صلى الله عليه وسلم سرية إلى رجل تزوج امرأة أبيه فقتلوه وغنموا ~~ماله، وسار فيه بسيرته في المرتدين، فكيف يقال: إن من دعا الأولياء ~~والصالحين واستغاث بهم وذبح لقبورهم وخافهم ورجاهم مع الله لا ينكر عليه؟ ~~لأن الإنكار محل الاجتهاد؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. # PageV01P083 ### | ### | فصل # # قال العراقي: قال العلماء: لو أفتى مائة عالم إلا واحدا بكلمة كفر صريحة ~~مجمع عليها، وقال عالم واحد بخلاف أولئك يحكم بقول الواحد، ويترك قول ~~التسعة والتسعين، حقنا للدماء. # أقول في جوابه: # ها هنا والله يعرف ذوو الألباب مقدار ما هم فيه من النعمة بالعقول التي ~~فارقوا بها الحيوانات، ويعرف ذوو الفضل والعلم نعمة العلم التي فارقوا بها ~~أهل الجهالات والضلالات، ويعرفون حاصل هؤلاء الحيارى وما هم عليه من العقل ~~والدين، لا سيما من عرف ما في الدعوى من العموم والإجماع على خرق الإجماع، ~~ثم هذا العدد المخصوص أهو غاية وحد لا يجوز أن يتجاوزه أحد؟ أو هو مبالغة ~~وتهور لا يبالي به عند التحقيق والتصور؟ قوم هذا حاصل بحثهم ونهاية ~~إقدامهم، لم يمتازوا على سائمة الأنعام إلا بمجرد الصورة والهيولى. قال ~~تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ~~ولا أفئدتهم من شيء} الآية (الاحقاف: من الآية26) . # وأما قوله: لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرأوا الحدود بالشبهات ما ~~استطعتم" فهو من نمط ما قبله في الجهالة. والخلاف ليس من الشبهة، ولا يلتفت ~~إليه إذا خالف الكتاب والسنة أو الإجماع. هذا باتفاق المسلمين، لا يشكل إلا ~~على الأغبياء، وإطلاق القول بأن الخلاف شبهة يعود على الإسلام بالنقض ~~والهدم، # PageV01P084 # والتسجيل على عامة العلماء بالعيب والذم. فقل حكم من الأحكام الاجتهادية ~~إلا وفيه خلاف. ومن المعلوم أنه جاء الخبر النبوي: أن هذه الأمة ستفترق على ~~ثلاث وسبعين فرقة، وتختلف في دينها. والعلماء مجمعون ms063 على القول بهذا، وإنه ~~لا يلتفت إلى كل خلاف، لا سيما ما خالف النصوص والإجماع. وأفتوا بهذا في ~~مسائل لا تحصى في أصول الدين وفروعه. فلو كان وجود الخلاف من الشبه لحكمنا ~~بضلالهم في ذلك كله. وهم مجمعون على عكس ما قال العراقي. ولو أفتى ألوف ما ~~يخالف النصوص فهم في جانب والنص في جانب ولو كان النص والحجة مع واحد من ~~هؤلاء الألوف، قال الفضيل بن عياض: لا تستوحش من الطريق لقلة السالكين، ولا ~~تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وأحسن منه وأدل قوله تعالى: {وإن تطع أكثر من ~~في الأرض يضلوك عن سبيل الله} (الأنعام: من الآية116) ، فبطل الاحتجاج ~~بالأكثر في الأصول والفروع. وما أحسن ما قيل: # وليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر # وقوله: المكفر بهذه الأشياء واحد، ليس في العير ولا في النفير، القائلون ~~بخلافه ألوف. # يريد أن المكفر بعبادة القبور واحد، وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب. # والوقوف على هذه القولة الضالة الحمقاء التي تنادي بجهل قائلها يكفي في ~~الجواب. # وقوله: إنهم يسيئون الظن بجميع علماء المسلمين، ما عدا جماعتهم إلى آخر ~~كلامه. # تقدم جوابه، وأنه لا يعرف الحدود فلا يعرف العلماء في عرف الشرع ولا ~~المسلمين في اصطلاح الرسول. والذي في وهمه أن العلماء من يجيز دعاء أهل ~~القبور وأن المسلمين عنده من يدعو الموتى ويستغيث بهم. هذا حاصل كلام ~~العراقي، فسبحان من أضله. # وسوء الظن بمن جالس وداهن وهذا الضرب من الناس مما يثاب عليه # PageV01P085 # المؤمن، ويحمد عليه؛ لأنه من باب الاحتياط والبراء، بل ويدخل فيه ما أمر ~~الله به من الجهاد، وعدم الانبساط والبشاشة لمن يوالي عباد القبور ~~ويعاشرهم. فكيف من يجيز ذلك ويفعله؟ وقد قال مجاهد بن جبر لابن حميد لما ~~رآه مع غيلان القدري في الطواف، وهجره على ذلك فجاءه ابن حميد، فحلف له أنه ~~تبعه يسأله عن حرف في قراءة مجاهد قال له مجاهد: لولا أنك عندي صدوق ما ~~بششت في وجهك الدهر، ذكره ابن وضاح. # PageV01P086 ### | ### | فصل ms064 # # قا العراقي: بل عندهم أن أهل الحرمين اللذين هما أشرف بقاع الله وأخبر ~~الرسول كما في الصحيحين: "إن الإيمان يأرز في آخر الزمان إلى الحجاز" وفي ~~رواية: "إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" فهم عندهم كفار مشركون، ~~واستباحوا هذين البلدين الشريفين، وجعلوهما دار حرب، واستحلوا دماء أهلهما ~~وأموالهم وجعلوا دار مسيلمة الكذاب هي دار الهجرة ودار الإيمان، وأن ~~الإيمان يأرز إليها مع قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لنا في شامنا ~~وفي يمننا" قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟ فكرر ثلاث مرات، يدعو للشام ~~واليمن، وهم يقولون: وفي نجدنا، فقال في الرابعة: "تلك مواضع الزلازل ~~والفتن" إلى آخره. # الجواب أن يقال: # في هذه الكلمات اليسيرة من الكذب والظلم والقول بلا علم ما يطول استيفاء ~~الكلام عليه، ومن خلع جلباب الحياء، وتكلم في المباحث الدينية بمجرد الجهل ~~والهوى، فقد استحكم عليه الشقا، وحلت قريبا من داره قوارع المحن والبلوى. ~~ليس من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ولا في كلام من ~~يعتد به ويعول عليه من أهل العلم والدين حكم على عامة أهل الحرمين بالكفر ~~والشرك، بل ولا بالفسوق. وسنورد من كلامه رحمه الله هنا ما يعرف به الواقف ~~على كتابنا حقيقة مذهبه ودينه. وأن هذا العراقي وأمثاله يتفترون مثل هذه ~~العبارات بقصد تنفير الناس عن هذا الشيخ، والصد عن سبيل الله. # PageV01P087 # قال رحمه الله تعالى، وفي أثناء كلام له في رسالته المعروفة إلى محمد بن ~~عيد: # وأما ما ذكر من الأعداء عني أني أكفر بالظن أو بالموالاة أو أكفر الجاهل ~~الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين ~~الله ورسوله. # وقال رحمه الله: سألني الشريف عما نقاتل عليه، وعما نكفر الرجل به؟ ~~فأخبرت بالصدق، وبينت له أيضا الكذب الذي يبهتنا به الأعداء، فسألني أن ~~أكتب له. # فأقول: أركان الإسلام خمسة: أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة. ~~فالأربعة إذا أقر العبد بها وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، ~~فلا ms065 نكفره بتركها. والعلماء اختلفوا في التارك لها كسلا من غير جحود، ولا ~~نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان وأيضا نكفره بعد ~~التعريف إذا عرف وأنكر. فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع: # النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس وأقر ~~أيضا الاعتقادات في الحجر والشجر، الذي هو دين غالب الناس إنه الشرك بالله ~~الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله. ومع ذلك ~~لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك. # فهذا كفر نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول. فلم يتبعه، وعرف دين الشرك ~~فلم يتركه مع أنه لم يظهر ببغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ~~ولا بزينة للناس. # النوع الثاني: من عرف ذلك كله، ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه ~~أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر، ومن عبد أبا علي والخضر من ~~أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك. فهذا أعظم من الأول، وفيه ~~قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله # PageV01P088 # على الكافرين} (البقرة: من الآية89) وهو ممن قال الله فيه: {وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} الآية (التوبة: ~~من الآية12) . # النوع الثالث: من عرف التوحيد واتبعه وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل ~~في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا كافر، فيه قول الله تعالى: ~~{ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} (محمد:9) . # النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد، ~~واتباع أهل الشرك، وساعون في قتالهم ويعتذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل ~~أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد معهم بماله ونفسه. فهذا أيضا كافر، فإنهم ~~لو يأمرونه بترك صوم رمضان ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه ~~بتزويج امرأة أبيه ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم فعل، وموافقتهم على ~~الجهاد معهم ms066 بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ~~ذلك بكثير. فهذا أيضا كافر، وهو ممن قال الله فيه: {ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم} الآية (النساء: من الآية91) . # وأما الكذب والبهتان: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر ~~على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه. ~~فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصد به ورثة أبي جهل من سدنة الأصنام وأئمة ~~الكفر: الناس عن دين الله ورسوله؛ وإنا لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، ~~من المشركين عباد الأصنام كالذين يعبدون الصنم الذي على قبر عبد القادر ~~والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما أما الذين آمنوا بالله وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وجاهدوا في الله حق جهاده فهم إخواننا في الدين وإن لم ~~يهاجروا إلينا. فكيف نكفر هؤلاء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. انتهى. # وأما استباحة هذين البلدين الشريفين، فكل أحد يعرف أن هذا من # PageV01P089 # الكذب والبهت البين. قال تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله وأولئك هم الكاذبون} (النحل:105) لم يقع فيهما قتال بحمد الله، فضلا ~~عن الاستباحة. # وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت" وإنما دخلها المسلمون في حال أمن وصلح، وانقياد من شريف مكة ~~ورؤساء المدينة. وجلس المشايخ بالحرمين الشريفين للتعليم والتدريس. # وكتبت الرسائل في بيان التوحيد والتنزيه عن التقديس، حتى جاءت دولة ~~الأتراك فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. # وأما الأموال التي أخذت من الحجرة الشريفة، فلم تؤخذ ولم تصرف إلا بفتاوى ~~أهل العلم من سكان المدينة، ووضع خطوطهم بذلك. # وحاصل ما كتب: إن هذه الأموال وضعت توسعة لأهل المدينة وصدقة على جيران ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأرصدت لحاجتهم، وأعدت لفاقتهم. ولا حاجة بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم إليها وإلى اكتنازها وإدخارها في حال حياته، فضلا عن ~~حال مماته. وقد تعطلت أسباب أهل المدينة ومتباتهم بمنع الحاج في تلك السنة. ~~فأخرجت تلك الأموال، لما ms067 وصفنا من الحال باطلاع وكيل الحرم وغيره من أعيان ~~المدينة وعلمائها، وما وقع من خيانة وغلول لا تجوز نسبته إلى أهل العلم ~~والدين أو أنهم راضون أو غير منكرين له. ولا يجوز أن يسمي ما وقع استباحة ~~للحرمين. كما قاله هذا المفتري. كيف وقد وقع من تعظيم الحرمين وكسوة الكعبة ~~الشريفة، وتأمين السبل والحج إلى بيت الله وزيارة الحرم الشريف النبوي ما ~~لا يخفى على منصف عرف الحال، ولم يقصد البهت والضلال؟ # وأما الاستدلال على صلاح أهلها بشرف تلك البقعة، فهو استدلال من غربت عنه ~~أدلة الشرع وقواعده، وغابت عنه عهود الكتاب العزيز ومواعده، وصار من جماعة ~~الغوغاء والعامة، ولا حاجة لنا إلى تعداد من كفر بآيات الله وصادم رسله ورد ~~حججه من أهل الحرمين، ولا إلى تعداد من في بلاد الحبشة والهند وبلاد ~~الفراعنة كمصر، وبلاد الصابئة كحران وبلاد الفرس المجوسية. # PageV01P090 # من أهل العلم والإمامة والفقه والدين، وفضل الحرمين لا يشك فيه من له ~~أدنى إلمام بما جاءت به الرسل الكرام ولكن ليست فيه حجة على تحسين حال ~~أهلهما مطلقا. وقد قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء، لما دعاه إلى الأرض ~~المقدسة ورغبه فيها: "إن الأرض لا تقدس أحدا" قال تعالى: {وأورثنا القوم ~~الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} (لأعراف: من ~~الآية137) ، وهي مصر والشام، فإن كان في شرف البقاع حجة ودليل على صلاح ~~أهلها؛ فليكن هنا بنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وهم سكان إيليا والمسجد ~~الأقصى وقد جرى منهم من الكفر والتكذيب، وقتل الأنبياء، ما لا يخفى على من ~~آنس شيئا من أنوار الرسالة. # ثم استدلال أهل اليمن على حسن حالهم بحديث: "الإيمان يمان، والحكمة ~~يمانية" وحديث: "أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة" أظهر من الاستدلال ~~بشرف البقاع على عدم ضلال أهلها، لأن حديث "الإيمان يأرز إلى المدينة" يصدق ~~ولو على البعض. وإلا دل على العموم. ولو احنج الأسود العنسي وأمثاله على ~~حسن حالهم بما ورد في فضل اليمن لكان جوابه جوابا لنا. وقد قال ms068 تعالى: ~~{وتلك الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران: من الآية140) . # وأما حديث: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" فقد استيجبت دعوته صلى ~~الله عليه وسلم وحصل من البركات بسبب هذه الدعوة في الشام واليمن ما هو ~~معروف مشهور، وهل دونت الدواوين ووضع العطاء، وجندت الجنود، وارتفتعت ~~الرايات والبنود إلا بعد إسلام أهل اليمن وأهل الشام وصرف أموالهما في سبيل ~~الله، ولكن لا يحتج به على صلاح دين أهلهما إلا من غربت عنه الحقائق، وعدم ~~الفهم لأصول الدين فضلا عن الفروع والدقائق. وقد تقدم قوله تعالى: {وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها} الآية (لأعراف: من ~~الآية137) ، وجمهور أهل نجد كتميم وأسد وطيئ وهوازن وغطفان وبني ذهل بن ~~شيبان صار لهم من الجهاد في سبيل الله، والمقام بالثغور، والمناقب والمآثر ~~لاسيما في جهاد الفرس والروم ما لا يخفى على من له أدنى إلمام بشيء من ~~العلوم. ولا ينكر # PageV01P091 # فضائلهم إلا من لم يعرف جهادهم وبلاءهم من في المواطن. # ولا يشك عاقل أنهم أفضل من أهل الأمصار قبل استيطان الصحابة. وأهل العلم ~~والإيمان، وأما بعد ذلك فالفضل والتفضيل باعتبار الساكن يختلف وينتقل مع ~~العلم والدين. فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان أكثرها علما وأعرفها ~~بالسنن والآثار النبوية. وشر البلاد أقلها علما وأكثرها جهلا وبدعة وشركا. ~~وأقلها تمسكا بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح، فالفضل والتفضيل ~~يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان. فالفضل والتفضيل يعتبر بهذا في الأشخاص ~~والسكان. وقد قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ~~ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} (البقرة:126) ، وكما أن الحسنات ~~تضاعف في البلد الحرام فكذلك السيئات تضاعف، لعظيم حرمته وفضيلته. # وقد جاء في فضل بعض أهل نجد، كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال: "أحب تميما لثلاث سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قوله لما جاءت صدقاتهم: هذه ms069 صدقات قومي، وقوله في الجارية التميمية: اعتقها ~~فإنها من ولد إسماعيل، وقوله: هم أشد أمتي على الدجال" هذا في المناقب ~~الخاصة. # وأما العامة للعرب فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ~~ورد في تفضيل القبائل والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع ~~والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن. # ومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائها وعبادتها لهم حظ وافر ~~مما يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد ~~القبور والدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه ~~وسلم إن قلنا إن "أل" في الدجال للجنس لا للعهد. وإن قلنا إنها للعهد كما ~~هو الظاهر فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده ورد باطله. فتأمله ~~فإنه نفيس جدا. # PageV01P092 # ثم لو تكلم غير العراقي بمثل هذا لكان أسهل، وأما هو فبلاده معدن كل محنة ~~وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية، فأهل حروراء ما جرى ~~منهم على أهل الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف ~~من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري ~~وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة التي خالفوا بها أهل السنة من ~~العراق، والمبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غاية يسقط ~~بها الأمر والنهي إنما نبغوا وظهروا بالبصرة. ثم الرافضة والشيعة وما حصل ~~منهم من الغلو في أهل البيت والقول الشنيع في علي والأئمة ومسبة أكابر ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا معروف مستفيض عن أهل العراق، أفلا ~~يستحي أهل هذه العظائم من عيب أهل الإسلام ولمزهم بوجود مسيلمة في بلادهم؟ ~~وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام ~~فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقرية" والعراق قبل الإسلام هي ~~محل المجوس عباد النيران والبقر. ms070 # فإن قيل: طهرت بالفتح والإسلام، فما بال اليمامة لا تطهر بما أظهر الله ~~فيها من الإسلام وشعائره العظام، وجهاد أعداء الله ورسوله؟. # وأما حديث: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" الخ". # فجوابه: إن المراد بالشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله: هو العراق الذي ~~يحاذي المدينة من جهة المشرق. يوضحه: أن في بعض طرق هذا الحديث: "وأشار إلى ~~العراق". قال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية ~~العراق ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة. وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض, وهو ~~خلاف الغور فإنه ما انخفض منها. وقال الداودي: إن نجدا من ناحية العراق: ~~ذكر هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري. # ويشهد له ما في مسلم عن ابن غزوان: سمعت سالم بن عبد الله # PageV01P093 # يقول: سمعت ابن عمر يقول: "يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم ~~للكبيرة، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الفتنة تجئ من هاهنا، ~~وأومأ بيده إلى المشرق". # فظهر أن هذا الحديث خاص بأهل العراق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ~~المراد بالإشارة الحسية. وقد جاء صريحا في الكبير للطبراني النص على أنها ~~العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد. # PageV01P094 ### | ### | فصل # # قال العراقي في الباب الأول في نقل عبارات ابن تيمية وابن القيم في ~~تبرئتهما من تكفير المسلمين، وتشريكهم وتأثيمهم، ونقل بعض عبارات ابن عبد ~~الوهاب في بعض الأشياء التي حكم على الناس فيها بالتكفير والشرك. # ثم ذكر في هذا الباب خمسين موضعا، يزعم أنها تشهد له وتؤيد كلامه ودعواه ~~على استحباب دعاء الصالحين وجوازه. وغالبها قد حرفه، وألحد فيه، وتصرف في ~~نقله بزيادة ونقصان، وتقطيع للعبارات، وتعسف في حمله على دعواه. وبعضها لم ~~يفهم مراد الشيخ منه، ولم يدر المقصود. فحمل الكلام على المسائل الاجتهادية ~~النظرية على مسائل أصول الدين الضرورية الاجتماعية. فتركب من هواه وإلحاده ~~وجهله فساد عظيم وتحريف للكلم عن مواضعه. وقد وصف الله اليهود بتحريف الكلم ~~عن مواضعه: بتحريف ألفاظه ms071 ومعانية، وذكر تعالى أنه جعل قلوب اليهود قاسية ~~يحرفون الكلم عن مواضعه، ولعنهم بسبب ذنوبهم، ونقض الميثاق الذي أخذ عليهم ~~من الإيمان بالله ورسوله، والوقوف مع أمره وما أوجبه عليهم في التوراة. ~~وعباد القبور والدعاة إليها نقضوا الميثاق المأخوذ على هذه الأمة على لسان ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مثل قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: من الآية13) ، وقوله تعالى: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه} (الاسراء: من الآية23) ، وقوله تعالى: {قل تعالوا أتل # PageV01P095 # ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} الآيات (الأنعام: من الآية151) . # فما صدر عنه مما ستقف عليه من الإلحاد والتحريف نشأ عن مخالفة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ونبذ ما جاء به وراء الظهر. ومن له خبرة بتحريف اليهود ~~لنصوص التوراة يعرف قوة المشابهة والمماثلة بينهم وبين هذا المحرف. # واعتبر بما يأتيك تجد ما قلنا صريحا. # قال في نقله الأول: قال تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى بعد أن سئل عن ~~رجل تكلم في مسألة التكفير فأجاب الشيخ بقوله: أصل التكفير للمسلمين من ~~الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين بما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه ~~من الدين. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز ~~تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وليس كل من يترك قوله لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق، ولا يؤثم. ~~فإن الله قال في دعاء المسلمين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ~~(البقرة: من الآية286) ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ~~قال: "قد فعلت" إلى أن قال : ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين ~~الذين تكلموا في هذا الباب وإن أخطأوا من أحق الأغراض الشرعية، وهو إذا ~~اجتهد في ذلك وأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. # والجواب أن ms072 يقال: # هذا الكلام من جنس تحريفه الذي قررناه، فإن في هذا تحريفين: # أحدهما: أنه أسقط السؤال، وفرضه في التكفير بالمسائل التي وقع فيها خلاف ~~ونزاع بين أهل السنة والجماعة. والخوارج والروافض فإنهم كفروا المسلمين ~~وأهل السنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه، وما أصلوه ووضعوه، وذهبوا إليه ~~وانتحلوه، فأسقط هذا خوفا من أن يقال دعاء أهل القبور وسؤالهم والاستغاثة ~~بهم ليست من هذا الباب، ولم يتنازع في هذه المسألة المسلمون، # PageV01P096 # بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفر، كما حكاه الشيخ ابن تيمية نفسه، ~~وجعلها مما لا خلاف في التكفير به، فلا يصح حمل كلامه هنا على ما جزم هو ~~بأنه كفر مجمع عليه، ولو صح حمل هذا العراقي لكان قوله قولا مختلفا، وقد ~~نزهه الله وصانه عن هذا، فكلامه متفق يشهد بعضه لبعض. # إذا عرفت هذا عرفت تحريف العراقي في إسقاط بعض الكلام وحذفه، وأيضا ~~فالحذف لأصل الكلام يخرجه عن وجهه، وإرادة المقصود التحريف. # الثاني: أن الشيخ رحمه الله، قال: أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ ~~أخرجت عباد القبور من مسمى المسلمين، كما سننقل لك جملة من عباراته في ~~الحكم عليهم بأنهم لا يدخلون في المسلمين في مثل هذا الكلام. # قال رحمه الله في أثناء كلام له في النهي عن التفرق، والاختلاف وترك ~~التعصب لمذهب أو قبيلة أو طريقة قال: "فليس كل من أخطأ يكون كافرا ولا ~~فاسقا ولا عاصيا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال ~~تعالى في كتابه في دعاء المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ~~(البقرة: من الآية286) ، وثبت في الصحيح: "أن الله قال: قد فعلت" لا سيما ~~وقد يكون يوافقكم في أخص من الإسلام مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي أو ~~منتسبا إلى الشيخ عدي. ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، ربما كان الصواب معه. ~~فكيف يستحل عرضه أو دمه أو ماله، مع ما ذكر الله من حقوق المسلم والمؤمن؟ ~~وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في ms073 كتاب الله ولا ~~سنة رسوله؟ وهذا التفريق الذي حصل بين الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها ~~وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليهم وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ~~ورسوله، كما قال تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا ~~حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} (المائدة: من الآية14) ، ~~وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة ~~رحمة، # PageV01P097 # وإن الفرقة عذاب، وجماع ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} إلى قوله {ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} الآية (آل عمران: ~~102 104) ، فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن ~~الاختلاف والفرقة. ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود على من خرج عن شريعة ~~الله تعالى. # فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتا أو طلب منه الرزق أو النصر أو ~~الهداية، أو توكل عليه أو سجد له، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه". ~~انتهى. # فبطل استدلال العراقي، وانهدم من أصله، كيف يجعل النهي عن تكفير المسلمين ~~متناولا لمن يدعو الصالحين ويستغيث بهم مع الله، ويصرف لهم من العبادات ما ~~يستحقه إلا الله؟ وهذا باطل بنصوص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة. # ومن عجيب جهل العراقي: أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح ~~دليلا، فإن دعوى العراقي لإسلام عباد القبور تحتاج دليلا قاطعا على إسلامهم ~~فإذا ثبت إسلامهم منع من تكفيرهم، والتفريع ليس مشكلا. ومعلوم أن من كفر ~~المسلمين لمخالفة رأيه وهواه كالخوارج والرافضة أو كفر من أخطأ في المسائل ~~الاجتهادية أصولا أو فروعا، فهذا ونحوه مبتدع ضال، مخالف لما عليه أئمة ~~الهدى ومشايخ الدين. ومثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا يكفر أحدا ~~بهذا الجنس ولا من هذا النوع. وإنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز، ~~وجاءت به السنة الصحيحة وأجمعت على تكفيره الأمة، كمن بدل دينه، وفعل فعل ~~الجاهلية الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين، ويدعونهم مع الله، ~~فإن ms074 الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم وذراريهم بعبادة غيره، نبيا أو وليا ~~أو صنما لا فرق في الكفر بينهم، كما دل عليه الكتاب العزيز والسنة ~~المستفيضة، وبسط هذا يأتيك مفصلا، وقد مر بعضه. # والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفا وإحجاما عن إطلاق # PageV01P098 # الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفيره الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور ~~أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في ~~بعض رسائله: وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبة الكواز حتى نتقدم بدعوته إلى ~~إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمنا موحدا؟ وقال: ~~وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال. فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها ~~يكفر بعبادة القبور. وقد سبق من كلامه ما فيه الكفاية، مع أن العلامة ابن ~~القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا ~~من طلب الحق ومعرفته، وتأهلوا لذلك. فأعرضوا ولم يلتفتوا. ومن لم يتمكن ولم ~~يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه ~~دعوة رسول من الرسل. وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى ~~المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم وسيأتيك كلامه. وأما الشرك فهو يصدق ~~عليهم، واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله؟ وقاعدته الكبرى: ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الإسلام ومسماه، مع بعض ما ذكر الفقهاء في ~~باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عباده الصالحين ودعائهم. ولكن العراقي يفر ~~من أن يسمى ذلك عبادة ودعاء، ويزعم أنه توسل ونداء ويراه مستحبا، وهيهات ~~هيهات. # أين المفر والإله الطالب ... قد حيل بين العير والنزوان # بما من الله به من كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما جاء به محمد عبد الله ورسوله من الحكمة ~~والهدى والبيان لحدود ما أنزل الله عليه، ولا يزال سبحانه وتعالى يغرس لهذا ~~الدين ms075 غرسا تقوم بهم حججه على عباده يجاهدون في بيان دينه وشرعه ومن ألحد ~~في كتابه ودينه وصرفه عن موضوعه. # ومن هذا نقله الثاني عن الشيخ في الصلاة خلف أهل الأهواء، وعدم تكفيرهم ~~وأن القول يكون كفرا، ويطلق تكفير صاحبه، ويقال من قال هذا فهو # PageV01P099 # كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم عليه بكفر، حتى تقوم عليه ~~الحجة الرسالية التي يكفر تاركها إلى أن قال: والشخص المعين لا يشهد عليه، ~~فقد لا يكون التحريم بلغه إلى أن قال ومن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب ~~الحق، فأخطأه فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل ~~العملية أو النظرية، وأنه لا فرق بين مسائل الأصول والفروع وأطال الكلام في ~~الرد على من فرق بينهما، واحتج بحديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني ~~ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما ~~عذبه أحدا من العالمين" ثم استدل العراقي بقوله: "ولا يعكر على هذا أن أكثر ~~المتأخرين على أن المخطئ في مسائل الاعتقاد يفسق ويؤثم كالرافضة والخوارج ~~والمعتزلة؛ لأن استدلال الشيخ بأقوال الصحابة وجماهير السلف على عدم ~~التكفير والتفسيق من حيث بعض المسائل المختلف فيها. ونحن مرادنا إخراج أهل ~~السنة من التكفير والتفسيق في مسائل التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين ~~والحلف بغير الله، والنذر وصرفه لأماكن الأنبياء والصالحين وهذه المسائل لا ~~يكفر صاحبها عند الشيخين، كما عند غيرهما فيرد إطلاقهما لتخصيصهما، بل لم ~~يذكر هذه الأشياء أحد من العلماء غير الشيخين. ولو كانت هذه المسائل من ~~أمور الشرك المخرج لصاحبه من الملة لذكرها المفسرون في تفاسيرهم وأهل ~~العقائد في كتبهم. فلما لم يذكرها أحد من السلف والخلف غير ابن تيمية ومن ~~تابعه، وهي من اجتهادياته لكنه أطلق اللفظ في الكفر والشرك، وأراد الأصغر ~~وقيده إذا لم يكن الفاعل مجتهدا ولا مقلدا ولا متأولا ولا جاهلا. فدل كلامه ~~على أنها من الفروع المختلف فيها في الحل والحرمة؛ فرجعت إلى الاجتهادية، ~~وقد قال العلماء قاطبة ms076 الحنابلة وغيرهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد. # والجواب عن هذا النقل وما بعده من الكلام أن يقال: # أولا: موضوع الكلام والفتوى في أهل الأهواء، كالقدرية والخوارج # PageV01P100 # والمرجئة ونحوهم. وأما عباد القبور فهم عند السلف وأهل العلم يسمون ~~الغالية؛ لأن فعلهم غلو يشبه غلو النصارى في الأنبياء والصالحين وعبادتهم. ~~فالعراقي لا يعرف أهل الأهواء وما يراد به، ومع هذا لاجهل فالتحريف غالب ~~عليه في كل ما يشير إليه. # ويقال: هذا النقل الذي نقله فيه تكفير من قامت عليه الحجة ولو في المسائل ~~الخفية ونحن لا نكفر إلا بعد قيام الحجة الرسالية في المسائل الجلية فبطلت ~~الشبهة العراقية. ومسألة توحيد الله وإخلاص العبادة له لم ينازع في وجوبها ~~أحد من أهل الإسلام، لا أهل الأهواء ولا غيرهم، وهي معلومة من الدين ~~بالضرورة. كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه عرف أن هذا هو ~~زبدتها وحاصلها. وسائر الأحكام تدور عليه. قال تعالى: {قل إنما يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} (الانبياء:108) ووجه الحصر: ما أشرنا ~~إليه من أن التوحيد هو الأصل المقصود بالذات، فراجع كلام المفسرين فبطل ما ~~زعمه هذا الملحد من أن هذه من مسائل أهل الأهواء. # وأما الكلام في تكفير المعين، فالمقصور به مسائل مخصوصة، قد يخفى دليلها ~~على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل ~~الأهواء. فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورا كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة ~~المتواترة النبوية. فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرا، ولا يحكم على ~~قائله بالكفر، لاحتمال وجود مانع، كالجهل وعدم العلم بنفس النص، أو ~~بدلالته. فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها. ولذلك ذكر هذا في الكلام على ~~بدع أهل الأهواء. وقد نص على هذا، فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين، ~~بعد أن قرر هذه المسألة قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال: ~~بعدم التكفير. وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من ~~الدين بالضرورة. فهذا لا ms077 يتوقف في كفر قائله. # وسيأتيك كلامه مفصلا فراجعه إن شاء الله تعالى. # PageV01P101 # واحتج العراقي بقول الشيخ: وقد يكون له شبهات يعذره الله فيها. # وليس في كلام الشيخ العذر بكل شبهة، ولا العذر بجنس الشبهة، فإن هذا لا ~~يفيده كلام الشيخ، ولا يفهمه منه إلا من لم يمارس شيئا من العلوم. بل ~~عبارته صريحة في إبطال هذا المفهوم. فإنها تفيد قلة هذا، كما في المسائل ~~التي يعرفها إلا الآحاد، بخلاف محل النزاع، فإنه أصل الإسلام وقاعدته، ولو ~~لم يكن من الأدلة إلا ما أقر به من يعبد الأولياء والصالحين من ربوبيته ~~تعالى، وانفراده بالخلق والإيجاد والتدبير لكفي به دليلا مبطلا للشبهة. ~~كاشفا لها منكرا لمن أعرض عنه ولم يعمل بمقتضاه، من عبادة الله وحده لا ~~شريك له، ولذلك حكم على المعينين من المشركين من جاهلية العرب الأميين ~~لوضوح الأدلة، وظهور البراهين. وفي حديث المنتفق: "ما مررت عليه من قبر ~~دوسي أو قرشي فقل له: إن محمدا يبشرك بالنار". هذا وهم أهل فترة. فكيف بمن ~~نشأ من هذه الأمة وهو يسمع الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأحكام ~~الفقهية من إيجاب التوحيد والأمر به، وتحريم الشرك والنهي عنه؟ فإن كان ممن ~~يقرأ القرآن فالأمر أعظم وأطم، لا سيما إن عاند في إباحة الشرك ودعا إلى ~~عبادة الصالحين والأولياء، وزعم أنها مستحبة، وأن القرآن دل عليها. فهذا ~~كفره أوضح من الشمس في الظهيرة، ولا يتوقف في تكفيره من عرف الإسلام ~~وأحكامه وقواعده وتحريره، والغالب على كل مشرك أنه عرضت له شبهة اقتضت كفره ~~وشركه، قال تعالى: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} الآية (الأنعام: من ~~الآية148) ، وقال: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء} (النحل: من الآية35) عرضت لهم شبهة القدرية، فردوا أمره تعالى ودينه ~~وشرعه بمشيئته القدرية الكونية، وعلى إطلاق هذا العراقي وفهمه تكون هذه ~~الشبهة مانعة من تكفير أعيانهم. والنصارى شبهتهم في القول بالبنوة ~~والأقانيم الثلاثة: كون المسيح خلق من غير أب، بل بالكلمة، فاشتبه الأمر ~~عليهم؛ ms078 لأنهم عرفوا من بين سائر الأمم بالبلادة وعدم الإدراك في المسائل ~~الدينية، فلذلك ظنوا أن الكلمة تدرعت في الناسوت، وأنها ذات المسيح، ولم ~~يفرقوا بين الخلق # PageV01P102 # والأمر، ولم يعلموا أن الخلق يكون بالكلمة، لا هو نفس الكلمة، وقد أشار ~~تعالى إلى شبهتهم وردها وأبطلها في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: {إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم} (آل عمران: من الآية59) ، وقوله: {وكلمته ألقاها ~~إلى مريم} (النساء: من الآية171) وأكثر أعداء الرسل عرضت لهم شبهات. # ومن عرف هذا تبين له ضلال العراقي وأنه نبطي لم يمارس شيئا من العلوم وإن ~~قل. وقد قيل: يفسد الأديان: نصف متفقه، ويفسد اللسان: نصف نحوي، ويفسد ~~الأبدان: نصف متطبب، فكيف ترى بالمعدم المفلس إذا خاض في العلوم وخبط ~~فيها؟. # والشيخ قيد الشبهة المانعة من التكفير ووصفها بصفة كاشفة، فقال: وقد يكون ~~له شبهات يعذره الله فيها؛ يريد أن الكلام يخصص بالشبهة التي يعذر فيها. # والعراقي أخذ كلامه من غير نظر للقيد والوصف المانع من دخول المشركين ~~وعباد القبور، ولما عرف أن العموم في هذا لا يتجه استدرك فقال: فإن قلت: ~~أكثر المتأخرين على أن المخطئ في المسائل الاعتقادية يفسق ويؤثم، كالرافضة ~~والخوارج والمعتزلة، قلنا: استدلال الشيخ من حيث الجملة في بعض المسائل ~~المختلف فيها. # فنقول له: مسائل دعاء الصالحين والاستعانة بهم من المسائل الاعتقادية، ~~فتدخل في الاستثناء والتفريق بينها وبين أقوال الروافض والخوارج والمعتزلة ~~فالإخراج لها من كلام الشيخ تحكم وتهور، ولا يصير إليه من عرف الحقائق. ~~والصواب أن عباد القبور شر الأصناف، وأن شبهتهم أوهن الشبه وأضعفها، وفي ~~حديث ابن مسعود: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين ~~يتخذون القبور مساجد" رواه أحمد في مسنده. # PageV01P103 # وهذا العراقي في إخراجه الخوارج ونحوهم من العذر بالشبهة، وقوله في عباد ~~القبور: إنهم معذورون تابع لهواه، دائر معه في هذا ونحوه. ولو كان فيه ~~الهلاك الأبدي والشقاء السرمدي، عياذا بالله من جهد البلاء. # إذا عرفت أن استثناءه واستدراكه على كلام الشيخ برأي أكثر المتأخرين ms079 في ~~عدم الاعتداد والعذر بالشبه في العقائد، فاعلم أن هذا الاستدراك مبني على ~~فهم فاسد، وعدم تحقيق. فإن الشيخ لم يرد ما قاله العراقي من المسائل ~~الاعتقادية التي تعلم من الدين بالضرورة. وإنما يريد ما فيه شبهة يخفى ~~دليلها على مثل القائل بها، ولا تقوم عليه حجة يكفر مخالفها إلا بتوقيف ~~وكشف، ولا فرق في ذلك بين المسائل الاعتقادية والعملية. # وأما مسألة عبادة القبور ودعائها مع الله، فهي مسألة وفاقية التحريم، ~~وإجماعية المنع والتأثيم، فلم تدخل في كلام الشيخ لظهور برهانها، ووضوح ~~أدلتها؛ وعدم اعتبار الشبهة فيها. # هذا وجه الإخراج والاستدراك، لا ما زعمه الغبي، فإن الخوارج لا يكفرهم ~~الشيخ، ولا كثير من أهل العلم، وقد سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج: ~~"أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا"، فما أخرجه العراقي غير خارج، ما أدخله غير ~~داخل، فكلامه مجرد تخبيط لا يروج على النقاد. # وأما الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه، فهذا لم تقم عليه الحجة التي يكفر ~~مخالفها، وأهل الفترة لا يقاسون بغيرهم. والشيخ قصده أن الأصول قد يجري ~~فيها ذلك، وليس المراد أن كل من عرضت له شبهة في الأصول يعذر بها، وسيأتيك ~~لهذا مزيد بيان إن شاء الله. # واعلم أن المراد بقول الشيخ في المنع من تكفير أهل الأهواء ومن عرضت له ~~شبهة يعذره الله فيها، المقصود به: العذر في الجملة، فيصدق # PageV01P104 # بعدم التكفير، ولو مع وجود الفسق والعقاب كما جاء في الخوارج ونحوهم. # والشيخ قيد التكفير المنفي بقوله: أول من أحدث تكفير المسلمين أهل ~~الأهواء. وعباد القبور ليسوا عنده بمسلمين، وصناعة العلم محظورة ممنوعة على ~~من لم يعرف توحيد الإلهية، وفاته النصيب والحظ من الأنوار الرسالية، فإن ~~العلم نور يقدفه الله في القلب، يبصر به صاحبه الحقائق على ما هي عليه. # وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله: # شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي # وقال: اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي # وقول العراقي: ونحن مرادنا إخراج أهل السنة من ms080 التكفير في مسائل التوسل ~~والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، والحلف بغير الله، والنذر، ومصرفه لأماكن ~~الأنبياء والصالحين. # يقال: قد تكرر أنه يسمي عباد القبور أهل سنة وجماعة، ويلقب بالشرك ~~بالأنبياء والاستغاثة والملائكة توسلا، والإلحاد فيها عن حقيقتها، فتفطن ~~لهذه المباحث، فإنها مهمة جدا. # وبهذا تعرف أن مراده: إخراج المشركين عباد الأولياء والصالحين من التكفير ~~الذي أجمع عليه كافة المسلمين، وعلم إجماعهم واتفاقهم بالضرورة من الدين ~~ومعلوم أن الشيخ لم يرد هؤلاء، كيف ولله في كل شيء آية تدل على أنه واحد. # ومسألة الحلف بغير الله، جاء فيها الحديث النبوي، وأنها من الشرك. والذي ~~عليه الجمهور: أن الحلف بغير الله محرم لا يجوز، سواء كان بالأنبياء أو ~~غيرهم. والنصوص المانعة من ذلك أكثرها صيغ عموم لا يجوز تخصيصها إلا بما ~~يساويها في الظهور والدلالة والصحة، من الأحاديث النبوية. # وأما صرف النذر لأماكن الأنبياء والصالحين فمراده: قبورهم، ولكنه # PageV01P105 # دلس بذكر الأماكن؛ لأن كلام العلماء صريح في المنع من صرف النذر لرفع ~~القبور، وتشييدها والبناء عليها وفرشها وسترها، وإيقاد السرج عليها، وجعل ~~السدنة لها، لما في ذلك من مضاهات اليهود والنصارى والمشركين، وما تفعله ~~عند أوثانها وأصنامها، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء فيما نعلم. # وأما النذر لها فهو نذر معصية باتفاق العلماء، والمعصية تصدق بالعبادة ~~للمنذور له، ومعلوم أن إخراجه على وجه القربة والتعظيم لأهل القبور عبادة ~~لهم وشرك، وتقرب إلى غير الله، وشرع لما لم يأذن له الله، ولم تأت به ~~شريعة، ولم يكن من هدي السلف والقرون المفضلة، ولو قصد به المجاورين ~~والعاكفين عند القبور، فهو غير جائز أيضا لأن العكوف عند القبور وسدانتها ~~أصل عبادة الأصنام، كما ذكره ابن عباس وغيره في الكلام على قوله تعالى: ~~{وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا} الآية (نوح: من الآية23) . # وأما قوله: وهذه المسائل لا يكفر فاعلها عند الشيخين، فقد مر رده. # وقوله: لم يذكر هذا أحد من العلماء غير الشيخين. # فأقول: أما الإعلان بجهله وإفلاسه وعدم اطلاعه، فهو صريح في كلامه من ms081 أول ~~رسالته إلى آخرها. وفي هذه الجملة زيادة نكتة. وهو أنه حكم على كافة ~~العلماء من عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت أنهم سكتوا ~~عما وقع من الناس عند القبور وآثار الصالحين: من الدعاء والاستغاثة ~~والتبرك، فلم يكتف العراقي بعدم علمه واطلاعه، ولم يفقه ذلك حتى تجاسر إلى ~~نسبة العلماء إلى السكوت عن حكمها وتحريمها. # وقوله: ولو كانت هذه المسائل من الشرك المخرج لصاحبه من الملة لذكرها ~~المفسرون. # فالجواب أن يقال: # ذكرها المفسرون وقرووها، وأطنبوا وبسطوا وكرروا، لكنهم لم يضمنوا # PageV01P106 # أن يفقه كلامهم ميت القلب، جامد الذهن، بل ولا ضمن الله تعالى لهذا النوع ~~أن يفقهوا عنه وعن رسله ما جاءوا به من البينات والهدى والحجة والشفاء. قال ~~تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} (الاسراء: من ~~الآية46) ، وقال تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم ~~مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} ~~(يس: 8 9) وما أحسن ما قيل: # فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا # ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا # وقال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} (لأنفال: من الآية23) ، ~~والقرآن كله يدل على وجوب إخلاص العبادة لله، والبراءة من عبادة ما سواه ~~وإسلام الوجوه له على اختلاف أنواع الدلالات مطابقة وتضمنا والتزاما، ~~وقياسا صحيحا. # وأمثل لك بما قاله العلماء في معنى البسملة وتفسيرها لتعلم أن هذا ~~العراقي كاذب جاهل في قوله: لم يذكرها المفسرون. # من ذلك قول العلماء في باء بسم الله: إن معناها الاستعانة، ورجحوا هذا ~~القول، لوجوه مقررة في محلها وقالوا: قد جاءت السنة بأن "كل أمر ذي بال لا ~~يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر أو أجذم أو أقطع" وذكروا فيه ~~روايات. والمعنى: أنه لا يكمل أمر ولا يحصل تمامه إلا بذكر الله، ولا يكون ~~أصله ولا يوجد منه شيء إلا بمعونته تعالى، قالوا: وقد قالت ms082 طائفة من أهل ~~العلم: إن البسملة من الفاتحة. # وقالت طائفة أخرى: هي آية من القرآن فاصلة بين السور. وعلى القول الأول: ~~فالآيتان بها من العبادات الواجبة والاستعانة هي مضمونها، فتكون الاستعانة ~~واجبة به تعالى. وعلى القول الآخر: يكون الإتيان بها مستحبا والاستعانة ~~بالله واجبة، لا بخصوص هذا اللفظ. ثم قالوا: إن المتعلق يتعين أن يقدر ~~مؤخرا، لإفادة الحصر والاختصاص. وهذا يدل على القول # PageV01P107 # بوجوب الاستعانة؛ لأن ما اختص به تعالى واستحقه دون ما سواه لا يصرف ~~لغيره، والقاعدة العربية تفيد أن تقديم المتأخر، وتأخير المتقدم: يقتضي ~~الحصر. # فهذان موضعان يدلان على وجوب الاستعانة به وحده في أول حرف في كتاب الله، ~~مع متعلقه. # الموضع الثالث: من الأبحاث في الباء وتأخير متعلقها، قولهم: إن الحصر هنا ~~حصر إفراد، لا حصر قلب. ورجحه أساطينهم بأن المشركين إنما اعتقدوا الشركة ~~لآلهتهم، لا الاستقلال، فالحصر باعتبار معتقدهم خص أفرادا، قالوا: وأكثر ~~الكفار اعتقدوا الشركة، لا الاستقلال، فمعنى التسمية عند الموحد: إفراده ~~سبحانه بالاستعانة عما عبد معه من الآلهة، وعلى القول بأن الاختصاص والحصر ~~للقلب: إنما يتجه باعتبار معتقد من يدعي الاستقلال لمعبوده، كمعطلة الصانع. # البحث الرابع في اسم الله، قولهم: إنه من أله إلهة وألوهية، فهو إله ~~فعال، بمعنى مفعول، بمعنى: عبد يعبد عبادة، والمستعين بغير الله متأله ~~عابد، لا سيما فيما لا يقدر عليه إلا الله. وإذا ثبت أن الاستعانة تأله وأن ~~التأله عبادة، فالبرهان قائم على أن العبادة لا يستحقها غيره تعالى. # الخامس: قول ابن عباس في تفسيره للاسم الشريف الأقدس: بأنه "ذو الألوهية ~~والعبودية، على خلقه أجمعين" وقد أخذه المفسرون وقرروه، واستحسنوه. فإذا ~~كان تعالى هو صاحب ذلك ومستحقه فصرفه إلى غيره شرك، ووضع للحق في غير ~~موضعه. وهذا يدخل فيه جميع العبادات التي يصدق عليها التأله والألوهية، ~~والعبادة والعبودية، لا سيما الدعاء، فإنه من أجل أنواعه. قال البخاري في ~~كتاب الإيمان: "باب دعاؤكم: إيمانكم" وساق حديث ابن عمر. وكثيرا ما يترجم ~~بما صح عنده وإن لم يكن على شرطه. # السادس: ms083 قولهم في اسمه "الرحمن" إنه الموصوف بغاية الرحمة # PageV01P108 # ومنتهاها وأنه وصف ذات، لا ينفك عنه كسائر أوصافه الذاتية المقدسة، ودعاء ~~غير الموصوف بهذا الوصف وقصد من دونه، والتعرض للوسائط والشفعاء، سوء ظن ~~بصفات كماله، ونعوت جلاله، وإنما دعا إلى عبادته ودعائه والاستعانة به ما ~~اتصف به من الصفات المقدسة، والنعوت الكاملة الجميلة. # واستدلوا على ذلك بقول الخليل عليه السلام لقومه: {فما ظنكم برب ~~العالمين} (الصافات:87) ، قالوا: أي فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه ~~غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم له شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء ~~والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه أحوال عباده، حتى يحتاج إلى شركاء ~~يعرفونه بها كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء ~~حوائجهم؟ أم هو قاس، فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج ~~إلى ولي يتكثر به من القلة، ويتعزز به من الذلة؟ أم محتاج إلى ولد فيتخذ ~~صاحبة يكون الولد منه ومنها؟ تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا، ولو قدره ~~المشركون حق قدره لما أشركوا به. # وكذلك اسمه تعالى "الرحيم" فإنه يدل على أنه بالغ في الرحمة غايتها، وأن ~~رحمته عمت عباده ووسعت خلقه، فما بهم من النعم والإحسان والعطايا الباطنة ~~والظاهرة فآثار رأفته ورحمته. ومن هذا فعله وهذا وصفه كيف يعدل المضطر إلى ~~غيره في ضروراته وحاجته وملماته؟ وفي الحديث القدسي: "يا عبادي كلكم ضال ~~إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" ~~الحديث بطوله، ومن رحمته وتودده إلى عباده: أنه ينزل كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا فينادي: "هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب ~~فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ " الحديث معروف مشهور. وفي بعض ~~الإسرائيليات: أن الله يقول: "ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل ~~شيء، وإن فتك فاتك كل شيء" وهذا قرروه بهذا المعنى في التفسير. وفي الكلام ~~على شرح ms084 الأسماء الحسنى وفي # PageV01P109 # الكلام على أحوال القلوب وسيرها، وتوجهاتها إلى الملك العلي الأعلى. # وعبارة البيضاوي في الكلام على أول فاتحة الكتاب: وإنما خص التسمية بهذه ~~الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور هو المعبود ~~الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها، فيتوجه ~~بشراشره إلى جناب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق، ويشغل سره بذكره والاستمداد ~~به عن غيره. قال البيضاوي: وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى: من كونه ~~موجدا للعالمين، ربا لهم، منعما عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها، عاجلها ~~وآجلها، مالكا لأمورهم يوم الثواب والعقاب: للدلالة على أنه الحقيق بالحمد ~~لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على ~~الوصف يشعر بعليته له، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك ~~الصفات لا يتأهل لأن يحمحد فضلا عن أن يعبد، ليكون دليلا على ما بعده. ~~فالوصف الأول: لبيان ما هو الموجب للحمد، وهو الإيجاد والتربية. والثاني، ~~والثالث: للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه، ليس يصدر منه لإيجاب ~~بالذات أو وجوب عليه قضت به سوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد، والرابع: ~~لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يقبل الشركة فيه. وتضمين الوعد اللحامدين والوعيد ~~للمعرضين" انتهى. # وإن شئت المزيد على هذا، ولم تكتف بما ذكرناه من التمثيل بالبسملة، وما ~~فيها من الأبحاث فنتكلم على فاتحة الكتاب بما قاله أهل العلم والتأويل ~~لينتفع بذلك من وقف على كتابنا. # فاعلم أن الحمد على ما أفاده بعض المحقيقين ذكر محاسن المحمود على وجه ~~الثناء عليه بها، مع محبته والرضا عنه والخضوع له. فلا يحمده من أعرض عن ~~محبته والخضوع له، أو جعل له شريكا في ذلك. ولا يرضى عنه من أعد غيره ~~لحاجته وفاقته واستغاث به في شدته وضرورته. وهذا الحد أتم # PageV01P110 # وأكمل من تعريف بعضهم له بأنه اصطلاحا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، لوجوه ~~لا تخفى على الذكي. فلا نطيل بذكرها، وإذا كانت "أل" فيه للاستغراق وعموم ~~الأفراد كما هو الراجح ms085 فجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال التي يحمد ~~من قامت به ثابت لله أكملها لكمال صفاته وكثرتها. ولهذا لا يحصي أحد من ~~خلقه ثناء عليه. وبها يستدل على آلهيته وأنه الإله الحق، ولذلك يستدل الله ~~تعالى على بطلان إلهية ما سواه بفقد صفات الكمال التي يستحق بها أن يعبد ~~ويعظم ويقصد وحده، كما قال عن خليله في مخاطبته لأبيه: {يا أبت لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} (مريم: من الآية42) ، وقال في عباد ~~العجل: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} (لأعراف: من الآية148) ، ~~فجعل نفي صفات الكمال موجبا لبطلان آلهيته وعبادته. وهذا يعرف بالفطر ~~والعقول. # فهذه ثلاثة مواضع في أول كلمة من كتاب الله دلت على بطلان دعاء غيره ~~وعبادته والاستعانة بسواه، والعبد وإن علت درجته وارتتفعت رتبته فهو فقير ~~إلى بارئه وفاطره، لا نسبة لقدرته وعلمه وحكته وفضله وكرمه وحياته إلى ما ~~اتصف به خالقه وإلهه الحق من صفات الكمال ونعوت الجلال. قال الشيخ الإسلام: # والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغني أبدا وصف له ذاتي # وأما اسمه "الله" فهو دال على الإلهية المتضمنة لسائر صفات الإلهية ~~والكمال، مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال بالوضع والمطابقة على ~~كونه مألوها معبودا، تألهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا ومفزعا إليه في ~~الحوائج والنوائب، بخلاف من أله سواه ممن لا يستحق الإلهية، ولم يخرج عن ~~رتبة العبودية، وصار مفزعه في الحوائج والنوائب إليه، واعتماده في المهمات ~~والملمات عليه، فمن كان هكذا كعباد الملائكة والأنبياء والصالحين، فلم يعط ~~هذا الاسم الشريف حقه من العبودية، وإفراد الله بالإلهية. # PageV01P111 # وأما "الرب" فهو دال على ربوبيته لجميع مخلوقاته، وكمال الربوبية هو بما ~~اتصف به من صفات الكمال، كقدرته وعلمه ورحمته وقيوميته، وهو يربي عباده ~~بالخلق والتدبير والملك وهو من أكبر الأدلة وأوضحها وأجلاها على وجوب ~~عبادته تعالى، وأن إلهية ما سواه وعبادة غيره أبطل الباطل وأضل الضلال، ~~ولهذا يستدل على إلهيته تعالى ووجوب توحيده بأفعاله الصادرة عن ربوبتيه، ~~كخلقه ms086 وقيوميته. قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} ~~(النحل:17) ، وقال تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} (الرعد: من ~~الآية33) ، وقال: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض} (الاحقاف: من الآية4) ، وهذا كثير في القرآن، ولكن يحول بين عباد ~~القبور والصالحين وفهمه ما على قلوبهم من رين الشرك وطابعه، فلا جرم قال ~~العراقي: لم يذكر هذا أحد من العلماء والمفسرين. # وأما اسمه "الرحمن" فهو كما تقدم دال على أن الرحمة وصفه وصف ذات لا ينفك ~~عنه، ولهذا لا يطلق على غيره. # و"الرحيم" هو الراحم لعباده البالغ في إيصال الرحمة. لأن فعيل من صيغ ~~المبالغة. لكن فعلان أبلغ. فسعة الرحمة وكثرتها وإحاطتها من أدلة عظمة ~~الموصوف وكمال صفاته، ووجوب عبادته وإلهيته، وإنابة القلوب إليه. فالمستغيث ~~بغيره الراغب إلى سواه فيما لا يقدر عليه غيره من الأمور المهمة العظام، ~~وما ليس من جنس الأسباب العادية، كمن يستغيث بالأنبياء، والصالحين ~~والملائكة، ويرجع إليهم في حاجاته وملماته: ما أعطي هذا الاسم حقه، ولا آمن ~~به حق الإيمان الواجب. ولو استشعر شيئا من كمال مدلوله وسعته وإحاطته لما ~~عدل بربه سواه، ولا التفت إلى غير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما, ومشهد ~~الأسماء الحسنى والصفات العلي مشهد عظيم لا يعرفه ويسير به إلا الصديقون ~~العارفون بالله. وما يجب له وما يستحيل عليه, وأما من تعلق على غيره والتفت ~~إلى سواه، وصار مبلغ علمه وغاية حذقه وفهمه تعلقه على الأولياء والصالحين ~~ورجاء رحمتهم وإحسانهم وعطفهم. فهو محجوب عن هذا غير عارف بربه، # PageV01P112 # جاهل بصفات كماله ونعوت جلاله. قال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون} (الزمر:64) فسجل على من أمر بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم ~~بالجهالة، سواء سمي ذلك توسلا وتشفعا واستظهارا وكرامة أو لم يسمه. # وأما {مالك يوم الدين} (الفاتحة:4) فهو وصف كمال ومجد، يقتضي وجوب ~~معاملته وحده لا شريك له، وإسلام الوجه له، لأن الاختصاص والانفراد بالملك ~~يوجب خوفه ورجاءه وطاعته. والتعلق على المملوك المقهور الذي لا ms087 شركة له ولا ~~ملك بوجه من الوجوه، وقصده في طلب الإعطاء والمنع، والخفض والرفع والنجاة ~~من النار، والفوز بدار الأبرار: سفه وضلال مبين. قال تعالى: {ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} (البقرة: من الآية130) وقد تمدح سبحانه ~~باختصاصه بملك هذا اليوم في مواضع من كتابه مع أنه الملك المالك في الدنيا ~~والآخرة لسر اقتضى ذلك، وحكمة أوجبته، وهي انقطاع كل العلائق والأسباب ~~والمؤاخاة والوصل التي يتعامل بها أهل الدنيا في دنياهم. قال تعالى: ~~{واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون} (البقرة:123) ، # فاعرف ما في هذا الخطاب من العموم، ,ما دل عليه التنكير من الشمول ~~المتناول لكل معبود مع الله، ولو نبيا أو ملكا، وما يجري على يد الشفعاء ~~ذلك اليوم لا يرد على الآية ولا ينفي العموم، لأنه لا يقع إلا بإذنه تعالى ~~فيمن يرضى قوله وعمله. فعاد الأمر له جل ذكره بدءا وعودا أولا وآخرا. # و"الدين" هو الجزاء والمكافأة على الأعمال حسنها وقبيحها، وما لم ينزل به ~~سلطان ولم ترد به حجة من الأعمال والديانات، يجازي فاعله، ويعاقب إن لم ~~يمنع مانع كتوحيد الله والإيمان به وبرسله. وأي توحيد يبقى وينفع مع عبادة ~~الأولياء والصالحين والاستغاثة بهم، وصرف الوجوه إليهم. # قال تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين، عما كانوا يعملون} (الحجر: 92 93) ، ~~قال جمع من العلماء: عن شهادة أن لا إله إلا الله. # وأما قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة:5) ففيها اختصاصه وانفراده # PageV01P113 # بالعبادة والاستعانة وأن ذلك حق لا