######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0030868 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1293 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0030868 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-30868 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/30868 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1424 - 2003 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الشؤن الإسلامية والأوقاف والدعوة والأرشاد #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [القسم الثاني النص المحقق] ### | مقدمة المؤلف # PageV01P037 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1) الحمد لله، نحمده ونستعينه ~~ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا ~~مضل له " (2) ومن يضلل (3) فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، ~~صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه (4) وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فإن الله تعالى قد اصطفى لنبوته، وأكرم برسالته، أفضل خلقه، ~~وأقربهم إليه منزلة، وأحقهم بمواهب كرامته، ومنشور ولايته؛ و {الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] [الأنعام - 124] ، ويهب كرامته وولايته، ~~واصطفى من أنبيائه ورسله ساداتهم وأكابرهم وأولي العزم منهم، وجعلهم في ~~الذروة العليا (5) . # والمقام الأسنى الذي تقاصر (6) عنه PageV01P039 # المتطاولون، ووقف دون درجته المرسلون {وما منا إلا له مقام معلوم} ~~[الصافات: 164] [الصافات - 164] ، فقاموا من أعباء الرسالة، وأثقال الجهاد، ~~ومكابدة الجبارين، ومراغمة رؤوس الكفرة والمستكبرين، بما لم (1) يقم به ~~سواهم؛ ولم يصل إليه (2) من عداهم، وقيض لهم من أعدائه أئمة (الكفر ~~وصناديده) (3) المكذبين لرسله؛ العادلين به غيره، الجاعلين معه (4) الآلهة ~~والأنداد، الواصفين لربهم (5) بما يتنزه عنه ولا يليق بجلاله وكماله ~~وأحديته (6) وصمديته: كالصاحبة والشركاء والأولاد (7) لتظهر عجائب الحكمة ~~وبدائع الإتقان، ولطائف الصنع وعظمة السلطان {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما ~~فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112 - 113] [الأنعام - 112 - ~~113] فسبحان من فتح لمعرفته (8) كل باب؛ وكشف عن قلوب أوليائه كل ~~PageV01P040 # غي وحجاب {وما يذكر (1) إلا أولو الألباب} [البقرة: 269] [البقرة -269] ، ~~[آل عمران -7] واقتضت حكمته الإلهية، ومشيئته الربانية، أن يبتلي ورثة رسله ~~وأنبيائه بحسب ميراثهم عن صفوته وأوليائه، فأكثرهم ميراثا أشدهم متابعة؛ ~~وأعظمهم اقتداء هو أكبرهم محنة، وأعظمهم بليه وأصعبهم أضدادا، لا سيما ورثة ~~هذا النبي الكريم (2) ذي الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والتعظيم، فإن ~~الله ابتلاهم ms001 بجهال هذه الأمة ومنافقيها، كما ابتلى مؤمنيها بكفارها (3) ~~وخيارها بشرارها (4) وأبرارها بفجارها، وأهل سنتها بمبتدعيها، وكان ربك ~~بصيرا. # ومن سبر أحوال الناس واستقرأها، ونظر فيما أصيب به أهل (5) العلم، وابتلي ~~به أئمة (6) الهدى، عرف سنة الله التي قد خلت من قبل؛ واستبانت له حكمة ~~الترجيح والفضل، وأكثر الناس في خفارة جهله، وغباوة فهمه. # وفي أثناء القرن الثاني عشر ظهر بنجد من أحبار (7) الأمة وساداتها من ~~يدعو إلى توحيد الله بالعمل والعبادة، وإفراده بالقصد والإرادة، ~~PageV01P041 # ويجدد (1) ما اندرس (2) من أصول الملة وقواعد الدين، ودعا (3) إلى مذهب ~~السلف والأئمة السابقين: في إثبات صفات الله رب العالمين، ونفى عن آيات ~~الصفات وأحاديثها تأويل الجاهلين، وإلحاد المحرفين، وزيغ المبطلين. # قرر ذلك بأدلته وقوانينه الشرعية، وحكى نصوص الأئمة وإجماع الأمة؛ بالنقل ~~عن العدول الأثبات الذين عليهم مدار أحكام الدين في نقل أصوله وفروعه، ~~وأجمعت الأمة على هدايتهم ودرايتهم، حتى ظهر المذهب وانتشر، وعرفه كثير من ~~أهل الفقه وحذاق البشر، ومن له نهمة في طلب العلم والأثر، وقد كان قبل ذلك ~~مهجورا بين الناس، لا يعرفه منهم إلا النزاع (4) من الأكياس. # وقرر توحيد العبادة بأدلته القرآنية وبراهينه النبوية، ونهى عن التعلق ~~على غير الله محبة وإنابة وتعظيما وخوفا ورجاء وتوكلا، ونحو ذلك من أنواع ~~التعلقات. # وقرر أن هذا حق الله لا يصلح لسواه من نبي أو ملك أو صالح أو غيرهم، وبسط ~~القول في ذلك وأطنب وعلل، ومثل وجادل وناضل حتى ظهرت الحجة واستبانت ~~المحجة، فاستجاب له من أراد الله هدايته، وسبقت له السعادة، وصد عنه آخرون ~~وعارضوه بشبهات ترجع إلى شبهات إخوانهم وأشباههم الذين كفروا من قبل؛ ~~وعارضوا الرسل بجهلهم {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} [البقرة: 118] ~~[البقرة -118] . PageV01P042 # وقد رأيت لبعض المعاصرين (1) كتابا يعارض به ما قرر (2) شيخنا من أصول ~~الملة والدين؛ ويجادل بمنع تضليل عباد الأولياء والصالحين، ويناضل عن غلاة ~~الرافضة والمشركين، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله رب العالمين، وأكثر ~~التشبيه بأنهم من الأمة، وأنهم يقولون: لا إله إلا الله، وأنهم يصلون ~~ويصومون، ms002 ونسي في ذلك عهود الحمى؛ وما قرره كافة الراسخين من العلماء، ~~وأجمع عليه الموافق والمخالف من الجمهور والدهماء، ونص محليه الأكابر ~~والخواص، من اشتراط العلم والعمل في الإتيان بكلمة الإخلاص، والحكم بموجب ~~الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص، وسمى كتابه: " جلاء الغمة عن ~~تكفير هذه الأمة "، ومراده بالأمة هنا: من عبد آل البيت وغلا فيهم، وعبد ~~الصالحين ودعاهم، واستغاث بهم؛ وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل ~~عليهم. هذا مراده ولكنه (3) (4) أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجا على الأعمار ~~والجهال، ولبسا للحق بالباطل، وهو يعلم ذلك وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله ~~من المفترين. # قال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] [الأعراف - 152] ، فلكل مفتر ~~نصيب منها بحسب جرمه وعلى قدر ذنبه، وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة ~~والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه. PageV01P043 ### | فصل في الرد على المعترض في تنقصه للشيخ واتهامه بالجهل والتكفير # فصل قال المعترض: (قد ابتلى الله أهل نجد، بل جزيرة العرب بمن خرج عليهم، ~~ولم يتخرج على العلماء الأمناء، كما صح عندنا وثبت عن مشايخنا الأمجاد ~~النقاد، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلا من ~~وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك بجهله) . # والجواب أن يقال: إنه من المعلوم عند كل عاقل خبر الناس وعرف أحوالهم، ~~وسمع شيئا من أخبارهم وتواريخهم، أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع (1) الشيخ (2) ~~واستجاب لدعوته من سكان جزيرة العرب كانوا على غاية من الجهال والضلالة، ~~والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا من أمر ~~دينهم في جاهلية: يدعون الصالحين ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران ~~(3) يطوفون بقبور الأولياء، ويرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر ~~الاتحادية والحلولية وجهالة الصوفية، ما يرون أنه من الشعب الإيمانية، ~~والطريقة المحمدية، PageV01P044 # وفيهم من إضاعة الصلوات، ومنع الزكاة وشرب المسكرات، ما هو معروف مشهور. # فمحا (1) الله بدعوته شعار الشرك ms003 ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ~~ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان ~~القرى، بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد والهدى، وكفر من ~~أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء، وأمر بإقامة الصلاة (2) ~~وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر ~~بمتابعة " سيد المرسلين " (3) والسلف الماضين، في الأصول والفروع من مسائل ~~الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، ~~وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت ~~التعازير الدينيه، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك ~~والفساد (4) حتى سارت دعوته وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم، وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا ~~بنعمة الله إخوانا، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف ~~مثله لسكان تلك الفيافي والصخور (5) وفتح عليهم الإحسان والقطيف، وقهروا ~~سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام. ~~PageV01P045 # دانت لهم عربها وأعطوا الزكاة، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب ~~الدين والدنيا (1) وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا، كما ~~قال عالم صنعاء وشيخها (2) . # قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد # محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي # لقد سرني ما جاءني من طريقة ... وكنت أرى هذي (3) الطريقة لي وحدي # وقال عالم الإحساء وشيخها: # لقد رفع المولى به رتبة العلى (4) ... بوقت به يعلو (5) الضلال ويرفع # تجز (6) به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع (7) # وهذا في أبيات (8) لا نطيل بذكرها، وقد شهد غيرهما بمثل ذلك؛ واعترفوا ~~بعلمه وفضله وهدايته. # وقد قال تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ~~[الأحقاف: 10] [الأحقاف -10] . PageV01P046 # وما أحسن ما قال قتادة عن حال أول هذه الأمة من (1) . # المسلمين: # لما قالوا لا إله إلا ms004 الله، أنكر ذلك المشركون (2) وكبرت (3) عليهم؛ فأبى ~~الله إلا أن يمضيها وينصرها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها ~~فلج، ومن قاتل بها نصر. إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي ~~يقطعها (4) الراكب في ليال قلائل، ويسير الراكب في فئام لا يعرفونها، ولا ~~يقرون بها. # وهذا المعترض عاش في ظل ذلك، وتولى القضاء، وصارت له الرياسة عند أهل ~~محلته بانتسابه إلى هذا الدين، ودعواه محبة (5) الشيخ (6) وأنه شرح بعض ~~كتبه، ومع ذلك تجرد لمسبته ومعاداته، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين ~~الحق. # قال الله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون} [الأنعام: 26] [الأنعام -26] . # وقال بعضهم: # وما ضر نور الشمس إن كان ناظرا ... إليها عيون لم تزل دهرها عميا # ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات، ومباهت في PageV01P047 # الضروريات، يرى أن عبادة الصالحين ودعاءهم والتوكل عليهم، وجعلهم وسائط ~~بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وأنه هو الإسلام، ~~وأهله هم الأمة المحمدية، ومن أنكر عليهم وضللهم فهو خارج مارج، كما قال ~~هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي أنشدها، لما استولت العساكر ~~المصرية على بلاد الدرعية: # لقد فتحت للدين أعينه الرمد # * ثم أخذ في سب (1) المسلمين وتضليلهم والشمات (2) بهم، ومدح [4] ، من ~~عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا تعبد، وقد أجابه الذكي الأديب، ~~الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية، وما اشتهر عنهم ~~من اللواط، والشركيات، والزنا، وشرب المسكرات، وإضاعة الصلوات (3) ثم قال ~~بعده في أثناء رده: # فإن كان هذا عندك الدين (4) والهدى ... لقد فتحت للدين أعينه الرمد # وبالجملة: فلا يقول مثل هذا في الشيخ رحمه الله إلا رجل مكابر، لا يتحاشى ~~من البهت والافتراء، وإلى الله ترجع الأمور، وعنده تنكشف السرائر. ### | [الرد على المعترض في اتهامه للشيخ بأنه لم يتخرج على العلماء الأمناء] # وأما قوله: (ولم يتخرج على العلماء الأمناء) فهذه الدعوى الضالة نشأت من ~~سوء المعتقد وخبث الطوية، وهذا الرجل لا ms005 زمام ولا خطام PageV01P048 # لأكاذيبه وأباطيله يرسلها حيث شاء، ويكابر أهل العلم ولا يتحاشى. # وقد عرف طلب الشيخ للعلم ورحلته في تحصيله، كما ذكره صاحب " التاريخ " ~~الشيخ حسن بن غنام الإحسائي، وقد اجتمع بأشياخ الحرمين في وقته ومحدثيها، ~~وأجازه (1) بعضهم ورحل إلى البصرة - وسمع وناظر - وإلى الإحساء وهي إذ ذاك ~~آهلة بالعلماء؛ فسمع من أشياخها، وباحث في أصول الدين ومقالات الناس في ~~الإيمان وغيره، وسمع من والده ومن فقهاء نجد في وقته، واشتهر عندهم بالعلم ~~والذكاء، وعرف به على صغر سنه. # وأيضا: فقد كان أهل العلم سلفا وخلفا يسمعون الأحاديث ويروونها (2) ~~ويحفظون السنن ويستنبطون منها الأحكام، وهذا عندهم هو الغاية التي يرحل ~~إليها المحدثون، وينتهي إليها الطالبون، وليس من عادتهم القراءة في كتب ~~الرأي والفروع، كما هو المعروف عند الناس. # رحل الشافعي إلى المدينة وسمع " الموطأ "، وتصدى للفتيا، وأنكر على من لم ~~يطمئن في صلاته لما دخل مسجد محمد بن الحسن بالكوفة، ولم يسمع من مالك ولا ~~غيره كتابا في الرأي والمذهب، وهكذا غيره من أهل العلم والفتوى. # وأما قوله: (كما صح وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد) . # فجوابه: أن هذه الدعوى في مشايخه كل يدعي، فالقدرية، والرافضة، ~~PageV01P049 # [5] والجهمية، والمعتزلة، وغلاة عباد القبور يرون أن مشايخهم أمجاد نقاد، ~~يؤخذ عنهم (1) ويحفظ عنهم؛ ويسمون أهل السنة والجماعة وأهل الحديث: حشوية، ~~مجسمة، وناصبة، ومجبرة (2) وعباد القبور يسمون الموحدين: متنقصة (3) ~~للأنبياء والصالحين. ويقرر ذلك أشياخ كل طائفة، وأتباعهم يرون أنهم بذلك ~~أمجاد نقاد (4) " ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم " ~~(5) . # قال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] [البقرة -111] . # إذا عرفت هذا: فمشايخ هذا الرجل الذين أثنى عليهم من أكابر المعادين ~~للدين، ورؤوس (6) المخالفين، وقد عرف ذلك (7) عن ابن سند وابن سلوم ~~وأمثالهما (8) من أشياخه الذين كثر في هذا الباب سبابهم، وغلظ عن معرفة ~~الله ومعرفة حقه حجابهم. ### | الرد على اتهام المعترض للشيخ بأنه سعى بتكفير للأمة # وأما قوله: (فسعى ms006 بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك ~~PageV01P050 # جملة إلا من وافقه على قوله (1) . # فهذه العبارة تدل على تهور في الكذب، ووقاحة تامة، وفي الحديث: " «إن مما ~~(2) أدرك الناس من كلام النبوة الأولى (3) إذا لم تستح فاصنع ما شئت» " (4) ~~وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع هذه الأمة من المبعث النبوي إلى قيام ~~الساعة، إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال ~~الشيخ وما جاء به ودعا إليه؛ بل أهل البدع كالقدرية، والجهمية، والرافضة، ~~والخوارج، لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل ~~العلم. والشيخ رحمه الله لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأئمة، بل ولا ~~عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب - أعني ما دعا إليه ~~من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العمل والعبادات - مجمع عليه عند ~~المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم، وعدل عن منهاجهم، كالجهمية، ~~والمعتزلة، وغلاة عباد القبور؛ بل قوله مما أجمعت عليه الرسل، [6] ، واتفقت ~~عليه الكتب، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره، ولا يكفر ~~إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم ~~متبع لا مبتدع. PageV01P051 # وهذا كتاب الله وسنة رسوله، وكلام أصحاب رسول الله عين ومن بعدهم من أهل ~~المعلم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله وأشرك به، ~~وتقسيمهم للشرك إلى أكبر وأصغر؛ والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر (1) ~~مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم، ~~وما جاءت به الرسل. وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، ~~وحكى الإجماع عليها، وأنها من ضروريات الإسلام، كما ذكره تقي الدين ابن ~~تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن عقيل، وصاحب " الفتاوى (2) البزازية "، وصنع ~~الله الحلبي، والمقريزي الشافعي، ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي، ومحمد بن ~~إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني، وغيرهم من أهل العلم. ### | [الرد على المعترض ms007 في قوله عن الشيخ وجعل بلاد المسلمين كفارا] # وأما قوله: (وجعل بلاد المسلمين كفارا أصليين) . # فهذا كذب وبهت، ما صدر ولا قيل، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلا عن ~~أهل العلم والدين؛ بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في ~~كل زمان ومكان. # وإنما تكلم الناس في بلاد المشركين، الذين يعبدون الأنبياء والملائكة ~~والصالحين، ويجعلونهم أندادا لله رب العالمين، أو يسندون إليهم التصرف ~~والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، ~~والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم: أن من فعل PageV01P052 # ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة ولم ~~يجعلوه كافرا أصليا، وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته ~~تجريد التوحيد المسمى: " بتطهير الاعتقاد " (1) وعلل هذا القول: بأنهم لم ~~يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص، فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم ~~بمدلولها، وشيخنا لا يوافقه على ذلك. # ولكن هذا (2) المعترض لا يتحاشى من الكذب ولو كان من الميتة والموقوذة ~~والمتردية، وما رأيت شيخ الإسلام أطلق على بلد من بلاد (3) المنتسبين إلى ~~الإسلام إنها بلد كفر، ولكنه قرر أن دعاء الصالحين وعبادتهم بالاستعانة ~~والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل، على أنهم وسائط بين العباد وبين الله في ~~الحاجات والمهمات، هو دين المشركين وفعل الجاهلية (4) الضالين من الأميين ~~والكتابيين، فظن هذا أن لازم قوله أنه يحكم على هذه البلاد (5) أنها بلاد ~~كفر، وهذا ليس (6) بلازم، ولو لزم، فلازم المذهب ليس بمذهب، ونحن نطالب ~~الناقل بتصحيح نقله. # نعم؛ ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجرى عليها أحكام الكفر، ولا ~~تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر؛ وما ظهر فيها هذا وهذا PageV01P053 # فقد أفتى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه يراعى فيها الجانبان (1) فلا ~~تعطى حكم الإسلام من كل وجه، ولا حكم الكفر من كل وجه، كما نقله عنه (2) ~~ابن مفلح (3) وغيره. # وقوله: (فلا تؤكل ذبائحهم عنده (4) ولا تحل نساؤهم) . # فهذا من نمط ما قبله، والشيخ (5) لا يمنع من ذبيحة الشخص المعين إذا ms008 شهد ~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ودخل في الإسلام، ما لم يأت ~~بمانع يمنع من حل ذبحه، وكذا حكم النساء، فكيف يقول ذلك في أهل بلد وأهل ~~قرية لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما يجري منهم من النواقص (6) إلا الله عالم ~~الغيب والشهادة. # وأما القتال: فلم يقاتل إلا أصل الإسلام، والتزام مبانيه العظام، ومن نقل ~~عنه أنه قاتل على غير ذلك فقد كذب وافترى، على أن بعض العلماء يرى القتال ~~على ترك بعض الواجبات (7) . # فكيف بما أجمع عليه سلف الأئمة وأئمتها؟ . PageV01P054 # وأما قوله: (ولا يجوز السفر إليهم حتى منع (1) السفر إلى جميع بلاد ~~الإسلام) . # فيطالب أولا (2) بتصحيح هذا؛ فإن صح فللسلف كلام معروف في السفر إلى ما ~~(3) ظهر فيه شيء من شعار الكفر والفسوق لمن لم يقدر على [8] إظهار دينه، ~~وللقادر أيضا كما يعرفه أهل العلم والفقه، وقد منعوا من السفر إلى بلد تظهر ~~فيها البدع لمن خشي الفتنة، فكيف ببلد يدعى فيها غير الله ويستغاث بسواه، ~~ويتوكل على ما (4) عبد معه من الإلهة؛ بل لقد صرح غلاة عباد القبور بأن ~~لمشايخهم شركة في التدبير والتصريف وبعضهم يقول: (وكل إليهم تدبير العالم) ~~كما رأيناه وسمعناه من طوائف كثيرين (5) ؛ وقد حكاه عنهم شيخ الإسلام في ~~منهاجه (6) . # فماذا على شيخنا رحمه الله تعالى لو حمى الحمى وسد الذريعة وقطع الوسيلة؟ ~~. # لا سيما في زمن فشا فيه الجهل وقبض العلم، وبعد العهد بآثار النبوة؛ ~~وجاءت قرون لا يعرفون أصل الإسلام ومبانيه العظام، وأكثرهم يظن أن الإسلام ~~هو التوسل بدعاء الصالحين، وقصدهم في الملمات والحوائج، وأن من أنكره جاء ~~بمذهب خامس لا يعرف قبله. PageV01P055 # فإذا كان الحال هكذا فأي مانع من قوله؟ وأي دليل يجيز السفر إليهم ويبيحه ~~مطلقا؟ # هذا لا يقوله إلا جاهل بأصول الشريعة ومدارك الأحكام، ومن القواعد ~~المهمة: " سد الذريعة، وقطع الوسيلة المفضية إلى محظورات الشريعة ". فكيف ~~بالكفر الذي لا ساحل له؟ وقد ابتلينا بهؤلاء المعترضين الجهال الذين لا ~~يعرفون قواعد الملة والشريعة، ولا يستصعبون الأصول فيما يبدونه ms009 أو يحكونه ~~من النقول. # وهذا اغتراب الدين من لك بالتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا # ولو أن عينا ساعدت لتوكفت ... سحائبها بالدمع ديما هطلا # ولكنها عن قسوة القلب قحطها ... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا (1) . ### | مناقشة المعترض في مسألة أخذ أموال المحاربين وحكم الفيء والغنيمة # وأما قوله: (فإذا تولى بلدا قهرا من بلاد محاربيه جعلها بزعمه فيئا بيت ~~مال له ولعياله وأتباعه؛ يزعم بذلك أنه يفعل فعل الصحابة رضي الله عنهم ~~بالشام والعراق وغيرها من بلاد المسلمين) . # والجواب أن يقال: هذه العبارة عبارة جاهل بالحال والواقع، جاهل [9] ~~بالأحكام الشرعية. والشيخ رحمه الله ما اختص بشيء من ذلك له ولا (2) ~~لعياله، بل هم كسائر المسلمين، يأكل أحدهم من الزكاة (3) بفقره (4) وحاجته ~~وجهاده، ومن الفيء بحسب غناه في الإسلام ونفعه لأهله ومقامه PageV01P056 # فيه، وغيرهم أحظ (1) وأكثر، وأمر هذا المال إلى ولاة (2) الأمور والأئمة. ~~هذا حقيقة الحال. # وأما الحكم الشرعي: فمعلوم أن الرسول (3) صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، ~~وقسمها بين الغانمين، واختص منها بفدك يأكل منها هو وأهله، ثم صارت صدقة ~~بعده بنص الحديث، بيد أبي بكر ثم عمر، ثم دفعها عمر إلى علي والعباس، وهذا ~~أطيب المكاسب وأحلها. # قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} ~~[الأنفال: 41] الآية [الأنفال -41] . # وقال تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} [الحشر: ~~7] (4) الآية [الحشر -7] . # وقد أخذ الجزية من مجوس هجر وأهل نجران وقسمها بين أصحابه، وسيرته في ~~المغانم (5) معروفة مشهورة عند أهل العلم، والبحث في حال من أخذت منه وفي ~~دينه: هل هذا الأخذ على الوجه الشرعي والقانون المرضي أولا؛ هذا محل البحث. # وأما التشنيع بمجرد (6) أخذها: فهو حرفة الجاهلين، وطريقة PageV01P057 # غير المحصلين (1) وحينئذ فيقال: إن كان ما صدر من رؤساء الإحسان والقطيف ~~وغيرهم، ممن أخذ ماله فيئا وغنيمة هو الشرك الأكبر وعبادة الصالحين، وهو ~~صريح الرد على الله وعلى رسله (2) وعلى أئمة الدين، وما قرره الشيخ وبينه ~~هو توحيد رب العالمين الذي جاءت به الرسل ونزلت ms010 به الكتب، وأنهم قاموا أشد ~~القيام في رده وإطفائه، وقاتلوا (3) على ذلك بعد قيام الحجة، واعتراف (4) ~~كثير من علمائهم بأنه الحق، وأنه دين الله، فلا حرج حينئذ ولا إثم في أخذ ~~تلك الأموال فيئا وغنيمة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعملا ~~بدينه وشرعه (5) ؛ وإن كان ما عليه من أخذت أموالهم من عبادة الصالحين، ~~والشرك بالله والإعراض عن دينه، وقتال أهله، ومعاداة من قام به، وهو ~~الإسلام وهو الحق، وهم مصيبون في ذلك على بينة من الله، [10] ، فالذم لمن ~~(6) حكم على أموالهم بهذا الحكم، والعيب له، وتجهيله يتجه ولا يعاب. # فالكلام في الأصل الذي تفزع عنه أخذ الأموال، وجعلها فيئا وغنائم، ~~والمعترض لا يرى أن عبادة الصالحين، ودعاءهم، والتوكل عليهم، والذبح لهم، ~~وتسويتهم بالله في الحب والخوف والرجاء والتعظيم PageV01P058 # شرك وضلال (1) يبيح الأموال والدماء بعد قيام الحجة، فلذلك اعترض بأخذ ~~الأموال وجعلها فيئا؛ بل (2) ولا يرى ما كانت عليه البوادي من ترك دين الله ~~والإعراض عما جاءت به الرسل، وإنكار البعث والرجوع في الدماء والأموال إلى ~~ما حكمت به أسلافهم وعشائرهم، مع الاستهزاء الصريح بدين الله ورسله، مكفرا ~~مبيحا للقتال والمال، وشبهة هذا الضال وإخوانه من قبل أنهم يقولون: لا إله ~~إلا الله. # والعلماء يكفرون بدون هذا من المكفرات، ويرون أن أموال هؤلاء المرتدين ~~فيئا، لا يختلفون في ذلك. ### | الكلام في تكفير أهل الأحداث # وأما قول المعترض: لما رأى في هذه الأمة من الأحداث التي لا تزال موجودة ~~فيها تقل وتكثر، ولا تزال علماؤها تجدد لها دينها من الباب الواسع، وهو ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتحاشى عن الدخول عليها من الباب الضيق ~~وهو تكفيرها الذي حذر عنه نبيها. . .) إلى آخر عبارته. # فالجواب أن يقال: قضية هذا الكلام أن الشيخ إنما كفر وقاتل وأخذ الأموال ~~بأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقل وتكثر، وأنها لا يكفر بها أحد، وأن ~~تكفير الصحابة (3) لمن كفروه من أهل الردة على اختلافهم، وتكفير علي ~~للغلاة، وتكفيره (4) للسحرة وقتلهم، وتكفير من بعدهم PageV01P059 # للقدرية ونحوهم، ms011 وتكفير من بعد أولئك للجهمية، وقتلهم للجعد بن درهم وجهم ~~بن صفوان ومن على رأيهم، وقتلهم للزنادقة، وهكذا في كل قرن وعصر من أهل ~~العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفره الله ورسوله، وقام الدليل ~~على كفره لا يتحاشون عن ذلك؛ بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام وفي ~~الحديث: " «من بدل دينه فاقتلوه» " (1) . # ، [11] وبعض العلماء يرى أن هذا والجهاد (2) عليه ركن لا يتم الإسلام ~~بدونه. وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلدون، وأتباعهم في كل عصر ومصر، ~~وكفروا طوائف من أهل الأحداث، كالقرامطة والباطنيه، وكفروا العبيديين ملوك ~~مصر وقاتلوهم، وهم يبنون المساجد، ويصلون ويؤذون، ويدعون نصرة أهل البيت، ~~وصنف ابن الجوزي كتابا سماه: النصر على مصر) (3) ذكر فيه وجوب قتالهم، ~~وردتهم. # وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم، أبوابا ~~مستقلة (4) في حكم أهل الأحداث التي توجب الردة، وسماه: باب (5) الردة، ~~وأكثرهم عرفوا المرتد: بأنه الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أشياء دون ما نحن ~~فيه من المكفرات حكموا بكفر فاعلها، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم. ~~PageV01P060 # وقال الشيخ عثمان الحنبلي صاحب " حاشية المنتهى " في عقيدته: # (تتمة: الإسلام: الإتيان بالشهادتين مع اعتقادهما والتزام الأركان الخمسة ~~إذا تعينت وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما (1) جاء به: (ومن جحد ما ~~لا يتم الإسلام بدونه، أو جحد حكما ظاهرا، أجمع (2) على تحريمه أو حله) (3) ~~إجماعا قطعيا، أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير، أو حل خبز (4) ونحوهما كفر، ~~أو فعل كبيرة، وهي ما فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو داوم على ~~صغيرة، - وهي ما عدا ذلك - فسق) . انتهى. # وهذا يعرفه صغار الطلبة فضلا عن العلماء الممارسين. # وهذا الأحمق يعد هذا بابا ضيقا، ويسفه رأي الأئمة وعلماء الأمة ويجهلهم، ~~وهو يزعم أنه ينصرهم. وما أحسن ما قيل: # لأن يعادي المرء عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق (5) أحمق # والباب الذي يسع كل أحد هو الباب الشرعي، الذي عليه الداعي النبوي. ~~PageV01P061 # وأما إهمال الجهاد، وعدم تكفير المرتدين، ms012 ومن عدل بربه، واتخذ معه ~~الأنداد والآلهة، فهذا إنما يسلكه من لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يعنهم ~~أمره، ولم يسلك صراطه، ولم يقدر الله ورسوله (1) . # حق قدره، بل ولا قدر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم، وهذا هو الحرج ~~والضيق. # [12] ، قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} [الأنعام: ~~125] [الأنعام -125] . # والجهاد للمارقين والمرتدين وتكفيرهم داخل في مسمى الإسلام، بل هو من ~~أركانه العشرة، كما نص عليه بعض المحققين، وفي الحديث: " «وذروة سنامه ~~الجهاد في سبيل الله» " (2) فلا ينشرح له ويراه حقا وواسعا إلا صدر من أراد ~~الله هدايته وتوفيقه، ويراه ضيقا حرجا من أراد الله أن يضله ويخزيه بين ~~عباده المؤمنين. # هكذا يقرر الكلام هنا والقول في هذا الموضع، لا ما زعمه من خسف الله ~~قلبه، فعكس القضية، وراغم الأدلة الشرعية، والقوانين المحمدية، فبعدا لقوم ~~لا يؤمنون. # وأما قوله: (أن تكفيرها حذر منه نبيها صلى الله عليه وسلم غاية التحذير) ~~. # فيقال: إن زعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر عن تكفير من أتى ما يوجب ~~الكفر ويقتضيه ممن بدل (3) دينه، فهذا مكابرة وجحد للضروريات PageV01P062 # والحسيات، وقائله إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى تلاوة الآيات ~~والأحاديث، وحكاية الإجماع، وفعل الأمة طبقة طبقة وقرنا قرنا. # وإن أراد أن النهي (1) عن تكفير عموم الأمة وجميعها: فهذا لم يقله أحد، ~~ولم نسمع به عن (2) مارق ولا مبتدع، وهل يقول هذا من له عقل يدرك به ويعرف ~~ما في الأمة من العلم والإيمان والدين؛ وأما بعض الأمة فلا مانع من تكفير ~~من قام الدليل على كفره كبني حنيفة، وسائر أهل الردة في زمن أبي بكر، وغلاة ~~القدرية والمارقين الذين مرقوا في زمن علي رضي الله عنه وغلوا فيه، وهكذا ~~الحال في كل وقت وزمان، ولولا ذلك لبطل الجهاد وترك الكلام في أهل الردة ~~وأحكامهم، وفي ضمن هذا القول ما تقدم من تسفيه جميع الأمة، وتجهيل علمائها ~~الذين كفروا بكثير من الأحداث والمكفرات، وفيه: (أنهم لم يسلكوا الطريق ~~الواسع، ولم يفهموا الحديث عن ms013 نبيهم) . # وبالجملة: فهذا المعترض مموه بلفظ الأمة ملبس. # قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا ~~الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] [البقرة -42] . # وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والأمة تطلق ويراد بها عموم أهل ~~الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضا [13] ، ويراد بها ~~أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يفصل ويضع النصوص ~~مواضعها فهو من الجاهلين الملبسين، بل هو ممن صد PageV01P063 # عن سبيل الله وصدف (1) عن آياته. # قال تعالى: {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} ~~[الأنعام: 157] [الأنعام -157] . ### | كل الطوائف يصنفون الكتب لنصرة مذاهبهم # وأما قوله: (قد بسطنا القول في كتابنا: " غسل الدرن عما (2) ركبه هذا ~~الرجل من المحن "، وفي كتابنا: " تبصرة أولي الألباب ") . # فكأن المعترض يتمدح وينوه بأن له كتابا في الرد على شيخنا رحمه الله (3) ~~. # فيقال: كل مبتدع وضال من سائر الطوائف على اختلاف نحلهم وتباين مذاهبهم ~~يصنفون الكتب في نصر أقوالهم ونحلهم, فالرافضة والجهمية, والخوارج وعباد ~~القبور, ومن يقول: إن الأولياء يتصرفون في العالم. والقائلون: بأن الله ~~ثالث ثلاثة وأمثالهم من المبتدعة والمشركين والمعطلة يصنفون الكتب في نصر ~~مذاهبهم, ويسمونها بأسماء مستحسنة تمويها على الجهال, وفيها الداء الدفين؛ ~~والكفر الواضح المستبين, فالنصارى سموا ما أحدثوه في هذه الأعصار (4) من ~~التبديل والتغيير: " العهد الجديد " وسموا: " الأمانة الكبرى ". وسمى بعض ~~من صنف في الفلسفة ومخالفة كتابه: " رسائل إخوان الصفا " وسموا ما صنف في ~~عبادة النجوم ب " السر المكتوم ". وبعض غلاة القبوريين PageV01P064 # يسمى ما صنف في إسناد تدبير العالم إلى الأولياء ب " كرامات أولياء الله ~~". وسمى ابن عربي كتابه في الاتحاد: " الفتوحات المكية " وآخر سماه ب " ~~الفصوص "، وصنف أبو حامد الغزالي كتابه المعروف، وسماه: " إحياء علوم الدين ~~" وقد أمات به من أصول الدين ودعائمه ما يعرفه من عرفه، وصنف محمد بن زكريا ~~المتطبب كتابه في الطعن على الأنبياء، ورد عليه أبو حاتم الرازي المتكلم. # وهذا التلبيس لا يروج على من عرف الحقائق، وهذا الرجل يتمدح بما لا ms014 يجدي ~~(1) . وقد رد أمثاله من الضالين على شيخ الإسلام وإخوانه الموحدين، فما ~~زادهم ذلك إلا شرفا وعزا، وشهادة بصحة ما هم عليه: # والضد يظهر حسنه الضد (2) ... وبضدها تتبين الأشياء # وللشيخ أسوة بأئمة الهدى، وسادات الأولياء، وما أحسن ما قال # شيخ الإسلام ابن تيمية: # لو لم تكن لي في القلوب مهابة ... لم تكثر الأعداء في وتقدح # كالليث لما هيب خط له الزبى ... وعوت لهيبته الكلاب النبح # يرمونني شزر العيون لأنني ... غلست في طلب العلا وتصبحوا (3) # وقال أبو الطيب: PageV01P065 # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل (1) # وقال حسان رضي الله عنه (2) . # أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء # وأحسن من هذا كله قوله تعالى (3) {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون} [الأنعام: 112] [الأنعام -112] والآية بعدها. # فكيف يفتخر هذا الجاهل بالرد على شيخ الإسلام؟ . PageV01P066 ### | فصل بيان مقصود الشيخ لا يستقيم إسلام أحد إلا بمعادة المشركين # فصل قال المعترض: (والمقصود هنا ذكر عبارات (1) لهذا المكفر بعينها؛ مما ~~نقلناه من خطه بيده وجدناه عند أكابر دعاته ممن أدركناه؛ وذلك [أبعد] (2) ~~عن دعوى الافتراء عليه ممن ينتمي إليه، وجعلت على نفسي عهدا وميثاقا محققا ~~أني لا أذكر عنه إلا ما تحقق كتحقيق الشمس عن الفيء، إذ المقصود من ذلك طلب ~~الحق ودفع الباطل، حيث بقي على هذا التكفير أتباعه ونصروه، توضيحا منا ~~للحق، لأن " الدين النصيحة ") . # فالجواب أن يقال: قد صنع في أكثر العبارات التي نقلها ما صنعت اليهود من ~~التحريف لألفاظها، وإسقاط بعضها وتغييره، فسرى هذا الداء إليه، كما ستقف إن ~~شاء الله عليه (3) . # وإذا اجتمع الجهل والهوى، فقد استحكمت أسباب الهلاك والردى، وأحاطت ~~بصاحبهما (4) موجبات الضلال والشقى. PageV01P067 # وهذا العهد الذي جعله على نفسه، نقضه وغدر في أول عبارة (1) وما بعدها، و ~~" «لكل غادر لواء يوم القيامة» "، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من ~~المعادين لأوليائه، الطالبين العنت للبرآء. # قال المعترض نقلا عن الشيخ: (قال في ms015 المواضع التي تكلم بها (2) على ~~السيرة - بعد كلام له سبق -: " فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له ~~إسلام ولو وحد الله تعالى وترك الشرك، إلا بعداوة [15] المشركين؛ والتصريح ~~لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] الآية [المجادلة -22] . # قال: فإذا فهمت ذلك فهما جيدا عرفت أن كثيرا ممن يدعون الدين لا ~~يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين (3) على الصبر على ذلك العذاب وإلا ~~سر والضرب والهجرة إلى الحبشة " إلى آخر كلامه. # قال المعترض: فنقول أولا: ينظر في هذا الكلام وتأصيله، فيقال: من هم ~~هؤلاء الكفار أهل (4) الشرك الذين هم ككفار قريش والحبشة، الذين يجعلون ~~الله ثالث ثلاثة وأشباههم كأهل الكتاب وعبدة الأوثان، الذين نهيت عن ~~موادتهم وكفرت بها، وأنزلت عليهم الآية الكريمة لديك: أتراهم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم المتقدم ذكرهم، الذين قد عمروا المدارس في أقطارهم ~~PageV01P068 # وأمصارهم، ونصبوا القضاة، وشيدوا المنار (1) على مساجدهم لداعي الفلاح ~~آناء الليل وأطراف النهار، ظاهرين مظهرين لذلك، قد بذلوا عليه الأموال ~~والأنفس، يجاهدون عليه من أنكره من أهل الكتاب وغيرهم، حتى بنجد قد شيدوا ~~منارها بعلمائها، ولا والله نعلم إلا ما شاء الله على مساجدها وأئمتها ~~ومدارس قرائها (2) ومساقيها وسرجها أوقافا إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا ~~الرجل، ويسميهم بالكفار أهل الجاهلية) . والجواب أن يقال: لا بد من ذكر ~~كلام الشيخ ليتبين مراده، ويعرف ما في كلام هذا المعترض من التحريف والحذف ~~لما يبين مراد الشيخ وموضوع كلامه. # قال الشيخ (3) (الموضع الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم ~~عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد؛ لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم ~~بالدخول فيه؛ إلى أن صرح بسب (4) دينهم، وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ~~ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا؛ ~~ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا ~~الصالحين؛ لكن لما ذكر أنهم لا يدعون (5) ولا ينفعون ولا يضرون؛ جعلوا ms016 ذلك ~~شتما، فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام [16] ، ولو وحد ~~الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة PageV01P069 # والبغضاء، كما قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر} ~~[المجادلة: 22] (1) الآية [المجادلة -22] . # فإذا فهمت هذا فهما جيدا عرفت أن كثيرا من الذين يدعون الدين لا يعرفونها ~~ولا يفهمونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر ~~والضرب والهجرة إلى الحبشة مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، ولو يجد ~~لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: {ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} [العنكبوت: 10] (2) ~~الآية [العنكبوت -10] . # فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك؟) . ~~انتهى كلام الشيخ رحمه الله. # وقد حذف منه المعترض أوله؛ لأن فيه التصريح بأن العداوة المطلوبة ذكر ~~آلهتهم بأنهم لا يدعون (3) ولا ينفعون ولا يضرون، وأن من لم يصرح بذلك ~~(ويعاديهم، ويتبرأ منهم ويبغضهم) (4) ويعتقده ويدين به، لا يستقيم له ~~إسلام، وهذا هو الحق؛ بل هو من مدلول كلمة الإخلاص؛ وهو حقيقة التوحيد، فلو ~~وحد الله بعبادته ولم يشرك به، لكنه لم يأت (5) بهذا ولم يعتقده، لم ينتفع ~~بتوحيده وعدم شركه، وهذا PageV01P070 # حق لا شك فيه، والآيات تدل عليه، وتشهد له، وهذا المعنى دلت عليه كلمة ~~الإخلاص تضمنا؛ وهو ظاهر بحمد الله. # والمعترض حذفه عمدا، وأخذ وسط العبارة، وقصده الترويج والتمويه، (وقد ورد ~~حديث مرفوع: " «لا يستقيم إيمان عبد حتى تستقيم جوارحه» (1) ") (2) وكذلك ~~قول الشيخ في آخر كلامه: (فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي ~~فكيف بغير ذلك) ؛ وأن هذا يدل على أن الكلام فيمن لم يصرح بعيب آلهتهم، ~~وتسفيه أحلامهم، والتصريح لهم بذلك، وهو غاية العداوة والبغضاء، فحذف هذا ~~المعترض أول الكلام وآخره ليروج ويلبس، وهذا من نوع التحريف والإلحاد ولي ~~الألسن، وهو حرفة يهودية ورثها من ورثها. # وقد قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ms017 وقلبه مطمئن ~~بالإيمان} [النحل: 106] [النحل -106] . # والإكراه له صور (3) خاصة قولية لا فعلية (4) وما عداها فلا رخصة فيه، ~~والآية عامة يدخل فيها دخولا أوليا (5) من لم يعب دين المشركين، ~~PageV01P071 # وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر، لأنه إذا لم يصرح بذلك فهو كاتم لما تضمنته ~~كلمة الإخلاص من النفي، ولا رخصة في الكتمان إلا بشرطه المتقدم؛ وهذا لا ~~خلاف فيه بين الأمة، والمعترض من الغافلين عن هذه (1) المباحث الدينية، أو ~~ممن أضله الله على علم، وقد غدر بميثاقه الذي جعله على نفسه بحذف أول ~~العبارة وآخرها، لأنه تبديل وتغيير (2) لكلام الشيخ، وسيأتيك من أخواتها ما ~~هو من أعجب العجاب، فالحمد لله على معرفة الحق والصواب. # واعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد؛ بل ظن أنه مجرد ~~قول بلا معرفة ولا اعتقاد (3) وإلا فالتصريح بالشهادتين والإتيان بهما ~~ظاهرا هو نفس التصريح بالعداوة والبغضاء، وما أحسن ما قيل: # وكم من (4) عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم (5) # (ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، ورد إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين ~~الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من ~~عبد الصالحين ودعاهم وتوكل عليهم وقرب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، ~~لأنه يشهد أن لا إله إلا الله ويبني المساجد ويصلي، وأن ذلك يكفي في الحكم ~~بالإسلام ولو فعل ما فعل من الشركيات، وحينئذ فالكلام مع هذا وأمثاله في ~~بيان الشرك الذي حرمه PageV01P072 # الله ورسوله، وحكم بأنه لا يغفر، وأن الجنة حرام على أهله، وفي بيان ~~الإيمان والتوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وحرم أهله على ~~النار، فإذا عرف هذا وتصوره تبين له: أن الحكم يدور مع علته، وبطل اعتراضه ~~من أصله، وانهدم بناؤه. # قال الله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار} [المائدة: 72] (1) [المائدة -72] . # وقال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك ~~إذا من الظالمين} [يونس: 106] (2) [يونس -106] . # وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها ms018 آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه} [المؤمنون: 117] [المؤمنون -117] . # وقال تعالى حاكيا عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدت مع الله: ~~{تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97 - 98] ~~[الشعراء -97 - 98] . # ومعلوم أنهم ما سووهم بالله (3) في الخلق والرزق والتدبير، وإنما هو في ~~المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والرجاء، ونحو ذلك من العبادات. # وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} ~~[البقرة: 165] (4) [البقرة / 165] . PageV01P073 # وهذا حب عبادة وتأله وتعظيم؛ ولهذا (1) ونحوه كفرهم الله تعالى (2) وأباح ~~دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسلموا، ويكون الدين كله لله، ~~فالنزاع في هذا. # فمن عرف هذا الشرك وحقيقته، وعرف مسمى الدعاء لغة وشرعا، وعرف أن تعليق ~~الحكم في هذه الآيات على الشرك والدعاء يؤذن بالعلة (3) تبين له الأمر، ~~وزال عنه الإشكال، ومن يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل (4) فلا هادي له. # فمن عبد غير الله، وعدل بربه، وسوى بينه وبين غيره في خالص حقه: صدق عليه ~~أنه مشرك ضال غير مسلم، دهان عفر المدارس، ونضب القضاة، وشيد المنار، ودعا ~~بداعي الفلاح، لأنه لا يلتزمه، وبذل الأموال، والمنافسة على صورة العمل (5) ~~مع ترك حقيقته لا تقتضي الإسلام؛ ولأهل الكتاب في عمارة البيع والكنائس ~~والصوامع اجتهاد عظيم، ومحبة شديدة. وقد قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم ~~على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل} [المائدة: 68] (6) [المائدة / 68] . ~~PageV01P074 # قال الله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر} [التوبة: 19] (1) [التوبة / 19] . # وقد أجمع العلماء: أن (2) الإيمان الذي دلت عليه شهادة أن لا إله إلا ~~الله شرط في كل عمل، فالاحتجاج بهذه الأفعال - أعني بناء المساجد والمدارس ~~ونصب القضاة - لا يصدر إلا عن جاهل أو ملبس. # قال الله تعالى: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة ~~عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} [الشورى: 16] [الشورى -16] . # وأما يمينه الفاجرة على أنه لا يلم على المساجد والمدارس والمساقي (3) ~~والسرج أوقافا بنجد إلا من هؤلاء ms019 الذين كفرهم هذا الرجل يعني الشيخ. # فيقال له: أنت جعلت على نفسك عهدا وميثاقا أنك لا تحكي إلا ما ثبت عن هذا ~~الرجل، وتحقق كتحقق الشمس عن الفيء، فأين تكفيره واحدا من أهل الأوقاف، ~~فضلا عن سائرهم؟ وإذا انتزع الحياء والدين فلا تعجب مما صدر عن عادمهما (4) ~~من الكذب، ونقض العهود، وموت القلوب. # ثم كيف يتصور أن عاقلا يكفر جميع أهل الأوقاف نجد، وأعصارهم وأزمانهم ~~متطاولة متعاقبة؟ فمنهم من وقفه متقدم على الشيخ [91] PageV01P075 # بخمسة قرون أو ستة (1) كالوقف الذي ببلدة أشيقر. وهكذا بعده في كل عصر ~~تحدث الأوقاف وتتجدد، فهل يقول: إن الشيخ كفر أولئك وجزم بكفرهم (2) من في ~~قلبه أدنى خشية، أو له أدنى عقل ومعرفة؛ وقد صان الله الشيخ عن مثل هذه ~~الجهالات والخرافات، ومن عرف الرجال بالعلم عرف حال الشيخ ورسوخه ومتانة ~~علمه ودينه، وأنه يلحق بأكابر السلف وعلمائهم، وإن تأخر عصره، ومثل هذا ~~الاعتراض حكايته تكفي عن رده. PageV01P076 ### | فصل في الرد على المعترض أن أتباع الشيخ هدموا المنار وخربوا المساجد # فصل قال المعترض: (بل لما جاء أتباعه أكلت الأوقاف رؤساؤهم، ولم يحترموا ~~أوقاف البر، وهدموا المنار، ولم يروها شيئا وخربت المساجد) (1) فلم تجد من ~~يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه، وعطلوا المدارس. والويل ثم الويل لمن ~~استغفر من أتباعه لوالديه (2) أو ضحى لهم) . # فالجواب أن يقال: لما فرغ هذا من (3) سب الشيخ وبهته، أخذ في سب أتباعه ~~وبهتهم؛ وبهذا تعلم أنه ذو غيظ عظيم، وحقد وخيم، وفي المثل: " لكل نعمة ~~حاسد، ولكل حق جاحد ". # ثم لو تكلم غير هذا الرجل بمثل هذا لكان أخف، وأما هذا الرجل فمعاشه ~~وملبسه ومنكحه ومدخله ومخرجه من الأموال التي بأيدي رؤسائهم، وله في ~~المزاحمة على ما بأيديهم نهمة وشح ليس لغيره، وقد مكث بالجبل (4) مدة سنين، ~~يأكل مما بأيديهم، وكذلك الحال مدة عمره PageV01P077 # في سدير، وله منافسة ومعاداة على (1) تحصيل هذا لا تعرف لغيره، وأتباع ~~الشيخ من أعظم الناس احتراما للأوقاف، ومن أكثر الناس تحبيسا وتوقيفا على ~~المساجد ms020 والأضاحي والأقارب ووجوه البر؛ لكن الهوى يعمي ويصم. # وأما قوله: (وهدموا المنار) . # فهذا أيضا من البهت، فإن المنار موجود مشيد بنجد إلى الآن، وليس وجود ~~المنار شرطا في الإسلام ولا واجبا، وفي استحبابه نزاع، [20] لعدم وجوده في ~~عهده صلى الله عليه وسلم. وكان المؤذن يتحرى أعلى المسجد وسطحه ليحصل ~~الإسماع، وهذا الرجل تمكنت عداوته واشتدت جهالته، فصرنا منه في عناء وتعب، ~~ولولا غربة الدين وندرة من يعرف الحقائق من المدعين، لما صرفت أوقاتا فاضلة ~~وساعات مباركة، في رد أباطيله (2) وكشف تساجيله، والله أسأل أن يكون كلامنا ~~في هذه المواضع (3) من الجهاد في سبيله (4) والدعوة إلى صراطه بدليله. # وقوله (5) (فلم نجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه) . # فيقال: شهادة الحال والحس كافية في بيان كذبه، وإبطال قوله، لأنه جحد ~~للحسيات، ومكابرة في الضروريات، فأهل (6) التوحيد هم أهل المساجد وعمارها. ~~PageV01P078 # قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} [التوبة: ~~18] (1) [التوبة -18] . # وفي حديث وفد عبد القيس: " «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا ~~إله إلا الله» . . . " (2) الحديث (3) فأهل كلمة الإخلاص الداعون إليها هم ~~أهل الإيمان عمار المساجد، وكل من يرتاب في هذا أو يشك فيه لا يألف المساجد ~~ولا يعمرها، وسل خبيرا بحال هذا الرجل ينبيك عنه وعن قلة عمارته للمساجد. # وأما قوله: (والويل ثم (4) الويل لمن استغفر من أتباعه (5) لوالديه، أو ~~ضحى لهم) . # فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة، فيها من نقض عهده الذي جعله على ~~نفسه، وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبرآء ما يقضي بفسوق القائل، ~~فنعوذ بالله من استحكام الهوى، والضلال بعد الهدى، ف " «من قال في مؤمن ما ~~ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» " (6) ولا نعلم أن أحدا من ~~أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا PageV01P079 # إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم، بأن مات يدعو لله ~~ندا، وهذا نص القرآن. # قال تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي ms021 قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] [التوبة ~~-113] . # هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه، وأما التخليط والحكم بالظن ~~والهذيان فذاك من طوائف الشيطان يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان. # وفي قول المعترض: (الذين لم يدركوا دعوته) أن من تقادم عهده، وتطاول عصره ~~داخل في عموم كلامه، وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له، وإطلاق هذا يتناول ~~القرون المفضلة ومن بعدهم، وليس هذا بباع من كذبه وبهته، وحسابه على الله ~~وأمره إليه. # قال تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون} [النحل: 105] [النحل -105] . # لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة # من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة # أين ميثاقه وعهده؟ . # قال تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} ~~[الأعراف: 102] [الأعراف -102] . # PageV01P080 # حلفت لنا أن لا تخون عهودها (1) ... فكأنما (2) حلفت [لنا] (3) أن لا تفي # وأما قوله: (حتى ما بنجد (4) من الأوقاف على الحرمين (5) صرفوها لجهادهم ~~ومساجدهم) . # يقال: قد تقدم أنه قال: (وخربت المساجد فلم نجد من يعمرها) . # فما هذا التناقض؟ تارة يزعم أنهم يأكلون أوقاف المساجد ويخربونها، ثم ~~يقول: (إنهم صرفوا أوقاف الحرمين لمساجدهم) . ثم انظر: ما نكتة إضافة ~~المساجد إليهم، أتظنه لا يرى صرف الأوقاف لها ولا يرى لها من الحرمة ما ~~لسائر المساجد، فأضافها إليهم استهانة بها لا تشريفا، فما أشد تعصبه، وما ~~أبعد عن الحق مذهبه. # ثم يقال: أي وقف أخذه الشيخ من أوقاف الحرمين في أي بلد؟ وأي مكان؟ هذه ~~الدعوى (6) من أكذب الدعاوى وأضلها. # وقد استولوا على الإحسان وفيه وقف للحرمين لم يتعرض (7) له أحد؛ بل هو ~~يصرف إلى الإيمان في مصرفه، ثم في المسألة بحث في صرف أوقاف المساجد - ولو ~~مسجدي الحرمين - على غيرها إذا اقتضاه مقتض PageV01P081 # أو أوجبه مصلحة شرعية، والبحث معروف عند أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، ~~فلو فرضنا وقوعه فليس فيه مطعن بوجه من الوجوه، ومن ترك صناعة العلم، وتكلم ~~بمجرد الرأي والهوى، فليس بمستنكر عليه هذا الخلط والضلال. # PageV01P082 ### | فصل رد ms022 دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر # فصل قال المعترض: (وذلك لجعله بلاد الحرمين من بلاد الكفار، [22] يوضح ما ~~قلنا عمن سمعنا ورأينا وأدركنا، أن من جاءهم من الحرمين سموه مهاجرا، جاء ~~رجل من مكة يقال له: عبد الرزاق، فسموه مهاجرا، ومن المدينة جعفر سموه: ~~مهاجرا، ومن العراق كذلك، ومن كل ناحية من بلاد الإسلام، فهذا الكلام على ~~تأصيل كلامه على الكفار والمشركين الذي (1) أسند حكمه إليهم بالتكفير ~~بموادتهم حتى تعلم أنه كما قيل: أحصد هوى وغمر ماش) هذا لفظه. # والجواب أن يقال: هذه كتب الشيخ، وهذه تصانيفه ورسائله: أي كتاب، وأي ~~فتوى، وأي ناقل يعتد به نقل عنه أن بلاد الحرمين بلاد كفر؟ . # قال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالته إلى السويدي البغدادي (2) (وما ذكرت ~~أنى أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، فيا عجبا ~~كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم PageV01P083 # أو كافر أو عارف أو مجنون؟) إلى أن قال: (وأما التكفير فأنا أكفر من عرف ~~دين الرسل، ثم بعد ما عرفه سبه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو ~~الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك) . # قال رحمه الله في رسالته للشريف (1) (وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: أنا ~~نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دشه، وأنا نكفر من ~~لم يكفر ومن (2) لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، وكل هذا من الكذب ~~والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسو له. # وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على " عبد القادر "، والصنم الذي على ~~قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم ~~يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر ويقاتل؟ (3) سبحانك هذا بهتان ~~عظيم) . # فإذا كان هذا كلام الشيخ رحمه الله فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا ~~لم يتيسر له من يعلمه ويبلغه الحجة، فكيف يطلق على الحرمين: إنها (4) بلاد ~~كفر؟ والشيخ على منهاج ms023 نبوي وصراط مستقيم، [23] ، يعطي كل مقام ما يناسبه ~~من الإجمال والتفصيل. # وأما تسمية عبد الرزاق وجعفر مهاجرين، فقدوم هذين الرجلين بعد ~~PageV01P084 # الشيخ بعدة سنوات فلا يجوز نسبة هذا إليه؛ بل هو كذب ونقض لعهده الذي جعل ~~على نفسه، ويل أمه!! ما أكثر غدره، وما أقل وفاءه. # على أن هذا لا يعاب به الشيخ، وهو جار على قانون العلم وأصوله، فمن ترك ~~بلدا يظهر فيها الشرك أو البدع أو الفسوق وهجرها لذلك فهو مهاجر، شاء ~~الشيطان أم أبى، وقد خرج من المدينة خلق لما حصر عثمان ووقعت الفتنة، ~~والفقهاء ذكروا وجوب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه أو خاف الفتنة، ~~وقد سئل بعض الصحابة فقيل له: أين أنت أيام الفتنة - يعني فتنة مقتل عثمان ~~وما بعده - فأنشد: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير (1) . # وأما قوله: (كما قيل (2) حصد هوى وغمر ماش) فهذا الأحمق قد بحث عن حتفه ~~بظلفه، وفتح على نفسه باب المناقشة، وصاحب الهوى هو الذي يرتكب ما يهواه، ~~ولا يرده عن القبائح راد، ولا يمنعه عن شهواته مانع من عقل أو دين، فحينا ~~ينتسب إلى المسلمين، ويدعي أنه على الملة موافق [لهم] (3) في العقيدة ~~ويتزين بشرح بعض مصنفات الشيخ، وتارة يرجع عن هذا كله، وينقلب على وجهه، ~~ويأخذ في سب الشيخ وأتباعه، (4) (ويجمع من PageV01P085 # الخرافات والخزعبلات ما لا يصدر عن عاقل ولو كان عدوا، وهذا هو الهوى (1) ~~المعمي، والداء العضال القاتل، وقد رأيت له رسالة أرسلها إلى بعض الأعيان ~~من أولاد الشيخ يتمدح فيها بذكر الشيخ ومحبته وموالاته. ويستشهد على متابعة ~~المخاطب بقوله تعالى عن بلقيس (2) {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين} [النمل: 44] [النمل / 44] . # فلما أعرض عنه المخاطب بهذه الرسالة رجع إلى ثلبه وعيبه، وكتب رسالة إلى ~~بعض أمراء الوقت يعيب من أسلم معه لله رب العالمين بزعمه، وكم لها من ~~نظائر، ومتابعة هذا المعترض لهواه يشهد لها ما عليه من الظلمة وعلى أقواله ~~وتأليفه ومدخله ومخرجه، ومن اجتمع ms024 فيه ظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة الشك ~~والريب، فقد أحاطت به الظلمات، وحلت بداره الهلكات. PageV01P086 ### | فصل الرد على زعم المعترض أن الشيخ كفر الأمة بالعموم وبحث تجديد العلماء للدين ووقوع الغربة # فصل قال المعترض: (فإذا تنزلنا معه على مذهبه من تكفير الأمة حتى يظهر لك ~~جهله، حيث قال في كلام له يأتي: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي ~~أظهرناه للناس) . اه. # فيقال لهذا المعترض وإخوانه: قد تقدم أن الشيخ بريء مما نسب إليه من ~~تكفير الأمة، ولا يلزم من قوله: (إن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه ~~للناس) أنه يعتقد كفر الأمة، أو أن الأمة جميعها لا تعرف التوحيد. هذا لا ~~يتحمله كلامه، ولا يدل عليه ولا يلزمه. # وإظهاره التوحيد للناس حق وصدق، فلم يظهر في وقته وقبله بأزمنة ظهورا ~~جليا لأهل تلك البلاد إلا بعد دعوته إلى الله، وبيانه للناس ما جاء به ~~نبيهم من الهدى ودين الحق، ولا يمنع أن يكون من الأمة من يعرفه ويدين به، ~~لكن له في الدعوة والبيان والإظهار منزلة ومرتبة ليست لغيره من أهل وقته، ~~ولذلك كثر أعداؤه وخصماؤه، واشتغل الجاهلون بالصد عما جاء به، وعظم ذلك في ~~نفوسهم، وخصوه بالعداوة، وسالموا كل كافر ومشرك وجهمي ورافضي ومبتدع، وهل ~~ذلك إلا لحنق في صدورهم، وغيظ في نفوسهم؛ واستكبارا عن إجابته؛ ولو سلموا ~~من ذلك لوجدوا من أعداء دين الله ورسوله المكذبين لرسله من يردون عليه، # PageV01P087 # ويصنفون في عيبه وثلبه، والعالم يظهر للناس ما خفى من أصول الدين وفروعه، ~~ولا يقتضي حصر العلم فيه، وإن اشتهر بالدعوة والبيان. # وقد خفى التوحيد على طوائف من هذه الأمة في القرن السادس وقبله كما قرره ~~شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكروا من غلط في مسماه [25] ، من المتكلمين، ~~وأتباعهم ومن جهال الصوفية، كذلك أهل الاتحاد والحلولية يرون (1) مذاهبهم ~~هي التوحيد، وتوحيد المعتزلة هو الإتيان بأصولهم الخمسة واعتقادها. # وقد خاطب شيخ الإسلام بعض الشيوخ في مسألة التوحيد، وبين له توحيد ~~المرسلين وأصل الإسلام، وإن ما يحصل من ms025 التأله والاستغاثة بالشيوخ ~~والصالحين يخالف ما جاءت به الرسل من التوحيد وإسلام الوجوه لله، فعظم أمر ~~هذه المسألة، وقال لشيخ الإسلام: (هذا أعظم ما بينته لنا) أو كما قال. فكيف ~~والحالة هذه يعترض على شيخنا في قوله: (إن التوحيد دين الله ورسوله الذي ~~أظهرناه للناس) . # أيظن هذا المعترض أنه على تطاول الأعصار، وممر (2) الدهور، يزداد الدين ~~ظهورا، وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه يعود غريبا كما بدأ، فلا بدا ~~من غربته وغربة من يعرفه ويدين به، وهذا من أعلام النبوة كما يشهد له الحس ~~والواقع. # قال ابن القيم (3) رحمه الله في الكلام على قوله تعالى: PageV01P088 # {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية} [هود: 116] (1) الآية [هود / ~~116] : # (الغرباء في هذا العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في هذه الآية، وهم ~~الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في (2) قوله: " «بدأ الإسلام ~~غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول ~~الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» " (3) وفي حديث عبد الله بن عمرو ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: " «طوبى ~~للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل (4) في ناس ~~سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (5) . # فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء؛ وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء، ~~وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين تميزوا (6) بها عن [أهل] ~~(7) الأهواء والبدع) (8) فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى ~~المخالفين لهم أشد غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم، وإنما ~~غربتهم بين الأكثرين. PageV01P089 # قال الله تعالى فيهم (1) {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} ~~[الأنعام: 116] [الأنعام / 116] . # فأولئك هم الغرباء عن (2) الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، ~~وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم. # فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل / سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي ~~(3) الغربة التي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر عن الدين الذي ms026 ~~جاء به أنه " بدأ غريبا (4) وأنه سيعود غريبا " وأن أهله يصيرون غرباء. # وقال الحسن: " المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في ~~عزها للناس حال وله حال) . # ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين (5) غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم: ~~التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف ~~عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير ~~الله ورسوله، لا طريق ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى ~~الله بالعبودية له (6) وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء ~~هم القابضون على الجمر حقا، فلغربتهم بين هذا الخلق PageV01P090 # يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " «إنهم النزاع من القبائل» " (1) انتهى. # وأما قول المعترض: (ونحن لا نقول بذلك من تكفير الأمة، ولا أنه الذي أظهر ~~دين الله ورسوله، بل هو قبله ظاهر قاهر لا يضره من (2) خذله إلى يوم ~~القيامة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما) . # فيقال: تكفير الشيخ للأمة قد تقدم البيان في أنه من (3) أوضاعكم ~~وأكاذيبكم، وتقدم نصه بنقل العدول في البراءة منه. # وأما عدم (4) قولك بأنه الذي أظهر دين الله ورسوله، فنعم؛ أنت لا تقول ~~به، ولا يقول به من أعمى الله بصيرته وتحير في ظلمة الجهل والطبع والهوى، ~~فشك في واضحات العلم (5) وضروريات الهدى، وهذا الضرب من الناس لا يلتفت ~~إليهم، ولا يعدون إذا عد (6) أهل العلم والإيمان، بل هم همج رعاع لم ~~يستضيئوا بنور العلم، ولما يلجأوا إلى ركن وثيق، أقرب شبها بهم الأنعام ~~السارحة، وإنما يعرف الحق والفضل ذووه من أهل العلم بالله ودينه، الذين ~~ينظرون بنور الله، PageV01P091 # ويعرفون الرجال بالعلم، فلهم بصيرة بالحق ومعرفة له أينما كان، ومع من ~~كان. # قال الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} [الزمر: 22] (1) [الزمر / ~~22] . # وفي الحديث: " ما جعل الله ms027 من نبوة إلا كانت بعدها (2) فترة " (3) . # وقال الإمام أحمد في خطبته (4) (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من ~~الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل (5) إلى الهدى، ويصبرون منهم على ~~الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيل ~~لإبليس قد أحيوه، ومن ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما ~~أقبح أثر الناس عليهم) ، إلى آخر كلامه رحمه الله. # وقد شهد أهل العلم والفضل (6) من أهل عصره أنه أظهر توحيد الله، وجدد ~~دينه، ودعا إليه. # قال العلامة حسين بن غنام (7) رحمه الله: PageV01P092 # لقد رفع المولى (1) به رتبة الهدى بوقت به يعلو الضلال ويرفع (2) . # وذكر في تاريخه عن أكابر أهل عصره أنهم شهدوا له بالعلم والدين، وأنه من ~~جملة المجددين لما جاء به سيد المرسلين، وكذلك أهل مصر والشام والعراق ~~والحرمين تواتر عن فضلائهم وأذكيائهم مدحه والثناء عليه والشهادة له أنه ~~جدد هذا الدين (3) كما قال شيخنا محمد بن محمود الجزائري رحمه الله تعالى. # وأما استدلال هذا المعترض بحديث: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ~~ظاهرين» " (4) . # فلم يفقه معناه: فإن الظهور يراد به هنا ظهور (5) القهر والغلبة للأعداء ~~والمخالفين، وعلو الشأن لا أن الحق والإسلام يزداد بيانا ووضوحا إلى يوم ~~القيامة، فإن هذا الفهم (6) يرد بحديث: " «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا ~~كما بدأ» " (7) وبحديث (8) PageV01P093 # " «لا يأتي عليكم (1) زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» " (2) ~~وأحاديث رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن، وكثرة الهرج، كلها ترد فهم ~~هذا المعترض وتبطله. # ولا يقبل ريبه وتفسيره إلا جهال جلسائه، وأصحابه الذين (3) لا يفرقون بين ~~الدر والبعر، والخبيث والطيب، والميتة والمذكاة {فبعدا للقوم الظالمين} ~~[المؤمنون: 41] فقول المعترض هو المارج الخارج لا قول شيخ الإسلام. ~~PageV01P094 ### | فصل رد إلزام المعترض للشيخ بتكفير النجاشي ومؤمن آل فرعون ومهاجري الحبشة # فصل قال المعترض: (فظاهر / كلامه هذا (1) أن النجاشي ملك الحبشة [28] ، ~~الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه رضي الله عنهم (2) حين ~~أخبره جبريل عليه ms028 الصلاة (3) والسلام بموته أنه بكلامه هذا كافر ليس بمسلم، ~~حيث لم يصرح بعداوة قومه الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، وكذلك امرأة فرعون ~~التي قالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من ~~القوم الظالمين} [التحريم: 11] [التحريم / 11] . # ومؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه فهو والنجاشي والصحابة - جعفر وأصحابه ~~الذين (4) هاجروا إلى الحبشة رضي الله عنهم- كفار بهذه العبارة، كما ترى ~~عند هذا الرجل، إذا لم يصح إسلامهم على قوله، حيث لم يصرح بعداوة الحبشة) . # فيقال: الله أكبر، ما أكثر ما في هذه الكلمات اليسيرة من الكذب والظلم ~~والتحريف والجهل. PageV01P095 # وجوابها من وجوه: # الأول: أن يقال: ليس ظاهر كلامه أن النجاشي ومن ذكر بعده لم يصح إسلامهم. ~~هذا كذب بحت، وافتراء ظاهر؛ لأنه قد ثبت أن النجاشي قد (1) صرح بعداوتهم ~~والبراءة من مذهبهم وراغمهم، زيادة على التصريح بالعداوة، وقد قال: "وإن ~~نخرتم" لما (2) صرح بعبودية عيسى عليه السلام حين قرأ جعفر صدر سورة مريم ~~وما فيها من ذكر عيسى، فقال النجاشي: "والله ما زاد عيسى على هذا؛ فنخرت ~~بطارقته فقال: وإن نخرتم"، فأي جهاد وتصريح وعداوة أبلغ من هذا؟ ومع ذلك ~~نصر المهاجرين ومكنهم من بلاده؛ وقال: "أنتم سيوم بأرضي" أي آمنون "من سبكم ~~ندم، ومن ظلمكم غرم" (3) . فقد صرح بأنه يعاقب من سب دينهم وسفه رأيهم فيه. ~~وهذا قدر زائد على التصريح بعداوتهم. # ولا يقول إن جعفرا وأصحابه يكتمون دينهم ببلاد الحبشة، ولا يصرحون بعداوة ~~الكفار والمشركين إلا جهل الورى، وأعظمهم (4) كذبا وافتراء، وهل ترك جعفر ~~وأصحابه بلادهم، وأرض قومهم، واختاروا بلاد الحبشة، ومجاورة الأباعد ~~والأجانب، وغير الشكل في المذهب والنسب واللسان، إلا لأجل التصريح بعداوة ~~المشركين، والبراءة منهم جهارا في المذهب والدين؟ ولولا ذلك لما احتاجوا ~~إلى هجرة، ولا اختاروا PageV01P096 # الغربة (1) ولكن / ذلك في ذات الإله، والمعاداة لأجله، وهذا ظاهر [29] ، ~~لا يحتاج لتقرير لولا غلبة الجهل. # وامرأة فرعون قصتها، وما جرى عليها من المحنة مشهورة في كتب التفسير، لا ~~يجهلها (2) من له أدنى ممارسة، وقد حكى ms029 الله [في سورة التحريم] (3) قولها ~~المشتمل على التصريح والبراءة من فرعون وعمله ومن القوم الظالمين، والظلم ~~هنا هو الكفر الجلي. # ومؤمن آل فرعون قام خطيبا في قومه، عائبا لدينهم، مفندا لقيلهم ماقتا ~~لهم؛ داعيا إلى الحق وإلى صراط مستقيم. كما ذكر الله قصته وقررها في سورة ~~(حم) المؤمن (غافر) . # ومن طبع الله على قلبه، وحقت عليه كلمة العذاب، لم تفد فيه الواضحات، ولم ~~ينتفع بالآيات والبينات (4) . # الوجه الثاني: أنه قد تقدم عن الشيخ أنه قرر في أول كلامه وآخره أن هذه ~~العداوة (5) لا يستقيم الإسلام بدونها: هي التصريح بأن آلهتهم لا تضر ولا ~~تنفع (6) وأن عبادتها من أبطل الباطل وأضل الضلال، وهذا هو (7) سب ~~PageV01P097 # آلهتهم الذي أنكروه (1) وعابوا الرسول به. # فالكلام في نوع خاص، قد حصل من النجاشي وامرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ما ~~هو أبلغ منه وأصرح. # الوجه الثالث: أنه لو فرض العموم في كلام الشيخ فأصل العداوة: البغضاء ~~والكراهة، وأصل الموالاة: المحبة والمودة. ومعلوم أن الذين ذكرهم (2) هذا ~~الرجل قد صرحوا بمحبة الحق وكراهة الباطل، كيف وقد امتحن عليه من امتحن، ~~وهاجر فيه من هاجر؟ . # الوجه الرابع: أن الشيخ قال: (إذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له ~~إسلام [ولو وحد الله] (3) إلا بعداوة المشركين) . # فإن أريد أصل العداوة فقد تقدم جوابه، وإن أريد عموم العداوة من كل وجه ~~فالكلام في استقامته، لا في حصول أصله، فالذي يفهم تكفير من لم يصرح ~~بالعداوة من كلام الشيخ فهمه باطل، ورأيه ضال، لأنه محتمل، وقد دلت الآيات ~~والأحاديث على أنه لا استقامة للدين (4) بل ولا يطلق الإيمان إلا على من ~~عادى المشركين في الله، وتبرأ منهم، ومقتهم لأجله. قال تعالى: {لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] ~~الآية (5) [المجادلة / 22] . PageV01P098 # قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] [المائدة / 51] . # قال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم} [المائدة: 78] (1) إلى قوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ms030 ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} [المائدة: 81] ~~[المائدة / 78 و 81] . # قرر شيخ الإسلام في هذه الآيات أنها دالة على انتفاء الإيمان الواجب (2) ~~بموادة من حاد الله (3) وأن معاداتهم من واجبات الدين، والإيمان (والإسلام ~~لا يستقيم إلا بها، ذكره في كتاب الإيمان) (4) وقرره في مواضع منه. # وليس مراد الشيخ بقوله: (لا يستقيم له إسلام) ، أنه يكفر كما فهمه هذا ~~الضال وكما فهمته الخوارج من نفي الإيمان عمن ترك واجبا، وهذا بين بحمد ~~الله. # الوجه الخامس: أنا لو تنزلنا مع هذا الضال وجاريناه في فهمه الفاسد لما ~~لزم دخول مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون. # قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] [المائدة / 48] ~~. # ولا يلزم أن يكون شرعنا شرعا لمن قبلنا. # الوجه السادس: أن مهاجرة الحبشة والنجاشي وقصته مع جعفر PageV01P099 # كانت في أول (1) الإسلام قبل أكمال الواجبات، والآية التي استدل بها ~~الشيخ مدنية، وكل عالم يعرف (2) أن القرآن نزل منجما، والأحكام لا تلزم إلا ~~بعد البلوغ. # هذا لو تنزلنا مع هذا (3) المعترض. # الوجه السابع: أن عموم الآية مخصوص بما أبيح للمفتون في نفسه أن يتوقى ~~إظهار الموافقة وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا يلزم عمومها لمثل امرأة فرعون ~~ومؤمن آل فرعون لو سلمنا عدم التصريح. # الوجه الثامن: أن "الإنسان " يطلق ويراد به خاص ومعين؛ كما في قوله ~~تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه} [الفجر: 15] [الفجر ~~/ 15] . # وقوله: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} [الإسراء: 83] ~~[الإسراء / 83] و [فصلت / 51] . # وقوله: {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} [مريم: 66] [مريم / 66] ~~. # فهذا ونحوه عام أريد به الخصوص، وهذا معروف في اللغة والاصطلاح الشرعي، ~~مشهور عند أهل العلم مقرر في كتب أصول الفقه. فما الذي أخرج كلام الشيخ عن ~~هذا وأوجب إدخال من ذكر في كلامه لو فرض عدم تصريحهم؟ فالله المستعان. ~~PageV01P100 ### | فصل في الإقامة بين ظهراني المشركين والتصريح بعداوتهم # فصل قال المعترض: فيالله العجب، ما أعمى عين الهوى عن الهدى، [31] فإن ~~جعفرا وأصحابه لو سلموا من أذى المشركين، ومنعهم إياهم عن عبادة ربهم، ms031 لم ~~يهاجروا للحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، فلم تضر إقامتهم عندهم؛ بل ~~نفتهم وصارت هجرة ثانية، وذلك كما قام (1) أبو بكر الصديق رضي الله عنه بين ~~أظهر المشركين، في جوار ابن الدغنة حين أمن من أذاهم، ولم تضره إقامته بين ~~أظهرهم، ولم يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم ما كلف هذا المتكلم، لو كان ~~كلامه وتأصيله صحيحا، فكيف بما ذكرنا؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. كيف يتكلم الرجل بما لا يدري ما تحت كلامه على الله وعلى رسوله ~~وعلى كتاب الله المجيد؟ إذ أي بلد من بلاد الإسلام من أهل القبلة (2) ~~المحمدية الذي (3) جعلهم هذا الرجل بكلامه كفارا، يمنعون الإنسان من شهادتي ~~الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؛ بل من فعل ذلك ~~عندهم يكون له الإكرام والاحترام؛ إذ هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحق بها ~~وأهلها) . انتهى. PageV01P101 # فيقال لهذا المفتري (1) عماية عين الهوى عن معرفة مواقع الخطاب والهدى هي ~~التي أوقعتك في مهالك العطب والردى، وأوجبت لك مسبة أهل العلم من سادات ~~الورى، وسدت عليك أبواب الرشد والفلاح في الآخرة والأولى. # لو عقلت كلام الشيخ وعرفت مواقع الخطاب، وسلمت من الأشر والبطر والإعجاب ~~(2) لعرفت أن كلامه ليس في المخالطة والمقام بين ظهرانيهم (3) ؛ بل هذه ~~المسألة ليس في كلامه تعرض لها أصلا، والهجرة إلى الحبشة، ومقام أبي بكر ~~الصديق يتلو القرآن بمكة ويظهر دينه، كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في ~~وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا ~~(4) إلى الهجرة، ولو تركوهما في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته، وأن ~~يقول: "أنتم سيوم بأرضي " ولكان كل مؤمن يخفي إيمانه، ولا يبادي المشركين ~~بشيء من العداوة، فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة (5) بل تمشي الحال على أي حال، ~~كما هي طريقة كثير ممن لم يعرف ما أوجب الله من عداوة [32] المشركين وإظهار ~~دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم ~~بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليه من الشرك وتكذيب الرسول، ms032 وجحد ما جاء به من ~~البينات والهدى؛ لما حصل PageV01P102 # من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان؛ ما يوجب الهجرة واختيار بلد ~~النجاشي وأمثالها من البلاد، التي تؤمن فيها الفتنة والأذية. # فالسبب والمقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام، ومباداة أهل ~~(1) الشرك بالعداوة والبراءة؛ (بل هذا هو (2) مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي ~~الإلهية عما سوى الله صريح في البراءة) (3) منه، والكفر بالطاغوت، وعيب ~~عباده (4) وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر، كما يظنه هذا الرجل، ~~لألقت الحرب وعصاها (5) ولم تدر بينهم رحاها، كما هو الواقع ممن يدعي ~~الإسلام وهو مصاحب ومعاشر لعباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقا للقوم ~~الظالمين. # وفي قصة أبي بكر حين منع من (6) قراءة القرآن ظاهرا (7) في مسجده، الذي ~~اتخذه على حافة الطريق يتلو فيه القرآن ظاهرا، وكان رجلا بكاء عند تلاوة ~~القرآن؟ والناس يستمعون إلى قراءته، وفيها ما فيها من تكفيرهم وعيبهم ~~ووعيدهم وسب آلهتهم والبراءة منهم، ومن عبادة ما عبدوه، فنهوه عن ذلك فلم ~~ينته، وثبت على إظهار دينه؛ فأمروه بالخروج، فلقيه ابن الدغنة فقال: " ~~ارجع؛ فمثلك PageV01P103 # لا يخرج (1) أنت في جواري " (2) فمضى على ما كان يصنع من الجهر بالقراءة ~~(3) وإظهار دينه، وهذا هو مراد الشيخ، وهو الدليل على وجوب التصريح ~~بعداوتهم، فترك المعترض هذا كله، وظن أن إجارة ابن الدغنة تقتضي (4) عدم ~~العداوة من أبي بكر، وأنه يوالي ابن الدغنة، فما أضل هذا الفهم، «وقد دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم بن عدي» (5) أترى هذا يقتضي ~~موالاة النبي صلى الله عليه وسلم له (6) وعدم التصريح بعداوته؟ فكأن الرجل ~~المعترض نبطي لا يفهم موضوع الكلام ولا يحسن الاستدلال، فيستدل بالشيء على ~~ضد ما يدل عليه. # ولقد أنسانا بجهله ما سمعناه عن إخوانه الجاهلين، وما أحسن ما قال مجاهد ~~رضي الله عنه (7) في قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} ~~[الأنفال: 24] [الأنفال / 24] . # قال: "حتى يتركه لا يعقل ". PageV01P104 # وأما قوله: (أي بلد من بلاد المسلمين (1) من أهل (2) القبلة المحمدية ~~الذي (3) جعلهم هذا الرجل ms033 كفارا، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء ~~الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؟) . # فالجواب أن يقال: في عبارته هنا تحريف ظاهر، فإنه أوقع الموصول المفرد ~~على الجمع، ولم يفرق على عادته في اللحن الفاحش. # ويقال أيضا لهذا الظالم: إن الخوارج، وغلاة القدرية، والجهمية والقرامطة، ~~والباطنية، وغلاة الرافضة من الإسماعيلية والنصيرية، وغلاة عباد القبور ~~الذين يرون أن مشايخهم يتصرفون في الكون، كل هؤلاء لا يمنعون من لفظ ~~الشهادتين؛ وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، بل اليهود والنصارى لا يمنعون من ~~ذلك من دخل بلادهم من المسلمين؛ وبنو حنيفة لا يمنعون من ذلك، وعلى زعم هذا ~~الرجل لا مانع من الإقامة بين [33] ، أظهرهم، ولا هجرة من ديارهم وأماكنهم؛ ~~وهذا القول لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعرف مراد الله ورسوله ~~في الهجرة ويدري سر ذلك. # وهذا الرجل كما ترى في الجهل والسفاهة، ومع ذلك يترشح للرد ويرى نفسه (4) ~~من طلبة العلم أو من (5) علماء المسلمين، وهو معدود عند العارفين من ~~الأغبياء الجاهلين. PageV01P105 # والأعاجم والفرس الذين يعبدون عليا والحسن والحسين، يكتبون (1) المصاحف، ~~ويطبعونها ويشترونها بغالي الأثمان، ويبنون المساجد، ويؤذنون، وأما توحيد ~~الله بالعقل (2) والعمل فأكثرهم لا يراه، وينكره أشد الإنكار، ويمنع منه، ~~وإنما حدث الشرك بأمرهم ورأيهم وسلطانهم في هذه الأمة، وهم أول من بنى ~~المساجد على القبور وعظموها حتى صارت أوثانا تعبد، وبيوتا يحج لها وتقصد ~~(3) بل جعلوا لأهلها التصرف (4) والتدبير والنفع والضر، زعما منهم أن هذا ~~كرامة، وهذا مشهور عنهم سرى في أكثر الأمصار، وعمت به البلوى، حتى رأينا ~~وسمعنا بمصر وغيرها من ذلك ما لا يبقى معه للإسلام أصل يرجع إليه، وصنفوا ~~في ذلك مصنفات يعرفها من له نهمة في طلب العلم وأخبار الناس. # " أفيقال: هؤلاء لا يمنعون من توحيد الله وذكره؟ # ولولا حجاب الجهل والهوى لما خفى حالهم على هذا المتكلم، ولما قال: (هذا ~~خلاصة كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها) والله سائله عن ذلك ومجازيه عليه؛ ~~لئن كان أهل الشرك بالله، ومعاداة أوليائه، ومعصية رسوله من المعطلة، وعباد ~~القبور، ms034 هم أهل كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها؛ فلقد ضل حينئذ من أنكر ~~ذلك ومنعه، وكفر أهله من السابقين الأولين إلى أن تقوم الساعة، وهذا لازم ~~لقوله، لا محيص عنه. PageV01P106 # وبه تعرف أنه هو الذي لا يدري ما تحت كلامه وما خرج من بين شفتيه. # قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون} [الأنعام: 82] [الأنعام / 82] . # هذا هو الحكم العدل والقول الفصل والحق المبين، لا من جعل [34] ، أهل ~~الشرك بالله ومعاداة أوليائه أهل كلمة التقوى والأحقين بها. {وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] [الشعراء / 277] . # ثم ساق المعترض حديث أبي موسى في قصة أسماء بنت عميس مع عمر، وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " «لعمر وأصحابه هجرة، ولكم هجرتان» " (1) . # ثم قال المعترض: (إذا علمت هذا تبين لك خطأ هذا الرجل بأتم بيان، وأوضح ~~برهان، كيف وقد قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] ~~[الأنعام / 146] . # وذكر قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم} [المائدة: 105] [المائدة / 105] . وحديث: " «ائتمروا بالمعروف ~~وانتهوا (2) عن المنكر» " (3) الحديث؛ وذكر حديث ابن عمر: " «إذا رأيت ~~الناس قد مرجت عهودهم وكانوا هكذا- وشبك بين أنامله- فالزم بيتك، واملك ~~عليك PageV01P107 # لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة أمر نفسك، ودع عنك أمر ~~العامة» " (1) . # ثم قال: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب مع القدرة على ~~الكفاية حسب مراتبه ودرجاته) . # فيقال في جواب هذا: هذه الأحاديث والآيات الكريمات تؤيد (2) ما قاله ~~الشيخ وتنصره (3) فإن فضل الهجرة الأولى وما جاء بها يدل على وجوب التصريح ~~بعداوة المشركين وإن لم يكن للمسلمين دولة وشوكة. كحالهم في بدء الإسلام؛ ~~ولذلك (4) احتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوا التصريح بالعداوة وعيب دين ~~المشركين لما احتاجوا إلى ترك أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك لحاجة المؤمن إلى ~~(5) إظهار دينه، وخوفه من الفتنة. # وبهذا يتبين صواب كلام الشيخ وخطأ المعترض، وأنه قد (6) عكس القضية في ~~تخطئة الشيخ، والقلب إذا خسف به تصور الحقائق على غير ما هي عليه. ms035 ~~PageV01P108 # وقد تقدم هذا الجواب. # وليس في كلام الشيخ أن المؤمن يؤاخذ بإزر (1) غيره، حتى يرد عليه بقوله ~~تعالى: ولا (2) تزر وازرة وزر أخرى [الإسراء / 15] . # بل في كلام الشيخ أن عداوة المشركين وبغضهم (3) من واجبات الدين، وتاركه ~~ما استقام إسلامه، فأين هذه من هذه؟ لقد أبعدت المرمى، واستحكم عليك الجهل ~~والعمى. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] (4) ~~[المائدة / 105] . # فسرها حديث أبي (5) . ثعلبة (6) . وحديث (7) . أبي بكر (8) . وفيهما [35] ~~. PageV01P109 # وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعل ذلك المؤمن فلا يضره ~~ضلال من ضل إذا اهتدى، وقام بالواجب (1) . . # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «حتى إذا رأيتم (2) . شحا مطاعا» " غاية ~~للأمر والنهي، لا أنه لا يجب ابتداء، فافهمه يستبن لك جهل المعترض. # وكذلك حديث عبد الله بن عمر (3) . هو من هذا الباب، ليس فيه أنه لا يأمر ~~(4) . ولا ينهى، ولا يظهر دينه، ومن فهم هذا من الأحاديث فهو من الأغبياء ~~الضالين. # وأما قوله: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كفر به هذا الرجل ~~الأمة) - إلى آخره- في عبارته (5) . خلل، وهي خطه بيده وكان الصواب (6) . ~~أن يقول: (الذي كفر بتركه) ، لا به. فتأمل. # ويقال في جوابه: خرجت عن محل النزاع، فالنزاع (7) . في التصريح. ~~PageV01P110 # بالعداوة، وأما الأمر والنهي (1) . فهو أمر آخر، وطور ثان، وليس في كلام ~~الشيخ تعرض له، فنسبة التكفير إليه به (2) . - مع أنه خروج عن موضوع ~~الكلام، وحيدة عن تحرير محل النزاع - فهو أيضا كذب ظاهر وبهت جلي. من قال: ~~إن الشيخ كفر بهذا؟ ومن نقله؟ وفي (3) . أي كتاب؟ وفي (4) . أي رسالة؟ {وقد ~~خاب من افترى} [طه: 61] [طه / 61] . # فمن أين , أو أنى , وكيف ضلالهم ... هدى , والهوى شتى (5) ". بهم متشعب. # وإنما أدرج مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسألة وجوب ~~المعاداة والتصريح بها ليلبس على الجهال، ويتكثر بما ساقه من كلام العلماء، ~~وهو عليه لا له، كما ذكر هو عن القاضي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فرض كفاية إذا لم يخف، هو كذلك لكن هذا يؤيد كلام الشيخ؛ لأن الأمر ~~بالمعروف والنهي ms036 عن المنكر فرع عن التصريح بالدين. # وأيضا: فتارك الفرض لا يستقيم له إسلام، والشيخ لم يقل إنه يكفر بترك ~~التصريح بالعداوة، بل قال: (لا يستقيم له (6) . إسلام) فيصدق بحصول الإسلام ~~مع استقامته، وهذا يجري في كل من ترك واجبا، أو فعل محرما، كما قرره تقي ~~الدين في كتاب "الإيمان ". PageV01P111 # فجميع نقوله عن الفقهاء تؤيد كلام الشيخ، وترد دعوى المعترض، لكنه جاهل ~~لا يفهم مراد الله ورسوله، ولم يعان، ويمارس صناعة العلم والبحث مع ~~المحصلين (1) . بل وجد أشياخا ضالين، وكتبا شتتت فكره، وضيعت فهمه حتى صار ~~من الخاسرين. # ثم أطال النقل عن ابن عقيل وابن مفلح، وذكر ما يروى عن حذيفة رضي الله ~~عنه مرفوعا (2) " «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ". قيل: كيف يذل نفسه؟ قال ~~صلى الله عليه وسلم: " يتعرض من البلاء ما لا يطيق» " (3) . # ومراد هذا الغبي: أن الخوف يسقط إظهار الإسلام والتصريح بعداوة المشركين ~~والبراءة (4) منهم، حتى التصريح بشهادة الإخلاص. # فجعل كلام ابن عقيل وابن مفلح، وما أتيح له من كلام الفقهاء في عدم وجوب ~~الأمر والنهي، على الخائف والعاجز حجة على كتمان الإسلام، ومداهنة ~~المشركين، وإظهار موادتهم وصحبتهم (5) هذا مفهوم كلام (6) . # المعترض، فبعدا بعدا، وسحقا سحقا. # وأعجب من هذا أنه جعل الحديث حجة له على موادة المشركين PageV01P112 # فجعل معاداتهم ذلا، وموادتهم (1) عزا، فلا أدري على أي شيء أحسده؟ على ~~هذا الفهم الذكي، أو على ما جمعه من أكاذيب المفتري (2) وما كنت أظن غباوته ~~تبلغ إلى (3) هذا الحد. # فالحمد لله على ظهور الحق, والتوفيق للصدق. # ثم استدل المعترض بكلام شيخ الإسلام على حديث أبي سعيد: " «من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده» " (4) إلى آخره، وأن الشيخ ذكر في معناه: أن الإنكار ~~بالقلب آخر حدود الإيمان، وليس المراد: أن من لم ينكر لم يكن معه من ~~الإيمان حبة خردل. # يريد الرجل المعترض أن كلام الشيخ يدل على أنه يكفي في الإيمان المطلق ~~إنكار القلب, ولا يحتاج للتصريح بشيء من واجباته، وهذا رجوع إلى مذهب ~~الجهمية القائلين بأن الإيمان هو التصديق, ms037 ولم يدخلوا (5) التلفظ والعمل في ~~مسماه، وبعضهم قال: (هي شرائط وليست (6) من المسمى) . وكلام أهل السنة في ~~تبديعهم، وتضليلهم، وتفسيقهم معروف مشهور. # فقول المعترض: (فالإنكار بالقلب فقط، وأقف على أضعف الإيمان PageV01P113 # [37] ، في حق القادر) قول باطل؛ فإن الحديث يدل على أنه في حق العاجز ~~يكون أدنى الإيمان الخاص، وأما القادر فليس في الحديث نص على حكمه، وإنما ~~يفهم من أدلة أخرى. # وكلام الشيخ على الحديث إنما يدل على انتهاء مراتب هذا الإيمان، وليس ~~مراده أن تاركه يكفر، وهذا المعترض لم يفهم مراد الشيخ ولا حام حول قصده. # ومراد الشيخ: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيمان، وأنه ينقسم بحسب ~~الاستطاعة، وأدناه الإنكار بالقلب، وأعلاه الإنكار باليد، وقوله: "وليس ~~وراء ذلك من الإيمان (" حبة خردل " أي: هذا الإيمان) (1) الذي هو الأمر ~~والنهي والتغيير (2) هذا مراده. # وحينئذ: فهو من أدلة الشيخ على وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا يستقيم ~~للإنسان إسلام وإيمان إلا بالإتيان بالواجبات، فلو اقتصر على أدنى رتب ~~الإيمان مع القدرة على سواها فليس إيمانه بمستقيم، وإن كان مع عدم ~~الاستطاعة والعجز (3) حصل على أضعف الإيمان، فقد فاتته (4) الاستقامة ~~الكاملة؛ لأن الأدنى فيه نقص وضعف، والمؤاخذة وعدمها بحثها الاستطاعة ~~وعدمها. PageV01P114 # فانظر وتأمل هذا التقرير يطلعك على جهالة المعترض، وأنه بمعزل عن العلم ~~والفهم. {أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] [فصلت / 44] . # وكلام شيخنا رحمه الله محله فيمن استطاع وقدر، وأما مع عدم القدرة ومع ~~الإكراه فيباح للرجل أن يتوقى عن (1) نفسه، كما قال تعالى: {لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} [آل عمران: 28] الآية [آل عمران ~~/ 28] . # على أن الصابر مع الإكراه الباذل نفسه لله أفضل ممن فعل ما يباح وتوقى عن ~~نفسه. # إذا عرفت مراد الشيخ رحمه الله فهو يطلق الكلام حيث أطلقه الكتاب والسنة ~~ويقيده حيث قيداه، فالمعترض (2) لم يفهم كلام الشيخ، ولا عرف معاني النصوص ~~ومن وقف على كلامه من أهل العلم عرف ما قلناه، وأنه حيران لا يدري السبيل. # قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم ms038 الذين لا يعقلون} ~~[الأنفال: 22] [الأنفال / 22] . # واستدل المعترض بقول الإمام أحمد لمن سأله عن السنة تذكر في المجلس لا ~~يعرفها غيره أيتكلم بها؟ فقال: " أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها " (3) إلى ~~آخره. وبقول مالك: "أخبر بالسنة، فإن لم يقبل (4) منك [38] فاسكت ". ~~PageV01P115 # ومراده: أن السكوت سائغ في أصول الإيمان وفروعه، حتى ما دلت عليه كلمة ~~الإخلاص، ولم يفرق بين ما يسوغ السكوت فيه (1) وما لا يسوغ (2) . # وقول أحمد ومالك صريح في أنه لا يسوغ السكوت، وإنما يترك الخصام بعد ~~التعريف والبيان، وهذا يشهد لكلام الشيخ ويؤيده، فإن (3) الشيخ رحمه الله ~~يأمر بالتصريح والبيان؛ وينهى عن الخصام والمراء والهذيان. # والرسل عليهم الصلاة والسلام (4) لم يسكتوا عن الدعوة والإبلاغ لما ~~أرسلوا به حيث لم يقبل منهم، بل استمروا على ذلك حتى أتاهم أمر الله. # قال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين - وإن كان كبر عليك ~~إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ~~ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} [الأنعام: 34 - 35] ~~(5) [الأنعام 34، 35] . # وأصل الإسلام ومبانيه لها حال وشأن ليس لغيرها من السنن؛ ولذلك يكفر ~~جاحدها، ويقاتل عليها، بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك، أفيسوغ ~~السكوت للعالم عن إبلاغ الجهال وتعليمهم؟ . PageV01P116 # قال الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: ~~125] الآية [النحل / 125] . # وقال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] ~~[العنكبوت / 46] . # وقال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108] (1) ~~الآية [يوسف / 108] . # وقال تعالى: {وجاهدهم به جهادا كبيرا} [الفرقان: 52] [الفرقان / 52.] . # وفي (2) الحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» " (3) . ~~سبحان الله! ما أقبح ما (4) تلاعب الشيطان بابن آدم. # ألا هل عم في رأيه متأمل ... وهل مدبر بعد الإساءة مقبل # وهل أمة مستيقظون لرشدهم ... فيكشف عنه النعسة (5) المتزمل ms039 # فقد طال هذا الغي واستخرج الكرى ... مساويهمو لو أن ذا الميل يعدل ~~PageV01P117 ### | فصل بيان أن الأحكام تبنى على قواعد وأصول الشريعة لا على ظواهر الأحوال # فصل [39] قال المعترض: (وهذا الرجل (1) خرج في بلد قد (2) غلب عليها ~~أحكام الإسلام، وشيدوا منارهم لداعي الفلاح؛ وعمروا مساجدهم ومدارسهم ~~بالأوقاف، مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم؛ فكفرهم وحكم على من لم يصرح ~~بعداوتهم بالكفر، كما تراه من كلامه صريحا، فلو قدر أنهم فعلوا منكرا من ~~الشرك فما دونه كيف يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟ إذ لا يكون التصريح إلا ~~باليد واللسان؛ ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه رضي الله عنهم (3) مع الذين ~~جعلوا الله ثالث ثلاثة، وكذلك النجاشي. وهذا ظاهر بحمد الله من الكتاب ~~والسنة ظهورا لا خفاء به؛ ضد ما كفر به هذا الرجل الأمة لو كان تأصيله ~~صحيحا. كيف وهو (4) أفسد الفاسد وأبطل الباطل؟) . # والجواب أن يقال: تقدم مضمون هذا الكلام مكررا، فما وجه إيراده وتكريره؟ ~~وقد مر جوابه بحمد الله مفصلا، ومن أفلس من الحجج PageV01P118 # والبينات، أكثر من الترداد والهذيان، ولم يذكر هنا من أدلة إسلامهم إلا ~~تشييد المنار، وعمارة المساجد والمدارس بالأوقاف، وقد تقدم الجواب عن هذا، ~~وأن بني حنيفة وبني عبيد القداح والمختار بن أبي (1) عبيد؛ بل والتتار ~~عندهم مساجد ومدارس، ولهم صدقات وأوقاف، والإيمان بالله ورسوله، والكفر ~~بالطاغوت، أمر وراء ذلك كله، لا يدركه إلا من سبقت له السعادة، وعقل عن ~~الله خطابه ومراده، مع أن هذا الشيخ لم يكفر من أهل نجد إلا من قام وجد في ~~إطفاء نور الله، وإنكاره توحيده، ومن جحد البعث من بواديهم وأعرابهم، ولم ~~يكفر (2) إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل على الإيمان بالله ورسله، ووجوب ~~الكفر بما عبد من دونه، فالخصومة في الأصل الأصيل، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # وأما قوله: (مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم) . # فهي عبارة جاهل (3) فإن العلماء لا يلزم من وجودهم وجود الإسلام في ~~الناس، ولا يلزم من عدمهم عدمه، والأنبياء وجدوا في الأمم السابقة الذين لم ~~يستجيبوا لهم ولم يؤمنوا، ووجد ms040 من العلماء (4) المؤمنين كثير بين أظهر ~~المشركين وهم معدودون (5) من المستضعفين المعذورين. # وإن أراد أن الباء سببية، وأن المراد (6) أظهروه بسبب العلماء، [40] ، ~~PageV01P119 # فأي مزية في هذا لو فرضت صحته؟ مع أن الخصم يمنعه؟ وأحكام الإسلام إنما ~~تؤخذ عن العلماء. # وأما قوله: (وحكم على من لم يصرح بعداوتهم بالكفر) . # فهو كذب لم يقل هذا في أهل نجد كافة، ولا في أهل بلد خاصة، بل هو مستمسك ~~(1) بأصل عظيم، وسلطان مبين، وكلامه وتقريره في وجوب عداوة المشركين الذين ~~يحادون الله ورسوله، وليس في كلامه تعرض لأهل البلد التي ظهر فيها، لا ~~تصريحا ولا إشارة، بل كلامه عام، كما أن دليله الذي استدل به (2) عام، فهو ~~بحمد الله من الراسخين، لا من المتهوكين الجاهلين. # وقوله (3) (فلو قدر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف (4) يكفر من ~~لم يصرح بعداوتهم؟) . # يقال: قد تقدم مرارا أن الشيخ رحمه الله لم يكفر، وإنما قال: (لا يستقيم ~~إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) ، فأين في هذا تكفيرهم لولا حجاب ~~الجهل والهوى (5) الذي أورد المعترض موارد الخسار والردى. # وقوله: (ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه) . PageV01P120 # تقدم ما فيه، وأنه كذب على المهاجرين الأولين، ونسبهم إلى مداهنة ~~المشركين {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] [الشعراء / ~~227] . # وقوله: (لو كان تأصيله صحيحا، كيف وهو أفسد الفاسد (1) وأبطل الباطل؟) . # جوابه أن يقال: إن معرفة الفاسد، وإدراك بطلان الباطل يتوقف على أمرين: # أحدهما: حياة القلب. والثاني: معرفته وعلمه بالحق والباطل، والصحيح ~~والفاسد، والصواب والخطأ. # ومن (2) نظر في كلام هذا الرجل من أهل العلم والإيمان تيقن موت قلبه، ~~وأنه لا يدرك الحسيات والضروريات من أمر دينه. # قال الله تعالى: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء ~~وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: 22] [فاطر / 22] . # وقال تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما ~~يتذكر أولو الألباب} [الرعد: 19] [الرعد / 19] . # ، والآيات في المعنى كثيرة، وإذا عدم العلم والنور، وأضيف إلى ذلك ~~العداوة والبهت ونحوهما من الشرور، فمن أي ms041 باب يأتي العلم والتوفيق ~~والتمييز بين الطيب والخبيث، والصالح والفاسد، والباطل [41] ، والحق، ~~والخطأ والصواب؟ . PageV01P121 # قال تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا (1) عاملون} [فصلت: 5] [فصلت / 5] . ### | استقامة الإسلام بالتزام الواجبات # ثم ساق المعترض كلاما لشيخ الإسلام فيمن بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في دار الكفر، فآمن به واتقى الله ما استطاع، وأنه مؤمن من أهل الجنة، ~~وكلام تقي الدين أبي العباس (2) يؤيد ما ذكره شيخنا رحمه الله، فإنه قال ~~(3) (إذا اتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره ممن لم يهاجر ولم ~~تبلغه جميع شرائع (4) الإسلام) وهذا حق؛ والشيخ يقول به، ولا يكلف العبد ~~فوق طاقته، ولا بما لم يبلغه من الشرائع، [فهذا] (5) إذا لم يكن عنده من ~~يعلمه. # وفي كلام الشيخ: (أن يوسف عليه السلام دعاهم فلم يجيبوه، وكذلك النجاشي ~~لم يطيعوه في الدخول في الإسلام) ، وهذا كله يؤيد كلام شيخنا، ويشهد بكذب ~~المعترض على النجاشي، وعلى مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وعلى المهاجرين ~~إلى الحبشة. # وشيخنا لم يقل: (إنه لا يستقيم إسلام النجاشي وأمثاله) ، وليس لهم ذكر في ~~كلامه، والكلام في قاعدة أصلية (6) كلية، وهي: استقامة الإسلام بالتزام ~~الواجبات وعدمها بعدم بعضها. هذا كلامه رحمه الله. PageV01P122 ### | الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع # وقول الشيخ تقي الدين في النجاشي: (إنه لم يهاجر، ولم يجاهد (1) ولا حج؛ ~~بل قد روى (2) ولم يكن يصلي الصلوات (3) الخمس) إلى آخر كلام الشيخ رحمه ~~الله، فسياقه في (4) أن الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع لا بما لا يعلم أو ~~بما (5) يعجز عنه. # قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] [البقرة / 286] ~~. # والوسع (6) دون الطاقة، هذا مراد الشيخ. # فأين فيه أن عداوة المشركين لا يجب التصريح بها (أو أن (7) الإسلام ~~يستقيم بدون ذلك؟ غايته أن يعذر بالعجز عن التصريح) (8) وشيخنا رحمه الله ~~كلامه في حال القدرة والاستطاعة، لا في حال العجز وعدم العلم. # وقد مر البيان أن شيخنا يطلق حيث أطلق القرآن. # قال ms042 تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر (9) يوادون من حاد ~~الله ورسوله} [المجادلة: 22] [المجادلة / 22] . PageV01P123 # وقوله: (قوما) نكرة في سياق النفي فتعم، وهذا من فقه الشيخ [42] ، رحمه ~~الله، حيث يطلق ما أطلقه القرآن ويقيد ما قيده (1) والعاجز له حال غير حال ~~القادر، وحكم سوى حكمه. # فإن كان يلزم من الآية ونصها الذي هو أشد وأبلغ من كلام الشيخ وقوله: (لا ~~يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) فإن كانت الآية تدل (2) على ~~كفر النجاشي، ومهاجرة (3) الحبشة، ومن ذكر هذا المعترض، فكلام الشيخ يدل ~~على ذلك، وإن لم تدل على (4) . نفي الإيمان عمن واد المحادين لله ورسوله ~~فكلام الشيخ أولى؛ لأن الآية فيها نفي الإيمان (5) وكلام الشيخ غاية ما فيه ~~عدم استقامة الإسلام، وما أجيب به عن الآية يجاب به عن (6) كلام الشيخ، ~~فتأمله فإنه مفيد جدا. # ومثل هذا قول الشيخ (7) (وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار ~~قاضيا، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، بل ~~هناك ما يمنعه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها) . # فإن هذا الكلام غايته أن يدل على أن (8) التكاليف بحسب الوسع، وليس في ~~كلام شيخنا ما يخالف هذا. PageV01P124 # وأيضا: فكلام تقي الدين فرضه ومحله في الواجبات التي هي دون أصل الدين، ~~ودون عيب الشرك والتنديد، وليس في كلامه أن الرجل يخفي إسلامه ويتولى ~~قاضيا، وبأي شيء حينئذ يحكم؟ فالمحتج به على كتمان أصل الإسلام ملبوس عليه ~~لا يفرق بين الأحكام ولا يدري معنى الكلام. # وأما قول المعترض: (وكفر (1) بترك الهجرة إليه) . # فقد تقدم كلام الشيخ بنقل العدول الثقات أنه بريء من هذا، وأن نسبته إليه ~~من البهت. # والشيخ لا يرى أن الهجرة شرط في الإسلام، وإن قال به بعض الأعلام، فالشيخ ~~لا يخرج عن قول جمهور الأمة وأئمتها، والمعترض يخترع (2) أقوالا كاذبة ~~وآراء فاسدة وينسبها إلى الشيخ، ثم يأخذ في التفريع عليها، وأن القول بها ~~قول الخوارج. # وقد صنف رسالة في أن أتباع الشيخ خوارج كما صرح به هنا. # وهكذا ms043 حال كل مبتدع ومبطل يخوض (3) بغير علم ولا عدل، ومن أمعن النظر في ~~كلامه وجده كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا [43] ، جاءه لم يجده ~~شيئا. # وقد ذكر ابن القيم وغيره، أن عباد القبور والمشايخ نسبوا أهل PageV01P125 # التوحيد والسنة إلى بدعة الخوارج وطريقتهم (1) فالداء قديم ورثه هذا ~~وأمثاله عن الغلاة في عبادة الصالحين وعبادة الشياطين {كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ~~[البقرة: 113] [البقرة / 113] . # والخوارج كفرت بأمور ظنتها ذنوبا وليست كذلك، وبذنوب محققة دون الشرك ~~والتنديد، وأما الرسل وأتباع الرسل فكفروا من لم يؤمن بالله، أي: بربوبيته، ~~وإلهيته، وتوحيده، وإفراده بالعبادة، ومن جعل له ندا يدعوه ويعبده، ويستغيث ~~به ويتوكل عليه ويعظمه، كما فعلت الجاهلية من العرب، ومشركوا (2) أهل ~~الكتاب، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمن العدل ~~بالله، وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله، والإيمان برسله ~~(3) وملائكته، وكتبه، والإيمان بالبعث بعد الموت، وكل ما شابه هذا من ~~الذنوب المكفرة كما نص عليه علماء الأمة، وبسطوا القول فيه، حتى كفروا من ~~أنكر فرعا مجمعا عليه إجماعا قطعيا، كما مرت حكايته عن الحنابلة. # وأما الخوارج فلم يفصلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله، فكفروا بكل ذنب ~~ارتكبه المسلم. PageV01P126 # فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب، فقد طعن على الرسل (1) وعلى ~~الأمة، ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع (2) ~~غير سبيل المؤمنين. # وأما استدلاله بقول لقمان على أن التصريح بالعداوة لا يجب. # فهذا من غرائب جهله، ونوادر حمقه، أين في قوله: {إنها إن تك مثقال حبة من ~~خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله} [لقمان: 16] ~~(3) [لقمان / 16] . # أين (4) فيه أن الإيمان يكمل (5) ويستقيم بغير تصريح بعداوة المشركين؟ ~~فنص الآية: أن جميع الأعمال يأت بها لله لا يغادر (6) شيئا منها حسنها ~~وسيئها، ثم إذا أتى بها اللطيف الخبير، أي: المدرك لدقائق الأشياء ~~وخفياتها، الخبير بما فيها وما لها وعليها، فيقبل ms044 عمل من اتقاه وأراد وجهه ~~(7) ولم يجعل له عدلا يدعوه ويحبه كما يدعو الله ويحبه، [44] ، ويرد عمل ~~المشرك العادل (8) بربه المسوي بينه وبين خلقه، كما دلت على ذلك النصوص ~~القرآنية والأحاديث النبوية. PageV01P127 # وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] [المائدة / ~~5] . # وقال تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] الآية [الزمر / 65] . # وقال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: ~~23] [الفرقان / 23] . # PageV01P128 ### | فصل في حكم موادة المشركين ومناقشة المعترض في ذلك # فصل قال المعترض: (ومن خطئه الواضح الفاضح أنه استدل للآية الكريمة، ~~وإنما فيها المودة لمن حاد الله ورسوله، فهو بهذه العبارة أنزل نفسه بمنزلة ~~(1) فوق منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث من واد من حاده من الأمة فهو ~~كافر بذلك، والصحابة (رضي الله عنهم) (2) يجعلون من واد (3) من حاد الله ~~ورسوله منافقا معصوم الدم والمال؛ كما نهى الله تبارك وتعالى المؤمنين عن ~~موادتهم في السورة بعدها؛ لأن ذلك من خلق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام ~~بشهادتي الإخلاص) . # فيقال في جوابه: قف يا من له نور يمشي به في الناس على ما في هذا الكلام ~~من الكذب والبهت (4) وقول الزور، وقد تقدم نص كلام الشيخ؛ وأنه قال: (لا ~~يستقيم للإنسان إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) ، ولم يقل بعداوة من ~~عاداني، أو عادى أتباعي، أو لم (5) PageV01P129 # يطعني، حتى يقال: إنه أنزل نفسه بمنزلة فوق الرسول. وسائر علماء الأمة من ~~عهد أبي بكر إلى وقتنا هذا يلزمون الناس بما في كتاب الله تعالى وما في سنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من أصول الدين وفروعه؛ ويثبتون من الأحكام ما ~~أثبت الكتاب والسنة، وينفون ما نفاه الكتاب والسنة، لا يختلفون في ذلك؛ ~~وحكمهم وإلزامهم إنما هو بطاعة الله ورسوله، وليس إلزاما بطاعتهم ورأيهم ~~واجتهادهم، ومن نسب أحدا منهم إلى أنه يدعو بذلك (1) إلى نفسه، وينزل نفسه ~~منزلة الرسول فقد خاب وافترى، وبهت أهل العلم وخلاصة الورى. # ومن المعلوم أن طاعة ms045 العلماء فيما أمروا به من دين الله وشرعه [45] طاعة ~~لله (2) ورسوله؛ لأنها المقصودة بالأصالة، وطاعة أولي العلم تقع تبعا وضمنا ~~لا استقلالا، فلا يترك الحق والدين والتزام ذلك لما فيه من طاعة الآمر ~~والناهي، ومن تركه لذلك (3) فقد استكبر على الله ورد الحق استصغارا ~~واحتقارا لقائله والداعي إليه، وهذه العلة هي التي أوجبت لكثير من الناس ~~تكذيب الرسل ورد ما جاءوا به. # قال تعالى عن آل فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ~~[النمل: 14] [النمل / 14] . # وقال تعالى عمن كذب عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من أشراف قومه ~~ورؤسائهم: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: ~~31] [الزخرف / 31] . PageV01P130 # والآيات في [هذا] (1) المعنى كثيرة، وليس قولهم: إن من حاد الرسول من ~~الأمة يكون (منافقا، بل قد يكون بذلك كافرا) (2) أو منافقا أو فاسقا، ~~فالكلام والحكم فيه تفصيل يطلب من محله. # وبهذا يستبين كذب المعترض على الصحابة، وعدم معرفته لأقوالهم وجهله ~~بأحوالهم، والثابت المحفوظ عنهم- بنقل العدول الثقات- يوافق كلام الشيخ، ~~ولا يجعلونه منافقا معصوم الدم والمال؛ بل يفصلون كما تقدم. والنفاق إذا ~~ظهر يجري على (3) صاحبه ما اقتضاه الدليل من كفر وقتل، ولا عصمة للمال ~~والدم مع الظهور (4) . # فهذا (5) الرجل جاهل بالأحكام والأقوال، وقد سلك واديا مهلكا، وطريقا ~~ضالة عن طرق (6) أهل الهدى، فاضطره الحال إلى ما ترى، وقد قاتل أبو بكر ~~مانعي الزكاة، واستباح دماءهم وأموالهم لما عصوا ما رآه، وثبت عنده من أدلة ~~الشرع وأحكامه، أفتراه داعيا إلى نفسه، مقاتلا على طاعته من دون الله ~~ورسوله؟ . # والشيخ لم يتعد (7) أمر الله ورسوله فيما دعا (8) إليه، فلأي شيء. ~~PageV01P131 # خص بهذا البهت؟ وأنه يدعو إلى نفسه؛ وأنه أنزلها بمنزلة (1) فوق الرسول؟ ~~سبحانك هذا بهتان عظيم و " «تكفير المسلم كقتله» " بنص الحديث (2) وهذا ~~القول الذي نسبه إلى الشيخ كفر لا شك فيه، فإن من أنزل نفسه منزلة الرسول، ~~وكفر المسلمين بموادة أعدائه يكفر بذلك. [46] وهذا الرجل لا يتحاشى من نسبه ~~الشيخ إلى الكفر والضلال والفساد. # فالحمد لله على ما من ms046 به من خزي أعداء دينه ورد كيدهم، وظهور عباده ~~المؤمنين عليهم. # قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} [غافر: 51] الآية [غافر / 51] . # وفي الحديث: " «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم ~~القيامة من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا» " (3) . # والمعترض لضلاله (وخبث طويته) (4) يلمز الداعي إلى الهدى بأنه يدعو إلى ~~نفسه. # قال تعالى: PageV01P132 # {الذين (1) يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات (2) والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} [التوبة: 79] ~~[التوبة / 79] . # فإذا كان هذا فيمن سخر بالمتصدقين، فكيف بمن يلمز ويسخر بأئمة الدين، ~~الدعاة إلى توحيد رب العالمين؟ # وقال تعالى لنبيه: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين - إنا كفيناك ~~المستهزئين} [الحجر: 94 - 95] [الحجر / 95 ,94] . # وقول المعترض: (إن ذلك من خلق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي ~~(3) الإخلاص) يطلعك على جهله، وعدم ممارسته لصناعة العلم. # ويقال له: إن جنس الموادة للمشركين قد تقع (4) من مسلم قد برئ من النفاق ~~الأكبر، وآية سورة الممتحنة نزلت في (5) حاطب بن أبي بلتعة وهو بريء من ~~النفاق بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما اعتذر إليه، وقال: " ~~«إني لم أفعل هذا رغبة عن الإسلام ولا شكا فيه، وإنما أردت أن تكون لي عند ~~القوم يد تحمي أقاربي ومن لي بمكة " أو نحو هذا الكلام، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "صدق» " (6) فكيف يجعله هذا المعترض منافقا وقد شهد ~~PageV01P133 # بدرا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: " «ما يدريك أن الله اطلع على ~~أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» " (1) قال الشاعر: # فليصنع القوم (2) ما شاؤوا لأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج # وأول السورة يدل على إيمانه، وأن المشركين من أعدائه. # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة} [الممتحنة: 1] [الممتحنة / 1] . # فهذا المعترض يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرميهم بالنفاق ~~لكثافة [47] جهله، وعدم فهمه، وقد قال ms047 في هذه الآية بما لا يعلم. وفي ~~الحديث: " «من قال في القرآن بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» "، وفي ~~رواية " «برأيه» " (3) . # ثم احتج المعترض بحديث عتبان وما قيل في مالك بن الدخشم، وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " «ألا تراه، قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» ~~"، وقول الرجل: "أما نحن والله لا نرى وده ولا حديثه (4) إلا إلى المنافقين ~~" الحديث (5) وقد ساقه المعترض مستدلا به على أن موادة المنافقين لا تضر، ~~وأن التصريح بعداوتهم لا يجب (6) . PageV01P134 # وهذا القول في الحقيقة وهذا الفهم الضال فيه الرد والاعتراض على قوله ~~تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} ~~[المجادلة: 22] [المجادلة / 22] . # وشيخنا رحمه الله تعالى لم يأت بشيء من كيسه، إنما هو القرآن والسنة. # قال تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا ~~أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] الآية [الكهف / 29] . # وهذا الحديث لا يدل على ما قاله المعترض أصلا، ولا يفهم منه أن المودة ~~غير محرمة إلا أضل وأبلد الحيوان (1) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أقر ~~القائل: " إنه منافق لا يحب الله ورسوله "، وما أقره على قوله: " أما نحن ~~والله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين "، بل أنكر ذلك ورده صلى ~~الله عليه وسلم منبها على أن قوله: "لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " ~~براءة له مما نسب إليه، ومانع يمنع (2) مما قيل فيه. # ومن عرف الإخلاص واليقين ومنزلتهما من الإيمان، عرف أن من أعطيهما ووفق ~~لهما لا يقع منه موادة للمنافقين والمشركين، ومن ذاق طعم الإيمان فالله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما. وإنما تقع الموادة لأعداء الله من خلل في ~~الإخلاص واليقين، ونقص في التوحيد، والتزام التوحيد الواجب يمنع (3) من ترك ~~واجب أو فعل محرم، وإنما يقع الغلط (4) من PageV01P135 # عدم العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله. # فمن عرف الإيمان والتوحيد، وعرف حدودهما (1) الجامعة المانعة انفتح له ~~باب عظيم في الفهم عن الله ورسوله لا ms048 يفهمه إلا خواص العارفين، فتأمله ~~يطلعك (2) على أسرار غفل عنها الأكثرون # ولما حجب هذا المعترض عن معرفة حدود ما أنزل الله، وصار معه من (3) الهوى ~~والإعجاب ما اقتضى جهله بنفسه؛ وخوضه في أمر يقصر عنه فهمه وإدراكه، فلا ~~جرم حيل بينه وبين رشده، وخلي بينه وبين نفسه، فنعوذ. بالله من جهد البلاء، ~~ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء. PageV01P136 ### | فصل في الرد على المعترض في فهمه لشروط الاجتهاد وبيان الحق في ذلك # فصل قال المعترض: (وقد قال (1) العلماء كلاما معناه قاله ابن القيم في ~~الأعلام: لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط ~~الاجتهاد (من جميع (2) العلوم. قال: ولو اجتمعت شروط الاجتهاد) (3) في رجل ~~لم يجب الأخذ بقوله دون نظرائه) . اه. # والجواب أن يقال: هذا لسان جاهل، وتركيب نبطي (4) لا يدري شيئا من صناعة ~~العلم، وابن القيم ينزه عن هذا اللفظ، وهذا التركيب، ولا يقول (5) (ما لم ~~تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم) ، فإن البحث ما هكذا إيراده ولا ~~تقريره والعلوم فيها ما لا دخل له هنا ولا اعتبار، كعلم الطب والهندسة ~~والإنشاء، وقرض (6) الشعر وميزاته، والعلم بالرسم وإتقانه، ومعرفة التاريخ. ~~PageV01P137 # وأما بالنظر للمعنى: فابن القيم رحمه الله قد شن الغارة على من قال: (لا ~~يجوز لأحد (1) أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد) ، ~~وأوسع (2) قائله تجهيلا وتخطئة، وقال (3) (هذا سد لباب أخذ العلم والهدى من ~~كتاب الله وسنة رسوله) . # وذكر في هذا المبحث (4) من النصوص والآثار والمناظرة (5) بين المجتهد ~~والمقلد ما لا تتسع له هذه (6) الرسالة، وذكر هذه العبارة رادا لها مجهلا ~~لقائلها. # والقصد: أن المعترض كذب على ابن القيم كما كذب على شيخنا، وحكى عكس ما ~~قاله ابن القيم. # فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين (7) الذنوب. # ومراد المعترض: القدح في شيخنا، حيث استدل بآية سورة " قد سمع" على تحريم ~~موادة المشركين، ووجوب التصريح بعداوتهم. # وحاصل قوله: أن الكتاب والسنة لا يأخذ منهما أحد إلا من اجتمعت فيه شروط ~~قل أن توجد ms049 ولو (8) في آحاد الأئمة المقلدين، فكيف PageV01P138 # بغيرهم؟ وهل هناك نبذ للكتاب وراء الظهر فوق هذا الصنيع لو كانوا [49] ~~يعلمون؟ # والاستدلال بالنصوص القرآنية والظواهر الجلية (1) من الكتاب والسنة ليس ~~من مسائل الاجتهاد التي تكلم ابن القيم مع خصومه فيها وجهلهم بقولهم (2) ~~(لا يجتهد إلا من اجتمعت فيه الشروط) فإن المسائل الاجتهادية ما كان ~~للاجتهاد والنظر مساغ فيها، وأما النصوص والظواهر فلا تسوغ مخالفتها ~~اجتهادا، وذلك كمعرفة الله، وإثبات توحيده، وصفات كماله، ووجوب الصلوات، ~~والأركان الإسلامية، والأصول الإيمانية، ونحو ذلك من النصوص التي لا يسوغ ~~مخالفتها والعدول عنها، والمعترض جاهل (3) لا يفرق بين مسائل الاجتهاد ~~وغيرها. # وقد رأيت لخدنه داود بن جرجس كلاما في هذا المبحث يزعم: (أن المجتهد إذا ~~اجتهد في عبادة غير الله وأداه اجتهاده إليها يكون مأجورا) ، فأوردنا عليه ~~اجتهاد النصارى المثلثة، والصابئة المتفلسفة، والمجوس المشركة ونحوهم، ومن ~~اجتهد، وقال بحل ما قتله الله من الميتة، وقاسه على المذكاة قياس الأولى، ~~ومن رأى باجتهاده من غلاة الرافضة والشيعة والنصيرية (4) ؛ جواز إسناد ~~التدبير والتصريف في العالم إلى الأولياء وأئمة الشيعة، ورأى باجتهاده أن ~~هذا من الكرامة التي تجوز للأولياء، وهكذا (5) PageV01P139 # يقال في دفع شبه أهل البغي (1) والضلال. # (ثم استدل المعترض) (2) بحديث: " «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم ~~حرام» " الحديث (3) على أن ما صدر من الشيخ من الكلام في المباحث العلمية ~~والأصول الدينية من تكفير مشرك أو أخذ ماله، والكلام في قبيح أفعاله يدخل ~~في النهي عن الأعراض والدماء والأموال (4) . # ولا أدري هل هذا المعترض يرى كلام جميع العلماء في أهل الشرك وعبادة غير ~~الله من هذا الباب، أو هو (5) يخص الشيخ رحمه الله بهذا لعظيم عداوته (6) ~~وغليظ غباوته؟ # وكأنه فهم من (7) الحديث: أنه عام تدخل فيه وفيما دل عليه من التحريم، ~~دماء المشركين والمرتدين وأموالهم وأعراضهم. # [50] ولو سلمنا له هذا الفهم الفاسد لكان نسخا لجميع ما في الكتاب والسنة ~~من الأمر بقتال المشركين وسبي نسائهم، وغنيمة أموالهم، واستباحة أعراضهم، ~~فينسخ من القرآن والسنة ما يعز استقصاؤه وحصره، PageV01P140 # وتضع الحرب أوزارها بين ms050 الناس إلى يوم القيامة، وما أظن جهال أهل الكتاب ~~ينتهون (1) إلى هذه الغاية. # فإن زعم أنه لم يرد هذا، وأن استحلال دماء المشركين وأموالهم باق إلى يوم ~~القيامة. # قيل له: ما وجه استدلالك على الشيخ بالحديث الخاص بالمؤمنين وعباد الله ~~الموحدين؟ والشيخ لم يقاتل إلا على رأس الأمر وهو شهادة أن لا إله إلا ~~الله، لم يقاتل على غيرها وعلى غير التزامها. # والرجل المعترض آفته وعلته ما تقدم تصريحه به من أن عباد القبور ومن يدعو ~~الأولياء والصالحين ليسوا بمشركين، بل هم من عباد الله المؤمنين الذين تحرم ~~دماؤهم وأموالهم، والله المستعان. # وقوله: (قال حجة الإسلام الغزالي: لترك ألف كافر ولا قتل مسلم واحد) . # فيقال: قتل المسلم عظيم (2) وأي مسلم قتله الشيخ؟ وقد سبق أن النزاع مع ~~هذا في أصل الإسلام والتوحيد. # ثم قوله: (قال حجة الإسلام) إن كان المعترض يعتقد هذا، وأنه (3) حجة ~~للإسلام، وقوله يرجع إليه بين الأنام، فقد رد هذا المعترض على جمهور الأمة، ~~لا (4) سيما الحنابلة؛ وقد (5) شنعوا عليه في كتابه PageV01P141 # " الإحياء" وأمثاله من تأليفه، وجزموا بأنه مخالف لأهل السنة والجماعة في ~~كثير من السمعيات والعقليات، وقوله لا يحتج به عند أهل مذهبه في مسائل (1) ~~الذيول والتفريعات؛ فكيف بأصول الإسلام؟ . قال تلميذه [أبو بكر] (2) ابن ~~العربي المالكي (3) (شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج ~~فلم يحسن) . انتهى. # وأما قول شيخ الإسلام، فيمن أوجب تقليد إمام بعينه: فهو كلام ظاهر وجيه؛ ~~لكن المعترض وضعه في غير موضعه وأزال بهجته؛ لأنه استدل (4) به على رد ما ~~يورده العلماء من نصوص الكتاب والسنة، ولم يفرق بين مسائل التقليد ~~والاجتهاد، وبين النصوص الظاهرة وما يعلم من [51] الدين بالضرورة، وما أجمع ~~عليه بين الأمة فخلط البحثين، ولم يفرق بين المقامين، ولو قال هذا (5) أحد ~~على هذا (6) الوجه الذي أراده المعترض لوجب رد قوله كائنا من كان. ### | بيان أن الشيخ لم يوجب على أحد متابعته بل نهى عن ذلك # ثم قال المعترض: (فهذا الرجل بقوله وفعله قد أوجب ms051 (7) متابعته في كل ما ~~يقول، وكفر مخالفيه في ذلك، وهو لم يوافقه على ذلك أحد من PageV01P142 # علماء الأمة من جميع أقطارها، بل أنكروا عليه فبإنكارهم عليه جعلهم بذلك ~~(1) كفارا حلال (2) الدم والمال، وضمن لمن تبعه على ذلك من قوله: الجنة ~~بتكفير الأمة وقتالها، ونهب أموالها) وأطال الكلام بما حاصله: (أن شاعرهم ~~سب علماء نجد: ابن فيروز وأبا الخيل، وأن هذا الرجل يذكر في درسه مسبتهم ~~وما قيل فيهم، وأكثر من هذا الهذيان) . # والجواب أن يقال: ليس بعجيب صدور هذا البهت والسب عن هذا المعترض، وفي ~~المثل: (إذا ظهر السبب بطل العجب) . كيف وقد تعددت أسباب عدواته وبهته ~~وزوره؟ ويكفي في هذه الدعوى ردها ومنعها واطراحها (3) . # ومعاذ الله أن يوجب (4) على أحد متابعته أو متابعة غيره إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهذه رسائل الشيخ ومصنفاته ينهى عن ذلك ويشدد فيه، ~~ويأمر بتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (5) وينكر ما اعتاده ~~الناس من الغلو في رأي العلماء واجتهادهم، وتنزيل ذلك منزلة النصوص ~~النبوية، وقد عقد بابا في كتاب التوحيد لهذه المسألة. # قال رحمه الله (6) (باب من أطاع العلماء والأمراء (7) في تحليل ~~PageV01P143 # ما حرم الله أو تحريم (1) ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله) . # واستدل بقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ~~[التوبة: 31] [التوبة / 31] . # وذكر حديث عدي بن حاتم (2) وذكر من الآثار عن أهل العلم ما يقضي ببراءته ~~ويشهد بعلمه، وأن هذا المعترض لا يتحاشى عن قول الزور وشهادته، وقد قضى عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه في شاهد الزور أن يسود وجهه ويطاف به (3) {ولعذاب ~~الآخرة أخزى وهم لا ينصرون} [فصلت: 16] # وقوله: (ولم يوافقه على ذلك أحد من علماء الأمة) . # إن أراد أنهم لم يوافقوه في وجوب طاعته في كل ما يقوله (4) فهو لم يدع ~~هذا (5) ولا قاله، ونبرأ إلى الله من قائله، وقد قال مالك بن أنس - وبقوله ~~نقول ويقول شيخنا-: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا PageV01P144 # صاحب هذا القبر " (1) يعني رسول ms052 الله صلى الله عليه وسلم. # وأما قوله: (بل أنكروا عليه، وبإنكارهم عليه (2) جعلهم كفارا حلال (3) ~~الدم والمال) ، فقد كذب وافترى، ولم يكفر أحدا خالفه في رأيه وهواه وجميع ~~ما يقول (4) وإنما كفر بالشرك بالله وعبادة غيره، واتخاذ الوسائط والأنداد ~~في المسألة والتوكل والإنابة، والتكفير بهذا لا يضاف إليه، بل هو حكم يضاف ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما جاءت به الرسل عن الله. # وأما قوله: (وضمن لمن تبعه على ذلك الجنة بتكفير الأمة وقتالها ونهب ~~أموالها) . # فقد تكرر الجواب عن مسألة التكفير للأمة (5) وقتالها. # وأما ضمان الجنة: فهذه الكلمة العوراء لا تصدر إلا عن غبي قد تمادى في ~~الوقاحة والسفاهة، والله ورسوله قد وعد المؤمنين الجنة والمغفرة والرضوان، ~~ورتب على أصول الإيمان وشعبه من الثواب والجزاء والمغفرة ما لا يخفى على من ~~آمن بالله ورسوله وأجاب المرسلين. # وأما الشهادة لمعين من أهل القبلة بجنة أو نار: فلا يشهد لأحد (6) ~~PageV01P145 # بذلك إلا من (1) شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ذكره العلماء ~~في كتب العقائد. # والمعترض قد التحق بأكذب الخلق الذين يكذبون على الله وعلى (2) رسوله، ~~وعلى علماء أمته، وقد كنا في غنية عن رد أكاذيبه لسقوطها وظهور هجنتها، ~~لولا ما قيل: (لكل ساقطة لاقطة) ، وخوفا أن تصغي إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة. # وأما قوله: (ويقول شاعره في أشعار كثيرة) . # فنسبة هذا الشاعر إلى الشيخ معدودة من زور هذا المعترض، (والكلام نبطي لا ~~يعتبر وزنا) (3) ثم لو فرض (4) صحة هذا، وأن الشيخ قرره واستحسنه، لم يكن ~~في ذلك ما يعاب به (5) الشيخ ويذم به، وقد شاع عن ابن فيروز وأبا (6) الخيل ~~[53] ما لا يخفى على من عرف دعوة الشيخ، وما جرى من أهل عصره وقد هجا شعراء ~~الإسلام كثيرا ممن صد عن سبيل الله وصدف عن آياته. # ويذكر عن ابن فيروز أنه قال: (لو دعاني ابن عبد الوهاب إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله ما تبعته) ، والواقع يشهد بذلك. PageV01P146 # وقوله عن الشيخ: (إنه ms053 يحلف في رسالة من رسائله أن كفر الشيخ محمد بن ~~فيروز أعظم من كفر فرعون إذ هو (1) قد أنزل نفسه منزلة الكليم موسى عليه ~~الصلاة والسلام، والشيخ ابن فيروز منزلة فرعون، فابن فيروز مكث علمه في ~~الأرض ونفع الله به العباد والبلاد، وهو كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به ~~الأموال حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام) . # فيقال لهذا المعترض: أنت مطالب أولا بتصحيح نقلك عن الشيخ وأنه صدر منه ~~هذا الكلام، والناقل يطالب بالصحة، والمدعي يطالب بالدليل، فلا تعطى بمجرد ~~دعواك؛ ولا يسلم لك ما دون هذا، ولو في حق آحاد العوام، وقد تقدم البرهان ~~على جهلك وكثرة كذبك، وشهادتك للزور (2) وثبتت عداوتك للشيخ في أول أمرك ~~وآخره، فأي عاقل وأي حاكم يقبل منك هذا النقل وهذا الكلام الذي لا سند له، ~~بل هو من جنس أوضاع اليهود والنصارى فيما ينسبونه (3) إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الأكاذيب والأباطيل التي يصدون بها الناس عما جاء به من ~~الهدى ودين الحق، ويقولون: هو يسفك الدماء، ويأخذ الأموال ويسبي الذراري. # وفي الإنجيل: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر"، ونحو هذا ~~الكلام، فما أكثر وراثة هذا الرجل لأولئك الأقوام، وما أسرع ما نسي أصل ~~الملة والإسلام؟ PageV01P147 # فالحمد لله الذي أخزى هذا الرجل ونشر له في الناس ما يليق بأمثاله مما ~~(1) اقتضته الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، ولقد تفوه بعض أقاربه بذمه ~~وتكفيره (2) بمجرد الإطلاع على كلامه. # ولو فرضنا أن الشيخ رحمه الله تعالى (3) صدر منه (4) هذا الكلام، نظرا ~~إلى أنه (5) عرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، وصد عن دين (6) الله بشبهات (7) ~~ينسبها إلى شرعه المطهر، وإلى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صاحب [54] ~~، الناموس الأكبر، ويظهر للناس في ثياب العلماء ورسم الفقهاء ووظيفة ~~المعلمين، وهو في الحقيقة يصد عن دين (8) الله ويدعو إلى عبادة الصالحين ~~ودعائهم مع الله؛ وصرف الوجوه إلى غير باريها وفاطرها، فبهذه الاعتبارات هو ~~أغلظ (9) ممن أتى ms054 الأمر وصد عن السبيل من غير نسبة لذلك إلى دين الله وما ~~جاءت به رسله، وفي القرآن العزيز من الكشف عن حال هذا الضرب من الناس، ~~وأنهم من أبعد الخلق عن الله، وأغلظهم حجابا وأشدهم كفرا ما يعرفه من فقه ~~عن الله. PageV01P148 # قال (1) تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول ~~حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين} [آل عمران: 86] [آل عمران ~~/ 86] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة. # وقول المعترض (2) (ابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد ~~والبلاد) . # فيقال: هذه الدعوى لا تحتاج لدليل يبطلها؛ وبرهان يردها غير شهادة الحس ~~والواقع، وما يعرفه سائر الناس من الخاصة والعامة، بل آثار ابن فيروز في ~~الصد عن سبيل الله، ومسبة أئمة الإسلام، وجعل شيخ الإسلام طاغوتا (3) يجب ~~الكفر به؛ معروف مشهور عند أهل الإحساء وغيرهم كما قال في منظومته التي ~~أولها: # أنامل كف (4) السعد قد أثبتت خطا (5) ... بأقلام أشياخ لنا حررت ضبطا # فإنه أقذع فيها، وأتى من نصرة عبادة القبور، وأهل الغلو في الأنبياء ~~والصالحين، وتسمية من أنكر هذا طاغوتا، بما يدل على آثاره ونفعه في البلاد ~~والعباد، فإن كان هذا عند المعترض هو العلم ونفع العباد والبلاد فنعم؛ هذا ~~صار منه، ومدحه به، وأثنى عليه كل مشرك بالله رب العالمين، يسوى بين الله ~~وبين خلقه في خالص حقه، وقد اتخذ أعداء الدين منظومته نزهة لمجالسهم وتحفة ~~لأشياعهم. PageV01P149 # وقد رد عليه الشيخ حسين بن غنام الإحسائي رحمه الله تعالى بمنظومة أجاد ~~فيها وأفاد، وأولها: # على وجهها الموسوم بالشؤم (1) قد خطا ... عروس هوى ممقوتة (2) زارت الشطا # تخطت , فأخطت في المساعي مرامها ... ومرسلها عن نيل مقصوده أخطا (3) # وثارت لنار الشرك تذكى ضرامها (4) ... وسارت فبارت والإله لها قطا # لقد شوهت ما زخرفته بزورها ... كما أنها بالمين (5) قد أحكمت ربطا # وقد جاء منشيها بزور ومنكر ... وفحش وبهتان يعط به عطا # وحان به داعي العناد لمهيع ... تنكب عن سبل الهداية واشتطا (6) # وضل عن الإرشاد (7) والحق واعتدى ... وغط أناسا في طريقته غطا ms055 # وجاوز منهاج الهداية (8) راضيا ... عن الدين بالدنيا , فما نالها بسطا # يحاول تشييدا ورفعا لما وهت ... قواعده فوق البسيطة وانحطا # في أبيات له رحمه الله تعالى. # [55] ولابن فيروز رسائل ومصنفات في الصد عن سبيل الله، ورد ما جاء ~~PageV01P150 # به شيخنا من الدعوة إلى الله، وتجريد المتابعة لرسوله، وهي باقية ~~يتداولها كل زائغ مرتاب، كهذا المعترض (1) ولو كلف أن يأتي عن ابن فيروز ~~بمسألة واحدة انتفع بها الناس (2) في بيان التوحيد وأصل دين المرسلين، ~~وإبطال ما عليه أكثر الناس من عبادة الصالحين لما وجد إلى ذلك سبيلا. # وقول المعترض في شيخنا: (وهو (3) كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به ~~الأموال؛ حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام) . # فهذا الكلام لا يعترض به إلا جاهل بأيام الله وأخبار الناس، وما قص الله ~~عن رسله وأكابر أوليائه، والناس مذ كانت الدنيا فريقان. # قال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم ~~فريقان يختصمون} [النمل: 45] [النمل / 45] . # وقال تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146] الآية ~~[آل عمران / 146] . # وقال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [آل عمران: 186] الآية [آل ~~عمران / 186] . # وقال تعالى: {الم - أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} ~~[العنكبوت: 1 - 2] (4) [العنكبوت1-2] . PageV01P151 # وقال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} ~~[البينة: 4] [البينة / 4] . # وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: ~~118 - 119] [هود / 118، 119] . # وفي الحديث: " «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده» " (1) ~~وفي السيرة من أخباره ومغازيه وما جرى بسبب مبعثه صلى الله عليه وسلم من ~~القتال بين العرب (وقبائلها وبين الفرس والعرب والروم) (2) والقبط وأهل ~~الكتاب وما جرى بين مؤمن هؤلاء الناس والأمم وبين كافرهم من النزاع ~~والاختلاف والقتال على تعاقب الدهور والأعصار، مما (3) تستبين به سنة الله ~~التي قد خلت في عباده، وفي الحديث: " «إن من كان قبلكم [كان] (4) يوضع ~~المنشار على رأس (5) الرجل منهم حتى يخلص إلى قدمه، ms056 ما يصده ذلك عن دينه» ~~(6) . PageV01P152 # وهذا الغبي ارتاع مما لا نسبة بينه (1) وبين ذلك من الامتحان، ولم ينظر ~~إلى ما حصل من اللطف لأهل الإيمان، عند نزول المحن والافتتان، وما أعطوا ~~بذلك من حسن العاقبة والعز والظهور، وأنهم لا يضرهم من [56] خذلهم ولا من ~~خالفهم، ولم (2) يدر ما في ذلك من الحكم والمصالح التي لا يحيط بها إلا ~~الله الذي قدرها ودبرها ولو لم يكن في ذلك إلا قيام حجج الله وآياته، ~~وتمييز الخبيث من الطيب لكان كافيا (3) فالمؤمن يراه من أدلة الإيمان ~~وبرهان صدق الرسول، والمنافق والمرتاب يراه من الدواهي العظام التي لا تطاق ~~ولا ترام، كما أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنهم إذا أصابتهم سيئة اطيروا ~~بموسى ومن معه. # قال الله تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون} ~~[الأعراف: 131] [الأعراف / 131] . # فانظر إلى هذه الوراثة القبطية تطلعك على حكمته، تعالى في إبقاء ورثة ~~لأعداء الرسل. # فسبحان من بهرت حكمته العقول، وصدقت أقضيته ما جاءت به رسله من النصوص ~~والنقول، ليس كمثله شيء في أفعاله (كما أنه لا مثيل له) (4) في ذاته ~~وصفاته، وهب بعض عباده من الفهم عنه والإيمان به. PageV01P153 # ما دلهم على معرفته عند كل حادث وحركة وسكون، وخذل من شاء عن ذلك فباء ~~عند المحن والاختبار (1) بصفقة المغبون، وتشاءم بما جاء به أئمة الهدى وما ~~قاله الصالحون. PageV01P154 ### | فصل فيه مناقشة مسألة سبي المرتدات وتأصيل قاعدة دفع الضرر وجلب المصلحة # فصل قال المعترض: (ولما قيل له لم لا تسبون إذا كانوا كفارا كما تسبى ~~الصحابة رضي الله عنهم؟ قال لهم: إن السبي حق كما أن قتلهم حق وجعل أموالهم ~~فيئا وغنائم، ولكن الناس لا يحتملون ذلك في نسائهم وأولادهم، فقيل له: كيف ~~يترك الحق؟ قال: يترك الشيء لشيء أكبر منه والنبي صلى الله عليه وسلم ترك ~~نقض الكعبة وجعلها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام (1) ؛ لأن قريشا ~~حدثاء عهد بكفر) . # فالجواب ms057 أن يقال: # قد تقدم أن هذا الرجل لا يقبل له قول (2) ولا يحتج (3) بخبره، بل يجب ~~اطراحه وتركه. # ولو فرضنا أن الشيخ قال هذا، فكلام السلف وخلافهم في سبي نساء المرتدين ~~معروف عند أهل العلم، وقد أفتى به أبو بكر وعمل به مدة خلافته، والناس تبع ~~له في ذلك؛ ثم إن عمر رأى خلاف هذا وأن PageV01P155 # [57] ، المرتدات لا تسبى، ووافقه جمهور الناس، والبحث معروف في محله، ~~وكلام أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة معروف مشهور. # فلو قاله (1) الشيخ في المرتدات اللاتي (2) يعبدن (3) عليا (4) والحسين، ~~وعبد القادر، والبدوي وأمثالهم (5) ممن قامت عليهم (6) الحجة فأبوا وأصروا ~~على عبادة غير الله، واتخاذ الآلهة والأنداد كما فعلت قريش وغيرها من مشركي ~~العرب، وكما يفعله كثير من مشركي الأمم وأهل الكتاب، فأي عار على الشيخ في ~~هذا؟ وأي دليل يمنع منه؟ # وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: ~~59] [النساء / 59] ، وما أظن هذا الغبي يحسن الاحتجاج على منع سبي المرتدات ~~(7) بل ولا يعرف (8) . # وقوله: (يترك الشيء لشيء أكبر منه) . # هذا مما يدل على علم الشيخ وفقهه، ومن القواعد المشهورة: (أنه يرتكب أخف ~~الضررين لدفع أعلاهما، وتترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما) . PageV01P156 # والحديث حجة على ذلك، فإن كان صدر من الشيخ هذا فلا ضير فيه ولا عيب به. # وعيرها الواشون أني أحبها (1) ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ### | رد طعن المعترض إعطاء الشعراء على سب العلماء # وأما قوله: (وهو يعطي الشعراء على سب (2) علماء المسلمين وأعيانهم) . # فهذا كذب وزور، ليس من عادة الشيخ أن يعطي الشعراء، ولم يعط شاعرا قط ~~فيما نعلم، ولا سب مسلما قط، ولا عالما من علماء المسلمين بل هو من (3) ~~أعظم الناس رعاية لحق الإسلام وحفظا لعهده، وحماية لأهله، ونصرة لهم، وهذا ~~مشهور من أخلاقه الإسلامية وشيمته العربية، خلاف ما عليه كثير ممن يدعي ~~الدين، وهو مشغول بأعراض المسلمين، وهتك حرماتهم. # وأما قوله: (وهل هذا إلا مكفرا للأمة مضللا لعلمائها، والسالم من علماء ~~نجد من القتل جلا عن كل بلد ms058 (4) تحت أيديهم، فرارا منهم عن القتل؛ لأنه لم ~~يوافقه أحد من العلماء على ذلك، وأتلفوا كتب العلم التي فيها حتى لا يرى في ~~نجد إلا رسائله، والويل لمن يستعمل غيرها وقت قوتهم) (5) . PageV01P157 # فيقال لهذا المعترض: قد تقدم القدح في تأصيلك، وبيان كذب دليلك، وأن جميع ~~ما ذكرته لا تجوز نسبته إلى الشيخ، وأنت في ذلك أكذب من سجاح، وإذا انهدم ~~الأصل بطل التفريع، وما جلا عن نجد إلا [58] من عرف بعداوة دين الرسول ~~والصد عنه، والاشتهار بمسبته، والأكثر استجاب لداعي الحق، واعترف به، وأمن ~~في سربه، وعوفي في نفسه وماله وأهله، وهم الأكثر. ### | رد طعن المعترض بأن أتباع الشيخ أتلفوا كتب العلم # وأما إتلاف كتب العلم التي في نجد: فهذه القولة وأمثالها يستبين بها تهور ~~هذا الرجل في الكذب والزور، ومكابرة الحس والضروريات، ومعرفة حال الشيخ ~~وأهل نجد، وما عندهم من الكتب في أصول الدين وفروعه، ودواوين الإسلام، ~~وتفاسير الأئمة (1) وكتب العقائد، والسير والتواريخ، والعربية، لا يجهله ~~الموافق والمخالف، وهذا الرجل لا يحسن سبك الكذب والزور، بل يأتي بها طامة ~~شوهاء لم تنتقب ولم تختضب. # فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم لو كنت تعقل # وآحاد (الطلبة من أهل) (2) نجد لا يقولون: (وهل صاحب هذا إلا مكفرا للأمة ~~مضللا لعلمائها) ، لمعرفتهم بأن "هل" تهمل ولا تعمل؛ وقد أعملها في خطه ~~بيده (3) . # ، فنصب بها وأعملها إعمال "ما" الحجازية. # وكذلك قوله: (والسالم من علماء نجد جلا عن كل بلد (4) تحت PageV01P158 # أيديهم) ، وهذا تركيب نبطي يقتضي أن السالم من القتل استوعب بلاد نجد في ~~السكنى والجلاء. # وسيأتيك عنه ذم الشيخ وأتباعه بأنهم لا يعرفون العلوم والعربية (1) إذا ~~تأملت تراكيبه (2) في هذا الكتاب وعباراته عرفت أنه من أبعد خلق الله عن ~~العلم وممارسته، والشعور (3) بشيء من الفنون، وإنما هو وقح، صال (4) وجال، ~~وأمن (5) فاستطال. ### | الكلام على مدلول شهادتي الإخلاص # قال المعترض: (وقال أيضا لما (6) سئل عما يقاتل الناس عليه وعما يكفر به، ~~فقال عن خطه بيده: لا نقاتل إلا على ما أجمع ms059 عليه العلماء كلهم وهو ~~الشهادتان) . انتهى نقل المعترض. # ثم قال بعده: (فهذا شأنه؛ يحكى الإجماع من نفسه لنفسه، ومن هو (7) الذي ~~أنكر الشهادتين شهادتي الإخلاص من هذه الأمة حتى يقاتل عليهما، فإذا كانت ~~الأمة من حيث الجملة حين يعرب مولودها أول ما تلقنه شهادتي الإخلاص قبل أن ~~يلقنوه بأمه وأبيه، وإذا احتضر ميتهم أجلسوا عنده أعقل أهله وأبرهم به ~~يلقنه بذلك بسهالة؛ لأنهم قد علموا من PageV01P159 # [59] علم نبيهم صلى الله عليه وسلم أن: " «من كان آخر كلامه (1) لا إله ~~إلا الله دخل الجنة» ". وأيضا يلقنوه في قبره، حتى جاءهم فنهاهم، وعد ذلك ~~من الشرك. وقال: فكيف (2) يدعى الميت؟ وينادى في قبره (3) وهو لا يسمع ولا ~~يبصر؟ # ويقول الله: {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] [النمل / 80] ، حتى منعوا ~~الناس عن (4) ذلك، وعن الدعاء بعد الصلاة (5) بالأدب المبرح (6) وعن ~~القراءة على القبر، ولسنا بصدد (7) هذا في هذا الموضع، وقد أوفينا عليه في ~~"التبصرة" و "غسل الدرن " بما فيه كفاية من الأحاديث والآيات وأقوال ~~العلماء الأعلام (8) وإنما صددنا هنا لتكفيراته، فإذا كان أمر الأمة جميعها ~~كذلك، فماذا يقاتل عليه من إنكار (9) شهادتي الإخلاص؟ . وأطال بما حاصله: ~~أنهم لا ينكرون شهادتي الإخلاص) . # فالجواب أن يقال: هذا الرجل من أبعد الخلق عن الفقه عن الله. PageV01P160 # ورسوله ومعرفة مراده؛ وحقائق أحكامه، ومن أجهل خلق الله بأقوال أهل العلم ~~ومدارك الأحكام، وكل من عقل عن الله يعلم علما ضروريا أن المقصود من ~~الشهادتين ما دلتا عليه (1) من الحقيقة والمعنى، وما اشتملتا عليه من العلم ~~والعمل، وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما (2) ولا اعتقاد لحقيقتهما (3) ~~فهذا لا يفيد العبد شيئا، ولا يخلصه من شعب الشرك وفروعه. # قال الله تعالى (4) {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19] [محمد / 19] ~~، وقال: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] [الزخرف / 86] . # فالإيمان بمعناهما (5) والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم، ~~والحكم (6) على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا لم يعلم ولم يتصور، فهو كالهاذي ~~وكالنائم وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول، بل ms060 لو حصل له العلم وفاته الصدق ~~لم يكن شاهدا بل هو كاذب، وإن أتى بهما صورة. # قال الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ~~[المنافقون / 1] . # فكذبهم في قيلهم، ورد شهادتهم وشهد على كذبهم؛ وأكد الحكم PageV01P161 # " بإن " المؤكدة ولام التعليق (1) فهل يقول عاقل: إنهم يشهدون بكلمتي ~~الإخلاص، ويعترفون بها؟ . وهل هذا القول إلا رد لكتاب الله وخروج (2) عن ~~سبيل المؤمنين؟ فإنهم مجمعون (3) على اعتبار ما دلت عليه الشهادتان من ~~المعنى المراد، وأنه هو المقصود. # ولم يقل أحد أن الإيمان مجرد اللفظ من غير عقيدة القلب وعلمه وتصديقه، ~~ومن غير عمل بمدلول الشهادتين، وما سمعت أن أحدا قاله إلا طائفة من ~~المتكلمين من الكرامية (4) نازعوا الجهمية في قولهم: إن [60] ، الإيمان، هو ~~التصديق فقط. وقابلوا قولهم بأنه مجرد الإقرار فقط. والقولان مردودان عند ~~الأمة، ولكنهما أحسن وأقرب إلى قول أهل العلم مما أتى به هذا المفتري، من ~~عدم اعتبار العلم والمعنى، ومن قرأ القرآن أو سمعه وهو عربي اللسان يعلم ~~(5) أن قتال (6) المشركين معلل بنفس الشرك معلق عليه. # قال تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] [التوبة / 36] . # وقال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} ~~[المائدة: 72] (7) [المائدة / 72] . PageV01P162 # وقال تعالى: {براءة من الله ورسوله} [التوبة: 1]- إلى قوله - {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] (1) [التوبة1 -5] . # ونحو ذلك من الآيات الدالة على تعليق الحكم على نفس الشرك، وفي الحديث: " ~~«من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله (2) حرم ماله ودمه» " ~~(3) وفي الحديث الآخر: " «من بدل دينه فاقتلوه» " (4) وكلام الفقهاء (5) في ~~باب حكم المرتد، وقولهم: فمن (6) أشرك بالته. . . إلى آخر كلامهم. # وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية (7) الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله ~~وسائط يدعوهم ويعبدهم ويتوكل عليهم وقد مر ذلك، فكل ما ذكر من الإتيان بلفظ ~~الشهادة (8) والتلقين لا يفيد شيئا مع عدم العلم. ### | العلماء يحكون الإجماع ويحتجون به لأنفسهم # ويقال: أما ms061 قوله: (فهذا شأنه يحكي الإجماع من نفسه لنفسه) . # فجميع أهل العلم والأئمة الراسخين يحكون الإجماع، ويحتجون به لأنفسهم، ~~وينصرون به أقوالهم، وقد جمع ابن هبيرة وابن حزم مسائل PageV01P163 # [61] ، الإجماع مرتبة على أبواب الفقه، وحكوها من أنفسهم لأنفسهم، وفي ~~كتب الفقه " كالإقناع " و " المغني " و " الفروع " و " المقنع " من ذكر ~~الإجماع والاحتجاج به (1) ما لا يخفى [على] (2) صغار الطلبة، والطرق التي ~~يعرف بها الإجماع القطعي معروفة عند أهل العلم، مقررة في محلها لا تخفى على ~~(3) مثل شيخنا، فإذا احتج بالإجماع قبل منه وأخذ عنه. # فإن القول ما قالت حذام (4) # ومن الطرق التي يعرف بها الإجماع: كون الحكم معلوما بالضرورة من دين ~~الإسلام، فمن تصور الإسلام وعرف حقيقته ومعناه علم علما ضروريا أن القتال ~~على التزام الشهادتين مع القدرة فرض كفاية، وفرض عين في بعض (5) المواضع، ~~هذا لا يخفى [على] (6) عوام المسلمين. # وهذا الرجل خفي عليه ذلك لاستحكام الشقاء، وغلبة العداوة والهوى. # [61] قال تعالى: PageV01P164 # {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20] ~~[هود / 20] . # وقد استفاض الإجماع على وجوب قتال من جحد ركنا من الأركان (1) الخمسة وما ~~لا يتم الإسلام إلا به، وما أجمع على تحريمه أو حله إجماعا قطعيا، أو ثبت ~~جزما كتحريم لحم الخنزير، وقد نص على ذلك من يحكي الإجماع كابن هبيرة، وابن ~~حزم، وشيخ الإسلام (2) وابن رجب، وابن عبد البر، وابن المنذر، وأمثالهم من ~~أهل العلم. ### | قول شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الطائفة الممتنعة # قال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار (3) . # (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من ~~هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا (4) شرائعه، وإن كانوا مع ~~ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق ~~والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعد سابقة ~~مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم ms062 على ~~القتال على حقوق الإسلام؛ عملا بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم: " «شر الخلق ~~والخليقة» " (5) مع قوله: " «تحقرون صلاتكم PageV01P165 # مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» " (1) فعلم (2) أن مجرد الاعتصام بالإسلام ~~مع عدم التزام شرائعه. ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله ~~لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله، فالقتال واجب، فأيما ~~طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات، أو (3) الصيام أو الحج، أو عن ~~التزام تحريم الدماء والأموال، أو الخمر أو الزنا أو الميسر أو عن نكاح ~~ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ~~ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر ~~الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها؛ وإن كانت مقرة بها، ~~وهذا مما لا أعلم فيه خلافا (4) بين العلماء، [62] وإنما اختلف الفقهاء في ~~الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والآذان ~~والإقامة عند من لا يقول بوجوبهما، ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة ~~الممتنعة على تركها أم (5) لا؟ # فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، ~~وهؤلاء عند المحققين من العلماء (6) ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على ~~الإمام أو (7) الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين PageV01P166 # علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو ~~خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة ~~مانعي الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ~~ولهذا افترقت سيرة علي (1) في قتاله لأهل البصرة (2) والشام، وفي قتاله ~~لأهل النهروان، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ~~ومع الخوارج بخلاف ذلك) . انتهى المقصود منه. ### | مسألة التلقين في القبر وهل هي شرك # وأما مسألة "التلقين في القبر ": فلمن منعه، سلف صالح يقتدي بهم من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان ms063 وأئمة الهدى من أهل ~~المذاهب وغيرهم، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية وأمثالهما ~~لا يرون ذلك؛ وإن قال به جمع كثير، وهذه مسألة (3) فرعية خلافية، فالتشنيع ~~بها خروج (4) عن محل النزاع. # وأما قوله: (وعد ذلك من الشرك) . # فهذا بهت ظاهر، أين التلقين من الشرك؟ فالتلقين تذكير وتعليم، والشرك ~~إعطاء المخلوق ما يستحقه الخالق وحده، من دعاء وتوكل ومحبة (5) ونحو ذلك من ~~العبادات والطاعات، هذا هو الشرك، والشيخ PageV01P167 # أجل وأعلم من أن يجعل التلقين من الشرك، وتآليفه وبحثه يدل على أنه من ~~الراسخين، وتهور (1) هذا ومجازفته فيما يدعيه دليل على أنه من المفترين ~~الظالمين، ويكفي المنع والرد في الجواب عما يدعيه والدعوى إذا تجردت عن ~~دليل اكتفى بردها والدفع في صدها (2) . # وقول المعترض: (أنه يقول كيف يدعى الميت وينادى في قبره؟ وهو لا يسمع ولا ~~يبصر. # ويقول تعالى: {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] (3) [النمل / 80] ، حتى ~~منعوا الناس عن ذلك، وعن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح وعن القراءة على ~~القبر) . هذا لفظه. # والرجل أدخل الآية في جملة (4) ما حكى، ولم يتعقب حكايته بتفصيل، بل أطلق ~~المنع والتشنيع والرد فلا أدري ماذا يرى في الآية؟ وبماذا يتخلص، أهو على ~~صراط مستقيم في السمع المنفي في مثل هذه الآية والمثبت فيما صح من (5) ~~السنة؛ أو هو كما هو (6) ظاهر عبارته [63] ، غبي مرتبك مرتاب لا يدري ما ~~نفى مما أثبت؟ وشيخنا (7) رحمه الله لم PageV01P168 # يصدر (1) منه هذا ولا قاله؛ ولا جعل هذا من الدعاء الممنوع منه، لكنه ~~يدري ما يراد بالنفي في مثل هذه الآية، وما يراد بالإثبات في مثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم في أهل قليب بدر: " «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» " (2) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: " «إن الميت ليسمع» (3) قرع نعال أهله " (4) ~~ونحو ذلك من الأحاديث الواردة في السماع، فمن عرف هذا تبين له ما في عبارة ~~المعترض من الكذب والجهل والخلل. # وكذلك قوله: (إنهم منعوا الناس عن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح) . # كذب بحت من جنس ما قبله، ms064 غاية ما قيل: إن الدعاء لم يشرع من حين التسليم، ~~وإنما شرع التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد (5) ومحل الدعاء قبل السلام ~~وبعد الفراغ من الأذكار المشروعة بعد السلام، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن ~~تيمية وقرره أحسن تقرير (6) وأما الأدب على الدعاء: فليس بصحيح، بل هو جرى ~~على العادة في أكاذيبه وأوضاعه. PageV01P169 # ثم قال المعترض: (ولسنا بصدد (1) هذا، وإنما صددنا هنا لتكفيراته، فإذا ~~كان أمر الأمة كذلك فماذا يقاتل عليه من إنكار شهادتي الإخلاص اللتين يدخل ~~بهما الإسلام، ويعصم بهما دمه وماله، وأنت لو قلت لأفجر الأمة: أريد منك ~~إنكار (2) شهادتي الإخلاص أو إحداهما (3) وإلا قتلتك، لاختار القتل ولا ~~إنكارهما أو إحداهما (4) إلا أن يعمل برخصة الله وقلبه مطمئن بالإيمان) . # والجواب أن يقال: يسأل هذا الجاهل عمن أتى بالشهادتين ثم صدر منه ما يوجب ~~الردة من عبادة صنم أو وثن، أو إنكار ركن من الأركان، أو أصل من أصول ~~الأيمان الستة؛ أو أنكر حرفا من القرآن أو أنكر تحريم الخنزير، أو تحريم ~~امرأة من محارمه المذكورة في سورة النساء أو فرعا مجمعا عليه أو سحر (5) أو ~~شك في البعث، أو في كذب مسيلمة ونحو ذلك، فإن قال: شهادتي الإخلاص عصمت دمه ~~وماله، وإن فعل ذلك، فقد جهل الأمة، وفسق الصحابة والأئمة، وأضحك العقلاء ~~من جهله، وخرق الإجماع، وشاق الله ورسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين، وإن ~~اعترف بإباحة الدم والمال لصدور شيء من ذلك بطل (6) كلامه، وفسد تأصيله، ~~واستبان أنه من أكابر الضالين، ورؤساء الملحدين مذ جرى قلمه، وتفوه فمه، ~~بالخوض PageV01P170 # في هذه (1) المسائل التي لا يعرفها إلا رجال آمنوا بالله وصدقوا ~~المرسلين. # فنعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، ~~وأكثر سعي العالمين ضلال. # أين هذا من قول الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} ~~[الجن: 18] [الجن / 18] . # وقوله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك ~~إذا من الظالمين} [يونس: 106] [يونس / 106] . # وأين هو (2) من قوله تعالى: {ومن يدع مع ms065 الله إلها آخر لا برهان له به} ~~[المؤمنون: 117] الآية (3) [المؤمنون / 117] . # وقوله تعالى: {ولقد أوحي (4) إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] [الزمر / 65] ، ونحو ذلك من الآيات، ~~وفي السنة (5) من ذلك ما لا يمكن حصره. # ويكفي المؤمن قوله صلى الله عليه وسلم: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ~~وحسابهم على الله» (6) . PageV01P171 # وقد استدل (1) الصديق بهذا الحديث على قتال مانعي الزكاة، فكيف لا يستدل ~~به على مناقضة " لا إله إلا الله "، وقتال من نقضها وهدمها، وأبطلها بعبادة ~~الأنبياء والصالحين، والجن، والشياطين، واتخذ آلهة مع الله يحبهم ويدعوهم، ~~ويسألهم ويتوكل عليهم، ويزعم أنهم باب حاجته إلى الله والواسطة بينه وبين ~~ربه في قضاء حاجاته، وتفريج مهماته؛ ومغفرة ذنبه، وتكفير سيئاته. # وقد اتسع الخرق بذلك حتى وصلوا إلى دعوى الربوبية في آلهتهم، وأنهم ~~يدبرون ويتصرفون، ويعطون (2) ويمنعون، وأن ذلك على سبيل الكرامة، فألهوهم ~~وعبدوهم عبادة ما صدرت من كفار قريش، ولا ادعاها أحد منهم لوثنه ومعبوده. ~~هذا، وهم يقولون: "لا إله إلا الله وفيهم من يصلي ويزكي ويأتي بشيء من ~~العبادات البدنية والمالية، ومع ذلك هم من أكابر المشركين ورؤساء الضالين، ~~وقد قيد (3) سبحانه الانتفاع بالشهادة بقيد ليس عندهم منه خبر، ولم يقفوا ~~منه على عين ولا أثر. # قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] [الزخرف / 86] . # وقال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19] [محمد / 19] . # وفي حديث أبي هريرة: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله ~~خالصا من قلبه» " (4) . PageV01P172 ### | فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام وأنه أخذ الأموال وسفك الدماء # فصل قال المعترض: (ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا للأركان الخمسة، ~~كما قال ذلك أخوه لأمه وأبيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، حين خطاه، فلم ~~يقبل منه (1) ونهاه عن سفك الدماء، ونهب الأموال، فلم يفعل، وكان يقول في ~~رسائله ولدعاته (2) إن علماء نجد كعقداء ms066 البدو في أخذهم العقبات على أهل ~~الغارات، فوصى له رجل عاقل من أهل نجد أن قولوا له: إن أهل نجد قبلك يأخذون ~~على الخط لأجل أنه لا يحصل لهم كفاية على القضاء، وقد نص العلماء على ~~الرخصة في ذلك على هذه الحال وعقداء (3) البدو في الغارات يأخذون فيما ~~بينهم أبيض الظهر وليسوا يأخذونه عليهم قهرا (4) وإنما هو عن تراض منهم على ~~ذلك، لا ينكره منهم منكر، وأنت تأخذ الكسب كله، أبيض الظهر وأسوده بغير رضى ~~[65] ولا حق ولا مستحق عليهم، بل اجترأت على الله، وعلى كتابه ورسوله ~~وعباده المؤمنين فكفرتهم وسفكت دماءهم، وأخذت (أموالهم واستبحت PageV01P173 # بلدانهم، وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك) (1) وأخذت فريضة الله التي فرض ~~من فوق سبع سماوات (2) ولم تعطها أهلها، بل استعنت بها على سفك دماء ~~المسلمين واستباحة حرمتهم، وتأخذ زكاة الثمار، ولو أن ثمرة الإنسان ما تكفي ~~عشير ما عليه من الدين إذ هو بحالة يستحق دفع (3) الزكاة إليه، بل قد ~~يتدينها (4) لهم. فخالفت العلماء الأمناء (5) وخالفت الرسول صلى الله عليه ~~وسلم جهارا، حيث بعث معاذا إلى اليمن في وصيته (6) بأن تؤخذ من أغنيائهم ~~وترد على فقرائهم، وأنت عكست ذلك كما هو المشاهد. فلم يرعو (7) وجعل ذلك ~~بعده سنة سيئة متبعة، عليه غرمها ووزرها، ورآها (8) بذلك حقا واجبا ودينا ~~لازما، والمنكر لذلك يكون كافرا فاجرا، والويل ثم الويل له (9) إن لم يكن ~~تائبا عن ذلك راجعا، ويكون له على ذلك تابعا داعيا، ويستدل بفعل الصديق رضي ~~الله عنه، وهيهات هيهات ما بعد ما بينهما؛ وإنه لكما قال عمر (10) بن [أبي] ~~(11) ربيعة المخزومي يعرض برجل وامرأة: PageV01P174 # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله , كيف يجتمعان # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني # فالجواب أن يقال: قد علم أهل العلم والإيمان براءة الشيخ من هذا: وأن ~~دعوته إلى طاعة الله ورسوله، يأمر بتوحيده وينهى عن الشرك به وعن معصيته ~~ومعصية رسوله، ويصرح بأن من عرف الإسلام ودان به فهو المسلم في أي زمان وأي ~~مكان، ويشهد الله كثيرا ms067 في رسائله، ويشهد أولي العلم من خلقه أن أعداءه إن ~~جاؤه (1) عن الله أو عن (2) رسوله بدليل يرد شيئا من قوله، ويحكم بخطئه فيه ~~ليقبلنه على الرأس والعين، ويترك ما خالفه أو عارضه، وهذا معروف بحمد الله. # وإنما يرميه بمثل هذا البهت وينسبه إليه من جعل زوره وقدحه في أهل العلم ~~والإيمان جسرا يتوصل منه، ويعبر إلى ما انطوى عليه، وزينه له الشيطان من ~~عبادة الصالحين والتوسل بهم، وعدم الدخول تحت أمر أولي (3) العلم، وترك ~~القبول منهم، والاستغناء بما نشأ عليه أهل الضلال واعتادوه، من العقائد ~~الضالة، والمذاهب الجائرة. # قال تعالى حاكيا عن فرعون وقومه فيما رموا به كليمه موسى ونبيه هارون ~~عليهما السلام من قصد العلو والدعوة إلى أنفسهما: {قالوا أجئتنا لتلفتنا ~~عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} ~~[يونس: 78] [يونس / 78] . PageV01P175 # وقال: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين} [المؤمنون: 45] ~~(1) {إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين - فقالوا أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عابدون - فكذبوهما فكانوا من المهلكين} [المؤمنون: 46 - ~~48] [المؤمنون / 45 - 48] . فانظر ما أفادته اللام إن كنت من ذوي الألباب ~~والأفهام. # وقال تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا لنبيهم: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن ~~يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} ~~[المؤمنون: 24] [المؤمنون / 24] . # فانظر يا من نور الله قلبه، ما زعم هذا المعترض ونزله على هذه الآيات ~~الكريمات تعرف أن آل فرعون وقوم نوح لهم ورثة وأتباع، وعصابة وأشياع، يصدون ~~عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، ويستكبرون على ورثة الرسل وأعلام الهدى، ~~تعظما وحرجا، ولا بد من الحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين، وقد رأيت ~~رسالة لشيخنا رحمه الله تعالى تشهد لما قررناه، ونصها (2) . ### | نص رسالة من الشيخ إلى حمد التويجري # (من محمد بن عبد الوهاب إلى الأخ أحمد التويجري، ألهمه الله رشده. # وبعد، وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه؛ وأشرفنا على الرسالة المذكورة ~~وصاحبها ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وما ms068 تضمنته الرسالة من ~~الكلام في الصفات مخالف (3) . لعقيدة الإمام أحمد، وما تضمنته من الشبه ~~الباطلة في تهوين أمر الشرك بل في إباحته، PageV01P176 # فمن أبين الأمور بطلانا لمن سلم من الهوى والتعصب، وكذلك تمويه (1) على ~~الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت (2) طاعتي كافر. ونقول: ~~سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل ~~بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم (3) في أي زمان وأي مكان (4) ؛ ~~وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما تبين له الحجة على بطلان الشرك، ~~وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام ~~(5) بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في ~~إزالتها والله المستعان) . اه المقصود (6) . # وأما نسبة ذلك إلى أخيه (7) سليمان: فلا مانع من ذلك لولا وجوب رد خبر ~~هذا الفاسق، وعدم قبوله إلا بعد التبين. # ثم لو فرضت صحته، فمن سليمان؟ وما سليمان؟ هذه دلائل (8) السنة والقرآن ~~تدفع في صدره (9) وتدرأ في نحره، وقد اشتهر ضلاله ومخالفته لأخيه مع جهله ~~وعدم إدراكه لشيء من فنون العلم، وقد رأيت له PageV01P177 # رسالة يعترض فيها على الشيخ وتأملتها فإذا هي رسالة جاهل بالعلم ~~والصناعة، مزجى (1) التحصيل والبضاعة، لا يدري ما طحاها؟ ولا يحسن ~~الاستدلال بذلك على من فطرها وسواها. ### | نص رسالة من سليمان بن عبد الوهاب فيها البشارة بتوبته ورجوعه إلى الحق # هذا؛ وقد من الله وقت تسويد هذا بالوقوف على رسالة لسليمان فيها البشارة ~~برجوعه عن مذهبه الأول، وأنه قد استبان له التوحيد والإيمان، [67] وندم على ~~ما فرط من الضلال والطغيان، وهذا نصها: # بسم الله الرحمن الرحيم # من سليمان بن عبد الوهاب إلى الإخوان: أحمد (2) بن محمد التويجري وأحمد ~~ومحمد ابنا عثمان بن شبانة. # سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: # فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأذكركم ما من الله (3) به علينا ~~وعليكم من معرفة دينه، ومعرفة ما جاء به رسوله صلى الله عليه ms069 وسلم من عنده، ~~وبصرنا به من العمى، وأنقذنا من الضلالة، وأذكركم بعد أن جيتونا في الدرعية ~~(4) من معرفتكم الحق على وجهه، وابتهاجكم به، وثنائكم على الله الذي أنقذكم ~~وهذا دأبكم في سائر مجالسكم عندنا، وكل ما جاءنا- بحمد الله (5) يثنى ~~عليكم. والحمد لله على ذلك، وكتبت لكم بعد ذلك كتابين PageV01P178 # غير هذا أذكركم وأحضكم، ولكن يا إخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة ~~الحق، واتباعنا سبل (1) الشيطان، ومجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل (2) ~~الهدى. # والآن معلومكم لم يبق من أعمارنا إلا اليسير والأيام معدودة، والأنفاس ~~محسوبة والمأمول منا أن نقوم لله ونفعل مع الهدى أكثر مما فعلنا مع الضلال ~~(3) وأن يكون ذلك لله وحده لا شريك له؛ لا لما سواه، لعل الله يمحو (4) عنا ~~سيئات ما مضى (5) وسيئات ما بقي. # ومعلومكم عظم الجهاد في سبيل الله؛ وما يكفر من الذنوب؛ وأن الجهاد باليد ~~والقلب واللسان (6) والمال، وتفهمون أجر من هدى الله به رجلا واحدا. # والمطلوب منكم أكثر مما تفعلون الآن، وأن (7) تقوموا لله قيام صدق، وأن ~~تبينوا للناس الحق على وجهه، وأن تصرحوا لهم تصريحا بينا بما أنتم (8) عليه ~~أولا من الغي والضلال. # فيا إخواني: الله. . الله، فالأمر أعظم من ذلك، فلو خرجنا نجأر ~~PageV01P179 # إلى الله في الفلوات وعدنا الناس من السفهاء والمجانين في ذلك لما كان ~~ذلك بكثير منا. # وأنتم رؤساء الدين والدنيا في مكانكم (1) أعز من الشيوخ، والعوام كلهم ~~تبع لكم، فاحمدوا الله على ذلك ولا تعتلوا (2) بشيء من الموانع. # وتفهمون أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يرى ما يكره، ولكن ~~أرشدكم في ذلك إلى الصبر، كما حكى عن العبد (3) الصالح (4) في وصيته لابنه، ~~فلا أحق من أن تحبوا لله (5) وتبغضوا لله (6) وتوالوا لله وتعادوا لله. # وترى يعرض في هذا أمور شيطانية، وهي أن من الناس من ينتسب لهذا الدين، ~~وربما يلقي الشيطان لكم أن هذا ما هو بصادق، وأن له ملحظ دنيوي، وهذا أمر ~~ما يطلع عليه إلا الله، فإذا أظهر أحد الخير فاقبلوا منه ms070 ووالوه، فإذا ظهر ~~من أحد شر، وإدبار عن الدين فعادوه واكرهوه، ولو أحب حبيب. # وجامع الأمر في هذا: أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له؛ ومن [68] ~~رحمته بعث لنا رسولا يأمرنا بما خلقنا له، ويبين لنا طريقه، وأعظم ~~PageV01P180 # ما نهانا عنه الشرك بالله وعداوة أهله وإبغاضهم (1) ؛ وأمرنا (2) بتبيين ~~الحق وتبيين الباطل، فمن التزم ما جاء به الرسول (3) فهو أخوك، ولو أبغض ~~بغيض، ومن نكب عن الصراط المستقيم فهو عدوك ولو هو (4) ولدك أو أخوك. # وهذا شيء (5) أذكركموه مع أني بحمد الله [أعلم] ، (6) أنكم تعلمون ما ~~ذكرت لكم، ومع هذا فلا عذر لكم عن التبيين الكامل الذي لم يبق معه لبس، وإن ~~تذاكروا دائما في مجالسكم ما جرى منا ومنكم أولا، وأن تقوموا مع الحق أكثر ~~من قيامكم مع الباطل فلا أحق من ذلك ولا لكم عذر (7) ؛ لأن اليوم الدين ~~والدنيا- والله الحمد (8) - مجتمعة في ذلك، فتذاكروا ما أنتم (9) فيه أولا ~~في أمور الدنيا من الخوف والأذى، واعتلاء الظلمة والفسقة عليكم، ثم رفع ~~الله ذلك كله بالدين وجعلكم السادة والقادة (10) . # ثم أيضا ما من الله به عليكم من الدين، انظروا إلى مسألة واحدة ~~PageV01P181 # فمما " (1) " نحن فيه من الجهالة (2) كون البدو (3) نجري عليهم (4) أحكام ~~الإسلام مع معرفتنا أن الصحابة قاتلوا أهل الردة، وأكثرهم متكلمين (5) ~~بالإسلام، ومنهم من أتى بأركانه ومع معرفتنا أنه من كذب بحرف من القرآن كفر ~~ولو كان عابدا وأن من استهزأ بالدين أو بشيء منه فهو كافر؛ وأن من جحد حكما ~~مجمعا عليه فهو كافر، إلى غير ذلك من الأحكام المكفرات، وهذا كله مجتمع في ~~البدو وأزيد، ونجري عليهم (6) أحكام الإسلام اتباعا لتقليد من قبلنا بلا ~~برهان. # فيا إخواني: تأملوا وتذاكروا في هذا الأصل يدلكم على ما هو أكثر من ذلك. ~~وأنا أكثرت عليكم الكلام؛ لوثوقي بكم أنكم ما تشكون في شيء فيما (7) ~~تحاذرون، ونصيحتي لكم ولنفسي، والعمدة في هذا أن يصير دأبكم في الليل (8) ~~والنهار أن تجأروا إلى الله تعالى أن يعيذكم من شرور أنفسكم وسيئات ~~أعمالكم، وأن ms071 يهديكم إلى الصراط المستقيم الذي عليه رسله وأنبياؤه وعباده ~~الصالحون (9) وأن يعيذكم من مضلات الفتن، PageV01P182 # فالحق وضح وابلولج (1) وماذا بعد الحق إلا الضلال. # فالله الله ترى الناس إللي (2) . في جهاتكم تبع لكم في الخير والشر، فإن ~~فعلتوا (3) . ما ذكرت لكم ما قدر أحد من الناس يرميكم بشر، وصرتم كالأعلام ~~هداية للحيران، فإن الله سبحانه وتعالى هو المسؤول أن يهدينا وإياكم سبل ~~السلام. # والشيخ وعياله وعيالنا طيبين ولله الحمد (4) ويسلمون عليكم، وسلموا لنا ~~على من يعز عليكم السلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه (5) اللهم اغفر ~~لكاتبها ولوالديه ولذريته ولمن نظر فيه (6) فدعا له بالمغفرة وللمسلمين ~~وللمسلمات أجمعين) . ### | نص رسالة من أحمد التويجري وابنا عثمان إلى سليمان ردا على رسالته إليهم # فأجابوه برسالة ينبغي أن تذكر ونصها: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا (7) سيد المرسلين. ~~PageV01P183 # من كاتبه الفقير (1) أحمد التويجري، وأحمد (2) بن عثمان وأخيه محمد، إلى ~~من من الله علينا وعليه باتباع دينه واقتفاء هدى محمد (3) صلى الله عليه ~~وسلم نبيه وأمينه: الأخ سليمان بن عبد الوهاب؟ زادنا الله وإياه من التقوى ~~والإيمان، وأعاذنا وإياه (4) من نزغات الشيطان. سلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. بعد إبلاغ (5) الشيخ (6) وعياله، وعبد الله وإخوانه، السلام. ~~وبعد. . فوصل إلينا نصيحتكم جعلكم الله من الأئمة الذين يهدون بأمره، ~~الداعين إليه وإلى دين نبيه محمد (7) صلى الله عليه وسلم، فنحمد الله الذي ~~فتح علينا وهدانا لدينه وعدلنا عن الشرك والضلال، وأنقذنا من الباطل والبدع ~~المضلة (8) وبصرنا بالإسلام الصرف الخالي من شوائب الشرك، فلقد من الله ~~علينا وعليكم وله الفضل والمنة بما نور لنا من (9) قلوبنا من اتباع كتابه ~~وسنة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعدلنا عن سبيل من ضل وأضل بلا ~~برهان، ونسأله أن يتوب علينا وعليكم ويزيدنا من الإيمان. PageV01P184 # فلقد خصنا (1) فيما مضى بالعدول عن (2) الحق ودحضناه، وارتكبنا الباطل ~~ونصرناه جهلا منا وتقليدا لمن قبلنا، فحق علينا أن نقوم مع الحق قيام صدق ~~أكثر مما قمنا مع الباطل على جهلنا ms072 وضلالنا. فالمأمول والمبغي منا ومنكم ~~وجميع إخواننا (3) التبيين الكامل الواضح، لئلا يغتر بأفعالنا الماضية من ~~يقتدي بجهلنا، وأن نتمسك بما اتضح (4) وابلولج من نور الإسلام، وما بين ~~الشيخ محمد رحمه الله من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد حاربنا الله ~~ورسوله واتبعنا سبيل (5) الغي والضلال، ودعونا إلى سبيل الشيطان ونكبنا (6) ~~كتاب الله وراء ظهورنا، جهلا منا وعداوة وجاهدنا في الصد عن دين الله ~~ورسوله (7) واتبعنا كل شيطان تقليدا وجهلا بالله (8) فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله (9) {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~[الأعراف: 23] لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا (10) من الظالمين. فالواجب ~~منا لما رزقنا الله معرفة الحق: أن نقوم معه أكثر وأكثر من PageV01P185 # قيامنا مع الباطل (1) على باطل (2) فيما فات، ونقوم له مثنى وفرادى، ~~ونتوكل على الله عسى أن يتوب علينا، ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ~~وأن يهيدنا سبل السلام، وأن يجعلنا من الداعين إلى الهدى، لا من الدعاة إلى ~~النار. فنحمد الله الذي لا إله إلا هو حيث من علينا بهذا الشيخ في آخر هذا ~~الزمان (3) وجعله بإذنه وفضله (4) هاديا للتائه الحيران، نسأل الله العظيم ~~أن يمتع المسلمين به ويعيذه من شر كل حاسد وباغ ويبارك في أيامه وأن يجعل ~~جنة الفردوس مأواه وإيانا، وأن ينفعنا بما بينه (5) فلقد بين دين نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على رغم أنف كل جاحد وصار علما للحق حين طمس، ومصباحا (6) ~~للهدى حين درست أعلامه ونكس، وأطفأ الله به الشرك بعد ظهوره حين عبدت ~~الأوثان صرفا بلا رمس، ولم يزل من الله عليه برضاه ينادي: أيها الناس، ~~هلموا إلى دين نبيكم الذي بعث به إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ثم لم ~~ينقم منه وعليه إلا أنه يقول: (7) أيها الناس اعبدوا ربكم، وأعطوه حقه الذي ~~خلقكم لأجله، وخلق لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن الله ~~تعالى يقول: {وما خلقت الجن والإنس (8) إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ~~PageV01P186 # وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة ms073 رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~[النحل: 36] وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: ~~18] وقال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} [آل عمران: 20] ~~وفسر إسلام الوجه: بالقصد في العبادة في (1) فإن دعا (2) غير الله، أو قصد ~~غير الله، أو نذر لغير الله، أو استغاث بغير الله (أو توكل على غير الله) ~~(3) أو التجأ إلى غير الله. فهذه عبادة لمن قصد بذلك، وهذا (4) والله الشرك ~~أكبر. وإنا نشهد بذلك وقمنا مع أهله ثلاثين سنة، وعادينا من أمر بتجريد ~~التوحيد العداوة البينة التي ما بعدها عداوة. فالواجب علينا اليوم نصر الله ~~ودينه وكتابه ورسوله، والتبري من الشرك وأهله وعداوتهم، وجهادهم باليد ~~واللسان، لعل الله أن يتوب علينا ويرحمنا ويستر مخازينا. وأكبر من هذا: ~~البدو الذين لا يدينون دين الحق، لا يصلون PageV01P187 # ولا يزكون ولا يورثون، ولا لهم نكاح صحيح، ولا حكم عن الله ورسوله يدينون ~~به صريح (1) ونقول: هم إخواننا في الإسلام (2) سبحانك هذا بهتان عظيم ~~ومكابرة لما جاء به رسول رب العالمين. ونقول: (3) لا خلاف أن التوحيد لا بد ~~(4) أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل من هذا شيء لم يكن الرجل ~~مسلما، فإن (5) عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس (6) ~~وإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق شر ~~من الكافر، أعاذنا الله وإياكم من الخزي يوم تبلى السرائر. فالواجب علينا ~~وعلى من نصح نفسه أن يعمل العمل الذي يحصل به فكاك نفسه (7) وأن يعبد الله ~~ولا يعبد غيره. فالعبادة حق الله على العبيد، ليس لأحد فيها شرك، لا ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن السفلة والشياطين. وحق الله علينا أن نجأر إليه ~~(8) بالليل والنهار، والسر والعلانية في PageV01P188 # الخلوات والفلوات عسى أن يتوب علينا ويعفو عنا (1) ما فات، ويعيذنا من ~~مضلات الفتن، فالحق بحمد الله وضح وابلولج، وماذا بعد الحق إلا الضلال, ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله (2) وصلى الله على سيدنا محمد وآله ms074 وصحبه أجمعين ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV01P189 ### | مناقشة جعل الشيخ علماء نجد كعقداء البدو في أخذهم العقبات على أهل الغارات # وأما قول المعترض: (إن الشيخ كان (1) يقول في رسائله: إن علماء [71] ، ~~نجد كعقداء البدوفي أخذهم العقبات على أهل الغارات) . # فيقال لهذا الغبي: إن كان الشيخ قال هذا أو نحوه؟ فله وجه ظاهر؟ يعرفه من ~~عرف حال رؤسائهم في أكل الرشا (2) ووضع الجعل على الفتاوى (3) والأحكام. # وقد صنف الشيخ رحمه الله تعالى رسالة في إبطال هذا، وأنه من السحت، وناظر ~~على ذلك من ناظر، وأقام الحجج، والرسالة عندي لولا خشية التطويل لسقتها. # وإذا كان الحال هكذا فما المانع من تشبيههم بعقداء البدو؟ إذا أكلوا ~~السحت وارتشوا في الحكم والقضاء، بل ربما كانت العقداء أخف منهم ضررا ~~لوجوه: # منها: أن العقداء يعترفون بالتحريم، وهؤلاء يعتقدون الحل. PageV01P190 # ومنها: أن عقداء البدو لا ينسبون ذلك ويضيفونه إلى دين الله، وهؤلاء ~~يجعلونه من المباحات الشرعية التي دل الكتاب على إباحتها. إذا عرفت هذا ~~فهذه العبارات لا تصدر من مثل الشيخ، ومن مارس كلامه عرف أن هذه القولة ~~ليست منه، فإن قوله: (علماء نجد) يدخل تحته كل عالم، والشيخ لا يقول هذا في ~~جميعهم؟ لأن منهم من يتورع. وأيضا فإطلاق اسم العلم عليهم لا يحسن في مقام ~~الذم، والشيخ أفقه من أن يطلق (1) هذا الاسم هنا. وقول هذا الرجل: (أن رجلا ~~عاقلا وصى للشيخ بأن أهل نجد يأخذون على الخط (2) وقد نص العلماء على ~~الرخصة) . # فقائل هذا: سفيه لا عاقل، كيف يأخذ (3) ثلاثة حمران أو أربعة أو عشرة على ~~خط ما يساوي فلسا (4) ولا يجيز هذا إلا سفيه لا يدري أحكام الله، وأسفه منه ~~من يحتج بقوله، ويسود به القرطاس. # فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا. # وليت هذا كان حظه السبهلل، كيف وقد صار على نصيب وافر من معاداة دين الله ~~وأوليائه والصد عن سبيله، ومدح من عبد غيره وتعلق على سواه من الآلهة، نعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. وقول المعترض فيما نقل عن ms075 هذا ~~السفيه: (أن البدو يأخذون أبيض PageV01P191 # الظهر، والشيخ يأخذه كله، أبيضه وأسوده بغير رضى ولا حق، وعقداء البدو ~~يأخذونه عن تراض لا ينكره منكر) . فيقال لهذا المعترض وأمثاله من الجاهلين: ~~إن أبيض الظهر وأسوده وأحمره وأصفره يؤخذ قهرا من الحربيين، مذ أحل الله ~~الغنائم لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والحكم باق إلى يوم القيامة ~~في جميع الغنائم والفيء والجزية والعشور المأخوذة من أعداء الله، فإن كان ~~ذلك عندك لا يباح منه إلا أبيض الظهر برضى أهل الكسب، فهو اللائق بعقلك ~~وعلمك ودينك، وكل (1) إناء بالذي فيه ينضح. لو شعرت أن مقتضى هذا الكلام ~~تفضيل عقداء البدو على أئمة الهدى لعرفت أنك من أضل من أقلته الغبراء ~~وأظلته الخضراء، ولكن لا تشعر بما تحت هذا الكلام. ### | رد دعوى المعترض أن الشيخ استباح البلاد وجعلها لعياله وأتباعه # وأما قوله: (واستبحت بلدانهم، وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك) . فيقال: ~~لو فرض أن عياله (2) صاروا من جند التوحيد، ومن المجاهدين في سبيل الله، ~~ومن الدعاة إلى توحيده (3) فما المانع من أكلهم أموال من صد عن سبيل الله ~~وأشرك به، وقاتل ليعبد غيره، ويدعي [72] سواه، ويعظم ويرجى من لا يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا (4) PageV01P192 # وأما أكل أموال المسلمين: فنبرأ (1) إلى الله من ذلك ومن فاعله، وقد تقدم ~~أن الشيخ (2) من أعظم الناس قياما بحق الإسلام ورعاية له. وجميع ما تقدم من ~~الاعتراضات بناء على معتقد باطل، وهو أن من تفوه بالشهادتين لا يضره ذنب ~~(3) ولا يخل بإيمانه ولا ينقض إسلامه (4) شرك، ولا تجهم، ولا القول ~~بالاتحاد والحلول، ولا غير ذلك من المكفرات، حتى المباني لا تعتبر عند ~~هؤلاء الضلال في الحقيقة كما هو نص قولهم، ومعرفة هذا (5) القول وتصوره ~~يكفي في بطلانه عند من عرف الإسلام. وأما وضع الفريضة والزكاة في موضعها، ~~وإعطاؤها أهلها: فلا يعرفه ويعرف مستحقها وحكم الله فيها، إلا من عرف دينه ~~وما جاءت به رسله، وأما من لم يعرف الإسلام والتوحيد، ولا (6) الشرك ~~والتنديد، ولم يتصور حق الله على العبيد (7) فماله ms076 والكلام فيما لا يعنيه، ~~وما لا (8) يعرفه ولا يدريه؟ . # تمنيت أن تمسى فقيها مناظرا ... بغير عناء , والجنون فنون PageV01P193 ### | مسألة أخذ الزكاة من المدين وأن فعل الشيخ يوافق مذهب السلف # وقد ظهر جهلك في قولك: (وتأخذ زكاة الثمار ولو أن ثمرة الإنسان ما تكفي ~~عشير ما عليه من الدين) ، ولم تعلم أن جمهور العلماء قالوا بأخذها من ~~المدين في الأموال الظاهرة، كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول ~~مالك والشافعي (1) وروى عن الإمام أحمد أنه قال: (2) (قد اختلف ابن عمر ~~وابن عباس؛ وقال ابن عمر: يخرج ما أنفق واستدان على ثمرته وأهله (3) ويزكي ~~ما بقي، وقال ابن عباس: يخرج ما استدان على ثمرته ويزكي ما بقي، وإليه ~~أذهب، لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلا أو غنما لم يسأل (4) أي شيء على صاحبها ~~من الدين) ؟ . وظاهر هذا: أن هذه رواية ثالثة تخص ما أنفق على الزرع ~~والثمرة. وسبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة، أو حق مرتب في المال للمساكين؟ ~~فمن رأى أنها (5) حق لهم قال: لا زكاة على الذي عليه الدين، لأن حق صاحب ~~الدين مقدم (6) على حق المساكين بالزمان، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين. ~~PageV01P194 # ومن قال: أنها عبادة، قال تجب على من بيده مال، لأن ذلك هو شرط التكليف ~~وعلامته المقتضية للوجوب على المكلف، سواء كان عليه دين أم لم يكن، وأيضا ~~فقد تعارض حق الله وحق الآدمي (1) فحق الله أحق أن يقضى. وأما الفرق بين ~~الثمار وغيرها، فحجته ترك عماله صلى الله عليه وسلم وعمال خلفائه (2) البحث ~~والاستفصال، وعدم النص المقتضي لذلك. وسلك أبو عبيد: القاسم بن سلام مسلكا ~~آخر فقال: (إن كان لا يعلم دينه إلا بقوله لم يصدق، وأن علمه (3) من غيره ~~لم تؤخذ منه) ، كذا قال. إذا عرفت هذا- (والخلاف في غيرها معروف، نحيل طالب ~~العلم على كلام أهل العلم والفقه في مظانه) (4) فمخالفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما تصدق وتتحقق فيمن خالفه في الحكم على من عبد الأولياء ~~والصالحين بأنه مسلم، وأن ماله ms077 ودمه معصوم، مع الشرك بالله وعبادة الأوثان، ~~ومسبة ورثة دينه وأهل الدعوة إلى سبيله، ونسبتهم وتسميتهم خوارج ضلال، ومن ~~(5) عبد القباب، وأشرك برب الأرباب، هم من (6) أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وخالفت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، (7) PageV01P195 # فيما (1) سودت به الأوراق من المسبة والشقاق، والله لم يتعبدنا بالسب، ~~ولم يجعله شرعا ودينا ينسب إليه وإلى رسله (2) وإنما هو حرفة الجاهلين ~~المفلسين من العلم والإيمان؟ كالنساء والصبيان، وأما أنت فهو حاصل ردك؟ ~~وغاية قدح زندك (3) [73] وأما قوله: (والمنكر لذلك يكون كافرا فاجرا) . هذه ~~الجملة كأخواتها السابقة واللاحقة من الكذب وشهادة الزور وأما قوله: (إن ~~الشيخ يستدل بفعل الصديق) . فنعم ونعم الإمام هو. وأما قوله: (وهيهات هيهات ~~ما بعد ما بينهما، وإنه لكما قال عمر بن أبي ربيعة (4) # أيها المنكح الثريا سهيلا # إلخ. # فجوابه أن يقال: قرب المشابهة وبعدها يعرفها أولوا العلم، الذين ~~PageV01P196 # زكاهم وعدلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " «يحمل هذا العلم من ~~كل خلف عدوله» (1) وقد قام الدليل والبرهان على جهلك بأصل الدين والإيمان، ~~وأنك لا تفرق بين الكفر والإسلام، والشرك والتوحيد، والعدل والجور، فمن ~~يقبل حكمك القاسط؟ ومن يلتفت إلى قولك الساقط؟ # ما أنت بالحكم الترضي حكومته ... ولا الأصيل , ولا ذا الرأي والجدل (2) # وقد شهد أهل العلم والدين لهذا الشيخ، بأنه من المتبعين لآثار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وآثار أئمة الدين في أصل دعوته وأحكامه في الأموال ~~وغيرها. وأما قوله: (فطالع كلام العلماء في "الإقناع " وغيره من كتب ~~الأصحاب) ، فمن طالعها وعرف سيرة الشيخ وصنيعه في جبايتها وإخراجها علم أنه ~~من أحق الناس أن ينسب إليه العدل وموافقة أهل العلم (3) وأنه أولى الناس ~~بهم، وأقربهم إلى دين الله ورسوله؟ ولكن لا حيلة في المتكبر عن قبول الحق ~~والاعتراف به، ولولا حجاب الكبر ودائه القاتل (4) لما اختلف على الرسل ~~اثنان؟ ولما عبدت الأصنام والأوثان؟ والله المستعان. PageV01P197 ### | فصل بيان مقصود الشيخ بقوله ونكفره بعد التعريف # فصل قال ms078 المعترض: (ثم قال في الجواب المذكور: "ونكفره بعد التعريف إذا ~~عرفناه وأنكر! (1) فنقول: أولا هذا الذي عرفه به من تأويلاته يطالب أولا ~~بصحتها، وهل وافقه عليه علماء الأمة الذين (2) لا يصلح هو [74] ، أن يكون ~~من نظرائهم كما مر، فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلام، ~~إذ لا قبول لقوله (3) على هذه الحالة بنص علماء الأمة رضي الله عنهم، وقد ~~(4) قال تعالى فيمن لن يتبع (5) سبيل المؤمنين ما قال. فإن وافقوه على ذلك، ~~وقد علم عدم موافقتهم له (6) فعلى تقدير موافقتهم له- لو فرضنا ذلك- فلا ~~يقوم بتعريفه حجة حتى يتبين للجاهل ويعلم أن ما يقوله حق، كما نص على ذلك ~~العلماء، إذ هو بهذه العبارة جعل تعريفه له حجة بمجردها بمنزلة تعريف ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي قامت به PageV01P198 # الحجة بالآيات الباهرات، التي تعجز قوى البشر عنها: من انشقاق القمر، ~~وتسليم الحجر، وانقياد الشجر، ونزول العذق، وكلام الظبي (1) والضب، وتظليل ~~الغمام، ونبوع الماء بين أصابعه ريا، وتسبيح الطعام، وحنين الجذع، وسجود ~~الجمل، والإسراء، وتكثير الطعام، وأعظم من ذلك القرآن المجيد، وما لا يحصى ~~من المعجزات بالاستقصاء والتعديد، وأما هذا فليس تعريفه بحجة حتى يعلم ~~المعرف أن ما عرف (2) به هو الحق ثم يعاند) . اه. والجواب أن يقال: على (3) ~~هذا الكلام من الظلمة والوحشة، واضطراب (4) التركيب ما يقضي بسقوطه وجهل ~~قائله، وعدم معرفته لمواقع الخطاب، وقول شيخنا- رحمه الله- في جوابه ~~للشريف: "ونكفره بعد التعريف إذا عرفناه وأنكر) قول صحيح (5) فإن العلماء - ~~رحمهم الله تعالى- ذكروا أن المرتد يستتاب ويعرف؛ فإن أصر وأنكر يكفر بذلك، ~~ولو كان المستتيب له من آحاد أمراء المسلمين أو عامتهم؟ فكيف بقضاتهم ~~وعلمائهم؟ PageV01P199 ### | سياق الأدلة على كفر من أشرك بالله وجعل له ندا # وأما قول المعترض: فنقول: # أولا: هذا الذي عرفه به من تأويلاته، يطالب أولا بصحتها) . # فيقال لهذا الملحد: إن الذي يشير إليه الشيخ، ويعرف به هو نصوص القرآن ~~والسنة، وإجماع علماء الأمة، وما ذكره الفقهاء في كتبهم في تكفير من أشرك ~~بالله، وجعل له ندا ms079 يعبده ويدعوه ويستجير بحماه، وأدلة هذا في كتاب الله، ~~وفي سنة رسول الله (1) أكثر من أن تحصر. # قال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون} [البقرة: 21] (2) الآية (3) وقال: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} [النساء: ~~136] [النساء / 136] . # وقال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~ونفصل الآيات لقوم يعلمون} [التوبة: 11] [التوبة / 11] . # وقال: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: ~~151] (4) . # وقال: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء: 36] (5) . # وقال: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] [الإسراء / 23] . ~~PageV01P200 # وقال: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} [الإسراء: ~~39] [الإسراء / 39] . # وقال: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: ~~39] [يوسف / 39] والآية بعدها (1) . # وقال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} [يونس: 106] ~~[يونس / 106] . # وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} [المؤمنون: 117] ~~[المؤمنون / 117] . # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا} [الإسراء: 56] [الإسراء / 56] . # وقال: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] [الجن / 18] ~~. # وكقوله (2) صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد ~~الله وحده» (3) «وفي حديث عمرو بن عبسة لما قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أول المبعث قال: "فقلت له: بأي شيء أرسلك؟ قال: بأن يوحدوا الله ~~ولا (4) يشرك به شيء، وتكسر الأوثان وتصل الرحم» (5) وقوله: «أمرت ~~PageV01P201 # أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (1) . # ومعلوم أن المراد هنا قولها على وجه يحصل به إفراد (2) الله بالعبادة ~~وترك ما يعبد معه، والبراءة منه، وأما مجرد اللفظ مع المخالفة للحقيقة فليس ~~مرادا بإجماع أهل العلم، ولذلك جاء في «حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن: ~~"فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» ، وفي رواية: " «إلى ~~أن يوحدوا الله، فإن ms080 هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس ~~صلوات» " (3) . # والمقصود منه: أنه جعل الغاية توحيد الله (4) بالعبادة والاستجابة لذلك ~~والتزامه هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، وأما مجرد القول والتلفظ فليس ~~هو عين المراد. وأما العلماء فقد وافقوا على ذلك، وقرروه، وذكروا الإجماع ~~عليه، وأن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد الجنان، وإقرار اللسان، وعمل ~~الأركان، وجهلوا من اقتصر في تعريف مسماه على أحد هذه الثلاثة. # وأما كون الشيخ لا يصلح أن يكون من نظرائهم: فالذي يصلح أن يكون من ~~نظرائهم عند هذا الملحد هو ابن سلوم، وابن فيروز، وأمثالهما PageV01P202 # ممن (1) صرح بعداوة الدين، ومسبة شيخ المسلمين، وكل أحد يميل إلى جنسه ~~ويصبو إلى ما يشاكله، "والأرواح أجناد (2) مجندة، فلأرواح أهل الإيمان ~~واليقين من الألفة والمشاكلة ما يوجب المودة والألفة ولو تباعدت الديار ~~وتناءت الأشباح، بخلاف أهل الشرك والفجور، فإن بينهم وبين الأرواح الطيبة ~~من الوحشة والنفور والبغضاء ما يزداد بقرب الديار ورؤية الأبصار، وبين ~~أرواح بعضهم من بعض من ذلك ما هو مشاهد محسوس. # وقوله: (فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلا) . # يقال في جوابه: وافقه على وجوب توحيد الله والبراءة مما عبد معه جميع ~~الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة، ووافقوه على تكفير من أبى ذلك ورده إذا ~~قامت عليه الحجة. # ودليلنا قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] [النحل / 36] # وقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} [الأنبياء: 25] [الأنبياء / 25] # وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا (3) أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] [الزخرف / 45] # وأما أعداء شيخنا المحادون لله ورسوله من ضلال المنتسبين (4) إلى ~~PageV01P203 # الملة: فليسوا من أهل العلم، بل ولا من أهل الإيمان؛ فلا يغتر بقولهم ولا ~~يلتفت إليهم؛ لأنهم الأئمة في عبادة القبور وجعلها أوثانا تعبد (1) كما لا ~~يلتفت إلى خلاف (2) . القدرية والمجبرة والجهمية الذين جحدوا صفات الله، ~~وأنكروا علوه واستواءه على عرشه، ms081 وأنه (3) . يتكلم بحرف وصوت، وجعلوا نفيهم ~~وتعطيلهم أصولا دينية يجب على الناس اعتقادها؟ فهؤلاء وأمثالهم لا يعتبر ~~إنكارهم، ولا يستشهد بوفاقهم (4) . # وأما قوله: (وقد قال تعالى (5) فيمن لم يتبع سبيل المؤمنين ما قال) . # فكأن الرجل لا يعرف التلاوة ولا يحفظ الآية، ونقول: قال تعالى: {ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] [النساء / 115] # وسبيل المؤمنين هو الصراط المستقيم، وهو ما كان عليه صلى الله عليه وسلم ~~من الإسلام والتوحيد. فسره بهذا أهل العلم. # وأنت عكست الأمر، وجعلت من شاق الله ورسوله بمدح الشرك وأهله والدعوة ~~إليه، وخرج عن سبيل المؤمنين، واتبع غيره (6) هم العلماء PageV01P204 # الأمجاد النقاد الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم، وهذا عين المشاقة والمحادة ~~(1) لله ورسوله، وقد ولاك ما توليت، وأتاح لك ما اخترت وتمنيت، وصار أعداء ~~دين الله هم أولياؤك وأشياخك وحزبك وأشياعك الذين تدين بأقوالهم، وترجع إلى ~~آرائهم، وتحتج بها في موارد النزاع، فتحقق هذا الوصف فيك، وأما إصلاء جهنم ~~فأمره إلى الله الذي بيده الملك وإليه يرجع الأمر كله فيقضي بين عباده ~~بعلمه، وهو أسرع الحاسبين. ### | رد اشتراط المعترض في قيام الحجة معرفة علم المخاطب بالحق # وأما قوله: (فعلى تقدير موافقتهم لا يقوم بتعريفه حجة حتى يتبين للجاهل ~~ويعلم أن ما يقوله حق) . # أقول في جوابه: هذا الرجل من المحن على الدين، ومن أكابر المحرفين للكلم ~~عن مواضعه، أي عالم وأي فقيه اشترط في قيام الحجة والبيان معرفة علم ~~المخاطب بالحق؟ . # قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون (2) إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] [الفرقان / 44] . # وقال تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} ~~[الأنعام: 25] [الأنعام / 45، الإسراء / 46] # وقال تعالى: {قل هل ننبئكم (3) بالأخسرين أعمالا - الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103 - 104] [الكهف / ~~103، 104] PageV01P205 # وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى} [فصلت: 44] [فصلت ms082 / 44] . # وأمثال هذه الآيات التي تدل على عمايتهم وعدم معرفتهم للحق كثير، ولم يقل ~~هذا (1) أحد قبل هذا الغبي، وإنما يشترط فهم المراد، للمتكلم والمقصود من ~~الخطاب، لا أنه حق. فذاك طور ثان، هذا هو المستفاد من نص الكتاب السنة، ~~وكلام أهل العلم لا ما قاله هذا المخلط الملبس. # وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (2) حدثني أبو سعيد بن يعقوب ~~الطالقاني أنبأنا المؤمل بن إسماعيل سمعت عمارة بن زاذان (3) قال: بلغني أن ~~القدرية يحشرون يوم القيامة مع المشركين؟ فيقولون: والله ما كنا مشركين، ~~فيقال لهم (4) إنكم أشركتم من حيث لا تعلمون، قال: وبلغني أنه يقال لهم يوم ~~القيامة: "أنتم خصماء الله ". انتهى. # فهؤلاء ما عرفوا الحق ولا عقلوه. # وأما قوله: (إذ هو (5) جعل تعريفه حجة بمجردها بمنزلة تعريف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم الذي قامت به الحجة بالآيات الباهرات) ، إلى آخر عبارته. # فيقال لهذا المخلط: تعريف أهل العلم للجهال بمباني الإسلام، PageV01P206 # وأصول الإيمان والنصوص القطعية (1) والمسائل الإجماعية حجة عند أهل ~~العلم، تقوم بها الحجة، وتترتب عليها الأحكام، أحكام الردة وغيرها، والرسول ~~صلى الله عليه وسلم أمر بالتبليغ عنه، وحث على ذلك، وقال [الله] (2) في ~~الاحتجاج والنذارة في كتابه العزيز (3) {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ~~[الأنعام / 19] ومن الذي يبلغ وينقل نصوص الكتاب والسنة غير أهل العلم ~~وورثة الرسل؟ فإن كانت الحجة لا تقوم بهم وبيانهم أن هذا من عند الله، وهذا ~~كلام رسوله، فلا حجة بالوحيين، إذ النقل والتعريف يتوقف على أهل العلم؟ كما ~~أن بيان المعاني المقصودة والتأويلات المرادة (4) يتوقف على أهل العلم؟ ~~وتقوم الحجة بهم، وهم نواب الرسول صلى الله عليه وسلم في الإبلاغ عنه وقيام ~~الحجة بهم كما قال علي بن أبي طالب في حديث كميل بن زياد: "بلى " لن تخلو ~~الأرض من قائم لله بحججه (5) كي لا تبطل حجج الله وبيناته " (6) إلى آخر ~~كلامه، وفي الحديث: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من ~~خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (7) . PageV01P207 # وبالجملة: ms083 فالحجة في كل زمان إنما تقوم بأهل العلم ورثة الأنبياء. # وما ذكر هذا المعترض من الآيات التي تعجز قوى البشر عنها هي آيات ومعجزات ~~دالة على رسالته ونبؤته صلى الله عليه وسلم وليست دالة على أنه لا يقبل من ~~علماء أمته بيان ودعوة إلى الله إلا إذا حصل لهم مثل ما حصل له، كما يشير ~~إليه كلام هذا الضال، وهي أيضا براهين لأتباعه وعلماء أمته؟ لأنهم يبلغون ~~عنه. ### | حديث سجود الجمل للنبي صلى الله عليه وسلم # وفي عبارة المعترض: (أن الجمل سجد له) ، وهذا مما لا أصل له. بل جاء (1) ~~الجمل يشتكي كثرة العمل، وحن إليه، وأما السجود فلا سجود؟ لأن حديث سجود ~~الجمل رواه الدارمي (2) من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير (3) ~~الأسدي المكي (4) قال فيه (5) يحيى القطان: ليس بالقوي، وكذلك قال النسائي، ~~وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم (6) ليس بقوي في الحديث، وليس حده الترك. ~~قلت: يكون مثل أشعث بن سوار (7) في الضعف؟ قال: نعم. وقال عمرو PageV01P208 # بن علي (1) كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال في موضع آخر: رأيت ~~عبد الرحمن بن مهدي، وذكر إسماعيل بن عبد الملك وكان قد حمل عن سفيان عنه ~~(فقال: اضرب على حديثه. وقال أبو موسى محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا ~~عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه) (2) وكان عبد الرحمن يحدث عنه، ثم أمسك ~~عنه. (فما حدث عنه) (3) وقال البخاري: يكتب حديثه. وقال ابن حبان: يقلب ما ~~يروي. انتهى. # وقوله: (ونبوع الماء بين أصابعه ريا) . # عبارة نبطية، فيها من اللحن موضعان تعرف بهما أنه أجنبي عن سائر العلوم. # الأولى: في قوله: " نبوع " فإن المصدر "نبع من باب ضرب يضرب ضربا، ولا ~~يجوز ضرب يضرب ضروبا، وجواز هذا الوزن في جمع (4) فعل قليل جدا، والذي ذكره ~~المعترض يريد به المصدر لا الجمع بخلاف فعل ساكن العين، فإنه يجمع على فعول ~~ككرم وكروم، وصقر وصقور. # واللحنة الأخرى قوله: ريا"، فالحال لا تصلح هنا. إذ صاحبها لا يصلح أن ~~يكون ms084 (5) المصدر ولا الجمع على قدرته، فالكلام نبطي ساقط. PageV01P209 # وأما قوله: (أما هذا فليس تعريفه بحجة حتى يعلم المعرف أن ما عرفه (1) به ~~هو الحق ثم يعاند) [فقد] (2) تقدم ما فيه، وهذا محض تكرير وإسهاب (3) مفلس، ~~لا يدري ما يقول: # فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد PageV01P210 ### | فصل في بيان كفر من عرف التوحيد ولم يتبعه مع عدم بغض للدين وأهله ولم يمدح الشرك # فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه المذكور: فنقول: أعداؤنا معنا على ~~أنواع. # النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي ~~أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر الذي هو دين ~~غالب الناس أنه الشرك بالله الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل أهله ~~ليكون الدين كله لله، ومع ذلك (1) لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل ~~فيه، فهذا كافر نقاتله بكفره، لأنه عرف التوحيد فلم يتبعه، مع أنه لا يبغض ~~دين الرسول ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس) . # ثم قال المعترض: (فنقول: يا غوثاه إلى الله تعالى، كيف يقول: إنه عرف ~~التوحيد والشرك ومع ذلك إنه لا يبغض دين الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من ~~دخل فيه، " ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس، ثم يقول: ولا تعلمه ولا دخل ~~فيه) (2) ما هذا التناقض الباهر؛ الذي يعرفه البليد دون الماهر؟) ~~PageV01P211 # والجواب أن يقال: آفتك الفهم السقيم؟ والمعتقد الذميم، الخارج عن الصراط ~~المستقيم. # قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] [الأنعام / 110] # لو عرفت حدود ما أنزل الله علي رسوله، وعرفت الإيمان بحده الشرعي، ~~والتوحيد بحده، لظهر لك أن المعرفة لا تقتضي الإيمان والتوحيد، وأكثر أعداء ~~الرسل عرفوا الحق والصدق، ولكنهم لم يلتفتوا إليه ولم يعبأوا به ولا ~~تعلموه، كحال هذا الذي ذكره الشيخ. # قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] ~~[فصلت / 17] # وقال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ms085 الله يجحدون} ~~[الأنعام: 33] [الأنعام / 33] . # وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين} [النمل: 14] [النمل / 14] . # قال شيخ الإسلام في كتاب "الإيمان " (1) في بيان (2) غلط المرجئة: # (الثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار؛ فإنما ذلك ~~لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس ~~والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي PageV01P212 # الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن (1) الحق مع غيره، ومع ~~هذا (2) يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه (عليه، أو لهوى النفوس، ويحمله ~~ذلك الهوى على أن يتعدى) (3) عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم ~~أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون لكن إما ~~لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم (4) دينهم الذي كانوا ~~عليه، وما يحصل لهم به من الأغراض، كالأموال والرياسة وصداقة أقوام وغير ~~ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، وحصول أمور مكروهة ~~إليهم فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس وفرعون مع علمهم ~~بأنهم على الباطل، والرسل على الحق، ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح ~~في صدق الرسل وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: {أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] [الشعراء / 111] . # ومعلوم أن اتباع الأرذلين لا يقدح في صدقه في (5)) . انتهى المقصود (6) . # وفي قصة أبي طالب وأمره لابنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يلزم ما ~~دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع محبته للرسول صلى الله عليه ~~وسلم وعدم بغض دينه ومن دخل فيه ونصرته ومدحه، ومع ذلك لم يرغب عن ملة ~~PageV01P213 # عبد المطلب، وحكم الله بكفره ونهى رسوله عن الاستغفار له، وهذا في أول ~~السيرة يفهمه صغار الطلبة، وقد خفي على ضخم العمامة واسع الأردان. قال [أبو ~~طالب] ، (1) في منظومته المشهورة: # لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا , ولا يعني بقول الأباطل # وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل ms086 (2) # وقال: (3) # وعرضت" دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا (4) # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (5) # لولا الملامة أوحذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # ومع ذلك كله لا تعلم الدين (ولا دخل) (6) فيه، فهو من النوع الذي مثل به ~~الشيخ. # وأصل الأشكال على هذا المعترض الجاهل: أنه لم يفرق بين المعرفة وبين ~~التعلم والدخول في الدين، فلذلك استغرب وصاح وناح، وبجهله أعلن وباح، وزعم ~~أن العبارة فيها تناقض باهر ظاهر، يعرفه البليد PageV01P214 # دون الماهر؟ وأهل العلم عرفوا التوحيد والإيمان بأنه: قبول ما جاء به ~~الرسول من الهدى ودين الحق باطنا وظاهرا، وإيثاره على غيره، وهذا يدخل فيه ~~علم القلب (1) وعمله، وقول (2) اللسان وعمل (3) الأركان، فأين هذا من مجرد ~~المعرفة وعدم البغض؟ وقد قيل فيمن لم يأخذ بالحق ويلتزمه مع معرفته له: # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم # وقد تقدم عن هذا أنه قال فيمن قال: "لا إله إلا الله إنه من أهل التوحيد ~~والإيمان، ومن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا (4) يضره عنده عبادة ~~الصالحين والأوثان، ولا يحول بينه وبين ذلك، وهنا زعم أن المعرفة هي ~~الإيمان والدخول فيه، هذا هو التناقض والتدافع والاضطراب، الذي لا يرتضيه ~~أولو الأحلام والألباب. # وفي قول هذا من المؤاخذة اللفظية: أن "البليد" لا يختص بمعرفة دون ~~الماهر، فكيف يقول: (يعرفه البليد دون الماهر) ؟ وأظنه يريد: فكيف الماهر، ~~ولكنه ارتبك على عادته في العجمة، ولسنا بصدد هذا! وإنما المقصود بيان كذب ~~هذا في دعوى التناقض، وأن هذا وصفه، وقد شنع سلف الأمة وأئمتها على من قال: ~~(إن الإيمان هو التصديق) . وبدعوه وضللوه وذكروا لقوله من اللوازم المكفرة ~~ما لا يتسع له هذا الجواب. # فسبحان من صد عن معرفة الهدى والرشاد كل من صدف عن دينه وتوحيده، وسعى في ~~الأرض بالفساد. PageV01P215 # تنبيه: حرف المعترض كلام الشيخ، فحذف منه ما يبين مراد الشيخ. # وأول كلامه رحمه الله (1) (سألني الشريف عما نقاتل عليه، وعما نكفر الرجل ~~به؟ ms087 فأخبرته بالصدق، وبينت له أيضا الكذب الذي يبهت (2) به الأعداء، فسألني ~~أن أكتب له فأقول: # أركان (3) الإسلام الخمسة أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة ~~إذا أقر بها وتركها تهاونا فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره، بتركها، ~~والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود. ولا نقاتل إلا على ~~ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو: الشهادتان) . انتهى. PageV01P216 ### | فصل في بيان كفر من عرف أن التوحيد دين الله وأن الاعتقاد في الشجر والحجر شرك وأعرض عنه ولم يقبله # فصل قال المعترض: (ثم كيف يفر هذا، ويقتل ويؤخذ ماله، وييتم أولاده (1) ~~بهذا الهذيان البارد؟ ويجعل هذا الصنيع المارج دين الله ورسوله، المرتب ~~للمجاهد (2) فيه جنة المأوى والرضوان من الرحمن، وأنه الذي أرسل الله (3) ~~به رسوله وأنزل به كتابه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وافتراء على الله في ~~عباده (4) وبلاده، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) . # ثم قال: (والاعتقاد في الشجر والحجر ليس هو دين غالب الناس) . # وزعم أن هذا افتراء واجتراء، وأن الغالب قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في أمته التي هي خير أمة أخرجت للناس: " «لا يزال الدين قائما حتى تقوم ~~الساعة» " (5) وحديث: " «لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله» " (6) PageV01P217 # ثم قال: (وأهل البدع طريقتهم (1) الجهل والافتراء، فإن وجد في الأمة من ~~يريد التبرك بشجر أو حجر فلا أو سمع من طريقة خاتم الرسل صلى الله عليه ~~وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم يوم حنين، وكذا طريقة كليم الرحمن ~~موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، فيقال لمن أراد (2) ذلك ما ~~قالوا، ويقف حيث وقف رسل الله تعالى، وهذا الرجل يطلب طريقا غير طريقهم، ~~ولازم قوله هذا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث لم يجعل دينه قائما ~~مستقيما ظاهرا، وأنه الذي أظهره للناس، فأي ذلك يصدق: هذا الرجل؟ أم ~~الرسول-صلى الله عليه وسلم والعيان بالبيان ما أغوى صاحب الهوى) . انتهى. # والجواب أن يقال: # هذا القول ms088 الذي قاله شيخنا وقرره في تكفير من عرف أن التوحيد دين الله، ~~وأن الاعتقاد في الشجر والحجر هو الشرك الذي قاتل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومع هذه المعرفة أعرض عنه ولم يقبله تعلما وعملا، هو الذي دل ~~عليه الكتاب العزيز والسنة النبوية. # قال تعالى: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: ~~13] [فصلت / 13] . # ولم يقل فإن لم يعرفوا؛ بل رتب ذلك على نفس الإعراض. # وقال تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى - ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} ~~[طه: 123 - 124] [طه / 123، 124] PageV01P218 # وقال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} ~~[النجم: 29] (1) [النجم / 29] . # وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] [النساء / 65] # وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله} [البقرة: 177] (2) [البقرة / 177] . # وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] [البينة / 5] # فدلت هذه الآية (3) على أن المعرض عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق ~~يكفر إن (4) عرف ولم ينكر، وأن الإيمان بالله ورسوله لا بد فيه من الانقياد ~~والاعتقاد والعمل باطنا وظاهرا، وذكر السلف في ردهم على المرجئة والجهمية ~~أن الإيمان قول وعمل ونية، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ~~في غير ما حديث، كحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا PageV01P219 # لا إله إلا الله» " (1) وحديث: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد ~~من دون الله» " (2) وحديث عمرو بن عبسة وقد تقدم قريبا (3) وغير ذلك مما لو ~~أفرد لاحتمل مجلدات. # فمن قال فيمن ذهب إلى مدلول هذا وقرره (4) (أنه هذيان بارد) فهو كفور ~~جاحد (5) ومكابر معاند، ولئيم حاسد، والجهاد لم يشرع إلا لإلزام المكلفين ~~بما جاء من توحيد الله، ms089 والتزام دين المرسلين، لا لمجرد المعرفة فقط، وقد ~~جاهد (6) صلى الله عليه وسلم هذا الضرب من الناس، واستباح دماءهم وأموالهم؟ ~~واليهود يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم. # وقد قال تعالى في شأنهم: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] [البقرة / 146] # فمن جعل مجرد المعرفة هي الإيمان والقتال لأهلها الذين لم يلتزموا ما ~~جاءت به الرسل، بل أعرضوا عنه قتال مفتر ظالم وصنيع مارج، فهو من أعظم ~~الخلق صدا (7) عن سبيل الله، وهدما لقواعد دينه، وكذبا على شريعته، وتلبيسا ~~على عباده، وردا لما جاءت به رسله، وجهلا بالإيمان وحقائقه. PageV01P220 # ولازم قوله (1) هذا: الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتاله (2) ~~من عرف أنه على الحق، وأنه رسول الله، وكذلك فيه: طعن (3) على من قاتل على ~~الشهادتين أو على ركن من أركان الإسلام، كقتال الصديق على الزكاة، وجهاد من ~~منعها، وفيه: طعن على جميع أهل العلم الذين أباحوا القتال على الامتناع عن ~~فعل بعض شرائع الإسلام الظاهرة. # وكذلك من نفى ورد ما قاله الشيخ وقرره من أن الاعتقاد في الحجر والشجر هو ~~دين غالب الناس في هذه الأوقات، فمن أنكر هذا وجادل فيه فهو مكابر معاند، ~~لأن هذا قد اشتهر، وعرفه جمهور البشر، فليس في أرض فارس وما وراء النهر إلا ~~عبادة قبور (4) الأئمة وأهل البيت وغيرهم، والاعتقاد فيهم النفع والضر، ~~والعطاء والمنع، والنصر والقهر، وغير ذلك من أفعال الربوبية، وكذلك العراق ~~باديته وحاضرته، إلا أفرادا قليلا (5) والأكثر لهم فيمن يعتقدونه من ~~الأولياء أو غيرهم (6) كعبد القادر (7) والكاظم وغيرهما ما لا يجهله أبلد ~~الناس وأشدهم تغفيلا، وهكذا كل بلد وكل مصر وكل بادية، لهم من الولائج ~~والمعبودات والاعتقادات في القبور والأشجار التي يرجون منها البركة ما لا ~~يخفى على أحد. PageV01P221 ### | الأدلة على فساد الأزمنة كلما تباعد العهد بالنبوة الخاتمة # فمن جحد هذا كله وزعم أن الأكثر هم خير أمة أخرجت للناس وأن دين الإسلام ~~لا يزال قائما بهم، وإن أمر أكثر الناس لا يزال مستقيما حتى تقوم ms090 الساعة، ~~فهو من أكذب الناس وأضلهم، وأجهلهم بالنصوص ومعانيها. # وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا (1) كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: من هم (2) يا رسول الله؟ قال: ~~النزاع من القبائل» " (3) وقد تقدم ذلك، وتقدم (4) حديث: " «لا يأتي عليكم ~~زمان إلا والذي بعده شر منه» " (5) .، وفي الحديث: " «لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (6) (7) "، وعن ابن ~~مسعود: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من النقد» (8) وقال صلى ~~الله عليه وسلم: " «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ~~PageV01P222 # ذي الخلصة» " (1) وفي حديث ثوبان: ( «ولا» (2) تقوم الساعة حتى يلحق حي ~~من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد (3) . فئام من أمتي الأوثان " (4) وهذا لا ~~يخالف قوله في حديث معاوية: " «لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولن ~~يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة» " (5) لأن المراد بالأمة: أهل ~~الاستقامة والمتابعة والإجابة لا جميع أمة الدعوة، فإن "الأمة" تطلق ويدخل ~~(6) فيها من بلغته الدعوة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي ~~أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار» " (7) وغربة الدين ~~قررها أهل العلم، وأفردوها بالتأليف، وهي أكثر وأشهر من حديث معاوية وحديث ~~جابر رضي الله عنهما. # وما زعم المعترض من أن حديث معاوية متواتر، قول لا أصل له، لأن المتواتر ~~ما رواه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب. # وأما قوله: (وأهل الباع طريقتهم الجهل والافتراء) فنعم؟ والله، وهو الذي ~~سودت به أوراقك واعتراضاتك من أولها إلى آخرها، ولأهل PageV01P223 # العلم من النقد والتمييز ما يكفي عن بيان جهلك والإطناب في ذلك. ### | التفريق في الحكم بين من عرف الحق وأصر وعاند ومن عرف فتاب # وأما قوله: (فإن وجد في الأمة من يريد التبرك بشجر أو حجر، فلا أوسع من ~~طريقة خاتم الرسل) إلى آخر عبارته. # فشيخنا- رحمه الله - ما خرج عن طريقتهم، ولا فارق منهاجهم، وقد قام أحسن ~~قيام على من أراد ms091 ذلك ونصح وبلغ، وقرر واستدل، فمن قبل وأطاع الله ورسوله ~~سار فيه بسيرة المؤمن مع أخيه، وأكرمه وأحبه لله وفيه، كما فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأبي واقد الليثي وأصحابه (1) .، وكما فعل موسى بن ~~عمران عليه السلام مع بني إسرائيل (2) . . # والنزاع فيمن رد على الأنبياء، ولم يقبل منهم، وتبرك بالشجر والحجر وعاند ~~وقاتل على ذلك (3) وهذا المعترض خلط (4) المسألتين، وجعل من عبد الأشجار ~~وعاند وأصر، بمنزلة من استفتى ثم تاب واستغفر، وزعم أن طريقة رسل (5) . ~~الله ترك المصر المعاند، وعدم تكفيره، كما هي (6) سيرتهم في المنيب التائب، ~~فكذب على رسل (7) الله؟ ولبس على خلق الله، واستباح لحوم العلماء، وبهرج ~~على الجهال، وقد صار إلى الله وقدم عليه، وهو أحكم الحاكمين وإله العالمين. ~~PageV01P224 # وكل مسلم وعاقل يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل من تأله ~~بالأشجار والأحجار (1) واستكبر عن توحيد الملك الغفار. # قال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى - ومناة الثالثة الأخرى - ألكم الذكر ~~وله الأنثى} [النجم: 19 - 21] [النجم / 19 - 21] . # فهل هذه المذكورات في الآية الكريمة إلا أحجار وأشجار (2) وهل قاتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من عظمها وتأله بها وتبرك؟ وهل استباح دماءهم ~~وأموالهم ونساءهم؟ أو كيف الحال يا معشر الضلال؟ وهل قال (3) موسى لبني ~~إسرائيل لما (4) {قالوا يا موسى اجعل لنا (5) إلها كما لهم آلهة قال إنكم ~~قوم تجهلون - إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون - قال أغير ~~الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين} [الأعراف: 138 - 140] [الأعراف / ~~138 - 140] . # فصح أن هذا المعترض الملحد إنما صاح، وأنكر ما ثبت من طريقة رسل الله ~~وأوليائه فيمن عبد الشجر والحجر، وأنها (6) ضاقت بهذا الرجل، وخرج عن رق ~~العبودية إلى أودية الجهالة والضلالة يزعم أنها أوسع، وينسبها إلى الرسل ~~فبعدا للقوم الظالمين (7) وبؤسا للملحدين والمحرفين. PageV01P225 # والشيخ- رحمه الله (1) وقف حيث وقف الرسل، وأنكر ما أنكروا، وقاتل على ما ~~عليه قاتلوا، وأنت وأمثالك من الضالين وقفتم في طريقهم (2) فمن أنكر ما ~~أنكروه، وقاتل من (3) قاتلوه، تصديتم للرد عليه، ms092 والذب عنهم، ودفعتم في صدر ~~نصوص الكتاب والسنة بشبهات ساقطة، وأقوال ضالة، لا تروج على من عرف الإسلام ~~وحقيقته، فأنتم جند محضرون لمن عبد الشجر والحجر. ### | بيان المقصود بإظهار الدين وعدم لزوم المظهر للدين تكذيب الرسول # وأما قوله: (ولازم قوله هذا تكذيب الرسول، حيث لم يجعل دينه قائما ~~مستقيما ظاهرا؟ وأنه (4) الذي أظهره للناس) . # فيقال لهذا المعترض: إن كان إظهار العلماء والأئمة لدين الإسلام وبيانه ~~للناس، وذكر حدوده يلزم منه تكذيب الرسول، فأي عالم وأي صحابي وأي خليفة ~~هدى لم يقع منه بيان، وإظهار وكشف لحقيقة الإسلام وحدود الإيمان؟ بل آحاد ~~المؤمنين لا بد أن يقع منه هذا (5) ولو لأهل بيته وأولاده، ومعلموا (6) . ~~الصبيان أظهروا لهم من كتاب الله وعلموهم ما لم يكونوا يعلمونه، فإن كان ~~الدين لا يحتاج لإظهار وتبيين، أو كان، الإظهار يستلزم تكذيب الرسول، فليس ~~على وجه الأرض مؤمن إلا من سكت عن ذكر دين الإسلام وتعليمه للناس والدعوة ~~إليه، ولم يسلك سبيل PageV01P226 # الرسول وسبيل من اتبعه في الدعوة إلى الله على بصيرة، ومن دعا وأظهر ~~للناس شيئا من الدين فلازم قوله تكذيب الرسول! . # فلا إله إلا الله!! ما أشد ما تلاعب الشيطان بهذا المغرور وأمثاله، حتى ~~جعلوا متابعة الرسول وسلوك سبيله تكذيبا له أو لازمه التكذيب؟ . وهذا الضرب ~~من الناس هم من شر الدواب المذكورين في قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون - ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 22 - 23] [الأنفال / 22، 23] # وأول الناس بين حقيقة الإسلام وما يدخل فيه- بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (1) أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإن عمر قال له: أتقاتل الناس وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (2) فقال ~~الصديق رضي الله عنهما (3) ألم يقل: "إلا بحقها" فإن الزكاة من حقها، والله ~~لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها (4) إلى رسول الله ms093 صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح ~~صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (5) وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر ~~وقتال من منعها، أفيلزم من PageV01P227 # بيان أبي بكر لعمر تكذيب الرسول (1) سبحانك (2) نبرأ إليك مما أتى به هذا ~~المفتري (3) وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: وإن للإسلام شرائع ~~وفرائض وحدودا وسننا، فإن أعش فسأبينها لكم، وإن أمت فلست على صحبتكم بحريص ~~(4) فيلزم من هذا- عند المعترض- خطأ عمر وتجهيله، وهذا الرجل يسب أئمة ~~الإسلام وهو لا يشعر. PageV01P228 ### | فصل في بيان كفر من عرف التوحيد ثم تبين في السب والعداوة وفضل أهل الشرك # فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه: "النوع الثاني من عرف ذلك ولكنه تبين ~~في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح دين أهل الكويت ~~وفضلهم (1) على من وحد الله. فهذا أعظم من الأول كفرا". # وفيه قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] [البقرة / ~~89] . # وهو ممن قال الله فيهم: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر} [التوبة: 12] [التوبة / 12] . # قال المعترض: (انتهى كلامه بحروفه، فاستيقظ أرشدك الله لسبيله المستقيم، ~~وانظر إلى هذا الكلام السقيم، بقلب واع فهيم، كيف هذا، الذي هو (2) وصف بما ~~يذكر يسب دينا قد عرفه (3) وهو عامل به، ثم ينزل عليه هذا الرجل هذه الآية ~~التي نزلت في أهل الكتاب من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، فأنزل ~~هذا الرجل نفسه بمنزلته، وكابر بذلك على الغوغاء وسفك PageV01P229 # الدماء (1) ونهب بذلك الأموال على ذلك، والآية الأخرى نزلت في صناديد ~~قريش على الصحيح من قول المفسرين كابن عباس رضي الله عنهما؛ وهم الذين هموا ~~بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم باجتماعهم على ذلك في دار الندوة. ثم قال ~~تعالى: {وهم بدءوكم أول مرة} [التوبة: 13] [التوبة / 13] ، بقتالهم يوم ~~بدر. وقيل: قضية خزاعة. # فهؤلاء هموا بإخراج الرسول بنطق القرآن المجيد، والذين وصفهم هذا الرجل، ~~وعظم ms094 كفرهم لو رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم لوقوه بأنفسهم، ولم يرفعوا ~~إليه أبصارهم (2) تعظيما له بأبي هو وأمي ونفسي، ولبذلوا له ما بأيديهم، ثم ~~إن هذا الرجل جعل أهل الكويت الذين شيدوا المساجد والمنار لداعي الفلاح، ~~وأظهروا شعائر (3) الإسلام، وبذلوا أموالهم على ذلك، واجتهدوا في المحافظة ~~على أعمال الخير، طلبا لما عند الله تعالى، كالذين نزلت فيهم هذه الآيات بل ~~كفر من ودهم (4) وأثنى عليهم، فضلا عن تكفيرهم، فأي تكفير للأمة المحمدية ~~أبلغ من هذا؟ إذ أهل الكويت من عرض هذه الأمة أهل القبلة المحمدية ~~الإبراهيمية، ويا سبحان الله، فأين الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؟ ~~أيراها هذا الرجل هو وأتباعه الذين حجروا الواسع، وأين دين الله الظاهر ~~المستقيم قبل هذا الرجل، الذي يزعم أنه PageV01P230 # أظهره للناس؟ أفلا يستحي القابل لهذا الكلام دون القائل؟) . انتهى كلام ~~المعترض بحروفه. # والجواب أن يقال: هذا النقل اعتراه من التحريف والكذب ما اعترى غيره، ~~والمحفوظ عن الشيخ- رحمه الله- أنه قال (1) (وتبين في مدح من عبد يوسف ~~والأشقر، ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله ~~تعالى؟ وترك الشرك) ، والمعترض غير هذا وقال: (وتبين في مدح دين أهل ~~الكويت) وفرق بين العبارتين فإن من، عبد يوسف، ومن (2) عبد أبا علي والخضر ~~من أهل الكويت أو غيرهم مع معرفته لدين الرسول (3) ومسبته له لا يستريب ~~مسلم في كفره وردته، بخلاف ما (4) لو قال ما زعمه المعترض. وهذا الحذف ~~والتحريف موروث عن اليهود، كما فعل ابن صوريا (5) لما أخفى آية الرجم ~~وكتمها (6) وقد ذكر (7) تعالى أنه جعلهم كذلك محرفين، ولعنهم وجعل قلوبهم ~~قاسية بنقضهم الميثاق والعهد، الذي أخذه (8) عليهم على أيدي رسله وأنبيائه. ~~PageV01P231 # قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم ~~عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا} ~~[المائدة: 13] (1) الآية [المائدة / 13] . # إذا عرفت ذلك: فكلام شيخنا في غاية الوضوح والظهور، ودليله دال على هذا. # فإن قوله تعالى: {فلما جاءهم ما ms095 عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] [البقرة / ~~89] نص على تكفير هذا النوع الذي ذكره الشيخ، وهو من عرف ثم تبين في السب ~~والعداوة وتفضيل أهل الشرك, فهذا بعينه هو الذي دلت عليه الآيتان (2) . # وأما قول المعترض: (كيف هذا الذي وصف يسب دينا قد عرفه وهو عامل به) . # فيقال له: أما معرفته له مع مسبته فلا يستغرب ذلك؟ ولا يمتنع وجوده، وهو ~~نص الآية في اليهود ونحوهم، ممن عرف ولم يلتزم، بل أصر وعاند، وقد (3) قال ~~صلى الله عليه وسلم: " «لتتبعن سنن من كان قبلكم» " (4) فلا يستغرب ذلك ~~ويرده على الشيخ إلا من هو (5) أجهل الناس بكتاب الله ودينه وشرعه؟ ومن ~~أجهلهم بحال أعدائه في كل زمان ومكان، ولكن هذا الرجل خرف وزاد قوله: " وهو ~~عامل به " ومعلوم أن العامل به لا يسبه PageV01P232 # ولا يعاديه إذا عمل به حقيقة العمل؟ ولكن هذه من كيسه، زادها (1) لسبك ~~التلبيس. والشيخ- رحمه الله- مثل بمن عرف ثم سب، ومدح دين المشركين ولم ~~يقل: وهو عامل به. # وأما قوله: (ثم ينزل عليه هذا الرجل هذه الآية التي نزلت في أهل الكتاب ~~من بعثة النبي-صلى الله عليه وسلم وصفته) . # فيقال لهذا المغرور: إن من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على ~~الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم ~~بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، ومن أعظم ~~الناس تعطيلا للقرآن وهجرا له، وعزلا عن الاستدلال به في موارد النزاع. # وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: ~~59] [النساء / 59] . # والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه، وإلى الرسول رد (2) إلى سنته. # وقد قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ~~[الشورى / 10] . # وقال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] [الأنعام / 19] . # فنصوصه وأحكامه عامة، لا خاصة بخصوص السبب. # وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من تكفيرهم PageV01P233 # بالصد (1) عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته؟ . # وهذا الرجل لا يبدي قولة في اعتراضه وتلبيسه ms096 إلا هي أكبر من أختها في ~~الجهالة والضلالة، ولو كنت تعرف الكتاب العزيز، وما دل (2) عليه من الحدود ~~(3) والأحكام والاعتبار؟ لأحجمت عن هذه العبارات التي لا يقولها إلا أفلس ~~الخلق من العلم والإيمان. # يا خاسرا هانت عليه نفسه ... إذ باعها بالغبن من أعدائه # لو كنت تعلم قدر ما قد بعته ... لفسخت ذاك البيع قبل وفائه (4) # أو كنت كفؤا للرشاد وللهدى ... أبصرت , لكن لست من أكفائه # وأما قوله: (فأنزل هذا الرجل نفسه بمنزلته (5) وكابر بذلك على الغوغاء ~~وسفك الدماء. . .) إلخ. # فيقال: إن كلام الشيخ رحمه الله فيمن كفر بدين الرسول، وسنته مع معرفته ~~له، كائنا من كان، عرف الشيخ أو لم يعرفه، وليس في الكلام تصريح على ذكر ~~الشيخ وطاعته، بل هو حكم شرعي عام، فنسبة من قاله ورميه بأنه نزل (6) نفسه ~~منزلة الرسول من أعظم البهت والفرية على أهل العلم والدين، والعلماء في ~~قديم الزمان وحديثه هم الموقعون (7) عن الله PageV01P234 # ورسوله، المترجمون لوحيه وتنزيله، فمن رد عليهم ولم يقبل منهم - زعما منه ~~أنهم يدعون إلى أنفسهم (1) ففيه مشابهة بمن رمى الرسل بذلك من قوم نوح وقوم ~~فرعون، وقد تقدم ما قالوه لأنبيائهم. # وقال تعالى فيمن استكبر عن متابعة الرسل، ولم يرضهم في التبليغ عن الله، ~~واتهمهم في ذلك: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا (2) لولا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} [الفرقان: 21] ~~[الفرقان / 21] # فوصفهم بالكبر والعتو الكبير؛ لما اقترحوا هذه الاقتراحات، ولم يسلموا ~~لما جاء به (3) من الوحي والآيات، وهكذا كل مستكبر وعات، عما جاءت (4) به ~~الرسل، وما قرره أهل العلم، يرده ولا يقبله قدحا فيهم وزعما منه أنهم يدعون ~~إلى أنفسهم، وأنه لا يصلح أن يكون تابعا، فما أقرب المشابهة بين هؤلاء ~~الضلال وإخوانهم الأولين، أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون. # وأما قوله: (والآية الأخرى نزلت في صناديد قريش على الصحيح من قول ~~المفسرين، كابن عباس رضي الله عنهما (5) وهم الذين هموا، بإخراج الرسول صلى ~~الله عليه وسلم (6) باجتماعهم على ذلك في دار ms097 الندوة) . PageV01P235 # فالجواب أن يقال: اللسان لسان جاهل، والقول غير مستقيم ولا عادل، والآية ~~نزلت (1) فيمن عاهد الرسول على مدة معينة من المشركين يوم صلح الحديبية، ~~وقد شهده (2) وعاهده على الصلح كثير ممن لم يحضر دار الندوة، ولم يشهد ~~رأيهم فيها، والآية عامة الحكم عند أهل العلم، وإن كان سببها خاصا، ولهذا ~~استدل بها من قال: لا تقبل توبة من يسب الرسول صلى الله عليه وسلم أو من ~~طعن في دين الإسلام، أو ذكره بتنقص كما ذكره ابن كثير، وشيخ الإسلام ابن ~~تيمية، وغيرهما من أهل العلم، وهو الذي قاله شيخنا رحمه الله واستدل بالآية ~~عليه. # وأي مانع يمنع من تكفير هذا النوع، وإن كان سبب نزول الآية قوما مضوا ~~وانقرضوا؟ فالحكم بحمد الله باقي، والدليل واضح، والمنار يلوح، وقد أنزل ~~الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ولم يخص به قوما دون قوم. # وإن مضى أمس بأهل عرفانه فنحن من أبناء هذا اليوم. # وقوله تعالى في وصف هؤلاء في الآية التي بعدها يراد به التحريض والإغراء ~~بهم (3) وكل وصف على حدته مبيح لقتالهم ودمائهم، ولذلك قاتلهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (4) كافة، ولم يخص أهل دار الندوة كما ظنه هذا الغبي، ~~فعلى عقله العفاء، والسلام على (عباد الله) (5) الذين اصطفى. PageV01P236 # وأعجب شيء أنه استدل على إيمان من يسب دين الرسول ومدح الشرك بأنه لو رأى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لوقاه بنفسه، ولم يرفع إليه بصره تعظيما له. # فيقال لهذا المفتري: وما يشعرك أنه لو رآه لكفر به كما كفر بدينه. # قال تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون - ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: ~~109 - 110] [الأنعام / 109، 110] . # ثم لو وقى الرسول بنفسه (1) ولم يرفع إليه بصره، وبذل له ماله كما فعل ~~أبو طالب، أي شيء يغني عنه ذلك مع مسبة التوحيد وعدم التزامه (2) ومدح ~~الشرك والثناء على أهله؟ والإسلام والإيمان وراء ذلك كله، لا بد فيه من ~~معرفة الحق ms098 وإمارته والانقياد له وإيثاره على ما عداه، والجهل بحدود ما ~~أنزل الله أوجب لهؤلاء الفجار أن يتلاعبوا (3) بدين الله ويقوموا (4) في ~~نصر الكفر والكفار، فالحمد لله على ردع هؤلاء وكبتهم، وإظهار خزيهم وكشف ~~جهلهم. ### | بيان تحريف المعترض كلام الشيخ بالطعن على أهل الكويت # وأما قوله: (ثم إن هذا الرجل جعل " (5) أهل الكويت الذين، شيدوا المساجد ~~والمنار لداعي الفلاح، وأظهروا شعائر (6) الإسلام وبذلوا PageV01P237 # أموالهم على ذلك، واجتهدوا في المحافظة على أعمال الخير طلبا لما عند ~~الله كالذين نزلت فيهم هذه الآيات. . .) إلى آخر قوله فيهم. # فقد تقدم أن الشيخ لم يذكر أهل الكويت ولا مثل بهم، وإنما هو تحريف من ~~هذا المعترض، وتنفير وصد عن سبيل الله. # ثم لو فرض أنهم كما ذكر في بناء المساجد والمنار، وبذل الأموال في ذلك، ~~فما الفرق بينهم وبين (1) أهل خراسان وطبرستان والري وغيرهما (2) (من بلاد ~~فارس) (3) وقد نص العلماء على أن الشخص لا يدخل في الإسلام إلا بعبادة (4) ~~الله وحده لا شريك له، والبراءة مما عبد (5) من دونه، والكفر بالطواغيت (6) ~~مع التزام بقية الأركان والعمل بها. # وهذا الغبي لم يحسن ولم يعرف ما يمدح به أهل الكويت إلا بأمر شاركهم فيه ~~من عبد عليا والحسين والعباس، وشاركهم فيه الجهمية والباطنية والزنادقة، ~~وهذا هو اللائق بحال هذا الرجل وعلمه (7) وهو غاية ما عنده. # وكذلك قوله: (إنهم من أهل القبلة المحمدية الإبراهيمية) هو من ~~PageV01P238 # هذا القبيل، وفيه إشعار بأنه لم يعرف مراد العلماء (بقولهم: "أهل القبلة ~~لا يكفرون بالذنوب " ولم يعرف مراد العلماء) (1) ولا أصل هذه الكلمة وما ~~تساق له. # فكلامه ظلمات بعضها فوق بعض، وقد أنكر الإمام أحمد قول الناس: " لا نكفر ~~أهل القبلة بذنب"، مع أن مراد من قاله مراد صحيح، لا يمنعه أحمد، لكن الشأن ~~في الألفاظ والعمومات، وما يسلم منها وما يمنع. # وأما قوله: (فأين الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؟) . # يقال له (2) قد ضيقت واسعا، إن كانت الأمة عندك خصوص أهل الكويت، فهذا ~~الكلام إلى هذيان (3) المجانين أقرب منه إلى ms099 لسان المتشرعين (4) . # ثم ما المانع أن يكون الشيخ وأتباعه من (5) خير أمة أخرجت للناس؟ {أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} [النساء: 54] [النساء / 54] # . وقال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ~~[الزخرف: 31] PageV01P239 # {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} ~~[الزخرف: 32] [الزخرف / 31، 32] # وقد روى الطبراني في الكبير بسنده إلى ابن عباس (1) " «كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس، قال: هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار» " (2) ~~PageV01P240 ### | فصل بيان كفر من كره من يدخل في التوحيد ومحبة أن يبقى على الشرك # فصل قال المعترض: (ثم قال: النوع الثالث من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، ~~وعرف الشرك وتركه، ولكنه يكره من دخل في التوحيد، فهذا كافر، فيه قوله ~~تعالى: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 9] [محمد / 9] ~~. # ثم قال المعترض: (فنقول حينئذ: فيالله العجب! كيف يقول: من عرف التوحيد ~~وأحبه واتبعه، وعرف دين المشركين وتركه، ثم يقول: ولكنه يكره من دخل في ~~التوحيد، فهل هنا (1) توحيد من غير دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى ~~يكره هذا؟ . # فهذا من كلامه من الهذيان، وهو من الجمع بين الأضداد الممتنع عقلا وشرعا، ~~أفلا يستحي قابل هذا الكلام دون القائل له، وهو يرى تناقضه وهذيانه؟ ولكن ~~لو قال: إن هذا النوع الذي يحب التوحيد ويعمل به، ويكره الشرك وينكره قد ~~كره قول هذا الرجل بتكفيره الأمة المحمدية (2) لصدق، إذ هذا هو الحقيقة، ~~وهو الواقع؛ لأن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام) . ~~PageV01P241 # والجواب أن يقال: في هذا من التحريف والبهت قسطه، فإن الذي في النسخ ~~المتداولة المحفوظة (1) "ويحب من بقي على الشرك ". # ومعلوم أن معرفة التوحيد ومحبته واتباعه قد يعتريه ناقض ينقضه ومبطل ~~يبطله، أو محبط يحبطه، وذلك يحصل بأمور: # منها: كراهة من يدخل في التوحيد (ويلتزمه، ومحبة من يبقى على الشرك ولا ~~يدخل في التوحيد) (2) لغرض له في ذلك كرياسة (3) وتحصيل مال، ونحو ذلك من ~~الأغراض ms100 الفاسدة. # وقد ذكر الفقهاء كثيرا من هذا النوع في باب حكم المرتد، تجري ممن يظهر ~~محبة التوحيد، وجهل المعترض أوجب له الحيرة والشك. # وقد قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله (4) ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر (5) ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا - أولئك هم الكافرون حقا} [النساء: 150 - 151] (6) [النساء / 150] . # فهؤلاء آمنوا ببعض (7) وأحبوه وتابعوه، ولم يلتزموا الإيمان بجميع ~~PageV01P242 # الرسل، وما جاء به الرسل (1) ولم يحبوه كله، بل فرقوا بين شعب الإيمان ~~وأصوله، وأرادوا أن يتخذوا سبيلا بين الإيمان بالكل ورد الكل. # فهذا عين ما قرره شيخنا (2) فإن كراهة إيمان بعض الخلق كراهة لما أنزل ~~الله فافهمه. # قال في "الإقناع " في باب حكم المرتد (3) (أو كان مبغضا لما جاء به ~~الرسول) (4) يعني فيكفر. # وإذا أبغض دخول الناس في دين الله والتزامه، فهو مبغض لما جاء به الرسول ~~بلا ريب، ويكفي المؤمن في تكفير من كره بعض ما أنزل الله هذه الآية التي ~~ذكر المصنف. # ومعلوم أن المتابعة لم تحصل من هذا الصنف على وجه الكمال، وكذا الحب، لكن ~~معه من الحب والمتابعة ما لا يحصل به نجاته وإسلامه. # يوضح هذا: أن من أحب الإسلام والتزمه (5) واتبعه (6) ولكن، جوز نبوة ~~مسيلمة أو غيره ممن يدعي النبوة، يكفر بذلك؟ ولا ينجيه ما معه من الإسلام ~~والمتابعة، وهكذا غلاة القدرية ونحوهم، ممن له تعبد ومتابعة في كثير من ~~الأركان والشعب. PageV01P243 # فإن قيل: إنما كفر من جوز نبوة مسيلمة أو غيره لرده (1) الكتاب السنة ~~والإجماع. # قيل: وكذلك من كره دخول الناس في التوحيد، وأحب بقاءهم (2) ". على الشرك ~~(3) فقد خالف الكتاب السنة والإجماع. # وبهذا تعلم: أن المحبة ذات مراتب، لا يلزم من وجود بعضها وجود غيره، ~~وكذلك المتابعة، ومن لم يستكمل الإيمان الواجب في الحب والمتابعة قد يقع ~~منه ما ينافيهما فيجتمع الضدان، ولا يستحيل ذلك لا عقلا ولا شرعا، أما ~~العقل: فقد جوز اجتماع الأضداد كافة النظار والمتكلمين، ومثلوا ذلك (4) . # وأما الشرع: فإجماع السلف والأئمة على أن الشخص يجتمع ms101 فيه مادتان ~~متضادتان: كفر وإسلام، توحيد وشرك، طاعة وفسق؟ إيمان ونفاق، وهو لأيتهما ~~(5) غلب، ولو عقل المعترض لعرف المراد، لكنه جهل فاعترض، وجعل جهله وعقله ~~الضال ميزانا يزن به، فلا أحكم ممن قضى له بالخذلان وعدم العلم بحقائق ~~الإسلام والإيمان. # ثم لا يمكن أن يقع تصويره الذي صور، ورأيه الذي ارتضى وقرر، من أن الذي ~~يحب التوحيد ويكره الشرك قد كره قول الشيخ، وما قرره PageV01P244 # وأبداه من معرفة دين الله وتوحيده وتكفير من رده وصد عنه وأباه، وتكفير ~~الأمة لم يقع من الشيخ بحمد الله. # وتقدم الجواب عنه، وتقدم أن الأمة في رأي هذا الرجل ودعواه هم عباد ~~القبور، ومن عبد عليا والحسين وأمثالهما، أو (1) جعل لهم تدبيرا وتصريفا مع ~~الله، هؤلاء هم الأمة عند هذا الضال، وشبهته أنهم يقولون لا اله إلا الله، ~~ولم يدر أيضا نصوص الفقهاء على أن من أتى بمكفر من فعل أو قول أو اعتقاد لا ~~يدخل في الإسلام إلا بتركه والتوبة منه، وإن قال: لا إله إلا الله (2) ~~والحمد لله حمدا كثيرا لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما ~~أثنى به عباده الذين اصطفى. PageV01P245 ### | فصل مناقشة مسألة المؤمن المقيم ببلاد المشركين ولا يمكن ترك وطنه ويقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده # فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه: النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ~~ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد واتباع الشرك وساعين في قتالهم، ~~ويعتذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل، بلده، ويجاهد ~~بماله ونفسه (1) فهذا أيضا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك الصوم ولا يمكنه ~~الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه (2) ولا يمكنه ذلك ~~إلا بمخالفتهم فعل، فهذا أيضا كافر، وهو ممن قال الله فيه: {ستجدون آخرين ~~يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} [النساء: 91] [النساء / 91] . # قال المعترض: انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله هذا الكلام فقد كفر فيه، ~~وفيما قبله بالطاعة بأن من لم يطعه فيما قال، ويهاجر إليه فهو كافر ms102 بذلك، ~~حلال الدم والمال، وليس له عنده غفران، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «من آمن بالله ورسوله ~~وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل ~~الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» " (3) فصح بهذا PageV01P246 # الحديث الصحيح أن ترك الهجرة إذا وجبت ليس بكفر، كما يقوله هذا الرجل، ~~(ونحن نستيقن أن هذا الرجل) (1) الذي وصف (2) بالكفر أن أهل بلده لو ~~يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل، فأين ~~الكفر الذي حكم عليه هذا الرجل به؟ ثم ماذا لو ترك الهجرة الواجبة لو فرضنا ~~صحة قوله؟ إنما هي تكون معصية، وقد يعذر كما عذر النجاشي وامرأة فرعون، ~~وكذا جعفر وأصحابه بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بدار الهجرة، ~~فجعل هذا الرجل الهجرة- على فرض صحة قوله- شرطا لصحة الإيمان، وأنت ترى قول ~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم) . # والجواب أن يقال: من زعم أن هذا الكلام الذي ساقه الشيخ وقرره يدل على ~~تكفير من ترك طاعته ولم يهاجر إليه، فهو من أضل الخلق وأعظمهم جرأة على ~~البهت والكذب، وأشدهم مكابرة على شهادة الزور، وفي الحديث: " «عدلت شهادة ~~الزور الإشراك بالله» " قالها ثلاثا (3) . # وصريح كلام الشيخ رحمه الله في رجل تبع أهل بلده في قتال أهل التوحيد ~~إيثارا لبلده ووطنه، فيبذل (4) نفسه وماله ويقاتل (5) أهل التوحيد. ~~PageV01P247 # هذا نص الشيخ وصريح كلامه، فمن أين أخذ هذا الثور الأعجم أنه يكفر بترك ~~طاعته؟ . # واستدل الشيخ على هذا بقوله تعالى: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم} [النساء: 91] [النساء / 91] # والآية ظاهرة الدلالة على هذه المسألة، فإن من تكلم بالإسلام، ولم يعتزل ~~أهل الكفر بل صار معهم، وقاتل أهل التوحيد لغرض من أغراضه الدنيوية تناولته ~~الآية، وشمله نصها الصريح؟ وقد جعل الله لحقن دمه حدا وفعلا يتميز به ~~إسلامه، وهو اعتزال قتال المسلمين، وإلقاء السلم إليهم بالانقياد، وكف اليد ~~عن قتالهم، ومتى ms103 (1) لم يحصل ذلك منهم ولم ينقادوا له، فقتالهم واجب أينما ~~ثقفهم المؤمنون، وقد جعل الله لهم (2) عليهم حجة ظاهرة، هذا صريح الآية ~~ونصها (3) . # فأتى (4) هذا المعترض المخلط ببهت لا يدل عليه كلام الشيخ لا تصريحا ولا ~~تلويحا، واستدل بحديث أبي هريرة على إيمان من قاتل المسلمين مع المشركين، ~~وآثر وطنه (5) على التزام الإسلام، وترك القتال، والحديث إنما هو في شأن ~~الهجرة، وقد حمله كثير من أهل العلم على من أظهر دينه، فلم تجب عليه ~~الهجرة، وبعضهم حمله على الأعراب الذين PageV01P248 # أسلموا ولم يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاهدوا معه، كما ~~يدل عليه آخر الحديث. # فلم يعرف هذا المعترض معنى الحديث ولا موضوعه، واستدل به على مسألة ~~أجنبية عنه، ليس لها دخل فيه، فإن الكلام هنا (1) فيمن قاتل المسلمين تحت ~~راية المشركين، وسعى في الصد عن سبيل الله، لا فيمن ترك الهجرة فقط. # وأما عذره عن هذا الرجل الذي مثل به الشيخ بأن أهل بلده لو يأمرونه بألا ~~يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل: فهذه (2) مبنية على ~~أن مجرد القول يكفي في الإيمان (3) مع التلبيس بالمنافي والمعارض، وهذا ليس ~~من أقوال علماء الأمة وأئمتها؟ بل هو من أقوال أهل الجهل والضلال؟ ~~المخالفين للكتاب والسنة (وإجماع الأمة، ثم أطال المعترض الكلام في شأن ~~الهجرة والعاجز عنها) (4) وذكر النجاشي - وهذا شأن الجاهل إذا أورده أهل ~~العلم المضائق تكثر بما (5) ليس له، وحاد عن جواب المسألة، وفي المثل (6) ~~"الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه، والأحمق يذكر خالته إذا عيب بأمه". # ومن العجب تكراره أن الشيخ يكفر بالعموم، وقوله: PageV01P249 # (أي (1) تكفير بالعموم وإيجاب للهجرة أبلغ من هذا؟) . # وهو كما ترى في نوع خاص من الأمة، وقسم من أقسام لا (2) يحصيها إلا الله. # ثم أخذ المعترض في تجهيل الشيخ ونسبته إلى الهوى؛ وأنه لم يأخذ ما ذهب ~~إليه عن العلماء، ولم يجلس عند عالم يتعلم منه بعد (3) تعليم أبيه، وأن ~~أباه نهاه عما بدر منه من ترهاته (4) وقال: (ويل للناس منك) ms104 . وأن أهل ~~البصرة أخرجوه؟ ثم نهاه أخوه، وأن أتباعه لو طلبت منهم طريقا يتصل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم تجدها، وأنهم لا يعرفون ذلك، وأنهم، يأخذون عن ~~حدثني قلبي عن ربي، وأنه لا يحسن الفرائض فضلا عن العول والحساب والمناسخات ~~(5) وأطال بخرافات كقوله: (سموا "الإقناع " المقلاع (6) و "الدليل" المتيه ~~(7) وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و "المغني " و " الإنصاف"، حل (8) ~~فيه قيوده، وكدر وروده، وقصر أتباعه عليه، وقال: اجتهدوا، وحاشا أني سمعت ~~عندهم لأصول الفقه PageV01P250 # ذكرا أو (1) النحو والعربية، بل يتهكمون (2) بمن يطريها دون من يتليها) . # وأطال بهذيان بهذا الضرب يتنزه العاقل عن ذكره. # وجوابه أن يقال: أما ما صدر من مسبته الشيخ وتجهيله ونسبته إلى الهوى: ~~فالحكم بينك وبينه إلى الله الذي إليه تصير الأمور، ويحكم بعدله بين المؤمن ~~والكافر (3) وأهل البر والفجور (4) وشهادة الحال والمصنفات والدعوة ~~الإسلامية، وما أورده من الأدلة والبراهين هي الشاهد المصدق، والبرهان ~~المحقق، ولا عبرة بقدح أمثالك، وإنكار فضائله، كما أنه لا عبرة بقدح جميع ~~من كذب الرسل وسفههم، ونسبهم إلى الجهل والافتراء والجنون والسحر، وغير ذلك ~~مما هو مذكور في كتاب الله، وفي الأخبار والسير، ومشابهة حالك وأقوالك ~~بأقوال أسلافك وأشباهك، تكفي المؤمن في رد أباطيلك؟ وعدها من الزور البين. # وقد اشتهرت (5) رحلة الشيخ للعلم وطلبه وسماعه، كما ذكره صاحب التاريخ ~~حسين بن غنام وغيره (6) وقد تقدم ذلك. ### | الرد على دعوى المعترض أن والد الشيخ نهاه وأن أهل البصرة أخرجوه وسياق الأدلة أن طاعة الآباء لا تحمد مطلقا # وأما كون أبيه نهاه: فهذا لم يثبت، ومثل هذا المعترض أخباره تلحق بأخبار ~~الوضاعين المفترين، الذين أجمع أهل العلم على رد أخبارهم وعدها من الزور ~~البين. PageV01P251 # ثم لو سلمنا هذا النقل، فأي حجة وأي دليل فيه على أن الحق مع أبيه في ~~ذلك؟ ومتابعة الآباء لا تحمد مطلقا، وقد ذم الله تعالى من تمسك بدين آبائه، ~~ولم يقبل ما جاء (1) من الهدى ودين الحق الذي يخالف عادة الآباء وما نشأوا ~~عليه (2) قال تعالى: ms105 {وكذلك ما أرسلنا (3) من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] ~~[الزخرف / 23] وقال محمد بن إسماعيل (4) رحمه الله (5) # كذلك أهل للكتاب (6) تتابعوا ... على ملة الآباء فردا على فرد # وهيهات كل في الديانة تابع (7) ... أباه , كأن الحق في الأب والجد # وقد (8) قال هذا قبلهم (9) كل مشرك ... فهل قدحوا هذي العقيدة عن زند # وأما كون أهل البصرة أخرجوه: فهذا من جنس ما قبله، لم ينقله أحد يعتد به. ~~PageV01P252 # ولو قدر وقوعه لكان من أدلة فضل الشيخ وعلمه، وأنه على طريقة مستقيمة ~~ودعوة نبوية. # قال تعالى عن قوم (1) شعيب: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ~~يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} [الأعراف: 88] (2) ~~[الأعراف / 88] . # وقال تعالى عن قوم لوط: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط ~~من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] [النمل / 56] . # وقد أخرج نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال له (3) ورقة بن نوفل - لما ذكر ~~له ما يرى في مبدأ النبوة وما ينزل عليه-: " «هذا الناموس الذي أنزل الله ~~(4) على موسى، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني (5) أكون حيا إذ يخرجك (6) ~~قومك، فقال النبي (7) صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم (8) ~~يأت رجل بمثل (9) ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» ~~(10) PageV01P253 # وقد عرف عن (1) أهل الكويت وأهل البصرة في ذلك الوقت، أنهم يدعون الأشقر ~~وأبا علي وأمثالهما ممن يعتقدون صلاحه، فلا عجب من رد الحق وإخراج أهله: # والحق منصور وممتحن فلا ... تعجب , فهذى سنة الرحمن ### | بيان فضل الشيخ في طلبه العلم ومشيخته ورحلته # وأما قوله: (إن أتباعه لو طلبت منهم طريقا يتصل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم تجدها من جهته، ولا يعرفن ذلك، وإنما هو حدثني قلبي عن ربي) (2) ~~فيقال لهذا الملحد: جميع ما بأيديهم من كتب العلوم إنما أخذوها (3) عن ~~أشياخ ثقات، يؤخذ عنهم حفظا وأمانة، وطرق الأخذ متعددة ولو إجازة عامة ms106 وان ~~بعدت الديار وتناءت الأقطار، كما يعرفه أهل فن المصطلح، وقد وسعوا في ذلك؟ ~~لما دونت الدواوين وجمعت العلوم، وميز الصحيح والحسن والضعيف والمرفوع، ~~والموقوف والمتصل والمنقطع والغريب والمشتهر (4) واشتهرت رحلة شيخنا رحمه ~~الله وسماعه للعلوم واجتماعه بأعيان وقته. # وقد أخذ الفقه عن أبيه عن جده سليمان بن علي مفتي الديار النجدية في ~~وقته، وسنده المتصل بأئمة المذهب إلى الإمام أحمد معروف مقرر عندهم. ~~PageV01P354 # وسمع الحديث عن أشياخ الحرمين في وقته (1) ورحل إلى البصرة، وسمع من ~~أشياخها (2) وإنما أنكر هذا المفتري ما من الله به (3) عليه من الفهم في ~~كتاب الله وسنة رسول الله، ومعرفة الحدود الشرعية، وما دلت عليه النصوص؟ ~~وأهل العلم تفاوتوا في هذا تفاوتا عظيما. ### | استنباط الأحكام غير موقوف على السماع # ولم يقل أحد من أهل العلم: إن الاستدلال بكتاب الله وسنة، رسوله وأخذ ~~الأحكام منها واستنباطها موقوف على سماع ذلك عن أحد، وإنما هو فهم يمن به ~~تعالى على من يشاء من عباده، كما في حديث علي رضي الله عنه: "ما خضنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتيه الله من ~~شاء من عباده) (4) وفي حديث: " «مثل ما بعثني الله به من الهدى ودين الحق ~~كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء وأنبتت العشب والمرعى؟ ~~وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء» (5) " (6) . ~~PageV02P255 # فقد مثل صلى الله عليه وسلم هذا الوحي بالغيث (1) وقلوب الناس بالأرض، ~~وقسمها هذا التقسيم البديع المطابق للحال (2) والواقع. # ومثل هذا المعترض ينكر على أهل العلم ما يبدونه من الأحكام والأسرار، ~~والحدود المأخوذة من كتاب الله، وإن كان المستند نصا ظاهرا زعما منه أن هذا ~~يتلقى عن الأشياخ. # وينبغي أن يسأل هذا وأمثاله عما استنبطه الأئمة ودونوه من المسائل ~~الأصولية والفروعية، أسمعوها وأخذوها عن أشياخهم، مسألة مسألة، وحكما حكما، ~~وفرعا فرعا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms107 «المياه ثلاثة» (3) إلى آخر كتاب الإقرار؟ . # فإن زعم ذلك، أضحك من جهله كافة العقلاء، وإن سلم أن أكثره وغالبه فهوم ~~واستنباطات أخذت من نصوص الكتاب والسنة وكلام الأئمة في المسائل الاجتهادية ~~وغيرها (4) فما الموجب (5) لهذا الصياح والإنكار على فرد من أفراد الأمة ~~دون سائرهم، لولا الشك في أصل الإيمان، وعدم معرفة حدود ما أنزل الله على ~~رسوله؟ . # وهذا كله تنزل مع هذا المعترض، وإلا فما جاء به الشيخ من الدعوة إلى ~~توحيد الله وإخلاص الدين له يعرف بالضرورة من دين الإسلام، ولا يحتاج لنظر ~~ولا استدلال. PageV02P256 # وهل (1) يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل؟! # ولا يقال لمن مستنده الكتاب والسنة: إنه يأخذ عن قلبه عن ربه، وإنما يأخذ ~~عن كلام الله (2) وسنة نبيه. # وهذه الكلمة قالها بعض مشايخ القوم، فيمن أحدث طريقة أو عبادة وخلوة أو ~~رياضة لم يدل عليها كتاب ولا سنة، وقد صرح بهذا زنادقة الصوفية، كما نقل عن ~~بعضهم: (كيف يأخذ عن عبد الرزاق من يأخذ عن الملك الخلاق) ؟ ويسمون أهل ~~العلم والأثر: (أهل القشور) ؟ ويقولون: (نحن نأخذ عن الله بلا (3) واسطة. # وهؤلاء هم المعنيون بهذا، وقد وضعه هذا الملحد فيمن تمسك بالكتاب والسنة ~~ودعا إلى ما دعت إليه الرسل، وأخرج الكلام عن موضوعه ومحله، وهذا من جنس ~~التحريف، ولي الألسن الذي وصف الله به اليهود. # وأما قوله: "لا يحسن الفرائض؟ فضلا عن العول والمناسخات والحساب) (4) ~~فهذا من القحة والبهت، ومن طالع كتاب "التوحيد وغيره من مصنفاته عرف فضل ~~الشيخ وعلمه، وأنه من أدق الناس فهما، وأغزرهم علما، وإنما يرجع أهل نجد في ~~وقته إليه في سائر العلوم PageV02P257 # الشرعية (1) والفرائض وغيرها، وهذه كتبه وفتاويه ومصنفاته تشهد بذلك. # ثم لو قدر أن غيره (2) أفرض منه وأحسب، هل يقتضي ذلك التفضيل مطلقا، ~~ويوجب أن يرد ما جاء به من الحق والهدى؟ وقد ورد (3) " «أفرضكم زيد» (4) ~~ومع ذلك فالسابقون الأولون أفضل منه، وأعلم وأفقه عن الله ورسوله، وقد يحسن ~~الحساب بعض أهل الذمة من أهل الكتاب. # وهذا شيخك ms108 ابن سلوم له مصنف في الحساب، وهو من أضل الناس في معرفة دين ~~الله وشرعه في غالب الأبواب. # وقد كان في سكوت هذا الرجل ستر لجهله. # وعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها. قال الشاعر: # فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها # وأما قوله: (سموا "الإقناع" المقلاع) . # فيقال: نسبة هذا إلى الشيخ من أوضح الكذب وأظهره، وإن أخطأ بعض أتباعه ~~فخطأ التابع فيما يختص به لا يقدح في متبوعه، وكم أخطأ PageV02P258 # مخطئ من هذه الأمة وغيرها من أتباع المشايخ والأئمة، بل وأتباع الرسل، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: " «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» " (1) ~~لما بلغه ما فعل ببني (2) جذيمة. # وأما قوله: (وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و "المغني " و " الإنصاف ~~") . # فيقال: هذا يكذب ما قبله، إذا كان الرجل له عناية بكلام الفقهاء وأهل ~~العلم وتأليفهم، وكيف ينسب إليه ما تقدم؟ . # وأما قوله: (حل فيه قيوده وكدر وروده) . # فهي جملة كاذبة خاطئة؟ بل هذب أحكامه، وقرب مقاصده ومرامه؟ وأحسن في ~~تهذيبه، وأجاد في اختصاره وتقريبه؟ وهذا مما يدل على كثافة حجاب هذا ~~المعترض، وأنه لا يدري شيئا من العلوم. # وأما قوله: (إنه لم يسمع عندهم لأصول الفقه والنحو والعربية ذكرا بل ~~يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) . # فيقال: أنت وأمثالك من أشد الناس نفورا عنهم وبعدا، ومرباك ومأواك ساحل ~~العراق، وما يلي مشهد علي والحسين من تلك البلاد، فما يدريك عنهم؟ وقد ~~اعترفت أن (3) بعض الناس نصحك عن الأخذ عنهم ففعلت، ولم تقدم الدرعية، ولم ~~تر من فيها من الجهابذة الذين شاع فضلهم، واشتهر علمهم، ونقله العدول وشهدت ~~به الآثار والمؤلفات، ورجع إليهم PageV02P259 # أهل اليمن وأهل صنعاء في كثير من المسائل والمشكلات، فوجدوا عندهم من ~~العلوم ما يثلج الصدر، ويكشف العمى، وقد كثر الإقراء في "الدرعية " في علوم ~~العربية حتى حضر درس الشيخ حسين بن غنام الجم الغفير، والخلق الكثير. ثم ~~أنت أيها الرجل قد كشف الله عن سوأتك وأبدا خزيك، فقل جملة تمر بنا ms109 من ~~كلامك إلا وفيها من اللحن أو بشاعة التركيب، أو تعقيد العبارة (1) أو ~~هجنتها ما يشهد وينادي بأنك من أبلد الخلق، وأضلهم عن حسن التعبير ومعرفة ~~العربية. # وهذه الجملة بعينها التي الكلام بصددها قد لحنت فيها لحنا فاحشا، وذلك في ~~قولك: (يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) ، وهي من "أفحش " اللحن؟ لأن " ~~تلا " بابه " يتلو". # قال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله} [فاطر: 29] [فاطر / 29] . # ولم يقل: "يتلي". # وقال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} [العنكبوت: 45] [العنكبوت / ~~45] . # ولم يقل: "اتلي " وأمثال هذا كثير، ولو تتبعت ما في كتابه من هذا لطال ~~الكلام. PageV02P260 ### | فصل بيان أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه # فصل قال المعترض: (فصل: وقال في مسائله على توحيده في حديث طارق بن أشيم ~~رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد ~~من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل» " (1) فقال عليه: وهذا ~~من أعظم ما يبين لك (2) معنى "لا إله إلا الله! فإنه لم يجعل التلفظ بها ~~عاصما للدم والمال، بل (3) ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار ~~بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله ~~(4) حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، هذا كلامه) (5) . # ثم قال: (فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما ~~أقطعها للمنازع) . انتهى كلامه. # ثم قال المعترض: (فتفكر بعقلك هذا الكلام، وتفهم لقول PageV02P261 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " «من قال لا إله إلا الله» " ثم ~~أعرض عليه كلام هذا الرجل وما حكم عليه به، حتى ترى مخالفته له أوضح من ~~الشمس حيث حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة سواء جعلناه من عطف ~~الخاص على العام. # كقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] [البقرة ~~/ 238] . # وقوله: من (1) {كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] ~~[البقرة / 98] . # أو ms110 جعلنا الواو واو الحال، أو جعلنا الواو شرطا فيكون تأكيد أو تحقيقا ~~لما (2) يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص؟ لأنها المطلوبة بما تضمنته في (3) ~~جميع الأحاديث، وهي المنجية من الخلود في النار. وفي مسند البزار عن عياض ~~الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن لا إله إلا الله ~~كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله ~~الله الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه، وهو إلى الله تعالى غدا فمحاسبه» ~~(4) وعند البيهقي، وصححه البزار، والطبراني في معجميه (5) وأبى نعيم في ~~"الحلية" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما PageV02P262 # من دهره (1) يصيبه قبل ذلك ما أصابه» " (2) وعند أبي داود بسند حسن، من ~~حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ثلاث من ~~أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب؟ ولا نخرجه من ~~الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، ~~لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» " (3) . # فهذا قول رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل يقول: لا ينفعه ~~التلفظ بها، بل ولا معرفة معناها. إلى آخر كلامه، فإذا كان التلفظ بها مع ~~معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، لا ~~يعصم دمه وماله بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه على (5) ~~هذا؟ فلا أكبر حينئذ من ذلك لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم محادة ~~ومحاربة ومكابرة ومضادة، فإن هذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت ~~داخلا في كلمة الإخلاص، كما تراه واضحا فاضحا من قوله، ولو كان فقيها لعلم ~~أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق إذا PageV02P263 # جعلنا الواو شرطا، وهو بكلامه هذا جعلها (1) شرطا زائدا عليها، فما فائدة ~~إذا تسميتها بكلمة الإخلاص؟ فأين المسلم ms111 حينئذ عنده؟ وهذا من جملة ~~خزعبلاته، وجهله بلغة العرب، وتحكيمه لعقله على دقله وجهله، فأبو جهل حينئذ ~~وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، فإنها تنفي جميع ما عبد من دون الله ~~تعالى، حين دعاهم (2) صلى الله عليه وسلم إليها، فصفقوا (3) بأيديهم، ~~وقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} [ص: 5] [ص / 5] # أفيقول قول هذا الرجل عاقل؟ فهذا الرجل ينطق لسانه بما لا يحكم (4) ~~جنانه، أو ما علم في حديث طارق بعينه أنه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله؟ ~~ومن لوازمها، كما نص عليه العلماء الأمناء، والعجب ممن يعظم هذا الكلام كما ~~عظمه صاحبه، ولا يرى ظهور غائلته، فهلا قال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن ~~زيد حين قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله: أكفر بما يعبد من دون الله، ~~بعد أن شهد أن لا إله إلا الله؟ بل قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " حين (5) قال أسامة: ~~"إنما قالها تعوذا من القتل " فجعل صلى الله عليه وسلم يردد عليه: "كيف ~~تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"، وهو يقول: يا رسول الله ~~استغفر لي، حتى تمنى أسامة رضي الله عنه أنه (6) أسلم PageV02P264 # يومئذ،» والحديث جميعه في الصحيحين (1) وكذا (2) حديث أبي هريرة في ~~الشفاعة، وقصة النعلين (3) وحديث عبادة بن الصامت (4) وحديث عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه (5) والكل في الصحيحين، لا نطيل بذكرها وقد ذكرناها في "غسل ~~الدرن، مستوفاة) . # والجواب أن يقال: في نسبة التوحيد إليه أعني إلى شيخنا: ما يشعر ببراءة ~~(6) هذا الرجل منه، والكتاب الذي يشير إليه ليس فيه إلا كلام الله وكلام ~~رسوله، أورده المصنف رحمه الله مستدلا به على ما وضع من الأبواب والتراجم، ~~فالبراءة منه براءة من كتاب الله وسنة نبيه (7) ولا شك في كفر من قصد ذلك، ~~ولا أرى لقول المعترض في عبارته: (أن الشيخ ذكره في مسائله على توحيده) إلا ~~ما يشعر بهذا، والله أعلم بقصده ومراده. PageV02P265 # وتقرير الشيخ ms112 على هذا (1) الحديث من أحسن التقارير (2) وأدلها وأبينها، ~~فإنه استدل بالجملة المعطوفة الثانية على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون ~~الله (شرط في تحريم الدم والمال، وأن لا عصمة بمجرد القول والمعرفة ولا ~~بمجرد ترك عبادة ما عبد من دون الله) (3) بل لا بد من الكفر بما عبد من دون ~~الله، والكفر فيه بغضه (4) وتركه، ورده، والبراءة منه ومعرفة بطلانه، وهذا ~~لا بد منه في الإسلام. # قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} [البقرة: 256] (5) [البقرة / ~~256] . # فجمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت في هذه الآية ولها نظائر في كتاب ~~الله. # كقوله تعالى عن إبراهيم: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما ~~تعبدون - إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} [الزخرف: 26 - 27] [الزخرف / 26، 27] # فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل (6) الإسلام ~~بدونه، وهكذا هذا الحديث مثل هذه الآيات، فان الإيمان بالله هو شهادة لا ~~إله إلا الله، ومع ذلك ذكر الكفر بالطاغوت معه في حصول الاستمساك بالعروة ~~الوثقى. PageV02P266 # وقد يفرد الإيمان ويخص بالذكر، فيدخل فيه الكفر بالطاغوت، كشهادة أن لا ~~إله إلا لله، فإنها دالة على الإيمان بالله المتضمن للكفر بالطاغوت وعبادة ~~الله وحده لا شريك له. # وقد يجمع بينهما كما (1) في حديث طارق، فيستفاد معنى زائد وحكم آخر، سواء ~~كانت الجملة الثانية مؤكدة أو مؤسسة، وأيضا فإن دلالة الألفاظ والأسماء ~~تختلف في حال اقترانها وانفرادها، ومعلوم أن الجملة المعطوفة أفادت فائدة ~~أخرى، وحصل بها حكم لم يحصل بالجملة الأولى، (على القول بأنها مؤسسة، وكذا ~~القول بأنها مؤكدة. فإن النفي في الجملة الأولى) (2) يتضمن الكفر بما عبد ~~من دون الله على وجه العموم المستفاد من النفي، وفي الجملة الأخرى خصت أحد ~~(3) المعاني المستفادة من الجملة الأولى، تنبيها على أنه أجل معانيها ~~وأهمها وهذا مشهور في كلام الله وكلام رسوله وكلام العرب. # وقول الشيخ: إنه لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من ~~دون الله هو نص الحديث ومنطوقه وصريحه. # وهذا المفتري يقول: (حمله ms113 ما لم يحتمل، وخالفه خلافا أوضح من الشمس) ، ~~فأي جهل وكذب ومكابرة ورد للنصوص أعظم من هذا؟ فنعوذ بالله من الجهل ~~والعمى، والضلال بعد الهدى، وإنكار ما قاله شيخنا مما دل عليه النص هو ~~الباطل شرعا وعقلا ولغة. # ولو جعلناه من عطف المرادف، أو عطف الخاص على العام فهو PageV02P267 # دال على كل تقدير بمنطوقه على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله لا ~~بد منه في الإيمان والإسلام؟ ولا عصمة للدم والمال إلا بذلك، وإنكار هذا ~~مكابرة ظاهرة. # فإن الكفر بما عبد من دون الله إن كان من مدلول الجملة الأولى، والثانية ~~مؤكدة فالحكم الذي قرره الشيخ ثابت بالأولى، مؤكد بالثانية، وهذا أقوى في ~~الدلالة على ما قاله وما قرره، وليس فيه ما يستريح به هذا المعترض؛ لكنه لا ~~يتأتى على قواعد العربية، لأن الحال وصف فضلة مفهم للحالية؟ ويشترط في كون ~~الجملة حالا شروط لا تتأتى هنا (1) فقوله: (أو جعلنا الواو شرطا أو للحال) ~~كلام جاهل بقواعد العربية لا يدريها، فالواو لا تقع شرطا، وإنما تقع للعطف ~~والتشريك، والجملة بعدها لا تصح أن تكون للحال، فإنها جملة فعلية ماضوية لا ~~تقع (2) حالا، ولغير ذلك من موانع الحالية كما يعلم من باب الحال في ~~"الخلاصة" وغيرها من كتب العربية. # وهذا الغمر يرمي أتباع الشيخ بعدم العلم بالعربية، وهو فيها (3) أشد ~~لحنا، وأفسد تركيبا من البربر والديلم، أين أنت ومعرفة معاني الحروف ~~والتراكيب؟ # ليس ذا (4) عشك ادرجي. PageV02P268 # وقوله: "لما يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص" فيه جهل عظيم، لأن شهادة أن لا ~~إله إلا الله دلت على الكفر بما عبد من دون الله تضمنا لا التزاما؟ ولم يقل ~~أحد من المسلمين والعرب: إنها دلت على ذلك التزاما إلا على قول (1) طائفة ~~ضالة من المتكلمين، يزعمون أن معناها: لا قادر على الاختراع إلا الله، وأما ~~كون شهادة الإخلاص هي المنجية من الخلود في النار فنعم، ولكن لا بد من ~~العلم واليقين، وحصول ما دلت عليه من النفي والإثبات، وهذا لنا لا علينا؟ ~~وهو ms114 يشهد لهذا الحديث الذي فيه زيادة: "وكفر بما يعبد من دون الله ". # وقد قدمنا أن شهادة الإخلاص دالة على الكفر بالطاغوت في حال إفرادها، ~~وكذلك في حال اقترانها بغيرها. # فهذه الأحاديث التي ساق المعترض كلها لنا بحمد الله، دالة على ما قرره ~~شيخنا ونص عليه في حديث طارق، شاهدة له (2) مقررة لمعناه، كحديث عياض، ~~وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث أنس، كل هذا يدل على أن الكفر بالطاغوت لا بد ~~منه في عصمة المال والدم. # والمعترض أوردها محتجا بها على دعواه أن اشتراط الكفر بما يعبد من دون ~~الله من زيادات شيخنا، وأنه مخالف للأحاديث، وأنها لا تحتمله عقلا ولا شرعا ~~ولا لغة، وإنما المراد مجرد لفظها والوعد بالجنة والانتفاع بها، وعدم تكفير ~~قائلها وإخراجه من الإسلام، كل هذا عند المعترض لا يشترط فيه الكفر بما ~~يعبد من دون الله المذكور في حديث طارق، PageV02P269 # وجعل نص الحديث ومنطوقه مما لا يدل عليه حديث طارق ولا هذه الأحاديث، فلا ~~يشترط الكفر بالطاغوت عنده (1) بل هو من زيادات شيخنا، ومن الخزعبلات عند ~~هذا المعنى وعلى زعمه، والحديث مشهور عند أهل العلم، فجعله من الخزعبلات، ~~مع العلم بأن الرسول قد قاله ردة صريحة عند كافة أهل الفقه والفتوى، فسبحان ~~من طبع على قلبه بحكمته، وجعل ثيران المدار، أهدى منه لمعرفة ما يدل على ~~توحيد العزيز (2) الغفار. # وأما قوله: (في حديث أنس: " «ثلاث من أصل الإيمان» - إلى قوله- «ولا ~~نخرجه من الإسلام بعمل» ") ، فالصحيح وقفه، وليس من المرفوع (3) والجملة ~~الأخيرة وهي قوله (4) "والجهاد ماض منذ بعثني الله " فهي تروى. # وأما قوله: (وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها ولا معرفة معناها) . # فهذا كذب، لم يقل: لا ينفعه، وإنما قال شيخا: (فإنه لم يجعل التلفظ بها ~~عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها (5) فحرف هذا المفتري (6) وبهت ~~الشيخ بقول (7) لم يصدر، مع (8) أنه حكى قوله بنفسه، فنعوذ بالله من جهد ~~البلاء. PageV02P270 # وأما قوله: (فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا ~~يدعو إلا الله ms115 وحده لا شريك له لا يعصم ماله ودمه (1) بذلك فما العاصم له ~~حينئذ من هذا الرجل على كلامه) . # فنقول: الكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بهذا من ~~عند الله تعالى وتقدس؟ واشترط الكفر بما عبد من دون الله في عصمة المال ~~والدم، مع المعرفة والتلفظ، وكونه لا يدعو إلا الله، فمن رد ذلك فقد رد على ~~عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي ~~الأمي الذي بشرت به الأنبياء، وقامت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على ~~رسالته وصدق مقالته، فمن رد ذلك فهو المحاد لله ورسوله، المحارب له، ~~المكابر لنصوصه، لا من آمن به وأخذ بقوله ودعا إليه الناس وبلغه الأمة. # إذا عرفت هذا، فقول المعترض: (فهذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر ~~بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص) ، فيه رجوع عن قوله الأول، وهدم لأساسه ~~وقاعدته، وقد تقدم حكاية قوله الصريح في رد اشتراط هذا في عصمة (المال ~~والدم) (2) ثم رجع القهقري وانحط إلى وراء، وزعم أن الشيخ لم يدخل الكفر ~~بالطاغوت في كلمة الإخلاص، فأين هذا من تقريره الأول؟ والشيخ لم ينف دخوله، ~~وإنما اشترطه في عصمة المال والدم، وذكر أنه نص الحديث، وأن حديث طارق أفاد ~~أن هذه الجملة بخصوصها لا بد منها، ولم يتعرض لنفي دلالة كلمة الإخلاص ~~عليها، ولا في كلامه ما يفهم منه ذلك، بل فيه ما يؤيده. PageV02P271 # ويقال لهذا: إن رجعت عن دعواك الأولى وأقررت أن الكفر بما يعبد من دون ~~الله لا بد منه في العصمة، فما هذا الاعتراض والطعن والذم لمن اشترطه وقال ~~به؟ . # وما أحسن قوله تعالى: {والسماء ذات الحبك - إنكم لفي قول مختلف - يؤفك ~~عنه من أفك - قتل الخراصون - الذين هم في غمرة ساهون} [الذاريات: 7 - 11] ~~[الذاريات / 7 - 11] . # فنزل هذه الآيات وأمثالها على هذا المعترض وأشباهه تجد فيها من وصفهم ~~وعيبهم وذمهم بالاختلاف، وتدافع الأقوال ونفى العلم واليقين، وأنه لم يحصل ~~لهم إلا مجرد خرص وخدس، ليس من العلم في ms116 شيء، وأنهم في غمرة السهو والجهل، ~~وعدم الإيمان، فمتى تتفق أقوالهم؟ وتسلم عقولهم (وتعلم قلوبهم) (1) ؟ ~~وتنشرح صدورهم آيات الحق وداعيه؟ # فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا # ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا # ومن تناقضه وتدافع أقواله، قوله: (ولو كان فقيها لعلم (أن هذا كما لو شرط ~~في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق) (2) . # فإن هذا يهدم ما قبله إن كانت كلمة الإخلاص تقتضي هذا وتدل على أن الكفر ~~بما يعبد من دون الله لا بد منه، فما هذه الخصومة؟ وكيف تقول فيما قبل: (إن ~~مخالفته للحديث أوضح من الشمس، وأنه حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا ~~لغة؟) فما هذا التناقض؟ تذكر المخالفة وتزعم أنها واضحة، وأن الحديث ما دل ~~على ما قاله الخصم ثم ترجع PageV02P272 # وتقول: (هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق؟) . # فتبا لك آخر الدهر، أين الفقه الذي تدعيه؟ لو صحت العقول لعدك السامع ~~لهذا من صنف المعتوهين، ومن أهل الهذيان لا من أهل الفقه والبيان. # وإذا دلت عليها الجملة الأولى فالمعنى حينئذ واحد، والشيخ ما نفى دلالة ~~الأولى على المعنى المراد، وإنما قرر أن الجملة الثانية فيها مزيد بيان ~~وتوضيح يستفيده الذكي والبليد، والضعيف والشديد، وهذا محض الفقه، ومن أنكره ~~فهو الجاهل بلغة العرب واصطلاح (1) الشرع، المحرف للكلم عن مواضعه، المصادم ~~للأحاديث النبوية بالحرفة اليهودية. # وكلامه ومسبته للشيخ عنوان على علم الشيخ وفضله ومخالفة عقله لعقله، ولو ~~أثنى عليه هذا الملحد لشك بعض الناس في فضل الشيخ، وقال: أي جامعة بينهما؟ ~~كما أن سفهاء الجاهلية وسقطهم بينهم وبين الرسل والصديقين أشد منافرة (2) ~~وأعظم مباينة، وبين المؤمنين والمنافقين كذلك. # قال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} [البقرة: 13] [البقرة / 13] ، ~~ووصفهم بالاستهزاء بأوليائه وعباده. # ثم قال: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] ~~[البقرة / 15] . # وكذلك هذا الرجل صرح بالاستهزاء ms117 بتوحيد الله وبمن قاله، ووصفه بدقل العقل ~~والجهل. PageV02P273 # فسبحان من اقتضت حكمته، وجود ورثة وأتباع لأعدائه وأعداء (1) رسله، كما ~~اقتضت وجود أوليائه وأتباع رسله، ومضت إرادته تعالى ومشيئته بوجود الضدين ~~واجتماع الجنسين، إلى أن يأتي أمر الله وهم في خصومة يختصمون في ربهم، ~~وسيحكم بينهم بعدله ويزيد أولياءه من رحمته وفضله. # وأما قوله: (فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله) . # أقول: جوابه: أن من تفكر (2) في قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين - إنا كفيناك المستهزئين - الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف ~~يعلمون - ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون - فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين - واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 94 - 99] [الحجر / 94 - ~~99] لم يبق في صدره حرج ولا ضيق من سفاهة الجاهلين، واستهزاء المستهزئين، ~~وإلحاد الضالين. # والله سبحانه يعلم من الذي أبو جهل وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، ~~أهو من يدعو الناس إلى عبادة الله وإسلام الوجوه له، وترك التعلق على ~~الأنداد والشفعاء والشركاء، أو هو من قام يدعو إلى عبادة الصالحين، والجن ~~والشياطين، ويجهل من أنكر عليهم ويعاديه، ويرميه بأنه كفر الأمة أهل لا إله ~~إلا الله، وأن من عبد عليا والحسين والعباس وعبد القادر وأمثالهم هم (3) ~~خير أمة أخرجت للناس، وهم الذين عمروا المساجد، وهم وهم وهم؟ . PageV02P274 # وسيعلم هذا إذا انكشف الغطاء، وآن الرحيل واللقاء، ماذا جنى على نفسه؟ ~~وفي أي الموارد أوردها؟ وأي المهالك ساقها إليه وأنزلها؟ . # وفي الحديث: " «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» " (1) ومن ~~وقف على ما قالته الرافضة في السابقين الأولين، (من المهاجرين) (2) ~~والأنصار وأكابرهم (3) وسادتهم، كأبي بكر وعمر وعثمان، لم يستغرب ما يجري ~~من أهل المعاندة والفجور، المعروفين بالقحة وشهادة (4) الزور. # اللهم إنا فارقناهم في مرضاتك، وعاديناهم لجلال ذاتك، فحل بيننا وبين من ~~أشرك بك، وصد عن سبيلك، وجحد توحيدك، وعادى أولياءك. # اللهم إنا نتوسل إليك بتوحيدك الذي أنكره (5) المشركون ألا تجمع بيننا ~~وبينهم في دار الهوان والشقاء، اللهم إن ms118 عبدك ورسولك الصادق المصدوق، قال ~~فيما صح عنه " «المرء مع من أحب» " (6) . # اللهم إنا نشهدك، ونشهد ملائكتك، وأولي العلم من خلقك على محبتك، ومحبة ~~رسلك، وأوليائك، وعبادك الصالحين. PageV02P275 # اللهم فاجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. # اللهم رحمتك نرجو ومغفرتك نأمل (1) فلا تخيب رجاءنا وحقق فيك آمالنا. # وما أحسن ما قال الشافعي رضي الله عنه: "ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع ~~أعمالهم" (2) . # وأما قول المعترض: (إن حديث طارق بعينه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ومن لوازمها) . # فيقال: ومن نفى ذلك؟ ومن الذي رده؟ وإذا تضمن الشهادة بالرسالة فتضمنه ~~للكفر بما عبد من دون الله أولى، فما هذا الإنكار والجهل الجهار؟ . # وأما حديث أسامة: ففيه وفي أمثاله من الأحاديث التي دلت على الكف عمن ~~قال: "لا إله إلا الله ". دلالة على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد ~~منه، وإنما اختلفت دلالة الألفاظ ومعانيها، في حالة الأفراد والاقتران، كما ~~تقدم. # وأيضا يقال لهذا: إن أنكرت دلالة: "لا إله إلا الله " على الكفر بما يعبد ~~من دون الله أبطلت كلامك الذي قبل هذا بأسطر، ورجعت إلى (3) PageV02P276 # بنائك بالهدم، وإن أثبتها وجعلت كلمة الإخلاص دالة عليه بطل اعتراضك على ~~الشيخ؟ لأن حاصل تقريره وكلامه: أن هذا لا بد منه في عصمة المال والدم، فلا ~~ندري ما هذا الروغان؟! # جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه # كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه # وأما حديث أبي هريرة في الشفاعة، وحديث عبادة، وحديث عثمان: # فكلها دالة على وجوب الكفر بما عبد من دون الله، إما تضمنا أو مطابقة، ~~وهذا المعترض لا يعقلها وإن أوردها، وكيف يعقلها من عادى أهلها وعابهم، ~~ونصر من خالفها، ونقضها وردها؟ وقال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] [الجمعة / 5] # وقال تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي ms119 آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين - ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا (1) فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} [الأعراف: 175 - ~~176] [الأعراف / 175، 176] (2) PageV02P277 ### | فصل في التوسل بالأنبياء والصالحين # فصل وقال المعترض: (ومن ذلك قوله في شبهة قال فيها: وأما الجواب المفصل ~~فإن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل، [107] ، يصدون بها ~~الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا؛ بل نشهد أنه لا يخلق ولا ~~يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له؟ فضلا عن عبد القادر ~~وغيره، ولكن أنا مذنب والصالحين (1) لهم جاه عند الله وأطلب من الله تعالى ~~بهم، فجاوبه بما تقدم وأقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه، إلى أن ذكر قوله ~~تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: ~~57] الآية [الإسراء: 57] . # إلى أن قال: (فإن قال الكفار يريدون منهم وأنا أشهد (2) أن الله هو ~~النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحين (3) . ليس لهم من الأمر ~~شيء، ولكن أقصدهم أرجو الله بشفاعتهم. # فالجواب: أن هذا قول المشركين سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله PageV02P278 # تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب ~~كفار} [الزمر: 3] [الزمر: 3] انتهى كلامه. # ثم قال المعترض: (فجعل بكلامه هذا- كما ترى- التوسل بذات الصالحين، ~~والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين ~~الشرك الأكبر المخرج من الملة، وكفر به- كما ترى- صريحا من قوله، فصار ~~حينئذ كلامه عن الرد عليه مريحا في (1) فإذا علمت أن أهل الغار الذين ~~حديثهم في الصحيحين (2) كنطق القرآن لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ وقد توسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ~~فأنجاهم الله تعالى بذلك، وأزاح عنهم الصخرة بقدرته الكاملة التي خلق ~~الصخرة ms120 بها وأوجدها وجبلها التي هي منه، حتى خرجوا. # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث السنن في الدعاء للقاصد للصلاة: " «لا ~~أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا» " (3) وقد قال تعالى: {والله ~~خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] [الصافات: 96] . # وقد قرن في (4) ذلك بلفظ واحد جل ذكره، وتقرر عندك، هل ترى PageV02P279 # أعمال بني آدم أفضل عند الله تعالى من (1) ذات سيد البشر صلى الله عليه ~~وسلم؟ مع أن (2) في حديث الأعمى الذي في السنن، وصححه الترمذي من حديث ~~عثمان بن حنيف رضي الله عنه ورواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي (3) عن ~~عثمان بن حنيف أنه علمه رجلا له عند عثمان بن عفان (4) حاجة، فتعسر قضاؤها ~~في خلافته رضي الله عنه، فقال (5) الرجل، فتيسرت حين توسل إلى الله تعالى ~~بنبيه صلى الله عليه وسلم فهل ترى الصحابة رضي الله عنهم يعلمون الناس ~~الشرك الأصغر؟ فضلا عن الأكبر كما يقوله هذا الرجل صريحا؟ أو ترى سلف الأمة ~~الصالح وعلماءهم (6) يروون وينقلون لأمته أفعال الشرك وأقواله ليعملوا به ~~أو يجيزون ذلك أو روايته؟ سبحان الله ما أعمى عين الهوى عن الهدى) . # والجواب أن يقال: أما تسميته مصنف شيخنا في رد ما احتج به المشركون ~~"شبها" مع أنه استدل بالكتاب السنة وتمسك بهما: فهذا من أعظم الجراءة على ~~ما يوجب ردة قائله وكفره، فإن من قال في القرآن ما دون هذا مما يشعر برده ~~أو نقضه، مجمع على كفره وردته، ولا خلاف بين أهل العلم (7) في ذلك. ~~PageV02P280 # وما ذكره الشيخ من أن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل ~~يصدون بها الناس فهو حق. # ومصداقه في كتاب الله قوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه ~~فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ~~وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112 - 113] (1) [الأنعام: 112 - 113] ~~وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم ~~إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] [الأنعام: 121] . # وقول الشيخ: (منها ms121 قوله: نحن لا نشرك بالله شيئا، بل نشهد أنه لا يخلق، ~~ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، فضلا عن عبد القادر ~~وغيره، ولكن أنا مذنب، والصالحين (2) لهم جاه عند الله، وأطلب من الله ~~تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم، واقرأ عليهم (3) ما ذكر الله في كتابه) ، فهذا ~~الكلام الذي حكاه الشيخ عنهم قد حكاه شيخ الإسلام عن كثير ممن يدعي ~~الإسلام، ومن الصوفية، وذكر أنهم ظنوا أن الفناء في هذا التوحيد الذي هو ~~توحيد الربوبية، هو الغاية التي ينتهي إليها السالكون، وقرر أن هذا لا يدخل ~~به العبد في الإسلام، بل لا بد أن يكون الله وحده (4) محبوبه الذي يألهه ~~PageV02P281 # ويخضع له، وينيب إليه، ويسلم له وجهه، ويتوكل عليه، ويستغيث به، ويفزع ~~إليه في حاجاته ومهماته ولا يكون له في عباداته شريك، وقرر أن هذا هو حقيقة ~~الإسلام وهو مدلول "لا إله إلا الله " وهو الذي دعت إليه الرسل، وصار ~~النزاع والخصومة فيه. # كما قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] [الزخرف: 45] . # فنفى سبحانه جعل آلهة يعبدهم الناس، ويفزعون إليهم، وأن الرسل كلهم نافون ~~مبطلون لما ادعته المشركون من شرع اتخاذ الآلهة، وجعلها أندادا، والمقصود ~~بالنفي هو الجعل الديني الشرعي، لا القضائي (1) القدري الكوني، وأما ~~الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، فهذا قد أقر به المشركون، كما ~~ذكر الله ذلك عنهم في غير آية، كما في سورة يونس، والمؤمنون، وسورة النمل ~~(2) والزخرف، وغيرها من سور القرآن. وقول من يدعو الصالحين: (أنا مذنب؟ ~~والصالحون لهم جاه) ، هو بعينه قول المشركين، كما ذكره غير واحد: أنهم ~~عللوا إباحة شركهم واستحسانه، بأن العبد المذنب لا يصلح لمخاطبة الرب ~~والدخول [109] ، عليه إلا بواسطة من العبد الصالح المقرب، وأنه إذا علق ~~أمله بالصالحين أو الملائكة فاض عليه من الإفاضات التي تحصل لهم، ومثلوا ~~ذلك بانعكاس الشعاع من الأجسام الصقيلة، كما ذكره الفارابي وغيره من دعاة ~~المشركين. PageV02P282 # ومثل هذا يجاب عليه ms122 (1) بما ذكره شيخنا رحمه الله: من أن هذا بعينه هو ~~قصد المشركين ومرادهم، وهو الذي دعاهم إلى عبادة الأنبياء والصالحين ~~والتعلق عليهم لأجل الجاه والشفاعة. # قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] [يونس: 18] . # وأخبر تعالى عن قصدهم ومقالتهم، وأنكرها عليهم، وأخبر أنه لا يعلم وجود ~~شفيع يشفع (2) عنده لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه فهو (3) ~~مستحيل الوجود، فنزه نفسه عن هذا الشرك المنافي للعبودية التي هي الحكمة في ~~إيجاد البرية. # وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} [الزمر: 3] [الزمر: 18] وقال تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا ~~من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} ~~[الأحقاف: 28] [الأحقاف: 28] . # إذا ظهر هذا وعرفت أن كلام الشيخ متجه، لا غبار عليه. # فاعلم أن قول هذا الملحد: (فجعل بكلامه هذا -كما ترى- التوسل بذات ~~الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا PageV02P283 # بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر، المخرج من الملة، وكفر به كما ~~ترى صريحا من قوله) . # هو تمويه وتلبيس، أدخل فيه: (وطلبه (1) جل وعلا بأوليائه) ليوهم الجهال ~~ومن لا علم عندهم بحقيقة الحال. # وموضوع الكلام: أن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين، ~~وهذه مسألة، ودعاء الصالح وقصده (2) فيما لا يقدر عليه إلا الله (3) مسألة ~~أخرى؟ فخلطها ليروج باطله، فقبحا قبحا، وسحقا سحقا لمن ورث اليهود، وحرف ~~الكلم عن مواضع. # وكلام الشيخ صريح فيمن دعا مع الله إلها آخر في حاجاته وملماته، وقصده ~~بعبادته فيما لا يقدر عليه إلا الله، كحال من عبد عبد القادر، وأحمد ~~البدوي، أو العيدروس، أو عليا، والحسين، وقول هذا المشرك: (وأطلب من (4) ~~الله بهم) ، أي: بواسطتهم. بمعنى أن هذا المشرك يدعوهم ويتوجه إليهم ~~بالعبادات، وهم يدعو الله له، كما أخبر الله عن المشركين بقوله: {ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا ms123 إلى الله زلفى} [الزمر: 3] [الزمر: 3] . # فظن المعترض أن الشيخ أراد مسألة الله بجاه الصالحين؟ فاعترض على ذلك (5) ~~وآفته الفهم السقيم، والمعتقد الذميم، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ~~PageV02P284 # ومع هذا الصنيع الفظيع، والشرك الجلي يقول: (أنا لا أشرك بالله شيئا، ~~وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، ظنا منه أن ذلك هو ~~الإسلام فقط وأنه ينجو به (1) من الشرك، وما رتب عليه) . # فكشف الشيخ شبهته، وأدحض حجته بما تقدم من الآيات: {وتمت كلمت ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} [الأنعام: 115] [الأنعام: 115] . # وأما مسألة الله تعالى بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم، بأن يقول السائل: ~~اللهم إني أسألك بحق أنبيائك، أو بجاه أوليائك، أو نحو هذا: فليس الكلام ~~فيه، ولم يقل الشيخ إنه شرك، ولا له ذكر في كلامه، وحكمه عند أهل العلم ~~معروف، وقد نص على المنع منه جمهور أهل [115] ، العلم، بل ذكر الشيخ في رده ~~على ابن البكري (2) أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجزم بذلك، بل علق القول به على ثبوت حديث ~~الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، وعلى تسليم صحته فليس ~~الكلام فيه، وفي المثل: أريها السهى وتريني القمر. # وأما استدلاله بحديث أهل الغار على مسألته التي لبس بها: فهو من نوادر ~~جهله التي يضحك منها العقلاء، أين التوسل بالأعمال الصالحة، من البر والعفة ~~والأمانة، من التوسل بذوات المخلوقين؟ # نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل PageV02P285 # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ~~[المائدة: 35] [المائدة: 35] . # والوسيلة: ما شرعه (1) ورضيه من الأعمال الصالحة، والأقوال (2) وأين في ~~شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده، مخلوق من خلقه؟ # ومن قاس هذا على ما صح من التوسل بالأعمال الصالحة، فقد أبعد المرمى، ولم ~~يعرف مناط الأحكام. # والتوسل صار مشتركا في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين ~~ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا ms124 هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور ~~وأنصارهم، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه: الشرك الأكبر ~~والكفر البواح، والأسماء لا تغير الحقائق. # ويطلق أيضا: على مسألة الله بجاه الصالحين والأنبياء، وحقهم على الله. # ويطلق أيضا: في عرف السنة والقرآن وعرف أهل العلم بالله ودينه، على: ~~التوسل والتقرب إلى الله بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله، وفعل ~~ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، كما توسل أهل الغار ~~الثلاثة بالبر والعفة وأداء الأمانة. # فإذا أطلق التوسل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه فهذا ~~هو المراد، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله ~~PageV02P286 # على رسوله، فلبس هذا المعترض بكلمة مشتركة، ترويجا لباطله. # وأما ما ورد في السنن من السؤال، (1) "بحق السائلين (2) وبحق ممشى الذاهب ~~إلى المسجد" ونحو ذلك، فالله سبحانه وتعالى جعل على نفسه حقا تفضلا منه ~~وإحسانا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه، وما (3) جعله لعباده ~~المؤمنين على نفسه، فليس من هذا الباب، أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منع ~~ذلك فقهاء الحنفية، كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي رحمه الله ~~تعالى بداره بالإسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق. # ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى ~~الله (4) إليه: أي حق لآبائك علي؟ " (5) أو نحو هذا، والحق المشار إليه ~~بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته، فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق، وما جعله ~~الله للماشي (6) إلى الصلاة (7) وللسائلين من الإجابة [111] ، والإثابة، ~~فضلا منه وإحسانا، المنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على ~~الإيمان والأعمال الصالحة، فالأول يعود ويرجع إلى التوسل بصفاته الفعلية ~~والذاتية، والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين، فتأمله فإنه نفيس جدا. ~~PageV02P287 # وأما استدلاله بقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] ~~[الصافات: 96] . # واستدلال هذا الغبي بعطف الأعمال على ما قبله فهو يريد أن الأعمال ~~والمخلوق مستويان في التوسل بهما، بدليل العطف، فإن كان العطف يفيد ms125 ذلك، ~~فقد عطف تعالى ذكر (1) الملائكة والنبيين وأولي العلم من خلقه على اسمه ~~المقدس. # فإن قلت: يدعون كما يدعى؛ لأنه قرن ذلك بلفظ واحد، فقد أتيت بكفر لم تسبق ~~إليه ويستحي من إبدائه كفار قريش وأمثالهم. # فنعوذ بالله من هذا الفهم الضال، والإلحاد في كتاب الله، والكذب على ~~الله. وفي الحديث: " «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» " ~~(2) وهذا الفهم الضال يستحي العاقل من حكايته، لولا الحاجة إلى رده، وفي ~~قوله: (وقد قرن ذلك) من سوء التعبير ما يطلعك على جهل هذا المتكلم. # والعطف إنما يقتضي التشريك في الفاعلية، أو المفعولية أو (3) المجاورة ~~ونحو ذلك، وأما اشتراك المتعاطفين في جميع الأحكام الخارجة عما سيق له ~~الكلام، فهذا (4) إنما يقوله من هو أضل من الأنعام، PageV02P288 # ولو طردناه لاتسع الخرق في المكفرات، وخرجنا عن الموضوعات والمعقولات إلى ~~جهالات وعمايات لا يمكن حصرها. # وأما قوله: (فهل ترى أعمال بني آدم أفضل عند الله من ذات سيد البشر) . # فهذا الكلام كلام جاهل، فإن ذات سيد البشر صلى الله عليه وسلم داخلة في ~~عموم بني آدم، وفضلها لما خصت به من الرسالة والإيمان الكامل، الذي لا أكمل ~~منه، وغير ذلك من المواهب والتوفيق للأعمال الصالحة. # ثم التوسل بذاته يتوقف على المشروع، كالإيمان به ونصرته ومتابعته، فهذا ~~هو الوسيلة العظمى. # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ~~[المائدة: 35] [المائدة: 35] . # أما سؤال الله به، وترك متابعته، والخروج عن شريعته: فهذا (1) حال ~~المعرضين عن الإيمان به، وبما جاء به، والعبادات مبناها على الاتباع؟ ولذلك ~~صار عمدة من أجازه (2) حديث الأعمى، ولم يتجاوزه إلى غيره من الأقيسة ~~والخوض بلا علم، وحديث الأعمى قد (3) تكلم فيه أهل [112] ، الحديث ولم ~~يصححوه كما تقدم؟ لأن فيه من لا يحتج به، ولذلك (4) توقف ابن عبد السلام في ~~صحته وقال: "إن صح الحديث (فيجوز ذلك PageV02P289 # بالنبي خاصة" وغيره يقول: إن صح الحديث) (1) فليس فيه ما ذهب إليه من ~~أجاز سؤال الله بجاه خلقه وبحقهم؟ لأن نص الحديث يفيد ms126 أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا له، وسأل (2) الله أن يرد بصره، فهو توسل بدعائه، كما في ~~حديث عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك (3) فتسقينا، وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبيك» (4) فدعاء الأنبياء وأقاربهم المؤمنين وأهل الفضل ~~والصلاح من أعظم الوسائل " إلى الله، وما المانع أن يكون هذا هو المراد. # وعلى كل تقدير فالنزاع ليس في هذا، وكلام شيخنا ليس فيه، وإنما أورده ~~المعترض لبسا ومغالطة. # والمعترض ظن أن قول شيخنا فيما حكاه من شبه المشرك، وأنه يقول: (وأطلب من ~~الله بهم) ، أي: بجاههم وحقهم. وليس كذلك؟ لأن سياق الكلام وموضوعه فيمن ~~يدعوهم مع الله، ويجعلهم وسائط بينه وبين ربه في شأنه، وأمره، وحاجاته، ~~وملماته، فالمعنى حينئذ أطلب من الله بواسطتهم، بمعنى أنه يدعوهم لتحصيل ~~مراده ومطلوبه من الله، فالغبي لم يفهم أو لبس وموه كما تقدم. # وأما ما فعله عثمان بن حنيف من تعليم هذا الحديث (5) فليس فيه ~~PageV02P290 # حجة لهذا المبطل، والشيخ لم يقل: إن هذا النوع شرك لا أصغر ولا أكبر، حتى ~~يعترض بأن الصحابة علموه الناس. # وأما احتجاجه: بما عزاه للطبراني في الكبير من «أنه صلى الله عليه وسلم: ~~"دخل قبر فاطمة بنت أسد ودعا لها فقال: بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي» (1) ~~. # إلى آخر الحديث، فيقال لهذا: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على ~~وجوب التوسل بأسماء الله وصفاته، وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها؟ ~~هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ . # وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد. # وقال شيخ الإسلام (2) (قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال ~~بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام) . أترى ~~هذا الحديث خفي على علماء الأمة، ولم يعلموا ما دل عليه؟ ثم لو سلمنا صحته ~~أو حسنه (ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد: بدعاء نبيك إلى آخره) (3) ~~فأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد ~~والشرع. # وفي الحديث: " «يا صفية ms127 عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد اشتروا أنفسكم ~~لا أغني عنكم من الله شيئا» " (4) . PageV02P291 # قال تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين} [التحريم: 10] [التحريم: 10] . # قال شيخ الإسلام (1) (فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان، لم يدع له، ~~ولم يسأله باتباعه لذلك الشخص، أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته وما جعله له ~~ربه من الكرامة (2) لم يكن قد سأله بسب يوجب المطلوب (3)) . # وأما استدلاله على جواز ذلك: بما ذكر أبو الفرج في كتاب "الوفا" من قول ~~عائشة رضي الله عنها: " انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم واجعلوا منه ~~كوة إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا " إلى ~~آخره. # فالاستدلال بهذا من نوادر جهل المعترض. # [113] وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا لم في (4) يثبت ~~(5) . وقال الحافظ المزي (6) في الكلام على أوس بن عبد الله الربعي ~~PageV02P292 # أبو الجوزاء (1) البصري: (قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه. (قال ~~الحافظ المزي (2) وقول البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه) (3) إنما قاله ~~عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري؟ والنكري (4) ~~ضعيف عنده. وقال ابن عدي: حدث (5) عنه (6) عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث ~~غير محفوظة، وأبو الجوزاء (7) روى عن الصحابة؟ وأرجو أنه لا بأس به ولا يصح ~~روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع ~~منهم) (8) قلت: فعمرو بن مالك النكري قد ضعفه البخاري، ولم يذكر الحافظ ~~المزي أحدا وثقه، وقد انفرد برواية هذا الحديث، (فلذلك توقف فيه البخاري، ~~ونظر فيه، وجزم بضعفه، ولو سلم هذا الحديث) (9) فليس فيه حجة للمبطل، لما ~~تقدم من أنه أثبت (10) أن دانيال النبي عليه السلام وجد على سرير في بيت ~~مال الهرمزان، وأخبر الفرس أنهم يستسقون به فيسقون، مع أنهم عباد نيران ~~ليسوا بأهل كتاب، وبركة نبينا صلى الله ms128 عليه وسلم أعظم مما PageV02P293 # ذكر، وأجل مما وصف؟ لكن لا دليل فيه على أنه يدعى ويقصد للاستسقاء ولا ~~لغيره بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وقد كان جسد دانيال النبي عليه السلام ~~عند (1) أهل "تستر" على سرير في بيت مال الهرمزان، وكان عنده مصحفه، وكانوا ~~إذا قحطوا أخرجوه فأمطروا، فكتب عامل عمر إليه يخبره بدلك فأمره أن يحفر ~~بضعة عشر قبرا ويدفن ليلا في أحدها؟ ليعفي أثره ويخفي خبره، والقصة مشهورة ~~ذكرها ابن إسحاق في مغازيه (2) وقد خاف عمر من أن يشرك به ويجعل ندا لله؟ ~~كما جعل عيسى وأمه، فاجتهدوا (3) في إخفاء قبره وعدم إظهاره. # فهذا هو فعل المهاجرين والأنصار الذين هم من أعلم الناس بحقه وأعظمهم ~~توقيرا له، وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما ~~يستدل به على جواز التوسل الشركي (4) بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات ~~الدينية توقيفية لا يجوز إحداثها نظرا إلى الأسباب القدرية الكونية، فإن ~~أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانا وأنواعا، وليس كل سبب منها (5) ~~دينيا شرعيا محمديا عليه رسم المدينة. # هذا، وما يحصل ببركته صلى الله عليه وسلم أضعاف ما ذكر، ولكن الشأن كل ~~الشأن في السير على منهاجه، والأخذ بأمره، والانتهاء عن زجره ونهيه، وقد ~~حمى حمى التوحيد وسد طرائق الشرك ووسائله، حتى قال للوفد الذين PageV02P294 # قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، خيرنا (1) وابن خيرنا، " «السيد الله ~~تعالى، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، ~~فقولوا: عبد الله (2) ورسوله» " (3) هذا وقد قال في مقام الإخبار والإعلام: ~~" «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» " (4) # وأما قوله: (وهل هذا إلا توسل (5) منهم بالمصطفى صلى الله عليه وسلم إلى ~~آخر عباراته. # فيقال: أما التوسل بذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم: فليس من محل ~~النزاع؛ ولا يدل على مشروعية سؤال الله بحقه أو بحق غيره من الأنبياء، وقد ~~يحصل بدعائه صلى الله عليه وسلم أو بذاته ما لا يحصل بالدعاء به، والقياس ~~هنا لا يسوغ، وأما كون الدال على ms129 ذلك أم المؤمنين: ففيه نظر ظاهر، والقبة ~~التي فيها الكوة إنما بنيت في ولاية ابن (6) قلاوون من سلاطين مصر في القرن ~~السادس؟ ولعل المعترض أراد ذكر ما وضع في سقف بيته الشريف صلى الله عليه ~~وسلم (وقد مر ما فيه) (7) (8) . PageV02P295 # قال المعترض: (وليس المراد في هذا تقرير جوازه أو عدمه، وإنما الغرض بيان ~~خطأ هذا الرجل بتكفيره (1) الأمة القائمة الظاهرة القاهرة [114] ، لعدوهم ~~بما لا حاصل تحته، غايته أن يكون جائزا أو مستحبا، قد فعله السلف والخلف، ~~ليس بكفر كما يزعم هذا؟ بل ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد ~~عثمان بن حنيف رضي الله عنه إليه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. # فيقال في جوابه: الله أكبر، ما أعظم ما تجارى بهذا الهوى إلى أن بلغ ~~غايته القصوى في الكذب والتمويه، ويحه أين تكفير الأمة القائمة الظاهرة في ~~كلام شيخا رحمه الله؟ وأين التكفير بسؤال الله بحق أوليائه؟ هل هو إلا شيء ~~اختلقه وزوره ولفقه، ثم أخذ يرده وينسبه إلى الشيخ ويبهته بأكاذيبه وزوره ~~ليصد عن سبيل الله؟ ويلبس على الجهال. # قال تعالى عن اليهود: {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يعملون - لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} [المائدة: 62 - 63] [المائدة: ~~62- 63] . # وقد جرى للرافضة والجهمية والمعطلة من هذا النوع شيء كثير، يبهتون به أهل ~~السنة والجماعة المثبتين لصفات الله ونعوت جلاله، وقد أخزاهم الله وكبتهم، ~~وكشف لعباده المؤمنين زورهم وبهتهم (2) {يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون - هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: ~~32 - 33] [التوبة: 32-33] . PageV02P296 # وقد عرف كل أحد حتى العذارى في خدورهن أن شيخنا رحمه الله إنما يريد عباد ~~القبور الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ويسألونهم (1) قضاء حاجاتهم، ~~وتفريج كرباتهم، ويفزعون (2) إليهم في الشدائد (3) والمهمات، وهذا المفتري ~~يجعلهم الأمة الظاهرة القائمة. # فويل لمن نصر ms130 هذا الشرك وأثنى على أهله، وضلل من أنكر عليهم أو كفرهم كما ~~فعل هذا الضال، والله سبحانه هو الموعد (4) وإليه المنتهى. وأما قوله: ~~(غايته أن يكون جائزا أو مستحبا قد فعله السلف والخلف) . # فيقال لهذا الملحد: أين عن السلف والخلف فعل عبادة القبور ودعائها ~~والاستغاثة بها وندائها بالحوائج، وكتب الرقاع بذلك ودسها في القبور؟ ~~أوجدنا حرفا عن أحد من السلف والخلف، خواصهم وعوامهم يحقق ما زعمت، ويدل ~~عليه، فإن لم تفعل- ولن تفعل- فهذي نصوصهم ظاهرة مشتهرة في المنع من ذلك، ~~والتغليظ فيه، وتكفير فاعله. وقد مر من النصوص ما يثلج الصدور، ويدرأ في ~~نحور أهل الكذب والزور. # وقد نص ابن القيم في إغاثته (5) على أن أصل شرك العالم هو دعاء ~~PageV02P297 # الموتى والاستغاثة بهم، وسيأتي لهذا مزيد بسط. # وأما قوله: (وليس بكفر ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان ~~بن حنيف إليه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم) . # فصريح هذا الكلام من المعترض أن ما ذكره الشيخ من دعاء الموتى والغائبين ~~وجعلهم وسائط بين الله وبين خلقه لا محذور فيه، وليس بشرك، وأنه مندوب، ~~فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان، إن لم يكن هذا هو ~~الشرك الأكبر فليس في الأرض شرك، بل هذا (1) دين الصابئة والمشركين، ممن ~~(2) أعرض عن الرسل، ولم يؤمن بآيات ربه وأقوالهم وأوضاعهم واصطلاحاتهم في ~~عبادة هذه الوسائط ودعائها، وجعل البيوت والسدنة والهياكل لها معروف مشهور ~~لا يخفى. # قال تعالى عن خليله إبراهيم: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين - إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون - قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين - قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين - قالوا ~~أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين - قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي ~~فطرهن} [الأنبياء: 51 - 56] [الأنبياء: 51-66] (3) ونحو ذلك من الآيات ~~الدالة على أن النزاع والخصومة بين الرسل وقومهم إنما هي في عبادة الله، ~~وترك عبادة ما سواه. # وأما توحيد الربوبية فأكثر الأمم قد ms131 أقرت به لله وحده. PageV02P298 # قال المعترض: (وأكبر من هذا وأدهى وأمر: تنزيله هذه الآيات السابقة على ~~غير مواضعها، فبكلامه هذا يكون أهل الغار عنده من أعداء الله كفارا بذلك ~~(1) وكذلك من قال: بحق السائلين عليك، وما الفرق بين العمل الصالح والذات ~~الصالحة وقد قرنهما الله تعالى في لفظ واحد؟ حيث (2) يقول: {والله خلقكم ~~وما تعملون} [الصافات: 96] [الصافات: 96] . هذا كلامه بحروفه. # فيقال له (3) إنما الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، والجهالة العمياء، ~~ما أنت بصدده من الصد عن سبيل الله، ومعارضة أهل العلم، ورد ما استدلوا به ~~من الآيات المحكمات، فيما نزلت فيه عن الشرك الظاهر والكفر البواح، وأنت ~~فعارضتهم بجهالة وضلالة، وعمى عن معرفة السبيل، وما يراد من المقالة، ~~وتعرضت لأمر لست من أكفائه {كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} ~~[الأعراف: 176] هذا حاصله على أي حالة، ما أنت ومعرفة الآيات، وما أنت ~~والخوض في تلك المقاصد [116] ، والغايات؟ وأنت أجهل من خط بالقلم وأفسد، ~~ويكفي العاقل من جهلك وضلالك قولك: (وقد قرنهما (4) في لفظ واحد، حيث يقول: ~~{والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] [الصافات: 96] . # وقد تقدم أن قولك الضال، وجهلك الواضح صريح في أن العطف PageV02P299 # يقتضي المشاركة في الخصائص والأحكام، وقد تقدم أن (1) إطلاق هذا والقول ~~به كفر، لا يبقي من الإيمان شيئا ولا يذر، وجهل لم يقله أحد ممن سبق من أهل ~~اللسان وغيرهم (2) أترى قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~[الأحزاب: 56] [الأحزاب: 56] وقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم} [آل عمران: 18] (3) . # وقوله: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون} ~~[النساء: 166] [النساء: 166] وأمثال هذه الآيات تقتضي المشاركة في خصائص ~~الإلهية والربوبية والذات والصفات. # وهل أفادت غير حصول ما سيقت له من الصلاة والشهادة؟ وقولك: (وقد تقدم ~~هذا) (4) لو عرف هذا قدر نفسه، لعلم أن الأنعام أهدى منه في (5) العقل ~~وحدسه. # قال المعترض: (هب أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى منعه PageV02P300 # أو كرهه كأبي العباس، وقد يكون له قصد في ذلك (1) حسنا، ms132 ومع ذلك لم يكفر ~~به ولم يفسق به، كما يقوله هذا الرجل، بل لم يكفر من سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قبره واستشفع به، كما سنذكر قوله في ذلك بحروفه، حتى إنه رحمه ~~الله حاول الفرق بين ما جمعهما الله في لفظ واحد: الذات الصالحة والعمل ~~الصالح، فلم يستطع على إخراج ذلك ببرهان بين؛ بل الآثار والنظر والقياس ~~الصحيح يعطي رفعة الذات على العمل، والاعتبار بما عند الله من الكرامة ~~والإكرام ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا كما ذكرناه ونذكره عنه) . # والجواب أن يقال: " «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» " (2) ؛ أين أنت ~~ومعرفة الآثار والنظر والقياس؟ وقد التبس عليك الإيمان بالشرك، وخفي عليك ~~أشد خفاء والتباس، ولفظك من الأدلة على جهلك، وقد أبقيناه برمته وما فيه من ~~اللحن في اسم كان، وتثنية ضمير الموصول المفرد، وتعدية الاستطاعة بعلى وغير ~~ذلك مما يدل على جهلك وإفلاسك: # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها # والشيخ لم يكفر به (3) ولم يفسق، وقد خاب من افترى. # وأما قولك: (إن الشيخ تقي الدين لم يكفر من سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~في PageV02P301 # [117] قبره واستشفع به) فسيأتيك جوابه، وبيان جهلك وخطأك في فهم كلام ~~الشيخ عند ذكر ما نقلته عنه. # وأما كون أبي العباس بن تيمية حاول الفرق بين ما جمعه الله في لفظ واحد: ~~فهذا كلام خب لئيم، ما عرف أين الصراط المستقيم، والشيخ أعقل من أن يفرق ~~بين ما جمعه الله. ثم أين الجمع؟ إنما هو العطف، والشيخ أعلم من أن يفهم ~~مفهوم (1) الضالين، وقد نزهه الله عن ذلك، ولم يقل أحد من أهل العلم ~~والإيمان أن الله جمع بينهما ولا قاس الذات على الإيمان، والعمل الصالح " ~~بل ولا فضل أحد ذاتا مجردة على الإيمان والرسالة والعمل الصالح، وهل يتصور ~~وجود ذات رفعت وفضلت على (2) الإيمان والأعمال، بلا عمل ولا إيمان؟ هذا ~~الكلام من قسم اللغو والهذيان؟ تصان عن ذكره أسماع أهل الإيمان. # وقوله: (ومع ms133 ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا) هذا تمويه، (كأن هناك جماعة ~~قالوا بتفضيل الذات على الأعمال، والشيخ له قولان. هذا ظاهر العبارة؟ وكل ~~هذا كذب وبهت وتمويه) (3) صرف، لا قال هذا جماعة ولا جرى نزاع فيه، وأهل ~~العقول بل والعوام منهم ينزهون عن هذا؟ فكيف يقوله جماعة ويكون لأبي العباس ~~قول معهم؟ وهذا الضال يختار، ويحب، ويرجح (4) وقول السوء يزري بأهله، لا ~~بورك في لسان أورد صاحبه هذه الموارد. PageV02P302 # ثم قال المعترض: (وقد رأيت لابن الجوزي في تبصرته في مجلس منها متوسلا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي كلام يحيى الصرصري رحمه الله من ذلك (1) ما ~~لا يحصى، وسماه أبو العباس: حسان الأمة، وأثنى عليه ولم ينكر عليه. فكيف ~~ينحلون قولة هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه عن ذلك، فكيف وهو (2) قد أثبت ~~التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في منسكه الكبير؟) . # والجواب أن يقال: ما تقدم، وهو أن التوسل بهذا المعنى ما صدر من شيخنا ~~فيه، في هذا الموضع بحث ألبتة ولا تعرض، وإنما هذا الرجل كذب وبهت (3) ثم ~~أطال الرد. # إذا عرفت هذا فقد مر فيما كتبناه على هذه المسألة ما يكفي المنصف. # وأما كون الشيخ أبي العباس أثبته في منسكه: فهذا النقل ليس بصحيح، وقد ~~عرف حال هذا الرجل (4) في التهور في الكذب والخيانة، والمبالغة في التحريف، ~~فكيف ينقل عنه ويؤخذ قوله هذا (5) ؟ وقد قال الشيخ في منسكه المعروف الذي ~~هو آخر ما صنف في المناسك: (قد صنفت منسكا في أول عمري على ما ذكره بعض ~~الفقهاء ثم تبين لي خلافه) ، وذكر أنه صنف هذا الأخير معتمدا عليه راجعا ~~إليه، فليس بحمد الله هناك للمبطل حجة ولا دليل. PageV02P303 # وأما ما ذكره عن ابن الجوزي وعن الصرصري: فقد تقدم مرارا أن التوسل على ~~ما ذكر، ليس من محل النزاع، وإنما النزاع في توسل المشركين الذي هو دعاء ~~غير الله، والتسوية برب العالمين في خالص حقه، وما يجب له على خلقه، ~~والمعترض جمع بين الجهل بالحقائق، والمغالطة عند المحاقة والمنازعة. ms134 # نعم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الاستغاثة (1) بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم: (وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء؛ لكنه موجود في كلام بعض ~~الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان وكتاب المستغيثين بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم باليقظة والمنام، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكن ليسوا من ~~أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ~~ومعرفة الحلال والحرام؛ وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي؛ بل جروا ~~على عادة كما جرت عادة كثير من الناس بأن يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه) ~~- إلى أن قال: (ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا (2) أن ما ~~كانوا عليه ليس من دين الإسلام؟ بل هو مشابهة لعباد الأصنام، ونحن نعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن ~~يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا ~~بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت) . # قال المعترض: (وقال في رده على ابن البكري في قوله: إن PageV02P304 # الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته ~~بأنه عند الله تعالى في قرب دائم لا ينقص جاهه (1) قال أبو العباس عند ذلك: ~~وهذا اللفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة الإقسام به، والتوسل بذاته صلى الله ~~عليه وسلم، فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هو في مزيد دائم، بأبي هو وأمي ~~ونفسي صلى الله عليه وسلم. هذا عين كلامه) . # والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يزل ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويؤيد ~~عباده المؤمنين، ولو بإجراء ذلك على ألسن أعدائه، من غير قصد منهم للحق ولا ~~إرادة له، وهذه العبارة تهدم ما قبلها، فإن أبا العباس نفى كلام ابن البكري ~~في التسوية بين الأقسام به والتوسل بذاته، ورد على ابن البكري بأن هذا ~~اللفظ لا يستقيم ولا يصح إلا إذا كان معنى الإقسام هو التوسل بذاته، ففرق ~~الشيخ بين الأقسام ms135 والتوسل بالذات، وأخبر أنهما لا يستويان في الحكم. # والمعترض حرف عبارة الشيخ، وأسقط الواو العاطفة للإقسام على ما قبله، ~~وجعله هو خبر كان، وزاد واوا بعده تفيد عطف التوسل بالذات على الإقسام، ~~وهذا تحريف غريب غير المعنى، وجعل الإقسام الذي هو من تتمة (2) الاسم خبرا ~~ومحط فائدة، وعطف عليه التوسل، فنعوذ بالله من تحريف الضالين، وزيغ ~~الزائغين. # إذا عرفت هذا عرفت أن كلام الشيخ يهدم قول المعترض: (أن الشيخ أثبت ~~التوسل) . PageV02P305 # وقوله: (إنهم ينحلون قولهم هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه من ذلك) ، فقد ~~ردت عبارة الشيخ عليه، وهدمت أصله، لكن بعد تصحيحها وإزالة تحريفه (1) ~~فالحمد لله على التوفيق والسداد (2) وأعجب من هذا: أنه زعم أن الإمام أحمد ~~رحمه الله (كتب ذلك للمروذي في منسكه، وهذه نصوص الإمام أحمد) (3) ؛ وهذا ~~مذهبه المقرر، وكلام الشيخ في نفي ذلك موجود متواتر، وقد أفرد هذه المسألة ~~بالتأليف في رده على ابن البكري وغيره، وكلامه متفق لا مختلف، وحكى المنع ~~عنها عن كافة الأئمة، سوى ابن عبد السلام، وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله ~~تعالى. PageV02P306 ### | فصل فيه مناقشة الشرك الواقع في مثل البردة للبوصيري # فصل قال المعترض (1) (ومن قول هذا الرجل في موضع آخر من كلامه، قال: ~~"اعلم أرشدك الله أن من أنواع الشرك الأكبر ما قد يقع فيه بعض المصنفين ~~الأولين على جهالة منه، كقوله في البردة: # يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم # قال: وفي الهمزية من جنس هذا، وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا ~~تصلح إلا لله وحده "، انتهى مع كلام لا يؤبه له. # وله كلام عليها غير هذا أشنع منه تركناه، ولأتباعه كذلك (2) ؛ وسنشير إلى ~~شيء من قوله، ويكفي في هذا قوله (3) "من الشرك الأكبر"، وعند هذا الكلام ~~محط الرحل، فغائلته تنقيص (4) سيد البشر صلى الله عليه وسلم والحط من ~~رتبته، وغايته إبطال شفاعته بالكلية، فنقول: الأولى (5) أن شرف الدين محمد ~~بن سعيد البوصيري رحمه الله لم يقصد ما قصده هذا الرجل، وليس PageV02P307 # هو ms136 بجهول عن عبادة الله ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركا قد نهى الله ~~عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، إذ ذاك لا يصلح إلا لله عز وجل، إذ كل رسول ~~يقول لقومه: "يا قوم (1) اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ". # وقال تعالى {وما أرسلنا من قبلك (2) من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] [الأنبياء -25] . وقال تعالى: {وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] [الجن -18] والآيات على ~~الحض (3) على توحيد الله والنهي عن الشرك لا تعد ولا تحصر (4) وحاشا لعالم ~~من علماء الأمة المعتبرين أن يقول الشرك الأكبر أو يقره؛ لأنه رحمه الله من ~~العلماء الأمناء؛ ولو قاله أحد لأنكر عليه (5) وإنما هو رحمه الله تعالى ~~يشير إلى يوم القيامة لاستحضار ذلك اليوم العظيم الذي تفزع إليه الخلائق ~~للشفاعة العظمى لفصل القضاء حين تدني الشمس منهم، وتزفر النار (6) ويغضب ~~الجبار، ويجاء بالنار تقاد بسبعين ألف (زمام مع كل زمام سبعون ألف) (7) ~~ملك، وتجثو الخلائق على الركب، وهو الحادث العمم الذي يعم جميع الخلائق، ~~بحيث لم يبق [120] ، نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه يقول: نفسي نفسي لا ~~أسألك (8) اليوم PageV02P308 # إلا نفسي، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «أمتي أمتي» ) . # والجواب أن يقال: قول الشيخ: (إن أشياء من أنواع الشرك الأكبر قد يقع ~~فيها بعض المصنفين الأولين) قول صحيح، يدل عليه الكتاب والسنة والواقع ~~والاستقراء، وقد خفي على قوم موسى عليه السلام وعلى أبي واقد الليثي ~~وأصحابه ما طلبوه من أنبياء الله، فكيف لا يخفى أو (1) لا يقع ممن لا نسبة ~~بينه وبينهم؟ قال تعالى عن قوم موسى (2) {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا ~~على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ~~قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] [الأعراف -138] . # «وقال أبو واقد الليثي وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم: " اجعل لنا ذات ~~أنواط كما لهم ذات أنواط "، فقال صلى الله عليه وسلم: "قلتم والذي نفسي ~~بيده كما قالت ms137 بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم ألهة» (3) فإذا ~~وقع ذلك من أولئك الأخيار ورسلهم بين ظهرانيهم، فكيف يستبعد أو ينكر وقوعه ~~(4) ممن هو دونهم في كل فضيلة وكل علم وكل دين؛ بل يستحي (5) العاقل من طلب ~~المقابلة، فكيف بالمماثلة والمقاربة؟ وفي الحديث: " «اتقوا زلة PageV02P309 # العالم وفتنة العابد» " (1) وعنه صلى الله عليه وسلم: " «أخوف ما أخاف ~~على أمتي ثلاث: زلة العالم، وجدال المنافق (2) والأئمة المضلون» " (3) وفيه ~~أيضا: " «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» (4) فإذا خافه صلى الله عليه ~~وسلم على خيار أمته، وأمر باتقائه (5) فكيف يستغرب وقوعه، وينكر من الخلوف ~~الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون؟ # وقد تقدم (6) ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من شعر ابن النعمان وغيره (7) ~~من هذا الضرب، وأنكره أشد الإنكار، وأخبر أنه من أنواع الشرك ودعاء المخلوق ~~بما لا (8) يصلح إلا لله. # قال رحمه الله في أثناء كلام له (9) (ونحن نعلم بالضرورة أن PageV02P310 # رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات لا ~~الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه ~~لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت (1) ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن ~~كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة ~~الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم ~~بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ما بينت هذه ~~المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام. ~~وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه (2) أعظم ما بينت لنا. لعلمه ~~أن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ~~ويسألونهم ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم ~~إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطرين، راجين قضاء ~~[121] حاجاتهم بدعائه أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله تعالى، فإنهم ms138 ~~يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج ~~عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي ~~يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء: # يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر # أو قال: # عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكمو من الضرر PageV02P311 # فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم، لو كانوا معكم في القتال ~~لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة ~~بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر ~~الله تعالى به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين ~~والاستغاثة (1) بالله، وأنهم لا يستغيثون (إلا إياه، لا يستغيثون) (2) بملك ~~مقرب ولا بنبي مرسل، (فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم) ~~(3) نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا لم يتقدم نظيره) . انتهى كلامه. # وقول صاحب البردة أبلغ مما أنكره شيخ الإسلام، فإن صريحه دعاء مضطر ~~محتاج، ذي فاقة وفقر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس له ملجأ ~~وملاذ ومفزع عند حلول (4) الحادث العام العظيم سوى رسول صلى الله عليه ~~وسلم، وإذا حرم مجرد سؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، وسؤاله بعد مماته ما ~~دون ذلك من الأسباب العادية، فكيف بهذا الدعاء الذي هو من أبلغ الأدعية في ~~إظهار الفقر والفاقة، واستعطاف المسؤول بتوحيده وإفراده لهذا المطلوب ~~العظيم، والخطب الجسيم؛ وإذا كان الدعاء حزم لتضمنه التسوية بين الله وبين ~~غيره في القصد والرجاء، والذل والمحبة، فكيف بما دل على ما هو أبلغ من ذلك ~~مما ذكر (5) في البردة والهمزية ونحوها (6) وفي حديث PageV02P312 # النعمان بن بشير رضي الله عنه " «الدعاء هو العبادة» (1) وحصر أحد ~~الجزئين في الآخر يفيد ما قاله بعض الشراح من أن الدعاء لبها (2) وخالصها ~~وركنها الأعظم، وفي حديث أنس رضي الله عنه: " «الدعاء مخ العبادة» " (3) ~~وبه يظهر معنى الحصر في حديث النعمان، وفي الحديث: " «من لم يسأل الله يغضب ~~عليه» " (4) مفهومه أن من سأله رضي (5) عليه، وهل ms139 هذا الرضا وهذا الغضب إلا ~~لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك ~~لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى ~~البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك. # قال أبو العباس ابن تيمية (6) فيمن سأل الأموات ما لا يطلب إلا من [122] ~~الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر: (إنه يستتاب، فإن تاب ~~وإلا قتل؛ لأن هذا عين الشرك الذي نهت عنه الرسل، ونزلت الكتب بتحريمه ~~وتكفير فاعله) . انتهى. # وقد نفى الله عن غيره ملك (7) الشفاعة، ونفى فعلها بغير إذنه، ~~PageV02P313 # وأن (1) تكون فيمن لا يرضى قوله وعمله، وقد ذكر جل ذكره أنه المنفرد ~~والمختص بملك ذلك اليوم، وتمدح بذلك في غير آية من كتابه، وثبت من غير وجه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبض السماوات بيمينه ويقبض ~~الأرض فيقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض» (2) وقال تعالى: {وما ~~أدراك ما يوم الدين} [الانفطار: 17] * {ثم ما أدراك ما يوم الدين} ~~[الانفطار: 18] * {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: ~~19] [الانفطار 17-19] وهذه نكرة في سياق النفي وهي عامة. # وكذلك قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] ~~في موضعين من سورة البقرة (آية 48 وآية 123] . # ولا ينافي هذا ما ورد من إثبات شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة ~~غيره؛ لأن المراد بالنفي اختصاصه بالملك، وعدم مشاركة أحد له تعالى في ملك ~~ذلك اليوم، وما ورد من حصول الشفاعة فهو عن أمره وإذنه ورضاه تعالى وتقدس، ~~فالشافع عبد مأمور لا ملك له ولا يبتدىء بالشفاعة، بل هو مدبر مأمور) (3) ~~فكيف يطلب منه ما لا يملك، وما (4) لا يحصل إلا بإذن من ربه تبارك وتعالى؛ ~~وهذا هو المراد بالاستثناء في مثل (5) قوله تعالى: PageV02P314 # {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] [البقرة 255] . # فتعليقها على الإذن والرضى يراد به هذا المعنى، الذي هو صرف القلوب إلى ~~باريها وفاطرها، وإسلام الوجوه له، عكس ms140 ما يفهمه المشرك من أن الاستثناء ~~يفيد طلب ذلك من غير الله، وسؤال (1) ذلك الغير هذا المطلوب العظيم. # وإذا كان الحال هكذا فمن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما لا ~~يطلب إلا من الله كمغفرة الذنوب وهداية القلوب، ودخول الجنة والنجاة من ~~النار وأنزل المطر، والنصر على الأعداء ودفع السوء والردى، ونحو ذلك مما ~~يختص به (2) تعالى، ولا يشاركه فيه مشارك فقد أشرك بربه وجعل له ندا وشريكا ~~في خالص حقه. # ولا ريب أن هذا الدعاء (3) يقتضي إثبات قدرة عامة (4) وعلم عام، وسمع ~~محيط، لا سيما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم، جعل ذلك ديدنه في كل (5) ~~مكان وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار، وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علما ~~ولا سمعا عاما محيطا لا يليق بالمخلوق، فهو مكابر ملبوس عليه، ثم في ذلك من ~~الخضوع والذل والمحبة والإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها، فكيف جاز صرفه ~~لغير الله؟ PageV02P315 # إذا عرفت هذا: فهذه الأبيات التي قالها صاحب البردة فيها من الغلو ~~والإطراء، والدعاء، والالتجاء، ما لا يليق ولا ينبغي (1) صرفه لمخلوق ولو ~~نبيا أو ملكا (2) وأين قوله: # يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم # إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل: يازلة القدم # فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم # مما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من وجوب (إسلام ~~الوجوه له تعالى والإنابة إليه، ووجوب) (3) اتخاذه تعالى (4) ملجأ، ومفزعا، ~~ومعاذا، وملاذا عند الشدائد والمهمات (5) . # قال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين} [الأنعام: 40] [الأنعام 40] ففي هذه الآية أنهم ~~يلجأون إليه، ويفردونه (6) بالدعاء إن أتاهم العذاب أو أتتهم الساعة، واحتج ~~بذلك على وجوب إفراده بالدعاء في حال الرخاء وفي جميع الحالات، فكيف ترى ~~بمن أعد غير الله لشدته، PageV02P316 # ولهول الساعة وكربها؟ كما في أبيات البوصيري، وإذا اقترن بذلك نفي التعلق ms141 ~~والرجاء والتوكل في ذلك عن غير الرسول صلى الله عليه وسلم، وأضاف المتكلم ~~إلى هذا إثبات عموم العلم وإحاطته بالكليات والجزئيات، وأن الدنيا والآخرة ~~حصلتا وكانتا عن جوده وإحسانه، و (1) معلوم أن هذا يدخل فيه كل تدبير ~~وتأثير وتقدير وتيسير، فأي فرد يبقى لله؟ وأي شيء اختص به؟ فافهم ما في هذه ~~الأبيات من منافاة مقتضى الرسالة، وصريح الآيات. # وإذا عرفت ذلك: عرفت أن المعترض قصرت رتبته عن درجة العلم بأصل الإيمان، ~~وعن معرفة الحكمة في خلق الجن والإنس والسماوات والأرض وما فيهما؛ فلذلك ~~اعترض، ورأى أن كلام الشيخ على هذه الأبيات شنع بشع، فإنه ارتاع من (2) عد ~~ذلك من قسم (3) الشرك الأكبر. # وأبلغ من هذا: أنه يفهم من التوحيد وإخلاص الدعاء لله، والنهي عن دعاء ~~نبينا صلى الله عليه وسلم تنقيصا (4) له وحطا من رتبته وإبطالا لشفاعته ~~بالكلية: {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} [هود: 95] [هود 95] . وهذا بعينه ~~قول من غلا في المسيح وأمه، أو غلا في أحد من الأنبياء والملائكة، وقد قال ~~عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي لما قدموا عليه يريدون جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه: "إنهم يقولون في المسيح قولا 318 عظيما- يعني أنه (5) عبد، رسول، ~~ليس بإله " (6) وكذلك قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى ~~توحيد (7) الله: "قد (8) عبت ديننا وسببت آلهتنا". وكذا قال قوم نوح كما ~~يدل عليه قوله جل ذكره: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا} ~~[نوح: 23] الآية (9) [نوح 23] . # وقال تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} [الزخرف: 57] * ~~{وقالوا أآلهتنا خير أم هو} [الزخرف: 58] (10) إلى قوله ( {إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} [الزخرف: 59] [الزخرف 57- 59] . # فالأمر بتوحيد الله وإخلاص الدعاء له والنهي عن دعاء الأنبياء والصالحين ~~ليس بتنقص (11) بل هو الكمال والعز والسيادة، وهل نال الأنبياء وغيرهم من ~~الملائكة المقربين، ما نالوه من المقامات التي يتقاصر عنها المتطاولون إلا ~~بتجريد التوحيد، وتحقيقه ومعرفة الله والعلم به، والدعوة إلى سبيله، ~~والبراءة مما نسبه إليه ms142 أعداؤه المشركون؟ وأما صرف حق الله وما يجب له من ~~الدعاء والعبادة إلى غيره: فهذا PageV02P317 # محض التنقص لله ولعباده المخلصين؛ ولهذا نزه (1) تعالى نفسه عما يشركون ~~في غير موضع من القرآن وكذلك في السنة. # وفيه تنقص أيضا (2) بالأنبياء والصالحين؛ لظن (3) من فعل ذلك أنهم يرضون ~~به ويقرون (4) عليه، وأنهم ما نهوا عن هذا الجنس من الشرك وإنما جاءوا ~~بتحريم الشرك في الربوبية، ووجوب اعتقاد اختصاصه تعالى بالملك والتدبير، ~~كما صرح به كثير من عباد القبور، وأنكروا توحيد العبادة غاية الإنكار، ~~وجعلوا معنى كلمة الإخلاص يرجع إلى توحيد الربوبية فقط، ومن نهاهم عن عبادة ~~غير الله قابلوه بأشد الإنكار؛ وقالوا: تنقصت المشايخ والكبار، وهم قد ~~تنقصوا الملك الحق العزيز الغفار. # فما أشد غربة هذا الدين، وما أقل من يعرفه من المدعين للعلم والمنتسبين ~~(5) . # وأما إبطال الشفاعة: فالشفاعة التي يشير إليها هذا الرجل وإخوانه من ~~المشركين قد نفاها الله تعالى وأبطلها في كتابه العزيز في غير موضع؛ وأخبر ~~تعالى أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع هذه الشفاعة التي قصدها المشركون لا في ~~السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه سبحانه فهو مستحيل الوجود. # والشفاعة المثبتة نوع آخر، وجنس ثان لا يعقلها المشركون، PageV02P319 # وما يعقلها إلا العالمون (1) والإشارة (2) إلى سببها (3) ومقتضيها ~~وموجبها جاء (4) صريحا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول ~~الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله ~~إلا الله خالصا من قلبه» " (5) . إذا عرفت هذا عرفت أن المعترض أجنبي عن ~~علوم أهل الإسلام لا يعقل منها شيئا، فلا جرم اعترض على شيخنا، وصاح لما ~~سمع (6) بتجريد التوحيد، والحمد لله العزيز الحميد. # وأما قوله: (إن البوصيري لم يقصد ما قصده شيخنا وأنه ليس بجهول) . # فجوابه: أن البحث هنا في الألفاظ وما دلت عليه صريحا، وأما القصد والنية ~~فليس هذا مبحثه، والسرائر إلى الله يحاسب العباد (7) بعلمه، وصريح اللفظ ~~دال على ما قرره شيخنا. # وأما قوله: (وليس بجهول عن عبادة الله تعالى، ودعاء غيره ms143 من دونه الذي ~~يكون شركا قد نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ ذاك لا يصلح إلا ~~لله) . فالجواب: إن العقلاء نصوا أن من الحمق المتناهي تكذيب العين ~~PageV02P320 # وتصديق الظن والحدس، فكيف تقبل منك هذه الدعوى ونحن نرى قوله ونسمعه؟ ~~ويكفي الحس في إبطال دعواك أنه ليس بجهول، وهل هذا الذي صدر منه إلا غاية ~~الجهل ومنتهى الضلال؟ # وأما كون الرسل يقولون لقومهم: اعبدوا الله، والله يقول: 30 {وأن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] [الجن 18] . فنعم؛ هذا حق وهو دين ~~الرسل، والنزاع بيننا وبينكم في التزامه والعمل به، فكيف تحتج علينا بأن ~~الله تعالى قال هذا، وقد خالفتم مقتضاه، وخرجتم عما دل عليه، وكيف ننهاك ~~(1) عن دعاء غير الله وتحتج علينا بأنك تعلم أنه لا يدعى إلا الله؛ هذا ولو ~~عقلتم المعنى والمقصود من هذه الآيات وأنصفتم لاستراح الخصم، والآفة كل ~~الآفة (2) مخالفة هذا ومناقضته ممن يتلوه ويؤمن بألفاظه (3) . # وأما كونه عالما من علماء الأمة: فهذا من الجهل بالعلم والعلماء، أين ~~العنقاء لتطلب، وأين السمندل ليجلب؟ # قال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] * {بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 112] ~~[البقرة 111- 112] هؤلاء هم أهل العلم ورثة الجنة، وسادات الأمة، لو سلم ~~عقلك PageV02P321 # لعرفت أن من يدعو العباد إلى الله، ويردهم إليه وينهاهم عن الالتفات ~~والتعلق على غيره، وصرف الوجوه لسواه هو العالم الأمين، لكن أعماك الهوى عن ~~معرفة الرشاد والهدى. # وأما كون الناظم يشير إلى يوم القيامة: فنعم، ولكن لا يدعى لذلك اليوم ~~إلا الله وحده، وكون الخلائق تفزع إليه في ذلك اليوم لا يوجب ذلك ويقتضي ~~دعاءه، وقصده من دون الله في دار التكليف والعمل، والملائكة والمؤمنون ~~والأطفال يشفعون في ذلك اليوم، وهل يقول مسلم بقصدهم ودعائهم والتعلق عليهم ~~من دون الله في هذه الدار، لما يرجى في الدار ms144 الآخر ة ويؤمل فيها؟ ومن قال ~~بقصدهم ورجائهم ودعائهم لذلك، وشرعه، فقد فتح باب الشرك وسوغه، ودخل فيما ~~دخل فيه الصابئة المشركون من التعلق على الأنفس المفارقة وعبادتها ودعائها ~~مع الله. # وقولك: (حين تدني الشمس) هذا خطك بيدك، وهو لحن فاحش يدل على أنك أمي (1) ~~لا تحسن شيئا من العلم. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم " «أمتي أمتي» " (2) ليس فيه أنه يدعى ~~ويقصد لذلك قبل يوم القيامة. PageV02P322 ### | فصل في مخاطبة النبي بكاف الخطاب بعد موته والدعاء له عند قبره # فصل قال المعترض: (فشرف الدين يخاطبه صلى الله عليه وسلم كما خاطبه حسان ~~بن ثابت رضي الله عنه بكاف الخطاب بعد موته؟ وكما خاطبه صديق هذه الأمة أبو ~~بكر رضي الله عنه بعد موته، وطلب منه كما يأتي ذلك، وكما خاطبه الأعمى في ~~غيبته، وكما خاطبه الذي علمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي ~~الله عنهما (1) بعد موته صلى الله عليه وسلم؛ وغير الصحابة كثير من ~~التابعين وسلف الأمة؛ إذ مخاطبته صلى الله عليه وسلم بعد موته أبلغ؛ لأن ~~أعمال أمته تعرض عليه في قبره، وشرف الدين يقول: يا أكرم الخلق؛ وهل ينكر ~~أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلا ونائلا وعند ربه جل وعلا، ثم قال: ما لي من ~~ألوذ به من الخلق سواك، واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . ثم قال: (عند حلول ~~(2) الحادث العمم، وهذا ذاك اليوم ومطلوبة شفاعته صلى الله عليه وسلم) . # والجواب أن يقال: هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل، ~~داع، لائذ، مضطر، محتاج (3) بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وخطاب حسان ~~خطاب متوجد متمن أن يقي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب، ~~PageV02P323 # وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه، وذلك من باب الدعاء والطلب منه فأين ~~هذا من هذا؟ هل قال حسان: أعطني وأنا عائذ، أو لائذ بك في الحوادث ~~والملمات؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهد في الصلاة (1) ما يفيد الفرق بين ~~خطاب المسلم وخطاب الداعي الراجي، ms145 بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين ~~به الفرق عند أولي الألباب والأفهام، وعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقولوا: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (2) عند زيارتهم، ولو خاطبهم بغير ~~ذلك من المطالب والدعاء، وقال: "جئتكم مستجيرا، عائذا بكم، مستغيثا (3) ~~لائذا بحماكم، طالبا لبركم ونعماكم، وما لي عند الحوادث والمهمات سواكم " ~~لكان (4) ذلك من الشرك الأكبر؛ الذي اتفقت الرسل ونزلت الكتب بتحريمه ~~وتكفير فاعله، أفيقال: هذا خطاب وما قبله خطاب، ويسوى بينهما للاشتراك في ~~الخطاب؟ هذا لا يقوله إلا أضل الخلق وأجهلهم (5) وقد جبل الله الخلق على ~~الفرق بين (6) دعاء الميت والدعاء له، واتفقت الفطر والشرائع على الفرق بين ~~ذلك؛ وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين، وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله، ~~وحللوا وحرموا بمجرد أهوائهم وآرائهم الضالة. # وأما حديث أبي بكر: فسيأتي الكلام عليه؛ وأنه غير ثابت وأن PageV02P324 # الإجماع المستند إلى الكتاب والسنة والاعتبار يخالفه وينافيه، وأين هذا ~~من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف، ~~وتثليث جداره كي لا يصلى إليه، ولا يتمكن من دعائه وسؤاله، عملا بقوله- صلى ~~الله عليه وسلم: " «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» " (1) وقد بالغ السلف في ~~حماية حمى التوحيد، والتباعد عن الشرك، وسد ذرائعه؛ وقطع وسائله؛ حتى منعوا ~~من استقبال القبر عند دعاء الله؛ كما هو نص أحمد ومالك وأبي حنيفة رحمهم ~~الله في أشرف القبور على الإطلاق، فأين هذا من سؤاله صلى الله عليه وسلم ~~وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله؟ # وأما حديث الأعمى: فليس فيه ما يدل على غيبته صلى الله عليه وسلم، وهو ~~توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألون الاستغفار والدعاء. وقد ~~قال تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] [التوبة 103] وقال ~~تعالى حاكيا عن المنافقين: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} [المنافقون: 5] [المنافقون 5] فذم هذا ~~الصنف بالصد عن ذلك. # فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسم، وأما ms146 بعد موته صلى ~~الله عليه وسلم فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم، بل ~~قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر، فكيف بدعائه وقد تقدم ذلك قريبا: "وخير ~~الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها" (2) PageV02P325 # [128] وسيأتيك أن أصل الشرك، وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج. # وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف: فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى، ~~أعني مخاطبته صلى الله عليه وسلم والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت ~~مخاطبته الرسول؛ بل هي ساقطة في الأصول المحررة، ومسألة السؤال به أو بحقه ~~غير مسألته نفسه ودعائه. # وأما كون أعمال أمته تعرض عليه: فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه ~~مع الله وطلب الحوائج منه، ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من ~~التابعين وعلماء المدينة (1) كالفقهاء السبعة، ومن بعدهم كابن شهاب (2) ~~وربيعة (3) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة، ~~والشافعي، وأحمد، وسفيان، وداود بن علي، وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم ~~الذين منعوا من دعائه، والدعاء عنده، وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على ~~والديه (4) ولا قائل بدعائهما وطلبهما. # وأما قول المعترض: (إن أعمال أمته تعرض عليه في قبره) . PageV02P326 # فقد ورد (1) أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم (2) ؛ ولم يأت ما يدل على أن ~~العرض في القبر بل الجزم بهذا (3) والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " ~~«نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (4) . # والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتعدى ذلك إلا بتوقيف. # وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلا ونائلا) ~~، فهذه العبارة تطلعك على قطرة (5) من بحر جهالته، وذرة من قناطير غباوته، ~~كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر ~~(6) كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم ms147 الخلق، فتأمله فإنه نص خطه (7) ~~بيده. # وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . فأقول: يا لله للمسلمين من ~~ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد PageV02P327 # الله بالدعاء جهلا وطمسا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [129] ~~، المطلوب شفاعته صلى الله عليه وسلم لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ ~~والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من (1) جوده (2) بل ~~هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم. # وقد قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق} [النساء: 171] [النساء 171] . # فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعداها، ولم يتجاوزها إلى سواها. ~~PageV02P328 ### | فصل في بيان أن من دعا معبودا أو انتحل طريقة أنه لا يرى في ذلك محذورا # فصل قال المعترض: (ثم ماذا، والمحذور الذي كفر به هذا الرجل وما يضر ~~النداء في هذا، وهل هذا عبادة من دون الله؟ ما أبعد الجهل وأهله من ~~الفرقان) . # ثم ذكر المعترض قول حسان في مرثيته مستدلا به على أن الرسول يدعى ويخاطب. # والجواب أن يقال: لا ريب أن جمهور من دعا معبودا مع الله. وانتحل طريقة ~~ودينا (1) لم يأذن به الله يرى أنه لا محذور، ولا إنكار، ويحسب أنه مهتد، ~~وإن كان من أضل الخلق وأبعدهم عن مناهج الإيمان والهدى، ويكفي المؤمن ما ~~تقدم من الآيات التي تزعم أن الناظم يعرفها ولا يجهلها. # كقوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] [الجن ~~18] وهل يحيل هذا الدعاء عن حقيقته، ويسوغه لغير الله تسمية الجاهلين له ~~نداء لا دعاء، وهل العبادة إلا هذا الدعاء ونحوه؛ فأي جهل في تحريم ما حرم ~~الله من دعاء غيره ومسألة سواه ما لا يقدر عليه إلا الله؟ . PageV02P329 # وهذا المعترض وأمثاله من أجهل الناس بمسمى العبادة، ومعرفة أفرادها. # ومعلوم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله) نداء إذا ~~جهر به المنادي، ولا يخرجه ذلك عن كونه دعاء وعبادة بإجماع المسلمين، ولو ~~كان المطلوب مجرد شفاعتها، فإباحة هذا النوع وجعله لا ms148 محذور فيه هو عين ~~الجهل، ونفس الضلال. # وأما رثاء حسان: فليس فيه دعاء، وإنما هو توجع وتحزن وتألم بفقده (1) صلى ~~الله عليه وسلم؛ وفرق بين الخطاب بهذا، والخطاب بالدعاء والمسألة، وقد تقدم ~~التنبيه على ذلك (2) . PageV02P330 ### | فصل في مناقشة وتضعيف رواية سيف بن عمر في ذكر قول الصديق عند دخوله على النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته # فصل قال المعترض: (وأبلغ من هذا وأدحض كلام صديق هذه الأمة أبي بكر (1) ~~رضي الله عنه، حين وجد النبي صلى الله عليه وسلم ميتا، فقد قال سيف بن عمر ~~التميمي في فتوحه، الذي قال أبو العباس بن تيمية إنها أصح ما وضع في ذلك، ~~وهو من تابعي التابعين، ومن كبار شيوخه: هشام بن عروة بن الزبير رضي الله ~~عنه. # فقال: حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع بن عمرو التميمي ~~رضي الله عنه- وكان من خواص أبي بكر الصديق (2) رضي الله عنه- قال: "جاء ~~الخبر بثقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وواتر [130] أهل البيت ~~إليه الرسل. فجاء، فلقيه آخرهم، بعدما مات النبي صلى الله عليه وسلم ودخل ~~أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فأكب عليه ~~وكشف عن وجهه؟ وقبل جبينه وخديه، ومسح وجهه؛ وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت ~~وأمي ونفسي وأهلي، طبت حيا وميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك ~~من الأنبياء: النبوة، فعظمت عن الصفة، PageV02P331 # وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، فلولا ~~موتك كان اختيارا منك لجدنا بالنفوس لحزنك، ولولا أنك نهيت عن البكاء ~~لأنفدنا (1) عليك الشؤون، فأما ما لا نستطيع نتقيه عنا فكمد، وادكار (2) ~~متحالفان أن لا (3) يبرحا، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك، ~~ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم ~~أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا" (4) . # ثم (5) قال المعترض: (وكان القعقاع قد شهد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، (وروى عنه سيف أنه ms149 قال: شهدت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (6) وذكر ~~قصة السقيفة، فهل ترى الصديق عند هذا الرجل كافرا بقوله يخاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ والنثر أوسع من ~~النظم) . # والجواب أن يقال: آفة هؤلاء الجهال عدم التمسك بأصول أهل العلم والهدى، ~~التي إليها المرجع في الاستدلال والمنتهى، وقد وضع أهل العلم والحديث من ~~القوانين الشرعية، ما يميز به بين (7) الآثار الصحيحة والمكذوبة والموضوعة ~~والضعيفة، التي لا تثبت بها أحكام دينية. PageV02P332 # فمن ذلك: ردهم ما انفرد به أحد الرواة عن أصحابه الثقات الأثبات، كما رد ~~على معمر ما انفرد به عن أصحاب الزهري، وكما رد على ابن إسحاق ما انفرد به ~~في حديث أبي مسعود البدري في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكما رد على ابن عيينة مع جلالته وحفظه ما انفرد به عن أصحاب الزهري: من ~~ذكر دبغ الإهاب في حديث ميمونة. # وقد روى كلام أبي بكر ومقالته حين دخل على النبي صلى الله عليه وسلم عدد ~~كثير، وجم غفير، وذكرها أصحاب السير عمن هو أعدل من القعقاع وأوثق وأشهر، ~~فما وجه الأخذ بها لو سلمنا صحتها؛ وقد خالفت النصوص القرآنية والأحاديث ~~النبوية، بل والإجماع، كما حكاه شيخ [131] الإسلام وغيره؛ وهل يدع هذا كله ~~ويرميه وراء ظهره إلا من غلب عليه متابعة الهوى، وعدم الوقوف مع الكتاب ~~والسنة والإجماع؛ وهل ضل أهل الكتاب إلا بنبذهم (1) كتاب الله وراء ظهورهم، ~~واتباع ما لم يثبت عن أنبيائهم وعلمائهم، بل هو مما أحدثه خلوفهم وجهالهم. # وهذه الكلمة وهي قوله: اذكرنا (2) عند ربك، لو جاء بسندها المذكور كلمة ~~تخالف الثابت من المرفوع والمأثور، في حكم من أحكام (3) الفروع وجزئيات ~~المسائل، كآداب التخلي ونحوه لم يسغ الأخذ بها، وترك ما هو أصح وأثبت وأدل، ~~فكيف بالطلب من الموتى، ودعاء الأنبياء، والتوجه إليهم، الذي تظاهرت النصوص ~~والآثار على تحريمه والمنع منه. PageV02P333 # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن طلب الحوائج من الموتى هو أصل شرك ms150 ~~العالم (1) . اه. # وفد حمى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسد ذرائع الشرك حتى نهى عن قول: ~~"ما شاء الله وشاء فلان " (2) ونهى عن الحلف بغير الله (3) ونهى عن الصلاة ~~عند القبور واستقبالها (4) ونهى عن عبادة الله بالذبح في مكان يذبح فيه ~~لغير الله (5) ونهى عن قول الرجل: " عبدي وأمتي " (6) وقد بالغ أصحابه رضي ~~الله عنهم في صيانة قبره الشريف عن (7) أن يصل إليه أهل الغلو والإطراء، ~~فجعلوا جداره مثلثا، وكره مالك رحمه الله للرجل كلما دخل المسجد إتيان ~~القبر للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "لم يكن أهل العلم من أهل ~~بلدنا يفعلونه " فكيف ترى بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم، والطلب منه، ~~PageV02P334 # والتوجه إليه في الحوائج والملمات، فبين هدى الصحابة وأهل العلم، وفعل ~~هؤلاء الضلال كما بين المشرق والمغرب. شتان بين مشرق ومغرب. # هذا لو فرضنا صحة هذه الكلمة، فكيف (1) والأمر بخلاف ذلك، وفي نفس هذا ~~الأثر الذي أورده ما يرد عليه من وجوه. # منها: قوله: "اللهم فأبلغه عنا"، فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف ~~يقول بعدها: "اذكرنا يا محمد عند ربك "، وهل هذا إلا عكس ما قبله، ومن دون ~~أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه، فكيف بصديق الأمة؟ وقد ثبت في الصحيح ~~وغيره أن الشهداء قالوا: "ألا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ~~وأرضانا" (2) ولم يأت أحد من أصحاب [132] رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~شهيد من الشهداء يطلب منه أن يبلغ عنه ربه، وهم أجل وأفقه من ذلك، فكيف ~~بالصديق رضي الله عنه؛ فإذا جاءت السنة بأن الله هو الذي (3) يبلغ عمن عنده ~~من الشهداء، فكيف تعكس القضية ويجعل النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يبلغ ~~ربه؟ # والمشهور والمعروف في اللغة أن الإبلاع إنما يستعمل في من رفع إليه وبلغ ~~ما ليس عنده. # قال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] [الأنعام -19] ~~PageV02P335 # وفي الحديث: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (1) هذا لو صح سنده، فكيف وهو ~~عمن لا يحتج ms151 به؟ قال ابن السكن: (سيف بن عمر: ضعيف) . وقال أبو حاتم: ~~(قعقاع بن عمرو، قال: شهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا فيما ~~رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه، وسيف متروك، فبطل الحديث، ~~وإنما ذكرناه للمعرفة) ، وقال الحافظ (2) (أخرجه ابن السكن من طريق إبراهيم ~~بن سعد عن سيف بن عمر عن عمرو عن أبيه عن القعقاع بن عمرو قال: "شهدت وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلينا الظهر جاء رجل حتى قام بالمسجد ~~وأخبر بعضهم أن الأنصار أجمعوا أن يولوا سعدا قال ابن السكن: سيف بن عمر ~~ضعيف، واختلف في صحبة القعقاع ولم يجزم بذلك ابن عساكر، بل قال: يقال: إن ~~له صحبة) (3) . # قلت: وهذان الطريقان ليس فيهما عمرو بن محمد، بل هو عمرو بن تمام عن أبيه ~~تمام (4) فلا أدري أذكر عمرو بن محمد المعترض بقصد التدليس، أو جاء التدليس ~~من غيره. # إذا عرفت هذا: بطل هذا الحديث، وأبطل منه الاحتجاج به، والثابت عند أهل ~~العلم ما رواه محمد بن شهاب الزهري إمام الحجازيين PageV02P336 # عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لما توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قام عمر رضي الله عنه فقال: (إن رجالا من المنافقين ~~يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والله (1) ما (2) مات، ولكنه ذهب به (3) إلى ربه كما ذهب موسى بن ~~عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مات. قال: وأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى نزل على ~~باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت حتى دخل على [133] ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مسجى ببرد حبرة (4) فأقبل حتى ms152 كشف عن وجهه، ثم أكب عليه ~~وقبله. ثم قال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ~~ثم لم تصبك بعدها موتة أبدا؛ ثم رد الثوب على وجهه؛ وخرج وعمر يكلم الناس، ~~فقال: على رسلك يا عمر، فأنصت، قال: فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر ~~لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد ~~مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. # ثم تلا هذه الآية: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات} ~~[آل عمران: 144] إلى آخر الآية (5) [آل عمران 144] . PageV02P337 # قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول صلى الله ~~عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ. قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي ~~في أفواههم) (1) . # هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو الذي ذكره الأئمة في كتبهم، ~~التي إليها المرجع عند أهل الإسلام في سائر الأبواب والأحكام. # وقد علم أن القعقاع لم يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، ~~ولا يمكن من هو أفضل منه، ولم يدع أن أبا بكر أخبره بذلك، ولا غير أبي بكر، ~~فصار الأثر منقطعا، وهذه علة رابعة. # وأظن هذا المعترض رأى هذا الأثر في مصنف ابن فيروز أو غيره ممن تعرض لرد ~~هذا الدين والتوحيد الذي من الله بتجديده على يد شيخنا رحمه الله، والغالب ~~على من تعرض لرد ذلك هو الجهل وعدم العلم، مع غلبة الهوى وشدة العداوة، ~~فأجلبوا بذكر ما يظنون أن لهم تعلقا به، وأنه من الحجج التي تدفع الخصم، ~~وليست لهم عناية بصناعة العلم، ومدارك الأحكام، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره الكافرون. # تعرض قوم للغرام فأعرضوا ... بجانبهم عن صحبتي (2) فيه واعتلوا ~~PageV02P338 # رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى , فما ابتلوا # فهم في السرى لم يبرحوا من ms153 مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا # وعن مذهبي لما استحبوا الهوى (1) على الهدى ... حسدا من عند أنفسهم ضلوا ~~PageV02P339 ### | فصل في الرد على المعترض بأن البوصيري إنما قصد الشفاعة يوم القيامة # فصل قال المعترض: (فشرف الدين إنما قصد الشفاعة، مستحضرا يوم القيامة: ~~{يوم يفر المرء من أخيه - وأمه وأبيه - وصاحبته وبنيه - لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 34 - 37] [عبس -34 -37] . # وهو يقول صلى الله عليه وسلم: " «أمتي أمتي» ") إلى أن قال: (ولأنه قد ~~أعطي "صلى الله عليه وسلم (1) " الشفاعة بوعد الله الصادق له في حياته، من ~~المقام المحمود وشفاعته لأمته، وهي من ذلك. # قال تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] [الإسراء 79] ~~. وقال: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5] [الضحى 5] قال ابن عباس: "هو ~~الشفاعة لأمته " (2) وقاله غيره من السلف. # ثم ساق أحاديث في هذا المعنى. ثم قال: فإذا كان هذا قول الله تعالى، فما ~~ظنك به صلى الله عليه وسلم وهو أجود بالخير من الريح المرسلة؟ وقال صلى ~~الله عليه وسلم في حق المنافقين: " «لو أعلم أني لو زدت على السبعين لغفر ~~لزدت» " (3) كما PageV02P340 # عند البخاري، واستغفاره شفاعته لأمته قد أخبر أنه في ( «البرزخ إذا عرضت ~~عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله شرا» (1) وهل) (2) استغفاره إلا ~~شفاعته؟ ثم ذكر حديث أنس وأنه صلى الله عليه وسلم يخرج من النار حتى لا ~~يبقى إلا من حبسه القرآن (3) . # والجواب أن يقال: قد أجاب شيخنا رحمه الله عن هذه المسألة في "كشف الشبهة ~~(4) . # قال رحمه الله (5) (فإن قال- يعني المشرك الذي يدعو الصالحين-: إن الله ~~أعطاه الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فقل له: إن الله أعطاه الشفاعة ~~ونهاك عن دعائه) وساق رحمه الله من الآيات ما يستدل به على تحريم دعاء ~~الأنبياء وغيرهم. # وهذا هو جوابنا عما احتج به المعترض هنا، وهو الجواب السديد. # وقد وكل الله بما يقضيه ويقدره من الموت والحياة، وإنزال المطر، وإنبات ~~النبات، وحفظ بني آدم، وغير ذلك ملائكة يدبرون ذلك، ويباشرونه بحكمته، ~~ودعاؤهم ms154 مع ذلك مجمع على تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، فأي فرق بين هذا ~~وهذا لو كانوا يعلمون؟ PageV02P341 # ثم قد تقدم أن الشفاعة التي ظنها المشركون (1) حاصلة بدعاء الأنبياء ~~والصالحين قد نفاها القرآن، وأخبر تعالى أنها بيده وملكه، كما (2) له ملك ~~السماوات والأرض، وأن الشفاعة المثبتة في مثل هذه الأحاديث لم يفهمها هؤلاء ~~الجهال، ولم يعرفوا حقيقتها، فهم في عماية الجهالة، وأودية الضلالة، لا ~~تمييز عندهم بين النوعين، ولا فرق بين القسمين، ولو عرف هذا أن جمهور ~~المشركين يحتجون بالشفاعة والجاه على شركهم، ويقررون (3) ما للملائكة ~~والأنبياء والصالحين من الجاه والمنزلة والشفاعة [135] لعرف أنه إلى الآن ~~في سلكهم وعلى طريقتهم في هذا المبحث (4) وكثير من المباحث التي هي أصل ~~دينهم وقاعدته، وأي مسلم أنكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع غير ~~المعتزلة والخوارج؛ فإنهم أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، وهل قال شيخنا- ~~رحمه الله- حرفا يدل على هذا؛ والنزاع معكم في التوجه إلى غير الله، وسؤال ~~ما لا يطلب إلا من الله ولا يقصد له سواه. # وهذا الكلام مغالطة وحيدة (5) عن المقصود، فهات دليلا شرعيا على (6) أن ~~الشفاعة أو غيرها تطلب من الأموات والغائبين، كالأنبياء والملائكة (7) ~~والصالحين؛ ودع عنك الآثار الموضوعة، والحكايات PageV02P342 # المكذوبة (1) والنقل عمن لا يحتج به، وأبرز لأهل العلم والإيمان إن كنت ~~من أهل التحقيق والعرفان، ودع عنك التلبيس والروغان. # وما يجري في ذلك اليوم من الهول والكرب والشدة، وفرار المرء (2) من أخيه ~~وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، كل هذا مما يوجب التوحيد والالتجاء إلى الله؛ ~~والاعتصام بحبله والتوكل عليه، والتوسل إليه بالإيمان به وبرسله، وبما شرعه ~~من الأعمال الصالحة. # قال بعض السلف: (إن ملكا بيده الدنيا والآخر ة يكفيك هذا كله إذا عاملته) ~~. # وليس فيه ما يدل على الالتجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب النجاة ~~(3) والأخذ باليد منه. # فتقريرك وكلامك في هذا البحث معاكسة لهذا أي معاكسة " (4) ومشاقة لله ~~ورسوله، واتباع لغير سبيل المؤمنين، فما أنت والاحتجاج والفهم عن الله ~~ورسوله. # اعط (5) القوس باريها ... ودع العيس وحاديها # وأما الاستدلال ms155 بجوده صلى الله عليه وسلم على أنه ينقذ ويجيب من دعاه، ~~وقصده من دون الله: فهذا من نوادر هؤلاء الجهال الذين لم يستضيئوا بنور ~~العلم، ولم PageV02P343 # يلجأوا إلى ركن وثيق؛ ولم يقم بقلوبهم من وقار الله وعظمته ما يمنع من ~~الإشراك به ومن طلب العباد ما يختص به من المطالب العالية التي لا يملكها ~~سواه. # وأما قوله: (قد أخبر أنه في البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن ~~رأى في عمله (1) شرا) . # فقد تقدم ما في هذه العبارة من الجهالة (2) . PageV02P344 ### | فصل في بيان أن الشفاعة بيده سبحانه ملكا له خاصة وأن النبي فيها عبد مأمور لا مالك متصرف # فصل ثم ذكر المعترض أحاديث في الشفاعة ولكنه حرف (1) وساقها سياق أجنبي ~~لا يعرف الصناعة (2) . وحاصلها: إثبات شفاعته، وأنه أول شافع (3) صلى الله ~~عليه وسلم، ثم قال: (وقول البوصيري، كقول سواد بن قارب: # وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب # فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب # وكل هذا ليس فيه حجة؛ لأن النزاع في غيره. # وأما الشفاعة: فلم تنكر، وقول سواد بن قارب هذا (4) من جنس [136] طلب ~~دعائه واستغفاره صلى الله عليه وسلم في حياته، والنزاع ليس في ذلك، ~~والمطلوب هنا دعاؤه الذي يستطيعه (5) كل أحد ممن ترجى إجابة دعائه، ويجوز ~~التماس PageV02P345 # الدعاء منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: " «لا تنسنا يا أخي ~~من دعائك» " (1) وهذا باب واسع. # وأما عرض الأعمال: فقد تقدم أنه لا يبيح الدعاء والطلب، وعلى أبوي ~~الإنسان يعرض سعيه (2) ولا يجوز له دعاؤهما في حاجاته وملماته. ثم استدل ~~المعترض بقوله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] [الزخرف 68] # قال: (ونبينا أفضل أهل السماوات والأرض، فقد ملك الشفاعة) . # والجواب أن يقال: هذا المعترض أورد الآية على غير وجهها؛ بل حرفها وقال: ~~"لا يملكون الشفاعة. فهو من أجهل خلق الله بالتلاوة، ومثله لا يجوز له أن ~~يورد الآيات ms156 القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأنه لا يحسن النقل، ولا يعرف ~~التلاوة، بل هو في غاية الجهالة والغباوة (3) ثم يقال: هذه الآية لأهل ~~العلم والتأويل فيها قولان: أحدهما: أن المستثنى من تقع عليه الشفاعة، ~~ويشفع فيه الشافعون، فهو استثناء من محذوف دل عليه السياق، والتقدير: لا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد إلا من شهد بالحق. # والقول الثاني: أن الاستثناء واقع على الشافعين الذين يملكون الشفاعة. ~~فالاستثناء من الموصول الذي هو الفاعل، وعلى كل فليس PageV02P346 # المراد الملك المتعارف بين أهل الدنيا، بل المراد حصول ذلك ووقوعه ~~وتمكينهم منه، وذلك مقيد بالإذن والرضى عن المشفوع فيه، فليس من جنس ~~الأملاك الدنيوية، ثم العبد كل العبد من (1) لا يتصرف في ملكه إلا بما يحب ~~الرب ويرضاه (من التصرفات، فأين محبته تعالى وإذنه ورضاه) (2) في الشفاعة ~~لمن يدعو غيره، ويلوذ بسواه، ويعتمد على الشفعاء ويعدهم لشدائده وكرباته؟ # واحتج المعترض: بما في بعض الأحاديث من قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~«والمفاتيح يومئذ بيدي» (3) . وأظن هذا الغبي يظن أن الملك والتدبير ~~والسعادة والشقاوة والعذاب والنعيم، كل هذا بيده صلى الله عليه وسلم، لقد ~~أبعد المرمى، وكذب بقوله تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين - ثم ما أدراك ما ~~يوم الدين - يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: 17 - ~~19] [الانفطار 17 19] # وقوله: {الملك يومئذ الحق للرحمن} [الفرقان: 26] [الفرقان 26] . # وقوله: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16] [غافر 16] # وقوله: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا - يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا - يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون به علما} [طه: 108 - 110] [طه 108-110] . PageV02P347 # فالمعترض لم يعرف معنى هذا كله، ولم يدر ما سيق له، فخبط خبط عشواء، ورتع ~~في مجهلة ظلماء. # واحتج المعترض بحديث العباس في أبي طالب وقول نبي الله (1) صلى الله عليه ~~وسلم: " «وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح من النار» " (2) وزعم ~~المعترض أن هذا يفيد أنه ملك الشفاعة، ويتصرف (3) " فيها بملكه لها، ms157 كما ~~تتصرف (4) الملاك في أملاكهم. # وفي التحقيق يرجع قول هذا المعترض إلى ما ذهب إليه غلاة القبوريين، من أن ~~الأولياء قد أعطوا التصرف والتدبير، ووكل ذلك إليهم، والشافع لا ملك له، ~~لكن ما دل عليه الكتاب والسنة، من أنه لا يشفع إلا بإذن (5) فيمن رضي الله ~~قوله وعمله، وأراد (6) رحمته ونجاته، فهي مقيدة بالإذن والرضى، ليست كما ~~فهمه هذا الغبي وأمثاله، من أن الشافع يتصرف (7) تصرف الملاك بمشيئتهم ~~وإرادتهم، وكذا كل ما ساقه من أحاديث الشفاعة مستدلا به لا يفيد ما ذهب ~~إليه المعترض. # وأما استدلاله بقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: ~~107] [الأنبياء 107] PageV02P348 # فهو من أدلة (1) جهله بمعنى الآية وما سيقت له، والآية عامة للعالمين (2) ~~ليست خاصة بالمسلمين، وقد قال تعالى فيمن لم يستجب لرسله، ولم يلتفت إلى ما ~~جاءوا به من الإيمان والهدى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] ~~[المدثر: 48] # وقال: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} [غافر: 18] [غافر: 18] # ثم قال المعترض: (فإذا كان هذا فعله مع أبي طالب ونصرته لقرابته حمية، ~~وقد نالته شفاعته، فكيف بغيره من أمته وأهل بيته التي (3) أزواجه أمهاتهم ~~وهو بمنزلة الوالد لهم، وهو فرطهم وسلفهم؟ وهو صلى الله عليه وسلم ومن ~~أرسله إليهم أرأف بهم من الوالدة بولدها، وهو صلى الله عليه وسلم أحب إليهم ~~من أنفسهم وهم يرجون شفاعته صلى الله عليه وسلم التي هي فضل الله وكرامته؟ ~~لأنه تبارك وتعالى أعطاه إياها لهم، فما بالهم لا يسألونه عن عطائه لهم؟ ~~وقد قال له كما صح ذلك عنه: «أترونها للمتقين؟ بل هي للمذنبين المخلطين ~~المتلوثين» ) (4) إذ ليسوا (5) كالكفار الذين أخبر الله عنهم، أنها لا ~~تنفعهم شفاعة الشافعين، فما فائدة الكرامة إذا لم يسأل صاحبها [138] ، منها ~~ويطلب، وإذا منع من ذلك فلا كرامة ولا شفاعة ولا فضل لصاحبها ولا تفضل، وهو ~~أعلم بأمته صلى الله عليه وسلم مثلوا له في حياته، كما صح ذلك، وتعرض إليه ~~(6) PageV02P349 # أعمالهم بعد وفاته، ويعرف المستحق من غيره) . انتهى. # هذا كلامه بحروفه، وفيه من العبر والأدلة ms158 على جهله، ما يكفي المؤمن في ~~معرفة ضلاله وجهله (1) وحاصل هذا الكلام: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ~~حال أمته فردا فردا، مطيعها وعاصيها (2) مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة ~~كما يعطى أحد الناس ما يملكه، ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي (3) صلى ~~الله عليه وسلم يدعى لذلك ويسأل كما يسأل سائر الملاك، وأنه إذا لم يسأل ~~فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل، هذا حاصل كلام المعترض، وهو ~~بكلام الجاهلية الأولى أشبه منه بكلام أهل العلم والهدى. # وقد دل القرآن والسنة وإجماع علماء (4) الأمة على أن الشفاعة بيده (5) ~~سبحانه، ملكا له خاصة، لا يتقدم أحد فيها إلا بإذنه، ولا تنال (6) إلا من ~~رضي قوله وعمله من أهل الإيمان والتوحيد، والأحاديث صريحة (7) في أنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يشفع ابتداء، وأنه يحد له حد، ويعين له من أراد الله ~~رحمته، وإكرام نبيه بالشفاعة فيه، فهو عبد مأمور مدبر لا مالك متصرف. ~~PageV02P350 # وقوله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} [الزخرف: 86] ~~[الزخرف: 86] # وقوله: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} [مريم: 87] ~~[مريم: 87] # قد تقدم الجواب عنه، وبعض المفسرين قرر أن الاستثناء منقطع ليس فيه إثبات ~~للملك، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة (1) ويدل على هذا نصوص الكتاب ~~والسنة. # قال شيخ الإسلام: وقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله} [الأعراف: 188] [الأعراف: 188] # فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله (2) ~~وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بحال. فقوله: إلا ما ~~شاء الله استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقول الخليل: ~~{ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} [الأنعام: 80] # أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإن لم يشأ (3) لم ~~يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئا. # وكذلك قوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} [الزخرف: 86] ثم ~~قال: {إلا من شهد بالحق} ms159 [الزخرف: 86] [الزخرف: 86] PageV02P351 # فتنفعه الشفاعة كقوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ~~[سبأ: 23] وقال تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر: 44] [الزمر: 44] ~~وبسط هذا له موضع آخر, انتهى. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: " «يؤخذ ~~بأناس من أمتي ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي» (1) فيقال: إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك (2) وقد تكلم بعض أهل العلم على هذا الحديث بما يخالف ما قاله ~~هذا المعترض (3) ويرده، وقرروا: أن فيه ما دل عليه (4) حديث أنس في الشفاعة ~~من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع إلا بعد الإذن فيمن عين له، وحد وخص (5) ~~وفيه: أنه لا يعلم ما يحدث بعده، وما يجري في أمته إلا ما أخبر به من بعض ~~الجزئيات والحوادث، وأن من قام به سبب يمنع الشفاعة، كالشرك بالله واتخاذ ~~الأنداد معه فلن تنفعه (6) شفاعة الشافعين. # وفي كلام المعترض من المؤاخذة (7) والجهالات، قوله: (فإذا كان ~~PageV02P352 # هذا فعله حمية) ، وقد صانه الله عن أن تقع أفعاله وشفاعته من باب الحمية، ~~بل هي من باب الإيمان والطاعة والعبد كل العبد من كانت أفعاله وحركاته لله ~~وبالله. # قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} [الأنعام: ~~162] [الأنعام: 162، 163] # فهذا الرجل من أجهل الناس بمقام سيد ولد آدم، وتحقيقه للتوحيد. # وفي قوله: (وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم) لحن فاحش؟ فإن "التي" للأنثى، ~~كما قال ابن مالك: (موصول الأسماء الذي للأنثى التي) . # وهذا الغبي لا يفرق بين المذكر والمؤنث، ومع ذلك يزعم أن الشيخ وأتباعه ~~لا يعرفون العربية، والصواب أن يقال: (وأهل بيته الذين) . # ومنها: ظنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فرط وسلف لعباد القبور، الذين ~~يجعلون مع الله آلهة أخرى، ولم يعرف معنى الحديث، ومن خوطب به. # ومنها قوله: (كيف وهو ومن أرسله أرأف بهم من الوالدة بولدها) . # فظاهر هذا فيه من سوء الأدب مع الله، وعدم الثناء عليه بما اختص [140] ، ~~به من الرأفة والرحمة، والاقتصار على ما شاركه فيه عبده ورسوله، وتقديم ذكر ~~(1) عبده ورسوله (2) على ذكره تعالى ms160 وتقدس في هذا المقام، وهذا لا يصدر إلا ~~من أجلاف الناس وأشدهم غباوة، وكذلك التعبير بالموصول والعدول عن الاسم ~~الأقدس يطلعك على مخبآت جهله، ومناقشة هذا تطول. PageV02P353 # ومنها قوله: (فلا كرامة ولا شفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~فضل ولا تفضل إذا لم يدع ويسأل ويطلب) . # فالشفاعة التي نفاها القرآن على زعم هذا الرجل، يلزم من نفيها نفي ~~الكرامة والفضل، ولا كرامة ولا فضل ولا تفضل إلا بدعائه وقصده من دون الله، ~~وهذا هو مفهوم كل مشرك يرى أن نفي الشفاعة التي نفاها القرآن وأن النهي عن ~~دعاء الأنبياء والصالحين، والقول بأنهم لا يقصدون ولا يدعون للشفاعة ولا ~~لغيرها من المطالب: تنقص لهم وإبطال لفضلهم وكرامتهم وذلك لظنهم أن الفضل ~~والكرامة (1) في قصدهم ودعائهم والتعلق عليهم، وكونهم مفزعا وملجأ عند ~~الشدائد والمهمات ولو عقلوا لعرفوا أن الفضل والكرامة كل الكرامة في عبودية ~~الله والخضوع له؛ والدعوة إلى سبيله, وإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة؟ وتحقيق ~~التوحيد " وإسلام الوجوه لبارئها وفاطرها وإلهها الحق. وقد ذكر الله في ~~كتابه عن خواص عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجل الكرامات تحقيق ~~العبودية، وإخلاص العبادة، ووصف رسوله بذلك في مقام الإسراء وفي مقام ~~التحدي، وفي مقام الدعوة، ومن توهم أن (2) فوق (3) العبادة وتحقيقها ~~وإخلاصها رتبة وفضلا (4) لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله ~~وبحقه وما يجب له, ومن أجهل الناس بحق الأنبياء والصالحين وما يجب لهم وما ~~يستحيل. PageV02P354 # وقد عفت آثار العلم، واشتدت غربة الإسلام حتى خاض في هذه المباحث، وتصدى ~~للرد على علماء الأمة من لا يعرف حقيقة الإسلام، ولم يميز بين حق الله وحق ~~عباده وأوليائه من الأنام. # ثم ذكر المعترض بعد هذا أنه روى البردة والهمزية، واتصل سنده بهما (1) ~~إلى الناظم، وذكر أنه رواها عن محمد بن سلوم، ولا يستبعد ذلك على ابن سلوم، ~~وذكر أنه رواها عن أحمد بن رشيد الحنبلي، وهذا بعيد جدا، ودعوى هذا المعترض ~~لا تسمع، ولا يلتفت إليها، لأن شهادة الحال وما يعرف ms161 من دين الشيخ أحمد بن ~~رشيد يخالف هذا اللهم إلا أن يكون [141] قبل أن يفتح عليه، ويدخل فيما دعا ~~إليه شيخنا من التوحيد، وإفراد الله بالعبادة. # ثم ساق سند ابن فيروز في روايتها، وزعم أن بعض الحنابلة رواها وسمعها، ثم ~~جعل أهل روايتها هم أهم الصراط المستقيم، وهم القدوة الذين لا تصح صلاة أحد ~~إلا بطلب الهداية لطريقهم (2) وهم الذين استشهد الله بهم على وحدانيته ~~بقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط} ~~[آل عمران: 18] [آل عمران: 18] . # قال حتى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] [آل عمران: ~~19] # . على قراءة الفتح من الهمزة، وهم الذين قال فيهم نبينا صلى الله عليه ~~وسلم: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» (3) (4) PageV02P355 # ثم قال (1) "فهؤلاء الضالون وهذا الرجل الذي خالفهم المهتدي، وقد أجمعت ~~الأمة أنها لا تجمع ولا (2) تجتمع على ضلالة. # والجواب أن يقال: ليس فيما ذكر المعترض من رواية بعض الناس للبردة ما يدل ~~على استحسانها، وأنها حق لا باطل فيه، وقد روى الناس من الأحاديث المكذوبة ~~والحكايات الموضوعة ومقالات الجهمية، وكتب الاتحادية ما لا يخفى ضلاله ~~وبعده عما جاءت به الرسل، فإن كانت الروايات والنقل يدل على الصحة والصواب ~~فلتكن هنا، وإلا بطل الاحتجاج برواية من ذكر (3) لهذه المنظومة، وتلقيهم ~~لها، وما المانع أن يخفى على من ذكر ما فيها، وقد خفي على من هو أجل منهم ~~وأفضل بإجماع الأمة أن اتخاذ الأشجار للتبرك والعكوف من التأله بغير (4) ~~الله، فقالوا لنبيهم " صلى الله عليه وسلم: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ~~ذات أنواط (5) " (6) وقد تقدم قول شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس في ابن ~~النعمان، وأمثاله من الشعراء (7) وقول بعضهم: # يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر # ينجيكمو من الضرر PageV02P356 # وهذا قاله أناس ممن يدعى الإسلام ويرى جواز مثل هذا، وأنه لا ينافي ما ~~جاءت به الرسل من توحيد الله وإخلاص الدين له، وأبيات البردة أبلغ وأعظم ~~شركا من هذا الذي ذكره الشيخ. # ثم ms162 ما الحجة في طائفة محصورة قليلة لو سلمنا لهذا ما ادعاه من [421] ~~علمهم؟ وما المانع من (1) أن يغلط العالم ويزل؟ ثم (2) أي أحد قال بأن فعل ~~بعض الناس يكون حجة في مسائل النزاع؟ ولو قيل بهذا لمدت الاتحادية ~~والحلولية (3) والجهمية والمعتزلة أعناقهم، وقالوا: من يروي مقالتنا ~~ويحكيها (4) ويقررها أكثر عددا وأشهر سندا. ولم يسبق هذا الجاهل إلى ~~الاحتجاج بمثل من روى البردة، وأي رجل من هؤلاء الذين ذكر له قول أو وجه ~~يرجع إليه في جزئيات الأحكام ومسائل الفروع؟ فكيف يحتج به في نسبة علم ~~الغيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الدنيا والآخرة من جوده (5) وأنه ~~لا عياذ ولا ملاذ سواه، وأنه يدعى ويقصد لذلك؟ # وأبلغ من هذا كله أن المعترض جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم، ~~(وهم أهل الهداية المشار إليهم في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~[الفاتحة: 6] [الفاتحة: 6] (6) . PageV02P357 # وأن الصلاة لا تصح إلا بسؤال الهداية إلى سبيلهم، يعني سبيل أهل البردة، ~~وهذه هي الطامة الكبرى، والقولة الضالة العمياء، أين الأنبياء والمرسلون، ~~أين الصديقون والشهداء والصالحون؟ أين من جرد التوحيد لله العزيز المجيد ~~(1) ولم يتخذ وليا من دونه، ولم يجعل له مفزعا وموئلا يرجع إليه في مهماته ~~وحاجاته غير فاطر السماوات والأرض؟ أين من أخذ بقوله تعالى: {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب} [البقرة: 186] [البقرة: 186] . # ولم يلتفت إلى غير إلهه السميع المجيب؟ أين (2) من عض بالنواجذ على ما دل ~~عليه حديث ابن عباس: " «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» " ~~(3) أين من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يسأل الناس شيئا (4) ~~أين من أخذ بقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: ~~59] [الأنعام: 59] . # وبقوله: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} [النمل: 65] ~~[النمل: 65] . # أين من يقول: ما خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة إلا بالحق؟ الذي ~~هو معرفة الله وإسلام الوجوه له؟ ولتجزى كل نفس بما كسبت؟ . # سبحان الله!! ما أغلظ حجاب هذا المعترض عن معرفة ما جاءت ms163 به PageV02P358 # الرسل: كأنه من جهال الجاهلية الأولى (1) لم يأنس بشيء مما جاءت به ~~الأنبياء. # وأما قوله: (وهم الذي (2) استشهد الله بهم. . .) إلى آخره. # فهذه المقالة الكاذبة فيها من الكذب والفرية على الله وعلى كتابه، ما لا ~~يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، أين العلم وأين الهدى في أبيات البردة ~~ومعتقدها ومنشدها؟ وأين هذا المعترض من معرفة العلم والعلماء، ومناهج ~~الإيمان والهدى، ونهمته وحرفته دعوة الناس إلى دعاء الصالحين، والاعتقاد ~~المخالف لأصول الملة والدين، ومن ارتاب في الإسلام ومعرفته كيف يعرف العلم ~~والعلماء، ويدري مناهج الإيمان والهدى؟ هذه الشهادة شهادة زور، فإن من شهد ~~بما لا يعلم فهو شاهد زور، وأهل العلم هم الرسل والأنبياء وأتباعهم على ~~تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله رب العالمين، الذي عرفوا الله بأفعاله ~~وآياته، وأخلصوا له المحمل والدين بأفعالهم، ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة، واستدلوا بجميع ما شهدوه أو سمعوه من الآيات ~~والمخلوقات وأنواع الكائنات على وحدانية خالقها ومقدرها ومدبرها، وعلى ~~حكمته وعموم قدرته وشمول علمه. # وقول المعترض: (حتى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ~~[آل عمران: 19] . # على قراءة الفتح من الهمزة) عبارة جاهل لا يدري ما يقول، فإن PageV02P359 # الفتحة للهمزة لا من الهمزة، وفتحها على قراءة (1) الكسائي، والقراءة على ~~كسرها، وقوله صلى الله عليه وسلم: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " ~~(2) والإشارة فيه إلى ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، ~~وأين هو مما دل عليه قول الناظم في أبياته السابقة؟ # فأهل العلم في الحقيقة: كل من عقل عن الله مراده، وعرف مما جاءت به الرسل ~~من تحقيق التوحيد ووجوب إسلام الوجوه للذي فطر السماوات والأرض، مع الإقبال ~~على الله والإعراض عن عبادة ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله، والسير إليه ~~تعالى على منهاج أنبيائه ورسله، وعباده الصالحين، ففي هذا العلم والعمل ~~والمتابعة، وأما الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ~~فهم من أقل الناس حظا ونصيبا من العلم الذي جاءت ms164 به الرسل. # وأما قوله: (وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة) . # فإجماع الأمة حجة ولا يكون على ضلالة، ولكن أي (3) الأمة؟ أيظن هذا أن ~~الأمة من روى البردة دون (4) سائر الأمة؟ وأين من قبل صاحب البردة بنحو ستة ~~قرون؟ . # أليسوا من الأمة؟ عافانا الله وإخواننا المسلمين من هذا الهذيان الذي ~~[144] ، يهدم أصل التوحيد والإيمان. PageV02P360 ### | فصل في رد زعم المعترض أن العلماء الأمناء تلقوا البردة بالقبول والرضا # فصل قال المعترض: (والمقصود أن هؤلاء العلماء الأمناء الأمجاد النقاد من ~~جميع نواحي الإسلام تلقوها، ونقلوها، ورضوها، ولم ينتقدها واحد منهم، ولا ~~من غيرهم من علماء الأمة فهل تراهم أجمعوا على إقرار الشرك الأكبر، المخرج ~~من الملة وما يقوله هذا الرجل، وأنهم جهلوا كما جهل صاحبها بزعمه، حتى خرج ~~فأخرج لهم التوحيد كما يزعم (1) في الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى ~~أشفق صديق الأمة وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم منه على ذهاب القرآن ~~حتى قال علي رضي الله عنه (2) أنه ذهب منه (3) آيات منها آية الرجم) . # والجواب أن يقال: القول بأن العلماء الأمناء من نواحي الأرض قبلوها ~~ورضوها ولم ينتقدها أحد منهم، قول باطل، وفرية ظاهرة، وكذب على أهل العلم ~~والإيمان، وهذا العدد اليسير الذين ذكرهم (4) في سنده لا يعرف أحد منهم ~~بالعلم والفقه إلا رجل أو رجلان، ولهم من الأقوال PageV02P361 # ما انتقدها عليهم فحول الرجال؟ والعصمة لا تدعى ولا تثبت لغير الرسل، ~~فكيف ينسب إلى جميع العلماء من نواحي الأرض أنهم قبلوها ورضوها، وجل بضاعة ~~هذا الرجل هو الكذب على الله وعلى رسله وعلى علماء الأمة وساداتها، فمن ~~كانت هذه بضاعته فهو أكثر الناس (1) غبنا، وأعظمهم خسرانا، وهذا العدد الذي ~~ذكره ليس فيهم من ذكر بالعلم إلا نحو ثلاثة أشخاص من المقلدين الذين لا ~~يرجع إليهم في التصحيح والترجيح، وما المانع أن يخفى عليهم هذا، وقد خفي ~~على من هو أجل منهم وأفضل بالاتفاق؟ . # اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم، كما قالت ذلك ms165 ~~غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثنى عشر، وقد مر أن شيخ الإسلام ~~ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة، كابن النعمان ما هو دون ما ~~في هذه الأبيات. # ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل، ~~وعدم العلم دليلا في موارد النزاع؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة ~~أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء؟ بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ~~ما فيها حذاقهم، وأهل البصيرة منهم، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ~~ويتعقبها مع ذلك ويذكر ما فيها، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم، وحملهم في ~~ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه. ### | الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه # وأما تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صديق ~~الأمة على ذهاب القرآن. PageV02P362 # فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير ~~من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم ~~أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل (1) على أجسادهم ودمائهم ولا ~~يؤثر ذلك في الأرض إلا طيبا وتطهيرا، وقد صح الحديث: «أن الشهيد يبعث يوم ~~القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (2) وأما من ~~بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس (3) أحدا، كما قال سلمان ~~لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه: "إن الأرض ~~لا تقدس أحدا" (4) وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن ~~الحرمين والأرض المقدسة من هو (5) أضل خلق الله وأكفرهم (6) وأشدهم عداوة ~~لله (7) بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعبد العجل، وفعل ما قص الله ~~عن (8) بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ~~ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد ~~PageV02P363 # وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد ~~بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق ms166 لا يحصيهم إلا الله من أهل ~~العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذب ~~الرسل (1) وادعى الربوبية، واتبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا ~~بلدة (2) من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلا وقد وقع فيها من الكفر والفسوق ~~والقتال ما هو معروف (3) مشهور. # ولا يعيب المسلمين، ويتنقص (4) المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة ~~الجبارين، والكفرة الماضين، إلا من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما ~~أحسن ما قيل: # العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطياش # مثل النهار يزيد إبصار الورى ... نورا؛ ويعمي أعين الخفاش # [فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن ~~مسيلمة PageV02P364 # فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء لها ~~لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لما علم بعلم (1) الله ما يحدث فيها ومنها، ~~وقال فيها: "أولئك (2) منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ~~ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج (3) الذي ~~[146] يتنزه العاقل عن حكايته. ثم قال: (وقد نصت العرب أن لغة أهل اليمامة ~~أرك اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصديق رضي الله ~~عنه: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا ~~يقرءون كلام مسيلمة، فأتي بهم لابن عباس (4) وقتل إمامهم وفرقهم في ~~القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام) . ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء ~~البيان، ولم يميزوا (5) بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم ~~يتنبه منهم اثنان فصار بذلك PageV02P365 # موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد ~~وعلمائهم قتلوه في (1) ونهبوه، فصح بهذا أنهم من الذين وصفهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأنهم " «سفهاء الأحلام» ) الحديث (2) الحديث (3) والجواب ~~أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث (4) أنه صلى الله عليه وسلم ~~دعا بالبركة فيهما (5) ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد ~~الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه صلى الله عليه ms167 وسلم (6) وغيرهم من ~~السابقين الأولين أفضل منهم (7) عند كافة المسلمين، ومكة أخرج منها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع ~~عليها ما لم (8) يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل ~~البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق. وأما قوله صلى الله عليه وسلم ~~لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع (9) الزلازل PageV02P366 # والفتن؟ ومنها يطلع قرن الشيطان (1) فالمقصود بها نجد العراق، وشرق ~~المدينة، وقد ورد ذلك صريحا في حديث ابن عمر (2) ونص عليه الخطابي (3) ~~وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل (4) وذمها. وقد روى الطبراني من حديث ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «دخل ~~إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها ~~وفرخ، وبسط عليها عبقرية» " (5) ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد ~~فيها، وأكابر أهل (6) الحديث PageV02P367 # وفقهاء الأمة وأهل الجرح (1) والتعديل أكثرهم من أهل العراق، وإمام السنة ~~أحمد بن حنبل، وشيخ الطريقة (2) الجنيد بن محمد، وعلم الزهاد الحسن وابن ~~سيرين، وأبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وإسحاق بن إبراهيم بن ~~راهويه ومحمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب ~~الدواوين الإسلامية، كلهم عراقيو الدار مولدا أو (3) سكنى، والليث بن سعد، ~~ومحمد بن إدريس وأشهب، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة (4) من ~~أكابر أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم، ومن التابعين (5) بعدهم. ومن ~~عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة، ~~وسبهم، وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد، ~~كما داولها بين الناس والعباد. قال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ~~[آل عمران: 140] [آل عمران: 140] . وكم من بلد قد (6) فتحت، وصارت من خير ~~بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين، والفلاسفة ~~والصابئين، والكفرة من المجوس والكتابيين؟ بل الخربة التي كانت بها قبور ~~المشركين صارت PageV02P368 # مسجدا هو أفضل مساجد المسلمين بعد ms168 المسجد الحرام؟ ودفن بها أفضل المرسلين ~~وسادات المؤمنين. ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ~~ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطرد هذا القول ~~جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين. وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه ~~بظلفه، ولا يدري؟ وقد قال (1) بعض الأزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، ~~فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت. وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو ~~كانوا يعلمون؟ وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعين: فإن كان هذا ~~ينسبه إلينا، ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة، فهو لا يفرق بين دين محمد بن ~~عبد الله الرسول الصادق الأمين، ودين مسيلمة الكذاب المهين، وإن كان هذا ~~المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة ~~وكذبه؟ لولا الحماقة والسفاهة، والجهالة والوقاحة؟ وقد تقدم أن طرد هذا ~~الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان ~~المشركين، ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: " «لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من فارس» " (2) مع أن ~~بلادهم من شر البلاد، عبدت فيها الأوثان والنيران، وكفر فيها (3) بالله ~~الذي لا إله إلا هو الرحمن (4) PageV02P369 # (وكذلك ما ذكر من قصتهم مع) (1) ما فيها من الكذب (2) إنما هو، مجرد ~~تمويه وهذيان ليس من محل النزاع في شيء.] ### | دفاع عن لغة تميم وبني حنيفة وبيان أن الشيخ من رؤس تميم # وأما قوله: (وقد نصت العرب، وصح عنها بأجمعها أن لغة أهل اليمامة أرك ~~اللغات قال: فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقد أثبت فيهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الصديق رضي الله عنه فيهم: لا يزالون في فتنة من كذابهم، ~~وهو رضي الله عنه صادق الفراسة، وبعد هذا وجد منهم مائة وستون (3) رجلا ~~بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة الكذاب، فأتى بهم لابن مسعود وهو عليها ~~هو وعمار أمير فقتل إمامهم ابن النواحة وفرقهم في القبائل وأجلى (4) من ~~أجلى منهم ms169 إلى الشام) . # والجواب أن يقال لهذا الغبي: إن شيخنا رحمه الله تعالى من رؤوس تميم ~~وأعيانهم، وليس من بني حنيفة، وتميم قبل الإسلام وبعده هم رؤوس نجد وسادته، ~~ولغتهم أفصح اللغات وأفضلها بعد لغة قريش، ولا يذكر مع لغة قريش، غالبا إلا ~~لغة تميم كما يذكره النحاة وغيرهم، وهم ممن قاتل بني حنيفة مع خالد وأبلوا ~~(5) بلاء حسنا، وأقطع خالد بن الوليد أفخاذا منهم أودية معروفة بنجد من ~~اليمامة وغيرها، فلو فرضنا أن بني حنيفة فيهم ما ذكر من جهة لغتهم وعدم ~~فصاحتهم، فأين الشيخ منهم؟ وسكنى الدار لا تؤثر، فإن الصحابة سكنوا مصر ~~وبلاد الفرس، وفضلهم PageV02P370 # لا يزال في مزيد، وإيمانهم قهر أهل الكفر والشرك والتنديد، وعادت تلك ~~البقاع والأماكن من أفضل مساكن أهل التوحيد. # وأما قوله: (إن العرب نصت على أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات فأين تأتي ~~لهم الفصاحة) ؟ . # فبنو حنيفة من أعيان العرب ورؤوسهم، وهم من أفصح اللغات، ولا أصل لقول ~~هذا المعترض، ما قال أحد بعيب لغتهم وذمها (1) وقوله: (نصت العرب) . # دليل على كذبه وجهله بمعاني الكلام، فإن العرب يدخل فيهم من ليس بأعجمي ~~النسب واللسان، فيقع على من سكن الجزيرة بأجمعها إلى حدود مصر والشام، ومن ~~ساحل (2) اليمن إلى ساحل (3) العراق، وأين نص هؤلاء؟ ومن الذي قاله منهم؟ ~~وهذا أبلغ من حكاية الإجماع. # وأما قوله: (فأين تأتي لهم الفصاحة) ؟ . # فهذا تركيب ركيك، فإن "أتى يأتي " يتعدى بنفسه، فالركيك تركيب المعترض ~~وكلامه. ### | المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم # وقوله: (وقد أثبت فيهم النبي (4) صلى الله عليه وسلم الجفا) . # فيقال: عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ (5) وأما الجفاء فلم ~~PageV02P371 # [149] ، يرد فيهم لفظة واحدة، وإنما ورد في أهل الوبر والشعر، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " «الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر» " (1) وقال ~~تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله والله عليم حكيم} [التوبة: 97] [التوبة -97] . # ومع هذا فقد أثنى الله تعالى ms170 على من آمن بالله واليوم الآخر منهم ~~واستثناهم من العموم. # قال تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات ~~عند الله وصلوات الرسول} [التوبة: 99] [التوبة -99] . # فمن آمن بالله ورسوله (2) وكذب مسيلمة، ولم يؤمن به، فهو من المؤمنين. # وقد {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها (3) ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر (4) . ذلك هو الفوز ~~العظيم} [التوبة: 72] (5) [التوبة: 72] وأما قول الصديق (6) فإن. فالمراد ~~به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم، PageV02P372 # كما وقع من ابن النواحة (1) وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين ~~فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب، والصديق أجل من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ~~ولم يشهد عصره، وآباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم (2) ~~كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها، ولا يتوجه عيب أحد ~~منهم بأسلافه، وقد يخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص ~~أوليائه وأصفيائه، ولما استأذن ملك الجبال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يطبق عليهم الأخشبين- لما رجمه أهل الطائف- ودعا بدعائه المشهور وهو قوله: ~~" «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب ~~المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى قريب» (3) ~~ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب (4) علي فلا أبالي، غير أن عافيتك (5) أوسع ~~لي، لك العتبى حتى ترضى، أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك) ~~فاستأذنه الملك عند ذلك (6) فقال: ( «بل أتأنى بهم لعل الله أن يخرج من ~~أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئا» ) (7) PageV02P373 # إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلا، والقصد بيان كلام الصديق وما ~~أريد به. # وأما قوله: (وقد وجد منهم مائة وستون رجلا بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام ~~مسيلمة) . # فهذا كذب. القصة ليست كذلك؟ (بل هم بضعة عشر رجلا، لم 155، يقرءوا قرآنه) ~~(1) وإنما تكلموا في نبوته وجوزوها، وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى ~~خلقه، فنعوذ بالله من درك الشقاء ms171 وسوء القضاء. # ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالما يدعو إلى الله، فما وجه عيبه وذمه ~~بقومه، وقد خالفهم في الإيمان والدين؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال ~~بن (2) رباح رضي الله عنهم من أفضل الناس، وأسلافهم من شر الناس؟ بل (3) ~~والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله، والمكذبون لهم من قومهم أكثر من ~~المستجيبين، وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته، ولم ~~ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه، وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة (4) ~~والمذهب. PageV02P374 ### | فصل في بيان كذب المعترض في إيقاع وصف سفهاء الأحلام على أهل نجد # فصل قال المعترض: (فصار بذلك موضعهم قابلا للبهتان إلى هذا الزمان، ومن ~~أنكر عليهم من أهل نجد قتلوه ونهبوه والباقي أجلوه، فصح بهذا أنهم من الذين ~~وصفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنهم سفهاء الأحلام) . # والجواب أن يقال: هذا كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يصف أهل ~~نجد وأهل اليمامة (1) بهذا، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا ~~من غيرهم، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على علي بن ~~(أبي طالب) (2) -رضي الله عنه- الذين قاتلهم علي بالكوفة والبصرة وما ~~يليها، وفيهم من بني يشكر ومن طي وتميم وغيرهم من قبائل العرب، ودارهم ~~ومسكنهم بالعراق، ولا يختلف في هذا، فدارهم دار أشياخك ومحل إقامتك الذي ~~نشأت به، وأثنيت على أهله، وهي دار سفهاء الأحلام بنص الحديث وبإجماع ~~الأمة، ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر، ولذلك نسبوا إليها، فقيل: أهل ~~النهروان، وحروراء بلدة هناك (3) نسبوا إليها، فقيل: الحرورية. # فأين في الحديث أن PageV02P375 # أهل اليمامة منهم (1) .؟ ما أقبح الكذب، وما أعظم (2) . خزي مبديه، وفي ~~هجنة كلام المعترضين واستقباح مذهبه ما يقضي بسفاهة رأيه وعظيم عطبه. # ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه # ثم في زعمه أن الموضع قابل (3) للبهتان: إن قصد به المحل كما هو ظاهر ~~عبارته، فقد سب الأرض، والموضع المطيع لله الشاهد بوحدانيته بما أودع فيه ~~من الآيات، وذرأ من البريات، وهو ms172 (4) . انتقال من مسبة [151] الساكن إلى ~~مسبة المسكن، وإن أراد أهله وسكانه ففيه عيب كل مسلم، ووصفه بقبول البهتان ~~والشك من عهد مسيلمة إلى هذا الزمان، فسبحان من (5) . طبع على قلبه، وحال ~~بينه وبين العلم والفهم. PageV02P376 ### | فصل في رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر وبيان أن الإيمان لا يختص به بلد من البلدان # فصل قال المعترض: (ومع ما ذكرناه جعل هذا الرجل مواضع (1) . دعوته -صلى ~~الله عليه وسلم- ومنبع النبوات بلاد كفر، لا يجوز السفر إليها، ومن جاءه ~~منها راغبا لدنياه سماه مهاجرا، قد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- في (2) . ~~الصحيح: " «إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» " (3) . ~~وأنها آخر بلاد المسلمين خرابا في آخر الزمان، فصح أن الإسلام ملازم (4) . ~~لها، وأرشد -صلى الله عليه وسلم- إلى الشام أيام الفتن (5) . وأنها عقر ~~الإسلام ومعقل الإيمان، ومع ذلك صوب هذا الرجل نفسه على خطئه، وخطأ علماء ~~الأمة، وكفرهم بخطئه، وقد قدمنا استشهاد الله تعالى جل ذكره (6) . بهم، وما ~~رواه ابن عدي والبيهقي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " «يحمل هذا ~~العلم من كل خلف عدوله» " (7) . PageV02P377 # والجواب أن يقال: قد تقدم أن هذه الدعوى التي ادعاها المعترض على شيخنا ~~من جعله الحرمين بلاد كفر دعوى كاذبة ضالة؛ وأن الشيخ رحمه الله تعالى من ~~أعلم الناس وأعدلهم في قوله وفعله، على منهاج مستقيم، ولا يمكن أحد إثبات ~~هذه الدعوى وتصحيحها بوجه من الوجوه، والكلام في هذه المواضع يجب أن يكون ~~بعدل وعلم (1) . ومن فقد ذلك فقد ضل عن سواء السبيل وأضل. # وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: " «الإيمان يأرز إلى المدينه كما تأرز ~~الحية إلى جحرها» ": فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصادق المصدوق، ~~والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والشأن كل الشأن في الفقه عن ~~الله ورسوله ومعرفة مواقع خطابه. وأما الكلام في هذه المباحث من الأغمار ~~والجهال، الذين لا عناية لهم بمعاني الكتاب والسنة، ولا دراية لهم بتقارير ~~علماء الأمة: فالمحنة بهم عظيمة، وطريقتهم ms173 (2) . # غير عادلة ولا مستقيمة، ليس في الحديث ما يفيد أنه لا يتعداها إلى غيرها ~~من البلاد والمواضع، وليس فيه ما يفيد إيمان جميع من سكنها واستوطنها، وقد ~~وجد في زمانه من أهل النفاق كثير في المدينة، وسكنها بعده -صلى الله عليه ~~وسلم- كثير من أهل البدع والمارقين، وفي هذه الأزمان جمهور أهل العوالي وما ~~يليها رافضة من غلاة الرافضة، وكلامهم في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- ومسبتهم لأم المؤمنين معروفة [152] مشهورة، والحكم الكلي الأغلبي لا ~~يلزم إطراده. PageV02P378 # ثم يقال لهذا الغبي: أخبرنا ما الفرق بين هذا وبين قوله -صلى الله عليه ~~وسلم-: " «الإيمان يمان والحكمة يمانية» " (1) .؟ إن قلت إن الإيمان لا ~~يفارق اليمن في كل وقت وزمان، ورد عليك الأسود العنسي وأمثاله من المرتدين ~~والمارقين في كل وقت وحين. # وقوله: (وأرشدهم (2) . -صلى الله عليه وسلم- إلى الشام أيام الفتن) إلى ~~آخره. فيقال له: إذا كان الشام عقر الإسلام، ومعقل الإيمان، فهذا من الأدلة ~~على أن الإسلام والإيمان (3) . لا تختص به المدينة ولا غيرها من البلاد ~~الإسلامية، وأن الله يداول الأيام بين البلاد والعباد، فحينا تكون الشوكة ~~والدولة الإسلامية بالحجاز والحرمين، كما كان في عهد النبوة وفي الخلافة ~~(4) . التيمية، والخلافة (5) . العدوية، والخلافة الأموية، والخلافة ~~العلوية، وحينا في الشام كالولاية المروانية، وحينا بالعراق كالدولة ~~العباسية، وحينا في غيرها من البلاد، كما يشهد لذلك (6) . الواقع، فإن ~~الإفرنج ملكوا بيت المقدس، واستولوا على خير بلاد الشام وأفضلها دهرا طويلا ~~حتى استنقذها من أيديهم الملك الصالح من السلاطين (7) . المصرية، ~~PageV02P379 # واستولى على ساحل الشام طوائف من النصارى بعد ما سبق فيه من القوة ~~والصولة الإسلامية، ثم استحال جبل النصيرية والإسماعيلية إلى (1) . الكفر ~~العظيم، والغلو في أئمتهم، وترك التزام أحكام الإسلام. # وبهذا تعرف أن العموم مخصوص، والإطلاق مقيد، والعبرة بالغالب الأكثر (2) ~~. وجاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أن الإيمان يكون بالشام (3) . حين تكون ~~الفتن (4) . # وأما حديث: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» ": فقد ثبت وصح عن أحمد ~~وغيره من الأئمة أن المراد به علم الحديث المشتمل على بيان ms174 الكتاب وتفسيره ~~وتقرير الأحكام الدينية الأصولية والفروعية، وهذا بحمد الله لنا لا علينا، ~~فإن شيخنا قد شهد له الجم الغفير والخلق الكثير بأنه من حملة هذا العلم، ~~ومن أئمته المقتدى بهم فيه، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في ذلك، وفيما ~~كتبناه كفاية. PageV02P380 ### | فصل في رد دعوى المعترض إجماع الأمة على قبول البردة والرضا بها # فصل قال المعترض: (وقد أجمعت (1) الأمة أنها لا تجمع (2) على ضلالة، وهذا ~~يقول: اجتمعت وأجمعت. فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة، ~~وتشرحها هي والهمزية، ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان، وأبلغ من هذا ~~كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة، فلما (3) دخل هؤلاء المدينة المنورة ~~أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك، فلزقوا عليها الورق. # ولست أحكي هذا عن غيري، فهلا (4) أنكرها عالم من علماء المسلمين، وما من ~~علماء الأمة إلا من شاء الله من لا دخل المدينة المنورة ورآها. وليست خفية؛ ~~بل هي أشهر من "قفا نبك" (5) وقد علم (6) حال الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ما علم، أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت؟ وقد أخبر الله ~~أنهم: {أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: ~~169 - 170] الآية [آل عمران -169، 170] . PageV02P381 # ألم يعلم هذا الرجل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في معراجه مر بكليم ~~الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره، ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك ~~بن صعصعة رضي الله عنه في السماء السادسة، ونصحه واستنصحه وسقم عليه وعلى ~~الأنبياء في السماوات، فردوا عليه ورحبوا به، وقد صلى بهم قبل في بيت ~~المقدس (1) عند الصخرة عليه وعليهم (2) أفضل الصلاة والسلام، أفيظنهم هذا ~~الرجل أمواتا في عالم العدم، أم (3) يريد أن يمنع عنهم (4) ما أعطاهم الله ~~من الكرامة، ويقيسهم على نفسه التي قد (5) تراكمت عليها ظلمات الزيغ ~~والأهواء بعضها فوق بعض، حيث يرى الحق في صورة الباطل؟ أو ليس هو -صلى الله ~~عليه وسلم- أفضل أولي (6) العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه ~~(7) بالفضل عيسى بن ms175 مريم عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى عليه السلام من دون الله؟ . ~~بل قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} [آل عمران: 59] [آل عمران -59] . PageV02P382 # والجواب أن يقال: أما قوله: (إن الشيخ يقول: اجتمعت (1) الأمة وأجمعت على ~~ضلالة) : فهذا من أبلغ (2) الكذب وأعظم الإفك والافتراء، وقد نزه الله ~~الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته، وأظن هذا الغبي يشير إلى ~~أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها، مع أن الشيخ لم يتكلم فيهم، ~~ولا بحث في حال من رواها وقررها، وإنما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على ~~الغلو والإطراء، ولم يتجاوز هذا شيخنا (3) ولم يبلغنا عنه حرف في تضليل من ~~قرأها، وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها، ثم لو ~~فرض أن الشيخ ضلل هؤلاء أيقال: هم الأمة، أين أهل القرون الستة الأول (4) ؟ ~~أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين ~~رووها، أفتحصر الأمة في هذا [154] العدد اليسير الذين (5) لا يعرف أحد منهم ~~بعلم سوى رجلين أو ثلاثة، وهم دون نظرائهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وهل ~~شرحها من الأمة من يعرف (6) له لسان صدق في المسلمين؟ ما أقبح الفرية! وما ~~أشد جنايتها!! . # وأما كتبها بماء الذهب: فمن كتبها ومن وضعها؟ أهم أهل العلم وسادات ~~الورى؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء، إن كان فعلهم حجة فقد PageV02P983 # وضعوا القباب والمكوس، وبعضهم وضع مهور البغايا. ليت (1) هذا خرس وستر ~~على نفسه هذه الخزية الشنعاء، والقولة العمياء، ما أقبح الحور بعد الكور ~~(2) . # قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن: أرأيت إن غلب الجهال حتى ~~صار الأمر إليهم، أهم الحكام على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام ~~أولاد الأنبياء (3) وأما قوله: (فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا ~~حكها ms176 فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق) . فيقال له (4) هذا من مناقبهم ~~وأدلة علمهم، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع (5) التي لم يدل ~~عليها كتاب ولا سنة؟ بل قد ثبت (6) النهي عن ذلك (7) وقرر (8) الفقهاء ~~المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن ~~أحد من أصحاب PageV03P384 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا خلفائه الراشدين (1) ولا أهل القرون ~~المفضلة يفعل ذلك لا في حياته ولا بعد مماته بأبي هو وأمي، والخير في اتباع ~~من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وما تركه أهل العلم من أهل (2) القرون ~~المفضلة وأئمة الهدى فلا شك في ذمه، وإلحاقه بشر المحدثات، وطرائق أهل ~~الضلالات، ولولا خوف الإطالة لذكرت من الأدلة والبراهين ما يقضي أن هذا من ~~المحرمات والمنكرات التي تجب (3) إزالتها، ولو خلت عن الإطراء والغلو، فكيف ~~وقد اشتملت على (4) ذلك (5) . # وأما رؤية العلماء لها: فليست دليلا على إقرارهم، والأمر في هذا (6) إلى ~~الملوك لا إليهم، وقد تأخر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم ~~فيه، وقل من يعرفه ويدريه. ### | حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة # وأما قوله: (وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم. ~~. .) إلخ كلامه: فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء، وأنهم أعلى من ~~الشهداء حالا بعد الموت، وهذا حق لا ريب فيه، ولا ينازع فيه مسلم، والأمر ~~أبلغ PageV03P385 # من ذلك وأرفع، ولكن هذا لا لدل على صحة دعوى هذا (1) الرجل: من أنهم ~~يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ~~ورسالتهم لا تقضي صرف حق الله إليهم، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد ~~والدعاء، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم ~~بشيء من المطالب والمقاصد التي [151] بيده تعالى، ومنه عطاؤها وقسمها ~~ومنعها، وتدبيرها وتيسيرها. # وقد قال تعالى (2) {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: ~~144] [آل عمران -144] . # قال بعض الأفاضل: نزل استعظام موته منزلة جعله إلها، ولذلك قال: ms177 {أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144] (3) [آل عمران -144] . ~~وقال تعالى: {قل (4) إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن: 21] [الجن -21] ~~. وقال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56] ~~[القصص -56] . # وقد قال لابنته (5) وبضعته: " «يا فاطمة بنت محمد (6) لا أغني عنك ~~PageV03P386 # من الله شيئا» " (1) أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة ~~والحياة البززخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله، وقصد من سواه، ~~واتخاذ الأنداد والشفعاء (2) ؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرر كفر ~~فاعله، وأخبر أنهم لا يملكون (3) لهم ضرا ولا نفعا، ولا (4) موتا ولا حياة ~~ولا نشورا. # وقال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 80] [آل عمران -80] . فأخبر تعالى ~~أن قصدهم (5) بالعبادات، والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ (6) لهم أربابا، ~~وأنه كفر بعد الإسلام. # ودندنة (7) هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم، وأن عيسى أعطي ~~إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وأن ~~نبينا أفضل منه؛ كل هذا دندنة (8) حول دعائهم مع الله، وأنهم يقصدون لتلك ~~المطالب، وقد علم أن النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد، ونسبة علم ~~الغيب إليهم، وأن الدنيا والآخرة من PageV03P387 # جوده (1) -صلى الله عليه وسلم- ومن فيض كرمه، هذا محل النزاع، فأخذ الغبي ~~يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة (2) والحياة التي هي فوق حياة الشهداء، ~~وأن عيسى يحيي الموتى ونبينا -صلى الله عليه وسلم- أفضل منه، وقصده أنه ~~يدعى لمثل ذلك، وما هو أبلغ منه، والنصارى احتجوا على دعاء عيسى وعبادته ~~وإلهيته بهذه الحجج [الداحضة] (3) وأمثالها، فنعوذ بالله من الخسران. # صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه، أن يحتج بالمعجزات والكرامات على ~~دعاء غير الله، اللهم (4) مقلب القلوب ومصرفها صرف قلوبنا إلى طاعتك ~~وتوحيدك والإيمان بك وبرسلك. # وأما قوله: (أفيظنهم هذا الرجل أمواتا) . فعبارة جاهل لا يفرق بين حياة ~~الأنبياء والشهداء بعد الموت، وحياتهم في الدنيا، فظن الغبي أنها هي الحياة ~~الدنيوية؛ (ولذلك نفى الموت، والله ms178 تعالى يقول: {إنك ميت وإنهم ميتون} ~~[الزمر: 30] [الزمر -30] . # [156] والحياة) (5) البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء. # وقد تقدم أن هذا الرجل أشبه برجال (6) الجاهلية الأولى، لم (7) ~~PageV03P388 # يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء (1) . # وأما ما رصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق ~~في صورة الباطل: فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى (2) إن يوم ~~الفصل # ميقاتهم (3) أجمعين [للدخان - 40] . # وإنما أردنا بيان ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من التوحيد ~~والهدى، وكشف ضلال أهل الزيغ والردى، وأما المقاصة فلسنا بصددها، وإن كان ~~قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها. PageV03P389 ### | فصل في رد دعوى المعترض أن طلب الشفاعة ممن له شفاعة أو قرب يسوغ ولا يحرم وليس بشرك وأنه من جنس سؤال الأحياء ما يستطيعونه # فصل قال المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه، فهل (1) من سأل عيسى ~~عليه الصلاة والسلام خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا عند هذا الرجل؟ ~~أو يقول إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- غير موجود أو أنه في عالم العدم؟ ~~أو يقول: إن جاهه عند ربه انقطع بموته؟ فما بال صديق هذه الأمة -رضي الله ~~عنه- يقول لخاتم المرسلين (2) بعد موته يخاطبه: "اذكرنا يا محمد عند ربك ~~ولنكن من بالك "، ولم يقل له ذلك في حياته إلا لعلمه بقربه من ربه بعد ~~موته، وعظم جاهه عنده أعظم من كونه في الحياة، وهذا الرجل يجعل هذا من ~~الشرك الأكبر، فهو أعظم من الصديق وأقرب إلى الله تعالى ورسوله منه، وهل ~~هذا من عبادة غير الله تعالى جل ذكره في شيء؟ بل الكل من عند الله: الرسول ~~-صلى الله عليه وسلم- وما أعطيه لأمته، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون (3) ~~حديثا، وإنما الشرك- قاتلهم الله أنى يؤفكون-: طلب ما لا يقدر عليه إلا ~~الله تعالى، ولم يعطه (4) أحدا من خلقه كهداية القلوب PageV03P390 # وشفاء المريض، وإنبات النبات وطلب الذرية، ونحو ذلك، وكذلك قصد غيره ~~بالعبادة من دونه تبارك وتعالى. # كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ms179 ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا ~~شريك له وبذلك أمرت} [الأنعام: 162 - 163] [الأنعام -162، 163] . # والجواب أن يقال: قاتل الله من أفك عن دينه وتوحيده (1) وما جاءت به ~~الرسل من عنده، من الإيمان والإسلام وإفراده بالطاعة والعبادة، ورضي الله ~~عمن دعا إلى توحيده وأمر بطاعته، ونهى عن الشرك به، واتخاذ الأنداد له، وأن ~~تصرف الوجوه إلى (2) غيره عبادة واستغاثة وتوكلا ورجاء. # وحاصل كلام هذا الرجل وتقريره (3) أن الطلب من الرسول -صلى الله عليه ~~وسلم- أو غيره ممن له شفاعة أو قرب وجاه (4) يسوغ ولا يكره ولا يحرم؛ لأنه ~~ليس بشرك، بل هو من جنس سؤال الأحياء من (5) الآدميين ما يستطيعونه من ~~الأسباب العادية، وهذا هو المقصود له من رده واعتراضه من أول رسالته، ولم ~~ينكر على شيخنا سوى تجريد التوحيد، وإفراد الله بالقصد والعبادة، والخصومة ~~في هذا قديمة ليس هذا أول قائل بدعاء [157] الموتى والاستغاثة بهم، وطلب ~~الحوائج منهم (6) والمهمات من جهتهم، PageV03P391 # ومن قال بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد موته (1) أولى بالمسألة ~~والطلب منه في حال حياته الدنيوية، وأن ما جاز طلبه (2) في الحياة يطلب منه ~~بعد الممات، فقد فتح باب الشرك والتنديد، وصدف عن توحيد الله العزيز ~~الحميد، لأن هذا هو قول الصابئة المشركين، ومذهب الجاهلين الأميين؛ بل صريح ~~كلام هذا المعترض: أن الميت يسأل مما أعطيه، وأنه بيده يفعل ما يشاء من ~~عطاء ومنع. وجمهور المشركين لم يقولوا هذا؛ وإنما قالوا: إن الميت المعظم ~~يقربهم إلى الله زلفى، ويشفع لهم عنده فهو واسطة على زعمهم. وأما المعترض ~~فجعل ذلك من جنس ما يسأله الميت ويطلب منه في حال حياته، لا على سبيل ~~الوساطة، بل كما يسأل الملاك ما بأيديهم. # فالرجل وصل إلى حد أحجم دونه أكثر المشركين، ولم يقتحموه خوف الشناعة ~~والضلالة. # وحينئذ فيقال: هذه دعوى- وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة- ~~دعوى كبيرة غليظة، ليست كغيرها من الدعاوى، فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من ~~الأدلة الشرعية، والقوانين المرضية، والسيرة السلفية، وأما المقاييس ~~الفاسدة فلا تفيد هنا، ms180 وقد قال بعض السلف: (ما عبدت الشمس والقمر إلا ~~بالمقاييس) ، وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وسيرة الخلفاء المهديين وأهل القرون المفضلة، أي آية وأية ~~سنة، وأي عالم من أهل القرون PageV03P392 # المفضلة (1) قال بهذا أو (2) ذهب إليه؟ . # بل الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى، ~~والتوجه إليهم شرك محرم، وأن فاعله من أسفه السفهاء وأضل الخلق، وأنه ممن ~~عدل بربه وجعل له أندادا وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه، ولا تنبغي ~~لغيره، وأنه أصل شرك العالم، وقد حكى الإجماع على هذا شيخ الإسلام ابن ~~تيمية (3) في مواضع من كلامه، وكذلك ابن قيم الجوزية (4) قرر تحريمه، وأنه ~~من الشرك الأكبر، وأنه أصل شرك العالم في كتابه "إغاثة اللهفان " (5) ~~وغيره، وابن عقيل كفر بطلب الحوائج من الموتى، ودس الرقاع فيها: (يا مولاي، ~~افعل بي كذا وكذا) . ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم. # واستدلوا بقول الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} ~~[الجن: 18] [الجن -18] . و (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم الرسل وغيرهم. ~~وقوله: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين} [يونس: 106] [يونس -106] . وقوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: ~~117] [المؤمنون -117] . وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} [الأنعام: 40] الآية ~~[الأنعام -40] . PageV03P393 # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 56 - 57] [الإسراء ~~-56، 57] . # قال طائفة من السلف: نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرا (1) وقالت طائفة: ~~نزلت فيمن يعبد رجالا من الجن أسلم المعبودون وبقي من يعبدهم من العرب على ~~(2) شركه، وقيل: نزلت في الملائكة. # قال شيخ الإسلام تقي الدين ms181 (3) (والآية تعم هذا كله وكل من دعا معبودا من ~~دون الله ومعبوده يبتغي الوسيلة إلى ربه بالإيمان به وطاعته، فإنه داخل في ~~عمومها) . # والآية قبلها (4) صريحة في أن المشركين المخاطبين يخلصون الدعاء عند ~~الشدة، وأنهم إن أتاهم العذاب، أو أتتهم الساعة- وهي الحادث العمم- لا ~~يدعون غير الله؛ ولا يلتفتون لسواه، ولذلك استدل الله (5) تعالى عليهم بذلك ~~في معرض (6) الأمر بتوحيده، وإفراده بالعبادة على كل حال في الرخاء والشدة، ~~وأين هذا من طلب (7) الأنبياء ودعائهم للحادث العمم أو غيره؟ والآيات قبلها ~~دالة على تحريم دعاء الموتى مطلقا؛ لأنه PageV03P394 # ليس من جنس الأسباب العادية، بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم ~~قدرة وعلما بحاله، وسمعا ليس من جنس قدرة (1) العباد وعلمهم وسمعهم، ~~والدعاء في هذه الآيات يشمل نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، فما ~~تقدم من الآيات دال على تحريم دعاء الأنبياء والصالحين دعاء عبادة أو دعاء ~~مسألة. # قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (2) (وليس أحد من البشر بل ولا من ~~الخلق، يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول ~~النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ~~ويسمع أصواتهم، ويجيب دعاءهم. # قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 72]- إلى قوله- {هو ~~السميع العليم} [المائدة: 76] [المائدة -72، و 76] . # فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضرا ~~ولا نفعا بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق. # [159] قال تعالى (3) {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن: 21] (4) ~~[الجن -21] . PageV03P395 # وقال تعالى في (1) {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} ~~[الأنعام: 50] الآية [الأنعام # ] وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} ~~[الأعراف: 188] [الأعراف -188] ) . انتهى كلام ابن عبد الهادي. # وقول المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه؟ فهل من سأل عيسى عليه ~~الصلاة والسلام خلق الطير الذي ms182 أعطيه يكون كافرا مشركا) . # فهذه شبهة واهية، فإن من سأل عيسى خلق الطير أو غيره، بعد رفعه إلى ~~السماء كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ بل ولا يجوز ذلك (2) مطلقا قبل رفعه، ~~والرسول -صلى الله عليه وسلم- أعطي الشفاعة (3) بمعنى أن الله يشفعه، ويحد ~~له حدا يدخلهم الجنة، ويريح الخلق من هول الموقف وكربه، وقد دلت الآيات ~~والأحاديث أن المالك للشفاعة هو الله وحده، وأنها لا تنال إلا بما ربطها ~~الله به من الأسباب وهي التوحيد والإيمان والإخلاص، كما دلت عليه الآيات ~~الكريمات، وكما دل عليه حديث أبي هريرة، وأنها متوقفة على الإذن والرضى منه ~~تعالى، وليس طلب الرسول سببا لنيلها وتحصيلها، لا سيما بعد موته -صلى الله ~~عليه وسلم- ولم يدل دليل (4) على مشروعية ذلك ولا فعله أحد PageV03P396 # يحتج به، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديه -صلى الله عليه وسلم- وهدي من ~~قبله من الأنبياء. # وليس قولهم: (إنه أعطى الشفاعة) بمعنى: ملكها وحازها، كسائر العطايا ~~والأملاك التي يعطاها البشر. وأيضا: فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إن الله أعطاهم ذلك، وملكهم ~~إياه فيطلب منهم، ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من ~~جنسه، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد (1) بها هذه العطايا والمواهب ~~السنية. # وقد قال تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} [الزمر: ~~44] الآية [الزمر -44] . وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] ~~[الأنبياء -28] . وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [} [البقرة: ~~255] البقرة -255] . وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة: فقد ذكر تعالى ~~أنه حرمه على الكافرين. وكذلك الشفاعة، لأنها وسيلة إليه. # قال تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} [الأعراف: 50] [الأعراف ~~-50] . فمن أتى بمانع يمنع من الشفاعة، أو دخول الجنة، كالشرك والكفر، فلا ~~سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه. PageV03P397 # [160] وأيضا: فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويشتد هول ~~الموقف ms183 وكربه هذا هو المراد، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة، وأن الباب مسدود ~~على من طلبها من غير الله. # وأما قول المعترض: (أو يقول: إن الرسول غير موجود، أو أنه في عالم العدم ~~أو يقول: إن جاهه عند ربه انقطع (1) بموته) . # فيقال: هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول، فإن كلام الشيخ، والقول بأن دعاء ~~غير الله شرك، لا يلزم منه القول (2) بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- غير ~~موجود، بمعنى أنه كسائر المعدومات؛ بل هو حي في قبره تعرض عليه صلاة أمته ~~(3) «وقد "حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» " (4) ومع ذلك فهو ~~-صلى الله عليه وسلم- في الرفيق الأعلى، وهو أقرب الرسل من ربه، وأرفعهم ~~(5) درجة لديه، ولروحه اتصال بجسده الشريف، لا يعلم كنهه وحقيقته (6) ~~ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضل وأعطى، وهو اللطيف الخبير. # وأما القول: بأن هذه الحياة [كالحياة] (7) الدنيوية، يطلب منه ما كان ~~PageV03P398 # يطلب (1) قبل موته، ويسأل ويستفتي، ويرجع إليه. # فهذا قول ضال، مخالف للكتاب والسنة، وحقائق المعقول والمنقول، فافهم هذا ~~البحث (2) فكم زل فيه من قدم، وكم ضل بالخرص (3) فيه (4) من أمم. # وأما قوله: (أو أنه في عالم العدم؟) . فالعدم ليس له عالم، والعوالم إنما ~~تطلق على الموجودات، لا على المعدومات، ولا يقول: إن جاهه -صلى الله عليه ~~وسلم- عند ربه انقطع (5) بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب، بل هو ~~دائما في مزيد، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به، ويهتدي بهديه إلي يوم القيامة ~~إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله، والكامل يقبل الكمال. # وأما قول الصديق: "اذكرنا يا محمد عند ربك" (6) فقد تقدم البيان (7) بأنه ~~من الموضوعات والمكذوبات؛ التي لا يلتفت إليها. ثم عظم الجاه وإن تناهى فلا ~~ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة، ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه ~~بدعاء الداعين، وشفاعة الشافعين. PageV03P399 # وأما تشبيهه بأن الكل من عند الله: الرسول، وما أعطيه الرسول. فهذا لا ~~نزاع فيه، وذكره هنا تشبيه على السامعين، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه ~~وسؤاله، والاستغاثة ms184 (1) به بعد موته -صلى الله عليه وسلم-. # وأما القول: (بأن الكل من عند الله) . فلا نزاع فيه، وليس فيه دليل على ~~أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء مما أعطوه في الدار الآخرة، ولا يحصل لكل ~~من طلب شيئا [161] مطلوبه (2) وفي الحديث (3) " «يذاد أناس من أصحابي عن ~~الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: ~~سحقا سحقا» " (4) . # وأما قوله: (وإنما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يعطه أحدا من ~~خلقه) . # فيقال: قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا ~~الله، وأنها مملوكة له وحده، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من ~~أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون، وأن الشفاعة لا تملك، كما ظنه المشركون؛ ~~وأن الاستثناء من الملك (5) في الآيتين لا يوجب إثبات PageV03P400 # الملك لغير الله، وأكثر المفسرين يرون: أن (1) الاستثناء منقطع، كما تقدم ~~ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى، ~~وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: " «إذا مات ~~ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» . . . " (2) وأما تخصيص المعترض هداية ~~القلوب، وشفاء المريض؛ وإنبات النبات، وطلب الذرية ونحو ذلك. بالمنع: فهذا ~~من جهله؛ فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، ~~كما دل عليه (3) الحديث، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه ~~(4) في حياته كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ ~~فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، ~~وقوله: اهد قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح ~~اشفعي لنا عند الإله (5)) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياتها أن ~~تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه لم ~~يمنع من ذلك. # وأيضا: فالمعترض لم يلتزم (6) هذا، وسيأتيك له عند حكاية العتبي ~~PageV03P401 # أنه يجوز طلب الاستغفار من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد موته. # ثم في قول ms185 البوصيري في الاستعاذة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونفى ~~الإعاذة عمن (1) سواه وأنه هالك إن لم يأخذ بيده، ما هو من أبلغ الصيغ في ~~طلب النجاة من النار وإدخال الجنة، وهذا كهداية القلوب، وشفاء المريض، ~~وإنبات النبات، وطلب الذرية فإن من طلب هذا من الأنبياء والأولياء يتأول ~~كتأويلكم (2) كلام البوصيري فيقولون (3) (إن الله أعطاهم جاها ومنزلة [162] ~~وشفاعة، وإجابة لدعائهم، فنحن نطلب الهداية والشفاء ونحو ذلك مما أعطاهم ~~الله وملكهم إياه) . # وليس قولكم: (إن الله ملكه الشفاعة) بأحق من قول هؤلاء، فإن الشفاعة طلب ~~ودعاء، فعادت المسألة على تقرير هذا المعترض إلى عبادة الأنبياء والملائكة ~~والمؤمنين والأطفال، وسائر من يشفع ويستجاب دعاؤه، وهذا عين قول الصابئة في ~~عبادة الأرواح المفارقة ودعائها أرواح الأنبياء والصالحين، فنعوذ بالله من ~~الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان. والآية التي ~~استدل بها دليل على إبطال دعواه، فإن قوله تعالى: {إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت} [الأنعام: 162 - 163] ~~[الأنعام -162، 163] . الآية من أوضح الأدلة على تحريم دعاء الموتى، فإن ~~الصلاة دعاء PageV03P402 # صريح قولا وعملا، وقد دلت الآية على أن ذلك لله وحده لا شريك له؛ وأنه ~~(1) قد أمر بذلك، وهو أول المسلمين من هذه الأمة بالتزام هذا وسائر الأحكام ~~الإسلامية، فأين هذا من دعاء غير الله وطلب الشفاعة من سواه؟ . PageV03P403 ### | فصل فيه الشفاعة المثبتة والمنفية والمقصود بملكية الشفاعة # فصل قال المعترض: (وقد قال هذا الرجل في موضع آخر تكلم به على قوله ~~تعالى: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] [الفاتحة: 4] . قال: فمن عرف تفسير ~~هذه الآية، وعرف تخصيص الملك ذلك اليوم (1) عرف تخصيص هذه المسألة، وأن ~~معناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله: {يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: 19] [الانفطار -19] . ثم (2) قال: ~~فأين هذا المعنى والإيمان بما صرح به القرآن مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: ~~" «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " (3) من قول صاحب البردة ~~في قوله ms186 (4) . # ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذ (5) الكريم تجلى باسم منتقم ~~PageV03P404 # فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا (1) ؛ وهو أوفى الخلق بالذمم # إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا , وإلا فقل: يا زلة القدم. # ثم قال: فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من ~~العلماء والعباد، وهل يجتمع في قلب عبد (2) التصديق بهذه الأبيات، والتصديق ~~بقوله تعالى: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: 19] ~~[الانفطار -19] . وقوله: " «يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك (3) من الله ~~شيئا» "، والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق وأن فرعون ~~صادق، وأن محمدا -صلى الله عليه وسلم- صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على ~~الحق. # والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان # . فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة، ومن فتن بها من العلماء والعباد ~~والزهاد عرف غربة الإسلام) . انتهى كلامه. ثم ذكر عند ذلك قوله تعالى: ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] ~~[الإسراء -57] . وقوله: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشيء} [الرعد: 14] [الرعد -14] . قال: (فهذا بعض معاني قوله: {مالك يوم ~~الدين} [الفاتحة: 4] [الفاتحة -4] بإجماع المفسرين. PageV03P405 # وهذا قوله لا قول المفسرين كما يزعم، بل سترى قول المفسرين، فبهذا الكلام ~~ضرب كتاب الله بعضه ببعض، وكذلك سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبطل ~~بهذا الكلام جميع الشفاعات التي ورد بها الكتاب والسنة المتواترة من ~~الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشهداء والأولياء والصالحين، ~~والأطفال وغيرهم، فنفى بذلك جميع الشفاعات بما لا علم له به ولا دراية، ~~أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزل بلغتهم، حيث يقول جل ~~وعلا: {إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] [محمد -7] . وقال في الآية ~~الأخرى: {وما النصر إلا من عند الله} [آل عمران: 126] [آل عمران -126، ~~والأنفال -10] . فكذلك الشفاعة إنما هي من عطائه لأوليائه؛ ليمتازوا بها عن ~~غيرهم، إكراما لهم بها؛ ليغبطوا بها ذلك اليوم الذي ذكر هذا الرجل حيث يقول ~~صاحب البردة: (إذ ms187 (1) الكريم تجلى باسم منتقم) . إذ الشفاعة منه تبارك ~~وتعالى من الجزاء الجزيل، والفضل العميم، الذي لا تملك نفس لنفس شيئا ذلك ~~اليوم استقلالا، بل الكل من عند الله: الشافع والمشفع والشفاعة) . وأطال ~~الكلام بهذا المعنى، وأن الشفاعة لا تكون بيد أحد من دون الله، إذ الكل خلق ~~الله وأسباب، وأن الشيخ لا يدري كلام الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ~~وأنه جاهل بكلام العرب وبلاغتها التي نزل القرآن بلغتها، ولا يميز بين ~~الكلام الإضافي من المطلق والاستقلالي، وأنشد قول جرير بن الخطفان: (2) . ~~PageV03P406 # يقضي الكتاب على الصليب وتغلب ... ولكل منزل آية تأويل # . وزعم أن هذا خاص بالكافرين كقوله: {الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما ~~على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] [الفرقان -26] . ثم قال: (فمن قضائه ~~تبارك وتعالى: تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين ~~والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به، كما صرح به علماء ~~الأمة دون أهل الأهواء والبدع) . ثم ذكر عن البغوي في قوله: {ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} [الزخرف: 86] [الزخرف / 86] ~~. قال: (وهم عيسى وعزير (1) والملائكة، -فإنهم عبدوا من دون الله [164] ~~تعالى ولهم الشفاعة (2) وصحح هذا القول، فإذا كان ذلك (3) كذلك كما وصفنا ~~فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا من دون الله تعالى؟ بل (4) ولم يقصد ~~طلبه في الحال، وإنما استحضر كما قدمنا يوم القيامة حين تطلبه -صلى الله ~~عليه وسلم- جميع الخلائق؛ حيث علموا قربه من ربه جل وعلا وما أعطاه من ~~الكرامة والمقام المحمود) . والجواب: أن يقال لهذا الجهول، المفتري، ~~المخلط. إنما يضرب كتاب الله بعضه ببعض من رد بعضه ببعض، واحتج ببعضه على ~~خلاف ما دل عليه البعض الآخر، كما يفعله أهل البدع PageV03P407 # والضلال، ومن رد ما دل عليه قوله تعالى: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] ~~[الفاتحة -4] . وقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا} [الانفطار: 19] (1) ~~[الانفطار -19] . ونحو هذه الآيات بقوله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة} [الزخرف: 86] [الزخرف / 86] ونحوها. وزعم أن ملك الشفاعة ~~مثبت، وأنه يقضي على هذه الآيات ويرد ms188 به ما دلت عليه، وهذا ضرب كتاب الله ~~تعالى بعضه ببعض، وفي المثل: "رمتني وانسلت". وأما من رد بكتاب الله كلام ~~أهل الغلو والإطراء، واستدل بكتاب الله على بطلان غلو الغالين، وزيغ ~~الزائغين، وتحريف المبطلين، فهذا هو المؤمن المهتدي، المحتج بكتاب (2) الله ~~على ما أنزل لأجله، المستضيء بنوره؛ المهتدي بهداه، المعتصم بحيله. وأما ~~جحده أن يكون ما ذكر الشيخ هو كلام المفسرين: فهذا دليل على عدم علمه بكلام ~~المفسرين، وقصور رتبته عن الاطلاع على معاني التنزيل، وكتب المفسرين موجودة ~~بأيدي أهل العلم، وهم لا يختلفون أن المعنى: أنه المنفرد بالملك والتدبير ~~ذلك اليوم، فلا تملك نفس لنفس شيئا، بخلاف حالهم في الدنيا، فإن أكثر الخلق ~~نازع الرسل وعصى الأمر، واتبع السبل (3) PageV03P408 # فتفرقت بهم (1) عن سبيله (2) وهذا المعنى دل عليه القرآن في غير موضع. ~~وأما قوله: (وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات) (3) فهذا أيضا صدر عن جهل ~~عظيم؛ واعتقاد ذميم، فإن نفي (4) الشفاعة التي ظنها المشركون حاصلة بالتعلق ~~على الأنبياء والصالحين ومسألتهم مع الله: منفية بالكتاب والسنة؛ وإجماع ~~الأمة، وهذه هي التي نفاها الشيخ وأهل العلم قبله، وأما الشفاعة التي جاءت ~~بها السنة، وقال بها الأئمة فهي مقيدة بقيود تمنع مسألة غير الله للشفاعة ~~وطلبها من سواه، ولا تحصل إلا بتجريد التوحيد لله العزيز الحميد، كما تقدم ~~في حديث أبي هريرة (5) [165] . والمعترض جاهلي لا يفرق بين النوعين، فظهر ~~أنه هو العديم (6) العلم والدراية، الجاهل بأحكام الرواية والرعاية لكلام ~~الله وكلام رسوله وكلام العرب، فإن العربي سليم الفطرة يعرف بلغته أن القيد ~~في قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] [البقرة ~~-255] . يفيد صرف الوجوه إلى من بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله (7) ~~ولا يتقدم أحد بين يديه إلا بإذن ورضى لما يقول، وأنه لا يرضى الشفاعة فيمن ~~أشرك به وسوى بينه وبين عباده في خالص حقه. PageV03P409 # وقد نص بعضهم على أن هذا هو نكتة القيد في آيات الشفاعة. وأما ما استدل ~~به المعترض من أن (1) الله جل وعلا قال: ms189 {إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] ~~[محمد -7] . وقال في الوضع الآخر: {وما النصر إلا من عند الله} [آل عمران: ~~126] [آل عمران -126، والأنفال -10] . فهذا أيضا: يدل على كثافة فهمه ~~وانسلاخه من العلم، فإن النصر المثبت لهم غير المنفي عنهم، فنصرهم لله ~~قيامهم بما افترض عليهم من الدعوة إلى سبيله، وجهاد أعدائه باليد واللسان ~~والجنان، وأما النصر المنفي عنهم فهو الظهور على العدو، وقتله وهزيمته ~~وفشله، واضمحلال كيده. قال تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ~~[الأنفال: 17] [الأنفال -17] . فأثبت الله لنبيه (2) -صلى الله عليه وسلم- ~~من الرمي ما يليق بحال البشر، وأما التأثير والإصابة والهزيمة بذلك الرمي ~~وإيصاله إليهم فالله تعالى هو الفاعل له، الرامي في الحقيقة. فإذا تبين ~~هذا: فذلك دليل على أن الشفاعة التي تحصل بها النجاة والسعادة يد الله، وأن ~~الشافع ليس بيده إلا مجرد الطلب والمسألة، بعد الإذن والرضى عمن شفع فيه، ~~وأما القبول وتوفيق الشافع وإلهامه فكل هذا إلى الله وحده. PageV03P410 # وأما قوله: (فكذلك الشفاعة) . فيقال: إن كانت الشفاعة كذلك فهي منفية عن ~~غير الله، كما أن النصر منفي عن غيره، والمثبت منها ومن النصر لا يوجب أن ~~يطلب من الغائبين والأموات شيء ألبتة. وقد ذكر شيخ الإسلام في رده على ~~النصارى (1) أن النبوات متفقة على المنع من دعاء الغائبين والأموات، فلا ~~يدعون لشفاعة ولا غيرها. فقول المعترض: (إن الشفاعة من عطائه، ومن الجزاء ~~والفضل) ونحو هذا لا يفيد طلبها من غير الله كالأموات والغائبين، وليس كل ~~ما أعطي العبد يجوز أن يطلب منه، فإن هذا لا يقوله عاقل. وأما قوله: إن ~~المراد في قوله: {لا تملك نفس لنفس شيئا} [الانفطار: 19] [الانفطار -19] ، ~~ذلك اليوم استقلالا. فهذا لا يفيده لو سلمناه، فإن من لا يستقل بفعل أصلا، ~~ولا طاقة له على الاستقلال ليس بمالك ولا متصرف بمجرد مشيئته وإرادته، مع ~~أن المعنى المراد الذي نص عليه أعيان المفسرين: نفي الملك مطلقا استقلالا ~~وغيره. وأما نسبة الشيخ إلى الجهل وعدم العلم ببلاغة العرب التي نزل بها ~~[166] القرآن، وأنه لا يعرف ms190 الكلام الإضافي من المطلق. فيقال: كل ضال ومفتر ~~ينحو هذا النحو؛ ولا يتحاشى من الفجور في (2) الخصام، والمنافقون نسبوا ~~المؤمنين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى PageV03P411 # السفاهة وعدم العقل، وقال فرعون وقومه في موسى وهارون عليهما السلام ما ~~قالوا، فالعاقل لا يلتفت إلى هذا الكلام، لأنه معدود من اللغو والآثام، ~~والنظر في كلام شيخنا وكلامك يقضي له عند من وقف عليه بالعلم والدراية ~~ومعرفة الحقائق ومعاني التنزيل، وأنه يورد تقريره مطابقا للحال، وهذا عين ~~البلاغة كما عرفوها وحدوها في كتب المعاني، فإن البلاغة يوصف بها الكلام ~~والمتكلم. وأما كلام هذا المعترض وهذيانه المكرر، وتكراره لألفاظه ~~المستهجنة، ولحنه وتنافر تركيبه فهو من أدلة جهله وتفاهته (1) ؛ وأنه لا ~~صناعة ولا عناية ولا أدب، ولا فضيلة وأن حججه كما قيل: # تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب. # وانظر إلى قوله: (أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزل ~~بلغتهم) ، فإن في استعماله المخارج في المعاني والمقاصد ما يقضي بجهله، وفي ~~قوله: (وكلام العرب المنزل بلغتهم) ما يقضي بتفاهته (2) وعدم معرفته ~~للتراكيب؛ فإنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي؛ ولا يجوز الفصل هنا لإيهامه ~~اللبس. فلا تقول جاء زيد وجاء عمر القائم (3) أبوه، تريد نعت زيد، بل يتعين ~~ترك الفصل هنا، فهذه الغلطات في نصف سطر، ولو تتبعت ما في كلامه من الخلل ~~لطال الكلام، والقصد كشف شبهته ودحض حجته. PageV03P412 # وأما قوله: (إن هذا خاص بالكافرين، كقوله تعالى: {الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] الفرقان -26] . فليس ~~الأمر كما زعم، فإن نفي الملك عام، فلا يملك أحد ولو الأنبياء والملائكة، ~~بل هو سبحانه المنفرد بالملك المختص به، وأما العسر، فنعم؟ خاص بالكافرين. ~~ثم في قوله: {وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] الفرقان -26] . ~~وفي (1) تخصيص العسر بهم ما يفيد أن العسر المطلق هو المختص، وأما المقيد ~~فلا مانع من أن ينال المذنب من الموحدين منه ما يكفر به من سيئاته. وأما ~~قول المعترض: (فمن قضائه تبارك وتعالى تمليك ms191 أنبيائه ورسله وأوليائه من ~~الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به ~~كما صرح به علماء الأمة) . فيقال في جوابه: لم يرد لفظ التمليك في الكتاب ~~والسنة إلا (2) في معرض النفي والاستثناء ليس بنص ولا ظاهر في التمليك؟ بل ~~هو كقوله: [167] {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] وقد نص شيخ ~~الإسلام رحمه الله أن هذا لا يفيد إثبات التكليف، ولا سلف لهذا المعترض ~~وأمثاله في هذا القول، ولم يعرف إطلاقه عن PageV03P413 # أحد من أهل العلم، ولو سأل أحد طفلا من أطفال المؤمنين أن يشفع له لعده ~~الناس من أجهل الخلق وأضلهم. وقد قال تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} [الزمر: 44] [الزمر / 44] . وقال تعالى في ~~يوم القيامة: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} [هود: 105] ~~[هود: 105-105] . وهذا يدل على عدم الملك المؤمن والكافر؟ لقوله: {فمنهم ~~شقي وسعيد} [هود: 105] [هود: 105] . وقوله: (وهذا مما يجب الإيمان به) . ~~يقال: إنما يجب الإيمان بما أخبر به الرسول، ودل عليه الكتاب العزيز، من ~~إثبات الشفاعة بإذن الله لمن شاء (1) من الموحدين، هذا الذي يجب الإيمان ~~به، وأما الإيمان بأنهم ملكوا الشفاعة، وأنهم يدعون لها بعد الممات وفي ~~المغيب، فهذا قول باطل لا أصل له، ولا يؤمن به إلا أهل الشرك الذين يدعون ~~الأموات والغائبين مع الله. فهذا المعترض خلط الشركيات بالشرعيات، ولبس ~~الحق بالباطل، والذي أنكره أهل البدع وعابه عليهم سلف الأمة وأئمتها هي ~~الشفاعة التي جاءت بها الأخبار وصحت بها الآثار. وأما القول: (بأن علماء ~~الأمة أنكروا على من أبطل الشفاعة الشركية؟ وصرحوا بثبوتها) فهو قول باطل، ~~بل علماء الأمة أشد الناس إنكارا لها كما دلت عليه الآيات البينات. ~~PageV03P414 # قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في (1) ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] [يونس: 18] . فنفى هذه الشفاعة ~~التي أثبتها المشركون، وظنوها حاصلة ms192 ممن قصدوه وتوجهوا إليه، وسألوه رغبا ~~ورهبا، كما يشفع المخلوق عند مثله من الملوك والأمراء والأكابر، هذه هي ~~التي قامت بقلوب المشركين وتعلقوا على الأنبياء والملائكة (2) والصالحين ~~لأجلها، وهذه منفية كما مر في آية يونس، وكما (3) في آية الزمر، وكما في ~~سورة الأحقاف في قوله: {فلولا نصرهم (4) الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم} [الأحقاف: 28] ) (5) [الأحقاف - 18 - 28] . وكما في آية ~~(6) سبأ: ( {ولا (7) تنفع الشفاعة عنده (8) إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ) ~~[سبأ: 23] . وهي التي قصد هذا المعترض بقوله، إن الله ملكهم [168] الشفاعة؟ ~~وأنه يجب الإيمان بها، والسنة جاءت بإثبات شفاعة غير هذه، PageV03P415 # تنال (1) بتجريد التوحيد وإخلاصه كما في حديث أبي هريرة، وهي مملوكة لله ~~وحده،. هو الذي يأذن ويعين للشافع ويحد له حدا معينا مخصوصا، كما جاء صريحا ~~في حديث الشفاعة، وهذا النوع من الشفاعة أنكره المعتزلة، وهم محجوجون ~~بالكتاب والسنة، ولكن (2) المعترض خلط ولم يميز بين ما نفاه القرآن وما ~~نفته المعتزلة، ولم يعرف هذا النوع الثابت. وأما قوله: (إن البغوي فسر قوله ~~(3) {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] [الزخرف / 86] . هم عيسى ~~وعزير والملائكة، فإنهم عبدوا من دون الله) . فقول البغوي هو أحد القولين ~~في الآية، وقد تقدم الكلام في ذلك، وليس في هذا ما يستريح إليه المبطل، ~~فإنهم يشفعون لمن شاء (4) الله، وملك الشفاعة ليس بأيديهم، بل هو بيد (5) ~~الله الذي له ملك السماوات والأرض، فأي حجة في هذا على أنهم يدعون مع الله ~~للشفاعة أو غيرها؟ ، ولكن هذا الملبس قصده إيهام السامع أن شيخنا ينكر ~~الشفاعة التي قالها البغوي وأمثاله، وإنما إنكار الشيخ لعبادتهم ودعائهم، ~~وأنهم يسألون الشفاعة كما تسأل سائر الملاك أملاكهم. وهذه الآية حجة للشيخ ~~وإخوانه المؤمنين على أن الشفعاء لا يدعون PageV03P416 # ولا يقصدون ولا يعبدون؟ لأن الله أنكر ذلك على من قصد المسيح وعزيرا ~~لأجله وهيأهم له، والتجأ إليهم في تحصيله ونيله (1) . فالآيات القرآنية ~~وكلام المفسرين من أهل العلم حجة لنا، وشاهد للأمر بتجريد التوحيد وإخلاص ~~الدين، والنزاع بيننا ليس في ms193 إثبات الشفاعة، وإنما هو في طلبها من الأموات ~~والغائبين، والمعترض ملبس مموه، فنعوذ بالله من التلبيس المفضي بصاحبه إلى ~~مرضاة إبليس. ثم قول المعترض: (فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا، بل ~~ولم يقصد طلبه في الحال دائما استحضر يوم القيامة) . فجوابه: أن النزاع في ~~نفس الطلب والدعاء لأجل الشفاعة، وأما الاستقلال وعدمه فليس من محل النزاع، ~~ومشركو العرب لا يدعون الاستقلال لآلهتهم، ولا يرونه، وإنما أتوا من حيث ~~الوساطة والشفاعة، والشافع ليس بمالك لا حقيقة ولا مجازا، وغاية ماله الجاه ~~والمنزلة، [169] ، وهي المقصودة (2) لجمهور المشركين من اليهود والنصارى ~~وجاهلية العرب. ولا قائل باستقلال أحد من دون الله بشيء (3) إلا الثنوية ~~ومن على طريقتهم ممن يثبت خالقين وربين، وبهذا تعرف أن المعترض من أجلاف ~~الجاهلية لا تمييز عنده بين شرك المشركين وتعطيل المعطلين، ودين أنبياء ~~الله المرسلين، وليس عنده إلا خبط عشواء ومقالة عمياء، وكون صاحب البردة ~~استحضر يوم القيامة، لا يكون عذرا له في دعاء PageV03P417 # غير الله؛ بل مستحضر الشدة فدعاؤه (1) أبلغ في العبادة والخضوع والخوف ~~والرجاء، والحب. والاعتقاد، وكان المشركون من العرب يتواصون في الشدائد ~~بإخلاص الدعاء، ويرون أنه لا ينجي في الشدة إلا الله، كما في قصة عكرمة بن ~~أبي جهل لما فر إلى اليمن، وقد ذكرها العلامة ابن كثير في تفسير سورة ~~المؤمنين (2) . PageV03P418 ### | فصل في منع ترتيب دعائه عليه السلام على أن جاهد في مزيد دائم # فصل قال المعترض: (ومر قول أبي العباس ابن تيمية على كلام ابن (1) البكري ~~في معنى الاستغاثة به -صلى الله عليه وسلم- بعد موته، وأنه بعد موته في ~~مزيد دائم عند ربه- بأبي هو وأمي ونفسي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته إذ ~~جاهه -صلى الله عليه وسلم- في مزيد دائم بعد موته عند ربه جل وعلا وتعرض ~~عليه أعمال أمته، فيستغفر لمن رأى شرا في عمله، كما ذكرنا بيانه على كلام ~~صاحب البردة وتوجيهه على الأمر المرضي، لا على الجهل والإغواء وتكفير هذه ~~الأمة) . والجواب أن يقال: قد تقدم الكلام على عبارة شيخ الإسلام ms194 أبي ~~العباس، وبيان ما في نقل هذا المعترض من التلبيس والتحريف، وأنه كذب في ~~النقل بما أبداه من التحريف والتبديل. وأما قوله: (إن جاهه -صلى الله عليه ~~وسلم- في مزيد دائم) فنعم؛ ولكن ليس فيه أنه يدعى من دون الله أو يرجى، ~~وأما عرض أعمال الأمة عليه، فليس فيه حجة على أنه يدعى للشفاعة ولا غيرها؟ ~~أل قد روي، (2) على أبوي PageV03P419 # الإنسان يعرض سعيه، فهل يقال بسؤالهم ودعائهم؟ . وأما ما (1) زعمه: من ~~أنه وجه كلام صاحب البردة على الأمر المرضي، فليس الأمر كذلك، وإنما زاده ~~شناعة وجهلا لو جاريناه على زعمه. PageV03P420 ### | فصل فيه إبطال دعوى المعترض أن الشفاعة تطلب من الرسول عليه السلام بعد موته # فصل قال المعترض: (وقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة رضي الله عنها ~~ولأقاربه وعشيرته ذلك حضا لهم على الإيمان به، وبالذي أرسله بأن يوحدوه ولا ~~يشركوا به شيئا؟ ليحصل لهم النفع به -صلى الله عليه وسلم- بذلك؟ وبعطاء ~~الله تعالى الذي أعطاه لأمته إكراما له في قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ~~[الضحى: 5] [الضحى / 5] . لئلا يكونوا من الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم ~~لا تنفعهم شفاعة الشافعين، (وفي ذلك دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة ~~الشافعين) (1) ؟ حيث نفى عن (2) الكفار المعرضين عن التذكرة التي أرسل بها ~~-صلى الله عليه وسلم- حتي نفعت شفاعته (3) عمه أبا طالب بالتخفيف كما مر ~~عنه -صلى الله عليه وسلم-، حيث حماه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة، فقوله ~~-صلى الله عليه وسلم-: " «لا أغني عنكم (4) من الله شيئا» " (حين خصص وعمم ~~حتى قال: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» ") (5) فالمقصود: ~~إن لم تؤمن بالله وتشهد (6) أن لا إله إلا الله، وأني PageV03P421 # رسول الله، وإلا فقد أغنى عن أمته بالتخفيف من الشرائع والتسهيل من عند ~~ربه؟ وأمره تبارك وتعالى أن يستغفر لهم حتى امتد ذلك لهم بعد موته عند ~~العرض لأعمالهم عليه -صلى الله عليه وسلم- في البرزخ واستغفاره شفاعة، وهل ~~شفاعته لهم إلا غناؤه عنهم -صلى الله عليه وسلم-، وإلا فما معنى قوله -صلى ms195 ~~الله عليه وسلم- لعمه: " «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» " ~~(1) إذا، كما في الصحيحين وغيرهما؟) . # والجواب أن يقال: قوله -صلى الله عليه وسلم- لابنته وبضعته، سيدة نساء ~~أهل الجنة: " «لا أغني عنك من الله شيئا» " من أظهر الأدلة على وجوب توحيد ~~الله، وترك دعاء (2) غيره، و (3) لو نبيا أو ملكا، فكذلك قوله لعمته صفية ~~وعمه العباس وسائر بطون قريش، وأقاربه الأدنين، كل هذا يبطل قول المعترض ~~زعمه أن الشفاعة تطلب من الرسول بعد موته، ويقصد لها؟ . # فإن في هذه الأحاديث أن الإنسان ليس له إلا سعيه وإيمانه، وأن ترك ذلك ~~والتفريط فيه تعلقا على الأنبياء ورجاء لشفاعتهم هو عين الجهل ونفس الضلال، ~~وجاه الأنبياء والأولياء والصالحين إنما ينال به (4) أمر فوق الإغناء عن ~~الأقارب وغيرهم (5) . وفي قول المعترض: (إن في قوله ذلك حضا لهم على ~~الإيمان به وبالذي أرسله) صحيح المعنى، وهو دليل على أنه لا يغني ولا ينجي ~~إلا ذلك. PageV03P422 # فليس في قول المعترض في هذا الحديث ما يدل على دعواه، وإن الإيمان مطلوب ~~ليحصل النفع، فإن هذا كلام ركيك وإنما يطلب الإيمان لتحصيل مغفرة الله ~~ورحمته ودخول دار كرامته، والنجاة من عذابه وعقابه. # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 10 - 11] والآية بعدها, [الصف - 10، 11] . # وفي هذا أن الأمر بالإيمان، والتزامه، والجهاد في سبيل الله (1) إنما أمر ~~به ليحصل للعبد ما وعد به المؤمن، وما رتب على الإيمان في هذه الآيات ~~ونحوها، لا (2) أنه أمر بالإيمان ليشفع الرسول فيه، وأكابر الأمة والسابقون ~~الأولون والسبعون ألفا المذكورون في حديث ابن عباس كلهم يدخلون الجنة بغير ~~حساب ولا عذاب (ولا شفاعة لأحد، في دخولهم) (3) . # وفي الحديث: أن الشفاعة ليست للمؤمنين المتقين، وإنما هي للمذنبين ~~المتلوثين، فافهم هذا تعرف به (4) أن هذا الرجل ألحد في الحديث وصرفه عما ~~دل عليه، وكذب على رسول الله بنسبة ms196 هذا التأويل إليه، اللهم إلا أن يريد ~~بقوله: ليحصل لهم (5) النفع به -صلى الله عليه وسلم-) هذا المعنى فهو صحيح، ~~وهو الواسطة -صلى الله عليه وسلم- بين العباد وبين ربهم في إبلاغ رسالته، ~~وبيان ما يوجب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لكن هذا PageV03P423 # لا (1) يدل على ما ادعاه هذا المبطل، وظاهر كلامه خلاف هذا الذي ذكرنا، ~~وأنه يريد ليحصل لهم النفع بدعائه -صلى الله عليه وسلم- الشفاعة منه بعد ~~مماته، ومن قصد هذا وزعم أن الرسول أراده بقوله: " «يا فاطمة بنت محمد لا ~~أغني عنك من الله شيئا» " فقد ألحد (2) في حديث رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- وحرف كلامه، وأخرجه عن موضوعه (3) (إلى نقيضه وعكسه، وهذا من أعظم ~~الجهل وأضله) (4) . ومن فهم من أدلة التوحيد نقيض ما دلت عليه فقد جاءته ~~الآفة والبلية من جهة موت قلبه أو مسخه: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له ~~من الله شيئا} [المائدة: 41] [المائدة -41] . # وأما إعطاء الله له ما يرضيه: فهذا وعد صدق، والله لا يخلف الميعاد. ~~والمفسرون اختلفت أقوالهم في هذا، وعلى القول بأنه الشفاعة، فهو من الأدلة ~~على أن الله هو المالك لها، المتصرف فيها، وأنه لا يدعى لها (5) أحد سواه. # وأما كون المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين: فهذا أيضا ليس فيه دليل لهذا ~~المبطل بوجه من الوجوه، والنزاع في غير هذا (6) . PageV03P424 # وأما قوله: (فالمقصود لا أغني عنكم من الله شيئا إن لم تؤمنوا، وأنهم إن ~~آمنوا أغنى عنهم) . فقد كذب هذا المعترض على رسول الله (1) -صلى الله عليه ~~وسلم- بنسبة هذا التأويل إليه، وكلامه -صلى الله عليه وسلم- عام شامل، وبعض ~~من خوطب بهذا الخطاب قد آمن بالله ورسوله، كفاطمة وبعض بني هاشم وبعض قريش، ~~ولو كان المراد ما زعمه هذا المبطل لم يحسن خطاب المؤمنين بهذا، ولعد مثل ~~هذا الكلام لهم، وهو (2) قوله: " «لا أغني عنكم من الله شيئا» "، إذا كان ~~يغني (3) بزعم هذا الجهول الضال فسبحان من طبع (4) على قلبه حتى اقتحم على ~~الجناب النبوي ومقام الرسالة، ونسب إليه ما قد برئ منه ms197 بشهادة الله ~~وملائكته وأولي العلم من خلقه. # وبهذا الكلام والتحريف ضل أهل الكتاب ومن (5) قبلهم، ونسخت أديان ~~الأنبياء، وظهر الشرك في الأرض وفشا، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى. # وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض أهل الإنجيل أنه قال في بعض نصائحه عما يوقع ~~في المحرمات وكبائر الذنوب: (إن المبالغة في تعظيم العباد، وتنزيلهم فوق ~~منازلهم يوقع في الشرك بالله؛ وعبادة (6) سواه) ، ذكر PageV03P425 # هذا أو (1) نحوا منه في كتابه هداية الحيارى. وقول المعترض: (وإلا فقد ~~أغنى بالتخفيف من الشرائع، وأن يستغفر لهم) . فالتخفيف من الشرائع يشير به ~~إلى وضع ما كان على أهل الكتاب من الأصار والأغلال والأثقال، ومعلوم أن ~~الله سبحانه وتعالى هو الذي شرع هذا وأمره به وأوحاه إليه، وإنما يضاف ~~إليه؛ لأنه مبلغ عن الله، (كما يقال: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- كذا ~~فيما بلغه عن الله، ويقال أيضا: وضع كذا وفعل كذا، فيما صدر عن وحي وتوقيف، ~~والرسول مبلغ عن الله) (2) لا أنه يفعل بمشيئته واختياره. # وأما الاستغفار: فقد تقدم أنه لا يدل على الطلب منه بعد وفاته -صلى الله ~~عليه وسلم-. # وفي كلام هذا المعترض من فساد التركيب، وهجنة العبارة ما يقضي بما تقدم ~~تقريره من الكشف عن جهالته، وعدم ممارسته، ومن ذلك قوله: (حضا لهم على ~~الإيمان ليحصل لهم النفع به، لئلا يكون (3) من الذين لا تنفعهم شفاعة ~~الشافعين) . # وفي قوله: (حماه عنه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة) . فهو تركيب فاسد، ~~ولم يقصد أبو طالب إلا الحمية فقط. # وأما قوله: (وإلا فما معنى (4) قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمه: " «قل لا ~~إله إلا الله PageV03P426 # كلمة أحاج لك بها عند الله» إذا كما في الصحيحين وغيرهما) (1) . # فمعناه: إنه لا يغنى عنه (2) ولا ينقذه، وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه ~~قال لابنته فاطمة: " «إني لأرى الأجل قد اقترب؛ فاتقي الله تعالى واصبري، ~~فإنه نعم السلف أنا لك» " (3) وعنه -صلى الله عليه وسلم- من حديث عمر بن ~~الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ms198 سببي ~~ونسبي» "، رواه الطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي وصححه (4) وأي سبب ~~أعظم من الإيمان به، وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه؟ إذ هذا من أعظم ~~الأسباب وأجلها، وفي الحديث: " «المرء مع من أحب» " (5) ثم ذكر حديث جابر ~~فيما يقال عند سماع النداء (6) وحديث أبي هريرة في الشفاعة (7) والشهادة ~~لمن صبر على لأواء المدينة (8) PageV03P427 # وحديث: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع (1) لمن يموت بها» ~~" (2) ثم قال: (وهل هذا إلا إغناء منه -صلى الله عليه وسلم- لقرابته وأمته؟ ~~وإنما نفى تبارك وتعالى أن يكون في يوم الدين ملكا- هكذا قالها بالنصب- ~~لأحد من خلقه، كما في الدنيا، وإنما هو يوم جزاء وتفضل منه جل وعلا وعدل ~~بين الناس، وعلى الكفار، ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة. # وقد قال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون} [الزخرف: 86] [الزخرف -86] . وقال تعالى: {لا يملكون الشفاعة ~~إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} [مريم: 87] [مريم -87] . # قال العلماء: وهي شهادة الحق، وأخصهم (3) بذلك الرسل عليهم (4) الصلاة ~~والسلام، وأتباعهم على درجاتهم، ومعنى الآية، قال البغوي (5) لا يملك الله ~~تعالى في ذلك اليوم أحدا كما ملكهم في الدنيا. # وقال عصام في تفسيره على الآية: فكل ما يفعل ذلك اليوم لأجل الله تعالى، ~~ولا يفعل شيء في ذلك اليوم كما يفعل في الدنيا، حتى لا يرجو الكذاب أن ~~ينفعه أحد لغرض فاسد، ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات ~~والأفعال التي لا تزال فيها) . PageV03P428 # والجواب أن يقال: أما معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب: " ~~«قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» "، فهذه الكلمة هي الفارقة ~~بين المؤمن والكافر والمسلم والمشرك، فمن قالها موقنا بها خالصا من قلبه ~~ومات على ذلك نفعته بلا ريب، ونجا بها من الشرك الأكبر، وربما نجا من ~~الأصغر. # وقد وعد الله تعالى من مات على ذلك بالجنة والنجاة من النار، كما في حديث ~~عتبان: " «فإن الله حرم على النار من قال لا إله ms199 إلا الله يبتغي بذلك وجه ~~الله» " (1) وهذا الحديث مطابق لقوله -صلى الله عليه وسلم-: " «يا فاطمة ~~بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» "، فإن السبب الذي تحصل به النجاة ~~والسعادة في الدنيا والآخرة هو ما أرشد إليه عمه، وقاله لابنته وهو الإيمان ~~بالله وترك التعلق على غيره، واتخاذ الشفعاء والأنداد، وهذا محض التوحيد ~~الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، فالأحاديث النبوية يصدق بعضها بعضا ويشهد ~~بعضها لبعض. # وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- لابنته: " «فإنه نعم السلف أنا لك» "، ~~وهو سلف لكل مؤمن وفرط لهم لكن ليس فيه أنه سلف لمن تعلق عليه ودعاه مع ~~الله؛ ولا أن السلف يهيئ غير ما أمر به وأرشد إليه، ولا أنه يدعى ويرجى ~~للشفاعة وغيرها، فليس في هذه الأحاديث أنه يغني حتى يضرب كلامه -صلى الله ~~عليه وسلم- بعضه ببعض ويرد عليه، ويقال: بل يغني. فإن هذا مشاقة لله ~~ولرسوله، ورد لمقاله وتقدم بين يديه. وهو حرفة (2) الجاهلين الذين لم ~~يستضيئوا بنور العلم، ولم يفقهوا عن الله ورسوله (3) . PageV03P429 # وكذلك حديث: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، فهذا ~~الحديث تكلم فيه الحفاظ وتواردته أنظار أكابر الرجال، والجزم بصحته، وأن ~~الرسول -صلى الله عليه وسلم- قاله يحتاج إلى مراجعة ونظر في كلامهم، وعلى ~~تسليم صحته فلا معارضة فيه لحديث: " «لا أغني عنك (1) من الله شيئا» "، فإن ~~السبب المضاف إليه -صلى الله عليه وسلم- هو ما جاء به من الإيمان والتوحيد، ~~والإنذار والأخبار بأنه لا يغني من الله شيئا. # وأما النسب: فيفسر هذه الكلمة ويبينها قوله في حديث العباس: " «والله لا ~~يؤمنوا حتى يحبوكم من أجلي» " (2) فمن أحب هذا النسب الشريف لما وضع فيه من ~~النبوة والرسالة فهذا لا ينقطع؛ لأنه من شعب الإيمان بالله ورسوله، وليس ~~فيه حجة لهذا المبطل أنه يغني عمن قال له: " «لا أغني عنك من الله شيئا» ". # والمعترض (3) ألجأته الضرورة إلى أن قال بعد هذا الحديث: (وأي سبب أعظم ~~من الإيمان به وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه) . PageV03P430 # وهذه كلمة حق أتيحت ms200 على لسان وحشي، وهي تخالف ما أراد من أنه يغني، فإنه ~~-صلى الله عليه وسلم- نفى الإغناء عن نفسه، لا عن الإيمان به ومحبته ~~ومتابعته، وكذلك قوله في حديث جابر في إجابة النداء والدعاء بعده بالوسيلة ~~والفضيلة أن «من قال ذلك "حلت له شفاعتي ".» فهذا من جنس حديث أبي هريرة: " ~~«أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» "، فهذه ~~الأحاديث حجة على أن أقوى الأسباب والوسائل وأنفعها هو إخلاص التوحيد ~~والبراءة من التعلق على الخلق، ولو الأنبياء، وهذا عين تقرير شيخنا رحمه ~~الله. وهذا الرجل لا يدري ما له مما عليه. # وكذلك الصبر على شدة المدينة ولأوائها لمن قصد الهجرة أو العلم والانحياز ~~(1) إلى جماعة المسلمين وأئمتهم، وكذلك قصد مسجد المدينة للصلاة فيه ~~والاعتكاف؟ وطاعة الله ورسوله هو (2) من أفضل القرب، ومن أسباب المغفرة، ~~والراوي لم يجزم بأنه -صلى الله عليه وسلم- قال (3) " «كنت له شفيعا» "، ~~ولذلك قال: "أو شهيدا وعلى كل فهو إخبار عن الله أنه يرضى هذا ويشفعه في ~~فاعليه، فعاد الأمر لله؟ والنفع والضر والإغناء منه وإليه، لا (4) راد ~~لأمره؟ ولا معقب لحكمه. # ثم قد تكون الجماعة والعلم في غير المدينة, كما وقع بعد القرون ~~PageV03P431 # المفضلة، والرحلة إلى ذلك مستحبة أو واجبة، بخلاف من خرج من المدينة جزعا ~~من لأوائها، وطلبا للدنيا، وفي الحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما ~~يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (1) فمن ترك ~~المدينة فرارا من الفتن فهو محمود بنص هذا (2) الحديث، ولا يحمد الصبر على ~~الافتتان (3) وإنما يحمد الصبر في الفتن وعن الفتن، فافهم هذا يزول عنك ~~تلبيس هؤلاء" الجهال بما ورد في الحث على الصبر على لأواء المدينة ولزومها. # وقول المعترض: (وإنما نفى أن يكون ملك في ذلك اليوم (4) لأحد من خلقه؛ ~~وإنما هو يوم جزاء وتفضل منه جل وعلا؟ وعدل بين الناس وعلى الكفار) . # فجوابه أن يقال: هذه العبارة فيها لحن في موضعين: الأول: نصب اسم يكون، ~~والثاني: في تعدية العدل بعلى، ms201 وهو معطوف على المضاف غير محتاج للتعدية. # ثم يقال: أي شيء في هذا يدل على أن قوله تعالي -صلى الله عليه وسلم-: " ~~«لا أغني عنك من الله شيئا» " في حق من لم يؤمن، كما زعمه هذا الغبي؟ وقد ~~اشتهر في الكتاب والسنة وعرف المسلمين ولغتهم تسمية هذا اليوم بيوم الدين، ~~وإن PageV03P432 # كان يحصل فيه فضل وكرم ومغفرة، فيحصل فيه أيضا من العقوبات والأهوال ~~والشدائد ما يقتضيه (1) عدله وحكمته وحمده، والكل دين وجزاء على الأعمال؟ ~~وما كان في هذه الحياة الدنيا. # وأما قوله: (ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة) . وقد تقدم أنه لا دليل ~~يدل على أن أحدا يملك الشفاعة مع الله، وأنه المختص سبحانه بملكها، كما دل ~~عليه القرآن صريحا في مواضع. # وأما الاستثناء في آية الزخرف وآية مريم فلا يفيد إثبات الملك، والأكثر ~~على أنه منقطع، وعلى القول بأنه متصل فلا حجة فيه، بل هو وله تعالى: {يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن (2) ورضي له قولا} [طه: 109] [طه - ~~109] . فالاستثناء في كل الآيات دال (3) على حصولها ووقوعها، لا على أنها ~~تملك كسائر الأملاك العادية، وكما يظنه أهل الجاهلية. # وأما قول البغوي: (لا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما هم في ~~الدنيا) فهو يشهد لما قررناه، وكذلك، ما حكى المعترض عن عصام هو من هذا ~~القبيل. # وقول المعترض: (ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات ~~والأفعال التي لا تزال فيها) . PageV03P433 # قلت: كأنه يريد أن الشفاعة مملوكة لغير الله، وحاصلة مع وقوع الأحداث ~~والمنكرات والأفعال دائما في الأمة، يعني فالشفاعة لأهلها، وقصده أن كل ~~الأحداث والمنكرات التي لا تزال تقع يشفع (1) في أهلها وأصحابها، وتنالهم ~~شفاعته -صلى الله عليه وسلم- وهذا جزم منه بأن الرسول (2) -صلى الله عليه ~~وسلم- يشفع في كل من أحدث حدثا أو فعل منكرا كالزنادقة، وعباد القبور ~~والرافضة، والجهيمة والقدرية، والاتحادية والحلولية، وكل ما يحدث في الأمة، ~~فأين هذا من قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] ~~[الأنبياء -28] . # وقولي: {من ذا ms202 الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] [البقرة -255] , ~~وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا ~~الله خالصا من قلبه» " (3) فسبحان من طبع على قلب هذا (4) وزين له عمله حتى ~~انتهى إلى غاية في الضلالة، ما وصل إليها أحد قبله ممن تصدى لرد ما جاء به ~~نبينا من الهدى ودين الحق، فليهن كل مرتد وجهمي ورافضي دخوله في شفاعته ~~-صلى الله عليه وسلم- له وغناه عنه (5) ؛ لأنهم أهل الأحداث التي لا تزال ~~تحدث وتتجدد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " «لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» " (6) فما حدث في ~~بني PageV03P434 # إسرائيل من الأحداث التي تخالف ما جاءت (1) به الأنبياء وتصادمه لا بد أن ~~تحدث في هذه الأمة؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر به، وأكد حصوله ~~باللام الموطئة للقسم، وبالتشبيه البليغ الدال على موافقتهم ومتابعتهم في ~~كل فرد (2) من سننهم وطرائقهم، وقال -صلى الله عليه وسلم-: " «افترقت ~~اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، ~~وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» " (3) ~~وعلى زعم هذا الجاهل كل هؤلاء داخلون في شفاعته ناجون بها. فنبرأ إلى الله ~~من هذه الأقوال الكاذبة الخاطئة، ومن قائلها، وقد نزه الله شرع نبيه وطهره ~~عن هذه الحماقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. PageV03P435 ### | فصل فيه معنى الاصطفاء والتفريق بين إنكار المنكر وتكفير من أشرك وعاند # فصل قال المعترض: (وقد قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا} [فاطر: 32] [فاطر / 32] . قال أبو العباس: ومن قال إنها عامة في ~~الأمم كآيات الواقعة، فقد أخطأ، وساق حديث (1) " «لو لم تذنبوا لذهب الله ~~بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» " (2) . فذلك لأنه سبحانه ~~وتعالى كريم يحب الكرم والأفضال {إن ربك واسع المغفرة} [النجم: 32] [النجم ~~-32] . و {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] [الأعراف -156] . ومن رحمته ~~الشفاعة لنبيه ووصفه بالرأفة والرحمة. # وقال: {بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] [التوبة -128] وقال تعالى ms203 عن ~~نفسه: {وكان بالمؤمنين رحيما} [الأحزاب: 43] [الأحزاب -43] . PageV03P436 # ومع ذلك لا تزال علماء أمته (1) ينكرون عليهم، ويجددون لها دينها بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون عليها من الباب الواسع ولا يخافون لومة ~~لائم، ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه، ولا ~~يفعل هذا إلا مبتدع خارج عن سبيل علماء الأمة وسلفها الصالح، وقد اتبع هواه ~~وهو يتجارى به الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) . # والجواب أن يقال: وقوف المؤمن العارف بدين الله على هذه الضلالات ~~والجهالات المركبة فيه تنبيه له على نعمة الله عليه، وحث (2) على شكر نعمة ~~الإيمان والإسلام والفهم عن الله. # قال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269] [البقرة ~~-269] . # قال بعض السلف: (من أعطي القرآن، ورأى أن أحدا فوقه، فما عرف نعمة الله ~~عليه) ، وهذه الآية (3) فيها الدلالة والبرهان على بطلان ما أورده المعترض ~~من أول كلمة أنكرها على شيخنا رحمه الله، وذلك من وجوه. # الوجه الأول: أن قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} ~~[فاطر: 32] [فاطر / 32] . وإضافة التوريث إليه تعالى لهم دون غيرهم شاهد ~~لقول الشيخ: (إن الأمة في مقام المدح والثناء التي جاءت الآثار بمدحهم ~~وتزكيتهم، وقيامهم PageV03P437 # بدين الله وشرعه هم أهل القرآن الذي أورثهم الله كتابه، يتلونه حق ~~تلاوته، فيعملون بحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويحللون حلاله ويحرمون حرامه) . ~~وهؤلاء جنس (1) ونوع آخر قد باينوا عباد القبور والجهمية والزنادقة، وأهل ~~الأهواء والبدع المضلة. # قال شيخ الإسلام رحمه الله: (إنما جاء إضافة توريث الكتاب إلى الله في ~~الصنف المحمود في كتاب الله من أوليائه وعباده المؤمنين، فهو سياق في معرض ~~الثناء بخلاف قوله: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى} [الأعراف: 169] (2) [الأعراف -169] . فإنه أسند الإرث إليهم ولم ~~يزكهم) . وبهذا تعرف أن هذه الآية كقوله -صلى الله عليه وسلم- في الفرقة ~~الناجية دون سائر الفرق: " «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ~~(3) ولا قائل بعصمة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الذنوب، بل ~~تقع فيهم ومنهم ومنهم ms204 ومنهم (4) فظهر أن الله أورث كتابه أهل التوحيد ~~والإيمان والسنة، وأما، أهل الشرك، وعبادة الصالحين، ومن عطل أسماءه ~~وصفاته، أو سب أئمة الهدى وأعلام الدجى، ونسبهم إلى الأهواء (5) وتجاري ~~الكلب وغير ذلك مما هو مسؤول عنه ومحبوس، حتى يخرج منه هذا إن لقي الله ~~مسلما، وإلا فالأمر شديد والهول عظيم، والله بصير بالعباد. # الوجه الثاني: قوله: {اصطفينا} [فاطر: 32] فإن الاصطفاء هو الاختيار ~~PageV03P438 # والاجتباء، ولا قائل من الناس بأن كل مدع للإيمان والإسلام يدخل في هذا ~~العموم من غير تحقيق لدعواه بالإيمان بالله وتوحيده؟ وإثبات صفات كماله ~~ومتابعة رسله، ومن قال غير هذا فخطأه أوضح من أن ننبه عليه. # ومعلوم: أن الزنادقة والجهمية والاتحادية والحلولية كلهم يدعون أنهم من ~~المصطفين ومن أتباع الرسل، وكل هؤلاء ما أورثهم -صلى الله عليه وسلم- كتابه ~~ولا اصطفاهم، ومن زعم غير ذلك فهو شاهد زور، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى ~~رجال دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادعى" (1) . وقال تعالى: {وقالوا ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين} [البقرة: 111] الآية [البقرة / 111 / 111] . # فقد حكم تعالى في هذه الآية بحكم (2) لا مطمع بعده لمبطل مشرك أن يكون من ~~أهل الجنة وأهل الاصطفاء المستحقين للثواب. # فإن قوله: {بلى من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112] (3) [البقرة -112] . # (يخرج كل مشرك يعدل بربه، ويسوي بينه وبين غيره في خالص حقه، وقوله {وهو ~~محسن} [لقمان: 22] ) (4) يخرج كل مبتدع لم يأت بما وجب من المتابعة، والسير ~~على المنهاج المحمدي في أصول الدين وفروعه، وهذان الصنفان ليسوا من أهل ~~الاصطفاء, والنزاع فيهم، وفي قوله: من عبادنا PageV03P439 # ما يشهد لهذا فإن العباد في مقام المدح لا يدخل فيهم من عبد الصالحين ~~والأنبياء (1) ودعاهم مع الله؟ لأن الإضافة تقتضي توحيدهم وإخلاصهم ~~العبادة، فهي إضافة تشريف، وهو الوجه الثالث. # وأما قول أبي العباس: (إنها ليست بعامة في الأمم كآية الواقعة) . فهذا ~~يدل على أن من ذكر في هذه الآية لا يدخل فيهم إلا من آمن بالله ورسوله ms205 (2) ~~وأفرده بالعبادة بخلاف أهل الشرك والبدع المكفرة، فإنهم هم المذكورون في ~~الآية بعدها، ففيه أن هذه الأمة منهم من كفر بالله ورسله (3) كالمذكورين في ~~آخر هذه الآية، وكلام أبي العباس يدل عليه، إذ جعل الآيات هنا في هذه الأمة ~~خاصة لا في غيرها من الأمم، كما في آية الواقعة. # الوجه الرابع: أنه تعالى ذكر بعد هذا قسما رابعا لم يدخلوا في قوله: ~~{فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] [فاطر -32] . # وذلك (4) قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ~~ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} [فاطر: 36] [فاطر -36] . # وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ~~ويعبدهم، ويتوكل عليهم، والنزاع بيننا وبين هذا PageV03P440 # المعترض إنما هو في هذا الصنف، فهم بهذا القسم أليق، وإليه أقرب فالآية ~~حجة لشيخنا رحمه الله، وليس فيها ما يتعلق به هذا المعترض بوجه من الوجوه. # وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم» ": فالخطاب في هذا للمؤمنين الذين أفردوا الله ~~بالعبادة، ولم يتخذوا معه آلهة أخرى، وأما من دعا الأولياء والصالحين من ~~أهل القبور والغائبين وجعلهم أندادا لله رب العالمين، فهذا مشرك شركا يحول ~~بينه وبين المغفرة. # قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~[النساء: 48] في موضعين من كتابه [النساء 48، 116] . # وقال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ~~وما للظالمين من أنصار} [المائدة: 72] [المائدة -72] . # إذا عرفت هذا فالمعترض جاهلي، بقي على جاهليته لم يميز بين الذنوب، ولم ~~يعرف معنى الأحاديث النبوية، ثم لو سلمنا أن الذنوب في الحديث يدخل فيها ~~الشرك والمكفرات لكان في قوله: ( «فيستغفرون فيغفر لهم» ) دليل على أن ~~الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه، وإن الاستغفار إذا أطلق كان بمعنى التوبة ~~التي تشتمل (1) على الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود. هذا هو الاستغفار ~~المراد عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله. وأما قوله ms206 تعالى: {ورحمتي ~~وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] [الأعراف / 156] . فقد أخبر تعالى بأنه ~~سيكتبها PageV03P441 # {للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون - الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي} [الأعراف: 156 - 157] [الأعراف -157] . # وأما وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة: فهو لا يقضي الشفاعة لمن ~~دعاه بعد موته -صلى الله عليه وسلم- وخرج عن سبيل المؤمنين، وقد تقدم أنه ~~يقول لمن يذاد عن الحوض من أصحابه إذا قيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ~~فيقول: " سحقا سحقا " (1) . # وأما قول المعترض: (ومع ذلك لا تزال علماء أمته ينكرون ويجددون) . فنعم؛ ~~ولكن لا يزال المنافقون والملحدون يعادونهم ويردون (2) ما جاؤوا به من ~~الدين، ويقولون: هو ظاهر لا يحتاج لتجديد، ويلقبونهم بالألقاب الشنيعة، ~~وينسبون إليهم تكفير الأمة الوسط إذا أنكروا على عباد القبور والمشركين، ~~فتعسا لمن هذا (3) حرفته، وهذه صفته. # وأما قوله: (ويدخلون عليها من الباب الواسع) . فإن كان مراده أنهم يوسعون ~~لمن دعا الصالحين وأشرك بالأموات والغائبين (4) فقد كذب وافترى، وبهت علماء ~~الأمة، بل شددوا في ذلك وحكموا بأنه من الشرك الأكبر، ونهوا عن وسائله ~~وذرائعه، عملا بقول نبيهم -صلى الله عليه وسلم- ونصحا للأمة، ونهوا عما دون ~~ذلك من شرك الألفاظ والأقوال، كقول (5) "ما شاء الله وشئت "، وكقول القائل ~~"والله وحياتك؟ ولولا PageV03P442 # البط في الدار لأتانا اللصوص! ، ولم يرخصوا في ذلك ولم يوسعوا فيه، فكيف ~~بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ وبهذا ~~تعرف ما تقدم مرارا من أن هذا المعترض فيه مشابهة برجال الجاهلية الأولى في ~~عدم معرفة دين الأنبياء، وعدم قبوله وإيثاره على ما سواه. # وأما قوله: (ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه) ~~. فقد عرفت أنه جعل الباب النبوي المحمدي في تكفير من أشرك بالله، وسوى ~~بينه وبين خلقه بابا ضيقا، ونسب فاعله إلى الابتداع والخروج والهوى الذي ~~يتجارى بصاحبه كما يتجارى الكلب، ولعمر الله إن الحكم بهذا والذهاب إليه من ~~أعظم المكفرات، وموجبات الردة لمن عرف أن الرسول جاء به، وأن القرآن حكم ~~على أهله ms207 بالشرك والكفر. وأما الأعمى الذي لا يدري قول الرسول، ولا يعرف ~~أحكام التنزيل، ولم يبلغه عن الله ورسوله تكفير من عصى الرسل، ودعا الأموات ~~والغائبين فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأهل العلم لهم في مثله كلام ليس ~~هذا محله. # PageV03P443 ### | فصل فيه مناقشة التفريق بين الخوارج وأهل السنة # فصل قال المعترض: (ولهذا قال الإمام أحمد: صح عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- من خمسة أوجه أنه قال: " «الخوارج كلاب النار» " (1) فالحاصل أنه لا ~~يكذب بحال الروح إلا من قلبه مجروح دون أنه -صلى الله عليه وسلم- في قبره ~~حي وجسده طري أعلى (2) من حياة الشهداء يسمع المخاطب، وصح عن سعيد بن ~~المسيب أنه يسمع أيام فتنة الحرة الأذان والإقامة من قبره -صلى الله عليه ~~وسلم- (3) وليس موسى بأعلى رتبة منه -عليهما الصلاة والسلام-، وقد مر (4) ~~أنه يصلي في قبره، وذكر ابن القيم من أحوال الروح في كتاب " الروح الكبير" ~~ما لا يمكن أن يتكلم به مع هؤلاء الجهلة الغوغاء؛ وأنها قد تهزم الجيوش) . # ثم ذكر حديث: " «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (5) ~~وحديث: " «تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت PageV03P444 # الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم» " (1) وساق حديث: " «إن ~~أعمالكم تعرض على عشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ~~ذلك قالوا (2) اللهم لا تمتهم حتى تهديهم (3) كما هديتنا» (4) . # قال المعترض: (إن كان سفيان قد دلس فيه، فهو ثقة عدل) . يشير إلى أن ~~سفيان حدث عمن سمع أنس بن مالك. # والجواب: أما ما جاء في الخوارج عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو ~~حق لا ريب فيه، والخوارج لا يعرفهم هذا وأمثاله من الضلال، فإنهم قوم خرجوا ~~على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكفروهم، وفسقوهم بتحكيم ~~الحكمين، ووضع الهدنة بين المسلمين في قتالهم، فكروهم بأمور ظنوها ذنوبا ~~وسيئات متأولين قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57] [الأنعام: ~~57، ويوسف 40, 67] . # وقوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ~~[التوبة: 1] [التوبة: 1] . PageV03P445 # قالوا: (فلا حكم ms208 لأحد ولا هدنة بعد براءة، وقصتهم معروفة) ، وقد قاتلهم ~~أمير المؤمنين (1) وقتلهم، وبقيت منهم بقية صارت لهم صولة وجماعة في خلافة ~~بني أمية فقاتلهم ابن الزبير، وقاتلهم الحجاج، وقاتلهم المهلب بن أبي صفرة. # فهؤلاء كفروا أهل الإيمان والإسلام بأمور ظنوها ذنوبا وسيئات. # وأما أهل العلم والإيمان وأتباع الرسل: فهم يفرقون بين الذنوب وغيرها، ~~ويفصلون في الذنوب المحققة بين ما يكفر ويوجب الردة (2) وما يوجب الفسوق ~~فقط، وما لا يوجبه من الصغائر المكفرة (3) باجتناب الكبائر، فهم على صراط ~~مستقيم، ومنهج مستبين؛ يأتمون بكتاب الله، ويقتدون برسول الله، ويعتصمون ~~بحبل الله، قد فصلوا وبينوا الذنوب المكفرة لأصحابها، وقرروها بأدلتها في ~~كتب الحديث، كالصحيحين والسنن الأربع والمسانيد (4) الثمانية، والمعاجم، ~~ونحوها من دواوين الإسلام التي يرجع إليها في سائر الأحكام، ولذلك عقد أهل ~~المذاهب المتبوعين أبوابا مستقلة (5) في حكم الردة، وذكروا ما يكفر به ~~المسلم من الأقوال والأفعال، وكلهم قرر (6) أن الشرك الأكبر يوجب الردة كما ~~يوجبها السحر والاستهزاء بالله وبكلامه ورسله، وذكروا (أن من كفر بحرف من ~~القرآن، أو فرع مجمع عليه أنه مرتد، ويخرج عن الإسلام بذلك، PageV03P446 # وذكروا) (1) أشياء كثيرة قد أفردها ابن حجر (2) وغيره بالتصنيف، فإن كان ~~هؤلاء كلهم خوارج، فليس في الأمة إلا خارجي مبتدع، وإمامهم ورئيسهم أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه الذي كفر وقاتل مانع الزكاة، وإن لم يكن هؤلاء من ~~الخوارج وأهل البدع؛ فالشيخ رحمه الله واحد من الجملة وفرد من آحاد ~~العلماء، ولم يخرج عن سبيل أهل العلم في مسألة من المسائل، والمسألة التي ~~فيها النزاع- وهي (3) دعاء الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها من المطالب ~~مسألة إجماعية لا نزاع فيها بين علماء الأمة، وقد حكى شيخ الإسلام الإجماع ~~على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، بل حكى ~~في رده على النصارى: أن النبوات اتفقت على تكفير من دعا الأموات والغائبين، ~~وقرر أن هذا من العبادات التي لا تصرف لغير الله ولا يستحقها أحد سواه. # إذا عرفت هذا: فالمعترض وأمثاله صالوا على أتباع ms209 الرسل قديما وحديثا ~~بأنهم خوارج، وأن هذا دين الخوارج، وقالت قريش قبلهم لرسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: إنه الصابئ. والصابئ قريب من معنى المعتزلي والخارجي، قال ابن ~~القيم رحمه الله في نونيته (4) . # ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن # أنتم بذا مثل الخوارج أنهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعاني (5) ~~PageV03P447 # فثبت أن هذا الداء (1) قديم، صد به إبليس الرجيم أمما لم يفرقوا بين ما ~~كفرت به الرسل وأتباعهم، وما كفرت به الخوارج وأشياعهم، فكم هلك في هذا من ~~جاهل، وكم زاغ به من زائغ. # ثم يقال لهذا (2) إذا ثبت أن الخوارج كلاب أهل النار؟ لأنهم كفروا أهل ~~الإسلام بالذنوب- على زعمهم- فكيف ترى بمن (3) كفر أئمة الدين وعلماء الأمة ~~وورثة الرسول (4) بمتابعته، وتجريد التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله؟ فأي ~~الفريقين أحق أن يكون من كلاب النار: من كفر بالذنوب والسيئات، أو من كفر ~~بمحض الإيمان والحسنات؟ الله أكبر. ما أضل هذا الرجل (5) عن سواء السبيل. ### | حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا يدل على علمهم بحال من دعاهم ولا قدرتهم على إجابته # وأما قوله: (فالحاصل أنه يكذب بحال الروح إلا من قلبه مجروح) . # فيقال: هذا شروع منه في أن الأرواح لها تصرف، وعلم يوجب دعاءها بعد ~~مفارقة أجسادها، والاستغاثة بها، وهذا القول حكاه شيخ الإسلام عن الصابئة، ~~وقرره غير واحد في دعاء الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء والصالحين والملائكة ~~(6) . # واستدل الغبي على هذه الدعوى الصابئية بأنه -صلى الله عليه وسلم- في قبره ~~حي، PageV03P448 # وجسده طري- بأبي هو وأمي- ولم يفقه هذا المعترض (1) معنى حياة الأنبياء ~~والشهداء، ولم يدر حقيقتها مع أن الإشارة إليها صريحة في كتاب الله! وفي ~~سنة رسول الله (2) والرجل حاطب ليل لا علم له بما يورده من النقول، ولا ~~دراية له بشيء من المعقول، وليست حياة الأنبياء والشهداء كما يظنه هؤلاء ~~وأسلافهم من الصابئة, من أنهم (3) لهم علم (4) بحال من دعاهم وقدرة على ~~إجابته، وتصرف في العالم، وجولات (5) في الملكوت، ويكفي المؤمن في بيان ~~حياتهم والإشارة إلى حقيقتها قوله تعالى (6) {ولا تحسبن ms210 الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] [آل عمران ~~-169] . # وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه: " «أرواح الشهداء في حواصل طير ~~خضر تسرح في الجنة حيث شاء» " (7) ويكفي في إبطال قول الصابئة وورثتهم قوله ~~تعالى عن المسيح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} [المائدة: 117] [المائدة: 117] في هذه ~~الآية ما يدل على أنه -عليه السلام- لا علم له بما صدر PageV03P449 # وجرى منهم بعد وفاته، وأنه إنما يشهد بما كان منهم مدة حياته وبقائه ~~فيهم، ولا يعلم سواه (1) ولا يشهد بغيره، وعن ابن عباس مرفوعا: " «تحشرون ~~يوم القيامة حفاة عراة غرلا» "، ثم قرأ (2) {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا ~~علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104] [الأنبياء: 104] . # «وأول من يكسى (3) إبراهيم، ويؤخذ برجال من أصحابي ذات الشمال، فأقول: " ~~أصحابي". فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما ~~قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد - إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 117 - 118] » (4) [المائدة - 117، 118] ~~. # فإذا كانت هذه أحوال أكابر (5) الرسل وسادات الأنبياء لا شهادة لهم ولا ~~علم (6) بأممهم إلا مدة دوامهم فيهم، وحياتهم بين أظهرهم، فكيف يقال: بأن ~~الروح تعلم علما مطلقا بحال من دعاها، فتسأل أو تدعى؟ ما أقبح الكذب على ~~الله وعلى رسله. # وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {قل إني لا أملك لكم ~~ضرا ولا رشدا} [الجن: 21] [الجن: 21] . PageV03P450 # وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ~~علم ينتفع به» (1) أو ولد صالح يدعو له (2) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ~~«نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (3) . # وأما حياته في قبره: فنعم -صلى الله عليه وسلم- (4) ولكن الشأن في معرفة ~~حقيقة هذه الحياة والفرق بينها وبين الحياة الدنيوية. # وأما سماع النداء بالأذان والإقامة من القبر الشريف: فالأمر أجل من ms211 ذلك ~~وأرفع، وقد سمعت القراءة من كثير من الأموات من سائر المؤمنين فكيف بسيد ~~المرسلين؟ . # وأما صلاة موسى في قبره: فإن صح الحديث بها، فليس فيها حجة، ولا دليل على ~~أن أحدا منهم يقصد للدعاء والشفاعة، والحديث فيه مقال؟ ولذلك قال صاحب (5) ~~[الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية] (6) . # في النفس منه حسيلة: هل قاله؟ ... والحق ما قد قال ذو الفرقان # وأما ما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب [الروح] : فليس فيه أن الأرواح ~~تفعل، وتهزم الجيوش، أو تنصر على الأعداء، كما زعمه هذا الضال PageV03P451 # الذي مبنى (1) دينه ورده على المسبة والسفاهة (2) ونسبة المؤمنين إلى ~~أنهم جهلة غوغاء، فليوجدنا حرفا يشهد لقوله عن (3) ابن القيم أو غيره، بل ~~في كتاب "الروح" من ذكر أحوال الأرواح، وتقسيمها، واشتغالها بما هي بصدده، ~~وحبس بعضها وانقطاع أعمالها، وغير ذلك من صفاتها ما يشهد بأنها مقهورة ~~مربوبة مدبرة؟ لا تزيد في حسناتها ولا تنقص من سيئاتها إلى يوم النشور، ~~خلافا لما زعمه الكاذب الظالم الفجور. # وأما حديث: " «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (4) فهذا ~~الحديث حجة لأهل التوحيد القائلين بأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يملك لأحد ~~ضرا ولا نفعا. # ووجه الدليل: إن السلام يرفع إليه ويبلغ إياه؟ ولم يرد أنه يعلم أو يسمع ~~من بعد من المصلين والمسلمين عليه، وإذا كان الحال هكذا فما ظنك بالداعين ~~والطالبين؟ . # وكذلك عرض الأعمال عليه: يقال فيه ما قيل في هذا، وكذلك عرضها على ~~العشائر والأقارب لا يدل على أن الميت يدعى ويقصد، ويطلب منه الاستغفار، ~~فإن هذا من دين المشركين. # وهذه الأحاديث لا تدل على جواز دعاء الأموات والغائبين، ولا على عموم ~~العلم بحال الداعين، ولا على حصول الاستغفار في كل PageV03P452 # وقت وحين، فان هذا يحتاج لتوقيف من الشارع -صلى الله عليه وسلم-. # وأما قوله: (وإن كان سفيان قد دلس فهو ثقة عدل) . # فيقال له: البحث في هذا ليس من شأنك، ولا من حرفتك، ولا تحسن الخوض في ~~هذه المباحث، وسفيان أجل من أن ms212 يزكيه أمثالك من الضالين، والعلة ليس ما ~~زعمته وقررته (1) . PageV03P453 ### | فصل فيه رد مسبة المعترض بلد الشيخ # فصل ثم ذكر المعترض بعد هذه الأحاديث التي مرت من الفحش والكذب (1) ~~والوقاحة (2) ما يتحاشى العاقل عن ذكره وحكايته، وليس من الحجة في شيء حتى ~~يحكى ويرد إنما هو سباب لا يصدر من ذوي الألباب، وهكذا (3) حال الجاهل ~~والسفيه، إذا أفلس، ضاق عطنه، فاستراح إلى المسبة والفحش والبذاءة، وقال ~~أبو حيان فيما كتبه في الرد على الزمخشري:. # ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما أو أورده المضايقا # ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا. # ثم ذكر كلاما طويلا في مسبة بلد الشيخ وموضعه، وأنه بلد مسيلمة ونجدة ~~الحروري والقرمطي والأخيضر (4) . وابن عصفور؛ وهذا حاصل علم ثور المدار بن ~~منصور، أي بلد من بلاد المسلمين لم يقع فيها من PageV03P454 # المكفرات (1) والشرك، وعبادة (2) النيران، أو الأوثان، أو البدع المضلة، ~~ما هو من جنس ما حصل باليمامة أو أفحش. # ثم كون نجدة الخارجي والقرمطي من هذه البلاد كلام كذب وزور، على عادته، ~~فإن نجدة ابتلى ببدعته ومروقه بالعراق، وبها استقر وهي وطنه، وأيضا فقد ثبت ~~أنه تاب لما ناظره ابن عباس. # والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد، ~~ثم لو فرض أنه من نجد ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ، أي ضرر في ذلك؟ وهل عاب ~~الله ورسوله أحدا من المسلمين أو غيرهم ببلده وطنه، وكونه فارسيا، أو ~~زنجيا، أو مصريا، من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطنته؟ وعكرمة بن أبي جهل من ~~أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة. # ومن العجب أن يقول في المؤمنين: ( {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا} [النساء: 78] ) ، وهو كما ترى من أكثف الناس حجابا، وأغلظهم ذهنا، ~~يعيب من زكاهم الله ورسوله بالإيمان به، ومتابعة رسوله ببلاد قد كفر فيها ~~بالله وعبد معه (3) . غيره، وهو يعلم أن بلاد الخليل إبراهيم حران دار ~~الصابئة المشركين عباد النجوم، ودار يوسف دار فرعون الكافر اللعين، وسكنها ~~موسى بعده وأكابر بني ms213 إسرائيل، وكذلك مكة المشرفة، سكنها المشركون وعلقوا ~~الأصنام على الكعبة المشرفة، وأخرجوا نبيهم وقاتلوه PageV03P455 # المرة بعد المرة أفيستحيل مؤمن، أو عاقل، أو جاهل أن يلمز (1) أحد من ~~المهاجرين، أو من مسلمة الفتح، أو من (2) بعدهم من المؤمنين بما سلف في مكة ~~من الشرك بالله رب العالمين؟ فاحكم أيها السامع المنصف بيننا وبين هذا ~~الرجل الذي يتأول فينا قوله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا} [النساء: 78] [النساء: 78-78] . # وقد رفعت إليك الخصومة وجاء كل بحجته، عسى أن يوفق لهما (3) صاحب سنة، ~~وصاحب صناعة يحكم بالحق، ويفصل النزاع، فقد طال اعتراض هؤلاء الجهلة، ~~وتمادوا في غيهم وضلالهم، فالله المستعان. # ثم قال: (ومن ذلك الذي نحن بصدده حديث الأعمى الذي صححه الترمذي وغيره من ~~حديث عثمان بن حنيف (-رضي الله عنه- الذي علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~إياه. وفيه النداء بغيبته، ففتح الله له عينيه، فجاء إليه كأن لم يكن به ~~بأس. وعلمه عثمان بن حنيف) (4) رجلا في خلافة عثمان، وكانت له حاجة فتيسرت ~~حاجته، فالكل من عند الله تعالى في الحقيقة، وهو -صلى الله عليه وسلم- سبب ~~يكرمه الله بذلك، فما ذنب صاحب البردة -رحمه الله- في قوله: يا أكرم الخلق؟ ~~(أليس هو بأكرم الخلق) (5) على الله؟ . # ثم قال: (وروى الحاكم بإسناده عن عمر بن الخطاب -رضي الله PageV03P456 # عنه (1) قال: قال (2) رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " «لما اقترف آدم ~~الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، ~~وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك ~~رفعت رأسي، فإذا على قوائم العرش مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، ~~فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، وقال الله: صدقت يا آدم، ~~إنه لأحب الخلق إلي، إن سألتني بحقه فقد (3) غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» ~~" (4) ورواه الطبراني وزاد: " «وهو آخر الأنبياء من ذريتك» " (5) قال: ومن ~~ذلك قوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: ms214 1] ~~[النساء: 1] على قراءة الجر، وقد صح عن عبد الله بن جعفر -رضي الله عنه- ~~أنه إذا سأل عمه شيئا بحق جعفر أجابه) . # ثم أخذ يكرر ما تقدم من حديث السؤال (6) بحق السائلين، وحديث الغار، وأن ~~ذات النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلى من العمل الصالح، وقد أعطاه الله ~~الشفاعات، وهو حي في قبره -صلى الله عليه وسلم- وأن سعيدا سمع الآذان ~~والإقامة أيام الحرة من القبر الشريف، وأنه يستغفر لأمته. # وكل هذه قد تكرر؛ ولكنه أفلس وعاد إلى تقليب ما في المكتل، كل هذا أجبنا ~~عنه بحمد الله. PageV03P457 # ثم قال: (فأين هذا من عبادة غير الله تعالى من دونه جل وعلا، والذي في ~~الآية الكريمة التي استدل بها هذا الرجل على تكفير هذه الأمة؟ سبحانك هذا ~~بهتان عظيم؟ إذ هو من القول على الله بلا علم، وليس ما ذكرنا استدلالا منا ~~على ذلك لا إثباتا ولا نفيا، فذلك أمر آخر، وإنما هو نفي لتكفير هذا الرجل ~~للأمة وعلمائها بذلك بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فلا بكتاب ربه في ذلك ~~اهتدى، ولا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اقتدى، ولا بقول من بقوله ~~الرضى والشفاء من العلماء، لا بصحابي مضى (1) ولا بتابعي قفى (2) ولا عمن ~~في قوله الشفاء من العلماء أهل المعرفة بالاقتداء، ونحن بحمد الله ندين ~~بأنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله ~~شيء، وهو السميع البصير. لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، حي قيوم، وهو ~~على كل شيء قدير، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله له الخلق والأمر، ~~ولكن لا نحكم أنفسنا على الله تعالى ورسوله، وما (3) فعله السلف أو ردوه لا ~~يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا) . # والجواب أن يقال: قد تقدم الكلام على حديث الأعمى، وتقدم تنبيه هذا ~~المعترض على الفرق بين الأسباب، وأن منها ما شرع ومنها ما لم يشرع، هذا على ~~تسليم كون سؤاله -صلى الله عليه وسلم- سببا ms215 (4) يشفع لمن دعاه. # وقوله: (فما ذنب صاحب البردة) قد تقدم الكلام في ذنبه، وبيان PageV03P458 # الوجه في ذلك وإن لم يفقه هذا المعترض، وليس النزاع في كونه -صلى الله ~~عليه وسلم- أكرم الخلق، وإنما هو في دعاء غير الله، والاستغاثة بسواه. ### | بيان أن حديث توسل آدم بحق محمد عليه السلام موضوع # وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب، بتوسل آدم بحق (1) محمد: فهو حديث ~~موضوع، مكذوب، باتفاق أهل العلم بالحديث، كما جزم به شيخ الإسلام في كتاب ~~الاستغاثة في الرد على ابن البكري (2) وأهل العلم يفرقون بين ما رواه ~~الطبراني، وما رواه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة ~~وموطأ مالك، وما رواه غيرهم من أهل المسانيد، لا سيما الطبراني، وأمثاله من ~~المكثرين؟ فلا يحتج بحديثهم، وما انفردوا به إلا بعد النظر في سنده، وكلام ~~أهل الجرح والتعديل، ومجرد العزو لا تقوم به حجة؟ لكثرة ما اشتمل عليه من ~~الموضوعات. # وقد أنكر الحفاظ الحكاية (3) التي تنسب إلى مالك مع الخليفة المنصور التي ~~ذكر فيها: "كيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبائك وجزموا بأن الحكاية ~~موضوعة، وأن مالكا لم يقل هذا. # وقد تكلم عليه الحفاظ: ابن عبد الهادي (4) وغيره بكلام بديع، وذكر: (أنه ~~من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي قال فيه مالك بن أنس -رحمه الله-: ~~اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح. وقال الربيع بن ~~سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أحدثك أبوك ~~عن أبيه عن جده: أن سفينة PageV03P459 # نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم، قال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن ~~زيد (1) ليس ممن يحتج أهل العلم (2) بحديثه. وقال الحاكم: روى عن أبيه ~~أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، ~~وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه، لا شيء) . # وأما سؤال عبد الله بحق جعفر: فليس فيه دلالة على محل النزاع، وليس (منه ~~في شيء، فإن ms216 السؤال للحقوق الثابتة حض وحث على التزامها، وليس) (3) من سؤال ~~غير الله ودعائه، فكما أن للسائلين على الله حقا (4) يسأل به كذلك للرحم حق ~~على الأقارب يسألون به، وأين هذا من قول الناظم في بردته: (ما لي من ألوذ ~~به سواك) وما بعده. # وأما قوله: (فأين هذا من عبادة غير الله) . # فالكلام ليس في التوسل الذي هو سؤال الله بحق عباده، والتوسل بالأعمال ~~الصالحة، حتى يقال: (أين هذا من عبادة غير الله؟) ، وإنما النزاع والكلام ~~في دعاء غير الله من الأموات والغائبين، ومن استبعد كونه عبادة لغير الله ~~وأنكر ذلك فهو من أجهل الخلق بمسمى العبادة. # وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] [غافر: 60] . # ومر حديث النعمان، وقوله: " «الدعاء هو العبادة» (5) . وحديث PageV03P460 # " «الدعاء مخ العبادة» " (1) . والمعترض مخاتل (2) متلاعب بدين الله، ~~وسيجزيه الله على ذلك ما يستحقه وتقتضيه حكمة الرب في مجازاة أمثاله. # وأما قوله (3) (وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا (4) ~~نفيا) . فهذا كذب يناقض ما قبله، فإنه أثبت ما في أبيات البردة وقرره، وساق ~~ما يزعم أنه يشهد له، وأن الطلب من الأموات والغائبين بقصد الشفاعة (جائز ~~وارد، ونفى ما استدرك عليه الشيخ من تحريم دعاء الأموات الشفاعة) (5) أو ~~غيرها (6) وزعم: (أن من قال: هذا من الشرك. فقد كفر الأمة التي هي خير أمة ~~أخرجت للناس، القائمين بدين الله) ، وأكثر من هذا النوع وأسهب فيه، كما مر ~~(7) . وهنا يقول: " ليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك، لا إثباتا ولا ~~نفيا". فالرجل لا يعقل ما يتكلم به، وشيخنا لم يكفر الأمة وعلماءها حتى ~~صاحب البردة وإنما تكلم فيما دل عليه كلامه واقتضاه نظمه وخطابه، وعلماء ~~الأمة ليسوا (8) من هذا الضرب الغالين في الأنبياء والصالحين، وهذا الرجل ~~ما عرف العلم ولا العلماء، ولا مسمى PageV03P461 # الأمة، ولا مسمى التوحيد، ولا مسمى الشرك ولا التوسل، فهو (1) أجهل الخلق ~~بحدود ما أنزل الله على رسوله، وهو أحق الناس بما رمى به شيخنا ms217 من ترك ~~الاهتداء والاقتداء، وعدم القول بما ذهب إليه أهل الرضى. # وأما قوله: (ونحن بحمد الله ندين بأن الله واحد أحد لا رب لنا سواه ولا ~~نعبد إلا إياه) . # فيقال: الخصومة منذ سنين بيننا وبينك (2) فيما دلت عليه هذه الكلمة، ~~والنزاع في عبادة الله وحده لا شريك له. نحن نقول: دعاء الأنبياء والصالحين ~~من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين، ونستدل على قولنا ~~بما في كتاب الله من تحريم دعاء غيره وعبادة سواه، وندخل دعاء الأموات ~~والغائبين فيما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف، ~~وأهل التأويل، كما استدل بذلك سلفنا الصالح من علماء الأمة، وأئمة الدين ~~وأكابر المحدثين والمجتهدين، وأنت أيها الرجل تزعم أن هذا جائز أو مستحب، ~~وتستدل بما مر من أدلتك التي يعرف من نظر فيها أنك عن العلم والإصابة ~~بمعزل، وأنك لم تتصور حقيقة الإسلام، وما جاءت به الرسل (3) الكرام. # وأما قوله: (ولكن (4) لا نحكم أنفسنا على الله ورسوله) . # فقد كذب في هذا؟ بل حكم نفسه ورجع إليها، وقاد النصوص إلى رأيه الضال ~~وقوله الفاسد. PageV03P462 # وقوله (1) (وما فعله السلف لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ~~ولا فسقا (2)) . # فهذا الكلام كلام جاهل لا يدري ما يقول، فأي شيء فعله السلف أو رأوه ~~جائزا كفر به شيخنا؟ وما معنى هذه الكلمة؟ وهذا الاسم عند الإطلاق؟ أهو ~~للجميع والجملة، أو لفرد منها؟ وأظنه يشير إلى أن سؤال الله بجاه الأنبياء ~~والأولياء فعله بعض السلف، فأطلق اسم السلف على فرد منهم، وقد تقدم الكلام ~~على هذه المسألة؟ وأن الذي يشير إليه هذا (3) ما فعله أحد قط؟ وفي قوله: ~~(أو غير جائز عند بعضهم) ، يريد أنه لا يذم، وإن لم يجزه بعضهم، ومنع منه، ~~وهذه المسألة الصواب فيها وفي غيرها: رد مسائل النزاع إلى الكتاب والسنة، ~~والحكم بموجب ذلك، ولا يقال: (إن ما فعله السلف ولو غير جائز، ليس بكفر ولا ~~فسق) ، فإن هذا بكلام الغوغاء أشبه منه بكلام العقلاء؛ وقدامة بن مظعون ~~وأصحابه ms218 -رضي الله عنهم- أنكر عليهم أصحاب -صلى الله عليه وسلم-، وجزموا ~~بأن استحلال الخمر بعد قيام الحجة على مستحله كفر، ووافقهم على ذلك قدامة ~~بن مظعون وأصحابه، وبادر إلى التوبة هو وأصحابه -رضي الله عنهم-، وهم من ~~أكابر السلف، فكيف يقال: وما فعله السلف لا يكون كفرا بل ولا فسقا؟ والمراد ~~آحاد السلف. PageV03P463 ### | فصل فيه مناقشة أن الرؤيا المنامية ليست من الأحكام الشرعية # فصل قال المعترض: (فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح ~~عن مالك الداري -رضي الله عنه- المعروف بخازن عمر. قال -رضي الله عنه-: ~~"أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل "إلى قبر النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- (1) قال: يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك، فإنهم هلكوا، ~~فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام، فقال: ائت عمر، فأقرأه ~~(2) السلام، وأخبرهم (3) أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، وأتى الرجل ~~عمر، فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب، ما آلوا إلا ما (4) "عجزت عنه" (5) ورواه ~~سيف بن عمر في فتوحه، وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث ~~الصحابي الذي أقطعه النبي -صلى الله عليه وسلم- المعادن القبلية (6) فماذا ~~يقول هذا (7) أيقول (8) إن الصحابة PageV03P464 # -رضي الله عنهم- الذين منهم أهل الشجرة كفروا، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ ~~هذه الأمة وسلفها الصالح، فهو كفر بالتوسل به (1) -صلى الله عليه وسلم-، ~~وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه -صلى الله عليه وسلم- الاستسقاء أبلغ من ~~ذلك، وفيهم الفاروق) . # والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب ~~المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء (2) الأدلة الشرعية ~~وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام (3) برؤيا آحاد الأمة، لا سيما ~~إذا تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة أو (4) الإجماع أو القياس، وهذا ~~الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة، ولم يعينه إلا سيف (5) بن عمر ~~على ما زعمه هذا الرجل. # وقد تقدم الكلام في سيف؟ وأنه ضعيف لا يحتج به، ورؤية النبي -صلى ms219 الله ~~عليه وسلم- لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط، وهو -صلى الله ~~عليه وسلم- إني شفعت لهم في السقيا، أو طلبتها من الله لهم، أو أجبت هذا ~~المشتكي، وإنما أخبر أنهم يسقون، وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى ~~به، ولا عن فاعله، وهو في حياته -صلى الله عليه وسلم- ربما أعطى الرجل ~~المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا، وقد يجري (6) لمن يدعو الصالحين ومن ~~PageV03P465 # هو دون الأنبياء كثر من هذا النوع، كما ذكره شيخ الإسلام وغيره، ولكنهم ~~قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب؛ بل وقد لا ~~يشعر المسؤول بشيء من ذلك، فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه (1) ولا ~~قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها ~~أهل العلم والإيمان. # ورؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- (2) وخطابه بمثل هذا لا (3) يدل على ~~حسن حال الرائي (4) وتصويب فعله (5) وقد يراه بعض الفساق والكفار، ورؤيته ~~نذارة للمجرمين، وبشارة للمؤمنين؟ وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا، فليس ~~هذا من الأدلة على أنه يشتكى إلى الرسول، ولم يقل الرائي لعمر: إني ذهبت ~~واشتكيت القحط إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ينقله أحد- والنصارى ~~والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب، وكشف الشدائد، ومع ~~ذلك قد تحصل (6) إجابتهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة (7) PageV03P466 # وقد قال تعالى: {كلا نمد (1) هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك} ~~[الإسراء: 20] (2) [الإسراء / 20] . وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم ~~موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر ~~استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي (3) ~~بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم (4) يا عباس فادع الله ~~فدعا العباس فسقوا" (5) . # هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، ~~أو (6) ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك ms220 وأعلم بدين الله، ثم لو كان ~~حقا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد ~~يقع ممن هو دونهم -رضي الله عنهم-، فكيف بهم -رضي الله عنهم-؟ ومن ترك هذه ~~النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به ~~في (7) المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله: PageV03P467 # {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] (1) [آل ~~عمران -7] . # وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه ~~فأولئك الذين سمى (2) الله فاحذروهم» " (3) . # قال شيخ الإسلام أبو العباس (4) رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه ~~النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ~~ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ~~ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو ~~أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر ~~دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: ~~احتجاجهم (5) بخوارق العادة وما (6) يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على ~~أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما (7) مما عبد مع ~~الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل ~~صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من ~~استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول ~~أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا". PageV03P468 ### | فصل في مناقشة ورد قصة العتبي # قرر هذا المعنى في رده على النصارى، ولخصناه هنا لينتفع به من وقف عليه. # إذا عرفت هذا: عرفت بطلان قول المعترض: (فماذا يقول هذا الرجل؟ أفيقول: ~~الصحابة -رضي الله عنهم- كفروا) . # فإن شيخنا رحمه الله أسعد [بحب] (1) الصحابة ومتابعتهم من هذا المعترض ~~الضال. # وقوله: (وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه صلى الله عليه وسلم الاستسقاء) . # قد تقدم أنه نقله عن واحد، وهنا ms221 أضافه إلى الصحابة كلهم، وفيهم عمر؟ فما ~~أقبح الكذب، لا سيما على الله وعلى رسوله وعلى أصحاب رسوله (2) ؟ (كما فعل ~~هذا الضال) (3) . PageV03P469 # فصل قال المعترض: (وفي كلام محيي الدين أبي زكريا يحيى النووي (الشافعي ~~المشهور بالعلم والحفظ والإتقان، قال بعد أن ذكر) (1) صفة زيارة النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه، والانحراف عن استدباره ~~واستقبال القبلة بالدعاء- قال: ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فيتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، ومن ~~أحسن، ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له) وذكر قصة العتبي؛ ~~وهو تابعي جليل- فقال: (حكى العتبي أنه قال: كنت جالسا (2) عند قبر النبي-- ~~صلى الله عليه وسلم-[فجاء أعرابي] ، (3) فقال: السلام عليك يا رسول الله يا ~~صفوة خلق الله أنت الذي عليك: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] [النساء ~~64] . # وقد ظلمت نفسي (4) ؛ وها أنا قد أتيتك (5) أستغفر من ذنبي، PageV03P470 # اشفع لي إلى ربي، ثم أنشأ يقول: # يا خير من دفنت (1) بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # أنت الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف , وفيه الجود والكرم # أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا مازلت القدم # أنت البشير النذير المستضاء به ... وشافع الخلق إذ يغشاهم الندم # تخصهم (2) بنعيم لا نفاد له ... والحور في جنة المأوى لهم خدم # تعطى الوسيلة يوم العرض مغتبطا ... عند المهيمن لما تحشر الأمم # والحوض قد خصك الله الكريم به ... يوما عليه جميع الخلق تزدحم # تسقى لمن شئت , يا خير الأنام , وكم ... قوما لعظم الشقا والبعد قد حرموا # صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس النهار , فغشت حندس الظلم # قال العتبي رحمه الله: ثم [انصرف الأعرابي] (3) فغلبني النوم (4) . فرأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عتبي أدرك الأعرابي، وبشره أن الله ~~قد غفر له (5) . # ثم ذكر المعترض: (أن موفق الدين بن قدامة، وابن أبي عمر، وصاحب ~~"المستوعب" وغيرهم من الأصحاب ذكروا ذلك، ونقلوا ms222 هذه القصة راضين بها، وهي ~~مما استفاض عند الأمة، حتى لا تحتاج لسند، PageV03P471 # قال: (ثم (1) دع صحتها من عدمها وأنها منام (2) ولكن الشأن في رضى نقلتها ~~وهم حملة الشريعة المطهرة) . # ثم كرر هذيانه (3) المتقدم في ذم وطن الشيخ، وأن النبي لم يدع له، وأن ~~الشيخ لم يظهر الدين؛ بل كفر العلماء الأمناء والأمة التي أخبر الله تعالى ~~أنها خير أمة أخرجت للناس، وأعاد ما تقدم بعبارة واهية وتركيب ساقط، كأنه ~~وقع على دليل يجب المصير إليه في تجويز دعاء الأموات وتخطئة من منعه. # ولا يخفى أنه حرف البيت الثاني تحريفا بشعا، جعل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فداء للقبر؛ بأبي هو وأمي، ولم يشعر (4) بما في كلامه من التحريف، ~~ورسم هذا التحريف (5) بقلمه، وكتبه بيده، وصوابه: " نفسي الفداء". # والجواب أن يقال: هذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، ولم يذكرها ~~غيرهم ممن يعتد به، ويقتدى به، كالأئمة المتبوعين وأكابر أصحابهم، وأهل ~~الوجوه في مذاهبهم، كأشهب وابن القاسم، وسحنون وابن وهب؛ وعبد الملك وابنه، ~~والقاضي إسماعيل من المالكية؟ ولا من الشافعية كالمزني والبويطي، وابن عبد ~~الحكم، ومن بعدهم كابن خزيمة، وابن سريج وأمثالهم، ونظرائهم من أهل الوجوه؛ ~~PageV03P472 # وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن اللؤلؤي. (1) وزفر بن ~~الهذيل، ومن بعدهم كالطحاوي حامل (2) لواء المذهب، وكذلك أصحاب أحمد وأصحاب ~~الوجوه في مذهبه لم يذكرها (3) أحد منهم، كعبد الله وصالح، والخلال، ~~والأثرم، وأبي بكر (4) عبد العزيز، والمروذي وأبي الخطاب ومن بعدهم، كابن ~~عقيل وابن بطة. # وبعض من ذكر هذه الحكاية (5) يرويها بلا إسناد وبعضهم عن محمد بن حرب ~~الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن ~~الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن الروح بن يزيد (6) ~~البصري: حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم، ووضع لها ~~بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب، كما روى أبو الحسن علي بن ~~إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي ابن ms223 محمد بن علي حدثنا ~~أحمد بن محمد بن (7) الهيثم الطائي، قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة (8) بن ~~كهيل عن أبي صادق عن علي (9) بن أبي طالب، فذكر نحو ما تقدم. PageV03P473 # قال الحافظ ابن عبد الهادي (1) (هذا الخبر منكر موضوع، لا يصلح الاعتماد ~~عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض, والهيثم جد أحمد ~~بن محمد بن (2) الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن يكن هو فهو متروك إلا (3) ~~فمجهول. # وقال عباس (4) الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس ~~بثقة. كان يكذب. "وقال العجلي، وأبو داود: كذاب. وقال أبو حاتم الرازي، ~~والنسائي، والدولابي، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن المديني (5) ساقط قد ~~كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: ما أقل ماله من المسند، ~~وإنما هو صاحب أخبار وأسمار، ونسب وأشعار. وقال الحاكم أبو عبد الله: ~~الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات وأحاديث منكرة، ~~وقال العباس (6) بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول، قالت جارية الهيثم: كان ~~مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإن أصبح جلس يكذب) . # فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة (7) لم تثبت بسند يعول ~~عليه ويحتج به. PageV03P474 # فكيف يقول هذا الغبي: (ولكن الشأن في نقلتها، وهم حملة الشريعة المطهرة) ~~، وقد عرفت أن حملة الشريعة المطهرة ونقادها جزموا بأن الحكاية لم تثبت، ~~وأنها من الموضوعات. وأما الموفق، وابن أبي عمر وغيرهما من أصحابنا، فهم لم ~~يذكروا هذا ولم يعتمدوا عليه، والمناسك المعتبرة وما ذكروا في آداب الزيارة ~~موجود منقول (1) بسند العدول. # وهذا الرجل المعترض قد تقدم أنه جاهلي لا يحسن النقل، ولا يدري الصحيح؟ ~~بل يفتري (2) على أهلم العلم، فهو ساقط هالك لا يلتفت إلى نقله. # ثم لو سلمنا ثبوت هذه الحكاية، فلا دليل فيها على ما ذهب إليه هذا الأحمق ~~من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب الحوائج منهم، والأعراب لا يحتج ~~بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله؛ مفلس في فهمه وعلمه، وكذلك ms224 ~~نقل العتبي ومن مضى (3) من رجال سندها ليسوا (4) بشيء. # وقد تقدم أن أدلة الأحكام (5) هي الكتاب والسنة والإجماع، والقياس ~~المعتبر فيه خلاف، وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء، ولم يأت عن أحد من ~~الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت، لا ~~طلب الاستغفار ولا غيره. PageV03P475 # وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حكى الإجماع على ~~منعه، وأن النبوات متفقة على تحريمه، وابن عقيل تقدم كلامه فيمن دس الرقاع ~~إلى ضرائح الموتى، للطلب منهم، ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له، فذلك ~~أيضا لا يدل على حسن حاله؛ وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله، وقد يستجاب ~~لعباد الأصنام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (1) رحمه الله في كتابه " ~~اقتضاء الصراط المستقيم". # ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا، غايته أنه توسل به، ومسألة ~~التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب ~~منه، وقد قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران ~~/ 135] . فإذا كان الله (2) هو المختص بمغفرة الذنوب، فكيف تطلب المغفرة من ~~غيره تعالى وتقدس؟ . # وقد تقدم لهذا المعترض (3) أنه قال: (وإنما الشرك طلب مغفرة الذنوب، ~~وهداية القلوب، فجزم بأن هذا من الشرك) ؛ ثم رجع (4) واحتج بها على الطلب ~~من الرسول، كما قال البوصيري. # قال الحافظ ابن عبد الهادي (5) رحمه الله: (وقوله: إني سمعت الله يقول: ~~{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} ~~[النساء: 64] الآية [النساء / 64] . PageV03P476 # ليس فيه ما يدل على مشروعية إتيان قبره الشريف، ولم يقل ذلك أحد من أهل ~~العلم، ويتبين ذلك بالكلام على الآية وما أريد بها [وسيقت له، وما فهمه ~~منها أهل العلم بالتأويل من سلف الأمة وأئمتها، والآية] (1) سيقت لذم من ~~تخلف (2) عن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال حياته ليستغفر ~~له، وحكم تعالى على من أبى هذا أنه من المنافقين. # قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر ms225 لكم رسول الله لووا رءوسهم ~~ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} [المنافقون: 5] [المنافقون 5] . # وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضى بحكم (3) كعب بن الأشرف، ~~وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فظلم نفسه بهذا ~~أعظم ظلم، حيث لم يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له، فإن ~~المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنوب. # وهذه كانت عادة الصحابة معه صلى الله عليه وسلم: أن أحدهم متى صدر منه ما ~~يقتضي التوبة جاء إليه، فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وكان ~~هذا فرقا بينهم وبين المنافقين، فلما استأثر الله عز وجل بنبيه صلى الله ~~عليه وسلم، ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي ~~إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن يقل هذا عن ~~أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة والتابعون - وهم ~~PageV03P477 # خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، ~~وجعل (1) التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا يؤبه (2) له من الناس ~~ولا يعد في أهل العلم؟ فكيف أغفل هذا أئمة الإسلام؟ وهداة الأنام من أهل ~~الحديث والفقه (3) والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه ~~ولم يحضوا عليه؟ ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة؟ بل (4) ~~المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من ~~الغلو والشرك والجفاء عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية (5) ولما كان ~~هذا المنقول شجى في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه ~~بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيا منهم ومن أهل (6) العلم بالآثار ~~قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبى الله إلا أن يعلى منار الحق ويظهر أدلته ~~ليهتدي المسترشد (7) وتقوم الحجة على المعاند، فيعلى (8) الله بالحق من ~~يشاء ويضع برده وبطره وغمص أهله من يشاء. PageV03P478 # ويا لله العجب؛ أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها (1) بين أظهرها موجودا وقد ms226 ~~دعيت فيه إلى المجيء إليه (ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء. فلما ~~توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى ~~المجيء إليه) (2) ليستغفر له؟ . # وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه (3) المعترض (4) هذه الآية ~~تأويل باطل قطعا، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا ~~يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه ~~للأمة، فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا ~~المعترض المستأخر (5) فكيف إذا كان التأويل (يخالف تأويلهم ويناقضه، وبطلان ~~هذا التأويل) (6) أظهر من أن يطنب في رده وإنما ننبه (7) عليه بعض التنبيه. # ومما يدل على بطلان تأويله قطعا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في (8) حياته، وقد ظلم نفسه ليستغفر له، فأعرض عن ~~المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذموما غاية الذم، مغموصا بالنفاق، ~~PageV03P479 # ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين ~~وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله (1) وأمناء ~~دينه غير الحق. # وأما دلالة الآية على خلاف تأويله: فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم (2) إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} ~~[النساء: 64] (3) [النساء -64] . # وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم؟ إذ ظلموا أنفسهم طاعة له؟ ~~ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط إن على من (4) ظلم نفسه ~~بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان ~~خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها ووفق لها (5) هؤلاء الغلاة العصاة ~~وهذا بخلاف قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: ~~65] [النساء / 65] . # فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم (6) ما جاء به حيا ~~وميتا، ففي حياته كان هو الحاكم (7) بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه ~~وخلفاؤه. PageV03P480 # يوضح ms227 ذلك: أنه قال: " «لا تجعلوا قبري عيدا» " (1) ولو كان يشرع لكل مذنب ~~أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة ~~صريحة لدينه وما جاء به، ولو كان مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه (2) ~~ورغبهم فيه (3) ولكان الصحابة وتابعوهم (4) بإحسان أرغب شيء (5) فيه، وأسبق ~~إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط- وهم القدوة- بنوع من أنواع الأسانيد (6) ~~أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكى (7) إليه ولا سأله، والذي صح عنه ~~مجيء القبر للتسليم فقط هو ابن عمر، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر، ولم ~~يكن يزيد على التسليم شيئا (8) البتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر ~~العمري الذي هو أجل أصحاب نافع أو من أجلهم: "ما نعلم أحدا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر "، ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي ~~الصحابة، ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، فمن ~~خالفهم إما أن يكون أهدى منهم أو يكون (9) مرتكبا لنوع من البدع، كما قال ~~PageV03P481 # عبد الله بن مسعود لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم (1) "لأنتم ~~أهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو أنتم على شعبة ضلالة " (2) . # فتبين: أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرا بعد موته ممكنا أو مشروعا ~~لكان كمال (3) شفقته ورحمته- بل رأفة (4) مرسله ورحمته (5) بالأمة- تقتضي ~~ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه. PageV03P482 ### | فصل في رد احتجاج المعترض بقول العلماء لقصة العتبي # فصل قال المعترض: (فهذا كلام العلماء المعتبرين الكبار، ونقلهم لهذه ~~القصة راضين بها متلقينها بالقبول، وهي مما استفاض حتى لا تحتاج لسند، ثم ~~دع صحتها من عدمها وأنها منام، ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة ~~المطهرة، أتراهم بهذا يعرفون المخرج من الملة الذي ذكر هذا الرجل، ويدعون ~~الناس إليه، وينقلونه في كتبهم ليعمل به أم تراهم لا يعرفونه حتى خرج هذا ~~الرجل ثاني (1) عشر قرن، في الموضع الذي ذكرنا حاله، وقد امتنع النبي-صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعو له؛ ms228 لعلمه بما يحدث منه وفيه، فأظهر الدين والتوحيد ~~منه كما زعم للناس، وكفر العلماء الأمناء والأمة معهم، التي أخبر الله أنها ~~(2) خير أمة أخرجت للناس، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الذي (3) عده علماء الأمة أنه متواتر، بأنها لا تزال ظاهرة قاهرة حتى يأتي ~~أمر الله وهم ظاهرون، فكأنه لم يكن للقرآن والشريعة المحمدية حملة قبله ~~وقبل أصحابه وأتباعه الذي استغواهم (4) PageV03P483 # ثم انخرط في السب والعيب والكلام السفيه المستهجن (1) بقصد الاستراحة ~~إليه، والتعويل في التشفي من الغليل، وهذه نفثة مصدور، وأنه معثور (2) لا ~~تشفي عليلا ولا تروي غليلا. # وتقدم الجواب عن هذا كله، وبينا أن الأئمة الذين عليهم المدار في الجرح ~~والتعديل، والذين إليهم المرجع في الفتاوى والتقليد والتسجيل، لم يقولوا ~~بهذه الحكاية، ولم يصححوها، ولم يلتفتوا إليها، كل هذا مستوفى بحمد الله ~~ومنته. وأما الخلوف الذين من بعدهم فليس فيما (3) قالوه وذهبوا إليه دليل ~~شرعي يعول عليه؛ ويرجع عند التحاكم إليه. PageV03P484 ### | فصل في رد ادعاء المعترض حسن قصده من اعتراضات وبيان سوء قصده وأثره وبطره # فصل قال المعترض: (وليعلم الناظر إلى ما ذكرنا وقدمنا، أنا) (1) لم نذكره ~~أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة (2) وإنما ذكرناه بيانا ونصيحة لله تعالى ~~ولرسوله وعباده المؤمنين، ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون} [البقرة: 159] (3) [البقرة / 159] ) . # ثم ذكر آيات في (4) المعنى، ثم قال بعدها: (فهذا لهم، يعني: لأهل الكتاب، ~~ولمن فعل فعلهم بأن أعرض عن البيان مع العلم وتزييف الزيف والزيغ بالبرهان، ~~فإنه لم يزل في مشرع في (5) من ذمة القرآن من أي أهل (6) قرن (7) كان، لأجل ~~ذلك بينا الخطأ بما ذكرنا (8) وليس القصد احتجاجا PageV03P485 # على الفعل، وإنما هو دفعا عن التكفير للأمة وعلمائها بما لا يستحقون به ~~الكفر، سواء يكون. جائزا أو مكروها أو مندوبا) . # والجواب أن يقال: قال الله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم} [القصص: 50] الآية [القصص / 50] . # فقسمهم ms229 قسمين: متبع للرسول، مؤمن بما جاء (1) به، سائر إلى الله على ~~طريقه ومنهاجه، وآخر متبع لهواه؟ ضال عن سبيل رشده وهداه، فلا تقبل دعوى ~~البراءة من الأشر والبطر والرياء والسمعة لمن حكم الله عليه بمتابعة الهوى، ~~وسجل على ضلاله عن سبل الرشاد والهدى، والمصدق لهذا الضرب بما يدعونه من ~~النصح والتقى جاهل بما دلت عليه هذه الآية من الحكم والقضاء. # وقد تقدم من الشواهد الحالية والقولية، وصريح العبارات، وظواهر المعاني ~~والكلمات، ما يدل على أن ما سوده هذا الرجل وافتراه من ذم الشيخ رحمه الله ~~وبهته والكذب عليه، ورد ما جاء به من الهدى ودين الحق إنما حمله على تسويده ~~وتسطيره محض الأشر والبطر والاستكبار، وطلب الرفعة والمنزلة؛ ولذلك والى من ~~عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وصرف لهم خالص العبادة ولبها، وجعلهم خير أمة ~~أخرجت للناس، وجعل مشايخه في رواية البردة هم أهل الصراط المستقيم، الذين ~~أمرنا بسؤال الهداية (2) إلى صراطهم, ومن خالفهم وقال بوجوب (3) ~~PageV03P486 # إخلاص (1) الدعاء لله في طلب الشفاعة وغيرها، وأنه لا يعلم الغيب إلا ~~الله فهو جاهل عنده بمعنى "لا إله إلا الله"، وأبو جهل وناديه أعلم (2) منه ~~بمعناها، وما دلت عليه على زعم هذا المعترض. # ثم أخذ في إظهار هذا لإخوانه وشيعته، ممن غمص بالنفاق (3) وكراهة شيخنا، ~~وبغض ما جاء به، ولم يطلع عليه أهل التوحيد الموافقين للشيخ في ذم الشرك ~~والتنديد (4) فأي نصيحة حصلت والحالة هذه؟ وأي بيان وقد خص به أهل النفاق ~~والدعاء إلى الشرك بالله ودعاء سواه؟ كما أرسل نسخة من هذا الإفك إلى خدنه ~~داود بن جرجيس. # ثم لو فرض أنه قصد النصيحة، فذلك يدل على جهله المركب (5) بدين الله ~~وشرعه، وما جاءت به رسله، وأن قلبه في غلاف أو مصفح لا يعرف الحق ولا ~~يدريه، وليس كل من ادعى النصح تقبل دعواه، ولا يحكم بالإصابة والتسديد لكل ~~من سلمت له دعواه، وقد تقرر (6) بين أهل العلم أن الجهل نوعان: مركب، ~~وبسيط. والمركب أغلظ وأشد وأقبح من البسيط؛ لأن صاحبه يرى أنه ms230 من أهل العلم ~~والرشد والهدى، وهو في الحقيقة من أهل الجهل والغي (7) والضلال والعمى (8) ~~PageV03P487 # قال الله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب - أو ~~كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب} [النور: 39 - 40] ~~(1) (الآية [النور / 39 , 40] . # وقد دلت الآية على تشبيه أعمال الكفار وما هم عليه بالسراب الذي يراه ~~الظمآن بالقيعان، فيظنه ماء ووردا، فيقصده وهو في الحقيقة لا شيء، أو كحال ~~من تراكمت عليه الظلمات بعضها فوق بعض) (2) ظلمة (3) الأمواج المتراكمة في ~~البحر العميق، وظلمة السحاب الحائل بينه وبين النور، ظلمات بعضها فوق بعض، ~~فأهل المثل الأول أشد كفرا وأقبح حالا وأبعد هداية وبصيرة، فلا مانع ~~والحالة هذه من أن يدعو أحدهم إلى دينه وطريقته ويتوهمها حقا، وهي في نفس ~~الأمر أضل الضلال وأبطل الباطل؛ وقد قام فرعون خطيبا في قومه فقال: {ذروني ~~أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} ~~[غافر: 26] [غافر / 26] . # ومما يدل على جهل المعترض، وسوء قصده، وفساد إرادته، تناقض كلامه، فإذا ~~احتج شيخنا رحمه الله بآية قال: (هذه نزلت في كذا وهي خاصة به) كما تقدم لك ~~في كلامه؟ فقصر التنزيل على (4) أهل تلك الأسباب PageV03P488 # الموجودين وقت النزول؛ ومنع من (1) عموم ألفاظ القرآن، وقصره عن أن يحتج ~~به على من قام به سبب وموجب يدخله في العموم اللفظي. # وإذا احتج هو على الشيخ، أو زكى نفسه قال في الآيات القرآنية فهذا لهم؛ ~~ولمن فعل فعلهم، كما ذكرنا (2) هنا، فأي جهل وأي أشر وأي سمعة غير ما هو ~~بصدده؟ . # هذا، وقد علم أن هذا المعترض قد شرح كتاب التوحيد الذي قد صنفه الشيخ ~~محمد رحمه الله، وتزين عند أهل الإسلام بشرح كتابه، وانتسابه إليه، ~~والشهادة له بأنه على الحق (3) فلما فاته بعض مقصوده (4) رجع القهقرى ~~وانقلب على عقبه (5) فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدي ومن الشرك والشك ms231 ~~والعمى. # وقد قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة [انقلب على وجهه} [الحج: 11]] (6) الآية [الحج / 11] . # وقد أكثر الكلام والهذر بعض الأمراء بمجلس بعض الأعراب، ثم PageV03P489 # التفت إلى الأعرابي، وقال له: ما العي عندكم في البادية؟ قال: هو ما كنت ~~فيه منذ اليوم. # فسبحان من أظهر من عجائب قدرته، وأدلة حكمته في بعض مخلوقاته، ما نبه به ~~المعافى والمنعم عليه من عباده على عظم النعمة وجزيل العطية والمنحة، ~~ولطائف الخصائص (1) وخصائص اللطائف. # وأما قوله: (وليس القصد (2) احتجاجا على الفعل، وإنما هو دفعا عن التكفير ~~للأمة وعلمائها) إلى آخر عبارته. # فجوابه: أن منعك من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه، وسوى بينه وبين ~~عباده من الأحياء والأموات هو غاية التزكية، والاحتجاج على جواز أفعالهم ~~(3) وإباحة صنيع من أشرك؛ لأن الحكم على أمثالهم بأحكام المسلمين؛ والدخول ~~في عامة المؤمنين يقتضي استحباب دعاء الصالحين أو إباحته، ومتى قيل: بأنه ~~كفر ودعاء لغير الله لزم أن يترتب على فاعله، ويجري عليه ما رتبه القران ~~والسنة من أحكام الشرك والكفر (4) لا سيما وهذا المعترض يصف أهل هذه ~~الأفعال بأنهم علماء الأمة وصلحاؤها. وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم أهل ~~الصراط المستقيم، فكيف يرجع بعد هذا ويدعى أنه لا يحتج على قبيح أفعالهم ~~وعظيم شركهم؟ وهل هذا إلا محض التدافع والتناقض، وإذا وجد الملزوم وجد ~~اللازم. PageV03P490 # وقوله: (سواء يكون جائزا أو مكروها أو مندوبا) . # هذا صريح في أن أفعالهم وشركياتهم دائرة عنده بين الكراهة والجواز ~~والندب، وهذا يرد ما قبله، ويؤيد ما قلناه، ويبين أن المعترض ملبوس عليه، ~~لا يعقل ما يقول. # وفي تعبيره بمضارع "كان" عن أمر حصل وتحقق في الماضي، وصار النزاع فيه ~~واقعا (1) ما يدل على جهله بمواقع الخطاب، ومعاني الكلمات، وأنه نبطي لم ~~يمارس صناعة العلم، وقد تقدم التنبيه على ذلك. PageV03P491 ### | فصل في رد نسبة المعترض الشيخ للجهل وعدم معرفة مذاهب أهل العلم # فصل قال المعترض: (وسنذكر من عبارات الأصحاب وغالبها من ms232 الذين يميل هذا ~~الرجل وذووه بزعمه إليهم، وإن كان هو لا يعمل بقولهم (1) ولا يفهم حقيقته ~~مما يدرأ به عن التكفير للأمة مع صدوره بالجهل، وفيهم لمن تحقق قولهم ~~المقنع، ولو ذهبنا نذكر قول (2) علماء أهل (3) المذاهب لم يرعووا إليها، ~~لأنهم لا يرونهم قدوة لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون مع أهل العلم ~~لتعليم الأولاد) . # فيقال في جوابه: باب الدعاوى، والقول بلا حجة أوسع من المشرق إلى المغرب، ~~يمكن كل مبطل أن يقول في خصمه ما شاء إن لم يمنعه مانع، أو يزعه وازع، من ~~سنة أو قرآن أو رهبة أو سلطان، وإذا خلا الرجل من ذلك، وخلع ربقة الحياء ~~والدين فليصنع ما شاء، كما في حديث (4) " «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» " (5) ~~وإذا رمى هذا المعترض PageV03P492 # خصمه بترك العمل وعدم الفهم، فمن الذي يشهد له هو بعلم أو عمل؟ وأي أحد ~~من الأمة أهل الفطنة والدين فضلا عن أهل العلم واليقين، يرضى حكمه في حزمة ~~(1) بقل أو شراك نعل، والمعروف عنه في هذا الكتاب وفي غيره من الجهل المركب ~~الصريح، ما يتنزه عنه أحاد العامة، بل كثير من المشركين لا يرضى قوله، ولا ~~يميل إليه، وإن وافق مذهبه لاستهجانه في نفسه، وظهور ضلاله وتناقضه، وكثير ~~منهم يتستر ولا (2) يبدي ما أبداه هذا المعترض من الفضائح، وإن دعا ~~الصالحين وتوجه إليهم من دون الله. # ثم قوله: (مما (3) يدرأ به عن التكفير للأمة) قد تكرر منه في كل صفحة (4) ~~التشبيه بالأمة، وأن خصمه يكفر الأمة، وقد تقدم مرارا أن الأمة المستجيبين ~~لله ورسوله لا يكفرهم خصمه (5) ؛ بل هم أولياؤه إخوانه ولم يدع إلا إلى ~~طريقهم (6) ولم ينتحل سوى نحلتهم، وهم المقصودون من الأحاديث التي تدل على ~~التزكية والثناء، وأما مجرد الانتساب إلى الأمة (7) مع دعاء غير الله (8) ~~والشرك الصريح بالأحياء والأموات, والبلة PageV03P493 # والمجانين، والأحجار والأشجار والشياطين، فهذا (1) ليس هو دين الأمة ~~المحمدية، كما زعمه هذا المعترض الجاهل، وإنما هو (2) دين إخوانه الضالين ~~من الكتابيين والأميين، وإن كثر عددهم وعظم سوادهم، وتشابهت ms233 قلوبهم، فهم ~~عند الله وعند رسوله وعند أولي العلم من خلقه الأقلون، الضالون، المنحرفون ~~عما جاءت به الرسل، ودعت إليه الأنبياء، ولا يطلق عليهم اسم الأمة إلا في ~~مقام الدعوة والنذارة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي ولا ~~نصراني يسمع بي (3) ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار» " (4) . # وأما زعمه: (أن الشيخ وإخوانه الموحدين لا يرون العلماء قدوة، ولا يرعوون ~~إلى أقوالهم لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون لتعليم الأولاد) . # فيقال: هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرر عنه في هذه الرسالة، وشيخنا ~~رحمه الله لم يخرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم، الذين ~~لهم لسان صدق في هذه الأمة، ويطالب هذا المفتري (5) بتصحيح دعواه في مسألة ~~واحدة من مسائل الدين، وهذه المسائل التي نقلها هذا المفتري، واحتج بها على ~~دعواه، كافية في الرد عليه PageV03P494 # والتسجيل على جهله وعدم فهمه، لما أورده من كلام أهل العلم والدين، وأنه ~~(1) لم يدخل من الإسلام فيما دخل فيه عوام المسلمين، فضلا عن أهل العلم ~~واليقين، ومن عادة أهل الجهل والنفاق، نسبة أهل العلم والإيمان إلى السفه ~~والجهالة. # كما قال تعالى عن المنافقين: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء} [البقرة: 13] الآية [البقرة / ~~13] . # وقال فرعون لقومه: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} ~~[الزخرف: 52] [الزخرف / 52] . فهذه سنة معروفة لأهل الكفر والنفاق، ~~يستجهلون أهل الإيمان، ويزدرونهم، ويرمونهم (2) بالسفه، وعدم العلم، وقد ~~ألبس الله هذا الرجل ثوب الجهل المركب وثوب التعصب، وعرف بذلك بين الورى، ~~وانتزعت منه سمة أهل الإيمان والهدى، فنسأل الله العفو والعافية، والثبات ~~على دينه الذي ارتضاه لنفسه. PageV03P495 ### | فصل فيه بيان أن الحجة تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل ويكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول الحق # فصل قال المعترض: (قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد كلام ~~سبق من ذكر أنواع العبادة التي ms234 لله تعالى، ثم قال: "ولكن لغلبة الجهل، وقلة ~~العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (1) تكفيرهم (2) حتى ~~يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالف، فهذا صريح قوله، ~~يقول حتى يتبين " بتقديم الياء المثناة من تحت على المثناة الفوقية (3) ثم ~~باء موحدة بعدهما من نسخة صحيحة على هوامشها خطه بيده رحمه الله، وهم جعلوا ~~مجرد تعريفهم حجة فكفروا به، كيف ومن وراء ذلك تصحيح قولهم كما قدمنا، فإذا ~~صح قولهم ووافقهم عليه علماء الأمة، فلا بد أن يتبين للمعرف (4) فحينئذ ~~يوافق قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] [البقرة / ~~89] . # وقوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} ~~[محمد: 25] (5) [محمد / 25] . PageV03P496 # وقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} [النساء: 115] ~~[النساء / 115] . # وفي الآية الأخرى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من ~~بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 32] الآية [محمد / 32] . # قال المفسرون: من بعد ما ظهر لهم الحق بالمعجزات الباهرات. # ولهذا قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق} [فصلت: 53] [فصلت / 53] . قال البغوي: دين الإسلام. # وهؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل (1) . لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، بل شيدوا منارهم لداعي الفلاح، وعمروا مدارسهم، ~~واستقبلوا قبلتهم، والجهل إذا وجد فيهم له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لا التكفير) . # والجواب أن يقال: قد تصرفت في كلام الشيخ وأسقطت أوله الذي يستبين (2) به ~~مقصوده، وقد تقدم أن هذه (3) حرفة يهودية، صار هذا المعترض على نصيب وافر ~~منها، نعوذ بالله من الخزي والهوان. # وقبل هذا النقل قرر شيخ الإسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض ~~أن دعاء الصالحين مع الله وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، كمغفرة الذنوب، ~~وهداية القلوب، وطلب الرزق من غير جهة معينة، وقول القائل PageV03P497 # لصاحب الوثن والمشهد: "أنا في حسبك، واليوم على الله وعليك". ونحو ذلك ~~مما يصدر " (1) . ممن يعبد الأموات ويدعو ms235 الصالحين، ويستغيث بهم كفر صريح، ~~وشرك (2) ظاهر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا قتل. # وبعد تقرير هذا قال (3) (ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في ~~كثير من المتأخرين لم يمكن (4) تكفيرهم بذلك، حتى يتبين (5) لهم ما جاء به ~~الرسول مما يخالفه) . # ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك، أن الحجة إنما تقوم على ~~المكلفين، ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق، ~~وزبدة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله وإسلام الوجوه (6) له وإنابة ~~القلوب إليه. # قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] [الإسراء ~~/ 15] . # وقد مثل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية، أو ولد في بلاد (7) الكفار، ~~ولم تبلغه الحجة الرسالية، ولذلك قال الشيخ: "لغلبة الجهل، وقلة العلم ~~بآثار الرسالة في كثير (من المتأخرين"، وقد صنف رسالة مستقلة في أن الشرائع ~~PageV03P498 # لا تلزم قبل بلوغها، وأكثر) (1) العلماء يسلمون (2) هذا في الجملة، ~~ويرتبون عليه أحكاما كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها، فمن بلغته دعوة ~~الرسل إلى توحيد الله، ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن ~~له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد ~~غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون ~~في هذا، وشيخنا رحمه الله قد قرر هذا وبينه وفاقا لعلماء الأمة واقتداء ~~بهم، ولم يكفر (3) إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه رحمه الله ~~توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو ~~المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: "حتى يتبين (4) لهم ما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله ~~فقد تبين له "، وليس بين "بين" و"تبين" فرق بهذا الاعتبار؛ لأن كل من بين ~~له (5) ما جاء به الرسول، وأصر وعاند، فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه ~~سواء كان إصراره لشبهة عرضت، كما وقع للنصارى، وبعض المشركين من العرب، أو ~~كان ذلك عن عناد وجحود ms236 واستكبار (6) كما جرى لفرعون وقومه، وكثير من مشركي ~~العرب، فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها، ولا يلزم أن ~~يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم؛ بل PageV03P499 # يكفي في التفكير رد الحجة, وعدم قبول ما جاءت به الرسل. # قال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] (1) - إلى ~~قوله- {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] [النور / 39، ~~40] . # قال تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} [يس: 9] الآية [يس ~~/ 9] . # وقال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] [الفرقان / 44] . # وقال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179] [الأعراف / 179] . # وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا - الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا (2) وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103 - 104] [الكهف / 103، ~~104] . # [206] وقال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} [فاطر: 8] [فاطر / ~~8] . # وقال تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين ~~أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} [الأعراف: 30] [الأعراف / 30] . # ونحو ذلك من الآيات, وإذا بلغ النصراني ما جاء به الرسول, ولم ينقد له؛ ~~لظنه أنه رسول الأميين فقط فهو كافر, وإن لم يتبين له الصواب في نفس (3) ~~الأمر. PageV03P500 # وكذلك كل من بلغته دعوة الرسول (1) بلوغا يعرف منه المراد والمقصود، فرد ~~ذلك لشبهة أو نحوها فهو كافر، وإن التبس عليه الأمر، وهذا لا خلاف فيه. # فما صنعه هذا الغبي من ضبط الكلمة بالياء التحتية ثم المثناة الفوقية جهل ~~منه بأصول الشرع وأدلته. # وقوله: (لا بد أن يتبين للمعرف) واستدلاله بقوله تعالى: {فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] [البقرة / 89] وما بعدها من الآيات يدلك (2) ~~على كثافة فهمه وعظيم جهله، فإن هذه الآيات إنما فيها التسجيل والبيان عن ~~حال من كفر مع علمه بالحق والهدى، وليس فيها أنه لا يكفر ms237 (3) سواه، فمن لم ~~يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الشبهات والجهل المركب فالدليل أخص ~~من المدعى. # وهذا المعترض من أجهل الناس بأحكام الشرع (4) وسبل الهدى، وأظنه لا يحفظ ~~كتاب الله (5) ولا (6) يدري ما فيه من النصوص. # قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون} [التوبة: 115] [التوبة / 115] . PageV03P501 # ولم يقل حتى" يتبين ". # وقال: {وما أرسلنا (1) من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 4] ~~الآية [إبراهيم / 4] . # وقد نص شيخنا رحمه الله تعالى في جوابه لمن سأله عن هذه المسألة, وقال ~~رحمه الله تعالى (2) (أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين بلوغ الحجة, وفهم ~~(3) الحجة, وبلوغ الحجة لابد منه في الحكم بما تقتضيه الحجة والدليل, وأما ~~فهم الحجة فلا يشترط. # قال الله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] [الفرقان / 44] ) . اه بمعناه. # (قال الخطابي في "الغريب": الكفر على أربعة) (4) أنحاء: كفر جحود، (وكفر ~~عناد، وكفر نفاق) (5) وكفر إعراض. ومثل الأول: بكفر فرعون وأمثاله (6) و ~~(7) الثاني: بكفر إبليس ممن اعترف وعاند. والثالث: بكفر النفاق. والرابع: ~~بكفر المعرضين عن التزام الإسلام والعمل (8) به PageV03P502 # لغرض غير العناد (1) وقرر مثله شمس الدين ابن القيم. # وقوله: (وهؤلاء الذين (2) كفرهم هذا الرجل لم يصدوا عن سبيل الله، ولم ~~يشاقوا الرسول) . # إن أراد أن من عبد الصالحين بالحب مع الله، والخضوع، والدعاء، والذبح، ~~والنذر ونحو ذلك من العبادات، لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول، ~~مع ما هم فيه من الشرك البواح والكفر البين (3) ودعوة الناس إلى مذهبهم، ~~وتحسينه للجهال (4) والغوغاء وإيراد الشبهات على صحته، فهذا [207] أكبر ~~دليل، وأوضح برهان على أن هذا المعترض لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم ~~يفقه مراد الله ورسوله، ولم يدر ضروريات الإسلام التي يعرفها كل من تصوره ~~وعرف حقيقته، فضلا (5) عمن قبله ودان به. # وفيه جهله بمعنى الصد والمشاقة التي يعرفها آحاد الناس، وكون عباد القبور ~~شيدوا المنار، وعمروا المدارس، واستقبلوا القبلة، فليس ms238 هذا هو الإسلام حتى ~~يستدل به على إسلام من دعا الأموات والصالحين، وجعلهم أندادا لله رب ~~العالمين. # وفي حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان ما يستبين (6) ~~PageV03P503 # به ضلال هذا المعترض وجهله (1) بمسمى الدين ومراتبه، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أجابه عن سؤاله (2) عن الإسلام بجواب كاشف للحقيقة مبين للحد (3) ~~والماهية، فقال: " «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه ~~سبيلا» " (4) فجعل الإسلام هو التزام التوحيد، والبراءة من الشرك، والشهادة ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، والإتيان بالمباني الأربعة، ولم يذكر ~~تشييد المنار. # وكذلك جعل هذا مسمى الإيمان في حديث وفد عبد القيس، إلا أنه أبدل الحج ~~بإعطاء الخمس، فمن جعل الإسلام هو الإتيان بأحد المباني فقط مع ترك التزام ~~توحيد الله والبراءة من الشرك، فهو (5) أجهل الناس وأضلهم، فكيف بمن جعل ~~ذلك هو تشييد المنار، أو عمارة المدارس، أو استقبال القبلة" قال تعالى: ~~{أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله [والله لا يهدي القوم الظالمين} ~~[التوبة: 19]] (6) [التوبة / 19] . # وقد تقدم هذا المبحث (7) وانهدم أصل المعترض، وكشفنا عن ضلالته بحمد الله ~~ومنته. PageV03P504 ### | فصل فيه رد على فهم خاطىء للمعترض لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية # فصل قال المعترض: (ثم قال أبو العباس: "وما يروى أن رجلا جاء إلى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فشكي إليه الجدب عام الرمادة, فرآه وهو يأمره أن ~~يأتي عمر وأن يخبره أنهم مسقون، فعليه بالكيس، فمثل هذا يقع كثيرا لمن هو ~~دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أو غيره من أمته حاجة فتقضى، فإن هذا وقع كثيرا، ولكن ~~عليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء السائلين لا (1) ~~تدل على استحباب السؤال، وأكثر هؤلاء السائلين الملحين (2) لما هم فيه من ~~ضيق الحال لو ms239 لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة ~~كانوا كذلك ". هذا كلامه والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم ~~وسؤالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، و ~~(3) أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك (4) وأثبت لهم الإيمان بذلك، وسوى ~~بين الحياة والممات؛ كما PageV03P505 # تراه صريحا واضحا (1) . وقد «قال ربيعة بن كعب رضي الله عنه كما في صحيح ~~مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوء وحاجة ~~فقال: سلني، فقلت: سألتك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. ~~فقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود» " (2) وهذا الرجل كفر من سأل الله ~~تعالى وحده بذات النبي صلى الله عليه وسلم، أو برجل صالح وأخرجه عن (3) ملة ~~الإسلام بذلك، كما ترى فيما سبق من (4) قوله في شبهته، فهو بذلك ممن قال ~~الله فيهم: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} ~~[الحج: 8] الآية [الحج / 8] . # وممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: " «إنهم يقتلون أهل الإيمان ~~ويدعون أهل الأوثان» ") . # والجواب أن يقال: إن أبا العباس قرر منع الدعاء عند القبور، وأنه وسيلة ~~إلى دعاء أربابها مع الله، كما يفعله عباد الكواكب والأصنام والصالحين من ~~الآدميين والملائكة، وجزم بالمنع من دعاء الله عندها، وأنها وسيلة إلى هذا ~~الشرك العظيم، وأنه مشاقة لله ورسوله، فإن (5) الرسول منع من الصلاة عند ~~القبور، ولعن فاعله، وقال: " «لا تتخذوا قبري PageV03P506 # عيدا» " (1) فاستدل واحتج واستظهر، ثم ذكر (2) سؤالا يورده القبوريون- ~~يعني عباد القبور- وأجاب عنه، وذكر أنه إنما أورده مع بعده عن طريق العلم ~~والهدى، لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون، وأورد فيه ما يحتجون به، ومنه ما ~~ذكر هذا المعترض أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه ~~الجدب عام الرمادة، والشيخ لم يقصد أن هذا جائز أو أنه مشروع، أو دليل ~~يستدل به على الدعاء عند القبور، أو على دعاء أربابها مع الله، وإنما ذكر ms240 ~~أنه يقع، وأن وقوعه لا يستدل به، وأنه ذكره في معرض الرد على من دعا عند ~~القبور، فإن كان كلام الشيخ دليلا فقد رده، وذكر أنه لا يحتج به، وأنه بعيد ~~عن طريق العلم والهدى كما قاله في أول السؤال في كتاب: "اقتضاء الصراط ~~المستقيم ". # وقوله: (وأعرف من هذا وقائع، وأن هذا وقع كثيرا) . # يريد به أن الوقائع القدرية في مثل هذا لها أسباب متعددة لا يحيط بها إلا ~~الله، فلا يستدل بها على التشريع والاستحباب أو الجواز. # وقوله: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) . ليس فيه أنهم لم يشركوا أو أن ~~هذا مشروع، غاية ما هناك أنه ذكر عنهم أنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، ~~وهذا يدل على أنهم على طرف وحرف، إن أصابهم خير اطمأنوا (3) به، وإن ~~أصابتهم فتنة انقلبوا، كما أن كثيرا من السائلين PageV03P507 # له (1) في الحياة كذلك، وقد ذمهم الله وعابهم بقوله: {ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} [التوبة: ~~58] (2) [التوبة / 58] . وهؤلاء من أهل النفاق بنص الآية والشيخ جعلهم ~~مثلهم، فأي دليل يبقى لمبطل لو كانوا يعلمون؟ . ويقال أيضا: قول الشيخ: (لو ~~لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) ، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانا يمنع من الشرك، ~~غايته أن (3) يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته (4) الإيمان بالرسالة والنبوة ~~لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد، والبراءة من الشرك، أو ~~يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية. # قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] [يوسف / ~~106] . أثبت لهم إيمانا (5) مع شركهم (6) . ويدل على مراد الشيخ: أنه لم ~~يطلق الإيمان، وإنما أتى بإيمان مقيد (7) بالإضافة إليهم، وهذا يدل على نوع ~~خاص من الإيمان وجزء PageV03P508 # منه، فأي حجة تبقى لهذا المعترض الذي هو أجهل وأضل (1) من حمار أهله؟ . # قال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [الجمعة: 5] [الجمعة / 5] . # وأما حديث ربيعة بن كعب: فالاستدلال به خروج ms241 عن محل النزاع، وأهل العلم ~~لا يمنعون من سؤاله صلى الله عليه وسلم في حال حياته، فإن المراد هنا طلب ~~(2) شفاعته بالدعاء. # قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] [النساء / 64] . # وهذا من جنس سؤال المخلوق ما يقدر عليه، ولهذا كان الإتيان إليه صلى الله ~~عليه وسلم لطلب الاستغفار لمن ظلم نفسه مشروعا في حياته باتفاق الأمة، وأما ~~بعد موته فلم ينقل عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من أئمة العلم والهدى أنه ~~فعله، أو استحبه (3) أو أمر به، حتى أن الحكاية التي تذكر عن العتبي ضعفها ~~أهل العلم بالنقل، ولم يثبتوها وقد بسط الكلام عليها وكشف حال ناقليها، ~~الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي رحمه الله تعالى في كتاب: "الصارم ~~المنكي"، وتقدم تلخيص ذلك قريبا (4) . PageV03P509 # والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وهذا الرجل من الصم ~~البكم (1) الذين لا يعقلون، والحديث فيه الإشارة بقوله: " «أعني على نفسك ~~بكثرة السجود» " إلى ما وقع في حديث أبي هريرة صريحا لما قال له: " «من ~~أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله ~~إلا الله خالصا من قلبه» " (2) وكلا (3) الحديثين خرج من مشكاة واحدة ممن ~~لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ومن كان له نور يمشي به في الناس ~~ابصر وأدرك (4) ما يخفي ويتعذر إدراكه على أهل الظلمة والعمى. فسبحان من ~~قسم بين عباده الشقاوة والهدى. # ومن هذا: سؤال الناس له صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أن يشفع لهم إلى ~~ربه، وهو من جنس مسألته في الدنيا صلى الله عليه وسلم، (5) وقد احتج به ~~المبطلون على سؤاله بعد مماته ودعائه مع الله، وقد كشف شبهتهم وأبدى خزيتهم ~~شيخنا رحمه الله في كتابه (6) "كشف الشبه" (7) وشيخ الإسلام ابن تيمية في ~~كتاب: "الاستغاثة" (8) وكتاب: "الرد على ابن الأخنائي المالكي "، فليراجع. ~~PageV03P510 # وأما قول هذا (1) المعترض: (وهذا الرجل كفر من سأل الله ms242 تعالى وحده بذات ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أو برجل صالح؛ وأخرجه عن ملة الإسلام) إلى آخر ~~عبارته. # فقد تقدم لك أنه لا يتحاشى من (2) الكذب، وأنه من أكذب الخلق على الله ~~وعلى عباده المؤمنين، والله سبحانه وتعالى يعلم وعباده المؤمنون يعلمون (3) ~~أن الشيخ إنما كفر من دعا مخلوقا (4) أعظم من دعاء الله، ومن تضرع وخشع (5) ~~واستكان، رغبة ورهبة عند قبور الصالحين (6) أعظم من تضرعه في بيوت الله ~~وخشوعه له في أوقات الإجابة، وأوقات (7) الأسحار، وطلب من المخلوق ما لا ~~يقدر عليه إلا الله العزيز الغفار. # وأما من سأل الله بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو بذات غيره: فالكلام ~~فيها معروف مشهور لا يخفى [على] (8) صغار الطلبة، وقد حكاه شيخنا رحمه الله ~~في كثير من رسائله، وقرر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل ~~العلم، وحكى الخلاف فيه على عادة أهل العلم، ولم يقل أنه شرك فضلا عن أن ~~يقول: أنه يخرج عن (9) الملة، وهذه المسألة ليست PageV03P511 # مما (1) نحن فيه من مسائل النزاع، وإنما أدخلها هذا الملحد مغالطة ~~وترويجا لباطله، ولبسا للحق بالباطل، كما هو الغالب عليه في سائر ~~اعتراضاته. # قال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل (2) وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} ~~[البقرة: 42] [البقرة / 42] . # وأما قوله: (فهو بذلك ممن قال الله فيهم: {ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} [الحج: 8] [الحج / 8] ) . # فلا تستغرب هذه الجرأة على الله، وعلى كتابه، وعلى عباده المؤمنين، ممن ~~قل حظه ونصيبه من العلم والدين، وعدم العقل المانع عما يهلك ويشين، وكل ~~مبتدع وضال يتأول إذا تهتك وخرج عن قانون الاحتجاج والمناظرة في خصمه، ~~ومخالفة ما يكابر به معاني الآيات والنصوص الظاهرة، فانظر إلى قول الرافضة: ~~{مرج البحرين يلتقيان} [الرحمن: 19] [الرحمن / 19] . علي وفاطمة. # {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] [الرحمن / 22] . حسن وحسين. # وقولهم: {إن شجرت الزقوم} [الدخان: 43] بنو أمية، وحملهم بعض النصوص ~~الواردة في أناس من صناديد المشركين وأعيانهم على أبي بكر وعمر، وقولهم في ~~عائشة - لعنة الله عليهم- يتأولون فيه، ms243 فلا عجب من هذا البغي والعدوان، ~~فللرسل وأهل العلم ورثة، وللرافضة والباطنية ورثة، إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. PageV03P512 # وقول هذا الجاهل المعترض: (الآية) بعد سياقه لها بتمامها يدل على جهله ~~بكتاب الله، وجهله بقول العلماء إذا أرادوا قراءة الآية واقتصروا على ~~أولها، وبالجملة فمناقشته تطول. ### | باب الدعاوى مصراعاه من بصرى إلى عدن ولكن لا دعوى بدون بينة # وأما دعواه: (أن شيخنا رحمه الله ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" «إنهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان» ") . # فيقال: قد قال هذا قبله كل مشرك وعابد لغير الله، حتى إن قريشا قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنه صابئي" ولقبوه به، والجهمية المعطلة يسمون ~~أهل السنة: حشوية ونوابت، والرافضة يسمونهم: نواصب، والقدرية يسمونهم: ~~مجبرة، وبالجملة فقد قال هذا كل مشرك، وباب الدعاوى مصراعاه أوسع من بصرى ~~إلى عدن، وهكذا كل من جرد التوحيد لله العزيز الحميد نسبه عباد القبور إلى ~~هذا الإفك المبين، ولعمر الله إن من نهى عن عبادة غير الله، وأمر بتوحيده ~~لهو المؤمن البر الراشد، الداخل في اتباع الرسل وأوليائهم، وإن كان خارجا ~~عن أهل الشرك بالله وعبادة غيره، متبرئا منهم، ماقتا لهم (1) # وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر (2) عنك عارها # وأقرب الناس شبها بالخوارج: من خرج عن جماعة المسلمين إلى عبادة الصالحين ~~والشياطين، ولم يلتزم جماعة المسلمين أهل التوحيد والتعظيم لله رب ~~العالمين، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (3) # من لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان PageV03P513 # ولهم (1) نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا (2) من التقصير في العرفان # وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التحقيق والإيمان # وقد أشبعنا الكلام على أمر (3) الخوارج، وذكر مبدأ أمرهم، وكيف كانت ~~شبهتهم، فيما كتبناه من الرد على (4) طاغية العراق (5) ولله الحمد والمنة. ~~PageV03P514 ### | فصل في مناقشة كلام لابن تيمية استدل به المعترض على عدم تكفير أهل الشرك والردة وخلط بينهم وبين أهل البدع والأهواء # فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس في موضع آخر: ms244 "فمن عيوب أهل البدع ~~تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم: أنهم (1) يخطئون ولا يكفرون) . قال: ~~(وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرا، وقد يكون كفرا، لأنه تبين له ~~ذلك أنه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وسب للخالق (2) والآخر لم يتبين ~~له ذلك، فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم ~~يعلم بحاله) . قال: (والناس لهم فيما يجعلونه كفرا طرق، فمنهم من يقول: ~~الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الناس ~~متفاوتون في (3) العلم الضروري بذلك) ، ثم قال: (وأنا أبعد الناس عن ~~التكفير، وقد ذكرت الذي أمر أن يحرق بعد موته، ويذر في البحر فرارا (4) أن ~~يبعثه الله تعالى خوفا منه؛ لأنه لم يعمل لله خيرا قط، وحديثه في البخاري، ~~فغفر له) (5) - إلى أن قال: (فالعلم قبل PageV03P515 # [213] الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ~~ليس له به علم) . اه كلامه. # والجواب أن يقال: هذا المعترض يتصرف في الكلام الذي ينقله، ويحرفه عن ~~موضعه (1) ومع ذلك فالكذب غالب عليه، فيطالب أولا بتصحيح ما نقل، وبعد ~~التصحيح يجاب عما ذكر، ولشيخ الإسلام أبي العباس رحمه الله في هذا المعنى ~~كلام يعرفه أهل العلم، وقد استدل بهذا الحديث في مواضع على عدم تكفير ~~المعين، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية (2) وبعد ذلك يحكم (3) بما تقتضيه ~~تكفيرا أو تفسيقا، وهذا في المسائل التي قد (4) تخفى على بعض الناس، كعموم ~~القدرة على جمع أجزاء هذا الميت المحرق من البحر والبر (5) والريح، لا سيما ~~في أوقات الفترات واستحكام الجهالة والضلالات، وشيخنا رحمه الله لم يكفر ~~أحدا ابتداء بمجرد فعله وشركه، بل يتوقف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي ~~يكفر (6) تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة، ~~وفي المثل: "الهوى يعمي ويصم ". # ويقال أيضا: فرض الكلام الذي نقلته عن أبي العباس ومحله في أهل البدع، ~~كما هو صريح كلامه، ms245 والمشركون وعباد القبور عند أهل PageV03P516 # السنة والجماعة معدودون من أهل الشرك والردة، والفقهاء فرقوا بين القسمين ~~في الأبواب والأحكام (1) فذكروا أهل الشرك والردة [في باب الردة] ، (2) ~~وذكروا أهل الأهواء في باب قتال أهل البغي كالخوارج والقدرية ونحوهم، وهذا ~~يعرفه صغار الطلاب، وقد خفي على ثور المدار والدولاب، فلبس على العامة ~~والجهال، وأدخل أهل الشرك في أهل البدع، وسوى بينهم في الأحكام، خلافا ~~لكتاب الله وسنة نبيه وما عليه علماء أهل الإسلام، فسحقا له سحقا، وبعدا له ~~بعدا، حيث جادل بالباطل والمحال. # ويقال أيضا: قد صرح أبو العباس أن عدم التكفير قد يقال فيما يخفى على بعض ~~الناس، وأما ما يعلم من الدين بالضرورة كشهادة أن لا إله إلا الله؟ وشهادة ~~(3) أن محمدا رسول الله، فهذا لا يتوقف أحد في كفر (4) من أنكر لفظه أو ~~معناه، ولم ينقد لما دلت عليه الشهادتان، وهذا متفق عليه في الجملة، فجعله ~~(5) من المسائل التي خاض فيها أهل البدع والأهواء خروج عن (6) محل النزاع، ~~وخرق لما صح وثبت من الاتفاق والإجماع، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور} [النور: 40] # قال الشيخ رحمه الله تعالى (7) (وهذا إذا كان في المقالات الخفية ~~PageV03P517 # فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، وذلك ~~يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بها (1) وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة ~~الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة ~~وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه ~~الأنواع، فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد (2) عن الإسلام ردة صريحة، ~~وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة، وقد ~~ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول (3) "مختلف الحديث"، وأبلغ من ذلك أن ~~منهم من صنف في الردة كما صنف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن ~~الإسلام باتفاق ms246 المسلمين) . اه. # ثم ساق (4) المعترض ما ذكر الشيخ أبو العباس في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، من (5) اشتراط العلم، وطلب الرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر. # فذلك من عجيب جهل هذا المعترض، وعدم علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، ~~وحاصل دعواه: أن من أنكر الشرك، وأغلظ في إنكاره، وقاتل عليه عباد القبور ~~والأصنام، فقد ضيع العلم والحلم والرفق، وهذه PageV03P518 # الدعوى على عمومها تتضمن الإنكار على رسل (1) الله وخلفائهم وورثتهم، ~~الذين قاموا بجهاد أهل الشرك وقاتلوهم، وسبوا نساءهم وأولادهم (2) وغنموا ~~أموالهم. # وهذه الدعوى لو أطلقها القائل الذي وضعها في أهل الإسلام المجاهدين على ~~توحيد الله لكانت كفرا صريحا: قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله} [البقرة: 193] [البقرة / 193] . وقال تعالى: {يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: ~~73] [التوبة / 73] . # والمعترض لم يفهم كلام أبي العباس، فوضعه في غير موضعه، وأزال بهجته، فإن ~~الرفق والحلم يحسن (3) في محله، وحيث أمر الله بهما (4) والمعترض أحمق يظن ~~أن العلم مع من لم يكفر المشركين، وعباد القبور، ومن جعلهم من جملة أهل ~~البدع، واحتج بكلام أهل العلم في أهل [215] البدع على أهل الشرك والتسوية ~~(5) بين الله وبين غيره (6) في خالص حقه، فلا جرم سود الأوراق، وأكثر ~~النقل، وشقشق في عبارته (ولبس في مقالته (7) وتزين بثوب ضلالته وجهالته، ~~ولم يتحاش من كشف سوأته PageV03P519 # وإظهار خزيته، والحمد لله الذي أظهر دينه وأعلا كلمته، وصدق وعده ونصر ~~عبده. # ثم اعلم أن شيخنا رحمه الله من أعظم الناس وأكثرهم رفقا وحلما، ووقوفا مع ~~الحجة والدليل، ولم يبدأ أحدا بقتال حتى بدأوه وكفروه، فالحمد لله الذي ~~ألهمه رشده، وسدد أمره، ولم يجعله على طريق هؤلاء الحيارى الضالين، والجهلة ~~الظالمين. # PageV03P520 ### | فصل في بيان أن من كفر الفرق كلها فقد خالف الكتاب والسنة ومن الفرق من خرج عن الملة # فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس أيضا؛ وليس كل من جهل شيئا من الدين ~~يكفر قال: "ومن (1) كفر الثنتين والسبعين الفرقة (2) كلها، فقد خالف الكتاب ms247 ~~والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين، وسلف الأمة") . اه. # ثم قال المعترض: (وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث " «وستفترق ~~أمتي» " (3) فأثبت صلى الله عليه وسلم أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة ~~فكيف ينفون (4) عنها، وقد أثبتهم صلى الله عليه وسلم منها؟) . # والجواب أن يقال: هذه عبارته بحروفها، فأما (5) نقله عن أبي العباس فليس ~~فيه ما يتمسك به بل هو حجة عليه، لأن أبا العباس، إنما أثبت مخالفة الكتاب ~~والسنة لمن كفر الفرق كلها، فلا يتم الاستدلال بكلامه إلا على من كفر الفرق ~~كلها، وما ظننت (6) هذا يقوله أحد PageV03P521 # من (1) علماء الأمة، وأما تكفير بعضها فليس في العبارة التي نقل المعترض ~~ما ينفيه، بل ربما يستدل بإثبات المخالفة لمن كفر الكل، ومن كفر البعض، ~~فليس مخالفا، وهذا وإن لم يكن صريحا في كلام الشيخ فالإشارة فيه إليه لا ~~تخفى. # ثم إن قول هذا (2) المعترض: (وذلك لقوله-صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~[216] " «وستفترق أمتي» " جهل منه بمدارك الأحكام، فإن المنع من تكفير هذه ~~الفرق ليس لأنهم من (3) الأمة؛ بل لأن التفرق قد يبقى معه أصل الإيمان ~~والتوحيد المانع من الكفر المخرج عن الملة، ولذلك وقع النزاع في كثير من ~~هذه الطوائف، فمن كفر بعضهم فهو يحتج بالنصوص المكفرة لهم من كتاب الله ~~وسنة نبيه؟ ومن لم يكفر فحجته أن أصل (4) الإسلام الثابت لا يحكم بزواله ~~إلا لحصول مناف لحقيقته، مناقض لأصله وما بقي معه الإسلام (5) من (6) ~~الذنوب والتفرق فليس من المكفرات، فالعمدة استصحاب الأصل وجودا وعدما. # وأما قول هذا المعترض: (فأثبت لهم أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة) ~~. # فدعوى باطلة، ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل PageV03P522 # الإجابة والقبلة، وفي الحديث: " «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ~~يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار» " (1) والحديث في سنن ابن ماجه. # وقال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا - ~~يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى ms248 بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا} [النساء: 41 - 42] [النساء / 41، 42] . # فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال تعالى: {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون} [النحل: 84] [النحل / 84] . # والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة، وتطلق ~~(2) في مقام التفرق والذم ويراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال. # وفي عبارته فساد تركيب وركاكة ظاهرة، فإنه قال: (فكيف ينفون عنها؟) ، ~~وهذا يسمى إخراجا عن الملة لا نفيا، وأبلغ منه قوله: (وقد أثبتهم منها) . ~~وإنما يقال: (أدخلهم فيها) ، لا أثبتهم منها، فتدبر. # إذا عرفت هذا: فاعلم أن هذا المعترض يرى (3) أن عباد القبور والصالحين ~~الذين (4) أشركوا بالله رب العالمين، وجعلوا PageV03P523 # له (1) أندادا ونظراء فيما يستحقه على عباده من الحب والخضوع، والتعظيم ~~والدعاء، رغبا ورهبا، والتوكل والإنابة والاستغاثة، والذبح والنذر والحلف، ~~وغير ذلك من أنواع العبادة هم من الأمة أهل الإجابة والقبلة، وأنهم من هذه ~~الفرق المذكورين في هذا الحديث، والشرك عنده لا وجود له إلا في اليهودية ~~والنصرانية والمجوسية أو من جحد جميع ما جاء به الرسول عنادا، وما (2) عداه ~~من المكفرات التي ذكرها أهل العلم في أبواب [217] ، الردة، بل ذكرها الله ~~في كتابه وقررها هو، وبينها رسوله أتم بيان ووضحها أظهر توضيح، لا توجب ~~الكفر عنده ولا الردة، ومن بلغت به الجهالة والشلالة إلى هذا الحد والغاية ~~فقد سقط الكلام معه، والأولى به أن يساس بما يساس به القرمطي والسفسطائي ~~ونحوهم، ممن يكابر في اليقينات؛ ويقرمط في السمعيات. # فما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تزيل ظباه أخدعي كل مائل # فهذا دواء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل # ويقال (3) بهذا الملحد: ما تقول في الغالية الذين (4) حرقهم علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه بمشهد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، أهم من ~~الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وما تقول في مانعي الزكاة الذين (5) قاتلهم ~~PageV03P524 # الصديق وأجمعت (1) الصحابة ms249 على تكفيرهم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم ~~لا؟ وكذلك بنو حنيفة، وبنو عبيد القداح ملوك مصر والمغرب، فإن دخلوا في ~~الثنتين والسبعين فرقة بطل تأسيسك وانهدم أصلك الفاسد، وإن لم يدخلوا كما ~~هو الصحيح بطل إدخالك أمثالهم من عباد القبور في مسمى الأمة في هذا الحديث، ~~وثبت أن من (2) الفرق من يخرج عن الملة ويرتد (3) بما خالف فيه من نحلته. ~~PageV03P525 ### | فصل في احتجاج المعترض بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على أن عباد القبور وغيرهم خطؤهم مغفور لهم # فصل قال المعترض: (وقال أيضا في "الفرقان" بعد كلام له سبق: "فكيف إذا ~~بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، فإذا كان أخوه المسلم قد ~~أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافرا ولا فاسقا ولا ~~عاصيا؛ بل (1) عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وفي كتاب الله في ~~دعاء الرسول والمؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: ~~286] [البقرة / 286] . وفي الصحيح: "إن الله تعالى قال قد فعلت") . اه. # والجواب أن يقال: هذه الطامة أكبر من أختها، فإنها تقتضي أن عباد القبور ~~والأوثان الذين كفرهم شيخنا رحمه الله مسلمون مؤمنون، مغفور لهم خطؤهم ~~ونسيانهم، هذا معتقد المعترض، ولذلك ساق كلام أبي العباس محتجا به على ~~ضلالته. # وهذا في الحقيقة تسجيل منه على أن كل من كفر عباد القبور والصالحين ~~بعبادتهم غير الله، وإشراكهم في خالص حقه، فقد كفر مسلما PageV03P526 # على خطأ مغفور له والمكفرون بمثل هذه الأشياء كافة أهل العلم من أهل ~~الإسلام؛ بل وجميع الرسل يكفرون بهذا، وقد حكى الإجماع غير واحد [218] على ~~كفر هذا الصنف. # قال شيخ الإسلام أبو العباس، فيما نقله عنه أكابر أصحابه وأعيان أهل ~~مذهبه (1) (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر ~~إجماعا) . # قال شارحه: لأنه فعل عابدي (2) الأصنام، قائلين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى} [الزمر: 3] [الزمر / 3] . # وذكره ابن حجر الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" راضيا به مقررا له. # وأبواب الردة يستفتحها الفقهاء بذكر ms250 الشرك في الربوبية والإلهية. # إذا عرفت هذا: عرفت أن هذا المعترض خرج عن إجماع المسلمين بحكمه بإسلام ~~هؤلاء المشركين، وأنه خطأ أهل الإسلام كافة، بل لازمه أنه خطأ من كفرهم من ~~سائر رسل الله الكرام، والنزاع بيننا وبين هذا وأمثاله إنما هو في عبادة ~~الأولياء والصالحين الذي عدلوا بربهم وسووا به غيره (3) في خالص حقه، ~~وشبهوا عباده به (4) في استحقاق الإلهية PageV03P527 # والعبادة، وكل هذه العبارات التي يحتج بها من كلام أهل العلم خارجة عن ~~محل النزاع، أجنبية عنه، وهذا الشيخ الذي يشير إليه (1) هذا بالرد قد شرح ~~كتابه بزعمه، وأثنى عليه ومدحه (2) ؛ ليروج بذلك باطله، ويتمكن من الإقامة ~~بين أظهر المسلمين، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب. PageV03P528 ### | فصل في احتجاج المعترض لكلام لابن القيم فهم منه منع التكفير بدعاء غير الله والشرك به # فصل قال المعترض: (وقال شمس الدين (1) ابن القيم، لما أتى على مسألة ~~التكفير: "اعلم أن الكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر". # قال: "ولما كان الإيمان أصلا له شعب متعددة، وكل شعبة فيه تسمى إيمانا، ~~فالصلاة والزكاة والصيام والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية ~~من الله تعالى والإنابة حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، ~~وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله، كالشهادتين، ومنها ما لا يزول ~~بزواله" إلى أن قال: "وكذلك الكفر ذو أصل وشعب كما أن الإيمان أصل ~~الشهادتين، وكما أن (2) أصل [الكفر] (3) الجحود لهما؛ فكما أن شعب الإيمان ~~إيمان فشعب الكفر كفر" إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من ~~قام به شعبة من شعب (4) الكفر أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر". إلى ~~أن قال: "فمن صدر منه خصلة من خصال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، ~~لأن معه أصل الإيمان، PageV03P529 # وهما الشهادتان"، إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر ~~عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن [219] الرسول صلى ~~الله عليه وسلم جاء به من ms251 عند الله تعالى، جحودا وعنادا (1) منه، فهذا ~~الكفر يضاد الإيمان من (كل وجه، وأما كفر العمل: فينقسم إلى ما يضاد ~~الإيمان، وإلى ما لا (2) (3) يضاد الإيمان فالسجود للصنم؛ والاستهانة ~~بالمصحف، وقتل النبي وسبه، يضاد الإيمان. # وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا، ~~فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ لكن كفر عمل لا كفر اعتقاد وعناد، وقد نفى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لم يأمن جاره بوائقه، ~~فهو كافر من جهة العمل، وإن انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذا قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» " (4) 0 اه. # فقد نص رحمه الله أن الكفر لا يكون إلا جحودا أو عنادا، فهذا الذي يخرج ~~عن الملة، فمتى يكون هذا في الأمة؟ وما سوى ذلك له الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر من غير تكفير وقتال، كما يفعل هذا الرجل بالأمة) . # والجواب أن يقال: هذا المعترض له حظ وافر من تحريف النصوص PageV03P530 # والكذب فيها، وكلام شمس الدين رحمه الله في هذه المسألة معروف مشهور، جار ~~على مذهب السلف، وأهل العلم في التكفير بكثير من الأقوال والأفعال الباطنة ~~والظاهرة، ولا ينازع في تكفير من عبد غير الله وأشرك بربه، وكلامه في هذه ~~العبارة صريح في ذلك، وقد ساقها مستدلا بها على كفر تارك الصلاة، والمعترض ~~حرف العبارة، وأسقط منها ما هو حجة عليه، وما لا يستقيم الكلام بدونه، ~~فأسقط من أول العبارة قوله: (ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن ~~الطريق، وبينهما شعب (1) متفاوتة تفاوتا عظيما، ومنه ما (2) يلحق شعبة ~~الشهادة، ويكون إليها أقرب) فأسقط هذا لأنه صريح في التكفير بدعاء غير الله ~~والشرك به، وأن ما قارب هذا الأصل يكون كفرا، ويلحق به، وهذا عين (3) كلام ~~الشيخ؛ بل شيخنا رحمه الله لم يكفر إلا بترك العمل بشهادة أن لا إله إلا ~~الله، وباتخاذ ms252 الآلهة والأنداد مع الله، وقد نص في هذه العبارة المنقولة أن ~~هذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين، وهذه هي مسألة النزاع، ~~فإن من شهد (4) لله بالوحدانية، ولم يلتزم ذلك ولم ينقد لمقتضاه، لا يكون ~~مؤمنا (5) وكذلك شهادة أن محمدا رسول الله لا بد فيها من التزام ما جاء به: ~~من الإيمان بالله وتوحيده، وإلا فلا تنفعه هذه الشهادة، ولا يسمى شاهدا. ~~PageV03P531 # [220] قال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ~~[المنافقون / 1] . # فأكذبهم في زعمهم، لأنهم لم يعملوا (1) بمقتضى الشهادة، بل خالفوها ~~بالعمل والاعتقاد، فلو تفطن فيما نقله هذا المعترض لعرف أنه عليه لا له، ~~وأن شيخنا أسعد بكلام أهل العلم والإيمان ممن أجاز دعاء الأموات والغائبين، ~~والالتجاء إليهم من دون الله رب العالمين. # وكذلك قوله: (الكفر (2) ذو أصل وشعب) فهذا حق، وشيخنا لم يكفر إلا بأصل ~~الكفر لا بشعبه، مع أن هذا الكلام من المعترض نفاق ومغالطة، وإلا فقد صرح ~~في مواضع مما مر بأن أهل هذا الشرك هم خير أمة أخرجت للناس، وهم أهل (3) ~~المساجد والمنار، وهم الذين أمرنا أن نسأل الله الهداية إلى صراطهم، فكيف ~~يرجع هنا إلى عبارة لابن القيم فيها التفصيل بين أصول (4) الكفر وسائر ~~شعبه؟ وهل هذا إلا محض التناقض والتدافع؟ . # وقد أسقط من كلام شمس الدين قوله رحمه الله تعالى: (وكذلك من شعب الإيمان ~~(5) الفعلية ما يوجب زوالها زوال (6) الإيمان، وكذلك PageV03P532 # شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة (1) الكفر ~~اختيارا، وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود ~~للصنم والاستهانة بالمصحف) وهذا صريح في مسألة النزاع، لكن حذفه المعترض ~~المحرف، لبسا للحق بالباطل، وترويجا لباطله، وليا بلسانه. # وقال -رحمه الله- (2) في هذا الأصل: (فالكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق ~~(3) فسقان، والجهل جهلان، والشرك شركان: شرك (4) ينقل عن الملة، وهو الشرك ~~الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر: شرك العمل، كالرياء. # قال الله تعالى في الشرك الأكبر: ms253 {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار} [المائدة: 72] (5) [المائدة / 72] . # وقال: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] [الحج / 31] . # وقال: في شرك الرياء {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] [الكهف / 110] . # ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه وسلم " «من حلف بغير الله فقد ~~أشرك» " PageV03P533 # رواه أبو داود (1) وغيره؛ ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن (2) ~~الملة ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " «الشرك ~~في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» ") (3)) . # ثم قال رحمه الله تعالى: (ثم انظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم ~~والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، والى ما لا ينقل عنها، وكذلك النفاق ~~نفاقان، نفاق اعتقاد ونقاق عمل) ، وكل هذا أسقطه المعترض؛ لأنه يدفع في ~~صدره (4) ويرد باطله وترويجه. # ويقال أيضا: ما نقلته عن شمس الدين ابن القيم حجة لنا عليك، مع [221] ، ~~ما فيه من التحريف والحذف واللبس. # من ذلك قوله: (ولما كان الإيمان أصلا له شعب) فهذه لنا؟ لأن النزاع في ~~أصل الإيمان الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله، والكلام في التزامها والعمل ~~بمقتضاها، وأما بقية الشعب فليس من مسألة النزاع، ولا يكفر بترك بعض الشعب ~~التي هي دون الأصل وأركانه إلا من يكفر بالذنوب كالخوارج، فهؤلاء يحسن الرد ~~عليهم بمثل هذا النقل، وأما من لم يكفر إلا بترك أصل الإيمان الذي هو مدلول ~~شهادة أن لا إله إلا الله، فالرد عليهم (5) بكلام ابن القيم مجرد هوس ~~وخيلاء، خرجت بصاحبها عن موضوع الكلام. PageV03P534 # وقد تقدم أنه قال: (وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين) ~~. (وقد نقله هذا المعترض، ومن المعلوم أن المقصود زوال حقيقة الشهادتين) ~~(1) علما وعملا أو قولا، لا زوال مجرد القول واللفظ، كما فهمه هذا الغبي. # وكذلك قوله: (وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من ms254 شعب ~~الكفر أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر؛ لأن معه أصل الإيمان وهما ~~الشهادتان) وهذه العبارة لنا؛ لأنا لا نكفر إلا (2) بترك ما دلت عليه ~~الشهادتان مطابقة أو تضمنا، وما عدا ذلك فلم (3) نكفر به. # فظهر أن شمس الدين ابن القيم رحمه الله قد قرر في نقل المعترض، وكرر ~~التكفير وزوال الإيمان بترك الشهادتين، ولكن هذا الجاهل المعترض يظن أن ~~المقصود ترك اللفظ فقط (4) وهذا من كثافة جهله وعدم علمه، وقلة ممارسته، ~~وبعده عن صناعة العلم، فالحمد لله الذي أخزاه وكبته في مماته ومحياه. # وكذلك (5) في نقله أن الكفر نوعان، كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وكفر ~~الجحود: أن يكفر بما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به من عند ~~الله جحودا وعنادا منه، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. PageV03P535 # هذا نقله (1) ومن عرف ما جاء به الشيخ (2) ودعا إليه من توحيد الله ~~تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل ~~الأصول وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القران "وأن القرآن" (3) من أوله ~~إلى [222] آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له، وأن الآيات ~~والبراهين على صحته وظهوره أظهر من الشمس في الظهيرة، عرف حينئذ أن من رده ~~وأباه، واستمر على اتخاذ الوسائط والشفعاء والأنداد، يدعوهم ويسألهم ويتوكل ~~عليهم، من غير التفات إلى حجج الله وبيناته، من أعظم الناس جحودا وعنادا، ~~وأغلظهم كفرا وفسادا؟ وأن كفر هذا الصنف ملحق بكفر أهل الجحود والعناد، ~~ولكن غلبة الجهل، وكثافة الفهم، وغلظة الطبع، واعتياد الشرك، وظلمة الكفر، ~~حجب كثيفة حالت بين هؤلاء القوم وبين معرفة الكفر والإيمان، والتوحيد ~~والإشراك، فالتبس الأمر عليهم، وصاروا يحتجون على أهل الإسلام بما هو عليهم ~~لا لهم. وفي المثل: "أريها السهى وتريني القمر". # ولما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون} [الأنبياء: 98] الآية [الأنبياء / 98] . # قال ابن الزبعرى: "اليوم أخصم محمدا " (4) ظنا منه أن قياس الأولى يجري ~~هنا، لم يعرف ms255 ما بين الأصل والفرع من الفرق في علة الحكم PageV03P536 # ومناطه، بل ظن بجهله أن الاشتراك في العبادة هو العلة؛ ولذلك قاس قياس ~~الأولى، والأمر ليس كذلك. # فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون - لا ~~يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} [الأنبياء: 101 - 102] ~~[الأنبياء / 102 ,101] . # وروى بعضهم (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ما أجهلك بلغة ~~قومك: ما: لما لا يعقل" (2) لكن يشكل على (3) هذا ما قرره العلامة (4) ابن ~~القيم رحمه الله من أن ابن الزبعرى إنما أراد إلحاق الحكم بالنظير، وإجراء ~~العلة مجراها، لا أنه خفي عليه موضوع "ما"، وإن صح الحديث، فهو صريح في رد ~~ما قاله على كلا التقديرين، وتقرير شمس الدين ابن القيم رحمه الله يشير إلى ~~أن أصل الحديث ثابت عنده، وهو كذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه ~~الله، وشمس الدين حجة في النقل. # والمقصود بهذا: تحقيق المشابهة بين المعترض وأسلافه، ممن يعترض على كتاب ~~الله ورسله وأوليائه، وحجتهم بحمد الله داحضة، لكن: ربما جر شأن شؤونا. # إذا عرفت هذا: فقول المعترض في آخر نقله: (فمتى يكون هذا في الأمة؟) يشير ~~إلى كفر الجحود والعناد، وهذه القولة صريحة في استبعاد PageV03P537 # [223] ، وقوع هذا وحصوله في الأمة، كما دل عليه حديث ثوبان وغيره، وظاهر ~~هذا: أن ما حدث من بني حنيفة، والأسود العنسي، والمختار ابن أبي عبيد، ~~وسائر أهل الردة، والقرامطة، والعبيديين ملوك مصر، والتتر الذين يتلفظون ~~بالشهادتين، ومنهم من يصلي، وغلاة القدرية والجهمية، والرافضة، والجبرية ~~وأمثالهم، ونظراؤهم وأشباههم ممن يتكلم بالشهادتين، وينتسب إلى الإسلام، لا ~~يقع منهم كفر الجحود والعناد أبدا، وإنما هو كفر عمل لا يخرج عن الملة، له ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير تكفير وقتال، على زعم هذا ~~المفتري، وهذه الفضيحة والخزية القبيحة الدالة على محله من العقل والدين ~~كافية في رد أباطيله، ودحض أساجيله (1) فليهن من ذكرنا من أعداء الرسل هذا ~~الحكم القاسط الجائر، المخالف لجميع كتب الله، المناقض لسائر رسله. ms256 # ومن العجب خفاء هذا الجهل على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن يخالط هذا ~~(2) وأمثاله، ويسمع لهم، ومن أعرض عن كتاب الله، ولم يكن له حظ من نور ~~الوحي، وضياء الرسالة، فهو مستعد لقبول (3) ما (4) أوحته الشياطين إلى ~~أوليائها من الجهل والعمى، والضلال عن سبيل الرشاد والهدى. PageV03P538 ### | فصل في احتجاج المعترض بكلام لابن رجب الحنبلي على مقصده من عدم تكفير من أتى بشرك # فصل قال المعترض: (وقال زين الدين ابن رجب رحمه الله تعالى (1) "ومن ~~المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاء يريد ~~الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما، وقد أنكر ~~على أسامة قتله لمن شهد أن لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد ~~نكيره". ثم بين رحمه الله أنه إذا كان مسلما بالشهادتين ألزم حقوق الإسلام، ~~إلى أن قال: # "وبهذا الذي قررنا يظهر الجمع بين ألفاظ (2) الأحاديث في هذا الباب؛ ~~ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الإخلاص بمجردها تعصم (3) من أتى بهما، ويصير ~~بذلك مسلما هذا عين كلامه". انتهى. # إذ لولا أنه يكون مسلما بهما لم يلزم شرائع الإسلام (4) ويجبر عليها، فإن ~~الكافر لا يجبر على شرائع الإسلام، وإن كان على PageV03P539 # قولنا (1) مخاطبا بها، إلا أنها (2) لا تصح منه لعدم شرطها، لأن من شرط ~~(3) صحة شرائع الإسلام، تقدم (4) الشهادتين، ومن جعل شرائع الإسلام مع ~~الشهادتين (5) شرطا لدخول الإسلام وصحته، وأنه لا يكون مسلما إلا بذلك كهذا ~~الرجل، فقد (6) أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، وسلفه الصالح، وسلك طريق الابتداع بتكفير الأمة على أصل هذا ~~المذهب الخبيث. # وسيأتي من شبه هذا الرجل من كلامه، أنه عين كلامه، كما ستراه عنه بعينه، ~~وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين الراشدين رضي الله عنهما في قتال مانعي ~~الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع، بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلم بعد ذلك ~~الفاروق للصديق؛ ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربعة في كتبهم أنه لا يجوز ms257 قتال ~~مانع الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصديق والخلفاء الراشدين، بأن ~~يخرجها في أصنافها الثمانية أو ما وجد منها، ومن لم يفعل ذلك فنصوا على ~~تحريم قبضه لها، فضلا عن أن يقاتل عليها، مع أن قبضه لها بهذه الحالة مبرئ ~~لدافعها بطلبه، توفيرا للسمع والطاعة، واجتماع الكلمة؟ ووزرها (7) على ~~قابضها، وبهذا يتبين قول أهل PageV03P540 # السنة والجماعة وأن أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص، حتى لا يبقى ~~في قلب الإنسان إلا أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما في صحيح ~~البخاري من حديث أنس رضي الله عنه (1) بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~حتى يخرج جل وعلا من قال لا إله إلا الله، كما مر ذكره ذكرناه في كتابنا ~~"غسل الدرن". # والجواب أن يقال: إن الله تعالى وتقدس وعد رسله (2) والذين آمنوا أن ~~ينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ~~ولهم اللعنة (3) ولهم سوء الدار، ومن نصر الله تعالى لأوليائه وعباده ~~المؤمنين ولشيخنا رحمه الله تعالى خذلان أعدائهم، وعدم تسديدهم، وتهافت ~~أقوالهم وما كساها من الظلمة والتناقض والتدافع، والوحشة التي يعرفها من ~~سلمت فطرته؛ وصح إسلامه، فضلا عن أهل العلم بشرعه ودينه، فلربنا الحمد، لا ~~نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. # ويقال لهذا: قد حرفت عبارة زين الدين بن رجب وتصرفت فيها، وأخرجتها عن ~~موضوعها، وأزلت بهجتها: من ذلك قولك عنه: إنه يقول: (ومن المعلوم بالضرورة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام ~~الشهادتين فقط) . وقد نزه الله العلامة ابن رجب وأمثاله عن (4) أن يظنوا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقبل مجرد القول PageV03P541 # ، من غير التزام لحقيقته، ولا عمل بمدلوله، وعبارة ابن رجب تدل على أنه ~~يبدأ بالتوحيد في الدعوة والطلب، ولا يقبل قبله عمل من الأعمال، والمقصود ~~من الشهادتين ما دلتا عليه من (1) البراءة من كل معبود سوى الله؛ وأنه هو ~~المعبود وحده لا شريك له، والإيمان بالرسل، ms258 والتزام متابعتهم، هذا هو مدلول ~~الشهادتين (2) وهو الذي دلت عليه عبارة ابن رجب، وشيخنا رحمه الله أصل ~~دعوته وجهاده على هذا، وعلى ترك عبادة الصالحين من الأموات والغائبين، ~~ودعائهم مع الله رغبا ورهبا، والتوجه إليه والاستغاثة (3) بهم في الشدائد ~~والملمات، كما كانت تفعله الجاهلية، فهذا الذي جاهد شيخنا عليه، ودعا الناس ~~إلى تركه، وأخبرهم أن الإيمان بالله يناقض هذا ويبطله، فعبارة ابن رجب تشهد ~~لهذا الشيخ بالعلم والمتابعة، خلافا لما توهمه بعض الجهال والضلال من أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل مجرد القول واللفظ، مع ارتكاب ما ينافيه ~~ويناقضه. # ومراد ابن رجب: أن من أظهر الإسلام، وتكلم بالشهادتين، ولم يأت منه ما ~~ينافيهما يحكم بإسلامه، ويؤمر ببقية الشرائع، وقد ذكر ابن رجب بعد عبارته: ~~(أن من شرائع الإسلام ما يقاتل عليه ويكفر تاركه) . فدل كلامه على أن ~~التزام أركان الإسلام باعتقاد وجوبها (4) شرط لصحة الإسلام وقبوله في الدار ~~الآخرة، وأما الأحكام الدنيوية فتجري على من أظهر الإسلام ظاهرا، فإن ظهر ~~منه ما ينافي ذلك حكم عليه بما يقتضيه هذا PageV03P542 # المنافي من تكفير أو قتال، وهذا هو الذي دل عليه حديث أسامة وغيره من ~~الأحاديث الدالة على الكف عمن أتى بالشهادتين. # ودعواك أن ابن رجب قال: (يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام ~~الشهادتين فقط) دعوى كاذبة، وآحاد العقلاء يتنزه عن هذه العبارة؛ لأن معنى ~~"فقط " لا غير، وحينئذ فمدلولها أنه لا يقبل بقية الشرائع من الأركان ~~الإسلامية والشعب الإيمانية، ولا يظن هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~له عقل يميز به ولو كافرا، فضلا عن أهل العلم والإيمان. # وأما قولك: (ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين شرطا لدخول الإسلام (1) ~~وصحته، وأنه لا يكون مسلما إلا بذلك - كهذا الرجل - فقد أبعد النجعة، وخالف ~~ما عليه سيد البشر صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلفه الصالح) إلى آخر ما ~~قلت. # فهذا القول منك صريح في مخالفة عبارة ابن رجب التي هي مرتبطة بما نقلته ~~(2) وشرط التزام الشرائع والمباني ms259 الإسلامية مجمع على اعتباره في الإسلام ~~المنجي في الدار الآخرة، وكلام ابن رجب الذي ساقه بعد العبارة التي ذكرها ~~المعترض صريح في هذا؛ فإنه قرر ما يقاتل عليه من الشرائع وما يقتل به الفرد ~~المعين، وذكر شيئا مما يكفر به، وذكر الخلاف في تكفير من ترك أحد المباني، ~~وأما من ترك التوحيد الذي دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله، فقد اتفق ~~العلماء على كفره ووجوب قتله إن أصر وعاند. PageV03P543 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين، لما سئل عن قتال التتر مع تمسكهم ~~بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام (1) (كل طائفة ممتنعة عن ~~التزام شرائع الإسلام الظاهرة: المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم؛ فإنه ~~يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن (2) كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ~~ملتزمين بعض شرائعه (3) كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي ~~الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي ~~الله عنهم، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب ~~والسنة، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن ~~الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم "شر الخلق والخليقة" (4) مع قوله: " ~~«تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» "، فعلم أن مجرد الاعتصام ~~بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون ~~الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، ~~فأيما (5) طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات (6) أو الصيام أو الحج، ~~أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو ~~نكاح PageV03P544 # ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، ~~أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في ~~جحودها، أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل ~~عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وإنما ~~اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذ أصرت على ترك ms260 بعض السنن، كركعتي ~~الفجر، أو الأذان أو الإقامة؛ عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر ~~(1) فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها (2) أم لا؟ فأما الواجبات أو ~~المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين ~~من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام (أو الخارجين عن ~~طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه) ما بين ~~القوسين (3) فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ~~ولايته؛ وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة؛ ~~وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي رضي الله عنه، ولهذا افترقت سيرته رضي ~~الله عنه في قتاله لأهل البصرة وأهل (4) الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، ~~فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ~~ذلك، وثبتت (5) PageV03P545 # النصوص (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من ~~قتال الصديق رضي الله عنه لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج) . انتهى كلامه ~~رحمه الله. # وقال أيضا في "الرسالة السنية" (2) (فإذا كان على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه من مرق عن الإسلام مع انتسابه إلى الإسلام والسنة، ففي ~~هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك بأسباب. # منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، حيث قال: {يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم} [النساء: 171] الآية [النساء / 171] . # وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة، وأمر بأخاديد خدت ~~لهم عند باب كندة وقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس رضي ~~الله عنه مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو (3) قول أكثر العلماء، ~~وقصتهم معروفة، وكذا الغلو في بعض المشايخ؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل ~~الغلو في الشيخ عدي ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من ~~الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، وأغثني (4) وارزقني، واجبرني، ~~أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال ms261 يستتاب صاحبه فإن تاب ~~وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب (5) ". ليعبد PageV03P546 # وحده لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح ~~والملائكة لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت ~~النبات؛ وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، يقولون: إنما ~~نعبدهم (1) ليقربونا إلى الله زلفى {ويقولون هؤلاء (2) شفعاؤنا عند الله} ~~[يونس: 18] [يونس / 18] . # فبعث (3) الله رسوله (4) ينهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا ~~دعاء (5) استعانة) وذكر آيات في المعنى تبين هذه القاعدة العظيمة التي ضل ~~بالجهل بها من ضل، وشقي (6) بإهمالها من شقي. # وأما ما زعمه من مخالفة شيخنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وسلفه الصالح. # فلو كان لهذا المعترض عقل يميز به، وعلم يدري به ما كان عليه (7) رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من تكفير من عبد غير الله، واتخذ معه الآلهة (8) ~~والأنداد، وسوى بينهم وبينه تعالى وتقدس في الحب والتعظيم، والإنابة ~~والتوكل PageV03P547 # والدعاء؛ لعرف أنه هو المخالف لما كان عليه سائر رسل الله وأتباعهم إلى ~~يوم القيامة، وأنة يجادل ويناضل عن عاد وثمود وقوم نوح وقوم فرعون وجاهلية ~~العرب، وأمثالهم من الأمم الذين كذبوا الرسل ولم يستجيبوا لهم، ولم يلتفتوا ~~إلى ما خلقوا في (1) له، وهذا الصنف من الناس هم أول من اخترع الشرك وابتدع ~~في دين الله؛ وهم الذين أصلوا الأصول الخبيثة التي مقتضاها العدل بربهم ~~وتسوية غيره به، ومعاداة أوليائه وحزبه، ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، وهذا ~~هو حقيقة الخبث والرجس والفساد. # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] (2) ~~[التوبة / 28] . # وزعيمهم الذي يناضل عنهم ويجادل (3) دونهم هو أخبثهم على الإطلاق. # قال تعالى: (4) {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا ~~عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر: ~~35] [غافر 35] . # وأما جعله شيخنا رحمه الله ممن (5) يشترط الشرائع الإسلامية في الدخول ~~فيه: فهذا باطل، إنما تشترط (6) المباني ونحوها في ms262 صحة الإسلام، ~~PageV03P548 # لا في الدخول فيه، وشيخنا رحمه الله لم يقل هذا الذي زعمه هذا المعترض، ~~بل هو من جهله وإفكه (1) وضلاله وبهته، والنزاع إنما هو في (2) شهادة أن لا ~~إله إلا الله، ولم يمتنع أحد ممن (3) التزم الإسلام في زمن الشيخ محمد رحمه ~~الله عن شيء من شعائر الإسلام وأركانه، حتى يقال: إنه لم يقبل منه (4) ~~الدخول في الإسلام. # فهو رحمه الله وإن قاتل على ترك أحد المباني فلم يقل: لا نقبل الإسلام ~~ابتداء إلا بها؛ ولكن هذا البهت لا يستغرب مع جهالة هذا الرجل، وعدم شعوره ~~بشيء من الحقائق الدينية. # وأما قول المعترض: (وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين في قتال مانع (5) ~~الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع؛ بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلم بعد ذلك ~~الفاروق للصديق) . # فيقال لهذا الغبي الجاهل: ما وقع من عمر رضي الله عنه من التوقف في قتال ~~مانعي الزكاة واستدلاله بالحديث على ترك القتال لا يدل (6) على أنه يرى ~~إسلام تارك الزكاة، وقد ثبت عنه أنه صرح بتكفير تارك الحج ولم يقتله، ~~فمسألة القتال لا تستلزم تكفيرا، والتكفير لا يستلزم PageV03P549 # القتال (1) هذا باعتبار (2) أصل الخلاف، وقد سلم الفاروق للصديق والتزم ~~ما ذهب إليه الصديق من وجوب القتال، وصارت المسألة إجماعية، وإذا أجمعوا ~~على القتال فما المانع من التكفير؟ وقد تقدم كلام شيخ الإسلام في تكفير ~~مانع (3) الزكاة، وأن الصحابة لم يفرقوا في التكفير والقتال بين من جحد ~~الوجوب، وبين من منعها ولم يؤدها، مع اعترافه بالوجوب. # وقال أبو العباس رحمه الله أيضا في الكلام على كفر مانع الزكاة (4) ~~(والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن ~~الخلفاء والصحابة؛ بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: "والله لو منعوني ~~عناقا (5) كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ~~منعها" فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب. # وقد روي أن طوائف كانوا يقرون (6) بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة ~~الخلفاء فيهم جميعهم ms263 سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة ~~أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من ~~أعظم فضائل الصديق عندهم (7) أن ثبته الله PageV03P550 # عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما ~~قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم) . انتهى. # وأما قوله: (ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربع (1) في كتبهم أنه لا يجوز ~~قتال مانع (2) الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصديق) . # فيقال: من عرف جهل هذا الرجل (3) وعدم أمانته فيما ينقله ويحكيه عن ~~الآحاد فضلا عن الاتفاق والإجماع لم يلتفت إلى قوله، ولم يصغ له ولا يعتد ~~به إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه، وهذه العبارة كذب بحت لم يتفقوا ولم ~~يجمعوا؛ بل اتفقوا على خلافها، وأن أئمة الإسلام يجب عليهم قتال مانع ~~الزكاة حتى يؤديها، وعليهم في ذلك أن يفعلوا (4) بالمشروع، وهذا مجمع عليه، ~~وقد حكى الإجماع عليه ابن حزم وابن هبيرة في كتابيهما في الإجماع، ومذهب ~~الحنابلة الذي ينتسب إليه هذا المعترض: صريح في وجوب القتال على ذلك، كما ~~يعلمه من وقف على كلامهم، فدعوى هذا الرجل كاذبة خاطئة مع ما في هذه ~~العبارة (5) من اللحن. # فإن المذاهب والاتفاق عليها يعزى (6) إلى الرجال والقائلين بها ~~PageV03P551 # لا إلى الكتب، وباب العدد من الثلاثة (1) إلى العشرة تلزم (2) مذكرة ~~التاء، وقد حذفها هذا الغبي الذي يترشح (3) لمعرفة العربية. # وقوله: (فنصوا على تحريم قبضه لها فضلا عن أن يقاتل عليها) . # تقدم جوابه (4) PageV03P552 ### | فصل في الشفاعة وأنها لمن كان من أهل التوحيد # فصل قال المعترض: (وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمر وابن ماجه عن ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (1) " ~~«خيرت بين الشفاعة لأمتي وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ ~~لأنها أعم وأكفى، ترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للمذنبين المتلوثين ~~(2) الخطائين» " (3) وهل هذا الحديث إلا يفيد أنه صلى الله عليه وسلم أعطى ~~الشفاعة لقوله: " خيرت فاخترت " وعنه صلى الله ms264 عليه وسلم أنه قال: " ~~«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» "، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، ~~وابن ماجه، والحاكم عن أنس (4) والجواب أن يقال: ساق هذا المعترض ما ساقه ~~من أحاديث الشفاعة، ومراده أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعا ويرجى، وتطلب ~~منه الشفاعة (5) بعد PageV03P553 # موته صلى الله عليه وسلم، ويريد أن من منع ذلك فقد أخطأ وضلل الأمة، ~~وخطأهم بغير حق، هذا مراده، فسبحان من طبع على قلبه حتى انعكس عليه الأمر، ~~وصار يفهم من النصوص والألفاظ النبوية خلاف ما دلت عليه، فإن من دعا غير ~~الله وأشرك به، وتعلق على الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم منتهى طلبه ~~وغاية قصده، أو سوى بينهم وبين الله في خالص حقه ليس داخلا في الحديث، وليس ~~مرادا به؛ لأن لفظ الأمة في مقام المدح والوعد لا يدخل فيهم أهل الشرك ~~بالله الذين سووا (1) بينه وبين غيره، وعدلوا بربهم، وأنابوا إلى سواه، ~~واعتمدوا على غيره، كحال عباد القبور الذين هم محل النزاع بيننا وبين هؤلاء ~~الضلال، وكونه صلى الله عليه وسلم اختار الشفاعة أو أعطى الشفاعة لا يدل ~~على أنه يقصد لها ويدعى لها (2) بعد موته، فإن أصل الشرك هو دعاء الأموات ~~والاستغاثة بهم، وفرق بين حال الحياة وحال (3) الممات. # يوضح هذا: أن أعلم الخلق به وبدينه وهديه صلى الله عليه وسلم لم يطلب ~~أحد، منهم بعد موت النبي (4) صلى الله عليه وسلم منه شيئا لا شفاعة ولا ~~غيرها، بل نهوا عن استقبال القبر حال الدعاء، فكيف بدعائه صلى الله عليه ~~وسلم؟ ومنعوا المسلم أن يصلي إلى القبر خشية الفتنة، فأحاطوا قبره الشريف ~~بجدار مثلث لئلا يصل أحد إليه، وسيرتهم في قبور أصحابه وصالحي أمته كذلك ~~ينهون عن الدعاء عندها والصلاة وعن قصدها لشيء من ذلك، وعن رفعها واعتياد ~~المجيء PageV03P554 # إليها بحيث تكون كالعيد الذي يعتاد في وقت معين هذه سيرتهم. # وعباد القبور ومن نصرهم وحمل لواءهم- كهذا المعترض الضال (1) يحرف أحاديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلحد (2) في معانيها، ويقودها إلى مذهب أهل ~~الشرك ms265 والضلال، وقد صانها الله عن أن تدل على دعاء غيره (3) وعبادة سواه، ~~ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. # والشفاعة قد صحت أحاديثها وتواترت، ولكنها لا تدل بحمد الله على ما ذهب ~~إليه الغالون المخالفون المبدلون لدين الله، الداعون للأموات والغائبين، ~~السالكون سبيل سلفهم من الجاهلية المشركين من الكتابيين والأميين، فإنهم ~~تعلقوا على أندادهم ودعوهم مع الله لأجل الجاه والشفاعة، وأنهم (4) قد ~~أعطوا الشفاعة. كما حكى الله عنهم ذلك (5) بقوله: {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] [يونس / ~~18] . # وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} [الزمر: 3] [الزمر / 3] . # ولهذا نطق القرآن بإبطال هذه الشفاعة التي ظنها المشركون وتعلقوا بها. ~~PageV03P555 # قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون - قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} [الزمر: 43 - ~~44] الآية [الزمر / 44 ,43] . # وقال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون} [الزخرف: 86] [الزخرف / 86] . # وأصح الأقوال في هذه الآية: أن الاستثناء يرجع إلى المشفوع فيهم، وأن ~~الشفاعة لا تكون إلا لمن كان من أهل التوحيد، ومن معه أصل الإيمان المنافي ~~للشرك (1) ودعاء غير الله، ويستدل على هذا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ~~قال: " «قلت: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي ~~من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ) (2) فدعاء الله وحده وإسلام الوجه ~~(3) له، هو السبب الأعظم في نيل الشفاعة وحصولها، ولو كان المشفوع فيه ~~متلوثا بالذنوب والخطايا، فإن حسنة التوحيد لا يقاومها ما دون الشرك من ~~السيئات، وسيئة (4) الشرك لا يبقى [معها] (5) شيء من الحسنات. # وأما قوله: (وهل هذا الحديث إلا يفيد أنه صلى الله عليه وسلم قد أعطي ~~الشفاعة (6) PageV03P556 # وملكها كما يملك سائر الخلق ما أعطوا من النعم الدنيوية والأملاك ~~الآدمية.) . # فهذا من أعظم الجهل وأقبحه، فإن معنى الإعطاء ليس كما يظنه هؤلاء الضلال، ~~بل معناه: أن الله ms266 سبحانه وتعالى (1) يأذن له في الشفاعة؛ ويعين له من يشفع ~~فيهم؛ ويحد له حدا معينا، هذا ما دلت عليه الأحاديث، وهذا مما يدل المؤمن ~~على كمال ربوبية فاطر السماوات والأرض، وأن ما توهمه المشركون من الشفاعة ~~لا وجود له، ولا يعلم سبحانه له وجودا أصلا، وما لا يعلم تعالى وجوده فهو ~~منتف مستحيل الوجود، وجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل (2) وملك الأرحام ~~وأمثالهم من أكابر رسل الله وأوليائه قد أعطوا ما أعطوا من الأمور المهمة ~~والتدابير العظيمة، أفيقال: إن الله ملكهم فنسألهم ما ملكهم الله، كما هو ~~لازم قول هذا الضال وإخوانه من المشركين؟ وهذا عين الشرك بالله والكفر ~~برسله، ورد ما جاءوا به من توحيده وعبادته. # والمعترض وإخوانه من أبعد الخلق عن معرفة الله، ومعرفة دينه، وما جاءت به ~~رسله، ولذلك سرى إليهم الشرك وزينه الشيطان، لخلو أذهانهم (3) من معرفة دين ~~الله وشرعه. # أتاني هواها (4) قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا ~~PageV03P557 ### | فصل في رد المعترض فيما حده للشفاعة من حد # فصل قال المعترض في حد أنواع الشفاعة قال: (حتى تنال (1) أهل المعروف ~~عليه والحماية من الكفار، الذين استحقوا الخلود في النار على التأبيد، ~~بالتخفيف عنهم من العذاب صلى الله عليه وسلم (2) وإنما قصدنا بما ذكرنا ~~التنبيه على الاغترار (3) وحماية الأمة وعلمائهم (4) عما يقول هذا الرجل ~~وينتحله فيها (5) من تكفيرها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) . # وجوابه أن يقال: # قوله: (حتى تنال (6) أهل المعروف عليه والحماية) . عبارة جاهلية عامية ~~صدرت عن أحمق لا يدري شيئا من حقوق المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه أفضل ~~الصلاة والسلام. # وما ذكره (7) من التخفيف إنما ثبت في حق أبي طالب؛ لأنه كان PageV03P558 # يحوطه ويحميه صلى الله عليه وسلم (1) ولكن لا ينبغي أن يقال: له معروف ~~عليه. ومما فعل (2) معه صلى الله عليه وسلم من إيمان به وتصديق له أو حياطة ~~ونصرة، فالمن (3) فيه لله ورسوله. # قال الله تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان ms267 إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] [الحجرات / 17] ~~. # وكذلك من نصره (4) صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به كأبي طالب، فان الله ~~تعالى لا يضيع عمل عامل، ولو بمجازاته في الدنيا، فالمعروف حينئذ والمن (5) ~~لله ورسوله، خلافا لما قاله هذا الغبي الجاهل بحق الله وحق رسله. # وأما قوله: (وإنما قصدنا بما ذكرنا التنبيه عن الاغترار وحماية الأمة ~~وعلمائها) إلى آخر ما قال. # فيقال في جوابه: قصد التنبيه لا يمنع خطأ من أتى به وادعاه، فقد يقصد ~~التنبيه عن الاغترار أكفر الخلق وأضلهم، كفرعون الذي قال: {ذروني أقتل موسى ~~وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] ~~(6) [غافر / 26] . PageV03P559 # وقال تعالى عن أهل مسجد الضرار: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد ~~إنهم لكاذبون} [التوبة: 107] [التوبة / 107] . # وأما قوله: (وحماية الأمة وعلمائها من تكفيرها بغير علم) . # فقد تقدم لك أنه حمى (1) عباد القبور الداعين للأموات والغائبين، الذين ~~يعدلون بربهم؛ ويسوون بينه وبين غيره، ويشبهون الأنداد والمخلوقين بالله رب ~~العالمين وهم في اصطلاح هذا الرجل علماء الأمة وخيارها، كما أن الرافضة ~~يرون أن من كفرهم ومقتهم وعاب دينهم، فقد عاب خيار الأمة، وطعن على أهل ~~البيت، وتبرأ منهم، ويسمون (2) أهل السنة الناصبة. # وهذا المعترض من هذا الضرب من الناس، ما عرف الأمة، ولا عرف العلم ~~والعلماء؛ بل هو في ضلالة عمياء؛ وجهالة صماء، لم (3) يستفد من نور الوحي ~~ما يستضيء به في حنادس الظلمات، عياذا بالله من هذه الجهالات والضلالات، ~~والأمة في عرفه: كل من دعا الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم واسطة ~~بينه وبين رب العالمين، لحاجاته الدنيوية والأخروية. PageV03P560 ### | فصل في مناقشة ورد دعوى المعترض أنه لا يكفر إلا من عرف وعلم واختار الكفر # فصل قال المعترض: (وقد قال القرطبي المالكي (1) رحمه الله: "ليس قوله ~~تعالى: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] [الحجرات / 2] ~~بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا ~~باختياره الإيمان كذلك لا يكون المؤمن كافرا من حيث لا يقصد للكفر ولا ~~يختاره بالإجماع". ms268 انتهى كلامه. # وهذا معنى ما ذكره مغلطاي في كتاب الإيمان من شرح البخاري؛ ولهذا عبارة ~~جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: "وكل مسلم ارتد وهو مكلف مختار". # وذكر العلماء من أصحابنا في باب إخراج الزكاة في "زاد المسافر" وشرحه ~~للشيخ منصور: "فإن منعها؛ أي: الزكاة، جحدا لوجوبها. كفر عارف بالحكم، وكذا ~~جاهل عرف فعلم وأصر". انتهى. # وقد ذكر لي من يسترشد عمن يدعى من أعيان هؤلاء القوم ممن أتحاشى عن ~~تسميته: أنه خطأ الشيخ منصور وصاحب المتن الذي أصله مقنع موفق الدين بن ~~قدامة العمري العدوى القرشي من شجرة مباركة؛ بل هو حامل لواء المذهب، ~~فالحكم لله العلي الكبير. PageV03P561 # فالجواب أن يقال: كلما أبدى هذا المعترض حجة من جهلياته وضلالاته، أنسانا ~~ما قبلها من خزعبلاته وخرافاته. # وحاصل دعواه في هذا الفصل: أنه لا يكفر إلا من عرف وعلم، واختار الكفر ~~على الإيمان، ومن دعا الأموات والغائبين وجعلهم وسائط بينه وبين الله في ~~حاجاته وملماته لا يكفر بذلك؛ لأنه لا يعلم أنه كفر ولا يختار الكفر. # فيقال لهذا: قد رجعت عن قولك الأول، فإنك جعلتهم خير أمة أخرجت للناس ومن ~~أهل العلم والدين، وأن الرسول قد أعطى الشفاعة، وأن من سأله - كالبوصيري - ~~مثاب مصيب، وأن عباد القبور هم أهل لا إله إلا الله، وأنها تنفعهم وتعصم ~~دماءهم وأموالهم، وإن عبدوا (1) القبور، فكيف ترجع هنا وتحتج بأنهم لا ~~يعلمون؟ . # ثم هو احتجاج فاسد في نفسه، ما عرف مورده (2) معناه، وما أريد منه، فإن ~~المقصود أن يعلم مراد المعلم والمنبه والمرشد، ويعرف ذلك، وليس المقصود أن ~~يتبين له الصواب في نفس الأمر، فإن كثيرا من أهل النار ما عرفوا (3) الحق ~~في الدنيا ولا تبين لهم. # قال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا - الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103 - 104] [الكهف / 104 ~~,103] . # وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} ~~[الزخرف: 36] PageV03P562 # {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 37] [الزخرف / ~~36، 37] . # وقال تعالى: ms269 {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} [فاطر: 8] [فاطر / 8] . # وقال: وكذلك (1) {زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108] الآية (2) [الأنعام ~~/ 108] . # وغير ذلك من الآيات الدالة على أنهم لم يعرفوا الكفر ولم يتصوروه؛ والذين ~~قالوا: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] [البقرة / ~~111] ، لم يعرفوا كفرهم وضلالهم. # وأما كلام القرطبي: فهو في رفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فهو وأمثاله من السيئات التي تحبط الأعمال وصاحبها لا يشعر، وأما من أتى ~~بمكفر (3) وقامت الحجة عليه، فلا شك في كفره، وترك الانقياد للحجة والدليل ~~وداعي الحق يقتضي إيثار الكفر واختياره وقصده، لا أنه (4) لا يكون مختارا ~~قاصدا إلا إذا علم أنه كفر، وارتكبه مع العلم بأنه كفر، هذا لا تقتضيه ~~عبارة القرطبي ولا تدل عليه، ولو دلت (5) عليه فلا حجة (6) فيها، والآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أن من قامت عليه الحجة حكم عليه ~~بمقتضاها من كفر أو فسق، وفي الحديث: " «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان ~~الله، ما يلقى لها بالا لا يظن أن تبلغ PageV03P563 # ما بلغت، يكتب الله له بها (رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم ~~بالكلمة من سخط الله، ما يلقى لها بالا ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله ~~له بها) (1) سخطه إلى يوم يلقاه» " (2) وحديث الذين قالوا: "ما رأينا مثل ~~قرائنا هؤلاء: أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء" (3) نزل ~~فيهم قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66] [التوبة ~~/ 66] . # والحجة ليست في كلام القرطبي وإجماع المسلمين، وإنما يحتج بالكتاب والسنة ~~والإجماع. # ثم (4) القرطبي قد قال في شرح أسماء الله الحسنى ما لا يستجيزه من عقل عن ~~الله وعن رسوله، وعرف ما كان عليه سلف الأمة في ذلك الباب، ولا يبعد أن ~~المعترض حرف عبارة القرطبي على عادته في التحريف، وكذلك ما ذكره المعترض عن ~~مغلطاي هو من هذا الباب؛ إن صح نقله. # ثم ما معنى العدول عن كلام الله وكلام رسوله، مع أن هذه المسألة في ~~الكتاب ms270 والسنة وكلام الأئمة أشهر من أن تذكر، فأي حجة والحالة هذه في كلام ~~آحاد الناس، مع أنه عليه لا له؟ وآفته الفهم السقيم. # وقوله: (عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: وكل مسلم ارتد، ~~وهو مكلف، مختار) . PageV03P564 # فمرادهم: أن أفعاله تقع عن (1) اختيار وقصد، لا أنه يختار أن يكفر مع ~~العلم بأن ما فعله كفر، هذا سوء فهم وعدم فقه. # وأما من فعل مكفرا وهو غير مكلف ولا مختار، كالصغير والمجنون ونحوهما، أو ~~لم تبلغه الحجة الرسالية، فهذا لا يحكم عليه بالردة. # ثم لو سلم (2) له هذا الزعم تسليما جدليا، فشيخنا لا يكفر إلا بعد ~~التعريف بالحكم الشرعي وقيام الحجة، فكلام المعترض ساقط، هالك (3) على كل ~~تقدير. # وعبارة "زاد المسافر"، هي من هذا الباب: (إذا جحد الوجوب عارف بالحكم، أي ~~حكم الوجوب. يكفر بذلك؛ وكذا (4) الجاهل) يعني بوجوبها إذا بلغه الوجوب ~~وأصر بعده، وليس المقصود أن يعرف أنه كفر، ولم يقصد الشيخ (5) منصور: أن من ~~جحد الوجوب للزكاة أو غيرها من الأركان لا يكفر إلا إذا عرف أنه كفر، هذا ~~لا تقتضيه عبارته؛ بل المقصود أن يعرف الوجوب. # وأما ما نقله عن بعض الأعيان أنه خطأ الشيخ منصور، وصاحب المتن. # فيقال: قد تقدم بيان كذب المعترض في النقل، وقررنا أنه من أهل ~~PageV03P565 # الوضع والافتراء، فنقوله (1) موقوفة حتى يأتي بشاهدي عدل يشهدان له. # ثم لو خطأ منصورا (2) أو غيره ممن لم تثبت له العصمة، وهو متأول في ذلك ~~قاصد للحق، ماذا يعاب عليه؟ . # ولعل التخطئة وقعت في مفهوم هذا المعترض وأمثاله من الضلال الذين يقولون: ~~(لا بد أن يعلم أن ما فعله كفر وردة) ، وهذا لم يقصده منصور، ولو قصده ~~لتوجه منعه. # وأما استعظامه الخطأ على منصور (3) البهوتي وصاحب "المقنع". # فهذا من جهله، فإن الفضل لا يقتضي العصمة ولا يوجبها، قد يقع الخطأ من ~~الفاضل، كما يقع من المفضول، وقد قال مالك بن أنس رحمه الله: "ما منا إلا ~~راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر"، يعني رسول الله صلى ms271 الله عليه وسلم، ~~وما زال العلماء ينتقد بعضهم على بعض؛ وينكرون الخطأ على قائله كائنا من ~~كان، وهذا واضح بحمد الله. # ولازم هذا القول عيب أهل العلم برد ما خالف الدليل من أقوال أهل الفضل ~~والعلم، ففي الحقيقة هذا المعترض هو الذي طعن على أهل العلم من عهد النبوة ~~إلى عصرنا هذا، ولكنه لا يشعر ولا يدري ما تضمنه كلامه الغث. PageV03P566 ### | فصل فيه جواب المعترض بأن الشيخ لم يكفر بلازم قوله أو مذهبه # فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل: "نعوذ بالله أن نلزم إنسانا ~~بلازم قول وهو يفر منه". انتهى. # وقد قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} [النساء: ~~115] [النساء / 115] # وقال في الآية الأخرى (1) {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا (2) ~~الرسول من بعد ما تبين لهم (3) الهدى} [محمد: 32] [محمد / 32] # وقال تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} ~~[محمد: 25] [محمد / 25] وقد مر التنبيه على ذلك. # فهذا كتاب الله (4) ينطق بالحق وكلام علماء الأمة أمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # والجواب أن يقال: # هذا الكلام معناه: أن الشيخ كفر باللازم، وهذا تناقض منه، فقد تقدم ~~PageV03P567 # له أن الشيخ كفر بنفس الأفعال الصادرة ممن يدعو الصالحين، ويستغيث بهم ~~ويسألهم (1) فزعمه أنه يكفر باللازم نقض (2) لما تقدم. # ويقال: أي إنسان كفره الشيخ بلازم مذهبه؟ وفي أي مسألة؟ هذا لا يعرف عن ~~الشيخ، ولا صدر منه قط في حق واحد، فإيراده عبارة ابن عقيل هنا تكثر بما لا ~~يجدي، وتشبع بما ليس له، وهو كلابس ثوبي زور (3) . # وأما قول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} ~~[النساء: 115] [النساء / 115] # وما بعدها من الآيات، فهو الحق الذي لا ريب فيه، والهدى الذي لا ضلال ~~يعتريه، والشأن كل الشأن في فهم خطابه وما دل عليه، وما انطوى عليه من ~~الأحكام والدلالات، ليس المعنى ما زعمه هذا من أنه لا يكفر أحد حتى يتبين ~~له الإيمان ويختار الكفر، بل المراد عند ms272 أهل العلم بالتأويل أن من تبين له ~~ما جاء به الرسول من الحجة والبيان، ثم عاند وأصر وشاق الرسول، ولو ظن ~~إصابة نفسه، كالخوارج، متوعد بهذا الوعيد العظيم في هذه الآيات الكريمات، ~~وليس المراد أنه لا يكفر إلا هذا الصنف من الناس، وقد تقدم من الآيات ~~الدالة على تكفير من زين له سوء عمله فراه حسنا، ومن ضل سعيه في الحياة ~~الدنيا وهو يحسب أنه محسن. # وقد قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} ~~[الزخرف: 36] الآية [الزخرف / 36] . PageV03P568 # وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره حال المقلدين لرؤساء ~~الكفر من عامتهم وضعفائهم وجزموا بكفرهم، كما دلت عليه الآيات المحكمات. # قال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: ~~31] الآيات [سبأ / 31] . # وكذلك آية الحجر (1) وغيرها من الآيات الدالة على تكفير الأتباع على ما ~~هم فيه من الكفريات والضلالات. # (وتقدم أن أكثر النصارى وجمهورهم والمجوس ونحوهم لم يتبين لهم كفرهم؛ لكن ~~تبين (2) لهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بخلافه؛ وأنه كفرهم واستباح ~~دماءهم وأموالهم وذراريهم. # وعلى زعم هذا الرجل ليسوا بكفار؛ لأنه حصر الكفر في صنف واحد) (3) . # وقد تقدم هذا ولكنه يكرر فنكرر الجواب، (ولولا ظهور هذه المسألة لذكرت من ~~الآيات والأحاديث، وكلام المفسرين) (4) وكلام الفقهاء في تقسيم الكفار إلى ~~أقسام -ما يثلج الصدر (5) وتقر به العين، PageV03P569 # ولكن أردت الاختصار في النقل، وأرشدت الطالب، فمن أراد الوقوف على ذلك ~~فهو سهل بحمد الله تعالى. # وفي كلام شمس الدين ابن القيم، الذي قرره في طبقات المكلفين (1) وما ذكره ~~في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية (2) على قوله تعالى: {والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] (3) الآيتين [النور / 39] . # ما يكفي المؤمن المسترشد، والله الهادي والموفق. # وبهذا تعلم أن هذا المعترض من أبعد الناس عن فهم كلام الله ورسوله وكلام ~~أهل العلم. PageV03P570 ### | فصل في رد دعوى المعترض التسهيل بقبول الشهادتين ممن دعا غير الله ms273 واستغاث بهم # فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل في "الفنون "، فيما نقله عنه ~~ابن مفلح: تال معتزلي: لا مسلم إلا من اعتقد وجود الله وصفاته على ما يليق. ~~فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل ما صعبت (1) فقنع من الناس ~~بدون ذلك. «ويقول للأمة: "أين الله "؟ فتشير إلى السماء. فيقول: "إنها ~~مؤمنة» " (2) فتركهم صلى الله عليه وسلم على أصل الإثبات- إلى أن قال: إن ~~من (3) مذهب المعتزلة أن من خرج عن معتقدهم فليس بؤمن، وأن هذا ينعطف على ~~السلف الصالح بالتكفير، وإنا نتحقق أن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة رضي ~~الله عنهم لم يكن إيمانهم على ما اعتقده أبو علي الجبائي وأبو هاشم، فخجل ~~المعتزلي. انتهى. # ولهذا لما قال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: " «إنه رأى هلال رمضان ~~" كما عند الإمام أحمد وغيره، قال له (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"تشهد أن لا إله إلا الله PageV03P571 # وأني رسول الله؟ قال: نعم. فأمر صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ~~بالصيام» " (1) فاكتفى منه بالشهادتين، ولم يكلفه غيرهما لقبول قوله، فأخذ ~~الإمام أحمد رحمه الله بهذا الحديث في دخول رمضان لخبر الواحد) . # والجواب أن يقال: مراد المعترض بنقل كلام ابن عقيل على ما فيه من ~~التحريف: أنه ينبغي التسهيل للعامة وغيرهم، ممن دعا الصالحين وصرف لهم ما ~~يستحقه الله رب العالمين من العبادات والدين، لأن النزاع في هذه المسألة، ~~فاستدل عليها بقول ابن عقيل: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل ما صعبت ~~(2) إلى آخره. # وهذا صريح في أن من كفر المشركين وقاتلهم، وشدد في توحيد الله، والنهي عن ~~الشرك به -مخالف مخطئ؛ قد شدد في السهل، وصعب اللين، هكذا زعم هذا المعترض ~~واستدل، والتشديد على المشرك وتكفيره وقتاله إذا أصر وعاند ليس من خواص ~~الشيخ الذي اعترض عليه هذا بل هو دين الرسل وطريقتهم ونحلتهم، وهم ومن ~~اتبعهم إلى يوم القيامة؛ فعلى هذا يطرد الاعتراض، ويقال: شددوا وصعبوا فيما ~~ينبغي السهولة فيه. # فالاعتراض ليس ms274 خاصا بالشيخ بل طرده يفضي إلى ما ترى، وهل بعد هذا الجهل ~~والضلال غاية ينتهي إليها الملحدون! اللهم إنا نسألك العفو والعافية ~~والمعافاة الدائمة. # ثم يقال لهذا الجاهل (3) المركب: إنما كلام ابن عقيل مع معتزلي ~~PageV03P572 # يعتقد ما اعتقدته المعتزلة في صفات الله على ما هو مقرر في معتقدهم، ~~فأخبرهم ابن عقيل بأن من كلف العامة طريقة المعتزلة وما فيها من النفي ~~المفصل، فقد صعب السهل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بالإيمان ~~المطلق لما سأل الجارية، هذا ما قصد ابن عقيل. # وأما المعترض فأراد أن المشرك الذي يسوي بين الله وبين غيره في خالص ~~العبادة يسهل عليه ولا يشدد، فسحقا للقوم الظالمين. # قال الله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: ~~36] [التوبة / 36] . # وقال تعالى: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم} [النساء: 91] الآية [النساء / 91] . # وقال تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ~~[التوبة: 1]- إلى قوله: - {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم ~~في الدين} [التوبة: 11] [التوبة / 1 و 11] . # وقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير} [التحريم: 9] [التحريم / 9] . # وقال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] [محمد / 4] ~~. # والآيات في المعنى كثيرة، فسبحان من ختم على قلوب هؤلاء الضلال، حتى ~~كابروا بالمجون والمحال. # وكذلك ما ذكره بعد ذلك من الاستدلال بشهادة الأعرابي، يقال # PageV03P573 # له: من رد شهادة الأعراب؟ ومن الذي أفسد عقائد العامة؟ والكلام فيمن أشرك ~~بالله وسوى بينه وبين غيره، فأين هذه المسألة من شهادة الأعرابي؟ وأي جامعة ~~بينهما لو كانوا يعلمون؟ . # ثم في هذا الكلام بحث لا يعقله هذا الجاهل، وذلك أن ابن عقيل أجابه بحسب ~~ما عنده، وإلا فعقيدة المعتزلة أفسد العقائد في هذا الباب وأضلها، والواجب ~~هو الإثبات الذي أقرت به الجارية، واعتقده أهل العلم من الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان، وليس فوق ذلك غاية ينتهي إليها المؤمنون (1) في هذا الباب، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقنع (2) من أحد إلا بما ms275 (3) يليق بجلال الله ~~وعظمته، وربوبيته وإلهيته. # ومعلوم أنا لو جارينا هذا الكلام وسلمنا للمعتزلة ما هم عليه من الإلحاد ~~والتعطيل للزم القدح في السلف، فالحق الذي لا ريب فيه ما تلقاه أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن نبيهم؛ واعتقدوه في ربهم، وما عداه فهو محض ~~ضلال وجهل ومحال، ومن اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنع من العامة ~~في هذا الباب وغيره بما لا يحصل به الإيمان والسعادة والفلاح؛ وأن الغاية ~~العليا عند غيرهم من الخلوف (4) والمتكلمين، فهذا من أضل الناس وأبعدهم عن ~~طريق الهدى، وأسوأهم ظنا بربه وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وبسط هذا يطول، ~~وبهذا تعلم حال المعترض وأنه لا يدري ما يقول. PageV03P574 # وأما قوله: (إن من (1) مذهب المعتزلة أن (2) من خرج عن معتقدهم فليس ~~بمؤمن) . # يقال له: وعند الرسل أيضا أن من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن، فإن رد مذهب ~~الرسل لموافقة المعتزلة في تكفير المخالف، فهذا الكلام إلى الكفر أقرب منه ~~إلى الإيمان. PageV03P575 ### | فصب في رد استدلال المعترض بكلام لابن عقيل مع المتكلمين على رد قول علماء الإسلام # فصل قال المعترض: (قال ابن عقيل: يا علماء السوء ما (1) نقنع منكم بما ~~أنتم عليه من تصاريفكم، فإن طبيبا به مثل مرضي يضيق على الأغذية ولا يحتمي، ~~مشكوك في صدقه عندي، فالحظوا حال من أنتم ورثته يا سباع يا قطاع الطريق، لا ~~ترون إلا على مطارح الجيف، نبيكم صلى الله عليه وسلم قنع من المرأة (2) ~~بإشارتها إلى السماء؟ وأنتم تشككون الناس في العقائد، انفتح بكلامكم البثق ~~العظيم (3) انتهى. # وقد قال تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى - لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب ~~وتولى} [الليل: 14 - 16] [الليل / 14 -16] . # قال المفسرون: البغوي والجلال المحلي: كذب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتولى عن الإيمان. انتهى، وهذا الاستثناء عند العلماء رحمهم الله تعالى من ~~استثناء الحصر، والصلي هنا إنما هو المؤبد) . # والجواب أن يقال: # كلام ابن عقيل إنما هو مع المتكلمين الذين أحدثوا بدعة الكلام ~~PageV03P576 # والخوض في الجواهر والأعراض (1) والحركة ms276 والسكون، والكميات والكيفيات، ~~ونحو ذلك من مقالات المتكلمين، وتشبهاتهم التي أوجبت لكثير من الناس الشك ~~في ضروريات الدين، وبديهيات اليقين، فمن أخذ هذا واستدل به على رد قول (2) ~~علماء الإسلام الذين أمروا بتوحيد الله وعبادته (3) والكفر بالطاغوت من ~~الأنداد والآلهة والكهان ونحوهم، فهو من أسفه الناس وأجهلهم بأمر الأديان، ~~وما جاءت به الرسل من التوحيد والإيمان (4) بما رد به على المتكلمين من أهل ~~منطق اليونان، فظن أن البحث في التوحيد (5) وتحقيقه، والنهي عن الشرك وسد ~~ذرائعه، وقطع وسائله، وتبين حقيقته، والفرق بين أصغره وأكبره هو من جنس ~~أبحاث المتكلمين المخالفين للسلف في خوضهم في مسألة الجوهر والعرض، وبقية ~~المقولات العشر، ولذلك رد على المسلمين بما رد به ابن عقيل على المتكلمين، ~~وذكر أن تحقيق التوحيد وذكر أصوله وفروعه وثمراته وبيان الشرك وذكر أصوله ~~وفروعه ووسائله (6) وذرائعه من جنس بدعة المتكلمين وانفتح بها البثق. # فقف هنا، واعتبر، واعرف بعد هذا الضرب من الناس عن طريق PageV03P577 # العلم والهدى، واعرف ما تضمنه قوله تعالى: {إن هم إلا كالأنعام (1) بل هم ~~أضل سبيلا} [الفرقان: 44] [الفرقان / 44] . # من الحكم الفصل الذي هو في غاية المطابقة لحال هؤلاء الضلال، ما رضى ~~تعالى أن شبههم بالأنعام حتى قال: {بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] ~~[الفرقان / 44] . # وأما كلام المعترض على قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى} [الليل: 14] ~~[الليل / 14] . فمن أقبح الجهل، وأبعده عن مظان الهدى، وكلام المفسرين صحيح ~~لا شك فيه. # وأما مفهوم هذا المعترض: فمن أبطل الباطل، وأمحل المحال، وذلك أنه ظن أن ~~من دعا الأولياء والصالحين، واستغاث بهم، وناداهم في حاجاته وملماته لا ~~يدخل في هذه الآية، ولا تتناوله، وأي تكذيب وتول أعظم من رد النصوص الدالة ~~على توحيد الله، وردها بشبه القبوريين، وهذيان المشركين؟! فقوله: (وهذا ~~الاستثناء عند العلماء من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما (2) هو المؤبد، ~~كقوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} [هود: 106] ~~الآية [هود / 106] فهذا كلام جاهل لا يعقل ما يقول، فإن الصلي نوع، ~~والتأبيد نوع، ولا تلازم بين الصلي والتأبيد؟ ms277 بل التأبيد يلزم منه الصلي ~~ولا يلزم من الصلي التأبيد، وقول بعضهم: إن الصلي في الآية PageV03P578 # يراد به المؤبد، لا يدل على التلازم، وإنما قالوه لتخصيص العموم المستفاد ~~من الحصر؛ لقوله (1) تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} [النساء: 48] [النساء / 48؛ 116] . # فخصوه بالصلي المؤبد إشارة إلى أنه عام مخصوص، أو عام أريد به الخصوص هذا ~~على تأويلهم "الأشقى" بمعنى الشقي، وإن أبقينا الصيغة على أصلها فلا يحتاج ~~لما تقدم، ويكون الصلي نوع خاص من العذاب لا بمعنى الدخول، فتأمل. # واستدلاله بالآية الأخرى دليل على جهله بمعاني التنزيل، فإن في هذه الآية ~~مقالا لأهل العلم، وبحثا في الاستثناء الذي في هذه الآية وهو قوله: {إلا ما ~~شاء ربك} [هود: 108] [هود / 108] . لا يدريه أمثال هذا. # وأما قوله: (فهذا من استثناء الحصر) . # فهذه عبارة جاهل باصطلاحهم، والصواب أن يقال: من حصر المستثنى. # وأما قوله: (فمتى يوجد في هذه الأمة من يكون قاصدا لتكذيب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، موليا عن الإيمان به، مختارا لذلك من عوامها فضلا عن ~~علمائها؟) . # فجوابه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذه الأمة أنها تتبع سنن من ~~كان قبلها، وتأخذ مأخذ القرون شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حذو النعل بالنعل، ~~وحذو القذة بالقذة، فأنتم أعلم أم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ~~ينطق عن الهوى PageV03P579 # إن هو إلا وحي يوحى؟! فهذا يقع بلا شك فيهم من كذب وتولى، وفيهم من ألحد ~~وبدل، وفيهم من كذب وافترى، وفيهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون ~~هذا من عند الله، كحال هذا المفتري، وفيهم من عبد العجل، بل فيهم من عبد ~~سائر الموجودات (1) وتأله جميع المخلوقات، وهذا ظاهر مستبين تعرفه العامة ~~فضلا عن الخاصة لكن المعترض وأمثاله ممن طبع الله على قلوبهم، وصرفها عن ~~معرفة الحق وإرادته، فهم في ظلمات الجهل والطبع والريب والهوى يترددون، ~~ويحسبون أنهم على شيء، فنعوذ بالله من الخذلان وتلاعب الشيطان. PageV03P580 ### | فصل في رد تأول المعترض كلام ابن ms278 عقيل والشافعي على المتكلمين في أئمة الهدى ومصابيح الدجى # فصل قال المعترض: (وقال أبو الوفاء بن عقيل: واكمداه من مخالفة الجهال، ~~من أجل استماع ذي الجهالة للحق والإنكار له، ينفر قلبه من أدلة المحققين، ~~فهم بهيمية في طبع (1) جهال، فلا تزول جهالتهم بالمعالجة. قال: (2) وهل ~~طاحت دماء الأنبياء والأولياء إلا بالذي مثل هؤلاء، حيث رأوا من التحقيق ما ~~ينكرون، فصالوا لما قدروا، وغالوا لما لم يقدروا، فهم بين قاتل للمتقين ~~والمؤمنين، مجاهرة إذا قدروا، وغيلة إذا عجزوا. انتهى ملخصا. # قال المعترض: (وقد صح عندنا أن هؤلاء في أثناء دعوتهم أتوا إلى المجمعة ~~في ناحية سدير، فدخلوها ليلا قبل أن يتولوا عليه، فأذنوا في أحد (3) ~~مساجدهم يطلبون قتل من جاء متقدما للصلاة في المسجد، فجاءهم شياب من أهل ~~الخير، فقتلوهم في المسجد، قال المزني: قال الشافعي: يا إبراهيم العلم جهل ~~عند أهل الجهل كما أن الجهل جهل عند أهل العلم، وأنشد: # ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه PageV03P581 # فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه # إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطع في مخالفة السفيه (1)) # والجواب أن يقال: لو كان هذا يدري، ويفرق بين الجهل والعلم، والحق ~~والباطل، والضلالة والهدى، والغي والرشاد، والصلاح والفساد لعرف أن كلام ~~ابن عقيل، وكلام الشافعي يتعين حمله على هذا المعترض وأمثاله الضالين عن ~~الهدى، الصادين (2) عن طريق أهل العلم والتقى، المستحلين لأعراض خيار الأمة ~~وأئمتها، الذين يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ويدعون إلى ذلك، ~~وينهون عن الشرك به، واتخاذ الأنداد معه، والتسوية بينه وبين غيره، فيما ~~يستحقه على عباده، ويختص به من العبادات الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، ~~والخوف والرجاء والاستعانة والاستغاثة، والإنابة والتوكل، والطاعة والتقوى، ~~وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات، فمن تأول كلام ابن عقيل وكلام ~~الشافعي في ردهما على المتكلمين والسفهاء، الذين يرغبون عن العلم والفقه في ~~أئمة الهدى ومصابيح الدجى، فهو من أضل البرية، وأسفههم، وأقلهم حظا ونصيبا ~~من العلم والهدى، والحلم والنهى، وهو كمن يتأول آيات ms279 التنزيل النازلة في ~~أهل الشرك من الجاهلية الضالين (3) فيمن خالف بدعته ونحلته من المؤمنين ~~المتقين، كما جرى للخوارج وأمثالهم من الضالين. # وأما قوله: (وقد صح عندنا أن هؤلاء أتوا إلى المجمعة في ناحية سدير ~~ودخلوها ليلا) إلى آخر عبارته. PageV03P582 # فيقال له: قد صححت فيما مضى من المستحيلات والمفتريات، وصوبت من الجهالات ~~والضلالات، ما يقضي بسقوط خبرك واطراح تصحيحك. وقد قال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] الآية [الحجرات / 6] ~~وأين من يساعدك على صحة قولك، وثبوت دعواك؟ وقد جرى من أمثالك من المارقين، ~~ومن المبتدعة الضالين، والكفرة المشركين من البهت والزور ما لا يحصى، وفي ~~الحديث: " «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» " (1) . # ثم لو فرض أن هذا وقع من بعض أتباع الشيخ أينسب الخطأ إليه، ويشنع به ~~عليه؟ وقد أخطأ أسامة بن زيد، وأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم خطأه، ~~ومن نسب خطأه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى الكفر أقرب منه إلى ~~الإيمان، وكذلك خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بعد أن قالوا: "صبأنا" ولم ~~يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فأنكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ووداهم. # والشعر الذي أورده عن الشافعي رحمه الله تعالى قد غير فيه وبدل، وأفسد ~~معناه فقوله: (وهذا فيه أزهد منه فيه) . فقوله: "فيه" الأولى زيادة ليست في ~~كلام الشافعي، يخرج الكلام من وزنه، وقوله في البيت الأخير: # إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطع في مخالفة السفيه # كذا بخط المعترض، وصوابه: "في مخالفة الفقيه" لا السفيه. PageV03P583 ### | فصل في احتجاج المعترض بأقوال لأهل العلم في أهل البدع يرمي به علماء التوحيد # فصل قال المعترض: (وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: إنه يجب هجر من فسق، ~~أو كفر ببدعة، أو دعا (1) إلى بدعة مضلة، أو مفسقة على من عجز عن الرد ~~عليه، أو خاف الاغترار به والتأذي، ذكره ابن مفلح: وقال القاضي أبو الحسين، ~~قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت ms280 ~~عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح على وجهه. # وقال: إذا هو صلى وصام واعتزل الناس أهو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلم ~~كان له ولغيره؟ يتكلم أفضل. قال أبو طالب عن الإمام أحمد: كان أيوب يقدم ~~الجريري على سليمان التيمي، لأن الجريري كان يخاصم القدرية وأهل البدع، ~~وروى الإمام أحمد عن أبي عقبة الخولاني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم ~~بطاعته» "، وقال أبو الفرج الشيرازي: من الأصحاب، قال أحمد بن حنبل: إذا ~~رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أصحاب ~~البدع فايئس منه، فإن الشاب مع أول نشأة. وقال أبو الفرج ابن الجوزي لما ~~ذكر أهل البدع من المعتزلة وغيرهم قال: PageV03P584 # الله الله من مصاحبة هؤلاء، ويجب منع الصبيان من مخالطتهم، لئلا يشرب في ~~قلوبهم من ذلك شيء. انتهى. # فلقد صدق ابن الجوزي رحمه الله. قال الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # والجواب أن يقال: هذا المعترض لما غلبت عليه ظلمات الجهل والهوى والضلال ~~عن سبيل الحق والهدى، ظن أن من دعا إلى توحيد الله ونهى عن الإشراك (1) به ~~وألزم بأركان الإسلام وشرائعه: مبتدع ضال، يدخل فيما نقل عن الأئمة من ذم ~~أهل البدع وهجرهم، فلم يفرق بين أهل السنة وأهل البدع، وأهل الشرك وأهل ~~التوحيد، وأهل البر وأهل الفجور، وقد خاصم بعض هؤلاء الحمقى رجلا عند بعض ~~الأمراء، فقال: إنه ناصبي شيعي يسب علي بن الخطاب، ويمدح معاوية بن أبي ~~طالب. فقال الأمير: لا أدري على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالمذاهب، أو على ~~معرفتك بالأنساب؟ . # وكذلك حال هذا الضال، يجمع بين الأضداد، ولا يعرف المقصود من الخطاب ~~والمراد، فهو في ظلمات بعضها فوق بعض، لما عفت آثار الإسلام، وقل من يعرفه ~~من الخاصة والعوام، وصارت الغلبة لأمثاله من الجهال والطغام؟ استغرب ما ~~أبداه الشيخ العلم الإمام، من أصول الملة وقواعد الإسلام، وظن ms281 أنه من جنس ~~بدع الرافضة والقدرية وأهل الكلام، لأنه لا شعور له بحقيقة ما جاءت به ~~الرسل ولا إلمام، أولئك كالأنعام بل هم أضل من كل وجه حتى في المعارف ~~والأفهام، أين من يقول: PageV03P585 # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، واتركوا ما أنتم عليه من دعاء الأحجار ~~والأشجار والصالحين والأصنام، ويجدد للسنة ما اندرس من القواعد والأصول ~~والأعلام، ممن يدعو إلى إنكار القدر السابق، وأن الله لم يخلق أفعال العباد ~~من الأنام؟ بل وأين هو ممن يرى رأي المعتزلة في سلب الصفات وإنكار ما جاءت ~~به الأحاديث والآيات (1) ويبالغ في الجدال والخصام؟ وأين هو من رافضي يذهب ~~إلى تضليل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرى شتم السابقين الأولين ~~من الصفوة الكرام؟ ما بعد التباس أمر الفريقين وعدم الفرق بين المذهبين ~~غاية ينتهي إليها أهل الشك والظلام، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور} [النور: 40] ومن أصعب الأشياء على النفوس مخالفة العوائد، وما ألفته، ~~ونشأت عليه من النحل والطرائق، ما لم تساعد هداية التوفيق، ويأتي المدد من ~~مصرف القلوب، وعلام السرائر والغيوب. PageV03P586 ### | فصل فيه بحث مسألة الإيمان والتكفير بالذنوب بين أهل السنة والخوارج # فصل قال المعترض: (فصل، ولنختم هذا الكتاب بمسألة هذا الرجل الذي ذكرنا ~~أنها قاعدة قنطرته على الأمة، قال في شبهه المذكور في خاتمتها: "ولنختم ~~الكلام بمسألة عظيمة (1) مهمة يكثر جهل الموحدين بها، فنقول: لا خلاف أن ~~التوحيد يعني الإيمان لا بد أن يكون بالقلب واللسان والجوارح، فإن اختل بعض ~~هذه الثلاث، فهو كافر أعظم من كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه ~~كثير من الناس ". اه المقصود. # ثم ذكر كلاما بعده، وهذه المسألة ذكرها أبو العباس بن تيمية رحمه الله ~~تعالى بعينها في كتاب الإيمان الكبير له، وقال: من هذه المسألة نشأت البدع، ~~إلى أن قال: "واتفق أهل السنة والجماعة والخوارج على أن الإيمان اعتقاد ~~بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، ثم افترقت عند ذلك عنهم الخوارج، ~~فقالوا: إن اختل بعض هذه الثلاث ms282 لم يكن مسلما"، هذا محصول كلام أبى العباس، ~~وصح بهذا الكلام من (2) هذا الرجل الذي هو قرره وعظمه أنه عين مذهب الخوارج ~~الذين كفروا به الأمة، PageV03P587 # وقاتلوا عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي هو من ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، كما ~~في الصحيحين وغيرهما، وكفروه بذلك، وقد ذكر هذه القاعدة العلامة ابن قندس ~~في حاشيته على الفروع، ونقل كلام أبي العباس (1) وابن قندس رحمهما الله ~~تعالى؛ لأنهما ذكرا أن هذه الصورة التي ذكرها هذا الرجل بعينها هي مذهب ~~الخوارج بعينه، ومذهب الخوارج كفانا سيد البشر صلى الله عليه وسلم في رده ~~فيما صح عنه، مع كونهم يقولون من خير قول البرية، وهذا الرجل قد عظم هذه ~~المسألة أشد التعظيم، كما ترى بالحض عليها، وجعلها مهمة بحيث دعا إلى ~~الاهتمام بها وبلزومها والعمل بموجبها، وأنه يكثر الجهل من الموحدين بها، ~~وصدق في ذلك بل كل الموحدين بحمد الله تعالى لا يعتقدونها، ولا يعرفونها؛ ~~لأنها جهل ليس بعلم، والجهل لا يسمى علما على الصحيح عند الأصوليين، وهذا ~~الرجل قد جعل المخالف لها كافرا أعظم من كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، فإذا ~~كان هذا كلامه في هذه المسألة فماذا يزيد الإيمان وينقص حتى يكون أدنى أدنى ~~أدنى من مثقال حبة من (2) خردل من إيمان، كما في الصحيحين من حديث أنس بن ~~مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة، والخردلة ~~أدون (3) من الذرة بكثير، فهذه حال أهل الأهواء لا يتبعون أهل الحق ولا ~~يهتدون سبيلا لتناقضهم، وتقطيع آثارهم بالأهواء، وتحكيم عقولهم بالجهل، ~~PageV03P588 # يهيمون في كل واد، فكيف ندبر على هذا الطريق الزائغ أنه يخرج من النار من ~~كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان، فلا يصدق بقولهم ~~هذا إلا من كذب بحديث الرسول " صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين في ~~الشفاعة عن أنس رضي الله عنه وغيره (1) أفلا يستحيون ms283 من هذا الهذيان الذي ~~لا قوام له في (2) الميدان؟ إذا التفت الفرسان، ونشرت الصحف وعلق الميزان ~~من السنة والقرآن؟ وأحضر قول علماء (3) هذا الشأن. # فحينئذ يكون قولهم هذا كالسراب في القيعان، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه وبرحه فواحسرتا للعطشان، ومع هذا ليس لهم عن ذلك رجوع، وقولهم لا يسمن ~~ولا يغني من جوع. # إذا تقرر هذا: فكل أتباعه يشربون من هذا البحر التيار المظلم من أي ~~أركانه، ويلتقطون من ضفادعه وحيتانه، فهذا ملتقى البحرين يلتقيان، بينهما ~~برزخ لا يبغيان، بحر أجاج بتكفير الأمة ثجاج (4) وبحر سائغ شرابه لذة ~~للشاربين، وبينهما حاجز الأمواج، فسلك هذا الرجل بحر الظلمات بنص العلماء ~~الثقات، ومن شك في هذا فليراجع من الأثبات ما ذكرنا في المجلدات، ليتبع ~~سبيل المؤمنين المفلحين المنجحين عن سبيل الظلمات فما (5) يقول من هذا ~~مقاله (6) فيما رويناه) وذكر حديث البطاقة. PageV03P589 # والجواب أن يقال: قد تقدم مرارا أن المعترض له حظ وافر من صناعة التبديل ~~والتحريف، كما وصف الله اليهود بذلك في غير آية، (وبحث الشيخ تقي الدين ابن ~~تيمية رحمه الله موجود معروف فإنه تكلم على مسألة التكفير ببعض الذنوب كما ~~هو رأي الخوارج، وليس في كلام شيخنا - رحمه الله- تعرض لهذا- أعني التكفير ~~بالذنوب- حتى يرد عليه بكلام شيخ الإسلام؛ بل كلامه في التوحيد الذي هو ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا لا ينازع مسلم في أنه لا بد أن يكون ~~بالقلب، فإنه لم يصدق ويعلم ويؤثر ما دلت عليه "لا إله إلا الله ويعمل ~~بقلبه العمل الخاص كالمحبة، والإنابة، والرضا، والتوكل، والخشية، والرغبة، ~~والرهبة، فإن لم يحصل منه هذا بالكلية فهو منافق، ولا بد من الإقرار، فإنه ~~إذا لم يقر بلسانه، كافر تجري عليه أحكام الكفار بلا نزاع، وكذلك العمل ~~بالجوارح لا بد منه، فلا يكون مسلما إلا إذا ترك عبادة الطاغوت، وتباعد ~~عنه، وعمل لله بمقتضى شهادة الإخلاص من تسليم الوجه له، واجتناب الشرك قولا ~~وعملا وترك الخضوع والسجود) (1) والذبح والنذر لغير الله، وإخلاص الدين في ~~ذلك كله لله، ms284 هذا ما دل عليه كلام شيخنا رحمه الله في كشف الشبهة (2) وهذا ~~مجمع عليه بين أهل العلم، فإذا اختل أحد هذه الثلاثة اختل الإسلام وبطل، ~~كما دل عليه حديث جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ~~والإيمان والإحسان، فبدأ في تعريف الإسلام بالشهادتين، ولا شك أن العلم ~~والقول والعمل مشترط في صحة الإتيان PageV03P590 # بهما، وهذا لا يخفى على أحد شم رائحة العلم، وإنما خالف الخوارج فيما دون ~~ذلك من ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من الناس. # وأما الديوان الأكبر، وهو ظلم الشرك، فلا خلاف بين أهل السنة والخوارج في ~~التكفير بالشرك الأكبر، بعد قيام الحجة الرسالية، والمعترض جاهل، لا يفرق ~~بين مسائل الإجماع ومسائل النزاع. # وها أنا أسوق لك كلام شيخ الإسلام تقي الدين لتعلم أن هذا (1) المعترض ~~بدل اللفظ وحرف المعنى، وجمع بين الأمرين اللذين ذم الله بهما اليهود بغيا ~~وحسدا، والله حسيبه، والمقصود هنا (2) رد شبهته. # قال شيخ الإسلام في أواخر النصف الأول من كتاب "الإيمان " (3) . # (فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله تعالى به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان، فيلزم تكفير أهل ~~الذنوب، كما يقوله (4) الخوارج أو تخليدهم في النار، ولا ينفى عنهم اسم ~~الإيمان بالكلية، كما تقوله المعتزلة، وكلا القولين شر من قول المرجئة، فإن ~~المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما ~~الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم. # قيل: أولا: ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه ~~أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، PageV03P591 # فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان ~~وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان (1) وقد نقل بعض الناس عن (2) الصحابة في ذلك خلافا، لما (3) روي ~~عن ابن عباس أن القاتل لا توبة له، وهذا غلط على الصحابة، ms285 فإنه لم يقل أحد ~~منهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر، ولا قال إنهم ~~يخلدون في النار، لكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: "إن القاتل لا ~~توبة له " وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل روايتان أيضا، والنزاع في ~~التوبة غير النزاع في التخليد، وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي؛ فلهذا حصل ~~النزاع فيه، وأما قول القائل: "إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله"، فهذا ~~ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ~~ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما ~~أمر الله به ورسوله، وهذا هو الإيمان المطلق، كما قاله أهل الحديث، قالوا: ~~فإذا، ذهب منه شيء لم يبق مع صاحبه شيء من الإيمان، فيخلد في النار وقالت ~~المرجئة، على اختلاف فرقهم فلا يذهب بالكبائر وبترك الواجبات الظاهرة شيء ~~منه إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا PageV03P592 # واحدا، يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله: " «يخرج من النار من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان» " (1)) . انتهى المقصود منه. # فقف واعتبر يا من أنعم عليه، وتأمل كلام الشيخ الذي احتج به هذا المعترض ~~الضال، فإنه صريح في أن الخوارج إنما خالفوا السلف، وانفردوا عن أهل السنة ~~بالتكفير بالذنوب، التي دون الشرك، ودون ما يوجب الكفر، وأهل العلم قاطبة ~~فرقوا بين هذا وبين رأي الخوارج، وعقدوا أبوابا مستقلة في أحكام المرتدين، ~~واتفقوا على التكفير بإنكار الوحدانية، واتخاذ الآلهة من دون الله، كما ~~عليه عباد القبور وعباد الملائكة والأنفس المفارقة، وجعلوا هذا أظهر شعائر ~~الإسلام، وأعظم قواعده، وأكبر أركانه كما في حديث معاذ: " «رأس الأمر ~~الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» " (2) والحنابلة ~~وغيرهم قرروا هذا في أبواب حكم المرتد، وكذلك من قبلهم من الأئمة. والسلف ~~يكفرون من كفره الله ورسوله. وقام الدليل ms286 على كفره، حتى في الفروع. فيكفرون ~~منكر (3) هذه الأحكام المجمع على حلها أو تحريمها، كحل الخبز وتحريم ~~الخنزير، بل جميع الرسل جاءت بتكفير من عدل بربه وسوى بينه وبين غيره، كما ~~ذكره شيخ الإسلام في رده على اليهود والنصارى، ودليله ظاهر في كتاب الله ~~تعالى وسنة رسوله. # فإن كان تكفير المشرك، ومن قام الدليل على كفره هو مذهب الخوارج، ولا ~~يكفر أحد عند أهل السنة، فهذا رد على الله وعلى رسله، PageV03P593 # وعلى أهل (1) العلم والإيمان قاطبة، ويكفي هذا ردا وفضيحة لهذا المعترض، ~~الذي لم يميز ولم يفرق بين دين المرسلين، ومذهب الخارجين والمارقين. # وإن اعترف المعترض بالتفصيل، وسلم للرسل وأتباعهم تكفير المشركين ~~العادلين برب (2) العالمين. # فيقال له: # هذا الذي اعترضت به على الشيخ أهو تكفير بالذنوب التي دون الشرك، أم ~~النزاع في تكفير من دعا الصالحين وسألهم وتوكل عليهم، وجعلهم واسطة بينه ~~وبين الله في حاجاته وملماته الدينية والدنيوية؟ فإن اعترف بأن النزاع في ~~هذا فقد خصم وهزم، ونادى على نفسه بالخطأ والكذب، ونسبة الشيخ إلى ما قد ~~نزهه الله عنه. # وإن أنكر وقال: النزاع فيما دون هذا، طولب ببيانه، مع أن الخاص والعام ~~يكذبه ويرد عليه لو أنكر، لعلمهم أن النزاع والخصومة بين الشيخ رحمه الله ~~وبين أعدائه إنما هي في دعاء غير الله وعبادة سواه، والاعتماد والتوكل على ~~الشركاء والأنداد التي هي من الإفك الذي افتراه الضالون، وانتحله المبطلون، ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. # إذا عرفت هذا: تبين لك ما قدمناه من إفك هذا المفتري وضلاله، وتحامله على ~~شيخ الإسلام، وأن ما قرره الشيخ مباين لمذهب الخوارج موافق لمذهب أهل ~~الإسلام من أهل العلم والدين، وأن من PageV03P594 # زعم (1) أن قول الشيخ هو قول الخوارج، فقد تضمن زعمه وبهته تجهيل أئمة ~~الدين، وعلماء المسلمين، ممن نهى عن الشرك بالله رب العالمين، وأنهم لم ~~يفرقوا بين مذهب الخوارج ودين الرسل؛ بل لازمه أن ما تضمنه الكتاب العزيز ~~والسنة النبوية من تكفير من دعا مع الله آلهة أخرى هو مذهب ms287 الخوارج، فنعوذ ~~بالله من الجهل المعمي، والهوى المردي. # ثم هذا رجوع عن مذهبه الأول، فإنه جعل فعل عباد القبور: من التوسل الجائز ~~الذي دل عليه حديث الأعمى، وهنا (2) نكص على عقبه وجعله من الذنوب التي ~~يكفر بها الخوارج. # يوما بحزوى ويوما بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء # وتارة (3) تنتحي نجدا وآونة ... شعب الغوير وطورا قصر تيماء # وأما قوله: (فإذا كان هذا كلامه في هذه المسألة، فماذا يزيد الإيمان ~~وينقص، حتى يكون أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان) إلى آخر قوله. # فهذه العبارة تنادي بجهله، فالخوارج لا ينازعون في زيادة الإيمان، وإنما ~~النزاع في نقصه، وأئمة الإسلام يقولون يزيد مع بقاء أصله الذي دلت عليه ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، فإذا ثبت الإسلام ~~زاد الإيمان ونقص، ومع عدم الإسلام وانهدام أصله لا يعتد بما أتى به من ~~شعبه. PageV03P595 # وقوله: (وهذه حال أهل الأهواء لا يتبعون أهل الحق ولا يهتدون سبيلا) . # فيقال: نعم هو ذاك، ولو شعرت أن هذا الكلام منطبق على حالك، مناد بضلالك ~~وأنك لا تعرف الحق ولا أهله، ولا تعرف السبيل ولا تهتدي إليه، وإنما يعرف ~~أهل (1) الحق والإيمان من له نور يمشي به في الناس، وأما الجاهل المظلم (2) ~~فهو من أبعد الناس عن معرفة الحق، واتباعه (3) السبيل وسلوكه. وأما قوله: ~~(كيف ندبر على هذا الطريق الزائغ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ~~أدنى أدنى من (4) مثقال حبة خردل من إيمان) إلى آخره. # فيقال: هذه العبارة عبارة جاهل غبي، فإن تدبير النصوص والأحكام إلى الملك ~~الحق العليم (5) العلام، وأهل العلم لا يستعملون هذه العبارة، ولا يعبرون ~~بتعبير أهل الجهل (6) والغباوة، وإنما يقال: كيف يفهم (7) أو كيف يحمل، أو ~~كيف يخرج، أو كيف يوجه؟ . # ثم هذا القول صريح في أن هذا المعترض لم يشم رائحة العلم، ولم يمارس ~~أهله، فإن الموحد السالم من الشرك الأكبر هو الذي يتصور أن PageV03P596 # يبقى في قلبه بقية من الإيمان والتوحيد، وأما المشرك ms288 العادل بربه، المسوي ~~بينه وبين غيره؛ فلا يتصور بقاء شيء من الإيمان والتوحيد في قلبه، فهو ممن ~~حبسه القرآن، وحكم بخلوده (1) . # قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~[النساء: 48] [النساء / 48، 116] . # وقال تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا - خالدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا} [الأحزاب: 64 - 65] [الأحزاب / 64، 65] . # والمعترض كأنه من بوادي السودان الذين لم يأنسوا بشيء من العلم والإيمان، ~~ولم يمر على أسماعهم شيء من نصوص السنة والقرآن، ولم يميزوا بين ما جاءت به ~~الرسل وما عليه عباد الأصنام والأوثان، فربما زين الشيطان لأحدهم وأوهمه ~~(2) أنه من خلاصة نوع الإنسان، وأنه ممن يثبت عند المبارزة والمخاصمة في ~~الميدان، فإذا التقت الصفوف وتقارب الزحفان، نكص المغرور على عقبه وتخلى ~~عنه قرينه وأسلمه الشيطان، واستبان له (3) أنه كان في غاية من الجهالة ~~والضلالة والطغيان، قد لبس (4) عليه واشتبه الأمر لديه، فلم يفرق بين حزب ~~الرحمن وحزب الشيطان، وإلى الله المصير وعليه الاعتماد والتكلان، وربنا جل ~~ذكره وتقدس اسمه كل يوم هو في شأن. PageV03P597 ### | فصل في احتجاج المعترض بحديث البطاقة على منع تكفير من نقض الشهادتين # فصل وأما قوله: (فما يقول من هذا مقاله فيما روينا بأسانيدها إلى الشيخ ~~مفتي السادة الحنابلة عبد الباقي وساق سند عبد الباقي إلى عبد الله ابن ~~عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يصاح برجل من ~~أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها ~~مد البصر، ثم يقول الله عز وجل: أتنكر (1) من هذا شيئا يا عبدي؟ فيقول: # لا يا رب. فيقول الله تعالى: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يا رب. فيقول ~~الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك فيخرج الله له بطاقة ~~فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقول: يا رب، ما ~~هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك ms289 ~~السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» " (2) . # فالجواب أن يقال: حديث البطاقة شاهد لكلام شيخنا، وأنه لا اعتبار ~~بالأعمال إذا عدم التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن PageV03P598 # لا إله إلا الله، وأن رجحان الموازين لا يحصل إلا بتحقيق التوحيد، والصدق ~~والإخلاص في هذه الشهادة، وأن المشرك لا يقام له وزن، هذا من الأدلة ~~والبراهين على ما دعا إليه الشيخ محمد رحمه الله تعالى، وأنه رأس الأمر ~~وقاعدته العظمى. # قال في كتاب التوحيد (1) . # (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. # وقول الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ~~وهم مهتدون} [الأنعام: 82] [الأنعام / 82] ) . وساق من الآيات والأحاديث ~~المطابقة للترجمة ما يبين أن الشيخ رحمه الله تعالى داع إلى التوحيد آمر به ~~وبوسائله وذرائعه، ناه (2) عن الشرك والتنديد، وعن وسائله وذرائعه. # وشبهة المعترض إنما أتته من حيث ظن أن دعاء الصالحين وعبادتهم والتوكل ~~عليهم ذنب دون الشرك لا يخل بالتوحيد بل يبقى معه من التوحيد والإيمان ما ~~ينجو به صاحبه، هذا معنى ما قرره هنا، قد تقدم أنه لا يراه ذنبا من الذنوب، ~~وكلامه متناقض مختلف، ولكنه أورد الحديث هنا لما ذكرنا من ظنه وحسبانه (3) ~~فسبحان من طبع على قلبه. # قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} ~~[الأنفال: 22] [الأنفال / 22] . PageV03P599 # قال شيخ الإسلام تقي الدين في الكلام على حديث البطاقة (1) . # (إن صاحب البطاقة أتى بهذه الشهادة بصدق وإخلاص ويقين) ، ولم يأت بعد بما ~~يخالفها ويضعفها، والصدق والإخلاص واليقين (2) في هذا التوحيد الذي دلت ~~عليه كلمة الإخلاص مكفر للذنوب، لا يبقى معه ذنب، كما أن اجتناب الكبائر ~~مكفر للصغائر. # وهذا يشهد لما قرره شيخنا من أن الشرك الأكبر لا يبقى معه عمل. # وقد انتهى بنا القول في رد أباطيل المعترض وكشف زيغه وضلاله، وبيان كذبه ~~ومحاله إلى هذه الغاية، والوقوف عند هذه النهاية، واستغفر الله العلي ~~العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، مما وقع من التفريط والإخلال بواجب ~~حقه ونصرة دينه. ms290 # واسأله جل ذكره أن يجعل ما أوردناه هنا من العمل الخالص لوجهه (3) الذي ~~يرضاه ويثيب فاعله وألا يكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا إلى أحد من خلقه فنضل. # اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. PageV03P600 # والله أعلم، وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الصادق الكريم (1) ~~وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم (2) بإحسان (إلى يوم الدين والحمد لله) (3) . ~~PageV03P601 ms291