يشركه فيه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. ~~والعبادة هي الغاية المقصودة من العباد المكلفين, والاستعانة وسيلة إلى هذه ~~الغاية المقصودة من العباد المكلفين. والمؤمنون بالرسل أخلصوا له العبادة ~~وأفردوه بالاستعانة. فهو معبودهم ومستعانهم وجميع الأعمال داخلة في هاتين ~~الكلمتين الشريفتين، وقد دلت صيغة الحصر والاختصاص فيهما على التوحيد. ~~والعبد همام وحارث، لا بد له من ذلك، وهمه وحرثه غاية ووسيلة فيجب أن يكون ~~غاية قصده ومراده وجه الله، ms088 والتماس طاعته ومرضاته، ويجب أن تكون الوسيلة ~~إلى ذلك استعانته بخلاف من عبد غيره واستعان بسواه، أو من عبده لكن قصر ~~وأضاع ما يحصل به مقصوده من الاستعانة، أو من استعان به ولكن على ما لا ~~يحبه وما لم يشرعه من الأعمال الصالحة أو وسائلها. ويدخل في النوع الثاني: ~~من تعلق على الأنبياء والصالحين عبادة واستغاثة واستعانة، كعباد القبور، ~~وفي حديث ابن عباس: "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ إذا سألت فاسأل الله، ~~وإذا استعنت فاستعن بالله" الحديث. # وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "إياك أن تستعين بغير الله فيكلك الله ~~إليه"، وقال أبو عبد الله القرشي" استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~الغريق بالغريق" وقال غيره: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون ~~بالمسجون" والكلام هنا يطول. # وغرضنا التنبيه على أن القرآن كله دال على التوحيد. آمر به مشير إليه ~~مستلزم له، مقرر لوصف أهله وما لهم من الكرامة في المعاد ومبين لأحوال من ~~تركه، ولم يرفع به رأسا أو أشرك في عبادته. وما لهذا الصنف من الجزاء ~~والعقاب والإهانة في الدار الآخرة. # وأما قوله: {اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم} (الفاتحة: 6 ~~7) فهذا فيه توحيد الطريق وأن من سلك سواه وأراد الوصول من غيره فالسبل ~~والطرق عليه مسدودة قاطعة غير موصلة. وفي حديث ابن مسعود: "خط لنا # PageV01P114 # رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا ~~عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم ~~قرأ قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (الأنعام:153) إذا عرف هذا ~~فالصراط المستقيم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون ~~لهم بإحسان من أئمة الهدى, ودعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم ~~والتوجه إليهم كل هذا ليس مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، بل وليس عليه أحد من رسل الله ولا ms089 ~~أوليائه، وقد توافرت النصوص وتظاهرت على المنع منه. كما سيمر بك مفصلا، ,قد ~~مر منه جملة صالحة، فإذا كان خارجا عن الصراط المستقيم ناهيا عنه سالكيه ~~ومؤتميه، فهو سبيل يفضي بسالكه إلى النيران والدخل في طاعة الشيطان، وأهل ~~هذا الصراط المستقيم دأبهم وشأنهم إفراد الله بالعبادة والاستعانة ~~والاستغاثة والإنابة والخوف والرجاء والتوكل والاعتماد، ومباينتهم في ~~الأوصاف خروج عن صراطهم وطريقهم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: # فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان # فسبيل الله واحد لا متعدد، ولا يمكن أن يأتي أحد بحجة وسلطان على أن دعاء ~~الأولياء والصالحين من أهل القبور أو غيرهم مشروع مسنون أو مباح، ولا يمكن ~~أن تأتي شريعة بهذا، وما يقوله الجاهلون من الشبه الواهية لا يعتد به؛ ولا ~~يلتفت إليه، بل هي قاطعة عن الطريق حائلة بين أربابها وبين الصراط ~~المستقيم، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، ~~وإن زعموا أنها أدلة وبينات، فهي جهالات وخيالات وضلالات. وسيأتيك الكلام ~~على ما أورده العراقي منها. # وقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فغير: صفة ونعت لما قبلها ~~من الاسم الموصول، على ما وجهه بعض المفسرين. # PageV01P115 # والمعنى: أن الذين أنعم الله عليهم خالفوا وباينوا المغضوب عليهم ~~والضالين في صفاتهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة، فالأولون عرفوا الحق ولم ~~يتبعوه ولم يريدوه، بل آثروا أغراضهم الفاسدة وشهواتهم القاطعة، واستمتعوا ~~بخلاقهم، ولم يعبثوا بما عداه مما فيه صلاح العبد وهداه. والآخرون غلبت ~~عليهم الشبهات، وتاهوا في أودية الجهالات والضلالات، ولم يهتدوا إلى ما ~~نصبه الله تعالى من الآيات الواضحات، والأدلة الظاهرات على وجوب توحيده ~~وإلهيته وصمديته وتنزهه عن الصاحبة والولد، وأحق الناس بالوصف الأول: ~~اليهود، وبالوصف الثاني: النصارى؛ لغلبة الوصف الأول على اليهود، وغلبة ~~الثاني على النصارى، ولذلك جاء في حديث عدي بن حاتم: "اليهود مغضوب عليهم، ~~والنصارى ضالون" ولكن هذا الوصف لا يختص بهم، بل كل منحرف عن الصراط ~~المستقيم إيثارا لهواه ورأيه فله نصيب من الوصف الأول، ms090 ومن انحرف لجهله ~~وعدم فقهه فله نصيب من الوصف الثاني، وهذا الانحراف إن بقي معه أصل الدين ~~الذي لا يقوم الإيمان والتوحيد إلا به فهو من أهل الذنوب من المسلمين وأمره ~~إلى الله، وإن كان الانحراف يخل بأصل الدين والإيمان، ويمنع التوحيد، كحال ~~من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله في مهماته وملماته ويعتمد ~~عليهم، ويستغيث بهم في شدائده فهذا له حظ وافر ونصيب كامل من الضلال، قال ~~تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع ~~الله} (النمل: من الآية62) انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من ~~الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد ~~القبور من دعاء آلهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المدلهمات وأن ~~الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد، ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر ~~وكشف السوء وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد. # ثم من المعلوم أن أخص أوصاف النصارى الضالين: عبادة الأنبياء والصالحين ~~وجعلهم شركاء لله فيما يختص به ويستحقه، وطاعة علمائهم # PageV01P116 # وأحبارهم في التحليل والتحريم، المخالف لما عهد إليهم في الكتب السماوية ~~على ألسنة أنبيائهم، وعباد القبور ضربوا في هذا بسهم وافر، وحصلوا على نصيب ~~من عبادة الأنبياء والصالحين ودعائهم مع الله استحقوا به إطلاق وصف الضلال ~~عليهم، فيما أتو به وابتدعوه من طاعة الدعاة إلى عبادة القبور من المنتسبين ~~إلى العبادة أو العلم. # وهذه إشارة تطلعك على ما وراءها. وفي فاتحة الكتاب والسبع والمثاني من ~~العلوم والتوحيد والرد على أصناف الضالين وشيع المبطلين، ما لا يمكن حصره ~~واستقصاؤه وإنما أردنا بيان كذب العراقي بقوله: لم يذكر المفسرون هذا. ~~والتسجيل على جهله في ذلك، وليس لنا فيما مر إلا تقريبه في عبارة يفهمها ~~الذكي والبليد، وإبرازه في قالب معناه على الطالب غير متعسر ولا بعيد، ~~والفضل للمتقدم. ولولا الحاجة والضرورة لما تصديت لمثل هذه المباحث، خوفا ~~من زلة القدم، وهفوة القلم، ومعرة الندم، وأستغفر الله العظيم من التقصير ~~في فهم كتابه، وعدم الاشتغال ms091 بمعرفة ما يراد من حكمه وخطابه. # PageV01P117 ### | ### | فصل # # قال العراقي: النقل الثالث: قال الشيخ بعد أن سئل عمن قال: يجوز ~~الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله فيه على معنى ~~أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء ~~والصالحين في كل ما يستغاث الله فيه، وأن من نفى الاستغاثة بالنبي يكفر؛ ~~لأنه نقص من قدر وما يستحقه إلى آخر ما قال السائل، فأجاء بجواب طويل قال ~~في آخره: "وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ففيه حديث في السنن من ~~رواية النسائي والترمذي وغيرهما: "أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، إني أصبت في بصري، فادع الله لي، قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: توضأ وصل ركعتين وقل: اللهم، إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك ~~محمد وفي لفظ: أتوسل إليك بنبيك يا محمد إني أتشفع بك في رد بصري، اللهم ~~فشفعه في، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان لك حاجة فمثل ذلك، فرد ~~الله بصره" فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ عز الدين بن عبد السلام التوسل ~~به وللناس في معنى ذلك قولان: # أحدهما: أن هذا التوسل هذا الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: "كنا نتوسل ~~إليك بنبيك فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، فيسقون" فقد ذكر أنهم ~~كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، ~~وتوسلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه ويكون وسيلتهم إلى الله، ~~وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته، ولا في مغيبه، والنبي كان في مثل ذلك ~~شافعا داعيا. # PageV01P118 # القول الثاني: أن التوسل به يكون في حياته وبعد موته ومغيبه وحضرته ولم ~~يقل أحد إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة ~~خفية، وليس أداتها جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ~~بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها، واختلاف الناس فيما يشرع من ~~الدعاء وما ms092 لا يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند ~~الذبح، وليس ذلك من مسائل السبب. # ثم قال العراقي: فانظر كيف أثبت حديث الأعمى وفيه الاستغاثة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله: "يا محمد" والنبي صلى الله عليه وسلم كان غائبا؛ ~~وقوله: "وإن كان لك حاجة فمثل ذلك" يدل على التشريع، بناء على أن العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقول الشيخ: إن القائل بالجواز لا يكفر من قال ~~بالمنع؛ لأن هذه المسألة ليست أدلتها ظاهرة جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ~~ما علم من الدين بالضرورة، والمجمع عليه المتواتر من هذه المسألة شبيهة ~~بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الذبح، هل تشرع أو لا تشرع؟ وجعل حكم ~~الاستغاثة والتوسل، كالذبح واختلافهم في الصلاة عليه عنده. # لا يقال: مراد الشيخ قول القائل: اللهم بجاه محمد أو بحرمته، لأنا نقول: ~~جواب الشيخ مبني على السؤال، والسؤال إنما هو في الاستغاثة لا التوسل. # وأيضا: فالشيخ يمنع التوسل كما يمنع الاستغاثة، وإن عذر المجتهد. وجوابه ~~هذا أخرج به نفسه من التكفير، فإنه يقول بالمنع والمجوزون يقولون: من منع ~~فقد نقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم. # والجواب عن هذا الكلام من وجوه: # الأول: أن هذا العراقي تصرف في كلام الشيخ بحذف وزيادة ونقصان، وهذا هو ~~تحريف الألفاظ والإلحاد في النقل، والخيانة في الحكاية وأول جواب الشيخ ~~رحمه الله نص في مسألة النزاع، يبطل دعوى العراقي، ويجتث # PageV01P119 # أصلها. فلذلك أعرض عنه وتركه، ونقل ما يقبل التصرف والتبديل، مع ارتباط ~~الكلام، وهكذا صنع فيما سيمر بك من نقوله وأدلته، فما أشبهه بعبد الله بن ~~صوريا اليهودي، لما أحضر التوراة يتلوها عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~لينظر حكم الله في حد الزاني بالرجم، وهم قد زعموا أن الذي في التوراة ~~التحميم، فلما قرأ وضع يده على آية الرجم فقال له عبد الله بن سلام: ارفع ~~يدك، فإذا آية الرجم تلوح، وقد قدمت لك أن بين هذا وبين اليهود مشابهة كلية ~~من جهة ms093 التحريف للفظ والمعنى. # إذا عرفت هذا، فأول جواب الشيخ وطالعة خطابه، قوله: الحمد لله رب ~~العالمين. لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشىء من المخلوقات، في ~~كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبي، ولا بملك، ولا بصالح، ولا غير ذلك، ~~بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز إطلاقه. # ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي، هو استغاثة به، بل العامة الذي ن يتوسلون ~~في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو ~~أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة، أو غير ذلك، مما يقولونه في ~~أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا ~~يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به. # والاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، ~~والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، ~~كما قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} (الأنفال: 72) ، ~~وكما قال: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} (القصص: 15) ، وكما ~~قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة: 2) . # وأما ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من الله؛ ولهذا كان ~~المسلمون لا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستسقون به، ويتوسلون به، ~~كما في صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال: ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم # PageV01P120 # نبينا فاسقنا فيسقون. وفي سنن أبى داود: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: " شأن الله أعظم ~~من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه ". # فأقره على قوله: نستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله ~~عليك. # وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه ~~الشفاعة، لكن ms094 عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية ~~فإنما يشفع في زيادة الثواب. # وقول القائل: إن من توسل إلى الله بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك، فقد ~~استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف ~~هذا في لغة أحد من بنى آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو، ~~ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه ~~يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على التصرف فيه، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك. # ولو قال قائل لمن يستغيث به: أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد: إنه ~~استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعا، وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في ~~شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، ~~والإجابة أخص بالأقوال. # والتوسل إلى الله بغير نبينا صلى الله عليه وسلم سواء سمى استغاثة أو لم ~~يسم لا يعلم أحدا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرا، ولا نعلم فيه إلا ما ~~أفتى به الشيخ من المنع. # كل هذا أسقطه العراقي، وضرب عنه صفحا، لأنه شجى في حلقه وقذى في عينه ~~وغصة في صدره، وحذف أيضا من آخر الجواب: قول الشيخ: " وأما من قال: إن من ~~نفي التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر، وتكفير من قال بقول الشيخ عز ~~الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور، ~~يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله، من المفترين على الدين، ~~لا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من قال لأخيه: كافر فقد باء ~~بها أحدهما ". # وأما من قال: ما لا يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا به، فقد قال # PageV01P121 # الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشى: استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق ms095 هذا الكلام ~~يفهم الاستغاثة المطلقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " ~~إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ". # وإذا نفي الرسول عن نفسه أمرا كان هو الصادق المصدوق في ذلك، كما هو ~~الصادق المصدوق في كل ما يخبر به، من نفي، وإثبات، وعلىنا أن نصدقه في كل ~~ما أخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيما له، أشبه النصارى، الذي ن ~~كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية، تعظيما له، ويجوز لنا أن ننفي ~~ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، والله أعلم. # فحذف العراقي هذا كله وكتمه، لما فيه من إلطال مذهبه، والدفع في صدره وحف ~~من أثناء الكلام عبارة أخرى وهي قول الشيخ في حديث الأعمى: فعلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه. # ومن بلغ تحريفه وخيانته إلى هذا الحد فهو من أوفر الناس نصيبا من قول ~~الله تعالى: {إن الله لا يحب الخائنين} (لأنفال: من الآية58) وقوله: {إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (البقرة:159) وهذه المسائل التي قررها ~~الشيخ منسوبة إلى أحكام الكتاب مأخوذة من نصوصه. # الوجه الثاني: إن قول الشيخ: وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ففيه ~~حديث في السنن لا يريد به التوسل في عرف العراقي، وعباد القبور. وهو دعاء ~~المخلوق والاستغاثة به، وإنما يريد به سؤال الله تعالى أن يشفع عبده فيه، ~~بإجابة دعائه لهذا السائل وأرشده في هذا إلى التوسل إلى الله بالصلاة التي ~~هي أفضل العبادات البدنية وأن يوحده بالدعاء والمسألة في أن قيبل شفاعة ~~نبيه: أي دعاءه له، وهذا ليس الكلام فيه، وليس من توسل عباد القبور، وتقدم ~~قول الشيخ: # PageV01P122 # إن هذا لا يسمى استغاثة، وفرق بين التوسل والاستغاثة، والعراقي يسمي كل ~~ما يفعله عباد القبور من العبادات توسلا، ويسقط من كلام الشيخ ما رد عليه ~~هذه التسمية، وأنها لا تعرف ms096 في لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، وقوله في ~~الحديث: "أتوجه بعبده ورسوله، ومسألة التوجه على الله بجاه عباده ومسألته ~~بهم مسألة معروفة مشهورة، قد تكلم فيها الأئمة وسيأتيك كلامهم فيها، وعلى ~~كل فليست من محل النزاع، وأما قوله: "يا محمد إني أتشفع بك في رد بصري، ~~اللهم شفعه في" فهذه الكلمة لم تثبت في الطرق المعروفة لهذا الحديث. ولم ~~يذكرها الترمذي وأمثاله من الحفاظ، وليس فيها استغاثة بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن هذا لايسمى استغاثة، كما قاله الشيخ فيما أسقطه العراقي، والداعي ~~ليس مستغيثا، والمغيث هو المجيب، وهذا كلام الشيخ الذي كتمه العراقي، وقال ~~الشيخ: إن من نسبه إلى أحد من الأمم فهو كاذب. # وقول العراقي: والنبي صلى الله عليه وسلم كان غائبا، كلام من لا يدري ~~الحقائق، فليس في نفس الحديث ما يدل على الغيبة، بل فيه ما يدل على الحضور، ~~وهو قوله: "يا محمد إني أتشفه بك"، فقوله: "والنبي كان غائبا" زيادة عراقية ~~ليست في الأحاديث النبوية، وقوله: "وإن كان لك حاجة فمثل ذلك" ليس فيه ما ~~زعمه العراقي من الدلالة على التشريع لوجوه: # منها: أن الحديث فيه مقال، وقد تكلم الحافظ في سنده، والشيخ عز الدين علق ~~الجواز على صحة الحديث، وبين العراقي وبين الكلام في التصحيح والحكم به ~~مفاوز تتقطع أعناق مطايا الحفاظ دونها، فكيف بالمقعدين الذين هم صفر من ~~فنون العلم والدين؟. # الوجه الثاني: أن اللفظ ليس بعام كما زعمه هذا العراقي، ثم كيف يقول هذا ~~وهو ينكر تناول العام لإفراده، ويقتصر على مورد السبب فيما يحتج عليه به من ~~الآيات القرآنية، كما قاله لما احتج عليه بعض أصحابنا بقوله # PageV01P123 # تعالى: {أفأنت تنقذ من في النار} (الزمر: من الآية19) قال: هذا في أبي ~~لهب. فظهر أنه متلاعب، وهذا هو: # الوجه الثالث منها: أن الذي رجح الشيخ ومن وافقه من المحققين أن هذا خاص ~~في حياته؛ لأن المقصود به شفاعته بالدعاء كما كان يستغفر لأصحابه ويدعو ~~لهم، وهذا هو الذي فهمه الفاروق، وناهيك ms097 به، فإنه قال: "وكنا نتوسل إليك ~~بنبينك فتسقنا" وهو صلى الله عليه وسلم في حياته كان يدعو لهم فتجاب دعوته، ~~وبعد موته لا يشرع طلب الدعاء منه؛ لأن عمر عدل إلى العباس ولم ينكره منكر ~~ولم يذهب إلى القبر الشريف أحد من أفاضل الأمة وأكابرها، مع أن قبره صلى ~~الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وهذا اتفاق منهم على تصويب عمر ومتابعته، ~~وهذا من باب التنزل مع هذا العراقي، وإلا فعدم مشروعيته هذا في سائر الكتب ~~السماوية معلوم من الدين بالضرورة. # الوجه الرابع: أن الحديث إن صح فهو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم عند ~~من قال بالجواز، كابن عبد السلام، فسؤال الله بغيره لم يقل به أحد ممن حكى ~~الشيخ قولهم بالجواز، قال الشيخ فيما تقدم ولا يعلم أحد من السلف فعله؛ ولا ~~روي فيه أثر ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع، وعباد ~~القبور يسألون الله بجاه من اعتقدوا فيه، بل آل الأمر إلى أن يسألوه تعالى ~~بجاه كل من رفع قبره، وجعلت عليه قبة، بل بالبله والمجانين الذين يعتقدهم ~~عباد القبور. وقد حدثني شيخنا محمد بن محمود الجزائري بداره بالإسكندرية أن ~~مذهب الحنفية يمنع سؤال الله بجاه أحد لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزكوا ~~على الله أحدا" وهذا مشهور عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف وكثير من أتباعهما ~~هذا مع أنها مسألة أخرى غير محل النزاع، فإيراد العراقي لها هنا مغالطة، ~~وما تمسك به من قول الأعمى: "يا محمد" ليس هو من سؤال الغائب وندائه كما ~~زعمه العراقي، والالتفات له مقتضيات تذكر في فن المعاني. فأي فائدة في ~~إيراد هذا؟ ثم هذه اللفظة وهي قوله: "يا محمد" لم يخرجها أهل السنن، ولم ~~تثبت من الطرق المشهورة لهذ الحديث. # PageV01P124 # وفي كلام الشيخ: " أن الكفر يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، ~~وبإنكار ما أجمع عليه أو ما تواتر" وقد أعمى الله بصيرة العراقي عن هذا، ~~كيف يكرر فيما تقدم أن دعاء القبور والتوسل ms098 بمسألة أربابها والاستغاثة بهم ~~من مسائل الاجتهاد، التي يكفر المخطئ فيها، ولا يؤثم؟ بل هو مأجور. ثم يكتب ~~بيده عن الشيخ الذي نسب إليه ما تقدم من إفكه أن الكفر يكون بإنكار ما علم ~~بالضرورة أو ما أجمع عليه أو ما تواتر. # ومسألة المخلوق والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله تحريمها والمنع ~~منها من الضروريات عند كل من تصور الإسلام وتحريمها مجمع عليه، والنهي عنها ~~متواتر. فسبحان من طبع على قلبه، والذي جزم الشيخ أن أدلتها ليست ظاهرة ~~جلية هي مسألة سؤال الله بجاه رسوله كأن يقول، ما في الحديث: "اللهم إني ~~أتوجه إليك بنبيك أو أسألك بجاه نبيك" فالموسؤول هو الله، والمتوجه به عبده ~~ورسوله. هذه هي أدلة جوازها خفية على القول به، فلا يكفر منكرها. وليست من ~~مسألة المخلوقين في شيء أصلا، وهذه هي المشبهة بالصلاة عليه عند الذبح. # وقول العراقي: لا يقال مراد الشيخ قول القائل: اللهم إني أسألك بجاه محمد ~~أو بحرمته، لأنا نقول: جواب الشيخ مبني على السؤال، والسؤال إنما هو ~~الاستغاثة لا التوسل. # يقال في جوابه: هذا المنع جهل صرف وتخليط محض، لا يصدر عمن يتصور ما ~~يقول، فإن السؤال في الاستغاثة والتوسل، والسائل جعل الاستغاثة توسلا، فرد ~~عليه الشيخ وكذبه؛ وجزم بأن هذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم وميز الشيخ ما ~~في السؤال من اللبس، فمنع الاستغاثة بغير الله، وقرر أنها لا تجوز وأن من ~~منعها فقد قال الحق؛ وأن من رد أخبار الرسول بقصد التعظيم فهو يشبه النصارى ~~في غلوهم في المسيح، وتكذيبه فيما أخبر به عن نفسه من العبودية وتكلم على ~~المسألة الأخرى، وهي سؤال الله بجاه نبيه وسماها توسلا ومنع من تسميتها ~~استغاثة؛ وحكى فيها لهم قولين: قولا بالمنع في مغيبه وبعد موته وحملوا ~~الحديث على التشفع بدعائه في حياته فقط، وقولا # PageV01P125 # بالجواز في مغيبه أو بعد موته. ورجح الأول بفعل عمر، وما كان عليه ~~الصحابة وأهل العلم. فكيف يقول هذا الغبي: كلامه في الاستغاثة؛ لأن ms099 السؤال ~~فيها؟ والسؤال فيه مجموع الأمرين، ولو فرض أن السؤال فيه إجمال فالتفصيل ~~والاستفصال في جواب السؤال يتعين دفعا للعموم والإجمال، وقد وقى الشيخ رحمه ~~الله بهذا فيما قرره من المقال. # وأما كون الشيخ يعذر المجتهد في مسألة الله بجاه رسوله، فلا يلزم منه أن ~~يعذر في الاستغاثة بالمخلوقين ودعائهم مع الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ~~لوضوح الأدلة المانعة هنا وخفائها في الأولى، فبطل قول العراقي. وأيضا ~~فالشيخ يمنع التوسل كما يمنع الاستغاثة. # PageV01P126 ### | ### | فصل # # قال العراقي: في النقل الرابع: قال في الفتاوى أيضا في جواب من سأله فيمن ~~قال: لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم هل يحرم عليه هذا القول؟ وهل هو ~~كافر به أم لا؟ وإن استدل بآية من كتاب الله وأحاديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم أم لا؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة، فما يجب على من خالف ذلك ~~والحالة هذه؟ الجواب: الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة، ~~واتفاق الأمة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع في الخلائق يوم ~~القيامة وأن الناس يستشفعون به، ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربه. # وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، فهؤلاء مبتدعة ~~ضلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل. وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو ~~كافر بعد قيام الحجة عليه، سواء سمى هذا استغاثة أو لم يسمه. وأما من أقر ~~بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، فمن ~~أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل. # والتوسل به نحو ذلك ولكن قال: لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر ~~عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال ~~المطر، وإنبات النبات، ونحو ذلك فهذا مصيب في ذلك. روى الطبراني: "أنه كان ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ~~قوموا بنا نستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي ms100 ~~صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث بالله "، فهذا إنما ~~أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا ~~يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه # PageV01P127 # الدعاء ويستسقون به، كما في البخارى، عن عمر قال: "ربما ذكرت قول الشاعر ~~وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى، فما ينزل حتى يجيش له ~~الميزاب: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # وهو قول أبى طالب؛ ولهذا قال العلماء في أسماء الله تعالى: يجب على ~~المكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن ~~عنده، وإن كان ذلك على يد غيره فالحقيقة له ولغيره مجاز إلى أن قال الشيخ : ~~والاستغاثة بمعنى أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه ~~لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع فى هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر ~~به، وإما مخطئ ضال. # ومن خالف ما يكون ثبت فى الكتاب والسنة، فإنه يكون إما كافرا، وإما ~~فاسقا، وإما عاصيا، إلا أن يكون مجتهدا مخطئا فيثاب على اجتهاده، ويغفر له ~~خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه الحجة به" انتهى. # فانظر إلى قوله: "قال العلماء المصنفون في أسماء الله: يجب على المكلف أن ~~يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن ~~كان ذلك على يد غيره فالحقيقة له وبغيره مجاز" وهذه القاعدة الراسخة في ~~قلوب المسلمين، فإذا طلبوا من أحد غير الله من أنبيائه وأوليائه فمرادهم ~~أنهم يتسببون لهم والله هو الفاعل الحقيقي، بل عوام الناس يعرفون ذلك، ~~وأعظم من هذا قول الشيخ رحمه الله تعالى: "والاستغاثة بمعنى أن يطلب من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع ~~فيه فهو إما كافر ومخطئ ضال"، والمستغيثون بالنبي طالبون منه أن يشفع لهم ~~إلى ربهم ms101 في قضاء مآربهم بدعائه أو وسيلته، وهذا هو اللائق بمنصبه صلى الله ~~عليه وسلم، فتبين أن المنازع في هذا كما قاله الشيخ إما كافر أو ضال؛ ~~فوالله إن هذه العبارة تكفي ردعا لمن يتعرض للمسلمين في هذه الأمور. # PageV01P128 # والجواب أن يقال: # قد اعترى هذا النقل ما قبله من التحريف والحذف والتصرف في كلام الشيخ حتى ~~أخرجه عن مقصوده. فإنه حذف منه ما يرد قوله ويهدم أصله. قال بعض أهل العلم: ~~أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل البدع لا يكتبون إلا ما لهم. # قلت: هم لا يتجاسرون على هذا الصنيع والتصرف والخيانة، غايتها ترك ما لم ~~يوافق أصولهم ومذهبهم، بخلاف العراقي، فإنه محرف كذاب لا يؤمن على النقل، ~~فحذف من هذا الجواب المختصر نحو سبعة مواضع: # الأول: قول الشيخ: "ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ~~وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد". فانظر ما النكتة في حذف هذه ~~الجملة وتفطن لذلك. # الموضع الثاني: قول الشيخ في الخوارج والمعتزلة: لم ينكروا شفاعته ~~للمؤمنين". والنكتة في حذف هذا أنه لم يفقه الجمع بين ما أنكروه وما ~~أثبتوه. # الموضع الثالث: حذف ما حكاه الشيخ من توسل الصحابة واستشفاعهم بنبيهم، ~~وأن ما كان يفعله من الدعاء لهم والاستغفار لأن هذا البيان يبطل دعواه، ~~فحذف الأحاديث، وحذف كلام الشيخ عليها ليلبس على الناس بأن الصحابة يتوسلون ~~بالرسول والتوسل عنده هو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله، ~~والاستغاثة به في حياته وبعد مماته، فقاتل الله الملبسين والملحدين، وما ~~أشد جنايتهم على الإسلام والمسلمين؟ فإن الشيخ بينه بما رواه البخارى في ~~صحيحه عن أنس: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى ~~بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا لتسقينا، ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون"، وفي سنن أبى داود وغيره: "أن ~~أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك ~~المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع ms102 بالله عليك، ونستشفع بك على الله. فسبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف # PageV01P129 # ذلك في وجوه أصحابه وقال: " ويحك، إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، ~~شأن الله أعظم من ذلك "، وذكر تمام الحديث، فأنكر قوله: "نستشفع بالله ~~عليك"، ولم ينكر قوله: "نستشفع بك على الله"، بل أقره عليه، فعلم جوازه ". ~~كل هذا حذفه العراقي. # الرابع: حذف قول الشيخ: " بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضا. كما ~~قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} (آل عمران: 135) ، وقال: {إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص: 56) ، وكما قال تعالى: {يا ~~أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ~~والأرض} (فاطر: 3) ، وكما قال تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله} (آل عمران: 126) ، وقال: {إلا تنصروه ~~فقد نصره الله إذ أخرجه الذي ن كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (لتوبة: 40) . فالمعاني الثابتة بالكتاب ~~والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنتفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة ~~الدالة على المعاني نفيا وإثباتا إن وجدت في كلام الله ورسوله، وجب ~~إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رجع ~~فيه إليه. # وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم ~~من تلك غير مراد الله ورسوله، وهذا يرد عليه فهمه ". # حذف العراقي هذا كله لأن فيه تفصيلا وفيه حكاية الإجماع بين المسلمين، ~~أنه لا يطلب من الرسول ولا من غيره فيما يختص به تعالى كمغفرة الذنوب ~~وهداية القلوب والنصر على الأعداء والرزق من الأرض والسماء ونحو ذلك من ~~أفعال الربوبية. وتقدم أن الشيخ يكفر بإنكار ما علم من الدين بالضرورة وما ~~تواتر الخبر به. وفيه قوله: والمعاني المنتفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، ~~فضرب الملحد عن هذا صفحا وأسقط من كلام الشيخ بقصد الترويج، ويأبى ms103 الله إلا ~~أن يتم نوره ولو كره المشركون. # الخامس: مما حذف من قول الشيخ رحمه الله: قالوا ومن أسماء الله # PageV01P130 # تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبى هريرة، قالوا: وأجمعت ~~الأمة على ذلك. وقال أبو عبد الله الحليمى: "الغياث هو المغيث"، وأكثر ما ~~يقال: غياث المستغيثين، ومعناه المدرك عباده فى الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ~~ومخلصهم. وفى خبر الاستسقاء فى الصحيحين: " اللهم أغثنا" يقال: أغاثه إغاثة ~~وغياثا وغوثا، وهذا الاسم فى معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى: {إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} (الأنفال: 9) ، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، ~~والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر. # قالوا: الفرق بين المستغيث والداعى: أن المستغيث ينادى [بالغوث، والداعى ~~ينادى] (1) بالمدعو والمغيث. وهذا فيه نظر؛ فإن من صيغة الاستغاثة: "يا ~~الله يا للمسلمين"، وقد روي عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول: "واغوثا ~~بالله"، ويقول: "إنى سمعت الله يقول: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} "، ~~وفى الدعاء المأثور: " يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح ~~لى شأنى كله، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك ". ~~والاستغاثة برحمته استغاثة به فى الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة ~~به فى الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به فى الحقيقة، ففى الحديث: " ~~أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق "، وفيه " أعوذ برضاك من سخطك، ~~وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ~~". # ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: " ~~أعوذ بكلمات الله التامات " قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق، وكذلك ~~القسم، وقد ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "، وفى لفظ: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ~~رواه الترمذي وصححه. ثم قد ثبت فى الصحيح: الحلف ب " عزة الله "، وب " عمر ~~الله "، ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذى ms104 ~~نهى عنه. # كل هذا حذفه العراقي، وأسقطه، لما فيه من رد كلامه، وهدم أساسه، وقد بين ~~فيه الشيخ معى الإغاثة، وأن الله هو المغيث، والفرق بينه PageV01P131 # وبين الداعي، وفيه أن الاستغاثة لا تصح بالمخلوق، وهي نوع من الدعاء ~~وكذلك القسم وأسقط العراقي هذا كله. # الموضع السادس: حذف قول الشيخ: وأما بالمعنى الذي نفاها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو أيضا مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير لله ما لا يكون إلا لله ~~فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة، ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي: ~~"استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق"، وقال الشيخ أبو عبد ~~الله القرشى: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون ". وفى ~~دعاء موسى عليه السلام: " اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان ~~وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله "، ولما كان هذا ~~المعنى هو المفهوم عند الإطلاق وكان مختصا بالله، صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ~~ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ~~وكذا الاستعانة أيضا، منها ما لا يصح إلا لله، وهى المشار إليها بقوله: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة: 5) فإنه لا يعين على العبادة الإعانة ~~المطلقة إلا الله. وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، ~~قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} (الأنفال: 72) ، والنصر ~~المطلق هو به ما يغلب العدو ولا يقدر عليه إلا الله ". # فهذا حذفه كله، واقتصر على قول الشيخ: "والاستغاثة أن يطلب من الرسول ما ~~هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما ~~كافر إن أنكر ما يكفر به، وإلا مخطئ ضال". # حذف ما بعد هذه العبارة وظن أنها تؤيد مذهب عباد القبور، وأن منصب ~~الرسالة يقتضي أن يدعى مع الله ويستغاث به الاستغاثة المطلقة، كما يفعل من ~~يستغيث بالمسيح وأمه، والملائكة، هذا فهم العراقي. والشيخ قد فصل وبين ما ~~يليق بالمنصب الشريف وما يختص بمقام الربوبية، فأسقط ما لا يقبل التحريف ~~وأثبت ما ms105 حرفه وألحد فيه. # وهذا الجواب حجة لشيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من # PageV01P132 # أهل الإسلام. وهذا مما يفضح هذا العراقي وشيعته من عباد القبور. وأسقط ~~قول أبي يزيد البسطامي وقول أبي عبد الله القرشي في الاستغاثة بالمخلوق؛ ~~لأنه يهدم أصله ويبين زيفه وتحريفه. وأسقط دعاء موسى عليه السلام، لما فيه ~~من حصر المشتكي وحصر الاستعانة والاستغاثة. والعراقي لا يرى حصر ذلك بل يرى ~~أن الاستغاثة والاستعانة والشكوى لغير الله مما يستحب في الكتاب والسنة، ~~ولو كان المستغاث والمستعان بهم أمواتا وغائبين فلم يجد من الحيل لما أصاب ~~الحديث مقاتله إلا أن أسقطه ومحاه. # فالحمد لله على تأييد دينه ونصر عباده الموحدين. # ومن المحذوف قوله: "ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق ~~الاستغاثة بغير الله، وكذلك الاستعانة أيضا منها ما لا يصلح إلا لله، وهي ~~المشار إليها بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} خاف العراقي من هذا؛ لأنه ~~يأتي على كل ما ذكر، فيهدم أصله، ويسقط ما بناه من الشبه. # الموضع السابع: حذف كلام الشيخ على قيام الحجة، قال رحمه الله: "فإن الله ~~يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (الإسراء: 15) . وأما إذا قامت عليه ~~الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها: فإنه يعاقب بحسب ذلك". # قلت: فهذا صريح في عقاب من قامت عليه الحجة في مسألة النزاع، وهي دعاء ~~الصالحين مع الله. وهذا دأب هذا الملحد، يكذب على أهل العلم، ويلحد في آيات ~~الله وفي أحاديث رسوله. والله الموعد بيننا وبينه: {وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون} (الشعراء: من الآية227) . # وأما قوله بعد حكاية كلام الشيخ: "في أن كل غوث فمن عنده تعالى، وإن كان ~~ذلك على يد غيره، فالحقيقة له ولغيره مجاز". # قال العراقي: "وهذه القاعدة هي الراسخة في قلوب المسلمين، فإذا طلبوا من ~~أحد غير الله من أنبيائه وأوليائه فمرادهم أنهم يتسببون لهم، والله هو ~~الفاعل الحقيقي، بل عوام الناس يعرفون ذلك". # PageV01P133 # فجواب هذا أن يقال: ليس هذا هو الراسخ في قلوب عباد القبور، فإن أقوالهم ms106 ~~وأدعيتهم وتوجهاتهم صريحة في أن مدعوهم ومستغاثهم مع الله يعطي ويمنع ويخفض ~~ويرفع، ويقضي حاجة من دعاه، ويجبر من لاذ بحماه، ولا تستبين العقائد وما في ~~القلوب إلا بترجمة المترجم وعنوان المعبر وهو اللسان، قال الشاعر: # إن البيان لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وقد قرر الفقهاء، وأهل العلم في باب الردة وغيرها أن الألفاظ الصريحة ~~يجري حكمها وما تقتضيه وإن زعم المتكلم بها أنه قصد ما يخالف ظاهرها. # وهذا صريح في كلامهم يعرفه كل ممارس، ولكن الهوى أحال عقول عباد القبور ~~وفهومهم عن مستقرها. # وأيضا فإطلاق السبب ليس عذرا مبيحا لدعاء غير الله والاستغاثة به فإن ~~المشركين قصدوا السبب ليس إلا، كما حكى الله عنهم ذلك في مواضع من كتابه، ~~ولم يريدوا أنها فاعلة مستقلة، بل اعترفوا بالفعل والاستقلال لله تعالى، ~~وقد مرت أدلة ذلك، وتأتيك في مواضعها إن شاء الله تعالى فبطل كلامه. # وإن سلمنا الدعوى وأنه إنما أراد السبب، فهذا الموضع هو منشأ الغلط، فإن ~~القوم لم يفرقوا بين توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله سبحانه بالدعاء ~~والاستعانة والخوف والرجاء والحب والإنابة والذل والخضوع، وظنوا أن هذا لا ~~يكون شركا إلا إذا اعتقد فاعله أن غير الله مستقل مدبر مؤثر، وإلا فلا شرك ~~على زعم هؤلاء الضلال، وقد تقدم أن عباد القبور أو جمهورهم صرحوا بأن ~~المشايخ والأولياء يتصرفون، فراجع ما مر من حكاية معتقدهم، فالعراقي كاذب، ~~وعلى تسليم صدقه فهو قول المشركين من جاهلية العرب سواء بسواء. # PageV01P134 # وأما قوله: "وأعظم من هذا قول الشيخ رحمه الله: والاستغاثة بمعنى أن يطلب ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيه مسلم، ومن ~~نازع فيه فهو إما كافر أو مخطئ ضال. والمسلمون المستغيثون بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم طالبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم في قضاء مآربهم بدعائه أو ~~وسيلته. وهذا هو اللائق بمنصبه صلى الله عليه وسلم فتبين أن المنازع في هذا ~~كما قال الشيخ: إما كافر أو ضال، فوالله ms107 إن هذه العبارة تكفي ردعا لمن ~~يتعرض للمسلمين في هذه الأمور". # والجواب عن هذا أن يقال: الفرق بين اللائق بمنصبه، وما لا يليق إلا بمقام ~~الربوبية ومرتبة الإلهية موضح في الكتاب والسنة، وهو الأصل المهم، وهو ~~الزبدة المقصودة، فإن المرجع لتفسير كلام الشيخ وعبارته إليه نفسه، فقد فسر ~~ذلك وبينه ووضح اللائق بمنصبه صلى الله عليه وسلم بما مر في حديث أنس، وما ~~مر من رواية أبي داود وغيره، ولكن أنت أيها العراقي أبيت هذا البيان ~~والتفصيل. # وفررت منه كالحمر المستنفرة، وموهت على الجهال بأول العبارة، وتركت ما ~~قبلها وما بعدها، وقد سقنا العبارة برمتها، والواقف عليها يعرف مراد الشيخ ~~وما هو اللائق بالمنصب النبوي، لأنه موضح فيما مر. وإن رجعنا إلى الأصل ~~الأصيل ونظرنا إلى الكتاب والسنة عرفنا ما يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم ~~من الإيمان به والتصديق له، وتعزيره وتوقيره ومحبته وتحكيمه والرضى بحكمه ~~والتسليم له ونصرته والذب عن سنته وجهاد من أشرك به وغلا فيه، وطلب منه ما ~~لا يليق إلا بالحي الحاضر، كالدعاء والاستغفار، وعرفنا أيضا ما هو اللائق ~~برتبة الربوبية وما هو المختص لمستحق الألوهية والعبودية من الحب والذل ~~والتعظيم والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، والخوف والرجاء ونحو ذلك من ~~العبادات المختصة اللائقة بالله، وكل جملة من هذه الجمل قد مرت بك أو يمر ~~دليلها فلا نطيل بتكراره، والشيخ يكفر أو يضلل من نازع فيما يليق بالمنصب ~~النبوي. # وأما من قال: لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، # PageV01P135 # فهذا محق عرف الحق، وما يجب لله وما يليق بعبده ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فهذه العبارة تكفي ردعا لمن يتعرض للموحدين المسلمين لأنها تؤيدهم، ~~وليست ردعا لمن يتعرض لعباد القبور المحرفين الكلم عن مواضعه، والملحدين في ~~آياته، وإن روجوا على الناس بأنهم مسلمون: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا ~~مبدل لكلماته وهو السميع العليم} (الأنعام:115) . # PageV01P136 ### | ### | فصل # # قال العراقي: النقل الخامس، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: صارت النذور ~~المحرمة مأكلا للسدنة والمجاورين ms108 والعاكفين على بعض المشاهد وغيرها، وأولئك ~~الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت، ويقول الآخر: خرج المحاربون فنذرت، وقد ~~قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، بل ~~تجد كثيرا من الناس يقولون: إن المشهد الفلاني والمكان الفلاني يقبل النذر ~~بمعنى أنهم نذروا له نذورا فقضيت حاجتهم إلى أن قال : وما روي أن رجلا جاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن ~~يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، قال: ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو ~~دون النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم حاجة أو غيره من أمته، فتقضى هذا يوقع كثيرا. ولكن عليك ~~أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من أمته لهؤلاء ~~السائلين الملحين لما هم عليه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، ~~كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك" انتهى. # فانظر إلى تسليمه رحمه الله للآثار الواقعة، والأخبار الواردة في هذه ~~الوقائع فإن عام الرمادة الذي يشير إليه الشيخ هو ما رواه البيهقي وابن أبي ~~شيبة بسند صحيح عن مالك الدارمي وكان خازن عمر قال: "أصاب الناس قحط في زمن ~~عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا # PageV01P137 # رسول الله استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المنام، فقال له: ائت عمر، واقرأه السلام، وأخبره أنهم مسقون" إلى ~~آخر الحديث، وسيأتيك في الأدلة، ويسمون تلك السنة: عام الرمادة لكن عند ~~الشيخ باجتهاده لا يستحب، وعند غيره من جماهير الأمة قام الدليل على ~~الاستحباب لهذا الأثر، وحديث الأعمى وغيرهما. ثم إن الشيخ أثبت قضاء ~~الحوائج من أهل القبور كالأنبياء والأولياء من أمته، وأنه واقع كثيرا وأن ~~رحمته للسائلين لئلا يضطرب إيمانهم، فلا ينبغي أن ينسب إلى هذا الشيخ ما هو ~~بريء منه مثل تكفير الناس وتفسيقهم. # ثم قال ms109 العراقي: النقل السابع: قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وكذلك ما ~~حكى لنا أن بعض المجاورين بالمدينة أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاشتهى نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث إليك ذلك، وأعطاه الطعام، وقال: إنه يقول لك: من يكون عندنا ~~لا يشتهي مثل هذا، اخرج من عندنا. وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا ~~لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم؛ فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر ~~لغيره كما حكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل" انتهى. # فاستدل العراقي بها على أن الشيخ يجوز الطلب من المقبورين على أنهم وسائل ~~للمجتهد والمقلد أو الجاهل حسن القصد أنه مغفور له. # ثم قال العراقي: الثامن قال أيضا في اقتضاء الصراط المستقيم: وقد يعمل ~~الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن ~~قصده، ويعفى عنه، لعدم علمه، وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو ~~مجتهدا مخطئا أو مقلدا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير ~~المشروع المقرون بغير المشروع في المجتهد المخطئ، وقد بسطنا هذا في غير هذا ~~الموضع" انتهى. # PageV01P138 # قال العراقي: وذكر الشيخ بعد هذا حكاية العتبي وأنه استغاث بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وقضيت حاجته، فليراجع. # ثم قال: النقل التاسع: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضا: "وقد علمت جماعة ~~ممن سأل المقبورين من الأنبياء والصالحين، فقضيت حاجتهم، وهو لا يخرج عما ~~ذكرته " انتهى. # ثم قال العراقي: النقل العاشر قوله: " ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من ~~أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبور غيره من ~~الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ~~ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه والأمر أجل من ذلك وأعظم، وكذلك ما يروى: ~~أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام ~~الرمادة، فرآه ms110 وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، ومثل ~~هذا يقع كثيرا ممن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف من هذا وقائع. ~~وكذلك سؤال بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجة فإن هذا ~~قد وقع كثيرا وليس هو مما نحن فيه. وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال؛ فإنه هو ~~القائل: "إن أحدهم يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارا. ~~فقالوا: يا رسول الله فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي ~~البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من الحال لو لم يجابوا ~~لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك. فهذا القدر إذا ~~وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا" انتهى. # قال العراقي بعده: فانظر إلى تسمية سؤال أهل القبور ووقوعه وأنهم لو لم ~~يجابوا لاضطرب إيمانهم وأنه كرامة لصاحب القبر. # قلت: قد حرف العراقي كلام الشيخ، والشيخ قصده أن الإجابة قد تكون كرامة ~~لصاحب القبر، وليس المقصود سؤال الميت كما زعم هذا # PageV01P139 # الملحد، بل المسؤول لا يكون كرامة، كما قال الشيخ بعد هذا الموضع في هذا ~~الكتاب بعينه: "ثم من غرور هؤلاء وأشباههم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة ~~من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما يشبه الكرامة، والكرامة في ~~الحقيقة ما نفعت في الآخرة". # ثم قال العراقي: "النقل الحادي عشر في اقتضاء الصراط المستقيم: "ومن هذا ~~أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء أو ببعض الأموات، فيراه يحول بينه ~~وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربا له بسيف وإن كان الحال لا شعور له بذلك. ~~وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من ~~أتباعه له في طاعة الله، فيما يأمره به من طاعة الله أو نحو ذلك، فهذا ~~قريب" انتهى. # قال العراقي بعده: ووجه قربه أنه كرامة، وهو من ms111 فعل الله، والمجوزون لذلك ~~يقولون: إن الله هو الفاعل وذلك المستغاث يكون سببا ووسيلة، ولا ينكر هذا ~~حتى العوام؛ فإنهم لا يقولون إن ذلك المستغاث يفعله بنفسه استقلالا، بل هو ~~من الله تعالى وبأمره وبإذنه. # ثم قال: النقل الثاني عشر: قال في هذا الكتاب: " وكذلك ما يذكر من ~~الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول ~~الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها ~~وعمن يجاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الدفن عند بعضهم ~~وحصول الأنس والسكينة عندها، فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه. وفي قبور ~~الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة ~~والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق. وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو ~~قصد الدعاء والنسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها ~~الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه ~~وليس كذلك". # PageV01P140 # هذا ما نقله العراقي من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم. # وحاصل ما احتج به هذا الجاهل قول الشيخ: "وما روي أن رجلا جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة، وأن مثل هذا يقع كثيرا ~~لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم حاجة أو غيره من أمته فتقضى لهؤلاء السائلين ~~الملحين ولو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم. وكذلك من أتى إلى القبر واشتهى نوعا ~~من الأطعمة، فجاء إليه بعض الهاشميين به، وقال: إنه يقول: من يكون عندنا لا ~~يشتهي مثل ذلك، اخرج من عندنا، وآخرون قضيت حوائجهم لاجتهادهم، وتقليدهم ~~وقصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره. فزعم العراقي أن هذا ~~دليل على جواز الطلب من أصحاب القبور. # وكذلك في دليله الثامن: نقل عن الشيخ: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده ~~صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه"، ~~والنقل التاسع والعاشر ms112 نحو هذا، ونقل قول الشيخ: "وهذا ليس مما نحن فيه" ~~ولم يفهم أن هذا يرد عليه ما نقل، وأن الكلام في التشريع وتقرير المنع ~~والتحريم ليس في الأمور القدرية، والحوادث الكونية، ولم يفقه مراد الشيخ ~~ومقصوده. # وحينئذ فنقول في جوابه: # لا بد من مقدمة نقدمها قبل الجواب؛ ليعلم الواقف على كتابنا ما صنع هؤلاء ~~القبوريون من التحريف والتبديل لدين الله، والكذب على أهل العلم، فنقول: # موضوع هذا الكتاب الذي نقل منه العراقي في بيان النهي عن التشبه بالكفار ~~في أعيادهم وما جاءت به الشريعة من مخالفتهم، ومخالفة الأعاجم والمشركين في ~~هديهم وزيهم وما هم عليه من الأوصاف المقتضية لغضب الله والطرائق الضالة ~~الموجبة لسخط الله ومقته، وبالأخص مسألة الغلو في # PageV01P141 # الأنبياء والصالحين وما يفعله أهل الكتاب من الضلال الواضح المستبين؛ ~~وقرر أدلة ذلك وقواعده، وأصوله ووسائله وذرائعه وذكر من النصوص والآثار ~~والاعتبار ما فيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. # وأما ما نقله العراقي من هذا الكتاب فهي أسئلة وإيرادات أوردها الشيخ ~~بقصد ردها ودفعها والجواب عنها، لئلا يغتر بها الغالون، ويشبه بها ~~المحرفون، فأخذ العراقي تلك الإيرادات وانتزعها من الكلام وترك جوابها ~~وكشفها بما قبلها وبما بعدها، وموه على الجهال والأغمار بأن الشيخ ذكر هذا ~~في كتابه، وهذا من جنس لي الألسن بالكتاب، الذي وصف الله به اليهود في قوله ~~تعالى: {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب} (آل ~~عمران: من الآية78) ، وقد فسر بهذا الجنس، وأن منه إقامة ما يظن أنه حجة في ~~الدين وليس بحجة، بل هذا أبلغ ما فسروا به لي الألسن، فإنه من جنس ما جرى ~~لكثير من الفساق والكفار في أخذ بعض الكلام، أو كلمة فقط في الجملة، ويدعون ~~تمامها وما ارتبط بها، حتى أنشد بعضهم: # دع المساجد للعباد تسكنها ... واذهب بنا إلى حانة الخمار يسقينا # ما قال ربك ويل للأولى سكروا ... بل قال ربك ويل للمصلينا # ولا يتبين لك ما قلناه إلا بسياق كلام الشيخ في ms113 هذا المبحث، فإنه رحمه ~~الله ذكر مشابهة المغضوب عليهم والضالين في أعيادهم الزمانية وقرر ما في ~~ذلك من المفاسد الموجبة للخروج عن الصراط المستقيم، بعد ما مهد جملة من ~~القواعد الكلية العامة والمسائل المفيدة التامة، وقرر وأطال وبحث وأجاد ~~المقال، ثم ذكر فصلا في الأعياد المكانية، ,قسمها كالزمانية إلى ثلاثة ~~أقسام، أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل ~~هو كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع فيه لصلاة أو ~~دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال مبين، ثم إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود ~~والنصار أو غيرهم، صار أقبح وأشنع، وأدخل هذا # PageV01P142 # الباب والباب قبله في مشابهة الكفار، وهذا نوع لا يمكن ضبطه، بخلاف ~~الزماني، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عبادة ~~الأوثان أو هو ذريعة إليها أو نوع من عبادة الأوثان، كانوا يقصدون بقعة ~~بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال. يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله، وكانت ~~الطواغيت الكبار التي يشد إليها الرحال ثلاث: اللات، والعزى، ومناة الثالثة ~~الأخرى، كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال: {أفرأيتم اللات ~~والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى} ~~(لنجم: 19 22) كل واحدة من الثلاثة لمصر من أمصار العرب، والأمصار التي ~~كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف، فكانت ~~اللات لأهل الطائف، وذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا يلت السويق للحاج ~~فلما مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها ~~بيت الربة، وقصتها معروفة لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لهدمها حين ~~افتتحت الطائف بعد مكة سنة تسع من الهجرة. وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا ~~من عرفات هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~خالد بن الوليد عقب فتح مكة فأزالها وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها ~~وخرجت منها شيطانة ناشزة شعرها فيئست ms114 الجزيرة أن تعبد في الجزيرة بعد ذلك، ~~وأما مناة فكانت لأهل المدينة، بهلون لها بالمشلل شركا بالله، وكانت حذو ~~قديد، الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف ~~كانت أحوال المشركين ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له ~~تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأحوال العرب وما ذكره الأزرقي قي أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما ~~كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: ~~"يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر ~~قلتم كما قال موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ثم قال: إنها السنن ~~لتركبن سنن من كان قبلكم" فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم ~~الكفار في اتخاذ شجرة يستظلون بها معلقين عليها سلاحهم، # PageV01P143 # فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد ~~بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد ~~من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، ~~وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله ~~سبحانه، أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادات التي لم ~~يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا ثم ذكر النذر لتلك الأماكن وقرر ~~تحريمه والمنع منه، ولو للمجاورين والسدنة العاكفين، وقرر مشابهتهم للسدنة ~~التي كانت للات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل ~~الله، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان، وسدنة الأبدال التب بالهند ثم قال: ~~فمن هذه الأمكنة عدة أمكنة بدمشق مثل: مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ~~ولا خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق، ~~وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال: إن فيه قبر هود عليه السلام، ~~وما علمت أحدا ms115 ذكر أن هودا النبي مات بدمشق، بل قد قيل: إنه مات باليمن، ~~وقيل: بمكة، فإن مبعثه كان باليمن ومهاجره بعد هلاك قومه إلى مكة وعد جملة ~~من المشاهد المكذوبة بدمشق ومصر والحجاز ثم قال: هذه البقاع التي يعتقد لها ~~خصيصة كائنة ما كانت، فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم ~~يعظمه. فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم ~~الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة عندها وإن كان المصلي لا يقصد ~~تعظيمها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن ~~الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. إلى أن ~~قال : وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيما لما لم ~~يعظمه الله وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدا للخلق عن سبيل الله. ~~وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، واتخاذها عيدا # PageV01P144 # والاجتماع عندها واعتياد قصدها؛ فإن العيد من المعاودة إلى أن قال : ~~وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين ~~يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وقد يحكى من الحكايات ~~التي فيها تأثير مثل: أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى ~~الله حاجته فقضيت حاجته ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام؛ فإن ~~القوم أحيانا كانوا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها، ~~وكذلك يجري لأهل الأبدال من أهل الهند وغيرهم، وربما قيست على ما شرع الله ~~تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله كأنه ~~يمينه. والمساجد التي هي بيوته، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وبمثل ~~هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض. # قلت: فأين العراقي عن هذه العبارة التي فيها أن الاستدلال باستجابة ~~الدعاء وقضاء الحاجة من الشبهات التي حدث الشرك في الأرض بسببها؟. # ثم قال الشيخ: وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه. وقد ms116 ~~يكون سبه مجرد رحمة الله، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون ~~له أسباب أخرى وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب ~~لهم، فيسقون وينصرون ويعافون ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم، وقد ~~قال سبحانه وتعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا} (الاسراء:20) ، وقال تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال ~~من الجن فزادوهم رهقا} (الجن:6) ، وأسباب المقدورات فيها أمور يطول ~~تعدادها. ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به ~~المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ثم قال: # PageV01P145 ### | ### | فصل # : # النوع الثاني من الأمكنة: ماله خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا ~~الصلاة ونحوها من العبادات عنده؛ فمن هذه: قبور الأنبياء والصالحين وقد جاء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف النهي عن اتخاذها عيدا، عموما وخصوصا ~~بين معنى العيد ثم ساق حديث أبي هريرة في النهي عن اتخاذ قبره صلى الله ~~عليه وسلم عيدا، وصحح الحديث، وجزم بأن كل جملة منه رويت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأسانيد معروفة، وساق طرفا من ذلك وقرر وأفاد، ثم ذكر استحباب ~~زيارة القبور الشرعية، وساق الأحاديث في ذلك، وذكر حرمة قبر المسلم، ثم ذكر ~~مسألة السفر لقبور الأنبياء والصالحين هل هو جائز يباح فيه قصر الصلاة أو ~~هو معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة؟ وذكر في المسألة قولين لأهل العلم ورجح ~~المنع، لحديث: "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد" ثم ذكر الصلاة عند القبور ~~مطلقا، وبناء المساجد عليها، وساق الأحاديث والنصوص المانعة من ذلك، وما ~~فيها من التغليظ، وذكر ذلك عن عامة علماء الطوائف، وذكر الأحاديث التي فيها ~~لعن من فعله من أهل الكتابين، ثم قال : فهذه المساجد المبنية على قبور ~~الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما ~~لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين ثم ذكر العلة في تحريم الصلاة عند ~~القبور، وإنذها ذريعة إلى تعظيم ms117 من فيها بالعبادة، وإنها مظنة لاتخاذها ~~أوثانا، كما قال الشافعي رحمه الله: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره ~~مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى # PageV01P146 # من بعده من الناس"، وذكر هذا عن أبي بكر الأثرم وغيره من أصحاب أحمد ~~وسائر العلماء، ثم رد تعليل بعضهم النهي عن اتخاذ القبور مساجد بالنجاسة أو ~~مظنتها، ورده بوجوه منها: أن قبور الأنبياء أطهر البقاع، وقد لعن من اتخذها ~~مساجد، وتواتر الحديث بذلك، وبوجوه غير هذا ذكرها وقررها. وذكر أن سبب ~~عبادة اللات تعظيم قبره، وكذلك ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء قوم صالحين ~~بين آدم ونوح عليهما السلام، وصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. قال: وهذه العلة ~~التي لأجلها نهى الشارع، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك ~~الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين ~~وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فإن يشرك بقبر الرجل الذي ~~يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد ~~أقواما كثيرين يضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في ~~المسجد بل ولا في السحر. ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة ~~عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال، فهذه ~~المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة ~~البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك، كما نهى عن ~~الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي يقصد المشركون ~~بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ذلك سدا ~~للذريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين متبركا ~~بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه ~~وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه ~~بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ms118 من أن الصلاة عند القبر أي قبر ~~كان لا فضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا بل مزية شر. ~~واعلم أن تلك البقعة وإن كانت تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل ~~لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه # PageV01P147 # والجافي عنه، فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم، ~~واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا ~~فيهم غلو النصارى ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود؛ ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد ~~الله ورسوله". إلى أن قال: وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم ~~ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعة سننهم ~~ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن ~~عامة من يشرك بهم شركا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم بقدر ما ~~ابتدعه من الإشراك بهم ثم ذكر نزاع الفقهاء في الصلاة في المقبرة، هل هي ~~محرمة أو مكروهة؟ ورجح التحريم للنصوص الدالة، ثم ذكر الدعاء عندها وقرر ~~المنع ثم قال: وما يرويه بعض الناس من أنه قال: "إذا تحيرتم في الأمور ~~فاستعينوا بأهل القبور" ونحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء. ~~والذي يبين ذلك أمور: أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأجلها ثم بسط الكلام في هذه المسألة، واحتج واستدل. # ثم أورد سؤالا يورده من يتبرك بالدعاء عند القبور، ويرى فضله: "فإن قيل: ~~قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، ويروى عن معروف أنه ~~أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره أحمد ~~أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى عند قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده ~~وأظنه ذكر ذلك المروزي، ونقل عن جماعات بأنهم دعوا عند قبور جماعات من ~~الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم الدعاء. وعلى هذا ms119 عمل ~~كثير من الناس، وقد ذكر العلماء في مناسك الحج إذا زار قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ~~ودعا استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنه ~~بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها فجازت القراءة. فقد رأى بعضهم ~~منامات في الدعاء عند قبر بعض # PageV01P148 # الأشياخ، وجرب أقوام استجابة الدعاء عند قبور معروفة كقبر الشيخ أبي ~~الفرج الشيرازي المقدسي وغيره، وقد أدركنا في أزمامنا وما قاربها من ذوي ~~الفضل علما وعملا من كان يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها، وفيهم من كان ~~بارعا في العلم وفيهم من له كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا ~~السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين؛ لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون". # ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله: "قلنا الذي ذكرنا كراهته لا ينقل في ~~استحبابه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليها حيث قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم" مع شدة المقتضى فيهم لذلك لو كان فيه فضيلة. فعدم أمرهم وفعلهم ~~لذلك مع قوة المقتضى لو كان فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه. وأما من ~~بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت فصار كثير من العلماء إلى فعل ذلك ~~وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد اجتمعت الأمة على ~~استحسان ذلك لوجهين: # أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره قديما وحديثا. # الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله ~~المتقدمون ولم يفعلوه. فإن هذا من باب تناقض الاجماعات وهي لا تتناقض. وإذا ~~اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب أوالسنة وإجماع المتقدمين نصا ~~واستنباطا. فكيف والحمد لله لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع؟ بل ~~المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه، مثل ما حكى ms120 بعضهم عن الشافعي ~~رحمه الله أنه قال: "إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة الله ~~فأجاب" أو كلاما هذا معناه، وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له أدنى ~~معرفة بالنقل؛ فإن الشافعي لما قدم ببغداد لم يكن ببغداد لأبي حنيفة ولا ~~غيره قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا معروفا على عهد ~~االشافعي، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والعراق والشام # PageV01P149 # ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند ~~المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء ~~إلا عند قبر أبي حنيفة؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ~~ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي ~~حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم ~~قبور الصالحين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ~~ودينه. # وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا ~~بالطريق التي روي بها مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن ~~الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت فكيف بالمنقول عن غيره؟ ومنها ما قد ~~يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة ~~على وجه لا محذور فيه. فحرف النقل عنه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة التي ~~يفعلونها من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها، ثم سائر هذه الحجج دائرة ~~بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجور استحباب العبادات بمثله، ~~مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرعها وتركه مع قيام المقتضي ~~للفعل بمنزلة فعله، وإنه لا يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من ~~غير نقل عن الأنبياء إلا النصارى وأمثالهم. وإنما المتبع في إثبات أحكام ~~الله عز وجل ms121 كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسبيل السابقين ~~الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا ~~بحال. # والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل: # أما المجمل فالنقض فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من ~~هذا النمط كثير بل المشركون الذين بعث إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا ~~وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة. فإن كان هذا وحده دليلا على أن ~~الله تعالى # PageV01P150 # يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيرا من ~~هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد اتخذ وثنا وأحسن الظن به ~~وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره ~~فمن المحال إصابتهم جميعا وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، ~~والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد. فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم ~~فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا ~~فيما يثبتونه دون ما ينفونه بضعف التأثير على زعمهم. فإن الواحد إذا أحسن ~~الظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثيره مثل تأثير الحسن الظن بواحد دون ~~آخر، وهذا كله من خصائص الأوثان، ثم قد استجيب لبلعام بن باعوراء في قوم ~~موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون ~~فينصرون. # وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبهة على أصلين منقول، وهو ما يحكى ~~من فعل هذا الدعاء عن بعض الأعيان. ومعقول وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب ~~والأقيسة. # فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط أوليس بحجة، بل قد ذكرنا من النقل عمن ~~يقتدى به بخلاف ذلك. # وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب؛ فإن هؤلاء الذين ~~يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر يدعو الرجل ~~منهم ما شاء الله من دعوة فيستجاب له في واحدة ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب ~~للواحد بعد الواحد ms122 وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات الأسحار، ~~ويدعون الله عز وجل في سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ~~ابتهلوا من جنس ابتهال المقابريين لم يكد يسقط لهم دعوة إلا لمانع، بل ~~الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون إذا فعله المخلصون لم يرد دعاء ~~المخلصين إلا نادرا، ولم يستجب للمقابريين إلا نادرا والمخلصون # PageV01P151 # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها ~~إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له ~~دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا ~~رسول الله إذا نكثر؟ قال: الله أكثر". فهم في دعائهم لا يزالون بخير. وأما ~~القبوريون فإنهم إذا استجيب لهم نادرا فإن أحدهم يضعف توحيده ويقل نصيبه من ~~ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق طعم الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون ~~الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له في حاجته اللهم إلا أن يعفو الله عنهم ~~لعدم علمهم بأن ذلك بدعة؛ فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله عز وجل على ~~اجتهاده وغفر له خطأه، وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي ~~محرمة في الشرع كالتمريخات الفلكية والتوجهات النفسانية كالعين أو الدعاء ~~المحرم والرقي المحرمة والتمريخات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من ~~منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب. فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا ~~أمور دنيوية فقل أن يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في ~~الدنيا عاقبة خبيثة دع الآخرة. والمخفق من هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ~~ثم إن فيها من النكد والضرر ما الله به عليم، فهي في نفسها مضرة لا يكاد ~~يحصل الغرض بها إلا نادرا، وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه، والأسباب المشروعة ~~في حصول هذه المطالب المباحة والمستحبة سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة ~~أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه ms123 ~~المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن ~~إمام المتقين صلى الله عليه وسلم كالصدقة وفعل المعروف يحصل بها الخير ~~المحض أو الغالب وما يحصل من ضرر بفعل مشروع أو ترك غير مشروع مما نهى عنه ~~فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة. وهذا الأمر كما أنه قد دل ~~عليه الكتاب والسنة والإجماع فهو أيضا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة ~~الصحيحة، فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة ويجلبان كل خير ~~ويدفعان كل شر، فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك # PageV01P152 # الأسباب المحرمة لا خير محض ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم ~~وعقل يتيقن ذلك يقينا لا شك فيه. # وإذا ثبت ذلك فليس علينا من سبب التأثير أحيانا فإن الأسباب التي يخلق ~~الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما ~~أعيانها فيلا ريب، وكذلك أنواعها أيضا لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ~~سبحانه وتعالى؛ ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم ~~يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم ~~بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل ~~الفائدة أو موجب للضرر، ومثل النبي صلى الله عليه وسلم مثل طبيب دخل على ~~مريض فرأى مرضه فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا ففعل ذلك. فحصل غرضه ~~من الشفاء. والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ~~ما أوجبه ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام، ~~والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ~~ودينه؛ بحيث يختطف عقله، فيتألهه إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له ~~الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا ~~منفعة فيه أو أنه وإن أثر فضرره أكبر من نفعه. # ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل ms124 منهم قد ~~يكون مضطرا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه إلى ~~الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا، ولو كان قد استجيب له على يد ~~المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في ~~النار إذا لم يعف الله عنه فيوفقه لتوبة نصوح، كما لو طلب من الله عز وجل ~~ما يكون فتنة له كما أن ثعلبة لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ~~بكثرة المال ونهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته ~~حتى دعا له وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الرجل # PageV01P153 # ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا. قالوا: يا رسول ~~الله، فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". فكم من ~~عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء وكانت سبب هلاكه في ~~الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأله ما لا يصح له مسألته كما فعل بلعام بن ~~باعورا وثعلبة وخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم. وتارة ~~بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين} (لأعراف:55) فهو سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين ~~في صفة الدعاء ولا في المسؤال، ولكن حاجتهم قد تقضى كأقوام ناجوا الله ~~تعالى في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده، وأعطوا ~~طلبتهم فتنة ولما يشاء الله سبحانه وتعالى بل أشد من ذلك ألست ترى السحر ~~والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله ~~بها كثير من أغراض النفوس الخبيثة، ومع هذا فقد قال سبحانه وتعالى: {ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو ~~كانوا يعلمون، ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون} (البقرة: 102 103) فإنهم ms125 معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة وأن صاحبه ~~خاسر في الآخرة وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تبارك تعالى: ~~{ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} (البقرة: من الآية102) . كذلك أنواع من ~~الداعين السائلين قد يدعون دعاء محرما يحصل معه ذلك الغرض، ويورثهم ضررا ~~أعظم منه. وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا، ثم هذا التحريم ~~والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه بتقصيره في طلب ~~العلم أو ترك الحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون فيه مجتهدا أو ~~مقلدا كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال المعذور فيها. وغيره ~~قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته، وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله ~~عز وجل به، أو نحو ذلك من الأسباب. # فالحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية قد تغفر # PageV01P154 # تلك الكراهة بمنزلة سائر أنواع العبادات، وقد علم أن العبادات المشتملة ~~على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته ~~أو غير ذلك، ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه وإن كان هذا ~~الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه، ومن هنا يغلط كثير من الناس ~~فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا ~~لتلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط ~~لما ذكرناه خصوصا إذا كان العمل إنما كان أثره لصدق قام بقلب فاعله حين ~~الفعل ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضربون به؛ لأنه ليس العمل مشروعا ~~فيكون لهم ثواب المتبعين، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل لفعله بصدق الطلب ~~وصحة القصد يكفر عن الفاعل. # ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع فإن ~~تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا ~~في سماعه إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع ~~حضور صورة السماع حضور ms126 أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين من الصدق ~~والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم فيهلكون بذلك، وكما يحكى عن بعض الشيوخ ~~أنه رؤي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: ~~يا شيخ السوء أنت الذي كنت تتمثل في بسعدي ولبني، لولا أعلم أنك صادق ~~لعذبتك (1) . # فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها فكثيرا ما ~~يكون من هذا الباب؛ ولهذا كان الأئمة العلماء بشريعة الله يكرهون ~~PageV01P155 # هذا من أصحابهم، وإن وجد أصحابهم أثره كما يحكى عن سمنون المحب، قال: ~~"وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، فجئت إلى دجلة فقلت: وعزتك لا أذهب حتى ~~يخرج لي حوت، وخرج حوت عظيم" أو كما قال فبلغ ذلك الجنيد فقال: "كنت أحب أن ~~تخرج إليه حية فتقتله"، وكذلك حكي لنا: "أن بعض المجاورين بالمدينة المنورة ~~جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة فجاء ~~بعض الهاشميين إليه فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لك ذلك، وقال لك: ~~اخرج من عندنا فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا"، وآخرون قضيت حوائجهم ~~ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم في العلم فإنه يغفر ~~للجاهل مالا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني ~~إسرائيل؛ وهكذا عامة ما يحكى من هذا الباب إنما هو من قاصري المعرفة، ولو ~~كان هذا شرعا أو دينا لكان أهل المعرفة أولى به. # ثم قال: وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين من الأنبياء ~~والصالحين فقضيت حاجته وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع فيتبع ولا ~~سنة، وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذا من الأمور ~~المحدثات فلا يستحب وإن شملت أحيانا على فوائد؛ لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة ~~على فوائدها. # ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة ms127 بالأدعية المكروهة إما من جهة ~~المطلوب وإما من جهة نفس الطلب. # وتكلم على الأول، ومثل له بأمثلة، ثم قال: "وأما التحريم من جهة الطلب ~~فيكون تارة دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب ~~وعبادتها، ونحو ذلك. فإنه قد يقضى عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه ~~معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم وغير ذلك؛ ولهذا تنفذ هذه الأمور في ~~أزمان فترة من الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق مالا تنفذ في دار # PageV01P156 # الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد ~~تنزل بهم فيفرج عنهم، وربما عاينوا أمورا. وذلك الحي المستغاث به لم يشعر ~~بذلك، ولا علم له به ألبتة وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذائهم ~~فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ~~ضاربا له بسيف وإن كان الحائل لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله ~~سبحانه وتعالى؛ بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة ~~فيما يأمره من طاعة الله عز وجل ونحو ذلك فهذا قريب. # وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من هذا الجنس المحرم محنة من الله عز وجل ~~بما يفعله الشياطين لأعوانهم فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقنا ~~أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك؟ أو أن له فيه ~~فعلا؟ وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان ذلك السبب محرما لم ~~يجز كالأمراض التي يحدثها الله عز وجل عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء ~~المحرم في نفسه دعاء لغير الله أن يدعو الله، كما تقول النصارى: يا والدة ~~الإله اشفعي لنا إلى الإله، وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب ~~أن يتوسل به إليه، كما يفعل المشركون الذين يتوسلون إلى الله عز وجل ~~بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله عز وجل بكلمات لا تصلح أن يناجي بها الله عز ~~وجل ويدعي بها، لما في ذلك ms128 من الاعتداء. # فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه لكنها محرمة ~~لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها كما تقدم؛ ولهذا كانت هذه فتنة ~~في حق من لم يهده الله عز وجل وينور قلبه، ويفرق بين أمر التكوين وأمر ~~التشريع، ويفرق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة: # أمور قدرها الله عز وجل، وهو لا يحبها ولا يرضاها فإن الأسباب المحصلة ~~بهذه الأمور تكون محرمة موجبة لعقابه. # وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، ولكن لم يعنه على حصولها، فهذه ~~محمودة عنده مرضية وإن لم توجد. # والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه، فالأول: إعانة، والثاني: ~~عبادة، والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة كما قال # PageV01P157 # تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، فما كان من الدعاء غير المباح ذا أثر ~~فهو من باب الإعانة لا العبادة كدعاء سائر الكفار والمنافقين والفساق؛ ~~ولهذا قال تعالى في مريم: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} (التحريم: من الآية12) ~~، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم: "يستعيذ بكلمات الله التامات التي ~~لا يجاوزهن بر ولا فاجر" ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركا كدعاء ~~غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو الله ونحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث ~~حصول الغرض إلا في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند ~~القحوط، وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك كما قال تعالى: {قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} ~~(الأنعام: 40 41) ، وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الأنسان كفورا} (الاسراء:67) ، وقال ~~تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} ~~(النمل: من الآية62) ، وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة ms129 أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} ~~(الاسراء:56 57) ، وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا ~~لا يملكون شيئا ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعا} (الزمر:43 44) . # فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب الدعاء فيها إلا هو سبحانه، دل على ~~توحيده وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضا من الإجابات ~~إنما فعلها هو سبحانه وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو ~~مباحة، كما أن خلقه السموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام ~~العظيمة دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء وأن ما دون هذا بأن يكون خلقا ~~له أولى إذ هو منفعل عن الأسباب التي هي مخلوقاته العظيمة. فخالق السبب ~~التام خالق للمسبب لا محالة وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته ~~بأن يجعل لغيره معه # PageV01P158 # تدبير إما كما قال سبحانه وتعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} (سبأ:22) ، فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة استقلالا ولا ~~يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه. ومن لم يكن مالكا ولا شريكا ~~ولا عونا فقد انقطعت علاقته. # وشرك الألوهية بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} فكما أن إثبات المخلوقات أسبابا لا يقدح في توحيد ~~الربوبية ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى مخلوق دعاء ~~عبادة أو دعاء استعانة. كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره ~~أسبابا لا تقدح في توحيد الألوهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق ~~الدين الخالص، ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذ كان ~~الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته ~~إذ قد جعل الخير كله في: "أنا لا نعبد إلا إياه ولا ms130 نستعين إلا إياه"، ~~وعامة آيات القرآن لتثبيت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون ~~إذنه كقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة: من الآية255) ~~وكقوله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع} (الأنعام: من الآية51) وقوله تعالى: {وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع} (الأنعام: من الآية70) وقوله ~~تعالى {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} الآية (الأنعام: من ~~الآية71) وقوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} (الأنعام:94) وسورة الأنعام سورة ~~عظيمة مشتملة على أصول الإيمان، وكذلك قوله تعالى: {ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع} (السجدة: من الآية4) وقوله سبحانه: {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: من ~~الآية3) وقوله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا # PageV01P159 # يملكون شيئا ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعا} (الزمر:43 44) ، وسورة ~~الزمر أصل عظيم في هذا ومن هذا قوله سبحانه وتعالى: {ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ~~ينفعه ذلك هو الضلال البعيد، يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس ~~العشير} (الحج:11 13) وكذلك قوله: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} ~~(العنكبوت:41) ، والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو ~~أصل الأصول. # وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء مع كونه قد يؤثر إذا قدر أن ~~هذا الدعاء كان سببا أو جزءا من السبب ms131 في حصول طلبته، والناس قد اختلفوا في ~~دعاء المستغيث المستعتب لقضاء الحاجات: فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ~~ومتصوفة أنه لا فائدة فيه أصلا؛ فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية إما ~~أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب، وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء أو لا تكون ~~اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء. وقال قوم ممن يتكلم في العلم: بل الدعاء ~~علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل ~~بالمدلول، لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق. # والصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره، ~~كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وسواء سمي سببا أو جزءا من السبب أو شرطا ~~فالمقصود هنا واحد. # وإذا أراد الله بعبده خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ~~ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما قال عمر رضي الله عنه: "إني لا أحمل هم ~~الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه". كما أن ~~الله عز وجل إذا أراد أن يشبع عبدا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا ~~أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب # PageV01P160 # عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة. والمشيئة ~~الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول ~~الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم. فمبدأ الأمور ~~من الله عز وجل وتمامها على الله، لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب أو ~~في ملكوت الرب، بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وجاعل دعاء عبده سببا ~~لما يريده سبحانه وتعالى من القضاء، كما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله ~~شيئا؟ قال: هي من قدر الله عز وجل"، وعنه صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء ~~والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض". # فهذا في الدعاء الذي يكون سببا في حصول المطلوب، وأعلى من هذا ما جاء في ~~الكتاب والسنة ms132 من رضى الله عز وجل وفرحه وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحين، ~~وما جاءت به النصوص؛ وكذا غضبه ومقته، وقد بسطنا الكلام في هذا الباب وما ~~للناس فيه من المقالات والاضطراب في موضع آخر. فما فرض من الأدعية المنهي ~~عنها سببا فقد تقدم الكلام عليه، فأما غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة ~~فلا تكون هي السبب في حصول المطلوب ولا جزءا منه، ولا يعلم ذلك بل لا يتوهم ~~وهما كاذبا كالنذر، فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه: "نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من ~~البخيل" وأطال الكلام في النذر، ومنع كونه سببا، ثم قال : بل إذا كان ~~المبطلون يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص نذر المعصية، مع أن جنس النذر لا ~~أصل له في ذلك لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان ~~لا خصوص له في الشرع؛ لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف ~~جنس النذر فإنه لا يؤثر ثم تكلم على منع كون الدعاء المبتدع سببا، وأنه لا ~~دليل عليه إلا الاقتران # PageV01P161 # أحينا، وقرر أن هذا لا يدل؛ لأن التراخي والانتقاض مانع من الاستدلال، ~~وأن مجرد الاقتران أحيانا ليس دليلا باتفاق العقلاء إذا كان هناك سبب آخر، ~~ثم تكلم في الأسباب، وقسم الناس فيها ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالين، ~~ومهتدين. ثم تكلم على الكرامات وقرر أنها فعل الله، وذكر شيئا من الحكمة ثم ~~قال: "وأما العلم بعلية السبب فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في ~~الأمور الطبيعية، منها الاضطرار وتكلم على الأدعية الشرعية والاستجابة بها، ~~وخرق العادة للداعي . # ثم قال: "وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة فعامته إنما تجد اعتقاده عند ~~أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل ~~من الاطراد، وإنما تنفق في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين، أو ذوي ~~الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل. # وبالجملة فالعلم بأن هذا ms133 كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب في هذا ~~الأمر الحادث قد يعلم كثيرا، وقد يتوهم كثيرا وهما ليس له مستند صحيح إلا ~~ضعف العقل، ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطلوب مما حرمته الشريعة: ~~من دعاء أو غيره لا بد فيه من أحد أمرين: إما أن لا يكون سببا صحيحا، كدعاء ~~ما لا يسمع وما لا يبصر ولا يغني عنك شيئا، وإما أن يكون ضرره أكثر من ~~نفعه، فأما ما كان سببا صحيحا منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه في الشرع ~~بحال، وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه ~~من باب المنهي عنه. # وأما ما ذكر في المناسك أنه بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ~~والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة ويجعل ~~الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ثم ~~يدعو لنفسه، وذكروا أنه إذا حياه وصلى وسلم يستقبل قبلة وجهه بأبي هو وأمي. # PageV01P162 # صلى الله عليه وسلم فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ~~ودعا، وهذا مراعاة منه لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا، فليؤمر به ~~كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء ~~إلى القبر للدعاء عنده. وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا: يدنو من القبر فيسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا ~~يوليه ظهره وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره. فأما إذا جعل الحجرة عن ~~يساره فقد زال المحذور، وصار في الروضة أو أمامها؛ ولعل هذا الذي ذكره ~~الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر فإن ذلك قد ثبت فيه النهي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما تقدم. # فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا وقبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما ~~لا يصلي إليه. قال مالك في المبسوط: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ms134 صلى الله ~~عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضى"؛ ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما ~~بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل مسطحا. # وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، فروى ابن بطة بإسناد معروف عن ~~هشام بن عروة حدثني أبي قال: "كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد ~~العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، قال: ~~ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ساق عمر رضي الله ~~عنه وركبته، فسرى عن عمر بن عبد العزيز". # وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي ~~إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهى عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيره فإنه ينهى ~~أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال ~~الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في الشرق أو غيره. وهذا ضلال ~~بين وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض ~~الصالحين، ويستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكل هذه الأشياء من البدع التي تضاهي دين النصارى. ومما يبين لك ذلك: ~~أن نفس السلام على النبي صلى الله عليه وسلم قد راعوا فيه السنة حتى لا ~~يخرج # PageV01P163 # إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملا بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا"، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني ~~كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"، فكان ~~بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب، حتى قيل له: إن ~~ابن عمر كان يفعل ذلك. # ولهذا كره مالك رحمه الله وغيره من أهل العلم من أهل المدينة كلما دخل ~~أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه قال: ~~"وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من ms135 سفر أو أراد سفرا" ونحو ذلك. ورخص بعضهم ~~في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائما في الصلاة ~~والسلام فما علمت أحدا رخص فيه؛ لأن ذلك من اتخاذه عيدا، مع أنا قد شرع لنا ~~إذا دخلنا المسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، ~~كما نقول ذلك في آخر صلاتنا، بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانا ليس فيه أحد ~~أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من ~~كل موضع. # فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر ~~عيدا. وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجيئون إلى كل يوم خمس مرات يصلون ولم يكونوا ~~يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم ما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد ~~والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذا في حياته. # والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد ~~الرحمن بن زيد حدثني أبي عن ابن عمر: "أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسلم وصلى عليه ثم قال: السلام عليك يا أبا بكر، ~~السلام عليك يا أبتاه". وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف لكن الحديث ~~المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا ~~غالبا. # وما أحسن ما قال مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ولكن ~~كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه ~~من # PageV01P164 # البدع والشرك وغيره؛ ولهذا كره الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء ~~منعوا الناس أن يصلوا إليه، فكانت حجرة عائشة رضي الله عنها التي دفنوه ~~فيها ملاصقة لمسجده ومنفصلة عن المسجد. وكان ms136 ما بين منبره وبيته هو الروضة، ~~ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد ~~زيادات غيرت الحجرة عن حالها هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه ~~وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك. وكان عمر بن عبد العزيز عامله على ~~المدينة فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل العلم ~~من كره ذلك كسعيد بن المسيب ومنهم من لم يكرهه، قال أبو بكر الأثرم: "قلت ~~لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح ~~به؟ فقال: ما أعرف هذا. فقلت له: في المنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم قد جاء ~~فيه، قال أبو عبد الله: شيء يرويه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن ~~عمر أنه مسح على المنبر، ويرويه عن سعيد ابن المسيب في الرمانة. قلت: ويروى ~~عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا ~~فرأيته استحسنه، ثم قال لعله عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم ~~يلصقون بطونهم بجدار القبر؟ وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا ~~يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر ~~يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم" وقد رخص أحمد ~~وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويده ولم يرخص في التمسح بقبره. وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح ~~قبره؛ لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين ~~الموضعين ظاهر. وكره مالك رحمه الله التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح ~~بالقبر. # وأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة ~~صغيرة فقد زال ما رخص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو ~~التمسح بمقعده. فروى الأثرم بإسناده عن القعنبي عن مالك عن عبد الله بن ~~دينار قال: ms137 "رأيت ابن عمر يقف على قبر # PageV01P165 # النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما. # الوجه الثالث: في كراهة قصدها بالدعاء، أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك ~~متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا" كما ذكرنا ~~عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من التابعين ~~وأعلم بهذا الشأن من غيرهما؛ لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ومكانا، وقد ~~ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ~~ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف ويستقبل القبلة، وكذلك أنكر ذلك غير واحد من ~~العلماء المتقدمين كمالك وغيره ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي ~~الفرج بن الجوزي، وما أحفظ لا عن صحاب ولا عن تابع ولا عن إمام معروف أنه ~~استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين. # وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد ~~منهم في فضل الدعاء شيء من القبور حرفا واحدا فيما أعلم ، فكيف يجوز ~~والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل؟ والسلف تنكره ولا تعرفه ~~وتنهى عنه ولا تأمر به؟!. # نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس: فلان ترجى ~~الإجابة عند قبره وفلان يدعى عنده، ونحو ذلك، والإنكار على فعل ذلك أو قاله ~~كائنا من كان فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه المسألة أو معذورا ~~يعفو الله عنه، أما كون هذا الذي قال يقتضي استحباب ذلك فلا، بل قد يقال: ~~هذا من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ~~ينذر له ويعينون عينا أو بئرا أو شجرة أو مغارة أو حجرا أو غير ذلك من ~~الأوثان، فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة ms138 في الدين كذلك الأول، ولم يبلغني ~~إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك إلا ما روى ابن أبي # PageV01P166 # الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال ~~أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة". قال ابن ~~أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول: "من أحب أن يقوم ~~وجاه النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس ~~القبر على رأسه". قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: "بلغنا أنه ~~من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: {إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي} (الأحزاب: من الآية56) ، فقال: "صلى الله عليك ~~يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليه يا فلان ولم تسقط ~~له حاجة". # فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ~~ولا حجة فيه لوجوه: # أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغه ~~عمن لا يعرف ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا، وابن أبي فديك متأخر في حدود ~~المائة الثانية ليس هو من التابعين ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال: قد ~~كان هذا معروفا في القرون الثلاثة. # ثم تكلم الشيخ على رد الاستدلال به، وأطال الكلام ثم ذكر كلام ربيعة من ~~رواية محمد بن الحسن بن زبالة، وهو مضعف عند أهل الحديث، ثم منع الاستدلال ~~به، وتكلم بكلام حسن، وذكر أنه روى عن أنس ما يخالف روايته عن ربيعة، ثم ~~ذكر حديث عطاء بن يسار الذي في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد" فهذه الآثار إذا ضمت إلى ما قدمناه من الآثار علم كيف كان ~~حال ms139 السلف في هذا الباب وإن ما عليه كثير من الخلف مما حدث كان من المنكرات ~~عندهم. # ولا يدخل في هذا الباب ما يروى: أن قوما سمعوا رد السلام من قبر # PageV01P167 # النبي صلى الله عليه وسلم أو قبور غيره، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع ~~الأذان من القبر ليالي الحرة، ونحو ذلك؛ فهذا كله حق ليس مما نحن فيه. ~~والأمر أجل من ذلك وأعظم. وكذلك أيضا ما يروى: "أن رجلا جاء إلى قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه في النوم وهو يأمره ~~أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج ويستسقي بالناس" فإن هذا ليس من هذا الباب، ~~ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف من هذا ~~وقائع. # وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجته فتقضى ~~لهم؛ فإن هذا قد وقع كثيرا وليس هو مما نحن فيه. # وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره لهؤلاء السائلين ~~ليس مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل صلى الله عليه وسلم: "إن ~~أحدكم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا، فقالوا: يا ~~رسول الله فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". ~~وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب ~~إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر ~~بالخروج من المدينة. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر. أما أنه ~~يدل على حسن حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا. فإن الخلق لم ينهوا عن ~~الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من ~~الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها فلولا أنه قد يحصل عند القبور ~~ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك، وكذلك ما يذكر من الكرامات ~~وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل: نزول الأنوار ~~والملائكة عندها وتوقي ms140 الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن ~~جاءها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم ~~وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهان بها؛ فجنس هذا حق ليس ~~مما نحن فيه. وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله عز وجل ورحمته ~~وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق (1) ، لكن ~~ليس هذا موضع تفصيل ذلك. PageV01P168 # وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد ~~العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور ~~لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمنا وليس كذلك. # ثم أطال الكلام في مسألة تحري الدعاء عند القبور والغرض هنا بيان وجه ~~سياقه وإيراده لما نقله العراقي. # فأما نقله الأول عن هذا الكتاب فإنه أسقط منه قول الشيخ: "فإن هذا ليس من ~~هذا الباب" فترك هذه الجملة التي فيها إخراج هذا ونحوه عن باب الاحتجاج به، ~~على فضل الدعاء واستجابته عند القبور، ولذلك قال: "مثل ذلك يقع كثيرا لمن ~~هو دون النبي صلى الله عليه وسلم يعني فلا يحتج به". وقد قدم الشيخ قبل هذا ~~أن استجابة الدعاء قد تقع عند الأوثان وفي الكنائس. وتكلم في تعدد أسباب ~~ذلك وأسباب الكائنات. # وقول الشيخ: "وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم حاجة أو غيره من ~~الله، فتقضى ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ~~من أمته لهؤلاء السائلين الملحين" إلى آخر العبارة، ليس فيه ما زعمه ~~العراقي من استحباب دعائها والاستغاثة بأربابها، والسياق في منع دعاء الله ~~عندها فكيف بدعائها. ولذلك قال الشيخ: "فإن ذلك ليس من هذا الباب" ولا قال ~~أحد ممن يعتد به هذا القول الذي زعمه هذا المفتري إلا عباد القبور وأمثالهم ~~من أهل الجهالة بدين الله، ولم يثبت الشيخ قضاء الحوائج من أهل القبور كما ~~زعمه هذا الملحد؛ فإن إضافة الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لا ~~تقتضي الفاعلية، وأنه ms141 هو الذي أجاب دعاءهم وأعطاهم. والإضافة تقع ولو لأدنى ~~ملابسة، كيف وقد قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} (النمل: من ~~الآية62) وليس هذا من جنس الأسباب العادية بل هو من خوارق العادات، وقد مر ~~أن الله هو الفاعل لذلك، PageV01P169 # وأنه تعالى يخرق العادة لأسباب متعددة ومصالح متنوعة، وقد تقدم قوله: ~~وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة، فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل ~~الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد. ~~وإنما تنفق في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين ~~أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل فعمي العراقي عن ~~هذا كله، وانتزع هذا الكلام المسوق لرده وبطلان الاستدلال به، وجعله دليلا. # وقول العراقي: إن الشيخ أثبت لهم الإيمان، ولم بخرجهم بذلك عن الإسلام ~~ولم يؤثمهم، فهذا جهل منه بمسمى الإيمان، فإن المراد ما معهم من الإيمان ~~بالرسالة ونحوها. لا أن هذا ليس بشرك وأن الإيمان لم ينقض بذلك، ولم ~~يؤثمهم، هذا الكلام يرده قوله: "وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو القائل: "إن أحدهم ~~يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارا" الحديث، وأما تكفيرهم ~~بمثل هذا فلم يقل به أحد قبل قيام الحجة، وقد نقدم كلام الشيخ محمد في ذلك. ~~وأما بعد قيام الحجة فيختلف الحكم ويجري موجبها ويعمل بمقتضاها. والعراقي ~~جاهل مدلس، وقد عمي عن نحو مائة عبارة أو أكثر في هذا الكتاب بعينه، ترد ~~مفهمومه من أن المجيب هو المدعو من دون الله. # وكذلك استدل له في نقله الثاني بما حكى أن بعض المجاورين بالمدينة أتى ~~إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاشتهى نوعا من الأطعمة إلى آخر الحكاية. ~~فليس في هذا ما يستدل به على دعائه صلى الله عليه وسلم أصلا، وكونه أعطى ما ~~يطلب لا يدل على دعائه غير الله والاستغاثة بسواه، فإن هذا جهل عظيم بأسباب ~~الكائنات وموجباتها، كما مر عن الشيخ، ms142 وقد علم أن هذا ليس من أدلة الجواز ~~والاستحباب وقد تقدم كلام الشيخ في أنه قد يستجاب لمن سأل المسيح وغيره حتى ~~الأوثان، واطراد الدليل كفر متناقض. وإذا كان يطرد فالاستدلال به باطل لأن ~~الدليل يلزم اطراده، وليس مع هؤلاء إلا التمسك بالمتشابه من غير فقه ونظر ~~في المعنى المراد. # PageV01P170 # وأما نقله الثالث وهو قوله: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا ~~يكون عالما أنه منهي عنه" إلى آخر العبارة. فليس في كلام الشيخ ما يتمسك به ~~المبطل؛ لأن قوله: "قد يعمل الرجل" ليس من صيغ العموم، ونحن لا نمنع وقوع ~~ذلك، وأنه يغفر لبعض الناس ما لا يغفر لغيره لعدم علمه، ولكن لا يفيد هذا ~~العموم كما تقدم تقريره. # وأما قول العراقي: وذكر الشيخ هذا بعد حكاية العتبي أنه استغاث بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وقضيت حاجته، فهذا كذب، ما قال الشيخ: إنه استغاث ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا قال: قضيت حاجته، وإنما قرر جهل فاعل ذلك، ~~وإنه مخالف لهدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان. # وأما نقله الرابع لقول الشيخ: وقد علمت جماعة ممن سأل المقبورين من ~~الأنبياء والصالحين، وقضيت حوائجهم، وهو لا يخرج عما ذكرته، وهذا من جنس ما ~~قبله ظن العراقي أن إثبات الشيخ قضاء الحوائج دليل على جواز الدعاء ~~والسؤال. والشيخ وكثير من أهل العلم يعلمون أن الحوائج قد تقضى لمن يسأل ~~الأنبياء والصالحين والأوثان والنجوم، ولكن لقضائها أسباب لا يحيط بها، ~~ويعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. # وقد مر قول الشيخ: بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يدعون أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا، كما قد يستجاب لهؤلاء ~~أحيانا، وقال فيما تقدم: وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم ~~وهي محرمة في الشرع كالتمريخات الفلكية، والتوجيهات النفسانية أو الدعاء ~~المحرم والرقى المحرمة، والتمريخات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من ~~منفعتها. والشيخ لم ينف تأثيرها، وعلى طرد دليل هذا العراقي: يباح كل أثر ~~مباح ms143 كلما أثر فتباح هذه الأشياء. # وتأمل قول الشيخ فيما مر: "فليس علينا من سبب التأثير أحيانا، فإن # PageV01P171 # الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على ~~الحقيقة إلا هو"، وقوله: "والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون ~~فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختطف عقله بحيث يتألهه، إذا لم يرزق من ~~العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين" وقف على قول الشيخ فيما مر: "بل ~~أشد من ذلك، ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في ~~العالم بإذن الله قد يقضى بها كثير من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال ~~سبحانه وتعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} الآية ~~(البقرة: من الآية102) "، وتأمل ما مر من قوله: "وأما التحريم من جهة الطلب ~~فيكون تارة دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب ~~وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقضي عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه ~~معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم وغير ذلك، ولهذا تنفذ هذه الأمور في ~~أزمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان ~~وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء". # فإن هذا الكلام صريح في أن المدعو والمستغاث لا شعور لهم ولا علم عندهم ~~بدعاء من يدعوهم مع الله تعالى، وأن الله هو الفاعل لذلك من غير واسطة. ~~وهذا يشهد له قوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين} (الاحقاف:5 6) . # والشيخ رحمه الله قصد هذا المعنى، وأن إجابة الله دعاء من يدعو الملائكة ~~والأنبياء والصالحين مع الله لا يستدل به على مشروعية أنه دين قد أذن فيه ~~تعالى، فإن أسباب الحوادث القدرية والقضايا الكونية لا تصلح دليلا على ~~الأحكام الشرعية العملية، قال تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاء ربك محظورا} ms144 (الاسراء:20) ، وقال تعالى: {وقال الذين أشركوا ~~لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} الآية (النحل: من ~~الآية 35) ، فأنكر تعالى عليهم الاحتجاج بالمشيئة والقدر، على أنه يرضى ما ~~جاءوا به من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه. # PageV01P172 # ولو تتبعنا كلامه في هذا الكتاب في هذه المسائل التي تبطل ما أبداه طاغية ~~العراق لطال حجم الكتاب. وقد ذكر في آخره مباحث مهمة في إسلام الوجه لله ~~وإخلاص الدين له، نحيل طالب العلم عليه. # وله رحمه الله رسالة في هذا المبحث، جواب سؤال ورد عليه، أحببت إيرادها ~~هنا لعظم فائدتها، ولأنها تأتي على كل ما زعمه الملحد العراقي بالهدم ~~والقلع. # قال السائل: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله ~~تعالى عنهم أجمعين: فيمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مريض له أو في ~~فرسه أو بعيره: يطلب إزالة الألم الذى بهم، ويقول: ياسيدى، أنا في جيرتك، ~~أنا في حسبك، فلان ظلمنى، فلان قصد أذيتى، ويقول: إن المقبورين يكونون ~~واسطة بينه وبين الله تعالى؟. # وفيمن ينذر للمساجد، والزوايا والمشائخ حيهم وميتهم بالدراهم والإبل ~~والغنم والشمع والزيت وغير ذلك، يقول: إن سلم ولدى للشيخ علي كذا وكذا، ~~وأمثال ذلك؟. # وفيمن يستغيث بشيخه إذا أصابته نائبة أو عثر، أو سمع حسا خلفه أزعجه، ~~استغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه؟ . # وفيمن يجىء إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه، ويمسح القبر بيديه، ~~ويمسح بهما وجهه وجسمه وأمثال ذلك؟. # وفيمن يقصد حاجة، فيقول: يا شيخ فلان، ببركتك، ثم يقول: قضيت حاجتى ببركة ~~الله وبركة الشيخ؟. وفيمن يعمل السماع فيجىء إلى القبر ويكتنفه وينحط بين ~~يدى شيخه ساجدا على الأرض؟ . # وفيمن قال: إن ثم قطبا غوثا جامعا في الوجود؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا ~~القول في ذلك. # الجواب: الحمد لله رب العالمين، الدين الذى بعث الله به رسله، وأنزل به ~~كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته، والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب ~~المنافع، ودفع المضار، كما # PageV01P173 # قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا ms145 أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي إن الله يحكم بينهم في ~~ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: 1 - 3] ، وقال ~~تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] وقال تعالى: ~~{قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} ~~[الأعراف: 29] ، وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا إلى قوله : محذورا} [الإسراء: 56، 57] . قالت طائفة ~~من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة، فقال الله تعالى: ~~هؤلاء الذين تدعونهم عبادى كما أنتم عبادى، يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى، ~~ويخافون عذأبي كما تخافون عذأبي، ويتقربون إلى كما تتقربون إلى. فإذا كان ~~هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة فكيف بمن دونهم؟ ! # وقال تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} [الكهف: 102] ، وقال تعالى: {قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} ~~[سبأ: 22، 23] . فبين سبحانه أن من دعى من دون الله من جميع المخلوقات من ~~الملائكة والبشر وغيرهم لا يملك مثقال ذرة في ملكه، وأنه سبحانه ليس له ~~شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، ~~وأنه ليس له معين يعاونه كما يكون للملك أعوان ولا ظهراء، وأن الشفعاء عنده ~~لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فنفي بذلك وجوه الشرك. # وذلك أن من يدعي من دونه، إما أن يكون مالكا، وإما أن يكون شريكا، وإذا ~~لم يكن مالكا ولا شيركا فإما أن يكون معاونا، وإما أن يكون سائلا طالبا. ~~والله سبحانه وتعالى أعلم فالأقسام الأول الثلاثة منتفية، وأما الرابع فلا ~~يكون إلا من بعد إذنه، كما قال ms146 تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة: 255] ، وكما قال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضي} [النجم: 26] . # PageV01P174 # وكما قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} [الزمر: 43، ~~44] ، وكما قال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} ~~[السجدة: 4] ، وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس ~~لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} [الأنعام: 51] ، وقال تعالى: {ما ~~كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد ~~إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 79: 80] . فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا كان كافرا، فكيف من اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم ~~أربابا؟ ! # وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التى لا يقدر عليها إلا ~~الله سبحانه؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين أو البهائم، أو وفاء دينه ~~من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره ~~على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة أو نجاته من النار، أو ~~أن يتعلم القرآن والعلم، وأن يصلح قلبه ويحسن خلقه وتزكو نفسه، وأمثال ذلك ~~فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول ~~لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حيا أو ميتا: اغفر ذنبي، ولا انصرنى على ~~عدوى، ولا اشف مريضى، ولا عافنى أو عاف أهلى أو دوابى، وما أشبه ذلك. ومن ~~سأل ذلك مخلوقا كائنا من كان، فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون ~~الملائكة والأنبياء والتماثيل ms147 التى يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء ~~النصارى للمسيح وأمه، قال الله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} الآية [المائدة: 116] ، وقال ~~تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: ~~31] . # وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض؛ فإن ~~مسألة المخلوق قد تكون جائزة، وقد تكون منهيا عنها، قال تعالى: # PageV01P175 # {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7، 8] ، وأوصى النبي صلى الله ~~عليه وسلم طائفة من أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئا. فكان أحدهم يسقط سوطه ~~من يده فلا يقول لأحد: ناولنى إياه. وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا ~~يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ". والاسترقاء طلب ~~الرقية، وهو من أنواع الدعاء، ومع هذا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ~~الصحيحين أنه قال: " ما من رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة، إلا وكل الله ~~بها ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك: ولك بمثل ذلك ". # ومن أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالصلاة عليه، وطلب الوسيلة له، وأخبرنا بما لنا في ذلك من الأجر إذا ~~دعونا بذلك، فقال في الحديث الصحيح: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما ~~يقول، ثم صلوا على، فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلو الله لى ~~الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغى أن تكون إلا لعبد من عباد الله، ~~وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى يوم ~~القيامة ". # ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه، فقد روى طلب ~~الدعاء من الأعلى والأدنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع عمر رضي الله ms148 ~~عنه إلى العمرة، فقال له: " لا تنسنا من دعائك يا أخى "، لكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة، وأخبرنا أنا إن فعلنا ~~ذلك حلت لنا شفاعته يوم القيامة، وكان طلبه منا لمنفعتنا في ذلك، وفرق بين ~~من يطلب لغيره شيئا لمنفعة المطلوب منه، ومن سأل غيره لحاجته إليه فقط. ~~وثبت عنه في الصحيح أنه ذكر أويسا القرنى وقال لعمر: " إن استطعت أن يستغفر ~~لك فافعل ". # وفي الصحيحين: "أنه كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما شىء، فقال أبو ~~بكر: استغفر لى"، لكن في الحديث: "أن أبا بكر حنق على عمر". وثبت أن أقواما ~~كانوا يسترقون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقيهم. وثبت في الصحيحين: ~~"أن الناس لما أجدبوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقى لهم فدعا ~~الله سبحانه حتى سقوا ". وفي الصحيح أيضا: "أن عمر بن الخطاب رضي الله # PageV01P176 # كان يقول: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". وفي السنن: "أن أعرابيا قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، ~~فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: " ويحك! إن الله لا يستشفع به على أحد ~~من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك ". فأقره على قوله: " إنا نستشفع بك على ~~الله "، وأنكر عليه: " نستشفع بالله عليك "؛ لأن الشافع يسأل المشفوع إليه، ~~والعبد يسأل ربه ويستشفع إليه، والرب تعالى لا يسأل العبد ولا يستشفع عليه. ~~والله سبحانه وتعالى. # وأما زيارة القبور المشروعة، فهي أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة ~~الصلاة على جنازته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا ~~زاروا القبور أن يقول قائلهم: " سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل ~~الله لنا ولكم العافية، اللهم لا ms149 تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم ". وروى ~~أنه قال: " ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ". والله تعالى يثيب الحى إذا دعا ~~للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلى على جنازته؛ ولهذا نهى نبيه أن يفعل ذلك ~~بالمنافقين، بقوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره} [التوبة: 84] . فليس في الزيارة الشرعية حاجة الحى إلى الميت، ولا ~~مسألته ولا توسله به، بل فيها منفعة الحى للميت، كالصلاة عليه، والله يرحم ~~هذا ويثيبه على عمله، ويرحم هذا بدعاء هذا وإحسانه إليه، فإنه ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا مات ابن ادم انقطع عمله ~~إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له ". # PageV01P177 ### | ### | فصل # : # وأما من يأتى إلى قبر نبي أو رجل صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو ~~رجل صالح وليس كذلك، يسأله ويستنجد به فهذا على ثلاث درجات: # إحداها: أن يسأله حاجته، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو ~~يقضى دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما ~~لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهذا شرك صريح، يجب أن يستتاب صاحبه، فإن ~~تاب وإلا قتل. # وإن قال: أنا أسأله لأنه أقرب إلى الله منى ليشفع لى في هذه الأمور؛ لأنى ~~أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال ~~المشركين والنصارى، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء ~~يستشفعون بهم في مطالبهم، ولذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي} [الزمر: 3] ، وقد قال سبحانه: {أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء إلى قوله ترجعون} [الزمر: 43، 44] ، وقال تعالى: ~~{ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} [السجدة: 4] ، وقال تعالى: ~~{من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] . فبين ms150 الفرق بينه وبين ~~خلقه. فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه، ~~فيسأله ذلك الشفيع، فيقضى حاجته؛ إما رغبة، وإما رهبة، وإما حبا وإما مودة، ~~وإما غير ذلك، والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعل ~~إلا ما شاء، وشفاعة الشافع من إذنه، والأمر كله له. # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: ~~" لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت، # PageV01P178 # اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له ". فبين ~~أن الرب لا يفعل إلا ما يشاء، ولا يكرهه أحد على ما يختاره، كما قد يكره ~~الشافع المشفوع إليه، وكما يكره السائل المسؤول إذا ألح عليه وآذاه. ~~فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك ~~فارغب} [الشرح: 7، 8] . والرهبة يجب أن تكون منه قال: {وإياي فارهبون} ~~[البقرة: 40] ، وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] . وقد ~~أمرنا أن نصلى على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب ~~إجابة دعائنا. # وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله منى، وأنا بعيد من الله لا يمكن ~~أن أدعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك هو من قول المشركين، فإن الله تعالى ~~يقول: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: ~~186] . وقد روى: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: "يارسول الله، ربنا ~~قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية ". وفي الصحيح: "أنهم ~~كانوا في سفر، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ~~إنما تدعون سميعا قريبا، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " ~~وقد أمر الله العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقول: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] . وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا: ~~{ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ms151 زلفي} [الزمر: 3] . # ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعوت هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك ~~وأقدر على إجابة سؤالك أو أرحم بك من ربك، فهذا جهل وضلال وكفر. وإن كنت ~~تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم، فلماذا عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟ ألا ~~تسمع إلى ما خرجه البخارى وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من ~~القرآن، يقول: " إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: ~~اللهم إنى أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك # PageV01P179 # تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر خير لى في دينى ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاقدره لى، ويسره لى، ثم ~~بارك لى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى في دينى، ومعاشى، وعاقبة ~~أمرى، فاصرفه عنى، واصرفنى عنه، واقدر لى الخير حيث كان، ثم رضنى به". # وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى منزلة عند الله منك فهذا حق؛ ~~لكن كلمة حق أريد بها باطل؛ فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما ~~معناه: أن يثيبه ويعطيه، ليس معناه: أنك إذا دعوته كان الله يقضى حاجتك ~~أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء مثلا ~~لما فيه من العدوان فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله، ولا يسعى ~~فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك، فالله أولى بالرحمة والقبول منه. # وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب لي إذا دعوته أنا، ~~فهذا هو: # القسم الثانى وهو: ألا يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له. ~~كما يقول للحى: ادع لى، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، الدعاء، فهذا مشروع في الحى كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء ~~والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ms152 ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولا ~~نحو ذلك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من ~~الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذى ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر ~~استسقى عمر بالعباس رضي الله عنهما، وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". ولم ~~يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلين: يا رسول الله، ادع لنا ~~واستسق لنا، ونحن نشكوا إليك ما أصابنا، ونحو هذا. لم يقله أحد من الصحابة ~~قط، بل هو بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه، ثم إذا أرادوا الدعاء له لم يدعوا ~~الله مستقبلى القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده ~~لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع. # وذلك أن في الموطأ وغيره عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اللهم لا تجعل # PageV01P180 # قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". ~~وفي السنن أيضا أنه قال: " لا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا على حيثما كنتم، فإن ~~صلاتكم تبلغنى ". وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذى لم يقم منه: " لعن الله ~~اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا". قالت عائشة ~~رضي الله عنها: "ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا ". وفي صحيح ~~مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور ~~مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك ". وفي سنن أبي ~~داود أنه قال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ~~". # ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المساجد على القبور، وقالوا: إنه لا ~~يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئا من الأشياء، لا من درهم، ~~ولا زيت، ولا شمع، ولا حيوان، ولا غير ذلك، كله نذر معصية. وقد ثبت في ~~الصحيح عن صلى الله ms153 عليه وسلم أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن ~~نذر أن يعصى الله فلا يعصه ". واختلف العلماء: هل على الناذر كفارة يمين؟ ~~على قولين؛ ولهذا لم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور وفي ~~مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من ~~الصلاة في تلك البقعة، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت ~~أفضل من الصلاة عند قبر، كان قبر نبي أو صالح سواء سميت [مشاهد] أو لم تسم. # وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى: {ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] ~~، ولم يقل: في المشاهد. وقال تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: ~~187] ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد} [الأعراف: 29] ، وقال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ~~أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] ، وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صلاة ~~الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا "، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا # PageV01P181 # في الجنة ". وأما القبور فقد ورد نهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها ~~مساجد، ولعن من يفعل ذلك، وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين، وما ~~ذكره البخارى في صحيحه والطبرى وغيره في تفاسيرهم، وذكره وثيمة وغيره في ~~قصص الأنبياء في قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح: 23] ، قالوا: "هذه أسماء قوم صالحين ~~كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد ~~فاتخذوا تماثليهم أصناما ". والعكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها ~~والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا قال صلى ~~الله عليه ms154 وسلم: " اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ". # ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر ~~غيره من الأنبياء والصالحين الصحابة وأهل البيت وغيرهم على ألا يتمسح به، ~~ولا يقبله، بل ليس في الدين ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود. وقد ثبت في ~~الصحيحين: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "والله، إنى لأعلم أنك حجر ~~لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت الرسول يقبلك ما قبلتك ". # ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركنى البيت اللذين ~~يليان الحجر ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا ~~قبر أحد من الأنبياء والصالحين، حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما كان موجودا، فكرهه مالك رحمه الله وغيره؛ ~~لأنه بدعة، وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص ~~فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر فعله. وأما التمسح بقبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك أنهم علموا ما قصده النبي صلى ~~الله عليه وسلم من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب ~~العالمين. # وهذا مما يظهر منه الفرق بين سؤال النبي صلى الله عليه وسلم والرجل ~~الصالح في حياته، وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا ~~يعبده أحد إذا كان في حضوره، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ~~والصالحين لا يتركون أحدا يتبرك بهم بحضورهم، بل ينهونهم عن ذلك، ~~ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح عليه السلام: {ما قلت لهم إلا ما # PageV01P182 # أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} [المائدة: 117] . وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال: "ما شاء الله وشئت": " أجعلتنى لله ندا؟ ~~! ما شاء الله وحده "، وقال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ~~قولوا: ما ms155 شاء الله ثم شاء محمد ". ولما قالت الجويرية: "وفينا رسول الله ~~يعلم ما في غد. قال: " دعى هذا، وقولى ما كنت تقولين ". وقال: " لا تطرونى ~~كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله "، ~~ولما صفوا خلفه قياما، قال: " لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا "، ~~قال أنس: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ~~إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. ولما سجد له معاذ نهاه، ~~وقال: " إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها ". ولما أتى علي بالزنادقة الذين ~~غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار. # فهذا شأن أنبياء الله تعالى وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه ~~بغير حق من يريد علوا في الأرض وفسادا، كفرعون ونحوه، ومشائخ الضلالة الذين ~~غرضهم العلو في الأرض والفساد، والفتنة بالأنبياء والصالحين، واتخاذهم ~~أربابا، والإشراك بهم إنما يحصل في مغيبهم ومماتهم، كما أشرك النصارى ~~واليهود بالمسيح وعزير. # فهذا مما يبين الفرق بين السؤال للنبي والصالح في حياته وبحضوره، وبين ~~سؤاله في مماته ومغيبه، ولهذا لم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا ~~التابعين ولا تابعى التابعين يتحرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ~~والصالحين ويسألونهم، ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم، ولا عند قبورهم، ~~وكذلك العكوف. # ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل برجل ميت أو غائب، كما ذكره السائل، ~~ويستغيث به عند المصائب يقول: يا سيدى فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره أو ~~جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم. ومعلوم أن ~~خير الخلق وأكرمهم على الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلم الناس بقدره ~~وحقه هم # PageV01P183 # أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك؛ لا في مغيبه، ولا بعد مماته. ~~وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب، فإن الكذب مقرون بالشرك، قال ~~تعالى: {واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} ms156 [الحج: 30: 31] . ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله " مرتين، ~~أو ثلاثا. وقال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] ، وقال الخليل عليه ~~السلام: {أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين} [الصافات: 86: ~~87] . # فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه: إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه ~~بالمشرق وإن كشف غطاؤه رده عليه، وإن أي شيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخا. ~~وقد تغويهم الشياطين، كما تغوى عباد الأصنام كما كان جرى للعرب في أصنامها، ~~ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجرى للترك، والهند، ~~والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين؛ من إغواء الشياطين لهم ومخاطبتهم ونحو ~~ذلك. فكثير من هؤلاء من يجرى له نوع من ذلك، سيما عند سماع المكاء ~~والتصدية؛ فإن الشياطين تتنزل عليهم، فتصيب أحدهم بمثل ما يصيب المصروع: من ~~الأرعاد، والأزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقله هو والحاضرون، ~~وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين. # وأما القسم الثالث: وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عبدك، أو ببركة فلان ~~عبدك، أو لحرمة فلان عبدك، افعل كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن ~~لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا ~~الدعاء، ولم يبلغنى عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه، إلا ما رأيت في ~~فتاوى الفقيه أبي محمد العز بن عبد السلام. فإنه أفتى: بأنه لا يجوز لأحد ~~أن يفعل ذلك؛ إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث في النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ومعنى هذا الاستثناء أنه قد روى النسائى والترمذى وغيرهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم: "علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إنى ~~أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله، إنى أتوسل بك إلى ~~ربى في حاجتى ليقضيها لى. # PageV01P184 # اللهم، فشفعه في ". فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل ~~بالنبي صلى الله ms157 عليه وسلم في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل به ~~دعاء للمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن ~~فيه بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في ~~دعاء الخارج للصلاة أنه يقول: " اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ~~ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشرا ولا بطرا ، ولا رياء ولا سمعة. خرجت اتقاء ~~سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت ". # قالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه، وبحق ممشاه إلى ~~الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقا، قال تعالى: {وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين} [الروم: 47] ، ونحو قوله: {كان على ربك وعدا مسؤولا} [الفرقان: ~~16] . وفي الصحيحين عن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرى ما ~~حق الله على العباد؟ ". قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا ~~به شيئا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا ~~يعذبهم ". وقد جاء في غير حديث: " كان حقا على الله كذا وكذا " كقوله: " من ~~شرب الخمر لم يقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد ~~وشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال " ~~قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عصارة أهل النار "، وأمثال ذلك ~~كثير. # وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وبعد مغيبه، بل إنما ~~فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه استسقى بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك ~~بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". وقد بين عمر ~~رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون. # وذلك التوسل: أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون ~~معه، فيتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح عن أنس ms158 بن مالك: "أن رجلا دخل ~~المسجد يوم الجمعة من باب كان نحوا من دار القضاء، والرسول صلى الله عليه ~~وسلم قائم # PageV01P185 # يخطب، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم قائما، ثم قال: "يا رسول الله، ~~هلكت الأموال، وانقطعت السبل. فادع الله سبحانه أن يغيثنا. قال: فرفع ~~الرسول يديه ثم قال: اللهم أغثنا. قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من ~~سحاب ولا قزع، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار إلا طلعت من ورائه سحابة ~~مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ~~سبتا. قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت ~~السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، قال: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ~~ثم قال: " اللهم، حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون ~~الأودية ومنابت الشجر ". قال: وأقلعت فخرجنا نمشى في الشمس". ففي هذا ~~الحديث: أنه قال: "ادع الله لنا يمسكها عنا". وفي الصحيح: أن عبد الله بن ~~عمر قال: "إنى لأذكر قول أبي طالب في النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل. # فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه. ولما مات توسلوا بالعباس رضي ~~الله عنه كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ويستسقوا به بعد موته، ولا ~~في مغيبه ولا عند قبره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود ~~الجرشى، وقال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا. يا يزيد، ارفع يديك إلى ~~الله، فرفع يديه، ودعا، ودعوا، فسقوا ". ولذلك قال العلماء: يستحب أن ~~يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي ~~والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء، ولا في غيره ~~من الأدعية. والدعاء مخ العبادة، والعبادة مبناها على النية ms159 والاتباع، ~~وإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: {أم ~~لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، وقال ~~تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] ، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء ~~والطهور ". # PageV01P186 # وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه، يطلب تثبيت قلبه ~~من ذلك الواقع، فهذا من الشرك الأكبر، وهو من جنس دين النصارى؛ فإن الله هو ~~الذى يصيب بالرحمة ويكشف الضر، قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله} [يونس: 107] ، وقال تعالى: {ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} الآية ~~[فاطر: 2] ، وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون} [الأنعام: 40: 41] ، وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56: 57] . فبين أن ~~كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا. # وإذا قال القائل: أدعو الشيخ ليكون لي شفيعا، فهو من جنس دعاء النصارى ~~لمريم والأحبار والرهبان. والمؤمن يرجو ربه ويدعوه مخلصا له الدين، وحق ~~شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق قدرا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحدا ~~منهم عند الخوف أو الفزع أن يقول: يا سيدى، يا رسول الله، ولم يكونوا ~~يفعلون ذلك في محياه ولا في مماته، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة ~~والسلام عليه، قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا إلى قوله عظيم} [آل عمران173، 174] ، وفي صحيح ~~البخارى عن ابن عباس: "أن هذه الكلمة قالها إبراهيم ms160 حين ألقى في النار، ~~وقالها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين قيل لهم: إن الناس قد جمعوا ~~لكم". وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول عند الكرب: " ~~لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله ~~إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ". وقد روي أنه علم نحو هذا ~~الدعاء بعض أهل بيته. وفي السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث ~~ه أمر قال: " يا حى، يا قيوم، برحمتك أستغيث ". وروي أنه علم ابنته فاطمة ~~عليها السلام أن تقول: "يا حى، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله ~~إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، ~~ولا # PageV01P187 # إلى أحد من خلقك ". وفي مسند أحمد وصحيح أبي حاتم لن حبان عن ابن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: ~~اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض في حكمك، عدل في ~~قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته ~~أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ~~ربيع قلبى، ونور بصرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى وغمى، إلا أذهب الله همه ~~وغمه، وأبدله مكانه فرحا ". قال: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: " ينبغى ~~لمن سمعهن أن يتعلمهن ". وقال لأمته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات ~~الله، يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذكر ~~الله، والاستغفار ". فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق ~~والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم. # ومثل هذا كثير في سنته، لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به؛ ~~من دعاء الله، وذكر الله والاستغفار، والصلاة، والصدقة، ونحو ذلك. فكيف ~~يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما ms161 أنزل الله بها ~~من سلطان، تضاهى دين المشركين والنصارى؟ ! . # وإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك، فأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد ~~الكواكب ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم نحو هذا، كما تقدم، وقد تواتر عمن ~~مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان. ولولا ذلك ما عبدت الأصنام ~~ونحوها، قال الخليل عليه السلام: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 35، 36] . # ويقال: إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة " عمرو ~~بن لحى الخزاعى "،الذى رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر أمعاءه في النار. ~~وهو أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم. قالوا: إنه ورد الشام، فوجد ~~فيها أصناما يزعمون أنهم ينتفعون بها في جلب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها ~~إلى مكة، وسن للعرب الشرك وعبادة الأصنام. # PageV01P188 # والأمور التى حرمها الله ورسوله، من الشرك، والسحر، والقتل، والزنا ~~وشهادة الزور، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، قد يكون للنفس فيها حظ مما ~~تعده منفعة، أو دفع مضرة، ولولا ذ لك ما أقدمت نفس على المحرمات التى لا ~~خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل أو الحاجة. فأما ~~العالم بقبح الشىء والنهى عنه فكيف يفعله؟ ! والذين يفعلون هذه الأمور ~~جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيها من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها، ~~مثل الشهوة إليها، وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا ~~يعلمون ذلك لجلهلهم أو لغلبة أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى الغالب يجعل ~~صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئا، فإن حبك للشىء يعمى ويصم. # ولهذا كان العالم من يخشى الله، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة} [النساء: من الآية 17] . فقالوا: "كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من ~~تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ". وليس هذا من مواضع البسط لبيان ما في ~~المنهيات من المفاسد الغالبة، ms162 وما في المأمورات من المصالح الغالبة، بل على ~~المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله ~~عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته ~~منه إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم بخلا به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ~~ونهاهم عما فيه فسادهم؛ ولهذا وصف نبيه بأنه {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث} [الأعراف: 157] . # وأما التمسح بالقبر أى قبر كان وتقبيله، وتمريغ الخد عليه، فمنهى عنه ~~باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعله أحد من السلف ~~والأئمة، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا} الآية [نوح: 23 24] ، وقد تقدم أنها أسماء قوم صالحين ~~كانوا في قوم نوح، وأنهم عكفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصوروا ~~تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به. وقد تقدم ~~ذكره، وما فيه من # PageV01P189 # الشرك، وبينا الفرق بين الزيارة البدعية التى يشبه أهلها بالنصارى ~~والمشركين والزيارة الشرعية. # وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، ~~فهذا مما لا نزاع بين الأئمة في النهى عن ذلك، وفي المسند وغيره عن معاذ بن ~~جبل: "أنه لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذا ~~يا معاذ؟ ". فقال: يا رسول الله، رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن ~~أنبيائهم، فقال: " كذبوا يا معاذ، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، يا معاذ، أرأيت إذا مررت بقبرى ~~أكنت ساجدا؟ ". قال: لا. قال: " فلا تفعل "، أو كما قال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. # بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه: "أنه صلى بأصحابه قاعدا ~~لمرض كان به، فصلوا قياما، فأمرهم بالجلوس، وقال: " لا تعظموني كما تعظم ~~الأعاجم بعضها بعضا "، وقال: " من سره أن يتمثل ms163 له الرجال قياما فليتبوأ ~~مقعده من النار ". فإذا كان قد نهاهم مع قعوده وإن كانوا قاموا في الصلاة ~~حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم، وبين أن من سره القيام له كان من أهل ~~النار فكيف بما هو شر من ذلك السجود له؟ ومن وضع الرأس، وتقبيل الأيدي ونحو ~~ذلك؟ ! وقد كان عمر بن عبد العزيز وهو خليفة على الأرض كلها قد وكل عمالا ~~يمنعون الداخلين من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض. # وبالجملة، فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود؛ خالق السموات ~~والأرض، وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب؛ مثل الحلف بغير ~~الله. قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ". متفق عليه. وقال أيضا: " من حلف بغير الله فقد أشرك ". # فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين} الآية [البينة: 5] . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: " إن الله يرضي لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا # PageV01P190 # تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ~~ولاه الله أمركم ". وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة. # ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشرك دقه وجله، ووجليه وخفيه، ~~كبيره وصغيره، حتى إنه قد تواتر عنه النهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت ~~غروبها بألفاظ متنوعة؛ تارة يقول: " لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا ~~غروبها ". وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر ~~حتى تغرب الشمس. وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ ~~يسجد لها الكفار، ونهى عن الصلاة حينئذ؛ لما فيه من مشابهة المشركين في ~~كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون ~~السجود له، فكيف بما هو أظهر شركا ومشابهة للمشركين من هذا؟ ! وقد قال فيما ~~أمره الله أن يخاطب به أهل الكتاب: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم} ms164 إلى قوله: {مسلمون} [آل عمران: 64] ، وذلك لما في ذلك من ~~مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، ونحن منهيون عن ~~مثل هذا، ومن عدل عن هدي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهدي أصحابه ~~والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى، فقد ترك ما أمر الله ~~به ورسوله. # وأما قول القائل: فقضيت حاجتي ببركة الله وبركتك. فمنكر من القول؛ فإنه ~~لا يقرن بالله في مثل ذبك غيره، حتى إن قائلا قال للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟ ! بل ما شاء الله وحده ~~"، وقال لأصحابه: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء ~~الله ثم شاء محمد ". وفي الحديث: "أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول: نعم ~~القوم أنتم، لولا أنكم تنددون. أي: تجعلون لله ندا. يعني: تقولون: ما شاء ~~الله وشاء محمد. فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ". وفي ~~الصحيحين عن زيد بن خالد، قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~صلاة الفجر بالحديبية في إثر سماء من الليل، فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر. فأما من قال: مطرنا # PageV01P191 # بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء ~~كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ". والأسباب التي جعلها الله أسبابا ~~لا تجعل مع الله شركاء وأندادا وأعوانا. # وأما قول القائل: ببركة الشيخ، وإنه قد يعني بها دعاءه، فأسرع الدعاء ~~إجابة دعوة غائب لغائب. وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد ~~يعني بركة اتباعه له على الحق، وقد يعني بركة معاونته له على الحق، ~~وموالاته في الدين، ونحو ذلك. وهذه كلها معان صحيحة. # وقد يعني بها دعاء الميت والغائب؛ واستقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله ~~لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له، فمتابعته ms165 أومطاوعته ~~على ذلك من البدع المنكرات، ونحو هذه المعاني الباطلة. والذي لا ريب فيه أن ~~العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك، هو نافع في ~~الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته. # وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع، فهذا قد يقوله طوائف من ~~الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام؛ مثل تفسير بعضهم: أن الغوث هو ~~الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى قد يقولوا: إن مدد ~~الملائكة وحيتان البحر بواسطته. فهذا من جنس قول النصارى في المسيح عليه ~~السلام والغالية في علي رضي الله عنه. وهذا كفر صريح، يستتاب صاحبه، فإن ~~تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق ~~بواسطته؛ ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في العشرة الذين قد يزعمون أنها ~~الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح ونحو ذلك، كفرا صريحا باتفاق ~~المسلمين. # وكذلك إن عني بالغوث ما يقوله بعضهم: إن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر ~~رجلا، وقد يسميهم النجباء، منهم سبعون هم النقباء، ومنهم أربعون هم ~~الأبدال، ومنهم سبعة هم الأقطاب، ومنهم أربعة هم الأوتاد، ومنهم واحد هو ~~الغوث، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة في رزقهم ونصرهم ~~فزعوا إلى الثلاثمائة والبضع عشر رجلا، وأولئك يفزعون إلى السبعين، # PageV01P192 # والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، ~~والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء ~~والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم: إنه ينزل من السماء ~~على الكعبة خضر باسم غوث الوقت، واسم مصره على قول من يقول منهم: إن الخضر ~~هو مرتبة، وإن لكل زمان خضرا، فإن لهم في ذلك قولين وهذا كله باطل لا أصل ~~له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا ~~من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم. ومعلوم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا كانوا خير الخلق ms166 في ~~زمنهم، وكانوا بالمدينة، ولم يكونوا بمكة. # وقد روى بعضهم حديثا في هلال غلام المغيرة بن شعبة، وأنه أحد السبعين. ~~والحديث كذب باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم ~~في حلية الأولياء، والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا تغتر ~~بذلك؛ فإنهما يرويان الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والكذب، ولا خلاف بين ~~العلماء في أنه كذب موضوع. وتارة يروونه على عادة أهل الحديث الذين يروون ~~ما سمعوه ولا يميزون بين صحيحه وباطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه ~~الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ~~من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ". # وبالجملة، فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل الرغبة ~~والرهبة؛ مثل دعائهم عند الكسوف والاستسقاء لنزول الرزق، ودعائهم عند ~~الكسوف، والاعتداد لدفع البلاء، وأمثال ذلك، إنما يدعون في ذلك الله وحده ~~لا يشركون به شيئا، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله، بل ~~كان المشركون به في جاهليتهم إذا اشتد بهم الكرب يدعونه بلا واسطة فيجيبهم ~~الله، أفتراهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ~~ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه} ~~الآية [يونس: 12] ، وقال: {وإذا مسكم الضر في البحر} الآية [الإسراء: 67] ، ~~وقال تعالى: # PageV01P193 # {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} الآية، وقال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ~~أمم من قبلك} إلى قوله: {ما كانوا يعملون} [الأنعام: 40: 43] . # والنبي صلى الله عليه وآله وسلم استسقي لأصحابه بصلاة الاستسقاء، وبغير ~~صلاة، وصلاتهم للاستسقاء كصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على ~~المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ ~~المسلمين، مازالوا، على هذه الطريقة؛ ولهذا قال العلماء المحققون: ثلاثة ~~أشياء مالها من أصل: باب النصارى، ومنتظر الرافضة، وغوث الصوفية؛ فإن ~~النصارى تدعي في الباب (1) الذي لهم ما هو من هذا الجنس؛ وأنه الذي يقيم ~~العالم، فذاك شخصه ms167 موجود، ولكن دعوى النصارى فيه باطلة. وأما محمد بن الحسن ~~العسكري منتظر الرافضة في سرداب سامرا، والغوث المقيم بمكة عند الصوفية، ~~ونحو هذا، فإنه باطل ليس له أصل في الوجود، ولا وجود له. # وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم ~~كلهم، ونحو هذا، فهذا باطل. فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكونا يعرفان ~~جميع أولياء الله وعددهم، فكيف هؤلاء الضالين المفترين الكذابين؟ ! والرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم إنما يعرف في الآخرة الذين لم يكن ~~يراهم في الدنيا بسيما الوضوء، وهو الغرة والتحجيل، ومن هؤلاء أولياء الله ~~من لا يحصيه إلا الله. وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف ~~أكثرهم، بل قال الله له: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر: 78] ، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم ~~يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: "وأني بأرضك السلام؟ ~~فقال له: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم". فكان قد بلغه اسمه ~~وخبره، ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إن الخضر نقيب الأولياء، وأنه يعلمهم ~~كلهم، فقد قال الباطل. # والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان ~~موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوجب عليه PageV01P194 # أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان ~~يكونبمكة والمدينة، وكان يكون حضوره مع الصحابة رضي الله عنهم للجهاد معهم ~~وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليدقع سفينتهم، ولم يكن ~~أحد من خير أمة أخرجت للناس مختفيا، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب ~~عنهم. # ثم ليس للمسلمين به وبأمثاله حاجة لا في دينهم ولا دنياهم، فإن دينهم ~~أخذوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي علمهم الكتاب ~~والحمكة، وقال لهم نبيهم: " لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ~~". وعيسي ابن مريم ms168 إذا نزل من السماء إنما يحكم فيها بكتاب ربهم وسنة ~~نبيهم. فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره؟ ! والنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد أخبرهم بنزول عيسي من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: " كيف ~~تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها ". فإذا كان هذان النبيان الكريمان ~~اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ومحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة، لا عوامهم ولا خواصهم، فكيف ~~يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ ! وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم يذكر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذلك قط، ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟ ! # وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال له: من ولاه النقابة، وأفضل ~~الأولياء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وليس فيهم الخضر؟ وعامة ما يحكى في ~~هذا الباب من الحكايات أكثرها كذب، وبعضها مبني على وهم رجال؛ مثل شخص رأي ~~رجلا توهم أنه الخضر، أو وقال: إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصا تتوهم ~~أنه الإمام المنتظر المعصوم، أو تدعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: ~~وقد ذكر له الخضر : "من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسن ~~الناس إلا الشيطان". وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع. # وأما إذا قصد القائل بقوله: القطب الغوث الفرد الجامع أنه رجل يكون أفضل ~~أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أن يكون في الزمان اثنان # PageV01P195 # متساويان في الفضل، بل وثلاثة وأربعة، وأكثر، ولا يجزم بألا يكون في كل ~~زمان أفضل الناس إلا واحدا، وقد يكون جماعة بعضهم أفضل من بعض بوجه من ~~وجوه، وبعضهم أفضل من بعض، وتلك الوجوه، إما متقاربة وإما متساوية. # ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته الغوث الفرد الجامع ~~بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، ~~وما زال السلف يظنون في بعضهم أنه أفضل أو من أفضل ms169 زمانه ولا يطلقون عليه ~~هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لا سيما أن من المنتحلين لهذا ~~الاسم من يدعي أن أول هؤلاء الأقطاب هو: الحسن بن على بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما ثم يتسلل الأمر إلى من دونه إلى بعض مشايخ المتأخرين، وهذا لا على ~~مذهب أهل السنة، ولا على مذهب الرافضة. فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ~~والسابقون من المهاجرين والأنصار؟ ! والحسن عند وفاة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان قد قارب سن والاحتلام. # وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا الاسم: إن القطب الفرد ~~الغوث الجامع ينطبق علمه على علم الله، وقدرته على قدرة الله، فيعلم ما ~~يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله. وزعم أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان كذلك، وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن، فيتسلسل إلى شيخه. فبينت ~~له أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم كفر، دع ما سواه، وقد قال تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50] ، وقال تعالى: {قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} الآية [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: ~~{يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} ، وقال تعالى: {يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154] ، وقال تعالى: ~~{ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خآئبين} والآية بعدها [آل ~~عمران: 127، 128] ، وقال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء} [القصص: من الآية 56] . # والله تعالى قد أمرنا أن نطيع رسوله وقد قال تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} [النساء: 80] ، وأمرنا أن نتبعه قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، وأمرنا أن نعزره ونوقره ~~وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله، حتى أوجب علينا أن ~~يكون أحب ms170 إلينا # PageV01P196 # من أنفسنا وأهلنا، فقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ~~[الأحزاب: 6] ، وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم} إلى قوله: ~~{الفاسقين} [التوبة: 24] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " والذي نفسي ~~بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". ~~وقال له عمر رضي الله عنه: "يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء ~~إلا من نفسي". فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فأنت ~~أحب إلي من نفسي، قال: " الآن يا عمر ". وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يقذف في النار ". # وقد بين في كتابه الحقوقه التي لا تصلح إلا له، وحقوق رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، كما بسطنا الكلام على ذلك في غير ~~هذا الموضع، وذلك مثل قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون} [النور:52] ، فالطاعة لله وللرسول، والخشية لله، ~~والتقوي لله وحده، وقوله تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} ~~[التوبة: 59] ، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ، لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ~~ما حرمه الله ورسوله، وأما الحسب فهو لله وحده، كما قالوا: {حسبنا الله} ~~[التوبة: من الآية 59] ، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، وقال تعالى: {يا أيها ~~النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] أي: يكفيكك الله ~~ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو المقطوع به في هذه الآية؛ ولهذا كانت ~~كلمة إبراهيم ومحمد عليهما صلى الله عليهم أجمعين: {حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} [آل عمران: من الآية173] . # PageV01P197 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل السادس: قال ابن عبد الهادي الحنبلي تلميذ الشيخ ابن ms171 ~~تيمية في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي ناقلا عن شيخه ابن تيمية، ~~ما نصه : وإنما يعرف هذا في حكاية ذكرها الفقهاء عن أعرابي أتى القبر وتلا ~~هذه الآية: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الآية [النساء: من الآية64] ، ~~وأنشد: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # روحي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # وقد استحب طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية ~~التي لا يبت بها حكم شرعي، بل لقضاء حاجة هذا الأعرابي وأمثالها أسباب بسطت ~~في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت له حاجة بسبب يقتضي أن يكون السبب ~~مشروعا، وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي ~~عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد ~~يكون متأولا أو مخطئا أو مجتهدا أو مقلدا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما ~~يفعله من الخير المشروع، كالمجتهد المخطئ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. # هذا ما حكاه العراقي عن الصارم المنكي ثم قال: والحكاية التي ذكرها ~~الفقهاء من كافة أهل المذاهب: مارواه العتبي التابعي الجليل عن الأعرابي: ~~أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلا الآية ثم قال: قد جئتك # PageV01P198 # مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، وأنشد البيتين، وقد استحسن ذلك ~~كافة أهل العلم، وذكروه في المناسك في بحث الزيارة، واستحبوا ذلك، وكيف لا ~~يثبت الاستحباب بهذه الحكاية، وهي واقعة في خير القرون ولم تنكر، وارتضاها ~~الفقهاء؟ فهي دليل على الاستحباب، ثم إن الشيخ رحمه الله فسؤ أن سؤال ~~الحاجة من النبي صلى الله عليه وسلم وغيره واقع، وأن المجتهد المخطئ ~~والمقلد المتأول مثابون على حسن قصدهم، فلا يكفرون في مثل هذا، ولا يشركون ~~ولا يؤثمون. انتهى كلام العراقي. # والجواب: إن هذا النقل قد اعتراه ما اعترى أمثاله، وأجرى التحريف عليه ~~قلم إفكه وضلاله، فإن الحافظ محمد بن عبد الهادي لما تكلم على الحكاية التي ms172 ~~احتج بها السبكي عزاها إلى مالك في جوابه لأبي جعفر المنصور، وقرر أنها من ~~الموضوعات وأن إسنادها إسناد مظلم منقطع، مشتمل على من يتهم بالكذب، وساق ~~كلام الحفاظ في جرح رواتها، وإطراح حديثهم ثم قال بعد ذلك: # وقد قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: "ولم يكن أحد من السلف ~~يأتي قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء ~~عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما ~~كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه. واتفق ~~الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره ~~وتنازعوا عند السلام عليه". # وذكر كلامهم في استقباله عند السلام، وقرر رد الحكاية المذكورة عن مالك، ~~وذكر نصوصه التي يخالفها، وأطال الكلام، ثم قال بعدها: # "وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} الآية [النساء: من الآية64] فهو والله ~~أعلم باطل؛ فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم ~~أنه استحب أن # PageV01P199 # يسأل بعد الموت لا استغفارا ولا غيره وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ~~ينافي هذا. # ثم قال: "وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن ~~أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلا هذه الآية وأنشد ~~بيتين وذكرهما الشيخ، ثم قال : ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من ~~أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم ~~شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة ~~والتابعون أعلم به وأعمل من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي ~~وأمثاله لها أسباب وقد بسطت في غير هذا الموضع. وليس كل من قضيت حاجته بسبب ~~يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا ms173 يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق ~~السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا ~~رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". ~~وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه فيثاب ~~على حسن قصده ويعفى عنه، لعدم علمه وهذا باب واسع. وعامة العبادات المبتدعة ~~المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل ~~على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها، ثم ~~الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا أو مقلدا فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله ~~من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتهد المخطئ" انتهى. # فانظر إلى هذا التحريف والتبديل الذي لم يسبقه إلى مثله من الأمة سابق، ~~ولا يستحله إلا زنديق منافق. فقد حذف أول الكلام وما سيق لأجله، وحذف قول ~~الشيخ: "فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم ولم يذكر أحد منهم استحب ~~أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت لا استغفارا ولا غيره، وكلام ~~مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا. # PageV01P200 # وبدل أيضا كلام الشيخ فإن الشيخ قال: في حكاية ذكرها طائفة من متأخري ~~الفقهاء، والعراقي نسبها عن الشيخ إلى كل الفقهاء. فقال: "في حكاية ذكرها ~~الفقهاء" فاعرف إلحاده، وحذف وسط العبارة وهي قوله: "لا سيما في مثل هذا ~~الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم وأعمل به من ~~غيرهم"، وحذف من وسطها أيضا قوله: "فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق ~~السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا ~~رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". ~~وحذف أيضا قوله: "وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ~~ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك ms174 لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن ~~مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها" كل هذا حذفه. # فهل ترى يا ذا العقل السليم أكذب من هذا على الله وعلى أولي العلم من ~~خلقه وأشد جرأة على تبديل دينه وتغييره؟. # وكلام الشيخ من أوله إلى آخره صريح في المعنى من دعاء الله عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وحكاه عن الأئمة، وذكر اتفاقهم عليه، وأنه لم يذكر أحد ~~منهم استحباب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لا استغفارا ولا ~~غيره. {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: من الآية59] ~~وحرفوا نصوص أهل العلم وألحدوا فيها، وأحالوها عن صرائح نصوصها وظواهر ~~كلماتها وهل بدلت أديان الأنبياء إلا بمثل هذا؟ والموعد قريب: {وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: من الآية227] ومن كان هذا غاية ~~رده ونهاية ما عنده، فلا يمتنع عليه تبديل ما اطلع عليه ورآه من كتب ~~الشريعة ودواوين الإسلام، ولو سلك هذا المسلك في كتاب الله وفي أحاديث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لهدم قواعدها واجتث أصلها، وطمس أعلامها وغير ~~حقائقها، وقد قرأ بعض الجهمية قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} ~~[النساء: من الآية164] بنصب الاسم الشريف على أنه معمول، ولم يتجاسر إلى ~~هذه الغاية التى انتهى إليها العراقي، فالحمد لله الذي كشف عن سوأته، وأبدى ~~خزيه لعباده المؤمنين. # PageV01P201 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل الثالث عشر: قال رحمه الله في كتاب الفرقان: "ونجد ~~كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه صدر منه مكاشفة أو بعض ~~التصرفات الخارقة للعادة، أو أن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد ~~جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم، أو مريض. ~~وليس شيء من هذه الأمور يدل على أن صاحبها ولي لله، بل اتفق أولياء الله ~~على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ms175 وموافقته لأمره ونهيه. وكرامات أولياء الله أعظم ~~من هذه الأمور" انتهى نقله. # ثم قال: فانظر إلى كلامه، ولا سيما قوله: "وأن بعضهم استغاث به وهو غائب ~~أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته"، فإنه تسليم منه بأن هذا الأمر يقع على وجه ~~الكرامة. ويستدل به على ولاية صاحبه، لكن بشرط أن يكون المستغاث به متابعا ~~لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وموافقا له ولنهيه". # قال العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين، يجوز أن يعتقد فيهم الولاية، ~~بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين، وأن هذا يقع على وجه ~~الكرامة، وأن كرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور بل قد تقرر في كتب ~~العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات أولياء الله يجب اعتقادها كما ذكره ~~الشيخ في التحفة العراقية، بل قال: إن # PageV01P202 # منكرها من الخوارج والرافضة، ومعلوم أن الكرامة لا تنشأ عن فعل محرم، فلو ~~كانت الاستغاثة محرمة لما عدها الشيخ وغيره كرامة، بل حينئذ تكون استدراجا، ~~على أن الشيخ ذكر أن المجتهد والمقلد والمؤول الذي له حسن قصد لا يكون ذلك ~~بالنسبة إليه محرما، بل يكون جائزا أو مستحبا لنسبته لاعتقادهم، وهذا ظاهر ~~لا غبار عليه إلا على من طمس الله بصيرته" انتهى. # والجواب أن يقال: # سياق الكلام ومقتضى التقرير في كلام الشيخ الذي نقله العراقي نفي الولاية ~~بهذه المذكورات، ونفي الاستدلال عليها بالمكاشفة وخوارق العادة، ورؤية ~~المستغاث به من الغائبين والأموات، والإخبار بما سرق وبحال الغائب والمريض. ~~وقرر أن هذا ونحوه لا يدل على الولاية أصلا. وأن أولياء الله متفقون على أن ~~الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به، حتى يتقيد بمتابعة ~~الرسول موافقته لأمره ونهيه، وهذا تصريح من الشيخ بنفي الاستدلال بهذا على ~~الولاية وإبطاله. وليس فيه تسليم مجئ المستغاث به الميت أو الغائب إلى ~~المستغيث وأنه يقضي حاجته وأنه يستدل به على الولاية، كما زعم العراقي. بل ~~هو قد ذكر قوله: "فرآه" فأسند ms176 الرؤية إلى المستغيث، وقرر في هذا الكتاب وفي ~~غيره أن الإنسان قد يرى بواسطة الشياطين أشخاصا وأشباحا يتراءون لمن يدعو ~~غير الله، ويستغيث به، ويظهرون لهم في صورة من يعتقدونه من المشايخ ~~والصالحين، وأن المستغاث به لا شعور له ولا دراية له بذلك أصلا. وقد مر هذا ~~فيما نقلناه من كلامه في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ونزيده إيضاحا هنا. # فكلام الشيخ في نفي الاستدلال بهذا على الكرامة، وأنه ليس منها. والعراقي ~~صرف العبارة عن مدلولها، وصدف عنها، ونسب إلى الشيخ ما لا يحتمله كلامه ~~بوجه من الوجوه {فبعدا لقوم لا يؤمنون} [المؤمنون: من الآية44] . # قال الشيخ رحمه الله: "والطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وفي ~~مغيبه ليس # PageV01P203 # مشروعا قط، ولكن كثير من الناس يدعو الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم. # فتمثل لهم الشياطين تقضي بعض مآربهم، لتضلهم عن سبيل الله، كما تفعل ~~الشياطين بعباد الأصنام وعباد الشمس والقمر: تخاطبهم وتتراءى لهم، وهذا ~~كثير يوجد في زماننا وغير زماننا. # وقال رحم الله: واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا يقبل، وهذا كله محافظة على التوحيد؛ فإن من أصول الشرك بالله، ~~اتخاذ القبور مساجد. قال طائفة من السلف في قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم} الآية [نوح: من الآية23] : "هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد، ~~فعبدوهم" وقد ذكر بعض هذا البخاري في صحيحه، لما ذكر قول ابن عباس، وذكره ~~ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف، وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء ~~من عدة طرق" انتهى. # وقال ابن القيم في كلامه عن قصة الطفيل بن عمرو الدوسي: "ومنها وقوع ~~كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو منفعة في الإسلام ~~والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية التي سببها متابعة الرسول، ونتيجتها ~~إظهار الحق، وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدها سببا ونتيجة". # وقول العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ms177 وأصحابه ~~والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين يجوز أن يعتقد فيهم الولاية بسبب ~~الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين". # فهذا كلام باطل لم يدل عليه كلام الشيخ، ولم يتبين منه، بل هو كلام جاهل ~~لا يدري شرع الله، ولا يعرف دينه، وما جاءت به رسله، فإن ولاية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لله أظهر من أن تحتاج إلى دليل، ورتبة النبوة فوق الولاية، ~~فضلا عن رتبة الرسالة، فضلا عن رتبة أولي العزم. فهذه مراتب علية لا يدركها ~~آحاد الأولياء والمؤمنين، فكيف يقال: يجوز أن يعتقد في النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه الولاية # PageV01P204 # بسبب الاستغاثة؟ وقد يستجاب للمستغيث بالأصنام، فأثبت ولايتهم بأمر يكون ~~للأصنام والأوثالن مشاركة فيه، فتعسا له، وويل أمه ما أجهله، وأكتف حجابه ~~وأفحش خطابه. # واعتقاد الولاية لا يسوغ ولا يجوز بسبب الاستغاثة ودعاء غير الله وصريح ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة، على أن الولاية لا تثبت بسبب من هذه الأسباب ~~التي أنكرها الشيخ وألزمه إياها هذا العراقي جهلا وظلما. وإنما تثبت ~~بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيين، والقيام بالواجبات الدينية ~~والأركان الإسلامية، قال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب} الآية إلى قوله: {المتقون) [البقرة:177] ، وقال: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون} (يونس:62 63) ~~، وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله: ~~{أولئك هم المؤمنون حقا} [لأنفال: 2 4] فهذا ونحوه هو الذي يستدل به على ~~الولاية وتبثت به الولاية للعبد، وهذا معنى كلام الشيخ، وهذا الذي يفيده ~~تقريره الذي مر، ولكن العراقي ألف الكذب والإلحاد، فصار له سجية يتهيأ لها ~~بغير فكر ولا رؤية. ولو كانت الاستغاثة بغير الله سببا للولاية ودليلا ~~عليها للزم القول بولاية كل معبود مع الله من الفاسقين والكهان والشياطين، ~~بل والأصنام؛ لأن عابيدها قد تقضي حوائجهم، ويخاطبون منها، كما ذكره الشيخ ~~وغيره، وقرروا ما ورد في السير من سماع الخطاب من الأصنام والأوثان، فجعل ~~الاستغاثة بهم سببا للولاية جهل ms178 عظيم، ثم الأسباب لا توجب وجود المسبب ~~بنفسها، وفرق بين الدليل والسبب، لو كان هذا ممن يعقل الخطاب، ويفرق بين ~~الخطأ والصواب. # وأما قوله: "بل تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات الأولياء ~~يجب اعتقادها كما ذكر الشيخ في التحفة العراقية" فكلام الشيخ في التحفة ~~العراقية وغيرها وكلام أهل السنة في إثبات الكرامة حق لا ريب فيه، وإنما ~~الذي ينكره المسلم ويرده بفطرته وضروريات دينه اعتقاد أمثال هذا العراقي من ~~أن الكرامة تحصل بدعاء غير الله والاستغاثة به وأن ذلك دليل إثباتها. هذا ~~لا # PageV01P205 # يقوله مسلم ولا يقوله كتابي، ولا عاقل يعرف ما يخرج من بين شفتيه، وحقيقة ~~هذا الكلام قرمطة لا تخفى على عقلاء الأنام، وليس في كلام الشيخ أن ~~الاستغاثة بغير الله كرامة للمستغاث، فمن أين أخذ العراقي هذا البهت ونسبه ~~إليه؟!. # PageV01P206 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل الرابع عشر، قال أيضا في الفرقان: والناس في هذا ~~الباب أصناف، منهم من اعتقد بشخص أنه ولي الله، وافقه في كل ما يظن أنه ~~حدثه به قلبه عن ربه، وسلم له جميع ما يفعله، ومنهم إذا رآه فعل ما ليس ~~بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية، وإن كان مجتهدا مخطئا. وخيار ~~الأمور أوسطها. وهو أنه لا يجعل معصوما، ولا مأثوما إذا كان مجتهدا مخطئا، ~~فلا يتبع في كل ما يقول ولا يحكم عليه بالكفر والفسوق مع اجتهاده إذا خالف ~~قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه قول المخالف، ~~ويقول هو مخالف للشرع". # والجواب أن يقال: # ليس في هذا الكلام ما يدل على محل النزاع أصلا، وقد تقدم أنه لا يعذر ~~المجتهد المخطئ إلا في المسائل الاجتهادية التي يقع فيها النزاع بين ~~الفقهاء أو ما يخفى دليلها، وأما ما علم من الإسلام بالضرورة، فليس من هذا ~~القبيل، ويدل على هذا قول الشيخ هنا: "إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول ~~آخرين" وبهذا تعرف مراد الشيخ، وأن هذا العراقي تراكمت عليه ظلمات الجهل ~~والطبع والهوى ظلمات ms179 بعضها فوق بعض. # PageV01P207 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل الخامس الخامس عشر: قال في كتاب ذكر فيه الانتصار ~~للإمام أحمد: إن الشيخ يحيى الصرصري صاحب الشعر المشهور ذكر عن علي بن ~~إدريس أنه سأل الشيخ عبد القادر الجيلي: هل كان لله ولي على غير اعتقاد ~~أحمد؟ وذكر جواب الشيخ عبد القادر ثم قال: "والصرصري الذي أشار إلى شعره ما ~~ذكره في قصيدته اللامية المعروفة، حيث قال: # وأخبرني من كان أصل طريقتي # وساق أبياتا من المنظومة. # ثم قال العراقي: فانظر إلى مدح ابن تيمية رحمه الله للصرصري، وقوله فيه: ~~الفقيه الصالح صاحب الشعر المشهور، مع أن هذا الشعر الذي يعنيه شيخ الإسلام ~~قد ذكر فيه أشياء تقتضي تكفيره على قول هؤلاء المبتدعو، فإنه استغاث ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: # لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة ... إليه بها في الحادثات تنصل # وقوله: # وتسأل رب العالمين بميته ... على السنة البيضاء غير مبدل # وهذا دعاء على قولهم، وقوله: # وأنت على كل الحوادث لي ولي # وقوله: # على تربها خديك عفر # وكل هذا يقتضي الإشراك على قواعد مذهبهم الجديد، والشيخ ابن تيمية أثنى ~~عليه بأنه فقيه صالح، ولم يعترض عليه، # فانظر # PageV01P208 # إلى هذه القصيدة وما فيها، وقابلها مع قول البوصيري: # يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به البيتين. # وقد صرح في البيت الثاني إن مقصوده الشفاعة يوم القيامة بجاهه صلى الله ~~عليه وسلم مع أنه صادق، كما في البخاري وغيره، وفي تفسير قوله تعالى: {عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الاسراء: من الآية79] إنه الشفاعة العظمى. # والجواب أن يقال: # شيخ الإسلام رحمه الله لم يتعرض شعر الصرصري في هذا النقل لا بمدح ولا ~~بذم، وإنما أثنى على نفس الصرصري، وحكى عنه هذه المقالة، ولا يلزم من مدح ~~شخص وحمده من جهة أن يكون ممدوحا محمودا من كل جهة، بل لا يلزم من الحكم ~~عليه بالإسلام أو الإيمان أن لا يحكم عليه بما يوجب نقص إيمانه، وخلل ~~إسلامه، ويقتضي تأثيمه ببعض السيئات، وعقابه عليها. # وقد ذكر الشيخ ms180 أن شعر يحيى الصرصري وقع فيه من الغلو والإطراء ما لا ~~ينبغي أن يصدر مثله في حق مخلوق، وأنكر على من استغاث بغير الله أو دعاه. # قال الشيخ رحمه الله في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: "وأنه ~~حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه، وترك المحكم، كما يفعله النصارى، ~~وكما فعل هذا الضال يعني ابن البكري أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى ~~الاستغاثة بالحي وإلى الاستغاثة بالميت. والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر ~~عليه، فجعل حكم ذلك كله واحدا ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى ~~الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه ~~فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، ~~فدخل عليه الخطأ من وجوه: # منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثا به. وهذا لا يعرف ~~في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازا، مع دعواه الإجماع على ذلك؛ فإن ~~المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به. # PageV01P209 # الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته كان توسلا بذاته صلى الله عليه ~~وسلم لا بدعائه وشفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط. # الثالث: أنه أدرج السؤال أيضا في الاستغاثة به وهذا صحيح جائز في حياته ~~وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في ~~التسوية بين المحيا والممات وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه ~~موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه والشيخ ~~محمد بن النعمان كان له كتاب المستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ~~والمنام، وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام الذين يؤخذ ~~بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا ~~نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله ~~فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر ms181 خطوات معدودة ~~واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم ~~تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد ~~الأصنام" انتهى. # وقال رحمه الله في أثناء كلام له: "ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يشرع بالضرورة لأمته أن يدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا ~~الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا يغيرها. كما أنه لم يشرع لأمته ~~السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ~~ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم ~~بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيره بذلك حتى يبن لهم ما جاء ~~به الرسول؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن ~~لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: ~~هذه أعظم ما بينت لنا، لعلمه أن هذه أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ~~ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما ~~كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه # PageV01P210 # دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره ~~بخلاف عبادتهم لله، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة ~~والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام التتار لما قدم دمشق خرجوا ~~يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض شعرائهم: # يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر # أو قال: # عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكموا من الضرر # فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا ~~كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة والدين ~~والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة؛ لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ~~ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله، ~~وإنهم لا ms182 يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا ~~في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا لم يتقدم لهم نظيره، ولم ~~تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من تحقيق التوحيد لله وطاعة ~~رسوله، مما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" انتهى ما نقلته من كلامه. # ولم يقتصر فيه على مجرد الإنكار، بل جعله شركا وكفرا، بعد قيام الحجة ~~والعلم بكفر فاعله، وجعله من ضرورات الدين، بل جعله أصل الدين، وجعل وجود ~~هذا الشرك مانعا من القتال الشرعي، وسببا للهزيمة وعدم النصر، فأي إنكار ~~أبلغ من هذا؟. # وقد أنكر الشيخ ابن تيمية شعر الصرصري، ونص على أنه يقع فيه ما لا يسوغ ~~ولا يجوز. # وقوله: # لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة # ليس فيه استغاثة كما زعم العراقي، بل المقصود إنه صلى الله عليه وسلم هو ~~الواسطة بين العباد # PageV01P211 # وبين الله في إبلاغ شرعه ودينه، وبيان ما يحب ويرضى، وما يكرهه عنه وينهى ~~فهو وسيلة لمن سار إلى الله على سبيله، وتمسك بهديه، وقبله قوله: # سل الله رب العالمين يميتني ... على السنة البيضاء غير مبدل # ليس صريحا في أن السائل لله هو النبي صلى الله عليه وسلم إذ يحتمل أنه ~~أراد: سل أيها المذنب وأيها العبد، ولكنه التفت عن التكلم إلى الخطاب، ~~وإحسان الظن بمثله أولى. # وأما قوله: # وأنت على كل الحوادث لي ولي # فالمراد أنه يوالي الرسول صلى الله عليه وسلم ويتولاه على كل الحوادث، في ~~اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والضيق والسعة. لا يوالي غير أولياء الله. ~~قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ~~هم الغالبون} [المائدة:55 56] ، فليس المراد بالولي المستغاث المعبود؛ فإن ~~هذا فهم جاهلي شركي، وأهل الإسلام يفهمون من موالاة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم محبته وتوقيره وتعزيره وطاعته والتسليم لأمره، والوقوف عند نهيه، ~~وتقديم قوله على ms183 قول كل أحد، هذه هي موالاة أهل الإسلام، وما قال العراقي ~~موالاة عبادة الأصنام. # إذا عرفت هذا عرفت جهل هذا العراقي بمعاني الخطاب، وموضوع الكلام وأنه ~~أجنبي عن مدارك الأحكام، والعلم بشرائع الإسلام، وأن قول البوصيري أشنع ~~وأبشع من قول الصرصري، لما تضمنه من الحصر، ولما فيه من اللياذ بغير الله ~~في الخطب الجليل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: {قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين} [الأنعام:40] ، فدعء غير الله في الأمور العامة الكلية أبشع من ~~دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره ~~عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة الهي الحادث العمم. # وأما قول العراقي: إن مقصوده الشفاعة والجاه، فهذا لا يفيده شيئا؛ لأن # PageV01P212 # عامة المشركين إنما يقصدون هذا، ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، ~~وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة، كما حكاه القرآن في غير موضع. # وأما تشبيه العراقي بأنه صلى الله عليه وسلم أعطى الشفاعة يوم القيامة، ~~وأنزل عليه {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الاسراء: من الآية79] ، فهذا ~~تلبيس منه، وتشبيه على من لا يدري الحقائق ولم يتفطن لمسألة النزاع، فإن ~~الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم ~~لذلك ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله صلى الله عليه ~~وسلم إياهم يوم القيامة، فهذا لا ينكر. وهو من جنس ما كان يطلب منه في ~~حياته صلى الله عليه وسلم. وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن ~~أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعة أو غيرها، وإنما فعله ~~بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام، والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم. # PageV01P213 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل السادس عشر: قال في الفتاوى في جواب سؤال ورد من ~~كيلان، في مسألة خلق القرآن ما نصه: "فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع ~~متفرعة على هذا الأصل، وفي الأدلة ms184 الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب أحدا من ~~هذه الأمة على خطأ، وإن عذب المخطئ في غيرها ثم ساق حديث أبي هريرة في ~~الرجل الذي أمر أولاده بتحريقه، وأن يذروه في البحر وأنه شك في قدرة الله، ~~ومع ذلك غفر الله له لما معه من خوف الله والإيمان به، ثم ذكر كلام الشيخ ~~في الخطأ في الفروع العملية، وأنه قد وقع في بعض السلف وساق قصة داود ~~وسليمان وحكمهما في الغنم، ثم قال: انظر إلى كلامه وتأمله فإنه أنذر وأعذر، ~~وتحاشى عن تكفير أهل البدع العظام القائلين بنفي قدرة الله أو عدم البعث". # هذا كلامه بحروفه، ثم أطال الكلام في قصة داود وسليمان وزعم أنه معنى ~~قوله تعالى: {وكلا آتينا حكما وعلما} [الانبياء: من الآية79] ، فإن الله ~~أقر حكمهما. # والجواب أن يقال: # قد أكثر هذا العراقي من التشبيه بعدم تكفير المخطئ وعدم تأثيمه، وقد مر ~~من الجواب عن هذه الشبه ما فيه كفاية. وأكثر كلامه تكرير وإسهاب، يوهم ~~الجهال به أنه قد قرر الصواب، وأوضح الخطاب، ولا يروج هذا إلا على # PageV01P214 # العوام ومن لا بصيرة له بحقيقة دين الإسلام. وقد قدمنا أن طرد قول ~~العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، ~~كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله ~~الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من ~~التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة ~~الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين ~~بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث ~~إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي ~~هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثم فرقا بين هذا ~~وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا رب ~~العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلا على صحته، فإن لم يفعل ولن ~~يفعل بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم ms185 والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من ~~أهل الفقه والدين، ولا ممن يعرف الإسلام والمسلمين، ويفرق بين الموحدين ~~والمشركين، بل هو في ظلمات الطبع والجهل والشرك المبين. # وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله، فإنه قد ~~صرح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة ~~في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى ~~والاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى وللغائبين؟ كيف والقرآن ~~يتلى في المساجد والمدارس والبيوت؟ ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة ~~معلومة الصحة والثبوت؟. # والحديث الذي ذكره الشيخ في رجل من أهل الفترات قام به من خشية الله ~~وخوفه والإيمان بثوابه وعقابه ما أوجب له أن أمر أهله بتحريقه، فأين هذا من ~~هؤلاء الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على دعاء غير الله، والشرك برب العالمين، فسحقا لهذا الجاهل ~~المفتري، وبعدا لكل ضال غوي. # PageV01P215 # ومن تأمل كلام الشيخ وسياقه عرف مقصوده، وأن الكلام فيمن كفر العصاة وأهل ~~الكبائر، وذكر نزاع الناس في ذلك ثم قال: وأما السلف والأئمة فاتفقوا على ~~أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل ~~القلب والأركان. # قال: وقال المنتصرون لمذهبهم: إن للإيمان أصولا وفروعا، وهو مشتمل على ~~أركان وواجبات ومستحبات، بمنزلة اسم الحج والصلاة؛ فإن اسم الحج يتناول كل ~~ما يشرع فيه من فعل وترك، مثل الإحرام وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ~~ومزدلفة ومنى، والطواف والسعي. ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان، متى تركت ~~لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد حجه، وهو الوطء. ~~ومشتمل على واجبات، من فعل وترك، يأثم بتركها عمدا، ويجب لتركها لعذر ~~أوغيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت، والجمع بين الليل والنهار ~~بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج ~~بها، ولا يأثم بتركها، ولا توجب دما، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، ~~وسوق الهدى، وذكر ms186 الله في تلك المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر ونهي. فمن ~~فعل ذلك الواجب، وترك المحظور، فقد تم حجه وعمرته، وهو مقتصد من أصحاب ~~اليمين في هذا العمل. # لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل وأتم حجا وعملا، وهو سابق مقرب، ومن ترك ~~المأمور، وفعل المحظور، لكنه أتى بأركانه، وترك مفسداته فجه ناقص، يثاب على ~~ما فعله من الحج، ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض. إلى أن قال : ~~فمسألة تكفير أهل والأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل. ثم ذكر مذاهب ~~الأئمة في ذلك وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم ~~وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلظ القول فيهم، وذكر الروايتين في ~~تكفير من لم يكفرهم، وذكر أصول هذه الفرق، هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، ~~والقدرية ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف. واحتج بحديث أبي هريرة ~~ثم قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من # PageV01P216 # المشركين وأهل الكتاب، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان ~~بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة، هو من أعظم ~~أصول الإيمان، وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه أي المخطئ بأحد ~~الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبها من إلحاقه بالمشركين وأهل ~~الكتاب، مع العلم بأن كثيرا من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ~~ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم من زنادقة منافقين، وأولئك في الدرك ~~الأسفل من النار. # فتبين بهذا مراد الشيخ، وأنه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين، ~~وكذلك المشركين، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة. فإنه منع إلحاق ~~المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وهذا هو قولنا ~~بعينه. فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع ~~في نوع من البدع فهذا لا نكفره ولا نخرجه من الملة. # وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ ~~والمجتهد، وأنه في مسائل مخصوصة، وبين أن الإيمان ms187 يزول بزوال أركانه ~~وقواعده الكبار، كالحج يفسد بترك ركن من أركانه، وهذا عين قولنا، بلغ هو ~~أبلغ من مسألة النزاع. # ومن تأمل كلام الشيخ في هذا الباب عرف المراد، ومن أزاغ الله قلبه فلا ~~حيلة فيه. # وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحدا ليس من أهل الشرك فقد ثبت ~~من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة: "لم يعمل خيرا ~~إلا التوحيد" فبطل الاحتجاج به عن مسألة النزاع. # وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع ~~فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليست في محل النزاع. # فإيراد العراقي لها هنا تكثر بما ليس له وتكبير لحجم الكتاب بما لا يغني ~~عنه فتيلا. # وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك ~~العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي ~~اجتهدوا # PageV01P217 # فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ وهل قتل الحلاج باتفاق أهل الفتوى على ~~قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح ~~الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ~~ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر ~~وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين الصديقة بنت ~~الصديق رضي الله عنهما، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في ~~قوله: " إن كل خطأ مغفور". وهذا لازم له لا محيص عنه هنا، واستصحب ما ذكر ~~هنا في رد ما يأتي، ويمر عليك من نحو هذه الشبهة، وقد تقدم في أول الجواب ~~ما فيه كفاية، وإنما كررنا الجواب لتكرير الشبهة وإن عادت العقرب فالنعل ~~لها حاضرة. # PageV01P218 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل السابع عشر: "قال في الفتاوى أيضا، وفي جوابه له: ~~"وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ~~ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ~~ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم ms188 أكفر من اليهود والنصارى، لويسوا من أهل ~~الملة، ولا من أهل السنة. وقد يكون فيهم من هو مسلم، ولكنه مبتدع ضال، أو ~~فاجر فاسق. # إلى أن قال ويجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ~~ذلك في كل معلن ببدعة وفجور. # وليس ذلك مختصا بهم، بل كل من كان من المتفقهة، والمتعبدة، والمتفلسفة، ~~ومن وافقهم من أهل الديوان والملوك، والأغنياء، والكتاب، والأطباء، والعامة ~~خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر ~~الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجب الله ورسوله، ولا يحرم ما حرم ~~الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ظاهرا وباطنا؛ مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره أو يهديه، ~~أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو يفضله على النبي صلى ~~الله عليه وسلم تفضيلا مطلقا، أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله ~~تعالى، وكان يرى نفسه هو أو شيخه مستغنيا عن متابعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، ومنافقون إن لم أبطنوا. # وهؤلاء الأجناس، وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم ~~والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من ~~آثار الرسالة وميراث # PageV01P219 # النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات ~~الفترات، وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له لم تقم ~~الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، كما في الحديث المعروف: " يأتي ~~على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صياما، ولا حجا، ولا عمرة، إلا ~~الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا ~~الله فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم ~~من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار". # وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة ms189 والإجماع، يقال: هي كفر ~~قولا مطلقا، كما دل على ذلك الدليل الشرعي؛ فإن الإيمان والتكفير من ~~الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم ~~وأهوائهم. ولا يجب أن يحكى في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه ~~شروط التكفير، وتنتفى موانعه، مثل من قال: شرب الخمر أو الربا حلال؛ لقرب ~~عهده بالإسلام، والنشأة ببلاد بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولا يعتقد أنه من ~~القرآن ولا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، كما كان بعض السلف ينكر ~~أشياء حيث لم يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وكان الصحابة ~~يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك، ومثل الذي قال لأهله: " إذا أنا مت ~~فاسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فلعلي أضل الله" ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا ~~يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ ~~والنسيان. وقد أشبعنا الكلام عليها في أماكنها، والفتوى لا تحتمل البسط ~~أكثر من هذا. والله أعلم ". انتهى. # قال العراقي بعد نقله لهذا : "فتأمل كلام شيخ الإسلام في هذه الطائفة ~~القلندرية وأشباههم، مع قوله: "إن أكثرهم لا يؤمن بالله ورسوله، وقوله: لا ~~يرون وجوب الصلاة والصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وكثير منهم أكفر ~~من اليهود والنصارى، وأنهم يخالفون الدين الذي بعث الله به رسوله باطنا ~~وظاهرا، وأنهم يعتقدون أن شيخهم يرزقهم وينصرهم ويهديهم ويغيثهم، ويعبدون ~~شيوخهم ويسجدون لهم، ويفضلون شيوخهم على النبي صلى الله عليه وسلم وكل ~~واحدة من # PageV01P220 # هذه الخصال مكفرة إذا اعتقدوا أن الرزق والنصرة والإغاثة من شيوخهم ~~استقلالا من دون الله من غير تأويل أنها بشفاعتهم، وهذا كله عندهم لفتور ~~آثار الرسالة، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك وأنهم مثابون مغفور لهم على ما ~~معهم من الإيمان. وإن كلمة لا إله إلا الله تنجيهم من النار حتى كررها ~~الصحابي الجليل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدم إيجابهم الصلاة ~~والصيام والزكاة والحج والعمرة وأن حال هؤلاء ms190 كحال بعض الصحابة وبعض السلف ~~الشاكين في ثبوت بعض الآيات، أو بعض الأحاديث، ولم تبلغهم أو بلغتهم أولوها ~~ومثل الذي أمر أهله بإحراقه وذره في الهواء واعتقد أن الله لا يقدر عليه ~~وعلى بعثه وصرح رحمه الله أن الكفر لا يثبت على معين، إن أطلق عليه الكفر ~~بالكتاب والسنة والإجماع، حتى تبثت شروط التكفير، وتنتفي موانعه. ومن جملة ~~موانعه كما صرح به غير مرة: الاجتهاد في مسألة، ولو مخطئا والتقليد لمجتهد ~~في هذه المسألة أو تأويلا يعذره الله فيه، أو شبهة أو جهلا وحسن قصد، وانظر ~~إلى قوله: فإن الإيمان والتكفير من الأمور المتلقاة عن الله ورسوله وليس ~~ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم وأهوائهم، فانصف يا أخي ولا تتجاسر على من ~~يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومع ذلك يوجب ما أوجبه الله ورسوله ~~ويصلي ويصوم ويزكي ويحج ويحب الله ورسوله، ويؤمن بكتبه وملائكته ورسله، ~~والله يصلنا وإياك. # والجواب أن يقال: # هذا العراقي يتكثر بما ليس له، ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد ~~أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن ~~الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ~~ولا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجب الله ~~ورسوله أو لا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو كان يدين بدين يخالف ما بعث الله ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ~~ينصره أو يهيديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يسجد له أو يفضله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلا مطلقا أو مقيدا، أو كان يرى أنه هو أو ~~شيخه مستغيثا عن متابعة # PageV01P221 # الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: "فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ومنافقون إن ~~أبطنوا" فجزم بكفرهم وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفا ~~واحدا، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من ms191 التكفير بالجزئيات ما دون مسألة ~~النزاع بكثير. # وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة فلقلة دعاة العلم وفتور ~~آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة ~~وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، ,كثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات ~~الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم ~~تقم الحجة عليه، ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة" إلى آخر كلامه. # فهذا هو الذي تمسك به العراقي، أعني على هذا الكلام الأخير، وظن أنه له ~~لا عليه، وهذا غلط ظاهر وجهل مستبين؛ فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، ~~وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته ومسبته ورده كما فعل هذا العراقي، أو أعرض ~~عنه فلم يرفع به رأسا، كحال جمهور عباد القبور ولم يعلم، ولكن تمكن من ~~العلم ومعرفة الهدى، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به ~~الرسل ولا اهتم به. وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله ~~أنه لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية، وإلا من عرف دين الرسول وبعد ~~معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد ~~الكواز ونحوه ونقاتلهم حتة نبين لهم وندعوهم فيكف نكفر من لم يهاجر إلينا؟ ~~ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله؟ ~~وإذا كان هذا كلام شيخنا، وهذه طريقته فكيف يلزمه العراقي وينسب إليه ~~التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات ومن لم تبلغهم ~~الدعوة يغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم؟. # والعراقي لبس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه ~~وما لم يقل، وألزمه ما هو بريء منه، ثم أخذ في رد ما افتراه وبهت الشيخ به، ~~وبهذا تعرف أنه مخلط ملبس. # PageV01P222 # قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طبقات المكلفين بعد أن ذكر الطبقة ~~السادسة عشرة : "رؤوس الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد ms192 الله عن ~~الإيمان وعن الدخول في دين الله رغبة ورهبة، فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم ~~عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان قال تعالى: ~~{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: من ~~الآية88] وأطال الكلام في تغليظ كفر هذه الطبقة، ومضاعفة عذابهم ، ثم ذكر ~~الطبقة السابعة عشرة، فقال: "الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال ~~الكفار وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبع يقولون: {إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة} [الزخرف: من الآية22] ولنا أسوة بهم، ومع هذا فإنهم مسالمون لأهل ~~الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا ~~أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله، وهدم دينه ~~وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة ~~كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل ~~البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة. وهذا ~~مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من ~~بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى ~~اليهودية والنصرانية والمجوسية ولم يعتقد في ذلك غير المربي والمنشأ على ما ~~عليه الأبوان، وصح عنه أنه قال: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة". وهذا ~~المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف، والعاقل لا يخرج عن الإسلام أو الفكر. ~~وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال ~~والمجانين وقد تقدم الكلام عليهم. # قلت: وهذا الصنف أعني من لم تبلغهم الدعوة الذين استثناهم شيخ الإسلام ~~ابن تيمية فيما نقل عنه العراقي، واستثناهم شيخنا الشيخ محمد رحمه # PageV01P223 # الله تعالى، وصنف شيخ الإسلام رسالة في أن الشرائع لا تلزمه إلا بعد ~~البلاغ وقيام الحجة. # ثم ms193 قال ابن القيم رحمه الله: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا ~~شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد ~~بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة ~~أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن ~~الكافر من جحد توحيد الله تعالى، وكذب رسوله، إما عنادا وإما جهلا وتقليدا ~~لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد ~~أخبر الله في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن ~~الأتباع مع متبوعهم وأنهم يتحاجون في النار، وأن الأتباع يقولون: {ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} ~~[لأعراف: من الآية38] ، وقال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء ~~للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار، قال ~~الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر:47 48] ، ~~وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين، قال ~~الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم ~~مجرمين، وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ ~~تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [سبأ: من الآية31 33] فهذا إخبار ~~من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم ~~تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا} [البقرة: 166 167] ،وصح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من ~~اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئا". وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما مجرد ~~اتباعهم وتقليدهم، نعم لا بد في هذا ms194 المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو ~~الفرق # PageV01P224 # بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق، فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك ~~بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه ~~لا عذر له عند الله. وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم ~~بوجه، فهم قسمان: أحدهما: مريد للهدى مؤثر له، محب له غير قادر عليه ولا ~~على طلبه لعدم المرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. # الثاني: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول: يقول ~~يا رب، لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن ~~لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. ~~والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده ~~بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز؛ وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما ~~من الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد ~~استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه ~~وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض. # فتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته. ولا ~~يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهبذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما ~~كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين ~~الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين ~~الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة ~~عليه بالرسول هذا في الجملة. والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. # هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر ~~الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم ~~وبهذا التفصيل يزول الإشكال ms195 في المسألة وهو مبني على أربعة أصول: # أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. كما قال ~~تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الاسراء: من الآية15] ، وقال: ~~{رسلا مبشرين ومنذرين # PageV01P225 # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: من الآية165] ، وقال ~~تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [الملك: 8 9] ، وقال: ~~{فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} [الملك:11] ، وقال: {يا معشر الجن ~~والأنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين} [الأنعام:130] ، وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذبهم لأنه قد ~~جاءهم الرسول وقامت عليه الحجة، وهم المذنبون المفترون بذنوبهم، وقال ~~تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف:76] ، والظالم: من ~~عرف ماجاء به الرسول، وتمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم لم ~~يكن عنده من الرسول خبر أصلا، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف ~~يقال: إنه ظالم؟. # الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم ~~إرادته بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. ~~فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد. # وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي ~~نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل. # والأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ~~فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى ~~كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، ~~وإما لعدم فهمه؛ لكونه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، ~~فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ويتمكن من التفهم، وهو أحد الأربعة ~~الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي ~~هريرة وغيرهما. ms196 # الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التي لا يخل # PageV01P226 # بها وأنها مصقودة لذاتها المحمودة وعواقبها الحميدة. # وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات الذي عليه ينبني، مع تلقي ~~أحكامها من نصوص الكتاب والسنة لا من آراء الرجال وعقولهم، ولا يدري قدر ~~الكلام في هذه الطبقة إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف ~~في هذا الباب، وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم والله الموفق للسداد ~~الهادي إلى الرشاد. # وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التي ترجح ~~أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك ~~واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله تعالى: {لا يسأل ~~عما يفعل} [الانبياء: من الآية23] لكمال حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء ~~مواضعها وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل ~~المخلوق، وهو الفعال لما يريد، ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هوم خير ومصلحة ~~ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور، ولا خلاف مقتضى حكمته ~~لكمال أسمائه وصفاته وهو الغني الحميد العليم الحكيم" انتهى. # فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع، فإنه رحمه الله لم يستثن إلا من عجز ~~عن إدراك الحق مع شدة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ ~~الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين رحمهم الله. # وأما العراقي وإخوانه المبطلون، فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه ~~يقول: هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسا يدفعون ~~به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين، كما ~~جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين، وإلى الله المصير، وهو الحاكم ~~بعلمه وعدله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. # وأما من أعرض عن الهدى ودين الحق، ولم يرفع به رأسا بعد معرفته أو مع ~~تمكنه من معرفته، فالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية دالة على دخول هؤلاء # PageV01P227 # في الوعيد. قال تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم ms197 لبعض عدو فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه:123 124] الآية. # وقول المعترض: إن الشيخ قال: لا يثبت الكفر على معين، فهذا تحريف ظاهر، ~~وإنما قال الشيخ: لايحكم على معين. والفرق ظاهر، والشيخ شيخ الإسلام يقول ~~فيما ذكر في الجواب : "إنه كفر قولا مطلقا" وإنما توقف الحكم على المعين؛ ~~لاحتمال عدم قيام الحكم، والعراقي يرى أن دعاء المشائخ والاستغاثة بهم ~~وعبادتهم قربة مستحبة، فكيف يحتج بكلام الشيخ، وهو صريح في الحكم بأن هذه ~~الأمور من المكفرات؟ فسبحان من طبع على قلبه وأعمى عين بصيرته. # قال العراقي: "النقل الثامن عشر: قال في كتاب الانتصار للإمام أحمد: ثم ~~قد يوجد لأهل المعرفة من أولياء الله من خفيت عليه بعض السنة الاعتقادية أو ~~غيرها، ويوجد منهم من قد أخطأ في بعض ذلك، كما يخطئ العلماء في بعض ~~اجتهادهم فإن منها ما يكون دقيقا ولم يبلغه فيها أثر, ومنها ما سبقه إليه ~~قوم فتبعهم إما اجتهادا أو تقليدا يعذر فيه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ~~وليس كل من أنكر شيئا لم يبلغه يصير فاسقا، بل قد يكون مجتهدا مخطئا، فيثاب ~~على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، فقد أنكرت عائشة وطائفة معها رؤية محمد ربه، ~~وأثبت ذلك ابن عباس وجمهور أهل السنة، ولم يقل أحدهما في صاحبه إلا خيرا، ~~وكذلك أنكرت عائشة سماع أهل القليب الموتى نداء النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهم يوم بدر، وثبتت النصوص أن الموتى يسمعون خفق النعال، وأنهم يسمعون كلام ~~الأحياء، وأن عائشة لم تثبت عندها النصوص بذلك، وتأولت ظاهر قوله: {إنك لا ~~تسمع الموتى} [النمل: من الآية80] ولو أنكر اليوم من بلغته السنة الصحيحة ~~لم يكن معذورا كعذر عائشة. # والجواب أن يقال: # قد تقدم في جواب النقل السابع عشر: أن الشيخ لا يكفر إلا من قامت # PageV01P228 # عليه الحجة، وبلغته النصوص، ويقرر لأصحابه أن الشرائع لا تلزم إلا بعد ~~البلاغ ولو توقف أحد في ms198 بلوغ الرسالة وقيام الحجة على بعض الناس في بعض ~~المسائل، كمسألة توحيد الله ووجوب عبادته وحده لا شريك له التي هي مدلول ~~"لا إله إلا الله" وهي من ضروريات الإسلام التي لا تخفى على الآحاد، ثم ~~أمثال هذا العراقي ممن بلغته الآيات والأحاديث. فألحد وحرف وبدل، لا يشك في ~~قيام الحجة عليه، وبلوغ الرسالة في هذه المسائل المخصوصة، وهو ممن بدل نعمة ~~الله من بعد ما جاءته كفرا، ولا شك في كفره وكفر أمثاله، وإن لم تقم الحجة ~~عليه لم تقم على أحد من عباد القبور. # فكلام الشيخ الذي نقل في هذا الكتاب من أوله إلى آخره: أن من بلغته الحجة ~~في أصول الدين وأصر وعاند يكفر بالإجماع، وإنما يتوقف فيمن لم تقم عليه ~~الحجة ولم يبلغه الدليل. # فظهر أن كلام الشيخ نص في تكفير هؤلاء المعاندين المحرفين للنصوص الصادين ~~عن سبيل الله. # ثم أين مسألة الرؤية، ومسألة سماع الموتى من مسألة النزاع؟ وقد تقدم لك ~~أن الرجل يتكثر بما ليس له، كالأقرع يفتخر بجمة ابن عمه. # قال العراقي: "النقل التاسع عشر: قال الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه ~~الكبائر، وفي كتاب السنة والبدعة له في بيان بدعة الرفض من هذين الكتابين: ~~"قال الشيخ الحافظ السلفي نزيل الإسكندرية بسنده إلى يحيى بن عطاف المعدل : ~~إنه حكى عن شيخ من دمشق ثم ساق حكاية منامية من جنس ما يتكثر به من الأوهام ~~التي يتعلق بها أمثاله من الخرافيين". # والجواب أن يقال: # ليس في الحكاية جواز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاعل ذلك ~~لا يحتج بفعله بإجماع المسلمين. وإنما سيقت العبارة لتقرير نصر الله ~~لأوليائه، وإثابة من نصرهم ووالاهم. لا لأجل الاستغاثة. وأنها تجوز بغير ~~الله وأن ذلك # PageV01P229 # صواب، والاستدلال بالحكاية خروج عن موضوعها وموضوع الكتاب الذي سيقت فيه، ~~وابن القيم قرر في غير موضع أن دعاء الموتى هو أصل شرك العالم، وأنه من ~~الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه بالكفر بالطاغوت وإخلاص ~~الدين والعبادة لله ms199 وحده، وقرر ذلك في كتاب الإغاثة، وشرح المنازل، والدواء ~~الشافي، وكتاب الهدي، وغير ذلك من مصنفاته، وسياق الحكاية صريح في أنها ~~كرامة لأبي بكر وعمر، وإن الله هو الفاعل للكرامة، ودخول في دين عباد ~~الكواكب والأصنام. وإنما ساق كلامهما دليلا لو قالا إن الرسول قد فعل ذلك ~~وأنه يستغاث به بعد موته، على أنه لا يسلم لهما، وإن قالاه، وقد حماهما ~~الله عن ذلك وصان قدرهما عنه. # وقد مر في جواب الوجه السابع وما بعده من النقول عن اقتضاء الصراط ~~المستقيم: أن الكائنات لا يحاط بأسبابها، وأنها ليست من الأدلة على الأمر ~~والنهي والوجوب والاستحباب، والجواز والإباحة، وقد يكون السبب رحمة الله ~~ونصره لأوليائه، وحاجة المضطر وفاقته. فالمضطر قد يستجاب له ولو دعا الله ~~في الحانات والأسواق. قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} الآية [النمل: ~~من الآية62] ، فالجزم بأن الرسول هو الذي أجابه، والقول بذلك قول بلا علم، ~~وتحكم بلا دليل ولا فهم، والعراقي ليس له عناية ولا معرفة بصناعة العلم ~~والاستدلال، فهو كحاطب ليل أو حاطم سيل، ما وجده أخذه، وما اشتهاه قاله، من ~~غير أصل يرجع إليه، ولا دليل يعول عليه، والله المستعان. # وقد مر أنه قد يستجاب لعباد الأصنام ونحوهم، وأن ذلك ليس بدليل، وإن طرده ~~كفر متناه كل هذا تقدم مستوفى، ويأتيك تمام الجواب بعد الحكاية التي تلي ~~هذا. # قال العراقي: "الوجه العشرون: وقال ابن القيم: قال الشيخ كمال الدين بن ~~العديم في تاريخ حلب: قال أخبرني أبو العباس أحمد بن عبد الواحد عن # PageV01P230 # شيخ من الصالحين يعرف بعمر بن الرعيني وساق حكاية مثل السابقة وقعت ~~لرافضي خبيث انتقم الله منه لتنقصه أبا بكر الصديق رضي الله عنه. # والجواب أن يقال: # هذه الحكاية من جنس ما قبلها، لا تدل على ما زعمه العراقي من الاستغاثة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، وليس في فعل هذا الرجل المستغيث ما ~~يستأنس به ويستريح إليه المبطلون. ونقل ابن القيم لها وإيراده لمثل هذا ~~يقصد به بيان فضل ms200 الصديق، وشناعة الرفض وقبحه، وأن الله أكرم صاحب نبيه ~~وصديق الأمة بتعجيل العقوبة لأعدائه الرافضة، ومسخهم قردة وخنازير، أو أن ~~من والى صديق الأمة وسلك ما عليه أهل السنة والجماعة من موالاة جميع ~~الصحابة، فإن الله ينصره ويؤيده ويستجيب دعاءه. وقد تقدم قول الشيخ في ~~المستغيثين بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنعه من ذلك ونهيه عنه. والاستغاثة ~~بالأنبياء والصالحين بعد مماتهم وفي مغيبهم مسألة معروفة مشهورة تكلم فيها ~~أهل العلم، ومنعوا منها أشد المنع، وذكروا أنها من شعب الشرك وأنها أصله ~~الذي نشأ منه وتفرع عليه سائر الشركيات، وصنف الشيخ رحمه الله مجلدا في منع ~~الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم والتحذير منها، ومن الاستغاثة بغيره ~~من الأنبياء والصالحين وقرر أدلة المنع من الكتاب والسنة والإجماع ~~والاعتبار، وأكثر الكلام في المنع من هذا. # قال رحمه الله: "ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كسفينة نوح أن ~~الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك. وطائفة منهم يصلون ويدعو أحدهم ~~الميت فيقول: اغفر لي وارحمني. ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدبرا ~~الكعبة ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وهذا يقوله من هو ~~أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع ولعله أمثل أصحاب شيخه، وهو يقوله ~~عن شيخه. وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الاجتهاد في العبادة ~~والزهد، كان يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه ~~عكوف أهل التماثيل. وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور ~~من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد # PageV01P231 # وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد، ~~وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا، فالمعنى ~~واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والتصوف صنف كتاب الاستغاثة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم في اليقظة والمنام، وذكر من مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة ~~وكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة ~~وجعل هذا من مناقبه، وبسبب ms201 الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ ممن يقصده من ~~العلماء والقضاة اشتهر عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت ~~المقدس، والبدة الذي في الهند الذي للمشركين لأنه يعتقد أن دين اليهود ~~والنصارى حق. # وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال: أريد أن أسلك على ~~يديك، فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود ~~والنصارى ليسوا كفارا؟ قال: لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل. ومن الناس من ~~يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها كما يفعل ~~بالمغرب والمشرق. # وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم، ~~والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته موجودة في كلام بعض الناس ~~مثل يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم ظاهر صلاح، ولكن ليسوا من ~~أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. ~~وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم ظاهر فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا ~~إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس. # وهؤلاء مستندهم مع العادة، قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ~~ومعهم الأدلة الباطلة: إن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في ~~الهواء وقضى بعض تلك الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون ~~الملائكة والأنبياء أو الكواكب أو الأوثان؛ فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ~~ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام". # ثم قال حاكيا عن ابن البكري الذي صنف في جواز الاستغاثة # PageV01P232 # بالنبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه وقد طاف بجوابه على علماء مصر ~~ليوافقه واحد منهم، فما وافقوه، وطلب أن يخالفوا الجواب الذي كتبته أي شيخ ~~الإسلام فما خالفوه. مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك ~~قياما عظيما، واستعانوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم ~~وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم" انتهى. # فتأمل هذا الكلام ms202 فإنه يستبين لك به ضلال العراقي، وأنه لم يفهم المراد ~~من الحكاية، وقد صرح شيخ الإسلام أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء ~~الأنبياء ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية، ومنها أن بعضهم أفضى به ~~ذلك إلى أن يصلي للميت، ويقول: اغفر لي وارحمني، وهذا جائز عند العراقي ~~وإخوانه من عباد القبور، سائغ لا ينكر، ومنها أن بعض المستغيثين يعكف على ~~القبر عكوف أهل التماثيل، وهذا واقع منهم أيضا، وهذا من لوازم قولهم بجواز ~~الاستغاثة، ومنها أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادتها من ~~الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، ومنها أن بعضهم يحج ~~إلى القبور، وهذا عند العراقي وشيعته من الفضائل التي لا تنكر، ومنها: ~~إنكار الشيخ على من صنف كتاب الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في ~~اليقظة والمنام، وأن هذا المصنف حج مرة وكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند العراقي وشيعته ~~أفضل من الحاج إلى بيت الله، ومنها أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: البيوت ~~المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبدة الذي بالهند، وبعضهم لا يرى ذلك ~~للبدة الذي بالهند ويراه لمن يعتقده وما يؤلهه من المشايخ، ومنها أن بعضهم ~~يعرف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة، وأن هذا وقع بالمغرب والمشرق، ومنها ~~أن الشيخ نفى العلم عمن يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم كالصرصري وابن ~~النعمان، وأنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد، ~~ويدعونهم، ومنها أن من له ظاهر فضل وعلم وزهد قد يقع منه الشرك والاستغاثة ~~بغير الله، # PageV01P233 # وأن مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومن ~~المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم، وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه ~~وأنكروا على فاعله، وقد مضى فيما مر من عبارات شيخ الإسلام في اقتضاء ~~الصراط المستقيم، أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذما، ~~ومنها قوله: ms203 أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض ~~الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو ~~الأوثان، فجزم بأن قضاء الحوائج قد يحصل لعباد الملائكة أو الأنبياء أو ~~الكواكب أو الأوثان، وأنه لو حكى الوقائع الموجودة في زمانه لطال المقام. # قف هنا وتأمل كلام الشيخ تعرف أن العراقي ما زال في جاهليته وعوائده ~~الشركية، لم يخرج منها إلى الملة الحنفية والسنة النبوية. # ومنها قول الشيخ وهوثقة فيما يحكيه بالإجماع أن علماء مصر لم يوافقوا من ~~صنف في جواز الاستغاثة بالنبي فيما لا يقدر عليه إلا الله وأبوا أن يخالفوا ~~ما كتبه شيخ الإسلام من المنع، فالحمد لله الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو ~~كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده الصالحون. # PageV01P234 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "وأما النذر فللشيخين فيه عبارات النقل الحادي والعشرين، ~~قال في اقتضاء الصراط المستقيم: ومن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب ~~في الشريعة قصدها فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة ~~أو عين ماء أو جبلا أو مغارة، وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا ~~لتنويرها، ويقول: إنها تقبل النذر. فهذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ~~بل عليه كفارة عند أكثر أهل العلم؛ منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية ~~كقول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: يستغفر الله من هذا النذر ولا شيء عليه" ~~انتهى. # فانظر إلى كلامه في من نذر لبقعة أو جبل أو مغارة كيف قال: يلزمه كفارة ~~يمين عند أحمد ويستغفر الله، ولا شيء عليه عند أبي حنيفة والشافعي وإحدى ~~الروايتين عن أحمد، ولم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة، مع أنه لشجرة أو ~~بقعة من أرض، فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين، وقصده لوجه الله، ~~وثوابه لذلك المنذور له، فإنه لا يضر بهذه الصورة بالاتفاق، كما سيأتي في ~~كلام الشيخين. فإنهما قالا: إنه يصرف إلى الفقراء، وكذلك في مذهب الشافعي ~~وأبي حنيفة. ms204 # قال الشيخ مرعي في الغاية، وصاحب الإقناع فيه، ومنصور البهوتي في شرحه ~~وحاشيته، والثعلبي في شرح الدليل وغيرهم من سائر غالب كتب الحنابلة قالوا: ~~قال الشيخ تقي الدين: النذر للقبور أو لأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل ~~أو الشيخ فلان: نذر معصية لا يجوز الوفاء # PageV01P235 # به، وإن تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصاحين، كان ~~خيرا له عند الله وأنفع" انتهى. # فلو كان الناذر كافرا عنده لم يأمره بالصدقة فإن الصدقة لا تقبل من ~~الكافر، بل كان يأمره بتجديد إسلامه. # النقل الثاني والعشرون: قال ابن القيم في كتاب السنة والبدعة ما نصه: # PageV01P236 ### | ### | فصل # # ومن البدع ما زينه الشيطان لكثير من الجهلة من الرجال والنساء من تعظيم ~~مكان لم يأذن الشارع بتعظيمه من زاوية أو طاقة أو حجر أو قبة أو شجرة أو ~~عامود أو حرز حمام، وينذرون لذلك النذور، ويوقدون عنده الضوء ويخلقونه ~~بالزعفران ويطيبونه بماء الورد وغيره، ويطلبون عنده الشفاء لهم ولأولادهم. ~~وكل ذلك بدعة وإشراك بالله عز وجل، وكذلك النذر لقبور المشايخ والصالحين ~~وطلب الشفاء من قبلهم نذر معصية وإشراك بالله تعالى. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد نهى عن النذر لله، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به مال ~~البخيل". # والنذر للقبور أي قبر كان نذر معصية، لا يحل الوفاء به، بل صرفه إلى ~~الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى أفضل عند الله، وأنجح لقضاء الحاجة. # ولوكان هذا شركا مخرجا عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، ولم يكن أفضل، بل ~~لا فضيلة، لأعمال الخارج عن ملة الإسلام. # والجواب أن يقال: # ليس في كلام الشيخ، ولا كلام ابن القيم ما يدل على أن النذر الواقع من ~~عباد القبور لمن يدعونه ويقصدونه لحوائجهم وإغاثتهم في الشدائد أنه ليس ~~بشرك، بل كلام الشيخ ابن القيم صريح في أنه نذر معصية وإشراك بالله تعالى, ~~فكيف يسوقه وقد عده ابن القيم من أنواع الشرك الأكبر، وقرنه بالتوكل على ~~غير الله، والعمل لغيره، والإنابة والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق ms205 ~~من عند # PageV01P237 # غيره؟ وقد تقدم ذلك، فراجع كلامه في موضعه تعرف كذب العراقي على الله، ~~وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه. فرحم الله امرءا نظر لنفسه قبل أن ~~نزل به قدم، ويحال بينه وبين العمل، وتعظم الحسرة منه والندم وكذلك الشيخ ~~صرح بأنه معصية، والمعصية تصدق بالشرك وغيره من الكبائر إذا أطلقت. # واستدلال المعترض بأنه لم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة فإطلاق ~~المعصية كان هو المقصود، وأيضا فالكفر إنما يطلق بعد قيام الحجة، وبلوغ ~~الدليل، وقد تقدم أن الشيخ محمدا رحمه الله لا يكفر إلا بعد قيام الحجة. # وقول العراقي: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء وقصده لوجه الله؟. # ففي هذه العبارة شيئان: # الأول: استبعاده تكفير من نذر للأنبياء، وجعله ذلك دون النذر للشجرة ~~والبقعة مع أن الفتنة بقبور المعظمين أشد محنة من الشجر والبقاع. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فالشرك بالأنبياء والصالحين أخوف ~~وأعظم فتنة، كما هو معروف. # والثاني: إضافته النذر لأحد الأنبياء، وقوله بعده: وقصده لوجه الله، فإذا ~~كان النذر نفسه للأنبياء والصالحين بطل قوله: وقصده لوجه الله. وإنما يكون ~~ذلك نذرا لله وحده، وجعل الثواب لمن شاء من عباده، ومسألة إهداء ثواب القرب ~~إلى الأنبياء لا يخفى ما فيها من القول بالمنع، على من له أدنى ممارسة ~~للعلم. # والقصد هنا بيان تناقض العراقي، وأن كلامه يدفع بعضه بعضا. # وقوله: فإن ذلك لا يضر بالاتفاق كذب ظاهر، فإن قول الشيخين: إنه يصرف إلى ~~الفقراء: دليل على أنه يضر إذا صدر منه لغير الله، وأنه مأمور بالتوبة، ~~وصرف ذلك إلى الجهة المشروعة، وقد صرف النبي صلى الله عليه وسلم مال اللات # PageV01P238 # في الجهاد والمصارف الشرعية التي يستعان بها على عبادة الله وحده لا شريك ~~له، والاستدلال بصرفها في ذلك المصرف الشرعي على أنها شرك وضلال أوجبه ~~الاستدلال بذلك على أن النذر للأصنام ونحوها ليس بشرك. # وأما ما ذكره عن ms206 بعض الحنابلة إنهم نقلوا عبارة الشيخ في أن النذر للقبور ~~ولأهلها نذر معصية، فأي دليل في هذا، والمعصية إذا أطلقت دخل فيها الشرك ~~كما تقدم؟ قال الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها} [النساء: من الآية14] وقال عن فرعون: {فكذب وعصى} ~~[النازعات:21] . # وأما قوله: فلو كان الناذر كافرا عنده لم يأمره بالصدقة، فإن الصدقة لا ~~تقبل من الكافر. # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه إذا أقلع عن الذنب وصرف المال في مصرفه الشرعي، فهذا رجوع منه ~~عما كان عليه وتوبة منه. # الثاني: أنه لا يقال بالكفر مطلقا لكل ناذر لغير الله حتى تقوم الحجة ~~الرسالية عليه. # وأما ما نقله عن ابن القيم، فقد صرح فيه بأنه نذر ومعصية وإشراك، وشبهة ~~هذا العراقي: أنه لو كان شركا مخرجا عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، ~~فالعراقي لم يفرق بين النذر والمنذور، فكون النذر شركا لا يمنع الانتفاع ~~بالمنذور في الجهة الشرعية، كما تقدم من فعله صلى الله عليه وسلم بمال ~~اللات. # الوجه الثالث: أن الذي يصرفه في المصارف الشرعية هم ولاة الأمر وأهل ~~العم، وليس المقصود: أن يصرفه الناذر نفسه، فإن هذا لا يعتبر، بل يرد إلى ~~المشروع قسرا، ويعامل بنقيض قصده، وكلام الشيخ وأمثاله من أهل العلم ليس ~~حجة مستقلة بل الحجة فيما يساق من الأدلة، وقد تقدم أن القصد هنا بيان جهله ~~بكلام الشيخ، والكشف عن تحريف هذا العراقي لما نقله عن الشيخين، # PageV01P239 # وإلا فالمرجع إلى أدلة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وما أنفقتم من ~~نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} [البقرة: من الآية270] ، وقال تعالى: ~~{يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} [الانسان:7] ، فوصف خواص ~~عباده بالوفاء بالنذر وأثنى عليهم بذلك، وفي الآية الأخرى الوعد بالإثابة ~~والجزاء. فثبت أنه عبادة يحبها الرب ويرضاها، أي الوفاء به، وما كان كذلك ~~فيجب إخلاصه لله لأن صرف العبادة لغير الله شرك، وفي حديث علي: "لعن الله ~~من ذبح لغير الله"، وهذا العراقي وأمثاله من القبوريين دفعوا ms207 في صدر النصوص ~~وردوها بشبهات وهذيان لا يصدر عمن يعقل ما يقول، وفي آخر العبارة التي ~~نقلها العراقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحكم عام في قبر نفيسة، ومن ~~هو أكبر من نفسية من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير وغيرهما بالبصرة، وفي ~~سلمان وغيره بالعراق. # قلت: وفيها بيان تدليس العراقي وإنه أسقطها ليروج قوله: فكيف يكفر من نذر ~~لأحد الأنبياء والصالحين إلى أن قال الشيخ: فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى ~~الله، وأنها تكشف الضر، وتفتح أبواب الرزق، أو تحفظ مصر، فإن من يعتقد هذا ~~كافر مشرك يجب قتله، وكذلك من اعتقد في غيرها كائنا من كان {قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الاسراء:56] {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} [سبأ: 22 23] ، والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب ~~والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إله ~~آخر، والإله من يأله القلب عبادة واستعانة، وإجلالا وإكراما وخوفا ورجاء، ~~كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك منهم أن ما يألهه مخلوق ~~ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا ~~هو لك تملكه وما مالك"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعي: "يا ~~حصين كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: ~~فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، فأسلم # PageV01P240 # حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال قل: اللهم ألهمني رشدي ~~وقني شر نفسي"، والله أعلم" انتهى. # قلت: فانظر إلى تصريح الشيخ أن من اعتقد في مخلوق أنه باب الحوائج إلى ~~الله، يعني واسطة في الحوائج، أو أنه يكشف الضر أو يفتح باب الزرق أو يحفظ ~~المصر أنه ms208 كافر مشرك، يجب قتله. وهذا بعينه هو معتقد عباد القبور الناذرين ~~للموتى، المستغيثين بهم، وهو طريقة العراقي ومذهبه الذي نصره وقرره ~~واستظهره، وزعم أنه لا يضر إلا إذا اعتقد الاستقلال لغير الله، كما مر عنه ~~في غير موضع، وسيأتيك هذا القيد فيما يأتي من كلامه في مواضع متعددة، ~~والشيخ قد رد عليه في هذا وأبطل هذا الشرط بقوله: وإن اعتقد المشرك أن ما ~~يؤلهه مخلوق مصنوع وساق ما يقوله المشركون في تلبيتهم، وساق حديث حصين، ~~وهذا لأن الآيات القرآنية دالة على تكفير هذا النوع، أعني من اتخذ الشفعاء، ~~والوسائط وقصدهم في حاجاته وملماته، كما كان يفعله المشركون مع آلهتهم، فكل ~~هذا أعمى الله بصر العراقي عنه {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ~~[الشعراء: من الآية227] . # قال الشيخ صنع الله الحلبي نزيل مكة: وأما كونهم جوزوا الذبائح والنذور ~~وأثتوا لهم فيهما الأجور، فيقال: هذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان ~~وفلان، فهو لغير الله فيكون باطلا. وفي التنزيل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه وإنه لفسق} الآية [الأنعام: من الآية121] أي إن صلاتي وذبحي ~~لله كما به نظير قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر:2] ، وفي الحديث: ~~"لا نذر في معصية الله" رواه أبو داود وغيره، والنذر لغير الله إشراك مع ~~الله، فلا أكبر منه معصية، وفي التنزيل: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به} [المائدة: من الآية3] ، فالنذر لغير الله ~~كالذبح لغيره، وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك، الركوع، والسجود، والذبح # PageV01P241 # والنذر، واليمين، ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها ~~ولو أشرك مع اسمه تعالى أحدا، كقوله: بسم الله ومحمد صلى الله عليه وسلم، ~~بواو العطف. فكذا تحرم ذبيحته، وكذا لو ترك اسم الله عمدا على الذبيحة، لا ~~تؤكل عندنا، فهي ميتة لصريح قوله عز وجل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه} الآية [الأنعام: من الآية121] فترك المؤمن ذكر الله تعالى عمدا كذكر ~~غيره، نعم لو قال: هذا ms209 النذر لله يذبح في مكان كذا ويصرف على جماعة فلان أو ~~على رباط فلان، فلا بأس به، كما في الوقف على فلان وفلان، فإن قوله: "لله" ~~مالك له، وتصرف غلته على من عينه الواقف، وكذا هنا. # والحاصل أن النذر لغير الله تعالى فجور، فمن أين لهم الأجور؟ وكذا ~~الذبائح من قال: إن هذا النذر لفلان وهذه الذبيحة لفلان، فهو من العصيان، ~~ومن نذر لله ذبحا أو غيره، قال: يذبح بمكان كذا ويأكله قوم جاز والله ~~الهادي. # قلت: إذا نذر لله وجعل مصرفه على السدنة والمجاورين عند القبور فهو نذر ~~معصية لا يجوز، ويجب صرفه في القرب الشرعية، كالحجاج والمعتكفين في المساجد ~~وقد ذكر هذا غير واحد، والمنع منه لما فيه من الإعانة على العكوف عند ~~القبور. الذي هو من أكبر الوسائل والذرائع إلى عبادتها ودعائها. # قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان} ~~[المائدة: من الآية2] وفي الحديث: "إن رجلا نذر أن ينحر إبلا ببوانة، قبل ~~إسلامه، فلما أسلم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذره، فقال: هل كان بها ~~وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: هل كان بها عيد من أعياد الجاهلية؟ ~~قال: لا، قال: فأوف بنذرك" ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك وعبادة ~~غيره، للمشابهة الصورية، وإن لم نقصد، فكيف بالذرائع والوسائل القريبة ~~المفضية إلى عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر؟ # فقف وتأمل إن كان لك بصيرة تدرك بها أسرار الشريعة. # PageV01P242 ### | ### | فصل # # قال العراقي: "النقل الثالث والعشرون قال: ابن مفلح في كتاب الفروع عن ~~شيخه تقي الدين: والنذر لغير الله، كنذره لشيخ معين للاستغاثة به، وقضاء ~~الحاجة منه قال شيخنا: كحلفه بغيره، وقال غيره: نذر معصية" انتهى. # فشبه النذر والاستغاثة بالشيوخ، وطلب قضاء الحاجة بالحلف بغير الله، فهو ~~على قولين للعلماء، كما ذكره ابن تيمية، قول بالحرمة، وقول بكراهة التنزيه، ~~بل رواية عن أحمد أنه مباح، نقله صاحب الإنصاف في التنقيح. # ثم قال: النقل الرابع والعشرون: ذكر الشيخ سليمان بن عبد ms210 الوهاب في رده ~~على أخيه محمد بن عبد الوهاب، عن الشيخ ابن تيمية قال: كما يفعل الجاهلون ~~بمكة شرفها الله وغيرها، من بلاد المسلمين من الذبح للجن، ولهذا نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الجن. انتهى. # وذكر ابن القيم في كتاب الكبائر الذبح لغير الله، وجعله من المحرم، وفسره ~~بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضا عن قوله: بسم الله، حين الذبح، مع أن ~~اللفظة لا أظن مسلما يقولها، والمستفاد من كلامهما أنه محرم، وليس بشرك ~~مخرج عن الملة؛ لأنه قال: كما يفعله، وقال في الفنون: يكره إشعال القبور ~~وتبخيرها، ثم قال: ونص أنه إن نذر ذبح ولده، أو نفسه ذبح كبشا، قيل مكانه ~~وهو الأصح، وقيل: كهدي. ونقل حنبل يلزمانه. وعنه إن قال إن فعلته فعلي كذا ~~أو نحوه، وقصده اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مكة كبشا اختاره ~~شيخنا، وقال: عليه أكثر # PageV01P243 # نصوصه. وقال: وهو مبني على الفرق بين النذر واليمين، ولو نذر طاعة حالفا ~~بها أجزأه كفارة يمين، بلا خلاف عن أحمد، فكيف لا يجزيه إذا نذر معصية ~~حالفا بها، فعلى هذا على رواية حنبل يلزم أن الناذر والحاف يجزيه كفارة ~~فتصير ستة أقوال. وذكر الأزجي البغدادي: نذر شرب الخمر لغو، فلا كفارة. ~~ونذر ذبح ولده يكفر. وقدم ابن رزين نذر معصية لغو. قال: ونذره لغير الله ~~كنذر لشيخ معين حي للاستعانة وقضاء الحاجة منه، كحلفه بغيره. وقال غيره: هو ~~نذر معصية. # فقف وتأمل تحريف العراقي وسوء فهمه. فإن الكلام في تشبيه النذر بالحلف من ~~جهة الكفارة وعدمها، لا من جهة أخرى. والنزاع ليس في الكفارات. وإنما هو في ~~الحكم على النذر لغير الله أنه من الشركيات. وهذا من أكبر الأدلة على كثافة ~~فهمه، وغلظ حجابه، وأنه محجوب عن فهم كلام أهل العلم، كما حجب عن فهم كلام ~~الله وكلام رسوله: # فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان # ثم كلام الشيخ فيمن نذر للحي الحاضر للاستعانة وقضاء الحاجة. وهذه النقول ~~كلها مجرد عدد لا ms211 حقيقة له، بل هي إما تحريف وإلحاد في كلام أهل العلم، ~~وإما سوء فهم وكثافة حجاب، وإما كذب لا أصل له. # وأما ما نقله عن سليمان، فسليمان والعراقي أخذا بعض العبارة وتركا ~~تمامها، وما ارتبط بها. # قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وأيضا فإن قوله تعالى: {وما أهل لغير ~~الله به} [المائدة: من الآية3] [النحل: من الآية115] ، ظاهره ما ذبح لغير ~~الله سواء لفظ فيه به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، ~~وقال فيه باسم المسيح ونحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى ~~مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك ~~له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرا ~~من الاستعانة بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، # PageV01P244 # ولو قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان ~~هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ~~ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن" انتهى كلام الشيخ. # فأخذ المعترض السطر الأخير من كلامه، أو بعض السطر وأخذ المشبه وترك ~~المشبه به، لأن في الأول التصريح بردة من ذبح لغير الله. وأن في الذبح للجن ~~مانعا آخر لأنه مما أهل به لغير الله. # وقوله في العبارة: فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من ~~الاستعانة باسمه بفواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة ~~بغير الله فترك هذا وسرق بعض العبارة واختلس منها كاختلاس الشيطان من صلاة ~~العبد واختطافه بعضها, وفي العبارة التصريح بكفر من استعان بغير الله فيما ~~لا يقدر عليه إلا الله، خلافا للعراقي وشيعته من عباد القبور الصادين عن ~~سبيل الله المحرفين للكلم عن مواضعه، الوارثين لليهود في تحريف كلمات الله ~~وتبديل دينه. # وهذا الرد أمليت أكثره من ذهني، فلذلك اختصرت واكتفيت بالإشارة، وقد فتحت ~~الباب لمن أراد الوقوف على النصوص والآثار، وكلام أهل العلم. # وأما ما ذكره ابن ms212 القيم في كتاب الكبائر من الذبح لغير الله وجعله من ~~المحرم فنعم هو محرم، قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا} إلى قوله : {لعلكم تعقلون} [الأنعام:151] فجعل هذا كله ~~محرما، هذا عرف القرآن والسنة والشرع، والعراقي لجهله وسوء قصده يحمل كلام ~~أهل العلم على العرف النبطي الحادث، واصطلاح العامة، فقاتل الله الجهل ~~والهوى، فما أغلظهما من حجاب بين العبد والهدى. # وأما قوله: وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضا عن قوله: باسم ~~الله. # قلت: قد تقدم كلام الشيخ وتقسيمه ما أهل به لغير الله إلى ما قصد به ~~القربة والنسك لغير الله، وإلى ما ذكر عليه غير اسمه عند الذبح، فالقسمان # PageV01P245 # واقعان، ومنع أحدهما مكابرة، وكلام ابن القيم ليس فيه حصر، بل كلامه في ~~هذه المسألة موافق لكلام شيخه. # والقسم الثاني الذي هو أغلط وأفحش نص عليه في مواضع متعددة، وقال صاحب ~~الروض، من كتب الشافعية: إذا ذبح المسلم للنبي (كفر، نقله شيخنا رحمه الله، ~~وذكره غير واحد من المفسرين في الكلام على قوله: {وما أهل لغير الله به} ~~ونقل بعضهم عن فقهاء بخارى إنهم أفتوا بتحريم ما عقر بين يدي الملوك، ~~تعظيما لهم. لأنه مما أهل لغير الله به. # قال العلامة الشوكاني: قال بعض أهل العلم: إن إراقة دماه الأنعام عبادة ~~لأنها إما هدي أو ضحية أو نسك، وكذلك ما يذبح للبيع، لأنه مكسب حلال فإنه ~~عبادة. ويتحصل من ذلك شكل وضعي، هو إراقة دم الأنعام عبادة. وكل عبادة لا ~~تكون إلا لله، فإراقة دم الأنعام لا تكون إلا لله، ودليل الكبرى قوله ~~تعالى: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [لأعراف: من الآية59] ، {فإياي ~~فاعبدون} [العنكبوت: من الآية56] ، {إياك نعبد} [الفاتحة: من الآية5] ، ~~{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} ) [الاسراء: من الآية23] ، {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: من الآية5] انتهى. # ويكفي المؤمن في هذا الباب قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين، لا ms213 شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام:162 ~~163] ، وقوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر} [الكوثر:1 2] ، ~~وقوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين} [الحج:37] . # فإن الإحسان أعلى مراتب الإيمان دخول هذه العبادة فيه لأن السياق لها ~~ظاهر لا يخفى، وفي المسند عن طارق بن شهاب أن النبي (قال: "دخل الجنة رجل ~~في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: مر رجلان ~~على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، ~~قال: ما عندي شيء أقربه، قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل ~~النار. فقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد من دون الله عز وجل ~~فضربوا عنقه فدخل الجنة". # PageV01P246 # فقف عند هذا وتأمل حكمة الشريعة وسرها في إخلاص العبادة والتعظيم الذي لا ~~ينبغي إلا لله، ولو بأحقر شيء كالذباب، فكيف بكرائم الأموال؟ والله ~~المستعان. # والنبي (حسم مادة الشرك، وقطع وسائله حتى نهى عن الصلاة في الأوقات التي ~~يسجد فيها الكفار للشمس، ونهى عن الصلاة عند القبور، خشية الفتنة بها ~~وبأربابها وإن كان المصلي لا يقصد شيئا من ذلك. ولعن من فعل ذلك وأبدى ~~وأعاد فيه وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، ~~وفي رواية لمسلم: "وصالحيهم"، وقال ذلك عند مفارقة الدنيا إلى الرفيق ~~الأعلى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: "من ~~حلف بغير الله فقد أشرك"، وقال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني ~~لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده". # قال شيخ الإسلام: وأما من قصد التبرك بالصلاة عندها، فهذا عين المحادة ~~لله ولرسوله. انتهى. # وعلى رأي هذا العراقي أنها تدعى ويستغاث بها، وتقصد وترجى، ويذبح لها ~~فهذا عين العبادة وعين الغاية التي قطع الرسول (وسائلها، وسد ذرائعها، فهذا ~~وأمثاله هم الآمرون بالشرك الواضعون له، الداعون إليه، الرادون لما جاءت به ~~الرسل من ms214 توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. وإنما حدث الشرك برأي جنس ~~هؤلاء، والله المستعان. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله: عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، ~~وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى وتقدس: ~~{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] ~~، وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} [الانبياء:25] ، وكان النبي (يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال ~~له رجل: "ما شاء الله وشئت فقال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله" ونهى ~~عن الحلف # PageV01P247 # بغير الله. وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقال في مرض موته: "لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا" وقال: ~~"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم ~~قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم. فإن صلاتكم تبلغني" ولهذا اتفق أئمة الإسلام ~~على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور. ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من ~~أكبر أسباب عبادة الأوثان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم ~~على النبي (عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها؛ لأنه إنما يكون ~~التمسح بأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق ~~التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر ~~لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} إلى قوله: {عظيما} [النساء:48] ؛ ولهذا كانت ~~كلمة التوحيد أعظم الكلام وأفضله. فأفضل آية في القرآن آية الكرسي {الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، قال (: "من كان آخر كلامه لا إله ~~إلا الله دخل الجنة"، والإله هو الذي يألهه القلب عبادة له، واستغاثة له ~~ورجاء له وخشية وإجلالا" انتهى كلامه. # قال العراقي: في النقل الخامس والعشرين: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية في ~~الفتاوى: "والكفر ms215 يكون من الوعيد، فإنه إن كان القول تكذيبا بما قاله ~~الرسول (لكن قد يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون ~~الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض ~~أوجب تأويلها، وإن كان مجتهدا مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في ~~الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني الحديث" ~~هذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا ~~كفر باتفاق المسلمين، لكن لما كان مؤمنا يخاف الله أن يعقبه غفر له بذلك، ~~والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول (أولى بالمغفرة من مثل ~~هذا" انتهى. # PageV01P248 # الجواب أن يقال: # قد تكررت هذه الشبهة وكثر بها العدد، هكذا المفلس إذا رجع إلى ما في ~~عيبته فوجدها صفرا، اشتغل بتقليب ما في يديه، وقد تقدم جوابها مرارا، ~~وذكرنا أن عباد القبور قد قامت عليهم الحجة، أو على جمهورهم بالكتاب والسنة ~~والإجماع؛ فإن هذ الباب أعني باب عبادة الله وحده لا شريك له هو خلاصة ~~الكتب الإلهية، وزبدة الدعوة النبوية، وتقدم في جواب ما نقله عن ابن القيم ~~وعن الشيخ، ففيه كفاية. # قال الشيخ رحمه الله في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد ~~منهم الردة عن الإسلام كثيرا، قال: وهذا وإن كان من المقالات الخفية فقد ~~يقال فيها: إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر ~~منهم في أمور يعلمها الخاصة والعامة من المسلمين: أن الرسول (بعث بها وكفر ~~من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من ~~الملائكة والنبيين وغيرهم. فإن هذا أظهر شعار الإسلام، ومثل إيجابه الصلوات ~~الخمس، وتعظيم شأنها؛ ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد ~~كثيرا من رؤوسهم وقفوا فيها. فكانوا مرتدين. وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف ~~في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي، قال: وهذه ردة صريحة. # فتأمل ما ms216 في هذا من التفصيل تزول الشبهة التي يدلي بها بعض المشركين. ~~وتقدم كلام الشيخ في الرسالة السنية. وقوله: فإذا كان على عهد النبي ~~(وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر ~~(بقتالهم فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق ~~أيضا من الإسلام وذلك بأسبابها؛ ومنا الغلو الذي ذمه الله في كتابه إلى أن ~~قال: فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن ~~يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ~~ونحو هذه الأقوال. فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. # PageV01P249 # فانظر رحمك الله إلى تصريحه بكفر هذا الصنف الذين هم محل النزاع، وأن من ~~فعل ذلك قتل بعد الاستتابة إن لن يتب، وهذا عين كلامنا. # فالتشبيه في هذه المسألة بخير الذي أمر أهله أن يذروه، أو بقول الشيخ: إن ~~المخطئ لا يكفر إذا اجتهد واتقى، ونحو هذه العبارات تمويه وتشبيه. # والنزاع فيمن قامت عليه الحجة، أو أمكنه الاستدلال، لا فيما يخفى من ~~المسائل، أو كان مما يختص أهل العلم بمعرفته. فهذا نحوه ليس مما نحن فيه، ~~وإيراده والاحتجاج به على مسألة النزاع تمويه لا يروج على أهل البصائر. # قال العراقي: النقل السادس والعشرون: وقال أيضا في بعض كتبه ونقله الشيخ ~~سليمان بن عبد الوهاب في رده على أخيه قال: "إني دائما ومن جالسني يعلم أني ~~من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا ~~إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، ~~وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، ~~وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والمسائل العملية. # وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولا يشهد أحد منهم على ~~معين لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة: {بل عجبت ويسخرون} ~~[الصافات: ms217 12] وقال: إن الله لا يعجب إلى أن قال : وقد آل النزاع بين السلف ~~إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة أن الطائفتين جميعا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال ~~لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو متأول، ~~والتأويل يمنع الفسوق. # وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول ~~كذا وكذا، ونحو هذا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذا أول ~~مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة [الوعيد] ، فإن ~~نصوص الوعيد في القرآن مطلقة عامة، كقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء:10] ، ~~وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا وكذا فهو كذا، فإن هذه النصوص مطلقة عامة. # وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا، فهو كذا. إلى أن قال: والتكفير ~~يكون من الوعيد، # PageV01P250 # فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد ~~يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع ~~تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب ~~تأويلها، وإن كان مخطئا. # وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا ~~أنا مت فأحرقوني الحديث" فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذرى، بل ~~اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، ~~وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. # والمتأول من أهل الأجتهاد، الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من ~~مثل هذا ". انتهى. # والجواب: إن شيخنا رحمه الله قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون ~~من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بمثل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية سواء. ~~وإن من تأمل كلامه رحمه الله وجده يصله بما يفصل النزاع، ويبين المراد. وقد ~~بين في هذا النقل بيانا يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه ms218 ~~الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى. وهذا البيان ~~كاف. # فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يكفر أحدا قبل قيام ~~الحجة. وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرد والدفع، فسياق هذه ~~العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخييل وهوس، يكفي ~~في ردها ما تقدم بيانه من اشتراط قيام الحجة، وإن فرض كلام الشيخ في كل ما ~~نقل العراقي في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب ~~العلم والهدى، كما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وتقدم نص الشيخ أن ~~فرض كلامه في غير المسائل الخفية، وكل جملة من هذه الجمل تكفي المؤمن في رد ~~جميع ما نقله ابن جرجيس عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وينبغي أن يعلم الفرق ~~بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ ~~إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ~~ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء # PageV01P251 # به الرسول صلى الله عليه وسلم، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة ~~قيام الحجة، قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان:44] ، وقال تعالى: {ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} {البقرة: من الآية7] ، وتأمل كلام ~~الشيخ وقوله: وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل. # وقوله: "ولكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ~~وقوله: وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو ~~عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها". # وكل هذا لا يمكن أن يقال في عباد القبور. # فتأمل كلام الشيخ واعرف ضلال ابن جرجيس في حمله كلام الشيخ على عذر عباد ~~القبور والأنبياء والصالحين، واعرف سوء فهمه وكثافة حجابه، وقد تقدم هذا ~~مرارا. # ويقال أيضا: كلام الشيخ في عدم إطلاق الكفر على المعين إذا ms219 كان له عذر من ~~جنس ما تقدم، لكن أثبت وقرر أن نفس العمل والفعل يكون كفرا، وإن لم يكن ~~فاعله لمانع، وهذا الملحد لا يقول ذلك فيمن عبد الصالحين وأهل القبور، بل ~~يقول: هم مثابون مأجورون بدعائهم غير الله، ويسمى الدعاء توسلا، قد مر هذا ~~عنه في غير موضع، ويأتيك أكثر مما مر، فاعرف جهله، وإنه لم يأنس بشيء مما ~~جاءت به الرسل، ولم يتعقل ما يحكيه من كلام أهل العلم. # فقف هنا يا من أنعم الله عليه تعرف بعدما جاء به هذا الملحد عما جاءت به ~~جميع الرسل، وأنه أضل من كثير من أعدائهم، والله المستعان. # النقل السابع والعشرون: من نقول ابن جرجيس: وقال أيضا في الفتاوى حين سئل ~~عن التكفير الواقع في هذه الأمة : أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة. وعنهم ~~تلقاه من تلقاه، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب الناس في ذلك، ~~فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، ~~وأبو الحسن الأشعري وأصحابه لهم فيه # PageV01P252 # قولان. وحقيقة الأمر: إن القول قد يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير قائله، ~~ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر، حتى تقوم ~~عليه الحجة التي يكفر تاركها ثم ساق كلام الشيخ في أن المقالات الكفرية لا ~~يكفر قائلها إلا بعد قيام الحجة. # والجواب أن يقال: # قد تكرر هذا عن العراقي، ولكنه أراد أن يعظم حجم الكتاب ويظن العامة أن ~~قد جدد حجة من السنة أو الكتاب، أو كلام ذوي الألباب، وهو لم يزل ولا يزال ~~يتردد في ظلماته، ويكرر ريبه وشبهاته. والجواب تقدم. # وفيما ساقه هنا رد لباطله وحجة عليه، من جهة أن الشيخ حكى في تكفير ~~الخوارج ونحوهم عن مالك قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد أيضا روايتين، ~~وأبو الحسن الأشعري وأصحابه لهم قولان، وحيث كان الحال هكذا في الخوارج فقد ~~اختلف الناس في تكفيرهم والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم. وكذلك من ~~سجد لغير الله أو ms220 ذبح لغير الله أو دعاه مع الله، رغبا أو رهبا. # كل هؤلاء اتفق الخلف والسلف على كفرهم، لما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ~~ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم قولا ثانيا. وبهذا تعلم أن النزاع وكلام الشيخ ~~ابن تيمية وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين، وإنما فرضه وموضوعه في ~~أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة. وهذا يعرف من كلام الشيخ ولكن العراقي ~~من جملة البقر والثيران، وإن كان ضخم العمامة واسع الأردان وقد تقدم قول ~~الشيخ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر ~~إجماعا، فحكى الإجماع على كفر هذا الصنف، حكى الخلاف في تكفير الخوارج ~~ونحوهم، فاعرف الفرق، ولولا عموم الجهل، وبعد العهد بآثار النبوة لما أطلنا ~~الكلام في مثل هذه المباحث؛ لأنها مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام. # قال ابن جرجيس: النقل الثامن والعشرون: قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء ~~الصراط المستقيم، ما نصه: فكما أن إثبات المخلوقات أسبابا لا يقدح # PageV01P253 # في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي ~~المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة: ~~من شرك أو غيره أسبابا، لا يقدح في توحيد الإلهية، فإن أحسن أحواله أن يكون ~~مجتهدا في هذه المسألة أو مقلدا. # والجواب أن يقال: # قد تقدم لهذا العراقي، ويأتيك عنه في غير موضع أنه استدل بإجابة الدعاء ~~عند القبور وإجابة من سأل أهل القبور على استحباب ذلك، وأنه دين يحبه الله ~~ويرضاه، وحكى هنا عن الشيخ أن ذلك لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن ~~يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء ~~استغاثة فهذا يهدم قوله، ويدفع صدره، ولكنه لا شعور له بما في كلام الشيخ ~~من الحق والهدى وكذلك بما في قوله: إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك، أو ~~غيره أسبابا لا يقدح في توحيد الإلهية، والعراقي يجعل السبب دليلا على جواز ~~دعاء غير الله، والشرك في الإلهية. # فاعجب ms221 لهذه الحكاية والقضية، وأكثر ما يدعو هؤلاء المشركين إلى دعاء ~~القبور والصالحين ما يحكونه من أن فلانا دعا فاستجيب له، وفلانا استغاث ~~فأغيث. وفلانا رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور من هذا شيء كثير. قد ~~أورد منه العراقي شيئا كثيرا، جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، ومن العجب ~~العجاب: أن الهوى يعمي الرجل حتى لا يفهم ما ينقل، ولا ما يخرج من بين ~~شفتيه. # وأما قوله: إن الشيخ قال: فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه المسألة ~~أو مقلدا، فهذه الجملة ليس متصلة ولا مرتبطة بما ساق العراقي، ولا مناسبة ~~بينها وبينه والشيخ قد ساقها في موضع آخر وبحث آخر، ولكن ابن جرجيس كذاب ~~جاهل، وقد مر لك جنس تحريفه، قال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين} [الجمعة:5] . # PageV01P254 ### | ### | فصل # # قال ابن جرجيس: النقل الثلاثون: "قال الشيخ في هذا الكتاب في موضع آخر: ~~"وإذا اعتقد وجوب بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه ~~بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر، وإن ~~جهل حكم الله فيها مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحق، فهذا مخطئ له ~~أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له" انتهى. # والجواب أن يقال: # كلام الشيخ في الحكم بين الناس والقضاء فيما بينهم من الخصومات، لا فيما ~~يعم أصول الدين، ودعاء الأموات، وسياق كلام الشيخ صريح في هذا، فإن هذه ~~المسألة معروفة مشهورة، كما قال ابن عباس: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم" عند ~~الكلام على قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: من الآية44] . # وقوله: وإن جهل حكم الله فيها إلى آخر العبارة: دليل على أن الكلام في ~~المسائل الاجتهادية، فأين هذا من دعاء الأموات، والاستغاثة بغير الله؟ مع ~~أن الشيخ قد قرر على حديث القضاة ثلاثة: أن الجاهل الذي ليس له أهلية ms222 ~~اجتهاد داخل في الوعيد، كما هو نص الحديث. فالعراقي ملبوس عليه، لا يفهم ~~كلام الشيخ ومع ذلك فالهوى قد أعمى بصيرته، وحال بينه وبين الفهم، فسبحان ~~من طبع على قلبه: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} [الروم:59] . # PageV01P255 # ثم قال العراقي: "النقل الحادي والثلاثون وساق كلام ابن القيم في أن ~~الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعدواة من وجهين مختلفين. ويكون فيه إيمان ~~ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون أحدهما أقرب منه إلى الآخر، فيكون من أهله؛ قال ~~الله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} [آل عمران: من الآية167] ، ~~وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:106] أثبت لهم ~~الإيمان مع مقارنة الشرك، فإن كان مع الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم ~~من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق برسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك ~~لا يخرجهم من الإيمان بالرسل، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب ~~الكبائر، وشركهم قسمان: جلي، وخفي، فالخفي قد يغفر. # والجواب أن يقال: # أي دليل في هذا على مسألة النزاع؟ فإن مراد الشيخ كما يعلم من تقريره ~~وأول عبارته أن النفاق الأصغر وبعض شعبه، قد يوجد في شخص مع وجود بعض شعب ~~الإيمان، وكذلك الكفر العملي الذي لا يخرج عن الإسلام قد يوجد مع بعض شعب ~~الإيمان، ويكون أحدهما أقرب إليه وأولى به، وقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون} تفيد أن الشرك قد يوجد مع الإيمان بالربوبية، كما ~~فسرها بعض السلف، لكنه لا يخفى في النجاة، بل لا بد من عبادة الله وحده لا ~~شريك له. ولذلك قال الشيخ: فإن كان مع الشرك تكذيب للرسل لم ينفعهم ما معهم ~~من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق للرسل، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك ~~لا يخرجهم من الإيمان. فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، ~~فهذا الشرك الخفي، كما يدل عليه قوله، وأما الجلي فلا يغفر إلا بالتوبة ~~وهذا كله لنا، مبطل لما ذهب إليه العراقي، ولكنه لا يفرق بين ms223 الشرك الأكبر ~~والأصغر، ولا يتعقل معاني ما يقول: # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها # قال العراقي: النقل الثاني والثلاثون، قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء # PageV01P256 # الصراط المستقيم، وفيه أي في حديث أبي ذر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إن فيك لخصلة جاهلية" إن الرجل قد يكون مع علمه وفضله ودينه فيه بعض هذه ~~الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه. # وزعم العراقي أن هذا يفيد أن الشيخين لو أطلقا لفظ الكفر والشرك على فعل ~~واحد، فمرادهما الكفر المجازي أو الأصغر. وهذا مع اعتراف الفاعل بالحق ~~وعدوله عنه، وأما مع بذل الوسع والاجتهاد، فهو عندهم مأجور، ولو كان مخطئا. # والجواب أن يقال: # تبا لهذا العراقي، وما أضله عن سواء الطريق. وما أجهله بكلام أهل الفضل ~~والتحقيق، وما أكذبه على الله وعلى رسوله، وعلى أهل العلم والتصديق. # وأما قوله: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن فيك لخصلة جاهلية" فهذا ~~كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول ما قال هذا. وإنما قال: "إنك ~~امرؤ فيك جاهلية" وهكذا رواه من خرجه من أهل الدواوين الإسلامية. وشيخ ~~الإسلام لم يقل هذا، بل أورده كما جاء من غير تحريف ولا تبديل. والعراقي ~~ليس من أهل الصنعة بل هو ضال غبي، لا عناية له بهذا الشأن. والله المستعان. # وفرق بين النسبة إلى الجاهلية واليهودية والنصرانية، وبين إطلاق الكفر ~~والشرك على الفاعل. فإن شعب الجاهلية ونحوها ليست كلها مكفرات، ولا يقال: ~~إن تعيير الرجل بأمه كفر، ويقال: هو جاهلية. وكذلك أكل الرشاء هو من ~~اليهودية ولا يلزم أن يكون فاعله كافرا، والكفر والشرك هما أكبر الذنوب على ~~اختلاف أنواعهما ولا كذلك التعيير بالأم ونحوه، مما ينسب إلى الجاهلية، مما ~~دون الشرك والكفر. # وقوله: وأما مع بذل الوسع والاجتهاد والتقليد فهو عنده مأجور فهذا القول ~~مما يستبين به جهل العراقي، وسوء فهمه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاب ~~هذا على # PageV01P257 # أبي ذر، ولم يقل أحد من ms224 أهل العلم، ولا قاله عن نفسه: إنه مأجور، ولا ~~أدخل هذه المسألة في مسائل الاجتهاد، وأي اجتهاد في التعيير بالأم؟ وقد قال ~~تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: من الآية13] وهذا ضرب من ~~الناس هم أعداء النصوص والعقول والفطر، قد استهوتهم الشياطين، وأزعجتهم إلى ~~تبديل دين الله والكذب على أوليائه، ومعاداة حزبه و {لكل نبأ مستقر وسوف ~~تعلمون} [الأنعام:67] . # قال العراقي: النقل الثالث والثلاثون: "قال الحافظ ابن رجب في شرح كلمة ~~الإخلاص: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ~~ورجاء، وتوكلا وسؤالا ودعاء، ولا يصلح ذلك كله إلا لله. فمن أشرك مخلوقا في ~~شيء من هذه الأشياء التي هي من خصائص الإلهية. كان ذلك قدحا في إخلاصه، ~~وقدحا في توحيده وهذا كله من فروع الشرك. ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على ~~كثير من المعاصي التي منشؤها من غير طاعة الله، أو خوفه أو رجائه أو التوكل ~~عليه أو العمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير ~~الله. ولهذا أطلق الشارع على أكثر الذنوب التي منشؤها من هوى النفس إنها ~~كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر ~~في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرج من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف ~~كفر دون كفر وشرك دون شرك" انتهى. # قال العراقي: والمقصود من هذا النقل قوله: إن هذه الأشياء من خصائص ~~الألوهية، وأنه نقص في توحيده، وهذا كله من فروع الشرك، ويطلق عليه الكفر، ~~ومع ذلك قال آخر العبارة: وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية، وإنه ليس ~~بكفر وشرك مخرجين عنها، بل دون ذلك، وهذا على مذهبه اتباعا للشيخين وأنه ~~تلميذهما. # والجواب أن يقال: # هذا النقل ليس فيه ما يتمسك به المبطل، فإن كلامه صريح في أن الإله هو ~~الذي يقصد بهذه الأمور، مع أن النقل اعتراه ما اعترى أمثاله من # PageV01P258 # التحريف، وإسقاط بعض الكلام المتصل، وترك ما فيه مما يرد على هذا العراقي ~~ويبطل ms225 دعواه. # من ذلك: أنه حذف بعد قول المصنف: كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول لا إله ~~إلا الله فأسقط قوله: في قول لا إله إلا الله؛ لأن كلامه صريح في أن ما ~~تقدم من العبادات صرفه لغير الله قدح في إسلام الفاعل، وقوله: لا إله إلا ~~الله، وهذا قولنا بعينه، فأسقط حذرا من قيام الحجة، وكذلك أسقط بعد قول ~~المصنف وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وكذلك أسقط قوله: ~~"وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر، كالطيرة والرقي ~~المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون. وكذلك أتباع هوى النفس فيما ~~نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد . # كل هذا أسقطه العراقي، وكذلك قوله: وقد أطلق الشارع على أكثر الذنوب، ~~فهذا تحريف، والعبارة: على كثير من الذنوب، وأسقط: وقد ورد إطلاق الإله على ~~الهوى المتبع. قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: من ~~الآية23] ، وأسقط ما ساق الشيخ من الأحاديث وكلام السلف. # وأسقط قول الشيخ: فدل على أن كل من أحب شيئا أو أطاعه، وكان من غاية قصده ~~ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه. ويدل ~~عليه أيضا أن الله سمي طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان. كما قال ~~تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} [يس: من الآية60] ~~، وقال حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه قال لأبيه: {يا أبت لا تعبد ~~الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} [مريم:44] إلى غير ذلك مما في الرسالة ~~من الفوائد الرادة عليه المبطلة لإفكه وضلاله، ولم أر من بلغ هذه الغاية في ~~الكذب والتحريف وتغيير العبارات، بحذف بعضها ونقل بعضها، وتبديل كلام أهل ~~العلم اللهم إلا ما حكى الله عن اليهود، وما جاءت به السنة من أوصافهم، فهم ~~سلف العراقي وأئمته الأولون. # ثم عباة الشيخ ابن رجب تشهد لكلام شيخنا رحمه الله، فإن قوله: # PageV01P259 # "وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية ليس راجعا إلى كل ما ms226 ذكر، بل هو ~~راجع إلى قوله: ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع ~~هوى النفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم ومن أتى حائضا إلى آخر عبارته، وهذا ~~بين بحمد الله. وليس المقصود أن دعاء الموتى ومحبتهم مع الله وحوفهم ~~ورجائهم ونحو ذلك يكون شركا دون شرك، هذا لا يفهمه كلامه، ولا يدل عليه ~~بوجه، فإن ابن رجب أعلم بالله ودينه من أن يتكلم بهذه الفضيحة التي لا ~~يقولها مسلم. # ورأيت على النسخة التي رفعت إلي عن هذا العراقي على قول ابن رجب: "والإله ~~هو الذي يطاع فلا يعصى" إلى آخره، ما نصه: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا ~~استعملت في غير الله أن يكون غيره إلها، كما تتوهمه الخوارج المكفرون للأمة ~~المحمدية، وهذا إذا كانت موجودة في غير أمر الشرع باستعمال هذه الأشياء ~~معه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بطاعته كقوله: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: من الآية59] وكذلك التعظيم ~~والإجلال في قوله: {وتعزروه وتوقروه} [الفتح: من الآية9] وكذا غير ذلك، كما ~~في الكتاب والسنة مما بينته في غير هذا الكتاب، فلا يهولنك ما في حنك ~~العبارة، فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه. انتهى. # فالظاهر أن هذا من كلام العراقي، لأن ألفاظه ركيكة، وتركيبه مظلم ينادي ~~بأنه تركيب جاهل، وهكذا كلام العراقي ليس له لسان طالب علم حتى في التعبير. # وجواب هذا أن يقال: # التعريف للإله من حيث هو: ولذلك أشرك من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وسمى ~~الشارع معبودهم إلها. قال الله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون} [يس:74] ، وقال: {أإفكا آلهة دون الله تريدون} [الصافات:86] ونحو ~~ذلك كثير في القرآن وقال في القاموس: أله يأله إلهة وألوهية: عبد يعبد ~~عبادة # PageV01P260 # وعبودية. وكل من عبد شيئا فقد اتخذ إلها. فإن كان قصد غير الله بالطاعة ~~والهيبة والإجلال والمحبة والخوف والرجاء، والتوكل والسؤال والدعاء لا ~~يصيره إلها، فإن هذا وهم للخوارج المكفرين لهذه الأمة فليهن قوم نوح وعاد ~~وثمود، ms227 وقوم فرعون ومشركي أهل الكتاب والعرب هذا الحكم الذي نفى به العراقي ~~عنهم اتخاذ إله مع الله، ولو صدر منهم ما صدر من العبادات لغير الله، الله ~~أكبر. ما أغفل هذا العرقي وما أجهله. فإن عوام المشركين من أهل الكتاب ~~والأميين يعلمون أن من عبد شيئا فقد اتخذه إلها. قال قوم نوح: {لا تذرن ~~آلهتكم} [نوح: من الآية23] ، وقالت عاد: {أجئتنا لنعبد الله وحده} [لأعراف: ~~من الآية70] ، ,قالت قريش: {أجعل الآلهة إلها واحدا} [ص: من الآية5] ، فكل ~~هؤلاء المشركين وأمثالهم يعلمون أن الإلهية تدور مع هذه العبادات حيث دارت. ~~وهذا الثور الكبير يقول: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله ~~أن يكون هذا الغير إلها، فعلى عقله التباب والعفاء، وسلام على عباده الذين ~~اصطفى. # وأما قوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [المائدة: من الآية92] فطاعة ~~الرسول طاعة للمرسل، فهي طاعة لله من أجل الطاعات. قال تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: من الآية7] وكذلك ألو الأمر ~~من العلماء والأمراء، إذا أمروا بالمعروف يطاعون تبعا لطاعة الله ورسوله. # وأما التعزير والتوقير فالمقصود منه ما يليق بالمنصب الشريف النبوي، وليس ~~المقصود ما يختص بمقام الربوبية، ويدخل في تعريف العبادة، ولو قيل ذلك للزم ~~جواز عبادته صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا} [آل عمران: من الآية80] والأرباب هنا هم ~~المعبدون. # وقوله: فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه يطلعك على جهل العراقي وعدم معرفته ~~بنصوص أهل العلم؛ فإن هذا التعريف مجمع عليه لا ينازع فيه مسلم فضلا عن ~~عالم. # ثم قال العراقي: النقل الرابع والثلاثون: قال ابن القيم في المدارج: # PageV01P261 # "قلت: أما المستحل فذنبه دائر بين الكفر والتأويل، فإنه إن كان عالما ~~بالتحريم فكافر، وإن لم يكن عالما فمتأول أو مقلد". # والجواب: إن هذا تقدم، فذكره محض تكرير، وتقدم أن الكلام في الأحكام التي ~~يحكم بها الحكام بين الناس، فالمستحل للحكم بغير ما أنزل الله كافر إن كان ~~عالما بالتحريم، وإلا ms228 فمتؤول أو مقلد، وهذا القسم فيه تفصيل كما تقدم فيما ~~نقلناه عن ابن القيم نفسه رحمه الله. # ثم قال العراقي: النقل الخامس والثلاثون في الكتاب المذكور: "وكفر الجحود ~~كفران: كفر مطلق، ومقيد خاص، فالمطلق أن يجحد جملة ما أنزل الله ورسالة ~~الرسول، والخاص المقيد: أن يجحد فرضا من فروض الإسلام، أو محرما من ~~محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرا أخبر الله به يجحد ذلك عمدا، ~~أو تقديما لقول متبوعه عليه، لغرض من الأغراض، وإن كان جحد ذلك جهلا أو ~~تأويلا يعذر صاحبه فلا يكفر، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن ~~يحرقوه ويذروه في الريح، مع هذا فقد غفر له الله ورحمه بأهله، إذ كان الذي ~~فعل هو مبلغ علمه. ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا وتكذيبا. # والجواب أن يقال: # هذا من جنس ما قبله، وقد تكرر الجواب عنه، وتقدم أن الجاهل والمتأول لا ~~يعذر إلا مع العجز، ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: تأويلا يعذر صاحبه، ~~فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه. وليس كل ذنب يجري التأويل فيه ويعذر ~~الجاهل به، وقد تقدم أن عامة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا ~~جهلوا وتأولوا، وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني ~~وغيرهم من الصوية تأولوا، وعباد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع ~~تأولوا، وقالوا: لا يدخل على الملك العظيم إلا بواسطة، وقالوا إذا تعلقت ~~روح الزائر بروح المزور فاض عليها مما ينزل على روح المزور، كما ينعكس شعاع ~~الشمس على المرايا والصور. # PageV01P262 # والنصارى تأولت فيما أتته من الإفك العظيم والشرك الوخيم، فقاتل الله ~~العراقي ما أعظم جهله، وما أشد عداوته لتوحيد الله وعباده المؤمنين. # وفي العبارة التي نقلها عن ابن القيم وتقسيمه الكفر إلى مطلق وخاص مقيد: ~~ما يرد على هذا العراقي في زعمه أن عباد القبور مسلمون، كما قال إخوانه من ~~الضالين، محتجين بأنهم يؤذنون ويصلون ويصومون، ولم ينظروا إلى ما معهم من ~~الكفر الخاص والضلال البعيد، والعراقي كعنز ms229 السوء تبحث عن حتفها بظلفها. # فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها # قال العراقي: في النقل السادس والثلاثين، قال ابن القيم في المدارج: وأما ~~الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله إلى أن قال: ~~ومن أنواعه: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه: النذر لغير الله، ومن أنواعه: ~~الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والخضوع والذل ~~لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى ~~والاستغاثة بهم والتوجه إليهم بنفسه، فهذا صريح كلامه: أن الاستغاثة ~~بالموتى وطلب الحوائج منهم، والنذر لغير الله، والسجود لغيره، والحلف ~~بغيره، كل هذا من نوع الشرك الأصغر عندهم، لا الأكبر المخرج من الملة، وهم ~~شرطوا أنه إنما يكون محرما إذا يكن فاعله مجتهدا ولا مقلدا ولا مؤولا، ولا ~~له شبهات يعذره الله فيها، ولا جاهلا، ولا له حسن قصد، كما تقدم عن الشيخين ~~في عدة نقول. # والجواب أن يقال: # من زعم أن هذا النوع الذي هو السجود للشيخ والنذر والتوكل والخضوع والذل ~~لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وطلب الحوائج من الموتى والاستغاثة ~~بهم والتوجه إليهم: من الشرك الأصغر فهو من أجهل الناس بدين الله وأضلهم عن ~~سبيله، وكلام الشيخ لا يدل على هذا وليس # PageV01P263 # فيه ما يتمسك به المبطل، فإنه لما عد الشرك الأصغر وفرغ من المقصود منه ~~قال: من أنواع الشرك، وهذا رجوع إلى ما ذكر من الشرك الأكبر، ويدل عليه أو ~~الكلام والسياق. # وقال رحمه الله: أما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله ~~إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله، بل ~~أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ ~~أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا ~~منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر ~~وإن استوحش لا ينكر ذلك. ويزعم أنه ms230 باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده. وهكذا ~~كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون ~~بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهما اتخذوها من ~~البشر (1) ، قال تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء: {والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: من الآية3] ، فهذه ~~حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله زلفى، وما أعز ~~من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره. # والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع عند الله لهم (2) ~~، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه، وأبطله وأخبر أن ~~الشفاعة كلها له. PageV01P264 # ثم ذكر الشيخ رحمه الله فصلا طويلا في تقرير هذا الشرك الأكبر. ولكن تأمل ~~قوله: "وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره" يتبين لك ~~إن شاء الله بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد، إذ زعم أن كلام الشيخ في ~~هذا الفصل أعني الفصل الأول في الشرك الأكبر، وذكر الآية التي في سورة سبأ: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض} [سبأ: من الآية22] ، وتكلم عليها ثم قال: "والقرآن مملوء من ~~أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنون في قوم قد ~~خلوا ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما ~~قال عمر: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف ~~الجاهلية"، وهذا لأنه لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه ~~وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى ~~الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ~~ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ~~ومفارقة ms231 الأهواء والبدع ومن له بصيرة يرى ذلك عيانا، والله المستعان. # وهذا بعينه فعل عباد القبور، وهم المقصود بهذا الكلام، بل شركهم انتهى ~~إلى توحيد الربوبية والأفعال، يعرف ذلك من عرف القوم وما هم عليه من ~~الكفريات الشنيعة، إذ يزعمون أن لأوليائهم الرفع والخفض والقبض والبسط. # وقال ابن القيم في كلامه على هدم اللات في كتاب الهدي: "وكان يفعل عندها ~~ما يفعل عند هذه المشاهد، من النذر لها والتبرك بها، والتمسح بها وتقبيلها، ~~واستلامها، هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السموات ~~والأرض بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه". # فقف وتأمل هل يكون هذا في الشرك الأصغر؟!. PageV01P265 ### | ### | فصل # # وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ~~ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ~~ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. # ثم قال الشيخ رحمه الله بعدما ذكر الشرك الأكبر والأصغر : ومن أنوع الشرك ~~سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ إنها شرك عظيم، ومن أنواعه ~~النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة ~~والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غيره، ~~ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستغانة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل ~~شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا ~~عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله، وهذا من جهله بالشافع ~~والمشفوع عند الله. فإن الله تعالى لا يشفع له عنده أحد إلا بإذنه، والله ~~تعالىلم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء ~~هذا المشرك بسبب يمنع الإذن والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم ~~العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم ~~أوثانا ms232 تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل ~~التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات وهم تنقصوا الخالق # PageV01P266 # بالشرك، وأوليائه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به ~~غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء هم ~~أعداء الرسل في كل مكان وزمان وما أكثر المستجيبين لهم. ولله خليله إبراهيم ~~حيث يقول: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} ~~[ابراهيم: من الآية 35 36] ، وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد ~~توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" انتهى كلامه. # فانظر إلى هذا التقرير الواضح البين الذي لا يحتمل التأويل، وقوله: "طلب ~~الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وأن هذا أصل شرك ~~العالم"، وقوله: "فعكس المشركون هذا، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد"، وقوله: ~~"وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان" واستدلاله بقول الخليل: {واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام} ، وقوله: "وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من ~~جرد توحيده لله". # فانظر وتأمل هذه النصوص الجليلة الواضحة في الشرك الأكبر، الذي هو دين ~~العراقي وأمثاله. هل يمكن صرفها إلى الشرك الأصغر؟ وهل يقبل ذلك عقل من له ~~أدنى ممارسة للعلم الديني النبوي؟ وهذا العراقي رأى سلفا له قد شبه بها في ~~زمن الشيخ فتبعه، ولم يبال بما تقدم من التقرير التوضيح لغلبة الهوى، ومحبة ~~ما هو عليه من عبادة الصالحين، ودعوة الناس إلى ذلك، قال تعالى: {وأشربوا ~~في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: من الآية93] . # وبالجملة فمن وقف على كلام الشيخ ابن القيم في هذا الموضع تبين له الهدى، ~~وعرف سبيل من ضل وغوى. # وأيضا فالعدول إلى الاسم الظاهر في المعطوفات، وهو قوله: "ومن أنواع ~~الشرك سجود المريد للشيخ" يفيد أن هذا رجوع إلى الشرك من حيث هو لا إلى ~~الأصغر، وكذلك سجود المريد للشيخ لا يختلف في أنه من الشرك الأكبر، كما نص ~~فقهاء المذاهب في باب الردة. وقد أجاب # PageV01P267 # شيخنا رحمه الله عن هذه الشبهة ms233 بنحو ما ذكرنا، والحق ظاهر بحمد الله لا ~~تخفى أنواره، ولكن أهل الزيغ يتبعون المتشابه من كلام الله وكلام رسوله، ~~وكلام أهل العلم. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "إذا رأيتم الذين ~~يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" انتهى. # ثم قال العراقي: "النقل السابع والثلاثون: قال ابن المقري الشافعي في ~~مختصر الروضة: إن من كان من أهل الشهادة لا يكفر ببدعة على الإطلاق. وما ~~استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله، وهو الذي رجحه شيخنا أبو العباس ابن ~~تيمية". # والجواب: # إن هذه العبارة يحتج بها على العراقي وأمثاله من القائلين: إن عبادة ~~الأولياء والصالحين شرك أصغر أو مستحبة، كما زعمه هذا الضال، وذلك من وجوه: # الأول: أن الكلام في البدعة، والبدعة في عرف الشرع دون الشرك الأكبر ~~والكفر، فكلامه في أهل البدع، والعراقي تأويله في أهل الشرك؛ ولذلك فرق ~~الفقهاء بين المبتدع ومن يدعو غير الله، ويستغيث به ويتوكل عليه، كما ذكره ~~ابن القيم وغيره من المصنفين في الكبائر كابن حجر الهيتمي. # الوجه الثاني: أن هذا مقيد بمن كان من أهل الشهادة، وهذا القيد يخرج عباد ~~القبور، لأن المقصود بالشهادة التوحيد، كما في حديث وفد عبد القيس: "وآمركم ~~بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدو من المغنم ~~الخمس". وأهل الشهادة هم أهل الإيمان باتفاق المسلمين. ومن عداهم ليس من ~~أهل الشهادة، وإن قالها من قالها بلسانه كاليهود والمنافقين. # PageV01P268 # الثالث: إن قوله: على الإطلاق لا ينافي أنه يكفر ببعض البدع المقيدة. # الرابع: أن قوله: "وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله" مخرج لعباد ~~القبور وأهل الردة، فإنه لا تأويل معهم يلتبس به الأمر، ولهذا لم يعذر أهل ~~الفترة ونحوهم ممن اتخذ مع الله إلها آخر. # وقد سئل شيخ الإسلام عن رجل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال: ~~لا إله إلا الله دخل الجنة"، قال آخر: إذا سلك الطريق الحميدة ms234 واتبع الشرع ~~دخل ضمن هذا الحديث، فقال له ناقل الحديث: أنا لو فعلت كل ما لا يليق وقلت: ~~لا إله إلا الله، دخلت الجنة ولم أدخل النار؟ ". # فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: "الحمد لله رب ~~العالمين، من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا ~~يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد ~~تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثير، بل ~~المنافقون قد يصومون ويصلون ويصدقون، ولكن لا يقبل منهم. قال الله تعالى: ~~{إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يرآؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] وقال تعالى: {قل ~~أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم ~~كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 53، 54] وقال تعالى: {إن الله ~~جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} [النساء: 140] ، وقال تعالى: {يوم ~~ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار} إلى قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا} [الحديد: 12: 15] . # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " آية المنافق ثلاث ~~إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " ولمسلم: " وإن صلى وصام وزعم ~~أنه مسلم ". وفي الصحيحين عنه أنه قال: " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ~~ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه # PageV01P269 # خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، ~~وإذا خاصم فجر ". # ولكن إذا قال: لا إله إلا الله خالصا صادقا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا ~~يخلد في النار، إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ~~كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من دخلها من فساق ~~أهل ms235 القبلة من أهل السرقة، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور وأكل الربا ~~وأكل مال اليتيم، وغير هؤلاء - فإنهم إذا عذبهم الله فيها عذبهم على قدر ~~ذنوبهم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة: " منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ~~ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء ~~الله أن يمكثوا، أخرجوا بعد ذلك كالحمم، فيلقون في نهر يقال له الحياة، ~~فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيدخلون الجنة مكتوب على ~~رقابهم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار ". وتفصيل هذه الجملة لا ~~يحتمله هذا الموضع، والله أعلم. # قال العراقي: النقل الثامن والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في الفرقان: ~~"وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفي ~~عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض ~~الأمور مما أمر الله به ويكون مما نهى الله عنه، فيجوز أن يظن في بعض ~~الخوارق أنها من كرامات الله لأوليائه، وتكون من الشيطان لبسها عليه لينقص ~~من درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله؛ فإن ~~الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ فقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ~~[البقرة: 285، 286] . وثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص: ~~" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر " فلم يؤثم المجتهد ~~المخطئ، بل جعل له أجرا على اجتهاده، وخطأه مغفور. # ثم قال العراقي: "النقل التاسع والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في # PageV01P270 # اقتضاء الصراط المستقيم: "ثم هذا التحريم والكراهية قد يعلمه الداعي وقد ~~لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهدا أو مقلدا، والمجتهد والمقلد ~~اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء ~~لكثرة حسناته، وحسن قصده أو لمحض رحمة الله به" انتهى. # ثم قال: النقل الأربعون: قال الشيخ في هذا ms236 الكتاب أيضا: "فمن ندب إلى شيء ~~يتقرب به إلى الله، وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شره من ~~الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله، نعم قد ~~يكون متأولا في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا الاجتهاد ~~الذي يعفى معه عن المخطئ، ويثاب على اجتهاده. لكن لا يجوز اتباعه في ذلك, ~~وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا إلى أن قال بعد كلام قليل : ثم ~~قد يكون كل منهما معفوا عنه الاجتهاده ومثابا على الاجتهاد، فتخلف عنه ~~الذنب لفوات شرطه، ولوجود ماعه. # والجواب عن هذا كله قد تقدم: # ولم يأت العراقي بمزيد حجة، بل هو من جنس ما قبله تحريف ظاهر ونقل لا حجة ~~فيه. # فأما ما نقله عن الفرقان فحق، لكن ليس من مسألة النزاع في شيء، بل حاصله: ~~أنه لا تشترط العصمة في الولي، ولا العلم بكل ما يحتاجه ويرد عليه، والفرق ~~في جميع الجزئيات الواردة بين أمر الله ونهيه، وأنه ربما ظن في بعض الخوارق ~~أنها كرامة، وهي تلبيس من الشيطان، وأن هذا قد يغفر مع الخطأ والنسيان. # فأي دليل في هذا على أن الولي يدعو أهل القبور ويستغيث بهم، ويوكل عليهم ~~ويجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته؟ ولا يقاس الخطأ في أصل ~~الدين وشهادة أن لا إله إلا الله بالخطأ في غيره. فأي حجة في هذا؟ ولا يلزم ~~من المغفرة في هذا أن يغفر الشرك الأكبر، وقد قال تعالى: {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به} الآية [النساء: من الآية48] . وهذا # PageV01P271 # الأحمق من المحن على كلام أهل العلم، يضعه في غير موضعه، فيزيل بهجته ~~ويكدر صفوه. # وأما حديث أبي هريرة: "إذا اجتهد الحاكم إلى آخره" فقد تقدم الجواب عنه. # وقوله في النقل التاسع والثلاثين: "ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه ~~الداعي، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهدا أو مقلدا، فقد قيد ~~هذا الكلام بأن المراد ms237 ما يعذر فيه. وليس كل الذنوب وكل الخطأ يعذر فيه. قد ~~تقدم تقرير هذا. # وقوله: والمعذور قد يتجاوز عنه، فهو مما يدل على أن كلام الشيخ فيما دون ~~الشرك الأكبر، فإن الشرك الأكبر لا يغفر بنص القرآن، وإجماع الأمة. فلا ~~يحمل كلام أهل العلم على ما يخالف الكتاب والسنة. # وأما قوله في النقل الأربعين من قوله: فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله ~~وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به ~~الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله، فهذا هو عين ما نقمه المسلمون ~~على العراقي وأمثاله من الدين الذي دعا به إلى دعاء الصالحين والاستغاثة ~~بهم، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، فهؤلاء الضلال ممن شرع من الدين ما لم ~~يأذن به الله، ومن أطاعهم في فعل الشرك الذي أجمعت الرسل والكتب السماوية ~~على تحريمه، فقد اتخذهم أربابا من دون الله فكيف ينقل هذا من افترى على ~~الكذب، وكتب خمسين دليلا على جواز الاستغاثة بالأموات بزعمه وأنها مستحبة؟ ~~فقاتله الله ما أعمى بصيرته وما أغلظ جهله. # وإن كان تمسكه بقول الشيخ: نعم قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له ~~لأجل تأويله إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ فهذا الكلام ~~ليس فيه يتمسك به العراقي؛ لأن التأويل والاجتهاد فيما قد يخفى، وأي خفاء ~~فيما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله # PageV01P272 # من توحيد الله وترك الشرك به؟ ولذلك قال الشيخ: إذا كان مجتهدا الاجتهاد ~~الذي يعفى معه عن المخطئ، يعني وأما ما لا يعفى معه عن المخطئ فيعاقب ولا ~~يعذر، بل يذم وتجري عليه الأحكام الشرعية، وقد تقدم تقرير هذا مرارا، ~~والعراقي يتشبع بما لم يعط ويتكثر بما ليس له. # قال العراقي في النقل الحادي والأربعين: قال ابن القيم في الداء والدواء: # PageV01P273 ### | ### | فصل # # : وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك يعني شرك من تجعل مع الله ~~إلها آخر وأخف أمرا فانه ms238 يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، ولا يضر ولا ~~ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا ~~يخلص لله في معاملته وعبوديته. بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ~~ولطلب الرفعة تارة، والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه ~~نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. هذا حال أكثر ~~الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ~~حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجوا ~~منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، ~~وأستغفرك لما لا أعلم". # فالرياء كله شرك إلى أن قال : # PageV01P274 ### | ### | فصل # : # ويتبع هذا الشرك: الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات ~~والنيات، فالشرك فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس ~~عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الاحجار، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها. ~~وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد ~~يصلى لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ " إلى آخر ~~ما قال. # فانظر إلى إقراره أن الشرك في المعاملة والعبادة يصدر ممن يعتقد أن لا ~~إله إلا الله، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا ~~إله غيره ولا رب سواه وأنه يعمل لحظ نفسه وللخلق وللشيطان، ولطلب الدنيا. ~~ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار، كما ذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنهم ينجون بقولهم: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك ~~بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" حتى قال رحمه الله: ويتبع هذا الشرك ~~يعني شرك العبادة السجود لغير الله والطواف بغير بيته، وتقبيل الأحجار ~~والقبور، والسجود لها، فجعل كل هذه من جنس الشرك الأصغر الأول الذي أخبر ~~أنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه حال أكثر الناس، وأنه ms239 يغفر ~~بالاستغفار، وبالاجتهاد والتقليد والتأويل والجهد، كما مر عنهما في مواضع ~~متعددة. # والجواب أن يقال: # هذا النقل اعتراه تحريف وإلحاد، وصرف للكلام عن مدلوله، يتبين # PageV01P275 # بسياق كلام الشيخ ابن القيم، فإنه لما تكلم على الكبائر رحمه الله، ~~وتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وأن الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة ~~المقصودة بإيجاد الخلق وتكلم على ذلك، فقال رحمه الله: ووقعت مسألة، وهي أن ~~المشرك إنما قصد تعظيم جناب الرب سبحانه وتعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي ~~لمثلي الدخول عليه إلا بالوسائط، والشفعاء حكال الملوك، والمشرك لم يقصد ~~الاستهانة بجناب الرب، وإنما قصد تعظيمه، فلم كان هذا القدر موجبا لسخطته ~~وغضبه تبارك وتعالى، ومخلدا في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه، واستباحة ~~حريمهم وأموالهم؟. # ويترتب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه وتعالى ~~لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائل ليكون تحريم هذا إنما استفيد من ~~الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت ~~الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح. وأما ~~الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب. # فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد ~~العون والتسديد؛ فإنه من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له: ولا ~~مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. # الشرك شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ~~ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه وتعالى لا شريك له في ذاته ولا ~~في صفاته، ولا في أفعاله. # والشرك الأول نوعان أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك ~~فرعون، إذ قال: {وما رب العالمين} [الشعراء: من الآية23] ، وقال: {يا هامان ~~ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا} [غافر: من الآية3637] . # والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا ~~يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالحق سبحانه وتعالى وصفاته، ~~ولكنه ms240 عطل حق التوحيد. # PageV01P276 # وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: # تعطيل المصنوع عن صانعه، وخالقه، وتعطيل الصانع سبحانه وتعالى عن كماله ~~بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة ~~التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ~~ومخلوق، ولا ها هنا شيئان. بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه ومنه شرك ~~الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته: وإن لم يكن معدوما أصلا. بل لم يزل ~~ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط، اقتضت إيجادها، ~~فسموها العقول والنفوس ومن هذا شرك ومن عطل أسماء الرب تبارك وتعالى، ~~وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، ~~بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. # PageV01P277 ### | ### | فصل # : # النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، ~~كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها. # ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر ~~إلى الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذى يخلق أفعال ~~نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله؛ ولهذا كانوا أشباه المجوس. ومن هذا شرك ~~الذي حاج إبراهيم فى ربه {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي ~~وأميت} [البقرة: من الآية258] ، فهذا جعل نفسه ندا لله عز وجل يحيي ويميت ~~بزعمه كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن طرد ~~قولك: أن تقدر علي الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، ~~وليس هذا انتقالا كما زعم بعض الحذاق، بل إلزام على طرد الدليل إن كان حقا. ~~ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر ~~هذا العالم كما هو مذهب مشركى الصائبة وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس ~~وعباد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الآله على الحقيقة. ~~ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ms241 ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه ~~إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتز به. ومنهم من ~~يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي فوقه، والفوقاني يقربه إلى ~~من هو فوقه حتي تقربه الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى فتارة تكثر الوسائط ~~وتارة تقل # PageV01P278 ### | ### | فصل # : # وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرا فإنه يصدر ممن ~~يعتقد أنه لاإله إلا الله. وأنه لا يضر وينفع ويعطى ويمنع إلا الله عز وجل. ~~وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله معاملته وعبوديته، بل ~~يعمل لحظ نفسه، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق ~~تارة، فلله تعالى من عمله وسعيه نصيب. هذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي ~~قال فيه النبي فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من ~~دبيب النمل! قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ ~~بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك. قال ~~تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف:110] أي كما ~~أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد ~~بالالهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد ~~بالسنة. وكان من دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اللهم ~~اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا". # وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه، إذا كان العمل ~~واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله فيعاقب على ترك الأمر، فان الله ~~سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة # PageV01P279 # ويؤتوا الزكاة} [البينة:5] فمن لم يخلص لله عبادته لم يفعل ما أمر به، ms242 بل ~~يكون الذي أتي به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول سبحانه ~~وتعالى: "أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معى فيه غيري فهو ~~للذى أشرك معي وأنا منه برئ". # وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور [وغير مغفور] ، وأكبر وأصغر. والنوع الأول ~~ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك بالله في المحبة ~~والتعظيم: أن يحب مخلوقا كما يحب الله فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، ~~وهو الشرك في الدين. قال سبحانه وتعالى فيه: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: من ~~الآية165] ، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم يوم القيامة وقد جمعتهم الجحيم: ~~{تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء:9798] . ~~ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه وتعالى فى الخلق والرزق والاماتة والإحياء ~~والملك والقدرة، وإنما سووهم به فى الحب والتأله لهم، والخضوع والذلة، وهذا ~~غاية الظلم والجهل، فكيف يسوي التراب برب الارباب؟ وكيف يسوي العبد بمالك ~~الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ~~ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته ~~وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ~~ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له يخلقه كما ~~قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام:1] فعدل المشرك من خلق السموات والأرض ~~وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السموات ولا ~~فى الأرض فيا له من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه. # PageV01P280 ### | ### | فصل # : # ويتبع هذا الشرك به سبحانه وتعالى فى الاقوال والأفعال والإرادات ~~والنيات، والشرك فى الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس ~~عبودية وخضوعا لقبره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمينه فى ~~الأرض أو تقبيل القبور واستلامها، والسجود لها ms243 وقد لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله تعالى فيها، فكيف بمن ~~اتخذ أوثانا يعبدها من دون الله؟ ففى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفى الصحيح ~~عنه صلى الله عليه وسلم: "إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين ~~يتخذون القبور مساجد"، وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك"، وفى مسند ~~الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم: "لعن الله زوارات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، وقال صلى الله عليه وسلم: "اشتد ~~غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"إن من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا ~~فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". # فهذا حال من سجد لله فى المسجد المتخذ على قبر فكيف حال من سجد للقبر ~~نفسه؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقد حمى ~~النبي جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع ~~الشمس وعند غروبها لئلا يكون # PageV01P281 # ذلك ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين، ~~وسد الذريعة فمنع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين ~~اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" ولا ينبغي فى كلام الله ~~عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم للذي هو غاية الامتناع شرعا، كقوله: {وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} [مريم:92] ، وقوله: {وما تنزلت به الشياطين، ~~وما ينبغي لهم} [الشعراء: 210211] ، وقوله عن الملائكة: وقوله: {ما كان ~~ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: من الآية18] . # PageV01P282 ### | ### | فصل # : # ومن الشرك به سبحانه وتعالى: الشرك فى اللفظ ms244 كالحلف بغيره، كما روى أحمد ~~وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك" صححه ~~الحاكم وابن حبان، ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: "ما شاء الله وشئت. قال: ~~أجعلتني لله ندا؟! قل ما شاء الله وحده". هذا مع أن الله قد أثبت للعبد ~~مشيئة لقوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} [التكوير:28] فكيف بمن يقول: ~~أنا متوكل على الله وعليك، وأنا فى حسب الله وحسبك، ومالى إلا الله وأنت، ~~وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لى فى السماء وأنت ~~لي فى الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر لله تعالى ولفلان، ~~وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ ~~وبين قول القائل: "ما شاء الله وشئت" ثم انظر أيها أفحش؟ يتبين لك أن ~~قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا ~~كان قد جعله لله ندا بها فهذا قد جعل من لا يداني الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في شيء من الأشياء بل لعله أن يكون من أعدائه ندا للرب تعالى رب ~~العالمين، فالسجود والعبادة والتوكل والانابة والتقوى والخشية والحسب ~~والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار ~~وحلق الرأس خضوعا وتعبدا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله عز وجل ~~لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفى مسند الإمام أحمد ~~رضي الله عنه: "أن رجلا أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أذنب ~~ذنبا، فلما وقف بين يديه، قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال ~~قد عرف الحق لأهله". # PageV01P283 ### | ### | فصل # : # وأما الشرك فى الارادات والنيات فذلك البحر الذى لا ساحل له. وقل من ينجو ~~منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله تعالى ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب ~~الجزاء منه فقد ms245 أشرك فى نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله فى أقواله ~~وأفعاله وإرادته ونيته. وهذه هى الحنيفية ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهى حقيقة الإسلام ~~{ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل ~~عمران:85] وهى ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. # PageV01P284 ### | ### | فصل # : # فإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن ~~الله وحده نستمد الصواب: # حقيقة الشرك: هو تشبيه المخلوق بالخالق عز وجل، وهذا هو التشبيه فى ~~الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته ~~فأركسه بنسبة الأمر وجعل التوحيد تشبيها، والتشبيه تعظيما وطاعة. فالشرك ~~تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية؛ فإن من خصائص الألهية: التفرد ~~بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء ~~والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وجعل من لا ~~يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره شبيها ~~لمن الأمر كله له، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه. فما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع؛ بل إذ فتح لعبده باب ~~رحمته لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه ~~تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ومن خصائص الإلهية ~~الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب ~~أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء ~~والانابة والتوكل والاستعانة # PageV01P285 # وغاية الذل مع غاية الحب كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده. ~~ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ~~ذلك الغير بمن لا شبيه ms246 له ولا مثل له وذلك أقبح التشبيه وأبطله؛ ولشدة قبحه ~~وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لايغفره مع أنه كتب على نفسه ~~الرحمة. # ومن خصائص الألهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: ~~غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب ~~تفاوتهم في هذين الاصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به ~~في خالص حقه وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل ~~فطرة وعقل. ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم ~~واحتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل ~~إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورا ~~على نورهم يهدي الله لنوره من يشاء. # إذا عرفت هذا عرفت أن من خصائص الإلهية: السجود فمن سجد لغيره فقد شبه ~~المخلوق به، ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه ~~تعظيما وإجلالا فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب التشبيه وأما فى ~~جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس الى إطرائه فى المدح والتعظيم ~~والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد شبه نفسه ~~بالله ونازعه ربوبيته وإلهيته وهو حقيق بأن يهنيه الله عز وجل غاية الهوان ~~ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني ~~واحدة منهما عذبته". وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم"، وفى الصحيحين عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي ~~فليخلقوا ذرة # PageV01P286 # فليخلقوا شعيرة" فنبه بالذرة الصغيرة والشعيرة على ما هو أعظم منها ~~وأكبر. # والمقصود أن هذا حال من تشبه به ms247 في خواص ربوبيته وإلهيته؛ ولذلك يغضب ~~الله على من يتشبه به فى الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك، ~~وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إن أخنع الأسماء عند الله تعالى شاهان شاه، ملك الملوك، لا ملك إلا ~~الله تعالى". وفي لفظ: "أغيظ رجل علي الله تعالى رجل تسمى بملك الاملاك" ~~فهذا مقت الله تعالى وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي إلا له. ~~وهو سبحانه وتعالى ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذى يحكم ~~علي الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم لا غيره. # PageV01P287 ### | ### | فصل # # إذا تبين هذا فهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند ~~الله تعالى إساءة الظن به فان المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس ~~فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته؛ ولهذا توعد سبحانه وتعالى الظانين به ظن ~~السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: {عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [الفتح: من الآية6] ، وقد قال ~~تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم ~~من الخاسرين} [فصلت:23] ، وقد قال تعالى عن خليله إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم صلى الله عليه وسلم: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون، أإفكا آلهة دون ~~الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين} [الصافات:8587] أي فما ظنكم أن ~~يجازيكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره وما ظنكم بأسمائه وصفاته وربوبيته من ~~النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل ~~شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير ~~إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه؛ وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه ~~غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم ~~وحده لا يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى ms248 من يستعطفه ~~ما تخذتم من دونه أولياء تدعونهم وتتوسلون بهم إليه بزعمكم. وهذا بخلاف ~~الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية ~~وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة # PageV01P288 # فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة، لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم، فأما ~~القادر على كل شيء الغني بذاته عن كل شىء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم ~~الذى وسعت رحمته كل شىء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته ~~وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن سوء وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع فى ~~العقول والفطر وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح. # يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله خاضع ذليل له، والرب تبارك وتعالى ~~وحده هو الذى يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا ~~خالص حقه فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره ويشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما ~~إذا كان الذى جعل شريكه فى حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: {ضرب لكم ~~مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} [الروم: من الآية28] أي إذا كان أحدكم ~~يأنف أن يكون مملوكه شريك له فى رزقه فكيف تجعلون لى من عبيدي شركاء فيما ~~أنا منفرد به، وهو الإلهية التى لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ~~ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد به ~~وحدي دون خلقى؛ فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: {وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر:67] فما قدر من هذا شأنه وعظمته ~~حق قدره من أشرك معه فى عبادته من ليس له شأن من ذلك البتة، بل هو أعجز شىء ~~وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل، وكذلك ما ~~قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى ms249 خلقه رسولا، ولا أنزل كتابا، بل نسبه ~~إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه، من إهمال خلقه وتركهم سدى، وخلقهم باطلا ~~وعبثا، وما قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فنفى ~~سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من ~~خلقه بما يريد أو نفى عموم # PageV01P289 # قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ~~ومشيئته خلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاءون بدون مشيئة الرب تبارك ~~وتعالى، فيكون فى ملكه ما لا يشاء، ويشاء مالا يكون تعالى الله عز وجل عن ~~قوله أشباه المجوس علوا كبيرا، وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب ~~عبده على مالا يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيه البتة، بل هو ~~نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله هو، وهو سبحانه وتعالى الذي ~~جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق المخلوق. فإن من ~~المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو الجأه إليه، ثم ~~عاقبه عليه لكان قبيحا فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف ~~يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، ~~بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟ تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. وقول هؤلاء شر من أشباه المجوس. والطائفتان ما قدروا الله حق قدره. ~~وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن بئر ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل ~~جعله فى كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه، يصعد إليه الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده ويدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فصانه عن استوائه على سرير الملك، ~~ثم جعله فى كل مكان يأنف الإنسان، بل غيره من الحيوان أن يكون فيه. وما قد ~~الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ms250 ومقته، ولا من ~~نفي حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى ~~حقيقة فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به أفعال منقولات منفصلة عنه. ~~فنفي حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه وتكليمه موسى من جانب الطور، ~~ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه إلى غير ذلك من أفعاله ~~وأوصاف كماله التي نفوها وزعموا أنهم بنفيها قدروه حق قدره. # وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة # PageV01P290 # وولدا وجعله سبحانه يحل فى مخلوقاته أو جعله عين هذا الوجود، وكذلك لم ~~يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وأعلى ذكرهم، وجعل ~~فيهم الملك والخلافة والعزة، ووضع أولياء رسوله وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم ~~الذلة أينما ثقفوا. وهذا يتضمن غاية القدح فى جناب الرب تبارك وتعالى عن ~~قول الرافضة علوا كبيرا. وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى فى رب ~~العالمين: إنه أرسل ملكا ظالما فادعى النبوة لنفسه وكذب على الله تعالى، ~~ومكث زمانا طويلا يكذب عليه كل وقت ويقول: قال كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا ~~وينسخ شرائع أنبيائه ورسله ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم. ويقول: ~~الله تعالى أباح لي ذلك، والرب تبارك وتعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويقويه ~~ويجيب دعواته ويمكنه ممن يخالفه ويقيم الأدلة على صدقه ولا يعاديه أحد إلا ~~ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله وتقريره ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء. ~~ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن فى الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ~~ورحمته وربوبيته تعالى ربنا عن قول الجاحدين علوا كبيرا. # فوازن بين قول هذا وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين: # رضيعى لبان ثدى أم تقاسما ... باسحم داج عوض لا يتفرق # وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه ~~طرفة عين، [ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين] (1) ~~ويدخلهم دار النعيم، وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض ~~جاء عنه بخلاف ذلك فمعناه للخبر لا لمخالفة ms251 حكمته وعدله. وقد أنكر سبحانه ~~وتعالى فى كتابه على من يجوز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم به من أسوأ ~~الأحكام، وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى ولا يبعث من فى ~~القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازى فيه المحسن بإحسانه والمسيء فيه بإساءته، ~~ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، PageV01P291 # ويكرم المتحملين المشاق فى هذه الدار من أجله وفى مرضاته بأفضل كرامته ~~ويبين لخلقه الذي كانوا يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. # وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه وحقه ~~فضيعه وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة ~~المخلوق أهم عنده من طاعته. فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله وسواه المقدم ~~في ذلك لأنه المهم عنده يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه ~~وجوارحه، ويستحي من الناس ولا يستحي من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله، ~~ويعامل الخلق بأفضل ما ما يقدر عليه، وإن عامل الله عز وجل عامله بأهون ما ~~عنده وأحقره، وإن قام فى خدمة إلهه من البشر قام بالجد والإجتهاد وبذل ~~النصيحة، وقد فرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام ~~فى خدمة ربه إن ساعده القدر قام قياما لا يرضاه مثله لمخلوق من مخلوقاته، ~~وبدا له منه ما يستحي أن يواجه به مخلوقا مثله. فهل قدر الله حق قدره من ~~هذا وصفه؟ وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه فى محض حقه من الإجلال ~~والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل من أقرب الخلق ~~إليه شريكا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه واستهانة به وتشريكا ~~بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه وتعالى، فكيف وإنما ~~أشرك بينه وبين أبغض الخلق وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على ~~الحقيقة؛ فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان كما قال تعالى: {ألم أعهد ~~إليكم يا بني ms252 آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم} [يس:6061] ، ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم ~~في نفس الأمر للشيطان، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: ~~{ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} ~~[سبأ:4041] فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك، وكذلك # PageV01P292 # عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون إنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي ~~التى تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج؛ ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان لعنه ~~الله تعالى، فيسجد لها الكفار. فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها. وكذلك من ~~عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان فإنه يزعم أنه يعبد من أمره ~~بعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم لعنه ~~الله تعالى، لا عبد الله ورسوله عيسى عليه السلام. ونزل هذا كله على قوله ~~تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ~~فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان ~~فيستمع العابد بالمعبود فى حصول غراضه ويستمتع المعبود بالعابد فى تعظيمه ~~له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضا الشيطان ولهذا قال تعالى: {ويوم ~~يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الأنس} من إغوائهم وإضلالهم ~~{وقال أولياؤهم من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت ~~لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} ~~[الأنعام:128] . # فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك من أكبر الكبائر عند ~~الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود فى النار، وأنه ليس ~~تحريمه وقبحه بمجرد النهى عنه، بل يستحيل على الله سبحانه وتعالى أن يشرع ~~عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه تناقض أوصاف كمال ونعوت جلاله، وكيف يظن ~~بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن فى مشاركته فى ذلك ms253 أو ~~يرضى به؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا" انتهى ما نقلته. # فقف وتأمل كلام الشيخ رحمه الله، فإنه فصل وبين أن الشرك شركان، شرك ~~تعطيل لذات الرب ولأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وذكر ~~أن هذا أيضا تعطيل لمعاملته على العبد من حقيقة التوحيد. # PageV01P293 # ثم ذكر شرك أهل الوحدة، وشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم، وشرك ~~الجهمية والقرامطة، ثم ذكر النوع الثاني، وهو شرك من أشرك في العبادة ~~والمعاملة كشرك النصارى، وشرك المجوس، وشرك القدرية، وشرك الذي حاج إبراهيم ~~في ربه، وشرك من يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة، وشرك عباد ~~الشمس، وعباد النار وغيرهم. # قلت: ومنه شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح الموتى تدبر شيئا ~~من أمر هذا العالم كما صرح به ابن جرجيس قاتله الله. # ثم قال الشيخ: # PageV01P294 ### | ### | فصل # : # وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرا فانه يصدر ممن ~~يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا ~~الله عز وجل، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه. # فذكر الشرك في العبادة والعمل لحظ النفس، وقرره واستدل عليه، ثم قال: # "وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر. والنوع الأول ~~ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفورا. فمنه أي من الشرك الأكبر الشرك ~~بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقا كما يحب الله وهذا من الشرك الذي ~~لا يغفره الله، وهو الشرك في الدين. قال سبحانه وتعالى فيه: {ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} الآية [البقرة: من الآية165] ، ~~وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم: {تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين، إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء:9798] . ومعلوم أنهم ما سووهم به ~~سبحانه فى الخلق والرزق والاماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به ~~فى الحب والتأله لهم، والخضوع والذلة، وهذا غاية الظلم والجهل، فكيف يسوي ~~التراب برب الارباب؟ وكيف يسوي العبد بمالك الرقاب؟ وكيف ms254 يسوي الفقير ~~بالذات الضعيف العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم ~~بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ~~ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم ~~أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له. # وترك العراقي هذا كله عنادا وصدا عن سبيل الله، واقتصر على أول # PageV01P295 # الفصل، وهو الشرك في المعاملة لطلب الدنيا، والغالب أن فعله هذا وتركه ~~لأنه عين فعل عباد القبور، وقد أصاب مقتله، وعدل عنه اختيارا، مع أنه جاهل ~~بحقيقة الشرك في المعاملة والعمل لطلب الدنيا، فهذا عمل صورته لله وقصده ~~فيه فاسد. # وأما القسم الذي ذكر الشيخ أنه لا يغفر وهو الشرك في المحبة والتعظيم ~~ونحوه، فهذا صورته وحقيقته وقصد فاعله لغير الله، وفرق بين الشرك في ~~النيات، والشرك في الأفعال، ولذلك مثل الثاني بالسجود لغير الله، والطواف ~~بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره، ثم قال: # PageV01P296 ### | ### | فصل # : # ومن الشرك به سبحانه وتعالى: الشرك في اللفظ كالحلف بغيره إلى آخر الفصل ~~المتقدم فهذا تركه العراقي عمدا لما فيه من التصريح بأن الحلف بغير الله ~~شرك، والنذر لغيره شرك، والله المستعان. # وذكر الفصل من شرك الإرادات والنيات، وترك الفصل الذي بعده مع أنه قرر ~~فيه أن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق، وأن من خصائص الإلهية: التفرد بملك ~~الضر والنفع والعطاء والمنع. # وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده فمن علق ذلك ~~بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وقرر تقريرا حسنا مفيدا من فرائد الدرر وعجائب ~~الغرر، في الرد على عباد القبور الذين هم في محل النزاع، فراجعه في أول ~~الجواب بعد خمسة فصول في المقدمة، تعرف به تحريف العراقي وأن الكلام في أول ~~الفصل السادس في عباد القبور، ومن شابههم من أهل الشرك وتشبيه المخلوق ~~بالخالق. فقف عليه إلى آخر ما نقلناه من كلامه ترى العجب العجاب من توحيد ~~رب الأرباب، ,كشف زيغ كل جاهل مرتاب. ومن له فطنة ونفس ذكية يعرف ms255 هذا بأول ~~نظرة، ويستبين له بأدنى لحظة، ومن لم يجعل الله له نورا فلا يزداد بكثرة ~~النقل والكشف إلا شكا وحيرة، والله المستعان. # وقول العراقي: فانظر إلى إقراره بأنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، ~~وأنه لاينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه يعمل لحظ # PageV01P297 # نفسه ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار إلى آخر ~~عبارته. # فهذا تلبيس وخلط، تقدم أن الكلام في الشرك الخفي كما بينه المصنف، وأما ~~الشرك الأكبر فهو المراد بما بعد ذلك، فالعراقي مخلط لا يدري ما الناس فيه ~~من أمر دينهم. ولا عرف المراد من كلام أهل العلم، فهو في ظلمة الجهل وأسر ~~العادة التي نشأ عليها. لم يرتفع عن حضيضها الأسفل، ولا عرف ما كتب ونقل، ~~والشرك في العبادة يطلق ويراد به الرياء والعمل لغير الله، وأما الشرك ~~بالله فهو جعل إله آخر يسوي بينه وبين الله في العبادة، والكل شرك في عبادة ~~الله، والمصنف أجمل أولا، ثم فصل وقسم، وبين أتم بيان، والمرتاب يتعلق ~~بأدنى شبهة. # قال العراقي: النقل الثاني والأربعون في إغاثة اللهفان: "وأما نجاسة ~~الشرك الأكبر الذي لا يغفر، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك ~~الأصغر كيسير الرياء والتصنع للمخلوق، والحلف به وخوفه ورجائه" انتهى. # فجعل الحلف بالمخلوق والخوف والرجاء من المخلوق من جنس الشرك الخفيف ولم ~~يجعله من المخرج من الملة. # والجواب أن يقال: # ليس النزاع معكم معاشر عباد القبور في خصوص الخلف، وخوف المخلوق ورجائه ~~فيما يقدر عليه، بل النزاع في الشرك الأكبر الذي لا يغفر. وقد قرره ابن ~~القيم في هذا الكتاب تقريرا حسنا، ونذكر نص كلامه ليتين إلحاد هذا الضال ~~المفتري، فقد ذكر رحمه الله في الباب التاسع طهارة القلب، وأطال الكلام ثم ~~قال: # PageV01P298 ### | ### | فصل # : # وقد وسم سبحانه الشرك واللواط بالنجاسة والخبث في كتابه، دون سائر ~~الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك ثم ساق الآيات في ذلك ، ثم قال: فأما ~~نجاسة الشرك فهي نوعان، نجاسة ms256 مغلظة ونجاسة مخففة. فالنجاسة المغلظة: الشرك ~~الأكبر الذي لا يغفر، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء والتصنع للمخلوق ~~والحلف به وخوفه ورجائه. # وهذا حق لا نزاع فيه، فأما الحلف فنطلق عليه ما أطلقه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من تسميته شركا وكفرا. ولا نقول: شركا وكفرا، ولا كفر أكبر بل ~~ننتهي حيث انتهى الشارع، صلوات الله وسلامه عليه. # وقد قال ابن القيم في المدارج في الكلام على الحلف: قد يكون هذا شرك أكبر ~~بحسب ما قام بقلب فاعله. وقد ذكر القاضي عياض وغيره: ولا شك أنه إذا قام ~~بقلبه تعظيمه بالحلف كتعظيم الله، فهو شرك أكبر، وأكثر عباد القبور ~~يعظمونهم ويحبونهم أشد من تعظيم الله وحبه. ولا ينكر هذا إلا مكابر، وبعضهم ~~يحلف بالله كاذبا مائة مرة ولا يحلف بشيخه ومن يعتقده كاذبا ولا مرة واحدة. ~~ومن قال: إن هذا شرك أصغر فهو من أضل الورى، وأجهلهم بأصول الإيمان والهدى، ~~وما يجب لله على عباده من التعظيم والحب والخوف والرجاء. # واعلم أن الخوف والرجاء فيما يقدر عليه المخلوق لا يكون بمنزلة # PageV01P299 # الخوف والرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله. والعراقي التبس عليه الأمر، ~~فإنه أجنبي عن مسائل التوحيد والإيمان. # وقال ابن القيم في الإغاثة لما تكلم على ما في الصلاة عند القبور ~~واتخاذها أعيادا من المفاسد : "فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، ~~والطواف بها، وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة ~~أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، ~~وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان وغير ذلك من أنواع الطلبات إلى أن قال : # وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا ~~لها مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد"، ~~مضاهاة منه القبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الاسلام ~~ودخول في دين عباد الأصنام". # قلت: ولعمر الله إن هذا بعينه ما عليه العراقي وشيعته، ولكنه مشبه قد ~~أعمى الله بصيرته، وسيأتي مزيد تقرير لهذا في موضعه. # قال العراقي: النقل الثالث ms257 والأربعون: قال ابن القيم في الداء والدواء: # PageV01P300 ### | ### | فصل # : # وأما الشرك به سبحانه في اللفظ كالحلف به، وقول القائل: ما شاء الله وشئت ~~إلى أن قال : وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، ~~قل من ينجو منه. # قال العراقي: فانظر إلى قوله: إن الشرك في الإرادات والنيات هو البحر ~~الذي لا ساحل له، ومع ذلك لم يحكم على فاعله وقائله وناويه بالشرك المخرج ~~من الملة. فلو كان مخرجا لما كان المسلمون إلا قليلين، بل أقل من كل قليل، ~~حتى من يدعي التوحيد فإن النيات الفاسدة للمخلوق وابتغاء التقرب منه، وطلب ~~الجزاء منه، بل والتذلل له والسجود له كالتعظيم للحكام وأهل الدنيا من أهل ~~الأموال. فإن هذا لا ينجو منه إلا المخلصون، وقليل ما هم. # والجواب أن يقال: # قد تقدم هذا الفصل فيما نقلناه قريبا فراجعه، تعرف ما اعتراه من تحريف ~~العراقي، وتقدم جوابه مفصلا فراجعه إن شئت. # قال العراقي: النقل الرابع والأربعون: قال ابن القيم في بدائع الفوائد في ~~قوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: من الآية89] ما نصه: كانوا ~~يحاربون جيرانهم من # PageV01P301 # العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، ~~فيفتح لهم وينصرون، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به وجحدوا ~~نبوته، فاستفتاحهم به مع جحد نبوته مما لا يجتمعان؛ فإن كان استفتاحهم به ~~لأنه نبي كان جحد نبوته محالا، وإن كان جحد نبوته كما يزعمون حقا كان ~~استفتاحهم باطلا. وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه البتة" انتهى. # وذكر المفسرون أن استفتاحهم به يعني اليهود قبل ظهوره للوجود هو قولهم: ~~اللهم بحرمة هذا النبي الذي يكون آخر الزمان انصرنا وافتح لنا، فينصرون ~~ويفتح لهم، ورأيت في بعض حواشي البيضاوي نقلا عن السعد التفتازاني قال: ~~والأظهر أنهم كانوا يطلبون الفتح من الله عليهم متوسلين بذكره صلى الله ~~عليه وسلم ويجعلون اسمه شفيعا" انتهى. # والجواب أن يقال: ms258 # ليس في كلام ابن القيم ما يدل على مسألة النزاع، وليس في كلام المفسرين ~~ما يدل على ذلك، هل قال أحد: إنهم يسألونه الفتح والنصر على أعدائهم من ~~المشركين وأن الآية دلت على هذا بوجه من الوجوه؟ هذا لا يقوله عاقل فضلا عن ~~المسلم فضلا عن العالم، سبحان الله وتعالى عما يشركون، وإنما كان استفتاحهم ~~به طلب الفتح بخروج محمد النبي الذي بشرت به الأنبياء وذكرت صفته ونعته في ~~التوراة الذي أظل زمان خروجه، هذا الذي ذكره المفسرون كابن جرير، وابن ~~كثير، وأمثالهم من الأئمة الذين إليهم المرجع في علم التأويل، وما نقله ~~العراقي لم يقله المفسرون، وإنما نقله بعضهم كالفرطبي، فكلام العراقي ~~مجازفة. # قال ابن كثير: يقول تعالى: {ولما جاءهم} يعني اليهود {كتاب من عند الله} ~~وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {مصدق لما معهم} يعني من ~~التوراة، وقوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} وقد كانوا من ~~قبل مجيء الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا ~~قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقاتلكم معه فنقتلكم قتل عاد ~~وإرم. ثم ذكر حديث عاصم بن عمر، وذكر قول ابن عباس {يستفتحون على الذين ~~كفروا} # PageV01P302 # قال: "يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدا عليهم" ثم قال: وقال العوفي عن ~~ابن عباس {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} يقول: "يستنصرون بخروج ~~محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب"، قال: وقال أبو العالية: "كانت ~~اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: اللهم ~~ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم". # وهكذا ذكر غيره من المفسرين كابن جرير وغيره من أهل العلم والأثر، فهذه ~~الأقوال أظهر مما نقله القرطبي، لم لو سلم تسليما صناعيا فليس النزاع في ~~سؤال الله بحرمة نبيه، هذه مسألة أخرى، كما تقدم، إنما النزاع في مسألة ~~دعاء غير الله والطلب من سواه، فإيراد هذا مغالطة وخروج عن محل النزاع، ~~دعاه إليه الإفلاس، وسيأتي ms259 الكلام على مسألة سؤال الله بحرمة عبد من عباده ~~وقد تقدم بعض ذلك. # والاحتجاج بالآية على اليهود من جهة استفتاحهم قبل مبعثه صلى الله عليه ~~وسلم وكفرهم بعد مبعثه، وتقرير أنهم أهل تحكم وعناد وهوى ليسوا بأهل إيمان ~~وصدق ومتابعة، فإن كان صدر منهم ما حكاه القرطبي، فليس هو تشريع لنا وأمر ~~بأن نفعل ما فعلت اليهود كما زعمه العراقي. # قال العراقي: النقل الخامس والأربعون: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: ~~وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى كالملائكة ~~والكعبة وأحد الشيوخ بل ينهى عنه إما نهي تحريم أو تنزيه. ولم يقل أحد إنه ~~ينعقد اليمين بأحد من الخلق إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم، وعن أحمد في ~~ذلك روايتان، وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء، ~~والقول بانعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم شاذ، لم يقل أحد به فيما ~~نعلم" انتهى. # ثم قال العراقي: فقد تبين أن الحلف بغير الله تعالى منهي عنه إما نهي ~~تحريم أو تنزيه، بل رواية أحمد بن حنبل وغيره أنه مباح، وأما الحلف بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فذهب إلى أنه ينتعقد اليمين به، لأنه جزء الإيمان وعليه ~~الفتوى، وطرد بعض أصحابه ذلك في جميع الأنبياء، وقول الشيخ رحمه الله: إن ~~القول بانعقاد اليمين به شاذ لا ينبغي في حق الإمام أحمد، كيف يكون شاذا، ~~وقد # PageV01P303 # قاله إمام السنة وقامع البدعة الصديق الثاني: فلو كان وحده لكفى به بقوله ~~سندا، فكيف وقد قال تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر:72] فلو ~~استند بظاهر الآية لكفى بقول الله حجة. # والجواب: # أن شيخ الإسلام ابن تيمية أدى ما عليه، حكى أن اليمين لا تنعقد بغير ~~الله، وأنه منهي عنه ولم يستثن إلا نبينا، قال عن أحمد رواية بانعقادها به ~~صلى الله عليه وسلم وبين أن هذا شاذ لم يقل به أحد، وهذا ليس فيه ما يتمسك ~~به مبطل؛ فإنه وإن حكى الخلاف فقد ضعفه، واختار القول الراجح ms260 الذي دلت عليه ~~السنة المستفيضة، وجرى عليه العمل عند أهل العلم والحديث، وفي القرون ~~المفضلة وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك" دليل شرعي ~~على العموم، والرواية عن الإمام أحمد ذكر الشيخ أنها شاذة. لا توافق أصوله ~~وقواعده، وما تواتر عنه، وهذا معنى الشذوذ. # وكلام العراقي واعتراضه على الشيخ جهل عظيم فإن الراوي الواحد إذا انفرد ~~بقول أو رواية تخالف المعروف الثابت، وصف القول والرواية بالشذوذ، وقد ~~حكموا على ما خالف المصحف العثماني من القراءات بالشذوذ، كقراءة ابن مسعود ~~مع العلم بأنها ثابتة، قرأ بها من هو من أجل الصحابة وأعلمهم. # واستدلال العراقي بقوله تعالى {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} جهل عظيم ~~بمعنى الآية، وما عليه أهل العلم. فإن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، ~~وقسمه به تشريف له، أو تنبيه على ما فيه من الآية والبرهان، ولا يقاس به ~~غيره تعالى وتقدس (1) . وقد أقسم بالصافات والمرسلات PageV01P304 # والنازعات، أفيقال: بجواز الحلف بها مع أن الكلام فيما هو أعظم من الحلف ~~والشرك الصراح؟ كالمحبة والخضوع والاستغاثة، والتوكل والإنابة، والركوع ~~والسجود، وغير ذلك مما يختص بالملك الحق المعبود. # وأما الحلف فقد تقدم أن الشيخ محمدا وأتباعه لا يقولون: إنه كفر مخرج من ~~الملة بل هم أهل علم وسنة يطلقون ما أطلق الشارع، ويتبعون ولا يبتدعون. # ثم قال العراقي: النقل السادس والأربعون: قال ابن قدامة تلميذ الشيخ ابن ~~تيمية في كتابه مغني ذوي الأفهام: "ويكره الحلف بغير الله تعالى". انتهى. # جعل عليه علامة المذاهب الأربع على قانون رمزوه. # النقل السابع والأربعون: قال الشيخ ابن قدامة في كتابه المتقدم: "ويباح ~~التوسل بالصالحين أحياء وأمواتا". # ثم قال: النقل الثامن والأربعون: قال صاحب الإنصاف في التنقيح: "ويحرم ~~حلفه بغير الله، وقيل: يكره، وعنه يباح" انتهى أي عن أحمد بن حنبل صاحب ~~المذهب، ومذهبه: أن الحنث بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه الكفارة. وطرد ذلك ~~ابن عقيل في جميع الأنبياء. # والجواب أن يقال: # مسألة الحلف بغير الله قد تقدم الكلام فيها، ومما ms261 ينبغي أن يعلم أن ~~القائلين بالتحريم من الأئمة وأهل العلم لا يشق غبارهم لا صاحب مغني ذوي ~~الأفهام ولا من هو أجل منه، ونحن لا ننكر أن بعض الناس قال بالكراهة. # وإنما النزاع في تصويب أحد القولين، وأيهما تشهد له الأحاديث النبوية؟ ~~وقال شيخ الإسلام: يحرم الحلف بغير اسمه تعالى: قال ابن مسعود: "لأن أحلف ~~بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا". # قال شيخ الإسلام: "معنى قول ابن مسعود: أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة ~~الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب". # PageV01P305 # قلت: والكذب محرم بالإجماع، ولا يعرف عن الشارع صلى الله عليه وسلم إطلاق ~~الشرك والكفر على مكروه من المكروهات، ومن أطلق الكراهة من الأئمة فالأولى ~~حمل كلامه على كراهة التحريم، إحسانا للظن بالعلماء، وليت هؤلاء القبوريين ~~اقتصروا على ما فيه الخلاف، بل قد تقدم لك أنهم أتوا من الشركيات ما لم تأت ~~به جاهلية العرب. # وأما ما ذكره في النقل السابع والأربعين فالجواب عنه من وجوه: # الأول: أن الواجب في مسألة النزاع ردها إلى الكتاب والسنة، ولا حجة في ~~قول آحاد العلماء. ولا يصح نسبة هذا القول إلى المذهب، كما يعرفه من عرف ~~قواعد المذهب في لزوم السنة وسد الذرائع. # الثاني: أن التوسل في عرف أهل العلم ليس هو التوسل في عرف العراقي وشيعته ~~من عباد القبور، بل التوسل عندهم يطلق على المتابعة والاقتداء، ويطلق على ~~سؤال الله بحق الأنبياء والصالحين. وليس النزاع في هذا كله، وإنما النزاع ~~في اتخاذ الأنداد والآلهة، والتوسل بدعائهم والاستغاثة بهم والطواف ~~بقبورهم. # الثالث: أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه في الاستسقاء، ~~ولم يأت القبر الشريف، ولم يتوسل به، لعلمهم بالسنة وأحكام الشريعة. وتوسل ~~معاوية بيزيد بن الأسود، وهكذا أئمة الدين في كل عصر ومصر، يتوسلون بدعاء ~~الصالحين والأخيار بالاستسقاء وغيره، ولم يقل أحد منهم إنه استسقى عند ~~القبور ويتوسل بها عند الحوادث، هذا لا يقوله من شم رائحة الشريعة، وسلم من ~~سوء المعتقد وخبث السريرة. # الرابع: أن الاحتجاج ms262 بقول صاحب مغني ذوي الأفهام جهل بقواعد المذهب ~~واصطلاح أهله، فإن الكتب المعتمدة في الفتوى عندهم معروفة محصورة، وهي كتب ~~أئمة المذهب ورجاله، الذين إليهم المرجع، وصاحب مغني ذوي الأفهام ليس هو ~~الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي تلميذ شيخ # PageV01P306 # الإسلام ابن تيمية، كما زعمه هذا الجاهل الغبي (1) . # وأما النقل الثامن والأربعون: فقد تقدم أن العراقي ذكر هذا النقل في ~~الثالث والعشرين، وكرره هنا لإيهام الجهال أنه كثير النقول. # النقل التاسع والأربعون: قال ابن عبد الوهاب في مختصر الشرح الكبير في ~~باب الأيمان: ويكره الحلف بغير الله، ويحتمل أن يكون محرما، وقيل: يجوز لأن ~~الله أقسم بمخلوقاته، فقال {والنجم} ، و {الشمس} ، و {الضحى} ، و {الليل} ~~وغير ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفلح وأبيه إن صدق"، وحديث أبي ~~العشراء: "وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك"، ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"من حلف بغير الله فقد أشرك" هذا ملخص ما قاله. # أمليته من حفظي حيث لم توجد النسخة عندي حال الكتابة فقوله: ويكره الحلف. ~~وتقديمه الكراهة على التحريم دليل على أن المتقدمين كانوا مختارين كراهة ~~التنزيه، حتى حكي قول التحريم بيحتمل، الدال على التضعيف. وذكر أن بعض أهل ~~العلم قائل بالجواز وهي رواية عن الإمام أحمد، كما تقدم عن صاحب الإنصاف، ~~وقوله: ولنا دليل على ما اختاره من الكراهة. # والجواب أن يقال: # قد كتبنا فيما تقدم من الرد المختصر أن العراقي دلس ولبس، ولم يأت ~~بالعبارة على وجهها بل حرفها تحريفا أحال عن معناها؛ فإن الشيخ ذكر ~~الكراهة، ثم ذكر التحريم في أول كلامه نقلا عن أهل المذهب، وذكر كلام ابن ~~عبد البر، وحكاية الإجماع على التحريم، ثم قال: "وقيل" حكاه بصيغة التمريض ~~وأن القائل استدل بأن الله أقسم بمخلوقاته، وبقوله: "أفلح وأبيه إن صدق"، ~~وبقوله في حديث أبي العشراء: "أما وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك" ثم تعقب ~~الشيخ هذا، وذكر أن أحمد لم يثبت حديث أبي العشراء. واستدل بحديث عمر، ~~وبحديث عبد الله بن عمر، وقرر أدلة ms263 التحريم، وذكر PageV01P307 # عن ابن عبد البر أن قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" غير محفوظة من وجه صحيح، ~~والحلف بغير الله تعظيم يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى. # وبهذا تعرف الراجح الذي اختاره الشيخ وغيره، والشيخ في كتاب التوحيد ~~استدل على هذه المسألة وترجم عليها بقول الله تعالى: {فلا تجعلوا لله ~~أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: من الآية22] وساق حديث ابن عمر، وقول ابن ~~عباس في معنى الآية، ومنه: والله وحياتك. # قلت: ولأهل العلم عن حديث: "أفلح وأبيه"، وحديث أبي العشراء أجوبة معروفة ~~في محلها، منها: أن هذا مما لا يقصد به اليمين، بل هو مما جرى على ألسنتهم ~~من غير قصد، مثل قوله: "تربت يداك"، "ثكلتك أمك"، "ويح عمار" ونحو هذا. # وقيل: إن ذلك منسوخ، واستدل القائل بما لا يمكن دفعه وبعضهم تكلم في ~~السند كما تقدم عن أحمد في حديث أبي العشراء، وقال النووي في الكلام على ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "أفلح وأبيه إن صدق" هذا مما جرت به عادتهم ~~يسألون عن الجواب عنه مع قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفا فليحلف ~~بالله"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يناهكم أن تحلفوا بأبائكم". # وجوابه: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "أفلح وأبيه" ليس هو حلفا، إنما هو ~~كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها الحلف، والنهي إنما ~~ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من إعظام المخلوق ومضاهاته به سبحانه ~~وتعالى. فهذا هو الجواب المرضي، وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن ~~الحلف بغير الله، والله أعلم. # قال العراقي: النقل الخمسون: قال ابن عبد الوهاب في مختصره: لو قال: ~~"لعمري" أو "لعمرك" فليس بيمين في قول الأكثر، وقال الحسن في قوله: "لعمري" ~~كفارة انتهى. # ومعلوم أن لعمري أو لعمرك قسم بغير الله بلا نزاع ولكن الأكثر ما أوجب # PageV01P308 ### | فصل # في ألفاظ كان يكره أن تقال: منها أن يقال: ما شاء الله وشئت، ومنها: أن ~~يحلف بغير الله، صح عنه صلى الله عليه ms264 وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فقد ~~أشرك"، ومنها: أن يقول السيد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، وأن يقول الغلام ~~لسيده: ربي وربتي، ,ليقل السيد: فتاي وجاريتي، ويقول الغلام: سيدي وسيدتي" ~~انتهى. # فانظر إلى تصريحه بالكراهة ولم يقل حرام ولا كفر قائلها كفرا مخرجا من ~~الملة. # والجواب أن يقال: # قد تقدم أن من نسب إلى الشيخ أو إلى أهل العلم من أتباعه أنهم كفروا بهذه ~~الأشياء كفرا مخرجا من الملة، فهو من أكذب الخلق وأجرأهم على الفرية، وقول ~~الزور، وتقدم أن الشيخ ابن القيم قال: "من عظم مخلوقا بالحلف تعظيما كتعظيم ~~الله فقد أشرك شركا أكبر". وقال لما عد هذه الألفاظ ونحوها في شرح المدارج: ~~"وقد يكون ذلك شركا أكبر بحسب ما قام بقلب فاعله". وحديث ابن عمر صريح في ~~إطلاق الكفر والشرك بالحلف بغير الله، فمن منع هذا الإطلاق فهو مشاق لله ~~ولرسوله. ولكن ساق البخاري في صحيحه قول ابن عباس: "كفر دون كفر، وشرك دون ~~شك، وظلم دون ظلم". وأما قول السيد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، وقول ~~الغلام والجارية: سيدي # PageV01P310 # وسيدتي، فلم يكفر بهذا مسلمم، كيف وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقال: سيدي ومولاي واعتراض العراقي على عبارة كشف الشبهات مصدره سوء فهمه ~~وغلظ طبعه، وكثافة حجابه، وسيأتيك الكلام في هذا إن شاء الله مفصلا قريبا: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # نعم قول النبي صلى الله عليه وسلم للوفد الذين قالوا له: أنت سيدنا: ~~"السيد الله" حديث ثابت خرجه الأئمة، واحتج به أهل العلم، ولهم في الجمع ~~بينه وبين أمره للغلام أن يقول لسيده: سيدي وسيدتي طرق. # منها: ترجيح حديث الرخصة للعبد والأمة، ويحتمل أن الرخصة خاصة بالعبد ~~والأمة، لما لسيدهما من السيادة الخاصة، وأما العامة في مقام المدح والثناء ~~فتختص بالمنع. وهذا الجمع فيه إعمال النص في مورده، ولعله أولى الأقوال، ~~وهذا جوابنا عن نقله الثاني والخمسين. # وأما نقله الثالث والخمسون، فحاصله أن شيخنا رحمه الله ذكر في كتاب ~~التوحيد ms265 حديث: "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، بل يقل: فتاي وفتاتي. ولا يقل ~~العبد: ربي وربتي، وليقل: سيدي وسيدتي" وأنه ذكر في مختصر السيرة ومختصر ~~الهدي النبوي: سيد بني فلان، وسيد بني فلان مرات متعددة. # ثم قال العراقي: فانظر إلى نقله هذا، وقد قال في كشف الشبهات له: "ليس ~~معنى عندنا إلا الإله. فعلى هذا إذا قال أحد منا: يا سيدي أو سا مولاي، ~~فكأنما قال: يا إلهي". فإذا كان لفظ السيد معناه الإله، كيف جاز له نقله في ~~كتبه ولم يعترض على الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي نقله: ~~"وليقل العبد سيدي ومولاي"؟ وكيف ساغ له أن يقول في السيرة: سيد بني فلان، ~~وفي أشخاص كفار، فضلا عن مسلمين أخيار، فهل هذا إلا تناقض؟ بل رأيت في كتب ~~متعددة لبعض المعاصرين له أنه أحرق دلائل الخيرات؛ لأن # PageV01P311 # فيها: اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد، وأنه قال: من أكفر من صاحب ~~الدلائل لتعبيره بهذ العبارة؟ والله أعلم بحقيقة الحال. # فتأمل كلام الشيخين وانظر كيف لم يتفوها بالشرك المخرج عن الملة. ولو لم ~~يقيد لكان قولها واجب التأويل، لأن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أطلقا يجب تأويلهما كما في آيات الوعيد، كقوله تعالى: {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: من الآية44] قال ابن ~~القيم: "كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وليس بالكفر المخرج عن الملة، كما ذهب ~~إليه ابن عباس وأكابر السلف"، بل ورد إطلاق الشرك في حق سيدنا آدم عليه ~~السلام الذي هو نبي معصوم، قال تعالى في حقه وحق حواء: {فلما آتاهما صالحا ~~جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} [لأعراف:190] فإن أكثر ~~المفسرين على أنها مقولة بسبب تسمية آدم ابنه عبد الحارث، وهو إبليس والقصة ~~معلومة. قال البغوي: كقول الرجل لضيفه: أنا عبدك، وليس الشرك الضار ~~بالاتفاق، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "ثنتان هما في الناس كفر: الطعن في ~~النسب والنياحة على الميت" رواه مسلم. وقد ms266 ذكر مسلم في أول صحيحه جملة ~~أحاديث فيها إطلاق الكفر على المحرم وعلى المكروه، أولها العلماء بكفر ~~النعمة، والمراد المستحل لهذه المعصية وهي متفق على تحريمها، فإذا كان كلام ~~المعصوم الذي لا يترك من قوله: اتفق العلماء على تأويل إطلاقه ما يوهم ~~الإخراج عن الملة، فكيف غير المعصوم ممن هو وسط طبقات العلماء إذا أطلق ~~القول بذلك كيف لا يؤول كلامه؟ مع أنه ما قصر جزاه الله خيرا بل بين أتم ~~بيان، فقد تحقق عندك من نقل عبارتهما أنهما لا يحكمان على أحد بالشرك أو ~~الكفر إلا ومرادهما الأصغر ممن يعتقد الشهادتين، وهذا الأصغر لا يتحقق ~~عندهما إلا بشروط أن لا يكون الفاعل مجتهدا، ولا مقلدا، ولا مؤولا، وله له ~~شبهات يعذره الله فيها ولا جاهلا، ولا له حسنات تمحو هذه الخطيئة، ولم يبتل ~~بمصائب مكفرة إلى غير # PageV01P312 # ذلك، كما قدمناه لك من كلامهما، ومن اتصف بشيء من هذه الأمور فهو مغفور ~~له، ومثاب على فعله فقاتل الله من ينقل عنهما خلاف مذهبهما. # والجواب أن يقال: # سقنا كلام العراقي ليعلم الواقف عليه حاصل ما عند هذا المفتري وأنه في ~~ظلمات الجهل والشرك والهوى، وفي كلامه من الهجنة واختلال النسق والنظام ما ~~يستبين به أنه أجنبي عن هذه الصناعة، وأنه مزجي التجارة والبضاعة، فلله ~~الحمد لا أحصي ثناء عليه، خذل هؤلاء الحيارى بعدله وحكمته، وأقام الحجة ~~وواجب الشكر على أهل فضله ونعمته. # أما اعتراضه على شيخنا في قوله: "إن السيد يطلق بمعى الإله، وإن العرب ~~تقصد من لفظ الإله ما يقصده كثير من أهل هذا الوقت بلفظ السيد" فهذا اعتراض ~~باطل، نشأ من جهل المعترض باللغات والاصطلاحات والأوضاع العرفية، والعبرة ~~بالمعنى والحقيقة وإن تغيرت اللغة، ونقلت لاصطلاح أو عرف، والاسم الواحد قد ~~يختلف معناه لاختلاف مسماه فيكون له معنى في أصل اللغة ثم لا يخصه إلا ~~الاصطلاح بمعنى أخص، ثم ينقله العرف الحادث والحكم يدور مع علته من عبد ~~شيئا وتألهه وقال: هذا مولى أو ولي أو سيد لم يغير ذلك ms267 الاسم حقيقته، وأنه ~~إله معبود، وكلام الشيخ لايدل إلا على هذا، وليس فيه أن السيد في كل لسان ~~وكل لغة يقصد بها الإله، هذا كذب وبهت على الشيخ، لم يقله ولا دل عليه ~~كلامه، وهذا العراقي أفاك أثيم قد خلع جلباب الحياء والدين. وإنما قال ~~الشيخ: إن المشركين الأولين كانوا يقصدون من لفظ الإله ما يقصده أهل زماننا ~~بلفظ السيد، وهذا صحيح، فإن السيد عند أكثر المشركين في هذه الأزمان هو ~~الذي يدعى ويستغاث به في الشدائد ويرجى للنوازل، ويحلف باسمه، وينحر له على ~~وجه التعظيم والقربة. وبعضهم يطلق على ذلك اسم الولي، كما هو اصطلاح أهل ~~مصر. وبعضهم يسمي هذا المعنى السر، فيقول: فلان فيه سر، ومن أهل السر. # PageV01P313 # وهذا مشهور معروف. والاصطلاحات تحدث واللغات تختلف، والفقهاء أطلقوا ~~الأحكام المترتبة على المعاني والمقاصد وإن اختلفت الأسماء وتغيرت اللغات، ~~في باب البيع والنكاح والردة والقذف والشهادة والحكم بالإسلام فيمن قال: ~~صبأت ونحوه، وإن لم يحسن أن يقول: أسلمت، كما حكم صلى الله عليه وسلم في ~~بني جذيمة. والحكم أشهر من أن يذكر وسياق كلام الفقهاء يطول. # والشيخ لم يقل ما حكى العراقي عنه، وإنما قال ما حكينا، وإذا استعمل ~~السيد في معناه اللغوي، فالشيخ أعقل وأعلم بالله وحدود ما أنزل على رسوله ~~من أن يمنع ما تواتر نقله، واشتهر وضعه، وقاله الشارع المخبر عن الله، فقد ~~ذكر في كتاب التوحيد جواز ذلك للعبد والأمة وإن منع مالك رحمه الله كما ~~تقدم، والمقصود إبطال اعتراضه وبيان جهله وضلاله. # وأما قوله: "رأيت في كتب متعددة عن بعض المعاصرين أنه أحرق دلائل الخيرات ~~إلى آخر عبارته" فيقال: لولا الجهل والهوى واختيار الضلال على الهدى لما ~~نقلت كلام خصوم الشيخ المجاهرين له بالعداوة المصرحين له بالمسبة، ولما ~~أقدمت على حكايته لما فيه من الافتراء بغير هدى ولا برهان. # وما زال أهل الشرك وأهل البدع وأهل الفجور، بل وأهل العداوات الدنيوية ~~يرمي بعضهم بعضا، ويفتري بعضهم على بعض، ومن عرف الناس تبين له حقيقة ذلك. ms268 ~~ومن أعماه الهوى ضل عن سبيل الرشاد والهدى، وفي كلامه من الكذب نسبة ~~التحريق للدلائل إلى الشيخ، وقد صرح رحمه الله في رسائله المعروفة أنه لم ~~يحرقها (1) ، وإنما أمر بالاشتغال بما ورد من الصيغ الشرعية PageV01P314 # والألفاظ النبوية في الصلاة والسلام على خير البرية، ونهى عن الغلو ~~والإطراء الذي نهى عنه الشارع عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. # وفي كلام العراقي من الكذب قوله: إنه أحرق الدلائل لأن فيها اللهم صل على ~~سيدنا ومولانا، وإنما نهى عنها لما فيها من الغلو كما يعرفه من وقف عليها، ~~وما فيها من الأحاديث التي لا تجوز نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فتبين أن العراقي مخلط لا يدري ما يقوله: # إذا أنت لم تفقه ولم تدر ماالهدى ... فأنت وعير في الفلاة سواء # ومن الأكاذيب الظاهرة، نسبة قوله: "ومن أكفر من صاحب الدلائل لتعبيره ~~بهذه العبارة"، فهذا من جنس ما قبله. وإذا اجتمع الضلال والهوى فقد استحكم ~~البلاء والشقاء. # وأما قوله: فتأمل كلام الشيخين كيف لم يتفوها بالشرك المخرج عن الملة، ~~فقد تقدم البيان والكشف عن شبهة هذا العراقي، وأن كلام الشيخين في كل موضع ~~فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفرات قولها وفعلها فيما يخفى دليله، ~~ولم تقم الحجة على فاعله. وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل ~~قيام الحجة، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة، وأما دعاء ~~الصالحين والاستغاثة بهم وقصدهم في الملمات والشدائد. فهذا لا ينازع مسلم ~~في تحريمه أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر، وتقدم عن الشيخ أن فاعله يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل، كما في عبارة الرسالة السنية، وتقدم قوله: "من جعل بينه ~~وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا"، وتقدم قوله في ~~الرد على المتكلمين: "وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال إنه خفي ~~عليهم، ولكنه يقع منه في مسائل يعلم الخاصة والعامة أن الرسول قد جاء بها ~~... إلخ"، وهذا عين كلام شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضاعف الله لنا وله ms269 ~~الثواب، وأدخلنا وإياه الجنة بغير حساب، على رغم كل مبير وكذاب. # والعراقي لم يفقه هذا، لغلط فهمه وعدم علمه، بل هو يعتقد أن كلام # PageV01P315 # أهل العلم وتقييدهم بقيام الحجة وبلوغ الدعوة، ينفي اسم الكفر والشرك ~~والفجور ونحو ذلك من الأفعال والأقوال، التي سماها الشارع بتلك الأسماء، بل ~~ويعتقد أن من لم تقم عليه الحجة يثاب على خطأه مطلقا. وهذه من الأعاجيب ~~التي يضحك منها اللبيب فعدم قيام الحجة لا يغير الأسماء الشرعية، بل يسمي ~~ما سماه الشارع كفرا أو شركا أو فسقا باسمه الشرعي. ولا ينفيه عنه وإن لم ~~يعاقب فاعله إذا لم تقم عليه الحجة، ولم تبلغه الدعوة، وفرق بين كون الذنب ~~كفرا وبين تكفير فاعله. # فافهم هذا فإن العراقي خلط فيما مر، وخبط خبط عشواء، وسيأتيك في كلامه ما ~~فيه عبرة لأولي الألباب. # وأما الثواب والأجر فنصوص الشارع وكلام أهل العلم وكلام الشيخين صريح في ~~أن ذلك غير حاصل لكل مخطئ، بل هو مخصوص بمن اجتهد واتقى الله ما استطاع، ~~وهذا في المسائل الاجتهادية، ومستنده قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" وقد دل الحديث على أن ~~هذا للحاكم المجتهد، ونفي المؤاخذة بالخطأ والنسيان لا يلزم منه الإثابة ~~بالاتفاق. # فاستصحب هذا معك فيما مر وما يأتي من الأبحاث، فإن القوم زلت أقدامهم ولم ~~يعقلوا عن الله ولا عن رسوله، ولا عن أهل العلم والإيمان ما يراد من الكلام ~~في هذه المباحث، بل ولا في كل باب وشأن إلا أن يشاء ربي شيئا. # وأما قوله: "بل ورد إطلاق الشرك في حق سيدنا آدم عليه السلام الذي هو نبي ~~معصوم" فهذه العبارة من نوادر هؤلاء الضلال، ومن أعجب ما يحكى ويقال، جزم ~~بإطلاق الشرك على آدم عليه السلام، ثم قال: هو نبي معصوم ما زال هذا ~~المعترض في مشيمة طبعه وجاهليته، ولم يولد بعد، هذا جمع بين النقيضين، وجهل ~~لا يخفى على ذي سمع وعين، ومن قال بالعصمة مطلقا فقد أول ms270 هذه الآية، وحملها ~~على غير آدم كما هو معروف ومقرر عند أهل # PageV01P316 # العلم والفتوى، ومن قال بوقوع ذلك من آدم وحواء نفى القول بالعصمة مطلقا ~~{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه:115] . # ثم في عبارة العراقي من الهجنة وسوء التعبير ما يقضي بأنه أسوأ الذرية ~~وأقلهم أدبا مع الأب الأول الأكبر، كيف يقول: ورد إطلاق الشرك في حق آدم، ~~والله تعالى يقول: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} [لأعراف: ~~من الآية190] ، والعراقي جاهلي اللسان أغلف الجنان، والله سبحانه لم يذكر ~~آدم باسمه العلم رحمة منه وتشريفا له، ولبنيه من صالح الأمم، بل أتى ~~بالضمير الدال على التثنية وفرق بين ذلك وبين الأفراد في مثل هذا المقام، ~~ولم يطلق الشرك بل قيده بقوله: {فيما آتاهما} ، والعراقي يقول: أطلق الشرك، ~~فافهم ما في كلامه من الكذب على الله، وبهت أبيه آدم وعقوقه. # وأما قوله قال البغوي: "كقول الرجل لضيفه: أنا عبدك، وليس الشرك الضار". # أقول في جوابه: قد جنى هذا العراقي على البغوي جناية لا تقال عثرتها، ولا ~~جبار لجرحها، أخذ كلامه وحرفه وأخرجه عن نسقه ونظامه، والبغوي أجل من أن ~~يقول لشيء من الشرك: "ليس بضار بالاتفاق"، هذه لا تصدر عمن يعقل ما يقول ~~فضلا عن الأكابر الفحول، وعبارة البغوي نصها: "أي جعلا له شريكا إذ سمياه ~~عبد الحارث ولم يكن هذا شركا في العبادة، ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان ~~نبيا معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارص ربهما. فإن آدم كان نبيا ~~معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، ~~وقد يطلق اسم العبد على من لايراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على من ~~لا يراد به أنه معبود، كما أن الرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه: عبد الضيف ~~على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك، وقول يوسف ~~عليه السلام لعزيز مصر: إنه ربي، لا يراد ms271 به أنه معبوده، وكذلك هذا" انتهى. # وحاصله أن الحقيقة لم تقصد، وإنما هو على سبيل التواضع، هذا # PageV01P317 # حاصل كلامه، فالعراقي حرف العبارة وزاد فيها ونقص، كما فعل بنقوله عن شيخ ~~الإسلام، فالعراقي لا تؤمن بوائقه، فلا تغتر بنقله، ولا تأخذ عنه فإنه وضاع ~~كذاب، محرف لا يؤمن على شيء من العلم. # وأما قوله، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض"، وقوله: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، و "من أتى حائضا فقد ~~كفر"، وقوله: "ثنتان هما في الناس كفر"، فإن كان هذا عند العراقي كفرا ليس ~~بضار لا يعاب على فاعله ولا يعار، فقد أراح خصمه من التعب والجواب، وأعلن ~~بحقيقة ما عنده وما يذهب إليه في تلك المسائل الممتنعة الصعاب. # من كان هذا حاصله فهو ممن لم يتميز عن سائمة الأنعام، إلا بمجرد الصورة ~~والهيولي، فإن هذه الألفاظ النبوية، والصيغ الشرعية، يجب الإيمان بها ~~وتلقيها بالقبول والتسليم. وأهل العلم متفقون على أنها من كبائر الذنوب، بل ~~من أفحش الكبائر؛ فإن إطلاق الكفر على الذنب أو على فاعله يدل على غلطه في ~~نفسه، وعظيم فحشه، ولم يقل أحد من أهل العلم: إنه كفر غير ضار، بل ولا ~~يقوله جاهل، ولا ذمي يؤمن بأحد الأنبياء. ولم تنته جهالتهم في هذا المبحث ~~إلى ما انتهت إليه جهالة العراقي وضلالته، والذي حكاه الإمام أحمد وارتضاه ~~تلقي هذه الأخبار بالإيمان والتسليم، وترك التعرض لتفسيرها كما ذكره في ~~رسالته إلى مسدد بن مسرهد وغيرها، ونقله شيخ الإسلام وغيره، وبعض الناس ~~تعرض لتأويلها وإنها من الكفر العملي لا الاعتقادي مع اعترافه بأنها من ~~أغلظ الذنوب وأكبرها. وأما تأويلها بكفر النعمة فهو ضعيف جدا؛ إذ ما من ~~معصية وذنب يفعله المكلف المختار إلا وفيه من كفر النعمة بحسبه، والشكر هو ~~استعمال النعمة في طاعة معطيها ومسديها، مع محبته والرضا عنه، والثناء بها ~~عليه، والشكر ضد الكفر فمن أخل بشيء من الشكر ففيه من كفر النعمة بحسب ذلك. ~~فتحصل أن كفر النعمة لا ms272 يختص بما أطلق عليه الشارع الكفر من الأفعال، فلا ~~بد للنص من معنى يخصه وحكمة في تخصيص بعض الأفراد. وهذا معلوم بالشرع ~~والفطرة، إذ تخصيص بعض أفراد الجنس بحكم من غير # PageV01P318 # مخصص يقتضي ذلك تحكم محض، وترجيح بلا مرجح. # وأما قوله: وذكر مسلم أحاديث فيها إطلاق الكفر على المحرم وعلى المكروه ~~فقد كذب على مسلم، وكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم في زعمه أنه أطلق ~~الكفر على المكروه بالمعنى الاصطلاحي الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ~~وإنما تطلق الكراهة في عرف القرآن والسنة على الكفر والشرك والكبائر وسائر ~~المحرمات. كما في آية الإسراء وكما في الحديث: "ويكره لكم قيل وقال وكثرة ~~السؤال، وإضاعة المال". # وأما قوله: "وإذا كان كلام المعصوم الذي لا يترك من قوله اتفق العلماء ~~على تأويل إطلاق ما يوهم الإخراج من الملة، فكيف غير المعصوم؟ ". # فيقال: حكاية الاتفاق على ما ذكر تهور في الكذب على أهل العلم كافة، ~~واقتحام لجرائم الوعيد المنصوص عليه بقوله تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين ~~لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} [النحل:105] وقوله: {والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ~~[الأحزاب:58] ، وقد حمى الله أهل العلم عن الاتفاق على تأويل الاطلاقات ~~النبوية من غير نص يجب المصير إليه، وقد تقدم عن الإمام أحمد أنه حكى عن ~~السلف إمرار هذه الأحاديث كما جاءت من غير تعرض لتأويلها، ومن قال: هي كفر ~~عملي لم يتأول، ولكنه يرى أن إطلاق الكفر على مثل ذلك حقيقة شرعية، كما ~~يعلم بالوقوف على كلامهم رحمهم الله، فطالعها في أماكنها تجد ما قلناه، ~~ويتضح لك ما قررناه. # وأما قوله في الشيخ وتلميذه: إنه من أوسط طبقات العلماء فكأنه يريد أنهما ~~ليسا من الطبقة العليا، بل دون ذلك، وما أحس ما قال جرير: # ما أنت بالحكم الترضى حكمته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل # وأما قوله: فقد تحقق عندك من نقل عباراتهما أنهما لا يحكمان على أحد ~~بالشرك أو الكفر إلا ومرادهما: الأصغر ممن ms273 يعتقد الشهادتين إلى أخره، فقد # PageV01P319 # تقدم لك البيان إن هذا جهل وتخبيط وضلال، وأنه لم يفهم كلام الشيخ ولم ~~يعرف موضوعه وما أريد به، وكيف لا يحكم الشيخان على أحد بالكفر أو الشرك، ~~وقد حكم به الله ورسوله، وكافة أهل العلم؟ وهذان الشيخان يحكمان أن من ~~ارتكب ما يوجب الكفر والردة والشرك يحكم عليه بمقتضى ذلك وبموجب ما اقترف ~~كفرا أو شركا أو فسقا إلا أن يقوم مانع شرعي يمنع من الاطلاق، وهذا له صور ~~مخصوصة، لا يدخل فيها من عبد صنما أو قبرا أو بشرا أو مدرا لظهور البرهان، ~~وقيام الحجة بالرسل. # والعراقي أجنبي عن هذا كله، لا يدري ما الناس فيه، وإن ظن أنه من ورثة ~~العلم وحامليه. # جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه # كالثور في الدولاب يسعى وهو لالا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه # وقال العراقي: فقاتل الله من ينقل عنهما خلاف مذهبهما. # وهذا استفتاح من العراقي على نفسه، إذ هو الفاعل لذلك المجتهد في تحريف ~~كلامهما وإخراجه عن موضوعه، ونقل ما لم ما لم يقولا ولم يذهب إليه ذاهب. ~~قال تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم:15] اللهم إنا نعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم معفرتك. # وهذه النقول التي تقدمت عن العراقي أكثرها مكرر لا يحتاج لمزيد جواب، ~~وإنما قصدنا بما أوردنا من الإطناب في محله تنبيه السامع وإيقاظ الغافل، ~~والإطناب يحسن في محله لحاجة السامع وضرورة الطالب، وفيما يهتم به من ~~الأمور التي تشتد حاجة العبد إليها، كما يستفاد من أسلوب الكتاب العزيز ~~الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ~~[فصلت:42] . # ثم إن العراقي بعد فراغه من نقوله شرع يستدل على جواز دعاء # PageV01P320 # الصالحين والاستغاثة بهم وطلب الحوائج منهم على أنهم واسطة بين العباد ~~وبين الله في الحاجات والملمات والشدائد، وزعم أن هذا ليس بشرك وإنما هو ~~توسل ونداء مستحب شرعا، وذكر خمسين دليلا يزعم أنها تدل على دعواه، وتنصر ms274 ~~ما قاله وافتراه {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافات:180] وتعالى الله ~~عما يقول الظالمون، وسنتكلم عليها بما يسره الله لضرورة اقتضت ذلك، وإن كنت ~~لست من رجال تلك المناهج والمسالك. # ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم # قال العراقي: الباب الثاني: في أدلة المجوزين للاستغاثة والتوسل ~~بالأنبياء والصالحين والنذر لهم على أن المراد لوجه الله والثواب لهم، ~~والحلف بغير الله، وما أشبه ذلك. وبيان أدلتهم من الكتاب والسنة وأفعال ~~السلف الصالح وأقوالهم، وهذا الباب إنما نذكره ليتضح لك وجه استنادهم، ~~ويتبين لك كون الشيخين يعذران فاعل ذلك لأجل هذه الأدلة، وقد ذكر جملة منها ~~شيخ الإسلام ابن تيمية في عبارته السابقة، وقد تقدم عنه في اعتذاره عمن ~~يفعل ذلك أنه لعله لم تثبت عنده النصوص، أو عارضها معارض عنده، وهذه الأدلة ~~معارضة لأدلة المانعين فتكون لهم حججا يعذرهم الله لأجلها. # اعلم أن المجوزين مرادهم جواز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين أنهم أسباب ~~ووسائل بدعائهم، وإن الله يفعل لأجلهم، لا أنهم الفاعلون استقلالا من دون ~~الله فإن هذا كفر بالاتفاق، ولا يخطر ببال مسلم جاهل، فضلا عن عالم، بل ليس ~~هذا خاصا بنوع الأموات، فإن الأحياء وغيرهم من الأسباب العادية كالقطع ~~للسكين، والشبع للأكل، والري للماء، والدفء للبس؛ لو اعتقد أحد أنها فاعلة ~~ذلك بنفسها من غير استنادها إلى الله يكفر إجماعا. # ثم استدل العراقي بأن السبكي والقسطلاني في المواهب والسمهودي في تاريخ ~~المدينة، وابن حجر في الجوهر المنظم، قالوا: والاستغاثة به صلى الله عليه ~~وسلم وبغيره في معنى التوسل إلى الله بجاهه ووسيلته، أو بأن يدعو الله كما ~~في حال الحياة # PageV01P321 # إذ هو غير ممتنع مع علمه بسؤال من سأله، والمستغيث يطلب من المستغاث به ~~أن يحصل له الغوث من غيره، ممن هو أعلى منه، وليس لها في قلوب المسلمين غير ~~ذلك، ولا يقصد بها أحد سواه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى ~~مستغاث، والغوث منه تسببا وكسبا، ولا يعارض ذلك خبر أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه: "قوموا ms275 بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ~~المنافق. فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" ~~لأن في سنده ابن لهيعة والكلام فيه مشهور، وبفرض صحته فهو على حد قوله ~~تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [لأنفال: من الآية17] ، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" أي أنا وإن استغيث بي ~~فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى وكثيرا ما تجيء السنة بمحو هذا من ~~بيان حقيقة الأمر، ويجيء القرآن لإضافة الفعل إلى مكتسبه كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لن يدخل الجنة أحد بعمله" مع قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون} [النحل: من الآية32] . # وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث ولو تسببا وكسبا أمر ~~معلوم، لا شك فيه لغة ولا شرعا، فلا فرق بينه وبين التوسل حينئذ، فتعين ~~تأويل الحديث لا سيما مع ما نقل أن في حديث البخاري في الشفاعة يوم ~~القيامة: "فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم". وقد يكون مع التوسل طلب الدعاء منه إذ هو يعلم بسؤال من سأله، ~~ويتسبب هو بشفاعته ودعائه وذكر ابن تيمية فيما تقدم أن المصنفين في أسماء ~~الله قالوا: يجب على المكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الحقيقة إلا ~~الله، وأن الإغاثة وإن حصلت من غيره تعالى فهو مجاز، وحقيقة له تعالى، وقال ~~أيضا: "والاستغاثة بمعنى أن يطلب منه ما هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها ~~مسلم، ومن نازع فهو كافر أو ضال". وهذا كما ترى محافظة على التوحيد واتباعا ~~للوارد، فالإنكار ساقط بهذا الاعتبار، وقد ذكر المجوزون أن جعل النبي ~~والصالح متسببا لا مانع من ذلك شرعا وعقلا، لأن ذلك كله بإذن الله تعالى، ~~ومن أقر بالكرامة من الصالحين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وأنها بإذن ~~الله لم PageV01P322 ms276